######OpenITI# #META# Sham30K0034814 (Shamela0034814) #META# - oaID: Sham30K0034814 #META# shID: Shamela0034814 #META# bkid: 34814 #META# bk: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة #META# name: تراجم عامة #META# authno: 0 #META# auth.y: NA #META# auth.x: ابن تغري بردي #META# Lng: NA #META# HigriD: NA #META# AD: NA #META# betaka: |- #META# الكتاب : النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة #META# المؤلف : ابن تغري بردي #META# مصدر الكتاب : موقع الوراق #META# http://www.alwarraq.com #META# [ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] #META# تم استيراده من نسخة : شاملة 5611 #META# inf.x: |- #META# [ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة - ابن تغري بردي ] #META# #META# #META# أشهر تآليف ابن تغري بردي الجليلة الممتعة، ومن أكبر الموسوعات الأدبية والتاريخية. أرخ فيه لمصر، منذ الفتح الإسلامي سنة 20ه إلى خلال سنة 872ه. قال في مقدمته: (لما كان لمصر ميزة على كل بلد بخدمة الحرمين الشريفين، أحببت أن أجعل تاريخا لملوكها..... وأستطرد فيه إلى ذكر ما بني فيها من المباني الزاهرة، كالميادين والجوامع، ومقياس النيل، وعمارة القاهرة، أولا بأول، أذكره في يوم مبناه وفي زمن سلطانه، مستوعبا لهذا المعنى ضابطا لشانه). وقد كان للمستشرقين عناية كبيرة بهذا الكتاب، فترجموه إلى معظم اللغات الأوربية، ويذكر أن السلطان سليم لما فتح مصر حمل إليه هذا الكتاب، فنظر فيه وأمر بترجمته إلى التركية، ذلك لأنه تأليف ابن والي بلاد الشام (تغري بردي)، فقام بمهمة الترجمة كبير علماء عصره (ابن الكمال). وكان أول من نشر منه قسما في أوروبا: المستشرق الهولندي (يونبل) في ليدن، بين سنتي (1851و 1855م) حيث نشر منه مجلدين، يشتملان على الأحداث، من سنة (20ه حتى 365ه) مع مقدمة وملاحظات باللغة اللاتينية. ثم قام المستشرق الأمريكي (وليم بوبر) بنشر عشرة مجلدات منه، تبدأ من حيث انتهى (يونبل) وتنتهي بآخر الكتاب، غير أنها تنقصها الأحداث: من سنة 565ه حتى سنة 800ه، وطبع عمله بجامعة كاليفورنيا، من سنة (1909 حتى 1929م). وطبع الكتاب كاملا في القاهرة سنة 1963م في ثمانية مجلدات ضخمة. قال حاجي خليفة: (واختصره بنفسه وسماه (الكواكب الباهرة من النجوم الزاهرة) في مجلد واحد، واحتذى في ذلك بجماعة من العلماء كالمقريزي والذهبي، فإن الذهبي اختصر (تاريخ الإسلام) في (سير النبلاء) ثم اختصر (سير النبلاء) في (العبر) ثم اختصر العبر في (الإشارة إلى وفيات الأعيان)..). للكتاب نسخ نادرة في بعض مكتبات العالم، أهمها: نسخة مكتبة أياصوفيا بتركيا، في سبعة مجلدات، ينقصها المجلد الثاني. #META# #META# #META# أعد هذه الصفحة الباحث : زهير ظاظا #META# zaza@alwarraq.com #META# bkord: 8001 #META# AuthInf: NA #META# Max: 2040 #META# NoSr: 0 #META# Comp: 1 #META# IslamShort: 0 #META# TafseerNam: NA #META# Idx: 1 #META# Archive: 0 #META# Iso: النجوم الزاهره في ملوك مصر والقاهره #META# oNum.x: 0 #META# oVer.x: 0 #META# bVer: 0 #META# seal.x: NA #META# oAuth: NA #META# Pdf: NA #META# NoSel: 0 #META# NoTaf: 0 #META# verName: NA #META# bLnk: NA #META# PdfCs: 0 #META# ShrtCs: 0 #META# Recyc: NA #META# RecycN: NA #META# nData: ذكر فتح 7D031DECم بنفيه. #META# inf.y: NA #META# oNum.y: NA #META# oVer.y: NA #META# seal.y: NA #META# cat: 15 #META# catord: 37 #META# Lvl: 0 #META# #META# #META# #META#Header#End# ### | AUT ذكر فتح مصر # لابن عبد الحكم وغيره قال المؤلف: أخبرنا حافظ العصر، قاضي القضاة، شهاب ~~الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، مشافهة عن أبي ~~هريرة بن الذهبي قال: أخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: روى خليفة عن غير ~~واحد: أن في سنة عشرين كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى عمرو بن ~~العاصي أن يسير إلى مصر، فسار وبعث عمر الزبير بن العوام مردفا له ومعه بسر ~~بن أرطاة وعمير بن وهب الجمحي وخارجة بن حذافة العدوي حتى أتى بابليون، ~~فحصنوا، فافتتحها عنوة وصالحه أهل الحصن؛ وكان الزبير أول من ارتقى سور ~~المدينة ثم تبعه الناس، فكلم الزبير عمرا أن يقسمها بين من افتتحها، فكتب ~~عمرو إلى عمر بذلك، ثم رقي إلى المنبر وقال: لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد ~~من قبط مصر علي عهد ولا عقد: إن شئت قتلت، وإن شئت بعت، وإن شئت خمست انتهى ~~كلام الذهبي. وقال علي - وعلي مصغر - بن رباح: المغرب كله عنوة، فتدخل مصر ~~فيها. وقال ابن عمر: افتتحت مصر بغير عهد. وقال يزيد بن أبي حبيب: مصر كلها ~~صلح إلا الإسكندرية. وأما فتوح مصر لابن عبد الحكم فقد أخبرنا به حافظ ~~العصر شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي مشافهة ~~قال: قرأت على أبي المعالي عبد الله بن عمر بن علي أخبرنا، إجازة إن لم يكن ~~سماعا، عن زهرة بنت عمر، أخبرنا الكمال أبو الحسن علي بن شجاع، أخبرنا أبو ~~القاسم هبة الله بن علي البوصيري، أخبرنا أبو صادق مرشد بن يحيى المديني، ~~أخبرنا أبو الحسن علي بن منير الخلال وأبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج ~~الأنصاري، أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن بن خلف بن قديد الأزدي، أخبرنا ~~أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال: لما قدم عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه الجابية قام إليه عمرو بن العاصي - رضي الله عنه - ~~فخلا به وقال: يا أمير ms0001 المؤمنين، ائذن لي أن أسير إلى مصر؛ وحرضه عليها ~~وقال: إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا ~~أعجزها عن القتال والحرب ث فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين وكره ذلك، فلم ~~يزل عمرو يعظم أمرها عنده ويخبره بحالها ويهون عليه فتحها، حتى ركن إليه ~~عمر وعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عك، ويقال: بل ثلاثة آلاف ~~وخمسمائة، وقال له عمر: سر وأنا مستخير الله في مسيرك، وسيأتيك كتابي سريعا ~~إن شاء الله تعالى؛ فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن ~~تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض ~~لوجهك واستعن بالله واستنصره. فسار عمرو بن العاصي من جوف الليل ولم يشعر ~~به أحد من الناس؛ فاستخار عمر وكاتبه - يتخوف على المسلمين - بالرجوع، ~~فأثرك الكتاب عمرا وهو برفح؛ فتخوف عمرو إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه ~~الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول، ودافعه، وسار كما ~~هو حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها، فقيل: إنها من أرض مصر، ~~فدعا بالكتاب وقرأه على المسلمين؛ فقال عمرو لمن معه: ألستم تعلمون أن هده ~~القرية من أرض مصر؟ قالوا: بلى، قال: فإن أمير المؤمنين عهد إلي وأمرني إن ~~لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع، ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا أرض ~~مصر، فسيروا وامضوا على بركة الله. وقيل غير ذلك: وهو أن عمر أمره بالرجوع ~~وخشن عليه في القول. وروي نحو مما ذكرنا من وجه آخر، من ذلك: أن عثمان بن ~~عفان - رضي الله عنه - دخل على عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - فقال عمر ~~له: كتبت إلى عمرو بن العاصي أن يسير إلى مصر من الشأم، فقال عثمان: يا ~~أمير المؤمنين، إن عمرا لمجرأ وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج في ~~غير ثقة ولا جماعة فيعرض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدرى تكون أم لا؛ ~~فندم عمر ms0002 على كتابه إلى عمرو إشفاقا على المسلمين، ثم قال عثمان: فاكتب ~~إليه: إن أدركك كتابي هذا قبل أن تدخل مصر فارجع إلى موضعك، وإن كنت دخلت ~~فامض لوجهك. فلما بلغ المقوس قدوم عمرو بن العاصي إلى مصر، توجه إلى موضع ~~الفسطاط، فكان يجهز على عمرو الجيوش؛ وكان على القصر يعني قصر الشمع الذي ~~بمصر القديمة رجل من الروم يقال له الأعيرج واليا عليه، وكان تحت يد ~~المقوقس، واسمه: جريج بن مينا. PageV01P0001 # وأقبل عمرو حتى إذا كان بالعريش، فكان أول موضع قوتل فيه الفرما: قاتلته ~~الروم قتالا شديدا نحوا من شهر، ثم فتح الله على يديه؛ وكان عبد الله بن ~~سعد على ميمنة عمرو منذ خروجه من قيسارية إلى أن فرغ من حربه. ثم مضى عمرو ~~نحو مصر؛ وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له: أبو ميامين؛ فلما بلغه قدوم ~~عمرو إلى مصر كتب إلى قبط مصر يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وأن ملكهم قد ~~أنقطع؛ وأمرهم بتلقي عمرو. ويقال: إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا ~~يومئذ لعمرو أعوانا. ثم توجه عمرو لا يدافع إلا بالأمر الأخف حتى نزل ~~القواصر، فسمع رجل من لخم نفرا من القبط يقول بعضهم لبعض: ألا تعجبون من ~~هؤلاء القوم يقدمون على جموع الروم وإنما هم في قلة من الناس! فأجابه رجل ~~منهم فقال: إن هؤلاء القوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه حتى يقتلوا ~~أخيرهم. ثم تقدم عمرو أيضا لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس، ~~فقاتل نحوا من شهر حتى فتح الله عليه. ثم مضى لا يدافع إلا بالآمر الخفيف ~~حتى أتى أم دنين، فقاتلوا من بها قتالا شديدا. وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى ~~عمر - رضي الله عنه - يستمده، فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف مع عمرو، ~~فوصلوا إليه إرسالا يتبع بعضهم بعضا؛ ثم أحاط المسلمون بالحصن، وأميره ~~يومئذ المندقور الذي يقال له الأعيرج من قبل المقوقس: وهو ابن قرقب ~~اليوناني. وكان المقوس ينزل بالإسكندرية وهو في سطان هرقل، غير أنه كان ms0003 ~~حاضرا الحصن حين حاصره المسلمون، فقاتل عمرو بن العاصي من بالحصن، وجاء رجل ~~إلى عمرو وقال: اندب معي خيلا حتى آتي من ورائهم عند القتال، فأخرج معه ~~عمرو خمسمائة فارس عليهم خارجة بن حذافة، في قول، فساروا من وراء الجبل حتى ~~وصلوا مغار بني وائل قبل الصبح؛ وكانت الروم قد خندقوا خندقا وجعلوا له ~~أبوابا وبثوا في أفنيتها حسك الحديد، فالتقاهم القوم حين أصبحوا، وخرج ~~خارجة من ورائهم، فانهزموا حتى دخلوا الحصن، وقاتلهم قتالا شديدا بصبحهم ~~وعشيهم؛ فلما أبطأ الفتح على عمرو كتب إلى عمر - رضي الله عنه - يستمده ~~ويعلمه بذلك، فأمده بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم رجل مقام الألف: ~~الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد - ~~في قول - وقيل: خارجة بن حذافة الرابع، لا يعدون مسلمة. وقال عمر له: اعلم ~~أن معك أثنى عشر ألفا ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة. وقيل غير دلك ؛ وهو ~~أن الزبير - رضي الله عنه - قدم إلى عمرو في اثني عشر ألفا، وأن عمرا لما ~~قدم من الشأم كان في عدة قليلة، فكان يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما ~~هم ؛ فلما انتهى إلى الخندق بادره رجل بأن قال: قد رأينا ما صنعت، وإنما ~~معك من أصحابك كذا وكذا، فلم يخطئوا برجل واحد؛ فأقام عمرو على ذلك أياما ~~يغدو في السحر فيصف أصحابه على أفواه الخندق عليهم السلاح؛ فبينما هم على ~~ذلك إذ جاءه خبر الزبير بن العوام في اثني عشر ألفا فتلقاه عمرو، ثم أقبلا ~~فلم يلبث الزبير أن ركب وطاف بالخندق، ثم فرق الرجال حول الخندق، وألح عمرو ~~على القصر ووضع عليه المنجنيق. ودخل عمرو إلى صاحب الحصن فتناظرا في شيء ~~مما هم فيه، فقال عمرو: أخرج وأستشير أصحابي؛ وقد كان صاحب الحصن أوصى الذي ~~على الباب إذا مر به عمرو أن يلقي عليه صخرة فيقتله، فمر عمرو، وهو يريد ~~الخروج، برجل من العرب فقال له: قد دخلت فأنظر كيف تخرج، فرجع عمرو ms0004 إلى ~~صاحب الحصن فقال له: إني أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل ~~الذي سمعت، فقال العلج في نفسه: قتل جماعة أحب إلي من قتل واحد؛ فأرسل إلى ~~الذي كان أمره بما أمره من أمر عمرو ألا يتعرض له رجاء أن يأتيه بأصحابه ~~فيقتلهم، فخرج عمرو. وبينما عبادة بن الصامت في ناحية يصلي، وفرسه عنده، ~~رآه قوم من الروم فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزة، فلما دنوا منه سلم من ~~الصلاة ووثب على فرسه ثم حمل عليهم؛ فلما رأوه ولوا هاربين وتبعهم، فجعلوا ~~يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، فصار لا يلتفت إليه حتى ~~دخلوا إلى الحصن، ورمي عبادة من فوق الحصن بالحجارة، فرجع ولم يتعرض لشيء ~~مما طرحوه من متاعهم، حتى رجع إلى موضعه الذي كان فيه فاستقبل الصلاة؛ وخرج ~~الروم إلى متاعهم وجمعوه. PageV01P0002 # فلما أبطأ الفتح على عمرو قال الزبير: إني أهب نفسي لله تعالى، وأرجو أن ~~يفتح الله بذلك على المسلمين؛ فوضع سلما إلى جانب الحصن من ناحية سوق ~~الحمام، ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا ~~والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف؛ وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم ~~عمرو خوفا أن ينكسر السلم؛ وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، ~~فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعا الحصن، فهربوا وعمد الزبير ~~بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوس على ~~نفسه ومن معه سأل عمرو بن العاصي الصلح ودعاه إليه على أن يفرض للعرب على ~~القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو إلى ذلك. وكان مكثهم ~~على القتال حتى فتح الله عليهم سبعة أشهر. انتهى كلام ابن عبد الحكم ~~اختصار. وقال غيره في الفتح وجها آخر. قال: لما حصر المسلمون بابليون، وكان ~~به جماعة من الروم وأكابر القبط ورؤسائهم وعليهم المقوقس، فقاتلوهم شهرا؛ ~~فلما رأى القوم الجد من العرب على فتحه والحرص، ورأوا من صبرهم على القتال ~~ورغبتهم فيه، خافوا أن ms0005 يظهروا عليهم، فتنحى المقوقس وجماعة من أكابر ~~الأقباط وخرجوا من باب القصر القبلي، وتركوا به جماعة يقاتلون العرب، ~~فلحقوا بالجزيرة موضع الصناعة اليوم وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النيل. ~~ويقال: إن الأعيرج تخلف بالحصن بعد المقوقس؛ وقيل خرج معهم؛ فلما خاف فتح ~~الحصن ركب هو وأهل القوة والشرف وكانت سفنهم ملصقة بالحصن ثم لحموا ~~بالمقوقس بالجزيرة فأرسل المقوقس إلى عمرو: إنكم قد ولجتم في بلادنا ~~وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا؛ وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد ~~أظلتكم الروم وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا ~~النيل؟ وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من ~~كلامهم فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع ~~عنا وعنكم القتال قبل أن يغشاكم جموع الروم، فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر ~~عليه. ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لمطلبكم ورجائكم، فابعثوا ~~إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء. فلما أتت ~~عمرا رسل المقوقس حبسهم عنده يومين وليلتين حتى خاف عليهم المقوس فقال ~~لأصحابه: أترون أنهم يقتلون الرسل ويستحلون ذلك في دينهم وإنما أراد عمرو ~~بذلك أنهم يرون حال المسلمين. فرد عليهم عمرو مع رسلهم: !إنه ليس بيني ~~وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان ~~لكم مالنا. وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون. وإما أن جاهدناكم ~~بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين. فلما جاءت ~~رسل المقوقس إليه قال: كيف رأيتموهم؟ قالوا: رأينا قوما الموت أحب إلى ~~أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة؛ ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ~~لا نهمة ؛ وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم ~~؛ ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد من العبد؛ وإذا حضرت الصلاة لم ~~يتخلف عنها منهم أحد؛ يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم. فقال عند ~~ذلك المقوقس: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا ms0006 الجبال لأزالوها؛ وما ~~يقوى على قتال هؤلاء أحد! ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم، وهم محصورون بهذا ~~النيل، لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من ~~موضعهم. فرد إليهم المقوقس رسله يقول لهم: ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم ~~ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه يكون فيه صلاح لنا ولكم. فبعث عمرو بن العاصي ~~عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، وكان طوله عشرة أشبار؛ وأمره عمرو أن يكون ~~متكلم القوم، وألا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هده الثلاث الخصال، ~~فإن أمير المؤمنين قد تقدم إلي في ذلك وأمرني ألا أقبل شيئا إلا خصلة من ~~هده الثلاث الخصال؛ وكان عبادة أسود، فلما ركبوا السفن إلى المقوقس ودخلوا ~~عليه، تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده وقال: نحوا عني هذا الأسود وقدموا ~~غيره يكلمني ؛ فقالوا جميعا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا ~~وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير ~~دوننا بما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله. PageV01P0003 # فقال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو ~~دونكم؟ قالوا: كلا؟ إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا، ~~وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا؛ وليس ينكر السواد فينا؛ فقال المقوقس لعبادة: ~~تقدم يا أسود وكلمني برفق فإنني أهاب سوادك ؛ وإن اشتد كلامك علي ازددت لك ~~هيبة؛ فتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف ~~رجل كلهم مثلي وأشد سوادا مني وأفظع منظرا؛ ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم مني؛ ~~وأنا قد وليت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي ~~لو استقبلوني جميعا؛ وكذلك أصحابي؛ وذلك إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في الله ~~وأتباع رضوانه، وليس غزونا عدوا ممن حارب الله لرغبة في الدنيا ولا حاجة ~~للاستكثار منها، إلا أن الله عز وجل قد أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك ~~حلالا، وما يبالي أحدنا أكان له قناطير من ذهب أم كان ms0007 لا يملك إلا درهما، ~~لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد بها جوعته ليلته ونهاره، وشملة ~~يلتحفها؛ وإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه، وإن كان له قنطار من ذهب ~~أنفقه في طاعة الله تعالى، واقتصر على هده بيده، ويبلغه ما كان في الدنيا ~~لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء؛ إنما النعيم والرخاء في ~~الآخرة؛ بذلك أمرنا الله وأمرنا به نبينا وعهد إلينا ألا نكون همة أحدنا في ~~الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضاء ربه وجهاد ~~عدوه. فلما سمع المقوقس ذلك منه قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل ~~قط! لقد هبت منظره، وإن قوله لأهيب عندي من منظره؛ إن هذا وأصحابه أخرجهم ~~الله لخراب الأرض، وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. ثم أقبل ~~المقوقس على عبادة بن الصامت فقال: أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك وما ~~ذكرت عنك وعن أصحابك؛ ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم ~~على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها؛ وقد توجه إلينا لقتالكم ~~من جمع الروم مالا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة ممن لا يبالي ~~أحدهم من لقي ولا من قاتلي؛ وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تطيقوهم ~~لضعفكم وقلتكم؛ وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم ~~وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا ~~أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار ~~ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا ~~قوة لكم به. فقال عبادة: يا هذا، لا تغزن نفسك ولا أصحابك. أما ما تخوفنا ~~به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما هذا بالذي ~~تخوفنا به ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه؛ إن كان ما قلتم حقا فذلك، والله، ~~أرغب ما يكون في قتالهم وأشد لحرصنا عليهم، لأن ذلك أعذر ms0008 لنا عند الله إذا ~~قدمنا عليه إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا من رضوانه وجنته، وما من شيء ~~أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإنا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين: ~~إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم ~~بنا؛ وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله عز وجل قال لنا ~~في كتابه: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " ~~وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى ~~بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد ~~استودع كل واحد منا ربه أهله وولده، وإنما همنا أمامنا. PageV01P0004 # وأما قولك: إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، فنحن في أوسع السعة: لو ~~كانت الدنيا كفها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن فيه ؛ فانظر الذي ~~تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا ~~خصلة من ثلاث، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل؛ بذلك أمرني ~~الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قبله إلينا: إما إجابتكم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله ~~غيره، وهو دين نبينا وأنبيائه ورسله وملائكته - صلوات الله عليهم - أمرنا ~~الله تعالى أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه؛ فإن فعل كان له ما ~~لنا وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الإسلام؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك ~~فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم ولا ~~التعرض لكم؛ وإن أبيتم إلا الجزية فأوفوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون: ~~نعاملكم على شيء نرضاه نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل ~~عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك ~~عنكم إذ كنتم في دمتنا وكان لكم به عهد علينا؛ وإن ms0009 أبيتم فليس بيننا وبينكم ~~إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت عن أخرنا أو نصيب ما نريد منكم. هذا ديننا ~~الذي ندين الله تعالى به، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره؛ فانظروا ~~لأنفسكم. فقال المقوقس: هذا لا يكون أبدا ما تريدون إلا أن تتخذونا عبيدا ~~ما كانت الدنيا. فقال عبادة: هو ذلك فاختر ما شئت. فقال المقوقس: أفلا ~~تجيبونا إلى خصلة غير هده الثلاث الخصال؟ فرفع عبادة يديه وقال: لا ورب هده ~~السماء ورب هده الأرض ورث كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا ~~لأنفسكم. فالتفت المقوقس عند ذلك لأصحابه وقال: قد فرغ القوم فما ترون؛ ~~فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل! أما ما أرادوا من دخولنا إلى دينهم فهذا ما ~~لا يكون أبدا، نترك دين المسيح ابن مريم وندخل في دين لا نعرفه. وأما ما ~~أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيدا فالموت أيسر من ذلك؛ لو رضوا منا أن ~~نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا. قال المقوقس لعبادة: قد أبى ~~القوم فما ترى؟ فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرتكم هذه! ما تمنيتم ~~وتنصرفون. فقام عبادة وأصحابه. فقال المقوقس لأصحابه: أطيعوني وأجيبوا ~~القوم إلى خصلة واحدة من هذه الثلاث؛ فوا لله مالكم بهم طاقة ا ولئن لم ~~تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين. فقالوا: وأي خصلة ~~نجيبهم إليها؟ قال: إذا أخبركم. أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به؛ ~~وأما قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تصبروا صبرهم؛ ولا بد من ~~الثالثة؛ قالوا: فنكون لهم عبيدا أبدا؟ قال: نعم، تكونون عبيدا مسلطين في ~~بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا من آخركم ~~وتكونوا عبيدا تباعوا وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبدا أنتم وأهلكم ~~وذراريكم. قالوا: فالموت أهون علينا. وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط، ~~وبالجزيرة وبالقصر من جمع القبط والروم جمع كثير. فألح المسلمون عند ذلك ~~بالقتال على من بالقصر حتى ظفروا بهم، وأمكن. الله منهم، فقتل منهم خلق ~~كثير ms0010 وأسر من أسر منهم ؛ وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة، وصار المسلمون ~~يراقبونهم و قد أحدق بهم الماء من كل وجه لا يقدرون على أن يتقدموا نحو ~~الصعيد ولا إلى غير ذلك من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم ~~أعلمكم هذا وأخافه عليكم! ما تنتظرون! فو الله لتجيبنهم إلى ما أرادوا طوعا ~~أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم من ذلك كرها؛ فأطيعوني من قبل أن تندموا. فلما ~~رأوا منهم ما رأوا وقال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية ورضوا بذلك على ~~صلح يكون بينهم يعرفونه. PageV01P0005 # وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاصي رضي الله عنه: إني لم أزل حريصا على ~~إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إلي بها، فأبى علي من حضرني من ~~الروم والقبط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم. وقد عرفوا نصحي لهم ~~وحبي صلاحهم ورجعوا إلى قولي ؛ فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت، أ أنا، في نفر ~~من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك ؛ فإن استقام الأمر بيننا تم لنا، ذلك ~~جميعا، وإن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.فاستشار عمرو أصحابه في ذلك، ~~فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا وتصير ~~الأرض كلها لنا فيئا وغنيمة كما صار لنا القصر وما فيه فقال: قد علمتم ما ~~عهد إلي أمير المؤمنين في عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي ~~عهد إلي فيها أجبتهم إليها وقبلت منهم مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ~~ما نريد من قتالهم. فاجتمعوا على عهد بينهم واصطلحوا على أن يفرض على جميع ~~من بمصر، أعلاها وأسفلها، من القبط ديناران ديناران على كل نفس، شريفهم ~~ووضيعهم، ممن بلغ منهم الحلم، ليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير الذي لم ~~يبلغ الحلم ولا على النساء شيء؛ وعلى أن للمسلمين عليهم النزل بجماعتهم حيث ~~نزلوا؛ ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك، كانت لهم ضيافة ~~ثلاثة أيام مفترضة عليهم، وأن لهم ms0011 أرضهم وأموالهم لا يتعرض لهم في شيء ~~منها. فشرط ذلك كله على القبط خاصة. وأحصوا عدد القبط يومئذ خاصة من بلغ ~~منهم الجزية وفرض عليهم الديناران؛ رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة، فكان ~~جميع من أحصي يومئذ بمصر أعلاها وأسفلها من جميع القبط فيما أحصوا وكتبوا ~~أكثر من ستة آلاف نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف دينار في كل سنة ؛ ~~وقيل غير ذلك. وقال عبد الله بن لهيعة عن يحيى بن ميمون الحضرمي: لما فتح ~~عمرو مصر، صالح أهلها عن جميع من فيها من الرجال من القبط ممن راهق الحلم ~~إلى ما فوق ذلك، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي، فأحصوا بذلك على دينارين ~~دينارين، فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف. قال: وشرط المقوقس للروم أن يخيروا: ~~فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا أقام على ذلك لازما له مفترضا عليه ممن ~~أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى أرض ~~الروم خرج؛ وعلى أن المقوقس له الخيار في الروم خاصة حتى يكتب إلى ملك ~~الروم يعلمه بما فعل ؛ فإن قبل ذلك ورضيه جاز عليهم، وإلا كانوا جميعا على ~~ما كانوا عليه. قلت: وقد اختلف بعد ذلك في فتح مصر: هل فتحت صلحا أم عنوة؛ ~~فمن قال: إن مصر فتحت بصلح، احتج بما ذكرناه ونحوه بمثل ما ذكره القضاعي ~~وغيره، وقالوا: إن الأمر لم يتم إلا بما جرى بين عبادة بن الصامت وبين ~~المقوقس؛ وعلى ذلك أكثر علماء أهل مصر، منهم عقبة بن عامر، ويزيد بن أبي ~~حبيب والليث بن سعد وغيرهم. وذهب الذي قال إنها فتحت عنوة إلى أن الحصن فتح ~~عنوة وكان حكم جميع الأرض كذلك؛ وهم عبيد الله بن المغيرة الشيباني، ومالك ~~بن أنس، وعبد الله بن وهب وغيرهم. وذهب قوم إلى أن بعضها فتح عنوة، وبعضها ~~فتح صلحا؛ منهم عبد الله بن لهيعة، وابن شهاب الزهري وغيرهما. قال عبيد ~~الله بن أبي جعفر: حدثني رجل ممن أدرك عمرو بن العاصي ms0012 قال: للقبط عهد عند ~~فلان، وعهد عند فلان؛ فسمى ثلاثة نفر. وفي رواية: إن عهد أهل مصر كان عند ~~كبرائهم. قال: وسألت شيخا من القدماء عن فتح مصر؛ قلت له: فإن ناسا يذكرون ~~أنه لم يكن لهم عهد؛ فقال: ما يبالي ألا يصفي من قال إنه ليس لهم عهد؛ ~~فقلت: فهل كان لهم كتاب؟ فقال: نعم، كتب ثلاثة: كتاب عند طلما صاحب إخنا، ~~وكتاب عند قزمان صاحب رشيد، وكتاب عند يحنس صاحب البرلس ؛ قلت: كيف كان ~~صلحهم؟ قال: دينارين على كل إنسان جزية، وأرزاق المسلمين ؛ قلت: أفتعلم ما ~~كان من الشروط؟ قال: نعم، ستة شروط: لا يخرجون من ديارهم، ولا تنزع نساؤهم، ~~ولا أولادهم، ولا كنوزهم، ولا أراضيهم، ولا يزاد عليهم. وكان فتح مصر يوم ~~الجمعة مستهل المحرم سنة عشرين من الهجرة. PageV01P0006 # وقال ابن كثير في تاريخه: قال محمد بن إسحاق: فيها يعني سنة عشرين من ~~الهجرة كان فتح مصر. وكذا قال الواقدي: إنها فتحت هي والإسكندرية في هده ~~السنة. وقال أبو معشر: فتحت مصر سنة عشرين والإسكندرية في سنة خمس وعشرين. ~~وقال سيف: فتحت مصر والإسكندرية في ربيع الأول سنة ست عشرة. ورجح ذلك أبو ~~الحسن بن الأثير في الكامل لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرمادة. وهو ~~معذور فيما رجحه. انتهى كلام ابن كثير. وقال أيضا في قول آخر: فتحت ~~الإسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة، وقيل: صلحا على ~~اثني عشر ألف دينار؛ وشهد فتحها جماعة كثيرة من الصحابة - رضي الله عنهم ~~أجمعين. قال ابن عبد الحكم: وكان من حفظ من الذين شهدوا فتح مصر من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرهم ومن لم يكن له برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صحبة، وذكرهم جملة واحدة، فقال: الزبير بن العوام؛ وسعد بن ~~أبي وقاص؛ وعمرو بن العاصي، وكان أمير القوم؛ وعبد الله بن عمرو بن العاصي؟ ~~وخارجة بن حذافة العدوي؛ وعبد الله بن عمر بن الخطاب؛ وقيس بن أبي ms0013 العاصي ~~السهمي؛ والمقداد بن الأسود؛ وعبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري؛ ونافع ~~بن عبد قيس الفهري و يقال بل هو عقبة بن نافع؛ وأبو عبد الرحمن يزيد بن ~~أنيس الفهري؛ وأبو رافع، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وابن عبدة؛ ~~وعبد الرحمن وربيعة ابنا شرحبيل بن حسنة؛ ووردان، مولى عمرو بن العاصي، ~~وكان حامل لواء عمرو بن العاصي - رضي الله عنهم. وقد اختلف في سعد بن أبي ~~وقاص فقيل: إنما دخلها بعد الفتح. وشهد الفتح من الأنصار عبادة بن الصامت، ~~وقد شهد بدرا وبيعة العقبة ؛ ومحمد بن مسلمة الأنصاري، وقد شهد بدرا، وهو ~~الذي أرسله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى مصر فقاسم عمرو بن العاصي ~~ماله، وهو أحد من كان صعد الحصن مع الزبير بن العوام؛ ومسلمة بن مخلد ~~الأنصاري، يقال: له صحبة؛ وأبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري ؛ وأبو الدرداء ~~عويمر بن عامر، وقيل: عويمر بن زيد. ومن أحياء القبائل: أبو بصرة حميل بن ~~بصرة الغفاري؛ وأبو در جندب بن جنادة الغفاري. وشهد الفتح مع عمرو بن ~~العاصي هبيب بن مغفل، وإليه ينسب وادي هبيب الذي بالمغرب؛ وعبد الله بن ~~الحارث بن جزء الزبيدي؛ وكعب بن ضنة العبسي، ويقال: كعب بن يسار بن. ضنة؛ ~~وعقبة بن عامر الجهني، وهو كان رسول عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاصي حين ~~كتب إليه يأمره أن يرجع إن لم يكن دخل أرض مصر؛ وأبو زمعة البلوي ؛ وبرح بن ~~عسكل ويقال: برح بن عسكر، شهد فتح مصر واختظ بها؛ وجنادة بن أبي أمية ~~الأزدي؛ وسفيان بن وهب الخولاني، وله صحبة ؛ ومعاوية بن حديج الكندي، وهو ~~كان رسول عمرو بن العاصي إلى عمر بن الخطاب بفتح الإسكندرية، وقد اختلف ~~فيه، فقال قوم: له صحبة، وقال آخرون: ليست له صحبة ؛ وعامر، مولى حمل، الذي ~~يقال له: عامر حمل، شهد الفتح وهو مملوك؛ وعمار بن ياسر، ولكن دخل بعد ~~الفتح في أيام عثمان، وجهه إليها في بعض أموره. انتهى كلام ابن ms0014 عبد الحكم ~~باختصار. وقال ابن كثير في فتح مصر وجها آخر، على ما أخبرنا به شيخ الإسلام ~~قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقيني الشافعي مشافهة بإجازته ~~من الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير مجموعا من كلام ابن إسحاق وغيره، ~~قالوا: لما استكمل المسلمون فتح الشأم، بعث عمر بن الخطاب عمرو بن العاصي ~~إلى مصر. وزعم سيف: أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزبير بن العوام ~~وفي صحبته بسر بن أبي أرطاة وخارجة بن حذافة وعمير بن وهب الجمحي، فاجتمعوا ~~على باب مصر، فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف أبو مريام في أهل ~~الثبات، بعثه المقوقس صاحب الإسكندرية لمنع بلادهم. PageV01P0007 # فلما تصافوا قال عمرو بن العاصي: لا تعجلوا حتى نعذر إليكم؛ ليبرز إلي ~~أبو مريم وأبو مريام راهبا هده البلاد فبرزا إليه، فقال لهما عمرو: أنتما ~~راهبا هده البلاد، فاسمعا: إن الله بعث محمدا بالحق وأمره به، وأمرنا به ~~محمد، وأدى إلينا كل الذي أمر به، ثم مضى وتركنا على الواضحة ؛ وكان مما ~~أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه، ~~فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبد لنا له المنعة. وقد أعلمنا ~~أننا مفتتحوكم وأوصانا بكم حفظا لرحمنا منكم، وأن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة ~~إلى ذمة ؛ ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقبطيين خيرا فإن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أوصانا بالقبطيين خيرا، لأن لهم ذمة ورحما. فقالوا: ~~قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء، معروفة شريفة كانت ابنة ملكنا ~~وكانت من أهل منف والملك منهم، فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ~~ملكهم وأغربوا، فلذ لك صارت إلى إبراهيم عليه السلام. مرحبا به وأهلا. أمنا ~~حتى نرجع إليك. فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع، ولكني أؤجلكما ثلاثا، لتنظرا ~~ولتناظرا قومكما، وإلا ناجزتكم؛ قالا: زدنا، فزادهم يوما؛ فقالا: زدنا، ~~فزادهم يوما ؛ فرجعا إلى المقوقس، فأبى أرطبون أن يجيبهما، وأمر بمناهدتهم، ~~وقال لأهل مصر: أما نحن فنجتهد أن ند فع ms0015 عنكم، لا نرجع إليهم، وقد بقيت ~~أربعة أيام؛ وأشار عليهم بأن يبيتوا للمسلمين ؛ فقال الملأ منهم: ما ~~تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم! فألح الأرطبون في أن ~~يبيتوا للمسلمين؛ ففعلوا فلم يظفروا بشيء، بل قتل منهم طائفة، منهم ~~الأرطبون. وحاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع، وارتقى الزبير ~~عليهم سور البلد. فلما أحسوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه ؛ ~~واخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الذي عليه عمرو. فأمضوا الصلح وكتب ~~لهم عمرو كتاب أمان: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاصي ~~أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم ~~وبحرهم لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقض ولا تساكنهم النوبة. وعلى أهل ~~مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ~~ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتهم ؛ فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من ~~الجزية بقدرهم؛ وذمتنا ممن أبى بريئة. وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى ~~رفع عنهم بقدر ذلك؛ ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة فله مثل ما لهم ~~وعليه مثل ما عليهم ؛ ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو ~~يخرج من سلطاننا؛ عليهم ما عليهم أثلاثا أفي كل ثلث جباية ثلث ما عليهم. ~~على ما في هذا الكتاب، عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين ~~وذمم المؤمنين. وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا ~~وكذا فرسا، على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة. وشهد عليه ~~الزبير وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر. فدخل في ذلك أهل مصر كلهم ~~وقبلوا الصلح واجتمعت الخيول بمصر وعمروا الفسطاط. وظهر أبو مريم وأبو ~~مريام فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة؛ فأبى عمرو أن يردها ~~عليهما وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه. فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، أمر أن كل ms0016 سبي أخذ في الخمسة الأيام التي ~~آمنهم فيها أن يرد عليهم، وكل شيء أخذ ممن لم يقاتل فكذلك، ومن قاتل فلا ~~ترد عليه سباياه. PageV01P0008 # وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عتاب، حدثنا عبد الله، أخبرني عبد الله بن ~~عقبة - وهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة - حدثني يزيد بن أبي حبيب عمن سمع ~~عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة يقول: سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول: ~~لما افتتحنا مصر بغير عهد قام الزبير بن العوام فقال: يا عمرو بن العاصي، ~~اقسمها، فقال عمرو: لا أقسمها؛ فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خيبر؛ فقال عمرو: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى ~~أمير المؤمنين، وكتب إلى عمر؛ فكتب إليه عمر: أقرها حتى يغزو منها حبل ~~الحبلة. تفرد به أحمد، وفي إسناده ضعف من جهة ابن لهيعة لكنه عليم بأمور ~~مصر ومن جهة المبهم الذي لم يسم، فلو صح لدل على فتحها عنوة ولدل على أن ~~الإمام يخير في الأراضي العنوة، إن شاء قسمها، وإن شاء أبقاها قلت: قد رواه ~~الطحاوي بسند صحيح. و قال سيف: أن عمرو بن العاصي لما التقى مع المقوقس جعل ~~كثير من المسلمين يفر من الزحف، فجعل عمرو يذمرهم ويحثهم على الثبات؛ فقال ~~له رجل من أهل اليمن: إنا لم نخلق من حجارة ولا حديد! فقال له عمرو: اسكت، ~~فإنما أنت كلب؛ فقال له الرجل: فأنت إذا أمير الكلاب! فأعرض عنه عمرو، و ~~نادى بطلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما اجتمع إليه من هناك من ~~الصحابة، قال لهم عمرو: تقدموا فبكم ينصر الله المسلمين؛ فنهدوا، إلى القوم ~~ففتح الله عليهم وظفروا أتم الظفر. انتهى كلام ابن كثير وغيره. وقد سقنا ما ~~ذكره ابن كثير هنا لزيادة فيما ذكره، ولكونه حافظا محدثا، فيصير بذلك ما ~~ذكرناه من فتح مصر من طرق عديدة لتكثر في هذا الكتاب الفائدة إن شاء الله تعالى. ### | AUT ما ورد في فضل مصر # ### || AUT من الآيات ms0017 الشريفة والأحاديث النبوية # قال الكندي وغيره من المؤرخين: فمن فضائل مصر أن الله عز وجل ذكرها في ~~كتابه العزيز في أربعة وعشرين موضعا؛ منها ما هو بصريح اللفظ، ومنها ما د ~~لت عليه القرائن والتفاسير. PageV01P0009 # فأما صريح اللفظ فمنه قوله تعالى: " اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " - ~~البقرة: 61، وقوله تعالى يخبر عن فرعون: " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار ~~تجري من تحتي " - الزخرف: 51، وقوله تعالى: " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن ~~تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة " - يونس:87، ومنه قوله عز ~~وجل مخبرا عن نبيه يوسف عليه السلام: " ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين " - ~~يوسف: 9، وأما ما دلت عليه القرائن فمنه قوله عز وجل: " ولقد بوأنا نبي ~~إسرائيل مبوأ صدق " - يونس:93 وقوله عز وجل: " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ~~ومعين " - المؤمنون: 50. قال ابن عباس وسعيد بن المسيب ووهب بن منبه ~~وغيرهم: هي مصر. وقوله تعالى: " فأخرجناهم من جنا ت وعيون وكنوز ومقام كريم ~~" - الشعراء:58، وقوله تعالى: " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها " - الأعراف:137. يعني مصر، وقوله تعالى: ~~" كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك ~~وأورثناها قوما آخرين " - الدخان: 25، 26،27. يعني قوم فرعون، وأن بني ~~إسرائيل أورثوا مصر. وقوله تعالى: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " - القصص: 6. وقوله عز وجل مخبرا عن نبيه ~~موسى عليه السلام: " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ~~ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " - المائدة: 21، وقوله عز وجل مخبرا ~~عن فرعون: " يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض " - غافر: 29. وقوله ~~عز وجل: " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان ~~يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون " - الأعراف:37. وقوله تعالى مخبرا عن ~~فرعون: " أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك والهتك " - الأعراف:27 ا، ~~يعني أرض مصر. قوله تعالى مخبرا عن نبيه ms0018 يوسف عليه السلام: " اجعلني على ~~خزائن الأرض إني حفيظ عليم " - يوسف، وقوله تعالى: " وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء " - يوسف: 21، وقوله تعالى ~~مخبرا عن بني إسرائيل: " ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا " - يونس:88، وقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى عليه السلام: " عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض " - الأعراف: 129، وقوله تعالى: " ~~أو أن يظهر في الأرض الفساد " - غافر:26. يعني أرض مصر. وقوله تعالى: " ~~وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى " - القصص:20. وقوله عز وجل: " إن فرعون علا ~~في الأرض وجعل أهلها شيعا " - القصص:4. وقوله تعالى مخبرا عن ابن يعقوب ~~عليه السلام: " فلن أبرح الأرض " - يوسف: 80. يعني مصر. وقوله تعالى: " إن ~~تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض " - القصص: 19. وأما ورد في حقها من ~~الأحاديث النبوية فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن لهم ذمة ورحما " قال ابن ~~كثير رحمه الله: والمراد بالرحم أنهم أخوال إسماعيل بن إبراهيم الخليل، ~~عليهما السلام، أمه هاجر القبطية، وهو الذبيح على الصحيح، وهو والد عرب ~~الحجاز الذين منهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخوال إبراهيم ابن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأمه مارية القبطية من سنى كورة أنصنا، وقد وضع عنهم ~~معاوية الجزية إكراما لإبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى ~~كلام ابن كثير. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا فتح الله عليكم مصر ~~فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض " فقال له أبو بكر رضي ~~الله عنه: ولم ذلك، يا رسول الله؟ فقال: " لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم ~~القيامة " وعنه صلى الله عليه وسلم، وذكر مصر: " ما كادهم أحد إلا كفاهم ~~الله مؤونته " . وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما: أهل مصر ~~أكرم عاجم كلها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا، وأقربهم رحما بالعرب عامة، ~~وبقريش خاصة. PageV01P0010 # وقال أيضا: لما خلق الله ms0019 آدم، مثل له الد نيا: شرقها وغربها وسهلها ~~وجبلها وأنهارها وبحارها وعامرها وخرابها، ومن يسكنها من الأمم،. ومن ~~يملكها من الملوك؛ فلما رأى مصر، رآها أرضا سهلة ذات نهر جار، مادته من ~~الجنة تنحدر فيه البركة، ورأى جبلا من جبالها مكسوا نورا لا يخلو من نظر ~~الرب عز وجل إليه بالرحمة، في سفحه أشجار مثمرة، فروعها في الجنة تسقى بماء ~~الرحمة، فدعا آدم في النيل بالبركة، ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر ~~والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات؛ قال: يا أيها الجبل المرحوم، ~~سفحك جنة، وتربتك مسكة، تدفن فيها عرائس الجنة، أرض حافظة مطبقة رحيمة، لا ~~خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظة، ولا زال منك ملك وعز، يا أرض مصر، فيك ~~الخبايا والكنوز، ولك البر والثروة، سال نهرك عسلا كثر الله رزقك، ودر ~~ضرعك، وزكا نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولازال فيك يا مصر خير ما لم تتجبري ~~وتتكبري أو تخوني فإذا فعلت ذلك، عراك شر ثم يغور خيرك. فكان عليه السلام ~~أول من دعا لها بالرحمة والخصب والرأفة والبركة. وقال عبد الله بن عباس: ~~دعا نوح عليه السلام لابنه بيصر بن حام - وهو أبو مصر الذي سميت مصر على ~~اسمه - فقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتي، فبارك فيه وفي ذريته، وأسكنه الأرض ~~الطيبة المباركة التي هي أم البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل أنهار الدنيا، ~~واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الأرض، وذللها لهم، وقوهم عليها، ~~وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما: لما قسم نوح عليه السلام ~~الأرض بين ولده، جعل لحام مصر وسواحلها والغرب وشاطىء النيل، فلما قدم بيصر ~~بن حام وبلغ العريش، قال: " اللهم إن كانت هذه الأرض التي وعدتنا على لسان ~~نبيك نوح وجعلتها لنا منزلا فاصرف عنا وباها، وطيب لنا ثراها، واجمع ماها، ~~وأنبت كلاها، وبارك لنا فيها، وتمم لنا وعدك؛ إنك على كل شيء قدير، وإنك لا ~~تخلف الميعاد " وجعلها بيصر لابنه مصر وسماها به. يأتي ذكر ذلك ms0020 عند ذكر من ~~ملك مصر قبل الإسلام في هذا المحل إن شاء الله تعالى. والقبط ولد مصر بن ~~بيصر بن حام بن نوح عليه السلام. وقال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت ~~المقدس لما سكنت إلا مصر، فقيل له: ولم؟ قال: لأنها معافاة من الفتن، ومن ~~أراد بها سوءا كبه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه. وروى ابن يونس ~~عنه قال: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلى مصر إذا زخرفت، وفي ~~رواية: إذا أزهرت. وروى ابن يونس بإسناده إلى أبي بصرة الغفاري قال: سلطان ~~مصر سلطان الأرض كلها. قلت: ولهذا الخبر الصحيح جعلنا في آخر تراجم ملوك ~~مصر حوادث سائر الأقطار كلها. وقال: في التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض ~~كلها، فمن أراد بها سوءا قصمه الله. وقال عمرو بن العاصي رضي الله عنه: ~~ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة. وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله ~~عنه قال: خلقت الدنيا على خمس صور: على صورة الطير برأسه وصدره وجناحيه ~~وذنبه؛ فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشأم ومصر، والجناح الأيمن ~~العراق، وخلف العراق أمة يقال لها: واق واق وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه ~~إلا الله، والجناح الأيسر السند والهند، وخلف الهند أمة يقال لها: باسك، ~~وخلف باسك أمة يقال لها: منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله، ~~والذ نب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس؛ وشر ما في الطير الذنب. وقال ابن ~~عبد الحكم حدثنا أشهب بن عبد العزيز وعبد الملك بن مسلمة قال حدثنا مالك بن ~~أنس، عن ابن شهاب عن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما " ثم ساق ابن عبد ~~الحكم عدة أحاديث أخر بأسانيد مختلفة في حق مصر ونيلها في هذا المعنى. وقال ~~أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز قاضي العراق: سألت أحمد بن المدبر عن ~~مصر، فقال: كشفتها فوجدت غامرها ms0021 أضعاف عامرها، ولو عمرها السلطان لوفت له ~~بخراج الدنيا. PageV01P0011 # وقال بعض المؤرخين: إنه لما استقر عمرو بن العاصي رضي الله عنه على ولاية ~~مصر كتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن صف لي مصر؛ فكتب إليه: ورد ~~كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يسألني عن مصر: اعلم يا أمير المؤمنين ~~أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء؛ طولها شهر، وعرضها عشر ؛ يكنفها جبل أغبر، ~~ورمل أعفر؛ يخط وسطها نيل مبارك الغزوات، ميمون الروحات؛ تجري فيه الزيادة ~~والنقصان كجري الشمس والقمر؛ له أوان يدر حلا به، ويكثر فيه ذبابه، تمده ~~عيون الأرض وينابيعها حتى إذا ما اصلخم عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض على ~~جانبيه فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف ~~القوارب، وزوارق كأنهن في المخايل ورق الأصائل؛ فإذا تكامل في زيادته، نكص ~~على عقبيه كأول ما بدأ في جريته، وطما في درته ؛ فعند ذلك تخرج أهل ملة ~~محقورة، وذمة مخفورة، يحرثون بطون الأرض ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك ~~النماء من الرب؛ لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير جدهم؛ فإذا أحدق ~~الزرع وأشرق، سقاه الندى وغذاه من تحته الثرى؛ فبينما مصر يا أمير المؤمنين ~~لؤلؤة بيضاء، إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي د يباجة ~~رقشاء، فتبارك الله الخالق لما يشاء. والذي يصلح هذه البلاد وينميها ويقر ~~قاطنيها فيها، ألايقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يستأدى خراج ثمرة إلا في ~~أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها، في عمل جسورها وترعها؛ فإذا تقرر الحال مع ~~العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال ؛ والله تعالى يوفق في المبدأ ~~والمآل. فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لله درك يا ~~بن العاص! لقد وصفت لي خبرا كأني أشاهده. وقال المسعودي في تاريخه: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " استوصوا بأهل مصر خيرا فإن لهم نسبا وصهرا " ~~أراد بالنسب: هاجر زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام وأم ولده إسماعيل. ~~وأراد بالصهر: مارية ms0022 القبطية أم ولد النبي صلى الله عليه وسلم التي أهداها ~~له المقوقس. ### || AUT ما ورد في نيل مصر # روى يزيد بن أبي حبيب: أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سأل كعب ~~الأحبار: هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبرا؟ قال: إي الذي فلق البحر ~~لموسى عليه السلام! إني لأجد في كتاب الله عز وجل أن الله يوحي إليه في كل ~~عام مرتين: يوحي إليه عند جريه: إن الله يأمرك أن تجري، فيجري ما كتب الله ~~له؛ ثم يوحي إليه بعد ذلك: يا نيل عد حميدا. وروى ابن يونس من طريق حفص بن ~~عاصم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " النيل وسيحان ~~وجيحان والفرات من أنهار الجنة " وعن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب ~~الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنهار من الجنة وضعها الله عز وجل في الدنيا، ~~فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء ~~في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة. وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص أنه قال: نيل مصر سيد الأنهار، وسخر الله له كل نهر من المشرق إلى ~~المغرب، فإذا أراد الله تعالى أن يجري نيل مصر أمر الله كل نهر أن يمده ~~فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونا، فإذا انتهت جريته إلى ما ~~أراد الله عز وجل أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وقد ورد أن مصر ~~كنانة الله في أرضه. وعن أبي جنادة الكناني: أنه سمع كعبا يقول: النيل في ~~الآخرة عسل أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل؛ ودجلة " يعني ~~جيحان " في الآخرة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل؛ ~~والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل ة وسيحان ماء ~~أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل. PageV01P0012 # وقال بعض الحكماء: مصر ثلاثة أشهر لؤلؤة ms0023 بيضاء، فإن في شهر أبيب وهو تموز ~~ومسرى وهو آب وتوت وهو أيلول يركبها الماء فيها فترى الدنيا بيضاء وضياعها ~~على رواب وتلال مثل الكواكب، وقد أحاطت بها المياه من كل وجه أفلا سبيل إلى ~~قرية من قراها إلا في الزوارق؛ وثلاثة أشهر مسكة سوداء، فإن في شهر بابه ~~وهو تشرين الأول وهاتور وهو تشرين الثاني وكيهك وهو كانون الأول ينكشف ~~الماء عنها فتصير أرضها سوداء وفيها تقع الزراعات ة وثلاثة أشهر زمردة ~~خضراء، فإن في شهر طوبة وهو كانون الثاني وأمشير هو شباط وبرمهات وهو آذار ~~تلمع ويكثر حشيشها ونباتها، فتصير مصر خضراء كالزمردة ة وثلاثة أشهر سبيكة ~~حمراء وهو وقت إدراك الزرع وهو شهر برمودة وهو نيسان وبشنس وهو أيار وبؤونة ~~وهو حزيران، ففي هذه الشهور تبيض الزروع ويتورد العشب فهو مثل السبيكة ~~الذهب. وقيل: إنه لما ولي عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر أتاه أهلها حين ~~دخل بؤونة من أشهر القبط المذكورة فقالوا له: أيها الأمير، إن لنيلنا عادة ~~أو سنة لا يجري إلا بها؛ فقال لهم: وما ذاك؛ قالوا: إنه إذا كان في اثنتي ~~عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر يعني بؤونة عمدنا إلى جارية بكر من عند أبويها ~~وأرضينا أبويها وأخذناها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ~~ألقيناها في هذا النيل فيجري؛ فقال لهم عمرو بن العاص: إن هذا لا يكون في ~~الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى لا يجري ~~النيل قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء؛ فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إليه عمر بن الخطاب: قد أصبت، ~~إن الإسلام يهدم ما قبله، وقد أرسلنا إليك ببطاقة ترميها في داخل النيل إذا ~~أتاك كتابي. فلما قدم الكتاب على عمرو بن العاص رضي الله عنه فتح البطاقة ~~فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر. أما بعد، فإن ~~كنت تجري من قبلك فلا ms0024 تجر، وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك، فنسأل ~~الله الواحد القهار أن يجريك. فعرفهم عمرو بكتاب أمير المؤمنين وبالبطاقة، ~~ثم ألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم عيد الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر ~~للجلاء والخروج منها لأنه لا يقيم بمصالحهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم ~~عيد الصليب وقد أجراه الله ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع تلك السنة ~~القبيحة عن أهل مصر ببركة سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه. ونظير ذلك ~~أمر قرافة مصر ودفن المسلمين بها. فقد روينا بإسناد عن ابن عبد الحكم حدثنا ~~عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه ~~سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب في ذلك إلى أمير ~~المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك، ~~وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها! فسأله، فقال: إنا لنجد ~~صفتها في الكتب أن فيها غراس الجنة؛ فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنا ~~لا نعلم غراس الجنة ألا للمؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولا ~~تبعه بشيء. فكان أول من قبر فيها رجل من المعافر يقال له: عامر فقيل: عمرت، ~~قلت: والقرافة سميت بطائفة من المعافر يقال لهم القرافة، نزلوا هناك. وقال ~~بعض علماء الهيئة: إن مصر واقعة من المعمورة في قسم الإقليم الثاني ~~والإقليم الثالث، ومعظمها في الثالث. وقال أبو الصلت: هي مسافة أربعين يوما ~~طولا في ثلاثين يوما عرضا. وقال غيره: هي مسافة شهر طولا في شهر عرضا. ~~وطولها من الشجرتين اللتين ما بين رفح والعريش إلى مدينة أسوان من صعيد مصر ~~الأعلى ؛ وعرضها من آيلة إلى برقة، ويكتنفها جبلان متقاربان من مدينة أسوان ~~المذكورة إلى أن ينتهيا إلى الفسطاط يعني إلى مصر ثم يتسع بعد ذلك ما ~~بينهما ويتفرج قليلا، ويأخذ الجبل المقطم منهما مشرقا والآخر مغربا على ~~وراب متسع من مصر إلى ساحل البحر الرومي، ms0025 وهناك تنقطع في عرضها الذي هو ~~مسافة ما بين أو غلها في الجنوب وأو غلها في الشمال. PageV01P0013 # وقال بعض الحكماء: ليس في الدنيا نهر يصب في بحر الروم والصين والهند غير ~~النيل. وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال غير النيل. وليس في ~~الدنيا نهر يزيد في أشذ ما يكون من الحر غير النيل. وليس في الدنيا نهر ~~يزيد وينقص على ترتيب فيهما غير النيل. وليس في الدنيا نهر يزيد إذا نقص ~~مياه الدنيا غير النيل. وبهذا النيل أشياء لم تكن في غيره من الأنهار، من ~~ذلك: السمكة الرغادة التي إذا وضع الشخص يده عليها اضطرب جسمه جميعه حتى ~~يرفع يده عنها، ومنها التمساح ولم يكن في غيره من المياه ؛ وفي مصر أعاجيب ~~كثيرة. وقال الكندي في حق مصر وأعمالها: جبلها مقدس، ونيلها مبارك، وبها ~~الطور حيث كلم الله تعالى نبيه موسى، وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى ~~عصاه وبها فلق الله البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون عليهما السلام ويوسع ~~بن نون ودانيال وأرميا ولقمان وعيسى ابن مريم، ولدته أمه بأهناس، وبها ~~النخلة التي ذكرها الله تعالى لمريم ؛ ولما سار عيسى إلى الشأم وأخذ على ~~سفح المقطم ماشيا، عليه جبة صوف مربوط الوسط بشريط وأمه تمشي خلفه، فالتفت ~~إليها وقال: يا أماه، هذه مقبرة أمة محمد؛ وكان بمصر إبراهيم الخليل ~~وإسماعيل ويعقوب ويوسف واثنا عشر سبطا. ومن فضائلها: أنها فرضة الد نيا ~~يحمل من خيرها إلى سواحلها؛ وبها ملك يوسف عليه السلام؛ وبها مساجد إبراهيم ~~ويعقوب وموسى ويوسف عليهم السلام؛ وبها البرابي العجيبة والهرمان، وليس على ~~وجه الأرض بناء باليد حجرا على حجر أطول منهما. وقال أبو الصلت: طول كل ~~عمود منهما ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا، ولكل أربعة أسطحة ملسات متساويات ~~الأضلاع، طول كل ضلع أربعمائة وسبعون ذراعا؛ واختلف فيمن بناهما، فقيل: ~~شداد بن عاد، وقيل: سويرد، وقيل: سويد، بناهما في ستة أشهر وغشاهما ~~بالديباج الملون، وأودعهما الأموال والذخائر والعلوم خوفا من طوفان يأتي. ~~وقال الأستاذ إبراهيم ms0026 بن وصيف شاه الكاتب: بناهما سويرد بن سلهوق بن سرياق ~~بن ترميل دون بن قحرشان بن هو صال، أحد ملوك مصر قبل الطوفان الذين كانوا ~~يسكنون مدينة الاشمونين. والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلادهم لقوة ~~سحرهم. وهذا يؤيد قول من قال بعدم بناء شداد بن عاد لهما. قال: وسبب بناء ~~الهرمين العظيمين اللذين بمصر أنه كان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة قد رأى ~~سويرد في منامه كأن الأرض قد انقلبت بأهلها، وكأن الناس قد هربوا على ~~وجوههم، وكأن الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة، فأغمه ذلك ولم ~~يذكره لأحد، وعلم أنه سيحدث في العالم أمر عظيم؛ ثم رأى بعد مدة مناما آخر ~~أزعجه أكثر من الأول، فدخل إلى هيكل الشمس وتضرع ومرغ وجهه على التراب ~~وبكى، فلما أصبح جمع رؤساء الكهنة من جميع أهل مصر، وكانوا مائة وثلاثين ~~كاهنا، فخلا بهم وذكر لهم ماراه أولا وآخرا، فأولوه بأمر عظيم يحدث في ~~العالم؛ ثم حكى بعض الكهنة أيضا: أنه رأى مناما أعظم من هذا المنام في ~~معناه؛ ثم أخذوا الارتفاع للكواكب، وأخبروه بالطوفان وبعده بالنار التي ~~تخرج من برج الأسد؛ فقال: انظروا، هل تلحق هذه الآفة بلادنا؟. فقالوا: نعم، ~~فأمر ببناء الأهرام وجعل في داخله الطلسمات والأموال وأجساد ملوكهم، وأمر ~~الكهنة أن يزبروا عليها جميع ما قالته الحكماء، فزبروا فيها وفي سقوفها ~~وحيطانها جميع العلوم الماضية، وصوروا فيها صور الكواكب وعليها الطلسمات، ~~وجعل طول كل هرم مائة ذراع، بالذراع الملكي وهو خمسمائة ذراع بذراعنا الآن. ~~ولما فرغت كساها الديباج الملون وعمل لهم عيدا حضره أهل ملتهم؛ ثم عمل في ~~الهرم الغربي ثلاثين مخزنا من،حجارة صوان ملونة ملئت بالأموال الجمة، ~~والآلات والتماثيل المعمولة من الجواهر النفيسة، وآلات الحديد الفاخرة، ~~والسلاح الذي لا يصدأ، والزجاج الذي ينطوي ولا ينكسر، وأصناف العقاقير ~~المفردة والمؤلفة والسموم القاتلة، ثم عمل في الهرم الشرقي أصناف القباب ~~الفلكية والكواكب، وما عمله أجداده من أشياء يطول شرحها. PageV01P0014 # ويقال: إن هرمس المثلث الموصوف، بالحكمة وهو الذي تسميه العبرانيون خنوخ ms0027 ~~وهو إدريس عليه السلام استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان، فأمر ببناء ~~الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم، وما يخاف عليه الذهاب والدثور؛ ~~وكل هرم منها ارتفاعه ثلاثمائة ذراع وسبعة عشر ذراعا، يحيط به أربعة سطوح ~~متساويات الأضلاع، كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا، ويرتفع إلى أن ~~يكون سطحه مقدار ستة أذرع في مثلها. ويقال: إنه كان عليه حجر شبه المكبة ~~فرمته الزياح العواصف، وطول الحجر منها خمسة أذرع في سمك ذراعين. ويقال: إن ~~لهما أبوابا مقبية في الأرض، وكل باب من حجر واحد يدور بلولب إذا أطبق لم ~~يعلم أنه باب، يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت، كل بيت على اسم كوكب من ~~الكواكب السبعة، وكلها مقفلة بأقفال حديد؛ وحذاء كل بيت منها صنم من ذهب ~~مجوف إحدى يديه على فيه، وفي جبهته كتابة بالمسند إذا قرئت انفتح فوه، ~~فيوجد فيه مفاتيح ذلك القفل فيفتح بها. والقبط يزعمون أنهما والهرم الصغير ~~قبور ملوكهم وأكابرهم. ولما ولي المأمون الخلافة وورد مصر أمر بفتح واحد ~~منها ففتح بعد عناء، طويل، واتفق لسعادته أنه وقع النقب على مكان يسلك منه ~~إلى الغرض المطلوب وهو زلاقة ضيقة من الحجر الصوان المانع الذي لا يعمل فيه ~~الحديد بين حاجزين ملتصقين بالحائط، قد نقر في الزلاقة حفر يتمسك السالك ~~بتلك الحفر ويستعين بها على المشي في الزلاقة لئلا يزلق، وأسفل الزلاقة بئر ~~عظيمة بعيدة القعر، ويقال: إن أسفل البئر أبواب يدخل منها إلى مواضع كثيرة ~~وبيوت ومخادع وعجائب، وانتهت بهم الزلاقة إلى موضع مربع في وسطه حوض من حجر ~~مغطى، فلما كشف عنه غطاؤه لم يوجد فيه إلا رمة بالية، فأمر المأمون بالكف ~~عما سواه. وهذا الموضع يدخله الناس إلى وقتنا هذا. ويقال: إن المأمون أنفق ~~على النقب جملة اختلف المؤرخون في كميتها. فلما انتهى به النقب إلى الموضع ~~المربع المذكور وجد فيه جاما من زمرد مغطى، فكشف فوجد فيه ذلك المقدار الذي ~~أنفقه من غير زيادة على ذلك - واستمر ذلك إلجام ms0028 في ذخائر الخلفاء إلى وقعة ~~هولاكو ببغداد - فقال: الحمد لله الذي رد علينا ما أنفقناه. وقيل: إن ~~الأمير أحمد بن طولون سأل بعض علماء الأقباط المعمرين - ممن رأى الرابع عشر ~~من ولد وللي - عن الأهرام؛ فقال: إنها قبور الملوك، كان الملك منهم إذا مات ~~وضع في حوض حجارة يسمى أتجرون، ثم يبنى عليه الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان ~~والقباب، ثم يرفعون البناء على هذا المقدار الذي ترونه ويجعل باب الهرم تحت ~~الهرم، ثم يجعل له طريق في الأرض بعقد أزج، فيكون طول الأزج تحت الأرض مائة ~~ذراع أو أكثر، ولكل هرم من هذه الأهرام باب مدخله على ما وصفت ؛ فقيل له: ~~كيف بنيت هذه الأهرام المملسه، وعلى أي شيء كانوا يصعدون ويبنون، وعلى أي ~~شيء كانوا يضعون الآلات ويحملون الحجارة العظيمة التي لا يقدر أهل زماننا ~~هذا على أن يحركوا الحجر الواحد إلا بجهد؛ فقال: كان القوم يبنون الهرم ~~مدرجا فإذا فرغوا منه نحتوه من فوق إلى أسفل، قلت: وهذا أصعب من الأول قال: ~~فكانت هذه حيلتهم، وكانوا مع هذا لهم قمر وصبر وطاعة لملوكهم ديانة؛ فقيل ~~له: ما بال هذه الكتابة التي على الأهرام والبرابي لا تقرأ؛ قال: فصب ~~الحكماء الذين كان هذا قلمهم، وتداول أرض مصر الأمم، فغلب على أهلها القلم ~~الرومي كأشكال أحرف القبط والروم؛ فالقبط تقرؤه على حسب تعارفها إياه ~~وخلطها لأحرف الروم بأحرفها على حسب ما ولدوا من الكتابة بين الرومي ~~والقبطي الأول، فذهب عنهم كتابة آبائهم السالفة وصاروا لا يعرفونها، وهي ~~هذه الكتابة التي على الأهرام وغيرها. انتهى أمر الهرم. وقد نظم عمارة ~~اليمني فيهما فقال: الطويل، خليلي ما تحت السماء بنية ... تماثل في إتقانها ~~هرمي مصر بناء يخاف الدهر منه وكل ما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر ~~تنزه طرفي في بديع بنائها ... و لم يتنزه في المراد بها فكري وقال سعد ~~الدين بن جبارة في المعنى: الكامل لله أي غريبة و عجيبة ... في صنعة ~~الأهرام للألباب أخفت عن الأسماع قصة أهلها ... ونضت ms0029 عن الإبداع كل نقاب ~~PageV01P0015 # فكأنما هي كالخيام مقامة ... من غير ما عمد ولا أطناب وبالقرب من الأهرام ~~صنم على صورة إنسان تسميه العامة أبا الهول لعظمه، والقبط يزعمون أنه طلسم ~~للرمل الذي هناك لئلا يغلب على أرض الجيزة. وأما السحرة الذين كانوا بمصر ~~في زمان فرعون فكانوا، كما ذكر يزيد بن أبي حبيب، اثني عشر ساحرا رؤساء، ~~وتحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفا، تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة؛ ~~فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسان ~~بالرؤساء والعرفاء. وعن محمد بن المنكدر: كان السحرة ثمانين ألفا، فلما ~~عاينوا ما عاينوا أيقنوا أن ذلك من السماء وأن السحر لا يقوم بأمر الله، ~~فخر الرؤساء الاثنا عشر عند ذلك سجدا، فاتبعهم العرفاء واتبع العرفاء من ~~بقي؛ قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون، وكانوا من أصحاب موسى ولم ~~يفتتن أحد منهم مع من افتتن من بني إسرائيل في عبادة العجل. ### || AUT ما بمصر من الأعاجيب والمباني # فبها عمود مدينة عين شمس الذي تسميه العامة مسلة فرعون. وبها صدع أبي ~~قير، وهو موضع في الجبل يجتمع إليه في يوم مخصوص في السنة جميع جنس الطير، ~~وبالجبل طاقة يدخل فيها كل طير يأتي إليه ثم يخرج من وقته حتى ينتهي إلى ~~آخر الطير فتقبض عليه ويموت فيها. وبها مجمع البحرين وهو البرزخ، وهما بحر ~~الروم والصين، والحاجز بينهما مسيرة ليلة واحدة ما بين القلزم والفرما. ~~وبها ما ليس في غيرها، وهو حيوان السقنقور والنمس ولولاه أكلت الثعابين ~~أهلها؛ وهو كقنافذ سجستان لأهلها. وبها دهن البلسان، وليس ينبت عرقه إلا ~~بمصر خاصة. وبها معدن الذهب والزمرد، وليس في الدنيا معدن زمرد سواه. وبها ~~معدن النفط والشب والبرام والرخام. وبها الأفيون، وهو عصارة الخشخاش؛ وقيل: ~~بها سائر المعادن ؛ وبها الأبنوس. وبها أحجر السنباذج الذي يقطع به سائر ~~الأحجار؛ وأشياء غير ذلك سكتنا عنها خوف الإطالة. وأما مصر تلك الأيام ~~فكانت مبانيها وأماكنها في غير مصر الآن. وموضع مصر قديما ms0030 هي البقعة الآن ~~الخراب عند حدرة ابن قميحة والكيمان التي عند قبر القاضي بكار إلى المشهد ~~النفيسي. وأما قطائع ابن طولون فيأتي ذكرها في ترجمته وبيان أماكنها. قال ~~الشريف النسابة الثقة محمد بن أسعد الجواني في كتابه المسمى النقط لمعجم ما ~~أشكل من الخطط: سمعت الأمير تأييد الدولة تميم بن محمد المعروف بالصمصام ~~يقول: في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة حدثني القاضي أبو الحسن علي بن الحسين ~~الخلعي عن القاضي القضاعي أبي عبد الله أنه قال: كان في مصر من المساجد ستة ~~وثلاثون ألف مسجد، وثمانية آلاف شارع مسلوك، وألف ومائة وسبعون حماما ؛ وأن ~~أبا الحسن بن حمزة الحسني ذكر أنه عرض له دخول حمام سالم الذي عند درب سالم ~~في أول القرافة، يعني حمام جنادة بن عيسى المعافري الذي عند مصبغة الحفارين ~~المعروفة بفسقية ابن طولون - قلت: وفسقية ابن طولون هي عند المقبرة الكبيرة ~~على يسرة المتوجه إلى القرافة بالقرب من قبر القاضي بكار - قال: وإنه ما ~~وصل إليه إلا بعد عناء من الزحام، وإنه كانت قبالة الحمام في كل يوم جمعة ~~خمسمائة درهم. قلت: وكانت الخمسمائة درهم يوم ذاك نحو اثنين وأربعين د ~~ينارا إلا ثلثا، لأن الدينار كان صرفه يوم ذاك اثني عشر درهما. انتهى كلام ~~الشريف. قلت: وذهبت تلك الأماكن بأجمعها عند خراب قطائع ابن طولون لما ~~أخربها محمد بن سليمان الكاتب، لا سيما لما بنيت القاهرة في سنة ثمان ~~وخمسين وثلاثمائة، على ما يأتي ذكر ذلك في ترجمة جوهر القائد. وأما ظاهر ~~القاهرة من جهاتها الأربع فقد تجدد ذلك كله في الدولة التركية، ومعظمه في ~~دولة ابن قلاوون محمد، على ما يأتي بيان ذلك في ترجمته، لأننا نذكر كل مكان ~~تجدد في أيام سلطانه كما شرطناه في أول هذا الكتاب. ### || AUT محاسن مصر # PageV01P0016 # وأما محاسن مصر فكثيرة: من ذلك ما قاله الشيخ الإمام الفقيه أبو محمد ~~الحسن بن إبراهيم بن زولاق: إن من محاسن مصر اعتدال هوائها في حرها وبردها؛ ~~وإن مزاج هوائها لا يقطع أحد ms0031 ا عن التصرف كما يقطع حر بغداد أهلها عن ~~التصرف في معايشهم، ويخلو أكثر الطرقات بها نهارا، وكذلك بردها، وإن برد ~~مصر ربيع وحرها قيظ. وقدم رجل من بغداد إلى مصر فقيل له: ما أقدمك؟ فقال: ~~فررت من كثرة الصياح في كل ليلة: يا غافلين! الصلاة لاختفائهم من الحر ~~والبرد، فإن حر بغداد وبردها يقطعان أهلها عن التصرف حتى إنهم يكمنون في ~~بطن الأرض من شدة الحر في الصيف، وتطوف الحراس في بعض المواضع نهارا ~~لاختفاء الناس في بطون الأرض من شدة الحر. انتهى كلام ابن زولاق. قلت: وأما ~~برد الشمال والروم فلا حاجة لذكره لعظم البرد وكثرة الثلوج والأمطار وغير ~~ذلك. قال ابن زولاق أيضا: ومن ذلك الأقوات والميرة التي لا قوام لأحد في ~~بلد إلا بها، فإن مصر تمير أهلها والساكنين بها وبأعمالها، وتمير الحرمين ~~الشريفين والوافدين إليها، من الأقطار، وما تجد بلدا إلا وتصل إليها ميرة ~~مصر؛ وبغداد لا تمير أهلها فضلا عن غيرهم لأن طعامها وأقوات ساكنيها من ~~الموصل وأعماله والفرات وأعماله وديار مضر وربيعة. وأما بغداد فإنها تمير ~~نفسها أربعة أشهر، وتميرها الموصل أربعة أشهر، وتميرها واسط أربعة أشهر؛ ~~وكذلك البصرة أيضا لا تمير نفسها، وإنما تميرها واسط والأهواز؛ ولما حل ~~الغلاء ببغداد نزح عنها أهلها وأثر فيها إلى اليوم. وكان بمصر غلاء في سنة ~~ثلاث وسبعين ومائتين، وغلاء في سنة أربع عشرة وثلاثمائة، وغلاء في سنة ~~عشرين وثلاثمائة، وغلاء في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وغلاء في سنه ست ~~وسبع وثمان وخمسين وثلاثمائة، فما أثر ذلك فيها. قلت: هذا، وما وصل القائل ~~إلى غلاء سني المستنصر بالديار المصرية من سنة ست وخمسين إلى سنة خمس وستين ~~وخمسمائة التي شبهت بأيام يوسف عليه السلام، ولم يقع بمصر غلاء مثله قبله ~~ولا بعده، وبعد ذلك تراجع أمر مصر في مدة يسيرة وعاد ت إلى ما كانت عليه ~~أولا. يأتي ذكر هذا الغلاء وغيره في ترجمة الخليفة المعز العبيدي في هذا ~~الكتاب، إن شاء الله تعالى. قلت: وهذا ms0032 القياس الذي ذكرناه بين مصر وبغداد ~~إنما كان تلك الأيام التي كان بها يومئذ عظماء خلفاء بني العباس، وكانت مصر ~~تلك الأيام يليها عامل من قبل أمير من أمراء الخلفاء؛ وأما يومنا هذا فلا ~~تقاس مصر بالعراق جميعه بل تزيد محاسنها على جميع أقطار الأرض، ولولا خشية ~~الإطالة لبينا ذلك، ولكن فيما ذكرناه من محاسن مصر وما اشتملت عليه من ~~الطرائف كفاية عن الإطناب فيها. وأما خراج مصر قديما فقيل: إن كيقاوس أحد ~~ملوك القبط الأول جبى خراجها فجاء مائة ألف ألف وثلاثين ألف د ينار، وجباه ~~عزيز مصر مائة ألف ألف د ينار، وجباه عمرو بن العاص - رضي الله عنه - في ~~الإسلام اثني عشر ألف ألف دينار، ثم رذل إلى أن جباه أحمد بن طولون في سنة ~~ستين ومائتين أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار مع ما يضاف إليه من ~~ضياع الأمراء، ثم جباه جوهر القائد خادم المعز العبيدي ثلاثة آلاف ألف ~~دينار ومائتي ألف دينار في سنة ستين وثلاثمائة. وسبب نزول خراج مصر أن ~~الملوك لم تسمح نفوسهم بما كان ينفق في حفر ترعها وإتقان جسورها، وإزالة ما ~~هو شاغل للأرض عن الزراعة كالقصب والحلفاء والقضاب وغير ذلك. وحكى عبد الله ~~بن لهيعة: أن المرتبين لذلك كانوا مائة ألف وعشرين ألف رجل: سبعون ألفا ~~بصعيد مصر، وخمسون ألفا بالوجه البحري. وحكى ابن زولاق: أن أحمد بن المدبر ~~لما ولي خراج مصر كشف أرضها فوجد غامرها أكثر من عامرها، فقال: والله لو ~~عمرها السلطان لوفت له بخراج الد نيا. وقيل: إنها مسحت في أيام هشام بن عبد ~~الملك فكان ما يركبه الماء الغامر والعامر مائة ألف ألف فدان، والفدان ~~أربعمائة قصبة، والقصبة عشرة أذرع. وقيل: إن أحمد بن المدبر المذكور اعتبر ~~ما يصلح للزراعة بمصر فوجده أربعة وعشرين ألف ألف فدان، والباقي مستبحر ~~وتلف من قلة الزراعة، واعتبر أيضا مدة الحرث فوجدها ستين يوما؛ والحراث ~~يحرث خمسين فدانا، فكانت محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حراث. ~~PageV01P0017 # قلت: هذا ms0033 خلاف ما رئي من الجزائر في الإسلام مثل جزيرة بني نصر وجزيرة ~~الذهب وغيرهما قبلي وبحري؛ وأيضا خلاف إقليم البحيرة، والبحيرة كان أصلها ~~كرما لامرأة المقوقس، وكانت تأخذ خراجها الخمر بفريضة عليهم، فكثر الخمر ~~عليها فقالت: لا حاجة لي بالخمر، أعطوني دنانير، فلم تجدها معهم، فأرسلت ~~على الكرم الماء فغرقتها، فصارت بحيرة يصاد بها السمك حتى استخرجها بنو ~~العباس، فسدوا جسورها وزرعوها ونمت واستمرت في زيادة إلى يومنا هذا، وبقي ~~ذلك اسما عليها لا تعرف إلا بالبحيرة. ### | AUT ما قيل في سبب تسمية مصر بمصر # قيل: إنه كان اسمها في الدهر الأول زجلة من المزاجلة، وقال قوم: سميت ~~بمصريم بن مركائيل بن دوابيل بن غرياب بن آدم، وهذا هو مصر الأول؛ وقيل: بل ~~سميت بمصر الثاني، وهو مصرام بن نقراوش الجبار بن مصريم الأول المقدم ذكره؛ ~~وقيل: سميت بعد الطوفان بمصر الثالث، وهو مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وهو ~~اسم أعجمي لا ينصرف ؛ وقيل: هو اسم عربي مشتق، ولكل قائل دليل؛ وقيل غير ~~ذلك أقوال كثيرة يأتي ذكر بعضها. PageV01P0018 # قال المسعودي في تاريخه: إن بني آدم لما تحاسدوا وبغى عليهم بنو قابيل بن ~~آدم ركب نقراوش الجبار ابن مصريم المقدم ذكره في نيف وسبعين راكبا من بني ~~غرياب بن آدم، جبابرة كلهم يطلبون موضعا من الأرض ليقطنوا فيه، فلم يزالوا ~~يمشون حتى وصلوا إلى النيل فأطالوا المشي عليه، فلما رأوا سعة هذا البلد ~~أعجبهم، وقالوا: هذا بلد زرع وعمارة، فأقاموا فيه واستوطنوه وبنوا فيه ~~الأبنية المحكمة والمصانع العجيبة، وبنى نقراوش بن مصريم مصر وسماها باسم ~~أبيه مصريم، ثم لما ملك قال لبنيه: إني أريد أن أصنع مدينة، ثم أمرهم ~~ببنيان مدينة في موضع خيمته، فقطعوا الصخور من الجبال، وأثاروا معادن ~~الرصاص، وبنوا دورا وزرعوا وعمروا الأرض، ثم أمرهم ببناء المدائن والقرى ~~وأسكن كل ناحية من الأرض من رأى، ثم حفروا النيل حتى أخرجوا ماءه إليهم، ~~ولم يكن قبل ذلك معتدل الجري، وإنما كان ينبطح ويتفرق في الأرض، فهندسوه ms0034 ~~وشقوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها، وشقوا منه نهرا إلى ~~مدينتهم أمسوس يجري في وسطها، ثم سميت مصر بعد الطوفان بمصر بن بيصر بن حام ~~بن نوح على ما نذكره هنا أيضا. ويقال: إن مصر هذا غرس الأشجار بيده فجاءت ~~ثمارها عظيمة بحيث إنه كان يشق الأترجة نصفين لنوح يحمل البعير نصفها، وكان ~~القثاء يومئذ في طول أربعة عشر شبرا؛ ويقال: إنه أول من وضع السفن وإن ~~سفينته كانت ثلاثمائة ذراع في عرض مائة ذراع. ويقال: إن مصرايم نكح امرأة ~~من بنات الكهنة فولدت ولدا يقال له قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنه من ~~عمره امرأة ولدت له أربعة نفر: قفطريم، وأشمون، وأتريب، وصا؛ فكثروا وعمروا ~~الأرض وبورك لهم فيها. وقيل: إنه كان عدد من وصل معهم ثلاثين رجلا فبنوا ~~مدينة سموها مافة ومعنى مافة ثلاثون بلغتهم، وهي مدينة منف التي تسمى الأن: ~~منوف العليا، وكشف لهم أصحاب قليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومهم والطلسمات ~~والمعادن، ووصفوا لهم عمل الصنعة وبنوا على عبر البحر مدنا: منها رقودة ~~مكان الإسكندرية ؛ ولما حضرت مصرايم الوفاة عهد إلى ولده قبطيم، وكان قد ~~قسم أرض مصر بين بنيه، فجعل لقفطريم من فقط إلى أسوان، ولأشمون من أشمون ~~إلى منف، ولأتريب الحوف كله، ولصا من ناحية صا البحيرة إلى قرب برقة؛ وقال ~~لأخيه فارق: لك من برقة إلى المغرب، فهو صاحب إفريقية وأولاده الأفارق؛ ~~وأمر كل واحد من بنيه أن يبني لنفسه مدينة في موضعه، وأمرهم عند موته أن ~~يحفروا له في الأرض سربا وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده، ~~ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذهب والجوهر، ويزبروا عليه أسماء الله ~~المانعة من أخذه، فحفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا في وسطه ~~مجلسا مصفحا بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب على كل باب منها تمثال من ~~ذهب، عليه تاج مرصع بالجوهر، وهو جالس على كرسي من ذهب، قوائمه من زمرد، ~~وزبروا في صدر كل تمثال آيات ms0035 مانعة، وجعلوا جسده في جرن مرمر مصفح بالذهب، ~~وكانت وفاة مصرايم المذكور بعد الطوفان بسبعمائة سنة، ومات ولم يعبد ~~الأصنام، وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف ~~تمثال من الجوهر النفيس، وألف برنية مملوءة من الدر الفاخر والعقاقير ~~والطلسمات العجيبة وسبائك الذهب، وسقفوا ذلك بالصخور وهالوا فوقها الرمال ~~بين جبلين، وولي ابنه قبطيم الملك. ### | AUT من دخل مصر من ا لصحابة # ودخل مصر من الصحابة ممن تقدم ذكرهم في فتح مصر وغيرهم جماعه: الزبير بن ~~العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفضالة بن ~~عبيد، وعمرو بن العاص، وعمرو بن علقمة، وشرحبيل بن حسنة، وسعد ابن أبي ~~وقاص، وعبد الله بن عمرو، وخارجة بن حذافة، ومحمد بن مسلمة، وأبو رافع، ~~ومسلمة بن مخلد، وأبو أيوب، ونافع بن مالك، ومعاوية بن حديج، وعمار بن ~~ياسر، وخالد بن الوليد، وغيرهم - رضوان الله عليهم أجمعين. ودخلها من ~~الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: يعقوب وأولاده، وهم: يوسف، ويهوذا، ~~وروبيل، ولاوي، وزبالون، وشمعون، ويشحر، ود نيا، ودانا، وديفتابيل، وجاد، ~~وبنيامين. ودخلها موسى وهارون؛ وبها ولد عيسى ابن مريم. PageV01P0019 # وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع ~~البلدان وأخلاق سكانها، فقال: إن الله عز وجل لما خلق الأشياء جعل كل شيء ~~لشي؛ فقال العقل: أنا لاحق بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك؛ فقال الخصب: ~~أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك؛ وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، ~~فقالت الصحة: وأنا معك؛ وقال البخل: أنا لاحق بالمغرب، فقال سوء الخلق: ~~وأنا معك. ويقال: لما خلق الله الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان، ~~والحياء، والنجدة، والفتنة، والكبر، والنفاق، والغنى، والفقر، والذل، ~~والشقاء؛ فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك؛ وقالت ~~النجمة: وأنا لاحقة بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك، وقال الكبر: أنا لاحق ~~بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك ؛ وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: ~~وأنا معك؛ وقال الفقر: أنا لاحق بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك. ms0036 وقد روي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: المكر عشرة أجزاء: تسعة منها في ~~القبط، وواحد في سائر الناس. ### | AUT ما ورد من الأشعار في وصف مصر # ووصف ابن القرية مصر فقال: عبيد لمن غلب، أكيس الناس صغارا وأجهلهم ~~كبارا. وقال المسعودي في تاريخه: قال بعض الشعراء يصف مصر: السريع مصر ومصر ~~شأنها عجيب ... ونيلها يجري به الجنوب قلت: وقد قيل في مصر عدة قصائد ~~ومقطعات ذكرنا منها نبذة في تاريخنا حوادث الدهور، عند وفاء النيل في كل ~~سنة. منها ما قاله الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي: المجتث، لم لا ~~أهيم بمصر ... وأرتضيها وأعشق وما ترى العين أحلى ... من مائها إن تملق وفي ~~المعنى للشيخ زين الدين عمر بن الوردي - رضي الله عنه: ديار مصر هي الدنيا ~~وساكنها ... هم الأنام فقابلها بتقبيل يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر ~~مقدمة والشرح للنيل وأبدع منه ما قيل في المعنى أيضا لابن سلار: الطويل ~~لعمرك ما مصر بمصر وإنما ... هي الجنة العليا لمن يتذكر وأولادها الولدان ~~من نسل أدم ... وروضتها الفردوس والنيل كوثر وللقاضي شهاب الدين أحمد بن ~~فضل الله العمري في هذا المعنى: الكامل ما مثل مصرفي زمان ربيعها ... لصفاء ~~ماء واعتدال نسيم أقسمت ما تحوي البلاد نظيرها ... لما نظرت إلى جمال وسيم ~~وله أيضا - رضي الله عنه - وأبدع: لمصر فضل باهر ... لعيشها الرغد النضر في ~~كل سفح يلتقي ... ماء الحياة والخضر وللصفي الحفلي في القاهرة: لله قاهرة ~~المعز فإنها ... بلد تخصص بالمسرة والهنا أو ما ترى في كل قطر منية ... من ~~جانبيها فهي مجتمع المنى ولأبي الحسن علي بن بهاء الدين الموصلي الحنبلي في ~~المعنى: بها ما تلذ العين من حسن منظر وما ... ترتضيه النفس من شهواتها ~~وتربتها تبر يلوح وعنبر ... يفوح وتلقى بعد حياتها زمردة خضراء قد زين ~~قرطها ... بلؤلؤة بيضاء من زهراتها ولابن الصائغ الحنفي في المعنى، وأجاد: ~~ارض بمصر فتلك أرض ... من كل فن بها فنون ونيلها العذب ذاك بحر ... ما نظرت ~~مثله العيون وللشيخ ms0037 برهان الدين القيراطي: روت لنا مصر عن فواكهها ... ~~أخبار صدق صحيحة الخبر وكل ما صص من محاسنها ... أرويه من خوخها عن الزهري ~~وله أيضا: حلانيل مصر وهو شهدو من يذق ... حلاوته يوما من الناس يشهد أيا ~~بردى بالشؤم إن ذبت حسرة ... وغيظا فلا تهلك أسى وتجلد وقال غيره في ~~المعنى: مجزوء الكامل النيل قال وقوله ... إذ قال ملء مسامعي في غيظ من طلب ~~الغل ... عم البلاد منافعي وعيونهم بعد الوفا ... قلعتها بأصابعي وللشريف ~~العقيلي في المعنى - رضي الله عنه: الطويل أحن إلى الفسطاط شوقا وإنني ... ~~لأدعو لها ألا يحل بها القطر PageV01P0020 # وهل في الحيا من حاجة لجنابها ... وفي كل قطر من جوانبها نهر تبدت عروسا ~~والمقطم تاجها ... ومن نيلها عقد كما انتظم الدر فائدة: إذا أردت أن تعلم ~~كم تكون زيادة النيل في السنة فاحسب يوم عيد ميكائيل، وهو ثاني عشر بؤونة، ~~كم يكون في الشهر العربي من يوم، وزد فوقه تسعين يوما وخذ سدس الجميع، تكون ~~عدة أفرع النيل في تلك السنة. ولولا خشية الإطالة لذكرنا من هذا نبذا كثيرة ~~؛ ومن أراد الإكثار من ذلك فليراجع تاريخنا حوادث الدهور في مدى الأيام ~~والشهور فإنني ذكرت من ذلك عدة مقطعات عند وفاء النيل في كل سنة. ونعود ~~الآن إلى كلام المسعودي، قال: وهي مصر، واسمها كمعناها، وعلى اسمها سميت ~~الأمصار، ومنها اشتق هذا الاسم عند علماء المصريين. ثم ذكر المسعودي زيادة ~~النيل ونقصانه نحوا مما ذكرناه، إلى أن قال: فإذا انتهت الزيادة إلى ست ~~عشرة ذراعا ففيه تمام الخراج وخصب الأرض وريع للبلد عام، وهو ضار للبهائم ~~لعدم المرعى والكلأ،، وفي سبع عشرة ذراعا كفايتها وري جميع أرضها، وإذا زاد ~~على السبع عشرة وبلغ الثمان عشرة ذراعا وأغلقها استبحر من أرض مصر الربع، ~~وفي ذلك ضرر لبعض الضياع لما ذكرناه من وجه الاستبحار وغير ذلك، وإذا كانت ~~الزيادة ثمان عشرة ذراعا كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء بمصر، وأكثر ~~الزيادات ثمان عشرة ذراعا، وقد كان النيل بلغ في زيادته تسع ms0038 عشرة ذراعا سنة ~~تسع وتسعين في خلافة عمر بن عبد العزيز. قلت: وكلام المسعودي بهذا القول في ~~عصر الأربعمائة من الهجرة قبل أن تعلو الأراضي ويحتاج إلى بلوغه إحدى ~~وعشرين ذراعا وأكثر؛ ولو رأى عصرنا هذا لكان يرجع فيه عن مقالته وطلب ~~الزيادة. قال: ومساحة الذراع إلى أن يبلغ اثني عشر ذراعا ثمان وعشرون ~~إصبعا، ومن اثني عشر ذراعا إلى ما فوق يصير الذراع أربعا وعشرين إصبعا. ~~قال: وأقل ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاث أذرع، وفي مثل تلك السنة ~~يكون الماء قليلا. قال: والذرع التي يستسقى عليها بمصر هي ذراعان، تسميان ~~بمنكر ونكير، وهي الذراع الثالث عشر والذراع الرابع عشر،، فإذا انصرف الماء ~~في هذين الذراعين أعني ثلاثة عشر وأربعة عشر وزيادة نصف ذراع من الخمسة ~~عشر، استسقى الناس بمصر، وكان الضرر شاملا لكل البلدان، وإذا تم خمس عشرة ~~ودخل في ست عشرة ذراعا كان فيه صلاح لبعض البلاد ولا يستسقى فيه، وكان ذلك ~~نقصا من خراج السلطان. قلت: ونذكر أيضا من أخبار نيل مصر وما كان بها من ~~المقاييس في الجاهلية والإسلام عندما نذكر بناء المتوكل لمقياس مصر المعهود ~~الآن في ترجمة يزيد بن عبد الله التركي لما ولي إمرة مصر في شهر رجب سنة ~~اثنتين وأربعين ومائتين هجرية بأوسع من هذا، فلينظر هناك. قال: والترع التي ~~بغيضة مصر أربع أمهات، أسماؤها: ترعة ذنب التمساح، وترعة بلقينة، وخليج ~~سردوس، وخليج ذات الساحل؛ وتفتح هذه الترع إذا كان الماء زائدا في عيد ~~الصليب، وهو لأربع عشرة تخلو من توت، وهو أول أيلول. قال: وكان بمصر سبع ~~خلجانات: فمنها خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج ~~الفيوم، وخليج سردوس، وخليج المنهى، وكانت مصر فيما يذكر أهل الخبرة أكثر ~~البلاد جنانا، وذلك أن جنانها كانت متصلة بحافتي النيل من أوله إلى آخره من ~~حد أسوان إلى رشيد، وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسع أذرع دخل خليج المنهى ~~وخليج الفيوم وخليج سردوس وخليج سخا. وكان الذي ولي ms0039 حفر خليج سردوس لفرعون ~~عدو الله هامان، فلما ابتدأ في حفره أتاه أهل القرى يسألونه أن يجري الخليج ~~تحت قراهم ويعطونه على ذلك ما أراد من المال، فكان يعمل ذلك حتى اجتمعت له ~~أموال عظيمة، فحمل تلك الأموال إلى فرعون، فسأله فرعون عنها، فأخبره الخبر، ~~فقال فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده ويفيض عليهم معروفه ولا ~~يرغب فيما في أيديهم، ونحن أحق بمن يفعل هذا بعبيده فاردد على أهل كل قرية ~~ما أخذته منهم، ففعل هامان ذلك. وليس في خلجان مصر أكثر عطوفا وعراقيل من ~~خليج سردوس. وأما خليج الفيوم وخليج المنهى فإن الذي حفرهما يوسف بن يعقوب ~~صلى الله عليهما وسلم. قلت: والآن نأتي بما وعدنا بذكره من أخبار من ملك ~~مصر قبل الإسلام PageV01P0021 # على أنه ليس في شرطنا من هذا الكتاب، وإنما نذكره على سبيل الاختصار ~~لتعلم بذلك أحوال مصر قديما وحديثا كما ذكرنا؛ هذا كله ليعلم الناظر فيه ~~أمورها على سبيل الاستطراد إلى أن نذكر ما صنف هذا الكتاب بسببه وهم ملوك ~~مصر، وأول من نذكر منهم عمرو بن العاص - رضي الله عنه، ثم نسوق التاريخ من ~~حينئذ على منواله دولا دولا، لا نخرج منه إلى غيره إلا ما مست الحاجة إلى ~~ذكره استطرادا، والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | AUT من ملك مصر قبل الإسلام # فأما من ملك مصر بعد من تقدم ذكره من أولادهم وغيرهم فقال المسعودي: ~~وكان بيصر بن حام بن نوح قد كبرت سنه فأوصى إلى الأكبر من ولده وهو مصر ~~وأجمع الناس على أنه ملك من حد رفح من أرض فلسطين من بلاد الشأم، وقيل: من ~~العريش، وقيل: من الموضع المعروف بالشجرة وهو آخر أرض مصر، والفرق بينها ~~وبين الشأم، وهو الموضع المشهور بين العريش ورفح إلى بلاد أسوان من بلاد ~~الصعيد طولا، ومن آيلة وهي تخوم الحجاز إلى برقة عرضا. وكان لمصر أولاد ~~أربعة وهم: قبط، وأشمون، وأتريب، وصا. وقد تقدم ذكر ذلك، غير أننا نذكره في ~~سياق كلام ms0040 المسعودي أيضا، إذ لا يتم المراد إلا بذكره، ليتناسق الأسلوب. ~~قال: وقسم مصر بين ولده الأربعة الأرض أرباعا، وعهد إلى الأكبر من ولده وهو ~~قبط - وأقباط مصر يضافون في النسب إلى أبيهم قبط بن مصر، وأضيفت المواضع ~~إلى سكانها وعرفت بأسمائهم، واختلطت الأنساب وكثر ولد قبط وهم الأقباط، ~~فغلبوا على سائر الأرض، ودخل غيرهم في أنسابهم. ولما هلك قبط بن مصر ملك ~~بعده أشمون بن مصر؛ ثم ملك بعده صابن مصر؛ ثم ملك بعده أتريب بن مصر؛ ثم ~~ملك بعده ماليق بن دارس؛ ثم ملك بعده حرايا بن ماليق؛ ثم ملك بعده كلكي بن ~~حرايا، وأقام في الملك نحوا من مائة سنة؛ ثم ملك بعده أخ PageV01P0022 # له يقال له: ماليا بن حرايا؛ ثم ملك بعده لوطس بن ماليا نحوا من سبعين ~~سنة؛ ثم ملكت بعده ابنة له يقال لها: حوريا بنت لوطس بن ماليا نحوا من ~~ثلاثين سنة؛ ثم ملكت بعدها امرأة أخرى يقال لها: ماموم. ثم كثر ولد بيصر بن ~~حام بن نوح بأرض مصر وتشعبوا وملكوا النساء، فطمعت فيهم ملوك الأرض، فسار ~~إليهم من الشأم ملك من العماليق يقال له: الوليد بن دومع فكانت له بها حروب ~~حتى غلب على الملك وانقادوا إليه واستقام له الأمر حتى هلك؛ ثم ملك بعده ~~الريان بن الوليد العملاقي، وهو فرعون يوسف عليه السلام؛ ثم ملك بعده دارم ~~بن الريان العملاقي؛ ثم ملك بعده كامس بن معدان العملاقي ؛ ثم ملك بعده ~~الوليد بن مصعب، وهو فرعون موسى عليه السلام، وقد اختلف فيه، فمن الناس من ~~يقول: إنه من العماليق، ومنهم من رأى أنه من لخم من بلاد الشأم، ومنهم من ~~رأى أنه من الأقباط من ولد مصرن بيصر، وكان يعرف بظلما؛ وهلك فرعون غرقا ~~حين خرج في طلب بني إسرائيل، ولما غرق فرعون ومن كان معه من الجنود خشي من ~~بقي بأرض مصر من الذراري والنساء والصبيان والعبيد أن يغزوهم ملوك الشأم ~~والمغرب، فملكوا عليهم امرأة ذات رأي وحزم يقال لها: دلوكة، ms0041 فبنت على ديار ~~مصر حائطا يحيط بجميع أرضها والبلاد، وجعلت عليه المحارس والأجراس والرجال ~~متصلة أصواتهم بقرب بعضهم من بعض، وأثر هذا الحائط باق إلى هذا اليوم ؛ ~~وسنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وهو يعرف بحائط العجوزة وقيل: إنما بنته ~~خوفا على ولدها، فإنه كان كثير الصيد فخافت عليه سباع البر والبحر واغتيال ~~من جاوز أرضهم من الملوك، فحوطت الحائط من التماسيح وغيرها، وقد قيل في ذلك ~~غير هذا أيضا. فملكتهم دلوكة المذكورة ثلاثين سنة واتخذت بمصر البرابي ~~والصور، وأحكمت آلات السحر، وجعلت في البرابي صور من يرد من كل ناحية ~~ودوابهم إبلا كانت أم خيلا، وصورت فيها أيضا من يرد في البحر من المراكب من ~~بحر المغرب والشأم، وجمعت في هذه البرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار ~~الطبيعة وخواص الأحجار والنبات والحيوان، وجعلت ذلك في أوقات حركات فلكية ~~واتصالها بالمؤثرات العلوية، فكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز أو ~~اليمن عورت تلك الصور التي في البرابي من الإبل وغيرها، فيتعور ما في ذلك ~~الجيش وينقطع عنهم ناسه وحيوانه؛ وإذا كان الجيش من نحو الشأم فعلت بتلك ~~الصور أيضا ما فعلت كما وصفنا، وكذلك من أتاهم في المراكب ؛ فهابتهم الأمم ~~والملوك ومنعوا ناحيتهم من عدوهم، فاتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز إلى عدة ~~أقطار؛ ثم عرفت بمجيء الطوفان ثانية، فخافت على هذه الصور والعلوم أن تذهب ~~فبنت عدة براب، وجعلت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة، وجعلت ~~بنيانها نوعين: طينا وحجرا، وفرزت ما يبنى بالطين مما يبنى بالحجر، وقالت: ~~إن كان هذا الطوفان نارا استحجر ما بنينا بالطين وبقيت هذه العلوم، وإن كان ~~الطوفان الوارد ماء ذهب ما بنينا بالطين وبقي ما بنينا بالحجارة، وإن كان ~~الطوفان سيفا بقي كلا النوعين. ولما ماتت دلوكة العجوز المذكورة ملك مصر ~~بعدها دركوس بن بلطيوس ؛ ثم ملك بعده بورس بن دركوس؛ ثم ملك بعده لعس بن ~~نورس نحو أمن خمسين سنة؛ ثم ملك بعده دنيا بن نورس نحوا من عشرين سنة؟ ثم ~~ملك بعده نلوطس عشر ms0042 سنين ؛ ثم ملك بعده مماكيل بن بلوطس، ثم ملك بعده يلونة ~~بن مماكيل وكانت له حروب ومسير في الأرض PageV01P0023 # وهو فرعون الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وخرب بيت المقدس؛ ثم ملك بعده ~~مرينوس وكانت له أيضا حروب بالمغرب، ثم ملك بعده نقاس بن مرينوس ثمانين ~~سنة؛ ثم ملك بعده قويس بن نقاس عشر سنين ؛ ثم ملك بعده كاميل، وكانت له ~~أيضا حروب مع ملوك المغرب وغزاه البخت نضر مرزبان المغرب من قبل ملك فارس، ~~فخرب أرضه وقتل رجاله وسار البخت نصر إلى نحو المغرب. ولما زال أمر البخت ~~نصر ومن كان معه من جنود فارس ملكت الروم مصر وغلبت عليها، فتنصر أهلها، ~~فلم يزالوا على ذلك إلى أن ملك كسرى أنوشروان، فغلبت جيوشه على الشأم وسارت ~~نحو مصر فملكوها، وغلبوا على أهلها نحوا من عشرين سنة، فكانت بين الروم ~~وفارس حروب كثيرة، وكان أهل مصر يؤدون خراجين عن بلادهم: خراجا لفارس، ~~وخراجا للروم ؛ ثم انجلت فارس عن مصر والشأم لأمر حدث في دار مملكتهم فغلبت ~~الروم على مصر والشأم، وأشهروا النصرانية فشمل ذلك من في الشأم ومصر إلى أن ~~أتى الله بالإسلام، وكان من أمر المقوقس صاحب مصر مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الهدايا ما كان إلى أن افتتحها عمرو بن العاص بمن كان معه من ~~الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، حسبما ذكرناه في أول ذلك ~~الكتاب. وكان المقوقس ملك مصر وصاحب القبط نزيل الإسكندرية في بعض فصول ~~السنة، وفي بعضها مدينة منف، وفي بعضها قصر الشمع، وقصر الشمع في وسط مدينة ~~الفسطاط. والمقصود من ذكر ذلك أن الذين ملكوا مصر باتفاق كثير من أهل ~~التاريخ على اختلاف بينهم، من الفراعنة وغيرهم: اثنان وثلاثون فرعونا؛ ومن ~~ملوك بابل ممن ملك مصر: خمسة؛ ومن العماليق وهم الذين قدموا إليها من ~~الشأم: أربعة؛ ومن الروم: سبعة؛ ومن اليونانيين: عشرة؛ وذلك قبل ظهور ~~المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وملكها أناس من ملوك الفرس من الأكاسرة، ~~فكانت ms0043 مدة من ملك مصر من بني نوح والفراعنة والعماليق والروم واليونانيين ~~ألف سنة وثلاثمائة سنة. قلت: وهذا الذي ذكرناه على سبيل الاستطراد؛ وشرط ~~كتابنا هذا ألا نذكر فيه إلا من ملك مصر في الإسلام؛ ومن ذكرناه من هؤلاء ~~زيادة ليست بمنكرة لتحصيل الفائدة. قال المسعودي: وسألت جماعة من أقباط مصر ~~بالصعيد وغيره من أهل الخبرة عن تفسير اسم فرعون فلم يخبروني عن معنى ذلك ~~ولا تحصل لي في لغتهم، فيمكن - والله أعلم - أن هذا الاسم كان سمة لملوك ~~تلك الأعصار، وأن تلك اللغة تغيرت كتغير الفهلوية، وهي الفارسية الأولى إلى ~~الفارسية الثانية، وكاليونانية إلى الرومية، وتغير الحميرية وغير ذلك من ~~اللغات. انتهى كلام المسعودي. قلت: وليس بمستبعد هذه المقالة لأن لسان ~~العرب وهو أشرف الألسن وبه نزل القرآن الكريم قد تغير الآن غالبه، وصارت ~~العامة وغيرها تتكلم بكلام لو سمعه بعض أعراب ذلك الزمان لما فهموه لتغير ~~ألفاظه، وكذلك اللغة التركية، فإن لسان المغل الآن لا يعرفه جند زماننا هذا ~~ولا يتحدثون به، ولو سمعوه لما فهموه، وأشياء كثيرة من هذا ونشرع الآن بذكر ~~ما نحن بصدده، ومن لأجله صنف هذا الكتاب، وهم ملوك مصر والقاهرة؛ ونبدأ ~~بترجمة عمرو بن العاص - رضي الله عنه، لأنها فتحت على يديه، وهو أول من ~~وليها من المسلمين. ### | AUT ولاية عمرو بن العاص الأولى على مصر # هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن حصيص بن ~~كعب بن لؤي بن غالب، أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد القرشي السهمي الصحابية؛ ~~أسلم يوم الهدنة وهاجر، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ~~غزوة ذات السلاسل، وفيه أبو بكر وعمر، لخبرته بمكيدة الحرب. ثم ولي الإمرة ~~في غزوة الشأم لأبي بكر وعمر، ثم افتتح مصر حسبما تقدم ذكره ووليها لعمر ~~أولا، ثم وليها لمعاوية بن أبي سفيان ثانيا على ما يأتي ذكره. وحكى ابن سعد ~~في كتاب الطبقات: أنه أسلم بعد الحد يبية هو وخالد بن الوليد ms0044 وعثمان بن ~~طلحة. قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في تاريخ الإسلام: ~~وله عدة أحاديث، روى عنه ابناه عبد الله ومحمد، وأبو عثمان النهدي، وقبيصة ~~بن ذؤيب، وعلي بن رباح، وعبد الرحمن بن شماسة، وآخرون ؛ وقدم دمشق رسولا من ~~أبي بكر إلى هرقل، وله بدمشق دار عند سقيفة كردوس، ودار عند باب الجابية ~~تعرف ببني حجيجة، ودار عند عين الحمار ؛ وأمه عنزية، وكان قصيرا يخضب ~~بالسواد. PageV01P0024 # حدثنا ابن لهيعة عن مشرح عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص " رواه الترمذي. وقال ابن أبي ~~مليكة، قال طلحة بن عبيد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~عمرو بن العاص من صالحي قريش " أخرجه الترمذي وفيه انقطاع. وقال حماد بن ~~سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " ابنا العاص مؤمنان هشام وعمرو " . وقال ابن لهيعة عن يزيد بن ~~أبي حبيب أخبرني سويد بن قيس عن قيس بن سمي: أن عمرو بن العاص قال: يا رسول ~~الله، أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي؟ قال: " إن الإسلام والهجرة ~~يجبان ما كان قبلهما " قال: فوا لله ما ملأت عيني منه ولا راجعته بما أريد ~~حتى لحق بالله، حياء منه. وقال الحسن البصري: قال رجل لعمرو بن العاص: ~~أرأيت رجلا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبه، أليس رجلا صالحا؟ ~~قال: بلى، قال: قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبك، وقد استعملك ~~؛ قال: بلى، فوا لله ما أدري أحبا كان لي منه أو استعانة بي، ولكن سأحدثك ~~برجلين مات وهو يحبهما: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر؛ فقال الرجل: ذاك ~~قتيلكم يوم صفين، قال: قد والله فعلنا. وروي أن عمرا لما توفي النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان على عمان، فأتاه كتاب أبي بكر بذلك. قال ضمرة عن الليث ~~بن ms0045 سعد: إن عمر - رضي الله عنه - نظر إلى عمرو بن العاص يمشي، فقال: ما ~~ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرا. قال الذهبي بعد كلام ~~ساقه: ثم إن عمرا قال لمعاوية - يعني في أيام وقعة صفين: يا معاوية، أحرقت ~~كبدي بقصصك. أترى أنا خالفنا عليا لفضل منا عليه! لا والله، إن هي إلا ~~الدنيا نتكالب عليها، وأيم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك، أو لأنابذنك. ~~قال: فأعطاه مصر، يعطي أهلها عطاءهم وما بقي فله. ويروى أن عليا كتب إلى ~~عمرو يتألفه، فلما أتاه الكتاب أقرأه معاوية، وقال: قد ترى، فإما أن ~~ترضيني، وإما أن ألحق به! قال: فما تريد؟ قال: مصر، فجعلها له. وعن يزيد بن ~~أبي حبيب وغيره، أن الأمر لما صار لمعاوية استكثر طعمة مصر لعمرو، ورأى ~~عمرو أن الأمر كله قد صلح به وبتدبيره وعنائه، وظن أن معاوية سيزيده الشأم ~~مع مصر فلم يفعل معاوية، فتنكر له عمرو فاختلفا وتغالظا، فدخل بينهما ~~معاوية بن حديج فأصلح بينهما، وكتب بينهما كتابا: إن لعمرو ولاية مصر سبع ~~سنين وأشهد عليهما شهودا، ثم مضى عمرو إليها سنة تسع وثلاثين أعني في ~~ولايته الثانية، فما مكث نحو ثلاث سنين حتى مات. قال: وكان عمرو من أفراد ~~الدهر دهاء وجلادة وحزما ورأيا وفصاحة. ذكر محمد بن سلام الجمحي أن عمر بن ~~الخطاب كان إذا رأى رجلا يتلجلج في كلامه يقول: خالق هذا وخالق عمرو بن ~~العاص واحد. وقال مجالد عن الشعبي عن قبيصة عن جابر قال: صبحت عمر بن ~~الخطاب فما رأيت أقرأ لكتاب الله منه، ولا أفقه في دين الله منه، ولا أحسن ~~مداراة منه؛ وصحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى للجزيل منه من غير ~~مسألة؛ وصحبت معاوية فما رأيت رجلا أحلم منه؛ وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت ~~رجلا أبين، أو قال أنصع، ظرفا منه، ولا أكرم جليسا، ولا أشبه سريرة بعلانية ~~منه؛ وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا ms0046 يخرج من باب ~~منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها. وقال موسى بن علي بن رباح: حدثنا أبي، ~~حدثنا أبو قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرا كان يسرد الصوم، وقلما كان يصيب ~~من العشاء أول الليل، أكثر ما كان يأكل في السحر. وقال عمرو بن دينار: وقع ~~بين المغيرة بن شعبة وبين عمرو بن العاص كلام فسبه المغيرة، فقال عمرو: يا ~~آل هصيص، أيسبني ابن شعبة! فقال عبد الله ابنه: إنا لله! دعوت بدعوى ~~القبائل وقد نهي عنها! فأعتق عمرو ثلاثين رقبة. انتهى كلام الذهبي باختصار. ~~PageV01P0025 # قلت: ولما ولي عمرو بن العاص مصر ودخلها سكن الفسطاط. ولسبب تسمية مصر ~~بالفسطاط أقوال كثيرة، منها: أن عمرا لما أراد التوجه لفتح الإسكندرية أمر ~~بنزع فسطاطه أعني خيمته فإذا فيه يمامة قد فرخت، فقال عمرو: لقد تحرم منا ~~بمتحرم، فأمر به فأقركما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من ~~الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط - يعنون فسطاط عمرو الذي خلفه ~~بمصر مضروبا لأجل اليمامة فغلب عليه ذلك - وكان موضع الفسطاط المذكور موضع ~~الدار الذي تعرف اليوم بدار الحصار عند دار عمرو الصغيرة بمصر. وقال الشريف ~~محمد بن أسعد الجواني: كان فسطاط عمرو عند درب الحمام شمول بخط الجامع، ~~ولما رجع عمرو من الإسكندرية في سنة إحدى وعشرين أو غيرها نزل موضع فسطاطه ~~وتنافست القبائل بعضها مع بعض في المواضع، فولى عمرو بن العاص معاوية بن ~~حديج التجيبي، وشريك بن سمي الغطيفي، وعمرو بن قحزم الخولاني، وحيويل بن ~~ناشرة المعافري على الخطط، وكانوا هم الذين نزلوا الناس وفصلوا بين ~~القبائل، وذلك في سنة إحدى وعشرين من الهجرة؛ واستمر عمرو على عمله بمصر، ~~وشرع في بناء جامعه بمصر إلى أن عزله عثمان عن ولاية مصر في سنة خمس وعشرين ~~بعبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أنتقض صلح أهل الإسكندرية وغزاه عمرو ~~في السنة المذكورة. وسبب ذلك أن ملك الروم بعث إليهم منويل الخصي في مراكب ~~من البحر، فطمعوا في ms0047 النصرة ونقضوا دينهم، فغزاهم عمرو في ربيع الأول سنة ~~خمس وعشرين فافتتح الأرض عنوة والمدينة صلحا. ثم استأذن عمرا عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح في غزوة إفريقية، فأذن له عمرو بن العاص؛ وبعد قليل عزله ~~عثمان في هذه السنة بعبد الله بن أبي سرح المذكور - وعبد الله بن أبى سرح ~~أخو عثمان لأمه - وقيل: إن ذلك كان في سنة سبع وعشرين، والذي قلنا الأقوى ؛ ~~وهذه ولاية عمرو بن العاص على مصر الأولى. وتأتي بقية ترجمته ووفاته في ~~ولايته الثانية، إن شاء الله تعالى. وسبب عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر ~~أنه قدم على عثمان لما تخلف - وكان قدم على عمر مرتين استخلف في إحداهما ~~زكريا بن جهم العبدري، وفي الثانية ابنه عبد الله - فلما قدم عمرو على ~~عثمان سأله عزل عبد الله بن سعد ابن أبي سرح عن صعيد مصر، وكان عمر قد ولاه ~~صعيد مصر، فامتنع عثمان من ذلك، وعزله عن مصر وعقد لعبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح على مصر كلها مضافة للصعيد وغيره، فكانت ولاية عمرو بن العاص على مصر ~~في المرة الأولى أربع سنين وأشهرا. ### || AUT بناء جامع عمرو بن العاص بمصر # كان خانا والذي حاز موضعه قيسبة بن كلثوم التجيبي أبو عبد الله أحد بني ~~سوم، فلما رجعوا من الإسكندرية سأل عمرو قيسبة المذكور في منزله هذا يجعله ~~مسجدا؛ فقال له قيسبة: فإني أتصدق به على المسلمين، فسلمه إليهم؛ واختط مع ~~قومه بني سوم في تجيب وبني الجامع في سنة إحدى وعشرين، وكان طوله خمسين ~~ذراعا في عرض ثلاثين؛ ويقال: إنه وقف على إقامة قبلته ثمانون رجلا من ~~الصحابة، منهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ~~وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وأبو بصرة الغفاري، ومحمية بن جزء الزبيدي، ~~ونبيه بن صواب وغيرهم. وكانت القبلة مشرقة جدا، وإن قرة بن شريك لما هدم ~~المسجد المذكور وبناه في زمان الوليد بن عبد الملك بن مروان تيامن بها ~~قليلا. وذكر أن ms0048 الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة كانا يتيامنان إذا صليا في ~~المسجد الجامع؛ ولم يكن للمسجد الذي بناه عمرو محراب مجوف بل عمد قائمة ~~بصدر الجدار، وإنما قرة بن شريك المذكور جعل المحراب المجوف. وأول من أحدث ~~ذلك عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة ~~ليالي أسس مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هدم وزاد فيه. وكان لمسجد ~~عمرو بابان يقابلان دار عمرو بن العاص، وبابان في بحريه، وبابان في غربيه ؛ ~~وكان الخارج من زقاق القناديل يجد ركن الجامع الشرقي محاذيا لركن دار عمرو ~~الغربي وذلك قبل أن أخذ من دار عمرو بن العاص ما أخذ، وكان طوله من القبلة ~~إلى البحري مثل طول دار عمرو، وسقفه مطأطئا جدا ولا صحن له؛ وكان الناس في ~~الصيف يصطفون بفنائه؛ وكان بينه وبين دار عمرو سبعه أذرع؛ وكان الطريق ~~محيطا به من جميع جوانبه. PageV01P0026 # وكان عمرو قد اتخذ منبرا فكتب إليه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعزم ~~عليه في كسره ويقول: أما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس تحت عقبيك! ~~فكسره عمرو. وأول من صلي عليه من الموتى به في داخله أبو الحسين سعيد بن ~~عثمان صاحب الشرطة في النصف من صفر، وكانت وفاته فجأة فأخرج وصلي عليه خلف ~~المقصورة وكبر عليه خمسا، ولم يعلم أحد قبله صلي عليه بالجامع؛ وأنكر الناس ~~ذلك. وأول من زاد في الجامع المذكور مسلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر في ~~أيام معاوية سنة ثلاث وخمسين، فزاد فيه من بحريه وجعله رحبة في البحري ~~وبيضه وزخرفه، ولم يغير البناء القديم ولا أحدث في قبليه ولا غربيه شيئا. ~~وذكر أنه زاد فيه من شرقيه حتى ضاق الطريق بينه وبين دار عمرو بن العاص ~~وفرشه بالحصر وكان مفروشا قبل ذلك بالحصباء. وقيل: إن مسلمة نقض ما كان ~~عمرو بناه وزاد فيه من شرقيه وجعل له صوامع، وبنى فيه أربع صوامع في أركانه ~~الأربعة، وأمر ببناء المنارات في جميع المساجد، ms0049 وأمر مسلمة أن يكتب اسمه ~~على المنائر، وأمر مؤذني المسجد الجامع أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل، ~~فإذا فرغوا من آذانهم أذن كل مؤذن في الفسطاط في وقت واحد، فكان لآذانهم ~~دوي شديد، وأمر ألا يضرب بناقوس عند وقت الأذان، أعني الفجر. ثم إن عبد ~~العزيز بن مروان هدمه سنة تسع وسبعين، وهو أمير مصر من قبل أخيه عبد الملك ~~بن مروان، وزاد فيه من ناحية الغرب وأدخل فيه الرحبة التي كانت في بحريه ~~ولم يجد في شرقيه موضعا يوسعه به. وذكر الكندي في كتاب الأمراء أنه زاد فيه ~~من جوانبه كلها، ويقال: إن عبد العزيز المذكور لما أكمل بناء المسجد ~~المذكور خرج من دار الذهب عند طلوع الفجر فدخل المسجد فرأى في أهله خفة ~~فأمر بأخذ الأبواب على من فيه، ثم دعاهم رجلا رجلا، يقول للرجل: ألك زوجة ؟ ~~فيقول: لا، فيقول: زوجوه؛ ألك خادم؟ فيقول: لا، فيقول: اخدموه ؛ أحججت؟ ~~فيقول: لا، فيقول: أحجوه؛ أعليك دين؟ فيقول: نعم، فيقول: اقضوا دينه، فأقام ~~المسجد بعد ذلك دهرا عامرا ثم إلى اليوم. وذكر أن عبد الله بن عبد الملك بن ~~مروان في ولايته على مصر من قبل أخيه الوليد أمر برفع سقف المسجد الجامع ~~وكان مطأطئا وذلك في سنه تسع وثمانين. ثم إن قرة بن شريك العبسي بن قيس ~~عيلان هدمه في مستهل سنة اثنتين وتسعين بأمر الوليد بن عبد الملك بن مروان، ~~وقرة أمير على مصر من قبله، وابتدأ في بنائه في شعبان من السنة المذكورة، ~~وجعل على بنائه يحيى بن حنظلة مولى بني عامر بن لؤي، وكانوا يجمعون الجمعة ~~في قيسارية العسل حتى فرغ من بنائه في رمضان سنة ثلاث وتسعين ونصب المنبر ~~الجديد في سنة أربع وتسعين ونزع المنبر الذي كان في المسجد؛ وذكر أن عمرو ~~بن العاص كان جعله فيه. قلت: ولعله كان وضعه بعد وفاة عمر بن الخطاب، فإنه ~~كان منعه حسبما ذكرناه ؛ وقيل: هو منبر عبد العزيز بن مروان. PageV01P0027 # وذكر أنه حمل إليه من بعض ms0050 كنائس مصر. وذكر أن زكريا بن مرقى ملك النوبة ~~أهداه إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وبعث معه نجارا يسمى بقطر أمن أهل ~~دندرة، حتى ركبه ولم يزل هذا المنبر في الجامع إلى أن زاد قرة بن شريك ~~المذكور في الجامع، فنصب منبرا سواه، ولم يكن إذ ذاك يخطب في القرى إلا على ~~العصي إلى أن ولي عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير اللخمي مصر من قبل ~~مروان بن محمد فأمر باتخاذ المنابر في القرى، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة؛ ولا يعرف منبر أقدم من منبر قرة بن شريك بعد منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلم يزل كذلك إلى أن قلع وكسر أيام العزيز بالله نزار ~~العبيدي بنظر الوزير ابن كلس في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الأول ~~سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وجعل مكانه منبر مذهب، ثم أخرج هذا المنبر إلى ~~الإسكندرية وجعل بجامع عمرو بن العاص الذي بها، ثم أنزل المنبر الكبير إلى ~~الجامع المذكور في أيام الحاكم بأمر الله العبيدي في شهر ربيع الأول سنة ~~خمس وأربعمائة، وصرف بنو عبد السميع عن الخطابة وجعلت خطابته لجعفر بن ~~الحسن بن خداع الحسيني، وجعل إلى أخيه الخطابة في الجامع الأزهر، وصرف بنو ~~عبد السميع بن عمر بن الحسين بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن ~~العباس من جميع المنابر بعد أن أقاموا هم وسلفهم فيها ستين سنة ثم وجد بعد ~~ذلك المنبر الجديد الذي نصب بالجامع قد لطخ بالقذر نركل به من يحفظه وعمل ~~له غشاء من أدم مذهب، وخطب عليه ابن خداع وهو مغشى. وكانت زيادة قرة بن ~~شريك من القبلي والشرقي وأخذ بعض دار عمرو بن العاص وابنه عبد الله فأدخله ~~في المسجد، وأخذ منهما الطريق التي بين المسجد وبينهما، وعوض أولاد عمرو ما ~~هو في أيديهم من الرباع التي في زقاق مليح في النحاسين وقشرة، وأمر قرة ~~بعمل المحراب المجوف، وهو المحراب المعروف بمحراب عمرو، ms0051 لأنه في سمت محراب ~~المسجد القديم الذي بناه عمرو، وكانت قبلة المسجد القديم عند العمد المذهبة ~~في صف التوابيت، وهي أربعة عمد: اثنان في مقابلة اثنين؛ وكان قرة قد أذهب ~~رؤوسها، ولم يكن في المسجد عمد مذهبة غيرها، وكانت قديما حلقة أهل المدينة ~~ثم زوق أكثر العمد وطوق في أيام الإخشيد سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، ولم ~~يكن للمسجد أيام قرة غير هذا ا لمحراب. فأما المحراب الأوسط فيعرف بمحراب ~~عمر بن مروان أخي عبد الملك بن مروان الخليفة، ولعله أحدثه في الجدار بعد ~~قرة ؛ وذكر قوم أن قرة عمل هذين المحرابين، وصار للجامع أربعة أبواب في ~~شرقيه، آخرها باب إسرائيل، وهو باب النحاسين؛ وفي غربيه أربعة أبواب شاردة ~~في زقاق يعرف بزقاق البلاط، وفي بحريه ثلاثة أبواب. انتهى ما أوردناه من ~~أمر جامع عمرو بن العاصي المذكور - رضي الله عنه. ### || AUT بناء بيت المال # وأما بناء عمرو بن العاص لبيت المال بالفسطاط - فالأصح أن ما بناه أسامة ~~بن زيد التنوخي متولي الخراج بمصر في سنة سبع وتسعين في خلافة سليمان بن ~~عبد الملك بن مروان، وأمير مصر يوم ذاك عبد الملك بن رفاعة الآتي ذكره في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. وقد خرجنا عن المقصود لطلب الفائدة ونعود إلى ذكر ~~عمرو بن العاص - رضي الله عنه. قيل: إنه رئي وهو على بغلة هرمة، وهو إذ ذاك ~~أمير مصر، فقيل له: أتركب هذه وأنت أمير مصر؟ فقال: لا ملل عندي لدابتي ما ~~حملتني، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري؛ إن الملل من ~~كواذب الأخلاق. وعن عمرو قيل له: صف الأمصار، قال: أهل الشام أطوع الناس ~~للمخلوق وأعصاه للخالق؛ وأهل مصر أكيسهم صغارا وأحمقهم كبارا، وأهل الحجاز ~~أسرع الناس إلى الفتنة وأعجزهم عنها؛ وأهل العراق أطلبهم للعلم وأبعدهم ~~منه. قال مجالد عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو، والمغيرة ~~بن شعبة، وزياد بن أبيه ؛ فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو ~~فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادرة، وأما زياد ابن ms0052 أبيه فللصغير والكبير. ~~وقال أبو عمران بن عبد البر: كان عمرو من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، ~~مذكورا فيهم بذلك؛ وكان شاعرا محسنا حفظ عنه فيه الكثير في مشاهد شتى، وله ~~يخاطب عمارة بن الوليد بن شعبة عند النجاشي: الطويل إذا المرء لم يترك ~~طعاما يحبه ... ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما PageV01P0028 # قضى وطرا منه وغادر سنة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما وقال الذهبي في ~~التذهيب: روى أحمد بن حنبل عن أبي عبد الله البصري عن أبي مليكة قال: قال ~~عمرو بن العاص: إني لأذكر الليلة التي ولد فيها عمر. قلت: ما قال هذا إلا ~~لأنه أسن من عمر فلعل بينهما نحو خمسين سنة. انتهى كلام الذهبي باختصار. ### || AUT خطبة عمرو # وقال ابن عبد الحكم في تاريخه خطبة عمر: حدثنا عبد الرحمن حدثنا سعيد بن ~~ميسرة عن إسحاق بن الفرات عن ابن لهيعة عن الأسود بن مالك الحميري عن بحير ~~بن ذاخر المعافري قال: رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرا وذلك آخر ~~الشتاء: أظنه بعد حميم النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع، إذ أقبل رجال ~~بأيديهم السياط يزجرون الناس، فذعرت؛ فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بني، ~~هؤلاء الشرط؛ فأقام المؤذنون الصلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر، فرأيت ~~رجلا ربعة قصد القامة، وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشية كأن به ~~العقيان، تأتلق عليه حلة وعمامة وجبة، فحمد الله وأثنى عليه حمدا موجزا ~~وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ووعظ الناس وأمرهم ونهاهم، فسمعته يحض ~~على الزكاة وصلة الأرحام ويأمر بالاقتصاد وينهى عن الفضول وكثرة العيال ~~وقال في ذلك: يا معشر الناس، إياكم وخلالا أربعة، فإنها تدعو إلى النصب بعد ~~الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العزة. إياكم وكثرة العيال، ~~وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال، في غير لمحرك ولا نوال؛ ثم ~~إنه لا بد من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه والتدبير لشأنه، وتخليته ~~بين نفسه وبين شهواتها، ومن صار إلى ذلك ms0053 فليأخذ بالقصد والنصيب الأقل، ولا ~~يضيع المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه فيكون من الخير عاطلا، وعن حلال ~~الله وحرامه غافلا. يا معشر الناس، إنه قد تدلت الجوزاء، وذكت الشعرى، ~~وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقل الندى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ~~ودرجت السخائل، وعلى الراعي بحسن رعيته حسن النظر، فحي لكم على بركة الله ~~إلى ريفكم فنالوا من خيره ولبنه وخرافه وصيده ؛ وأربعوا خيلكم وأسمنوها ~~وصونوها وأكرموها، فإنها جنتكم من عدوكم وبها مغانمكم وأنفالكم، واستوصوا ~~بمن جاورتموه من القبط خيرا؛ وإياكم والمسومات والمعسولات فإنهن يفسدن ~~الدين ويقصرن الهمم. حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خيرا فإن ~~لكم منهم صهرا وذمة؛ فكفوا أيديكم وعفوا فروجكم وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ~~ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض ~~الرجال؛ فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك؛ واعلموا أنكم ~~في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم وتشوق قلوبهم إليكم وإلى ~~داركم معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية. وحدثني عمر أمير ~~المؤمنين أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا فتح الله عليكم ~~مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض " ، فقال له أبو ~~بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: " لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة " . ~~فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم، فإذا ~~يبس العود وسخن العمود وكثر الذباب حمض اللبن وصوح البقل وانقطع الورد من ~~الشجر، فحي إلى فسطاطكم على بركة الله؛ ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال على ~~عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته؛ أقول قولي هذا ~~وأستحفظ الله عليكم. قال: فحفظت ذلك عنه ؛ فقال والدي بعد انصرافنا إلى ~~المنزل - لما حكيت له خطبته - إنه يا بني يحدو الناس إذا انصرفوا إليه على ~~الرباط كما حداهم على الريف ms0054 والدعة. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عمرو بن العاص # ### || AUT الأولى على مصر # وهي سنة عشرين من الهجرة: فيها كانت غزوة تستر؛ وفيها توفي بلال بن رباح ~~الحبشي مولى أبي بكر الصديق، وحمامة أمه، وكان من السابقين الأولين وممن ~~عذب في الإسلام وشهد بدرا وكان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ مات بدمشق ~~بالطاعون في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، ودفن بدمشق بالباب الصغير، وله ~~بضع وستون سنة - رضي الله عنه. PageV01P0029 # وفيها توفيت زينب بنت جحش بن رباب الأسدي - أسد خزيمة - أم المؤمنين، ~~تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث وقيل سنة خمس وقيل سنة أربع وهو ~~الأصح. وفيها توفي البراء بن مالك الأنصاري، أخو أنس بن مالك الأنصار في ~~النجاري: كان أحد الأبطال الأفراد في الصحابة - رضي الله عنهم. وفيها توفي ~~عياض بن غنم، أبو سعد، من المهاجرين الأولين؛ شهد بدرا وغيرها - رضي الله ~~عنه. وفيها توفي سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي: كان من أشراف بنى جمح، له ~~صحبة ورواية، قال الذهبي: روى عنه عبد الرحمن بن سابط. وفيها توفي أبو ~~سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رضيع ~~النبي وشبيهه. وفيها توفي هرقل عظيم الروم وقام ابنه قسطنطين مكانه. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة ~~سبعة عشر ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عمرو بن العاص # ### || AUT ### || AUT ### || AUT الأولى على مصر # وهي سنة إحدى وعشرين من الهجرة: فيها فتحت الإسكندرية في مستهلها على يد ~~عمرو بن العاص بعد أمور وحروب؛ وفي آخرها افتتح عمرو بن العاص برقة وصالحهم ~~على ثلاثة عشر ألف دينار. وفيها اشتكى أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر ~~بن الخطاب - رضي الله عنه، فصرفه عمر وولى عليهم عمار بن ياسر على الصلاة، ~~وولى عبد الله بن مسعود على بيت المال، وولى عثمان بن حنيف على مساحة أرض ~~السواد. وفيها كان فتح نهاوند، ms0055 وأستشهد أمير الجيش الذي توجه إليها، وهوا ~~لنعمان بن مقرن المزني، واستشهد أيضا يومئذ طليحة بن خويلد بن نوفل وفتحت ~~تستر. وفيها صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس على أنطاكية وملطية ~~وغيرهما. وفيها توفي خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن ~~مخزوم القرشي المخزومي، أبو سليمان، سيف الله، كذا لقبه النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ وأمه لبابة أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، ودفن بحمص، ~~وقبره مشهور يقصد للزيارة. وفيها توفي العلاء بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد ~~الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن مقنع، بن حضرموت، حليف بني أمية ؛ وإلى ~~أخيه تنسب بئر ميمونة التي بأعلى مكة احتفرها في الجاهلية. وفيها توفي ~~الجارود العبدي: سيد عبد القيس؛ وكنيته أبو عتاب؛ وقيل أبو المنذر؛ وقيل ~~اسمه بشر، ولقب جارودا لأنه أغار على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم؛ أسلم سنة ~~عشر من الهجرة وفرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمسة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عمرو # ### || AUT ### || AUT ### || AUT الأولى على مصر # وهي سنة اثنتين وعشرين من الهجرة: فيها افتتح عمرو بن العاص طرابلس ~~الغرب، وقيل في التي بعدها وفيها غزا حذيفة مدينة الد ينور فافتتحها عنوة، ~~وقد كانت فتحت قبل لسعد ثم انتقضت. وفيها أيضا غزا حذيفة ما سبذان فافتتحها ~~عنوة؛ وقيل كان افتتحها سعد ثم نقضوا؛ وقال طارق بن شهاب: غزا أهل البصرة ~~ماه، فأمدهم أهل الكوفة وعليهم عمار بن ياسر فأرادوا أن يشركوا في الغنائم ~~فأبى أهل البصرة، ثم كتب إليهم عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة. وفيها فتحت ~~همذان قاله ابن جرير وغيره؛ وفيها فتحت الري وما بعدها، ثم فتحت أذربيجان ~~في قول الواقدي وأبي معشر، وقال سيف: كانت في سنة ثماني عشرة؛ وكان بين أهل ~~هذه البلاد والمسلمين حروب كثيرة حتى فتح الله عليهم. وفيها توفي أبي بن ~~كعب، في قول ms0056 الواقدي وابن نمير والد يلمي واليزيدي؛ وقيل في سنة تسع عشرة. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم، أعني القاعدة، ستة أذرع واثنا عشر ~~إصبعا مبلغ الزيادة فيها ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية عمرو # ### || AUT ### || AUT ### || AUT الأولى على مصر # وهي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة: فيها فتح كرمان، وكان أميرها سهل بن ~~عدي. وفيها فتحت سجستان، وكان أمير الجيش عاصم بن عمر. وفيها فتحت مكران، ~~وكان أمير الجيش لفتحها الحكم بن عثمان وهي من بلاد الجبل. PageV01P0030 # وفيها - ذكر سيف عن مشايخه: أن سارية بن زنيم قصد فسا ودارابجرد واجتمع ~~له جموع من الفرس والأكراد عظيمة ودهم المسلمين منهم أمر عظيم، ورأى عمر بن ~~الخطاب في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من نهار وأنهم ~~في صحراء، وهناك جبل إن استندوا إليه لم يؤتوا إلا من جهة واحدة، فنادى عمر ~~من الغداة للصلاة جماعة حتى إذا كانت الساعة التي كان رأى أنهم اجتمعوا ~~فيها خرج إلى الناس، فصعد المنبر فخطب الناس وأخبرهم بما رأى ثم قال: يا ~~سارية، الجبل الجبل ! ثم قال: إن لله جنودا ولعل بعضها أن يبلغهم ؛ قال: ~~ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم الله على عدوهم وفتحوا البلد؛ وقيل في رواية ~~أخرى: إنما كان عمر في خطبة الجمعة. - وفيها حج عمر بن الخطاب بأزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهي آخر حجة حجها. وفيها غزا معاوية بن أبي سفيان ~~الصائفة حتى بلغ عمورية. وفيها توفي قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن ~~سواد بن كعب واسمه ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس أبو عمرو ~~الأنصاري الظفري أخو أبي سعيد الخدري لأمه وقتادة الأكبر. شهد قتادة وقعة ~~بدر، وأصيبت عينه ووقعت على خده في يوم أحد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فغمز حدقته وردها إلى موضعها فكانت أصح عينيه. وفيها توفي أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط ms0057 بن رزاح بن عدي بن كعب ~~بن لؤي، أبو حفص القرشي العدوي الفاروق. استشهد في يوم الأربعاء لثمان بقين ~~من ذي الحجة وقيل لأربع، وسنه يوم مات نيفت على ستين سنة، وقيل غير ذلك على ~~أقوال كثيرة. ضربه أبو لؤلؤة - واسمه فيروز - عبد المغيرة بن شعبة بخنجر في ~~خاصرته وهو في صلاة الصبح فمات بعد ثلاثة أيام؛ وتولى الخلافة بعده عثمان ~~بن عفان - رضي الله عنهما؛ وكانت خلافته عشر سنين ونصف لأنه ولي بعد وفاة ~~أبي بكر الصديق في ثامن جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. قلت: ويضيق هذا المحل ~~عن ذكر شيء من بعضي مناقبه وما ورد في حقه من الأحاديث، وقد ذكرنا ذلك في ~~غير هذا المكان. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية ~~عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية عمرو بن العاص # ### || AUT الأولى على مصر # وهي سنة أربع وعشرين من الهجرة: فيها سار منويل الخصي إلى الإسكندرية ~~فسأل أهل مصر عثمان إرسال عمرو بن العاص لقتال منويل المذكور، فجاء إليها ~~عمرو،وحارب حتى افتتحها الفتح الثاني في هذه السنة، وقيل: بل كان ذلك في ~~سنة خمس وعشرين وهو الأصح. وفيها حج بالناس عثمان بن عفان - رضي الله عنه. ~~وفيها - في قول سيف - عزل عثمان سعدا عن الكوفة وولى الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط مكانه، فكان هذا مما نقم على عثمان، وكنيته أبو وهب، وهو أخو عثمان ~~لأمه، وله صحبة ورواية، روى عنه أبو موسى الهمذاني والشعبي وحارثة بن مضرب ~~وغيرهم. وفيها فتح معاوية بن أبي سفيان الحصون وولد له ابنه يزيد. وفيها ~~توفي سراقة بن مالك بن جعشم أبو سفيان المدلجي. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعا، مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة أصابع. ### | AUT ولاية أبن أبي سرح على مصر # هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح، واسمه الحسام وسرح بالسين والحاء ~~المهملتين والحسام بن الحارث بن حبيب ms0058 بالحاء المهملة مصغرا بن جذيمة بن نصر ~~بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، أبو يحيى العامري عامر قريش. ولي إمرة مصر ~~بعد عزل عمرو بن العاص في سنة خمس وعشرين، كما تقدم ذكره، من قبل عثمان بن ~~عفان، وجاءه الكتاب بولايته وهو بالفيوم، فجعل لأهل الجواب جعلا فقدموا به ~~مصر، وسكن الفسطاط ومكث أميرا على مصر مدة ولاية عثمان بن عفان كلها وهو ~~أخو عثمان لأمه؛ قاله ابن كثير، قال: وهو الذي شفع له يوم الفتح حين كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه. يأتي ذكر ذلك مفضلا في آخر ترجمته ~~من كلام ابن حجر بعد أن نذكر نبذة من أموره. ولما ولي مصر أحسن السيرة في ~~الرعية، وكان جوادا كريما؛ ثم أمره عثمان PageV01P0031 # أن يغزو إفريقية، فإذا افتتحها كان له خمس الخمس من الغنيمة نفلا. فسار ~~عبد الله بن أبي سرح المذكور إلى إفريقية في عشرة آلاف وغزاها حتى افتتح ~~سهلها وجبلها وقتل خلقا كثيرا من أهلها - ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام ~~وحسن إسلامهم. وأخذ عبد الله بن أبي سرح المذكور خمس الخمس من الغنيمة وبعث ~~بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة في الجيش فأصاب الفارس ~~ثلاثة آلاف دينار والراجل ألف دينار. قال الواقدي: وصالحه بطريقها على ألفي ~~ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، فأطلقها عثمان كلها في يوم ~~واحد في آل الحكم، ويقال: في آل مروان؛ ثم غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح ~~المذكور إفريقية ثانية في سنة ثلاث وثلاثين حين نقض أهلها العهد حتى أقرهم ~~على الإسلام والجزية؛ واستشهد معه في هذه المرة بإفريقية جماعة منهم: معبد ~~بن العباس بن عبد المطلب وغيره. ثم غزا في سنة أربع وثلاثين غزوة ذات ~~الصواري في البحر من ناحية الإسكندرية، فلقيه قسطنطين بن هرقل في ألف مركب، ~~وقيل في سبعمائة، والمسلمون في مائتي مركب، وتقاتلا فانتصر الأمير عبد الله ~~هذا وهزم الروم؛ وإنما سميت غزوة ذات الصواري لكثرة صواري المراكب ms0059 ~~واجتماعها. وعاد إلى مصر فبلغه في سنة خمس وثلاثين خبر من ثار على عثمان - ~~رضي الله عنه - ودخل منهم طائفة إلى مصر بأمر عثمان ؛ فإنه كان أخرج منهم ~~جماعة إلى البصرة والشام ومصر، فلما قدم من قدم منهم إلى مصر وافقهم جماعة ~~من المصريين على خلاف عثمان كرها في ابن أبي سرح هذا لكونه ولي بعد عمرو بن ~~العاص، وأيضا لاشتغاله عنهم بقتال أهل المغرب وفتح بلاد البربر وأندلس ~~وإفريقية وغيرها؛ ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حرب ~~عثمان وحرب عبد الله بن أبي سرح المذكور، واجتمعوا واستنفروا من مصر في ~~ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب لينكروا على ~~عثمان؛ وساروا إلى المدينة تحت أربع رايات، وأمر الجميع إلى عمرو بن بد يل ~~بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن التجيبي، وأقبل معهم محمد ابن أبي بكر ~~الصديق، وأقام بمصر محمد بن حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء؛ فكتب ابن ~~أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة ~~معتمرين، فوقع لهم مع عثمان - رضي الله عنه - أمور يطول شرحها إلى أن سألوا ~~عثمان عزل عبد الله بن أبي سرح هذا عن ولاية مصر ويولي عليهم محمد بن أبي ~~بكر الصديق، فأجابهم إلى ذلك ة فلما رجعوا وجدوا في الطريق بريديا يسير ~~فأخذوه وفتشوه، فإذا معه في إداوة كتاب كتبه مروان بن الحكم كاتب عثمان ~~وابن عمه، والكتاب على لسان عثمان، فيه الأمر بقتل طائفة منهم وصلب آخرين ~~وقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم ؛ وكان على الكتاب طبع خاتم عثمان، والبريد ~~أحد غلمان عثمان - و - على جمله، فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب إلى المدينة ~~وداروا به على الناس، فكلم الناس عثمان في أمر الكتاب؛ فقال عثمان ما ~~معناه: إنه دلس عليه الكتاب ثم قال: والله لا كتبته ولا أمليته ولا دريت ~~بشيء من ذلك ؛ والخاتم قد يزور على الخاتم؛ فصدقه الصادقون وكذبه الكاذبون ~~في ذلك. واستمر عبد الله بن أبي سرح ms0060 على عمله على كره من المصريين إلى أن ~~خرج من مصر متوجها إلى عثمان بعد أن استخلف عليها عقبة بن عامر الجهني. ~~وقتل عثمان - رضي الله عنه - واستخلف علي - رضي الله عنه، فعزل عبد الله ~~ابن أبي سرح هذا عن مصر وولاها لقيس بن سعد بن عبادة - رضي الله عنهما. ثم ~~استولى على مصر جماعة من قبل علي بن أبي طالب وقاتلوا عقبة بن عامر على ما ~~سيأتي ذكره بعد أن نذكر من توفي في أيام ولاية عبد الله بن سعد ابن أبي سرح ~~هذا على مصر كما هو عادة كتابنا هذا. وكان عزل عبد الله ابن أبي سرح عن مصر ~~في سنة ست وثلاثين بعد أن حكمها نحوا من عشر سنين. وأما عبد الله بن سعد بن ~~أبي سرح صاحب الترجمة فلم أقف له على خبر بعد ذلك ؛ غير أن بعض المؤرخين ~~ذكروا أنه توفي بفلسطين في - سنة ست وثلاثين المذكورة، ويقال غير ذلك أقوال ~~كثيرة؛ منها: قال الحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني في الإصابة: روى ~~الحاكم PageV01P0032 # من طريق السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم الناس كلهم إلا أربعة نفر وامرأتين: عكرمة وابن ~~خطل ومقيس بن صبابة وابن أبي سرح، وذكر الحديث، قال: فأما عبد الله فاختبأ ~~عند عثمان فجاء به عثمان حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع ~~الناس، فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على ~~أصحابه فقال: " أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن ~~مبايعته فيقتله " . ومن طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فزين له ~~الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل " ~~يعني يوم الفتح " فاستجار بعثمان، فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه ~~أبو ms0061 داود. وروى ابن سعد من طريق ابن المثيب قال: كان رجل من الأنصار نذر إن ~~رأى ابن أبي سرح أن يقتله، فذكر نحوا من حديث مصعب بن سعد عن أبيه. وروى ~~الدار قطني من حد يث سعيد بن يربوع المخزومي نحو ذلك؛ ومن طريق الحكم بن ~~عبد الله عن قتادة بن أنس بمعناه ؛ وأوردها ابن عساكر من حديث عثمان بن ~~عفان أيضا؛ وأفاد سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان أن الأنصاري الذي قال: ~~فهلا أومأت إلينا، هو عباد بن بشر، ثم قال: وقيل: إن الذي قال هو عمر. وقال ~~ابن يونس: شهد فتح مصر واختط بها؛ وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن ~~العاص في فتح مصر، وله مواقف محمودة في الفتوح، وأمره عثمان ### || AUT على مصر # . ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد، ومات بها سنة ست وثلاثين، ~~وقيل: كان قد سار من مصر إلى عثمان واستخلف السائب بن هشام بن عمرو فبلغه ~~قتله، فرجع فتغلب ### || AUT على مصر # محمد بن أبي حذيفة فمنعه من دخولها، فمضى إلى عسقلان، وقيل إلى الرملة، ~~وقيل بل شهد صفين، وعاش إلى سنة سبع وخمسين. ذكره ابن منده. وقال البغوي: ~~له عن النبي صلى الله عليه وسلم حد يث واحد وخرجه ؟ ووقع لنا بعلو في ~~المعرفة لابن منده. انتهى كلام ابن حجر باختصار، وتأتي بقية ترجمة ابن أبي ~~سرح هذا في حوادث سنيه. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبد الله بن سعد # ### || AUT ### || AUT بن أبي سرح ### || AUT على مصر # وهي سنة خمس وعشرين من الهجرة: فيها، في قول سيف، عزل عثمان سعدا عن ~~الكوفة ؛ وفيها سار الجيش من الكوفة وعليهم سليمان بن ربيعة إلى برذعة، ~~فقتل وسبى؛ وفيها حج بالناس عثمان بن عفان - رضي الله عنه. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع واثنا عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عبد الله بن سعد # ### || AUT ### || AUT بن أبي سرح ### || AUT ms0062 على مصر # وهي سنة ست وعشرين من الهجرة: فيها فتحت سابور وكان أمير الجيش عثمان بن ~~أبي العاص الثقفي صالحهم على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف. وفيها زاد ~~عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في المسجد الحرام ووسعه واشترى الزيادة من ~~قوم وأبى آخرون، فهدم عليهم ووضع الأثمان في. بيت المال، فصاحوا بعثمان، ~~فأمر بهم إلى الحبس وقال: ما جرأكم علي إلا حلمي، وقد فعل هذا عمر فلم ~~تصيحوا عليه. وفيها حج عثمان بن عفان بالناس. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة ~~أصابع؛ وقيل خمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية ابن أبي سرح # ### || AUT على مصر # وهي سنة سبع وعشرين: فيها توفي عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن ~~مبذول، وكنيته أبو يحيى، وقيل أبو الحارث. صحابي شهد بدرا. وفيها فتحت ~~الأندلس، وكان أميرا الجيش عبد الله بن الحصين وعبد الله بن عبد القيس، ~~أتياها من قبل البحر؛ كتب إليهما عثمان - رضي الله عنه - يقول: " إن ~~القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء ~~لمن يفتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان والسلام " . قال ابن جرير: قال ~~بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرس. وقال الواقدي: كان ذلك في سنة ثمان ~~وعشرين. وقال أبو معشر: غزاها معاوية سنة ثلاث وثلاثين والله أعلم. وقاد ~~الواقدي: في هذه السنة فتحت اصطخر ثانيا على يدي عثمان ابن أبي العاص. ~~PageV01P0033 # وقال الذهبي: فيها غزا معاوية قبرس وكان معه عبادة بن الصامت وزوجة عبادة ~~أم حرام بنت ملحان الأنصارية فاستشهد ت ؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يغشاها ويقيل عندها وبشرها بالشهادة. وفيها صالح عثمان بن أبي العاص أهل ~~أرجان على ألفي ألف ومائتي ألف، وصالح أهل دارا بجرد على ألف ألف وثمانين ~~ألفا. وفيها غزا أمير مصر ابن أبي سرح صاحب الترجمة إفريقية حسبما تقدم، ~~وكان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن ms0063 عمرو بن العاص وعبد الله ~~بن الزبير بن العوام، وكان المسلمون في عشرين ألفا، وكان العدو يعني جرجير ~~في مائتي ألف مقاتل، وفتح الله وغنم المسلمون شيئا كثيرا، وفيها حج بالناس ~~عثمان - رضي الله عنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع ~~وثلاثة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية ابن أبي سرح # ### || AUT ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة ثمان وعشرين: فيها فتحت قبرس على يد معاوية؛ قاله الذهبي في ~~قول؛ وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - منع المسلمين من الغزو في البحر ~~شفقة عليهم، فلما ولي عثمان استأذنه معاوية فأذن له ففتح الله على يده. ~~وفيها غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم، قاله الواقدي. وفيها غزا ~~الوليد بن عقبة أذربيجان، فصالحهم مثل صلح حذيفة. وفيها حج بالناس أمير ~~المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية ابن أبي سرح # ### || AUT ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة تسع وعشرين: فيها افتتح عبد الله بن عامر اصطخر، في قول، عنوة ~~فقتل وسبى. وكان على مقدمته عبيد الله بن معمر بن عثمان التيمي وكلاهما ~~صحابي. وفيها عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة بعد عمالة ست سنين، ~~وقيل ثلاث، وولى عليها عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد ~~شمس، وهو ابن خال عثمان ؛ وجمع له بين جند أبي موسى وجند عثمان ابن أبي ~~العاص، وله من العمر خمس وعشرون سنة فأقام بها ست سنين. وفيها وسع عثمان بن ~~عفان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبناه بالقضة وهي الكلس كان يؤتى به من ~~بطن نخل، والحجارة المنقوشة وجعل عمده حجارة مرصعة وسقفه بالساج، وجعل طوله ~~ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة على ما كانت عليه ~~في زمن ms0064 عمر بن الخطاب - رضي الله عنه. وفيها حج بالناس عثمان بن عفان - رضي ~~الله عنه - وضرب له بمنى فسطاط، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم ~~الصلاة عامه هذا، فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة كعلي وعبد الرحمن بن ~~عوف وعبد الله بن مسعود. وفيها نقضت أذربيجان فغزاهم سعيد بن العاص حتى ~~افتتحها ثانيا؛ وفيها فتحت أصبهان؛ وفيها عزل عثمان الوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط عن الكوفة وولاها سعيد بن العاص. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمسة أذرع وستة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من ولاية ابن أبي سرح # ### || AUT ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة ثلاثين بعد الهجرة: فيها افتتح عبد الله بن عامر مدينة هور من ~~أرض فارس وغنم منها شيئا كثيرا. ثم افتتح عبد الله المذكور أيضا بلادا ~~كثيرة من أرض خرا سان؛ ثم افتتح نيسابور صلحا، ويقال عنوة؛ ثم صالح أهل ~~سرخس على مائة وخمسين ألفا، وصالح أهل مرو على ألفي ألف ومائتي ألف ؛ ولما ~~فتح عبد الله بن عامر هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان وأتاه المال ~~من كل وجه حتى اتخذ الخزائن وزاد الأرزاق. وفيها نقض أهل خراسان وتجمعوا، ~~فنهض لقتالهم الأحنف بن قيس وقاتلهم حتى هزمهم، وكانت وقعة مشهورة. وفيها ~~توفي الطفيل بن الحارث بن عبد المطلب المطلبي، وهو أخو عبدة بن الحارث ~~والحصين بن الحارث، وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها ~~توفي أبي بن كعب، في قول الواقدي ؛ وقد تقدم؛ وهذا أثبت الأقوال في موته ~~وفيها توفي حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، حليف بني أسد بن عبد العزى، وهو ~~صحابي شهد بدرا - رضي الله عنه. PageV01P0034 # وفيها توفي عبد الله بن كعب بن عمرو المازني الأنصاري البدري أيضا. كنيته ~~أبو الحارث وقيل أبو يحيى ؛ شهد بدرا وكان على الخمس يوم بدر - رضي الله ~~عنه. وفيها توفي عياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن ms0065 هلال أبو سعد ~~القرشي؛ كان أيضا ممن شهد بدرا والمشاهد بعدها؛ هكذا قال ابن سعد، وفرق ~~بينه وبين ابن أخيه عياض بن غنم بن زهير الفهري أمير الشام المتوفى سنة ~~عشرين. وفيها توفي معمر بن أبي سرح ؛ واسمه ربيعة بن هلال القرشي الفهري، ~~أبو سعيد، وقيل اسمه عمرو؛ وهو أيضا ممن شهد بدرا. وفيها توفي مسعود بن ~~ربيعة، وقيل ابن الربيع أبو عمير القاري، والقارة حلفاء بني زهرة؛ وهو أيضا ~~ممن شهد بدرا وغيرها - رضي الله عنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع وستة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من ولاية ابن أبي سرح # ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة: فيها توفي أبو سفيان صخر بن حرب بن ~~أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي؛ أسلم أبو سفيان يوم الفتح وشهد ~~حنينا وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم مائة من الإبل وأربعين ~~أوقية؛ وقد فقئت عينه يوم الطائف، ثم شهد غزوة اليرموك. وفيها توفي أبو ~~الدرداء، واسمه عويمر بن يزيد، وقيل ابن عبد الله بن قيس بن ثعلبة بن أمية ~~بن مالك بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الصحابي المشهور - رضي ~~الله عنه. وفيها توفي نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي. كنيته أبو سلمة. له ~~صحبة ورواية - رضي الله عنه. وفيها توفي كسرى ملك فارس؛ وهو يزدجرد بن ~~شهريار؛ وسبب هلاكه أنه هرب من كرمان إلى مرو فلم يتم له ذلك ؛ فخرج أيضا ~~هاربا إلى أن نزل برجل ينقر الأرحاء فأوى إليه، فقتله الرجل وأخذ ما عليه ~~من الجواهر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا؛ ~~مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية ابن أبي سرح # ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة اثنتين وثلاثين: فيها سار عبد الله بن عامر من البصرة إلى ~~المشرق فافتتح بها بلادا كثيرة: الطالقان ms0066 وجرجان وبلخ وطخارستان ؛ وكان على ~~مقدمته الأحنف بن قيس؛ وقيل بل جهز عبد الله بن عامر الأحنف وأقام هو ~~بالبصرة يمده بالمال والرجال. وفيها غزا عبد الرحمن بن ربيعة بلنجر. وكان ~~صاحبها نازلا قريبا من باب الأبواب، وبعث يطلب من سعيد بن العاص المدد ~~فأمده بحبيب بن مسلمة الفهري فأبطأ حبيب على عبد الرحمن فسار عبد الرحمن ~~نحو بلنجر المذكورة وحصرها. وفيها توفي أبو ذر الغفاري، واسمه جندب بن ~~جنادة بن كعيب بن صعير بن الوقعة بن حرام بن سفيان بن عبيد بن حرام؛ وكان ~~من أحد السابقين الأولين وكان خامسا في الإسلام - رضي الله عنه. وفيها توفي ~~العباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو الفضل، عم النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~وولد قبل النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين أو بثلاث. أسلم بعد وقعة بدر - ~~رضي الله عنه. وقد استسقى به عمر بن الخطاب في أيام خلافته في بعض السنين. ~~وفيها توفي عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فأربن مخزوم بن ~~صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، ~~أبو عبد الرحمن الهذلي حليف بني زهرة؛ أسلم قبل عمر، وكان سبب إسلامه مرور ~~النبي صلى الله عليه وسلم به وقصته مشهورة؛ وهو أحد كبار الصحابة - رضي ~~الله عنه، وهو من السابقين الأولين وشهد بدرا والمشاهد كلها. وفيها توفي ~~عبد الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي ~~الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا ~~للإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى بعد موت عمر لأجل الخلافة. وفيها توفي ~~أبو الدرداء عويمر وقد تقدم ذكره، والصحيح أنه توفي في هذه السنة. وفيها ~~توفي الحكم بن أبى، العاص بن أمية بن عبد شمس، عم عثمان بن عفان - رضي الله ~~عنه، وأبو مروان بن الحكم؛ نفاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فدام ~~به إلى أن أستقدمه عثمان في خلافته؛ ms0067 وسمي الحكم هذا طريد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولعينه. PageV01P0035 # NOTMATCH ### || AUT بن أبي سرح على مصر NOTMATCH # وفيها توفي سلمان الفارسي؛ وكنيته أبو عبد الله، ويقال له سلمان الخير؛ ~~أصله من اصطخر، وقيل من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جوي؛ وهو من الطبقة ~~الثانية من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين؛ كان من المهاجرين؛ شهد بدرا ~~وأحد ا. وفيها توفي سنان بن أبي سنان بن محصن الأسدي: من الطبقة الأولى من ~~الصحابة ؛ كان من المهاجرين؛ شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وفيها توفي عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن ~~سهم؛ كنيته أبو حذافة؛ كان ممن هاجر الهجرتين وشهد بدرا وأحدا والخندق ~~والمشاهد كلها. وهو رسول النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى. وفيها توفي ~~كعب الأحبار بن ماتع الحميري، من مسلمي أهل الكتاب؛ كنيته أبو إسحاق. أسلم ~~على يد أبي بكر الصديق، وقيل على يد عمر - رضي الله عنهما؛ وهو من الطبقة ~~الأولى من التابعين. وفيها توفي أبو مسلم الجبلي بالجيم وهو من جبل صيدا ~~بساحل دمشق؛ أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم على يد أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه، وقيل بعد ذلك؛ وهو من الطبقة الأولى من ~~التابعين.وفيها توفي معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي الأزدي، حليف بني عبد شمس ~~بن عبد مناف ؛ أسلم بمكة قديما وهاجر إلى الحبشة وشهد خيبر - رضي الله عنه. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة أصابع. السنة التاسعة من ولاية ابن أبي سرح ### || AUT على مصر # وهي سنة ثلاث وثلاثين: فيها نفى عثمان - رضي الله عنه - جماعة من أهل ~~الكوفة إلى الشام كانوا يعيبون عليه ويطعنون فيه ويسبون سعيد بن العاص والي ~~الكوفة، فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فكتب إليه عثمان يسيرهم إلى الشام، ~~فسيرهم وفيهم عروة بن، الجعد البارقي ومالك بن الحارث الأشتر النخعي وجندب ~~بن زهير ms0068 وعمرو بن الحمق وابن أبي زياد وغيرهم. وفيها غزا معاوية بن أبي ~~سفيان بلاد الروم ووصل إلى حصن المرأة من أعمال ملطية وافتتحه. وفيها غزا ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية وكانوا نقضوا كما تقدم في ترجمته. ~~وفيها بعث عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس إلى خراسان وكانوا أيضا قد نقضوا ~~العهد فقاتلهم وظفر بهم ولحقه عبد الله بن عامر فهدم مدينتها. وفيها توفي ~~المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الكندي، وكنيته أبو معبد؛ ويقال ~~له ابن الأسود لأنه كان حالف الأسود بن عبد يغوث في الجاهلية فتبناه، وإنما ~~قيل له الكندي لأن أباه كان حالف كندة ؛ وهو في الصحابة من الطبقة الأولى، ~~كان من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها؛ وكان يقال له ~~فارس الإسلام - رضي الله عنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ~~وعشرون إصبعا؛ مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية ابن أبي سرح # ### || AUT على مصر # وهي سنة أربع وثلاثين: فيها غزا أمير مصر صاحب الترجمة غزوة ذات الصواري ~~وانتصر على الروم حسبما تقدم ذكره وفيها سارت ركائب المنحرفين عن عثمان ~~وكان جمهورهم من أهل الكوفة. وفيها توفي إياس بن أبي البكير الكناني حليف ~~بني عدي؛ كان من المهاجرين، شهد بدرا هو وإخوته: خالد وعاقل وعامر، ولم ~~يشهد بدرا إخوة أربعة سواهم؛ وقد شهد إياس هذا فتح مصر - رضي الله عنه. ~~وفيها توفي عبادة بن الصامت في قول. وقد تقدم ذكره وهو أحد النقباء ليلة ~~العقبة ومن كبار الصحابة. وفيها توفي مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد ~~مناف المطلبي المذكور في حديث الإفك. شهد بدرا والمشاهد بعدها؛ وكان فقيرا ~~ينفق عليه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه. وفيها توفي أبو عبس بن جبر بن ~~عمرو الأنصاري الأوسي؛ واسمه على الأصح عبد الرحمن؛ وكان اسمه في الجاهلية ~~عبد العزى فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو من الذين قتلوا ms0069 كعب بن ~~الأشرف اليهودي، وشهد بدرا وغيرها. وفيها توفي أبو طلحة الأنصاري، واسمه ~~زيد بن سهل بن الأسود، أحد بني مالك بن النجار؛ كان من النقباء ليلة ~~العقبة. شهد بدرا والمشاهد بعدها. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ستة أذرع وتسعة أصابع؛ مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية عبد الله بن سعد # بن أبي سرح ### || AUT على مصر # PageV01P0036 # وهي سنة خمس وثلاثين: فيها عزل عبد الله بن أبي سرح عن مصر في قول. وفيها ~~كانت غزوة ذي خشب وأمير المسلمين فيها معاوية بن أبي سفيان. وفيها كان خروج ~~أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح من مصر متوجها إلى عثمان، واستخلف ### || AUT على مصر # عقبة بن عامر الجهني، وقيل السائب بن هشام العامري، وجعل على خراجها ~~سليم بن عتر التجيبي، وكان ذلك في رجب من سنة خمس وثلاثين، وسار إلى عثمان ~~فاستمر أمر مصر مستقيما إلى شوال من السنة. وفيها خرج محمد بن أبي حذيفة بن ~~عتبة بن ربيعة على عقبة بن عامر خليفة عبد الله بن أبي سرح ### || AUT على مصر # ، وملك مصر على ما سيأتي ذكره. وفيها كانت مقتلة عثمان بن عفان - رضي ~~الله عنه - في ذي الحجة منها، وقصته مشهورة ؛ وقد استوعب ذلك جماعة من ~~المؤرخين في عدة كراريس لا سبيل إلى تلخيصها في هذا المحل، غير أننا نذكر ~~نسبته ومدة خلافته لا غير، فنقول: هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ~~بن عبد شمس بن عبد مناف، أمير المؤمنين، أبو عمرو، وقيل أبو عبد الله ~~القرشي الأموي؛ وأمه أروى. هو أحد السابقين الأولين وذو النورين وصاحب ~~الهجرتين وزوج الابنتين ؛ مولده قبل عام الفيل بستة أعوام، وقيل بعده بستة ~~أعوام. وخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر لمرض زوجته رقية ~~بنت النبي صلى الله عليه وسلم فتوفيت بعد بدر بليال. وضرب له النبي صلى ~~الله عليه وسلم بسهم من بدر وآجره، ثم ms0070 زوجه بالبنت الأخرى أم كلثوم. قال ~~الذهبي: روى عطية عن أبي سعيد قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رافعا يديه يدعو لعثمان؛ وعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز جيش العسرة، فصبها في حجر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقلبها بيده ويقول: " ما ضر عثمان بعد اليوم ~~ما عمل " رواه أحمد في مسنده. وفضائله كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكر شيء ~~منها. قلت: بويع عثمان بالخلافة لما مات عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين ~~من الهجرة، فدام في الخلافة حتى قتل في هذه السنة - رضي الله عنه. وتولى ~~الخلافة من بعده علي بن أبي طالب - رضي الله عنه. وفيها توفى كعب الأحبار، ~~وكان أسلم في خلافة أبي بكر الصديق، وكان من أوعية العلم. وفيها توفي عبادة ~~بن الصامت الأنصاري الصحابي المشهور أحد النقباء مات بالرملة. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا؛ مبلغ الزيادة ~~سبعة عشر ذراعا واصبعان. ### | AUT استيلاء محمد بن أبي حذيفة # ### || AUT على مصر # هو محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف؛ وثب ### || AUT على مصر # وملكها من غير ولاية من خليفة، فلذلك لم يعده المؤرخون من أمراء مصر؛ ~~وكان من خبره أنه جمع جمعا وركب بهم على عقبة بن عامر الجهني خليفة عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح وقاتله وهزمه وأخرجه من الفسطاط، ثم دعا الناس لخلع ~~عثمان من الخلافة وصار يعدد أفعاله بكل شيء يقدر عليه، فاعتزله شيعة عثمان ~~وقاتلوه وهم: معاوية بن حديج وخارجة بن حذافة السهمي وبسر بن أبي أرطاة ~~ومسلمة بن مخلد الأنصاري، وعمرو بن قحزم الخولاني، ومقسم بن بجرة، وحمزة بن ~~سرح بن كلال، وأبو الكنود سعد بن مالك الأزدي، وخالد بن ثابت الفهمي في جمع ~~كثير من الناس، وبعثوا إلى عثمان بذلك؛ وبينا أن يأتي الخبر من عثمان قويت ~~شوكة ms0071 محمد هذا؛ ثم حضر من عند عثمان سعد بن أبي وقاص ليصلح أمرهم ويتألف ~~الناس، فخرج إليه جماعة من أعوان محمد بن أبي حذيفة المذكور وكلموه ~~وخاشنوه، ثم قلبوا عليه فسطاطه وشجوه ونهبوه، فركب من وقته وعاد راجعا ودعا ~~عليهم لما فعلوه به؛ ثم عاد إلى مصر عبد الله بن أبي سرح راجعا فمنعه أن ~~يدخل إلى مصر وقاتلوه، فكر راجعا إلى عسقلان ثم قتل في هذه الأيام بفلسطين، ~~وقيل بالرملة حسبما ذكرناه في آخر ترجمته في هذا الكتاب. ثم أراد محمد بن ~~أبي حذيفة أن يبعث جيشا إلى عثمان فجهز إليه ستمائة رجل عليهم عبد الرحمن ~~بن عديس البلوي. PageV01P0037 # وبينما هم في ذلك إذ قدم عليهم الخبر بقتل عثمان - رضي الله عنه - في ذي ~~الحجة من السنة. فلما وصل الخبر بذلك ثار شيعة عثمان بمصر وعقدوا لمعاوية ~~بن حديج وبايعوه على الطلب بدم عثمان وساروا إلى الصعيد. فبعث إليهم محمد ~~بن أبي حذيفة جماعة كثيرة فتقاتلا فهزمت جيش محمد وافترقا. وتوجه معاوية ~~بأصحابه إلى جهة برقة فأقام بها مدة ثم عاد إلى الإسكندرية، فبعث إليه محمد ~~بن أبي حذيفة بجيش آخر فاقتتلوا بخربتا أول شهر رمضان من سنة ست وثلاثين ~~فانهزم جيش محمد أيضا. وأقامت شيعة عثمان بخربتا إلى أن قدم معاوية بن أبي ~~سفيان من الشأم إلى مصر. فخرج إليه محمد بن أبي حذيفة بأصحابه ومنعوه من ~~الدخول إلى الفسطاط ؛ ثم اتفقا على أن يجعلا رهنا ويتركا الحرب. فاستخلف ~~محمد ابن أبي حذيفة ### || AUT على مصر # الحكم بن الصلت وخرج في الرهن هو وابن عديس وكنانة بن بشر، وأبو شمر بن ~~أبرهة الصباح وعدة من قتلة عثمان. فلما وصلوا إلى معاوية قبض عليهم وحبسهم ~~وسار إلى دمشق فهربوا من السجن إلا أبا شمر بن أبرهة فقال: لا أدخله أسيرا ~~وأخرج منه آبقا؛ فتتبعهم أمير فلسطين حتى ظفر بهم وقتلهم في في ذي الحجة ~~سنة ست وثلاثين؛ فلما بلغ الخبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه ms0072 - بمصاب محمد بن حذيفة ولى ### || AUT على مصر # قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري - رضي الله عنه. ### | AUT ولاية قيس بن سعد بن عبادة # ### || AUT على مصر # هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي المدني. قال الذهبي: ~~كان من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة، وله عدة أحاديث؛ روى عنه عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى وعروة بن الزبير والشعبي وميمون ابن أبي شبيب وغريب بن ~~حميد الهمداني وجماعة ؛ وكان ضخما جسيما طويلا جدا، سيدا مطاعا، كثير المال ~~جوادا كريما، يعد من دهاة العرب. قال عمرو بن دينار: كان ضخما جسيما صغير ~~الرأس ليست له لحية، وإذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض؛ روى عنه أنه قال: ~~لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " المكر والخديعة في ~~النار " لكنت من أمكر هذه الأمة. وقال الزهري: أخبرنا ثعلبة بن أبي مالك أن ~~قيس بن سعد كان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جويرية بن ~~أسماء: كان قيس يستدين ويطعمهم، فقال أبو بكر وعمر: إن تركنا هذا الفتى ~~أهلك مال أبيه؛ فمشيا في الناس فصلى النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقام ~~سعد بن عبادة خلفه، فقال: من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يبخلان ~~علي ابني. وقال موسى بن عقبة: وقفت على قيس عجوز فقالت: أشكو إليك قلة ~~الجرذان، فقال: ما أحسن هذه الكناية! املؤوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا. ~~وقال أبو تميلة يحيى بن واضح: أخبرنا أبو عثمان من ولد الحارث بن الصمة ~~قال: بعث قيصر إلى معاوية: ابعث إلي سراويل أطول رجل من العرب، فقال لقيس ~~بن سعد: ما أظن إلا قد احتجنا إلى سراويلك. فقام وتنحى وجاء بها فألقاها، ~~فقال: ألا ذهبت إلى منزلك ثم بعثت بها! فقال: الطويل أردت بها أن يعلم ~~الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود وألا يقولوا غاب قيس وهذه ... ~~سراويل عادي نمته ثمود وإني من الحي اليماني لسيد ... وما الناس إلا سيد ~~ومسود فكدهم بمثلي ms0073 إن مثلي عليهم ... شديد وخلقي في الرجال مديد فأمر ~~معاوية أطول رجل في الجيش فوضعها على أنفه، قال: فوقفت بالأرض. ولما ولاه ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ### || AUT على مصر # لما ولي الخلافة بعد PageV01P0038 # قتل عثمان وبعثه إلى مصر فوصل إليها في مستهل شهر ربيع الأول سنة سبع ~~وثلاثين، فدخلها قيس ومهد أمورها واستمال الخارجية بخربتا من شيعة عثمان ~~ورد عليهم أرزاقهم، وقدموا عليه بمصر فأكرمهم وأنعم عليهم ؛ وكان عنده رأي ~~ومعرفة ودهاء، فعظم على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ولايته لمصر ~~فإنه كان من حزب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه، واجتهدا كثيرا ليخرجاه ~~منها فلم يقدرا على ذلك حتى عمل معاوية على قيس من قبل علي بن أبي طالب، ~~وأشاع أن قيسا من شيعته ومن حزبه، وأنه يبعث إليه بالكتب والنصيحة سرا؛ ولا ~~زال يظهر ذلك حتى بلغ عليا؛ وساعده في ذلك محمد بن أبي بكر الصديق لحبه مصر ~~أو لإمرتها وعبد الله بن جعفر، فما زالا بعلي حتى كتب لقيس بن سعد يأمره ~~بالقدوم عليه، وعزله عن مصر؛ فكانت ولايته على مصر من يوم دخلها إلى أن صرف ~~عنها أربعة أشهر وخمسة أيام وكان عزله في خامس رجب من سنة سبع وثلاثين، ~~وولي عليها الأشتر النخعي. وروينا عن أبي المظفر شمس الدين يوسف بن قز ~~أوغلي كما أخبرنا أبو الحسن علي بن صدقة الشافعي، أخبرنا القاضي الإمام تاج ~~الدين أحمد الفرغاني الحنفي، أخبرنا حيدرة بن المحيا العباسي، حدثنا صالح ~~بن الصباغ أخبرنا أبو المؤيد محمود قال: حدثنا الحافظ شمس الدين يوسف بن قز ~~أوغلي إجازة بكتابه مرآة الزمان قال: خرج قيس بن سعد بن عبادة من عند علي ~~حتى دخل مصر في سبعة نفر وصعد المنبر وقعد عليه وقرأ كتاب علي على الناس، ~~وفيه: من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من ~~المسلمين والمؤمنين. سلام عليكم؛ أما بعد، فإني أحمد إليكم الله الذي لا ~~إله إلا ms0074 هو، وأصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم، وذكر الأنبياء وأن الله ~~توفى رسوله وأستخلف بعده خليفتين صالحين عملا بالكتاب والسنة وأحسنا ~~السيرة؛ ثم توفوهما الله تعالى على ما كانا عليه؛ ثم ولي بعدهما وال أحدث ~~أحداثا فوجدت عليه الأمة مقالا فقالوا ثم نقموا عليه وغيروه ة ثم جاوني ~~وبايعوني؛ ولله علي العمل بكتابه وسنة رسوله والنصح للرعية ما بقيت، والله ~~المستعان؛ وبعثت إليكم بقيس بن سعد بن عبادة أميرا، فوازرون وعاشروه ~~وأعينوه على الحق؛ وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم والشدة على مريبكم والرفق ~~بعوامكم وخواصكم؛ وهو ممن أرضى هديه وأرجو صلاحه ونصيحته؛ وأسأل الله لنا ~~ولكم عملا صالحا وثوابا جزيلا ورحمة واسعة، والسلام عليكم. وكتبه عبد الله ~~بن أبي طالب في رابع صفر سنة ست وثلاثين. ثم قال قيس: " أيها الناس قد جاء ~~الحق وزهق الباطل ؛ " أيها الناس، إنا قد؛ بايعنا خير من نعلم بعد نبينا ~~صلى الله عليه وسلم، فقوموا فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، فإن نحن لم نعمل بذلك فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس وبايعوا ~~واستقامت له مصر؛ وبعث عليها عماله إلا قرية من قرى مصر يقال لها خربتا ~~فيها أناس قد أعظموا قتل عثمان، وبها رجل من كنانة من بني مدلج يقال له: ~~يزيد بن الحارث بن مدلج، فأرسلوه إلى قيس بن سعد: إنا لا نقاتلك فابعث ~~عمالك فالأرض أرضك، ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر ما يصير إليه أمر الناس. ~~ووثب مسلمة بن مخلد الأنصاري فنعى عثمان ودعا إلى الطلب بدمه، فأرسل إليه ~~قيس بن سعد: ويحك! علي تثب! فوا لله ما أحب أن لي ملك مصر إلى الشأم وأني ~~قتلتك فبعث إليه مسلمة يقول: إني كاف عنك ما دمت والي مصر؛ وكان قيس بن سعد ~~له رأي وحزم، فبعث إلى الذين بخربتا: إني لا أكرهكم على البيعة وأكف عنكم، ~~فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد. وأقام قيس يجبي الخراج ولا ينازعه أحد من ~~الناس. وخرج أمير المؤمنين إلى وقعة ms0075 الجمل ورجع إلى الكوفة وقيس مكانه ؛ ~~فكان قيس أثقل خلق الله على معاوية بن أبي سفيان لقربه من الشأم مخافة أن ~~يقفل عليه علي بن أبي طالب من العراق ويقبل إليه قيس بأهل مصر فيقع معاوية ~~بينهما قأخذ يخدعه. PageV01P0039 # فكتب معاوية إلى قيس: من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد بن عبادة: ~~سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد، فإنكم إن كنتم ~~نقمتم على عثمان في أمور رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو شتمة شتمها، أو ~~في سير سيره، أو في استعماله الفيء، فقد علمتم أن دمه لم يكن حلالا لكم، ~~فقد ركبتم عظيما من الأمر وجئتم شيئا إذا. فتب إلى الله يا قيس بن سعد، ~~فإنك ممن أعان على قتل عثمان، إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئا؛ ~~وأما صاحبك فقد تيقنا أنه الذي أغرى به الناس، وحملهم على قتله حتى قتلوه، ~~وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك. فإن استطعت أن تكون ممن يطلب بدم عثمان ~~فافعل. فأن بايعتنا على هذا الأمر فلك سلطان العراقين، ولمن شئت من أهلك ~~سلطان الحجاز ما دام لي سلطان. وسلني غير هذا مما تحب، فإنك لا تسألني شيئا ~~إلا أوتيته. واكتب إلي برأيك فيما كتبت به إليك والسلام. فلما جاءه كتاب ~~معاوية أحب قيس أن يدافعه ولا يبدي له أمره ولا يتعجل حربه؛ فكتب إليه: أما ~~بعد، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه؛ فأما ما ذكرت من أمر عثمان فذلك ~~أمر لم أقاربه ولم أتنطف به؛ وأما قولك: إن صاحبي أغرى الناس بعثمان فهذا ~~أمر لم أطلع عليه؛ وذكرت أن معظم عشيرتي لم يسلموا من دم عثمان، فأول الناس ~~فيه قياما عشيرتي ولهم أسوة غيرهم؛ وأما ما ذكرت من مبايعتي إياك وما عرضت ~~علي فلي فيه نظر وفكرة وليس هذا مما يسارع إليه. وأنا كاف عنك ولن يبدو لك ~~من قبلي شيء مما تكره والسلام. فلما قرأ كتابه معاوية لم يره إلا ms0076 مباعدا ~~مفارقا، فلم يأمن مكره ومكيدته. فكتب إليه ثانيا: أما بعد، فقد قرأت كتابك ~~فلم أرك تدنو فأعدك سلما، ولم أرك مباعدا فأعدك حربا. وليس مثلي من يخدع ~~وبيده أعنة الخيل ومعه أعداد الرجال والسلام. فلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه ~~لا يقبل منه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه، وكتب إليه: أما بعد، ~~فالعجب من اغترارك بي يا معاوية وطمعك في ؛ تسومني الخروج عن طاعة أولى ~~الناس بالإمرة، وأقربهم بالخلافة، وأقولهم بالحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم ~~إلى رسوله وسيلة، وأوفرهم فضيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد ~~الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلا، وأبعدهم من الله ورسوله ~~وسيلة، ولد ضالين مضلين طاغوت من طواغيت إبليس؛ وأما قولك: معك أعنة الخيل ~~وأعداد الرجال لتشتغلن بنفسك حتى العدم. وقال هشام: ولما رأى معاوية أن قيس ~~بن سعد لا يلين له كاده من قبل علي؛ وكذا روى عبد الله بن أحمد بن حنبل ~~بإسناده. وقال هشام بن محمد: عن أبي مخنف وجه آخر في حديث قيس بن سعد ~~ومعاوية، قال: لما أيس معاوية من قيس بن سعد شق عليه ذلك، لما يعرف من حزمه ~~وبأسه، فأظهر للناس أن قيسا قد بايعه. واختلق معاوية كتابا فقرأه على أهل ~~الشأم وفيه: أما بعد، لما نظرت أنه لا يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم محرما ~~مسلما برأ تقيا مستغفرا، وإني معكم على قتلته بما أحببتم من الأموال ~~والرجال متى شئتم عجلت إليكم. قال: فشاع في أهل الشأم أن قيسا قد بايع ~~معاوية. وبلغ عليا ذلك فأكبره وأعظمه، فقال له عبد الله بن جعفر: دع ما ~~يريبك إلى ما لا يريبك؛ اعزل قيسا عن مصر؛ فقال علي: والله ما أصدق هذا على ~~قيس ؛ ثم عزله وولى الأشتر، وقيل محمد بن أبي بكر الصديق في قول ابن سيرين؛ ~~فلما عزله عرف قيس أن عليا قد خدع وتوجه إليه وصار معه. قال عروة: وكان قيس ~~بن سعد مع علي في مقدمته ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم ms0077 بعد موت علي. فلما ~~دخل الجيش في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل، وقال لأصحابه: ما شئتم جالدت ~~بكم أبدا حتى يموت الأعجل، وإن شئتم أخذت لكم أمانا. قالوا: خذ لنا، ففعل؛ ~~فلما ارتحل نحو المدينة جعل ينحر كل يوم جزورا. قال الواقدي وغيره: إنه ~~توفي في آخر خلافة معاوية - رضي الله عنهم أجمعين. ### || AUT السنة التي حكم في بعضها قيس بن سعد # ### || AUT بن عبادة على مصر # PageV01P0040 # وهي سنة ست وثلاثين: فيها كانت وقعة الجمل بين علي - رضي الله عنه - وبين ~~عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - ومعها طلحة بن عبيد الله والزبير بن ~~العوام وغيرهما؛ وكانت فيها مقتلة عظيمة قتل فيها عدة من الصحابة وغيرهم ؛ ~~قال البلاذري: التقوا بمكان يقال له: الخريبة في جمادى الأولى سنة ست ~~وثلاثين. قلت: وممن قتل في هذه الوقعة طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو ~~بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي: أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة ~~المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى بعد موت عمر بن الخطاب. قتله ~~مروان بن الحكم في منصرفه من وقعة الجمل بساعة؛ وكان مروان مع عائشة أيضا ~~غير أنه لما رأى انصرافه رمى عليه بسهم قتله، وقال لأبان بن عثمان بن عفان: ~~قد كفيتك بعض قتلى أبيك - يعني أنه كان مواريا على عثمان في أول الأمر. ~~وفيها قتل الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، ~~أبو عبد الله القرشي الأسمي المكي، حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وابن عمته صفية، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى ؛ ~~شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها؛ أسلم وهو ابن ست عشرة سنة وهو من السابقين. ~~قتله عمير بن جرموز بعد انصرافه من وقعة الجمل بساعة. وفيها توفي حذيفة بن ~~اليمان ؛ واسم اليمان: حسيل ويقال حسيل بالتصغر بن جابر بن أسيد، وقيل ابن ~~عمرو، أبو عبد الله العبسي حليف الأنصار، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه ms0078 ~~وسلم. وفيها توفي سلمان الفارسي - رضي الله عنه - في قول، وقد تقدم ذكره. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وثمانية عشر إصبعا؛ مبلغ ~~الزيادة ثمانية عشر ذراعا لإصبعان. ### | AUT ولاية الأشتر النخعي # ### || AUT على مصر # وفي ولاية الأشتر هذا ### || AUT على مصر # قبل محمد بن أبي بكر الصديق اختلاف كثير؛ حكى جماعة كثيرة من المؤرخين ~~وذكروا ما يدل على أن ولاية محمد ابن أبي بكر كانت هي السابقة بعد عزل قيس ~~بن سعد بن عبادة، وجماعة قدموا ولاية الأشتر هذا، ولكل منهما استدلال قوي؛ ~~والذين قدموا الأشتر هم الأكثر. وقد رأيت في عدة كتب ولاية الأشتر هي ~~المقدمة فقدمته لذلك. والأشتر اسمه مالك بن الحارث؛ قال أبو المظفر في مرآة ~~الزمان: قال علماء السيرة كابن إسحاق وهشام والواقدي قالوا: لما اختل أمر ~~مصر على محمد ابن أبي بكر الصديق وبلغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: ~~ما لمصر إلا أحد الرجلين، صاحبنا الذي عزلناه عنها - يعني قيس بن سعد بن ~~عبادة - أو مالك بن الحارث - يعني الأشتر هذا. قلت: وهذا مما يدل على أن ~~ولاية محمد بن أبي بكر الصديق كانت هي السابقة؛ اللهم إلا إن كان لما اختل ~~أمر مصر على محمد عزله علي - رضي الله عنه - بالأشتر، ثم استمر محمد ثانيا ~~بعد موت الأشتر على عمله حتى وقع من أمره ما سنذكره؛ وهذا هو أقرب للجمع ~~بين الأقوال لأن الأشتر توفي قبل دخوله إلى مصر، والله أعلم PageV01P0041 # وكان علي - رضى اله عنه - حين انصرف من صفين رد الأشتر إلى عمله على ~~الجزيرة وكان عاملا عليها، فكتب إليه وهو يومئذ بنصيبين: سلام عليك يا ~~مالك، فإنك ممن استظهرتك على إقامة الدين أو قمع به نخوة الأثيم، وأسد به ~~الثغر المخوف؛ وكنت قد وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج، وهو ~~غلام حدث السن غر ليس بذي تجربة للحرب ولا مجرب للأشياء. فاقدم علي لننظر ~~في ذلك كما ينبغي، واستخلف على عملك أهل ms0079 الثقة والنصفة من أصحابك والسلام ~~لا. فأقبل مالك - أعني الأشتر - على علي - رضي الله عنه - فأخبره بحديث ~~محمد وما جرى عليه، وقال: ليس لها غيرك؛ فاخرج رحمك الله فإني إن لم أوصك ~~اكتفيت برأيك، فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة باللين، وارفق ما كان ~~الرفق أبلغ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة. فخرج الأشتر من عند ~~علي وأتى رحله وتهيأ للخروج إلى مصر. وكتب عيون معاوية إليه بولاية الأشتر ~~على مصر فشق عليه وعظم ذلك لديه، وكان قد طمع في مصر وعلم أن الأشتر متى ~~قدمها كان أشد عليه، فكتب معاوية إلى الخانسيار رجل من أهل الخراج، وقيل ~~كان دهقان القلزم يقول: إن الأشتر واصل إلى مصر قد وليها، فإن أنت كفيتني ~~إياه لم آخذ منك خراجا ما بقيت ؛ فأقبل لهلاكه بكل ما تقدر عليه؛ فخرج ~~الخانسيار حتى قدم القلزم فأقام به. وخرج الأشتر من العراق يريد مصر حتى ~~قدم إلى القلزم فاستقبله الخانسيار فقال له: انزل فإني رجل من أهل الخراج ~~وقد أحضرت ما عندي. فنزل الأشتر فأتاه بطعام وعلف وسقاه شربة من عسل جعل ~~فيها سما، فلما شربه مات ؛ وبعث الخانسيار من أخبر بموته معاوية. فلما بلغ ~~معاوية وعمرو بن العاص موت الأشتر قال عمرو بن العاص: إن لله جنودا من عسل. ~~وقال ابن الكلبي عن أبيه: لما سار الأشتر إلى مصر أخذ في طريق الحجاز فقدم ~~المدينة، فجاءه مولى لعثمان بن عفان يقال له نافع، وأظهر له الود وقال له: ~~أنا مولى عمر بن الخطاب، فأدناه الأشتر وقربه ووثق به وولاه أمره. فلم يزل ~~معه إلى عين شمس أعني المدينة الخراب خارج مصر بالقرب من المطرية وفيها ذلك ~~العمود المذكور في أول أحوال مصر من هذا الكتاب. فلما وصل إلى عين شمس ~~تلقاه أهل مصر بالهدايا وسقاه نافع المذكور العسل فمات منه. وقال ابن سعد: ~~إنه سم بالعريش؛ وقال الصوري: صوابه بالقلزم ؛ وقال أبو اليقظان: كان ~~الأشتر قد ثقل على أمير المؤمنين علي أمره، ms0080 وكان متجريا عليه مع شدة محبته ~~له. وحكي عن عبد الله بن جعفر قال: كان علي قد غضب على الأشتر وقلاه ~~واستثقله، فكلمني أن أكلمه فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، وله مصر فإن ظفروا ~~به استرحت منه، فولاه. وكانت عائشة - رضي الله عنها - قد دعت عليه فقالت: ~~اللهم ارمه بسهم من سهامك. واختلفوا في وفاة الأشتر، فقال ابن يونس: مات ~~مسموما سنة سبع وثلاثين. وقال هشام: سنة ثمان وثلاثين في رجب ؛ وكان الأشتر ~~شجاعا مقداما، وقصته مع عبد الله بن الزبير مشهورة؛ وقول ابن الزبير بسببه: ~~اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي حتى صار هذا البيت مثلا. وشرح ذلك أن ~~مالك بن الحارث أعني الأشتر النخعي كان من الشجعان الأبطال المشهورين، وكان ~~من أصحاب علي وكان معه في يوم وقعة الجمل، فتماسك في الوقعة هو وعبد الله ~~بن الزبير بن العوام، وكان عبد الله أيضا من الشجعان المشهورين، وكان عبد ~~الله بن الزبير من حزب أبيه، وخالته عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنهم، ~~وكانوا يحاربون عليا - رضي الله عنه، فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا ~~قوي على الآخر جعله تحته وركب صدره، وفعلا ذلك مرارا وابن الزبير يقول: ~~اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي يريد قتل الأشتر بهذا القول والمساعدة ~~عليه حتى افترقا من غير أن يقتل أحدهما الآخر؛ وقال عبد الله بن الزبير ~~المذكور: لقيت الأشتر النخعي يوم الجمعة فما ضربته ضربة إلا ضربني ستا أو ~~سبعا، ثم أخذ رجلي وألقاني في الخندق وقال: والله لولا قرابتك من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبدا. وقال ابن قيس: دخلت مع ~~عبد الله بن الزبير الحمام، وإذا في رأسه ضربة لوصب فيها قارورة لاستقر، ~~فقال: أتدري من ضربني هذه الضربة؟ قلت: لا، قال: ابن عمك الأشتر النخعي. ~~PageV01P0042 # وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أعطت عائشة - رضي الله عنها لمن بشرها بسلامة ~~ابن أختها عبد الله بن الزبير لما لاقى الأشتر عشرة آلاف درهم وقيل أن ms0081 ~~الأشتر دخل بعد ذلك على عائشة - رضي الله عنها، فقالت له: يا أشتر، أنت ~~الذي أردت قتل ابن أختي يوم الوقعة، فأنشدة الطويل، أعائش لولا أنني كنت ~~طاويا ... ثلاثا لألفيت ابن أختك هالكا غداة ينادي والرماح تنوشه ... بأخر ~~صوت: اقتلاني ومالكا فنجاه مني أكله وسنانه ... وخلوة جوف لم يكن متمالكا ### | AUT ولاية محمد بن أبي بكر # ### || AUT الصديق رضي الله عنه على مصر # هو محمد بن أبي بكر الصديق، واسم أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة، واسم ~~أبي قحافة عثمان؛ أسلم أبو قحافة يوم الفتح فأتى به ابنه أبو بكر الصديق ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقوده لكبر سنه، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لم لا تركت الشيخ حتى نأتيه إجلالا لأبي بكر - رضي الله عنه - . ~~PageV01P0043 # وأبو قحافة المذكور ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب ~~بن لؤي القرشي التيمي؛ وكنية محمد هذا أعني صاحب الترجمة أبو القاسم؛ وأمه ~~أسماء بنت عميس الخثعمية ؛ ومولده سنة حجة الوداع بذي الحليفة في عقب ذي ~~القعدة، فأراد أبو بكر أن يرذ أسماء إلى المدينة، فسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: مرها أن تغتسل وتهل وكان محمد هذا في حجر علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - لما تزوج أمه أسماء بعد وفاة أبي بكر الصديق فتولى تربيته؛ ولما ~~سار علي إلى وقعة الجمل كان محمد هذا معه على الرجالة؛ ثم شهد معه وقعة ~~صفين، ثم ولاه مصر فتوجه إليها ودخلها في النصف من شهر رمضان سنة سبع ~~وثلاثين، فتلقاه قيس بن سعد المعزول عن ولاية مصر، وقال له: يا أبا القاسم، ~~إنك قد جئت من عند أمير لا رأي له، وليس عزله إياي بمانعي أن أنصح لك وله، ~~وأنا من أمركم هذا على بصيرة، وإني أدلك على الذي - كنت أكيد به معاوية ~~وعمرا وأهل خربتا فكايدهم به، فإنك إن أيدتهم بغيره تهلك؛ ووصف له المكايدة ~~التي كان، يكايدهم بها فاستغشه محمد بن ms0082 أبي بكر وخالفه في كل شيء أمره به. ~~ثم كتب إليه علي يشجعه ويقوي عزمه، ففتك محمد في المصريين وهدم دور شيعة ~~عثمان بن عفان ونهب دورهم وأموالهم وهتك ذراريهم، فنصبوا له الحرب وحاربوه. ~~ثم صالحهم على أن يسيرهم إلى معاوية، فلحقوا بمعاوية في الشام وكان أهل ~~الشام لما انصرفوا من وقعة صفين ينتظرون ما يأتي به الحكمان؛ فلما اختلف ~~الناس بالعراق على علي - رضي الله عنه - طمع معاوية في مصر، وكان أهل خربتا ~~عثمانية، ومن كان من الشيعة كان أكثر منهم، فكان معاوية يهاب مصر لأجل ~~الشيعة. وقصد معاوية أن يستعين بأخذ مصر على حرب علي - رضي الله عنه - قال: ~~فاستشار معاوية أصحابه عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أبي أرطاة ~~والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد وأبا الأعور عمرو بن سفيان السلمي ~~وغيرهم وهؤلاء المذكورين كانوا خواضه فجمع المذكورين وقال: هل تدرون ما ~~أدعوكم إليه؟ قالوا: لا يعلم الغيب إلا الله، فقال له عمرو بن العاص: نعم، ~~أهمك أمر مصر وخراجها الكثير وعدد أهلها فتدعونا لنشير عليك فيها، فاعزم ~~وانهض ؛ في افتتاحها عزك وعز أصحابك وكبت عدوك، فقال له: يا ابن العاص، ~~إنما أهمك الذي كان بيننا يعني أنه كان أعطاه مصر لما صالحه على قتال علي ~~وقال معاوية للقوم: ما ترون؟ قالوا: ما نرى إلا رأي عمرو، قال: فكيف أصنع؟ ~~فقال عمرو: ابعث جيشا كثيفا عليهم رجل حازم صارم تثق إليه فيأتي إلى مصر، ~~فإنه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فنظاهره على من كان بها من أعدائنا. ~~قال معاوية: أو غير ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: نكاتب من بها من شيعتنا نأمرهم ~~على أمرهم ونمنيهم قدومنا عليهم فتقوى قلوبهم، ونعلم صديقنا من عدونا؛ وإنك ~~يا بن العاص امرؤ بورك لك في العجلة، وأنا امرؤ بورك لي في التؤدة. قال ~~عمرو: فاعمل برأيك فوا لله ما أرى أمرك إلا صائرا للحرب، قال: فكتب إليهم ~~معاوية كتابا يثني عليهم ويقول: هنيئا لكم بطلب دم ms0083 الخليفة المظلوم وجهادكم ~~أهل البغي. وقال في آخره: فاثبتوا فإن الجيش واصل إليكم والسلام. وبعث ~~بالكتاب مع مولى له، يقال له سبيع فقدم مصر، وأميرها محمد بن أبي بكر ~~الصديق، فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري وإلى معاوية بن حديج، ~~فكتبا جوابه: أما بعد، فعجل علينا بخيلك ورجلك، فإن عدونا قد أصبحوا لنا ~~هائبين. فإن أتانا المدد من قبلك يفتح الله علينا؛ وذكرا كلاما طويلا. وكان ~~مسلمة ومعاوية بن حديج يقيمان بخربتا في عشرة آلاف، وقد باينوا محمد بن أبي ~~بكر ولم يحسن محمد تدبيرهم كما كان يفعله معهم قيس بن سعد بن عبادة أيام ~~ولايته على مصر، فلذلك انتقضت على محمد الأمور وزالت دولته. ولما وقف ~~معاوية على جوابهما، وكان يومئذ بفلسطين، جهز عمرو بن العاص في ستة آلاف ~~وخرج معه معاوية يودعه وأوصاه بما يفعل، وقال له: عليك بتقوى الله والرفق ~~فإنه يمن، وبالمهل والتؤدة فإن العجلة من الشيطان، وبأن تقبل ممن أقبل، ~~وتعفو عمن أدبر، فإن قبل فهذه نعمة، وإن أبى فإن السطوة بعد المعذرة أقطع ~~من الحجة، وادع الناس إلى الصلح والجماعة. PageV01P0044 # فسار عمرو حتى وصل إلى مصر واجتمعت العثمانية إليه، فكتب عمرو إلى محمد ~~بن أبي بكر صاحب مصر: أما بعد، فنح عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن ~~يصيبك مني قلامة ظفر، والناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك ورفض أمرك، ~~وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لوقد التقت حلقتا البطان فاخرج منها إني لك ~~من الناصحين؛ ومعه كتاب معاوية يقول: يا محمد، إن غب البغي والظلم عظيم ~~الوبال، وسفك الدماء الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والآخرة؛ ~~وإنا لا نعلم أحدا كان على عثمان أشد منك، فسعيت عليه مع الساعين وسفكت دمه ~~مع السافكين؛ ثم أنت تظن أني نائم عنك وناس سيئاتك؛ وكلام طويل من هذا ~~النمط حتى قال: ولن يسلمك الله من القصاص أينما كنت والسلام. فطوى محمد ~~الكتابين وبعث بهما إلى علي بن أبي طالب وفي ms0084 ضمنهما يستنجده ويطلب منه ~~المدد والرجال، فرد عليه الجواب من عند علي بن أبي طالب بالوصية والشدة، ~~ولم يمده بأحد. ثم كتب محمد إلى معاوية وعمرو كتابا خشن لهما فيه في القول. ~~ثم قام محمد في الناس خطيبا فقال: أما بعد، فإن القوم الذين ينتهكون الحرمة ~~وينعشون الضلالة ويشبون نار الفتنة ويتسلطون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة ~~وساروا إليكم بجيوشهم؛ فمن أراد الجنة والمغفرة فليخرج إليهم فليجاهدم في ~~الله؛ انتدبوا مع كنانة بن بشر؛ فانتدب مع كنانة نحوا من ألفي رجل، ثم خرج ~~محمد ابن أبي بكر في ألفي رجل؛ واستقبل عمرو بن العاص كنانة وهو على مقدمة ~~محمد، وكنانة يسرح لعمرو الكتائب. فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن ~~حديج السكوني. وفي رواية: لما رأى عمرو كنانة سرح إليه الكتائب من أهل ~~الشام كتيبة بعد كتيبة وكنانة يهزمها فاستنجد عمرو بمعاوية بن حديج السكوني ~~فسار في أصحابه وأهل الشام فأحاطوا بكنانة. فلما رأى كنانة ذلك ترجل عن ~~فرسه وترجل أصحابه، وقرأ: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ~~إلى قوله: وسنجزي الشاكرين، فقاتل حتى قتل بعد أن قتل من أهل الشام مقتلة ~~عظيمة؛ فلما رأى أصحاب محمد ذلك تفرقوا عنه فنزل محمد عن فرسه ومشى حتى ~~انتهى إلى خربة فأوى إليها، وجاء عمرو بن العاص ودخل الفسطاط ؛ وخرج معاوية ~~بن حديج في طلب محمد ابن أبي بكر، فسأل قوما من العلوج وكانوا على الطريق ~~فقال: هل رأيتم رجلا من صفته كذا وكذا؟ فقال واحد منهم: قد دخل تلك الخربة، ~~فدخلوها فإذا برجل جالس، فقال معاوية بن حديج: هو ورب الكعبة ؛ فدخلوها ~~واستخرجوه وقد كاد يموت عطشا، فأقبلوا به على الفسطاط؛ ووثب أخوه عبد ~~الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى عمرو بن العاص - وكان في جنده، فقال: أيقتل ~~أخي صبرا؟ فأرسل عمرو إلى معاوية بن حديج يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر ~~كرامة لأخيه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال معاوية: أيقتل كنانة بن بشر ms0085 وأخلي ~~أنا محمدا! هيهات هيهات! فقال محمد: اسقوني ماء؛ فقال معاوية بن حديج: لا ~~سقاني الله إن سقيتك قطرة ؛ إنكم منعتم عثمان الماء، ثم قتلتموه صائما ~~فتلقاه الله بالرحيق المختوم؛ والله لأقتلنك يا ابن أبي بكر فليسقك الله من ~~الجحيم ؛ فقال محمد لمعاوية: يا بن اليهودية النساجة، ليس ذلك إليك؛ وأما ~~والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم بي هذا؛ فقال له معاوية: أتدري ما أصنع ~~بك؟ أدخلك في جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار؛ قال محمد: إن فعلتم ذلك ~~لطالما فعلتموه بأولياء الله تعالى؛ ثم طال الكلام بينهما حتى أخذ معاوية ~~محمدا ثم ألقاه في جيفة حمار ميت ثم حرقه بالنار؛ وقيل: إنه قطع رأسه ~~وأرسله إلى معاوية بن أبي سفيان بدمشق وطيف به، وهو أول رأس طيف به في ~~الإسلام. ولما بلغ عائشة - رضي الله عنها - قتل أخيها محمد بن أبي بكر هذا ~~وجدت عليه وجدا عظيما وأخذت أولاده وعياله وتولت تربيتهم. وقال أبو مخنف ~~بإسناده: ولما بلغ علي بن أبي طالب مقتل محمد بن أبي بكر وما كان من الأمر ~~بمصر وتملك عمرو لها واجتماع الناس عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيبا ~~فحثهم على الجهاد والصبر والسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، ~~وواعدهم الجرعة بين الكوفة والحيرة. PageV01P0045 # فلما كان من الغد خرج يمشي إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش؛ ~~فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه وهو حزين كئيب فقام فيهم ~~خطيبا فقال: الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من فعل، وابتلاني بكم وبمن ~~لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت؛ أو ليس عجيبا أن معاوية يدعو الجفاة ~~الطغام فيتبعونه بغيرعطاء ويجيبونه في السنة المرتين والثلاث إلى أي وجه ~~شاء! وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النهى وبقية الناس - على المعونة وطائفة من ~~العطاء فتتفرقون عني وتعصونني وتختلفون علي! فقام مالك بن كعب الأرحبي فندب ~~الناس إلى امتثال أمر علي والسمع والطاعة له. فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك ~~بن كعب ms0086 هذا وقال له علي: سر فوا لله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم فسار ~~بهم خمسا؛ ثم قدم على علي جماعة ممن كان مع محمد بن أبي بكر الصديق بمصر، ~~فأخبروه كيف وقع الأمر وكيف قتل محمد بن أبي بكر وكيف استقر أمر عمرو فيها، ~~فبعث إلى مالك بن كعب فرده من الطريق، وذلك لأنه خشي عليهم من أهل الشام ~~قبل وصولهم إلى مصر؛ واستقر أمر العراقين على خلاف علي فيما يأمرهم به ~~وينهاهم عنه والخروج عليه والتنقد على أحكامه وأقواله وأفعاله لجهلهم وقلة ~~عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير منهم؛ فكتب علي عند ذلك إلى ابن عباس رضي ~~الله عنه وهو نائبه على البصرة يشكو إليه مايلقاه من الناس من المخالفة ~~والمعاندة، فرد عليه ابن عباس يسليه في ذلك ويعزيه في محمد بن أبي بكر ~~ويحثه على تلافي الناس والصبر على مسيئهم، فإن ثواب الجنة خير من الدنيا؛ ~~ثم ركب ابن عباس إلى الكوفة إلى علي واستخلف على البصرة زيادا؛ وقد خرجنا ~~عن المقصود. ### || AUT السنة التي حكم فيها محمد بن أبي بكر # ### || AUT الصديق وغيره ### || AUT على مصر # وهي سنة سبع وثلاثين من الهجرة: فيها كانت وقعة صفين بين علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه وبين معاوية بن أبي سفيان. وفيها قتل عمار بن ياسر بن ~~عامر بن مالك بن كنانة المدلجي العبسي، أبو اليقظان؛ كان من نجباء الصحابة ~~وشهد بدرا والمشاهد كلها وقتل في صفين ؛ وكان من أصحاب علي رضي الله عنه. ~~وفيها توفي خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة التيمي، مولى أم سباع ~~بنت أنمار. كنيته أبو عبد الله. كان من المهاجرين الأولين. شهد بدرا ~~والمشاهد بعدها، وروي عنه أحاديث. وفيها أيضا قتل بصفين من أصحاب علي رضي ~~الله عنه أويس بن عامر المرادي القرني الزاهد سيد التابعين ؛ كنيته أبو ~~عمرو. أسلم في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وفيها قتل في وقعة صفين ~~من أصحاب علي رضي الله عنه هاشم بن ms0087 عتبة بن أبي وقاص الزهري. وفيها توفي ~~عبيد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وفيها قتل كريب بن صباح ~~الحميري، أحد الأبطال من أصحاب معاوية. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمسة أذرع وثلاثة أصابع؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ### | AUT ولاية عمرو بن العاص ثانيا # ### || AUT على مصر # قد تقدم الكلام في أول ولايته على نسبه وصحبته للنبي " ص " ثم أخذه مصر ~~ثانيا في ترجمة محمد بن أبي بكر الصديق وكيفية قتاله وكيف ملك مصر منه. ~~وولاية عمرو بن العاص هذا في هذه المرة من قبل معاوية بن أبى سفيان، وكان ~~دخوله إلى مصر في شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين، وجمع إليه معاوية ~~الصلاة والخراج في ولايته هذه. وسبب انتماء عمرو إلى معاوية أن عمرا كان ~~لما عزله عثمان بن عفان عن مصر بعبد الله بن سعد بن أبي سرح المقدم ذكره ~~توجه عمرو وأقام بمكة منكفا عن الناس حتى كانت وقعة الجمل. PageV01P0046 # قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي، قال جويرية بن أسماء، حدثني عبد الوهاب ~~ابن يحيى بن عبد الله بن الزبير، حدثنا أشياخنا: أن الفتنة وقعت وما رجل من ~~قريش له نباهة أعمى فيها من عمرو بن العاص ؛ وما زال مقيما بمكة ليس في شيء ~~مما فيه الناس حتى كانت وقعة الجمل، فلما فرغت بعث إلى ولديه عبد الله ~~ومحمد فقال: إني قد رأيت رأيا ولستما باللذين ترداني عن رأيي ولكن أشيرا ~~علي؛ إني رأيت العرب صاروا عنزين يضطربان، وأنا طارح نفسي بين جزاري مكة ~~ولست أرضى بهذه المنزلة، فإلى أي الفريقين أعمد؟ قال له ابنه عبد الله: إن ~~كنت لا بد فاعلا فإلى علي؛ قال: إني إن أتيت عليا قال: إنما أنت رجل من ~~المسلمين، وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره فأتى معاوية. وعن ~~عروة وغيره قال: دعا عمرو ابنيه، فأشار عليه عبد الله أن يلزم بيته لأنه ~~أسلم له؛ فقال محمد: أنت شريف من أشراف العرب ms0088 وناب من أنيابها، لا أرى أن ~~تتخلف؛ فقال عمرو لابنه عبد الله: أما أنت فأشرت علي بما هو خير لي في ~~آخرتي؛ وأما أنت يا محمد فأشرت علي بما هو أنبه لذكري. ارتحل؛ فارتحلوا إلى ~~الشام غدوة وعشية حتى أتوا الشام. فقال: يا أهل الشام، إنكم على خير وإلى ~~خير؛ تطلبون بدم عثمان؛ خليفة قتل مظلوما؛ فمن عاش منكم فإلى خير، ومن مات ~~فإلى خير. فما زال مع معاوية حتى وقع من أمره ما حكيناه في أول ترجمته ~~وغيرها. ودخل مصر ووليها بعد محمد بن أبي بكر الصديق ومهد أمورها. ثم خرج ~~منها وافدا على معاوية بالشام واستخلف على مصر ولده عبد الله بن عمرو - ~~وقيل خارجة بن حذافة - وحضر أمر الحكمين؛ ثم رجع إلى مصر على ولايته، ودام ~~بها إلى أن كانت قصة الخوارج الذين خرجوا لقتل علي ومعاوية وعمرو هذا. فخرج ~~عبد الرحمن بن ملجم لقتل علي رضي الله عنه، وقيس إلى معاوية، ويزيد إلى ~~عمرو بن العاص؛ وسار الثلاثة كل واحد إلى جهة من هو متوجه لقتله، وتواعد ~~الجميع أن يثب كل واحد على صاحبه في سابع عشر شهر رمضان؛ فأما عبد الرحمن ~~فإنه وثب على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتله حسبما نذكره في ترجمته؛ ~~وأما قيس فوثب على معاوية وضربه فلم تؤثر فيه الضربة غير أنه جرح؛ وأما ~~يزيد فإنه توجه إلى عمرو هذا، فعرضت لعمرو علة تلك الليلة منعته من الصلاة ~~فصلى خارجة بالناس، فوثب عليه يزيد يظنه عمرا فقتله؛ وأخذ يزيد وأدخل على ~~عمرو فقال يزيد: أما والله ما أردت غيرك؛ فقال عمرو: ولكن الله أراد خارجة؛ ~~فصار مثلا: أردت عمرا وأراد الله خارجة. وأقام عمرو بعد ذلك مدة سنين حتى ~~مات بها فيما نذكره إن شاء الله تعالى في آخر هذه الترجمة. قيل: إنه لما ~~حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى ؛ فقال له ابنه عبد الله،: أتبكي جزعا من ~~الموت؟ فقال: لا والله ولكن مما بعده؛ وجعل ابنه يذكره بصحبته ms0089 رسول الله " ~~ص " وفتوحه الشام؛ فقال عمرو: تركت أفضل من ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله؛ ~~إني كنت على ثلاثة أطباق ليس منها طبقة إلا عرفت نفسي فيها: كنت أول شيء ~~كافرا وكنت أشد الناس على رسول " ص " ، فلو مت حينئذ لوجبت لي النار؛ فلما ~~بايعت رسول الله " ص " كنت أشد الناس منه حياء ما ملأت عيني منه، فلو مت ~~حينئذ لقال الناس: هنيئا لعمرو؛ أسلم على خير ومات على خير أحواله؛ ثم ~~تلبست بعد ذلك بأشياء فلا أدري أعلي أم لي فإذا أنا مت فلا يبكى علي ولا ~~تتبعوني نارا، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم؛ فإذا أوليتموني فاقعدوا عندي ~~قدر نحر جزور وتقطيعها أستأنس بكم حتى أعلم ما أراجع به رسل ربي. قال ~~الذهبي: أخرجه أبو عوانة في مسنده. وفي رواية: أنه بعدها حول وجهه إلى ~~الجدار وهو يقول: اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا، ولا يسعنا إلا ~~عفوك. وفي رواية: أنه وضع يده على موضع الغل من عنقه ورفع رأسه إلى السماء ~~وقال: اللهم لا قوي فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، لا إله ~~إلا أنت ؛ فلم يزل يرددها حتى مات رضي الله عنه. وقال الزهري عن حميد بن ~~عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو أن أباه قال: اللهم أمرت بأمور ونهيت عن ~~أمور، فتركنا كثيرا مما أمرت ووقعنا في كثير مما نهيت. اللهم لا إله إلا ~~أنت. ثم أخذ بإبهامه فلم يزل يهلل حتى توفي. PageV01P0047 # قال الذهبي، وأيده الطحاوي: حدثنا المزني، سمعت الشافعي رضي الله عنه ~~يقول: دخل ابن عباس على عمرو بن العاص وهو مريض فقال: كيف أصبحت؟ قال: ~~أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلا، وأفسدت من ديني كثيرا. فلو كان ما أصلحت ~~هو ما أفسدت لفزت. ولو كان ينفعني أن أطلب لطلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب ~~لهربت. فعظني بموعظة أنتفع بها يا بن أخي، فقال: هيهات يا أبا عبد الله! ~~فقال: اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك فخذ مني ms0090 حتى ترضى. وكانت وفاة ~~عمرو المذكور في ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين فصلى عليه ابنه ودفنه ثم ~~صلى بالناس صلاة العيد. قاله أبو فراس مولى عبد الله بن عمرو. وقال الليث ~~بن سعد والهيثم بن عدي والواقدي وابن بكير: وسنه نحو مائة سنة. وقال أحمد ~~العجلي وغيره: تسع وتسعون سنة. وقال ابن نمير: توفي سنة اثنتين وأربعين. ~~قلت: والأول هو المتواتر. وكان عمرو رضي الله عنه من أدهى العرب وأحسنهم ~~رأيا وتدبيرا. قيل: إنه اجتمع مع معاوية بن أبي سفيان مرة فقال له معاوية: ~~من الناس؟ فقال: أنا وأنت والمغيرة بن شعبة وزياد؛ قال معاوية: كيف ذلك؟ ~~قال عمرو: أما أنت فللتأني؛ وأما أنا فللبديهة؛ وأما المغيرة فللمعضلات؛ ~~وأما زياد فللصغير والكبير؛ قال معاوية: أما ذانك فقد غابا فهات بديهتك يا ~~عمرو؛ قال: وتريد ذلك؟ قال نعم؛ قال: فأخرج من عندك، فأخرجهم معاوية؛ فقال ~~عمرو: يا أمير المؤمنين أسارك، فأدنى معاوية رأسه منه؛ فقال عمرو: هذا من ~~ذاك، من معنا في البيت حتى أسارك! ولما مات عمرو ولي مصر عتبة بن أبي سفيان ~~من قبل أخيه معاوية. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عمرو بن العاص # ### || AUT ### || AUT الثانية على مصر # وهي سنة ثمان وثلاثين من الهجرة: فيها توجه عبد الله بن الحضرمي من قبل ~~معاوية إلى البصرة ليأخذها، وكان بها زياد ابن أبيه ووقع بينهما أمور. ~~وفيها سارت الخوارج لقتال علي رضي الله عنه؛ وكان كبيرهم عبد الله بن وهب، ~~فهزمهم علي وقتل أكثرهم، وقتل ابن وهب المذكور، وقتل من أصحاب علي رضي الله ~~عنه اثنا عشر رجلا. وكانت الوقعة في شعبان من هذه السنة. وفيها توفي صهيب ~~بن سنان بن مالك الرومي؛ سبته الروم فجلب إلى مكة فاشتراه عبد الله بن ~~جدعان التيمي، وقيل: بل هرب من الروم فقدم مكة وحالف ابن جدعان. وكان صهيب ~~من السابقين الأولين شهد بدرا والمشاهد كلها. روى عنه أولاده حبيب وزياد ~~وحمزة ؛ وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وكعب الأحبار؛ ms0091 وكنيته أبو ~~يحيى. توفي بالمدينة في شوال. ونشأ صهيب بالروم فبقيت فيه عجمة. وفيها توفي ~~سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري. كان من أهل مسجد قباء؛ وكنيته أبو سهل وقيل ~~أبو عبد الله؛ وهو من الطبقة الأولى من الأنصار. آخى رسول الله " ص " بينه ~~وبين علي بن أبي طالب ؛ وهو ممن شهد بدرا وأحدا والخندق. وفيها توفيت أسماء ~~بنت عميس بن معد بن تميم بن الحارث بن كعب بن مالك، أسلمت قبل دخول رسول ~~الله " ص " دار الأرقم بمكة وبايعت وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي ~~طالب، فولدت له هناك عبد الله بن جعفر ومحمدا وعونا ثم تزوجها بعد جعفر أبو ~~بكر الصديق، فاستولدها محمدا أمير مصر المقدم ذكره؛ ثم تزوجها بعد أبي بكر ~~علي بن أبي طالب، فولدت منه يحيى وعونا. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وتسعة ~~أصابع. وفي كتاب درر التيجان: تسعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عمرو # ### || AUT ### || AUT الثانية على مصر # وهي سنة تسع وثلاثين: فيها أيضا كانت وقعة الخوارج مع علي بن أبي طالب ~~بحر وراء وبالنخيلة - قاتلهم علي فكسرهم وقتل رؤوسهم، وسجد لله شكرا لما ~~أتي بمخدج اليد مقتولا. وكان رؤوس الخوارج زيد بن حفص الطائي وشريح بن أوفى ~~العبسي وكانا على المجنبتين، وكان رأسهم عبد الله بن وهب الراسبي - وقد ~~تقدم ذكرها في السنة الماضية، والأصح أنها في هذه السنه - وكان على رجالتهم ~~حرقوص بن زهير. وفيها بعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي ليقيم الحج، فنازعه ~~قثم بن عباس ومانعه، وكان من جهة علي، فتوسط بينهما أبو سعيد الخدري وغيره، ~~فاصطلحا على أن يقيم الموسم شيبة بن عثمان العبدري حاجب الكعبة. ~~PageV01P0048 # NOTMATCH ### || AUT بن العاص الثانية على مصر NOTMATCH # وفيها أيضا بعث معاوية ابن عوف في ستة آلاف فارس وأمره أن يأتي هيت ~~والأنبار المدائن؛ وكان أشرس بن حسان البلوي من جهة علي وقد تفرق عنه ~~أصحابه ms0092 ولم يبق معه سوى ثلاثين رجلا، فخرج إليهم وقاتلهم وقتل ابن أشرس ~~وأصحابه. وفيها أرسل معاوية الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف وأمره بالغارة على ~~من هو في طاعة علي من الأعراب. وفيها توفي سعد بن عابد، ويعرف بسعد القرظ، ~~مولى عمار بن ياسر والقرظ: ورق السلم كان يجلبه ويبيعه للدباغ فسمي به وكان ~~سعد يؤذن على عهد رسول الله " ص " بقباء ثم أذن على عهد أبي بكر وعمر، وهو ~~من الصحابة وله رواية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~وإصبعان؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عمرو # ### || AUT الثانية على مصر # وهي سنة أربعين: فيها بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من ~~المقاتلة إلى الحجاز، فقدم المدينة وعامل علي متوليها وهو أبو أيوب ~~الأنصاري فنفر منها أبو أيوب. وفيها قتل أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن ~~أبي طالب؛ واسم أبي طالب: عبد مناف بن عبد المطلب؛ واسم عبد المطلب: شيبة ~~الحمد بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن ~~عبد مناف الهاشمية؛ وهي بنت عم أبي طالب. كانت من المهاجرات ؛ توفيت في ~~حياة النبي " ص " بالمدينة. وهو أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المشهود ~~لهم بالجنة. وأما ما ورد في حقه من الأحاديث وما وقع له في الغزوات فيضيق ~~هذا المحل عن ذكر شيء منها، وفي شهرته رضي الله عنه ما يغني عن الإطناب في ~~ذكره. قتله عبد الرحمن بن ملجم. جلس له مقابل السدة التي يخرج منها علي إلى ~~الصلاة، فلما أن خرج علي إلى صلاة الصبح شد عليه عبد الرحمن المذكور فضربه ~~بسكين كانت معه أو بسيف في جبهته وفي رأسه، فحمل من وقته، وقبض على عبد ~~الرحمن المذكور، فقال علي: أطعموه واسقوه، فإن عشت فأنا ولي دمي: إن شئت ~~قتلت، وإن شئت عفوت؛ وإن مت فاقتلوه قتلتي، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب ~~المعتدين. وكان عبد الرحمن قد سم ms0093 سيفه، فتم علي رضي الله عنه جريحا يوم ~~الجمعة والسبت، وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان من ~~السنة. وتولى الخلافة من بعده ابنه الحسن بن علي رضي الله عنهما - وكانت ~~خلافة علي رضي الله عنه أربع سنين وتسعة أشهر. ولما دفن علي أحضر عبد ~~الرحمن بن ملجم فاجتمع الناس وجاؤوا بالنفط والبواري، فقال محمد بن الحنفية ~~والحسن والحسين ولدا علي وعبد الله بن جعفر ابن أخيه: دعونا نشتف منه؛ فقطع ~~عبد الله يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، وكحل عينيه، وجعل يقول: إنك ~~لتكحل عيني عمك هذا، وعيناه تسيلان على خديه؛ ثم أمر به فعولج على قطع ~~لسانه ؛ فجزع، فقيل له في ذلك؛ فقال: ما لذاك أجزع ولكن أكره أن أبقى في ~~الدنيا لا أذكر الله! فقطعوا لسانه، ثم أخرجوه في قوصرة ؛ وكان - قبحه الله ~~ولعنه - أسمر حسن الوجه أفلج في جبهته أثر السجود. وقال جعفر بن محمد عن ~~أبيه قال: صلى الحسن على علي رضي الله عنه ودفن بالكوفة عند قصر الإمارة، ~~وعمي قبره لئلا تنبشه الخوارج. وقال شريك وغيره: نقله الحسن إلى المدينة. ~~وذكر المبرد عن محمد بن حبيب، قال: أول من حول من قبر إلى قبر علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. وفيها توفي لبيد بن ربيعة بن كلاب بن مالك بن جعفر بن ~~كلاب: الصحابي العامري الشاعر المشهور. كنيته أبو عقيل. ذكره ابن سعد في ~~الطبقة الرابعة من القبائل الذين أسلموا بعد الفتح؛ ووفد على النبي " ص " ~~سنة تسع من الهجرة وأسلم. وفيها توفي تميم بن أوس بن خارجة أبو رقية اللخمي ~~الداري الصحابي المشهور؛ واختلف في نسبه إلى الدار بن هانىء أحد بني لخم. ~~أسلم تميم سنة تسع، رضي الله عنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثمانية أذرع وستة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وسبعة عشر ~~إصبعا؛ وفي كتاب درر التيجان: وستة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية عمرو # بن العاص ### || AUT الثانية على مصر # وهي ms0094 سنة إحدى وأربعين، وتسمى هذه السنة عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه ~~على خليفة واحد وهو معاوية بن أبي سفيان. PageV01P0049 # فيها أعني في سنة إحدى وأربعين بايع الحسن بن علي رضي الله عنه بالخلافة ~~معاوية وخلع نفسه. وسببه أنه لما ولي الخلافة بعد وفاة والده علي رضي الله ~~عنه أحبه الناس حبا شديدا زائدا واجتمعوا على طاعته، واستمر في الخلافة ~~أشهرا؛ فلما رأى الأمر مآله للقتال مع معاوية وألح عليه أهل العراق حتى خرج ~~في جموعه إلى نحو الشام وخرج معاوية أيضا بجيوشه في طلب الحسن رضى الله ~~عنه، ثم أرسل معاوية إلى الحسن يطلب الصلح. قال خليفة: فاجتمعا بمسكن؛ وهي ~~بأرض السواد من ناحية الأنبار، فاصطلحا في ربيع الآخرة. وسلم الحسن الأمر ~~إلى معاوية، لا من جزع بل شفقة على المسلمين. فإن الذي كان أنه، اجتمع ~~للحسن من العساكر أكثر مما كان اجتمع لأبيه، ولكن ترك ذلك خوفا من سفك ~~الدماء. ولما وقع ذلك دخل على الحسن سفيان أحد أصحابه وقال: السلام عليك يا ~~مذل المؤمنين؛ فقال الحسن: لا تقل ذلك، إني كرهت أن أقتلكم في طلب الملك. ~~قال الحافظ الذهبي، قال أبو بكرة: رأيت رسول الله " ص " على المنبر والحسن ~~ابن علي إلى جنبه وهو يقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين ~~فئتين عظيمتين من المسلمين. أخرجه البخاري. وفيها توفي صفوان بن أمية بن ~~خلف الجمحي. شهد حنينا مع النبي " ص " ثم أسلم بعدها، وأعار النبي " ص " ~~سلاحا كثيرا. وفيها توفيت حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها بنت عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع ~~وستة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وسبعة أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية عمرو # ### || AUT بن العاص الثانية ### || AUT على مصر # وهي سنة اثنتين وأربعين: فيها بعث معاوية المغيرة بن شعبة إلى زياد ابن ~~أبيه فخدعه وأنزله من قلعته. وفيها ولى معاوية مروان بن الحكم المدينة ~~فاستقضى مروان عبد الله ms0095 بن الحارث بن نوفل. وفيها تحركت الخوارج الذي بقوا ~~من يوم النهروان. وفيها توفي حبيب بن مسلمة بن مالك الأكبر بن وهب بن ثعلبة ~~بن واثلة بن عمرو بن سفيان بن حارث، أبو عبد الرحمن وقيل أبو مسلمة، ذكره ~~ابن سعد في الطبقة الخامسة من أصحاب رسول الله " ص " . وفيها توفي عثمان بن ~~طلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار بن قصي الجمحي؛ ذكره ابن سعد في الطبقة ~~الثالثة من المهاجرين ممن أسلم في هدنة الحديبية. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع ؛ مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة ~~أصابع. وفي درر التيجان: أربعة أذرع وثلاثة أصابع. ### | AUT ولاية عتبة بن أبي سفيان # ### || AUT على مصر # هو عتبة بن أبي سفيان - واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس - ~~أخو معاوية بن أبي سفيان لأبيه. ولاه أخوه معاوية إمارة مصر بعد وفاة عمرو ~~بن العاص رضي الله عنه في شوال سنة ثلاث وأربعين. ودخل عتبة مصر في ذي ~~القعدة منها. وكان عتبة هذا شهد مع عثمان بن عفان يوم الدار. قال الحافظ ~~ابن عساكر في تاريخه: قدم على أخيه معاوية بدمشق، وكان له بها في درب ~~الحمالين دار؛ وولي المدينة والطائف والموسم لأخيه معاوية غير مرة، وشهد ~~وقعة الجمل مع عائشة رضي الله عنها ثم انهزم، فعيره عبد الرحمن بن الحكم: ~~الوافر لعمري والأمور لها دواع ... لقد أبعدت يا عتب الفرار وقال ابن عساكر ~~عن الهيثم بن عدي قال: ذكر ابن عباس عتبة بن أبي سفيان في العور: ذهبت عينه ~~يوم الجمل مع عائشة. وقال أبو بكر الخطيب: حج عتبة ابن أبي سفيان بالناس ~~سنة إحدى وأربعين وسنة اثنتين وأربعين. وقال الأصمعي: الخطباء من بني أمية: ~~عتبة بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان. وقال أبو حاتم: أوصى عتبة بن أبي ~~سفيان مؤدب ولده فقال: ليكن أول إصلاحك بني إصلاحك لنفسك، فإن عيوبهم ~~معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما فعلت، والقبيح ما تركت؛ وعلمهم ms0096 كتاب الله ~~ولا تملهم فيتركوا، ولا تدعهم منه فيهجروا، وروهم من الحديث أشرفه، ومن ~~الشعر أعفه؛ ولا تخرجهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في ~~السمع مضلة للفهم ؛ وهددهم بي وأدبهم دوني ؛ وكن بهم كالطبيب الرفيق الذي ~~لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، وامنعهم من محادثة النساء، واشغلهم بسير ~~الحكماء، واستزدني بآدابهم أزدك، ولا تتكلن على عذر مني فقد اتكلت على ~~كفاية منك انتهى. PageV01P0050 # ولما قدم عتبة إلى مصر في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين أقام بها أشهرا ثم ~~خرج منها وافدا على أخيه معاوية بدمشق، واستخلف ### || AUT على مصر # عبد الله بن قيس ابن الحارث بن عياش التجيبي ؛ وكانت في عبد الله ~~المذكور شدة فكرهه الناس بمصر، فبلغ ذلك عتبة هذا فرجع إلى مصر وصعد المنبر ~~وقال: يا أهل مصر، قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم، وقد ~~وليكم من إن قال فعل. فإن أبيتم درأكم بيده، فإن أبيتم درأكم بسيفه؛ ثم جاء ~~في الآخر ما أدرك في الأول. إن البيعة شائعة، لنا عليكم السمع والطاعة، ~~ولكم علينا العدل، فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه. فناداه المصريون من ~~جنبات المسجد: سمعا سمعا؛ فناداهم عتبة: عدلا عدلا. ثم نزل. فجمع له أخوه ~~معاوية الصلاة والخراج، وعقد عتبة هذا لعلقمة بن يزيد الغطيفي، على ~~الإسكندرية في اثني عشر ألفا من آهل الديوان تكون بها مرابطة، ثم خرج إليها ~~عتبة بعد ذلك مرابطا في ذي القعدة وقيل في ذي الحجة، وهو الأشهر، سنة أربع ~~وأربعين من الهجرة، فمات بها في الشهر المذكور. وتولى مصر بعده عقبة بن ~~عامر الجهني، وكانت ولاية عتبة ### || AUT على مصر # سنة واحدة وشهرا واحدا. ### || AUT السنة التي حكم فيها عتبة # ### || AUT ### || AUT بن أبي سفيان ### || AUT على مصر # وهي سنة ثلاث وأربعين: فيها شتى بسر بن أبي أرطاة بأرض الروم مرابطا. ~~وفيها فتح عبد الرحمن بن سمرة الزرنج وغيرها من بلاد سجستان. وفيها افتتح ~~عقبة بن نافع الفهري كورا من بلاد ms0097 السودان ووردان من بلاد برقة. وفيها توفي ~~عبد الله بن سلام الإسرائيلي - ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من الأنصار، ~~وقال: كنيته أبو يوسف، وكان اسمه الحصين، فلما أسلم في السنة الأولى من ~~الهجرة سماه رسول الله " ص " عبد الله. وهو رجل من بني إسرائيل من ولد يوسف ~~بن يعقوب عليهما السلام، وهو صاحب القصة مع اليهود. وفيها توفي محمد بن ~~مسلمة بن خالد الأنصاري الصحابي؛ مذكور في الطبقة الأولى من الأنصار؛ أسلم ~~بالمدينة على يد مصعب بن عمير، وآخى رسول الله " ص " بينه وبين أبي عبيدة ~~بن الجراح، وشهد بدرا والمشاهد كلها ومات في صفر. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم تسعة أذرع وثلاثة أصابع؛ مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة ~~أصابع. وذكر في درر التيجان أن الماء القديم في هذه السنة أربعة أذرع ~~وثلاثة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عتبة # ### || AUT ### || AUT بن أبي سفيان ### || AUT على مصر # وهي سنة أربع وأربعين: فيها توفي عتبة صاحب الترجمة حسبما تقدم ذكره. ~~وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة أرض الهند وسار إلى قندابيل وكسر العدو وسلم ~~وغنم، وهي أول غزواته. وفيها حج الخليفة معاوية بن أبي سفيان بالناس من ~~الشام. وفيها زاد معاوية في مقصورة جامع دمشق، وكان قد أحدثها لما وثب عليه ~~البرك ليقتله. ثم أحدث في هذه السنة أيضا مروان بن الحكم مقصورة المدينة ~~وهو وال عليها. وفيها أوغل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في بلاد الروم ~~وشتى بها. وفيها غزا بسر بن أبي أرطاة في البحر. وفيها عزل معاوية عبد الله ~~بن عامر عن البصرة. وفيها توفي الحارث بن خزمة بن عدي بن أبي بن أبي غنم ~~الأشهلي، أبو بشير الصحابي؛ هو من الطبقة الأولى من الأنصار؛ شهدا بدرا ~~والمشاهد كلها، وآخى رسول الله " ص " بينه وبين إياس بن أبي البكير. وفيها ~~توفيت أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان على الصحيح؛ واسمها رملة؛ وهي ~~أخت معاوية لأبيه ؛ وأمها صفية بنت أبي العاص بن ms0098 أمية بن عبد شمس؛ وهي ابنة ~~عمة عثمان بن عفان ؛ وكان تزوجها رسول الله " ص " وهي بالحبشة، وذلك في سنة ~~ست من الهجرة أو سبع. وفيها توفي أبو بردة بن نيار بن عمرو بن عبيد بن عمرو ~~بن كلاب، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار من الصحابة. شهد العقبة مع ~~السبعين وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله " ص " وفيها توفي أبو ~~موسى الأشعري؛ واسمه عبد الله بن قيس بن سليم اليماني، صاحب رسول الله " ص ~~" قدم عليه مسلما مع أصحاب السفينتين واستعمله رسول الله " ص " على زبيد ~~وعدن، ثم ولي الكوفة والبصرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ومات في ذي ~~الحجة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر ~~إصبعا؛ مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبع واحد. ### | AUT ولاية عقبة بن عامر # ### || AUT على مصر # PageV01P0051 # هو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن رفاعة بن مودوعة بن عدي ابن ~~غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهني، أبو حماد الصحابي. شهد فتح ~~مصر مع عمرو بن العاص ثم وليها من قبل معاوية بن أبي سفيان بعد موت أخيه ~~عتبة بن أبي سفيان في سنة أربع وأربعين، وكان يخضب بالسواد. قال صاحب ~~البغية: ودام بمصر إلى أن قدم مسلمة بن مخلد على معاوية بدمشق، فولاه مصر ~~وأمره أن يكتم ذلك عن عقبة بن عامر، ثم سيره - إلى مصر. وأمر معاوية عقبة ~~بغزو رودس ومعه مسلمة بن مخلد المذكور، وخرجا إلى الإسكندرية ثم توجها في ~~البحر. فلما سار عقبة استولى مسلمة على سرير إمرته، فبلغ ذلك عقبة بن عامر، ~~وكان ذلك لعشر بقين من ربيع الأول سنة سبع وأربعين؛ وكانت ولايته سنتين ~~وثلاثة أشهر؛ وتولى مسلمة. وآخر من روى عن عقبة بمصر أبو قبيل انتهى. وقال ~~الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر في الإصابة: روى عن النبي " ص " كثيرا،، ~~وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وأبو أمامة وجبير ms0099 بن ~~نفير وبعجة بن عبد الله الجهني وأبو إدريس الخولاني وخلق من أهل مصر. قال ~~أبو سعيد بن يونس: كان قارئا عالما بالفرائض والفقه، صحيح اللسان، شاعرا ~~كاتبا؛ وهو آخر من جمع القرآن. قال: ورأيت مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف ~~عثمان، وفي آخره: كتبه عقبة بن عامر بيده. وفي صحيح مسلم من طريق قيس بن ~~أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قدم رسول الله " ص " المدينة وأنا في غنم لي ~~أرعاها فتركتها ثم ذهبت إليه فقلت: بايعني، فبايعني على الهجرة. وهذا ~~الحديث أخرجه أبو داود والنسائي. وشهد عقبة بن عامر الفتوح؛ وكان هو الرائد ~~إلى عمر بفتح دمشق. وشهد صفين مع معاوية وأمره بعد ذلك على مصر. وقال أبو ~~عمر الكندي: جمع له معاوية في إمرة مصر بين الخراج والصلاة. فلما أراد عزله ~~كتب إليه أن يغزو رودس، فلما توجه مسافرا استولى مسلمة، فبلغ عقبة فقال: ~~أغربة وعزلا! وذلك في سنة سبع وأربعين. ومات في خلافة معاوية على الصحيح. ~~وحكى أبو زرعة في تاريخه عن عباد بن بشر قال: رأيت رجلا يحدث في خلافة عبد ~~الملك فقلت: من هذا؟ فقالوا: عقبة بن عامر الجهني. قال أبو زرعة: فذكرته ~~لأحمد بن صالح، فقال: هذا غلط، مات عقبة في خلافة معاوية. وكذلك أرخه ~~الواقدي وغيره ؛ زاد في آخرها: وأما قول خليفة بن خياط: قتل في النهروان من ~~أصحاب علي، أبو عمرو عقبة بن عامر الجهني فهو آخر، بدليل قول خليفة في ~~تاريخه: في سنة ثمان وخمسين مات عقبة بن عامر الجهني. انتهى كلام شيخ ~~الإسلام ابن حجر. وقال صاحب كتاب " العقود الدرية في الأمراء المصرية " : ~~توفي عقبة في سنة ثمان وخمسين بمصر، وقبره يزار بالقرافة. وقال صاحب كتاب ~~مهذب الطالبين إلى قبور الصالحين: عقبة بن عامر الجهني من أعلام الصحابة ~~معدود من خدام النبي " ص " وكان يأخذ بزمام بغلة رسول الله " ص " ويقودها ~~في الأسفار. وعدد له رسول الله " ص " فضل المعوذتين وحثه على قراءتهما؛ وهو ~~أحد من شهد فتح ms0100 مصر من الصحابة ؛ وولي مصر لمعاوية بن أبي سفيان بعد عتبة ~~بن أبي سفيان، ثم غزا في البحر سنة سبع وأربعين. وهو أول من نشر الرايات ~~على السفن. فلما خرج إلى الغزو جاء كتاب معاوية بعزله وولاية مسلمة، فلم ~~يظهر مسلمة ولايته، فقال عقبة: ما لي أرى الأمر أبطأ علي؟ قالوا: ولى مسلمة ~~بن مخلد، قال عقبة: ما أنصفنا معاوية! عزلنا وغربنا. قال: ولأهل مصر فيه ~~اعتقاد عظيم، ولهم عنه نحو مائة حديث. وقد ذكر ابن عبد الحكم أحاديثه التي ~~رواها عنه أهل مصر. الحديث الأول - منها: من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى صلاة، ~~غير ساه ولا لاه كفر عنه ما كان قبلها من سيئاته. الحديث الثاني - قال ~~عقبة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " تعجب ربك من شاب ليس له صبوة ~~" . الحديث الثالث - قال عقبة: كنت آخذ بزمام بغلة رسول الله " ص " في بعض ~~غاب المدينة، فقال لي: يا عقبة ألا تركب فأشفقت أن تكون معصية، فنزل رسول ~~الله " ص " وركبت هنيهة، ثم ركب فقال: ألا أعلمك سورتين فقلت: بلى يا رسول ~~الله، قال: فاقر أني: " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ، ثم ~~أقيمت الصلاة فتقدم وصلى بهما وقال: اقرأهما كلما نمت وقمت ثم قال: وليس في ~~الجبانة قبر صحابي مقطوع به إلا قبر عقبة، فإنه زاره الخلف عن السلف. ~~PageV01P0052 # NOTMATCH ### || AUT بن عامر الجهني على مصر وهي سنة سبع وأربعين: فيها عزل عقبة المذكور عن NOTMATCH # وقال الشيخ الموفق بن عثمان في تاريخه المرشد ناقلا عن حرملة من أصحاب ~~الشافعي: إن البقعة التي دفن فيها عقبة المذكور بها أيضا قبر عمرو بن العاص ~~وقبر أبي بصرة الصحابيين، تحويهم القبة التي هدمها صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~ثم بناها البناء المعهود الآن. ورئي بعض الأمراء في النوم ممن جاوره، فقيل ~~له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بمجاورة عقبة. وروي له من البركات روايات ~~كثيرة: منها أن رجلا أسر له ولد فأتى قبر عقبة ms0101 ودعا الله عز وجل فقام من ~~عند قبره فلقي ابنه في الطريق. انتهى كلام صاحب مهذب الطالبين. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عقبة # ### || AUT ### || AUT بن عامر الجهني على مصر # وهي سنة خمس وأربعين: فيها غزا معاوية بن حديج إفريقية من بلاد المغرب. ~~وفيها سار عبد الله بن سوار العبدي فافتتح القيقاز وغنم وسلم وعاد. وفيها ~~عزل عبد الله بن عامر عن البصرة، فاستعمل عليها معاوية الحارث بن عمرو ~~الأزدي ثم عزل عن قريب وولى عليها زياد ابن أبيه، فبادر زياد وقتل سهم بن ~~غالب الهجيمى الذي كان خرج في أول الأمر على معاوية وصلبه. وفيها توفيت أم ~~المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب زوجة رسول الله " ص " وأمها زينب بنت ~~مظعون أخت عثمان بن مظعون. قال ابن سعد بإسناده: ولدت حفصة وقريش تبني ~~البيت قبل مبعث رسول الله " ص " بخمس سنين. وذكر الذهبي وفاتها في سنة إحدى ~~وأربعين وتابعه جماعة على ذلك. وفيها توفي زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد ~~الأنصاري الصحابي؛ وهو من الطبقة الثالثة من الأنصار؛ كنيته أبو سعيد وقيل ~~أبو خارجة. قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء ~~عن أبي قلابة عن أنس، قال: قال رسول الله " ص " " أرحم أمتي أبو بكر، ~~وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت ~~" . قلت: وهو من كتاب الوحي والقراء. وفيها توفي سلمة بن سلامة بن وقش، ~~وكنيته أبو عوف ة وقيل أبو ثابت. وهو من الطبقة الأولى من الأنصار؛ صحابي ~~مشهور؛ شهد العقبتين وبدرا والمشاهد كلها مع رسول الله " ص " . وفيها توفي ~~سهل بن عمرو بن زيد بن جشم الأنصاري؛ ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من ~~الصحابة ممن شهد أحدا والخندق وما بعدهما مع رسول الله " ص " . وفيها توفي ~~عاصم بن عدي؛ وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وكنيته أبو عمرو وقيل أبو ~~عبد الله، وهو الذي بعثه رسول الله " ص " من بدر إلى قباء. أمر النيل ms0102 في ~~هذه السنة: الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع. وقال صاحب درر التيجان: وسبعة ~~عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عقبة # ### || AUT ### || AUT بن عامر الجهني على مصر # وهي سنة ست وأربعين: فيها عزل الخليفة معاوية عبد الرحمن بن سمرة عن ~~سجستان وولاها الربيع بن زياد الحارثي، فخاف الترك وجمع ملكهم كابل شاه ~~الجموع وزحف على المسلمين فنزح المسلمون عن مدينة كابل، ثم لقيهم الربيع ~~هذا وقاتلهم أعني الترك فهزمهم الله تعالى؛ وساق وراءهم المسلمين إلى ~~الرخج، وغنموا منهم شيئا كثيرا. وشتى المسلمون بأرض الروم في هذه السنة. ~~وفيها توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لما رجع من بلاد الروم إلى حمص؛ ~~وكان قد شتى بالروم وفتح حصونا كثيرة، فسقاه ابن أثال النصراني شربة مسمومة ~~فمات منها. وهو ممن أدرك رسول الله " ص " وقيل إنه مات في سنة تسع وأربعين. ~~وفيها توفي هرم بن حيان العبدي البصري. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من ~~الفقهاء المحدثين والزهاد من أهل البصرة - وهو أحد الزهاد الثمانية. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع ؛ مبلغ الزيادة ~~ستة عشر ذراعا وتسعة أصابع. وفي الدرر: ثمانية عشر ذراعا وتسعة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عقبة # ### || AUT ### || AUT بن عامر الجهني على مصر # وهي سنة سبع وأربعين: فيها عزل عقبة المذكور عن مصر. وفيها سار رويفع بن ~~ثابت الأنصاري من طرابلس الغرب ودخل إفريقية ثم عاد من سنته. PageV01P0053 # وفيها غزا عبد الله بن سوار العبدي القيقان أيضا، فجمع له الترك والتقوا ~~معه فاستشهد عبد الله وسائر من كان معه من الجيوش. وفيها شتى مالك بن هبيرة ~~بأرض الروم. وفيها أقام الموسم عنبسة بن أبي سفيان. وفيها توفي قيس بن عاصم ~~بن سنان؛ ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة في الصحابة ممن أسلم من العرب ~~ورجع إلى بلاد قومه؛ وكنيته أبو علي وقيل أبو قبيصة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع ms0103 وثلاثة عشر إصبعا. وفي درر التيجان: وثلاثة ~~وعشرون إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ### | AUT ولاية مسلمة بن مخلد # على مصر هو مسلمة بن مخلد بن صامت بن نيار بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ~~ثعلبة ابن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة، أبو معن وقيل أبو ~~سعيد، الصحابي الأنصاري ومسلمة بفتح الميم وسكون السين المهملة، ومخلد بضم ~~الميم وتشديد اللام. ولاه معاوية بن أبي سفيان مصر بعد عزل عقبة بن عامر ~~الجهني في سنة سبع وأربعين حسبما تقدم ذكره في أخر ترجمة عقبة، وجمع له ~~معاوية الصلاة والخراج وبلاد المغرب. فلما ولي مسلمة مصر انتظمت غزواته في ~~البر والبحر: منها غزوة القسطنطينية الآتي ذكرها، ولم يحضرها غير أنه حسن ~~لمعاوية غزوها. وفي أيام ولايته على مصر نزلت الروم البرلس في سنة ثلاث ~~وخمسين فاستشهد في الوقعة وردان مولى عمرو بن العاص في جمع من المسلمين. ~~وفي إمرته لمصر أيضا هدم ما كان عمرو بن العاص بناه في سنة ثلاث وخمسين، من ~~المسجد بمصر وبناه هو وأمر ببناء منار المسجد؛ وهو أول من أحدث المنار ~~بالمساجد والجوامع. وخرج مسلمة إلى الإسكندرية في سنة ستين واستخلف على مصر ~~عابس بن سعيد، فجاءه الخبر بموت معاوية بن أبي سفيان في شهر رجب منها ~~واستخلاف يزيد بن معاوية بعد أبيه؛ وكتب إليه يزيد بن معاوية وأقره على عمل ~~مصر، وكتب إليه أيضا بأخذ البيعة له ؛ فندب مسلمة عابسا وكتب إليه من ~~الإسكندرية بذلك؛ فطلب عابس أهل مصر وبايع ليزيد فبايعه الجند والناس إلا ~~عبد الله بن عمرو بن العاص، فدعا عابس بالنار ليحرق عليه بابه، فحينئذ بايع ~~عبد الله بن عمرو ليزيد على كره منه. ثم قدم مسلمة من الإسكندرية فجمع ~~لعابس مع الشرطة القضاء في أول سنة إحدى وستين. وقال الذهبي: مسلمة بن مخلد ~~الأنصاري له صحبة ورواية ؛ وحدث عنه شيبان بن أمية وعلي بن رباح ومجاهد ~~وعبد الرحمن بن شماسة وغيرهم، قال: ولدت حين قدم ms0104 النبي " ص " المدينة ؛ وقد ~~ولي ديار مصر لمعاوية. انتهى كلام الذهبي. وقال ابن عبد الحكم: مسلمة بن ~~مخلد الأنصاري لهم عنه حديث واحد ليس لهم، عنه غيره، وهو حديث موسى بن علي ~~عن أبيه أنه سمعه يقول وهو على المنبر: توفي رسول الله " ص " وأنا ابن عشر ~~سنين. لم يرو عنه غير أهل مصر؛ وأهل البصرة لهم عنه حديث واحد، وهو حديث ~~أبي هلال الراسبي قال: حدثنا جبلة ابن عطية عن مسلمة بن مخلد أنه رأى ~~معاوية يأكل، فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمك لمخضد، ثم قال: أما إني أقول ~~هذا وقد سمعت رسول الله " ص " يقول: " اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد ~~ووقه العذاب " . وربما أدخل بعض المحدثين بين جبلة بن عطية وبين مسلمة ~~رجلا. وقد ولي مسلمة بن مخلد مصر؛ وهو أول من جمع له مصر والمغرب، وتوفي ~~سنة اثنتين وستين؛ وكان يكنى أبا سعيد. انتهى كلام ابن عبد الحكم. وكان - ~~مسلمة كثير العبادة. قلت: وأما غزوة القسطنطينية التي وعدنا بذكرها فإنها ~~كانت في سنة تسع وأربعين ؛ وكان مسلمة هذا حرض معاوية عليها، فأرسل إليها ~~معاوية جيشا كثيفا وأمر عليهم سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، ~~فتثاقل يزيد واعتذر، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد؛ ~~فأنشد يزيد يقول: البسيط ما إن أبالي بما لاقت جموعهم ... بالغذقذونة من ~~حمى ومن موم إذا اتكأت على الأنماط مرتفقا ... بدير مران عندي أم كلثوم ~~PageV01P0054 # - وأم كلثوم امرأته وهي ابنة عبد الله بن عامر - فبلغ معاوية شعره فأقسم ~~عليه ليلحقن بسفيان بأرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس، فسار ومعه جمع كبير. ~~وكان في هذا الجيش ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وأبو أيوب ~~الأنصاري وغيرهم، فأوغلوا في بلاد الروم حتى بلغوا القسطنطينية، فاقتتل ~~المسلمون والروم واشتد الحرب بينهم، فلم يزل عبد العزيز يتعرض للشهادة فلم ~~يقتل. ثم حمل بعد ذلك عليهم وانغمس بينهم فشجره الروم برماحهم حتى قتلوه. ~~فبلغ معاوية قتله فقال لأبيه: ms0105 هلك والله فتى العرب! فقال أبوه لمعاوية: ~~ابني أم ابنك؟ فقال: ابنك، فآجرك الله؛ فقال: المتقارب فإن يكن الموت أوى ~~به ... وأصبح مخ الكلابي زيرا فكل فتى شارب كأسه ... فإما صغيرا وإما كبيرا ~~قال مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ سورة البقرة فما ترك ألفا ولا ~~واوا. وقال ابن سعد في كتاب الطبقات الكبرى من تصنيفه: حدثنا معن بن عيسى، ~~حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن مسلمة بن مخلد قال: أسلمت وأنا ابن ~~أربع سنين، وتوفي رسول الله " ص " وأنا ابن أربعة عشر سنة. وقال محمد بن ~~عمرو: يروي مسلمة بن مخلد عن رسول الله " ص " . ثم قال: وتحول إلى مصر ~~ونزلها، وكان مع أهل خربتا، وكانوا أشذ أهل المغرب وأعده، وكان له بها ذكر ~~ونباهة؛ ثم صار إلى المدينة فمات بها في خلافة معاوية. قلت: وهذا القول ~~يخالف فيه الجمهور. والذي قاله المؤرخون: إنه استمر على عمله حتى توفي لخمس ~~بقين من شهر رجب سنة اثنتين وستين. وكانت ولايته على مصر خمس عشرة سنة ~~وأربعة أشهر. وتولى مصر من بعده سعيد بن يزيد. وقال الحافظ أبو سعيد عبد ~~الرحمن بن يونس على ما أخبرنا: شهد مسلمة فتح مصر واختط بها، وولي الجند ~~لمعاوية بن أبي سفيان ولابنه يزيد بن معاوية؛ وروى عنه من أهل مصر: علي بن ~~رباح وهشام بن أبي رقية وأبو قبيل وهلال بن عبد الرحمن ومحمد بن كعب وغيرهم ~~توفي بالإسكندرية سنة اثنتين وستين في ذي القعدة. حدثنا علي بن سعيد ~~الرازي، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا وكيع، حدثنا موسى بن علي عن أبيه ~~قال: سمعت مسلمة بن مخلد يقول: ولدت حين قدم النبي " ص " المدينة، وتوفي ~~وأنا ابن عشر سنين. قال ابن يونس: هذا الحديث غريب، وقد رواه معن بن عيسى ~~وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهما عن موسى بن علي. انتهى كلام ابن يونس. هذا ما ~~وقع لنا من أخبار مسلمة بن مخلد المذكور؛ ويأتي ذكره أيضا في سني ولايته ms0106 ~~على مصركما هي عادتنا في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة ثمان وأربعين: فيها كتب معاوية بن أبي سفيان الخليفة إلى زياد ~~لما بلغه قتل عبد الله بن سوار: أنظر لي رجلا يصلح لثغر الهند أوجهه إليه؛ ~~فوجه إليه زياد سنان بن سلمة أبن المحبق، الهذلي، فولاه معاوية الهند. ~~وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن إمرة المدينة بسعيد بن العاص الأموي. ~~وفيها قتل بالهند عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي. وفيها توفي ~~الحارث بن قيس الجعفي الفقيه صاحب عبد الله بن مسعود، وقيل: إنه مات في غير ~~هذه السنة. وفيها كان مشتى عبد الرحمن القيني بإنطاكية. وفيها كانت صائفة ~~عبد الله بن قيس الفزاري. وفيها كانت غزوة مالك بن هبيرة السكوني في البحر. ~~وفيها استعمل زياد غالب بن فضالة الليثي على خراسان، وكانت له صحبة. وفيها ~~حج بالناس مروان بن الحكم، وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه، ~~وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا؛ مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الثانية من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة تسع وأربعين: فيها شتى مالك بن هبيرة بأرض الروم، وقيل: ما شتى ~~بها إلا فضالة بن عبيد الأنصاري. وفيها حج بالناس سعيد بن العاص. وفيها قتل ~~زياد بالبصرة الخطيم الباهلي الخارجي. وفيها خرج على المغيرة بن شعبة وهو ~~والي الكوفة شبيب بن بجرة الأشجعي، وهو غير شبيب الذي خرج على الحجاج بن ~~يوسف، فوجه إليه المغيرة كثير بن شهاب الحارثي فقتله بأذربيجان. وكان شبيب ~~ممن شهد النهروان. PageV01P0055 # وفيها كانت غزوة فضالة بن عبيد جربة وشتى بها، وفتحت على يده وأصاب فيها ~~سبايا كثيرة. وفيها كانت صائفة عبد الله بن كرز البجلي. وفيها كانت غزوة ~~يزيد بن شجرة الرهاوي بالبحر فشتى بأهل الشام. وفيها كانت غزوة عقبة ms0107 بن ~~نافع في البحر فشتى بأهل مصر. وفيها عزل مروان عن المدينة بسعيد بن العاص ~~في شهر ربيع الأول، فكانت ولاية مروان ثماني سنين وشهرين، وكان على قضاء ~~المدينة عبد الله بن الحارث بن نوفل فعزله سعيد حين ولي واستقضى أبا سلمة ~~بن عبد الرحمن. وفيها توفي الحسن بن علي، والأصح أنه في الآتية، كما سيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~وإصبعان ؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية مسلمة # ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة خمسين من الهجرة: فيها وجه زياد الربيع بن زياد الحارثي إلى ~~خراسان فغزا بلخ وكانت قد انتقضت بعد رواح الأحنف بن قيس عنها فصالحوا ~~الربيع هذا ورحل عنها وغزا قوهستان فافتتحها عنوة. وفيها أراد معاوية نقل ~~منبر النبي " ص " من المدينة وأن يحمل إلى الشام، وقال: لا يترك هو وعصا ~~النبي " ص " بالمدينة وهم قتلة عثمان. فطلب العصا وهي عند سعد القرظ. وحرك ~~المنبر فكسفت الشمس حتى رئيت النجوم بادية، فأعظم الناس ذلك فتركه. وقيل: ~~بل أتاه جابر وأبو هريرة فقالا له: يا أمير المؤمنين، لا يصلح أن يخرج منبر ~~النبي " ص " من موضع وضعه وتنقل عصاه إلى الشام، فانقل المسجد؛ فتركه ~~معاوية وزاد فيه ست درجات واعتذر مما صنع. وفيها افتتح معاوية بن حجيج بضم ~~الحاء المهملة مصغرا فتحا كبيرا بالمغرب، وكان قد جاءه عبد الملك بن مروان ~~في مدد أهل المدينة. وهذه أول غزوة لعبد الملك بن مروان. وفيها ولى معاوية ~~زيادا البصرة والكوفة معا بعد موت المغيرة بن شعبة، فعزل زياد الربيع عن ~~سجستان وولاها لعبيد الله بن أبي بكرة. وفيها غزا يزيد بن معاوية ~~القسطنطينية وكان معه فيها وجوه الناس. وممن كان معه أبو أيوب الأنصاري وقد ~~ذكرناها أعني هذه الغزوة في أصل الترجمة. وفيها توفي السيد الحسن بن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه؛ وكنيته أبو محمد الهاشمي، القرشي، السيد ابن السيد ~~ابن ms0108 السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله " ص " ولد في شعبان سنة ثلاث من ~~الهجرة، وقيل في نصف شهر رمضان منها، قاله الواقدي. وكان ريحانة النبي " ص ~~" وشبيها به. ولي الخلافة بعد موت أبيه علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة ~~أربعين؛ واجتمع عليه المسلمون وأحبوه حبا شديدا وألزموه حرب معاوية، فسار ~~على كره منه. فلما كان في بعض الطريق اختلف عليه بعض أصحابه فضاق صدره. ثم ~~أرسل إلى معاوية يسأله الصلح ويسلم له الأمر، فوقع ذلك وشق على أصحابه ~~وكادت نفوسهم تذهب. ودخل عليه سفيان أحد أصحابه وقال له: السلام عليك يا ~~مذل المؤمنين، فقال الحسن: لا تقل ذلك، إني كرهت أن أقتلكم في طلب الملك. ~~قال الحافظ الذهبي، قال أبو بكرة: رأيت رسول الله " ص " على المنبر والحسن ~~بن علي إلى جنبه وهو يقول: " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين ~~فئتين من المسلمين " أخرجه البخاري. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ~~الله " ص " : " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " صححه الترمذي. قلت: ~~ومناقب الحسن كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكرها. وكانت وفاته بالمدينة في شهر ~~ربيع الأول ودفن بالبقيع رضي الله عنه. وفيها توفيت أم المؤمنين صفية بنت ~~حيي بن أخطب بن شعبة من سبط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم ~~السلام، ثم من ولد هارون أخي موسى عليهما السلام؛ سباها النبي " ص " يوم ~~خيبر، وجعل عتقها صداقها وتزوجها. وماتت في هذه السنة وقيل في سنة ست ~~وثلاثين، والأول أشهر. PageV01P0056 # وفيها كانت بناية مدينة القيروان بالمغرب. وفيها كان الطاعون العظيم ~~بالكوفة وأميرها المغيرة بن شعبة، ومات فيه بعد أن فر منه. وهذا الطاعون ~~رابع طاعون مشهور وقع في الإسلام؛ فإن الأول كان بالمدائن في عهد النبي " ص ~~" والثاني طاعون عمواس في زمان عمر رضي الله عنه، والثالث بالكوفة وأميرها ~~أبو موسى الأشعري، ثم هذا الطاعون أيضا بالكوفة. وفيها توفي المغيرة بن ~~شعبة بن أبي عامر بن مسعود، أبو عيسى ويقال أبو ms0109 محمد؛ صحابي مشهور، وكان من ~~دهاة العرب، يقال له: مغيرة الرأي؛ وكان كثير الزواج. قال المغيرة: تزوجت ~~بسبعين امرأة. وقال مالك: كان المغيرة نكاحا للنساء، ويقول: صاحب المرأة إن ~~مرضت مرض وإن حاضت حاض ؛ وصاحب المرأتين بين نارين تشعلان. وقال ابن ~~المبارك: كان تحت المغيرة أربع نسوة فصفهن بين يديه وقال: أنتن حسان ~~الأخلاق، طويلات الأعناق، ولكني رجل مطلاق، فأنتن للطلاق. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ذراعان وستة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا ~~وأربعة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة إحدى وخمسين من الهجرة: فيها حج بالناس معاوية وأخذهم ببيعة ~~ابنه يزيد. وفيها كانت مقتلة حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وأصحابهما. قال ابن ~~الأثير في تاريخه الكامل قال الحسن البصري،: أربع خصال كن في معاوية لو لم ~~تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة: افتراؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ ~~الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعلي ~~سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله ~~" ص " : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ، وقتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ~~ويلاه من حجر! ويا ويلاه من أصحاب حجر!! وفيها توفي سعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل بن عبد العزى، أبو الأعور القرشي العدوي الصحابي، أحد العشرة المشهود ~~لهم بالجنة. كان أميرا على ريع المهاجرين، وولي دمشق نيابة عن أبي عبيدة بن ~~الجراح وشهد فتحها، وشهد مع رسول الله " ص " المشاهد كلها بعد بدر. وقال ~~الواقدي: توفي سنة إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وقبره بالمدينة ~~ونزل في قبره سعد وابن عمر؛ وكان رجلا آدم طويلا أشعر. وفيها توفي أبو أيوب ~~الأنصاري، خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن ~~النجار، سس النخار في المدني الصحابي ؛ شهد بدرا والعقبة؛ وعليه نزل رسول ~~الله " ص " لما قدم المدينة فبقي في داره شهرا حتى بنيت حجرته ms0110 ومسجده؛ وكان ~~من نجباء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وفيها توفيت أم المؤمنين ميمونة ~~بنت الحارث الهلالية ؛ تزوجها رسول الله " ص " سنة سبع من الهجرة ؛ وروى ~~عنها مولاها عطاء وسليمان ابنا يسار، وابن أختها يزيد بن الأصم، وابن أختها ~~عبد الله بن عباس، وابن أختها عبد الله بن شداد بن الهاد، وجماعة أخر؛ ~~وكانت قبل النبي " ص " عند أبي رهم بن عبد العزى العامري فتأثمت منه، ~~فخطبها رسول الله " ص " فجعلت أمرها إلى العباس فزوجها منه، وبنى بها بسرف ~~بطريق مكة لما رجع من عمرة القضاء؛ وهي أخت لبابة الكبرى زوجة العباس ~~ولبابة الصغرى آم خالد بن الوليد، وأخت أسماء بنت عميس لأمها، وأخت زينب ~~بنت خزيمة أيضا لأمها. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أفرع ~~وخمسة أصابع؛ مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا وفي درر ~~التيجان: وستة وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة اثنتين وخمسين: فيها شتى بسر بن أبي أرطاة بأرض الروم وهو بضم ~~الموحدة وسكون السين المهملة. وفيها حج بالناس سعيد بن العاص. وفيها توفي ~~أبو أيوب الأنصاري، واسمه خالد بن زيد في قول ابن الأثير. كان من نجباء ~~الصحابة. شهد العقبة وبدرا وأحدا؛ وقد تقدم ذكره ووفاته في سنة تسع ~~وأربعين. وفيها توفي كعب بن غجرة وله خمس وسبعون سنة. وفيها صالح عبيد الله ~~بن أبي بكرة الثقفي رتبيل على كابل وبلاده على ألف ألف درهم. PageV01P0057 # وفيها ولد يزيد بن أبي حبيب فقيه أهل مصر. وفيها توفي عمران بن الحصين بن ~~عبيد بن خلف، أبو نجيد بضم النون مصغرا الخزاعي صاحب رسول الله " ص " ولي ~~قضاء البصرة؛ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعثه إليهم ليفقههم. وفيها ~~توفي معاوية بن حديج التجيبي الكندي، وقد تقدم من أخباره نبذ كثيرة فيما ~~تقدم. وهو من كبار العثمانية وممن كان بخربتا، وحارب جيش علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، وقتل محمد بن أبي ms0111 بكر الصديق؛ وكان من أنياب العرب وكبارها. ~~وفيها خرج زياد بن خراش العجلي في ثلاثمائة فارس فأتى أرض مسكن من السواد، ~~فسير إليه زياد خيلا عليها سعد بن حذيفة أوغيره، فقتلوهم وقد صاروا إلى ~~ماه. وخرج أيضا على زياد رجل من طيىء يقال له معاذ، فأتى نهر عبد الرحمن بن ~~أم الحكم في ثلاثين رجلا، فبعث إليه من قتله وقتل أصحابه، وقيل بل حل لواءه ~~واستأمن؛ ويقال لهم: أصحاب نهر عبد الرحمن. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان وثلاثة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة ثلاث وخمسين: فيها أستعمل معاوية على الكوفة الضحاك بن قيس ~~الفهري بعد موت زياد ابن أبيه، واستعمل على البصرة سمرة بن جندب، وعزل عبيد ~~الله بن أبي بكرة عن سجستان وولاها لعباد بن زياد ابن أبيه، فغزا عباد ~~المذكور قندهار حتى بلغ بيت الذهب، فجمع له الهند جمعا هائلا، فقاتلهم عباد ~~حتى هزمهم. ولم يزل على إمرة سجستان حتى توفي معاوية بن أبي سفيان. وفيها ~~توفي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في نومة نامها؛ واسم أبي بكر عبد الله ~~بن أبي قحافة عثمان التيمي القرشي الصحابي ؛ مات بمكة وكان شجاعا راميا؛ ~~أسلم قبل الفتح. وفيها توفي عمرو بن حزم الخزرجي الصحابي ؛ استعمله النبي " ~~ص " على نجران، وكان من نجباء الصحابة. وفيها شتى عبد الرحمن بن أم الحكم ~~بأرض الروم. وفيها أقام الموسم سعيد بن العاص. وفيها أمر معاوية على خراسان ~~عبيد الله بن زياد. وفيها قتل عابد بن ثعلبة البلوي أحد الصحابة. قتله ~~الروم بالبرلس. وفيها فتحت رودس جزيرة في البحر فتحها جنادة بن أبي أمية ~~الأزدي ونزلها المسلمون وهم على حذر من الروم، وكانوا أشد شيء على الروم ~~يعترضونهم في البحر ويأخذون سفنهم، وكان معاوية يدر لهم العطاء، وكان العدو ~~قد خافهم، فلما مات معاوية أقفلهم ابنه يزيد. وفيها توفي زياد ابن أبيه ؛ ~~وكان ms0112 ولي الكوفة والبصرة والعراق لمعاوية؛ وكان من دهاته؛ وقال مسكين ~~الداري يرثيه بقوله: الوافر رأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين ودعنا ~~زياد أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وسبعة عشر إصبعا؛ ~~مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### || AUT السنة السابعة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة أربع وخمسين: فيها عزل معاوية سعيد بن العاص عن إمرة المدينة ~~وولاها لمروان بن الحكم ثانية وفيها غزا عبيد الله بن زياد خراسان وقطع ~~النهر وعدى إلى بخارا على الإبل، فكان أول عربي قطع النهر إلى بخارا، ~~وافتتح بها البلاد. وفيها وجه الضحاك بن قيس من الكوفة ابن هبيرة الشيباني ~~إلى غزو طبرستان، فصالحه أهلها على خمسمائة ألف درهم. وفيها عزل معاوية ~~سمرة بن جندب عن البصرة وولاها لعبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي. وفيها ~~حج بالناس مروان بن الحكم أمير المدينة؛ وقال ابن الأثير: سعيد بن العاص، ~~وكان عامل المدينة. وفيها توفي أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، حب ~~رسول الله " ص " وابن حبه ومولاه؛ كنيته أبو زيد، وقيل أبو محمد، وقيل أبو ~~حارثة. ففي الصحيح عن أسامة قال: كان النبي " ص " يأخذني والحسين ويقول: ~~اللهم إني أحبهما فأحبهما. وأمة أم أيمن بركة حاضنة رسول الله " ص " ~~ومولاته؛ وكان أسود كالليل وأبوه أبيض أشقر؛ قاله إبراهيم بن سعد. وفيها ~~توفي ثوبان مولى رسول الله " ص " . وفيها توفي جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ~~النوفلي الصحابي؛ أسلم بعد بدر وحضر عدة مشاهد مع النبي " ص " . وفيها توفي ~~حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام النجاري الصحابي، شاعر رسول الله " ص " ، ~~المؤيد بروح القدس. وعاش هو وأبوه وجده وجد أبيه كل واحد مائة وعشرين سنة. ~~PageV01P0058 # وفيها توفي سعيد بن يربوع المخزومي الصحابي عن مائة وعشرين سنة أيضا؛ ~~أسلم في الفتح. وفيها توفي عبد الله بن أنيس الجهني الصحابي حليف الأنصار؛ ~~شهد العقبة. وفيها توفي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، أبو ms0113 خالد الأسدي ~~الصحابي، ابن أخي خديجة زوجة النبي " ص " ؛ أسلم في الفتح، وكان سيدا ~~شريفا؛ ولد في جوف الكعبة وأعتق في الجاهلية والإسلام مائتي رقبة وجاوز ~~مائة السنة من العمر. وفيها توفي أبو قتادة الأنصاري السلمي، فارس رسول ~~الله " ص " ؛ وأسمه الحارث بن ربعي. وكان من نجباء الصحابة رضي الله عنهم. ~~وفيها توفي مخرمة بن نوفل الزهري الصحابي عن مائة وخمس عشرة سنة؛ وكان من ~~المؤلفة قلوبهم ؛ والمسور هو ابنه. وفيها مات فيروز الديلمي وكانت له صحبة. ~~وكان مع معاوية وأستعمله على صنعاء. وفيها مات فضالة بن عبيد الأنصاري ~~بدمشق وكان قاضيها؛ وقيل في موته غير ذلك ؛ شهد أحدا وما بعدها. وخرجت هذه ~~السنة وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى البصرة سمرة، وعلى ~~خراسان خليد بن يربوع الحنفي وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وسكون ~~الياء المعجمة باثنتين من تحت. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة ~~أذرع وثلاثة عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة خمس وخمسين: فيها عزل معاوية عن البصرة عبد الله الثقفي وولاها ~~لعبيد الله بن زياد. وفيها حج بالناس مروان بن الحكم أمير المدينة. وفيها ~~عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة وولاها الضحاك بن قيس. وفيها توفي ~~أبو اليسر بفتح الياء المثناة من تحت والسين السلمي بفتحتين أيضا واسمه كعب ~~بن عمرو؛ وهو من أعيان الصحابة الأنصار؛ وهو الذي أسر العباس يوم بدر وشهد ~~العقبة مع النبي " ص " وله عشرون سنة. وفيها توفي سعد بن أبي وقاص ؛ وأسمه ~~مالك بن أهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب بن مرة ؛ كنيته أبو إسحاق ~~الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد السابقين الأولين ؛ وكان يقال ~~له: فارس الإسلام؛ وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله ؛ وكأن مقدم الجيوش في ~~فتح العراق ؛ وكان مجاب الدعوة كثير المناقب وشهد بدرا. وروى عثمان بن عبد ~~الرحمن ms0114 عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها سعد بن ~~أبي وقاص إلى رابغ وهي من - جانب الجحفة، فانكفأ المشركون على المسلمين ~~فحماهم سعد يومئذ بسهامه، وهو أول قتال كان في الإسلام ؛ فقال سعد: الوافر ~~ألا هل آتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي فما يعتد رام في عدو ~~... بسهم يا رسول الله قبلي وفيها توفي الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وهو ~~الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يختفي في داره بمكة، وكان عمره ثمانين ~~سنة وزيادة ؛ وقيل مات يوم مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وإصبعان؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا ~~وستة أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة ست وخمسين: فيها عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن خراسان وولى ~~عليها سعيد بن عثمان بن عفان، فغزا سعيد سمرقند ومعه المهلب بن أبي صفرة ~~الأزدي وطلحة الطلحات وأوس بن ثعلبة، وخرج إليه الضغد. فقاتلوه فألجأهم إلى ~~مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهائن. وفيها شتى المسلمون بأرض الروم. وفيها ~~توفيت أم المؤمنين جويرية المصطلقية، وقيل: إنها ماتت في سنة خمسين ؛ وهي ~~جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقي ؛ سباها النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم المريسيع في السنة الخامسة، وكان اسمها برة فغير النبي صلى الله عليه ~~وسلم اسمها وتزوجها وجعل صداقها عتق جماعة من قومها؛ ثم قدم أبوها الحارث ~~بن أبي ضرار على النبي صلى الله عليه وسلم. وعن جويرية قالت: تزوجني النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأنا بنت عشرين سنة؛ وكانت قبل النبى صلى الله عليه ~~وسلم عند ابن عمها صفوان في الشفر. وفيها غزا يزيد بن شجرة في البحر، وفي ~~البر عياض بن الحارث. وفيها اعتمر معاوية في رجب. وحج بالناس الوليد بن ~~عتبة بن أبي سفيان. وفيها كانت البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد. وفيها ~~توفي عبد الله بن قرط الأزدي الصحابي أمير ms0115 حمص. PageV01P0059 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وسبعة أصابع؛ مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة سبع وخمسين: فيها وجه معاوية حسان بن النعمان الغساني إلى ~~إفريقية، فصالحوه من يليه من البربر وضرب عليهم الخراج وبقي عليها حتى توفي ~~معاوية وتخلف ابنه يزيد. وفيها عزل معاوية الضحاك عن الكوفة وولاها عبد ~~الرحمن بن أم الحكم. وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وأمر ~~عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وفيها عزل معاوية سعيد بن عثمان عن ~~خراسان وأعاد عليها عبيد الله بن زياد. وفيها شتى عبد الله بن قيس بأرض ~~الروم. وفيها توفي السائب بن أبي وداعة السهمي الصحابي ؛ وكان أسر يوم بدر ~~وأسلم بعد ذلك. وفيها توفي عثمان بن طلحة بن شيبة العبدري ؛ وقيل في سنة ~~تسع وخمسين. وهو جد بني شيبة حجبة الكعبة، وأسلم يوم الفتح، وقيل يوم حنين. ~~وفيها غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم وعمرو بن يزيد الجهني في ~~البحر، وقيل جنادة بن أبي أمية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة ~~أذرع واثنا عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة ثمان وخمسين: فيها غزا عقبة بن نافع من قبل مسلمة بن مخلد ~~القيروان واختط عقبة مدينة ا لقيروان وابتناها. وفيها توفيت أم المؤمنين ~~عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فقيهة نساء هذه الأمة؛ وكنيتها أم ~~عبد الله التيمية؛ دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم في شوال بعد بدر ولها ~~من العمر تسع سنين ؛ وهي أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه بعد ~~خديجة؛ روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " ، وقالت: قال ~~رسول الله صلى الله عليه ms0116 وسلم يوما: " يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام " ~~فقالت: عليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى. وعن عائشة: أن ~~جبريل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~هذه زوجتك في الدنيا والآخرة. رواه الترمذي وحسنه. قلت: وفضل ومناقب عائشة ~~كثيرة وكانت وفاتها في شهر رمضان، وقال الواقدي: في ليلة سابع عشر رمضان ~~ودفنت بالبقيع ليلا، فلم تر ليلة أكثر ناسا منها؛ وصلى عليها أبو هريرة، ~~وماتت ولها ست وستون سنة رضي الله عنها. وفيها عزل معاوية الضحاك بن قيس عن ~~الكوفة وأستعمل عوضه عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي وهو ابن أم الحكم وهو ~~ابن أخت معاوية؛ وفي عمله في هذه السنة خرجت الخوارج الذين كان المغيرة بن ~~شعبة حبسهم، فجمعهم حيان بن ظبيان السلمي ومعاذ بن جوين الطائي فخطباهم ~~وحثاهم على الجهاد، فبايعوا حيان بن ظبيان وخرجوا إلى بانقيا، فسار الجيش ~~إليهم من الكوفة فقتلوهم جميعا؛ ثم إن عبد الرحمن بن أم الحكم طرده أهل ~~الكوفة لسوء سيرته فلحق بخاله معاوية فولاه مصر فاستقبله معاوية بن حديج ~~على مرحلتين من مصر فقال: ارجع إلى خالك فلا تسر فينا سيرتك في إخواننا أهل ~~الكوفة. فرجع إلى معاوية ثم توجه ابن حديج إلى معاوية في السنة يعاتبه كما ~~نذكره إن شاء الله تعالى بعد وفاة أبي هريرة. وفيها توفي أبو هريرة وقيل في ~~التي بعدها، والأكثر على أن وفاته في هذه السنة. وفي اسم أبي هريرة واسم ~~أبيه أقوال كثيرة. قال أبو عبد الله الذهبي: أشهرها عبد الرحمن بن صخر، ~~وكان اسمه قبل الإسلام عبد شمس. وقال: كناني أبي بأبي هريرة لأني كنت أرعى ~~غنما فوجدت أولاد هرة وحشية فأخذتها، فقال: أنت أبو هريرة. وهو من المكثرين ~~من الصحابة؛ وهو دوسي ودوس: قبيلة من الأزد؛ ومات وله ثمان وسبعون سنة. ~~وفيها وفد معاوية بن حديج على معاوية بن أبي سفيان الخليفة، وكان إذا قدم ~~معاوية على معاوية زينت له الطرق بقباب الريحان، تعظيما ms0117 لشأنه، فدخل ~~PageV01P0060 # على معاوية وعنده أخته أم الحكم، فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؛ فقال: ~~بخ بخ! هذا معاوية بن حديج ؛ فقالت: لا مرحبا أسماعك بالمعيدي خير من أن ~~تراه؛ فسمعها معاوية بن حديج فقال: على رسلك يا أم الحكم، والله لقد تزوجت ~~فما أكرمت، وولدت فما أنجبت ؛ أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا ~~كما سار في أهل الكوفة! ما كان الله ليريه ذلك، ولو فعله لضربناه ضربا ~~يطأطىء منه ولو كره هذا القاعد يعني خاله معاوية؛ فالتفت إليها معاوية وقال ~~لها: كفي، فكفت عن الكلام. وفيها توفي عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، ~~أحد الأجواد وله صحبة ورواية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ~~وأربعة عشر إصبعا. وفي درر التيجان: وأربعة وعشرون إصبعا؛ مبلغ الزيادة ~~خمسة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة تسع وخمسين: فيها شتى عمرو بن مرة بأرض الروم في البر. وفيها حج ~~بالناس الوليد بن عتبة، وقيل عثمان بن محمد بن أبي سفيان. وفيها غزا أبو ~~المهاجر دينار، فنزل على قرطاجنة وخرج إليه أهلها فالتقوا وكثر القتل بين ~~الفريقين حتى حجز الليل بينهم، وانحاز المسلمون من ليلتهم فنزلوا جبلا في ~~قيلة بولس، ثم عاودوهم وصالحوهم على أن يخلوا لهم الجزيرة. ثم افتتح أبو ~~المهاجر المذكور ميلة، وكانت إقامته بها في هذا الغزو نحوا من سنتين وفيها ~~توفي عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس القرشي العبشمي ~~أبو عبد الرحمن. قال الذهبي: رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وله حديث، وهو: ~~" من قتل دون ماله فهو شهيد " ، وروى عنه حنظلة بن قيس. وأسلم والده يوم ~~الفتح. وفيها توفي مرة بن كعب البهزي السلمي. له صحبة. وفيها توفي سعيد بن ~~العاص بن أبي أحيحة بن سعيد بن العاص بن أمية، أمير الكوفة لعثمان؛ وكان ~~فصيحا سخيا؛ ولد بعيد الهجرة، وهلك أبوه يوم بدر. ms0118 وفيها توفي شيبة بن عثمان ~~بن أبي طلحة العبدري، حاجب الكعبة، ابن أخت مصعب بن عمير؛ شهد خيبر كافرا ~~ونيته اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم يومئذ. وفيها توفي أبو ~~محذورة، وأسمه الياس وقيل سمرة بن معير الجمحي، مؤذن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان من أندى الناس صوتا. وخرجت هذه السنة والوالي على الكوفة النعمان ~~بن بشير، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى المدينة الوليد بن عتبة، ~~وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان ~~شريك بن الأعور. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وسبعة ~~عشر إصبعا. وفي كتاب درر التيجان: وسبعة وعشرون إصبعا؛ مبلغ الزيادة سبعة ~~عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة ستين: فيها توفي الخليفة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان - ~~واسم أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن القرشي ~~الأموي ؛ وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة ؛ وأسلم معاوية قبل أبيه في عمرة ~~القضاء، وبقي يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبيه ؛ ولي ~~إمرة الشام لعمر ثم لعثمان، ثم نازع عليا الخلافة حتى وليها من بعده في سنة ~~أربعين من الهجرة بعد موت علي بن أبي طالب وبعد أن سلم إليه الحسن بن علي ~~الأمر، بعد أمور وقعت مع علي وابنه الحسن رضي الله عنهما. قال الذهبي: ~~وأظهر إسلامه يوم الفتح ؛ وكان رجلا طويلا أبيض جميلا مهيلا، إذا ضحك ~~انقلبت شفته العليا؛ وكان يخضب بالصفرة. قلت: وهو كاتب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأخو زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان المقدم ذكرها. وكانت وفاة معاوية ~~في شهر رجب وله سبع وسبعون سنة، وتولى ابنه يزيد الخلافة من بعده. وفيها ~~كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية. وفيها أيضا كان دخول جنادة رودس وهدم ~~بيوتها في قول بعضهم. وفيها توفي أبو عبد الرحمن ms0119 بلال بن الحارث المزني ~~الذي أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم معادن القبلية. عاش ثمانين سنة. وفيها ~~توفي أبو حميد الساعدي المدني الصحابي، أحد من نزل البصرة من الصحابة ؛ وهو ~~الذي وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها توفي سمرة بن جندب الصحابي ~~الفزاري. PageV01P0061 # وفيها حج بالناس عمرو بن سعيد الأشدق، وكان العامل على مكة والمدينة. ~~وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت من النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ~~ففارقها، وكان قد أصابها جنون. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة ~~أذرع وعشرون إصبعا، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة إحدى وستين: فيها كانت مقتلة السيد الحسين بن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، وابن بنته فاطمة، بكربلاء ~~في يوم عاشوراء؛ وقصته طويلة يجرح ذكرها القلوب، غير أننا نختصر منها ما ~~نعرف به وفاته وكيفية خروجه حتى ظفر به. وهو أنه لما ولي يزيد بن معاوية ~~الخلافة بعد موت أبيه بايع الناس السيد الحسين بالخلافة وخرج في جموعه بعد ~~أن خلع الفاسق يزيد المذكور من الخلافة، فانتدب لقتاله بأمر يزيد ابن ~~مرجانة أعني عبيد الله بن زياد وقاتله حتى ظفر به وقتله بعد أمور وحروب. ~~وكان قاتل الحسين رضي الله عنه الشمر اللعين الطريد من رحمة الله، قتله ~~بكربلاء. وقتل مع الحسين من إخوته لأبيه جعفر وعتيق ومحمد والعباس الأكبر ~~بنو علي، وابن الحسين الأكبر علي، وهو غير علي زين العابدين، وابنه عبد ~~الله، وابن أخيه القاسم بن الحسن، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ~~وأخوه عون. وقتل معه أيضا عبد الله وعبد الرحمن ابنا مسلم بن عقيل رضي الله ~~عنهم أجمعين. ولما جيء برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد جعل ينكت بقضيب ~~على ثناياه وقال: إن كان لحسن الثغر! فقال له أنس: لقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0120 يقبل موضع قضيبك من فيه. ثم بعث بالرأس إلى يزيد بن معاوية، ~~فلما حضروا برأس الحسين عند يزيد أنشد: الطويل نففق هاما من أناس أعزة ... ~~علينا وهم كانوا أعق وأظلما وفيها توفي عثمان بن زياد ابن أبيه أخو عبيد ~~الله بن زياد المذكور؛ مات شابا وسنه ثلاث وثلاثون سنة. وفيها توفيت أم ~~المؤمنين أم سلمة؛ واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ~~بن مخزوم المخزومية، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي بنت عم أبي جهل، ~~وبنت عم خالد بن الوليد. بنى بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنة ثلاث من ~~الهجرة؛ وكانت قبله عند الرجل الصالح أبي سلمة بن عبد الأسد، وهو أخو النبي ~~صلى الله عليه وسلم " من الرضاعة " ؛ وكانت من أجمل النساء، وطال عمرها ~~وعاشت تسعين سنة وأكثر؛ وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة وقد حزنت على الحسين ~~وبكت عليه كثير. وفيها توفي حمزة بن عمرو الأسلم المدني الذي له صحبة. ~~وفيها حج بالناس الوليد بن عتبة. وفيها توفي جابر بن عتيك الأنصاري، وقيل ~~جبر، وله إحدى وتسعون سنة، وشهد بدرا. وفيها توفي علقمة بن قيس النخعي صاحب ~~عبد الله بن مسعود على خلف في وفاته. وفيها توفي خالد بن عرفطة العذري ~~الصحابي له صحبة ورواية ؛ روى عنه عبد الله بن يسار وأبو إسحاق. وكان ولي ~~الكوفة لزياد ابن أبيه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع ~~وستة أصابع ؛ مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. وفي درر التيجان ؛ ~~وثمانية أصابع. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من ولاية مسلمة # ### || AUT ### || AUT بن مخلد على مصر # وهي سنة اثنتين وستين: وهي التي مات فيها مسلمة بن مخلد صاحب الترجمة. ~~وفيها توفي أبو مسلم الخولاني اليماني الزاهد سيد التابعين بالشأم؛ واسمه ~~عبد الله بن ثوب، وقيل ابن عبيد، وقيل ابن مشكم، وقيل اسمه يعقوب بن عوف. ~~قدم المدينة من اليمن في خلافة أبي بكر الصديق، وكان أسلم في زمن النبي صلى ~~الله عليه ms0121 وسلم. وفيها ولى عبيد الله بن زياد أمير العراق المنذر بن ~~الجارود العبدي على السند. وفيها غزا سالم خوارزم فصالحوه على مال. وفيها ~~حج بالناس عثمان بن محمد بن أبي سفيان بن حرب، وقال ابن الأثير: الوليد بن ~~عتبة. وفيها توفي علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك، أبو شبل النخعي الكوفي ~~PageV01P0062 # الفقيه المشهور، خال إبراهيم النخعي؛ قال الذهبي: أدرك الجاهلية وسمع عمر ~~وعثمان وعليا وابن مسعود وأبا الدرداء وسعد بن أبي وقاص وعائشة وجماعة أخر. ~~وقد ألقاه الأسود الكذاب في النار فلم تضره. قاله إسماعيل بن عياش عن ~~شرحبيل بن مسلم. قلت: الأسود الذي كان ادعى النبوة. وفيها ولد محمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس والد السفاح والمنصور. وفيها توفي بريدة بن الحصيب ~~الأسلمي الصحابي، مات بمرو، وكان أسلم قبل بدر. وفيها توفي عبد المطلب بن ~~ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ له ~~صحبة، وأخرج له مسلم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~وثلاثة أصابع؛ مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ذكر ولاية سعيد ~~بن يزيد على مصر هو سعيد بن يزيد بن علقمة بن يزيد بن عوف الأزدي، أمير مصر ~~من أهل فلسطين. ولي إمرة مصر بعد موت مسلمة بن مخلد من قبل يزيد بن معاوية ~~بن أبي سفيان ودخلها في مستهل شهر رمضان سنة اثنتين وستين من الهجرة. ~~وتلقاه أهل مصر ووجوه الناس وفيهم عمرو بن قحزم، الخولاني، فلما رآه قال: ~~يغفر الله لأمير المؤمنين، أما كان فينا مائة شاب كلهم مثلك يولي علينا ~~أحدهم! ثم دخلوا معه. ولم يزل أهل مصر على الشنآن له والإعراض عنه والتكبر ~~عليه حتى توفي يزيد ابن معاوية ودعا عبد الله بن الزبير الناس لبيعته وقامت ~~أهل مصر بدعوته وسار منهم جماعة كثيرة إليه، فبعث عبد الله بن الزبير عبد ~~الرحمن بن جحدم أميرا على مصر، واعتزل سعيد المذكور، فكانت ولايته سنتين ~~إلا شهرا واحدا. وقال صاحب ms0122 كتاب البغية والاغتباط فيمن ملك الفسطاط: ولاه ~~يزيد بن معاوية على صلاة مصر فقدمها في استهلال شهر رمضان سنة اثنتين ~~وستين، فأقر عابسا على الشرطة؛ ثم ساق نحوا مما قلناه، إلى أن قال: وكانت ~~مدته على مصر سنتين وأشهر. قلت: وفي مدة هاتين السنتين وقع له حروب كثيرة ~~شرقا وغربا؛ فأما من جهة الشرق فكانت الفتن ثائرة بين ابن الزبير وبين ~~الأموية حتى قدم ابن جحدم إلى مصر وملكها منه ودعا بها لابن الزبير، هذا مع ~~الفتن التي. كانت ببلاد المغرب من خروج كسيلة البربري، وتجرد بسببه غير مرة ~~إلى برقة وغيرها. وأمر كسيلة البربري أنه كان أسلم لما ولي أبو المهاجر ~~إفريقية، وحسن إسلامه، فكان من أكابر البربر وصحب أبا المهاجر. فلما ولي ~~عقبة بن نافع إفريقية عرفه أبو المهاجر محل كسيلة وأمره بحفظه، فلم يقبل ~~واستخف به. وأتى عقبة بغنم فأمر كسيلة بذبحها وسلخها مع السلاخين؛ فقال ~~كسيلة: هؤلاء غلماني يكفونني د؛ فشتمه عقبة وأمره بسلخها ففعل ؛ فنصح أبو ~~المهاجر فلم يسمع؛ فقال: وإن كان لا بد فأوثقه فإني أخاف عليك منه. فتهاون ~~به عقبة فأضمر كسيلة الغدر. فلفا كان الآن ورأى القوم قلة مع عقبة توثب، ~~وكان في عسكر عقبة جماعة وافقوا كسيلة، ثم راسلته الروم فأظهر كسيلة منذ ~~ذلك ما كان أضمر وجمع أهله وبني عمه وقصد عقبة؛ فقال أبو المهاجر لعقبة: ~~عاجله قبل أن يقوى جمعه، وكان أبو المهاجر موثقا في الحديد مع عقبة، فزحف ~~عنه عقبة إلى كسيلة، فتنحى كسيلة عن طريقه ليكثر جمعه ويتعب عقبة ؛ فلما ~~رأى أبو المهاجر ذلك تمثل بقول أبي محجن الثقفي: الطويل كفى حزنا أن تطعن ~~الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا علي وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... ~~مصارع من دوني تصم المناديا فبلغ عقبة ذلك، فأطلقه وقال له: الحق بالمسلمين ~~فقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة؛ فلم يفعل وقال: وأنا أيضا أريد الشهادة؛ ~~فكسر عقبة والمسلمون أجفان سيوفهم وتقدموا إلى البربر وقاتلوهم حتى قتل ~~المسلمون جميعهم ولم يفلت منهم أحد، ms0123 وأسر محمد بن أوس الأنصاري في نفر يسير ~~فخلصهم صاحب قفصة وبعث بهم إلى القيروان، فعزم زهير بن قيس البلوي على ~~القتال فلم يوافقه جيش الصنعاني وعاد إلى مصر وتبعه أكثر الناس من العساكر ~~المصرية من جند سعيد صاحب مصر، فاضطر زهير إلى العود معهم فسار إلى برقة ~~وأقام بها، وبعث يستمد المصريين، ووقع له أمور إلى أن ملك إفريقية في سنة ~~تسع وستين. PageV01P0063 # NOTMATCH ### || AUT بن يزيد على مصر NOTMATCH # وأما كسيلة فاجتمع إليه جميع أهل إفريقية وقصد القيروان، وبها أصحاب ~~الأنفال والذراري من المسلمين، فطلبوا الأمان من كسيلة فآمنهم، ودخل ~~القيروان واستولى على إفريقية وأقام بها من غير مدافع إلى أن قوي أمر عبد ~~الملك بن مروان وندب زهيرا ثانية وأمده بالعساكر حتى استولى على إفريقية ~~ودعا بها لعبد الملك بن مروان. وكان زهير بن قيس المذكور في هذه المدة ~~مرابطا ببرقة ومن ولي من أمراء مصر يعضده إلى أن كان ما كان. ### | AUT ولاية سعيد بن يزيد # ### || AUT على مصر # وهي سنة ثلاث وستين: وفيها غزا عقبة بن نافع القيروان وسار حتى دخل ~~السوس الأقصى وغنم وسلم ورد من القيروان، فلقيه كسيلة النصراني فدافعه عقبة ~~بمن معه فاستشهد عقبة بن نافع المذكور في الوقعة وأبو المهاجر مولى الأنصار ~~وعامة أصحابهما. ثم سار كسيلة فخرج لحربه زهير بن قيس البلوي خليفة عقبة ~~على القيروان وواقعه، فانهزم زهير إلى برقة وأقام بها سنين إلى أن ندبه عبد ~~الملك بن مروان لقتاله ثانيا، فتوجه إليه وواقعه، فقتل اللعين كسيلة وهزم ~~جنوده وقتلت منهم مقتلة عظيمة، وقد مر ذلك كله في أول الترجمة مفصلا. وفيها ~~بعث سلم بن زياد ابن أبيه طلحة بن عبد الله الخزاعي واليا على سجستان وأمره ~~أن يفدي إخاه من الآسر ففداه بخمسمائة ألف وأقدمه على أخيه. وفيها كانت ~~وقعة الحرة على باب طيبة ؛ وهو أن يزيد بن معاوية بعث إليها جيشا عليهم ~~مسلم بن عقبة المري حين خالفوا عليه وأمره بهتك حرمة المدينة، وكان مع مسلم ms0124 ~~اثنا عشر ألفا، فوصل مسلم المذكور إلى المدينة وفعل فيها ما لا يفعله مسلم، ~~فإنه قتل في هذه الوقعة خلقا من المهاجرين والأنصار وانتهكت حرمة المدينة ~~وآنتهبت، وآفتضت فيها ألف عذراء؛ واستشهد فيها عبد الله بن حنظلة الغسيل في ~~ثمانية من بيته، وله صحبة ورواية؛ وقتل فيها أيضا معقل بن سنان الأشجعي ~~صبرا، وأستشهد أيضا عبد الله بن زيد بن عاصم المازني النجاري، وله صحبة ~~ورواية؟ وأستشهد فيها أيضا أفلح مولى أبي أيوب، ومحمد بن عمرو بن حزم ~~الأنصاري: ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن ثابت بن قيس بن ~~شماس: حنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بريقه، ومعاذ بن الحارث الأنصاري ~~أبو حليمة القاري الذي أقامه عمر يصلي التراويح في شهر رمضان، وتوفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وله ست سنين - ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة، ومحمد ~~بن أبي حذيفة العدوي ؛ كل هؤلاء قتلوا يومئذ؛ وهذا مما اختصرته من مقالة ~~الذهبي. وقد ذكر هذه الواقعة أيضا أبو المظفر، وساق فيها أمورا شنيعة إلى ~~الغاية؛ وفيما ذكرناه كفاية يعرف منها حال مسلم بن عقبة المذكور. ويكفيك ~~أنه من يومئذ سمي مسلم المذكور مسرف بن عقبة. وقيل: إنه أدرك النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ يأتي ذكر ذلك في وفاته قريبا. انتهى أمر مسرف بن عقبة. ~~وقال خليفة: جميع من أصيب من قريش والأنصار يوم الحرة ثلاثمائة وستة رجال، ~~ثم سرد أسماءهم في ثلاث أوراق. وفيها توفي مسروق بن الأجدع، واسم الأجدع ~~عبد الرحمن بن مالك بن أمية أبو عائشة الهمداني ثم الوداعي الكوفي مخضرم ~~أعني أنه ولد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم بعد ذلك وسمع أبا بكر ~~وعمر وعثمان وغيرهم. وممن قتلوا أيضا في الحرة زيد بن عاصم وليس هو بصاحب ~~الأذان، ذاك زيد بن ثعلبة، والزبير بن عبد الرحمن بن عوف. وحج بالناس عبد ~~الله بن الزبير. وفيها توفي ربيعة بن كعب الأسلمي من أهل الصفة، روى له ~~مسلم. أمر النيل ms0125 في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع؛ مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية سعيد # بن يزيد ### || AUT على مصر # وهي سنة أربع وستين: فيها حج بالناس عبد الله بن الزبير. وكان عامله على ~~المدينة أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي؛ وولى ~~قضاءها سعيد بن نمران، وأبى شريح أن يقضي في الفتنة، وعلى البصرة عمر بن ~~عبيد الله بن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد ~~الله بن خازم. وفيها توفي مسلم بن عقبة المسمى مسرفا المقدم ذكره في وقعة ~~الحرة. قال محمد بن جرير الطبري: ولما فرغ مسلم من وقعة الحرة توجه إلى ~~مكة، واستخلف على المدينة روح بن زنباع الجذافي، فأدرك مسلما الموت فعهد ~~بالأمر إلى الحصين بن نمير. PageV01P0064 # وذكر الذهبي رحمه الله أن مسلما هذا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: ~~ولهذا أمسكنا عن الكلام في أمره. وشهد مسلم صفين مع معاوية وكان على ~~الرجالة. وفيها توفي الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وقد تقدم نسبه في ~~ترجمة أبيه معاوية، مات في نصف شهر ربيع الأول. وكان بويع الخلافة بعد موت ~~أبيه معاوية في شهر رجب سنة ستين، فكانت خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر ~~وأياما؛ وكان فاسقا قليل الدين مدمن الخمر، وهو القائل: الطويل أقول لصحب ~~ضمت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنم خنوا بنصيب من نعيم ولذة ... ~~فكل وإن طال المدى يتصرم وله أشياء كثيرة غير ذلك، غير أنني أضربت عنها ~~لشهرة فسقه ومعرفة الناس بأحواله. وقد قيل: إن رجلا قال في مجلس عمر بن عبد ~~العزيز عن يزيد هذا أمير المؤمنين ؛ فقال له عمر بن عبد العزيز: تقول: أمير ~~المؤمنين! وأمر به فضرب. عشرين سوطا تعزيرا له. ولما مات يزيد هذا ولي ~~الخلافة من بعده ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثالث خلفاء ~~بني أمة ؛ وكان رجلا صالحا فلم يرد الخلافة وخلع نفسه منها، ومات بعد ms0126 قليل. ### | AUT خلافة معاوية بن يزيد # ### || AUT بن معاوية بن أبي سفيان الأموي # ### || AUT ثالث خلفاء بني أمية ووفاته # كنيته أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو يزيد. بويع الخلافة بعد موت أبيه يزيد ~~بعهد منه إليه، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين، وكان مولده سنة ~~ثلاث وأربعين فلم تطل مدته في الخلافة. قال أبو حفص الفلاس: ملك أربعين ~~ليلة ثم خلع نفسه، فإنه كان رجلا صالحا؛ ولهذا يقال في حق أبيه: يزيد شر ~~بين خيرين، يعنون بذلك بين أبيه معاوية بن أبي سفيان وابنه معاوية هذا. ~~وقيل: إن معاوية هذا لما أراد خلع نفسه جمع الناس وقال: أيها الناس، ضعفت ~~عن أمركم فاختاروا من أحببتم؛ فقالوا: ول أخاك خالدا. فقال: والله ما ذقت ~~حلاوة خلافتكم فلا أتقلد وزرها. ثم صعد المنبر فقال: أيها الناس، إن جدي ~~معاوية نازع الأمر أهله ومن هو أحق به منه لقرابته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو علي بن أبي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته، فصار ~~في قبره رهينا بذنوبه وأسيرا بخطاياه؛ ثم قلد أبي الأمر فكان غير أهل لذلك، ~~وركب هواه وأخلفه الأمل، وقصر عنه الأجل، وصار في قبره رهينا بذنوبه، ~~وأسيرا بجرمه؛ ثم بكى حتى جرت دموعه على خديه ثم قال: إن من أعظم الأمور ~~علينا علمنا بسوء مصرعه وبؤس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأباح الحرم وخرب الكعبة، وما أنا بالمتقفد ولا بالمتحمل تبعاتكم، ~~فشأنكم أمركم ؛ والله لئن كانت الدنيا خيرا فلقد نلنا منها حظا ولئن كانت ~~شرا فكفى ذرية أبي سفيان ما أصابوا منها؛ ألا فليصل بالناس حسان ابن مالك، ~~وشاوروا في خلافتكم رحمكم الله. ثم دخل منزله وتغيب حتى مات في سنته بعد ~~أيام. وفيها توفي شداد بن أوس بن ثابت وهو ابن أخي حسان بن ثابت. وفيها ~~توفي المسور بن مخرمة بمكة في اليوم الذي ورد فيه خبر موت يزيد بن معاوية. ~~وكان سبب موته أنه أصابه ms0127 حجر منجنيق في جانب وجهه فمرض أياما ومات. وفيها ~~وثب مروان بن الحكم على الأمر وبويع له بالخلافة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربعة أذرع وثمانية عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا ~~وسبعة أصابع. ### | AUT ولاية عبد الرحمن بن جحدم # ### || AUT على مصر # هو عبد الرحمن بن عقبة بن إياس بن الحارث بن عبد أسد بن جحدم بفتح الجيم ~~وسكون الحاء المهملة وفتح الدال المهملة أيضا وبعدها ميم ساكنة الفهري أمير ~~مصر. وليها من قبل عبد الله بن الزبير بن العوام لما بويع بالخلافة في مكة ~~وبايعه المصريون وتوجه إليه منهم جماعة كثيرة وبايعوه، فأرسل إليهم عبد ~~الرحمن هذا فوصل إلى مصر في شعبان سنة أربع وستين التي ذكرنا حوادثها في ~~إمرة سعيد بن يزيد المقدم ذكره ؛ ودخل معه مصر جماعة كثيرة من الخوارج ~~وأظهروا دعوة عبد الله بن الزبير بمصر ودعوا الناس لبيعته، فتابعهم الناس ~~والجند على ما في قلوبهم من الحب في الباطن لبني أمية. PageV01P0065 # ولما دخل عبد الرحمن المذكور إلى مصر وتم أمره أقر عابسا على الشرطة ~~والقضاء بمصرة فبينما هم في ذلك وصل الخبر من الشأم ببيعة مروان بن الحكم ~~بالخلافة وأن أمره تم، فصارت مصر معه في الباطن، وفي الظاهر لابن الزبير، ~~حتى جهز مروان بن الحكم جيشا مع ابنه عبد العزيز إلى أيلة ليدخل مصر من ~~هناك. ثم ركب مروان بن الحكم في جيوشه وجموعه وقصد مصر؛ فلما بلغ عبد ~~الرحمن بن جحدم ذلك استعذ لحربه وحفر خندقا في شهر، أو قريب من شهر، وهو ~~الذي بالقرافة. وسار مروان حتى نزل مدينة عين شمس أعني المطرية خارج ~~القاهرة فخرج إليه عبد الرحمن، فتحاربوا يوما أو يومين، فكانت بين الفريقين ~~مقتلة كبيرة. ثم آل الأمر بينهما إلى الصلح واصطلحا على أن مروان يقر عبد ~~الرحمن ويدفع إليه مالا وكسوة ؛ ودخل مروان مصر في غرة جمادى الأولى سنة ~~خمس وستين. وقال صاحب البغية في آخر جمادى الأولى من السنة. ومدة مقام ابن ~~جحدم ms0128 فيها إلى أن دخل مروان تسعة أشهر. وبايعه الناس إلا قليلا فضرب ~~أعناقهم، وجعل على الشرطة في مدة مقامه عمرو بن سعيد بن العاص، وخرج منها ~~يعني مروان لهلال رجب سنة خمس وستين. انتهى كلام صاحب البغية. وقال غيره: ~~وعزل مروان عبد الرحمن بن جحدم عن إمرة مصر، وكانت مدة ولايته عليها تسعة ~~أشهر وأياما. وفتح مروان خزائنه ووضع العطاء، فبايعه الناس إلا نفرا من ~~المعافر قالوا: لا نخلع بيعة عبد الله بن الزبير. فضرب مروان أعناقهم ~~وكانوا ثمانين رجلا، وذلك في نصف جمادى الآخرة. وكان في ذلك اليوم موت عبد ~~الله بن عمرو بن العاص فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته إلى المقبرة، فدفنوه ~~بداره لشغب الجند على مروان. ثم ضرب مروان عنق الأكدر بن حمام اللخمي سيد ~~لخم، وكان من قتلة عثمان رضي الله عنه؛ ثم ولى مروان ابنه عبد العزيز بن ~~مروان على مصر وجمع له الصلاة والخراج معا. ثم خرج منها مروان يريد الشأم ~~بعد أن أوصى ولده عبد العزيز بوصايا كثيرة مضمونها الرفق بأهل مصر. وكان ~~خروج مروان من مصر في أول يوم من شهر رجب. وقال ابن كثير: وفيها يعني سنة ~~خمس وستين دخل مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الأشدق إلى مصر فأخذاها من ~~نائبها لعبد الله بن الزبير. وكان سبب ذلك أن مروان قصدها فخرج إليه نائبها ~~عبد الرحمن بن جحدم، فقابله مروان ليقاتله فاشتغل به وخلص عمرو بن سعيد ~~بطائفة من الجيش من وراء عبد الرحمن بن جحدم، فدخل مصر وملكها وهرب عبد ~~الرحمن بن جحدم. ودخل مروان إلى مصر فتملكها وجعل عليها ولده عبد العزيز بن ~~مروان. انتهى كلام ابن كثير برمته. وقال ابن الأثير في كتابه الكامل: ذكر ~~فتح مروان مصر، قال: ولما قتل الضحاك وأصحابه وأستقر الشأم لمروان سار إلى ~~مصر، فقدمها وعليها عبد الرحمن بن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج ~~إلى مروان فيمن معه. وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه حتى دخل مصر، فقيل ms0129 ~~لابن جحدم ذلك فرجع. وبايع الناس مروان ورجع إلى دمشق، فلما دنا منها بلغه ~~أن ابن الزبير قد بعث إليه أخاه مصعبا في جيش، فأرسل إليه مروان عمرو بن ~~سعيد قبل أن يدخل الشأم فقاتله فانهزم مصعب وأصحابه، وكان مصعب شجاعا، ثم ~~عاد مروان إلى دمشق فاستقر بها. وكان الحصين بن نمير ومالك بن هبيرة قد ~~اشترطا على مروان شروطا لهما ولخالد بن يزيد، فلما توطد ملكه قال ذات يوم ~~ومالك عنده: إن قوما يدعون شروطا منهم عطارة مكحلة يعني مالكا فإنه كان ~~يتطيب ويتكحل، فقال مالك هذا: ولما تردي تهامة ويبلغ الحزام الطبيين! فقال ~~مروان: مهلا يا أبا سليمان إنما داعبناك ؛ فقال: هو ذاك. انتهى كلام ابن ~~الأثير برمته. قلت: وكانت أيام عبد الرحمن هذا على مصر مع قصر مدته كثيرة ~~الفتن والحروب من أولها إلى آخرها، غير أنه حج بالناس من مصر في أيامه، ~~وبنى عبد الله بن الزبير الكعبة ولم يحج أحد من الشأم في هذه السنة. ~~PageV01P0066 # قال ابن الأثير: لما احترقت الكعبة حين غزا أهل الشأم عبد الله بن الزبير ~~أيام يزيد بن معاوية تركها ابن الزبير يشنع بذلك على أهل الشأم. فلما مات ~~يزيد واستقر الأمر لابن الزبير شرع في بنائها، فأمر بهدمها حتى التحقت ~~بالأرض وكانت قد مالت حيطانها من حجارة المنجنيق، وجعل الحجر الأسود عنده، ~~وكان الناس يطوفون من وراء الأساس وضرب عليها السور وأدخل فيها الحجر، ~~واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: " لولا ~~حدثان عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم - عليه السلام - ~~وأزيد فيها من الحجر " . فحفر ابن الزبير فوجد أساسا أمثال الجبال فحركوا ~~منها صخرة فبرقت بارقة؛ فقال: أقروها على أساسها وبنائها. وجعل لها بابين ~~يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، وقيل كانت عمارتها سنة أربع وستين. ### || AUT السنة التي حكم فيها عبد الرحمن # ### || AUT بن جحدم على مصر من قبل عبد الله بن الزبير # وهي سنة خمس وستين: فيها وقع الطاعون ms0130 الجارف بالبصرة - في قول ابن ~~الأثير - وعليها عبد الله بن عبيد الله بن معمر، فهلك خلق كثير وماتت أم ~~عبيد الله فلم يجدوا لها من يحملها. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير ~~وكان على المدينة أخوه مصعب بن الزبير وعلى الكوفة عبد الله، بن مطيع وعلى ~~البصرة الحارث بن أبي ربيعة المخزومي وعلى خراسان عبد الله بن خازم. وفيها ~~وجه مروان بن الحكم الخليفة حبيش بن دلجة في أربعة آلاف إلى المدينة وقال ~~له: أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة. فسار حبيش ومعه عبيد الله بن الحكم ~~أخو مروان وأبو الحجاج يوسف الثقفي وابنه الحجاج وهو شاب، فجهز متولي ~~البصرة من جهة ابن الزبير، وهو عبيد الله التيمي، جيشا من البصرة، فالتقوا ~~مع حبيش بن دلجة في أول شهر رمضان فقتل حبيش بن دلجة وعبيد الله بن الحكم ~~وأكثر الجيش، وهرب من بقي وهرب يوسف وابنه الحجاج وفيها دعا عبد الله بن ~~الزبير محمد بن الحنفية إلى بيعته فأبى محمد فحصره في شعب بني هاشم في ~~جماعته وتوعدهم. وفيها دخل المهلب بن أبي صفرة إلى خراسان أميرا عليها من ~~قبل ابن الزبير وحارب الأزارقة أصحاب ابن الأزرق وقاتلهم حتى كسرهم وقتل ~~منهم أربعة آلاف وثمانمائة. قال الذهبي: ووقع أيضا في هذه السنة بين مروان ~~وبين ابن الزبير حروب كثيرة حتى توفي مروان حسبما يأتي ذكره. وفيها توفي ~~مالك بن هبيرة السكوني، له صحبة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيها توفي ~~الخليفة مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الملك ~~القرشي الأموي، ويقال أبو القاسم وأبو الحكم ؛ ولد بمكة بعد عبد الله بن ~~الزبير بأربعة أشهر. قال الذهبي: ولم يصح له سماع عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لكن له رؤية إن شاء الله. قلت: وهو ابن عم عثمان بن عفان ~~وكاتبه؛ ومن أجله كان ابتداء فتنة عثمان رضي الله عنه وقتله، ثم انضم إلى ~~ابن عمه معاوية بن أبي ms0131 سفيان وتولى عدة أعمال، إلى أن وثب على الأمر بعد ~~أولاد يزيد بن معاوية أعني معاوية وخالدا وبويع بالخلافة فلم تطل مدته ومات ~~في أول شهر رمضان. وفي سبب موته خلاف كثير؛ وعهد بالخلافة من بعده إلى ابنه ~~عبد الملك، ثم من بعده إلى ابنه عبد العزيز أمير مصر؛ وكان أولا أراد أن ~~يعهد لخالد بن يزيد بن معاوية فإنه كان خلعه من الخلافة وتزوج بأمه، ثم بدا ~~له أن يعهد لولديه عبد الملك وعبد العزيز؛ ثم ما كفاه فزبره وقال: تنح يا ~~بن رطبة الإست! والله ما لك عقل ؛ وبلغ أم خالد ذلك فأضمرت له السوء ؛ فدخل ~~مروان عليها وقال لها: هل قال لك خالد شيئا؛ فأنكرت فنام عندها، فوثبت هي ~~وجواريها فعمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه وغمرته هي والجواري حتى مات، ثم ~~صرخن وقلن: مات فجأة. وقال الهيثم: إنه مات مطعونا بدمشق. والله أعلم. وفي ~~حدودها توفي قيس بن ذريح أبو زيد الليثي الشاعر المشهور. كان من بادية ~~الحجاز، وهو الذي كان يشبب بأم معمر لبنى بنت الحباب الكعبية، ثم إنه تزوج ~~بها، وقيل: إنه كان أخا الحسين بن علي رضي الله عنهما من الرضاعة، ثم أمر ~~قيسا هذا أبوه بطلاق لبنى فطلقها وفارقها، ثم قال فيها تلك الأشعار ~~الرائقة؛ من ذلك قوله: الطويل ولو أنني أستطيع صبرا وسلوة ... تناسيت لبنى ~~غير ما مضمر حقدا PageV01P0067 # ولكن قلبى قد تقسمه الهوى ... شتاتا فما ألفى صبورا ولا جلدا وله بيت ~~مفرد: الطويل وكل ملمات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب وفي ~~حدودها أيضا توفي قيس بن معاذ المجنون، ومن ثم يقاس الجنون بمجنون ليلى ؛ ~~وقيل اسمه البختري بن الجعد وقيل غير ذلك. وليلى محبوبته: هي ليلى بنت ~~مهدي، أم مالك العامرية الربعية؛ وهو من بني عامر بن صعصعة وقيل من بني كعب ~~بن سعد؛ قيل إنه علق بليلى علاقة الصبا لأنهما كانا صغيرين يرعيان أغناما ~~لقومهما، فعلق كل واحد منهما بالآخر، فلما كبرا احتجبت عنه ليلى فزال عقله ms0132 ~~؛ وفي ذلك يقول: الطويل تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة ... ولم يبد للأتراب من ~~ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر ~~البهم ثم عظم الأمر به إلى أن صار أمره إلى ما هو أشهر من أن يذكر. وقيل ~~إنهما ماتا في سنة ثمان وستين. وفيها توفي عبد الله بن عمرو بن العاص بن ~~وائل بن هاشم، وقد تقدم بقية نسبه في ترجمة أبيه عمرو بن العاص الأموي ~~الصحابي ؛ وكنيته أبو محمد، ويقال أبو عبد الرحمن، القرشي السهمي ؛ كان من ~~نجباء الصحابة وعلمائهم، وهو من المكثرين لحديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~ذكرنا يوم وفاته في دخول مروان بن الحكم إلى مصر عندما أزال عنها عبد ~~الرحمن بن جحدم. وفيها توفي النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة أبو عبد الله، ~~ويقال أبو محمد، الأنصاري الخزرجي الصحابي، ابن أخت عبد الله بن رواحة. ولد ~~سنة اثنتين من الهجرة وحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وولي قضاء ~~دمشق لمعاوية بن أبي سفيان. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة ~~أذرع واثنا عشر إصبعا. وفي درر التيجان: خمسة أذرع وستة أصابع؛ مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية عبد العزيز بن مروان # ### || AUT على مصر # هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي ~~أمير مصر؛ كنيته أبوا لأصبغ؛ مولده بالمدينة، ثم دخل الشام مع أبيه مروان ~~وكانت داره بدمشق، وهي الدار التي للصوفية الآن المعروفة بالسميساطية ثم ~~كانت لابنه عمر بن عبد العزيز بعده. وولي إمرة مصر لأبيه مروان في غرة شهر ~~رجب سنة خمس وستين على الصلاة والخراج معا بعد ما عهد له بالخلافة بعد أخيه ~~عبد الملك. وكان السبب في بيعتهما أن عمرو بن سعيد بن العاص لما هزم مصعب ~~بن الزبير، حين وجهه أخوه عبد الله إلى فلسطين، رجع إلى مروان وهو بدمشق، ~~فبلغ مروان أن عمرا يقول: إن الأمر لي بعد ms0133 مروان، فدعا مروان حسان بن ثابت ~~فأخبره بما بلغه عن عمرو؛ فقال: أنا أكفيك عمرا؛ فلما اجتمع الناس عند ~~مروان عشيا قام حسان فقال: إنه بلغنا أن رجالا يتمنون أماني، قوموا فبايعوا ~~لعبد الملك ثم لعبد العزيز من بعده، فبايعوا إلى آخرهم. ومات أبوه بعد مدة ~~يسيرة حسبما تقدم ذكره، واستقر أخوه عبد الملك بن مروان في الخلافة من ~~بعده، فأقر عبد العزيز هذا على عمل مصر على عادته. وقد روى عبد العزيز هذا ~~الحديث عن أبيه وعبد الله بن الزبير وعقبة بن عامر وأبي هريرة، وروى عنه ~~ابنه عمرو بن عبد العزيز والزهري وعلي بن رباح وجماعة. قال ابن سعد: كان ~~ثقة قليل الحديث. وقال غيره: كان يلحن في كلامه ثم تعلم العربية فأحسن ~~تعلمها، وكان فصيحا جوادا ذا مروءة وكرم ؛ وكان أبوه مروان عقد له البيعة ~~بعد عبد الملك ثم ولاه مصر؛ وهو معدود من الطبقة الثالثة من تابعي أهل ~~الشام. وكان عبد العزيز هذا قد حده عمرو بن سعيد الأشدق في شراب شربه فوجد ~~عليه ابنه عمر بن عبد العزيز؛ فلما ولي عمر المدينة وجد إسحاق بن علي بن ~~عبد الله بن جعفر في بيت خليدة العرجاء، فحده عمر حد الخمرة؛ فقال إسحاق: ~~يا عمر، كل الناس جلدوا في الخمر - يعرض بأبيه عبد العزيز. PageV01P0068 # ولما أقام عبد العزيز بمصر وقع بها الطاعون في سنة سبعين، فخرج عبد ~~العزيز من مصر ونزل بحلوان فأعجبته فاتخذها سكنا، وجعل بها الحرس والأعوان ~~وبنى بها الدور والمساجد وعمرها أحسن عمارة وغرس نخلها وكرمها. ثم جهز ~~البعث لقتال ابن الزبير في البحر في سنة اثنتين وسبعين. ثم لما طالت أيام ~~عبد الملك في الخلافة بعد قتل عبد الله بن الزبير ثقل عليه أمر عبد العزيز ~~هذا وأراد أن يخلعه من ولاية العهد ويجعلها عبد الملك لولديه الوليد ~~وسليمان من بعدي؛ فمنعه قبيصة بن ذؤيب من ذلك، وكان قبيصة على خاتم عبد ~~الملك، وقال له: لا تفعل ذلك، فإنك باعث على نفسك صوتا، ms0134 ولعل الموت يأتيه ~~فتستريح منه ؛ فكف عن ذلك ونفسه تنازعه، حتى دخل عليه روح بن زنباع ~~الجذامي، وكان أجل الناس عند عبد الملك، فشاوره في ذلك، فقال روح: لو خلعته ~~ما انتطح فيها عنزان ؛ فبينما هما على ذلك، وقد نام عبد الملك وروح تلك ~~الليلة عنده، إذ دخل عليهما قبيصة ليلا، وكان لا يحجب عن عبد الملك، وكانت ~~الأخبار والكتب تأتيه فيقرؤها قبل عبد الملك؛ فقيل له: قد جاء قبيصة ؛ فدخل ~~قبيصة فقال: آجرك الله يا أمير المؤمنين في عبد العزيز. فاسترجع عبد الملك ~~وقال لروح: يا أبا زرعة، كفانا الله ما أجمعنا عليه، فقال له قبيصة: فداك ~~ما أردت ولم تقطع رحم أبيك، ولم تأت مات عاب به، ولم يظهر منك غدر. وقيل ~~غير ذلك: وهو أن عبد الملك كتب لأخيه عبد العزيز هذا: يا أخي، إن رأيت أن ~~تصير الأمر لابن أخيك الوليد فافعل؛ فأبى عبد العزيز؛ فكتب إليه عبد الملك ~~ثانية: فاجعله من بعدك، فإنه أعز الخلق إلي ؛ فكتب إليه عبد العزيز: إني ~~أرى في أبي بكر بن عبد العزيز يعني ابنه ما تراه في الوليد؛ فكتب عبد الملك ~~إليه ثالثة: فاحمل خراج مصر إلي؛ فكتب إليه عبد العزيز: إني وإياك قد بلغنا ~~سنا لم يبلغها أحد من أهلنا، وإنا لا ندري أينا يأتيه الموت أولا، فإن رأيت ~~آلا تغنث علي بقية عمري ولا يأتيني الموت إلا وأنت واصل فافعل ؛ فرق له عبد ~~الملك وقال: لا أغنث عليه بقية عمره، وقال لابنيه الوليد وسليمان: إن يرد ~~الله أن يعطيكماها لم يقدر أحد من الخلق على ردها عنكما، ثم قال لهما: هل ~~قارفتما حراما قط. قالا:؟ لا والله؛ فقال عبد الملك: نلتماها ورب الكعبة. ~~وقيل: إن عبد العزيز لمارد كلام عبد الملك، قال عبد الملك: اللهم إنه قد ~~قطعني فاقطعه. فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام: رد على أمير المؤمنين ~~أمره، فدعا عليه فاستجيب له فيه. قلت: وكانت وفاة عبد العزيز في ثالث عشر ~~جمادى الأولى سنة ms0135 ست وثمانين من الهجرة، وقيل سنة خمس وثمانين؛ فكانت ~~ولايته على مصر عشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما. وتولى مصر من بعده ~~عبد الله بن عبد الملك بن مروان. وقال محمد بن الحارث المخزوي: دخل رجل على ~~عبد العزيز في ولايته على مصر يشكو إليه صهرا له، فقال: إن ختني ظلمني؛ ~~فقال له عبد العزيز: من ختنك؟ فقال: الرجل الختان الذي يختن الناس؛ فقال ~~عبد العزيز لكاتبه: ما هذا الجواب؟ فقال: أيها الأمير، إنك لحنت والرجل ~~يعرف اللحن، وكان ينبغي أن تقول: من ختنك بالضم؛ فقال عبد العزيز: أتراني ~~أتكلم بكلام لا تعرفه العرب؟ والله لا شاهدت الناس حتى أعرف اللحن؛ فأقام ~~في بيت جمعة لا يظهر ومعه من يعلمه النحو؛ فصلى بالناس الجمعة الأخرى وهو ~~أفصح الناس. PageV01P0069 # وقال الذهبي في كتابه تذهيب التهذيب بعد أن ساق نبذة من نسبه و ولايته ~~وروايته بنحو ما قلناه إلى أن قال: روى ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم أن ~~عبد العزيز بن مروان كتب إلى ابن عمر: ارفع إلي حاجتك؛ فكتب إليه ابن عمر ~~يعني عبد الله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اليد العليا خير من ~~اليد السفلى. وابدأ بمن تعول، ولست أسألك شيئا ولا أرد رزقا رزقنيه الله عز ~~وجل. وقال يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس: بعثني عبد العزيز بن مروان ~~بألف دينار لابن عمر فجئته بها ففرقها. وقال محمد بن هانىء الطائي عن محمد ~~بن أبي سعيد قال: قال عبد العزيز بن مروان: ما نظر إلي رجل قط فتأملني إلا ~~سألته عن حاجته. ثم قال بعد كلام آخر: وكان يقول عبد العزيز بن مروان: ~~واعجبا من مؤمن يوقن أن الله يرزقه ويوقن أن الله يخلف عليه، كيف يدخر مالا ~~عن عظيم أجر أو حسن سماع!. قلت: وكان عبد العزيز جوادا ممدحا سيوسا حازما. ~~قال ابن سعد: مات بمصر سنة خمس وثمانين قبل أخيه عبد الملك بسنة. وقال ~~الحافظ ابن يونس: ولي مصر عشرين ms0136 سنة. وقال الليث بن سعد: توفي في جمادى ~~الآخرة سنة ست وثمانين، وله حديث وهو: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع " انتهى كلام ~~الذهبي باختصار. قلت: وعبد العزيز هذا هو الذي أشار على أخيه عبد الملك ~~بضرب الدراهم والدنانير، فضربها في سنة ست وسبعين. وعبد الملك أول من أحدث ~~ضربها في الإسلام فانتفع الناس بذلك. وكان سبب ضربها أنه كتب في صدر كتاب ~~إلى الروم: " قل هو الله أحد " وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مع التاريخ؛ ~~فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم كذا وكذا فاتركوه وإلا أتاكم في ~~دنانيرنا من ذكر نبيكم ما تكرهون؛ فعظم ذلك عليه فأحضر خالد بن يزيد بن ~~معاوية فاستشاره فيه، فقال: حرم دنانيرهم واضرب للناس سكة وفيها ذكر الله ~~تعالى " ولا تعفهم مما يكرهون في الطوامير " . ثم استشار أخاه عبد العزيز ~~فأشار عليه أيضا بذلك؛ فضرب الدنانير والدراهم. ثم إن الحجاج ضرب الدراهم ~~ونقش فيها: " قل هو الله أحد " فكره الناس ذلك لمكان القرآن، فإن الجنب ~~والحائض يمسها؛ ونهى أن يضرب أحد غيره؛ فضرب سمير اليهودي فأخذه الحجاج ~~ليقتله، فقال له: عيار دراهمي أجود من عيار دراهمك فلم تقتلني. فلم يتركه، ~~فوضع للناس سنج الأوزان ليتركه فلم يفعل ؛ وكان الناس لا يعرفون الوزن بل ~~يزنون بعضها ببعض، فلما وضع لهم سمير السنج كف بعضهم عن غبن بعض. وأول من ~~شدد في أمر الوزن وخلص الفضة أبلغ من تخليص من كان قبله عمر بن هبيرة أيام ~~يزيد بن عبد الملك وجود الدراهم؛ ثم خالد بن عبد الله القسري أيام هشام بن ~~عبد الملك، فاشتد فيه أكثر من ابن هبيرة. ثم ولي يوسف بن عمر فأفرط في ~~الشدة ؛ وامتحن يوما العيار فوجد درهما ينقص حبة، فضرب كل صانع ألف سوط. ~~وكانوا مائة صانع، فضرب في حبة واحدة، مائة ألف سوط. وكانت الدراهم ~~الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية، ولم يكن أبو ms0137 جعفر ~~المنصور يقبل في الخراج غيرها، فسميت الدراهم الأولى مكروهة. وقيل: إن ~~الدراهم المكروهة هي الدراهم التي ضربها الحجاج ونقش عليها: " قل هو الله ~~أحد " فكرهها العلماء. وكانت دراهم الأعاجم مختلفة كبارا وصغارا، فكانوا ~~يضربون منها المثقال وزن عشرين قيراطا واثني عشر قيراطا وعشرة قراريط وهي ~~أصناف المثاقيل، فلما ضربوا الدراهم في الإسلام أخذ الوسط من ثلث هذا ~~العدد، وهو أربعة عشر قيراطا، فصار الدرهم العربي أربعة عشر قيراطا، ووزن ~~كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبد العزيز # ### || AUT بن مروان على مصر # PageV01P0070 # وهي سنة ست وستين: فيها عزل عبد الله بن الزبير عن الكوفة أميرها وأرسل ~~عليها عبد الله بن مطيع؛ وفي أثناء هذا الأمر خرج المختار الكذاب من السجن ~~والتف عليه خلق من الشيعة وقويت شوكته وضعف أمر عبد الله بن مطيع معه، ثم ~~إنه توثب بالكوفة فقاتله طائفة من أهل الكوفة فهزمهم وقتل منهم رفاعة بن ~~شداد وعبد الله بن سعد بن قيس وغلب على الكوفة، وهرب منه عبد الله بن مطيع ~~إلى ابن الزبير؛ وجعل المختار يتتبع قتلة الحسين بن علي، فقتل عمر بن سعد ~~بن أبي وقاص وشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي ؛ ثم افترى المختار على ~~الله أنه يأتيه جبريل بالوحي، فلهذا قيل عنه: المختار الكذاب. وفيه يقول ~~سراقة بن مرداس: الوافر كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... علي هجاءكم حتى الممات ~~أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات وفيها أيضا التقى المختار ~~مع عبيد الله بن زياد فقتل عبيد الله بن زياد وقتل معه شرحبيل بن ذي الكلاع ~~وحصين بن نمير السكوني، واصطلم المختار جيشهم وقتل خلقا كثيرا وطيف برؤوس ~~هؤلاء؛ وقيل إن ذلك في الآتية. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير. وكان ~~عامله على المدينة أخاه مصعب بن الزبير، وعامله على البصرة عبد الله بن أبي ~~ربيعة المخزومي، وكان بالكوفة المختار متغلبا عليها، وبخراسان عبد الله بن ~~خازم. . وفيها توفي أسماء بن حارثة الأسلمي وحارثة بالحاء، ms0138 وله صحبة وهو من ~~أصحاب الصفة، وقيل: إنه مات قبل ذلك. وفيها توفي جابر بن سمرة، وهو ابن أخت ~~سعد بن أبي وقاص، على خلف في وفاته. وفيها توفي أسماء بن خارجة بن حصين بن ~~حذيفة بن بدر الفزاري، سيد قومه في قول. وفيها كان الطاعون بمصر ومات فيه ~~خلائق عظيمة ؛ وهذا خامس طاعون مشهور في الإسلام. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم سبعة أذرع وسبعة أصابع؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عبد العزيز # ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة سبع وستين: فيها كانت الواقعة بين إبراهيم بن الأشتر النخعي ~~وبين عبيد الله بن زياد؛ وكان ابن الأشتر من حزب المختار، وكان في ثمانية ~~آلاف من الكوفيين، وكان عبيد الله بن زياد في أربعين ألفا من الشاميين ؛ ~~فأسرع ابن الأشتر إلى أهل الشام قبل أن يدخلوا أرض العراق فسبقهم ودخل ~~الموصل، فالتقوا على خمسة فراسخ من الموصل بالخازر، فانتهز ابن الأشتر ~~وقتله وقتل من أصحابه خلائق ممن ذكرناهم في الماضية وغيرهم. وكان من غرق ~~منهم في نهر الخازر أكثر ممن قتل ؛ ودخل ابن الأشتر الموصل واستعمل عليها ~~وعلى نصيبين وسنجار العمال، ثم بعث برؤوس عبيد الله بن زياد والحصين ~~وشرحبيل بن ذي الكلاع إلى المختار فأمر بهم المختار فنصبوا بمكة. قلت: ~~وعبيد الله بن زياد هذا هو الذي قاتل الحسين بن علي حتى قتله. وفيها عزل ~~عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير عن العراق وولاه لابنه حمزة بن عبد ~~الله بن الزبير؛ وكان حمزة جوادا مخلصا جوادا أحيانا حتى لا يدع شيئا يملكه ~~ويمنع أحيانا ما لا يمنع مثله ؛ وظهر منه بالبصرة خفة وضعف، فعزله أبوه ~~وأعاد أخاه مصعبا في الثانية. وفيها وجه المختار أربعة آلاف فارس عليهم أبو ~~عبد الله الجدلي وعقبة بن طارق، فكلم الجدلي عبد الله بن الزبير في محمد بن ~~الحنفية، وأخرجوه من الشعب فلم يقدر ابن الزبير على منعهم، وأقاموا في خدمة ~~محمد بن الحنفية ms0139 ثمانية أشهر حتى قتل المختار وسار محمد بن الحنفية إلى ~~الشام. وأما ابن الزبير فإنه غضب من المختار لكونه انتصر لمحمد بن الحنفية ~~وندب لقتاله أخاه مصعب بن الزبير وولاه جميع العراق، فتوجه مصعب وحصر ~~المختار في قصر الإمارة بالكوفة حتى قتله طريف وطراف أخوان من بني حنيفة في ~~شهر رمضان وأتيا برأسه إلى مصعب. وقتل في حرب المختار جماعة من الأشراف ~~منهم عمر وعبيد الله ابنا علي بن أبي طالب، وزائدة بن عمير الثقفي ومحمد بن ~~الأشعث بن قيس الكندي سبط أبي بكر الصديق. وفيها توفي عدي بن حاتم بن عبد ~~الله الطائي ؛ أسلم سنة سبع من الهجرة، وكان كبير طيىء. وفيها توفي أبو ~~شريح الخزاعي الكعبي الصحابي واسمه، على الأصح، خويلد بن عمرو؛ أسلم يوم ~~الفتح. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير - وكان عامله على الكوفة ~~والبصرة ابنه PageV01P0071 # حمزة، وكان على قضاء البصرة عبد الله بن عتبة بن مسعود وعلى الكوفة أعني ~~قاضيها هشام بن هبيرة، والخليفة بالشام عبد الملك بن مروان أخو صاحب ~~الترجمة، وبخراسان عبد الله بن خازم. وفيها توفي الأحنف بن قيس بالكوفة مع ~~مصعب بن الزبير، وقيل: مات سنة إحدى وسبعين لما سار مصعب لقتال عبد الملك ~~بن مروان. وفيها توفي جنادة بن أبي أمية. أدرك الجاهلية وليست له صحبة. ~~وفيها قتل مصعب بن الزبير عبد الرحمن وعبد الرب ابني حجر بن عدي وعمران بن ~~حذيفة بن اليمان. قتلهم صبرا بعد قتل المختار وأصحابه. وفيها توفي أبو واقد ~~الليثي، له صحبة وأحاديث. ويقال فيها أيضا توفي زيد بن أرقم، وقيل: إن وفاة ~~هؤلاء في السنة الآتية وهو الأصح. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا؛ مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة ثمان وستين: فيها عزل عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير ~~عن العراق وولي عليها ابنه حمزة بن عبد ms0140 الله بن الزبير، وقد مر ذلك في ~~الماضية. وفيها استعمل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود الزهري على ~~المدينة، فأراد جابر أن يبايع سعيد بن المسيب لابن الزبير فامتنع فضربه ~~سبعين سوطا، قاله خليفة بن خياط. وفي هذه السنة وافى عرفات أربعة ألوية: ~~لواء ابن الزبير وأصحابه، ولواء ابن الحنفية وأصحابه، ولواء بني أمية، ~~ولواء النجدة الحروري، ولم يكن بينهم حرب ولا فتنة. وكان العامل على ~~المدينة لابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري، وعلى الكوفة والبصرة ~~أخوه مصعب، وعلى خراسان عبد الله بن خازم؛ وكان عبد الملك بن مروان مشاققا ~~لابن الزبير. وفيها توفي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ~~القرشي، أبو العباس ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو الخلفاء ~~العباسيين. ولد في شعب بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالجنة مرتين. وكان يسمى الحبر لكثرة علومه، ومات وله سبعون ~~سنة، رضي الله عنه. وفيها توفي عابس بن سعيد الغطيفي قاضي مصر؛ ولي القضاء ~~والشرطة بمصر لمسلمة بن مخلد عدة سنين. وفيها توفي قيس بن ذريح وقيس مجنون ~~ليلى، وقد تقدم ذكرهما في سنة خمس وستين. وفيها توفي ملك الروم قسطنطين. ~~وفيها توفي عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة. وفيها توفي أبو شريح الخزاعي، ~~وأبو واقد الليثي، وقد تقدم ذكرهما في الماضية. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ذراعان وأربعة عشر إصبعا. وفي درر التيجان: وأربعة وعشرون ~~إصبعا؛ مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة تسع وستين: فيها كان بالبصرة طاعون الجارف. قال المدائني: حدثني ~~من أدرك الجارف قال: كان ثلاثة أيام مات فيها في كل يوم سبعون ألفا. وقال ~~خليفة: قال أبو اليقظان: مات لأنس بن مالك ثمانون ولدا ويقال سبعون ولدا ؛ ~~وقيل مات لعبد الرحمن بن أبي بكرة في الطاعون المذكور أربعون ولدا. وقل ~~الناس ms0141 بالبصرة جدا حتى إنه ماتت أم أمير البصرة فلم يجدوا من يحملها إلا ~~أربعة بالجهد. ومات لصدقة بن عامر العامري في يوم واحد سبعة بنين، فقال: ~~اللهم إني مسلم مسلم. ولما كان يوم الجمعة خطب الخطيب وليس في المسجد إلا ~~سبعة أنفس وامرأة، فقال الخطيب: ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب. ~~وقيل: إنه توفي في هذا الطاعون عشرون ألف عروس. وقد اختلف في سنة هذا ~~الطاعون فمنهم من قال في هذه السنة، وقال بعضهم: في سنة سبعين، وقال آخر: ~~في سنة اثنتين وسبعين، وقيل غير ذلك. وهذا الطاعون يكون سابع طاعون في ~~الإسلام، فإن الأول كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني طاعون ~~عمواس في عهد عمر رضي الله عنه، والثالث بالكوفة في زمن أبي موسى الأشعري، ~~والرابع بالكوفة أيضا في زمن المغيرة بن شعبة، والخامس الطاعون الذي مات ~~فيه زياد، ثم الطاعون بمصرفي سنة ست وستين. PageV01P0072 # وفيها شرع الخليفة عبد الملك بن مروان في عمارة القبة على صخرة بيت ~~المقدس وعمارة جامع الأقصى، وقيل: بل كان شروعه في ذلك سنة سبعين. وفيها ~~عزل عبد الله بن الزبير ابنه حمزة عن إمرة العراق وأعاد أخاه مصعب بن ~~الزبير. فقدمها مصعب وتجهز وخرج يريد الشام لقتال عبد الملك بن مروان، وخرج ~~عبد الملك أيضا من الشام يريد مصعب بن الزبير، فسار كل منهما إلى آخر ~~ولايته وهجم عليهما الشتاء، فرجع كل منهما إلى ولايته. قال خليفة: وكانا ~~يفعلان ذلك في كل سنة حتى قتل مصعب. وفيها عقد عبد العزيز بن مروان صاحب ~~الترجمة لحسان الغساني على غزو إفريقية. وفيها اجتمعت الروم واستجاشوا على ~~من بالشام، فصالح الخليفة عبد الملك بن مروان ملكهم، على أن يؤدي إليه في ~~كل جمعة ألف دينار خوفا منه على المسلمين. هكذا ذكر ابن الأثير هذه الواقعة ~~في هذه السنة، وقال غيره: إنها في غير السنة. وفيها توجه مصعب بن الزبير ~~إلى مكة ومعه أموال كثيرة ودواب كثيرة، فقسم في قومه وغيرهم ونحر بدنا ms0142 ~~كثيرة. وفيها حكم رجل من الخوارج بمنى وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله ~~بأيديهم فقتل ذلك الرجل عند الجمرة. وفيها حج بالناس مصعب بن الزبير؛ وكان ~~على قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة. وفيها توفي الأحنف ~~بن قيس التميمي البصري أبو بحر؛ واسمه الضحاك بن قيس بن معاوية بن الحصين، ~~وكان أحنف الرجلين والحنف: الميل، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل ~~البصرة. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره. قلت: وأخبار الأحنف مشهورة ~~تغني عن الإطناب في ذكره، وقد تقدم ذكر وفاته، والصحيح في هذه السنة. وفيها ~~توفي أبو الأسود الدؤلي البصري الكناني، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان ؛ وهو ~~من الطبقة الأولى من تابعي البصرة؛ وهو أول من وضع علم النحو، ومات ~~بالطاعون. وفيها قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد أبي ~~أحيحة بن العاص بن أمية الأشدق؛ سمي الأشدق لأنه كان خطيبا مفلقا، وقيل: ~~لاتساع شدقه. وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وفيها توفي ~~قبيصة بن جابر بن وهب بن مالك، أبو العلاء الأسدي، من الطبقة الأولى من ~~التابعين من أهل الكوفة ؛ وكانت أرضعته هند أم معاوية بن أبي سفيان. وفيها ~~توفي مالك بن يخامر السكسكي الألهانى الحمصي، من الطبقة الأولى من تابعي ~~أهل الشام، وقيل: له صحبة ورواية. وفيها توفي يزيد بن ربيعة بن مفرغ أبو ~~عنان الحميري البصري ؛ كان شاعرا مجيدا؛ والسيد الحميري من ولده. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع؛ مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ~~ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة سبعين: فيها كان الوباء بمصر، وقيل فيها كان طاعون الجارف ~~المقدم ذكره في لماضية. وفيها تحول عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة من ~~مصر إلى حلوان حسبما ذكرناه في أول ترجمته، واشتراها من القبط بعشرة آلاف ~~دينار. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير. وفيها كانت ms0143 مقتلة عمير بن ~~الحباب بن جعدة السلمي. وفيها تحركت الروم على أهل الشام وعجز عبد الملك بن ~~مروان عنهم لاشتغاله بقتال عبد الله بن الزبير، فصالح ملك الروم على أن ~~يؤدي له في كل جمعة ألف دينار. وفيها وفد مصعب بن الزبير على أخيه عبد الله ~~بن الزبير بأموال العراق. وفيها بعث عبد الملك بن مروان خالد بن عبد الله ~~بن أسيد بن أبي العاص بن أمية إلى البصرة ليأخذها في غيبة مصعب بن الزبير. ~~وفيها توفي الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد الهمداني الكوفي الأعور، ~~راوية علي رضي الله عنه. وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. ~~وقيل: توفي سنة ثلاث وستين. وفيها توفي عاصم بن عمر بن الخطاب، وأمه جميلة ~~بنت عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، وكان اسمها عاصمة، فسماها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جميلة. وعاصم هذا هو جد عمر بن عبد العزيز الأموي ~~لأمه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع؛ مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا. وفي درر التيجان: ثمانية عشر إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # PageV01P0073 # وهي سنة إحدى وسبعين: فيها حج بالناس أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، ~~وعرف بمصر عبد العزيز بن مروان صاحب الترجمة، وهو أول من عرف بها فقام من ~~قبل أخيه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان وعرف بمصر.قلت: ومن خلافة مروان ~~بن الحكم إلى هذه الأيام والممالك مقسومة بين خليفتين: عبد الله بن الزبير، ~~وعبد الملك بن مروان: أما الحرمان والعراق كله فبيد عبد الله بن الزبير؛ ~~والشام ومصر وما يليهما بيد عبد الملك بن مروان، والفتن قائمة بينهما ~~والحروب واقعة في كل سنة. وفيها افتتح الخليفة عبد الملك بن مروان قيسارية ~~الروم في قول الواقدي.وفيها نزع عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود بن عوف ~~عن المدينة واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو ms0144 آخر وا ل كان له ~~على المدينة، فدام على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو مولى عثمان، فهرب ~~طلحة وأقام طارق بها حتى سار إلى مكة لقتال ابن الزبير.وفيها توفي شتير بن ~~شكل القيسي الكوفي من أصحاب علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما. ~~وشتير بضم الشين المعجمة وفتح التاء فوقها نقطتان وبعدها ياء تحتها نقطتان، ~~وشكل بفتح الشين المعجمة والكاف وآخره لام. وفيها خرج عبد الله بن ثور أحد ~~بني قيس بن ثعلبة من جهة مصعب بن الزبير بالبحر، فأنتدب لقتله عبد الرحمن ~~بن الإسكاف والتقوا بجواثا فانهزم عبد الرحمن. وفيها توفي البراء بن عازب ~~بن الحارث بن عدي، أبو عمارة ؛ وهو من الطبقة الثالثة من الأنصار من ~~الصحابة ؛ مات بالكوفة في أيام مصعب بن الزبير. وفيها توفي عبد الله بن ~~خازم بن أسماء بن الصلت السلمي، أبو صالح، أمير خراسان. صحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وروى عنه؛ وكان مشهورا بالشجاعة، وأصله من البصرة. وخازم ~~بالخاء المعجمة والزاي. وفيها توفي عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي الصحابي، ~~من الطبقة الثانية من المهاجرين. فأول مشهد شهده مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الحديبية ثم خيبر وما بعدها. وفيها كانت الوقعة بين عبد الملك بن ~~مروان وبين مصعب بن الزبير، وقتل مصعب في المعركة؛ وكان مصعب من أجمل الناس ~~وأشجعهم، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وكنيته أبو عبد الله ~~والمشهور أبو عيسى؛ وكان مصعب يجالس أبا هريرة؛ ورآه جميل بثينة بعرفات ~~فقال: إن هاهنا لشابا أكره أن تراه بثينة أعني لجماله. ولما قتل مصعب بن ~~الزبير أخذ أمر أخيه عبد الله بن الزبير في إدباره. وقيل: إن قتلة مصعب ~~كانت في سنة اثنتين وسبعين، وهو الأشهر أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم سبعة أذرع وخمسة أصابع؛ مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر ~~إصبعا. وفي درر التيجان: وسبعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT بن مروان على مصر ms0145 # وهي سنة اثنتين وسبعين: فيها بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة بالقدس ~~والجامع الأقصى، وقد ذكرناه في الماضية، والأصح أنه في هذه السنة. وسبب ~~بناء عبد الملك أن عبد الله بن الزبير لما دعا لنفسه بمكة فكان يخطب في ~~أيام منى وعرفة وينال من عبد الملك ويذكر مثالب بني أمية، ويذكر أن جده ~~الحكم كان طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه، فمال أكثر أهل الشأم ~~إلى ابن الزبير؛ فمنع عبد الملك الناس من الحج فضجوا، فبنى لهم القبة على ~~الصخرة والجامع الأقصى ليصرفهم بذلك عن الحج والعمرة، فصاروا يطوفون حول ~~الصخرة كما يطوفون حول الكعبة وينحرون يوم العيد ضحاياهم؛ وصار أخوه عبد ~~العزيز بن مروان صاحب مصر يعرف بالناس بمصر ويقف بهم يوم عرفة. وفيها ولى ~~عبد الملك بن مروان طارق بن عمرو مولى عثمان على المدينة، فسار إليها وغلب ~~عليها وأخرج منها طلحة بن عبد الله بن عوف عامل ابن الزبير، وقد تقدم ذلك ~~في الماضية. وفيها بعث عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي إلى مكة ~~لقتال عبد الله بن الزبير فتوجه إلى مكة وحاصر ابن الزبير إلى أن قتل ابن ~~الزبير في سنة ثلاث وسبعين، على ما يأتي ذكره في محله. وفيها كان العامل ~~على المدينة طارقا لعبد الملك بن مروان، وعلى الكوفة بشر بن مروان، وعلى ~~قضائها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعلى البصرة خالد بن عبد الله، وعلى ~~قضائها هشام بن هبيرة، وكان على خراسان - في قول بعضهم - بكير بن وشاح، وفي ~~قول بعضهم عبد الله بن خازم. PageV01P0074 # وفيها توفي عبيدة بن عمرو السلماني المرادي؛ أسلم في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان من كبار الفقهاء. أخذ عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن ~~مسعود. وعبيدة بفتح العين وكسر الباء الموحدة. وفيها على الصحيح مقتلة مصعب ~~بن الزبير: طعنه زائدة الثقفي وقتل معه ابنه عيسى وإبراهيم بن الأشتر ومسلم ~~بن عمرو الباهلي. وقد مر من أخباره في ms0146 الماضية ما يغني عن ذكره هنا ثانية. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة ~~خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. وفي درر التيجان: سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة ثلاث وسبعين: وفيها قتل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن ~~العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو بكر، وقيل أبو ~~خبيب، القرشي الأسدي، أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وأمه أسماء بنت ~~أبي بكر الصديق، له صحبة ورواية؛ حاصره الحجاج بن يوسف الثقفي بالبيت ~~الحرام أشهرا ونصب على الكعبة المنجنيق ورمى به على البيت غير مرة حتى قتل ~~ابن الزبير وصلبه. قيل: إن الحسن البصري سئل عن عبد الملك بن مروان، فقال ~~الحسن: ما أقول في رجل الحجاج سيئة من سيئاته. وقتل مع عبد الله بن الزبير ~~هؤلاء الثلاثة: وهم عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وعبد الله بن ~~مطيع بن الأسود العدوي، وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فهؤلاء ~~من الأشراف، وأما غيرهم فكثير. ومن يوم قتل عبد الله بن الزبير صار في ~~الإسلام خليفة واحد وهو عبد الملك ابن مروان. قلت: ومناقب عبد الله بن ~~الزبير كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكرها. وفيها توفيت أسماء بنت أبي بكر أم ~~عبد الله بن الزبير المذكور بعد ابنها عبد الله بمدة يسيرة. وفيها غزا محمد ~~بن مروان الروم صائفة في أربعة آلاف، فساروا إليه في ستين ألفا فهزمهم محمد ~~واستباح عسكرهم، وقيل: إن هذا كان من ناحية أرمينية. وفيها توفي إياس بن ~~قتادة بن أوفى، من الطبقة الأولى من التابعين، وكان لأبيه قتادة صحبة. ~~وفيها توفي سلم بن زياد ابن أبيه أمير خراسان. وكان جوادا ممدحا يعطي ألف ~~ألف الدرهم مات بالبصرة. وفيها توفي مالك بن أوس بن الحدثان أحد بني نصر بن ~~معاوية بن هارون. قيل له صحبة، ms0147 وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من ~~التابعين. وفيها استعمل عبد الملك بن مروان أخاه محمدا على الجزيرة ~~وأرمينية، وكانت بحيرة الطريخ التي بأرمينية مباحة لم يتعرض إليها أحد بل ~~كان يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها وجعل عليها من يأخذه ويبيعه، ويأخذ ~~ثمنه، وصارت بعده لابنه مروان ؛ ثم أخذت منه لما انتقلت الدولة الأموية، ~~وهي الآن على ذلك الحجر. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. وهذا الطريخ من عجائب ~~الدنيا فإنه سمك صغار له كل سنة موسم يخرج من هذه البحيرة في نهر يصب إليها ~~كثيرا يؤخذ بالأيدي وغيرها، فإذا انقضى موسمه لا يوجد منه شيء. وفيها عزل ~~عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة وولاها أخاه بشرا في قول. وفيها توفي ~~مالك بن مسمع بن غسان الربعي البصري، من الطبقة الأولى من التابعين. ولد ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم سبعة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة أربع وسبعين: فيها سار الحجاج من مكة، بعدما بنى البيت الحرام، ~~إلى المدينة، فأقام بها ثلاثة أشهر يتعنت أهلها، وبنى بها مسجدا في بني ~~سلمة يعرف به، وأخذ بعض الصحابة وختم عليهم في أعناقهم. روى الواقدي عن ابن ~~أبي ذؤيب عمن رأى جابر بن عبد الله مختوما في يده ورأى أنس بن مالك مختوما ~~في عنقه، يذلهما بذلك. قال الواقدي: وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: ~~رأيت الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد الساعدي فقال: ما منعك أن تنصر أمير ~~المؤمنين عثمان؟ فقال: قد فعلت ؛ قال: كذبت، ثم أمر به فختم في عنقه برصاص. ~~PageV01P0075 # وفيها توفي بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية وهو متولي ~~البصرة، وكان ولي العراق والكوفة ms0148 قبل ذلك. وقحط الناس أيام بشر فاستسقى ~~فمطروا؛ ثم مر بشر بسراقة، وكان سراقة قد عمل فيها أبياتا، فرأى سراقة يحول ~~الماء من داره؛ فقال بشر: ما هذا يا سراقة؟ فقال: هذا ولم ترفع يديك في ~~الدعاء، فلو رفعتهما لجاءنا الطوفان. ومات بشر المذكور من البلاذر، فإنه ~~شربه بطوس فاعتل ولزم الفراش حتى مات. وفيها توفي رافع بن خديج بن رافع بن ~~عدي الأنصاري الصحابي من الطبقة الثالثة من الأنصار؛ شهد أحدا وما بعدها مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنيته أبو عبد الله، وأمه حليمة بنت عروة بن ~~مسعود. وفيها توفي أبو سعيد الخدري ؛ واسمه سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، ~~الصحابي من الطبقة الثالثة من الأنصار، واستصغر يوم أحد فرد. قال أبو سعيد: ~~فخرجنا نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من أحد ببطن قباء، ~~فنظر إلي، وقال: سعد بن مالك؟ فقلت: نعم بأبي أنت وأمي. فدنوت منه وقبلت ~~ركبته، فقال: آجرك الله في أبيك، وكان قتل يومئذ شهيدا. وفيها توفي سلمة بن ~~الأكوع، وكنيته أبو مسلم، الصحابي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين. قال ~~سلمة: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات. وفيها توفي عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمه ~~زينب بنت مظعون بن حبيب، وهو شقيق حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. أسلم ~~عبد الله قديما بمكة قبل البلوغ، وهو من العبادلة الأربعة: وهم عبد الله بن ~~عمر هذا، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص رضي الله عنهم أجمعين؛ وهو من المكثرين في رواية الحديث. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة أربعة عشر ~~ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة خمس وسبعين: ms0149 فيها حج بالناس الخليفة عبد الملك بن مروان وخطب ~~على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظنها أول حجته في الخلافة. وفيها ~~ولى الخليفة عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف على العراق. وفيها خرج عبد ~~العزيز بن مروان صاحب الترجمة من مصر وافدا على أخيه الخليفة عبد الملك بن ~~مروان بالشام واستخلف على مصر زياد بن حنظلة التجيبي. وتوفي زياد بعد ذلك ~~بمدة يسيرة في شوال ؛ وتخلف على مصر الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان حتى قدم ~~أبوه عبد العزيز من الشام. وفيها ولى عبد الملك المدينة يحيى بن الحكم بن ~~أبي العاص بن أمية. وفيها خرج ملك الروم بجيوشه ونزل على مرعش من أعمال ~~حلب، فندب عبد الملك لقتاله أخاه محمد بن مروان فهزم محمد الروم وغلبهم. ~~وفيها ضرب عبد الملك بن مروان على الدينار والدرهم اسم الله تعالى. وسببه ~~أنه وجد دراهم ودنانير تاريخها قبل الإسلام بثلاثمائة سنة أو بأربعمائة سنة ~~مكتوب عليها: باسم الأب والابن وروح القدس. قال الزهري: كانت الدراهم على ~~ثلاثة أصناف: الوافية وزن الدرهم مثقال، والبغلية وزن الدرهم نصف مثقال، ~~والزيادية وزن العشرة ستة مثاقيل. فجمع عبد الملك هذه الأصناف وضربها على ~~ما هي الآن عليه. وفيها توفي توبة بن الحمير بن عقيل بن كعب بن ربيعة ~~الخفاجي: أحد عشاق العرب، صاحب ليلى الأخيلية بنت عبد الله بن الرحال بن ~~شداد بن كعب؛ وكانت أشعر نساء زمانها لا يقدم عليها غير الخنساء. قيل: إن ~~ليلى هذه دخلت على عبد الملك بن مروان فقال لها: ما رأى منك توبة حتى عشقك؟ ~~فقالت: ما رأى الناس منك حين جعلوك خليفة!. وقال الشعبي: ودخلت ليلى ~~الأخيلية على الحجاج وأنا حاضر، فقال: ما الذي أقدمك علينا. فقالت: إخلاف ~~النجوم، وقلة الغيوم؛ وكلب البرد، وشدة الجهد، وأنت لنا بعد الله الرفد ؛ ~~فقال لها: صفي حال البلاد؛ فقالت: أما الفجاج فمغبرة، وأما الأرض فمقشعرة، ~~ثم ذكرت أشياء من هذه المقولة إلى أن قالت: وقد أصابتنا سنون لم تدع ms0150 لنا ~~هبعا، ولا ربعا، ولا عافطة، ولا نافطة؛ ذهبت الأموال، ونزحت الرجال. وأما ~~أشعار توبة المذكور فيها وتشبيبه بها فكثيرة ليس هذا موضع ذكرها. ~~PageV01P0076 # وفيها توفي أبو ثعلبة الخشني القضاعي، واسمه جرثوم ؛ قدم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى غزوة حنين، وقيل: إنه شهد بيعة الرضوان ~~وحنينا ونزل الشام وتوفي بها. وفيها توفي سليم بن عتر التجيبي المصري أبو ~~سلمة عالم مصر وقاضيها، من الطبقة الأولى من التابعين؛ وهو أول من قص، بمصر ~~في سنة تسع وثلاثين وشهد فتح مصر. وفيها توفي شريح بن الحارث بن قيس بن ~~الجهم بن معاوية ابن عامر أبو أمية قاضي الكوفة، من الطبقة الأولى من ~~التابعين الكوفيين، وقيل إنه صحابي. وفيها كان وقوع الطاعون بالكوفة. وفيها ~~توفي صلة بن أشيم العدوي، أبو الصهباء، من الطبقة الأولى من تابعي الصحابة ~~بالبصرة. وفيها توفي العرباض بن سارية أبو نجيح السلمي، من الطبقة الثالثة ~~من الصحابة المهاجرين. وفيها توفي عمرو بن ميمون الأودي أود بني صعب بن سعد ~~من الطبقة الأولى من التابعين، أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يلقه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وسبعة أصابع. مبلغ ~~الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة ست وسبعين: فيها خرج صالح بن مسرح التميمي. وكان رجلا صالحا ~~ناسكا، لكنه كان يحط على الخليفتين عثمان وعلي رضي اله عنهما كهيئة ~~الخوارج، فوقع له حروب في هذه السنة إلى أن توفي من جرح أصابه في حروبه بعد ~~مدة في جمادى الآخرة، وعهد لشبيب بن يزيد؛ فوقع لشبيب المذكور مع الحجاج بن ~~يوسف حروب ووقائع كثيرة أكثرها لشبيب على الحجاج حتى دخل شبيب في هذه السنة ~~الكوفة ومعه امرأته غزالة، وكانت غزالة المذكورة تدخل مع زوجها في الحروب، ~~وربما قصدت الحجاج فهرب منها. وفيها وفد يحيى بن الحكم على الخليفة عبد ~~الملك بن مروان. وفيها كان الحجاج ms0151 على العراق وفعل تلك الأفعال القبيحة، ~~وكان على خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى ~~قضاء البصرة زرارة بن أوفى. وفيها غزا محمد بن مروان الروم من ناحية ملطية. ~~وفيها توفي حبة بن جوين العرني صاحب علي وحبة بالحاء المهملة والباء ~~الموحدة وهو منسوب إلى عرنة بالعين المهملة المضمومة والراء المهملة ~~والنون. وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة بعد أن ولاه ~~عبد الملك إمرتها في أول السنة. وفيها ولد مروان بن محمد الجعدي المعروف ~~بالحمار، آخر خلفاء بني أمية الآتي ذكره في محله. وفيها استشهد زهير بن قيس ~~البلوي المصرى، أبو شداد، في واقعة الروم، وقد تقدم ذكره في واقعة إفريقية ~~مع كسيلة وغيره. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وأربعة ~~أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة سبع وسبعين: فيها قتل شبيب بن يزيد بن نعيم بعد أن وقع له وقائع ~~مع الحجاج وعماله؛ وهو شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلت ~~الشيباني الخارجي. خرج بالموصل فبعث إليه الحجاج خمسة قواد فقتلهم واحدا ~~بعد واحد، ثم قاتل الحجاج وحاصره وكسره غير مرة. وكانت امرأة شبيب غزالة من ~~الشجعان الفرسان حتى إنها قصدت الحجاج فهرب منها، فعيره بعض الناس بقوله: ~~الكامل أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت ~~إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر وفيها خرج مطرف بن ~~المغيرة بن شعبة على الحجاج، وخلع عبد الملك بن مروان من الخلافة وحارب ~~الحجاج إلى أن قتل. وفيها عبر أمية نهر بلخ للغزو فحوصر حتى جهد هو وأصحابه ~~ثم نجوا بعدما أشرفوا على الهلاك ورجعوا إلى مرو. وفيها حج بالناس أبان بن ~~عثمان بن عفان وهو أمير المدينة. وكان على البصرة والكوفة الحجاج بن يوسف ~~الثقفي، وعلى خراسان أمية المذكور. وفيها ms0152 غزا الصائفة الوليد بن عبد الملك ~~بن مروان. وفيها توفي جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري في قول. ~~PageV01P0077 # وفيها توفي عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي أبو عاصم، من الطبقة ~~الأولى من التابعين من أهل مكة. قال عطاء: دخلت أنا وعبيد بن عمير على ~~عائشة رضى الله عنها فقالت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير، قالت: أفمن ~~أهل مكة؟ قال: نعم، قالت: خفف فإن الذكر ثقيل. قال مجاهد: كنا نفتخر ~~بفقيهنا ابن عباس، وقاضينا عبيد بن عمير. وفيها توفي قطري بن الفجاءة ~~المازني، وقيل التميمي؛ كان أحد رؤوس الخوارج ؛ حارب المهلب بن أبي صفرة ~~سنين، وسلم عليه بأمير المؤمنين. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة ثمان وسبعين: فيها ولي المهلب بن أبي صفرة خراسان نيابة عن ~~الحجاج وهو يوم ذاك أمير البصرة والكوفة وخراسان وكرمان. وفيها توفي عبد ~~الرحمن بن عبد القاري، وله ثمان وسبعون سنة، ومسح النبي صلى الله عليه وسلم ~~برأسه والقاري: بالياء المشددة. وفيها غزا محرز بن أبي محرز أرض الروم وفتح ~~أرقلة - فلما رجع بعسكره، أصابهم مطر شديد من وراء درب الحدث فأصيب منه ناس ~~كثيرة. وفيها ولي إمرة الغرب كلها موسى بن نصير اللخمي، فسار إليه وقدم إلى ~~طنجة وقدم على مقدمته طارق بن زياد الصدفي مولاهم الذي افتتح الأندلس، ~~وأصاب فيها المائدة التي يزعم أهل الكتاب أنها مائدة سليمان عليه السلام. ~~وفيها حج بالناس الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقيل أبان بن عثمان بن عفان ~~أمير المدينة. وفيها فرغ الحجاج بن يوسف من بناء واسط. وإنما سميت واسط ~~لأنها بناء واسط بين الكوفة والبصرة، منها إلى الكوفة خمسون فرسخا وإلى ~~البصرة كذلك. وفيها عزل عبد الملك عامل خراسان وضم ولايتها وولاية سجستان ~~إلى الحجاج، فسار الحجاج إلى البصرة واستخلف عليها المغيرة ms0153 بن عبد الله بن ~~أبي، عقيل. وفيها قدم المهلب على الحجاج فأجلسه معه على سريره وأعطى أصحابه ~~الأموال وقال: هؤلاء حماة الثغور. وفيها توفي جابر بن عبد الله بن عمرو ~~الأنصاري الصحابي، أبو عبد الله؛ وهو من الطبقة الأولى من الأنصار؛ شهد ~~العقبة الثانية مع الأنصار وكان أصغرهم سنا، وأسلم قبل العقبة الأولى بعام، ~~وأراد أن يشهد بدرا فخلفه أبوه على إخوته. وفيها توفي عبد الرحمن بن غنم بن ~~كريب الأشعري ؛ اختلفوا في صحبته؛ ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أنصار ~~أهل الشام بعد الصحابة؛ وقيل: هو تابعي ثقة؛ وقيل: إنه أسلم على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقه. قال ابن الأثير: أدرك الجاهلية وليست له ~~صحبة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة تسع وسبعين: فيها استولى الحجاج بن يوسف على البحرين واستعمل ~~عليها محمد بن صعصعة الكلابي وضم إليه عمان، فخرج عليه الريان البكري فهرب ~~محمد وركب البحر حتى قدم على الحجاج. وفيها غزا الوليد بن عبد الملك بن ~~مروان ملطية فغنم وسبى وعاد إلى أبيه عبد الملك. وفيها كان الطاعون العظيم ~~بالشام. وفيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة. وفيها قتل ~~الخليفة عبد الملك بن مروان الحارث بن عبد الرحمن بن سعد الدمشقي الذي ادعى ~~النبوة، وكان انضم عليه جماعة كبيرة. وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~مسعود الهذلي؛ كان من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة ؛ روى عن ~~علي بن أبي طالب وابن مسعود. وفيها أصاب الناس طاعون شديد حتى كادوا يفنون ~~فلم يغز أحد تلك السنة فيما قيل. وفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم. ~~وفيها استعفى شريح بن الحارث من القضاء فأعفاه الحجاج واستعمل على القضاء ~~أبا بردة بن أبي موسى الأشعري. وفيها توفي النابغة الجعدي؛ واسمه ms0154 قيس بن ~~عبد الله بن عديس، وقيل عبد الله بن قيس، وقيل حسان بن قيس؛ وكنيته أبو ~~ليلى؛ وكان من شعراء الجاهلية، ولحق الأخطل ونازعه بالشعر؛ وله صحبة ووفادة ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الذهبي: وقال يعلى بن الأشدق - وليس ~~بثقة - : سمعت النابغة يقول: أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم: الطويل ~~PageV01P0078 # بلغنا السماء مجدنا و جدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال: أين ~~المظهر يا أبا ليلى ؟ فقلت: الجنة، قال: أجل إن شاء الله ثم قلت أيضا: ولا ~~خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا ~~لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " لا يفضض الله فاك " مرتين. ومات النابغة بأصبهان وله مائة وعشرون ~~سنة، وقيل مائة وستون سنة، وقيل مائتا سنة. وفيها توفي محمود بن الربيع، ~~وكنيته أبو إبراهيم؛ ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ~~ثمانية عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة ثمانين: فيها كان سيل الجحاف بمكة وهلك فيه خلق كثير من الحجاج، ~~فكان يحمل الإبل وعليها الأحمال والرجال والنساء ما لأحد منهم حيلة. وغرقت ~~بيوت مكة وبلغ السيل الركن، فسمي ذلك العام عام الجحاف. وفيها كان طاعون ~~الجارف بالبصرة في قول بعضهم. وفيها خرج عبد الواحد بن أبي الكنود من ~~الإسكندرية وركب البحر وغزا الفرنج حتى وصل إلى قبرس. وفيها هلك أليون عظيم ~~الروم وملكها. وفيها صلب عبد الملك سعيد بن عبد الله بن عليم الجهني على ~~إنكاره القدر. قاله سعيد بن عفير. وفيها توفي جبير بن نفير بن مالك، أبو ~~عبد الله اليحصبي الحضرمي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام ؛ أسلم في ~~خلافة الصديق رضي الله عنه. وفيها توفي جنادة بن أبي أمية الأزدي، ms0155 من ~~الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. وفيها توفي حسان بن النعمان الغساني من ~~أولاد ملوك غسان، ويقال: إنه ابن المنذر، صاحب الفتوحات بالمغرب. ولاه ~~معاوية بن أبي سفيان إفريقية. وفيها توفي زيد بن وهب بن خالد أبو سليمان ~~الجهني، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. وفيها توفي السائب بن يزيد ~~بن سعيد الكندي، أبو يزيد، من الطبقة الخامسة من المخضرمين؛ مات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو حدث الأسنان. وفيها توفي شريح بن هانىء بن يزيد بن ~~نهيك بن دريد بن الحارث بن كعب، من الطبقة الأولى من التابعين من أهل ~~الكوفة. كان من أصحاب علي رضي الله عنه وشهد معه مشاهده؛ وكان قاضي الكوفة ~~وبه يضرب المثل. قال الذهبي: إنه مات سنة ثمان وسبعين. وفيها حج بالناس ~~أمير المدينة أبان بن عثمان. وكان على العراق والشرق الحجاج. وفيها قتل ~~معبد بن عبد الله بن عليم الذي يروي حديث الدباغ، وهو أول من قال بالقدر في ~~البصرة. قتله الحجاج وقيل قتله عبد الملك الخليفة بدمشق. وفيها توفي شقيق ~~بن سلمة الأزدي، أبو وائل. أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره؛ وهو ~~من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة. وفيها توفي أبو إدريس ~~الخولاني ؛ واسمه عائذ الله بن عبد الله، وقيل عبد الله بن إدريس بن عائذ ~~الله، قاضي دمشق في أيام معاوية وغيره. وهو من الطبقة الثانية من التابعين ~~من أهل الشام. وفيها توفي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أبو جعفر وقيل أبو ~~محمد؛ وأمه أسماء بنت عميس. ولدته بالحبشة في الهجرة؛ وهو أول مولود ولد في ~~الإسلام بالحبشة؛ وهو من الطبقة الخامسة ؛ توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو حدث الأسنان؛ وقيل إنه كان له يوم توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عشر سنين. وفيها توفي عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، وكنيته أبو حاتم، ~~من الطبقة الثالثة من التابعين من أهل البصرة؛ وأمه هولة بنت غليظ من بني ms0156 ~~عجل؛ وهو أول من قرأ القرآن بالألحان ؛ وولي قضاء البصرة، وأوفده الحجاج ~~على الخليفة عبد الملك فسأله أن يولي الحجاج خراسان وسجستان. وفيها توفي ~~العلاء بن زياد بن مطر بن شريح العدوي؛ وهو من الطبقة الثانية من التابعين ~~من أهل البصرة، وكان من العباد الخائفين. وفيها توفي معاوية بن قرة بن إياس ~~بن هلال المزني، أبو إياس، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة. ~~كان زاهدا عابدا ورعا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع ~~وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة السادسة عشرة من ولاية عبد العزيز # PageV01P0079 ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة إحدى وثمانين: فيها حج بالناس سليمان بن عبد الملك بن مروان ~~وحجت معه أم الدرداء الصغرى. وفيها خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على ~~الحجاج بن يوسف وخلع عبد الملك بن مروان من الخلافة، ووقع له بسبب ذلك مع ~~الحجاج حروب، ووافقه جماعة كثيرة على ذلك وكاد أمره أن يتم. وفيها غزا عبد ~~الله بن عبيد الله بلاد الروم ووصل إلى قاليقلا ففتحها. ويقال: إن أصل ~~الفرات من عندها يجتمع. وفيها توفي محمد بن علي بن أبي طابى المعروف بابن ~~الحنفية، والحنفية اسم أمه، ولها اسم آخر: خولة بنت جعفر بن قيس؛ ومحمد هذا ~~من الطبقة الأولى من التابعين من أهل المدينة، وكنيته أبو القاسم؛ ولد في ~~خلافة أبي بكر، وقيل لثلاث سنين أو لسنتين بقين من خلافة عمر، وهي السنة ~~التي ولد فيها سعيد بن المسيب؛ وكان دينا عابدا صاحب رأي وقوة شديدة إلى ~~الغاية. وفيها كانت مقتلة بحير بن ورقاء الصريمي. وفيها كان دخول الديلم ~~قزوين وسببه أن العساكر كانت لا تبرح مرابطة بها، فلما كان في هذه السنة ~~كان من جملة من رابط بها محمد بن أبي سبرة الجعفي، وكان فارسا شجاعا، فلما ~~قدم قزوين رأى الناس لا ينامون الليل، فقال لهم: أتخافون أن يدخل عليكم ~~العدو؛ قالوا: نعم، قال: لقد أنصفوكم ms0157 إن فعلوا، افتحوا الأبواب، ففتحوها؛ ~~وبلغ ذلك الديلم فبيتوهم وهجموا على البلد وتصايح الناس، فقال محمد بن أبي ~~سبرة: أغلقوا الأبواب فقد أنصفونا، فأغلقوا الأبواب التي للمدينة فقاتلوهم. ~~وأبلى محمد بلاء س حتى ظفر بهم المسلمون ولم يفلت من ألد يلم أحد، ولم يعد ~~ألد يلم بعدها؛ فصار محمد فارس ذلك الثغر، وكان يدمن شرب الخمر؛ وبقي كذلك ~~إلى أيام عمر بن عبد العزيز فأمر بتسييره إلى كرارة، وهي دار النساك ~~بالكوفة، فسير إليها، فأغارت ألد يلم بعده على فذوين ونالت من المسلمين ~~وظهر الخلل بعده حتى طلب ثانية وأعيد إلى فذوين. وفيها توفي سويدي بن ~~أغفله، وكنيته أبو أمية، كناه بها عمر بن الخطاب؛ وهو من الطبقة الأولى من ~~تابعي أهل الكوفة؛ أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفد عليه فوجده قد ~~قبض، وأدرك دفنه وهم ينفضون أيديهم من التراب. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا ~~وثمانية أصابع. ### || AUT السنة السابعة عشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة اثنتين وثمانين: فيها كانت وقعة الزاوية بين محمد بن الأشعث ~~وبين الحجاج بالبصرة؛ وكان لابن الأشعث مع الحجاج في السنة الماضية وفي هذه ~~السنة عدة وقائع منها: وقعة دخيل يوم عيد الأضحى، وهي وقعة دير الجماجم، ثم ~~وقعة الأهواز، ويقال: إنه خرج مع ابن الأشعث ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومائة ~~وعشرون ألف راجل، فيهم علماء وفقهاء وصالحون. وقيل: إنه كان بينهما أربع ~~وثمانون وقعة في مائة يوم، فكانت منها ثلاث وثمانون على الحجاج وواحدة له، ~~فعندما انكسر ابن الأشعث خرج إلى الملك زنبيل والتجأ إليه حتى مات بعد ذلك ~~في سنة أربع وثمانين، وفي موته أقوال كثيرة. وفيها عزل الخليفة عبد الملك ~~بن مران أبان بن عثمان بن عفان عن المدينة في جمادى الآخرة واستعمل عليها ~~هشام بن إسماعيل المخزومي، فعزل هشام نوفل بن مساحق العامري عن القضاء ~~بالمدينة وولى عوضه عمرو بن ms0158 خالد الزرقي. وفيها غزا محمد بن مران بن الحكم ~~أخو الخليفة عبد الملك أرمينية، فهزم أهلها فسألوه الصلح فصالحهم، وولى ~~عليهم أبا شيخ بن عبد الله فغدروا به وقتلوه. وقيل بل قتل سنة ثلاث ~~وثمانين. وفيها توفي أسماء بن خارجة بن مالك الفزاري الكوفي، أحد الأجواد. ~~وفد على الخليفة عبد الملك فقال له عبد الملك: بلغني عنك خصال شريفة ~~فأخبرني بها؛ قال أسماء: ما سألني أحد حاجة إلا وقضيتها، ولا أكل رجل من ~~طعامي إلا رأيت له الفضل علي، ولا أقبل علي رجل بحديث إلا وأقبلت عليه ~~بسمعي وبصري؛ فقال له عبد الملك: حق لك أن تشرف وتسود. وفيها توفي أبو ~~الشعثاء سليم بن أسود بن حنظلة المحاربي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل ~~الكوفة. وقيل: إن وفاة أبي الشعثاء في غير هذه السنة والأصح فيها. ~~PageV01P0080 # وفيها توفي عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، أبو بكر، من الطبقة الأولى ~~من تابعي أهل الكوفة. كان يسجد على كور عمامته، قد حالت بين جبهته والأرض. ~~وفيها توفي المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة؛ واسم أبي صفرة ظالم بن سراقة، ~~وكنيته أبو خداش، كان خليفة أبيه على مرو فمات في شهر رجب؛ وكان المغيرة ~~جوادا سيدا شجاعأ. ولما وصل الخبر إلى أبيه وجد عليه وجدا عظيما أثر فيه ~~ذلك، ثم استناب ابنه يزيد بن المهلب على مرو. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة ثلاث وثمانين: فيها حج بالناس أمير المدينة هشام بن إسماعيل ~~المخزومي. وفيها توفي أبو الجوزاء أوس بن خالد الربعي البصري، وقيل خالد بن ~~سمير، من الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة. وفيها توفي روح بن ~~زنباع، أبو زرعة الجذامي الشامي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام؛ ~~وكان متميزا عند الناس فخاف منه معاوية فعزم على قتله ثم خلى ms0159 عنه؛ وكان ~~عظيم دولة عبد الملك بن مران، وهو الذي قدم الحجاج بن يوسف الثقفي عند عبد ~~الملك حتى صار من أمره ما صار. وقصته مع الحجاج المذكور مشهورة من قتل ~~عبيده وإحراق خيامه عندما ولي الحجاج حرب مصعب بن الزبير. وروح هذا هو زوج ~~هند بنت النعمان بن بشير، وكانت تكرهه، وهي القائلة: الطويل وما هند إلا ~~مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى ... ~~وإن يك إقراف فمن قبل الفحل وقد شاع ذلك في زمانها حتى قال بعض الشعراء في ~~صاحب سألة: البسيط، لي صاحب مثل داء البطن صحبته ... يودني كوداد الذيب ~~للراعي يثني علي جزاه الله صالحة ... ثناء هند على روح بن زنباع وفيها توفي ~~زاذان الكوفي، أبو عبد الله مولى كندة، من الطبقة الأولى من تابعي أهل ~~الكوفة. وكان صالحا صاحب نسك وعبادة وكان بزازا. وفيها توفي عبد الله بن ~~الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، أبو محمد الهاشمي، من الطبقة ~~الأولى من التابعين، وأمه هند بنت أبي سفيان؛ ولد في زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأتت به أمه إلى أختها أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فقال: من هذا؟ فقالت: ابن ~~عمك وابن أختي، فتفل في فيه ودعا له. وفيها توفي عبد الله بن شداد بن ~~الهاد، واسم الهاد عمرو الليثي، وسمي الهاد لأنه كان يوقد ناره للأضياف ~~ليلا ولمن سلك الطريق، وهو من الطبقة الأولى من تابعي المدينة، وأمه سلمى ~~بنت عميس الخثعمية أخت أسماء. وفيها توفي عبد الرحمن بن يسار، أو بلال أبي ~~ليلى. صحب أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد معه أحدا وما بعدها. ~~وأما عبد الرحمن هذا فإنه تابعي من أهل الكوفة، من الطبقة الأولى، وكان ~~عالما زاهدا، خرج على الحجاج بن يوسف ة قتل بدجيل وقيل بل غرق في نهر دخيل ~~مع ابن الأشعث. وفيها توفي معبد الجهني، من أهل ms0160 البصرة وهو أول من تكلم في ~~القدر، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة، وحضر التحكيم بدومة ~~الجندل. وفيها توفي المهلب بن أبي صفرة. اسمه ظالم بن سراق بن صبح الأزدي ~~العتكي البصري؛ وفي اسم المهلب أقوال كثيرة، قيل: اسمه سارق بن ظالم، وقيل ~~بالعكس، وقيل طارق بن سارق، وقيل قاطع بن سارق وقيل الذي ذكرناه أولا؛ ~~الأمير أبو سعيد، أحد أشراف أهل البصرة ووجوههم وفرسانهم؛ ولد عام الفتح في ~~حياة النبي صلى الله عليه وسلم وولي الأعمال الجليلة، وله مواقف مع الروم ~~وغيرها إلى أن توفي. ### || AUT السنة التاسعة عشرة من ولاية عبد العزيز # ### || AUT ### || AUT بن مروان على مصر # وهي سنة أربع وثمانين. فيها فتحت المصيصة على يد عبد الله بن عبد الملك ~~بن مران. وفيها افتتح موسى بن نصير ملك درنة من بلاد المغرب، فقتل وسبى حتى ~~قيل: إن السبي بلغ خمسين ألفا. وفيها غزا محمد بن مران أرمينية فهزمهم وحرق ~~كنائسهم، وتسمى سنة الحرق. PageV01P0081 # وفيها قتل الحجاج أيوب بن القرية؛ وكان من فصحاء العرب وبلغائهم ~~وأجوادهم. كان خرج أيضا مع محمد بن الأشعث؛ واسمه أيوب بن زيد بن قيس أبو ~~سليمان الهلالي، ثم ندم الحجاج على قتله. وابن القرية هذا له حكايات كثيرة ~~في الجود والكرم والفصاحة، منها: أنه لما أحضره الحجاج ليقتله، فقال له ابن ~~القرية: أقلني عثرتي، واسقني ريقي فإنه ليس جواد إلا له كبوة، ولا شجاع إلا ~~له هبوة، ولا صارم إلا له نبوة؛ فقال الحجاج: كلا! والله لأزيرنك جهنم؛ ~~قال: فأرحني فإني أجد حرها. فأمر به فضربت عنقه، فلما رآه قتيلا قال: لو ~~تركناه حتى نسمع من كلامه!. وفيها ولي إمرة الإسكندرية عياض بن غنم ~~التجيبي. وفيها بعث عبد الملك بن مران بالشعبي إلى أخيه عبد العزيز صاحب ~~الترجمة إلى مصر بسبب البيعة للوليد بن عبد الملك حسبما ذكرناه في صدر ~~ترجمة عبد العزيز. وفيها حج بالناس هشام بن إسماعيل. وفيها ظفر الحجاج برأس ~~محمد بن الأشعث وطيف بها في الأقاليم.وفيها ms0161 قتل الحجاج حطيطا الزيات ~~الكوفي؛ كان عابدا زاهدا يصدع بالحق؛ قتله الحجاج لتشيعه ولميله لابن ~~الأشعث. قيل: إنه لما أحضره بين يديه قال له الحجاج: ما تقول في أبي بكر ~~وعمر؟. قال: أقول فيهما خيرا، قال: ما تقول في عثمان؟ قال: ما ولدت في ~~زمانه، فقال له الحجاج: يا ابن اللخناء، ولدت في زمان أبي بكر وعمر ولم ~~تولد في زمن عثمان! فقال له حطيط: يا ابن اللخناء، إني وجدت الناس اجتمعوا ~~في أبي بكر وعمر فقلت بقولهم، ووجدت الناس اختلفوا في عثمان فوسعني السكوت، ~~فقال معد لعنه الله معد صاحب عذاب الحجاج: إني أريد أن تدفعه إلي، فو الله ~~لأسمعنك صياحه، فسلمه إليه، فجعل يعذبه ليلته كلها وهو ساكت. فلما كان وقت ~~الصبح كسر ساق حطيط، ثم دخل عليه الحجاج لعنه الله فقال له: ما فعلت ~~بأسيرك، فقال: إن رأى الأمير أن يأخذه مني، فقد أفسد علي أهل سجني، فقال له ~~الحجاج: علي به، فعذبه بأنواع العذاب وهو صابر، فكان يأتي بالمسال فيغرزها ~~في جسمه وهو صابر، ثم لفه في بارية وألقاه حتى مات. وفيها توفي أبو عمرو ~~سعد بن إياس الشيباني صاحب العربية وأيام الناس؛ كان إماما فيهما؛ وهو من ~~الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة؛ شهد القادسية وروى عن عمر وعلي وابن ~~مسعود وغيرهم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع ونصف. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة العشرون من ولاية عبد العزيز # ### || AUT بن مروان ### || AUT على مصر # وهي سنة خمس وثمانين: فيها كانت وفاة عبد العزيز بن مران صاحب الترجمة، ~~حسبما تقدم ذكره، في الطاعون العظيم الذي كان في هذه السنة بمصر وأعمالها، ~~وهو ثامن طاعون كان في الإسلام على قول بعضهم ؛ وقد ذكرنا ذلك فيما مضى في ~~حوادث سنة ست وستين. وفيها غزا محمد بن مران إرمينية فأقام بها سنة وولى ~~عليها عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، فبنى مدينة أردبيل ومدينة ~~برذعة. وفيها جهز عبد الله ms0162 بن عبد الملك بن مران يزيد بن حنين في جيش فلقيه ~~الروم في جيش كثير فأصيب الناس، وقتل سيمون الجرجاني في ألف نفس من أهل ~~أنطاكية. وفيها عزل يزيد بن المهلب بن أبي صفرة عن خراسان، وولي الفضل أخوه ~~مدة يسيرة ثم عزل أيضا، وولي قتيبة بن مسلم. وفيها قتل موسى بن عبد الله بن ~~خازم السلمي، وكان بطلا شجاعا وسيدا مطاعا؛ كان غلب على ترمذ وما وراء ~~النهر مدة سنين وحارب العرب من هذه الجهة والترك من تلك الجهة، وجرت له ~~وقعات عظيمة وآخر الأمر أنه خرج ليلة في هذه السنة بعساكره ليغير على جيش ~~فعثر به فرسه فابتدره ناس من ذلك الجيش وقتلوه. وفيها حج بالناس هشام بن ~~إسماعيل المخزومي. وفيها توفي عبد الله بن عامر بن ربيعة حليف بني عدي، ~~وكان له لما مات النبي " ص " أربع سنين. وفيها توفي واثلة بن الأسقع بن عبد ~~العزى بن عبد ياليل، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكان ينزل ناحية ~~المدينة، فأتى رسول الله " ص " فصلى معه الصبح وبايعه. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ~~ذراعا وواحد وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية عبد الله بن عبد الملك # ### || AUT على مصر # PageV01P0082 # هو عبد الله ابن الخليفة عبد الملك بن مران بن الحكم بن أبي العاص بن ~~أمية بن عبد شمس، القرشي الأموي الأمير أبو عمر. ولد في حدود سنة ستين ونشأ ~~بدمشق تحت كنف والده عبد الملك؛ وندبه أبوه في خلافته إلى عدة غزوات، ~~وافتتح المصيصة في سنة أربع وثمانين وقتل وسبى وغنم؛ ثم ولاه أبوه إمرة مصر ~~بعد موت عمه عبد العزيز بن مران في سنة خمس وثمانين، فتوجه إليها ودخلها في ~~يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من سنة خمس وثمانين، وقيل ~~من سنة ست وثمانين. ودخل مصر ابن سبع وعشرين سنة؛ كان أبوه عبد الملك أمره ~~أن يعفي آثار عبد العزيز؛ فأول ما دخل عبد الله ms0163 المذكور استبدل العمال ~~بعمال غيرهم والأصحاب بأصحاب أخر، واستعمل على شرطة مصر عبد الأعلى، ومنع ~~من لبس البرانس ؛ وكان فيه شدة بأس. فلم يكن إلا أشهر وتوفي أبوه عبد الملك ~~بن مران وولي الخلافة من بعده أخوه الوليد بن عبد الملك، فأقره الوليد على ~~إمرة مصر على عادته؛ فأمر عبد الله المذكور أن تنسخ دواوين مصر بالعربية، ~~وكانت تكتب بالقبطية، ففعل ذلك. ثم وقع في سنة سبع وثمانين الشراقي بمصر ~~وغلت الأسعار بها إلى الغاية، حتى قيل: إن أهل مصر لم يروا في عمرهم مثل ~~تلك الأيام. وقاست أهل مصر شدائد بسبب الغلاء، فاستشأمت الناس بكعبه. هذا ~~مع ما كان عليه من الجور؛ فإنه كان يرتشي ويأخذ الأموال من الخراج وغيره. ~~ولما شاع ذلك عنه طلبه أخوه الوليد من مصر، فخرج عبد الله من مصر إليه ~~بدمشق في صفر سنة ثمان وثمانين، واستخلف على مصر عبد الرحمن بن عمرو بن ~~مخزوم الخولاني. هذا وأهل مصر في شدة عظيمة من عظم الغلاء؛ فأقام عند ~~الوليد مدة يسيرة ثم عاد إلى مصر حتى عزله أخوه الوليد بن عبد الملك عن ~~إمرة مصر في سنة تسعين، وولى عوضه على مصر قرة بن شريك الآتي ذكره. فكانت ~~ولاية عبد الله هذا على مصر ثلاث سنين وعشرة أشهر. وبعد عزله توجه إلى دمشق ~~عند أخيه الوليد. وخرج من مصر بجميع أمواله واستصحب معه الهدايا والتحف إلى ~~أخيه الوليد. فلما وصل إلى الأردن أحيط به من قبل أخيه الوليد فأخذ جميع ما ~~كان معه، وحمل عبد الله المذكور إلى أخيه الوليد. وعبد الله هذا أمه أم ولد ~~لأن أكبر إخوته الوليد ثم سليمان ثم مران الأكبر - عرج - وعائشة؛ وأمهم ~~ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن خزيمة ؛ ثم يزيد ومروان ~~الأصغر ومعاوية وأم كلثوم، وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ؛ ~~ثم هشام وأمه أم هشام بنت إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومية ~~واسمها عائشة؛ ثم أبو بكر، وكان ms0164 يعرف ببكار، وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة ~~بن عبيد الله ؛ ثم الحكم وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان؛ ثم فاطمة ~~وأمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة؛ ثم عبد ~~الله هذا صاحب الترجمة، ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج ~~لأمهات الأولاد. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبد الله # ### || AUT بن عبد الملك بن مران على مصر وهي سنة ست وثمانين. # فيها كان طاعون القينات؛ سمي بذلك لأنه بدأ في النساء، وكان بالشام ~~وواسط والبصرة. وفيها سار قتيبة بن مسلم متوجها إلى ولايته فدخل خراسان ~~وتلقاه دهاقين بلخ وساروا معه، وأتاه أيضا أهل صاغان بهدايا ومفتاح من ذهب ~~وسلموا له بلادهم با لأمان. وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصن بولق وحصن ~~الأخرم. وفيها توفي الخليفة عبد الملك بن مران بن الحكم بن أبي العاص بن ~~أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أمير المؤمنين أبو الوليد، ~~القرشي الأموي، والد عبد الله هذا صاحب الترجمة. بويع بالخلافة بعهد من ~~أبيه مروان بن الحكم، وكان ذلك بعد أن دعا عبد الله بن الزبير لنفسه ~~بالخلافة. وتم أمر عبد الملك المذكور في الخلافة وبقي على مصر والشام، وابن ~~الزبير على باقي البلاد، مدة سبع سنين والحروب ثائرة بينهم. ثم غلب عبد ~~الملك على العراق وما والاها بعد قتل مصعب بن الزبير؛ ثم ولى الحجاج بن ~~يوسف الثقفي العراق ومحاربة عبد الله بن الزبير حتى قتله ؛ واستوثق الأمر ~~بقتل عبد الله بن الزبير لعبد الملك، ودام في الخلافة حتى توفي بدمشق في ~~شوال. وخلافته المجمع عليها أعني بعد قتل عبد الله بن الزبير من وسط سنة ~~ثلاث وسبعين. PageV01P0083 # وقال الشعبي: خطب عبد الملك فقال: اللهم إن ذنوبي عظام، وإنها صغار في ~~جنب عفوك، فاغفرها لي يا كريم. وكان مولد عبد الملك سنة ست وعشرين من ~~الهجرة ؛ وكان عابدا ناسكا قبل الخلافة؛ فلما أتته الخلافة تغير عن ذلك كله ~~وولى ms0165 الحجاج على العراق. قيل: إن الحسن البصري سئل عن عبد الملك هذا فقال: ~~ما أقول في رجل الحجاج سيئة من سيئاته! وفيها هلك ملك الروم الأخرم بورى ~~قبل عبد الملك بن مروان بشهر. وفيها حج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي. ~~وفيها توفي بشر بن عقربة الجهني أبو اليمان. قال الواقدي: قتل أبوه عقربة ~~يوم أحد، قال بشر: فلقيني رسول الله " ص " وأنا أبكي فقال: يا حبيب ما ~~يبكيك فقلت: قتل أبي، قال: " ما ترضى أن أكون أباك وعائشة أمك " ومسح على ~~رأسي بيده، فكان أثر يده من رأسي أسود وسائره أبيض. وفيها توفي عبد الله بن ~~أبي أوفى الأسلمي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين ؛وكان ممن بايع تحت ~~الشجرة وشهد مع النبي " ص " غزوة بني النضير والخندق والقريظة. وفيها توفي ~~أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي، من الطبقة الرابعة من الصحابة. وفيها حبس ~~الحجاج يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان، وعزل عبد ~~الملك عن شرطته؛ وكان الحجاج أمير العراق كله والشرق في هذه السنة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وخمسة عشر إصبعا، مبلغ ~~الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عبد الله # ### || AUT بن عبد الملك بن مروان على مصر وهي سنة سبع وثمانين. # فيها افتتح قتيبة بن مسلم أمير خراسان بيكند وفيها شرع الخليفة الوليد ~~بن عبد الملك بن مروان في بناء جامع دمشق الأموي؛ وكان نصفه كنيسة النصارى، ~~وعلى ذلك صالحهم أبو عبيدة بن الجراح؛ فقال لهم الوليد: إنا قد أخذنا كنيسة ~~مريم عنوة فأنا أهدمها، فرضوا بهدم هذه الكنيسة وإبقاء كنيسة مريم؛ ~~والمحراب الكبير هو مكان باب الكنيسة. ثم كتب الوليد إلى ابن عمه عمر بن ~~عبد العزيز بن مروان وهو أمير المدينة ببناء مسجد النبي " ص " وكانت ولاية ~~عمر بن عبد العزيز على المدينة في أوائل هذه السنة أيضا وله من العمر خمس ~~وعشرون سنة بعد أن صرف عنها هشام بن ms0166 إسماعيل المخزومي؛ ودام عمر بن عبد ~~العزيز على إمرة المدينة إلى أن عزله الوليد أيضا بأبي بكر بن عمرو بن حزم. ~~وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة؛ وكان على قضاء ~~المدينة أبو بكر بن عمرو بن حزم. وفيها توفي أمية بن عبد الله بن خالد بن ~~أسيد. وفيها قدم نيزك طرخان على قتيبة بن مسلم فصالحه وأطلق ما في يده من ~~أسارى المسلمين. وفيها غزا قتيبة المذكور نواحي بخارا فكانت ملحمة عظيمة ~~هزم الله فيها المشركين. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك فافتتح قمقم وبحيرة ~~الفرسان، فقتل وسبى، ويسر الله تعالى في هذا العام بفتوحات كبار على ~~الإسلام. وفيها توفي قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة بن عمرو الخزاعي، من الطبقة ~~الأولى من التابعين من أهل المدينة والثانية من أهل الشام؛ ولد على عهد ~~رسول الله " ص " عام الفتح، وكان على خاتم الخليفة عبد الملك بن مروان ~~وصاحب أمره وأقرب الناس إليه. وفيها توفي مطرف بن عبد الله بن الشخير بن ~~عوف بن كعب، أبو عبد الله الحرشي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة؛ ~~وكان له فضل وورع ورواية، وكان بعيدا من الفتن. وفيها توفي أبو الأبيض ~~أعنسي، وهو من التابعين. كان كثر الغزو والجهاد. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمسة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عبد الله # ### || AUT بن عبد الملك بن مروان على مصر وهي سنة ثمان وثمانين. # فيها جمع الروم جمعا عظيما وأقبلوا فالتقاهم قتيبة بن مسلم ومعه العباس ~~ابن الخليفة الوليد، فهزم الله الروم وقتل منهم خلق كثير، وافتتح المسلمون ~~سوسنة وطوانة. وفيها غزا قتيبة أيضا الترك فزحفوا إليه ومعهم أهل فرغانة ~~وعليهم ابن أخت ملك الصين، ويقال: بلغ جمعهم مائتي ألف، فكسرهم قتيبة، ~~وكانت ملحمة عظيمة أيضا. وفيها توفي عبد الله بن أبي قتادة بن ربعي ~~الأنصاري الخزرجي، من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. PageV01P0084 # وفيها كان فتح ms0167 طوانة من أرض الروم على يد مسلمة بن عبد الملك والعباس بن ~~الوليد بن عبد الملك. وفيها حج بالناس أمير المدينة عمر بن عبد العزيز ووصل ~~جماعة من قريش، وساق معه بدنا وأحرم من ذي الحليفة - فلما كان بالتنعيم ~~أخبر أن مكة قليلة الماء وأنهم يخافون على الحاج العطش، فقال عمر: تعالوا ~~ندع الله تعالى، فدعا ودعا الناس معه، فما وصلوا إلى البيت إلا مع المطر. ~~وسال الوادي فخاف أهل مكة من شدته، ومطرت عرفة ومكة وكثر الخصب. وفيها كتب ~~الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره بإدخال حجر أزواج النبي " ص " في ~~المسجد وأن يشترى ما بنواحيه، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع وأن يقدم ~~القبلة، ففعل عمر ذلك. وفيها توفي عبد الله بن بسر المازني مازن بن منصور ~~وكان ممن صلى إلى القبلتين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وواحد وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ~~ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية عبد الله # ### || AUT بن عبد الملك بن مروان ### || AUT على مصر # وهي سنة تسع وثمانين. # فيها افتتح موسى بن نصير جزيرتي ميرقه ومنرقة، وهما جزيرتان في البحر ~~بين جزيرة صقلية وجزيرة الأندلس؛ وتسمى هذه الغزوة غزوة الأشراف لكثرة ~~الأشراف التي كانوا بها أعني أشراف العرب. وفيها غزا قتيبة، وردان خذاه ملك ~~بخارا فلم يطقهم ورجع. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك عمورية فلقي جمعا من ~~الروم فهزمهم الله. وفيها ولي خالد بن عبد الله القسري مكة وهي أول ولايته. ~~وفيها غزا مسلمة أيضا والعباس بن الوليد بن عبد الملك الروم، فافتتح مسلمة ~~حصن سورية وافتتح العباس مدينة أذرولية. وفيها حج بالناس عمر بن عبد ~~العزيز. وفيها توفي ظليم مولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح بإفريقية. وفيها ~~عزل عمران بن عبد الرحمن عن قضاء مصر بعبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية ~~بن حديج وله خمس وعشرون سنة. وفيها توفي عمران بن ms0168 حطان السدوسي الخارجي. ~~كان شاعر الخوارج؛ وروى عن أبي موسى وعائشة رضي الله عنهما؛ وكان عمران ~~فصيحا قبيح الشكل، وكانت زوجته جميلة، فدخل عليها يوما وهي بزينتها فأعجبته ~~وعلمت منه ذلك، فقالت: أبشر فإني وإياك في الجنة ؛ قال: ومن أين علمت؟ ~~قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت، وأنا ابتليت بمثلك فصبرت، والصابر والشاكر في ~~الجنة. ومن شعره في عبد الرحمن بن ملجم وقومه: البسيط يا ضربة من تقي ما ~~أراد ... بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه ... ~~أوفى البرية عند الله ميزانا أكرم بقوم بطون الطيرأقبرهم ... لم يخلطوا ~~دينهم بغيا وعدوانا قلت: وهذا مذهب الخوارج، فإنهم يكفرون بالمعصية. وفيها ~~توفي يحيى بن يعمر أبو سليمان الليثي البصري. وكان عالما بالقراءات ~~والعربية. وهو أول من نقط المصاحف. وكان ولاه الحجاج من بره قضاء مرو، وكان ~~يقضي بالشاهد واليمين. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية قرة بن شريك # ### || AUT على مصر # هو قرة بن شريك بن مرثد بن حازم بن الحارث بن حبش بن سفيان بن عبد الله ~~بن ناشب بن هدم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن ~~أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان العبسي، أمير مصر. ولي مصر بعد عزل عبد الله ~~بن عبد الملك بن مروان من قبل الوليد بن عبد الملك بن مروان على صلاة مصر ~~وخراجها، ودخلها يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الأول سنة تسعين. قال العلامة ~~شمس الدين يوسف بن قز أوغلي في تاريخه مرآة الزمان: كان قرة من أمراء بني ~~أمية وولاه الوليد مصر. وكان سيىء التدبير خبيثا ظالما غشوما فاسقا منهمكا، ~~وهو من أهل قنسرين؛ قدم مصر سنة تسع وثمانين أوسنة تسعين؛ وكان الوليد عزل ~~أخاه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وولى قرة وأمره ببناء جامع مصر ~~والزيادة فيه سنة اثنتين وتسعين، فأقام في ms0169 بنائه سنتين. قلت: وقد قدمنا في ~~ترجمة عمرو بن العاص عند ذكر بنائه جامعه نبذة من ذلك. قال: وكان الناس ~~يصلون الجمعة في قيسارية العسل حتى فرغ قرة من بنائه. PageV01P0085 # وكان الصناع إذا انصرفوا من البناء دعا بالخمور والزمور والطبول فيشرب ~~الخمر في المسجد طول الليل، ويقول: لنا الليل ولهم النهار؛ وكان أشر خلق ~~الله؛ وتحالفت الأزارقة على قتله فعلم فقتلهم ؛ وكان عمر بن عبد العزيز ~~يعتب على الوليد لتوليته مصر. ومات قرة في سنة خمس وتسعين بمصر. وورد على ~~الوليد البريد في يوم واحد بموت الحجاج بن يوسف وموت قرة، فصعد المنبر وهو ~~حاسر شعثان الرأس فنعاهما إلى الناس، وقال: والله لأشفعن لهما شفاعة ~~تنفعهما؛ فقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو ابن عم الوليد المذكور: ~~انظروا إلى هذا الخبيث، لا أناله الله شفاعة محمد " ص " وألحقه بهما. ~~فاستجاب الله دعاءه وأهلك الوليد بعدهما بثمانية أشهر أو أقل. انتهى كلام ~~صاحب مرآة الزمان بعد ما ساق وفاته في سنة خمس وتسعين؛ والأصح ما سنذكره في ~~وفاته من قول الذهبي وغيره من المؤرخين. وأما قوله: إن الوليد مات بعد وفاة ~~قرة بثمانية أشهر، فليس كذلك؛ لأن وفاة قرة في ليلة الخميس لست بقين من شهر ~~ربيع الأول سنة ست وتسعين؛ ووفاة الوليد في نصف جمادى الآخرة، قاله خليفة ~~بن خياط. وقيل: إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ذكر عنه ظلم الحجاج ~~وغيره من ولاة الأمصار أيام الوليد بن عبد الملك، فقال: الحجاج بالعراق! ~~والوليد بالشأم! وقرة بن شريك بمصر! وعثمان أبن حيان، بالمدينة! وخالد بمكة ~~؛ اللهم قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا فأرح الناس!. فلم يمض غير قليل حتى ~~توفي الحجاج وقرة بن شريك في شهر واحد، ثم تبعهم الوليد، وعزل عثمان وخالد، ~~فاستجاب الله لعمر. قال ابن الأثير: وما أشبه هذه القصة بقصة ابن عمر مع ~~زياد ابن أبيه حيث كتب إلى معاوية يقول: قد ضبطت العراق بشمالي؛ ويميني ~~فارغة - يعرض بذلك أن شماله للعراق وتكون ms0170 يمينه بإمارة الحجاز - فقال ابن ~~عمر لما بلغه ذلك: اللهم أرحنا من يمين زياد وأرح أهل العراق من شماله، ~~فكان أول خبر جاءه موت زياد. ولما كان قرة على مصر أمره الوليد بهدم ما ~~بناه عمه عبد العزيز بن مروان لما كان أمير مصر ففعل قرة ذلك ؛ ثم أخذ بركة ~~الحبش وأحياها وغرس بها القصب، فقيل لها إسطبل قرة. وقال الحافظ أبو سعيد ~~بن يونس، بعدما ذكر نسبه بنحو مما ذكرناه: كان أمير مصر للوليد بن عبد ~~الملك، وكان خليعا. روى عن سعيد بن المسيب حديثا واحدا، رواه عنه حكيم بن ~~عبد الله بن قيس. وتوفي قرة بمصر وهو وال عليها في شهر ربيع الأول سنة ست ~~وتسعين؛ وكان الوليد بن عبد الملك ولى قرة مصر وعزل عنها أخاه عبد الله بن ~~عبد الملك؛ فقال رجل من أهل مصر شعرا وكتب به إلى الوليد بن عبد الملك: ~~مخلع البسيط عجبا ما عجبت حين أتانا ... أن قد أمرت قرة بن شريك وعزلت ~~الفتى المبارك عنا ... ثم فيلت فيه رأي أبيك ثم قال ابن يونس: حدثني أبو ~~أحمد بن يونس بن عبد الأعلى وكهمس بن معمر وعيسى بن أحمد الصدفي وغيرهم، ~~قالوا: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن عبد الله بن قيس عن قرة بن ~~شريك أنه سأل ابن المسيب عن الرجل ينكح عبده وليدته ثم يريد أن يفرق ~~بينهما؛ قال: ليس له أن يفرق بينهما. قال ابن يونس: ليس لقرة بن شريك غير ~~هذا الحديث الواحد. انتهى كلام ابن يونس. قلت: وكانت ولاية قرة على مصر ست ~~سنين إلا أياما. وتولى إمرة مصر بعده عبد الملك بن رفاعة الآتي ذكره ؛ وكان ~~من عظماء أمراء الوليد بن عبد الملك، وكان الوليد عند أهل الشأم من أفضل ~~خلفائهم، بنى المساجد: مسجد دمشق ومسجد المدينة، ووضع المنابر، وأعطى ~~المجذمين أموالا ومنعهم من سؤال الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير ~~قائدا؛ وفتح في ولايته فتوحات عظاما: منها الأندلس وكاشغر والهند؛ وكان ms0171 يمر ~~بالبقال فيقف عليه:ويأخذ منه حزمة بقل فيقول: بكم هذه. فيقول: بفلس، فيقول: ~~زد فيها. وكان صاحب بناء واتخاذ للمصانع والضياع، فكان الناس يلتقون في ~~زمانه فيسأل بعضهم بعضا عن البناء. وكان سليمان بن عبد الملك صاحب طعام ~~ونكاح، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن النكاح والطعام. وكان عمر بن عبد ~~العزيز صاحب عبادة، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا في أيامه: ما وردك الليلة، ~~وكم تحفظ من القرآن، وما تصوم من الشهر؟ PageV01P0086 # قلت: ولم أذكر هذا كله إلا لما قدمناه من الحط على الوليد من أقوال ~~المؤرخين، فأردت أن أذكر من محاسنه أيضا ما نقله غيرهم. ### || AUT السنة الأولى من ولاية قرة # ### || AUT ### || AUT بن شريك على مصر # وهي سنة تسعين: فيها غزا قتيبة بن مسلم وردان خذاه الغزوة الثانية، ~~فاستصرخ وردان خذاه على قتيبة بالترك، فالتقاهم قتيبة وهزمهم الله تعالى ~~وفض جمعهم. ثم غزا قتيبة أيضا في السنة أهل الطالقان بخراسان فقتل منهم ~~مقتلة عظيمة. وفيها غزا العباس ابن الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان ~~فبلغ إلى أرزن ثم رجع. وفيها توفي خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ~~أبو هاشم الأموي الدمشقي، أخو معاوية الرجل الصالح وعبد الله. قيل: إن ~~خالدا هذا بويع بالخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد بن معاوية فلم يتم أمره، ~~ووثب مروان بن الحكم على الأمر وخلع خالدا هذا وتزوج بأمه، وقد مر ذكر ~~قتلها له في ترجمة مروان. وكان خالد المذكور موصوفا بالعلم والعقل ~~والشجاعة، وكان مولعا بالكيمياء. وقيل: إنه هو الذي وضع حديث السفياني إنه ~~يأتي في آخر الزمان... لما سمع بحديث المهدي. انتهى. وفيها توفي عبد الرحمن ~~بن المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف. وهو من الطبقة الثانية من ~~تابعي أهل المدينة، وكان فقيها شاعرا. وفيها توفي أبو الخير مرثد بن عبد ~~الله اليزني. وفيها فتحت بخارا على يد قتيبة. ثم صالح قتيبة أهل الصغد ورجع ~~بهم ملكهم طرخون إلى بلاده. وفيها غزا مسلمة بن ms0172 عبد الملك أرض الروم وافتتح ~~الحصون الخمسة التي بسورية. وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، ~~فأهداه ملكهم إلى الوليد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ~~وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية قرة # ### || AUT ### || AUT بن شريك على مصر # وهي سنة إحدى وتسعين: فيها سار قتيبة بن مسلم إلى أن وصل إلى الفارياب ~~فخرج إليه ملكها سامعا مطيعا، فاستعمل عليها قتيبة عامر بن مالك ورجع. ~~وفيها عزل الوليد عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاها أخاه ~~مسلمة بن عبد الملك بن مروان؛ فقدم مسلمة وانتدب إلى الغزو فغزا إلى أن وصل ~~في هذه السنة إلى الباب من بحر أذربيجان، فافتتح مدائن وحصونا كثيرة. وفيها ~~افتتح قتيبة بن مسلم أمير خراسان شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فارياب ~~فأحرقها. وجهز أخاه عبد الرحمن بن مسلم إلى طرخون ملك تلك البلاد، فجرت له ~~معه حروب ومواقف. ثم صالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون أموالا، وتقهقر إلى ~~أخيه قتيبة إلى بخارا، فانصرفوا حتى قدموا مرو؛ فقالت الصغد لطرخون ملكهم: ~~إنك رضيت بالذل والجزية وأنت شيخ كبير لا حاجة لنا فيك، وعزلوه عنهم. وفيها ~~غزا موسى بن نصير طليطلة مدينة بالأندلس من بلاد الغرب بعدما أستولي على ~~الجزيرة وأفتتح حصونها. ودخل طليطلة عنوة، فوجد في دار المملكة مائدة ~~سليمان بن داود عليهما السلام ؛ وهي من خليطين ذهب وفضة وعليها ثلاثة أطواق ~~من لؤلؤ وجوهر. وقال الهيثم: افتتحها طارق في سنة اثنتين وتسعين. وقيل غير ~~ذلك. وفيها أيضا قتل قتيبة طرخان ملك الترك وبعث برأسه إلى الحجاج بن يوسف ~~الثقفي. وفيها قدم محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج من اليمن بهدايا عظيمة، ~~فأرسلت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد وبنت عمه تطلبها ~~منه؛ فقال محمد أخو الحجاج: حتى يراها أمير المؤمنين، فغضبت. ثم رآها ~~الوليد وبعث بها إلى أم البنين فلم تقبلها، وقالت: قد غصبها من أموال الناس ~~؛ فسأله ms0173 الوليد؛ فقال: معاذ الله! فأحلفه الوليد بين الركن والمقام خمسين ~~يمينا أنه ما ظلم أحدا ولا غصبه حتى قبلتها أم البنين. وكان محمد هذا عامل ~~صنعاء، وكان يسب علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر؛ ولهذا كان يقول ~~عمر بن عبد العزيز: الحجاج بالعراق! وأخوه محمد باليمن! وعثمان بن حيان ~~بالحجاز! والوليد بالشأم! وقرة بن شريك بمصر! امتلأت بلاد الله جورا!. ~~PageV01P0087 # وفيها حج بالناس الوليد بن عبد الملك، فلما دخل إلى المدينة غدا إلى ~~المسجد ينظر إلى بنائه وأخرج الناس منه ولم يبق غير سعيد بن المسيب، فلم ~~يجسر أحد من الحرس أن يخرجه، فقيل له: لو قمت! فقال: لا أقوم حتى يأتي ~~الوقت الذي أقوم فيه؛ قيل: فلو سلمت على أمير المؤمنين! قال: والله لا أقوم ~~إليه؛ قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا ~~يراه، فالتفت الوليد إلى القبلة فقال: من ذلك الشيخ؟ أهو سعيد؟ قال عمر: ~~نعم، ومن حاله كذا وكذا، ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك وهو ضعيف البصر؛ ~~فقال الوليد: قد علمنا حاله ونحن نأتيه، فدار في المسجد ثم أتاه، فقال: كيف ~~أنت أيها الشيخ؟ - فو الله ما تحرك سعيد - فقال: بخير والحمد لله، فكيف ~~أمير المؤمنين وكيف حاله؟ فانصرف الوليد وهو يقول: هذا بقية الناس. وصلى ~~الوليد الجمعة بالمدينة فخطب الناس الخطبة الأولى جالسا، ثم قام فخطب ~~الثانية قائما. قال إسحاق بن يحيى: فقلت لرجاء بن حيوة وهو معه: أهكذا ~~يصنعون؟ قال: هكذا صنع معاوية وهلم جرا؛ قال فقلت: ألا تكلمه! قال: أخبرني ~~قبيصة بن ذؤيب أنه كلم عبد الملك فلم يترك القعود وقال: هكذا خطب عثمان ؛ ~~قال فقلت: والله ما خطب إلا قائما؛ قال رجاء: روي لهم شيء فأخذا به. وفيها ~~توفي أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم ~~بن عدي بن النجار، أبو حمزة الأنصاري النجاري الخزرجي، خادم رسول الله " ص ~~" وآخرهم موتا؛ وهو من المكثرين، ms0174 مات في هذه السنة ؛ قاله الإمام أحمد، ~~وكذا قال الهيثم بن عدي وسعيد بن عفير وأبو عبيد. وقال الواقدي: سنة اثنتين ~~وتسعين، وتابعه معن بن عيسى عن ابن لأنس بن مالك. وقال سعيد بن عامر ~~وإسماعيل بن علية وأبو نعيم والمدائني والفلاس وخليفة وقعنب وغيرهم: سنة ~~ثلاث وتسعين. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: اختلف علينا مشيختنا في سن ~~أنس: فقال بعضهم: بلغ مائة وثلاث سنين، وقال بعضهم: بلغ مائة وسبع سنين، ~~وقال يحيى بن بكير: توفي أنس وهو ابن مائة وسنة، ومات له في الطاعون الجارف ~~ثمانون ولدا. قلت: وهذا بدعاء النبي " ص " ، فإنه دعا له: " اللهم ارزقه ~~مالا وولدا وبارك له فيه " . قال أنس: فإني لمن أكثر الأنصار مالا، وحدثتني ~~ابنتي آسية أنه دفن من صلبي إلى مقدم الحجاج البصرة تسعة وعشرون ومائة. ~~وفيها توفي محمد بن يوسف الثقفي، أخو الحجاج، عامل صنعاء باليمن، وقد تقدم ~~ذكر هديته إلى الوليد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع ~~واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية قرة # ### || AUT ### || AUT بن شريك على مصر # وهي سنة اثنتين وتسعين: فيها حج بالناس الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز. ~~وفيها غزا عمر بن الوليد ومسلمة بن عبد الملك بلاد الروم وفتح مسلمة حصونا ~~كثيرة، يقال: إنه بلغ إلى الخليج وفتح سوسنة. وفيها توفي إبراهيم بن يزيد ~~بن شريك من تيم الرباب، أبو أسماء، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة. ~~وكان يقص على الناس. وفيها توفي بلال بن أبي الدرداء، أبو محمد الأنصاري، ~~من الطبقة الأولى من تابعي أهل الشأم؛ كان قاضيا على دمشق في زمان يزيد بن ~~معاوية وبعده إلى أن عزله عبد الملك بن مروان بأبي إدريس الخولاني. وفيها ~~توفي عبد الرحمن بن يزيد بن جارية بن عامر بن مجمع،أبو محمد الأنصاري، من ~~الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة؛ وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، ~~وأخوه لأمه عاصم بن ms0175 عمر بن الخطاب؛ وولد على عهد رسول الله " ص " . وفيها ~~توفي طويس المغني صاحب الألحان ؛ وهو أول من غنى بالألحان في الإسلام، وهو ~~تصغير طاوس. وفيها فتحت جزيرة الأندلس على يد طارق بن زياد مولى موسى بن ~~نصير. وفيها فتحت جزيرة سردانية على يد جيش موسى بن نصير. وهذه الجزيرة في ~~بحر الروم، وهي من أكبر الجزائر ماعدا جزيرة صقلية وأقر يطش، وهي كثيرة ~~الفواكه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا، ~~مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية قرة # ### || AUT ### || AUT بن شريك على مصر # PageV01P0088 # وهي سنة ثلاث وتسعين: فيها افتتح قتيبة خوارزم وسمرقند، وكان ساكنها ~~الصغد، وبنى بها مسجدا وخطب بنفسه فيه، وأخذ من أهلها عن رقبتهم ستة آلاف ~~ألف وثلاثين ألفا؛ ووجد في سمرقند جارية من ولد يزدجرد فبعث بها إلى الحجاج ~~فأرسلها الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك فأولدها يزيد بن الوليد. وفيها غزا ~~مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم وفتح حصن الحديد وقلعة غزالة. وفيها غزا ~~العباس بن الوليد ففتح سميساط وطرسوس والمرزبان. وفيها عزل الوليد عمر بن ~~عبد العزيز عن المدينة بسبب أن عمر كتب إلى الوليد يخبره بظلم الحجاج وسفكه ~~الدماء وما يفعل بأهل العراق وخوفه عواقبه. وفيها توفي وضاح اليمن؛ واسمه ~~عبد الله بن إسماعيل بن عبد كلال. كان من أهل صنعاء من الأنبار، وقيل: اسمه ~~عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال؛ ووضاح اليمن لقب له لجمال وجهه، وهو ~~صاحب القصة مع أم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك بن مران التي ذكرها ابن ~~خلكان في تاريخه. وفيها فتحت طليطلة. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة غضب موسى ~~بن نصير على مولاه طارق، فسار إليه في رجب منها، واستخلف على إفريقية ابنه ~~عبد لله بن موسى - وعبر موسى إلى طارق في عشرة آلاف، فتلقاه طارق وترضاه ~~فرضي عنه وقبل عذره وسيره إلى طليطلة، وهي من عظام مدائن الأندلس، وهي من ~~قرطبة ms0176 على خمسة أيام، ففتحها وأصاب فيها مائدة سليمان بن داود عليهما ~~السلام، وفيها من الذهب والجوهر ما الله أعلم به. وفيها غزا العباس بن ~~الوليد الروم ففتح سميساط والمرزبان. وفيها حج بالناس عبد العزيز بن ~~الوليد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وإصبعان. مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية قرة # ### || AUT بن شريك على مصر # وهي سنة أربع وتسعين: فيها غزا قتيبة بن مسلم بلد كابل فحصرها حتى ~~فتحها؛ ثم افتتح أيضا فرغانة بعد أن حصرها وأخذها عنوة، وبعث جيشا فافتتحوا ~~الشاش. وفيها قتل محمد بن القاسم، الثقفي صصة بن ذاهر. قيل: إن صصة هذا هو ~~الذي اقترح الشطرنج. وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك سندرة من أرض الروم. ~~وفيها غزا العباس بن الوليد بن عبد الملك أرض الروم وافتتح أنطاكية. وفيها ~~افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند. وفيها حج بالناس مسلمة بن عبد ~~الملك. وفي أيام الوليد بن عبد الملك فتح الله على الإسلام فتوحا عظيمة، ~~وعاد الجهاد شبيها بأيام عمر رضي الله عنه. وفيها كانت بالشأم زلازل عظيمة ~~دامت في غالب البلاد أربعين يوما. وكان أولها من عشرين من آذار فهدمت ~~الأبنية ووقع معظم أنطاكية. وفيها هرب يزيد بن المهلب وإخوته من حبس الحجاج ~~إلى الشأم. وفيها غزا ما وراء النهر و فتح فرغانة وخجندة وفيها توفي الحسن ~~بن محمد بن الحنفية. وأمه جمال بنت قيس بن مخرمة، وكنيته أبو محمد، وهو من ~~الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة؛ وكان من ظرفاء بني هاشم ؛ وكان يقدم ~~على أخيه أبي هاشم عبد الله بن محمد في الفضل والهيبة. وفيها قتل الحجاج ~~سعيد بن جبير مولى بني والبة، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة. ~~كان من كبار العلماء الزهاد، وكان ابن عباس يعظمه، وكان خرج مع محمد بن ~~الأشعث على الحجاج، ثم انحاز بعد قتل ابن الأشعث إلى أصبهان وكان عامل ~~أصبهان دينا، فأمر سعيدا بالخروج من بلده ms0177 بما ألح عليه الحجاج في طلبه، ~~فخرج إلى أذربيجان مدة ثم توجه إلى مكة مستجيرا بالله وملتجئا إلى حرم ~~الله، فبعث به خالد القسري إلى الحجاج. وكان الحجاج كتب إلى الوليد أن ~~جماعة من التابعين قد التجؤوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى عامل مكة خالد ~~القسري: احملهم إلى الحجاج، وكانوا خمسة: سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعمرو ~~بن دينار وطلق بن حبيب. فأما عمرو وعطاء فأطلقا، وأما طلق فمات في الطريق، ~~وأما مجاهد فحبس حتى مات الحجاج، لا عفا الله عنه، وأما سعيد بن جبير فقتل. ~~وقصة قتلته طويلة وهي أشهر من أن تذكر. PageV01P0089 # وفيها توفي سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائد بن عمران ~~بن مخزوم ؛ وأمه أم سعيد بنت عثمان بن حكيم السلمي، وكنيته أبو محمد - أعني ~~ابن المسيب - وهو من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. وكان يقال له - ~~فقيه الفقهاء وعالم العلماء، وهو أحد الفقهاء السبعة. وقد نظمهم بعض ~~الشعراء: الطويل ألا كل من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه ~~فخذهم: عبيد الله، عروة، قاسم ... سعيد، سليمان، أبو بكر، خارجة وفيها توفي ~~عروة بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله الأسدي؛ هو أيضا أحد الفقهاء ~~السبعة وهو المشار إليه في ثاني اسم من البيت الثاني، وهو من الطبقة ~~الثانية من تابعي أهل المدينة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهو شقيق ~~عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم؛ وبينه وبين عبد الله المذكور عشرون سنة. ~~وكان ابتلي بالأكلة في رجله فقطعت وهو صائم، فصبر على ذلك وحمد الله عليه، ~~رضي الله عنه ؛ وفي سنة وفاته اختلاف كثير. وفيها توفي عطاء بن يسار مولى ~~ميمونة زوج النبي " ص " ، وكنيته أبو محمد، وقيل أبو يسار، وهو من الطبقة ~~الأولى من تابعي أهل المدينة. قال ابن بكير: كان بالمدينة ثلاثة إخوة لا ~~ندري أيهم أفضل: عطاء وسليمان وعبد الله بنو يسار، وثلاثة إخوة: محمد وأبو ~~بكر وعمر بنو المنذر، وثلاثة إخوة: بكير ms0178 ويعقوب وعمر بنو عبد الله الأشج. ~~وفيها توفي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين، وكنيته ~~أبو محمد، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة ة وأمه أم ولد يقال ~~لها غزالة، وقيل سلامة، وقيل سلافة، وقيل شاه زنان، وكانت سندية. وكان علي ~~هذا بارا بها، رضي الله عنه وعن أسلافه. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وإصبع واحد. ### || AUT السنة السادسة من ولاية قرة # ### || AUT بن شريك على مصر # وهي سنة خمس وتسعين: فيها وفد موسى بن نصير من بلاد المغرب على الوليد ~~بالشأم ومعه الأموال وثلاثون ألف رأس من الرقيق. وفيها افتتح مسلمة بن عبد ~~الملك مدينة الباب من إرمينية وخربها ثم بناها بعد ذلك مسلمة المذكور. ~~وفيها ولد أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس. وفيها غزا العباس بن ~~الوليد أرض الروم ففتح هرقلة وغيرها. وفيها حج بالناس بشر بن الوليد بن عبد ~~الملك. وفيها توفي جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، وهو أخو عبد الملك بن مران ~~من الرضاعة. وفيها توفي الخبيث الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أ بي، عقيل بن ~~مسعود بن عامر، أبو محمد الثقفي. قال الشعبي: كان بين الحجاج وبين الجلندا ~~الذي ذكره الله، في كتابه العزيز في قوله تعالى: " وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا " سبعون جدا. وقيل: إنه كان من ولد عبد من عبيد الطائف لبني ~~ثقيف ولد أبي رغال دليل أبرهة إلى الكعبة. قلت: هو مشؤوم هو وأجداده، ~~وعليهم اللعنة والخزي، فإنه كان مع ظلمه وإسرافه في القتل مشؤوم الطلعة ؛ ~~وكان في أيامه طاعون الأشراف، مات فيه خلائق لا تحصر؛ حتى قيل: لا يكون ~~الطاعون والحجاج! وكان معظم الطاعون بواسط. وقيل: كان اسم الحجاج أولا ~~كليب، ومولده سنة تسع وثلاثين، وقيل سنة أربعين، وقيل سنة إحدى وأربعين، ~~بمصر بدرب السراجين، ثم خرج به أبوه يوسف مع مران بن الحكم إلى الشأم. ولم ~~أدر ms0179 ما أذكر من مساوىء هذا الخبيث في هذا المختصر، فإن مساوئه لا تحصر، غير ~~أنني أكتفي فيه بما شاع عنه في الآفاق من قبيح الفعال، وسوء الخصال. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة ~~عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### | AUT ولاية عبد الملك بن رفاعة # ### || AUT الأولى على مصر # هو عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي المصري، أمير مصر؛ ولي ~~مصر بعد موت قرة بن شريك من قبل الوليد بن عبد الملك بن مران. وليها في شهر ~~ربيع الآخر سنة ست وتسعين على الصلاة، فلم يكن بعد ولايته إلا أيام ومات ~~الوليد بن عبد الملك وتخلف أخوه سليمان بن عبد الملك، فأقر عبد الملك هذا ~~على عمل مصر، فدام على ذلك وحسنت سيرته، فإنه كان عفيفا عن الأموال دينا، ~~وفيه عدل في الرعية؛ وكان ثقة أمينا فاضلا؛ روى عنه الليث بن سعد وغيره. ~~PageV01P0090 # قال الليث بن سعد: كان يقول عبد الملك بن رفاعة: إذا دخلت الهدية من ~~الباب خرجت الأمانة من الطاق يعني بهذا الكلام في حق كل عامل على بلد. قلت: ~~وهذا أيضا في حق كل حاكم كائن من كان. وفي الجملة فقد كان بينه، وبين قرة ~~بن شريك زحام. وكان المتولي في أيام عبد الملك بن رفاعة على خراج مصر أسامة ~~بن زيد التنوخي، وعلى الشرطة أخاه الوليد بن رفاعة. قال الكندي: كتب سليمان ~~بن عبد الملك بن مران إلى أسامة: احلب الدر حتى ينقطع، وأحلب الدم حتى ~~ينصرم. قال: فذلك أول شدة دخلت على أهل مصر. وقال يوما سليمان بن عبد الملك ~~- وقد أعجبه فعل أسامة بن زيد المذكور - : هذا أسامة لا يرتشي دينارا ولا ~~درهما؛ فقال له ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن مران: أنا أدلك على من هو شر ~~من أسامة ولا يرتشي دينارا ولا درهما؛ قال سليمان: ومن هو؟ قال عمر: عدو ~~الله إبليس ؛ فغضب سليمان وقام من مجلسه. ولما مات سليمان بن ms0180 عبد الملك ~~وتولى عمر بن عبد العزيز الخلافة وجه في عزل أسامة بن زيد المذكور قبل دفن ~~سليمان، وأقر عبد الملك بن رفاعة على عمله بمصر مدة، ثم عزله بأيوب بن ~~شرحبيل في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين. وكانت ولاية عبد الملك بن رفاعة ~~على مصر في هذه المرة ثلاث سنين تخمينا. وتأتي بقية ترجمته في ولايته ~~الثانية إن شاء الله تعالى. وفي أيام عبد الملك هذا قتل عبد العزيز بن موسى ~~بن نصير، وكان أبوه استعمله على الأندلس لما قدم الشأم. وكان سببه أنه تزوج ~~بامرأة رذريق فحملته على أن يأخذ أصحابه ورعيته بالسجود له عند الدخول عليه ~~كما كان يفعل لزوجها، فقال: إن ذلك ليس في ديننا، وكان دينا فاضلا، فلم تزل ~~به حتى أمر بفتح باب قصير، فكان أحدهم إذا دخل عليه طأطأ رأسه فيصير ~~كالراكع له، فرضيت به وقالت له: الآن لحقت بالملوك، وبقي أن أعمل لك تاجا ~~مما عندي من الذهب واللؤلؤ فأبى، فلم تزل به حتى فعل، فانكشف ذلك للمسلمين، ~~فقيل: إنه تنصر. فثاروا عليه وقتلوه بدسيسة من عند عبد الملك هذا بآمر ~~سليمان بن عبد الملك، فدخلوا عليه، وهو يصلي الصبح في المحراب وقد قرأ ~~الفاتحة وسورة الواقعة، فضربوه بالسيوف ضربة واحدة واحتزوا رأسه وسيروه إلى ~~سليمان، فعرضه سليمان على أبيه فتجلد للمصيبة وقال: هنيئا له الشهادة، فقد ~~قتلتموه والله صواما قواما. فعد الناس ذلك من زلات سليمان بن عبد الملك. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبد الملك # ### || AUT بن رفاعة الأولى على مصر # وهي سنة ست وتسعين: فيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة. وفيها افتتح ~~العباس بن الوليد بن عبد الملك طرسوس. وفيها عزم الوليد قبل موته بمدة ~~يسيرة على خلع أخيه سليمان بن عبد الملك من ولاية العهد؛ وكان الوليد قد ~~شاور الحجاج في ذلك فأشار عليه بخلعه، فكتب الوليد إلى أخيه سليمان بذلك ~~فامتنع، وكان بفلسطين، فعرض عليه الوليد أموالا كثيرة، فأبى. فكتب الوليد ~~إلى عماله أن يخلعوا ms0181 سليمان ويبايعوا لابنه عبد العزيز بن الوليد، فلم يجبه ~~إلى ذلك سوى الحجاج وقتيبة بن مسلم. ثم قال لعمر بن عبد العزيز: بايع لابن ~~أختك عبد العزيز، فإن عبد العزيز بن الوليد كانت أمه أخت عمر بن عبد ~~العزيز، فقال له عمر: إنما بايعناك وسليمان في عقد واحد، فكيف نخلعه ~~ونتركك! فأخذ الوليد منديلا وجعله في عنق عمر بن عبد العزيز ولواه حتى كاد ~~أن يموت، فصاحت أخته أم البنين زوجة الوليد حتى أطلقه وحبسه في بيت ثلاثة ~~أيام إلى أن قالت له أم البنين: أخرج أخي، فأخرجه وقد كاد أن يموت، وقد ~~التوى عنقه، فقالت أم البنين: اللهم لا تبلغ الوليد في ولد عبد العزيز ما ~~أمله. وفيها قتل قتيبة بن مسلم بن عمرو بن الحصين بن أسيد بن زيد بن قضاعة ~~الباهلي؛ وهو من التابعين، وكنيته أبو صالح. كان من كبار أمراء بني أمية. ~~ولاه الحجاج خراسان، وفتح الفتوحات؛ فلما ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة ~~نقم عليه لكونه كان خلعه في أيام أخيه الوليد، فبعث إليه من قتله بعد أمور ~~وحروب. وفيها توفي الحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، ابن عم الحجاج ؛ ~~كان ولاه الحجاج البصرة وزوجه أخته زينب بنت يوسف. وفيها توفي عبد الله بن ~~عمرو بن عثمان بن عفان، وأمه حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب. كان من ~~الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة. وفيها افتتح قتيبة مدينة كاشغر. ~~PageV01P0091 # وفيها حج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو أمير المدينة؛ وكان ~~على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين ~~المهملة، وكان على حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب، وعلى خراجها صالح بن ~~عبد الرحمن، وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندي من قبل يزيد بن المهلب، ~~وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي مسعود. وفيها توفي الخليفة الوليد بن عبد ~~الملك بن مران أمير المؤمنين أبو العباس الأموي الدمشقي، من الطبقة الثالثة ms0182 ~~من تابعي أهل الشأم ؛ وكان الوليد عند أهل الشأم أفضل خلفائهم من كونه بنى ~~المساجد والجوامع وبنى جامع دمشق ومسجد المدينة؛ وهو أول من اتخذ دار ~~الضيافة للقادمين، وبنى البيمارستانات للمرضى، وساق المياه إلى مكة ~~والمدينة، ووضع المنابر في الأمصار؛ غير أنه كان له مساوىء من كونه كان أقر ~~الحجاج على العراق وأشياء غير ذلك؛ وتولى الخلافة من بعده أخوه سليمان بن ~~عبد الملك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع واثنا عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عبد الملك # ### || AUT ### || AUT بن رفاعة على مصر # وهي سنة سبع وتسعين: فيها غزا يزيد بن المهلب جرجان. قال المدائني: ~~غزاها ولم تكن يومئذ مدينة إنما هي جبال محيطة بها. وفيها حج بالناس ~~الخليفة سليمان بن عبد الملك. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك برجمة وحصن ابن ~~عوف وافتتح أيضا حصن الحديد وسردا، وشتى بنواحي الروم. وفيها بعث سليمان بن ~~عبد الملك على الغرب محمد بن يزيد مولى قريش فولي سنتين وعدل. ولكنه عسف ~~على موسى بن نصير وقبض على ابنه عبد الله وسجنه، ثم جاء البريد بأن يقتله، ~~فتولى قتله عبيد الله بن خالد بن صابي، وكان أخوه عبد العزيز بن موسى على ~~الأندلس. ثم ثاروا عليه فقتلوه في سنة تسع وتسعين لكونه خلع طاعة سليمان؛ ~~قتله وهو في صلاة الفجر حبيب بن أبي عبيد بن عقبة بن نافع الفهري. ### || AUT وفاة موسى بن نصير # هو صاحب فتوحات الغرب، وكنيته أبو عبد الرحمن. قيل: أصله من عين التمر، ~~وقيل: هو مولى لبني أمية، وقيل: لامرأة من لخم. مات بطريق مكة الخليفة ~~سليمان بن عبد الملك. مولده بقرية كفرتوثا من قرى الجزيرة في سنة تسع عشرة؛ ~~وولاه معاوية بن أبي سفيان غزو البحر فغزا قبرس وبنى بها حصونا ثم غزا ~~غيرها؛ وطالت أيامه وفتح الفتوحات العظيمة ببلاد المغرب؛ وكان شجاعا مقداما ~~جوادا. وفيها جهز الخليفة سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى ms0183 القسطنطينية ~~واستعمل ابنه داود على الصائفة فافتتح حصن المرأة. وفيها غزا عمر بن هبيرة ~~أرض الروم في البحر وشتى بها. وفيها عزل سليمان داود بن طلحة الحضري عن ~~إمرة مكة، وكان عمله عليها ستة أشهر، وولى عوضه عبد العزيز بن عبد الله بن ~~خالد بن أسيد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عبد الملك # ### || AUT ### || AUT بن رفاعة على مصر # وهي سنة ثمان وتسعين: فيها غزا يزيد بن المهلب بن أبي صفرة طبرستان، ~~فصالحه صاحبها الأصبهبذ على سبعمائة ألف، وقيل: خمسمائة ألف في السنة. ~~وفيها غدر أهل جرجان وقتلوا عاملهم وجماعة من المسلمين. فسار إليهم بزيد بن ~~المهلب بن أبي صفرة وقاتلهم شهرا حتى نزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وصلب ~~منهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره وقاد منهم اثني عشر ألف نفس إلى وادي ~~جرجان فقتلهم وأجرى الدماء في الوادي. وفيها غزا داود بن سليمان بن عبد ~~الملك أرض الروم وفتح حصن المرأة مما يلي ملطية. وفيها عادت الزلازل أربعين ~~يوما، وقيل: ستة أشهر، فهدمت القلاع والأماكن العالية. وفيها استعمل سليمان ~~عروة بن محمد بن عطية السعدي على اليمن. وفيها توفي أيوب ابن الخليفة ~~سليمان بن عبد الملك بن مران؛ وأم أيوب المذكور أم أبان بنت سليمان بن ~~الحكم، وقيل: بنت خالد بن الحكم، وكان شابا جليلا. وفيها توفي عبيد الله بن ~~عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكنيته أبو عبد الله، وهو من الطبقة الثانية من ~~تابعي أهل المدينة، وكان عالما زاهدا، وهو أحد الفقهاء السبعة المشار إليه ~~في الأبيات السابقة بعبيد الله، وكان الزهري يلازمه ويأخذ عنه. ~~PageV01P0092 # وفيها فتحت مدينة الصقالبة ببلاد المغرب. وفيها حج بالناس عبد العزيز بن ~~عبد الله بن خالد بن أسيد وهو أمير مكة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشرة ذراعا وستة أصابع. ### | AUT ولاية أيوب بن ms0184 شرحبيل # ### || AUT على مصر # هو أيوب بن شرحبيل بن أكشوم بن أبرهة بن الصباح أمير مصر. قال الحافظ ~~أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس في تاريخه: أيوب بن شرحبيل بن أكشوم ~~بن أبرهة بن الصباح بن لهيعة بن شرحبيل بن مرثد بن الصباح بن معد يكرب بن ~~يعفر بن ينوف بن شراحيل بن أبي شمر بن شرحبيل بن ياشر بن أشغر بن ملكيكرب ~~بن شراحيل بن عمير بن أبي كرب بن يعفر بن أسعد بن ملكيكرب بن شمير بن أشغر ~~بن ينوف بن أصبح الأصبحي. وأمه أم أيوب بنت مالك بن نويرة بن الصباح. وأيوب ~~هذا أحد أمراء مصر وليها لعمر بن عبد العزيز. روى عنه أبو قبيل وعبد الرحمن ~~بن مهران، وتوفي في رمضان سنة إحدى ومائة. حدثني موسى بن هارون بن كامل، ~~أخبرنا عبد الله بن محمد البردي، حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا عبد ~~الرحمن بن مهران عن أيوب بن شرحبيل قال: كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله ~~عنه إلى عامله ### || AUT على مصر # : أن خذ من المسلمين من كل أربعين دينارا، ومن أهل الكتاب من كل عشرين ~~دينارا إذا قبلوها في كل عام، فإنه حدثني من سمعه عمن سمعه عن رسول " ص " . ~~انتهى كلام ابن يونس باختصار. قلت: وكانت ولاية أيوب هذا ### || AUT على مصر # بعد عبد الملك بن رفاعة من قبل عمر بن عبد العزيز في شهر ربيع الأول سنة ~~تسع وتسعين. فلما ولي أيوب هذا مصر جعل الفتيا بمصر إلى جعفر بن ربيعة ~~ويزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر، وجعل على الشرطة الحسن بن يزيد ~~الرعيني ؛ وزيد في عطايا الناس عامة، وعطلت حانات الخمر وكسرت بإشارة أمير ~~المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ونزحت القبط عن الكور، واستعملت عليها، ~~المسلمون، ونزعت أيديهم أيضا عن المواريث واستعمل عليها المسلمون. وحسنت ~~أحوال الديار المصرية في أيامه، وأخذ أيوب هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وإصلاح الأمور. وبينما هو في ms0185 ذلك قدم عليه الخبر بموت الخليفة عمر ~~بن عبد العزيز رضي الله عنه في شهر رجب سنة إحدى ومائة وتولية يزيد بن عبد ~~الملك بن مران الخلافة، وأن يزيد أقر أيوب بن شرحبيل المذكور على عمله بمصر ~~على الصلاة على عادته؛ فلم تطل مدة أيوب بعد ذلك، ومات في يوم سابع عشر شهر ~~رمضان من سنة إحدى ومائة المذكورة، وقيل: لإحدى عشرة خلت من شهر رمضان، ~~فكانت ولايته ### || AUT على مصر # سنتين ونصف سنة، وتولى مصر بعده بشر بن صفوان الآتي ذكره. وقال صاحب ~~كتاب البغية والاغتباط فيمن ولي الفسطاط: إنه عزل يعني أيوب هذا في التاريخ ~~المذكور من الشهر والسنة؛ غير أنه خالف ما ذكرناه من موته، وقال: عزل والله ~~أعلم، ووافقه غيره على ذلك. والصحيح ما نقلناه أنه توفي. PageV01P0093 # غير أن يزيد لما ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز غير غالب ما كان قرره ~~عمر. وسببه أن عمر لما احتضر قيل له: اكتب إلى يزيد ابن عمك وأوصه بالأمة، ~~قال: بماذا أوصيه! إنه من بني عبد الملك؛ ثم كتب إليه: أما بعد، فاتق الله ~~يا يزيد، واتق الصرعة بعد الغفلة حين لا تقال العثرة ولا تقدر على الرجعة، ~~إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك، والسلام. فلما ولي ~~يزيد نزع أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن المدينة، واستعمل عبد الرحمن ~~ابن الضحاك بن قيس القهري عليها، فاستقضى عبد الرحمن بن سلمة بن عبد الله ~~بن عبد الأسد المخزوي - وأراد معارضة ابن حزم فلم يجد عليه سبيلا حتى شكا ~~عثمان بن حيان إلى يزيد من ابن حزم أنه ضربه حدين وطلب منه أن يقيده منه. ~~ثم عمد يزيد إلى كل ما صنعه ابن عمه عمر بن عبد العزيز مما لم يوافق هواه ~~فرده، ولم يخف شناعة عاجلة ولا إثما آجلا. فمن ذلك أن محمد بن يوسف أخا ~~الحجاج بن يوسف كان عاملا على اليمن، فجعل عليهم خراجا محددا، فلما ولي ms0186 عمر ~~بن عبد العزيز كتب إلى عامله باليمن يأمره بالاقتصار على العشر ونصف العشر ~~وترك ما حدده محمد، وقال: لأن يأتيني من اليمن حفنة ذرة أحب إلي من تقرير ~~هذه الوظيفة. فلما ولي يزيد بعد عمر أمر بردها، وقال لعامله: خذها منهم ولو ~~صاروا حرضا، والسلام. ثم عزل جماعة من العمال. فمن قال بعزل أيوب عن مصر ~~فهو يستدل بما ذكرناه، والأصح أنه مات في التاريخ المذكور المقدم ذكره. ### || AUT السنة الأولى من ولاية أيوب # ### || AUT بن شرحبيل على مصر # وهي سنة تسع وتسعين: فيها أغارت الخزر على أرمينية وأذربيجان، وأمير تلك ~~البلاد يوم ذاك عبد العزيز بن حاتم الباهلي. وكان بينهم وقعة قتل الله فيها ~~عامة الخزر، وكتب عبد العزيز الباهلي إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز بذلك. ~~وفيها حج بالناس أبو بكر بن حزم. وفيها استقضى عمر بن عبد العزيز الشعبي ~~على الكوفة. وفيها قدم يزيد بن المهلب بن أبي صفرة من خراسان، فما قطع ~~الجسر إلا وهو معزول. وتوجه عدي بن أرطاة واليا من قبل عمر بن عبد العزيز ~~على البصرة، فأبى يزيد بن المهلب أن يسلم عليه، فقبض عليه عدي بن أرطاة ~~وقيده وبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فحبسه عمر بن عبد العزيز حتى مات. ~~وفيها أسلم ملك الهند. قال ابن عساكر: كتب ملك الهند إلى عمر بن عبد ~~العزيز: من ملك الهند والسند، ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ملك وتحته ابنة ~~ألف ملك، والذي في مملكته نهران ينبتان العود والكافور والأكرة التي يوجد ~~ريحها من اثني عشر فرسخا، والذي في مربطه ألف فيل وتحت يده ألف ملك، إلى ~~ملك العرب: أما بعد، فإن الله قد هداني إلى الإسلام فابعث إلي رجلا يعلمني ~~الإسلام والقرآن وشرائع الإسلام، وقد أهديت لك هدية من المسك والعنبر والند ~~والكافور فاقبلها، فإنما أنا أخوك في الإسلام، والسلام. وفيها توفي سعيد بن ~~أبي الحسن أخو الحسن البصري، وكان أصغر من الحسن، وهو من الطبقة الثانية من ~~تابعي أهل ms0187 البصرة. وحزن على موته أخوه الحسن حزنا عظيما وأمسك عن الكلام ~~حتى كلم في ذلك، فقال أول ما تكلم: الحمد لله الذي لم يجعل الحزن عارا على ~~يعقوب. وفيها توفي الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان الأموي الهاشمي؛ ~~وأمه ولادة بنت العباس، وهي أم الوليد أيضا، وكنيته أبو أيوب. ولي الخلافة ~~بعد أخيه الوليد بن عبد الملك سنة ست وتسعين. وكان فصيحا لسنا جميلا حسن ~~السيرة مفتاحا للخير، أذهب الله به ظلم الحجاج، وأطلق من كان في حبس ~~الحجاج، فأنصف المظلومين، وبنى مدينة الرملة ومسجدها، ثم ختم أفعاله ~~باستخلافه ابن عمه عمر بن عبد العزيز على المسلمين قبل أخويه يزيد وهشام. ~~وكان سليمان هذا أكولا، وحكاياته في كثرة الأكل مشهورة، منها: أنه حج مرة ~~فنزل بالطائف فأكل سبعين رمانة، ثم جاؤوه بخروف مشوي وست دجاجات فأكلها، ثم ~~جاؤوه بزبيب فأكل منه شيئا كثيرا؛ ثم نعس وانتبه فأتاه الطباخ فأخبره أن ~~الطعام استوى، فقال: اعرضه علي قدرا قدرا، فصار يأكل من كل قدرة اللقمة ~~واللقمتين واللحمة واللحمتين، وكانت ثمانين قدرا؛ ثم مد السماط فأكل على ~~عادته كأنه ما أكل شيئا. وكانت وفاته بدابق في صفر سنة تسع وتسعين عن خمس ~~وأربعين سنة. وكانت خلافته دون ثلاث سنين، رحمه الله. PageV01P0094 # وفيها وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول ~~منها بمن معه من المسلمين، ووجه لهم خيلا وطعاما كثيرا، وحث الناس على ~~معونتهم. وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا من المسلمين جماعة، فوجه ~~عمر بن عبد العزيز حاتم ين النعمان الباهلي فقتل أولئك الترك، ولم يفلت ~~منهم إلا اليسير. وفيها توفي سهل بن عبد العزيز بن مروان أخو الخليفة عمر ~~بن عبد العزيز. وكان فاضلا دينا زاهدا. وفيها توفي قيس بن أبي حازم عوف بن ~~الحارث الأحمسي، من الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة؛ شهد مع خالد بن ~~الوليد حين صالح أهل الحيرة وا لقا دسية. وفيها توفي القاسم بن مخيمرة ~~الهمداني. وهو من الطبقة الثانية من ms0188 تابعي أهل الكوفة، وكان يدعو بالموت، ~~فلما نزل به كرهه ؛ وكان ثقة مع علم وزهد وورع. أمر النيل في هذه السنة - ~~الماء القديم ستة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية أيوب # ### || AUT بن شرحبيل ### || AUT على مصر # وهي سنة مائة: فيها حج بالناس أبو بكر بن حزم. وفيها غزا الصائفة الوليد ~~بن هشام المعيطي؛ وفيها خرج شوذب الخارجي واسمه بسطام من بني يشكر. وفيها ~~أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية. وكان عبد الله بن ~~عبد الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة ثلاث وثمانين، وملطية يومئذ ~~خراب. وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج ويعودون ~~إلى بلادهم؛ فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز فأمرهم بالعود ~~إلى ملطية وإخلاء طرندة خوفا على المسلمين من العدو وأخرب طرندة. وفيها ~~تزوج محمد بن علي بن عبد اله بن العباس الحارثية، فولدت له السفاح أول ~~خلفاء بني العباس الآتي ذكرهم إن شاء الله تعالى. وفيها كانت الزلازل، فكتب ~~الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار وواعدهم يوما بعينه، ثم خرج هو ~~بنفسه رضي الله عنه في ذلك اليوم وخرج معه الناس، فدعا عمر وتضرع إلى الله ~~فسكنت الزلازل ببركته. وقيل: إن في أول هذه السنة كانت أول دعوة بني العباس ~~بخراسان لمحمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فلم يظهر أمره غير أنه شاع ~~ذلك في الأقطار. ثم وقعت أمور إلى أن ظهرت دعوتهم في سنة مائة واثنتين ~~وثلاثين، كما سيأتي ذكره في محله. وفيها توفي خارجة بن زيد بن ثابت ~~الأنصاري ؛ وأمه جميلة بنت سعد بن الربيع الخزرجي. وهو من الطبقة الثانية ~~من تابعي أهل المدينة، وكذا جميع إخوته. وكنيته أبو زيد، وكان عالما زاهدا، ~~وهو أحد الفقهاء السبعة. وفيها توفي الشاب الصالح الناسك عبد الملك ابن ~~الخليفة عمر بن عبد العزيز بن مروان. مات في خلافة أبيه عمر ms0189 بن عبد العزيز. ~~قال بعض أهل الشام: كنا نرى أن عمر بن عبد العزيز إنما أدخله في العبادة ما ~~رأى من ابنه عبد الملك المذكور هذا. ومات عبد الملك المذكور وله تسع عشرة ~~سنة رحمه الله. وفيها كان طاعون عددي بن أرطاة، ومات فيه خلائق. وفيها توفي ~~أبو رجاء العطاردي؛ من الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة. واسمه عمران بن ~~تيم، وقيل: ابن ملحان، وقيل: عطارد بن ثور. وفيها توفي أبو طفيل عامر بن ~~واثلة بن عبد الله بن عمرو الليثي الكناني الصحابي، آخر من رأى في الدنيا ~~النبي " ص " بالإجماع؛ وكان من شيعة علي. روى عن النبي " ص " استلامه ~~الركن. وفيها كتب عمر بن عبد العزيز إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام على ~~أن يملكهم بلادهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ؛ وقد كانت سيرته ~~بلغتهم، فأسلم جيشبة بن ذاهر وعده ملوك وتسموا بأسماء العرب. وكان استعمل ~~عمر على ذلك الثغر عمرو بن مسلم أخا قتيبة، فغزا عمرو بعض الهند وظفر حتى ~~بقي ملوك السند مسلمين، فبقوا على ذلك إلى خلافة هشام، ثم ارتدوا عن ~~الإسلام لأمر وقع من هشام. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثمانية ~~أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية بشر بن صفوان # ### || AUT على مصر # هو بشر بن صفوان بن تويل بفتح التاء المثناة بن بشر بن حنظلة بن علقمة ~~بن شرحبيل بن عرين بن أبي جابر بن زهير الكلبي، أمير مصر. وليها من قبل ~~يزيد بن عبد الملك بعد موت أيوب بن شرحبيل في سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى ~~ومائة. PageV01P0095 # قال ابن يونس: وحدث عنه عبد الله بن لهيعة، ويروي عن أبي فراس انتهى كلام ~~ابن يونس، ولم يذكر وفاته ولا عزله. وقال غيره: وفي أيام بشر على مصر نزل ~~الروم تنيس وأقام بعد ذلك مدة. وولاه الخليفة يزيد بن عبد الملك على ~~إفريقية بالغرب، فخرج إليها من مصر في شوال سنة اثنتين ومائة واستخلف أخاه ms0190 حنظلة ### || AUT بن صفوان على مصر # ، فأقره يزيد بن عبد الملك على إمرة مصر عوضا عن أخيه بشر المذكور. وقال ~~صاحب كتاب البغية والاغتباط، فيمن ولي الفسطاط بعدما ذكر نسبه إلى جده، ~~قال: ولاه يزيد بن عبد الملك، وقدمها يعني مصر لسبع عشرة ليلة خلت من شهر ~~رمضان سنة إحدى ومائة، فجعل على شرطته شعيب بن حميد بن أبي الربداء البلوي. ~~وفي إمرته نزلت الروم تنيس؛ وكتب يزيد بمنع الزيادات التي زادها عمر بن عبد ~~العزيز، ودون التدوين الرابع ؛ ثم خرج إلى إفريقية بإشارة يزيد بن عبد ~~الملك في شوال سنة اثنتين ومائة، واستخلف أخاه حنظلة. وسبب عزل بشر بن ~~صفوان وتوجهه إلى إفريقية قتل يزيد بن أبي مسلم ؛ وكان الخليفة يزيد بن عبد ~~الملك بن مروان استعمل يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج على إفريقية سنة إحدى ~~ومائة، بعد عزل محمد بن يزيد مولى الأنصار؛ فلما ولي يزيد على إفريقية عزم ~~أن يسير فيهم بسيرة الحجاج في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان ~~أصله من السواد من أهل الذمة فأسلم بالعراق؛ فإن الحجاج كان ردهم إلى قراهم ~~ووضع الجزية على رقابهم على نحو ما كانت تؤخذ منهم وهم كفار، فأراد يزيد بن ~~أبي مسلم أن، يفعل بأهل سواد إفريقية كذلك؛ فكلموه في ذلك فلم يسمع وعزم ~~على ما عزم عليه؛ فلما تحققوا ذلك أجمع رأيهم على قتله، فوثبوا عليه ~~وقاتلوه وقتلوه، وولوا على أنفسهم الوالي الذي كان عليهم قبل يزيد المذكور، ~~وهو محمد بن يزيد مولى الأنصار، وكان عندهم؛ وكتبوا إلى الخليفة يزيد بن ~~عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما ~~لا يرضاه الله والمسلمون فقتلناه وأعدنا علينا محمد بن يزيد؛ فكتب إليهم ~~يزيد: إني لم أرض بما صنع يزيد بن أبي مسلم ؛ وأقر محمد بن يزيد على عمله ~~مدة أيام، ثم بدا له إرسال بشر بن صفوان هذا إلى إفريقية فكتب إليه ~~بالتوجه، وأقر أخاه حنظلة بن صفوان على ms0191 إمرة مصر عوضه برغبة أخيه بشر في ~~ذلك. وخرج بشر إلى إفريقية ووقع له بها أمور يطول شرحها إلى أن غزا جزيرة ~~صقلية في سنة تسع ومائة وغنم منها شيئا كثيرا. ثم رجع من غزاته إلى ~~القيروان فتوفي بها من سنته. فاستعمل هشام بعده عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي ~~الأغر السلمي. انتهت ترجمة بشر بن صفوان. ### || AUT السنة الأولى من ولاية بشر # ### || AUT بن صفوان على مصر # وهي سنة إحدى ومائة: فيها استخلف يزيد بن عبد الملك بعد موت ابن عمه عمر ~~بن عبد العزيز في شهر رجب. وفيها ولى الخليفة يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن ~~بن الضحاك بن قيس الفهري على المدينة، وعزل عنها أبا بكر بن محمد بن عمرو ~~بن حزم، فحج عبد الرحمن بالناس؛ وكان عامل مكة في هذه السنة عبد العزيز بن ~~عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان على الكوفة عبدا لحميد، وعلى قضائها الشعبي ~~؛ وكانت البصرة قد غلب عليها ابن، المهلب، وكان على خراسان عبد الرحمن بن ~~نعيم. وفيها لحق يزيد بن المهلب بن أبي صفرة بالبصرة وغلب عليها وحبس ~~عاملها عدي بن أرطاة الفزاري وخلع يزيد بن عبد الملك من الخلافة وخرج عن ~~طاعته - وكان يزيد هذا من حبسه عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته كما تقدم ~~ذكره - فجهز الخليفة يزيد بن عبد الملك لحرب يزيد بن المهلب الجيوش. ووقع ~~لجيش يزيد بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب وقائع آلت إلى أن قتل يزيد بن ~~المهلب المذكور. وفيها توفي أبو صالح السمان وهو المعروف بالزيات، واسمه ~~ذكوان، مولى غطفان، من الطبقة الثانية من الموالي بالمدينة. أسند عن جماعة ~~من الصحابة وروى عنه خلق كثير. PageV01P0096 # وفيها توفي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي ~~الأموي أبو حفص؛ ولي الخلافة بعد موت ابن عمه سليمان بن عبد الملك بعهده ~~إليه بحيلة وضعها سليمان بن عبد الملك حتى بايعه يزيد وهشام ابنا عبد الملك ~~وتم أمره. ومولده بالمدينة ms0192 سنة ستين عام توفي الخليفة معاوية بن أبي سفيان ~~أو بعدها بسنة؛ وأمه أم عاصم بن عمر بن الخطاب. فسار عمر بن عبد العزيز في ~~الخلافة سيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم من التقلل والتقشف والعدل في ~~الرعية والإنصاف، إلى أن توفي يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رجب بدير سمعان ~~وصلى عليه ابن عمه يزيد بن عبد الملك بن مروان الذي تخلف بعده؛ ومات عمر بن ~~عبد العزيز وله تسع وثلاثون سنة وستة أشهر. قال الحافظ أبو عبد الله ~~الذهبي: عن يوسف بن ماهك قال: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد ~~العزيز إذ سقط علينا كتاب رق من السماء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أمان ~~من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. قلت: وفي هذه كفاية عن ذكر شيء من ~~مناقبه رحمه الله. وفيها توفي عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوي الشاعر ~~المشهور، وكنيته أبو الخطاب؛ ولد في الليلة التي مات فيها الخليفة عمر بن ~~الخطاب. وكان الحسن البصري يقول: أي حق رفع، وأي باطل وضع. وكانت العرب تقر ~~لقريش بالتقدم عليها في كل شيء إلا في الشعر حتى أتى عمر هذا فأقرت لها ~~بالشعر. قال ابن خلكان: لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر ~~والوقائع والمجون والخلاعة، وله في ذلك حكايات مشهورة. قلت: وتشبيبه ~~بالنساء وحكايته مع فاطمة بنت عبد الملك بن مروان مشهورة. ومن شعره: الخفيف ~~حي طيفا من الأحبة زارا ... بعد ما صرع الكرى السمارا طارقا في المنام تحت ~~دجىاللي ... ل ضنينا بأن يزور نهارا قلت ما بالنا جفينا وكنا ... قبل ذاك ~~الأسماع والأبصارا قال إنا كما عهدت ولكن ... شغل الحلي أهله أن يعارا ~~وفيها توفي ذو الرمة الشاعر المشهور، وكنيته أبو الحارث، واسمه غيلان بن ~~عقبة، وهو من الطبقة الثانية من شعراء الإسلام. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا ~~واثنان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية ms0193 من ولاية بشر # ### || AUT بن صفوان على مصر # وهي سنة اثنتين ومائة: فيها وقعة كانت بين يزيد بن المهلب بن أبي صفرة ~~وبين مسلمة بن عبد الملك بن مروان قتل فيها يزيد بن المهلب المذكور وكسر ~~جيشه وانهزم آل المهلب، ثم ظفر بهم مسلمة فقتل فيهم وبدع وقل من نجا منهم. ~~وفيها غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية إرمينية وهو على الجزيرة قبل أن يلي ~~العراق، فهزمهم وأسر منهم خلقا كثيرا نحو سبعمائة أسير. وفيها غزا العباس ~~بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الروم فافتتح دلسة. وفيها حج بالناس أمير ~~المدينة عبد الرحمن بن الضحاك. وفيها توفي محمد بن مروان بن الحكم والد ~~مروان الحمارآخر خلفاء بني أمية الآتي ذكره. وفيها توفي الضحاك بن مزاحم ~~الهلالي، و هو من رهط زينب زوج رسول الله " ص " ، وكنيته أبو القاسم، وهو ~~من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة. وفيها توفي يزيد بن أبي، مسلم كاتب ~~الحجاج، وكنيته أبو العلاء؛ وكان على نمط الحجاج في الجبروت وسفك الدماء. ~~ولما مات الحجاج أقره الوليد بن عبد الملك على العراق أربعة أشهر؛ فلما مات ~~الوليد وولي أخوه سليمان الخلافة عزله بيزيد بن المهلب بن أبي صفرة المقدم ~~ذكره؛ وأمره سليمان بمسكه وإرساله إليه، فأرسله إليه فحبسه إلى أن أخرجه ~~يزيد بن عبد الملك وولاه إفريقية فقتل هناك في هذه السنة. وقد حكينا ترجمته ~~وقتلته في أول ترجمة بشر بن صفوان. وفيها توفي عدي بن زيد بن الخمار ~~العبادي التميمي الشاعر المشهور؛ وهو جاهلي نصراني من فحول الشعراء؛ ذكره ~~محمد بن سلام في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقال: وهم أربعة فحول: ~~طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وعدي بن زيد بن الخمار. قال ~~أبو الفرج صاحب الأغاني: الخمار بخاء معجمة مضمومة. وفي وفاته أقوال: قيل ~~إنه مات قبل الإسلام، وقيل في زمن الخلفاء الراشدين، وقيل غير ذلك. ومن ~~شعره: الخفيف PageV01P0097 # NOTMATCH ### || AUT بن صفوان الكلبي على مصر NOTMATCH # أين أهل ms0194 الديار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدهم وثمود أين آباؤنا وأين ~~بنوهم ... أين آباؤهم وأين الجدود سلكوا منهج المنايا فبادوا ... وأرانا قد ~~كان منا ورود بينما هم على الأسرة والأن ... ماط أفضت إلى التراب الخدود ثم ~~لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذاك الوعيد والموعود ومنها: وصحيح أضحى يعود ~~مريضا ... هو أدنى للموت ممن يعود أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاثة أذرع واثنان وعشرون إصبعأ. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية حنظلة بن صفوان الأولى # ### || AUT على مصر # ولي حنظلة إمرة مصر باستخلاف أخيه بشر بن صفوان له لما ولاه الخليفة ~~يزيد بن عبد الملك إمرة إفريقية وكتب ليزيد بذلك، فأقره يزيد على إمرة مصر ~~وذلك في شوال سنة اثنتين ومائة. وحنظلة هذا من بني كلب. ولما ولي مصرمهد ~~أمورها ودام بها إلى سنة ثلاث ومائة ثم، خرج إلى الإسكندرية واستخلف ### || AUT على مصر # عقبة بن مسلم التجيبي؛ ثم ورد عليه كتاب الخليفة يزيد بن عبد الملك بن ~~مروان بكسر الأصنام والتماثيل، فكسرت كلها ومحيت التماثيل من ديار مصر ~~وغيرها في أيامه. قال الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس: حنظلة ~~بن صفوان الكلبي أمير مصر لهشام بن عبد الملك. روى عنه أبو قبيل آخر ما ~~عندنا من أخباره. وقدومه من الغرب سنة سبع وعشرين ومائة، وكان أخرجه عبد ~~الرحمن بن حبيب الفهري. قلت: وقوله أمير مصرا لهشام يعني في ولايته الثانية ### || AUT على مصر # . قال: وكان حنظلة حسن السيرة في سلطانه. حدثني مسلمة بن عمرو بن حفص ~~المرادي وأبو قرة محمد بن حميد الرعيني، حدثني النضر بن عبد الجبار، أخبرنا ~~ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل، قال: أرسل إلي حنظلة بن صفوان فأتيته في حديث ~~طويل. هذا ما ذكره ابن يونس في ترجمة حنظلة بتمامه وكماله. قلت: واستمر ~~حنظلة على عمله بمصر حتى توفي يزيد بن عبد الملك واستقر أخوه هشام بن عبد ~~الملك في الخلافة، ف صرف حنظلة هذا بأخيه ms0195 محمد بن عبد الملك بن مروان، وذلك ~~في شوال سنة خمس ومائة؛ فكانت مدته ### || AUT على مصر # ثلاث سنين. وتأتي بقية ترجمته في ولايته الثانية ### || AUT على مصر # إن شاء الله تعالى. وسبب عزل حنظلة عن مصر أمور، منها: أن هشاما عزله ~~وأراد أن يولي عقفان ### || AUT على مصر # عوضه ثم ثنى عزمه عن ذلك وولى عقفان الصدقة وولى أخاه محمدا مصر. وعقفان ~~المذكور حروري اسمه عقفان، خرج في أيام يزيد بن عبد الملك في ثلاثين رجلا، ~~فأراد يزيد أن يرسل إليه جندا يقاتلونه، فقيل له: إن قتل عقفان بهذه البلاد ~~اتخذها الخوارج دار هجرة، والرأي أن تبعث لكل رجل من أصحابه رجلا من قومه ~~يكلمه فيرده؛ ففعل يزيد ذلك؛ فقال لهم أهلوهم: إنا نخاف أن نؤخذ بكم ؛ ~~وأومنوا فرجعوا وبقي عقفان وحده، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه ورده. فلما ~~ولي هشام الخلافة ولاه أمر العصاة بعد أن أراد أن يوليه إمرة مصر. ولما ولي ~~عقفان أمر العصاة وعظم أمره قدم ابنه من خراسان عاصيا، فشده وثاقا وبعث به ~~إلى الخليفة هشام، فأطلقه هشام لأبيه، وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه ~~عنا. فاستعمله على الصدقة، فبقي عقفان على الصدقة إلى أن مات هشام وولي ~~الخلافة مروان الجعدي الحمار. ### || AUT السنة الأولى من ولاية حنظلة # بن صفوان الكلبي ### || AUT على مصر # وهي سنة ثلاث ومائة: فيها قتل أمير الأندلس السمح بن مالك الخولاني، ~~قتله الروم يوم التروية. وفيها أغارت الترك على اللان. وفيها غزا العباس بن ~~الوليد الروم ففتح مدينة يقال لها رسلة. وفيها جمعت مكة والمدينة لعبد ~~الرحمن بن الضحاك. وفيها ولي عبد الواحد بن عبد الله النصري الطائف بعد عزل ~~عبد العزيز بن عبد الله بن خالد عنه وعن مكة. وفيها حج بالناس عبد الرحمن ~~بن الضحاك. وكان أمير العراق في هذه السنة عمر بن هبيرة، وعلى خراسان ~~الحرشي. وفيها توفي يحيى بن وثاب الأسدي مولاهم قارىء الكوفة أحد القراء؛ ~~أخذ القراءة عرضا عن علقمة والأسود وعبيد ومسروق ms0196 وغيرهم. قال الأعمش: كان ~~يحيى بن وثاب لايقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم " في عرض ولا في غيره. ~~PageV01P0098 # وفيها توفي أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي، من الطبقة الثانية من تابعي ~~أهل البصرة وكان فقيها عالما يفتي أهل البصرة في غيبة الحسن البصري وفي ~~حضوره. وفيها توفي خالد بن معدان بن أبي كريب، أبو عبد الله الكلاعي، من ~~الطبقة الثانية من تابعي أهل الشأم. كان عابدا ورعا، وكان يكره الشهرة. ~~وفيها توفي سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي " ص " ، وقيل: إنه كان ~~مكاتبا لها فأدى وعتق، ووهبت ميمونة ولاءه لابن عباس. وهو من الطبقة الأولى ~~من تابعي أهل المدينة، وكنيته أبو أيوب، وقيل أبو محمد. وهو أحد الفقهاء ~~السبعة، وكانوا يفضلونه على سعيد بن المسيب. وفيها توفي أبو بردة بن أبي ~~موسى الأشعري؛ واسمه عامر بن عبد الله بن قيس، من الطبقة الثانية من تابعي ~~أهل الكوفة. وولي قضاء الكوفة بعد شريح، وكان سعيد بن جبير قتيل الحجاج ~~كاتبه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية حنظلة # ### || AUT ### || AUT بن صفوان على مصر # وهي سنة أربع ومائة: فيها كانت وقعة نهر أران، فالتقى المسلمون والكفار ~~وكان أمير المسلمين الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى الكفار ابن الخاقان، ~~وكانت الوقعة بقرب باب الأبواب، ونصر الله المسلمين وركبوا أقفية الترك ~~قتلا وأسرا وسبيا. وفيها عزل الخليفة يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن ~~الضحاك عن المدينة ومكة وولى عليهما عبد الواحد النصري. وفيها توفي أبان بن ~~عثمان بن عفان، وأمه أم عمرو بنت جندب بن عمرو، وكنيته أبو سعيد، وهو من ~~الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة؛ وكان فقيها، وولي إمرة المدينة لعبد ~~الملك بن مروان. وفيها توفي الشعبي واسمه عامر بن شراحيل أبو عمرو الشعبي، ~~شعب همدان؛ كان علامة أهل الكوفة في زمانه. ولد في خلافة عمر بن الخطاب، ~~وروى عن علي يسيرا وعن ms0197 المغيرة بن شعبة وعائشة وأبي هريرة وغيرهم. وقال أبو ~~بكر بن عياش عن الحسن قال: ما رأيت أفقه من الشعبي؛ قلت: ولا شريح؟ قال: ~~تريد أن تكذبني!. وفيها توفي ربعي بن حراش بن جحش الغطفاني الكوفي، من ~~الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة، وكان لا يكذب قط؛ وكان له ابنان ~~عاصيان على الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد اختفيا، فقيل للحجاج: إن أباهما لا ~~يكذب قط فسله عنهما؛ فأرسل إليه الحجاج قال: أين ابناك؟ فقال: في البيت، ~~قال الحجاج: قد عفونا عنهما بصدقك. وفيها توفي أبو قلابة الجرمي ؛ واسمه ~~عبد الله بن زيد، من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة ؛ وكان فقيها ~~عابدا طلب إلى القضاء فهرب إلى الشأم وأقام به. وفيها حج بالناس عبد الواحد ~~بن عبد الله النصري عامل الطائف ؛ وكان عامل العراق كله في هذه السنة عمر ~~بن هبيرة مضافا للمشرق كله؛ وكان على قضاء الكوفة حسين بن حسن الكندي، وعلى ~~قضاء البصرة أبو قلابة الجرمي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة ~~أذرع سواء، مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية حنظلة # ### || AUT ### || AUT بن صفوان على مصر # وهي سنة خمس ومائة: فيها أيضا زحف الخاقان ملك الترك وخرج من الباب في ~~جمع عظيم من الترك وقصد أرمينية، فسار إليه الجراح الحكمي فاقتتلوا أياما ~~ثم كانت الهزيمة على الكفار، وكان ذلك في شهر رمضان. وفيها غزا سعيد بن عبد ~~الملك بن مروان بلاد الروم فقتل وسبى. وفيها غزا الجراح الحكمي اللان حتى ~~جاز ذلك إلى مدائن وحصون وأصاب غنائم كثيرة. وفيها غزا مروان بن محمد ~~الصائفة اليمنى فافتتح قونية من أرض الروم وكماخ. PageV01P0099 # وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فأرسل إلى عطاء: ~~متى أخطب؟ قال: بعد الظهر قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر وقال: أخبرني ~~رسولي عن عطاء، فقال عطاء: ما أمرته إلا بعد الظهر، فاستحيا إبراهيم. وفيها ~~توفي الخليفة يزيد بن عبد الملك بن ms0198 مروان بن الحكم أمير المؤمنين، أبو خالد ~~القرشي الأموي الدمشقي. ولي الخلافة بعد ابن عمه عمر بن عبد العزيز بن ~~مروان بعهد من أخيه سليمان معقود في تولية عمر بن عبد العزيز؛ ولهذا قلنا ~~في ترجمة عمر بن عبد العزيز: بحيلة من سليمان، فإن سليمان كان عهد لعمر بن ~~عبد العزيز بالخلافة فخاف من إخوته ومن الناس، فأخفى ذلك وبايع الناس لما ~~هو مكتتب لم! فقالوا: نبايع على أن يكون فيه ولد عبد الملك، فبايعوا فإذا ~~فيه عمر بن عبد العزيز، ثم من بعده ليزيد وهشام، فتمت البيعة ؛ وأم يزيد ~~هذا عاتكة بنت يزيد بن معاوية، ومولده سنة إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين. ~~ودام في الخلافة إلى أن مات في الخامس والعشرين من شعبان بسواد الأردن. ~~وكانت خلافته أربع سنين وشهرا؛ وتولى الخلافة بعده أخوه هشام بن عبد الملك. ~~وكان سبب موته أنه كان يحب جارية من جواريه يقال لها حبابة، وكانت مغنية، ~~وكان يزيد صاحب لهو وطرب. فلما ولي يزيد الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز ~~أقام يسير بسيرة عمر أربعين يوما وترك اللهو والشرب، فقالت حبابة المذكورة ~~لخصي ليزيد، وهو صاحب أمره: ويحك! قربني منه حيث يسمع كلامي ولك عشرة آلاف ~~درهم، ففعل. فلما مر بها يزيد أنشدت: الطويل بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ~~... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا وأبياتا أخر بالألحان، والشعر للأحوص. ~~فلما سمعها يزيد قال: ويحك يا خصي! قل لصاحب الشرطة يصلي بالناس. ودخل ~~إليها وعاد إلى انهماكه ولذاته. فلما كان بعض الليالي شرقت حبابة فماتت، ~~فحزن عليها يزيد حزنا عظيما. وخلاها يزيد ثلاثة أيام لم يدفنها وهو ينظر ~~إليها، ثم دفنها خمسة أيام فلم يطق ذلك، فنبشها وأخرجها من القبر وجعل ~~يقلبها ويبكي ؛ فقوي عليه الحزن حتى قتله بعد سبعة عشر يوما. وفيها توفي ~~كثير عزة، واسمه كثير بن عبد الرحمن بن الأسود، وهو من الطبقة الثانية من ~~شعراء المدينة، وكان شيعيا. قال ابن ماكولا: كان يتقلب في المذاهب. قلت: ~~ولولا تقلبه ms0199 في المذاهب ما قربه بنو أمية فإنهم كانوا يكرهون الشيعة. قلت: ~~وهو أحد العشاق وصاحب عزة. قيل: إن عزة دخلت على أم البنين أخت عمر بن عبد ~~العزيز وزوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، فقالت لها أم البنين: ~~ما معنى قول كثير: الطويل قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى ~~غريمها ما كان هذا الدين؟ قالت: وعدته بقبلة ثم رجعت عنها، فقالت: أنجزيها ~~وعلي إثمها، فأنجزته. فأعتقت أم البنين أربعين عبدا عند الكعبة، وقالت: ~~اللهم إني أبرأ إليك مما قلته لعزة. وفيها توفي سالم بن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب. وكنيته أبو عمير، وقيل أبو عبد الله، من الطبقة الثانية من تابعي ~~أهل المدينة، وأمه أم ولد؟ وكان من خيار قريش وفقهائهم وزها دهم. وفيها ~~توفى محمد بن شعيب بن شابور - بالمعجمة - القرشي؛ وكان جده مولى الوليد بن ~~عبد الملك بن مروان. ومحمد هذا من الطبقة الخامسة، وقيل السادسة من تابعي ~~أهل الشأم، وكان أحد الأئمة؛ وذكره يحيى بن معين بالإرجاء. قاله صاحب ~~المرآة. والصحيح أن مولده سنة ست عشرة ومائة، وتوفي سنة مائتين، وقيل: سنة ~~ثمان وتسعين ومائة، وقيل غير ذلك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية محمد بن عبد الملك # ### || AUT على مصر # PageV01P0100 # هو محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ~~القرشي الأموي أمير مصر. وليها بعد عزل حنظلة بن صفوان من قبل أخيه الخليفة ~~هشام بن عبد الملك على الصلاة، ودخل إليها يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت ~~من شوال من سنة خمس ومائة المقدم ذكرها. ومحمد هذا هو أخو سعيد بن عبد ~~الملك لأبويه، وهو من الطبقة الرابعة من تابعي أهل دمشق. وكان ناسكا كثير ~~العبادة حسن السيرة جوادا؛ كان يكره من أخيه هشام وغيره حتى يلي الأعمال؛ ~~ولما ولي مصر جعل على شرطته حفص بن الوليد ms0200 الحضرمي. وحدث عن رجل عن أبي ~~هريرة وسمع من المغيرة بن شعبة. وقال أبو حاتم: روى عمن سمع معاوية وعن ~~المغيرة مرسلا، وروى عنه الأوزاعي وغيره، وكان ثقة مأمونا. وحين وصوله إلى ~~مصر وقع بها وباء ففر منها محمد إلى الصعيد، فلم تطل مدته بالصعيد وعاد بعد ~~أيام إلى مصر. ثم خرج منها بسرعة إلى الأردن واستعفى فأعفي. وصرف عن إمرة ~~مصر بالحر بن يوسف، فكانت ولايته شهرا واحدا؛ وسكن الأردن، ودام في دولة ~~أخيه هشام على ذلك إلى أن حج بالناس في سنة ثلاثين ومائة. وعاد من الحج ~~فوجد الفتن قائمة بالشأم من جهة بني العباس، فاستمر عند ابن عمه مروان بن ~~محمد بن مروان المعروف بالحمار إلى أن هزم مروان المذكور في وقعة العراق من ~~أبي مسلم الخراساني. وقبض على محمد هذا وعلى أخيه مع مروان الحمار، فقتلهما ~~عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس؛ قتلهما بنهر أبي فطرس، وقيل: إنه ~~صاحب الواقعة مع عبد الله بن علي العباسي يوم هزم مروان عند نهر الزاب. وهو ~~أنه لما كانت الهزيمة على بني أمية رأى عبد الله بن علي فتى عليه أبهة ~~الشرف يقاتل مستقتلا، فناداه عبد الله: يا فتى، لك الأمان ولو كنت مروان بن ~~محمد، فقال الفتى: إن لم أكنه فلست بدونه؛ قال: فلك الأمان ولو كنت من كنت، ~~فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: المتقارب أذل الحياة وكره الممات ... وكلا ~~أراه طعاما وبيلا فإن لم يكن غير إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيرا جميلا ~~ثم قاتل حتى قتل، فإذا هو محمد بن عبد الملك، وقيل: ابن لمسلمة بن عبد ~~الملك بن مروان بن الحكم، عفا الله عنه. ### | AUT ولاية الحر بن يوسف # ### || AUT على مصر # هو الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ~~القرشي الأموي أمير مصر والحر بضم الحاء المهملة وتشديد الراء المهملة. ~~وليها بعد عزل محمد بن عبد الملك من قبل هشام بن عبد الملك ms0201 على الصلاة؛ ~~وكان المتولي على خراج مصر في هذه السنين كلها عبيد الله بن الحبحاب. فدخل ~~الحر بن يوسف هذا إلى مصر لثلاث خلون من ذي الحجة سنة خمس ومائة وباشر ~~أمورها، وأقر حفص بن الوليد على شرطة مصر على عادته. وفي أيامه انتقضت ~~القبط بمصر في سنة سبع ومائة ووقع له معهم أمور طويلة ؛ ثم خرج من مصر ~~مرابطا إلى دمياط، فأقام بها ثلاثة أشهر مغازيا؛ ثم عاد إلى مصر وأقام بها ~~أياما؛ ثم خرج منها ووفد على الخليفة هشام بن عبد الملك بالشأم، واستخلف ~~حفص بن الوليد على الصلاة بمصر. فأقام عند الخليفة مدة يسيرة وعاد إلى مصر ~~في ذي القعدة من سنة سبع ومائة وقد انكشف أراضيها من النيل، فأخذ في إصلاح ~~أحوالها وتدبير أمورها. ودام بها إلى ذي القعدة من سنة ثمان ومائة. وصرف ~~عنها في ذي القعدة باستعفائه لمغاضبة وقعت بينه وبين عبيد الله بن الحبحاب ~~متولي خراج مصر. فكانت ولاية الحر هذا ### || AUT على مصر # ثلاث سنين سواء. وتولى من بعده ### || AUT على مصر # حفص بن الوليد الذي كان استخلفه الحر هذا على الصلاة لما وفد على ~~الخليفة هشام. ولما عزل الحر عن إمرة مصر ولاه هشام الموصل؛ وهو الذي بنى ~~المنقوشة دارا ليسكنها. وإنما سميت المنقوشة لأنها كانت منقوشة بالساج ~~والرخام والفصوص الملونة وما شاكلها. وهو الذي عمل النهر الذي كان بالموصل. ~~وسبب ذلك أنه رأى امرأة تحمل جرة فيها ماء، وهي تحملها ساعة ثم تستريح ~~قليلا لبعد الماء، فلما رأى الحر ذلك كتب إلى هشام بذلك فأمره أن يحفر نهرا ~~إلى البلد، فحفره؛ فكان أكثر شرب أهل البلد منه ؛ وعليه كان الشارع المعروف ~~بشارع النهر ؛ وبقي العمل فيه عدة سنين. ومات الحر هذا في سنة ثلاث عشرة ~~ومائة، وكان أجل أمراء بني أمية شجاعة وكرما وسؤددا. ### || AUT السنة الأولى من ولاية الحر # PageV01P0101 ### || AUT بن يوسف الأموي على مصر # وهي سنة ست ومائة: فيها عزل الخليفة هشام متولي العراق عمر بن الفزاري ~~بخالد ms0202 بن عبد الله القسري. فدخل خالد بغتة وبها ابن هبيرة يتهيأ لصلاة ~~الجمعة ويسرح لحيته، فقال عمر بن هبيرة: هكذا تقوم الساعة بغتة. فقيده خالد ~~القسري وألبسه مدرعة من صوف وحبسه؛ ثم إن غلمان ابن هبيرة اكتروا دارا إلى ~~جانب السجن فنقبوا سردابا إلى السجن وأخرجوه منه، فهرب إلى الشأم واستجار ~~بالأمير مسلمة بن عبد الملك بن مروان فأجاره، وكلم أخاه هشاما في أمره فعفا ~~عنه. فلم تطل أيام عمر بن هبيرة ومات بعد مدة يسيرة. وفيها غزا مسلم بن ~~سعيد بن أسلم فرغانة فلقيه ابن خاقان ملك الترك في جمع كبير، فكانت بينهم ~~وقعة قتل فيها ابن خاقان في طائفة كبيرة من الترك. وفيها حج بالناس الخليفة ~~هشام بن عبد الملك. وفيها استعمل خالد القسري أخاه أسد بن عبد الله على ~~إقليم خراسان نيابة عنه. وفيها توفي طاوس بن كيسان، أبو عبد الرحمن اليماني ~~الجندي، أحد الأعلام؛ كان من أبناء الفرس الذين سيرهم كسرى إلى اليمن، وهو ~~من فقهاء التابعين. قال سفيان الثور عن رجل قال: كان من دعاء طاوس: اللهم ~~احرمني المال والولد وارزقني الإيمان والعمل. وفيها توفي أبو مجلز لاحق بن ~~حميد في قول الذهبي. وفيها حج بالناس الخليفة هشام بن عبد الملك فلقيه ~~إبراهيم بن محمد بن طلحة في الحجر فقال له: أسألك بالله وبحرمة هذا البيت ~~الذي خرجت معظما له إلا رددت علي ظلامتي. قال هشام: أي ظلامة. قال: داري ؛ ~~قال: فأين كنت من أمير المؤمنين عبد الملك. قال: ظلمني، قال: فالوليد ~~وسليمان؟ قال: ظلماني، قال: فعمر؟ قال: يرحمه الله ردها علي، قال: فيزيد بن ~~عبد الملك ؛ قال: ظلمني وقبضها مني بعد قبضي لها فهي في يدك؛ فقال هشام: لو ~~كان فيك ضرب لضربتك! فقال: في والله ضرب بالسيف والسوط. فانصرف هشام ~~والأبرش خلفه فقال: أبا فجاشع،، كيف سمعت هذا اللسان. قال: ما أجوده! قال: ~~هي قريش وألسنتها. ولا يزال في الناس بقايا! ما رأيت مثل هذا!. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربعة ms0203 أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية ~~عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية الحر # ### || AUT ### || AUT بن يوسف على مصر # وهي سنة سبع ومائة: فيها عزل الجراح الحكمي عن إمرة أذربيجان وأرمينية ~~بالأمير مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فغزا مسلمة قيسارية الروم وافتتحها ~~بالسيف. وفيها غزا أسد بن عبد الله القسري متولي خراسان بلاد سجستان، ~~فانكسر المسلمون واستشهد طائفة ورجع الجيش مجهودين. وفيها كان بالشأم طاعون ~~شديد فخاف الناس كثيرا. وفيها غزا أسد بن عبد الله القسري جبال الطالقان ~~والغور. وكان أهلها خرجوا بأموالهم وأهلهم إلى كهف عظيم في جبل شاهق شامخ ~~ليس فيه طريق مسلوك، فعمل أسد توابيت وربطها بالسلاسل ودلاها عليهم، فظفر ~~بهم وعاد سالما غانما. فنزل بلخ وبنى مدينتها وولاها برمك أبا خالد البرمكي ~~ونقل إليها الجند والأمراء. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما يلي ~~الجزيرة ففتح قيسارية وهي مدينة مشهورة. وفيها غزا معاوية بن هشام الخليفة ~~ومعه أهل الشأم وصحبته ميمون بن مهران فقطعوا البحر إلى قبرس. وفيها حج ~~بالناس إبراهيم بن هشام وهو على المدينة ومكة والطائف. وفيها توفي موسى بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ببلاد الروم غازيا، وكان عمره سبعا وعشرين ~~سنة، قاله ابن الأثير؛ والأصح أنه مات في القابلة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية الحر # ### || AUT ### || AUT بن يوسف على مصر # وهي سنة ثمان ومائة: في ذي الحجة منها حكم بمصر حفص بن الوليد. وفيها ~~غزا ولد الخليفة معاوية بن هشام أرض الروم وجهز بين يديه البطال إلى جنجرة ~~فافتتحها. وفيها غزا أخو الخليفة مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فافتتح ~~قيسارية. وفيها وقع حريق عظيم بدابق، احترقت المواشي والدواب والرجال. ~~وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي. وفيها توفي موسى بن محمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس أبو عيسى الهاشمي. وهو أخو السفاح والمنصور لأبيهما ms0204 ~~وأخو إبراهيم لأمه وأبيه. مات في حياة أبيه محمد غازيا في بلاد الروم وله ~~ثمان عشرة سنة. PageV01P0102 # NOTMATCH ### || AUT الثانية على مصر NOTMATCH # وفيها توفي نصيب بن رباح، أبو محجن، الشاعر المشهور، مولى عبد العزيز بن ~~مروان؛ وأمه نوبية فجاءت به أسود فباعه عمه. وكان من العرب من بنى الحاف بن ~~قضاعة، وقيل: إنه هرب فدخل على عبد العزيز ومدحه، فقال: ما حاجتك؟ فقال: ~~أنا عبد، فقال عبد العزيز للمقومين: قوموه، فقالوا: عبد أسود ليس له قيمة؛ ~~قيمته مائة دينار. قال أبو محجن عن نفسه: إنه راعي إبل يحسن القيام عليها، ~~قالوا: مائتا دينار، قال: إنه يبري النبل ويريشها، قالوا: وثلاثمائة دينار، ~~قال: إنه يرمي ويصيب، قالوا: أربعمائة دينار، قال: إنه راوية الأشعار، ~~قالوا: خمسمائة دينار، قال: أصلح الله الأمير، أين جائزتي؟ فأعطاه ألف ~~دينار، فاشترى أمه وأهله وأعتقهم. وذكره محمد بن سلام في الطبقة الثانية من ~~شعراء الإسلام. وفيها توفي عطاء بن يسار، أبو محمد المدني الفقيه، مولى ~~ميمونة أم المؤمنين؛ وعطاء أخو سليمان وعبد الله وعبد الملك؛ وكان قاصا ~~واعظا ثقة جليل القدر؛ وقال الذهبي: إنه مات في الماضية. وفيها حج بالناس ~~إبراهيم بن هشام المقدم ذكره. وفيها توفي عكرمة البربري ثم المدني، أبو عبد ~~الله، مولى ابن عباس: أحد العلماء الربانيين. روى عن ابن عباس وعائشة وعلي ~~بن أبي طالب وغيرهم؛ قال الهيثم بن عدي وغيره: مات سنة ست ومائة. وقال أبو ~~نعيم وأبو بكر بن أبي شيبة وجماعة: سنة سبع ومائة؛ وقال يحيى بن معين ~~والمدائني: سنة خمس عشرة ومائة، وقال غيرهم: في هذه السنة. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا ~~وأربعة أصابع. ### | AUT ولاية حفص بن الوليد الأولى # ### || AUT على مصر # هو حفص بن الوليد بن سيف بن عبد الله بن الحارث بن جبل بن كليب بن عوف ~~بن معاهر بن عمرو بن زيد بن مالك بن زيد بن الحارث بن عمرو بن حجر بن قيس ms0205 ~~بن كعب بن سهل بن زيد بن حضرموت، الأمير أبو بكر الحضرمي القاري، أمير مصر. ~~وليها بعد عزل الحر بن يوسف من قبل هشام بن عبد الملك على الصلاة مكرها على ~~ذلك. وكان حفص وجيها عند بني أمية ومن أكابر أمرائهم، وكان فاضلا ثقة. روى ~~عن الزهري وغيره، وروى عنه الليث بن سعد وجماعة أخر. ولم تطل مدته على ~~ولاية مصر في هذه المرة وعزل بعد جمعتين يوم عيد الأضحى وقيل آخر ذي الحجة ~~سنة ثمان ومائة. قلت: وعلى القولين لم تطل ولايته بل ولا وصلت إلى أربعين ~~يوما؛ وكان سبب عزله عن إمرة مصر بسرعة شكوى عبيد الله بن الحبحاب صاحب ~~خراج مصر عليه للخليفة هشام بن عبد الملك، وشكوى جماعة أخر من أوباش ~~المصريين. فعزله هشام عن مصر بعبد الملك بن رفاعة. ثم ندم أهل مصر على عزله ~~وطلبوا منه إعادته عليهم - يأتي ذكر ذلك كله في ولايته الثانية ### || AUT على مصر # ، فإنه وليها بعد ذلك ثانيا وثالثا حتى قتله الحوثرة في سنة ثمان وعشرين ~~ومائة. وكان حفص شريفا مطاعا محببا للناس ولديه معرفة وفضيلة. واستقدمه ~~هشام بعد عزله عن مصر وأراد أن يوليه خراسان عوضا عن أسد بن عبد الله ~~القسري، فامتنع حفص من ذلك. وكان سبب عزل أسد عن خراسان أنه خطبهم يوما ~~فقال: قبح الله هذه الوجوه، وجوه أهل الشقاق والنفاق والشغب والفساد، اللهم ~~فرق بيني وبينهم وأخرجني إلى مهاجري ووطني؛ فبلغ قوله هشاما، فكتب إلى خالد ~~بن عبد الله القسري: اعزل أخاك، فعزله. وأراد هشام أن يولي حفصا فامتنع، ~~فولى خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، ثم عزله هشام واستعمل عليها أشرس بن ~~عبد الله وأمره أن يكاتب خالدا؛ وكان الأشرس فاضلا خيرا؛ كانوا يسمونه ~~الكامل لفضله، فلما قدم خراسان فرحوا. وقد خرجنا عن المقصود استطرادا. ### | AUT ولاية عبد الملك بن رفاعة # الثانية ### || AUT على مصر # PageV01P0103 # NOTMATCH ### || AUT بن رفاعة على مصر NOTMATCH # قلت: تقدم التعريف بعبد الملك هذا في أول ولايته ### || AUT على مصر ms0206 # بعد موت قرة بن شريك سنة ست وتسعين. وكانت ولاية عبد الملك أيضا على ~~الصلاة لا غير، والخراج عليه عبيد الله بن الحبحاب على عادته. فقدم عبد ~~الملك المذكور من الشأم إلى مصر عليلا في أول المحرم، وقيل: اثنتي عشرة ~~ليلة خلت من المحرم سنة تسع ومائة والأول أصح - وكان أخوه الوليد بن رفاعة ~~يخلفه على الصلاة بمصر من أول المحرم السنة المذكورة أعني من أول يوم ~~ولايته. فلما دخل عبد الملك إلى مصر لم يطق الصلاة بالناس لشدة مرضه، ~~فاستمر أخوه الوليد بن رفاعة يصلي بالناس وعبد الملك ملازم الفراش إلى أن ~~توفي نصف المحرم من السنة المذكورة، فكانت ولايته هذه الثانية ### || AUT على مصر # خمس عشرة ليلة على أنه دخل مصر في أول المحرم. وتولى مصر بعده أخوه ~~الوليد بن رفاعة. ### | AUT ولاية الوليد بن رفاعة # ### || AUT على مصر # هو الوليد بن رفاعة بن خالد بن ثابت بن ظاعن، الفهمي المصري، أمير مصر. ~~وليها باستخلاف أخيه عبد الملك إليه فأقره الخليفة هشام بن عبد الملك على ~~إمرة مصر وعلى الصلاة. وجعل الوليد هذا على شرطة مصر عبد الله بن أبي، سمير ~~الفهمي ثم عزله وولى خالد بن عبد الرحمن الفهمي ؛ واستمر على إمرة مصر ~~وطالت أيامه ووقع له بها أمور وقعت في أيامه حوادث. وفي أيامه نقلت قيس إلى ~~مصر ولم يكن بها أحد منهم قبل ذلك. وفي أيامه أيضا خرج وهيب اليحصبي من مصر ~~في سنة سبع عشرة ومائة من أجل أن الوليد هذا أذن للنصارى في عمارة كنيسة ~~يوحنا بالحمراء. فلم يكن بعد أيام قليلة إلا ومرض الوليد ولزم الفراش حتى ~~مات في يوم الثلاثاء في مستهل جمادى الآخرة سنة سبع عشرة ومائة، واستخلف ~~عبد الرحمن بن خالد على الصلاة بمصر. وكانت إمرته ### || AUT على مصر # تسع سنين وخمسة أشهر؛ وولي مصر بعده عبد الرحمن بن خالد المذكور. ولم ~~تطل مدة الوليد هذا ### || AUT على مصر # إلا لخروج عبيد الله بن الحبحاب المتولي على خراج مصر ms0207 منها؛ وقد تقدم ~~عزل جماعة كبيرة من العمال بمصر بسبب عبيد الله المذكور، فدبر عليه الوليد ~~هذا حتى أخرجه هشام من مصر واستعمله على إفريقية، فسار إليها عبيد الله بن ~~الحبحاب واشتغل بها عن خراج مصر. فإنه في أول خروجه سير جيشا إلى صقلية، ~~فلقيهم مراكب الروم فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم الروم، وكانوا قد أسروا ~~جماعة من المسلمين فيهم عبد الرحمن بن زياد فبقي أسيرا إلى سنة إحدى وعشرين ~~ومائة. ثم استعمل عبيد الله بن الحبحاب عقبة بن الحجاج العبسي على الأندلس ~~فسار إليها وملكها. ثم سير عبيد الله جيشا إلى السوس وأرض السودان فغنموا ~~وظفروا وعادوا. ولما خرج عبيد الله بن الحبحاب من مصر جمع له الخليفة خراج ~~مصر وصلاتها وعظم أمره ومهد البلاد وساس الناس ومالت إليه الرعية. ثم عزل ~~عن الخراج أيضا واستقل بصلاة مصر على عادته أولا إلى أن مات في التاريخ ~~المقدم ذكره. ### || AUT السنة التي حكم في محرمها عبد الملك # ### || AUT بن رفاعة عد مصر ثم في باقيها الوليد بن رفاعة # وهي سنة تسع ومائة: فيها غزا أسد بن عبد الله القسري الترك فهزم خاقان ~~وافتتح قزوين وفيها غزا معاوية ابن الخليفة أمير المؤمنين هشام بن عبد ~~الملك الروم وفتح حصنا يقال له: الطينة. وفيها توفي لاحق بن حميد بن سعيد ~~السدوسي البصري، في قول الفلاس وهو أبو مجلز المقدم ذكره؛ وهو من الطبقة ~~الثانية؛ وكان بمرو لما قتل قتيبة بن مسلم، فولاه أهل مرو أمرهم حتى قدم ~~وكيع بن أبي سود. وكان لاحق هذا يركب مع قتيبة في موكبه فيسبح الله اثنتي ~~عشرة ألف تسبيحة يعدها على أصابعه لا يعلم به أحد. وفيها حج بالناس إبراهيم ~~بن هشام وهو عامل مكة والمدينة والطائف، وخطب الناس وقال: سلوني فأنا ابن ~~الوحيد، فإنكم لا تسألون أحدا أعلم مني؛ فسأله رجل من أهل العراق عن ~~الأضحية واجبة هي؟ فما درى ولا أجاب ونزل ولم يتكلم. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر ms0208 إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية الوليد # بن رفاعة ### || AUT على مصر # وهي سنة عشر ومائة: فيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الخزر، وتسمى هذه ~~الغزوة غزوة الطين ؛ والتقى مسلمة مع ملك الخزر واقتتلوا أياما وكانت ملحمة ~~عظيمة هزم الله فيها الكفار في سابع جمادى الآخرة. PageV01P0104 # وفيها افتتح معاوية ابن الخليفة هشام بن عبد الملك حصنين كبيرين من أرض ~~الروم. وفيها توفي الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، المعروف بالحسن ~~البصري. كنيته أبو سعيد مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى حميد بن قحطبة. وكان ~~الحسن إمام أهل البصرة، وهو من الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة ؛ قال ~~الذهبي: بل كان إمام أهل العصر. ولد بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة ~~عمر. وكانت أمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، فكانت تذهب أمه لأم سلمة في ~~الحاجة فتشاغله أم سلمة بثديها فربما در عليه. قال: وقد سمع من عثمان وهو ~~يخطب وشهد يوم الدار، ورأى طلحة وعليا، وروى عن عمران بن حصين والمغيرة بن ~~شعبة وعبد الرحمن بن سمرة وأبي بكرة والنعمان بن بشير وخلق كثير من الصحابة ~~وغيرهم؛ ومناقب الحسن كثيرة ومحاسنه غزيرة وعلومه مشهورة. وفيها توفي محمد ~~بن سيرين، أبو بكر الأنصاري البصري الإمام الرباني، من الطبقة الثانية من ~~تابعي أهل البصرة، مولى أنس بن مالك، وهو صاحب التعبير. وكان أبوه سيرين من ~~سبي جرجرايا، فكاتب أنسا على مال جزيل فوفاه له ؛ ومولده لسنتين بقيتا من ~~خلافة عمر رضي الله عنه. وفيها جمع خالد القسري الصلاة والأحداث والشرطة ~~والقضاء بالبصرة لبلال بن أبي بردة وعزل ثمامة عن القضاء. وفيها حج بالناس ~~إبراهيم بن هشام. وفيها توفي الفرزدق مقدم شعراء عصره ؛ وكنيته أبو فراس، ~~واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية التميمي البصري. روى عن علي بن أبي ~~طالب وغيره، وكان يرسل ؛ وروى عن أبي هريرة وعن جماعة، وكان يقال: الفرزدق ~~أشعر الناس عامة وجرير أشعر الناس خاصة. قاد محمد بن ms0209 سلام: أتى الفرزدق إلى ~~الحسن البصري فقال: إني قد هجوت إبليس فاسمع، قال: لا حاجة لنا بما تقول، ~~قال: لتسمعن أو لأخرجن فلأقولن للناس إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس، قال: ~~فاسكت فإنك عن لسانه تنطق. وللفرزدق هذا مع زوجته النوار حكايات ظريفة. ومن ~~شعره: الكامل. إن المهالبة الكرام تحملوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه ~~زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه وفيها توفى جرير بن، ~~الخطفي ؛ وهو جرير بن عطية بن حذيفة بن بدر بن سلمة، أبو حزرة التميمي ~~البصري الشاعر المشهور؛ هو من الطبقة الأولى من شعراء الإسلام. مدح يزيد بن ~~معاوية ومن بعده من الأمويين. قال محمد بن سلام: ذاكرت مروان بن أبي حفصة ~~فقال: ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حلو القريض ومره لجرير وعن هشام بن ~~محمد، الكلبي عن أبيه: أن أعرابيا مدح عبد الملك بن مروان فأحسن فقال له ~~عبد الملك: هل، تعرف أهجى بيت في الإسلام؟ قال: نعم، قول جرير: فغض الطرف ~~إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا قال: أصبت، فهل تعرف أرق بيت قيل ~~في الإسلام. قال: نعم، قول جرير: إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ~~ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله ~~إنسانا قال: أحسنت، فهل تعرف جريرا؛ قال: لا والله، وإني إلى رؤيته لمشتاق. ~~قال: فهذا جرير وهذا الأخطل وهذا الفرزدق، فأنشأ الأعرابي يقول: فحيا الإله ~~أبا حزرة ... وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به ... ودق خياشيمه ~~الجندل فأنشأ الفرزدق يقول: البسيط، بل أرغم الله أنفا أنت حامله ... يا ذا ~~الخنا ومقال الزور والخطل ما أنت بالحكم فأترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ~~ذي الرأي والجدل فغضب جرير وقال أبياتا، ثم وثب وقبل رأس الأعرابي وقال: يا ~~أمير المؤمنين جائزتي له، وكانت كل سنة خمسة عشر ألفا، فقال له عبد الملك: ~~وله مثلها مني. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ms0210 ذراعا وستة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية الوليد # ### || AUT بن رفاعة على مصر # PageV01P0105 # وهي سنة إحدى عشرة ومائة: فيها عزل الخليفة هشام بن عبد الملك أشرس بن ~~عبد الله السلمي عن هراسان وولاها الحفيد بن عبد الرحمن المر ؛ وسبب عزل ~~أشرس لما فعله بالمدينة وكيف انتقضت عليه السعد، وتخلف أهل بخارا واستجاشوا ~~عليه بخاقان ملك الترك، وفتح على المسلمين بابا واسعا ذهبت فيه الأموال ~~وضعفت العساكر من سوء تدبيره. وفيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام الصائفة ~~ووغل في بلاد الروم. وغزا أيضا أخوه سعيد بن هشام فوصل إلى قيسارية. وفيها ~~ولى هشام الجراح بن عبد الله الحكمي على أرمينية. وفيها حج بالناس إبراهيم ~~بن هشام. وفيها توفي يزيد بن عبد الله بن الشخير، أبوا لعلاء من الطبقة ~~الثانية من تابعي أهل البصرة ؛ وكان من كلامه يقول: لأن أعافى فأشكر، أحب ~~من أن أبتلى فأصبر. وفيها غزا في البحر عبد الله بن أبي مريم. وفيها سارت ~~الترك إلى أذربيجان فلقيهم الحارث بن عمرو فهزمهم بعد قتال كثير واستباح ~~عسكرهم. وفيها عزل عبيدة بن عبد الرحمن عامل إفريقية عثمان بن أبي نسعة عن ~~الأندلس واستعمل عليها الهيثم بن عبد الله الكناني. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمسة أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية الوليد # ### || AUT ### || AUT بن رفاعة على مصر # وهي سنة اثنتا عشرة ومائة: فيها زحف الجراح بن عبد الله الحكمي ~~بالمسلمين من برذعة إلى ابن خاقان ليدفعه عن أردبيل، فالتقى الجمعان وعظم ~~القتال واشتد البلاء وانكسر المسلمون وقتل منهم خلق، منهم أمير الجيش ~~الجراح بن عبد الله الحكمي المذكور، وكان أحد الأبطال. وغلبت الخزر على ~~أذربيجان وحصل وهن عظيم على ا لإسلام. وفيها توفي رجاء بن حيوة، أبو ~~المقدام الكندي الأزدي؛ كان ثقة فاضلا كثير الحديث وكان سيد أهل زمانه؛ قال ~~ابن عون: ثلاثة لم أر مثلهم كأنهم التقوا فتواصوا: ابن سيرين بالعراق، ~~والقاسم بن محمد بالحجاز، ms0211 ورجاء بن حيوة بالشأم. وكان رجاء عظيما عند بني ~~أمية لاسيما عند عمر بن عبد العزيز؛ كان إذا قدمت لعمر بن عبد العزيز حلل ~~يعزل منها حلة ويقول: هذه لخليلي رجاء بن حيوة. وفيها توفي شهر بن حوشب أبو ~~عبد الله الأشعري وقيل أبو الجعد، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشأم؛ ~~قرأ القرآن على عبد الله بن عباس سبع مرات. وفيها توفي طلحة بن مصرف بن ~~عمرو، أبو عبد الله، وقيل أبو محمد، الكوفي الهمداني، من الطبقة الثالثة من ~~تابعي أهل الكوفة. كان قارىء أهل الكوفة يقرأون عليه. فلما كثروا عليه كأنه ~~كره ذلك، فمشى إلى الأعمش وقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوه. وفيها ~~غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح مدينة خرشنة. وفيها حج بالناس إبراهيم ~~بن هشام المخزومي، وقيل: سليمان بن هشام بن عبد الملك، أعني ابن الخليفة. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستة ~~عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية الوليد # ### || AUT ### || AUT بن رفاعة على مصر # وهي سنة ثلاث عشرة ومائة: وفيها غزا الجنيد المري ناحية طخارستان، فجاشت ~~الترك بسمرقند فالتقاهم الجنيد بقرب سمرقند فاقتتلوا قتالا شديدا فكتب ~~الجنيد من البحر إلى سورة الداري بنجدة على سمرقند فخرج سورة في جنده، ~~فلقيته الترك على غرة فقتلته. فعاد الجنيد أيضا لقتال الترك بعد قتل سورة ~~ثانيا وقاتلهم حتى هزمهم ودخل سمرقند. وفيها توفي مكحول الشامي، أبو عبد ~~الله، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشأم. قال: كنت مولى لعمرو بن سعيد ~~بن العاص فوهبني لرجل من هذيل، فأنعم علي بها. فما خرجت من مصر حتى ظننت ~~أنه ليس بها علم إلا سمعته. ثم أتيت المدينة، وقال كما قال أملأ. ثم أتيت ~~الشعبي ولم أر مثله. وفيها حج بالناس الخليفة هشام بن عبد الملك. وفيها دخل ~~جماعة من دعاة بني العباس إلى خراسان فأخذهم الجنيد ومثل بهم وقتلهم. وفيها ~~توفي أبو محمد البطال وقيل: أبو يحيى، واسمه ms0212 عبد الله، أحد الموصوفين ~~بالشجاعة والإقدام، ومن سارت بذكره الركبان. كان أحد أمراء بني أمية، وكان ~~على طلائع مسلمة بن عبد الملك بن مروان في غزواته، وكان ينزل بأنطاكية. شهد ~~عدة حروب وأوطأ الروم خوفا وذلا. PageV01P0106 # قلت: والعامة تكذب على أبي محمد هذا بأقوال كثيرة، ويسمونه البطال، في ~~سير كثيرة لا صحة لها. وفيها حج بالناس سليمان بن هشام بن، عبد الملك وقيل ~~إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي. وفيها توفي حرام بن سعد بن محيصة، ~~أبو سعيد، وعمره سبعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة ~~أذرع سواء. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا سواء. ### || AUT السنة السادسة من ولاية الوليد # ### || AUT ### || AUT ### || AUT بن رفاعة على مصر # وهي سنة أربع عشرة ومائة: فيها عزل الخليفة هشام أخاه مسلمة بن عبد ~~الملك عن إمرة أذربيجان والجزيرة بابن عمه مروان بن محمد المعروف بالحمار ~~آخر خلفاء بني أمية الأتي ذكره، فسار مروان بن محمد المذكور بجيشه حتى جاوز ~~الروم فقتل وسبى من الترك. وفيها غزا الجنيد بلاد الضغانيان من الترك فرجع ~~ولم يلق كيدا. وفيها ولي إمرة المغرب عبيد الله بن الحبحاب السكوني صاحب ~~خراج مصر، فتوجه إليها وبقي عليها تسع سنين. وفيها توفي عطاء بن أبي رباح ~~المكي، أبو محمد بن أسلم مولى قريش، أحد أعلام التابعين؛ ولد في خلافة ~~عثمان، وسمع من كبار الصحابة. وفيها توفي محمد الباقر، وكنيته أبو جعفر بن ~~علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي العلوي، سيد بني ~~هاشم في زمانه روى عن ابن عباس وغيره. وهو أحد الأئمة، الاثني عشر الذين ~~تعتقد الرافضة عصمتهم. مولده في سنة ست وخمسين. ولمحمد هذا إخوة أربعة، ~~وهم:. زيد الذي صلب، وعمر، وحسين، وعبد الله، الجميع بنو زين العابدين، رضي ~~الله عنهم. وفيها عزل الخليفة هشام بن عبد الملك إبراهيم بن هشام عن إمرة ~~المدينة وولاها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص؛ ~~وإبراهيم المعزول هو خال الخليفة ms0213 هشام بن عبد الملك. وفيها غزا معاوية ابن ~~الخليفة هشام بن عبد الملك الصائفة اليسرى فأصاب شيئا كثيرا، وأن عبد الله ~~البطال التقى هو وقسطنطين في جمع فهزمهم البطال وأسر قسطنطين. وفيها غزا ~~سليمان ابن الخليفة هشام الصائفة اليمنى فبلغ قيساريسة. وفي هذه السنة عزل ~~هشام إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي عن إمرة المدينة واستعمل عليها ~~خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم في ربيع الأول، وكانت إمرة إبراهيم ~~على المدينة ثمان سنين. وعزل إبراهيم أيضا عن مكة وعن الطائف، واستعمل ~~عليها محمد بن هشام المخزوي. وفيها وقع الطاعون بواسط. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من ولاية الوليد # ### || AUT ### || AUT ### || AUT بن رفاعة على مصر # وهي سنة خمس عشرة ومائة: فيها خرج الحارث بن شريح عن طاعة الخليفة وتغلب ~~على مرو وجوزجان، فسار إليه أسد بن عبد الله القسري، فالتقوا فآنهزم ~~الحارث، وأسر أسد عدة من أصحاب الحارث وبدع فيهم. وفيها وقع بخراسان قحط ~~شديد ومجاعة عظيمة. وفيها توفي عمرو بن مروان بن الحكم، الأمير أبو حفص. ~~وأمه زينب بنت عمر بن أبي سلمة المخزوي؛ كان عمرو من خيار بني أمية، ولم ~~يكن بمصر في أيام بني أمية أفضل منه. وفيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام ~~أرض الروم وافتتح حصونا. وفيها وقع الطاعون بالشأم. وفيها حج بالناس محمد ~~بن هشام المخزوي. وكان الأمير بخراسان الجنيد. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية الوليد # ### || AUT ### || AUT ### || AUT بن رفاعة على مصر # وهي سنة ست عشرة ومائة: فيها بعث عبيد الله بن الحبحاب أمير إفريقية ~~ببلاد المغرب جيشا إلى بلاد السودان فغنموا وسبوا. وفيها غزا المسلمون في ~~البحر مما يلي صقلية فأصيبوا. وفيها تزوج الجنيد فاضلة بنت المهلب بن أبي ~~صفرة. وبلغ ذلك، الخليفة هشاما فغضب وعزل الجنيد ms0214 عن خراسان وولاها عاصم بن ~~عبد الله بن يزيد الهلالي، وقال له: إن أدركته حيا فأزهق نفسه؛ فقدم عاصم ~~خراسان وقد مات الجنيد؛ وكان بالجنيد مرض البطن. وفيها توفيت حفصة بنت ~~سيرين أخت محمد بن سيرين؛ وكانت زاهدة عابدة. قرأت القرآن وهي بنت اثنتي ~~عشرة سنة وماتت وهي بنت تسعين سنة. PageV01P0107 # وفيها توفي نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب. وهو من الطبقة الثالثة ~~من التابعين؛ وكان عبد الله بن جعفر أعطى ابن عمر فيه اثني عشر ألف درهم ~~فأبى وأعتقه؛ وكان نافع عند عبد الله بن عمر كبعض ولده؛ وكان نافع ثقة كثير ~~الحديث. وفيها غزا معاوية بن هشام بن عبد الملك أرض الروم الصائفة. وفيها ~~كان الطاعون بالعراق وكان أشده بمدينة واسط وسواحلها. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا ونصف إصبع. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية الوليد # ### || AUT بن رفاعة ### || AUT على مصر # وهي سنة سبع عشرة ومائة: فيها جاشت الترك بخراسان، ومعهم الحارث بن شريح ~~الخارجي، وعليهم الخاقان الكبير، فعاثوا وأفسدوا ووصلوا إلى بلد مرو الروذ. ~~فسار إليهم أسد القسري فآلتاهم وقاتلهم حتى هزمهم؛ وكانت وقعة هائلة قتل ~~فيها من الترك خلائق. وفيها افتتح مروان بن محمد المعروف بالحمار متولي ~~أذربيجان ثلاثة حصون، وأسر تومانشاه وبعث به إلى الخليفة هشام بن عبد ~~الملك، فمن عليه وأعاده إلى مملكته. وفيها غزا عبيد الله بن الحبحاب أمير ~~إفريقية عدة بلاد من المغرب فغنم وسلم. وفيها توفيت سكينة بنت الحسين بن ~~علي بن أبي طالب. واسمها آمنة، وأمها الرباب بنت امرىء القيس بن عدي؛ وكانت ~~من أجمل نساء عصرها. وفيها توفي عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى محمد بن ~~ربيعة؛ وكنيته أبو داود؛ من الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة. وذكر ~~الذهبي في هذه السنة وفاة جماعة أخر، قال: وتوفي سعيد بن يسار، وقد ذكره ~~عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، وتوفي شريح بن صفوان بمصر، وعبد الله بن ~~عبيد ms0215 الله بن أبي مليكة، وعائشة بنت سعد، وعمر بن الحكم بن ثوبان، وفاطمة ~~بنت علي بن أبي طالب، وقتادة بن دعامة المفسر وقيل بعدها، ومحمد بن كعب ~~القرظي في قول الواقدي، وتوفي موسى بن وردان القاضي بمصر، وميمون بن مهران ~~أوفي عام أول. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وأربعة عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا ونصف إصبع. ### | AUT ولاية عبد الرحمن بن خالد # ### || AUT على مصر # هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر بن خالد بن ثابت بن ظاعن، الأمير أبو ~~خالد، وقيل أبو الوليد، الفهمي المصري، أمير مصر لهشام بن عبد الملك بن ~~مروان؛ وكان استخلفه الوليد بن رفاعة قبل موته على صلاة مصر؛ وكان قبل ذلك ~~أيضا ولي شرطتها مدة سنين، فلما مات الوليد بن رفاعة أقره الخليفة هشام على ~~إمرة مصر عوضا عن الوليد بن رفاعة على الصلاة، وكان ذلك في جمادى الآخرة من ~~سنة سبع عشرة ومائة. ولما تم أمره جعل على شرطته عبد الله بن بشار الفهمي. ~~وكان في عبد الرحمن هذا لين. وفي ولايته ### || AUT على مصر # نزلت الروم بنواحي مصر وأسروا منها خلقا كثيرا، فلما بلغ هشاما ذلك عزله ~~عن إمرة مصر وأعاد حنظلة بن صفوان ثانيا ### || AUT على مصر # ، وذلك في سنة ثمان عشرة ومائة، فكانت مدة ولايته ### || AUT على مصر # سبعة أشهر وخمسة أيام. وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في كتابه تذهيب ~~التهذيب بعد ما قال: أمير مصر لهشام، والليث بن سعد أحد مواليه، قال: روى ~~عن الزهري وروى عنه الليث بن سعد ويحيى بن أيوب. قال ابن معين: كان عنده عن ~~الزهري كتاب فيه مائتا حديث أو ثلاثمائة حديث كان الليث يحدث بها عنه. وقال ~~النسائي: ليس به بأس. وقال ابن يونس: ولي مصر سنة ثمان عشرة ومائة وعزل سنة ~~تسع عشرة ومائة. قلت: والذي ذكرناه في تاريخ ولايته وعزله هو الأشهر. قال: ~~وكان ثبتا في الحديث، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. PageV01P0108 # وقيل: ms0216 إن سبب عزله عن مصر أن دعاة بني العباس أرسلوا إليه سرا، فأكرمهم ~~ووعدهم، فبلغ ذلك هشاما فعزله. وكان من أمر دعاة بني العباس أنه وجه بكير ~~بن ما هان عمار بن زيد إلى خراسان واليا عليها على شيعة بني العباس، فنزل ~~مرو وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا الناس إلى محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس. فتسارع الناس إليه وأطاعوه. ثم غير ما دعاهم إليه وأظهر دين الخرمية ~~ورخص لبعضهم في نساء بعض، وقال: إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج، وإن تأويل ~~الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، والصلاة: الدعاء له، والحج: ~~القصد إليه؛ وكان يتأول من القرآن قوله تعالى: " ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " ، ~~فنفر من كان أطاعه عنه. وكان خداش المذكور نصرانيا بالكوفة وأسلم ولحق ~~بخراسان. وكان مفن اتبعه على مقالته مالك بن الهيثم والحريش بن سليم ~~الأعجمي وغيرهما وأخبرهم أن محمد بن علي أمره بذلك. فبلغ خبره أسد بن عبد ~~الله القسري فظفر به، فأغلظ القول لأسد فقطع لسانه وسمل عينيه بعد أن سأله ~~عمن وافقه، فذكر جماعة، منهم أمير مصر عبد الرحمن هذا، وليس ذلك بصحيح. ثم ~~أمر أسد بيحيى بن نعيم الشيباني فصلب. ثم أتي أسد بجزور مولى المهاجر بن ~~دارة الضبي فضرب عنقه بشاطىء النهر. ### || AUT السنة التي حكم في أولها عبد الرحمن # ### || AUT بن خالد ثم في باقيها حنظلة بن صفوان # وهي سنة ثمان عشرة ومائة: فيها غزا معاوية ابن الخليفة هشام أرض الروم ~~وقتل وسبى. وفيها غزا مروان الحمار ناحية ورتنيس وظفر بملكهم وقتل وسبى. ~~وفيها حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل وهو أمير المدينة، وقيل: كان هذه ~~السنة على المدينة خالد بن عبد الملك. وفيها توفي علي بن عبد الله بن عباس ~~بن عبد المطلب، أبو محمد الهاشمي المدني العباسي المعروف بالسجاد؛ كان يصلي ~~كل يوم ألف ركعة، وهو والد الخلفاء العباسية، وكانت كنيته ms0217 أبا الحسن، فكناه ~~عبد الملك بن مروان أبا محمد، وقال: لا أحتمل لك الاسم والكنية جميعا. وكان ~~لعلي هذا أولاد كثيرة وهم: محمد والد الخلفاء، وعيسى وداود وسليمان ~~وإسماعيل وعبد الصمد وصالح وعبد الله. وولد علي هذا في أيام قتل علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - فسمي باسمه. وفيها توفي عبد الله بن عامر بن يزيد بن ~~تميم أبو عمران اليحصبي، مقرىء أهل الشأم. قيل: إنه قرأ القرآن على أبي ~~الدرداء، وتولى قضاء دمشق بعد أبي إدريس الخولاني، ومات يوم عاشوراء وله ~~سبع وتسعون سنة. وفيها عزل الخليفة هشام بن عبد الملك خالد بن عبد الله ~~القسري عن المدينة واستعمل عليها محمد بن هشام. وفيها توفي ثابت بن أسلم ~~البناني؛ وبنانة اسم امرأة كانت تحت سعد بن لؤي بن غالب بن فهر. وهو من ~~الطبقة الثالثة أعني ثابتا من أهل البصرة؛ وكان ثابت من أعبد أهل زمانه، ~~وبه يضرب المثل في العبادة. قال أنس بن مالك - رضي الله عنه - : إن لكل شيء ~~مفتاحا وإن ثابتا من مفاتيح الخير وكانت عيناه تشبه عيني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ فقال له أنس بن مالك: ما أشبه عينيك بعيني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم! فما زال يبكي حتى عمشت. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر، قال: ~~وتوفي في هذه السنة أبو صخرة جامع بن شداد، وحكيم بن عبد الله بن قيس، وأبو ~~عشانة حي بن يؤمن المعافري، وعبادة بن نسي الكندي، وعبد الله بن عامر مقرىء ~~الشأم. قلت: هو الذي ذكرناه آنفا. قال: وعبد الرحمن بن جبير بن نفير ~~الحضرمي، وعبد الرحمن بن سابط الجمحي بضم الجيم نسبة لبني جمح وعثمان بن ~~عبد الله بن سراقة المدني، وعلي بن عبد الله بن العباس الهاشمي. قلت: وقد ~~تقدم ذكره في غير هذه السنة. قال: ومعاذ بن عبد الله الجهني، ومعبد بن خالد ~~الجدلي الكوفي، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر في قول ابن معين. قلت: وقد ~~تقدم ذكره في غير هذه السنة. ms0218 أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ~~وستة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية حنظلة بن صفوان الثانية # ### || AUT على مصر # PageV01P0109 # قلت: تقدم التعريف به في ولايته الأولى على مصر في سنة اثنتين ومائة؛ ~~وكان سبب ولايته هذه على مصر ثانيا أنه لما ضعف أمر عبد الرحمن بن خالد ~~أمير مصر المقدم ذكره شكا منه أهل مصر إلى هشام بن عبد الملك، وكان شكواهم ~~من لينه لا لسوء سيرته، فعزله الخليفة هشام لهذا المقتضى وغيره وولى حنظلة ~~بن صفوان هذا ثانيا على إمرة مصر على صلاتها؛ فقدمها حنظلة في خامس المحرم ~~سنة تسع عشرة ومائة، وتم أمره ورتب أمور الديار المصرية ودام بها إلى سنة ~~إحدى وعشرين ومائة؛ وفيها انتقض عليه قبط مصر، فحاربهم حنظلة المذكور حتى ~~هزمهم. ثم في سنة اثنتين وعشرين ومائة قدم عليه بمصر رأس زيد بن علي زين ~~العابدين فأمر حنظلة بتعليقها وطيف بها؛ ثم استمر على إمرة مصر إلى أن عزله ~~عنها الخليفة هشام بن عبد الملك وولاه إفريقية، فاستخلف حنظلة على صلاة مصر ~~حفص بن الوليد الحضري المعزول عن إمرة مصر قبل تاريخه. وخرج حنظلة من مصر ~~إلى إفريقية يوم الاثنين لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ~~ومائة، فكانت ولايته على مصر في هذه المرة الثانية خمس سنين وثمانية أشهر. ~~وذكر صاحب كتاب البغية والاغتباط، فيمن ولي الفسطاط قال بعد ما سماه: ولي ~~ثانيا من قبل هشام على الصلاة، فقدم يوم الجمعة لخمس خلون من المحرم سنة ~~تسع عشرة ومائة، وجعل على شرطته عياض بن خترمة بن سعد الكلبي. ثم ذكر نحوا ~~مما ذكرناه من عزله وخروجه إلى إفريقية. ولما ولي حنظلة إفريقية أمره ~~الخليفة هشام بتولية أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي إمرة الأندلس، فولاه ~~في شهر رجب. وكان أبو الخطار لما تتابع ولاة الأندلس من قيس قال شعرا وعرض ~~فيه بيوم مرج راهط، وما كان من بلاء كلب فيه مع مروان بن الحكم، وقيام ms0219 ~~القيسية مع الضحاك بن قيس الفهري على مروان. فلما بلغ شعره هشام بن عبد ~~الملك سأل عنه فأعلم أنه رجل من كلب. فأمر هشام بن عبد الملك حنظلة أن يولي ~~أبا الخطار الأندلس فولاه وسيره إليها، فدخل قرطبة فرأى ثعلبة بن سلامة ~~أميرها قد أحضر الألف الأسرى من البربر ليقتلهم، فلما دخل أبو الخطار دفع ~~الأسرى إليه، فكانت ولايته سببا لحياتهم. ومهد أبو الخطار بلاد الأندلس. ~~وفي ولايته خرج عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع بالأندلس، ~~فأرسل إليه حنظلة رسالة يدعوه إلى مراجعة الطاعة فقبضهم وأخذهم معه إلى ~~القيروان، وقال: إن رمي أحد من أهل القيروان بحجر قتلت من عندي أجمعين، فلم ~~يقاتله أحد، واستفحل أمره. وكان حنظلة لا يرى القتال إلا لكافر أو خارجي. ~~فلما قوي أمر عبد الرحمن خرج حنظلة إلى الشأم ودعا على عبد الرحمن وأهل ~~إفريقية فاستجيب له، فوقع الوباء والطاعون ببلادهم سبع سنين لم يفارقهم إلا ~~في أوقات متفرقة. وثار على عبد الرحمن هذا جماعة من العرب والبربر ثم قتل ~~بعد ذلك. هذا بعد أن وقع له مع أبي الخطار حروب ووقائع. وكان ممن خرج على ~~عبد الرحمن عروة بن الوليد الصدفي واستولى على تونس، وثابت الصنهاجي بناحية ~~أخرى، وأما حنظلة فإنه أستمر بالشأم إلى أن مات. ### || AUT السنة الأولى من ولاية حنظلة # ### || AUT الثانية على مصر # وهي سنة تسع عشرة ومائة: فيها حج بالناس مسلمة بن عبد الملك أخو الخليفة ~~هشام. وفيها غزا مروان بن محمد المعروف بالحمار غزوة السابحة فدخل بجيشه من ~~باب اللان، فلم يزل حتى خرج من بلاد الخزر، ثم انتهى إلى البيضاء مدينة ~~الخاقان. وفيها جهز عبيد الله بن الحبحاب أمير إفريقية جيشا، عليهم قثم بن ~~عوانة، فأخذوا قلعة سردانية من بلاد المغرب ورجعوا، فغرق قثم بن عوانة ~~وجماعته في البحر. وفيها توفي عبد الله بن كثير، مقرىء أهل مكة، أبو معبد، ~~مولى عمرو بن علقمة الكناني؛ أصله فارسي، ويقال له: الداري والداري: ~~العطار، نسبة ms0220 إلى عطر دارين، وقال البخاري: هو مولى قريش من بني عبد الدار، ~~وقال أبو بكر بن أبي داود: الدار: بطن من لخم، منهم تميم الداري؛ قرأ ~~القرآن على مجاهد وغيره، وقيل: إن وفاته سنة عشرين، وهو الأصح. وفيها قصد ~~خاقان أسد بن عبد الله القسري بجموع الترك، فالتقاهم أسد بن عبد الله ~~وواقعهم فقتل خاقان وأصحابه. وغنم أسد أموالا عظيمة وفتح بلادا لم يصل ~~إليها غيره. PageV01P0110 # وفيها خرج المغيرة بن سعيد بالكوفة، وكان ساحرا متشيعا، فحكى عنه الأعمش ~~أنه كان يقول: لو أراد علي بن أبي طالب أن يحيي عادا وثمودا وقرونا بين ذلك ~~كثيرا لفعل. وبلغ خالد بن عبد الله القسري خبره، فأرسل إليه فجيء به وأمر ~~خالد بالنار والنفط وأحرقه ومن كان معه. وفيها غزا أسد بن عبد الله الختل ~~وقتل ملكها بدير طرخان. وفيها توفي حبيب بن محمد العجمي، ويعرف بالفارسي، ~~البصري، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة. وهو أحد الزهاد الذي يضرب ~~بزهده المثل. وفيها حج بالناس مسلمة بن هشام بن عبد الملك أبو شاكر. وأما ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة فهم جماعة كثيرة، قال: وتوفي إياس بن ~~سلمة بن الأكوع، وحبيب بن أبي ثابت في قول، وحماد بن أبي سليمان الفقيه في ~~قول، وسليمان بن موسى الفقيه بدمشق، وقيس بن سعد الفقيه بمكة، ومعاوية بن ~~هشام الأمير بأرض الروم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~ونصف. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية حنظلة # ### || AUT ### || AUT بن صفوان على مصر # وهي سنة عشرين ومائة: فيها عزل خالد بن عبد الله القسري عن إمرة العراق ~~بيوسف بن عمر الثقفي؛ وكانت مدة ولاية خالد على العراق أربع عشرة سنة. فلما ~~استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك بعد موت عمه هشام بن عبد الملك بعث ~~بخالد إلى يوسف هذا فقتله. وفيها توفي أسد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن ~~كرز بن عامر البجلي القسري، ms0221 وهو أخو خالد بن عبد الله القسري المقدم ذكره ~~أعلاه. وكان أسد هذا ولي خراسان مرتين، وغزا عدة غزوات وافتتح البلاد، وبنى ~~مدينة بلخ، وتوفي قبل عزل أخيه خالد بن عبد الله القسري بيسير. وفيها توفي ~~حماد بن أبي سليمان فقيه أهل الكوفة؛ وقد ذكر الذهبي وفاته في الخالية، وهو ~~من الطبقة الثالثة من التابعين. قيل لإبراهيم النخعي: من نسأل بعدك؟ قال: ~~حماد بن أبي سليمان. وعنه أخذ أبو حنيفة العلم، وهو أول من حلق حلقة ~~للاشتغال. وفيها توفي سليمان بن ثابت الداراني الدمشقي المحاربي، من الطبقة ~~الثالثة من التابعين؛ كان يقال له: قاضي الخلفاء لأنه أقام قاضيا على دمشق ~~ثلاثين سنة؛ قضى لتسعة من خلفاء بني أمية، وقيل لسبعة، وهو الأصح. وفيها ~~توفي محمد بن واسع بن جابر أبو عبد الله الأزدي، من الطبقة الثالثة من ~~تابعي أهل البصرة ؛ كان لا يقدم عليه أحد في زمانه في العبادة والزهد ~~والورع. كان يصوم الدهر ويخفيه. قيل: إنه دخل هو ومالك بن دينار إلى دار ~~الحسن البصري فلم يجداه في الدار، فرأى محمد بن واسع طعاما للحسن فأكل منه ~~من غير إذن الحسن، وعزم على مالك فلم يوافقه مالك وقال: حتى يأذن لي صاحبه. ~~وبينما هما في ذلك دخل الحسن البصري فأعجبه فعل محمد بن واسع وقال: هكذا ~~كنا نفعل مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جئتنا يا مويلك. وذكر ~~الذهبي جماعة أخر، وفيهم من تكرر ذكره لاختلاف المؤرخين، قال: وتوفي أنس بن ~~سيرين على الصحيح، وأسد بن عبد الله القسري الأمير، والجلاح أبو كثير ~~القاضي، والجارود الهذلي، وحماد بن أبي سليمان في قول، وأبو معشر زياد بن ~~كليب الكوفي، وعاصم بن عمر بن قتادة الظفري، وعبد الله بن كثير مقرىء أهل ~~مكة، وعبد الرحمن بن ثروان الأودي، وعدي بن عدي بن عميرة الكندي، وعلقمة بن ~~مرثد الكوفي، وعلي بن مدرك النخعي الكوفي، وقيس بن مسلم الجدلي الكوفي، ~~ومحمد بن إبراهيم التيمي المدني الفقيه في قول، ومحمد بن ms0222 كعب القرظي في ~~قول، ومسلمة بن عبد الملك، وواصل الأحدب، ويزيد بن رومان على الصحيح، وأبو ~~بكر بن محمد بن عمرو بن حزم على الصحيح. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وإصبعان ونصف. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية حنظلة # ### || AUT ### || AUT بن صفوان على مصر # PageV01P0111 # وهي سنة إحدى وعشرين ومائة: فيها غزا مروان الحمار من أرمينية إلى أن بلغ ~~قلعة بيت السرير من بلاد الروم فقتل وسبى. ثم أتى قلعة ثانية فقتل أيضا ~~وأسر. ثم دخل الحصن الذي فيه سرير الملك فهرب منه الملك حتى صالحوا مروان ~~في السنة على ألف رأس ومائة ألف مدي. ثم سار مروان في السنة حتى دخل أرض ~~أرز وبلاد بطران فصالحوه ثم صالحه أهل بلاد تومان. ثم أتى حمزين فقاتلهم ~~ولازم الحصار عليهم شهرين حتى صالحوه. ثم افتتح مروان مسدار وغيرها. وذكر ~~خليفة بن خياط أن أبا محمد البطال قتل فيها. وفيها غزا الصائفة مسلمة ابن ~~الخليفة هشام بن عبد الملك فسار حتى أتى ملطية. ومات مسلمة هذا في دولة ~~أبيه هشام. وفيها غزا نصر بن سيار ما وراء النهر وقتل ملك الترك كورصول؛ ~~وكان كورصول المذكور ملكا عظيما غزا في المسلمين اثنتين وسبعين غزوة، ولما ~~قبض عليه نصر أراد أن يفدي نفسه بألف جمل بختي وبألف برذون، فلم يقبل نصر ~~وقتله. وفيها خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب - رضي الله ~~عنهم، ووقع له مع جيش الخليفة أمور وحروب وآل أمره إلى أن انكسر واختفى حتى ~~ظفر به وقتل في سنة اثنتين وعشرين ومائة. وفيها توفي الربيع بن أبي راشد ~~أبو عبد الله الزاهد، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة. كان يقول: لو ~~فارق ذكر الموت قلبي ساعة لخشيت أن يفسد علي قلبي. وفيها توفي عطاء ~~السليمي، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة، وكان من التابعين ~~المجتهدين. أقام أربعين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله ms0223 تعالى ~~ولم يضحك، ورفع رأسه مرة ففتق في بطنه فتق؛ وكان إذا أراد أن يتوضأ ارتعد ~~وبكى، فقيل له في ذلك، فقال: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم قبل أن أقوم ~~بين يدي الله تعالى. وفيها توفي نمير بن أوس الأشعري قاضي دمشق، من الطبقة ~~الرابعة من التابعين؛ ولاه الخليفة هشام القضاء ثم استعفاه فأعفاه. وفيها ~~توفي محارب بن دثار السدوسي الشيباني، أبو المطرف؛ من الطبقة الثالثة من ~~تابعي أهل الكوفة؛ قال: لما أكرهت على القضاء بكيت وبكى عيالي، فلما عزلت ~~عن القضاء بكيت وبكى عيالي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية حنظلة # ### || AUT بن صفوان على مصر # وهي سنة اثنتين وعشرين ومائة: فيها خرج بالمغرب ميسرة الحقير وعبد ~~الأعلى مولى موسى بن نصير متعاضدين ومعهما خلائق من الصفرية،، فخرج لقتالهم ~~متولي إفريقية عبيد الله بن الحبحاب وقاتلهم واستظهر عليهم والي إفريقية، ~~لكن قتل ابنه إسماعيل ؛ ثم جهز لهم عبيد الله بن الحبحاب جيشا ثانيا عليه ~~أبو الأصم خالد، فقتل أبو الأصم المذكور في جماعة من الأشراف في آخر السنة. ~~واستفحل أمر الصفرية وبايعوا الشيخ عبد الواحد بالخلافة، فلم يتم أمره وقتل ~~بعد حروب كثيرة. وقتل في هذه الواقعة وغيرها في هذه السنة خلائق كثيرة. ~~وكان عبيد الله بن الحبحاب قد جهز جيشا آخر مع حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة ~~الفهري إلى جزيرة صقلية فظفر حبيب المذكور ظفرا ما سمع بمثله. وسار حتى نزل ~~على أكبر مدائن صقلية، وهي مدينة سرقوسة، وهابته النصارى وذلوا لإعطاء ~~الجزية. ووقع بالمغرب في هذه السنة حروب مهولة متداولة. وفيها توفي شهيدا ~~زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ~~وصلب مدة طويلة، وقد تقدم ذكر واقعته في سنة إحدى وعشرين ومائة. وفيها توفي ~~إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني البصري، من الطبقة الثالثة من تابعي ~~أهل ms0224 البصرة؛ وكنيته أبو واثلة؛ وكان قاضيا على البصرة؛ وكان سيدا فاضلا ~~ذكيا، له نوادر غريبة، كان يقول: أذكر ليلة ولدت وضعت أمي على رأسي جفنة. ~~قال إياس: قلت لأمي: ما شيء سمعته عند ولادتي يا أمي؟ فقالت: طست وقع من ~~أعلى الدار ففزعت فولدتك في تلك الساعة. قلت: وعلى هذا يكون سماعه لذلك وهو ~~في بطن أمه، فإنها لما سمعت الضجة ولدت من الفزع. فيكون سماع إياس لذلك قبل ~~أن ينزل من بطن أمه. PageV01P0112 # وفيها توفي بلال بن سعد بن تميم السكوني بفتح السين المهملة من الطبقة ~~الرابعة من تابعي أهل الشأم ؛ كان بالشأم مثل الحسن البصري في العراق، وكان ~~إمام جامع دمشق، فكان إذا كبر سمع صوته من الأوزاع قرية على باب الفراديس ~~ولم يكن البنيان يومئذ متصلا؛ هكذا نقل أبو المظفر في تاريخه مرآة الزمان. ~~وفيها توفي الأمير مسلمة ابن الخليفة عبد الملك بن مروان، أبو شاكر. وقيل: ~~أبو سعيد وقيل: أبو الأصبع ؛ كان شجاعا صاحب همة وعزيمة، وله غزوات كثيرة ~~من ولاية أبيه عبد الملك إلى هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان وستة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ~~السنة الخامسة من ولاية حنظلة بن صفوان ### || AUT على مصر # وهي سنة ثلاث وعشرين ومائة. فيها كانت وقعة عظيمة بين البربر وبين كلثوم ~~بن عياض، فقتل كلثوم في المصاف واستبيح عسكره. كسرهم أبو يوسف الأزدي رأس ~~الضفرية والصفرية هم منسوبون إلى بني المهلب بن أبي صفرة. ثم وقعت أمور ~~ووقائع بالمغرب في هذه السنة أيضا يطول شرحها. وفيها حج بالناس يزيد ابن ~~الخليفة هشام بن عبد الملك وصحبه الزهري بن شهاب، فهناك لقي الزهري مالك بن ~~أنس وسفيان بن عيينة. وفيها خرج خمسة وعشرون ألفا من الروم ونزلوا بملطية، ~~فبعث إليهم هشام بن عبد الملك الجيوش فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ولله الحمد. ~~وفيها توفيت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، وأمها أم كلثوم بنت أبي ~~بكر الصديق؛ وأول أزواج عائشة ms0225 عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ~~ثم تزوجها مصعب بن الزبير فاصدقها مائة ألف دينار. وعن الكلبي قال: قال عبد ~~الملك بن مروان يوما لجلسائه: من أشجع العرب؟ قيل: شبيب، وقيل: فلان وفلان؛ ~~فقال: إن أشجع العرب رجل ولي العراقين خمس سنين فأصاب ألف ألف وألف ألف ~~وألف ألف، وتزوج سكينة بنت الحسين بن علي وعائشة بنت طلحة، وابنة الحميد ~~بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وابنة ريان بن أنيف الكلبي، وأعطي الأمان ~~فأبى ومشى بسيفه حتى مات، ذاك مصعب بن الزبير. وأظنها تزوجت بعد مصعب. وأما ~~الذين ذكر وفاتهم الذهبي في هذه السنة فجماعة مختلف فيهم، قال: توفي ثابت ~~البناني، وقد تقدم ذكره، وتوفي ربيعة بن يزيد القصير بدمشق، وأبو يونس سليم ~~مولى أبي هريرة، وسماك بن حرب الذهلي، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وشرحبيل ~~بن سعد المدني، وأبو عمران الجني عبد الملك بن حبيب، وأبن محيصن مقرئ مكة، ~~ومحمد بن واسع عابد البصرة، وقد تقدم ذكره، ومالك بن دينار، يأتي ذكره. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ~~ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية حفص بن الوليد ثانيا # ### || AUT على مصر # PageV01P0113 # قلت: تقدم التعريف بحفص هذا في أول ترجمته لما ولي مصر في سنة ثمان ~~ومائة. وكان سبب ولايته هذه الثانية على مصر أن حنظلة بن صفوان ولما ولي ~~إفريقية، أقر حفصا هذا على صلاة مصر وتوخه إلى إفريقية، فأقره الخليفة هشام ~~بن عبد الملك على إمرة مصر على الصلاة، وذلك في،ربع شهر ربيع الآخر سنة ~~أربع وعشرين ومائة. وقال صاحب البغية: فأقره هشام يعني على إمرة مصر، ثم ~~جمع له بين الصلاة والخراج في ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان ~~سنة أربع وعشرين ومائة. فجعل على شرطته عقبة بن نعيم الرعيني، وجعل على ~~الديوان يحيى بن عمرو العسقلاني، وعلى الزمام عيسى بن عمرو؛ ثم صرفه ~~الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك عن الخراج وولاه ms0226 عيسى بن أبي عطاء يوم ~~الثلاثاء لسبع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائة، وانفرد بالصلاة. ثم ~~استعفى مروان بن محمد بن مروان فأعفاه، فكانت ولايته هذه ثلاث سنين إلا ~~شهرا.وقال غيره: جمع له هشام بن عبد الملك الصلاة والخراج معا. وكان لأمراء ~~مصر مدة سنين أن، يلي الأمير على الصلاة لا غير، فلما جمع لحفص بين الصلاة ~~والخراج وقع في أيامه شراقي وقحط بالديار المصرية، فاستسقى حفص بالناس وخطب ~~ودعا الله سبحانه وتعالى وصلى، ثم عاد إلى منزله. فلم يكن إلا القليل وورد ~~عليه موت الخليفة هشام بن عبد الملك، واستخلف من بعده الوليد بن يزيد بن ~~عبد الملك بن مروان، فأقر الوليد حفصا هذا على ما كان عليه من إمرة مصر على ~~الصلاة والخراج أياما قليلة، ثم صرفه عن الخراج بعيسى بن أبي عطاء في ثالث ~~عشرين شوال سنة خمس وعشرين ومائة وانفرد حفص بالصلاة. ثم خرج حفص من مصر ~~إلى الشأم ووفد على الوليد بن يزيد بعد أن أستخلف على صلاة مصر عقبة بن ~~نعيم الرعيني. وعند وصول حفص إلى دمشق اختلف الناس على الوليد وخلعوه من ~~الخلافة ثم قتلوه، لسوء سيرته وقبيح أفعاله، كل ذلك وحفص بالشأم، وبويع ~~بالخلافة ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. ولما ولي يزيد ~~المذكور الخلافة أقر حفصا هذا على عمله وأمره بالعود إلى مصر وأن يفرض ~~للجند ثلاثين ألفا. فعاد حفص إلى مصر وفرض الفروض وبعث بيعة أهل مصر إلى ~~يزيد بن الوليد. فلم تطل مدة أيام يزيد وتوفي وبويع بالخلافة من بعده ~~إبراهيم بن الوليد، فلم يتم عليه أمره وتغلب عليه مروان بن محمد بن مروان ~~الجعدي المعروف بالحمار، ودعا لنفسه وتم له ذلك؛ فلما بلغ حفصا ذلك بعث ~~يستعفيه من ولاية مصر فأعفاه مروان وولى مكانه حسان بن عتاهية. وكانت ولاية ~~حفص هذه الثانية نحو ثلاث سنين. وقال الحافظ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد ~~ين يونس في تاريخه بعدما ذكر نسبه بنحو ما ذكرناه ms0227 في ولايته الأولى على مصر ~~لكنه زاد فقال: الحضرمي، ثم من بني عوف بن معاذ؛ كان أشرف حضرمي بمصر في ~~أيامه، ولم يكن خليفة من بعد الوليد إلا وقد استعمله؛ كان هشام بن عبد ~~الملك قد شرفه ونوه بذكره وولاه مصر بعد الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم ~~نحوا من شهر ثم عزله. فدخل على هشام فألفاه في التجهيز إلى الترك فولاه ~~الصائفة فغزا ثم رجع فولي نحر مصر سنة تسع عشرة ومائة وسنة عشرين ومائة ~~وسنة إحدى وعشرين ومائة وسنة اثنتين وعشرين ومائة. فلما قتل كلثوم بن عياض ~~القشيري عامل هشام على إفريقية، وكان قتله في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ~~ومائة، كتب هشام إلى حنظلة بن صفوان الكلبي عامله على جند مصر بولايته على ~~إفريقية فشخص إليها. وكتب إلى حفص بن الوليد بولاية جند مصر وأرضها، فولي ~~حفص عليها بقية خلافة هشام، وخلافة الوليد بن يزيد، وخلافة يزيد بن الوليد، ~~وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد إلى سنة ثمان وعشرين ومائة. وحدث عنه ~~يزيد بن أبي حبيب، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة ~~وغيرهم. وكان ممن خلع مروان مع رجاء بن الأشم الحميري وثابت بن نعيم بن زيد ~~بن روح بن سلامة الخذامي وزامل بن عمرو الحراني في عدة من أهل مصر والشام، ~~فقتله حوثرة بن سهيل الباهلي بمصر في شوال سنة ثمان وعشرين ومائة، وخبر ~~مقتله يطول. وقال المسور الخولاني يحذر أبن عم له من مروان ويذكر قتل مروان ~~حفص بن الوليد ورجاء بن الأشيم ومن قتل معهما من أشراف أهل مصر: الطويل وإن ~~أمير المؤمنين مسلط ... على قتل أشراف البلاد فأعلم PageV01P0114 # فإياك لا تجني من الشر غلطة ... فتودي كحفص أو رجاء بن أشيم فلا خير في ~~الدنيا ولا العيش بعدهم ... وكيف وقد أضحوا بسفح المقطم قال ابن يونس: ~~حدثنا أحمد بن شعيب، حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي عن جدي ~~عن يزيد بن أبي حبيب عن حفص بن ms0228 الوليد عن محمد بن مسلم عن عبيد الله بن عبد ~~الله، حدثه أن ابن عباس حدثه: أن شاة ميتة كانت لمولاة ميمونة من الصدقة ~~فأبصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: انزعوا جلدها فانتفعوا به ~~قالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها. قال أبو سعيد بن يونس: أسند حفص ~~غير هذا الحديث: حدثني أبي عن جدي أنه حدثه ابن وهب حدثني الليث: أن حفص بن ~~الوليد أول ولايته بمصر أمر بقسم مواريث أهل الذمة على قسم مواريث ~~المسلمين، وكانوا قبل حفص يقسمون مواريثهم بقسم أهل دينهم. انتهى كلام ابن ~~يونس. وقد ساق ابن يونس ترجمة حفص على سياق واحد ولم يدع لولايته الثالثة ~~على مصر شيئا. ولا بد من ذكر ولايته الثالثة هنا لما شرطناه في كتابنا هذا ~~من ذكر كل وال في وقته وزمانه، ونذكره إن شاء الله تعالى بزيادات أخر. ### || AUT السنة الأولى من ولاية حفص # ### || AUT ### || AUT بن الوليد الثانية على مصر # وهي سنة أربع وعشرين ومائة: فيها عاثت الصفرية ببلاد المغرب وحاصروا ~~قابسا ونصبوا عليها المجانيق. وافترقت الصفرية بعد قتل ميسرة فرقتين. ثم ~~ولى الخليفة حنظلة أمير مصر أمر إفريقية لما بلغه قتل كلثوم، كما تقدم ~~ذكره. وفيها قدم جماعة من شيعة بني العباس من خراسان إلى الكوفة يريدون أخذ ~~البيعة لبني العباس فأخذوا وحبسوا ثم أطلقوا. وفيها غزا سليمان بن هشام ~~الصائفة والتقاه ملك الروم أليون،فهزمه سليمان وغنم. وفيها قتل كلثوم بن ~~عياض، أمير المغرب، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل الشأم؛ وكان جليلا ~~نبيلا فصيحا له خطب ومواعظ. قتل بالمغرب في وقعة كانت بينه وبين ميسرة ~~الصفري. ثم مات ميسرة أيضا في آخر السنة. وفيها توفي الزهري، واسمه محمد بن ~~مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن ~~كلاب بن مرة، الإمام أبو بكر القرشي الزهري المدني أحد الأعلام، من تابعي ~~أهل المدينة من الطبقة الرابعة؛ كان حافظ زمانه. قال الليث بن سعد: قال ms0229 ابن ~~شهاب: ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد نشري. ولد سنة خمسين، وطلب ~~العلم في أواخر عصر الصحابة، وله نيف وعشرون سنة. فروى عن ابن عمر حديثين، ~~وروى عن جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وروي عنه الجم الغفير. وذكر ~~الذهبي جماعة أخر، قال: توفي عبد الله بن قيس الجهني، وعمرو بن سليم الزرقي ~~أبو طلحة، والقاسم بن أبي بزة المكي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن ~~زرارة، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد تقدم ذكره، ومحمد بن علي بن عبد ~~الله بن عباس، وأبو جمرة بالجيم والراء نصر بن عمران الضبعي. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية ~~عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية حفص # ### || AUT ### || AUT بن الوليد الثانية على مصر # وهي سنة خمس وعشرين ومائة: فيها كانت فتن كثيرة بالمغرب بين الأمير ~~حنظلة بن صفوان المعزول عن إمرة مصر والمتولي إفريقية وبين عكاشة الخارجي. ~~فكانت بينهم وقعة لم يسمع بمثلها، وانهزم عكاشة وقتل من البربر مالا يحصى؛ ~~ثم التقى حنظلة ثانيا مع عبد الواحد على فرسخ من القيروان، وجمع عبد الواحد ~~ثلاثمائة ألف مقاتل، فبذل حنظلة الأموال وضج الناس والنساء والأطفال ~~بالدعاء، وبقي حنظلة يسير بين الصفوف بنفسه ويحرض على القتال. وكسر أصحاب ~~حنظلة أغماد سيوفهم والتحمت الحرب وانكسرت ميسرة الإسلام، وحنظلة على ~~تحريضه حتى تراجعوا، وهزم الله عبد الواحد وجيوشه ثم قتل؛ وأتي حنظلة ~~برأسه؛ وقتل من البربر مقتلة عظيمة لم يسمع بمثلها، فكانت هذه ملحمة ~~مشهودة؛ ثم أسر عكاشة وأتي به إلى حنظلة فقتله وقتل جماعة كثيرة من أصحابه. ~~وقيل: أحصي من قتل في هذه الوقعة فبلغوا مائة ألف وثمانين ألفا. وهذه ~~الملحمة أعظم ملحمة وقعت في الإسلام بالمغرب. وفيها عقد الوليد بن يزيد بن ~~عبد الملك البيعة لابنيه الحكم وعثمان في شهر رجب بعد أن ولي الخلافة بشهر ~~واحد، وكتب بذلك إلى الآفاق. PageV01P0115 # وفيها توفي محمد بن علي ms0230 بن عبد الله بن عباس العباسي الهاشمي؛ ومحمد هذا ~~هو والد السفاح، أول خلفاء بني العباس، وكنيته أبو عبد الله، وكان أصغر من ~~أبيه علي بأربع عشرة سنة. فلما شابا خضب أبوه علي بالسواد وابنه محمد هذا ~~بالحناء، فلم يفرق بينهما إلا الخضاب لتشابههما. ومولد محمد هذا بالقرب من ~~أرض البلقاء سنة ثمان وخمسين وقيل: سنة ستين. وفي الليلة التي مات فيها ~~محمد هذا ولد فيها محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، فسمي المهدي على اسم ~~جده محمد المذكور وكني بكنيته. وكان محمد هذا بويع بالخلافة سرا وفرق ~~الدعاة في البلاد، فلم يتم أمره ومات. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين ~~هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس،. ~~الأموي القرشي الدمشقي أبو الوليد؛ ولد سنة نيف وسبعين واستخلف بعهد من ~~أخيه يزيد بن عبد الملك، واستخلف وعمره أربع وثلاثون سنة، ودام في الخلافة ~~تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأياما؛ وكان جميل الصورة يخضب بالسواد، وبعينيه ~~حول مع كيس.وأمه فاطمة بنت هشام بن الوليد المغيرة المخزومي قال مصعب ~~الزبيري: زعموا أن عبد الملك رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، ~~فدس من يسأل سعيد بن المسيب عنها، وكان يعبر الرؤيا، وعظمت على عبد الملك، ~~فقال سعيد بن المسيب: يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان هشام هذا آخرهم، لأن ~~أولهم الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام. قال حماد الراوية: لما ولي ~~هشام الخلافة طلبني فحضرت عنده فوجدته جالسا في فرش قد غرق فيه، وبين يديه ~~صحفة من ذهب مملوءة مسكا مذوبا بماء ورد وهو يقلبه بيده فتفوح رائحته، ~~فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال: يا حماد، إني ذكرت بيتا من الشعر ما عرفت ~~قائله وهو هذا: الخفيف ودعوا بالصبوح يوما فجاءت ... قينة في يمينها إبريق ~~فقلت: هو لعدي بن زيد، فقال: أنشدني القصيدة، فأنشدته إياها، فقال: سل ~~حاجتك، وكان على رأسه جاريتان كأنهما أقمار، وفي أذن كل واحدة منهما ~~جوهرتان يضيء ms0231 منهما المنزل، فقلت: يا أمير المؤمنين، جارية من هاتين، فقال: ~~هما لك، وأمر لي بمائة ألف درهم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية حفص # ### || AUT بن الوليد الثانية على مصر # وهي سنة ست وعشرين ومائة: فيها خرج يزيد بن الوليد بن عبد الملك على أبن ~~عمه الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك لما أنتهك الوليد المذكور الحرمات ~~وكثر فسقه وسمته الرعية على قصر مدته. فبويع يزيد هذا بالمزة ووثب على دمشق ~~وجهز عسكرا لقتال الخليفة الوليد. وكان الوليد بتدمر قد أنهزم إليها عاكفا ~~على المعاصي بها، فخرج الوليد وقاتل العسكر وانكسر وقتل بنواحي تدمر، على ~~ما يأتي ذكره؛ وتم أمر يزيد في الخلافة، وسمي بالناقص، لكنه لم تطل مدته ~~أيضا ومات، على ما يأتي ذكره أيضا. وفيها توفي خالد بن عبد الله بن يزيد بن ~~أسد بن كرز بن عامر البجلي القسري؛ ولي خالد المذكور أعمالا جليلة مثل مكة ~~المشرفة والعراق وغيرهما. وكانت أمه نصرانية فكان يعير بها؛ وكان بخيلا على ~~الطعام جدا؛ ذكر عنه أبو المظفر أمورا شنيعة من هذا الباب. وفيها توفي ~~الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن ~~أمية الهاشمي الأموي الدمشقي المعروف بالفاسق؛ ولد سنة تسعين وقيل سنة ~~اثنتين وتسعين. ولما احتضر أبوه يزيد بن عبد الملك لم يمكنه أن يستخلفه ~~لأنه صبي، فعهد إلى أخيه هشام بن عبد الملك وجعل ابنه هذا الوليد ولي العهد ~~من بعد هشام. وأم الوليد بنت محمد بن يوسف الثقفي، فالحجاج عم أمه. ولما ~~مات عمه هشام ولي الخلافة وصدرت عنه تلك الأمور القبيحة المشهورة عنه: من ~~شرب الخمر والفجور وتخريق المصحف بالنشاب. وذكر عنه بعض أهل التاريخ أمورا ~~أستبعد وقوعها، منها: أنه دخل يوما فوجد ابنته جالسة مع دادتها فبرك عليها ~~وأزال بكارتها، فقالت له دادتها: هذا دين المجوس، فأنشد: مخلع البسيط ms0232 من ~~راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور PageV01P0116 # قال: وأخذ يوما المصحف وفتحه، فأول ماطلع له واستفتحوا وخاب كل جبار ~~عنيد، فقال: أتوعد ني! ثم علقه ولا زال يضربه بالنشاب حتى خرقه ومزقه وهو ~~ينشد: الوافر أتوعد كل جبار عنيد ... فهأنا ذاك جبار عنيد إذا لاقيت ربك ~~يوم حشر ... فقل يا رب خرقني الوليد ولما كثر فسقه خلعوه من الخلافة بابن ~~عمه يزيد بن الوليد وقتلوه في جمادى الآخرة؛ وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، ~~وتوفي ابن عمه يزيد المذكور بعده بمدة يسيرة، كما سيأتي ذكره. وفيها: توفي ~~سعيد بن مسروق والد سفيان الثوري. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين يزيد ~~بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الهاشمي الأموي الدمشقي أبو ~~خالد، المعروف بيزيد الناقص، لأنه نقص الجند من عطائهم لما ولي الخلافة. ~~وكان الوليد ابن عمه زاد الجند زيادات كثيرة فنقصها يزيد هذا لما ولي ~~الخلافة ومشى الأمور على عاداتها. وثب يزيد على الخلافة لما كثر فسق آب عمه ~~الوليد، وتم أمره بعد قتل الوليد، وبويع بالخلافة في جمادى الآخرة من سنة ~~ست وعشرين ومائة المذكورة. وأم يزيد هذا شاه فرند بنت فيروز بن يزد جرد؛ ~~حكي أن قتيبة بن مسلم ظفر بما وراء النهر بابنتي فيروز فبعث بهما إلى ~~الحجاج بن يوسف، فبعث الحجاج بإحداهما، وهي شاه فرند، إلى الخليفة الوليد ~~بن عبد الملك فأولدها يزيد هذا. وكانت أم فيروز بن يزد جرد بنت شيرويه بن ~~كسرى، وأم شيرويه بنت خاقان، وأم أم فيروز هي بنت قيصر عظيم الروم، ولهذا ~~كان يزيد يفتخر ويقول: السريع أنا ابن كسرى وجدي مروانوقيصر جدي وجدي خاقان ~~قلت: وكان يزيد هذا لا بأس به، غير أن أيامه لم تطل. ومات في سابع ذي الحجة ~~من سنة ست المذكورة. وذكر الذهبي وفاة جماعة كثيرة في هذه السنة مختلف في ~~وفاتهم، كما هي عادة سياقه، فإنه يذكر الواحد في عدة أماكن، فنحن نذكر ~~مقالته ولا نتقيد بها، ومن وقع لنا ممن ذكره ترجمناه ms0233 على عادة كتابنا هذا ~~في محله، قدمه الذهبي أو أخره، فقال: توفي جبلة بن سحيم، وخالد بن عبد الله ~~القسري الأمير، ودراج أبو السمح، وسعيد بن مسروق والد سفيان الثوري، ~~وسليمان بن حبيب المحاربي، وقد تكرر في عدة سنين، وعبد الرحمن بن القاسم بن ~~محمد، والكميت بن زيد الشاعر، وعبيد الله بن أبي يزيد المكي، وعمرو بن ~~دينار، والوليد قتل في جمادى الآخرة فكانت خلافته خمسة عشر شهرا، ويزيد بن ~~الوليد الناقص مات في ذي الحجة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ذراعان وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثني عشر إصبعا. ### | AUT ولاية حسان بن عتاهية # ### || AUT على مصر # هو حسان بن عتاهية بن عبد الرحمن بن حسان بن عتاهية بن خزز بن سعد بن ~~معاوية التجيبي. وقال صاحب البغية: حسان بن عتاهية بن عبد الرحمن. ولاه ~~مروان بن محمد بن المعروف بالحمار على إمرة مصر وهو بالشأم، فأرسل حسان من ~~الشأم بكتاب إلى ابن نعيم باستخلافه على صلاة مصر إلى أن يحضر من الشأم، ~~فسلم حفص بن الوليد الأمر إلى أبن نعيم؛ ثم قدم حسان المذكور إلى مصر في ~~ثاني عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة على الصلاة لا غير. وزاد صاحب ~~البغية وقال: قدم في يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة. وكان ~~عيسى بن أبي عطاء على الخراج، فلما أستقر أمر حسان في إمرة مصر أسقط الفروض ~~التي كان قررها حفص بن الوليد في ولايته وقطع فروض الجند كلها، فوثبوا عليه ~~وقاتلوه وقالوا: لا نرضى إلا بحفص. وركبوا إلى المسجد ودعوا إلى خلع مروان ~~الحمار من الخلافة وحصروا حسان في داره، وقالوا له: اخرج عنا، فإننا لا ~~نقيم معك ببلد. ثم أخرجوا عيسى بن أبي عطاء صاحب الخراج من مصر، كل ذلك في ~~آخر جمادى الأخرة، ثم أخرجوا حفصا من سجنه وولوه أمرهم. وتوجه حسان هذا إلى ~~الشأم ودام بها من جملة أمراء بني أمية إلى أن زالت دولة بني ms0234 أمية وتولت ~~العباسية. قتل حسان هذا مع من قتل بمصر من أعوان بني أمية في سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة. وكانت ولاية حسان ### || AUT على مصر # ستة عشر يوما وقيل: إن حسان كان من أعوان بني العباس، والأول أشهر؛ ~~وتولى بعده حفص بن الوليد ثالثا. PageV01P0117 # NOTMATCH ### || AUT بن الوليد الثالثة على مصر NOTMATCH # وقال الحافظ أبو سعيد بن يونس: شهد حسان بن عتاهية جد عتاهية والد صاحب ~~الترجمة فتح مصر وصحب عمر بن الخطاب؛ وابنه عبدا لرحمن بن حسان بن عتاهية ~~يروي عنه مخيس بن ظبيان، وفي نسخة: عبد الغني. وحدثني أحمد بن علي بن دارح ~~بن رجب الخولاني حدثني عمي عاصم بن دارح حدثنا عبيد الله بن سعيد بن كثير ~~بن عفير حدثني أبي حدثني عمرو بن يحيى السدي حدثني عبد الله بن عبد الرحمن ~~بن معاوية بن حديج قال: سألني أبو جعفر المنصور: ما فعل حسان بن عتاهية؟ ~~قلت: قتله شعبة. قال: قتله الله. كان لنا جليسا عند عطاء بن أبي رباح. قال ~~سعيد بن كثير: شعبة هذا هو ابن عثمان التميمي؛ كان على المصرية، وهو أول من ~~قدم مصر من قواد المسودة، وكان على مقدمة عامر بن إسماعيل المرادي الجرجاني ~~الذي قتل مروان بن محمد الحمار. ضبط الأسماء الغريبة في هذه الترجمة: ~~عتاهية بفتح العين المهملة والتاء المثناة، و خزز بفتح الخاء المعجمة ~~والزاي الأولى وسكون الزاي الثانية، و التجيبي بضم التاء المثناة من فوق ~~وكسر الجيم وياء ساكنة وباء ثانية الحروف. ### | AUT ولاية حفص بن الوليد الثالثة # ### || AUT على مصر # ولما ثار أهل مصر على حسان بن عتاهية وأخرجوه منها لحق بالخليفة مروان ~~بن محمد بن مروان المعروف بالحمار في الشأم، وذكر له حسان ما وقع له مع أهل ~~مصر؛ واستمر حفص بن الوليد على صلاة مصر شهر رجب وشعبان. وقدم الأمير حنظلة ~~بن صفوان من إفريقية، وقد أخرجه أهلها فنزل بالجيزة غربي مدينة مصر، ودام ~~هناك إلى أن قدم عليه كتاب الخليفة مروان الحمار بولايته ### || AUT ms0235 على مصر # ، فامتنع المصريون من ولاية حنظلة بن صفوان عليهم، ومنعوه من الدخول إلى ~~مصر وأظهروا الخلاف. ثم أخرجوا حنظلة من الجيزة إلى الوجه الشرقي، ومنعوه ~~من المقام بالفسطاط، وحاربوه فحاربهم فهزم، وتم أمر حفص؛ وسكت مروان عن مصر ~~بقية سنة سبع وعشرين ومائة. ثم عزل حفص في مستهل سنة ثمان وعشرين ومائة وولي عوضه ### || AUT على مصر # الحوثرة بن سهيل أخو عجلان الباهلي. وواقع الحوثرة حفصا وقتله، كما ذكره ~~ابن يونس وغيره في ترجمته الثانية. وكان قتل حفص المذكور في يوم الثلاثاء ~~لليلتين خلتا من شوال سنة ثمان وعشرين ومائة؛ ورثاه صديقه أبو بحر مولى عبد ~~الله بن إسحاق مولى آل الحضرمي من حلفاء عبد شمس بعدة قصائد، وكان أب وبحر ~~أمأمأ في. النحو واللغة؛ تعلم ذلك من يحيى بن يعمر، ومات في سنة سبع وعشرين ~~ومائة؛ وكان أبو بحر يعيب الفرزدق في شعره وينسبه إلى اللحن، فهجاه الفرزدق ~~بقوله: الطويل فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا ~~فقال له أبو بحر عبد الله المذكور: قد لحنت أيضا يا فرزدق في قولك: مولى ~~مواليا، بل كان ينبغي أن تقول: مولى موال. ### || AUT السنة الأولى من ولاية حفص # بن الوليد الثالثة ### || AUT على مصر # وهي سنة سبع وعشرين ومائة: على أن حسان بن عتاهية حكم منها ### || AUT على مصر # ستة عشر يوما في جمادى الآخرة. فيها وقع بالشأم وغيره عدة فتن وحروب من ~~قبل مروان الحمار وغيره حتى ولي الخلافة وخلع إبراهيم بن الوليد الذي كان ~~تخلف بعد موت أخيه يزيد بن الوليد الناقص ولم يتم أمره؛ وكان مروان المذكور ~~متولي أذربيجان وأرمينية، فلما بلغه موت يزيد جمع الأبطال والعساكر وأنفق ~~عليهم الأموال حتى بلغ قصده وولي الخلافة وتم أمره؛ وفي آخر السنة المذكورة ~~بايع مروان لابنيه عبيد الله وعبد الله بالعهد من بعده وزوجهما بابنتي هشام ~~بن عبد الملك، ولم يدر ماخبىء له في الغيب من زوال دولته ببني العباس.وفيها ~~حج بالناس عبد العزيز بن ms0236 عمر بن عبد العزيز الأموي وهو أمير مكة والمدينة ~~والطائف. وفيها خلع سليمان بن هشام مروان الحمار من الخلافة. وكان سليمان ~~بمدينة الرصافة، ووقع له مع مروان أمور وحروب. وفيها توفي الحكم بن الوليد ~~بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي؛ وكان الوليد عقد له ولأخيه ~~عثمان ولاية العهد بعده، وأستعمل الحكم هذا على دمشق وعثمان على حمص حتى ~~عزلهما يزيد بن الوليد الناقص. وفيها توفي عبد العزيز بن عبد الملك بن ~~مروان أبو الأصبع؛ وهو الذي تولى قتل الوليد بن يزيد فولاه يزيد الناقص ~~العهد بعد أخيه إبراهيم. PageV01P0118 # وفيها توفي مالك بن دينار العابد الزاهد أبو يحيى البصري، أحد الأعلام ~~الزهاد، قيل: إن أدم مالك المذكور كان في السنة بفلسين ملحا، وكان يلبس ~~إزار صوف وعباءة خفيفة وفي الشتاء فروة؛ وكان ينسخ المصحف في أربعة أشهر؛ ~~وفر شهرته ما يغني عن الإطناب في ذكره. وفي هذه السنة أيضا كان الطاعون ~~بالشأم ومات فيه خلائق لا تحصى، وكان هذا الطاعون يسمى ب طاعون غراب. ذكر ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم على القاعدة المتقدم ذكرها في سنة ست وعشرين ~~ومائة. قال: وتوفي إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وبكير بن عبد الله بن ~~الأشج على الأصح، وسعد بن إبراهيم في قول، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر ~~الفهري، وعبد الكريم بن مالك الجزري، وعبد الله بن دينار المدني، وعمرو بن ~~عبد الله أبو إسحاق السبيعي، وعمير بن هانىء العنسي، ومالك بن دينار الزاهد ~~في قول، ومحمد بن واسع في قول خليفة، ووهب بن كيسان أيضا. أمر النيل: الماء ~~القديم ذراعان وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### | AUT ولاية حوثرة بن سهيل # ### || AUT على مصر # هو حوثرة بن سهيل أخو عجلان بن سهيل بن كعب بن عامر بن عمير بن رياح بن ~~عبد الله بن عبد قراص، الباهلي أمير مصر؛ ولاه مروان الحمار على إمرة مصر ~~بعد أن عزل عنها حفص بن الوليد المقدم ذكره، وجهز صحبته ms0237 بالعساكر لقتال حفص ~~بن الوليد. فخرج حوثرة من الشأم وسار منها بالعساكر حتى وصل إلى مصر في يوم ~~الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثمان وعشرين ومائة. وزاد صاحب ~~البغية فقال: ومعه سبعة آلاف فارس، وولاه مروان على الصلاة وعيسى بن أبي ~~عطاء على الخراج. ولما وصل حوثرة إلى مصر أجمع جند مصر وأهلها على منعه من ~~الدخول إلى مصر فأبى عليهم حفص بن الوليد ونهاهم عن ذلك، فخافوا حوثرة ~~وسألوه الأمان فأمنهم ونزل بظاهر الفسطاط، وقد اطمأنوا إليه. فخرج إليه حفص ~~بن الوليد في وجوه الجند فقبض حوثرة عليهم وقيدهم وأوسع الجند سبا فانهزم ~~الجند؛ فقام حوثرة من وقته ودخل إلى مصر ومعه عيسى بن أبي عطاء وهو على ~~الخراج على عادته وحوثرة على الصلاة لا غير؛ وبعث حوثرة في طلب رؤساء مصر ~~فجمعوا له فضرب أعناقهم وفيهم رجاء بن الأشيم الحميري من كبار المصريين، ثم ~~أخذ حفص بن الوليد فقتله. وأخذ في تمهيد أمور مصر، وتم أمره إلى سنة إحدى ~~وثلاثين ومائة ثم، عزله مروان الحمار عن إمرة مصر وبعثه إلى العراق لقتال ~~الخراسانية دعاة بني العباس فقتل هناك، وكان استخلف ### || AUT على مصر # أبا الجراح بشر بن أوس. وكان خروجه من مصر لعشر خلون من شهر رجب سنة ~~إحدى وثلاثين ومائة، فكانت ولايته ### || AUT على مصر # ثلاث سنين وستة أشهر. وولي مصر من بعده المغيرة بن عبيد الله الآتي ~~ذكره. ولما توجه حوثرة إلى الشأم ووجهه مروان الحمار إلى العراق نجدة لابن ~~هبيرة فتوجه إلى العراق ووقع له بها أمور. ولم يزل مع مروان الحمار إلى أن ~~انكسر مروان من أبي مسلم الخراساني صاحب دعوة بني العباس، وقيل: فقتل حوثرة ~~هذا مع من قتل من أعوان بني أمية فإنه كان مولى لبني أمية ومن كبار ~~أمرائهم. يقال: إنهم طحنوه طحنا لما ظفروا به حتى مات، فإنه كان شجاعا ~~مقداما صاحب رأي وتدبير وقوة وخبرة بالحروب. PageV01P0119 # وأما أمر حوثرة لما توجه إلى العراق لابن هبيرة فإنه ms0238 وصل إليه، وفي وصوله ~~له قدم على يزيد بن هبيرة ابنه داود منهزما، فخرج يزيد بن هبيرة ومعه حوثرة ~~هذا إلى نحو قحطبة في عدد كثير لا يحصى وساروا حتى نزلوا جلولاء. واحتفر ~~ابن هبيرة الخندق الذي كانت العرب احتفرته أيام وقعة جلولاء، وأقام به. ~~وأقبل قحطبة إلى جهة ابن هبيرة فارتحل ابن هبيرة وحوثرة بمن معهما إلى ~~الكوفة لقحطبة، وقدم حوثرة هذا أمامه في خمسة عشر ألفا إلى الكوفة، وقيل: ~~إن حوثرة لم يفارق يزيد بن هبيرة؛ وأرسل قحطبة طائفة من أصحابه إلى الأنبار ~~وغيرها وأمرهم بإحضار ما فيها من السفن ليعبر الفرات فبعثوا إليه كل سفينة ~~كانت هناك. فقطع قحطبة الفرات حتى صار في غربيه، ثم سار يريد الكوفة حتى ~~انتهى إلى الموضع الذي فيه ابن هبيرة وحوثرة، وذلك في محرم سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة لثمان مضين منه. وكان ابن هبيرة قد عسكر على فم الفرات من ~~أرض، الفلوجة العليا على ثلاثة وعشرين فرسخا من الكوفة، وكان قدم عليه أيضا ~~ابن ضبارة نجدة بعد حوثرة بن سهيل الباهلي المذكور، فقال حوثرة لابن هبيرة: ~~إن قحطبة قد مضى يريد الكوفة فاقصد أنت خراسان ودعه ومروان فإنك تكسره ~~وبآلحرى أن يتبعك، قال ابن هبيرة: ما كان ليتبعني ويدع الكوفة، ولكن الرأي ~~أن أبا دره إلى الكوفة. فعبر الدجلة من المدائن يريد الكوفة، واستعمل على ~~مقدمته حوثرة المذكور وأمره أن يسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على ~~جانبي الفرات، وقد قال قحطبة لأصحابه: إن الإمام أخبرني أن لي بهذا المكان ~~وقعة يكون النصر فيها، لنا. ثم عبر قحطبة من مخاضة وقاتل حوثرة ومحمد بن ~~نباتة فانهزم حوثرة ومحمد بن نباتة وأخوه ولحقوا بابن هبيرة، فانهزم ابن ~~هبيرة بهزيمتهم ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح ~~وغير ذلك. وقيل: إن حوثرة كان بالكوفة فبلغه هزيمة يزيد بن هبيرة فسار إليه ~~بمن معه. وأما أمر قحطبة فإنه فقد من عسكره بعد هزيمة عساكر ابن هبيرة، ~~فقال أصحاب قحطبة: من عنده عهد من ms0239 قحطبة فليخبر به، فقال مقاتل بن مالك ~~العكي: سمعت قحطبة يقول: إن حدث بي حدث فالحسن ابني أمير الناس. فبايع ~~الناس حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، وكان قد سيره أبوه قحطبة في سرية؛ ثم ~~أرسلوا إليه وأحضروه وسلموا إليه الأمر ثم بعثوا على قحطبة فوجدوه في جدول ~~هو وحرب بن سالم بن أحوز قتيلين، فظنوا أن كل واحد منهما قتل صاحبه. وقيل: ~~إن معن بن زائدة ضرب قحطبة على عاتقه فسقط في الماء فأخرجوه، فقال: شدوا ~~يدي إذا أنا مت وألقوني في الماء لئلا يعلم الناس بقتلي ثم كونوا في أمركم، ~~فوقع ذلك حتى انهزم عسكر ابن هبيرة. ### || AUT السنة الأولى من ولاية حوثرة # ### || AUT بن سهيل على مصر # وهي سنة ثمان وعشرين ومائة: فيها بعث إبراهيم العباسي أبا مسلم إلى ~~خراسان وأمره على أصحابه وكتب إليهم بذلك، فأتاهم فلم يقبلوا منه. وخرج من ~~قابل إلى مكة وأخبره أبو مسلم بذلك، ثم أرسله ثانيا كما سيأتي ذكره. وفيها ~~توفي إسماعيل بن عبد الرحمن السدي صاحب التفسير والمغازي والسير؛ كان إماما ~~عارفا بالوقائع وأيام الناس، من الطبقة الثانية من تابعي أهل الكوفة؛ وقيل: ~~إنه مات سنة سبع وعشرين ومائة. وفيها توفي جابر بن يزيد الجعفي، من الطبقة ~~الرابعة من تابعي أهل الكوفة. وقد تكلم فيه وضعفه بعضهم. وفيها توفي حيي بن ~~هانىء المعافري، أبو قبيل وأبو قبيل بفتح القاف وكسر الموحدة. غزا أبو قبيل ~~البحر مع جنادة والغرب في زمان معاوية. وكان شجاعا دينا متواضعا، يخرج إلى ~~السوق إلى حاجته بنفسه؛ روى عنه الليث بن سعد وغيره ومات بمصر. وفيها توفي ~~سعيد بن مسروق الثوري أبو سفيان، من الطبقة الثالثة من تابعي أهل الكوفة؛ ~~كان عالما زاهدا. وفيها توفي عبد الواحد بن زيد أبو عبيدة، واعظ البصرة، من ~~الطبقة الرابعة من تابعي أهل البصرة؛ كان من الزهاد وكان يحضر مجالس مالك ~~بن دينار. قال أبو نعيم: صلى عبد الواحد الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة. ~~PageV01P0120 # NOTMATCH ### || AUT بن سهيل على مصر NOTMATCH ms0240 # وفيها توفي عثمان بن عاصم بن حصين أبو حصين، بفتح الحاء الأسدي، من ~~الطبقة الرابعة من تابعي أهل الكوفة؛ قرىء القرآن عليه بمسجد الكوفة خمسين ~~سنة. وفيها توفي يزيد بن أبي حبيب، من الطبقة الثالثة. من تابعي أهل مصر؛ ~~وهو أول من أظهر بها الحلال والحرام والفقه، وإنما كانوا يتحدثون بالملاحم ~~والفتن. وكان الليث بن سعد يثني عليه ويقول: ابن أبي حبيب سيدنا. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ذراعان واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة ~~عشر ذراعا وإصبع واحد. ### || AUT السنة الثانية من ولاية حوثرة # ### || AUT على مصر # وهي سنة تسع وعشرين ومائة: فيها خرج بحضرموت طالب الحق، عبد الله بن ~~يحيى الكني الأعور؛ تغلب عليها واجتمع عليه الأباضية. ثم سار إلى صنعاء ~~وبها القاسم بن عمر الثقفي فوقع بينهم قتال كثير، انتصر فيه طالب الحق وهرب ~~القاسم وقتل أخوه الصلت، واستولى طالب الحق على صنعاء وأعمالها. ثم جهز إلى ~~مكة عشرة آلاف وبها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان فغلبوا على ~~مكة وخرج منها عبد الواحد المذكور. وفيها كتب ابن هبيرة أمير العراق إلى ~~عامر بن ضبارة فسار حتى أتى خراسان، وقد ظهر بها أبو مسلم الخراساني صاحب ~~دعوة بني العباس في شهر رمضان، وكان قد ظهر هناك عبد الله بن معاوية ~~الهاشمي، فقبض عليه أبو مسلم وسجنه وسجن معه خلقا من شيعته. وفيها توفي ~~سالم بن أبي أمية، أبو النضر، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، من ~~الطبقة الرابعة من تابعي أهل المدينة. كان يفد على عمر بن عبد العزيز ~~ويعظه، فقال له يوما: يا أمير المؤمنين، عبد خلقه الله بيده، ونفخ فيه من ~~روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، عصاه مرة واحدة فأخرجه من الجنة بتلك ~~الخطيئة الواحدة، وأنا وأنت نعصي الله كل يوم مرارا، ونتمنى على الله ~~الجنة! وكانت وفاته بالمدينة. ذكر من ذكر الذهبي وفاته في هذه السنة. قال: ~~فيها توفي أزهر بن سعيد الحرازي بحمص، والحارث بن ms0241 عبد الرحمن بالمدينة، ~~وخالد بن أبي عمران التجيبي قاضي إفريقية، وسالم أبو النضر المدني، وعلي بن ~~زيد بن جدعان التيمي، وقيس بن الحجاج السلفي، ومطر بن طهمان الوراق، ويحيى ~~بن أبي كثير اليماني، وبشر بن حرب الندبي وآخرون. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا ~~وثلاثة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية حوثرة # بن سهيل ### || AUT على مصر # وهي سنة ثلاثين ومائة: فيها اصطلح نصر بن سيار وجديع بن علي الكرماني ~~على قتال أبي مسلم الخراساني، فدس أبو مسلم الخراساني إلى ابن علي الكرماني ~~من خدعه، واجتمعا وقاتلا نصر بن سيار، فقوي جيش أبي مسلم الخراساني وتقهقر ~~نصر بن سيار بين يديه. فأخذ أبو مسلم أثقاله ثم أخذ مرو وقتل عاملها شيبان ~~الحروري. فأقبلت سعادة بني العباس وأخذ من يومئذ أمر بني أمية في إدبار. ثم ~~استولى أبو مسلم في هذه السنة على أكثر مدن خراسان، ثم ظفر بعبد الله بن ~~معاوية الهاشمي فقتله. ثم كتب نصر بن سيار إلى ابن هبيرة نائب العراق ~~يستنجده ويستصرخ به إلى الخليفة مروان الحمار. وفيها استولى جيش طالب الحق ~~على مكة، فكتب عبد الواحد أمير المدينة إلى الخليفة مروان الحمار يخبره ~~بخذلان أهل مكة ثم جهز جيشا إلى مكة فبرز لحربهم أعوان طالب الحق وعليهم ~~أبو حمزة والتقى الجمعان بقديد في صفر فانهزم جيش عبد الواحد، وسار أبو ~~حمزة فاستولى على المدينة أيضا. وقتل يوم وقعة القديد هذه ثلاثمائة نفس من ~~قريش: منهم حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام، وابنه عمارة، وابن أخيه مصعب ~~حتى قالت بعض النوائح: مجزوء الكامل، ما للزمان وما ليه ... أفنى قديد ~~رجاليه ثم إن مروان الحمار بعث جيشا عليه عبد الملك بن محمد بن عطية ~~السعدي،، فسار ابن عطية المذكور والتقى مع أبي حمزة مقدم عساكر طالب الحق ~~فكسره، وقتل أبرهة بن الصباح، الذي كان ولاه طالب الحق على مكة عند بئر ~~ميمونة. فبلغ طالب الحق ms0242 فأقبل من اليمن في ثلاثين ألفا، فخرج إليه عبد ~~الملك بن محمد المذكور بعساكر مروان فكانت بينهم وقعة عظيمة انهزم فيها ~~طالب الحق. ثم ألتقوا ثانيا، وثالثا قتل فيها طالب الحق في نحو من ألف ~~حضري؛ وبعث عبد الملك بن محمد برأسه إلى الخليفة مروان الحمار. ~~PageV01P0121 # وفيها كانت زلازل شديدة بالشام وأخر ببيت المقدس وأهلكت أولاد شداد بن ~~أوس فيمن هلك. وخرج أهل الشأم إلى البرية وأقاموا أربعين يوما على ذلك، ~~وقيل: كان ذلك في سنة إحدى وثلاثين ومائة. وفيها توفي الخليل بن أحمد بن ~~عمرو الفراهيدي، أبو عبد الرحمن النحوي البصري. قال ابن قز أوغلي: ولم يكن ~~بعد الصحابة أذكى من الخليل هذا ولا أجمع؛ وكان قد برع في علم الأدب؛ وهو ~~أول من صنف العروض ؛ وكان من أزهد الناس. قلت: ولعل ابن قز أوغلي واهم في ~~وفاة الخليل هذا، والذي أعرفه أنه كان في عصر أبي حنيفة وغيره. وذكر الذهبي ~~وفاته في سنة ستين ومائة، وقال ابن خلكان: كانت ولادته، يعني الخليل، في ~~سنة مائة من الهجرة وتوفي في سنة سبعين ومائة وقيل خمس وسبعين ومائة؛ وقال ~~ابن قانع في تاريخه المرتب على السنين: إنه توفي سنة ستين ومائة، وقال ابن ~~الجوزي في كتابه الذي سماه شذور العقود: إنه مات سنة ثلاثين ومائة وهذا غلط ~~قطعا، والصحيح أنه عاش لبعد الستين ومائة؛ ويقال: إنه كان له ولد فدخل عليه ~~فوجده يقطع بيت شعر بأوزان العروض، فخرج إلى الناس فقال: إن أبي جن فدخلوا ~~إليه وأخبروه، فقال مخاطبا لا بنه: الكامل لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... ~~أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل ~~فعذرتكا أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثلاتة عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع ونصف إصبع. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية الحوثرة # ### || AUT على مصر # إلى شهر رجب، ومن رجب حكمها المغيرة بن عبيد الله الآتي ذكره وهي سنة ~~إحدى وثلاثين ومائة. فيها ms0243 كانت وقعة بين ابن هبيرة وبين عامر بن ضبارة، ~~فالتقوا بنواحي أصبهان في شهر رجب فقتل ابن ضبارة في المصاف. وذكر محمد بن ~~جرير الطبري: أن عامر بن ضبارة كان في مائة ألف. ثم بعث ابن هبيرة إلى ~~مروان الحمار يخبره بقتله عامر بن ضبارة وطلب منه المدد فأمده بأمير مصر ~~صاحب الترجمة حوثرة بن سهيل الباهلي بعد أن عزله عن إمرة مصر وبعثه في عشرة ~~آلاف من قيس؛ ثم تجمعت جيوش مروان الحمار بنهاوند وعليهم مالك بن أدهم ~~فضايقهم قحطبة أربعة أشهر حتى خرجوا بالأمان في شوال؛ ثم قتل قحطبة وجوها ~~من عسكر أهل مصر. ثم أقبل قحطبة يريد العراق فخرج إليه متوليها ابن هبيرة ~~وانضم إليه المصريون والمنهزمون حتى صار في ثلاثة وخمسين ألفا ونزل جلولاء، ~~ونزل قحطبة في آخر العام بخانقين، فوقع بين الطائفتين عدة وقائع وبقوا على ~~ذلك إلى السنة الآتية. وفيها كان الطاعون العظيم، هلك فيه خلق كثير، حتى ~~قيل: إنه مات في يوم واحد سبعون ألفا قاله ابن الجوزي؛ وكان هذا الطاعون ~~يسمى: طاعون أسلم بن قتيبة. قال المدائني: كان بالبصرة في شهر رجب واشتد في ~~رمضان ثم خف في شوال وبلغ كل يوم ألف جنازة. وهذا خامس عشر طاعونا وقع في ~~الإسلام حسبما تقدم ذكره في هذا الكتاب. قال المدائني: وهذا كله في دولة ~~بني أمية. بل نقل بعض المؤرخين أن الطواعين في زمن بني أمية كانت لا تنقطع ~~بالشأم حتى كان خلفاء بني أمية إذا جاء زمن الطاعون يخرجون إلى الصحراء؛ ~~ومن ثم اتخذ هشام بن عبد الملك الرصافة منزلا، وكانت الرصافة بلدة قديمة ~~للروم. ثم خف الطاعون في الدولة العباسية، فيقال: إن بعض أمراء بني العباس ~~بالشأم خطب فقال: احمدوا الله الذي رفع عنكم الطاعون منذ ولينا عليكم، فقام ~~بعض من له جرأة فقال: إن الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون. وفيها ~~تحول أبو مسلم الخراساني عن مرو ونزل نيسابور واستولى على عامة خرا سان. ~~وفيها توفي واصل بن عطاء، ms0244 أبو حذيفة البصري، مولى بني مخزوم، وقيل: مولى ~~بني ضبة. ولد سنة ثمانين بالمدينة؛ وكان أحد البلغاء لكنه كان يلثغ بالراء ~~يبدلها غينا؛ وكان لاقتداره على العربية وتوسعه في الكلام يتجنب الراء في ~~خطابه؛ وفي هذا المعنى يقول بعض الشعراء: الكامل وجعلت وصلي الراء لم تنطق ~~به ... وقطعتني حتى كأنك واصل PageV01P0122 # وواصل هذا هو رأس المعتزلة ؛ والخوارج لما كفرت بالكبائر، قال واصل: بل ~~الفاسق لا مؤمن ولا كافر منزلة بين المنزلتين، فلذلك طرده الحسن البصري عن ~~مجلسه، فجلس عند واصل عمرو بن عبيد واعتزلا مجلس الحسن البصري فمن يومئذ ~~قيل لهم: المعتزلة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وتسعة ~~أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### | AUT ولاية المغيرة بن عبيد الله # ### || AUT ### || AUT على مصر # هو المغيرة بن عبيد الله بن المغيرة بن عبيد الله بن سعد بن حكم بن ~~مالك، بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي، بن فزارة ~~الفزاري. وقال صاحب البغية: المغيرة بن عبيد الله بن مسعدة خالف في الج. ~~ولاه الخليفة مروان الحمار ### || AUT ### || AUT على مصر # بعد عزل حوثرة وتوجهه إلى العراق نجدة لابن هبيرة، فقدم المغيرة إلى مصر ~~في سادس عشر من شهر رجب سنة إحدى وثلاثين ومائة على الصلاة. وقال صاحب ~~البغية: ولاه مروان بن محمد على الصلاة فقدم يوم الأربعاء لست بقين من رجب ~~سنة إحدى وثلاثين ومائة فجعل على شرطته ابنه عبد الله. وكان لينا محببا ~~للناس. وقال غيره: ولما دخل مصر أقام بها مدة يسيرة وخرج إلى الإسكندرية ~~واستخلف على صلاة مصر أبا الجراح الحرشي. ثم عاد بعد مدة ولم تطل مدته؛ ~~وتوفي يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، واستخلف ~~ابنه الوليد بن المغيرة على إمرة مصر وصلاتها فلم يقره الخليفة مروان ~~الحمار على ذلك، وولي مصر عبد الملك بن مروان بن موسى، فكانت ولاية المغيرة ### || AUT ### || AUT على مصر # عشرة أشهر إلا أياما ms0245 ثلاثة. وقال صاحب البغية: وتوفي يوم السبت لاثنتي ~~عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى وذكر السنة، فكانت ولايته عشرة أشهر. فأجمع ~~الجمع على أن يولوا عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج على الشرطة ~~إلى أن يأتي أمر مروان بن محمد؛ وانصرف الوليد للنصف من جمادى الآخرة. وكان ~~المغيرة دينا فاضلا عدلا محببا للرعية؛ وهو أجل أمراء بني أمية، وولي لهم ~~الأعمال الجليلة، وحضر وقعة شهر زور، لما وجه قحطبة أبا عون عبد الملك بن ~~يزيد الخراساني ومالك بن طريف الخراشي في أربعة آلاف إلى شهر زور وبها ~~عثمان بن سفيان، والمغيرة هذا على مقدمة عبد الله بن مروان بن محمد فنزلوا ~~على فرسخين من شهر زور وقاتلوا عثمان وانهزم عثمان وقتل؛ وقام أبو عون ~~ببلاد الموصل؛ وقيل إن عثمان لم يقتل وهرب هو والمغيرة هذا إلى عبد الله بن ~~مروان وغنم أبو عون عسكره وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة؛ ثم سير قحطبة ~~العساكر إلى أبي عون فاجتمع معه ثلاثون ألفا. ولما بلغ مروان الخليفة خبر ~~أبي عون سار بنفسه بجميع عساكر ممالكه وأقبل نحو أبي عون فوقع له حروب ~~وأمور يطول شرحها. ### | AUT ولاية عبد الملك بن مروان # ### || AUT ### || AUT على مصر # هو عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير اللخمي أمير مصر؛ ولاه الخليفة ~~مروان بن محمد بن مروان المعروف بالحمار على الصلاة والخراج معا بعد موت ~~المغيرة بن عبيد الله الفزاري؛ وكان عبد الملك هذا قد ولي خراج مصر قبل أن ~~يلي الإمرة والصلاة. فلما مات المغيرة جمع له مروان الخراج والصلاة، وذلك ~~في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ولما تم أمره جعل أخاه معاوية ~~على الشرطة، ثم ولى عكرمة بن عبد الله الخولاني. ثم إن عبد الملك المذكور ~~أمر باتخاذ المنابر في الجوامع ولم يكن قبل ذلك منبر، وإنما كانت ولاة مصر ~~يخطبون على العصي إلى جانب القبلة. ثم خرج عليه قبط مصر بعد ذلك واجتمعوا ~~على قتاله فحاربهم وقتل كثيرا منهم ms0246 وانهزم من بقي منهم. ثم خالف بعد ذلك في ~~أيامه عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان على مروان الحمار ودعا لنفسه ~~واجتمع عليه جمع من قيس في الحوف الشرقي من أعمال مصر، فبعث إليهم عبد ~~الملك هذا بجيش فلم تقع بينهم حرب. PageV01P0123 # وبينما هم في ذلك إذ قدم عليهم الخليفة مروان الحمار من أرض الشام وقد ~~انهزم من أبي مسلم الخراساني صاحب دعوة بني العباس في يوم الثلاثاء لثمان ~~بقين من شوال، وقيل لثلاث بقين من شوال سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ولما دخل ~~مروان مصر وجد أهل الحوف الشرقي من بلاد مصر وأهل الإسكندرية والصعيد قد ~~صاروا مسودة - أعني صاروا من أعوان بني العباس ولبسوا السواد - فعزم مروان ~~الحمار على تعدية النيل فعدى إلى الجيزة وأحرق الجسرين والدار المذهبة وبعث ~~بجيش إلى الإسكندرية فاقتتلوا مع من كان بها بالكريون؛ وبينما هو في ذلك ~~خالفت القبط، فبعث إليهم مروان من قاتلهم أيضا وهزمهم ؛ ثم بعث جيشا إلى ~~الصعيد. وبينما هو في ذلك قدم صالح بن علي بن عبد الله بن عباس في طلب ~~مروان ومع صالح أبو عون عبد الملك بن يزيد، وكان قدوم عبد الملك إلى الديار ~~المصرية في يوم الثلاثاء النصف من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة ~~المذكورة، فلم يثبت مروان الحمار لصالح المذكور، وتوجه إلى بوصير بالجيزة ~~ومعه عبد الملك صاحب مصر وغيره من حواشيه وأمرائه وأقاربه من بني أمية. ~~فلحقه صالح بها فالتقاه مروان الحمار بمن معه وقاتله حتى انهزم وقتل في يوم ~~الجمعة لتسع بقين من ذي الحجة. ثم عاد صالح بن علي المذكور ودخل الفسطاط في ~~يوم الأحد لثمان خلون من المحرم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث برأس مروان ~~إلى الشام والعراق وزالت دولة بني أمية. وأما عبد الملك بن مروان أمير مصر ~~صاحب الترجمة فإنه كان لما ولي مصر أحسن السيرة ولم يفحش في حق بني العباس ~~فأمنه صالح وأمن أخاه معاوية وعفا عنهما، ثم قتل حوثرة بن سهيل وحسان بن ms0247 ~~عتاهية اللذين كانا كل منهما ولي على مصر قبل عبد الملك ؛ وعبد الملك هذا ~~هوآخر أمير ولي مصر من قبل بني أمية. وزالت في هذه السنة بقتل مروان الحمار ~~دولة بني أمية، وبويع السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~بالخلافة، وهو أول خلفاء بني العباس. ولا بد من ذكر كيفية انفصال دولة بني ~~أمية وابتداء دولة بني العباس في هذه الترجمة فإن ذلك من أعظم ما يذكر من ~~الوقائع وإن كان ذلك غير ما نحن فيه من شرط هذا الكتاب فنذكره على سبيل ~~الاستطراد في ترجمة عبد الملك أمير مصر فإنه آخر من ولي من أمراء بني أمية. ### || AUT بيعة السفاح بالخلافة # لما كان المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة بلغ ابن هبيرة أمير العراقين ~~لبني أمية أن قحطبة أحد دعاة بني العباس توجه نحو الموصل يريد الكوفة. فرحل ~~ابن هبيرة بأصحابه نحو الكوفة، وسار كل منهما حتى توا قعا، فجاءت قحطبة ~~طعنة فوقع في الفرات فهلك ولم يعلم به قومه. وانهزم أيضا أصحاب ابن هبيرة ~~وغرق خلق منهم في المخايض. وقال بيهس بن حبيب: ونادى مناد في، جمع الناس ~~بعد أن جاوزنا الفرات: من أراد الشام فهلم؛ فذهب معه جمع من الناس، ونادى ~~آخر: من أراد الجزيرة، فتبعه خلق، ونادى آخر: من أراد الكوفة، فذهب كل جند ~~إلى ناحية. فقلت: من أراد واسط فهلم؛ فاجتمعنا على ابن هبيرة وسرنا حتى ~~دخلنا واسط يوم عاشوراء. وأصبح وأصبحوا المسودة وقد فقدوا قائدهم قحطبة، ثم ~~استخرجوه من الماء وفيه طعنة في جبهته فدفنوه، وأمروا عليهم ابنه الحسن ~~فقصد بهم الكوفة فدخلوها يوم عاشوراء أيضا وهرب متوليها من قبل بني أمية ~~وهو زياد بن صالح. فاستعمل ابن قحطبة على الكوفة أبا سلمة الخلال ثم قصد ~~واسط فنزلها وخندق على جيشه. فعبأ ابن هبيرة عساكره فالتقوا فانهزم عسكر ~~ابن هبيرة وتحصنوا بواسط؛ وقتل في الوقعة حكيم بن المسيب الجدلي. ثم وثب ~~أبو مسلم صاحب دعوة بني العباس على ابن ms0248 الكرماني فقتله بنيسابور وجلس في ~~دست الملك وخطب للسفاح وأخذ في أسباب ### || AUT بيعة السفاح بالخلافة # ؛ فلما كان يوم ثالث شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين ومائة بويع ~~بالخلافة في دار مولاهم الوليد بن سعد ولم ينتطح في ذلك عنزان. ~~PageV01P0124 # وبلغ ذلك خليفة الوقت مروان بن محمد بن مروان الأموي المعروف بالحمار، ~~فسار من الشام في مائة ألف حتى نزل الرأس عون الموصل. فجهز السفاح عمه عبد ~~الله بن علي في جيش فالتقى الجمعان على كشاف في جمادى الآخرة فانكسر مروان ~~وتقهقر إلى الجزيرة وقطع وراءه الجسر وقصد الشام ليتقى ويلتقي ثانيا ~~بالمسودة. ودخل عبد الله بن علي العباسي الجزيرة فاستعمل عليها موسى بن كعب ~~التميمي ثم طلب الشام مجدا. وأمده السفاح بعمه الآخر صالح بن علي، فسار عبد ~~الله حتى نزل دمشق فعجز مروان عن ملاقاته، وفر إلى غزة فحوصرت دمشق مدة ثم ~~أخذت في شهر رمضان ؛ وقتل خلق من بني أمية وجندهم لا يدخل تحت حصر. فلما ~~بلغ مروان ذلك هرب إلى مصر ثم قتل في آخر السنة ببوصير حسبما ذكرناه؛ وهرب ~~ابناه عبد الله وعبيد الله إلى النوبة، ووقع ما ذكرناه في ترجمة عبد الملك ~~أمير مصر من قتل حوثرة وحسان وغير ذلك. قال محمد بن جرير الطبري: كان بدء ~~أمر بني العباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر عنه، أعلم العباس ~~عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقعون ذلك ويتحدثون به ~~بينهم. وعن رشيد بن كريب أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية خرج إلى ~~الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال: يا بن عم، إن عندي علما ~~أريد أن أبديه إليك فلا تطلعن عليه أحدا. إن هذا الأمر الذي يرتجيه الناس ~~فيكم. قال: قد علمته فلا يسمعنه منك أحد. وروى المدائني عن جماعة أن الإمام ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: لنا ثلاثة أوقات: موت الطاغية، يزيد ~~بن معاوية، ms0249 ورأس المائة، وفتق بإفريقية، فعند ذلك يدعو لنا دعاة ثم تقبل ~~أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب ويستخرجوا ما كنز الجبارون فيها؛ ~~فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر، بعث محمد الإمام رجلا ~~إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم ولا ~~يسمي أحدا. ثم توجه أبو مسلم وغيره وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه؛ ثم وقع ~~في يد مروان الحمار كتاب إبراهيم بن محمد الإمام إلى أبي مسلم، جواب كتاب ~~يأمره بقتل كل من يتكلم بالعربية بخراسان فقبض مروان على إبراهيم، وقد كان ~~مروان وصف له صفة السفاح التي كان يجدها في الكتب. فلما جيء بإبراهيم قال: ~~ليست هذه الصفة التي وجدت. ثم ردهم وشرع في طلب الموصوف له، فإذا بالسفاح ~~وإخوته وعمومته قد هربوا إلى العراق، فيقال: إن إبراهيم كان قد نعى إليهم ~~نفسه وأمرهم بالهرب فساروا حتى نزلوا في الحميمة في أرض البلقاء. ثم قدموا ~~الكوفة فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد. فبلغ الخبر أبا الجهم، ~~فاجتمع بموسى بن كعب وعبد الحميد بن ربعي وسلمة بن محمد وإبراهيم بن سلمة ~~وعبد الله الطائي وإسحاق بن إبراهيم وشراحيل وعبد الله، بن بسام وجماعة من ~~كبار شيعتهم، فدخلوا على آل العباس فقالوا: آيكم عبد الله بن محمد بن ~~الحارثية؛ فأشاروا إلى السفاح؛ فسلموا عليه بالخلافة. ثم خرج السفاح يوم ~~جمعة على برذون أبلق فصلى بالناس بالكوفة ثم عاد السفاح إلى المنبر ثانيا ~~وقال: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فشرفه، وكرمه وعظمه، واختاره ~~لنا، وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوام به والذابين عنه. ثم ذكر ~~قرابتهم في آيات من القرآن الشريف إلى أن قال: فلما قبض الله نبيه قام ~~بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب وبنو مروان، فجاروا واستأثروا فأملى الله ~~لهم حينا حتى أسفوه فانتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، ليمن بنا على ~~الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا؛ وما توفيقنا أهل البيت ms0250 ~~إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم محل محبتنا، ومنزل مودتنا؛ أنتم الذين لم ~~تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور، فأنتم أسعد الناس بنا، ~~وأكرمهم علينا. وقد زدت في أعطياتكم مائة مائة، فاستعدوا فأنا السفاح ~~المبيح والثائر المبير. وكان السفاح موعوكا فجلس، فقام عمه داود بن علي ~~فخطب وأبلغ وقال: إن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا إنما عاد إلى ~~المنبر لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام ~~شدة الوعك فادعوا له بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن وخليفة ~~الشيطان المتبع لسلفه المفسدين في الأرض الشاب المتكفل وسماه فضج الناس له ~~بالدعاء. PageV01P0125 # وأما إبراهيم بن محمد أعني أخا السفاح الذي وقع له مع مروان ما ذكرناه، ~~فإن مروان قتله بعد ذلك غيلة، وقيل: بل مات في السجن بحران بالطاعون. انتهى ~~ما أوردناه من انفصال الدولتين. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبد الملك بن مروان # ### || AUT بن موسى ### || AUT على مصر # وهي سنة اثنتين وثلاثين ومائة: فيها كانت وقائع كثيرة بالعراق وغيره قتل ~~فيها خلائق. ففي المحرم كانت الوقعة بين قحطبة وابن هبيرة حسبما تقدم ذكره ~~في أول بيعة السفاح. وفيها في ثالث شهر ربيع الأول بويع السفاح عبد الله بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بالخلافة، وقد تقدم أيضا. وفيها كانت قتلة ~~مروان الحمار، وقد تقدم ذكره أيضا. وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن ~~أبي العاص بن أمية بن عبد شمس آخر خلفاء بني أمية؛ وكنيته أبو عبد الملك، ~~القائم بحق الله؛ وأمه أم ولد كردية. كان يعرف بالحمار وبالجعدي؟ وتسميته ~~بالجعدي نسبة لمؤدبه جعد بن درهم، وبالحمار، يقال: فلان أصبر من حمار في ~~الحروب، ولهذا لقب بالحمار، فإنه كان لا يفتر عن محاربة الخوارج؛ وقيل: سمي ~~بالحمار لأن العرب تسمي كل مائة سنة حمار، فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة ~~لقبوا مروان هذا بالحمار، وأخفوا ذلك من قوله تعالى في موت حمار العزير: " ~~وانظر ms0251 إلى حمارك... الآية " . وكان مولد مروان الحمار سنة اثنتين وسبعين ~~بالجزيرة، وأبوه متول عليها من قبل ابن عمه الخليفة عبد الملك بن مروان. ~~فنشأ مروان في دولة أقاربه وولي الولايات الجليلة، وافتتح عدة فتوحات،. حتى ~~وثب على الأمر بعد إبراهيم بن الوليد، وبويع بالخلافة سنة سبع وعشرين ~~ومائة، فلم يتهن بالخلافة لكثرة الحروب. وظهرت دعوة بني العباس وكان من ~~أمرها ما كان وانقرضت بموته دولة بني أمية. وفيها توفي خلائق يطول الشرح في ~~ذكرهم ممن قتل في الحروب وأيضا من أعوان بني أمية وغيرهم. وفيها توفي ~~إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أخو الخليفة السفاح لأبيه، ~~وقد تقدم ذكر واقعته مع مروان الحمار في أمر الكتاب؛ وأمه أم ولد بربرية ~~اسمها أسلم ؛ وكان أبوه محمد أوصى إليه بالعهد، فإنه كان بويع سرا فأدركته ~~المنية؛ وكان شيعتهم يكاتبونه من خراسان حتى وقع له مع مروان ماحكيناه، ~~وحبسه إلى أن مات في هذه السنة، وقيل في الماضية؛ وبعد موته انضمت شيعته ~~على عبد الله السفاح. وفيها قتل سعيد بن عبد الملك بن مروان أبو محمد، وكان ~~يعرف بسعيد الخير؛ قتل بسيف عبد الله بن علي العباسي عم السفاح؛ وكان دينا ~~خيرا، ولى لأقاربه خلفاء بني أمية أعمالا جليلة. وفيها توفي عبد الله بن ~~عمر بن عبد العزيز بن مروان. كان شجاعا دينا كريما؛ وكان ولي العراق وحفر ~~بالبصرة نهرا يعرف بنهر ابن عمر. وفيها توفي محمد بن أبي بكر بن محمد بن ~~عمرو بن حزم، أبو عبد الملك الأنصاري؛ ولي قضاء المدينة. وفيها توفي محمد ~~بن عبد الملك، أخو سعيد لأبويه؛ تقدمت ترجمته في ولايته ### || AUT على مصر # سنة خمس ومائة. وفيها توفي يزيد بن عمر بن هبيرة بن معاوية، الأمير أبو ~~خالد، وقيل أبو عمرو الفزاري؛ ولي الأعمال الجليلة وغزا القسطنطينية مع ~~مسلمة بن عبد الملك، وجمع له بين العراقين سنة ثلاث ومائة؛ وكان خطيبا ~~شاعرا شجاعا؛ وكان السفاح أمنه، فبعث إليه أبو مسلم الخراساني وحرضه على ms0252 ~~قتله فأمر بقتله، فقتل هو وابنه داود؛ وكاتبه عمر بن أيوب وعدة من مواليه. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وإصبع واحد. ### | AUT ولاية صالح بن علي العباسي الأولى # ### || AUT على مصر # هو صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي، أول ~~من ولي مصر من قبل خلفاء بني العباس. مولده بالسواد، وقيل بالشراة من أرض ~~البلقاء سنة ست وتسعين من الهجرة. ولى مصر من قبل ابن أخيه أمير المؤمنين ~~عبد الله السفاح بعد قتل مروان الحمار في أول محرم سنة ثلاث وثلاثين ومائة؛ ~~وقد تقدم ذكر قتاله مع مروان في ترجمة عبد الملك بن مروان بن موسى أمير ~~مصر. PageV01P0126 # ولما ولي صالح مصر ببيعة أهل مصر لأمير المؤمنين عبد الله السفاح؛ ثم أخذ ~~صالح في إصلاح أمر مصر وقبض على جمع كثير من المصريين الأمويين، منهم عبد ~~الملك بن مروان بن موسى بن نصير أمير مصر وأخوه معاوية، وقتل كثيرا من شيعة ~~بني أمية، وحمل طائفة منهم إلى العراق، وقتلوا بقلنسوة من أرض فلسطين؛ وأمر ~~للناس بأعطيتهم للمقاتلة والعيال، وقسم الصدقات على الأيتام والمساكين ~~وأبناء السبيل، وزاد في المسجد زيادة هائلة، وجعل على شرطته ابن هانىء ~~الكندي؛ ثم ورد عليه بعد مدة طويلة كتاب السفاح بإمارته على فلسطين والاستخلاف ### || AUT ### || AUT على مصر # ، فاستخلف ### || AUT ### || AUT على مصر # أبا عون عبد الملك بن يزيد، وخرج منها في شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة؛ ~~وسار معه عبد الملك بن مروان بن موسى، الذي كان أمير مصر، مكرما وعدة من ~~أهل مصر - تأتي بقية ترجمة صالح بن علي هذا في ولايته الثانية ### || AUT ### || AUT على مصر # إن شاء الله تعالى - فكانت ولاية صالح ### || AUT ### || AUT على مصر # في هذه المرة سبعة أشهر وأياما. ### || AUT السنة التي حكم فيها صالح # ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة ثلاث وثلاثين ومائة: فيها استعمل الخليفة السفاح على البصرة عمه ~~سليمان ms0253 بن علي، واستعمل على مكة خاله زياد بن عبيد الله، وعلى اليمن ابن ~~خالة محمد بن زياد بن عبيد الله. وفيها وجه السفاح على إفريقية محمد بن ~~الأشعث. وفيها خرج ببخارا شريك بن شيخ المهري، وكان قد نقم على أبي مسلم ~~الخراساني تجبره، فجهز إليه أبو مسلم جيشا فحاربوه وقتلوه. وفيها خرج طاغية ~~الروم قسطنطين بجيوشه وأخذ ملطية وهدم السور والجامع وفيها قتل عبد الله بن ~~علي عم السفاح الخليفة خلقا كثيرا من قواد بني أمية. وفيها توفي داود بن ~~علي بن عبد الله بن العباس عم الخليفة السفاح. وكان ولي المدينة ومكة، وحج ~~بالناس في سنة اثنتين وثلاثين ومائة؛ وهو أول أمير حج بالناس من بني ~~العباس؛ وقتل داود هذا أيضا في ولايته خلقا من بني أمية وأعوانهم. ثم مات ~~بعد أشهر واستخلف حين احتضر على عمله ولمده موسى، فاستعمل السفاح على مكة ~~خاله زيادا المقدم ذكره، وموسى بن داود على إمرة المدينة لا غير. وفيها قتل ~~عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وفيها قتل عبد الله بن علي عم ~~السفاح ثعلبة وعبد الجبار ابني أبي سلمة بن عبد الرحمن. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ~~ذراعا وتسعة أصابع. ### | AUT ولاية أبي عون الأولى # ### || AUT ### || AUT على مصر # هو أبو عون، واسمه عبد الله، وقيل عبد الملك بن يزيد، الأمير أبو عون؛ ~~أصله من أهل جرجان. ولي صلاة مصر وخراجها باستخلاف صالح بن علي بن عبد الله ~~بن العباس له في مستهل شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة. واستمر أبو عون بمصر ~~إلى أن وقع الوباء بها فخرج منها إلى يشكر واستخلف ### || AUT ### || AUT على مصر # صاحب شرطته عكرمة بن عبد الله بن عمرو بن قحزم وقحزم بفتح القاف وسكون ~~الحاء المهملة وفتح الزاي وبعدها ميم. ثم عاد أبو عون إلى مصر بعد الوباء ~~وأقام بها إلى أن خرج منها ثانيا إلى دمياط في سنة خمس وثلاثين ومائة، ms0254 واستخلف ### || AUT ### || AUT على مصر # عكرمة أيضا، وجعل على الخراج عطاء بن شرحبيل. وفي هذه السنة خرج القبط ~~عليه بسمنود بالوجه البحري من أعمال مصر، فبعث إليهم أبو عون جيشا فحاربوهم ~~وقتلوهم. وفي أيام أبي عون هذا سكنت أمراء مصر العسكر. وسببه أنه لما قدم ~~صالح بن علي العباسي وأبو عون هذا بجموعهم إلى مصر في طلب مروان الحمار ~~نزلت عساكرهما الصحراء جنب جبل يشكر، الذي هو الآن جامع أحمد بن طولون وكان ~~فضاء. فلما رأى أبو عون ذلك أمر أصحابه بالبناء فيه فبنوا وبنى هو به أيضا ~~دار الإمارة ومسجد عوف بجامع العسكر. وعملت الشرطة أيضا في العسكر وقيل لها ~~الشرطة العليا؛ وإلى جانبها بنى الأمير أحمد بن طولون جامعه الموجود الآن. ~~وسمي من يومئذ ذلك الفضاء العسكر وصار منزلا لأمراء مصر من بعد أبي عون، ~~وصار العسكر مدينة ذات أسواق ودور عظيمة؛ وفيه أيضا بنى الأمير أحمد بن ~~طولون بيمارستانه، وكان البيمارستان المذكور بالقرب من بركة قارون التي ~~صارت الآن كيمانا وبعضها بركة على يسار من مشى من حدرة ابن قميحة يريد ~~قنطرة السد؛ وعلى هذه البركة بنى كافور PageV01P0127 # الإخشيدي دارا صرف عليها مائة ألف دينار وسكنها. وزادت العمائر في العسكر ~~إلى أن ولي أحمد بن طولون وقدم إلى مصر من العراق، فنزل على عادة الأمراء ~~بدار الإمارة بالعسكر. فما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر ~~والميدان بالقطائع وتحول إليها، ودام بها إلى أن مات وولي ابنه خمارويه بن ~~أحمد بن طولون وجعل دار الإمارة بالعسكر ديوان الخراج، يأتي ذكر ذلك في ~~ترجمتهما إن شاء الله تعالى. فلما زالت دولة بني طولون وولي محمد بن سليمان ~~الكاتب الأتي ذكره سكن بدار في العسكر عند المصلى القديمة حيث الكوم المطل ~~الآن على قبر القاضي بكار بن قتيبة. وما زالت الأمراء بعد ذلك تنزل بالعسكر ~~إلى أن قدم القائد جوهر المعزي من المغرب إلى مصر وبنى القاهرة المعزية في ~~سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. انتهى أمر العسكر وسبب ms0255 بنيانه باختصار، وهذا ~~التعريف بالعسكر مقدمة لما يأتي بعد ذلك من سكن أمراء مصربه. وأما أبو عون ~~فإنه لما أرسل وحارب القبط وقتلهم بسمنود عاد إلى مصر. وبينما هو كذلك في ~~أموره ورد عليه كتاب الخليفة أبي العباس عبد الله السفاح بعزله وولاية صالح ~~بن علي العباسي ثانيا ### || AUT ### || AUT على مصر # على الصلاة والخراج، ومع ذلك ولاية فلسطين أيضا والغرب؛ ثم وردت الجيوش ~~من قبل السفاح مع صالح بن علي لغزو المغرب؛ وكانت ولاية أبي عون ### || AUT ### || AUT على مصر # في هذه المرة الأولى ثلاث سنين إلا أربعة أشهر. ويأتي بقية ترجمة أبي ~~عون هذا في ولايته الثانية ### || AUT ### || AUT على مصر # إن شاء الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من ولاية أبي عون # ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة أربع وثلاثين ومائة: على أنه حكم مصر أشهرا من سنة ثلاث وثلاثين ~~ومائة التي ذكرناها في حوادث صالح بن علي. فيها أعني سنة أربع وثلاثين ~~ومائة تحول الخليفة السفاح من الحيرة ونزل الأنبار وسكنها. وحج بالناس في ~~هذه السنة عيسى بن موسى العباسي. وفيها كانت حروب كثيرة من جهة ملك الصين ~~وغيره كما هي عوائد أوائل الدول، والسفاح مشغول في تمهيد الممالك في هذه ~~السنة والخالية. وأما عمال السفاح في هذه السنة: على الشأم عبد الله بن علي ~~عم السفاح، و ### || AUT ### || AUT على مصر # أبو عون صاحب الترجمة، وعلى الجزيرة وأذربيجان أخو الخليفة السفاح، وعلى ~~ديوان الأموال خالد بن برمك، وعلى هراسان أبو مسلم الخراساني، وعلى البصرة ~~سليمان بن علي عم السفاح. وفيها توفي يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي؛ كان من ~~الزهاد الخائفين البكائين؛ أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه. ~~وفيها توفي يونس بن عبيد، أبو عبد الله، مولى عبد القيس، من الطبقة الرابعة ~~من تابعي أهل البصرة؛ كان يحدث ثم يقول: أستغفر الله ثلاثا. وفيها كان ~~الطاعون بالري وأعمالها ومات فيه خلق كثير. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ستة أذرع وستة عشر ms0256 إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية أبي عون # ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة خمس وثلاثين ومائة: فيها خلع زياد بن صالح، طاعة الخليفة السفاح ~~بما وراء النهر فتهيأ لحربه أبو مسلم الخراساني، وبعث نصر بن راشد إلى ترمذ ~~ليحصنها، فقاتلته طائفة من الخوارج. وسار أبو مسلم وحارب زياد بن صالح ~~المذكور وقبض عليه. وذكر الذهبي هذه الواقعة في سنة خمس وثلاثين ومائة. ~~وفيها أيضا كانت حركة ملك الصين؛ وكان زياد بن صالح المذكور متولي سمرقند، ~~فتهيأ لقتاله وكتب إلى أبي مسلم الخراساني بذلك، ووقع لهم معه أمور وحروب ~~إلى أن انهزم ملك الصين، كل ذلك قبل خروج زياد بن صالح عن الطاعة. وفيها ~~توفيت رابعة العدوية البصرية الزاهدة العابدة؛ وكانت مولاة لآل عتيك، وكان ~~سفيان الثوري وأقرانه يتأدبون معها؛ وكانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع ~~الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر ثم تثب إلى الصلاة وتقول: ~~يا نفس، كم تنامين، وإلى كم لا تقومين؛ يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها ~~إلا بصرخة. PageV01P0128 # NOTMATCH ### || AUT بن علي العباسي الثانية على مصر NOTMATCH # وفيها قتل سليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي؛ وكان سليمان ~~مباينا لمروان الحمار والتجأ لبنى العباس فأمنه السفاح وصار يجالسه. فأرسل ~~إليه أبو مسلم الخراساني يقول: قد بقي من الشجرة الملعونة فرع، في كلام ~~طويل، فلم يلتفت السفاح إلى كلامه، فدس أبو مسلم إلى سديف الشاعر مالا وقال ~~له: قل في هذا المعنى شعرا، فأنشد سديف المذكور السفاح وأشار إلى سليمان: ~~الخفيف لا يغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داء دويا فضع السيف ~~وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا فكان ذلك سبب قتله فضرب السفاح ~~عنقه وعنق ولديه وصلبهم. وفيها توفي عطاء الخراساني البجلي، أبو عثمان بن ~~أبي مسلم ميسرة مولى المهلب بن أبي صفرة، من الطبقة الثانية من تابعي أهل ~~الشام. كان عالما زاهدا فقيه أهل خراسان. أمر ms0257 النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ### | AUT ولاية صالح بن علي العباسي ثانيا # ### || AUT على مصر # وليها ثانيا من قبل السفاح، فقدم مصر بجيوش كثيرة من فلسطين لغزو بلاد ~~المغرب؛ وكان قدومه إلى مصر في يوم خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين ~~ومائة. ولما دخل مصر أقر عكرمة على شرطته بالفسطاط، وجعل على شرطته بالعسكر ~~يزيد بن هانىء الكندي، وولى أبا عون المعزول عن إمرة مصر جيوش المغرب، ~~وقدمه صالح المذكور أمامه إلى نحو إفريقية؛ وكان خروج أبي عون بجيوشه إلى ~~نحو المغرب في جمادى الآخرة من سنة ست وثلاثين، وجهزت المراكب من إسكندرية ~~إلى برقة. وبينما هم في ذلك قدم الخبر بموت أمير المؤمنين عبد الله السفاح ~~في ذي الحجة واستخلاف أبي جعفر المنصور. فأقر أبو جعفر المنصور عمه صالح بن ~~علي هذا على عمل مصر على عادته، وكتب إلى أبي عون بالرجوع عن غزو إفريقية. ~~فأرسل صالح إلى أبي عون بالخبر، فأقام أبو عون ببرقة أحد عشر شهرا ثم عاد ~~إلى مصر بجيشه، فجهزه صالح هذا إلى فلسطين لحرب الخوارج بها. فسار أبو عون ~~وحاربهم وهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وسير إلى مصر منهم ثلاثة آلاف رأس. ~~ثم خرج صالح بن علي بعد ذلك من مصر إلى فلسطين واستخلف ابنه الفضل على صلاة ~~مصر. فسافر حتى بلغ بلبيس ثم رجع إلى مصر وأقام بها إلى أن خرج منها ثانيا ~~لأربع خلون من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين ومائة، فلقي أبا عون بالفرما، ~~فأمره على صلاة مصر وخراجها معا ومضى إلى فلسطين. ودخل أبو عون الفسطاط ~~لأربع بقين من شهر رمضان من سنة سبع وثلاثين ومائة، وسكن العسكر ودام على ~~إمرة مصر. واستمر صالح بن علي بفلسطين إلى أن أمره المنصور بالتوجه لغزو ~~الروم في سنة ثمان وثلاثين ومائة. فخرج صالح حتى نزل مرج دابق، وأقبلت جيوش ~~الروم مع ملكهم قسطنطين في مائة ألف، فلقيه صالح ms0258 هذا بالمسلمين ونصره الله ~~تعالى على الروم فقتل منهم وسبى وغنم. ثم حج بالناس في سنة إحدى وأربعين ~~ومائة؛ ثم غزا الروم والصائفة غير مرة؛ وهو الذي بنى حصن دابق ومات وهو ~~عامل حمص بقنسرين، وقيل مات بعين أباغ، وقد بلغ ثمانيا وخمسين سنة ؛ ~~واستخلف ابنه الفضل على حمص فأقره الخليفة أبو جعفر المنصور على ذلك؛ وكان ~~صالح صالحا فاضلا، وله رواية؛ أسند عن أبيه، وروى عنه ابناه إسماعيل وعبد ~~الملك، وهو عم السفاح والمنصور. ### || AUT السنة الأولى من ولاية صالح # بن علي العباسي الثانية ### || AUT على مصر # وهي سنة ست وثلاثين ومائة: على أن أبا عون حكم منها أشهرا ### || AUT على مصر # . فيها بايع أهل دمشق هاشم بن يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي ~~سفيان لما بلغهم موت السفاح - وحكى الذهبي ذلك في سنة سبع وثلاثين ومائة - ~~فتوجه صالح بن علي من فلسطين بالجيوش إلى الشام. فلما أظلهم صالح بالجيوش ~~وهربوا ملك صالح الشام بعد أمور صدرت. PageV01P0129 # وفيها دعا عبد الله بن علي العباسي عم السفاح لنفسه وقال: إن السفاح قال: ~~من انتدب لمروان الحمار فهو ولي عهدي من بعدي، وعلى هذا خرجت؛ فلما بلغ ~~الخليفة أبا جعفر المنصور ذلك قال لأبي مسلم الخراساني؛ فإنما هو أنا وأنت. ~~فسار أبو مسلم نحو عبد الله بن علي المذكور فوقع له معه وقعة هائلة كاد أن ~~ينهزم فيها أبو مسلم، ثم كان النصر له وانهزم عبد الله بن علي؛ فلما بلغ ~~المنصور ذلك بعث لأبي مسلم الخراساني بولاية مصر والشأم معا، فأظهر أبو ~~مسلم الغضب وقال: يوليني مصر والشام وأنا لي خراسان! وعزم على الشر، وقيل: ~~بل شتم المنصور لما جاءه من عنده من يحصي الغنائم، وأجمع على الخلاف ثم طلب ~~خرا سان. وخرج المنصور إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم ليقدم عليه في طريقه، ~~فرد عليه الجواب: إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه، وقد ~~كنا نروي عن ملوك آل ساسان أنه أخوف ما ms0259 يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛ ~~فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت. فإن أرضاك ذلك فإنا ~~أحسن عبيدك، وإن أبيت نقضت ما أبرمت من عهدك. فرد عليه المنصور الجواب ~~يطمنه مع جرير بن يزيد البجلي، وكان واحد وقته فخدعه. وأما عبد الله بن علي ~~وأخوه عبد الصمد، فقصد عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فأمنه ~~المنصور، وتوجه عبد الله بن علي إلى أخيه سليمان بن علي متولي البصرة ~~فاختفى عنده؛ والصحيح أن هذه الفتنة كان ابتداؤها في أواخر هذه السنة، غير ~~أن الوقعة والهرب كانا في سنة سبع وثلاثين ومائة. وفيها توفي الخليفة أمير ~~المؤمنين أبو العباس عبد الله السفاح بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ~~الهاشمي العباسي، أول خلفاء بني العباس. مات في ذي الحجة وله ثلاث وثلاثون ~~سنة؛ وكانت خلافته أربع سنين؛ فإنه ولي في سنة اثنتين وثلاثين ومائة قبل ~~قتل مروان الحمار، وبه كان انقراض دولة بني أمية؛ وكان أبوه محمد بن علي ~~بويع بالخلافة قبل موته بسنتين فلم يتم أمره، وعهد عند موته لابنه السفاح ~~هذا قبل أبي جعفر المنصور، وكان أسن من السفاح. ولما مات السفاح هذا، ولي ~~أخوه أبو جعفر المنصور الخلافة من بعده. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية صالح # ### || AUT بن علي العباسي على مصر # وهي سنة سبع وثلاثين ومائة: فيها قدم الخليفة أبو جعفر المنصور الكوفة ~~وتأخر بعده أبو مسلم الخراساني بأيام؛ وكانا تلك السنة معا في الحج فأتاهما ~~الخبر بموت السفاح وبخلافة المنصور. وقد ذكرنا خروج عبد الله بن علي ~~العباسي على أبي جعفر المنصور في العام الماضي وهووهم، وإن كان خروجه كان ~~في آخر السنة الماضية فما واقعه أبو مسلم إلا في هذه السنة. وفيها حج ~~بالناس إسماعيل بن علي وهو أمير الموصل. وكان أمير المدينة في هذه السنة ~~زياد بن علي، وأمير مكة ms0260 العباس بن عبد الله، ومات في آخر السنة، فأضاف أبو ~~جعفر المنصور مكة إلى زياد. وكان على الكوفة عيسى بن موسى العباسي، وعلى ~~البصرة سليمان بن علي عم المنصور، وعلى خراسان أبو داود خالد بن إبراهيم،، ~~وعلى مصر صالح صاحب الترجمة، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة. وفيها قتل ~~الخليفة أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراساني وولى أبا داود خالد بن ~~إبراهيم خراسان عوضه؛ واسم أبي مسلم عبد الرحمن، وهو صاحب دعوة بني العباس، ~~وأحد من قام بأمرهم حتى تم له ذلك ووطأ لهم البلاد وقتل العباد؛ وقصة قتلته ~~تطول. وكان أبو مسلم شابا جبارا مقداما شجاعا عارفا صاحب رأي وتدبير ودهاء ~~ومكر وعقل وحذق؛ قيل إنه كان يجامع في السنة مرة واحدة مع كثرة جواريه، ~~فقيل له في ذلك، فقال: يكفي الشخص أن يتجنن في السنة مرة. ويحكى أن أبا ~~جعفر المنصور لما قتله أدرجه في بساط وطلب جعفر بن حنظلة، فقال أبو جعفر ~~المنصور: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من ~~رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله ها هو في البساط، فلما ~~نظر إليه قتيلا قال: يا أمير المؤمنين، هذا أول خلافتك، فأنشد المنصور: ~~الطويل فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر ~~PageV01P0130 # NOTMATCH ### || AUT ### || AUT الثانية على مصر # NOTMATCH # ثم أنشد المنصور ثانيا، وبين يديه وجوه دولته وأعوان مملكته وأعيانها ~~وأقاربه:السريع زعمت أن الدين لا يقتضى ... فاستوف بالكيل أبا مجرم اشرب ~~بكأس كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم واختلف في اسم أبي مسلم واسم ~~أبيه، فقيل: اسمه عبد الرحمن بن مسلم بن سكيرون بن إسفنديار، وقيل: عبد ~~الرحمن بن عثمان بن يسار، وقيل: عبد الرحمن بن محمد، وسماه أبو بكر الخطيب ~~إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سدوس بن جودر من ولد يزدجرد، وقيل: إنما سماه ~~عبد الرحمن الإمام إبراهيم بن محمد بن علي العباسي، وكناه: أبا مسلم، وكانت ~~كنيته: أبا إسحاق؛ وكان مولده ms0261 سنة مائة بأصبهان. وفيها توفي صفوان بن صالح ~~بن صفوان، أبو عبد الملك الدمشقي الثقفى. ولد سنة ست وسبعين، وكان فقيها ~~زاهدا عابدا؛ وكان يؤذن بجامع دمشق. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. ### | AUT ولاية أبي عون الثانية # ### || AUT على مصر # كانت ولايته هذه الثانية ### || AUT على مصر # من قبل صالح بن علي العباسي لما توجه إلى فلسطين كما تقدم ذكره، ثم أقره ~~الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة مصر على صلاتها وخراجها معا؛ وكان يوم ~~دخول أبي عون المذكور إلى مصر يوم سادس عشرين شهر رمضان من سنة سبع وثلاثين ~~ومائة. وجعل على شرطته عكرمة بن عبد الله، وعلى الدواوين عطاء بن شرحبيل. ~~ودام أبو عون على صلاة مصر وخراجها معا إلى أن قدم الخليفة أبو جعفر ~~المنصور إلى بيت المقدس، فكتب بطلب أبي عون المذكور إلى عنده ببيت المقدس ~~وأمره بأن يستخلف ### || AUT على مصر # . فاستخلف أبو عون المذكور عكرمة على الصلاة وعطاء بن شرحبيل على الخراج، ~~وخرج من مصر في النصف من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائة. فلما وصل ~~أبو عون إلى المنصور ببيت المقدس عزله عن إمرة مصر وولى عليها موسى بن كعب، ~~فكانت ولايته هذه الثانية ### || AUT على مصر # ثلاث سنين وستة أشهر. ودام أبو عون في صحبة الخليفة أبى جعفر المنصور، ~~وحضر وقعة الراوندية مع المنصور. والراوندية: قوم من أهل خراسان على رأي ~~أبي مسلم صاحب الدعوة، يأتي ذكرهم في الحوادث في سنة الواقعة مع المنصور. ### || AUT السنة الأولى من ولاية أبي عون # الثانية ### || AUT على مصر # وهي سنة ثمان وثلاثين ومائة: فيها بعث أبو جعفر المنصور لقتال ملبد ~~الشيباني خازم بن خزيمة، فسار خازم في ثمانية آلاف فارس، وكان ملبد هذا قد ~~خرج على المنصور من أول خلافته فالتقوا فقتل ملبد بعد حروب كثيرة. وفيها ~~غزا صالح بن علي الروم على دابق، وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمته، وأخذ ms0262 ملطية، ~~وكانت الروم أخذوها من مدة سنين. وفيها حج بالناس الفضل بن صالح بن علي ~~العباسي من الشام من عند أبيه. وفيها توفي زيد بن واقد الدمشقي. وفيها ظهر ~~عبد الله بن علي العباسي وبعث بالبيعة مع أخيه سليمان متولي البصرة إلى أبي ~~جعفر المنصور فأمنه أبو جعفر المذكور وعفا عنه. وفيها دخل عبد الرحمن بن ~~معاوية الأموي إلى الأندلس واستولى عليها وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد ~~أولاده إلى بعد الأربعمائة. وكان هرب من بني العباس إلى المغرب ودخل ~~الأندلس، فسمي بعبد الرحمن الداخل. يأتي ذكره وذكر أولاده من بعده في عدة ~~أماكن من هذا الكتاب إن شاء اله تعالى. وذكر الذهبي وفاة جماعة كثيرة في ~~هذه السنة، قال: وتوفي زيد بن واقد القرشي بدمشق، وسهيل بن أبي صالح في ~~قول، وسليمان بن فيروز أبو إسحاق الشيباني في قول، والعلاء بن عبد الرحمن ~~المدني، وعبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله المخزومي في قول، وعلقمة بن أبي ~~علقمة في قول، وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب في قول، وليث بن أبي سليم في ~~قول، والمسور بن رفاعة القرظي المدني. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية أبي عون # الثانية ### || AUT على مصر # وهي سنة تسع وثلاثين ومائة: فيها خرج جعفر بن حنظلة البهراني فأتى ملطية ~~وهي خراب فعسكر بها. وأقبل الأمير عبد الواحد فنزل على ملطية فزرع أرضها ~~وطبخ كلسا لبناء سورها، ثم خرج عنها لأمر اقتضى ذلك، فأرسل طائفة الروم من ~~أحرق الزرع. PageV01P0131 # وفيها خرج الأمير صالح بن علي المقدم ذكره والعباس بن محمد فأوغلا في ~~بلاد الروم، وغزتا معهما أم عيسى ولبابة أختا الأمير صالح بن علي المذكور ~~وعمتا المنصور الخليفة، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في ~~سبيل الله؛ وبعد هذا العام لم يكن غزو إلى سنة ست وأربعين ومائة لاشتغال ~~الخليفة المنصور بخروج ابني عبد ms0263 الله بن الحسن عليه. وفيها عزل المنصور عمه ~~سليمان بن علي عن البصرة وولى عليها سفيان بن سعيد. وفيها اختفى عبد الله ~~بن علي وابنه خوفا على أنفسهما؛ وعبد الله هذا هو الذي كان خرج على المنصور ~~وأختفي عند أخيه سليمان الذي عزل عن البصرة في هذا العام ثم ظفر به المنصور ~~وسجنه. وفيها حج بالناس العباس ابن أخي المنصور. وفيها في قول صاحب المرآة: ~~وصل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان إلي جزيرة الأندلس ~~وملكها؛ ويسمى عبد الرحمن الداخل؛ وكنيته أبو المطرف؛ وأمه أم ولد؛ وبويع ~~بالأندلس في هذه السنة، وهو أول الخلفاء من بني أمية، وأقام عليها ثلاثا ~~وثلاثين سنة؛ وقد تقدم ذكر عبد الرحمن هذا في الماضية في قول الذهبي. وفيها ~~وسع الخليفة أبو جعفر المنصور المسجد الحرام مما يلي دار الندوة. وفيها ~~توفي عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي، قاضي دمشق في أيام الوليد بن ~~يزيد. وفيها توفي عمرو بن مهاجر بن دينار أبو عبيد، من الطبقة الرابعة من ~~تابعي أهل الشام. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وأحد ~~عشر إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية أبي عون # ### || AUT الثانية على مصر # وهي سنة أربعين ومائة: فيها بنى المصيصة جبريل بن يحيى وسكنها الناس. ~~وفيها ثار جمع من جند خراسان على أميرها أبي داود خالد بن إبراهيم ليلا حتى ~~وصلوا إلى داره، فأشرف عليهم وجعل ينادي أصحابه فانكسرت به آجرة فوقع من ~~أعلى داره فانكسر ظهره ومات من الغد؛ فبعث الخليفة أبو جعفر المنصور على ~~إمرة خراسان عوضه عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي. فسار المذكور وقبض على ~~جماعة من أهل خراسان وقتلهم. وفيها توجه الأمير عبد الوهاب بن إبراهيم بن ~~محمد العباسي، ابن أخي الخليفة أبي جعفر المنصور، إلى ملطية فأقام بها سنة ~~حتى بناها ورم شعثها وأسكنها الناس. وفيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر ~~المنصور. وعاد من الحج ms0264 فزار بيت المقدس وسلك الشأم في طريقه ونزل الرقة ~~فقتل بها منصور بن جعفر العامري. ثم سار إلى الهاشمية وهي مدينة الكوفة، ~~وأمر بالشروع في ### || AUT بناء مدينة بغداد # واختطها. ### || AUT بناء مدينة بغداد # وذكر الذهبي بناء بغداد في سنة خمس وأربعين ومائة قال: وفي هذه السنة ~~أسست مدينة السلام بغداد، وهي التي تدعى مدينة المنصور؛ سار المنصور يطلب ~~موضعا يتخذه بلدا فبات ليلة موضع القصر، فطاب له المبيت ولم ير إلا ما يحب، ~~فقال: ها هنا ابنوا، فإنه طيب، ويأتيه مادة الفرات ودجلة والأنهار؛ فخط ~~بغداد ووضع أول لبنة بيده وقال: " بسم الله وبالله والحمد لله والأرض لله، ~~يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ابنوا على بركة الله " ؛ وسأل ~~راهبا هناك عن أمر الأرض وصحتها وقال: هل تجدون في كتابكم أن تبنى ها هنا ~~مدينة؟ قال: نعم ؛ يبنيها مقلاص، قال: فأنا كنت أدعى بذلك. وطلب المنصور ~~الصناع والفعلة من البلاد وأحضر المهندسين والحكماء والعلماء؛ وكان فيمن ~~أحضر حجاج بن أرطاة وأبو حنيفة؛ ورسمت له بالرماد: سورها وأبوابها ~~وأسواقها، ثم بنيت حتى كمل المهم منها في عام والباقي في أربع سنين ؛ وكانت ~~بقعة بغداد مزرعة تدعى المباركة لستين نفسا، عوضهم المنصور عنها وأرضاهم؛ ~~وقيل: إنه ليس في الدنيا مدينة مدورة سواها؛ وعمل في وسطها دار المملكة ~~بحيث إنه إذا كان في قصره كان جميع أطراف البلد إليه سواء؛ وسكنها المنصور ~~ونقل إليها خزائنه. وقيل سعتها مائة وثلاثون جريبا. وأنفق عليها مائة ألف ~~ألف درهم. PageV01P0132 # وقالي بدر المعتضدي قال لنا أمير المؤمنين: انظروا كم سعة مدينة المنصور؛ ~~فحسبنا فإذا هي ميلان مكسران في ميلين، وقيل: مسافة ما بين كل باب وباب ألف ~~ومائتا ذراع، وكلها مبنية بالآجر واللبن؛ واللبنة ذراع في ذراع؛ وزنتها ~~مائة رطل وسبعة عشر رطلا. ولها أربعة أبواب، بين الباب والباب ثمانية ~~وعشرون برجا؛ وعليها سوران؛ ثم بنى الجامع والقصر؛ وفي صدر القصر القبة ~~الخضراء؛ ارتفاعها ثمانون ذراعا؛ ودامت حتى سقط رأسها في ليلة مطر ورعد في ms0265 ~~سنة تسع وعشرين وثلاثمائة؛ وكان لا يدخل هذه المدينة أحد راكبا سوى المنصور ~~وابنه محمد المهدي. وقال الصولي: قال أحمد بن أبي طاهر: ذرع بغداد - يعني ~~الجديدة - ذرع الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب، وفي نسخة أخرى غير رواية ~~الصولي: أنها من الجانبين ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة؛ قال الصولي: ~~وذكر ابن أبي طاهر: أن عدد حماماتها كانت ذلك الوقت ستين ألفا، وقال: أقل ~~ما يدير كل حمام خمسة أنفس، وذكر أن بإزاء كل حمام خمسة مساجد. قال الذهبي: ~~وكذا نقل الخطيب في تاريخه، وما أعتقد أنا هذا قط ولا عشر ذلك، ثم قال ~~الخطيب: حدثني هلال بن المحسن قال: كنت بحضرة جدي إبراهيم بن هلال الصابي ~~فقال تاجر: يذكر أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمام فقال جدي: سبحان الله! ~~هذا سدس ما كنا عددناه وحصرناه زمن الوزير المهلبي، ثم كانت في دولة عضد ~~الدولة بن بويه خمسة آلاف. ونقل ابن خلكان أن استكمال بغداد كان في سنة تسع ~~وأربعين ومائة، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة. وبغداد ~~اليوم هي الجديدة بالجانب الشرقي؛ وفيها دار الخلافة. انتهى كلام الذهبي ~~وغيره باختصار. وقد خرجنا عن المقصود في هذا الكتاب لكثرة الفوائد. وفيها ~~توفي منصور بن جعونة بن الحارث بن خالد العامري. كان ممن خرج على بني ~~العباس وامتنع عن بيعتهم. وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة قال: وفيها ~~توفي أيوب أبو العلاء القصاب، وداود بن أبي هند في أولها، وأبو حازم سلمة ~~بن دينار الأعرج، وسهيل بن أبي صالح، وسعد بن إسحاق بن كعب، وصالح بن ~~كيسان، وعروة بن رويم. وقيل: وفيها توفي عمارة بن غزية الأنصاري، وعمرو بن ~~قيس السكوني الحمصي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا ونصف. ### | AUT ولاية موسى بن كعب # ### || AUT على مصر # هو موسى بن كعب، الأمير أبو عيينة التميمي، أحد نقباء بني العباس. ولاه ~~الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة مصر ms0266 بعد عزل أبي عون، فدخل مصر لأربع ~~عشرة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائة. وسماه صاحب البغية ~~موسى بن كعب بن عيينة. قلت: وولي على صلاة مصر وخراجها معا، ونزل العسكر ~~المقدم ذكره وسكنه، وجعل على شرطته عكرمة بن عبد الله بن قحزم، وباشر أمر ~~مصر بحرمة وافرة، ونهى الجند أن يتوجهوا إليه أو يتكلموا معه إلا في أمر ~~مهم، ولا يفعلوا به كما كانوا يفعلون بالأمراء من قبله، فانتهوا عنه حتى ~~إنه لم يمكن أحدا أن يجتاز ببابه إلا من له عنده حاجة أو أذن له في ذلك. ~~وموسى هذا هو أول من بايع أبا العباس السفاح بالخلافة في مبدأ أمره وأخرجه ~~إلى الناس، وكان هو القائم بأمر بني العباس مع أبي مسلم الخراساني؛ وكان ~~موسى هذا يسافر إلى البلاد ويدعو الناس للقيام مع بني العباس حتى قبض عليه ~~أسد بن عبد الله القسري عامل خراسان يوم ذاك لبني أمية، فأمر به أسد فألجم ~~بلجام وكسرت أسنانه وعوقب ثم أطلق بعد شدائد؛ فلما صار الأمر إلى بني ~~العباس أمالوا الدنيا عليه، وكان قاسى الأهوال بسبب دعوتهم وعذب وحبس كما ~~سيأتي ذكره؛ وكان يقول لما ولي مصر: كانت لنا أسنان وليس عندنا خبز، فلما ~~جاء الخبز ذهبت الأسنان؛ وكان أبو جعفر المنصور يعظمه ويجل مقداره؛ وكان ~~جعله على شرطته ثم ولاه مصر مكرها وأضاف له السند فلم تطل مدته على إمرة ~~مصر وعزله أبو جعفر المنصور في ذي القعدة كما سيأتي ذكره بمحمد بن الأشعث؛ ~~وكتب إليه المنصور: إني عزلتك عن غير سخط، ولكن بلغني أن عاملا يقتل بمصر ~~يقال له موسى، فكرهت أن تكونه؛ فأخذ موسى كلام المنصور لغرض من الأغراض. ~~فقتل بعد ذلك بسنين موسى بن مصعب، في خلافة محمد المهدي كما سيأتي ذكره إن ~~شاء الله. PageV01P0133 # ولما صرف موسى بن كعب عن إمرة مصر استخلف على الجند خالد بن حبيب وعلى ~~الخراج نوفل بن الفرات. وخرج موسى هذا من مصر لست بقين من ذي ms0267 القعدة سنة ~~إحدى وأربعين ومائة، وكانت ولايته ### || AUT على مصر # سبعة أشهر وأياما؛ ولما خرج من مصر سار حتى قدم على الخليفة أبي جعفر ~~المنصور فأكرم الخليفة نزله وولاه على الشرطة ثانيا، ومات بعد مدة يسيرة؛ ~~وقيل: إنه توجه مريضا فمات في أثناء قدومه، ولم يل الشرطة ولا غيرها؛ وعلى ~~القولين فأنه مات في هذه السنة رحمه الله تعالى. وأما أمر موسى هذا مع أسد، ~~وكان ذلك في سنة سبع عشرة ومائة، فإنه كان خرج هو وسليمان بن كثير ومالك بن ~~الهيثم ولا هز بن قريظ وخالد بن إبراهيم وطلحة بن زريق فدعوا الناس لبني ~~العباس، فظهر أمرهم فقبض عليهم أسد بن عبد الله وقال لهم: يا فسقة، ألم يقل ~~الله تعالى: " عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه " فقال له سليمان ~~بن كثير: نحن والله كما قال الشاعر: الرمل لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت ~~كالغضان بالماء اعتصاري صيدت والله العقارب بيديك. إنا أناس من قومك، وإن ~~المضرية رفعوا إليك هذا لأننا كنا أشذ الناس على قتيبة بن مسلم فطلبوا ~~بثأرهم. فحبسهم وأطلق من كان معهم من أهل اليمن لأنه كان منهم، وأراد قتل ~~من كان من مضر، فدعا موسى بن كعب هذا وألجمه بلجام حمار وجذب اللجام فتحطمت ~~أسنانه ودق وجهه وأنفه؛ ثم دعا لاهز بن قريظ وضربه ثلاثمائة سوط. ### || AUT السنة التي حكم فيها موسى # ### || AUT بن كعب ### || AUT على مصر # وهي سنة إحدى وأربعين ومائة: فيها كان عزله وولايته. وفيها كانت وقعة ~~الراوندية ببغداد؛ وهم قوم من خراسان على رأي أبي مسلم الخراساني، يقولون ~~بتناسخ الأرواح، فيزعمون أن روح آدم عليه السلام حلت في عثمان بن نهيك، وأن ~~المتصور هو ربهم، وأن الهيثم بن معاوية هو جبريل؛ وأتوا قصر المنصور وجعلوا ~~يطوفون به، فقبض المنصور على مائتين منهم وحبسهم فغضب الباقون، فعمدوا إلى ~~نعش فارغ وحملوه يزعمون أنها جنازة ومروا بها على باب السجن، فشدوا على أهل ~~السجن بالسلاح حتى فتحوا باب السجن، وأخرجوا ms0268 أصحابهم وقصدوا المنصور. فخرج ~~إليهم المنصور على غفلة فكانت بينهم وقعة كاد المنصور أن يقتل فيها، وقتل ~~عثمان بن نهيك بسهم ثم وضع المنصور فيهم السيف. وفيها عزل الخليفة أبو جعفر ~~المنصور زياد بن عبيد الله الحارثي عن مكة والمدينة والطائف وولى محمد بن ~~خالد بن عبد الله القسري المدينة، وولى الهيثم بن معاوية مكة والطائف. ~~وفيها توفي موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، أبو محمد، صاحب المغازي، مولى ~~أل الزبير بن العوام؛ ومغازيه في مجلد صغير. أدرك سهل بن سعد وحدث عن أم ~~خالد بنت خالد وعن عروة وكريب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والأعرج وحمزة بن ~~عبد الله بن عمرو الزهري وخلق؛ وحدث عنه ابن جريج والأمام مالك وعبد الله ~~بن المبارك وابن عيينة وغيرهم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ذراعان وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ### | AUT ولاية محمد بن الأشعث # ### || AUT على مصر # هو محمد بن الأشعث بن عقبة بن أهبان الخزاعي، أمير مصر. وليها من قبل ~~المنصور بعد عزل موسى بن كعب التميمي. ولاه أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور ~~على الصلاة والخراج معا. وقدم مصر في يوم الاثنين خامس في الحجة من سنة ~~إحدى وأربعين ومائة؛ وولى على شرطته المهاجر بن عثمان الخزاعي ثم عزله وجعل ~~عوضه محمد بن معاوية بن بحير بن ريسان الكلاعي مكانه. ولما استقر محمد بن ~~الأشعث هذا في إمرة مصر، أرسل الخليفة أبو جعفر المنصور إلى نوفل بن ~~الفرات: أن اعرض على محمد بن الأشعث ضمان خراج مصر، فإن ضمنه فأشهد عليه ~~وأشخص إلي الشهادة، وإن أبى فكن أنت على الخراج عادتك؛ فعرض نوفل على ابن ~~الأشعث هذا الكلام فأبى من الضمان، فانتقل نوفل إلى الدواوين ففقد محمد بن ~~الأشعث من عنده فسأل عنهم، فقيل له: هم عند صاحب الدواوين، فندم ابن الأشعث ~~على ما وقع منه من ترك الخراج. PageV01P0134 # ثم جهز ابن الأشعث جيشا بعث به إلى المغرب فانهزم الجيش؛ وخرج ابن الأشعث ms0269 ~~يوم الأضحى سنة اثنتين وأربعين ومائة وتوجه إلى الإسكندرية، واستخلف محمد ~~بن معاوية صاحب شرطته على الصلاة؛ ولم يكن إلا القليل وورد عليه البريد ~~بعزله عن إمرة مصر؛ وولي مصر عوضه حميد بن قحطبة وذلك في أوائل سنة ثلاث ~~وأربعين ومائة. وخرج محمد بن الأشعث بعد عزله عن مصر وتوجه إلى الخليفة ~~المنصور فأكرمه أبو جعفر المنصور وجعله من أكابر أمرائه. ودام عنده حتى ~~وجهه المنصور مع ابنه محمد المهدي إلى غزو الروم، فتوجه محمد بن الأشعث مع ~~المهدي هو والحسن بن قحطبة، فمرض ابن الأشعث في أثناء الطريق ومات، فكانت ولايته ### || AUT ### || AUT على مصر # سنة واحدة وشهرا واحدا. وكان عنده نباهة وشجاعة ومعرفة؛ وهو أحد أكابر ~~أمراء بني العباس؛ وقد تقدم ذكره في عدة وقائع، منها واقعة جهور بن مرار ~~العجلي. وأمره أنه خلع الخليفة المنصور بالري. وكان سبب ذلك أن جهورا لما ~~هزم سنباذ حوى ما كان في عسكره، وكان فيه خزائن أبي مسلم الخراساني فلم ~~يوجهها إلى المنصور، ثم خاف من المنصور فخلعه من الخلافة، فوجه إليه أبو ~~جعفر المنصور محمد بن الأشعث هذا في جيش عظيم. فسار محمد هذا إلى نحو الري، ~~ففارقها جهور وسار نحو أصبهان؛ ودخل محمد الري وملك جهور أصبهان، فأرسل ~~إليه محمد عسكرا وبقي هو بالري. فأشار على جهور بعض أصحابه أن يسير في نخبة ~~من عسكره إلى جهة محمد بن الأشعث فإنه في قلة، فإن ظفر به فلم يكن لمن بعده ~~بقية، فسار جهور إليه مجدا. وبلغ محمدا خبره فحذر واحتاط وأتاه عسكر من ~~خراسان فقوي بهم فالتقوا بقصر الفيروزان بين الري وأصبهان فاقتتلوا قتالا ~~عظيما، ومع جهور نخبة فرسان العجم، فهزم جهور وقتل من أصحابه خلق كثير. ~~فهرب جهور ولحق بأذربيجان ثم قتل بعد ذلك بأسبار، قتله أصحابه وحملوا رأسه ~~إلى أبي جعفر المنصورة ولمحمد هذا عدة مواقف وأمور يطول شرحها. ### || AUT السنة التي حكم فيها محمد بن الأشعث # ### || AUT ### || AUT على مصر # وهي سنة اثنتين وأربعين ومائة: فيها ms0270 خرج عيينة بن موسى متولي السند عن ~~الطاعة، فخرج الخليفة أبو جعفر المنصور إلى البصرة، وجهز عمرو بن حفص ~~العتكي على السند لمحاربة ابن موسى المذكور، فسار وغلب على الهند والسند. ~~وفيها نقض إصبهبذ طبرستان وقتل من بها من المسلمين. فانتدب لحربه خازم بن ~~خزيمة وروح بن حاتم وأبو الخصيب مرزوق مولى المنصور، فحاصروه حتى ظفروا ~~بالمدينة وقتلوا وسبوا؛ فلما رأى إصبهبذ ذلك مص سما كان في خاتمه فهلك؛ ~~وكان من جملة السبي شكلة أم إبراهيم ابن المهدي الآتي ذكرها وذكره في الحوا ~~دث. وفيها ولى الخليفة أبو جعفر المنصور أخاه العباس بن محمد على الجزيرة. ~~وفيها توفي حميد بن أبي حميد الطويل: كان ثقة كثير الحديث. أسند عن أنس ~~وغيره، وروى عنه الإمام مالك وغيره. وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي أسلم المنقري، وحبيب بن أبي عمرة القضاب، والحسن بن عبيد ~~الله، والحسن بن عمرو الفقيمي، وأبو هانىء حميد بن هانىء الخولاني المصري، ~~وحميد الطويل في قول، وخالد الحذاء، وسعد بن إسحاق بن كعب في قول، والأمير ~~سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وعاصم بن سليمان الأحول، وعمرو بن ~~عبيد المعتزلي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وإصبع واحد. ~~مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية حميد بن قحطبة # ### || AUT ### || AUT على مصر # PageV01P0135 # هو حميد بن قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان الطائي أمير مصر. وليها من ~~قبل الخليفة أبي جعفر المنصور بعد عزل محمد بن الأشعث في أوائل سنة ثلاث ~~وأربعين ومائة. جمع له أبو جعفر المنصور صلاة مصر وخراجها معا، فدخل إلى ~~مصر في عشرين ألفا من الجند يوم الجمعة لخمس خلون من شهر رمضان سنة ثلاث ~~وأربعين ومائة، فجعل على الشرطة محمد بن معاوية بن بحير؛ وقبل أن تطول مدته ~~بمصر ورد عليه عسكر آخر من قبل الخليفة لغزو إفريقية؛ وكان قدوم العسكر ~~المذكور إلى مصر في شوال من السنة، فجهز حميد العساكر وجعل ms0271 عليهم أبا ~~الأحوص العبدي، وكان العسكر ستة آلاف فارس. فتوجه أبو الأحوص بمن معه من ~~العساكر حتى التقى مع أبي الخطاب الأنماطي ببرقة فتقاتلا، فانهزم أبو ~~الأحوص بمن معه إلى جهة الديار المصرية. فخرج حميد بن قحطبة بنفسه حتى وصل ~~إلى برقة والتقى مع أبي الخطاب المذكور، فقاتله حتى هزمه وقتل أبا الخطاب ~~المذكور وجماعة من أصحابه؛ ثم عاد إلى مصر منصورا، فأقام بها إلى أن قدم ~~إلى مصر علي بن محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن داعية لأبيه فدس إليه ~~حميد هذا فتغيب، فكتب ذلك لأبي جعفر المنصور فغضب وصرفه عن إمرة مصر في ذي ~~القعدة بيزيد بن حاتم. فخرج حميد بن قحطبة من مصر لثمان بقين من في القعدة ~~سنة أربع وأربعين ومائة؛ وكانت ولايته على مصر سنة واحدة وشهرين إلا أياما. ~~ولما خرج حميد بن قحطبة المذكور من مصر توجه إلى الخليفة أبي جعفر المنصور ~~فأكرمه الخليفة وجعله من جملة أمرائه. ووجهه بعد ذلك لغزو إرمينية في سنة ~~ثمان وأربعين ومائة فسار ثم عاد ولم يلق حربا؛ ثم أرسله الخليفة أبو جعفر ~~المنصور أيضا في سنة اثنتين وخمسين ومائة لغزو كابل؛ ثم ولاه بعد ذلك إقليم ~~خراسان مدة؛ ثم نقله إلى عمل خراسان فأقام بها مدة طويلة إلى أن مات في ~~خلافة المهدي سنة تسع وخمسين ومائة. وكان أميرا شجاعا مقداما عارفا بأمور ~~الحروب والوقائع؛ وتنقل في الأعمال الجليلة، معظما عند بني العباس؛ وقد ~~تقدم ذكر ما حضره حميد هذا مع أبيه قحطبة من الوقائع في ابتداء دعوة بني ~~العباس؛ ثم قام هو وأخوه الحسن بن قحطبة في دعوتهم، وقاتلوا جيوش مروان بن ~~محمد إلى أن هزموه وتم أمر بني العباس؛ فعرفوا لحميد ذلك، وولوه الأعمال ~~الجليلة إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. ### || AUT السنة الأولى من ولاية حميد # ### || AUT ### || AUT بن قحطبة على مصر # وهي سنة ثلاث وأربعين ومائة: فيها بلغ المنصور أن الديلم قد أوقعوا ~~بالمسلمين وقتلوا منهم خلائق، فندب أبو جعفر ms0272 المنصور الناس للجهاد. وفيها ~~عزل المنصور الهيثم بن معاوية عن إمرة مكة بالسري ابن عبد الله بن الحارث ~~بن العباس العباسي. وفيها حج بالناس عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي ~~العباسي أمير الكوفة. قال الذهبي: وفي هذا العصر شرع علماء الإسلام في ~~تموين الحديث والفقه والتفسير؛ وصنف ابن جريج التصانيف بمكة، وصنف سعيد بن ~~أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي ~~بالكوفة، وصنف الأوزاعي بالشأم، وصنف مالك الموطأ بالمدينة، وصنف ابن إسحاق ~~المغازي، وصنف معمر باليمن، وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع، ثم بعد يسير ~~صنف هشام كتبه، وصنف الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة، ثم ابن المبارك ~~والقاضي أبو يوسف يعقوب وابن وهب؛ وكثر تبويب العلم وتدوينه، ورتبت ودونت ~~كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس؛ وقبل هذا العصر كان سائر العلماء ~~يتكلمون عن حفظهم ويروون العلم عن صحف صحيحة غير مرتبة؛ فسهل ولله الحمد ~~تناول العلم فأخذ الحفظ يتناقص؛ فلله الأمر كله. انتهى كلام الذهبي. وفيها ~~توفي سليمان بن ترجان أبو القاسم تتيمي، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل ~~البصرة؛ كان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الغداة بوضوء العشاء سنين ~~عديدة. وفيها توفي يحيى بن سعيد، أبو سعيد الأنصاري، القاضي الفقيه، من ~~الطبقة الخامسة من أهل المدينة. قدم على الخليفة أبي جعفر المنصور بالكوفة ~~فاستقضاه على الهاشمية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ~~وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع سواء. ### || AUT السنة الثانية من ولاية حميد # ### || AUT ### || AUT بن قحطبة على مصر # PageV01P0136 # وهي سنة أربع وأربعين ومائة: فيها غزا محمد بن أبي العباسى السفاح الديلم ~~بجيش الكوفة والبصرة وواسط والجزيرة. وفيها قدم محمد المهدي ابن الخليفة ~~على أبيه أبي جعفر المنصور من خراسان وقد بنى بابنة عمه ريطة بنت السفاح. ~~وفيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر المنصور، وخلف على العسكر خازم بن خزيمة، ~~فاستعمل على المدينة رياح بن عثمان المزني وعزل محمدا القسري. وكان المنصور ~~قد أهمه ms0273 شأن محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب، لتخلفهما عن الحضور إلى عنده مع الأشراف، وما كفاه ذلك - حتى قيل له: ~~إن محمد بن عبد الله المذكور ذكر أن المنصور لما حج قبل أن يلي الخلافة في ~~حياة أخيه السفاح وكان ممن بايع له ليلة اشتور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون ~~له الخلافة حين اضطرب ملك بني أمية. قلت: لعل ذلك كان قبل أن يلي السفاح ~~الخلافة وقبل قتل مروان الحمار. وكان أبو جعفر المنصور سأل زيادا متولي ~~المدينة عنهما قبل ذلك؛ فقال: ما يهمك من أمرهما يا أمير المؤمنين، أنا ~~آتيك بهما. فضمنه إياهما في سنة ست وثلاثين ومائة ولم يف زياد بالضمانة؛ ~~وصار المنصور في أمر عظيم من جهة عبد الله وابنيه، وطال عليه الأمر، وعبد ~~الله وولداه في اختفائهم، حتى قبض المنصور على عبد الله المذكور وحبسه وحبس ~~معه جماعة كثيرة من بني حسن، وهم حسن وإبراهيم ابنا حسن بن الحسن، وحسن بن ~~جعفر بن حسن بن الحسن، وسليمان وعبد الله ابنا داود بن حسن بن الحسن، وسهيل ~~وإسحاق ابنا إبراهيم المذكور، وعيسى بن حسن بن الحسن، وأخوه علي القائم ؛ ~~فقيد المنصور الجميع وحبسهم، وجهر على المنبر بسب محمد بن عبد الله وأخيه، ~~فسبح الناس وعظموا ما قال، فقال رياح: ألصق الله بوجوهكم الهوان، لأكتبن ~~إلى خليفتكم غشكم وقلة نصحكم، فقالوا: انسمع منك يا بن المحدوة؛ وبادروه ~~يرمونه بالحصى؛ فنزل واقتحم دار مروان وأغلق الباب، فخف بها الناس، فرموه ~~وشتموه ثم إنهم كفوا؛ ثم إن آل حسن حملوا في أقيادهم إلى العراق. وفيها ~~توفي صالح بن كيسان أبو محمد، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة. كان يؤذب ~~ولد،عمر بن عبد العزيز بن مروان وأولاد الوليد بن عبد الملك، ثم ضمه عمر بن ~~عبد العزيز إلى نفسه؛ وكان قد جمع بين الفقه والحديث والدين والمروءة. ~~وفيها توفي عبد الله بن شبرمة الضبي، أبو شبرمة. من الطبقة الرابعة من أهل ~~الكوفة؛ كان ms0274 فقيها دينا حسن الخلق قليل الحديث. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ذراعان وأحد عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا ~~عشر إصبعا. /ولاية يزيد بن حاتم على مصر هو يزيد بن حاتم بن قبيصة بن ~~المهلب بن أبي صفرة الأزدي الطائي المهلبي، أمير مصر، ولاه الخليفة أبو ~~جعفر المنصور على الصلاة والخراج معا بعد عزل حميد بن قحطبة عن إمرة مصر ~~سنة أربع وأربعين و مائة، فقدم إلى مصر في يوم الاثنين النصف من ذي القعدة ~~من السنة المذكورة، فأقر على شرطته عبد الله بن عبد الرحمن و على الخراج ~~معاوية بن مروان بن موسى بن نصير. و كان يزيد جوادا ممدحا شجاعا.قال يزيد ~~:كنت يوما واقفا بباب المنصور، أنا ويزيد بن أسيد السلمي، إذ فتح باب القصر ~~وخرج خادم لأبي جعفر المنصور، فنظر إلينا ثم انصرف، فدخل وأخرج رأسه من طاق ~~وقال: الطويل لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن ~~حاتم فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم قال له يزيد ~~بن حاتم: نعم نعم على رغم أنفك وأنف من بعثك، فخرج الخادم وأبلغها الخليفة ~~أبا جعفر، فضحك حتى استلقى. وهذا الشعر لربيعة بن ثابت الرقي يمدح يزيد ~~هذا. وفي أيام يزيد بن حاتم المذكور ظهرت بمصر دعوة بني الحسن بن علي ابن ~~أبي طالب، وتكلم بها الناس، وبايع كثير منهم لبني الحسن في الباطن، وماجت ~~الناس بمصر وكاد أمر بني الحسن أن يتم، والبيعة كانت باسم علي بن محمد بن ~~عبد الله، وبينما الناس في ذلك قدم البريد برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن ~~بن الحسن بن علي بن أبي طالب في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة، فنصب في ~~المسجد أياما. وكان يزيد هذا قد منع أهل مصر من الحج بسبب خروج هؤلاء ~~العلويين، فلما قتل إبراهيم أذن لهم في الحج. PageV01P0137 # وكان يزيد مقصدا للناس محبا للشعر وأهله، مدحه عدة من الشعراء. قيل: إن ~~ربيعة المقدم ذكره، صاحب ms0275 البيتين المقدم ذكرهما، قصده فاشتغل عنه يزيد، ~~فخرج وهو يقول: الطويل أراني ولا كفران لله راجعا ... بخفي حنين من نوال ~~ابن حاتم فبلغ يزيد فرده وملأ خفيه ذهبا، فقال فيه قصيدته المشهورة لما عزل ~~عن إمرة مصر، التي أولها: الطويل بكى أهل مصر بالدموع السواجم ... غداة غدا ~~عنها الأغر ابن حاتم ثم ورد عليه كتاب الخليفة المنصور يأمره بالتحول من ~~العسكر إلى الفسطاط، كما كانت عادة أمراء مصر قبل بناء العسكر، وأن يجعل ~~الدواوين في كنائس القصر - يعني قصر الشمع - وذلك في سنة ست وأربعين ومائة. ~~وقصد يزيد بن حاتم من الشعراء محمد بن عبد الله بن مسلم ومدحه بقصيدة طنانة ~~أولها: الكامل وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري ~~وكان يزيد منع الناس من الحج في سنة خمس وأربعين ومائة، كما تقدم ذكره، فلم ~~يحج في تلك السنة أحذ من مصر ولا من الشام لما كان بالحجاز من الاضطراب من ~~أمر بني الحسن، ثم حج يزيد هذا في سنة سبع وأربعين ومائة فاستخلف على مصر ~~عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج صاحب شرطته، ولما عاد من الحج ~~بعث جيشا لغزو الحبشة من أجل خارجي ظهر هناك، فتوجه إليه الجيش وقاتلوه ~~وظفروا به وقدم رأس الخارجي المذكور إلى مصر في عدة رؤوس، فنصبت الرؤوس ~~أياما بمصر ثم حملوها إلى بغداد، فضم الخليفة أبو جعفر المنصور عند ذلك ~~ليزيد هذا برقة زيادة على عمل مصر، وهو أول من ضم له برقة على مصر، وكان ~~ذلك في سنة تسع وأربعين ومائة. ثم خرج في أيام يزيد القبط بسخا بالوجه ~~البحري، فجهز إليهم يزيد جيشا كثيفا فقاتله القبط وكسروه فرد الجيش منهزما، ~~فصرفه أبو جعفر المنصور عن إمرة مصر في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين ~~ومائة، فكانت ولايته على مصر سبع سنين وأربعة أشهر. وتولى من بعده مصر عبد ~~الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، ثم ولي يزيد بن حاتم هذا بعد ذلك ~~إفريقية من ms0276 بلاد المغرب، فتوجه إليها وغزا بها عدة غزوات، ولا زال بها حتى ~~توفي سنة سبعين ومائة ؛ واستخلف على إفريقية ابنه داود بن يزيد، فأقره ~~الخليفة هارون الرشيد على ذلك، ودام إلى أن عزله في سنة اثنتين وسبعين ~~ومائة بعمه روح بن حاتم. السنة الأولى من ولاية يزيد بن حاتم المهلبي على ~~مصر وهي سنة خمس وأربعين ومائة. فيها قتل الخليفة أبو جعفر المنصور محمدا ~~وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب واحدا بعد ~~واحد، فقتل محمد بالمدينة وبعده بمدة قتل إبراهيم؛ وكان إبراهيم خرج أيضا ~~بعد خروج أخيه محمد على المنصور بالبصرة، وانضم عليه خلائق من العلماء ~~والفقهاء وأعيان بني الحسن، فلما ورد عليه الخبر بقتل أخيه محمد عظم شأنه ~~وكاد أمره أن يتم، ووقع بينه وبين جيش المنصور أمور ووقائع إلى أن قبض عليه ~~وقتل. وفيها أيضا مات والدهما عبد الله بن الحسن في حبس المنصور. قال ~~الهيثم: حبسهم أبو جعفر المنصور في سرداب يعني عبد الله المذكور وأقاربه من ~~بني الحسن - وقد قدمنا ذكر من حبس مع عبد الله من أقاربه بأسمائهم في سنة ~~أربع وأربعين ومائة - قال: حبسهم في سرداب تحت الأرض لا يعرفون ليلا ولا ~~نهارا - والسرداب عند قنطرة الكوفة وهو موضع يزار - ولم يكن عندهم بئر ~~للماء ولا سقاية، فكانوا يبولون ويتغوطون في مواضعهم، وإذا مات منهم ميت لم ~~يدفن بل يبلى وهم ينظرون إليه، فاشتد عليهم رائحة البول والغائط، فكان ~~الورم يبدو في أقدامهم ثم يترقى إلى قلوبهم فيموتون. ويقال: إن أبا جعفر ~~المنصور ردم عليهم السرداب، فماتوا، وكان يسمع أنينهم أياما. PageV01P0138 # وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة، قال: وفيها توفي محمد بن عبد الله ~~ابن حسن وأخوه إبراهيم قتلا، والأجلح الكندي، وإسماعيل بن أبي خالد، ~~وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر، وأنيس بن أبي يحيى الأسلمي، وحبيب بن ~~الشهيد، وحجاج بن أرطاة، والحسن بن ثوبان، والحسن بن الحسن بن الحسن في سجن ~~المنصور، ورؤبة بن العجاج ms0277 التميمي، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، وعبد ~~الملك بن أبي سليمان الكوفي، وعمر بن عبد الله مولى غفرة بالمعجمة والفاء ~~وعمرو بن ميمون بن مهران الجزري، ومحمد بن عبد الله الديباج، ومحمد بن عمرو ~~بن علقمة، وهشام بن عروة في قول، ويحيى بن الحارث الذماري ونصر بن حاجب ~~الخراساني، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية يزيد بن حاتم على مصر # وهي سنة ست وأربعين ومائة. فيها كان فراغ بناء بغداد وتحول إليها ~~الخليفة أبو جعفر المنصور في صفر؛ وكان خالد بن برمك أشار على المنصور ~~ببنائها، وقيل: إن حجاج بن أرطاة هو الذي اختط جامعها، وقبلتها منحرفة؛ ~~ولما دخلها الخليفة أبو جعفر المنصور أمر أن يكتب إلى الآفاق أن يرد عليه ~~الخطباء والعلماء والشعراء؛ وكان لا يدخل أحد المدينة راكبا، فشكا إلى ~~المنصور عمه عيسى بن علي أن المشي يشق عليه، فلم يأذن له في الركوب ؛ ثم ~~بعد مدة أمر المنصور بإخراج الأسواق من المدينة، خوفا من مبيت صاحب خبر ~~بها، فبنيت الكرخ وباب المحول وغير ذلك. وظهر شح المنصور في بناء بغداد، ~~وبالغ في المحاسبة، حتى قال خالد بن الصلت، وكان على بناء ربع بغداد : رفعت ~~إليه الحساب فبقيت علي خمسة عشر درهما فحبسني حتى أديتها. وعندما دخل ~~المنصور بغداد وقع بها الطاعون. وقد تقدم أن الطاعون غير الوباء، فالوباء ~~هو الذي تتنوع فيه الأمراض، والطاعون هو الطعن الذي ذكر في الحديث. وفيها ~~توفي ضيغم بن مالك العابد. كان من الخائفين البكائين؛ وهو من الطبقة ~~الخامسة من أهل البصرة ؛ وكان ورده في كل يوم أربعمائة ركعة. وفيها توفي ~~عمرو بن قيس الملائي، من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة؛ كان من الأبدال، ~~وكان يقول: حديث أرقق به قلبي وأبلغ به إلى ربي أحب إلي من خمسين قضية من ~~قضايا شريح. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر، قال: وتوفي ms0278 أشعث بن عبد الملك ~~الحمراني، والحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ذباب المدني، وحبيب بن ~~الشهيد بخلف، وسنان بن يزيد التميمي أبو حكيم الرهاوي، وعبد الله بن سعيد ~~بن أبي هند المدني، وعوف بن أبي جميلة الأعرابي، و محمد بن السائب الكلبي، ~~ومحمد بن أبي يحيى الأسلمي، و هشام ابن عروة بن الزبير على الصحيح، ويزيد ~~بن أبي عبيد، ويحيى بن أبي أنيسة الجزري. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر # وهي سنة سبع وأربعين ومائة. فيها حج الخليفة أبو جعفر المنصور وعزم على ~~قبض جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - أعني جعفرا الصادق ~~- فلم يتم له ذلك. وفيها آنتثرت الكواكب من أول الليل إلى الصباح فخاف ~~الناس عاقبة ذلك. وفيها خلع الخليفة أبو جعفر المنصور ابن أخيه عيسى بن ~~موسى من ولاية العهد و ولاها لابنه محمد المهدي، وجعل عيسى المذكور بعد ~~المهدي؛ وكان السفاح قد عهد إلى أبي جعفر المنصور بالخلافة ثم من بعده إلى ~~عيسى بن موسى هذا. وفيها أغارت الترك مع استرخان الخوارزمي على مدينة ~~تفليس، وكان بها حرب بن عبد الله الريوندي الذي تنسب إليه الحربية ببغداد، ~~فخرج إليهم حرب المذكور وقاتلهم فقتلوه وقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين ~~وسبوا. PageV01P0139 # وفيها توفي عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي عم ~~الخليفة أبي جعفر المنصور، وأمه بربرية يقال لها هنادة ؛ ولد سنة ثلاث ~~ومائة وقيل: آثنتين ومائة في آخر ذي الحجة. وهو الذي هزم مروان الحمار ~~بالزاب وتبعه إلى دمشق وفتحها وهدم سورها وجعل جامعها سبعين يوما لدوابه ~~وجماله، وقتل من أعيان بني أمية ثمانين رجلا بنهر أبي فطرس من أرض الرملة، ~~ثم ولي دمشق للسفاح؛ فلما ولي المنصور خرج عليه عبد الله ودعا لنفسه فهزمه ~~أبو مسلم الخراساني فشفع له إخوته ms0279 وأخذوا له أمانا من الخليفة أبي جعفر ~~المنصور، فلما قدم عليه حبسه مدة حتى مات في حبسه ؛ قيل: إن أبا جعفر ~~المنصور بنى له دارا حبسه فيها وجعل في أساسها ملحا، فلما سكنها عبد الله ~~وحبس فيها أطلق عليها ماء فذاب الملح فوقعت الدار عليه فمات. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ذراعان وآثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزياده أربعة ~~عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر # وهي سنة ثمان وأربعين ومائة. فيها حج بالناس الخليفة أبو جعفر المنصور. ~~وفيها توجه حميد بن قحطبة إلى ثغر أرمينية فلم يلق بأسا، وتوطأت الممالك ~~لأبي جعفر وثبتت قدمه في الخلافة وعظمت هيبته في النفوس ودانت له الأمصار؛ ~~ولم يبق خارجا عنه سوى جزيرة الأندلس من بلاد المغرب فقط، فإنها تغلب عليها ~~عبد الرحمن بن معاوية المرواني الأموي المعروف بالداخل لكونه دخل المغرب ~~لما هرب من بني العباس؛ وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب، لكنه لم يتلقب بأمير ~~المؤمنين بل بالأمير فقط، وكذلك بنوه من بعده ؛ ويأتى ذكرهم في محلهم من ~~هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وفيها توفي جعفر الصادق بن محمد الباقر بن ~~علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، الإمام ~~السيد أبو عبد الله الهاشمي العلوي الحسيني المدني، يقال: مولده سنة ثمانين ~~من الهجرة ؛ وهو من الطبقة الخامسة من تابعي أهل المدينة، وكان يلقب ~~بالصابر، والفاضل، والطاهر، وأشهر ألقابه الصادق؛ وهو سبط القاسم بن محمد ~~بن أبي بكر الصديق، فإن أمه هي أم فروة بنت القاسم بن محمد المذكور، وأمها ~~أم أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ولهذا كان جعفر يقول: أنا ابن ~~الصديق مرتين ؛ وهو يروي عن جده لأمه القاسم بن محمد ولم يرو عن جده لأبيه ~~علي زين العابدين، وقد أدركه وهو مراهق، وروى عن أبيه وعروة بن الزبير ~~وعطاء ونافع والزهري ؛ وحدث عنه أبو حنيفة وابن جريج وشعبة و السفيانان ~~ومالك ms0280 وغيرهم. وعن أبي حنيفة قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد. وروي عن ~~علي بن الجعد عن زهير بن محمد قال: قال أبي لجعفر بن محمد - يعني الصادق - ~~: إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر بن أبي قحافة وعمر، فقال جعفر: برىء ~~الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر. وذكر ~~الذهبي بإسناد عن محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة قال: سألت أبا جعفر ~~محمد بن علي وابنه جعفرا عن أبي بكر وعمر، فقالا: يا سالم تولهما وابرأ من ~~عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى رضي الله عنهما. وقال لي جعفر: يا سالم، ~~أيسب الرجل جده! أبو بكر جدي، فلا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة إن لم أكن ~~أتولاهما وأبرأ من عدوهما. قال الذهبي: هذا إسناد صحيح؛ وسالم وابن فضيل ~~شيعيان. قلت والفضل ما شهدت به الأعداء. وأي عذر أبقى جعفر الصادق بعد ذلك ~~للرافضة! أخزاهم الله تعالى. وفيها توفي سليمان بن مهران الإمام أبو محمد ~~الأسدي الكاهلي المحدث المعروف بالأعمش، من الطبقة الرابعة من تابعي أهل ~~الكوفة، ولد بقرية أمه من عمل طبرستان في سنة إحدى وستين. PageV01P0140 # قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وقد رأى أنس بن مالك وهو يصلي، ولم يثبت ~~أنه سمع منه، مع أن أنسا لما توفي كان للأعمش نيف وثلاثون سنة، وكان يمكنه ~~السماع من جماعة من الصحابة. ثم ذكر الذهبي روايته عن جماعة كثيرة جدا، ~~وذكر أيضا من روى عنه أكثر وأمعن ؛ ثم ذكر من خفة روحه ودعابته أشياء، ~~منها: قال وقال عيسى بن يونس: خرج الأعمش فإذا بجندي فسخره ليعبر به نهرا، ~~فلما ركبه قال: سبحان الذي سخر لنا هذا الآية، فلما توسط به الأعمش في ~~الماء قال: وقل ربي أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ثم رمى به. وقال ~~محمد بن عبيد الطنافسي: جاء رجل نبيل كبير اللحية إلى الأعمش فسأله عن ~~مسألة خفيفة من الصلاة، فالتفت إلينا الأعمش فقال: انظروا إليه، لحيته ms0281 ~~تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث ومسألته مسألة صبيان الكتاب. وذكر الذهبي في هذه ~~السنة وفاة جماعة كثيرة، قال: وتوفي جعفر بن محمد الصادق، وسليمان الأعمش، ~~وشبل بن عباد مقرىء مكة، وزكريا بن أبي زائدة في قول، وعمرو بن الحارث ~~الفقيه بمصر، وعبد الله بن يزيد بن هرمز؛ وعبد الجليل بن حميد اليحصبي، ~~وعمار بن سعد المصري، والعوام بن حوشب، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~القاضي - يأتي ذكره - قال: ومحمد بن عجلان الفقيه المدني، ومحمد بن الوليد ~~الزبيدي الفقيه، ونعيم بن حكيم المدائني، وأبو زرعة يحيى الشيباني. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم، ذراع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة ~~عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية يزيد بن حاتم على مصر # وهي سنة تسع وأربعين ومائة. فيها حج بالناس محمد ابن الإمام إبراهيم. ~~وفيها ولي إمرة مكة عبد الصمد بن علي العباسي عم الخليفة المنصور ثم صرف ~~عنها. وفيها غزا العباس بن محمد أرض الروم ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن ~~الأشعث، الذي كان ولي مصر قبل تاريخه، فمات ابن الأشعث في الطريق ؛ وقد ~~تقدم ذكر ذلك في ترجمته. وفيها كمل بناء بغداد. وفيها توفي سلم بن قتيبة بن ~~مسلم بن عمرو بن الحصين أبو عبد الله الباهلي الخراساني، والد سعيد بن سلم؛ ~~ولي سلم هذا إمرة البصرة ليزيد بن عمر بن هبيرة في أيام مروان الحمار، ثم ~~وليها في أيام أبي جعفر المنصور؛ وكان أميرا عاقلا عادلا في الرعية. وفيها ~~توفي عيسى بن عمر النحوي الثقفي العالم صاحب الإكمال و الجامع ، وفيهما ~~يقول الخليل بن أحمد صاحب العربية والعروض: الرمل بطل النحو جميعا كله ... ~~غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر ~~وفيها توفي كرز بن وبرة الكوفي؛ كان يسكن جرجان؛ من الطبقة الرابعة من ~~تابعي أهل الكوفة؛ كان زاهدا عابدا، سأل ربه أن يعطيه الاسم الأعظم على أن ~~يسأل ربه به حاجة من الدنيا فأعطاه، فسأل الله ms0282 أن يقويه على ختم القرآن، ~~فكان يختم كل يوم وليلة ثلاث ختمات. وذكر الذهبي وفاة جماعة في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي ثابت بن عمارة بخلف و زكريا بن أبي زائدة في قول، وسلم بن ~~قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير، وعبد الحميد بن يزيد الجذامي، وكهمس بن ~~الحسن التميمي، والمثنى بن الصباح، ومحمد بن الأشعث الخزاعي القائد، وأبو ~~جناب الكلبي، ومعروف بن سويد الجذامي المصري، ويعقوب بن مجاهد في قول. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وإصبعان. مبلغ الزيادة ستة عشر ~~ذراعا وثمانية أصابع ونصف. ### || AUT السنة السادسة من ولاية يزيد # بن حاتم على مصر وهي سنة خمسين ومائة. فيها خرج أستاذسيس في جموع كثيرة، ~~يقال: كان في نحو ثلاثمائة ألف مقاتل، وغلب على غالب خراسان؛ فخرج لقتالهم ~~الأختم المروروذي بأهل مرو الروذ، فاقتتلوا فقتل الأختم في جيشه؛ ثم خرج ~~لقتاله خازم بن خزيمة، وتقاتلا أشد قتال وثبت كل من الفريقين حتى نصر الله ~~الإسلام وهزم أستاذسيس وكثر القتل في جيشه فقتل منهم سبعون ألفا وأسر بضعة ~~عشر ألفا وهرب أستاذسيس في طائفة من عسكره إلى الجبل. وفيها عزل الخليفة ~~أبو جعفر المنصور جعفر بن سليمان عن إمرة المدينة وولى الحسن بن زيد بن ~~الحسن بن الحسن بن علي العلوي. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن علي العباسي. ~~PageV01P0141 # وفيها توفي الإمام الأعظم أبو حنيفة ؛ واسمه النعمان بن ثابت بن زوطى، ~~الفقيه الكوفي صاحب المذهب؛ ولد سنة ثمانين من الهجرة ورأى أنس بن مالك ~~الصحابي غير مرة بالكوفة لما قدمها أنس، قاله ابن سعد. وروى عن عطاء بن أبي ~~رباح ونافع وسلمة وخلق كثير، وتفقه بحماد وغيره حتى برع في الفقه والرأي ~~وساد أهل زمانه بلا مدافعة في علوم شتى. وقال عبد الله بن المبارك: أبو ~~حنيفة أفقه الناس. وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال ~~يزيد بن هارون: ما رأيت أحدا أورع ولا أعقل من أبي حنيفة. وعن أسد بن عمرو ~~أن أبا حنيفة صلى ms0283 العشاء والصبح بوضوء واحد أربعين سنة. قال الذهبي : وقد ~~روي من وجهين أنه ختم القرآن في ركعة. وعن النضر بن محمد قال: كان أبو ~~حنيفة جميل الوجه نقي الثوب عطر الرائحة. وعن ابن المبارك واسمه عبد الله ~~قال: ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة. وروى ~~إبراهيم بن سعيد الجوهري عن المثنى أن رجلا قال: جعل أبو حنيفة على نفسه إن ~~حلف بالله صادقا أن يتصدق بدينار. ويروى أن أبا حنيفة ختم القرآن في الموضع ~~الذي مات فيه سبعة آلاف مرة. وروى محمد بن سماعة عن محمد بن الحسن عن ~~القاسم بن معن: أن أبا حنيفة قام ليلة يردد قوله تعالى: بل الساعة موعدهم ~~والساعة أدهى وأمر؛ ويبكي ويتضرع إلى الفجر. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت ~~أحدا أحلم من أبي حنيفة. وعن الحسن بن زياد: قال أبو حنيفة: إذا ارتشى ~~القاضي فهو معزول وإن لم يعزل. وقال إسحاق بن إبراهيم الزهري عن بشر بن ~~الوليد الكندي: طلب المنصور أبا حنيفة فأراعه على القضاء وحلف ليلين، فأبى ~~وحلف ألا يفعل ذلك ؛ فقال الربيع حاجب المنصور: ترى أمير المؤمنين يحلف ~~وأنت تحلف! قال: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني ؛ فأمر به إلى ~~السجن فمات فيه ببغداد. وعن مغيث بن بديل قال: دعا المنصور أبا حنيفة إلى ~~القضاء فامتنع؛ فقال: أترغب عما نحن فيه؛ فقال: لا أصلح؛ قال: كذبت؛ قال ~~أبو حنيفة: فقد حكم أمير المؤمنين على أني لا أصلح، فإن كنت كاذبا فلا ~~أصلح، وإن كنت صادقا فقد أخبرتكم أني لا أصلح، فحبسه؛ ووقع لأبي حنيفة بسبب ~~القضاء أمور مع المنصور وهو على امتناعه إلى أن مات. وقال أحمد بن الصباح: ~~سمعت الشافعي يقول: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؛ قال: نعم، رأيت رجلا لو ~~كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. وقال حبان بن موسى: سئل ~~ابن المبارك: أمالك أفقه أم أبو حنيفة؛ قال: أبو حنيفة. وقال الخريبي : ما ~~يقع في ms0284 أبي حنيفة إلا حاسد أو جاهل. وقال يحيى القطان: لا نكذب الله، ما ~~سمعنا بأحسن من أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال علي بن عاصم: لو ~~وزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم. وقال حفص بن غياث: كلام أبي ~~حنيفة في الفقه أرق من الشعر لا يعيبه إلا جاهل. وقال الحميدي: سمعت ابن ~~عيينة يقول: شيئان ما ظننتهما يجاوزان قنطرة الكوفة: قراءة حمزة وفقه أبي ~~حنيفة، وقد بلغا الآفاق. وعن الأعمش أنه سئل عن مسألة فقال: إنما يحسن هذا ~~النعمان بن ثابت، وأظنه بورك له في علمه. وقال جرير: قال لي مغيرة: جالس ~~أبا حنيفة تتفقه، فإن إبراهيم النخعي لو كان حيا لجالسه. وقال محمد بن شجاع ~~سمعت علي بن عاصم يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف الناس لرجح بهم. ~~قلت: ومناقب أبي حنيفة كثيرة، وعلمه غزير وفي شهرته ما يغني عن الإطناب في ~~ذكره؛ ولو أطلقت عنان القلم في كثرة علومه ومناقبه لجمع من ذلك عدة مجلدات؛ ~~وكانت وفاته رضي الله عنه في شهر رجب من هذه السنة، ودفن بمقابر بغداد، ~~وأقام على ذلك سنين إلى أن بنى عليه شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور ~~الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي مشهدا في سنة تسع وخمسين ~~وأربعمائة، وبنى على القبر قبة ومدرسة كبيرة للحنفية؛ فلما فرغ من عمارة ~~ذلك جمع الفقهاء والعلماء والأعيان ليشاهدوا ما بناه، فبينما هم في ذلك إذ ~~دخل عليهم الشريف أبو جعفر مسعود البياضي الشاعر وأنشد: " الطويل " ألم تر ~~أن العلم كان مبددا ... فجمعه هذا الموسد في اللحد كذلك كانت هذه الأرض ~~ميتة ... فأنشرها فعل العميد أبي سعد PageV01P0142 # قلت: وأحسن من هذا ما قاله عبد الله بن المبارك في مدح أبي حنيفة، ~~القصيدة المشهورة التي أولها: " الوافر " لقد زان البلاد ومن عليها ... ~~إمام المسلمين أبو حنيفة وفيها توفي عبد العزيز بن سليمان أبو محمد ~~الراسبي، من الطبقة السادسة من تابعي أهل البصرة؛ كان عابدا زاهدا كانت ~~رابعة تسميه ms0285 سيد العابدين؛ كان إذا ذكر القيامة والموت صرخ كما تصرخ الثكلى ~~ويصرخ الحاضرون من جوانب المسجد، وربما وقع الميت والميتان من جوانب ~~المسجد؛ قاله أبو المظفر في " مرآة الزمان " . أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاثة أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرون إصبعا ونصف. ### || AUT السنة السابعة من ولاية يزيد # بن حاتم على مصر وهي سنة إحدى وخمسين ومائة. وهي التي عزل فيها. وفيها ~~عزل المنصور عمر بن حفص المهلبي عن السند بهشام بن عمرو التغلبي، وتولى ~~المهلبي هذا إفريقية. وفيها ابتدأ الخليفة أبو جعفر المنصور بعمارة الرصافة ~~بالجانب الشرقي وعمل لها سورا وخندقا وأجرى إليها الماء كما فعل ببغداد. ~~وفيها جدد الخليفة أبو جعفر المنصور البيعة لولده محمد المهدي ثم لابن أخيه ~~من بعده عيسى بن موسى، فكان من يبايعه يقبل يده ويد المهدي ثم يمسح على يد ~~عيسى بن موسى ولا يقبلها. قلت: البلاء والرياء قديمان. وفيها توفي عبد الله ~~بن عون بن أرطبان، أبو عون، مولى عبد الله بن عرة، من الطبقة الرابعة من ~~أهل البصرة؛ كان عثمانيا ثقة ورعا كثير الحديث. ولد قبل الطاعون الجارف ~~بثلاث سنين، وكان إذا مر بالقدرية لا يسلم عليهم. وذكر الذهبي وفاة جماعة ~~آخرين في هذه السنة، قال: وفيها توفي حنظلة ابن أبي سفيان المكي، وداود بن ~~يزيد الأودي، وسيف بن سليمان في قول، وعبد الله بن عون في رجب، وعبد الله ~~بن عامر الأسلمي يقال فيها، وعلي بن صالح المكي، وعيسى بن أبي عيسى الخياط ~~الخباط الحناط فإنه باشر الصنائع الثلاث: الخياطة وبيع الخبط وبيع الحنطة، ~~أو موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن إسحاق بن يسار فيها على قول، ~~وهو الأصح، ومعن بن زائدة الأمير، والوليد بن كثير المدني بالكوفة وصالح بن ~~علي الأمير. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. ~~مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية عبد الله بن عبد الرحمن # على مصر هو عبد الله ms0286 بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، " وحديج بضم ~~الحاء المهملة وفي الآخر جيم " التجيبي " بضم التاء المثناة من فوق " ~~الأمير أبو عبد الرحمن أمير مصر. وليها من قبل الخليفة أبي جعفر المنصور ~~بعد عزل يزيد بن حاتم المهلبي عنها، على الصلاة في يوم السبت ثامن عشر شهر ~~ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، ولم يول على الشرطة أحدا، وباشر هو ~~ذلك بنفسه؛ وكان عبد الله هذا قد ولي الشرطة لغير واحد من أمراء مصر. ولما ~~استقر في إمرة مصر سكن المعسكر على عادة الأمراء؛ وهو أول من خطب بالسواد ~~بمصر؛ فأقام بمصر مدة ثم خرج منها ووفد على الخليفة أبي جعفر المنصور ~~ببغداد في سنة أربع وخمسين ومائة واستخلف أخاه محمد بن عبد الرحمن على ~~الصلاة ثم رجع إلى مصر في آخر السنة المذكورة؛ ودام بها إلى أن توفي وهو ~~على إمرة مصر في مستهل صفر سنة خمس وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمدا على ~~صلاة مصر فأقره الخليفة أبو جعفر المنصور على إمرة مصر بعده، فكانت ولاية ~~عبد الله هذا على مصر ثلاث سنين تنقص أياما. وعبد الله هذا وأبوه من أكابر ~~المصريين من أعوان بني أمية، غير أنه استأمن سليمان بن علي العباسي لما ~~استأمنه عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة بن أبي سفيان. وسببه أنه ~~لما قتل غالب بني أمية خاف عمرو المذكور فقال: اختفيت فكنت لا آتي مكانا ~~إلا عرفت به، فضاقت علي الدنيا فقصدت سليمان بن علي وهو لا يعرفني فقلت له: ~~لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك ؛ فإما قتلتني فاسترحت، وإما رددتني ~~سالما فسلمت ؛ فقال: ومن أنت؛ فعرفته نفسي، فقال: مرحبا بك، " ما " حاجتك؛ ~~فقلت له: إن الحرم اللواتي أنت أولى " الناس " ، بهن وأقربهم إليهن قد خفن ~~تخوفنا ومن خاف خيف عليه. قال: فبكى سليمان كثيرا ثم قال: بل يحقن الله دمك ~~ويوفر مالك ويحفظ حرمك ؛ ثم كتب إلى السفاح: PageV01P0143 # يا أمير المؤمنين، إنه قد دفت دافة من بني أمية علينا ms0287 وإنا إنما قتلناهم ~~على عقوقهم، لا على أرحامهم، فإننا يجمعنا وإياهم عبد مناف ؛ فالرحم تبل ~~ولا تقتل وترفع ولا توضع؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل، وإن ~~فعل فليجعل كتابا عاما إلى البلدان - شكر الله تعالى على نعمه - فأجابه إلى ~~ما سأل. وكان هذا أول أمان لبني أمية، ودخل فيه صاحب الترجمة وغيره. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبد الله # بن عبد الرحمن على مصر وهي سنة اثنتين وخمسين ومائة. فيها حج بالناس ~~الخليفة أبو جعفر المنصور. وفيها وثب الخوارج ببست على عاملها معن بن زائدة ~~الشيباني فقتلوه لجوره وعسفه. وفيها غزا حميد بن قحطبة كابل و ولاه المنصور ~~إقليم خراسان. وفيها ولي البصرة يزيد بن المنصور. وفيها توفي معن بن زائدة ~~بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك الشيباني، الأمير أبو الوليد وقيل أبو ~~يزيد. كان أحد الأجواد، وكان شجاعا مقداما ممدحا. وحكاياته في الجود والكرم ~~مشهورة. وكان أولا مع ابن هبيرة ثم اختفى حتى كانت وقعة الراوندية مع ~~المنصور المقدم ذكرها؛ فلما كانت الوقعة خرج معن وقاتل بين يدي المنصور ~~قتالا عظيما، فولاه المنصور اليمن ثم سجستان؛ وقيل: إن معنا دخل مرة على ~~الخليفة أبي جعفر المنصور: فقال له المنصور: هيه يا معن تعطي مروان ابن أبي ~~حفصة مائة ألف درهم على قوله: معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفا على شرف ~~بنو شيبان فقال: كلا يا أمير المؤمنين، إنما أعطيته على قوله في هذه ~~القصيدة: مازلت يوم الهاشمية معلنا ... بالسيف عون خليفة الرحمن فمنعت ~~حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كل مهند وسنان فقال: أحسنت يا معن، ما أكثر ~~وقوع الناس في قومك ! فقال: يا أمير المؤمنين: " البسيط " إن العرانين ~~تلقاها محسدة ... ولا ترى للئام الناس حسادا ودخل عليه يوما وقد أسن فقال: ~~كبرت يا معن، فقال: في طاعتك يا أمير المؤمنين ؛ قال: وإنك لجلد قال: على ~~أعدائك يا أمير المؤمنين ؛ قال: وفيك بقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين. ~~وعرض هذا الكلام على ms0288 عبد الرحمن بن يزيد زاهد أهل البصرة فقال: ويح هذا! ما ~~ترك لربه شيئا. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر في هذه السنة، قال: " مات ~~إبراهيم بن أبي عبلة، وأبو خلدة خالد بن دينار البصري " وتوفي أبو عامر ~~صالح بن رستم الخزاز، وعبد الله بن أبي يحيى الأسلمي، وعمر بن سعيد بن أبي ~~الحسين المكي، وطلحة بن عمرو المكي، وعباد بن منصور الناجي " وأبو حرة واصل ~~بن عبد الرحمن " ويونس بن يزيد الأيلي في قول. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ذراع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبع واحد ونصف إصبع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عبد الله # بن عبد الرحمن على مصر وهي سنة ثلاث وخمسين ومائة. فيها قتل متولي ~~إفريقية عمر بن حفص بن عثمان بن أبي صفرة الأزدي؛ خرجت عليه أمم من البربر ~~وعليهم أبو حاتم الأباضي وأبو عاد فيقال: إنهم كانوا في خمسة وثمانين ألف ~~فارس ومائتي ألف راجل، وكانوا بايعوا أبا قرة الصفري بالخلافة. وفيها ألزم ~~الخليفة أبو جعفر المنصور رعيته بلبس القلانس الطوال المعروفة بالمدينة، ~~وكانوا يعملونها بالقصب والورق ويلبسونها السواد، وفيها يقول أبو دلامة : " ~~الطويل " وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس ~~تراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جئت بالبرانس وفيها غزا مسعود بن ~~عبد الله الجحدري الصائفة وفتح حصنا بالروم عنوة. وفيها ولي بكار بن مسلم ~~أرمينية. وفيها أغارت الحبشة على جدة فجهز إليهم الخليفة أبو جعفر المنصور ~~المراكب. وفيها سخط المنصور على وزيره أبي أيوب المورياني، واستأصله وحبس ~~معه أولاد أخيه سعيدا ومسعودا ومحمدا ومخلدا؛ وقتل في السنة الآتية. وكان ~~الذي سعى بأبي أيوب هذا هو كاتبه أبان بن صدقة. وفيها توفي شقيق بن ابراهيم ~~الزاهد، أبو علي البلخي الأزدي؛ كان من كبار مشايخ خراسان وله لسان في ~~التوكل؛ وهو أول من تكلم في التصوف وعلوم الأحوال بكورة خراسان؛ وهو أستاذ ~~حاتم الأصم؛ وكان لشقيق دنيا واسعة خرج عنها وتزهد وصحب إبراهيم بن أدهم. ~~PageV01P0144 # وفيها ms0289 توفي وهيب بن الورد مولى بني مخزوم، من الطبقة الثالثة من أهل مكة؛ ~~وكان اسمه عبد الوهاب فصغر وهيبا وكانت له أحاديث ومواعظ. روى عنه عبد الله ~~بن المبارك وغيره، وكنيته أبو عثمان وقيل أبو أمية؛ وكان زاهدا ينظر في ~~دقائق الورع. قال بشر الحافي : أربعة رفعهم الله بطيب المطعم: وهيب بن ~~الورد وإبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط وسلم الخواص. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ذراعان وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا ~~وعشرة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عبد الله # بن عبد الرحمن التجيبي على مصر وهي سنة أربع وخمسين ومائة. فيها قدم ~~الخليفة أبو جعفر المنصور الشام وزار بيت المقدس، ثم جهز يزيد بن حاتم في ~~خمسين ألفا لحرب الخوارج بإفريقية، وأنفق المنصور على الجيش المذكور، مع ~~شحه بالمال، ستين ألف ألف درهم وزيادة ؛ ثم ولى قضاء دمشق ليحيى بن حمزة، ~~فاعتل يحيى بأنه شاب؛ فقال: إني أرى أهل بلدك قد أجمعوا عليك فإياك ~~والهدية، فبقي يحيى على قضاء دمشق ثلاثين سنة. قال الواقدي: وفيها نزلت ~~صاعقة بالمسجد الحرام فأهلكت خمسة نفر. وفيها مات الوزير أبو أيوب ~~المورياني وكان المنصور صادره وسجنه وأخاه خالدا وبني أخيه في السنة ~~الماضية، فلما مات ضرب المنصور أعناق بني أخيه. وفيها حج بالناس محمد بن ~~الإمام إبراهيم العباسي أمير مكة. وفيها توفي الحكم بن أبان العدني، وهو من ~~الطبقة الثالثة من أهل اليمن؛ كان سيد أهل اليمن في الزهد والعبادة ~~والصلاح؛ كان يصلي الليل كله فإذا غلبه النوم ألقى نفسه في الماء وقال ~~لنفسه: سبحي الله عز وجل مع الحيتان. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر، قال: ~~وتوفي أشعب الطماع، وجعفر بن برقان، والحكم بن أبان العدني، وربيعة بن ~~عثمان التيمي، وعبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وعبد الرحمن بن يزيد بن ~~جابر الدمشقي، وعبيد الله بن عبد الله بن موهب، وعلي بن صالح بن حي الكوفي، ~~وعمر بن إسحاق بن يسار المدني، وقرة بن خالد السدوسي، ومحمد ms0290 بن عبد الله بن ~~مهاجر الشعيثي، وأبو عمرو بن العلاء المازني، ومعمر في قول. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ذراع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا ~~وخمسة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية محمد بن عبد الرحمن # على مصر هو محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج التجيبي أمير مصر؛ ~~وليها باستخلاف أخيه عبد الله بن عبد الرحمن له بعد موته، فأقره الخليفة ~~أبو جعفر المنصور على ذلك وولاه مصر على الصلاة والخراج وذلك في سنة خمس ~~وخمسين ومائة، فجعل على شرطته العباس بن عبد الرحمن بن ميسرة؛ وسكن المعسكر ~~وسار في الناس سيرة مشكورة غير أنه لم تطل أيامه، ومرض ولزم الفراش حتى مات ~~في النصف من شوال من سنة خمس وخمسين ومائة. فكانت ولايته على إمرة مصر ~~استقلالا بعد موت أخيه عبد الله ثمانية أشهر ونصفا. وتولى إمرة مصر من بعده ~~موسى بن علي بن رباح باستخلاف محمد هذا له. وفي أيام ولايته على مصر خرجت ~~عساكر مصر إلى إفريقية صحبتها يزيد بن حاتم، فقام محمد هذا بأمرهم أتم قيام ~~وجهزهم وحمل إلى يزيد الأموال والخيل والسلاح والرواتب حتى سار إلى جهة ~~المغرب وقاتل من بها وقتل أبا عاد وأبا حاتم وملك القيروان وسائر الغرب، ~~وبعث إلى محمد هذا ليعرف الخليفة بذلك فوجده الرسول قد مات قبل وصوله ~~بأيام. وقد تقدم ذكر نسب محمد هذا في ترجمة أخيه عبد الله بن عبد الرحمن ~~فلا حاجة للإعادة. ### || AUT السنة التي حكم فيها محمد # بن عبد الرحمن وغيره من الأمراء على مصر وهي سنة خمس وخمسين ومائة. فيها ~~استنقذ يزيد بن حاتم المعزول عن إمرة مصر قبل تاريخه بلاد المغرب من يد ~~الخوارج بعد حروب عظيمة، وقتل أبا عاد وأبا حاتم ملكي الخوارج، ومهد إقليم ~~المغرب وأصلح أموره، وبقي على إمرة المغرب خمسة عشر عاما أميرا. وفيها عزل ~~الخليفة أبو جعفر المنصور عن إمرة المدينة الحسن بن زيد العلوي بعبد الصمد ~~بن علي العباسي عم الخليفة المنصور. ms0291 وفيها بنى المنصور أسوار الكوفة ~~والبصرة ونيسابور وأدار عليها الخندق من أموال أهلها. وفيها عزل الخليفة ~~أبو جعفر المنصور أخاه العباس بن محمد عن الجزيرة وصادره وحبسه لشكوى أهل ~~الجزيرة عليه. PageV01P0145 # وفيها توفي أشعب بن جبير الطماع، وأمه جعدة وقيل أم حميد. وقيل إنه كان ~~مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل مولى سعيد بن العاص، وقيل مولى عبد ~~الله بن الزبير، وقيل مولى فاطمة بنت الحسين؛ وكان أزرق العينين أحول أقرع ~~نشأ بالمدينة، وقيل ولد سنة تسع من الهجرة وعاش دهرا طويلا. وكان أشعب قد ~~تعبد وقرأ القرآن وتنسك وروى الحديث، وكان حسن الصوت، وله أخبار كثيرة ~~مستظرفة في الطمع وغيره. روى الأصمعي قال: عبث الصبيان بأشعب فقال: ويحكم! ~~اذهبوا، سالم يقسم تمرا فعدوا، فعدا معهم وقال: ما يدريني لعله حق. وقال ~~أبو أمية الطرسوسي: حدثنا ابن أبي عاصم النبيل عن أبيه قال: قلت لأشعب ~~الطماع: أدركت التابعين.، فما كتبت شيئا، فقال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس ~~قال: " لله على عبده نعمتان " ثم سكت؛ فقلت: اذكرهما، فقال: الواحدة نسيها ~~عكرمة، والأخرى نسيتها أنا. وروى ابن أبي عبد الرحمن الغزي عن أبيه قال ~~أشعب: ما خرجت في جنازة فرأيت اثنين يتساران إلا ظننت أن الميت أوصى لي ~~بشيء. وعن ابن أبي عاصم قال: مررت يوما فإذا أشعب ورائي فقلت: ما لك. قال: ~~رأيت قلنسوتك قد مالت فقلت: لعلها تقع فآخذها. فأخذتها عن رأسي فدفعتها ~~إليه. وحكايات أشعب في الطمع كثيرة مشهورة ؛ وقيل إنه كان يجيد الغناء. ~~وفيها توفي مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة بن الحارث، أبو سلمة الهلالي ~~الكوفي الأحول، الحافظ الزاهد. قال سفيان بن عيينة: رأيت مسعرا ورعا يحدثه ~~الرجل بشيء هو أعلم به منه فيستمع له وينصت، وما لقيت أحدا أفضله عليه. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ~~خمسة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### | AUT ولاية موسى بن علي على مصر # هو موسى بن علي بن رباح، الأمير ms0292 أبو عبد الرحمن اللخمي المصري أمير مصر؛ ~~ولي إمرة مصر باستخلاف محمد بن عبد الرحمن التجيبي إليه، فأقره الخليفة أبو ~~جعفر المنصور على إمرة مصر على الصلاة، وذلك في شوال سنة خمس وخمسين ومائة، ~~فجعل على شرطته أبا الصهباء محمد بن حسان الكلبي، وباشر إمرة مصر إلى سنة ~~ست وخمسين ومائة ؛ وفي ولايته لما خرج عليه قبط مصر وتجمعوا ببعض البلاد ~~فبعث موسى هذا بعسكر فقاتلوهم حتى هزموهم وقتل منهم جماعة وعفا عن جماعة، ~~ومهد أمور مصر، وكان فيه رفق بالرعية وتواضع، وكان يتوجه إلى المسجد ماشيا ~~وصاحب شرطته بين يديه يحمل الحربة، وكان إذا أقام صاحب الشرطة الحدود بين ~~يديه يقول له موسى هذا: أرحم أهل البلاد؛ وكان يحدث فيكتب الناس عنه. قال ~~الذهبي في " تذهيب التهذيب " : ولي الديار المصرية ست سنين وحدث عن أبيه، ~~وعن الزهري، وعن ابن المنكدر، وجماعة؛ وحدث عنه أسامة بن زيد الليثي، ~~والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وابن المبارك، وابن وهب، ووكيع، وأبو ~~عبد الرحمن المصري، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن سنان العوفي، وروح بن ~~صلاح الموصلي ثم المصري، وطائفة، آخرهم موتا القاسم بن هانىء الأعمى بمصر، ~~ووثقه أحمد وابن معين والعجلي والنسائي. وقال أبو حاتم: كان رجلا صالحا ~~يتقن حديثه لا يزيد ولا ينقص، صالح الحديث، من الثقات. وقال الحافظ أبو ~~سعيد بن يونس: ولد بإفريقية سنة تسعين ومات بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ~~ومائة. وقال غيره: أقام على إمرة مصر إلى أن توفي الخليفة أبو جعفر المنصور ~~في سادس ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وولي الخلافة من بعده ابنه محمد ~~المهدي فأقر المهدي موسى هذا على إمرة مصرة فاستمر على ذلك إلى أن عزله ~~المهدي بعد ذلك في سابع عشر ذي الحجة سنة إحدى وستين ومائة وولى بعده على ~~مصر عيسى بن لقمان، فكانت ولايته على مصر ست سنين وشهرين. وقال صاحب " ~~البغية " : ثم صرفه المهدي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ~~سنة إحدى وستين ومائة، ms0293 ومدة ولايته ست سنين وشهران. قلت: وافقنا صاحب " ~~البغية " في المدة والسنة وخالفنا في شهر عزله. PageV01P0146 # قلت: وفي أيامه كان خروج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم. خرج ملتزما ~~بخراسان هو ومن معه منكرا على الخليفة محمد المهدي ونقم عليه في سيرته التي ~~يسير بها، وكتب إلى موسى هذا ليوافقه فنهر قاصده وقبض عليه وكتب بذلك ~~!لمهدي واجتمع مع البرم بشر كثير، فوجه إليه المهدي يزيد بن مزيد الشيباني، ~~وهو ابن أخي معن بن زائدة الشيباني، فلقيه يزيد فاقتتلا حتى صارا إلى ~~المعانقة، فأسره يزيد المذكور وبعث به وبأصحابه إلى المهدي؛ فلما بلغوا ~~النهروان حمل يوسف البرم على بعير قد حول وجهه إلى ذنبه وكذلك أصحابه، ~~فأدخلوهم إلى الرصافة على تلك الحالة، وقطعت يدا يوسف ورجلاه ثم قتل هو ~~وأصحابه وصلبوا على الجسر. وقيل: إن يوسف المذكور كان حروريا فتغلب على ~~بوشنج وعليها مصعب أبن زريق؛ جد طاهر بن الحسين فهرب منه، وكان تغلب أيضا ~~على مرو الروذ والطالقان وجوزجان، وقد كان من جملة أصحابه أبو معاذ ~~الفريابي فقبض عليه معه. ### || AUT السنة الأولى هن ولاية موسى # بن علي على مصر وهي سنة ست وخمسين ومائة. فيها عزل الخليفة أبو جعفر ~~المنصور الهيثم بن معاوية عن إمرة البصرة بسوار بن عبد الله، فاستقر سوار ~~على إمرتها والقضاء، جمع له بينهما؛ ولما عزل الهيثم قدم بغداد فأقام أبها، ~~أيامأ ومات فجأة على صدر سريته وهو يجامع، فخرج المنصور في جنازته وصلى ~~عليه ودفن في مقابر قريش. وفيها توفي حمزة بن حبيب بن عمارة، أبو عمارة ~~الزيات أحد القراء السبعة كان الأعمش إذا رآه يقول: هذا حبر القرآن. وفيها ~~توفي عبد الرحمن بن زياد أبو خالد الإفريقي المعافري قاضي إفريقية؛ كان ~~فقيها زاهدا ورعا وهو أول مولود ولد بالإسلام بإفريقية؛ وهو من الطبقة ~~الخامسة من أهل المغرب. وفد على خلفاء بني أمية؛ وكان قوالا بالحق مشكور ~~السيرة عدلا رحمه الله. وفيها توفي حماد الراوية أبو القاسم بن أبي ليلى؛ ~~ولاؤه لبكر بن وائل. ms0294 وقيل اسم أبيه سابور بن مبارك الديلمي الكوفي، وكان ~~إخباريا عالما علامة خبيرا بأيام العرب وشعرها؛ وامتحنه الوليد بن يزيد ~~الخليفة في حفظ الشعر فتعب، فوكل به من يستوفي عليه فأنشد ألفين وسبعمائة ~~قصيدة مطولة، فأمر له الوليد بمائة ألف درهم. وفيها توفي أيضا حماد عجرد، ~~واسمه حماد بن يونس بن كليب أبو يحيى الكوفي وقيل: الواسطي ؛ كان أيضا ~~إخباريا علامة، وكان بينه وبين بشار بن برد الشاعر الأعمى الآتي ذكره أهاج ~~ومفاوضات ؛ وكان بالكوفة في عصر واحد الحمادون الثلاثة: حماد الراوية ~~المقدم ذكره وحماد عجرد هذا، وحماد بن الزبرقان، فكانوا يشربون الخمر ~~ويتهمون بالزندقة. قال خلف بن المثنى: كان يجتمع بالبصرة عشرة في مجلس لا ~~يعرف مثلهم: الخليل بن أحمد صاحب العروض سني، والسيد " ابن " محمد الحميري ~~الشاعر رافضي، وصالح بن عبد القدوس ثنوي، وسفيان بن مجاشع صفري، وبشار بن ~~برد خليع ماجن، وحماد عجرد زنديق، وابن رأس الجالوت الشاعر يهودي، وابن ~~نظير النصراني متكلم، وعمرو ابن أخت المؤيد مجوسي، وابن سنان الحراني ~~الشاعر صابئي؛ فيتناشد الجماعة أشعارا وأخبارا؛ فكان بشار يقول: أبياتك هذه ~~يا فلان أحسن من سورة كذا وكذا، وبهذا المزاح ونحوه كفروا بشارا، وقيل: ~~وفاة حماد عجرد سنة خمس وخمسين ومائة وقيل: سنة إحدى وستين ومائة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ~~خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية # موسى بن علي اللخمي على مصر وهي سنة سبع وخمسين ومائة. فيها أنشأ ~~الخليفة أبو جعفر المنصور قصره الذي سماه الخلد على شاطىء دجلة. وفيها عرض ~~المنصور جيوشه في السلاح والخيل وخرج وهو عليه درع وقلنسوة سوداء مصرية ~~وفوقها الخوذة. وفيها نقل المنصور الأسواق من بغداد، وعملت بظاهرها بباب ~~الكرخ، ووسع شوارع بغداد وهدم دورا كثيرة لذلك. وفيها غزا الروم يزيد بن ~~أسيد السلمي، ، فوجه على بعض جيشه سنانا مولى البطال، فسبى وقتل وغنم. ~~PageV01P0147 # وفيها توفي سوار بن عبد الله قاضي البصرة ؛ كان عادلا في حكمه ms0295 ؛ شكاه أهل ~~البصرة إلى المنصور فاستقدمه المنصور، فلما قدم عليه جلس فعطس المنصور فلم ~~يشمته سوار، فقال له المنصور: ما لك لم تشمتني؛ فقال: لأنك لم تحمد الله، ~~فقال المنصور: أنت ما حابيتني في عطسة تحابي غيري! ارجع إلى عملك. وفيها ~~توفي عبد الوهاب ابن الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ~~الهاشمي العباسي ابن أخي المنصور. ولاه عمه المنصور دمشق وفلسطين والصائفة؛ ~~ولم تحمد ولايته؛ وولي عدة أعمال غير ذلك. وكان أبوه إبراهيم بويع بالخلافة ~~بعد موت أبيه فلم يتم أمره، وقبض عليه مروان الحمار وحبسه حتى مات، فعدل ~~الناس بعده إلى أخيه السفاح وبايعوه فتم أمره. وفيها توفي عبد الرحمن بن ~~عمرو بن يحمد الفقيه، أبو عمرو الاوزاعي فقيه الشام وصاحب المذهب المشهور ~~الذي ينسب إليه الأوزاعية قديما والأوزاع: بطن من همدان وقيل: من حمير ~~الشام وقيل قرية بدمشق، وقيل: إنما سمي الأوزاعي لأنه من أوزاع القبائل، ~~ومولده ببعلبك، ونشأ بالبقاع، ونقلته أمه إلى بيروت فرابط بها إلى أن مات ~~بها فجأة فوجدوه يده اليمنى تحت خده وهو ميت، وكان فقيها ثقة فاضلا عالما ~~كثير الحديث حجة رحمه الله. وفيها توفي محمد بن طارق المكي من الطبقة ~~الثالثة من أهل مكة؛ كان من الزهاد العباد. قال محمد بن فضل: رأيته في ~~الطواف وقد انفرج له أهل الطواف فحزر طوافه في اليوم والليلة فكان عشرة ~~فراسخ. وبه ضرب ابن شبرمة المثل حيث قال: " البسيط " لو شئت كنت ككرز في ~~تعبده ... أو كابن طارق حول البيت في الحرم قد حال عون لذيذ العيش خوفهما ~~... وسارعا في طلاب الفوز فالكرم وذكر الذهبي وفاة جماعة مختلف فيهم، فقال: ~~وفيها توفي - قاضي مرو - الحسين بن واقد، وسعيد بن أبي عروبة في قول، وطلحة ~~بن أبي سعيد الإسكندراني، وعامر بن إسماعيل الحارثي أو عمر بن صهبان، ~~الأمير، وفقيه الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ومحمد بن عبد الله ابن ~~أخي الزهري، ومصعب بن ثابت بن الزبير في قول، ويوسف بن ms0296 إسحاق بن أبي إسحاق ~~السبيعي بفتح السين، وأبو محنف لوط في قول. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية موسى # بن علي اللخمي على مصر وهي سنة ثمان وخمسين ومائة. فيها حج بالناس ~~إبراهيم بن يحيى بن محمد العباسي ابن أخي الخليفة أبي جعفر المنصور وهو شاب ~~أمرد. وفيها مات طاغية الروم. وفيها ولى الخليفة خالد بن برمك الجزيرة، ~~وكان ألزمه الخليفة المنصور بثلاثة آلاف ألف درهم. وفيها توفي زفر بن ~~الهذيل العنبري، الإمام الفقيه صاحب أبي حنيفة ومولده سنة عشر ومائة؛ روى ~~علي بن المحرك عن الحسن بن زياد قال: كان زفر وداود الطائي متحابين فأما ~~داود فترك الفقه وأقبل على العبادة، وأما زفر فجمعهما. قال أبو نعيم: كنت ~~أعرض الحديث على زفر فيقول: هذا ناسخ وهذا منسوخ، وهذا يؤخذ وهذا يرفض. ~~وقال الحسن بن زياد: ما رأيت أحدا يناظر زفر إلا رحمته. قلت: يعني لكثرة ~~علومه وبلاغته وقدرته على العلم. وهو أول أصحاب أبي حنيفة موتا رحمه الله. ~~وفيها توفي شيبان الراعي، وكان من كبار الفقهاء من الزهاد والعباد؛ وكان من ~~أكابر أهل دمشق ثم ترك الدنيا وخرج إلى جبل لبنان، فانقطع به وأكل المباحات ~~وصحب سفيان الثوري وغيره. قيل: إنه كان إذا حصل له جنابة أتته سحابة مطر ~~فيغتسل منها؛ وكان إذا ذهب إلى الجمعة يخط على غنمه خطا فيجيء فلم يجدها ~~تتحرك. قال الهيثم: حج شيبان وسفيان الثوري فعرض لهما سبع، فقال سفيان: أما ~~ترى السبع؛ فقال شيبان لا تخف غير الله عز وجل، فلما سمع السبع صوت شيبان ~~جاء إليه وبصبص فعرك شيبان أذنه بعد أن بصبص السبع، فقال له: اذهب. ~~PageV01P0148 # وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ~~بن العباس أبو جعفر المنصور الهاشمي العباسي؛ ولد في سنة خمس وتسعين أوفي ~~حدودها، وأمه أم ولد اسمها سلامة البربرية، وروى عن أبيه وجده، ms0297 وروى عنه ~~ولده محمد المهدي، وكان قبل أن يلي الخلافة يقال له: عبد الله الطويل؛ ولي ~~الخلافة بعد موت أخيه عبد الله السفاح، أتته البيعة وهو بمكة، فإنه كان حج ~~تلك السنة بعهد السفاح إليه لما احتضر في سنة ست وثلاثين ومائة، فدام فيها ~~اثنتين وعشرين سنة إلى أن مات في ذي الحجة. وولي الخلافة من بعده ابنه محمد ~~المهدي بعهد منه إليه. وقال الربيع بن يونس الحاجب: سمعت المنصور يقول: ~~الخلفاء أربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والملوك أربعة: معاوية وعبد ~~الملك وهشام وأنا. قال شباب : أقام الحج للناس أبو جعفر المنصور سنة ست ~~وثلاثين ومائة وسنة أربعين ومائة وسنة أربع وأربعين ومائة وسنة اثنتين ~~وخمسين ومائة. وزاد الفسوي أنه حج أيضا سنة سبع وأربعين ومائة. قال أبو ~~العيناء حدثنا الأصمعي: أن المنصور صعد المنبر فشرع في الخطبة، فقام رجل ~~فقال: يا أمير المؤمنين، اذكر من أنت في ذكره، فقال له: مرحبا، لقد ذكرت ~~جليلا، وخوفت عظيما، وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له: اتق الله أخذته ~~العزة بالإثم؛ والموعظة منا بدت ومن عندنا خرجت، وأيت يا قائلها فأحلف ~~بالله ما الله أردت، إنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، فأهون بها من ~~قائلها. وإياك وإياكم معشر الناس وأمثالها ؛ ثم عاد إلى الخطبة وكأنما يقرأ ~~من كتاب. وقال الربيع: كان المنصور يصلي الفجر ثم يجلس أو ينظر، في مصالح ~~الرعية إلى أن يصلي الظهر، ثم يعود إلى ذلك إلى أن يصلي العصر، ثم يعود إلى ~~أن يصلي المغرب؛ فيقرأ ما بين المغرب والعشاء الآخرة، ثم يصلي العشاء ويجلس ~~مع سماره إلى ثلث الليل الأول، فينام الثلث الأوسط ثم ينتبه إلى أن يصلي ~~الفجر، ويقرأ في المصحف إلى أن ترتفع الشمس فيجلس للناس، فكان هذا دأبه. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وإصبعان ونصف. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية موسى # بن علي اللخمي على مصر وهي سنة تسع وخمسين ومائة. ms0298 فيها خرج الخليفة محمد ~~المهدي من بغداد فنزل البردان وجهز الجيوش إلى الصائفة، وجعل على الجيوش ~~عمه العباس بن محمد العباسي وبين يديه الحسن بن وصيف في الموالي وقواد ~~خراسان وغيرهم؛ فساروا إلى الروم حتى بلغوا أنقرة وفتحوا مدينة يقال لها: ~~المطمورة وعادوا سالمين غانمين. وفيها فتح الخليفة المهدي الخزائن وفرق ~~الأموال. وذكر الربيع الحاجب قال: مات المنصور وفي بيت المال مائة ألف ألف ~~درهم وستون ألف درهم فقسم ذلك المهدي وأنفقه. وفيها أمر المهدي بإطلاق من ~~كان في حبس أبيه إلا من كان عليه دم وأشباه ذلك. وفيها أعتق المهدي جاريته ~~الخيزران وتزوجها، وهي أم الهادي والرشيد. وفيها عزم المهدي على خلع ابن ~~عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد وتولية ولده موسى الهادي " فكتب إلى عيسى ~~بن موسى بالقدوم عليه " فامتنع عيسى من ذلك. وفيها توفي عبد العزيز مولى ~~المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، من الطبقة الرابعة من أهل مكة وكان معروفا ~~بالعبادة والورع وله أحاديث. وفيها أطلق المهدي الحسن وأخاه ولدي إبراهيم ~~بن عبد الله بن حسن وسلم الحسن إلى أمير يحتفظ به، فهرب الحسن فتلطف المهدي ~~حتى وقع به بعد مئة. وفيها عزل المهدي إسماعيل الثقفي عن الكوفة بعثمان بن ~~لقمان الجمحي وقيل بغيره. وفيها عزل المهدي خاله يزيد بن منصور عن اليمن ~~وولاها رجاء بن روح. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر في هذه السنة، قال: وتوفي ~~أصبغ بن زيد الواسطي، وحميد بن قحطبة الأمير، وعبد العزيز بن أبي رواد ~~بمكة، وعكرمة بن عمار اليمامي، وعمار بن رزيق الضبي، ومالك بن مغول قيل في ~~أولها، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأبو ~~بكر الهذلي واسمه سلمى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ~~وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا باصبعان. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية موسى # بن علي اللخمي على مصر وهي سنة ستين ومائة. فيها عزل المهدي أبا عون عن ~~إمرة خراسان وولاها بعده معاذ بن ms0299 مسلم. PageV01P0149 # وفيها حج بالناس الخليفة محمد المهدي ونزع المهدي كسوة البيت الحرام ~~وكساه كسوة جديدة، فقيل: إن حجبة الكعبة أنهوا إليه أنهم يخافون على الكعبة ~~أن تهدم لكثرة ما عليها من الأستار، فأمر بها فجردت عنها الستور، فلما ~~انتهوا إلى كسوة هشام بن عبد الملك بن مروان وجدوها ديباجا غليظا إلى ~~الغاية. ويقال: إن المهدي فرق في حجته هذه في أهل الحرمين ثلاثين ألف ألف ~~درهم منها دنانير كثيرة؛ ووصل إليه من اليمن أربعمائة ألف دينار فقسمها ~~أيضا في الناس، وفرق من الثياب الخام مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب ؛ ووسع ~~في مسجد النبي - صلى الله عليه و سلم - وقرر في حرسه خمسمائة رجل من ~~الأنصار ورفع أقدارهم. وفيها خلع المهدي ابن عمه عيسى بن موسى بن محمد بن ~~علي بن عبد الله بن العباس من ولاية العهد وجعلها في ولده موسى الهادي. ~~وفيها توفي إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر التميمي العجلي أبو ~~إسحاق البلخي وأصله من كورة بلخ من أبناء الملوك؛ حج أدهم ومعه امرأة فولدت ~~بمكة إبراهيم هذا، فطاف به أبوه حول الكعبة ودار به على الخلق في المسجد ~~وقال: ادعوا له. قال ابن مندة: سمعت عبد الله بن محمد البلخي، سمعت عبد ~~الله بن محمد العابد، سمعت يونس بن سليمان البلخي يقول: كان إبراهيم بن ~~أدهم من الأشراف، وكان أبوه شريفا كثير المال والخدم والجنائب والبزاة، ~~فبينما إبراهيم يأخذ كلابه وبزاته للصيد وهو على فرسه يركضه إذ هو بصوت ~~يناديه: يا إبراهيم، ما هذا العبث! فحسبتم أنما خلقناكم عبثا. اتق الله ~~وعليك بالزاد ليوم الفاقة، قال: فنزل عن دابته ورفض الدنيا. وذكر الذهبي ~~بإسناد عن إبراهيم بن أدهم أنه قيل لإبراهيم بن أدهم: ما كرامة المؤمن على ~~الله؛ قال: أن يقول للجبل تحرك فيتحرك، قال: فتحرك الجبل، فقال: ما إياك ~~عنيت. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وثمانية أصابع. مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا سواء. ### | AUT ولاية عيسى بن لقمان # على ms0300 مصر هو عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الجمحي " بضم الجيم وتقدمها ~~نسبة إلى جمح أمير مصر؛ وليها بعد عزل موسى بن علي اللخمي من قبل أمير ~~المؤمنين محمد الهادي على الصلاة والخراج معا في سنة إحدى وستين ومائة؛ ~~وكان دخوله إلى مصر في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقسين من ذي الحجة سنة ~~إحدى وستين ومائة؛ فجعل على الشرطة الحارث بن الحارث الجمحي وهو من بني عمه ~~؛ ثم سكن عيسى هذا المعسكر على عادة أمراء مصر ودام على إمرة مصر مدة ~~يسيرة، ثم جاءه الخبر بعزله عن إمرة مصر في جمادى الآخرة لاثنتي عشرة بقيت ~~منها من سنة اثنتين وستين ومائة، وولاية واضح مولى أبي جعفر المنصور. فكانت ~~ولاية عيسى هذا على مصر نحو خمسة أشهر، وهي بسفارة يعقوب بن داود. وكان سبب ~~تقدم يعقوب بن داود عند المهدي لما أحضره المهدي عنده في أمر الحسن بن ~~إبراهيم العلوي فقال يعقوب: يا أمير المؤمنين، إنك قد بسطت عدلك لرعيتك ~~وأنصفتهم وأحسنت إليهم فعظم رجاؤهم، ، انفسحت آمالهم، وقد بقيت أشياء لو ~~ذكرتها لك، لم تدع النظر فيها، وأشياء خلف بابك يعمل فيها ولا تعلم بها، ~~فإن جعلت لي السبيل إليك رفعتها؛ فأمره بذلك. فكان يدخل عليه كلما أراد ~~ويرفع إليه النصائح في الأمور الحسنة الجميلة من أمور الثغور والولايات ~~وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العزاب وفكاك الأسرى والمحبسين والقضاء ~~عن الغارمين والصدقة على المتعففين، فحظي عنده بذلك وتقدمت منزلته حتى سقطت ~~منزلة أبي عبيد الله وحبس. وكتب المهدي توقيعا بأنه اتخذه أخا في الله ~~ووصله بمائة ألف درهم. ولما عزل عيسى هذا عن إمرة مصر قربه إلى المهدي ~~فأكرمه غاية الإكرام. ### || AUT السنة التي حكم فيها عيسى بن لقمان # على مصر وهي سنة إحدى وستين ومائة. على أنه ولي في آخرها غير أننا ~~نذكرها في ترجمته، ونذكر سنة اثنتين وستين ومائة في ترجمة غيره لأن كلا ~~منهما ترجمته غير مستوفاة لقلة اعتناء المؤرخين بهما قديما. PageV01P0150 # فيها خرج المقنع الخارجي ms0301 بخراسان - واسمه عطاء، وقيل حكيم - بأعمال مرو ~~وادعى النبؤة، وكان يقول بتناسخ الأرواح، واستغوى خلقا عظيما وتوثب على بعض ~~ما وراء النهر، فانتدب لحربه أمير خراسان معاذ بن مسلم والأمير جبريل بن ~~يحيى وليث مولى المهدي وسعيد الحرشي فجمع المقنع الأقوات وتحضن للحصار ~~بقلعة من أعمال كش على ما يأتي ذكره. وفيها ظفر نصر بن " محمد بن " الأشعث ~~الخزاعي بعبد الله ابن الخليفة مروان الحمار الأموي المكنى بأبي الحكم وهو ~~أخو عبيد الله؛ وكانا ولي عهد مروان، فلما قتل مروان حسبما ذكرناه بديار ~~مصر هرب عبد الله هو وأخوه إلى الحبشة فقتل عبيد الله واختفى هذا إلى أن ~~أتي به إلى المهدي فجلس له مجلسا عاما وقال: من يعرف هذا؛ فقام عبد العزيز ~~العقيلي إلى جنبه، ثم قال له: أبو الحكم؛ قال: نعم، فسجنه المهدي. وفيها - ~~أمر المهدي بعمارة طريق مكة، وبنى بها قصورا أوسع من القصور التي أنشأها ~~عمه السفاح، وعمل البرك وجدد الأميال، ودام العمل في ذلك حتى تم في عشر ~~سنين. ثم أمر المهدي بترك المقاصير التي في الجوامع وقصر المنابر وصيرها ~~على مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم وفيها حج بالناس موسى الهادي ~~ولي عهد المهدي وابنه الأكبر. وفيها زاد الخليفة المهدي في المسجد الحرام ~~ومسجد النبي صلى الله عليه و سلم وفيها توفي أبو دلامة زند بن الجون الكوفي ~~الشاعر المشهور مولى بني أسد؛ كان عبدا حبشيا فصيحا خليعا ماجنا؛ وهو ممن ~~ظهر ذكره في الدولة العباسية من الشعراء. ومن شعره وهو من نوع المقابلة ~~ثلاثة بثلاثة: " البسيط " ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح ~~الكفر والإفلاس بالرجل وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر على اختلاف يرد عليه في ~~وفاتهم. قال: وفيها مات أرطاة بن الحارث النخعي، وإسرائيل بن يونس، وحرب بن ~~شداد أبو الخطاب، ورجاء بن أبي سلمة بالرملة، وزائدة بن قدامة في أولها، ~~وسالم بن أبي المهاجر الرقي، وسعيد بن أبي أيوب المصري، وسفيان بن سعيد ~~الثوري، وعبد الحكم بن أعين ms0302 المصري، ونصر بن مالك الخزاعي الأمير، ويزيد بن ~~إبراهيم التستري. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان و عشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### | AUT ولاية واضح المنصوري # على مصر هو واضح بن عبد الله المنصوري الخصي أمير مصر؛ وليها من قبل ~~المهدي بعد عزل عيسى بن لقمان عن مصر في جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ~~ومائة. فدخلها واضح المذكور في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة ~~اثنتين وستين ومائة المذكورة؛ وجمع له المهدي صلاة مصر وخراجها معا. ولما ~~دخل مصر سكن المعسكر على عادة أمراء مصر وجعل على شرطته موسى بن زريق مولى ~~بني تميم. وواضح هذا أصله من موالي صالح ابن الخليفة أبى جعفر المنصور. ~~وكان خصيصا عند المنصور إلى الغاية، وكان يندبه إلى المهمات لشجاعة كانت ~~فيه وشدة. ولما ولي إمرة مصر شد على أهلها فشكوا منه فعزله المهدي عنهم في ~~شهر رمضان من سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة بمنصور بن يزيد. فكانت ولاية ~~واضح هذا على مصر نحو أربعة أشهر. وقال صاحب " البغية " : ثلاثة شهور. ~~واستمر واضح هذا على بريد مصر إلى أن خرج إدريس بن عبد الله بن حسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان واضح المذكور فيه ميل ~~للعلويين فحمله واضح على البريد إلى الغرب فنزل إدريس بمدينة يقال لها ~~وليلة، وكان إدريس هذا قد خرج أولا مع الحسين صاحب فخ، فلما قتل الحسين هرب ~~إدريس هذا إلى مصر واختفى بها إلى أن وجهه واضح هذا إلى الغرب، فلما وصل ~~إدريس هذا إلى الغرب دعا لنفسه فأجابه من كان بها وبنواحيها من البربر وعظم ~~أمره وبلغ ذلك الخليفة الهادي موسى، فطلب واضحا هذا وقتله وصلبه في سنة تسع ~~وستين ومائة، وقيل: الذي قتله هارون الرشيد لما تخلف بعد موت أخيه موسى ~~الهادي في أول خلافته. ### | AUT ولاية منصور بن يزيد # على مصر PageV01P0151 # هو منصور بن يزيد بن منصور بن عبد الله بن شهر ms0303 بن يزيد الزنجاني الحميري ~~الرعيني أمير مصر وهو ابن خال المهدي ؛ ولاه المهدي إمرة مصر بعد عزل واضح ~~عنها في سنة اثنتين وستين ومائة على الصلاة، فقدم مصر يوم الثلاثاء لإحدى ~~عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وستين ومائة المذكورة، وسكن المعسكر ~~على عادة أمراء مصر، وجعل على شرطته هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن ~~معاوية بن حديج مدة يسيرة، ثم عزله وولى عبد الأعلى بن سعيد الجيشاني، ثم ~~عزله أيضا وولى عبد الأعلى بن سعيد الجيشاني ثم عزله أيضا و ولى عسامة بن ~~عمرو " المعافري " ؛ وكل ذلك في مدة يسيرة فإن ولاية منصور المذكور لم تطل ~~على إمرة مصر وعزل عنها في النصف من ذي القعدة من سنة اثنتين وستين ومائة ~~المذكورة بيحيى بن داود؛ فكانت مدة ولاية منصور بن يزيد هذا على مصر شهرين ~~وثلاثة أيام، ولم أقف على وفاته بعد ذلك غير أنه ذكر في واقعة عبد السلام ~~الخارجي أنه حضرها بقنسرين. وأمر عبد السلام بن هاشم اليشكري المذكور " أنه ~~" كان قد خرج بالجزيرة واشتدت شوكته وكثر أتباعه فلقي عدة من قواد المهدي ~~فيهم عيسى بن موسى القائد فقتله بعد أمور في عدة ممن معه وهزم جماعة من ~~القواد فيهم شبيب بن واج المرورزدي، فندب المهدي إلى شبيب ألف فارس وأعطى ~~كل رجل منهم ألف درهم معونة فوافوا شبيبا، فخرج بهم في طلب عبد السلام ~~المذكور فهرب منه فأدركه بقنسرين وقتله. ### || AUT السنة التي حكم فيها واضح # مولى المنصور على مصر، ثم من بعده منصور ابن يزيد الحميري الرعيني وهي ~~سنة اثنتين وستين ومائة. فيها وضع الخليفة المهدي دواوين الأزمة وولى عليها ~~عمرو بن مربع، ولم يكن لبني أمية ذلك. ومعنى دواوين الأزمة: أن يكون لكل ~~ديوان زمام وهو رجل يضبطه، وقد كان قبل ذلك الدواوين مختلطة. وفيها وصلت ~~الروم إلى " الحدث " فهدموا سورها، فغزا الناس غزوة لم نسمع بمثلها، وكان ~~مقدم الغزاة الحسن بن قحطبة؛ سار إليهم في ثمانين ألف مقاتل سوى ms0304 المطوعة؛ ~~فأغار على ممالك الروم وأحرق وأخرب ولم يلق بأسا. وفيها ولي اليمن عبد الله ~~بن سليمان. وفيها ظهرت المحفرة بجرجان ورأسهم عبد القهار فغلبوا على جرجان ~~وقتلوا وأفسدوا؛ فسار لحربهم من طبرستان عمر بن العلاء فقتل عبد القهار ~~ورؤوس أصحابه وتشتت باقي أصحابه. وفيها كان مقتل عبد السلام بن هاشم ~~اليشكري الذي خرج بحلب وبالجزيرة، وكثرت جموعه وهزم الجيوش التي حاربته حتى ~~انتدب لحربه شبيب بن واج في ألف فارس من الأبطال وأعطوا ألف ألف درهم، ففر ~~منهم اليشكري إلى حلب فلحقه بها شبيب وقتله. وفيها توفي أبو عتبة عباد بن ~~عباد الخواص. كان من أهل المحبة وعنه أخذ مشايخ الطريقة، كان يمشي في ~~الأسواق ويصيح: واشوقاه إلى من يراني ولا أراه! وكان صاحب أحوال وكرامات ~~رحمه الله. وفيها توفي محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس العباسي ~~الهاشمي؛ كان صاحب فضل ومروءة وكان بمنزلة عظيمة عند الخليفة أبي جعفر ~~المنصور، وكان المنصور يعجب به ويحادثه، وكان لبيبا لسنا فصيحا. وذكر ~~الذهبي وفاة جماعة أخر ممن تقدم ذكرهم وغيرهم على اختلاف يرد في وفاتهم، ~~قال: وفيها توفي إبراهيم بن أدهم الزاهد، وإبراهيم بن نشيط المصري في قول، ~~وخالد بن أبي بكر العمري المدني، وداود بن نصير الطائي، وزهير بن محمد ~~التميمي المروزي، وإسرائيل بن يونس بخلف، وعبد الله بن محمد بن أبي يحيى ~~المدني سحبل، ويزيد بن إبراهيم التستري بخلف، ويعقوب بن محمد بن طحلاء ~~المدني، وأبو بكر بن أبي سبرة القاضي، وأبو الأشهب العطاردي واسمه جعفر. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### | AUT ولاية يحيى بن داود # على مصر هو يحيى بن داود الشهير بابن ممدود الأمير أبو صالح الخرسي من ~~أهل خراسان. PageV01P0152 # وقال صاحب " البغية " : من أهل نيسابور. ولي مصر من قبل المهدي على ~~الصلاة والخراج بعد عزل منصور بن يزيد عنها في ذي الحجة سنة اثنتين وستين ~~ومائة؛ ولما قدم مصر سكن ms0305 المعسكر على العادة، وجعل على شرطته عسامة بن ~~عمرو؛ وكان أبو صالح المذكور تركيا وفيه شدة بأس وقوة جنان مع معرفة ~~وتدبير؛ وكان لما قدم مصر وجد السبل بها مخيفة لكثرة المفسدين وقطاع ~~الطريق، فأخذ أبو صالح هذا في أقماع المفسدين وأبادهم وقتل منهم جماعة ~~كثيرة، فعظمت حرمته وتزايدت هيبته في قلوب الناس حتى تجاوز ذلك الحدة فكان ~~يمنع الناس من غلق الحروب والأبواب وغلق الحوانيت حتى جعلوا عليها " شرائح ~~" القصب والشباك لمنع الكلاب من دخولها في الليل، وهو أول من صنع ذلك بمصر ~~فكان ينادي بمصر ويقول: من ضاع له شيء فعلي أداؤه. ومنع حراس الحمامات أن ~~يجلسوا فيها، وقال: من راح له شيء فأنا أقوم له به من مالي ؛ فكان الرجل ~~يدخل الحمام فيضع ثيابه في المثلج ثم يقول: يا أبا صالح احرس ثيابي ؛ ثم ~~يدخل الحمام ولم يكن بها حارس ويقضي حاجته على مهل ويخرج فيلقى ثيابه كما ~~هي لا يجسر أحد على أخذها من عظم حرمته؛ فإنه كان أشد الملوك حرمة وأعظمهم ~~هيبة وأقحمهم على سفك الدماء وأنهكهم عقوبة ؛ ثم إنه أمر أهل مصر من ~~الأشراف والفقهاء والأعيان أن يلبسوا القلانس الطوال ويدخلوا بها عليه في ~~يوم الاثنين والخميس بلا أردية، فقاسى أهل مصر منه شدائد، غير أن البلاد ~~ومصر كانت في أيامه في غاية الأمن. قيل: إن أبا جعفر المنصور كان إذا ذكره ~~يقول: هو رجل يخافني ولا يخاف الله. واستمر على إمرة مصر إلى أن عزله ~~الخليفة محمد المهدي بسالم بن سواعة في محرم سنة أربع وستين ومائة، وفرح ~~المصريون بعزله عنهم؛ فكانت ولايته على مصر سنة وشهرا إلا أياما. وقال صاحب ~~" البغية " : سنتين وشهرا، والأول أثبت. وهو أحد من مهد الديار المصرية ~~وأباد أهل الحوف من قيس ويمن وغيرهم من قطاع الطريق وكان من أجل أمراء مصر ~~لولا شدة كانت فيه. ### || AUT السنة الأولى من ولاية أبي صالح # يحيى بن داود على مصر وهي سنة ثلاث وستين ومائة. فيها جد الأمير سعيد ~~الحرشي ms0306 في حصار المقنع حتى أشرف على أخذ قلعته، فلما أحس المقنع بالهلاك مص ~~سما وأسقى نساءه فتلف وتلفوا. وفيها عزل الخليفة محمد المهدي عبد الصمد بن ~~علي عن إمرة الجزيرة وولاها زفر بن عاصم الهلالي. وفيها ولى المهدي ابنه ~~هارون الرشيد بلاد المغرب كلها وأذربيجان وأرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ~~ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك. وفيها قدم المهدي إلى حلب ~~وجهز البعوث لغزو الروم؛ وكانت غزوة عظيمة، أمر عليها ابنه هارون الرشيد ~~وضم إليه الربيع الحاجب وموسى بن عيسى بن موسى والحسن بن قحطبة، فافتتح ~~المسلمون فتحا كبيرا. وفيها قتل المهدي جماعة من الزنادقة وصلبهم وأحضرت ~~كتبهم فقطعت. وفيها زار المهدي القدس. وحج بالناس علي بن المهدي. وفيها ~~توفي الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن الازدي الفراهيدي البصري صاحب العربية ~~والعروض ؛ وقد تقدم ذكره من قول صاحب مرآة الزمان في سنة ثلاثين ومائة ؛ ~~والأصح وفاته في هذه السنة. وفيها توفي أرطاة بن المنذر بن الأسود أبو عدي ~~السكوني الحمصي، قال: أتيت عمر بن عبد العزيز فعرض لي في خيله وقال: يا ~~أرطاة، ألا أحدثك بحديث هو عندنا من العلم المخزون. قلت: بلى، قال: إذا ~~توضأت عند البحر فالتفت إليه وقل: يا واسع المغفرة اغفر لي، فإنه لا يرتد ~~إليك طرفك حتى يغفر لك ذنوبك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراع ~~وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية سالم بن سوادة على مصر # PageV01P0153 # هو سالم بن سوادة التميمي أمير مصر، وليها من قبل محمد المهدي بعد عزل ~~يحيى بن داود في أول المحرم سنة أربع وستين ومائة، فقدمها يوم الأحد لاثنتي ~~عشرة ليلة خلت من المحرم، وجعل على شرطته الأخضر بن مروان ؛ وقدم معه أيضا ~~أبو قطيفة إسماعيل بن إبراهيم على الخراج؛ ولما دخل سالم إلى مصر سكن ~~بالمعسكر على العادة؛ ودام على إمرة مصر إلى أن مضت سنة أربع وستين ومائة ~~ودخلت سنة خمس وستين ومائة؛ وورد ms0307 عليه الخبر من قبل الخليفة محمد المهدي ~~بصرفه عن إمرة مصر بإبراهيم بن صالح العباسي، فكانت ولايته على مصر نحو ~~السنة. وقال صاحب " البغية " : صرف في سلخ ذي الحجة فكان مقامه بمصر سنة ~~إلا ثمانية عشر يوما. وفي أيامه كانت حروب كثيرة بمصر وبلاد المغرب، وجهز ~~عساكر مصر نجدة إلى من كان في برقة ثم عادوا من غير قتال لما بلغتهم الفتنة ~~التي كانت بالمغرب بين بربر بلنسية وبربر شنت برية من الأندلس وجرت بينهم ~~حروب كثيرة قتل فيها خلق من الطائفتين، وكانت بينهم وقائع مشهورة دامت أشهرا. ### || AUT السنة التي حكم فيها سالم بن سوادة # على مصر وهي سنة أربع وستين ومائة. فيها حج بالناس صالح بن المنصور. ~~وفيها غزا هارون الرشيد ابن الخليفة المهدي الصائفة فوغل في بلاد الروم ~~ووقع له بالروم حروب وافتتح عدة حصون حتى بلغ خليج قسطنطينية، وصالح ملك ~~الروم في العام على سبعين ألف دينار مدة ثلاث سنين بعد أن غنم وسبى واستنقذ ~~خلقا من المسلمين من الأسر، وغنم مالا يوصف من المواشي حتى بيع البرذون ~~بدرهم والزردية بدرهم وعشرون سيفا بدرهم ؛ وقتل من العدو نحو خمسين ألفا؛ ~~قاله الذهبي؛ ثم رجع فسر به أبوه المهدي. وقيل: إن هذه الغزوة كانت في سنة ~~خمس وستين ومائة. وفيها عزل المهدي محمد بن سليمان عن البصرة وفارس واستعمل ~~عليها صالح بن داود بن علي. وفيها خرج المهدي حاجا فوصل العقبة فعطش الناس ~~وجهد الحجيج. وأخذت المهدي الحمى فرجع من العقبة، وغضب على يقطين بن موسى ~~حيث لم يصلح المصانع على الوجه، ولاقى الناس شدة من قلة الماء. وفيها توفي ~~شبيب بن شيبة أبو معمر المنقري ؛ كان خطيبا لسنا فصيحا دخل على المنصور ~~فقال: يا شبيب عظني وأوجز، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يرض أن يجعل ~~أحدا من خلقه فوقك، فلا ترض لنفسك أن يكون أشكر له في الأرض منك ؛ فقال ~~أحسنت وأوجزت!. وذكر الذهبي وفاة جماعة أخر في تاريخه مع خلاف يرد عليه، ~~قال: ms0308 وفيها توفي إسحاق بن يحيى بن طلحة التيمي، وسلام بن مسكين في قول، ~~وسلام بن أبي مطيع في قول أيضا، وعبد الله بن زيد بن أسلم العدوي، وعبد ~~الله بن شعيب بن الحبحاب، وعبد الله بن العلاء بن زبر، وعبد الرحمن بن عيسى ~~بن وردان، وعبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون، وعبد المجيد بن أبي عبس ~~الأنصاري، وعمر بن أبي زادة في قول الواقدي، وعمر بن عثمان بن عبد الرحمن ~~بن سعيد بن يربوع، والقاسم بن معن المسعودي في قول خليفة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ذراع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا ~~وخمسة عشر إصبعا. ذكر ولاية إبراهيم بن صالح الأولى على مصر هو إبراهيم بن ~~صالح بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي أمير مصر. وليها من قبل ~~ابن عمه المهدي على الصلاة والخراج معا؛ وقم إلى مصر لإحدى عشرة ليلة خلت ~~من المحرم سنة خمس وستين ومائة ونزل العسكر على عادة أمراء مصر في الدولة ~~العباسية، ثم ابتنى دارا عظيمة بالموقف من العسكر، وجعل على شرطته عسامة بن ~~عمرو، ودام إبراهيم بمصر إلى أن خرج دحية بن المعصب بن الأصبغ بن عبد ~~العزيز بن مروان بالصعيد ودعا لنفسه بالخلافة، فتراخى عنه إبراهيم هذا ولم ~~يحفل بأمره حتى استفحل أمر دحية وملك غالب بلاد الصعيد وكاد أمره أن يتم ~~ويفسد بلاد مصر وأمرها؛ فسخط المهدي عليه بسبب ذلك وعزله عزلا قبيحا في ~~سابع ذي الحجة سنة 167بموسى بن مصعب. فكانت ولاية إبراهيم بن صالح هذه على ~~مصر ثلاث سنين إلا أياما؛ وصادره المهدي بعد عزله وأخذ منه ومن عماله ~~ثلاثمائة وخمسين ألف دينار، ثم رضي عنه بعد ذلك وولاه غير مصر، ثم أعاده ~~الرشيد إلى عمل مصر ثانيا في سنة ست وسبعين ومائة. يأتي ذكر ذلك في ولايته ~~الثانية إن شاء الله تعالى. السنة الأولى من ولاية إبراهيم بن صالح الأولى ~~على مصر PageV01P0154 # وهي سنة خمس وستين ومائة. فيها كانت غزوة ms0309 هارون الرشيد ابن الخليفة ~~المهدي السابق ذكرها على الأصح. وفيها حج بالناس صالح بن المنصور. وفيها ~~توفي داود بن نصير أبو سليمان الطائي العابدة كان كبير الشأن في العلم ~~والورع والزهد وسمع الحديث كثيرا وتفقه على أبي حنيفة رضي الله عنه، وأحد ~~أصحابه الكبار. وفيها توفي حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ؛ كان ~~أحد الأعلام تفقه بأبيه وكان إماما كثير الورع فقيها صالحا. وفيها توفي ~~خالد بن برمك والد البرامكة ووالد يحيى بن خالد وجد جعفر والفضل؛ وكان جليل ~~القدر خصيصا عند المنصور وابنه المهدي، وولي الأعمال الجليلة، وكان عاقلا ~~مدبرا سيوسا. وذكر الذهبي وفاة جماعة على اختلاف فيهم، قال: وفيها توفي ~~حماد بن أبي حنيفة، وخالد بن برمك والد البرامكة، وخارجة بن عبد الله بن ~~سليمان بن زيد بن ثابت المدني، وسليمان بن المغيرة البصري، وداود الطائي ~~الزاهد بخلف - وقول الذهبي بخلف، يعني أنه على اختلاف وقع في وفياتهم انتهى ~~- وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، ومعروف بن مشكان قارىء مكة، ووهيب بن خالد ~~بالبصرة، وأبو الأشهب العطاردي بخلف. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ذراع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وإصبع واحد. السنة الثانية ~~من ولاية إبراهيم بن صالح الأولى على مصر وهي سنة ست وستين ومائة. فيها خرج ~~موسى بن المهدي الخليفة إلى جرجان واستقضى أبا يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة. ~~وفيها أمر الخليفة محمد المهدي بإقامة البريد من اليمن إلى مكة ومن مكة إلى ~~بغداد، ولم يكن البريد قبل ذلك بقطر من الأقطار. وفيها توفي عاصم بن عبد ~~الحميد الفهري شيخ ابن وهب. كان إماما فاضلا رحمه الله. وفيها عزل المهدي ~~عن قضاء البصرة عبيد الله بن الحسن وولاها خالد بن طليق بن عمران بن حصين. ~~وفيها غضب الخليفة المهدي على وزيره يعقوب بن داود بن طهمان، وكان خصيصا به ~~فحسده موالي المهدي وسعوا به حتى قبض عليه؛ وكان الوزير يعقوب كثير ~~الأنهماك في اللذات، وكان المهدي لا يحب النبيذ لكن ms0310 يتفرج على غلمانه وهم ~~يشربون، فلما عظم أمر الوزير يعقوب وصار الحل والعقد بيده مع انهماكه، قال ~~في ذلك بشار بن برد: " البسيط " بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة ~~يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا ... خليفة الله بين الدف والعود ~~وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير فصرفه المهدي عن إمرتها بالفضل بن ~~سليمان الطوسي وأضاف إليه سجستان. وفيها قدم وضاح الشروي بعبد الله ابن ~~الوزير أبي عبيد الله يعقوب المقدم ذكره، وكان رمي بالزندقة فقتله المهدي ~~بحضرة أبيه ؛ وأباد المهدي الزنادقة في هذه السنة وقتل منهم خلائق. الذين ~~ذكرهم الذهبي في وفيات هذه السنة. قال: وفيها توفي خالد بن يزيد المري، ~~وخليد بن دعلج السدوسي، وصدقة بن عبد الله السمين، وعقبة بن عبد الله ~~الرفاعي الأصم بخلف، وعقبة بن أبي الصهباء الباهلي البصريان، وعفير بن ~~معدان الحمصي، وعقبة بن نافع المعافري الإسكندراني في قول؛ والصواب في سنة ~~ثلاث وستين ومائة، وعاصم بن عبد الحميد الفهري شيخ ابن وهب، ومعقل بن عبيد ~~الله الجزري. وفي أولها دفنوا أبا الأشهب العطاردي. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد. ~~السنة الثالثة من ولاية إبراهيم بن صالح الأولى على مصر وهي سنة سبع وستين ~~ومائة. فيها أمر المهدي بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام، فدخلت في ذلك ~~دور كثيرة؛ وولى البناء يقطين " بن موسى " الأمير ومات المهدي ولم يتم ~~بناؤه. وفيها أظلمت الدنيا ظلمة شديدة لليال بقين من ذي الحجة وأمطرت ~~السماء رملا أحمر، ثم وقع عقيبه وباء شديد هلك فيه معظم أهل بغداد والبصرة. ~~وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد أمير المدينة، ثم توفي بعد عوده ~~إلى المدينة بأيام، وتولى المدينة من بعده إسحاق بن عيسى بن علي. وفيها عزل ~~المهدي عن ديوان الرسائل أبا عبيد الله الأشعري الذي كان وزيره وقبض عليه ~~في الماضية ثم أطلقه وولاه ديوان الرسائل فعزله في هذه السنة، وولى مكانه ~~الربيع الحاجب، فاستناب ms0311 الربيع فيه سعيد بن واقد. PageV01P0155 # وفيها جد المهدي في تتبع الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق وقتل منهم ~~خلائق. وفيها توفي بشار بن برد أبو معاذ العقيلي بالولاء، الضرير الشاعر ~~المشهور؛ولد أعمى جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أحمر. وكان ضخما عظيم ~~الخلقة والوجه مجدرا طويلا، وكان يرمى بالزندقة ؛ ويروى عنه أنه كان يفضل ~~النار على الأرض، ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم صلوات الله ~~عليه؛ وفي تفضيل النار يقول: " البسيط " الأرض مظلمة والنار مشرقة ... ~~والنار معبودة مذ كانت النار ومن شعره في غير هذا: " البسيط " يا قوم أذني ~~لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا بمن لا ترى تهذي ~~فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا وله في المشورة: " الطويل " ~~إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو فصاحة حازم ولا تجعل الشورى ~~عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم وله في التشبيهات قوله: " الطويل " ~~كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه وفيها توفي عيسى ~~بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الأمير الهاشمي العباسي؛ وهو ~~ابن أخي السفاح والمنصور؛ وجعله السفاح ولي عهده بعد أخيه المنصور، فلا زال ~~به المنصور في أيام خلافته حتى جعل المهدي ابنه قبله في ولاية العهد، ثم ~~خلعه المهدي من ولاية العهد بالكلية بعد أمور صدرت؛ وكان عيسى هذا يلقب في ~~أيام ولاية العهد بالمرتضى ؛ وولي عيسى المذكور أعمالا جليلة إلى أن توفي. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراع واحد وأربعة أصابع. مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### | AUT ولاية موسى بن مصعب # على مصر هو موسى بن مصعب بن الربيع الخثعمي، مولى خثعم. أصله من أهل ~~الموصل، ولاه المهدي إمرة مصر - بعد عزل إبراهيم بن صالح عنها سنة سبع ~~وستين ومائة - على الصلاة والخراج ؛ وقدم مصر في يوم السبت سابع ذي الحجة ~~من السنة المذكورة؛ وعند دخوله إلى مصر رد إبراهيم بن صالح معه إلى مصر بعد ~~أن كان خرج ms0312 منها، وقال: أمرني الخليفة بمصادرتك، فصادره وأخذ منه ومن عماله ~~ثلاثمائة ألف دينار، ثم أمر إبراهيم بالمسير إلى بغداد فسار إليها ولما دخل ~~موسى هذا إلى مصر سكن بالعسكر. وجعل على شرطته عسامة بن عمرو؛ وأخذ موسى في ~~أيام إمرته على مصر يتشدد على الناس في استخراج الخراج، وزاد على كل فدان ~~ضعف ما كان أولا؛ ولقي الناس منه شدائد وساءت سيرته وارتشى في الأحكام ؛ ثم ~~رتب دراهم على أهل الأسواق وعلى الدواب فكرهه الجند وتشغبوا عليه ونابذوه، ~~وثارت قيس واليمانية وكاتبوا أهل مصر فاتفقوا عليه؛ ثم اشتغل موسى هذا بأمر ~~دحية الأموي الخارج ببلاد الصعيد المقدم ذكره وجهز إليه جيوشا لقتاله، ثم ~~خرج هو بنفسه في جميع جيوش مصر لقتال قيس واليمانية؛ فلما التقوا انهزم عنه ~~أهل مصر بأجمعهم وأسلموه فقتل، ولم يتكلم أحد من أهل مصر لأجله كلمة واحدة؛ ~~وكان قتله لسبع خلون من شوال سنة ثمان وستين ومائة؛ فكانت ولايته على مصر ~~عشرة أشهر، وولي بعده عسامة بن عمرو، وكان موسى استخلفه بعد خروجه للقتال. ~~وكان موسى هذا من شر ملوك مصر؛ كان ظالما غاشما؛ سمعه الليث بن سعد يقرأ في ~~خطبته: إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها فقال الليث: اللهم لا ~~تقه منها. ومن غريب الاتفاق: أن موسى بن كعب أمير مصر المقدم ذكره في موضعه ~~لما عزله أبو جعفر المنصور عن إمرة مصر بمحمد بن الأشعث كتب إليه: إني قد ~~عزلتك لا لسخط ولكن بلغني أن غلاما يقتل بمصر من أمرائها يقال له موسى، ~~فكرهت أن تكونه؛ فأخذ موسى كلام المنصور لغرض. وبقي أهل مصر يتذاكرون ذلك ~~إلى أن قتل موسى هذا بعد ذلك بسبع وعشرين سنة. ### || AUT السنة التي حكم فيها موسى بن مصعب # على مصر وهي سنة ثمان وستين ومائة. فيها جهز المهدي سعيدا الحرشي لغزو ~~طبرستان في أربعين ألفا. وفيها حج بالناس علي بن المهدي. وفيها نقضت الروم ~~الصلح بعد فراغه بثلاثة أشهر، فتوخه إليهم يزيد بن بدر بن أبي محمد ms0313 البطال ~~في سرية فغنموا وظفروا. وفيها مات عمر الكلواذاني عريف الزنادقة وتولى بعده ~~حمدويه الميساني. PageV01P0156 # وفيها توفي الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد الهاشمي ~~المدني؛ وأمه أم ولد. كان عابدا ثقة؛ ولي المدينة لأبي جعفر المنصور خمس ~~سنين، ثم غضب عليه أبو جعفر وعزله واستصفى أمواله وحبسه، فلم يزل محبوسا ~~حتى مات المنصور فأخرجه المهدي ورد عليه كل شيء كان أخذ له؛ ولم يزل عند ~~المهدي مقربا إلى أن مات في هذه السنة. وفيها توفي حماد بن سلمة، أبو سلمة ~~البصري مولى بني تميم؛ كان من أهل البصرة؛ وهو ابن أخت حميد الطويل؛ كان ~~ثقة عالما زاهدا صالحا كبير الشأن. الذين ذكر وفاتهم الذهبي على اختلاف في ~~وفاتهم، قال: وتوفي أبو أمية " أيوب " بن خوط البصري، وجعفر الأحمر بخلف، ~~وأبو الغصن ثابت بن قيس المدني، والأمير الحسن بن زيد بن السيد الحسن سبط ~~النبي صلى اله عليه و سلم - قلت: وهو الذي ذكرناه في هذه السنة - قال: ~~وتوفي خارجة بن مصعب السرخسي، وسعيد بن بشير بدمشق وقيل سنة تسع، وأبو مهدي ~~سعيد بن سنان الحمصي، وطعمة بن عمرو الجعفري الكوفي، وعبيد الله بن الحسن ~~العنبربي قاضي البصرة، وغوث بن سليمان بمصر، ومحمد بن صالح التمار، وأبو ~~حمزة السكري في قول، ومفضل بن مهلهل في قول، ونافع بن يزيد الكلاعي بمصر، ~~ويحيى بن أيوب المصري وقيل سنة ثلاث. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ذراعان سواء. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ذكر ولاية ~~عسامة بن عمرو على مصر هو عسامة بن عمرو بن علقمة بن معلوم بن جبريل بن أوس ~~بن دحية المعافري، الأمير أبو داجن أمير مصر وعسامة بفتح العين المهملة ~~والسين المهملة مشددة وبعد الألف ميم مفتوحة وهاء ساكنة. وليها باستخلاف ~~موسى بن مصعب له، فلما قتل موسى أقره المهدي على إمرة مصر عوضه ؛ وكان ذلك ~~في شوال سنة ثمان وستين ومائة ؛ وكان ولي الشرطة لمصر لعدة من أمراء ms0314 مصر؛ ~~ولما ولي إمرة مصر افتتح إمرته بحرب دحية الأموي الخارج ببلاد الصعيد في ~~إمرة موسى، فبعث إليه جيوشا مع أخيه بكار بن عمرو فحارب بكار المذكور يوسف ~~بن نصير مقدمة جيش دحية المذكور وتطاعنا فوضع يوسف الرمح في خاصرة بكار ~~ووضع بكار الرمح في خاصرة يوسف فقتلا معا ورجع الجيشان منهزمين؛ وكان ذلك ~~في ذي الحجة سنة ثمان وستين ومائة. فلم يقم عسامة بعد ذلك إلا أياما يسيرة ~~وورد عليه الخبر من الفضل بن صالح العباسي أنه ولي مصر وقد استخلف عسامة ~~المذكور على صلاتها حتى يحضر، فخلفه عسامة على الصلاة حتى حضر الفضل في سلخ ~~المحرم سنة تسع وستين ومائة، فكانت ولاية عسامة على مصر ثلاثة أشهر إلا ~~أياما. واستمر عسامة بمصر بعد ذلك سنين إلى أن استخلفه إبراهيم بن صالح لما ~~ولي مصر قبل أن يدخلها على الصلاة فخلفه عسامة المذكور أياما يسيرة بها حتى ~~حضر إبراهيم، ثم أقام عسامة بعد ذلك بمصر إلى أن مات بها يوم الجمعة لست أو ~~لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين ومائة. ### || AUT السنة التي حكم فيها عسامة وغيره # على مصر وهي سنة تسع وستين ومائة. فيها خرج المهدي من بغداد يريد ~~ماسبذان واستخلف الربيع الحاجب على بغداد؛ وسبب خروجه أنه رأى تقديم ولده ~~هارون على أخيه موسى وكلاهما أمه الخيزران، فأرسل المهدي إلى ولده موسى ~~وكلاء وهو بجرجان فامتنع من المجيء، ثم أرسل إليه ثانيا فلم يأت، فسار إليه ~~المهدي فمات في طريقه. ذكر وفاة المهدي ونسبه هو محمد بن أبي جعفر المنصور ~~عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي أمير ~~المؤمنين ؛ وهو الثالث من خلفاء بني العباس. بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه ~~في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، ومولده سنة سبع وعشرين ومائة، وأمه بنت ~~منصور الحميرية، ومات في المحرم من هذه السنة. وسبب موته قيل: إنه ساق في ~~مسيره خلف صيد فاقتحم الصيد خربة فدخلت الكلاب خلفه وتبعهم ms0315 المهدي فدق ظهره ~~في باب الخربة مع شدة سوق الفرس فمات من ساعته. وقيل: بل سمه بعض حواشيه. ~~وقيل: بل أكل أبخاصا فصاح: جوفي جوفي ومات من الغد بقرية من قرى ماسبذان، ~~وقيل غير ذلك. فبويع موسى الهادي ولده بالخلافة، وركب البريد من جرجان إلى ~~بغداد في عشرين يوما ولا يعرف خليفة ركب البريد سواه. وكان وصول الهادي إلى ~~بغداد في عاشر صفر من سنة تسع وستين ومائة. PageV01P0157 # قلت: وينبغي أن نلحق قضية موسى الهادي في كتاب " الفرج بعد الشدة " فإنه ~~كان أبوه يريد خلعه من ولاية العهد ويقدم الرشيد عليه فجاءته الخلافة دفعة ~~واحدة. وفيها توفي الربيع الحاجب؛ كان من عظماء الدولة العباسية ونالته ~~السعادة و طالت أيامه وولي حجوبية المنصور والمهدي، وولي نيابة بغداد ~~وغيرها. وفيها حج بالناس سليمان بن أبي جعفر المنصور. وفيها توفي إبراهيم ~~بن عثمان، أبو شيبة، قاضي واسط مولى بني عبس؛ كان كاتبه يزيد بن هارون ؛ ~~وكان عادلا في أحكامه حسن السيرة. وفيها توفي إدريس بن عبد الله بن حسن بن ~~الحسن بن علي بن أبي طالب؛ كان خرج مع الحسين صاحب فخ، فلما قتل الحسين هرب ~~إدريس هذا إلى مصر؛ وكان على بريد مصر واضح، فحمله واضح المذكور إلى المغرب ~~فنزل بمدينة وليلة وبايعه الناس والبربر وكاد أمره أن يتم ؛ فدس عليه ~~الهادي أو الرشيد الشماخ اليماني مولى المهدي، فخرج الشماخ إلى المغرب في ~~صفة طبيب، فشكا إدريس من أسنانه فأعطاه الشماخ سنونا مسموما وقال له: بعد ~~صلاة الفجر استعمله وهرب الشماخ من يومه؛ فمات إدريس بعد أن استعمل السنون ~~بيوم. وقد تقدم أيضا ذكر إدريس هذا في ولاية واضح على مصر. وفيها قتل ~~الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، صاحب فخ ~~الذي كان خرج قبل هذه المرة، ثم ظهر ثانيا في هذه السنة بالمدينة، وكان ~~متولي المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب، فقاتله عمر المذكور؛ ms0316 وآخر الأمر أن الحسين هذا قتل وقتل معه ~~أصحابه، وكانت عدة الرؤوس التي حملت إلى الخليفة مائة رأس. وفيها توفي محمد ~~بن عبد الرحمن بن هشام أبو خالد القاضي المكي؛ ولي قضاء مكة وكان قصيرا ~~عميما، وكان عنقه داخلا في بدنه؛ سمعته امرأته يوما وهو يقول: اللهم أعتق ~~رقبتي من النار، فقالت: و أي رقبة لك! وقيل: إن أمه قالت له: يا ولدي، إنك ~~قد خلقت خلقة لا تصلح معها لمعاشرة الفتيان، فعليك بالدين والعلم فأنهما ~~يتممان النقائص، " ويرفعان الخسائس. " قال: " فنفعني الله بما قالت فتعلمت ~~العلم حتى وليت القضاء " . أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ~~وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية الفضل بن صالح # على مصر هو الفضل بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو ~~العباس الهاشمي العباسي؛ ولاه المهدي إمرة مصر بعد عزل عسامة بن عمرو على ~~الصلاة والخراج؛ وقبل خروجه مات محمد المهدي في أول المحرم سنة تسع وستين ~~ومائة، وولي الخلافة ابنه موسى الهادي فأقر الهادي الفضل هذا على عمل مصر ~~وسفره؛ فسار الفضل حتى دخل إلى مصر في يوم الخميس سلخ المحرم المذكور؛ وكان ~~الفضل استعمل عسامة المعزول عن إمرة مصر على الصلاة إلى أن حضر، فلما قدم ~~الفضل استعمل عسامة أيضا على عادته الأولى قبل أن يلي الإمرة. ولما دخل ~~الفضل إلى مصر وجد أمر مصر مضطربا من عصيان أهل جزيرة الحوف، بالوجه ~~البحري، وأيضا من خروج دحية الأموي بالصعيد وقد طال أمره على أمراء مصر؛ ~~وكان مع الفضل جيوش الشأم، فحال قدومه جهز العساكر لحرب دحية المذكور. ~~فقاتله العسكر وهزموه، وأسر دحية بعد أمور وحروب، وقدموا به إلى الفسطاط، ~~فضرب الفضل عنقه وصلب جثته وبعث برأسه إلى الهادي. وكان قتل دحية المذكور ~~في جمادى الآخرة سنة تسع وستين ومائة، فكان الفضل يقول: أنا أولى الناس ~~بولاية مصر لقيامي في أمر دحية وهزيمته وقتله وقد عجز عنه غيري، وكاد أمره ~~أن ms0317 يتم لطول مدته ولاجتماع الناس عليه لولا قيامي في أمره ؛ وكان الفضل لما ~~قدم مصر سكن العسكر و " بنى " به الجامع، فلم يكن بعد قتله لدحية بمدة ~~يسيرة إلا وقدم عليه البريد بعزله عن إمرة مصر بعلي بن سليمان؛ فلما سمع ~~الفضل خبر عزله ندم على قتل دحية ندما عظيما فلم يفده ذلك. وكان عزل الفضل ~~عن إمرة مصر في أواخر سنة تسع وستين ومائة المذكورة؛ فكانت ولايته على مصر ~~دون السنة. PageV01P0158 # وقد ولي الفضل هذا إمرة دمشق مدة. ولا أعلم ولايته على دمشق قبل ولايته ~~على مصر أو بعدها. وهو الذي عمر أبواب جامع دمشق والقبة التي في الصحن ~~وتعرف بقبة المال في أيام إمرته على دمشق. وكانت وفاة الفضل هذا في سنة ~~اثنتين وسبعين ومائة وهو ابن خمسين سنة، وكان أميرا شجاعا مقداما شاعرا ~~فصيحا أديبا صاحب خطب وشعر، من ذلك قوله: " السريع " عاش الهوى واستشهد ~~الصبر ... وعاث في الحزن والضر وسهل التوديع يوم نوى ... ما كان قد وعره الهجر ### | AUT ولاية علي بن سليمان # على مصر هو علي بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو ~~الحسن الهاشمي العباسي؛ ولي إمرة مصر بعد عزل الفضل بن صالح عنها؛ ولاه ~~موسى الهادي على إمرة مصر وجمع له الصلاة والخراج معا ودخل علي بن سليمان ~~هذا إلى مصر في شوال سنة تسع وستين ومائة وسكن العسكر، وجعل على شرطته عبد ~~الرحمن بن موسى اللخمي ثم عزله وولى الحسن بن يزيد الكندي. ولما قدم علي ~~المذكور إلى مصر أقام مدة يسيرة وورد عليه الخبر بموت موسى الهادي في نصف ~~شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وولاية هارون الرشيد الخلافة من بعده وأن ~~الرشيد أخاه أقر عليا على عمل مصر على عادته. وكان علي بن سليمان المذكور ~~عادلا وفيه رفق بالرعية، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، ومنع في أيامه ~~الملاهي والخمور، وهدم الكنائس بمصر وأعمالها، فتكلم القبط معه في تركها ~~وأن يجعلوا له في مقابلة ذلك خمسين ألف ms0318 دينار، فامتنع من ذلك وهدم الكنائس، ~~وكان كثير الصدقة في الليل فمالت الناس إليه؛ فلما رأى ميل الناس إليه أظهر ~~ما في نفسه من أنه يصلح للخلافة، وطمع في ذلك وحدثته نفسه بالوثوب، فكتب ~~بعض أهل مصر إلى هارون الرشيد وعرفه بذلك، فسخط عليه هارون وعاجله بعزله؛ ~~فعزله عن إمرة مصر في يوم الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى ~~وسبعين ومائة، وولى مصر بعده موسى بن عيسى؛ فكانت ### | AUT ولاية علي بن سليمان # هذا على مصر نحو سنة وثلاثة أشهر، وقيل أكثر من ذلك. وتوجه علي بن ~~سليمان إلى الرشيد فندبه لقتال يحيى بن عبد الله بالديلم وصحبته الفضل بن ~~يحيى البرمكي. ويحيى بن عبد الله هو يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنهم؛ كان خرج بالديلم واشتدت شوكته وكثرت جموعه ~~وأتاه الناس من الأمصار، فاغتنم الرشيد لذلك، وندب إليه علي بن سليمان هذا ~~بعد عزله، وجعل أمر الجيش للفضل بن يحيى، و ولاه جرجان وطبرستان والري ~~وغيرها وسيرهما في خمسين ألفا، وحمل معهما الأموال؛ فكاتبا يحيى بن عبد ~~الله وتلطفا به وحذراه المخالفة وأشارا عليه بالطاعة؛ ونزل الفضل بن يحيى ~~بالطالقان بمكان يقال له: آشب ووالى كتبه إلى يحيى بن عبد الله العلوي ~~المذكور، حتى أجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب له الرشيد أمانا بخطه يشهد ~~عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني العباس ومشايخهم، منهم عبد الصمد بن علي ~~؛ فأجاب الرشيد إلى ذلك وسر به وعظمت منزلة الفضل عنده؛ وسير الرشيد الأمان ~~إلى يحيى بن عبد الله مع هدايا وتحف فقدم يحيى مع الفضل وعلي بن سليمان إلى ~~بغداد، فلقيه الرشيد بما أحب وأمر له بمال كثير؛ ثم بعد مدة قبض عليه وحبسه ~~حتى مات في الحبس ؛ وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى بن عبد الله المذكور ~~على الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وعلى أبي البختري القاضي؛ فقال ~~محمد بن الحسن: الأمان صحيح، ms0319 فحاجه الرشيد وأغلظ له فلم يرجع حتى حنق منه ~~الرشيد وكاد يسطو عليه. وقال أبو البختري: هذا أمان منتقض من وجه كذا، ~~فمزقه الرشيد. واستمر علي بن سليمان معظما إلى أن مات. وتوفي بعد عزله عن ~~مصر في سنة اثنتين وسبعين ومائة قاله الذهبي وقيل: سنة ثمان وسبعين ومائة. ### || AUT السنة التي حكم فيها علي # بن سليمان على مصر وهي سنة سبعين ومائة. فيها توفي الخليفة موسى الهادي ~~ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن ~~علي بن عبد الله بن العباس العباسي الهاشمي، أمير المؤمنين أبو جعفر وقيل ~~أبو محمد، وقيل أبو موسى، الرابع من خلفاء بني العباس ببغداد. PageV01P0159 # ولد سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل سنة ست وأربعين ومائة، وقيل سنة ثمان ~~وأربعين ومائة، وأمه أم ولد تسمى الخيزران، وهي أم الرشيد أيضا؛ وكان موته ~~من قرحة أصابته، وقيل: إن أمه الخيزران سمته لما أجمع على قتل أخيه هارون ~~الرشيد؛ وكانت الخيزران مستبدة بالأمور الكبار حاكمة، وكانت المواكب تغدو ~~إلى بابها فزجرهم الهادي ونهاهم عن ذلك وكلمها بكلام فج، وقال لها: متى وقف ~~ببابك أمير ضربت عنقه، أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك، أو سبحة! فقامت ~~الخيزران وهي ما تعقل من الغضب، وقيل: إنه بعث إليها بسم أو طعام مسموم ~~فأطعمت الخيزران منه كلبا فمات من وقته، فعملت - على قتله حتى قتلته : وقيل ~~في وفاته غير ذلك، وكانت وفاته في نصف شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، ~~فكانت خلافته سنة واحدة وثلاثة أشهر، وقيل سنة وشهرا؛ وبويع أخوه هارون ~~الرشيد بالخلافة. وكان الهادي طويلا جسيما أبيض، بشفته العليا تقلص، وكان ~~أبوه قد وكل به في صغره خادما، فكلما رآه مفتوح الفم قال: موسى أطبق، فيضيق ~~على نفسه ويضم شفته. حكى مصعب الزبيري عن أبيه قال: دخل مروان بن أبي حفصة ~~شاعر وقته على الهادي فأنشد قصيدة فيها: " الطويل " تشابه يوما بأسه ونواله ~~... فما أحد يدري لأيهما الفضل فقال له الهادي: أيما أحب ms0320 إليك، ثلاثون ألفا ~~معجلة أو مائة ألف درهم تدون في الدواوين؛ قال: تعجل الثلاثون، وتدون ~~المائة ألف ؛ قال: بل تعجلان لك. وفيها ولد للرشيد ابنه الأمين محمد من بنت ~~عمه زبيدة، وابنه المأمون عبد الله وأمه أم ولد - يأتي ذكرها في ترجمته. ~~وفيها عزل الرشيد عمر بن عبد العزيز " العمري " عن إمرة المدينة و ولاها ~~لإسحاق بن سليمان بن علي العباسي. وفيها فوض الرشيد أمور الخلافة إلى يحيى ~~بن خالد بن برمك وقال له: " قد قلدتك أمور الرعية وأخرجتها من عنقي، فول من ~~رأيت وافعل ما تراه " . وسلم إليه خاتم الخلافة؛ وكان الهادي قد حجر على ~~أمه الخيزران فردها الرشيد إلى ما كانت عليه وزادها، فكان يحيى بن خالد ~~يشاورها في الأمور. وفيها فرق الرشيد في أعمامه وأهله أموالا لم يفرقها أحد ~~من الخلفاء قبله. وفيها خرج من الطالبيين إبراهيم بن إسماعيل ويقال له ~~طباطبا؛ وخرج أيضا على الرشيد علي بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن ~~الحسن. وفيها حج الرشيد ماشيا. كان يمشي على اللبود، كانت تبسط له من منزلة ~~إلى منزلة؛ وسبب حجه ماشيا أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم في ~~المنام فقال له: " يا هارون، إن هذا الأمر صائر إليك فحج ماشيا، واغز ووسع ~~على أهل الحرمين " ، فأنفق فيهم الرشيد أموالا عظيمة ولم يحج خليفة قبله ~~ولا بعده ماشيا رحمه الله؛ ولقد كان من أحاسن الخلفاء. وفيها توفيت جوهرة ~~العابدة الزاهدة زوجة أبي عبد الله البراثي الزاهد؛ كان زوجها أبو عبد الله ~~منقطعا بقرية براثى غربي بغداد. وفيها توفي فتح بن محمد بن وشاح أبو محمد ~~الأزدي الموصلي الزاهد العابد؛ كان صاحب كرامات وأحوال. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وتوفي إسحاق بن سعيد بن عمرو الأموي، وعبد الله ~~بن جعفر المخرمي المدني، وجرير بن حازم البصري، والربيع بن يونس الحاجب، ~~وسعيد بن حسين الأزدي، وعبد الله بن المسيب أبو السوار المدني - بمصر يروي ~~عن عكرمة - ، وعبد الله بن المؤمل المخزومي، ms0321 وعبد الله ابن الخليفة مروان ~~الأموي في السجن، وعمرو بن ثابت الكوفي - وفي " التذهيب " قال: مات سنة ~~اثنتين وسبعين ومائة - وغطريف بن عطاء متولي اليمن، ومحمد بن أبان بن صالح ~~الجعفي، ومحمد بن الزبير المعيطي إمام مسجد حران، ومحمد بن مسلم أبو سعيد ~~المؤدب بخلف، ومحمد بن مهاجر الأنصاري الحمصي، ومهدي بن ميمون في قول، ~~وموسى الهادي بن المهدي الخليفة، وأبو معشر نجيح السندي المدني، ويزيد بن ~~حاتم الأزدي متولي إفريقية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة ~~أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### | AUT ولاية موسى بن عيسى الأولى # على مصر PageV01P0160 # هو موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير ~~أبو عيسى العباسي الهاشمي. ولاه الخليفة هارون الرشيد إمرة مصر على الصلاة ~~بعد عزل علي بن سليمان عنها؛ فقدم موسى إلى مصر في أحد الربيعين من سنة ~~إحدى وسبعين ومائة وسكن بالعسكر، وجعل على شرطته أخاه إسماعيل ثم عزله وولى ~~عسامة بن عمرو؛ ثم وقع من موسى هذا أمور غير مقبولة، منها: أنه أذن للنصارى ~~في بنيان الكنائس التي كان هدمها علي بن سليمان، فبنيت بمشورة الليث بن ~~سعد، وعبد الله بن لهيعة، وقالا: هي من عمارة البلاد، واحتجا بأن الكنائس ~~التي بمصر لم تبن إلا في الإسلام في زمان الصحابة والتابعين. وهذا كلام ~~يتأول. وكان موسى المذكور عاقلا جوادا ممدحا. ولي الحرمين لأبي جعفر ~~المنصور والمهدي مدة طويلة، ثم ولي اليمن للمهدي أيضا، ثم ولي مصر لهارون ~~الرشيد؛ وكان فيه رفق بالرعية وتواضع. قيل: إنه دخل إليه ابن السفاك الواعظ ~~وذكره ثم وعظه حتى بكى بكاء شديدا، فقال ابن السماك: لتواضعك في شرفك أحب ~~إلينا من شرفك؛ وقيل: إنه جلس يوما بميدان مصر فأطال النظر في النيل ~~ونواحيه، فقيل له: ما يرى الأمير؛ فقال: أرى ميدان رهان، وجنان نخل، وبستان ~~شجر، ومنازل سكنى، ودور خيل وجبان أموات، ونهرا عجاجا، وأرض زرع، ومرعى ~~ماشية، ومرتع خيل، ومصايد ms0322 بحر، وقانص وحش، وملاح سفينة، وحادي إبل، ومفازة ~~رملا، وسهلا وجبلا في أقل من ميل في ميل. قلت: لله دره فيما وصف من كلام ~~كثرت معانيه وقل لفظه. واستمر موسى بعد ذلك على إمرة مصر إلى أن عزله ~~الرشيد عنها بمسلمة بن يحيى لأربع عشرة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين ~~ومائة. فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما. وتوجه ~~إلى الرشيد، فلما قدم عليه ولاه الكوفة مدة ثم صرفه عن الكوفة وولاه دمشق، ~~فأقام بها مدة أيضا وصرف عنها وأعيد إلى إمرة مصر ثانيا كما سيأتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى - لما كانت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وهذه ~~الفتنة هي سبب العداوة بين قيس وبين اليمن إلى يومنا هذا، وكان أول الفتنة ~~بين المضرية واليمانية. وكان رأس المضرية أبو الهيذام واسمه عامر بن عمارة ~~المري أحد فرسان العرب. وكان سبب الفتنة أمورا: منها أن أحد غلمان الرشيد ~~بسجستان قتل أخا لأبي الهيذام، فرثى أبو الهيذام أخاه وجمع جمعا وخرج إلى ~~الشام، فاحتال عليه الرشيد بأخ له وأرغبه حتى قبض عليه وكتفه، وأتى به إلى ~~الرشيد فمن عليه وأطلقه ؛ وقيل: إن أول ما هاجت الفتنة بالشام، أن رجلا من ~~القين خرج بطعام له يطحنه في الرحى بالبلقاء فمر بحائط رجل من لخم أو جذام ~~وفيه بطيخ فتناول منه، فشتمه صاحبه وتضاربا، وسار القشي، فجمع صاحب البطيخ ~~قوما ليضربوه إذا عاد من اليمن، فلما عاد ضربوه، فقتل رجل من اليمانية ~~فطلبوا بدمه واجتمعوا لذلك، فخاف الناس أن يتفاقم ذلك ؛ فاجتمع الناس ~~ليصلحوا بينهم فأتوا بني القين فكلموهم فأجابوهم، فأتوا اليمانية فقالوا: ~~انصرفوا عنا حتى ننظر في أمرنا؛ ثم ساروا وبيتوا للقين فقتلوا منهم ستمائة ~~وقيل ثلثمائة، فاستنجدت القين قضاعة وسليحا فلم ينجدوهم، فاستنجدت قيسا ~~فأجابوهم، وساروا معهم " إلى الصواليك من أرض البلقاء " فقتلوا من اليمانية ~~ثمانمائة؛ وكثر القتال بينهم والتقوا غير مرة نحو سنتين ثم آصطلحوا ثم ~~تقاتلوا؛ وتعصب لكل طائفة آخرون ودام ذلك إلى ms0323 يومنا هذا بسائر بلاد الشام. ### || AUT السنة الأولى من ولاية موسى # بن عيسى الأولى على مصر وهي سنة إحدى وسبعين ومائة. فيها أخرج الرشيد من ~~كان ببغداد من العلويين إلى المدينة. وفيها في شهر رمضان حجت الخيزران أم ~~الرشيد، وكان أمير الموسم عبد الصمد بن علي العباسي، وأقامت بمكة شهرا ~~وتصدقت بأموال كثيرة. وفيها توفي إسماعيل بن محمد بن زيد بن ربيعة، أبو ~~هاشم، ويلقب بالسيد الحميري؛ كان شاعرا مجيدا؛ وله ديوان شعر. وفيها توفي ~~عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب أبو الوليد التيمي المدني ؛ كان راوية العرب ~~وافر الأدب عالما بالنسب؛ أعطاه الخليفة موسى الهادي مرة ثلاثين ألف دينار. ~~PageV01P0161 # وفيها توفي المفضل بن محمد بن يعلى الضبي؛ كان أحد الأئمة الفضلاء ~~الثقات، وكان علامة في النسب وأيام العرب. قال جحظة: اجتمعنا عند الرشيد ~~فقال للمفضل: أخبرني بأحسن ما قالت العرب في الذئب ولك هذا الخاتم، وشراؤه ~~ألف وستمائة دينار، فقال: أحسن ما قيل فيه: " الطويل " ينام بإحدى مقلتيه ~~ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان نائم فقال الرشيد: ما ألقى الله هذا على ~~لسانك إلا لذهاب الخاتم، ورمى به إليه ؛ فبلغ زبيدة فبعثت إلى المفضل بألف ~~وستمائة دينار وأخذت الخاتم منه وبعثت به إلى الرشيد، وقالت: كنت أراك تعجب ~~به ؛ فألقاه إلى المفضل ثانيا وقال له: خذه وخذ الدنانير. ما كنت لأهب شيئا ~~وأرجع فيه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم على اختلاف في وفاتهم، قال: وفيها توفي ~~إبراهيم بن سويد المدني، وحيان بن علي بخلف، وحديج بن معاوية فيها أو ~~بعدها، وأبو المنفر سلام القارىء، وعبد الله بن عمر العمري المديني، وعبد ~~الرحمن بن الغسيل وله مائة وست سنين، وعدي بن الفضل البصري، وعمر بن ميمون ~~بن الرماح، ومهدي بن ميمون البصري بخلف، ويزيد بن حاتم المهلبي، في قول، ~~وأبو الشهاب الحناط عبد ربه بن نافع فيها أوفي الآتية. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية ms0324 من ولاية موسى # بن عيسى الأولى على مصر وهي سنة اثنتين وسبعين ومائة. وفيها حج بالناس ~~يعقوب بن المنصور. وفيها عزل الرشيد عن أرمينية يزيد بن مزيد الشيباني وولى ~~أخاه عبيد الله بن المهدي. وفيها زوج الرشيد أخته العباسة بنت المهدي بمحمد ~~بن سليمان العباسي الهاشمي أمير البصرة. وفيها توفي عبد الرحمن بن معاوية ~~بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو المطرف الأموي المعروف ~~بالداخل ؛ مولده بدير حنين من عمل دمشق في سنة ثلاث عشرة ومائة ونشأ ~~بالشام، فلما زال ملك بني أمية وقتلوا وتفرقوا فر عبد الرحمن هذا إلى ~~المغرب بحواشيه وملك جزيرة الأندلس وتم أمره بها غير أنه لم يلقب بأمير ~~المؤمنين، وقيل: إنه لقب به، والأول أصح لأن جماعة كثيرة ملكوا الأندلس من ~~ذريته وليس فيهم من لقب بأمير المؤمنين ؛ يأتي ذكرهم الجميع في هذا الكتاب ~~إن شاء الله تعالى؛ وولادة بنت المستكفي صاحبة ابن زيدون الشاعر هي من ~~ذريته أيضا. الذين ذكرهم الذهبي في الوفيات، قال: وفيها توفي الحسن بن عياش ~~أخو أبي بكر بن عياش بالكوفة، وروح بن مسافر البصري، وسليمان بن بلال، ~~وصالح المري بخلف، وصاحب الأندلس عبد الرحمن الداخل الأموي، وابن عم ~~المنصور علي بن سليمان بن علي، وابن عمه الآخر الفضل بن صالح بن علي، ~~والوليد بن أبي ثور، والوليد بن المغيرة المصري، ويحيى بن سلمة بن كهيل ~~بخلف. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ ~~الزيادة خمسة عشر ذراعا وإصبعان ونصف. ### | AUT ولاية مسلمة بن يحيى على مصر # PageV01P0162 # هو مسلمة بن يحيى بن قرة بن عبيد الله بن عتبة البجلي الخراساني، أمير ~~مصر. أصله من أهل خراسان وقيل من جرجان وخدم بني العباس وكان من أكابر ~~القواد؛ ولاه هارون الرشيد على إمرة مصر على الصلاة والخراج معا بعد عزل ~~موسى بن عيسى العباسي في سنة اثنتين وسبعين ومائة ؛ وقدم إلى مصر في شهر ~~رمضان من السنة المذكورة في عشرة آلاف من الجند؛ وسكن ms0325 العسكر على عادة ~~أمراء بني العباس؛ وجعل على الشرطة ابنه عبد الرحمن، فلم تطل مدته على مصر ~~ووقع في ولايته على مصر أمور وفتن حتى عزله الخليفة هارون الرشيد في شعبان ~~سنة ثلاث وسبعين ومائة بمحمد بن زهير الأزدي؛ فكانت ولايته على إمرة مصر ~~أحد عشر شهرا؛ وكانت أيامه مع قصرها كثيرة الفتن؛ ووقع له أمور مع أهل ~~الحوف ثم أخرج العساكر لحفظ البحيرة من الفتن التي كانت بالمغرب : منها ~~خروج سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بالأندلس وتغلبه على أقاليم طرطوشة ~~في شرق الأندلس، وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه الحسين ودعا إلى ~~اليمانية وتعصب لهم، فاجتمع له خلق كثير وملك مدينة طرطوشة وأخرج عاملها ~~يوسف القيسي فعارضه موسى بن فرتون وقام بدعوة هشام الأموي ووافقته جماعة؛ ~~وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة وخرج معه جمع كبير، ~~فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشقة وتغلب على تلك الناحية وقوي أمره. وكان هشام ~~مشغولا بمحاربة أخويه سليمان وعبد الله، ولم تزل الحرب قائمة بالغرب، وأمير ~~مصر يتخوف من هجوم بعضهم إلى أن عزل مسلمة عن مصر. ### || AUT السنة التي حكم فيها مسلمة # بن يحيى على مصر وهي سنة ثلاث وسبعين ومائة. فيها عزل الرشيد عن إمرة ~~خراسان جعفر بن محمد بن الأشعث وولى عوضه ولده العباس بن جعفر بن محمد بن ~~الأشعث. وفيها حج الرشيد بالناس، ولما عاد أخذ معه موسى بن جعفر بن محمد بن ~~علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وحبسه إلى أن مات. وفيها توفيت الخيزران ~~جارية المهدي وأم ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد؛ كان اشتراها المهدي ~~وأعتقها وتزوجها؛ ذكرنا ذلك في وقته من هذا الكتاب في محله؛ وكانت عاقلة ~~لبيبة دينة ؛ كان دخلها في السنة ستة آلاف وستين ألف ألف درهم، فكانت ~~تنفقها في الصدقات وأبواب البر؛ وماتت ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى ~~الآخرة؛ ومشى ابنها الرشيد في جنازتها وعليه طيلسان أزرق وقد شد وسطه وأخذ ~~بقائمة التابوت حافيا يخوض في ms0326 الطين والوحل من المطر الذي كان في ذلك اليوم ~~حتى أتى مقابر قريش فغسل رجليه وصلى عليها ودخل قبرها ثم خرج وتمثل بقول ~~متمم " بن نويرة " الأبيات المشهورة، التي أولها: " الطويل " وكنا كندماني ~~جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا ... ~~لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ثم تصدق عنها بمال عظيم ولم يغير على جواريها ~~وحواشيها شيئا مما كان لهم. وفيها توفيت غادر جارية الهادي، وكانت بارعة ~~الجمال؛ وكان الهادي مشغوفا بحبها فبينما هي تغنيه يوما فكر وتغير لونه ~~فسأله من حضر من خواصه فقال: " وقع في نفسي أني أموت ويتزوجها أخي هارون من ~~بعدي " فأحضر هارون واستحلفه بالأيمان المغلظة من الحج ماشيا وغيره أنه لا ~~يتزوجها، ، ثم استحلفها أيضا كذلك، ومكث الهادي بعد ذلك أقل من شهر ومات، ~~وتخلف هارون الرشيد فأرسل هارون الرشيد خطبها، فقالت له: وكيف يميني ~~ويمينك؛ فقال: أكفر عن الكل وأحج راجلا فتزوجته فزاد حب الرشيد لها على حب ~~الهادي أخيه حتى إنها كانت تنام فتضع رأسها على حجره فلا يتحرك حتى تنتبه؛ ~~فبينما هي ذات يوم نائمة " ورأسها " على ركبته انتبهت فزعة تبكي وقالت: ~~رأيت الساعة أخاك الهادي وهو يقول، وأنشدت أبياتا منها: " مجزوء الكامل " ~~ونكحت عامدة أخي ... صدق الذي سماك غادر فلم تزل تبكي وتضطرب حتى ماتت، ~~وتنغص عليه عيشه بموتها. وقيل: إن الرشيد ما حج ماشيا إلا بسبب اليمين التي ~~كانت حلفه " إياها " أخوه الهادي بسببها. وفيها توفي محمد بن سليمان بن علي ~~بن عبد الله بن العباس؛ كان من وجوه بني العباس وتولى الأعمال الجليلة؛ وهو ~~الذي تزوج العباسة بنت المهدي أخت هارون الرشيد؛ وكان له خمسون ألف عبد، ~~منهم عشرون ألفا عتقا. قاله أبو المظفر في مرآة الزمان. PageV01P0163 # ذكر الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي اسماعيل ابن ~~زكرياء الخلقاني، وجويرية بن أسماء الضبعي وأم الرشيد الخيزران، وسعيد ابن ~~عبد الله المعافري، وسلام بن أبي مطيع، والسيد الحميري الشاعر، وزهير ابن ~~معاوية ms0327 بن كامل اللخمي المصري، وعبد الرحمن بن أبي الموالي مولى بني هاشم، ~~والأمير محمد بن سليمان بن علي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ### | AUT ولاية محمد بن زهير # على مصر هو محمد بن زهير الأزدي، أمير مصر. ولاه هارون الرشيد على إمرة ~~مصر وجمع له بين الصلاة والخراج معا، وذلك بعد عزل مسلمة بن يحيى لخمس خلون ~~من شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، وسكن العسكر على عادة أمراء بني العباس، ~~واستعمل على خراج مصر عمر بن غيلان، وعلى الشرطة حنك بن العلاء ثم عزله ~~وولى عمار بن مسلم بن عبد الله الطائي أياما ثم صرفه وولى حبيب ابن أبان ~~أبن الوليد، البجلي؛ ولما ولي عمر بن غيلان خراج مصر شدد على الناس وعلى ~~أهل الخراج، فنفرت القلوب منه وثار عليه الجند وقاتلوه وحصروه في داره فلم ~~يدافع عنه محمد بن زهير صاحب الترجمة، فانحط قمر عمر بن غيلان وتلاشى أمره ~~مع الجند وغيرهم ؛ وبلغ الخليفة هارون الرشيد ذلك فعظم عليه عدم قيام محمد ~~بن زهير بنصرة عمر بن غيلان المذكور فعزله عن إمرة مصر بداود بن يزيد بن ~~حاتم المهلبي في سلخ ذي الحخة من سنة ثلاث وسبعين ومائة؛ فكانت ### | AUT ولاية محمد بن زهير # على إمرة مصر خمسة أشهر تنقص أياما؛ وتوجه إلى الرشيد فزجره ثم جعله من ~~جملة القواد وندبه للاستيلاء على مال محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن ~~العباس بالبصرة بعد موته. وكانت تركة محمد بن سليمان عظيمة من المال ~~والمتاع والدواب، فحملوا منها ما يصلح للخلافة وتركوا ما لا يصلح ؛ وكان من ~~جملة ما أخذوا له ستون ألف ألف درهم؛ فلما قدموا بذلك على الرشيد أطلق منه ~~للندماء والمغنين شيئا كثيرا ورفع الباقي إلى خزانته. وكان سبب أخذ الرشيد ~~تركته أن أخاه جعفر بن سليمان كان يسعى به إلى الرشيد حسدا له ويقول: إنه ~~لا مال له ولا ضيعة إلا ms0328 وقد أخذ أكثر من ثمنها ليتقوى به على ما تحدثه به ~~نفسه - يعني الخلافة - وأن أمواله حل طلق لأمير المؤمنين. وكان الرشيد يأمر ~~بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفي محمد بن سليمان أخرجت الكتب الواردة من جعفر ~~أخيه واحتج الرشيد عليه بها في أخذ أمواله ولم يكن له أخ لأبيه وأمه غيره، ~~فأقر جعفر بالكتب، فأخذ الرشيد جميع المال ولم يعط جعفرا منها الدرهم ~~الواحد. قلت: انظر إلى شؤم الحسد وسوء عاقبته، ولله در القائل: الحاسد ظالم ~~في صفة مظلوم مبتلى غير مرحوم. ودام محمد بن زهير عند الرشيد إلى أن كان ما ~~سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ### | AUT ولاية داود بن يزيد # على مصر هو داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة ~~المهلبي أمير مصر؛ ولاه الخليفة هارون الرشيد على إمرة مصر على الصلاة بعد ~~عزل محمد بن زهير الأزدي، فقدم مصر لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع ~~وسبعين ومائة، وقدم معه إبراهيم بن صالح بن علي العباسي على الخراج ؛ فدخلا ~~مصر معا " لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 174 وسكن داود العسكر على ~~العادة وجعل على شرطته عضار بن مسلم الطائي ؛ ثم أخذ داود في إصلاح أمر مصر ~~وأخرج الجند الذين كانوا ثاروا على عمر بن غيلان صاحب خراج مصر في أيام ~~محمد بن زهير المعزول عن إمرة مصر إلى بلاد المغرب، وأخرج بعضهم أيضا إلى ~~بلاد المشرق وكانوا عدة كبيرة. ثم ورد عليه الأمر من الرشيد أن يأخذ ~~المصريين ببيعة ابنه الأمير محمد ابن زبيدة ففعل ذلك. وكان الرشيد عقد ~~لابنه محمد المذكور بولاية العهد ولقبه بالأمين وأخذ له البيعة من الناس ~~وعمره خمس سنين وكتب بذلك إلى الأقطار. وكان سبب البيعة للأمين أن خاله ~~عيسى بن جعفر بن المنصور جاء إلى الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك وسأله في ~~ذلك وقال له: إنه ولدك وخلافته لك، وإن أختي زبيدة تسألك في ذلك، فوعده ~~الفضل بذلك وسعى فيه عند ms0329 الرشيد حتى بايع له الناس بولاية العهد وترك ولده ~~المأمون وهو أسن من ولده محمد الأمين بشهر، ثم بعد ذلك عهد الرشيد للمأمون ~~بولاية العهد بعد الأمين على ما سيأتي ذكره. PageV01P0164 # وأما جند مصر الذين أخرجوا من مصر فإنهم ساروا إلى المغرب في البحر ~~فأسرهم الفرنج بعد حروب؛ وسكن الحال بديار مصر وأمن الناس، واستمر داود على ~~إمرة مصر إلى أن صرفه الرشيد عنها بموسى بن عيسى العباسي المعزول عن إمرة ~~مصر قديما، وذلك لست خلون من المحرم سنة خمس وسبعين ومائة، فكانت ولايته ~~على مصر سنة واحدة ونصف شهر. وأما أمر الجند الذين أسرهم الفرنج فإن داود ~~بن يزيد المذكور جهزهم نجدة إلى هشام بن عبد الرحمن الأموي فيما قيل ؛ ~~وسببه أن هشام بن عبد الرحمن صاحب الأندلس لما فرغ من حرب أخويه سليمان ~~وعبد الله وأجلاهما عن الأندلس وخلا سره منهما انتدب لمطروح بن سليمان بن ~~يقظان الذي كان خرج عليه وسير إليه جيشا كثيفا وجعل عليهم أبا عثمان عبيد ~~الله بن عثمان، فساروا إلى مطروح، وهو بسرقسطة، فحصروه بها فلم يظفروا به، ~~فرجع أبوعثمان ونزل بحصن طرطوشة بالقرب من سرقسطة وبث سراياه على أهل ~~سرقسطة ؛ ثم إن مطروحا خرج في بعض الأيام يتصيد وأرسل البازي على طائر ~~فاقتنصه، فنزل مطروح ليذبحه ومعه صاحبان له قد انفرد بهما فقتلاه وأتيا ~~برأسه إلى أبي عثمان فأرسله أبو عثمان إلى هشام. ### || AUT السنة التي حكم فيها داود # بن يزيد على مصر وهي سنة أربع وسبعين ومائة. فيها حج بالناس هارون ~~الرشيد على طريق البصرة، ودخل البصرة ووسع في جامعها من ناحية القبلة. ~~وفيها وقعت العصبية وثارت الفتن بين أهل السنة والرافضة. وفيها ولى الرشيد ~~إسحاق بن سليمان العباسي إمرة السند ومكران. وفيها استقضى الرشيد يوسف ابن ~~القاضي أبي يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة في حياة والده. وفيها توفي روح بن ~~حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة المهلبي الأمير؛ كان هو وأخوه من وجوه ~~دولة بني العباس. ولي روح ms0330 هذا إفريقية والبصرة وغيرهما؛ وكان جليلا شجاعا ~~جوادا. وفيها توفي عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان، الإمام الحافظ عالم ~~الديار المصرية وقاضيها ومحدثها أبوعبد الرحمن الحضري المصري؛ مولده سنة ~~سبع وتسعين وقيل سنة ست وتسعين؛ ومات في يوم الأحد نصف شهر ربيع الأول من ~~السنة وصلى عليه الأمير داود بن يزيد ودفن بالقرافة من جبانة مصر وقبره ~~معروف بها تقصد للزيارة. قال الذهبي: وكان ابن لهيعة من الكتابين للحديث ~~والجماعين للعلم والرحالين فيه ؛ ولقد حدثني شكر : أخبرنا يوسف بن مسلم عن ~~بشر بن المنفر قال: كان ابن لهيعة يكنى أبا خريطة، وذاك أنه كانت له خريطة ~~معلقة في عنقه فكان يدور بمصر، فكقلا قدم قوم كان يدور عليهم، فكان إذا رأى ~~شيخا سأله: من لقيت وعمن كتبت. وفيها توفي منصور مولى عيسى بن جعفر بن ~~منصور؛ وكان منصور هذا يلقب بزلزل، وكان مغنيا يضرب بغنائه وضربه بالعود ~~المثل؛ وكان الغناء يوم ذاك غير الموسيقى الآن، وإنما كانت زخمات عددية ~~وأصوات مركبة في أنغام معروفة، وهو نوع من إنشاد زماننا هذا على الضروب ~~لإنشاد المداح والوعاظ. وقد أوضحنا ذلك في غير هذا المحل في مصنف على حدته ~~وبينا فيه الفرق بينه وبين الموسيقى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع وثمانية أصابع، مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع ونصف. ### | AUT ولاية موسى بن عيسى الثانية # على مصر هو موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ~~الهاشمي العباسي؛ ولي إمرة مصر ثانية من قبل الرشيد بعد عزل داود بن يزيد ~~المهلبي، وجمع له صلاة مصر وخراجها، فكتب موسى المذكور من بغداد إلى الأمير ~~عسامة بن عمرو يستخلفه على الصلاة، ثم قدم خليفته على الخراج نصربن كلثوم؛ ~~ثم قدم موسى إلى مصر في سابع صفر سنة خمس وسبعين ومائة وسكن بالعسكر على ~~العادة وحدثته نفسه بالخروج على الرشيد فبلغ الرشيد ذلك. PageV01P0165 # قال أبو المظفر بن قزأوغلي في تاريخه مرآة الزمان: وبلغ ms0331 الرشيد أن موسى ~~ابن عيسى يريد الخروج عليه فقال: والله لا عزلته إلا بأخس من على بابي ؛ ~~فقال لجعفر بن يحيى: ول مصر أحقر من على بابي وأخسهم، فنظر فإذا عمر بن ~~مهران كاتب الخيزران وكان مشوه الخلقة ويلبس ثيابا خشنة ويركب بغلا ويردف ~~غلامه خلفه، فخرج إليه جعفر وقال: أتتولى مصر فقال: نعم، فسار إليها فدخلها ~~وخلفه غلام على بغل للثقل، فقصد دار موسى بن عيسى فجلس في أخريات الناس، ~~فلما انفض المجلس قال موسى: ألك حاجة؛ فرمى إليه بالكتاب، فلما قرأه قال: ~~لعن الله فرعون حيث قال: " أليس لي ملك مصر " ، الآية، ثم سلم إليه ملك مصر ~~فمهدها عمر المذكور ورجع إلى بغداد وهو على حاله. انتهى كلام أبي المظفر. ~~قلت: لم يذكر عمر بن مهران أحد من المؤرخين في أمراء مصر؛ والجمهور على أن ~~موسى بن عيسى عزل بابراهيم بن صالح العباسي؛ ولعل الرشيد لم يرسل عمر هذا ~~إلا لنكاية موسى؛ ثم أقر الرشيد إبراهيم بعد خروج المذكور من بغداد، فكانت ~~ولاية عمر على مصر شبه الاستخلاف من إبراهيم بن صالح ولهذا أبطأ إبراهيم بن ~~صالح عن الحضور إلى الديار المصرية بعد ولايته مصر عن موسى المذكور؛ وكانت ~~ولاية عمر بن مهران على خراج مصر وإبراهيم على الصلاة وهذا أوجه من الأول. ~~وقال الذهبي: ولى الرشيد مصر لجعفر بن يحيى البرمكي بعد عزل موسى، فعلى هذا ~~يكون عمر نائبا عن جعفر ولم يصل جعفر إلى مصر في هذه السنة ولهذا لم يثبت ~~ولايته أحد من المؤرخين انتهى. وكان عزل موسى بن عيسى عن إمرة مصر في ثامن ~~عشرين صفر سنة 174، فكانت ولايته هذه الثانية على مصر سنة واحدة إلا أياما ~~قليلة. قلت: ومما يؤيد قولي إنه كان على الخراج قول ابن الأثير في الكامل، ~~وذكر ذلك في سنة176 قال: وفيها عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر ورد أمرها ~~إلى جعفر بن يحيى بن خالد فاستعمل عليها جعفر عمر بن مهران. وكان سبب عزله ~~أن الرشيد بلغه ms0332 أن موسى عازم على الخلع فقال: والله لا أعزله آلا بأخس من ~~على بابي، فأمر جعفرا فأحضر عمر بن مهران وكان أحول مشوه الخلق وكان لباسه ~~خسيسا وكان يردف غلامه خلفه، فلما قال له الرشيد: أتسير إلى مصر أميرا؛ ~~قال: أتولاها على شرائط إحداها أن يكون إذني إلى نفسي إذا أصلحت البلاد ~~انصرفت، فأجابه إلى ذلك ؛ فسار فلما وصل إليها أتى دار موسى فجلس في أخريات ~~الناس، فلما تفرقوا قال: ألك حاجة؛ قال: نعم، ثم دفع إليه الكتب فلما قرأها ~~قال: هل يقدم أبو حفص أبقاه الله؛ قال: أنا أبو حفص ؛ فقال موسى: لعن الله ~~فرعون حيث قال: " أليس لي ملك مصر " ثم سلم له العمل. فتقدم عمر إلى كاتبه ~~ألا يقبل هدية إلا ما يدخل في الكيس، فبعث الناس بهداياهم، فلم يقبل دابة ~~ولا جارية ولم يقبل إلا المال والثياب، فأخذها وكتب عليها أسماء أصحابها ~~وتركها؛ وكان أهل مصر قد اعتادوا المطل بالخراج وكسره، فبدأ عمر برجل منهم ~~فطالبه بالخراج فلواه، فأقسم ألا يؤديه إلا بمدينة السلام، فبذل الخراج فلم ~~يقبله منه وحمله إلى بغداد فأدى الخراج بها فلم يمطله أحد، فأخذ النجم ~~الأول والنجم الثاني، فلما كان النجم الثالث وقعت المطاولة والمطل وشكوا ~~الضيق، فأحضر تلك الهدايا وحسبها لأربابها وأمرهم بتعجيل الباقي فأسرعوا في ~~ذلك فاستوفى خراج مصر عن آخره ولم يفعل ذلك غيره ثم انصرف إلى بغداد " . ~~انتهى كلام ابن الأثير برمته. ### || AUT السنة التي حكم فيها موسى # بن عيسى ثانيا على مصر وهي سنة خمس وسبعين ومائة. فيها عقد الرشيد ~~البيعة بالخلافة من بعده لابنه محمد بن زبيدة ولقب بالأمين وعمره خمس سنين؛ ~~وكانت أمه زبيدة حرضت الرشيد وأرضوا الجند بأموال عظيمة حتى سكتوا. وفيها ~~خرج يحيى بن عبد الله بن الحسن العلوي بالديلم وقويت شوكته وتوجهت إليه ~~الشيعة من الأقطار، فاغتم الرشيد من ذلك واشتغل عن اللهو والشرب، وندب ~~لحربه الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي في خمسين ألفا وفرق فيهم الأموال، ~~فانحلت عزائم يحيى ms0333 المذكور وطلب الصلح من الرشيد فصالحه الرشيد وأمنه ثم ~~حبسه بعد مدة إلى أن مات. وفيها هاجت العصبية بالشام بين القيسية واليمانية ~~وقتل منهم عدد كثير؛ وكان على إمرة الشام موسى ابن ولي العهد عيسى العباسي، ~~فعزله الرشيد واستعمل على الشام موسى بن يحيى البرمكي فقدم موسى وأصلح ~~بينهم. PageV01P0166 # وفيها عزل الرشيد عن إمرة خراسان العباس بن جعفر وأمر عليها خاله الغطريف ~~بن عطاء. وفيها توفي الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم الأصبهاني ~~الأصل المصري، أحد الأعلام وشيخ إقليم مصر وعالمه؛ كنيته أبو الحارث، مولده ~~في شعبان سنة أربع وتسعين. قال الذهبي: وحج سنة ثلاث عشرة ومائة فلقي عطاء ~~ونافعا وابن أبي مليكة وسعيد المقبري وأبا الزبير وابن شهاب فأكثر عنهم، ثم ~~ذكر جماعة كثيرة ممن روى عنه. انتهى. وكان كبير الديار المصرية ورئيسها ~~وأمير من بها في عصره بحيث إن القاضي والنائب من تحت أمره ومشورته؛ وكان ~~الشافعي يتأسف على فوات لقيه. قيل: إن الإمام مالكا كتب إليه من المدينة: ~~بلغني أنك تأكل الرقاق وتلبس الرقاق وتمشي في الأسواق، فكتب إليه الليث بن ~~سعد: " قل من حرم زينة الله " " الآية " . وعن ابن الوزير قال: قد ولي ~~الليث الجزيرة وكان أمراء مصر لا يقطعون أمرا إلا بمشورته، فقال أبو المسعد ~~وبعث بها إلى المنصور أبي جعفر: " الوافر " لعبد الله عبد الله عندي ... ~~نصائح حكتها في السر وحدي أمير المؤمنين تلاف مصرا ... فإن أميرها ليث بن ~~سعد وكانت وفاة الليث في رابع عشر شعبان. ذكر الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال: وتوفي الحكم بن فصيل الواسطي ؛ والخليل بن أحمد فيما قيل ~~وقد مر، وخشاف الكوفي صاحب اللغة، والقاسم بن معن المسعودي الكوفي ؛ والليث ~~بن سعد فقيه مصر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع سواء ~~مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### | AUT ولاية إبراهيم بن صالح ثانيا # على مصر تقدم ذكر ترجمته في ولايته الأولى على مصر، أعاده الرشيد إلى ~~ولاية مصر ثانيا ms0334 بعد عزل موسى بن عيسى العباسي في صفر سنة لست وسبعين ~~ومائة. ولما ولي إبراهيم مصر، أرسل باستخلاف عسامة بن عمرو على الصلاة، إلى ~~أن قمم نصر بن كلثوم على خراج مصر في مستهل شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين ~~ومائة. وتوفي عسامة بن عمرو لسبع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة. ثم قدم ~~إلى مصر روح بن زنباع خليفة لإبراهيم على الصلاة والخراج - وروح بن زنباع ~~هذا أبوه حفيد روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان - فدام روح بن زنباع ~~المذكور على صلاة مصر وخراجها إلى أن قدمها إبراهيم بن صالح بعده بأيام في ~~النصف من جمادى الأولى؛ كل ذلك من سنة ست وسبعين ومائة. وسكن إبراهيم ~~العسكر وجمع له الرشيد بين الصلاة والخراج، فلم تطل أيامه ومات لثلاث خلون ~~من شعبان سنة ست وسبعين ؛وقام بأمر مصر بعد موته ابنه صالح بن إبراهيم بن ~~صالح مع صاحب شرطته خالد بن يزيد إلى أن ولي مصر عبد الله بن المسيب. وكان ~~مقامه بها شهرين وثمانية عشر يوما. وكان إبراهيم المذكور من وجوه بني ~~العباس، وولي الأعمال الجليلة مثل دمشق وفلسطين ومصر للمهدي أولا، ثم ولي ~~الجزيرة لموسى الهادي، ثم ولي مصر ثانيا في هذه المرة لهارون الرشيد وكان ~~خيرا دينا ممدحا، وفد عليه مرة عباد بن عباد الخواص فقال له إبراهيم هذا: ~~عظني، فقال عباد: إن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ماذا ~~يعرض على رسول الله صلى الله عليه و سلم من عملك فبكى إبراهيم حتى سالت ~~دموعه على لحيته، رحمه الله تعالى. ### || AUT السنة التي حكم فيها إبراهيم # بن صالح على مصر وهي سنة ست وسبعين ومائة. فيها عقد الرشيد لابنه ~~المأمون عبد الله العهد بعد أخيه محمد الأمين ولقبه المأمون، وولاه الشرق ~~وكتب بينهما كتابا وعلقه في الكعبة؛ وكان المأمون أسن من الأمين بشهر واحد ~~غير أن الأمين أفه زبيدة بنت جعفر هاشمية، والمأمون أفه أم ولد اسمها ~~مراجل، ماتت أيام نفاسها ms0335 به ؛ ومولدهما في سنة سبعين ومائة. وفيها حج ~~بالناس سليمان بن منصور العباسي. وفيها أيضا حجت زبيدة بنت جعفر زوج ~~الرشيد؛وأمرت في هذه السنة ببناء المصانع والبرك في طريق الحج. وفيها عزل ~~الرشيد الغطريف بن عطاء عن إمرة خراسان وولاها حمزة بن مالك الخزاعي؛ وكان ~~حمزة يلقب بالعروس. وفيها توفي إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة، ~~أبو إسحاق الفهري الشاعر المشهور. كان الأصمعي يقول: ختم الشعراء بابن هرمة ~~وهو آخر الحجج. PageV01P0167 # وفيها توفي صالح بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد ~~الله بن العباس الهاشمي العباسي ولي عدة أعمال جليلة وكان من أعيان بني ~~العباس. وفيها توفي أبو عوانة، وآسمه الوضاح بن عبد الله البزاز الواسطي ~~الحافظ، مولى يزيد بن عطاء اليشكري؛ ويقال من سبي جرجان؛ رأى الحسن البصري ~~وابن سيرين. وتوفي بالبصرة في شهر ربيع الأول. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر وستة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية عبد الله بن المسيب على مصر # هو عبد الله بن المسيب بن زهير بن عمرو بن جميل الضبي أمير مصر. ولاه ~~الرشيد مصر على الصلاة بعد موت إبراهيم بن صالح العباسي، فقدم إلى مصر ~~لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة ست وسبعين ومائة وسكن العسكر وجعل ~~على شرطته أبا المكيس ؛ ولم تطل ولاية عبد الله المذكور على إمرة مصر، وعزل ~~بإسحاق بن سليمان في شهر رجب سنة سبع وسبعين ومائة، فكانت ولايته على إمرة ~~مصر نحو عشرة أشهر؛ وأقام بمصر بطالا من غير إمرة إلى أن وليها استخلافا عن ~~عبد الملك بن صالح العباسي في سنة ثمان وسبعين ومائة نحو الشهرين، وصرف عبد ~~الملك بعبيد الله بن المهدي، فصرف عبد الله بن المسيب هذا عن استخلاف مصر ~~بعزل عبد الملك بن صالح، فإنه كان خليفته على مصر ولزم عبد الله بن المسيب ~~بيته إلى أن استخلفه ثانيا عبيد الله بن المهدي لما ms0336 ولي مصر بعد عبد الملك ~~بن صالح، فباشر عبد الله بن المسيب صلاة مصر قليلا باستخلاف عبيد الله بن ~~المهدي المذكور، ثم صرف ولزم داره إلى أن مات. وفي أيام ولايته على مصر مع ~~قصرها وقع له حروب مع أهل الحوف. واستنجده هشام صاحب الأندلس فجهز له ~~العساكر، وبينما هو في ذلك ورد عليه الخبر بعزله. وكان هشام أرسل جيشا ~~كثيفا واستعمل عليه عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث، فدخلوا بلاد العدو ~~وبلغوا أربونة وجرندة فبدأ بجرندة ، وكان بها حامية الفرنج، فقتل رجالها ~~وهدم أسوارها وأبراجها وأشرف على فتحها فرحل عنها إلى أربونة ففعل بها مثل ~~ذلك، وأوغل في بلادهم ووطىء أرض برطانية فاستباح حريمها وقتل مقاتلتها، ~~وجاس البلاد شهرا يحرق الحصون ويسبي ويغنم، وقد أجفل العدو من بين يديه ~~هاربا، وأوغل في بلادهم ورجع سالما ومعه من الغنائم ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى. وهي من أشهر مغازي المسلمين بالأندلس. ### || AUT السنة التي حكم فيها عبد الله # بن المسيب وهي سنة سبع وسبعين ومائة. فيها عزل الرشيد حمزة بن مالك ~~الخزاعي عن إمرة خراسان وولاها الفضل ابن يحيى البرمكي مع سجستان والري. ~~وفيها حج بالناس الرشيد، وكان هذا دأب الرشيد، فسنة يحج وسنة يغزو، وفي هذا ~~المعنى قال بعض شعراء عصره: " الوافر " فمن يطلب لقاءك أو يرده ... ~~فبالحرمين أو أقصى الثغور وفيها توفي شريك بن عبد الله بن أبي شريك، أبو ~~عبد الله القاضي النخعي أصله من الكوفة، وبها توفي يوم السبت مستهل ذي ~~القعدة، وكان إماما عالما دينا. قال ابن المبارك: شريك أحفظ لحديث الكوفيين ~~من سفيان الثوري. وفيها توفي أبو الخطاب الأخفش الكبير في هذه السنة وقيل ~~في غيرها؛ واسمه عبد الحميد بن عبد المجيد شيخ العربية، أخذ عنه سيبويه ~~ولولا سيبويه لما كان يعرف، فإن الأخفش الأوسط الذي أخذ عنه سيبويه أيضا ~~الأتي ذكره هو المشهور؛ ولأبي الخطاب الأخفش هذا أشياء غريبة ينفرد بها عن ~~العرب، وقد أخذ عنه جماعة من العلماء، منهم: عيسى بن ms0337 عمر النحوي، وأبو عبيد ~~معمر بن المثنى وغيرهم. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~مات عبد العزيز بن أبي ثابت المدني، وعبد الواحد بن زياد الزاهد العبلي ~~فيما قيل، ومحمد بن جابر الحنفي اليمامي، ومحمد بن مسلم الطائفي، وموسر بن ~~أعين الحراني، وهياج بن بسطام الهروي، ويزيد بن عطاء اليشكري معتق أبي ~~عوانة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية إسحاق بن سليمان # على مصر PageV01P0168 # هو إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي أمير ~~مصر. ولاه الرشيد إمرة مصر بعد عزل عبد الله بن المسيب في مستهل شهر رجب ~~سنة سبع وسبعين ومائة، وجمع له الرشيد صلاة مصر وخراجها؛ ولما دخل مصر سكن ~~العسكر على عادة أمراء بني العباس، وجعل على شرطته بعض أصحابه، وهو مسلم بن ~~بكار " بن مسلم " العقيلي؛ وأخذ إسحاق في إصلاح أمر مصر وكشف " أمر " ~~خراجها، فلم يرض بما كان يأخذه قبله الأمراء، وزاد على المزارعين زيادة ~~أفحشت بهم فسئمته الناس وكرهته وخرج عليه جماعة من أهل الحوف من قيس ~~وقضاعة، فحاربهم إسحاق المذكور وقتل من حواشيه وأصحابه جماعة كبيرة؛ فكتب ~~إسحاق يعلم الرشيد بذلك، فعظم على الرشيد ما ناله من أمر مصر وصرفه عن ~~إمرتها وعقد الرشيد لهرثمة " بن أعين " على إمرة مصر وأرسله في جيش كبير ~~إلى مصر؛ وكان عزل إسحاق هذا عن إمرة مصر في شهر رجب من سنة ثمان وسبعين ~~ومائة، فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وأياما وتوجه إلى الرشيد. وقال ابن ~~الأثير: " وفي هذه السنة " يعني سنة ثمان وسبعين ومائة " وثبت الحوفية بمصر ~~على عاملهم إسحاق بن سليمان وقاتلوه وأمر الرشيد بهرثمة بن أعين، وكان عامل ~~فلسطين، فقاتلوا الحوفية وهم من قيس وقضاعة، فأذعنوا بالطاعة وأدوا ما ~~عليهم للسلطان. فعزل الرشيد إسحاق عن مصر واستعمل عليها هرثمة مقدار شهر، ~~ثم عزله واستعمل عليها عبد الملك بن صالح ms0338 " . انتهى كلام ابن الأثير برمته. ### | AUT ولاية هرثمة بن أعين # على مصر هو هرثمة بن أعين أحد أمراء الرشيد وخواص قواده؛ ولاه على إمرة ~~مصر لما بلغه ما وقع لإسحاق بن سليمان العباسي مع أهل مصر، وبعثه إليها في ~~جيش كبير وحرضه على قتال المصريين؛ و ولاه على صلاة مصر وخراجها معا؛ فخرج ~~هرثمة من بغداد حتى قدم مصر ليومين خلوا من شعبان سنة ثمان وسبعين ومائة؛ ~~فتلقاه أهل مصر بالطاعة وأذعنوا له، فقبل هرثمة منهم ذلك وأمنهم وأقر كل ~~واحد على حاله. وأرسل يعلم الرشيد بذلك، ثم جعل هرثمة على شرطته ابنه حاتما ~~فلم تطل مئة هرثمة على إمرة مصر وورد عليه الخبر بعزله عن إمرة مصر وخروجه ~~بالعساكر إلى نحو إفريقية في يوم ثاني عشر شوال من السنة المذكورة؛ فكانت ~~إقامته على إمرة مصر شهرين ونصف شهر. وولي مصر بعده عبد الملك بن صالح ~~العباسي؛ وتوجه هرثمة إلى بلاد المغرب من مصر بجيوش عظيمة فلم يلق حربا بل ~~أذعن إليه من كان ببلاد المغرب من العصاة لعظم هيبة هرثمة المذكور، فإنه ~~كان شجاعأ مقداما مهيبا ودام هرثمة بالمغرب سنين إلى أن استعفى فأعفاه ~~الرشيد في سنة إحدى وثمانين ومائة وأذن له في القدوم عليه. وكان الرشيد ~~يندب هرثمة للمهمات ووقع له بالمغرب أمور: منها أنه لما توجه إلى إفريقية ~~سار صحبته يحيى بن موسى، فأمره هرثمة أن يتقدمه ويتلطف بابن الجارود ليعود ~~إلى الطاعة قبل وصول هرثمة، فقدم يحيى القيروان فجرى بينه وبين ابن الجارود ~~كلام كثير، حاصله أن ابن الجارود شق العصا ولم يظهر الطاعة، فخلا يحيى ~~PageV01P0169 # " بمحمد بن يزيد " ، الفارسي وعاتبه حتى استماله ووافقه على قتال ابن ~~الجارود. وتقاتل يحيى وابن الفارسي مع ابن الجارود فقتل ابن الفارسي غدرا ~~وعاد يحيى بن موسى إلى هرثمة بطرابلس الغرب؛ ثم سار هرثمة إلى ابن الجارود ~~بجند طرابلس في محرم سنة تسع وسبعين ومائة فلما وصل قابس تلقاه عامة الجند، ~~وخرج ابن الجارود من القيروان في مستهل صفر، وكان ms0339 العلاء بن سعيد عمرو ابن ~~الجارود ويحيى بن موسى يستبقان إلى القيروان كل منهما يريد أن " يكون " ~~الذكر له؛ فسبقه العلاء ودخل القيروان وقتل جماعة من أصحاب ابن الجارود ~~وصار إلى هرثمة، وسار ابن الجارود أيضا إلى هرثمة فسيره هرثمة إلى الرشيد ~~فاعتقله الرشيد ببغداد؛ وسار هرثمة إلى القيروان فأمن الناس وسكنهم وبنى ~~القصر الكبير وبنى سور مدينة طرابلس الغرب مما يلي البحر. وكان إبراهيم بن ~~الأغلب بولاية الزاب فأكثر من الهدية إلى هرثمة حتى أقرة هرثمة على الزاب ~~فحسن أثره فيها. ثم إن عياض بن وهب الهواري وكليب بن جميع الكلبي جمعا ~~جموعا وأرادا قتال هرثمة فسار إليهما هرثمة يحيى بن موسى في جيش كبير ففرق ~~جموعهما وقتل كثيرا من أصحابهما ثم عاد إلى القيروان، فلما رأى هرثمة ما ~~بإفريقية من الاختلاف واصل كتبه إلى الرشيد يستعفي حتى أعفاه، وقدم العراق ~~حسبما تقدم ذكره. فكانت ولاية هرثمة على إفريقية سنتين ونصفا. ### | AUT ولاية عبد الملك بن صالح # على مصر هو عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد ~~المطلب، الأمير أبو عبد الرحمن الهاشمي العباسي أمير مصر وليها بعد توجه ~~هرثمة بن أعين إلى إفريقية؛ ولاه الرشيد إمرة مصر وجمع له الصلاة والخراج ~~معا، فوليها عبد الملك هذا ولم يدخلها واستعمل عليها عبد الله بن المسيب ~~الضبى المعزول عن إمرة مصر قديما، وقد ذكرنا نيابته عن عبد الملك هذا في ~~ترجمته أيضا من هذا الكتاب؛ فجعل عبد الله بن المسيب على شرطته عمار بن ~~مسلم، فلم تطل مدة عبد الملك هذا على ولاية مصر وصرف عنها في سلخ سنة ثمان ~~وسبعين ومائة؛ وتولى مصر من بعده عبيد الله بن المهدي. وقد ولي في هذه ~~السنة على مصر ثلاثة أمراء وهي سنة ثمان وسبعين ومائة؛ وكان عبد الملك هذا ~~شريفا نبيلا، وأمه أم ولد كانت لمروان بن محمد الحمار فشراها صالح بن علي ~~فولدت له عبد الملك هذا. ويقال: إن الجارية حملت بعبد الملك هذا ms0340 من مروان، ~~ولهذا قال له الرشيد لما قبض عليه وحبسه: ما أنت لصالح، قال: فلمن أنا؛ ~~قال: لمروان، قال: ما أبالي أي الفحلين غلب علي. وكان أولا معظما عند ~~الرشيد، ولما ولاه دمشق سنة سبع وسبعين ومائة، وخرج الرشيد و ودعه قال له ~~الرشيد: هل من حاجة؛ قال: نعم بيني وبينك بيت ابن الدمينة حيث يقول: " ~~الطويل " فكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب فسكت ~~الرشيد عن أمره حتى نقل عنه أنه يريد الخلافة فعزله عن دمشق في سنة ثمان ~~وسبعين ومائة، وكانت إقامته عليها أقل من سنة ؛ وأظن أن في تلك الأيام أضيف ~~إليه إمرة مصر، ثم أقدمه الرشيد إلى بغداد وكان قبل ذلك كتب إلى الرشيد ~~يقول: " الطويل " أخلاي بي شجو وليس بكم شجو ... وكل امرئ من شجو صاحبه خلو ~~من أي نواحي الأرض أبغي رضاكم ... وأنتم أناس ما لمرضاتكم نحو فلا حسن نأتي ~~به تقبلونه ... ولا إن أسأنا كان عندكم عفو فقال الرشيد: والله لئن أنشأها ~~لقد أحسن، ولئن رواها كان أحسن. وولي عبد الملك هذا الجزيرة مرتين وغزا ~~الصائفة في سنة ثلاث وسبعين ومائة، وغزا الروم سنة خمس وسبعين ومائة، فأخذ ~~سبعة آلاف رأس من الروم. ومات للرشيد ولد وولد له ولد في ليلة واحدة فدخل ~~عليه عبد الملك هذا فقال: يا أمير المؤمنين، آجرك الله فيما ساءك ولاساءك ~~فيما سرك؛ وجعل هذه بتلك جزاء الشاكرين، وثواب الصابرين! وكان لعبد الملك ~~لسان وبيان على فأفأة كانت فيه، وكانت وفاته بالرقة. ### || AUT السنة التي حكم فيها إسحاق # بن سليمان، ثم هرثمة بن أعين، ثم عبد الملك بن صالح وهي سنة ثمان وسبعين ~~ومائة. PageV01P0170 # فيها وثب أهل المغرب وقاتلوا متولي إفريقية الفضل بن روح بن حاتم المهلبي ~~فأمر الرشيد هرثمة بن أعين أن يتوجه من مصر إلى المغرب، وقد ذكرنا ذلك في ~~ترجمة هرثمة وذكرنا توجهه واستيلاءه على بلاد المغرب، وأنهم أذعنوا إليه ~~بالطاعة. وفيها فوض الرشيد أمور المملكة إلى يحيى بن خالد البرمكي.وفيها ~~سار ms0341 الفضل بن يحيى البرمكي إلى خراسان أميرا عليها فعدل في الرعية وأحسن ~~السيرة بها.وفيها هاجت الحوفية بديار مصر بين قضاعة وقيس، وقد ذكرنا قصتهم ~~مع إسحاق بن سليمان عامل مصر. وفيها غزا الصائفة معاوية بن زفر بن عاصم ~~وغزا الشاتية سليمان بن راشد ومعه البند بطريق صقفية. وفيها حج بالناس محمد ~~بن إبراهيم بن محمد بن علي العباسي. وفيها خرج بالجزيرة الوليد بن طريف ~~وفتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين وسار إلى أرمينية وكثرت جموعه. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إبراهيم بن حميد ~~الرواسي الكوفي، وجعفر بن سليمان الضبعي، وخارجة بن مصعب، والصحيح قبل هذه ~~بعشر سنين، وعليلة بن بدر البصري - واسمه الربيع، وعليلة لقب له - وعيثر بن ~~القاسم الكوفي، وعبد الله بن جعفر أبو علي المديني، وعمر بن المغيرة ~~بالمصيصة، والمفضل بن يونس يقال فيها. أمر النيل في هذه السنة : الماء ~~القديم ثلاثة أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية عبيد الله بن المهدي الأولى # على مصر هو عبيد الله ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة أبي جعفر ~~المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس العباسي الهاشمي ~~أمير مصر، ولي مصر بعد عزل عبد الملك بن صالح عنها؛ ولاه الرشيد وجمع له ~~صلاة مصر وخراجها؛ وهو أخو الرشيد لأبيه محمد المهدي ولما ولي عبيد الله ~~مصر استخلف عليها داود بن حبيش وأرسله أمامه، فقدم داود مصر لسبع خلون من ~~جمادى الآخرة؛ ثم قدمها عبيد الله المذكور بعده في يوم الثلاثاء لأربع خلون ~~من شعبان سنة تسع وسبعين ومائة و قال صاحب " البغية " . وقال غيره: قدمها ~~عبيد الله في يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم سنة تسع وسبعين ~~ومائة. وجعل على شرطته معاوية بن صرد ثم عمار بن مسلم، فأقام عبيد الله على ~~إمرة مصر مئة وخرج منها إلى جهة الإسكندرية لما بلغه أن الفرنج قدموا ~~الإسكندرية بعد انهزامهم من الحكم بن ms0342 هشام على ما نذكره في آخر هذه ~~الترجمة؛ واستخلف على مصر عبد الله بن المسيب المقدم ذكره فغاب عبيد الله ~~مدة ثم عاد إليها ودام على إمرة مصر إلى أن صرفه أخوه الرشيد عنها في شهر ~~رمضان من " هذه " السنة. وخرج منها لليلتين خلتا من شوال، فكانت ولايته هذه ~~المرة تسعة أشهر إلا أياما قليلة، وولي عوضه الأمير موسى بن عيسى العباسي ~~الهاشمي. وقال صاحب " البغية " : صرف عنها لثلاث خلون من شهر رمضان سنة ~~إحدى وثمانين ومائة فوافق في الشهر وخالف في السنة. وأما ما وعدنا بذكره من ~~انهزام الفرنج من الحكم بن هشام صاحب الأندلس الأموي فإنه ندب عبد الكريم " ~~بن عبد الواحد " بن مغيث إلى بلاد الفرنج وصحبته العساكر، فدخل بلاد الفرنج ~~وبث سراياه في بلادهم يحرقون وينهبون ويأسرون، وسير سرية فجازوا خليجا من ~~البحر كان الماء قد جزر عنه؛ وكان الفرنج قد جعلوا أموالهم وأهاليهم وراء ~~ذلك الخليج ظنا منهم أن أحدا لا يقدر أن يعبره، فجاءهم ما لم يكن في حسابهم ~~فغنم المسلمون منهم جميع ما لهم وأسروا الرجال وقتلوا منهم فأكثروا وسبوا ~~الحريم وعادوا سالمين إلى عبد الكريم المذكور؛ فسير عبد الكريم طائفة أخرى ~~فخربوا كثيرا من بلاد فرنسية وغنموا أموال أهلها وأسروا الرجال، فأخبره بعض ~~الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد سبقوا المسلمين إلى واد وعر المسلك على ~~طريقهم ؛ فجمع عبد الكريم عساكره وسار على التعبئة وأجد السير، فلم يشعر ~~الكفار إلا وقد خالطهم المسلمون ووضعوا السيف فيهم، فانهزموا وغنم ما معهم ~~وعاد عبد الكريم سالما هو ومن معه ؛ فلما وقع للفرنج ذلك أردوا أن يهجموا ~~على ثغر الإسكندرية وغيرها لينالوا من المسلمين بعض الغرض وركبوا البحر ~~لقطع الطريق، فخرج عبيد الله بعساكره إلى ثغر الإسكندرية فلم يقدر أحد من ~~الفرنج على التوجه إلى جهتها وعادوا بالذلة والخزى. ### || AUT السنة التي حكم فيها عبيد الله # بن المهدي على مصر PageV01P0171 # وهي سنة تسع وسبعين ومائة. فيها ولى الرشيد إمرة خراسان لمنصور بن يزيد ~~بن ms0343 منصور الحميري. وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري بجموعه من ناحية ~~أرمينية إلى الجزيرة وقد عظم أمره وكثرت جيوشه، فسار لحربه يزيد بن مزيد ~~الشيباني من قبل الرشيد فراوغه يزيد مئة ثم التقاه على غرة بقرب هيت وقاتله ~~حتى ظفر به وقتله وبعث برأسه إلى الرشيد، فرثته أخته الفارعة بنت طريف ~~بقصيدتها التي سارت بها الركبان التي أولها: " الطويل " أيا شجر الخابور ما ~~لك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ~~ولا المال إلا من قنا وسيوف حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات ~~لم يرض الندى بحليف ومنها: فإن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فرب زحوف لفها ~~بزحوف عليه سلام الله وقفا فإنني ... أرى الموت وقاعا بكل شريف وفيها اعتمر ~~الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من بيوت مكة إلى عرفات. ~~وفيها في شهر ربيع الأول وصل هرثمة بن أعين أميرا على القيروان والمغرب ~~فأمن الناس وسكنوا وأحسن سياستهم، وبنى القصر الكبير في سنة ثمانين ومائة ~~وبنى سور طرابلس الغرب؛ ثم إنه رأى اختلاف الأهواء فطلب من الرشيد أن يعفيه ~~وألح في ذلك حتى أعفاه. وفيها توفي الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر ~~بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث، شيخ الإسلام وأحد ~~الأعلام وإمام دار الهجرة وصاحب المذهب، أبو عبد الله المدني الأصبحي. ~~مولده سنة اثنتين وتسعين، وقيل سنة ثلاث وتسعين وهي السنة التي مات فيها ~~أنس بن مالك الصحابي؛ وكان الإمام مالك رحمه الله عظيم الجلالة كبير الوقار ~~غزير العلم متشددا في دينه. قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم. ~~وقال في رواية أخرى: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، وما في الأرض ~~كتاب أكثر صوابا من الموطأ. وقال ابن مهدي: مالك أفقه من الحكم وحماد. وقال ~~ابن وهب عن مالك قال: دخلت على أبي جعفر مرارا وكان لا يدخل عليه أحد من ~~الهاشميين وغيرهم ms0344 إلا قبل يده فلم أقبل يده قط. وعن عيسى بن عمر المدني ~~قال: ما رأيت بياضا قط ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياضا من ثوب ~~مالك. وقال غير واحد: كان مالك رجلا طوالا جسيما عظيم الهامة أبيض الرأس ~~واللحية أشقر أصلع عظيم اللحية عريضها، وكان لا يحفي شاربه ويراه مثله. ~~قلت: ومناقب الإمام مالك كثيرة وفضله أشهر من أن يذكر. وكانت وفاته في ~~صبيحة أربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل في حادي عشر ربيع الأول، وقيل ~~في ثالث عشر؛ وأما السنة فمجمع عليها، أعني في سنة تسع سبعين ومائة، رحمه ~~الله. وفيها توفي الهقل بن زياد الدمشقي نزيل بيروت أب وعبد الله، كان كاتب ~~الأوزاعي وتلميذه وحامل علمه من بعده. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي حماد بن زيد، وخالد بن عبد الله الطحان، وعبد الله ~~بن سالم الأشعري الحمصي، ومالك بن أنس الإمام، وفقيه دمشق هقل بن زياد، ~~والوليد بن طريف الخارجي، وأبو الأحوص سلام بن سليم. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا ~~وعشرة أصابع. ### | AUT ولاية موسى بن عيسى الثالثة # على مصر PageV01P0172 # قلت: هذه ولاية موسى بن عيسى الهاشمي العباسي الثالثة على مصر، ولاه ~~الرشيد على مصر بعد عزل أخيه عبيد الله بن المهدي على الصلاة؛ فلما ولي ~~موسى من بغداد قدم أمامه ابنه يحيى بن موسى إلى مصر واستخلفه على صلاتها، ~~فقدم يحيى بن موسى إلى مصر لثلاث خلون من شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، ~~ودام بمصر على صلاتها إلى أن قدمها والده موسى بن عيسى في آخر ذي القعدة من ~~سنة تسع وسبعين ومائة المذكورة وسكن العسكر على العادة وأخذ في إصلاح أمور ~~مصر وأصلح بين قيس ويمن من الحوف، واستمر على إمرة مصر إلى أن صرفه الرشيد ~~عنها بعبيد الله بن المهدي ثانيا في جمادى الآخرة سنة ثمانين ومائة؛ فكانت ~~ولاية موسى على مصر في هذه ms0345 المرة الثالثة نحوا من عشرة أشهر. وخرج من مصر ~~وتوجه إلى بغداد وصار من أكابر أمراء الرشيد، وجئ بالناس من بغداد في السنة ~~المذكورة. وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة مات بعد عوده من الحج وله خمس ~~وخمسون سنة. وقيل: كانت وفاته في سنة تسع وثمانين ومائة. ولما حج في سنة ~~اثنتين وثمانين ومائة ندبه الرشيد ليقرأ عهد أولاده بالخلافة في مكة ~~والمدينة لأن الرشيد كان بايع في هذه السنة لابنه عبد الله المأمون بولاية ~~العهد بعد أخيه محمد الأمين؛ وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه ~~بالمأمون وسلمه إلى جعفر بن يحيى. وهذا من العجائب لأن الرشيد رأى ما صنع ~~أبوه وجده المنصور بعيسى بن موسى حتى خلع نفسه من ولاية العهد، ثم ماصنع به ~~أخوه الهادي ليخلع نفسه من العهد، فلو لم يعاجله الموت لخلعه؛ ثم هو بعد ~~ذلك يبايع للمأمون بعد الأمين حتى وقع لهما بعد موته ما فيه عبرة لمن ~~اعتبر. قلت: وهذا البلاء والتدميغ إلى يومنا هذا، فإن كل ملك من الملوك إلى ~~زماننا هذا يخلع ابن الملك الذي قبله ثم يعهد هو لابنه من غير أن يقعد له ~~قاعدة يثبت ملكه بها، بل جل قصده العهد، ويدع الدنيا بعد ذلك تنقلب ظهرا ~~لبطن. وكان أميرا جليلا جوادا ممدحا، تقدم التعريف بأحواله في ولايته ~~الأولى والثانية على مصر من هذا الكتاب. ### || AUT السنة التي حكم فيها موسى # بن عيسى العباسي على مصر وهي سنة ثمانين ومائة.فيها كانت الزلزلة ~~العظيمة التي سقط منها رأس منارة الإسكندرية. وفيها تنقل الخليفة الرشيد من ~~بغداد إلى الموصل ثم إلى الرقة فاستوطنها مدة وعمر بها دار الملك واستخلف ~~على بغداد ابنه الأمين محمد بن زبيدة. وفيها حج بالناس موسى بن عيسى ~~العباسي المعزول عن إمرة مصر المقدم ذكره. وفيها هدم الرشيد سور الموصل ~~لئلا يغلب عليها الخوارج. وفيها ولى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ~~خراسان وسجستان فولى عليهما جعفر محمد بن الحسن بن قحطبة ثم بعد مدة ms0346 يسيرة ~~عزل الرشيد جعفرا المذكور وولى عليهما عيسى بن جعفر. وفيها خرج خراشة ~~الشيباني متحكما بالجزيرة فقتله فسلم بن بكار العقيلي. وفيها خرجت المحمرة، ~~بجرجان؛ هيجهم على الخروج زنديق يقال له: عمرو بن محمد العمري، فقتل عمرو ~~المذكور بأمر الرشيد بمدينة مرو. وفيها توفي سيبويه إمام النحاة أبو بشر ~~عمرو بن عثمان البصري، أصله فارسي، وطلب الفقه والحديث ثم مال إلى العربية ~~حتى برع فيها وصار أفضل أهل زمانه، وصنف فيها كتابه الكبير الذي لم يصنف ~~مثله، وفي سنة وفاة سيبويه أقوال كثيرة، وقيل: إن مدة عمره كانت اثنتين ~~وثلاثين سنة، وقيل: بل أزيد من أربعين سنة.وفيها توفي عافية بن يزيد بن قيس ~~الكوفي الأزدي، كان من أصحاب أبي حنيفة الذين يجالسونه ثم ولي القضاء، وكان ~~فقيها دينا صالحا. وفيها توفي المبارك بن سعيد بن مسروق أخو سفيان الثوري، ~~وكنيته أب وعبد الرحمن؛ ولد بالكوفة وسكن بغداد، وكان ثقة دينا كف بصره ~~بأخره. وفيها توفي هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد ~~الملك بن مروان الأموي الهاشمي أمير الأندلس؛ وليها في سنة ثلاث وسبعين ~~ومائة بعد وفاة أبيه، فكانت مدة ملكه بالأندلس سبع سنين وأياما؛ ومات في ~~صغره وله تسع وثلاثون سنة. وقد تقدم التعريف به : أن عبد الرحمن الداخل دخل ~~المغرب جافلا من بني العباس وملكه وسمي بالداخل. PageV01P0173 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إسماعيل بن جعفر ~~المدني، وبشر بن منصور السليمي الواعظ، وحفص بن سليمان المقرىء، ورابعة ~~العدوية. قلت: وقد تقدمت وفاتها في قول غير الذهبي. قال: وصدقة بن خالد ~~الدمشقي بخلف، وعبد الوارث بن سعيد التنوري، وعبيد الله بن عمرو الرقي، ~~والمبارك بن سعيد الثوري، وفضيل بن سليمان بخلف، ومحمد بن الفضل بن عطية ~~البخاري، ومسلم بن خالد الزنجي المكي، ومعاوية بن عبد الكريم الضال، وصاحب ~~الأندلس هشام بن عبد الرحمن الأموي، وأبو المحياة يحيى بن يعلى التيمي؛ ~~ويقال: مات فيها سيبويه شيخ النحو. أمر النيل في هذه السنة: ms0347 الماء القديم ~~ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ### | AUT ولاية عبيد الله بن المهدي الثانية على مصر # تقدم التعريف به في أول ولايته على إمرة مصر. ولما عزل الرشيد موسى بن ~~عيسى العباسي أعاد أخاه عبيد الله هذا على إمرة مصر عوضه ثانيا، فأرسل عبيد ~~الله هذا داود بن حبيش خليفة له على صلاة مصر، فسار داود حتى وصل إلى مصر ~~لسبع خلون من جمادى الآخرة من سنة ثمانين ومائة، فخلفه داود على صلاة مصر ~~إلى أن حضر إليها عبيد الله بن المهدي في يوم رابع شعبان من السنة " فجعل ~~على شرطه معاوية بن صرد، ثم عزله فولى عمار بن مسلم " ، فلم تطل مدته على ~~مصر ووقع له بها أمور حتى صرف عنها لثلاث خلون من شهر رمضان من سنة إحدى ~~وثمانين ومائة؛ فكانت ولاية عبيد الله بن المهدي في هذه المرة الثانية على ~~إمرة مصر سنة واحدة وشهرين تقريبا. وقيل: غير ذلك. وتوفي سنة أربع وتسعين ~~ومائة ؛ ولما عزل عن مصر توجه إلى الرشيد ودام عنده إلى أن خرج معه في سنة ~~اثنتين وتسعين ومائة في مسيره إلى خراسان، فسار الرشيد من الرقة إلى بغداد ~~يريد خراسان لحرب رافع بن الليث، وكان الرشيد مريضا واستخلف على الرقة ابنه ~~القاسم وضم إليه خزيمة بن خازم، وسار من بغداد إلى النهروان واستخلف على ~~بغداد ابنه الأمين وأمر ابنه المأمون بالمقام ببغداد، فقال الفضل بن سهل ~~للمأمون حين أراد الرشيد المسير: لست تدري ما يحدث بالرشيد، وخراسان ولايتك ~~والأمين مقدم عليك، وإن أحسن مايصنع بك أن يخلعك وهو ابن زبيدة وأخواله بنو ~~هاشم، وزبيدة وأموالها، فاطلب من أبيك الرشيد أن تسير معه، فطلب، فأجابه ~~الرشيد بعد امتناع. فلما سار الرشيد سايره الصباح الطبري، فقال له الرشيد: ~~يا صباح، لا أظنك تراني أبدا، فدعا له الصباح بالبقاء فقال: يا صباح، ما ~~أظنك تدري ما أجد؛ قال الصباح: لا والله ؛ فعدل الرشيد عن الطريق واستظل ~~بشجرة وأمر خواصه ms0348 بالبعد عنه، ثم كشف عن بطنه فإذا عليه عصابة حرير، فقال: ~~هذه علة أكتمها عن الناس ولكل واحد من ولدي علي رقيب، فمسرور رقيب المأمون، ~~وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين، وما منهم أحد إلا وهو يحصي أنفاسي ويستطيل ~~دهري، وإن أردت أن تعلم ذلك فالساعة أدعو بدابة فيأتونني بدابة أعجف قطوف ~~لتزيدني علة؛ ثم طلب الرشيد دابة فجاؤوا بها على ما وصف. وكان أخوه عبيد ~~الله هذا أشار عليه بعدم السفر، فلم يسمع منه وأخذه معه. ### || AUT السنة التي حكم فيها عبيد الله # بن المهدي في ولايته الثانية على مصر وهي سنة إحدى وثمانين ومائة. فيها ~~غزا الرشيد بلاد الروم وافتتح حصن الصفصاف عنوة، وسار عبد الملك بن صالح ~~العباسي حتى بلغ أرض الروم وافتتح حصنا بها. وفيها حج بالناس الرشيد. وفيها ~~استعفى يحيى بن خالد بن برمك من التحدث في أمور الممالك فأعفاه الرشيد وأخذ ~~الخاتم منه وأذن له في المجاورة بمكة. وفيها كتب الرشيد إلى هرثمة بن أعين ~~يعفيه عن إمرة المغرب وأذن له في المجاورة والقدوم عليه، واستعمل عوضه على ~~المغرب محمد بن مقاتل العكي رضيع الرشيد، وكان أبوه مقاتل أحد من قام ~~بالدعوة العباسية. وفيها أمر الرشيد أن يصدر في مكاتباته بعد البسملة ~~بالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم PageV01P0174 # وفيها توفي عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم التركي، ثم ~~المروزي الحافظ فريد الزمان وشيخ الإسلام وأمه خوارزمية. مولده سنة ثمان ~~عشرة ومائة. وقيل: سنة عشر ومائة، ورحل سنة إحدى وأربعين ومائة فلقي ~~التابعين وأكثر الترحال في طلب العلم، وروى عن جماعة كثيرة، وروى عنه خلائق ~~وتفقه بأبي حنيفة. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وعن ~~إسماعيل ابن عياش قال: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك. وقال العباس بن ~~مصعب المروزي: جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس ~~والشجاعة والسخاء. وقال شعيب بن حرب: سمعت سفيان الثوري يقول: لو جهدت جهدي ~~أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما ms0349 عليه ابن المبارك لم أقدر. وقال ~~الذهبي: قال عبد الله بن محمد قاضي نصيبين: حدثني محمد بن إبراهيم بن أبي ~~سكينة: أملى علي ابن المبارك بطرسوس - وودعته وأنفذها معي يعني الورقة إلى ~~الفضيل بن عياض في سنة سبع وسبعين ومائة - هذه الأبيات: " الكامل " يا عابد ~~الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب جيده بدموعه ~~... فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم ~~الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... وهج السنابك والغبار الأطيب ~~ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صاعق لا يكذب لا يستوي غبار خيل ~~الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس ~~الشهيد بميت لا يكذب قال: فلقيت الفضيل بكتابه في الحرم، فلما قرأه ذرفت ~~عيناه، ثم قال: صدق أب وعبد الرحمن ونصح. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي إبراهيم بن عطية الثقفي، وإسماعيل بن عياش الحمصي، ~~وأبوالمليح الحسن بن عمر الرفتي، وحفص بن ميسرة الصنعاني، والحسن بن قحطبة ~~الأمير، وحمزة بن مالك، وسهل بن أسلم العدوي، وخلف بن خليفة الواسطي بها، ~~وعباد بن عباد المهلبي، وعبد الله بن المبارك المروزي، وروح بن المسيب ~~الكلبي، وسهيل بن صبرة العجلي، وعبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، وعفان بن ~~سيار قاضي جرجان، وعلي بن هاشم بن البريد الكوفي، وعيسى ابن الخليفة ~~المنصور، وقران بن تمام الأسدي " بضم القاف وتشديد الراء تخمينا " ، ومحمد ~~بن حجاج الواسطي، ومحمد بن سليمان الأصبهاني الكوفي، ومصعب بن ماهان ~~المروزي، ومفضل بن فضالة قاضي مصر، ويعقوب بن عبد الرحمن القاري، وأم عروة ~~بنت جعفر بن الزبير بن العوام. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة ~~أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع ونصف. ### | AUT ولاية إسماعيل بن صالح # على مصر هو إسماعيل بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ~~بن هاشم، الهاشمي العباسي أمير مصر؛ ولاه الرشيد إمرة مصر ms0350 على الصلاة في ~~يوم الخميس لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائة بعد عزل عبيد ~~الله بن المهدي عنها، فاستخلف إسماعيل على صلاة مصر عوف بن وهب الخزاعي ~~فصفى المذكور بالناس إلى أن حضر إسماعيل بن صالح إلى مصر لخمس بقين من شهر ~~رمضان المذكور؛ ولما قدم إلى مصر سكن العسكر وجعل على الشرطة سليمان بن ~~الصمة المهلبي مدة ثم صرفه بزيد بن عبد العزيز الغساني وأخذ في إصلاح أمر ~~الديار المصرية؛ وكان شجاعا فصيحا عاقلا أديبا. قال ابن عفير: ما رأيت على ~~هذه الأعواد أخطب من إسماعيل بن صالح. واستمر إسماعيل بن صالح على إمرة مصر ~~إلى أن صرف عنها لأمر اقتضى ذلك بإسماعيل بن عيسى في جمادى الآخرة سنة ثلاث ~~وثمانين ومائة. وقال صاحب " البغية " : إنه عزل بالليث بن الفضل وأن الليث ~~عزل باسماعيل المذكور وسماه إسماعيل بن علي. والأقوى أن إسماعيل هذا عزل ~~باسماعيل الذي سميته، وعلى هذا الترتيب ساق غالب من ذكر أمراء مصر. وكانت ~~مدته على إمرة مصر ثمانية أشهر وعدة أيام تقارب شهرا. ### || AUT السنة التي حكم فيها إسماعيل # بن صالح على مصر وهي سنة اثنتين وثمانين ومائة. فيها حج بالناس موسى بن ~~عيسى بن موسى العباسي. PageV01P0175 # وفيها أخذ الرشيد البيعة بولاية العهد ثانيا من بعد ولده الأمين محمد ~~لولده الآخر عبد الله المأمون، وكان ذلك بالرقة، فسيره الرشيد إلى بغداد ~~وفي خدمته عم الرشيد جعفر بن أبي جعفر المنصور وعبد الملك بن صالح وعلي بن ~~عيسى، وولى المأمون ممالك خراسان بأسرها وهو يومئذ مراهق. وفيها ثبت الروم ~~على ملكهم قسطنطين فسملوه وعقلوه وملكوا عليها غيره. وفيها توفي عبد الله ~~بن عبد العزيز بن عبد الله ابن عبد الله، بن عمر بن الخطاب، أب وعبد الله ~~العمري العدوي؛ كان إماما عالما عابدا ناسكا ورعا. وفيها توفي مروان بن ~~سليمان بن يحيى بن أبي حفصة أبوالسمط - وقيل: أبو الهندام - الشاعر ~~المشهور. كان أبوحفصة جد أبيه مولى مروان بن الحكم أعتقه يوم الدار لأنه ms0351 ~~أبلى بلاء حسنا في ذلك اليوم، يقال: إنه كان يهوديا فأسلم على يد مروان، ~~وقيل غير ذلك. ومولد مروان هذا صاحب الترجمة سنة خمس ومائة؛ وكان شاعرا ~~مجيدا، مدح غالب خلفاء بني أمية وغيرهم، وما نال أحد من الشعراء ما ناله ~~مروان لا سيما لما مدح معن بن زائدة الشيباني بقصيدته اللامية؛ يقال: إنه ~~أخذ منه عليها مالا كثيرا لا يقدر قدره؛ وهي القصيدة التي فضل بها على ~~شعراء زمانه. قال ابن خلكان: والقصيدة طويلة تناهز الستين بيتا، ولولا خوف ~~الإطالة لذكرتها لكن نأتي ببعض مديحها وهو من أثنائها: " الطويل " بنو مطر ~~يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في بطن خفان أشبل هم يمنعون الجار حتى كأنما ~~... لجارهم بين السماكين منزل بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم ~~في الجاهلية أول هم القوم إن قالوا أصابوا وان دعوا ... أجابوا وان أعطوا ~~أطابوا وأجزلوا وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات ~~وأجملوا وفيها توفي هشيم بن بشير بن أبي خازم أبو معاوية الواسطي مولى بني ~~سليم، وكان بخاري الأصل؛ كان ثقة كثير الحديث ثبتا، وكان يدلس في الحديث، ~~وكان دينا أقام يصلي الفجر بوضوء صلاة العشاء الآخرة سنين كثيرة ؛ وتوفي ~~ببغداد في يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر رمضان أو شعبان. وفيها توفي شيخ ~~الإسلام قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب " بن خنيس " بن سعد ~~بن حبتة بن معاوية. وسعد بن حبتة من الصحابة أتى يوم الخندق إلى النبي صلى ~~الله عليه و سلم فدعا له ومسح على رأسا. ومولد آيي يوسف بالكوفة سنة ثلاث ~~عشرة ومائة، وطلب العلم سنة نيف وثلاثين ؛ وسمع من هشام بن عروة وعطاء بن ~~السائب والأعمش وغيرهم. وروى عنه ابن سماعة ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل ~~وخلق سواهم. وكان في ابتداء أمره يطلب الحديث، ثم لزم أبا حنيفة وتفقه به ~~حتى صار المقدم في تلامذته.، وبرع في عدة علوم. قال الذهبي: وكان عالما ~~بالفقه والأحاديث والتفسير والسير وأيام العرب، وهو أول من ms0352 دعي في الإسلام ~~بقاضي القضاة. قلت: ولم يقع هذا الاسم على غيره كما وقع له فيه، فإنه كان ~~قاضي المشرق والمغرب، فهو قاضي القضاة على الحقيقة. قال محمد بن الحسن: مرض ~~أبو يوسف فعاده أبو حنيفة، ففما خرج قال: إن يفت هذا الفتى فهو أعلم من ~~عليها " وأومأ إلى الأرض " . وقال ابن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت ~~في الحديث، ولا أحفظ ولا أصح رواية من أبي يوسف. وروى أحمد بن عطية عن محمد ~~بن سماعة قال: كان أبو يوسف بعدما ولي القضاء يصلي كل يوم مائتي ركعة. وقال ~~محمد بن سماعة المذكور: سمعت أبا يوسف يقول في اليوم الذي مات فيه: اللهم ~~إنك تعلم أني لم أجر في حكم حكمت به متعمدا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق ~~كتابك وسنة نبيك. وكان أبو يوسف عظيم الرتبة عند هارون الرشيد. قال أبو ~~يوسف: دخلت على الرشيد وفي يده درتان يقلبهما فقال: هل رأيت أحسن منهما. ~~قلت: نعم يا أمير المؤمنين ؛ قال: وما هو. قلت: الوعاء الذي هما فيه، فرمى ~~إلي بهما وقال: شأنك بهما. وكانت وفاته في يوم الخميس لخمس خلون من شهر ~~ربيع الأول، وقيل: في ربيع الآخر. وفي يوم موته قال عباد بن العوام: ينبغي ~~لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا بأبي يوسف. PageV01P0176 # وفيها توفي يزيد بن زريع أبو معاوية العيشي البصري، كان ثقة كثير الحديث ~~عالما فاضلا صدوقا، وكان أبوه والي البصرة، فمات فلم يأخذ من ميراثه شيئا؛ ~~وكان يتقوت من سف الخوص بيده رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ذراعان وتسعة عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا سواء. ### | AUT ولاية إسماعيل بن عيسى # على مصر هو إسماعيل بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن علي ~~بن العباس، العباسي الهاشمي، أمير مصر. ولاه الرشيد على إمرة مصر بعد عزل ~~إسماعيل بن صالح العباسي عنها على الصلاة، فقدم مصر لأربع عشرة بقيت من ~~جماد الآخرة سنة ثلاث ms0353 وثمانين ومائة. ولما دخل مصر سكن العسكر على عادة ~~أمراء مصر، ودام على إمرتها إلى أن صرفه الرشيد عنها بالليث بن الفضل في ~~شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة، فكانت ولايته على مصر ثلاثة أشهر تنقص ~~أياما. وتوجه إلى الرشيد فأكرمه ودام عنده إلى أن حج معه في سنة ست وثمانين ~~ومائة تلك الحجة التي لم يحجها خليفة قبله. وخبرها أن الرشيد سار إلى مكة ~~بأولاده وأكابر أقاربه مثل إسماعيل هذا وغيره، وكان مسير الرشيد من الأنبار ~~فبدأ بالمدينة فأعطي فيها ثلاثة أعطية: أعطى هو عطاء، وابنه محمد الأمين ~~عطاء، وابنه عبد الله عطاء؛ وسار إلى مكة فأعطى أهلها فبلغ عطاؤهم بمكة ~~والمدينة ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار. وكان الرشيد قد ولى الأمين ~~العراق والشأم إلى آخر المغرب، وولى المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم ~~بايع الرشيد لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون ولقبه المؤتمن، وولاه ~~الجزيرة والثغور والعواصم، وكان المؤتمن في حجر عبد الملك بن صالح، وجعل ~~خلعه وإثباته للمأمون؛ ولما وصل الرشيد إلى مكة ومعه أولاده وأقاربه ~~والقضاة والفقهاء والقواد، كتب كتابا أشهد فيه على محمد الأمين من حضر ~~بالوفاء للمأمون، وكتب كتابا أشهد عليه فيه بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين ~~في الكعبة وجدد عليهما العهود في الكعبة. ولما فعل الرشيد ذلك قال الناس: ~~قد ألقى بينهم حربا؛ وخافوا عاقبة ذلك، فكان ما خافوه. ثم إن الرشيد في سنة ~~تسع وثمانين ومائة قدم بغداد وأشهد على نفسه من عنده من القضاة والفقهاء أن ~~جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح وغير ذلك للمأمون وجدد له ~~البيعة عليهم بعد الأمين. ثم بعد عود الرشيد وجه إسماعيل هذا إلى الغزو، ~~فعاد ودام عنده إلى أن وقع ما سنذكره. ### || AUT السنة التي حكم فيها إسماعيل # بن عيسى على مصر وهي سنة ثلاث وثمانين ومائة. فيها حج بالناس العباس بن ~~موسى الهادي الخليفة. وفيها تمرد متولي الغرب محمد بن مقاتل العكي وظلم ~~وعسف واقتطع من أرزاق الأجناد وآذى العامة، فخرج ms0354 عليه تمام بن تميم التميمي ~~نائبه على تونس، فزحف إليه وبرز لملتقاه العكي ووقع المصاف، فانهزم العكي ~~وتحضن بالقيروان في القصر وغلب تمام على البلد، ثم نزل العكي بأمان وانسحب ~~إلى طرابلس ؛ فنهض لنصرته إبراهيم بن الأغلب، فتقهقر تمام إلى تونس ودخل ~~ابن الأغلب القيروان فصلى بالناس وخطب وحض على الطاعة؛ ثم التقى ابن الأغلب ~~وتمام فانهزم تمام، واشتد بغض الناس للعكي وكاتبوا الرشيد فيه فعزله واقر ~~عليهم إبراهيم بن الأغلب. وفيها توفي البهلول المجنون ؛ واسم أبيه عمرو، ~~وكنيته أبو وهيب، الصيرفي الكوفي؛ تشوش عقله فكان يصحو في وقت ويختلط في ~~آخر وهو معدود من عقلاء المجانين، كان له كلام حسن وحكايات ظريفة. قال ~~الذهبي: وقد حدث عن عمرو بن دينار وعاصم بن بهدلة وأيمن بن نابل، وما ~~تعرضوا إليه بجرح ولا تعديل ولا كتب عنه الطلبة، وكان حيا في عودة الرشيد ~~كلها. وقيل: إن الرشيد مر به، فقام إليه البهلول وناداه ووعظه، فأمر له ~~الرشيد بمال ؛ فقال: ما كنت لأسود وجه الوعظ، فلم يقبل. وأما حكاياته ~~فكثيرة، وفي وفاته اختلاف كثير، والصحيح أنه مات في هذا العصر. وفيها توفي ~~زياد بن عبد الله بن الطفيل، الحافظ أبو محمد البكائي العامري الكوفي صاحب ~~رواية السيرة النبوية عن ابن إسحاق، وهو أتقن من روى عنه السيرة. وفيها ~~توفي علي بن الفضيل بن عياض؛ مات شابا لم يبلغ عشرين سنة في حياة والده ~~فضيل؛ وكان شابا عابدا زاهدا ورعا، وكان يصلي حتى يزحف إلى فراشه زحفا، ~~فيلتفت إلى أبيه فيقول: يا أبت سبقنا العابدون. PageV01P0177 # وفيها توفي محمد بن صبيح أبو العباس المذكر الواعظ؛ كان يعرف بابن ~~السماك؛ كان له مقام عظيم عند الخلفاء، وعظ الرشيد مرة فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن لك بين يدي الله تعالى مقاما وإن لك من مقامك منصرفا، فانظر ~~إلى أين منصرفك، إلى الجنة أو إلى النار! فبكى الرشيد حتى قال بعض خواصه: ~~ارفق بأمير المؤمنين؛ فقال: دعه فليمت حتى يقال ؛ خليفة الله مات من مخافة ~~الله تعالى! ms0355 قال الذهبي: قال ثعلب: أخبرنا ابن الأعرابي قال: كان ابن ~~السماك يتمثل بهذه الأبيات: " المنسرح " إذا خلا في القبور ذو خطر ... فزره ~~يوما وانظر إلى خطره أبرزه الدهر من مساكنه ... ومن مقاصيره ومن حجره ومن ~~كلام ابن السماك أيضا قال: " الدنيا كلها قليل، والذي بقي منها في جنب ~~الماضي قليل، والذي لك من الباقي قليل، ولم يبق من قليلك إلا القليل " . ~~وفيها توفي الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين ~~العابدين بن السيد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين - كان ~~موسى المذكور يدعى بالعبد الصالح لعبادته، وبالكاظم لعلمه. ولد بالمدينة ~~سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائة، وكان سيدا عالما فاضلا سنيا جوادا ممدحا ~~مجاب الدعوة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~إبراهيم بن سعد، وإبراهيم بن الزبرقان الكوفي، وأبو إسماعيل المؤدب إبراهيم ~~بن سليمان، وإبراهيم ابن سلمة المصري، وأنيس بن سوار الجرمي، وبكار بن بلال ~~الدمشقي، وبهلول ابن راشد الفقيه، وجابر بن نوح الحمامي، وحاتم بن وردان - ~~في قول - وحيوة بن معن التجيبي، وخالد بن يزيد الهدادي، وحبيش بن عامر - ~~يروى عن أبي قبيل المعافري - وداود بن مهران الربعي الحراني، وزياد بن عبد ~~الله البكائي، وسفيان بن حبيب البصري، وسليمان بن سليم الرفاعي العابد، ~~وعباد بن العوام - في قول - وعبد الله بن مراد المراعي، وعفيف بن سالم ~~الموصلي، وعمرو بن يحيى الهمذاني، ومحمد بن السماك الواعظ، ومحمد بن أبي ~~عبيدة بن معن، وموسى الكاظم بن جعفر، وموسى بن عيسى الكوفي القارىء، ~~والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني، ونوح بن قيس البصري، وهشيم بن بشير، ~~ويحيى بن حمزة قاضي دمشق، ويحيى بن زكرياء بن أبي زائدة في قول، ويوسف بن ~~يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة بن الماجشون - قاله الوافدي - ويونس بن حبيب ~~صاحب العربية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وثمانية عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية الليث بن ms0356 الفضل على مصر # هو الليث بن الفضل الأبيوردي أمير مصر، أصله من أبيورد ؛ ولاه الرشيد ~~على إمرة مصر على الصلاة والخراج معا في شهر رمضان في سنة ثلاث وثمانين ~~ومائة بعد عزل إسماعيل بن عيسى؛ وقدم إلى مصر لخمس خلون من شوال من السنة ~~المذكورة، وسكن العسكر، وجعل أخاه علي بن الفضل على الشرطة، ومهد أمور مصر ~~واستوفى الخراج، ودام على ذلك إلى أن خرج من مصر وتوجه إلى الخليفة هارون ~~الرشيد في سابع شهر رمضان سنة أربع وثمانين ومائة بالهدايا والتحف، واستخلف ~~أخاه علي بن الفضل على صلاة مصر، فوفد على الرشيد وأقام عنده مدة ثم عاد ~~إلى مصر على عمله في آخر السنة، واستمر على إمرة مصر إلى أن خرج منها ثانيا ~~إلى الرشيد في اليوم الحادي والعشرين من رمضان سنة خمس وثمانين ومائة. ~~PageV01P0178 # واستخلف على صلاة مصر هشام بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج، ~~فتوجه إلى الرشيد لأمر اقتضى ذلك، ثم عاد إلى مصر في رابع عشر المحرم سنة ~~ست وثمانين ومائة، وكان هذا دأبه كلما غلق خراج سنة ونجز حسابها وفرق أرزاق ~~الجند، أخذ ما بقي وتوجه به إلى الرشيد ومعه حساب السنة. ودام على ذلك إلى ~~أن خرج عليه أهل الحوف بشرقي مصر وساروا إلى الفسطاط، فخرج إليهم الليث هذا ~~في أربعة آلاف من جند مصر، وكان ذلك في الثامن والعشرين من شعبان من سنة ست ~~وثمانين ومائة المذكورة ؛ واستخلف على مصر عبد الرحمن بن موسى بن علي بن ~~رباح على الصلاة والخراج، فواقع أهل الحوف فانهزم - عنه الجند وبقي هو في ~~نحو المائتين من أصحابه، فحمل بهم على أهل الحوف حملة هزمهم فيها، فتولوا ~~وتبع أقفيتهم فقتل منهم خلقا كثيرا، وبعث إلى مصر بثمانين رأسا. ثم قدم إلى ~~مصر فلم ينتج أمره بعد ذلك من خوف أهل الحوف منه، فخافوه ومنعوا الخراج فلم ~~يجد الليث بدا من خروجه إلى الرشيد، فتوجه إليه وعرفه الحال وشكا له من منع ~~الخراج وسأله ms0357 أن يبعث معه جيشا إلى مصر فإنه لا يقدر على استخراج الخراج من ~~أهل الحوف إلا بجيش؛ فلم يسمح له الرشيد بذلك؛ وأرسل محفوظا إلى مصر، فقدم ~~إليها محفوظ المذكور وضم خراجها من غير سوط ولا عصا، فولاه الرشيد عوضه على ~~خراج مصر، ثم عزل الليث عن إمرة مصر بأحمد بن إسماعيل في جمادى الآخرة سنة ~~سبع وثمانين ومائة، فكانت ولاية الليث على مصر أربع سنين وسبعة أشهر، وتوجه ~~إلى الرشيد، وكان ممن حضر الإيقاع بالبرامكة في سنة سبع وثمانين ومائة ~~المذكورة. ولنذكر أمر البرامكة هنا وإن كان ذلك غير ما نحن بصدده غير أنه ~~في الجملة خبر يشتاقه الشخص فنقول على سبيل الاختصار من عدة أقاويل: كان من ~~جملة أسباب القبض على جعفر أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة ~~بنت المهدي، فقال لجعفر: أزوجها لك ليحل لك النظر إليها ولا تقربها؛ فقال: ~~نعم، فزوجها منه، وكانا يحضران معه ويقوم الرشيد عنهما، فجامعها جعفر فحملت ~~منه وولدت غلاما، فخافت الرشيد فسيرت الولد مع حواضن إلى مكة. ثم وقع بين ~~العباسة وبعض جواريها " شر " ، فأنهت الجارية أمرها إلى الرشيد، وقيل: الذي ~~أنهته زبيدة لبغضها لجعفر. وقيل في قتله سبب آخر، وهو أن الرشيد دفع إليه ~~عدوه يحيى بن عبد الله العلوي فحبسه جعفر ثم دعا به وسأله عن أمره فقال له: ~~اتق الله في أمري، فرق له جعفر وأطلقه ووجه معه من أوصله إلى بلده؛ فنم على ~~جعفر الفضل بن الربيع إلى الرشيد وأعلمه القصة من عين كانت للفضل على جعفر، ~~فطلب الرشيد جعفرا على الطعام وصار يلقمه ويحدثه عن يحيى بن عبد الله، ~~وجعفر يقول: هو بحاله في الحبس؛ فقال: بحياتي، ففطن جعفر وقال: لا وحياتك، ~~وقص عليه أمره، فقال الرشيد: نعم ما فعلت! ما عدوت ما في نفسي! فلما قام ~~عنه قال: قتلني الله إن لم أقتلك. وقيل غير ذلك، وهو أن جعفرا ابتنى دارا ~~غرم عليها عشرين ألف ألف درهم؛ فقيل للرشيد: هذه غرامته ms0358 على دار فما ظنك ~~بنفقاته! وقيل: إن يحيى بن خالد لما حج تعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم إن ~~كان رضاك أن تسلبني نعمك فاسلبني، اللهم إن كان رضاك أن تسلبني مالي وأهلي ~~وولدي فاسلبني إلا الفضل، ثم عاد واستثنى الفضل ثم دعا يحيى بن خالد بدعوات ~~أخر؛ وكان الفضل عنده مقدما على جعفر فإنه كان الأسن، فلما انصرف من الحج ~~هو و أولاده ووصلوا إلى الأنبار نكبهم الرشيد، ولما أرسل للقبض على جعفر ~~توجه إليه مسرور ومعه جماعة وجعفر في لهوه ومغنيه يغنيه قوله: " الوافر " ~~فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي وكل ذخيرة لابد يوما ~~... وإن كرمت تصير إلى نفاد ولو يفدى من الحدثان شيء ... فديتك بالطريف ~~وبالتلاد قال مسرور: فقلت له: يا جعفر، الذي جئت له هو والله ذاك قد طرقك، ~~فأجب أمير المؤمنين؛ فوقع على رجلي يقبلها وقال: حتى أدخل وأوصي! فقلت: أما ~~الدخول فلا سبيل إليه، وأما الوصية فاصنع ما شئت، فأوصى وأتيت الرشيد به ~~فقال: ائتني برأسه، فأتيته به. ### || AUT السنة الأولى من ولاية الليث # بن الفضل على مصر وهي سنة أربع وثمانين ومائة. PageV01P0179 # فيها ولى الرشيد حمادا البربري إمرة مكة واليمن كله، وولى داود بن يزيد ~~بن حاتم المهلبي السند، وولى ابن الأغلب المغرب، وولى مهرويه الرازي ~~طبرستان. وفيها طلب أبو الخصيب الخارج بخراسان الأمان فأمنه علي بن عيسى بن ~~ماهان وأكرمه. وفيها سار أحمد بن هارون الشيباني فأغار على ممالك الروم ~~فغنم وسلم. وفيها توفي أحمد ابن الخليفة هارون الرشيد الشاب الصالح؛ كان قد ~~ترك الدنيا وخرج على وجهه وتزهد وصار يعمل بالأجرة ولا يعلم به أحد؛ وكان ~~أكبر أولاد الرشيد، وأمه أم ولد؛ ولم يزل أحمد هذا منقطعا إلى الله تعالى ~~حتى مات ولم يعلم به أحد؛ وكان أحمد هذا يعرف بالسبتي ؛ وأحمد هذا خفي عن ~~كثير من الناس، ومن الناس من يظنه البهلول الصالح ويقول: البهلول كان ابن ~~الرشيد، وليس هو كذلك، وقد تقدم ذكر البهلول. وأحمد هذا ms0359 هو ابن الرشيد؛ وله ~~أيضا حكايات كثيرة في الزهد والصلاح. على أن بعض أهل التاريخ ينكرون ذلك ~~بالكلية، والله أعلم بحقيقة ذلك. وفيها توفي محمد بن يوسف بن معدان أب وعبد ~~الله الأصبهاني كان عبد الله بن المبارك يسميه عروس الزهاد وكان له كرامات ~~وأحوال. وفيها توفي المعافى بن عمران أبو مسعود الموصلي الأزدي، رحل البلاد ~~في طلب الحديث وجالس العلماء وجمع بين العلم والورع والسخاء والزهد ولزم ~~سفيان الثوري وتفقه به وتأدب بآدابه، فكان يقول له: أنت معافى كاسمك. الذين ~~ذكرهم الذهبي في الوفيات في هذه السنة، قال: وفيها توفي إبراهيم بن سعد ~~الزهري في قول.، وإبراهيم بن أبي يحيى المدني، وحميد بن الأسود، وصدقة بن ~~خالد في قول، وعبد الله بن عبد العزيز الزاهد العمري، وعبد الله بن مصعب ~~الزبيري، وعبد الرحيم بن سليمان الرازي، وعثمان بن عبد الرحمن الجمحي في ~~قول، وعبد السلام بن شعيب بن الحبحاب، وعبد العزيز بن أبي حازم في قول، ~~وعلي بن غراب القاضي، ومحمد بن يوسف الأصبهاني الزاهد، ومروان بن شجاع ~~الجزري، ويوسف بن الماجشون قاله البخاري، وأبو أمية بن يعلى " الثقفي " ~~قاله خليفة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا. ~~مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية الليث # بن الفضل على مصر وهي سنة خمس وثمانين ومائة. فيها وثب أهل طبرستان على ~~متوليهم مهرويه " الرازي " فقتلوه فولى عوضه الرشيد عبد الله بن سعيد ~~الحرشي. وفيها وقعت بالمسجد الحرام صاعقة فقتلت رجلين. وفيها خرج الرشيد ~~إلى الرقة على طريق الموصل والجزيرة. وفيها حج بالناس أخو الخليفة منصور بن ~~المهدي وكان يحيى بن خالد البرمكي استأذن الرشيد في العمرة، فخرج يحيى بن ~~خالد في شعبان وأقام بمكة واعتمر في شهر رمضان وخرج إلى جدة فأقام بها على ~~نية الرباط إلى زمن الحج، فحج وعاد إلى العراق. وفيها توفي عم جد الرشيد ~~عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس الأمير أبو محمد الهاشمي العباسي؛ ms0360 ~~ولد سنة خمس أو ست ومائة، وأمه أم ولد، ويقال: إن أمه كثيرة التي شبب بها ~~عبد الله بن قيس الرقيات. ولي عبد الصمد هذا إمرة دمشق والموسم غير مرة، ~~وولي إمرة المدينة والبصرة. واجتمع مرة بالرشيد وعنده جماعة من أقاربه، ~~فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مجلس فيه أمير المؤمنين وعمه وعم عمه وعم عم ~~عمه ؛ وكان في المجلس سليمان بن أبي جعفر المنصور وهو عم الرشيد، والعباس ~~بن محمد وهو عم سليمان المذكور، وعبد الصمد هذا وهو عم العباس. ومات وليس ~~بوجه الأرض عباسية إلا وهو محرم لها، رحمه الله. وفيها توفي محمد ابن ~~الإمام إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الأمير أب وعبد الله ~~الهاشمي العباسي. ولي إمرة دمشق لأبي جعفر المنصور ولولده المهدي؛ وحج ~~بالناس عدة سنين، وكان عاقلا جوادا ممدحا. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي أبو إسحاق الفزاري - في قول - إبراهيم بن محمد، ~~وخالد بن يزيد بن " عبد الرحمن بن " أبي مالك الدمشقي، وصالح بن عمر ~~الواسطي، وعبد الله بن صالح بن علي بسلمية، وعبد الواحد بن مسلم، وقاضي مصر ~~محمد بن مسروق الكندي، والمسيب بن شريك، والمطلب بن زياد، ويزيد بن مزيد ~~الشيباني، ويقطين بن موسى الأمير. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ~~PageV01P0180 ### || AUT السنة الثالثة من ولاية الليث # بن الفضل على مصر وهي سنة ست وثمانين ومائة. فيها حج الرشيد ومعه ابناه: ~~الأمين محمد والمأمون عبد الله وفرق بالحرمين الأموال. وفيها بايع الرشيد ~~بولاية العهد لولده قاسم بعد الأخوين الأمين والمأمون، ولقبه المؤتمن وولاه ~~الجزيرة والثغور وهو صبي، فلما قسم الرشيد الدنيا بين أولاده الثلاثة قال ~~الشعراء في البيعة المدائح ؛ ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق، وفي ~~ذلك يقول إبراهيم الموصلي: " مجزوء الكامل " خير الأمور مغبة ... وأحق أمر ~~بالتمام أمر قضى إحكامه ال ... رحمن في البيت الحرام وفيها أيضا سار علي ms0361 بن ~~عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب، فالتقاه فقتل أبو الخصيب وغرقت ~~جيوشه وسبيت حرمه واستقام أمر خراسان. وفيها سجن الرشيد ثمامة بن الأشرس ~~المتكلم لأنه وقف منه على شيء من إعانة أحمد بن عيسى " بن زيد " . وفيها ~~توفي حماد - ويقال: سلم - بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر المعروف بسلم ~~الخاسر الشاعر المشهور من أهل البصرة؛ سمي الخاسر لأ نه ورث من أبيه مصحفا ~~فباعه واشترى بثمنه طنبورا، وقيل: اشترى شعر امرىء القيس، وقيل شعر الأعشى. ~~وكان سلم من الشعراء المجيدين ؛ وهو من تلامذة بشار بن برد المقدم ذكره. ~~وفيها توفي العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو الفضل ~~الهاشمي العباسي أخو السفاح والمنصور لأبيهما، وأمه أم ولد. ولد في سنة ~~ثمان عشرة ومائة وقيل سنة إحدى وعشرين ومائة، وولي دمشق والشأم كله ~~والجزيرة، وحج بالناس غير مرة. وكان الرشيد يجله ويحبه. وفيها توفي يزيد بن ~~هارون أبو خالد مولى بني سليم ؛ ولد سنة ثمان عشرة ومائة، وكان من الزهاد ~~العباد؛ كان إذا صلى العتمة لا يزال قائما حتى يصلي الفجر بذلك الوضوء نيفا ~~وأربعين سنة. وفيها توفي الأمير يقطين بن موسى أحد دعاة بني العباس، ومن ~~قرر أمرهم في الممالك والأقطار، وكان داهية عالما حازما شجاعا عارفا ~~بالحروب والوقائع. ذكر الذين أثبت الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي حاتم بن إسماعيل - أو سنة سبع - والحارث بن عبيدة الحمصي، وحسان بن ~~إبراهيم الكرماني، وخالد بن الحارث، وصالح بن قدامة الجمحي، وطيفور الأمير ~~مولى المنصور، والعباد بن العوام في قول، والعباس بن الفضل المقرىء، وعبد ~~الرحمن بن عبد الله بن عمر المدني، وعيسى البخاري غنجار، والمسيب بن شريك ~~بخلف، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية الليث # بن الفضل على مصر وهي سنة سبع وثمانين ومائة. فيها أوقع الرشيد ~~بالبرامكة ms0362 وقتل جعفرا ثم صلبه مدة وقطعت أعضاؤه وعلقت بأماكن؛ ثم بعد مدة ~~أنزلت وأحرقت وذلك في صفر، وحبس الرشيد يحيى ابن خالد بن برمك، أعني والد ~~جعفر المذكور، وجميع أولده وأحيط بجميع أموالهم. وطال حبس يحيى بن خالد ~~المذكور وابنه الفضل إلى أن ماتا في الحبس. وفي سبب قتل جعفر البرمكي ~~اختلاف كبير ليس لذكره هنا محل. وفيها غزا الرشيد بلاد الروم وفتح هرقلة ~~وولى ابنه القاسم الصائفة وأعطاه العواصم، فنازل حصن سنان، فبعث إليه قيصر ~~وسأله أن يرحل عنه ويعطيه ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين، ففعل. وفيها ~~قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك. وسبب قتله أنه كان يبكي على قتل جعفر ~~وما وقع للبرامكة، فكان إذا أخذ منه الشراب يقول لغلامه: هات سيفي، فيسله ~~ويصيح: واجعفراه! ثم يقول: والله لآخذن ثأرك ولأقتلن قاتلك!. فنم عليه ابنه ~~عثمان للفضل بن الربيع فأخبر الفضل الرشيد، فكان ذلك سبب قتله. ~~PageV01P0181 # وفيها توفي الفضيل بن عياض الإمام الجليل أبو علي التميمي اليربوعي. ولد ~~بخراسان بكورة أبيورد وقدم الكوفة وهو كبير، فسمع الحديث من منصور وغيره ثم ~~تعبد وتوجه إلى مكة وأقام بها إلى أن مات في يوم عاشوراء، قاله علي بن ~~المديني وغيره. وكان ثقة نبيلا فاضلا عابدا زاهدا كثير الحديث. وقيل: إن ~~مولده بسمرقند. وذكر بإسناده عن الفضل بن موسى قال: كان الفضيل بن عياض ~~شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس. وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما ~~هو يرتقي الجدران إليها سمع رجلا يتلو: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق " فقال: يا رب قد آن، فرجع قآواه الليل ~~إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال قوم: حتى نصبح فإن فضيلا ~~على الطريق " يقطع علينا " . وقيل في توبته غير ذلك. وأما مناقبه فكثيرة: ~~منها عن بشر الحافي قال: كنت بمكة مع الفضيل فجلس معنا إلى نصف الليل ثم ~~قام يطوف إلى الصبح، فقلت: يا أبا علي ألا تنام. فقال: ويحك! وهل أحد ms0363 يسمع ~~بذكر النار وتطيب نفسه أن ينام!. وقال الأصمعي: نظر الفضيل إلى رجل يشكو ~~إلى رجل، فقال الفضيل: تشكو من يرحمك إلى من لايرحمك!. وسئل الفضيل: ما ~~الإخلاص؛ قال الفضيل: أخبرني من أطاع الله هل تضره معصية أحد؛ قال: لا؛ ~~قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؛ قال: لا؛ قال: فهذا الإخلاص. وعن ~~الفضيل قال: من ساء شان دينه وحسبه ومروءته. وعنه قال: لن يهلك عبد حتى ~~يؤثر شهوته على نفسه ودينه. وقال: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة ~~الأكل. وعنه قال: إذا أراد الله أن يتحف العبد سلط عليه من يظلمه. واجتمع ~~مع الرشيد بمكة، فقال له الرشيد: إنما دعوناك لتحدثنا بشيء وتعظنا؛ قال: ~~فأقبلت عليه وقلت: يا حسن الخلق والوجه حساب الخلق كلهم عليك؛ قال: فبكى ~~الرشيد وشهق، فرددت عليه حتى جاء الخدام فحملوني وأخرجوني. وعنه قال: الخوف ~~أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل. وقال ~~الفضيل: قول العبد أستغفر الله يعني أقلني يا رب. قلت: روي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه أنه قال: أتعجب ممن يهلك ومعه النجاة، قيل: وما هو؛ قال: ~~الاستغفار. وقال بعض المشايخ في دعائه: اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء ~~إليك وهو الاستغفار والإيمان، وعصيت الشيطان في أبغض الأشياء إليك وهو ~~الشرك فاغفر لي ما بينهما. وكان بعض المشايخ يقول أيضا: اللهم إن حسناتي من ~~عطائك وسيئاتي من قضائك، فجد بما أعطيت على ما به قضيت حتى يمحى ذلك بذلك. ~~PageV01P0182 # وفيها قتل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك. قتله الرشيد لأمر اقتضى ذلك ~~واختلف الناس في سبب قتله اختلافا كبيرا يضيق هذا المحل عن ذكره. وكان قتله ~~في أول صفر من هذه السنة، وصلبه على الجسر وسنه سبع وثلاثون سنة وقتل بعده ~~جماعة كثيرة من أقاربه البرامكة. وكان أصله من الفرس، وكان جعفر جميلا لسنا ~~أديبا بليغا عالما يضرب بجوده الأمثال، إلا أنه كان مسرفا على نفسه غارقا ~~في اللذات؛ تمكن من ms0364 الرشيد حتى بلغ من الجاه والرفعة ما لم ينله أحد قبله ~~وولي هو وأبوه وأخوه الفضل الأعمال الجليلة. وكان أبوه يحيى قد ضم جعفرا ~~إلى القاضي أبي يوسف يعقوب حتى علمه وفقهه وصار نادرة عصره. يقال: إنه وقع ~~في ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ونظر في جميعها، فلم يخرج شيئا ~~منها عن موجب الفقه والعربية. وكان جعفر مثل أخيه الفضل في السخاء وأعظم. ~~وأما ما حكي من كرمه فكثير: من ذلك أن أبا علقمة الثقفي صاحب " الغريب " ~~كان عند جعفر في مجلسه، فأقبلت إليه خنفساء فقال أبوعلقمة: أليس يقال: إن ~~الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا؛ قالوا: بلى ث فقال جعفر: يا غلام، ~~أعط الشيخ ألف دينار، ثم نحوها عنه، فأقبلت الخنفساء ثانيا، فقال: يا غلام ~~أعطه ألفا أخرى. وله من هذا أشياء كثيرة، ثم زالت عنه وعن أهله تلك النعم ~~حتى احتاجت أمه إلى السؤال. قال الذهبي عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب ~~صلاة الكوفة قال: دخلت على أمي يوم النحر وعندها امرأة في أثواب رثة، فقالت ~~لي أمي: أتعرف هذه؛ قلت: لا؛ قالت: هذه عبادة أم جعفر البرمكي، فسلمت عليها ~~ورحبت بها، ثم قلت: يا فلانة حدثينا بعض أمركم ؛ قالت: أذكر لك جملة فيها ~~عبرة، لقد هجم علي مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة جارية ونحرت في بيتي ~~خاصة ثمانمائة رأس، وأنا أزعم أن ابني جعفرا عاق لي، وقد أتيتكم الآن ~~يقنعني جلد شاتين أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا واصبعان. ### | AUT ولاية أحمد بن إسماعيل # على مصر هو أحمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس الأمير، أبو ~~العباس الهاشمي العباسي أمير مصر. ولاه الرشيد على صلاة مصر بعد عزل الليث ~~بن الفضل عنها في سنة سبع وثمانين ومائة، فقدمها يوم الاثنين لخمس بقين من ~~جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وسكن العسكر على عادة أمراء بني العباس، ms0365 ~~وجعل على شرطته معاوية بن صرد. وفي ولايته استنجده إبراهيم بن الأغلب أمير ~~إفريقية فأمده بالعساكر وتوجهوا إليه ثم عادوا. وكان سبب هذه التجريدة أن ~~أهل طرابلس الغرب كان كثر شغبهم على ولاتهم، وكان إبراهيم بن الأغلب ~~المذكور قد استعمل عدة ولاة، فكانوا يشكون من ولاتهم فيعزلهم ويولي غيرهم ~~إلى أن استعمل عليهم سفيان بن المضاء وهي ولايته الرابعة، فاتفق أهل البلد ~~على إخراجه عنهم وإعادته إلى القيروان فزحفوا إليه، فأخذ سلاحه وقاتلهم هو ~~وجماعة ممن معه، فأخرجوه من داره فدخل الجامع وقاتلهم فيه فقتلوا من أصحابه ~~جماعة ثم أمنوه فخرج عنهم في شعبان " من هذه السنة " ، وكانت ولايته سبعا ~~وعشرين يوما، واستعمل جند طرابلس عليهم إبراهيم بن سفيان التميمي. ثم وقع ~~أيضا بين الأبناء بطرابلس وبين قوم يعرفون ببني أبي كنانة وبني يوسف حروب ~~كثيرة وقتال حتى فسدت طرابلس؛ فبلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية ~~فاستنجد أحمد بن إسماعيل أمير مصر وجمع جمعا كبيرا وأمرهم أن يحضروا بني ~~أبي كنانة والأبناء وبني يوسف فأحضروهم عنده بالقيروان، فلما قدموا عليه ~~أراد قتلهم الجميع، فسألوه العفو عنهم في الذي فعلوه فعفا عنهم، وعادوا إلى ~~بلادهم بعد أن أخذ عليهم العهود والمواثيق بالطاعة. واستمر أحمد هذا على ~~إمرة مصر إلى أن صرف عنها بعبد الله بن محمد العباسي في يوم الاثنين لثمان ~~عشرة خلت من شعبان سنة تسع وثمانين ومائة ؛ فكانت ولايته على إمرة مصر ~~سنتين وشهرا ونصف شهر. ### || AUT السنة الأولى من ولاية أحمد # بن إسماعيل على مصر وهي سنة ثمان وثمانين ومائة. فيها غزا المسلمون ~~الصائفة فبرز إليهم نقفور بجموعه فالتقوا فجرح نقفور ثلاث جراحات وانهزم هو ~~وأصحابه بعد أن قتل من الروم مقتلة عظيمة، فقيل: إن القتلى بلغت أربعين ~~ألفا، وقيل: أربعة آلاف وسبعمائة. PageV01P0183 # وفيها حج الرشيد بالناس وهي آخر حجة حجها، وكان الفضيل بن عياض قال له: ~~استكثر من زيارة هذا البيت فإنه لا يحجه خليفة بعدك. وفيها توفي أبو إسحاق ~~إبراهيم بن محمد بن الحارث بن ms0366 أسماء بن خارجة الفزاري؛ كان إماما عالما ~~صاحب سنة وغزو وكان صاحب حال ولسان وكرامات. قال الفضيل بن عياض: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وإلى جانبه فرجة فذهبت لأجلس فيها، ~~فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزارفي. وفيها توفي إبراهيم بن ماهان بن بهمن ~~أبو إسحاق الأرجاني النديم المعروف بالموصلي؛ أصله من الفرس ودخل إلى ~~العراق، ثم رحل إلى البلاد في طلب الأغاني، فبرع فيها بالعربية والعجمية ؛ ~~وكان مع ما انتهى إليه من الرياسة في الغناء فاضلا عالما أديبا شاعرا؛ نادم ~~جماعة من خلفاء بني العباس؛ وكان ذا مال، يقال: إنه لما مات وجد له أربعة ~~وعشرون ألف ألف درهم؛ وهو والد إسحاق النديم المغني أيضا. حكي أن الرشيد ~~كان يهوى جاريته ماردة فغاضبها ودام على ذلك مدة، فأمر جعفر البرمكي العباس ~~بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئا، فعمل أبياتا وألقاها إلى إبراهيم الموصلي ~~هذا فغنى بها الرشيد، فلما سمعها بادر إلى ماردة فترضاها، فسألته عن السبب ~~فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، ثم سألت ~~الرشيد أن يكافئهما، فأمر لهما بأربعين ألف درهم. والأبيات: العاشقان ~~كلاهما متجنب ... وكلاهما متبعد متغضب صدت مغاضبة وصد مغاضبا ... وكلاهما ~~مما يعالج متعب راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قلما يتجنب إن ~~التجنب إن تطاول منكما ... دب السلو له فعز المطلب الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي إسحاق بن مسور المرادي المصري، وجرير بن عبد ~~الحميد الضبي، والحسين بن الحسن البصري، وسليم بن عيسى المقرىء، وعبد الملك ~~بن ميسرة الصدفي، وعبدة بن سليمان الكوفي، وعتاب بن بشير الحراني بخلف، ~~وعقبة بن خالد السكوني، وعمر بن أيوب الموصلي، وعيسى بن يونس السبيعي، ~~ومحمد بن يزيد الواسطي، ومعروف بن حسان الضبي، ومهران بن أبي عمر الرازي، ~~ويحيى بن عبد الملك بن أبي غنية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ذراعان وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية ms0367 أحمد # بن إسماعيل على مصر وهي سنة تسع وثمانين ومائة. فيها سار الرشيد إلى ~~الري بسبب شكوى أهل خراسان عاملهم علي بن عيسى بن ماهان، فقد رموه بعظائم ~~وذكروا أنه على نية الخروج عن طاعة الرشيد؛ فأقام الرشيد بالري أربعة أشهر ~~حتى وافاه ابن عيسى بالأموال والجواهر والتحف للخليفة ولكبار القواد حتى ~~رضي عنه الرشيد ورده إلى عمله، وخرج مشيعا له لما خرج إلى خراسان. قلت: لله ~~در القائل في هذا المعنى: " مخلع البسيط " بعثت في حاجتي رسولا ... يكنى ~~أبا درهم فتمت ولو سواه بعثت فيها ... لم تحظ نفسي بما تمنت وفيها كان ~~الفداء، حتى لم يبق بممالك الروم في الأسر مسلم. وفيها توفي العباس بن ~~الأحنف بن الأسود بن طلحة، أبوالفضل الشاعر المشهور حامل لواء الشعراء في ~~عصره؛ أصله من غرب خراسان ونشأ ببغداد وقال الشعر الفائق؛ وكان معظم شعره ~~في الغزل والمديح؛ وله أخبار مع الخلفاء؛ وكان حلو المحاضرة مقبولا عند ~~الخاص والعام ؛ وهو شاعر الرشيد، وخال إبراهيم بن العباس الصولي. قال ابن ~~خلكان: وحكى عمر بن شبة قال: مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان ~~وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي، والعباس بن الأحنف، ~~وهشيمة الخمارة، فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرح ~~فصفوا بين يديه فقال: من هذا الأول. فقالوا: إبراهيم الموصلي؛ فقال: أخروه ~~وقدموا العباس بن الأحنف، فقدم فصلى عليه، فلما فرغ دنا منه هاشم بن عبد ~~الله بن مالك الخزاعي، فقال: يا سيدي، كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة ~~على من حضر! فقال: لقوله: " الكامل " وسعى بها ناس وقالوا إنها ... لهي ~~التي تشقى بها وتكابد فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إني ليعجبني المحب ~~الجاحد PageV01P0184 # قلت: وفي موت الكسائي منصورين الموصلي والعباس بن الأحنف في يوم واحد ~~نظر؛ والصحيح أن وفاة العباس هذا تأخرت عن وفاة هؤلاء المذكورين بمدة ~~طويلة. ومما يدل على ذلك ما حكاه المسعودي في تاريخه عن جماعة من أهل ~~البصرة، قالوا: خرجنا نريد الحج، فلما كنا ببعض ms0368 الطريق إذا غلام واقف ينادي ~~الناس : هل فيكم أحد من أهل البصرة؛ قالوا: فعدلنا إليه وقلنا: ما تريد؛ ~~قال: إن مولاي " لما به " يريد أن يوصيكم؛ قالوا: فملنا معه وإذا شخص ملقى ~~تحت شجرة لا يحير جوابا، فجلسنا حوله فأحس بنا فرفع طرفه وهو لا يكاد يرفعه ~~ضعفا، وأنشأ يقول: " المديد " يا غريب الدار عن وطنه ... مفردا يبكي على ~~شجنه كلما جد البكاء به ... دبت الأسقام في بدنه ثم أغمي عليه طويلا، ونحن ~~جلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغرد، ففتح عينيه فسمع ~~تغريده ثم قال: ولقد زاد الفؤاد شجا ... طائر يبكي على فننه شفه ما شفني ~~فبكى ... كلنا يبكي على سكنه ثم تنفس تنفسا فاضت نفسه منه، فلم نبرح من ~~عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه. فلما فرغنا من دفنه سألنا ~~الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف رحمه الله. وذكر أبو علي القالي في ~~" كتاب الأمالي " : قال بشار بن برد: ما زال غلام من بني حنيفة يعني العباس ~~يدخل نفسه فينا ويخرجها منا حتى قال " هذه الأبيات: " الكامل " نزف البكاء ~~دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكي بها ~~... أرأيت عينا للبكاء تعار ومن شعره أيضا من جملة أبيات، وينسبان إلى بشار ~~بن برد أيضا والله أعلم " : " البسيط " أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... حتى ~~إذا أيقظوني للهوى رقدوا واستنهضوني فلما قمت منتصبا ... بثقل ما حملوني ~~منهم قعدوا وقد خرجنا عن المقصود لطلب الفائدة، ونرجع الآن إلى ما نحن ~~بصدده. وفيها توفي علي بن حمزة بن عبد الله " بن عثمان " بن بهمن بن فيروز ~~مولى بني أسد، أبو الحسن المعروف بالكسائي النحوي المقرىء؛ وسمي بالكسائي ~~لأنه أحرم في كساء. وهو معلم الرشيد وفقيهه وبعده لولديه الأمين والمأمون؛ ~~وكان إماما في فنون عديدة: النحو والعربية وأيام الناس، وقرأ القران على ~~حمزة الزيات أربع مرات، واختار لنفسه قراءة صارت إحدى القراءات السبع، ~~وتعلم النحو على كبر سنه، وخرج إلى البصرة وجالس الخليل بن ms0369 أحمد. وذكر ابن ~~الدورقي قال: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فحضرت العشاء فقدموا ~~الكسائي فأرتج عليه " في " قراءة " قل يا أيها الكافرون " فقال اليزيدي: ~~قراءة هذه السورة يرتج " فيها " على قارىء أهل الكوفة!. قال: فحضرت الصلاة ~~فقدموا اليزيدي فارتج عليه في الحمد؛ فلما سلم قال : " الكامل " احفظ لسانك ~~لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق وكان الكسائي عند الرشيد بمنزلة ~~رفيعة؛ سار معه إلى الري فمرض ومات بقرية رنبويه، ثم مات مع الرشيد محمد بن ~~الحسن الفقية صاحب أبي حنيفة فقال الرشيد لما رجع إلى العراق: " اليوم " ~~دفنت الفقه والنحو برنبويه. PageV01P0185 # وفيها توفي محمد بن الحسن الفقيه ابن فرقد الشيباني مولاهم الكوفي الفقيه ~~العلامة شيخ الإسلام وأحد العلماء الأعلام مفتي العراقين أب وعبد الله، ~~قيل: إن أصله من حرستا من غوطة دمشق، ومولده بواسط ونشأ بالكوفة وتفقه بأبي ~~يوسف ثم بأبي حنيفة وسمع مسعرا ومالك بن مغول والأوزاعي ومالك بن أنس؛ وأخذ ~~عنه الشافعي وأبو عبيد وهشام بن عبيد الله وعلي بن مسلم الطوسي وخلق سواهم؛ ~~وكان إماما فقيها محدثا مجتهدا ذكيا، انتهت إليه رياسة العلم في زمانه بعد ~~موت أبي يوسف. قال أبو عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب الله منه. وقال الشافعي: ~~لو أشاء أن أقول نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته، وقد حملت عنه ~~وقر بختي كتبا. وقال إبراهيم الحربي: قلت لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه ~~المسائل الدقاق؛ قال: من كتب محمد بن الحسن. وعن الشافعي قال: ما ناظرت ~~أحدا إلا تغير وجهه ما خلا محمد بن الحسن. وقال أحمد بن محمد بن أبي رجاء: ~~سمعت أبي يقول: رأيت محمد بن الحسن في النوم فقلت: إلام صرت. قال: غفر لي؛ ~~قلت: بم؛ قال: قيل لي: لم نجعل هذا العلم فيك إلا ونحن نغفر لك. قلت: وقد ~~تقدم في ترجمة الكسائي أنهما ماتا في صحبة الرشيد بقرية رنبويه من الري، ~~فقال الرشيد: دفنت الفقه والعربية بالري. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربعة أذرع ms0370 وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واصبعان. ### | AUT ولاية عبد الله بن محمد # على مصر هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس، الأمير أبو محمد الهاشمي العباسي المعروف بابن زينب ؛ ولاه الرشيد ~~إمرة مصر على الصلاة بعد عزل أحمد بن إسماعيل سنة تسع وثمانين ومائة. ولما ~~ولي مصر أرسل يستخلف على صلاة مصر لهيعة بن موسى الحضرمي، فصلى لهيعة ~~المذكور بالناس إلى أن قدم عبد الله بن محمد المذكور إلى مصر في يوم السبت ~~للنصف من شوال سنة تسع وثمانين ومائة المذكورة؛ وسكن العسكر على عادة أمراء ~~بني العباس، ثم جعل على شرطته أحمد بن موسى العذري مدة، ثم عزله وولى محمد ~~بن عسامة " بن عمر " . ولم تطل مدة عبد الله المذكور على إمرة مصر وعزل ~~بالحسين بن جميل لإحدى عشرة بقيت من شعبان سنة تسعين ومائة. وخرج عبد الله ~~من مصر واستخلف على صلاتها هاشم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن ~~حديج؛ فكانت مدة ولاية عبد الله هذا على مصر ثمانية أشهر وتسعة عشر يوما. ~~وتوجه إلى الرشيد فأقره الرشيد من جملة قواده وأرسله على جماعة نجدة لعلي ~~بن عيسى لقتال رافع بن الليث بن نصر بن سيار، وكان رافع ظهر بما وراء النهر ~~مخالفا للرشيد بسمرقند. وكان سبب خروج رافع أن يحيى بن الأشعث تزوج ابنة ~~لعمه أبي النعمان وكانت ذات يسار ولسان، ثم تركها يحيى بن الأشعث بسمرقند ~~وأقام ببغداد واتخذ السراري، فلما طال ذلك عليها أرادت التخلص منه، وبلغ ~~رافعا خبرها فطمع فيها وفي مالها، فدس إليها من قال لها: لا سبيل إلى ~~الخلاص من زوجها إلا أن تشهد عليها قوما أنها أشركت بالله، ثم تتوب، فينفسخ ~~نكاحها وتحل للأزواج، ففعلت ذلك فتزوجها رافع. فبلغ الخبر يحيى بن الأشعث ~~فشكا إلى الرشيد، فكتب الرشيد إلى علي بن عيسى يأمره أن يفرق بينهما وأن ~~يعاقب رافعا ويجلده الحد ويقيده ويطوف به في سمرقند ms0371 على حمار " حتى يكون ~~عظة لغيره " ففعل به ذلك ولم يحده؛ " وطلقها رافع " ، وحبس رافع بسمرقند ~~مدة، ثم هرب من الحبس فلحق بعلي بن عيسى ببلخ، فأراد ضرب عنقه فشفع فيه ~~عيسى بن علي بن عيسى، وأمره بالانصراف إلى سمرقند، فرجع إليها ووثب بعامل ~~علي بن عيسى عليها وقتله واستولى على سمرقند واستفحل أمره حتى خرجت إليه ~~العساكر وأخذته وقتل بعد أمور. ولما عاد عبد الله صاحب الترجمة إلى الرشيد ~~سأله في إمرة مصر ثانيا فأبى واستمر عند الرشيد إلى أن مات. ### || AUT السنة التي حكم فيها عبد الله # بن محمد العباسي على مصر وهي سنة تسعين ومائة. فيها افتتح الرشيد مدينة ~~هرقلة وبث جيوشه بأرض الروم وكان في مائة ألف فارس وخمسة وثلاثين ألفا سوى ~~المطوعة، وجال الأمير داود بن موسى بن عيسى العباسي في أرض الكفر وكان في ~~سبعين ألفا؛ وكان فتح هرقلة في شوال، وأخربها وسبى أهلها، وكان الحصار ~~ثلاثين يوما. وفيها افتتح شراحيل بن معن بن زائدة الشيباني حصن الصقالبة ~~بالمغرب. PageV01P0186 # وفيها أسلم الفضل بن سهل المجوسي على يد المأمون بن الرشيد. وفيها بعث ~~نقفور ملك الروم إلى الرشيد بالخراج والجزية. وفيها نقضت أهل قبرس " العهد ~~" ، فغزاهم " معيوف " بن يحيى وقتل وسبى. وفيها افتتح يزيد بن مخلد الصفصاف ~~وملقونية. وفيها توفي يحيى بن خالد بن برمك في حبس الرشيد ويحيى هذا هو ~~والد جعفر البرمكي - وقد تقدم ذكر جعفر وقتله في محله من هذا الكتاب - . ~~وفيها توفي سعدون المجنون ة كان صاحب محبة وحال؛ صام ستين عاما حتى خف ~~دماغه فسماه الناس مجنونا. قيل: إنه وقف يوما على حلقة ذي النون " المصري " ~~وهو يعظ الناس فسمع سعدون كلامه، فصرخ وقال: " الطويل " ولا خير في شكوى ~~إلى غير مشتكى ... ولابد من شكوى إذا لم يكن صبر الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها مات أسد بن عمرو البجلي الفقيه، وإسماعيل بن عبد ~~الله بن قسطنطين مقرىء مكة في قول، والحكم بن سنان الباهلي القربي، وشجاع ms0372 ~~بن أبي نصر البلخي المقرىء، وعبد الله بن عمر بن غانم قاضي إفريقية، وأبو ~~علقمة عبد الله بن محمد الفروي المدني، وعبد الحميد بن كعب بن علقمة ~~المصري، وعثمان بن عبد الحميد اللاحقي، وعبيدة بن حميد الكوفي الحذاء، ~~وعطاء بن مسلم الحلبي الخفاف، وعمر بن علي المقدمي، ومحمد بن بشير المعافري ~~بحلب، ومحمد بن يزيد الواسطي، ومخلد بن الحسين في رواية، ومسلمة بن علي ~~الخشني، ويحيى بن أبي زكريا الغساني بواسط، ويحيى بن ميمون البغدادي ~~التمار. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا. ~~مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ### | AUT ولاية الحسين بن جميل # على مصر هو الحسين بن جميل، مولى أبي جعفر المنصور، أمير مصر؛ ولاه ~~الرشيد إمرة مصر بعد عزل عبد الله بن محمد العباسي عنها في الصلاة في سنة ~~تسعين ومائة، فقدم مصر يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان من السنة ~~المذكورة وسكن العسكر؛ وجعل على شرطته كاملا الهنائي ثم معاوية بن صرد، ثم ~~جمع له الرشيد بين الصلاة والخراج في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر رجب ~~سنة إحدى وتسعين ومائة. ولما ولي الخراج تشدد فيه فخرج عليه أهل الحوف ~~بالشرق من الوجه البحري وامتنعوا من أداء الخراج، وخرج عليهم أبو النداء ~~بأيلة في نحو ألف رجل وقطع الطريق وأخاف السبل، وتوجه من أيلة إلى مدين ~~وأغار على بعض نواحي قرى الشأم وآنضم إليه من جذام وغيرها جماعة كبيرة ~~وأفسدوا غاية الإفساد؛ وبلغ أبو النداء المذكور من النهب والقتل مبلغا ~~عظيما، حتى بلغ الرشيد أمره، فجهز إليه جيشا من بغداد لقتاله. ثم بعث ~~الحسين بن جميل هذا من مصر عبد العزيز الجزري في عسكر آخر فالتقى عبد ~~العزيز بأبي النداء المذكور بأيلة وقاتله بمن معه حتى هزمه وظفر به. وعندما ~~ظفر عبد العزيز بأبي النداء المذكور وصل جيش الخليفة الرشيد إلى بلبيس في ~~شوال سنة إحدى وتسعين ومائة، فلما رأى أهل الحوف مسك كبيرهم ومجيء عسكر ~~الخليفة أذعنوا بالطاعة ms0373 وأدوا الخراج وحملوا ما كان انكسر عليهم بتمامه ~~وكماله. فلما وقع ذلك عاد عسكر الرشيد إلى بغداد. وأخذ الحسين هذا في إصلاح ~~أمور مصر. فبينما هو في ذلك قدم عليه الخبر بعزله عن إمرة مصر بمالك بن ~~دلهم وذلك في يوم ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائة، فكانت ~~ولايته على مصر سنة واحدة وسبعة أشهر وأياما. السنة التي حكم فيها الحسين ~~بن جميل على مصر وهي سنة إحدى وتسعين ومائة. فيها حج بالناس أمير مكة الفضل ~~بن العباس. وفيها ولى الرشيد حمويه الخادم " بريد " خراسان. وفيها غزا يزيد ~~بن مخلد الروم في عشرة آلاف مقاتل، فأخذ الروم عليه المضيق، فقتل بقرب ~~طرسوس وقتل معه سبعون رجلا من المقاتلة ورجع الباقون، فولى الرشيد غزو ~~الصائفة هرثمة بن أعين المتقدم ذكره في أمراء مصر في محله، وضم إليه الرشيد ~~ثلاثين ألفا من جند خراسان، ووجه معه مسرورا الخادم، وإلى مسرور المذكور ~~النفقات في الجيش المذكور وجميع أمور العسكر، خلا الرياسة على الجيش فإن ~~ذلك لهرثمة بن أعين المذكور. وفيها نزل الرشيد بالرقة وأمر بهدم الكنائس ~~التي بالثغور. ثم عزل علي بن عيسى بن ماهان عن إمرة خراسان بهرثمة بن أعين ~~المذكور. وبعد هذه الغزوة لم يكن للمسلمين صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين. ~~PageV01P0187 # وفيها توفي عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي " بفتح السين المهملة " ~~أبو عمرو الكوفي؛ كان محدثا حافظا زاهدا ورعا. قال جعفر البرمكي: ما رأينا ~~مثل ابن يونس، أرسلنا إليه فأتانا بالرقة، وحدث المأمون فاعتل قبل خروجه؛ ~~فقلت: يا أبا عمرو، قد أمر لك بخمسين ألف درهم؛ فقال: لا حاجة لي فيها؛ ~~فقلت: هي مائة ألف؛ فقال: لا والله، لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ~~ثمنا. وفيها توفي مخلد بن الحسين أبو محمد البصري؛ كان من أهل البصرة فتحول ~~إلى المصيصة ورابط بها؛ وكان عالما زاهدا ورعا حافظا للسنة، لا يتكلم فيما ~~لا يعنيه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي خالد ms0374 بن ~~حيان الرقي الخراز، وسلمة بن الفضل الأبرش بالري، وعبد الرحمن بن القاسم ~~المصري الفقيه، وعيسى بن يونس في قول خليفة وابن سعد، ومخلد بن الحسين ~~المهلبي بالمصيصة، ومطرف بن مازن قاضي صنعاء، ومعمر بن سليمان النخعي ~~الزقي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. ~~مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ### | AUT ولاية مالك بن دلهم # على مصر هو مالك بن دلهم بن عيسى بن مالك الكلبي أمير مصر؛ ولاه الرشيد ~~إمرة مصر بعد عزل الحسين بن جميل عنها، ولاه على الصلاة والخراج، فقدم مصر ~~يوم الخميس لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائة. ولما دخل ~~مالك هذا إلى مصر وافى خروج يحيى بن معاذ أمير جيش الرشيد الذي كان أرسله ~~نجدة للحسين بن جميل على قتال أبي النداء الخارجي. وكان يحيى بن معاذ خرج ~~من مصر ثم عاد إليها بعد عزل الحسين بن جميل. ولما دخل يحيى المذكور ~~الفسطاط كتب إلى أهل الأحواف أن اقدموا علي حتى أوصي بكم مالك بن دلهم أمير ~~مصر " وأدخل فيما بينكم وبينه في أمر خراجكم " ، وكان مالك المذكور قد نزل ~~بالعسكر وسكنه على عادة أمراء مصر، فدخل رؤساء اليمانية والقيسية من الحوف، ~~فأغلق عليهم يحيى الأبواب وقبض عليهم وقيدهم وسار بهم، وذلك في نصف شهر رجب ~~من السنة. واستمر مالك بن دلهم على إمرة مصر بعد ذلك مدة، وجعل على شرطته ~~محمد بن توبة بن آدم الأودي من أهل حمص، فاستمر على ذلك إلى أن صرفه ~~الخليفة بالحسن بن البحباح في يوم الأحد لأربع خلون من صفر سنة ثلاث وتسعين ~~ومائة. فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وخمسة أشهر تنقص أياما لدخوله مصر ~~وتزيد أياما لولايته ببغداد من الرشيد. وكان سبب عزله أن الأمين أرسل إليه ~~في أول خلافته بالدعاء على منابر مصر لابنه موسى، واستشاره في خلع أخيه ~~المأمون من ولاية العهد فلم يشر عليه. وكان الذي أشار على الأمين بخلع أخيه ~~المأمون ms0375 الفضل بن الربيع الحاجب، وكان المأمون يغض من الفضل، فعلم الفضل إن ~~أفضت الخلافة للمأمون وهو حي لم يبق عليه، فأخذ في إغراء الأمين بخلع أخيه ~~المأمون والبيعة لابنه موسى بولاية العهد، ولم يكن ذلك في عزم الأمين، ~~ووافقه على هذا علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما؛ فرجع الأمين إلى ~~قولهم وأحضر عبد الله بن خازم، فلم يزل في مناظرته إلى الليل، فكان مما قال ~~عبد الله بن خازم: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تكون أول الخلفاء نكث ~~عهد أبيه ونقض ميثاقه! ثم جمع الأمين القواد وعرض عليهم خلع المأمون فأبوا ~~ذلك، وساعده قوم منهم، حتى بلغ إلى خزيمة بن خازم فقال: يا أمير المؤمنين، ~~لم ينصحك من كذبك ولم يغشك من صدقك؛ لا تجرىء القواد على الخلع فيخلعوك ولا ~~تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول والناكث ~~مغلول. فأقبل الأمين على علي بن عيسى بن ماهان وتبسم وقال: لكن شيخ هذه ~~الدعوة وناب هذه الدولة لا يخالف على إمامه ولا يوهن طاعته؛ لأنه هو والفضل ~~ابن الربيع حملاه على خلع المأمون. ثم انبرم الأمر على أن يكتب للعمال ~~بالدعاء لابنه موسى ثم بعد ذلك بخلع المأمون، فكتب بذلك لجميع العمال. فلما ~~بلغ ذلك المأمون أسقط اسم الأمين من الطرز وبدت الوحشة بين الأخوين الخليفة ~~الأمين ثم المأمون، وانقطعت البرد من بينهما، فأخذ الأمين يولي الأمصار من ~~يثق به، فعزل مالكا هذا عن مصر وولى عليها الحسن، كما سيأتي ذكره. ### || AUT السنة التي حكم فيها مالك # بن دلهم على مصر وهي سنة اثنتين وتسعين ومائة. فيها قدم يحيى بن معاذ ~~على الرشيد ومعه أبو النداء أسيرا فقتله. PageV01P0188 # وفيها قتل الرشيد هيصما اليماني وكان قد خرج عليه. وفيها تحركت الخرمية ~~ببلاد أذربيجان، فسار إلى حربهم عبد الله بن مالك في عشرة آلاف فقتل وسبى ~~وعاد منصورا. وفيها توفي إسماعيل بن جامع بن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب ~~بن " أبي " وداعة أبو القاسم المكي، كان قد ms0376 قرأ القرآن وسمع الحديث، ثم غلب ~~عليه الغناء حتى فاق فيه أهل زمانه، وأخذ عن زلزل المغني وغيره. وفيها توفي ~~عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن، أبو محمد الأودي؛ مولده سنة خمس ~~عشرة ومائة، وقيل: سنة عشرين ومائة، وتوفي بالكوفة في عشر ذي الحجة. وكان ~~ثقة إماما زاهدا ورعا حجة كثير الحديث صاحب سنة وجماعة ؛ كان لايستقضي أحدا ~~يسمع عليه الحديث حاجة. وفيها توفي علي بن ظبيان أبو الحسن العبسي الكوفي؛ ~~كان إماما عالما جليلا نبيلا متواضعا زاهدا عارفا بالفقه على مذهب أبي ~~حنيفة رضي الله عنه؛ تقلد قضاء القضاة عن الرشيد. وفيها توفي الفضل بن يحيى ~~بن خالد البرمكي في حبس الرشيد؛ كان قد حبسه الرشيد هو و أباه بعد قتل أخيه ~~جعفر، فحبسا إلى أن مات أبوه يحيى، ثم مات الفضل هذا بعده وكلاهما في حبس ~~الرشيد. وكان الفضل هذا متكبرا جدا عسر الخلق، إلا أنه كان أجود من أخيه ~~جعفر وأندى راحة؛ ومولده في ذي الحجة سنة سبع وأربعين ومائة، وكان أسن من ~~هارون الرشيد بنحو شهر، لأن مولد الرشيد في أول يوم من المحرم سنة ثمان ~~وأربعين ومائة، فأرضعت الخيزران أم الرشيد الفضل وأرضعت أم الفضل الرشيد ~~أياما، وأم الفضل هي زبيدة بنت منير بن يزيد من مولدات المدينة. ولما مات ~~الفضل حزن الناس عليه وعلى أبيه وأخيه جعفر من قبله، وفيه يقول بعضهم: " ~~الرمل " يا بني برمك واها لكم ... ولأيامكم المقتبله كانت الدنيا عروسا بكم ~~... وهي اليوم ملول أرمله وفيها توفي القاضي أبو يعقوب يوسف بن القاضي أبي ~~يوسف يعقوب صاحب أبي حنيفة؛ كان ولي القضاء في حياة أبيه وكان إماما عالما. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم، قال: وفيها توفي صعصعة بن سلام خطيب قرطبة، وعبد ~~الله بن إدريس الأودي، ويحيى بن كريب الرعيني المصري، ويوسف ابن القاضي أبي ~~يوسف، وعرعرة بن البرند السامي البصري. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر ms0377 إصبعا. ### | AUT ولاية الحسن بن البحباح # على مصر هو الحسن بن البحباح أمير مصر؛ وليها بعد عزل مالك بن دلهم عنها ~~في صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة. ولما ولاه الرشيد على إمرة مصر جمع له بين ~~الصلاة والخراج، فأرسل الحسن هذا يستخلف على صلاة مصر العلاء بن عاصم ~~الخولاني حتى قدم مصر يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الأول من السنة، ~~وسكن العسكر، وجعل على شرطته محمد بن خالد مدة، ثم عزله بصالح بن عبد ~~الكريم ثم عزل صالح المذكور بسليمان بن غالب بن جبريل ؛ واستمر الحسن هذا ~~على إمرة مصر إلى أن توفي الخليفة هارون الرشيد في جمادى الآخرة من السنة ~~وولي الخلافة ابنه الأمين محمد بن زبيدة، فثار جند مصر على الحسن هذا ~~وقاتلوه، فقتل من الفريقين مقتلة عظيمة حتى سكن الأمر؛ وجمع مال الخراج ~~بمصر وأرسله إلى الخليفة، فوثب أهل الرملة على أصحاب المال وأخذوا المال ~~منهم. و بينما الحسن في ذلك ورد عليه الخبر بعزله عن مصر بحاتم بن هرثمة، ~~فخرج من مصر بعد أن استخلف عوف بن وهيب على الصلاة، ومحمد بن زياد " بن طبق ~~القيسي " على الخراج، وسافر من طريق الحجاز لفساد طريق الشأم. وكان خروجه ~~من مصر لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع و تسعين ومائة. فكانت ولايته ~~على مصر سنة واحدة وشهرا وثمانية وعشرين يوما. ### || AUT السنة التي حكم فيها الحسن # بن البحباح على مصر وهي سنة ثلاث وتسعين ومائة. فيها وافى الرشيد جرجان، ~~فأتته بها خزائن علي بن عيسى على ألف وخمسمائة بعير، ثم رحل الرشيد منها في ~~صفر وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات في ثالث جمادى الآخرة. ~~PageV01P0189 # وفيها كانت وقعة بين هرثمة وأصحاب رافع بن الليث فانتصر هرثمة وأسر أخا ~~رافع وملك بخارا وقدم بأخي رافع إلى الرشيد فسبه ودعا بقصاب وقال: فصل ~~أعضاءه، ففصله. وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع الحكيم غلط في مداواة ~~الرشيد في علته التي مات فيها فهم ms0378 الرشيد بأن يفصله كما فعل بأخي رافع ودعا ~~به؛ فقال جبريل: أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين فإنك تصبح في عافية، ~~فأنظره فمات الرشيد في ذلك اليوم. وفيها قتل نقفور ملك الروم في حرب برجان ~~" ، وكان له في المملكة تسع سنين، وملك بعده ابنه استبراق شهرين وهلك فملك ~~ميخائيل بن جورجس زوج أخته. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين أبو جعفر ~~هارون الرشيد ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد ~~الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، العباسي الهاشمي البغدادي. وهو ~~الخامس من خلفاء بني العباس وأجلهم وأعظمهم؛ نال في الخلافة ما لم ينله ~~خليفة قبله؛ استخلف بعهد من أبيه المهدي بعد وفاة أخيه موسى الهادي، فإن ~~أباه المهدي كان جعله ولي عهده بعد أخيه الهادي، فلما مات الهادي حسبما ~~تقدم ذكره ولي الرشيد بالعهد السابق من أبيه، وذلك في سنة سبعين ومائة، ~~ومولده بالري لما كان أبوه أميرا عليها في أول يوم من محرم سنة ثمان ~~وأربعين ومائة، ومات في ثالث جمادى الآخرة بطوس، وصلى عليه ابنه صالح ودفن ~~بطوس؛ وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهي أم أخيه الهادي أيضا. قال عبد الرزاق ~~بن همام: كنت مع الفضيل بن عياض بمكة فمر هارون الرشيد، فقال الفضيل: الناس ~~يكرهون هذا وما في الأرض أعز علي منه، لو مات لرأيت أمورا عظاما. وقال ~~الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو ~~يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، وحاجبه ~~الفضل بن الربيع أتيه الناس وأعظمهم، ومغنيه إبراهيم الموصلي، وزوجته زبيدة ~~بنت عمه جعفر. وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين ونصفا؛ وتولى الخلافة ~~من بعده ابنه محمد الأمين بن زبيدة. ومات الرشيد وله خمس وأربعون سنة. ~~وفيها توفي صالح بن محمد " بن عمرو " بن حبيب بن حسان، الحافظ أبو علي ~~البغدادي مولى أسد بن خزيمة المعروف بجزرة " بجيم وزاي معجمة وراء مهملة " ~~، لقب بجزرة لأنه قرأ على بعض مشايخ ms0379 الشأم: " كان لأبي أمامة جزرة يرقي بها ~~المرضى " ، فصحف خرزة جزرة فسمي بذلك؛ وكان إماما عالما حافظا ثقة صدوقا. ~~وفيها توفي غندر واسمه محمد " بن جعفر " أبو عبد الله البصري الحافظ؛ سمع ~~الكثير و روى عنه خلائق، وكان فيه سلامة باطن. قال ابن معين: اشترى غندر ~~سمكا وقال لأهله: أصلحوه، فأصلحوه وهو نائم وأكلوا ولطخوا يده وفمه؛ فلما ~~انتبه قال: قدموا السمك، فقالوا: قد كلت، فقال: لا، قالوا: فشم يدك، ففعل ~~فقال: صدقتم، ولكني ما شبعت. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي إسماعيل بن علية أبو بشر البصري، والعباس بن الأحنف الشاعر ~~المشهور، والعباس بن الحسن العلوي، والعباس بن الفضل بن الربيع الحاجب، ~~وعبد الله بن كليب المراثي بمصر، وعون بن عبد الله المسعودي، ومحمد بن جعفر ~~البصري، ومروان بن معاوية الفزاري نزيل دمشق، وأبو بكر بن عياش المقرىء ~~بالكوفة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر اصبعا. ### | AUT ولاية حاتم بن هرثمة على مصر # هو حاتم بن هرثمة بن أعين أمير مصر؛وليها بعد عزل الحسن بن البحباح ~~عنها؛ ولاه الخليفة الأمين محمد على إمرة مصر وجمع له الصلاة والخراج؛ وسار ~~من بغداد حتى قدم بلبيس في عساكره ونزل بها، وطلب أهل الأحواف فجاؤوه ~~وصالحوه على خراجهم، ثم انتقض ذلك وثاروا عليه واجتمعوا على قتاله وعسكروا؛ ~~فبعث إليهم حاتم المذكور جيشا فقاتلوهم وكسروهم ثم سار حاتم من بلبيس حتى ~~دخل مصر يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ومعه نحو ~~مائة من الرهائن من أهل الحوف. PageV01P0190 # وسكن حاتم العسكر على عادة أمراء مصر وجعل على شرطه ابنه، ثم عزله بعلي ~~بن المثنى، ثم عزل عليا أيضا بعبيد الله الطرسوسي. واستمر على إمرة مصر ~~ومهد أمورها وابتنى بها القبة المعروفة بقبة الهراء. ودام على ذلك حتى ورد ~~عليه الخبر من الخليفة الأمين محمد بعزله عن إمرة مصر في جمادى الآخرة سنة ~~خمس وتسعين ms0380 ومائة. وتولى مصر بعده جابر بن الأشعث. فكانت ولاية حاتم هذا ~~على إمرة مصر سنة واحدة ونصف سنة تنقص أياما. ### || AUT السنة الأولى من ولاية حاتم بن هرثمة على مصر # وهي سنة أربع وتسعين ومائة. فيها أمر الخليفة الأمين بالدعاء لابنه موسى ~~على المنابر بعد ذكر المأمون والقاسم، فتنكر كل واحد من الأمين والمأمون ~~لصاحبه وظهر الفساد بينهما وهذا أول الشر والفتنة بين الأخوين. ثم أرسل ~~الأمين في أثناء السنة إلى المأمون يسأله أن يقدم ولد الأمين موسى المذكور ~~على نفسه ويذكر له أنه سماه الناطق بالحق؛ فقويت الوحشة بينهما أكثر، ووقع ~~أمور يأتي ذكر بعضها. ثم عزل الأمين أخاه القاسم عن الثغور والعواصم و ولى ~~عوضه خزيمة بن خازم، واستدعى القاسم إلى بغداد وأمره بالمقام عنده. وفيها ~~ثار أهل حمص بعاملهم إسحاق بن سليمان فنزح إلى سلمية، فولى عليهم الأمين ~~عبد الله بن سعيد الحرشي؛ فحبس عدة من وجوههم، وقتل عمه وضرب النار في ~~نواحي حمص ؛ فسألوه الأمان فأمنهم فسكنوا ثم هاجوا فقتل طائفة وفيها في شهر ~~ربيع الأول بايع الأمين بولاية العهد لابنه موسى ولقبه بالناطق بالحق، وجعل ~~وزيره علي بن عيسى بن ماهان. وكان المأمون لما بلغه عزل القاسم عن الثغور ~~قطع البريد عن الأمين وأسقط اسمه من الطرز والسكة. وفيها وثب الروم على ~~ملكهم ميخائيل فهرب وترهب، وكان ملك سنتين، فملكوا عليهم ليون القائد. ~~وفيها توفي حفص بن غياث بن طلق، أبو عمر النخعي الكوفي قاضي بغداد بالوجه ~~الشرقي؛ ولي القضاء مدة طويلة وحسنت سيرته إلى أن مات قاضيا في ذي الحجة؛ ~~وكان ثقة ثبتا مأمونا إلا أنه كان يدلس. وفيها توفي أبو نصر الجهني المصاب، ~~من أهل المدينة. قال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك: كان يجلس مكان أهل الصفة ~~من مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يكلم أحدا، فإذا سئل عن شيء ~~أجاب بجواب حسن، ووقع له مع الرشيد أمور ودفع إليه أموالا فلم يقبلها. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ms0381 السنة، قال: وفيها توفي سالم بن سالم ~~البلخي العابد ضعيف، وسويد بن عبد العزيز قاضي بعلبك، وشقيق بن إبراهيم ~~البلخي الزاهد، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وعبيد الله بن المهدي ~~محمد بن المنصور، وأبو عبد الله محمد بن حرب الخولاني الأبرش، ومحمد بن ~~سعيد بن أبان الأموي الكوفي، ومحمد بن أبي عدي، ويحيى بن سعيد بن أبان ~~الأموي، والقاسم بن يزيد الجرمي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمسة أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية حاتم # بن هرثمة على مصر وهي سنة خمس وتسعين ومائة، وهي التي عزل فيها حاتم بن ~~هرثمة المذكور. فيها لما تحقق المأمون خلعه من ولاية العهد تسمى بإمام ~~المؤمنين. وفيها قال بعض الشعراء فيما جرى من ولاية العهد لموسى بن الأمين ~~وهو طفل، وكان ذلك برأي الفضل وبكر بن المعتمر: " المتقارب " أضاع الخلافة ~~غش الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير ففضل وزير وبكر مشير ... يريدان ما ~~فيه حتف الأمير في أبيات كثيرة. وفيها في شهرربيع الآخر عقد الأمين لعلي بن ~~عيسى بن ماهان على بلاد الجبال: همذان ونهاوند وقم وأصبهان، وأمر له بمائتي ~~ألف دينار وأعطى لجنده مالا عظيما. وخرج علي بن عيسى المذكور في نصف جمادى ~~الآخرة من بغداد، وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون. ووقع لعلي هذا مع جيش ~~المأمون أمور يطول شرحها. PageV01P0191 # وفيها ظهر السفياني بدمشق وبويع بالخلافة، واسمه علي بن عبد الله بن خالد ~~بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، في ذي الحجة ؛ وكنيته أبو الحسن، وطرد ~~عامل الأمين عن دمشق، وهو سليمان بن أبي جعفر بعد أن حصره السفياني بدمشق ~~مدة ثم أفلت منه. وخالد بن يزيد جذ السفياني هذا هو الذي وضع حديث السفياني ~~في الأصل، فإنه ليس بحديث، غير أن خالدا لما سمع حديث المهدي من أولاد علي ~~في آخر الزمان أحب أن يكون من بني سفيان من يظهر في آخر الزمان، فوضع حديث ~~السفياني؛ فمشى ms0382 ذلك على بعض العوام. انتهى. وفيها توفي إسحاق بن يوسف بن ~~محمد، أبو محمد الأزرق الواسطي؛ كان من الفقهاء الثقات الصالحين المحدثين؛ ~~أقام عشرين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله، ومات بواسط. وفيها ~~توفي بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير؛ كان من ~~أشراف قريش، وكان معظما عند الرشيد؛ ولاه إمرة المدينة فأقام عليها اثنتي ~~عشرة سنة؛ وكان جوادا ممدحا نبيلا. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي بشر بن السري الواعظ بمكة، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي ~~الكوفي، وعبيد الله بن المهدي أمير مصر وقد تقدم ذكره. وفيها - في قول - ~~عثام بن علي الكوفي، وقيل سنة أربع، ومحمد بن الفضيل الضبي الكوفي، والوليد ~~بن مسلم في أولها، ويحيى بن سليم الطائفي بمكة، وأبو معاوية الضرير محمد بن ~~خازم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثمانية عشر إصبعا. ~~مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا ونصف إصبع. ### | AUT ولاية جابر بن الأشعث # على مصر هو جابر بن الأشعث بن يحيى بن النقي الطائي أمير مصر؛ وليها بعد ~~عزل حاتم بن هرثمة عنها في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة. ولاه الأمين ~~على إمرة مصر وجمع له الصلاة والخراج. وقدم مصر يوم الاثنين لخمس بقين من ~~جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وسكن العسكر على عادة الأمراء؛ واستخلف ~~على صلاة مصر يحيى بن يزيد " بن حماد " المرادي. وكان لينا. ولما دخل مصر ~~وأقام بها وقعت الفتنة في العراق بين الأخوين الأمين والمأمون أولاد ~~الرشيد، وكانت الوقعة بين جيش الأمين وعسكر المأمون، وكان على جيش الأمين ~~علي بن عيسى بن ماهان في عسكر كثيف، وكان على عسكر المأمون طاهر بن الحسين، ~~وهو في أقل من أربعة آلاف؛ فلما وصل ابن ماهان بعساكره إلى الري أشرف عليه ~~طاهر بن الحسين المذكور وهم يلبسون السلاح وقد امتلأت بهم الصحراء وعليهم ~~السلاح المذهب؛ فقال طاهر بن الحسين: هذا ما لا ms0383 قبل لنا به، ولكن نجعلها ~~خارجية ونقصد القلب؛ فهيأ سبعمائة من الخوارزمية. قال أحمد بن هشام الأمير: ~~فقلنا لطاهر: نذكر علي بن عيسى البيعة التي أخذها هو علينا، وبيعة الرشيد ~~للمأمون؛ قال: نعم، فعلقناهما على رمحين وقمت بين الصفين وقلت: الأمان " ~~فقال علي بن عيسى: ذلك لك " ثم قلت: يا علي بن عيسى، ألا تتقي الله، أليست ~~هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصة؛ اتق الله فقد بلغت باب قبرك! قال: ~~من أنت؛ قلت: أحمد بن هشام، فصاح: علي يا أهل خراسان من جاء به فله ألف ~~درهم، ثم وقع القتال وانهزم علي بن عيسى بن ماهان وأصحابه فتبعهم طاهر بمن ~~معه فرسخين بعد أن تواقعوا اثنتي عشرة مرة، وعسكر المأمون ينتصر فيها حتى ~~لحقهم طاهر بن التاجي ومعه رأس علي بن عيسى بن ماهان، وأخفوا جميع ما كان ~~في عسكره؛ فأرسل طاهر بن الحسين الرأس إلى المأمون. فلما وصل إليه البريد ~~بالرأس سلم عليه بالخلافة وطيف بالرأس في خراسان؛ ومن يومئذ استفحل أمر ~~المأمون وقوي جأشه. وجاء الخبر بقتل علي بن عيسى بن ماهان إلى الأمين وهو ~~يتصيد السمك، فقال للذي أخبره: ويحك! دعني فإن كوثرا قد صاد سمكتين وأنا ما ~~صدت شيئا بعد، فلامه الناس حتى قام من مجلسه. ثم جهز لحرب طاهر بن الحسين ~~عبد الرحمن بن جبلة الأنباري أمير الدينور بالعدة والقوة، فسار حتى نزل ~~همذان. هذا وقد اضطرب ملك الأمين وأرجف ببغداد إرجافا شديدا. وندم محمد ~~الأمين على خلع أخيه المأمون؛ وطمع الأمراء فيه وشغبوا جندهم بطلب أرزاقهم ~~وازدحموا بالجسر يطلبون الأرزاق والجوائز، فقاتلهم حواشي الأمين ثم عجز ~~عنهم فزاد في عطاياهم. ولما خرج عسكر الأمين ثانيا مع عبد الرحمن ووصل إلى ~~همذان التقى مع طاهر وقاتله PageV01P0192 # قتالا شديدا، ثم تقهقر ودخل مدينة همذان وتفرق عنه أكثر أصحابه، فحصره ~~طاهر بهمذان حتى طلب منه عبد الرحمن الأمان؛ ثم غدر عبد الرحمن وقاتل طاهرا ~~ثانيا حتى قتل؛ وملك طاهر بن الحسين البلاد ودعا للمأمون وخلع الأمين. ms0384 كل ~~ذلك والأمين ببغداد لم يخرج منها حتى وافاه طاهر المذكور وقتله على ما ~~سيأتي في ترجمة الأمين إن شاء الله تعالى. ولما ملك طاهر البلاد واستفحل ~~أمره وبلغ المصريين ذلك وثب السري بن الحكم ومعه جماعة كبيرة من المصرين ~~عصبة للمأمون، ودعا السري الناس لخلع الأمين فأجابوه وبايعوا المأمون؛ فقام ~~جابر في أمر الأمين فقاتله السري بن الحكم المذكور حتى هزمه وأخرجه من مصر ~~على أقبح وجه. فخرج جابر المذكور من مصر لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ست ~~وتسعين ومائة، فكانت ولايته على مصر سنة واحدة تقريبا. وولي مصر بعده أبو ~~نصر عباد بن محمد بن حيان من قبل المأمون. ### || AUT السنة التي حكم فيها جابر # على مصر وهي سنة ست وتسعين ومائة. فيها وقع بين عسكر الأمين والمأمون ~~وقائع يطول شرحها. وفيها رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وعقد له على الشرق ~~طولا وعرضا وجعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم، وكتب على سيفه " ذا الرياستين ~~" من جانب رياسة الحرب ومن جانب رياسة القلم والتدبير؛ فقام الفضل بأمر ~~المأمون كما يجب. وولى المأمون أيضا أخاه الحسن بن سهل دواوين الخراج. كل ~~ذلك والأمين ببغداد في قيد الحياة وفي تعبئة العساكر لقتال المأمون، غير ~~أنه ضعف أمره إلى الغاية. وفيها ولى الأمين محمد عبد الملك بن صالح الجزيرة ~~والشام. وفيها خلع الأمين وبويع المأمون ببغداد ثم أعيد الأمين. وسبب ذلك ~~أنه لما مات عبد الملك بن صالح العباسي بالرقة قام الحسين بن علي بن عيسى ~~بن ماهان فجمع الناس واستقل بالأمر بعد عبد الملك بن صالح، ونفق في العساكر ~~لأجل الأمين، ثم سار بهم إلى بغداد فاستقبله الأشراف والقواد وضربت له ~~القباب ودخل بغداد في شهر رجب. فلما كان الليل بعث الأمين " في " طلبه؛ ~~فأغلظ الحسين لرسول الأمين وقال: لا أنا مغن ولا مسامر ولا مضحك حتى يطلبني ~~في هذه الساعة ! وأصبح فخلع الأمين ودعا للمأمون، فوقع بسبب ذلك أمور وحروب ~~بينه وبين حواشي الأمين إلى أن ظفر به ms0385 الأمين ثم أطلقه ورضي عنه، وأعيد ~~الأمين للخلافة. ووقع للأمين مثل هذه الحكاية في هذه السنة غير مرة. وفيها ~~وقع بين طاهر بن الحسين وبين جيش الأمين وقعة عظيمة قتل فيها محمد بن يزيد ~~بن حاتم المهلبي، وطاهر من جهة المأمون وابن يزيد من جهة الأمين. وفيها ~~توفي عبد الله بن مرزوق، أبو محمد الزاهد البغدادي، كان وزير الرشيد فخرج ~~من ذلك وتخلى عن ماله وتزهد، رحمه اله تعالى. وفيها توفي أبو معاوية محمد ~~بن خازم الضرير الكوفي ؛ ولد سنة ثلاث عشرة ومائة وذهب بصره وله أربع سنين. ~~وهذا غير أبي معاوية الأسود، فإن الأسود اسمه اليمان. نزل أبو معاوية هذا ~~طرسوس وصحب الثوري وغيره. وفيها توفي أبو الشيص محمد بن رزين ؛ كان شاعرا ~~فصيحا. قال أبو بكر الأنباري: اجتمع أبو الشيص ودعبل وأبو نواس ومسلم بن ~~الوليد وتناشدوا الأشعار في عصر واحد. وحكي أن القاضي الوجيه أبا الحسن علي ~~بن يحيى الذروي دخل الحمام وكان ابن رزين هذا في الحمام، فأنشد ابن رزين ~~بحضرة القاضي المذكور لنفسه: " البسيط " لله يوم بحمام نعمت به ... والماء ~~من حوضه ما بيننا جاري كأنه فوق شقات الرخام ضحى ... ماء يسيل على أثواب ~~قصار فلما سمعه القاضي المذكور ضحك، ثم أنشد لنفسه في واقعة الحال: " ~~البسيط " وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء أقام ~~يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء ثم أنشد القاضي أيضا ~~ينعت الحمام بقوله: " الخفيف " إن عيش الحمام أطيب عيش ... غير أن المقام ~~فيه قليل جنة تكره الإقامة فيها ... وجحيم يطيب فيه الدخول فكأن الغريق ~~فيها كليم ... وكأن الحريق فيه خليل PageV01P0193 # وفيها توفي وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، أبو سفيان الرؤاسي الكوفي ~~الأعور؛ كان إماما محدثا ثقة حافظا كثير الحديث؛ ومولده سنة تسع وعشرين ~~ومائة، وقيل سنة ثمان وعشرين ومائة. " ورؤاس بطن من قيس عيلان " وأصله من ~~خراسان، وسمع من الأعمش وهشام بن عروة وغيرهما. قال يحيى بن معين: ما رأيت ~~أفضل من وكيع! ms0386 كان حافظا يحفظ حديثه ويقوم الليل ويسرد الصوم ويفتي بقول ~~أبي حنيفة؛ ويحيى " بن سعيد " القطان كان يفتي بقول أبي حنيفة أيضا. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وستة أصابع. ### | AUT ولاية عباد بن محمد # على مصر هو عباد بن محمد بن حيان البلخي، مولى كندة، الأمير أبو نصر. ~~ولاه المأمون على إمرة مصر بعد عزل جابر بن الأشعث عنها في شهر رجب سنة ست ~~وتسعين ومائة، بكتاب هرثمة بن أعين؛ وكان عباد هذا وكيلا على ضياع هرثمة ~~بمصر. فسكن عباد العسكر على عادة أمراء مصر، وجعل على شرطته هبيرة بن هاشم ~~بن حديج؛ ولما بلغ الأمين ولاية عباد هذا على مصر كتب إلى ربيعة بن قيس " ~~بن الزبير الجرشي " رئيس قيس الحوف بولاية مصر، وكتب أيضا إلى جماعة من ~~المصريين بإعانته؛ فلما بلغهم ذلك قاموا ببيعة الأمين وخلعوا المأمون ~~وساروا لمحاربة عباد أمير مصر وأصحابه، فخندق عباد على الفسطاط ؛ وكانت ~~بينهم حروب ووقائع آخرها الوقعة التي مسك فيها عباد وحمل إلى الأمين فقتله ~~الأمين في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، فكانت ولايته على مصر سنة واحدة ~~وسبعة أشهر. وتولى مصر من بعده المطلب بن عبد الله. وكان عباد هذا من أعيان ~~القواد، قدمه هرثمة بن أعين حتى ولاه المأمون مصر، وكان فيه رفق بالرعية ~~وعنده سياسة ومعرفة بالحروب. دخل مصر وغالب من بها ميله إلى الأمين فلا زال ~~بهم حتى وافقه كثير منهم، وكاد أمره يتم لولا انتقاض أهل الحوف عليه وكثر ~~جمعهم ووثبوا عليه، فجمع عباد عساكره وقاتلهم " من " عدة وجوه وهو في قلة ~~إلى أن ظفروا به فلم يبق عليه الأمين وقال: هذا ناب من أنياب عساكر ~~المأمون. ومع هذا كله ملكها المأمون وولى المأمون بها المطلب، ولم يقدر ~~الأمين على أن يولي بها أحدا، وقتل بعد مدة يسيرة وتولى المأمون الخلافة. ### || AUT السنة التي حكم فيها عباد # على مصر وهي سنة سبع وتسعين ومائة. فيها لحق القاسم ms0387 الملقب بالمؤتمن بن ~~الرشيد بأخيه المأمون، وصحبه عمه المنصور بن المهدي. وفيها كانت وقائع بين ~~عساكر الأمين والمأمون أسر في بعضها هرثمة بن أعين، فحمل بعض أصحاب هرثمة ~~على من أسره وضربه فقطع يده وخلص هرثمة، هذا والحصار عال في بغداد في كل ~~يوم نحو خمسة عشر شهرا، وكان المحاصر لها طاهر بن الحسين مقدم عساكر ~~المأمون، والمأمون بالري، ومع طاهر بن الحسين الأمير هرثمة بن أعين وزهير ~~بن المسيب. هذا والأمين ينفق الأموال على الجند وهو في غاية من الضيق ~~والشدة؛ وقتل جماعة كبيرة من أهل بغداد، وخرج النساء من الخدور حاسرات، ~~واشتدت شوكة المأمونية، وتفرق عن الأمين عساكره وأخذ أمره في إدبار إلى ما ~~سيأتي ذكره. وفيها توفي بقية بن الوليد بن صاعد بن كعب، أبو يحمد الكلاعي؛ ~~كان من أهل الشام، وكان ثقة في روايته عن الثقات ضعيفا في غيرهم؛ مولده سنة ~~عشر ومائة. وفيها توفي شعيب بن حرب، أبو صالح المدائني الزاهد؛ كان أصله من ~~أبناء خراسان ثم من أهل بغداد فتحول إلى المدائن ثم إلى مكة ودام بها إلى ~~أن مات. وكان له فضل ودين متين وزهد وورع. وفيها توفي عبد الله بن وهب بن ~~مسلم، أبو محمد مولى قريش من أهل مصر؛ كان كثير العلم ثقة ولد سنة خمس ~~وعشرين ومائة. وفيها توفي ورش المقرئ؛ واسمه عثمان بن سعيد بن عبد الله بن ~~عمرو بن سليمان. وقيل عثمان بن سعيد بن عدي بن غزوان بن داود بن سابق ~~القبطي المصري، إمام القراء أبو سعيد ويقال: أبو عمرو ويقال: أبو القاسم. ~~أصله من القيروان، وشيخه نافع، وهو الذي لقبه ورشا لشدة بياضه. والورش: شيء ~~يصنع من اللبن، وقيل: بل لقبه ورشان، وهو طائر معروف، فكان يعجبه هذا اللقب ~~ويقول: أستاذي نافع سماني به. وانتهت إليه رياسة القراء بالديار المصرية؛ ~~وكان بصيرا بالعربية، وكان أبيض أشقر أزرق سمينا مربوعا ويلبس ثيابا قصارا ~~ومولده سنة عشر ومائة. PageV01P0194 # وفيها توفي أبو نواس الحسن بن هانىء، وقيل: الحسن بن ms0388 وهب الحكمي، الشاعر ~~المشهور، حامل لواء الشعراء في زمانه؛ كان إماما عالما فاضلا غلب عليه ~~الشعر؛ قال شيخه أبو عبيدة: أبو نواس للمحدثين مثل امرئ القيس للمتقدمين. ~~ولقب بأبي نواس لذؤابتين كانتا تنوسان على قفاه، وإنما كان لقبه أولا أبا ~~علي. وفي سنة وفاته اختلاف كبير، فأقرب من قال في هذه السنة، وأبعد من قال ~~سنة خمس ومائتين؛ وأما شعره فكثير مشهور، ونوادره فكثيرة أيضا، وديوان شعره ~~كبير بأيدي الناس في عدة مجلدات. ومن أجود ما قال من الشعر قوله: ومستطيل ~~على الصهباء باكرها ... في فتية باصطباح الراح حذاق فكل شيء رآه ظنه قدحا ~~وكل شخص رآه ظنه الساقي وله: أذكى سراجا وساقي الشر يمزجها ... فلاح في ~~البيت كالمصباح مصباح كدنا على علمنا والشك نسأله ... أراحنا نارنا أم ~~نارنا راح أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### | AUT ولاية المطلب بن عبد الله # الأولى على مصر هو المطلب بن عبد الله بن مالك بن الهيثم الخزاعي أمير ~~مصر. ولاه المأمون على مصر بعد عزل عباد بن محمد عنها والقبض عليه في صفر ~~سنة ثمان وتسعين ومائة، وجمع له صلاة مصر وخراجها معا. وقدم إلى مصر من مكة ~~في النصف من شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائة وسكن العسكر، وأقر على ~~شرطته هبيرة بن هاشم " بن حديج " مدة قليلة، ثم عزله بمحمد بن عسامة " بن ~~عمرو المعافري " ، ثم عزل محمدا بعبد العزيز بن الوزير الجروي، ثم عزل عبد ~~العزيز بإبراهيم بن عبد السلام الخزاعي، ثم عزله بهبيرة بن هاشم المذكور ~~أولا. كل ذلك لما كان في أيامه من كثرة الاضطراب بمصر، والفتن والحروب ~~قائمة في كل قليل بديار مصر؛ فإن أهل مصر كانوا يوم ذاك فرقتين: فرقة من ~~حزب الأمين محمد الخليفة، وفرقة من حزب أخيه المأمون. فقاسى المطلب هذا ~~بمصر شدائد مع أنه لم تطل مدته وعزل بالعباس بن موسى في شوال سنة ثمان ~~وتسعين ومائة. فكانت ولايته ms0389 على إمرة مصر نحوا من سبعة أشهر ونصف شهر، وقبض ~~عليه وحبس مدة طويلة بإذن المأمون. وتأتي بقية ترجمته في ولايته الثانية ~~على مصر بعد خروجه من السجن عند عزل الأمير العباس بن موسى عن مصر إن شاء ~~الله تعالى. ### || AUT السنة التي حكم فيها المطلب # بن عبد الله على مصر وهي سنة ثمان وتسعين ومائة. فيها كان حصار الأمين ~~ببغداد إلى أن ظفر به وقتل في المحرم صبرا وله عشرون سنة، وعلقت رأسه وطيف ~~بها. وفيها ولي الخلافة المأمون بن هارون الرشيد عوضا عن أخيه محمد الأمين، ~~وكانت كنيته أبا العباس؛ فلما ولي الخلافة كني بأبي جعفر على كنية جد أبيه. ~~وفيها في رمضان ثار أهل قرطبة بالأمير الحكم بن هشام الأموي وحاربوه لجوره ~~وفسقه وأحاطوا بالقصر، وأشتد القتال وعظم الخطب واستظهروا عليه؛ فأمر الحكم ~~أمرائه فحملوا عليهم وقاتلوهم حتى هزموهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة وصلب من ~~وجوه القوم ثلاثمائة على النهر منكسين؛ وبقي القتل والنهب والتحريق في ~~قرطبة ثلاثة أيام، ثم أمنهم فهج أهل قرطبة إلى البلاد. وفيها توفي سفيان بن ~~عيينة بن أبي عمران؛ وأسم أبي عمران ميمون مولى محمد بن مزاحم الهلالي أخي ~~الضحاك المفسر؛و كنيته - أعني سفيان - أبو محمد الكوفي ثم المكي، الإمام ~~شيخ الإسلام، مولده سنة سبع ومائة في نصف شعبان؛ كان إماما ثقة حجة عالما ~~صالحا. قال الحسين ؛ بن عمران بن عيينة: حججت مع عمي سفيان آخر حجة حجها ~~سنة سبع وتسعين ومائة. فلما كنا بجمع - يعني المزدلفة - استلقى على فراشه ~~ثم قال: قد وافيت هذا الموضع سبعين عاما أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله ~~آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك، ~~فرجع فتوفي في العام في شهر رجب. وكان سفيان يقول: لا يمنع أحدكم من الدعاء ~~ما يعلم من نفسه، فإن الله قد استجاب دعاء شر الخلق وهو إبليس " قال رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين " . وكان أيضا يقول: يستحب ms0390 ~~للرجل أن يقول في دعائه: اللهم استرني بسترك الجميل ؛ ومعنى الستر الجميل ~~أن يستر على عباده في الدنيا والأخرة. PageV01P0195 # وقال غيره: إن الرجل ليحدث الذنب فلا يزال نادما حتى يموت فيدخل الجنة ~~فيقول إبليس: يا ليتني لم أوقعه فيه. وفيها توفي عبد الرحمن بن مهدي بن ~~حسان، أبو سعيد العنبري البصري اللؤلؤي، الإمام الحافظ؛ كان ثقة كثير ~~الحديث من كبار العلماء الحفاظ؛ ولد سنة خمس وثلاثين ومائة وسمع الكثير. ~~قال إسماعيل القاضي: سمعت ابن المدني يقول: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن ~~بن مهدي. قال أحمد بن سنان: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه ولا ~~يبرى قلم ولا يقوم أحد قائما، كأن على رؤوسهم الطير وكأنهم في صلاة، فإذا ~~رأى أحدا منهم يتبسم أو تحدث لبس نعله وخرج. وفيها توفي علي بن عبد الله بن ~~خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، الأموي الهاشمي، أبو الحسن المدعو ~~بالسفياني، المتغلب على دمشق؛ وكان يلقب بأبي العميطر لأنه قال لأصحابه ~~يوما: إيش لقب الجرذون؛ فقالوا: لا ندري، فقال: أبوالعميطر، فلقب به. ولما ~~خرج بدمشق ودعا لنفسه وتسمى بالسفياني كان ابن تسعين سنة، وبايعه أهل دمشق ~~بالخلافة سنة خمس وتسعين ومائة، واشتغل عنه الخليفة الأمين بحرب أخيه ~~المأمون؛ فانتهز السفياني هذه الفرصة وملك دمشق، حتى قاتله أعوان الخليفة ~~وهزموه، فاختفى بالمزة وأقام بها أياما ومات. وقد تقدم في سنة خروجه أن ~~حديث السفياني موضوع وضعه خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان جد علي هذا. ~~وفيها كانت قتلة الخليفة أمير المؤمنين الأمين محمد؛ وكنيته أبو عبد الله، ~~وقيل أبو موسى، ابن الخليفة هارون الرشيد ابن الخليفة محمد المهدي ابن ~~الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ~~الهاشمي العباسي البغدادي. وأمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور. قيل: ~~إنه لم يل الخلافة بعد علي بن أبي طالب والحسن وله رضي الله عنهما ابن ~~هاشمية غير الأمين هذا. وقد تقدم ذكر ما ms0391 وقع له مع أعوان أخيه المأمون من ~~الحروب إلى أن حاصره طاهر بن الحسين ببغداد نحو خمسة عشر شهرا حتى ظفر به ~~وقتله صبرا في المحرم من هذه السنة، وطيف برأسه. وقتل الأمين وله عشرون ~~سنة. وكان أخوه المأمون أسن منه بشهر واحد. وكان الأمين من أحسن الشباب ~~صورة: كان أبيض طويلا جميلا ذا قوة مفرطة وبطش وشجاعة معروفة وفصاحة وأدب ~~وفضيلة وبلاغة، لكنه كان سيىء التدبير ضعيف الرأي أرعن مبذرا للأموال ~~لايصلح للخلافة؛ وكان مدمنا للخمر، منادما للفساق والمغاني والمساخر، و ~~اشترى عريب المغنية بمائة ألف دينار، واحتجب عن إخوانه وأهل بيته؛ وقدم ~~الأموال والجواهر في النساء والخصيان. ومحبته لخادمه كوثر مشهورة، منها: ~~أنه لما كان في الحصار خرج كوثر المذكور ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه ~~فجلس يبكي، وجعل الأمين هذا يمسح الدم عن وجهه، ثم أنشد: " مجزوء الرمل " ~~ضربوا قرة عيني ... ومن أجلي ضربوه أخذ الله لقلبي ... من أناس أحرقوه ولم ~~يقدر على الزيادة، فأحضر عبد الله بن أيوب التيمي الشاعر، فقال له: قل ~~عليهما، فقال: " مجزوء الرمل " ما لمن أهوى شبيه ... فبه الدنيا تتيه وصله ~~حلو ولكن ... هجره مر كريه من رأى الناس له الفض ... ل عليهم حسدوه مثل ما ~~قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه فقال الأمين: أحسنت! بحياتي يا عباس انظر، ~~إن كان جاء على ظهر فأوقره له، وإن كان جاء في زورق فأوقره؛ قال: فأوقروا ~~له ثلاثة أبغل دراهم. قلت: وحكايات الأمين كثيرة، وجنونه وكرمه أشهر من أن ~~يذكر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### | AUT ولاية العباس بن موسى # على مصر PageV01P0196 # هو العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ~~الهاشمي العباسي؛ ولي مصر بعد عزل المطلب عنها في شوال سنة ثمان وتسعين ~~ومائة؛ ولاه المأمون على الصلاة والخراج ؛ ولما ولي مصر قدم ابنه عبد الله ~~أمامه إلى مصر خليفة له عليها؛ فقدم ms0392 عبد الله إلى مصر ومعه الحسن بن عبيد ~~بن لوط الأنصاري، ومحمد بن إدريس - أعني الإمام الشافعي - رحمه الله ~~لليلتين بقيتا من شوال من السنة المذكورة. ولما دخل عبد الله المذكور ~~والحسن بن عبيد سجنا المطلب المعزول عن إمرة مصر قبل تاريخه. وسكن عبد الله ~~العسكر على العادة، وتشدد على أهل مصر فبغضوه وثاروا عليه، ووافقهم جند ~~مصر؛ فقاتلهم عبد الله المذكور غير مرة، ومنعهم الحسن بن عبيد أعطياتهم ~~وتهددهم لموافقتهم على حرب عبد الله. ثم تحامل الحسن المذكور على الرعية ~~وعسفها وتهدد الجميع؛ فاجتمع الجميع وثاروا ووقفوا جملة واحدة؛ فخرج إليهم ~~عبد الله وقاتلهم، فهزموه وأخرجوه من مصر؛ ثم عمدوا إلى المطلب بن عبد الله ~~وأخرجوه من حبسه وأقاموه على إمرة مصر لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ~~تسع وتسعين ومائة. ولما بلغ العباس صاحب الترجمة ما وقع لابنه عبد الله ~~بمصر قصد الديار المصرية حتى نزل بلبيس ودعا قيسا لنصرته ومضى إلى الحوف، ~~ثم عاد مريضا إلى بلبيس فمات به لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة من سنة ~~تسع وتسعين ومائة. يقال: أن المطلب دس عليه سما في طعامه فمات منه. وأما ~~ابنه عبد الله فقال صاحب البغية: قتله الجند في يوم النحر: سنة ثمان وتسعين ~~ومائة. فكانت مدة إقامته خليفة عن أبيه شهرين ونصف شهر. قلت: وأما ولاية ~~العباس على مصر أيام ناب عنه ابنه و زمان قتاله مع أهل مصر فكانت كلها ~~حروبا وفتنا. ولعل العباس لم يدخل مصر ولا حكمها. ### | AUT ولاية المطلب الثانية # على مصر قد تقدم ذكره في ولايته الأولى على مصر؛ وأما ولايته هذه فكانت ~~بعد خروجه من السجن، لأنه لما قامت جند مصر والرعية على عبد الله بن العباس ~~والحسن بن عبيد وأخرجوهما من مصر، وقيل بل قتلوا عبد الله بن العباس ~~المذكور، ولوا عليهم المطلب هذا بعد أن أخرجوه من السجن، فاستولى على مصر ~~ورفق بالرعية وأجزل لهم أعطياتهم وأحسن إليهم، فانضم عليه خلائق من الجند ~~ومن أهل مصر ms0393 وغيرهم؛ فاستفحل أمره بهم وقويت شوكته، وأخرج من كان بمصر من ~~أصحاب العباس وابنه عبد الله، وتم أمره إلى أن قدم العباس بنفسه إلى مدينة ~~بلبيس فلم يقدر على دخول مصر، ووقع له مع العباس أمور وحروب، إلى أن دس ~~عليه المطلب هذا سما فمات العباس منه، كما ذكرناه في ترجمته. ولما بلغ ~~المأمون ذلك لم يجد بدا من أن يقره على إمرة مصر لشغله بقتال أخيه الأمين. ~~فاستمر المطلب هذا على إمرة مصر إلى أن تم أمر المأمون في الخلافة وثبتت ~~قدمه فعزله عنها بالسري ابن الحكم في مستهل شهر رمضان سنة مائتين. وكان ~~المطلب قد ولى على شرطته أحمد بن حوي، ثم عزله بهبيرة بن هاشم. فلما قدم ~~السري بن الحكم إلى نحو مصر لم يطق المطلب هذا مدافعته عنها لكثرة جيوش ~~السري وجموعه، فشاور أصحابه فأشاروا عليه بالثبات والقتال، فجمع هو أيضا ~~جمعا هائلا وقام بنصرته غالب جند مصر؛ والتقى مع السري وقاتله غير مرة، ~~وقتل بين الطائفتين خلائق، حتى كانت الهزيمة على المطلب وأصحابه، وخرج ~~هاربا من مصر إلي نحو مكة.ودافع الجند وأهل مصر عن نفوسهم حتى أمنهم السري، ~~ودخل إلى مصر واستولى عليها. فكان حكم المطلب في هذه المرة الثانية على مصر ~~سنة واحدة وسبعة أشهر. وقال صاحب البغية: وثمانية أشهر. ### || AUT السنة التي حكم في أولها العباس # ثم المطلب بن عبد اله على مصر وهى سنة تسع وتسعين ومائة. فيها قدم الحسن ~~بن سهل من عند الخليفة المأمون إلى بغداد وفرق عماله في البلاد، ثم جهز ~~أزهر بن زهير " بن المسيب " لقتال الهرش الخارجي في المحرم؛ فقتل الهرش ~~المذكور. PageV01P0197 # وفيها في جمادى الآخرة خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن طباطبا - واسم ~~طباطبا إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - يدعو ~~إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه و سلم، وكان القائم بأمره أبو السرايا ~~السري بن منصور الشيباني، فهاجت الفتن وأسرع الناس إلى ابن طباطبا واستوسقت ~~له الكوفة؛ ms0394 فجهز الحسن بن سهل لحربه زهير بن المسيب في عشرة آلاف، فالتقوا ~~فانهزم زهير بن المسيب واستباحوا عسكره. فلما كان من الغد أصبح محمد بن ~~إبراهيم المذكور ميتا فجاءة، فأقام أبو السرايا في الحال شابا أمرد اسمه ~~محمد بن محمد بن زيد من العلويين؛ ثم جهز له الحسن جيشا آخر وآخر. ووقع ~~لأبي السرايا هذا مع عساكر الحسن بن سهل أمور ووقائع يأتي ذكر بعضها في ~~محلها إن شاء الله تعالى. وفيها توفي سليمان بن أبي جعفر المنصور بن محمد ~~بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو أيوب الهاشمي العباسي أمير دمشق ~~وغيرها؛ كان حازما عاقلا جوادا ممدحا. وفيها توفي علي بن بكار، أبو الحسن ~~البصري؛ كان إماما عالما زاهدا؛ انتقل من البصرة فنزل المصيصة فأقام ~~مرابطا؛ وكان صاحب كرامات واجتهاد. وفيها توفي عمارة بن حمزة بن مالك بن ~~يزيد بن عبد الله مولى العباس بن عبد الملك؛ كان أحد الكتاب البلغاء ~~الأجواد، وكان ولاه أبو جعفر المنصور خراج البصرة، وكان فاضلا بليغا فصيحا، ~~آلا أنه كان فيه تيه شديد يضرب به المثل، حتى إنه كان يقال: أتيه من عمارة؛ ~~وله في التيه والكرم حكايات كثيرة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي إسحاق بن سليمان الرازي " أبو يحيى " ، وحفص بن عبد الرحمن ~~قاضي نيسابور، والحكم بن عبد الله أبو مطيع البلخي، وسيار بن حاتم، وشعيب ~~بن الليث بن سعد في صفر، وعبد الله بن نمير الخارفي الكوفي، وعمر بن حفص ~~العبدي البصري، وعمرو بن محمد العنقزي الكوفي، ومحمد بن شعيب بن شابور ~~ببيروت، والهيثم بن مروان العنسي الدمشقي، ويونس بن بكير الكوفي راوي ~~المغازي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع. ~~مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### | AUT ولاية السري بن الحكم الأولى على مصر # هو السري بن الحكم بن يوسف بن المقوم، مولى من بني ضبة، وأصله من بلخ من ~~قوم يقال لهم " الزط " ، أمير مصر. وليها ms0395 بإجماع الجند وأهل مصر على الصلاة ~~والخراج معا في مستهل شهر رمضان سنة مائتين بعد عزل المطلب عنها. وسكن ~~العسكر على عادة أمراء مصر، وجعل على شرطته محمد بن عسامة، وأخذ في إصلاح ~~أمور مصر وقراها. وبينما هو في ذلك وثب عليه الجند في مستهل شهر ربيع الأول ~~سنة إحدى ومائتين لأمر اقتضى ذلك، وحصل بينه وبينهم أمور ووقائع يطول ~~شرحها، حتى ورد عليه الخبر من الخليفة المأمون عبد الله بعزله عن إمرة مصر ~~بسليمان بن غالب في شهر ربيع الأول المذكور. وقيل: إنه هو الذي خرج من مصر ~~واستعفى لأمور صدرت في حقه من الجند والرعية. وقيل: إن الجند قبضوا عليه ~~بأمر الخليفة وحبسوه. وكانت ولايته على مصر نحوا من ستة أشهر تخمينا. ### || AUT السنة التي حكم في أولها المطلب # وفي آخرها السري بن الحكم على مصر وهي سنة مائتين من الهجرة. فيها في ~~المحرم هرب أبو السرايا والطالبيون من الكوفة إلى القادسية، فدخل الكوفة ~~هرثمة بن أعين ومنصور بن المهدي بعساكرهما وأمنوا أهلها؛ فتوجه أبو السرايا ~~وحشد وجمع ورجع إلى نحو الكوفة وواقع القوم فانهزم وأمسك وأتي به إلى الحسن ~~بن سهل، فقتله في عاشر شهر ربيع الأول بأمر الخليفة المأمون. وفيها هاج ~~الجند ببغداد لكون الحسن بن سهل لم ينصفهم في العطاء، وبقيت الفتنة بينه ~~وبينهم أياما كثيرة ثم صلح الأمر بينهم. وفيها أحصي ولد العباس فبلغوا ~~ثلاثة وثلاثين ألفا ما بين ذكر وأنثى. وفيها قتلت الروم ملكهم ليون وكان له ~~عليهم سبع سنين، وملكوا ميخائيل بن جورجيس. وفيها قتل الخليفة المأمون يحيى ~~بن عامر بن إسماعيل، لكونه أغلظ في الكلام وقال: يا أمير الكافرين. وفيها ~~توفي معاذ بن هشام الدستوائي البصري الحافظ، روى عن أبيه وابن عون وأشعث بن ~~عبد الملك وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل وإسحاق وبندار وابن المديني ~~وغيرهم. وقال العباس بن عبد العظيم الحافظ: كان عنده عن أبيه عشرة آلاف ~~حديث. PageV01P0198 # وفيها توفي زاهد الوقت معروف بن الفيرزان، وقيل: ابن فيروز أبو ms0396 محفوظ، ~~وقيل: أبو الحسن، من أهل كرخ بغداد؛ كان إمام وقته وزاهد زمانه. ذكر معروف ~~الكرخي عند أحمد بن حنبل فقالوا: قصير العلم، فقال للقائل: أمسك، وهل يراد ~~من العلم إلا ما وصل إليه معروف! وكان أبواه من أعمال واسط من الصابئة. وعن ~~أبي علي الدقاق قال: كان أبواه نصرانيين فأسلماه إلى مؤدب نصراني، فكان ~~يقول له: قل ثالث ثلاثة، فيقول معروف: بل هو الواحد، فيضربه، فهرب ثم أسلم ~~أبواه. ومن كلام معروف - رحمة الله عليه - قال: من كابر الله صرعه، ومن ~~نازعه قمعه، ومن ما كره خدعه، ومن توكل عليه منعه، ومن تواضع له رفعه. وعنه ~~قال: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله. وقال رجل: حضرت معروفا ~~فاغتاب رجل " رجلا " ، عنده؛ فقال معروف: اذكر القطن إذا وضع على عينيك. ~~وعنه قال: ما أكثر الصالحين وما أقل الصادقين. قلت: ومناقب معروف كثيرة، ~~؛زهده وصلاحه مشهور، نفعنا الله ببركته. وفيها في أول المحرم قدم مكة حسين ~~بن حسن الأفطس، ودخل الكعبة وجردها وأخذ جميع ما كان عليها وكساها ثوبين ~~رقيقين من قز، كان أبو السرايا بعث بهما إليها، مكتوب عليهما: " أمر به ~~الأصفر بن الأصفر " أبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت الله الحرام، وأن ~~تطرح عنها كسوة الظلمة من ولد العباس؛ ثم أخذ الحسين أموالا كثيرة من أهل ~~مكة وصادرهم وأبادهم. وفيها توفي أبان بن عبد الحميد بن لاحق اللاحقي؛ كان ~~شاعرا فاضلا بليغا؛ قدم بغداد واتصل بالبرامكة، وله فيهم مدائح كثيرة، وصنف ~~لهم كتاب " كليلة ودمنة " وهو فرد في معناه. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع.. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية سليمان بن غالب على مصر # هو سليمان بن غالب بن جميل بن يحيى بن قزة البجلي الأمير أبو داود؛ ولي ~~إمرة مصر على الصلاة والخراج معا، بعد عزل السري بن الحكم وحبسه، بإجماع ~~الجند وأهل مصر عليه في يوم الثلاثاء لأربع خلون من شهر ربيع الأول ms0397 من سنة ~~إحدى ومائتين. وسكن العسكر، وجعل على شرطته أبا ذكر بن جنادة بن عيسى ~~المعافري، فشدد على المصريين، فعزله عن الشرطة بالعباس بن لهيعة " بن عيسى ~~" الحضرمي. ثم وقع بين سليمان هذا وبين الجند أيضا وحشة فوثبوا عليه ~~وقاتلوه، ووقع له معهم وقائع وحروب كثيرة آلت إلى عزله عن إمرة مصر، فصرفه ~~المأمون عنها، وأعاد على إمرة مصر السري بن الحكم ثانية، فكانت ولاية ~~سليمان هذا على إمرة مصر خمسة أشهر؛ فإنه صرف في مستهل شعبان سنة إحدى ~~ومائتين، وتوجه إلى المأمون وصار من جملة القواد؛ وندبه المأمون لقتال بابك ~~الخرمي، وهذا أول ظهور بابك الخرمي في الجاويدانية. وبابك هو من أصحاب ~~الجاويدان بن سهل صاحب البذ، وادعى بابك أن روح جاويدان دخلت فيه، وأخذ ~~بابك في العبث والفساد - وتفسير جاويدان: الدائم الباقي. ومعنى خرم: فرج، ~~وهي مقالات المجوس، والرجل منهم ينكح أمه وأخته، ولهذا يسمونه دين الفرج؛ ~~ويعتقدون مذهب التناسخ وأن الأرواح تنتقل من جوف إلى غيره - وعاد سليمان ~~صاحب الترجمة إلى الخليفة من غير أن يلقى حربا؛ فإن بابك المذكور لما سمع ~~بمجيء العساكر هرب؛ واستمر سليمان عند المأمون إلى أن كان ما سنذكره. ### || AUT السنة التي حكم في أولها السري # بن الحكم إلى مستهل ربيع الأول، ثم سليمان بن غالب إلى شعبان، ثم السري ~~بن الحكم ثانية على مصر وهي سنة إحدى ومائتين. فيها جعل المأمون ولي عهده ~~في الخلافة من بعده عليا الرضى بن موسى الكاظم العلوي، وخلع أخاه القاسم من ~~ولاية العهد، وترك لبس السواد ولبس الخضرة، وترك غالب شعار بني العباس ~~أجداده ومال إلى العلوية؛ فشق ذلك على بني العباس وعلى القواد وجميع أهل ~~الشرق لاسيما أهل بغداد، وخرج عليه جماعة كثيرة بسبب ذلك، وثارت الفتن لهذه ~~الكائنة؛ وكلم المأمون أكابر بني العباس في ذلك فلم يلتفت إلى كلامهم. ~~PageV01P0199 # وفيها ولى المأمون زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب التميمي إمرة المغرب. ~~وفيها كتب المأمون إلى إسماعيل بن جعفر بن سليمان العباسي أمير البصرة ms0398 ~~يأمره بلبس الخضرة، فامتنع ولم يبايع بالعهد لعلي الرضى ؛ فبعث إليه ~~المأمون عساكرا لحربه فسلم نفسه بلا قتال، فحمل هو وولداه إلى خراسان، ~~وفيها المأمون، فمات هناك. وفيها خرج منصور بن المهدي العباسي أيضا بكلواذا ~~ونصب نفسه ثانيا للمأمون ببغداد فسموه المرتضى وسلموا عليه بالخلافة؛ ~~فامتنع من ذلك وقال: إنما أنا نائب للمأمون. فلما ضعف عن قبول ذلك عدلوا ~~إلى أخيه إبراهيم بن المهدي فبايعوه بالخلافة. كل ذلك بسبب ميل المأمون إلى ~~العلوية. وجرت فتنة كبيرة واختبط العراق سنين وخطب به باسم إبراهيم بن ~~المهدي على المنابر. وفيها توفي عبد الله بن الفرج، الشيخ أبو محمد القنطري ~~العابد الزاهد؛ كان من كبار المجتهدين؛ كان بشر الحافي يحبه ويثني عليه ~~ويزوره. وفيها توفي حماد بن أسامة بن زيد الحافظ، أبو أسامة الكوفي، مولى ~~بني هاشم؛ روى عن الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وأسامة بن زيد الليثي ~~وغيرهم؛ وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي مع تقدمه وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين ~~وعلي بن المديني وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق الكوسج وغيرهم. وقال محمد بن ~~عبد الله بن عفار: كان أبو أسامة في زمن الثوري يعد من النساك. وفيها في ذي ~~القعدة توفي علي بن عاصم بن صهيب الحافظ، أبو الحسن مولى بنت محمد بن أبي ~~بكر الصديق؛ كان من أهل واسط؛ ولد سنة ثمان ومائة، أو خمس ومائة؛ وكان ~~محدثا فاضلا؛ روى عنه الإمام أحمد بن حنبل وطبقته، إلا أنهم قالوا: كان ~~يخطئ فضعفوه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو ~~أسامة الكوفي، وحرمي بن عمارة، وحماد بن مسعدة، وعلي بن عاصم. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ~~ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ؟؟؟؟؟؟ ### | AUT ولاية السري الثانية # على مصر تولى السري ثانيا على مصر من قبل الخليفة المأمون على الصلاة ~~والخراج معا. وقدم الخبر من المأمون بولايته في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ~~خلت من شعبان سنة إحدى ومائتين، ms0399 ففي الحال أخرج من السجن ولبس خلعة المأمون ~~بإمرة مصر توجه إلى العسكر وسكن به. وجعل على شرطته محمد بن عسامة أياما، ~~ثم عزله بالحارث بن زرعة أياما ؛ فشكا منه الجند فعزله بابنه ميمون، ثم عزل ~~ميمونا أيضا بأبي ذكر بن المخارق، ثم عزله بأخيه صالح بن الحكم، ثم عزل ~~صالحا بأخيه إسماعيل، ثم عزل إسماعيل بأخيه داود؛ كل ذلك لتغلب أهل مصر ~~عليه وهو يصغي إلى قولهم إلى أن أستفحل أمره. ولما ثبتت قدمه في إمرة مصر ~~أخذ يتتبع من كان حاربه وعاداه في أول ولايته، فمسك منهم جماعة وأخرج ~~جماعة، ومهد أمور مصر وأصلح أحوال أهل البلاد وأباد أهل الحوف. وأستمر على ~~إمرة مصر إلى أن توفي بها في سلخ جمادى الأولى من سنة خمس ومائتين. وقال ~~صاحب البغية: مات بالفسطاط يوم السبت لانسلاخ ربيع الأول من سنة خمس ~~ومائتين. قلت: وعلى هدا القول كانت ولايته على مصر في هذه المرة الثانية ~~ثلاث سنين وتسعة أشهر وثمانية عشر يوما. وتولى إمرة مصر من بعده ابنه محمد ~~بن السري. وكان السري أميرا جليلا معظما في القول وفي الأعمال وتنقل في ~~البلاد، وكان ممن أنضم على المأمون من القواد، ووقع له أمور بمصر ذكرنا ~~بعضها إلى أن أعيد إليها ثانيا، واستمر بها إلى أن توفي، حسبما تقدم ذكره. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ### || AUT السنة الأولى من ولاية السري # بن الحكم الثانية على مصر وهي سنة اثنتين ومائتين - على أنه حكم فيها من ~~الخالية من شعبان إلى آخرها حسبما تقدم ذكره. فيها، أعني سنة اثنتين ~~ومائتين، بايع العباسيون إبراهيم بن المهدي ولقبوه بالمبارك المنير. وأول ~~من بايع إبراهيم بن المهدي المذكور عبد الله بن العباس بن محمد بن علي ~~العباسي، ثم أخوه منصور بن المهدي ثم بنو عمه ثم القواد؛ وخلعوا المأمون من ~~الخلافة لكونه أخرج العباسيين من ولاية العهد وجعلها في العلويين، ولبس ~~الخضرة وترك لبس السواد الذي هو شعار بني العباس. ووقع بولاية إبراهيم هذا ~~أمور وفتن وحروب آلت إلى خلع إبراهيم هذا ms0400 وهربه واختفائه، كما سيأتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى. PageV01P0200 # وفيها خرج المأمون من مرو يريد العراق، وكانت الحرب قائمة بين الحسن بن ~~سهل وبين إبراهيم بن المهدي المذكور. وفيها توفي الحسن بن الوليد، أبو علي ~~النيسابوري، وقيل أبو عبد الله القرشي؛ كان من خراسان وقدم إلى بغداد وحدث ~~بها؛ وكان يطعم أهل الحديث الفالوذج ؛ وقرأ على الكسائي، وكان له ثروة ومال ~~ينفقه على العلماء ويغزو الترك ويحج في كل عام. وفيها توفي الفضل بن سهل بن ~~عبد الله، وزير المأمون وعظيم دولته، ذو الرياستين أبو عبد الله، كان أبوه ~~سهل من أولاد ملوك المجوس، أسلم في أيام هارون الرشيد و اتصل بيحيى ~~البرمكي، و اتصل ابناه الفضل هذا و أخوه الحسن بالفضل وبجعفر ابني يحيى ~~البرمكي؛ فضم جعفر البرمكي الفضل هذا إلى المأمون وهو ولي عهد الخلافة، ~~فغلب على المأمون بخلاله الجميلة من الوفاء والبلاغة والكتابة حتى صار أمر ~~المأمون كله بيده، لا سيما " أنه " لما ولي الخلافة ولاه الأعمال الجليلة. ~~وكان الفضل هذا هو القائم بالتدبير في خلع الأمين وقتاله حتى تم له ذلك. ~~وتولى الوزارة من بعده أخوه الحسن بن سهل. وكان موته بسرخس؛ قتله أربعة من ~~حواشي المأمون في ليلة الجمعة ثالث شعبان في الحمام بسرخس، فتتبع المأمون ~~قتلته حتى ظفر بهم وقتلهم. وقتل الفضل وهو ابن ستين سنة، وقيل إحدى وأربعين ~~سنة. وفيها توفي يحيى بن المبارك بن المغيرة، أبو عبد الله اليزيدي النحوي ~~العدوي البصري؛ وسمي اليزيدي لأنه كان منقطعا ليزيد بن منصور الحميري خال ~~الخليفة محمد المهدي؛ كان إماما في النحو واللغة والأدب ونقل النوادر وكلام ~~العرب، وله تصانيف مفيدة، منها: كتاب الحيل، وكتاب مناقب بني العباس، وكتاب ~~أخبار اليزيديين، وله أيضا مختصر في النحو. ومات في جمادى الآخرة. رحمه ~~الله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية السري # الثانية على مصر وهي سنة ثلاث ومائتين. فيها ms0401 توجه المأمون إلى طوس فأقام ~~بها عند قبر أبيه أياما؛ وفي إقامة المأمون بطوس مات علي بن موسى الرضى ~~العلوي ولي عهد المأمون، - فدفن عند قبر الرشيد؛ واغتم المأمون لموته، ثم ~~كتب لأهل بغداد يعلمهم بموت علي المذكور. وعلي هذا هو الذي كان المأمون عهد ~~له وقامت تلك الحروب بسببه. ثم كتب المأمون لأهل بغداد ولبني العباس أنه ~~يجعل العهد في بني العباس ؛ فأجابوه بأغلظ جواب، وقالوا: لا نؤثر على ~~إبراهيم بن المهدي أحدا. ثم وقع بينه وبين إبراهيم أمور آخرها أن إبراهيم ~~انكسر وهرب واختفى سنين إلى أن ظفر به المأمون وعفا عنه. وفيها غلبت ~~السوداء على الوزير الحسن بن سهل وتغير عقله فقيد بالحديد وحبس في بيت ~~بواسط؛ وأخبر المأمون بذلك فكتب بأن يكون على عساكر الحسن بن سهل دينار بن ~~عبد الله، وأن المأمون واصل عقيب كتابه. وفيها كانت زلزلة عظيمة سقطت فيها ~~منارة الجامع والمسجد ببلخ ونحو ربع المدينة. وفيها اختفى إبراهيم بن ~~المهدي الذي كان بويع بالخلافة في سابع عشر ذي الحجة وبقي مختفيا عدة سنين. ~~وكانت أيامه سنتين إلا بضعة عشر يوما، وخلافته لم يثبتها المؤرخون ولا عده ~~أحد من الخلفاء، غير أنه كان بنو العباس بايعوه لما جعل المأمون العلوي ولي ~~عهده، فلم يتم أمره وهرب واختفى. وفيها وصل المأمون إلى همذان في آخر ~~السنة. وفيها توفي حسين بن علي بن الوليد الجعفي مولاهم الكوفي المقرىء ~~الزاهد أبو عبد الله، وقيل أبو محمد؛ روى عن حمزة الزيات وقرأ عليه؛ وكان ~~إماما ثقة حافظا محدثا. وفيها توفي علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر ~~الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبى طالب، ~~الإمام أبو الحسن PageV01P0201 # وروى عنه ابنه أبو جعفر محمد وأبو عثمان المازني والمأمون وطائفة. وأمه ~~أم ولد ؛ وله عدة إخوة كلهم من أمهات أولاد، وهم: إبراهيم والعباس والقاسم ~~وإسماعيل وجعفر وحسن وأحمد ومحمد وعبيد الله وحمزة وزيد عبد الله وإسحاق ~~والحسين والفضل وسليمان وعدة بنات. ms0402 وكان علي هذا سيد بني هاشم في زمانه ~~وأجفهم، وكان المأمون يعظمه ويبجله ويخضع له ويتغالى فيه حتى إنه جعله ولي ~~عهده من بعده وكتب بذلك إلى الأفاق، فاضطربت مملكته بسببه، فلم يرجع عن ذلك ~~حتى مات علي هذا؛ وبعد موته جعل المأمون العهد في بني العباس. وفي علي هذا ~~يقول أبو نواس الحسن بن هانىء: " الخفيف " قيل لي أنت أحسن الناس طرا ... ~~في فنون من المقال النبيه لك من جيد القريض مديح ... يثمر الدر في يدي ~~مجتنيه قلت لا أستطيع مدح إمام ... كان جبريل خادما لأبيه أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وعشرة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية السري الثانية على مصر # ؟وهي سنة أربع ومائتين. فيها وصل المأمون إلى النهروان فتلقاه بنو هاشم ~~والقواد، ودخل بغداد في نصف صفر؛ وبعد ثمانية أيام كلمه بنو العباس في ترك ~~الخضرة ولبس السواد، ولا زالوا به حتى أذعن وترك الخضرة ولبس السواد. وفيها ~~ولى المأمون أخاه أبا عيسى على الكوفة، وولى أخاه صالحا على البصرة، وولى ~~يحيى بن معاذ على الجزيرة؛ فتوجه يحيى بن معاذ إلى الجزيرة وواقع بابك ~~الخزمي الخارجي حتى أخرجه منها. وفيها توفي أشهب بن عبد العزيز بن داود بن ~~إبراهيم، الإمام العالم الفقيه أبو عمرو القيسي العامري المصري فقيه مصر، ~~وقيل اسمه مسكين ولقبه أشهب؛ سمع مالكا والليث ويحيى بن أيوب وسليمان بن ~~بلال وغيرهم؛ وهو أحد أصحاب الإمام مالك رضي الله عنه الكبار. قال الشافعي: ~~ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه. وقال سحنون رحمه الله: أشهب ما ~~كان يزيد في سماعه حرفا واحدا. وفضله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم على ~~ابن القاسم في الرأي حتى إنه قال: أشهب أفقه من ابن القاسم مائة مرة. وعن ~~ابن عبد الحكم قال: سمعت أشهب في سجوده يدعو على الشافعي بالموت، فذكرت ذلك ~~للشافعي فأنشد: " الطويل " تمنى رجال أن أمت وإن أمت ... فتلك ms0403 سبيل لست ~~فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد وكان ~~مولد أشهب سنة أربعين ومائة، ومات في الثاني والعشرين من شعبان بعد موت ~~الإمام الشافعي بثمانية عشر يوما. وفيها توفي الإمام الشافعي محمد بن إدريس ~~بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن ~~المطلب بن عبد مناف بن قصي، الإمام العالم صاحب المذهب أبو عبد الله ~~الشافعي المكي ؛ ولد سنة خمسين ومائة بغزة، وروى عن مسلم بن خالد الزنجي ~~فقيه مكة وداود ابن عبد الرحمن العطار وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ~~ومالك بن أنس صاحب المذهب وعرض عليه الموطأ، وخلق سواهم. وروى عنه أبو بكر ~~الحميدي وأبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن حنبل وأبو ثور إبراهيم بن خالد ~~الكلبي وغيرهم. وتفقه بمالك ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة. وغيرهما، وبرع ~~في الفقه و الحديث و الأدب و الرمي وقال محمد بن إسماعيل السلمي : حدثني ~~حسينا الكرابيسي قال: بت مع الشافعي غير ليلة وكان يصفي نحو ثلث الليل، فما ~~رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمائة، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل ~~الله، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها. وقال إبراهيم بن محمد بن الحسن ~~الأصبهاني: حدثنا الربيع قال: كان الشافعي يختم القرآن ستين مرة في رمضان. ~~وقال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستة أدعو لهم سحرا أحدهم الشافعي. ~~وقال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم عقل الشافعي. وقال أبو ثور: ~~ما رأيت مثل الشافعي ولا رأى هو مثل نفسه. PageV01P0202 # قلت: ومناقب الشافعي رضي الله عنه كثيرة وفضله أشهر من أن يذكر. وكانت ~~وفاته في يوم الخميس سلخ شهر رجب من هذه السنة، ودفن بالقرافة الصغرى، وله ~~أربع وخمسون سنة. وكان موضع دفنه ساحة حتى عمر تلك الأماكن السلطان صلاح ~~الدين يوسف، ثم أنشأ الملك الكامل محمد القبة على ضريحه وهى القبة الكائنة ~~اليوم علي قبره رضى الله عنه. ms0404 ومن شعره: " الكامل " يا راكبا قف بالمحصب من ~~منى ... واهتف بقاعد خيفنا والناهض سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا ~~كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي ~~قال المبرد: دخل رجل على الشافعي فقال: إن أصحاب أبي حنيفة لفصحاء؛ فأنشأ ~~الشافعي يقول: " الوافر " فلولا الشعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر ~~من لبيد وأشجع في الوغى من كل ليث ... و آل مهلب وأبي يزيد ولولا خشية ~~الرحمن ربي ... حسبت الناس كلهم عبيدي أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمسة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### | AUT ولاية محمد بن السري على مصر # هو محمد بن السري بن الحكم بن يوسف، الأمير أبو نصر الضبي البلخي؛ ولي ~~إمرة مصر بعد وفاة أبيه السري بن الحكم في يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة ~~سنة خمس ومائتين ؛ ولاه المأمون على الصلاة والخراج معا كما كان والده. ~~وسكن العسكر، وجعل على شرطته محمد بن قابس ثم عزله وولى أخاه عبيد الله " ~~بن السري " . ولما ولي مصر كان الجروي قد غلب على أسفل أرض مصر وجمع جموعا ~~وخرج عن الطاعة فتهيأ محمد هذا لقتاله وجهز اليه العساكر المصرية، ثم خرج ~~هو بنفسه لقتاله، ووقع له معه حروب ووقائع؛ وبينما هو في ذلك مرض ولزم ~~الفراش حتى مات ليلة الاثنين لثمان خلون من شعبان سنة ست ومائتين. فكانت ~~ولايته على مصر استقلالا سنة واحدة وشهرين وثمانية أيام. وتولى مصر من بعده ~~أخوه عبيد الله بن السري؛ وكان شابا عاقلا مدبرا حازما سيوسا؛ مهد الديار ~~المصرية في ولايته وأباد أهل الفساد وحارب الجروفي غير مرة وأحبته الرعية، ~~غير أنه لم تطل أيامه وعاجلته المنية. ### || AUT السنة الأولى من ولاية محمد # بن السري على مصر وهي سنة خمس ومائتين. فيها حج بالناس عبيد الله بن ~~الحسن العلوي وهو والي الحرمين مكة والمد ينة. وفيها ولى المأمون طاهر بن ~~الحسين على جميع بلاد خراسان والمشرق وأعطاه عشرة آلاف ألف ms0405 درهم ؛ كان ولى ~~عبد الله بن طاهر قدم على المأمون من الرقة فولاه على الجزيرة. ثم ولى ~~المأمون عيسى بن محمد بن خالد على أذربيجان وإرمينية وأمره بقتل بابك ~~الخرمي. وفيها استعمل المأمون عيسى بن يزيد الجلودي على محاربة الزط، ~~وكانوا قد طغوا وتجبروا. وفيها توفي يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن ~~أبي إسحاق، الإمام أبو محمد الحضرمي مولاهم البصري، قارىء أهل البصرة بعد ~~أبي عمرو بن العلاء وأحد الأئمة القراء العشرة؛ أخذ القرآن عن أبي المنذر ~~سلام الطويل وأبي الأشهب العطاري ومهدي بن ميمون وغيرهم، وسمع حروفا من ~~حمزة، وتصدى للإقراء فقرأ عليه خلق، وكان أصغر من أخيه أحمد بن إسحاق، ومات ~~في ذي الحجة. وفيه يقول محمد بن أحمد العجلي يمدحه: " الطويل " أبوه من ~~القراء كان وجده ... ويعقوب في القراء كالكوكب الدري تفرده محض الصواب ~~ووجهه ... فمن مثله في وقته وإلى الدهر وفيها توفي أبو سليمان الداراني؛ ~~اسمه عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وقيل: عبد الرحمن بن عسكر العبسي ~~الداراني؛ كان من واسط وتحول إلى الشام ونزل داريا قرية غربي دمشق؛ وكان ~~إماما حافظا كبير الشأن في علوم الحقائق والورع، أثنى عليه الأئمة، وكان له ~~الرياضات والسياحات، وله كرامات وأحوال. رحمه الله تعالى آمين. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي روح بن عبادة في جمادى ~~الأولى، وأبو عامر العقدي " عبد الملك بن عمر " ، ومحمد بن عبيد، ويعقوب ~~الحضري، ومحمد بن عبيد الطنافسي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر ~~إصبعا. PageV01P0203 ### || AUT السنة الثانية من ولاية محمد # بن السري على مصر وهي سنة ست ومائتين. فيها كان الماء الذي غرق منه أرض ~~السواد " وكسكر " وذهبت الغلات وغرقت قطيعة أم جعفر، وقطيعة العباس. وفيها ~~نكب الأمير عيسى بن محمد بن أبي خالد بابك الخرفي وبيته. وفيها استعمل ~~المأمون على بغداد إسحاق بن إبراهيم. وفيها توفي بهيم العجلي، الشيخ أبو ~~بكر ms0406 الزاهد العابد؛ كان رجلا حزينا يزفر الزفرة فيسمع زفيره على بعد، وكان ~~من البكائين الخاشعين. وفيها توفي الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ~~؛الأموي المغربي الأندلسي؛ ولي إمرة الأندلس يوم مات أبوه في صفر، سنة ~~ثمانين ومائة وعمره اثنتان وعشرون سنة وشهر وأيام، ولقب بالمرتضى، وكنيته ~~أبو العاص؛ وكان شجاعا فاتكا؛ ربط على باب قصره ألف فرس لخاصة نفسه. قلت: ~~وقد تقدم الكلام على أصل هؤلاء أنهم من ذرية عبد الملك بن مروان وأن عبد ~~الرحمن الداخل خرج في غفلة بني العباس من الشأم إلى الغرب وملك الأندلس. ~~وفيها توفي يزيد بن هارون، الإمام الحافظ أبو خالد السلمي مولاهم الواسطي؛ ~~ولد سنة ثمان عشرة ومائة. قال السراج: سمعت علي بن شعيب يقول: سمعت يزيد بن ~~هارون يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بالإسناد ولا فخر؛ وكان مع هذا ~~دينا زاهدا صلى بوضوء العشاء صلاة الفجر نيفا وأربعين سنة رحمه الله. ومات ~~في شهر ربيع الأول من السنة وله ثمان وثمانون سنة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو حذيفة البخاري صاحب " المبتد " ، وحجاج ~~الأعور، وشبابة بن سوار، ومحاضر بن المورع، وقطرب النحوي صاحب سيبويه، ~~وموسى بن إسماعيل، ووهب بن جرير، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن نافع الصائغ ~~الفقيه صاحب مالك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربعة ~~عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### | AUT ولاية عبيد الله بن السري # على مصر هو عبيد الله بن السري بن الحكم بن يوسف؛ ولي إمرة مصر بعد موت ~~أخيه محمد بن السري بمبايعة الجند له في يوم الثلاثاء لتسع خلون من شعبان ~~سنة ست ومائتين على الصلاة والخراج معا. وسكن العسكر، وجعل على شرطته محمد ~~بن عقبه المعافري؛ ولما ولي عبيد الله مصر وقع بينه وبين الجروي الخارجي ~~المقدم ذكره حروب كثيرة، ثم حدثته نفسه الخروج عن طاعة المأمون وجمع وحشد؛ ~~فبلغ المأمون ذلك وطلب عبد الله بن طاهر وقال ms0407 له: إني استخرت الله تعالى ~~منذ شهر، وقد رأيت أن الرجل يصف ابنه ليطريه وليرفعه، وقد رأيتك فوق ما ~~وصفك أبوك، وقد مات السري وولى ابنه عبيد الله وليس بشيء، وقد رأيت توليتك ~~مصر ومحاربة الخوارج بها؛ فقال عبد الله بن طاهر: السمع والطاعة، وأرجو أن ~~يجعل الله الخير لأمير المؤمنين. فعقد له المأمون لواء مكتوبا عليه ألقاب ~~عبد الله بن طاهر، وزاد فيه يا منصور؛ وركب الفضل بن الربيع الحاجب بين ~~يديه إلى داره تكرمة له؛ ثم خرج عبد الله من العراق بجيوشه حتى قرب من مصر، ~~فتهيأ عبيد الله بن السري المذكور لحربه وعبأ جيوشه وحفر خندقا عليه، ثم ~~تقدم بعساكره إلى خارج مصر والتقى مع عبد الله بن طاهر وتقاتلا قتالا شديدا ~~وثبت كل من الفريقين ساعة كبيرة حتى كانت الهزيمة على عبيد الله بن السري ~~أمير مصر، وانهزم إلى جهة مصر، وتبعه عبد الله بن طاهر بعساكره، فسقط غالب ~~جند عبيد الله المذكور في الخندق الذي كان عبيد الله احتفره، ودخل هو بأناس ~~قليلة إلى داخل مصر وتحصن به؛ فحاصره عبد الله بن طاهر وضيق عليه حتى أباده ~~وأشرف على الهلاك، فطلب عبيد الله بن السري الأمان من عبد الله بن طاهر ~~بشروطه، وبعث إليه بتقدمة من جملتها ألف وصيف ووصيفة مع كل وصيف ووصيفة ألف ~~دينار في كيس حرير وبعث بهم ليلا؛ فرد عبد الله بن طاهر ذلك عليه، وكتب ~~إليه: لو قبلت هديتك نهارا قبلتها ليلا " بل أنتم بهديتكم تفرحون " الآية. ~~فلما بلغه ذلك طلب الأمان من غير شرط؛ فأمنه عبد الله بن طاهر بعد أمور ~~صدرت؛ فخرج إليه عبيد الله بن السري بالأمان وبذل إليه أموالا كثيرة وأذعن ~~له وسلم إليه الأمر، وذلك في آخر صفر سنة إحدى عشرة ومائتين. قال صاحب ~~البغية: وعزله المأمون في ربيع الأول وذكر السنة. انتهى. PageV01P0204 # قلت: فكانت ولاية عبيد الله هذا على إمرة مصر أربع سنين وسبعة أشهر إلا ~~ثمانية أيام. وتوجه عبيد الله إلى المأمون في ms0408 السنة المذكورة فأكرمه وعفا عنه. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبيد الله # بن السري وهي سنة سبع ومائتين. فيها حج بالناس أبو عيسى أخو الخليفة ~~المأمون. وفيها ولى المأمون موسى بن حفص طبرستان. وفيها ظهر الصناديقي ~~باليمن واستولى عليها وقتل النساء والولدان وادعى النبوة وتبعه خلق وآمنوا ~~بنبوته وارتدوا عن الإسلام، فأهلكه الله بالطاعون بعد أمور وقعت منه وفيها ~~خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ~~ببلاد عك من اليمن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكان ~~خروجه من سوء سيرة عامل اليمن، فبايعه خلق؛ فوجه إليه المأمون لحربه دينار ~~بن عبد الله وكتب معه بأمانه ؛ فحج دينار ثم سار إلى اليمن حتى قرب من عبد ~~الرحمن المذكور، وبعث إليه بأمانه فقبله وعاد مع دينار إلى المأمون. وفيها ~~خلع طاهر بن الحسين المأمون من الخلافة باكر النهار من يوم الجمعة وقطع ~~الدعاء له، فدعا الخطيب: " اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، ~~واكفها مؤونة من بغى عليها " ولم يزد على ذلك، ثم طرح طاهر لبس السواد فعرض ~~له عارض فمات من ليلته فأتى الخبر بخلعه على المأمون أول النهار من النصحاء ~~له، ووافى الخبر بموته ليلا وكفى الله المأمون مؤونته. وقام بعده على ~~خراسان ابنه طلحة فأقره المأمون مكان والده طاهر المذكور؛ وكان ذلك قبل ~~تولية ابنه عبد الله بن طاهر مصر بمدة طويلة. وطاهر هذا هو الذي كان قام ~~ببيعة المأمون وحاصر الأمين ببغداد تلك المدة الطويلة حتى ظفر به وقتله. ~~وكان طاهر المذكور أعور، وكان يلقب بذي اليمينين؛ فقال فيه بعض الشعراء: " ~~الرجز " يا ذا اليمينين وعين واحدة ... نقصان عين ويمين زائدة وكان في نفس ~~المأمون منه شيء لكونه قتل أخاه الأمين محمدا بغير مشورته لما ظفر به بعد ~~حصار بغداد، ولم يرسله إلى أخيه المأمون ليرى فيه رأيه مراعاة لخاطر أمه ~~زبيدة، فلما قتله طاهر المذكور لم يسع المأمون إلا السكوت لكون ms0409 طاهر هو ~~القائم بدولة المأمون وبنصرته على أخيه الأمين حتى تم له ذلك. وفيها توفي ~~الواقدي؛ واسمه محمد بن عمر بن واقد، الإمام أبو عبد الله الأسلمي؛ مولده ~~سنة تسع وعشرين ومائة وكان إماما عالما بالمغازي والسير والفتوح وأيام ~~الناس، وكان ولي القضاء للمأمون أربع سنين. وفيها توفي الأمير طاهر بن ~~الحسين بن مصعب، أبو طلحة الخزاعي الملقب ذا اليمينين، أحد قواد المأمون ~~الكبار والقائم بأمره وخلع أخيه الأمين من الخلافة؛ ولاه المأمون خراسان ~~وما يليها حتى خلع المأمون فمات من ليلته في جمادى الأولى فجاءة؛ أصابته ~~حمى وحرارة فوجد على فراشه ميتا. حكي أن عميه علي بن مصعب وحميد بن مصعب ~~عاداه بغلس، فقال الخادم : هو نائم فانتظرا ساعة، فلما انبسط الفجر قالا ~~للخادم : أيقظه؛ قال: لا أجسر؛ فدخلا عليه فوجداه ميتا. وفيها توفي عمر بن ~~حبيب العدوي، القاضي الحنفي البصري. هو من بني عدي بن عبد مناف، قدم بغداد ~~وولي قضاء الشرقية بها وقضاء البصرة، وكان إماما عالما بارعا في فنون ~~كثيرة، مشكور السيرة محببا إلى الناس، رحمه الله. وفيها توفي أبو عبيدة ~~معمر بن المثنى التيمي البصري النحوي العلامة، مولى تيم قريش؛ كان من أعلم ~~الناس بأنساب العرب وله مصنفات مشهورة في علوم كثيرة. وفيها توفي الهيثم بن ~~عدي بن عبد الرحمن بن يزيد الكوفي صاحب التواريخ والأشعار؛ ولد بالكوفة ~~ونشأ بها ثم انتقل إلى بغداد، وكان مليح الشكل نظيف الثوب طيب الرائحة حلو ~~المحاضرة عالما بارعا. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي جعفر بن عون " المخزومي " ، و طاهر بن الحسين الأمير بخراسان، وأبو ~~قتادة الحراني، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وعمر بن حبيب العدوي، وأبو نوح ~~قراد، وكثير بن هشام، والواقدي، ومحمد بن كناسة، وهاشم بن القاسم، والهيثم ~~بن عدي، والفراء النحوي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عبيد الله # على مصر وهي سنة ms0410 ثمان ومائتين. PageV01P0205 # فيها حج بالناس الأمير صالح أخو المأمون. وفيها استعفى محمد بن سماعة عن ~~القضاء فأعفي، ولى المأمون عوضه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وفيها خرج ~~الحسن بن الحسين أخو طاهر بن الحسين المقدم ذكره من خراسان إلى كرمان ~~ممتنعا بها، فسار إليه أحمد بن أبي خالد حتى أخذه وقدم به على المأمون فعفا ~~عنه. وفيها ولى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزومي قضاء عسكر المهدية ثم ~~عزله بعد مدة، وولى عوضه بشر بن الوليد الكندي. وفيها توفي صالح بن عبد ~~الكريم البغدادي أحد الزهاد العباد الورعين. وفيها توفي الفضل بن الربيع بن ~~يونس الحاجب الأمير أبو الفضل، مولده سنة أربعين ومائة وحجب للرشيد ~~واستوزره. ولما مات الرشيد استولى على الخزائن وقدم بها إلى الأمين محمد ~~ببغداد ومعه البردة والقضيب والخاتم فأكرمه الأمين وفوض إليه أموره، فصار ~~إليه الأمر والنهي. ولما خلع الأمين أخاه المأمون من ولاية عهد الخلافة ~~استخفى ثم ظهر في أيام المأمون، فأعاده المأمون إلى رتبته إلى أن مات. ~~وفيها توفيت السيدة نفيسة ابنة الأمين الحسن بن زيد بن السيد الحسن بن علي ~~بن أبي طالب، الهاشمية الحسنية الحسيبة النسيبة صاحبة المشهد بين مصر ~~والقاهرة؛ وقد ولي أبوها إمرة المدينة لأبي جعفر المنصور مدة، ثم قبض عليه ~~وحبسه، إلى أن أطلقه المهدي لما تخلف ورد عليه جميع ما كان أخذه أبوه ~~المنصور منه، وقد ذكرنا ذلك في محله. وتحولت السيدة نفيسة مع زوجها إسحاق ~~بن جعفر الصادق من المدينة إلى مصر، فأقامت بها إلى أن ماتت في شهر رمضان ~~من هذه السنة من غير خلف في وفاتها. وهي صاحبة الكرامات والبرهان، وقد شاع ~~ذكرها شرقا وغربا. وفيها توفي العتابي. واسمه كلثوم بن عمرو بن أيوب الشاعر ~~المشهور أحد البلغاء؛ كان أصله من قنسرين، وقدم بغداد، ومدح الرشيد ثم ~~أولاده الخلفاء من بعده؛ وكان منقطعا إلى البرامكة، وكان يتزهد ويلبس ~~الصوف. ومن شعره فيما قيل مواليا : يا ساقيا خضني بما تهواه ... لا تمزج ~~اقداحي رعاك الله ms0411 دعها صرفا فإنني أمزجها ... إذ أشربها بذكر من أهواه قلت: ~~وهذا يشبه قول القائل، ولم أدر لمن هو: نديمي لاتسقني ... سوى الصرف فهو ~~ألهني ودع كأسها أطلسا ... ولاتسقني مع دني وفيها توفي مسلم بن الوليد ~~الأنصاري مولى أسعد بن زرارة الخزرجي الشاعر المشهور، كان فصيحا بليغا. ومن ~~شعره فيما قيل وقد رأيته لغيره، وهو في مليح أعمى مضمنا: " الطويل " بروحي ~~مكفوف اللواحظ لم يدع ... سبيلا إلى صب يفوز بخيره سوالفه تفني الورى خل ~~لحظه ... ومن لم يمت بالسيف مات بغيره قلت: وهذا معنى ظريف فحضرني فيه ~~مقطوع غير أنه من غير المادة: " الخفيف " كانتا مقلتاه قبل عماها ... لقتال ~~الورى تسل نصالا فأمنا قتالها حين كفت ... وكفى الله المؤمنين القتالا ~~وفيها توفي الأمير موسى ابن الخليفة الأمين محمد بن الرشيد هارون العباسي ~~الهاشمي الذي كان ولاه أبوه الأمين العهد من بعده وسماه بالناطق بالحق وخلع ~~المأمون وقامت تلك الحروب التي كان فيها هلاك الأمين. وكان موسى هذا عند ~~جدته لأبيه زبيدة بنت جعفر، وأمه أم ولد ومات وسنه دون عشرين سنة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عبيد الله # بن السري على مصر وهي سنه تسع ومائتين. فيها قرب المأمون أهل الكلام ~~وأمرهم بالمناظرة بحضرته وصار ينظر فيما يدل عليه العقل وجالسه بشر بن غياث ~~المريسي، وثمامة بن الأشرس وهؤلاء الجنوس. وفيها ولى المأمون علي بن صدقة ~~إمرة أرمينية وأذربيجان، وأمره بمحاربة بابك وأعانه بأحمد بن الجنيد ~~الإسكافي فقاتل بابك فأسره بابك، فولى المأمون عوضه إبراهيم بن الليث. ~~وفيها حج بالناس أمير مكة صالح بن العباس بن محمد بن علي العباسي. وفيها ~~توفي بشر بن منصور، الشيخ أبو محمد؛ كان أحد العباد الزهاد المجتهدين؛ كان ~~يتجنب الناس ويتواري بالخلوة. PageV01P0206 # وفيها توفي الحسن بن موسى، أبو علي الأشيب الحنفي الخراساني؛ كان ولي ~~القضاء بالموصل ثم حمص في أيام الرشيد، ثم ولي قضاء طبرستان ms0412 للمأمون وكان ~~عالما عارفا. فيها توفي سعيد بن سلم بن قتيبة أبو محمد الباهلي البصري؛ كان ~~ولي بعض أعمال خراسان ثم قدم بغداد وحدث بها؛ وكان عالما بالحديث والعربية ~~وغيرهما رحمه الله. وفيها توفي الحسن بن زياد اللؤلؤي الإمام، أحد العلماء ~~الأعلام، فقيه عصره، أبو علي أحد أصحاب الإمام أبي حنيفة، رضي الله عنه؛ ~~وكان أصله من الكوفة ونزل بغداد. قال محمد بن شجاع الثلجي: سمعت الحسن بن ~~أبي مالك يقول: كان الحسن بن زياد إذا جاء إلى أبي يوسف أهمت أبا يوسف نفسه ~~من كثرة سؤالاته. وقال أبن كاس النخعي : حدثنا أحمد بن عبد الحميد بن ~~الحارث قال: ما رأيت أحسن خلقا من الحسن بن زياد، ولا أقرب ولا أسهل جانبا، ~~مع توفر فهمه وعلمه وزهده وورعه، وكان يكسو مماليكه كما يكسو نفسه. وقال ~~جعفر بن محمد بن عبيد الله الهمداني: سمعت يحيى بن آدم يقول: ما رأيت أفقه ~~من الحسن بن زياد. انتهى. وكان دينا قوالا بالحق؛ وقصته مع الرشيد في أمر ~~يحيى العلوي ومحمد بن الحسن مشهورة. وكانت وفاته في هذه السنة، في قول، ~~وقيل: في سنة أربع وهو الأصح، رحمه الله. وفيها توفي سعيد بن وهب أبو عثمان ~~البصري مولى بني سامة بن لؤي. كان شاعرا مجيدا. كثر شعره في الغزل والمجون، ~~وكان مقدما عند البرامكة، ومن شعره في سوداء: " الكامل " سوداء بيضاء ~~الفعال كأنها ... نور العيون تخص بالأضواء قالوا جننت بحبها فأجبتهم ... ~~أصل الجنون يكون بالسوداء قلت: وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول القائل : " ~~المجتث " يا من فؤادي فيها ... متيم لا يزال إن كان لليل بدر فأنت للصبح ~~خال وفيها توفي عبد الله بن أيوب، أبو محمد التيمي، من تيم اللات بن ثعلبة، ~~أحد شعراء الدولة العباسية؛ مدح الأمين والمأمون وغيرهما وأجازه الأمين مرة ~~بمائتي ألف درهم دفعة واحدة في قوله الأبيات المقدم ذكرها في ترجمة الأمين ~~لما ضرب كوثر خادم الأمين، وأول الأبيات التي عملها عبد الله هذا: " مجزوء ~~الرمل " ما لمن أهوى ms0413 شبيه ... فيه الدنيا تتيه وصله حلو ولكن ... هجره مر ~~كريه وفيها هلك طاغية الروم ميخائيل بن جرجس وملك بعده ابنه توفيل. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ~~سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية عبيد الله # بن السر؟ي على مصر وهي سنة عشر ومائتين. فيها ظفر المأمون بعمه إبراهيم ~~بن المهدي المعروف ببن شكلة " أمه " الذي كان بويع بالخلافة وتلقب ~~بالمبارك؛ ظفر به وهو بزي النساء فعاتبه عتابا هينا ثم عفا عنه. وفي اختفاء ~~إبراهيم هذا حكايات كثيرة. وفيها امتنع أهل قم فوجه إليهم المأمون علي بن ~~هشام فحاربهم حتى هزمهم ودخل البلد وهدم سورها وأستخرج منها سبعة آلاف ألف ~~درهم. وفيها في شهر رمضان توجه المأمون إلى فم الصلح وبنى ببوران بنت الحسن ~~بن سهل، وكائنة المأمون مع بوران المذكورة وتزويجه بها مشهور. وفيها توفي ~~حميد الطوسي. كان من كبار قواد المأمون، وكان جبارا وفيه قوة وبطش وإقدام؛ ~~وكان يندبه المأمون للمهمات. وفيها توفي شهريار بن شروين صاحب الديلم وملك ~~بعده ابنه سابور فنازعه على الملك مازيار بن قارن وقهره وأسره وقتله ~~واستولى المذكور على الجبال والديلم. وفيها توفي الأصمعي؛ واسمه عبد الملك ~~بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، أبو سعيد الباهلي البصري، وقيل: إن ~~اسم قريب عاصم. والأصمعي هذا هو صاحب العربية والغرائب والتصانيف المفيدة ~~والملح واللغة وأيام الناس وأخبارهم؛ وكان مقربا عند الرشيد وأختص ~~بالبرامكة ونالته السعادة، وله مع الرشيد وغيره من الخلفاء ماجريات لطيفة. ~~وذكر الذهبي وفاته في سنة ست عشرة ومائتين بخلاف ما أثبتناه هنا؛ وفي وفاته ~~اختلاف كبير وأقوال كثيرة أقلها من هذه السنة وأبعدها إلى سنة ست عشرة ~~ومائتين. وفيها توفي عفان بن مسلم، أبو عثمان الصفار البصري، مولى عزوة بن ~~ثابت الأنصاري؛ ولد سنة أربع وثلاثين ومائة وكان قد جمع بين العلم والزهد ~~والسنة. PageV01P0207 # وفيها توفيت علية بنت المهدي عمة المأمون؛ ومولدها سنة ستين ومائة؛ وكانت ~~من أجمل ms0414 النساء وأظرفهن وأكملهن أدبا وعقلا وصيانة؛ وكان في جبهتها سعة ~~تشين وجهها فاتخذت العصابة المكفلة بالجوهر لتستر جبينها بها؛ وهي أول من ~~اتخذتها وسميت شد جبين لذلك. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أبو عمرو إسحاق الشيباني صاحب العربية، والحسن بن محمد بن أعين ~~الحراني، وعبد الصمد بن حسان المروزي، ومحمد بن صالح بن بيهس أمير عرب ~~الشام، وأبو عبيدة اللغوي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### | AUT ولاية عبد الله بن طاهر على مصر # هو عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب، الأمير أبو العباس الخزاعي ~~المصيصي أمير خراسان وأجل أعمال المشرق ثم أمير مصر؛ ولي مصر من قبل ~~المأمون بعد عزل عبيد الله بن السري على الصلاة والخراج معا، ودخل مصر في ~~يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة ومائتين بعد أن ~~قاتل عبيد الله بن السري أياما وأخذه بالأمان حسبما تقدم ذكره في ترجمة ~~عبيد الله بن السري. ومولد عبد الله بن طاهر هذا سنة اثنتين وثمانين ومائة؛ ~~وتأدب في صغره وقرأ العلم والفقه وسمع من وكيع وعبد الله المأمون؛ وروى عنه ~~إسحاق بن راهويه وهو أكبر منه، ونصر بن زياد وخلق سواهم. وكان بارع الأدب ~~حسن الشعر، وتقلد الأعمال الجليلة وأول ولايته مصر. ولما ولي مصر ودخلها ~~أمر عبيد الله بن السري بالخروج إلى المأمون ببغداد، وأقام عبد الله بن ~~طاهر هذا بعسكره إلى أن خرج عبيد الله بن السري من مصر في نصف جمادى الأولى ~~من السنة المذكورة، ثم سكن عبد الله بن طاهر العسكر وجعل على شرطته معاذ بن ~~عزيز ثم عزله بعبدويه بن جبلة، ثم تهيأ للخروج إلى الإسكندرية فخرج إليها ~~من مصر في مستهل صفر سنة اثنتي عشرة ومائتين واستخلف على صلاة مصر عيسى بن ~~يزيد الجلودي. وكان قد نزل بالإسكندرية طائفة من المغاربة من الأندلس في ~~المراكب وعليهم رجل ms0415 كنيته أبوحفص، فتوجه إليهم عبد الله بن طاهر وقاتلهم ~~حتى أجلاهم عن الإسكندرية. وقيل: بل نزحوا عنها قبل وصول عبد الله بن طاهر ~~خوفا منه وتوجهوا إلى جزيرة أقريطش فسكنوها وبها بقايا من أولاده إلى الآن؛ ~~وبعد خروجهم من الإسكندرية عاد عبد الله بن طاهر إلى ديار مصر في جمادى ~~الآخرة وسكن بالعسكر إلى أن ورد عليه كتاب المأمون يأمره بالزيادة في ~~الجامع العتيق، فزيد فيه مثله وبعث يعلم المأمون بذلك وكتب له أبياتا من ~~نظمه وهي : " الهزج " أخي أنت ومولاي ... ومن أشكر نعماه فما أحببت من شيء ~~... فإني الدهر أهواه وما تكره من شيء ... فإني لست أهواه لك الله على ذاك ~~... لك الله لك الله وكان عبد الله بن طاهر جوادا ممدحا. حكى أبو السمراء ~~قال: خرجنا مع عبد الله بن طاهر من العراق متوجهين " إلى مصر " حتى إذا كنا ~~بين الرملة ودمشق وإذا بأعرابي قد اعترضنا على بعير له أورق وكان شيخا، ~~فسلم علينا فرددنا عليه السلام، وكنت أنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقي وإسحاق ~~بن أبي ربعي ونحن نساير عبد الله بن طاهر، وكانت كسوتنا أحسن من كسوته، ~~ودوابنا أفره من دابته؛ فجعل الأعرابي ينظر في وجوهنا فقلنا: ياشيخ، قد ~~ألححت في النظر إلينا، عرفت شيئا أم أنكرته؛ فقال: لا والله، ماعرفتكم قبل ~~يومي هذا ولا أنكرتكم لسوء أراه بكم، ولكني رجل حسن الفراسة في الناس، جيد ~~المعرفة بهم؛ فأشرت إلى إسحاق بن أبي ربعي وقلت: ما تقول في هذا؛ فقال: " ~~الطويل " أرى كاتبا جاه الكتابة بين ... عليه وتأديب العراق منير له حركات ~~قد تشاهد أنه ... عليم بتقسيط الخراج بصير ثم نظر إلى إسحاق بن إبراهيم ~~الرافقي وقال: " الطويل " ومظهر نسك ما عليه ضميره ... يحب الهدايا بالرجال ~~مكور أخال به جبنا وبخلا وشيمة ... تخبر عنه أنه لوزير ثم نظر إلي وقال: " ~~الطويل " وهذا نديم للأمير ومؤنس ... يكون له بالقرب منه سرور وأحسبه للشعر ~~والعلم راويا ... فبعض نديم مرة وسمير PageV01P0208 # ثم نظر إلى الأمير وقال: " الطويل " وهذا الأمير المرتجى ms0416 سيب كفه ... فما ~~إن له فيمن رأيت نظير عليه رداة من جمال وهيبة ... ووجه بإدراك النجاح بشير ~~لقد عظم الإسلام منه بذي يد ... به عاش معروف ومات نكير ألا إنما عبد الإله ~~بن طاهر ... لنا والد بر بنا وأمير قال: فوقع ذلك من عبد الله بن طاهر أحسن ~~موقع، وأعجبه مقالة الشيخ وأمر له بخمسمائة دينار وجعله في صحابته. ذكر ~~واقعة أخرى لعبد الله بن طاهر هذا. قال الحسن بن يحيى الفهري: بينما نحن مع ~~عبد الله بن طاهر بين سلمية وحمص ونحن نريد دمشق إذ عارضنا البطين الشاعر " ~~الحمصي " ، فلما رأى عبد الله بن طاهر قال: " الخفيف " مرحبا مرحبا وأهلا ~~وسهلا ... بابن ذي الجود طاهر بن الحسين مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا ... بابن ~~ذي العزتين في الدعوتين مرحبا مرحبا بمن كفه البح ... ر إذا فاض مزبد ~~الرجوتين ما يبالي المأمون أيده الله ... إذا كنتما له باقيين أنت غرب وذاك ~~شرق مقيما ... أي فتق أتى من الجانبين وحقيق إذ كنتما في قديم ... لزريق ~~ومصعب وحسين أن تنالا ما نلتماه من المج ... د وأن تعلوا على الثقلين فأمر ~~له عن كل بيت بألف دينار وسار معه إلى مصر والإسكندرية؛ وبينما هو راكب على ~~فرسه بالإسكندرية نزلت يد فرسه في مخرج فوقع به فيه فمات. وقيل: إن عبد ~~الله هذا لما استولى على مصر وهب له المأمون خراجها، فلم يدخلها حتى صعد ~~المنبر، فما نزل حتى فرق جميع ذلك، وكان ثلاثة آلاف ألف دينار. وقال سهل بن ~~ميسرة: لما رجع عبد الله بن طاهر من الشام إلى بغداد صعد فوق سطح، فنظر إلى ~~دخان يرتفع من جواره فقال: ما هذا الدخان؛ فقيل له: لعل قوما يخبزون؛ فقال: ~~أو يحتاج جيراننا إلى ذلك! ثم دعا حاجبه وقال: امض ومعك كاتب وأحص جيراننا ~~من لا يقطعهم عنا شارع، فمضى وأحصاهم فبلغ عددهم ألف نفس، فأمر لكل بيت ~~بالخبز واللحم وما يحتاجون إليه، وبكسوة الشتاء والصيف والدراهم؛ فما زالوا ~~كذلك حتى خرج من بغداد، فانقطع ذلك ms0417 لكنه صار يبعث إليهم من خراسان بالكسوة ~~مدة حياته. وقيل: إن المأمون سأل عبد الله بن طاهر هذا: أيما أحسن، منزلي ~~أم منزلك؛ قال: يا أمير المؤمنين، منزلي، قال: ولم؛ قال: لأني فيه مالك ~~وأنا في منزلك مملوك. وكان عبد الله بن طاهر لا يدخل في منزله خصيا، ويقول: ~~هم بين النساء رجال، وبين الرجال نساء. وقال أحمد بن يزيد السلمي: كنت مع ~~طاهر بن الحسين بالرقة فرفعت إليه قصص فوقع عليها بصلات فبلغت ألفي ألف ~~درهم وسبعمائة ألف درهم؛ ثم كنت مع ولده عبد الله بن طاهر بالرقة فرفعت ~~إليه القصص فوقع عليها فزاد على أبيه بألفي ألف درهم. وقال محمد بن يزيد ~~الأموي الحصني؛ - وكان محمد هذا من ولد مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان ~~قد اعتزل الناس في حصن له - قال: لما بلغني خروج عبد الله بن طاهر من بغداد ~~يريد قتال مصر أيقنت بالهلاك لما كان بلغه من ردي عليه، يعني قصيدته التي ~~يقول في أولها: " المديد " ؟مدمن الإغضاء موصول ومديم العتب مملول من أبيات ~~كثيرة. قال: ولما كان بلغني هذه القصيدة أتقنت المنافية، وقلت: يفتخر علينا ~~رجل من العجم قتل ملكا من ملوك العرب بسيف أخيه! - يعني بذلك أباه طاهرا ~~لما قتل الأمين بسيف المأمون - فرددت عليه قصيدته بقصيدتي التي أولها: " ~~المديد " لا يرعك القال والقيل ... كل ما بلغت تهويل ولم أعلم أن الأقدار ~~تظفره بي؛ فلما قرب مجيء عبد الله بن طاهر استوحشت المقام خوفا على نفسي ~~ورأيت تسليم نفسي عارا علي، فأقمت مستسلما للأقدار، وأقمت جارية سوداء في ~~أعلى الحصن، فلم يرعني إلا وهي تشير بيدها وإذا بباب الحصن يدق؛ فخرجت وإذا ~~بعبد الله بن طاهر واقف وحده قد انفرد عن أصحابه؛ فسلمت عليه سلام خائف، ~~فرد علي ردا جميلا؛ فأومأت أن أقبل ركابه فمنعني بألطف منع، ثم ثنى رجله ~~وجلس على دكة باب الحصن، ثم قال: سكن روعك فقد أسأت بنا الظن، وما علمنا أن ~~زيارتنا لك تروعك. ثم كلمني وباسطني؛ ms0418 فلما زال روعي قال: أنشدني قصيدتك ~~التي منها: PageV01P0209 # يا بن بنت النار موقدها فقلت: لا تنغص إحسانك؛ فقال: ما قصدي إلا زيادة ~~الأنس بك؛ فامتنعت. فقال: والله لا بد؛ فأنشدته القصيدة إلى قولي: ما ~~لحاذيه سراويل فقال: والله لقد أحصينا ما في خزائن ذي اليمينين - يعني ~~خزائن أبيه طاهر بن الحسين، فإنه كان يلقب بذي اليمينين - بعد موته، فكان ~~فيها ثلاثة آلاف سراويل من أصناف الثياب ما في واحد منها تكة، فما حملك على ~~هذا؛ قلت: أنت حملتني بقولك: " المديد " وأبي من لا كفاء له ... من يساوي ~~مجده قولوا فلما فخرت على العرب فخرنا على العجم؛ فقبل العذر وأظهر العفو؛ ~~ثم قال: هل لك في الصحبة إلى قتال مصر؛ فاعتذرت بالعجز عن الحركة، فأمر ~~بإحضار خمسة مراكب من مراكبه بسروجها ولجمها محلاة بالذهب، وثلاثة دواب من ~~دواب الشاكرية، وخمسة أبغال من بغال النقل، وثلاثة تخوت فيها الثياب ~~الفاخرة، وخمس بدر من الدراهم، ووضع الجميع على باب الحصن واعتذر بالسفر، ~~فمددت يدي لأقبل يده فامتنع. وسار لوقته. وقال أبو الفضل الربعي: لما توجه ~~عبد الله بن طاهر إلى خراسان قصده دعبل الشاعر، وكان ينادمه في الشهر خمسة ~~عشر يوما؛ فكان يصله في الشهر بمائة ألف درهم وخمسين ألف درهم؛ فلما كثرت ~~صلاته توارى عنه دعبل حياء منه، فطلبه عبد الله بن طاهر فلم يقدر عليه، ~~فكتب إليه دعبل يقول: " الطويل " هجرتك لم أهجرك كفرا لنعمة ... وهل يرتجى ~~نيل الزيادة بالكفر ولكنني لما أتيتك زائرا ... فأفرطت في بري عجزت عن ~~الشكر فملآن لا أتيك إلا معذرا ... أزورك في شهرين يوما وفي شهر فإن زدت في ~~بري تزايدت جفوة ... ولم تلقني حتى القيامة في الحشر وبعد هذه الأبيات كتب: ~~حدثني المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه محمد عن أبيه علي عن ~~أبيه عبد الله بن العباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من لا يشكر ~~الله لا يشكر الناس، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير " فوصله عبد الله ms0419 ~~بثلاثمائة ألف درهم. وقال معافى بن زكريا: أول ما قصد دعبل عبد الله بن ~~طاهر أقام مئة لم يجتمع به وضاق ما بيده فكتب إليه: " مخلع البسيط " جئتك ~~مستشفعا بلا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب فاقض ذمامي فإنني رجل ... غير ~~ملح عليك في الطلب فبعث إليه بعشرة آلاف درهم وكتب إليه: " الكامل " ~~أعجلتنا فأتاك عاجل برنا ... ولو انتظرت كثيره لم يقلل فخذ القليل وكن كأنك ~~لم تسل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل وحكي أنه خرج من بغداد إلى خراسان فسار ~~وهو بين سفاره، فلما وصل إلى الري سحرا سمع صوت الأطيار فقال: لله در أبي ~~كبير الهذلي حيث يقول: " الطويل " ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ~~مياد ففيم تنوح ثم التفت إلى عوف بن محلم الشاعر فقال: أجز، فقال عوف ~~أبياتا على وزن هذا البيت وقافيته؛ فلما سمعها عبد الله قال: أنخ، فوالله ~~لا جاوزت هذا المكان حتى ترجع إليك أفراخك - يعني الجائزة - وأمر له بكل ~~بيت ألف درهم. وقال أبو بكر الخطيب: دخل عوف بن محلم على عبد الله بن طاهر ~~فسلم، فرد عبد الله عليه، وفي أذن عوف ثقل، فأنشد عوف المذكور: " السريع " ~~يا بن الذي دان له المشرقان ... طرا وقد دان له المغربان إن الثمانين ~~وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وقيل: إن عبد الله بن طاهر لما وصل ~~إلى مدينة مرو وجلس في قصر الإمارة دخل عليه أبو يزيد الشاعر وأنشده: " ~~البسيط " اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا ... في قصر مرو ودع عدان لليمن فأنت ~~أولى بتاج الملك تلبسه ... من هوذة لابن علي وابن ذي يزن فأعطاه عشرين ~~ألفا. وقيل: إنه أنشده غيرهما وهو قوله أيضا: " الطويل " يقول رجال إن مرو ~~بعيدة ... وما بعدت مرو وفيها ابن طاهر وقيل: إن عبد الله بن طاهر قدم مرة ~~نيسابور فأمطروا، فقال بعض الشعراء: " مخلع البسيط " قد قحط الناس في ~~زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالمطر غيثان في ساعة لنا أتيا ... فمرحبا ~~بالأمير والدرر PageV01P0210 # ومن شعر عبد الله بن ms0420 طاهر المذكور قوله: " البسيط " نبهته وظلام الليل ~~منسدل ... بين الرياض دفينا في الرياحين فقلت خذ قال كفي لا تطاوعني ... ~~فقلت قم قال رجلي لا تواتيني إني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب ~~العقل والدين وله نظم كثير غير ذلك. ولما دخل إلى مصر وفرق خراجها قبل أن ~~يدخلها حسبما تقدم ذكره أنشده عطاء الطائي - وكان عبد الله بن طاهر واجدا ~~عليه قبل ذلك - قوله: " البسيط " يا أعظم الناس عفوا عند مقدرة ... وأظلم ~~الناس عند الجود للمال لو يصبح النيل يجري ماؤه ذهبا ... لما أشرت إلى خزن ~~بمثقال فأعجبه وعفا عنه؛ وأقترض عشرة آلاف دينار ودفعها إليه، فإنه كان فرق ~~جميع ما معه قبل دخول مصر. ولما دخل عبد الله بن طاهر إلى مصر قمع المفسدين ~~بها ومهد البلاد ورتب أحوالها وأقام على إمرة مصر سنة واحدة وخمسة أشهر ~~وعشرة أيام، وخرج منها لخمس بقين من شهر رجب سنة اثنتي عشرة ومائتين؛ ~~واستخلف على مصر عيسى بن يزيد الجلودي على صلاتها وركب البحر وتوجه إلى ~~العراق؛ فلما قارب بغداد تلقاه العباس ولد الخليفة المأمون، والمعتصم محمد ~~أخو المأمون وأعيان الدولة؛ وقدم عبد الله بغداد وبين يديه المتغلبون على ~~الشأم ومصر مثل ابن أبي الجمل وابن أبي أسقر وغيرهما، فأكرمه المأمون؛ ثم ~~ولاه بعد ذلك الأعمال الجليلة مثل خراسان وغيرها. ويقال: إن عبد اله بن ~~طاهر المذكور هو الذي زرع بمصر البطيخ العبدلي وإليه ينسب بالعبدلي، وأظنه ~~ولده عن نوعين، فإنه لم يكن ببلد خلاف مصر. وعاش بعد عزله عن مصر سنين إلى ~~أن مات بمرو في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين ومائتين، بعد أن مرض ثلاثة أيام ~~بحلقه يعني بعلة الخوانيق. ومات وله ثمان وأربعون سنة. وقبل أن يموت تاب ~~وكسر الملاهي وعمر الرباطات بخراسان ووقف لها الوقوف وافتدى الأسرى من ~~الترك بنحو ألفي ألف درهم. وكان عادلا في الرعية محببا لهم، وكان عظيم ~~الهيبة حسن المذهب شجاعا مقداما. ولما مات خلف في بيت ماله أربعين ألف ألف ~~درهم سوى ms0421 ما في بيت مال العامة. وتولى مصر من بعده عيسى بن يزيد الجلودي ~~الذي استخلفه عبد الله المذكور؛ أقره المأمون على إمرة مصر بسفارة عبد الله هذا. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبد الله # بن طاهر على مصر وهي سنة إحدى عشرة ومائتين. فيها أمر المأمون بأن ~~ينادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بن أبي سفيان بخير أو فضله على أحد من ~~الصحابة؛ وأن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه. وكان المأمون يبالغ في التشيع لكنه لم يتكلم في الشيخين ~~بسوء، بل كان يترضى عنهما ويعتقد إمامتهما. وفيها توفي عبد الرزاق بن همام ~~بن نافع الحافظ، أبو بكر الصنعاني الحميري، مولده سنة ست وعشرين ومائة، ~~وسمع الكثير وروى عنه خلق من كبار المحدثين: مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن ~~معين وغيرهما. ومات باليمن في النصف من شوال من السنة. وفيها توفي معلى بن ~~منصور، الحافظ أبو يعلى الرازي الحنفي؛ كان ثقة صدوقا نبيلا جليلا صاحب فقه ~~وسنة كثير الحديث صحيح السماع؛ سئل عن القرآن فقال: من قال: إنه مخلوق فهو ~~كافر. وطلب للقضاء فامتنع، رحمه الله تعالى. وفيها توفي موسى بن سليمان، ~~أبو سليمان الجرجاني الحنفي؛ كان إماما فقيها. بصيرا بالفقه والسنة، وكان ~~صدوقا؛ عرض عليه المأمون القضاء فامتنع وأعتذر بعذر مقبول، رحمه الله ~~تعالى. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي علي بن ~~الحسين بن واقد بمرو، وعبد الله بن صالح العجلي المقرىء، والأحوص بن جواب ~~أبو الجواب الضبي، وطلق بن غنام ثلاثتهم بالكوفة، وأبو العتاهية الشاعر ~~ببغداد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. ~~مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عبد الله # بن طاهر على مصر وهي سنة اثنتي عشرة ومائتين. فيها وجه المأمون محمد بن ~~طاهر على مصر. وفيها وجه المأمون محمد بن حميد الطوسي لمحاربة بابك الخرمي. ~~PageV01P0211 # وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن ms0422 مضافا إلى تفضيل علي بن أبي طالب ~~على أبي بكر وعمر، رضي الله عنهم أجمعين؛ وأشمأزت النفوس منه وأشخص العلماء ~~وآذاهم وضربهم وحبسهم ونفاهم وقويت شوكة الخوارج. وخلع المأمون من الخلافة ~~الأمير أحمد بن محمد العمري المعروف بالأحمر العين ببلاد اليمن. ثم سار ~~المأمون إلى دمشق وصام بها رمضان وتوجه فحج بالناس. وفيها في شهر ربيع ~~الأول كتب المأمون إلى الآفاق بتفضيل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ~~جميع الصحابة. وفيها توفي أحمد بن أبي خالد الوزير، أبو العباس وزير ~~المأمون؛ كان أبوه كاتبا لأبي عبد الله وزير المهدي جد المأمون، وكان أحمد ~~هذا فاضلا مدبرا جوادا ذا رأي وفطنة، إلا أنه كانت أخلاقه سيئة؛ قال له رجل ~~يوما: والله لقد أعطيت ما لم يعطه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: ~~والله لئن لم تخرج مما قلت لأعاقبنك؛ قال: قال الله تعالى: ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك " وأنت فظ غليظ القلب وما ننفض من حولك!. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة؛ قال: وفيها توفي أبو عاصم النبيل، وعبد ~~الرحمن بن حماد الشعيثي، وعون بن عمارة العبدي بالبصرة، ومحمد بن يوسف ~~الفريابي بقيسارية، ومنبه بن عثمان بدمشق، وأبو المغيرة عبد القدوس ابن ~~حجاج، الخولاني بحمص، زكريا بن عدي ببغداد، وعبد الملك بن عبد العزيز أبن ~~عبد الله بن أبي سلمة، الماجشون الفقيه بالمدينة، وعلي بن قادم بالكوفة، ~~وخلاد بن يحيى بمكة، والحسين بن حفص الهمداني بأصبهان، وعيسى بن دينار ~~الغافقي الفقيه بالأندلس. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ### | AUT ولاية عيسى بن يزيد الأولى # على مصر هو عيسى بن يزيد الجلودي، ولي إمرة مصر باستخلاف عبد الله بن ~~طاهر عليها، فأقره المأمون على إمرة مصر وجمع له الصلاة والخراج، فتحول إلى ~~العسكر وسكن به على عادة الأمراء؛ وجعل على شرطته ابنه محمدا وعلى المظالم ~~إسحاق بن متوكل. وكانت ولايته على مصر نيابة ms0423 عن عبد الله بن طاهر، فدام ~~عيسى هذا على إمرة مصر إلى سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ومائتين. وصرف ~~المأمون عبد الله بن طاهر عن إمرة مصر وولاها لأخيه المعتصم محمد بن هارون ~~الرشيد. فلما ولي المعتصم مصر أقر عيسى هذا على الصلاة فقط، وجعل على خراج ~~مصر صالح بن شيرزاد. فلما ولي صالح المذكور الخراج ظلم الناس وزاد الخراج ~~وعسف فانتقض عليه أهل الحرف واجتمعوا وعسكروا وعزموا على قتاله، وكان عليهم ~~عبد السلام وابن الجليس في القيسية واليمانية؛ فقام عيسى بن يزيد بنصرة ~~صالح وبعث ابنه محمدا في جيش فحاربوه فانهزم وقتل أصحابه. وذلك في صفر سنة ~~أربع عشرة ومائتين. وبلغ الخبر أبا إسحاق المعتصم فعظم عليه وعزل عيسى هذا ~~عن إمرة مصر وولى عوضه عمير بن الوليد التميمي. فكانت ولاية عيسى على مصر ~~في هذه المرة الأولى سنة وسبعة أشهر وأياما. ### || AUT السنة التي حكم في بعضها عيسى # بن يزيد على مصر وهي سنة ثلاث عشرة ومائتين. فيها خرج عبد السلام وابن ~~الجليس في القيسية واليمانية بمصر، فولى المأمون أخاه أبا إسحاق المعتصم ~~على مصر وعزل عبد الله بن طاهر. وقد ذكرنا ذلك كله في ترجمة عيسى بن يزيد. ~~وفيها ولى المأمون ولده العباس على الجزيرة وأمر لكل من المعتصم والعباس ~~بخمسمائة ألف دينار، وأمر بمثل ذلك لعبد الله بن طاهر المعزول عن إمرة مصر ~~حتى قيل: إنه لم يفرق ملك ولا سلطان في يوم واحد مثل ما فرقه المأمون في ~~هذا اليوم. قلت: لعل الدينار يوم ذاك لم يكن مثل دينارنا اليوم بل يكون مثل ~~دنانير المشارقة التي تسمى بتنكثا والله أعلم. وفيها استعمل المأمون على ~~السند الأمير غسان بن عباد؛ وكان غسان هذا من رجال الدهر حزما وعزما؛ وكان ~~ولي خراسان قبل ذلك وعزل بعبد الله بن طاهر المقدم ذكره. وفيها توفي أحمد ~~بن يوسف بن القاسم بن صبح، أبو جعفر الكاتب الكوفي مولى بني العجل كاتب ~~المأمون على ديوان الرسائل؛ كان من أفضل ms0424 الكتاب في عصره. وأذكاهم وأجمعهم ~~للمحاسن، وكان فصيح اللسان مليح الخط يقول الشعر الجيد، قال له رجل يوما: ~~ما أدري مم أعجب، مما وليه الله من حسن خلقك، أو مما وليته من تحسين خلقك! ~~PageV01P0212 # وفيها توفي أسود بن سالم، أبو محمد البغدادي الزاهد الورع الصالح ~~المشهور؛ كان بينه وبين معروف الكرخي مودة ومحبة، وكان من كبار القوم وممن ~~له كرامات وأحوال. وفيها توفي بشر بن أبي الأزهر يزيد الإمام، أبو سهل ~~القاضي الحنفي؛ كان من أعيان فقهاء أهل الكوفة وزهادها؛ سأله رجل عن مسألة ~~فأخطأ فيها فعزم أن يقصد عبد الله بن طاهر الأمير لينادى عليه في البلدان: ~~بشر أخطأ في مسألة في النكاح حتى رده رجل وقال: أنا أعرف الرجل الذي سألك، ~~فأتي به إليه فقال له: أنا أخطأت وقد رجعت عن قولي، والجواب فيه كذا وكذا. ~~قلت: لله در هذا العالم الذي يعمل بعلمه، رحمه الله تعالى. وفيها توفي ~~ثمامة بن أشرس، أبو معن النميري البصري الماجن؛ كان له نوادر واتصل بهارون ~~الرشيد وولده المأمون. قيل: إنه خرج بعد المغرب من منزله سكران فصادفه ~~المأمون في نفر، فلما رآه ثمامة عمل عن طريقه وقد أبصره المأمون، فساق إليه ~~المأمون وحاذاه، فقال له: ثمامة؛ قال: إي والله، قال: سكران أنت؛ قال: لا ~~والله، قال: أفتعرفني؛ قال: إي والله، قال: فمن أنا؛ قال: لا أدري والله؛ ~~فضحك المأمون حتى كاد يسقط عن دابته. ولثمامة هذا حكايات كثيرة من هذا ~~الجنس. وفيها توفي أبو عاصم النبيل في قول صاحب المرآة قال: واسمه الضحاك ~~الشيباني البصري الحافظ المحدث؛ كان فقيها عالما حافظا، سمع الكثير وحدث ~~وسمع منه خلق ومات في ذي الحجة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي عبد الله بن موسى العبسي، وخالد بن مخلد القطواني بالكوفة، ~~وعمرو بن عاصم الكلابي بالبصرة، وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ ~~بمكة، وعمرو بن أبي سلمة والهيثم بن تجميل الحافظ بأنطاكية. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ms0425 ثلاثة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ~~ذراعا وخمسة عشر إصبعا ونصف. ### | AUT ولاية عمير بن الوليد # على مصر هو عمير بن الوليد الباذغيسي التميمي أمير مصر؛ ولي مصر ~~باستخلاف أبي إسحاق محمد المعتصم له لأن الخليفة المأمون كان ولى مصر لأخيه ~~المعتصم بعد عزل عبد الله بن طاهر، وولى المعتصم عميرا هذا على الصلاة لسبع ~~عشرة خلت من صفر سنة أربع عشرة ومائتين، وسكن العسكر وجعل على شرطته ابنه ~~محمدا؛ وعندما تم أمره خرج عليه القيسية واليمانية الذين كانوا خرجوا قبل ~~تاريخه وعليهم عبد السلام وأبن الجليس، فتهيأ عمير هذا وجمع العساكر والجند ~~وخرج لقتالهم وخرج معه أيضا فيمن خرج الأمير عيسى بن يزيد الجلودي المعزول ~~به عن إمرة مصر، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة أربع عشرة ومائتين؛ واستخلف ~~عمير ابنه محمدا على صلاة مصر، وسافر بجيوشه حتى ألتقى مع أهل الحوف ~~القيسية واليمانية؛ فكانت بينهم وقعة هائلة وقتال ومعارك وثبت كل من ~~الفريقين حتى قتل عمير هذا في المعركة لست عشرة خلت من شهر ربيع الأول ~~المذكور. وقال صاحب البغية: قتل عمير في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من ~~شهر ربيع الأول، فوافق في الشهر والسنة، وخالف في اليوم. قلت: وكانت ### | AUT ولاية عمير بن الوليد # المذكور على مصر استقلالا من قبل أبي إسحاق المعتصم شهرين سواء. وتولى ~~من بعده مصر عيسى بن يزيد الجلودي ثانيا. ؟؟ ### | AUT ولاية عيسى بن يزيد # الجلودي ثانيا على مصر PageV01P0213 # ولي عيسى بن يزيد هذا مصر ثانيا من قبل أبي إسحاق محمد المعتصم بعد قتل ~~عمير بن الوليد على الصلاة؛ ولما ولي مصر، قصده قيس ويمن على العادة وقد ~~كثر جمعهم من أهل الحوف وقطاع الطريق، فوقع لعيسى هذا أيضا معهم حروب وفتن. ~~وجمع عساكره وخرج إليهم حتى التقاهم بمنية مطر " عني المطرية بقرب مدينة ~~عين شمس التي فيها العمود الذي تسميه العامة بمسلة فرعون " وقاتلهم؛ فكانت ~~بينهم حروب هائلة انكسر فيها الأمير عيسى بمن معه وقتل من عسكره خلائق ms0426 ~~وانحاز إلى مصر، وذلك في شهر رجب من سنة أربع عشرة ومائتين المذكورة. وبلغ ~~المأمون ذلك فعظم عليه وطلب أخاه أبا إسحاق محمدا المعتصم وندبه للخروج إلى ~~مصر وقال له: امض إلى عملك وأصلح شأنه؛ وكان المعتصم شجاعا مقداما؛ فخرج ~~المعتصم من بغداد في أربعة آلاف من أتراكه وسافر حتى قدم مصر في أيام ~~يسيرة، وعيسى كالمحصور مع أهل الحوف؛ وقبل دخوله إلى مصر بدأ بقتال أهل ~~الحوف من القيسية واليمانية وقاتلهم وهزمهم وقتل أكابرهم ووضع السيف في ~~القيسية واليمانية حتى أفناهم، وذلك في شعبان من السنة، ومهد البلاد وأباد ~~أهل الفساد؛ ثم دخل الفسطاط " أعني مصر " وفي خدمته عيسى الجلودي وجميع ~~أعيان المصريين لثمان بقين من شعبان، وسكن بالعسكر حتى أصلح أحوال مصر؛ ثم ~~خرج منها إلى الشأم في غرة المحرم سنة خمس عشرة ومائتين في أتراكه ومعه جمع ~~كثير من الأسرى في ضر وجهد شديد مشاة حفاة أمام الخيالة. قلت: وشجاعة ~~المعتصم معروفة مشهورة تذكر في خلافته ووفاته؛ وهو الآن ولي عهد أخيه عبد ~~الله المأمون، وقبل أن يخرج من مصر مهد أمورها وولى عليها عبدويه بن جبلة ~~وعزل عيسى بن يزيد الجلودي صاحب الترجمة. فكانت ولاية عيسى هذه الثانية على ~~مصر نحوا من ثمانية أشهر تنقص أياما. ### || AUT السنة التي حكم فيها عمير # بن الوليد ثم عيسى ابن يزيد الجلودي ثانيا وهي سنة أربع عشرة ومائتين. ~~فيها قتل الأمير محمد بن الحميد الطوسي في حرب كان بينه وبين أصحاب بابك ~~الخرمي. وفيها أيضا قتل أبو الداري أمير اليمن. وفيها كانت قتلة عمير بن ~~الوليد صاحب مصر المقدم ذكره. وفيها خرج بلال الشاري وقويت شوكته، فندب ~~الخليفة المأمون لحربه هارون بن أبي خلف، فتوجه إليه وقاتله وظفر به وقتله. ~~وفيها ولى المأمون أذربيجان وأصبهان والجبال وحرب بابك الخزمي الأمير علي ~~بن هشام، فتوجه علي المذكور بجيوشه وقاتل بابك وواقعه في هذه السنة غير ~~مرة. قلت: وقد طال أمر بابك هذا على الناس وامتدت أيامه، وحاربه جماعة ~~كثيرة من ms0427 أمراء المأمون، وتعب الناس من أجله تعبا زائدا وهو لا يكل من ~~الخروج والقتال، إلى ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وفيها توفي أحمد بن ~~جعفر الحافظ، أبو عبد الرحمن الوكيعي الضرير البغدادي؛ وسمي الوكيعي ~~لملازمته وكيع بن الجراح المقدم ذكره. قال إبراهيم الحربي: كان الوكيعي ~~يحفظ مائة ألف حديث. وفيها توفي الإمام أبو زيد النحوي البصري. واسمه سعيد ~~بن أوس بن ثابت الأنصاري؛ كان إماما في علم النحو واللغة والأشعار ومذاهب ~~العرب وآبائهم وأيامهم؛ وكان ثقة حافظا صدوقا. وفيها توفي قبيصة بن عقبة، ~~الحافظ أبو عامر السوائي. هو من بني عامر بن صعصعة؛ كان إماما حافظا زاهدا ~~قنوعا. أسند عن سفيان الثوري والحمادين وغيرهم، وروى عنه الإمام أحمد بن ~~حنبل رضي الله عنه وغيره. وفيها توفي الوليد بن أبان الكرابيسي المعتزلي؛ ~~كان من كبار المعتزلة بالبصرة وله في الاعتزال مقالات معروفة يقوي بها ~~مذاهب المعتزلة. قلت: كان من كبار العلماء. ذكره المسعودي وأثنى على علمه ~~وفضله. وفيها توفي أبو العتاهية الشاعر المشهور، أبو إسحاق إسماعيل بن ~~القاسم بن سويد بن كيسان العنزي مولاهم الكوفي نزيل بغداد. وأصله من سبي ~~عين التمر، ولقبوه بأبي العتاهية لاضطراب كان فيه. وقيل: بل كان يحب ~~الخلاعة فكني بذلك. وهو أحد فحول الشعراء ونسك في آخر عمره ومال للزهد ~~والوعظ. مات في هذه السنة. وقيل: سنة ثلاث عشرة ومائتين وهو الأقوى، وقيل: ~~في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة ومائتين وهو الذي ذكره الذهبى. ومدح المهدي ~~ومن بعده من الخلفاء، ومن مديحه : " الكامل " إن المطايا تشتكيك لأنها ... ~~تطوي إليك سباسبا ورمالا PageV01P0214 # فإذا رحلن بنا رحلن محفة ... وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا وله: " الطويل " ~~يا رب إن الناس لا ينصفونني ... فيكف إذا أنصفتهم ظلموني وإن كان لي شيء ~~تصدوا لأخذه ... وإن جئت أبغي سيبهم منعوني وإن نالهم بذلي فلا شك عندهم ~~... وإن أنا لم أبذل لهم شتموني وما أحسن قوله: " الوافر " هب الدنيا تساق ~~إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى زوال الذين ذكر الذهبي وفاتهم ms0428 في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن خالد الذهبي بحمص، وعبد الله بن عبد الحكم ~~الفقيه بمصر، وسعيد بن سلام العطار بالبصرة، ومحمد بن الحميد الطوسي الأمير ~~قتل في حرب الخرمية، وأبو الداري أمير اليمن قتل أيضا، وعمير الباذغيسي ~~نائب مصر خلافة عن المعتصم - قتل في الحوف في حرب ابن الجليس وعبد السلام، ~~فسار أبو إسحاق بنفسه إليهما فظفر بهما وقتلهما - انتهى كلام الذهبي. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ~~ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا ونصف. ### | AUT ولاية عبدويه بن جبلة # على مصر هو عبدويه بن جبلة. أصله من الأبناء من قواد بني العباس؛ ولاه ~~المعتصم نيابة عنه على صلاة مصر بعد عزل عيسى بن يزيد الجلودي عن إمرة مصر ~~في مستهل المحرم سنة خمس عشرة ومائتين؛ ثم خرج المعتصم بعد ولايته إلى ~~الشأم حسبما تقدم ذكره؛ وبعد سفر المعتصم تحول عبدويه هذا إلى العسكر وسكن ~~به على عادة الأمراء، وجعل على الشرطة ابنه، وعلى المظالم إسحاق بن إسماعيل ~~بن حماد بن زيد؛ ولما ولي مصر أخذ في إصلا ح أحوالها واثبات ما قرره ~~المعتصم بها من الأمور. وبينما هو في ذلك خرج عليه أناس من الحوفية أيضا من ~~القيسية واليمانية في شعبان من السنة، فتهيأ عبدويه لمحاربتهم وجهز إليهم ~~جيشا فسار إليهم الجيش وحاربوهم وظفروا بهم بعد أمور. ثم حضر إليه بعد ذلك ~~الأفشين حيدر بن كاوس الصغدي إلى مصر في ثالث ذي الحجة من السنة ومعه علي ~~بن عبد العزيز الجروي لأخذ المال فلم يدفع إليه عبدويه وقاتله، فخرج ~~الأفشين إلى برقة، وصرف عبدويه بن جبلة عن إمرة مصر بعيسى بن منصور بن ~~موسى؛ وبعد عزل عبدويه المذكور عاد الأفشين إلى مصر وأقام بها على ما سيأتي ~~ذكره، فكانت ### | AUT ولاية عبدويه بن جبلة # على مصر نيابة عن أبي إسحاق محمد المعتصم سنة واحدة. ؟؟ ### || AUT السنة التي حكم فيها عبدويه # بن جبلة على مصر وهي سنة خمس عشرة ومائتين. ms0429 فيها وصل أبو إسحاق المعتصم ~~من مصر إلى الموصل واجتمع بأخيه الخليفة عبد الله المأمون وعرفه ما فعل ~~بمصر فشكره على ذلك. وفيها سار المأمون من الموصل إلى غزو دابق وأنطاكية ~~فغزاهما وتوجه إلى الشأم ودخلها وأقام بها، وكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن ~~إبراهيم أن يأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا الجمعة، وبعد الصلوات الخمس إذا ~~قضوا الصلاة أن يصيحوا قياما ويكبروا ثلاث تكبيرات، ففعل ذلك في شهر رمضان ~~فقال الناس: هذه بدعة ثالثة. قلت: البدعة الأولى لبس الخضرة. وتقريب ~~العلوية وإبعاد بني العباس؛ والثانية القول بخلق القرآن وهي المصيبة ~~العظمى؛ والثالثة هذه!. ثم فيها أباح المأمون أيضا المتعة فقال الناس: هذه ~~بدعة رابعة. وفيها غضب المأمون على الأمير علي بن هشام وبعث إليه عجيفا ~~وأحمد بن هشام لقبض أمواله. وفيها توفي الأمير إسماعيل بن جعفر بن سليمان ~~بن علي بن عبد الله بن العباس أبو الحسن الهاشمي العباسي ؛ كان من أعيان ~~بني العباس وأفاضلهم، وولي الأعمال الجليلة بعدة بلاد. وفيها توفيت زبيدة ~~بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، أم ~~جعفر الهاشمية العباسية؛ واسمها أمة العزيز زوجة هارون الرشيد وبنت عمه وأم ~~ولده الأمين محمد المقتول بيد طاهر بن الحسين بسيف المأمون، وقد تقدم ذكر ~~ذلك كله. وماتت زبيدة وهي أعظم نساء عصرها دينا وأصلا وجمالا وصيانة ~~ومعروفا؛ أحصي ما أنفقته في حجة واحدة فكان ألفي ألف دينار، قاله أبو ~~المظفر في مرآة الزمان. PageV01P0215 # قلت:. ولعلها عمرت في هذه الحجة المصانع التي بطريق الحجاز أو بعضها. ~~وكان في قصر زبيدة مائة جارية تقرأ القران. فكان يسمع من قصرها دوي كدوي ~~النحل من القراءة؛ ولم تزل زبيدة في حشمها أيام زوجها الرشيد وفي أيام ~~ولدها محمد الأمين وفي أيام ابن زوجها عبد الله المأمون، لم يتغير من حالها ~~شيء إلى أن ماتت في هذه السنة؛ وقيل في سنة ست عشرة ومائتين وهو الأشهر. ~~وأما ما فعلته من المآثر والمصانع بالحجاز وغيره فهو ms0430 معروف لا يحتاج إلى ~~ذكره هنا؛ وكانت مع هذا الجمال والحشمة فصيحة لبيبة عاقلة مدبرة؛ قيل: إن ~~المأمون دخل إليها بعد قتل أبنها الأمين يعتذر إليها ويعزيها فيه ويسكن ما ~~بها من الحزن، فقال لها: يا ستاه، لا تأسفي عليه فإني عوضه لك ؛ فقالت: يا ~~أمير المؤمنين، كيف لا آسف على ولد خلف أخا مثلك ! ثم بكت وأبكت المأمون ~~حتى غشي عليه. قلت: ولم يكن قتل الأمين بإرادة أخيه المأمون وإنما اقتحمه ~~طاهر بن الحسين وقتله من غير إذن المأمون، وحقد المأمون عليه لذلك ولم يسعه ~~إلا السكوت. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفى أبو ~~زيد الأنصاري، صاحب العربية بالبصرة؛ واسمه سعيد بن أوس، والعلاء بن هلال ~~الباهلي بالرقة، ومحمد بن عبد الله الأنصاري القاضي بالبصرة، ومكي بن ~~إبراهيم الحنظلي ببلخ، وعلي بن الحسن بن شقيق بمرو، ومحمد بن مبارك الصوري ~~بدمشق، وإسحاق بن عيسى بن الطباع ببغداد. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثلاثة عشر ذراعا وأحد ~~وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية عيسى بن منصور # على مصر هو عيسى بن منصور بن موسى بن عيسى الرافقي، مولى بني نصر بن ~~معاوية، أمير مصر؛ وليها من قبل أبي إسحاق محمد المعتصم بعد عزل عبدويه بن ~~جبلة عنها في مستهل سنة ست عشرة ومائتين على الصلاة؛ وسكن عيسى بالعسكر على ~~عادة الأمراء، وجعل على شرطته أبا المغيث يونس بن إبراهيم. وفي أيام ولايته ~~انتقضت عليه أسفل الأرض بغربها أعني بالوجه البحري، وانضم الأقباط عليهم ~~وذلك في جمادى الأولى، وحشدوا وجمعوا فكثر عددهم وساروا نحو الديار ~~المصرية؛ فتجهز عيسى وجمع العساكر والجند لقتالهم فضعف عن لقائهم وتقهقر ~~بمن معه، فدخلت الأقباط وأهل الغربية مصر وأخرجوا منها عيسى هذا على أقبح ~~وجه لسوء سيرته، وخرج معه أيضا متولي خراج مصر وخلعوا الطاعة؛ فقدم الأفشين ~~من برقة وتهيأ لقتال القوم في النصف من جمادى الآخرة، وانضم عليه عيسى بن ~~منصور هذا ومن انضاف ms0431 إليه، وتجمعوا وتجهزوا لقتال القوم وخرجوا في شوال ~~وواقعوهم فظفروا بهم بعد أمور وحروب وأسروا وقتلوا وسبوا؛ ثم مضى الأفشين ~~إلى الحوف وقاتلهم أيضا لما بلغه عنهم وبدد جمعهم وأسر منهم جماعة كبيرة ~~بعد أن بضع فيهم وأبدع؛ ودامت الحروب في السنة المستمرة بمصر في كل قليل ~~إلى أن قدمها أمير المؤمنين عبد الله المأمون لخمس خلون من المحرم سنة سبع ~~عشرة ومائتين، فسخط على عيسى بن منصور المذكور وحل لواءه وعزله ونسب له كل ~~ما وقع بمصر ولعماله؛ ثم جهز العساكر لقتال أهل الفساد وأحضر بين يديه ~~عبدوس الفهري فضربت عنقه لأنه كان أيضا ممن تغلب على مصر. ثم سار عسكره ~~لقتال أسفل الأرض أهل الغربية والحوف وأوقعوا بهم وسبوا القبط وقتلوا ~~مقاتلتهم وأبادوهم وقمعوا أهل الفساد من سائر أراضي مصر بعد أن قتلوا منهم ~~مقتلة عظيمة، ثم رحل الخليفة المأمون من مصر لثماني عشرة خلت من صفر بعد أن ~~أقام بمصر وأعمالها " مثل سخا وحلوان وغيرهما " تسعة وأربعين يوما؛ وولى ~~على صلاة مصر كيدر وعلى الشرطة أحمد بن بسطام الأزدي من أهل بخارا. وعمر ~~المقياس وجسرا آخر بالجزيرة تجاه المسطاط. ### || AUT السنة التي حكم فيها عيسى # بن منصور على مصر وهي سنة ست عشرة ومائتين. PageV01P0216 # فيها كر المأمون راجعا من العراق إلى غزو الروم لكونه بلغه أن ملك الروم ~~قتل خلقا من المسلمين من أهل طرسوس والمصيصة، فسار إليها حتى وصلها في ~~جمادى الأولى من السنة فأقام بها إلى نصف شعبان؛ وجهز أخاه أبا إسحاق محمدا ~~المعتصم لغزو الروم فسار وافتتح عدة حصون؛ ثم وجه المأمون أيضا القاضى يحيى ~~بن أكثم إلى جهة أخرى من الروم فتوجه وأغار وقتل وسبى؛ ثم رجع المأمون في ~~آخر السنة إلى دمشق وتوجه منها إلى الديار المصرية حسبما تقدم ذكره ودخلها ~~في أول سنة سبع عشرة ومائتين. وفيها توفي محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب ~~بن أبي صفرة ؛ كان من أكابر الأمراء، ولي إمرة البصرة والصلاة بها وغيرها؛ ~~وكان جوادا ممدحا. ms0432 قدم مرة على المأمون فقال له: يا محمد، أردت أن أوليك ~~فمنعني إسرافك في المال؛ فقال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء الظن ~~بالمعبودة فقال له المأمون: لو شئت أبقيت على نفسك؛ فقال محمد: من له مولى ~~غني لا يفتقر، فاستحسن المأمون ذلك منه وولاه عملا. وقيل للعتبي: مات محمد ~~بن عباد فقال: نحن متنا بفقده وهو حي بمجده. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال: وفيها توفي حبان بن هلال، وعبد الملك بن قريب الأصمعي، ~~ومحمد بن كثير المصيصي الصنعاني، والحسن بن سوار البغوي، وعبد الله بن نافع ~~المدني الفقيه، وعبد الصمد بن النعمان البزاز، ومحمد بن بكار بن بلال قاضي ~~دمشق، ومحمد بن عباد المهلبي أمير البصرة، ومحمد بن سعيد بن سابق نزيل ~~قزوين، وزبيدة زوجة الرشيد وابنة عمه. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرة أصابع. ### | AUT ولاية كيدر # على مصر هو كيدر، واسمه نصر بن عبد الله، وكيدر شهرة غلبت عليه، الأمير ~~أبو مالك الصغدي؛ ولي إمرة مصر بعد عزل عيسى بن منصور في صفر سنة سبع عشرة ~~ومائتين من قبل المأمون على الصلاة فسكن العسكر على عادة الأمراء بعد رحيل ~~المأمون، وجعل على شرطته ابن إسبنديار. ثم بعث المأمون برجل من العجم يسمى ~~بابن بسطام على الشرطة فولي مدة ثم عزله كيدر لسوء سيرته لرشوة ارتشاها ~~وضربه بالسوط في صحن الجامع، ثم ولى ابنه المظفر عوضه. ودام كيدر على إمرة ~~مصر إلى أن ورد عليه كتاب المأمون في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة ومائتين ~~بأخذ الناس بالمحنة - أعني بالقول بخلق القرآن - وكان القاضي بمصر يومئذ ~~هارون بن عبد الله الزهري، فأجاب القاضي والشهود، ومن توقف منهم عن القول ~~بخلق القرآن سقطت شهادته. وأخذ كيدر يمتحن القضاة وأهل الحديث وغيرهم، وكان ~~كتاب المأمون إلى كيدر يتضمن ذلك: PageV01P0217 # " وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية ~~وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا ms0433 روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، أهل ~~جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور أن يقدروا الله حق ~~قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه؛ وذلك أنهم ساووا بين ~~الله وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه؛ ~~وقد قال تعالى: " إنا جعلناه قرآنا عربيا " ، وكل ما جعله فقد خلقه؛ كما ~~قال تعالى: " وجعل الظلمات والنور " ؛ وقال تعالى: " كذلك نقدر عليك من ~~أنباء ما قد سبق " فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها. وقال عز وجل: " كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت " . والله تعالى محكم كتابه ثم مفضله، فهو خالقه ~~ومبتدعه. ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة وأن من سواهم أهل ~~الكفر والباطل؛ فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت ~~الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم واتخذوا ~~دين الله وليجة إلى ضلالهم. إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر ~~الأمة المنقوصون من التوحيد حظا، أوعية الجهالة، وأعلام الكذب، ولسان إبليس ~~الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحق أن يتهم في ~~صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به. ومن عمي عن رشده وحظه عن الإيمان بالتوحيد، ~~كان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا. ولعمر أمير المؤمنين، إ ن أكذب الناس من ~~كذب على الله ووحيه وتخرص الباطل ولم يعرف الله حق معرفته. فاجمع من بحضرتك ~~من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا هذا، وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما ~~يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عمل ولا ~~واثق بمن لا يوثق بدينه. فإذا أقروا بذلك ووافقوا " أمير المؤمنين فيه " ~~فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم عن القرآن، وترك شهادة ~~من لم يقر أنه مخلوق؛ واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل أعمالك في مسألتهم ~~والأمر لهم بمثل ذلك. ثم كتب المأمون بمثل ذلك إلى سائر عماله وإلى نائبه ~~على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن ms0434 عم طاهر بن الحسين أن يرسل إليه ~~سبعة نفر، وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو ~~مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، ~~وأحمد بن إبراهيم الدورقي؛ فأشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه ~~فردهم من الرقة إلى بغداد؛ وكانوا توقفوا أولا ثم أجابوه خوفا من العقوبة. ~~ثم كتب المأمون أيضا إلى إسحاق بن إبراهيم المذكور بأن يحضر الفقهاء ومشايخ ~~الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة؛ ففعل ذلك، فأجابه طائفة وامتنع ~~آخرون. ثم كتب إليه كتابا آخر من جنس الأول وأمره بإحضار من امتنع فأحضر ~~جماعة: منهم أحمد بن حنبل رضي اللة عنه، وبشر بن الوليد الكندي، وأبو حسان ~~الزيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمر القواريري، ~~وعلي بن الجعد، وسجادة - واسمه الحسن بن حماد - والذيال بن الهيثم، وقتيبة ~~بن سعيد، وكان حينئذ ببغداد، وسعدويه الواسطي، وإسحاق بن أبي إسرائيل وابن ~~الهرش، وابن علية الأكبر، ومحمد بن نوح العجلي، ويحيى بن عبد الرحمن ~~العمري، وأبو نصر التمار، وأبومعمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون ~~وغيرهم؛ وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا، فقال ~~لبشر بن الوليد: ما تقول؛ قال: قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة ؛ قال: فالآن ~~قد تجدد من أمير المؤمنين كتاب؛ قال: أقول: كلام الله؛ قال: لم أسألك عن ~~هذا، أمخلوق هو؛ قال: ما أحسن غير هذا الذي قلت لك، إني قد استعهدت أمير ~~المؤمنين أني لا أتكلم فيه. ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؛ قال: ~~القرآن كلام الله، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا. ثم أجاب أبو ~~حسان الزيادي بنحو من ذلك. ثم قال لأحمد بن حنبل رضي الله عنه: ما تقول؛ ~~قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد على ذلك. ~~PageV01P0218 # قلت: والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه هو أعظم من قام في إظهار السنة ~~وثبته الله على ذلك، ولولاه ms0435 لفسدت عقائد جماعة كثيرة؛ وقد تداولته الخلفاء ~~بالعقوبة على القول بخلق القرآن وهو يمتنع من ذلك أشد امتناع، ويأتي ~~بالأدلة القاطعة، إلى أن خلصه الله منهم وهو على كلمة الحق. ثم قال لابن ~~البكاء الأكبر: ما تقول؟ قال: أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك؛ ~~فقال إسحاق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق! قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق! ~~قال: لا أقول مخلوق " ولكنه مجعول " . ثم وجه إسحاق بن إبراهيم بجواباتهم ~~إلى المأمون، فورد عليه كتاب المأمون: بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة ~~وملتمسو الرياسة فيما ليسوا له بأهل؛ فمن لم يجب بأنه مخلوق فامنعه من ~~الفتوى والرواية. ثم قال في الكتاب: وأما ما قال بشر فقد كذب، و لم يكن جرى ~~بينه وبين أمير المؤمنين في ذلك عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من ~~اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق. فادع به إليك فإن تاب فأشهر ~~أمره، وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده، فاضرب ~~عنقه وابعث إلينا برأسه؛ وكذلك إبراهيم. وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ~~ألست القائل لأمير المؤمنين: إنك تحلل وتحرم. وأما الذيال فأعلمه أنه كان ~~في الطعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله. وأما أحمد بن يزيد وقوله: إنه لا ~~يحسن الجواب في القرآن، فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه، جاهل سيحسن ~~الجواب إذا أدب، ثم إن لم يفعل كان السيف من جراء ذلك. وأما أحمد بن حنبل ~~فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدل على جهله وآفته بها. ~~وأما الفضل بن غانم، فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، ~~وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة " يعني في ولايته القضاء " . وأما ~~الزيادي فأعلمه واذكر له ما يشينه. وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين ~~شبه خساسة عقله بخساسة متجره. وأما ابن نوح وابن حاتم " والمعروف بأبي معمر ~~" ، فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد، وأن أمير ~~المؤمنين لو لم ms0436 يستحل محاربتهم في الله " ومجاهدتهم إلا لإربائهم " وما نزل ~~به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا ~~وصاروا للنصارى شبها! ثم ذكر لكل واحد منهم شيئا وبخه به. حتى قال: ومن لم ~~يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير ~~المؤمنين ليسألهم، فإن لم يرجعوا حملهم على السيف؛ قال: فأجابوا كلهم عند ~~ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجادة ومحمد بن نوح والقواريري، فأمر بهم فقيدوا، ثم ~~سألهم من الغد وهم في القيود؛ فأجاب سجادة، ثم عاودهم بالثاني فأجاب ~~القواريري. فوجه بأحمد بن حنبل ومحمد بن نوح. ثم بلغ المأمون أنهم إنما ~~أجابوا مكرهين، فغضب وأمر بإحضارهم إليه؛ فلما صاروا إلى الرقة بلغهم وفاة ~~المأمون، وكذا ورد الخبر على أحمد بن حنبل. وأما محمد بن نوح فكان عديلا ~~لأحمد بن حنبل في المحمل فمات، فوليه أحمد وصلى عليه ودفنه. هذا ما كان ~~بالعراق.وأما مصر، فبينما كيدر في امتحان علمائها وفقهائها ورد عليه الخبر ~~بموت المأمون في شهر رجب قبل أن يقبض على من طلبه المأمون، وأن المعتصم ~~محمدا بويع بالخلافة من بعده. ثم عقيب ذلك ورد على كيدر كتاب المعتصم ~~ببيعته ويأمره بإسقاط من في الديوان من العرب وقطع العطاء عنهم، ففعل كيدر ~~ذلك؛ فخرج يحيى بن الوزير الجروف في جمع من لخم وجذام عن الطاعة، فتجهز ~~كيدر لحربهم، فأدركته المنية ومات في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة ومائتين، ~~واستخلف ابنه المظفر بن كيدر بعده على مصر، فأقره المعتصم على إمرة مصر؛ ~~فكانت ولايته على مصر سنتين وشهرين تنقص أياما. ### || AUT السنة الأولى التي ولي فيها كيدر # على مصر وهي سنة سبع عشرة ومائتين. فيها خرج المأمون من مصر وتوجه إلى ~~الشأم ؛ ثم غزا الروم، وأقبل ملك الروم توفيل في جيوشه فجهز المأمون لحربه ~~الجيوش؛ ثم كتب توفيل للمأمون كتابا يطلب فيه الصلح فبدأ بنفسه في المكاتبة ~~وأغلظ فاستشاط المأمون غضبا وقصد الروم فكلموه في هجوم الشتاء ووعدوه ms0437 ~~للقابل فثنى عزمه. وفيها وقع حريق عظيم بالبصرة، يقال: إنه أتى على أكثرها، ~~وكان حريقا عظيما فوق الوصف. PageV01P0219 # وفيها قتل المأمون عليا وحسينا ابني هاشم بأذنة في جمادى الأولى لسوء ~~سيرته وفيها توفي عمرو بن مسعدة بن صول، أبو الفضل الصولي، أحد كتاب ~~المأمون وخاصته ؛ وكان جوادا ممدحا فاضلا نبيلا جليلا. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي حجاج بن منهال الأنماطي بالبصرة، ~~وشريح بن النعمان الجوهري، وموسى بن داود الضبي الكوفي ببغداد، وهشام بن ~~إسماعيل العطار العابد بدمشق، وعمرو بن مسعدة أبو الفضل الصولي كاتب ~~الإنشاء للمأمون - وقد ذكرناه - وإسماعيل بن مسلمة أخو القعنبي بمصر. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة ~~أربعة عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية كيدر # على مصر وهي سنة ثمان عشرة ومائتين. فيها اهتم المأمون ببناء طوانة وجمع ~~فيها الرجال والصناع وأمر ببنائها ميلا في ميل، وقرر ولده العباس على ~~بنائها وغرم عليها أموالا عظيمة؛ وهي على فم الدرب مما يلي طرسوس؛ ثم افتتح ~~المأمون عدة حصون. وفيها كانت المحنة العظيمة المقدم ذكرها، أعني القول ~~بخلق القرآن؛ وأجاب غالب علماء الدنيا بذلك ماخلا جماعة يسيرة؛ وعظم البلاء ~~بالعلماء وضربوا وأهينوا وردعوا بالسيف وغيره، فلم يكن بعد ذلك إلا أيام ~~يسيرة ومرض المأمون ببلاد الروم، ولم يزل مرضه يزداد به إلى أن مات. ### || AUT ذكر وفاته ونسبه # هو الخليفة أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله المأمون ابن الخليفة ~~هارون الرشيد ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد ~~الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي البغدادي؛ ولد ~~سنة سبعين ومائة قبل أخيه الأمين محمد بن زبيدة بشهر عندما استخلف أبوه ~~الرشيد، وأمه أم ولد تسمى مراجل، ماتت أيام نفاسها به. وبويع بالخلافة بعد ~~قتل أخيه الأمين محمد في أواخر سنة خمس وتسعين ومائة وغير لقبه بأبي جعفر ~~وكان أولا أبا العباس؛ وكان نبيلا قرأ العلم في ms0438 صغره وسمع من هثيم وعباد بن ~~العوام ويوسف بن عطية وأبي معاوية الضرير وطبقتهم، وبرع في الفقه على مذهب ~~أبي حنيفة رضي الله عنه والعربية وأيام الناس. ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم ~~الأوائل ومهر فيها، فجزه ذلك لقوله بخلق القرآن؛ فكان من رجال بني العباس ~~حزما وعزما وحلما وعلما ورأيا وهيبة وشجاعة وسؤددا وسماحة، لولا أنه شان ~~ذلك كله بقوله بخلق القرآن. قال ابن أبي الدنيا: كان المأمون أبيض ربعة حسن ~~الوجه يعلوه صفرة قد وخطه الشيب، أعين طويل اللحية رقيقها ضيق الجبين على ~~خده خال. وعن إسحاق الموصلي قال: كان المأمون قد سخط على الحسين الخليع ~~الشاعر لكونه هجاه عندما قتل الأمين، فبينما أنا ذات يوم عند المأمون إذ ~~دخل الحاجب برقعة فاستأذن في إنشادها، فأذن له، فأنشد قصيدة أولها: " ~~الطويل " أجزني فإني قد ظمئت إلى الوعد ... متى ينجز الوعد المؤكد بالعهد ~~إلى أن قال: رأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد ألا ~~إنما المأمون للناس عصمة ... مميزة بين الضلالة والرشد فقال له المأمون: ~~أحسنت، فقال الحاجب: أحسن قائلها، قال: ومن هو؛ قال: عبدك الحسين بن ~~الضحاك؛ فقال المأمون: لا حياه الله! أليس هو القائل: " الطويل " فلا تفت ~~الأشياء بعد محمد ... ولا زال شمل الملك فيها مبددا ولا فرح المأمون بالملك ~~بعدما ... ولا زال في الدنيا طريدا مشردا هذه بتلك ولا شيء له عندنا. قال ~~الحاجب: فأين عادة عفو أمير المؤمنين؛قال: أما هذه فنعم، ائذنوا له. فدخل ~~الحسين فقال له المأمون: هل عرفت يوم قتل أخي الأمين أن هاشمية هتكت؛ قال: ~~لا، قال: فما معنى قولك: " الطويل " ومما شجا قلبي وكفكف عبرتي ... محارم ~~من آل الرسول استحلت ومهتوكة بالخلد عنها سجوفها ... كعاب كقرن الشمس حين ~~تبدت فلا بات ليل الشامتين بغبطة ... ولا بلغت آمالهم ما تمنت فقال: يا ~~أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، و روعة فاجأتني، ونعمة استلبتها بعد أن ~~غمرتني؛ فإن عاقبت فبحقك وإن عفوت فبفضلك؛ فدمعت عينا المأمون وأمر له ~~بجائزة. ومما ينسب إلى المأمون ms0439 من الشعر قوله: " المتقارب " PageV01P0220 # لساني كتوم لأسراركم ... ودعي نموم لسري مذيع فلولا دموعي كتمت الهوى ~~ولولا الهوى لم تكن لي دموع وكانت وفاة المأمون في يوم الخميس لاثنتي عشرة ~~ليلة بقيت من شهر رجب وحمل إلى طرسوس فدفن بها. وكان المأمون حليما عادلا. ~~قيل: إن بعض المشايخ كتب إليه رقعة فيها مرافعة في إنسان، فكتب عليها ~~المأمون: السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فإن كنت أخرجتها من النصح، فخسرانك ~~فيها أكثر من الربح ؛ وأنا لا أسعى في محظور ولا أسمع قول مهتوك في مستورة ~~ولولا أنت في خفارة شيبك لعاقبتك على جريرتك مقابلة تشبه أفعالك. وكتب ~~بعضهم إلى المأمون رقعة فيها: إن رجلا مات وخلف مالا عظيما وليس له وارث ~~إلا طفل مرضع، وإن تحكم القضاء فيه أضاع ماله، وأمير المؤمنين أولى به. ~~قال: فاخذ الرقعة وكتب على ظهرها: الطفل حبره إلا الله وأنشاه، والمال ثمره ~~الله وأنماه، والميت رحمه الله ورضي عنه وأرضاه؛ وأما الساعي لي في أخذه ~~فلعنه الله وأخزاه. وقيل: إنه لما مات عمرو بن مسعدة وزير المأمون رفعت ~~إليه رقعة: أن عمرا المذكور خفف ثمانين ألف ألف دينار. فوقع المأمون على ~~ظهرها: هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا. وقيل: إن رجلا قدم إلى ~~المأمون رقعة فيها مظلمة، وكان المأمون راكبا بغلة فنفرت منه فألقت المأمون ~~عن ظهرها إلى الأرض فأوهنته؛ فقال: والله لأقتلنك، قالها ثلاث مرات، فقال ~~الرجل: يا أمير المؤمنين، إن الملهوف يركب الخطر وهو سالم بركوبه، وينسى ~~الأدب هو غير جاهل به، ولو أحسنت الأيام إنصافا لأحسنت التقاضي، ولأن تلقى ~~الله يا أمير المؤمنين حانثا في يمينك خير من أن تلقاه قاتلا لي. فأعجب ~~المأمون كلامه وأمر بإزالة ظلامته. وفيها توفي إبراهيم بن إسماعيل، أبو ~~إسحاق البصري الأسدي المعتزلي؛ كان يعرف بابن علية، وهو أيضا من القائلين ~~بخلق القران ؛ وله مع الشافعي مناظرات في الفقه بمصر، ومع أحمد بن حنبل ~~مناظرات ببغداد بسبب القران. فكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: ابن علية ضال ms0440 ~~مضل. ومات بمصر ليلة عرفة. وكان من أعيان علماء عصره. وفيها توفي بشر بن ~~غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المريسي، مولى زيد بن الخطاب؛ كان أبوه ~~يهوديا يسكن ببغداد، وتفقه هو بالقاضي أبي يوسف حتى برع في علوم كثيرة، ثم ~~اشتغل بعلم الكلام والقول بخلق القرآن. وكان أبو زرعة الرازي يقول: بشر بن ~~غياث زنديق. قلت: ذكر أن عبد الله بن المبارك رأى في منامه زبيدة وفي وجهها ~~أثر صفرة، فقال لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي في أول معول ضرب بطريق ~~مكة ؛ فقال: فما هذه الصفرة التي في وجهك؛ فقالت: دفن بين أظهرنا رجل يقال ~~له بشر المريسي زفرت عليه جهنم زفرة فاقشعر الجلد مني بسببها، فهذه الصفرة ~~من تلك الزفرة. وفيها توفي الشيخ الصالح الزاهد علي الجرجاني. كان يسكن ~~جبال لبنان. قال بشر الحافي: رأيته يوما على عين ماء، فهرب مني وقال: بذنب ~~مني رأيت اليوم إنسانا، فعدوت خلفه وقلت: أوصني؛ فقال: عانق الفقر، عاشر ~~الصبر، وعاد الهوى، وعاق الشهوات. وفيها توفي محمد بن نوح بن ميمون بن عبد ~~الحميد العجلي صاحب الإمام أحمد بن حنبل؛ كان عالما زاهدا مشهورا بالسنة ~~والدين؛ امتحن بخلق القرآن فثبت على السنة حتى حمل هو و الإمام أحمد في ~~القيود إلى المأمون فمات محمد في الطريق بعانة قبل أن ينظر وجه المأمون. ~~وقد تقدم ذكره في أول ترجمة كيدر صاحب مصر بأوسع من هذا، رحمه الله. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة خمسة عشر ذراعا سواء. ### | AUT ولاية المظفر بن كيدر # على مصر PageV01P0221 # هو المظفر بن كيدر أمير مصر، ولي إمرة مصر بعد موت أبيه كيدر باستخلافه، ~~وأقره المعتصم على عمل مصر وذلك في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة ومائتين؛ ~~وسكن العسكر على عادة الأمراء وتم أمره؛ فخرج عليه يحيى بن الوزير الني كان ~~خرج على أبيه أيضا قبل موته بمدة يسيرة، فتهيأ المظفر هذا لقتاله وحشد وجمع ~~الجند ms0441 والعسكر وخرج من مصر حتى التقى مع يحيى بن الوزير المذكور وقاتله، ~~فكانت بينهم وقعة هائلة انكسر فيها يحيى بن الوزير المذكور وظفر به المظفر ~~هذا، وذلك في جمادى الآخرة من سنة تسع عشرة ومائتين. ولما ولي المعتصم ~~الخلافة أنعم بولاية مصر على أبي جعفر أشناس، ودعي لأشناس على منابر مصر؛ ~~وبعد مدة يسيرة صرف أشناس المظفر هذا عن إمرة مصر في شعبان من السنة؛ وولي ~~مصر بعده موسى بن أبي العباس. وكانت ولاية المظفر على مصر نحوا من أربعة ~~أشهر تخمينا، على أنه لم يهنأ له بها عيش من كثرة ما وقع له من الحروب ~~والوقائع في هذه المدة اليسيرة، مع أنه ورد عليه كتاب المعتصم يذكر له أن ~~يمتحن العلماء بخلق القرآن بمصر فامتحن جماعة. وبالجملة فكانت أيامه على ~~مصر قليلة ووقائعه وشروره كثيرة. ### || AUT السنة التي حكم في أولها كيدر # وفي آخرها ابنه المظفر على مصر وهي سنة تسع عشرة ومائتين. فيها كانت ~~طلمة شديدة بين الظهر والعصر وزلازل هائلة. وفيها ظهر محمد بن القاسم ~~العلوي الحسيني بالطالقان يدعو إلى الرضى من آل محمد فاجتمع عليه خلق، ~~فأرسل عبد الله بن طاهر له جيوشا فواقعوه عدة وقعات حتى انهزم محمد، وقصد ~~كورة خراسان فظفر به متولي نسا فقيده وبعث به إلى ابن طاهر فأرسله إلى ~~المعتصم فحبسه، فهرب من السجن ليلة عيد الفطر واختفى فلم يقع له المعتصم ~~على أثر ولا خبر. وفيها في جمادى الأولى قدم بغداد إسحاق بن إبراهيم بسبي ~~عظيم من أهل الخرمية الذين أوقع بهم بهمذان. وفيها عاشت الزط بنواحي البصرة ~~فانتدب لحربهم عجيف بن عنبسة فظفر بهم وقتل منهم نحو ثمانمائة، ثم جرت له ~~معهم بعد ذلك حروب، وكانت عدتهم خمسة آلاف. وفيها امتحن الخليفة المعتصم ~~أحمد بن حنبل بالقول بخلق القرآن وعاقبه رضي الله عنه، ووقع له أمور يطول ~~شرحها من المناظرات والأسئلة، فثبته الله على الحق ؛ وفيها حج بالناس ~~العباس بن محمد بن علي العباسي. وفيها توفي علي بن عبيدة، ms0442 أبو الحسن الكاتب ~~المعروف بالريحاني؛ كان أديبا فصيحا بليغا صنف الكتب في الحكم والأمثال ~~واختص بالمأمون. ومن شعره قوله: " الوافر " تهن بمنزليك وجود بذل ... سعودك ~~فيهما خبرا وخبرا فمن دار السعادة كل يوم ... إلى دار الهنا وهلم جرا وفيها ~~توفي محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب، أبو جعفر، وقيل: أبو محمد؛ وكان يلقب بالجواد وبالمرتضى وبالقانع؛ ~~ولد سنة خمس وتسعين ومائة، وكان خصيصا عند المأمون، وزوجه المأمون بابنته ~~أمم الفضل، وكان يعطيه في كل سنة ألف ألف درهم؛ ومات لخمس ليال بقين من ذي ~~الحجة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي علي بن عياش ~~الألهاني بحمص، وأبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي بمكة، وأبو نعيم الفضل ~~بن دكين، وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي بالكوفة، وإبراهيم بن حميد ~~الطويل، وسعد بن شعبة بن الحجاج بالبصرة، وأبو الأسود النضر بن عبد الجبار ~~بمصر، وسليمان بن داود الهاشمي، وغسان بن الفضل الغلابي ببغداد. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وإصبع واحد. مبلغ الزيادة خمسة عشر ~~ذراعا وعشرة أصابع ونصف. ### | AUT ولاية موسى بن أبي العباس # على مصر PageV01P0222 # هو موسى بن أبي العباس ثابت؛ ولي إمرة مصر نيابة عن أشناس بعد عزل المظفر ~~بن كيدر عنها في مستهل شهر رمضان سنة تسع عشرة ومائتين، ولي على الصلاة ~~وجمع له الخراج في بعض الأحيان. ولما ولي مصر سكن بالعسكر على عادة ~~الأمراء، واستعمل على الشرطة بعض حواشيه؛ وحسنت أيامه وطالت وسكنت الشرور ~~والفتن بآخر أيامه، فإنه في أول الأمر خالفه بعض أهل الحوف ووقع له معهم ~~أمور حتى سكن الأمر وصلح، على أنه كان في أيام المحنة بخلق القرآن، وأباد ~~فقهاء مصر وعلماءها إلى أن أجاب غالبهم بالقول بخلق القرآن. ودام على إمرة ~~مصر نائبا لأبي جعفر أشناس إلى أن صرف عنها في شهر ربيع الأخر سنة أربع ~~وعشرين ومائتين. وكانت ولايته على إمرة ms0443 مصر أربع سنين وسبعة أشهر، وولى ~~أشناس على إمرة مصر بعده مالك بن كيدر الصغدي. وأما التعريف بأشناس فإنه ~~كان من كبار القواد بحيث إن المعتصم جعله في فتح عمورية من بلاد الروم على ~~مقدمته، ويتلوه محمد بن إبراهيم بن مصعب وعلى ميمنته إيتاخ القائد، وعلى ~~ميسرته جعفر بن دينار بن عبد الله الخياط، وعلى القلب عجيف بن عنبسة. وفيما ~~ذكرناه كفاية لمعرفة مقام أشناس عند الخلفاء. ### || AUT السنة الأولى من ولاية موسى # بن أبي العباس على مصر وهي سنة عشرين ومائتين. فيها عقد الخليفة المعتصم ~~على حرب بابك الخرمي، وعلى بلاد الجبال للأفشين ؛ واسمه حيدر بن كاوس، ~~فتجهز الأفشين وحشد وجمع وسار لحرب بابك وغيره. وفيها وجه المعتصم أبا سعيد ~~محمد بن يوسف إلى أردبيل لعمارة الحصون التي خربها بابك في أيام عصيانه. ~~قلت: وقد أفسد بابك هذا في مدة عصيانه مدنا كثيرة وأخرب عدة حصون وأباد ~~العالم، وعجزت الخلفاء والملوك عنه لفراره؛ وطالت أيامه نحو العشرين سنة أو ~~أكثر. وفيها بنى المعتصم مدينة سر من رأى وسكنها؛ وهي التي تسمى أيضا ~~سامرا. وسبب بنائه لهذه المدينة كثرة مماليكه الأتراك، لأنهم كثروا وتولعوا ~~بحرم الناس، فشكا أهل بغداد ذلك للمعتصم وقالوا له: تحول عنا وإلا قاتلناك ~~؛ قال: وكيف تقاتلوني وفي عسكري ثمانون ألف دارع ! قالوا: نقاتلك بسهام ~~الليل - يعنون الدعاء - فقال المعتصم: والله ما لي بها طاقة، فبنى لذلك سر ~~من رأى وسكنها. وفيها أسر عجيف جماعة من الزط وقدم بهم بغداد، وكانت عدتهم ~~سبعة وعشرين ألفا؛ المقاتلة منهم اثنا عشر ألفا. قاله صاحب المرآة. وفيها ~~غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وصادره وأخذ منه أموالا عظيمة تفوق ~~الوصف، حتى قيل: إنه أخذ منه عشرة آلاف ألف دينار، واستأصله وأهل بيته ~~ونفاه إلى قرية بطريق الموصل ؛ وولى بعده الوزارة محمد بن عبد الملك بن ~~الزيات. وفيها اعتنى المعتصم باقتناء الترك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة ~~والنواحي لشرائهم، وبذل فيهم الأموال وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، ~~وأمعن في شرائهم حتى ms0444 بلغت عدتهم ثمانية آلاف مملوك، وقيل: ثمانية عشر ألفا، ~~وهو الأشهر؛ ولأجلهم بنى مدينة سامرا، كما تقدم ذكره. وفيها توفي خلف بن ~~أيوب، أبو سعيد العامري البلخي، الإمام الفقيه الحنفي، مفتي أهل بلخ ~~وخراسان؛ وكان إماما زاهدا ورعا؛ أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف يعقوب وابن ~~أبي ليلى، وأخذ الزهد عن إبراهيم بن أعصم. وانتهت إليه رياسة المذهب في ~~زمانه، رحمه الله تعالى. ### || AUT بناء مدينة سامرا # على سبيل الاختصار ولما ولي المعتصم وكثرت مماليكه صاروا يؤذون الناس، ~~فكانوا يطردون خيلهم إلى بغداد فيصدم أحدهم المرأة والشيخ الكبير والصغير، ~~فعظم ذلك على أهل بغداد فكلموا المعتصم، كما تقدم ذكره، فعزم على التحول من ~~بغداد، فخرج من بغداد وتنقل على دجلة والقاطول، وهو نهر منها، فانتهى إلى ~~موضع فيه دير لرهبان؛ فرأى فضاء واسعا جدا والهواء طيبا فاستمرأه وتصيد به ~~ثلاثا، فوجد نفسه يطلب أكثر من أكله، فعلم أن ذلك لتأثير الهواء والتربة ~~والماء؛ فاشترى من أهل الدير أرضهم بأربعة آلاف دينار وأسس قصره بالوزيرية ~~التي ينسب إليها التين الوزيري، وجمع الفعلة والصناع من الممالك، ونقل ~~إليها أنواع الأشجار والغروس، واختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، ~~وشيدت القصور، واستنبطت إليها المياه من دجلة وغيرها؛ وتجامع الناس بها ~~فقصدوها وسكنوها، فكثرت بها المعايش إلى أن صارت من أعظم البلدان. ~~PageV01P0223 # وفيها ظهر إبراهيم النظام وقرر مذهب الفلاسفة وتكلم في القمر فتبعه خلق. ~~وفيها حج بالناس صالح بن العباس بن محمد بن علي العباسي. وفيها توفي سليمان ~~بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو أيوب الهاشمي العباسي؛ ~~كان صالحا زاهدا عفيفأ جوادا. قال الشافعي: ما رأيت أعقل من رجلين: أحمد بن ~~حنبل وسليمان بن داود الهاشمي. وفيها توفي فتح بن سعيد، أبو نصر الموصلي؛ ~~كان من أقران بشر الحافي وسري السقطي؛ كان زاهدا عابدا كبير الشأن. قال ~~فتخ: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال وكفهم أوصاني عند فراقي له: ~~إياك ومعاشرة الأحداث. وفيها توفي الحافظ أبو نعيم، الفضل بن ms0445 دكين، ودكين ~~اسمه عمرو بن حماد بن زهير بن درهم مولى أبي طلحة بن عبد الله التيمي؛ ولد ~~سنة ثلاثين ومائة؛ وهو أحد الأعلام المشهورين بعلم الحديث المتقدمين فيه. ~~وفيها توفي قالون المقرىء، واسمه عيسى وكنيته أبو موسى؛ كان إماما عالما ~~انتهت إليه الرياسة في النحو والعربية والقراءة في زمانه بالحجاز؛ وهو أحد ~~أصحاب نافع، ورحل إليه الناس وطال عمره وبعد صيته. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاثة أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وسبعة عشر ~~إصبعا ونصف. ### || AUT السنة الثانية من ولاية موسى # بن أبي العباس على مصر وهي سنة إحدى وعشرين ومائتين. فيها تكامل بناء ~~مدينة سر من رأى. وفيها ولي إمرة مكة محمد بن داود بن عيسى العباسي، ووقع ~~في ولايته بمكة حروب وفتن. وفيها كانت وقعة كبيرة بين بغا الكبير المعتصمي ~~وبين بابك الخزير انهزم فيها بابك. وفيها توفي إبراهيم بن شماس، أبو إسحاق ~~السمرقندي، الإمام الزاهد الورع؛ كان ثقة ثبتا شجاعا بطلا عظيم الهامة ؛ ~~خرج من مدينة سمرقند غازيا، فالتقاه الترك فقتلوه في المحرم من السنة. ~~وفيها توفي عيسى بن أبان بن صدقة، الإمام القاضي أبو موسى الحنفي؛ كان ~~عالما سخيا جدا؛ كان يقول: والله لو أتيت برجل يفعل في ماله كفعلي لحجرت ~~عليه؛ وكان مع كرمه من أعيان الفقهاء، وولي القضاء سنتين. وفيها توفي أبو ~~جعفر المحولي الزاهد العابد؛ كان يسكن بباب المحل فعرف به؛ كان يقول: حرام ~~على قلب مأسور بحب الدنيا أن يسكنه الورع، وحرام على نفس مغرمة برياء الناس ~~أن تذوق حلاوة الآخرة، وحرام على كل عالم لم يعمل بعلمه أن تنجده التقوى. ~~وفيها كان الطاعون بالبصرة، ذكره ابن الجوزي في المنتظم فقال: كان لشخص ~~تسعة أولاد فماتوا في يوم واحد. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي أبو اليمان الحمصي، وعاصم بن علي بن عاصم، والقعنبي، ~~وعبدان المروزي واسمه عبد الله بن عثمان، وهشام بن عبيد الله الرازي. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء ms0446 القديم ثلاثة أذرع وخمسة عشر. مبلغ الزيادة ستة ~~عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا ونصف إصبع.. ؟؟ ### || AUT السنة الثالثة من ولاية موسى # بن أبي العباس على مصر وهي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. فيها كانت وقعة ~~الأفشين مع الكافر بابك الخرفي، فهزمه الأفشين واستباح عسكره وهرب بابك، ثم ~~أسروه بعد فصول طويلة؛ وكان بابك من أبطال زمانه وشجعانهم، عاث في البلاد ~~وأفسد، وأخاف الإسلام وأهله، وغلب على أذربيجان وغيرها، وأراد أن يقيم ملة ~~المجوس؛ وظهر في أيامه المازيار القائم بملة المجوس بمدينة طبرستان فعظم ~~شره؛ وكان الخليفة المعتصم قد جعل لمن جاء به مئتا ألفي ألف درهم، ولمن جاء ~~برأسه ألف ألف درهم، فجاء به سهل البطريق، فأعطاه المعتصم ألفي ألف درهم ~~وحط عنه خراج عشرين سنة؛ ثم قتل بابك في سنة ثلاث وعشرين ومائتين " أعني في ~~الآتية " . ولما أدخل بابك مقيدا إلى بغداد انقلبت بغداد بالتكبير والضجيج، ~~فلله الحمد. وفيها توفي أحمد بن الحجاج الشيباني ثم الذهلي. كان إماما ~~عالما فاضلا ثقة. قدم إلى بغداد وحدث بها عن عبد الله بن المبارك وغيره، ~~وروى عنه محمد بن إسماعيل البخاري، وكان الإمام أحمد يثني عليه. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي عمر بن حفص ابن غياث، وخالد ~~بن نزار الأيلي، وأحمد بن محمد الأزرقي الذي ذكرناه في الطبقة الماضية، ~~وعلي بن عبد الحميد، ومسلم بن إبراهيم، والوليد بن يشام القحمي. أمر النيل ~~في هذه السنة: PageV01P0224 # الماء القديم أربعة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا ~~واثنان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية موسى # بن أبي العباس على مصر وهي سنة ثلاث وعشرين ومائتين. فيها قدم الأفشين ~~بغداد في ثالث صفر ببابك الكافر الخزين وأخيه، وكان المعتصم يبعث للأفشين ~~منذ توجه إلى بغداد في كل يوم خلعة وفرسا بفرحته ببابك. ومن عظم فرح ~~المعتصم وعنايته بأمر بابك رتب البريد من سر من رأى إلى الأفشين بحيث إن ~~الخبر يأتيه من مسيرة شهر في أربعة أيام. وكان بابك ms0447 يقول بتناسخ الأرواح ~~ويستحل البنت وأمها. وقد تقدم في العام الماضي أن المعتصم أعطى لمن أحضره ~~إلى بغداد ألفي ألف درهم. ولما أن أراد المعتصم قتل بابك المذكور أمر بعد ~~عقوبته بقطع أربعته، فلما قطعت يده مسح بالدم على وجهه حتى لا يرى أح أن ~~وجهه أصفر خيفة من القتل، وقتل وعلق رأسه وقطعت أعضاؤه ثم أحرق. وفيها أيضا ~~جهز المعتصم الأفشين المذكور بالجيوش لغزو الروم، فتهيأ وسافر والتقى مع ~~طاغية الروم، فاقتتلوا أياما وثبت كل من الفريقين إلى أن هزم الله طاغية ~~الروم ونصر الإسلام، ولله الحمد. وفيها أخرب المعتصم مدينة أنقرة وغيرها من ~~بلاد الروم، وأنكى في بلاد ديارهم. وكان ملكهم تويخيل بن ميخائيل بن جرجس ~~قد نزل زبطرة في مائة ألف وأغار على ملطية وأباد المسلمين، حتى أخذ المعتصم ~~بثأرهم وأخرب ديار الكفر.. وفيها دفع المعتصم خاتمه إلى ابنه هارون الواثق ~~وأقامه مقام نفسه، وأستكتب له سليمان بن محمد بن عبد الملك بن الزيات. ~~وفيها في شوال زلزلت فرغانة، فمات تحت الهدم خمسة عشر ألفا من الناس. وفيها ~~حج بالناس محمد بن داود. وفيها توفيت فاطمة النيسابورية الزاهدة؛ جاورت ~~بمكة مدة، وكانت تتكلم في معاني القرآن؛ قال ذو النون المصري: فاطمة ولية ~~الله وهي أستاذتي. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~عبد الله بن صالح كاتب الليث، وخالد بن خداش، ومحمد بن سنان العوقي ومحمد ~~بن كثير العنسي، وموسى بن إسماعيل التبوذكي ومعاذ بن أسد المروزي. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا ونصف إصبع. ### | AUT ولاية مالك بن كيدر # على مصر هو مالك بن كيدر، واسم كيدر نصر، وقد تقدم ذكره في ولايته على ~~مصر، وكيدر بن عبد الله الضغدي. وولي مالك إمرة مصر بعد عزل الأمير موسى بن ~~أبي العباس عنها من قبل الأمير أبي جعفر أشناس، ولاه على صلاة مصر؛ وكان ~~الخراج للخليفة يولي عليه من شاء في ms0448 هذه السنين؛ فقدم مالك بن كيدر إلى مصر ~~لسبع بقين من شهر ربيع الآخر من سنة أربع وعشرين ومائتين، وسكن بالعسكر على ~~عادة أمراء بني العباس، وولى على الشرطة بعض حواشيه، وساس الناس إلى أن صرف ~~عن إمرة مصر في ثالث شهر ربيع الآخر من سنة ست وعشرين ومائتين؛ وتولى مصر ~~من بعده الأمير علي بن يحيى؛ فكانت ولاية مالك هذا على مصر سنتين وأحد عشر ~~يوما، ودام بعد ذلك بطالا سنين إلى أن توفي فجاءة في عاشر شعبان سنة ثلاث ~~وئلاثين ومائتين؛ وكان أميرا ساكنا عاقلا مدبرا سيوسا وقورا في الدول؛ ولي ~~الأعمال الجليلة، وتنقل في خدم الخلفاء، وكان من أكابر القواد والأ مراء. ### || AUT السنة الأولى من ولاية مالك # بن كيدر على مصر وهي سنة أربع وعشرين ومائتين. فيها أظهر مازيار بن قارن ~~الخلاف بطبرستان وحارب أعوان الخليفة. وكان مباينا لآل طاهر؛ وكان المعتصم ~~يأمره بحمل الخراج إليهم، فيقول مازيار: لا أحمله إلا إلى أمير المؤمنين. ~~وكان الأفشين يسمع أحيانا من المعتصم ما يدل على أنه يريد عزل عبد الله بن ~~طاهر؛ فلما ظفر الأفشين ببابك ونزل من المعتصم المنزلة الرفيعة طمع في إمرة ~~خراسان، وبلغه منافرة مازيار، فكتب إليه الأفشين يمنيه ويستميله ويقوي ~~عزمه. ثم كتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر بمحاربة مازيار، ثم جهز بعد ذلك ~~المعتصم جيشا لمحاربة مازيار وعلى الجيش الأفشين المذكور هذا، ومازيار قد ~~جنى الأموال وعسف وأخرب أسوار آمد والري وجرجان، وهرب الناس إلى نيسابور. ~~ووقع لمازيار أمور وحروب، آخرها أنه قتل بعد أن أهلك الحرث والنسل. ~~PageV01P0225 # وفيها توفي إبراهيم ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر ~~المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو إسحاق ~~أخو الرشيد وعم الأمين والمأمون والمعتصم ؛ كان يعرف بابن شكلة وهي أمه أم ~~ولد سوداء؛ مولده في سنة اثنتين وستين ومائة. وإبراهيم هذا هو الذي كان ~~بويع بالخلافة بعد قتل الأمين ولقب بالمبارك المنير في سنة اثنتين ومائتين، ms0449 ~~فلم يتم أمره؛ ووقع له مع عسكر المأمون حروب ووقائع أسفرت عن هزيمة إبراهيم ~~واختفائه سنين إلى أن ظفر به المأمون وعفا عنه. وكان إبراهيم قد انتزع إلى ~~أنه فكان أسود حالكا عظيم اللحية، على أنه لم يكن في أولاد الخلفاء أفصح ~~منه ولا أشعر؛ وكان حاذقا بالغناء وصناعة العود، يضرب به المثل فيهما. وله ~~في هروبه واختفائه وكيفية الظفر به أمور وحكايات مهولة ؛ منها أنه لما وقف ~~بين يدي المأمون شاور في قتله أصحابه، فالكل أشاروا بالقتل غير أنهم ~~اختلفوا في القتلة؛ فالتفت المأمون إلى أحمد بن خالد الوزير وشاوره؛ فقال: ~~يا أمير المؤمنين، إن قتلته فلك نظير، وإن عفوت عنه فما لك نظير؛ فأنشد ~~المأمون: " الكامل " فلئن عفوت لأعفون تكرما ... ولئن سطوت لأوهنن عظامي ~~فكشف إبراهيم بن المهدي رأسه وقال: الله أكبر؛ عفا عني أمير المؤمنين! فقال ~~المأمون: يا غلمان، خلوا عن عمي وغيروا من حالته وجيئوني به. ففعلوا ~~وأحضروه بين يدي المأمون في مجلسه، ونادمه وسأله أن يغني فأبى، وقال: نذرت ~~لله عند خلاصي تركه ؛ فعزم عليه وأمر أن يوضع العود في حجره، فغنى. وقال ~~الذهبي: وعن منصور بن المهدي قال: كان أخي إبراهيم إذا تنحنح طرب من يسمعه، ~~فإذا غنى أصغت إليه الوحوش ومدت أعناقها إليه حتى تضع رؤوسها في حجره، فإذا ~~سكت نفرت وهربت ؛ وكان إذا غنى لم يبق أحد إلا ثمل ويترك ما في يده حتى ~~يفرغ. قلت: وحكايات إبراهيم في الغناء والعود مشهورة يضيق هذا المحل عن ~~ذكرها، وقد ذكره أبن عساكر في تاريخ دمشق في سبع عشرة ورقة. وفيها توفي أبو ~~عبيد القاسم بن سلام؛ وكان أبوه عبدا روميا لرجل من أهل هراة؛ وكان القاسم ~~إماما عالما مفننا، له المصنفات الكثيرة المفيدة: منها غريب الحديث وغيره. ~~وفيها توفي سليمان بن حرب الحافظ، أبو أيوب الأزدي البصري، ولد في صفر سنة ~~أربعين ومائة؛ وكان إماما فاضلا - قال القاضي يحيى بن أكثم: لما عدت من ~~البصرة إلى بغداد قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؛ ms0450 قلت: سليمان بن حرب - ~~حافظا للحديث ثقة عاقلا في نهاية الصيانة والسلامة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع ونصف. مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية مالك # بن كيدر على مصر وهي سنة خمس وعشرين ومائتين. PageV01P0226 # فيها قبض المعتصم على الأفشين، لعداوته لعبد الله بن طاهر ولأحمد بن أبي ~~دواد، فعملا عليه ونقلا عنه أنه يكاتب مازيار؛ فطلب المعتصم كاتبه وتهدده ~~بالقتل؛ فاعترف وقال: كتبت إليه بأمره، يقول: لم يبق غيري وغيرك وغير بابك ~~الخرمي، وقد مضى بابك، وجيوش الخليفة عند ابن طاهر، ولم يبق عند الخليفة ~~سواي؛ فإن هزمت أبن طاهر كفيتك أنا المعتصم ويخلص لنا الدين الأبيض يعني ~~المجوسية، وكان الأفشين يتهم بها؛ فوهب المعتصم للكاتب مالا وأحسن إليه، ~~وقال: إن أخبرت أحدا قتلتك. فروي عن أحمد بن أبي عواد قال: دخلت على ~~المعتصم وهو يبكي وينتحب ويقلق؛ فقلت: لا أبكى الله عينك! ما بك؟ قال: يا ~~أبا عبد الله رجل أنفقت عليه ألف ألف دينار ووهبت له مثلها يريد قتلي! قد ~~تصدقت بعشرة آلاف ألف درهم، فخذها وفرقها - وكان الكرخ قد احترق - فقلت: ~~تفرق نصف المال في بناء الكرخ، والباقي في أهل الحرمين؛ قال: أفعل. وكان ~~الأفشين قد سير أموالا عظيمة إلى مدينة أشروسنة، وهم بالهرب إليها " فتحقق ~~عند المعتصم بما كان من أمر الأفشين فتغير عليه، وأحس " الأفشين " بالأمر، ~~فهيأ دعوة ليسم المعتصم وقواده، فإن لم يجبه دعا لها أتراك المعتصم: مثل ~~الأمير إيتاخ وأشناس وغيرهما فيسمهم، ثم يذهب إلى إرمينية ويدور إلى ~~أشروسنة. فطال بالأفشين الأمر ولم يتهيأ له ذلك، حتى أخبر بعض خواصه ~~المعتصم بعزمه، فقبض عليه حينئذ المعتصم وحبسه، وكتب إلى عدوه عبد الله بن ~~طاهر بأن يقبض على ولده الحسن بن الأفشين، فوقع له ذلك. وفيها استوزر ~~المعتصم محمد بن عبد الملك بن الزيات. وفيها أيضا أسر مازيار المذكور وقدم ~~به بين يدي المعتصم. وفيها زلزلت الأهواز وسقط كثر البلد والجامع وهرب ms0451 ~~الناس إلى ظاهر البلد، ودامت الزلزلة أياما وتصدعت الجبال منها. وفيها ولي ~~إمرة دمشق دينار بن عبد الله، وعزل بعد أيام بمحمد بن الجهم. وفيها توفي ~~سعدويه، واسمه سعيد بن سليمان، وكنيته أبو عثمان الواسطي، الواعظ البزاز؛ ~~كان يسكن ببغداد، وامتحن بالقرآن فأجاب؛ فقيل له بعد ذلك: ما فعلت. قال: ~~كفرنا ورجعنا. وفيها توفي صالح بن إسحاق أبو عمرو النحوي الجرمي، لأنه نزل ~~في قبيلة من جرم؛ وكان إماما فاضلا عارفا بالعربية وأيام الناس وأشعار ~~العرب، وله اختيارات وأقوال. وفيها توفي علي بن رزين، الإمام أبو الحسن ~~الخراساني الترمذي ويقال الهروي، أستاذ أبي عبد الله المغربي ؛ كان صاحب ~~أحوال وكرامات. وفيها توفي الأمير أبو دلف العجلي، واسمه القاسم بن عيسى بن ~~إدريس بن معقل بن سنان، من ولد عجل أمير الكرج؛ كن شجاعا جوادا ممدحا ~~شاعرا؛ وهو الذي قال فيه علي بن جبلة: " المديد " إنما الدنيا أبو دلف ... ~~بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره قيل: إن ~~المأمون كان مقطبا، فدخل عليه أبو دلف ؛ فقال له المأمون: يا أبا دلف، أنت ~~الذي قال فيك الشاعر، وذكر البيت المقدم ذكره ؛ فقال أبو دلف: يا أمير ~~المؤمنين، شهادة زور وقول غرور؛ وأصدق منه قول من قال: " الطويل " دعيني ~~أجوب الأرض ألتمس الغنى ... فلا الكرج الدنيا ولا الناس قاسم وقال ثعلب: ~~حدثنا ابن الأعرابي عن الأصمعي قال: كنت واقفا بين يدي المأمون إذ دخل عليه ~~أبو دلف ؛ فنظر إليه المأمون شزرا، وقال له: أنت الذي يقول فيك علي بن جبلة ~~: " الطويل " له راحة لو أن معشار عشرها ... على البر كان البر أندى من ~~البحر له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر فقال: يا ~~أمير المؤمنين، مكتوب علي، لا والذي في السماء بيته ما أعرف من هذا حرفا؛ ~~فقال المأمون: قد قال فيك أيضا: " البسيط " ما قال لاقط من جود أبو دلف ... ~~إلا التشهد لكن قوله نعم فقال: ولا أعرف هذا أيضا يا أمير المؤمنين. قلت: ~~وأخبار ms0452 أبي دلف كثيرة وشعره سارت به الركبان. وفيها توفي منصور بن عمار بن ~~كثير، الشيخ أبو السري الواعظ الخراساني، وقيل: البصري؛ رحل إلى العراق، ~~وأوتي الحكم والفصاحة، حتى قيل: إنه لم يقض أحد في زمانه مثله. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ~~ذراعا وعشرون إصبعا. PageV01P0227 ### | AUT ولاية علي بن يحيى # الأولى على مصر هو علي بن يحيى، الأمير أبو الحسن الأرمني؛ ولي إمرة مصر ~~من قبل الأمير أبي جعفر أشناس التركي على الصلاة، بعد عزل الأمير مالك بن ~~كيدر عنها، سنة ست وعشرين ومائتين؛ و وصل إلى الديار المصرية في يوم الخميس ~~لسبع خلون من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وسكن بالعسكر على عادة ~~الأمراء؛ وجعل على شرطته معاوية " بن معاوية " بن نعيم، وتم أمره، وأخذ في ~~إصلاح أحوال الديار المصرية وإقناع المفسدين، إلى أن ورد عليه الخبر في شهر ~~ربيع الأول من سنة سبع وعشرين ومائتين بموت الخليفة محمد المعتصم وبيعة ~~ابنه هارون الواثق بالخلافة من بعده، وأن الخليفة هارون الواثق أقره على ~~عمل مصر على عادته. فأقام على ذلك مدة، و ورد عليه الخبر بعزله عن إمرة ~~مصر، من غير سخط، بعيسى بن منصور، وذلك في يوم الخميس لسبع خلون من ذي ~~الحجة من سنة ثمان وعشرين ومائتين. فكانت ### | AUT ولاية علي بن يحيى # هذا على مصر سنتين وثمانية أشهر، وقيل: وثلاثة أشهر، والأول أصح. وتوجه ~~إلى العراق وقدم على الخليفة هارون الواثق فأكرمه الواثق؛ وولي الأعمال ~~الجليلة في أيام الواثق وأيام أخيه المتوكل جعفر. ثم أعيد إلى إمرة مصر ~~ثانيا حسبما يأتي ذكره، وأقام بها مدة، ثم عزل وعاد إلى العراق وعظم عند ~~الخلفاء، وغزا الصائفة غير مرة، إلى أن خرج في أول سنة تسع وأربعين ومائتين ~~إلى غزو الروم وتوغل في بلاد الروم ثم عاد قافلا من إرمينية إلى ميافارقين، ~~فبلغه مقتل الأمير عمر بن عبد الله الأقطع؛ وكان الأقطع قد خرج مع جعفر بن ~~دينار إلى ms0453 الصائفة فافتتح حصنا يقال له مطامير؛ فاستأذن الأقطع جعفر بن ~~دينار في الدخول إلى الروم فأذن له، فدخل الأقطع الروم ومعه عسكر كثيف. ~~وكان الروم في خمسين ألفا، فأحاطوا به وبمن معه، فقتلوه وقتل معه ألف رجل ~~من أعيان المسلمين؛ وكان ذلك في يوم الجمعة منتصف شهر رجب من السنة. فلما ~~بلغ الأمير علي بن يحيى المذكور خبر قتل الأقطع عاد من وقته يطلب الروم، ~~فقاتل حتى قتل حسبما ذكرناه في ولايته الثانية على مصر. وفي أيام علي بن ~~يحيى هذا على مصر وقع بينه وبين هارون بن عبد الله الزهري الأصم قاضي قضاة ~~ديار مصر، فعزله وولى عوضه محمد بن أبي الليث الحارث بن شداد الإيادي ~~الجهمي الخوارزمي ؛ فبقى محمد المذكور في القضاء نحوا من عشر سنين، ولم يكن ~~محمود السيرة في أحكامه، وامتحن الفقهاء بمصر بخلق القرآن، وحكم على عبد ~~الله بن عبد الحكم بودائع كانت للجروي عندهم بألف ألف دينار وأربعمائة ألف ~~دينار، فأقاموا شهودا بأن الجروي كان قد أبرأهم وأخذ الذي له، فلم يلتفت ~~لذلك وعسفهم وظلمهم وفعل أمثال ذلك كثيرا. ### || AUT السنة الأولى من ولاية علي # بن يحيى الأولى على مصر وهي سنة ست وعشرين ومائتين. فيها في جمادى ~~الأولى أمطر أهل تيماء بردا كالبيض قتل منهم ثلاثمائة وأربعين نفسا؛ قاله ~~ابن حبيب الهاشمي، ثم قال: ونظروا إلى أثر قدم طوله ذراع، ومن الخطوة إلى ~~الخطوة نحو خمسة أذرع، وسمعوا صوتا يقول: أرحم عبادك اعف عن عبادك. وفيها ~~منع المعتصم الأفشين من الطعام والشراب حتى مات، ثم أخرج وصلب في شعبان. ~~والأفشين اسمه حيدر بن كاوس، وهو من أولاد الأكاسرة، والأفشين لقب لمن ملك ~~مدينة أشروسنة، وقد تقدم ذكر وروده إلى الديار المصرية وقتاله مع القيسية ~~واليمانية، ثم قتاله بالشرق مع مازيار وغيره، وذكرنا أيضا سبب القبض عليه ~~في حوادث سنة خمس وعشرين ومائتين، ولا حاجة إلى التكرار، لأن ما ذكرناه ~~هناك هو المعتمد والمقصود من التعريف بأحواله. وفيها توفيت عنان جارية ~~الناطفي. كانت من ms0454 مولدات المدينة، وكانت جميلة شاعرة فصيحة سريعة الجواب؛ ~~بلغ الرشيد خبرها فاستعرضها؛ فقال مولاها: ما أبيعها إلا بمائة ألف درهم، ~~فردها الرشيد فتصدق مولاها الناطفي بثلاثين ألف درهم. وبعد موت الناطفي ~~بيعت بمائة ألف درهم وخمسين ألف درهم، وماتت بخراسان. وأخبارها ومجرياتها ~~مع أبي نواس وغيره من الشعراء مشهورة. PageV01P0228 # وفيها توفي مازيار، واسمه محمد بن قارن، الأمير صاحب طبرستان. كان مباينا ~~لعبد الله بن طاهر وكان الأفشين كذلك، فكان الأفشين يحسن إليه ويحمله على ~~خلاف الخليفة المعتصم، ولا زاد به حتى خالف وحارب عساكر الخليفة وعبد الله ~~بن طاهر غير مرة ؛ ووقع له أمور وأبلى المسلمين ببلايا وأباد الناس، إلى أن ~~ظفر به وأحضر بين يدي الخليفة المعتصم، فأمر به المعتصم فضرب أربعمائة ~~وخمسين سوطا، فمات من ساعته تحت العقوبة عطشا، وكان معدودا من الشجعان. " ~~ومازيار بفتح الميم وبعد الألف زاي مفتوحة وياء مثناة من تحت مشددة وبعد ~~الألف راء مهملة " . وفيها توفي محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول، أبو ~~الهذيل العلاف البصري مولى لعبد القيس؛ كان شيخ المعتزلة، وصنف الكتب في ~~مذهبهم؛ ولد سنة خمس وثلاثين ومائة. وقدم بغداد وناظر العلماء وأبادهم، ~~وكان خبيث اللسان. وفيها توفي يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن، الحافظ ~~أبو زكريا التميمي المنقري الحنظلي النيسابوري الزاهد العابد الورع؛ كان ~~إمام أهل نيسابور وحافظها في زمانه؛ وأخرج عنه البخاري في مواضع، واتفقوا ~~على ثقته وصدقه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~إسحاق بن محمد الفروي، وإسماعيل بن أبي أوس، وجندل بن والق، وسعيد بن كثير ~~بن عفير، وعياش بن الوليد الرقام، وغسان بن الربيع الموصلي، ومحمد بن مقاتل ~~المروزي، ويحيى بن يحيى التميمي النيسابوري. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة أربعة عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية علي # بن يحيى على مصر وهي سنة سبع وعشرين ومائتين. فيها خرج بفلسطين المبرقع ~~أبو حرب اليماني الذي زعم ms0455 أنه السفياني، فدعا بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر أولا، إلى أن قويت شوكته فادعى النبؤة. وكان سبب خروجه أن جنديا ~~أراد النزول في داره، فمانعته زوجته، فضربها الجندي بسوط فأثر في ذراعها؛ ~~فلما جاء المبرقع شكت إليه؛ فذهب إلى الجندي فقتله وهرب، ولبس برقعا لئلا ~~يعرف، ونزل جبال الغور مبرقعا، وحث الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر؛ فاستجاب له قوم من فلاحي القرى وقوي أمره؛ فسار لحربه رجاء الحضاري ~~أحد قواد المعتصم في ألف فارس، وأتاه فوجده في مائة ألف، فعسكر بإزائه ولم ~~يجسر على لقائه. فلما كان أوان الزراعة تفرق أكثر أصحابه في فلاحتهم وبقي ~~في نحو الألفين؛ فواقعه عند ذلك رجاء الحضاري المذكور وأسره وحبسه حتى مات ~~خنقا في آخر هذه السنة. وكان المبرقع بطلا شجاعا. وفيها بعث المعتصم على ~~دمشق الأمير أبا المغيث الرافقي، فخرجت عليه طائفة من قيس، لكونه أخذ منهم ~~خمسة عشر نفسا فصلبهم؛ فجهز إليهم أبو المغيث جيشا، فهزموه وزحفوا على ~~دمشق، فتحصن بها أبو المغيث ووقع حصار شديد؛ ومات المعتصم والأمر على ذلك، ~~فاستمر في الحصار إلى أن كتب الواثق إلى رجاء الحضاري أن يتوجه إلى دمشق ~~ممدا لأبي المغيث، فقدم دمشق وحارب القيسية حتى هزمهم وقتل منهم ألفا ~~وخمسمائة، وقتل من الأجناد ثلاثمائة. وفيها في تاسع عشر شهر ربيع الأول ~~بويع هارون الواثق بالخلافة بعد موت أبيه محمد المعتصم. PageV01P0229 # وفيها توفي بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان ابن ~~عبد الله، الزاهد الورع أبو نصر المعروف ببشر الحافي؛ كان أصله من أبناء ~~الرؤساء بخراسان، فتزهد وصحب الجنيد؛ ومولده بمرو سنة خمسين ومائة، وسكن ~~بغداد، وتزهد حتى فاق أهل عصره؛ وسمع الحديث من مالك بن أنس والفضيل بن ~~عياض وحماد بن زيد وشريك وعبد الله بن المبارك وغيرهم؛ وروى عنه جماعة منهم ~~أحمد الدورقي ومحمد بن يوسف الجوهري وسري السقطي وخلق غيرهم. قال أبو بكر ~~المروزي: سمعت بشرا يقول: الجوع يصفي الفؤاد ويميت الهوى ويورث العلم ~~الدقيق. ms0456 وقال أبو بكر بن عفان: سمعت بشر بن الحارث يقول: إني لأشتهي شواء ~~منذ أربعين سنة ما صفا لي درهمه. وعن المأمون قال: ما بقي أحد نستحي منه ~~غير بشر بن الحارث. وقال أحمد بن حنبل: لو كان بشر بن الحارث تزوج لتم ~~أمره. وقال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا من بشر ولا أحفظ ~~للسانه، كأن في كل شعرة منه عقلا. وعن بشر قال: المتقلب في جوعه كالمتشحط ~~فى دمه في سبيل الله. وعنه قال: شاطر سخي أحب إلى الله من صوفي بخيل. وعنه ~~قال: لا أفلح من ألف أفخاذ النساء. وعنه قال: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا ~~أعجبك الصمت فتكلم. وكانت وفاة بشر في يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع ~~الأول. وفيها توفيت فاطمة جارية المعتصم وتدعى بعريب. كانت فائقة الجمال ~~بارعة في الغناء والخط، اشتراها المعتصم من تركة أخيه المأمون بمائة ألف ~~درهم. وفيها توفي أمير المؤمنين المعتصم بالله محمد، وكنيته أبو إسحاق ابن ~~الخليفة الرشيد هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر ~~المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، الهاشمي العباسي، ~~الخليفة الثالث من أولاد هارون الرشيد؛ بويع الخلافة بعد موت أخيه عبد الله ~~المأمون في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، ومولده سنة ثمانين ومائة، وأمه ~~أم ولد اسمها ماردة، وكان أميا عاريا من كل علم. وعن محمد الهاشمي قال: كان ~~مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه، فمات الغلام؛ فقال له الرشيد أبوه: ~~يا محمد، مات غلامك! قال: نعم يا سيدي واستراح من الكتاب؛ فقال: وإن الكتاب ~~ليبلغ منك هذا! دعوه لا تعلموه؛ قال: فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة. وكان ~~المعتصم مع ذلك فصيحا مهيبا عالي الهمة شجاعا مقداما، حتى قيل: إنه كان ~~أهيب خلفاء بني العباس، إلا أنه سار على سيرة أخيه المأمون في امتحان ~~العلماء بخلق القرآن؛ وكان يدعى الثماني، لأنه ولد سنة ثمانين ومائة في شهر ~~رمضان، ورمضان بعد ثمانية أشهر من السنة، ms0457 وملك لثمان عشرة ليلة من شهر رجب، ~~وهو الثامن من خلفاء بني العباس، وفتح ثمانية فتوح، وكان عمره ثمانا ~~وأربعين سنة، وخلافته ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، وخلف من الولد ~~ثمانية بنين وثماني بنات، وخفف من العين ثمانية آلاف ألف دينار ومثلها ~~دراهم، وقيل: ثمانمائة ألف درهم، ومن الخيول ثمانين ألف فرس، ومن الجمال ~~ثمانين ألف جمل وبغل ودابة، وثمانين ألف خيمة، وثمانية آلاف عبد " أعني ~~مماليك " ، وقيل: ثمانية عشر ألفا، وثمانية آلاف جارية، وعمر من القصور ~~ثمانية. وقال نفطويه : وحدثت أنه كان من أشد الناس بطشا يعني المعتصم وأنه ~~جعل يد رجل بين إصبعيه فكسرها. وكانت وفاته في يوم الخميس تاسع عشر ربيع ~~الأول، وتخلف من بعده ابنه هارون الواثق. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية علي بن يحيى على مصر # وهي سنة ثمان وعشرين ومائتين. فيها استخلف الخليفة هارون الواثق على ~~السلطنة أشناس الذي كان أمر مصر إليه يولي فيها من اختار، وألبسه وشاحين ~~بجوهر. وفيها وقعت قطعة من جبل العقبة، قتل تحتها جماعة من الحاج. وفيها ~~توفي عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبد الله بن معمر الحافظ، ~~أبو عبد الرحمن التيمي، ويعرف بابن عائشة، وهو من ولد عائشة بنت طلحة؛ قدم ~~بغداد وحدث بها، وكان فاضلا أديبا حسن الخلق ورعا عارفا بأيام الناس؛ وكان ~~مع هذه الفضيلة شديد القوة يمسك بيمينه ويساره شاتين إلى أن تنسلخا؛ وابن ~~عائشة هو الذي ضربه المأمون فخرج منه ريح، فقال فيه أبو نواس تلك الأبيات ~~المشهورة. PageV01P0230 # وفيها توفي عبد الملك بن عبد العزيز الحافظ، أبو نصر التمار؛ كان إماما ~~عالما صدوقا زاهدا، إلا أنه كان ممن أجاب في المحنة، فنهى الإمام أحمد لهذا ~~المعنى " عن " الأخذ عنه. وفيها توفي محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية ~~بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، ms0458 العتبي البصري صاحب النوادر والآداب ~~والأشعار والأخبار والطرائف والملح والتصانيف؛ وذكره ابن قتيبة في كتاب ~~المعارف، وابن المنجم في كتاب التاريخ. ومن شعره: " الطويل " رأين الغواني ~~الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر وكن إذا أبصرنني أو ~~سمعنني ... خرجن فرقعن الكوى بالمحاجر فإن عطفت عني أعنة أعين ... نظرن ~~بأحداق المها والجآذر فإني من قوم كريم ثناؤهم ... لأقدامهم صيغت رؤوس ~~المنابر خلائف في الإسلام، في الشرك قادة ... بهم وإليهم فخر كل مفاخر ~~وأورد له المبرد في كتابه الكامل بيتين يرثي بهما بعض أولاده، وهما: " ~~الكامل " أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم والصبر يحمد ~~في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم وفيها توفي محمد بن مصعب، أبو ~~جعفر البغدادي؛ كان أحد العباد الزهاد والقراء؛ أثنى عليه الإمام أحمد بن ~~حنبل ووصفه بالسنة. وفيها توفي يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، الحافظ ~~الإمام أبو زكريا الكوفي؛ كان أحد الحفاظ الرحالين، وكان يحفظ عشرة آلاف ~~حديث يسردها سردا؛ وكانت وفاته بمدينة سامرا في شهر رمضان. وفيها توفي نعيم ~~بن حماد بن معاوية بن الحارث بن همام الخزاعي المروزي صاحب عبد الله بن ~~المبارك؛ كان أعلم الناس بالفرائض؛ وهو من الرحالة في طلب الحديث. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن شبويه المروزي، ~~وأحمد بن محمد بن أيوب صاحب المغازي، وأحمد بن عمران الأخنس، وإسحاق بن بشر ~~الكاهلي الكوفي، وبشار بن موسى الخفاف، وحاجب بن الوليد الأعور، وحماد بن ~~مالك الحرستاني، وداود بن عمرو الضبي، وعبد الله بن سوار بن عبد الله ~~العنبري القاضي، وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، وعبد الرحمن بن المبارك، ~~وأبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التمار، وعلي بن عثام الكوفي، وأبو الجهم ~~صاحب الجزء، ومحمد بن جعفر الوركاني، ومحمد بن حسان السمتي، وأبو يعلى محمد ~~بن الصلت التوزي، والعتبي الإخباري، ومحمد بن عبد الله، ومحمد بن عمران بن ~~أبي ليلى، والمثنى بن معاذ العنبري، ومسدد، ونعيم بن الهيصم، ويحيى ~~الحماني. ms0459 أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وعشرة أصابع، مبلغ ~~الزيادة ستة عشر ذراعا وستة أصابع. ### | AUT ولاية عيسى بن منصور الثانية # على مصر هو عيسى بن منصور بن موسى بن عيسى الرافقي؛ وليها ثانيا بعد عزل ~~علي بن يحيى الأرمني، من قبل الأمير أشناس التركي المعتصمي على الصلاة، ~~ودخل إلى مصر في يوم الجمعة لسبع خلون من محرم سنة تسع وعشرين ومائتين؛ ~~وسكن العسكر على عادة أمراء مصر في الدولة العباسية؛ وجعل على الشرطة ابنه، ~~ومفد أمور مصر، ودام بها إلى أن توفي الأمير أشناس التركي المعتصمي عامل ~~مصر من قبل الخليفة - وهو الذي كان إليه أمور مصر يولي عليها من شاء من ~~الأمراء - في سنة ثلاثين ومائتين. وولى الخليفة مكانه على مصر الأمير ~~إيتاخ. وكانت ولاية أشناس على مصر اثنتي عشرة سنة أو نحوها. PageV01P0231 # ولما ولى إيتاخ التركي مصر أقر عيسى بن منصور هذا على عمله، فاستمر عيسى ~~بمصر على إمرتها نيابة عن إيتاخ إلى أن مات الخليفة هارون الواثق في سنة ~~اثنتين وثلاثين ومائتين، وبويع بالخلافة من بعده أخوه المتوكل على الله ~~جعفر، فأرسل إلى عيسى هذا " بأن " يأخذ البيعة له على المصريين. ثم صرفه ~~بعد ذلك في النصف من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بالأمير ~~هرثمة؛ وقدم مصر علي بن مهرويه خليفة هرثمة على الصلاة. فلم تطل أيام عيسى ~~بن منصور هذا بعد عزله على إمرة مصر، ومرض ولزم الفراش حتى مات في قبة ~~الهواء بمصر في حادي عشر شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين المذكورة. ~~رحمه الله. وكان أميرا جليلا عارفا عاقلا مدبرا سيوسا؛ ولي الأعمال ~~الجليلة، وطالت أيامه في السعادة. وهو ممن ولي إمرة مصر أولا عن الخليفة، ~~والثانية عن الأمير أشناس التركي، فكانت ولايته على مصر أربع سنين وثلاثة ~~أشهر وثمانية عشر يوما. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عيسى # بن منصور الثانية على مصر وهي سنة تسع وعشرين ومائتين. فيها صادر ~~الخليفة الواثق بالله هارون " كتاب " الدواوين وسجنهم، ms0460 وضرب أحمد بن ~~إسرائيل ألف سوط وأخذ منه ثمانين ألف دينار، وأخذ من سليمان بن وهب كاتب ~~الأمير إيتاخ الذي أمر مصر راجع إليه أربعمائة ألف دينار، وأخذ من أحمد بن ~~الخصيب وكاتبه ألف ألف دينار؛ فيقال: إن هارون الواثق أخذ من الكتاب في هذه ~~النوبة ألفي ألف دينار؛ وكان متولي هذه المصادرات الأمير إسحاق بن يحيى ~~صاحب حرس الواثق. وفيها ولى الخليفة هارون الواثق الأمير إيتاخ اليمن مضافا ~~إلى مصر فبعث إليها إيتاخ نوابه. وفيها ولى الواثق محمد بن صالح إمرة ~~المدينة، وولى محمد بن يزيد الحلبي الحنفي قضاء الشرقية. وفيها توفي خلف بن ~~هشام بن ثعلبة، أبو محمد البزاز البغدادي المقرىء؛ كان إماما عالما، له ~~قراءة اختارها وقرأ بها، وكان قد قرأ على مسلم صاحب حمزة وسمع مالكا وأبا ~~عوانة وأبا شهاب عبد ربه الخياط وجماعة؛ وروى عنه أحمد بن حنبل وأبو زرعة ~~وموسى بن هارون وإدريس بن عبد الكريم الحداد وجماعة أخر. قال حمدان بن ~~هانىء المقرىء: سمعت خلفا البزاز يقول: أشكل علي باب من النحو فأنفقت ~~ثمانين ألف درهم حتى حذقته. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أحمد بن شبيب الحبطي، وإسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي، ~~وثابت بن موسى العابد، وخالد بن هياج الهروي، وخلف بن هشام البزار، وأبو ~~مكيس الذي زعم أنه سمع من أنس، وأبو نعيم ضرار بن صرد، وعبد العزيز بن ~~عثمان المروزي، وعمار بن نصر، وعمر بن خالد الحراني نزيل مصر، ومحمد بن ~~معاوية النيسابوري، ونعيم بن حماد الخزاعي، ويحيى بن عبدويه صاحب شعبة، ~~ويزيد بن صالح النيسابوري. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة ~~أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عيسى # بن منصور على مصر وهي سنة ثلاثين ومائتين. فيها عاثت الأعراب حول ~~المدينة فسار لحربهم الأمير بغا الكبير فدوخهم وأسر وقتل فيهم - وكان قد ~~حاربهم حماد بن جرير الطبري القائد فقتل هو وعامة أصحابه ms0461 - واستباحوا ~~عسكرهم، وحبس بغا منهم في القيود بالمدينة نحو ألف نفس، فنقبوا الحبس، ~~فأخبرت بهم امرأة، فأحاط بهم أهل المدينة وحصروهم يومين، ثم برزوا للقتال ~~بكرة الثالث، وكان مقدمهم عزيزة " بن قطاب " السلمي فكان يحمل فيهم وهو ~~يرتجز ويقول: لا بد من زحم وإن ضاق الباب ... إني أنا عزيزة بن قطاب للموت ~~خير للفتى من العاب وكان قد فك قيده وصار يقاتل به يومه إلى أن قتل وصلب، ~~وقتلت عامة بني سليم وقتل جماعة كثيرة من الأعراب. وفيها توفي محمد بن سعد، ~~الإمام أبو عبد الله مولى بني هاشم، وهو كاتب الواقدي صاحب الطبقات والسير ~~وأيام الناس ؛ كان إماما فاضلا عالما حسن التصانيف ؛ صنف كتابا كبيرا في ~~طبقات الصحابة والتابعين والعلماء إلى وقته. قلت: ونقلنا عنه كثيرا في " ~~هذا " الكتاب رحمه الله تعالى. روى عنه خلائق لا تحصى ؛ و وثقه غالب الحفاظ ~~إلا يحيى بن معين. PageV01P0232 # وفيها توفي محمد بن يزداد بن سويد المروزي أحد كتاب المأمون ووزرائه؛ كان ~~إماما كاتبا فاضلا، مات بسر من رأى في شهر ربيع الأول بعد ما لزم داره ~~سنين. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن جميل ~~المروزي، وأحمد بن جناب المصيصي، وإبراهيم بن إسحاق الضبي، وإسحاق بن ~~إسماعيل الطالقاني، وإسماعيل بن عيسى العطار، وسعيد بن عمرو الأشعثي، وسعيد ~~بن محمد الجرمي، وعبد الله بن طاهر الأمير، وعبد العزيز بن يحيى المدني ~~فزيل نيسابور، وعلي بن الجعد، وعلي بن محمد الطنافسي، وعون بن سلام الكوفي، ~~ومحمد بن إسماعيل بن أبي سمينة، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، ومحبوب بن موسى ~~الأنطاكي، ومهدي بن جعفر الرملي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاثة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عيسى بن منصور على مصر # وهي سنة إحدى وثلاثين ومائتين. فيها ورد كتاب الخليفة هارون الواثق إلى ~~الأعمال بامتحان العلماء بخلق القرآن، وكان قد منع أبوه المعتصم ذلك؛ ~~فامتحن الناس ثانيا ms0462 بخلق القرآن. ودام هذا البلاء بالناس إلى أن مات الواثق ~~وبويع المتوكل جعفر بالخلافة، في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين؛ فرفع المتوكل ~~المحنة ونشر السنة. وفيها كان الفداء، فافتك هارون الواثق من طاغية الروم ~~أربعة آلاف وستمائة أسير؛ ولم يقع قبل ذلك فداء بين المسلمين والروم من منذ ~~سبع وثلاثين سنة. فقال ابن أبي عواد: من قال من الأسارى: القرآن مخلوق ~~فأطلقوه وأعطوه دينارا، ومن امتنع فدعوه في الأسر. قلت: ما أظن الجميع إلا ~~أجابوا. وفيها عزم الخليفة هارون الواثق على الحج، فأخبر أن الطريق قليلة ~~المياه، فثنى عزمه. وفيها ولى الواثق جعفر بن دينار اليمن، فخرج إليها في ~~شعبان في أربعة آلاف، وقيل: في ستة آلاف فارس. وفيها ولى الواثق إسحاق بن ~~إبراهيم بن أبي حفصة على اليمامة والبحرين وطريق مكة مما يلي البصرة. وفيها ~~رأى الواثق في المنام أنه فتح سد يأجوج ومأجوج فانتبه فزعا، وبعث إلى السد ~~سلاما الترجمان. وفيها توفي أحمد بن حاتم، الإمام أبو نصر النحوي ؛ كان ~~إماما فاضلا أديبا، صنف كتبا كثيرة: منها كتاب الشجر والنبات والزرع. وفيها ~~توفي علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني، الشيخ الإمام أبو ~~الحسن؛ كان إماما عالما حافظا ثقة، وهو صاحب التاريخ؛ وتاريخه أحسن ~~التواريخ؛ وعنه أخذ الناس تواريخهم. وفيها توفي محمد بن سلام بن عبد الله ~~بن سلام، الإمام أبو عبد الله البصري، مولى قدامة بن مظعون ؛ وهو مصنف كتاب ~~" طبقات الشعراء " ، وكان من أهل العلم والفضل والأدب. وفيها توفي محمد بن ~~يحيى بن حمزة قاضي دمشق وابن قاضيها؛ ولي قضاءها مدة خلافة المأمون وبعض ~~خلافة المعتصم ثم عزل، وكان إماما عالما متبحرا في العلوم. وفيها توفي ~~مخارق المغني المطرب أبوالمهنأ، كان إمام عصره في فن الغناء، كان الرشيد ~~يجعل بينه وبين مغنيه ستارة إلى أن غناه مخارق هذا فرفع الستارة وقال له: ~~يا غلام إلى ها هنا، فأقعده معه على السرير وأعطاه ثلاثين ألف درهم ؛ وكان ~~في مجلس الرشيد يوم ذاك ابن جامع المغني ms0463 وغيره. قلت: ولا تنسى إبراهيم ~~الموصلي وابنه إسحاق بن إبراهيم فإنهما كانا في رتبة لم ينلها غيرهما في ~~العود والغناء، إلا أن مخارقا هذا كان في طريق آخر في التأدي ؛ والجميع كان ~~غناؤهم غير الموسيقى الآن. وقد بينا ذلك في غير هذا المحل في مصنف لطيف. ثم ~~اتصل مخارق بالمأمون وقدم معه لدمشق، وكان مخارق يضرب بجودة غنائه المثل، ~~وكانت وفاته بمدينة سر من رأى. وفيها توفي يوسف بن يحيى، الفقيه العالم، ~~أبو يعقوب البويطي ؛ وبويط: قرية. قال الشافعي رضي الله عنه: ما رأيت أحدا ~~أبرع بحجة من كتاب الله مثل البويطي، والبويطي لساني. ولما مات الشافعي ~~تنازع محمد بن عبد الحكم والبويطي في الجلوس موضع الشافعي حتى شهد الحميدي ~~على الشافعي أنه قال: البويطي أحق بمجلسي من غيره، فأجلسوه مكانه. وأخبره ~~الشافعي أنه يمتحن ويموت في الحديد، فكان كما قال. PageV01P0233 # وفيها توفي أبو تمام الطائي، حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الخوارزمي ~~الجاسمي، الشاعر المشهور حامل لواء الشعراء في عصره؛ كان أبوه نصرانيا ~~فأسلم هو، ومدح الخلفاء والأعيان، وسار شعره شرقا وغربا. وهو الذي جمع ~~الحماسة؛ وكان أسمر طويلا فصيحا حلو الكلام فيه تمتمة يسيرة ؛ ولد سنة ~~تسعين ومائة أو قبلها. ومن شعره ينعت سيفا : " البسيط " السيف أصدق إنباء ~~من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لاسود الصحائف ... ~~في متونهن جلاء الشك والريب ولما مات رثاه الحسن بن وهب بقوله: " الكامل " ~~فجع القريض بخاتم الشعراء ... وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معا فتجاورا ~~في حفرة ... وكذاك كانا قبل في الأحياء ورثاه الوزير محمد بن عبد الملك ~~الزيات وزير المعتصم يوم ذاك بقوله: " الكامل " نبأ أتى من أعظم الأنباء ~~... لما ألم مقلقل الأحشاء قالوا حبييب قد ثوى فأجبتهم ... ناشدتكم لا ~~تجعلوه الطائي وكانت وفاته بالموصل في جمادى الأولى. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا ~~وثلاثة أصابع ونصف. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية عيسى # بن منصور على مصر ms0464 وهي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. فيها كانت وقعة كبيرة ~~بين بغا الكبير وبين بني نمير، وكانوا قد أفسدوا الحجاز واليمامة بالغارات، ~~وحشدوا في ثلاثة آلاف راكب، فالتقوا بأصحاب بغا فهزموهم. وجعل بغا يناشدهم ~~الرجوع إلى الطاعة وبات بإزائهم تلك الليلة، ثم أصبحوا فالتقوا فانهزم ~~أصحاب بغا ثانيا، فأيقن بغا بالهلاك. وكان قد بعث مائتي فارس إلى جبل لبني ~~نمير؛ فبينما هو في الإشراف على التلف إذا بهم قد رجعوا يضربون الكوسات، ~~فقوي بأس بغا بهم وحملوا على بني نمير فهزموهم وركبوا أقفيتهم قتلا، وأسروا ~~منهم ثمانمائة رجل؛ فعاد بغا وقدم سامرا وبين يديه الأسرى. وفيها مات خلق ~~كثير بأرض الحجاز من العطش. وفيها كانت الزلازل كثيرة بأرض الشأم، وسقط بعض ~~الدور بدمشق، ومات جماعة تحت الردم. وفيها ولى الواثق الأمير محمد بن ~~إبراهيم بن مصعب بلاد فارس. وفيها توفي أمير المؤمنين أبو جعفر هارون ~~الواثق بالله ابن الخليفة المعتصم محمد ابن الخليفة هارون الرشيد ابن ~~الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي ~~بن عبد الله بن العباس الهاشمي البغدادي العباسي ؛ بويع بالخلافة بعد موت ~~أبيه محمد المعتصم في شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين؛ وأمه أم ولد ~~رومية تسمى قراطيس ؛ ومات في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من السنة ~~المذكورة؛ فكانت خلافته خمس سنين ونصفا. وتولى الخلافة من بعده أخوه ~~المتوكل على الله جعفر، وكان ملكا مهيبا كريما جليلا أديبا مليح الشعر، إلا ~~أنه كان مولعا بالغناء والقينات. قيل: إن جارية غنته بشعر العرجي وهو: " ~~الكامل " أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم فمن الحاضرين من ~~صوب نصب رجلا، ومنهم من قال: صوابه رجل؛ فقالت الجارية: هكذا لقنني ~~المازني. فطلب المازني، فلما مثل بين يدي الواثق قال: من الرجل. قال: من ~~بني مازن؛ قال الواثق: أي الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ~~ربيعة؟ قال: مازن ربيعة؛ فكلمه الواثق حينئذ بلغة قومه، فقال: با اسمك؟ - ~~لأنهم يقلبون الميم ms0465 باء والباء ميما - فكره المازني أن يواجهه بمكر؛ فقال: ~~بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لها وأعجبته. وقال له: ما تقول في هذا البيت؛ ~~قال: الوجه النصب، لأن " مصابكم " مصدر بمعنى إصابتكم؛ فأخذ اليزيدي يعارضه ~~؛قال المازني:هو بمنزلة إن ضربك زيدا ظلم، فالرجل مفعول مصابكم، والدليل ~~عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول: ظلم فيتم ؛ فأعجب الواثق وأعطاه ألف ~~دينار. وقال ابن أبي الدنيا: كان الواثق أبيض تعلوه صفرة، حسن اللحية، في ~~عينيه نكتة " بيضاء " . وقيل: إن الواثق لما احتضر جعل يرفد هذين البيتين ~~وهما: " البسيط " الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ~~ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ~~PageV01P0234 # ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ~~ارحم من زال ملكه ؛ يكررها إلى أن مات رحمه الله تعالى. وفيها توفي علي بن ~~المغيرة أبو الحسن الأثرم البغدادي، الإمام البارع صاحب اللغة والنحو؛ قدم ~~الشأم ثم رجع إلى بغداد وسمع بها من الأصمعي وغيره، ومات بها. وفيها توفي ~~محمد بن زياد أبو عبد الله بن الأعرابي ؛ كان أحد العلماء باللغة والمشار ~~إليه فيها، وكان يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يعرفان من اللغة قليلا ولا ~~كثيرا؛ وسأله إمام المحنة أحمد بن أبي دواد: أتعرف معنى " استولى " ؟ قال: ~~لا ولا تعرفه العرب، لأنها لا تقول: استولى فلان على شيء حتى يكون له فيه ~~مضاد ومنازع، فأيهما غلب استولى عليه؛ والله تعالى لا ضد له ؛ وأنشد " قول ~~" النابغة: " البسيط " إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا ~~استولى على الأمد وكان مع هذا خصيصا عند المأمون. وسأله مرة عن أحسن ما قيل ~~في الشراب؛ فقال: قول القائل: " الطويل " تريك القذى من دونها وهي دونه ... ~~إذا ذاقها من ذاقها يتمطق فقال المأمون: أشعر منه من قال: " المديد " وتمشت ~~في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم يريد الحسن بن هانىء. قلت: هذا كان في ~~تلك الأعصار الخالية، وأما لو سمع ms0466 المأمون بما وقع للمتأخرين في هذا المعنى ~~وغيره لأضرب عن القولين ومال إلى ما سمع. كم ترك الأول للآخر!. وفيها توفي ~~محمد بن عائذ، أبو عبد الله الكاتب الدمشقي صاحب المغازي والفتوح والسير ~~وغيرها. ولد سنة خمسين ومائة، وولي خراج غوطة دمشق للمأمون. وكان عالما ثقة ~~صاحب اطلاع، مات في هذه السنة، وقيل: سنة أربع وثلاثين ومائتين. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إبراهيم بن الحجاج السامي لا ~~الشامي، والحكم بن موسى القنطري الزاهد، وجويرية بن أشرس، وعبد الله بن عون ~~الخراز، وعلي بن المغيرة الأثرم اللغوي، وعمرو بن محمد الناقد، وعيسى بن ~~سالم الشاشي، وهارون الواثق بالله، ويوسف بن عدي الكوفي. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ~~ذراعا وستة عشر إصبعا. ### | AUT ولاية هرثمة بن نصر على مصر # هو هرثمة بن نصر الجبلي: من أهل الجبل، ولي إمرة مصر بعد عزل عيسى بن ~~منصور عنها في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين ومائتين؛ ولاه الأمير إيتاخ ~~التركي على إمرة مصر نيابة عنه على الصلاة. ولما ولي هرثمة هذا أرسل إلى ~~مصر علي بن مهرويه خليفة له على مصر وعلى صلاتها، فناب علي بن مهرويه عنه، ~~حتى قدم هرثمة المذكور إلى مصر في يوم الأربعاء لست خلون من شهر رجب من سنة ~~ثلاث وثلاثين ومائتين. وسكن بالعسكر على العادة؛ وجعل على شرطته أبا قتيبة. ~~وفي أيام هرثمة هذا ورد كتاب الخليفة المتوكل إلى مصر بترك الجدال في ~~القرآن واتباع السنة وعم القول بخلق القرآن. ولله الحمد. وسببه أن الواثق ~~كان قد تاب ورجع عن القول بخلق القرآن، فأدركته المنية قبل إشاعة ذلك وتولى ~~المتوكل الخلافة. قال أبو بكر الخطيب: كان أحمد بن أبي دواد قد استولى على ~~الواثق وحمله على التشدد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن. ~~وقال عبيد الله بن يحيى: حدثنا إبراهيم بن أسباط بن السكن قال: حمل رجل ~~فيمن حمل مكبل بالحديد ms0467 من بلاده فأدخل؛ فقال ابن أبي دواد: تقول أو أقول؛ ~~قال: هذا أول جوركم، أخرجتم الناس من بلادهم، ودعوتموهم إلى شيء ما قاله ~~أحد؛ لا بل أقول؛ قال: قل - والواثق جالس - فقال: أخبرني عن هذا الرأي الذي ~~دعوتم الناس إليه، أعلمه رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يدع الناس ~~إليه، أم شيء لم يعلمه؛ قال: علمه؛ قال: فكان يسعه ألا يدعو الناس إليه ~~وأنتم لا يسعكم! فبهتوا. قال: فاستضحك الواثق وقام قابضا على كمه ودخل بيتا ~~ومد رجليه وهو يقول: شيء وسع النبي أن يسكت عنه ولا يسعنا ؛ فأمر أن يعطى ~~الرجل ثلاثمائة دينار وأن يرد إلى بلده. PageV01P0235 # وعن طاهر بن خلف قال: سمعت المهتدي بالله بن الواثق يقول: كان أبي إذا ~~أراد أن يقتل رجلا أحضرنا، فأتي بشيخ مخضوب مقيد - كل هؤلاء يعنون بالشيخ ~~أحمد بن حنبل رضي الله عنه - فقال أبي: ائذنوا لابن أبي عواد وأصحابه؛ ~~وأدخل الشيخ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين؛ فقال: لا سلم الله عليك؛ ~~فقال الشيخ: بئس ما أدبك مؤدبك، قال الله: " وإذا حييتم بتحية فردوا بأحسن ~~منها أوردوها " . قال الذهبي: هذه رواية منكرة، رواتها مجاهيل، لكن نسوقها ~~بطريق جيد، قال: فقال ابن أبي دواد: يا أمير المؤمنين، الرجل متكلم ؛ فقال ~~له: كلمه ؛ فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن. قال: لم تنصفني ولي السؤال ~~قال: سل يا شيخ، قال: ما تقول في القرآن؛ قال: مخلوق ؛ قال: هذا شيء علمه ~~رسول الله ؛ وأبو بكر وعمر والخلفاء أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم ~~يعلموه؛ فقال: سبحان الله، شيء لم يعلموه! أعلمته أنت؛ قال: فخجل وقال: ~~أقلني ؛ قال: والمسألة بحالها؛ قال: نعم؛ قال: ما تقول في القرآن؛ قال: ~~مخلوق؛ قال: شيء علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ قال ابن أبي دواد: ~~علمه؛ قال الشيخ: علمه ولم يدع الناس إليه؛ قال: نعم؛ قال: فوسعه ذلك؛ قال: ~~نعم؛ قال: أفلا وسعك ما وسعه ووسع الخلفاء بعده قال: فقام أبي ودخل الخلوة ~~واستلقى ms0468 وهو يقول: شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه و سلم ولا أبو بكر ولا ~~عمر ولا عثمان ولا علي علمته أنت! سبحان الله! علموه ولم يدعوا إليه الناس، ~~أفلا وسعك ما وسعهم! ثم أمر برفع قيود الشيخ وأمر له بأربعمائة دينار وسقط ~~من عينه ابن أبي دواد ولم يمتحن بعده أحدا. PageV01P0236 # وقد روى نحوا من هذه الواقعة أحمد بن السندي الحداد عن أحمد بن منيع عن ~~صالح بن علي الهاشمي المنصوري عن الخليفة المهتدي بالله رحمه الله، قال ~~صالح: حضرت وقد جلس للمتظلمين - يعني المهتدي بالله رحمه الله - فنظرت إلى ~~القصص تقرأ عليه من أولها إلى آخرها فيأمر بالتوقيع عليها ويختمها فيسرني ~~ذلك، وجعلت أنظر إليه، ففطن بي ونظر إلي فغضضت عنه، حتى كان ذلك منه ومني ~~مرارة فقال لي: يا صالح، في نفسك شيء تحب أن تقوله؛ قلت: نعم؛ فلما انقضى ~~المجلس أدخلت مجلسه ؛ فقال: تقول ماذا في نفسك أو أقوله لك؛ قلت: يا أمير ~~المؤمنين ما ترى ؛ قال: أقول: إنه قد استحسنت ما رأيت منا؛ فقلت: أي خليفة ~~خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق! فورد على قلبي أمر عظيم؛ ثم قلت: يا ~~نفس هل تموتين قبل أجلك! فأطرق المهتدي ثم قال: اسمع مني، فوالله لتسمعن ~~الحق؛ فسرى في ذهني شيء، فقلت: ومن أولى بقول الحق منك، وأنت خليفة رب ~~العالمين وابن عم سيد المرسلين! قال: ما زلت أقول: القرآن مخلوق صدرا من ~~أيام الواثق حتى أقدم شيخا من أذنة فأدخل مقيدا، وهو جميل حسن الشيبة، ~~فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له؛ فما زال يدنيه حتى قرب منه وجلس، فقال ~~له: ناظر ابن أبي عواد؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه يضعف عن المناظرة؛ ~~فغضب وقال: أبو عبد الله يضعف عن مناظرتك أنت. قال: هون عليك وأذن لي في ~~مناظرته؛ فقال: ما دعوناك إلا لذلك ؛ فقال: احفظ علي وعليه. فقال: يا أحمد، ~~أخبرني عن مقالتك هذه، هي مقالة واجبة داخلة في عقد الذين فلا يكون الدين ~~كاملا ms0469 حتى يقال فيه ما قلت. قال: نعم. قال: أخبرني عن رسول الله ! حين بعثه ~~الله، هل ستر شيئا مما أمر به؛ قال: لا. قال: فدعا إلى مقالتك هذه؛ فسكت. ~~فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين واحدة؛ فقال الواثق: واحة. فقال الشيخ: ~~أخبرني عن الله تعالى حين قال: اليوم أكملت لكم دينكم ! أكان الله هو ~~الصادق في إكمال دينه، أم أنت الصادق في نقصانه حتى تقال مقالتك؟ فسكت؛ ~~فقال الشيخ: إثنتان ؛ قال الواثق: نعم. فقال: أخبرني عن مقالتك هذه، أعلمها ~~رسول الله صلى الله عليه و سلم أم جهلها؟ قال: علمها؛ قال: فدعا الناس ~~إليها. فسكت. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث؛ قال: نعم. قال: فاتسع ~~لرسول الله صلى الله عليه و سلم إن علمها أن يمسك عنها ولم يطالب أفته بها. ~~قال: نعم ؛ قال: واتسع لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ذلك؛ قال: نعم؛ فأعرض ~~الشيخ عنه وأقبل على الواثق وقال: يا أمير المؤمنين، قد قدمت القول أن أحمد ~~يصبو ويضعف عن المناظرة ؛ يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن ~~هذه المقالة كما زعم هذا أنه اتسع للنبي صلى الله عليه و سلم ولأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي فلا وسع الله عليك ؛ قال الواثق: نعم كذا هو، قطعوا قيد ~~الشيخ، فلما قطعوه ضرب الشيخ بيده إلى القيد فأخذه ؛ فقال الواثق: لم ~~أخذته؟ قال: إني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني ~~وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، فأقول: يا رب، لم ~~قيدني وروع أهلي، ثم بكى، فبكى الواثق وبكينا. ثم سأله الواثق أن يجعله في ~~حل وأمر له بصلة فقال: لا حاجة لي بها. قال المهتدي: فرجعت عن هذه المقالة، ~~وأظن أن الواثق رجع عنها من يومئذ. قلت: ولما وقع ذلك كتب للأقطار برفع ~~المحنة والسكوت عن هذه المقالة بالجملة، وهدد كل من قال بها بالقتل. وكان ~~هرثمة هذا يحب السنة، فأخذ في إظهار السنة والعمل بها، وفرح ms0470 الناس بذلك ~~وتباشروا بولايته ؛ فلم تطل مدته على إمرة مصر بعد ذلك حتى مرض ومات بها في ~~يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين ؛ واستخلف ~~ابنه حاتم بن هرثمة على صلاة مصر. وكانت ولاية هرثمة المذكور على مصر سنة ~~واحدة وثلاثة أشهر وثمانية أيام. وهذا ثاني هرثمة ولي إمرة مصر في الدولة ~~العباسية، فالأول هرثمة بن أعين، ولاه الرشيد هارون على مصر سنة ثمان ~~وسبعين ومائة، والثاني هو هرثمة بن نصر هذا. وكان هرثمة أميرا جليلا عاقلا ~~مدبرا سيوسا. وتولى مصر من بعده ابنه حاتم بن هرثمة باستخلافه له، فأقره الخليفة. ### || AUT السنة التي حكم فيها هرثمة # بن نصر على مصر وهي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. PageV01P0237 # فيها كانت زلزلة عظيمة بدمشق سقط منها شرفات الجامع الأموي وانصدع حائط ~~المحراب وسقطت منارته، وهلك خلق تحت الردم، وهرب الناس إلى المصلى باكين ~~متضرعين إلى الله، وبقيت ثلاث ساعات ثم سكنت. وقال القاضي أحمد بن كامل في ~~تاريخه: رأى بعض أهل دير مران دمشق تنخفض وترتفع مرارا، فمات تحت الردم ~~معظم أهلها - هكذا قال ولم يقل بعض أهلها - ثم قال: وكانت الحيطان تنفصل ~~حجارتها من بعضها مع كون الحائط عرض سبعة أذرع، ثم امتدت هذه الزلزلة إلى ~~أنطاكية فهدمتها، ثم إلى الجزيرة فأخربتها، ثم إلى الموصل. يقال: إن الموصل ~~هلك من أهله خمسون ألفا، ومن أهل أنطاكية عشرون ألفا. وفيها أصاب القاضي ~~أحمد بن أبي داود فالج عظيم وبطلت حركته حتى صار كالحجر الملقى. وأحمد هذا ~~هو القائل بخلق القرآن؛ يأتي ذكره عند وفاته في هذا الكتاب في محله إن شاء ~~الله تعالى. وفيها في شهر رمضان ولى الخليفة المتوكل على الله ابنه محمدا ~~المنتصر الحرمين والطائف. وفيها عزل المتوكل الفضل بن مروان عن ديوان ~~الخراج وولاه الفتح بن خاقان. وفيها غضب المتوكل على عمر بن الفرج وصادره. ~~وفيها قدم يحيى بن هرثمة بن أعين - وكان ولي طريق مكة - بالشريف علي بن ~~محمد بن علي الرضى العلوي من المدينة، ms0471 وكان قد بلغ المتوكل عنه شيء. وفيها ~~توفي بهلول بن صالح أبو الحسن التجيبي ؛ كان إماما حافظا؛ قدم بغداد وحدث ~~بها، ومن رواياته عن ابن عباس رسالة زياد بن أنعم. وفيها توفي محمد بن ~~سماعة بن عبيد الله بن هلال بن وكيع بن بشر أبو عبد الله القاضي الحنفي ~~التيمي؛ ولد سنة ثلاثين ومائة، وكان إماما عالما صالحا بارعا صاحب اختيارات ~~وأقوال في المذهب، وله المصنفات الحسان، وهو من الحفاظ الثقات؛ ولي القضاء ~~وحمدت سيرته، ولم يزل به إلى أن ضعف نظره واستعفى؛ وكان يصلي كل يوم مائتي ~~ركعة. قال: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى في جماعة إلا يوما ~~واحدا ماتت فيه أمي ففاتتني صلاة واحدة، وصليت خمسا وعشرين صلاة رحمه الله ~~تعالى. وفيها توفي محمد بن عبد الملك بن أبان بن أبي حمزة الزيات، الوزير ~~أبو يعقوب وقيل: أبو جعفر. أصله من جيل قرية تحت بغداد. قلت: ومنها كان أصل ~~الشيخ عبد القادر الكيلاني. وكان أبو محمد هذا تاجرا وانتمى هو للحسن بن ~~سهل فنوه بذكره ؛ حتى اتصل بعمه بالمعتصم، ثم استوزره الواثق. وكان أديبا ~~فاضلا شاعرا عارفا بالنحو واللغة جوادا ممدحا؛ ومن شعر؛ على ما قيل قوله: " ~~الطويل " فإن سرت بالجثمان عنكم فإنني ... أخلف قلبي عندكم وأسير فكونوا ~~عليه مشفقين فإنه ... رهين لديكم في الهوى وأسير قلت: وما أحسن قول القاضي ~~ناصح الدين الرزجاني في هذا المعنى: لم يبكني إلا حديث فراقهم ... لما أسر ~~به إلي مودعي هو ذلك المر الذي أودعتم ... في مسمعي أجريته من مدمعي قلت: ~~وهذا مثل قول الزمخشري في قوله لما رثى شيخه أبا مضر - والله أعلم من ~~السابق لهذا المعنى لأنهما كانا متعاصرين - : وقائلة ما هذه الدرر التي ... ~~تساقط من عينيك سمطين سمطين فقلت لها الدر الذي كان قد حشا ... أبو مضر ~~أذني تساقط من عيني وفيها توفي الإمام الحافظ الحجة يحيى بن معين بن عون بن ~~زياد بن بسطام - وقيل: غياث بدل عون - أبو زكريا المري " مرة بن غطفان ~~مولاهم ms0472 البغدادي الحافظ المشهور؛ كان إمام عصره في الجرح والتعديل وإليه ~~المرجع في ذلك، وكان يتفقه بمذهب الإمام أبي حنيفة. قال الإمام محمد بن ~~إسماعيل البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند يحيى بن معين. ومولده في سنة ~~ثمان وخمسين ومائة، فهو أسن من علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وأبي بكر بن ~~أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وكانوا يتأدبون معه ويعرفون له فضله، وروى عنه ~~خلائق لا تحصى كثرة. PageV01P0238 # قال أبو حاتم: يحيى بن معين إمام. وقال النسائي: هو أبو زكريا الثقة ~~المأمون أحد الأئمة في الحديث. وقال علي بن المديني: لا نعلم أحدا من لدن ~~آدم كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين. وعن يحيى بن معين قال: كتبت بيدي ~~ألف ألف حديث. وقال علي بن المديني: انتهى علم الناس إلى يحيى بن معين. ~~وقال القواريري: قال لي يحيى القطان: ما قدم علينا أحد مثل هذين الرجلين: ~~مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وقال أحمد بن حنبل: كان يحيى بن معين ~~أعلمنا بالرجال. وعن أبي سعيد الحداد قال: الناس عيال في الحديث على يحيى ~~بن معين. وقال محمد بن هارون الفلاس: إذا رأيت الرجل ينتقص يحيى بن معين ~~فاعرف أنه كذاب. وكانت وفاة يحيى بن معين لسبع بقين من ذي القعدة بالمدينة، ~~ودفن بالبقيع. قال الذهبي: وقال حبيش بن المبشر وهو ثقة: رأيت يحيى بن معين ~~في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؛ قال: أعطاني وحباني وزوجني ثلاثمائة ~~حوراء، ومهد لي بين البابين الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن أبي شعيب الحراني، وإبراهيم بن الحجاج ~~السامي، وإسحاق بن سعيد بن الأركون الدمشقي، وحبان بن موسى المروزي، ~~وسليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، وداهر بن نوح الأهوازي، و روح بن ~~صلاح المصري، وسهل بن عثمان العسكري، وعبد الجبار بن عاصم النسائي، وعقبة ~~بن مكرم الضبي، ومحمد بن سماعة القاضي، ومحمد بن عائذ الكاتب، والوزير محمد ~~بن عبد الملك ms0473 بن الزيات، ويحيى بن أيوب المقابري، ويحيى بن معين، ويزيد بن ~~موهب الرملي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وأربعة عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية حاتم بن هرثمة على مصر # هو حاتم بن هرثمة بن نصر الجبلي أمير مصر. وليها باستخلاف أبيه له بعد ~~موته في الثالث والعشرين من شهر رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين على الصلاة؛ ~~وأرسل كاتب الأمير إيتاخ التركي المعتصمي الذي إليه أمر مصر في ولايته ~~عليها مكان أبيه. وسكن العسكر على عادة أمراء مصر. وجعل على شرطته محمد بن ~~سويد. وأخذ في إصلاح أحوال الديار المصرية ؛ وبينما هو في ذلك ورد عليه ~~كتاب الأمير إيتاخ بصرفه عن إمرة مصر وتولية علي بن يحيى الأرمني ثانيا على ~~مصر، وكان ذلك في يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ~~ومائتين المذكورة. فكانت ولاية حاتم هذا على مصر من يوم مات أبوه شهرا ~~واحدا وثلاثة عشر يوما. وكان حاتم هذا جليلا نبيلا، وعنده معرفة وحسن ~~تدبير، إلا أنه لم يحسن أمره مع إيتاخ، لطمع كان في إيتاخ التركي الذي كان ~~إليه أمر مصر بعد أشناس، وكلاهما كان تركيا. ولم أقف على وفاة حاتم بن هرثمة هذا. ### || AUT السنة التي حكم في أولها إلى رجب هرثمة # بن نصر ومن رجب إلى شهر رمضان ابنه حاتم بن هرثمة، ومن رمضان إلى آخرها ~~علي بن يحيى الأرمني. وهي سنة أربع وثلاثين ومائتين. فيها هبت ريح بالعراق ~~شديدة السموم لم يعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفة والبصرة وبغداد وقتلت ~~المسافرين، ودامت خمسين يوما، ثم اتصلت بهمذان فأحرقت أيضا الزرع والمواشي، ~~ثم اتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناص من المعاش في الأسواق ومن المشي في ~~الطريق، وأهلكت خلقا. وفيها حج بالناس من العراق الأمير محمد بن داود بن ~~عيسى العباسي، وكان له عدة سنين يحج بالناس. وفيها أظهر الخليفة المتوكل ~~على الله جعفر السنة بمجلسه وتحدث بها ونهى عن القول بخلق القرآن، وكتب ~~بذلك ms0474 إلى الآفاق، حسبما ذكرناه في ترجمة هرثمة هذا، وأستقدم العلماء وأجزل ~~عطاياهم. ولهذا المعنى قال بعضهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في رد مظالم بني أمية، ~~والمتوكل في إظهار السنة. وفيها خرج عن الطاعة محمد " بن البعيث " لملأ ~~أمير إرمينية وأذربيجان وتحصن بقلعة مرند، ؛ فسار لقتاله بغا الشرابي في ~~أربعة آلاف، فنازله وطال الحصار بينهم، وقتل طائفة كبيرة من عسكر بغا، ودام ~~ذلك بينهم إلى أن نزل محمد بالأمان، وقيل: بل تدلى ليهرب فأسروه. ~~PageV01P0239 # وفيها فوض الخليفة المتوكل لإيتاخ متولي إمرة مصر الكوفة والحجاز وتهامة ~~ومكة والمدينة مضافا على مصر، ودير له على المنابر. وحج إيتاخ من سنته وقد ~~تغير خاطر المتوكل عليه. فلما عاد من الحج كتب المتوكل إلى إسحاق بن ~~إبراهيم بن مصعب بالقبض عليه في الباطن إن أمكنه ؛ فتحايل عليه إسحاق حتى ~~قبض عليه وقيده بالحديد وقتله عطشا، وكتب محضرا أنه مات حتف أنفه. وكان أصل ~~إيتاخ هذا مملوكا من الخزر طباخا لسلام الأبرش؛ فاشتراه المعتصم، فرأى له ~~رجلة وبأسا فقربه ورفعه؛ ثم ولاه الواثق بعد ذلك الأعمال الجليلة. وكان من ~~أراد المعتصم والواثق والمتوكل قتله سلمه إليه، فقتل إيتاخ هذا مثل عجيف ~~والعباس بن المأمون وابن الزيات الوزير وغيرهم. وفيها توفي زهير بن حرب بن ~~شداد، أبو خيثمة النسائي؛ كان عالما ورعا فاضلا؛ رحل إلى البلاد وسمع ~~الكثير وحدث، وروى عنه جماعة، وكان من أئمة الحديث. وفيها توفي سليمان بن ~~داود بن بشر بن زياد، الحافظ أبو أيوب البصري المنقري المعروف بالشاذكوني، ~~رحل إلى البلاد وسمع الكثير وحدث وروى عن خلائق، وروى عنه جمع كبير، وهو ~~أحد الأئمة الحفاظ الرحالين. وفيها توفي سليمان بن عبد الله بن سليمان بن ~~علي بن عبد الله بن العباس، الأمير أبو أيوب الهاشمي العباسي، أحد أعيان ~~بني العباس وأحد من ولي الأعمال الجليلة مثل المدينة والبصرة واليمن ~~وغيرها. وفيها توفي علي بن عبد الله بن جعفر بن يحيى ms0475 بن بكر بن سعيد، وقيل: ~~جعفر بن نجيح بن بكر، الإمام الحافظ الناقد الحجة أبو الحسن السعدي مولاهم ~~البصري الذاري المعروف بابن المديني؛ كان إمام عصره في الجرح والتعديل ~~والعلل، وكان أبوه محدثا مشهورا. ومولد علي هذا في سنة إحدى وستين ومائة، ~~وهو أحد الأعلام وصاحب التصانيف ؛ وسمع أباه وحماد بن زيد وابن عيينة ~~والدراوردي ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن علية وعبد الرزاق وخلقا ~~سواهم، وروى عنه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي عن رجل عنه ~~وأحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى الذهلي وخلق سواهم. وعن أبن عيينة قال: ~~يلومونني على حب علي بن المديني، والله إني لأتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. ~~وعن ابن عيينة قال: لولا علي بن المديني ما جلست. وقال النسائي: كأن الله ~~خلق علي بن المديني لهذا الشأن. وقال السراج: سمعت محمد بن يونس أيقول، : ~~سمعت ابن المديني يقول: تركت من حديثي مائة ألف حديث، منها ثلاثون ألفا ~~لعباد بن صهيب. وقال السراج: قلت للبخاري: ما تشتهي. قال: أن أقدم العراق ~~وعلي بن المديني حي فأجالسه. قال البخاري: مات علي بن عبد الله يعني ابن ~~المديني ليومين بقيا من ذي القعدة بالمدينة سنة أربع وثلاثين ومائتين. وقال ~~الحارث وغير واحد: مات بسامرا في ذي القعدة. وقال الإمام أبو زكريا النووي: ~~لابن المديني في الحديث نحو مائتي مصنف. وفيها توفي يحيى بن أيوب البغدادي ~~العابد الصالح، ويعرف بالمقابري لأنه كان يتعبد بالمقابر، وكان له أحوال ~~وكرامات. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن ~~حرب النيسابوري الزاهد، وروح بن عبد المؤمن القارىء، وأبو خيثمة زهير بن ~~حرب، وسليمان بن داود الشاذكوني، وأبو الربيع سليمان بن داود الزهراني، ~~وعبد الله بن عمر بن الرماح قاضي نيسابور، وأبو جعفر عبد الله بن محمد ~~النفيلي، وعلي بن بحر القطان، وعلي بن المديني، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ~~ومحمد بن أبي بكر المقدمي، والمعافى بن سليمان الرسعني، ويحيى بن يحيى ~~الليثي الفقيه. ms0476 أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية علي بن يحيى الثانية # على مصر PageV01P0240 # قد تقدم الكلام على ولاية علي بن يحيى هذا أولا على مصر، ثم وليها ثانيا ~~في هذه المرة بعد عزل حاتم بن هرثمة بن نصر عنها، من قبل الأمير إيتاخ ~~المعتصمي على الصلاة في يوم سادس شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين؛ فسكن ~~علي بن يحيى بالعسكر على عادة الأمراء، وجعل على شرطته معاوية بن نعيم. ~~وأستمر علي هذا على مرة مصر إلى أن قبض الخليفة المتوكل على الله جعفر على ~~ايتاخ المذكور في المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين؛ وقدم الخبر على الأمير ~~علي هذا بالقبض على إيتاخ والحوطة على ماله بمصر، فاستصفيت أمواله وترك ~~الدعاء له على منابرها بعد الخليفة، وأن المتوكل ولى ابنه وولي عهده محمدا ~~المنتصر مصر وأعمالها كما كان لإيتاخ المذكور؛ فدعي عند ذلك للمنتصر على ~~منابر مصر، فكان حكم إيتاخ على الديار المصرية أربع سنين. ولما ولي المنتصر ~~إمرة مصر أقر علي بن يحيى هذا على عمل مصر على عادته؛ فاستمر عليها إلى أن ~~صرفه المنتصر عنها بإسحاق بن يحيى بن معاذ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ~~ومائتين. فكانت ولايته على مصر في هذه المرة الثانية سنة واحدة وثلاثة أشهر ~~تنقص أياما. وخرج من مصر وتوجه إلى العراق وقدم على الخليفة المتوكل على ~~الله جعفر وصار عنده من كبار قواده. وجهزه في سنة تسع وثلاثين ومائتين إلى ~~غزو الروم، فتوجه بجيوشه إلى بلاد الروم فأوغل فيها، فيقال: إنه شارف ~~القسطنطييية، فأغار على الروم وقتل وسبى، حتى قيل: إنه أحرق ألف قرية وقتل ~~عشرة آلاف علج، وسبى عشرة آلاف رأس، وعاد إلى بغداد سالما غانما، فزادت ~~رتبته عند المتوكل أضعاف ما كانت. ثم غزا غزوة أخرى في سنة تسع وأربعين ~~ومائتين، وتوغل في بلاد الروم، ثم عاد قافلا من إرمينية إلى ميافارقين، ~~فبلغه مقتل الأمير عمر بن عبد ms0477 الله الأقطع بمرج الأسقف - وكان الروم في ~~خمسين ألفا فأحاطوا به، أعني عمر بن عبد الله الأقطع، ومن معه فقتلوه، وقتل ~~عليه ألفا رجل من أعيان المسلمين؛ وكان ذلك في يوم الجمعة منتصف شهر رجب ~~سنة تسع وأربعين ومائتين المذكورة - فلما بلغ الأمير علي بن يحيى هذا عاد ~~يطلب الروم بدم عمر بن عبد الله المذكور، حتى لقيهم وقاتلهم قتالا شديدا، ~~حتى قتل وقتل معه أيضا من أصحابه أربعمائة رجل من أبطال المسلمين. رحمهم ~~الله تعالى. وكان علي بن يحيى هذا أميرا شجاعا مقداما جوادا ممدحا عارفا ~~بالحروب والوقائع مدبرا سيوسا محمود السيرة في ولايته؛ وأصله من الأرمن؛ ~~وقد حكينا طرفا من هذه الغزوة في ولايته الأولى؛ والصواب أن ذلك كان في هذه ~~المرة، وأن تلك الغزوة كانت غير هذه الغزوة التي قتل فيها. رحمه الله تعالى وتقبل منه. ### || AUT السنة التي حكم فيها علي # بن يحيى الأرمني في ولايته الثانية على مصر وهي سنة خمس وثلاثين ~~ومائتين. فيها ألزم الخليفة المتوكل على الله النصارى بلبس العسلي. وفيها ~~ظهر رجل بسامرا يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، وزعم أنه ذو القرنين؛ ~~وكان معه رجل شيخ يشهد أنه نبي يوحى إليه، وكان معه كتاب كالمصحف؛ فقبض ~~عليهما وعوقب محمود المذكور حتى مات تحت العقوبة؛ وتفرق عنه أصحابه. وفيها ~~عقد المتوكل لبنيه الثلاثة وقسم الدنيا بينهم، وكتب بذلك كتابا، كما فعل ~~جده هارون الرشيد مع أولاده؛ فأعطى المتوكل ابنه الأكبر محمدا المنتصر من ~~عريش مصر إلى إفريقية والمغرب كله إلى حيث بلغ سلطانه، وأضاف إليه جند ~~قنسرين والعواصم والثغور الشامية والجزيرة وديار بكر وربيعة والموصل ~~والفرات وهيت وعانة والخابور ودجلة والحرمين واليمن واليمامة وحضرموت ~~والبحرين والسند وكرمان وكور الأهواز وماسبذان ومهرجان وشهرزور وقم وقاشان ~~وقزوين والجبال؛ وأعطى ابنه المعتز بالله - واسمه الزبير وقيل محمد - ~~خراسان وطبرستان وما وراء النهر والشرق كله؛ وأعطى ابنه المؤيد بالله ~~إبراهيم إرمينية وأذربيجان وجند دمشق والأردن وفلسطين. وفيها توفي إسحاق بن ~~إبراهيم بن ميمون، أبو محمد التميمي، ms0478 ويعرف والده بالموصلي النديم؛ وقد ~~تقدم ذكره في ولاية الرشيد هارون. وولد إسحاق هذا سنة خمسين ومائة، وكان ~~إماما عالما فاضلا أديبا إخباريا؛ وكان بارعا في ضرب العود وصنعة الغناء، ~~فغلب عليه ذلك حتى عرف بإسحاق المغني، ونال بذلك عند الخلفاء من الرتبة ما ~~لم ينله غيره، وهو مصنف كتاب الأغاني. PageV01P0241 # قال الذهبي: أبو محمد التميمي الموصلي النديم صاحب الغناء؛ كان إليه ~~المنتهى في معرفة الموسيقى. قلت: لم يكن في أيام إسحاق الموسيقي ولا بعده ~~بمدة سنين مثله. قال: وكان له أدب وافر وشعر رائق جزل، وكان عالما بالأخبار ~~وأيام الناس وغير ذلك من الفقه والحديث والأدب وفنون العلم. قال: وسمع من ~~مالك وهشيم وسفيان بن عيينة والأصمعي وجماعة. وعن إسحاق قال: بقيت دهرا من ~~عمري أغلس كل يوم إلى هشيم أو غيره من المحدثين، ثم أصير إلى الكسائي أو ~~الفراء أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزءا من القرآن، ثم أصير إلى منصور المعروف ~~بزلزل المغني فيضاربني طريقين في العود أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة ~~فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأنشدهما أو أستفيد ~~منهما، فإذا كان العشاء رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد. ومن شعره: الخفيف هل ~~إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل وكان إسحاق يكره أن ~~ينسب إلى الغناء. وقال المأمون: لولا شهرته بالغناء لوليته القضاء. وفيها ~~توفي سريج - بسين مهملة وجيم - بن يونس بن إبراهيم المروزي الزاهد العابد ~~جد ابن سريج الفقيه الشافعي؛ كان سريج أعجميا فرأى في منامه الحق جل جلاله، ~~فقال له: يا سريج، طلب كن، فقال سريج: يا خداي سربسر. وهذا اللفظ بالعجمي ~~معناه أنه قال له: يا سريج، سل حاجتك؛ فقال: يا رب رأس برأس. وروى سريج عن ~~ابن عيينة، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وأخرج له البخاري ومسلم ~~والنسائي. وفيها توفي الطيب بن إسماعيل بن إبراهيم، الشيخ أبو محمد الدؤلي؛ ~~كان عابدا زاهدا يقصد الأماكن التي ليس فيها أحد؛ وكان يبيع اللآلىء ms0479 ~~والجواهر، وهو أحد القراء المشهورين وعباد الله الصالحين، وكان ثقة صدوقا؛ ~~روى عن سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه البغوي وغيره. وفيها توفي عبد الله ~~بن محمد بن إبراهيم الحافظ أبو بكر العبسي، ويعرف بابن أبي شيبة، كان أحد ~~كبار الحفاظ. وهو مصنف المسند والتفسير والأحكام وغيرها، وقدم بغداد وحدث ~~بها. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى علم الحديث إلى أربعة: أحمد بن ~~حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني؛ فأحمد أفقههم ~~فيه، وأبو بكر أسردهم، ويحيى أجمع له، وابن المديني أعلمهم به. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: فيها توفي أحمد بن عمر الوكيعي، وإبراهيم ~~بن العلاء زبريق الحمصي، وإسحاق الموصلي النديم، وسريج بن يونس العابد، ~~وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب أمير بغداد، وشجاع بن مخلد، وشيبان بن فروخ، ~~وأبو بكر بن أبي شيبة، وعبيد الله بن عمر القواريري، ومحمد بن عباد المكي، ~~ومحمد بن حاتم السمين، ومعلى بن مهدي الموصلي، ومنصور بن أبي مزاحم، وأبو ~~الهذيل العلاف شيخ المعتزلة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة ~~أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية إسحاق بن يحيى # على مصر هو إسحاق بن يحيى بن معاذ بن مسلم الختلي، أمير مصر؛ أصله من ~~قرية ختلان بلدة عند سمرقند؛ ولي مصر بعد عزل علي بن يحيى الأرمني، في ذي ~~الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين - ولاه المنتصر بن المتوكل على مصر وجمع له ~~صلاتها وخراجها معا، وقدم إلى مصر لإحدى عشرة خلت من ذي الحجة من سنة خمس ~~وثلاثين ومائتين المذكورة. وقال صاحب " البغية والاغتباط " إنه وصل إلى مصر ~~لإحدى عشرة خلت من ذي القعدة وذكر السنة، فخالف في الشهر ووافق في السنة ~~وغيرها. ولما قدم مصر سكن العسكر، وجعل على الشرطة الهياجي، وعلى المظالم ~~عيسى بن لهيعة الحضرمي. وكان إسحاق هذا قد ولي إمرة دمشق في أيام المأمون، ~~ثم في أيام أخيه المعتصم ثانيا مدة طويلة، ثم ms0480 ولي دمشق ثالثا في أيام ~~الخليفة هارون الواثق ودام بها إلى أن نقله المنتصر لما ولاه أبوه المتوكل ~~إمرة مصر، حسبما تقدم ذكره. PageV01P0242 # وكان إسحاق بن يحيى هذا من أجل الأمراء؛ كان جوادا ممدحا شجاعا عاقلا ~~مدبرا سيوسا محبا للشعر وأهله، وقصده كثير من الشعراء ومدحوه بغرر من ~~المدائح وأجازهم الجوائز السنية. وكان فيه رفق بالرعية وعدل وإنصاف؛ رفق ~~بالناس في أيام ولايته بدمشق عندما ورد كتاب المعتصم بامتحان الرعية بالقول ~~بخلق القرآن؛ وأيضا لما ولي مصر ورد عليه بعد مدة من ولايته كتاب المنتصر ~~وأبيه الخليفة المتوكل بإخراج الأشراف العلويين من مصر إلى العراق فأخرجوا؛ ~~وذلك بعد أن أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما وقبور ~~العلويين. وكان هذا وقع من المتوكل في سنة ست وثلاثين ومائتين وقيل قبلها. ~~وكان سبب بغضه في علي بن أبي طالب وذريته أمر يطول شرحه وقفت عليه في تاريخ ~~الإسعردي، محصوله: أن المتوكل كان له مغنية تسمى أم الفضل، وكان يسامرها ~~قبل الخلافة وبعدها، وطلبها في بعض الأيام فلم يجدها، ودام طلبه لها أياما ~~وهولا يجدها، ثم بعد أيام حضرت وفي وجهها أثر شمس؛ فقال لها: أين كنت؛ ~~فقالت: في الحج؛ فقال: ويحك! هذا ليس من أيام الحج! فقالت: لم أرد الحج ~~لبيت الله الحرام، وإنما أردت الحج لمشهد علي؛ فقال المتوكل: وبلغ أمر ~~الشيعة إلى أن جعلوا مشهد علي مقام الحج الذي فرضه الله تعالى! فنهى الناس ~~عن التوجه إلى المشهد المذكور من غير أن يتعرض إلى ذكر علي رضي الله عنه؛ ~~فثارت الرافضة عليه وكتبوا سبه على الحيطان، فحنق من ذلك وأمر بألا يتوجه ~~أحد لزيارة قبر من قبور العلويين؛ فثاروا عليه أيضا، فتزايد غضبه منهم فوقع ~~منه ما وقع. وحكاياته في ذلك مشهورة لا يعجبني ذكرها، إجلالا للإمام علي ~~رضي الله عنه. ولما عظم الأمر أمر بهدم قبر الحسين رضي الله عنه وهدم ما ~~حوله من الدور، وأن يعمل ذلك كله مزارع. فتألم المسلمون لذلك، وكتب أهل ms0481 ~~بغداد شتم المتوكل على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء دعبل وغيره، فصار ~~كلما يقع له ذلك يزيد ويفحش. وكان الأليق بالمتوكل عم هذه الفعلة، وبالناس ~~أيضا ترك المخاصمة، لما قيل: يد الخلافة لا تطاولها يد. وفي هذا المعنى، ~~أعني في هدم قبور العلويين، يقول يعقوب بن السكيت، وقيل هرب لعلي بن أحمد - ~~وقد بقي إلى بعد الثلاثمائة وطال عمره: الكامل تالله إن كانت أمية قد أتت ~~... قتل أبن بنت نبيها مظلوما وعدة أبيات أخر. وقيل: إن ابن السكيت المذكور ~~قتل ظلما من المتوكل، فإنه قال له يوما: أيما أحب إليك: ولداي المؤيد ~~والمعتز أم الحسن والحسين أولاد علي؛ فقال ابن السكيت: والله إن قنبرا خادم ~~علي خير منك ومن ولديك؛ فقال: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا فمات من ساعته. ~~قلت: وفي هذه الحكاية نظر من وجوه عديدة. وقد طال الأمر وخرجنا عن المقصود، ~~ونرجع إلى ما نحن بصدده. ولما ورد كتاب المنتصر إلى إسحاق بن يحيى هذا ~~بإخراج العلويين من مصر، أخرجهم إسحاق من غير إفحاش في أمرهم؛ فصرفه ~~المنتصر بعد ذلك بمدة يسيرة عن إمرة مصر، في ذي القعدة من سنة ست وثلاثين ~~ومائتين، بعبد الواحد بن يحيى. فكانت ولاية إسحاق على مصر سنة واحدة تنقص ~~عشرين يوما، ومات بعد ذلك بأشهر قليلة في أول شهر ربيع الآخر من سنة سبع ~~وثلاثين ومائتين بمصر، ودفن بالقرافة. ولما مات إسحاق. رثاه بعض شعراء ~~البصرة فقال من أبيات كثيرة: الطويل سقى الله ما بين المقطم والصفا ... صفا ~~النيل صوب المزن حيث يصوب وما بي أن يسقي البلاد وإنما ... مرادي أن يسقى هناك حبيب ### || AUT السنة التي حكم فيها إسحاق # بن يحيى على مصر وهي سنة ست وثلاثين ومائتين. فيها حج بالناس المنتصر ~~محمد بن الخليفة المتوكل على الله، وحجت أيضا أم المتوكل، وشيعها المتوكل ~~إلى أن استقلت بالمسير ثم رجع. وأنفقت أم المتوكل أموالا جزيلة في هذه ~~الحجة، واسمها شجاع. وفيها كان ما حكيناه من هدم قبر الحسين وقبور العلويين ~~وجعلت مزارع، ms0482 كما تقدم ذكره. وفيها أشخص المتوكل القضاة من البلدان لبيعة ~~ولاة العهد أولاده: المنتصر بالله محمد، ومن بعده المعتز بالله محمد، وقيل ~~الزبير، ومن بعده المؤيد بالله إبراهيم؛ وبعث خواصه إلى الأمصار ليأخذوا ~~البيعة بذلك. PageV01P0243 # وفيها وثب أهل دمشق على نائب دمشق سالم بن حامد، فقتلوه يوم الجمعة على ~~باب الخضراء. وكان من العرب، فلما ولي أذل قوما بدمشق من السكون والسكاسك ~~لهم وجاهة ومنعة، فثاروا به وقتلوه. فندب المتوكل لإمرة دمشق أفريدون ~~التركي وسيره إليها، وكان شجاعا فاتكا ظالما؛ فقدم في سبعة آلاف فارس، ~~وأباح له المتوكل القتل بدمشق والنهب ثلاث ساعات. فنزل أفريدون بيت لهيا، ~~وأراد أن يصبح البلد؛ فلما أصبح نظر إلى البلد، وطلب الركوب فقدمت له بغلة ~~فضربته بالزوج فقتلته، فدفن مكانه، وقبره ببيت لهيا، ورد الجيش الذين كانوا ~~معه خائفين. وبلغ المتوكل، فصلحت نيته لأهل دمشق. وفيها توفي إسماعيل بن ~~إبراهيم بن بسام، الحافظ أبو إبراهيم الترجماني؛ كان إماما عالما محدثا ~~صاحب سنة وجماعة؛ كتب عنه الإمام أحمد بن حنبل أحاديث، وروى عنه محمد بن ~~سعد وغيره، ووثقه غير واحد. وفيها توفي الحسن بن سهل، الوزير أبو محمد، أخو ~~ذي الرياستين الفضل بن سهل. كانا من بيت رياسة في المجوس، فأسلما مع أبيهما ~~في خلافة الرشيد هارون واتصلوا بالبرامكة، فانضم سهل ليحيى بن خالد ~~البرمكي، فضم يحيى الأخوين إلى ولديه: فضم الفضل بن سهل إلى جعفر، والحسن ~~بن سهل هذا إلى الفضل بن يحيى؛ فضم جعفر الفضل بن سهل إلى المأمون وهو ولي ~~عهد، فكان من أمره ما كان. ولما مات الفضل ولي الحسن هذا مكانه وزيرا؛ ثم ~~لم تزل رتبته في ارتفاع، إلى أن تزوج المأمون بابنته بوران بنت الحسن بن ~~سهل، وقد تقدم ذلك كله في محله. ولم يزل الحسن بن سهل وافر الحرمة إلى أن ~~مات بسرخس في ذي القعدة من شرب دواء أفرط به في إسهاله؛ وخفف عليه ديونا ~~لكثرة إنعامه. وفيها توفي عبد السلام بن صالح بن سليمان بن أيوب، ms0483 أبو الصلت ~~الهروي الحافظ الرحال؛ رحل في طلب العلم إلى البلاد، وأخذ الحديث عن جماعة، ~~وروى عنه غير واحد. قيل: إنه كان فيه تشيع. وفيها توفي منصور ابن الخليفة ~~المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~العباس الهاشمي العباسي، الأمير عم الرشيد هارون. وكان منصور هذا ولي إمرة ~~دمشق للأمين بن الرشيد، وتولى أيضا عدة أعمال جليلة. وكانت لديه فضيلة. ~~وكانت وفاته في المحرم من السنة. وفيها توفي نصر بن زياد بن نهيك، الإمام ~~أبو محمد النيسابوري الفقيه الحنفي؛ سمع الحديث وتفقه على محمد بن الحسن، ~~وولي قضاء نيسابور مدة وحمدت سيرته. وكان نزيها عفيفا. رحمه الله. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم ~~الموصلي، وإبراهيم بن أبي معاوية الضرير، وإبراهيم بن المنذر الخزامي، وأبو ~~إبراهيم الترجماني إسماعيل بن إبراهيم، وأبو معمر القطيعي إسماعيل بن ~~إبراهيم، والحسن بن سهل وزير المأمون، وخالد بن عمرو السلفي، وصالح بن حاتم ~~بن وردان، وأبو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، ومصعب بن عبد الله ~~الزبيري، ومنصور بن المهدي الأمير، ونصر بن زياد قاضي نيسابور، وهدبة بن خالد. ### || AUT أمر النيل في هذه السنة # الماء القديم خمسة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### | AUT ولاية عبد الواحد بن يحيى # على مصر PageV01P0244 # هو عبد الواحد بن يحيى بن منصور بن طلحة بن زريق مولى خزاعة، وهو ابن عم ~~طاهر بن الحسين ولي إمرة مصر على الصلاة والخراج معا من قبل المنتصر، كما ~~كان أشناس وإيتاخ وغيرهما، بعد عزل إسحاق بن يحيى عنها. فقدمها عبد الواحد ~~هذا في الحادي والعشرين من ذي القعدة سنة ست وثلاثين ومائتين، وسكن بالعسكر ~~على عادة أمراء مصر، وجعل على شرطته محمد بن سليمان أبن غالب بن جبريل، ~~البجلي. واستمر على ذلك إلى أن ورد عليه كتاب المنتصر بعزله عن خراج مصر، ~~فعزل في يوم الثلاثاء لسبع خلون من صفر سنة سبع ms0484 وثلاثين ومائتين، ودام على ~~الصلاة فقط. ثم ورد عليه في السنة المذكورة كتاب الخليفة المتوكل بحلق لحية ~~قاضي قضاة مصر أبي بكر محمد بن أبي الليث وأن يضربه ويطوف به على حمار، ~~ففعل به ما أمر به، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة وسجن؛ وكان القاضي ~~المذكور من رؤوس الجهمية. وولي القضاء بعده بمصر الحارث بن مسكين بعد تمنع، ~~وأمر بإخراج أصحاب أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما من المسجد، ورفعت ~~حضرهم، ومنع عامة المؤذنين من الأذان. وكان الحارث قد أقعد، فكان يحمل في ~~محفة إلى الجامع، وكان يركب حمارا متربعا، ثم ضرب الذين يقرؤون بالألحان، ~~ثم حمله أصحابه على النظر في أمر القاضي المعزول - أعني ابن أبي الليث ~~المقدم ذكره - وكانوا قد لعنوه بعد عزله وغسلوا موضع جلوسه في المسجد، فصار ~~الحارث بن مسكين يوقف القاضي محمد بن أبي الليث المذكور ويضربه كل يوم ~~عشرين سوطا لكي يؤذي ما وجب عليه من الأموال، وبقي على هذا أياما. ودام ~~الحارث بن مسكين هذا قاضيا ثمان سنين حتى عزل بالقاضي بكار بن قتيبة ~~الحنفي. واستمر الأمير عبد الواحد هذا على إمرة مصر إلى أن صرفه المنتصر ~~عنها في سلخ صفر سنة ثمان وثلاثين ومائتين بالأمير عنبسة بن إسحاق؛ وقدم ~~إلى مصر خليفة عنبسة على صلاة مصر والشركة على الخراج في مستهل شهر ربيع ~~الأول، فكانت ولايته على مصر سنة واحدة وثلاثة أشهر وسبعة أيام. ### || AUT السنة الأولى من ولاية عبد الواحد # بن يحيى على مصر وهي سنة سبع وثلاثين ومائتين. على أنه حكم بمصر من ~~السنة الخالية من ذي القعدة إلى آخرها، وقد ذكرنا تلك السنة في ترجمة إسحاق ~~بن يحيى وليس ذلك بشرط في هذا الكتاب - أعني تحرير حكم أمير مصر في السنة ~~المذكورة - بل جل القصد ذكر حوادث السنة وإضافة ذلك لأمير من أمراء مصر. ~~وفيها - أعني سنة سبع وثلاثين ومائتين - وثبت بطارقة إرمينية على عاملهم ~~يوسف بن محمد فقتلوه؛ وبلغ المتوكل ذلك، فجهز لحربهم بغا الكبير؛ فتوجه ms0485 ~~إليهم وقاتلهم حتى قتل منهم مقتلة عظيمة. قيل: إن القتلى بلغت ثلاثة آلاف، ~~ثم سار بغا إلى مدينة تفليس. وفيها أطلق المتوكل جميع من كان في السجن ممن ~~امتنع من القول بخلق القرآن في أيام أبيه، وأمر بإنزال جثة أحمد بن نصر ~~الخزاعي فدفعت إلى أقاربه فدفنت. وفيها ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت ~~والبيادر وهرب الناس، ولم تزل تحرق إلى ثلث الليل ثم كفت بإذن الله تعالى. ~~وفيها كان بناء قصر العروس بسامرا وتكمل في هذه السنة، فبلغت النفقة عليه ~~ثلاثين ألف ألف درهم. وفيها قدم محمد بن عبد الله بن طاهر الأمير على ~~المتوكل من خراسان، فولاه العراق. وفيها رضي المتوكل على يحيى بن أكثم، ~~وولاه القضاء والمظالم. وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم، ~~أبو يعقوب التميمي الحنظلي الحافظ المعروف بابن راهويه؛ كان من أهل مرو ~~وسكن نيسابور، وولد سنة إحدى وستين ومائة، وكان إماما حافظا بارعا، اجتمع ~~فيه الحديث والفقه والحفظ والذين والورع، وهو أحد الأئمة الحفاظ الرحالة، ~~ومات في يوم الخميس نصف شعبان. وفيها توفي حاتم بن يوسف، وقيل ابن عنوان، ~~أبو عبد الرحمن البلخي، وكان يعرف بالأصم ونسب إلى ذلك، لأن آمرأة سألته ~~مسألة فخرج منها صوت ريح من تحتها فخجلت؛ فقال لها: ارفعي صوتك، وأراها من ~~نفسه أنه أصم حتى سكن ما بها، فغلب عليه الأصم؛ وكان ممن جمع له العلم ~~والزهد والورع. وفيها توفي حيان بن بشر الحنفي؛ كان إماما عالما فقيها ~~محدثا ثقة؛ ولي قضاء بغداد وأصبهان، وحمدت سيرته. وفيها توفي الشيخ أبو ~~عبيد البسري؛ أصله من قرية بسر من أعمال حوران؛ كان صالحا مجاب الدعوة صاحب ~~كرامات وأحوال، واسمه محمد، وكان صاحب جهاد وغزو. PageV01P0245 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إبراهيم بن محمد ~~بن عمر الشافعي، وحاتم الأصم الزاهد، وسعيد بن حفص النفيلي، والعباس بن ~~الوليد النرسي - قلت: النرسي بفتح النون وسكون الراء المهملة - وعبد الله ~~بن عامر بن زرارة، وعبد الله بن مطيع، وعبد ms0486 الأعلى بن حماد النرسي، وعبيد ~~الله بن معاذ العنبري، وأبو كامل الفضيل بن الحسين الجحدري، ومحمد بن قدامة ~~الجوهري. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة خمسة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عبد الواحد # بن يحيى على مصر وهي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. فيها حاصر بغا تفليس ~~وبها إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية، فخرج إسحاق للمحاربة فأسر ثم ضربت ~~عنقه، وأحرقت تفليس وأحترق فيها خلق، وفتحت عدة حصون بنواحي تفليس. وفيها ~~قصدت الروم لعنهم الله ثغر دمياط في ثلاثمائة مركب، فكبسوا البلد وسبوا ~~ستمائة امرأة ونهبوا وأحرقوا وبدعوا، ثم خرجوا مسرعين في البحر. وفيها توفي ~~بشر بن الوليد بن خالد، الإمام أبو بكر الكندي الحنفي؛ كان من العلماء ~~الأعلام وشيخا من مشايخ الإسلام؛ كان عالما دينا صالحا عفيفا مهابا، وكان ~~يحيى بن أكثم شكاه إلى الخليفة المأمون؛ فاستقدمه المأمون وقال له: لم لا ~~تنفذ أحكام يحيى؛ فقال: سألت عنه أهل بلده فلم يحمدوا سيرته؛ فصاح المأمون: ~~اخرج اخرج؛ فقال يحيى بن أكثم: قد سمعت كلامه يا أمير المؤمنين فاعزله؛ ~~فقال: لا والله لم يراعني فيك مع علمه بمنزلتك عندي، كيف أعزله!. وفيها ~~توفي صفوان بن صالح بن صفوان الثقفي الدمشقي مؤذن جامع دمشق، كان إماما ~~محدثا سمع من سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل وغيره. ~~وفيها توفي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، أبو المطرف الأموي الدمشقي ~~الأصل المغربي أمير الأندلس؛ ولد بطليطلة في سنة سبع وسبعين ومائة وأقام ~~على إمرة الأندلس إثنتين وأربعين سنة، ومات في صفر، وملك الأندلس من بعده ~~ابنه. وقد تقدم الكلام على سلفه وكيفية خروجه من دمشق إلى المغرب في أوائل ~~الدولة العباسية. وفيها توفي محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن العسقلاني ~~الحافظ مولى بني هاشم؛ كان فاضلا زاهدا محدثا، أسند عن الفضيل بن عياض ~~وغيره، ومات بعسقلان، وكان من الأئمة الحفاظ الرحالين. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه ms0487 السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن محمد المروزي مردويه، ~~وإبراهيم بن أيوب الحوراني الزاهد، وإبراهيم بن هشام الغساني، وإسحاق بن ~~إبراهيم بن زبريق - بكسر الزاي وسكون الموحدة - ، وإسحاق بن راهويه، وبشر ~~بن الحكم العبدي، وبشر بن الوليد الكندي، وزهير بن عباد الرواسي، وحكيم بن ~~سيف الرقي، وطالوت بن عباد، وعبد الرحمن بن الحكم بن هشام صاحب الأندلس ~~الأموي، وعبد الملك بن حبيب فقيه الأندلس، وعمرو بن زرارة، ومحمد بن بكار ~~بن الريان، ومحمد بن الحسين البرجلاني، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومحمد بن ~~المتوكل اللؤلؤي المقرىء، ومحمد بن أبي السري العسقلاني، ويحيى بن سليمان ~~نزيل مصر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وسبعة أصابع. ~~مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة أصابع. ### | AUT ولاية عنبسة بن إسحاق # على مصر هو عنبسة بن إسحاق بن شمر بن عيسى بن عنبسة الأمير أبو حاتم، ~~وقيل: أبو جابر، وهو من أهل هراة؛ ولي إمرة مصر بعد عزل عبد الواحد بن يحيى ~~عنها، ولاه المنتصر محمد بن الخليفة المتوكل على الله جعفر، في صفر سنة ~~ثمان وثلاثين ومائتين على الصلاة؛ فأرسل عنبسة خليفته على صلاة مصر، فقدم ~~مصر في مستهل شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، فخلفه المذكور على صلاة ~~مصر حتى قدمها في يوم السبت لخمس خلون من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ~~متوليا على الصلاة وشريكا لأحمد بن خالد الصريفيني صاحب خراج مصر. وسكن ~~عنبسة العسكر على عادة الأمراء، وجعل على شرطته أبا أحمد محمد بن عبد الله ~~القمي. وكان عنبسة خارجيا يتظاهر بذلك؛ فقال فيه يحيى بن الفضل من أبيات: ~~الخفيف خارجيا يدين بالسيف فينا ... ويرى قتلنا جميعا صوابا PageV01P0246 # ولما ولي عنبسة مصر أمر العمال برد المظالم، وخفص الحقوق، وأنصف الناس ~~غاية الإنصاف، وأظهر من الرفق والعدل بالرعية والإحسان إليهم ما لم يسمع ~~بمثله في زمانه؛ وكان يتوجه ماشيا إلى المسجد الجامع من مسكنه بالعسكر بدار ~~الإمارة. وكان ينادي في شهر رمضان: السحور، لأنه كان يرمى بمذهب الخوارج، ms0488 ~~كما تقدم ذكره. وفي أول ولايته نزل الروم على دمياط في يوم عرفة وملكوها ~~وأخذوا ما فيها وقتلوا منها جمعا كبيرا من المسلمين، وسبوا النساء ~~والأطفال؛ فلما بلغه ذلك ركب من وقته بجيوش مصر ونفر إليهم يوم النحر سنة ~~ثمان وثلاثين ومائتين - وقد تقدم ذلك - فلم يدرك الروم، فأصلح شأن دمياط ثم ~~عاد إلى مصر. وكان سبب غفلة عنبسة عن دمياط أنه قدم عليه عيد الأضحى وأراد ~~طهور ولديه يوم العيد حتى يجمع بين العيد والفرح، واحتفل لذلك احتفالا ~~كبيرا، حتى بلغ به الأمر أن أرسل إلى ثغري دمياط وتنيس فأحضر سائر من كان ~~بهما من الجند والخرجية والزراقين وغيرهما، وكذلك من كان بثغر الإسكندرية ~~من المذكورين، فرحلوا إليه بأجمعهم؛ واتفق مع هذا أنه لما كان صبح يوم عرفة ~~هجم على دمياط ثلاثمائة سفينة مشحونة بمقاتلة الروم، فوجدوا البلد خاليا من ~~الرجال والمقاتلة ولم يمنعهم عنها مانع، فهجموا على البلد وأكثروا من القتل ~~والسبي والنهب. وكان عنبسة غضب على مقدم من أهل دمياط يقال له أبو جعفر بن ~~الأكشف، فقيده وحبسه في بعض الأبرجة؛ فمضى إليه بعض أعوانه وكسروا قيده ~~أخرجوه، واجتمع إليه جماعه من أهل البلد، فحارب بهم الروم حتى هزمهم ~~وأخرجهم من دمياط، ونزحوا عن دمياط مهزومين ومضوا إلى أشموم تنيس فلم ~~يقدروا عليها فعادوا إلى بلادهم. ودام بعد ذلك عنبسة على مصر إلى أن ورد ~~عليه كتاب المنتصر أن ينفرد بالخراج والصلاة معا، وصرف شريكه على الخراج ~~أحمد بن خالد؛ فدام على ذلك مدة، ثم صرف عن الخراج في أول جمادى الآخرة من ~~سنة إحدى وأربعين ومائتين بعد أن عاد من سفرة الصعيد الآتي ذكرها في آخر ~~ترجمته، وانفرد بالصلاة. ثم ورد عليه كتاب الخليفة المتوكل بالدعاء بمصر ~~للفتح بن خاقان، أعني أن الفتح ولي إمرة مصر مكان المنتصر بن المتوكل، وصار ~~أمر مصر إليه يولي بها من شاء، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين ~~وأربعين ومائتين، فدعي له بها على العادة بعد الخليفة. PageV01P0247 # وفي ms0489 أيام عنبسة المذكور كان خروج أهل الصعيد الأعلى من معاملة الديار ~~المصرية على الطاعة، وامتنعوا من إعطاء ما كان مقررا عليهم، وهو في كل سنة ~~خمسمائة نفر من العبيد والجواري مع غير ذلك من البخت البجاوية وزرافتين ~~وفيلين وأشياء أخر. فلما كانت سنة أربعين ومائتين تجاهروا بالعصيان وقطعوا ~~ما كانوا يحملونه، وتعرضوا لمن كان يعمل في معادن الزمرد من العمال والفعلة ~~والحفارين فاجتاحوا الجميع؛ وبلغ بهم الأمر حتى آتصلت غاراتهم بأعالي ~~الصعيد فآنتهبوا بعض القرى المتطرفة مثل إسنا وأتفو وظواهرهما؛ فأجفل أهل ~~الصعيد عن أوطانهم؛ وكتب عامل الخراج إلى عنبسة يعلمه بما فعلته البجاة، ~~فلم يمكن عنبسة كتم هذا الخبر عن الخليفة المتوكل على الله جعفر، فكتب إليه ~~بجميع ما فعلته البجاة؛ فلما وقف على ذلك أنكر على ولاة الناحية تفريطهم؛ ~~ثم شاور المتوكل في أمرهم أرباب الخبرة بمسالك تلك البلاد؛ فعرفوه أن ~~المذكورين أهل بادية وأصحاب إبل وماشية؛ وأن الوصول إلى بلادهم صعب لأنها ~~بعيدة عن العمران، وبينها وين البلاد الإسلامية براري موحشة ومفاوز معطشة ~~وجبال مستوعرة، وأن التكلف إلى قطع تلك المسافة وهي أقل ما تكون مسيرة ~~شهرين من ديار مصر، ويريد المتوجه أن يستعد بجميع ما يحتاج إليه من المياه ~~والأزواد والعلوفات، ومتى ما أعوزه شيء من ذلك هلك جميع من معه من الجند ~~وأخذهم البجاة قبضا باليد. ثم إن هؤلاء الطائفة متى طرقهم طارق من جهة ~~البلاد الإسلامية طلبوا النجمة ممن يجاورهم من طريق النوبة، وكذلك النوبة ~~طلبوا النجدة من ملوك الحبوش، وهي ممالك متصلة بشاطىء نهر النيل حتى تنتهي ~~بمن قصده السير إلى بلاد الزنج، ومنها إلى جبل القمر الذي ينبع منه النيل، ~~وهي آخر العمران من كرة الأرض. وقد ذكر القاضي شهاب الدين بن فضل الله ~~العمري في كتابه " مسالك الأبصار في ممالك الأمصار " : أن سكان هذه البلاد ~~المذكورة لا فرق بينهم وبين الحيوانات الوحشية لكونهم حفاة عراة ليس على ~~أحدهم من الكسوة ما يستره، وجميع ما يتقوتون به من الفواكه التي تنبت عندهم ms0490 ~~في تلك الجبال، ومن الأسماك التي تكون عندهم في العمران التي تجري على وجه ~~الأرض من زيادة النيل، ولا يعترف أحد منهم بزوجة ولا بولد ولا بأخ وأخت؛ بل ~~هم على صفة البهائم ينزو بعضهم على بعض. فلما وقف المتوكل على ما ذكره ~~أرباب الخبرة بأحوال تلك البلاد، فترت عزيمته عما كان قد عزم عليه من تجهيز ~~العساكر. وبلغ ذلك محمد بن عبد الله القمي وكان من القواد الذين يتولون ~~خفارة الحاج في أكثر السنين، فحضر محمد المذكور إلى الفتح بن خاقان وزير ~~المتوكل وذكر له أنه متى رسم المتوكل إلى عمال مصر بتجهيزه عبر إلى بلاد ~~البجاة، وتعدى منها إلى أرض النوبة ودوخ سائر تلك الممالك. فلما عرض الفتح ~~حديثه على المتوكل أمر بتجهيزه وسائر ما يحتاج إليه، وكتب إلى عنبسة بن ~~إسحاق هذا، وهو يومئذ عامل مصر، أن يمده بالخيل والرجال والجمال وما يحتاج ~~إليه من الأسلحة والأموال، وأن يوليه الصعيد الأعلى يتصرف فيه كيف شاء. ~~وسار محمد حتى وصل إلى مصر، فعندما وصلها قام له عنبسة بسائر ما اقترحه ~~عليه، ونزل له عن عدة ولايات من أعمال الصعيد، مثل فقط والقصير وإسنا ~~وأرمنت وأسوان؛ وأخذ محمد بن عبد الله القمي المذكور في التجهيز، فلما فرغ ~~من استخدام الرجال وبذل الأموال، حمل ما قدر عليه من الأزواد والأثقال، بعد ~~أن جهز من ساحل السويس سبع مراكب موقرة بجميع ما تحتاج عساكره إليه: من ~~دقيق وتمر وزيت وقمح وشعير وغير ذلك. وعينت لهم الأدلاء مكانا من ساحل ~~البحر نحو عيذاب، يكون اجتماعهم فيه بعد مدة معلومة. ثم رحل محمد من مدينة ~~قوص مقتحما تلك البراري الموحشة، وقد تكامل معه من العسكر سبعة آلاف مقاتل ~~غير الأتباع، وسار حتى تعدى حفائر الزمرد، وأوغل في بلاد القوم حتى قارب ~~مدينة دنقلة، وشاع خبر قدومه إلى أقصى بلاد السودان، فنهض ملكهم - وكان ~~يقال له علي بابا - إلى محاربة العسكر الواصل مع محمد المذكور، ومعه من تلك ~~الطوائف المقدم ذكرها أمم لا تحصى، ms0491 غير أنهم عراة بغير ثياب، وأكثر سلاحهم ~~الحراب والمزاريق، ومراكبهم البخت النوبية الصهب، وهي على غاية من الزعارة ~~والنفار؛ فعندما قاربوا العساكر الإسلامية وشاهدوا ما هم عليه من التجمل ~~والخيول والعدد وآلات الحرب فلم يقدروا على PageV01P0248 # محاربتهم، عزموا على مطاولتهم حتى تفنى أزوادهم وتضعف خيولهم ويتمكنوا ~~منهم كيفما أرادوا؛ فلم يزالوا يراوغونهم مراوغة الثعالب، وصاروا كلما دنا ~~منهم محمد ليواقعهم يرحلون من بين يديه من مكان إلى مكان، حتى طال بهم ~~المطال وفنيت الأزواد، فلم يشعروا إلا وتلك المراكب قد وصلت إلى الساحل، ~~فقويت بها قلوب العساكر الإسلامية، فعند ذلك تيقنت السودان أن المدد لا ~~ينقطع عنهم من جهة الساحل، فصمموا على محاربتهم ودنوا إليهم في أمم لا ~~تحصى. فلما نظر محمد إلى السودان التي أقبلت عليه انتزع جميع ما كان في ~~رقاب جمال عساكره من الأجراس، فعلقها في أعناق خيوله، وأمر أصحابه بتحريك ~~الطبول وبنفير الأبواق ساعة الحملة؛ وتم واقفا بعساكره وقد رتبها ميامن ~~ومياسر بحيث لم يتقدم منهم عنان عن عنان؛ وزحفت السودان عليه وهو بموقفه لا ~~يتحرك حتى قاربوه، وكادت تصل مزاريقهم إلى صدر خيوله؛ فعند ذلك أمر أصحابه ~~بالتكبير، ثم حمل بعساكره على السودان حملة رجل واحد وحركت نقاراته وخفقت ~~طبوله، وعلا حس تلك الأجراس، حتى خيل للسودان أن السماء قد انطبقت على ~~الأرض فرجعت جمال السودان عند ذلك جافلة على أعقابها، وقد تساقط عن ظهورها ~~أكثر ركابها؛ واقتحم عساكر الإسلام السودان فقتلوا من ظفروا به منهم، حتى ~~كفت أيديهم وامتلأت تلك الشعاب والبراري بالقتلى، حتى حال بينهم الليل. ~~وفات المسلمين علي بابا أعني ملكهم، لأنه كان مع جماعة من أهل بيته وخواصه ~~قد نجوا على ظهور الخيل. فلما انفصلت الواقعة وتحققت السودان أنهم لا مقام ~~لهم بهذه البلاد حتى يأخذوا لأنفسهم الأمان؛ فأرسل علي بابا ملك السودان ~~إلى محمد بن عبد الله القمي يسأله الأمان ليرجع إلى ما كان عليه من الطاعة ~~ويتحرك له حمل ما تأخر عليه من المال المقرر له لمدة أربع سنين، ms0492 فبذل له ~~محمد الأمان؛ وأقبل عليه علي بابا حتى وطىء بساطه، فخلع عليه محمد خلعة من ~~ملابسه وعلى ولده وعلى جماعة من أكابر أصحابه. ثم شرط عليه محمد أن يتوجه ~~معه إلى بين يدي الخليفة المتوكل على الله ليطأ بساطه؛ فامتثل علي بابا ~~ذلك، وولى ولده مكانه إلى أن يحضر من عند الخليفة؛ وكان اسم ولده المذكور ~~ليعس بابا. ثم عاد محمد بن عبد الله القمي بعسكره وصحبته علي بابا حتى وصل ~~إلى مصر فأكرمه عنبسة المذكور، وكان خرج إلى لقائه بأقصى بلاد الصعيدة ~~وقيل: بل كان مسافرا معه وهو بعيد. فأقام محمد بن عبد الله مدة يسيرة ثم ~~خرج بعلي بابا إلى العراق وأحضره بين يدي الخليفة المتوكل على الله؛ فأمره ~~الحاجب بتقبيل الأرض فامتنع؛ فعزم المتوكل أن يأمر بقتله وخاطبه على لسان ~~الترجمان: إنه بلغني أن معك صنما معمولا من حجر أسود تسجد له في كل يوم ~~مرتين، فكيف تتأبى عن تقبيل الأرض بين يدي وبعض غلماني قد قدر عليك وعفا ~~عنك فلما سمع علي بابا كلامه قبل الأرض ثلاث مرات؛ فعفا عنه المتوكل وأفاض ~~عليه الخلع وأعاده إلى بلاده كل ذلك في أيام ولاية عنبسة على مصر.حاربتهم، ~~عزموا على مطاولتهم حتى تفنى أزوادهم وتضعف خيولهم ويتمكنوا منهم كيفما ~~أرادوا؛ فلم يزالوا يراوغونهم مراوغة الثعالب، وصاروا كلما دنا منهم محمد ~~ليواقعهم يرحلون من بين يديه من مكان إلى مكان، حتى طال بهم المطال وفنيت ~~الأزواد، فلم يشعروا إلا وتلك المراكب قد وصلت إلى الساحل، فقويت بها قلوب ~~العساكر الإسلامية، فعند ذلك تيقنت السودان أن المدد لا ينقطع عنهم من جهة ~~الساحل، فصمموا على محاربتهم ودنوا إليهم في أمم لا تحصى. فلما نظر محمد ~~إلى السودان التي أقبلت عليه انتزع جميع ما كان في رقاب جمال عساكره من ~~الأجراس، فعلقها في أعناق خيوله، وأمر أصحابه بتحريك الطبول وبنفير الأبواق ~~ساعة الحملة؛ وتم واقفا بعساكره وقد رتبها ميامن ومياسر بحيث لم يتقدم منهم ~~عنان عن عنان؛ وزحفت السودان عليه وهو ms0493 بموقفه لا يتحرك حتى قاربوه، وكادت ~~تصل مزاريقهم إلى صدر خيوله؛ فعند ذلك أمر أصحابه بالتكبير، ثم حمل بعساكره ~~على السودان حملة رجل واحد وحركت نقاراته وخفقت طبوله، وعلا حس تلك ~~الأجراس، حتى خيل للسودان أن السماء قد انطبقت على الأرض فرجعت جمال ~~السودان عند ذلك جافلة على أعقابها، وقد تساقط عن ظهورها أكثر ركابها؛ ~~واقتحم عساكر الإسلام السودان فقتلوا من ظفروا به منهم، حتى كفت أيديهم ~~وامتلأت تلك الشعاب والبراري بالقتلى، حتى حال بينهم الليل. وفات المسلمين ~~علي بابا أعني ملكهم، لأنه كان مع جماعة من أهل بيته وخواصه قد نجوا على ~~ظهور الخيل. فلما انفصلت الواقعة وتحققت السودان أنهم لا مقام لهم بهذه ~~البلاد حتى يأخذوا لأنفسهم الأمان؛ فأرسل علي بابا ملك السودان إلى محمد بن ~~عبد الله القمي يسأله الأمان ليرجع إلى ما كان عليه من الطاعة ويتحرك له ~~حمل ما تأخر عليه من المال المقرر له لمدة أربع سنين، فبذل له محمد الأمان؛ ~~وأقبل عليه علي بابا حتى وطىء بساطه، فخلع عليه محمد خلعة من ملابسه وعلى ~~ولده وعلى جماعة من أكابر أصحابه. ثم شرط عليه محمد أن يتوجه معه إلى بين ~~يدي الخليفة المتوكل على الله ليطأ بساطه؛ فامتثل علي بابا ذلك، وولى ولده ~~مكانه إلى أن يحضر من عند الخليفة؛ وكان اسم ولده المذكور ليعس بابا. ثم ~~عاد محمد بن عبد الله القمي بعسكره وصحبته علي بابا حتى وصل إلى مصر فأكرمه ~~عنبسة المذكور، وكان خرج إلى لقائه بأقصى بلاد الصعيدة وقيل: بل كان مسافرا ~~معه وهو بعيد. فأقام محمد بن عبد الله مدة يسيرة ثم خرج بعلي بابا إلى ~~العراق وأحضره بين يدي الخليفة المتوكل على الله؛ فأمره الحاجب بتقبيل ~~الأرض فامتنع؛ فعزم المتوكل أن يأمر بقتله وخاطبه على لسان الترجمان: إنه ~~بلغني أن معك صنما معمولا من حجر أسود تسجد له في كل يوم مرتين، فكيف تتأبى ~~عن تقبيل الأرض بين يدي وبعض غلماني قد قدر عليك وعفا عنك فلما سمع علي ms0494 ~~بابا كلامه قبل الأرض ثلاث مرات؛ فعفا عنه المتوكل وأفاض عليه الخلع وأعاده ~~إلى بلاده كل ذلك في أيام ولاية عنبسة على مصر. PageV01P0249 # وابتنى عنبسة في أيام ولايته أيضا المصلى المجاورة لمصلى خولان وكانت من ~~أحسن المباني. ثم صرف عنبسة بيزيد بن عبد الله بن دينار في أول شهر رجب سنة ~~اثنتين وأربعين ومائتين. فكانت ولاية عنبسة المذكور على مصر أربع سنين ~~وأربعة أشهر. قلت : وعنبسة هذا هو آخر من ولي مصر من العرب وآخر أمير صفى ~~في المسجد الجامع، وخرج من مصر في شهر رمضان وتوجه إلى العراق سنة أربع ~~وأربعين ومائتين ### || AUT السنة الأولى من ولاية عنبسة # بن إسحاق على مصر وهي سنة تسع وثلاثين ومائتين. فيها نفى المتوكل علي بن ~~الجهم إلى خراسان. وفيها غزا الأمير علي بن يحيى الأرمني بلاد الروم - أعني ~~الذي عزل عن نيابة مصر قبل تاريخه، وقد تقدم ذلك كله في ترجمته - فأوغل علي ~~بن يحيى المذكور في بلاد الروم حتى شارف القسطنطينية، فأحرق ألف قرية وقتل ~~عشرة آلاف حاج وسبى عشرين ألفا وعاد سالما غانما. وفيها عزل المتوكل يحيى ~~بن أكثم عن القضاء وأخذ منه مائة ألف دينار، وأخذ له من البصرة أربعة آلاف ~~جريب. وفيها في جمادى الأولى زلزلت الدنيا في الليل واصطكت الجبال ووقع من ~~الجبل المشرف على طبرية قطعة طولها ثمانون ذراعا وعرضها خمسون ذراعا فمات ~~تحتها خلق كثير. وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد بن داود العباسي، وهو ~~يوم ذاك أمير مكة. وفيها توفي محمد بن أحمد بن أبي عواد القاضي أبو الوليد ~~الإيادي؛ ولاه المتوكل القضاء والمظالم بعدما أصاب أباه أحمد بن أبي عواد ~~الفالج، ثم عزل بعد مدة عن المظالم ثم عن القضاء، كل ذلك في حياة أبيه في ~~حال مرضه بالفالج. وأبوه هو الذي كان يقول بخلق القرآن وحمل الخلفاء على ~~امتحان العلماء. وكان محمد هذا بخيلا مسيكا مع شهرة أبيه بالكرم. وكانت ~~وفاته في حياة والده، وعظم مصابه على أبيه مع ما هو ms0495 فيه من شدة مرضه ~~بالفالج حتى إنه كان كالحجر الملقى. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي إبراهيم بن يوسف البلخي الفقيه، وداود بن رشيد، وصفوان بن ~~صالح الدمشقي المؤذن، والصلت بن مسعود الجحدري، وعثمان بن أبي شيبة، ومحمد ~~بن مهران الجمال الرازي، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن يحيى بن أبي ~~سمينة، ومحمود بن غيلان، ووهب بن بقية. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عنبسة # بن إسحاق على مصر وهي سنة أربعين ومائتين. فيها سمع أهل خلاط صيحة عظيمة ~~من جو السماء، فمات خلق كثير. وفيها وقع برد بالعراق كبيض الدجاج قتل بعض ~~المواشي. ويقال: إنه خسف فيها ببلاد المغرب ثلاث عشرة قرية ولم ينج من ~~أهلها إلا نيف وأربعون رجلا، فأتوا القيروان فمنعهم أهل القيروان من الدخول ~~إليها، وقالوا: أنتم مسخوط عليكم ؛ فبنوا لهم خارجها وسكنوا وحدهم. وفيها ~~حج بالناس محمد بن عبد الله بن داود العباسي. وفيها وثب أهل حمص على عاملهم ~~أبي المغيث الرافقي متولي البلد، فأخرجوه منها وقتلوا جماعة من أصحابه ؛ ~~فسار إليهم الأمير محمد بن عبدويه الأنباري، ففتك بهم وفعل بهم الأعاجيب. ~~وفيها توفي إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، الحافظ أبو ثور الكلبي؛ كان أحد ~~من جمع بين الفقه والحديث، وسمع سفيان بن عيينة وطبقته، وروى عنه مسلم بن ~~الحجاج صاحب الصحيح وغيره، واتفقوا على صدقه وثقته. PageV01P0250 # وفيها توفي أحمد بن أبي داود بن جرير القاضي، أبو عبد الله الإيادي ~~البصري ثم البغدادي، واسم أبيه الفرح؛ ولي القضاء للمعتصم والواثق؛ وكان ~~مصرحا بمذهب الجهمية، داعية إلى القول بخلق القرآن ؛ وكان موصوفا بالجود ~~والسخاء والعلم وحسن الخلق وغزارة الأدب. قال الصولي: كان يقال: أكرم من ~~كان في دولة بني العباس البرامكة ثم ابن أبي عواد؛ لولا ما وضع به نفسه من ~~المحنة، ولولاها لاجتمعت الألسن عليه؛ ومولده سنة ستين ومائة بالبصرة. وقال ~~أبو ms0496 العيناء: كان أحمد بن أبي عواد شاعرا مجيدا فصيحا بليغا، ما رأيت رئيسا ~~أفصح منه. قال ابن دريد: أخبرنا الحسن بن الخضر قال: كان ابن أبي داود ~~مؤالفا لأهل الأدب من أي بلد كانوا، وكان قد ضم إليه جماعة يمونهم، فلما ~~مات أجتمع ببابه جماعة منهم، وقالوا: يدفن من كان ساقة الكرم وتاريخ الأدب ~~ولا يتكلم فيه؟! إن هذا لوهن وتقصير. فلما طلع سريره قام ثلاثة منهم، فقال ~~أحدهم: اليوم مات نظام الفهم واللسن ... ومات من كان يستعدي على الزمن ~~وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت ... شمس المكارم في غيم من الكفن وقال الثاني: ~~ترك المنابر والسرير تواضعا ... وله منابر لو يشا وسرير ولغيره يجبى الخراج ~~وإنما ... تجبى إليه محامد وأجور وقال الثالث: وليس نسيم المسك ريح حنوطه ~~... ولكنه ذاك الثناء المخفف وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب ~~قوم تقصف وكانت وفاته لسبع بقين من المحرم. وكانت وفاة ابنه محمد بن أحمد ~~بن أبي عواد في السنة الخالية. وقد تقدم ابن أبي عواد هذا في عدة أماكن من ~~هذا الكتاب فيمن تكلم بخلق القرآن. وفيها توفي قتيبة بن سعيد بن جميل بن ~~طريف، أبو رجاء الثقفي، من أهل بغلان، وهي قرية من قرى بلخ. ومولده في سنة ~~خمسين ومائة. وكان إماما عالما فاضلا محدثا رحل إلى الأمصار، وأكثر من ~~السماع، وحدث عن مالك بن أنس وغيره، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل وغير ~~واحد. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن ~~خضرويه البلخي الزاهد، وأحمد بن أبي عواد القاضي، وأبو ثور الفقيه إبراهيم ~~بن خالد، وإسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني، وجعفر بن حميد الكوفي، ~~والحسن بن عيسى بن ماسرجس، وخليفة العصفري، وسويد بن سعيد الحدثاني، وسويد ~~بن نصر المروزي، وعبد السلام بن سعيد سحنون الفقيه، وعبد الواحد بن غياث، ~~وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن خالد بن عبد الله الطحان، ومحمد بن الصباح ~~الجرجراني، ومحمد بن أبي غياث الأعين، والليث بن المقرىء صاحب الكسائي. ms0497 أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة عشر إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا ونصف ذراع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عنبسة بن إسحاق على مصر # وهي سنة إحدى وأربعين ومائتين. فيها في جمادى الآخرة ماجت النجوم في ~~السماء وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل، وكان أمرا مزعجا لم يسمع ~~بمثله. وفيها ولى الخليفة المتوكل على الله جعفر أبا حسان الزيادي قضاء ~~الشرقية في المحرم، وشهد عنده الشهود على عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم أنه ~~شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة؛ فكتب المتوكل إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ~~ببغداد أن يضرب عيسى بالسياط حتى يموت ويرمى في دجلة، ففعل به ذلك. وفيها ~~فادى المتوكل الروم، فخلص من المسلمين سبعمائة وخمسة وثلاثين رجلا من أيدي ~~الروم ممن كان أسيرا عندهم. PageV01P0251 # وفيها توفي الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد ~~الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان، هكذا ~~نسبه ولده عبد الله، واعتمده جماعة من المؤرخين؛ وزاد غيرهم بعد شيبان ~~فقال: ابن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل؛ الإمام أحد ~~الأعلام وشيخ الإسلام أبو عبد الله الشيباني البغدادي صاحب المذهب؛ مولده ~~في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، روى عن جماعة كثيرة مثل هشيم ~~وسفيان بن عيينة ويحيى القطان والوليد بن مسلم وغندر وزياد البكائي ويحيى ~~بن أبي زائدة والقاضي أبي يوسف يعقوب ووكيع وابن نمير وعبد الرحمن بن مهدي ~~وعبد الرزاق والشافعي وخلق كثير؛ وممن روى عنه محمد بن إسماعيل البخاري ~~ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح وأبو داود وخلق كثير. وقال عبد الرزاق: ما ~~رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أصرع. وقال إبراهيم بن شماس: سمعت وكيعا ~~يقول: ما قدم الكوفة مثل ذاك الفتى يعني أحمد بن حنبل. وعن عبد الرحمن بن ~~مهدي قال: ما نظرت إلى أحمد بن حنبل ms0498 إلا تذكرت به سفيان الثوري. وقال ~~القواريري: قال لي يحيى القطان: ما قدم علي مثل أحمد بن حنبل ويحيى بن ~~معين. و روى ابن عساكر عن الشافعي: أنه لما قدم مصر سئل: من خلفت بالعراق؟ ~~فقال: ما خلفت به أعقل ولا أورع ولا أفقه ولا أزهد من أحمد بن حنبل. قلت: ~~وفضل الإمام أحمد أشهر من أن يذكر، ولو لم يكن من فضله ودينه إلا قيامه في ~~السنة وثباته في المحنة لكفاه ذلك شرفا؛ وقد ذكرنا من أحواله نبذة كبيرة في ~~هذا الكتاب في أيام المحنة وغيرها. وكانت وفاته في شهر ربيع الأول منها أي ~~من هذه السنة رحمه الله تعالى. وقد روينا مسنده عن المشايخ الثلاثة ~~المسندين المعمرين: زين الدين عبد الرحمن بن يوسف بن الطحان، وعلي بن ~~إسماعيل بن بردس وأحمد بن عبد الرحمن الذهبي، قالوا: أخبرنا أبو عبد الله ~~صلاح الدين محمد بن أبي عمر المقدسي، أخبرنا أبو النجيب علي بن أبي العباس ~~المنصوري، أخبرنا أبو علي حنبل بن علي الرصافي، أخبرنا أبو القاسم هبة الله ~~بن الحصين، أخبرنا أبو الحسين علي بن المذهب، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر ~~بن حمدان القطيعي، أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا ~~أبي. وفيها توفي الحسن بن حماد أبو علي الحضرمي، ويعرف بسجادة لملازمته ~~السجادة في الصلاة. كان إمام عالما زاهدا عابدا؛ سمع أبا معاوية الضرير ~~وغيره، وروى عنه ابن أبي الدنيا وطبقته؛ وهو أحد من امتحن بالقول بخلق ~~القرآن وثبت على السنة، وقد تقدم ذكره في أيام المحنة وشيء من أخباره ~~وأجوبته لإسحاق بن إبراهيم نائب الخليفة ببغداد في سنة ثمان عشرة ومائتين. ~~وفيها توفي محمد بن محمد بن إدريس، أبو عثمان العسقلاني الأصل المصري ابن ~~الإمام الشافعي رضي الله عنه. وكان للشافعي ولد آخر اسمه محمد توفي بمصر ~~صغيرا. وولي محمد هذا قضاء الجزيرة، وحمدت هناك سيرته، وسمع من أبيه وأحمد ~~بن حنبل وغيرهما. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ms0499 توفي ~~الإمام أحمد بن حنبل، والحسن بن حماد سجادة، وجبارة بن المغلس، وأبو توبة ~~الربيع بن نافع الحلبي، وعبد الله بن منير المروزي، وأبو قدامة عبيد الله ~~بن سعيد السرخسي، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، وأبو مروان محمد بن ~~عثمان العثماني، ومحمد بن عيسى التيمي الرازي المقرىء، وهدية بن عبد الوهاب ~~المروزي، ويعقوب بن حميد بن كاسب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من ولأية عنبسة # بن إسحاق على مصر وهي سنة اثنتين وأربعين ومائتين. فيها حشدت الروم ~~وخرجوا من ناحية سميساط إلى آمد والجزيرة، فقتلوا وسبوا نحو عشرة آلاف نفس ~~ثم رجعوا. وفيها حج بالناس أمير مكة الأمير عبد الصمد بن موسى بن محمد ~~الهاشمي. وحج من البصرة إبراهيم بن مظهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل وتعجب ~~الناس من ذلك. PageV01P0252 # وفيها كانت زلزلة بعدة بلاد في شعبان، هلك منها خلق تحت الردم، قيل: بلغت ~~عدتهم خمسة وأربعين ألفا، وكان معظم الزلزلة بالدامغان، حتى قيل إنه سقط ~~نصفها، وزلزلت الري وجرجان ونيسابور وطبرستان وأصبها، وتقطعت الجبال وتشققت ~~الأرض بمقدار ما يدخل الرجل في الشق، ورجمت قرية السويداء بناحية مضر ~~بالحجارة. وقع منها حجر على أعراب، فوزن حجر منها فكان عشرة أرطال لعله ~~بالشامي، وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين، ووقع بحلب ~~طائر أبيض دون الرخمة في شهر رمضان فصاح: يا معشر الناس، اتقوا الله اتقوا ~~الله اتقوا الله أربعين صوتا، ثم طار وجاء من الغد ففعل كذلك ؛ وكتب البريد ~~بذلك وشهد خمسمائة إنسان سمعوه. وفيها مات رجل ببعض كوز الأهواز في شوال، ~~فسقط طائر أبيض على جنازته، فصاح بالفارسية: إن الله قد غفر لهذا الميت ~~ولمن شهد جنازته. وفيها توفي عبد الله بن بشر بن أحمد بن ذكوان إمام جامع ~~دمشق. قال أبو زرعة: لم يكن بالشأم ومصر والعراق والحجاز أقرأ من ابن ~~ذكوان، وكان مولده سنة ثلاث وأربعين ms0500 ومائة، ومات يوم عاشوراء. وفيها توفي ~~محمد بن أسلم بن سالم أبو الحسن الطوسي؛ كان إماما زاهدا عابدا، تشبه ~~بالصحابة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو مصعب ~~الزهري، والحسن بن علي الحلواني، وابن ذكوان المقرىء، وزكريا بن يحيى كاتب ~~العمري، ومحمد بن أسلم الالوسي، ومحمد بن رمح التجيبي، ومحمد بن عبد الله ~~بن عمار، ويحيى بن أكثم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~وستة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### | AUT ولاية يزيد بن عبد الله # على مصر هو يزيد بن عبد الله بن دينار، الأمير أبو خالد؛ كان من ~~الموالي، ولي مصر بعد عزل عنبسة عنها، في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين ~~ومائتين؛ ولاه المنتصر على الصلاة. فلما ولي مصر أرسل أخاه العباس بن عبد ~~الله بن دينار أمامه إلى مصر خليفة له؛ ثم قدم يزيد هذا بعمه إلى مصر لعشر ~~بقين من شهر رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين المذكورة؛ وسكن العسكر، وأقام ~~الحرمة ومهد أمور الديار المصرية، وأخرج المؤنثين منها وضربهم وطاف بهم، ثم ~~منع النداء على الجنائز، وضرب جماعة بسبب ذلك؛ وفعل أشياء من هذه المقولة؛ ~~ودام على ذلك إلى المحرم سنة خمس وأربعين ومائتين. خرج من مصر. إلى دمياط ~~لما بلغه نزول الروم عليها فأقام بها مدة لم يلق حربا ورجع في شهر ربيع ~~الأول من السنة إلى مصر؛ وعند حضوره إلى مصر بلغه ثانيا نزول الروم إلى ~~دمياط، فخرج أيضا من مصر لوقته وتوجه إلى دمياط فلم يلقهم، فأقام بالثغر ~~مدة ثم عاد إلى مصر. ثم بدا له تعطيل الرهان الذي كان لسباق الخيل بمصر ~~وباع الخيل التي كانت تتخذ للسباق بمصر. ثم تتبع الروافض بمصر وأبادهم ~~وعاقبهم وامتحنهم وقمع أكابرهم، وحمل منهم جماعة إلى العراق على أقبح وجه؛ ~~ثم التفت إلى العلويين، فجرت عليهم منه شدائد من الضيق عليهم وأخرجهم من ~~مصر. وفي أيامه في سنة سبع وأربعين ومائتين بني مقياس النيل بالجزيرة ms0501 ~~المنعوتة بالروضة. ### || AUT ذكر أول من قاس النيل بمصر # أول من قاسه يوسف الصديق بن يعقوب نبي الله عليه السلام. وقيل: إن النيل ~~كان يقاس بأرض علوة إلى أن بني مقياس منف، وأن القبط كانت تقيس عليه إلى أن ~~بطل لما بنت دلوكة العجوز صاحبة مصر مقياسا بأنصنا، وكان صغير الفرع؛ ثم ~~بنت مقياسا آخر بإخميم. ودلوكة هذه هي التي بنت الحائط المحيط بمصر من ~~العريش إلى أسوان، وقد تقدم ذكرها في أول هذا الكتاب عند ذكر من ملك مصر من ~~الملوك قبل الإسلام. وقيل: إنهم كانوا يقيسون الماء قبل أن يوضع المقياس ~~بالرصاصة، وقيل غير ذلك. فلم يزل المقياس فيما مضى قبل الفتح بقيسارية ~~الاكسية بالفسطاط، إلى أن آبتنى المسلمون بين الحصن والبحر أبنيتهم الباقية ~~الآن. وكان للروم أيضا مقياس بالقصر خلف الباب يمنة من يدخل منه في داخل ~~الزقاق، أثره قائم إلى اليوم، وقد بني عليه وحوله. PageV01P0253 # ولما فتح عمرو برج العاص مصر بنى بها مقياسا بأسوان، فدام المقياس بها ~~مدة إلى أن بني في أيام معاوية بن أبي سفيان مقياس بأنصنا أيضا؛ فلم يزل ~~يقاس عليه إلى أن بنى عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان. وكان عبد العزيز ~~بن مروان أمير مصر إذ ذاك من قبل أخيه عبد الملك بن مروان، وقد تقدم ذكر ~~عبد العزيز في ولايته على مصر. وكان عبد العزيز يسكن بحلوان. وكان مقياس ~~عبد العزيز الذي ابتناه بحلوان صغير الفرع. ثم بنى أسامة بن زيد التنوخي في ~~أيام الوليد بن عبد الملك مقياسا وكسر فيه ألف قنطار. وأسامة هذا هو الذي ~~بنى بيت المال بمصر، وكان أسامة عامل خراج مصر. ثم كتب أسامة المذكور إلى ~~سليمان بن عبد الملك بن مروان لما ولي الخلافة ببطلان هذا المقياس المذكور، ~~وأن المصلحة بناء مقياس غير ذلك؛ فكتب إليه سليمان ببناء مقياس في الجزيرة ~~يعني الروضة فبناه أسامة في سنة سبع وتسعين - قال ابن بكير مؤرخ مصر: أدركت ~~المقياس بمنف ويدخل القياس بزيادته كل يوم إلى ms0502 الفسطاط يعني مصر - ثم بنى ~~المتوكل فيها مقياسا في سنة سبع وأربعين ومائتين في ولاية يزيد بن عبد الله ~~هذا، وهو المقياس الكبير المعروف بالجديد. وقدم من العراق محمد بن كثير ~~الفرغاني المهندس فتولى بناءه؛ وأمر المتوكل بأن يعزل النصارى عن قياسه؛ ~~فجعل يزيد بن عبد الله أمير مصر على القياس أبا الرداد الفقيه المعلم، ~~واسمه عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي الرداد المؤذن. وكان ~~القمي يقول: أصل أبي الرداد هذا من البصرة. وذكر الحافظ ابن يونس قال: قدم ~~مصر وحدث بها وجعل على قياس النيل، وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب خراج مصر ~~سبعة دنانير في كل شهر، فلم يزل القياس من ذلك الوقت في أيدي أبي الرداد ~~وأولاده إلى يومنا هذا. ومات أبو الرداد المذكور في سنة ست وستين ومائتين. ~~قلت: وهذا المقياس هو المعهود الآن، وبطل بعمارته كل مقياس كان بني قبله من ~~الوجه القبلي والبحري بأعمال الديار المصرية. واستمر على ذلك إلى أن ولي ~~الأمير أبو العباس أحمد بن طولون الديار المصرية، وركب من القطائع في بعض ~~الأحيان في سنة تسع وخمسين ومائتين ومعه أبو أيوب صاحب خراجه والقاضي بكار ~~بن قتيبة الحنفي إلى المقياس وأمر بإصلاحه وقدر له ألف دينار. قلت: وأما ~~مصروف عمارة هذا المقياس فشيء كثير، وبني بعد تعب زائد وكلفة كبيرة يطول ~~الشرح في ذكرها؛ وفي النظر إلى بنائه ما يغني عن ذكر مصروف عمارته. وبنى ~~أيضا الحارث مقياسا بالصناعة لا يلتفت إليه ولا يعتمد عليه ولا يعتد به، ~~وأثره باق إلى اليوم. وقال الحسن بن محمد بن عبد المنعم: لما فتحت العرب ~~مصر عرف عمرو بن العاص عمر بن الخطاب ما يلقى أهلها من الغلاء عند وقوف ~~النيل عن حد مقياس لهم فضلا عن تقاصره، وأن فرط الاستشعار يدعوهم إلى ~~الاحتكار، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير قحط. فكتب عمر بن الخطاب ~~إلى عمرو بن العاص يسأله عن شرح الحال؛ فأجابه عمرو: إني وجدت ما تروى به ms0503 ~~مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحد الذي تروى منه إلى سائرها ~~حتى يفضل منه عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا، ~~والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان، وهما الظمأ والاستبحار، اثنا ~~عشر ذراعا في النقصان وثمانية عشر ذراعا في الزيادة. وكان البلد في ذلك ~~الوقت محفور الأنهار معقود الجسور عندما تسلموه من القبط، وخميرة العمارة ~~فيه. قلت: وقد تقدم ذكر ما تحتاج مصر إليه من الرجال للحرث والزراعة وحفر ~~الجسور، وكمية خراج مصر يوم ذاك وبعده في أول هذا الكتاب عند ذكر النيل، ~~فلا حاجة لذكره هنا ثانيا إذ هو مستوعب هناك. ولم نذكر هنا هذه الأشياء إلا ~~استطرادا لعمارة هذا المقياس المعهود الآن في أيام صاحب هذه الترجمة ؛ فلزم ~~من ذلك التعريف بما كان بمصر من صفة كل مقياس ومحله وكيفيته، ليكون الناظر ~~في هذا الكتاب على بصيرة بما تقدم من أحوال مصر. ولما وقف عمر بن الخطاب ~~على كتاب عمرو بن العاص استشار عليا رضي الله عنهما في ذلك؛ ثم أمره أن ~~يكتب إليه ببناء مقياس، وأن ينقص ذراعين من اثني عشر ذراعا، وأن يقر ما ~~بعدهما على الأصل، وأن ينقص من كل ذراع بعد الستة عشر ذراعا إصبعين؛ ففعل ~~ذلك وبناه عمرو عني المقياس بحلوان ؛ فاجتمع له كل ما أراد. PageV01P0254 # وقال ابن عفير وغيره من القبط المتقدمين: إذا كان الماء في آثني عشر يوما ~~من مسرى آثني عشر ذراعا فهي سنة ماء، وإلا فالماء ناقص؛ وإذا تم ستة عشر ~~ذراعا قبل النوروز فالماء يتم فاعلم ذلك. قلت: وهذا بخلاف ما عليه الناس ~~الآن ؛ لأن الناس لا يقنعهم في هذا العصر إلا المناداة من أحد وعشرين ~~ذراعا، لعدم معرفتهم بقوانين مصر، ولأشياء أخر تتعلق بما لا ينبغي ذكره. ~~وقد خرجنا عن المقصود في ترجمة يزيد بن عبد الله هذا، غير أننا أتينا ~~بفضائل وغرائب. ودام يزيد بن عبد الله على إمرة مصر إلى أن مات الخليفة ~~المتوكل على الله جعفر، وتخلف بعده ابنه ms0504 المنتصر محمد. وقتل أيضا الفتح بن ~~خاقان مع المتوكل، وكان الفتح قد ولاه المتوكل أمر مصر وعزل عنه ابنه محمدا ~~المنتصر هذا. وكان قتل المتوكل في شوال من سنة سبع وأربعين ومائتين التي ~~بني فيها هذا المقياس. ولما بويع المنتصر بالخلافة أرسل إلى يزيد بن عبد ~~الله المذكور باستمراره على عمله بمصر. فدام يزيد بن عبد الله هذا على ذلك ~~إلى أن مات الخليفة المنتصر في شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائتين، ~~وبويع المستعين بالله بالخلافة. و أرسل المستعين إليه بالاستسقاء لقحط كان ~~بالعراق؛ فآستسقوا بمصر لسبع عشرة خلت من ذي القعدة، واستسقى جميع أهل ~~الآفاق في يوم واحد؛ فإن المستعين كان قد أمر سائر عماله بالاستسقاء في هذا ~~اليوم المذكور. ودام يزيد بن عبد الله على إمرة مصر حتى خلع المستعين من ~~الخلافة، بعد أمور وقعت له، في المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وبويع ~~المعتز بن المتوكل بالخلافة؛ فعند ذلك أخيفت السبل وتخلخل أمر الديار ~~المصرية لاضطراب أمر الخلافة. وخرج جابر بن الوليد المدلجي بالإسكندرية، ~~فتجهز يزيد بن عبد الله هذا لحربه، وجمع الجيوش وخرج من الديار المصرية ~~وآلتقاه؛ فوقع له معه حروب ووقائع كان ابتداؤها من شهر ربيع الأخر من سنة ~~اثنتين وخمسين ومائتين؛ وطال القتال بينهما وانكسر كل منهما غير مرة ~~وتراجع. فلما عجز يزيد بن عبد الله عن أخذ جابر بن الوليد المذكور، أرسل ~~إلى الخليفة فطلب منه نجمة لقتال جابر وغيره؛ فنحب الخليفة الأمير مزاحم بن ~~خاقان في عسكر هائل إلى التوجه إلى الديار المصرية، فخرج بمن معه من العراق ~~حتى قدم مصر معينا ليزيد بن عبد الله المذكور لثلاث عشرة بقيت من شهر رجب ~~من السنة المذكورة؛ وخرج يزيد بن عبد الله إلى ملاقاته وأجله وأكرمه، وخرج ~~الجميع وواقعوا جابر بن الوليد المذكور وقاتلوه حتى هزموه ثم ظفروا به ~~واستباحوا عسكره، وكتبوا إلى الخليفة بذلك؛ فورد عليهم الجواب بصرف يزيد بن ~~عبد الله هذا عن إمرة مصر وباستقرار مزاحم بن خاقان عليها عوضه، ms0505 وذلك في ~~شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين. فكانت مدة ولاية يزيد بن عبد الله ~~هذا على مصر عشر سنين وسبعة أشهر وعشرة أيام. ### || AUT السنة الأولى من ولاية يزيد # بن عبد الله التركي على مصر وهي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. فيها حج ~~بالناس عبد الصمد بن موسى، وسار بالحج من العراق جعفر بن دينار. وفيها في ~~آخر السنة قدم المتوكل إلى الشأم فأعجبته دمشق وأراد أن يسكنها وبني له ~~القصر بداريا حتى كلموه في الرجوع إلى العراق وحسنوا له ذلك؛ فرجع بعد أن ~~سمع بيتي يزيد بن محمد المهلبي وهما: " الوافر " أظن الشام تشمت بالعراق ~~... إذا عزم الإمام على انطلاق فإن يدع العراق وساكنيه ... فقد تبلى ~~المليحة بالطلاق وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ~~تكين، الكاتب المعروف بالصولي، الكاتب الشاعر المشهورة كان أحد الشعراء ~~المجيدين، وله ديوان شعر صغير الحجم ونثر بديع. وهو ابن أخت العباس بن ~~الأحنف الشاعر، ونسبته إلى جده صول تكين المذكور، وكان أحد ملوك خراسان، ~~وأسلم على يد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وقال الحافظ أبو القاسم حمزة بن ~~يوسف السهمي في تاريخ جرجان: الصولي جرجاني الأصل، وصول: من بعض ضياع ~~جرجان، وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولي ~~صاحب كتاب الوزراء وغيره من المصنفات، فإنهما مجتمعان في العباس المذكور. ~~ومن شعر الصولي هذا قوله: " الطويل " دنت بأناس عن تناء زيارة ... وشط ~~بليلى عن دنو مزارها PageV01P0255 # وإن مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها وفيها توفي ~~الحارث بن أسد الحافظ أبو عبد الله المحاسبي؛ أصله من البصرة وسكن بغداد، ~~وكان كبير الشأن في الزهد والعلم، وله التصانيف المفيدة. وفيها توفي الوليد ~~بن شجاع بن الوليد بن قيس، الشيخ الإمام أبو همام السكوني البغدادي؛ كان ~~صالحا عفيفا دينا عابدا وتوفي ببغداد. وفيها توفي هارون بن عبد الله بن ~~مروان، الحافظ أبو موسى البزاز. مات ببغداد في شوال، وأخرج عنه مسلم وغيره، ms0506 ~~وكان ثقة صدوقا. وفيها توفي هناد بن السري الدارمي الكوفي الزاهد الحافظ؛ ~~كان يقال له راهب الكوفة؛ سمع وكيعا وطبقته، وروى عنه أبو حاتم الرازي ~~وغيره. وفيها توفي القاضي يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن بن سمعان التميمي ~~الأسدي، أبو عبد الله، وقيل أبو زكريا، وقيل أبو محمد. ولي القضاء بالبصرة ~~وبغداد والكوفة وسامرا، وكان إماما عالما بارعا. قال أبو بكر الخطيب في ~~تاريخه: كان أحد أعلام الدنيا ممن آشتهر أمره وعرف خبره، ولم يستتر عن ~~الكبير والصغير من الناس فضله وعلمه ورياسته وسياسته؛ وكان أمر الخلفاء ~~والملوك لأمره، وكان واسع العلم والفقه والأدب. قال الكوكبي: أخبرنا أبو ~~علي محرز بن أحمد الكاتب، حدثني محمد بن مسلم البغدادي السعدي قال: دخلت ~~على يحيى بن أكثم فقال: افتح هذه القمطرة، ففتحتها، فإذا شيء قد خرج منها، ~~ورأسه رأس إنسان ومن سرته إلى أسفله خلقة زاغ، وفي ظهره سلعة وفي صدره ~~سلعة، فكبرت وهللت ويحيى يضحك، ثم قال بلسان فصيح: " الهزج " أنا الزاغ أبو ~~عجوه ... أنا ابن الليث واللبوه أحب الراح والريحا ... ن والنشوة والقهوه ~~فلا عربدتي تخشى ... ولا تحذر لي سطوه ثم قال لي: يا كهل، أنشدني شعرا ~~غزلا؛ فقال لي يحيى بن أكثم: قد أنشدك فأنشده؛ فأنشدته: " الطويل " أغرك أن ~~أذنبت ثم تتابعت ... ذنوب فلم أهجرك ثم أتوب وأكثرت حتى قلت ليس بصارمي ... ~~وقد يصرم الإنسان وهو حبيب فصاح: زاغ زاغ زاغ، وطار ثم سقط في القمطرة؛ ~~فقلت: أعز الله القاضي! وعاشق أيضا! فضحك؛ فقلت: ما هذا؛ فقال: هو ما ترى! ~~وجه به صاحب اليمن إلى أمير المؤمنين وما رآه بعد. وقال أبو خازم القاضي: ~~سمعت أبي يقول: ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة وله عشرون سنة فاستصغروه، ~~فقال أحدهم: كم سن القاضي. أفعلم أنه قد استصغر، فقال: أنا أكبر من عتاب ~~الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه و سلم على أهل مكة، وأكبر من معاذ ~~الذي وجهه رسول الله صلى الله عليه و سلم قاضيا على اليمن، ms0507 وأكبر من كعب بن ~~سور الذي وجهه عمر قاضيا على البصرة فجعل جوابه احتجاجا . وفيها توفي يعقوب ~~بن إسحاق السكيت، الإمام أبو يوسف اللغوي صاحب إصلاح المنطق ؛ كان علامة ~~الوجود؛ قتله المتوكل بسبب محبته لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال له ~~يوما: أينا أحب إليك أنا وولداي: المؤيد والمعتز، أم علي والحسن والحسين؛ ~~فقال: والله إن شعرة من قنبر خادم علي خير منك ومن ولديك؛ فأمر المتوكل ~~الأتراك فداسوا بطنه ؛ فحمل إلى بيته ومات. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمسة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا لإصبعان ### || AUT السنة الثانية من ولاية يزيد # بن عبد الله على مصر وهي سنة أربع وأربعين ومائتين. فيها سخط المتوكل ~~على حكيمه بختيشوع ونفاه إلى البحرين. وفيها افتتح بغا التركي حصنا كبيرا ~~من الروم يقال له صملة. وفيها اتفق عيد الأضحى وفطير اليهود وعيد الشعانين ~~للنصارى في يوم واحد. وفيها توفي الحسن بن رجاء أبو علي البلخي ؛ كان إماما ~~حافظا، سافر في طلب الحديث، وسمع الكثير، ولقي الشيوخ، وروى عنه غير واحد. ~~وفيها توفي علي بن حجر بن إياس بن مقاتل، الإمام أبو الحسن السعدي المروزي؛ ~~ولد سنة أربع وخمسين ومائة، وكان من علماء خراسان، كان حافظا متقنا شاعرا؛ ~~طاف البلاد وحدث، وانتشر حديثه بمرو. وفيها توفي محمد بن العلاء بن كريب ~~أبو كريب الهمذاني الكوفي الحافظ. كان من الأئمة الحفاظ. لم يكن بعد الإمام ~~أحمد أحفظ منه. PageV01P0256 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن منيع، ~~وإبراهيم بن عبد الله الهروي، وإسحاق بن موسى الخطمي، والحسن بن شجاع ~~البلخي الحافظ، وأبو عمار الحسين بن حريث، وحميد بن مسعدة، وعبد الحميد بن ~~بيان الواسطي، وعلي بن حجر بن إياس السعدي المروزي ، وعتبة بن عبد الله ~~المروزي، ومحمد بن أبان مستملي وكيع، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ~~ويعقوب بن السكيت. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وإصبع ~~واحد. مبلغ ms0508 الزيادة ستة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية يزيد # بن عبد الله على مصر وهي سنة خمس وأربعين ومائتين. فيها عمت الزلازل ~~الدنيا فأخربت القلاع والمدن والقناطر، وهلك خلق بالعراق والمغرب، وسقط من ~~أنطاكية ألف وخمسمائة دار و نيف وتسعون برجا أمن سورها، وتقطع جبلها الأقرع ~~وسقط في البحرة وسمع من السماء أصوات هائلة، وهلك أكثر أهل اللاذقية تحت ~~الردم، وهلك أهل جبلة، وهدمت بالس وغيرها، وامتدت إلى خراسان، ومات خلائق ~~منها. وأمر المتوكل بثلاثة آلاف ألف درهم للذين أصيبوا في منازلهم. وزلزلت ~~مصر، وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة، فمات خلق من أهل بلبيس وغارت ~~عيون مكة. وفيها أمر المتوكل ببناء مدينة الماحوزة، وسفاها الجعفرية، وأقطع ~~الأمراء أساسها؛ وبعد هذا أنفق عليها أكثر من ألفي ألف دينار، وبنى بها ~~قصرا. سماه اللؤلؤة لم ير مثله في علوه وارتفاعه؛ وحفر للماحوزة نهرا كان ~~يعمل فيه إثنا عشر ألف رجل، فقتل المتوكل وهم يعملون فيه، فبطل عمله، وخربت ~~الماحوزة ونقض القصر. وفيها أغارت الروم على مدينة سميساط، فقتلوا نحو ~~خمسمائة وسبوا؛ فغزاهم علي بن يحيى، فلم يظفر بهم. وفيها توفي ذو النون ~~المصري الزاهد العابد المشهور، وآسمه ثوبان بن إبراهيم، ويقال: الفيض بن ~~أحمد أبو الفيض، ويقال: الفياض الإخميمي، كان إماما زاهدا عابدا فاضلا؛ روى ~~عن الإمام مالك والليث بن سعد وابن لهيعة والفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ~~وغيرهم ؛ وروى عنه أحمد بن صبيح الفيومي وربيعة بن محمد الطائي والجنيد بن ~~محمد وغيرهم ؛ وكان أبوه نوبيا. وذو النون هو أول من تكلم ببلده في ترتيب ~~الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم، ووقع له ~~بسبب ذلك أمور يلزم من ذكرها الإطالة في ترجمته، وليس لذلك هنا محل. وقال ~~يوسف بن الحسين: سمعت ذا النون يقول: مهما تصور في فهمك فالله بخلاف ذلك. ~~وقال: سمعت ذا النون يقول: الاستغفار اسم جامع لمعان كثيرة ثم فسرها. ومات ~~ذو النون في ذي القعدة ms0509 بمصر، ودفن بالقرافة، وقبره معروف بها يقصد للزيارة. ~~وفيها توفي هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة الإمام حافظ دمشق وخطيبها ~~ومفتيها؛ ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة، وكنيته أبو الوليد السلمي. وفيها توفي ~~الحسين بن علي بن يزيد الإمام الحافظ أبو علي الكرابيسي ؛ كان يبيع ~~الكرابيس، وهي ثياب من الكرابيس؛ روى عن الشافعي وغيره وروى عنه غير واحد. ~~وفيها توفي سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله بن قدامة أبو عبد الله ~~التميمي، العنبري البصري؛ كان إماما عالما فقيها زاهدا أديبا حافظا صدوقا ~~ثقة؛ وفيه يقول بعض الشعراء: " البسيط " ما قال لا قط إلا في تشهده ... ~~لولا التشهد لم تسمع له لا وفيها توفي عسكر بن الحصين، أبو تراب النخشبي ~~الزاهد العارف، كان من كبار مشايخ خراسان المشهورين في العلم والورع ~~والزهد. وفيها توفي محمد بن حبيب مولى بني هاشم ؛ كان عالما بالأنساب وأيام ~~العرب، حافظا متقنا صدوقا ثقة، مات بمدينة سامرا في ذي الحجة. وفيها توفي ~~محمد بن رافع بن أبي رافع بن أبي زيد القشيري النيسابوري إمام عصره ~~بخراسان؛ كان ممن جمع بين العلم والعمل والزهد والورع، ورحل إلى البلاد ~~ورأى الشيوخ وسمع الكثير. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أحمد بن عبدة الضبي، وأبو الحسن أحمد بن محمد النبال القواس ~~مقرىء مكة، وأحمد بن نصر النيسابوري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإسماعيل بن ~~موسى السدي، وذو النون المصري، وسوار بن عبد الله العنبري، وعبد الله بن ~~عمران العابدي، ومحمد بن رافع، وهشام بن عفار. أمر النيل في هذه السنة: ~~PageV01P0257 # الماء القديم ستة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا ~~وثلاثة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية يزيد # بن عبد الله على مصر وهي سنة ست وأربعين ومائتين. فيها غزا المسلمون ~~الروم، فسبوا وقتلوا واستنقذوا خلائق من الأسر. وفيها في يوم عاشوراء تحول ~~الخليفة المتوكل إلى الماحوزة وهي مدينته التي أمر ببنائها. وفيها أمطرت ~~السماء بناحية بلخ مطرا يشبه دما عبيطا ms0510 أحمر. وفيها حج بالركب العراقي محمد ~~بن عبد الله بن طاهر، فولي أعمال الموسم وأخذ معه ثلاثمائة ألف دينار لأهل ~~مكة، ومائة ألف دينار لأهل المدينة، ومائة ألف لإجراء الماء من عرفات إلى ~~مكة. وفيها توفي دعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل الخزاعي ~~الشاعر المشهور. والدعبل هو البعير المسن العظيم الخلق ودعبل بكسر الدال ~~وسكون العين المهملتين وكسر الباء الموحدة وبعدها لام. وكان دعبل طوالا ~~ضخما؛ ومولده في سنة ثمان وأربعين ومائة، وبرع في علم الشعر والعربية، وهو ~~من الكوفة، وكان أكثر مقامه ببغداد، وسافر إلى البلاد، وصنف كتابا في طبقات ~~الشعراء، وكان هجاء خبيث اللسان، أطروشا في قفاه سلعة ؛ هجا الرشيد ~~والمأمون والمعتصم والواثق والأمير عبد الله بن طاهر وجماعة من الوزراء ~~والكتاب. ومن شعره: " الكامل " لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب ~~برأسه فبكى يا ليت شعري كيف نومكما ... يا صاحبي إذا دمي سفكا لا تأخذا ~~بظلامتي أحدا ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا ورثاه البحتري، وكان دعبل مات ~~بعد أبي تمام بمدة، فقال من قصيدة أولها: " الكامل " قد زاد في كلفي وأوقد ~~لوعتي ... مثوى حبيب يوم مات ودعبل وفيها توفيت شجاع أم المتوكل على الله ~~جعفر في حياة ولدها المتوكل؛ وكانت تدعى السيدة وكانت أم ولد، وكانت صالحة ~~كثيرة الصدقات والمعروف؛ كانت تخرج في السر على يد كاتبها أحمد بن الخصيب. ~~ولما ماتت قال ابنها المتوكل في موتها: " الطويل " تذكرت لما فرق الدهر ~~بيننا ... فعزيت نفسي بالنبي محمد فأجازه بعض من حضر فقال: " الطويل " فقلت ~~لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن ~~أبي الحواري، وأبو عمر الدوري المقرىء واسمه حفص، ودعبل الشاعر، والمسيب بن ~~واضح. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع واثنان وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية يزيد # بن ms0511 عبد الله على مصر وهي سنة سبع وأربعين ومائتين. فيها قتل الخليفة ~~المتوكل على الله أمير المؤمنين أبو الفضل جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله ~~محمد ابن الخليفة الرشيد هارون ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة أبي ~~جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي ~~البغدادي؛ ومولده سنة سبع ومائتين، وقيل: في سنة خمس ومائتين، وتولى ~~الخلافة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بعد وفاة أخيه هارون الواثق؛ وأمه أم ~~ولد تسمى شجاع، تقدم ذكرها في السنة الخالية؛ وهو العاشر من خلفاء بني ~~العباس، قتله مماليكه الأتراك بآتفاق ولده محمد المنتصر على ذلك، لأن ~~المتوكل كان أراد خلع ولده المنتصر المذكور من ولاية العهد وتقديم ابنه ~~المعتز عليه، فأبى المنتصر ذلك؛ فصار المتوكل يوبخ ولده المنتصر محمدا في ~~الملأ ويسلط عليه الأحداث؛ فحقد عليه المنتصر، واتفق مع وصيف وموسى بن بغا ~~وباغر على قتله؛ فدخلوا عليه وقد أخذ منه الشراب وعنده وزيره الفتح بن ~~خاقان وهو نائم، فأول من ضربه بالسيف باغر ثم أخذته السيوف حتى هلك؛ فصاح ~~وزيره: ويحكم أمير المؤمنين! فلما رآه قتيلا قال: ألحقوني به، فقتلوه ؛ ولف ~~هو والفتح بن خاقان في بساط ثم دفنا بدمائهما من غير تغسيل في قبر واحد؛ ~~وذلك في ليلة الخميس خامس شوال من هذه السنة. فكانت خلافته أربع عشرة سنة ~~وعشرة أشهر وأياما. وبويع بالخلافة بعده ابنه المنتصر محمد، فلم يتهنأ بها، ~~ومات بعد ستة أشهر، حسبما يأتي ذكره في السنة الآتية. PageV01P0258 # وكان المتوكل فيه كل الخصال الحسنة إلا ما كان فيه من الغضب. وقد افتتح ~~خلافته بإظهار السنة ورفع المحنة، وتكلم بالسنة في مجلسه ؛ حتى قال إبراهيم ~~بن محمد التيمي قاضي البصرة: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق يوم الردة، ~~وعمر بن عبد العزيز في رد مظالم بني أمية، والمتوكل في محو البدع وإظهار ~~السنة. وكان المتوكل فاضلا فصيحا؛ قال علي بن الجهم: كان المتوكل مشغوفا ~~بقبيحة يعني أم ولده المعتز لا يصبر عنها، فوقفت له يوما وقد كتبت ms0512 على ~~خديها بالمسك جعفرا؛ فتأملها ثم أنشد يقول : " الطويل " وكاتبة في الخد ~~بالمسك جعفرا ... بنفسي مخط المسك من حيث أثرا لئن أودعت سطرا من المسك ~~خدها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا وكان المتوكل كريما، قيل: ما أعطى ~~خليفة شاعرا ما أعطاه المتوكل. وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب : " الطويل " ~~فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا ويقال: إنه سلم ~~على المتوكل بالخلافة ثمانية كل منهم أبوه خليفة، وهم: منصور بن المهدي، ~~والعباس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرشيد، وعبد الله بن الأمين، وموسى بن ~~المأمون، وأحمد بن المعتصم، ومحمد بن الواثق، وابنه المنتصر محمد بن ~~المتوكل. وفيها قتل الفتح بن خاقان وزير المتوكل، قتل معه على فراشه. كان ~~أبوه خاقان معظما عند المعتصم، وكان من أولاد الأتراك، فضم المعتصم الفتح ~~هذا إلى ابنه المتوكل فنشأ معا، فلما تخلف المتوكل استوزره؛ وكان أهلا ~~لذلك: كان أديبا فاضلا جوادا ممدحا فصيحا. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن ~~إسحاق أبو عبد الرحمن الأزدي؛ كان حافظا ثقة سمع سفيان بن غيينة وغيره، وهو ~~الذي كان سببا لرجوع الواثق عن القول بخلق القرآن. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأبو عثمان ~~المازني، والمتوكل على الله، وسلمة بن شبيب، وسفيان بن وكيع، والفتح بن ~~خاقان الوزير. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. السنة السادسة من ~~ولاية يزيد بن عبد الله على مصر وهي سنة ثمان وأربعين ومائتين. فيها في صفر ~~خلع المؤيد إبراهيم والمعتز الزبير ابنا المتوكل أنفسهما من ولاية العهد ~~مكرهين على ذلك من أخيهما الخليفة المنتصر محمد. وفيها وقع بين أحمد بن ~~الخصيب وبين وصيف التركي وحشة؛ فأشار الوزير على المنتصر أن يبعد عنه وصيفا ~~وخوفه منه؛ فأرسل إليه أن طاغية الروم أقبل يريد الإسلام فسر إليه، فاعتذر؛ ~~فأحضره وقال له: إما تخرج أو أخرج أنا؛ ms0513 فقال: لا، بل أخرج أنا. فانتخب ~~المنتصر معه عشرة آلاف وأنفق فيهم الأموال وساروا. ثم بعث المنتصر إلى وصيف ~~يأمره بالمقام بالثغر أربع سنين. وفيها حكم محمد بن عمر الخارجي بناحية ~~الموصل ومال إليه خلق؛ فسار لحربه إسحاق بن ثابت الفرغاني، فالتقوا فقتل ~~جماعة من الفريقين، ثم أسر محمد وجماعته فقتلوا وصلبوا إلى جانب خشبة بابك ~~الخرمي المقدم ذكره فيما مضى. وفيها قويت شوكة يعقوب بن الليث الصفار ~~واستولى على معظم إقليم خراسان، وسار من سجستان ونزل هراة وفرق في جنده ~~الأموال. وفيها بويع المستعين بالخلافة بعد موت ابن عمه محمد المنتصر الآتي ~~ذكره. وعقد المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق والحرمين ~~والشرطة. وفيها حبس المستعين بالله ولدي عمه المتوكل وهما المؤيد إبراهيم ~~والمعتز الزبير، وضيق عليهما واشترى أكثر أملاكهما كرها، وجعل لهما في ~~السنة نحو ثلاثة وعشرين ألف دينار. وفيها أخرج أهل حمص عاملهم؛ فراسلهم ~~وخادعهم حتى دخلها، فقتل منهم طائفة وحمل من أعيانهم مائة إلى العراق ثم ~~هدم سور حمص. وفيها عقد الخليفة المستعين لأتامش على مصر والمغرب مع ~~الوزارة، وفرق المستعين في الجند ألفي ألف دينار. وفيها غزا وصيف التركي ~~الصائفة. وفيها نفى المستعين عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى برقة. ~~PageV01P0259 # وفيها مات بغا الكبير التركي المعتصمي أحد أكابر الأمراء في جمادى الأخرة ~~من السنة، فعقد المستعين لابنه موسى بن بغا على أعمال أبيه. وكان بغا يعرف ~~بالشرابي، مات وقد جاوز التسعين سنة، وباشر من الحروب ما لم يباشره غيره، ~~ولم يلبس سلاحا ولا جرح قط ؛ فقيل له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه و سلم في المنام، فقلت: يا رسول الله، ادع لي؛ فقال: لا بأس عليك ~~أحسنت إلى رجل من أهل بيتي فعليك من الله واقية. وفيها توفي الخليفة أمير ~~المؤمنين المنتصر بالله محمد ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر الهاشمي ~~العباسي؛ بقية نسبه تقدمت في ترجمة أبيه جعفر المتوكل في الخالية. بويع ~~بالخلافة يوم قتل أبيه في ms0514 يوم الخميس خامس شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، ~~فلم تطل أيامه ومات بعد أبيه بستة أشهر في شهر ربيع الأول بالخوانيق. قيل: ~~إن المنتصر هذا رأى أباه المتوكل في المنام فقال له: ويحك يا محمد! ظلمتني ~~وقتلتني، والله لاتمتعت في الدنيا بعدي إلا أياما يسيرة ومصيرك إلى النار، ~~فانتبه فزعا وقال لأمه: ذهبت عني الدنيا والآخرة، فلم يكن بعد أيام إلا ~~ومرض ثلاثة أيام ومات بالذبحة في حلقه. وقيل: سمه الفاصد وقتل الفاصد بعده. ~~وقيل: سمه طبيبه وقيل غير ذلك. وكان شهما شجاعا راجح العقل واسع الاحتمال ~~كثير المعروف. شان سؤدده بقتل أبيه. وبويع بالخلافة بعده ابن عمه المستعين ~~بالله أحمد. وكانت وفاة المنتصر هذا في يوم السبت لخمس خلون من شهر ربيع ~~الأول، وقيل: يوم الأحد رابع ربيع الأول. وفيها توفي الأمير طاهر بن عبد ~~الله بن طاهر بن الحسين وهو على إمرة خراسان بها. فعقد الخليفة المستعين ~~بالله أحمد لابنه محمد بن طاهر بن الحسين على إمرة خراسان عوضه. وفيها نفى ~~المستعين أحمد بن الخصيب إلى إقريطش بعد أن استصفى أمواله. وفيها فرق ~~المستعين الأموال على الجند. قال الصولي: لما تولى المستعين كان في بيت ~~المال ألف ألف دينار ففرق الجميع في الجند. وفيها توفي أحمد بن سليمان بن ~~الحسن أبو بكر الفقيه الحنبلي، البغدادي؛ ومولده في سنة ثلاث وخمسين ومائة؛ ~~وكان إماما فقيها عالما بارعا؛ كانت له حلقتان بجامع المنصور. قلت: وهو أول ~~أصحاب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه وفاة. وفيها توفي أحمد بن صالح ~~الحافظ أبو جعفر المصري، وكان يعرف بالطبري لأن والده كان جنديا من مدينة ~~طبرستان؛ ومولد أحمد هذا في سنة سبعين ومائة بمصرة وكان فقيها محدثا؛ ورد ~~بغداد وناظر الإمام أحمد وغيره. وفيها توفي الإمام الأستاذ أبو عثمان ~~المازني البصري، علامة زمانه في النحو والعربية؛ واسمه بكر بن محمد وهو من ~~مازن ربيعة ؛ كان إماما في النحو والفقه والآداب وله التصانيف الحسان. ~~وفيها توفي مهنا بن يحيى البغدادي، الشيخ الإمام أبو ms0515 عبد الله؛ كان فقيها ~~إماما محدثا، صحب الإمام أحمد ثلاثا وأربعين سنة ورحل معه. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن صالح المصري، والحسين ~~الكرابيسي، وطاهر بن عبد الله بن طاهر الأمير، وعبد الجبار بن العلاء، وعبد ~~الملك بن شعيب بن الليث، وعيسى بن حماد زغبة، ومحمد بن حميد الرازي، ~~والمنتصر بالله محمد، ومحمد بن زنبور المكي، وأبو كريب محمد بن العلاء، ~~وأبو هشام الرفاعي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع ~~وثمانية أصابع ونصف. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من ولاية يزيد # بن عبد الله التركي على مصر وهي سنة تسع وأربعين ومائتين. فيها في صفر ~~شغب الجند ببغداد عند مقتل عمر بن عبيد الله الأقطع وعلي بن يحيى الأرمني ~~أمير الغزاة وهما ببلاد الروم مجاهدان، وأيضا عند استيلاء الترك على بغداد ~~وقتلهم المتوكل وغيره وتمكنهم من الخلفاء وأذيتهم للناس؛ ففتح الترك ~~والشاكرية السجون وأحرقوا الجسر وانتهبوا الدواوين، ثم خرج نحو ذلك بسر من ~~رأى، فركب بغا وأتامش وقتلوا من العامة جماعة، فحمل العامة عليهم فقتل من ~~الأتراك جماعة وسب وصيف بحجر، فأمر بإحراق الأسواق. ثم قتل في ربيع الأول ~~أتامش وكاتبه شجاع؛ فاستوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد ~~عوضا عن أتامش. وفيها عزل عن القضاء جعفر بن عبد الواحد. PageV01P0260 # وفيها كانت زلزلة هلك فيها خلق كثير تحت الردم. وفيها توفي بكر بن خالد ~~أبو جعفر القصير ويقال: محمد بن بكر، كان كاتب أبي يوسف القاضي وعنه أخذ ~~العلم، وكان فاضلا عالما. وفيها توفي عمر بن علي بن يحيى بن كثير الحافظ، ~~أبو حفص الصيرفي الفلاس البصري؛ كان إماما محدثا حافظا ثقة صدوقا سمع ~~الكثير ورحل إلى البلاد، وقدم بغداد فتلقاه أهل الحديث فحدثهم ومات بمدينة ~~سر من رأى. وفيها كان الطاعون العظيم بالعراق وهلك فيه خلائق لا تحصى. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي عبد بن حميد، ms0516 وأبو ~~حفص الفلاس، وأيوب بن محمد الوزان الرقي، والحسن بن الصباح البزار، وخلاد ~~بن أسلم الصفار، وسعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، وعلي بن الجهم الشاعر، ~~ومحمود بن خالد السلمي، وهارون بن حاتم الكوفي، وهشام بن خالد بن الأزرق. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم تسعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية يزيد # بن عبد الله التركي على مصر وهي سنة خمسين ومائتين. فيها في شهر رمضان ~~خرج الحسن بن زيد بن محمد الحسيني بمدينة طبرستان واستولى عليها وجبى ~~الخراج وامتد سلطانه إلى الري وهمذان، والتجأ إليه كل من كان يريد الفتنة ~~والنهب ؛ فانتدب ابن طاهر لحربه، فانهزم بين يديه مرتين؛ فبعث الخليفة ~~المستعين بالله جيشا إلى همذان نجدة لابن طاهر. وفيها عقد الخليفة المستعين ~~بالله لابنه العباس على العراق والحرمين. وفيها نفي جعفر بن عبد الواحد إلى ~~البصرة لأنه عزل من القضاء وبعث إلى الشاكرية فأفسدهم. وفيها وثب أهل حمص ~~بعاملها الفضل بن قارن فقتلوه في شهر رجب؛ فسار إليهم الأمير موسى بن بغا ~~فالتقوه عند الرستن فهزمهم وافتتح حمص، وقتل فيها مقتلة عظيمة وأحرق فيها ~~وأسر من رؤوسها. وفيها حج بالناس جعفر بن الفضل أمير مكة. وفيها توفي ~~الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف، القاضي أبو عمرو المصري المالكي مولى ~~محمد بن زياد بن عبد العزيز بن مروان. ولد سنة أربع وخمسين ومائة؛ وكان ~~إماما فقيها عالما. كان يتفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله. ولي ~~قضاء مصر سنتين ثم صرف. وكان رأى الليث بن سعد وسأله، وسمع سفيان بن عيينة ~~وأقرانه وكان ثقة مأمونا. وفيها توفي عبد الوهاب بن عبد الحكم، الشيخ ~~الفقيه الإمام المحدث أبو الحسن الوراق صاحب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله ~~عنه؛ كان فقيها محدثا زاهدا صالحا ورعا. وفيها توفي الفضل بن مروان الوزير ~~أبو العباس - كان إماما فاضلا بارعا رئيسا؛ وزر للمعتصم ولابنيه: الواثق ~~هارون والمتوكل جعفر. الذين ms0517 ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي أبو طاهر أحمد بن السراج، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي ~~المقرىء، والحارث بن مسكين أبو عمرو، وعاد بن يعقوب الرواجني شيعي، وأبو ~~حاتم السجستاني سهل بن محمد بن عثمان، وعمرو بن بحر أبو عثمان الجاحظ، ~~وكثير بن عبيد المذحجي، ونصر بن علي الجهمي، ومحمد بن علي بن الحسن بن شقيق ~~المروزي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع وخمسة عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. السنة التاسعة من ~~ولاية يزيد بن عبد الله على مصر وهي سنة إحدى وخمسين ومائتين. فيها اضطربت ~~أمور المستعين بالله بسبب قتله باغر التركي قاتل المتوكل واضطربت أمراء ~~الأتراك، ثم وقع بين المستعين وبين الأتراك ؛ ولا زالت الأتراك بالمستعين ~~حتى خلعوه، وأخرجوا المعتز بن المتوكل من حجرة صغيرة كان محبوسا بها هو ~~وأخوه المؤيد إبراهيم بن المتوكل، وبايعوا المعتز بالخلافة. وكان المعتز قد ~~انحدر إلى بغداد، فلما ولي المعتز الخلافة لقي في بيت المال خمسمائة ألف ~~دينار، ففرق المعتز جميع ذلك في الأتراك، وبايعوا للمعتز ومن بعده لأخيه ~~المؤيد إبراهيم؛ وكان ذلك في ثاني عشر المحرم من هذه السنة. ثم جهز المعتز ~~لقتال المستعين أخاه أبا أحمد بن المتوكل ومعه جيش كثيف في ثالث عشرين ~~المحرم، فتوجهوا إلى المستعين وقاتلوه وحصروه ببغداد أشهرا إلى أن انحرف ~~عنه عامل بغداد طاهر بن عبد الله بن طاهر؛ فعند ذلك أذعن المستعين وخلع. ~~نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين ومائتين على ما يأتي ذكره. PageV01P0261 # وفيها خرج الحسين بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن الأرقط عبد الله ~~بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بمدينة قزوين فغلب عليها ~~في أيام فتنة المستعين؛ وقد كان هو وأحمد بن عيسى العلوي قد اجتمعا على ~~قتال أهل الري وقتلا بها خلقا كثيرا وأفسدا وعاثا وسار لقتالهما جيش من قبل ~~الخليفة فأسر أحدهما وقتل الآخر. وفيها خرج ms0518 إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن ~~عبد الله بن الحسن بن الحسن الحسني العلوي بالحجاز، وهو شاب له عشرون سنة ~~وتبعه خلق من العرب، فعاث في الحرمين وأفسد موسم الحافي وقتل من الحجاج ~~أكثر من ألف رجل، واستحل المحرمات بأفاعيله الخبيثة، وبقي يقطع الميرة عن ~~الحرمين حتى هلك الحجاج وجاعوا؛ ثم نزل الوباء فهلك في الطاعون هو وعامة ~~أصحابه في السنة الآتية. وفيها توفي إسحاق بن منصور بن بهرام الحافظ، أبو ~~يعقوب التميمي المروزي الكوسج؛ كان إماما عالما محدثا فقيها رحالا، وهو أحد ~~أئمة الحديث. وفيها توفي الحسين بن الضحاك بن ياسر، أبو علي الشاعر المشهور ~~المعروف بالحسين الخليع الباهلي البصري؛ ولد بالبصرة سنة آثنتين وستين ~~ومائة ونشأ بها ومدح غير واحد من الخلفاء وجماعة من الوزراء وغيرهم ؛ وكان ~~شاعرا مجيدا خليعا؛ وهو من أقران أبي نواس، وشعره كثير. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إسحاق بن منصور الكوسج، وأيوب بن ~~الحسن النيسابوري الفقيه صاحب محمد بن الحسن، وحميد بن زنجويه، وعمرو بن ~~عثمان الحمصي، وأبو تقي هشام بن عبد الملك اليزني، ومحمد بن سهل بن عسكر. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ؟ ### || AUT السنة العاشرة من ولاية يزيد # بن عبد الله على مصر وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين. فيها استقر خلع ~~المستعين من الخلافة وقتل بعد الحبس على ما يأتي ذكره. وكانت فيها بيعة ~~المعتز بالخلافة. وفيها ولى الخليفة المعتز الحسن بن أبي الشوارب قضاء ~~القضاة. وفيها خلع الخليفة المعتز على الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر ~~خلعة الملك وقلده سيفين، فأقام بغا ووصيف الأميران ببغداد على وجل من ابن ~~طاهر، ثم رضي المعتز عنهما وردهما إلى رتبتهما. ونقل المستعين إلى قصر ~~الحسن بن سهل بالمخرم، هو وعياله ووكلوا به أميرا وكان عنده خاتم عظيم ~~القدر فأخذه محمد بن طاهر وبعث به إلى المعتز. وفيها خلع الخليفة المعتز ~~على أخيه أبي ms0519 أحمد خلعة الملك وتوجه بتاج من ذهب وقلنسوة مجوهرة ووشاحين ~~مجوهرين وقلده سيفين. وفيها في شهر رجب خلع المعتز أخاه المؤيد إبراهيم من ~~العهد وقيده وضربه. وفيها حبست أرزاق الأتراك والمغاربة والشاكرية ببغداد ~~وغيرها، فجاءت في العام الواحد مائتي ألف ألف دينار، وذلك عن خراج المملكة ~~سنتين. وفيها مات إسماعيل بن يوسف العلوي الذي كان خرج بمكة في السنة ~~الخالية ووقع بسببه حروب وفتن. وفيها نفى المعتز أخاه أبا أحمد إلى واسط ثم ~~رد أيضا إلى بغداد، ثم نفى المعتز أيضا علي بن المعتصم إلى واسط ثم رد إلى ~~بغداد. وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الهاشمي ~~العباسي.وفيها توفي المؤيد إبراهيم ولي العهد ابن الخليفة المتوكل على الله ~~الهاشمي العباسي وأمه أم ولد، وكان أخوه المعتز خلعه وحبسه؛ وفي موته خلاف ~~كبير، والأقوى عندي أنه مات خنقا. وفيها توفي إبراهيم بن سعد الحافظ، أبو ~~إسحاق الجوهري؛ كان إماما محدثا دينا صدوقا ثبتا؛ طاف البلاد ولقي الشيوخ ~~وسمع الكثير، وروى عنه غير واحد وصنف المسند. PageV01P0262 # وفيها قتل الخليفة أمير المؤمنين المستعين بالله أبو العباس أحمد بن ~~محمد، ابن الخليفة المعتصم بالله محمد بن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن ~~أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي، ~~وأمه أم ولد رومية تسمى مخارق. بويع بالخلافة لما مات ابن عمه محمد المنتصر ~~في يوم سادس شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين ومائتين؛ فأقام في الخلافة إلى ~~أن انحدر إلى بغداد وخلع في سلخ سنة إحدى وخمسين ومائتين. فكانت خلافته إلى ~~يوم انحدر إلى بغداد سنتين وتسعة أشهر؛ وإلى أن خلع من الخلافة ثلاث سنين ~~وستة أشهر؛ ومات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. ولما خلعوه أرسل إلى المعتز ~~الأمير أحمد بن طولون التركي ليقتله؛ فقال: لا والله لا أقتل أولاد الخلفاء ~~فقال له المعتز: فأوصله إلى سعيد بن صالح، الحاجب، فتوجه به وسلمه إلى سعيد ~~الحاجب، فقتله سعيد الحاجب في شوال؛ وفي قتلته ms0520 أقوال كثيرة. وكان جوادا ~~سمحا يطلق الألوف، وكان متواضعا. قال يوما لأحمد بن يزيد المهلبي: يا أحمد ~~ما أظن أحدا من بني هاشم إلا وقد طمع في الخلافة لما وليتها لبعدي عنها؛ ~~فقال أحمد: يا أمير المؤمنين، وما أنت ببعيد، وإنما تقدم العهد لمن رأى ~~الله أن يقدمه عليك؛ وكان في لسان المستعين لثغة تميل إلى السين المهملة ~~وإلى الثاء المثلثة وبويع بعده ابن عمه المعتز. وفيها توفي أحمد بن سعيد بن ~~صخر، الإمام الحافظ الفقيه أبو جعفر الداري كان إماما محدثا وكان الإمام ~~أحمد بن حنبل إذا كاتبه يقول في أول كتابه لأبي جعفر أكرمه الله من أحمد بن ~~حنبل. وفيها توفي إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، عم الإمام أحمد ~~بن حنبل ؛ كان إماما فاضلا محدثا؛ ومات وله اثنتان وتسعون سنة. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن علي بن، ~~سويد بن منجوف، والمستعين بالله أحمد بن محمد بن المعتصم قتلا، وإسحاق بن ~~بهلول الحافظ، والأمير أشناس، وزياد بن أيوب، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن ~~عبد الوارث، ومحمد بن بشار بندار في رجب، وأبو موسى محمد بن المثنى العنزي ~~الزمن في ذي القعدة، ومحمد بن منصور المكي الجواز، ويعقوب بن إبراهيم ~~الدورقي، ومحمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ؟؟ ### | AUT ولاية مزاحم بن خاقان # على مصر PageV01P0263 # هو مزاحم بن خاقان بن عرطوج، الأمير أبو الفوارس التركي ثم البغدادي، أخو ~~الفتح بن خاقان وزير المتوكل قتل معه. ولي مزاحم هذا مصر بعد عزل يزيد بن ~~عبد الله التركي عنها؛ ولاه الخليفة المعتز بالله الزبير على صلاة مصر ~~لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائتين؛ وسكن بالعسكر على ~~عادة أمراء مصر، فجعل على شرطته أرخوز؛ وأخذ مزاحم في إظهار الناموس وإقماع ~~أهل الفساد؛ فخرج عليه، جماعة كبيرة من ms0521 المصريين، فتشمر لقتالهم وجهز ~~عساكره وأنفق فيهم؛ فأول ما ابتدأ بقتال أهل الحوف من الوجه البحري، فتوجه ~~إليهم بجنوده وقاتلهم وأوقع بهم وقتل منهم وأسر؛ ثم عاد إلى الديار المصرية ~~فأقام بها مدة يسيرة، ثم خرج أيضا من مصر ونزل بالجيزة ؛ ثم سار إلى تروجة ~~بالبحيرة وقاتلهم وأوقع بهم وقتل منهم مقتلة كبيرة وأسر عدة من رؤوسهم وعاد ~~بهم إلى ديار مصر؛ فلم تطل إقامته بها وخرج إلى الفيوم وقاتل أهلها، ووقع ~~له بها حروث كثيرة وقتل منهم أيضا مقتلة عظيمة وأمعن في ذلك. وكثر بعد هذه ~~الواقعة إيقاعه بسكان النواحي. ثم التفت إلى أرخوز وحرضه على أمور أمره ~~بها؛ فشدد أرخوز المذكور عند ذلك ومنع النساء من الخروج من بيوتهن والتوجه ~~إلى الحمامات والمقابر، وسجن المؤنثين والنوائح، ثم منع الناس من الجهر ~~بالبسملة في الصلاة بالجامع، وكان ذلك في شهر رجب سنة ثلاث وخمسين ومائتين. ~~وأمر أهل الجامع بمساواة الصفوف في الصلاة ووكل بذلك رجلا من العجم يكنى ~~أبا داوة يقوم بالسوط من مؤخر المسجد؛ وأمر أهل الحلق بالتحول إلى جهة ~~القبلة قبل إقامة الصلاة، ومنع المساند التي يسند إليها في الجوامع، وأمر ~~أن تصلى التراويح في شهر رمضان خمس تراويح، وكانوا قبل ذلك يصفونها ستا؛ ~~ومنع من التثويب في الصلاة، وأمر بالأذان في يوم الجمعة في مؤخر المسجد، ثم ~~أمر بأن يغلس بصلاة الصبح ؛ ونهى أيضا أن يشق ثوب على ميت أو يسود وجه أو ~~يحلق شعر أو تصيح امرأة؛ وعاقب بسبب ذلك خلقا كثيرا وشدد على الناس حتى ~~أبادهم. ولم يزل في التشدد على الناس حتى مرض ومات في ليلة الاثنين لخمس ~~خلون من المحرم سنة أربع وخمسين ومائتين. واستخلف بعده ابنه أحمد بن مزاحم ~~على مصر؛ فكانت ولاية مزاحم هذا على مصر سنة واحدة وعشرة أشهر ويومين. ### || AUT السنة التي حكم فيها مزاحم # بن خاقان على مصر وهي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. فيها قصد يعقوب بن الليث ~~الصفار هراة في جمع، وقاتل أهلها حتى أخذها من ms0522 نواب محمد بن طاهر ومسك من ~~كان بها وقيدهم وحبسهم. وفيها سار الأمير موسى بن بغا فالتقى هو وعسكر عبد ~~العزيز ابن الأمير أبي دلف العجلي فهزمهم، وساق وراءهم إلى الكرج وتحضن عنه ~~عبد العزيز، وأسرت والدة عبد العزيز المذكور؛ ثم بعث إلى سامرا بتسعين حملا ~~من رؤوس القتلى. وفي شهر رمضان خلع الخليفة المعتز بالله على بغا الشرابي ~~وألبسه تاج الملك. وفيها في شوال قتل وصيف التركي. ثم في ذي القعدة كسف ~~القمر. وفيها غزا محمد بن معاذ بلاد الروم ودخل بالعسكر من جهة ملطية فأسر ~~وقتل. وفيها في ذي القعدة أيضا التقى موسى بن بغا والكوكبي بأرض قزوين، ~~واقتتلا فانهزم الكوكبي ولحق بالديلم. وفيها توفي سري السقطي الشيخ أبو ~~الحسن، واسمه السري بن المغلس، وهو الزاهد العابد العارف بالله المشهور، ~~خال الجنيد وأستاذه؛ كان أوحد أهل زمانه في الورع وعلوم التوحيد، وهو أول ~~من تكلم بها في بغداد، وإليه ينتهي مشايخ الطريقة؛ كان علم الأولياء في ~~زمانه؛ صحب معروفا الكرخي وحدث عن الفضيل بن عياض وهشيم وأبي بكر بن عياش ~~وعلي بن غراب ويزيد بن هارون؛ وحدث عنه أبو العباس بن مسروق والجنيد بن ~~محمد وأبو الحسين النوري. قال عبد الله بن شاكر عن السري قال: صليت وقرأت ~~وردي ليلة ومددت رجلي في المحراب فنوديت: يا سري، كذا تجالس الملوك! فضممت ~~رجلي وقلت: وعزتك وجلالك لا مددتها؛ وقيل: إن السري رأى جارية سقط من يدها ~~إناء فانكسر، فأخذ من دكانه إناء فأعطاها إياه، عوض المكسور؛ فرآه معروف ~~فقال: بغض الله إليك الدنيا؛ قال السري: فهذا الذي أنا فيه من بركات معروف. ~~PageV01P0264 # قال الجنيد: سمعت السري يقول: أحب أن آكل أكلة ليس لله علي فيها تبعة، ~~ولا لمخلوق علي فيها منة، فما أجد إلى ذلك سبيلا قال: ودخلت عليه وهو يجود ~~بنفسه فقلت: أوصني؛ قال: لا تصحب الأشرار ولا تشغلن عن الله بمجالسة ~~الأخيار. وعن الجنيد يقول: ما رأيت لله أعبد من السري؛ أتت عليه ثمان ~~وتسعون سنة ما ms0523 رئي مضطجعا إلا في علة الموت. وعن الجنيد: سمعت السري يقول: ~~إني لأنظر إلى أنفي كل يوم مرارا مخافة أن يكون وجهي قد اسود. قال: وسمعته ~~يقول: ما أحب أن أموت حيث أعرف، أخاف ألا تقبلني الأرض فأفتضح. وكان الإمام ~~أحمد بن حنبل يقول إذا ذكر السري: ذاك الشيخ الذي يعرف بطيب الريح ونظافة ~~الثوب وشدة الورع. وفيها توفي الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين ~~بن مصعب أبو العباس الخزاعي؛ كان من أجل الأمراء؛ ولي إمرة بغداد أيام ~~المتوكل جعفر، وكان فاضلا أديبا شاعرا جوادا ممدحا شجاعا. وقد تقدم ذكر ~~أبيه وجده في هذا الكتاب ونبذة كبيرة من محاسنهم ومكارمهم. وفيها في شوال ~~قتل الأمير وصيف التركي المعتصمي؛ كان أميرا كبيرا، أصله من مماليك المعتصم ~~بالله محمد، وخدم من بعده عدة خلفاء، واستولى على المعتز، وحجر على الأموال ~~لنفسه، فتشغب عليه الجند فلم يلتفت لقولهم، فوثبوا عليه وقتلوه بعد أمور ~~وقعت له معهم. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد ~~بن سعيد الهمداني المصري، وأحمد بن سعيد الداري، وأحمد بن المقدام العجلي، ~~وخشيش بن أصرم النسائي الحافظ، وسري بن المغلس السقطي عن نيف وتسعين سنة، ~~وعلي بن شعيب السمسار، وعلي بن مسلم الطوسي، ومحمد بن عبد الله بن طاهر ~~الأمير، ومحمد بن عيسى بن رزين التيمي مقرئ الري، وهارون بن سعيد الايلي، ~~والأمير وصيف التركي، ويوسف بن موسى القطان، وأبو العباس العلوي. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة ~~عشر ذراعا في عشرة أصابع. ### | AUT ولاية أحمد بن مزاحم # على مصر هو أحمد بن مزاحم بن خاقان بن عرطوج، الأمير أبو العباس ابن ~~الأمير أبي الفوارس التركي. ولي إمرة مصر بعد موت أبيه باستخلافه على مصر، ~~فأقره الخليفة المعتز بالله على ذلك. وكانت ولايته في خامس المحرم سنة أربع ~~وخمسين ومائتين؛ وسكن بالعسكر على عادة الأمراء، وجعل على شرطته أرخوز ~~المقدم ذكره في أيام أبيه ms0524 مزاحم. فلم تطل أيامه ومات بمصر لسبع خلون من شهر ~~ربيع الآخر من سنة أربع وخمسين ومائتين المذكورة. فكانت ولايته على إمرة ~~مصر شهرين ويوما واحدا. وتولى إمرة مصر من بعده أرخوز بن أولوغ طرخان ~~التركي باستخلافه. وكان أحمد هذا شابا عارفا مدبرا محبا للرعية، لم تطل ~~أيامه لتشكر أو تذم. ### | AUT ولاية أرخوز # على مصر هو أرخوز بن أولوغ طرخان التركي. وأولوغ طرخان كان تركيا وقدم ~~بغداد فولد له أرخوز المذكور بها؛ ونشأ أرخوز حتى صار من كبار أمراء الدولة ~~العباسية وتوجه إلى مصر وولي بها الشرطة لعدة أمراء كما تقدم ذكره، ثم ولي ~~إمرة مصر بعد موت أحمد بن مزاحم، في العشر الأول من شهر ربيع الأخر من سنة ~~أربع وخمسين ومائتين باستخلاف أحمد بن مزاحم له على صلاتها، ، فأقره ~~الخليفة المعتز بالله على ذلك، وجعل إليه إمرة مصر وأمرها جميعه، كما كان ~~لمزاحم وابنه. وقال صاحب " البغية والاغتباط فيمن ملك الفسطاط " : وليها ~~باستخلاف أحمد بن مزاحم على الصلاة فقط، وجعل على شرطة مصر بولغيا، ثم خرج ~~إلى الحج في شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين وله خمسة أشهر ونصف شهر. ~~وقال غيره: ودام أرخوز على إمرة مصر إلى أن صرف عنها بالأمير أحمد بن طولون ~~في شهر رمضان من سنة أربع وخمسين ومائتين، فكانت ولايته على مصر خمسة أشهر ~~ونصفا؛ وخرج إلى بغداد في أول ذي القعدة من السنة، ووفد على الخليفة فأكرم ~~مقدمه وصار من جملة القواد. ### || AUT السنة التي حكم فيها أربعة أمراء على مصر # ففي أول محرمها مزاحم بن خاقان، ثم ابنه أحمد بن مزاحم ثم الأمير أرخوز ~~بن أولوغ طرخان من شهر ربيع الأخر إلى شهر رمضان، ثم الأمير أبو العباس ~~أحمد بن طولون. وهي سنة أربع وخمسين ومائتين. PageV01P0265 # فيها قتل بغا الشرابي التركي المعتصمي الصغير؛ كان فاتكا قد طغى وتجبر ~~وخالف أمر المعتز؛ وكان المعتز يقول: لا ألتذ بطيب الحياة حتى أنظر رأس بغا ~~بين يدي؛ فوقعت أمور بعد ذلك بين بغا ms0525 والأتراك حتى قتل بغا وأتي برأسه إلى ~~المعتز، فأعطى المعتز قاتله عشرة آلاف دينار. وفيها توفي علي بن محمد بن ~~علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو ~~الحسن الهاشمي العسكري، أحد الأئمة الاثني عشر المعمودين عند الرافضة؛ وسمي ~~بالعسكري لأن الخليفة المتوكل جعفرا أنزله مكان العسكر. وكان مولده سنة ~~أربع وعشرين ومائتين. ومات بمدينة سر من رأى في جمادى الآخرة من السنة. ~~وفيها توفي محمد بن منصور بن داود، الشيخ أبو جعفر الطوسي الزاهد العابد؛ ~~كان من الأبدال؛ مات في يوم الجمعة لست بقين من شوال وله ثمان وثمانون سنة؛ ~~وسمع سفيان بن عيينة وغيره، وروى عنه البغوي وغيره؛ وكان صدوقا ثقة صالحا. ~~وفيها توفي المؤمل بن إهاب بن عبد العزيز، الحافظ أبو عبد الرحمن الكوفي؛ ~~أصله من كرمان، ونزل الكوفة وقدم بغداد وحدث بها وبدمشق، وأسند عن يزيد بن ~~هارون وغيره، وروى عنه ابن أبي الدنيا وجماعة أخر. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمسة أذرع وتسعة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وستة عشر ~~إصبعا. /ولاية أحمد بن طولون هو أحمد بن طولون، الأمير أبو العباس التركي ~~أمير مصر. ولي مصر بعد عزل أرخوز بن أولوغ طرخان في شهر رمضان سنة أربع ~~وخمسين ومائتين، وقد مضى من عمره أربع وثلاثون سنة ويوم واحد. وكان أبوه ~~طولون مولى نوح أبن أسد الساماني عامل بخارى وخراسان PageV01P0266 # أهداه نوح في جملة مماليك إلى المأمون بن الرشيد، فرقاه المأمون حتى صار ~~من جملة الأمراء. وولد له ابنه أحمد هذا في سنة عشرين ومائتين، وقيل في سنة ~~أربع عشرة ومائتين، ببغداد، وقيل بسر من رأى، وهو الأشهر من جارية تسمى ~~هاشم، وقيل قاسم . وقيل: إن أحمد هذا لم يكن ابن طولون وإنما طولون تبناه ~~قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي: قال بعض المصريين: إن طولون ~~تبناه لما رأى فيه من مخايل النجابة. ودخل عليه يوما وهو صغير ، فقال: ~~بالباب ms0526 قوم ضعفاء فلو كتبت لهم بشيء فقال له، طولون: ادخل إلى المقصورة ~~وأتني بدواة، فدخل أحمد فرأى بالدهليز جارية من حظايا طولون قد خلا بها ~~خادم، فأخذ أحمد الدواة وخرج ولم يتكلم فحسبت الجارية أنه يسبقها إلى طولون ~~بالقول، فجاءت إلى طولون وقالت: إن أحمد راودني الساعة في الدهليز، فصدقها ~~طولون، وكتب كتابا لبعض خدمه يأمره بقتل حامل الكتاب من غير مشورة، وأعطاه ~~لأحمد وقال: اذهب به إلى فلان فأخذ أحمد الكتاب ومر بالجارية؟ فقالت له: ~~إلى أين؟ فقال: في حاجة مهمة للأمير في هذا الكتاب فقالت: أنا أرسله، ولي ~~بك حاجة؟ فدفع إليها الكتاب فدفعته إلى الخادم المذكور، وقالت: اذهب به إلى ~~فلان؟ وشاغلت أحمد بالحديث، أرادت بذلك أن يزداد عليه الأمير طولون غضبا. ~~فلما وقف المأمور على الكتاب قطع رأس الخادم وبعث به إلى طولونتطولونا رآه ~~عجب وآستدعى أحمد وقال له: اصدقني! ما الذي رأيت في طريقك إلى المقصورة؟ ~~قال: لا شيء؟ قال: اصدقني وإلا قتلتك! فصدقه وعلمت الجارية بقتل الخادم، ~~فخرجت ذليلة فقال لها طولون: اصدقيني فصدقته فقتلها؟ وحظي أحمد علي الحديث ~~وقال أحمد بن يوسف: قلت لأبي العباس بن خاقان: الناس فرقتان في ابن طولون، ~~فرقة تقول: إن أحمد بن طولون، وأخرى تقول: هو ابن يلبخ التركي، وأمه قاسم ~~جارية طولون فقال: كذبوا، إنما هو ابن طولون. ودليله أن الموفق لما لعنه ~~نسبه إلى طولون ولم ينسبه إلى يلبخ ويلبخ مضحاك يسخر منه وطولون معروف ~~بالستر وقال أحمد بن يوسف المذكور: كان طولون رجلا من أهل طغزغز حمله نوح ~~بن أسد عامل بخارى إلى المأمون فيما كان موظفا عليه من المال والرقيق ~~والبراذين وغير ذلك في كل سنة، سنة ثلاثين ومائتين، والأول أصح. انتهى كلام ~~ابن يوسف ونشأ أحمد بن طولون على مذهب جميل ، وحفظ القران واتقنه وكان من ~~أطيب الناس صوتا به مع كثرة الدرس وطلب العلم وتفقه على مذهب الإمام الأعظم ~~أبي حنيفة. ولما ترعرع أحمد تزوج بابنة عمه خاتون فولدت له العباس سنة ms0527 ~~اثنتين وأربعين ومائتين. ولما مات أبوه طولون فؤض إليه الخليفة المتوكل ما ~~كان لأبيه، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن ولي إمرة الثغور إمرة دمشق ثم ديار ~~مصر. وكان يقول: ينبغي للرئيس أن يجعل اقتصادة على نفسه وسماحته على من ~~يقصده ويشتمل عليه، فإنه يملكهم ملكا لا يزول به عن قلوبهم. ونشأ أحمد بن ~~طولون في الفقه والصلاح والدين والجود حتى صار له في الدنيا الذكر الجميل ~~وكان شديد! الإزراء على الترك وأولادهم لما يرتكبونه في أمر الخلفاء، غير ~~راض بذلك، ويستقل عقولهم ويقول: حرمة الذين عندهم مهتوكة. PageV01P0267 # وقال الخاقاني وكان خصيصا عند ابن طولون : وقال لي يوما يعني ابن طولون: ~~يا أخي إلى، كم نقيم على هذا الإثم مع هؤلاء الموالي! يعني الأتراك، لا نطأ ~~موطئا إلا كتب علينا الخطأ والإثم والصواب ان نسأل الوزير أن يكتب أرزاقنا ~~إلى الثغر ؟ فسأله فكتب له وخرجنا إلى طرسوس؟ فلما رأى ما الناس عليه من ~~الأمر بالمعروف ومجانبة المنكر أنست نفسه فأقمنا نسمع الحديث مدة، ثم رجعت ~~أنا إلى سر من رأى، فآستقبلتني أمه قاسم بالبكاء وقالت: مات ابني! فحلفت ~~لها إنه في عافية؟ ثم عدت إلى طرسوس فأخبرته بما رأيت من أمه وقلت له: إن ~~كنت أردت بمقامك في هذه البلاد وجه الله وتدع أمك كذلك فقد أخطأت؟ فوعدني ~~بالخروج من طرسوس؟ ثم خرجنا ونحن زهاء خمسمائة رجل والخليفة يومئذ المستعين ~~بالله وخرج معنا خادم الخليفة ومعه ثياب مثمنة من عمل الروم، فسرنا إلى ~~الرها ؟ فقيل لنا: إن جماعة من قطاع الطريق على أنتظاركم، والمصلحة دخولكم ~~حصن الرها حتى يتفرقوا ؟ فقال أحمد: لا يراني الله فارا وقد خرجت على نية ~~الجهاد فخرجنا والتقينا، فأوقع بالقوم وقتل منهم جماعة وهرب الباقون فزاد ~~في أعين الناس مهابة وجلالة؟ ووصل الخادم إلى المستعين بالثياب، فلما رآها ~~استحسنها فقال له الخادم: لولا ابن طولون ماسلمت ولاسلمنا، وحكى له الحكاية ~~فبعث إليه مع الخادم ألف دينار سرا، وقال له: عرفه أنني أحبه، ولولا خوفي ~~عليه قربته. ms0528 وكان أبن طولون إذا أدخل على المستعين مع الأتراك في الخدمة ~~أومأ إليه الخليفة بالسلام سرا، واستدام الإحسان إليه ووهب له جارية أسمها ~~مياس ، فولدت له ابنه خمارويه في المحرم من سنة خمسين ومائتين ما تنكر ~~الأتراك للمستعين وخلعوه وأحدروه إلى واسط، قالوا له: من تختار أن يكون قي ~~صحبتك؟ فقال: أحمد بن طولون، فبعثوه معه فأحسن صحبته . ثم كتب الأتراك إلى ~~أحمد: اقتل المستعين ونوليك واسطا ؟ فكتب إليهم: " لارآني الله قتلت خليفة ~~بايعت له أبدا! ! فبعثوا سعيدا الحاجب فقتل المستعين، فوارى أحمد بن طولون ~~جثته. ولما رجع أحمد إلى سر من رأى بعدما قتل المستعين أقام بها، فزاد محله ~~عند الأتراك فولوه مصر نيابة عن أميرها سنة أربع وخمسين ومائتين. فقال حين ~~دخلها: غاية ماوعدت به في قتل المستعين واسط، فتركت ذلك لله تعالى، فعوضني ~~ولاية مصر والشام . فلما قتل والي مصر من الأتراك في أيام الخليفة المهتدي ~~صار أحمد بن طولون مستقلا بها في أيام المعتمد. وقيل: إنه ولي الشأم نيابة ~~عن باكباك فلما قتل باكباك آستقل، وكان حكمه من الفرات إلى المغرب. وأول ~~مادخل مصر خرج بغا الأصغر، وهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن طباطبا، فيما ~~بين برقة و الاسكندرية في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين ومائتين، وسار إلى ~~الصعيد، فقتل هناك وحمل رأسه إلى مصر في شعبان. ثم خرج آبن الصوفي العلوي، ~~وهو إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي ~~طالب،، وتوجه إلى أسنا في ذي القعدة فنهب وقتل أهلها، ؟ وقيل: إن أحمد بن ~~طولون بعث إليه جيشا فكسر الجيش في ربيع الأول سنة ست وخمسين ومائتين، ~~وأرسل إليه أبن طولون جيشا آخر فواقعوه بإخميم فهزموه إلى الواح . ثم خرج ~~ابن طولون بنفسه لمحاربة عيسى بن الشيخ، ثم عاد وأرسل جيشا . ثم ورد عليه ~~كتاب الخليفة بأنه يتسلم الأعمال الخارجة عن أرض مصر فتسلم الإسكندرية من ~~إسحاق بن دينار، وخرج إليها لثمان خلون من شهر ms0529 رمضان سنه ، ، واستخلف على ~~مصر طغلج صاحب شرطته، ثم عاد إلى مصر لأربع عشرة من شوال، وسخط على أخيه ~~موسى وأمره بلباس البياض ثم خرج إلى الإسكندرية ثانيا لثمان بقين من شعبان ~~سنة تسع وخمسين ومائتين، ثم عاد في شوال. ثم ورد عليه كتاب المعتمد يستحثه ~~في جمع الأموال فكتب إليه ابن طولون: لست أطيق ذلك والخراج في يد غيري، ~~فأرسل المعتمد على الله إليه نفيسا الخادم بتقليد ه الخراج وبولايته الثغور ~~الشامية. فأقر أحمد بن طولون عند ذلك أبا أيوب أحمد بن محمد!بن شجاع على ~~الخراج، وعقد لطخشي بن بلبرد على الثغور، فخرج إليها في سنة أربع وستين ~~ومائتين، فصار الأمر كفه بيد أحمد بن طولون، وقويت شوكته بذلك وعظم أمره ~~بديار مصر. PageV01P0268 # ولما كان في بعض الأيام ركب يوما ليتصيد بمصر فغاصت قوائم فرسه في الرمل ~~فأمر بكشف ذلك الموضع فظفر بمطلب فيه ألف ألف دينار، فأنفقها في أبواب البر ~~والصدقات، كما سيأتي ذكرها. وكان يتصدق في كل يوم بمائة دينار غير ما كان ~~عليه من الرواتب، وكان ينفق على مطبخه في كل يوم ألف دينار، وكان يبعث ~~بالصدقات إلى دمشق والعراق والجزيرة والثغور وبغداد وسر من رأى والكوفة ~~والبصرة والحرمين وغيرها؟ فحسب ذلك فكان ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار. ~~ثم بنى الجامع الذي بين مصر وقبة " ا الهواء على جبل يشكر خارج القاهرة ~~وغرم عليه أموالا عظيمة أحمد الكاتب: أنفق عليه مائة ألف دينار وعشرين ألف ~~دينار. وقال له الصناع: على أي مثال نعمل المنارة؟ وما كان يعبث قط في ~~مجلسه، فأخذ درجا من الكاغد وجعل يعبث به فخرج بعضه وبقي بعضه في يده، فعجب ~~الحاضرون، فقال: اصنعوا المنارة على هذا المثال ، فصنعوها. ولما تم بناء ~~الجامع رأى أحمد بن طولون في منامه كأن الله تعالى قد تجلى للقصور التي حول ~~الجامع ولم يتجل للجامع، فسأل المعبرين فقالوا: يخرب ما حوله ويبقى قائما ~~وحده؟ قال: من أين لكم هذا؟ قالوا: من قوله تعالى:فلما تجلى ربه للجبل ms0530 جعله ~~دكا " ، وقوله !: " إذا تجلى االله لشيء خضع له. وكان كما قالوا. وقال ~~بعضهم: إن الكنز ! الذي لقيه ابن طولون منه عمر ا.لجامع المذكور وكان بناؤه ~~في سنة تسع وخمسين ومائتين. وأما أمر الكنز فإنه ذكر غير واحد من المؤرخين ~~أن أحمد بن طولون كان له كاتب يعرب بابن دشومة وكان واسع الحيلة بخيل اليد ~~زاهدا في شكر الشاكرين، لا يهش إلى شيء من أعمال البر؟ وكان ابن طولون من ~~أهل القرآن إذا جرت منه إساءة استغفر وتضرع؟ واتفق أن الخليفة المعتمد أمر ~~ابن طولون أن يتسلم الخراج حسبما ذكرناه، فأمتنع من المظالم لدينه، ثم شاور ~~كاتبه ابن دشومة المذكور، فقال ابن دشومة: يؤمنني الأمير لأقول له ما عندي؟ ~~فقال أحمد بن طولون: قل وأنت آمن؟ فقال: يعلم الأمير أن الدنيا والآخرة ~~ضرتان، والشهم، من لم يخلط إحداهما بالأخرى، والمفرط من جمع بينهما؟ وأفعال ~~الأمير أفعال الجبابرة ، وتوكله توكل الزهاد، وليس مثله من ركب خطة لم ~~يحكمها، ولو كنا نثق بالنصر وطول العمر لما كان شيء اثر عندنا من التضييق ~~على أنفسنا في العاجل لعمارة الآجل، ولكن الإنسان قصير العمر كثير المصائب ~~والآفات ؟ وهذه المظالم قد أجتمع لك منها في السنة ما قدره مائة ألف دينار؟ ~~فبات أحمد بن طولون ليلته وقد حركه قول ابن دشومة، فرأى فيما يرى النائم ~~صديقا له كان من الزهاد مات لما كان ابن طولون بالثغر قبل دخوله إلى مصر، ~~وهو يقول له: بئس ما أشار عليك ابن دشومة في أمر الأرتفاق ، واعلم أنه من ~~ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه؟ فارجع إلى ربك، وإن كان التكاثر والتفاخر ~~قد شغلاك عنه في هذه الدنيا. فأمض ما عزمت عليه وأنا ضامن لك من الله تعالى ~~أفضل العوض منه قريبا غير بعيد. فلما أصبح أحمد بن طولون دعا ابن دشومة ~~فأخبره بما رأى في نومه؟ فقال له ابن دشومة: أشار عليك رجلان: أحدهما في ~~اليقظة والآخر في المنام، وأنت لمن في اليقظة أوجد وبضمانه أوثق؟ فقال ms0531 ابن ~~طولون: دعني من هذا؟ وأزال جميع المظالم ولم يلتفت إلى كلامه. ثم ركب أحمد ~~بن طولون إلى الصيد، فلما سار في البرية آنخفست الأرض برجل فرس بعض أصحابه ~~في قبر في وسط الرمل؟ فوقف أحمد بن طولون عليه وكشفه فوجد مطلبا واسعا، ~~فأمر بحمله فحمل منه من المال ما قيمته ألف ألف دينار؟ فبنى منه هذا الجامع ~~والبئر بالقرافة الكبرى والبيمارستان بمصر ووجوه البر، ثم دعا بآبن دشومة ~~المقدم ذكره وقال: والله لولا أني أمنتك لصلبتك، ثم بعد مدة صادره واستصفى ~~أمواله، وحبسه حتى مات. PageV01P0269 # وقيل: إن ابن طولون لما فرغ من بناء جامعه المذكور أمر حاشيته بسماع ما ~~يقول الناس فيه من الأقوال والعيوب؟ فقال رجل: محرابه صغير، وقال آخر: ما ~~فية عمود، وقال آخر: ليست له ميضأة فبلغه ذلك فجمع الناس وقال: أما المحراب ~~فإني رأيت النبيي ! وقد خطه لي في منامي، وأصبحت فرأيت النمل قد طافت بذلك ~~المكان الفي خطه لي رسول الله وأما العمد فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال ~~وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره؟ وهنه العمد إما أن تكون في مسجد أو كنيسة ~~فنزهته عنها؟ وأما الميضأة فإني نظرت فوجدت ما يكون بها منا النجاسات ~~فطهرته عنها، وهأنا أبنيها خلفه، وأمر ببنائها. وقيل: إنه لما فرغ من بنائه ~~رئى في منامه كأن نارا نزلت من السماء فأخذت الجامع دون ماحوله من العمران؟ ~~فلما أصبح قص رؤياه فقيل له: أبشر بقبول الجامع المبارك، لأن النار كانت في ~~الزمن الماضي إذا قبل الله قربانا نزلت نار من السماء أخذته، ودليله قصة ~~قابيل وهابيل . وكان حول الجامع العمران ملاصقة له، حتى قيل: إن مسطبة كانت ~~خلف الجامع، وكانت ذراعا في ذراع لاغير، فكانت أجرتها في كل يوم اثني عشر ~~درهما: في بكرة النهار يقعد فيها شخص يبيع الغزل ويشتريه بأربعة دراهم؟ ومن ~~الظهر إلى العصر لخباز بأربعة دراهم ومن العصر إلى المغرب لشخص يبيع فيها ~~الحمص والفول بأربعة دراهم. قلت: هذا مما يدل على أن ms0532 الجامع المذكور كان في ~~وسط العمران. وهذا الجامع على جبل يشكر كما ذكرناه وهو مكان مشهور بإجابة ~~الدعاء، وقيل: إن موسى عليه السلام ناجى ربه جل جلاله عليه بكلمات. ويشكر ~~المنسوب إليه هذا الجبل هو ابن جزيلة! من لخم. انتهى وأنفق ابن طولون على ~~البيمارستان ستين ألف دينار، وعلى حصن الجزيرة ثمانين ألف دينار، وعلى ~~الميدان خمسين ألف دينار؟ وحمل إلى الخليفة المعتمد في مدة أربع سنين ألفي ~~ألف دينار ومائتي ألف دينار. وكان خراج مصر في أيامه أربعة آلاف ألف ~~وثلاثمائة ألف دينار؟ هذا مع كثرة صدقاته وإنفاقه على مماليكه وعسكره. وقد ~~قال له وكيله في الصدقات: ربما آمتدت إلي الكف المطوقة والمعصم فيه السوار ~~والكم الناعم، أفأمنع هذه الوظيفة ؟ فقال له: ويحك! هؤلاء المستورون الذين ~~يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، احذر أن ترد يدا امتدت إليك. وقيل: إنه ~~حسن له بعض التجار التجارة، فدفع له أحمد بن طولون خمسين ألف دينار يتجر له ~~بها؟ فرأى ابن طولون بعد ذلك في منامه كأنه يمشمش عظما، فدعا المعبر وقص ~~عليه؟ فقال: قد سمت همتك إلى مكسب لايشبه خطرك ؟ فأرسل ابن طولون في الحال ~~إلى التاجر وأخذ المال منه فتصدق به. وكان جميع خصال ابن طولون محمودة، إلا ~~أنه كان حاد الخلق والمزاج؟ فإنه لما ولي مصر والشام ظلم كثيرا وعسف وسفك ~~كثيرا من الدماء. يقال: إنه مات في حبسه ثمانية عشر ألفا، فرأى في منامه ~~كأن الحق سبحانه قد مات في داره، فآستعظم ذلك وانتبه فزعا، وجمع المعبرين ~~فلم يدروا؟ فقال له بعضهم: أقول ولي الأمان؟ قال نعم؟ قال: أنت رجل ظالم، ~~قد أمت الحق في دارك! فبكى. وكان فيه ذكاء وفطنة وحدس ثاقب. قال محمد بن ~~عبد الملك الهمذاني : إن ابن طولون جلس يأكل، فرأى سائلا فأمر له بدجاجة ~~ورغيف وحلواء، فجاءه الغلام فقال: ناولته فماهش له؟ فقال ابن طولون: علي به ~~فلما مثل بين يديه لم يضطرب من الهيبة؟ فقال له ابن طولون: أحضر لي الكتب ~~التي معك ms0533 وآصدقني، فقد صح عندي أنك صاحب خبر، وأحضر السياط فاعترف؟ فقال له ~~بعض من حضر: هذا والله السحر الحلال! قال ابن طولون: ما هو سحر ولكنه قياس ~~صحيح؟ رأيت سوء حاله فسيرت له طعاما يشره له الشبعان فماهش له، فأحضرته ~~فتلقاني بقوة جأش، فعلمت أنه صاحب خبر لا فقير، فكان كذلك. PageV01P0270 # وقال أبو الحسين الرازي: سمعت أحمد بن أحمد، بن حميد بن أبي العجائز ~~وغيره من شيوخ دمشق قالوا: لما دخل أحمد بن طولون دمشق وقع بها حريق عند ~~كنيسة مريم، فركب ابن طولون إليه ومعه أبو زرعة النصري وأبو عبد الله أحمد ~~بن محمد الواسطي كاتبه؟ فقال ابن طولون لأبي زرعة: ما يسمى هذا الموضع؟ ~~قال: كنيسة مريم؟ فقال أبو عبد الله: أكان لمريم كنيسة؟ قال: ما هي من بناء ~~مريم، وإنما بنوها على أسمها؟ فقال ابن طولون: ما لك وللاعتراض على الشيخ! ~~ثم أمر بسبعين ألف دينار من ماله، وأن يعطى لكل من أحترق له شيء ويقبل قوله ~~ولاستحلف، فأعطوا لمن ذهب ماله، وفضل من المال أربعة عشر ألف دينار؟ ثم أمر ~~بمال عظيم أيضا ففرق في فقراء أهل دمشق والفوطة، وأقل ما أصاب الواحد من ~~المستورين دينار وعن محمد بن علي الماذرائي قال: كنت أجتاز بتربة أحمد بن ~~طولون فأرى شيخا ملازما للقراءة على قبره، ثم إني لم أره مدة، ثم رأيته ~~فسألته فقال: كان له علينا بعض العدل إن لم يكن الكل ، فأحببت أن أصله ~~بالقراءة؟ قلت: فلم انقطعت؟ قال: رأيته في النوم وهو يقول: أحب ألا تقرأ ~~عندي، فما تمر بآية إلا قرعت بها وقيل: أما سمعت هذه! انتهى. قلت: ولما ولي ~~أحمد بن طولون مصر سكن العسكر على عادة أمراء مصر من قبله، ثم أحب أن يبني ~~له قصرا فبنى القطائع. والقطائع قد زالت آثارها الآن من مصر ولم يبق لها ~~رسم يعرف، وكان موضعها من قبة الهواء ، التي صار مكانها الآن قلعة الجبل ، ~~إلى جامع ابن طولون المذكور وهو طول القطائع، وأما عرضها ms0534 فإنه كان من أول ~~الزميلة من تحت القلعة إلى الموضع آلفي يعرف الآن بالأرض الصفراء عند مشهد ~~الرأس الذي يقال له الآن زين العابدين ؟ وكانت مساحة القطائع ميلا في ميل . ~~وقبة الهواء كانت في السطح الذي عليه قلعة الجبل. وتحت قبة الهواء كان قصر ~~ابن طولون. وموضع هذا القصر الميدان السلطاني الآن الذي تحت قلعة الجبل ~~بالرميلة . وكان موضع سوق الخيل والحمير والبغال والجمال بستانا. ويجاورها ~~الميدان الذي يعرف اليوم بالقبيبات؟ فيصير الميدان فيما بين القصر والجامع ~~الذي أنشأه أحمد بن طولون المعروف به. وبجوار الجامع دار الإمارة في جهته ~~القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة المحيطة بمصلى ~~الأمير إلى جوار المحراب، وهناك دار الحرم. والقطائع عدة قطع يسكن فيها ~~عبيد الأمير أحمد بن طولون وعساكره وغلمانه. قلت: والقطائع كانت بمعنى ~~الأطباق التي للمماليك السلطانية الآن، وكانت كل قطيعة لطائفة تسمى بها، ~~فكانت قطيعة تسمى قطيعة السودان، وقطيعة الروم، وقطيعة الفراشين وهم نوع من ~~الجمدارية الآن ونحو ذلك. وكانت كل قطيعة لسكن جماعة ممن ذكرنا وهي بمنزلة ~~الحارات اليوم. وسبب بناء ابن طولون القصر والقطائع كثرة مماليكه وعبيده، ~~فضاقت دار الإمارة عليه، فركب إلى سفح الجبل وأمر بحرث قبور اليهود ~~والنصارى، واختط موضعهما وبنى القصر والميدان المقدم ذكرهما؟ ثم أمر ~~لأصحابه وغلمانه أن يختطوا لأنفسهم حول قصره وميدانه بيوتا واختطوا وبنوا ~~حتى أتصل البناء بعمارة الفسطاط - أعني بمصر القديمة ثم بنيت القطائع وسميت ~~كل قطيعة باسم من سكنها. قال القضاعي: وكان للنوبة قطيعة مفردة تعرف بهم، ~~وللروم قطيعة مفردة تعرف بهم، وللفراشين قطيعة مفردة، تعرف بهم، ولكل صنف ~~من الغلمان قطيعة مفردة تعرف بهم ة وبنى القواد مواضع متفرقة، ، وعمرت ~~القطائع عمارة حسنة وتفرقت فيها السكك والأزقة، وعمرت فيها المساجد الحسان ~~والطواحين والحمامات والأفران والحوانيت والشوارع . PageV01P0271 # وجعل ابن طولون قصرا كبيرا فيه ميدانه الذي يلعب فيه بالكرة، وسمي القصر ~~كله الميدان؟ وعمل للقصر أبوابا لكل باب أسم؟ فباب الميدان الكبير كان منه ~~الدخول والخروج لجيشه وخدمه، ms0535 وباب الخاصة لا يدخل منه إلا خاصته؟ وباب ~~الجبل الذي يلي جبل المقطم؟ وباب الخدم لايدخل منه إلاخادم خصي أو حرمة ~~وباب الدرمون كان يجلس فيه حاجب أسود عظيم الخلقة يتقفد جنايات الغلمان ~~السودان الرجالة فقط، وأسمه الدرمون وبه سمي الباب المذكور؟ وباب دعناج ~~لأنه كان يجلس فيه حاجب يقال له دعناج، وباب الساج لأنه كان عمل من خشب ~~الساج؟ وباب الصلاة لأنه كان يخرج منه، إلى الصلاة وكان بالشارع الأعظم، ~~وكان هذا الباب يعرف بباب السباع لأنه كانت عليه صورة سبعين من جبس؟ وكانت ~~هذه الأبواب لا تفتح كلها إلا في يوم العيد أو يوم عرض الجيش أو يوم صدقة ، ~~وما كانت تفتح الأبواب إلا بترتيب في أوقات معروفة؟ وكان للقصر شبابيك تفتح ~~من سائر نواحي الأبواب تشرف كل جهة على .. ولما بنى هذا القصر والميدان ~~وعظم أمره زادت صدقاته ورواتبه حتى بلغت صدقاته المرتبة في الشهر ألفي ~~دينار، سوى ما كان يعطي ويطرأ عليه، وكان يقول: هذه صدقات الشكر على تجديد ~~النعم ثم جعل مطابخ للفقراء والمساكين في كل يوم، فكان يذبح فيها البقر ~~والغنم ويفرق للناس في القدور الفخار والقصع، ولكل قصعة أو قدر أربعة ~~أرغفة: في اثنين منها فالوذج ، والاثنان الآخران على القحر أو القصعة؟ وكان ~~في الغالب يعمل سماط عظيم وينادي في مصر: من أحب أن، يحضر سماط الأمير ~~فليحضر؟ ويجلس هو بأعلى القصر ينظر ذلك ويأمر بفتح جميع أبواب الميدان ~~ينظرهم وهم يأكلون ويحملون فيسره ذلك ويحمد الله على نعمته. ثم جعل بالقرب ~~من قصره حجرة فيها رجال سماهم بالمكبرين عدتهم اثنا عشر رجلا، يبيت في كل ~~ليلة منهم أربعة يتعاقبون بالليل نوبا، يكبرون ويهللون ويسبحون ويقرؤون ~~القرآن بطيب الألحان ويترسلون بقصائد زهدية ويؤذنون أوقات الأذان وكان هو ~~أيضامن، أطيب الناس صوتا. قلت: ولهذا كان في هذه الرتبة، لأن الجنسية علة ~~الضم . ولازال على ذلك حتى خرج من مصر إلى طرسوس، ثم عاد إلى أنطاكية في ~~جيوشه، بعد أن كان وقع له مع الموفق ms0536 أمور ووقائع يأتي ذكرها في حوادث سنيه ~~على مصر. وكان قد أكل من لبن الجاموس وأكثر منه، وكان له طبيب اسمه سعيد بن ~~توفيل نصراني فقال له: ما الرأي. فقال له: لا تقرب الغذاء اليوم وغدا، وكان ~~جائعا فاستدعى خروفا وفراريج فأكل منها، وكان به علة القيام فامتنع ؟ فأخبر ~~الطبيب؟ فقال: إنا لله! ضعفت القوة المدافعة بقهر الغذاء لها،فعالجه ~~فعاوده! الإسهال؟ فخرج من أنطاكية في محفة تحمله الرجال، فضعف عن ذلك فركب ~~البحر إلى مصر؟ فقيل لطبيبه: لست بحاذق؟ فقال: والله ماخدمتي له إلا خدمة ~~الفأر للسنور، وإن قتلي عنده أهون علي من صحبته!. ولما دخل ابن طولون إلى ~~مصر على تلك الهيئة آستدعى الأطباء وفيهم الحسن بن زيرك ، فقال لهم: والله ~~لئن لم تحسنوا في تدبيركم لأضربن أعناقكم قبل موتي فخافوا منه؟ وماكان ~~يحتمي، ويخالفهم. ولما آشتد مرضه خرج المسلمون بالمصاحف، واليهود والنصارى ~~بالتوراة والإنجيل، والمعلمون بالصبيان، إلى الصحراء ودعوا له؟ وأقام ~~المسلمون بالمساجد يختمون القرآن ويدعون له؟ فلما أيس من نفسه رفع يديه إلى ~~السماء وقال: يارب آرحم من جهل مقدار نفسه، وأبطره حلمك عنه؟ ثم تشهد ومات ~~بمصرفي يوم الاثنين لثمان عشرة خلت من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين، وولي ~~مصر بعده آبنه أبو الجيش خمارويه؟ ومات وعمره خمسون سنة بحساب من قال إن ~~مولده سنة عشرين ومائتين. وكانت ولايته على مصر سبع عشرة سنة. وقيل: إنه ~~لما ثقل في الضعف أرسل إلى القاضي بكاربن قتيبة الحنفي وكان قد حبسه في دار ~~بسبب نحكيه هنا بعدما نذكر ما أرسل يقول له فجاء الرسول إلى بكار يقول له: ~~أنا أردك إلى منزلتك وأحسن؟ فقال القاضي بكار: قل له: شيخ فان وعليل مدنف، ~~والملتقى قريب، والقاضي الله عز وجل. فأبلغ الرسول أبن طولون ذلك؟ فأطرق ~~ساعة، ثم أقبل يقول: شيخ فان وعليل مدنف والملتقى قريب والقاضي الله! وكرر ~~ذلك إلى أن غشي عليه ثم أمر بنقله من السجن إلى دار آكتريت له. ~~PageV01P0272 # وأما سبب انحراف أحمد بن طولون على ms0537 القاضي بكار فلكون أن أبن طولون دعا ~~القاضي بكارا لخلع الموفق من ولاية العهد للخلافة فامتنع، فحبسه لأجل هذا؟ ~~وكرر عليه القول فلم يقبل وئالا ، وكان أولا من أعظم الناس عند آبن طولون. ~~قال الطحاوى: ولا أحصي كم كان أحمد بن طولون يجيء إلى مجلس بكار وهو على ~~الحديث ومجلسه مملوء بالناس، ويتقدم الحاجب بقول: لا يتغير أحد من مكانه ~~فما يشعر بكار إلا وابن طولون إلى جانبه، فيقول له: أيها الأمير ألا تركتني ~~حتى، كنت أقضي حقك وأؤدي واجبك! أحسن لله جزاءك وتولى مكافأتك،؟ ثم فسد ~~الحال بينهما حتى حبسه. قال القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان: كان ~~أحمد بن طولون دفع إلى القاضي بكار في العام ألف دينار سوى المقرر له ~~فيتركها بكار بختمها ولا يتصرف فيها، فلما دعاه " ابن طولون لخلع الموفق من ~~ولاية العهد أمتنع، آعتقله وطالبه بحمل الذهب فحمله إليه بختومه، وكان ~~ثمانية عشر كيسا في كل كيس ألف دينار فآستحى ابن طولون عند ذلك من الملأ. ~~قلت: هذا هو القاضي الذي في الجنة؟ رحمه الله تعالى. وقال أبو عيسى ~~اللؤلئي: رآه بعض أصحابه المتزهدين في حال حسنة في المنام يعني ابن طولون، ~~فقال له: ما فعل الله بك. وكيف حالك. قال: لا ينبغي لمن سكن الدنيا أن، ~~يحتقر حسنة فيدعها ولا سيئة فيرتكبها، عدل بي عن النار إلى الجنة بتريثي ~~على متظلم عيي اللسان شديد التهيب ، فسمعت منه وصبرت عليه حتى قامت حجته ~~وتقدمت بإنصافه، وما في الآخرة على الرؤساء أشد من الحجاب لملتمسي الإنصاف. ~~ورثاه كثير من الشعراء، من ذلك ما قاله بعض المصريين : يا غرة الدنيا الذي ~~أفعاله ... غرر بها كل الورى تتعلق أنت الأمير على الشآم وثغره ... ~~والرقتين وما حواه المشرق وإليك مصر وبرقة وحجازها ... كل إليك مع المدى ~~يتشوق وخلف ابن طولون ثلاثة وثلاثين ولدا، منهم سبعة عشر ذكرا، وهم: العباس ~~وخمارويه الفي ولي مصر بعد موته، وعدنان ومضر وشيبان وربيعة وأبو العشائر ، ~~وهؤلاء أعيانهم. فأما العباس فهو ms0538 الذي كان عصى على والده ودخل الغرب وحمل ~~إلى أبيه أحمد فحبسه ومات وهو في حبسه، ومات بعد أبيه بيسير؟ وكان شاعرا ، ~~وهو القائل: لله دري إذ أعدو على فرسي ... إلى الهياج ونار الحرب تستعر وفي ~~يدي صارم أفري الرؤوس به ... في حدة الموت لا يبقي ولا يذر إن كنت سائلة ~~عني وعن خبري ... فها أنا الليث والصمصامة الذكر من آل طولون أصلي إن سألت ~~فما ... فوقي لمفتخر في الجود مفتخر وكان أبوه أحمد بن طولون لما خرج إلى ~~الشام في السنة الماضية أخذه مقيدا معه وعاد به على ذلك. وخلف أحمد بن ~~طولون في خزائنه من الذهب النقد عشرة آلاف ألف دينار؟ ومن المماليك سبعة ~~آلاف مملوك، أومن الغلمان أربعة وعشرين ألف غلام ومن الخيل الميدانية، سبعة ~~آلاف رأس، ومن البغال والحمير ستة آلاف رأس، ومن الدواب لخاصته ثلاثمائة، ~~ومن مراكبه الجياد مائة. وكان ما يدخل إلى خزائنه في كل سنة بعد مصاريفه ~~ألف ألف دينار . رحمه الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من ولاية أحمد # وهي سنة خمس وخمسين ومائتين. فيها كان آبتداء خروج الزنج، وخرج قائدهم ~~بالبصرة، فلما خرج أنتسب إلى زيد بن علي، وزعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن ~~علي بن عيسى بن زيد بن علي أبن الحسين بن علي بن أبي طالب، ؟ وهذا نسب غير ~~صحيح. وآنضم عليه معظم أهل البصرة، وعظم أمره وفعل بالمسلمين الأفاعيل، ~~وهزم جيوش الخليفة، وآمتدت أيامه إلى أن قتل في سنة سبعين ومائتين بعد أن ~~واقعه الموفق أخو الخليفه غير مرة . وفيها كان بين يعقوب بن الليث وطوق بن ~~المغلس وقعة كبيرة. PageV01P0273 # وفيها عظم أمر ابن وصيف، وقبض على حواشي المعتز بالله الخليفة؟ فسأله ~~المعتز في إطلاق واحد منهم فلم يفعل. ولا زال أمره يعظم إلى أن خلع المعتز ~~بالله من الخلافة في رجب، ثم قتل بعد خلعه بأيام. وآختفت أم المعتز قبيحة، ~~ثم ظهرت فصادرها صالح بن وصيف المذكور وأخذ منها أموالا عظيمة، ثم نفاها ~~إلى مكة وكان ms0539 مما أخذ منها ابن وصيف ألف ألف دينار وثلاتمائة ألف دينار، ~~وأخذ منها من الجواهر ما قيمته ألفا ألف دينار. وكان الجند سألوا المعتز في ~~خمسين ألف دينار ويصطلحون معه ا ؟ فسألها المعتز في ذلك فقالت: ما عندي ~~شيء. فلما رأى ابن وصيف هذا المال قال: قبح الله قبيحة، عرضت ابنها للقتل ~~لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذا كله. وفيها بويع المهتدي بالله محمد، ~~وكنيته أبو إسحاق، وقيل: أبو عبد الله، ابن الخليفة الواثق بالله هارون ~~بالخلافة بعد خلع المعتز بالله في ثاني شعبان. وفيها توفي عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد، الحافظ أبو محمد التميمي الدارمي ~~السمرقندي الإمام المحدث صاحب المسند ، ومولده سنة مات عبد الله بن المبارك ~~سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان من الآئمة الأعلام، وقد روينا مسنده ~~المذكور عن الشيخ زين الدين رجب بن يوسف الخيري ومحمد بن أبي الشائب ~~الأنصاري حدثانا أخبرنا أبو إسحاق التنوخي، حدثنا أبو العباس الحجار ~~وإسماعيل بن مكتوم وعيسى المطعم إجازة، قالوا: أخبرنا ابن الليثي، حدثنا ~~أبو الوقت عبد الأول بن أبي عبد الله، عيسى بن شعيب بن إسحاق السجزي، ~~أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن ~~أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا أبو عمران عيسى بن عمر السمرقندي، حد ثنا ~~الدارمي. وفيها توفي المعتز بالله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد، وقيل: ~~إن أسمه الزبير، ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر بن الخليفة المعتصم ~~بالله محمد ابن الخليفة الرشيد هارون ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة ~~أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ~~الهاشمي العباسي البغدادي ومولده سنة آثنتين وثلاثين ومائتين، ولم يل ~~الخلافة قبله أحد أصغر منه، وأمه أم ولد رومية تسمى قبيحة لجمال صورتها من ~~أسماء الأضداد. لم يقع لخليفة ما وقع عليه من الإهانة، لأن الأتراك أمسكوه ~~وضربوه وجروا برجله وأقاموه في الشمس في يوم صائف وهم يلطمون ms0540 وجهه، ويقولون ~~له: اخلع نفسك؟ ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود، حتى خلع نفسه؟ ~~ثم أخذه الأتراك بعد خمس ليال من خلعه وأدخلوه الحمام فعطش فمنعوه الماء ~~حتى مات في شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وله أربع وعشرون سنة. وكانت ~~خلافته أربع سنين وستة أشهر وأربعة عشر يوما. وفيها توفي الحافظ أبو يحيى ~~صاعقة، وأسمه محمد بن عبد الرحيم، وله سبعون سنة. وفيها توفي محمد بن كرام ~~السجستاني. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع واثنتا عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية أحمد # وهي سنة ست وخمسين ومائتين: فيها وثب موسى بن بغا بالأتراك على صالح بن ~~وصيف وطالبوه بقتل المعتز وبمال أمه قبيحة، ووقع بينهم حروب قتل فيها صالح ~~بن وصيف المذكور؟ ثم خلعوا الخليفة المهتدي، فقاتلهم حتى ظفروا به وقتلوه، ~~وبايعوا المعتمد بالخلافة. وفيها آستعمل الخليفة أخاه الموفق طلحة على ~~المشرق، وصير أبنه جعفر ولي عهده! وولاه مصر والمغرب، ولقبه المفوض إلى ~~الله. وأنهمك المعتمد في اللهو واللذات، واشتغل عن الرعية، فكرهه الناس ~~وأحبوا أخاه الموفق طلحة، فغلب على الأمر حتى صار المعتمد معه كالمحجور ~~عليه ، على ما سيأتي ذكره. وفيها توفي الحسن بن علي، الإمام العابد الزاهد ~~أبو علي التنوخي البغدادي أوحد زمانه في علوم الحقائق؟ وهو من كبار أصحاب ~~سري السقطي ، وهو أول من عقدت له الحلقة ببغداد. وفيها توفي الزبير بن بكار ~~بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو عبد ~~الله الأسدي، الإمام العلامة صاحب كتاب النسب . كان عالما بالأنساب وأيام ~~الناس ولي قضاء مكة، وقدم بغداد وحدث بها. PageV01P0274 # وفيها كان قتل صالح بن وصيف التركي أحد قواد المتوكل؟ كان قد استطال على ~~الخلفاء وقتل المعتز وصادر أمه قبيحة حسبما تقدم ذكره. وفيها توفي الإمام ~~الحافظ الحجة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن يردز ~~به البخاري الجعفي مولاهم وكان المغيرة مجوسيا ms0541 فأسلم على يد يمان البخاري ~~الجعفي. والبخاري هذا هو صاحب الصحيح ، مولده يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ~~شوال سنة أربع وتسعين ومائة ومات ليلة عيد الفطر بقرية خرتنك بالقرب من ~~بخارى، وقد سمعت صحيحه أتفوت على سيدنا شيخ الإسلام جلال الدين عبد الرحمن ~~ألب لقيني الشافعي رضي الله عنه أنبأنا والدي شيخ الإسلام، أنبأنا جمال ~~الدين عبد الرحيم بن شاهد الجيش، أنبأنا إسماعيل بن عبد القوي بن عزون ~~وأحمد بن علي بن يوسف وعثمان بن عبد الرحمن بن رشيق سماعا عليهم عن هبة ~~الله بن علي البوصيري ومحمد بن أحمد بن حامد أل ارتاحي،الأول عن محمد بن ~~بركات، والثاني عن علي بن الحسين بن، عمر الفراء عن كريمة ابنة أحمد ~~المروية عن محمد بن مكي الكشميهني عن محمد بن يوسف الفربري عن الإمام ~~البخاري، وأخبرني به الشيخ الأوحد أبو عبد الله محمد بن عبد الكافي السويفي ~~سماعا عليه لجميعه، أنبأنا شمس الدين محمد بن علي بن الخشاب سماعا عليه ~~لجميعه، أنبأنا شيخان أبو العباس أحمد بن أبي طالب بن الشحنة الحجار وأم ~~محمد وزيرة بنت عمر التنوخية، قالا أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك ~~الزبيدي، أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن أبي عبد الله، عيسى السجزي، أنبأنا ~~أبو الحسن عبد الرحمن ابن محمد الداودي، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن أحمد ~~السرخسي، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري، أنبأنا الإمام البخاري ~~رضي الله عنه. وفيها توفي أمير المؤمنين المهتدي بالله محمد ابن الخليفة ~~هارون الواثق ابن الخليفة محمد المعتصم ابن الخليفة الرشيد هارون الهاشمي ~~العباسي وكان صالحا عابدا يسرد الصوم متقشفا، لم يل الخلافة بعد الخلفاء ~~الراشدين وعمر بن عبد العزيز أصلح منه، غير أنه لم يجد من ينصره، وحاربته ~~الأتراك وخلعوه وداسوا خصيته وصفعوه حتى مات في منتصف شهر رجب، فكانت ~~خلافته سنة إلا خمسة عشر يوما؟ وأمه أم ولد رومية تسمى قرب . قال الخطيب ~~أبو بكر: لم يزل صائما منذ ولي الخلافة إلى أن ms0542 قتل وله نحو أربعين سنة ~~وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري. ~~وفيها توفي علي بن المنذر الطريقي . وفيها توفي محمد بن أبي عبد الرحمن. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية أحمد # بن طولون على مصر وهي سنة سبع وخمسين ومائتين فيها دخل الزنج البصرة ~~وأباحوها وبذلوا فيها السيف، فحاربهم سعيد الحاجب وأستخلص منهم كثيرا مما ~~كانوا أسروه وفيها عقد الخليفة المعتمد لأخيه أبي أحمد الموفق على الكوفة ~~والحجاز والحرمين واليمن وبغداد وواسط والبصرة والأهواز وفارس وما وراء ~~النهر وفيها قتل ميخائيل بن توفيل ملك الروم، قتله باسيل الصقلبي وكان ~~ميخائيل قد ملك أربعا وعشرين سنة وفيها حج بالناس الفضل بن إسحاق بن الحسن ~~بن سهل بن العباس العباسي وفيها توفي الحسن بن عبد العزيز، الحافظ أبو علي ~~الجذامي المصري؟ قدم بغداد وحدث بها؟ قال الدار قطني : لم أر مثله فضلا ~~وزهدا ودينا وورعا وثقة وصدق عبارة وفيها توفي سليمان بن معبد، أبو داود ~~النحوي المروزي. رحل في طلب العلم إلى العراق والحجاز واليمن والشام ومصر، ~~وقدم بغداد وذاكر الجاحظ، ومات بها في ذي الحجة. وفيها توفي شهيدا بأيدي ~~الزنج العباس بن الفرج، أبو الفضل الرياشي النحوي البصري، مولى محمد بن ~~سليمان العباسي، رحل في طلب العلم، وكان من النحو واللغة والفقه والأدب ~~والفضل بالمحل الأعلى؟ وكان من الثقات الحفاظ، وقرأ كتاب سيبويه على ~~المازني، فكان المازني يقول: يقرأ علي كتاب سيبويه وهو أعلم به مني. وفيها ~~توفيت فضل الشاعرة، كانت من مولدات اليمامة ، وكذا أمها، وبها ولدت، فرباها ~~بعض الفضلاء وباعها، فاشتراها محمد بن الفرج الرخجي وأهداها إلى المتوكل، ~~ولم يكن في زمانها أفصح منها ولا أشعر. وفيها توفي شهيدا بأيدي الزنج زيد ~~بن أخزم بمعجمتين الطائي الحافظ. PageV01P0275 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ms0543 ذراعا وثماني عشرة إصبع. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية أحمد # بن طولون على مصر وهي سنة ثمان وخمسين ومائتين فيها عقد المعتمد على ~~الله لأخيه الموفق طلحة على حرب الزنج، فندب إليهم الموفق منصورا، فكانت ~~وقعة بين منصور بن جعفر بن دينار وبين يحيى ، فانهزم عن منصور عسكره، وساق ~~وراءه يحيى فضرب عنقه، وآستباحت الزنج عسكره فلما وصل الموفق إلى نهر معقل ~~انهزم جيش الخبيث رأس الزنج، ثم تراجعوا وقاتلوا جيش الموفق حتى هزموه ~~وانحاز الموفق وهم بالهروب، ثم تراجع وواقعهم حتى انتصر عليهم، وأسر ~~طاغيتهم يحيى المذكور، وقتل عامة أصحابه، وبعث بيحيى إلى المعتمد، فضربه ثم ~~طوف به ثم ذبحه. وفيها وقع الوباء العظيم بالعراق، ومات خلق لا يحصون، حتى ~~مات غالب عسكر الموفق؛ فلما وقع ذلك كثر الزنج على الموفق وواقعوه ثانيا ~~أشد من الأول. ثم هزمهم الله ثانيا. وفيها كانت زلازل هائلة سقطت منها ~~المنازل ومات خلق كثير تحت الردم. وفيها كانت واقعة ثالثة بين الزنج ~~والموفق كانوا فيها متكافئين. وفيها توفي أحمد بن الفرات بن خالد أبو مسعود ~~الرازي الأصبهاني. كان أحد الأئمة الثقات. ذكره أبو نعيم في الطبقة السابعة ~~وأثنى عليه. وفيها توفي أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان البصري الحافظ ~~سكن بغداد وحدث بها عن جده وغيره، وروى عنه المحاملي وغيره. وفيها توفي ~~جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ~~الهاشمي العباسي. كان يقال له قاضي الثغور، وولي القضاء بسر من رأى، وحدث ~~عن أبي عاصم النبيل وغيره، قال أبو زرعة الرازي: كنت إذا رأيته هبته وأقول: ~~هذا يصلح للخلافة. وفيها توفي محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس ~~أبو عبد الله النيسابوري الذهلي مولاهم ؛ كان حافظ عصره وإمام الحديث ~~بنيسابور وصاحب الواقعة مع البخاري صاحب الصحيح. كان أحد الأئمة الحفاظ ~~المتقنين؟ كان الإمام أحمد بن حنبل يثني عليه وينشر فضله ويقول: هو إمام ~~السنة بنيسابور. وفيها توفي معاوية بن صالح، ms0544 أب وعمرو الحضرمي الحمصي قاضي ~~الأندلس، أصله من أهل مصر ؛كان إماما عالما فاضلا محدثا كبير الشأن. وفيها ~~توفي يحيى بن معاذ بن جعفر، أبو زكريا الرازي الواعظ، أحد الزهاد أوحد وقته ~~في علوم الحقائق ؛ وكانوا ثلاثة إخوة: يحيى وإسماعيل وإبراهيم؛ كان إسماعيل ~~أكبرهم، ويحيى الأوسط. وفيها توفي يحيى الجلاء. كان من الزهاد، وصحب بشرا ~~الحافي ومعروفا الكرخي وسريا السقطي. قال أحمد بن حنبلي: قلت لذي النون: لم ~~سمي بابن الجلاء. فقال: سميناه بذلك لأنه إذا تكلم جلا قلوبنا. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع ونصف. مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا وخمس أصابع ونصف. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية أحمد # وهي سنة تسع وخمسين ومائتين: فيها كان أيضا بين الموفق وبين الزنج مقتلة ~~عظيمة، ثم كان بين موسى ابن بغا وبين الزنج أيضا مقتلة عظيمة، وقتل فيها ~~خلق من الطائفتين. وفيها كانت وقعة بين الروم وبين أحمدبن محمد القابوسي ~~على ملطية وشمشاط ، ونصر الله المسلمين. وفيها ولد عبيد الله الملقب ~~بالمهدي والد الخلفاء الفاطميين. وفيها توفي الحسين بن عبد السلام، أبو عبد ~~الله المصري المعروف بالجمل، الشاعر المشهور كان يصحب الشافعي رضي الله عنه ~~. وفيها توفي محمد بن عمرو بن يونس، أبو جعفر الثعلبي، ويعرف أيضا بالسوس، ~~الزاهد العابد؛ مات وقد بلغ من العمر مائة سنة. وفيها توفي محمد بن إبراهيم ~~بن محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع أبو الحسن القرشي الدمشقي الحافظ العالم ~~المحدث مصنف كتاب الطبقات. وفيها توفي الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب ~~السعدي ألج رجاني العالم المشهور. وفيها توفي أيضا أحمد بن إسماعيل السهمي. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وخمس أصابع ونصف. ### || AUT السنة السادسة من ولاية أحمد # وهي سنة ستين ومائتين: فيها كان الغلاء المفرط بالحجاز والعراق حتى بلغ ~~الكر من الحنطة ببغداد مائة وخمسين دينارا. PageV01P0276 # وفيها أغارت الأعراب على حمص، فخرج أميرهم منخور التركي لحربهم فقتلوه، ~~وتولى بعده ms0545 حمص بكتمر التركي المعتمدي. وفيها أخذت الروم لؤلؤة . وفيها ~~أيضا كانت وقعات عديدة بين عساكر الموفق وبين الزنج، وقتلت الزنج علي بن ~~يزيد العلوي صاحب الكوفة. وفيها توفي إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الحافظ، ~~أبو إسحاق الجرجاني المقدم ذكره في الماضية على الصحيح في هذه السنة؛ كان ~~يسكن دمشق، ويحدث على المنبر، وكان من الأئمة الحفاظ، إلا أنه كان منحرفا ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وفيها توفي أيوب بن إسحاق بن إبراهيم بن ~~مسافر؛ كان يسكن الرملة، وحدث بها وبمصر ودمشق، وكان زعر الخلق. وفيها توفي ~~الحسن بن علي بن محمد بن علي، بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي، بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب، ويقال له العسكري ، كنيته أبو محمد وهو أحد الأئمة الا ~~ثني عشر المعدود ين، عند الرافضة . ومولده سنة إحدى وثلاثين ومائتين بسر من ~~رأى، وأمه أم ولد. وفيها توفي الحسن الفلاس العابد الزاهد؛ كان يتقوت من ~~قمام المزابل؟ صحبه بشر الحافي وسري السقطي ومعروف الكرخي، وأنتفع به بشر ~~الحافي. وفيها توفي الحسن بن محمد بن الصباح، أبو علي الزعفراني؟ أصله من ~~قرية بالعراق يقال لها الزعفرانية، وهوصاحب الإمام الشافعي الذي قرأ عليه ~~كتاب الأم وروى عنه أقواله القديمة. وفيها توفي مالك بن طوق بن غياث ~~التغلبي صاحب الرحبة ة كان أحد الأجواد ولي إمرة دمشق والأردن. وفيها توفي ~~محمد بن مسلم بن عبد الرحمن أبو بكر القنطري. كان ينزل قنطرة البردان ~~ببغداد فنسب إليها، وكان يشبه في الزهد والورع ببشر الحافي. أمر النيل في ~~هذه! السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع أصابع ونصف. مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من ولاية أحمد # وهي سنة إحدى وستين ومائتين: فيها ولى الخليفة المعتمد أبا الساج إمرة ~~الأهواز وحرب صاحب الزنج، فكان بينه وبين الزنج حروب. وفيها بايع المعتمد ~~بولاية العهد بعده لابنه المفوض جعفر المذكور قبل تاريخه أيضا وولاه المغرب ~~والشام والجزيرة وأرمينية، وضم إليه موسى ms0546 بن بغا، وولى أخاه الموفق العهد ~~بعد أبنه المفوض، وولاه المشرق والعراق وبغداد والحجاز واليمن وفارس و ~~أصبهان والري وخراسان وطبرستان وسجستان والسند وضم إليه مسرورا البلخي ، ~~وعقد لكل واحد منهما لواءين: أبيض وأسود، وشرط إن حدث به حدث الموت أن ~~الأمريكون لأخيه الموفق إن لم يكن آبنه المفوض جعفر قد بلغ وكتب العهد ~~وأرسله مع قاضي القضاة الحسن بن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة. وفيها توفي ~~الحافظ مسلم بن الحجاج بن مسلم الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين النيسابوري ~~صاحب الصحيح ؛ ولد سنة أربع ومائتين. قال الحسين بن محمد الماسرجسي : سمعت ~~أبي يقول سمعت مسلما يقول: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث ~~مسموعة. وقال أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم في تأليف صحيحه اثنتي عشرة سنة ~~قال: وهو آثنا عشر ألف حديث، يعني بالمكرر. قلت: مات يوم الأحد ودفن يوم ~~الاثنين لخمس بقين من شهر رجب. وقد روينا صحيحه عن أبي ذر الحنبلي أنبأنا ~~محمد بن إبراهيم البياني سماعا أنبأنا أبو الفداء إسماعيل وعلي بن مسعود بن ~~نفيس، قالا أنبأنا إبراهيم بن عمر بن مضر وأحمد بن عبد الدائم، قال ابن مضر ~~أنبأنا منصور، وقال ابن عبد الدائم أنبأنا محمد بن علي بن صدقة الحراني ~~أنبأنا صدر الدين البكري، قال البكري أنبأنا المؤيد بن محمد بن علي، الطوسي ~~قال ابن عساكر إجازة قال الفراوي ، وهو فقيه الحرم، قال أنبأنا الفارسي ~~أنبأنا الجلودي أنبأنا ابن سفيان أنبأنا مسلم. وفيها توفي الحسن بن محمد بن ~~عبد الملك، أبو محمد القاضي الأموي، ويعرف بابن أبي الشوارب؟ كان فقيها ~~عالما فاضلا جوادا ذا مروءة ؛ ولي القضاء سنين عديدة. وفيها توفي الشيخ ~~الإمام المعتقد أبو يزيد البسطامي ، واسمه طيفور بن عيسى بن شروسان ، وكان ~~شروسان مجوسيا، وكان لعيسى ثلاثة أولاد: آدم وهو أكبرهم، وطيفور هذا وهو ~~أوسطهم وعلي، ، وكان الثلاثة زهادا عبادا. وكان طيفور أفضل أهل، زمانه ~~وأجلهم محلا. كان له لسان في المعارف والتدقيق، وكان صاحب أحوال وكرامات، ~~وقد شاع ذكره شرقا ms0547 وغربا. PageV01P0277 # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن يزداد أبو صالح الكاتب المروزي؛ وزر أبوه ~~للمأمون ووزر هو للمستعين والمهتدي، وكان أديبا شاعرا فاضلا جوادا ممدحا. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع ونصف. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية أحمد # وهي سنة اثنتين وستين ومائتين: فيها ولي قضاء سر من رأى علي بن الحسن بن ~~أبي الشوارب عوضا عن أبيه. وولي قضاء بغداد إسماعيل بن إسحاق القاضي. وفيها ~~آشتغل المعتمد بقتال يعقوب بن الليث الصفار؟ فبعث كبير الزنج عسكره إلى ~~البطيحة فنهبها وأفسد العسكر بها وأسروا وقتلوا. وفيها تعرض رجل لامرأة ~~ببغداد وغصبها بمكان وهي تصيح: اتق الله وهولا يلتفت؛ فقالت: " قل اللهم ~~فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك " الآية 46، ~~الزمر.ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت: اللهم إنه قد ظلمني فخذه إليك؟ فوقع ~~الرجل ميتا. قال ابن عون الفرائضي : فأنا والله رأيت الرجل ميتا، فحمل على ~~نعش والناس يهللون ويكبرون. وفيها غلب يعقوب بن الليث الصفار على فارس، ~~وهرب عامل المعتمد إلى ا لأهواز. وفيها توفي خالد بن يزيد، أبو الهيثم ~~التميمي الخراساني الكاتب، أحد كتاب الجيش ببغداد. كان فاضلا شاعرا. وفيها ~~توفي سعد بن يزيد، أبو محمد البزاز؟ كان إماما فاضلا شاعرا حافظا؟ روى عنه ~~يزيد بن هارون وطبقته؟ ومات ببغداد في شهر رجب. وفيها توفي عبد الله بن ~~الفقير المروزي المعتقد، كان من الأبدال ، كان مقيما بقزوين، فإذا كان يوم ~~الجمعة قد سلك مسافة بعيدة، وكان يمشي على الماء ويقف له بحرجيحون، وكان ~~يتقوت بالمباحات . وفيها توفي يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور، أبو يوسف ~~الحافظ السدوسي البصري؟ كان إماما حافظا فقيها عالما؟ صنف المسند معللا إلا ~~أنه لم يتمه ، وكان يتفقه على مذهب مالك، وسمع منه يزيد بن هارون وغيره. ~~وكان ثقة، إلا أنه كان يقول بالوقف فى القران، فهجره الناس. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع ms0548 وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية أحمد # وهي سنة ثلاث وستين ومائتين: فيها سار يعقوب بن الليث الصفار إلى ~~الأهواز، وأسر الأمير ابن واصل ، واستولى على الأهواز. وفيها استوزر ~~الخليفة المعتمد الحسن بن مخلد بعد موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان؟ فلما ~~قدم موسى بن بغا إلى سامرا هرب الحسن المذكور، فآستوزر مكانه سليمان بن وهب ~~في في الحجة. وفيها حج بالناس الفضل بن إسحاق الذي حج بهم في الماضية . ~~وفيها توفي الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان بن عرطوج أبو الحسين التركي ~~الوزير. وسبب موته أنه دخل ميدانا في داره يوم الجمعة لعشر خلون من ذي ~~القعدة ليضرب الصوالجة، وركب ولعث ، فصدمه خادمه رشيق، فسقط عن دابته ميتا. ~~وفيها توفي محمد بن محمد بن عيسى أبو الحسن البغدادي، ويعرف بآبن أبي الورد ~~؟ كان من الزهاد والورعين. وفيها توفي الإمام الحافظ محمد بن علي بن ميمون ~~الرقي العطار، إمام أهل الجزيرة؟ وفي التهذيب: توفي سنة ثمان وستين. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية أحمد # وهي سنة أربع وستين ومائتين: فيها في المحرم خرج أبو أحمد الموفق ومعه ~~موسى بن بغا إلى قتال الزنج، فلما نزلا بغداد مات موسى بن بغا، فحمل إلى ~~سامرا ودفن بها. وفيها في شهر ربيع الأول توفيت قبيحة أم الخليفة المعتز ~~بسامرا؛ وكان الخليفة المعتمد قد أعادها من مكة إلى سامرا وأكرمها، وكانت ~~أم ولد للمتوكل رومية، وكانت فائقة في الجمال، فسميت قبيحة من أسماء ~~الأضداد؟ وقد تقدم ذكر مصادرتها من قبل صالح بن وصيف وما أخذ منها من الذهب ~~والجواهر. وفيها توفي عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ الحافظ، أبو ~~زرعة الرازي مولى عياش بن مطرف القرشي؛ ولد سنة مائتين بالري؛ وكان إماما ~~حافظا ثقة صدوقا؟ وهو أحد الأئمة المشهورين الرحالين لطلب ms0549 الحديث. قدم ~~بغداد وحدث بها غير مرة، وجالس الإمام أحمد بن حنبل وكان يحبه ويثني عليه. ~~PageV01P0278 # وفيها توفي إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم الفقيه، أبو ~~إبراهيم المزني المصري صاحب الشافعي؛ روى عنه وعن غيره، وروى عنه أبو بكر ~~بن خزيمة والطحاوي وغيرهما؛ وهو أحد الأئمة المشهورين، وتفقه به جماعة، ~~وصنف التصانيف، منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، ومختص! المختصر؛ ولما ~~قدم القاضي بكاربن قتيبة على قضاء مصر وهو حنفي، اجتمع به المزني، فسأله ~~رجل من أصحاب بكار وقال: قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وتحليله، فلم ~~قدمتم التحريم على التحليل؟ فقال المزني: لم يذهب أحد إلى تحريم النبيذ في ~~الجاهلية ثم حلل لنا، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا فحرم، فهذا يعضد ~~أحاديث التحريم. فآستحسن القاضي بكار ذلك منه . أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثماني أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~واثنتان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية أحمد # وهي سنة خمس وستين ومائتين: فيها خرج صاحب الترجمة أحمد بن طولون من مصر ~~إلى الشام في المحرم ، وتوجه إلى أنطاكية وحصر بها صاحبها سيما الطويل، ولم ~~يزل! مقيما عليها بآلات الحصار إلى أن أخذ أنطاكية وقتل سيما الطويل ~~المذكور، ثم عاد إلى مصر . وفيها أمر الموفق بحبس سليمان بن وهب وأبنه عبد ~~الله فحبسا، وأخذ أموالهما وعقارهما، ثم صلحا على تسعمائة ألف دينار. وفيها ~~استوزر الخليفة المعتمد إسماعيل بن بلبل . وفيها مات يعقوب بن الليث الصفار ~~بالأهواز، وخلفه أخوه عمرو بن الليث؛ فكتب عمرو بن الليث إلى المعتمد بأنه ~~سامع مطيع. وفيها بعث ملك الروم بعبد الله بن رشيد بن كآس، الني كان عامل ~~الثغور وأسره الروم، إلى أحمد بن طولون مع عدة إساري .. وفيها خرج العباس ~~بن أحمد بن طولون إلى برقة مخالفا لأبيه، وكان أبوه قد استخلفه على مصر لما ~~توجه إلى حصار سيما الطويل بإنطاكية، وأخذ معه العباس ما في بيت مال مصر من ~~الأموال وما كان ms0550 لأبيه من الآلات وغيرها وتوجه إلى برقة؛ فوجه أبوه أحمد بن ~~طولون خلفه جيشا فقاتلوه حتى ظفروا به، وأحضروه إلى أبيه فحبسه، وقتل جماعة ~~من القواد الذين كانوا معه. وفيها دخل الزنج العمانية فأحرقوا سوقها وأكثر ~~منازل أهلها وقتلوا وسبوا. وفيها ولى الموفق عمرو بن الليث الصفار هراسان ~~وكرمان وفارس وآبهان وسجستان. وفيها حج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن ~~موسى بن عيسى الهاشمي . وفيها توفي إبراهيم بن هانىء الحافظ، أبو إسحاق ~~النيسابوري؟ كان أحد أئمة الحديث الرحالة، واختفى أحمد بن حنبل في داره ~~أيام المحنة. وفيها توفي سعدان بن نصر بن منصور أبو عثمان الثقفي البزاز! ~~ولد سنة اثنتين وسبعين ومائة، وسمع سفيان بن عيينة وغيره، وكان أديبا ~~شاعرا، مات فى ذي الحجة.. وفيها توفي صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، ~~أبوالفضل الشيباني؛ ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائتين في ربيع الأخر، وولي قضاء ~~أصبهان؟ وكان صدوقا كريما جوادا ورعا. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن ~~أيوب، أبو محمد الزاهد الورع ؛ سئل قضاء بغداد فامتنع. وفيها توفي علي بن ~~الموفق العابد؛ كان صاحب كرامات وأحوال، وكان محدثا ثقة صدوقا. وفيها توفي ~~عمرو بن مسلم الشيخ المعتقد أبو حفص النيسابوري. كان من الأبدال مجاب ~~الدعوة؛ مات في شهر، ربيع الأول. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس ~~أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية أحمد # وهي سنة ست وستين ومائتين: فيها دخل علي بن أبان مقدم الزنج الأهواز ~~فقاتله أغرتمش التركي فانتصر الخبيث على أغرتمش المذكور وقتل ونهب وبعث ~~برؤوس القتلى ونصبها على سور مدينته. وفيها وثب الأعراب على الحجاج وأخذوا ~~الكسوة، وصار بعضه إلى صاحب الزنج، وأصاب الحج شدة عظيمة. وفيها دخل أصحاب ~~الزنج رامهرمز وآستباحوها. وفيها كانت بين الأكراد والزنج وقعة ظهر فيها ~~الزنج في الأول ثم كان النصر للأكراد على الزنج، وأعمل فيهم السيف، ولله ~~الحمد والمنة. PageV01P0279 # وفيها توفي محمد بن شجاع الحافظ، ms0551 أبو عبد الله الثلجي البغدادي الفقيه ~~الحنفي أحد الأعلام؟ قرأ القرآن على اليزيدي ، وروى الحروف عن يحيى بن آدم، ~~وتفقه على الحسن بن زياد اللؤلؤي وغيره، وصار إمام عصره، وبه تخرج غالب ~~علماء عصره. وفيها توفي حماد بن الحسن، بن عنبسة الوراق العالم المشهور. ~~وفيها توفي محمد بن عبد الملك الدقيقي . أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ست أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعأ وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من ولاية أحمد # وهي سنة سبع وستين ومائتين: فيها دخلت الزنج واسطا واستباحرها وأحرقوا ~~فيها، فجهز الموفق ابنه أبا العباس لحربهم في جيش عظيم، فكانت بينه وبينهم ~~وقعة عظيمة انهزم فيها الزنج، وقتل أبو العباس فيهم مقتلة عظيمة وأسر ~~جماعة، وفرقهم وغرق مراكبهم في الماء، فكان ذلك أول نصر المسلمين على ~~الزنج؟ ثم كان بعد ذلك في هذه! السنة أيضا عدة وقائع بين الزنج وبينه ~~والجميع ينتصر فيها أبو العباس بن الموفق وفيها بنى الموفق مدينة بإزاء ~~مدينة صاحب الزنج، وسماها الموفقية. وفيها وثب صاحب الترجمة أحمد بن طولون ~~على أحمد أبن محمد، بن المدبر، وكان أحمد بن محمد، بن المدبر متولي خراج ~~دمشق والأردن وفلسطين، وحبسه وأخذ أمواله، ثم صالحه على ستمائة ألف د ينار. ~~وفيها حج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق العباسي. وفيها توفي علي بن الحسن ~~بن موسى بن ميسرة الهلالي النيسابوري الدرابجردي ودرابجرد محلة بنيسابور ~~كان من أكابر علماء نيسابور وابن عالمهم، وله مسجد بدرابجرد يقصد للزيارة، ~~وقيل: إنه روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما، وكان ثقة صدوقا. فاضلا؟ وجد في ~~مسجده ميتا بعد أسبوع ولم يعلموا به، وقيل: أكله الذئب. وفيها توفي محمد بن ~~حماد بن بكر المقرىء، صاحب خلف بن هشام؟ كان أحد القراء المجودين وعباد ~~الله الصالحين. وفيها توفي شهيدا يحيى بن محمد بن يحيى، أبو زكرياء الذهلي، ~~إمام أهل نيسابور في الفتوى والرياسة، وكان يتفقه على مذهب الإمام الأعظم ~~أبي حنيفة، وهو ابن صاحب الواقعة مع محمد بن ms0552 إسماعيل البخاري. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وتسع أصابع ونصف. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من ولاية أحمد # وهي سنة ثمان وستين ومائتين: فيها غزا خلف الفرغاني التركي، نائب أحمد ~~بن طولون، ثغور الشام، فقتل من الروم بضعة عشر ألفا، وغنم حتى بلغ السهم ~~أربعين دينارا. وفيها قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني الخارج بخراسان، قتله ~~غلمانه في آخر السنة. وفيها أظهر لؤلؤ الخلاف على أحمد بن طولون، وكاتب ~~الموفق بالقدوم عليه. ولؤلؤ المذكور من موالي أحمد بن طولون . وفيها توفي ~~أحمد بن سياربن أيوب الحافظ أبو الحسن المروز في مام أهل الحديث بمرو؟ كان ~~جمع بين الحديث والفقه والورع والزهد، وكان يقاس بعبد الله بن المبارك، وقد ~~روى عنه أئمة خراسان: البخاري وغيره. وأخرج له النسائي، وآتفقوا على صدقه ~~وثقته. وفيها توفي أنس بن خالد بن عبد الله بن أبي طلحة بن موسى بن أنس بن ~~مالك الأنصاري؟ كان إماما حافظا، روى عنه عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل ~~وغيره. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو عبد الله فقيه أهل ~~مصر ومحدثهم؟ ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، ومات بمصر في ذي القعدق وصلى ~~عليه القاضي بكار، وكان يعرف بصاحب الشافعي لأنه أسند عنه، وكان مالكي ~~المذهب، وآمتحن بعد أن حمل إلى بغداد فثبت على السنة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من ولاية أحمد # وهي سنة تسع وستين ومائتين: فيها قطعت الأعراب الطريق على أقافلة من، ~~الحاج، وأخذت خمسمائة جمل بأحمالها. وفيها وثب خلف الفرغاني التركي عامل ~~أحمد بن طولون، على يا زمان خادم الفتح بن خاقان وحبسه بالثغور، فخلصه ~~الجند وهموا بقتل خلف، فهرب إلى دمشق؟ فاتفقوا ولعنوا أحمد بن طولون على ~~المنابر. فبلغ ابن طولون، فسار من مصر حتى نزل آذنة وقد تحصن ms0553 بها يازمان ~~المذكور؟ فأقام آبن طولون مدة على حصاره فلم ينل منها طائلا، فعاد إلى دمشق ~~. PageV01P0280 # وفيها آستولى الموفق على مدينة صاحب الزنج ودخلها عنوة. وفيها توفي أحمد ~~بن عبد الله بن القاسم الحافظ أبو بكر الوراق على الصحيح؟ حدث عن عبد الله ~~بن معاذ العنبري وغيره، وروى عنه أبو سعيد ابن الأعرابي وغيره. وفيها توفي ~~الحسن بن مخلد بن الجراح، أبو محمد الكاتب الوزير؟ ولد سنة تسع ومائتين، ~~وكان يتولى ديوان الضياع للمتوكل جعفر، وآستوزره المعتمد. وفيها توفي خالد ~~بن أحمد بن عمرو ، الأمير أبو الهيثم الذهلي؟ ولي إمرة مرو وهراة وبخارى ~~وغيرها؟ وكان من أهل السنة، وله أيام مشهورة وأمور مجموعة. قال ابن قزأوغلي ~~في تاريخه: وهو النيى نفى البخاري عن بخارى لما قال: الفظي بالقرآن مخلوق؟ ~~وكان يحب العلماء والحديث؟ أنفق في طلب الحديث والعلم ألف ألف درهم. وفيها ~~توفي عيسى بن الشيخ بن ال!ليل ، أبو موسى الذهلي الشيباني؟ كان غلب على ~~دمشق أيام المهتدي وأول أيام المعتمد. وفيها توفي محمد بن إبراهيم، أبو ~~حمزة الصوفي البغدادي أستاذ البغداديين، وهو أول من تكلم في هذه المذاهب: ~~من صفاء الذكر وجمع الهم والمحبة والعشق والأنس، لم يسبقه إلى الكلام بهذا ~~على رؤوس المنابر ببغداد أحد؟ كان عالما بالقراءات، وجالى الإمام أحمد بن ~~حنبل؟ وكان الإمام أحمد إذا جرى في مسألة شيء من كلام القوم يلتفت إليه ~~ويقول: ماتقول في هف! المسألة يا صوفي. وصحب سريا السرقطي والجنيد وحسنا ~~المسوحي وكيرهم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السادسة عشرة من ولاية أحمد # وهي سنة سبعين ومائتين، أعني التي مات فيها أحمد بن طولون المذكور: فيها ~~كانت أيضا وقائع بين الموفق طلحة وبين صاحب الزنج، قتل في آخرها صاحب الزنج ~~علي، لعنه الله تعالى. وفيها أنشق ببغداد في، الجانب الغربي شق من نهر ~~عيسى، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار. وفيها ظهر أحمد ms0554 بن عبد ~~الله بن إبراهيم العلوي بصعيد مصر وتبعه خلق كثير، فجهز إليه أحمد بن طولون ~~جيشا، فكانت بينهم حروب حتى ظفر أصحاب آبن طولون به، فحملوه إليه فقتله ~~ومات بعده بيسير. وفيها بنى أحمد بن طولون على قبر معاوية بن أبي سفيان ~~أربعة أروقة، ورتب عند القبر أناسا يقرؤون القران ويوقدون الشموع عند ~~القبر. وفيها توفي إسماعيل بن عبد الله بن ميمون بن عبد الحميد بن أبي ~~الرجال، الحافظ أبو نصر العجلي. سمع خلقا كثيرا، وروى عنه غير واحد، وكان ~~ثقة شاعرا فصيحا؟ ومات وله أربع وثمانون سنة. وفيها توفي القاضي بكاربن ~~قتيبة بن عبد الله، وقيل: قتيبة بن أسد بن أبي، بردعة بن عبيد الله بن ~~بشيربن عبيد الله، بن أبي بكرة الثقفي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وكنية القاضي بكار هذا أبو بكرة، القاضي البصري الحنفي. ولد بالبصرة سنة ~~اثنتين وثمانين ومائة. وهو أحد الأئمة الأعلام كان عالما فقيها محدثا صالحا ~~ورعا عفيفا ثقة؟ مات وهو أعلم زمانه بالديار المصرية. وفيها توفي داودبن ~~علي بن خلف أبو سليمان الظاهري صاحب مذهب الظاهرية المعروف بداود الظاهري ~~وهوأول من نفى القياس في الأحكام الشرعية وتمسك بظواهر النصوص وأصله من ~~أصبهان ، وسمع الكثير ولقي لشيوخ وتبعه خاق كثير، وقدم بغداد وصنف بها ~~الكتب، وتوفي بها في رمضان، وقيل: في ذي القعده. وفيها توفي الربيع بن ~~سليمان بن عبد الجبار بن كامل أبو محمد المراثي الفقيه صاحب الشافعي رضي ~~الله عنه نقل عنه معظم أقاويله وكان فقيها فاضلا ثقة دينا مات بمصر في شوال ~~وصلى عليه صاحب مصر خمارويه بن أحمد بن طولون. وفيها توفي عبد الله بن محمد ~~بن شاكر، أبو البختري العنبري الكوفي كان محدثا فاضلا قدم بغداد وحدث بها. ~~PageV01P0281 # وفيها توفي علي بن محمد صاحب الرنج وقائدهم وقيل: اسمه نهيود، وهو صاحب ~~الوقائع المقدم ذكرها مع الموفق وعساكره؟ وكانت مدة إقامته أربع عشرة سنة ~~وأربعة أشهر وعشرة أيام، ولقي الناس منه في هذه المدة شدائد قال ms0555 الصولي: ~~قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف مابين شيخ وشاب وذكر وأنثى، وقتل في ~~يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف. وكان له منبر في مدينته يصعد عليه ويسب ~~عثمان وعليا ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم ، وهذا هو رأي ~~الخوارج الأزارقة لعنة الله عليهم واستراح المسلمون بموته كثيرا، ولله ~~الحمد. وفيها توفي الفضل بن عباس بن موسى الأستراباذي. سمع أبا نعيم وروى ~~عنه أبو نعيم عبدالملك بن علي؟ كان فقيها فاضلا مقبول القول عند الخاص ~~والعام. وفيها توفي محمد أبن إسحاق، بن جعفر الحافظ أبو بكر الصغاني؟ رحل ~~في طلب الحديث، وسمع الكثير، ولقي الشيوخ وكتبوا عنه. وفيها توفي محمد بن ~~الحسين بن المبارك أبو جعفر، ويعرف بالأعرابي. روى عنه ابن صاعد وغيره. ~~وفيها توفي محمد بن مسلم بن عثمان الرازي، ويعرف بآبن وارة. كان أحد الحفاظ ~~الرحالين والعلماء المتقنين مع الدين والورع والزهد. وفيها توفي نصربن ~~الليث بن سعد، أبومنصور البغدادي الوراق؟ أخرج له الخطيب حديثا يرفعه إلى ~~عثمان بن عفان. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثماني ~~عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية خمارويه # هو خمارويه وقيل خمار بن أحمد بن طولون، التركي، السامري المولد، المصري ~~الدار والوفاة تقدم التعريف بأصله في ترجمة أبيه أحمد بن طولون؟ الأمير أبو ~~الجيش خمارويه. ملك مصر والشأم والثغور بعد موت أبيه بمبايعة الجند له في ~~يوم الأحد العاشر من ذي القعده سنة سبعين ومائتين. وعندما ولي إمرة مصر أمر ~~بقتل أخيه العباس الذي كان في حبس أبيه أحمد بن طولون لامتناع العباس من ~~مبايعة خمارويه هذا، فقتل. وأم خمارويه أم ولد يقال لها مياس؟ ولد بسرمن ~~رأى في سنة خمس وخمسين ومائتين. وأول ما ملك مصر عقد لأبي عبد الله أحمد بن ~~محمد، الواسطي على جيش إلى الشام لست خلون من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين ~~المذكورة؟ وعقد لسعد الأيسر على جيش آخر؟ وبعث بمراكب في البحر لتقيم ~~بالسواحل الشامية؟ فنزل الواسطي ms0556 فلسطين وهو خائف من خمارويه أن يوقع به، ~~لأنه كان أشار عليه بقتل أخيه العباس؟ فكتب الواسطي إلى أبي أحمد الموفق ~~يصغر أمر خمارويه عنده ويحرضه على المسير إلى قتاله، فأقبل ابن الموفق من ~~بغداد، وقد انضم إليه إسحاق بن كنداج ومحمد بن ديوداد، أبي السياج، ونزل ~~الرقة فتسلم قنسرين والعواصم وكان خمارويه جميع الشام والثغور داخلة في ~~سلطانه ثم سار آبن الموفق حتى قاتل أصحاب خمارويه وهزمهم ودخل دمشق فخرج ~~خمارويه في جيش عظيم لعشر خلون من صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين؛ فالتقى مع ~~آبن الموفق بنهر أبي فطرس " المعروف بالطواحين من أرض فلسطين، فاقتتلا ~~فانهزم أصحاب خمارويه، وكان خمارويه في سبعين ألفا، وآبن الموفق في نحو ~~أربعة آلاف، وآحتوى على عسكر خمارويه بما فيه. ومضى خمارويه عائدا إلى مصر ~~مهزوما، فخرج كمين كان له مع سعد الأيسر ولم يعلم سعد أن خمارويه انهزم؛ ~~فحارب سعد الأيسر ابن الموفق حتى هزمه وأزاله عن عسكره آثني عشر ميلا. ورجع ~~أبو العباس إلى دمشق فلم تفتح له . ثم مضى سعد الأيسر مع الواسطي، إلى ~~دمشق، وطمع في البلاد الشامية وآستخف بخمارويه وغيره، ثم استولى على دمشق. ~~PageV01P0282 # ووصل خمارويه إلى مصر في ثالث شهر ربيع الأؤل من السنة، ولم يعلم ما وقع ~~لسعد الأيسر؛ فلما بلغه خبره خرج ثانيا إلى دمشق لسبع بقين من شهر رمضان من ~~السنة فوصل إلى فلسطين، ثم عاد بعساكره من غير حرب لأمور وقعت في ثامن عشر ~~شوال؟ واستمر بمصر إلى أن خرج ثالثا إلى الشام في ذي القعدة سنة آثنتين ~~وسبعين ومائتين، وقد خرج سعد الأيسر عن طاعته من يوم الواقعة، فقاتل سعدا ~~الأيسر المذكور وهزمه وظفر به وقتله، ودخل دمشق وملكها في سابع المحرم من ~~سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وأقام بها أياما؛ ثم سار لقتال آبن كنداج ~~فتقاتلا، فكانت الهزيمة اولا على خمارويه وانهزم جميع أصحابه وثبت هو في ~~طائفة من حماته، ، وقاتل آبن كنداج المذكور حتى هزمهم وتبعهم بأصحابه حتى ~~وصلت أصحاب خمارويه إلى ms0557 سر من رأى بالعراق ؛ وعظم أمر خمارويه في هذه ~~الواقعة وهابته الناس. ثم كتب خمارويه إلى أبي أحمد الموفق طلحة في الصلح، ~~فأجابه أخو الخليفة الموفق لذلك، وكتب لخمارويه بولايته على مصر والشام ~~جميعه والثغور ثلاثين سنة؛ وقدم بالكتاب بعض خدام الموفق إلى الشام في شهر ~~رجب، وعرفه الخادم أن الكتاب كتبه الخليفة المعتمد وأخوه الموفق وابنه ~~بأيديهم تعظيما لخمارويه، فسر خمارويه بذلك، وعاد إلى مصر في أواخر رجب ~~المذكور، وأمر بالدعاء لأبي أحمد الموفق المذكور بعد الخليفة وترك الدعاء ~~عليه؛ فإنه كان يدعى عليه بمصر من مدة سنين من أيام إمارة أبيه أحمد بن ~~طولون من يوم وقع بين الموفق وبين أحمد بن طولون، وخلع ابن طولون الموفق من ~~ولاية عهد الخلافة، وأمر القاضي بكاربن قتيبة بخلعه فلم يوافقه بكار على ~~ذلك، فحبسه أحمد بن طولون بهذا المقتضى. وقد ذكرنا ذلك كله في آخرترجمة ~~أحمد بن طولون ولما أصطلح خمارويه مع الموفق عظم أمره وسكنت الفتنة، فإنه ~~كان في كل قليل يخرج العساكر المصرية لقتال عسكر الموفق، فلما آصطلحا زال ~~ذلك كله، وأخذ خمارويه في إصلاح ممالكه، وولى بمصر على المظالم محمد بن، ~~عبدة بن حرب. ثم بلغ خمارويه مسير محمد بن أبي الساج إلى أعماله بمصر، فخرج ~~بعساكره في ذي القعدة ولقيه بثنية العقاب في دمشق، وقاتله واشتد الحرب بين ~~الفريقين وانكسر عساكر خمارويه، فثبت هومع خاصته على عادته وقاتل ابن أبي ~~الساج حتى هزمه أقبح هزيمة، وقتل في أصحابه مقتلة عظيمة وأسر وغنم، وعاد ~~إلى الديار المصرية فدخلها في رابع عشرين جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ~~ومائتين؛ فأقام بمصر مدة يسيرة وخرج إلى الإسكندرية في رابع شوال، ثم عاد ~~إلى مصر بعد مدة يسيرة فأقام بها قليلا. ثم خرج إلى الشام في سنة سبع ~~وسبعين ومائتين لأمر آقتضى ذلك، وعاد بعد أيام إلى الديار المصرية، فورد ~~عليه الخبر بها بموت الموفق في سنة ثمان وسبعين ومائتين؛ ثم ورد عليه الخبر ~~في سنة تسع وسبعين ومائتين بموت الخليفة ms0558 المعتمد؛ وبويع بالخلافة المعتضد ~~أبوالعباس أحمد بن الموفق طلحة بعد عمه المعتمد؛ فبعث خمارويه إلى المعتضد ~~بهدايا وتحف، فسأله أن يزوج ابنته قطر الندى لولده المكتفي بالله؛ فقال ~~المعتضد: بل أنا أتزوجها، فتزوجها في سنة إحدى وثمانين ومائتين، ودخل بها ~~ببغداد في آخر العام ، وأصدقها ألف ألف درهم. يقال: إن المعتضد أراد ~~بزواجها أن يفقر أباها خمارويه في جهازها؛ وكذا وقع، فإنه جهزها بجهاز عظيم ~~يتجاوز الوصف، حتى قيل: إنه دخل معها فى جملة جهازها ألف هاون من الذهب. ~~ولما تصاهر خمارويه مع المعتضد زالت الوحشة من بينهما، وصار بينهما مودة ~~كبيرة. وولاه المعتضد من الفرات إلى برقة ثلاثين سنة؟؛وجعل إليه الصلاة ~~والخراج والقضاء، بمصر وجميع الأعمال، على أن خمارويه يحمل إلى المعتضد في ~~العام مائتي ألف دينار عما مضى، وثلاثمائة ألف دينار عن المستقبل. ثم قدم ~~بعد ذلك رسول المعتضد إلى خمارويه بالخلع وكانت آثنتي عشرة خلعة وسيفا ~~وتاجا ووشاحا. انتهى ما سقناه من وقائع خمارويه. ولا بد من ذكر شيء من ~~أحواله وما جدده في الديار المصرية من شعار الملك فى أيام إمرته بها. ~~PageV01P0283 # ولما ملك خمارويه الديار المصرية بعد موت أبيه أحمد بن طولون أقبل على ~~عمارة قصر أبيه وزاد فيه محاسن كثيرة ؛ وأخذ الميدان الذي كان لأبيه ~~المجاور للجامع فجعله كله بستانأ، وزرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر، ~~وحمل إليه كل صنف من الشجر المطعم وأنواع الورد، وزرع فيه الزعفران، وكسا ~~أجسام النخل نحاسا مذهبا حسن الصنعة، وجعل بين النحاس وأجسام النخل مزاريب ~~الرصاص، وأجرى فيها الماء المدبر؛فكان يخرج من تضاعيف قائم النخل عيون ~~الماء فينحدر إلى فساقي معمولة، ويفيض الماء منها إلى مجار تسقي سائر ~~البستان؟ وغرس في أرض البستان من الريحان المزروع في زي نقوش معمولة ~~وكتابات مكتوبة، يتعاهدها البستاني بالمقاريض حتى لا تزيد ورقة على ورقة ~~لئلا يشكل ذلك على القارىء ، وحمل إلى هذا البستان النخل من خراسان وغيرها؟ ~~ثم بنى. في البستان برجا من الخشب الساج المنقوش بالنقر النافذ، وطعمه ~~ليقوم هذا ms0559 البرج مقام الأقفاص؟ وبلط أرضه وجعل فيه أنهارا لطافا يجري فيها ~~الماء المدبر من السواقي؛ وسرح في البرج من أصناف القماري والدباسي ~~والنوبيات وما أشبهها من كل طائر يستحسن صوته، وأطلقها بالبرج المذكور، ~~فكانت تشرب وتغتسل من تلك الأنهار؛ وجعل في البرج أوكارا في قواديس لطيفة ~~ممكنة في جوف الحيطان ليفرخ الطيور فيها؛ وعارض لها فيه عيدانا ممكنة في ~~جوانبه لتقف عليها إذا تطايرت حتى يجاوب بعضها بعضا بالصياح ؛ وسرح في ~~البستان من الطير العجيب كالطواويس ودجاج الحبش ونحو ذلك شيئا كثيرا. وعمل ~~في هذا البستان مجلسا له سماه دار الذهب، طلى حيطانه كلها بالذهب واللازورد ~~في أحسن نقش ؛ وجعل في حيطانه مقدار قامة ونصف صورا بارزة من خشب معمول على ~~صورته وصور حظاياه والمغنيات اللاتي تغنيه في أحسن تصوير وأبهج تزويق ؛ ~~وجعل على رؤوسهن الأكاليل من الذهب والجواهر المرصعة، وفي آذانها الأخراص ~~الثقال ؛ ولونت أجسامها بأصناف تشبه الثياب من الأصباغ العجيبة، فكان هذا ~~القصر من أعجب ما بني في الدنيا. وجعل بين يدي هذا القصر فسقية ملأها ~~زئبقأ. وسبب ذلك أنه اشتكى إلى طبيبه كثرة السهر وعدم النوم، فأشار عليه ~~بالتكبيس ، فأنف من ذلك وقال: لا أقدر على وضع يد أحد علي، فقال له الطبيب: ~~تأمر بعمل بركة من زئبق، فعمل البركة المذكورة، وطولها خمسون ذراعا في ~~خمسين ذراعا عرضا وملأها من الزئبق، فأنفق في ذلك أموالا عظيمة ؛ وجعل في ~~أركان البركة سككا من فضة، وجعل في السكك زنانير من حرير محكمة الصنعة في ~~حلق من فضة وعمل فرشا من آدم يحشى بالريح حتى ينتفخ فيحكم حينئذ شده، ويلقى ~~على تلك البركة الزئبق ويشد بالزنانير الحرير التي في حلق الفضة المقدم ~~ذكرها، وينزل خمارويه فينام على هذا الفرش، فلا يزال الفرش يرتج ويتحرك ~~بحركة الزئبق مادام عليه. وكانت هذه البركة من أعظم الهمم الملوكية ~~العالية؛ وكان يرى لها في الليالي المقمرة منظر عجيب إذا تألف نور القمر ~~بنور الزئبق. قال القضاعي: ولقد أقام الناس مدة طويلة بعد خراب هذا ms0560 القصر ~~يحفرون لأخذ الزئبق من شقوق البركة. PageV01P0284 # ثم بنى خمارويه في القصر أيضا قبة تضاهي قبة الهواء سماها الدكة، وجعل ~~لها الستر الذي يقي الحر والبرد فيسدل حيث شاء ويرفع متى أحب، وكان كثيرا ~~ما يجلس في هذه القبة ليشرف منها على جميع ما في داره من البستان والصحراء ~~والنيل والجبل وجميع المدينة. ثم بنى ميدانا آخر أكبر من ميدان أبيه. وبنى ~~أيضا في داره المذكورة دارا للسباع وعمل فيها بيوتا كل بيت لسبع لم يسع ~~البيت غير السبع ولبؤته، وعمل لتلك البيوت أبوابا تفتح من أعلاها بحركات، ~~ولكل بيت منها طاقة صغيرة يدخل منها الرجل الموكل بخدمة ذلك البيت لفرشه ~~بالرمل؛ وفي جانب كل بيت حوض من الرخام بميزاب من نحاس يصب فيه الماء، وبين ~~يدي هذه البيوت رحبة فسيحة كالقاعة فيها رمل مفروش، وفي جانبها حوض كبير من ~~رخام يصب فيه ماء من ميزاب كبير، فإذا أراد سائس من سواس بعض السباع ~~المذكورة أن، ينظف بيت ذلك السبع أويضع له غذاءه من اللحم، رفع الباب بحيلة ~~من أعلى البيت وصاح على السبع يخرج إلى الرحبة المذكورة؛ ثم يرد الرجل ~~الباب وينزل إلى البيت من الطاقة ويكنسه ويبدل الرمل بغيره من الرمل ~~النظيف، ويضع غذاءه من اللحم في مكانه بعدما يقطع اللحم قطعا ويغسل الحوض ~~ويملؤه ماء، ثم يخرج الرجل ويرفع الباب من أعلاه كما فعل أولا، وقد عرف ~~السبع ذلك، فحالما يرفع الباب دخل السبع إلى بيته وأكل ما هيىء له من ~~اللحم؛ فكانت هذه الرحبة فيها عدة سباع ولهم أوقات يفتح فيها سائر بيوت ~~السباع فتخرج إلى الرحبة المذكورة وتتشمس فيها ويهارش بعضها بعضا فتقيم ~~يوما كاملا إلى العشي وخمارويه وعساكره تنظر إليها؛ فإذا كان العشي يصيح ~~عليها السواس فيدخل كل سبع إلى بيته لايتعداه إلى غيره. وكان من جملة هذه ~~السباع سبع أزرق العينين يقال له: زريق! قد أنس بخمارويه وصار مطلقا في ~~الدار لا يؤذي أحدا وراتبه على عادة السباع، فلا يلتفت إلى غذائه بل ms0561 ينتظر ~~سماط خمارويه، فإذا نصبت المائدة أقبل زريق معها وربض بين يدي خمارويه، ~~فيبقى خمارويه يرمي إليه بيده الدجاجة بعد الدجاجة والقطعة الكبيرة من ~~اللحم ونحو ذلك مما على المائدة، وكانت له لبؤة لم تأنس بالناس كما أنس هو، ~~فكانت محبوسة في بيت وله وقت معروف يجتمع بها فيه، . وكان إذا نام خمارويه ~~جاء زريق وقعد ليحرسه، فإن كان قد، نام على سريره ربض بين يدي السرير وجعل ~~يراعيه ما دام نائما، وإن نام خمارويه على الأرض قعد قريبا منه وتفطن لمن ~~يدخل أو يقصد خمارويه لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة وكان في عنق زريق طوق من ~~ذهب فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه ما دام نائما لمراعاة زريق له وحراسته ~~إياه، حتى أراد الله إنفاذ قضائه في خمارويه: كان بدمشق وزريق بمصر، ولو ~~كان زريق حاضرا لما كان يصل إلى خمارويه أحد. فما شاء الله كان. وكان ~~خمارويه أيضا قد بنى دارا جديدة للحرم من أمهات أولاد أبيه مع أولادهن وجعل ~~معهن المعزولات من أمهات أولاده، وجعل فيها لكل واحدة حجرة واسعة، لتكون ~~لهم بعد زوال دولتهم، وأقام لكل حجرة من الخدم والأسمطة الواسعة ما كان ~~يفضل عن أهلها منه شيء كثير؛ وكان الخدم الموكلون بالحرم من الطباخين ~~وغيرهم يفضل لكل منهم مع كثرة عددهم الشيء الكثير من الدجاج ولحم الضأن ~~والحلوى والقطع الكبار من الفالوذج والكثير من اللوزينج والقطائف والهبرات ~~من العصيدة التي تعرف اليوم بالمأمونية وأشباه ذلك مع الأرغفة الكبار؛ ~~وآشتهر بمصر بيع الخدم لذلك؛فكان الناس يأتونهم لذلك من البعد ويشترون منهم ~~ما يتفكهون به من الأنواع الغريبة من المأكل؛ وكان هذا دواما في كل وقت ~~بحيث إن الرجل إذا طرقه ضيف خرج من فوره إلى باب دار الحرم فيجد مايشتريه ~~ليتجمل به لضيفه مما لايقدر على عمل مثله. ثم أوسع خمارويه آصطبلاته لكثرة ~~دوابه فعمل لكل صنف من الدواب إصطبلأ حتى للجمال، ثم جعل للفهود دارا ~~مفردة، ثم للنمورة دارا مفردة، وللفيلة كذلك، وللزرافات ms0562 كذلك؛ وهذا كان سوى ~~الاصطبلات التي كانت في الجيزة ومثلها في نهيا ووسيم وسفط وطهرمس؛ وكانت ~~هذه لضياع لاتزرع إلا القرط برسم الدواب؛ وكان للخليفة أيضا إصطبلات بمصر ~~سوى ذلك، فيها الخيل لحلبة السباق وللرباط في سبيل الله برسم الغزو، وعلى ~~كل إصطبل وكلاء لهم الرزق السني والأموال لمتسعة. PageV01P0285 # وبلغ رزق الجيش المصري في أيام خمارويه في السنة تسعمائة ألف دينار؛ وكان ~~مصروف مطبخ خمارويه في كل شهر ثلاثة وعشرين ألف دينار، وهذا سوى مصروف حرمه ~~وجواريه وما يتعلق بهن. وكان خمارويه قد آتخذ لنفسه من مولدي الحوف وسائر ~~الضياع قوما معروفين بالشجاعة وشدة البأس؛لهم خلق تام وعظم أجسام، وأجرى ~~عليهم الأرزاق ووسع لهم في العطاء، وشغلهم عما كانوا فيه من قطع الطريق ~~وأذية الناس بخدمته، وألبسهم الأقبية من الحرير والديباج وصاغ لهم المناطق ~~وقلدهم بالسيوف المحلاة يضعونها على أكتافهم إذا مشوا بين يديه وسماهم أ ~~المختارة " ؛ فكان هؤلاء يقاتلون أمام جند خمارويه أضعاف ما يقاتله الجند. ~~وكان إذا ركب خمارويه ومضى الحجاب بين يديه ومشى موكبه على ترتيبه ومضت ~~أصناف العسكر وطوائفه، تلاهم السودان وعدتهم ألف أسود لهم درق من حديد ~~محكمة الصنعة وعليهم أقبية سود وعمائم سود، فيخالهم الناظر إليهم بحرا أسود ~~يسير على وجه الأرض لسواد ألوانهم وسواد ثيابهم ، ويصير لبريق درقهم وحلي ~~سيوفهم والخوذ التي على رؤوسهم من تحت العمائم زي بهج إلى الغاية؛ فإذا مضى ~~السودان قدم خمارويه وقد آنفرد عن موكبه وصار بينه وبين الموكب نحو نصف ~~غلوة سهم، وخواصه تحف به. وكان خمارويه طويل القامة ويركب فرسا تاما فيصير ~~كالكوكب، إذا أقبل لا يخفى على أحد كأنه قطعة جبل. وكان خمارويه مهيبا ذا ~~سطوة، قد وقع في قلوب الناس أنه متى أشار إليه أحد بيده أو تكلم أو قرب منه ~~لحقه ما يكره؛ وكان إذا سار في موكبه لا يسمع من أحد كلمة ولا سعلة ولا عطس ~~ولا نحنحة البتة كأنما على رؤوسهم الطير؛ وكان يتقلد في يوم العيد سيفا ~~بخمائل، ولا يزال ms0563 يتفرج ويتنزه ويخرج إلى المواضع التي لم يكن أبوه يخرج ~~إليها كالأهرام ومدينة العقاب ونحو ذلك لأجل الصيد، فإنه كان مشغوفا به، لا ~~يكاد يسمع بسبع إلا قصده ومعه رجال عليهم بود فيدخلون إلى الأسد ويتناولونه ~~بأيديهم من غابته عنوة وهو سليم، فيضعونه في أقفاص من خشب محكمة الصنعة تسع ~~الواحد من السباع وهو قائم ؛ فإذا قدم خمارويه من الصيد سار القفص وفيه ~~السبع أ بين يديه. وكانت حلبة السباق في أيامه تقوم عند الناس مقام الأعياد ~~لكثرة الزينة وركوب سائر الجند والعساكر بالسلاح التام والعدد الكاملة ، ~~ويجلس الناس لرؤية ذلك كما يجلسون في الأعياد. قلت: والتشبيه أيضا بتلك ~~الأعياد لا بأعياد زماننا هذا، فإن أعيادنا الآن كالمآتم بالنسبة لتلك ~~الأعياد السالفة. انتهى. وقال القض اعي: وكان أحمد بن تطولون بنى المنظر ~~لعرض الخيل. قال: وكان عرض الخيل من عجائب الإسلام الأربع ؛ والأربع ~~العجائب: منها كان عرض الخيل بمصر، ورمضان بمكة، والعيد بطر سوس، والجمعة ~~ببغداد. ثم قال القض اعي: وقد ذهب أثنتا من الأربع: عرض الخيل بمصر، والعيد ~~بطرسوس. انتهى. PageV01P0286 # وقال المقريزي: وقد ذهبت الجمعة ببغداد بعد القضاعي بقتل هولاكو للخليفة ~~المستعصم ببغداد، وزالت شعائر الإسلام من العراق؛ وبقيت مكة شرفها الله ~~تعالى، وليس في شهر رمضان الآن بها ما يقال فيه: إنه من عجائب الإسلام، " . ~~انتهى كلام المقريزي رضي الله عنه قلت: وما زال أمر خمارويه في تزايد إلى ~~أن ماتت حظيته بوران التي بنى لها القصر المعروف ببيت الذهب المقدم ذكره، ~~فكدر موتها عيشه وآنكسر انكسار بان عليه. ثم إنه أخذ في تجهيز أبنته قطر ~~الندى لما تزوجها الخليفة المعتضد، فجهزها جهازا ضاهى به نعمة الخلافة. وقد ~~ذكرنا سبب زواج الخليفة بأبنيته قطر الندى المذكور في أوائل ترجمته، ووعدنا ~~بذكر جهازها في آخر الترجمة في هذا المحل. وكان من جملة جهازها دكة أربع ~~قطع من ذهب عليها قبة من ذهب مشبك في كل عين من التشبيك قرط معلق فيه حبة ~~من جوهر لا يعرف لها قيمة، ومائة ms0564 هاون من الذهب. وقال الذهبي: وألف هاون من ~~ذهب. قال القضاعي: وعقد المعتضد النكاح على أبنته قطر الندى فحملها أبو ~~الجيش خمارويه إلى المعتضد مع أبي عبد الله بن الجصاص ، وحمل معها من ~~الجهاز ما لم ير مثله ولا يسمع به. ولما دخل إلى خمارويه ابن الجصاص يودعه ~~قال له خمارويه: هل بقي بيني وبينك حساب؟ قال: لا؟ فقال خمارويه: انظر حسنا ~~، فقال: كسر بقي من الجهاز؟ فقال خمارويه: أحضروه، فأخرج ربع طومار فيه ثبت ~~ذكر نفقة الجهاز فإذا فيه أربعمائة ألف دينار، فوهبها له خمارويه. قال محمد ~~بن علي الماذرائي : فنظرت في الطومار فإذا فيه: ألف تكة الثمن عنها، عشرة ~~آلاف دينار " . قال القضاعي: وإنما ذكرت هذا الخبر ليستدل به على أشياء: ~~منها، سعة نفس أبي الجيش خمارويه؛ ومنها كثرة مال آبن الجصاص، حتى إنه قال: ~~كسر بقي من الجهاز، وهو أربعمائة ألف دينار، لو لم يذكره بذلك لم يذكره؟ ~~ومنها: عمارة مصر في ذلك الزمان لما طلب فيها ألف تكة من أثمان عشرة دنانير ~~قدر عليها في أيسر وقت بأهون سعي، ولو طلب اليوم خمسون لم يقدر عليها. ~~انتهى كلام القضاعي. قال المقريزي: ولا يعرف اليوم في أسواق القاهرة تكة ~~بعشرة دنانير إذا طلبت توجد في الحال ولا بعد شهر، إلا أن يعتنى بعملها. ~~انتهى كلام المقريزي. ولفا فرغ خمارويه من جهاز آبنته قطر الندى أمر فبني ~~لها على كل منزلة تنزل فيها قصر فيما بين مصر وبغداد، وأخرج معها خمارويه ~~أخاه خزرج بن أحمد بن طولون في جماعة مع ابن الجصاص، فكانوا يسيرون بها سير ~~الطفل في المهد؟ وكانت إذا وافت المنزلة وجدت قصرا قد فرش، فيه جميع ما ~~تحتاج إليه. وقد علقت فيه الستور وأعد فيه كل مايصلح لمثلها. وكانت في ~~مسيرها من مصر إلى بغداد على بعد الشقة كأنها في قصر أبيها، حتى قدمت بغداد ~~في أول المحرم سنة آثنتين وثمانين ومائتين؛ وهي سنة قتل فيها خمارويه ~~المذكور، على ما سيأتي ذكره. ولما دخل بها ms0565 الخليفة المعتضد أحبها حبا شديدا ~~لجمال صورتها وكثرة آدابها. قيل: إنه خلا بها في بعض الأيام فوضع رأسه على ~~ركبتها ونام، وكان المعتضد كثير التحرز على نفسه؛ فلما نام تلطفت به وأزالت ~~رأسه عن ركبتها ووضعتها على وسادة، ثم تنحت عن مكانها وجلست بالقرب منه في ~~مكان آخر؛ فأنتبه المعتضد فزعا ولم يجدها، فصاح بها فكلمته في الحال؛ ~~فعتبها على ما فعلت من إزالة رأسه عن ركبتها، وقال لها: أسلمت نفسي لك ~~فتركتني وحيدا وأنا في النوم لا أدري ما يفعل بي! فقالت : يا أمير ~~المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به علي، ولكن فيما أدبني به والدي خمارويه: ~~أني لا أجلس مع النيام ولا أنام مع الجلوس؟ فأعجبه ذلك منها إلى الغاية. ~~قلت: لله درها من جواب أجابته به. ولما فرغ خمارويه من جهاز ابنته قطر ~~الندى المذكورة وأرسلها إلى زوجها المعتضد بالله، تجهز وخرج إلى دمشق ~~بعساكره، وأقام بها إلى أن قتل على فراشه في السنة المذكورة. PageV01P0287 # قال العلامة شمس الدين في تاريخه مرآة الزمان: كان خمارويه كثير الفساد ~~بالخدم، دخل الحمام مع جماعة منهم فطلب من بعضهم الفاحشة فامتنع الخادم ~~حياء من الخدم؛ فأمر خمارويه أن يضرب، فلم يزل يصيح حتى مات في الحمام، ~~فأبغضه الخدم. وكان قد بنى قصرا بسفح قاسيون أسفل من دير مران يشرب فيه ~~الخمر، ، فدخل تلك الليلة الحمام فذبحه خدمه. وقيل: ذبحوه على فراشه ~~وهربوا، وقيل غير ذلك: إن بعض خدمه يولع بجارية له فتهددها خمارويه بالقتل، ~~فاتفقت مع الخادم على قتله. وكان ذبحه في منتصف ذي الحجة، وقيل: لثلاث خلون ~~منه من سنة أثنين وثمانين ومائتين. وكان الأمير طغج بن جف معه في القصر في ~~تلك الليلة، فبلغه الخبر فركب في الحال وتتبع الخدم وكانوا نيفا وعشرين ~~خادما، فأدركهم وقبض عليهم وذبحهم وصلبهم ، وحمل أبا الجيش خمارويه في ~~تابوت من دمشق إلى مصر وصلى عليه ابنه جيش ودفن. ويقال: إنه دفن بالقصر إلى ~~جانب أبي عبيدة البراني فرآه بعض أصحابه في ms0566 المنام فقال له: ما فعل الله ~~بك؟ فقال: غفر لي بالقرب من أبي عبيدة ومجاورته. انتهى كلام صاحب المرآة. ~~وقال غيره: قتل على فراشه، ذبحه جواريه وخدمه وحمل في صندوق إلى مصر. وكان ~~لدخول تابوته إلى مصر يوم عظيم، استقبله جواريه وجواري غلمانه ونساء قواده ~~بالصياح وما تصنع النساء في المآتم؛ وخرج الغلمان وقد حلوا أقبيتهم وفيهم ~~من سود ثيابه وشقها، فكانت في البلد ضجة وصرخة حتى دفن. وكانت مدة ملكه على ~~مصر والشام أثني عشرة سنة وثمانية عشر يوما. وتولى مصر بعده ابنه أبو ~~العساكر جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون. انتهى ### || AUT السنة الأولى من ولاية خمارويه # وهي سنة إحدى وسبعين ومائتين: فيها دخل محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر ~~بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد المدينة، فقتلا فيها جماعة من أهلها، وجبيا ~~الأموال وعطلا الجمعة والجماعة، من مسجد النبي شهرا. وفيها عزل الخليفة ~~المعتمد على الله عمرو بن الليث الصفار وأمر بلعنه على المنابر، وولى عوضه ~~خراسان محمد بن طاهر بن الحسين. ثم ولى المعتمد على سمرقند وبخارى نصر بن ~~أحمد بن أسد. وفيها كانت الوقعة بين أبي العباس بن الموفق وبين خمارويه ~~صاحب الترجمة، وهي الوقعة التي ذكرناها في أوائل ترجمة خمارويه. وفيها وثب ~~يوسف بن أبي الساج على الحجاج، فقاتلوه وأسروه وقدموا به بغداد مقيدا قد ~~أشهر على جمل. وفيها توفيت بوران بنت الوزير الحسن بن سهل زوجة الخليفة ~~المأمون. وقصة زواجها مع المأمون مشهورة، وكانت وفاتها في شهر ربيع الأول ~~ببغداد، وقد بلغت ثمانين سنة. وكانت عظيمة الشأن متصدقة خيرة فطنة راوية ~~للشعر، وكانت من أحب نساء المأمون إليه. وفيها توفي أبو حفص عمر س بن مسلم ~~وقيل: ابن مسلمة الحداد النيسابوري. أصله من قرية على باب نيسابور يقال لها ~~كورداباذ على طريق بخارى. قلت:و باذ " بالتفخيم في جميع ما يأتي فيه لفظة " ~~باذ " مثل فيروزباذ وكلاباذ وما أشبه ذلك، لا يصح معنى ذلك إلا بالتفخيم، ~~ومتى رقق كما يتلفظ به أولاد ms0567 العرب ذهب معنى الاسم كان النيسابوري هذا عظيم ~~الشأن أحد الساعة الأئمة من كبار مشايخ القوم، وله الكراماس المشهورة. ذكر ~~عند الجنيد فقال: كان رجلا من أهل الحقائق. وفيها توفي محمد بن وهب، أبو ~~جعفر العابد صاحب الجنيد. قال: سافرت لألقى أبا حاتم العطار البصري الزاهد ~~فطرقت عليه بابه فقال: من؟ فقلت: رجل يقول: ربي الله؟ ففتح الباب ووضع خده ~~على الأرض وقال: طأ عليه، فهل بقي في الدنيا من يحسن أن يقول ربي الله!. ~~وكانت وفاته ببغداد، وتولى الجنيد غسله وتكفينه والصلاة عليه، ودفن إلى ~~جانب سري السقطي. وفيها توفي مصعب بن أحمد بن مصعب أبو أحمد القلانسي. ولد ~~ببغداد، وكان عظيم الشأن من أقران الجنيد وكان صاحب كرامات وأحوال. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة في ~~السنة المذكورة خمس عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية خمارويه # وهي سنة اثنتين وسبعين ومائتين: فيها وقع خلاف بين أبي العباس بن الموفق ~~وبين يا زمان الخادم في طرسوس، فأخرج أهل طرسوس أبا العباس عنهم، فقدم إلى ~~أبيه ببغداد. وفيها دخل حمدان بن حمدون وهارون الشاري بالخوارج مدينة ~~الموصل وصلى الشاري بالناس في الجامع. PageV01P0288 # وفيها تحركت الزنج بواسط وصاحوا: أنكلاي يا منصور. وكان أنكلاي وسليمان ~~بن جامع و أ بان بن علي، المهلبي والشعراني وغيرهم من قواد الزنج محبوسين ~~في بغداد في بئر فتح السعيدي، فكتب إليه الموفق بأن يبعث رؤوسهم ففعل، ~~وصلبت أبدانهم على الجسر. وفيها غزا الصائفة يا زمان الخا . وفيها حج ~~بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ~~بن العباس. وفيها توفي أحمد بن مهدي بن رستم، الحافظ أبو جعفر الأصبهاني، ~~أحد الثقات الحفاظ الرحالين في طلب الحديث والعلم ؛ كان صاحب صلاة وتعبد ~~وآجتهاد، لم يفرش له فراش منذ أربعين سنة، وأنفق على تحصيل العلم ثلاثمائة ~~ألف درهم، وصنف المسند. وفيها توفي الحسن بن إسحاق بن يزيد، أبو ms0568 علي ~~العطار؛ قال عبد الرحمن بن هارون: كنا في البحر سائرين إلى إفريقية فركدت ~~علينا ريح، فأرسينا إلى موضع يقال له البرطون ومعنا شخص يصطاد السمك، ~~فأصطاد سمكة نحوا من شبر وأقل، فرأينا على صفحة أذنها اليمنى مكتوبا: ألا ~~إله إلا الله ! وفي اليسرى: " محمد رسول الله ، فقذفناها في البحر ومنعنا ~~الناس أن يصطادوا من ذلك الموضع. وفيها توفي العلاء بن صاعد، أبو عيسى ~~البغدادي الكاتب؛ كان يتعاطى علم النجوم، فحبسه الموفق؛ فقال لأصحابه: طالع ~~الوقت يقتضي أن بعد ثلاثة عشر يوما أخرج من الحبس وأعود إلى منزلي، وكان ~~مريضا فمات بعد ثلاثة عشر يوما في الحبس، فدفع إلى أهله ميتا؛ قيل: إنه رأى ~~النبي في المنام في مرضه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يهب لي العافية، ~~فأعرض عنه يمينا وشمالا وهو يقول ذلك، فقال له رسول الله : لا أفعل؛ فقال: ~~يا رسول الله، ولم؟ قال: لأن أحدكم يقول: أعلني المريخ وأبرأني المشتري. ~~وفيها توفي محمد بن عبد الله بن عمار بن سوادة، أبو جعفر الفقيه المخرمي ؛ ~~ولد سنة اثنتين وستين ومائة، وكان حافظا كثير الحديث سمع سفيان بن عيينة ~~وغيره، وروى عنه عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل وغيره. وفيها توفي محمد ~~بن أبي داود بن عبيد الله، أبو جعفر بن المنادي؛سمع يزيد بن هارون وغيره، ~~وروى عنه البخاري وغيره. وفيها توفي محمد بن عوف بن سفيان، أبو جعفر الطائي ~~الحمصي الزاهد العابد؛ كان الإمام أحمد بن حنبل يقول: ما كان بالشام منذ ~~أربعين سنة مثله. وفيها توفي يعقوب بن سواك الجيلي الزاهد. سكن بغداد وصحب ~~بشرا الحافي وأنتفع به وكان من الأبدال. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وتسع أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا: ### || AUT السنة الثالثة من ولاية خمارويه # وهي سنة ثلاث وسبعين ومائتين: فيها وثب ثلاثة بنين لملك الروم على أبيهم ~~فقتلوه وملكوا أحدهم عليهم. وفيها كانت وقعة بين إسحاق بن كنداج وبين محمد ~~بن أبي ms0569 الساج في جمادى الأولى، فأنهزم إسحاق ؛ ثم تواقعا أيضا في ذي الحجة ~~فانهزم إسحاق أيضا ثانيا. وفيها قبض الموفق أخو الخليفة على لؤلؤ مولى ابن ~~طولون الذي كان قدم عليه بالأمان من الشام، وأخذ أمواله وكانت أربعمائة ألف ~~دينار. وفيها توفي أحمد بن سعد بن إبراهيم الزهري الجوهري ؛ كان عالما ~~فاضلا زاهدا يعد من الأبدال، وهو من بيت كلهم زهاد وعلماء. وفيها توفي أحمد ~~بن العلاء، أبو عبد الرحمن القاضي الرقي؛ ومولده سنة أثنين وتسعين ومائة ~~؛وتوفي بمصر بعد ابن أخيه أبي الهيثم بعشرين يوما، ورثاهما أخوه هلال. ~~وفيها توفي حنبل بن إسحاق بن حنبل، ابن عم الإمام أحمد بن حنبل؛ سمع الكثير ~~وصنف التاريخ " ، وروى عنه أبو القاسم البغوي وغيره، وكان زاهدا عابدا. ~~وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن مسلم، الحافظ أبو أمية البغداي؛ كان رفيع ~~القدر، إماما في الحديث ؛ سكن طرسوس ومات في جمادى الآخرة؛ سمع أبا نعيم ~~وغيره، وروى عنه أبو حاتم الرازي وغيره. وفيها توفي محمد بن عبد الرحمن بن ~~الحكم بن هشام الأموي، أمير الأندلس ؛ كان فاضلا عالما فصيحا؛ كان يخرج إلى ~~الجهاد فيوغل في بلاد الكفار السنة والسنتين وأكثر. ولما مات ولي بعمه أبنه ~~المنذر بن محمد. PageV01P0289 # وفيها توفي محمد بن يزيد بن ماجة، الإمام الحافظ الحجة الناقد أبو عبد ~~الله القزويني صاحب السنن والتفسير والتاريخ، وهو مولى ربيعة. ولد سنة سبع ~~ومائتين، ورحل إلى مكة والكوفة والبصرة وبغداد والشام ومصر وغيرها، وسمع ~~الكثير، وكان صاحب فنون ؛ مات يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من ~~شهر رمضان؛ وقد روينا مسنده عن الشيخ المسند رضوان بن محمد العقبي؛ قال ~~أخبرنا أبو إسحاق الأنباري قال أخبرنا الكمال بن حبيب قال أخبرنا سنقر بن ~~عبد الله الزيني أخبرنا الموفق ابن قدامة أخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن ~~طاهر، المقدسي أخبرنا أبو منصور محمد بن الحسين أخبرنا أبو طلحة القاسم بن ~~أبي، المنذر حدثنا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان حدثنا ابن ماجة. أمر ~~النيل في ms0570 هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وخمس أصابع ونصف. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية خمارويه # وهي سنة أربع وسبعين ومائتين: فيها غزا يا زمان الخادم الروم، فأسر وقتل ~~وسبى وعاد سالما غانما. وفيها خرج الموفق إلى كرمان يقصد حرب عمرو بن الليث ~~الصفار. وفيها حج بالناس هارون بن محمد أيضا. وفيها هجم صديق الفرغاني على، ~~سرمن رأى فأخذ أموال التجار ونهب دور الناس وكان يقطع الطريق، وكان الخليفة ~~المعتمد بسر من رأى وأخوه الموفق قد خرج لقتال عمرو بن الليث الصفار. وفيها ~~توفي أحمد بن حرب بن مسمع، أبو جعفر الغدل؟ كان من قراء القرآن وأحد الشهود ~~الذين رغبوا عن الشهادة في آخر أعمارهم. وفيها توفي محمد بن عيسى بن حبان ~~المدائني في قول الذهبي وغيره. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وسبع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية خمارويه # وهي سنة خمس وسبعين ومائتين: فيها بعث الموفق جيشا إلى نواحي سر من رأى ~~مع الطائي ، فأخذ صديقا الفرغاني اللص فقطعوا يديه ورجليه وأيدي أصحابه ~~وأرجلهم، وحملوا إلى بغداد على تلك الصورة. وفيها أيضا غزا يا زمان الخادم ~~البحر فأخذ عنة مراكب للروم. وفيها في شوال حبس الموفق ابنه أبا العباس ~~وأبو العباس هذا هو الذي يلي الخلافة بعد ذلك ويتلقب بالمعتضد ويتزوج بقطر ~~الندى بنت خمارويه صاحب الترجمة، وقد تقدم ذكر جهازها في أول هذه الترجمة ~~ولما أمسك الموفق أبا العباس المذكور تشغب أصحابه وحملوا السلاح، فركب ~~الموفق وصاح بأصحاب أبي العباس: ما شأنكم! أترون أنكم أشفق على ولدي مني هو ~~ولدي، واحتجت إلى تقويمه، ! فوضعوا السلاح وتفرقوا. وفيها حج بالناس هارون ~~بن محمد الهاشمي أيضا. وفيها توفي أحمد بن محمد بن الحجاج الفقيه أبو بكر ~~المروذي صاحب الإمام أحمد بن حنبل. كان أبوه خوارزميا وأمه مروذية، وكان ~~مقدما في أصحاب الإمام أحمد لورعه وفضله. وفيها توفي أحمد بن محمد ms0571 بن غالب ~~بن خالد، أبو عبد الله البصري الباهلي، ويعرف بغلام خليل سكن بغداد وحدث ~~بها وكان من الأبدال يسرد الصوم دائما. وفيها توفي سعد الأيسر كان أمير ~~دمشق وكان عادلا وكان من خواص أحمد بن طولون، وهو الذي هزم أبا العباس أحمد ~~بن الموفق لما حارب خمارويه حسبما ذكرناه. وكان سعد يقول عن خمارويه: هذا ~~الصبي مشغول باللهو وأنا أكابد الشدائد، فبلغ خمارويه فخرج إلى الرملة ~~واستدعاه، فلما قدم عليه قتله بيده ة وبلغ أهل دمشق ذلك فغضبوا ولعنوا ~~خمارويه. PageV01P0290 # وفيها توفي سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران، ~~أبو داود السجستاني الازدي الإمام الحافظ الناقد صاحب السنن. مولده سنة ~~اثنتين ومائتين؟ كان إمام أهل الحديث في عصر بلا مدافعة رحل إلى العراق ~~وخراسان والحجاز والشام ومصر وبغداد غير مرة، وروى بها كتاب السنن وعرضه ~~على الإمام أحمد بن حنبل فأستحسنه وكان عارفا بعلل الحديث ورعا وكان له كم ~~واسع وكم ضيق فقيل له في ذلك فقال: الواسع للكتب والآخر لا أحتاج إليه وقد ~~سمعت سننه رواية اللؤلئي عنه على المشايخ الثلاثة0: زين الدين عبد الرحمن ~~الدمشقي، وعلاء الدين علي بن برد س البعلبكي، وشهاب الدين أحمد المشهور ~~بابن ناظر الصاحبية بسماع الأولين لجميعه على أبي حفص بن أميلة وبإجازة ~~الثالث من أبي العباس بن الجوخي قالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن البخاري ~~أخبرنا أبو الحفص بن طبرزذ مما أتفق له، أخبرنا أبو البدر إبراهيم الكرخي ~~وأبو الفتح الدومي قالا: أخبرنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي، أخبرنا الشريف ~~أبو عمر الهاشمي أخبرنا أبو علي اللؤلئي أخبرنا أبو داود. وفيها توفي علي ~~بن يحيى بن أبي منصور، أبو الحسن المنجم؟ كان أصله من أبناء فارس، وكان ~~أديبا شاعرا، ونادم الخلفاء من المتوكل إلى المعتمد، وكانوا يعظمونه، وكان ~~عالما بأيام الناس راوية للأشعار. وفيها توفي محمد بن إسحاق بن إبراهيم ~~العنبسي الصيمري الشاعر؟ كان أديبا قدم بغداد ونادم المتوكل ومن شعره رضي ~~الله عنه ms0572 : كم مريض قد عاش من بعد يأس ... بعد موت الطبيب والعواد قد يصاد ~~القطا فينجو سليما ... ويحل القضاء بالصياد وفيها توفي المنفر بن محمد بن ~~عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، أبو الحكم أمير الأندلس؟ أقام على الأندلس ~~سنتين ، وأمه أم ولد ، وهو السادس لصلب عبد الرحمن الداخل الأموي المقدم ~~ذكره. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثماني أصابع ### || AUT السنة السادسة من ولاية خمارويه # وهي سنة ست وسبعين ومائتين: فيها رضي الخليفة المعتمد على عمرو بن الليث ~~الصفار، وكتب اسمه على الأعلام والعمد . وفيها في شهر ربيع الأول خرج ~~الموفق أخو الخليفة المعتمد من بغداد يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف ~~بأصبهان، فتنحى له أحمد عن داره: عن التها وفرشها، فنزل بها الموفق وقدم ~~محمد بن أبي الساج على الموفق هاربا من خمارويه صاحب الترجمة بعد وقعات جرت ~~بينهما، فأكرمه الموفق وخلع عليه. وفيها ولي عمرو بن الليث الصفار شرطة ~~بغداد . وفيها تفرج تل بنهر الصلح عند فم الصلح بالعراق، ويعرف بتل بني ~~شقيق ، عن سبعة قبور فيها سبعة أبدان صحيحة، والأكفان جدد تفوح منها رائحة ~~المسك، وأحدهم شاب له جمة طويلة طرية، ولم يتغير منه شيء وفي خاصرته ضربة؟ ~~وكانت القبور حجارة مثل المسن، وعندهم كتاب ما يدرى ما فيه. وفيها توفي بقي ~~بن مخلد بن يزيد، الحافظ أبو عبد الرحمن الأندلسي صاحب الرحلة والتصانيف؟ ~~كان مجاب الدعوة؟ رحل إلى مكة والمدينة ومصر والشام وبغداد والشرق ~~والعراقين، وكان له مائتان وأربعة وثمانون شيخا، ومولده في شهر رمضان سنة ~~إحدى ومائتين، ومات ليلة الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الآخرة. وفيها توفي عبد ~~الله الفرحان، أبو طاهر الأصفهاني العابد المشهور. كان مجاب الدعوة وله ~~آثار في الدعاء مشهورة ة كتب الكثير من الحديث بالعراق والشام عصر، وسمع ~~هشام بن عقار وغيره، وروى عنه محمد بن عبد الله الصفار وغيره. وفيها توفي ~~عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو ms0573 محمد المروزفي الكاتب، مصنف كتاب " غريب ~~الحديث و " غريب القرآن " و مشكل القرآن " مات فجأة: صاح صيحة عظيمة ثم مات ~~في شهر رجب وقال الدار قطني: كان يميل إلى التشبيه وكلامه يدل عليه وقال ~~البيهقي كان يرى رأي الكرامية وذكر عنه أشياء غير ذلك وكان خبيث اللسان يقع ~~في حق كبار العلماء. وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن عبد الله، الحافظ أبو ~~قلاية الرقاشي مولده بالبصرة سنة تسعين ومائة، وسمع يزيد بن هارون وغيره، ~~وروى عنه المحا ملي وآخرون . أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع ~~وتسع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. PageV01P0291 ### || AUT السنة السابعة من ولاية خمارويه # وهي سنة سبع وسبعين ومائتين: فيها أتفق يا زمان الخادم مع خمارويه صاحب ~~الترجمة ودعا له على المنابر بطرسوس، وسببه أن خمارويه استماله وتلطف به ~~وبعث له بثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة دابة وسلاح كثير. وفيها ~~حج بالناس هارون بن محمد العباسي الهاشمي على العادة. وفيها توفي أحمد بن ~~عيسى، أبو سعيد الخراز الصوفي البغدادي، أحد المشايخ المذكورين بالزهد كان ~~من أئمة القوم وجلة مشايخهم قال الجنيد: لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو ~~سعيد الخراز لهلكنا، قيل له: وعلى أي شيء حاله قال: أقام كذا وكذا سنة يخرز ~~ما فاته الحق، بين الخرزتين، يعني ذكر الله تعالى. وفيها توفي إبراهيم بن ~~إسحاق بن أبي العنبس، أبو إسحاق الزهري الكوفي. ولي قضاء بغداد ثم صرفه ~~الموفق: أراد منه أن يدفع إليه أموال الأوقاف فامتنع، وكان عالما محدثا حمل ~~الناس عنه الحديث الكثير. وفيها توفي محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن ~~مهران، الحافظ أبو حاتم الرازي الحنظلي مولى بني تميم بن حنظلة الغطفاني، ~~وقيل: سمي الحنظلي لأنه كان يسكن بالري بدرب حنظلة. كان أحد الأئمة ~~الرحالين، عارفا بعلل الحديث والجرح أو، التعديل رحل إلى خراسان والعراقين ~~والحجاز واليمن والشام ومصر، ومات بالري في شعبان. وفيها توفي يعقوب بن ~~سفيان، الحافظ أبو يوسف الفارسي ms0574 الفسوي ، صاحب التاريخ والمصنفات الحسان ~~كان إمام أهل الحديث، سافر إلى، البلاد ولقي الشيوخ، قال: كتبت عن ألف شيخ ~~وأكثر، وكلهم ثقات؟ وقال أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا يعقوب الدمشقي وتعجب ~~أهل العراق أن يروا مثله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~وإصبعان. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية خمارويه # وهي سنة ثمان وسبعين ومائتين: فيها في الثامن والعشرين من المحرم ظهر في ~~السماء كوكب ذوجمة . وفيها قال أبو المظفر بن قزا وغلي وغيره من المؤرخين: ~~غار نيل مصر حتى لم يبق منه شيء. قال الذهبي: ولم يتعرض المسبحي في تاريخه ~~إلى شيء من ذلك. وغلت الأسعار في هذه السنة بمصر وقراها. وفيها ظهرت ~~القرامطة بسواد الكوفة، وقد اختلفوا فيهم وفي مبتدأ أمرهم على أقوال نذكر ~~منها نبذة لما سيأتي من ذكر القرامطة واستيلائهم على البلاد وقتلهم للعباد، ~~فأحد الأقوال: أن رجلا قدم من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة وأظهر الزهد ~~والتقشف، وكان يعمل الخوص ويأكل من كسبه، ولا زال يظهر التدين والزهد إلى ~~أن مال إليه الناس فدرجهم من شيء إلى شيء حتى صاروا معه حيث شاء، وقيل غير ~~ذلك أقوال كثيرة؟ وهم من الذين أكثروا في الأرض الفساد وأخربوا البلاد. ~~وفيها غزا يا زمان الخادم الصائفة فبلغ حصنا يقال له سلند فنصب عليه ~~المجانيق، وأشرف على فتحه فجاءه حجر من الحصن فقتله، فارتحلوا به وفيه رمق ~~فمات في الطريق في رجب، فحمل على الأكتاف إلى طرسوس فدفن بهاة وكان شجاعا ~~جوادا رضي الله عنه . وفيها توفي ديك الجن الشاعر المشهور؟ واسمه عبد ~~السلام بن رغبان بن عبد السلام؟ وسمي ديك الجن لأن عينيه كانتا خضراوين، ~~وكان قبيح المحنظر فصيحا؟ عاصر أبا تمام الطائي وكان أبو تمام يعترف له ~~بالفضل وهو من شعراء الدولة العباسية وكان يتشيع وكان له غلام كالبدر ~~وجارية أحسن منه، وكان يهواهما جميعا، فدخل يوما منزله فوجدهما متعانقين ~~والجارية تقبل الغلام، فشد عليهما فقتلهما ثم ms0575 رثاهما بعد ذلك وحزن عليهما ~~حزنا شديدا، وتنغص عيشه بعدهما إلى أن مات . وشعر ديك الجن مشهور. ~~PageV01P0292 # وفيها توفي أبو أحمد طلحة، وقيل: محمد ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ~~ابن الخليفة المعتصم محمد ابن الخليفة الرشيد هارون، كان لقبه الموفق ثم ~~لقب بعد قتل الزنجي الناصر لدين الله كان يخطب له على المنابر بعد أخيه ~~الخليفة المعتمد، وكان يقول الخطيب: اللهم أصلح الأمير الناصر لدينك أبا ~~أحمد الموفق بالله ولي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين وكانت أم الموفق أم ~~ولد يقال لها إسحاق وكان الموفق من أجل الملوك رأيا وأسمحهم نفسا أحسنهم ~~تدبيرا كان أخوه المعتمد قد جعله ولي عهده بعد ولده جعفر المفوض، فغلب ~~الموفق على الأمر حتى صار أخوه الخليفة المعتمد معه كالمحجور عليه ومات ~~الموفق في حياة أخيه المعتمد فبايع المعتمد ابن الموفق أبا العباس ولقبه ~~بالمعتضد، وجعله ولي عهده بعد ابنه المفوض كما كان أبوه الموفق وظن المعتمد ~~أنه آستراح من الموفق فعظم أمر المعتضد أضعاف ما كان عليه الموفق، حتى إنه ~~خلع المفوض من ولاية العهد وصار هو ولي عهد عمه المعتمد وتولى الخلافة بعده ~~وكان الموفق قد حبس ابنه أبا العباس المعتضد هذا لشدة بأسه فلما احتضر ~~الموفق أوفي حال مرضه أخرج الجند المعتضد المذكور من حبسه بغير رضا أبيه، ~~ثم مات بعد أيام في يوم الأربعاء ثاني عشر من صفر وكان من أجل ملوك بني ~~العباس. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية خارويه # وهي سنة تسع وسبعين ومائتين: فيها عظم أمر المعتضد بتقديمه في ولاية ~~العهد على جعفر المفوض فإن الخليفة المعتمد خلع ولده وقدم ابن أخيه المعتضد ~~هذا على ولده المفوض المذكور وأظن ذلك كان لقوة شوكة المعتضد ثم فوض ~~المعتمد لابن أخيه المعتضد ما كان لأبيه الموفق من الأمر والنهي وكتب بذلك ~~إلى الآفاق ثم أمر المعتضد ألا يقعد على الطريق ms0576 ببغداد ولا في المسجد ~~الجامع قاص ولا صاحب نجوم وحلف باعة الكتب ألا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل ~~ونحو ذلك ولما قدم الخليفة المعتمد المعتضد هذا على ولده قدم له المعتضد ~~ثيابا بمائتي ألف درهم حمل إلى ابن عمه المفوض ثيابا بمائة ألف درهم وطابت ~~نفوسهما فلم يكن بعد ذلك إلا أيام ومات الخليفة المعتمد وتولى المعتضد ~~الخلافة بعد عمه المعتمد في صبيحة يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ~~رجب. وفيها أرسل خمارويه إلى المعتضد مع أبن الجصاص هدايا وتحفا وأموالا ~~كثيرة وسأله أن يزوج ابنه المكتفي ببنته قطر الندى فقال المعتضد: بل أنا ~~أتزوجها فتزوجها. وقد سقنا حكاية زواجها في ترجمة أبيها خمارويه. وفيها فتح ~~أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين وكانت مع محمد بن إسحاق بن كنداج وفيها ~~صفى المعتضد بالناس صلاة الأضحى فكبر في الأولى ست تكبيرات وفي الثانية ~~واحدة، ولم تسمع منه خطبة. PageV01P0293 # وفيها توفي محمد بن عيسى بن سورة، الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي مصنف ~~الجامع و العلل " والشمائل " وغيرها وكانت وفاته في شهر رجب وقد روينا ~~كتابه الجامع سماعا على الشيخين علاء الدين علي بن بردس البعلبكي وشهاب ~~الدين أحمد المشهور بأبن ناظر الصاحبية بسماع الأول عن أبي حفص بن أميلة ~~وإجازة الثاني من أحمد بن محمد بن أحمد بن الجوخي قالا: أخبرنا أبو الحفص ~~علي بن البخاري أ بن أميلة الأول سماعا والثاني إجازة أخبرنا أبو حفص ابن ~~طبرزد أخبرنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم عبد الله بن أبي سهل ~~القاسم بن أبي منصور الكروخي أخبرنا أبو عامر محمود بن القاسم الأزدي وأبو ~~بكر أحمد بن عبد الصمد الغورجي وأبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي سماعا ~~عليهم سوى الترياقي فمن أؤله إلى مناقب أبن عباس قال الكروخي وأخبرنا من ~~مناقب أبن عباس إلى آخر الكتاب عبد الله بن علي بن يس الدهان قالوا: أخبرنا ~~أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن ms0577 ~~محبوب المحبوبي أخبرنا الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي وروينا أيضا كتابه " ~~الشمائل سماعا على الشيخين المذكورين بسماع الأول من المسند صلاح الدين ~~محمد أبن أحمد بن أبي عمر المقدسي وإجازة الثاني من ابن الجوخ قالا أخبرنا ~~أبن البخارفي الأول سماعا والثاني إجازة أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن ~~الكندي أخبرنا أبو شجاع البسطافي أخبرنا أبو القاسم البلخي أخبرنا أبو ~~القاسم الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي أخبرنا أبو عيسى ~~الترمذي وفيها حج بالناس هارون بن محمد الهاشمي وهي آخر حجة حجها بالناس. ~~وكان قد حج بالناس ست عشرة حجة أولها سنة أربع وستين ومائتين إلى هذه السنة ~~وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين المعتمد على الله أبو العباس أحمد ابن ~~الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة ~~الرشيد هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي في ليلة الاثنين تاسع ~~عشر شهر رجب فجأة ببغداد فحمل ودفن بسرمن رأى ومولده سنة تسع وعشرين ~~ومائتين بسرمن رأى وأمه أم ولد رومية اسمها فتيان وفي موته أقوال كثيرة، ~~منهم من قال: إنه اغتيل بالسم ومنهم من قال: إنه خنق وقيل غير ذلك وكانت ~~خلافته ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أيام وكان فيها كالمحجور عليه مع أخيه ~~الموفق، فإنه كان منهمكا في اللذات فولى أخاه الموفق أمر الناس فقوي عليه ~~ونقهر المعتمد معه إلى أن مات قهرا منه ومن ولده المعتضد وتولى الخلافة من ~~بعده المعتضد ابن أخيه الموفق المذكور. وفيها توفي أحمد بن أبي خيثمة زهير ~~بن حرب بن شذاد النسائي الأصل كان عالما حافظا ذا فنون بصيرا بأيام الناس ~~راوية للآداب أخذ علم الحديث عن الإمام أحمد بن حنبل وعن يحيى بن معين وعلم ~~النسب عن مصعب الزبيري وأيام الناس عن أبي الحسن المدائي وصنف التاريخ ~~فأكثر فوائده ومات في جمادى الأولى وفيها توفي أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق ~~أبو عبد الله ms0578 البزوري البغدادي ويعرف بابن أبي عوف كان إماما عالما محدثا ~~ثقة نبيلا وفيها توفي أحمد بن يحيى بن جابر أبو بكر وقيل أبو جعفر وقيل أبو ~~الحسن البلاذري الكاتب البغدادي صاحب التاريخ . وكان أديبا مدح المأمون ~~وجالس المتوكل وسمع هشام بن عفار وغيره وروى عنه جم غفير وفيها توفي نصر بن ~~أحمد بن أسد بن سامان؟ كان سامان مع أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة وكان ~~ينسب إلى الأكاسرة، فمات سامان وبقي ابنه أسد . وتوفي أسد في خلافة الرشيد ~~وحلف ابنه نوحا وأحمد ويحيى وإلياس، فولي أحمد بن أسد فرغانة، ونوح سمرقند، ~~ويحيى الشاش وأشر وسنة، وولي إلياس هراة؟ وكان أحمد والد نصر هذا أحسنهم ~~سيرة، ومات في أيام عبد الله بن طاهر بن الحسين، وخلف سبعة بنين، منهم نصر ~~بن أحمد هذا، فولي نصر ولايات أبيه مثل سمرقند والشاش وفرغانة، وولي أخوه ~~إسماعيل بخارى وأعمالها؛ وهؤلاء يسمون السامانية وهم عدة ملوك، ولهذا ~~أوضحنا أصلهم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وإصبع ونصف. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية خمارويه # وهي سنة ثمانين ومائتين: PageV01P0294 # فيها فتح محمد بن أبي الساج مراغة بعد حصار طويل وأخذ منها مالا كثيرا. ~~وفيها غزا إسماعيل بن أحمد الساماني بلاد الترك من صراء النهر وأسر ملكها ~~وزوجته وأسر عشرة آلاف وقتل مثلهم . وفيها شكا الناس إلى الخليفة المعتضد ~~مايقاسون من عقبة حلوان من المشقة فبعث عشرين ألف دينار فأصلحها وفيها بنى ~~المعتضد القصر الحسني الذي صار دار الخلافة ببغداد إلى آخر وقت وتحول إليه ~~المعتضد وسكنه وفيها حج بالناس محمد بن عبد الله بن محمد العباسي . وفيها ~~توفي جعفر المفوض ابن الخليفة المعتمد على الله أحمد في شهر ربيع الآخر ~~وكان محبوسا في دار المعتضد لا يراه أحد وقيل: إن المعتضد نادمه في خلوته ~~وصار يكرمه. وفيها توفي عثمان بن سعيد بن خالد الحافظ أبو سعيد الدارمي ~~نزيل هراة رحل إلى الأمصار ولقي الشيوخ وجالس الإمام ms0579 أحمد بن حنبل وابن ~~معين والحفاظ حتى قالوا: ما رأينا مثله ولا رأى هو مثل نفسه وكان لا يحدث ~~من يقول بخلق القرآن. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~وثماني أصابع مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية خمارويه # وهي سنة إحدى وثمانين ومائتين فيها أرسل خمارويه طغج بن جف إلى غزو ~~الروم فتوجه من طرسوس حتى بلغ طرابزون وفتح ملورية في جمادى الأخرة وفيها ~~غارت المياه بالري وطبرستان فصار الماء يباع ثلاثة أرطال بدرهم وغلت ~~الأسعار وقحط الناس وأكل بعضهم بعضا حتى أكل رجل ابنته وفيها توفي أبن أبي ~~الدنيا واسمه عبد الله بن محمد أبو بكر القرشي البغدادي مولى بني أمية ولد ~~سنة ثمان ومائتين وكان مؤدبا لجماعة من أولاد الخلفاء منهم المعتضد وابنه ~~المكتفي وكان عالما زاهدا ورعا عابدا وله التصانيف الحسان والناس بعده عيال ~~عليه في الفنون التي جمعها وروى عنه خلق كثير وآتفقوا على ثقته وصدقه ~~وأمانته وفيها توفي أبو بكر عبد الله بن محمد بن النعمان الأصبهاني الإمام ~~المتقن. وفيها توفى الإمام الفقيه محمد بن إبراهيم بن المواز المالكى. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء مبلغ الزيادة خمس عشرة ~~ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية خمارويه # على مصر،فيها مات وهي سنة أثنين وثمانين ومائتين: فيها في المحرم أمر ~~المعتضد بتغيير نوروز العجم الذي هو افتتاح الخراج وأخره إلى حادي عشر ~~حزيران وسماه النوروز المعتضدي وقصد بذلك الرفق بالرغية ومنع الناس ما ~~كانوا يعملونه في كل سنة من إيقاد النيران وصب الماء على الناس فكان ذلك من ~~أحسن أفعال المعتضد . وفيها لليلتين خلتا من المحرم قدم أبن الجصاص بقطر ~~الندى بنت خمارويه صاحب الترجمة إلى بغداد فأنزلت في دار صاعد وكان المعتضد ~~غائبا بالموصل فلما سمع بقدومها عاد إلى بغداد ودخل بها في خامس شهر ربيع ~~الأول بعد أن عمل لها مهما يتجاوز الوصف وفيها قتل خمارويه صاحب الترجمة ms0580 ~~وقد تقدم ذكر مقتله في ترجمته. وفيها توفي عبد الرحمن بن عمر وبن عبد الله ~~بن صفوان بن عمرو الحافظ أبو زرعة النصري الذمشقي كان من أئمة الحفاظ، رحل ~~إلى البلاد وكتب الكثير حتى صار شيخ الشام وإمام وقته وكتب عنه خلائق وكانت ~~وفاته بدمشق في جمادى الآخرى وفيها توفي محمد ابن الخليفة جعفر المتوكل عم ~~المعتضد وكان فاضلا شاعرا وهو القائل لما أراد أخوه المعتمد الخروج إلى ~~الشام والدنيا مضطربة: أقول له عند توديعه ... وكل بعبرته مبلس لئن بعدت ~~عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس وفيها توفي محمد بن عبد الرحمن بن ~~محمد بن عمارة بن القعقاع أبو قبيصة الضبي. كان صالحا عابدا مجتهدا سمع من ~~سليمان وغيره روى عنه جماعة كثيرة. أمر النيل فى هذه السنة: الماء القديم ~~خمس أذرع سواء مثل الماضية مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية أبي العساكر جيش # PageV01P0295 # هو أبو العساكر جيش بن أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ولي مصر ~~والشأم بعد قتل أبيه خمارويه بدمشق في يوم سابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين ~~وثمانين ومائتين فأقام بدمشق أياما ثم عاد إلى ديار مصر ودام بها إلى أن ~~وقع منه أمور أنكرت عليه فاستوحش الناس منه وكان لما مات أبوه تقاعد عن ~~مبايعته جماعة من كبار القواد لقلة المال وعجزه عن أن ينعم عليهم لأن أبا ~~الجيش خمارويه كان أنفق في جهاز ابنته قطر الندى لما زوجها للخليفة المعتضد ~~جميع ما كان في خزائنه ومات بعد ذلك بمدة يسيرة قال بعضهم فمات حقا حين ~~حاجته إلى الموت لأنه لو عاش أكثر من هذا حتى يلتمس ما كانت جرت عادته به ~~لاستصعب ذلك عليه ولو نزلت به ملمة لافتضح انتهى. ولما تقاعد كبار القواد ~~عن بيعة جيش تلطف بعض القواد في أمره حتى تمت البيعة وبايعوه وهو صبي لم ~~يؤدبه الزمان ولا محنه التجارب والعرفان وقد قيل بعيد نجيب ابن نجيب من ~~نجيب فلما تم أمر جيش المذكور أقبل ms0581 على الشرب واللهو مع عامة أوباش منهم ~~غلام رومي لا وزن له ولا قيمة يعرف ببندقوش ورجلان من عامة العيارين الذين ~~يحملون الحجارة الثقال والعمد الحديد ويعانون الصراع أحدهما يعرف بخضر ~~والثاني يعرف بابن البواش وغير هؤلاء من غلمان لم يكن لهم حال جعلهم بطانته ~~فأول شيء حسنوه له أن وثبوه على عمه أبي العشائر فقالوا له: هذا يرى نفسه ~~أنه هو الذي رد الدولة يوم الطواحين لما انهزم أبوك وكان يقرع أباك بهزيمته ~~يومئذ ويذيع ذلك عند خاصته ويقولون أيضا إنه هو الذي هم بالوثوب حتى صنع ~~أهل برقة فيه ماصنعوا ويتلفت إلى أهل برقة ويرى أنهم أعداؤه ويتربص بهم أن ~~تدول له دولة فيأخذ بثأره منهم فهويتلمظ إلى الدولة وإلى ما في نفسه مما ~~ذكرناه والمنايا تتلمظ إليه كما قال الشاعر: تلمظ السيف من شوق إلى أنس ... ~~والموت يلحظ والأقدار تنتظر فعند ذلك قبض عليه جيش هذا ودس إليه من قتله ثم ~~قال عنه إنه مات حتف أنفه وتحقق الناس قتله فنفرت القلوب عنه أيضا لكونه ~~قتله بغيا عليه وتعديا ثم آشتغل بعد ذلك جيش بهذه الطائفة المذكورة عن حقوق ~~قواد أبيه وعن أحوال الرعية وكانت القواد أمراء شدادا يرون أنفسهم بعينها ~~في التقديم والرياسة والشجاعة، وإنما كان قبضهم أبوه خمارويه بجميل أفعاله ~~وكريم مقدماته إليهم ولسعة الإفضال عليهم وهم مثل خاقان المفلحي ومحمد بن ~~إسحاق بن كنداج ووصيف بن سوارتكين وبندقة بن لمجور وأخيه محمد بن لمجور ~~وابن قراطغان ومن أشبههم ثم آنتقل من هذا إلى أن صار إذا أخذ منه النبيذ ~~يقول لطائفته التي ذكرناها واحدا بعد واحد: غدا أقلدك موضع فلان وأهب لك ~~داره وأسوغك نعمته فأنت أحق من هؤلاء الكلاب كل ذلك ومجالسه تنقل إليهم ~~فعند ذلك بسط القواد ألسنتهم فيه وشكا القواد بعضهم إلى بعض مايلقونه منه ~~فقالوا نفتك به ولانصبر له على مثل هذا وبلغه الخبر فلم يكتمه ولم يتلاف ~~القضية ولا شاور من يدله على مداواة أمره بل أعلن بما بلغه ms0582 عنهم وتوعدهم ~~وقال: لاطلقن الرجالة عليهم ولأفعلن بهم فاتصلت بهم مقالته فآعتزل من عسكره ~~كبار القواد من الذين سميناهم مثل ابن كنداج وطبقته وخرجوا في خاصة غلمانهم ~~وهي زهاء ثلاثمائة غلام وساروا على طريق أيلة وركبوا جبل الشراة حتى وصلوا ~~إلى الكوفة بعد أن نالهم في طريقهم كد شديد ومشقة وكادوا أن يهلكوا عطشا ~~واتصلت أخبارهم بالخليفة المعتضد ببغداد فوجه إليهم بالزاد والميرة والدواب ~~وبعث إليهم من يتلقاهم وقبلهم أحسن قبول وأجزل جوائزهم وضاعف أرزاقهم ~~PageV01P0296 # وخلع عليهم وصنع في أمرهم كل جميل والمعتضد هذا هو صهر جيش صاحب الترجمة ~~وزوج أخته قطر الندى المقدم ذكرها في ترجمة أبيها خمارويه وآستمر جيش هذا ~~مع أوباشه بمصر وبينما هوفي ذلك ورد عليه الخبر بخروج طغج بن جص أمير دمشق ~~عن طاعته وخروج آبن طغان أمير الثغور أيضا وأنهما خلعاه جميعا وأسقطا آسمه ~~من الدعوة والخطبة على منابر أعمالهم فلم يكربه ذلك ولا آستشنعه ولارئي له ~~على وجهه أثر فلما رأى ذلك من بقي من غلمان أبيه بمصر مشى بعضهم إلى بعض ~~وتشاوروا في أمره فاجتمعوا على خلعه وركب بعضهم وهجم عليه غلام لأبيه خزري ~~يقال له برمش فقبض عليه وهم بقتله ثم كف عنه فلما كان من الغد آجتمع القواد ~~في مجلس من مجالس دار أبيه وتذاكروا أفعلاله وأحضروا معهم عمول البلد ~~وأعادوا لهم أخباره وقالوا لهم: ما مثل هذا يقلد شيئا من أمور المسلمين ~~وأحضروه لأن جماعة من غلمان أبيه يعني ممالكيه قالوا: لانقفد غيره حتى يحضر ~~ونسمع قوله فإن وعد برجوع وتاب من فعله أمهلناه وجربناه وإن أقر بعجزه عن ~~حمل ما حمل وجعلنا في حل من بيعته بايعنا غيره على يقين وعلى غير إثم ~~فأحضروه فاعترف أنه يعجز عن القيام بتدبير الدولة وأنه قد جعل من له في ~~عنقه بيعة في حل وعمل بذلك محضر شهد فيه عدول البلد ووجوهه ومن حضر من ~~القواد والغلمان أعني المماليك وصرفوه وكان قبل القبض عليه ركبوا إلى أبي ~~جعفر بن أبى وقالوا ms0583 له: أنت خليفة أبيه وكان ينبغي لك أن تودبه وتسدده فقال ~~لهم: قد تكلمت جهدي ولكن لم يسمع مني وبعد فتقدموني إليه فتسمعون ما أخاطبه ~~به فتقدموه وركب من داره فلما جاوز داره قليلا لقيه برمش فضرب بيده على ~~شكيمة فرسه، وقال له: أنت خليفة أبيه وخليفته ونصف ذنبه لك وجره جرا وبينما ~~هو في ذلك إذ أقبل علي بن أحمد فقبض على الآخر وقال له: أنت وزيره وكاتبه ~~وعليك ذنبه لأنه كان يجب عليك تقويمه وتعريفه ما يجب عليه فصعد بالاثنين ~~جميعا إلى المنظر وقعد معهما كالملازم وبينما هوعلى ذلك إذ خطر على قلبه ~~شيء فقام إلى دابته وتركهما ومضى نحو باب المدينة فوثب من فوره آبن أبى إلى ~~دابته وركبها وقال لعلي بن أحمد: آركب وآلحقني، وحرك دابته فإنه كان أحس ~~الموت، ثم جاءه الخلاص من الله وركب بعده علي بن أحمد فلم يتجاوز المنظر ~~حتى لحقه طائفة من الرجالة فقتلوه ومر ابن أبى إلى نحو المعافر فتكفن هناك ~~وآختفى وعاد برمش فلم يجد ابن أبى فمضى من فوره وهجم على جيش وقبض عليه ~~حسبما ذكرناه من خلعه وحبسه وورى جثة علي بن أحمدة وسلم آبن أبى. فقال ~~بعضهم في علي بن أحمد: المجتث أحسن إلى الناس طرا ... فأنت فيهم معان وآعلم ~~بأنك يوما ... كما تدين تدان PageV01P0297 # وقيل في أمر جيش المذكور وجه آخر وهو أنه لما وقع من أمر القواد ما وقع ~~خرج أبو العساكر جيش إلى متنزه له بمنية الأصبغ غير مكترث بما وقع له ~~وبينما هو في ذلك ورد عليه الخبر بوثوب الجند عليه وقالوا له: لا نرضى بك ~~أبدا فتنح عنا حتى نولي عمك نصربن أحمد بن طولون فخرج إليهم كاتبه علي بن ~~أحمد الماذرائي الذي تقدم ذكر قتله وسألهم أن ينصرفوا عنه يومهم فآنصرفوا ~~فقام جيش المذكورمن وقته ودخل على عمه نصر وكان في حبسه فضرب عنقه وعنق عمه ~~الاخر، ورمى برأسيهما إلى الجند، وقال: خذوا أميركم فلما رأوا ذلك هجموا ~~عليه وقتلوه ms0584 وقتلوا أمه معه ونهبوا داره وأحرقوها وأقعدوا أخاه هارون بن ~~خمارويه في الإمرة مكانه ثم طلب علي بن أحمد الماذرائي كاتبه المقدم ذكره ~~وقتلوه وقتلوا أيضا بندقوش وابن البواش ونهبت دار جيش فوقع في أيدي الجند ~~من نهبها مايملأ قلوبهم وعيونهم حتى إن بعضهم من كثرة ماحصل له ترك الجندية ~~وسكن الريف وصار من مزارعيه وتجاره وقال العلامة شمس الدين يوسف ابن ~~قزأوغلي في مرآة الزمان وجها آخر في قتل جيش هذا فقال ولي إمرة دمشق بعد ~~موت أبيه بمدة يسيرة ثم خرج إلى مصر في هذه السنة يعني سنة ثلاث وثمانين ~~ومائتين واستعمل على دمشق طغج بن جف فلما دخل إلى مصر لم يرض به أهلها ~~وقالوا: نريد أبا العشائر هارون فوثب عليه هارون فقتله في جمادى الأخرة ~~وكانت ولايته خمسة أشهر واستولى على مصر قال ربيعة بن أحمد بن طولون: لما ~~قتل أخي خمارويه ودخل ابنه جيش مصر قبض علي وعلى عميه نصر وشيبان ابني أحمد ~~بن طولون وحبسهما في حجرة معي في الميدان وكان كل يوم تأتينا المائدة عليها ~~الطعام فكنا نجتمع عليها فجاءنا يوما خادم فأخذ أخانا نصرا فأدخله بيتا ~~فأقام خمسة أيام لا يطعم ولا يشرب والباب عليه مغلق فدخل علينا ثلاثة من ~~أصحاب جيش وقالوا أمات أخوكما فقلنا لا ندري فدخلوا عليه البيت فرماه كل ~~واحد منهم بسهم في مقتل فقتلوه، وكانت ليلة الجمعة فأخرجوه ثم أغلقوا علينا ~~الباب وبقينا يوم الجمعة ويوم السبت لم يقدموا إلينا بطعام فظننا أنهم ~~يسلكون بنا مسلك أخينا فلما كان يوم الأحد سمعنا صراخا في الدار وفتح باب ~~الحجرة علينا وأدخل علينا جيش بن خمارويه فقلنا: ما حالك فقال: غلبني أخي ~~هارون على البلد وتولى الإمارة فقلنا الحمد لله الذي قبض يدك وأضرع خدك ~~فقال ما كان عزمي إلا أن ألحقكما بأخيكما ثم جاء الرسول وقال: الأمير هارون ~~قد بعث إليكما بهذه المائدة وكان في عزم جيش أن يلحقكما بأخيكما نصر فقوما ~~إليه فاقتلاه وخذا بثأركما منه وآنصرفا ms0585 على أمان قال: فلم نقتله وآنصرفنا ~~إلى منازلنا، وبعث هارون خدما فقتلوه وكفينا أمر عدونا انتهى كلام أبي ~~المظفر. قلت: وكان خلع جيش لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ~~وكانت ولايته ستة أشهر واثني عشر يوما وقتل في السجن بعد خلعه بأيام يسيرة. ### || AUT السنة التي حكم في أولها جيش # بن خمارويه على مصر على أنه حكم من الماضية شهرا وأياما وهذه السنة سنة ~~ثلاث وثمانين ومائتين: فيها قدم رسول عمرو بن الليث الصفار على الخليفة ~~المعتضد العباسي من خراسان بالهدايا والتحف وفيها مائتا جمل ومائتا حمارة ~~ومن الطرائف شيء كثير منها: صنم على خلقة آمرأة كان قوم من الهند في مدينة ~~يقال لها: أيل شاه كانوا يعبدونها وفيها خرج جماعة من قواد مصر إلى المعتضد ~~منهم محمد بن إسحاق وخاقان البلخي وبدر بن جف وسبب قدومهم إلى المعتضد أنهم ~~كانوا أرادوا أن يقتلوا جيش بن خمارويه المذكور فسعي بهم إليه وكان راكبا ~~كانوا في موكبه وعلموا أنه قد علم بهم فخرجوا من وقتهم وسلكوا البرية ~~وتركوا أموالهم وأهاليهم فتاهوا أياما ومات منهم جماعة من العطش ثم خرجوا ~~على طريق الكوفة؟ فبلغ أمرهم الخليفة المعتضد فأرسل إليهم الأطعمة والدواب ~~ثم وصلوا بغداد فأكرمهم المعتضد وقربهم وفيها توقي إبراهيم بن إسحاق بن ~~إبراهيم أبوإسحاق الثقفي السراج النيسابوري كان الإمام أحمد بن حنبل يزوره ~~في منزله لزهده وورعه. وفيها توفي سهل بن عبد الله بن يونس أبو محمد ~~التستري أحد المشايخ ومن أكابر القوم والمتكلم في علوم الإخلاص والرياضات ~~وكان كبير الشأن. وفيها توفي صالح بن محمد بن عبد الله الشيخ أبو الفضل ~~الشيرازي البغدادي كان رجلا صالحا، ختم القرآن أربعة آلاف مرة. ~~PageV01P0298 # وفيها توفي عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش أبو محمد الحافظ البغدادي ~~أقام بنيسابور مدة مستفيدا من محمد بن يحيى الذهلي وغيره وسمع منه جماعة ~~وكان أوحد زمانه وفريد عصره. وفيها توفي علي بن العباس بن جريج أبو الحسن ~~الشاعر المشهور المعروف بابن الرومي مولى ms0586 عبيد الله بن عيسى بن جعفر كان ~~فصيحا بليغا وهو أحد الشعراء المكثرين في الغزل والمدح والهجاء قال صاحب ~~المراة: إنه مات في هذه السنة. وقال ابن خلكان توفي ليلة الأربعاء لليلتين ~~بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وقيل أربع وثمانين وقيل سنة ست ~~وسبعين. وهذه الأقوال أثبت من قول صاحب المرآة انتهى ومن شعره ولم يسبق إلى ~~هذا المعنى: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم منها ~~معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم وله من قصيدة الكامل، ~~وإذا آمرؤ مدح آمرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أراد هجاءه لو لم يقدر فيه ~~بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه ويحكى أن لائما لامه وقال له: ~~لم لا تشبه تشبيه آبن المعتز وأنت أشعر منه قال له أنشدني شيئا من شعره ~~أعجز عن مثله فأنشده صفة الهلال الكامل فآنظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته ~~حمولة من عنبر فقال آبن الرومي زدني فأنشده مجزوء الرجز: كأن آذريونها ... ~~والشمس فيه كاليه مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه فقال ابن الرومي ~~واغاثاه لا يكلف الله نفسا إلأ وسعها ذلك إنما يصف ماعون بيته لأنه آبن ~~الخلفاء وأنا مشغول بالتصرف في الشعر وطلب الرزق به أمدح هذا مرة وأهجو هذا ~~كرة وأعاتب هذا تارة وأستعطف هذا طورا " انتهى وفيها توفي علي بن محمد بن ~~عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي البصري قاضي القضاة أبو الحسن كان ولي ~~القضاء بسرمن رأى وكان عالما عفيفا ثقة وفيها توفي الوليدبن عبيدبن يحيى ~~أبن عبيد، بن شملال أبو عبادة الطائي البحترفي الشاعر المشهور أحد فحول ~~الشعراء وصاحب الديوان المعروف به كان حامل لواء الشعر في عصره مدح الخلفاء ~~والوزراء والملوك وأصله من أهل منبج وقدم لدشق صحبة المتوكل ووصل إلى مصر ~~إلى خمارويه. حكي أن المتوكل قال له يوما يابحتري قل في راح بيت شعر ~~ولاتصرح باسمه فقال مجزوء الرمل: جاز بالود فتى أم ... سى رهينا بك مدنف ~~اسم من أهواه في ... شعري مقلوب مصحف ms0587 ومن شعره في المتوكل أيضا من قصيدة ~~الكامل: فلو أن مشتاقا تكلف غير ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر فلما تخلف ~~المستعين قال لا أقبل إلا ممن قال مثل هذا قال أبو جعفر أحمد بن يحيى ~~البلاذري فأنشدته الطويل، ولو أن برد المصطفى إذ لبسته ... يظن لظن البرد ~~أنك صاحبه وقال وقد أعطيته ولبسته ... نعم، هذه أعطافه ومناكبه وله الطويل: ~~شكرتك إن الشكر للعبد نعمة ... ومن شكر المعروف فآلله زائده لكل زمان واحد ~~يقتدى به ... وهذا زمان أنت لا شك واحده الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي سهل بن عبد الله التستري الزاهد والعباس بن الفضل ~~الأسفاطي وعلي بن محمد بن عبد الملك ابن أبي الشوارب القاضي، ومحمد بن ~~سليمان الباغندي . أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وإصبعان. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### | AUT ولاية هارون بن خمارويه # هو الأمير أبو موسى هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون التركي الأصل ~~المصري المولد. ولي مصر بعد قتل أخيه جيش بن خمارويه في اليوم العاشر من ~~جمادى الاخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وتم أمره وكانت بيعته من غير عطاء ~~للجند، وهو من الغرائب؛ وبايعوه طوعا أرسالا ولم يمتنع عليه أحد، وجعلوا ~~أبا جعفر بن أبى خليفته والمؤيد لأمره ولتدبيره؛ وسكنت ثائرة الحرب وقر ~~قرار الناس وقتل غالب أصحاب جيش ولم يسلم منهم إلا عبد الله بن الفتح، ~~واستتر أبو عبد الله القاضي خوفا من مثل مصرع علي بن أحمد لأنه يعلم ما كان ~~له في نفوس الناس، وماظهر إلافي اليوم الذي دخل فيه محمد بن سليمان البلد، ~~وقلد القضاء بعده أبوزرعة محمد بن عثمان من أهل دمشق. PageV01P0299 # وأخرج جيش بعد أيام ميتا، ثم بعد أيام أمر أبو جعفر بن أبى ربيعة بن أحمد ~~بن طولون أن يخرج إلى الإسكندرية فيسكنها هو وولده وحريمه ويبعد عن الحضرة، ~~فتوجه إلى الإسكندرية وأقام بها على أجمل وجه إلى أن حركه أجله، وكاتبه قوم ~~ووثبوه ms0588 وقالوا له: أنت رجل كامل مكمل التدبير، وقد تقلدت البلدان وأحسنت ~~سياستها، ولوكشفت وجهك لتبعك أكثر الجيش ؛ فأطاعهم وأقبل ركضا فسبق من كان ~~معه، فلم يشعر الناس به إلا وهو بالجبل المقطم وحلى ومعه غلام له نوبي، ~~وبيده مطرد ينشد الناس لنفسه ويدعوهم إلى ما كاتبوه؛ وآتصل خبره بآبن أبى ~~فبعث النقباء الى الناس وأمرهم بالركوب، فركب الناس وأقبلوا يهرعون من كل ~~جانب. ونزل ربيعة مدلا بنفسه، وكان من الفرسان، طمعا فيمن بقي له ممن ~~كاتبه، فلم يأته أحد وسار وحده وفر عنه من كان معه أيضا، وبقي كالليث يحمل ~~على قطعة قطعة فينقضها وتنهزم منه، حتى برز له غلام أسود خصي يعرف بصندل ~~المزاحمي مولى مزاحم بن خاقان الذي كان أميرا على مصر، وقد تقدم ذكره فحمل ~~عليه ربيعة فرمى صندل بنفسه إلى الأرض وقال له: بتربة الماضي، فكف عنه وقال ~~له: امض الى لعنة الله. ثم برز إليه غلام آخر يعرف بأحمد غلام الكفتي ~~والكفتي أيضا كان من جملة قوادهم فحمل عليه ربيعة فقتله. وأقبل ربيعة يحمل ~~على الناس ميمنة وميسرة ويحملون عليه بأجمعهم فيكمونه ويرثونه إلى الصحراء ~~ثم يرجع عليهم فيردهم إلى موضعهم؛ فلم يزل هذا دأبه إلى الزوال، فتقطر عن ~~فرسه فأكبوا عليه ورموا بأنفسهم عليه حتى أخذوه مقانصة فآعتقل يومه ذلك؛ ~~فلما كان من الغد أمر أن يضرب مائة سوط ووكل به الكفتي القائد ليأخذه ~~بثأرغلامه، فكان الكفتي يحض الجلادين ويصيح عليهم ويأمرهم بأن يوجعوا ضربه ~~حتى استرخى، وقيل: إنه مات، فقال الكفتي: هيهات! لحم البقر لا ينضج سريعا! ~~فضرب أسواطا بعد موته ثم أمر به فدفن في حجرة بقرب من بئر الجلودي ومنع أن ~~يدفن مع أهله. فلما كان من غد يوم دفنه بلغ سودان أبيه أن الكفتي قال: لحم ~~البقر لا ينضج سريعا، وأنه ضربه بعد أن مات أسواطا، فغاظهم ذلك وحركهم عليه ~~وزحفوا إلى داره، وبلغه الخبر فتنحى عنها، فجاؤوا داره فلم يجدوه فنهبوا ~~داره ولم يكن له علم بذلك، فأخفوا منها ms0589 شيئا كثيرا حتى تركت حرمته عريانة ~~في البيت لا يواريها شيء. ورجع الكفتي إلى داره فرأى نعمته قد سلبت وحرمته ~~قد هتكت، فدخل قلبه من ذلك حسرة فمات كمدا بعد أيام. وثبت ملك هارون هذا ~~وهو صبي يدبر ولا يحسن أن يدبر، والأمر كله مردود إلى أبى جعفر بن أبى يدبر ~~كما يرى. فلما رأى غلمان أبيه الكبار الأمر كله لأبي جعفر، وهم بحر وفائق ~~وصافي، قبض كل منهم على قطعة من الجيش وحازها لنفسه وجعلها مضافة له يطالب ~~عنهم ما يستحقونه من رزق وجراية وغيرها، وسأل أن يكون ما لهم محمولا إلى ~~داره يتولى هو عطاءهم، فصار عطاء كل طائفة من الجند إلى دار الذي صارت في ~~جملته وصاروا له كالغلمان. ثم خرج بدر القائد والحسن بن أحمد الماذرائي إلى ~~الشأم فأصلحوا أمرها، واستخلفوا على دمشق من قبل هارون المذكور الأمير طغج ~~بن جف، وقرروا جميع أعمال الشامات ثم عادوا إلى مصر. ثم حج بدر المذكور في ~~السنة وأظهر زيا حسنا وأنفق نفقة كثيرة وأصلح من عقبة أيلة جرفا كبيرا. ~~ولما كان في السنة المقبلة حج فائق فزاد في زيه ونفقاته PageV01P0300 # على كل ما فعله بدر؛ وكان دأبهم المنافسة في حسن الزي وبسط اليد بالإنفاق ~~في وجوه البر. وبنى بد الميضأة المعروفة به على باب الجامع العتيق، ووقف ~~عليها القيسارية الملاصقة لها، وجعل مع الميضأة ماء عذبا في كيزان توضع في ~~حلقة من حلق المسجد؛ وكان صاحب صدقات بدر رجل يعرف بالليث بن داود، فكان ~~الشخص يرى المساكين زمرا زمرا يتلو بعضهم بعضا ينادون في الطريق: دار ~~الليث، دار الليث، فيعطيهم الليث الدراهم واللحم المطبوخ ويكسوهم في الشتاء ~~الجباب الصوف ويفرق فيهم الأكسية؛ وتم ذلك أيام حياة بدر كلها؛ وكان لصافي ~~وفائق أيضا عمال مثل ذلك وأكثر. قال محمد بن عاصم العمري وكان من علماء ~~الناس قال: صرت إلى مصر فلم يحتف بي أحد غير أبي موسى هارون بن محمد ~~العباسي، فصار يحضر لي مائدة ويباسطني في محادثته، وحملني ms0590 ذلك على أن ~~آستحييته، فقال لي: أنا أعرف بصدقك فيما ذكرت وليس يرضيني لك ما ترى، لأن ~~هذه أشياء تقصر عن مرادي، ولكني سأقع لك على موضع يرضيك ويرضيني فيك ؛ ودام ~~على ذلك مدة لا يقطع عني عادته، إلى أن توفي لهارون صاحب مصر ولد صغير، ~~فبادر هارون بإخراجه والصلاة عليه وصرنا به إلى الصحراء. فما وضع عن أعناق ~~حامليه حتى أقبل موكب عظيم فيه بحر وفائق وصافي موالي أبي الجيش خمارويه، ~~ومحمد بن أبى وجماعة، فقالوا: نصلي عليه؛ فقال هارون: قد صليت عليه ؛ ~~فقالوا: لا بد أن نصلي عليه ؛ فقال هارون بن محمد العباسي: ادعوا إلي محمد ~~بن عاصم العمري، وكنت في أخريات الناس، فلم يزالوا قياما ينتظرونني حتى ~~أتيت؛ فقال لي: صل بهم، فصليت بهم ؛ وآنصرفنا ؛ فلما كان بعد يومين قال لي: ~~قد عرفت بك هؤلاء القوم فامض إليهم فإنك تنال أجرا كبيرا؛ قال: فصرت إلى ~~أبوابهم وسلمت عليهم، فلم يمض أقل من شهر حتى نالني منهم مال كثير وحسنت ~~حالي إلى الغاية، ثم ذكر عن هؤلاء القوم من هذه الأشياء نبذا كثيرة.وأما ~~أمر هارون صاحب الترجمة فإنه لما تم أمره صار أبوجعفربن أبىهو مدبر مملكته. ~~وكان أبوجعفر عنده دهاء ومكر فبقي في قلبه أثر مما فعله برمش من يوم خلع ~~جيش وقتل علي بن أحمد؛ وكان من القواد رجل يعرف بسمجور قد قلد حجابة هارون، ~~فبسط لسانه في ابن أبى المذكور وحرك عليه القواد؛ وبلغ ذلك ابن ابى فقال ~~لهارون: احفر سمجور هذا، وهارون صبي فلم يتحمل ذلك؛ ودخل القواد في شهر ~~رمضان يفطرون عنده وكان سمجور فيهم؛ فلما نجز أمرهم وخرجوا استقعد سمجور ~~وقال له: يا سمجور، أنت مدسوس إلي وأنا مدسوس إليك، وتريد كيت وكيت، وغمز ~~غلمانه عليه فقبضوا عليه واعتقله في خزانة من خزائنه فكان ذلك اخر العهد ~~به. وأما برمش فإن أبا جعفربن أبى خلا به وقال له: ويحك؛ ألاترى ما نحن فيه ~~مع هؤلاء القوم؛ انقلبت الدولة رومية ما لنا معهم أمر ms0591 ولانهي. وكان برمش ~~خزريا أحمق، فبسط لسانه في بدر وغيره من الأروام، فنقل إليهم. وكان بدر ~~أخلاقه كريمة، وكان من أحسن خلقه أن الرجل إذا قبل فخده يقبل هورأس الرجل؛ ~~فدس له برمش غلاما فوقف له على الباب، فلما خرج بدر أقبل عليه الغلام وقبل ~~فخده فانكب بدر على رأسه فضربه الغلام في رأسه فشجه، وقبض على الغلام ~~الأسود، فقال: دسني برمش؛ فغضب له الناس وركبوا قاصدين دار برمش، فعرف برمش ~~الأمر فركب لحماقته وأمر غلمانه وحواشيه فركبوا وخرجوا إلى الموضع المعروف ~~ببئر برمش، وكان هو الذي آحتفرها وبناها وصف هناك مماليكه؛ فركب في الحال ~~آبن أبى لما في نفسه من برمش قديما وقد تم له ما دبره عليه، وقال لهارون: ~~هذا غلامك برمش قد خرج عليك فأرسل بالقبض عليه، ثم قال: الصواب أن تخرج ~~بنفسك إليه في مماليكك وتبادر الأمر قبل أن يتسع ويعسر أمره؛ فركب هارون في ~~دسته فلم يبق أحد إلاركب بركوبه؛ فلما رأى برمش ذلك تأهب لقتالهم وأخذ قوسه ~~وبادرأن يرمي به ؛ فقالوا له: مولاك، ويلك مولاك الأمير فقال: أروني إن كان ~~هو مولاي لم أقاتله وإن كان هؤلاء الأروام أقاتلهم كلهم ونموت جميعا فلما ~~رأى الأمير هارون رمى بنفسه عن دابته إلى الأرض فغمز آبن ابى الرجالة عليه ~~فتعاوروه بأسيافهم حتى قتل ونهبت داره ورجع هارون إلى دار الإمارة ثم بعد ~~مدة قدم هارون القائد لحجا، وكان من أصاغر القواد لأبي الجيش خمارويه، ~~وبلغه مراتب غلمان أبيه الكبار، فغاظ ذلك بحرا وصافيا وفائقا لأنهم كانوا ~~يرون نفوسهم أحق بذلك منه. ثم بعد PageV01P0301 # ذلك نفى هارون صافيا إلى الرملة فتأكدت الوحشة بينهم وبين هارون وبينما ~~هم في ذلك أتاهم الخبر أن رجلا يزعم أنه علوي قد ظهر بالشأم في طائفة من ~~الناس، فعاث أولا بنواحي الرقة ثم قدم الشأم فاتصل خبره بطغج بن جف وهو ~~يومئذ أمير دمشق فتهاون به وركب إليه وهويظن أنه من بعض الأعراب بغير أهبة ~~ولا عدة ومعه البزاة والصقورة كأنه خارج ms0592 إلى الصيد فلما صافه لقيه رجلا ~~متلهفا على الشر لما تقدم له من الظفر بجماعة من أعيان الملوك، فقاتله طغج ~~فانهزم منه أقبح هزيمة ونهبت عساكره وعاد طغج إلى دمشق مكسورا فدخل قلوب ~~الشاميين منه فزع شديد فكتب طغج إلى هارون هذا يستمده على قتاله فأخرج إليه ~~هارون بدرا الحمامي وجماعة من القواد في جيش كثيف فساروا إلى الشأم وآلتقوا ~~مع الخارجي المذكور وقد لقب بالقرمطي. وكان من أصحاب بدر رجل يقال له زهير ~~فحلف زهير المذكور بالطلاق إنه متى وقع بصره على القرمطي ليرمين بنفسه عليه ~~وليقصدنه حيث كان فلما تصاف العسكران سأل زهير المذكورعن القرمطي فقيل له: ~~هوالراكب على الجمل، وله كمان طويلان يشير بهما فحيث أومأ بكمه حملت عساكره ~~فقال زهير: أرى على الجمل آثنين أهو المقدم أم الرديف قالوابل هو الرديف ~~فجعل زهير يشق الصفوف حتى وصل إليه فطعنه طعنة وقطره عن جمله صريعا فلما ~~رآه أصحابه مصروعا حملوا على المصريين والشاميين حملة واحدة شديدة هزموهم ~~فيها وقتلوا منهم خلقا كثيرا ثم أقاموا عليهم أخا القرمطي ورأسوه عليهم ~~وأقبل زهير المذكور إلى بدر الحمامي فقال له: قد قتلت الرجل فقال له بدر ~~فأين رأسه فرجع ليأخذ رأسه فقتل زهير قبل ذلك ثم كانت لهم بعد ذلك وقائع ~~كثيرة والقرمطي فيها هوالظافر، فقتل من قواد المصريين وفرسانهم خلق كثير ~~وطالت مقاومته معهم حتى سمع بذلك المكتفي الخليفة العباسي وكان متيقظا في ~~هذا الحال يرى الإنفاق فيه سهلا ويقول المبادرة في هذا أولى فبادر بإرسال ~~جيش كثيف نحوه وجعل على الجيش محمد بن سليمان الذي كان كاتبا للؤلؤ غلام ~~أحمد بن طولون الآتي ذكره في عدة أماكن وسار الجيش نحو البلاد الشامية فلما ~~أحس القرمطي بحركة محمد بن سليمان المذكور من العراق عدل عن دمشق إلى نواحي ~~حمص فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى النساء وعاث في تلك النواحي وعظم شأنه وكثر ~~أعوانه ودعا لنفسه وخطب على المنابر بآسمه وتسمى بالمهدي وكان له شامة زعم ~~أصحابه أنها آيته وزعم ms0593 أنه عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ~~الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ~~ومن شعره في هذا المعنى قوله:ذلك نفى هارون صافيا إلى الرملة فتأكدت الوحشة ~~بينهم وبين هارون وبينما هم في ذلك أتاهم الخبر أن رجلا يزعم أنه علوي قد ~~ظهر بالشأم في طائفة من الناس، فعاث أولا بنواحي الرقة ثم قدم الشأم فاتصل ~~خبره بطغج بن جف وهو يومئذ أمير دمشق فتهاون به وركب إليه وهويظن أنه من ~~بعض الأعراب بغير أهبة ولا عدة ومعه البزاة والصقورة كأنه خارج إلى الصيد ~~فلما صافه لقيه رجلا متلهفا على الشر لما تقدم له من الظفر بجماعة من أعيان ~~الملوك، فقاتله طغج فانهزم منه أقبح هزيمة ونهبت عساكره وعاد طغج إلى دمشق ~~مكسورا فدخل قلوب الشاميين منه فزع شديد فكتب طغج إلى هارون هذا يستمده على ~~قتاله فأخرج إليه هارون بدرا الحمامي وجماعة من القواد في جيش كثيف فساروا ~~إلى الشأم وآلتقوا مع الخارجي المذكور وقد لقب بالقرمطي. وكان من أصحاب بدر ~~رجل يقال له زهير فحلف زهير المذكور بالطلاق إنه متى وقع بصره على القرمطي ~~ليرمين بنفسه عليه وليقصدنه حيث كان فلما تصاف العسكران سأل زهير المذكورعن ~~القرمطي فقيل له: هوالراكب على الجمل، وله كمان طويلان يشير بهما فحيث أومأ ~~بكمه حملت عساكره فقال زهير: أرى على الجمل آثنين أهو المقدم أم الرديف ~~قالوابل هو الرديف فجعل زهير يشق الصفوف حتى وصل إليه فطعنه طعنة وقطره عن ~~جمله صريعا فلما رآه أصحابه مصروعا حملوا على المصريين والشاميين حملة ~~واحدة شديدة هزموهم فيها وقتلوا منهم خلقا كثيرا ثم أقاموا عليهم أخا ~~القرمطي ورأسوه عليهم وأقبل زهير المذكور إلى بدر الحمامي فقال له: قد قتلت ~~الرجل فقال له بدر فأين رأسه فرجع ليأخذ رأسه فقتل زهير قبل ذلك ثم كانت ~~لهم بعد ذلك وقائع كثيرة والقرمطي فيها هوالظافر، فقتل من قواد المصريين ~~وفرسانهم خلق كثير وطالت مقاومته معهم حتى ms0594 سمع بذلك المكتفي الخليفة ~~العباسي وكان متيقظا في هذا الحال يرى الإنفاق فيه سهلا ويقول المبادرة في ~~هذا أولى فبادر بإرسال جيش كثيف نحوه وجعل على الجيش محمد بن سليمان الذي ~~كان كاتبا للؤلؤ غلام أحمد بن طولون الآتي ذكره في عدة أماكن وسار الجيش ~~نحو البلاد الشامية فلما أحس القرمطي بحركة محمد بن سليمان المذكور من ~~العراق عدل عن دمشق إلى نواحي حمص فقتل منهم مقتلة عظيمة وسبى النساء وعاث ~~في تلك النواحي وعظم شأنه وكثر أعوانه ودعا لنفسه وخطب على المنابر بآسمه ~~وتسمى بالمهدي وكان له شامة زعم أصحابه أنها آيته وزعم أنه عبد الله بن ~~أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين ~~العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ومن شعره في هذا المعنى قوله: ~~PageV01P0302 # سبقت يداي يديه ... قصرته هاشمي المجيد وأنا آبن أحمد لم أقل ... كذبا ~~ولم به أستزيد ثم بث القرمطي عماله في البلاد والنواحي وكاتبهم وكاتبوه فمن ~~رسائله إلى بعض عماله: " من عبد الله المهدي المنصور بالله الناصر لدين ~~الله القائم بدين الله الحاكم بحكم الله الداعي لكتاب الله الذاب عن حرم ~~الله المختار من ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين وإمام ~~المسلمين ومذل المنافقين وخليفة الله على العالمين وحاصد الظالمين وقاصم ~~المعتدين ومهلك المفسدين وسراج المستبصرين وضياء المبصرين ومشتت المخالفين ~~والقيم بسنة المرسلين وولد خير الوصيين صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين ~~إلى جعفربن حميد الكردي سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ~~وسأله أن يصلي على محمد جدي. أما بعد ماهو كيت وكيت فهذه صورة مكاتبته إلى ~~الأقطار. انتهى. وأما محمد بن سليمان الكاتب، فإن القاسم بن عبيد الله وزير ~~المكتفي كتب إليه بطلب القرمطي المذكور والجد في أمره فسار محمد بن سليمان ~~بعساكره نحوه فالتقوا بموضع دون حماة وكان القرمطي قد قدم أصحابه أمامه ~~وتخلف هوفي نفر ومعه المال الذي جمعه فوقع بين محمد بن سليمان ms0595 وبين أصحاب ~~القرمطي وقعة آنهزم فيها أصحاب القرمطي أقبح هزيمة وكان ذلك في المحرم سنة ~~إحدى وتسعين ومائتين فلما علم القرمطي بهزيمة أصحابه أعطى أخاه أمواله ~~وأمره بالنفوذ إلى بعض النواحى التي يأمن على نفسه فيها إلى أن يتهيأ له ~~مايجب ثم مضى هو وابن عمه المدثر وغلام له يسمى المطوق وغلام آخر يسمى ~~دليلا وطلب القرمطي بهم طريق الكوفة وسار حتى آنتهى إلى قرية تعرف بالدالية ~~وعجزوا عن زادهم فدخل أحدهم إلى القرية ليشتري لهم زادا أفأنكروا زيه وسئل ~~عن أمره فمجمج فأعلم المتولي مسلحة هذه الناحية بخبره وهورجل يعرف بأبي ~~خبزة خليفة أحمدبن محمد بن كشمرد فأقبل عليه أبو خبزة المذكور مع أحداث ~~ضيعته فقاتله وكسره وقبض عليه وعلى من معه فانظر إلى هذا الأمر الذي عجز ~~عنه الملوك حتى كانت منيته على يد هذا الضعيف ولله در القائل: الطويل، وقد ~~يسلم الإنسان مما يخافه ... ويؤتى الفتى من أمنه وهو غافل. فقبض عليه ~~المذكور وكان أمير هذه النواحي القاسم بن سيما فكتب بالخبر إلى الخليفة ~~المكتفي وهو بالرقة وقد كان رحل في أثر محمد بن سليمان وآتفق مع هذا موافاة ~~كتاب محمد بن سليمان إلى القاسم بن عبيد الله بالفتح والنصرة على القرمطي ~~ثم أحضر القرمطي إلى بين يدي الخليفة المكتفي فأخذه الخليفة وعاد هو ووزيره ~~القاسم بن عبيد الله من الرقة إلى بغداد وهوعلى جمل يشهر به في كل بلد ~~يمرون به ومعه أيضا من أصحاب القرمطي المدثر والمطوق وجماعة من أسارى ~~الواقعة ودخل بهم بغداد وقد زينت بغداد بأفخر الزينة وكان لدخولهم يوم عظيم ~~إلى الغاية فلما كان يوم الاثنين الثالث والعشرون من شهر ربيع الأول جلس ~~الخليفة مجلسا عاما وأحضر القرمطي وأصحابه فقطعت أيديهم وأرجلهم ثم رمي بهم ~~من أعلى الدكة إلى أسفل ولم يبق منهم إلا ذوالشامة أعني القرمطي ثم قدم ~~القرمطي فضرب بالسوط حتى استرخى ثم قطعت يداه ورجلاه ونخس في جنبه بخشب ~~فلما خافوا عليه الموت ضربوا عنقه ثم حضر محمد بن ms0596 سليمان وخلع عليه الخليفة ~~المكتفي ثم خلع على القواد الذين كانوا معه وهم محمد بن إسحاق بن كنداج ~~وحسين بن حمدان وأحمد بن إبراهيم بن كيغلغ وأبو الأغر ووصيف وأمر الجميع ~~بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان. ثم أمر الخليفة محمد بن سليمان بالتوجه ~~إلى مصر لقتال هارون بن خمارويه صاحب الترجمة فسار محمد بن سليمان بمن معه ~~في شهر رجب وكتب إلى دميانة غلام يا زمان وهو يومئذ أمير البحرأن يقفل ~~بمراكبه إلى مصر وسار الجيش قاصدا دمشق فلما قربوا منها تلقاهم بدر وفائق ~~في جميع جيشهما لما في نفوسهما من هارون حسبما قدمناه من تقديم من تقدم ~~ذكره عليهما وصاروا مع محمد بن سليمان جيشا واحدا وساروا نحو مصر فآتصلت ~~أخبارهم بهارون بن خمارويه هذا فتهيأ لقتالهم وجمع العساكر وأمر بمضربه ~~فضرب بباب المدينة بعد ان نعق في جنده وأمرهم بالتأهب للرحيل فاستعدوا ثم ~~رحلوا إلى العباسة يريدون الشأم PageV01P0303 # وتربص هارون بالعباسة أياما وكتب لبدروفائق يستعطفهما ويذكر لهما الحرمة ~~وما يجب عليهما من حفظ ذمام الماضين من أبيه وجده وصارت كتبه صادرة إليهم ~~وإلى القواد بذلك فبينما هو ذات ليلة بالعباسة وقد شرب وثمل ونام امنا في ~~مضربه إذ وثب عليه بعض غلمانه فذبحه وقيل إن ذلك كان بمساعدة بعض عمومته في ~~ذلك وأصبح الناس وأميرهم مذبوح وقد تفرقت الظنون في قاتله فنهض عمه شيبان ~~بن أحمد بن طولون ودعا لنفسه وضمن للناس حسن القيام بأمر الدولة والإحسان ~~لمن ساعده فبايعه الناس على ذلك انتهى. وقد ذكر بعضهم قصة هارون هذا بطريق ~~آخرقال واستمر هارون هذا في إمرة مصر من غير منازع لكن أحوال مصر كانت في ~~أيامه مضطربة إلىأن ورد عليه الخبر بموت الخليفة المعتضد بالله في شهر ربيع ~~الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين وبويع لابنه محمد المكتفي بالخلافة ثم خرج ~~القرمطي بالشأم في سنة تسعين فجهز هارون لحربه القواد في جيش كبير فهزمهم ~~القرمطي ثم وقع بين هارون وبين الخليفة المكتفي وحشة وتزايدت إلى أن أرسل ~~المكتفي ms0597 لحربه محمد بن سليمان الكاتب فسار محمد بن سليمان من بغداد إلى أن ~~نزل حمص وبعث بالمراكب من الثغور إلى سواحل مصر وسار هو حتى نزل بفلسطين ~~فتجهز هارون أيضا لقتال محمد بن سليمان المذكور وسير المراكب في البحر ~~لحربه وفيها المقاتلة حتى التقوا بمراكب محمد بن سليمان وقاتلوهم فآنهزموا ~~وكان القتال في تنيس وملك أصحاب محمد بن سليمان تنيس ودمياط وكان هارون قد ~~خرج من مصر يوم التروية لقتال محمد بن سليمان فلما بلغه الخبر توجه إلى ~~العباسة ومعه أهله وأعمامه في ضيق وجهد فتفرق عنه كثير من أصحابه وبقي في ~~نفر يسير وهو مع ذلك متشاغل باللهو والسكر فاجتمع عماه شيبان وعدي آبنا ~~أحمد بن طولون على قتله فدخلا عليه وهو ثمل فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة ~~بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين وسنه يومئذ آثنتان وعشرون سنة وكانت ~~ولايته على مصر ثماني سنين وثمانية أشهر وأيامأ وتولى عمه شيبان مصر بعده ~~وقال سبط ابن الجوزي في تاريخه وفيها يعني سنة آثنتين وتسعين ومائتين في ~~صفر سار محمد بن سليمان إلى مصر لحرب هارون بن خمارويه وخرج إليه هارون في ~~القواد فجرت بينهم وقعات ثم وقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام عصبية ~~فاقتتلوا فخرج هارون ليسكتهم فرماه بعض المغاربة بسهم فقتله وتفرقوا فدخل ~~محمد بن سليمان مصر وملكها وآحتوى على دورآل طولون وأسبابهم وأخذهم جميعا ~~وكانوا بضعة عشر رجلا فقيدهم وحبسهم واستصفى أموالهم وكتب بالفتح إلى ~~المكتفي. وقيل إن محمد بن سليمان لما قرب من مصر أرسل إلى هارون يقول إن ~~الخليفة قد ولاني مصر ورسم أن تسير بأهلك وحشمك إلى بابه إن كنت مطيعا وبعث ~~بكتاب الخليفة إلى هارون فعرضه هارون على القواد فأبوا عليه فخرج هارون ~~فلما وقع المصاف صاح هارون يا منصور فقال القواد هذا يريد هلاكنا فدسوا ~~عليه خادما فقتله على فراشه وولوا مكانه شيبان بن أحمد بن طولون ثم خرج ~~شيبان إلى محمد مستأمنا وكتب الخليفة إلى محمد بن سليمان في ms0598 إشخاص آل طولون ~~وأسبابهم والقواد وألا يترك أحدا منهم بمصر والشأم فبعث بهم إلى بغداد ~~فحبسوا في دار صاعد. انتهى ما أوردناه من ترجمة هارون من عدة أقوال بخلف ~~وقع بينهم في أشياء كثيرة. وأما محمد بن سليمان المذكور فأصله كاتب الخادم ~~لؤلؤ الطولوني قال القضاعي يقال إن أحمد بن طولون جلس يوما في بعض متنزهاته ~~ومعه كتاب ينظر فيه وإذا بشاب قد أقبل فالتفت أحمد إلى لؤلؤ الطولوني وقال ~~اذهب وأتني برأس هذا الشاب فنزل إليه لؤلؤ وسأله من أي بلد هو وما صنعته ~~فقال من العراق من أبناء الكتاب فقال له وما أتيت تطلب قال:رزقا فعاد لؤلؤ ~~إلى أحمد بن طولون فقال له ضربت عنقه فسكت فأعاد عليه القول فسكت فآستشاط ~~PageV01P0304 # أحمد بن طولون غيظا ثم أمره بقتله فقال لؤلؤ يا مولاي بأي ذنب تقتله ~~فقال: إني أرى في هذا الكتاب من منذ سنين أن زوال ملك ولدي يكون على يد رجل ~~هذه صفته فقال يا مولاي أو هذا صحيح قال هذا الذي رأيته وتفرسته فقال يا ~~مولاي لا يخلو هذا الأمر من أن يكون حقا أو كذبا فإن كان كذبا فما لنا ~~والدخول في دم مسلم وإن كان حقا فلعلنا نفعل معه خيرا عله يكافىء به يوما ~~وإن كان الله قدر ذلك فإنا لا نقدر على قتله أبدا فسكت أحمد بن طولون ~~فأضافه لؤلؤ إليه وكان هذا الشاب يسمى محمد بن سليمان الكاتب الحنيفي منسوب ~~إلى حنيفة السمرقندي فلم تزل الأيام تنتقل بمحمد المذكور والدهر يتصرف فيه ~~إلى أن بقي ببغداد قائدا من جملة القواد وجرى من أمره ما تقدم ذكره من قتال ~~القرامطة وهارون صاحب مصر إلى أن ملك الديار المصرية وأمسك الطولونية وخرب ~~منازلهم وهدم القصر المسمى بالميدان الذي كان سكن أحمد بن طولون وتتبع ~~أساسه حتى أخرب الديار ومحا الآثار ونقل ما كان بمصر من ذخائر بني طولون ~~إلى العراق وقال صاحب كتاب الذخائر إن محمد بن سليمان المذكور رجع إلى ~~العراق في سنة ms0599 اثنتين وتسعين ومائتين ومعه من ذخائر بني طولون أموال عظيمة ~~يقال إنه كان معه أكثر من ألف ألف دينار عينأ وأنه حمل إلى الخليفة الإمام ~~المكتفي من الذخائر والحلي والفرش أربعة وعشرين ألف حمل جمل وحمل آل طولون ~~معه إلى بغداد وأخذ محمد بن سليمان لنفسه وأصحابه غير ذلك مالا يحصى كثرة ~~ولما وصل محمد بن سليمان إلى حلب متوجها إلى العراق كتب الخليفة المكتفي ~~إلى وصيف مولى المعتضد أن يتوكل بإشخاص محمد بن سليمان المذكور فأشخصه وصيف ~~المذكور إلى الحضرة فأخذه المكتفي وقيده وصادره وطالبه بالأموال التي أخذها ~~من مصر ولم يزل محمد بن سليمان معتقلا إلى أن تولى آبن الفرات للخليفة ~~المقتدر جعفر فأخرجه إلى قزوين واليا على الضياع والأعشار بها. يأتي ذكر ~~محمد بن سليمان هذا ثانيأ بعد ذلك في حوادث هارون على الترتيب المقدم ذكره ~~بعد في ولاية شيبان إن شاء الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من ولاية هارون بن خمارويه # وهي سنة أربع وثمانين ومائتين: فيها كانت وقعة بين الأمير عيسى النوشري ~~الآتي ذكره في أمراء مصر وبين بكر بن عبد العزيزبن أبي دلف وكان قد أظهر ~~العصيان فهزمه النوشري بقرب أصبهان وآستباح عسكره. PageV01P0305 # وفيها ظهرت بمصر حمرة عظيمة في الجو حتى إنه كان الرجل إذا نظر في وجه ~~الرجل يراه أحمر وكذا الحيطان، فتضرع الناس بالدعاء إلى الله وكانت من ~~العصر إلى الليل وفيها بعث عمرو بن الليث بألف ألف درهم لتنفق على إصلاح ~~درب مكة من العراق قاله ابن جرير الطبري وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية ~~على المنابر فخوفه عبيد الله الوزير بآضطراب العامة فلم يلتفت وتقدم إلى ~~العامة بلزوم أشغالهم وترك الاجتماع بالناس ومنع القصاص من القعود في ~~الأماكن ثم منع من اجتماع الحلق في الجوامع وكتب المعتضد كتابا في ذلك ~~واجتمع الناس يوم الجمعة بناء على أن الخطيب يقرؤه فما قرىء.وفيها ظهر في ~~دار الخليفة المعتضد شخص في يده سيف مسلول فقصده بعض الخدام فضربه بالسيف ~~فجرحه واختفى في البستان ms0600 فطلب فلم يوجد له أثر فعظم ذلك على المعتضد وآحترز ~~على نفسه وساءت الظنون فيه فقيل هو من الجن وقيل غير ذلك وأقام الشخص يظهر ~~مرارا ثم يختفي ولم يظهر خبره حتى مات المعتضد والمكتفي فإذا هو خادم كان ~~يميل إلى بعض الجواري التي في الدور وكانت عادة المعتضد أنه من بلغ الحلم ~~من الخدام منعه من الدخول إلى الحرم وكان خارج دور الحرم بستان كبير فآتخذ ~~هذا الخادم لحية بيضاء وبقي تارة يظهر في صورة راهب وتارة يظهر بزي جندي ~~بيده سيف وآتخذ عدة لحى مختلفة الهيئات والألوان فإذا ظهر خرجت الجارية مع ~~الجواري لتراه فيخلو بها بين الشجر فإذا طلب دخل بين الشجر ونزع اللحية ~~والبرنس ونحو ذلك، وخبأها وترك السيف في يدى مسلولا كأنه من جملة الطالبين ~~لذلك الشخص وبقي كذلك إلى أن ولي المقتدر الخلافة وأخرج الخادم إلى طرسوس ~~فتحدثت الجارية بحديثه بعد ذلك وفيها في يوم الخميس رابع المحرم قدم رسول ~~عمرو بن الليث الصفارعلى المعتضد برأس رافع بن هرثمة فخلع على الرسول ونصب ~~الرأس في جا نبي بغداد.وفيها وعد المنجمون الناس بغرق الأقاليم السبعة ~~ويكون ذلك من كثرة الأمطار وزيادة المياه في العيون والآبار فآنقطع الغيث ~~وغارت العيون وقلت المياه حتى احتاج الناس إلى أن آستسقوا ببغداد حتى ~~أمطروا وكذب الله المنجمين وفيها حج بالناس محمد بن عبد الله بن ترنجة ~~وفيها توفي أحمد بن المبارك أبوعمرو المستملي النيسابوري الزاهد العابد كان ~~يسمى راهب عصره يصوم النهار ويقوم الليل وكانت وفاته بنيسابور في جمادى ~~الآخرة الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي إسحاق بن ~~الحسن الحربي وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي وأبوخالد عبد العزيز بن ~~معاوية القرشي العتابي ومحمود بن الفرج الأصبهاني الزاهد وهشام بن علي ~~السرافي ويزيد بن الهيثم أبو خالد البادي . أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ونصف إصبع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية هارون # وهي سنة ms0601 خمس وثمانين ومائتين: فيها في يوم الأربعاء لآثنتي عشرة ليلة ~~بقيت من المحرم قطع صالح بن محرك الطائي الطريق في جماعة من طيء على الحخاج ~~بالأجفرم فأخذوا من الأموال والمماليك والنساء ما قيمته ألف ألف دينار. ~~وفيها ولى المعتضد ابن أبي الساج أرمينية وأذربيجان وكان قد غلب عليهما ~~وفيها غزا راغب الخادم مولى الموفق بلاد الروم في البحر فأظفره الله بمراكب ~~كبيرة وفتح حصونا كثيرة. PageV01P0306 # وفيها حج بالناس محمد بن عبد الله بن ترنجة وفيها في شهر ربيع الأول هبت ~~ريح صفراء بالبصرة ثم صارت خضراء ثم سوداء وآمتدت في الأمصار ثم وقع عقيبها ~~مطر وبرد وزن البردة مائة وخمسون درهما وقطعت الريح نحو ستمائة نخلة ومطرت ~~قرية من القرى حجارة سوداء وبيضاء. وفيها في ذي الحجة منها قدم الأمير علي ~~ابن الخليفة المعتضد بالله بغداد وكان قد جهزه أبوه لقتال محمد بن زيد ~~العلوي فدفع محمد بن زيد عن الجبال وتحيز إلى طبرستان، ففرح بها أبوه ~~المعتضد وقال: بعثناك ولدا فرجعت أخا ثم أعطاه ألف ألف دينار وفي ذي الحجة ~~أيضا خرج الخليفة المعتضد وآبنه علي يريد آمد لما بلغه موت أحمد بن عيسى بن ~~الشيخ بعد أن صلى آبنه علي المذكور بالناس يوم الأضحى ببغداد وركب كما يركب ~~ولاة العهود وفيها توفي إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشيربن عبد الله ~~أبوإسحاق المروزي الحربي كان إماما عالما فاضلا زاهدا مصنفا كان يقاس ~~بالإمام أحمد بن حنبل في علمه وزهده وفيها توفي الأمير أحمد بن عيسى بن ~~الشيخ صاحب آمد وديار بكر كان ولاه إياهما المعتز فلما قتل المعتز آستولى ~~عليهما إلى أن مات في هذه السنة فاستولى عليهما آبنه محمد فسار المعتضد ~~فأخذهما منه وآستعمل عليهما نوابه وفيها توفي إمام النحاة المبرد واسمه ~~محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسان بن سليمان الإمام العلامة أبو ~~العباس البصري الأزدي المعروف بالمبرد انتهت إليه رياسة النحو واللغة ~~بالبصرة ولد سنة ست ومائتين وقيل: سنة عشر ومائتين وكان ms0602 المبرد وأبو العباس ~~أحمد بن يحيى الملقب بثعلب صاحب كتاب " الفصيح " عالمين متعاصرين وفيهما ~~يقول أبو بكربن أبي الأزهر المتقارب، أيا طالب العلم لا تجهلن ... وعذ ~~بالمبرد أو ثعلب تجد عند هذين علم الورى ... فلا تك كالجمل الأجرب علوم ~~الخلائق مقرونة ... بهذين في الشرق والمغرب وكان المبرد يحب الاجتماع ~~والمناظرة بثعلب وثعلب يكره ذلك ويمتنع منه. ومن شعر المبرد: يا من تلبس ~~أثوابا يتيه بها ... تيه الملوك على بعض المساكين ما غير الجل أخلاق الحمار ~~ولا ... نقش البرادع أخلاق البراذين الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة ~~قال: وفيها توفي إبراهيم الحربي وإسحاق بن إبراهيم الدبري وعبيد الله بن ~~عبد الواحد بن شريك وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد. أمر النيل في هذه ~~السنة الماء القديم سبع أذرع وست عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية هارون # على مصر وهي سنة ست وثمانين ومائتين: فيها أرسل هارون بن خمارويه صاحب ~~الترجمة إلى الخليفة المعتضد يعلمه أنه نزل عن أعمال قنسرين والعواصم وأنه ~~يحمل إلى المعتضد في كل سنة أربعمائة ألف دينار وخمسين ألف دينار وسأله ~~تجديد الولاية له على مصر والشأم فأجابه المعتضد إلى ذلك وكتب تقليدا بهما ~~وفيها في شهر ربيع الآخر نازل المعتضد آمد وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن ~~الشيخ فحاصرها أربعين يوما حتى ضعف محمد وطلب الأمان لنفسه وأهل البلد ~~فأجابه إلى ذلك فخرج إليه محمد ومعه أصحابه وأولياؤه فوصلوا إلى المعتضد ~~فخلع عليه المعتضد. وفيها قبض المعتضد على راغدب الخادم أمير طرسوس وآستأصل ~~أمواله فمات بعد أيام. وفيها التقى جيش عمرو بن الليث الصفار وإسماعيل بن ~~أحمد بن أسد الساماني بما وراء النهر فانكسر أصحاب عمرو ثم التقى هووعمرو ~~ثانيا على بلخ وكان أهل بلخ قد ملوا عمرا وأصحابه وضجروا في نزولهم في ~~دورهم وأخذهم أموالهم فساعد أهل بلخ إسماعيل فآنكسر عمرو وانهزم إلى بلخ ~~فوجد أبوابها مغلقة ثم فتحوا له ولجماعة معه فلما دخل وثب ms0603 عليه أهل بلخ ~~فأوثقوه وحملوه إلى إسماعيل فأكرمه إسماعيل ثم بعث به إلى المعتضد فخلع ~~المعتضد PageV01P0307 # على إسماعيل خلعة السلطنة وأدخل عمرو بغداد على جمل ليشهروه بها ثم حبسه ~~المعتضد في مطمورة فكان يقول: لوأردت أن أعمل على جيحون جسرا من في ذهب ~~لفعلت وكان مطبخي يحمل على ستمائة جمل وأركب في مائة ألف أصارني الدهر إلى ~~القيد والذل وقيل: إنه خنق قبل موت المعتضد بيسير وفيها ظهر بالبحرين أبو ~~سعيد الجنابي القرمطي في أول السنة وفي وسطها قويت شوكته وانضم إليه طائفة ~~من الأعراب فقتل أهل تلك القرى وقصد البصرة فبنى عليها المعتضد سورا وكان ~~أبو سعيد هذا كيالا بالبصرة وجنابة من قرى الأهواز، وقيل: من قرى البحرين ~~قلت: وهذا أول من ظهر من القرامطة الآتي ذكرهم في هذا الكتاب في عدة مواطن ~~وهذا القرمطي هو الذي قتل الحجيج واقتلع الحجر الأسود حسبما يأتي ذكره ~~وفيها حضر مجلس القاضي موسى بن إسحاق قاضي الري وكيل آمرأه آدعى على زوجها ~~صداقها بخمسمائة دينار فأنكر الزوج فقال القاضي: البينة فأحضرها الوكيل في ~~الوقت فقالوا: لابد أن ننظر المرأة وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها فتتحقق ~~الشهاده فقال الزوج ولا بد فقالوا: ولا بد فقال الزوج: أيها القاضي عندي ~~الخمسمائة دينار ولا ينظر هؤلاء إلى امرأتي فأخبرت بما كان من زوجها فقالت ~~المرأة: إني أشهد القاضي أنني قد وهبت له ذلك وأبرأته منه في الدنيا ~~والآخرة فقال القاضي: تكتب هذه الواقعة في مكارم الأخلاق. وفيها توفي ~~إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران أبو بكر السراج النيسابوري مولى ثقيف ~~سمع الإمام أحمد وصحبه. وفيها توفي الحسين بن سيار أبو علي البغدادي الخياط ~~كان إماما عارفا بتعبير الرؤيا وكانت وفاته في صفر أسند عن أبي بلال ~~الأشعري وغيره وروى عنه جماعة كثيرة. وفيها توفي محمد بن يونس بن موسى بن ~~سليمان بن عبيدبن ربيعة بن كديم أبو العباس الكديمي القرشي البصري حج ~~أربعين حجة وكان حافظا متقنا ورعا مات ببغداد في نصف جمادى الآخرة. ms0604 الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أحمد بن سلمة النيسابوري ~~الحافظ وأحمد بن علي الخزاز وأبو سعيد الخراز شيخ الصوفية وأحمد بن المعلى ~~بن يزيد أبو بكر الأسدي القاضي الدمشقي وإبراهيم بن سويد الشامي وإبراهيم ~~بن محمد بن برة الصنعاني والحسن بن عبد الأعلى البوسي أحد أصحاب عبد الرزاق ~~وعبد الرحيم بن عبد الله البرقي وعلي بن عبدالعزيز البغوي ومحمد بن وضاح ~~القرطبي ومحمد بن يوسف البناء الزاهد ومحمد بن يونس الكديمي وأبوعبادة ~~البحتري الشاعر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع ا ذرع وخمس عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية هارون # وهي سنة سبع وثمانين ومائتين: فيها في المحرم واقع صالح بن مدرك كبير ~~عرب طيىء الحاج العراقي كما فعل بهم في العام الماضي وكان في ثلاثة آلاف من ~~عرب طيىء وغيرهم ما بين فارس وراجل، وكان أمير الحاج أبا الأغر فأقاموا ~~يقاتلونهم يوما وليلة حتى هزم صالح بن مدرك وقتل معه أعيان طيىء ودخل الركب ~~بغداد بالرؤوس على الرماح و با لا سرى. وفيها عظم أمر القرامطة وأغاروا على ~~البصرة ونواحيها فسار لحربهم العباس بن عمرو الغنوي فالتقوا فأسر الغنوي ~~وقتل خلق من جنده ثم إن أبا سعيد القرمطي أطلقه وقال له: بلغ المعتضد عني ~~رسالة ومضمونها: أنه يكف عنه ويحفظ حرمته وقال: فأنا قنعت بالبرية فلايتعرض ~~لي وفيها مات صاحب طبرستان محمد بن زيد العلوي. وفيها أوقع بدر غلام الطائي ~~بالقرامطة على غرة فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم تركهم خوفا على السواد . وفيها ~~حج بالناس محمد بن عبد الله بن ترنجة . وفيها توفي أحمد بن عمرو بن بي عاصم ~~الضحاك القاضي أبو بكر الشيباني الفقيه المحدث وابن محدث ولي القضاء ~~بأصبهان وصنف علوم الحديث وكان عالما بارعا. وفيها توفي يعقوب بن يوسف بن ~~أيوب الشيخ أبو بكر المطوعي الزاهد العابد وعنه قال: كان وردي في شبيبتي كل ~~يوم وليلة أربعين ألف مرة قل هو ms0605 الله أحد الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة قال: وفيها توفي أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط وأبو بكر أحمد بن ~~عمرو بن أبي عاصم أبو علي في أشهر ربيع الآخر وله نيف وثمانون سنة ومحمد بن ~~عمرو الحوشي وموسى بن الحسن الجلاجلي وأبوسعد يحيى بن منصور الهروي. ~~PageV01P0308 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وخمس وعشرون إصبعا مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية هارون # وهي سنة ثمان وثمانين ومائتين: فيها وقع وباء بأذربيجان فمات فيه خلق ~~كثير وفقدت الأكفان فكفن الناس في الأكسية واللبود ثم فقدت وفقد من يدفن ~~الموتى فكانوا يطرحون على الطريق ثم وقع الطاعون في أصحاب محمد بن أبي ~~الساج فمات لمحمد مائتا ولد وغلام ثم مات محمد بن أبي الساج المذكور بمدينة ~~أذربيجان وكان يلقب بالأفشين فآجتمع غلمانه وأمروا عليهم آبنه ديوداد ~~فاعتزلهم أخوه يوسف بن أبي الساج وهو مخالف لهم. وفيها حج بالناس هارون بن ~~محمد بن العباس بن إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور. وفيها كانت زلزلة. ~~قال أبو الفرج بن الجوزي ورد الخبر بأنه مات تحت الهدم في يوم واحد أكثر من ~~ثلاثين ألف إنسان ودام عليهم هذا أياما فبلغ من هلك خمسين ومائة ألف وقيل: ~~كان ذلك في العام الماضي وفيها قدم المعتضد العراق ومعه وصيف خا دم محمد بن ~~أبي الساج وكان قد عصى عليه بالثغور فأسره وأدخل على جمل ثم توفي بالسجن ~~بعد أيام فصلبت جثته على الجسر. وفيها ظهر أبو عبد الله الشيعي بالمغرب ~~ونزل بكتامة ودعاهم إلى المهدي عبيد الله أعني بعبيد الله جد الخلفاء ~~الفاطمية . وفيها توفي ثابت بن قرة العلامة أبو الحسن المهندس صاحب ~~التصانيف في الفلسفة والهندسة والطب وغيره كان فاضلا بارعا في علوم كثيرة ~~ومولى في سنة إحدى و عشرين ومائتين. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة ~~قال: وفيها توفي إسحاق بن إسماعيل الرملي بأصبهان وبشر بن موسى الأسدي ~~وجعفر بن ms0606 محمد بن سوار الحافظ وأبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي ~~شيخ آبن سريج ومعاذ بن المثنى العنبري وخلق سواهم. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ست أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة السادسسة من ولاية هارون # رهي سنة تسع وثمانين ومائتين: فيها فاض البحر على الساحل فأخرب البلاد ~~والحصون التي عليه وفيها في شهر ربيع الآخر آعتل الخليفة المعتضد بالله علة ~~صعبة وهي العلة التي مات بها فقال عبد الله بن المعتز في ذلك: طار قلبي ~~بجناح الوجيب ... جزعا من حادثات الخطوب وحذارا أن يشاك بسوء ... أسد الملك ~~وسيف الحروب ثم آنتكس ومات في الشهر وتخلف بعده ولده المكتفي بالله أبو ~~محمد علي. وليس في الخلفاء من آسمه علي غير علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وهذا وفيها في شهر رجب زلزلت بغداد زلزلة عظيمة دامت أياما. وفيها هبت ريح ~~عظيمة بالبصرة قلعت عامة نخلها ولم يسمع بمثل ذلك. وفيها انتشرت القرامطة ~~بسواد الكوفة وكان رئيسهم يقال له ابن أبي الفوارس، فظفر به عسكر المعتضد ~~أعني قبل موت المعتضد فحمل هو وجماعة معه إلى بغداد فعذبوا بأنواع العذاب ~~ثم صلبوا وأحرقوا وأما كبيرهم " أبن أبي الفوارس المذكور فقلعت أضراسه ثم ~~شد في إحدى يديه بكرة وفي الأخرى صخرة ورفعت البكرة ثم لم يزل على حاله إلى ~~وقت الظهر ثم قطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه وفيها حج بالناس الفضل بن عبد ~~الملك بن عبد الله العباسي وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله ~~أبو العباس أحمد ابن الأمير ولي العهد أبي أحمد طلحة الموفق ابن الخليفة ~~المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد ~~بالله هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد ~~الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي البغدادي ومولى ~~في سنة اثنتين وأربعين ومائتين في ذي القعدة في أيام جده المتوكل وآستخلف ~~بعده عنه المعتمد أحمد في ms0607 شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. قال إبراهيم بن ~~محمد بن عرفة: وتوفي المعتضد في يوم الاثنين لثمان بقين من شهر ربيع الأخر ~~سنة تسع وثمانين ومائتين ودفن في حجرة الرخام وصلى عليه يوسف بن يعقوب ~~القاضي وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر ونصفا قلت: وبويع بالخلافة بعده ~~ولده علي بعهد منه ولقب بالمكتفي وكان المعتضد شجاعا مهيبا أسمر نحيفا ~~معتدل الخلق ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد خلفاء بني ~~العباس وشجعانهم كاد يتقدم على الأسد وحده لشجاعته. PageV01P0309 # وقال المسعودي : كان المعتضد قليل الرحمة قيل: إنه كان إذا غضب على قائد ~~أمر أن تحفر له حفيرة ويلقى فيها وتطم عليه قال: شكوا في موت المعتضد فتقدم ~~الطبيب فجس نبضه ففتح عينه ورفس الطبيب برجله فدحاه أذرعا فمات الطبيب ثم ~~مات المعتضد أيضا من ساعته هكذا نقل المسعودي ورثا الأمير عبد الله بن ~~المعتز العباسي فقال البسيط، يا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالظاهرية ~~مقصى الدار منفردا أين الجيوش التي قد كنت تسحبها ... أين الكنوز التي لم ~~تحصها عددا أين السرير الذي قد كنت تملؤه ... مهابة من رأته عينه آرتعدا ~~أين الأعادي الألى ذللت مصعبهم ... أين الليوث التي صيرتها بعدا أين الجياد ~~التي حجلتها بدم ... وكن يحملن منك الضيغم الأسدا أين الرماح التي غذيتها ~~مهجا ... مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا أين الجنان التي تجري جداولها ... ~~وتستجيب إليها الطائر الغردا أين الوصائف كالغزلان رائحة ... يسحبن من حلل ~~موشية جددا أين الملاهي وأين الراح تحسبها ... ياقوتة كسيت من فضة زردا أين ~~الوثوب إلى الأعداء مبتغيا ... صلاح ملك بني العباس إذ فسدا ما زلت تقسر ~~منهم كل قسورة ... وتخبط العالي الجبار معتمدا ثم آنقضيت فلا عين ولا أثر ~~... حتى كأنك يوما لم تكن أحدا وفيها خرج يحيى بن زكرويه بن مهرويه داعية ~~قرمط وجمع جموعا كثيرة من الأعراب وكانت بينه وبين طغج بن جف نائب هارون بن ~~خمارويه على الشام وقعات عديدة تقدم ذكر ذلك كله في أول ترجمة هارون ms0608 ~~المذكور. وفيها صلى المكتفي بالناس يوم عيد النحر وكان بين يديه ألوية ~~الملوك وترجل الملوك والأمراء بين يديه ما خلا وزيره القاسم بن عبيد الله ~~فإنه ركب وسايره دون الناس ولم ير قبل ذلك خليفة يسايره وزيرغيره قلت وهذا ~~أول وهن وقع في حق الخلفاءوأنا أقول إن المعتضد هوآخر خليفة عقد ناموس ~~الخلافة ثم من بعده أخذ أمرالخلفاء في إدبار إلى يومنا هذا وفيها توفي بدر ~~المعتضدي كان يخدم المعتضد والموفق وأباه المتوكل وأصله من غلمان المتوكل ~~فرفعته السعادة قال يحيى بن علي النديم كنت واقفا على رأس المعتضد وهومقطب ~~فدخل بدر فأسفروجهه لما رآه وضحك ثم قال لي يا يحيى من القائل: في وجهه ~~شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا فقلت: الحكم بن قنبر ~~المازني فقال: أنشدني تمامه فأنشدته: ويلي على من أطار النوم فآمتنعا ... ~~وزاد قلبي على أوجاعه وجعا كأنما الشمس من أعطافه لمعت ... حسنا أو البدر ~~من أزراره طلعا مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذور بما صنعا ~~في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا وكان بدرهذا شجاعا ~~ممدحا جواد أمر النيل في هذه السنة الماء القديم سبع أذرع سواء مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا ### || AUT السنة السابعة من ولاية هارون # وهي سنة تسعين ومائتين: فيها في المحرم قصد يحيى بن زكرويه القرمطي ~~الرقة في جمع كثير فخرج إليه أصحاب السلطان فقتل منهم جماعة وآنهزم الباقون ~~فبعث طغج بن جف أمير دمشق من قبل هارون بن خمارويه صاحب الترجمة جيشا مع ~~خادمه بشير إلى القرمطي فواقعهم القرمطي وقتل بشيرا وهزم الجيش. وفيها أيضا ~~خلع الخليفة المكتفي على أبي الاغر وبعثه في عشرة آلاف لقتال القرمطي ~~PageV01P0310 # وفيها حصر القرمطي دمشق وفيها أميرها طغج بن جف فعجز طغج عن مقاومته بعد ~~أن واقعه غير مرة وقتل يحيى بن زكرويه كبيرالقرامطة فأقاموا عليهم أخاه ~~الحسين بن زكرويه وبلغ المكتفي ذلك فآستحث العساكر المندوبة لقتال القرامطة ~~بالخروج لقتالهم فتوجه إليهم أبو الأغر ms0609 وواقع القرامطة فآنهزم أبو الأغر ~~وقتل غالب أصحابه وتبعه القرمطي إلى حلب، فقاتله أهل حلب وفيها توفي عبد ~~الله ابن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الرحمن الشيباني مولده سنة ~~ثلاث عشرة ومائتين ولم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه وسمع منه المسند ~~وهوثلاثون ألف حديث والتفسير مائة وعشرين ألفا والناسخ والمنسوخ والمقدم ~~والمؤخر في كتاب الله وجوابات القرآن والمناسك الكبير والصغير وكان عالما ~~بفنون كثيرة وكان أبوه يقول: لقد وعى عبد الله علما كثيرا وفيها توفي عبد ~~الله بن أحمد بن أفلح بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~أبو محمد القاضي البكري كان إماما عالما بارعا وفيها توفي محمد بن عبد الله ~~الشيخ أبو بكر الدقاق كان من كبار مشايخ القوم وكان صاحب أقوال وكرامات. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أحمد بن علي الأبار ~~والحسن بن سهل المجوز والحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن أحمد بن محمد ~~بن حنبل ومحمد بن زكريا الغلابي الإخباري ومحمد بن العباس المؤدب ومحمد بن ~~يحيى بن المنذرالقزاز أحد شيوخ الطبراني. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ست أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثلاث عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية هارون # وهي سنة إحدى وتسعين ومائتين: فيها قتل الحسين بن زكرويه القرمطي ~~المعروف بصاحب الشامة وفيها زوج المكتفي ولده أبا أحمد بابنة وزيره القاسم ~~بن عبيد الله وخطب أبو عمر القاضي وخلع على القاسم أربعمائة خلعة وكان ~~الصداق مائة ألف دينار وفيها خرجت الترك إلى بلاد المسلمين في جيوش عظيمة ~~يقال كان معهم سبعمائة خركاة تركية ولا تكون الخركاة إلا لأمير فنادى ~~إسماعيل بن أحمد في خراسان وسجستان وطبرستان بالنفير وجهز جيوشه فوافوا ~~الترك على غرة سحرا فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وانهزم من بقي وغنم المسلمون ~~وسلموا وعادوا منصورين وفيها بعث صاحب الروم جيشا مبلغه مائة ألف فوصلوا ~~إلى الحدث فنهبوا وسبوا وأحرقوا ms0610 وفيها غزا غلام زرافة من طرسوس إلى الروم ~~فوصل إلى أنطاكية.وهي تعادل قسطنطينية فنازلها إلى أن آفتتحهاعنوة وقتل ~~نحوا من خمسة آلاف وأسر أضعافهم وأستنقذ من الأسر أربعة الاف مسلم وغنم من ~~الأموال ما لا يحصى بحيث إنه أصاب سهم الفارس ألف دينار. PageV01P0311 # وفيها خلع المكتفي على محمد بن سليمان الكاتب وعلى محمد بن إسحاق بن ~~كنداج وعلى أبي الأغر وعلى جماعة من القواد وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن ~~سليمان المذكور وندب الجميع بالمسير إلى دمشق لقبض ما كان بيد هارون بن ~~خمارويه صاحب الترجمة من الأعمال لأنه كانت الوحشة قد وقعت بينهما وفيها حج ~~بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن ~~إسماعيل الشيخ أبو إسحاق الخواص البغدادي كان أوحد أهل زمانه في التوكل صحب ~~أبا عبد الله المغربي وكان من أقران الجنيد وله في الرياضات والسياحات ~~مقامات وفيها توفي أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار أبوالعباس الشيباني مولاهم ~~ثعلب النحوي إمام أهل الكوفة مولده في سنة مائتين وفيها توفي الوزير القاسم ~~بن عبيد الله وزيرالمعتضد والمكتفي كان شاباغرا قليل الخبرة بالأمور ~~مستهتكا للمحارم وإنما آستوزره المكتفي لأنه أخذ له البيعة وحفظ عليه ~~الأموال وفيها توفي هارون بن موسى بن شريك أبو عبد الله الثعلبي الأخفش ~~الشامي النحوي اللغوي ولد سنة مائتين سمع هشام بن عمار وطبقته وكأن إماما ~~في فنون كثيرة بارعا مفننا ولما مات جلس مكانه محمد بن نصير بن أبي حمزة ~~وهذا هوالأخفش الشامي وأما الأخفش البصري فآسمه سعيد بن مسعدة قلت: وثم ~~أخفش ثالث وفاته سنة خمس عشرة وثلاثمائة الذين ذكرالذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة قال وفيها توفي أبو العباس ثعلب واسمه أحمد بن يحيى في جمادى الأولى ~~وله إحدى وتسعون سنة وهارون بن موسى بن شريك الأخفش المقرىء وعبد الرحمن بن ~~محمد بن مسلم الرازي ومحمد بن أحمد بن النضر آبن بنت معاوية ومحمد بن ~~إبراهيم البوشنجي الفقيه ومحمد بن علي الصائغ المكي أمر النيل في هذه السنة ms0611 ~~الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعاوإصبع واحدة ونصف إصبع ### | AUT ولاية شيبان بن أحمد بن طولون # هو شيبان بن أحمد بن طولون الأمير أبو المقانب التركي المصري ولي إمرة ~~مصر بعد قتل آبن أخيه هارون بن خمارويه لإحدىعشرة بقيت من صفر سنة اثنتين ~~وتسعين مائتين قال صاحب البغية ولما تم أمره أقر شيبان المذكور موسى بن ~~طونيق على شرطة مصروخرج من الفسطاط ليلة الخميس لليلة خلت من أشهر ربيع ~~الأول سنة آثنتين وتسعين ومائتين فكانت ولايته آثني عشر يوما انتهى قلت ~~ونذكر أمر شيبان هذا بأوسع مما ذكره صاحب البغية فنقول ولما قتل هارون بن ~~خمارويه ورجع الناس إلى مصر وهم بغير أمير نهض شيبان هذا ودعا لنفسه وضمن ~~لهم حسن القيام بأمر الدولة والإحسان إليهم فبايعه الناس وهو لا يدري بأن ~~الدولة الطولونية قد انتهى أمرها وما أحسن قول من قال في هذا المعنى: أصبحت ~~تطلب أمرا عز مطلبه ... هيهات صاع زجاج ليس ينجبر PageV01P0312 # وقام شيبان بالأمر ودخل المدينة وطاف بها حتى وصل إلى الموضع المعروف ~~بمسجد الرمح فصدم الرمح الذي فيه لواؤه سقف المرب فانكسر فتطير الناس من ~~ذلك وقالوا أمر لا يتم وقيل إن شيبان المذكور كان أسر في نفسه قتل آبن أخيه ~~هارون المقدم ذكره فتهيأ لذلك فى واطأ عليه بعض خاصة هارون فكان شيبان ~~ينتظر الفرصة وبينما شيبان على ذلك إذ صار إليه بعض الخدم الذين واطأهم على ~~أمر هارون وبايعوه على قتله وأعلموه أن هارون قد غط في نومه من شدة السكر ~~وأنه لم ير في مثل حالته تلك قط من شدة السكرالذي به وقالوا له إن أردت ~~شيئا فقد أمكنك ما تريد فقام شيبان ودخل من وقته على ابن أخيه هارون بن ~~خمارويه فوافاه في مرقده غاطا مثقلا من سكره فذبحه بسكين كان معه في مرقمه ~~بالعباسة وكان ذلك في ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة اثنتين ~~وتسعين ومائتين وعرف الناس بقتله في غد ms0612 ليلته وآستولى شيبان على الملك كما ~~ذكرناه وبويع في يوم الاثنين لعشر ليال بقين من صفر من السنة المذكورة وعلم ~~أبو جعفر بن أبى ونجيح الرومي القائد ما كان من أمر هارون وقتله فرحلا من ~~موضعهما من العباسة مع نفر من خاصة أصحابهما وتركا بقية عسكرهما ولحقا ~~بعسكر طغج بن جص الني كان نائب دمشق وقد وصل محمد بن سليمان الكاتب وفائق ~~ويمن وغيرهم من موالي خمارويه وأخبروهم بذلك ثم جاءهم الخبر بأن الحسين بن ~~حمدان قد دخل الفرما يريد جرجير وكانوا بها فرحلوا بعساكرهم حتى نزلوا ~~العباسة وذلك بعد رحيل شيبان بن أحمد بن طولون المذكور عنها إلى مدينة مصر. ~~PageV01P0313 # وأما شيبان فإنه لما دخل مصر مع جميع إخوته وبني عمه والعسكر الذي كان ~~بقي من عسكر آبن أخيه هارون تهيأ لقتال القوم وكان شيبان أهوج جسورآ جسيما ~~جلدا شديد البدن في عنفوان شبابه فصار يسرع في أموره وذلك بعد أن تم أمره ~~وخطب له يوم الجمعة على سائرمنابرمصر ثم أخذ في العطاء للجند فلم يجد من ~~المال سعة فقلق فسعى إليه ساع بأن أم هارون المقتول أودعت ودائع لها في بعض ~~الدورالتي للتجار بمدينة الفسطاط أعني مصر فوجه شيبان بأبي جيشون أحد إخوته ~~إلى هذه الدورحتى آستخرج منها خبايا كانت لأم هارون وحمل ذلك إلى أخيه ~~شيبان في أعدال محزومة لايدرى مافيها وآنتهى الخبر إلى الحسين بن حمدان بأن ~~هارون صاحب مصر قد قتل وكان على مقدمة عسكر محمد بن سليمان الكاتب ~~وهوبجرجيرفرحل عنها يريد العباسة فلقيه في طريقه محمد بن أبى مع جميع ~~الرؤساء الذين كانوا معه فصار الحسين في عسكر كبير وبلغ ذلك أيضا محمد بن ~~سليمان الكاتب فحث في مسيره حتى لحق بمقدمة الحسين بن حمدان المذكور وقد ~~آنضاف إليه غالب عسكر مصر الذي وصل مع أبي جعفر بن أبى وغيره وعندما آجتمع ~~الجميع وصل إليهم أيضا دميانة البحري في ثمانية عشر مركبا حربيا مشحونة ~~بالرجال والسلاح وذلك في يوم الثلاثاء ثامن عشرين صفر فضرب ms0613 جسر مصر الشرقي ~~بالنار وأحرقه عن آخره وأحرق بعض الجسر الغربي ثم وافى محمد بن سليمان ~~الكاتب بعسكره حتى نزل بباب مصر فضرب خيامه بها في يوبم الأربعاء تاسع ~~عشرين صفر كل ذلك في سنة آثنتين وتسعين ومائتين ولما بلغ ذلك شيبان خرج ~~بعساكره من مدينة مصر وقد آجتمع معه من الفرسان والرجالة عدة كثيرة ووقف ~~بهم لممانعة محمد بن سليمان من دخول المدينة وعبأ أيضا محمد بن سليمان ~~عسكره للمصاف لمحاربة شيبان والتقى الجمعان وكانت بينهم مناوشة ساعة ثم كتب ~~محمد بن سليمان إلى شيبان والحرب قائمة يؤمنه على نفسه وجميع أهله وماله ~~وولده وإخوته وبني عمه جميعا ونظر شيبان عند وصول الكتاب إليه قلة من معه ~~من الرجال وكثرة جيوش محمد بن سليمان مع ماظن من وفاء محمد بن سليمان له ~~فاستأمن إلى محمد بن سليمان وجمع إخوته وبني عمه في الليل وتوجهوا إلى محمد ~~بن سليمان وصاروا في قبضته ومصاف شيبان على حاله لكن الفرسان علموا بما فعل ~~شيبان فكفوا عن القتال وبقيت الرجالة على مصافها ولم تعلم بما أحدثه شيبان ~~وأصبحت الرجالة غداة يوم الخميس وليس معهم حام ولارئيس فالتقوا مع عسكر ~~محمد بن سليمان فآنكسروا وانكبت خيل محمد بن سليمان على الرجالة فأزالتهم ~~عن مواقفهم ثم انحرفت الفرسان إلى قطائع السودان الطولونية وصاروا يأخذون ~~من قدرواعليه منهم فيصيرون بهم إلى محمد بن سليمان وهوراكب على فرسه في ~~مصافه فيأمر بذبحهم فيذبحون بين يديه كما تذبح الشاة. PageV01P0314 # ثم دخل محمد بن سليمان بعساكره إلى مدينة مصر من غير أن يمنعه عنها مانع، ~~وكان ذلك في يوم الخميس سلخ صفرالمذكور فطاف محمد بن سليمان وهوراكب بمدينة ~~مصر ومعه محمد بن أبى وجماعة من جند المصريين من الفرسان والرجالة إلامن ~~هرب منهم وصار كل من أخذ من المصريين ممن هرب أوقاتل ضربت عنقه وأحرقت ~~القطائع التي كانت حول الميدان من مساكن السودان بعد أن قتل فيها منهم خلق ~~كثير حتى صارت خرابا يبابا وزالت دولة بني طولون كأنها ms0614 لم تكن وكانت مدة ~~تغلب شيبان هذا على مصر تسعة أيام منها أربعةأيام كان فيهاأمره ونهيه ثم ~~دخلت الأعراب الخراسانية من عساكر محمد بن سليمان الكاتب إلى مدينة مصر ~~فكسروا جيوشها وأخرجوا من كان بها ثم هجمواعلى دور الناس فنهبوها وأخذوا ~~أموالهم وآستباحوا حريمهم وفتكوا في الرعية وآفتضوا الأبكار وأسروا ~~المماليك والأحرار من النساء والرجال وفعلوا في مصر ما لا يحله الله من ~~ارتكاب المآثم ثم تعدوا إلى أرباب الدولة وأخرجوهم من دورهم وسكنوها كرها ~~وهرب غالب أهل مصر منها وفعلوا في المصريين ما لا يفعلونه في الكفرة ~~وأقاموا على ذلك أياما كثيرة مصرين على هذه الأفعال القبيحة ثم ضربت خيام ~~محمد بن سليمان على حافة النيل بالموضع المعروف بالمقس ، ونزلت عساكره معه ~~ومن آنضم إليه من عساكر المصريين بالعباسة ثم أمر محمد بن سليمان أن تحمل ~~الأسارى من المصريين من الذين كان دميانة أسرهم في قدومه من دمياط على ~~الجمال فحملوا عليها وعليهم القلانس الطوال وشهرهم وطيف بهم في عسكره من ~~أوله إلى آخرة ثم قلد محمد بن سليمان أصحابه الأعمال بمصر، فكان الذي قلده ~~شرطة العسكر رجلا يقال له غليوس وقلد شرطة المدينة رجلا يقاد له وصيف ~~البكتمري وقلد أباعبد الله محمد بن عبدة قضاء مصر كل ذلك في يوم الخميس ~~لسبع خلون من شهر ربيع الأول ثم قبض أيضا على جماعة من أهل مصر من الكتاب ~~وغيرهم فصادرهم وغرمهم الأموال الجليلة بعد العذاب والتهديد والوعيد ثم ~~أمسك محمد بن أبى خليفة هارون بن خمارويه على مصر أعني الذي كان توجه إليه ~~من العباسة وصادره وأخذ منه خمسمائة ألف دينار من غير تجشيم ومحمد بن أبى ~~هذا هوالذي قدمنا ذكره في ترجمة جيش بن خمارويه وماوقع له مع برمش وكان ~~محمد بن سليمان هذا لايسمى باسمه ولابكنيته وماكان يدعى إلا " بالأستاذ " ~~وكان حكمه في أهل مصر بضرب أعناقهم وبقطع أيديهم وأرجلهم جورا وتمزيق ~~ظهورهم بالسياط وصلبهم على جذوع النخل ونحو ذلك من أصناف النكال ولا زال ~~على ذلك ms0615 حتى رحل عن مدينة مصر في يوم الخميس مستهل شهر رجب من سنة آثنتين ~~وتسعين ومائتين وآستصحب معه الأمير شيبان بن أحمد بن طولون صاحب الترجمة ~~وبني عمه وأولادهم وأعوانهم حتى إنه لم يدع من آل طولون أحدا والجميع في ~~الحديد إلى العراق وهم عشرون إنسانا ثم أخرج قوادهم إلى بغداد على أقبح وجه ~~فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر وخلت منهم الديار وعفت منهم الاثار وحل بهم ~~الذل بعد العز والتطريد والتشريد بعد اللذ ثم سيق جماعة من أصحاب شيبان إلى ~~محمد بن سليمان ممن كان أمنهم فذبحوا بين يديه وزالت الدولة الطولونية ~~وكانت من غرر المول وأيامهم من محاسن الأيام وخرب الميدان والقصور التي ~~كانت به التي مدحتها الشعراء قال القاضي أبو عمرو عثمان النابلسي في كتاب ~~حسن السيرة في آتخاذ الحصن بالجزيرة " رأيت كتابا قدر آثنتي عشرة كراسة ~~مضمونه فهرست شعراء الميدان الذي كان لأحمدبن طولون قال فإذا كانت أسماء ~~الشعراء في اثنتي عشرة كراسة فكم يكون شعرهم انتهى وقال آبن دحية في كتابه ~~وخربت القطائع التي لأحمد بن طولون في الشدة العظمى زمن الخليفة المستنصر ~~العبيدي أيام القحط والغلاء المفرط الذي كان بالديار المصرية قال وهلك من ~~كان فيها من السكان وكانت نيفا على مائة ألف دار قلت هذا الذي ذكره آبن ~~دحية هوالذي بقي بعد إتلاف محمد بن سليمان المذكورومما قيل في ميدان أحمد ~~بن طولون وفي قصوره من الشعر من المراثي على سبيل الاقتصار فمما قاله ~~إسماعيل بن أبي هاشم: قف وقفة بفناء باب الساج ... والقصر في الشرفات ~~والأبراج وربوع قوم أزعجوا عن دارهم ... بعد الإقامة أيما إزعاج كانوا ~~مصابيحا لدى ظلم الدجى ... يسري بها السارون في الإدلاج ومنها: ~~PageV01P0315 # كانوا ليوثا لا يرام حماهم ... في كل ملحمة وكل هياج فآنظر إلى آثارهم ~~تلقى لهم ... علما بكل ثنية وفجاج وقال سعيد القاص: جرى دمعه ما بين سحر ~~إلى نحر ... ولم يجر حتى أسلمته يد الصبر ومنها: وهل يستطيع الصبر من كان ~~ذا أسى ... يبيت على ms0616 جمر ويضحي على جمر تتابع أحداث تحيفن صبره ... وغمر من ~~الأيام والدهر ذو غدر أصاب على رغم الأنوف وجدعها ... ذوي الذين والدنيا ~~بقاصمة الظهر طوى زينة الدنيا ومصباح أهلها ... بفقد بني طولون والأنجم ~~الزهر ومنها: وكان أبو العباس أحمد ماجدا ... جميل المحيا لا يبيت على وتر ~~كأن ليالي الدهر كانت لحسنها ... وإشراقها في عصره ليلة القدر يدل على فضل ~~ابن طولون همة ... محلقة بين السماكين والغفر فإن كنت تبغي شاهدا ذا عدالة ~~... يخبر عنه بالجلي من الأمر فبالجبل الغربي خطة يشكر ... له مسجد يغني عن ~~المنطق الهذر وهي طويلة جدا كلها على هذا المنوال. ولما أمر الحسين بن أحمد ~~الماذرائي متولي خراج مصر من قبل المكتفي بهدم الميدان آبتدأ بهدمه في أول ~~شهر رمضان من سنة ثلاث وتسعين ومائتين وبيعت أنقاضه حتى دثر وزال مكانه ~~كأنه لم يكن فقال فيه محمد بن طشويه: من لم ير الهدم للميدان لم يره ... ~~تبارك الله ما أعلاه وآقدره لو أن عين الذي أنشاه تبصره ... والحادثات ~~تعاديه لأكبره ومنها: وأين من كان يحميه ويحرسه ... من كل ليث يهاب الليث ~~منظره صاح الزمان بمن فيه ففرقهم ... وحط ريب البلى فيه فدعثره ومنها: أين ~~ابن طولون بانيه وساكنه ... أماته الملك الأعلى فأقبره ما أوضح الأمر لو ~~صحت لنا فكر ... طوبى لمن خصه رشد فذكره وقال أحمد بن إسحاق: الخفيف: وكأن ~~الميدان ثكلى أصيبت ... بحبيب صباح ليلة عرس تتغشى الرياح منه محلا كان ... ~~للصون في ستور الدمقس ومنها: ووجه من الوجوه حسان ... وخدود مثل اللالىء ~~ملس كل كحلاء كالغزال ونجلا ... ءرداح من بين حور ولعس آل طولون كنتم زينة ~~الأر ... ض فأضحى الجديد اهدام لبس وقال ابن أبي هاشم: يا منزلا لبني طولون ~~قد دثرا ... سقاك صوب الغوادي القطر والمطرا يا منزلا صرت أجفوه وأهجره ... ~~وكان يعدل عندي السمع والبصرا بالله عندك علم من أحبتنا ... أم هل سمعت لهم ~~من بعدنا خبرا فتح مصر ولى عليها في الحال عيسى النوشري ولهذا لم نفتتح ~~ترجمته بآفتتاح تراجم ملوك ms0617 مصر على عادة ترتيب هذا الكتاب ومن الناس من عدة ~~من جملة أمراء مصر بواسطة تحكمه وتصرفه في الديار المصرية. ### | AUT أول من ولي مصر بعد بني طولون # وخراب القطائع إلى الدولة الفاطمية العبيدية وبناء القاهرة على الترتيب ~~المقدم ذكره فأول من حكحمها محمد بن سليمان الكاتب المقدم ذكره أرسله ~~الخليفة المكتفي بالله علي العباسي حسبما ذكرناه في غير موضع وملك محمد بن ~~سليمان الديار المصرية بعد قتل شيبان بن أحمد بن طولون في يوم الخميس مستهل ~~شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين ومائتين ودعا على منابر مصر للخليفة ~~المكتفي بالله وحده وولى محمد بن سليمان أبا علي الحسين بن أحمد الماذرائي ~~على الخراج عوضا عن أحمدبن علي الماذرائي فلم تطل مدة محمد بن سليمان بمصر ~~حتى قدم عليه كتاب الخليفة المكتفي بالله بولاية عيسى بن محمد النوشري ودخل ~~خليفة عيسى المذكور إلى مصر لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى فتسلم من ~~محمد بن سليمان المذكور الشرطتين وسائر الأعمال فكان مقام محمد بن سليمان ~~المذكور الكاتب بمصر أربعة أشهر. PageV01P0316 # وفي ولايته أقوال كثيرة: فمن الناس من لا يعده من الأمراء بمصر بل ذكر ~~دخوله لفتح مصر وأنه كان مقدم العساكر لا غير وقائلو هذه المقالة هم الأكثر ~~ووافقتهم أنا أيضا على ذلك لأن المكتفي لما خلع عليه أمر بالتوجه لقتال مصر ~~وأمر أصحابه بالسمع والطاعة ولم يوله عملها ؟ وعندما بلغ الخليفة المكتفي ~~فتح مصر ولى عليها في الحال عيسى النوشري، ولهذا لم نفتح ترجمته بافتتاح ~~تراجم ملوك مصر على عادة ترتيب هذا الكتاب، ومن الناس من عدة من جملة أمراء ~~مصر بواسطة تحكمة وتصرفه في الديار المصرية. ### | AUT ولاية عيسى النوشري # هو عيسى بن محمد الأمير أبو موسى النوشري ولاه الخليفة المكتفي من بغداد ~~على مصر فأرسل عيسى خليفته على مصر فآستولى عليها إلى حين قدمها لسبع خلون ~~من جمادى الاخرة من سنة آثنتين وتسعين ومائتين. وكان محمد بن سليمان لما ~~وصل إلى مصر بالعساكر كان الأمير عيسى النوشري ms0618 المذكور من جملة القواد ~~الذين قدموا معه فلما آفتتح محمد بن سليمان مصر أرسل عيسى هذا إلى الخليفة ~~رسولا يخبره بفتح مصر لأنه كان من كبار القواد الشاخصين معه إلى مصر وتوجه ~~عيسى إلى نحو العراق فلما وصل إلى دمشق وافاه كتاب الخليفة المكتفي بها ~~بولايته على إمرة مصر فعاد من وقته إلى أن دخل مصر في التاريخ المقدم ذكره ~~ث فخلع عليه محمد بن سليمان الكاتب وطاف به مدينة مصر وعليه الخلعة وآستمر ~~على عمل معونة مصر وجندهاة ثم ورد عليه أيضا كتاب الخليفة إلى جماعة من ~~القواد ممن كان في عسكر محمد بن سليمان: منهم علي بن حسان بتقليده أعمال ~~الإسكندرية وإلى مهاجربن طليق بتقليده ثغر تنيس ودمياط وإلى رجل يعرف ~~بالكندي بتقليده الأحواف وإلى رجل يقال له موسى بن أحمد بتقليده برقة وما ~~والاها وإلى رجل يعرف بمحمد بن ربيعة بتقليده الصعيد وأسوان وإلى رجل يعرف ~~بأبى زنبور الحسين بن أحمد الماذرائي بتقليده أعمال الخراج بمصر وجلس في ~~ديوان الخراج لخمس بقين من جمادى الآخرة ثم إلى دميانة البحري بالانصراف عن ~~مصر، فآنصرف عميانة عنها لثمان بقين من جمادى الاخرة. ونزل عيسى النوشري ~~المذكور في الدار التي كانت سكنى بحر الحمامي بمصر وكانت بالموقف بسوق ~~الطير وهي الدار التي كان نزل بها محمد بن سليمان الكاتب لما آفتتح مصر ~~وكان خروج محمد بن سليمان من مصر في مستهل شهر رجب من السنة وأخرج معه كل ~~من بقي من الطولونية بمصر كما ذكرناه في ترجمة شيبان بن أحمد بن طولون ~~وآستصحب معه أيضا جماعة بعد رحيله عنها فخرج الجميع إلى الشام، وهم: أبو ~~جعفر محمد بن أبى وآبنه الحسن وطغج بن جف الذي كان نائب دمشق وولده وأخوه ~~وبدر وفائق الرومي الخازن وصافي الرومي وغيرهم من موالي أحمد وخمارويه وخرج ~~الجميع موكلا بهم وأخرج معهم أيضا جماعة كثيرة ممن هم أقل رتبة ممن ذكر ~~غيرأنهم أيضا من أعيان الدولة وأكابر القواد وهم: محمد بن علي بن أحمد ~~الماذرائي ms0619 وزير هارون بن خمارويه وأبو زرعة القاضي وأبو عبد الله محمد بن ~~زرعة القاضي وخلق كثير من آل طولون وغيرهم من الجند وضمهم إلى عسكره وقت ~~خروجه من مصر فتخلف عنه جماعة بدمشق وغيرها وسار معه بعضهم إلى حلب في ~~الحديد وهم: موسى بن طرنيق وأحمد بن أعجر وكانا على شرطتي مصر كما تقدم ~~ذكره وابن بايخشي الفرغاني وكان عاملا على سيادة أسفل الأرض ووصي لقاطرميز ~~وخصيف البربري مولى أحمد بن طولون. فلما استقر قرار محمد بن سليمان بحلب ~~وافاه رسول الخليفة بأن يسلم ما كان معه من الأموال والخيل والطرز والذهب ~~وغير ذلك مما كان حمله من مصر إلى من أمر بتسليمه إليه فقدر المقدرون فيه ~~ما حمله من الأموال مع الذي أخذه من الناس ألفي ألف دينار. PageV01P0317 # وتفرق من كان معه من الجند من المصريين فمنهم من سار إلى العراق، ومنهم ~~من رجع يريد مصر إلى من خلفه من أهله بها فممن رجع إلى مصرشفيع اللؤلئي ~~الخادم ورجل شاب يقال له محمد بن علي الخلنجي من الجند من المصريين ومحمد ~~هذا ممن كان في قيادة صافي الرومي أعني أنه كان مضافه فرجع محمد هذا يريد ~~أهله وولده فخطر له خاطر ففكر فيما حل بآل طولون وإزالة ملكهم وإخراجهم عن ~~أوطانهم فأظهر النصرة لهم والقيام بدولتهم وأعلن ذلك وأبداه وذكر الذي عزم ~~عليه لجماعة من المصريين فبايعوه على ذلك وعضدوه على عصيانه وآنضم عليه ~~شرذمة من المصريين فسار على حمية حتى وافى الرملة في شعبان من سنة اثنتين ~~وتسعين ومائتين فنزل محمد المذكور بمن معه بناحية باب الزيتون وكان بالرملة ~~وصيف بن صوارتكين الأصغر فآستعد لقتاله فقدم وصيف جماعة مع محمد بن يزداد ~~ثم خرج وصيف ببقية جماعته فرأى محمد بن علي الخلنجي المذكور في نفريسير من ~~الفرسان فزحف محمد بن علي الخلنجي بمن معه على وصيف بن صوارتكين فهزمه وقتل ~~رجاله وهرب من بقى بين يديه. PageV01P0318 # وملك محمد الرملة ودعا على منابرها في يوم الجمعة للخليفة وبعده لإبراهيم ms0620 ~~بن خمارويه ثم بعدهما لنفسه وتسامع الناس به فوافوه من كل فج لما في نفوسهم ~~من تشتتهم عن بلادهم وأولادهم وأوطانهم وصار الجميع من حزب محمد المذكور من ~~غير بذل دينار ولا درهم وبلغ عيسى النوشري صاحب الترجمة وهوبمصر ما كان من ~~أمر محمد بن علي الخلنجي فجهز عسكرا إلى العريش في أسرع وقت من البحر ~~وساروا حتى وافوا غزة فتقدم إليهم محمد بن علي الخلنجي بمن معه فلما سمعوا ~~به رجعوا إلى العريش فسار محمد الخلنجي بمن معه خلفهم إلى العريش فآنهزموا ~~أمامه إلى الفرما ثم ساروا من الفرما إلى العباسة ونزل محمد الخلنجي الفرما ~~مكانهم فلما سمع عيسى النوشري ذلك خرج من مصر بعسكر ضخم حتى نزل العباسة ~~ومعه أبومنصور الحسين بن أحمد الماذرائي عامل خراج مصر وشفيع اللؤلئي صاحب ~~البريد، ورحل محمد الخلنجي حتى نزل جرجير فلما سمع عيسى النوشري قدومه إلى ~~جرجير كر راجعا إلى مصر ونزل على باب مدينة مصر فأتاه الخبر بقدوم محمد بن ~~علي الخلنجي المذكور فدخل إلى المدينة ثم خرج منها ومعه أبوزنبور وعدا جسر ~~مصر في يوم الثلاثاء رابع عشر في القعدة سنة اثنتين وتسعين ومائتين ثم أحرق ~~عيسى النوشري جسري المدينة الشرقي والغربي جميعا حتى لم يبق من مراكبهما ~~مركبا واحدا يعني أن الجسر كان معقودا على المراكب وهذه كانت عادة مصر تلك ~~الأيام ونزل عيسى النوشري وأقام ببر الجيزة وبقيت مدينة مصر بلا وال عليها ~~ولاحاكم فيها وصارت مصر مأكلة للغوغاء يهجمون على البيوت ويأخذون الأموال ~~من غير أن يردهم أحد عن ذلك فإن عيسى النوشري ترك مصر وأقام ببر الجيزة ~~خوفا من محمد المذكور فقوي لذلك شوكة محمد الخلنجي واستفحل أمره وسار من ~~جرحير حتى دخل مدينة مصر في يوم سادس عشرين ذي القعدة من السنة من غير ~~ممانع. وكان محمد المذكور شابا شجاعا مقداما مكبا على شرب الخمر واللهو ~~عاصيا ظالما ومولده بمدينة مصر ونشأ بها فلما دخلها طاف بها ودخل الجامع ~~وصلى فيه يوم الجمعة ودعا ms0621 له الإمام على المنبر بعد الخليفة وإبراهيم بن ~~خمارويه ففرح به أهل مصر إلى الغايه وقاموا معه فمهد أمورها وقمع المفسدين ~~وتخلق أهل مصر بالزعفران وخلقوا وجه دابته ووجوه دواب أصحابه فرحا به ولم ~~يشتغل محمد الخلنجي المذكور بشاغل عن بعثه في أثر عيسى النوشري وجهز عسكرا ~~عليه رجل من أصحابه يقال له خفيف النوبي وخفيف من الخفة وأمره باقتفاء أثر ~~عيسى النوشري حيث سلك فخرج خفيف المذكور وتتابع مجيء العساكر إليه في البر ~~والبحر وبلغ عيسى النوشري مسير خفيف إليه فرحل من مكانه حتى وافى ~~الإسكندرية وخفيف من ورائه يتبعه وأما محمد الخلنجي فإنه قلد وزارته ابن ~~موسى النصراني وقلد أخاه إبراهيم بن موسى على خراج مصر وقلد شرطة المدينة ~~لإبراهيم بن فيروز وقلد شرطة العسكر لعبد الجباربن أحمد بن أعجرة وأقبل ~~الناس إليه من جميع البلدان حتى بلغت عساكره زيادة على خمسين ألفا وفرض لهم ~~الأرزاق السنية فاحتاج إلى الأموال لإعطاء الرجال وكان في البلد نحو ~~تسعمائة ألف دينار وكانت معبأة في الصناديق للحمل الخليفة وهي عند أبي ~~زنبور وعيسى النوشري صاحب الترجمة فلما خرجا من البلد وزعاها فلم يوجد لها ~~أثر عند أحد بمصر وعمد الحسين بن أحمد إلى جميع علوم دواوين الخراج فأخرجها ~~عن الدواوين قبل خروجه من مصر لئلا يوقف على معرفة أصول الأموال في الضياع ~~فيطالب بها أهل الضياع بما عليهم من الخراج وحمل معه أيضا جماعة من ~~المتقبلين أعني المدركين والكتاب لئلا يطالبوا بما عليهم من الأموال منهم ~~وهب بن عياش المعروف بآبن هانىء، وابن بشر المعروف بآبن الماشطة وإسحاق بن ~~نصير النصراني وأبو الحسن المعروف بالكاتب وترك مصر بلا كتاب فلم يلتفت ~~محمد الخلنجي إلى ذلك وطلب المتقبلين وأغلظ عليهم ثم وجد من الكتاب من ~~أوقفه على أمور الخراج وأمر الدواوين ثم قلد لأحمد بن القوصي ديوان الإعطاء ~~وتحول من خيمته من ساحل النيل وسكن داخل المدينة في دار بدر الحمامي التي ~~كان سكنها عيسى النوشري بعد خروج محمد بن سليمان الكاتب ms0622 من مصر وهي ~~بالحمراء على شاطىء النيل. وأجرى محمد الخلنجي أعماله على الظلم والجور ~~وصادر أعيان البلد فلقي الناس منه شدائد إلا أنه كان إذا أخذ من أحد شيئا ~~أعطاه خطه ويعده أن يرد له ما أخذ منه PageV01P0319 # أيام الخراج وأما عيسى النوشري صاحب الترجمة وأبوزنبور الحسين بن أحمد ~~فإنهماأيام الخراج وأما عيسى النوشري صاحب الترجمة وأبوزنبور الحسين بن ~~أحمد فإنهما PageV01P0320 # وصلا بعسكرهما قريب الإسكندرية وخفيف النوبي في أثرهما لا قريبا منهما ~~وكان أبوزنبور قد أرسل المتقلبين والكتاب إلى الإسكندرية ليتحصنوا بها ~~وتابع محمد الخلنجي العساكر إلى نحو خفيف النوبي نجدة له في البر والبحر ~~فكان ممن ندبه محمد الخلنجي محمد بن لمجور في ست مراكب بالسلاح والرجال ~~فسار حتى وافى الإسكندرية في يوم الخميس نصف ذي الحجة وكان بينه وبين أهل ~~الإسكندرية مناوشة حتى دخلها وخلص بعض أولئك المتقبلين والكتاب وحملهم إلى ~~مصر وأخذ أيضا لعيسى النوشري ولأبي زنبور ما وجلى لهما بالإسكندرية وفرقه ~~على عساكره وأقام بعسكره مواقفا عيسى النوشري خارجا عن الإسكندرية أياما ثم ~~آنصرف إلى مصر وانصرف عيسى النوشري إلى ناحية تروجة فوافاه هناك خفيف ~~النوبي وواقعه فكانت بينهماوقعة هائله انهزم فيها خفيف النوبي وقتل جماعة ~~من أصحابه ولم يزل خفيف في هزيمته إلى أن وصل إلى مصر بمن بقي معه من ~~أصحابه فلم يكترث محمد الخلنجي بذلك وأخذ في إصلاح أموره وبينما هو في ذلك ~~ورد عليه الخبر بمجيء العساكر إليه من العراق صحبة فاتك المعتضدي وبدر ~~الحمامي وغيرهما فجهز محمد الخلنجي عسكرا لقتال النوشري وقد توجه النوشري ~~نحو الصعيد ثم خرج هو في عساكره إلى أن وصل إلى العريش ثم وقع له مع عساكر ~~العراق وجيوش النوشري وقائع يطول شرحها حتى أجدبت مصر وحصل بها الغلاء ~~العظيم وعدمت الأقوات من كثرة الفتن وطال الأمر حتى ألجأ ذلك إلى عود محمد ~~بن علي الخلنجي إلى مصر عجزا عن مقاومة عساكر العراق وعساكر أبي الأغر ~~بمنية الأصبغ بعد أن واقعهم غير مرة وطال الأمر عليه فلما ms0623 رأى أمره في ~~إدبار وعلم أن أمره يطول ثم يؤول إلى آنهزامه دبر في أمره مادام فيه قوة ~~فأطلع عليه محمد بن لمجور المقدم ذكره وهوأحد أصحابه وعرفه سرا بأشياء ~~يعملها وأمره أن يركب بعض المراكب الحربية وحمل معه ولده وما أمكنه من ~~أمواله وواطأه على الركوب معه وأمره بآنتظاره ليتوجه صحبته في البحر إلى أي ~~وجه شاء هاربا فشحن محمد بن لمجور مركبه بالسلاح والمال وصار ينتظر محمدا ~~الخلنجي صاحب الواقعة ومحمد الخلنجي يدافع عسكر عيسى النوشري تارة و عسكر ~~الخليفة مرة إلى أن عجز وخرج من مصر إلى نحو محمد بن لمجور حتى وصل إليه ~~فلما رآه محمد بن لمجور قد قرب منه رفع مراسيه وأوهمه أنه يريده فلما دنا ~~منه ناداه محمد بن علي الخلنجي ليصير إليه ويحمله معه في المركب فلما رآه ~~محمد بن لمجوروسمع نداءه سبه وقال له مت بغيظك قد أمكن الله منك وتأخر وضرب ~~بمقاذيفه وانحدر في النيل وذلك لما كان في نفس محمد بن لمجور من محمد بن ~~علي الخلنجي مما أسمعه قديما من المكروه والكلام الغليظ فلما رأى محمد ~~الخلنجي خذلان محمد بن لمجور له ولم يتم له الهرب كر راجعا حتى دخل مدينة ~~مصر وقد آنفل عنه عساكره فصار إلى منزل رجل كان يعنى بإخفائه ويأمنه على ~~نفسه ليختفي عنده فخافه المذكور وتركه هاربا وتوجه إلى السلطان فتنصح إليه ~~وأعلمه أنه عنده فركب السلطان وأكابر الدولة والعساكر حتى قبضوا عليه وكان ~~ذلك في صبيحة يوم الاثنين ثامن شهر رجب من سنة ثلاث وتسعين ومائتين فكانت ~~مدة عصيانه منذ دخل إلى مصر إلى أن قبض عليه سبعة أشهر واثنين وعشريين يوما ~~ودخل فاتك وبحر الحمامي بعساكرهما وعساكر العراق حتى نزلا بشاطىء النيل ثم ~~وافاهم الأمير عيسى النوشري من الفيوم حسبما يأتي ذكره في ترجمته في ولايته ~~الثانية على مصر أعني عوده إلى ملكه بعد الظفر بمحمد بن علي الخلنجي ونزل ~~عيسى بدار فائق، فإن بدرا كان قد م إلى مصر ونزل ms0624 في داره التي كان النوشري ~~نزل فيها أؤلا ودعا للخليفة على منابر مصر ثم من بعده لعيسى النوشري هذا ~~وأمور مصر مضطربة إلى غاية ما يكون وقلد عيسى شرطة العسكر لمحمد بن طاهر ~~المغربي وشرطة المدينة ليوسف بن إسرائيل وتقلد أبو زنبور الخراج على عادته ~~وأخذ النوشري في إصلاح أمور مصر والضياع وتتبع أصحاب محمد الخلنجي من ~~الكتاب والجند وغيرهم وقبض على جماعة كثيرة منهم مثل السري بن الحسين ~~الكاتب وأبي العباس أحمد بن يوسف كاتب ابن الجصاص وكان على نفقات محمد ~~الخلنجي وجماعة أخر يطول الشرح في ذكرهم وأما محمد بن لمجور وكيغلغ وبدر ~~الكريمي وجماعة أخر من أصحاب محمد الخلنجي فإنهم تشتتوا فى البلاد ثم دخل ~~محمد بن لمجور مصر متنكرا فقبض عليه وطيف به ومعه PageV01P0321 # غلام آخر لمحمد الخلنجي ثم عوقب محمد بن لمجورحتى آستخلص منه الأموال ثم ~~جهز الأمير عيسى النوشري محمدا الخلنجي في البحر إلى أنطاكية فخرجوا منها ~~ودخلوا العراق إلى عند الخليفة ثم بعد ذلك ورد كتاب الخليفة على عيسى ~~النوشري في شهررمضان باستقراره في أعمال مصر جميعا قبليها وبحريها حتى ~~الإسكندرية وإلى النوبة والحجاز. آخر لمحمد الخلنجي ثم عوقب محمد بن ~~لمجورحتى آستخلص منه الأموال ثم جهز الأمير عيسى النوشري محمدا الخلنجي في ~~البحر إلى أنطاكية فخرجوا منها ودخلوا العراق إلى عند الخليفة ثم بعد ذلك ~~ورد كتاب الخليفة على عيسى النوشري في شهررمضان باستقراره في أعمال مصر ~~جميعا قبليها وبحريها حتى الإسكندرية وإلى النوبة والحجاز. ### | AUT ولاية محمد بن علي الخلنجي # هو محمد بن علي الخلنجي الأمير أبو عبد الله المصري الطولوني ملك الديار ~~المصرية بالسيف وآستولى عليها عنوة من الأمير عيسى بن محمد النوشري وقد مر ~~من ذكره في ترجمة عيسى النوشري ما فيه كفاية عن ذكره هنا ثانيا، غيرأننا ~~نذكره على حدته لكونه ملك مصر وذكره بعض أهل التاريخ في أمراء مصر فلهذا ~~جعلنا له ترجمة مستقلة خوفا من الاعتراض والاستدراك علينا بعدم ذكره ولما ~~ملك محمد بن علي الخلنجي ms0625 الديار المصرية مهد البلاد ووطن الناس ووضع العطاء ~~وفرض الفروض فجهز الخليفة المكتفي بالله جيشا لقتاله وعليهم أبوالأغر وفي ~~الجيش الأمير أحمدبن كيغلغ وغيره فخرج إليهم محمد بن علي الخلنجي هذا ~~وقاتلهم في ثالث المحرم من سنة ثلاث وتسعين ومائتين فهزمهم أقبح هزيمة وأسر ~~من جماعة أبي الأغر خلقا كثيرا وعاد أبو الأغر لثمان بقين من المحرم حتى ~~وصل إلى العراق فعظم ذلك على الخليفة المكتفي وجهز إليه العساكر ثانيا صحبة ~~فاتك المعتضدي في البر، وجهز دميانة في البحر فقدم فاتك بجيوشه حتى نزل ~~بالنويرة وقد عظم أمر الخلنجي هذا وأخرج عيسى النوشري عن مصر وأعمالها ~~بأمور وقعت له معه ذكرناها في ترجمة عيسى النوشري ليس لذكرها هنا ثانيا محل ~~ولمابلغ الخلنجي مجيء عسكر العراق ثاني مرة صحبة فاتك، جمع عسكره وخرج إلى ~~باب المدينة وعسكر به وقام بالليل بأربعة آلاف من أصحابه ليبيت فاتكا ~~وأصحابه فضلوا عن الطريق وأصبحوا قبل أن يصلوا إلى النويرة فعلم بهم فاتك ~~فهض أصحابه وآلتقى مع الخلنجي قبل أن يصلوا إلى النويرة فتقاتلا قتالا ~~شديدا آنهزم فيه الخلنجي بعد أن ثبت ساعة بعد فرار أصحابه عنه ودخل إلى مصر ~~وآستتر بها لثلاث خلون من شهر رجب ثم قبض عليه وحبس حسبما ذكرناه في ترجمة ~~النوشري ثم دخل دميانة بالمراكب إلى مصر وأقبل عيسى النوشري من الصعيد ومعه ~~الحسين الماذرائي ومن كان معهما من أصحابهما لخمس خلون من رجب المذكورة ~~وعاد النوشري إلى ما كان عليه من ولاية مصر والحسين الماذرائي على الخراج ~~وزالت دولة محمد بن علي الخلنجي عن مصر بعد أن حكمها سبعة أشهر واثنين ~~وعشرين يوما كل ذلك ذكرناه في ترجمة النوشري ولم نذكره هنا إلا لزيادة ~~الفائده وأيضا لما قدمناه في أول ترجمته ثم إن عيسى النوشري قيد محمد بن ~~علي الخلنجي هذا وجماعة من أصحابه وحملهم في البحر إلى أنطاكية ثم منها في ~~البر إلى العراق إلى حضرة الخليفة فأوقف بين يديه فوبخه ثم نكل به وطيف به ~~وبأصحابه على ms0626 الجمال، ثم قتل شر قتلة وزالت دولته وروحه بعد أن أفسد أحوال ~~الديار المصرية وتركها خرابا يبابا من كثرة الفتن والمصادرات قلت: وأمر ~~محمد هذا من العجائب فإنه أراد أخذ ثأر بني طولون والانتصار لهم غيرة على ~~ما وقع من محمد بن سليمان الكاتب من إفساده الديار المصرية، فوقع منه أيضا ~~أضعاف ما فعله محمد بن سليمان الكاتب وكان حاله كقول القائل: الخفيف، رام ~~نفعا وضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقا ### || AUT عود عيسى النوشري إلى مصر # دخلها بعد آختفاء محمد بن علي الخلنجي بيومين وذلك في خامس شهر رجب سنة ~~ثلاث وتسعين ومائتين ثم دخل فاتك بعساكره إلى مصر في يوم عاشر رجب وتسلم ~~الخلنجي وأرسله في البحر لست خلون من شعبان ووقع ماحكيناه في ترجمته من ~~قتله وإشهاره . PageV01P0322 # وأما عيسى النوشري فإنه آبتدأ في أؤل شهر رمضان بهدم ميدان أحمد بن طولون ~~وبيعت أنقاضه بأبخس ثمن وكان هذا الميدان وقصوره من محاسن الدنيا. وقد تقدم ~~ذكر ذلك في عدة أماكن في ترجمة ابن طولون وابنه خمارويه وغير ذلك ودام فاتك ~~بالديار المصرية إلى النصف من جمادى الأولى سنة أربع وتسعين ومائتين و خرج ~~منها إلى العراق. ثم أمر الأمير عيسى النوشري بنفي المؤنثين من مصر ومنع ~~النوح والنداء على الجنائز وأمر بإغلاق المسجد الجامع فيما بين الصلاتين ثم ~~أمر بفتحه بعد أيام ثم ورد عليه الخبر بموت الخليفة المكتفي بالله علي في ~~ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين فلما سمع الجند بموت الخليفة شغبوا على ~~عيسى النوشري وطلبوا منه مال البيعة بالخلافة للمقتدر جعفر وظفر النوشري ~~بجماعة منهم ولما استقر المقتدر في الخلافة أقر عيسى هذا على عمله بمصر. ثم ~~قدم على عيسى زيادة الله أبن أبي العباس عبد الله، بن إبراهيم بن الأغلب ~~أمير إفريقية مهزوما من أبي عبد الله الشيعي في شهر رمضان سنة ست وتسعين ~~ومائتين ونزل بالجيزة وأراد الدخول إلى مصر فمنعه من الدخول إليها فوقع بين ~~أصحابه وبين جند مصر ms0627 مناوشة وبعض قتال إلى أن وقع الصلح بينهم على أن ~~يعبرها وحده من غير جند فدخلها وأقام بها . ولم تطل أيام الأمير عيسى بعد ~~ذلك ومرض ولزم الفراش إلى أن مات في يوم سادس عشرين من شعبان سنة سبع ~~وتسعين ومائتين وهوعلى إمرة مصر وكانت ولايته على مصر خمس سنين وشهرين ونصف ~~شهر منها ولاية الخلنجي على مصر سبعة أشهر وآثنان وعشرون يوما وقام من بعده ~~على مصر ابنه أبو الفتح محمد بن عيسى إلى أن ولي تكين الحربي وحمل عيسى ~~النوشري إلى القدس ودفن به وكان عيسى هذا أميرا جليلا شجاعا مقداما عارفا ~~بالأمور طالت أيامه في السعادة، وولي الأعمال مثل إمرة دمشق من قبل المنتصر ~~والمستعين وولي شرطة بغداد أيام المكتفي ثم ولي أصبهان والجبال إلى أن ولاه ~~المكتفي إمرة مصر. ### || AUT السنة التي حكم فيها أربعة أمراء # وهي سنة اثنتين وتسعين ومائتين: والأمراء الأربعة: شيبان بن أحمد بن ~~طولون ومحمد بن سليمان الكاتب وعيسى النوشري و ومحمد بن علي الخلنجي فيها ~~أعني سنة آثنتين وتسعين ومائتين قدم بدر الحمامي الذي قتل القرمطي فتلقاه ~~أرباب المولة وخلع عليه الخليفة وخلع على آبنه أيضا وطوق بدر المذكور وسور ~~وقيدت بين يديه خيل الخليفة جنائب وحمل إليه مائة ألف درهم وفيها وافت هدية ~~إسماعيل بن أحمد أمير خراسان إلى بغداد كان فيهاثلاثمائة جمل عليها صناديق ~~فيها المسك والعنبر والثياب من كل لون ومائة غلام وأشياء كثيرة غير ذلك ~~وفيها حج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي وفيها في ليلة الأحد لإحدى ~~عشرة ليلة خلت من رجب ولتسع عشرة خلت من أيار وهوبشنس بالقبطي طلع كوكب ~~الذنب في الجوزاء وفيها في جمادى الأولى زادت دجلة زيادة لم ير مثلها حتى ~~خربت بغداد وبلغت الزيادة إحدى وعشرين ذراعا. وفيها توفي إبراهيم بن عبد ~~الله بن مسلم الحافظ أبومسلم الكجي البصري ولد سنة مائتين وقدم بغداد وكان ~~يملي برحبة غسان وكان يملى سبعه سبعة كل واحد منهم يبلغ الذي يليه وكتب ~~الناس عنه ms0628 قياما بأيديهم المحابر ومسح المكان الذي كانوا قياما فيه فحزروا ~~نيفا وأربعين ألف محبرة وكانت وفاته ببغداد لتسع خلون من المحرم وفيها توفي ~~إدريس بن عبد الكريم أبو الحسن الحداد المقرىء ولد سنة تسع وتسعين ومائة ~~ومات ببغداد يوم الاضحى وهو ابن نحو من تسعين سنة، سئل عنه الدارقطني فقال: ~~هوثقة وفوق الثقة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي ~~أحمد بن الحسين المصري الأيلي وأبو بكر أحمد بن علي بن سعيد قاضي حمص وأحمد ~~بن عمرو أبو بكر البزار وأبو مسلم الكجي وإدريس بن عبد الكريم المقرىء ~~وأسلم بن سهل الواسطي وأبوحازم القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز وعلي بن ~~محمد بن عيسى الجكاني وعلي بن جبلة الأصبهاني. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاث أذرع وست عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإصبع ~~واحدة ونصف. ### || AUT السنة الثانية من ولاية عيسى # النوشري على مصر وهي سنة ثلاث وتسعين ومائتين: PageV01P0323 # فيها توجه القرمطي إلى لدمشق وحارب أهلها فغلب عليها ودخلها وقتل عامة ~~أهلها من الرجال والنساء ونهبها وآنصرف إلى ناحية البادية. وفيها حج بالناس ~~الفضل بن عبد الملك الهاشمي، وفيها عمل على دجلة من جانبيها مقياس مثل ~~مقياس مصر طوله خمس وعشرون ذراعا ولكل ذراع علامات يعرفون بها الزيادة ثم ~~خرب بعد ذلك وفيها توفي عبد الله بن محمد أبو العباس الأنباري الناشي ~~الشاعر المشهور كان فاضلا بارعا وله تصانيف رد فيها على الشعراء وأهل ~~المنطق وعمل قصيدة واحدة في قافية واحدة وروي واحد أربعة آلاف بيت ومات ~~بمصر. ومن شعره الطويل عذلت على ما لو علمت بقدره ... بسطت فكان العذل ~~واللوم من عذري جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لي بأن تدري بأنك لاتدري ~~ومن شعره قوله: المتقارب، وكان لنا أصدقاء حماة ... وأعداء سوء فما خلدوا ~~تساقوا جميعا بكأس الردى ... فمات الصديق ومات العدو الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي إبراهيم بن علي الذهلي وداود بن ~~الحسين البيهقي وعبدان ms0629 المروزي وعيسى بن محمد بن عيسى بن طهمان المروزي ~~والفضل بن العباس بن صفوان الأصبهاني ومحمد بن أسد المدني ومحمد بن عبدوس ~~بن كامل السراج وهميم بن همام الطبري. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وسبع أصابع ونصف مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية عيسى # النوشري على مصر وهي سنة أربع وتسعين ومائتين: فيها خرج زكرويه القرمطي ~~من بلاد القطيف يريد الحاج فوافاهم وقاتلهم حتى ظفر بهم وواقع الحاج وأخذ ~~جميع ما كان معهم وكان قيمة ذلك ألفي دينار بعد أن قتل من الحادي عشرين ~~ألفا وجاء الخبر إلى بغداد بذلك فعظم ذلك على المكتفي وعلى المسلمين ووقع ~~النوح والبكاء وآنتدب جيش لقتاله فساروا وسار زكرويه إلى زبالة فنزلها ~~وكانت قد تأخرت القافلة الثالثة وهي معظم الحاج فسار زكرويه المذكور ~~ينتظرها وكان في القافلة أعين أصحاب السلطان ومعهم الخزائن والأموال وشمسة ~~الخليفة، فوصلوا إلى فيد وبلغهم الخبر فأقاموا ينتظرون عسكر السلطان فلم ~~يرد عليهم الجند فساروا فوافوا الملعون بالهبير فقاتلهم يوما إلى الليل ثم ~~عاودهم الحرب في اليوم الثاني، فعطشوا وآستسلموا فوضع فيهم السيف فلم يفلت ~~منهم إلا اليسير وأخذ الحريم والأموال فندب المكتفي لقتاله القائد وصيفا ~~ومعه الجيوش وكتب إلى شيبان أن يوافوا فجاؤوا في ألفين ومائتي فارس فلقيه ~~وصيف يوم السبت رابع شهر ربيع الأول فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل وأصبحوا ~~على القتال فنصر الله وصيفا وقتل عامة أصحاب زكرويه المذكور الرجال والنساء ~~وخلصوا من كان معه من النساء والأموال وخلص بعض الجند إلى زكرويه فضربه ~~وهومول على قفاه ثم أسره وأسروا خليفته وخواصه وآبنه وأقاربه وكاتبه ~~وآمرأته فعاش زكرويه خمسة أيام ومات من الضربة فشقوا بطنه وحمل إلى بغداد ~~وقتل الأسارى وأحرقوا وقيل: إن الذي جرح زكرويه هووصيف بنفسه. قلت: لا شلت ~~يداه. وتفرق أصحاب زكرويه في البرية وماتوا عطشا. وفيها توفي محمد بن نصر ~~أبو عبد الله المروزي الفقيه أحد الأئمة الأعلام وصاحب التصانيف الكثيرة ~~والكتب المشهورة ms0630 مولده ببغداد في سنة آثنتين ومائتين ونشأ بنيسابور وآستوطن ~~سمرقند وكان أعلم الناس بآختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام. وفيها توفي ~~صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب بن حسان بن المنذر بن أبي الأبرش عفار مولى ~~أسد بن خزيمة الحافظ أبو علي الأسدى البغدادي المعروف بجزرة نزيل بخارى ولد ~~سنة خمس ومائتين ببغداد قال أبو سعيد الإدريسي الحافظ: صالح بن محمد جزرة ~~ما أعلم في عصره بالعراق وخراسان في الحفظ مثله. ولقب " جزرة لأنه جاء في ~~حديث عبد الله بن بشر أنه كانت عنده خرزة يرقي بها المرضى وكانت لأبي أمامة ~~الباهلي فصحفها جزرة بجيم وزاي معجمتين. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة قال: وفيها توفي الحسن بن المثنى العنبري، وأبو علي صالح بن محمد ~~جزرة وعبيد العجلي ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهويه ~~الفقيه ومحمد بن أيوب بن الضريس الرازي ومحمد بن معاذ الحلبي دران ومحمد بن ~~نصر المروزي الفقيه وموسى بن هارون الحافظ. PageV01P0324 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وإصبع واحدة مبلغ ~~الزيادة خمس عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية عيسى # النوشري على مصر وهي سنة خمس وتسعين ومائتين: فيها كان الفداء بين ~~المسلمين وبين الروم، فكانت عئة من فولمحي من المسلمين ثلاثة آلاف إنسان. ~~فيها بعث الخليفة المكتفي خاقان البلخي إلى إقليم أذربيجان لحرب يوسف بن ~~أبي الساج فسار في أربعة آلاف وفيها في ذي القعده مات الخليفة المكتفي ~~بالله أبو محمد علي بن المعتضد بالله أحمد ابن ولي العهد طلحة الموفق ابن ~~الخليفة المتوكل على الله جعفربن محمد المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدي ~~محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ~~العباسي الهاشمي أمير المؤمنين ولد سنة أربع وستين ومائتين وكان يضرب المثل ~~بحسنه في زمانه كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن اللحية جميل ~~الصورة وأمه أم ولد تسمى " خاضع " . بويع بالخلافة ms0631 بعد موت والده المعتضد ~~في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين وكانت خلافته ستة أعوام ونصفا ~~وبويع بالخلافة بعده أخوه جعفر المقتدر. وخلف المكتفي في بيت المال خمسة ~~عشر ألف ألف دينار وهوالذي خلفه المعتضد وزاد على ذلك المكتفي أمثالها ~~وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن نوح بن عبد الله، الحافظ أبوإسحاق ~~النيسابوري كان إمام عصره بنيسابور في معرفة الحديث والعلل والرجال والزهد ~~والورع وكان الإمام أحمد بن حنبل يثني عليه. وفيها توفي أبوالحسين أحمد بن ~~محمد بن الحسين، النوري البغدادي المولد والمنشأ وأصله من خراسان من قرية ~~بين هراة ومرو الروذ وإنما سمي النوري لأنه كان إذا حضر في مكان ينور كان ~~أعظم مشايخ الصوفية في وقته كان صاحب لسان وبيان كان من أقران الجنيد بل ~~أعظم. وفيها توفي إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان أحد ملوك السامانية وهم ~~أرباب الولايات بالشاش وسمرقند وفرغانة وما وراء النهر ولي إمرة خراسان بعد ~~عمرو بن الليث الصفار وكان ملكا شجاعا صالحا بنى الربط في المفاوز وأوقف ~~عليها الأوقاف وكل رباط يسع ألف فارس وهوالذي كسر الترك ولما توفي تمثل ~~الخليفة المكتفي، بقول أبي نواس: مجزوء البسيط: لم يخلق الدهر مثله أبدا ~~... هيهات هيهات شأنه عجب وفيها توفي أبوحمزة الصوفي الصالح الزاهد الورع ~~كان من أقران الجنيد وأبي تراب النخشبي كان من كبار مشايخ القوم وأزهدهم ~~وأورعهم وأفتاهم وله المجاهدات والرياضات المشهورة الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة قال: وفيها توفي أبوالحسين النوري شيخ الصوفية أحمد بن محمد ~~وإبراهيم بن أبي طالب الحافظ وإبراهيم بن معقل قاضي نسف والحسن بن علي ~~المعمري والحكم بن معبد الخزافي وأبو شعيب الحراني والمكتفي بالله بن ~~المعتضد وأبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي الفقيه. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية عيسى # النوشري على مصر وهي سنة ست وتسعين ومائتين: PageV01P0325 # فيها خلع الخليفة جعفر المقتدر من الخلافة ms0632 وبويع عبد الله بن المعتز ~~بالخلافة وسبب خلعه صغر سنه وقصوره عن تدبير الخلافة واستيلاء أمه ~~والقهرمانة على الخلافة وكانت أمه أم ولد تسمى شغب فآتفق الجند على قتله ~~وقتل وزيره العباس بن الحسن وقتل فاتك المعتضدي ووثبوا على هؤلاء وقتلوهم ~~وكان المقتدر بالحلبة يلعب بالصوالجة أعني بالكرة على عاده الملوك فلما ~~بلغه قتلهم نزل وأغلق باب القصرة فبايعوا عبد الله بن المعتز بشروط شرطها ~~عبد الله عليهم وكان عبد الله بن المعتز أشعر بني العباس ومن أخيارهم ~~ولقبوه بالمنصف بالله وقيل: بالغالب بالله وقيل: بالراضي بالله وقيل: ~~بالمرتضى وآستوزر محمد بن داود بن الجراح ولما بلغ هذا الخبر إلى أبي جعفر ~~الطبري قال: ومن رشح للوزارة قالوا: محمد بن داود قال: ومن ذكر للقضاء ~~قالوا: أبوالمثنى أحمد بن يعقوب ففكر طويلا وقال: هذا أمر لا يتم قيل: ولم ~~قال: لأن كل واحد من هؤلاء الذين ذكرتم مقدم في نفسه عالي الهمة رفيع ~~الرتبة في أبناء جنسه والزمان مدبر والدولة مولية. وكان كما قال وخلع عبد ~~الله بن المعتز من يومه وقتل من الغد وكانت خلافته يوما وليلة وقيل: بل نصف ~~نهار وهوالأصح وقتل آبن المعتز ووصيف بن صوارتكين ويمن الخادم وجماعة من ~~القضاة والفقهاء الذين اتفقوا على خلع المقتدر قتلهم مؤذس الخادم وأعيد ~~جعفر المقتدر إلى الخلافة . وفيها استوزر المقتدر أبا الحسن علي بن محمد بن ~~الفرات. وفيها أمر المقتدر ألا يستخدم أحد من اليهود والنصارى إلا في الطب ~~والجهبذة فقط وأن يطالبوا بلبس العسلي وتعليق الرقاع المصبوغة بين أظهرهم . ~~وفيها وقع ببغداد ثلج في كانون في أول النهار إلى العصر وأقام أياما لم ~~يذب. وفيها آنصرف أبو عبد الله الداعي إلى سجلماسة فافتتحها وأخرج المهدي ~~عبيد الله وولده من حبس اليسع ابن مدرار وأظهر أمره وأعلم أصحابه أنه صاحب ~~دعوته وسلم عليه بأمير المؤمنين وذلك في سابع في الحجة من سنة ست هذه وعبيد ~~الله هذا هو والد الخلفاء الفاطميين وهوأول من ظهر منهم كما سيأتي ذكره إن ms0633 ~~شاء الله تعالى في هذا الكتاب في ترجمة المعز وغيره. وفيها توفي أحمد بن ~~محمد بن هانىء أبو بكر الطائي الأثرم الحافظ سمع الكثير ورحل إلى البلاد ~~وصنف علل الحديث والناسخ والمنسوخ في الحديث كان حافظا ورعا متقنا. وفيها ~~توفي أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله ابن الخليفة المعتز بالله محمد ابن ~~الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة ~~الرشيد هارون ابن الخليفة محمد المهدي ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد ~~الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي البغدادي ~~الشاعر الأديب صاحب الشعر البديع والتشبيهات الرائقة والنثر الفائق أخذ ~~العربية الأدب عن المبرد وثعلب وعن مؤدبه أحمد بن سعيد الدمشقي ومولده في ~~شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين وأمه ام ولد تسمى خاين بويع بالخلافة بعد ~~خلع المقتدر وكاد أمره أن يتم ثم تفرق عنه جمعه فقبض عليه وقتل سرا في ~~شهرربيع الاخر كما ذكرناه في أول هذه السنة ومن شعره: البسيط انظر إلى ~~اليوم ما أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد كأنه أنت يا من لا شبيه ~~له ... وصل وهجر وتقريب وإبعاد وله في خال مليح: السريع أسفر ضوء الصبح من ~~وجهه ... فقام خال الخد فيه بلال كأنما الخال على خده ... ساعة هجر في زمان ~~الوصال قلت: ويعجبني في هذا المعنى قول السروجي : السريع في الجانب الأيمن ~~من خدها ... نقطة مسك أشتهي شمها حسبته لمابدا خالها ... وجدته من حسنه ~~عمها وأخذ في هذا المعنى المعز الموصلي فقال: السريع لحظت من وجنتها شامة ~~... فآبتسمت تعجب من حالي قالت قفوا وآسمعوا ما جرى ... قد هام عمي الشيخ ~~في خالي ومن شعر ابن المعتز أيضا بيت مفرد:الوافر فنون والمدام ولون خدي ~~... شقيق في شقيق في شقيق قلت: ويشبه هذا قول آبن الرومي حيث قال: كأن ~~الكأس في يده وفيه ... عقيق في عقيق في عقيق قلت: ومن تشابيه ابن المعتز ~~البديعة قوله ينعت البنفسج: البسيط PageV01P0326 # ولازوردية تزهو بزرقتها ... وسط الرياض على حمر اليواقيت كأنها ms0634 وضعاف ~~القضب تحملها ... أوائل النار في أطراف كبريت الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة قال: وفيها توفي أحمد بن نجدة الهروي وأحمد بن يحيى الحلواني ~~وخلف بن عمرو العكبري وعبد الله بن المعتز وأبو الحصين الوادعي محمد بن ~~الحسين ومحمد بن محمد بن شهاب البلخي ويوسف بن موسى القطان الصغير. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وتسع عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من ولاية عيسى # النوشري على مصر وهي سنة سبع وتسعين ومائتين: فيها حج بالناس الفضل بن ~~عبد الملك الهاشمي. وفيها وصل الخبر إلى العراق بظهور عبيد الله المسمى ~~بالمهدي أعني جد الخلفاء الفاطميين وأخرج الأغلب من بلاده وبنى المهدية ~~وخرجت بلاد المغرب عن حكم بني العباس من هذا التاريخ وهرب ابن الأغلب وقصد ~~العراق فكتب إليه الخليفة أن يصير إلى الرقة ويقيم بها. وفيها أدخل طاهر ~~وشقوب آبنا محمد بن عمرو بن الليث الصفار بغداد أسيرين. وفيها توفي ~~الجنيدبن محمد بن الجنيد الشيخ الزاهد الورع المشهور أبو القاسم القواريري ~~الخزاز وكان أبوه يبيع الزجاج وكان هو يبيع الخز وأصله من نهاوند إلا أن ~~مولده ومنشأه ببغداد وكان سيد طائفة الصوفية من كبار القوم وساداتهم مقبول ~~القول على جميع الألسن وكان يتفقه على مذهب أبي ثور الكلبي أفتى في حلقته ~~وهوآبن عشرين سنة وأخذ الطريقة عن خاله سري السقطي وكان سري أخذها عن معروف ~~الكرخي ومعروف الكرخي أخذها عن علي بن موسى الرضا قال الجنيد: ما أخرج الله ~~إلى ا لناس علما وجعل لهم إليه سبيلا إلا وقد جعل لي فيه حظا ونصيبا وقيل: ~~إنه كان إذا جلس بدكانه كان ورعه في اليوم ثلاثمائة ركعة وكذا وكذا ألف ~~تسبيحة. وقيل: إنه كان يفتح دكانه ويسبل الستر ويصلي أربعمائة ركعة وقال ~~الجريري : سمعته يقول: ما أخذنا التصوف عن القال والقيل لكن عن الجوع وترك ~~الدنيا وقطع المألوفات أوالمستحسنات وذكر أبوجعفر الفرغاني أنه سمع الجنيد ~~يقول: أقل ما في ms0635 الكلام سقوط هيبة الرب سبحانه وتعالى من القلب والقلب إذا ~~عري من الهيبة عري من الإيمان ويقال: إن نقش خاتم الجنيد: لا إن كنت تأمله ~~فلا تأمنه " وعن الخلدي عن الجنيد قال: أعطي أهل بغداد الشطح والعبادة، ~~وأهل خراسان القلب والسخاء،وأهل البصرة الزهد والقناعة وأهل الشأم الحلم ~~والسلامة وأهل الحجاز الصبر والإنابة وقال : إسماعيل بن نجيد : هؤلاء ~~الثلاثة لارابع لهم الجنيد ببغداد وأبو عثمان سسابوروأبو عبد الله بن الجلى ~~بالشأم وقال أبو بكر العطوي كنت عند الجنيد حين احتضر فختم القرآن قال: ثم ~~آبتدأ فقرأ من البقرة سبعين آية ثم ما ت وقال أبونعيم: أخبرنا الخلدي كتابة ~~قال: رأيت الجنيد في النوم فقلت: ما فعل الله بك قال: طاحت تلك الإشارات، ~~وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلاركعتان ~~كنا نركعهما في الأسحار قال أبو الحسين بن المنادي مات الجنيد ليلة النوروز ~~في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين قال: فذكر لي أنهم حزروا الجمع الذين صلوا ~~عليه نحو ستين ألف إنسان ثم ما زالوا يتعاقبون قبره في كل يوم نحو الشهر. ~~ودفن عند قبر سري السقطي قال الذهبي: وورخه بعضهم في سنة سبع فوهم. قلت: ~~ورخه صاحب المرآة وغيره في سنة سبع. وفيها توفي عمرو بن عثمان أبو عبد الله ~~المكي سكن بغداد وكان شيخ القوم في وقته صحب الجنيد وغيره. وفيها توفي ~~الشيخ أبوالحارث الفيض بن الخضر أحمد وقيل: الفيض بن محمد الأولاسي ~~الطرسوسي أحد الزهاد ومشايخ القوم مات بطرسوس وكان صاحب حال وقال وله ~~إشارات ولسان حلو في علم التصوف. PageV01P0327 # وفيها توفي محمد بن داود بن علي بن خلف الشيخ أبو بكر الأصبهاني الظاهري ~~صاحب كتاب الزهرة " كان عالما أديبا فصيحا وكان يلقب بعصفور الشوك لنحافته ~~وصفرة لونه ولما جلس محمد هذا بعد وفاة أبيه في مجلسه آستصغروه عن ذلك ~~فسأله رجل عن حد السكر ما هو، ومتى يكون الرجل سكران فقال محمد على ~~البديهة: إذا عزبت عنه الهموم وباح بسره المكتوم فآستحسنوا منه ms0636 ذلك. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي إبراهيم بن هاشم البغوي ~~وإسماعيل بن محمد بن قيراط وعبد الرحمن بن القاسم بن الرواسي الهاشمي وعبيد ~~بن غنام ومحمد بن عبد الله مطين ومحمد بن عثمان بن محمد بن أبي شيبة ومحمد ~~بن داود الظاهري ويوسف بن يعقوب القاضي أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم تسع أذرع وإحدى عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### | AUT ولاية تكين الأولى # على مصر هو تكين بن عبد الله الحربي الأمير أبومنصور المعتضدي الخزري ~~ولاه الخليفة المقتدر بالله على صلاة مصر بعد موت عيسى النوشري فدعي له بها ~~في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة سبع وتسعين ومائتين ثم قدم ~~خليفته إلى مصريوم الأربعاء في ثالث عشرين شوال ودام خليفته بها إلى أن ~~قدمها تكين المذكور في يوم ثاني في الحجة من سنة سبع وتسعين ومائتين. قال ~~صاحب " البغية والاغتباط فيمن ولي الفسطاط : قدم تكين يوم السبت لليلتين ~~خلتا من ذي الحجة موافقا لنا لكنه زاد: في يوم السبت. وتكين هذا مولى ~~المعتضد بالله نشأ في دولته حتى صارمن جملة القواد ثم ولاه المقتدر دمشق ~~ومصر وأقره عليهما القاهر وكان تكين جبارا مهيبا ولكنه كانت لديه فضيلة ~~وحدث عن القاضي يوسف وغيره ودام تكين على إمرة مصر مدة إلى أن بعث للخليفة ~~في سنة تسع وتسعين ومائتين هدايا وتحفا وفي جملة الهدايا ضلع إنسان طوله ~~أربعة عشر شبرا في عرض شبر زعموا أنه من قوم عاد وفي جملة الهدايا أيضا تيس ~~له ضرع يحلب لبنا وخمسمائة ألف دينار ذكر تكين أنه وجدها في كنز بمصر ~~وآستمر تكين بعد ذلك على إمرة مصر حتى خرج عليها جماعة من الأعراب والأحواش ~~فجهز تكين لحربهم جيشا إلى برقة وجعل على الجيش المذكور أبا اليمني وخرج ~~الجيش إلى برقة وكان هؤلاء الأعراب من جملة عساكر المهلي عبيد الله الفاطمي ~~الذي استولى على بلاد المغرب فلما قارب الجيش برقة ms0637 خرج إليهم حباسة بن يوسف ~~بعساكر المهلي عبيد الله الفاطمي المقدم ذكره وقاتل أبا اليمني المذكور حتى ~~هزمه وآستولى على برقة ثم سار إلى الإسكندرية في زيادة على مائة ألف مقاتل ~~ولما عاد جيش تكين منهزما إلى مصر أرسل تكين إلى الخليفة يطلب منه المدد ~~فأمده الخليفة بالعساكر وفي العسكر حسين بن أحمد الماذرائي وأحمد بن كيغلغ ~~في جمع من القواد وسار الجميع نحو مصر وكان دخول عسكر المهدي إلى ~~الإسكندرية في أول المحرم سنة آثنتين وثلاثمائة. ووصلت عساكر الخليفة من ~~العراق إلى مصر في صفر ونزلت بها فتلقاهم تكين وأكرم نزلهم ثم تهيا تكين ~~بعساكره إلى القتال وخرج هو بعساكر مصر ومعه عساكر العراق وسار الجميع نحو ~~الإسكندرية ونزلوا بالجيزة في جمادى الأولى ثم سار الجميع حتى وافوا حباسة ~~بعساكره وقاتلوه فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل فيها آلاف من الناس من ~~الطائفتين وثبت كل من العسكرين حتى استظهر عسكر الخليفة على جيش حباسة ~~العبيدي الفاطمي وكسره وأجلاه عن الإسكندرية وبرقة وعاد حباسة بمن بقي معه ~~من عساكره إلى المغرب في أسوإ حال وهذا أول عسكر ورد إلى الإسكندرية من جهة ~~عبيد الله المهدي الفاطمي. PageV01P0328 # ثم عاد تكين إلى مصر بعساكره بعد أن مهد البلاد وعندما قدم تكين إلى مصر ~~وصل إليها بعده مؤنس الخادم مع جمع من القواد أعني الذين قدموا معه من ~~العراق ونزلوا بالحمراء في النصف من شهر رمضان ولقي الناس منهم شدائد إلى ~~أن خرج الأمير أحمد بن كيغلغ إلى الشأم في شهر رمضان المذكور فلم تطل مدة ~~تكين بعد ذلك على مصروصرف عن إمرتها في يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ~~ذي القعدة صرفه مؤنس الخادم المقدم ذكره وأرسل إلى الخليفة بذلك فدام تكين ~~بمصر إلى أن خرج منها في سابع في الحجة سنة آثنتين وثلاثمائة وأقام مؤنس ~~الخادم بمصر يدعى له بها ويخاطب بالأستاذ إلى أن ولى الخليفة المقتدر ذكا ~~الرومي إمرة مصر عوضا عن تكين المذكور فكانت ولايته على مصر خمس سنين ms0638 وأياما. ### || AUT السنة الأولى من ولاية تكين # الأولى على مصر وهي سنة ثمان وتسعين ومائتين: فيها قدم الحسين بن حمدان ~~من قم فولاه المقتدر ديار بكر وربيعة. وفيها توفي محمد بن عمرويه صاحب ~~الشرطة توفي بآمد وحمل إلى بغداد. وفيها توفي صافي الحرفي فقلد المقتدر ~~مكانه مؤنسا الخادم المقدم ذكره. وفيها خرج على عبيد الله المهدي داعياه ~~أبو عبد الله الشيعي وأخوه أبو العباس وجرت لهما وقعة هائلة وذلك في جمادى ~~الآخرة فقتل الداعيان في جندهما ثم خالف على المهدي أهل طرابلس المغرب فجهز ~~إليهم آبنه أبا القاسم القائم بأمر الله فأخذها عنوة في سنة ثلاثمائة وتمهد ~~بأخذها بلاد المغرب للمهدي المذكور. وفيها قدم القاسم بن سيما من غزوة ~~الصائفة بالروم ومعه خلق من الأسارى وخمسون علجا قد شهروا على الجمال ~~وبأيديهم صلبان الذهب والفضة. وفيها استخلف على الحرم بدار الخليفة نظير ~~الحرمي. وفيها توفي أحمد بن محمد بن مسروق الشيخ أبو العباس الصوفي الطوسي ~~أحد مشايخ القوم وأصحاب الكرامات قدم بغداد وحدث بها وفيها توفي أحمد بن ~~يحيى بن إسحاق أبوالحسين البغدادي المعروف بآبن الراوندي الماجن المنسوب ~~إلى الهزل والزندقة كان أبوه يهوديا فأسلم أهو فكانت اليهود تقول للمسلمين: ~~احذروا أن يفسد هذا عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا كتابنا وصنف أحمد هذا ~~في الزندقة كتبا كثيرة منهاكتاب نعت الحكمة " ، وكتاب " الدامغ للقرآن " ~~وغير ذلك وكان زنديقا وكان يقول: إنا نجد في كلام أكثم بن صيفي أحسن من " ~~إنا أعطيناك الكوثر " و " قل أعوذ برب الفلق " وإن الأنبياء وقعوا بطلسمات ~~كما أن المغناطيس يجذب الحديد وقوله صلىالله عليه وسلم لعمار : " تقتلك ~~الفئة الباغية " قال: فإن المنجم يقول مثل هذا إذا عرف المولد والطالع. ~~ولهذا التعيس الضال أشياء كثيرة من هذا الكفر البارد الذي يسئم أسماع ~~الزنادقة لعدم طلاوة كلامه. وأمره في الزندقة والمخرقة أشهر من أن يذكر ~~عليه اللعنة والخزي ولما تزايد أمره صلبه بعض السلاطين وهو ابن ست وثمانين ~~سنة. وفيها توفي أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن ms0639 سعيد النيسابوري الحيري ~~الواعظ الإمام مولده بالري ثم قدم نيسابور وسكنها وكان أوحد مشايخ عصره ~~وعنه آنتشرت طريقة التصوف بنيسابور. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة ~~قال: وفيها توفي أبوالعباس أحمد بن محمد بن مسروق وبهلول بن إسحاق الأنباري ~~والجنيد شيخ الطائفة والحسن بن علويه القطان وأبوعثمان الحيري الزاهد ومحمد ~~بن علي بن طرخان البلخي الحافظ ومحمد بن سليمان المروزي ومحمد بن طاهر ~~الأمير ويوسف بن عاصم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع ~~وأربع أصابع مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية تكين # الأولى على مصر وهي سنة تسع وتسعين ومائتين. فيها قبض المقتدر على وزيره ~~أبي الحسن علي بن الفرات ونهبت دوره وهتكت حرمه بسبب أنه قيل للخليفة: إنه ~~كاتب الأعراب أن يكبسوا بغداد ونهبت بغداد عند القبض عليه واستوزر المقتدر ~~أبا علي محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وفيها سار عبيد الله المهدي ~~الفاطمي إلى المهدية ببلاد المغرب ودعي له بالخلافة برقاده والقيروان وتلك ~~النواحي وعظم ملكه فشق ذلك على الخليفة المقتدر العباسي. وفيها توفي أحمد ~~بن نصر بن إبراهيم الحافظ أبوعمرو الخفاف رحل في طلب الحديث ولقي الشيوخ ~~وكان زاهدا متعبدا صام نيفا وئلاثين سنة وتصدق سرا وعلانية بأموال كثيرة. ~~PageV01P0329 # وفيها توفي الحسين بن عبد الله بن أحمد الفقيه أبو علي الخرقي والد ~~الإمام عمر مصنف كتاب مختصر الخرقي في مذهب الإمام أحمد بن حنبل وكان زاهدا ~~عابدا مات يوم عيد الفطر. وفيها توفي محمد بن أحمد بن كيسان الإمام أبو ~~الحسن النحوي اللغوي أحد الآئمة النحاة كان يحفظ مذاهب البصريين والكوفيين ~~في النحو لأنه أخذ عن المبردوثعلب وفيها توفي محمد بن إسماعيل الشيخ أبو ~~عبد الله المغربي الزاهد أستاذ إبراهيم الخواص وإبراهيم بن شيبان وغيرهما ~~كان كبير الشأن في علم المعاملات والمكاشفات وحج على قدميه سبعا وتسعين ~~حجة. قال إبراهيم بن شيبان: توفي أبو عبد الله على جبل الطور فدفنته إلى ~~جانب أستاذه علي بن ms0640 رزين بوصية منه وعاش كل واحد منهما عشرين ومائة سنة. ~~قلت: ولهذا حج سبعا وتسعين حجة. وفيها توفي محمد بن يحيى بن محمد البغدادي ~~المعروف ب حامل كفنه " كان فاضلا وقع له غريبة وهوأنه مرض فأغمي عليه فغسل ~~وكفن ودفن، فلما كان الليل جاءه نباش فنبش عنه فلما حل أكفانه ليأخذها ~~آستوى قائما فخرج النباش هاربا فقام هووحمل أكفانه وجاء إلى منزله وأهله ~~وهم يبكون عليه فدق الباب فقالوا: من قال: أنا فلان فقالوا: يا هذا لا يحل ~~لك أن تزيدنا على ما نحن فيه قال: آفتحوا فوالله أنا فلان فعرفوا صوته ~~ففتحوا له وعاد حزنهم فرحا ويسمى من حينئذ حامل كفنه سكن حامل كفنه دمشق ~~وحدث بها قال أبو بكر الخطيب: ومثل هذا سعيد بن الخمس الكوفي فإنه لما دلي ~~في قبره آضطرب فحلت عنه أكفانه فقام ورجع إلى منزله ثم ولد له بعد ذلك آبنه ~~مالك. وفيها توفي ممشاد الدينوري الزاهد المشهور كان من أولاد الملوك فتزهد ~~وترك الدنيا وصحب أبا تراب النخشبي وأبا عبيد البسري وغيرهما وكان عظيم ~~الشأن يحكى عنه خوارق قيل إنه لما احتضر قالوا له كيف تجدك فقال سلوا العلة ~~عني فقيل له قل لا إله إلا الله فحول وجهه إلى الحائط فقال: أفنيت كلي بكلك ~~... هذا جزا من يحبك الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي ~~أحمد بن أنس بن مالك الدمشقي وأبوعمرو الخفاف الزاهد أحمد بن نصر الحافظ ~~والحسين بن عبد الله الخرقي والد مصنف مختصر الخرقي وعلي بن سعيد بن بشير ~~الرازي ومحمد بن يزيد بن عبد الصمد وممشاد الدينوري الزاهد. أمر النيل في ~~هذه السنة الماء القديم ست أذرع وإحدى عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية تكين # الأولى على مصر وهي سنة ثلاثمائة. فيها تتبع الخليفة أصحاب الوزير أبي ~~الحسن بن الفرات وصودروا وخربت ديارهم وضربوا وعذب ابن الفرات حتى كاد يتلف ~~ثم رفقوا به بعد أن أخذ ت ms0641 أمواله ثم عزل الخاقاني عن الوزارة ورشح لها علي ~~بن عيسى ويقال: فيها ولدت بغلة، فسبحان الله القادرعلى كل شيء PageV01P0330 # وفيها ظهر محمد بن جعفر بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب في أعمال دمشق فخرج إليه أمير دمشق أحمد بن كيغلغ ثم ~~آقتتلا فقتل محمد في المعركة وحمل رأسه إلى بغداد فنصب على الجسر وفيها وقع ~~ببغداد والبادية وباء عظيم وموت جارف فمات الناس علىالطريق وفيها ساخ جبل ~~بالدينور في الأرض وخرج من تحته ماء كثيرغرق القرى وفيها وقعت قطعة عظيمة ~~من جبل لبنان في البحر وتناثرت النجوم في جمادى الآخرة تناثراعجيبا وكله ~~إلى ناحية المشرق وفيها حج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي وفيها توفي ~~عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ~~بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الاموي ~~المغربي أمير الأندلس وأمه أم ولد يقال لها عشار بويع بالإمرة في صفر سنة ~~خمس وسبعين ومائتين في السنة التي توفي فيها أخوه المنذر في أيام المعتمد ~~وكان زاهدا تاليا لكتاب الله تعالى بنى الساباط بقرطبة ولزم الصلوات الخمس ~~بالجامع حتى مات في شهر ربيع الأول وكانت أيامه على الأندلس خمسا وعشرين ~~سنة وستة أشهر وأياما وتولى مكانه آبنه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله في ~~اليوم الذي مات فيه جده المذكور وكنيته أبوالمظفر فلقب نفسه بالناصر وتوفي ~~عبد الرحمن هذا في سنة خمسين وثلاثمائة وقد تقدم الكلام في ترجمة جد هؤلاء ~~الثلاثة عبد الرحمن الداخل أنه فر من الشأم جافلا من بني العباس ودخل ~~المغرب وملكها فسمي لذلك عبد الرحمن الداخل وفيها توفي عبيد الله بن عبد ~~الله بن طاهربن الحسين الأمير أبو محمد الخزاعي كان من أجل الأمراء ولي ~~إمرة بغداد ونيابتها عن الخليفة وعدة ولايات جليلة وكان أديبا فاضلا شاعرا ~~فصيحا وقد تقدم ذكر والده في أمراء مصر ms0642 في هذا الكتاب وأيضا نبذة من أخبار ~~جده في عدة حوادث وفي الجملة هومن بيت رياسة وفضل وكرم الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو العباس أحمد بن محمد البراثي ~~وأبوأمية الأحوص بن الفضل الغلابي والحسين بن عمربن أبي الأحوص وعلي بن ~~سعيد العسكرفي الحافظ وعبيد الله بن عبد الله بن طاهربن الحسين الأمير وعبد ~~الله بن محمد بن عبد الرحمن الاموي صاحب الأندلس ومحمد بن أحمد بن جعفر ~~أبوالعلاء الوكيعي، ومحمد بن الحسن بن سماعة ومسدد بن قطن. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وإصبع واحدة مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية تكين # الأولى على مصر PageV01P0331 # هي سنة إحدى وئلاثمائة. فيها قبض المقتدر على وزيره الخاقاني في يوم ~~الاثنين لعشر خلون من المحرم وكانت مدة وزارته سنة واحدة وشهرا وخمسة أيام ~~وكان المقتدر قد أرسل يلبق المؤنسي في ثلاثمائة غلام إلى مكة لإحضار علي بن ~~عيسى للوزارة فقدم آبن عيسى المذكور في المحرم وتولى الوزارة. وفيها في ~~شعبان ركب الخليفة المقتدر من داره إلى الشماسية ثم عاد في دجلة وهي أول ~~ركبة ظهر فيها للعامة منذ ولي الخلافة وفيها في يوم الاثنين سادس شهر ربيع ~~الأول أدخل الحسين بن منصور المعروف بالحلاج مشهورا على جمل إلى بغداد وصلب ~~وهوحي في الجانب الغربي وعليه جبة عودية ونودي عليه: هذا أحد دعاة القرامطة ~~ثم أنزلوه وحده في دار ورمي بعظائم نسأل الله السلامة في الدين فأحضره علي ~~بن عيسى الوزير وناظره فلم يجد عنده شيئا من القران ولامن الفقه ولا من ~~الحديث ولا من العربية فقال له الوزير: تعلمك الوضوء والفرائض أولى من ~~رسائل ما تدري ما فيها ثم تدعي الإلهية فرده إلى الحبس فدام به إلى ما يأتي ~~ذكره في محله . وفيها أفرج المقتدر عن الوزير الخاقاني فأطلق وتوجه إلى ~~داره. وفيها في شعبان خلع المقتدر على آبنه أبي العباس وقلده أعمال الحرب ~~بمصر والغرب وعمره أربع ms0643 سنين وآستخلف له على مصر مؤنس الخادم. وفيها توفي ~~الحسن بن بهرام، أبو سعيد القرمطي المتغلب على هجر كان أصله كيالا فهرب ~~وآستغوى خلقا من القرامطة والأعراب وغلب على القطيف وهجر وشغل المعتضد عنه ~~الموت فاستفحل أمره ووقع له مع عساكر المكتفي وقائع وأمور وقتل الحجيج ~~وأفسد البلاد وفعل مالايفعله مسلم حتى قتله خادم صقلبي في الحمام أراده على ~~الفاحشة فخنقه الخادم وقتله وذهبت روحه إلى سقر. وفيها توفي حموديه بن أسد ~~الدمشقي المعلم كان من الأبدال وكان مجاب الدعوة وله كرامات وأحوال مات ~~بدمشق. وفيها توفي عبد الله بن علي بن محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب ~~القاضي كان إماما فاضلا عالما استقضاه الخليفة المكتفي على مدينة المنصور ~~في سنة آثنتين وتسعين ومائتين إلى أن نقله المقتدر إلى الجانب الشرقي في ~~سنة ست وتسعين ومائتين فأصابه فالج ومات منه وتوفي آبنه بعده بثلاثة وسبعين ~~يوما وكان يخلفه على القضاء وفيها توفي علي بن أحمد الراسبي الأمير أبو ~~الحسن كان متوليا من حدود واسط إلى جنديسابور ومن السوس إلى شهرزور وكان ~~شجاعا مات بجنديسابور وخلف ألف ألف دينار ومن آنية الذهب والفضة ما قيمته ~~مائة ألف دينار أومن الخز ألف ثوب وألف فرس وألف بغل وألف جمل وكان له ~~ثمانون طرازا تنسج فيها الثياب التي لملبوسه. وفيها توفي محمد بن عثمان بن ~~إبراهيم بن زرعة الثقفي مولاهم كان قاضي دمشق ثم ولي قضاء مصر كان إماما ~~عالما عفيفا ولما أراد أحمد بن طولون خلع الموفق من ولاية العهد أمره بخلعه ~~فوقف بإزاء منبر دمشق وقال: قد خلعت أبا أحمق يعني باأحمد كما خلعت خاتمي ~~من إصبعي ومضى سنون إلى أن ولي المعتضد بن الموفق الخلافة ودخل الشأم يطلب ~~من كان يبغض أباه فأحضر القاضي هذا وجماعة فحملوا في القيود معه وسافر فلما ~~كمان في بعض الأيام رآهم المعتضد في الطريق فطلبهم وأراد الفتك بهم فقال: ~~من الذي قال " أبا أحمق " فخرس القوم فقال له القاضي: يا أمير المؤمنين ~~نسائي طوالق ms0644 وعبيدي أحرار ومالي في سبيل الله إن كان في هؤلاء القوم من قال ~~هذه المقالة فآستظرفه المعتضد وأطلق الجميع ومشى له ذلك في باب المماجنة. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبد ~~العزيزبن الجعد الوشاء وأبو بكر أحمد بن هارون البرذعي وإبراهيم بن يوسف ~~الرازي والحسين بن إدريس الأنصاري الهروي وعبد الله بن محمد بن ناجية في ~~رمضان وعمرو بن عثمان المكي الزاهد ومحمد بن العباس بن الأخرم الأصبهاني ~~ومحمد بن يحيى بن منده العبدي . أمر النيل في هذه السنة الماء القديم أربع ~~أذرع واثنتا عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية تكين # الأولى على مصر وهي سنة آثنتين وثلاثمائة: PageV01P0332 # فيها عاد المهدي عبيد الله الفاطمي من المغرب إلى الإسكندرية ومعه صاحبه ~~حباسة المقدم ذكره فجرت بينه وبين جيش الخليفة حروب قتلا فيها حباسة وعاد ~~مولاه عبيد الله إلى القيروان وفيها في المحرم صرد كتاب نصربن أحمد ~~الساماني أمير خراسان أنه واقع عمه إسحاق بن إسماعيل وأنه أسره فبعث إليه ~~المقتدر بالخلع واللواء. وفيها صادر المقتدر أبا عبد الله الحسين بن عبد ~~الله بن الجصاص الجوهري وكبست داره وأخذ من المال والجوهر ما قيمته أربعة ~~آلاف ألف دينار وقال أبو الفرج ابن الجوزي: أخذوا منه ما مقداره ستة عشر ~~ألف ألف دينار عينا وورقا وآنية وقماشا وخيلا وخدما قال أبوالمظفر في مرآة ~~الزمان: وأكثر أموال آبن الجصاص المذكور من قطر الندى بنت خمارويه صاحب مصر ~~فإنه لما حملها من مصر إلى زوجها المعتضد كان معها أموال وجواهر عظيمة فقال ~~لها آبن الجصاص: الزمان لايدوم ولايؤمن على حال دعي عندي بعض هذه الجواهر ~~تكن ذخيرة لك فأودعته ثم ماتت فأخذ الجميع وفيها خرج الحسن بن علي العلوي ~~الاطروش ويلقب بالداعي ودعا الديلم إلى الله، وكانوا مجوسا، فأسلموا وبنى ~~لهم المساجد وكان فاضلا عاقلا أصلح الله الديلم به. وفيها قلد المقتدر أبا ~~الهيجاء عبد الله بن حمدان ms0645 الموصل والجزيرة. وفيها صلي العيد في جامع مصر ~~ولم يكن يصلى فيه العيد قبل ذلك فصلى بالناس علي بن أبي شيخة وخطب فغلط بأن ~~قال: اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون. نقلها علي بن الطحان ~~عن أبيه وآخر. وفيها في الرجعة قطع الطريق على الحاج العراقي الحسن بن عمر ~~الحسيني مع عرب طيىء وغيرهم فاستباحوا الوفد وأسروا مائتين وثمانين امرأة ~~ومات الخلق بالعطش والجوع. وفيها توفي العباس بن محمد أبو الهيثم كاتب ~~المقتدر كان كاتبا جليلا كان يطمع في الوزارة ولما ولي علي بن عيسى الوزارة ~~اعتقله فمات يوم الأحد سلخ ذي الحجة،وأوصى أن يصلي. عليه أبوعيسى البلخي ~~وأن يكبر عليه أربعا وأن يسنم قبره. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### | AUT ولاية ذكا الرومي # على مصر الأمير أبو الحسن ذكا الرومي الأعور ولي إمرة مصر بعد عزل تكين ~~الحربي عن مصر ولاه الخليفة المقتدر على الصلاة فخرج من بغداد وسافر إلى أن ~~قدم مصر في يوم السبت لاثنتي عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة فجعل على ~~الشرطة محمد بن طاهر مدة ثم عزله بيوسف الكاتب وقدم بعده الحسين بن أحمد ~~الماذرائي على الخراج ثم رد محمد بن طاهر على الشرطة ثم بعد قدوم ذكا إلى ~~مصر خرج منها مؤنس الخادم بجميع جيوشه لثمان خلون من شهرربيع الآخر من سنة ~~ثلاث وثلاثمائة وكان ورد على مؤنس كتاب الخليفة المقتدر يعرفه بخروج الحسين ~~بن حمدان عن الطاعة وأن يعود إلى بغداد ويأخذ معه من مصر أعيان القواد مثل ~~أحمد بن كيغلغ وعلي بن أحمد بن بسطام والعباس بن عمرو وغيرهم ممن يخاف منهم ~~ففعل مؤنس ذلك وآستمر ذكا بمصر على إمرتها من غير منازع إلى أن خرج إلى ~~الإسكندرية في أول المحرم سنة أربع وثلاثمائة فلم تطل غيبته عنها وعاد ~~إليها في ثامن شهر ربيع الأول فبلغه أن جماعة من المصريين يكاتبون المهدي ~~فتتبع ms0646 كل من آتهم بذلك فقبض على جماعة منهم وسجنهم وقطع أيدي أناس وأرجلهم ~~فعظمت هيبته في قلوب الناس ثم أجلى PageV01P0333 # أهل لوبية ومراقية من مصر إلى الإسكندرية خوفا من ابن المهدي صاحب برقة ~~ثم فسد بعد ذلك ما بينه وبين جند مصر والرعية بسبب ذكر الصحابة رضي الله ~~عنهم بما لا يليق نسب القرآن الكريم إلى مقالة المعتزلة وغيرهم وبينما ~~الناس في ذلك قدمت عساكر المهدي عبيد الله الفاطمي من إفريقية إلى لوبية ~~ومراقية وعلى العساكر أبو القاسم فدخل الإسكندرية في ثامن صفر سنة سبع ~~وثلاثمائة وفر الناس من مصر إلى الشأم في البر والبحر فهلك أكثرهم فلما رأى ~~ذكا ذلك تجهز لقتالهم وجمع العساكر وخرج بهم وهم مخالفون عليه فعسكر ~~بالجيزة وكان الحسين بن أحمد الماذرائي على خراج مصر فجدد العطاء للجند ~~وأرضاهم وتهيأ ذكا للحرب وجد في ذلك وحفر خندقا على عسكره بالجيزة وبينما ~~هوفي ذلك مرض ولزم الفراش حتى مات بالجيزة في عشية الأربعاء لإحدى عشرة خلت ~~من شهرربيع الأول سنة سبع وثلاثمائة فغسل وصفي عليه وحمل حتى دفن بالقرافة ~~وكانت ولايته على مصر أربع سنين وشهرا واحد وتولى تكين الحربي عوضه مصر ~~إمرة ثانية وكان ذكا أميرا شجاعا مقداما وفيه ظلم وجور مع آعتقاد سيىء على ~~معرفة كانت فيه وعقل وتدبير. ### || AUT السنة الأولى من ولاية ذكاء الرومي # على مصر وهي سنة ثلاث وثلائمائة: فيها ولد سيف الدولة علي بن عبد الله ~~بن حمدان وفيها كاتب الوزير علي بن عيسى القرامطة وأطلق لهم ما أرادوا من ~~البيع والشراء فنسبه الناس إلى موالاتهم وليس هوكذلك وإنما قصد أن يتألفهم ~~خوفا على الحاج منهم. وفيها تواترت الأخبار أن الحسين بن حمدان قد خالف ~~وكان مؤنس الخادم مشغولا بحرب عسكر المهدي بمصر فندب علي بن عيسى الوزير ~~رائقا الكبير لمحاربته فتوجه إليه رائق بالعساكر وواقعه فهزمه آبن حمدان ~~فسار رائق إلى مؤنس الخادم وآنضم عليه وكان بين مؤنس وابن حمدان خطوب ~~وحروب. وفيها توقي أحمد بن علي بن شعيب ms0647 بن علي بن سنان بن بحر الحافظ أبو ~~عبد الرحمن القاضي النسائي مصنف السنن وغيرها من التصانيف ولد سنة خمس عشرة ~~ومائتين وسمع الكثير ورحل إلى نيسابور والعراق والشأم ومصر والحجاز ~~والجزيرة وروى عنه خلق وكان فيه تشيع حسن قال أبو عبد الله بن مند ه عن ~~حمزة العقبي المصرفي وغيره إن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق ~~فسئل بها عن معاوية وماروي من فضائله فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا ~~برأس حتى يفضل ! انتهى. وقال الدارقطني: إنه خرج حاجا فامتحن بدمشق وأدرك ~~الشهادة فقال: آحملوني إلى مكة فحمل وتوفي بها وهومدفون بين الصفا والمروة ~~وكانت وفاته في شعبان، وقيل في وفاته غير ذلك: إنه مات بفلسطين في صفر. ~~وفيها توفي جعفربن أحمدبن نصر الحافظاأ بومحمد النيسابوري الحصري أحد أركان ~~الحديث كان ثقة عابدا صالحا. وفيها توفي الحسن " بن سفيان بن عامر بن عبد ~~العزيز بن النعمان الشيباني النسوي الحافظ أبوالعباس مصنف المسند تففه على ~~أبي ثور إبراهيم بن خالد وكان يفتي على مذهبه وسمع أحمدبن حنبل ويحيى بن ~~معين وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وغيرهم. وفيها توفي محمد بن عبد الوهاب بن ~~سلام أبو علي الجبائي البصري شيخ المعتزلة كان رأسا في علم الكلام وأخذ هذا ~~العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشحام البصري وله مقالات مشهورة ~~وتصانيف وأخذ عنه ابنه أبو هاشم والشيخ أبو الحسن الأشعري قال الذهبي: وجدت ~~ظهر كتاب عتيق: سمعت أبا عمرو يقول سمعت عشرة من أصحاب الجبائي يحكون عنه ~~قال: الحديث لأحمد بن حنبل والفقه لأصحاب أبي حنيفة والكلام للمعتزلة ~~والكذب للرافضة. وفيها توفي رويم بن أحمد وقيل: آبن محمد بن رويم الشيخ أبو ~~محمد الصوفي قرأ القرآن وكان عارفا بمعانيه وتفقه على مذهب داود الظاهري ~~وكان مجردا من الدنيا مشهورا بالزهد والورع والدين. وفيها توفي علي بن محمد ~~بن منصوربن نصربن بسام البغدادي الشاعر المشهور وكان شاعرا مجيدا إلا أن ~~غالب شعره كان في الهجاء حتى هجا نفسه ms0648 وهجا أباه وإخوته وسائر أهل بيته ~~وكان يكنى أبا جعفر فقال: البسيط: بنى أبو جعفر دارا فشيدها ... ومثله ~~لخيار الدور بناء فالجوع داخلها والذل خارجها ... وفي جوانبها بؤس وضراء ما ~~ينفع الدار من تشييد حائطها ... وليس داخلها خبز ولا ماء PageV01P0334 # وله يهجو المتوكل على الله لما هدم قبور العلويين: الكامل: تالله إن كانت ~~أمية قد أتت ... قتل آبن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... ~~هذا لعمرك قبره مهدوما أسفواعلى أن لايكونوا شاركوا ... في قتله فتتبعوه ~~رميما ومن شعره في الزهد: الكامل: أقصرت عن طلب البطالة والصبا ... لما ~~علاني للمشيب قناع لله أيام الشباب ولهوه ... لو أن أيام الشباب تباع فدع ~~الصبا ياقلب وآسل عن الهوى ... ما فيك بعد مشيبك آستمتاع وآنظر إلى الدنيا ~~بعين مودع ... فلقد دنا سفر وحان وداع والحادثات موكلات بالفتى ... والناس ~~بعد الحادثات سماع أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع سواء مبلغ ~~الزيادة خمس عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية ذكا الرومي # على مصر وهي سنة أربع وثلاثمائة: فيها في المحرم عاد نصر الحاجب من الحج ~~ومعه العلوي الذي قطع الطريق على ركب الحاج عام أول فحبس في المطبق . وفيها ~~غزا مؤنس الخادم بلاد الروم من ناحية ملطية وفتح حصونا كثيرة وآثارا جميلة ~~وعاد إلى بغداد فخلع المقتدر عليه. وفيها وقع ببغداد حيوان يسفى الزبزب ~~وكان يرى في الليل على السطوح وكان يأكل أطفال الناس وربما قطع يد الإنسان ~~وهونائم وثدي المرأة فيأكلهما فكانوا يتحارسون طول الليل ولا ينامون ~~ويضربون الصواني والهواوين ليفزعوه فيهرب وآرتجت بغداد من الجانبين وصنع ~~الناس لأطفالهم مكاب من السعف يكبونها عليهم بالليل ودام ذلك عدة ليال . ~~وفيها عزل المقتدر الوزير علي بن عيسى وكان قد ثقل عليه أمر الوزارة وضجر ~~من سوء أدب الحاشية واستعفى غير مرة ولما عزله المقتدر لم يتعرض له بسوء ~~وكانت وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما وأعيد أبو الحسن بن ~~الفرات إلى الوزارة. وفيها توفي زيادة ms0649 الله بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد ~~بن محمد بن الأغلب الأمير أبو نصر وقيل: أبو منصور صاحب القيروان قال ~~الحميري: يقال له زيادة الله الأصغر وجذ جده زيادة الله الأكبر ورد زياده ~~الله إلى مصر منهزما من عبيد الله المهدي الخارجي فأكرم وقيل: إنه مات في ~~برقة وقيل: بالرملة وفيها توفي يموت بن المزرع بن يموت أبو بكر العبدي من ~~عبد القيس كان من البصرة ثم رحل عنها. ونزل بغداد ثم قدم دمشق ثم سكن طبرية ~~وكان حافظا ثقة محدثا إخباريا. وفيها توفي يوسف بن الحسين بن علي الحافظ ~~أبويعقوب الرازي شيخ الري والجبال فى وقته كان عالما زاهدا ورعا كبير ~~الشأن. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع سواء مبلغ الزيادة ~~خمس عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا مثل الماضية. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية ذكا الرومي # على مصر PageV01P0335 # وهي سنة خمس وثلاثمائة: فيها حج بالناس الفضل بن عبدالملك الهاشمي وهي ~~تمام ست عشرة حجة حجها بالناس. وفيها خلع الخليفة المقتدر على أبي الهيجاء ~~عبد الله بن حمدان وإخوته خلعة الرضا. وفيها قدمت رسل ملك الروم بهدايا ~~تطلب عقد هدنة فشحنت رحبات دار الخلافة والدهاليز بالجند والسلاح وفرشت ~~سائر القصور بأحسن الفرش ثم أحضر الرسل والمقتدر على سريره والوزير ومؤنس ~~الخادم قائمان بالقرب منه وذكر الصولي احتفال المقتدر بمجيء الرسل فقال: ~~أقام المقتدر العساكر وصفهم بالسلاح وكانوا مائة وستين ألفا وأقامهم من باب ~~الشماسية إلى دار الخلافة وبعدهم الغلمان وكانوا سبعة آلاف خادم وسبعمائة ~~حاجب ثم وصف أمرا مهولا قال: كانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة ~~ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج ومن البسط اثنان وعشرون ألفأ وكان في ~~الدار مائة سبع في السلاسل ثم أدخلوا دار الشجرة وكان في وسطها بركة ~~والشجرة فيها ولها ثمانية عشر غصنا عليها الطيور المصوغة تصفر ثم أدخلوا ~~إلى الفردوس وبها من الفرش مالايقوم وفي الدهاليز عشرة آلاف جوشن مذهبة ~~معلقة وأشياء كثيرة يطول الشرح في ذكرها. وفيها ms0650 وردت هدايا صاحب عمان فيها ~~طير أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغاء وظباء سود وفيها توفي ~~الأمير غريب خال الخليفة المقتدر بالله بعلة الذرب كان محترما في الدولة ~~وهوقاتل عبد الله بن المعتز حتى قرر جعفرا المقتدر. وفيها توفي سليمان بن ~~محمد بن أحمد أبوموسى النحوي كان يعرف بالحامض وكان إماما في النحو وغيره ~~وله تصانيف كثيرة منها: خلق الإنسان و كتاب الوحوش والنبات و " غريب الحديث ~~" ومات في ذ ي الحجة. وفيها توفي عبد الصمد بن عبد الله القاضي أبو محمد ~~القرشي قاضي دمشق حدث عن هشام بن عمار وغيره وروى عنه أيوزرعة الدمشقي ~~وجماعة أخر وفيها توفي الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب أبوخليفة الجمحي ~~البصري كان رحلة الآفاق في زمانه واسم أبيه عمرو ولقبه الحباب ولد سنة ست ~~ومائتين وكان محدثا ثقة راوية للأخبار فصيحا مفوها أديبا. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأصبعان ### || AUT السنة الرابعة من ولاية ذكا الرومي # على مصر وهي سنة ست وثلاثمائة: فيها فتح بيمارستان السيدة أم المقتدر ~~ببغداد وكان طبيبه سنان بن ثابت وكان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف ~~دينار. وفيها أمرت أم المقتدر " ثمل " القهرمانة أن تجلس بالتربة التي ~~بنتها بالرصافة للمظالم وتنظر في رقاع الناس في كل يوم جمعة فكانت " ثمل " ~~المذكورة تجلس ويحضر الفقهاء والقضاة والأعيان وتبرز التواقيع وعليها خطها. ~~وفيها حج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي وقيل: أحمد بن العباس أخو أم ~~موسى القهرمانة. وفيها توفي أحمد بن عمربن سريج القاضي أبو العباس البغدادي ~~الفقيه العالم المشهور قال الدارقطني: كان فاضلا لولا ما أحدث في الإسلام ~~مسألة الدور في الطلاق. وفيها توفي أحمد بن يحيى الشيخ أبو عبد الله بن ~~الجلى أحد مشايخ الصوفية الكبار صحب أباه وذا آلنون المصري وأبا تراب ~~النخشبي قال الرقي لقيت نيفا وثلاثمائة من المشايخ المشهورين فما لقيت أحدا ~~بين يدي الله وهو يعلم أنه بين يدي ms0651 الله أهيب من آبن الجلى . وفيها توفي ~~الأمير أبو عبد الله الحسين بن حمدان بن حمدون التغلبي عم السلطان سيف ~~الدولة بن حمدان كان معظما في الدوله ولاه الخليفة المكتفي محاربة ~~الطولونية ثم ولي حرب القرامطة في أيام المقتدر ثم ولي ديارربيعة فغزا ~~وافتتح حصونا وقتل خلقا من الروم ثم خالف وعصى على الخلافة فسار لحربه رائق ~~الكبير فانكسر فتوجه رائق إلى مؤنس الخادم وانضم إليه وعاد إليه وقاتله حتى ~~ظفر به وأسره ووجهه إلى الخليفة فحبسه إلى أن قتل في محبسه ببغداد وكان من ~~أجل الأمراء بأسا وشجاعة وهوأول من ظهر أمره من ملوك بني حمدان . وفيها ~~توفي عبدان بن أحمد بن موسى بن زياد أبو محمد الأهوازي الجواليقي الحافظ ~~وكان اسمه عبد الله فخفف بعبدان وهوأحد من طاف البلاد في طلب الحديث وسمع ~~الكثير وصنف التصانيف ورحل الناس إليه وكان أحد الحفاظ ا لأثبات. ~~PageV01P0336 # NOTMATCH ### || AUT السنة الثانية من ولاية تكين الثانية NOTMATCH # وفيها توفي محمد بن خلف بن حيان بن صدقة أبو بكر القاضي الضبي وشرف بوكيع ~~كان عالما نبيلا فصيحا عارفا بالسير وأيام الناس وله تصانيف كثيرة في أخبار ~~القضاء وعدد آيات القران وغير ذلك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمس أذرع سواء مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### | AUT ولاية تكين الثانية # على مصر وليها من قبل المقتدر بعد موت ذكا الرومي في شهر ربيع الأول سنة ~~سبع وثلاثمائة وسار من بغداد إلى مصر وكان المقتدر قد جهز جيشا إلى مصر ~~نجدة لذكا وعلى الجيش الأمير إبراهيم بن كيغلغ والأمير محمود بن جمل فدخلوا ~~مصر قبل تكين في شهر ربيع الأول المذكور ثم دخل تكين بعدهم بمدة في حادي ~~عشرين من شعبان من السنة فلما وصل تكين إلى مصر أقر على شرطته آبن طاهر ثم ~~تجهز بسرعة وخرج من الديار المصرية بجيوش مصر والعراق ونزل بالجيزة وحفر ~~بها خندقا ثانيا غير الذي حفره ذكا قبل موته وأما عسكر المغاربة فإن مقدمة ms0652 ~~القائم آبن المهدي عبيد الله الفاطمي دخلت الإسكندرية في صفر هذه السنة ~~فآضطرب أهل مصر ولحق كثير منهم بالقلزم والحجاز لا سيما لما مات ذكا فلما ~~قدم تكين هذا تراجع الناس ثم إن تكين بلغه أن القائم محمدا قد آعتل ~~بالإسكندرية علة صعبة وكثر المرض في جنده فمات داود بن حباسة ووجوه من ~~القواد، ثم تحاملوا ومشوا إلى جهة مصر فاستمر تكين بمنزلته من الجيزة إلى ~~أن أقبلت عساكر المهدي فاستقبله المذكور فتقاتلا قتالا شديدا آنتصر فيه ~~تكين وظفر بالمراكب في شوال من السنة وتوجهت عساكر المهدي إلى نحو الصعيد ~~وعاد تكين إلى مصر مؤيدا منصورا ودام بها إلى أن حضر إليها مؤنس الخادم في ~~نحو ثلاثة الاف من عساكر العراق في المحرم سنة ثمان وثلاثمائة وخرج تكين ~~إلى الجيزة ثانيا وبعث ابن كيغلغ إلى الاشمونين لقتال عساكر المهدي أعني ~~المغاربة فتوجه إليه آبن كيغلغ المذكور فمات بالبهنسا في أول ذي القعدة. ثم ~~بلغ تكين أن ابن المديني القاضي وجماعة بمصر يدعون إلى المهدي فأخذهم وضرب ~~أعناقهم وحبس أصحابه. وملك أصحاب المهدي الفيوم وجزيرة الاشمونين وعدة بلاد ~~وضعف أمر تكين عنهم فقدم عليه نجدة ثانية من العراق عليها جني الخادم ~~المعروف بالصفواني في ذي الحجة من السنة ثم خرج جني أيضا بمن معه إلى ~~الجزيرة وتوجه الجميع لقتال عساكر المهدي فكانت بينهم حروب وخطوب بالفيوم ~~الإسكندرية وطال ذلك بينهم أياما كثيرة إلى أن رجع أبو القاسم القائم محمد ~~بن المهدي عبيد الله بعساكره إلى برقة وأقام تكين بعد ذلك مدة وصرفه مؤنس ~~الخا دم عن إمرة مصر في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهرربيع الأول من ~~سنة تسع وثلاثمائة وولى مكانه على مصر أبا قابوس محمود بن جمل وكانت ولاية ~~تكين هذه الثانية على مصر نحو السنة وسبعة أشهر تخمينا . ### || AUT السنة التي حكم فيها ذكا # وفي اخرها تكين على مصر وهي سنة سبع وثلاثمائة: فيها اجدبت العراق فخرج ~~أبو العباس أخو أم موسى القهرمانة والناس معه فاستقوا ms0653 وفيها خلع المقتدر ~~على نازوك الخادم وولاه دمشق. وفيها خلع المقتدر على أبي منصور بن أبي دلف ~~وولاه ديار بكر وسميساط. وفيها دخلت القرامطة البصرة فنهبوها وقتلوا وسبوا ~~وفيها توفي الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي البغدادي بها وكان صاحب ~~الصلاة بمدينة السلام وأمير مكة والموسم وقد تقدم ذكر أنه حج بالناس نحو ~~العشرين سنة وتولى ابنه عمر مكانه وكانت وفاته في صفر وفيها توفي أحمد بن ~~علي بن المثنى بن يحيى بن عيسى بن هلال أبويعلى التميمي الموصلي الحافظ ~~صاحب المسند ولد في شوال سنة عشرين ومائتين وكان إماما عالما محدثا فاضلا ~~وثقه آبن حيان ووصفه بالإتقان والدين وقال: بينه وبين النبي صلىالله عليه ~~وسلم ثلاثة أنفس وقال الحاكم هوثقة مأمون سمعت أبا علي الحافظ يقول كان ~~أبويعلى لا يخفى عليه من حديثه إلا اليسير وفيها توفي علي بن سهل بن الأزهر ~~أبو الحسن الأصبهاني كان أولا من أبناء الدنيا المترفين فتزهد وخرج عما كان ~~فيه وكان يكاتب الجنيد فيقول الجنيد ما أشبه كلامه بكلام الملائكة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. السنة الثانية من ### | AUT ولاية تكين الثانية # على مصر PageV01P0337 # وهي سنة ثمان وثلاثمائة فيها غلت الأسعار ببغداد وشغبت العامة ووقع النهب ~~فركبت الجند وسبب ذلك ضمان حامد بن العباس السواد وتجديد المظالم لما ولي ~~الوزاره وقصدوا دار حامد فخرج إليهم غلمانه فحاربوهم ودام القتال بينهم ~~أياما وقتل منهم خلائق ثم اجتمع من العامة نحو عشرة الاف فأحرقوا الجسر ~~وفتحوا السجون ونهبوا الناس فركب هارون في العساكر وركب حامد بن العباس في ~~طيار فرجموه وآختلت أحوال الدولة العباسية وغلبت الفتن ومحقت الخزائن وفيها ~~استولى عبيد اللة الملقب بالمهدي الداعى على بلاد المغرب وعظم أمره ومن ~~يومئذ أخذ أمر عبيد الله هذا في إقبال وأخفت الدولة العباسية في إدبار ~~وفيها توفي جعفربن محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفربن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب العلوي ms0654 كان فاضلا ورعا مات في ذي القعدة. وفيها توفي عبد الله بن ثابت ~~بن يعقوب الشيخ أبو عبد الله التوزي بزاي معجمة ولد سنة ثلاث وعشرين ~~ومائتين وسكن بغداد ومات غريبا بالرملة وكان فاضلا عالما. وفيها توفي إمام ~~جامع المنصور الشيخ محمد بن هارون بن العباس بن عيسى بن أبي جعفر المنصوربن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي العباسي كان معرقا في النسب أم ~~بجامع المنصور خمسين سنة وولي ابنه جعفر بعده فعاش تسعة أشهر ومات. وفيها ~~توفيت ميمونة بنت المعتضد بالله الهاشمية العباسية عمة الخليفة المقتدر ~~كانت من عظماء نساءعصرها. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع ~~وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### | AUT ولاية أبي قابوس محمود # على مصر هو محمود بن جمل أبوقابوس ولاه مؤنس الخادم إمرة مصر بعد عزل ~~تكين عنها لأمر آقتضى ذلك في يوم الأحد ثالث عشر شهرربيع الأول سنة تسع ~~وثلامائة فلم ينجح أمره وخالفت عليه جند مصر استصغارا له فعزله مؤنس بعد ~~ثلاثة أيام في يوم الثلاثاء لست عشرة خلت من شهر ربيع الأول المذكور وعاد ~~الأمير تكين على إمرة مصر لثالث مرة وكانت ولاية محمود هذا على مصر ثلاثة ~~أيام على أنه لم يبت فيها أمرا قلت: ومتى تفرغ للنظر في الأمور فإنه يوم ~~لبس الخلعة جلس فيه للتهاني ويوم عزل للتآسي فإمرته على هذا يوم واحد ~~وهويوم الاثنين فما عسى أ ن يصنع فيه وكان مؤنس الخادم حضر إلى مصر في عسكر ~~من قبل الخليفة المقتدر سنة ثمان وثلاثمائة فصار يدبر أمرها ويراجع الخليفة. ### | AUT ولاية تكين الثالثة # على مصر ولما عزل مؤنس الخادم تكين هذا بأبي قابوس في ثالث عشر شهر ربيع ~~الأؤل سنة تسع وثلاثمائة بغير جنحة عظم ذلك على المصريين فلم يلتفت مؤنس ~~لذلك وولى أبا قابوس على إمرة مصر عوضه فكثر الكلام في عزل تكين المذكور ~~وولاية أبي قابوس حتى أشيع بوقوع فتنة وتكلم الناس وأعيان مصر مع ms0655 مؤنس ~~الخادم في أمر تكين وخوفوه عاقبة ذلك وألحوا عليه في عوده فأذعن لهم بذلك ~~وأعاده في يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الأول على رغمه حتى أصلح من ~~أمره ما دبره من أمر المصريين وقرر مع القواد ما أراده من عزل تكين المذكور ~~عن إمرة مصر ولا زال بهم حتى وافقه الجميع فلما رأى مؤنس أن الذي رامه تم ~~له عزله بعد أربعة أيام من ولايته وذلك في يوم تاسع عشرين شهر ربيع الأول ~~وهويوم سلخه من سنة تسع وثلاثمائة ثم بدا لمؤنس إخراج تكين هذا من الديار ~~المصرية خوف الفتنة فأخرجه منها إلى الشأم في أربعة آلاف من أهل الديوان ~~وبعث مؤنس إلى الخليفة يعرفه بمافعل فلما بلغ الخليفة ذلك ولى على مصر ~~الأمير هلال بن بدر الآتي ذكره وأرسله إلى الديار المصرية. ### | AUT ولاية هلال بن بدر # على مصر PageV01P0338 # هو هلال بن بدر الأمير أبو الحسن ولي إمرة مصر بعد عزل تكين عنها في شهر ~~ربيع الآخر أعني من دخوله إلى مصر فإنه قدمها في يوم الاثنين لست خلون من ~~شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثلاثمائة والاه الخليفة المقتدر على الصلاة ~~ولما دخل إلى مصر أقر أبن طاهر على الشرطة ثم صرفه بعد مدة بعلي بن فارس ~~وكان هلال هذا لما قدم إلى مصر جاء معه كتاب الخليفة المقتدر لمؤنس بخروجه ~~من مصر وعوده إلى بغداد فلما وقف مؤنس على كتاب الخليفة تجهز وخرج من ~~الديار المصرية بعساكر العراق ومعه محمود بن جمل الذي كان ولي مصر. وكان ~~خروج مؤنس من مصر في يوم ثامن عشر شهر ربيع الأخر من سنة تسع وثلاثمائة ~~المذكورة وأقام هلال بن بدر المذكور على إمرة مصر وأحوالها مضطربة إلى أن ~~خرج عليه جماعة من المصريين وأجمعوا على قتاله وتشغبت الجند أيضا ووافقوهم ~~على حربه وانضم الجميع بمن معهم وخرجوا من الديار المصرية إلى منية الأصبغ ~~ومعهم الأمير محمد بن طاهر صاحب الشرطة ولما بلغ هلالا هذا أمرهم تهيأ ~~وتجهز لقتالهم ms0656 وجمع من بقي من جند مصر وطلب المقاتلة وأنفق فيهم وضمهم إليه ~~وجهزهم ثم خرج بهم وحواشيه إلى أن وافاهم وقاتلهم أياما عديدة وطال الأمر ~~فيما بينه وبينهم ووقع له معهم حروب وكثر القتل والنهب بينهم وفشا الفساد ~~وقطع الطريق بالديار المصرية فعظم ذلك على أهل مصر لا سيما الرعية وضعف ابن ~~هلال هذا عن إصلاح أحوال مصر فصار كلما سد أمرا انخرق عليه آخر فكانت أيامه ~~على مصر شر أيام ولما تفاقم الأمر عزله الخليفة المقتد ربا لله جعفر عن ~~امرة مصر بالأمير أحمد بن كيغلغ فكانت ولاية هلال المذكور على مصر سنتين ~~وأياما قاسى فيها خطوبا وحروبا ووقائع وفتنا إلى أن خلص كفافا لا له عليه. ### || AUT السنة التي حكم في أولها تكين # إلى ثالث عشر ربيع الأول ثم أبو قابس محمود ثلاثة أيام ثم تكين المذكور ~~أربعة أيام ثم هلال بن بدر. وهي سنة تسع و ثلائمائة: فيها كانت مقتلة ~~الحلاج واسمه الحسين بن منصور بن محمى أبو مغيث قيل: أبو عبد الله الحلاج ~~كان جده محمى مجوسيا فأسلم ونشأ الحلاج بواسط وقيل: بتستر وتلمذ لسهل بن ~~عبد الله التستر في ثم قدم بغداد وخالط الصوفية ولقي الجنيد والنوري وأبن ~~عطاء وغيرهم وكان في وقت يلبس المسوح وفي وقت الثياب المصبغة وفي وقت ~~الأقبية واختلفوا في تسميته ا لحلاج قيل: إن أباه كان حلاجا وقيل: إنه تكلم ~~على الناس وعلى ما في قلوبهم فقالوا: هذا حلاج الأسرار وقيل: إنه مر على ~~حلاج فبعثه في شغل له فلما عاد الرجل وجده قد حلج كل قطن في الدكان وقد دخل ~~الحلاج الهند وأكثر لأسفار وجاور بمكة سنين ثم وقع له أمور يطول شرحها ~~وتكلم في اعتقاده بأقوال كثيرة حتى اتفقوا على زندقته والله أعلم بحاله ~~وكان قد حبس في سنة إحدى وثلاثمائة فأخرج في هذه السنة من الحبس في يوم ~~الثلاثاء لثلاث بقين من ذي القعدة وقيل: لست بقين منه فضرب ألف سوط ثم قطعت ~~أربعته ثم حز رأسه ms0657 وأحرقت جثته ونصب رأسه على الجسر أياما ثم أرسل إلى ~~خراسان فطيف به وفيها وقع بين أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وبين السادة ~~الحنابلة كلام فحضر أبو جعفر عند الوزير علي بن عيسى لمناظرتهم ولم يحضروا. ~~وفيها قدم مؤنس الخادم على الخليفة من مصرف خلع عليه ولقبه بالمظفر. قلت ~~وهذا أول لقب سمعناه من ألقاب ملوك زماننا وفيها توفي محمد بن خلف بن ~~المرزبان بن بسام أبو بكر المحولي والمحول: قرية غريي بغداد كان إماما ~~عالما وله التصانيف الحسان وهو مصنف كتاب لا تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس ~~الثياب " وحدث عن الزبير بن بكار وغيره وروى عنه ابن الأنباري وغيره وكان ~~صدوقا ثقة وفيها توفي محمد بن أحمد بن، راشد بن معدان الحافظ أبو بكر ~~الثقفي مولاهم كان حفاظا محدثا طاف البلاد ولقي الشيوخ وصنف الكتب ومات ~~بشروان الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال وفيها توفي أحمد بن أنس ~~بن مالك الدمشقي وأبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف الزاهد وعلي بن سعيد بن بشير ~~الرازي ومحمد بن حامد بن سري يعرف بخال السني ومحمد بن يزيد بن عبد الصمد ~~وممشاد لدينوري الزاهد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع ~~وثلاث عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية هلال # بن بدر على مصرا وهي سنة عشر وثلاثمائة: PageV01P0339 # فيها قبض الخليفة المقتدر على أم موسى القهرمانة وصادر أخاها ومواشيها ~~وأهلها وسبب ذلك أنها زوجت بنت أخيها أبي بكر أحمد بن العباس من أبي العباس ~~محمد بن إسحاق بن المتوكل على الله وكان من سادة بني العباس يترشح للخلافة ~~فتمكن أعداؤها من السعي عليها وكانت قد أسرفت بالمال في جهازها وبلغ ~~المقتدر أنها تعمل له على الخلافة فكاشفتها السيدة أم المقتدر وقالت: قد ~~دبرت على ولدي وصاهرت أبن المتوكل حتى تقعديه في الخلافة فسلمتها إلى ثمل ~~القهرمانة ومعها أخوها وأختها وكانت ثمل مشهورة بالشر وقساوة القلب فبسطت ~~عليهم العذاب واستخرجت ms0658 منهم الأموال والجوهر يقال: إنه حصل من جهتهم ما ~~مقداره ألف ألف دينار. وفيها قلد الخليفة المقتدر نازوك الشرطة بمدينة ~~السلام مكان محمد بن عبدا لصمد. وفيها توفي بدر بن عبد الله الحمامي الكبير ~~أبو النجم المعتضدي كان أؤلا مع ابن طولون فولاه الأعمال الجليلة ثم جهزه ~~خمارويه إلى الشام لقتال القرمطي فواقعه وقتله ثم ولي من قبل الخلفاء ~~أصبهان وغيرها إلى أن مات على مدينة فارس وكان أميرا دينا شجاعا وجوادا ~~محبا للعلماء والفقراء وقيل: إنه كان مستجاب الدعوة ولما مات ولى المقتدر ~~مكانه أبنه محمدا. وفيها توفي محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب أبو ~~جعفر الطبري العالم المشهور صاحب التاريخ وغيره مولده في آخر سنة أربع ~~وعشرين ومائتين أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين وهو أحد أئمة العلم يحكم ~~بقوله ويرجع إلى رأيه وكان متفننا في علوم كثيرة وكان واحد عصره وكانت ~~وفاته في شوال بخراسان وأصله من مدينة طبرستان قال أبو بكر الخطيب جمع من ~~العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره فكان حافظا لكتاب الله بصيرا ~~بالمعاني فقيها في أحكام القرآن عالما بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها ~~ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة والتابعيبن بصيرا بأيام الناس وأخبارهم له ~~الكتاب المشهور في تاريخ الأمم أو الملوك وكتاب التفسير وكتاب تهذيب الآثار ~~لكن لم يتمه وله في الأصول والفروع كتب كثيرة انتهى. وفيها توفي أحمد بن ~~يحيى بن زهير أبو جعفر التستري الحافظ الزاهد، سمع الكثير وحدث وروى عنه ~~خلق كثير قال الحافظ أبو عبد الله بن منده ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي ~~زرعة الرازي وقال أبو زرعة ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن ~~محمد بن حنبل الأصبهاني وأبو شيبة داود بن إبراهيم وعلي بن عباس المقانعي ~~البجلي ومحمد بن أحمد بن حماد أبو بشر الدولابي في ذي القعدة وأبو جعفر ~~محمد بن جرير ms0659 الطبري في شوال وله أربع وثمانون سنة وأبو عمران موسى بن جرير ~~الرقي والوليد بن أبان أبو العباس الأصبهاني أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وإحدى وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### | AUT ولاية أحمد بن كيغلغ الأولى # على مصر هو أحمد بن كيغلغ الأمير أبوالعباس ولاه المقتدر إمرة مصر بعد ~~عزل هلال بن بدر عنها في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة فلما ~~وليها قدم أبنه العباس خليفته على مصر فدخلها العباس المذكور في مستهل ~~جمادى الأولى من سنة إحدى عشرة وثلاثمائة فأقر ابن منجور على الشرطة ثم قدم ~~أحمد بن كيغلغ إلى مصر ومعه محمد بن الحسين بن عبد الوهاب الماذرائي على ~~الخراج ولما دخلا إلى مصر أحضرا الجند و وضعا العطاء لهم وأسقطا كثيرا من ~~الرجالة وكان ذلك بمنية الأصبغ فثار الرجالة ففر أحمد بن كيغلغ منهم إلى ~~فاقوس وهرب الماذرائي ودخل المدينة لثمان خلون من شوال وأما الأمير أحمد بن ~~كيغلغ هذا فإنه أقام بفاقوس إلى أن صرف عن إمرة مصر بتكين في ثالث ذي ~~القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة فكانت ولايته على مصر نحوا من سبعة أشهرة ~~وتولى تكين مصر عوضه وهي ولايته الرابعة على مصر وشق ذلك على الخليفة غير ~~أنه أطاع الجند وأرضاهم واستمالهم مخافة من عساكر المهدي الفاطمي فإن ~~عساكره تداول تحكمهم إلى نحو الديار المصرية في كل قليل وصار أمير مصر في ~~حصر من أجل ذلك وهو محتاج إلى الجند وغيرهم لأجل القتال والدفع عن الديار ~~المصرية. قلت ويأتي بقتة ترجمة أحمد بن كيغلغ هذا في ولايته الثانية على ~~مصر إن شاء الله تعالى. PageV01P0340 ### || AUT السنة التي حكم في غالبها الأمير أحمد # بن كيغلغ على مصر وهي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة: فيها صرف أبو عبيد بن ~~حربويه عن قضاء مصر وتأسف الناس عليه وفرح هو بالعزل وانشرح له وولي قضاء ~~مصر بعده أبو يحيى عبد الله بن إبراهيم بن مكرم. وفي هذه السنة ظهر ms0660 شاكر ~~الزاهد صاحب حسين الحلاج وكان من أهل بغداد قال السلمي في تاريخ الصوفية ~~شاكر خادم الحلاج كان متهما مثل الحلاج ثم حكى عنه حكايات إلى أن قتل وضربت ~~رقبته بباب الطاق. وفيها صرف المقتدر حامد بن العباس عن الوزارة وعلي بن ~~عيسى عن الديوان وكانت ولايتهما أربع سنين وعشرة أشهر وأربعة عشر يوما ~~واستوزر المقتدر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات الثالثة في يوم الخميس ~~لسبع بقين من شهر ربيع الآخرة وهذه ولاية ابن الفرات الثالثة للوزارة . ~~وفيها نكب الوزير أبو الحسن بن الفرات المذكور أبا علي بن مقلة كاتب حامد ~~بن العباس وضيق عليه وابن مقلة هذا هو صاحب الخط المنسوب إليه يأتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى في محله. وفيها دخل أبو طاهر سليمان بن الحسن آلجنابي ~~القرمطي إلى البصرة ووضع السيف في أهلها وأحرق البلد والجامع ومسجد طلحة ~~وهرب الناس وألقوا بأنفسهم في الماء فغرق معظمهم. وفيها توفي إبراهيم بن ~~السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج الإمام الفاضل مصنف كتاب معاني القرآن و ~~الاشتقاق والقوافي والعروض فعلت وأفعلت ومختصرا في النحو وغير ذلك. وفيها ~~توفي الوزير الأمير حامد بن العباس كان أولا على نظر فارس وأضيف إليها ~~البصرة ثم الأمره إلى أن طلب وولي الوزارة للمقتدر وكان كثير الأموال ~~والحشم بحيث إنه كان له أربعمائة مملوك يحملون السلاح وفيهم جماعة أمراء ~~كان جواد ممدحا كريما غير أنه كان فيه شراسة خلق وكان ينتصب في بيته كل يوم ~~عدة موائد ويطعم كل من حضر إلى بيته حتى العامة والغلمان فيكون في بعض ~~الأيام أربعون مائدة. ورأى يوما في دهليزه قشر باقلاء فأحضر وكيله وقال له: ~~ويحك يؤكل في داري باقلاء هذا فعل البوابين فقال أو ليست لهم جراية لحم قال ~~بلى أفقال: سلهم عن السبب فسألهم فقالوا: لا نتهنأ بأكل اللحم دون عيالنا ~~فنحن نبعثه إليهم ونجوع بالغداة فنأكل الباقلاء فأمر أن يجرى عليهم لحم ~~لعيالهم وقيل: إنه ركب قبل الوزارة بواسط إلى بستان له فرأى ms0661 شيخا يولول ~~وحوله نساء وصبيان يبكون فسأل حامد عن خبرهم فقيل له احترق منزله وقماشه ~~فافتقرة فرق له حامد وطلب وكيله وقال له: أريد منك أن تضمن لي ألا أرجع ~~عشية من النزهة إلا وداره كما كانت مجصصة، وبها المتاع والقماش والنحاس كما ~~كانت وتبتاع له ولعياله كسوة الشتاء والصيف مثل ما كانوا فأسرع في طلب ~~الصناع وبادروا في العمل وصب الدراهم وأضعف الأجر حتى فرغوا من الجميع بعد ~~العصر، فلما رد حامد وقت العتمة شاهدها مفروغا منها بالاتها وأمتعتها الجدد ~~وآزدحم الناس يتفرجون وضجوا لحامد بالدعاء ونال التاجر من المال فوق ما ذهب ~~له ثم زاده بعد ذلك كله خمسة آلاف درهم ليقوي بها تجارته. وفيها توفي محمد ~~بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة ين صالح بن بكر السلمي النيسابوري الحافظ أبو ~~بكر ولد في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين قال الدار قطني كان ابن خزيمة ~~إماما ثبتا معدموم النظير توفي ثاني ذي القعدة. وفيها توفي محمد بن زكريا ~~أبو بكر الرازي الطبيب العلامة في علم الأوائل وصاحب المصنفات المشهورة مات ~~ببغداد وقد انتهت إليه الرياسة في فنون من العلوم وكان في صباه مغنيا يضرب ~~بالعود قيل إنه لما ترك الضرب بالعود والغناء قيل له في ذلك ة فقال كل غناء ~~يطلع بين شارب ولحية لايستحسن. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: ~~وفيها توفي أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال الحنبلي وإبراهيم بن ~~السري أبو إسحاق الزجاج في جمادى الآخرة وحفاد بن شاكر النسفي وعبد الله بن ~~إسحاق المدائني وأبو حفص عمر بن محمد بن بجير السمرقندي وأبو بكر بن إسحاق ~~بن خزيمة السلمي في ذي القعدة ومحمد بن زكريا الرازي الطبيب . أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### | AUT ولاية تكين الرابعة # على مصر PageV01P0341 # قد تقدم ذكره في ولايته على مصر وأنه صرف عن إمرة مصر في النوبة الثالثة ~~بهلال بن ms0662 بدر ثم ولي بعد هلال بن بدر الأمير ابن كيغلغ فلما وقع لابن كيغلغ ~~ما وقع من خروج جند مصر عليه واضطربت أحوال الديار المصرية وبلغ الخليفة ~~المقتدر ذلك صرف أبن كيغلغ وأعاد تكين هذا على إمرة مصر رابع مرة ووصل رسول ~~تكين هذا إلى مصر بإمرته يوم الخميس لثلاث خلون من ذي القعدة سنة إحدى عشره ~~وثلاثمائة وخلفه ابن منجور على الصلاة إلى أن قدم مصر في يوم عاشوراء من ~~سنة آثنتي عشرة وثلاثمائة فأقر ابن منجور على الشرطة ثم عزله وولى قراتكين ~~ثم عزل قراتكين وولى وصيفا الكاتب ثم عزله أيضا وولى بجكم الأعور كل ذلك من ~~اضطراب المصرين حتى مهد أمور الديار المصرية وتمكن أسقط كثيرا من الجند ~~وكانوا أهل شر ونهب ويفاق ثم نادى ببراءة الذمة ممن أقام منهم بالديار ~~المصرية بعد ذلك فخرج الجميع على حمية وأجمعوا على قتله فتهيأ تكين أيضا ~~لقتالهم وجمع العساكر وصلى الجمعة بدار الإمارة بالعسكر وترك حضور الجماعة ~~خوفا من وقوع فتنة ولم يصل قبله أحد من الأمراء بدار الإمارة الجمعة وأنكر ~~عليه أبو الحسن علي بن محمد الدينوري ذلك وأشياء أخر وبلغ تكين ذلك فأمر ~~بإخراج الدينوري من مصر إلى القدس فخرج منها ولم يقع له مع الجند ماراموا ~~من القتال وأخذ في تمهيد مصر إلى أن حسن حالها وتمكنت قدمه فيها ورسخت حتى ~~ورد عليه الخبر بموت الخليفة المقتدر في شوال سنة عشرين وثلاثمائة وبويع ~~بالخلافة من بعده أخوه القاهر بالله محمد فأقر القاهر تكين هذا على عمله ~~بمصر وأرسل إليه بالخلع ودام تكين على ذلك حتى مرض ومات بها في يوم السبت ~~لست عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وحمل في تابوت ~~إلى بيت المقدس فدفن به وتولى مصر بعده محمد بن طغج وكانت ولاية تكين هذه ~~المرة على مصر تسع سنين وشهرين وخمسة أيام وكان تكين المذكور يعرف بتكين ~~الخاصة وبالخزري وكان أميرا عاقلا شجاعا عارفا مدبرا ولي الأعمال الجليلة ~~وطالت أيامه ms0663 في السعادة وكان عنده سياسة ودربة بالأمور ومعرفة بالحروب رضي الله عنه. ### || AUT السنة الأولى من ولاية تكين الرابعة # على مصر وهي سنة اثنتي عشرة وئلاثمائة: فيها حج بالناس الحسن بن عبد ~~العزيز الهاشمي. وفيها عارض أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي القرمطي الحافي ~~وهو في ألف فارس وألف راجل وكان من جملة الحجاج أبو الهيجاء عبد الله بن ~~حمدان وأحمد بن بدر عم السيدة أم المقتدر وشقيق خادمها وجماعة من الأعيان ~~فأسر القرمطي الجميع وأخذ جميع أموال الحاج وسار بهم إلى هجر ثم بعد أشهر ~~أطلق القرمطي أبا الهيجاء عبد الله بن حمدان المذكور. وفيها أرسل القرمطي ~~المقدم ذكره يطلب من المقتدر البصرة والأهواز وذكر ابن حمدان أن القرمطي ~~قتل من الحاج من الرجال ألفين ومائتين ومن النساء ثلاثمائة، وبقي عنده بهجر ~~ألفان ومائتا رجل وخمسمائة امرأة. وفيها فتحت فرغانة على يد أمير خراسان. ~~وفيها أطلق أبو نصر وأبو عبد الله ولد أبي الحسن بن الفرات وخلع عليهما وقد ~~وزر أبوهما أبن الفرات ثالث مرة وملك من المال ما يزيد على عشرة آلاف ألف ~~دينار وأودع المال عند وجوه بغداد وكان جبارا فاتكأ وفيه كرم وسياسة ومات ~~في هذه السنة. وفيها توفيت فاطمة بنت عبد الرحمن بن أبي صالح الشيخة ثم ~~محمد الصوفية كانت من الصالحات المتعبدات طال عمرها حتى جاوزت الثمانين ~~ولقيت جماعة كثيرة من مشايخ القوم وكان لها أحوال وكرامات. وفيها توفي محمد ~~بن محمد بن سليمان بن الحارث الحافظ أبو بكر الواسطي المعروف بابن الباغندي ~~سمع علي بن المديني ومحمد بن عبد الله بن نمير وشيبان بن فروخ وغيرهم بمصر ~~والشام والعراق وعني بشأن الحديث أتم عناية وروى عنه دعلج ومحمد بن المظفر ~~وعمر بن شاهين وأبو بكر بن المقرىء وخلق كثير قال أبو بكر الابهري وغيره ~~سمعنا أبا بكر الباغندي يقول أجبت في ثلاثمائة ألف مسألة في حديث النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال الدار قطني كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع ومات في ms0664 ~~ذي الحجة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو الحسن ~~علي بن محمد بن موسى بن الفرات الوزير وأبو بكر محمد بن محمد بن سليمان ~~الباغندي وأبو بكر محمد بن هارون بن المجدر. أمر النيل في هذه السنة: ~~PageV01P0342 # الماء القديم خمس أذرع وسبع أصابع مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية تكين الرابعة # على مصر وهي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة: فيها سار الحاج من بغداد ومعهم ~~جعفر بن ورقاء في ألف فارس فلقيهم القرمطي فناوشهم بالحرب فرجع الناس إلى ~~بغداد ونزل القرمطي على الكوفة فقاتلوه فغلبهم ودخل البلد ونهب ما لا يحصى ~~فندب المقتدر مؤنس الخادم لحرب القرمطي وجهزه بألف ألف دينار. وفيها عزل ~~المقتدر أبا القاسم الخاقاني الوزير عن الوزارة فكانت وزارته سنة و ستة ~~أشهر وأستوزر أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن الخصيب فسلم إليه الخاقاني ~~فصادره وكتابه وأخذ أموالهم. وفيها كان الرطب كثيرا ببغداد حتى أبيع كل ~~ثمانية أرطال بحبه. وفيها قدم مصر علي بن عيسى الوزير بن مكة ليكشفها وخرج ~~بعد ثلاثة أشهر للرملة. وفيها عزل عن قضاء مصر عبد الله بن إبراهيم بن محمد ~~لم بن مكرم بهارون ابن إبراهيم بن حماد القاضي من قبل المقتدر. وفيها توفي ~~علي بن عبد الحميد بن عبد الله بن سليمان بن سليمان أبو الحسن الغضائري ~~نزيل حلب كان صالحا زاهدا حج أربعين حجة على أقدامه قال طرقت باب السري ~~السقطي فسمعته يقول: اللهم آشغل من شغلني عنك بك قال فنالني بركة هذه ~~الدعوة فحججت على قدمي من حلب إلى مكة أربعين سنة ذاهبا وآئبا. وفيها توفي ~~علي بن محمد بن بشار الشيخ أبو الحسن الزاهد العابد البغدادي صاحب الكرامات ~~كان من الأبدال كان يتكلم ويعظ الناس وكان لكلامه تأثير في القلوب وكانت ~~وفاته ببغداد ودفن غربيها وقبره هناك يقصد للزيارة. وفيها توفي محمد بن ~~إسحاق بن إبراهيم الثقفي مولاهم النيسابوري الحافظ أبو العباس السراج محدث ~~خراسان ومسندها قال أبو إسحاق ms0665 المزكي سمعته يقول: ختمت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أثنتي عشرة ألف ختمة وضحيت عنه اثنتي عشرة ألف ضحية قال ~~محمد بن أحمد الدقاق رأيت السراج يضحي في كل أسبوع أو أسبوعين أضحية عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصيح بأصحاب الحديث فيأكلون وقال الحاكم ~~سمعت أبي يقول لما ورد الزعفراني وأظهر خلق القرآن سمعت السراج غير مرة إذا ~~مر بالسوق يقول العنوا الزعفراني فيصيح الناس بلعنه حتى ضيق عليه نيسابور ~~وخرج إلى بخاري وكانت وفاة السراج في شهر ربيع الآخر وله سبع وتسعون سنة. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبو العباس أحمد بن ~~محمد الماسرجسي وعبد الله بن زيدان بن يزيد البجلي وعلي بن عبد الحميد ~~الغضائري وأبو لبيد محمد بن إدريس الشامي السرخسي ومحمد بن إسحاق أبو ~~العباس السراج في أشهر ربيع الأخر وله سبع وتسعون سنة وأبو قريش محمد بن ~~جمعة القوهستاني. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث ~~أصابع مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع ### || AUT السنة الثالثة من ولاية تكين الرابعة # على مصر وهي سنة أربع عشرة وثلاثمائة: فيها جمدت دجلة بالموصل وعبرت ~~عليها الدواب وهذا لم يعهد مثله وسقطت ثلوج كثيرة ببغداد. وفيها نزح أهل ~~مكة عنها خوفا من القرمطي ولم يحج الركب العراقي في هذين العامين. وفيها ~~دخلت الروم ملطية بالسيف فقتلوا وسبوا وبقوا فيها أياما. وفيها رد حجاج ~~خراسان خوفا من القرمطي. وفيها قبض المقتدر على الوزير ابن الخصيب لاشتغاله ~~باللهو وآختلال الدولة فأحضر الوزير علي بن عيسى فأعيد إلى الوزارة. وفيها ~~في شهر رمضان هبت ريح عظيمة فقلعت شجر نصيبين وهدمت دورها. وفيها توفي ~~الحسين بن أحمد بن رستم أبو علي الكاتب ويعرف بأبي زنبور الماذرائي كان من ~~كبار آل طولون وكان من الفضلاء أحضره المقتدر لمناظرة ابن الفرات ثم قلده ~~خراج مصر ثم سخط عليه وأحضره إلى بغداد وأخذ خطه بثلاثة آلاف ألف دينار ~~وستمائة ألف دينار ms0666 ثم أخرج إلى مصر مع مؤنس الخادم فمات بدمشق كان فاضلا ~~كاتبا حدث عن أبي حفص العطار وغيره وحدث عنه الدار قطني. وفيها توفي نصر بن ~~القاسم بن نصر بن زيد الشيخ الإمام أبو الليث الحنفي كان عالما فقيها دينا ~~إماما في الفرائض جليلا نبيلا ثقة ثبتا حدث عن القواريري وغيره وروى عنه ~~ابن شاهين وجماعة وله مصنفات كثيرة. PageV01P0343 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو بكر أحمد بن ~~محمد بن عمر القرشي المنكدري ومحمد بن محمد بن عبد الله النفاح الباهلي ~~ومحمد بن يحيى بن عمر بن لبابة القرطبي وأبو الليث نصر بن القاسم الفرائضي. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وإصبع واحدة مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع ### || AUT السنة الرابعة من ولاية تكين الرابعة # وهي سنة خمس عشرة وثلاثمائة: فيها ظهرت الديلم على الري والجبال وأؤل من ~~غلب منهم لنك بن النعمان فقتل من أهل الجبال مقتلة عظيمة وذبح الأطفال في ~~المهد ثم غلب على قز وين أسفار بن شيرويه وألزم أهلها مالا وكان له قائد ~~يسمى مرداويج بن زيار فوثب على أسفار المذكور وقتله وملك البلاد مكانه ~~وأساء السيرة بأصبهان وجلس على سرير من ذهب وقال:أنا سليمان بن داود وهؤلاء ~~الشياطين أعواني وكان مع هذا سيىء السيرة " في أصحابه فدخل الحمام يوما ~~فدخل عليه أصحابه الأتراك فقتلوه ونهبوا خزائنه ومشى الديلم بأجمعهم حفاة ~~تحت تابوته أربعة فراسخ وفيها جاء أبو طاهر القرمطي في ألف فارس وخمسة آلاف ~~راجل فجهز المقتدر لحربه يوسف بن أبي الساج في عشرين ألف فارس وراجل فلما ~~رآه يوسف أحتقره ثم تقاتلا فكان بينهم مقتلة عظيمة لم يقع في هذه السنين ~~مثلها أسر فيها يوسف بن أبي الساج جريحا وقتل فيها جماعة كثيرة من أصحابه ~~وبلغ المقتدر فانزعج وعزم على النقلة إلى شرقي بغداد وخرج مؤنس بالعساكر ~~إلى الأنبار في أربعين ألفا وأنضم إليه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ~~وأخوته أبو الوليد وأبو ms0667 العلاء وأبو السرايا في أصحابهم وأعوانهم وتقدم نصر ~~الحاجب فأشار أبو الهيجاء على مؤنس بقطع القنطرة فتثاقل مؤنس عن قطعها فقال ~~له أبو الهيجاء أيها الأستاذ اقطعها وأقطع لحيتي معها فقطعها صبحهم القرمطي ~~في ثاني عشر في القعدة فأقام بإزائهم يومين ثم سار القرمطي نحو الأنبار في ~~يتجاسر أحد أن يتبعه ولولا قطع القنطرة لكان القرمطي عبر عليها وهزم عسكر ~~الخليفة وملك بغداد فانظر إلى هذا الخذلان فإن القرمطي كان في دون الألف ~~ومؤنس الخادم وحده في أربعين ألفا سوى من أنضم إليه من بني حمدان وغيرهم من ~~الملوك مع شدة بأس مؤنس في الحروب فما شاء الله كان ووقع في هذه السنة من ~~القرمطي بالأقاليم من البلاء والقتل والسبي والنهب ما لا مزيد عليه قلت ~~وكيف لا وهو الذي انزعج منه الخليفة بنفسه وانكسرت عساكره منه وذهب من ~~بغداد ولم يتبعه أحد فحينئذ خلاله الجو وأخذ كل ما أراد مما لم يدفع كل ~~واحد عن نفسه. وفيها تشغبت الجند على الخليفة المقتدر ووقع أمور. وفيها في ~~صفر قدم علي بن عيسى الوزير على المقتدر فزاد المقتدر في أكرمه وبعث إليه ~~بالخلع وبعشرين ألف دينار وركب من الغد في الدس ثم أنشد: ما الناس إلا مع ~~الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوما به آنقلبوا يعظمون أخا الدنيا فإن ~~وثبت ... يوما عليه بمال أيشتهي وثبوا وفيها توفي الحسين بن عبد الله أبو ~~عبد الله الجوهري ويعرف بابن الجصاص التاجر الجوهري صاحب الأموال والجوهر ~~كان تاجرا يبيع الجوهر وقد تقدم أن المقتدر صادره وأخذ منه ستة آلاف ألف ~~دينار غير المتاع والدواب والغلمان ومع هذا المال كان فيه سلامة باطن يحكى ~~عنه منها أمور من ذلك: أنه دخل يوما على الوزير ابن الفرات فقال أيها ~~الوزير عندنا كلاب ما تدعنا ننام قال: لعلهم جربى قال لا والله إلا كلب كلب ~~مثلي ومثلك ونزل مرة مع الوزير الخاقاني في المركب وبيده بطيخة كافور فأراد ~~أن يبصق في دجلة ويعطي الوزير البطيخة فبصق في وجه ms0668 الوزير وألقى البطيخة في ~~دجلة فارتاع الوزير وقال له ويحك ما هذا ثم أخذ يعتذر للوزير فيقول أردت أن ~~أبصق في وجهك وألقي البطيخة في الماء فغلطت فقال كذا فعلت يا جاهل أفغلط في ~~الفعل وأخطأ في الاعتذار ومع هذه البلية كان متجولا محظوظا عند الخلفاء ~~والملوك. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن جعفر أبو القاسم القزويني الشافعي ~~ولي قضاء دمشق نيابة عن محمد بن العباس الجمحي، وكان محمود السيرة فقيها ~~واختلط قبل موته. وفيها توفي علي بن سليمان بن الفضل أبو الحسن البغدادي ~~النحوي ويعرف بالأخفش الصغير كان متفننا يضاهي الأخفش الكبير في فضله وسعة ~~علمه ومات ببغداد. PageV01P0344 # وفيها توفي محمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا الحسني العلوي وإنما سمي ~~جده طباطبا لأن أمه كانت ترقصه وتقول: طباطبا يعني نام كان سيدا فاضلا ~~جوادا يسكن مصر وكان له بها جاه ومنزلة وبها مات وقبره يزار بالقرافة وفيها ~~توفي محمد بن المسيب بن إسحاق بن عبد الله النيسابوري ثم الارغياني ولد سنة ~~ثلاث وعشرين ومائتين وطاف البلاد في طلب العلم وكان زاهدا عابدا بكى حتى ~~فقد بصره وكان يقول ما بقي من منابر الإسلام منبر إلا دخلته لسماع الحديث ~~وكان يعرف بالكوسج. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة. قال: وفيها توفي ~~أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين الرازي الحافظ بنيسابور وأبو القاسم عبد ~~الله بن محمد بن جعفر القزويني القاضي وعلي بن سليمان النحوي الأخفش الصغير ~~وأبو جعفر محمد بن الحسين الخثعمي الاشناني وأبو الحسن محمد بن الفيض ~~الغساني ومحمد بن المسيب الأرغياني. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربع أذرع وآثنتان وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية تكين الرابعة # وهي سنة ست عشرة وثلاثمائة فيها في المحرم دخل أبو طاهر القرمطي الرحبة ~~بعد حروب ووضع فيها السيف فبعث إليه أهل قرقيسياء يطلبون الأمان فأمنهم ~~وبعث سراياه في الأعراب فقتلوا ونهبوا وسبوا ثم دخل قرقيسياء ونادى لايظهر ms0669 ~~أحد من أهلها نهارا فلم يظهر أحد ثم توجه إلى الرقة فأخذها ولما رأى الوزير ~~علي بن عيسى أن الهجري أعني القرمطي استولى على البلاد آستعفى من الوزارة ~~ولما رجع القرمطي من سفره بنى دارا وسماها دار الهجرة ودعا إلى المهدي ~~العلوي وتفاقم أمره وكثر أتباعه فعند ذلك ندب الخليفة المقتدر هارون بن ~~غريب وبعثه إلى واسط وبعث صافيا إلى الكوفة فوقع هارون بجماعة من القرامطة ~~فقتلهم وبعث بجماعة منهم أسارى على الجمال إلى بغداد ومعهم مائة وسبعون ~~رأسا. وفيها وقع بين نازوك وهارون حرب في ذي القعدة وسببها أن سواس نازوك ~~وهارون تغايروا على غلام أمرد وقتل من الفريقين جماعة فركب الوزير ابن مقلة ~~برسالة الخليفة بالكف عن القتال فكفا. وفيها سار ملك الروم الدمستق في ~~ثلاثمائة ألف فقصد ناحية خلاط وبدليس فقتل وسبى ثم صالحه أهل خلاط على ~~قطيعة وهي عشرة آلاف دينار وأخرج المنبر من جامعها وجعل مكانه الصليب فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون. وفيها توفي بنان بن محمد بن حمدان أبو الحسن الزاهد ~~المشهور المعروف بالحمال أصله من واسط ونشأ ببغداد وسمع الحديث ثم انتقل ~~إلى مصر وسكنها إلى أن مات بها وهو أحد الأبدال كان صاحب مقامات وكرامات ~~بزهده وعبادته يضرب المثل صحب الجنيد وغيره وهو أستاذ أبي الحسين النوري ~~قال أبو عبد الرحمن السلمي في محن الصوفية إن بنانا الحمال قام إلى وزير ~~خمارويه فأنزله عن دابته وكان نصرانيا وقال: لا تركب الخيل ويلزمك ما هو ~~مأخوذ عليكم في ملتكم فأمر خمارويه ببنان المذكور بأن يوخذ ويطرح بين يدي ~~سبع فطرح وبقي ليلته ثم جاء السبع يلمسه فلما أصبحوا وجدوه قاعدا مستقبل ~~القبلة والسبع بين يديه فأطلقه وآعتذر إليه وذكر إبراهيم بن عبد الرحمن أن ~~القاضي.أبا عبيد آحتال على بنان ثم ضربه سبع درر فقال:حبك الله بكل درة سنة ~~فحبسه أبن طولون سبع سنين ويروى أنه كان لرجل على رجل دين مائة دينار ~~بوثيقة فطلبها الرجل أعني الوثيقة فلم يجدها فجاء إلى بنان ليدعو ms0670 له فقال ~~له بنان أنا رجل قد كبرت وأحب الحلواء اذهب إلى عند دار قريج فاشتر رطل ~~حلواء وأتني به حتى أدعو لك ففعل الرجل وجاءة فقال بنان: افتح ورقة الحلواء ~~ففتحها فإذا هي الوثيقة فقال هذه وثيقتي فقال خذها وأطعم الحلواء صبيانك ~~وكانت وفاته في شجر نصيبين وخرج في جنازته كثر أهل مصر. وفيها توفى داود بن ~~الهيثم بن إسحاق بن البهلول أبو سعد التنوخي مولده بالأنبار وبها توفي وله ~~ثمان وثمانون سنة كان إماما عارفا بالنحو واللغة والأدب وصنف كتبا في اللغة ~~والنحو على مذهب الكوفين وله كتاب كبير في خلق الإنسان. PageV01P0345 # وفيها توفي عبد الله بن سليمان بن الأشعث الحافظ أبو بكر ابن الحافظ.أبي ~~داود السجستاني محدث العراق وابن محدثها ولد بسجستان سنة ثلاثين ومائتين ~~ورحل به أبوه وطوف به البلاد شرقا وغربا وآستوطن بغداد وصنف السنن والمسند ~~والتفاسير والقراءات والناسخ والمنسوخ وغير ذلك قال أبو بكر الخطيب سمعت ~~الحسن بن محمد الخلال يقول كان أبو بكر بن أبي داود أحفظ من أبيه قلت: ~~وأبوه أبو داود هو صاحب السنن أحد الكتب الستة وقد وقع لنا سماعه ثلاثا ~~حسبما ذكرناه في ترجمة أبيه رضي الله عنه. وفيها توفي يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم بن يزيد أبو عوانة الاسفرايني النيسابور في الحافظ المحدث كان ~~إماما طاف البلاد وصنف المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم حج عدة حجات ~~وكان زاهدا عابدا رضي الله عنه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال ~~وفيها توفي بنان الحمال أبو الحسن الزاهد و أبو بكر عبد الله بن أبي داود ~~السجستاني وله ست وثمانون سنة وأبو بكر محمد بن حريم العقيلي وأبو بكر محمد ~~بن السري بن السراج صاحب المبرد ومحمد بن عقيل البلخي وأبو عوانة يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم الاسفرايني. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وثلاث عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة السادسة من ولاية تكين الرابعة # وهي سنة سبع عشرة وثلاثمائة: ms0671 فيها خلع أمير المؤمنين المقتدر بالله جعفر ~~من الخلافة خلعه مؤنس الخادم ونازوك الخادم وأبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ~~وأحضروا من دار الخلافة محمد ابن الخليفة المعتضد وبايعوه بالخلافة ولقبوه ~~بالقاهر بالله وذلك في الثلث الأخير من ليلة السبت خامس عشر المحرم من ~~السنة المذكورة وتولى أبو علي بن مقلة صاحب الخط المنسوب إليه الوزارة وقلد ~~نازوك الحجبة مضافة إلى شرطة بغداد وأضيف إلى أبي الهيجاء عبد الله بن ~~حمدان ولاية حلوان والدينور ونهاوند وهمذان وغيرها مع ما كان بيدة قبل ذلك ~~من الولايات مثل الموصل والجزيرة وميافارقين ووقع النهب في دار الخلافة ~~وكان لأم المقتدر ستمائة ألف دينار في الرصافة فأخذت وآستتر المقتدر عند ~~أمه وبعد ثلاثة أيام حضرت الرجالة من الجند وآمتلأت دار الخلافة وآزدحم ~~الناس ودخلوا إلى المقتدر وحملوه على رقابهم، وصاحوا يا مقتدر يا منصور، ~~وخرجوا به وبايعوه ثانيا بالخلافة بعد أمور وقعت بين القواد والجند من ~~وقائع وحروب وقتل أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ونازوك وخلع القاهر محمد ~~وأمنه أخوه المقتدر هذا وسكنت الفتنة بعد حروب وقعت ببغداد وقتل فيها عدة ~~من الأعيان والجند قلت وهذه ثاني مرة خلع فيها المقتدر من الخلافة لأنه خلع ~~أولا بعبد الله بن المعتز في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين وهذه ~~الثانية ثم آستقر بعد هذه في الخلافة إلى أن مات حسبما يأتي ذكره في محله. ~~وفيها ظهر هارون بن غريب ودخل إلى مؤنس وسلم عليه وقلد الجبل فخرج إليه ~~وقلد المقتدر إبراهيم ومحمدا ابني رائق شرطة بغداد وقلد مظفر بن ياقوت ~~الحجابة وماتت ثمل القهرمانة وخلفت أموالا كثيرة. وفيها سير المقتدر ركب ~~الحاج مع منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين فوافاهم يوم التروية عدو ~~الله أبو طاهر القرمطي فقتل الحجيج قتلا ذريعا في فجاج مكة وفي داخل البيت ~~الحرام لعنه الله وقتل ابن محارب أمير مكة وعرى البيت وقلع باب البيت ~~وآقتلع الحجر الأسود وأخذه وطرح القتلى في بئر زمزم وفعل أفعالا لا يفعلها ms0672 ~~النصارى ولا اليهود بمكة ثم عاد إلى هجر ومعه الحجر الأسود فدام الحجر ~~الأسود عندهم إلى أن رد إلى مكانه في خلافة المطيع على ما سيأتي ذكره إن ~~شاء الله تعالى وجلس أبو طاهر على باب الكعبة والرجال تصرع حوله في المسجد ~~الحرام يوم التروية الذي هو من أشرف الأيام وهو يقول: أنا لله وبالله أنا ~~... يخلق الخلق وأفنيهم أنا PageV01P0346 # ودخل رجل من القرامطة إلى حاشية الطواف وهو راكب سكران فبال فرسه عند ~~البيت ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه وكانت إقامة القرمطي بمكة ~~أحد عشر يوما فلما عاد القرمطي إلى بلاده رماه الله في جسده حتى طال عذابه ~~وتقطعت أوصاله وأطرافه. وهو ينظر إليها وتناثر الدود من لحمه قلت: هذا ما ~~عذب به في الدنيا وأما الأخرى فأشد إن شاء الله تعالى وأدوم عليه وأعوانه ~~وذزيته لعنة الله عليهم. وفيها وقعت الوحشة بين الأمير تكين أمير مصر صاحب ~~الترجمة وبين محمد بن طغج أمير الحوف، فخرج محمد بن طغج من مصر سرا خوفا من ~~تكين ولحق بالشام. وفيها هلك القرمطي أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن ~~بهرام الجنابي القرمطي لعنه الله ولي أبو طاهر هذا أمر القرامطة بعد موت ~~أبيه عليهما اللعنة بوصية أبيه إليه وغلط أبو القاسم السمناني في تاريخه ~~قال: الذي قلع الحجر الأسود أبو سعيد الجنابي وانما هو انبه أبو طاهر هذا ~~عليهما اللعنة ولما ولي أبو طاهر هذا أمر القرامطة قوي أمره وحارب عساكر ~~الخليفة وأتسع ملكه وكثرت جنوده ونال من الدنيا ما لم ينله أبوه ولا جده ~~وكان زنديقا ملحدا لا يصلي ولا يصوم شهر رمضان مع أنه كان يظهر الإسلام ~~ويزعم أنه داعية المهدي عبيد الله وقد تقدم من أخباره ما فيه كفاية عن ذكره ~~هنا من قتله الحجاج وسفكه الدماء وأخذه أموال الناس وأشياء كثيرة من ذلك ~~وقد كان هذا الملعون أشد ما يكون من البلاء على الإسلام وأهله وطالت أيامه ~~ومنهم من يقول إنه هلك عقيب أخذه ms0673 الحجر الأسود أعني في هذه السنة والظاهر ~~خلافه وكان أبو طاهر المذكور مع قلة دينه عنده فضيلة وفصاحة وأدب ومن شعره ~~القصيدة التي أولها: أغركم مني رجوعي إلى هجر ... فعما قليل سوف يأتيكم ~~الخبر إذا طلع المريخ من أرض بابل ... وقارنه النجمان فالحذر الحذر فمن ~~مبلغ أهل العراق رساله ... بأني أنا المرهوب في البدو والحضر ومنها: فيا ~~ويلهم من وقعة بعد وقعة ... يساقون سوق الشاء للذبح والبقر سأصرف خيلي نحو ~~مصر وبرقة ... إلى قيروان الترك والروم وآلخزر ومنها: أكيلهم بالسيف حتى ~~أبيدهم ... فلا أبق منهم نسل أنثى ولا ذكر أنا الداع للمهدي لا شك غيره ... ~~أنا الصارم الضرغام والفارس الذكر أعمر حتى يأتي عيسى ابن مريم ... فيحمد ~~آثاري وأرضى بما أمر ولكنه حتم علينا مقدر ... فنفنى ويبقى خالق الخلق ~~والبشر وفيها توفي أحمد بن الحسين الإمام العلامة أبو سعيد البردعي الحنفي ~~شيخ الحنفية في زمانه استشهد بمكة بيد القرامطة. وفيها توفي أحمد بن مهدي ~~بن رستم كان شيخا صالحا ذا مال كثير أنفقه كله على العلم ولم يعرف له فراش ~~أربعين سنة. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المرزبان بن ~~شابور بن شاهنشاه أبو القاسم البغوي الأصل البغدادي مسند الدنيا وبقية ~~الحفاظ وهو ابن بنت أحمد بن منيع ولد ببغداد في أول شجر نصيبين سنة أربع ~~عشرة ومائتين وسمع الكثير ورحل إلى البلاد وروى عنه خلائق لا يحصيهم إلا ~~الله لأنه طال عمره وتفرد في الدنيا بعلو السند رضي الله عنه. وفيها توفي ~~نازوك الخادم قتيلا في هذه السنة في واقعة خلع المقتدر كان نازوك المذكور ~~شجاعا فاتكا غلب على الأمر وتصرف في الدولة وعلم مؤنس الخادم أنه متى وافقه ~~على خلع المقتدر لم يبق له في الدولة أمر ولا نهي فوافقه ظاهرا وواطأ عليه ~~البرددارية باطنا حتى تم له ذلك وكان لنازوك أكثر من ثلاثمائة مملوك . أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون ms0674 إصبعا ### || AUT السنة السابعة من ولاية تكين الرابعة # وهي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة:فيها حج بالناس عبد السميع بن أيوب بن عبد ~~العزيز الهاشمي وقيل: شهر رمضان الحسن بن عبد العزيز قال أبو المظفر في ~~مرآة الزمان " والظاهر أنه لم يحج أحد منذ سنة سبع عشرة وثلاثمائة إلى سنة ~~ست وعشرين وثلاثمائة خوفا من القرامطة " . وفيها في المحرم صرف المقتدر ~~ابني رائق عن الشرطة وقلدها أبا بكر محمد بن ياقوت. PageV01P0347 # وفيها في شهر ربيع الآخر هبت ريح شديدة حملت رملا أحمر قيل إنه من جبل ~~ذرود فامتلأت به أزقة بغداد وسطوحها. وفيها قبض المقتدر على الوزير ابن ~~مقلة وأحرقت داره وكانت عظيمة قد ظلم الناس في عمارتها وعز على مؤنس الخادم ~~حتى لم يشاوره المقتدر في القبض عليه ثم أستوزر المقتدر سليمان بن الحسن ~~فكان لا يصدر عن أمر حتى يشاور علي بن عيسى وكانت وزارة ابن مقلة سنتين ~~وأربعة أشهر وثلاثة أيام. وفيها توفي جعفر بن محمد بن يعقوب الشيخ أبو ~~الفضل الصندلي البغدادي كان من الأبدال سمع علي بن حرب وغيره واتفقوا على ~~ثقته وصدقه وفيها توفي سعيد بن عبد العزيز بن مروان الشيخ أبو عثمان الحلبي ~~الزاهد وهو من أكابر مشايخ الشام صحب سريا السقطي وروى عنه أبو الحسين ~~الرازي وغيره ومات بدمشق . وفيها توفي عبد الواحد بن محمد بن المهتدي أبو ~~أحمد الهاشمي سمع يحيى بن أبي طالب وروى عنه أبو الحسين الرازي وغيره. ~~وفيها توفي عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الأسفرايني ولد بقرية من ~~أعمال أسفراين يقال لها " جوربذ وسافر في طلب الحديث وكان من الاثبات. ~~وفيها توفي محمد بن سعيد بن محمد أبو عبد الله الميورقي قدم بغداد وحدث بها ~~وكان يتفقه على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة. وفيها توفي يحيى بن محمد بن ~~صاعد أبو محمد مولى أبي جعفر المنصور كان محدثا فاضلا قال أو أسبوعين بنو ~~صاعد ثلاثة يوسف وأحمد ويحيى وكانت وفاة يحيى هذا ببغداد. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم ms0675 في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن بهلول ~~الأنبار في قاضي مدينة المنصور وأبو عروبة الحسين بن محمد بن أبي معشر ~~الحراني وسعيد بن عبد العزيز الحلبي الزاهد وأبو بكر عبد الله بن محمد بن ~~مسلم الأسفرايني وأبو بكر محمد بن إبراهيم بن فيروز الأنماطي ويحيى بن محمد ~~بن صاعد في ذي القعدة وله تسعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمس أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا إصبعان. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية تكين الرابعة # وهي سنة تسع عشرة وثلاثمائة: فيها نزل القرامطة الكوفة فهرب أهلها إلى ~~بغداد. وفيها دخل الديلم الدينور وقتلوا أهلها وسبوا فورد بعض أهل دينور ~~بغداد وقد سودوا وجوههم ورفعوا المصاحف على رؤوس القصب وحضروا يوم عيد ~~النحر إلى جامع بغداد وآستغاثوا ومنعوا الخطيب من الخطبة والصلاة وثار معهم ~~عامة بغداد وأعلنوا بسب المقتدر ولازم الناس المساجد وأغلقوا الأسواق خوفا ~~من القرمطي. وفيها ولد المعز أبو تميم معد العبيدي رابع خلفاء بني عبيد ~~وأول من ملك منهم ديار مصر الآتي ذكره في محله من هذا الكتاب إن شاء الله ~~تعالى. وفيها قبض المقتدر على الوزير سليمان بن الحسن وحبسه وكانت وزارته ~~سنة وشهرين وكان المقتدر يميل إلى وزارة الحسين بن القاسم فلا يمكنه مؤنس ~~وأشار مؤنس بعبيد الله بن محمد الكلوذاني فاستوزره المقتدر مع مشاورة علي ~~بن عيسى في الأمور. وفيها كانت وقعة بين هارون بن غريب وبين مرداويج ~~الديلمي بنواحي همذان فانهزم هارون وملك الديلمي الجبل بأسره إلى حلوان. ~~وفيها أيضا عزل المقتدر الكلوذاني وأستوزر الحسين بن القاسم بن ألف دينار ~~في كل سنة وكانت وزارة الكلوذاني شهرين. وفيها في ذي الحجة استوحش مؤنس من ~~الخليفة المقتدر لأنه بلغه أجتماع الوزير والقواد على العمل على مؤنس فعزم ~~خواص مؤنس على كبس الوزير فعلم الوزير فتغيب عن داره وطلب من المقتدر عزل ~~الوزير فعزله فقال انفه إلى عمان فآمتنع المقتدر وأوقع الوزير في ذهن ~~المقتدر ms0676 أن مؤنسا يريد أن يأخذ أبا العباس من داره ويذهب به إلى الشام ومصر ~~ويبايعه بالخلافة هناك ثم وقعت أمور ألجأت مؤنسا إلى الخروج من بغداد إلى ~~الشفاسية وكتب إلى المقتدر يطلب منه مفلحا الأسود فقويت الوحشة بين المقتدر ~~وبين مؤنس حتى أرسل المقتدر إلى قتاله ثلاثين ألفا وكان مؤنس في ثمانمائة ~~فانتصر عليهم وهزمهم وملك الموصل. وفيها كان الوباء المفرط ببغداد حتى كان ~~يدفن في القبر الواحد جماعة. PageV01P0348 # وفيها توفي الحسن بن علي بن أحمد بن بشار أبو بكر الشاعر المشهور الضرير ~~النهرواني المعروف بابن العلاف أحد ندماء المعتضد " وكان من الشعراء ~~المجيدين قال: كنت في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه فأتى الخادم ليلا ~~فقال أمير المؤمنين يقول لكم أرقت الليلة بعد آنصرافكم فقلت: ولما آنتبهنا ~~للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد وقد أرتج علي تمامه فمن ~~أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة قال فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر ~~فاضل فآبتدرت وقلت: فقلت لعيني عاودي النوم وآهجعي ... لعل خيالا طارقا ~~سيعود ومن شعر ابن العلاف هذا قصيدته التي رثى فيها المحسن بن أبي الحسن بن ~~الفرات الوزير وكنى عنه بالهر خوفا من الخليفة وعددها خمسة وستون بيتا ~~وأولها: يا هر فارقتنا ولم تعد ... وكنت منا بمنزل الولد فكيف ننفك عن هواك ~~وقد ... كنت لنا عدة من العدد تطرد عنا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من حية ~~ومن جرد وتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السدد وكلها على ~~هذا المنوال وفيها حكم أضربت عن ذكرها لطولها. وفيها توفي الحسن بن علي بن ~~زكريا بن صالح بن عاصم بن زفر أبو سعيد العدوي البصري روى عنه الدار قطني ~~وغيره وعاش مائة وثمانين سنة. وفيها توفي علي بن الحسين بن حرب أبو عبيد ~~القاضي البغدادي ويعرف بابن حربويه ولي قضاء مصر وأقام بها دهرا طويلا قال ~~الرقاشي سألت عنه الدار قطني فقال ذلك الجليل الفاضل. وفيها توفي محمد بن ~~سعيد وقيل ابن سعد أبو الحسين الوراق النيسابوري صاحب ms0677 أبي عثمان الحيري كان ~~من كبار المشايخ عالما بالشريعة والحقيقة. وفيها توفي محمد بن الفضل بن ~~العباس أبو عبد الله البلخي الزاهد كان أحد الأبدال وله كرامات قال ما خطوت ~~أربعين سنة خطوة لغير الله. له وفيها توفي المؤمل بن الحسن بن عيسى بن ~~ماسرجس أبو الوفاء النيسابوري الماسرجسي شيخ نيسابور في عصره وكان أبوه من ~~بيت حشمة في النصارى فأسلم على يد ابن المبارك وهو شيخ سمع المؤمل هذا ~~الكثير ورحل إلى البلاد وروى عنه أبناه أبو بكر محمد وأبو القاسم علي ~~وغيرهما قال الحاكم سمعت محمد بن المؤمل يقول حج جدي وهو أبن نيف وسبعين ~~سنة فدعا الله تعالى أن يرزقه ولدا فلما رجع رزق أبي فسماه المؤمل لتحقيق ~~ما أمله وكناه أبا الوفاء ليفي لله بالنذور ووفاها. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبو الجهم أحمد بن الحسين بن أحمد بن ~~طلاب خطيب مشغرى وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن مروان ~~في رجب وأبو سعيد الحسن بن علي بن زكرياء العدوي الكذاب وأبو القاسم عبد ~~الله بن أحمد البلخي رأس المعتزلة وأبو عبيد علي بن الحسين بن حربويه ~~القاضي وأبوا لوفاء المؤمل بن الحسن الماسرجسي. أمر النيل في هذه السنة : ~~الماء القديم خمس أذرع وتسع أصابع مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية تكين الرابعة # وهي سنة عشرين وثلاثمائة فيها عزل المقتمر الحسين بن القاسم من الوزارة ~~وآستوزر أبا الفتح بن الفرات. وفيها بعث المقتدر بالعهد واللواء لمرداويج ~~الديلمي على إمرة أذربيجان وإرمينية وأران وقم ونهاوند وسجستان. وفيها نهب ~~الجند دور الوزير الفضل بن جعفربن الفرات فهرب الوزير إلى طيار له في الشط ~~فأغرق الجند الطيارات وسخم الهاشميون وجوههم وصاحوا الجوع الجوع وكان قد ~~اشتد الغلاء لأن القرمطي ومؤنسا الخادم منعا الغلات من النواحي أن تصل ولم ~~يحج ركب العراق في هذه السنة . PageV01P0349 # وفيها في صفر غلب مؤنس على الموصل فتسلل إليه الجند والفرسان ms0678 من بغداد ~~وأقام بالموصل أشهرا ثم تهيأ المقتدر لقتاله وأخرج مضربه إلى باب الشماسية ~~وبعث أبا العلاء سعيد بن حمدان إلى سرمن رأى في ألف فارس فأقبل مؤنس في جمع ~~كبير فلما قارب العكبرا آجتهد المقتدر بهارون بن غريب أن يحارب مؤنسا ~~فآمتنع واحتج بأن أصحابه مع مؤنس في الباطن ولايثق بهم وقيل إنه عسكرهارون ~~وابن ياقوت وأبنارائق وصافي الحرمي ومفلح بباب الشماسية وانضموا إلى ~~المقتدر وقالوا له إن الرجال لا يقاتلون إلا بالمال وإن أخرجت المال أسرع ~~إليك رجال مؤنس وتركوه وسألوه مائتي ألف دينار فلم يرض وأمر بجمع الطيارات ~~لينحدر فيها بأولاده وحرمه إلى واسط ويستنجد منها ومن البصرة وغيرها على ~~مؤنس فقال له محمد بن ياقوت اتق الله في المسلمين ولاتسلم بغداد بلاحرب ~~وأمعن في ذلك حتى قال له المقتدرأنت رسول إبليس وبنى عزمه وأصبح يقاتل ~~مؤنسا وأبلى ابن ياقوت المذكور بلاء حسنا وكان غالب عسكر مؤنس البربر فلما ~~آنكشف عن المقتدر أصحابه جاءه واحد من البربر فضربه من خلفه ضربة سقط منها ~~إلى الأرض فقال له ويلك أنا الخليفة فقال أنت المطلوب وذبحه بالسيف وشال ~~رأسه على رمح ثم سلب ماعليه وتركه مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش وحفر له في ~~الموضع ودفن فيه وعفي أثره وذلك في شوال وبات مؤنس بالشماسية ووقع له بعد ~~قتل المقتدرأمور حتى أخرج القاهر وبايعه بالخلافة وتم أمره. ### || AUT ترجة المقتدر # اسمه جعفر وكنيته أبوالفضل ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد ابن ولي ~~العهد طلحة الموفق ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم ~~بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن ~~الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ~~أمير المؤمنين الهاشمي العباسي البغدادي بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه ~~المكتفي بالله علي في سنة خمس وتسعين ومائتين وله ثلاث عشرة سنة ولم يل ~~الخلافة أحد قبله أصغر منه وخلع من الخلافة أول مرة بعبد الله بن المعتز في ~~شهر ms0679 ربيع الأول في سنة ست وتسعين ومائتين ثم أعيد وقتل ابن المعتز ثم خلع ~~في سنة سبع عشرة وثلاثمائة بأخيه القاهر ثلاثة أيام ثم أعيد إلى الخلافة ~~إلى أن قتل في هذه السنة وقد تقدم ذكر ذلك كله في الحوادث من هذا الكتاب كل ~~واقعة في موضعها وآستخلف من بعده أخوه القاهر محمد وكنيته أبومنصور وعمره ~~يوم ولي الخلافة ثلاث وثلاثون سنة وكانت خلافة المقتدر خمسا وعشرين سنة إلا ~~بضعة عشريوما وكانت النساء قدغلبن عليه وكان سخيا مبذرا يصرف في السنة للحج ~~أكثر من ثلاثمائة ألف دينار وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصي غيرالصقالبة ~~والروم وأخرج جميع جواهر الخلافة ونفائسها على النساء وغيرهن وأعطى الدرة ~~اليتيمة لبعض حظاياه وكان زنتها ثلاثة مثاقيل وأخذت زيدان القهرمانة سبحة ~~جوهر لم ير مثلها قيمتها ثلائمائة ألف دينا هذا مع ما ضيع من الذهب والمسك ~~والأشياء والتحف قيل إنه فرق ستين حبا من الصيني وقال الصولي كان المقتدر ~~يفرق يوم عرفة من الإبل والبقر أربعين ألف رأس ومن الغنم خمسين ألفا ويقال ~~إنه أتلف من المال في أيام خلافته ثمانين ألف ألف دينار وخلف المقتدر عدة ~~أولاد ذكور وإناث . وفيها توفي أحمد بن عميربن يوسف الحافظ أبوالحسين بن ~~جوصى كان حافظ الشام في وقته كان إماما حافظا متقنا رحالا قال الدار قطني ~~تفرد بأحاديث وليس بالقوي. وفيها توفي الحسين بن صالح أبو علي بن خيران ~~الفقيه الشافعي القاضي كان من أفاضل الشيوخ وأماثل الفقهاء . وفيها توفي ~~عبد الوهاب بن عبد الرزاق بن عمربن مسلم أبو محمد القرشي مولاهم الدمشقي ~~حدث عن هشام بن عمار وطبقته وروى عنه أبو الحسين الرازي وغيره . وفيها توفي ~~محمد بن يوسف بن إسماعيل أبوعمرالقاضي الأزدي مولى جريربن حازم ولي قضاء ~~مدينة المنصور وكان عالما عاقلا دينا متفننا. وفيها توفي أبوعمر والدمشقي ~~أحد مشايخ الصوفية صحب ابن الجلى وأصحاب ذي النون وكان من عظماء مشايخ ~~الفقه وله مقالات وأحوال. PageV01P0350 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها ms0680 توفي أبو الحسن أحمد بن ~~القاسم الفرائضي والمقتدر بالله جعفربن المعتضد قتل في شوال عن ثمان ~~وثلاثين سنة وأبو القاسم عبد الله بن محمد بن يوسف الفربري وأبوعمر محمد بن ~~يوسف القاضي وأبو علي بن خيران الشافعي الحسين بن صالح. أمر النيل في هذه ~~السنة الماء القديم ثلاث أذرع وسبع عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وثلاث عشرة إصبعا ### | AUT ولاية محمد بن طغج الأولى # هو محمد بن طغج بن جف بن يلتكين بن فوران بن فورى الأميرأبو بكر ~~الفرغاني التركي مولده في يوم الاثنين منتصف شهر رجب سنة ثمان وستين ~~ومائتين ببغداد بشارع باب الكوفة ولي إمرة مصر بعد موت تكين ولاه أمير ~~المؤمنين القاهر بالله على الصلاة بعد أن آضطربت أحوال الديار المصرية وخرج ~~أبن تكين منها في سادس عشرأشهرربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة فأرسل ~~محمد بن طغج هذا كتابه بولايته على مصر في سابع شهررمضان من سنة إحدى ~~وعشرين وثلاثمائة المذكورة ولم يدخل مصر في هذه الولاية وما دخلها أميرا ~~عليها إلا في ولايته الثانية من قبل الخليفة الراضي بالله. وقال ابن خلكان ~~بعدما سماه وأباه إلى أن قال الفرغاني الأصل صاحب سرير الذهب المنعوت ~~بالإخشيذ صاحب مصر والشام والحجاز أصله من أولاد ملوك فرغانة وكان المعتصم ~~بالله بن هارون الرشيد قد جلبوا إليه من فرغانة جماعة كثيرة فوصفوا له جف ~~وغيره بالشجاعة والتقدم في الحروب فوجه إليهم المعتصم من أحضرهم فلما وصلوا ~~إليه بالغ في إكرامهم وأقطعهم قطائع بسر من رأى وقطائع جف إلى الآن معروفة ~~هناك فلم يزل جف بها إلىأن مات ليلة قتل المتوكل انتهى كلام آبن خلكان قلت ~~ودير له على منابر مصر وهومقيم بدمشق نحوا من ثلاثين يوما وقال صاحب البغية ~~اثنين وثلاثين يوما إلى أن قدم رسول الأمير أحمد بن كيغلغ بولايته على مصر ~~ثاني مرة من قبل الخليفة القاهر بالله في تاسع شوال من السنة وأما الأيام ~~التي قبل ولاية محمد بن طغج على مصر فكان يحكم فيها ms0681 ابن تكين باستخلاف ~~والده تكين له ويشاركه في ذلك أيضا الماذرائي صاحب خراج مصر المقدم ذكره. ~~ووقع في هذه الأيام بمصر أمور ووقائع وكان الزمان مضطربا لقتل الخليفة ~~المقتدر بالله جعفر وآشتغال الناس بحرب القرمطي وكان في تلك الأيام كل من ~~غلب على أمر صار له. وفي ولاية محمد بن طغج هذا على مصر ثانيا على ما سيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى لقب بالإخشيذ والإخشيذ بلسان الفرغانة ملك الملوك ~~وطغج عبد الرحمن والإخشيذ لقب ملوك فرغانة كما أن أصبهبذ لقب ملوك طبرستان ~~وصول لقب ملوك جرجان وخاقان لقب ملوك الترك والأفشين لقب ملوك أشروسنة ~~وسامان لقب ملوك سمرقند وقيصر لقب ملوك الروم وكسرى لقب ملوك العجم ~~والنجاشي والحطي لقب ملوك الحبشة وفرعون قديمالقب ملوك مصروحديثا السلطان. ~~ولما مات جده جف في سنة سبع وأربعين ومائتين آتضل ابنه طغج أبو محمد هذا ~~بالأمير أحمد بن طولون صاحب مصر وكان من أكابر قواده ودام على ذلك حتى قتل ~~خمارويه بن أحمد بن طولون فسارطغج إلى الخليفة المكتفي بالله علي فأكرم ~~الخليفة مورده ثم بدا من طغج المذكور تكبرعلى الوزيرفحبس هووابنه محمد إلى ~~أن مات طغج المذكورفي الحبس وبعد مدة أخرج محمد هذا من الحبس وجرت له أمور ~~يطول شرحها إلى أن قدم مصر في دولة تكين وولي الأحواف بأعمال مصر وأقام على ~~ذلك مدة إلى أن وقع بينه وبين تكين وخرج من مصر مختفيا إلى الشام ثم ولي ~~إمرة الشام ثم أضيف إليه إمرة مصر فلم يدخلهاعلى ما تقدم ذكره وعزل بالأمير ~~أحمد بن كيغلغ. وتأتي بقية ترجمته في ولايته الثانية على مصر إن شاء الله تعالى. ### || AUT السنة التي حكم فيها عدة أمراء # PageV01P0351 # حكم في أولها تكين إلى أن مات في شهرربيع الأول ثم ابنه من غيرولاية ~~الخليفة بل باستخلاف أبيه ثم الأمير محمد بن طغج من أواخر شعبان إلى أواخر ~~شهر رمضان وكانت ولايته آثنين وثلاثين يوما ولم يدخلها ثم الأمير أحمد بن ~~كيغلغ من آخر أشهررمضان ولم يصل ms0682 رسوله إلا لسبع خلون من شوال وهي سنة إحدى ~~وعشرين وثلاثمائة فيها شغب الجند على الخليفة القاهر بالله وهجمواعلىالدار ~~فنزل في طيار إلى دار مؤنس الخادم فشكا إليه فصبرهم مؤنس عشرة أيام وكان ~~الوزير آبن مقلة منحرفا عن محمد بن ياقوت فنقل إلى مؤنس أن ابن ياقوت ~~يدبرعليهم فاتفق مؤنس وآبن مقلة ويلبق وآبنه على الإيقاع بابن ياقوت فعلم ~~فاستتر ثم جاءعلي بن يلبق إلى دار الخلافة فوكل بها أحمدبن زيرك وأمره ~~بالتضييق على القاهر وطالب آبن يلبق القاهرم بما كان عنده من أثاث أم ~~المقتدر. وفيها استوحش المظفرمؤنس وابن مقلة ويلبق من الخليفة القاهر. ~~وفيها أشيع ببغداد أن يلبق والحسن بن هارون كاتبه عزماعلى سب معاوية بن أبي ~~سفيان على المنابر فاضطربت الناس وقبض يلبق على جماعة من الحنابلة ونفاهم ~~إلى البصرة. وفيها تأكدت الوحشة بين الخليفة القاهر وبين وزيره ابن مقله ~~ويلبق وقبض على يلبق وعلى أحمد بن زيرك وعلى يمن المؤنسي صاحب شرطة بغداد ~~وحبسوا وصارالحبس كله في دار الخلافةثم طلب الخليفة مؤنسا فحضر إليه فقبض ~~عليه أيضا وآختفى الوزير ابن مقلة فاستوزر القاهرعوضه أبا جعفرمحمد بن ~~القاسم بن عبيد الله وأحرقت دار آبن مقلة كما أحرقت قبل هذه المرة ثم ظفر ~~القاهر بعلي بن يلبق بعد جمعة فحبسه بعد الضرب ثم ذبح القاهر يلبق وآبنه ~~عليا ومؤنسا وخرج برؤوسهم إلى الناس وطيف بها ووقع في هذه السنة أمور وأطلق ~~القاهر أرزاق الجند فسكنوا وآستقامت له الأمور وعظم في القلوب وزيد في ~~ألقابه " المنتقم من أعداء دين الله ونقش ذلك على السكة. وفيها أمر القاهر ~~بتحريم القيان والخمروقبض على المغنين ونفى المخنثين وكسرآلات اللهو وأمر ~~بتتبع المغنيات من الجواري وكان هومع ذلك يشرب المطبوخ ولا يكاد يصحو من ~~السكر. وفيها عزل القاهر الوزير محمدا واستوزر أبا العباس بن الخصيب. وفيها ~~حج بالناس مؤنس الورقاني. وفيها توفيت السيدة شغب أم الخليفة المقتدربالله ~~جعفر كان متحصلها في السنة ألف ألف دينار فتتصدق بها وتخرج من عندها مثلها ~~وكانت صالحة ms0683 ولما قتل آبنها كانت مريضة فقوي مرضها وامتنعت من الأكل حتى ~~كادت تهلك ثم عذبها القاهر حتى ماتت ولم يظهر لها إلا ما قيمته مائة ~~وثلاثون ألف دينار وكان لها الأمر والنهي في دولة ابنها. وفيها قتل مؤنس ~~الخادم وكان لقب بالمظفرلماعظم أمره وكان شجاعا مقداما فاتكا مهيبا عاش ~~تسعين سنة منها ستون سنة أميرا وكان كل ما له في علو ورفعة وكان قد أبعده ~~المعتضد إلى مكة ولما بويع المقتدر بالخلافة أحضره وقربه وفوض إليه الأمور ~~فنال من السعادة والوجاهة ما لم ينله خادم قبله. وفيها توفي أحمد بن محمد ~~بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك أبو جعفرالأزدي الحجري المصري الطحاوي ~~الفقيه الحنفي المحدث الحافظ أحد الأعلام وشيخ الإسلام وطحا قرية من قرى ~~مصر من ضواحي القاهرة بالوجه البحري قال ابن يونس ولد سنة تسع وثلاثين ~~ومائتين وسمع هارون بن سعيد الايلي وعبد الغني بن رفاعة ويونس بن عبدالأعلى ~~ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وطائفة غيرهم وروى عنه أبو الحسن الإخميمي ~~وأحمد بن القاسم الخشاب وأبو بكربن المقرىء وأحمد بن عبد الوارث الزجاج ~~والطبراني وخلق سواهم ورحل إلى البلاد قال أبو إسحاق الشيرازي انتهت إلى ~~أبي جعفر رياسة أصحاب أبي حنيفة بمصر أخذ العلم عن أبي جعفر أحمد بن أبي ~~عمران وأبي حازم وغيرهم وكان إمام عصره بلا مدافعة في الفقه. والحديث ~~وآختلاف العلماء والأحكام واللغة والنحو وصنف المصنفات الحسان وصنف اختلاف ~~العلماء و أحكام القرآن و معاني الآثارو الشروط وكان من كبار فقهاء الحنفية ~~والمزني الشافعي هوخال الطحاوي وقصته معه مشهورة في آبتداء أمره وكانت وفاة ~~الطحاوي في مستهل ذي القعدة. PageV01P0352 # وفيها توفي محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية العلامة أبو بكرالأزدي ~~البصري نزيل بغداد تنقل في جزائر البحر وفارس وطلب الأدب واللغة حتى ~~صاررأسا فيهما وفي أشعار العرب وله شعر كثير وتصانيف وكان أبوه من رؤساء ~~زمانه وحدث ابن درييدعن أبي حاتم الجستاني وأبي الفضل العباس الرياشي وابن ~~أخي الأصمعي وروي عنه أبو ms0684 سعيد السيرافي وأبو بكر بن شاذان وأبو الفرج صاحب ~~الأغاني وأبو عبيد الله المرزباني وعاش ابن دريد بضعا وتسعين سنة فإن مولده ~~في سنة ثلاث وعشرين ومائتين وقال أبوحفص بن شاهين كنا ندخل على ابن دريد ~~فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفى وقد جاوزالتسعين ولابن ~~دريد من المصنفات كتاب الجمهرة وكتاب الأمالي وكتاب اشتقاق أسماء القبائل ~~وكتاب المجتبى وهو صغير وكتاب الخيل وكتاب السلاح وكتاب غريب القرآن ولم ~~يتم وكتاب أدب الكاتب وأشياء غير ذلك وكان يقال آبن دريد أعلم الشعراء ~~وأشعرالعلماء ولما مات دفن وأبوهاشم الجبائي في يوم واحد في مقبرة الخيزران ~~لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان ومن شعره قوله: وحمراء قبل المزج صفراء ~~بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقاثق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلطوا ... عليها ~~مزاجا فاكتست لون عاشق وله : ثوب الشباب علي اليوم بهجته ... فسوف ينزعه ~~عني يدا الكبر أنا ابن عشرين لازادت ولا نقصت ... إن آبن عشرين من شيب على ~~خطر الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبو حامد أحمد بن ~~حمدون النيسابوري الأعمشي وأحمد بن عبد الوارث العسال وأبو جعفر أحمد بن ~~محمد بن سلامة الطحاوي في ذي القعدة عن اثنتين وثمانين سنة وأبو هاشم عبد ~~السلام بن أبي علي الجبائي وأبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي ببغداد ~~ومكحول البيروتي محمد بن عبد الله بن عبد السلام ومحمد بن نوح الجند ~~يسابوري ومؤنس الخادم الملقب بالمظفر وأبو حامد محمد بن هارون الحضرمي أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ~~ست عشرة ذراعا ونصف إصبع. ### | AUT ولاية أحمد بن كيغلغ الثانية # PageV01P0353 # ولي أحمد بن كيغلغ المذكور مصر ثانيا من قبل القاهرمحمد لما اضطربت أحوال ~~الديار المصرية بعد عزل الأمير محمد بن طغج بن جف في آخر شهر رمضان وقدم ~~رسوله إلى الديار المصرية بولايته لتسع خلون من شوال سنة إحدى وعشرين ~~وثلاثمائة واستخلف ابن كيغلغ المذكور أبا الفتح محمد بن ms0685 عيسى النوشري على ~~مصر فتشغب عليه الجند في طلب أرزاقهم وطلبوا ذلك من الماذرائي صاحب خراج ~~مصر فآستتر الماذرائي منهم فأحرقوا داره ودورأهله ووقعت فتنة عظيمة وحروب ~~قتل فيها جماعة كثيرة من المصريين ودامت الفتنة إلى أن قدم محمد بن تكين ~~إلى مصر من فلسطين لثلاث عشرة خلت من شهر جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين ~~وثلاثمائة فظهر الماذرائي صاحب الخراج وأنكر ولاية آبن تكين على مصر فتعصب ~~لمحمد المذكور جماعة من المصريين ودعي له بالإمارة على المنابر ووقع بين ~~الناس بسبب ذلك وصاروا فرقتين فرقة تنكر ولاية محمد بن تكين وتثبت ولاية ~~أحمد بن كيغلغ وفرقة تتعصب لمحمد بن تكين وتنكرولاية ابن كيغلغ ووقع بسبب ~~ذلك فتن وخرج منهم قوم إلى الصعيد فيهم ابن النوشري خليفة ابن كيغلغ وغيره ~~وأمر ابن النوشري عليهم وهم مستمرون في الدعاء لابن كيغلغ فكانت حروب كثيرة ~~بديار مصر بسبب هذا الاختلاف إلى أن أقبل الأمير أحمد بن كيغلغ ونزل بمنية ~~الأصبغ في يوم ثالث شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فلما وصل آبن ~~كيغلغ لحق به كثيرمن أصحاب محمد بن تكين فقوي أمره بهم فلما رأى محمد بن ~~تكين أمره في إدبارفرليلا من مصر ودخلهامن الغد الأميرأحمد بن كيغلغ وذلك ~~لست خلون من شهر رجب فكان مقام ابن تكين علىمصرفي هذه الأيام مائة يوم ~~وآثني عشر يوما وهوغيروال بل متغلب عليها وكان المتولي من الخليفة في هذه ~~المرة ابن كيغلغ المذكورغير أنه كان قد تأخرعن الحضور إلى الديار المصرية ~~لأمر ما ولما دخل ابن كيغلغ إلى مصر وأقام بها أقر بجكم الأعورعلى شرطة مصر ~~ثم عزله بعد أيام بالحسين بن علي بن معقل مدة ثم أعيد بجكم وأخذ ابن كيغلغ ~~في إصلاح أمر مصر والنظر في أحوالها وفي أرزاق الجند ومع هذه الفتن التي ~~مرت كان بمصر في هذه السنة والماضية زلازل عظيمة خربت فيها عدة بلاد ودور ~~كثيرة وتساقطت عدة كواكب وبينما أحمد بن كيغلغ في إصلاح أمر مصر ورد عليه ~~الخبر بخلع ms0686 الخليفة القاهر بالله وتولية الراضي بالله محمد بن المقتدرجعفر ~~فلما بلغ محمد بن تكين تولية الراضي بالله عاد إلى مصر بجموعه وأظهر أن ~~الراضي ولاه مصر فخرج إليه عسكر مصر وأعوان أحمد بن كيغلغ وحاربوه فيما بين ~~بلبيس وفاقوس شرقي مصر فكانت بينهم مقتلة انكسر فيها محمد بن تكين وأسر ~~وجيء به إلى الأميرأحمدبن كيغلغ المذكور فحمله ابن كيغلغ إلى الصعيد ~~وآستقامت الأمور بمصرلأحمدبن كيغلغ وبعد ذلك بمدة يسيرة ورد كتاب الخليفة ~~بخبر ولاية الأمير محمد بن طغج على مصروعزل أحمدبن كيغلغ هذا عنها وأن محمد ~~بن طغج واصل إليها عن قريب فأنكر ابن كيغلغ ذلك وتهيأ لحربه وجهز إليه ~~عساكرمصر ليمنعوه من الدخول إلى الفرما فأقبلت مراكب محمد بن طغج من ~~البحرإلى تنيس وسارت مقدمته في البروالتقوا مع عساكر أحمد بن كيغلغ فكانت ~~بينهم وقعة هائلة وقتال شديد في سابع عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ~~فآنكسر أصحاب ابن كيغلغ وأقبلت مراكب محمد بن طغج إلى ديار مصر في سلخ ~~شعبان فسلم أحمد بن كيغلغ الأمر إلى محمد بن طغج من غير قتال وآعتذر أنه ما ~~قاتله إلاجند مصر بغير إرادته وملك محمد بن طغج ديار مصر وهي ولايته ~~الثانية عليها وكانت ولاية ابن كيغلغ على مصر في هذه المرة الثانية سنة ~~واحدة وأحد عشر شهرا تنقص أياما قليلة وأحمد بن كيغلغ هذا غير منصوربن ~~كيغلغ الشاعر الذي من جملة شعره هذه الأبيات الخمرية: يديرمن كفه مداما ... ~~ألذ من غفلة الرقيب كأنها إذ صفت ورقت ... شكوى محب إلى حبيب ### || AUT السنة الثانية من ولاية أحمد بن كيغلغ الثانية # أعني بالثانية أنه حكم في الماضية أشهرا وقد تقدم ذكر ذلك فتكون هذه ~~السنة هي الثانية وهي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة: PageV01P0354 # فيها ظهرت الديلم عند دخول أصحاب مرداويج إلى أصبهان وكان علي بن بويه من ~~جملة أصحاب مرداويج فاقتطع مالا جزيلا وانفرد عن مرداويج وآلتقى مع آبن ~~ياقوت فهزمه واستولى على فارس وأعمالها قلت وهذا أول ظهور بني بويه قيل إن ms0687 ~~بويه كان فقيرا فرأى في منامه أنه بال فخرج من ذكره عمود من نار ثم تشعب ~~يمنة ويسرة وأماما وخلفا حتى ملأ الدنيا فقص رؤياه على معبر فقال له ~~المعبرماأعبرها إلا بألف درهم فقال بويه والله مارأيتها قط ولا عشرها وإنما ~~أنا صياد أصطاد السمك ثم اصطاد سمكة فأعطاها للمعبر فقال له المعبرألك ~~أولاد قال نعم قال أبشر فإنهم يملكون الأرض ويبلغ سلطانهم فيها على قدر ما ~~احتوت عليه النار وكان معه أولاد الثلاثة علي أكبرهم وهو أول مابقل عذاره ~~وثانيهم الحسن وثالثهم أحمد قلت علي هو عماد الدولة والحسن هو ركن الدولة ~~وأحمد هو معز الدولة. وفيها دخل مؤنس الورقاني بالحجاج سالمين من القرمطي ~~إلى بغداد. وفيها قتل القاهر بالله الأمير أبا السرايا نصربن حمدان وإسحاق ~~بن إسماعيل بن يحيى وهو الذي أشار على مؤنس بخلافة القاهر لما قتل المقتدر ~~وفيها مات مؤنس الورقاني الذي حج في هذه السنة بالناس. وفيها آستوحش الناس ~~من الخليفة القاهر بالله، ولا زالوا به حتى خلعوه في يوم السبت ثالث جمادى ~~الأولى وسملوا عينيه حتى سالتا على خديه فعمي وهوأول خليفة سملت عيناه ~~وسملوه خوفا من شره فكانت خلافته إلى حين شمل سنة وستة أشهر وسبعة أيام أو ~~ثمانية أيام وبويع بالخلافة من بعده آبن أخيه الراضي بن المقتدر جعفر ~~والراضي المذكور اسمه محمد. قال الصولي كان القاهر هرجا سافكا للدماء محبا ~~للمال قبيح السيرة كثير التلون والاستحالة مدمنا على شرب الخمر فإذا شربها ~~تغيرت أحواله وذهب عقله ويأتي بقية ترجمة القاهر بالله في وفاته. وفيها قتل ~~مرداويج مقدم الديلم بأصبهان وكان قد عظم أمره وأسماء السيرة في أصحابه ~~فقتله مماليكه الأتراك. وفيها بعث علي بن بويه إلى الخليفة الراضي يقاطعه ~~على البلاد التي في حكمه في كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم فأجابه إلى ذلك ~~وبعث له لواء خلعا مع حرب بن إبراهيم المالكي. وفيها تحكم محمد بن ياقوت في ~~الأمور وآستقل بها وبقي الوزير ابن مقلة معه كالعارية. وفيها توفي أحمد ms0688 بن ~~سليمان بن داود أبو عبد الله الطوسي مات وله ثلاث وثمانون سنة روى عنه آبن ~~شاذان وغيره وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبوجعفر الكاتب ~~الدينوري ابن صاحب المعارف وأدب الكاتب وغيرهما ولد ببغداد ثم قدم مصر وولي ~~القضاء بها حتى مات في شهرربيع الأول. وفيها توفي عبيد الله بن محمد بن ~~ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وكنيته أبو محمد ويلقب بالمهدي جد ~~الخلفاء الفاطمين المصريين الاتي ذكرهم باستيعاب وأم عبيد الله هذا أم ولد ~~وولد هوبسلمية وقيل ببغداد سنة ستين ومائتين ودخل مصر في زي التجار ثم مضى ~~إلى المغرب إلى أن ظهر بسجلماسة ببلاد المغرب في يوم الأحد سابع ذي الحجة ~~في سنة ست وتسعين ومائتين وسلم عليه بأمير المؤمنين في أرض الجوانية ثم ~~أنتقل إلى رقادة من أرض القيروان وبنى المهدية وسكنها يأتي ذكر نسبهم وما ~~قيل فيه من الطعن وغيره عند ذكر جماعة من أولاده ممن ملك الديار المصرية ~~بأوسع من هذا لأن شرطنا في هذا الكتاب ألا نوسع إلا في ترجمة من ولي مصر ~~خاصة وما عدا ذلك يكون على سبيل الاختصار وقد ولي جماعة كبيرة من ذرية ~~المهدي هذا ديار مصر فينظر ذلك في ترجمة أول من ولي منهم وهو المعز لدين ~~الله معد. وفيها توفي الأمير هارون بن غريب ابن خال الخليفة المقتدر كان ~~يلي حلوان وغيرها ولما زالت دولة ابن عمته المقتدرعصى على الخلافة حتى ~~حاربه جيش الخليفة الراضي وظفروا به وقتلوه وبعثوا برأسه إلى بغداد. وفيها ~~توفي يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن عيسى الحافظ أبو بكر البزار البغدادي كان ~~زاهدا متعبدا روى عنه الدارقطني وغيره وكان ثقة صدوقا مات وهو ساجد. ~~PageV01P0355 # وفيها توفي أبو علي الروذباري واسمه محمد بن أحمد بن القاسم بن المنصور ~~بن شهريار من أولاد كسرى أصله من بغداد من أبناء الوزراء وصحب الجنيد ولزمه ~~وأخذ عنه حتى صار أحد أئمة الزمان وأقام بمصر وصار شيخ الصوفية بها إلى ms0689 أن ~~مات بها وكان ثقة صدوقا يقول أستاذي في التصوف الجنيد وفي الحديث إبراهيم ~~الحربي وفي النحو ثعلب وفي الفقه ابن سريج. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة قال وفيها توفي أبو عمر وأحمد بن خالد بن الجباب القرطبي الحافظ وخير ~~النساج أبو الحسن الزاهد والمهدي أبو محمد عبيد الله أول خلفاء الفاطمية ~~وكانت دولته بضعا وعشرين سنة ومحمد بن إبراهيم الد يبلي وأبو محمد بن عمرو ~~العقيلي والقاهر بالله محمد بن المعتضد خلع وسمل في جمادى الأولى ثم بقي ~~خاملا سبع عشرة سنة وهوالذي سأل يوم الجمعة قلت ومعنى قول الذهبي وهوالذي ~~سأل يوم الجمعة شرح ذلك أن القاهر لما طال خموله في عماه قل ما بيده ووقف ~~في يوم من أيام جمعة وسأل الناس ليقيم بتلك الشناعة على خليفة الوقت قال ~~الذهبي وأبو بكرمحمد بن علي الكناني الزاهد وأبو علي الروذباري يقال اسمه ~~محمد بن أحمد. أمر النيل في هذه السنة الماء القديم خمس أذرع وست أصابع ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية أحمد بن كيغلغ الثانية # وهي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة: فيها تمكن الراضي بالله من الخلافة وقلد ~~آبنيه المشرق والمغرب وهما أبوجعفر وأبوالفضل واستكتب لهما أبا الحسين علي ~~بن محمد بن مقلة. وفيها بلغ الوزير أبا الحسين علي بن مقلة أن آبن شنبود ~~المقرىء وشنبود بشين معجمة ونون مشددة وباء مضمومة ودال يغيرحروفا من ~~القرآن ويقرأ بخلاف ماأنزل فأحضره أحضر عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف القاضي ~~وأبا بكر بن مجاهد وجماعة من القراء ونوظر فأغلظ للوزيرفي الخطاب وللقاضي ~~ولابن مجاهد ونسبهم إلى الجهل وأنهم ماسافروا في طلب العلم كما سافر فأمر ~~الوزير بضربه فنصب بين يديه وضرب سبع درر وهو يدعو على الوزير بأن تقطع يده ~~ويشتت شمله ثم وقف على الحروف التي قيل إنه كان يقرأ بها من ذلك إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله أوكان أمامهم ملك يأخذ كل صالحة ms0690 ~~سفينة غصبا وتكون الجبال كالصوف المنقوش تبت يدا أبي لهب وقد تب فلما خر ~~تيقنت الإنس أن الجن لوكانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين ~~ثم استتيب غصبا ونفي إلى البصرة وكان إماما في القراءة وفيها قبض الخليفة ~~الراضي على محمد بن ياقوت وأخيه المظفر وأبي إسحاق القراريطي وأخذ خط ~~القراريطي بخمسمائة ألف دينار وعظم شأن الوزير ابنه مقلة وآستقل بتد ~~بيرالدولة. وفيها أخرج المنصور إسماعيل العبيدي يعقوب بن إسحاق في أسطول من ~~المهديةعدته ثلاثون مركبأ حربيا إلى ناحية فرنجة ففتح مدينة جنوة ومروا ~~بجزيرة سردانية فأوقعوا بأهلها وسبوا وأحرقوا عدة مراكب وقتلوا رجالها ثم ~~عادوا بالغنائم إلى المهدية. وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد ~~وآسودت الدنيا وأظلمت من العصر إلى المغرب برعد وبرق. وفيها في ذي القعدة ~~آنقضت النجوم سائرالليل آنقضاضا عظيما مارئي مثله وفيها غلا السعر ببغداد ~~حتى بيع كر القمح بمائة وعشرين دينارا والشعير بتسعين دينارا وأقام الناس ~~أياما لا يجدون القمح فأكلوا خبزالذرة والدخن والعدس. وفيها توفي إبراهيم ~~بن حماد بن إسحاق الشيخ أبو إسحاق الأزلي المحدث الصوفي سمع خلقا كثيرا ~~وكان زاهدا عابدا وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطي المتكلم. ~~وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن ~~المهلب بن أبي صفرة أبو عبد الله الأزدي العتكي الواسطي النحوي ويعرف ~~بنفطويه ولد بواسط سنة أربعين ومائتين وقيل سنة خمسين ومائتين وكان إمام ~~عصره في النحو والأدب وغيرهما وعن شعره قوله: أحب من الإخوان كل مواتي ... ~~وكل غضيض الطرف عن عثراتي يطاوعني في كل أمرأريده ... ويحفظني حيا وبعد ~~وفاتي وهجاه أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطي المتكلم فقال: من سره ألا ~~يرى فاسقا ... فليجتهدألايرى نفطويه أحرقه الله بنصف آسمه ... وصيرالباقي ~~صراخا عليه PageV01P0356 # وفيها توفي أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالدبن برمك أبو الحسن ~~النديم الشاعر المشهور البرمكي ويعرف بجحظة ولد في شعبان سنة أربع وعشرين ~~ومائتين كان فاضلا صاحب ms0691 فنون وأخبار ونوادر ومنادمة وهومن ذرية البرامكة ~~وجحظة بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الظاء المعجمة وبعدها هاء هولقب ~~غلب عليه لقبه به عبد الله بن المعتز وكان كثير الأدب عارفا بالنحو واللغة ~~وأما صنعة الغناء فلم يلحقه فيها أحد في زمانه ومن شعره: فقلت لها بخلت علي ~~يقظى ... فجودي في المنام لمستهام فقالت لي وصرت تنام أيضا ... وتطمع أن ~~أزورك في المنام وكتب إليه الوزير ابن مقلة مرة بصلة فمطله الجهبذ فكتب ~~إليه جحظة المذكوريقول: إذا كانت صلاتكم رقاعا ... تخالط بالآنامل والأكف ~~ولم تجد الرقاع علي نفعا ... فها خطي خذوه بألف ألف وفيها توفي محمد بن ~~إبراهيم بن عبدويه الشيخ أبو عبد الله الهذلي من ولدعبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه ولد بنيسابور ورحل في طلب العلم وصنف الكتب وخرج حاجا فأصابه جراح ~~في نوبة القرمطي ورد إلى الكوفة فمات بها. الذين ذكرالذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة قال وفيها توفي أبوطالب أحمد بن نصر البغدادي الحافظ وإبراهيم بن ~~محمد بن عرفة النحوي نفطويه وإسماعيل بن العباس الوراق وأبونعيم عبد الملك ~~بن محمد بن عدي الإستراباذي وأبو عبيد القاسم بن إسماعيل المحاملي. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ~~ست عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### | AUT ولاية محمد بن طغج الإخشيذ الثانية # الإخشيذ محمد بن طغج بن جف الفرغاني وليها ثانيا من قبل الخليفة الراضي ~~بالله محمد على الصلاة والخراج بعد عزل الأمير أحمد بن كيغلغ عنها بعد أمور ~~وقعت تقدم ذكر بعضها في ترجمة ابن كيغلغ ودخل الإخشيذ هذا إلى مصر ~~أميراعليها بعد أن سلم الأمير أحمد بن كيغلغ في يوم الخميس لست بقين من ~~شهررمضان وقال صاحب البغية لخمس بقين من شهررمضان سنة ثلاث وعشرين ~~وثلاثمائة وأقرعلى شرطته سعيد بن عثمان ثم وردعليه بالديارالمصرية أبوالفتح ~~الفضل بن جعفربن محمد بالخلع من الخليفة الراضي بالله بولايته على مصر ~~فلبسها وقبل الأرض ورسم الخليفة الراضي بالله بأن يزاد في ألقاب الأمير ~~محمد ms0692 هذا الإخشيذ في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وقد تقدم ذكرذلك ~~في ولايته الأولىعلى مصر وما معنىالإخشيذ فزيد في ألقابه ودعي له بذلك ~~علىمنابر مصر وأعمالها. ثم وقع بين الإخشيذ هذا وبين أصحاب أحمدبن كيغلغ ~~فتنة وكلام أدى ذلك للقتال والحرب ووقع بينهما قتال فانكسر في آخره أصحاب ~~آبن كيغلغ وخرجوا من مصر على أقبح وجه وتوجهوا إلى برقة ثم خرجوا من برقة ~~وصاروا إلى القائم بأمرالله بن المهدي عبيد الله العبيدي بالمغرب حرضوه على ~~أخذ مصر وهونواعليه امرها وكان في نفسه من ذلك شيء فجهز إليها الجيوش ~~لاخذها وبلغ محمد بن طغج الإخشيذ ذلك فتهيأ لقتالهم وجمع العساكر وجهز ~~الجيوش إلى الإسكندرية والصعيد. وبينما هو في ذلك إذ ورد عليه كتاب الخليفة ~~يعرفه بخروج محمد بن رائق ولما بلغه حركة محمد بن رائق ومجيئه إلى الشامات ~~عرض الإخشيذ عساكره وجهز جيشا في المراكب لقتال آبن رائق ثم خرج هوبعد ذلك ~~بنفسه في المحرم سنة ثماني وعشرين وثلاثمائة وسارمن مصر بعد أن آستخلف أخاه ~~الحسن بن طغج على مصر حتى نزل الإخشيذ بجيوشه إلى الفرما وكان محمد بن رائق ~~بالقرب منه فسعى بينهما الحسن بن طاهربن يحيىالعلوي في الصلح حتى تم له ذلك ~~وأصطلحا وعاد الإخشيذ إلى مصرفي مستهل جمادى الأولى من سنة ثمان وعشرين ~~وثلاثمائة. PageV01P0357 # وبعد قدوم الإخشيذ إلى مصرآنتفض الصلح وسار محمد بن رائق من دمشق في ~~شعبان من السنة إلى نحو الديار المصرية وبلغ ذلك الإخشيذ فتجهز وعرض عساكره ~~وأنفق فيهم وخرج بجيوشه من مصر لقتال محمد بن رائق في يوم سادس عشرشعبان ~~وساركل منهما بعساكره حتى التقيا بالعريش وقال أبوالمظفر في مرآة الزمان ~~باللجون فكانت بينهما وقعة عظيمة انكسرت فيها ميمنة الإخشيذ وثبت هو في ~~القلب ثم حمل هو بنفسه على أصحاب محمد بن رائق حملة شديدة فأسر كثيرا منهم ~~وأمعن في قتلهم وأسرهم وقتل أخوه الحسين بن طغج في الحرب وأفترق العسكران ~~وعاد كل واحد إلى محل إقامته فمضى ابن رائق نحو الشام وعاد ms0693 الإخشيذ إلى ~~الرملة بخمسمائة أسير ثم تداعيا إلى الصلح وكان لما قتل الحسين بن طغج أخو ~~الإخشيذ في المعركة عز ذلك على محمد بن رائق وأخذه وكفنه وحنطه وأنفذ معه ~~آبنه مزاحما إلى الإخشيذ وكتب معه كتابا يعزيه فيه ويعتذر إليه ويحلف له ~~أنه ما أراد قتله وأنه أرسل آبنه مزاحما إليه ليفتديه بالحسين بن طغج إن ~~أحب الإخشيذ ذلك فاستعاذ الإخشيذ بالله من ذلك واستقبل مزاحما بالرحب ~~والقبول وخلع عليه وعامله بكل جميل ورده إلى أبيه وآصطلحا على أن يفرج محمد ~~بن رائق للإخشيذ عن الرملة ويحمل إليه الإخشيذ في كل سنة مائة وأربعين ألف ~~دينار ويكون باقي الشام في يد ابن رائق وأن كل امنهما يفرج عن أسارى الآخر ~~فتم ذلك. وعاد الإخشيذ إلى مصر فدخلها لثلاث خلون من المحرم سنة تسع وعشرين ~~وثلاثمائة وعاد محمد بن رائق إلى دمشق فلم تطل مدة الإخشيذ بمصر إلا وورد ~~عليه الخبر من بغداد بموت الخليفة الراضي بالله في شهر ربيع الآخر من السنة ~~وأنه بويع أخوه المتقي بالله إبراهيم بن المقتدرجعفر بالخلافة وكان ورود ~~هذا الخبر على الإخشيذ بمصر في شعبان من السنة وأن المتقى أقر الإخشيذ هذا ~~علىعمله بمصر فآستمر الإخشيذ علىعمله بمصر بعد ذلك مدة طويلة إلى أن قتل ~~محمد بن رائق في قتال كان بينه وبين بني حمدان بالموصل في سنة ثلاثين ~~وثلاثمائة فعند ذلك جهز الإخشيذ جيوشه إلى الشام لما بلغه قتل محمد بن رائق ~~ثم سار هو بنفسه لست خلون من شوال سنة ثلاثين وثلاثمائة المذكورة واستخلف ~~أخاه أبا المظفر الحسن بن طغج على مصر وسارالإخشيذ حتى دخل دمشق وأصلح ~~أمورها وأقام بها مدة ثم خرج منها عائدا إلى الديار المصرية حتى وصلها في ~~ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ونزل البستان الذي يعرف ~~الآن بالكافوري داخل القاهرة ثم آنتقل بعد أيام إلى داره وأخذ البيعة ~~علىالمصريين لابنه أبي القاسم أنوجوروعلى جميع القواد والجند وذلك في آخر ~~ذي القعدة. وبعد مدة بلغ الإخشيذ ms0694 مسير الخليفة المتقي بالله إلى بلاد الشام ~~ومعه بنو حمدان فخرج الإخشيذ من مصر وسار نحو الشام لثمان خلون من شهر رجب ~~سنة أثنتين وثلاثين وثلاثمائة واستخلف أخاه أبا المظفر الحسن بن طغج على ~~مصر ووصل دمشق ثم سارحتى وافى المتقي بالرقة فلم يمكن من دخولها لأجل سيف ~~الدولة علي بن حمدان ثم بان للخليفة المتقي من بني حمدان الملل والضجر منه ~~فراسل توزون واستوثق منه ثم آجتمع بالإخشيذ هذا وخلع عليه وأهدى إليه ~~الإخشيذ تحفا وهدايا وأموالا وبلغ الإخشيذ مراسلة توزون فقال الخليفة يا ~~أمير المؤمنين أناعبدك وآبن عبدك وقدعرفت الأتراك وغدرهم وفجورهم فالله في ~~نفسك سرمعي إلى الشام ومصرفهي لك وتأمن على نفسك فلم يقبل المتقي ذلك فقال ~~له الإخشيذ فأقم هنا وأنا أمدك بالأموال والرجال فلم يقبل منه أيضا ثم عدل ~~الإخشيد إلىالوزيرآبن مقلة وقال له سر معي فلم يقبل ابن مقلة أيضا مراعاة ~~للخليفة المتقي وكان آبن مقلة بعد ذلك يقول يا ليتني قبلت نصح الإخشيذ ثم ~~سلم الإخشيذ على الخليفة ورجع إلى نحو بلاده حتى وصل إلى دمشق فأمرعليها ~~الحسين بن لؤلؤ فبقي ابن لؤلؤعلى إمرة دمشق سنة وأشهرا ثم نقله الإخشيذ إلى ~~نيابة حمص وولىعلى دمشق يأنس المؤنسي وعاد الإخشيذ إلى الديارالمصرية ~~ودخلها لأربع خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ونزل ~~بالبستان المعروف بالكافوري علىعادته فلم تكن مدة إلا ووردعليه الخبربخلع ~~المتقي من الخلافة وتولية المستكفي وذلك لسبع خلون من جمادى الآخرة من ~~السنة وأن الخليفة المستكفي أقر الإخشيذ هذا على ولايته بمصر والشأم على ~~عادته. PageV01P0358 # ثم وقع بين الإخشيذ وبين سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان وحشة ~~وتأكدت إلىأول سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ثم آصطلحا على أن يكون لسيف ~~الدولة حلب وأنطاكية وحمص ويكون باقي بلادالشام للإخشيذ وتزوج سيف الدولة ~~ببنت أخي الإخشيذ. ثم وقع أيضا بين الإخشيذ وبين سيف الدولة ثانيا ~~وجهزالإخشيذ الجيوش لحربه وعلى الجيوش خادمه كافور الإخشيذي وفاتك الإخشيذي ~~ثم خرج الإخشيذ بعدهما من مصر في ms0695 خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ~~وآستخلف أخاه أباالمظفرالحسن بن طغج على مصر وسار الإخشيذ بعساكره حتى لقي ~~سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان بقنسرين وحاربه فكسره وأخذ منه حلب ثم ~~بلغه خلع المستكفي من الخلافة وبيعة المطيع لله الفضل في شوال سنةأربع ~~وثلاثين وثلاثمائة وأرسل المطيع إلى الإخشيذ باستقراره على عمله بمصر ~~والشام فعاد الإخشيذ إلى دمشق فمرض بها ومات في يوم الجمعة لثمان بقين من ~~ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وولي بعده آبنه أبو القاسم أنوجور ~~بآستخلاف أبيه له فكانت مدة ولاية الإخشيذ على مصر في هذه المرة الثانية ~~إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر ويومين. والإخشيذ بكسر الهمزة وسكون الخاء ~~المعجمة وكسر الشين المعجمة وبعدها ياء ساكنة مثناة من تحتها ثم ذال معجمة ~~وتفسيره بالعربي ملك الملوك وطغج بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة ~~وبعدها جيم وجف بضم الجيم وفتحها وبعدها فاء مشددة. وكان الإخشيذ ملكا ~~شجاعأ مقداما حازما متيقظا حسن التدبير عارفا بالحروب مكرما للجند شديد ~~البطش ذا قوة مفرطة لا يكاد أحد يجرقوسه وله هيبةعظيمة في قلوب الرعية وكان ~~متجملا في مركبه وملبسه وكان موكبه يضاهي موكب الخلافة وبلغت عدة مماليكه ~~ثمانية آلاف مملوك وكان عدة جيوشه أربعمائة ألف وكان قوي التحرزعلى نفسه ~~وكانت مماليكه تحرسه بالنوبة عندما ينام كل يوم ألف مملوك ويوكل الخدم ~~بجوانب خيمته ثم لايثق بأحد حتى يمضي إلى خيمة الفراشين فينام فيها وعاش ~~ستين سنة وخلف أولادا ملوكا وهوأستاذ كافور الإخشيذي الآتي ذكره قال الذهبي ~~وتوفي بدمشق في ذي الحجة عن ست وستين سنة ونقل فدفن ببيت المقدس الشريف ~~ومولده ببغداد وقال آبن خلكان ولم يزل في مملكته وسعادته إلىأن توفي في ~~الساعة الرابعة يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين ~~وثلاثمائة انتهى. ### || AUT السنة الثانية من ولاية الإخشيذ # محمد بن طغج على مصر . وقد تقدم أنه حكم في السنة الماضية على مصر من ~~شهررمضان سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة فتكون سنة أربع وعشرين وثلاثمائة هذه ms0696 ~~هي الثانية من ولايته ولاعبرة بتكملة السنين. فيهاأعني سنة أربع وعشرين ~~وثلاثمائة قطع محمد بن رائق الحمل عن بغداد واحتج بكثرة كلف الجيش عنده ~~وفيها توفي هارون بن المقتدر أخو الخليفة المطيع لله وحزن عليه أخوه ~~الخليفة وآغتنم له وأمر بنفي الطبيب بختيشوع بن يحيى وآتهمه بتعمد الخطأ في ~~علاجه وفيها في شهر ربيع الأول أطلق من الحبس المظفر بن ياقوت وحلف ~~للوزيرعلى المصافاة وفي نفسه الحقد عليه لأنه نكبه ونكب أخاه محمدا ثم أخذ ~~يسعى في هلاكه ولا زال يديرعلى الوزير ابن مقلة حتى قبض عليه وأحرقت داره ~~وهذه المرة الثالثة وآستوزرعوضه عبد الرحمن بن عيسى وهوأخو الوزيرعلي بن ~~عيسى برغبة أخيه عن الوزارة وكان آبن مقلة قد أحرق دار سليمان بن الحسن ~~وكتبوا على داره : أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنا ... ولم تخف سوء ما يجري به ~~القدر وسالمتك الليالي فآغتررت ... بهاوعند صفو الليالي يحدث الكدر ثم وقع ~~بعد ذلك أمور يطول شرحها وقبض الراضي على الوزيرعبد الرحمن بن عيسى وعلى ~~أخيه علي بن عيسى لعجزه عن القيام بالكلف وآستوزر أباجعفر محمد بن القاسم ~~الكرخي وسلم آبني عيسى للكرخي فصادرهما برفق فأدى كل واحد سبعين ألف دينار ~~ثم عجزالكرخي أيضا فاستوزرالراضي عوضه أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ~~فكان سلمان في العجز بحال الكرخي وزيادة فدعت الضرورة أن الراضي كاتب محمد ~~بن رائق وآستقدمه وقلده جميع أمور الدولة وبطل حينئذ أمرالوزارة والدواوين ~~وبقي آسم الوزارة لا غيروتولى الجميع محمد بن رائق. وفيها كان الوباء ~~العظيم بأصبهان وبغداد وغلت الأسعار. PageV01P0359 # وفيها سارالدمستق بجيوش الروم إلىأمد وسميساط فسارإليه سيف الدولة بن ~~حمدان وهذا أول مغازيه وحاربه ووقع له معه أمورحتى ملك الدمستق سميساط وأمن ~~أهلهاوكان الحسن أخو سيف الدولة قد غلب على الموصل وآستفحل أمره. وفيهاعاثت ~~العرب من بني نمير وقشير وملكوا ديار ربيعة ومضر وشنوا الغارات وقطعوا ~~السبل وخلت المدائن من الأقوات لضعف أمرالخلافة لأن الخليفة الراضي صار مع ~~ابن رائق كالمحجورعليه والأسيرفي يده والأمركله لابن رائق وفيها توفي ms0697 أحمد ~~بن موسى بن العباس الشيخ أبو بكرالمقرىء البغدادي الإمام العلامة مولده في ~~سنة خمس وأربعين ومائتين وكان إمام القراء في زمانه وله مشاركة في فنون. ~~وفيها توفي الحسن بن محمد بن أحمد الشيخ أبو القاسم السلمي الدمشقي ويعرف ~~بابن برغوث روى عن صالح ابن الإمام أحمد بن حنبل قصة الشعر. وفيها توفي ~~صالح بن محمد بن شاذان الشيخ أبو الفضل الأصبهاني الحافظ المحدث رحل إلى ~~البلاد وسمع الكثيرثم توجه إلى مكة فمات بها في شهر رجب من السنة . وفيها ~~توفي عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس أبو الحسن الفقيه الظاهري أخذ ~~الفقه عن أبي بكر بن داود الظاهري وبرع في علم الظاهر. وفيها توفي محمد بن ~~الفضل بن عبد الله الشيخ أبوذرالتميمي الشافعي فقيه جرجان ورئيسها. وفيها ~~توفي عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون الحافظ أبو بكر النيسابوري ~~الفقيه الشافعي مولى آل عثمان بن عفان رضي الله عنه قال الدرارقطني مارأيت ~~أحفظ منه ومولده في سنة ثمان وثلاثين ومائتين ومات في رابع شهر ربيع الآخر. ~~وفيها توفي علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد ~~الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى بن عبد الله بن قيس الأشعري ~~البصري المتكلم أبو الحسن صاحب التصانيف في الكلام والأصول والملل والنحو ~~ومولده سنة ستين ومائتين وكان معتزليا ثم تاب وفيها كان الطاعون العظيم ~~بأصبهان ومات فيه خلق كثير وتنقل في عدة بلاد الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة قال وفيها توفي أبوعمروأحمدبن بقي بن مخلد وجحظة النديم أحمدبن ~~جعفربن موسى البرمكي وأبو بكرأحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرىء وأبو ~~الحسن عبد الله بن أحمد المغلس البغدادي الداودي إمام أهل الظاهرفي زمانه ~~وأبو بكرعبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري وأبو القاسم عبد الصمد بن ~~سعيد الحمصي وأبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم وعلي بن عبد الله ~~بن المبشر الواسطي وأبو القاسم علي ms0698 بن محمد بن كاس النخعي الكوفي الحنفي ~~قاضي دمشق أمرالنيل في هذه السنة الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية الإخشيذ # وهي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة فيها لم يحج أحد من العراق خوفا من ~~القرمطي. وفيها ظهرت الوحشة بين محمد بن رائق وبين أبي عبد الله البريدي. ~~وفيها وافىأبو طاهر القرمطي الكوفة فدخلها في شهرربيع الأخرفخرج ابن رائق ~~في جمادى الأولى وعسكر بظاهر بغداد وسير رسالته إلى القرمطي فلم تغن شيئا. ~~وفيها استوزرالراضي أبا الفتح بن جعفر بن الفرات بمشورة آبن رائق وكان أبن ~~الفرات بالشام فأحضروه. PageV01P0360 # وفيها أسس أمير الأند لس الناصرلدين الله الاموي مدينة الزهراء وكان ~~منتهى الانفاق في بنائها كل يوم مالايحد كان يدخل فيها كل يوم من الحجر ~~المنحوت ستة آلاف صخرة سوى الآجروغيره وحمل إليها الرخام من أقطارالغرب ~~ودخل فيها أربعة آلاف وثلاثمائة سارية وأهدى له ملك الفرنج أربعين سارية ~~رخام وجلب إليها الرخام الأبيض من المرية والمجزع من رية وأما الوردي ~~والآخضر فمن إفريقية والحوض المذهب جلب من قسطنطينية والحوض الصغيرعليه ~~صورة أسد وصورة غزال وصورة عقاب وصورة ثعبان وغير ذلك والكل بالذهب المرصع ~~بالجوهر وبقوا في بنائها ست عشرة سنة وكان ينفق عليها ثلث دخل الأندلس وكان ~~دخل الأندلس يومئذ خمسة الاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار ومن ~~المستخلص والأسواق سبعمائة وخمسة وستون ألف دينار وبين هذه المدينة أعني ~~الزهراء وبين قرطبة أربعة أميال وأطوالها ألف وستمائة ذراع وعرضها ألف ~~وسبعون ذراعا ولم يبن في الإسلام أحسن منها لكنها صغيرة بالنسبة إلى ~~المدائن وكان بسورها ثلاثمائة برج وعمل ثلثها قصورا للخلافةوثلثها للخدم ~~وثلثها الثالث بساتين وقيل إنه عمل فيها بحرة ملأها بالزئبق وقيل إنه كان ~~يعمل فيها ألف صانع مع كل صانع اثنا عشرأجيرا وقد أحرقت هذه المدينة وهدمت ~~في حدود سنة أربعمائة وبقيت رسومها وسورها. وفيها توفي أحمد بن محمد بن حسن ~~أبوحامد الشرقي النيسابوري الحافظ الحجة تلميذ ms0699 مسلم سمع الكثيروصنف الصحيح ~~وكان أوحد عصره وروى عنه غيرواحد ومات في شهررمضان وصلىعليه أخوه عبد الله ~~. وفيها توفي الأميرعدنان ابن الأمير أحمد بن طولون قدم بغداد وحدث بها عن ~~الربيع بن سليمان المزني وقدم دمشق أيضا وحدث بها وكان ثقة صالحا رضي الله ~~عنه وفيها توفي موسى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان أبومزاحم كان أبوه ~~وزيرالمتوكل وكان موسى هذا ثقة خيرا من أهل السنة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة قال وفيها توفي أبوحامد أحمد بن محمد بن حسن الشرقي وأبوإسحاق ~~إبراهيم بن عبد الصمد بن موسى الهاشمي وأبوالعباس محمد بن عبد الرحمن ومكي ~~بن عبدان التميمي وأبومزاحم موسى بن عبيد الله الخاقاني. أمر النيل في هذه ~~السنة. الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وست عشرة إصبعا . ### || AUT السنة الرابعة من ولاية الإخشيذ # وهي سنة ست وعشرين وثلاثمائة فيها سار أبو عبد الله البريدي لمحاربة ~~بجكم بعد أن آستعان البريدي بالأميرعلي بن بويه فبعث علي بن بويه معه أخاه ~~أبا الحسين أحمد بن بويه وأما البريديون فهم ثلاثة أبو عبد الله وأبو ~~الحسين وأبو يوسف كانوا كتاباعلى البريد وفيها قطعت يد الوزير ابن مقلة ~~الكاتب المشهور ثم قطع لسانه ومات في حبسه وسببه أن ابن رائق لما وصل إليه ~~التدبير كتب ابن مقلة إلى بجكم يطمعه في الحضرة وبلغ ابن رائق وأظهر ~~الخليفة أمره وآستفتى القضاة فيقال إنهم أفتوا بقطع يده ولم يصح ذلك فأخرجه ~~الراضي إلى الدهليز وقطع يده بحضرة الأمراء وحبس ابن مقلة واعتل فلما قرب ~~بجكم من بغداد قطع آبن رائق لسانه أيضا وبقي في الحبس إلى أن مات حسبما ~~يأتي ذكره. وفيها ورد كتاب ملك الروم إلى الراضي وكانت الكتابة بالرومية ~~بالذهب والترجمة العربية بالفضة وعنوانه من رومانس وقسطنطين وإسطفانس عظماء ~~ملوك الروم إلى الشريف البهي ضابط سلطان المسلمين. باسم الأب والابن وروح ~~القدس الإله الواحد الحمد لله ذي الفضل العظيم الرؤوف بعباده الجامع ~~للمفترقات والمؤئف ms0700 للأمم المختلفة في العداوة حتى يصيروا واحدا وحاصل ~~الكتاب أنه أرسل بطلب الهدنة فكتب إليهم الراضي بإنشاء أحمد بن محمد بن ~~جعفربن ثوابة بعد البسملة. من عبد الله أبي العباس الإمام الراضي بالله ~~أميرالمؤمنين إلى رومانس وقسطنطين وإسطفانس رؤساء الروم سلام على من اتبع ~~الهدى وتمسك بالعروة الوثقى وسلك سبيل النجاة والزلفى ثم أجابهم إلى ~~ماطلبوا. وفيها قلد الخليفة الراضي بجكم إمارة بغداد وخراسان وابن رائق ~~مستتر. وفيها كانت ملحمة عظيمة بين الحسن بن عبد الله بن حمدان وبين ~~الدمستق ونصر الله الإسلام وهرب الدمستق وقتل من ناصريه خلائق وأخذ سرير ~~الممستق وصليبه. PageV01P0361 # وفيها توفي إبراهيم بن داود أبوإسحاق الرقي كان من جلة مشايخ دمشق وله ~~كرامات وأحوال وفيها توفي عبد الله بن محمد بن سفيان أبوالحسين ~~الجزارالنحوي كان له التصانيف في علوم القرآن وغيرها. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبوذأحمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن ~~الباغندي وعبد الرحمن بن أحمدبن محمد بن الحجاج بن رشدين ومحمد بن زكرياء ~~بن القاسم المحاربي. أمر النيل في هذه السنة. الماء القديم خمس أذرع وأربع ~~أصابع.مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرأصابع. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية الإخشيذ # وهي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة: فبها سافر الراضي وبجكم لمحاربة الحسن بن ~~عبد الله بن حمدان وكان قدأخرالحمل عما ضمنه من الموصل والجزيرة فأقام ~~الراضي بتكريت ثم التقى بجكم وآبن حمدان وانهزم أصحاب بجكم وأسر بعضهم فحنق ~~بجكم وحمل بنفسه فانهزم أصحاب ابن حمدان وأتبعه بجكم إلى أن بلغ نصيبين ~~وهرب ابن حمدان إلى آمد ثم آصطلحا بعد ذلك وصاهر بجكم الحسن بن حمدان ~~المذكور. وفيها مات الوزيرأبوالفتح الفضل بن جعفربن الفرات بالرملة. وفيها ~~آستوزر الراضي أبا عبد الله أحمد بن محمد البريدي أشارعليه بذلك ابن شيرزاد ~~وقال نكفى شره فبعث الراضي قاضي القضاة أبا الحسين عمر بن محمد بن يوسف ~~إليه بالخلع والتقليد. وفيها كتب أبو علي عمربن يحيى العلوي إلى القرمطي ~~وكان يحبه أن يطلق طريق الحاج ms0701 ويعطيه عن كل حمل خمسة دنانير فأذن وحج ~~بالناس وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج. وفيها توفي عبد الرحمن بن ~~محمد بن إدريس أبو محمد بن أبي حاتم الرازي الحافظ ابن الحافظ كان إماما ~~صنف " الجرح والتعديل قال أحمد بن عبد الله النيسابوري: كنا عنده وهويقرأ ~~علينا الجرح والتعد يل الذي صنفه فدخل يوسف بن الحسين الرازي فجلس وقال: يا ~~أبا محمد ما هذا فقال: الجرح والتعد يل قال: وما معناه قال :أظهر أحوال ~~العلماء من كان ثقة ومن كان غير ثقة فقال له يوسف أما استحييت من الله ~~تعالى تذكر أقواما قد حطوا رواحلهم في الجنة أو عند الله منذ مائة سنة أو ~~مائتي سنة تغتابهم فبكى عبد الرحمن وقال يا أبا يعقوب والله لوطرق سمعي هذا ~~الكلام قبل أن أصنفه ما صنفته وارتعد وسقط الكتاب من يده ولم يقرأ في ذلك ~~المجلس قلت: فلورأى الشيخ يوسف كلام الخطيب في تاريخ بغداد وهويقع في حق ~~العلماء الأعلام الزهاد بكلام يخرجهم من الإسلام بذلك اللسان الخبيث فما ~~كان يفعل به. و فيها توفي محمد بن جعفربن محمد أبو بكر الخرائطي من أهل ~~سرمن رأى وكان عالما ثقة جيد التصانيف متفننا رضي الله عنه الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبو علي الحسين بن القاسم ~~الكوفي وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في المحرم وأبو بكر محمد بن جعفر ~~السامري الخرائطي أمر النيل في هذه السنة:الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون ~~إصبعا مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من ولاية الإخشيذ # وهي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة:فيها ورد الخبر إلى بغداد بأن سيف الدولة ~~علي بن عبد الله بن حمدان هزم الدمستق وفيها خرج بجكم إلى الجبل وعاد. ~~وفيها غرقت بغداد غرقا عظيما بلغت الزيادة تسع عشرة ذراعا وأنبثق بثق من ~~نواحي الأنبار فآجتاح القرى وغرق من الناس والسباع والبهائم ما لا يحصى ~~ودخل الماء إلى بغداد من الجانب الغربي وتساقطت الدور ms0702 وأنقطعت القنطرتان ~~القنطرة العتيقة والجديدة عند باب البصرة. وفيها تزوج بجكم بسارة بنت ~~الوزير أبي عبد الله البريدي. وفيها في شعبان توفي قاضي القضاة أبوالحسين ~~عمربن محمد بن يوسف وقلد مكانه ابنه القاضي أبو نصريوسف. وفيها فسد الحال ~~بين بجكم وبين الوزير أبي عبد الله البريدي بعد المصاهرة لأمور صدرت فعزل ~~بجكم الوزير المذكور وآستوزر مكانه أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد ~~وخرج بجكم إلى واسط. PageV01P0362 # وفي شهر رمضان ملك محمد بن رائق حمص والشام إلى الرملة وإلى العريش ووقع ~~بينه وبين الإخشيذ وقعة انهزم فيها الإخشيذ قلت: هي الوقعة التي ذكرناها في ~~ترجمة الإخشيذ. وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبدربه بن حبيب أبوعمر الاموي ~~مولى هشام بن عبد الرحمن الداخل الأموي الأندلسي القرطبي صاحب كتاب العقد ~~الفريد في الأخبار ولد سنة ست وأربعين ومائتين وكان أديب الأندلس وفصيحها ~~مدح ملوك الأندلس وكان صدوقا ثقة وهو القائل: الجسم بلد والروح في بلد ... ~~يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد إن تبك عيناك لي يا من كلفت به ... من رحمة ~~فهما سهماك في كبدي وله : يا ليلة ليس في ظلمائها نور ... إلا وجوها ~~تضاهيها الدنانير خود سقتني كأس الموت أعينها ... ماذا سقتنيه تلك الأعين ~~الحور إذا آبتسمن قدر الثغر منتظم ... وإن نطقن فدر اللفظ منثور وفيها توفي ~~الحسن بن أحمد بن يزيد أبو سعيد الإصطخري شيخ الشافعية سمع الكثير وحدث ~~وبرع في الفقه وغيره ومات في جمادى الأخرة. وفيها توفي محمد بن أحمد بن ~~أيوب بن الصلت أبو الحسن المقرىء المشهور المعروف بآبن شنبود وقد تقدم ذكر ~~واقعته مع الوزير ابن مقلة في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة قرأ ابن شنبود على ~~أبي حسان محمد بن أحمد العنبري وإسماعيل بن عبد الله النحاس والزبيربن محمد ~~بن عبد الله العمري المدني صاحب قال ومع الحديث أيضا من جماعة وقرأ القرآن ~~ببغداد سنين قرأ عليه خلائق وكان قد تخير لنفسه شواذ قراءة كان يقرأ بها في ~~المحراب حتى فحص أمره وقبض عليه ms0703 في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ووقع له ما ~~حكيناه مع ابن مقلة. وفيها توفي محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن عبد ~~الوهاب، أبوعلي الثقفيئ النيسابورفي الزاهد الواعظ الفقيه هومن ولد الحخاج ~~بن يوسف الثقفي ولد بقوهستان سنة أربع وأربعين ومائتين، وسمع الحديث في ~~كبره من جماعة، وروى عنه آخرون وكان كبير الشأن أعجوبة زمانه في الوعظ ~~والتصؤف والفقه والزهد. وفيها توفي محمد بن علي بن الحسن بن مقلة، أبوعلي ~~الوزير صاحب الخط المنسوب ولي بعض أعمال فارس ثم وزر للمقتدر سنة ست عشرة و ~~ثلاثمائة، ثم قبض عليه وصادره وحبسه عامين، ثم وزر بعد ذلك ثانيا وثالثا ~~لعدة خلفاء ووقع له حوادث ومحن حتى قطعت يده ولسانه وحبس حتى مات. قال ~~الصولي: مارأيت وزيرا منذ توفي القاسم بن عبيد الله أحسن حركة، ولا أظرف ~~إشارة، ولا أملح خطا، ولا أكثر حفظا، ولا أسلط قلما، ولا أقصد بلاغة، ولا ~~آخذ بقلوب الخلفاء، من محمد بن علي يعني ابن مقلة. قال: وله بعد هذا كله ~~علم بالإعراب وحفظ اللغة. وقال محمد بن إسماعيل الكاتب: لما نكب أبو الحسن ~~بن الفرات أبا علي بن مقلة لم أدخل إليه في حبسه ولا كاتبته، خوفا من ابن ~~الفرات فلما طال أمره كتب إلي يقول: ترى حرمت كتب الأخلأء بينهم ... أبن ~~لي، أم القرطاس أصبح غاليا فماكان لوساءلتنا كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة ~~هي ما هيا صديقك من راعاك عند شديدة ... وكل تراه في الرخاء مراعيا فهبك ~~عدوي لا صديقي فربما ... تكاد الأعالحي يرحمون الأعاديا 6 وأنفذ في طيئ ~~الورقة ورقة إلى الوزير، فيها: أمسكت - أطال الله بقاء الوزير - عن الشكوى، ~~حتى تناهت البلوى في النفس والمال، والجسم والحال إلى ما فيه شفاء للمنتقم، ~~وتقويم للمجترم أفضيت إلى الحيرة والتبلد، وعيالي إلى الهتكة والتشرد وما ~~أبداه الوزير الله - في أمري إلا بحق واجب، وظن غير كاذب وعلى كل حال فلي ~~ذمام و وصحبة وخدمة إن كانت الإساة أضاعتها، فرعاية الوزير أيده الله تعالى ~~بحفظه ms0704 ولا مفزع إلا إلى الله بلطفه، وكنف الوزير وعطفه فإن رأى - أطال الله ~~بقاءه أن يلحظ عبده بعين رأفته، وينعم بإحياء مهجته، وتخليصها من العذاب ~~الشديد والجهد الجهيد، ويجعل له من معروفه نصيبا، ومن البلوى فرجا قريبا " ~~. PageV01P0363 # وفيها توفي محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبوبكر الأنباري النحوي ~~اللغوي العلامة؟ ولد سنة إحدى وسبعين ومائتين، سمع الكثير وروى عنه جماعة ~~كثيرة. وقال أبو علي القالي تلميذه: كان أبو بكر يحفظ ثلاثماثة ألف بيت ~~شاهدا في القرآن وفيها توفي أبوالحسن المزين أحد مشايخ الصوفية ببغداد كان ~~آسمه فيما قيل علي بن محمد. قال السلمي: صحب الجنيد وسهل بن عبد الله وأقام ~~مجاورا إلى أن مات وكان من أورع المشايخ وأحسنهم حالا. وهذا هوأبو الحسن ~~المزين الصغير وأما أبو الحسن المزين الكبير فبغدادي أيضا، وله ترجمة تاريخ ~~السلمي مختصرة. وفيها توفي المرتعش الزاهد النيسابوري هوعبد الله بن محمد ~~أصله من محلة الحيرة وصحب أباحفص والجنيد وكان أحد مشايخ العراق قال أبو ~~عبد الله الرازي كان مشايخ العراق يقولون عجائب بغداد في التصوف ثلاث ~~إشارات الشبلي ونكت أبي محمد المرتعش، وحكايات جعفر الخلدي وسئل المرتعش: ~~بماذا ينال العبد المحبة لمولاه قال: بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه. ~~وقيل له: إن فلانا يمشي على الماء فقال: عندي أن من يمكنه الله من مخالفة ~~هواه أعظم من المشي على الماء. أمر النيل في هذه السنة. الماء القديم ئلاث ~~أذرع وخمس أصابع مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة السابعة من ولاية الإخشيذ # وهي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة: فيها آستكتب بجكم أبا عبد الله الكوفي ~~وعزل ابن شيرزاد عن كتابته وصادره.وفيها في صفر وصلت الروم إلى كفرتوثا من ~~أعمال الجزيرة فقتلوا وسبوا. وفيها في شهر ربيع الأول أشتدت علة الراضي ~~وقاء في يومين أرطالا منالدم فأرسل أباعبد الله الكوفي المذكور إلى بجكم ~~يسأله أن يوئي العهد آبنه أبا الفضل وهو الأصغر وكان بجكم بواسط ثم توفي ~~الراضي. وفيها في سابع جمادى الآخرة سقطت القبة ms0705 الخضراء بمدينة المنصور ~~وكانت تاج بغداد ومأثرة بني العباس قال الخطيب في تاريخه إن المنصور بناها ~~آرتفاع ثمانين ذراعا وأن تحتها إيوانا طوله عشرون ذراعا في مثلها وقيل كان ~~عليها مثال فارس في يده رمح إذا آستقبل به جهة علم أن خارجيا يظهر من تلك ~~الجهة فسقط رأس هذه القبة ليلة ذات مطر وبرد ورعد. وفيها كان غلاء مفرط ~~ووباء عظيم ببغداد وخرج الناس يستسقون ومافي السماء غيم فرجعوا يخوضون في ~~الوحل وآستسقى بهم أحمد بن الفضل الهاشمي. وفيها عزل المتقي الوزير سليمان ~~واستوزر أبا الحسن " أحمد بن محمد بن ميمون الكاتب ثم قدم أبو عبد الله ~~البريدي يطلب الوزارة فأجابه المتقي وكانت وزارة آبن ميمون شهر. وفيها قلد ~~الخليفة المتقي إمرة الأمراء الأمير كورتكين الديلمي وقلد بدرا الخرشني ~~الحجابة. وفيها توفي أمير المؤمنين الراضي بالله أبو العباس محمد ابن ~~الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة المعتضد أحمد ابن ولي العهد الموفق طلحة ~~ابن الخليفة المتوكل جعفر ابن الخليفة المعتصم محمد ابن الخليفة الرشيد ~~هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي البغداي العباسي بويع بالخلافة ~~بعد موت عمه القاهر بالله ومات في منتصف شهر ربيع الآخر وهو ابن إحدى ~~وثلاثين سنة وستة أشهر وبويع بالخلافة أخوه إبراهيم ولقب بالمتقي وأم ~~الراضي أم ولد روميه. كان الراضي فاضلا سمحا جوادا شاعرا محبا للعلماء ~~وهوآخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة آنفرد بتدبير الجند وآخر خليفة خطب ~~يوم الجمعة وآخر خليفة جالس الندماء. قال الصولي سئل الراضي أن يخطب يوم ~~جمعة فصعد المنبر بسرمن رأى فحضرت أنا إسحاق بن المعتمد فلما خطب شنف ~~الأسماع وبالغ في الموعظة انتهى. قلت: ومن شعر الراضي رضي الله عنه : كل ~~صفو إلى كدر ... كل أمن إلى حنر ومصير الشباب للمو ... ت فيه أو الكبر در ~~در المشيب من ... واعظ ينذر البشر أيها الآمل الذي ... تاه في لجة الغرر ~~أين من كان قبلنا ms0706 ... ذهب الشخص والأثر رب فاغفر لي الخط ... يئه خير من ~~غفر PageV01P0364 # وفيها في شوال آجتمعت العامة وتظلموا من الديلم ونزولهم في دورهم فلم يقع ~~لذلك إنكار فمنعت العامة الإمام من الصلاة وكسرت المنبر منعهم الديلم من ~~ذلك فقتل من الفريقين جماعة كثيرة. وفيها آستوزر المتقي القراريطي وخلع ~~المتقي على بدر الخرشني وقلمه الحجابة وجعله حاجب الحجاب قلت هذا أول ما ~~سمعنا بمن سمي حاجب الحجاب ولكن لانعلم هل كان بهذه الكيفية أوغير هذه ~~الصورة من أنه كبير الحجبة ولعله ذلك. وفيها توفي بجكم التركي الأمير ~~أبوالخير كان أمير الأمراء قبل بني بويه وكان عاقلا يفهم العربية ولا يتكلم ~~بها بل يتكلم بترجمانه ويقول أخاف أن أتكلم فأخطىء والخطأ من الرئيس قبيح ~~وكان عاقلا سيوسا عارفا يتولى المظالم بنفسه قال القاضي التنوخي جاء رجل من ~~الصوفية إلى بجكم فوعظه بالعربية والفارسية حتى أبكاه فلما خرج قال بجكم ~~لرجل احمل معك ألف درهم وأدفعها إليه فأخذها الرجل ولحقه وأقبل بجكم يقول ~~ما أظنه يقبلها فلما عاد الغلام ويده فارغة قال بجكم أخذها قال نعم فقال ~~بجكم بالفارسية كلنا صيادون ولكن الشباك تختلف. وفيها وقع الحرب بين محمد ~~بن رائق وبين كورتكين وانكسر كورتكين واختفى . وفيها توفي عبد الله بن ~~طاهربن حاتم أبو بكر الأبهري كان من أقران الشبلي سئل ما بال الإنسان يحتمل ~~من معلمه ما لا يحتمل من أبويه فقال لأن أبويه سبب لحياته الفانية ومعلمه ~~سبب لحياته الباقية. وفيها توفي العباس بن الفضل بن العباس بن موسى الأمير ~~أبوالفضل الهاشمي العباسي كان فاضلا سمع الحديث ورواه ومات في جمادى ~~الأولى. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي الحسن بن ~~علي أبو محمد البربهاري شيخ الحنابلة والقاضي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن ~~زبر وأبو القاسم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي الحامض والراضي بالله ~~أبوإسحاق محمد بن المقتدر في شهر ربيع الآخر عن اثنتين وثلاثين سنة وأبو ~~نصر محمد بن حمدويه المروزي القارىء وأبو بكر ms0707 يوسف بن يعقوب التنوخي ا لآ ~~زرق أمر النيل في هذه السنة الماء القديم ثلاث أذرع وإحدى عشرة إصبعا مبلغ ~~الزياده خمس عشرة ذراع وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية الإخشيذ # وهي سنة ثلاثين وثلاثمائة: فيها آستوزر الخليفة المتقي أباعبد الله ~~البريدي برأي آبن رائق لما رأى آنضمام الأتراك إليه فاحتاج إلى مداراته. ~~وفيها في ا لمحرم وجد كورتكين الديلمي في ا لحرب،فأحضر إلى دار أبن رائق ~~فحبسه. وفيها كان الغلاء العظيم ببغداد وأبيع كر القمح بمائتي دينار وعشرة ~~دنانير وأكلوا الميتة وكثرت الأموات على الطرق وعظم البلاء وخرج في شهر ~~ربيع الآخر الحرم من قصر الرصافة يستغثن في الطرقات الجوع الجوع وخرج ~~الأتراك وتوزون فساروا إلى البريدي بواسط. وفي هذه الأيام وصلت الروم إلى ~~حموص من أعمال حلب وهي على ستة فراسخ من حلب فأخربوا وأحرقوا وسبوا عشرة ~~آلاف نسمة. وفيها ولي قضاء الجانبين ومدينة أبي جعفر القاضي أبو الحسن أحمد ~~بن عبد الله بن إسحاق الخرقي التاجر وتعجب الناس من تقليد مثله القضاء. ~~وفيها عزل البريدي وقلد القراريطي الوزارة. PageV01P0365 # وفيها في جمادى الأولى ركب المتقي ومعه آبنه أبومنصور ومحمد بن رائق ~~والوزير القراريطي والجيش وسار بين أيديهم القراء في المصاحف لقتال البريدي ~~وآجتمع الخلق على كرسي الجسر فثقل بهم وآنخسف فغرق خلق وأمر ابن رائق بلعن ~~البريدي على المنابر ثم أقبل أبوالحسين علي بن محمد أخو البريدي إلى بغداد ~~وقارب المتقي وابن رائق وقاتلهما فهزمهما وكان معه الترك والديلم والقرامطة ~~ودخلوا بغداد وكثر النهب بها وتحصن ابن رائق بها فزحف أبو الحسين البريدي ~~على الدار وآستفحل الشر ودخل طائفة دار الخلافة وقتلوا جماعة وخرج الخليفة ~~المتقي وآبنه هاربين إلى الموصل ومعهما آبن رائق واستتر الوزير القراريطي ~~ودخلوا على الحرم ونهبت دار الخلافة ووجدوا في السجن كورتكين الديلمي وأبا ~~الحسن سعيد بن عمرو بن سنجلا وعلي بن يعقوب فجيء بهم إلى أبي الحسين فقيد ~~كورتكين وبعث به الى أخيه بالبصرة وكان آخر العهد به ونزل أبوالحسين دار ms0708 ~~ابن رائق وقلد الشرطة في الجانب الشرقي لتوزون ولأبي منصور نوشتكين الشرطة ~~في الجانب الغربي واشتد القحط ببغداد حتى أبيع كر القمح بثلاثمائة وستة عشر ~~دينارا ثم وقع بين البريدي وبين توزون ونوشتكين حرب ووقع لهم أمور وآنصرف ~~توزون إلى الموصل وانضم إلى ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان. وفيها ~~كانت وقعة بين الأتراك والقرامطة فانهزمت القرامطة. وفيها آنضم محمد بن ~~رائق على الحسن بن عبد الله بن حمدان المذكور ثم وقع بينهما وقتل ابن رائق ~~قتله أعوان الحسن بن عبد الله بن حمدان المذكور وخلع المتقي على الحسن بن ~~عبد الله بن حمدان المذكور ولقبه بناصرالدولة وعلى أخيه علي ولقبه بسيف ~~الدولة وعاد الخليفة إلى بغداد قلت وهذا أول عظمة بني حمدان فهم على هذا ~~الحكم أقدم الملوك ولما قدم الخليفة المتقي إلى بغداد ومعه بنو حمدان هرب ~~منها البريدي إلى واسط بعد أن أقام ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوما. وفيها ~~توفي العارف بالله أبويعقوب إسحاق بن محمد النهرجوري شيخ الصوفية مات بمكة ~~وكان صحب سهل بن عبد الله والجنيد وغيرهما وكان من كبار المشايخ. وفيها ~~توفي المحاملي الزاهد أبو صالح مفلح بن عبد الله الدمشقي صاحب الدعاء وغيره ~~وإليه ينسب مسجد أبي صالح خارج الباب الشرقي من دمشق وكان من الصلحاء ~~الزهاد. وفيها توفي محمد بن رائق الأمير أبو بكر وكان من أكابر القواد ولي ~~الأعمال الجليلة ثم قدم دمشق وأخرج منها بدرا الإخشيذي وأقام بها شهرا ثم ~~توجه إلى مصر والتقى هووالإخشيذ وقد ذكرنا ذلك كله مفصلا في ترجمة الإخشيذ ~~وغيره ثم عاد إلى بغداد فدخلها وخلع عليه المتقي خلعة الإمارة وألبسه الطوق ~~والسوار وقلده الأمور ثم خرج مع المتقي لحرب ناصرالدولة بن حمدان وجرت له ~~أمور طويلة حتى قتل بالموصل. قال الصولي أنشدنا الأمير محمد بن رائق في ~~فتاة مشرقية: يصفر لوني إذا بصرت به ... خوفا ويحمر وجهه خجلا حتى كأن الذي ~~بوجنته ... من دم قلبي إليه قد نقلا وفيها توفي نصر بن أحمد ms0709 أبو القاسم ~~البصري الخبزأرزي الشاعر المشهور قدم بغداد وكان يخبز خبزالأرز يتكسب بذلك ~~وكان له نظم رائق وكان أميا لا يتهجى ولا يكتب وكان ينشد أشعاره وهويخبز ~~خبز الأرز بمربد البصرة في دكان وكان الناس يزدحمون عليه لاستماع شعره ~~ويتعجبون من حاله وكان أبو الحسين محمد بن محمد المعروف بابن لنك الشاعر ~~المشهور ينتاب دكانه ليستمع شعره وآعتنى به وجمع له ديوانا ومن شعره قوله: ~~خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشى إلى عبد أتى زائرا من ~~غير وعد وقال لي ... أجلك عن تعليق قلبك بالوعد فما زال نجم الكأس بيني ~~وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد فطورا على تقبيل نرجس ناظر ... وطورا ~~على تعضيض تفاحة الخد وله : كم أناس وفوا لنا حين غابوا ... وأناس جفوا وهم ~~حضار عرضوا ثم أعرضوا وآستمالوا ... ثم مالوا وجاوروا ثم جاروا لا تلمهم ~~على التجني فلو لم ... يتجنوا لم يحسن الاعتذار وله: وكان الصديق يزور ~~الصديق ... لشرب المدام وعزف القيان فصار الصديق يزور الصديق ... لبث ~~الهموم وشكوى الزمان PageV01P0366 # وله القصيدة الطنانة التي أولها: بات الحبيب منادمي ... والسكر يصبغ ~~وجنتيه ثم آغتدى وقد آبتدا ... صبغ الخمار بمقلتيه وهي طويلة ومن شعره ~~قوله: رأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من ~~حيرتي فيهما ... هلال الدجى من هلال البشر ولولا التورد في الوجنتين ... ~~وما راعني من سواد الشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع ونصف إصبع مبلغ الزيادة ~~خمس عشرة ذراعا وثماني أصابع السنة. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية الإخشيذ على مصر # وهي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة: فيها تزوج أبومنصور إسحاق ابن الخليفة ~~المتقي بالله ببنت ناصرالدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان التغلبي الصداق ~~مائتا ألف دينار وقيل مائة ألف دينار وخمسمائة ألف درهم . وفيها في صفر ~~وصلت الروم أرزن وميافارقين ونصيبين فقتلوا وسبوا ثم طلبوا منديلا من كنيسة ~~الرها يزعمون أن المسيح المسيح به وجهه فآرتسمت صورته فيه على أنهم ms0710 يطلقون ~~جميع من سبوا من المسلمين فآستفتى الخليفة الفقهاء فأفتوا بأن إرساله مصلحة ~~للمسلمين فأرسل الخليفة إليهم المنديل وأطلق أسارى. وفيها ضيق الأمير ~~ناصرالدولة حسن بن عبد الله بن حمدان على الخليفة المتقي في نفقاته وأخذ ~~ضياعه وصادر الدواوين وأخذ الأموال فكرهه الناس. وفيها وافى الأمير أحمد بن ~~بويه يقصد قتال البريدي فاستأمن إليه جماعة من الديلم. وفيها هاج الأمراء ~~على سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان بواسط فهرب منهم في البرية يريد ~~بغداد ثم سار ناصرالدولة إلى الموصل خائفا لهروب أخيه سيف الدولة ونهبت ~~داره واستوزر المتقي أبا الحسين علي بن أبي علي محمد بن مقلة. وفيها سار ~~توزون من واسط وقصد بغداد في شهررمضان فآنهزم سيف الدولة إلى الموصل أيضا ~~فخلع الخليفة المتقي على توزون ولقبه أمير الأمراء ثم وقعت الوحشة بين ~~المتقي وتوزون فعاد توزون إلى واسط وفيها نزح خلق كثير من بغداد مع الحجاج ~~إلى الشام ومصرخوفا من الفتنة وفيها ولد لأبي طاهر القرمطي ولد فأهدى إليه ~~أبو عبد الله البريمي هدايا عظيمة فيها مهد ذهب مجوهر . وفيها استوزر ~~المتقي الخليفة غير وزير من هؤلاء الحاملين ويعزله فاستوزر أبا العباس ~~الكاتب الأصبهاني وكان أبو العباس المذكور ساقط الهمة بحيث إنه كان يركب ~~أيام وزارته وبين يديه أثنان وما ذلك إلا لضعف دست الخلافة ووهن دولة بني ~~العباس. وفيها حج بالناس القرمطي على مال أخذه منهم. وفيها توفي بدر ~~الخرشني وكان قد جرت له أمور ببغداد وكان من أكابر القواد ثم سار إلى ~~الإخشيذ محمد بن طغج أمير مصر أعني صاحب الترجمة فولاه الإخشيذ إمرة دمشق ~~فوليها شهرين ومات في ذي القعدة وقد تقدم ذكر بدر هذا في عمة أماكن في ~~الحوادث وغيرها. وفيها توفي أبو سعيد سنان بن ثابت المتطبب والد ثابت مصنف ~~التاريخ وقد أسلم سنان على يد الخليفة القاهر بالله وطبب سنان المذكور ~~جماعة من الخلفاء وكان مفتنا في علم الطب وغيره. وفيها توفي محمد بن عبدوس ~~مصنف كتاب الوزراء ببغداد كان ms0711 فاضلا رئيسا وله مشاركة في فنون. وفيها توفي ~~محمد بن إسماعيل أبو بكر الفرغاني الصوفي أستاذ أبي بكر الدقاق كان من ~~المجتهدين في العبادة قال الرقي ما رأيت أحسن منه ممن يظهر الغنى في الفقر ~~كان يلبس قميصين ورداء وسراويل ونعلا نظيفا وعمامة وفي يده مفتاح وليس له ~~بيت ينطرح في المساجد ويطوي الخمس والست وقال عبد الواحدبن بكر سمعت الرقي ~~يقول سمعت الفرغاني محمد بن إسماعيل يقول " دخلت الدير الذي بطور سيناء ~~فأتاني مطرانهم بأقوام كأنهم نشروا من القبور فقال هؤلاء يأكل أحدهم في ~~الأسبوع مرة يفخرون بذلك فقلت لهم كم صبر مسيحكم هذا قالوا ثلاثين يوما ~~وكنت قاعدا في وسط الدير فلم أزل جالسا أربعين يوما لم آكل ولم أشرب فخرج ~~إلي مطرانهم فقال: يا هذا قم فقد أفسدت قلوب كل من في الدير فقلت: حتى أتم ~~ستين يوما فألحوا فخرجت. PageV01P0367 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي حسن بن سعد الكتافي ~~القرطبي الحافظ ومحمد بن أحمدبن يعقوب بن شيبة السدوسي ومحمد بن مخلد بن ~~حفص العطار ويعقوب بن عبد الرحمن الجصاص. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان وست أصابع مبلغ الزيادة تسع عشرة ذراعا. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية الإخشيذ # وهي سنة اثنتين وثلاثين وئلاثمائة فيها قدم أبوجعفربن شيرزاد من واسط من ~~قبل توزون إلى بغداد فحكم على بغداد فخرج الخليفة المتقي إلى تكريت بأولاده ~~ومعه الوزير فقدم عليه سيف الدولة وأشار عليه بأن يصعد إلى الموصل ليتفقوا ~~على رأي فقال المتقي ما على هذا عاهدتموني. ثم حضر ناصرالدولة بن حمدان ~~والتقى مع توزون وآقتتلوا أياما وأردفه أخوه ثم آنهزم بنو حمدان وفروا ~~ومعهم المتقي إلى نصيبين ثم أرسل المتقي لتوزون في الصلح فأجاب توزون إلى ~~الصلح ورجع الخليفة إلى بغداد بعد أمور صدرت له. وفيها قتل أبو عبد الله ~~البريمي أخاه أبا يوسف ثم مات بعده بيسير. وفيها ولى ناصرالدولة بن حمدان ~~ابن عمه الحسين بن سعيدبن حمدان قنسرين والعواصم فسار ms0712 إلى حلب. وفيها كتب ~~المتقي إلى الإخشيذ صاحب مصر أن يحضر إليه فخرج من مصر وسار إلى الرقة وقد ~~تقدم ذكر ذلك في أول هذه الترجمة. وفيها قتل حمدي اللص وكان لصا فاتكا كان ~~ابن شيرزاد ضمنه اللصوصية ببغداد في الشهر بخمسة وعشرين ألف دينار وكان ~~يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع ويأخذ الأموال وكان أسكورج الديلمي قد ولي ~~شرطة بغداد فقبض عليه ووسطه قلت: لعل حمدي هذا هوالذي يقال له عند العامة ~~في سالف الأعصار أحمد الدنف. وفيها دخل أحمد بن بويه واسطا وهرب أصحاب ~~البريدي إلى البصرة. وفيها في شوال عرض لتوزون صرع وهوعلى سرير الملك فوثب ~~ابن شيرزاد وأرخى عليه الستر وقال: قد حدثت للأمير حمى. وفيها لم يحج أحد ~~لموت القرمطي. وفيها توفي أحمدبن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن مولى بني هاشم ~~أبو العباس الكوفي الحافظ المعروف بابن عقدة وهولقب أبيه سمع الكثير حتى من ~~أقرانه وكان حافظا مفتنا جمع الأبواب والتراجم وروى عنه الدار قطني وغيره. ~~وفيها هلك الخبيث الطريد من رحمة الله أبوطاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي ~~الهجري القرمطي في شهررمضان بالجدري بعد أن رأى في نفسه العبر وتقطعت ~~أوصاله وهوالذي قتل الحجيج وآستباحهم غير مرة وآقتلع الحجر الأسود وتولى ~~مكانه أبو القاسم سعيد أبن الحسن أخوه وقد تقدم ذكر أبي طاهر فيما مضى غير ~~أن صاحب المرآة أرخ وفاته في هذه السنة وقد ذكرناها ثانيا لهذا المنكر عليه ~~اللعنة والخزي. وفيها دخل الدمستق إلى رأس العين في ثمانين ألفا من الروم ~~فقتل وسبى خلقا كثيرا وقيل كان ذلك في الماضية. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة قال وفيها توفي أبوالعباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الحافظ ~~وأبو بكر محمد بن الحسين النيسابوري القطان وعبد الله بن أحمد بن إسحاق ~~المصري الجوهري رضى الله عنهم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وإصبع واحدة مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية الإخشيذ ms0713 # وهي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة فيها خلع المتقي إبراهيم من الخلافة ~~وسمل فعل به ذلك توزون قال المسعودي لما التقى توزون بالمتقي ترجل وقبل ~~الأرض فأمره المتقي بالركوب فلم يفعل ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضرب له ~~فلما نزل قبض عليه توزون وأكحله فصاح المتقي وصاح النساء فأمر توزون بضرب ~~الدبادب حول المخيم ثم دخل توزون بالمتقي إلى بغداد مسمول العينين وأحضر ~~توزون عبد الله بن المكتفي وبايعه بالخلافة ولقبه بالمستكفي بالله ولما بلغ ~~القاهر بالله المخلوع عن الخلافة والمسمول أيضا قبل تاريخه أن المتقي خلع ~~وسمل قال صرنا آثنين ونحتاج إلى ثالث يعرض بالمستكفي الذي بويع بالخلافة ~~وكان كما قال على مايأتي ذكره إن شاء الله تعالى وكنية المستكفي أبو القاسم ~~وأمه أم ولد وبويع بالخلافة وعمره إحدى وأربعون سنة وعاش المتقي بعد خلعه ~~وسمله خمسا وعشرين سنة أعمى وكان خلعه في عشرين صفرفلم يحل الحول على توزون ~~حتى مات. PageV01P0368 # وفيها كانت وقعات عديحة بين توزون وبين أحمد بن بويه وكلها على توزون ~~والصرع يعتريه حتى كل الرجال من الطائفتين ورجع آبن بويه إلى الأهواز ورجع ~~توزون إلى بغداد مشغولا بنفسه من العلة بالصرع إلى أن مات. وفيها سار سيف ~~الدولة بن حمدان إلى حلب فملكها وهرب أميرها يأنس المؤنسي إلى مصر فجهز ~~الإخشيذ صاحب الترجمة جيشا لحربه كما تقدم في أول الترجمة. وفيها غزا سيف ~~الدولة بن حمدان بلاد الروم ورد سالما بعد أن بدع بالعدو وسبب هذه الغزوة ~~أنه بلغ الدمستق ما فيه سيف الدولة من الشغل بحرب أضداده فسارفي جيش عظيم ~~وأوقع بأهل بغراس ومرعش وقتل وسبى فأسرع سيف الدولة إلى مضيق وشعاب وأوقع ~~بجيش الدمستق وبيتهم واستنقذ الأسارى والغنيمة من أيدي الروم وانهزم الروم ~~أقبح هزيمة ثم بلغ سيف الدولة أن مدينة الروم قد تهدم بعض سورها وكان ذلك ~~في الشتاء فآغتنم سيف الدولة الفرصة فأناخ عليهم وقتل وسبى لكن أصيب بعض ~~جيشه. الذين ذكرالذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبوالطيب أحمد ms0714 ~~بن إبراهيم الشيباني وأبو عمروأحمد بن محمد بن إبراهيم بن حكيم المدني ~~والمتقي بالله إبراهيم بن المقتدرخلع وسمل في صفر ثم بقي خاملا منسيا إلى ~~سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وأبو علي محمد بن أحمد بن عمرواللؤلئي. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ذراعان واثنتا عشرة إصبعامبلغ الزيادة خمس عشرة ~~ذراعا واثنتاعشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية الإخشيذ # وهي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة: فيها كانت وفاة الإخشيذ كما تقدم ذكره. ~~وفيها لقب الخليفة المستكفي نفسه بإمام الحق وضرب ذلك علىالسكة. وفيها في ~~المحرم توفي توزون التركي الأميربهيت وكان معه كاتبه أبوجعفربن شيرزاد فطمع ~~في المملكة وحلف العساكرلنفسه وسارحتى نزل بباب حرب أحد أبواب بغداد فخرج ~~إليه الديلم والجند وبعث إليه المستكفي بالإقامات وبخلع بيض ولم يكن مع آبن ~~شيرزاد مال فضاق مابيده فشرع في مصادرات التجاروالكتاب وسلط الجندعلىالعامة ~~وتفرغ لأذىالخلق فهرب أعين بغداد وانقطع الجلب فخربت وتخلخل أمرها. وفيها ~~قدم معز الدولة أحمد بن بويه إلى بغداد بعد أمورصدرت وخلع عليه المستكفي ~~ولقبه معز الدولة ولقب أخاه عليا عماد الدولة وأخاه الحسن ركن الدولة وضربت ~~ألقابهم على السكة ثم ظهرابن شيرزاد وأجتمع بمعز الدولة ومعز الدولة ~~المذكور هوأول من ملك من الديلم من بني بويه وهوأول من وضع السعاة ببغداد ~~ليجعلهم رسلا بينه وبين أخيه ركن الدولة إلىالري وكان له ساعيان فضل ومرعوش ~~وكان كل واحد منهما يمشي في اليوم ستة وثلاثين فرسخا فضري بذلك شباب بغداد ~~وآنهمكوا فيه حتى نجب منهم عدة سعاة. وفيها خلع المستكفي من الخلافة وسمل ~~خلعه معزالدولة أحمدبن بويه الديلمي وسببه أنه لما كان أول جمادىالأخرة دخل ~~معز الدولة على الخليفة المستكفي فوقف والناس وقوف على مراتبهم فتقدم اثنان ~~من الديلم فطلبا من الخليفة الرزق فمديده إليهما ظنا منه أنهما يريدان ~~تقبيلها فجذباه من السرير وطرحاه إلى الأرض وجراه بعمامته ثم هجم الديلم ~~على دار الخلافة وعلى الحرم ونهبوا وقبضوا على القهرمانة وخواص الخليفة ~~ومضى معزالدولة إلى منزله وساقوا المستكفي ماشيا إليه ولم ms0715 يبق بدارالخلافة ~~شيء إلا نهب وخلع المستكفي وسملت عيناه وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر ~~ويومين وتوفي بعد ذلك في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وعمره ست وأربعون سنة ~~علىما يأتي ذكره في محله وهذا ثالث خليفة خلع وسمل كما بشر به القاهر ~~لماخلع المتقي وسمل فإنه قال بقينا اثنين ولابد لنا من ثالث وقد تقدم ~~ذكرذلك عند خلع المتقي ثم آحضر معزالدولة أباالقاسم الفضل بن المقتدرجعفر ~~وبايعه بالخلافة ولقبه بالمطيع لله وسنه يومئذ أربع وثلاثون سنة ثم قدموا ~~ابن عمه المستكفي المذكورفسلم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع وذلك ~~قبل أن يسمل ثم صادرالمطيع خواص المستكفي وأخذ منهم أموالا كثيرة وقررله ~~معزالدولة في كل يوم مائة دينار. PageV01P0369 # وفيهاعظم الغلاء ببغداد في شعبان وأكلوا الجيف والروث ومالوا على الطرق ~~وأكلت الأكلب لحومهم وبيع العقار بالرغفان ووجدت الصغارمشوية مع المساكين ~~وهرب الناس إلى البصرة وواسط فمات خلق في الطرقات وذكر ابن الجوزي أنه ~~آشتري لمعزالدولة كردقيق بعشرين ألف درهم قلت والكر سبعة عشر قنطارا ~~بالدمشقي لأن الكرأربعة وثلاثون كارة والكارة: خمسون رطلا بالدمشقي. وفيها ~~وقع بين معزالدولة أحمدبن بويه وبين ناصرالدجولة الحسن بن عبد الله بن ~~حمدان التغلبي وجاء فنزل سامرا فخرج إليه معزالدولة ومعه الخليفة المطيع ~~لله في شعبان وآبتدأت الحروب بينهم بعكبرا وكان معز الدولة قد تغيرعلى ابن ~~شيرزاد واستخانه في الأموال فلما وقع القتال جاء ناصرالدولة فنزل بغداد من ~~الجانب الشرقي وملكها وجاء معزالدولة ومعه المطيع كالأسير فنزل في الجانب ~~الغربي ثم قوي أمر معزالدولة حتى ملك بغداد ونهبت عساكره الديلم أهل بغداد ~~وهرب ناصرالدولة من بغداد. وفيها توفي القائم بأمرالله نزاروقيل محمد وهو ~~الأشهر وكنيته أبو القاسم بن المهدي عبيد الله الذي توثب علىالأمر وادعى ~~أنه علوي فاطمي يأتي ذكرأحوالهم في تراجم من ملك مصر من ذريتهم كالمعزوغيره ~~ولي القائم هذا بعد موت أبيه المهدي بعهد منه إليه وسارإلى مصر مرتين ووقع ~~له مع أصحاب مصر حروب وخطوب تقدم ذكر بعضها في تراجم ملوك مصر يوم ذاك ~~وكانت وفاة ms0716 القائم هذا بالمهدية من بلاد المغرب في شوال قال الحافظ أبو عبد ~~الله الذهبي وكان القائم شرا من أبيه المهدي زنديقا ملعونا ذكرالقاضي عبد ~~الجبار أنه أظهر سب الأنبياء عليهم السلام وكان مناديه ينادي العنوا ~~الغاروماحوى وقتل خلقا من العلماء وكان يراسل أبا طاهر القرمطي إلىالبحرين ~~وهجروأمره بإحراق المساجد والمصاحف فلما كثرفجوره خرج عليه رجل يقال له ~~مخلد بن كيداد وساق الذهبي أمورا نذكربعضها في تراجم أولاده الآتي ذكرهم في ~~أخبارملوك مصر فحينئذ نطلق هناك عنان القلم في نسبهم وكيفية دخولهم إلى ~~مصروأحوالهم مبسوطا مستوعبا. وفيها توفي أحمد بن محمد بن الحسن أبو بكر ~~المعروف بالصنوبري الضبي الحلبي الشاعر المشهور كان إماما بارعا في الأدب ~~فصيحا مفوها روى عنه من شعره أبو الحسن الأديب وأبو الحسن بن جميع وغيرهما ~~ومن شعره: لاالنوم أدري به ولاالأرق ... يدري بهذين من به رمق إن دموعي من ~~طول ماآستبقت ... كلت فما تستطيع تستبق ولي مليك لم تبد صورته ... مذ كان ~~إلاصلت له الحدق نويت تقبيل نار وجنته ... وخفت آدنو منها فأحترق وفيها ~~توفي علي بن عيسى بن داود بن الجراح أبو الحسن البغدادي الكاتب الوزير وزر ~~للمقتدر والقاهروحدث عن أحمد بن شعيب النسائي والحسن بن محمد الزعفراني ~~وحميد بن الربيع وروىعنه آبنه عيسى والطبراني وأبوطاهر الهذلي وكان صدوقا ~~دينا خيراصالحاعالما من خيار الوزراء ومن صلحاء الكبراء وكان كبير البر ~~والمعروف والصلاة والصيام ومجالسة العلماء حكى أبوسهل بن زياد القطان أنه ~~كان معه لما نفي إلى مكة قال فطاف يوما أو سعى وجاء فرمى بنفسه وقال أشتهي ~~على الله شربة ماء مثلوج فنشأت بعد ساعة سحابة فبرقت ورعدت وجاءت بمطر يسير ~~وبردكثير وجمع الغلمان منه جرارا وكان الوزيرصائما فلما كان الإفطارجئته ~~بأقداح مملوءة من أصناف الأشربة فأقبل يسقي المجاورين ثم شرب وحمد الله ~~وقال ليتني تمنيت المغفرة وقال أحمد بن كامل القاضي سمعت علي بن عيسى ~~الوزيريقول كسبت سبعمائة ألف دينارأخرجت منها في وجوه البر ستمائة وثمانين ~~ألف ديناروقال الصولي لا أعلم أنه وزرلبني العباس ms0717 وزير يشبهه في عفته وزهده ~~وحفظه للقرآن وعلمه بمعانيه وكان يصوم نهاره ويقوم ليله ولا أعلم أنني ~~خاطبت أحدا أعرف منه بالشعرولما نكب وعزل عن الوزارة قال أبياتامنها: ومن ~~يك عني سائلا لشماتة ... لما نابني أو شامتا غير سائل فقد أبرزت مني الخطوب ~~آبن حرة ... صبورا على أهوال تلك الزلازل PageV01P0370 # وفيها توفي عمربن الحسين بن عبد الله أبو القاسم الخرقي البغدادي الحنبلي ~~صاحب المختصرفي الفقه وقد مر ذكرأبيه في محله قال أبويعلى بن الفراء كانت ~~لأبي القاسم مصنفات كثيرة لم تظهرلأنه خرج من بغداد لما ظهر بها سمب أصحابه ~~وأودع كتبه في دارفاحترقت تلك الداروكانت وفاته بدمشق ودفن بباب الصغير. ~~وفيها توفي أبو بكرالشبلي الصوفي المشهور صاحب الأحوال وآسمه دلف بن ~~جحدروقيل جعفربن يونس وقيل جعفربن دلف وقيل غيرذلك أصله من الشبلية وهي ~~قرية بالعراق ومولده بسرمن رأى ولي خاله إمرة الإسكندرية وولي أبوه حجابة ~~الحجاب وولي هوحجابة الموفق ولي العهد وسبب توبته أنه حضر مجلس خير النساج ~~وتاب فيه وصحب الجنيد ومن في عصره وصار أحد مشايخ الوقت حالا وقالا في حال ~~صحوه لافي حال غيبته وكان فقيها مالكي المذهب وسمع الحديث وكان له كلام ~~وعبارات ومات في آخر هذه السنة وقد نيف على الثمانين قيل إنه سأله سائل هل ~~يتحقق العارف بما يبدو له فقال كيف يتحقق بما لايثبت وكيف يطمئن إلى مايظهر ~~وكيف يأنس بما لا يخفى فهو الظاهر الباطن ثم أنشأ: فمن كان في طول الهوى ~~ذاق سلوة ... فإني من ليلى بها غير واثق وأكثر شيء نلته من وصالها ... ~~أماني لم تصدق كلمحة بارق وله: تغنى العود فآشتقنا ... إلى الأحباب إذ غنى ~~وكناحيثماكانوا ... وكانواحيثماكنا الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة ~~قال وفيها توفي أبوالفضل أحمد بن عبد الله بن نصربن هلال السلمي وأبو بكر ~~الصنوبري الحلبي أحمد بن محمد والحسين بن يحيى بن عباس القطان والمستكفي ~~بالله عبد الله بن المكتفي خلع في جمادى الأخرة وسمل وسجن ثم مات بعد أربعة ~~أعوام وعلي بن إسحاق ms0718 المادراني وأبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح ~~الوزير وأبو القاسم عمربن الحسين الخرقي الحنبلي صاحب المختصر وأبو علي ~~محمد بن سعيد القشيري الحراني الحافظ والإخشيذ محمد بن طغج التركي في ذي ~~الحجة بدمشق عن ست وستين سنة والقائم بأمر الله نزار ويقال محمد بن المهدي ~~عبيد الله مات بالمهدية في شوال وأبو بكر الشبلي شيخ الصوفية. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزياده خمس عشرة ~~ذراعا وست أصابع. ### | AUT ولاية أنوجور بن الإخشيذ # PageV01P0371 # هو أنوجور بن الإخشيذ محمد بن جف الأمير أبو القاسم الفرغاني التركي ~~وأنوجور اسم أعجمي غير كنية معناه باللغة العربية محمود ولي مصر بعد وفاة ~~أبيه الإخشيد في يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين ~~وثلاثمائة ولاه الخليفة المطيع لله على مصر والشام وعلى كل ماكان لأبيه من ~~الولاية فإنه كان أبوه أستخلفه وجعله ولي عهه فأقرة الخليفة على ماعهده له ~~أبوه ولما ثبت أمر أنوجور المذكور صار الخادم كافور الإخشيذي مدبر مملكته ~~فكان كافور يطلق في كل سنة لابن أستاذه أنوجور هذا أربعمائة ألف دينار ~~ويتصرف كافور فيما يبقى ثم قبض كافور على أبي بكر محمد بن علي بن مقاتل ~~صاحب خراج مصر في يوم ثالث المحرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وولى مكانه ~~على الخراج محمد بن علي الماذرائي ولما تم أمر أنوجور بدمشق خرج منها ~~وصحبته الأستاذ كافور الإخشيذي إلى مصر فدخله بعساكره في أول صفر فأقام بها ~~مدة ثم خرج منها بعساكره إلى الشام أيضا لقتال سيف الدولة علي بن عبد الله ~~بن حمدان فإن سيف الدولة كان بعد خروج أنوجور من دمشق ملكها ولما خرج ~~أنوجور من مصر إلى الشام في هذه المرة خرج معه عمه الحسن بن طغج أخو ~~الإخشيذ ومدبر دولته الخادم كافور الإخشيذي فخرج سيف الدولة من دمشق وتوجه ~~نحو الديار المصرية حتى وصل إلى الرملة فالتقى مع المصريين فكان بينهم وقعة ~~هائلة انكسر فيها سيف الدولة وانهزم ms0719 إلى الشام فسار المصريون وراءه فآنهزم ~~إلى حلب فساروا خلفه فانهزم إلى الرقة وقال المسبحي كان بين سيف الدولة ~~وبين أبي المظفر الحسن بن طغج وهوأخو الإخشيذ قلت ذكر المسعودي الحسن هذا ~~لصغر سن أنوجور وقعة باللجون فانكسر سيف الدولة ووصل إلى دمشق بعد شده ~~وتشتت وكانت أمه بدمشق فنزل بالمرج خائفا وأخرج حواصله وسار نحو حمص على ~~طريق قارة وسار أخو الإخشيذ وكافور الإخشيذي إلى دمشق واستقر أمرهم على ~~الصلح على أن يعود سيف الدولة إلى ماكان بيده من حلب وغيرها وأقر أنوجور ~~يأنس المؤنسي على عادته في إمرة دمشق فإنه كان أولا انهزم من سيف الدولة ~~وسلمه دمشق بالأمان وعاد أنوجور وعمه الحسن بن طغج وكافور الإخشيذي إلى ~~الديار المصرية سالمين. ولما كان أنوجور بالشام خرج بمصر غلبون متولي الريف ~~في جموع ونهب مصر وتغلب عليها فقدم أنوجور فهرب غلبون من مصر فتبعه ~~أبوالمظفر الحسن بن طغج أخو الإخشيذ حتى ظفر به وقتله. ثم آستوزر أنوجور ~~أبا القاسم جعفر بن الفضل بن الفرات ودام أنوجور على إمرة مصر سنين إلى أن ~~وقع بينه وبين كافور وحشة في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وسببها أن قوما ~~كلموا أنوجور وقالوا له قد آحتوى كافور على الأموال وآنفرد بتدبير الجيوش ~~وأخذ أملاك أبيك وأنت معه مقهور وحملوه على التنكر فلزم أنوجور الصيد ~~والتباعد فيه إلى المحلة وغيرها وانهمك في اللهو ثم أجمع على المسير إلى ~~الرملة فأعلمت أمه كافورا بما عزم عليه ولدها خوفا عليه من كافور فلما علم ~~كافور بذلك راسله ثم بعثت أمه إليه تخوفه الفتنة فآصطلحا ودام الأمر على ~~حاله ولم يزل أنوجور على إمرة مصر إلى أن مات بها في يوم السبت سابع أوثامن ~~في القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وحمل إلى القدس فدفن عند أبيه الإخشيذ ~~وكانت مدة ولايته على مصر أربع عشرة سنة وعشرة أيام ولما مات أنوجور أقام ~~كافور الإخشيذي أخاه عليا أبا الحسين بن الإخشيذ مكانه وأقره الخليفة ~~المطيع على إمرة مصر على الجند ms0720 والخراج وأضاف إليه الشام كما كان لأبيه ~~الإخشيذ ولأخيه أنوجور وقويت شوكة كافور في ولاية علي هذا أكثر مما كانت في ~~ولاية أخيه لوجوه عديدة. ### || AUT السنة الأولى من ولاية أنوجور بن الإخشيذ # وهي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. فيها جدد معز المولة أحمد بن بويه ~~الأمان بينه وبين الخليفة المطيع لله بعد أن انهزم ناصر الدولة بن حمدان في ~~السنة الماضية من معز الدولة المذكور ثم وقع الصلح بينهما على أن يكون ~~لناصر الدولة من تكريت إلى الشام. وفيها آستولى ركن الدولة الحسن بن بويه ~~على الري. وفيها أقيمت الدعوة بطرسوس لسيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان ~~فنفذ لهم الخلع والذهب ونفذ لهم ثمانين ألف دينار للفداء. PageV01P0372 # وفيها توفي أحمد بن أبي أحمد القاص أبوالعباس الطبري القاضي الفقيه صاحب ~~أبي العباس بن سريج كان إماما فقيها صنف في مذهبه كتاب المفتاح و أدب ~~القاضي، و المواقيت و التلخيص وتفقه عليه أهل طبرستان وكانت وفاته بطرسوس. ~~وفيها لم يحج أحد من العراق خوفا من القرامطة. وفيها توفي محمد بن أحمد بن ~~الربيع بن سليمان أبورجاء الفقيه الشافعي الشاعر كان فاضلا شاعرا وله قصيدة ~~ذكر فيها أخبار العالم وقصص الأنبياء وسئل قبل موته كم بلغت قصيدتك إلى ~~الآن فقال ثلاثين ألفا ومائة بيت. وفيها توفي هارون بن محمد بن هارون بن ~~علي بن موسى أبوجعفر الضبي كان أسلافه ملوك عمان وكان معظما عند السلطان ~~وآنتشرت مكارمه وعطاياه وقصده الشعراء من كل مكان وأنفق أموالا عظيمة في بر ~~العلماء والأشراف وأقتناء الكتب النفيسة وكان عارفا بالنحو واللغة والشعر ~~ومعاني القرآن والكلام وكانت داره مجمعا لأهل العلم. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبوالعباس القاضي صاحب ابن سريج وأبو ~~عمر حمزة بن القاسم الهاشمي وأبو بكر محمد بن جعفر الصيرفي المطيري وأبو ~~بكر محمد بن يحيى الصولي الشطرنجي والهيثم بن كليب الشاشي. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع و إحدى عشرة إصبعا مبلغ الزيادة خمس ms0721 ~~عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية أنوجور # وهي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة: فيها خرج الخليفة المطيع ومعز الدولة ~~أحمدبن بويه إلى البصرة لمحاربة أبي القاسم عبد الله بن البريدي وسلكوا ~~البرية إليها فلما قاربوها استأمن إلى معز الدولة جيش البريدي وهرب هو إلى ~~القرامطة وملك معز الدولة البصرة وأقطع المطيع فيها من ضياعها. وفيها قدم ~~عماد الدولة علي بن بويه إلى الأهواز فبادر أخوه معز الدولة أحمد إلى خدمته ~~وجاء فقبل الأرض ووقف وتأدب معه معز الدولة ثم بعد أيام ودعه وعاد معز ~~الدولة وقد أخذ واسطا والبصرة. وفيها ظفر المنصور العبيدي بمخلد بن كيداد ~~وقتل قواده ومزق جيشه. وفيها أغارت الروم على أطراف الشام فسبوا وأسروا ~~فساق وراءهم سيف الدولة بن حمدان ولحقهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وآسترد ما ~~أخذوا من المسلمين ثم أخذ حصن برزويه من الأكراد بعد أن نازلهم مدة. وفيها ~~وردت الأخبار أن نوحا صاحب خراسان أكحل أخويه وعمه إبراهيم. وفيها توفي ~~أحمد بن جعفربن محمد أبو الحسين المعروف بابن المنادي البغدادي كان إماما ~~محدثا سمع الكثير وصنف كتبا كثيرة قال أبويوسف القزويني صنف في علوم القرآن ~~أربعمائة ونيفا وأربعين كتابا ليس فيها شيء من الحشو وجمع فيها حسن العبارة ~~وعلو الرواية. وفيها توفي العلامة أبو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن ~~العباس بن محمد بن صول تكين الصولي الإمام المفتن المعروف بالصولي الشطرنجي ~~الكاتب وكان صول من ملوك خراسان وجرجان كان أحد علماء الفنون كالأدب وحسن ~~المعرفة بأيام الناس وطبقات الشعراء واسع الرواية كثير الحفظ صنف كتاب " ~~الأوراق وكتاب " الوزراء وغيرهما وأنتهى إليه علم الهندسة و الشطرنج ونادم ~~جماعة من الخلفاء وكان له نظم رائق من ذلك قوله: أحببت من أجله من كان ~~يشبهه ... وكل شي من المعشوق معشوق حتى حكيت بجسمي ما بمقلته ... كأن سقمي ~~من جفنيه مسروق وفيها توفي محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر الشاشي القفال ~~الكبير أحد أئمة الشافعية كان إماما فاضلا وهوأول من صنف ms0722 في الجدل مات في ~~صفر قاله العلامة يوسف بن قزأوغلي وذكر الذهبي وفاته في سنة خمس وستين ~~وثلاثمائة وهو المشهور. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها ~~توفى أبو الحسين أحمد بن جعفر المنادي وحاجب بن أحمد الطوسي وأبو العباس ~~محمد بن أحمد بن حماد الأثرم وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ~~الحكيمي وأبو علي محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني وأبوطاهر محمد بن ~~الحسين المحمداباذي. أمر النيل في هذه السنة. الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث ~~عشرة إصبعا مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية أنوجور # وهي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة فيها كان الغرق ببغداد وزادت دجلة إحدى ~~وعشرين ذراعا وهرب الناس ووقعت الدور ومات تحت الرد م خلق كثير. ~~PageV01P0373 # وفيها دخل بغداد أبو القاسم عبد الله بن البريدي بأمان من معز الدولة ~~وأقطعه معز الدولة قرى بأعمال بغداد. وفيها آختلف معز الدولة أحمد بن بويه ~~وناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان التغلبي وسار معز الدولة إلى ~~الموصل فتأخر ناصر الدولة إلى نصيبين خائفا ثم صالحه ناصر الدولة في كل سنة ~~على ثمانية آلاف ألف درهم. وفيها خرجت الروم فتلقاهم سيف الدولة علي بن عبد ~~الله بن حمدان التغلبي على مرعش فهزموه وملكوا مرعش. وفيها لم يحج أحد في ~~هذه السنة من العراق. وفيها ولي إمرة دمشق أبوالمظفر الحسن بن طغج بن جص ~~نيابة لابن أخيه أنوجور بن الإخشيذ وقد وليها مرة أخرى في أيام القاهر من ~~قبل أخيه الإخشيذ محمد بن طغج. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن حمدويه بن ~~نعيم بن الحكم أبو محمد المعروف بالبيع والد الحاكم أبي عبد الله ~~النيسابوري صاحب التصانيف أذن عبد الله هذا بمسجد ثالثا وثلاثين سنة وغزا ~~أثنتين وعشرين غزوة وأنفق على العلماء والزهاد مائة ألف درهم وكان كثير ~~العبادة وروى عن مسلم وغيره. وفيها توفي قدامة بن جعفر أبوالفرج الكاتب ~~صاحب المصنفات مثل كتاب البلدان و ms0723 الخراج و صناعة الكتابة وغيرها. وكان ~~عالما جالس المبرد وثعلبا وغيرهما. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة ~~قال وفيها توفي أبوإسحاق إبراهيم بن شيبان القرميسيني الزاهد وأبو علي محمد ~~بن علي بن عمر المذكر النيسا بوري. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاثة أذرع وخمس عشرة إصبعا مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية أنوجور # وهي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة: فيها وصلت تقادم أنوجوربن الإخشيذ عامل ~~مصر صاحب الترجمة وسأل معز الدولة أن يكون أخوه مشاركا له في إمرة مصر ~~ويكون من بعده فأجابه. وفيها تقفد أبوالسائب عتبة بن عبيد الهمذاني قضاء ~~القضاة ببغداد. وفيها تحركت القرامطةولم يحج أحد في هذه السنة من العراق. ~~وفيها عمر المنصور العبيدي صاحب بلاد المغرب مدينة المنصورية. وفيها ولي ~~إمرة دمشق شعلة بن بدر الإخشيذي من قبل صاحب الترجمة وكان أحد الأبطال ~~الموصوفين بالشجاعة وفيه ظلم. وفيها توفي أحمد بن محمد بن علي أبو بكر ~~المراغي روى عن الربيع بن سليمان أبياتا سمعها من الشافعي رضي الله عنه ~~وهي: شهدت بأن الله لا رب غيره ... وأشهد أن البعث حق وأخلص وأن عرا ~~الإيمان قول محسن ... وفعل زكي قد يزيد وينقص وأن أبا بكر خليفة ربه ... ~~وكان أبو حفص على الخير يحرص وأشهد ربي أن عثمان فاضل ... وأن عليا فضله ~~متخصص أثمة قوم نهتدي بهداهم ... لحا الله من إياهم يتنقص وفيها توفي أمير ~~المؤمنين المستكفي بالله عبد الله ابن الخليفة المكتفي بالله علي ابن ~~الخليفة المعتضد بالله أحمد ابن ولي العهد طلحة الموفق ابن الخليفة جعفر ~~المتوكل الهاشمي العباسي البغدادي مات معتقلا بعد أن خلع من الخلافة وسمل ~~قبل تاريخه بسنين في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة حسب ما تقدم ~~ذكره في محله ومات برمي الدم وكان محبوسا بدار معز الدولة بن بويه ومات وله ~~ست وأربعون سنة وكان بويع بالخلافة بعد خلع المتقي بالله وسمله في سنة ثلاث ~~وثلاثين وثلاثمائة وأم المستكفي بالله هذا أم ms0724 ولد تسمى غصن. وفيها توفي ~~السلطان عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بن فناخسرو الديلمي وقد ذكرنا ~~من أمر بني بويه ومبدأ ملكهم نبذة في حوادث سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ~~وكان قد ملك جميع بلاد فارس وكان ملكا عاقلا شجاعا مهيبا آعتل بقرحة في ~~الكلى أنحلت جسمه ومات بشيراز وله تسع وخمسون سنة وأقام الخليفة المطيع لله ~~مقامه أخاه أباعلي الحسن ركن الدولة والد السلطان عضد الدولة بن بويه وكان ~~معز الدولة أحمد بن بويه صاحب أمر الخلافة يومئذ يحدث أخاه عماد الدولة ~~المتوفى ويحترمه ويكاتبه بالعبودية ويقبل الأرض بين يديه إذا اجتمعا مع عظم ~~سلطانه لكونه الأكبر سنا. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن دينار أبو عبد ~~الله الفقيه الزاهد العدل النيسابوري وكان صالحا عابدا يحج دائما ومات عند ~~منصرفه من الحج في صفر رضي الله عنه. PageV01P0374 # وفيها توفي أحمد بن محمد بن اسماعيل العلامة أبوجعفر النحاس المصري ~~النحوي كان من نظراء ابن الأنبارفي ونفطويه وله كتاب إعراب القرآن وكتاب ~~المعاني وكتاب اشتقاق الأسماء الحسنى ومصنفات كثيرة غير ذلك. وفيها توفي ~~إبراهيم بن عبد الرزاق بن الحسن أبوإسحاق الأنطاكي الفقيه المقرىء قرأ على ~~هارون بن موسى الأخفش وأحمدبن أبي رجاء وغيرهما وصنف كتابا في القراءات ~~الثمان وسمع الكثير وحدث. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها ~~توفي أحمدبن سليمان بن زبان الكندي الدمشقي وأبوجعفر أحمد بن محمد بن ~~إسماعيل النحاس وإبراهيم بن عبد الرزاق الأنطاكي وأبو إسحاق إبراهيم بن ~~محمد بن أحمد بن أبي ثابت وأبو علي الحسن بن حبيب الخضائري وعماد الدولة ~~علي بن بويه الديلمي صاحب بلاد فارس وكانت أيامه ست عشرة سنة وأبو الحسن ~~علي بن محمد الواعظ ا المصري وعلي بن حمشاد العدل. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاث أذرع وسبع عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية أنوجور # وهي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة: فيها غزا سيف الدولة علي بن عبد ms0725 الله بن ~~حمدان بلاد الروم في ثلاثين ألفا ففتح حصونا وقتل وسبى وغنم فأخذ الروم ~~عليه الدرب عند خروجه فاستولوا على عسكره قتلا وأسرا واستردوا جميع ما أخذ ~~لهم وأخذوا جميع خزائن سيف الدولة ونجا في عدد يسير. وفيها استولى منصوربن ~~قراتكين على الري والجبال ودفع عنها عسكر ركن الدولة. وفيها رد الحجر ~~الأسود إلى موضعه بعث به القرمطي مع أبي محمد بن سنبر إلى الخليفة المطيع ~~للة وكان بجكم قد دفع فيه قبل تاريخه خمسين ألف دينار وما أجابوا وقالوا ~~أخذناه بأمر وما نرده إلا بأمر فلما ردوه في هذه السنة قالوا: رددناه بأمر ~~من أخذناه بأمره وكذبوا فأن الله تعالى قال: " وإذا فعلوا فاحشة قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لايأمر بالفحشاء " وان عنوا ~~بالأمر القدر فليس ذلك حجة لهم فالله تعالى قدر عليهم الضلال والمروق من ~~الدين وقدر عليهم أن يدخلهم النار فلا ينفعهم قوله أخذناه بأمر ولما أتوا ~~بالحجر الأسود أعطاهم المطيع مالا له جرم وكان الحجر الأسود قد بقي أثنتين ~~وعشرين سنة وقال المسبحي وفيها وافى سنبربن الحسن إلى مكة ومعه الحجر ~~الأسود وأمير مكة معه فلما صار بفناء البيت أظهر الحجر وعليه ضباب فضة قد ~~عملت من طوله وعرضه تضبط شقوقا قد حدثت عليه بعد أنقلاعه وأحضر له صانعا ~~معه جص يشده به فوضع سنبربن الحسن بن سنبر الحجر الأسود بيده وشده الصانع ~~بالجص وقال: لما رده أخذناه بقدرة الله ورددناه بمشيئته. وفيها توفي محمد ~~بن أحمد الصيمري كاتب معزالدولة ووزيره فقلد مكانه أبامحمد الحسن بن محمد ~~المهلبي. وفيها في عيد الأضحى قتل الناصرالدين الله عبد الرحمن بن محمد ~~الاموي صاحب الأندلس ولده عبد الله وكان قد خاف من خروجه عليه وكان الناصر ~~من كبار العلماء روى عن محمد بن عبدالملك بن أيمن وقاسم بن أصبغ وله تصانيف ~~منها مجلد في " مناقب بقي بن مخلد رواه عنه مسلمة بن قاسم. وفيها توفي عبد ~~الرحمن بن اسحاق أبو القاسم الزجا جي ms0726 النحوي من أهل بغداد وسكن طبرية وأيلة ~~وحدث بدمشق وصنف في النحو مختصرا. وفيها غزا سيف الدولة في شهر ربيع الأول ~~ووافاه عسكر طرسوس في أربعة آلاف عليهم القاضي أبوالحصين فسار إلى قيسارية ~~وفتح عدة حصون وسبى وقتل ثم سار إلى سمندو ثم إلى خرشنة يقتل ويسبي ثم الى ~~صارخة بينها وبين قسطنطيية سبعة أيام. فلما نزل عليها واقع الدمستق مقدمته ~~فظهرت عليه فلجأ إلى الحصن وخاف على نفسه ثم جمع والتقى بسيف الدولة فهزمه ~~الله أقبح هزيمة وأسرت بطارقته وكانت غزوة مشهورة وغنم المسلمون ما لا يوصف ~~وبقوا في الغزو أشهرا. PageV01P0375 # وفيها توفي الخليفة القاهر أبومنصور محمد ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد ~~ابن ولي العهد أبي أحمد طلحة الموفق ابن الخليفة المتوكل جعفر العباسي ~~الهاشمي البغدادي استخلف أولا بعد خلع المقتدر بالله جعفر ثم خلع بعد ثلاثة ~~أيام ودام دهرا إلى أن بويع ثانيا بالخلافة بعد قتل جعفر المقتدر سنة عشرين ~~وثلاثمائة فأقام في الخلافة إلى أن خلعوه من الخلافة في جمادى الأولى سنة ~~اثنتين وعشرين وئلاثمائة بالراضي بالله أبي العباس محمد وسملت عيناه فسالتا ~~على خده وحبسوه مدة ثم أهملوه وسيبوه حتى مات في هذه السنة في جمادى الأولى ~~وكان ربعة أسمر أصهب الشعر طويل الأنف وكان قد أفتقر وسأل قبل موته وهوأول ~~خليفة خلع وسمل وفيها توفي محمد بن عبد الله بن أحمد أبو عبد الله الصفار ~~الأصبهاني كان محدث عصره بخراسان وكان مجاب الدعوة أقام أربعين سنة لم يرفع ~~رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى وكان يقول اسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كاسمي وأسم أبيه اسم أبي وكانت وفاته في ذي القعدة الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفى علي بن عبد الله بن يزيد بن أبي مطر ~~الإسكندري القاضي وله مائة سنة وعمر بن الحسن أبو الحسين بن الأشناني ~~القاضي وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار الأصبهاني وأبو جعفر ~~محمد بن عمر بن البختري وأبو ms0727 نصر الفارابي . صاحب الفلسفة محمد بن محمد بن ~~طرخان قلت يأتي ذكر الفارابي أيضا في هذا الكتاب في غير هذه السنة على ما ~~ورخه صاحب المرآة وغيره أمر النيل في هذه السنة الماء القديم خمس أذرع ~~وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا إصبعان. ### || AUT السنة السادسة من ولاية أنوجور # وهي سنة أربعين وثلاثمائة: فيها قصد صاحب عمان البصرة وساعده أبويعقوب ~~القرمطي فسار إليهم أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي في الديلم والجند ~~فآلتقوا فهزمهم المهلبي وآستباح عسكرهم وعاد إلى بغداد بالأسارى والغنائم. ~~وفيها جمع سيف الدولة بن حمدان جيوش الموصل والجزيرة والشام والأعراب ووغل ~~في بلاد الروم وقتل وسبى شيئا كثيرا وعاد إلى حلب سالما. وفيها قلعت حجبة ~~الكعبة الحجر الأسود الذي نصبه سنبربن الحسن صاحب القرمطي وجعلوه في الكعبة ~~فأحبوا أن يجعلوا له طوقا من فضة فيشد به كما كان قديما كما عمله عبد الله ~~بن الزبير وأخذ في إصلاحه صانعان حاذقان فأحكماه. قال أبو الحسن محمد بن ~~نافع الخزاعي: دخلت الكعبة فيمن دخلها فتأملت الحجر فإذا السواد في رأسه ~~دون سائره وسائره أبيض وكان طوله فيما حزرت مقدار عظم الذراع قال: ومبلغ ما ~~عليه من الفضة فيما قيل ثلاثة آلاف وسبعمائة وسبعة وتسعون درهما ونصف. ~~وفيها كثرت الزلازل بحلب والعواصم ودامت أربعين يوما وهلك خلق كثير تحت ~~الردم وتهدم حصن رعبان ودلوك وتل حامد وسقط من سور دلوك ثلاثة أبرجة. ~~PageV01P0376 # وفيها توفي شيخ الحنفية بالعراق عبيد الله بن الحسين الشيخ أبو الحسن ~~الكرخي سمع ببغداد إسماعيل بن إسحاق القاضي ومحمد بن عبد الله الحضرمي ~~مطينا وروى عنه ابن شاهين وعبد الله بن محمد الأكفاني القاضي وكان علامة ~~كبير الشأن فقيها أديبا بارعا عارفا بالأصول والفروع انتهت إليه رياسة ~~السادة الحنفية في زمانه وانتشرت تلامذته في البلاد وكان عظيم العبادة كثير ~~الصلاة والصوم صبورأ على الفقر والحاجة ورعا زاهدا صاحب جلالة قال أبو بكر ~~الخطيب: حدثني الصيمري حد ثني أبو القاسم بن علان الواسطي قال: لما أصاب ~~أبا ms0728 الحسن الكرخي الفالج في آخر عمره حضرته وحضر أصحابه أبو بكر الرازي ~~وأبو عبد الله الدامغاني وأبو علي الشاشي وأبو عبيد الله البصري فقالوا: ~~هذا مريض يحتاج إلى نفقة وعلاج والشيخ مقل فكتبوا إلى سيف الدولة بن حمدان ~~فأحس أبو الحسن فيما هم فيه فبكى وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عود ~~تني فمات قبل أن يحمل إليه شيء ثم ورد من سيف الدولة عشرة آلاف درهم فتصد ق ~~بها توفي وله ثمانون سنة وأخذ عنه الفقه الذين ذكرناهم: الذامغاني والشاشي ~~والبصري والإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي وأبو القاسم علي بن محمد ~~التنوخي وفيها توفي أحمد بن محمد بن زياد الغنوي البصري الإمام أبو سعيد بن ~~الأعرابي نزيل مكة كان إماما حافظا ثبتا سمع الكثير وروى عنه عالم كثير ~~وكان كثير العبادة شيخ الحرم في وقته علما وزهدا وتسليكا وكان صحب الجنيد ~~وعمرو بن عثمان المكي وأبا أحمد القلانسي وغيرهم. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر البصري ~~ابن الإعرابي وإبراهيم بن أحمد أبوإسحاق المروزي الشافعي وأبو علي الحسين ~~بن صفوان البردعي والكلاباذي المعروف بالأستاذ أحد أئمة الخليفة والزجاجي ~~صاحب الجمل أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق وأبو محمد قاسم بن أصبغ القرطبي ~~وأبوجعفر محمد بن يحيى بن عمربن علي بن حرب وأبو الحسن الكرخي شيخ حنفية ~~العراق عبيد الله بن الحسين. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث ~~أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة السابعة من ولاية أنوجور # :وهي سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. فيها ظفر الوزير المهلبي بقوم ~~التناسخية وفيهم شاب يزعم أن روح علي بن أبي طالب رضي الله عنه انتقلت فيه ~~وفيهم امرأة تزعم أن روح فاطمة رضي الله عنها انتقلت إليها وفيهم آخر يزعم ~~أنه جبريل فضربوا فتعزوا بالانتماء لأهل البيت فأمر معزالدولة بإطلاقهم ~~لتشيع كان فيه قلت: والمشهور عن بني بويه ms0729 التشيع واالرفض وفيها أخذت الروم ~~سروج فقتلوا وسبوا وأحرقوا البلدوفيها حج بالناس أحمد بن عمربن يحيى العلوي ~~وفيها في آخر شوال توفي المنصور أبوطاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد ~~بن عبيد الله المهدي العبيدي الفاطمي صاحب المغرب مات بالمنصورة التي بناها ~~ومصرها وصلى عليه آبنه ولي عهده أبوتميم معد الملقب بالمعز لدين الله ~~وهوالذي تولى الخلافةبعده وكان ملكأ حاد الذهن سريع الجواب فصيحا مفوها ~~يخترع الخطب عادلا في الرعية أبطل كثيرا من المظالم مما أحدثه آباؤه ومات ~~وله أربعون سنة وكانت مدة مملكته سبعة أعوام وأياما وخلف خمسة بنين وخمس ~~بنات وقام بعده آبنه المعزلدين الله فأحسن السيرة وصفت له المغرب ثم افتتح ~~المعز لدين الله مصر وبنى القاهرة على مايأتي ذكره إن شاء الله تعالى بأطول ~~من هذا في ترجمة المعز المذكور. وفيها توفي أحمد بن محمد أبوالعباس ~~الدينوري كان من أجل المشايخ وأحسنهم طريقة وكان يتكلم على لسان أهل ~~المعرفة بأحسن كلام تكلم يومأ فصاحت عجوز في مجلسه فقال لها: موتي فقامت ~~وخطت خطوات ثم التفتت إليه وقالت هأنا قد مت ووقعت ميتة وكان يقول مكاشفات ~~الأعيان بالأبصار ومكاشفات القلوب بالاتصال. وفيها توفي الشيخ العابد ~~القدوة أبو الخير التيناتي الأقطع صاحب الكرامات وتينات قرية من قرى ~~أنطاكية وقيل هي على أميال من المصيصة أقام بتينات مدة سنين وكان يسمى ~~الأقطع لأن يده كانت قطعت ظلما في واقعة جرت له يطول الشرح في ذكرها ومن ~~كراماته أن كانت الوحوش تأنس به رضي الله عنه. PageV01P0377 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبوطاهر أحمد بن ~~أحمد بن عمرو المديني وأبو علي إسماعيل بن محمد الصفار في المحرم والمنصور ~~إسماعيل بن القائم العبيدي الرافضي صاحب المغرب وأبوالطيب محمد بن حميد ~~الحوراني وأبو الحسن محمد بن النضر الربعي المقرىء بن الأخرم. أمرالنيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وعشر أصابع سواء. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية أنوجور # وهي سنة آثنتين ms0730 وأربعين وثلاثمائة: فيها جاء صاحب خراسان آبن محتاج إلى ~~الري محاربا لابن بويه وجرت بينهما حروب وعاد إلى خراسان. وفيها عاد سيف ~~الدولة بن حمدان من الروم سالما غانما مؤيدا وقد أسرقسطنطين بن الدمستق ملك ~~الروم ودخل سيف الدولة حلب وابن الدمستق بين يديه وكان مليح الصورة فبقي ~~عنده مكرماحتى مات. وفيها توفي القاسم بن القاسم بن مهدي أبوالعباس السياري ~~كان من أهل مرو كتب الحديث وتفقه وكان شيخ أهل مرو وأول من تكلم عندهم في ~~حقائق الأحوال ومن كلامه من حفظ قلبه مع الله بالصدق أجرى الله الحكمةعلى ~~لسانه. وفيها توفي أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد أبو بكرالنيسابوري الفقيه ~~الشافعي المعروف بالصبغي سمع الحديث وروىعنه جماعة وكان إماما فقيها عالما ~~عابدا ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين وله تصانيف كثيرة في عدة علوم منها كتاب ~~الأسماء والصفات وكتاب الإيمان القدر وكتاب فضائل الخلفاء الأربعة وعدة ~~تصانيف أخر. وفيها توفي الحسن بن طغج بن جف الأمير أبو المظفر الفرغاني ~~التركي أخو الإخشيد ولي إمرة دمشق من قبل أخيه الإخشيذ مدة ثم عزله أخوه ~~الإخشيذ وولى أخاه عبيد الله بن طغج مكانه ثم ولي الحسن هذا إمرة دمشق مرة ~~أخرى من قبل ابن أخيه أنوجور صاحب الترجمة ثم رد إلىالرملة فمات بها ودفن ~~بالقدس وكان أميرا جليلا شجاعا مقداما باشر الحروب وولي الأعمال الجليلة ~~إلى أن مات. وفيها توفي عثمان بن محمد بن علي أبوالحسين الذهبي البغدادي ~~سكن مصر وحدث بها وبدمشق. وفيها توفي علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن ~~إبراهيم بن تميم أبو القاسم التنوخي أصله من ملوك تنوخ الأقدمين من ولد ~~قضاعة ولد بأنطاكية في سنة ثمان وسبعين ومائتين وهوصاحب كتاب الفرج بعد ~~الشدة كان فقيها حنفيا بارعا في الفقه والأصول والنحو وكان شاعرا فصيحا وله ~~ديوان شعروكانت وفاته بالبصرة في شهر ربيع الأول ومن شعره في مليح دخل ~~الحمام: رأيت في الحمام بدرالدجى ... وشعره الأسود محلول قدعمموه بدجى شعره ~~... ونقطوا الفضة باللول الذي ذكرالذهبي وفاتهم ms0731 في هذه السنة قال وفيها ~~توفي أبو بكرأحمد بن إسحاق بن أيوب الصبغي الشافعي وأحمد بن عبد الأسد ~~الجذامي إبراهيم بن المولد الزاهد والحسن بن يعقوب أبو الفضل البخاري وعبد ~~الرحمن بن حمدان الهمذاني الجلاب وأبو الحسن محمد بن أحمد الأسواري ~~الأصبهاني ومحمد بن داود بن سليمان النيسابوري الحافظ الزاهد. أمرالنيل في ~~هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعامبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية أنوجور # وهي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة: فيها خطب أبو علي بن محتاج إلىالمطيع ~~بخراسان ولم يكن خطب له قبل ذلك فبعث إليه المطيع بالخلع واللواء. وفيها ~~مرض معز الدولة أحمد بن بويه بعلة الإنعاظ الدائم وأرجف بموته واضطربت ~~بغداد فركب معزالدولة بكلفة لتسكين الناس. وفيها كانت وقعة عظيمة بين سيف ~~الدولة بن حمدان وبين الدمستق وكان الدمستق قد جمع أمما من الترك والروس ~~والخزرفكانت الدائرة عليه ولله الحمد وقتل معظم بطارقته وهرب هووأسرصهره ~~وجماعة من بطارقته وأما القتلى فلا يحصون وغنم سيف الدولةعسكرهم بما فيه. ~~وفيها توفي الأمير نوح بن نصر الساماني عامل بخارى في جمادىالأولى وأظن أن ~~نوحا هذا من ذرية نوح عامل بخارى في زمن المأمون الذي أهدي إليه طولون والد ~~أحمد وهذا أهداه إلىالخليفة عبد الله المأمون. وفيها توفي خيثمة بن سليمان ~~بن حيدرةالحافظ أبو الحسن القرشي الأطرابلسي أحد الحفاظ الثقات المشهورين ~~ومولده سنة خمسين ومائتين وقيل غيرذلك ومات في ذي القعدة من هذه السنة. ~~PageV01P0378 # وفيها توفي محمد بن العباس بن الوليد القاضي أبوالحسين البغدادي كان ~~فاضلا بارعا مات ببغداد في شوال وكان ثقة صدوقا. الذين ذكرالذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة قال وفيها توفي أحمد ابن الزاهد أبي عثمان سعيد بن إسماعيل ~~الحيري وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي وعلي بن الفضل بن إدريس السامري وأبو ~~الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة الشيباني. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية ms0732 أنوجور # وهي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة: فيها تحرك ابن محتاج صاحب خراسان على ~~ركن الدولة الحسن بن بويه فنجده أخوه معز الدولة بجيش من العراق. وفيها في ~~المحرم عقد معزالدولة بن بويه إمرة الأمراء لابنه أبي منصوربختيار. وفيها ~~دخل محمد بن ماكان الديلمي أحد قواد صاحب خراسان إلى أصبهان فخرج عن أصبهان ~~أبومنصور بن ركن الدولة فتبعه ابن ماكان فأخذ خزائنه وعارضه أبو الفضل بن ~~العميد وزيرركن الدولة ومعه القرامطة فأوقعوا به وأثخنوه بالجراح وأسروا ~~قواده وسار ابن العميد إلى أصبهان. وفيها وقع وباءعظيم بالري وكان ~~الأميرأبو علي بن محتاج صاحب خراسان قد نزلها فمات في الوباء. وفيها فلج ~~أبوالحسين علي بن أبي علي بن مقلة وأسكت وله تسع وثلاثون سنة. وفيها زلزلت ~~مصرزلزلة عظيمة هدمت البيوت ودامت مقدار ثلاث ساعات زمانية وفزع الناس إلى ~~الله تعالى بالدعاء. وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد بن جعفرأبو بكربن ~~الحداد الكناني المصري الفقيه الشافعي شيخ المصريين ولد يوم وفاة المزني ~~وكان إماما فقيها له وجه في مذهب الشافعي رضي الله عنه. وفيها توفي شعلة بن ~~بدرالأمير أبوالعباس الإخشيذي ولي إمرة دمشق من قبل أبي القاسم أنوجوربن ~~الإخشيذ وكان شجاعا بطلاقتل في طبرية في حرب كان بينه وبين مهلهل العقيلي. ~~وفيها توفي محمد بن يعقوب بن يوسف الحافظ أبو عبد الله الشيباني النيسابوري ~~ابن الاخرم ويعرف أبوه بابن الكرماني قال الحاكم كان أبو عبد الله صدرا من ~~أهل الحديث ببلادنا بعد أبي حامد بن الشرقي وكان يحفظ ويفهم وصنف على صحيح ~~البخاري ومسلم وصنف المسند الكبيروسأله أبوالعباس بن السراج أن يخرج له على ~~صحيح مسلم ففعل ذلك. وفيها حج الناس من غير أمير. وفيها توفي محمد بن محمد ~~بن يوسف بن الحجاج الشيخ أبو النضر الاطوسي الزاهد العابد كان يصوم النهار ~~ويقوم الليل ويتصدق بالفاضل من قوته ورحل إلى البلاد في طلب الحديث وسمع ~~الكثير وكان يجزىء الليل ثلاثة أجزاء جزءا لقراءة القرآن وجزءا للتصنيف ~~وجزءا يستريح فيه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ms0733 في هذه السنة قال وفيها توفي ~~أبو الحسين أحمد بن عثمان بن بويان المقرىء وأبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن ~~هاشم الأذرعي وأبو عمرو عثمان بن أحمد الدقاق بن السماك في شهر ربيع الأول ~~وأبو بكربن الحداد الكناني محمد بن أحمد شيخ الشافعية بمصر وله نحو ثمانين ~~سنة وأبوالنضر محمد بن محمد بن يوسف الاطوسي الفقيه في شعبان وأبو عبد الله ~~محمد بن يعقوب بن الأخرم الحافظ وأبوزكريا يحيى بن محمد بن عبد الله ~~العنبري الحافظ المفسر الأديب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس ~~أذرع وسبع عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست أصابع . ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية أنوجور # وهي سنة خمس وأربعين وثلآثمائة. فيها أوقع الروم بأهل طرسوس وقتلوا ~~وسبوا وأحرقوا قراها. وفيها زاد السلطان معز الدولة في إقطاع الوزير أبي ~~محمد المهلبي وعظم قدره عنده. وفيها خرج روزبهان الديلمي على معزالدولة ~~فسير معزالدولة لقتاله الوزير المهلبي فلما كان المهلبي بقرب الأهواز تسلل ~~رجال المهلبي إلى روزبهان فانحاز المهلبي بمن معه إلى حصن فخرج معزالدولة ~~بنفسه لقتال روزبهان المذكور وآنحدر معه الخليفة المطيع لله فقاتله حتى ظفر ~~به في المصاف وفيه ضربات وأسر قواده وقدم معز الدولة بغداد وروزبهان بين ~~يديه على جمل ثم غرق . وفيها غزا سيف الدولة بلاد الروم وآفتتح حصونا وسبى ~~وغنم وعاد إلى حلب ثم أغارت الروم على نواحي ميافارقين. وفيها توفيت أم ~~المطيع بعلة الاستسقاء وخرج المطيع في جنازتها في وجوه دولته وعظم عليه ~~مصابها وكانت تسمى مشعلة. PageV01P0379 # وفيها توفي علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر أبو الحسن القزويني الحافظ ~~القطان قال الخليلي كان عالما بجميع العلوم والتفسير والفقه والنحو واللغة ~~ارتحل وسمع أبا حاتم الرازي وإبراهيم بن الحسين بن ديزيل بن سيفنة ومحمد بن ~~الفرج الأزرق وخلقا سواهم وانتهت إليه رياسة العلم وعلو السند بتلك الديار ~~ومولدى سنة أربع وخمسين ومائتين وروى عنه خلائق كثيرة قال ابن فارس في بعض ~~أماليه سمعت أبا الحسن القطان يقول بعدما ms0734 علمت سنة كنت حين رحلت أحفظ مائة ~~ألف حديث وأنا اليوم لا أقوم على حفظ مائة حديث. وفيها توفي علي بن الحسين ~~بن علي الشيخ الإمام المؤزخ العلامة أبو الحسن المسعودي صاحب التاريخ ~~المسمى ب مروج الذهب " قيل إنه من ذرية ابن مسعود وكان أصله من بغداد ثم ~~أقام بمصر إلى أن مات بها في جمادى الآخرة قاله المسبحي في تاريخه وكان ~~أخباريا علامة صاحب غرائب وملح ونوادر وله عدة مصنفات التاريخ المقدم ذكره ~~وهوغاية في معناه، وكتاب " تحف الأشراف والملوك وكتاب ذخائر العلوم وكتاب ~~الرسائل ، وكتاب الاستذكار لما مر في سالف الأعصار " وكتاب المقالات في ~~أصول الديانات وكتاب أخبار الخوارج " وغير ذلك ومات قبل أن يطول عمره قال ~~الذهبي وكان معتزليا فإنه ذكر غير واحد من المعتزلة ويقول فيه: كان من أهل ~~العدل " وله رحلة إلى البصرة التي فيها أبوخليفة. وفيها توفي محمد بن عبد ~~الواحد بن أبي هاشم أبوعمر الزاهد الصالح ولد سنة إحدى وستين ومائتين وكان ~~بارعا في العربية والنحو واللغة عابدا غزير العلم. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة قال وفيها توفي أبو بكر أحمد بن سليمان بن أيوب العباداني وله ~~سبع وتسعون سنة وأبو بكر أحمد بن عثمان بن غلام السباك المقرىء وإسماعيل بن ~~يعقوب بن الجراب البزاز بمصر وأبوأحمد بكربن محمد بن حمدان المروزي الصيرفي ~~وأبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة شيخ الشافعية ببغداد وأبو عمرو ~~عثمان بن محمد بن أحمد السمرقندي وأبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة ~~القزويني القطان الزاهد وله إحدى وتسعون سنة وأبوعمر الزاهد غلام ثعلب ~~واسمه محمد بن عبد الواحد اللغوي وأبو بكر محمد بن علي بن أحمد بن رستم ~~الماذرائي بمصر وله ثمان وثمانون سنة وأبو بكر مكرم بن أحمد القاضي ~~والمسعودي صاحب مروج الذهب في جمادى الآخرة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع سواء مبلغ الزياده ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية أنوجور # وهي سنة ست ms0735 وأربعين وثلاثمائة. فيها كان بالري ونواحيها زلازل عظيمة ~~خارجة عن الحد ثم خسف ببلاد الطالقان في ذي الحجة فلم يفلت من أهلها إلا ~~نحو ثلاثين رجلا وخسف بمائة وخمسين قرية من قرى الري وآتصل الخسف إلى حلوان ~~فخسف بأكثرها وقذفت الأرض عظام الموتى وتفجرت منها المياه وتقطع بالري جبل ~~وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف نهار ثم خسف بها وآنخرقت الأرض ~~خروقا عظيمة وخرج منها مياه نتنة ودخان عظيم هكذا نقل الحافظ أبوالفرج بن ~~الجوزي في تاريخه. وفيها نقص البحر ثمانين ذراعا وظهر فيه جبال وجزائر ~~وأشياء لم تعد قلت لعلة البحر المالح والله أعلم. وفيها توفي محمد بن يعقوب ~~بن يوسف بن معقل بن سنان الحافظ أبوالعباس الاموي النيسابوري مولى بني أمية ~~المعروف بالأصم صم بعد أن رحل إلى البلاد وسمع الحديث كان إماما محدث عصره ~~بلا مدافعة حدث ستا وسبعين سنة لأن مولده سنة سبع وأربعين ومائتين ومات في ~~شهر ربيع الآخر وله تسع وتسعون سنة وقد آنتهت إليه رياسة أهل الحديث ~~بخراسان. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبو الحسن ~~أحمد بن مهران السيرافي وأحمد بن جعفر بن أحمد بن معبد السمسار وأحمد بن ~~محمد بن عبدوس وسعيد بن فحلون البيري الأندلسي آخر أصحاب يوسف المغامي وعبد ~~الله بن جعفربن أحمد بن فارس وأبوالحسين عبدالصمدبن علي الطستي أبويعلى عبد ~~المؤمن بن خلف النسفي وأبوالعباس محمد بن أحمد بن محبوب المروزي وأبو بكر ~~محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسة وأبومنصور محمد بن القاسم ~~العتكي وأبوجعفر محمد بن محمد بن عبد الله بن خالد البغداي بماوراء النهر ~~وأبوالعباس محمد بن يعقوب بن يوسف الآصم في شهر ربيع الآخر وله تسع وتسعون ~~سنة وأبو الحزم وهب بن مسرة التميمي الحجاري الأندلسي. PageV01P0380 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وأربع أصابع مبلغ الزيادة ~~ست عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من ولاية أنوجور # وهي سنة سبع ms0736 وأربعين وثلأثمائة فيها عادت الزلازل بحلوان وقم والجبال ~~فأتلفت خلقا عظيما وهدمت حصونا ثم جاء بعد ذلك جراد طبق الدنيا فأتى على ~~جميع الغلات والأ شجار. وفيها في شهر ربيع الأول خرجت الروم إلى آمد وأرزن ~~وميافارقين ففتحوا حصوناكثيرة وقتلوا خلائق كثيرة وهدموا سميساط. وفيها في ~~شهر ربيع الأخر شغبت الترك والديلم بالموصل على ناصر الدولة بن حمدان ~~وأحاطوا بداره فحاربهم بغلما نه والعامة فظفر بهم فقتل جماعة وأمسك جماعة ~~وهرب أكثرهم إلى بغداد. وفيها في شعبان كانت وقعة عظيمة بنواحي حلب بين ~~الروم وسيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان وآنكسر سيف الدولة وقتلوا معظم ~~رجاله وغلمانه وأسروا أهله وهرب في عدد يسير. وفيها سار معز الدولة بن بريه ~~إلى الموصل فدخلها فنزح عنها ناصر الدولة بن حمدان المقدم ذكره وتوجه إلى ~~نصيبين فسار معزالدولة وراءه إلى نصيبين وخلف على الموصل سبكتكين الحاجب ~~ونزل على نصيبين فسار ناصرالدولة بن حمدان إلى ميافارقين بعد أن آستأمن ~~معظم عسكره إلى معز الدولة فهرب ناصر الدولة إلى حلب مستجيرا بأخيه سيف ~~الدولة فأكرم سيف الدولة مورده وبالغ في خدمته وجرت فصول إلى أن قدم في ~~الرسالة أبو محمد القاضي بكتاب سيف الدولة إلى الموصل وتقرر الأمر على أن ~~يكون الموصل وديار ربيعة والرحبة لسيف الدولة على مال يحمله في كل سنة لأن ~~معزالدولة لم يثق بناصرالدولة فإنه غدر به مرارا ومنعه الحمل فقال معز ~~الدولة المذكور: أنت عندي ثقة غير أنه يقدم لي ألف ألف درهم ثم آنحدر معز ~~الدولة إلى بغداد وتأخر الوزير المهلبي وسبكتكين الحاجب في الموصل إلى أن ~~يحمل ناصر الدولة مال التعجيل. وفيها توفي قاضي دمشق أبو الحسن أحمد بن ~~سليمان بن أيوب بن جندلم الأسدي الأوزاعي المذهب كان إماما عالما فقيها على ~~مذهب الأوزاعي وكان له حلقة بالجامع. وفيها توفي علي بن أحمد بن سهل ويقال ~~علي بن إبراهيم أبو الحسن البوشنجي الزاهد شيخ الصوفية صحب أبا عمرو ~~الدمشقي وأبا العباس بن عطاء وسمع بهراة من ms0737 محمد بن عبد الرحمن الشامي ~~والحسين بن إدريس وروى عنه أبو عبد الله الحاكم وأبو الحسن العلوي وعبد ~~الله بن يوسف الأصبهاني قال السلمي هوأحد أئمة خراسان وله معرفة بعلوم ~~عديدة وكان أكثر الخراسانيين تلامذته وكان عارفا بعلوم القوم قال الحاكم ~~وسمعته يقول وقد سئل ما التوحيد قال ألا تشبه الذات ولا تنفي الصفات. وفيها ~~توفي محمد بن الحسن بن عبد الله بن علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي ~~الشوارب أبو الحسن القرشي الاموي القاضي ولي القضاء بمدينة السلام ثم ولي ~~أعمالا كثيرة في أيام المطيع ثم صرف عن الجميع وكان جوادا واسع الأخلاق ~~كريما مع قبح سيرة في الأحكام. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد ~~الله بن الجنيد أبو الحسين الرازي الحافظ كان عالما فاضلا زاهدا ثقة صدوقا. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي القاضي أبو الحسن ~~أحمد بن سليمان بن أيوب بن جندلم الأسدي الأوزاعي المذهب قلت وقد تقدم ذكره ~~قال وأبوأحمد حمزة بن محمد بن العباس والزبيربن عبد الواحد الأسداباذي وعبد ~~الله بن جعفر درستويه النحوي وأبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمربن ~~راشد البجلي والحافظ المؤرخ أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد ~~الأعلى وله ست وستون سنة وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن زيد بن ~~ماني الكوفي الكاتب ومحمد بن أحمد بن الحسن الكسائ الأصبهاني ومحمد بن عبد ~~الله بن جعفر أبوالحسين الرازي بدمشق وأبو علي محمد بن القاسبم بن معروف ~~الدمشقي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وخمس أصابع مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من ولاية أنوجور على مصر # وهي سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة فيها خلع الخليفة المطيع " على بختياربن ~~معز الدولة خلعة السلطنة وعقد له لواء ولقبه عز الدولة أمير الأمراء . ~~PageV01P0381 # وفيها خرج محمد بن ناصر الدولة بن حمدان في سرية نحو بلاد الروم وكانت ~~الروم ms0738 قد وصلوا إلى الرها وحران فأسروا أبا الهيثم ابن القاضي أبي الحصين ~~وسبوا وقتلوا. وفيها في سابع ذي القعدة غرق من الحجاج الوارد من الموصل إلى ~~بغداد في دجلة بضعة عشر زورقا فيها من الرجال والنساء نحو ستمائة نفس. ~~وفيها مات ملك الروم وطاغيتهم الأكبر بالقسطنطيية وأقعد آبنه مكانه ثم قتل ~~ونصب في الملك غير. وفيها وصلت الروم الى طرسوس فقتلوا جماعه وفتحوا حصن ~~الهارونية وخربوا الحصن المذكور وقتلوا أهله ئم كرت الروم إلى ديار بكر ~~ووصلوا ميافارقين فعمل في ذلك الخطيب عبد الرحيم بن نباتة الخطب الجهادية. ~~وفيها هرب عبد الواحد ابن الخليفة المطيع لله من بغداد إلى دمشق. وفيها ~~توفي الوزير عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجراح. وفيها توفي الشيخ أبو ~~بكر أحمد بن سليمان الفقيه النجاد شيخ الحنابلة كان إماما عالما فقيها مات ~~في ذي الحجة وله خمس وتسعون سنة. وفيها توفي جعفربن محمد بن نصير الخلدي ~~الزاهد المحدث أبو محمد الخواص في شهر رمضان عن خمس وتسعين سنة وله ست ~~وخمسون حجة صحب الجنيد وإليه كان منتميا وكان المرجع إلي في علوم القوم حج ~~قريبا من ستين حجة قال ما حججت إلا على التوكل وكانت الأعطية حولي كثيرة. ~~وفيها توفي أبو بكر محمد بن جعفر الأدمي المحدث القارىء كان فاضلا محدثا ~~مقرئا. وفيها توفى جعفربن حرب الكاتب كان جليل القدر يتقفد كبار الأعمال ~~فاجتاز يوما بموكبه فسمع قارئا يقرأ " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله وما نزل من الحق " فصاح بلى والله قد آن ونزل عن دابته ودخل ~~الماء ولم يخرج منه حتى فرق جميع أمواله وبقي في الماء حتى أعطاه رجل قميصا ~~فلبسه وخرج إلى المسجد ولزم العبادة حتى مات. أمر النيل في هذه السنة الماء ~~القديم سبع أذرع وثلاث عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا ### || AUT السنة الخامسة عشرة من ولاية أنوجور # وهي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وهي السنة التي مات فيها أنوجور صاحب ~~الترجمة كما ms0739 تقدم ذكره. فيها أوقع نجا غلام سيف الدولة بن حمدان بالروم ~~فقتل وسبى وأسر. وفيها جرت وقعة هائلة ببغداد في شعبان بين السنية والشيعه ~~وتعطلت الصلوات في الجوامع سوى جامع براثا الذي يأوي إليه الرافضة وكان ~~جماعة بني هاشم قد أثاروا الفتنة فاعتقلهم معزالدولة بن بويه فسكنت الفتنة. ~~وفيها ظهر ابن المكتفي بالله بناحية أرمينية وتلقب بالمستجير بالله، يدعو ~~إلى الرضى من ال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبس الصوف وأمر بالمعروف ~~ومضى إلى جبال الديلم فآستنصر بهم فخرج معه جماعة منهم وساروا إلى أذربيجان ~~فاستولى المستجير بالله على عدة بلدان وبعض البلاد التي آستولى عليها كانت ~~في يد سلار الديلمي فسار سلار فهزمه ويقال قتله لأنه لم يظهر له حس بعد ~~ذلك. وفيها في شوال عرض للسلطان معزالدوله أحمد بن بويه مرض كلاه فبال الدم ~~ثم احتبس بوله ثم رمى حصى صغارا ورملا وأرجفوا بموته. وفيها جمع سيف الدولة ~~بن حمدان جموعا كثيرة وغزا بلاد الروم فقتل وأسر وسبى فسارت الروم وكثروا ~~عليه فعاد في ثلاثمائة من خواصه وذهب جميح ماكان معه وقتل أعيان قواده وخرج ~~من ناحية طرسوس. وفيها مات أحمد بن محمد بن ثوابة كاتب ديوان الرسائل ~~لمعزالدولة فقلد معز الدولة مكانه أبا إسحاق إبراهيم بن هلاك الصابىء. ~~وفيها أسلم من الترك مائتا ألف خركاه كذا ذكر أبو المظفر سبط ابن الجوزي. ~~وفيها بذل القاضي الحسين بن محمد الهاشمي مائتي ألف درهم على أن يقلد قضاء ~~البصرة فأخذ منه المال ولم يقلد قلت يرحم الله من فعل معه ذلك وخاتله ويرحم ~~من يقتدي بفعله مع كل من يسعى في القضاء بالبذل و البرطيل. وفيها توفي ~~الإمام أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه شيخ أهل الحديث والفقه بخراسان عن ~~اثنتين وثمانين سنة. وفيها توفي الحسين بن علي بن يزيد بن داود الحافظ أبو ~~علي النيسابوري قال الحاكم هوواحد عصره في الحفظ والإتقان والورع والمذاكرة ~~والتصنيف ومولده قي سنة سبع وسبعين ومائتين وأول سماعه سنة أربع وتسعين ~~ومائتين ms0740 ومات في جمادى الأولى قال أبو عبد الرحمن السلمي سألت الدارقطني عن ~~أبي علي النيسابوري فقال إمام مهذب. PageV01P0382 # NOTMATCH ### || AUT السنة الأولى من ولاية علي بن الإخشيذ NOTMATCH # وفيها توفي محمد بن جعفر بن محمد بن فضالة الأدمي القار صاحب الألحان كان ~~من أحسن الناس صوتا بالقرآن يسمع صوته من فرسخ قال محمد بن عبد الله الأسدي ~~حججت أنا وأبو القاسم البغوي وأبو بكرالأدمي فلما صرنا بالمدينة وجدنا ~~ضريرا قائما يروي أحاديث موضوعة فقال بعضنا ننكرعليه فقال الأدمي تثور ~~علينا العامة ولكن اصبروا وشرع يقرأ فما هوإلا أن أخذ يقرأ فآنفضت العامةعن ~~الضرير وجاؤوا إليه وسكت الضرير وكفي أمره. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة قال وفيها توفي أبوالحسين أحمد بن عثمان الأدمي العطشي وأبو الفوارس ~~الصابوني أحمد بن محمد بن الحسين في شوال وله خمس ومائة سنة وأبوالوليد ~~أحمدبن محمد الفقيه شيخ خراسان والحسين بن علي بن يزيد النيسابوري الحافظ ~~وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الخراساني وعبد الله بن محمد بن موسى الكعبي ~~النيسابوري وأبوطاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم شيخ القراء ~~ببغداد والقاضي أبوأحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال في رمضان وأبو بكر ~~محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبع أذرع وتسع عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشر ذراع سواء. ### | AUT ولاية علي بن الإخشيذ # هوعلي بن الإخشيذ محمد بن طغج بن جف الأميرأبو الحسن الفرغاني التركي ~~ولي سلطنة مصر بعد موت أخيه أنوجور بن الإخشيذ محمد في يوم السبت عشرين ذي ~~القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة أقامه خادمه كافور الإخشيذي الخصي في ~~مملكة مصر باتفاق حواشي والده والجند وأقره الخليفة المطيع لله على ذلك ~~وصار كافورالإخشيذي هو القائم بتدبير مملكته والمتصرف فيها كما كان أيام ~~أخيه أنوجور وجمع له الخليفة جميع ما كان لأبيه وأخيه من أعمال الديار ~~المصرية والممالك الشامية والثغور والحرمين الشريفين وأطلق كافور لعلي هذا ~~في السنة ما كان ms0741 يطلقه لأخيه أنوجور وهوفي كل سنة أربعمائة ألف دينار وقويت ~~شوكة كافوربعد موت أنوجور وتولية علي هذا أعظم مما كانت أيام أنوجور ومولد ~~علي. المذكورأعني صاحب الترجمة لأربع بقين من صفر سنة ست وثلاثمائة وفى دام ~~علي هذا في الملك وله الاسم فقط والمعنى لكافور إلى سنة إحدى وخمسين ~~وثلاثمائة ووقع بمصر الغلاء واضطربت أمور الديار المصرية والإسكندرية بسبب ~~المغاربة أعوان الخلفاء الفاطميين الواردين إليها من المغرب وتزايد الغلاء ~~وعز وجود القمح، ثم قدم القرمطي إلى الشام في سنة آثنتين وثلاثمائة ووقع ~~لها بأمور وعجز المصريين عن دفعه عنها لشغلهم بالغلاء والمغاربة الفاطميين ~~ومع هذا قل ماء النيل في هذه السنين فارتفعت الأسعار أكثر مما كانت عليه ~~ووهنت ضياع مصر وقراها من عدم زيادة النيل وعظم الغلاء وكثرت الفتن وسار ~~ملك النوبة إلى أسوان ووصل إلى إخميم وقتل ونهب وسبى وأحرق وعظم آضطراب ~~أعمال الديارالمصرية قبليها وبحريها ثم فسد ما بين علي بن الإخشيذ صاحب مصر ~~وبين مدبرمملكته، كافور الإخشيذي ومنع كافورالناس من الاجتماع به حتى اعتل ~~علي المذكور بعلة أخيه أنوجورومات لإحدىعشرة خلت من المحرم سنة خمس وخمسين ~~وثلاثمائة وحمل إلى المقدس ودفن عند أبيه الإخشيذ وأخيه أنوجور وبقيت مصر ~~من بعده أياما بغير أمير وكافور يدبر أمرها على عادته في أيام أولاد ~~الإخشيذ ومعه أبو الفضل جعفر بن الفرات. ثم ولي كافور إمرة مصر بآتفاق ~~أعيان الديارالمصرية وجندها وكانت مدة سلطنة علي بن الإخشيذ المذكور على ~~مصر خمس سنين وشهرين ويومين. السنة الأولى من ### | AUT ولاية علي بن الإخشيذ # وهي سنة خمسين وثلاثمائة: أعني بذلك أنه ولي في ذي القعدة سنة تسع ~~وأربعين وثلاثمائة وقد ذكرناتلك السنة في أيام أخيه أنوجور فلذلك ذكرنا أن ~~سنة خمسين وثلاثمائة أول السنين لعلي هذاعلى مصربهذا المقتضى. فيها أعني ~~سنة خمسين وثلاثمائة دخل غلام سيف الدولة بن حمدان إلى بلاد الروم وسبىألف ~~نفس وغنم أموالا كثيرة. وفيها أخذ ملك الروم رومانوس بن قسطنطين من ~~المسلمين جزيرة أقريطش من بلاد المغرب وكان الذي ms0742 افتتح أقريطش عمربن شعيب ~~غزاها وآفتتحها في حدود سنة ثلاثين ومائتين وصارت في يد أولاده إلى هذا ~~الوقت. PageV01P0383 # وفيها شرع معزالدولة بن بويه في بناء دار هائلة عظيمة ببغداد وأخرب ~~لأجلها دورا وقصورا وقلع أبواب الحديد التي كانت على أبواب مدينة المنصور ~~وألزم الناس ببيع أملاكهم ليدخلها في البناء ونزل في الأساسات ستا وثلاثين ~~ذراعا فلزمه من الغرامات عليها إلى أن مات ثلاثةعشرألف ألف درهم وصادر ~~الدواوين وغيرها وجعل كلما حصل له شيء أخرجه في بنائها وقددرست هذه الدارمن ~~قبل سنة ستمائة ولم يبق لها أثر وبقي مكانها دجلة تأوي إليها الوحوش وبقي ~~شيء من الأساس يعتبر به من يراه قلت دار الظالم خراب ولو بعد حين. وفيها ~~قلد قضاء القضاة أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب وركب بالخلع ~~من دار معز الدولة وبين يديه الدبادب والبوقات وفي خدمته الجيش وشرط على ~~نفسه أن يحمل كل سنة إلى خزانة معز الدولة مائتي ألف درهم وكتب عليه بذلك ~~سجلا فآنظر إلى هذه المصيبة وآمتنع المطيع من تقليده ومن دخوله عليه ~~وأمرألا يمكن من الدخول عليه أبدا. وفيها أيضا ضمن معز لدولة الحسبة ~~والشرطة ببغداد. وفيها في شعبان توفي بمصر متولي خراجها أبو بكر محمد بن ~~علي بن مقاتل فوجدوا في داره ثلاثمائة ألف دينار مدفونة. وفيها توفي الحسن ~~بن القاسم الإمام أبو علي الطبري الشافعي الفقيه مصنف المحرر وهو أول كتاب ~~صنف في الخلاف كان إماما عالما بارعا فىعدة فنون. وفيها توفي الأميرعبد ~~الملك بن نوح الساماني صاحب بلاد خراسان وغيرها تقطربه فرسه فحمل ميتا ~~ونصبوا مكانه أخاه منصور بن نوح الساماني وأرسل إليه الخليفة المطيع لله ~~بالخلع والتقليد. وفيها توفي محدث بغداد الحافظ أبوسهل أحمد بن محمد بن عبد ~~الله بن زياد القطان في شعبان كان إماما ورعا صواما قواما سمع الحديث وروى ~~الكثير، ومات وله إحدى وتسعون سنة. وفيها توفي إسماعيل بن علي بن إسماعيل ~~الشيخ أبو محمد الخطبي كان إماما عالما أخباريا محدثا كان يرتجل ms0743 الخطب ~~ويخطب بها. وفيها توفي محمد بن أحمد بن يوسف أبو الطيب المقرىء ويعرف بغلام ~~ابن شنبود وقد تقدم ذكرابن شنبود في محله كان إماما عارفا بالقراءات زاهدا. ~~وفيها توفي عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى ابن الخليفة أبي جعفر ~~المنصور الخطيب أبو جعفر الهاشمي العباسي خطيب جامع المنصور وابن خطيبه كان ~~عالي النسب من بني العباس كان في طبقة هارون الواثق في علو النسب. وفيها ~~توفي القاضي أبو السائب عتبة بن عبيد الله بن موسى الهمذاني مولده بهمذان ~~في سنة أربع وستين ومائتين وكان أبوه تاجرا ولي قضاء أذربيجان ثم قضاء ~~همذان ثم آل به الأمر إلى أن تقلد قضاء القضاة وكان إماما عالما غلب عليه ~~الزهد وسافر ولقي الجنيد في سفره وأخذ عنه ثم تفقه بجماعة من العلماء وكان ~~عالما فاضلا. وفيها توفي الأمير فاتك الإخشيذي المجنون أبو شجاع وكان أكبر ~~مماليك الإخشيذ وولي إمرة دمشق وكان فارسا شجاعا كان رومي الجنس وكان رفيقا ~~للأستاذ كافور الإخشيذي فلما صار كافور مدبر مملكة أولاد الإخشيذ وعظم أمره ~~أنف فاتك هذا من المقام بمصر كيلا يكون كافور أعلى مرتبة منه فآنتقل من مصر ~~إلى إقطاعه وهو بلاد الفيوم وكان كافور يخافه ويكرهه فلم يصح مزاج فاتك ~~بالفيوم ومرض وعاد إلى مصر فمات بها وكان فاتك المذكور كريما جوادا ولما ~~قدم المتنبي إلى مصر سمع بعظمة فاتك وتكرمه فلم يجسر أن يمدحه خوفا من ~~كافور وكان فاتك يراسله بالسلام ويسأل عنه فآتفق اجتماعهما يوما بالصحراء ~~وجرت بينهما مفاوضات فلما رجع فاتك إلى داره بعث إلى المتنبي هدية قيمتها ~~ألف دينار ثم أتبعها بهدايا أخر فاستأذن المتنبي كافورا في مدحه فأذن له ~~فمدحه بقصيدته التي أولها: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن ~~لم تسعد الحال ويأتي شيء من ذكر فاتك أيضا في ترجمة كافور إن شاء الله ~~تعالى ولما مات فاتك رثاه المتنبي أيضا . وفيها توفي أبو وهب الزاهد أحد ~~المشهورين بالأندلس قال أبوجعفرأحمدبن عون الله بن ms0744 حديرسمعت أبا وهب يقول ~~والله لاعانق الأبكار في جنات النعيم والناس في الحساب إلا من عانق الذل ~~وضاجع الصبروخرج منها كما دخل فيها. PageV01P0384 # وفيها توفي الناصر لدين الله أبوالمطرف صاحب الأندلس الملقب ~~بأميرالمؤمنين واسمه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ~~بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل المقدم ذكره ابن معاوية بن هشام بن ~~عبد الملك بن مروان الاموي المرواني ثم الأندلسي ولي الأمر بعد جده وكان ~~ذلك من غرائب الوجود لأنه كان شابا وبالحضرة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه ~~وتقدم هووهوابن آثنتين وعشرين سنة فآستقام له الأمر وبنى مدينة الزهراء وقد ~~ذكرنا أمر بنائها في محله ومات في هذه السنة وكانت مدة أيامه خمسين سنة ~~وكان من أجل ملوك الأندلس. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~وأربع عشرة إصبعا مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الثانية من ولاية علي بن الإخشيذ # وهي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة: فيها نقلت سنة خمسين وثلاثمائة إلى سنة ~~إحدى وخمسين الخراجية وكتب بذلك عن المطيع كتاب في هذا المعنى فمنه أن ~~السنة الشمسية خمسة وستون وثلأثماثة يوم وربع بالتقريب وأن السنة الهلالية ~~أربعة وخمسون وثلاثمائة وكسر وما زالت الأمم السالفة تكبس زيادات السنين ~~على آختلاف مذاهبها وفي كتاب الله تعالى شهادة بذلك قال الله تعالى ولبثوا ~~في كهفهم ثلاثمائة سنين وآزدادوا تسعا فكانت هذه الزيادة هي المشار إليها ~~وأما الفرس فإنهم أجروا معاملاتهم على السنة المعتدلة التي شهورها اثنا عشر ~~شهرا وأيامها ستون وثلاثمائة يوم ولقبوا الشهور آثني عشر لقبا وسموا الأيام ~~بأسامي وأفردوا الأيام الخمسة الزائدة وسموها المسترقة وكبسوا الربع في كل ~~مائة وعشيرين سنة شهرا فلما انقرض ملكهم بطل ذلك. وفيها دخل الدمستق ملك ~~الروم عين زربى في مائة وستين ألفا وعين زربى في سفح جبل مطل عليها فصعد ~~بعض جيشه الجبل ونزل هوعلى بابها وأخذوا في نقب السور فطلبوا الأمان فأمنهم ~~وفتحوا له فدخلها وندم حيث أمنهم ونادى بأن ms0745 يخرج جميع من في البلد إلى ~~الجامع فلما أصبح بث رجاله وكانوا مائة ألف وكل من وجدوه في منزله قتلوه ~~فقتلوا عالما لايحصى ثم فعل في البلد تلك الأفاعيل القبيحة. وفيها عاد ~~الدمستق إلى حلب فخرج إليه سيف الدولة بغيرآستعداد وحاربه فحاربه الدمستق ~~بمائتي ألف مقاتل فانهزم سيف الدولة في نفر يسير وكانت داره بظاهر حلب ~~فنزلها الدمستق وأخذ منهاثلاثمائة وتسعين بدرة دراهم وأخذ منها ألفا ~~وأربعمائة بغل ومن السلاح مالا يحصى ثم نهبها الدمستق وأحرقها ثم أحرق بلاد ~~حلب وقاتله أهل حلب من وراء السور فقتلوا جماعة من الروم فسقطت قائمة من ~~السور على جماعة من أهل حلب فقتلتهم فأكب الروم على تلك الثلمة وقاتلوا حتى ~~ملكوا حلب ووضعوا فيها السيف حتى كلوا وملوا وأخربوا الجامع وأحرقوا ما ~~عجزوا عن حمله ولم ينج إلا من صعد القلعة فألح ابن أخت الملك في أخذ القلعة ~~فقتل بحجر وكان عند الدمستق ألف ومائتا أسير من أهل حلب فضرب أعناقهم ثم ~~عاد إلى الروم ولم يعرض لأهل القرى وقال لهم ازرعوا فهذا بلدنا وعن قليل ~~نعود إليكم. وفيها كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية رضي ~~الله عنه ولعنة من غصب فاطمة رضي الله عنها حقها من فدك ولعنة من منع الحسن ~~أن يدفن مع جده صلى الله عليه وسلم ثم محي في الليل فأراد معزالدولة إعادته ~~فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي لعن الله الظالمين لآل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصرحوا بلعنة معاوية رضي الله عنه فقط. وفيها أسرت ~~الروم أبا فراس بن سعيد بن حمدان من مدينة منبج وكان واليها. وفيها وقع ~~بالعراق برد وزن البعض منه رطل ونصف بالعراقي. وفيها توفي الوزير أبو محمد ~~الحسن بن محمد بن هارون المهلبي أصله من بني المهلب بن أبي صفرة أقام في ~~وزارة معز الدولة ثلاث عشرة سنة وكان فاضلا شاعرا فصيحا نبيلا سمحا جوادا ~~ذا مروءة وكرم وعاش أربعا وستين سنة وآستوزر معز الدولة عوضه ms0746 أبا الفضل ~~العباس بن الحسن الشيرازي ثم صادر معز الدولة أولاد المهلبي من بعد موته. ~~وفيها توفي دعلج بن أحمد بن دعلج أبو محمد السجزي الفقيه العمل ولد سنة ~~ستين ومائتين أوقبلها وسمع الكثير قال الحاكم أخذ عن ابن خزيمة المصنفات ~~وكان يفتي بمذهبه وكان شيخ الحديث له صدقات جارية على أهل الحديث بمكة ~~والعراق مات في جمادى الآخرة وله نيف وتسعون سنة. PageV01P0385 # وفيها توفي عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق أبوالحسين الاموي مولاهم ~~البغدادي الحافظ سمع الكثير وروى عنه الدارقطني وغيره وصنف معجم الصحابة ~~ومات في شوال. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي ~~إبراهيم بن علي أبو إسحاق الهجيمي والحسن بن محمد الوزير أبو محمد المهلبي ~~ودعلج بن أحمد السجزي وعبد الله بن جعفربن محمد بن الورد البغدادي بمصر ~~وعبد الباقي بن نافع أبوالحسين في شوال وأبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن ~~زياد النقاش في شوال وله خمس وثمانون سنة وأبو جعفر محمد بن علي بن دحيم ~~الشيباني وأبو محمد يحيى بن منصور قاضي نيسابور. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ست أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية علي بن الإخشيذ # وهي سنة آثنتين وخمسين وثلاثمائة: فيها في يوم عاشوراء ألزم معز الدولة ~~الناس بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبخ ونصبوا القباب في الأسواق ~~وعلقوا عليها المسوح وأخرجوا النساء منشورات الشعور يقمن المأتم على الحسين ~~بن علي رضي الله عنه قلت وهذا أول يوم وقع فيه هذه العادة القبيحة الشيعية ~~ببغداد وكان ذلك في صحيفة معز الدولة بن بويه ثم اقتدى به من جاء بعده من ~~بني بويه وكل منهم رافضي خبيث نذكر ذلك كله فيما يأتي في الحوادث إن شاء ~~الله تعالى. وفيها أصاب سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان فالج في يده ~~ورجله. وفيها قال ثابت بن سنان أرسل بعض بطارقة الأرمن إلى ناصرالدولة ~~الحسن بن ms0747 حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة ومعهما أبوهما ~~والالتصاق كان في الجنب ولهما بطنان وسرتان ومعدتان وتختلف أوقات جوعهما ~~وعطشهما وبولهما وكل واحد منهما مكمل الخلق وكان أحدهما يميل إلى النساء ~~والاخر إلى المرد وقال القاضي علي بن الحسن التنوخي ومات أحدهما وبقي أياما ~~وأنتن وأخوه حي فجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فصلهما فلم ~~يقدروا ومات الآخر من رائحة الميت بعد أيام. وفيها قتل ملك الروم وصار ~~الدمستق هوالملك واسمه تقفور. وفيها توفيت خولة أخت سيف الدولة بن حمدان ~~بحلب وهي التي رثاها المتنبي بقوله: يا أخت خير يا بنت خير ... أب كناية ~~بهما عن أشرف النسب وفيها آنتصرت الروم على الإسلام بكائنة حلب وضعف أمر ~~سيف الدولة بعد تلك الملاحم الكبار التي طير فيها لب العدو ومزقهم ولله ~~الأمر. وفيها خرج أيضا سيف الدولة غازيا فسار إلى حران وعطف على ملطية وقتل ~~من الروم خلائق وملأ يده سبيا وغنائم ولله الحمد. وفيها في شعبان ورد غزاة ~~خراسان نحو ستمائة رجل إلى الموصل يريدون الجهاد نجدة لأهل الموصل. وفيها ~~عبرت الروم الفرات لقصد الجزيرة فتهيأ ناصرالدولة بن حمدان لقتالهم. وفيها ~~اجتمع أهل بغداد ووبخوا الخليفة المطيع لله بكائنة حلب وطلبوا منه أن يخرج ~~بنفسه إلى الغزو ويأخذ بثأر أهل حلب وبينما هم في ذلك ورد الخبر بموت طاغية ~~الروم وأن الخلف وقع بينهم فيمن يملكونه عليهم وأن أهل طرسوس غزوهم ~~وانتصروا عليهم وعادوا بغنائم لم ير في دهر مثلها فآنتدب المسلمون لغزو ~~الروم من كل جانب. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي ~~أحمد بن عبيد بن أحمد أبو بكر الحمصي الصفار وأبو الحسين أحمد بن محمود ~~البيهقي وأبو بكر محمد بن محمد بن أحمد بن مالك الإسكافي. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاث أذرع سواء مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية علي بن الإخشيذ # وهي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة: فيها عمل يوم عاشوراء ms0748 كعام أول من ~~المأتم والنوح إلى الضحى فوقعت فتنة عظيمة بين أهل السنة والرافضة وجرح ~~جماعة ونهب الناس. وفيما نزل ملك الروم الدمستق المصيصة في جيش ضخم فأقام ~~أسبوعا ونقب السور من أماكن وقاتله أهلها إلى أن رحل عنها بعد أن أهلك ~~الضياع وكان رحيله لشدة الغلاء فإن القحط كان بالشام والثغور. وفيها بعث ~~القرامطة إلى سيف الدولة يستهدونه حديدا فسير إليهم شيئا كثيرا وحمل ذلك ~~إليهم في الفرات ثم في البرية إلى هجر. PageV01P0386 # وفيها خرج معز الدولة بن بويه إلى الموصل لقتال ناصر الدولة بن حمدان ~~فلحقه ذرب شديد سار ناصر الدولة أمامه إلى ميافارقين ثم عاد إلى الموصل ~~وآقتتل مع أعوان معز الدولة فاستأمن إليه الديلم وأستأسر جميع الترك وأخذ ~~حواصل معز الدولة وثقله فعاد معز الدولة يريد الموصل فوقع له مع ناصر ~~الدولة فصول ثم اصطلحوا وعاد معز الدولة إلى بغداد خائبا. وفيها عمل سيف ~~الدولة بن حمدان خيمة عظيمة ارتفاع عمودها خمسون ذراعا. وفيها ورد الخبر ~~أن الروم يريدون أذنة و المصيصةفآستنجد أهل أذنة بأهل طرسوس فجاؤوهم بخمسة ~~عشر ألفا من فارس وراجل فآلتقوا واشتذ القتال وانهزم المشركون فركب ~~المسلمون أقفية الروم واتبعوهم فخرج الروم كمين نحو أربعة آلاف مقاتل فتحيز ~~المسلمون إلى تل هناك فقاتلوهم يومين ثم كثر عليهم جموع الروم فاستأصلوهم ~~وحاصروا أهل المصيصة ونقبوا سورها من مواضع فقاتلهم المسلمون أشد قتال إلى ~~أن ترحلوا عنها مخذولين. وفيها ملك المسلمون حصن اليمانية وهوعلى ثلاثة ~~فراسخ من آمد. وفيها جاء عسكر من الروم وكادوا أن يملكوا حصنا من نواحي ~~حلب، فسار لحربهم عسكر سيف الدولة وقاتلوهم فلم يفلت من الروم أحد وقتل ~~منهم خمسمائة نفر وتجرح المسلمون وخيولهم ثم جاء الخبر بنزول الروم أيضا ~~إلى المصيصة أوإلى طرسوس مع تقفور ملك الروم وأنهم في ثلاثمائة ألف وعاثوا ~~وأفسدوا ثم ساروا لعظم القحط كما وقع لهم أولا فتبعهم أهل المصيصة وطرسوس ~~فقتلوا وأسروا طائفة كثيرة من الروم. وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن حمزة ~~بن عمارة ms0749 الحافظ أبوإسحاق ب حمزة الأصبهاني قال أبونعيم كان أوحد زمانه في ~~الحفظ لم ير بعد عبد الله بن مظاهر في الحفظ مثله جمع الشيوخ والسند وتوفي ~~في سابع رمضان وعمارة جدهم هوابن حمزة بن يساربن عبد الرحمن بن حفص وحفص ~~هوأخو أبي مسلم الخراساني صاحب الدولة العباسية. وفيها توفي سعيد بن عثمان ~~بن سعيد بن السكن الحافظ أبو علي البغدادي ثم المصرى البزاز ولد سنة أربع ~~وتسعين ومائتين وسمع بمصر والشام والجزيرة والعراق وخراسان وما وراء النهر ~~وكان كبير الشأن مكثرا متقنا مصنفا بعيد الصيت له تجارة في البرية ومات في ~~المحرم وقد روى عنه صحيح البخاري عبد الله بن محمد بن أسد الجهمي وأبو عبد ~~الله محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج وأبو جعفر بن عون الله . وفيها ~~توفي بندار بن الحسين محمد بن المهلب أبو الحسين الشيرازي كان يسكن بمدينة ~~أرجان كان عالما بالأصول وله لسان في علوم الحقائق وكان الشبلي يعظمه. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها توفي أبوإسحاق إبراهيم بن ~~محمد بن حمزة الأصبهاني الحافظ في رمضان وأبوعيسى بكاربن أحمد بن بكاربن ~~بنان المقرىء وأبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن الحافظ بمصر وابن ~~أبي الفوارس شجاع بن جعفر الوراق الواعظ في عشر والمائة وعبد الله بن الحسن ~~بن بندار الأصبهاني وأبو محمد عبد الله بن محمد بن العباس الفاكهاني وأبو ~~القاسم علي بن يعقوب الهمذاني بن أبي العقب في ذي الحجة عن اثنتين وتسعين ~~سنة وأبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خروف بمصر وأبو علي محمد بن هارون بن ~~شعيب الأنصاري. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وخمس عشرة ~~إصبعا مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية علي بن الإخشيذ # وهي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة: فيها عمل في يوم عاشوراء المأتم ببغداد ~~كالسنة الماضية ولم يتحرك لهم السنية خوفا من معزالدولة بن بويه. وفيها وثب ~~غلمان سيف ms0750 الدولة بن حمدان على غلامه نجا الكبير وضربوه بالسيوف وكان أكبر ~~غلمانه و مقدم جيشه وغلمانه أعني مماليكه. وفيها توفيت أخت معزالدولة بن ~~بويه ببغداد فنزل الخليفة المطيع في طيارة إلى دار معزالدولة يعزيه فخرج ~~إليه معزالدولة ولم يكلفه الصعود من الطيارة وقبل الأرض مرات ورجع الخليفة ~~إلى داره. وفيها حج الركب من بغداد. وفيها بنى تقفور ملك الروم قيسارية ~~قريبا من بلاد المسلمين وسكنها وكان الناس في هذه السنة الماضية في شغل ~~بالغلاء والقحط بسائر بلاد حلب وديار بكر. PageV01P0387 # وفيها توفي أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أبو الطيب المتنبي ~~الجعفي الكوفي الشاعر المشهور حامل لواء الشعر في عصره ولد سنة ثلاث ~~وثلاثمائة وكثر المقام بالبادية لاقتباس اللغة ونظر في فنون الأدب وتعاطى ~~قول الشعر من صغره حتى بلغ فيه الغاية وفاق أهل زمانه ومدح الملوك وسار ~~شعره في الدنيا ومدح سيف الدولة بن حمدان وكافور الإخشيذي وغيرهما وقال أبو ~~القاسم التنوخي وقد كان خرج المتنبي إلى كلبا وأقام فيهم وادعى أنه علوي ثم ~~ادعى بعد ذلك النبوة إلى أن شهد عليه بالكذب في الدعويين وحبس دهرا وأشرف ~~على القتل ثم آستتابوه وأطلقوه وقال وحدثني أبي إلى أن قال وكان المتنبي ~~قرأ على البوادي كلاما ذكر أنه قرآن أنزل عليه نسخت منه سورة فصاحته وبقي ~~أولها في حفظي وهو والنجم السيار والفلك الموار والليل والنهار إن الكافر ~~لفي أخطار امض على سننك وآقف أثر من كان قبلك من المسلمين فإن الله قامع بك ~~زيغ من ألحد في الدين وضل عن السبيل قال: وكان المتنبي ينكر ذلك ويجحده ~~وقال له ابن خالويه النحوي يوما في مجلس سيف الدولة لولا أن الآخر جاهل لما ~~رضي أن يدعى المتنبي لأن المتنبي معناه كاذب ومن رضي أن يدعى بالكاذب فهو ~~جاهل. فقال: إني لم أرض أن أدعى به انتهى. ومن شعر المتنبي وهوأشهر من أن ~~يذكر قوله: وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... قبيح هوى يرجى عليه ثواب إذا ~~نلت منك ms0751 الود فالمال هين ... وكل الذي فوق التراب تراب ومن شعره وهو البيت ~~الذي ذكروا أنه ادعى النبوة فيه: ومن نكد الدنيا على الحرأن يرى ... عدوا ~~له ما من صداقته بد ومن أشعره قصيدته التي أولها: لك يا منازل في القلوب ~~منازل ومنها: جمح الزمان فلا لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل فإذا ~~أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل وهذا البيت الأخير الذي ~~وقع لأبي العلاء المعري مع الشريف المرتضى الموسوي ماوقع بسببه. ومن شعر ~~المتنبي قصيدته التي أولها: أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه ~~قبل الركب والإبل فمنها قوله: والهجر أقتل لي مما أراقبه ... أنا الغريق ~~فما خوفي من البلل ومنها: لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام ~~بالعلل ويعجبني قوله من شعره: خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها بقصدك ~~الأقدام وما أحسن مطلع قصيدته: إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون ~~النجوم ومنها: فطعم الموت في أمرحقير ... كطعم الموت في أمرعظيم ومنها: وكل ~~شجاعة في المرءتغني ... ولامثل الشجاعة في الحكيم وكم من عائب قولاصحيحا ~~... وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح ~~والعلوم مات المتنبي قتيلا بالنعمانية . وفيها توفي محمد بن حبان بن أحمدبن ~~حبان الحافظ العلامة أبوحاتم التميمي البستي صاحب التصانيف المشهورة كان ~~عالما بالفقه والحديث والطب والنجوم وفنون من العلوم وألف المسند الصحيح و ~~" التاريخ و " الضعفاء قال الحاكم كان من أوعية العلم في الفقه واللغة ~~والحديث والوعظ. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدويه أبو بكر ~~البزاز الشافعي المحدث ولد سنة ستين ومائتين وسكن بغداد وسمع الكثير وحدث ~~روى عنه الدارقطني وجماعة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال وفيها ~~توفي أبوالطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي المتنبي وله إحدى وخمسون سنة ~~وأبوحاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي في شوال وأبو بكر محمد بن ~~الحسن بن يعقوب بن مقسم العطار المقرىء وأبو بكر محمد بن عبد الله بن ~~إبراهيم ms0752 الشافعي البزاز في ذى الحجة وله خمس وتسعون سنة. أمر النيل في هذه ~~السنة الماء القديم ثلاث أذرع وخمس أصابع مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وخمس ~~عشرة إصبعا . /بسم الله الرحمن الرحيم ### || AUT وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحابته وسلم # ؟؟؟؟ ### | AUT ولاية كافور الإخشيذي # PageV01P0388 # الأستاذ أبو المسك كافور بن عبد الله الإخشيذي، الخادم الأسود الخصي، ~~صاحب مصر والشام والثغور، اشتراه سيده أبو بكر محمد الإخشيذ بثمانية عشر ~~دينارا من الزياتين، وقيل: من بعض رؤساء مصر، ورباه وأعتقه، ثم رقاه حتى ~~جعله من كبار القواد لما رأى منه الحزم والعقل وحسن التدبير. ولما مات ~~الإخشيذ في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، أقام كافور هذا أبناءه واحدا بعد ~~واحد. وكان الذي ولى أولا أبا القاسم أنوجور بن الإخشيذ ومعنى أنوجور ~~بالعربية محمود وقد تقدم ذلك كله. فدام أنوجور في الملك إلى أن مات في يوم ~~السبت لثمان خلون من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. ثم بعد موت ~~أنوجور أقام أخاه أبا الحسن علي بن الإخشيذ كما تقدم ذكر ذلك كله في ~~ترجمتهما. وكان كافور هذا هو مدبر ملكهما. ودخل كافور في أيام ولايتهما في ~~ضمان البلاد مع الخليفة، ووفى بما ضمنه. ولما مات الإخشيذ اضطربت أحوال ~~الديار المصرية، فخرج كافور منها بابني الإخشيذ وتوجه بهما إلى الخليفة ~~المطيع لله، وأصلح أمرهما معه، والتزم كافور للخليفة بأمر الديار المصرية، ~~ثم عاد كافور بهما إلى الديار المصرية. وكان غلبون قد تغلب على مصر بعد موت ~~الإخشيذ في غيبة كافور لما توجه إلى العراق، فقدم كافور إلى مصر وتهيأ لحرب ~~غلبون المذكور وحاربه وظفر به وقتله، وأصلح أحوال الديار المصرية، واستمر ~~مدبرها إلى أن مات أنوجور وتولى أخوه علي ثم مات علي أيضا في سنة خمس ~~وخمسين وثلاثمائة، واستقل كافور بالأمر وخطب له على المنابر وتم أمره. قال ~~الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخ الإسلام: كافور الإخشيذي الحبشي ~~الأستاذ السلطان أبو المسك اشتراه الإخشيذ من بعض رؤساء مصر، كان أسود ~~بصاصا. ثم ساق ms0753 الذهبي نحو ما حكيناه، إلى أن قال: تقدم عند الإخشيذ صاحب ~~مصر لعقله ورأيه وسعده إلى أن صار من كبار القواد، وجهزه الإخشيذ في جيش ~~لحرب سيف الدولة بن حمدان. ثم إنه لما مات أستاذه صار أتابك ولده أبي ~~القاسم أنوجور وكان صبيا، فغلب كافور على الأمر، وبقى الاسم لأبي القاسم ~~والدست لكافور، حتى قال وكيله: خدمت كافورا وراتبه في اليوم ثلاث عشرة ~~جراية، وتوفي وقد بلغت جرايته على يدي في كل يوم ثلاثة عشر ألف جراية. قلت ~~وهو أتابك السلطان أنوجور، أما لما استقل بالملك فكان أكثر من ذلك. وقال ~~أبو المظفر في تاريخه مرآة الزمان: كان كافور شجاعا مقداما جوادا يفضل على ~~الفحول. وقصده المتنبي ومدحه فأعطاه أموالا كثيرة، ثم فارقه إلى العراق. ~~وقال أبو الحسن بن آذن النحوي: حضرت مع أبي مجلس كافور وهو غاص بالناس، ~~فقام رجل فدعا له، وقال في دعائه: أدام الله أيام مولانا بكسر الميم من ~~أيام فأنكر كافور والحاضرون ذلك، فقام رجل من أوساط الناس فقال: لا غرو إن ~~لحن الداعي لسيدنا ... أو غص من دهش بالريق أو بهر ومثل سيدنا حالت مهابته ~~... بين البليغ وبين القول بالحصر فإن يكن خفض الأيام من غلط ... في موضع ~~النصب لا من قلة البصر فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثورة عن سيد ~~البشر بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن أوقاته صفو بلا كدر فعجب الحاضرون من ~~ذلك، وأمر له كافور بجائزة. وقال أبو جعفر مسلم بن عبيد الله بن طاهر ~~العلوي النسابة: ما رأيت أكرم من كافور! كنت أسايره يوما وهو في موكب خفيف ~~يريد التنزه وبين يديه عدة جنائب بمراكب ذهب وفضة وخلفه بغال المراكب، ~~فسقطت مقرعته من يده ولم يرها ركابيته، فنزلت عن دابتي وأخذتها من الأرض ~~ودفعتها إليه، فقال: أيها الشريف، أعوذ بالله من بلوغ الغاية، ما ظننت أن ~~الزمان يبلغني حتى تفعل بي أنت هذا وكاد يبكي، فقلت: أنا صنيعة الأستاذ ~~ووليه. فلما بلغ باب داره ودعني، فلما سرت التفت ms0754 فإذا بالجنائب والبغال ~~كلها خلفي، فقلت: ما هذا؟ قالوا: أمر الأستاذ أن يحمل مركبه كله إليك، ~~فأدخلته داري، وكانت قيمته تزيد على خمسة عشر ألف دينار. وراوي هذه الحكاية ~~مسلم بن عبيد الله المذكور من صالحي الأشراف. PageV01P0389 # ووقع له حكاية غريبة نذكرها في ضمن هذه الترجمة، ثم نعود إلى ما نحن فيه ~~من ترجمة كافور، وهي أنه كان لمسلم بن عبيد الله المذكور غلام قد رباه من ~~أحسن الغلمان، فرآه بعض القواد فبعث إليه ألف دينار مع رجل، وقال له: اشتر ~~لي منه هذا الغلام، قال الرجل: فوافيته يعني الشريف مسلم بن عبيد الله في ~~الحمام ورأيت الغلام عريانا فرأيت منظرا حسنا، فقلت في نفسي: لا شك أن ~~الشريف لا يفوته هذا الغلام، وأديت الرسالة، فقال الشريف: ما دفع فيه هذا ~~الثمن إلا وهو يريد أن يعصي الله فيه، ارجع إليه بماله فلا أبيعه. فعدت ~~إليه وأخبرته ونمت تلك الليلة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ~~فسلمت عليه فما رد علي، وقال: ظننت في ولدي مسلم الخنا مع الغلام. امض إليه ~~واسأله أن يجعلك في حل. فلما طلع الفجر مضيت إليه وأخبرته وبكيت وقبلت يديه ~~ورجليه وسألته أن يجعلني في حل، فبكى وقال: أنت في حل، والغلام حر لوجه ~~الله تعالى. وأما كافور فإنه لما صار قبل سلطنته مدبر الممالك المصرية، ~~وعظم أمره، أنف من ذلك خشداشه الأمير أبو شجاع فاتك الرومي الإخشيذي المقدم ~~ذكره في سنة نيف وخمسين وثلاثمائة. وكان فاتك يعرف بالمجنون، وكان الإخشيذ ~~قد اشترى فاتكا هذا من أستاذه بالرملة كرها وأعتقه، وحظي عند الإخشيذ، وكان ~~رفيقا لكافور هذا، وهو الأعظم مع طيش وخفة وحبورة، وكان كافور عاقلا سيوسا، ~~فكان كلما تزايد أمر كافور وعظم، يزيد جنون فاتك وحسده، فلا يلتفت كافور ~~إليه بل يدر عليه الإحسان ويراعيه إلى الغاية. وكان الفيوم إقطاع فاتك ~~المجنون، فاستأذن فاتك كافورا أن يتوجه إلى إقطاعه بالفيوم ويسكن هناك حتى ~~لا يرى عظمة كافور، فأذن له كافور في ذلك ms0755 وودعه، فخرج فاتك إلى الفيوم، فلم ~~يصح مزاجه بها لوخامتها، فعاد بعد مدة مريضا إلى مصر ليتداوى بها. وكان ~~المتنبي الشاعر بمصر قد مدح كافورا بغرر القصائد، فسمع المتنبي بكرم ~~المجنون فأحب أن يمدحه، ولم يجسر خوفا من كافور. وكان كافور يكره فاتكا في ~~الباطن ويخافه، وصار فاتك يراسل المتنبي ويسأل عنه إلى أن اتفق اجتماعهما ~~يوما بالصحراء وجرت بينهما مفاوضات. فلما رجع فاتك إلى داره بعث إلى ~~المتنبي بهدية قيمتها ألف دينار، ثم أتبعها بهدايا أخر. فاستأذن المتنبي ~~كافورا في مدح فاتك، فأذن له خوفا من فاتك، وفي النفس شيء من ذلك، فمدحه ~~المتنبي بقصيدته التي أولها: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق ~~إن لم تسعد الحال إلى أن قال: كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما ~~للشمس أمثال فحقد كافور على المتنبي لذلك، وفطن المتنبي بعدوانه، فخرج من ~~مصر هاربا وكان هذا سببا لهجو المتنبي كافورا بعد أن كان مدحه بعدة مدائح، ~~على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. قال الذهبي: وكان كافور يدني الشعراء ~~ويجيزهم، وكان تقرأ عنده في كل ليلة السير وأخبار الدولة الأموية والعباسية ~~وله ندماء، وكان عظيم الحرمة وله حجاب يمتنع عن الأمراء وله جوار مغنيات، ~~وله من الغلمان الروم والسود ما يتجاوز الوصف، زاد ملكه على ملك مولاه ~~الإخشيذ، وكان كريما كثير الخلع والهبات، خبيرا بالسياسة، فطنا ذكيا جيد ~~العقل داهية، كان يهادي المعز صاحب المغرب ويظهر ميله إليه، وكذا يذعن ~~بالطاعة لبني العباس، ويداري ويخدع هؤلاء وهؤلاء، وتم له الأمر. وكان وزيره ~~أبو الفضل جعفر بن الفرات راغبا في الخير وأهله. ولم يبلغ أحد من الخدام ما ~~بلغ كافور، وكان له نظر في العربية والأدب والعلم. وممن كان في خدمته أبو ~~إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي النحوي صاحب الزجاج. وقال إبراهيم بن ~~إسماعيل إمام مسجد الزبير: كان كافور شديد الساعد لا يكاد أحد يمد قوسه، ~~فإذا جاؤوه برام دعا بقوسه وقال: ارم عليه، فإن أظهر الرجل العجز ضحك ms0756 وقدمه ~~وأثبته، وإن قوي على مدها واستهان بها عبس وسقطت منزلته من عنده. ثم ذكر له ~~حكايات تدل على أنه كان مغرى بالرمي. قال: وكان يداوم الجلوس غدوة وعشية ~~لقضاء حوائج الناس، وكان يتهجد ويمرغ وجهه ساجدا ويقول: اللهم لا تسلط علي ~~مخلوقا. انتهى. قلت: ونذكر حينئذ أحوال المتنبي معه وما مدحه به من ~~القصائد. PageV01P0390 # لما فارق المتنبي سيف الدولة بن حمدان مغاضبا له، قصد كافورا الإخشيذي ~~ودخل مصر ومدحه بقصيدته التي منها: قواصد كافور توارك غيره ... ومن ورد ~~البحر استقل السواقيا فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخفت بياضا خلفها ~~وماقيا وهو أول مديح قاله فيه، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ~~وثلاثمائة. وقال ابن خلكان: وأنشده أيضا في شوال سنة سبع وأربعين وثلاثمائة ~~قصيدته البائية التي يقول فيها: وأخلاق كافور إذا شئت مدحه ... وإن لم أشأ ~~تملي علي فأكتب إذا ترك الإنسان أهلا وراءه ... ويمم كافورا فما يتغرب ~~ومنها أيضا: فإن لم يكن إلا أبو المسك أوهم ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذب ~~وكل امرىء يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب وآخر شيء أنشده في ~~شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة ولم يلقه بعدها قصيدته البائية: أرى لي ~~بقربي منك عينا قريرة ... وإن كان قربا بالبعاد يشاب وهل نافعي أن ترفع ~~الحجب بيننا ... ودون الذي أملت منك حجاب أقل سلامي حب ما خف عنكم ... ~~وأسكت كيما لا يكون جواب ومنها: وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف ~~هوى يبغى عليه ثواب وما شئت ألا أن أدل عواذلي ... على أن رأيي في هواك ~~صواب وأعلم قوما خالفوني فشرقوا ... وغربت أنى قد ظفرت وخابوا ومنها: وإن ~~مديح الناس حق وباطل ... ومدحك حق ليس فيه كذاب إذا نلت منك الود فالمال ~~هين ... وكل الذي فوق التراب تراب وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا ... له كل ~~يوم بلدة وصحاب ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب وأقام ~~المتنبي بعد إنشاد هذه القصيدة سنة لا يلقى كافورا غضبا عليه، ms0757 لكنه يركب في ~~خدمته خوفا منه ولا يجتمع به، واستعد للرحيل في الباطن وجهز جميع ما يحتاج ~~إليه. وقال في يوم عرفة سنة خمسين وثلاثمائة قبل مفارقته مصر بيوم واحد ~~قصيدته الدالية التي هجا كافورا فيها. وفي آخر هذه القصيدة المذكورة يقول: ~~من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد أم أذنه في يد ~~النخاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود ومنها: وذاك أن الفحول البيض ~~عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود وله فيه أهاج كثيرة تضمنها ديوان ~~شعره. ورحل المتنبي من مصر إلى عضد الدولة بن بويه بشيراز. وقال ابن زولاق: ~~أقام كافور الإخشيذي الأستاذ إحدى وعشرين سنة وشهرين وعشرين يوما يعني أقام ~~مدبر مملكة مصر من قبل ولدي أستاذه، وهما أنوجور وعلي ابنا الإخشيذ محمد بن ~~طغج، وأقام هو فيها سنتين وأربعة أشهر وسبعة أيام ملكا مستقلا بنفسه. قلت: ~~ونذكر ذلك محررا بعد ذلك. قال ابن زولاق: وكان كافور دينا كريما. وسماطه، ~~على ما ذكره صاحب كنز الدرر، في اليوم مائتا خروف كبار، ومائة خروف رميس، ~~ومائتان وخمسون إوزة، وخمسمائة دجاجة، وألف طير من الحمام، ومائة صحن حلوى ~~كل صحن عشرة أرطال، ومائتان وخمسون قرابة أقسما. قال: ولما توفي كافور ~~أجتمع الأولياء وتعاقدوا وتعاهدوا ألا يختلفوا، وكتبوا بذلك كتابا ساعة ~~توفي كافور، وعقدوا الولاية لأحمد بن علي الإخشيذ، وكان إذ ذاك صبيا ابن ~~إحدى عشرة سنة وكافور بعد في داره لم يدفن ودعي له على المنابر بمصر ~~وأعمالها والشامات والحرمين، ثم من بعده للحسن بن عبيد الله ابن طغج. ثم ~~عقد للحسن بن عبيد الله المذكور على بنت عمه فاطمة بنت الإخشيد بوكيل سيره ~~من الشام، وجعل التدبير بمصر فيما يتعلق بالأموال إلى الوزير أبي الفضل ~~جعفر بن الفرات، وما يتعلق بالرجال والعساكر لسمول الإخشيذي صاحب الحمام ~~بمصر. وكل ذلك كان في يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع ~~وخمسين وثلاثمائة. انتهى كلام ابن زولاق رضي الله عنه. PageV01P0391 # وأما وفاة كافور المذكور فإنه توفي ms0758 بمصر في جمادى الأولى سنة ست وخمسين ~~وثلاثمائة، وقيل: سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وقيل: سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة، والأصح سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، قبل دخول القائد جوهر المعزي ~~إلى مصر. وقيل: إنه لما دخل جوهر القائد إلى مصر خرج منها كافور هذا، وليس ~~بشيء، والأول أصح. وملك بعده أحمد بن علي بن الإخشيذ الآتي ذكره. وعاش ~~كافور بضعا وستين سنة، وكانت إمارته على مصر اثنتين وعشرين سنة، منها ~~استقلالا بالملك سنتان وأربعة أشهر، خطب له فيها على منابر مصر والشام ~~والحجاز والثغور، مثل طرسوس والمصيصة وغيرهما، وحمل تابوته إلى القدس فدفن ~~به، وكتب على قبره: ما بال قبرك يا كافور منفردا ... بالصحصح الموت بعد ~~العسكر اللجب يدوس قبرك آحاد الرجال وقد ... كانت أسود الشرى تخشاك في ~~الكتب وقال الوليد بن بكر العمري: وجدت على قبر كافور مكتوبا: انظر إلى عبر ~~الأيام ما صنعت ... أفنت أناسا بها كانوا وما فنيت دنياهم ضحكت أيام دولتهم ~~... حتى إذا فنيت ناخت لهم وبكت ### || AUT السنة الأولى من ولاية كافور الإخشيذي # وهي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. فيها أقيم المأتم على الحسين رضي الله ~~عنه في يوم عاشوراء ببغداد على العادة. وفيها ورد الخبر بأن ركب الشام ومصر ~~والمغرب من الحجاج أخذوا وهلك أكثرهم ووصل الأقل إلى مصر، وتمزق الناس كل ~~ممزق، وأخذتهم بنو سليم، وكان ركبا عظيما نحو عشرين ألف جمل، ومعهم الأمتعة ~~والذهب، فمما أخذ لقاضي طرسوس المعروف بالخواتيمي مائة ألف وعشرون ألف ~~دينار. وفيها قدم أبو الفوارس محمد بن ناصر الدولة من الأسر إلى ميافارقين، ~~كانت أخت ملك الروم أخذته لتفادي به أخاها، فنفذ سيف الدولة أخاها في ~~ثلاثمائة إلى حصن الهتاخ، فلما شاهد بعضهم بعضا سرح المسلمون أسيرهم في ~~خمسة فوارس وسرح الروم أسيرهم أبا الفوارس في خمسة، فالتقيا في وسط الطريق ~~وتعانقا، ثم صار كل واحد إلى أصحابه فترجلوا له وقبلوا الأرض، واحتفل سيف ~~الدولة بن حمدان لقدوم ابن أخيه وعمل الأسمطة الهائلة، وقدم له الخيل ~~والمماليك والعدد التامة، فمن ذلك ms0759 مائة مملوك بمناطقهم وسيوفهم وخيولهم. ~~وفيها جاء الخبر بأن نائب أنطاكية محمد بن موسى الصلحي أخذ الأموال التي في ~~خزائن أنطاكية وخرج بها كأنه متوجه إلى سيف الدولة بن حمدان فدخل بلاد ~~الروم مرتدا. وقيل: إنه كان عزم على تسليم أنطاكية إلى الروم، فلم يمكنه ~~ذلك لاجتماع أهل البلد على ضبطه، فخشي أن ينم خبره إلى سيف الدولة فيتلفه ~~فهرب بالأموال. وفيها قدم الغزاة الخراسانية من الغزو إلى ميافارقين، ~~فتلقاهم أبو المعالي بن سيف الدولة وبالغ في إكرامهم بالأطعمة والعلوفات. ~~وكان رئيس الغزاة المذكورين محمد بن عيسى. وفيها سار طاغية الروم بجموعه ~~إلى الشام، فعاث وأفسد وأقام به نحو خمسين يوما، فبعث سيف الدولة يستنجد ~~أخاه ناصر الدولة لبعده، ووقع لسيف الدولة مع الروم حروب ووقائع كثيرة. ~~وفيها توفي محمد بن عمر بن محمد بن سالم، أبو بكر بن الجعابي التميمي ~~البغدادي الحافظ قاضي الموصل سمع الكثير ورحل وكان حافظ زمانه. صحب أبا ~~العباس بن عقدة، وصنف الأبواب والشيوخ والتاريخ، وكان يتشيع، وروى عنه ~~الدارقطني وأبو حفص بن شاهين والحاكم أبو عبد الله وآخرون آخرهم وفاة أبو ~~نعيم الحافظ. ومولده في صفر سنة أربع وثمانين ومائتين. قال أبو علي الحافظ ~~النيسابوري: ما رأيت في المشايخ أحفظ من عبدان، ولا رأيت في أصحابنا أحفظ ~~من أبي بكر بن الجعابي!. وفيها توفي محمد بن الحسين بن علي بن الحسن ~~الأنباري الشاعر المشهور، كان انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن مات بها في ~~شهر رمضان. وكان من فحول الشعراء. ومن شعره وقد رأيته لغيره: أبكي وتبكي ~~الحمام لكن ... شتان ما بينها وبيني تبكي بعين بغير دمع ... وابكي بدمع ~~بغير عين ويعجبني في هذا قول أمير المؤمنين عبد الله بن المعتز: بكت عيني ~~غداة البين حزنا ... وأخرى بالبكا بخلت علينا فعاقبت التي بخلت بدمع ... ~~بأن غمضتها يوم التقينا PageV01P0392 # ومما يجيش ببالي أيضا في هذا المعنى قول القائل، ولم أدر لمن هو غير أنني ~~أحفظه قديما: قالت سعاد أتبكي ... بالدمع بعد الدماء فقلت قد شاب ms0760 دمعي ... ~~من طول عمر بكائي الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~أبو الحسن علي بن الحسن بن علان الحراني الحافظ يوم النحر، وأبو بكر محمد ~~بن عمر بن محمد بن سالم التميمي بن الجعابي، وأبو الحكم منذر بن سعيد ~~البلوطي قاضي الأندلس وعالمها ومفتيها. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية كافور الإخشيذي # وهي سنة ست وخمسين وثلاثمائة. فيها عملت الرافضة المأتم في يوم عاشوراء ~~ببغداد على العادة. وفيها مات السلطان معز الدولة بن بويه الآتي ذكره، ~~وتولى مملكة العراق من بعده ابنه عز الدولة بختيار بن أحمد بن بويه. وفيها ~~قبض على الملك ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان ولده أبو تغلب، لأن ~~أخلاقه ساءت وظلم وقتل جماعة وشتم أولاده وتزايد أمره، فقبض عليه ولده ~~المذكور بمشورة رجال الدولة في جمادى الأولى، وبعثه إلى القلعة ورتب له كل ~~ما يحتاج إليه ووسع عليه. وفيها توفي السلطان معز الدولة أبو الحسن أحمد بن ~~بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهي، كان أبوه بويه يصطاد السمك وكان ولده هذا ~~ربما احتطب وقد تقدم ذكر ذلك كله في محله في هذا الكتاب فآل أمره إلى ~~الملك. وكان قدومه إلى بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان موته ~~بالبطن، فعهد إلى ولده عز الدولة أبي منصور بختيار، وكان الرفض في أيامه ~~ظاهرا ببغداد، ويقال: إنه تاب قبل موته وتصدق وأعتق. قلت: وجميع بني بويه ~~على هذا المذهب القبيح غير أنهم لا يفشون ذلك خوفا على الملك. ومات معز ~~الدولة في سابع عشر شهر ربيع الآخر عن ثلاث وخمسين سنة، وكانت دولته اثنتين ~~وعشرين سنة. وكان قد رد المواريث إلى ذوي الأرحام. ويقال: إنه من ذرية ~~سابور في الأكتاف وهو أخو ركن الدولة الحسن، وعماد الدولة علي. وكان معز ~~الدولة يعرف بالأقطع، كان أصابته جراح طارت بيده اليسرى وبعض أصابع اليمنى. ~~وهو ms0761 عم عضد الدولة الآتي ذكره أيضا. وفيها توفي علي بن الحسين بن محمد بن ~~أحمد بن الهيثم، الإمام العلامة أبو الفرج الأصبهاني الكاتب، مصنف كتاب ~~الأغاني وغيره، سمع الحديث وتفقه وبرع واستوطن بغداد من صباه، وكان من ~~أعيان أدبائها، كان أخباريا نسابة شاعرا ظاهرا بالتشيع. قال أبو علي ~~التنوخي: كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والمسندات ~~والأنساب ما لم أر قط مثله، ويحفظ سوى ذلك من علوم أخر، منها: اللغة والنحو ~~والمغازي والسير. قلت: وكتاب الأغاني في غاية الحسن. وكان منقطعا إلى ~~الوزير المهلبي وله فيه غرر مديح، وله فيه من جملة قصيده يهنئه بمولود من ~~سرية رومية: اسعد بمولود أتاك مباركا ... كالبدر أشرق جنح ليل مقمر سعد ~~لوقت سعادة جاءت به ... أم حصان من بنات الأصفر متبحبح في ذروتي شرف العلا ~~... بين المهلب منتماه وقيصر شمس الضحى قرنت إلى بدر الدجى ... حتى إذا ~~اجتمعا أتت بالمشتري وشعره كثير ومحاسنه مشهورة. ولادته في سنة أربع ~~وثمانين ومائتين، وهي السنة التي مات فيها البحتري الشاعر. ومات في يوم ~~الأربعاء رابع عشر ذي الحجة. وفيها توفي سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد ~~الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان بن راشد بن المثنى بن رافع بن ~~الحارث بن غطيف بن محربة بن حارثة بن مالك بن عبيد بن عدي بن أسامة بن مالك ~~بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب التغلبي، ومولده في يوم الأحد سابع ~~عشر ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل: سنة إحدى وثلاثمائة قال أبو منصور ~~الثعالبي: كان بنو حمدان ملوكا، وأمراء، أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة ~~PageV01P0393 # وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطه ~~قلادتهم. وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحط الرحال، ~~وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء. وكان سيف الدولة ملكا شجاعا مقداما كريما ~~شاعرا فصيحا ممدحا. وقصده الشعراء من الآفاق، ومدحه المتنبي بغرر المدائح. ~~ومن شعر سيف الدولة في قوس قزح: وساق صبيح للصبوح دعوته ... فقام وفي ~~أجفانه ms0762 سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منقض علينا ومنفض ~~وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا ... على الجو دكنا والحواشي على الأرض يطرزها ~~قوس السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر إثر مبيض كأذيال خود أقبلت في غلائل ~~... مصبغة والبعض أقصر من بعض قال ابن خلكان: وهذا من التشبيهات الملوكية ~~التي لا يكاد يحضر مثلها للسوقة. ويحكى أن ابن عمه أبا فراس الأمير الشاعر ~~كان يوما بين يدي سيف الدولة في نفر من ندمائه، فقال لهم سيف الدولة: أيكم ~~يجيز قولي؟ وليس له إلا سيدي يعني ابن عمه أبا فراس المذكور وقال: مجزوء ~~الخفيف لك جسمي تعله ... فدمي لم تحله فارتجل أبو فراس وقال: قال إن كنت ~~مالكا ... فلي الأمر كله فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج تغل ألفي دينار ~~في كل سنة. ومن شعر سيف الدولة أيضا: تجنى علي الذنب والذنب ذنبه ... ~~وعاتبني ظلما وفي شقه العتب وأعرض لما صار قلبي بكفه ... فهلا جفاني حين ~~كان لي القلب إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنى له ذنبا وإن لم يكن ذنب ~~وله: أقبله على جزع ... كشرب الطائر الفزع رأى ماء فأطمعه ... وخاف عواقب ~~الطمع فصادف خلسة فدنا ... ولم يلتذ بالجرع وأما ما قيل في سيف الدولة من ~~المديح فكثير يضيق هذا المحل عن ذكر شيء منه. وكانت وفاته يوم الجمعة في ~~ثالث ساعة، وقيل: رابع ساعة، لخمس بقين من صفر بحلب. ونقل إلى ميافارقين ~~ودفن في تربة أمه وهي داخل البلد. وكان مرضه بعسر البول. وكان قد جمع من ~~نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئا، وجعله لبنة بقدر الكف، وأوصى ~~أن يوضع خده عليها في لحده، فنفذت وصيته في ذلك. وكان ملك حلب في سنة ثلاث ~~وثلاثين وثلاثمائة، انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيذ، وكان ~~قبل ذلك ملك واسط وتلك النواحي. وفيها توفي جعفر بن محمد بن الحارث الشيخ ~~أبو محمد المراغي المحدث المشهور، كان فاضلا راوية للشعر. قال: أنشدني ~~منصور بن إسماعيل الفقيه: لي حيلة فيمن ms0763 ب ... نم وليس في الكذاب حيله من ~~كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة اثنتا عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية كافور الإخشيذي # وهي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وهي التي مات فيها كافور المذكور حسب ما ~~تقدم ذكره. فيها عملت الرافضة مأتم الحسين بن علي في بغداد على العادة في ~~كل سنة في يوم عاشوراء. وفيها لم يحج أحد من الشام ولا من مصر. وفيها في ذي ~~القعدة أقبل تقفور عظيم الروم بجيوشه إلى الشام فخرج من دربند ونازل ~~أنطاكية فلم يلتفتوا إليه، فقال: أرحل وأخرب الشام ثم أعود إليكم من ~~الساحل، ورحل ونازل معرة مصرين فأخذها وغدر بهم وأسر منهم أربعة آلاف ~~وستمائة نسمة. ثم نزل على معرة النعمان فأحرق جامعها، وكان الناس قد هربوا ~~في كل وجه إلى الحصون والبراري والجبال. ثم سار إلى كفرطاب وشيزر، ثم إلى ~~حماة وحمص وخرج من بقي بها فأمنهم ودخلها وصلى في البيعة وأخذ منها رأس ~~يحيى بن زكريا، وأحرق الجامع. ثم سار إلى عرقة فافتتحها، ثم سار إلى طرابلس ~~فأخذ ربضها. وأقام في الشام أكثر من شهرين ورجع، فأرضاه أهل أنطاكية بمال ~~عظيم. وفيها تزوج عز الدولة بختيار بن معز الدولة أحمد بن بويه بابنة عسكر ~~الرومي الكردي على صداق مائة ألف دينار. PageV01P0394 # وفيها قتل أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان التغلبي العدوي، ~~الأمير الشاعر الفصيح، تقدم بقية نسبه في ترجمة ابن عمه سيف الدولة بن ~~حمدان، ومولده بمنبج في سنة عشرين وثلاثمائة، وكان يتنقل في بلاد الشام في ~~دولة ابن عمه سيف الدولة بن حمدان، وكان من الشجعان والشعراء المفلقين، ~~وديوان شعره موجود. ومن شعره قصيدة: رأيت الشيب لاح فقلت أهلا ... وودعت ~~الغواية والشبابا وما إن شبت من كبر ولكن ... لقيت من الأحبة ما أشابا وله ~~أيضا: من يتمن العمر فليدرع ... صبرا على فقد أحبائه ومن يؤجل ير في ms0764 نفسه ~~... ما يتمناه لأعدائه وفيها توفي حمزة بن محمد بن علي بن العباس، الحافظ ~~أبو القاسم الكناني المصري، سمع الكثير ورحل وطوف وجمع وصنف، وروى عنه ابن ~~منده والدارقطني والحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي وغيرهم. وقال ابن منده: ~~سمعت حمزة بن محمد الحافظ يقول: كنت أكتب الحديث فلا أكتب وسلم، فرأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: " أما تختم الصلاة علي في ~~كتابك " الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أحمد بن ~~الحسن بن إسحاق بن عتبة الرازي بمصر، وأبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح ~~النسوي، وحمزة بن محمد أبو القاسم الكناني بمصر، وأبو العباس عبد الله بن ~~الحسين النضري المروزي في شعبان عن سبع وتسعين سنة، وعمر بن جعفر البصري ~~الحافظ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن محرم المحتسب، وأبو سليمان ~~محمد بن الحسين الحراني، وأبو علي محمد أبن محمد بن عبد الحميد بن خالد بن ~~إسحاق بن آدم الفزاري. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراع واحدة ~~وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### | AUT ولاية أحمد بن علي بن الإخشيذ # هو أحمد بن علي بن الإخشيذ محمد بن طغج بن جف، الأمير أبو الحسن التركي ~~الفرغاني المصري. ولي سلطنة مصر بعد موت مولى جده كافور الإخشيذي في ~~العشرين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وهو يوم مات كافور، وسنه ~~يوم ولي إحدى عشرة سنة، وصار الحسن بن عبيد الله بن طغج أعني ابن عم أبيه ~~خليفته، وأبو الفضل جعفر بن الفرات وزيره، ومعهما أيضا سمول الإخشيذي مدبر ~~العساكر. فأساء أبو الفضل جعفر بن الفرات السيرة وقبض على جماعة وصادرهم، ~~منهم يعقوب بن كلس الآتي ذكره، فهرب يعقوب بن كلس المذكور إلى المغرب، وهو ~~من أكبر أسباب حركة المعز، وإرسال جوهر القائد إلى الديار المصرية. ولما ~~زاد أمر ابن الفرات اختلف عليه الجند واضطربت أمور الديار المصرية على ما ~~سنذكره بعد ms0765 أن نذكر مقالة ابن خلكان إن شاء الله تعالى. قال ابن خلكان: ~~وكان عمر أبي الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيذ يوم ولي إحدى عشرة سنة، وجعل ~~الجند خليفته في تدبير أموره أبا محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج بن جف، ~~وهو ابن عم أبيه، وكان صاحب الرملة من بلاد الشام، وهو الذي مدحه المتنبي ~~بقصيدته التي أولها: أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك ~~المعالم وقال في مخلصها: إذا صلت لم أترك مصالا لفاتك ... وإن قلت لم أترك ~~مقالا لعالم وإلا فخانتني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم ~~ومنها: أرى دون ما بين الفرات وبرقة ... ضرابا يمشي الخيل فوق الجماجم وطعن ~~غطاريف كأن أكفهم ... عرفن الردينيات قبل المعاصم حمته على الأعداء من كل ~~جانب ... سيوف بني طغج بن جف القماقم هم المحسنون الكر في حومة الوغى ... ~~وأحسن منه كرهم في المكارم وهم يحسنون العفو عن كل مذنب ... ويحتملون الغرم ~~عن كل غارم PageV01P0395 # قال: ولما تقرر الأمر على هذه القاعدة تزوج الحسن بن عبيد الله فاطمة ~~ابنة عمه الإخشيذ، ودعوا له على المنابر بعد أبي الفوارس أحمد بن علي صاحب ~~الترجمة. قال: والحسن بالشام. واستمر الحال على ذلك إلى ليلة الجمعة لثلاث ~~عشرة خلت من شعبان من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ودخل إلى مصر رايات ~~المغاربة الواصلين صحبة القائد جوهر المعزي، وانقرضت الدولة الإخشيذية من ~~مصر. وكانت مدتها أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما. وكان ~~قد قدم الحسن بن عبيد الله من الشام منهزما من القرامطة لما استولوا على ~~الشام. ودخل الحسن على ابنة عمه التي تزوجها وحكم بمصر وتصرف وقبض على ~~الوزير جعفر بن الفرات وصادره وعذبه، ثم سار إلى الشام في مستهل شهر ربيع ~~الآخر من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. ولما سير القائد جوهر جعفر بن فلاح ~~إلى الشام وملك البلاد أسر ابن فلاح المذكور أبا محمد الحسن بن عبيد الله ~~بن طغج وسيره إلى مصر مع جماعة من ms0766 الأمراء إلى جوهر القائد، ودخلوا إلى مصر ~~في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وكان الحسن بن عبيد الله قد ~~أساء إلى أهل مصر في مدة ولايته عليهم، فلما وصلوا إلى مصر تركوهم وقوفا ~~مشهورين مقدار خمس ساعات، والناس ينظرون إليهم، وشمت بهم من في نفسه منهم ~~شيء، ثم أنزلوا إلى مضرب القائد جوهر وجعلوا مع المعتقلين من آل الإخشيذ. ~~ثم في السابع عشر من جمادى الأولى أرسل القائد جوهر ولده جعفرا إلى مولاه ~~المعز ومعه هدايا عظيمة تجل عن الوصف، وأرسل معه المأسورين الواصلين من ~~الشام، وفيهم الحسن بن عبيد الله، وحملوا في مركب بالنيل وجوهر ينظرهم، ~~وانقلب المركب، فصاح الحسن بن عبيد الله على القائد جوهر: يا أبا الحسن، ~~أتريد أن تغرقنا فاعتذر إليه وأظهر له التوجع، ثم نقلوا إلى مركب آخر. ~~انتهى كلام ابن خلكان باختصار. ولم يذكر ابن خلكان أمر أحمد بن علي بن ~~الإخشيذ أعني صاحب الترجمة وأظن ذلك لصغر سنه. وقال غير ابن خلكان في أمر ~~انقراض دولة بني الإخشيذ وجها آخر، وهو أن الجند لما اختلفوا على الوزير ~~أبي الفضل بن الفرات وطلب منه الأتراك الإخشيذية والكافورية ما لا قدرة له ~~به من المال، ولم تحمل إليه أموال الضمانات، قاتلوه ونهبت داره ودور جماعة ~~من حواشيه. ثم كتب جماعة منهم إلى المعز العبيدي بالمغرب يستدعونه ويطلبون ~~منه إنفاذ العساكر إلى مصر، وفي أثناء ذلك قدم الحسن بن عبيد الله بن طغج ~~من الشام منهزما من القرامطة، ودخل على ابنة عمه، وقبض على الوزير أبي ~~الفضل جعفر بن الفرات لسوء سيرته ولشكوى الجند منه، فعذبه وصادره، وتولى ~~الحسن بن عبيد الله تدبير مصر بنفسه ثلاثة أشهر، واستوزر كاتبه الحسن بن ~~جابر الرياحي، ثم أطلق الوزير جعفر بن الفرات من محبسه بوساطة الشريف أبي ~~جعفر مسلم الحسيني، وفوض إليه أمر مصر ثانيا، كل ذلك وأحمد بن علي صاحب ~~الترجمة ليس له من الأمر إلا مجرد الاسم فقط. ثم سافر الحسن بن عبيد الله ~~بن طغج ms0767 من مصر إلى الشام في مستهل شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة، وبعد مسيره بمدة يسيرة في جمادى الآخرة من السنة وصل الخبر ~~بمسير عسكر المعز صحبة جوهر القائد الرومي إلى مصر، فجمع الوزير جعفر بن ~~الفرات أنصاره واستشارهم فيما يعتمد، فاتفق الرأي على أمر فلم يتم. وقدم ~~جوهر القائد إلى الديار المصرية بعد أمور نذكرها في ترجمته إن شاء الله ~~تعالى، وزالت دولة بني الإخشيذ من مصر وانقطع الدعاء منها لبني العباس. ~~وكانت مدة دولة الإخشيذ وبنيه بمصر أربعا وثلاثين سنة وأربعة وعشرين يوما، ~~منها دولة أحمد بن علي هذا أعني أيام سلطته بمصر سنة واحدة وثلاثة أشهر إلا ~~ثلاثة أيام. وكانت مدة الدعاء لبني العباس بمصر منذ ابتدأت لدولة بني ~~العباس إلى أن قدم القائد جوهر المعزي وخطب باسم مولاه المعز معد العبيدي ~~الفاطمي مائتي سنة وخمسا وعشرين سنة. ومنذ افتتحت مصر إلى أن انتقل كرسي ~~الإمارة منها إلى القائد جوهر ثلاثمائة سنة وتسعا وثلاثين سنة. انتهت ترجمة ~~أحمد بن علي ابن الإخشيذ. ### || AUT السنة التي حكم في بعضها أحمد # بن علي بن الإخشيذ على مصر PageV01P0396 # وكانت ولايته في جمادى الأولى من السنة الماضية، غير أننا ذكرنا تلك ~~السنة في ترجمة كافور، ونذكر هذه السنة في ولاية أحمد هذا، على أن القائد ~~جوهرا حكم في آخرها، وليس ما نحن فيه من ذكر السنين على التحرير، وإنما ~~المقصود ذكر الحوادث على أي وجه كان. وهذه السنة هي ثمان وخمسين وثلاثمائة. ~~فيها عملت الرافضة المأتم في يوم عاشوراء ببغداد وزادوا في النوح وتعليق ~~المسوح، ثم عيدوا يوم الغدير. وفيها كان القحط ببغداد وأبيع الكر بتسعين ~~دينارا. وفيها ملك جوهر القائد العبيدي مصر وخطب لبني عبيد المغاربة، ~~وانقطع الدعاء لبني العباس من مصر، حسب ما ذكرناه في ترجمة أحمد بن علي ابن ~~الإخشيذ هذا. وفيها حج بالناس من العراق الشريف أبو أحمد الموسوي والد ~~الرضي والمرتضى. وفيها ولي إمرة دمشق الحسن بن عبيد الله بن طغج ابن أخي ~~الإخشيذ، فأقام ms0768 بها شهورا ثم رحل في شعبان، واستناب بها سمول الكافوري، ثم ~~سار الحسن إلى الرملة فالتقى مع ابن فلاح مقدمة جوهر القائد في ذي الحجة ~~بالرملة، فانهزم جيشه. وأخذ أسيرا وحمل إلى المغرب، حسب ما ذكرناه في ترجمة ~~أحمد بن علي الإخشيذ صاحب الترجمة. وفيها عصي جند حلب على ابن سيف الدولة، ~~فجاء من ميافارقين ونازل حلب، وبقي القتال عليها مدة. وفيها استولى الرعيلي ~~على أنطاكية، وهو رجل غير أمير وإنما هو من الشطار، وانضم عليه جماعة فقوي ~~أمره بهم، فجاءت الروم ونزلوا على أنطاكية وأخذوها في ليلة واحدة، وهرب ~~الرعيلي من باب البحر هو وخمسة آلاف إنسان ونجوا إلى الشام، وكان أخذها في ~~ذي الحجة من هذه السنة، وأسر الروم أهلها وقتلوا جماعة كثيرة. وفيها جاء ~~القائد جعفر بن فلاح مقدمة القائد جوهر العبيدي المعزي إلى الشام، فحاربه ~~أميرها الشريف ابن أبي يعلى، فانهزم الشريف وأسره جعفر بن فلاح وتملك دمشق. ~~وفيها توفي ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان تقدم بقية ~~نسبه في ترجمة أخيه سيف الدولة كان ناصر الدولة صاحب الموصل ونواحيها، وكان ~~أخوه سيف الدولة يتأدب معه، وكان هو أيضا شديد المحبة لسيف الدولة. فلما ~~مات سيف الدولة تغيرت أحواله لحزنه عليه، وساءت أخلاقه وضعف عقله، فقبض ~~عليه ابنه أبو تغلب الغضنفر بمشورة الأمراء وحبسه مكرما حسب ما ذكرناه فلم ~~يزل محبوسا إلى أن مات في شهر ربيع الأول. وقيل: إن ناصر الدولة هذا كان ~~وقع بينه وبين أخيه سيف الدولة وحشة، فكتب إليه سيف الدولة، وكان هو الأصغر ~~وناصر الدولة الأكبر، يقول: رضيت لك العليا وقد كنت أهلها ... وقلت لهم: ~~بيني وبين أخي فرق ولم يك بي عنها نكول وإنما ... تجافيت عن حقي فتم لك ~~الحق ولا بد لي من أن أكون مصليا ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق وفيها ~~توفي سابور بن أبي طاهر القرمطي في ذي الحجة، كان طالب قبل موته عمومته ~~بتسليم الأمر إليه فحبسوه، فأقام في الحبس ms0769 أياما ثم خرج من الحبس، وعمل في ~~ذي الحجة ببغداد غدير خم على ما جرت به العادة، ثم مات بعد مدة يسيرة. ~~وفيها توفي أحمد بن الراضي بالله بعد أن طالت علته بمرض البواسير. وفيها ~~توفي محمد بن أحمد بن جعفر الشيخ أبو بكر البيهقي، كان من كبار مشايخ ~~نيسابور في زمانه. سئل عن الفتوة، فقال: هي حسن الخلق وبذل المعروف. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ناصر الدولة الحسن بن عبد ~~الله بن حمدان التغلبي صاحب الموصل وكان أسن من سيف الدولة، والحسن بن محمد ~~بن أحمد بن كيسان الحربي، وأبو القاسم زيد بن علي بن أبي بلال الكوفي، ~~ومحمد بن معاوية الأموي القرطبي في شهر رجب. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاث أذرع وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### | AUT ولاية جوهر القائد الرومي المعزي # PageV01P0397 # هو أبو الحسن جوهر بن عبد الله القائد المعزي المعروف بالكاتب، مولى ~~المعز لدين الله أبي تميم معد العبيدي الفاطمي. كان خصيصا عند أستاذه ~~المعز، وكان من كبار قواده، ثم جهزه أستاذه المعز إلى أخذ مصر بعد موت ~~الأستاذ كافور الإخشيدي، وأرسل معه العساكر وهو المقدم على الجميع، وكان ~~رحيله من إفريقية في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة، وتسلم مصر في يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان من السنة. على ما ~~سنحكيه. ولما دخل مصر صعد المنبر يوم الجمعة خطيبا وخطب ودعا لمولاه المعز ~~بإفريقية، وذلك في نصف شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة المذكورة. وكان ~~المعز لما ندب جوهرا هذا إلى التوجه إلى الديار المصرية أصحبه من الأموال ~~والخزائن ما لا يحصى، وأطلق يده في جميع ذلك، وأفرغ الذهب في صور الأرحاء، ~~وحملها على الجمال لعظم ذلك في قلوب الناس. وقال في رحيله من القيروان شاعر ~~الأندلس محمد بن هانىء قصيدته المشهورة في جوهر، وهي: رأيت بعيني فوق ما ~~كنت أسمع ... وقد راعني يوم من الحشر أروع ms0770 غداة كأن الأفق سد بمثله ... ~~فعاد غروب الشمس من حيث تطلع فلم أدر إذ ودعت كيف أودع ... ولم أدر إذ شيعت ~~كيف أشيع ألا إن هذا حشد من لم يذق له ... غرار الكرى جفن ولا بات يهجع إذا ~~حل في أرض بناها مدائنا ... وإن سار عن أرض غدت وهي بلقع تحل بيوت المال ~~حيث محله ... وجم العطايا والرواق المرفع وكبرت الفرسان لله إذ بدا ... وظل ~~السلاح المنتضى يتقعقع وعب عباب الموكب الفخم حوله ... وزف كما زف الصباح ~~الملمع رحلت إلى الفسطاط أول رحلة ... بأيمن فأل في الذي أنت تجمع فإن يك ~~في مصر ظماء لمورد ... فقد جاءهم نيل سوى النيل يهرع ويممهم من لا يغار ~~بنعمة ... فيسلبهم لكن يزيد فيوسع ولما استولى على مصر أرسل جوهر هذا يهنئ ~~مولاه المعز بذلك، فقال ابن هانىء المذكور أيضا في ذلك: يقول بنو العباس هل ~~فتحت مصر ... فقل لبني العباس قد قضي الأمر وقد جاوز الإسكندرية جوهر ... ~~تصاحبه البشرى ويقدمه النصر ### || AUT دخول جوهر إلى الديار المصرية وكيف ملكها # PageV01P0398 # قال غير واحد: كان قد انخرم نظام مصر بعد موت كافور الإخشيدي لما قام على ~~مصر أحمد بن علي بن الإخشيذ وهو صغير، فصار ينوب عنه ابن عم أبيه الحسن بن ~~عبيد الله بن طغج، والوزير يومئذ جعفر بن الفرات، فقلت الأموال على الجند، ~~فكتب جماعة منهم إلى المعز لدين الله معد وهو بالمغرب يطلبون منه عسكرا ~~ليسلموا إليه مصر، فجهز المعز جوهرا هذا بالجيوش والسلاح في نحو ألف فارس ~~أو أكثر، فسار جوهر حتى نزل بجيوشه إلى تروجة بقرب الإسكندرية، وأرسل إلى ~~أهل مصر فأجابوه بطلب الأمان وتقرير أملاكهم لهم، فأجابهم جوهر إلى ذلك ~~وكتب لهم العهد. فعلم الإخشيذية بذلك، فتأهبوا لقتال جوهر المذكور، فجاءتهم ~~من عند جوهر الكتب والعهود بالأمان، فاختلفت كلمتهم، ثم اجتمعوا على قتاله ~~وأمروا عليهم ابن الشويزاني، وتوجهوا لقتاله نحو الجيزة وحفظوا الجسور، ~~فوصل جوهر إلى الجيزة، ووقع بينهم القتال في حادي عشر شعبان ودام القتال ~~بينهم مدة، ثم ms0771 سار جوهر إلى منية الصيادين وأخذ مخاضة منية شلقان، ووصل إلى ~~جوهر طائفة من العسكر في مراكب، فقال جوهر للأمير جعفر بن فلاح: لهذا اليوم ~~أرادك المعز لدين الله! فعبر عريانا في سراويل وهو في مركب ومعه الرجال ~~خوضا، والتقى مع المصريين ووقع القتال بينهم وثبت كل من الفريقين، فقتل ~~كثير من الإخشيذية وانهزم الباقون بعد قتال شديد. ثم أرسلوا يطلبون الأمان ~~من جوهر فأمنهم، وحضر رسوله ومعه بند وطاف بالأمان ومنع من النهب، فسكن ~~الناس وفتحت الأسواق ودخل جوهر من الغد إلى مصر في طبوله وبنوده وعليه ثوب ~~ديباج مذهب، ونزل بالمناخ، وهو موضع القاهرة اليوم، واختطها وحفر أساس ~~القصر في الليلة، وبات المصريون في أمن، فلما أصبحوا حضروا لهنائه فوجدوه ~~قد حفر أساس القصر في الليل، وكان فيه زورات غير معتدلة، فلما شاهد ذلك ~~جوهر لم يعجبه، ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة فلا أغيره، ثم ~~تركه. ثم كتب جوهر إلى مولاه المعز يبشره بالفتح، وبعث إليه برؤوس القتلى، ~~وقطع خطبة بني العباس ولبس السواد، ولبس الخطباء البياض، وأمر أن يقال في ~~الخطبة: اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، ~~وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا. وصل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين، المعز لدين الله. ~~ففعل ذلك، وانقطعت دعوة بني العباس في هذه السنة من مصر والحجاز واليمن ~~والشام. ولم تزل الدعوة لبني عبيد في هذه الأقطار من هذه السنة إلى سنة خمس ~~وستين وخمسمائة، مائتي سنة وثماني سنين، على ما يأتي ذكره في خلافة ~~المستضيء العباسي. وكان الخليفة في هذه الأيام عند انقطاع خطبة بني العباس ~~من مصر المطيع لله الفضل. ومات المطيع ومن بعده سبعة خلفاء من بني العباس ~~ببغداد حتى انقرضت دولة بني عبيد من مصر على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب، والخليفة يوم ذاك المستضيء العباسي، على ما يأتي ذلك في محله إن شاء ~~الله تعالى. ثم في ms0772 شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وثلاثمائة أذنوا بمصر بحي ~~على خير العمل. واستمر ذلك. ثم شرع جوهر في بناء جامعه بالقاهرة المعروف ~~بجامع الأزهر، وهو أول جامع بنته الرافضة بمصر، وفرغ من بنائه في شهر رمضان ~~سنة إحدى وستين وثلاثمائة بعد أن كان ابتنى القاهرة، كما سيأتي ذكر بنائها ~~في هذه الترجمة أيضا. PageV01P0399 # ولما ملك جوهر مصر كان الحسن بن عبيد الله بن الإخشيذ المقدم ذكره بالشام ~~وهو بيده إلى الرملة، فبعث إليه جوهر بالقائد جعفر بن فلاح المقدم ذكره ~~أيضا، فقاتل ابن فلاح حسنا المذكور بالرملة حتى ظفر به، وبعث به إلى مصر، ~~حسب ما تقدم ذكره، وبعثه القائد جوهر إلى المغرب، فكان ذلك آخر العهد به. ~~ثم سار جعفر بن فلاح إلى دمشق وملكها بعد أمور، وخطب بها للمعز في المحرم ~~سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. ثم عاد ابن فلاح إلى الرملة، فقام الشريف أبو ~~القاسم إسماعيل بن أبي يعلى بدمشق وقام معه العوام ولبس السواد ودعا ~~للمطيع، وأخرج إقبالا أمير دمشق الذي كان من قبل جوهر القائد، فعاد جعفر بن ~~فلاح إلى دمشق في ذي الحجة ونازلها، فقاتله أهلها، فطاولهم حتى ظفر بهم، ~~وهرب الشريف أبو القاسم إلى بغداد على البرية. فقال ابن فلاح: من أتى به ~~فله مائة ألف درهم، فلقيه ابن غلبان العدوي في البرية فقبض عليه وجاء به ~~إلى ابن فلاح، فشهره على جمل وعلى رأسه قلنسوة من لبود، وفي لحيته ريش ~~مغروز ومن ورائه رجل من المغاربة يوقع به، ثم حبسه، ثم طلبه ابن فلاح ليلا ~~وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ وسأله من ندبه إلى ذلك، فقال: ما حدثني به ~~أحد إنما هو أمر قدر، فرق له جعفر بن فلاح ووعده أنه يكاتب فيه القائد ~~جوهرا، واسترجع المائة ألف درهم من الذين أتوا به، وقال لهم: لا جزاكم الله ~~خيرا غدرتم بالرجل. وكان ابن فلاح يحب العلويين، فأحسن إليه وأكرمه. واستمر ~~جوهر حاكم الديار المصرية إلى أن قدم إليها مولاه المعز ms0773 لدين الله معد في ~~يوم الجمعة ثامن شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فصرف جوهر عن ~~الديار المصرية بأستاذه المعز، وصار من عظماء القواد في دولة المعز وغيره. ~~ولا زال جوهر على ذلك إلى أن مات في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، ورثاه ~~الشعراء. وكان جوهر حسن السيرة في الرعية عادلا عاقلا شجاعا مدبرا. قال ابن ~~خلكان رضي الله عنه: توفي يوم الخميس لعشر بقين من ذي القعدة سنة إحدى ~~وثمانين وثلاثمائة. وكان ولده الحسين بن جوهر قائد القواد للحاكم صاحب مصر، ~~ثم نقم عليه فقتله في سنة إحدى وأربعمائة، وكان الحسين قد خاف على نفسه من ~~الحاكم، فهرب هو وولده وصهره القاضي عبد العزيز بن محمد بن النعمان، وكان ~~زوج أخته، فأرسل الحاكم من ردهم وطيب قلوبهم وآنسهم مدة. ثم حضروا إلى ~~القصر بالقاهرة للخدمة، فتقدم الحاكم إلى راشد وكان سيف النقمة، فاستصحب ~~عشرة من الغلمان الأتراك، فقتلوا الحسين بن جوهر وصهره القاضي وأحضروا ~~رأسيهما إلى بين يدي الحاكم. وقد ذكرنا الحسين هنا حتى يعرف بذكره أن جوهرا ~~المذكور فحل غير خصي، بخلاف الخادم بهاء الدين قراقوش والأستاذ كافور ~~الإخشيذي والخادم ريدان وغيرهم. ### || AUT بناء جوهر القائد القاهرة وحاراتها # قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في كتابه الروضة البهية الزاهرة، ~~في الخطط المعزية القاهرة قال: اختط جوهر القصر وحفر أساسه في أول ليلة ~~نزوله القاهرة، وأدخل فيه دير العظام، وهو المكان المعروف الآن بالركن ~~المخلق قبالة حوض جامع الأقمر، قريب من بئر العظام، والمصريون يسمونها بئر ~~العظمة، ويزعمون أن طاسة وقعت من شخص في بئر زمزم وعليها اسمه، فطلعت من ~~هذه البئر. ونقل جوهر القائد العظام التي كانت في الدير المذكور والرمم إلى ~~دير في الخندق فدفنها، لأنه يقال: إنها عظام جماعة من الحواريين، وبنى ~~مكانها مسجدا من داخل السور، وأدخل أيضا قصر الشوك في القصر المذكور، وكان ~~منزلا تنزله بنو عذرة، وجعل للقصر أبوابا: أحدها باب العيد وإليه تنسب رحبة ~~باب العيد، وإلى جانبه باب يعرف بباب الزمرد، ms0774 وباب آخر قبالة دار الحديث ~~يعني المدرسة الكاملية وباب آخر قبالة القطبية وهي البيمارستان الآن، يعرف ~~الباب المذكور بباب الذهب، وباب الزهومة، وباب آخر من ناحية قصر الشوك، ~~وباب آخر من عند مشهد الحسين، ويعرف بباب التربة، وباب آخر يعرف بباب ~~الديلم، وهو باب مشهد الحسين الآن قبالة دار الفطرة. قال: وأما أبواب ~~القاهرة التي استقر عليها الحال الآن فيأتي ذكرها. PageV01P0400 # قال أي ابن عبد الظاهر: وإن حد القاهرة من مصر من السبع سقايات إلى تلك ~~الناحية عرضا. قال: ولما نزل جوهر القائد اخطت كل قبيلة خطة عرفت بها، ~~فزويلة بنت البابين المعروفين ببابي زويلة، وهما البابان اللذان عند مسجد ~~ابن البناء وعند الحجارين، وهما بابا القاهرة. ومسجد ابن البناء المذكور ~~بناه الحاكم. وذكر ابن القفطي أن المعز لما وصل مصر دخل إلى القاهرة من ~~الباب الأيمن، فالناس إلى اليوم يزدحمون فيه، وقليل من يدخل من الباب ~~الأيسر، لأنه أشيع في الناس أن من دخله لم تقض له حاجة، وهو الذي عند ~~دكاكين الحجارين والذي يتوصل منه إلى المحمودية. قلت: وقد دثر رسوم هذا ~~الباب الثاني المذكور، وهو كان يمر منه الآن من باب سر الجامع المؤيدي إلى ~~الأنماطيين. قال: والباب الآخر من أبواب القاهرة القوس الذي هو قريب من باب ~~النصر، الذي يخرج منه إلى الرحبة، وهو عند باب سعيد السعداء، ودكاكين ~~العطارين الآن. وباب آخر يعرف بالقوس أيضا وهو الذي يخرج منه إلى السوق ~~الذي هو قريب من حارة بهاء الدين قراقوش، على يسرة باب الجامع الحاكمي من ~~ناحية الحوض، وتعرف قديما بالريحانية. وكل هذه الأبواب والسور كانت باللبن. ~~وأما باب زويلة الآن وباب النصر وباب الفتوح فبناها الوزير الأفضل بن أمير ~~الجويش، وكتب على باب زويلة تاريخه واسمه، وذلك في سنة ثمانين وأربعمائة. ~~وقالت المهندسون: إن في باب زويلة عيبا لكونه ليست له باشورة قدامه ولا ~~خلفه على عادة الأبواب. وأما باب القنطرة فبناه القائد جوهر المذكور. وأما ~~السور الحجر الذي على القاهرة ومصر والأبواب التي به ms0775 فبناها الطواشي بهاء ~~الدين قراقوش الرومي في أيام أستاذه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في ~~سنة سبعين وخمسمائة، فبنى فيه قلعة المقس، وهو البرج الكبير الذي كان على ~~النيل. قلت: وقد نسف هذا البرج من تلك الأماكن في سنة سبعين وستمائة. يأتي ~~ذكر ذلك في ترجمة الملك المنصور قلاوون إن شاء الله تعالى من هذا الكتاب. ~~قال: وبنى باب الجامع والقلعة التي بالجبل والبرج الذي بمصر قريبا من باب ~~القنطرة المسمى بقلعة يازكوج، وجعل السور طائفا بمصر والقاهرة، ولم يتم ~~بناؤه إلى الآن، وأعانه على عمله وحفر البئر التي بقلعة الجبل أسارى ~~الفرنج، وكانوا ألوفا. وهذه البئر من عجائب الأبنية، تدور البقر من أعلاها ~~وتنقل الماء من نقالة في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء من ~~أسفلها، ولها طريق إلى الماء تنزل البقر إلى معينها في مجازة وجميع ذلك حجر ~~منحوت ليس فيه بناء، وقيل: إن أرض هذه البئر مسامتة لأرض بركة الفيل، ~~وماؤها عذب. سمعت من يحكي عن المشايخ أنها لما حفرت جاء ماؤها حلوا، فأراد ~~قراقوش الزيادة في مائها فوسعها، فخرجت منها عين مالحة غيرت حلاوتها. وطول ~~هذا السور الذي بناه قراقوش على القاهرة ومصر والقلعة بما فيه من ساحل ~~البحر تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وذراعان بذراع العمل، وهو ~~الذراع الهاشمي، من ذلك ما بين قلعة المقسم على شاطىء النيل والبرج بالكوم ~~الأحمر بساحل مصر عشرة آلاف وخمسمائة ذراع. ومن قلعة المقسم إلى حائط ~~القلعة بالجبل بمسجد سعد الدولة ثمانية آلاف وثلاثمائة واثنتان وتسعون ~~ذراعا. ومن جانب حائط القلعة من جانب مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم ~~الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع. ودائر القلعة بالجبل بمسجد سعد الدولة ثلاثة ~~آلاف ومائتان وعشر أذرع؟ وذلك طول قوسه في ابتدائه، وأبراجه من النيل إلى ~~النيل على التحقيق والتعديل. انتهى كلام ابن عبد الظاهر. على أنه لم يسلم ~~من الاعتراض عليه في كثير مما نقله، وأيضا مما سكت عنه. PageV01P0401 # وقال غيره: دخل جوهر القائد مصر بعسكر عظيم ms0776 ومعه ألف حمل مال، ومن السلاح ~~والعدد والخيل ما لا يوصف. فلفا انتظم حاله وملك مصر ضاقت بالجند والرعية، ~~واختط سور القاهرة وبنى بها القصور، وسماها المنصورية، وذلك في سنة ثمان ~~وخمسين وثلاثمائة. فلما قدم المعز العبيدي من القيروان غير اسمها وسماها ~~القاهرة. والسبب في ذلك أن جوهرا لما قصد إقامة السور وبناء القاهرة جمع ~~المنجمين وأمرهم أن يختاروا طالعا لحفر الأساس وطالعا لرمي حجارته، فجعلوا ~~بدائر السور قوائم من خشب، وبين القائمة والقائمة حبل فيه أجراس، وأفهموا ~~البنائين ساعه تحريك الأجراس أن يرموا ما في أيديهم من اللبن والحجارة، ~~ووقف المنجمون لتحرير هذه الساعة وأخذ الطالع، فاتفق وقوف غراب على خشبة من ~~تلك الخشب، فتحركت الأجراس، وظن الموكلون بالبناء أن المنجمين حركوها ~~فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة في الأساس، فصاح المنجمون: لا لا، ~~القاهر في الطالع! ومضى ذلك وفاتهم ما قصدوه. وكان غرض جوهر أن يختاروا ~~للبناء طالعا لا يخرج البلد عن نسلهم أبدا، فوقع أن المريخ كان في الطالع، ~~وهو يسمى عند المنجمين القاهر، فحكموا لذلك أن القاهرة لا تزال تحت حكم ~~الأتراك، وأنهم لا بد أن يملكوا هذه البلد. فلما قدم المعز إليها وأخبر ~~بهذه القصة وكان له خبرة بالنجامة، وافقهم على ذلك، وأن الترك تكون لهم ~~الغلبة على هذا البلد، فغير اسمها وسماها القاهرة. وقيل فيها وجه آخر، وهو ~~أن بقصور القاهرة قبة تسمى القاهرة، فسميت على أسمها. والقول الأول هو ~~المتواتر بين الناس والأقوى. وقيل غير ذلك. ثم بنيت حارات القاهرة من ~~يومئذ، فعمر فيها: ### || AUT حارة الروم # وهما حارتان، ### || AUT حارة الروم # الآن المشهورة، و ### || AUT حارة الروم # الجوانية، وهي التي بقرب باب النصر على يسار الداخل إلى القاهرة، ثم ~~استثقل الناس قول ### || AUT حارة الروم # الجوانية فحذفوا صدر الكلمة وقالوا الجوانية، والوراقون يكتبون ### || AUT حارة الروم # السفلى، و ### || AUT حارة الروم # العليا المعروفة بالجوانية. وقال القاضي زين الدين: إن الجوانية منسوبة ~~للأشراف الجوانيين، منهم الشريف النسابة الجواني. وهاتان الحارتان اختطهما ~~الروم، ونزلوا ms0777 بهما فعرفتا بهم. ### || AUT وحارة الديلم # هي منسوبة إلى الديلم الواصلين صحبة أفتكين المعزي غلام معز الدولة بن ~~بويه حين قدم إلى القاهرة أولاد مولاه معز الدولة. ### || AUT وفندق مسرور # منسوب لمسرور خادم من خدام القصر في الدولة العبيدية. ### || AUT وخليج القاهرة # حفره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويعرف بخليج أمير ~~المؤمنين، وكان حفره عام الرمادة، وهي سنة ست عشرة من الهجرة فساقه إلى بحر ~~القلزم، فلم يأت عليه الحول حتى جرت فيه السفن وحمل فيها الزاد والأقوات ~~إلى مكة والمدينة، وانتفع بذلك أهل الحجاز. وقال الكندي: كان حفره في سنة ~~ثلاث وعشرين وفرغ منه في ستة أشهر، وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في ~~الشهر السابع، ثم بنى عليه عبد العزيز بن مروان قنطرة وكتب عليها أسمه، ~~وقام ببنائها سعيد أبو عثمان، ذكره القضاعي صاحب الخطط. قال: ثم دثرت ثم ~~أعيدت ثم عمرت في أيام العزيز بالله، وليس لها أثر في هذا الزمان. وإنما ~~بنى السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب قنطرة السد الآن التي عليها بستان ~~الخشاب. وكان يخرج الماء من البحر بالمقس من البرانج، فوسعه الملك الكامل ~~محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب وجعله خليجا، وهو خليج الذكر. وأول ~~من رتب حفر الخليج على الناس الوزير المأمون بن البطائحي صاحب الجامع ~~الأقمر بالقاهرة، وكذلك جعل على أصحاب البساتين، وجعل عليه واليا بمفرده، ~~وهو أول من رتب السقائين عند معونة المأمون هذا، وكذلك القرابة والفعلة. ### || AUT الحسينية # هي منسوبة لجماعة الأشراف الحسينيين، كانوا في أيام الملك الكامل محمد ~~بن العادل، قدموا من الحجاز فنزلوا بها واستوطنوها، وبنوا بها المدابغ ~~وصنعوا فيها الأديم المشبه بالطائفي، ثم سكنها الأجناد بعد ذلك، وكانت برسم ~~الريحانية الغزاوية والمولدة والعجمان وعبيد الشراء، وكانت ثماني حارات: ### || AUT حارة حامد # والمنشية الكبرى، والمنشية الصغرى، والحارة الكبيرة، والحارة الوسطى ~~كانت هي لعبيد الشراء والوزيرية، كانت كلها سكن الأرمن، فارسهم وراجلهم. ### || AUT وخان السبيل # PageV01P0402 # بناه الخادم الأستاذ الخصي بهاء الدين قراقوش الذي ms0778 بنى السور وأرصده ~~لأبناء السبيل. ### || AUT اللؤلؤة # عند باب القنطرة بناها الظاهر لإعزاز دين الله الخليفة العبيدي، وكانت ~~نزهة الخلفاء الفاطميين، وبها كانت قصورهم. ويأتي ذكر شيء من ذلك في ~~تراجمهم إن شاء الله تعالى. ### || AUT حارة الباطلية # كان المعز لدين الله العبيدي لما قسم العطاء في الناس جاءت إليه طائفة ~~فسألت العطاء، فقيل: فرغ المال، فقالوا: رحنا نحن في الباطل، فسموا ~~الباطلية، فعرفت الحارة بهم. ### || AUT حارة كتامة # هي قبيلة معروفة، عرفت بهم. ### || AUT البرقية # هذه الحارة نزل فيها جماعة من أهل برقة واستوطنوها، فعرفت بهم. وكانوا ~~جماعة كبيرة، حضروا صحبة المعز لدين الله لما قدم من بلاد المغرب. ### || AUT خزانة البنود # كانت هذه الخزانة خزانة السلاح في الدولة الفاطمية. ### || AUT دار القطبية # هي دار ست الملك بنت العزيز لدين الله نزار، وأخت الحاكم بأمر الله ~~منصور. يأتي ذكرها في ترجمة أخيها الحاكم. وسكن هذه الدار في دولة الأيوبية ~~مؤنسة، ثم الأمير فخر الدين جهاركس صاحب القيسارية بالقاهرة، ثم سكنها ~~الملك الأفضل قطب الدين، واستمرت ذريته بها حتى أخرجهم الملك المنصور ~~قلاوون منها، وبناها بيمارستانه المعروف في القاهرة بين القصرين. ولسكن قطب ~~الدين الأفضل هذا سميت القطبية، والأفضل المذكور من بني أيوب. ### || AUT حارة الخرنشف # كانت قديما ميدانا للخلفاء، فلما تسلطن المعز أيبك التركماني بنوا به ~~إصطبلات، وكذلك القصر الغربي، وكانت النساء اللاتي أخرجن منه سكن بالقصر ~~النافعي، فامتدت الأيدي إلى طوبه وأخشابه وحجارته، فتلاشى حاله وتهدم ~~وتشعث، فسمي بالخرنشف لهذا المقتضى، وإلا فكان هذا الميدان من محاسن الدنيا. ### || AUT حارة الكافوري # هذه الحارة كانت بستانا للأستاذ الملك كافور الإخشيذي صاحب مصر، ثم من ~~بعده صار للخلفاء المصريين، ثم هدم البستان في الدولة المعزية أيبك لما خرب ~~الميدان والقصور، وبني أيضا إصطبلات ودورا ومساكن. ### || AUT حارة برجوان # منسوبة إلى الخادم برجوان. كان برجوان من جملة خدام القصر في أيام ~~العزيز بالله نزار العبيدي الفاطمي، ثم كان برجوان هذا مدبر مملكة الحاكم بأمر الله. ### || AUT حارة بهاء الدين # منسوبة إلى ms0779 الأستاذ بهاء الدين قراقوش الصلاحي الخادم الخصي الذي بنى ~~السور وقلعة الجبل. وقد تقدم ذكر ذلك كله. ### || AUT قيسارية أمير الجيوش # المعروفة الآن بسوق مرجوش. وأولها من باب ### || AUT حارة بهاء الدين # قراقوش إلى قريب من الجامع الحاكمي، بناها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه ~~بن بدر الجمالي الذي كان إليه تدبير الملك والوزارة في دولة الخليفة ~~المستنصر معد العبيدي. وذكر ابن أبي منصور في كتابه المسمى أساس السياسة ~~أنه كان في موضعها دار تعرف بدار القباني، ودور قوم يعرفون ببني هريسة. ### || AUT درب ابن أسد # وهو خادم عرف به. وهو خلف إصطبل الطارمة. ### || AUT الرميلة # تحت قلعة الجبل، كانت ميدان أحمد بن طولون، وبها كانت قصوره وبساتينه. ### || AUT درب ملوخية # هو منسوب لأمير اسمه ملوخية، كان صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر الله ~~العبيدي، وكان يعرف أيضا بملوخية الفراش. ### || AUT العطوف # منسوبة إلى الخادم عطوف أحد خدام القصر في دولة الفاطمية. وكان أصله من ~~خدام أم ست الملك بنت العزيز بالله أخت الحاكم المقدم ذكرها. ### || AUT رحبة باب العيد # كان الخليفة لا يركب يوم العيد إلا من باب القصر الذي من هذه الناحية ~~خاصة. ويأتي ذكر ذلك كله في ترجمة المعز لدين الله العبيدي. ### || AUT خانقاه السلطان الملك الناصر صلاح الدين # يوسف بن أيوب: وهي دار سعيد السعداء خادم الخليفة المستنصر معد العبيدي ~~أحد خلفاء مصر، ثم صارت في آخر الوقت سكن الوزير طلائع بن رزيك وولده رزيك ~~بن طلائع. وكان طلائع يلقب في أيام وزارته بالملك الصالح، وهو صاحب جامع ~~الصالح خارج بأبي زويلة. ولما سكنها طلائع المذكور فتح لها من دار الوزارة ~~أعني التي هي الآن خانقاه بيبرس الجاشنكير سردابا تحت الأرض، وجمع بين دار ~~سعيد السعداء ودار الوزارة في السكن لكثرة حشمه، وصار يمشي في السرداب من ~~الدار الواحدة إلى الأخرى. ### || AUT الحجر # PageV01P0403 # وهي قريبة من باب النصر قديما على يمين الخارج من القاهرة، وكان يأوي ~~فيها جماعة من الشباب يسمون صبيان الحجر يكونون في جهات متعددة. ### || AUT الوزيرية ms0780 # منسوبة إلى الوزير أبي الفرج يعقوب بن كلس وزير العزيز بالله نزار ~~العبيدي، وكان الوزير هذا يهودي الأصل ثم إنه أسلم وتنقل في الخدم إلى أن ~~ولي الوزارة. ### || AUT الجودرية # منسوبة إلى جماعة يعرفون ب ### || AUT الجودرية # اختطوها، وكانوا أربعمائة رجل. منسوبون إلى جودر خادم المهدي. ### || AUT سوق السراجين # استجد في أيام المعز أيبك التركماني سنة ثلاث وخمسين وستمائة. ### || AUT سقيفة العداسين # هي الآن معروفة بالأساكفة وبالبندقانيين، وكانت تلك الناحية كلها تعرف ب ### || AUT سقيفة العداسين # . ### || AUT حارة الأمراء # هي درب شمس الدولة. ### || AUT العدوية # هي من أول باب الخشيبة إلى أول ### || AUT حارة زويلة # . ### || AUT درب الصقالبة # هو درب من جملة ### || AUT حارة زويلة # . ### || AUT حارة زويلة # اخطتها امرأة تعرف بزويلة، وهي صاحبة البئر وبابي زويلة، لا أعرف من ~~حالها شيئا. ### || AUT باب الزهومة # كان بابا من أبواب القصر أعني قصر القاهرة. ### || AUT الصاغة بالقاهرة # كانت مطبخا للقصر يخرج إليه من ### || AUT باب الزهومة # . ### || AUT درب السلسلة # هو الملاصق للسيوفيين. ### || AUT دار الضرب # بنيت في أيام الوزير المأمون بن البطائحي المقدم ذكره، وهي بالقشاشين ~~قبالة البيمارستان المنصوري. ### || AUT الصالحية # هي منسوبة للوزير الملك الصالح طلائع بن رزيك المقدم ذكره لأن غلمانه ~~أعني مماليكه كانوا ينزلون بها. ### || AUT المقس # قال القضاعي: كانت ضيعة تعرف بأم دنين، وإنما سميت ### || AUT المقس # لأن العشار وهو المكاس كان فيها يستخرج الأموال، فقيل له المكس، ثم قيل ### || AUT المقس # . ### || AUT المسجد المعلق # كان هناك مساجد ثلاثة معلقة بناها الحاكم بأمر الله في أيام خلافته. ~~وأما هذه المباني التي هي الآن خارج القاهرة فكلها تجددت في الدولة ~~التركية، ومعظمها في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون ومن بعده، من سد مصر ~~إلى باب زويلة طولا وعرضا. يأتي ذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى في تراجم من ~~جدد الكورة والقناطر والجوامع والمدارس وغيرهم من السلاطين والملوك، كل ~~واحد على حدته بحسب ما يقتضيه الحال. ### || AUT ترجمة القائد جوهر وما يتعلق به من بنيان القاهرة وغيرها ms0781 # قد تقدم الكلام أن جوهرا القائد هذا غير خصي، وولده القائد الحسين بن ~~جوهر كان من كبار قواد الحاكم بأمر الله، وجوهر هذا هو صاحب الجامع الأزهر. ~~وقد تقدم ذكر ذلك كله، غير أننا ذكرناه هنا ثانيا تنبيها لمن نظر في ترجمة ~~جوهر القائد المذكور، لئلا يلتبس عليه بشيء آخر. ### || AUT السنة الأولى من ولاية جوهر # الرومي المعزي القائد على مصر وهي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. فيها أقامت ~~الرافضة المأتم على الحسين بن علي ببغداد في يوم عاشوراء على عادتهم وفعلهم ~~القبيح في كل سنة. وفيها ورد الخبر في المحرم بأن تقفور ملك الروم خرج ~~بالروم إلى جهة أنطاكية ونازلها وأحاط بها وقاتل أهلها حتى ملكها بالأمان، ~~ثم أخرج أهلها منها وأطلق العجائز والشيوخ والأطفال، وقال لهم: امضوا حيث ~~شئتم، ثم أخذ الشباب والصبيان والغلمان سبيا، فكانوا أكثر من عشرين ألفا. ~~وكان تقفور المذكور قد طغى وتجبر وقهر العباد وملك البلاد وعظمت هيبته في ~~قلوب الناس، واشتغل عنه الملوك بأضدادهم فاستفحل أمر تقفور بذلك. ثم تزوج ~~تقفور المذكور بامرأة الملك الذي كان قبله على كره منها، وكان لها ولدان، ~~فأراد تقفور أن يخصيهما ويهديهما للبيعة ليستريح منهما لئلا يملكا الروم في ~~أيامه أو بعده، فعلمت زوجته أمهما بذلك، فأرسلت إلى الدمستق ليأتي إليها في ~~زي النساء ومعه جماعة في زي النساء، فجاؤوا وباتوا عندها ليلة الميلاد، ~~فوثبوا عليه وقتلوه، وأجلس في الملك بعده ولدها الأكبر، وتم لها ما أرادت. ~~ولله الحمد على موت هذا الطاغية. وفيها في ذي الحجة انقض بالعراق كوكب عظيم ~~أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس وسمع في انقضاضه صوت كالرعد ~~الشديد، فهال ذلك الناس وارتعجوا له. وفيها حج بالناس من العراق الشريف ~~النقيب أبو أحمد الموسوي والد الرضي والمرتضى، والثلاثة رافضة، وهم محط ~~رحال الشيعة في زمانهم. PageV01P0404 # وفيها توفي الأمير صالح بن عمير العقيلي أمير دمشق، ولي إمرة دمشق خلافة ~~عن الحسن بن عبيد الله بن طغج ابن أخي الإخشيذ في دولة أحمد بن ms0782 علي بن ~~الإخشيذ في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، ووقع له في ولايته على دمشق أمور ~~وحروب. ولما انهزم الأستاذ فاتك الكافور من القرمطي وغلب القرمطي على الشام ~~خرج منها صالح هذا وغاب عنها مدة أيام، ثم عاد إليها بعد خروج القرمطي ~~منها، ودام بها وأصلح أمورها، فلم تطل مدته ومات بعد مدة يسيرة. وكان شجاعا ~~جوادا مقداما. وهو آخر من ولي دمشق من قبل الإخشيذ محمد وبنيه. وفيها توفي ~~الأمير أبو شجاع فاتك الإخشيذي الخازن، ولي إمرة دمشق أيضا قبل تاريخه من ~~قبل أنوجور الإخشيذي، وكان شجاعا مقداما جوادا وولي عدة بلاد، وطالت أيامه ~~في السعد. وهو غير فاتك المجنون الذي مدحه المتنبي ورثاه، لأن فاتكا ~~المذكور كان بمصر في دولة خشداشه كافور الإخشيذي، ووفاة هذا كانت بدمشق. ~~وفيها هلك تقفور طاغية الروم: لم يكن أصله من أولاد ملوك الروم بل قيل إنه ~~كان ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفقاس، فتنصر وغلب على الملك، ~~وكان شجاعا مدبرا سيوسا لم ير مثله من عهد إسكندر ذي القرنين، وهو الذي ~~افتتح حلب وأخذها من سيف الدولة بن حمدان، ولم يأخذ حلب أحد قبله من ملوك ~~الروم، فعظم بذلك في أعين ملوك الروم وملكوه عليهم إلى أن قتل. وقد تقدم ~~قتله في حوادث هذه السنة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أحمد بن بندار بن إسحاق الشعار، وأبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد ~~في صفر، وأبو القاسم حبيب بن الحسن القزاز، ومحمد بن أحمد بن الحسن أبو علي ~~الصواف، ومحمد بن علي بن حبيش الناقد. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية جوهر # الرومي المعزي القائد على مصر وهي سنة ستين وثلاثمائة: فيها عمل الرافضة ~~المأتم ببغداد في يوم عاشوراء على العادة في كل سنة من النوح واللطم ~~والبكاء وتعليق المسوح وغلق الأسواق، وعملوا العيد والفرح يوم ms0783 الغدير وهو ~~ثامن عشر ذي الحجة. وفيها في أول المحرم لحق الخليفة المطيع لله سكتة آل ~~الأمر فيها إلى استرخاء جانبه الأيمن وثقل لسانه. وفيها في صفر أعلن ~~المؤذنون بدمشق: بحي على خير العمل بأمر القائد جعفر بن فلاح نائب دمشق ~~للمعز لدين الله العبيدي، ولم يجسر أحد على مخالفته، ثم في جمادى الآخرة ~~أمرهم ابن فلاح المذكور بذلك في الإقامة، فتألم الناس لذلك، فهلك ابن فلاح ~~في عامه. وفيها في شهر ربيع الأول وقع الصلح بين أبي المعالي ابن سيف ~~الدولة ابن حمدان وبين قرعويه وكان بينهما حروب منذ مات سيف الدولة إلى ~~اليوم، فأقاما الخطبة بحلب للمعز لدين الله العبيدي، وأرسل إليهما جوهر ~~القائد من مصر بالأموال والخلع. وفيها سار أبو محمد الحسن بن أحمد القرمطي ~~إلى الشام في قبائل العرب وحاصر دمشق، فخرج إليه من مصر القائد جعفر بن ~~فلاح بعساكره من المغاربة واقتتلوا أياما إلى أن حمل القرمطي بنفسه على ~~جعفر بن فلاح فقتله وقتل عامة عسكره، وملك دمشق وولى عليها ظالم بن موهوب ~~العقيلي، ثم عاد القرمطي إلى بلاد هجر، فلم يثبت ظالم بعده بدمشق، وخرج ~~منها بعد مدة يسيرة. وفيها حج بالناس النقيب الشريف أبو أحمد الموسوي من ~~بغداد. وفيها توفي الأمير جعفر بن فلاح أحد قواد المعز لدين الله العبيدي، ~~كان مقدم عساكر القائد جوهر، وبعثه جوهر إلى دمشق لمحاربة الحسن بن عبيد ~~الله بن طغج، فحاربه وأسره ومهد البلاد، وولي دمشق وأصلح أمورها، إلى أن ~~قدم عليه القرمطي وحاربه وظفر به وقتله. وهو أول أمير ولي إمرة دمشق لبني ~~عبيد المغربي. والعجب أن القرمطي لما قتله بكى عليه ورثاه، لأنهما يجمع ~~التشيع بينهما وإن كانا عدوين. وكان جعفر بن فلاح المذكور أديبا شاعرا ~~فصيحا. كتب مرة إلى الوزير يعقوب يقول له: ولي صديق ما مسني عدم ... مذ ~~نظرت عينه إلى عدمي أعطى وأقنى ولم يكلفني ... تقبيل كف له ولا قدم وفيها ~~توفي سليمان بن أحمد بن أيوب، الحافظ أبو القاسم الطبراني اللخمي. ms0784 ~~PageV01P0405 # ولخم: قبيلة من العرب قدموا من اليمن إلى بيت المقدس ونزلوا بالمكان الذي ~~ولد فيه عيسى عليه السلام، وبينه وبين بيت المقدس فرسخان، والعامة تسميه ~~بيت لحم بالحاء المهملة وصوابه بيت لخم بالخاء المعجمة. وكان مولده بعكا في ~~سنة ستين ومائتين، وهو أحد الحفاظ المكثرين الرحالين، سمع الكثير وصنف ~~المصنفات الحسان، منها المعجم الكبير في أسامي الصحابة والمعجم الأوسط في ~~غرائب شيوخه، والمعجم الأصغر في أسامي شيوخه، وكتاب الدعاء و كتاب عشرة ~~النساء وكتاب حديث الشاميين وكتاب المناسك وكتاب الأوائل وكتاب السنة وكتاب ~~النوادر ومسند أبي هريرة وكتاب التفسير و كتاب دلائل النبوة وغير ذلك. ومات ~~في ذي القعدة. وذكر الحافظ سليمان بن إبراهيم الأصبهاني أن أبا أحمد العسال ~~قاضي أصبهان قال: أنا سمعت من الطبراني عشرين ألف حديث، وسمع منه إبراهيم ~~بن محمد بن حمزة ثلاثين ألفا، وسمع منه أبو الشيخ أربعين ألفا. وفيها توفي ~~محمد بن الحسين بن عبد الله، الحافظ أبو بكر الآجري البغدادي، كان محدثا ~~دينا صالحا ورعا مصنفا، صنف كتاب العزلة وغيره. ومات في هذه السنة. وفيها ~~توفي محمد بن أبي عبد الله الحسين بن محمد الكاتب، أبو الفضل المعروف بابن ~~العميد هو كان لقب والده كان فيه فضل وأدب وترسل، وزر لركن الدولة الحسن بن ~~بويه بعد موت أبيه. ومن بعض أصحاب أبيه الصاحب بن عباد. قال الثعالبي في ~~كتابه اليتيمة: وكان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. ~~وكان الصاحب بن عباد قد سافر إلى بغداد، فلما عاد إليه قال له ابن العميد: ~~كيف وجدتها؟ قال: بغداد في البلاد، كالأستاذ في العباد. وكان ابن العميد ~~سيوسا مدبرا قائما بحقوق المملكة، وقصده الشعراء من الآفاق، ومدحه المتنبي ~~وابن نباتة السعدي وغيرهما. ومن شعر ابن العميد قوله: آخ الرجال من الأبا ~~... عد، والأقارب لا تقارب إن الأقارب كالعقا ... رب بل أضر من العقارب ~~وقيل: إن الصاحب بن عباد اجتاز بدار ابن العميد بعد وفاته فلم ير هناك أحدا ~~بعد أن كان الدهليز يغص من ms0785 زحام الناس، فقال: أيها الربع لم علاك اكتئاب ~~... أين ذاك الحجاب والحجاب أين من كان يفزع الدهر منه ... فهو اليوم في ~~التراب تراب وقال علي بن سليمان: رأيت بالري دار قوم لم يبق منها سوى بابها ~~يعني دار ابن العميد وعليها مكتوب: اعجب لصرف الدهور معتبرا ... فهذه الدار ~~من عجائبها عهدي بها بالملوك زاهية ... قد سطع النور في جوانبها تبدلت وحشة ~~بساكنها ... ما أوحش الدار بعد صاحبها وكان ابن العميد قبل أن يقتل بمدة قد ~~لهج بإنشاد هذين البيتين، وهما: دخل الدنيا أناس قبلنا ... رحلوا عنها ~~وخلوها لنا ونزلناها كما قد نزلوا ... ونخليها لقوم بعدنا وكانت وفاته في ~~صفر. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي جعفر بن فلاح ~~أول من حكم على الشام لبني عبيد قتله أبو علي القرمطي، وسليمان بن أحمد بن ~~أيوب الطبراني في ذي القعدة وله مائة سنة وعشرة أشهر، وأبو علي عيسى بن ~~محمد الطوماري، وأبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم الأنباري، وأبو ~~عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري، وأبو الفضل محمد بن الحسين ~~بن العميد وزير ركن الدولة بن بويه، وأبو بكر محمد بن الحسين الآجري في ~~المحرم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية جوهر القائد # وهي سنة إحدى وستين وثلاثمائة. فيها عملت الرافضة مأتم الحسين بن علي ~~رضي الله عنهما ببغداد على العادة في يوم عاشوراء. وفيها عاد الهجري كبير ~~القرامطة من الموصل إلى الشام، وانصرفت المغاربة أعني عسكر العبيدية إلى ~~مصر، ودخل القرمطي إلى دمشق وسار إلى الرملة. وفيها وقع الصلح بين منصور بن ~~نوح الساماني صاحب خراسان وبين ركن الدولة الحسن بن بويه وبين ولده عضد ~~الدولة بن ركن الدولة المذكور بأن يحمل ركن الدولة إلى منصور بن نوح ~~الساماني في كل سنة مائة ألف دينار، ويحمل ابنه عضد الدولة خمسين ألف ~~دينار. PageV01P0406 # وفيها اعترض ms0786 بنو هلال الحاج البصري والخراساني ونهبوهم وقتلوا منهم خلقا، ~~ولم يسلم منهم إلا من مضى مع الشريف أبي أحمد الموسوي أمير الحاج، فإنه مضى ~~بهم على طريق المدينة، فحج وعاد. وفيها توفي سعيد بن أبي سعيد، أبو القاسم ~~الجنابي القرمطي الهجري، عليه وعلى أقاربه اللعنة والخزي. ولم يبق من أولاد ~~أبي سعيد غيره وغير أخيه يوسف، وقام بأمر القرامطة بعده مكانه أخوه يوسف ~~المذكور. وعقد القرامطة بعد يوسف لستة نفر من أولادهم على وجه الشركة بينهم ~~لا يستبد أحد منهم بشيء دون الآخر. قلت: وهذا يدل على قطع أثرهم واضمحلال ~~أمرهم وزوال ملكهم، إلى جهنم وبئس المصير، فإنهم كانوا أشر خلق الله ~~وأقبحهم سيرة وأظلمهم سطوة، هذا مع الفسق وقلة الدين وسفك الدماء وانتهاك ~~المحارم، وقتل الأشراف وأخذ الحجاج ونهبهم، والاستخفاف بأمر الشرع والسنة ~~وهتك حرمة البيت العتيق واقتلاع الحجر الأسود منه، حسب ما تقدم ذكر ذلك كله ~~في حوادث السنين السابقة. وقد طال أمرهم وقاسى المسلمون منهم شدائد، وخرب ~~في أيامهم ممالك وبلاد. ألا لعنة الله على الظالمين. وفيها توفي علي بن ~~إسحاق بن خلف، أبو القاسم الزاهي الشاعر البغدادي، كان وصافا محسنا كثير ~~الملح حسن الشعر في التشبيهات، وكان قطانا، وكانت دكانه في قطيعة الربيع ~~الحاجب. ومن شعره وأجاد إلى الغاية من قصيدة: وبيض بألحاظ العيون كأنما ... ~~هززن سيوفا واستللن خناجرا تصدين لي يوما بمنعرج اللوى ... فغادرن قلبي ~~بالتصبر غادرا سفرن بدورا وانتقبن أهلة ... وملن غصونا والتفتن جآذرا ~~وأطلعن في الأجياد بالدر أنجما ... جعلن لحبات القلوب ضرائرا هذا مثل قول ~~المتنبي، ومذهب الزاهي زها عليه. وقول المتنبي: بدت قمرا ومالت خوط بان ... ~~وفاحت عنبرا ورنت غزالا وذكر الثعالبي لبعض شعراء عصره على هذا الأسلوب في ~~وصف مغن: فديتك يا أتم الناس ظرفا ... وأصلحهم لمتخذ حبيبا فوجهك نزهة ~~الأبصار حسنا ... وصوتك متعة الأسماع طيبا وسائلة تسائل عنك قلنا ... لها ~~في وصفك العجب العجيبا رنا ظبيا وغنى عندليبا ... ولاح شقائقا ومشى قضيبا ~~ومات الزاهي ببغداد. ومن شعره أيضا قوله: قم ms0787 فهنىء عاشقين ... أصبحا ~~مصطلحين جمعا بعد فراق ... فجعا منه ببين ثم عادا في سرور ... من صدود ~~آمنين فهما روح ولكن ... ركبا في بدنين الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي الحسن بن الخضر الأسيوطي، وخلف بن محمد بن إسماعيل ~~ببخارى، وعثمان بن عمر بن خفيف الدراج، ومحمد بن الحارث بن أسد القيرواني ~~أبو عبد الله الفقيه الحافظ. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية جوهر القائد # وهي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة: فيها لم تعمل الرافضة المأتم ببغداد ~~بسبب ما جرى على المسلمين من الروم، وكان عز الدولة بختيار بن بويه بواسط ~~والحاجب سبكتكين ببغداد، وكان سبكتكين المذكور يميل إلى السنة فمنعهم من ~~ذلك. PageV01P0407 # وفيها حشدت الروم وأخذوا نصيبين واستباحوا وقتلوا وسبوا، وقدم بغداد من ~~نجا منهم، واستنفروا الناس في الجوامع، وكسروا المنابر ومنعوا الخطيب، ~~وحاولوا الهجوم على الخليفة المطيع لله، واقتلعوا بعض شبابيك دار الخلافة ~~حتى غلقت أبوابها، ورماهم الغلمان بالنشاب من الرواشن، وخاطبوا الخليفة ~~بالتعنيف وبأنه عاجز عما أوجبه الله عليه من حماية حوزة الإسلام وأفحشوا ~~القول. ووافق ذلك غيبة السلطان عز الدولة بختيار بن معز الدولة أحمد بن ~~بويه في الكوفة، فخرج إليه أهل العقل والدين من بغداد، وفيهم الإمام أبو ~~بكر الرازي الفقيه وأبو الحسن علي بن عيسى النحوي وأبو القاسم الداركي وابن ~~الدقاق الفقيه، وشكوا إليه ما دهم الإسلام من هذه الحادثة العظمى، فوعدهم ~~عز الدولة بالغزو، ونادى بالنفير في الناس، فخرج من العوام خلق مثل عدد ~~الرمل ثم جهز جيشا وغزوا، فهزموا الروم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا ~~أميرهم وجماعة من بطارقته، وأنفذت رؤوس القتلى إلى بغداد، وفرح المسلمون ~~بنصر الله تعالى. وفيها في شهر رمضان دخل المعز لدين الله أبو تميم معد ~~العبيدي إلى مصر بعد أن بنيت له القاهرة ومعه توابيت آبائه، وكان قد مهد له ~~ملك الديار المصرية مولاه جوهر القائد، وبنى ms0788 له القاهرة وأقام له بها دار ~~الإمارة والقصر. وفيها وزر ببغداد أبو طاهر بن بقية ولقب بالناصح، وكان ~~سمحا كريما، له راتب كل يوم من الثلج ألف رطل، وراتبه من الشمع في كل شهر ~~ألف من، وكان أبو طاهر من صغار الكتاب يكتب على المطبخ لمعز الدولة، فآل ~~الأمر إلى الوزارة. فقال الناس: من الغضارة إلى الوزارة! وكان كريما فغطى ~~كرمه عيوبه. وفيها زلزلت بلاد الشام وهدمت الحصون ووقع من أبراج أنطاكية ~~عدة، ومات تحت الردم خلق كثير. وفيها حج بالناس النقيب أبو أحمد الموسوي. ~~وفيها ضاق الأمر على عز الدولة بختيار بن بويه، فبعث إلى الخليفة وطلب ~~إسعافه على قتال الروم، فباع الخليفة المطيع ثيابه وأنقاض داره من ساج ~~ورصاص، وجمع من ذلك أربعمائة ألف درهم وبعث بها إليه. وفيها توفي السري بن ~~أحمد بن السري، أبو الحسن الكندي الرفاء الشاعر المشهور، كان في صباه يرفو ~~ويطرز في دكان بالموصل ومع ذلك يتولع بالأدب وينظم الشعر، ولم يزل على ذلك ~~حتى جاد شعره ومهر فيه، وقصد سيف الدولة ابن حمدان بحلب ومدحه وأقام عنده ~~مدة، ثم بعد وفاته قدم بغداد ومدح الوزير المهلبي وغيره. وكان بينه وبين ~~أبي بكر محمد وأبي عثمان سعيد ابني هاشم الخالديين الموصليين الشاعرين ~~المشهورين معاداة، فادعى عليهما سرقة شعره وشعر غيره. وكان شاعرا مطبوعا ~~عذب الألفاظ، كثير الافتنان في التشبيهات والأوصاف، وكان لا يحسن من العلوم ~~شيئا غير قول الشعر. ومن شعره أبيات يذكر فيها صناعته: وكانت الإبرة فيما ~~مضى ... صائنة وجهي وأشعاري فأصبح الرزق بها ضيقا ... كأنه من ثقبها جاري ~~ومن محاسن شعره في المديح: يلقى الندى برقيق وجه مسفر ... فإذا التقى ~~الجمعان عاد صفيقا رحب المنازل ما أقام فإن سرى ... في جحفل ترك الفضاء ~~مضيقا ومن غرر شعره في النسيب قوله وهو في غاية الحسن: بنفسي من أجود له ~~بنفسي ... ويبخل بالتحية والسلام وحتفي كامن في مقلتيه ... كمون الموت في ~~حد الحسام PageV01P0408 # وفيها توفي محمد بن هانىء أبو القاسم، وقيل: أبو الحسن، ms0789 الأزدي الأندلسي ~~الشاعر المشهور، قيل: إنه من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي ~~صفرة، وقيل: بل هو من ولد أخيه روح بن حاتم. وكان أبوه هانىء من قرية من ~~قرى المهدية بإفريقية. وكان شاعرا أديبا، كان ماهرا في الأدب، حافظا لأشعار ~~العرب وأخبارهم، واتصل بصاحب إشبيلية وحظي عنده، وكان كثير الانهماك في ~~اللذات متهما بمذهب الفلاسفة، ولما اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل إشبيلية، ~~واتهم الملك بمذهبه، فأشار عليه الملك بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها ~~خبره، فانفصل وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة. وقصته طويلة إلى أن قتل ببرقة في ~~عوده إلى المغرب من مصر بعد أن مدح المعز العبيدي بغرر المدائح. وكان عوده ~~إلى المغرب لأخذ عياله وعوده بهم إلى مصر. وتأسف المعز عليه كثيرا. ومن ~~شعره قصيدته النونية في مدح المعز لدين الله المذكور، منها: بيض وما ضحك ~~الصباح وإنها ... بالمسك من طرر الحسان لجون أدمى لها المرجان صفحة خده ... ~~وبكى عليها اللؤلؤ المكنون وكان ابن هانىء هذا في المغرب مثل المتنبي في ~~المشرق، وكان موته في شهر رجب. وهو صاحب القصيدة المشهورة التي أولها: فتقت ~~لكم ريح الشمال عبيرا وفيها توفي الوزير عباس بن الحسين، أبو الفضل ~~الشيرازي، كان جبارا ظالما، قتل بالكوفة بسقي الذراريح، ودفن بمشهد علي ~~عليه السلام. ومما يحكى عن ظلمه أنه قتل ببغداد رجل من أعوان الوالي، فبعث ~~أبو الفضل الشيرازي هذا من طرح النار من النحاسين إلى السماكين، فاحترق ~~ببغداد حريق عظيم لم يعهد مثله، وأحرقت أموال عظيمة وجماعة كثيرة من النساء ~~والرجال والصبيان والأطفال، فأحصي ما أحرق ببغداد فكان سبعة عشر ألف إنسان ~~وثلاثمائة دكان وثلاثمائة وعشرين دارا، أجرة ذلك في الشهر ثلاثة وأربعون ~~ألف دينار. فلما وقع ذلك قال له رجل: أيها الوزير أريتنا قدرتك ونحن نأمل ~~من الله أن يرينا قدرته فيك! فبعد قليل قبض عليه عز الدولة وصادره وعاقبه، ~~ثم سقي ذراريح فتقرحت مثانته وهلك في ذي الحجة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه ms0790 السنة، قال: وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، ~~وأبو العباس إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال، وأبو بحر محمد بن الحسن ~~بن كوثر البربهاري، وأبو جعفر محمد بن عبد الله البلخي شيخ الحنفية ببخارى ~~في ذي الحجة كان إمام عصره بلا مدافعة، وأبو عمر محمد بن موسى بن فضالة، ~~وأبو الحسن محمد بن هانىء شاعر الأندلس. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان. ### | AUT ولاية المعز العبيدي # هو أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدي ~~عبيد الله العبيدي الفاطمي المغربي الملقب بالمعز لدين الله، والذي تنسب ~~إليه القاهرة المعزية. مولده بالمهدية في يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان ~~سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وبويع بالخلافة في الغرب يوم الجمعة التاسع ~~والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة بعد موت أبيه. يأتي ذكر نسبه ~~وأقوال الناس فيه بعد أن نذكر قدومه إلى القاهرة وما وقع له مع أهلها ثم مع ~~القرمطي. وقال ابن خلكان: وكان المعز قد بويع بولاية العهد في حياة أبيه ~~المنصور إسماعيل، ثم جددت له البيعة بعد وفاته في يوم الأحد سابع ذي الحجة ~~سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. قلت: هو أول خليفة كان بمصر من بني عبيد. قال ~~الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخ الإسلام: وهو أول من تملك ديار مصر من ~~بني عبيد الرافضة المدعين أنهم علويون. وكان ولي عهد أبيه إسماعيل، فاستقل ~~بالأمر في آخر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وسار في نواحي إفريقية ليمهد ~~مملكته، فأذل العصاة واستعمل على المدن غلمانه واستخدم الجند. ثم جهز مولاه ~~جوهرا القائد في جيش كثيف، فسار فافتتح سجلماسة، وسار حتى وصل إلى البحر ~~المحيط وصيد له من سمكه، وافتتح مدينة فاس، وأرسل بصاحبها وصاحب سبتة ~~أسيرين إلى المعز، ووطأ له جوهر من إفريقية إلى البحر سوى مدينة سبتة فإنها ~~بقيت لبني أمية أصحاب الأندلس. PageV01P0409 # وقال الشيخ شمس ms0791 الدين أبو المظفر في تاريخه مرآة الزمان: وكان مغرى ~~بالنجوم يعني المعز والنظر فيما يقتضيه الطالع، فنظر في مولده وطالعه فحكم ~~له بقطع فيه، فاستشار منجمه فيما يزيله عنه، فأشار عليه أن يعمل سردابا تحت ~~الأرض ويتوارى فيه إلى حين جواز الوقت، فعمل على ذلك، وأحضر قواده وكتابه ~~وقال لهم: إن بيني وبين الله عهدا في وعد وعدنيه وقد قرب أوانه، وقد جعلت ~~نزارا ولدي ولي عهدي بعدي، ولقبته العزيز بالله، واستخلفته عليكم وعلى ~~تدبير أموركم مدة غيبتي، فالزموا الطاعة له واتركوا المخالفة واسلكوا ~~الطريق السديدة، فقالوا: الأمر أمرك، ونحن عبيدك وخدمك، ووصى العزيز ولده ~~بما أراد، وجعل القائد جوهرا مدبره والقائم بأمره بين يديه، ثم نزل إلى ~~سرداب اتخذه وأقام فيه سنة، وكانت المغاربة إذا رأوا غماما سائرا ترجل ~~الفارس منهم إلى الأرض، وأومأ بالسلام يشير إلى، أن المعز فيه، ثم خرج ~~المعز بعد ذلك وجلس للناس، فدخلوا عليه على طبقاتهم ودعوا له، فأقام على ما ~~كان عليه. انتهى. وقيل: إنه دخل مصر ومعه خمسمائة جمل موسوقة ذهبا عينا ~~وأشياء كثيرة غير ذلك. وقال القفطي: إن المعز كان قد عزم على تجهيز عسكر ~~إلى مصر، فسألته أمه تأخير ذلك لتحج خفية، فأجابها وحجت. فلما وصلت إلى مصر ~~أحس بها كافور الإخشيذي الأستاذ فحضر إليها وخدمها وحمل إليها هدايا وبعث ~~في خدمتها أجنادا، فلما رجعت من حجها منعت ولدها من غزو بلاده. فلما توفي ~~كافور بعث المعز جيوشه فأخذوا مصر. انتهى. ولما أرسل المعز القائد جوهرا ~~إلى مصر وفتحها وبلغه ذلك سار بنفسه إلى المهدية في الشتاء فأخرج من قصور ~~آبائه من الأموال خمسمائة حمل، ثم سار نحو الديار المصرية بعد أن مهد له ~~جوهر القائد وبنى له القاهرة. وكان صادف مجيء جوهر إلى مصر الغلاء والوباء، ~~فلم يلتفت إلى ذلك وافتتحها، ثم افتتح الحجاز والشام، وأرسل يعرف المعز. ~~وقد ذكرنا شيئا من ذلك في ترجمة جوهر القائد. وخرج المعز من المغرب في سنة ~~إحدى وستين وثلاثمائة بعد أن استخلف ms0792 على إفريقية بلكين بن زيري الصنهاجي، ~~وجد المعز في السير في خزائنه وجيوشه حتى دخل الإسكندرية في شعبان سنة ~~اثنتين وستين وثلاثمائة، فتلقاه قاضي مصر أبو طاهر الذهلي والأعيان، وطال ~~حديثهم معه، وأعلمهم بأن قصده القصد المبارك من إقامة الجهاد والحق وأن ~~يختم عمره بالأعمال الصالحة، وأن يعمل بما أمره به جده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ووعظهم وطول حتى أبكى بعضهم وخلع على جماعة. ثم نزل بالجيزة ~~وأخذ جيشه في التعدية إلى مصر ثم ركب هو ودخل القاهرة، وقد بنيت له بها دور ~~الإمارة، ولم يدخل مدينة مصر، وكانوا قد احتفلوا وزينوا مصر بأحسن زينة. ~~فلما دخل القصر خر ساجدا وصلى ركعتين. PageV01P0410 # وقال عبد الجبار البصري: وكان السبب في مجيئه إلى مصر، أن الروم كانوا قد ~~استولوا على الشام والثغور وطرسوس وأنطاكية وأذنة وعين زربة والمصيصة ~~وغيرها وفرح بمصاب المسلمين، وبلغه أن بني بويه قد غلبوا على بني العباس ~~وأنهم لا حكم لهم معهم، فاشتد طمعه في البلاد، وكان له بمصر شيعة فكاتبوه ~~يقولون: إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعز الدنيا كلها، ويعنون بالحجر ~~الأسود الأستاذ كافورا الإخشيذي الخصي، وكان كافور يومئذ أمير مصر نيابة عن ~~ابن الإخشيد وعن الحسن بن عبيد الله بن طغج أمير الشام، وكان الحسن قد دخل ~~مع الشيعة في الدعوة، وكان الحسن ضعيفا رخوا، ولذلك كان كافور هو المتكلم ~~عنه لأن الجند كانوا قد طمعوا فيه أعني الحسن وكرهوه وكرههم، فقال له أبو ~~جعفر بن نصر، وكان من دعاة المعز بالقاهرة: هؤلاء القوم قد طمعوا فيك، ~~والمعز لك مثل الوالد، فإن شئت كاتبته ليشد منك ويكون من وراء ظهرك، فقال ~~الحسن: إي والله قد أحرقوا قلبي!. فكتب إلى المعز يخبره، فبعث المعز القائد ~~جوهرا، وهو عبد رومي غير خصي، فجاء جوهر إلى مصر في مائة ألف مقاتل، فدخل ~~مصر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، حسب ما ذكرناه، وأخرج الحسن المذكور بعد ~~أن قاتله، واستولى جوهر على الخزائن والأموال والذخائر. وتوجه الحسن إلى ms0793 ~~الرملة ثم ظفر به جوهر وبعث به إلى المعز إلى الغرب، فلما دخل عليه الحسن ~~قربه المعز وبش به، وقال: أنت ولدي، وكاتبتني على دخول مصر وإنما بعثت ~~جوهرا لينصرك، ولقد لحقني بتجهيز الجيوش إلى مصر أربعة آلاف ألف وخمسمائة ~~ألف دينار. فظن الحسن أن الأمر كما قال المعز، ولم يدر أنه خدعه، فسعى إليه ~~بجماعة من قواد مصر والأمراء وأرباب الأموال وعرفه حال المصريين، وكان كل ~~واحد من هؤلاء الذين دل الحسن المعز عليهم مثل قارون في الغنى، فكتب المعز ~~إلى جوهر باستئصالهم ومصادرتهم أو أن يبعث بهم إليه، ثم حبسهم مع الحسن، ~~فكان ذلك آخر العهد بهم. فقال الذهبي: هذا قول منكر! بل أخرج الحسن بن عبيد ~~الله من مصر وبايع للمعز، ثم قدم بعد ذلك ووقعت الوحشة بينهم. PageV01P0411 # ولما دخل المعز إلى القاهرة احتجب في القصر فبعث عيونه ينقلون إليه أخبار ~~الناس وهو متوفر في النعم والأغذية المسمنة والأطلية التي تنقي البشرة ~~وتحسن اللون. ثم ظهر للناس بعد مدة وقد لبس الحرير الأخضر وجعل على وجهه ~~اليواقيت والجواهر تلمع كالكواكب. وزعم أنه كان غائبا في السماء وأن الله ~~رفعه إليه، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه رعبا وخوفا، وقطع ما كان على ~~ابن الإخشيذ في كل سنة من الأتاوة للقرامطة، وهي ثلاثمائة ألف دينار. ولما ~~بلغ القرمطي ذلك عظم عليه، لأن المعز كان يصافيه لما كان بالمغرب ويهاديه، ~~فلما وصل إلى مصر قطع ذلك عنه. وسار القرمطي، واسمه الحسن بن أحمد بن أبي ~~سعيد الحسن بن بهرام القرمطي، إلى بغداد وسأل الخليفة المطيع بالله العباسي ~~على لسان عز الدولة بختيار أن يمده بمال ورجال ويوليه الشام ومصر ليخرج ~~المعز منها، فامتنع الخليفة المطيع بالله من ذلك، وقال: كلهم قرامطة وعلى ~~دين واحد، فأما المصريون يعني بني عبيد فأماتوا السنن وقتلوا العلماء وأما ~~هؤلاء يعني القرامطة فقتلوا الحاج، وقلعوا الحجر الأسود، وفعلوا ما فعلوا. ~~فقال عز الدولة بختيار للقرمطي: اذهب فافعل ما بدا لك. وقيل: إن بختيار ~~أعطاه مالا ms0794 وسلاحا. فسار القرمطي إلى الشام ومعه أعلام سود، وأظهر أن ~~الخليفة المطيع ولاه وكتب على الأعلام اسم المطيع عبد الكريم، وتحته مكتوب ~~السادة الراجعون إلى الحق وملك القرمطي الشام ولعن المعز هذا على منبر دمشق ~~وأباه، وقال: هؤلاء من ولد القداح كذابون ممخرقون أعداء الإسلام، ونحن أعلم ~~بهم، ومن عندنا خرج جدهم القداح. ثم أقام القرمطي الدعوة لبني العباس وسار ~~إلى مصر بعساكره. ولما بلغ المعز مجيئه تهيأ لقتالهم، فنزل القرمطي بمشتول ~~الطواحين، وحصل بينه وبين المعز مناوشات، ثم تقهقر المعز ودخل القاهرة ~~وانحصر بها إلى أن أرضى القرمطي بمال وخدعه، وانخدع القرمطي وعاد إلى نحو ~~الشام، فمات بالرملة في شهر رجب، وأراح الله المسلمين منه. وصفا الوقت ~~للمعز فإن القرمطي كان أشد عليه من جميع الناس للرعب الذي سكن في قلوب ~~الناس منه، فكانت القرامطة إذا كانوا في ألف حطموا مائة ألف وانتصفوا. ~~خذلان من الله تعالى لأمر يريده. ### || AUT ما قيل في نسب المعز وآبائه # قال القاضي عبد الجبار البصري: اسم جد الخلفاء المصريين سعيد، ويلقب ~~بالمهدي، وكان أبوه يهوديا حدادا بسلمية، ثم زعم سعيد هذا أنه ابن الحسين ~~بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح. وأهل الدعوة أبو القاسم الأبيض ~~العلوي وغيره يزعمون أن سعيدا إنما هو من امرأة الحسين المذكور، وأن الحسين ~~رباه وعلمه أسرار الدعوة، وزوجته بنت أبي الشلغلغ، فجاءه ابن فسماه عبد ~~الرحمن. فلما دخل الغرب وأخذ سجلماسة تسمى بعبيد الله ثم تكنى بأبي محمد، ~~وسمى ابنه الحسن، وزعمت المغاربة أنه يتيم ربه وليس بابنه ولا بابن زوجته، ~~وكناه أبا القاسم وجعله ولي عهده. انتهى. وقال القاضي أبو بكر بن ~~الباقلاني: القداح جد عبيد الله كان مجوسيا، ودخل عبيد الله المغرب وادعى ~~أنه علوي ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وكان باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ~~ملة الإسلام، أعدم الفقه والعلم ليتمكن من إغراء الخلق، وجاء أولاده أسلوبه ~~وأباحوا الخمر والفروج وأشاعوا الرفض، وبثوا دعاة فأفسدوا عقائد جبال ~~الشام، كالنصيرية والدروزية. وكان القداح ms0795 كاذبا مخرقا، وهو أصل دعاة ~~القرامطة. انتهى. وقال ابن خلكان: اختلف في نسبهم، فقال صاحب تاريخ ~~القيروان: هو عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. انتهى. ~~PageV01P0412 # وقال غيره: هو عبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور في قول صاحب ~~تاريخ القيروان. وقيل: هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن ~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. وقيل: هو عبيد ~~الله بن التقي بن الوفي بن الرضي، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون في ~~ذات الله. والرضي المذكور هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر. واسم التقي ~~الحسين. واسم الوفي أحمد. واسم الرضي عبد الله. وإنما استتروا خوفا على ~~أنفسهم لأنهم كانوا مطلوبين من جهة الخلفاء من بني العباس، لأنهم علموا أن ~~فيهم من يروم الخلافة، أسوة غيرهم من العلويين، وقضاياهم ووقائعهم في ذلك ~~مشهورة. وإنما تسمى المهدي عبيد الله استتارا. هذا عند من يصحح نسبه ففيه ~~اختلاف كثير. وأهل العلم بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب. ~~وقيل: هو عبيد الله بن الحسين بن علي بن محمد بن علي الرضي بن موسى الكاظم ~~بن جعفر الصادق. وقيل: هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسين بن ~~محمد بن زين العابدين بن محمد بن الحسين، وإنما سمى نفسه عبيد الله ~~استتارا. وهذا أيضا على قول من يصحح نسبهم. والذي ينكر نسبه يقول: اسمه ~~سعيد، ولقبه عبيد الله، وزوج أمه الحسين بن أحمد القداح، كان كحالا يقدح ~~العين إذا نزل فيها ماء. وقال ابن خلكان: وجاء المعز من إفريقية وكان يطعن ~~في نسبه. فلما قرب من البلد يعني مصر وخرج الناس للقائه، اجتمع به جماعة من ~~الأشراف، فقال له من بينهم الشريف عبد الله بن طباطبا: إلى من ينتسب ~~مولانا؟ فقال له المعز: سنعقد مجلسا ونسرد ms0796 عليكم نسبنا. فلما استقر المعز ~~بالقصر جمع الناس في مجلس عام وجلس لهم وقال: هل بقي من رؤسائكم أحد؟ ~~فقالوا: لم يبق معتبر، فسل عند ذلك نصف سيفه وقال: هذا نسبي! ونثر عليهم ~~ذهبا كثيرا، وقال: هذا حسبي! فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا. قلت: وفي نسب ~~المعز أقوال كثيرة أخر أضربت عن ذكرها خوف الإطالة. والظاهر أنه ليس بشريف، ~~وأنه مدع. والله أعلم. واستمر بالقاهرة إلى أن مرض بها وتوفي يوم الجمعة ~~السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وثلاثمائة، وله ست وأربعون ~~سنة، وقام ولده العزيز نزار بعده بالأمر. وأقام المعز واليا ثلاثا وعشرين ~~سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما، منها بمصر ثلاث سنين، وباقي ولايته كانت ~~بالمغرب، وخلف عشرة أولاد: نزارا الذي ولي مصر بعده وعبد الله وعقيلا وسبع ~~بنات. وأقام بتدبير مملكة ولده العزيز جوهرا القائد باني القاهرة وصاحب ~~جامع الأزهر المقدم ذكره. قال ابن خلكان: إنه توفي يوم الجمعة الحادي عشر ~~من شهر ربيع الآخر. وقيل: الثالث عشر و قيل لسبع خلون منه. فخالف ما قلنا ~~في اليوم والشهر إلا أنه وافق في السنة. قال: ومعد بفتح الميم والعين ~~المهملة وتشديد الدال المهملة. انتهى. قلت: وكان المعز عاقلا حازما أديبا ~~جوادا ممدحا، فيه عدل وإنصاف للرعية، فمن عدله ما حكي عنه أن زوجة الإخشيذ ~~الذي كان ملك مصر لما زالت دلتهم أودعت عند يهودي بغلطاقا كله جوهر، ثم ~~فيما بعد طالبته فأنكر، فقالت: خذ كم البغلطاق وأعطني ما فضل فأبى، فلم تزل ~~به حتى قالت: هات الكم وخذ الجميع فلم يفعل، وكان في البغلطاق بضع عشرة ~~درة، فأتت المرأة إلى قصر المعز فأذن لها فأخبرته بأمرها، فأحضره وقرره فلم ~~يقر، فبعث إلى داره من خرب حيطانها فظهرت جرة فيها البغلطاق، فلما رآه ~~المعز تحير من حسنه، ووجد اليهودي قد أخذ من صدره درتين، فاعترف أنه باعهما ~~بألف وستمائة دينار، فسلمه المعز بكماله للمرأة. فاجتهدت أن يأخذه المعز ~~هدية أو بثمن فلم يفعل، فقالت: يا مولاي، ms0797 هذا كان يصلح لي وأنا صاحبة مصر، ~~وأما اليوم فلا، فلم يقبله المعز وأخذته وانصرفت. وكان المعز قد أتقن فنونا ~~من العلم والأدب. ومن شعره قوله: لله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر في ~~المعاجر مضى وأقضى في النفو ... س من الخناجر في الحناجر ولقد تعبت ببينكم ~~... تعب المهاجر في الهواجر ### || AUT ركوب الخلفاء الفاطميين # في أول العام من كل سنة والمعز هذا هو الذي استسن ذلك كله، فكان أمره ~~إذا كان أواخر ذي الحجة من كل سنة انتصب كل من المستخدمين في الأماكن الآتي ~~ذكرها لإخراج آلات الركوب: PageV01P0413 # فيخرج من خزائن الأسلحة ما يحمله صبيان الركاب حول الخليفة، من الصماصم ~~المصقولة المذهبة، والدبابيس الملبسة الكيمخت الأحمر والأسود مدورة الرأس ~~مضرسة، ولتوت رؤوسها مستطيلة، وآلات يقال لها المستوفيات، وهي عمد حديد طول ~~ذراعين مربعة الشكل، لها مقابض مدورة في اليد، وعدد معلومة أيضا من كل صنف ~~يتسلمها نقباؤهم، وستمائة حربة بأسنة مصقولة تحتها جلب فضة، كل اثنتين في ~~شرابة تعطى لثلاثمائة عبد من السودان الشباب يقال لهم أرباب السلاح الصغير ~~ويعطى لكل منهم درقة. هذا من خزائن السلاح. ثم يخرج من خزائن التجمل، وهي ~~من حقوق خزائن السلاح، القضب الفضة برسم تشريف الوزير وأرباب الرتب من ~~الأمراء والعساكر من الرجالة والمشاة، وهي رماح ملبسة بأنابيب الفضة ~~المنقوشة بالذهب سوى ذراعين منها، فإنها مشدودة بالمعاجر الشرب الملونة، ~~وتبقى أطرافها المرقومة مسبلة كالسناجق، وبرأس كل رمح رمامين فضة منفوخة ~~وأهلة مجوفة وفيها جلاجل لها حس إذا تحركت، وعدتها مائة رمح. ومن العماريات ~~وهي شبه الكجاوات مائة عمارية ملبسة بالديباج الأحمر والأصفر والسقلاطون ~~مبطنة مضبوطة بزنانير من حرير، وعلى دائر التربيع مناطق بكوامخ فضة مسمورة ~~في جلد. ويخرج للوزير لواءان على رمحين ملفوفين غير منشورين، فيسيران أمام ~~الوزير. ثم يسير للأمراء أرباب الرتب في الخدم، أولهم صاحب الباب عشر قصبات ~~وعشر عماريات. وللإسفهسالار مثل ذلك عدة عماريات بألوان مختلفة، ومن سواهما ~~من الأمراء خمس. ثم يخرج من البنود الخاص الدبيقي المرقوم الملون برماح ~~ملبسة ms0798 بالأنابيب، على رؤوسها الرمامين والأهلة للوزير أيضا خاصة. ودون هذه ~~البنود مما هو حرير على رماح غير ملبسة، رؤوسها ورمامينها نحاس مجوف مذهب، ~~أمام الأمراء المذكورين. ثم يخرج لقوم يقال لهم السريرية سلاح، كل قطعة طول ~~ثلاث أذرع برأسها طلعة مصقولة وهي من خشب القنطارية داخلة في الطلعة، وفي ~~عقبها حديد مدور السفل، فهي في كف حاملها الأيمن، وهو يفتلها فتلا متدارك ~~الدوران، وفي يده اليسرى نشابة كبيرة يخطر بها. ثم يخرج من النقارات حمل ~~خمسين بغلا على خمسين بغلا، على كل بغل خمس مثل الكوسات يقال لها طبول. ~~قلت: ولها حس مستحسن. ويسيرون في المواكب ثلاثا. ثم يخرج لقوم متطوعين ليس ~~لهم جراية ولا نفقة، وعدتهم مائة رجل، لكل واحد درقة من درق اللمط واسعة ~~وسيف، ويسيرون رجالة. هذا ما يخرج من خزائن السلاح. ثم يحضر حامي خزائن ~~السروج، وهو من الأستاذين المحنكين، إليها مع مشارفها وهو من الشهود ~~المعدلين، فيخرج منها من خاص الخليفة من الركاب المحلى ما هو برسم ركوبه، ~~وما يجنب في الموكب مائة سرج تشد على عدة حصن. ويقال: كل مركب مصوغ من ذهب ~~وفضة، أو من ذهب منزل فيه المينا، وروادفها وقرابيسها من نسبتها. ومنها ~~مرصع بحب اللؤلؤ الفائق. والخيل مطوقة بأعناق الذهب وقلائد العنبر، وفي ~~أيدي أكثرها خلاخل مسطحة بالذهب، ومكان الجلد من السروج الديباج الأحمر ~~والأصفر وغيرهما من الألوان المنقوشة، قيمة كل دابة وما عليها ألف دينار. ~~فيشرف الوزير منها بعشرة لركوبه وأولاده ومن يشاء من أقاربه. ويتسلم ذلك ~~كله عرفاء الإصطبلات. PageV01P0414 # ثم يخرج من الخزانة أيضا لأرباب الدواوين المرتبين في الخدم مراكب على ~~مقدارهم، عليها من العدة دون ما تقدم ذكرهم، وعدتهم ثلاثمائة خيل وبغال. ثم ~~ينتدب حاجب يفرق لأرباب الخدم كل واحد سيفا وقلما، فيحضر سحر اليوم المذكور ~~إلى منازل أرباب الخدم بالقاهرة ومصر، ولهم رسوم من الركاب من دينار إلى ~~نصف دينار إلى ثلث دينار. فإذا تكمل ما وصفنا وتسلمه أربابه من العرفاء ~~يجلس الخليفة في الشباك لعرض الخيل ms0799 الخاص المقدم ذكرها، ويقال له يوم عرض ~~الخيل، فيستدعى الوزير بصاحب الرسالة، وهو من كبار الأستاذين المحنكين، ~~فيمضي مسرعا على حصان دهراج، فيعود ويعلم باستدعاء الوزير، فيخرج الخليفة ~~من مكانه راكبا في القصر والناس بين يديه مشاة، فينزل بالسدلا بدهليز باب ~~الملك الذي فيه الشباك، وعليه ستر، فيقف زمام القصر من جانبه الأيمن وصاحب ~~بيت المال من جانبه الأيسر. فيركب الوزير من داره وبين يديه الأمراء. ~~فيترجل الأمراء من باب القصر والوزير راكب، ويدخل من باب العيد في هذا ~~اليوم، وينزل عند أول الدهاليز الطوال، ويمشي وحوله حاشيته وأقاربه إلى ~~الشباك، فيجلس على كرسي جيد ورجلاه تطأ الأرض. فعندما يجلس يرفع الأستاذان ~~جانبي الستر الذي على الخليفة. فإذا رأى الوزير الخليفة وقف وسلم وخدم بيده ~~إلى الأرض خمس مرات. ثم يؤذن له في الجلوس على كرسيه، ويقرأ القراء آيات ~~لائقة بذلك الحال نصف ساعة. ثم تعرض الخيول كالعرائس بأيدي شداديها، فيقرأ ~~القراء عند تمام العرض ويرخى جنبات الستر. ويقوم الوزير فيدخل ويقبل يد ~~الخليفة ورجله، ثم ينصرف فيركب من مكان نزوله والأمراء في ركابه ركبانا ~~ومشاة إلى قريب من داره. فإذا صلى الإمام الظهر جلس الخليفة لعرض ما يلبسه ~~في الغد من خزائن الكسوة الخاصة، ويكون لباسه البياض، فيعين منديلا خاصا ~~وبدلة. ويتسلم المنديل شاد التاج الشريف، ويقال له شد الوقار، وهو من ~~الأستاذين المحنكين وله ميزة، فيشدها شدة غريبة لا يعرفها سواه، شكل ~~الإهليلجة. ثم يحضر إليه اليتيمة، وهي جوهرة عظيمة لا تعرف لها قيمة، فتنظم ~~وحولها ما هو دونها من الجواهر، وهي موضوعة في هلال من ياقوت أحمر ليس له ~~مثال في الدنيا، زنته أحد عشر مثقالا، وقيل أكثر، يقال له الحافر، فتنظم في ~~خرقة حرير أحسن ما يمكن من الوضع، ويخاط على التاج بخياطة خفيفة، فيكون ذلك ~~بأعلى جبهة الخليفة، وبدائرها قصب الزمرد الذبابي العظيم القدر. ثم يؤمر ~~بشد المظلة التي تشاكل تلك البدلة، وهي اثنا عشر شوزكا، عرض أسفل كل شوزك ~~شبر وطوله ثلاث أذرع وثلث، ms0800 وآخر الشوزك من فوق دقيق جدا. فيجتمع ما بين ~~الشوازك في رأس عمودها دائرة. والعمود من الزان ملبس بأنابيب الذهب. وفي ~~آخر أنبوبة تلي الرأس فلكة بارزة قدر عرض إبهام. فيشد آخر الشوازك في حلقة ~~ذهب. وللمظلة أضلاع من خشب الخلنج مربعات مكسوة بالذهب على عدد الشوازك ~~خفاف بطول الشوازك. وفيها خطاطيف لطاف، وحلق يمسك بعضها بعضا تنضم وتنفتح، ~~ورأسها كالرمانة، ويعلوه أيضا رمانة صغيرة كلها ذهب مرصع بجوهر، ولها رفرف ~~دائر عرضه أكثر من شبر ونصف، وتحت الرمانة عنق مقدار ست أصابع. فإذا أدخلت ~~الحلقة الذهب الجامعة لآخر الشوازك في رأس العمود ركبت عليها الرمانة ولفت ~~في عرضي دبيقي مذهب، فلا يكشفها منه إلا حاملها عند تسليمها وقت الركوب. ثم ~~يؤمر بشد لواءي الحمد المختصين بالخليفة، وهما رمحان طويلان ملبسان بمثل ~~أنابيب عمود المظلة إلى حد نصفهما برأسهما لواءان من حرير أبيض مرقومان ~~بالذهب ملفوفان على رماحهما، ويخرجان بخروج المظلة، فيحملهما أميران. ثم ~~يخرج إحدى وعشرون راية لطيفة من حرير مرقوم، ملونة بكتابة في كل واحدة بما ~~يخالف لونها ونص كتابتها: " نصر من الله وفتح قريب " . طول كل راية ذراعان ~~في ذراع ونصف، فتسلم لواحد وعشرين رجلا. ثم يخرج رمحان في رؤوسهما أهلة من ~~ذهب في كل واحد سبع من ديباج أحمر وأصفر، وفي فمه طارة مستديرة، يدخل فيها ~~الريح فينفتحان فيظهر شكلهما، ويتسلمهما فارسان يسيران أمام الرايات. ثم ~~يخرج السيف الخاص، وحليته ذهب مرصعة بالجواهر، في خريطة مرقومة بالذهب، لا ~~يظهر سوى رأسه، فيخرج مع المظلة، وحامله أمير، عظيم القدر، وهو أكبر حامل. ~~PageV01P0415 # ثم يخرج الرمح، وهو رمح لطيف، في غلاف منظوم من لؤلؤ، وله سنان مختصر ~~بحلية ذهب وله شخص مختص بحمله. ودرقة بكوامخ ذهب وسيعة، تنسب إلى حمزة بن ~~عبد المطلب، في غشاء حرير، فيحملها أمير مميز له جلالة. ثم يعلم الناس سلوك ~~الموكب. والموكب ذورتان، إحداهما كبرى، وهي من باب القصر إلى باب النصر، ~~مارا إلى الحوض، حوض عز الملك. ثم ينعطف على اليسار إلى ms0801 باب الفتوح إلى ~~القصر. والآخرى هي الصغرى، إذا خرج من باب النصر سار حول السور ودخل من باب ~~الفتوح إلى القصر. فكان إذا ركب ساروا بين يديه بغير اختلال ولا تبديل. ~~فإذا أصبح الصبح يوم غرة العام اجتمع أرباب الرتب من القاهرة ومصر وأرباب ~~السيوف والأقلام، فصفوا بين القصرين، ولم يكن فيه بناء كاليوم بل كان خلاء. ~~ويبكر الأمراء إلى دار الوزير، فيركب الوزير من غير استدعاء، ويسير أمامه ~~تشريفه المقدم ذكره، والأمراء بين يديه ركابا ومشاة، وأمامه بنوه وإخوته، ~~وكل منهم يرخي الذؤابة بغير حنك، وهو في أبهة عظيمة من الثياب الفاخرة ~~والمنديل بالحنك، متقلدا سيفا مذهبا، فيدخل أهله عند القصر في أخص مكان لا ~~يصل الأمراء إليه، ويدخل الوزير من باب القصر راكبا وحده إلى دهليز العمود، ~~فينزل على مصطبة هناك ويمشي إلى القاعة ويجلس بها. فإذا دخلت الدابة لركوب ~~الخليفة وأسندت إلى الكرسي الذي يركب عليه الخليفة من باب المجلس أخرجت ~~المظلة إلى حاملها، فيكشفها بإعانة جماعة من الصقالبة برسم خدمتها، فيركزها ~~في آلة من حديد متخذة شكل القرن المصطحب، وهو مشدود في ركاب حاملها الأيمن ~~بقوة وتأكيد بعقبها، فيمسك العمود بحاجز فوق يده فيبقى وهو منتصب لا يضطرب ~~في ريح عاصف. ثم يخرج السيف فيتسلمه حامله، فإذا تسلمه أرخى ذؤابته، فلا ~~تزال مرخاة ما دام حاملا له. ثم تخرج الدواة فيتسلمها حاملها، وهو من ~~الأستاذين المحنكين، وهي الدواة التي كانت من أعاجيب الزمان، وهي من الذهب، ~~وحليتها من المرجان، تلف في منديل شرب بياض مذهب. وفيها يقول بعض الشعراء: ~~ألين لداود الحديد كرامة ... فقدره في السرد كيف يريد ولان لك المرجان وهو ~~حجارة ... على أنه صعب المرام شديد ثم يخرج الوزير ومن معه وينضم إليه ~~الأمراء، فيقف إلى جانب الدابة، فيرفع صاحب المجلس الستر، فيخرج منه ~~الخليفة بالهيئة المشروحة قبل تاريخه: من الثياب والمنديل الحامل لليتيمة ~~بأعلى جبهته، وهو محنك مرخى الذؤابة مما يلي جانبه الأيسر، متقلد سيفا ~~عربيا وبيده قضيب الملك، وهو طول شبر ونصف، ms0802 من عود مكسو بالذهب المرصع ~~بالجوهر، فيسلم على الوزير قوم مرتبون لذلك، ويسلمون على أهله وعلى الأمراء ~~بعدهم. ثم يخرجون شيئا بعد شيء إلى أن يبقى الوزير فيخرج بعدهم، ويركب ويقف ~~قبالة باب القصر إلى أن يخرج الخليفة وحوله الأستاذون، ودابته تمشي على بسط ~~مفروشة خيفة أن تزلق على الرخام. فعندما يقرب من الباب يضرب رجل ببوق من ~~ذهب لطيف معوج الرأس، يقال له العربانة، بصوت عجيب يخالف أصوات البوقات، ~~فتضرب أبواق الموكب وتنشر المظلة، ويخرج الخليفة من الباب فيقف مقدار ما ~~يركب الأستاذون المحنكون وأرباب الرتب الذين كانوا بالقاعة. ثم يسيرون ~~والمظلة على يسار الخليفة وصاحبها يبالغ ألا يزول عنه ظلها، وصبيان الركاب، ~~منهم جماعة كبيرة من الشكيمتين، وجماعة أخرى في عنق الدابة، وجماعة أخرى في ~~ركابيه. فالأيمن مقدم المقدمين، وهو صاحب المقرعة التي يناولها للخليفة ~~ويتناولها منه، ويؤدي عن الخليفة الأوامر والنواهي مدة ركوبه. PageV01P0416 # ويسير الموكب وبأوله أخلاط بعض العسكر، ثم الأماثل، ثم أرباب المناصب، ثم ~~أرباب الأطواق، ثم الأستاذون المحنكون، ثم حاملا لواءي الحمد من الجانبين، ~~ثم حامل الدواة، وموضعها من حاملها بينه وبين قربوس السرج، ثم صاحب السيف ~~وهما في الجانب الأيسر. وكل ممن تقدم ذكره بين العشرة والعشرين من أصحابه. ~~وأهل الوزير من الجانب الأيمن بعد الأستاذين المحنكين، ثم الخليفة وحوله ~~صبيان الركاب المذكورة تفرقة السلاح فيهم،، وهم ما يزيد على ألف رجل، ~~وعليهم المناديل الطبقيات يتقلدون بالسيوف، وأوساطهم مشدودة بمناديل، ~~والسلاح مشهور بأيديهم، من جانبي الخليفة كالجناحين، وبينهم فرجة لوجه ~~الدابة ليس فيها أحد. وبقرب من رأس الدابة صقلبيان محملان مذبتين، كل ~~واحدة، كالنخلتين، لما يسقط من طائر وغيره، وهو سائر على تؤدة ورفق. وبطول ~~الموكب والي القاهرة رائح وعائد يفسح الطرقات ويسير الفرسان، فيلقى في عوده ~~الإسفهسالار كذلك في حث الأجناد في الحركة وينكر على المزاحمين، ويلقى أيضا ~~في عوده صاحب الباب بمن في زمرة الخليفة إلى أن يصل إلى الإسفهسالار، فيعود ~~لترتيب الموكب، وبيد كل منهم دبوس. وخلف دابة الخليفة قوم من ms0803 صبيان الركاب ~~لحفظ أعقابه، وخلفهم أيضا أخر يحمل كل واحد سيفا في خريطة ديباج أحمر وأصفر ~~بشراريب، يقال لها سيوف الدم لضرب الأعناق. ثم صبيان السلاح الصغير أرباب ~~الفرنجيات المقدم ذكرهم أولا. ثم يأتي الوزير وفي ركابه قوم من أصحابه وقوم ~~يقال لهم صبيان الزرد من أقوياء الأجناد، يختارهم لنفسه نحو من خمسمائة رجل ~~من جانبيه، كأنه على قلق من حراسة الخليفة، ويجتهد ألا يغيب عن نظره، وخلفه ~~الطبول والصنوج والصفافير، بحيث تدوي منهم الدنيا في عدد كثير. ثم يأتي ~~حامل الدرقة والرمح. ثم طوائف الرجال من الركابية والجيوشية وقبلهما ~~المصامدة، ثم الفرنجية، ثم الوزيرية زمرة بعد زمرة في عدد وافر يزيد على ~~أربعة آلاف نفر، ثم أصحاب الرايات، ثم طوائف العساكر من الآمرية والحافظية ~~والحجرية الكبار والحجرية الصغار والصقلية، ثم الأتراك المصطنعون، ثم ~~الديلم، ثم الأكراد والغز المصطنعة وهم البحرية. ويقدم هذه الفرسان عدة ~~وافرة من المترجلة أرباب قسي اليد وقسي الرجل في نيف وخمسمائة نفر، وهم ~~المعدون للأساطيل، وجملنهم نحو ثلاثة آلاف وأكثر. وهؤلاء الذين ذكرناهم بعض ~~من كل لا جميع عسكر الخليفة. ثم يدخلون من باب الفتوح ويقفون بين القصرين ~~كما كانوا. فإذا وصل الخليفة إلى موضع جامع الأقمر الآن وقف وقفة وانفرج ~~الموكب، فيمر الموكب بالخليفة، ويسكع الوزير ليظهر للناس خدمته، ويشير إليه ~~الخليفة بالسلام إشارة خفيفة، وهذه أعظم مكارمة تصدر عن الخليفة، وهي ~~للوزير صاحب السيف خاصة، فيسبق إذا لدخول الباب بالقصر راكبا إلى موضعه على ~~العادة، خاصة له، والأمراء مشاة. فيصل الخليفة إلى الباب وقد ترجل الوزير ~~وقبله الأستاذون المحنكون، فيحدقون به، والوزير أمام الدابة إلى أن ينزل ~~الخليفة، فيخرج الوزير ويركب من مكانه، والأمراء في خدمته وأقاربه بين ~~يديه، فيسيرون إلى داره فيسلمون وينصرفون إلى أماكنهم، فيجدون قد أحضر ~~إليهم المقرر من الخليفة، يأمر بضرب دنانير ورباعية ودراهم في العشر الأخير ~~من ذي الحجة، عليها تاريخ السنة التي ركب فيها، فيحمل للوزير منها شيء كثير ~~وإلى أولاده وأقاربه، ثم إلى أرباب الرتب من ms0804 أرباب السيوف والأقلام، من ~~عشرة دنانير إلى رباعي إلى قيراط وإلى دينار واحد، فيقبلون ذلك تبركا. ~~PageV01P0417 # ولا ينقطع الركوب من أول العام إلا متى شاء، ولا يتعدى ما ذكرناه في يومي ~~السبت والثلاثاء. فإذا عزم على الركوب في هذه الأيام أعلم بذلك، وعلامته ~~إنفاق الأسلحة في صبيان الركاب من خزائن السلاح. وكان أكثر ركوبه إلى مصر. ~~فإذا ركب ركب الوزير وراء الخليفة في أقل جمع مما تقدم ذكره في ركوب أول ~~العام. فيشق الخليفة القاهرة إلى جامع أحمد بن طولون إلى المشاهد إلى درب ~~الصفا، ويقال له الشارع الأعظم، إلى دار الأنماط إلى جامع مصر، فيجد ببابه ~~الشريف الخطيب واقفا على مصطبة فيها محراب مفروش بحصير معلق عليه سجادة، ~~وفي يده مصحف يقال إنه بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو من حاصله، ~~فيناول الشريف الخليفة المصحف فيأخذه ويقبله ويتبارك به، ويعطيه صاحب ~~الخريطة المقرر للصلاة ثلاثين دينارا، وهي رسمه كلما مر به الخليفة، ~~فيعطيها الشريف إلى مشارف الجامع، فيأخذ منها أربعة عشر دينارا، ويفرق ~~الباقي على القامة والمؤذنين خاصة. ثم يسير الخليفة إلى دار الملك، فينزلها ~~والوزير معه، وكلما مر من القصر إلى دار الملك بمسجد أعطى قيمه دينارا. ثم ~~تأتي المائدة من القصر وعدتها خمسون شدة على رؤوس الفراشين مع صاحب ~~المائدة، وهو أستاذ جليل إلا أنه ليس بمحنك، وفي شدة طيفور، فيه الأواني ~~الخاص، فيها من الأطعمة الخاص من كل نوع شهي وكل صنف من المطاعم العالية، ~~وله روائح عبقة مسك أرخية، وعلى شدة طرحة حرير تعلو الشدة. فيحمل الخليفة ~~إلى الوزير منها جزءا وافرا، ويعطي الأمراء ومن حضر، ثم يوصل إلى أهل مصر ~~من ذلك كثيرا من الفضلات. ثم يصلي الخليفة العصر ويتحرك إلى العود، والناس ~~في الطريق جلوس لنظره. وزيه في هذه الأيام لبس الثياب البياض المذهبة ~~والملونة، وهي العمامة، والمنديل مشدود، وشدته مفردة عن شدات الرعية، ~~وذؤابته تقرب من الجانب الأيسر، ويتقلد السيف العربي المجوهر بغير حنك ولا ~~مظلة ولا يتيمة، ولذلك ms0805 أوقات مخصوصة، فلا يمر بمسجد في طريقه إلا ويعطي ~~قيمه دينارا، كما جرى في الرواح. وينعطف من باب الخرق، فيدخل من بابي ~~زويلة، ويشق القاهرة إلى القصر. ويكون ذلك من المحرم إلى شهر رمضان، كما مر ~~في أول العام. وكان إذا ركب في أول العام يكتب إلى ولاة الأعمال والنواب ~~سجلات مخلقة يذكر فيها ركوب الخليفة. وهذا كله سوى ركوبه في شهر رمضان إلى ~~الخطبة، على ما سنذكر إن شاء الله تعالى. ### || AUT ركوب الخليفة في يومي عيد الفطر والنحر # PageV01P0418 # إذا تكملت عدة شهر رمضان، وهي عندهم أبدا ثلاثون يوما، وتهيأت الأمور، ~~كما تقدم ذكره، ركب الخليفة بالمظلة واليتيمة، ولباسه في هذا اليوم الثياب ~~البياض الموشحة، وهي أجل لباسهم، والمظلة أبدا زيها تابع لزي ثياب الخليفة. ~~ويخرج الخليفة من باب العيد إلى المصلى، وعساكره وأجناده من الفرسان ~~والرجالة زائدة على العادة موفورة العدد، فيقفون صفين من باب العيد إلى ~~المصلى. ويكون صاحب بيت المال قد تقدم على الرسم لفرش المصلى، فيفرش ~~الطراحات على رسمها في المحراب مطابقة، ويعلق سترين يمنة ويسرة، على الستر ~~الأيمن الفاتحة وسبح اسم ربك الأعلى، وعلى الأيسر الفاتحة و هل أتاك حديث ~~الغاشية، ويركز في جانبي المصلى لواءين مشدودين على رمحين قد لبست ~~أنابيبهما من الفضة، ويرخيهما، فيدخل الخليفة من شرقي المصلى إلى مكان ~~يستريح فيه قليلا، ثم يخرج محفوظا كما يخرج للجمعة، فيصلي بالتكبيرات ~~المسنونة والقوم من ورائه على ترتيبهم في صلاة الجمعة. ويقرأ في الأولى بعد ~~الفاتحة " سبح اسم ربك الأعلى " ، وفي الأخرى " الغاشية " ، ثم يصعد إلى ~~ذروة المنبر وعليها طراحة سامان، أو دبيقي، وباقي درجه مستور بالأبيض. ويقف ~~الوزير أسفل المنبر ومعه قاضي القضاة، وصاحب الباب، وإسفهسالار العساكر، ~~وصاحب السيف، وصاحب الرسالة، وزمام القصر، وصاحب دفتر المجلس، وصاحب ~~المظلة، وزمام الأشراف الأقارب، وصاحب بيت المال، وحامل الرمح، ونقيب ~~الأشراف الطالبيين. فيشير الخليفة إلى الوزير فيصعد ويقبل رجله بحيث يراه ~~الناس، ثم يقف على يمينه. ثم يشير إلى القاضي فيصعد إلى سابع درجة، فيشير ms0806 ~~إليه الخليفة فيخرج من كمه درجا أحضر إليه أمس من ديوان الإنشاء قد عرض على ~~الخليفة والوزير، فيقرؤه معلنا، وأوله البسملة ويليها ثبت بمن شرف بصعوده ~~المنبر الشريف في يوم كذا من سنة كذا من عبيد أمير المؤمنين، صلوات الله ~~عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، بعد صعود السيد الأجل. ويذكر ~~الوزير بألقابه ونعوته. ومرة يشرف الخليفة أحدا من أقارب الوزير، فيستدعيه ~~القاضي. ثم يتلو ذلك ذكر القاضي وهو القارىء فلا يسع القاضي أن يقول نعوت ~~نفسه بل يقول المملوك فلان ابن فلان. وقرأه مرة ابن أبي عقيل القاضي فقال ~~عن نفسه: العبد الذليل، المعترف بالصنع الجميل، في المقام الجليل، أحمد بن ~~عبد الرحمن بن أبي عقيل. أو غير ذلك بحسب ما يكون اسم القاضي. ثم يستدعي من ~~ذكرنا وقوفهم على باب المنبر، فيصعدون، وكل له مقام يمنة أو يسرة، ثم يشير ~~إليهم الوزير فيأخذ كل واحد نصيبا من اللواء الذي يحاذيه، فيسترون الخليفة ~~ويستترون، ثم يخطب الخليفة خطبة بليغة. فإذا فرغ كشفوا ما بأيديهم من ~~الألوية وينزلون أولا بأول القهقرى. ثم ينزل الخليفة إلى مكانه الذي خرج ~~منه، ويركب في زيه المفخم إلى قريب من القصر، فيتقدمه الوزير، كما ذكرنا، ~~ويدخل من باب العيد، فيجلس في الشباك، وقد نصب منه إلى فسقية كانت في وسط ~~الإيوان سماط طوله عشرون قصبة، عليه من الخشكنان والبستندود والبرماورد مثل ~~الجبل الشاهق، وفيه كل قطعة منها ربع قنطار فما دون ذلك إلى رطل، فيدخل ~~الناس فيأكلون ولا منع ولا حجر، فيمر ذلك بأيدي الناس، وليس هذا مما يعتد ~~به، بل يفرق إلى الناس، ويحمل إلى دورهم. ونذكر مصروفها في ترجمة العزيز، ~~فإنه أول من رتبها في عيد الفطر خاصة. ### || AUT سماط العيدين # PageV01P0419 # وأما سماط الطعام ففي يوم عيد الفطر اثنتان: أولى وثانية، وفي عيد النحر ~~مرة واحدة. ويعبى السماط في الليل، وطوله ثلاثمائة ذراع في عرض سبع أذرع، ~~وعليه من أنواع المأكل أشياء كثيرة. فيحضر إليه الوزير أول صلاة الفجر ~~والخليفة جالس في ms0807 الشباك، ومكنت الناس منه فاحتملوا ونهبوا ما لا يأكلونه، ~~ويبيعونه ويدخرونه. وهذا قبل صلاة العيد. فإذا فرغ من صلاة العيد مد السماط ~~المقدم ذكره فيؤكل، ثم يمد سماط ثان من فضة، يقال له المدورة، عليها أواني ~~الفضة والذهب والصيني، فيها من الأطعمة الخاص ما يستحى من ذكره. والسماط ~~بطول القاعة، وهو خشب مدهون شبه الدكك اللاطية، عرضه عشر أذرع. ويحط في وسط ~~السماط واحد وعشرون طبقا في كل طبق واحد وعشرون خروفا، ومن الدجاج ثلاثمائة ~~وخمسون طائرا، ومن الفراريج مثلها، ومن فراخ الحمام مثلها. وتتنوع الحلوى ~~أنواعا، ثم يمد بخلل تلك الأطباق أصحن خزفيات في جنبات السماط، في كل صحن ~~تسع دجاجات في ألوان فائقة من الحلوى، والطباهجة المفتقة بالمسك الكثير. ~~وعدة الصحون خمسمائة صحن، مرتب كل ذلك أحسن ترتيب. ثم يؤتى بقصرين من حلوى ~~قد عملا بدار الفطرة، زنة كل واحد سبعة عشر قنطارا، فيمضى بواحد من طريق ~~قصر الشوك إلى باب الذهب، ويشق بالآخر من الجانب الآخر، فينصبان أول السماط ~~وآخره. ثم يخرج الخليفة راكبا فينزل على السرير الذي عليه المدورة الفضة، ~~وعلى رأسه أربعة من كبار الأستاذين المحنكين، وأربعة من خواص الفراشين. ثم ~~يستدعي الوزير فيجلس عن يمينه، والأمراء ومن دونهم فيجلسون على السماط، ~~فيتداول الناس السماط، ولا يرد أحد عنه حتى يذهب عن آخره، فلا يقوم الخليفة ~~إلا قريب الظهر. ثم يخرج الوزير ويذهب إلى داره، ويعمل سماط يقارب سماط ~~الخليفة. وهكذا يقع في عيد النحر في أول يوم منه. انتهى الركوب في عيد الفطر. ### || AUT ركوب عيد الأضحى # وأما ركوب الخليفة في عيد الأضحى، فهو أيضا بالزي المقدم ذكره والصلاة ~~كذلك، إلا أن الركوب يكون في أيام متتابعة، أولها يوم العيد إلى المصلى، ثم ~~يركب ثاني يوم ثم ثالث يوم من باب الريح، وهو في ركن القصر، والباب مقابل ~~سعيد السعداء، وكان الموضع المذكور فضاء لا عمارة فيه، فيخرج الخليفة من ~~باب الريح، فيجد الوزير واقفا فيمشي بين يديه إلى المنحر، فينحر فيه ما شاء ms0808 ~~الله أن ينحر، ويعطي الرسوم. ورسوم الاضحية كرسوم ركوب الخليفة أول العام، ~~ويفرق الضحايا إلى المساجد وجوامع القاهرة وغيرها. فإذا انقضى ذلك خلع ~~الخليفة على الوزير ثيابه الحمر التي كانت عليه، ومنديلا آخر بغير اليتيمة ~~والعقد المنظوم عندما يطلع من المنحر، فيشق الوزير بذلك القاهرة إلى باب ~~زويلة، ويسلك على الخليج إلى باب القنطرة، ويدخل دار الوزارة، فلذلك يفضل ~~عيد النحر على عيد الفطر لكونه يخلع فيه على الوزير. ### || AUT الركوب لتخليق المقياس عند وفاء النيل # وأما الركوب لفتح خليج السد عند وفاء النيل، فهو يضاهي ركوبهم في أول ~~العام. نذكر منه على سبيل الاختصار نبذة يسيرة: إذا كان ليالي الوفاء حمل ~~إلى المقياس من المطابخ نحو عشرة قناطير خبز، وعشرة خراف مشوية، وعشر جامات ~~خلوى، وعشر شمعات، وتوجه القراء وأرباب الجوامع فيقرؤون تلك الليلة بجامع ~~المقياس حتى يكون الوفاء فيهتم الخليفة لذلك ويركب ويستدعي الوزير على ~~العادة، ويسير بالزي المقدم من غير مظلة، وينزل بالصناعة، ثم يركب العشاري، ~~ويدخل البيت المذهب في العشاري، ومعه من شاء من المحنكين ولا تزيد عدتهم ~~على أربعة نفر. ويطلع إلى العشاري خواص الخليفة وخواص الوزير، وهم اثنان أو ~~ثلاثة، والناس كلهم فيه قيام إلا الوزير فإنه يجلس. ثم يمر العشاري إلى ~~المقياس، ثم تساق أشياء من التجمل يطول شرحها من جنس ركوبه أول العام. ثم ~~يخرج بعد فراغه من تخليق المقياس ويركب العشاري ويعود إلى دار الملك بمصر ~~وتارة إلى المقس، ومن أحدهما إلى القاهرة في زي مهول من كثرة ما يهتم له من ~~العساكر والزينة والسلاح. ويكون هذا الركوب أولى وثانية، فالأولى في ليلة ~~يتوجه القراء والثانية يوم فتح الخليج. وعندما يفتح الخليج ينشده الشعراء ~~في المعني. فمن ذلك: فتح الخليج فسال منه الماء ... وعلت عليه الراية ~~البيضاء فصفت موارده لنا فكأنه ... كف الإمام فعرفها الإعطاء PageV01P0420 # وأما ركوبهم في المواكب في يومي الاثنين والخميس وغير ذلك، فأمر عظيم. ~~فأول الركوب ركوب متولي دفتر المجلس بالقصر الباطن. ويتضمن هذا الركوب ~~الإنعام بالعطاء بأداء ms0809 الرسوم والعطايا المفرقة في غرة السنة، ثم يأتي ركوب ~~وثالث ورابع وخامس. ### || AUT خزانة الكتب # وأما ### || AUT خزانة الكتب # ، فكانت في أحد مجالس البيمارستان العتيق اليوم، كان فيها ما يزيد على ~~مائة ألف مجلد في سائر العلوم، يطول الأمر في عدتها. وقد اختصرنا من أمور ~~الفاطميين نبذة كثيرة خشية الإطالة والخروج عن المقصود، وفيما ذكرناه ~~كفاية، ويعلم به أيضا أحوالهم بالقياس. وبما يأتي ذكرهم في عدة تراجم أيضا، ~~فإنهم ثلاثة عشر خليفة بمصر، نذكرهم إن شاء الله في هذا الكتاب كل واحد على حدته. ### || AUT خطبة شهر رمضان # PageV01P0421 # وأما خطبة الخليفة في شهر رمضان، فنذكرها من قول ابن عبد الظاهر. قال: ~~وأما عظم الخليفة في أيامه وما كانت قاعدته وطريقته التي رتبها ودامت من ~~بعده عادة لكل خليفة فشيء كثير، من ذلك: أنه كان يخطب في شهر رمضان ثلاث ~~خطب ويستريح فيه جمعة، وكانوا يسمونها جمعة الراحة. وكان إذا أراد أن يخطب ~~يتقدم متولي خزانة الفرش إلى الجامع ويغلق المقصورة التي برسم الخليفة ~~والمنظرة وأبواب مقاصيرها وباذهنج المنبر ثم يركب متولي بيت المال، وعلى يد ~~كل واحد منهما تعليقه وفرشه، وهي عدة سجادات مفروزة منطقة وبأعلاها سجادة ~~لطيفة، لا تكشف إلا عند توجه الخليفة إلى المحراب. ثم يفرش الجامع بالحصر ~~المحاريب المفروزة مما يلي المحراب وكان ذلك بجامع الأزهر قبل أن يبني ~~الحاكم جامعه، ثم صار بعد ذلك بجامع الحاكم ثم يهيأ للداخل للجامع مثل ذلك، ~~ثم يطلق البخور، وتغلق أبواب الجامع ويجعل عليها الحجاب والبوابون، ولا ~~يمكن أحد أن يدخله إلا من هو معروف من الخواص والأعيان. فإذا كان حضور ~~الخليفة إلى الجامع ضربت السلسلة من ركن الجامع إلى الوجه الذي قبالته، ولا ~~يمكن أحد من الترجل عندها. ثم يركب الخليفة، ويسلم لكل واحد من مقدمي ~~الركاب في الميمنة والميسرة أكياس الذهب والورق سوى الرسوم المستقرة ~~والهبات والصدقات في طول الطريق. ويخرج الخليفة من باب الذهب والمظلة بمشدة ~~الجوهر على رأسه، وعلى الخليفة الطيلسان. فعند ذلك يستفتح المقرئون ~~بالقراءة ms0810 في ركابه بغير رهجية، والدكاكين مزينة مملوءة بأواني الذهب ~~والفضة، فيسير الخليفة إلى أن يصل إلى وجه الجامع، ووزيره بين يديه، فتحط ~~السلسلة ويتم الخليفة راكبا إلى باب جامع الأزهر الذي تجاه درب الأتراك، ~~فينزل ويدخل من باب الجامع إلى الدهليز الأول الصغير ومنه إلى القاعة ~~المعلقة التي كانت برسم جلوسه، فيجلس في مجلسه وترخى المقرمة الحرير، ويقرأ ~~المقرئون وتفتح أبواب الجامع حينئذ. فإذا استحق الأذان أذن مؤذنو القصر ~~كلهم على باب مجلس الخليفة ورئيس الجامع على باب المنبر وبقية المؤذنين في ~~المآذن. فعندما يسمع قاضي القضاة الأذان يتوجه إلى المنبر فيقبل أول درجة، ~~وبعده متولي بيت المال ومعه المبخرة وهو يبخر، ولم يزالا يقبلان درجة بعد ~~درجة إلى أن يصلا ذروة المنبر، فيفتح القاضي بيده التزرير ويرفع الستر، ~~ويتناول من متولي بيت المال المبخرة ويبخر هو أيضا، ثم يقبلان الدرج أيضا ~~وهما نازلان. وبعد نزولهما يخرج الخليفة والمقرئون بين يديه بتلك الأصوات ~~الشجية إلى أن يصل إلى المنبر ويصعد عليه. فإذا صار بأعلاه أشار للوزير ~~بالطلوع فيطلع إليه وهو يقبل الدرج حتى يصل إليه فيزر عليه القبة، ثم ينزل ~~الوزير ويقف على الدرجة الأولى ويجهر المقرئون بالقراءة، ثم يكبر المؤذنون ~~ثم يشرع المؤذنون في الصمت، ويخطب الخليفة، حتى إذا فرغ من الخطبة طلع إليه ~~الوزير وحل الأزرار فينزل الخليفة، وعن يمينه الوزير وعن يساره القاضي ~~والداعي بين يديه والقاضي والداعي هما اللذان يوصلان الأذان إلى المؤذنين ~~حتى يدخل المحراب ويصلي بالناس ويسلم. فإذا انقضت الصلاة أخذ لنفسه راحة ~~بالجامع بمقدار ما تعرض عليه الرسوم وتفرق، وهي للنائب في الخطابة ثلاثة ~~دنانير، وللنائب في صلوات الخمس ثلاثة دنانير، وللمؤذنين أربعة دنانير، ~~ولمشارف خزانة الفرش وفراشها ومتوليها لكل ثلاثة دنانير، ولصبيان بيت المال ~~ديناران، ولمعبي الفاكهة ديناران. وأما القراء فكان لهم رسوم غير ذلك. ومن ~~حين يركب الخليفة من القصر إلى الجامع حتى يعود، الصدقات تعم الناس. قلت: ~~وأظن أن الدينار كان غير دينار زماننا هذا، فإنه قال بعدما ذكر لمعبي ms0811 ~~الفاكهة دينارين: فأما الفواكه التي كانت تعبى بالجامع فإنها كانت تباع ~~بجملة كثيرة ويتزاحم الناس على شرائها لبركاتها ويقسم ثمنها بين الإمام ~~والمؤذنين. قلت: ولعل هذا كان رسما للمعبي غير ثمن الفاكهة. والله أعلم. ~~ودام هذا الترتيب إلى آخر وقت، إلى أيام العاضد آخر خلفاء مصر من بني عبيد. ~~ونذكر أيضا في ترجمة الآمر بأحكام الله من العبيديين كيفية خروج الخليفة ~~إلى الجامع بأزيد من هذا عندما نحكي ما كان يقع له من الوجد في خطبته، إن ~~شاء الله تعالى. انتهى ترجمة المعز لدين الله، رحمه الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من ولاية المعز معد # PageV01P0422 # وهي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة: فيها أعاد عز الدولة بختيار النوح في يوم ~~عاشوراء إلى ما كان عليه. وفيها أظهر الخليفة المطيع ما كان يستره من علته ~~وثقل لسانه وتعذر الحركة عليه للفالج الذي كان ناله قديما، وانكشف ذلك ~~لسبكتكين، فدعا الخليفة المطيع إلى خلع نفسه وتسليم الأمر إلى ولده الطائع ~~لله عبد الكريم ففعل ذلك، وعقد له الأمر في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ~~ذي القعدة من السنة المذكورة. فكانت خلافته إلى أن خلع نفسه تسعا وعشرين ~~سنة وأربعة أشهر وأربعة وعشرين يوما. وصورة ما كتب: هذا ما أشهد على متضمنه ~~أمير المؤمنين الفضل المطيع لله بن المقتدر بالله، حين نظر لدينه ورعيته ~~وشغل بالعلة الدائمة عما كان يراعيه من الأمور الدينية اللازمة، وانقطع ~~إفصاحه عما يجب عليه لله في ذلك، فرأى اعتزال ما كان إليه من هذا الأمر ~~وتسليمه إلى ناهض به قائم بحقه ممن يرى له الرأي. عقده له وأشهد بذلك طوعا ~~وذكر التاريخ المذكور. وفي آخره بخط القاضي أبي الحسن محمد بن صالح: شهد ~~عندي بذلك أحمد بن حامد بن محمد، وعمر بن محمد بن أحمد، وطلحة بن محمد بن ~~جعفر. قلت: وانقطع المطيع بداره، وكان يسمى بعد ذلك الشيخ الصالح إلى أن ~~مات في سنة أربع وستين وثلاثمائة، على ما يأتي ذكره في الآتية إن شاء الله ~~تعالى. وفيها ms0812 توفي عبد العزيز بن أحمد بن جعفر، الفقيه الحنبلي العالم ~~المشهور، مولده سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وصنف المصنفات الكبيرة، منها ~~كتاب المقنع مائة جزء وكتاب الكافي مائتي جزء و الشافي ثمانين جزءا، وأشياء ~~غير ذلك، ومات في شوال. وفيها توفي أبو الفتح علي بن محمد بن أبي الفتح ~~البستي، الشاعر المشهور، وكان إماما فاضلا، يعاني الجناس. ومن شعره قوله: ~~يا أيها الذاهب في مكره ... مهلا فما المكر من المكرمات عليك بالصحة فهي ~~المنى ... يحيا محياك إذا المكرمات وفيها توفي محمد بن أحمد بن سهل أبو بكر ~~الرملي المعروف بابن النابلسي الزاهد المشهور. بعث إليه كافور الإخشيذي ~~بمال، فرده وقال للرسول: قل لكافور: قال الله تعالى: " إياك نعبد وإياك ~~نستعين " فالاستعانة بالله وكفى. فرد كافور الرسول بالمال وقال: قل له: " ~~له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى " فأين ذكر كافور ~~ها هنا! الملك والمال لله. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي جمح بن القاسم المؤذن، وأبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد ~~صاحب الخلال، وأبو بكر محمد ابن أحمد بن سهل الرملي بن النابلسي الشهيد، ~~وأبو العباس محمد بن موسى ابن السمسار، ومظفر بن حاجب بن أركين، والنعمان ~~بن محمد أبو حنيفة المغربي الباطني قاضي مملكة المعز، وكان حنفي المذهب لأن ~~الغرب كان يوم ذاك غالبه حنفية، إلى أن حمل الناس على مذهب مالك فقط المعز ~~بن باديس الآتي ذكره. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من ولاية المعز معد # وهي سنة أربع وستين وثلاثمائة: فيها في المحرم أوقع العيارون ببغداد ~~حريقا من الخشابين إلى باب الصغير، فاحترق أكثر هذا السوق، وهلك شيء كثير. ~~وأستفحل أمر العيارين ببغداد حتى ركبوا الجند وتلقبوا بالقواد وغلبوا على ~~الأمور، وأخذوا الخفارة عن الأسواق والدروب. وكان فيهم أسود يقال له الزبد، ~~كان يأوي قنطرة الزبد يشحذ وهو عريان. فلما كثر ms0813 الفساد رأى هذا الأسود من ~~هو أضعف منه قد أخذ بالسيف، فطلب الأسود سيفا ونهب وأغار، وحف به طائفة ~~وتقوى وأخذ أموال الناس، وتمول حتى اشترى جارية بألف دينار، فراودها ~~فتمنعت، فقال: ما تكرهين مني؟ قالت: أكرهك كلك، قال: ما تحبين؟ قالت: ~~تبيعني، قال: أو أفعل خيرا لك من ذلك، فحملها إلى القاضي وأعتقها ووهبها ~~ألف دينار، فتعجب الناس من سماحته. ثم خرج إلى الشام فهلك هناك. ~~PageV01P0423 # وفيها خرج الخليفة الطائع ومعه سبكتكين من بغداد في المحرم يريدان واسطا ~~لقتال بختيار، فمات الخليفة المطيع الفضل في يوم الاثنين لثمان بقين من ~~المحرم. وكان المطيع قد خرج مع ولده الخليفة الطائع يريد واسطا، فرده ولده ~~في تابوت إلى بغداد فدفن بها، ثم مات سبكتكين بعده بيوم واحد، فحمل أيضا ~~إلى بغداد. وكان أصل سبكتكين من مماليك عز الدولة الأتراك، وخلع عليه ~~الخليفة الطائع بالإمارة عوضا عن أستاذه عز الدولة، وخرجا لقتاله فمات. ~~وكانت مدة إمارته شهرين وثلاثة عشر يوما. ولما مات سبكتكين عقد الأتراك ~~لأفتكين الرامي مولى معز الدولة، وكان أعور، وأطاعوه. وعرض عليه الطائع ~~اللقب فامتنع واقتصر على الكنية. وعمل على لقاء عز الدولة، فاستنجد عز ~~الدولة بابن عمه عضد الدولة فنجده، وقاتل الأتراك وكسرهم بعد حروب كثيرة. ~~ثم طمع عضد الدولة في الإمارة وعزله عز الدولة، وخلع عليه الخليفة الطائع ~~مكانه، وعظم أمر عضد الدولة بعد ذلك. وفيها توفي الخليفة المطيع لله أبو ~~القاسم الفضل أمير المؤمنين المقدم ذكر وفاته لما خرج مع ولده الطائع. وهو ~~ابن الخليفة المقتدر جعفر ابن الخليفة المعتضد أبي العباس أحمد الهاشمي ~~العباسي. وأمه أم ولد اسمها مشعلة. بويع بالخلافة بعد المستكفي في سنة أربع ~~وثلاثين وثلاثمائة. وكان مولده سنة إحدى وثلاثمائة. وخلع نفسه من الخلافة ~~غير مكره لذلك، حسب ما ذكرناه في السنة الماضية، ونزل عن الخلافة لولده ~~الطائع، ومات في المحرم في هذه السنة، كما تقدم. وفيها توفي الأمير محمد بن ~~بدر الحمامي، وكنيته أبو بكر. كان والده بدر الحمامي مولى أحمد ms0814 بن طولون، ~~وكان أميرا على فارس فمات، فقام ولده هذا بعده. قال أبو نعيم: وكان ثقة، ~~مات ببغداد. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو ~~بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري بن السني، وأبو هاشم عبد الجبار بن عبد ~~الصمد السلمي، والمطيع لله الفضل بن المقتدر، ومحمد بن بدر الحمامي أمير ~~فارس، ومحمد بن عبد الله بن إبراهيم السليطي أبو الحسن. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية المعز معد # وهي السنة التي مات فيها، حسب ما تقدم ذكره في ترجمته، وهي سنة خمس ~~وستين وثلاثمائة: فيها كتب ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه إلى ولده عضد ~~الدولة أبي شجاع أنه قد كبرت سنة ويؤثر مشاهدته، فاجتمعا، فقسم ركن الدولة ~~الملك بين أولاده، فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان وأرجان، ولمؤيد الدولة ~~الري وأصبهان، ولفخر الدولة همذان والدينور، وجعل ولده الأصغر أبا العباس ~~في كنف عضد الدولة. وفيها عاد جواب ركن الدولة إلى عز الدولة بما يطيب ~~خاطره. وكان لما بلغ عز الدولة ما فعل ركن الدولة من قسمة البلاد بين ~~أولاده كتب إليه يخبره ما عمله عضد الدولة ويسأله زجره عنه، وأن يؤمنه مما ~~يخاف، فخاطب ركن الدولة ولده عضد الدولة في الكف عنه، فشكا إليه عضد الدولة ~~ما عامله عز الدولة به وانضمام وزيره أبن بقية عليه، فلم يزل به ركن الدولة ~~حتى أجابه بالكف عنه. وفيها خلع على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله ~~العلوي لإمارة الحاج من دار عز الدولة، وركب معه أبو طاهر الوزير ابن بقيه ~~إلى داره وحج بالناس. وفيها حج بالناس من مصر من جهة العزيز بن المعز، ~~عندما تخفف بعد موت أبيه المعز، رجل علوي، وأقيمت له الدعوة بمكة والمدينة ~~بعد أن منع أهل مكة والمدينة من الميرة، ولاقوا من عدم ذلك شدائد حتى ~~اذعنوا له. وفيها توفي الأمير ms0815 أبو صالح منصور بن نوح الساماني صاحب خراسان، ~~وقام ولده أبو القاسم نوح مقامه وسنه ثلاث عشرة سنة. وفيها توفي ثابت بن ~~سنان بن ثابت بن قرة أبو الحسن صاحب التاريخ، كان طبيبا فاضلا، عاشر ~~الخلفاء والملوك، وكان ثقة فريدا في رقته. وفيها توفي الحسين بن محمد بن ~~أحمد بن ماسرجس الحافظ أبو علي الماسرجسي. أسلم ماسرجس على يد عبد الله بن ~~المبارك وكان نصرانيا. أخذ بدمشق عن أصحاب هشام بن عمار، وما صنف في ~~الإسلام أكبر من مسنده، وصنف المسند الكبير مهذبا معللا في ألف وثلاثمائة، ~~وجمع حديث الزهري جمعا لم يسبقه إليه أحد وكان يحفظه مثل الماء. ~~PageV01P0424 # وفيها توفي عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد بن المبارك، الحافظ أبو ~~أحمد الجرجاني. ويعرف بابن القطان. رحل إلى الشام ومصر رحلتين، أولاهما سنة ~~سبع وتسعين. قال الذهبي: كان لا يعرف العربية مع عجمة فيه، وأما في العلل ~~والرجال فحافظ لا يجارى. وفيها توفي محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر ~~الشاشي، الفقيه الشافعي المعروف بالقفال الكبير، كان إمام عصره بما وراء ~~النهر، ولم يكن للشافعية بما وراء النهر مثله. وفيها توفي عبد السلام بن ~~محمد بن أبي موسى، أبو القاسم الصوفي البغدادي، سافر ولقي الشيوخ من أهل ~~الحديث والتصوف، وجمع بين علم الشريعة والحقيقة. وفيها توفي عبد العزيز بن ~~عبد الملك بن نصر، أبو الأصبغ الأموي الأندلسي. ولد بقرطبة ثم رحل إلى ~~بخارى واستوطن بها. قال الحاكم أبو عبد الله: سمعته ببخارى يروي أن مالك بن ~~أنس كان يحدث، فجاءت عقرب فلدغته ست عشرة مرة فتغير لونه ولم يتحرك، فقيل ~~له في ذلك فقال: كرهت أن أقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ### | AUT ولاية العزيز نزار # هو نزار أبو منصور العزيز بالله بن المعز لدين الله أبي تميم معد بن ms0816 ~~المنصور بالله أبي طاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدي أبي ~~محمد عبيد الله العبيدي الفاطمي المغربي ثم المصري، ثاني خلفاء مصر من بني ~~عبيد، والخامس من المهدي إليه ممن ولي من آبائه الخلافة بالمغرب. مولده ~~بالمهدية من القيروان ببلاد المغرب في يوم عاشوراء سنة أربع وأربعين، وقيل: ~~سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وخرج مع أبيه المعز من المغرب إلى القاهرة ~~ودام بها إلى أن مات أبوه المعز معد بعد أن عهد إليه بالخلافة. فولي بعده ~~في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة وله اثنتان وعشرون سنة، وملك ~~مصر وخطب له بها وبالشام وبالمغرب والحجاز، وحسنت أيامه. وكان القائم ~~بتدبير مملكته مولى أبيه جوهرا القائد. وكان العزيز كريما شجاعا سيوسا، ~~وفيه رفق بالرعية. قال المسبحي: وفي أيامه بني قصر البحر بالقاهرة الذي لم ~~يكن مثله لا في الشرق ولا في الغرب، وقصر الذهب، وجامع القرافة. قلت: وقد ~~محي آثار هؤلاء المباني حتى كأنها لم تكن. قال المسبحي: وكان أسمر، أصهب ~~الشعر، أعين أشهل، بعيد ما بين المنكبين، حسن الخلق، قريبا من الناس، لا ~~يؤثر سفك الدماء، وكان مغرى بالصيد، وكان يتصيد السباع، وكان أديبا فاضلا. ~~انتهى. وذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر، وذكر له هذه الأبيات وقد ~~مات له ابن في العيد فقال: نحن بنو المصطفى ذوو محن ... يجرعها في الحياة ~~كاظمنا عجيبة في الأنام محنتنا ... أولنا مبتلى وخاتمنا يفرح هذا الورى ~~بعيدهم ... طرا وأعيادنا مآتمنا وأما بناؤه القصر بالبحر فكان في. وقال أبو ~~منصور أيضا: سمعت الشيخ أبا الطيب يحكي أن الأموي صاحب الأندلس كتب إليه ~~نزار هذا يعني العزيز صاحب مضر كتابا يسبه فيه ويهجوه، فكتب إليه الأموي: ~~أما بعد، قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك. والسلام. قال: فاشتد ذلك ~~على نزار المذكور وأفحمه عن الجواب. يعني أنه غير شريف وأنه لا يعرف له ~~قبيلة حتى كان يهجوه. انتهى كلام أبي منصور. ولما تم أمر العزيز بمصر ~~واستفحل أمره وأخذ في تمهيد أمور بلاده، خرج ms0817 عليه قسام الحارثي وغلب على ~~دمشق. وكان قسام المذكور من الشجعان، وكان أصله من قرية تلفيتا من قرى جبل ~~سنير. كان ينقل التراب على الحمير، وتنقلت به الأحوال حتى صار له ثروة ~~وأتباع وغلب بهم على دمشق حتى لم يبق لنوابها معه أمر ولا نهي، ودام على ~~ذلك سنين. فلما ملك العزيز وعظم أمره أراد زواله، فندب إليه جيشا مع تكين، ~~فسار تكين إليه وحاربه أياما، وصار العزيز يمده بالعساكر إلى أن ضعف أمر ~~قسام وأختفى أياما، ثم استأمن، فقيدوه وحملوه إلى العزيز إلى مصر. ~~PageV01P0425 # وقال القفطي غير ذلك، قال: فغلب على دمشق رجل من العيارين يعرف بقسام ~~وتحصن بها يعني دمشق وخالف على صاحب مصر، فسار لحربه الأمير الفضل من مصر، ~~فحاصر دمشق وضاق بأهلها الحال، فخرج قسام متنكرا فأخذته الحرس، فقال: أنا ~~رسول، فأحضروه إلى الفضل، فقال له: أنا رسول قسام إليك لتحلف له وتعوضه عن ~~دمشق بلدا يعيش به، وقد بعثني إليك سرا، فحلف الفضل له. فلما توثق منه قام ~~وقبل يديه وقال: أنا قسام، فأعجب الفضل ما فعله وزاد في إكرامه ورده إلى ~~البلد وسلمه إليه، وقام الفضل بكل ما ضمنه وعوضه موضعا عاش به. فلما بلغ ~~ذلك العزيز أحسن صلته. انتهى. وقال الذهبي رواية أخرى في أمر قسام، قال: ~~وهو الذي يتحدث الناس أنه ملك دمشق، وأنه قسم البلاد، وقدم لقتاله سلمان بن ~~جعفر بن فلاح إلى دمشق بجيش، فنزل بظاهرها ولم يمكنه دخولها، فبعث إليه ~~قسام بخطه: أنا مقيم على الطاعة. وبلغ العزيز ذلك فبعث البريد إلى سلمان ~~ليرده، فترحل سلمان من دمشق، وولى العزيز عليها أبا محمود المغربي، ولم يكن ~~له أيضا مع قسام أمر ولا حل ولا عقد. انتهى كلام الذهبي. قلت: ولعل الذي ~~ذكره الذهبي كان قبل توجه عسكر تكين والفضل، فإن الفضل لما سار بالجيوش أخذ ~~دمشق من قسام وعوضه بلدا، وهو المتواتر. والله أعلم. وقال الحافظ أبو الفرج ~~بن الجوزي: كان العزيز قد ولى عيسى بن نسطورس النصراني ومنشا ms0818 اليهودي، ~~فكتبت إليه امرأة: بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بابن نسطورس، وأذل ~~المسلمين بك، إلا نظرت في أمري. فقبض العزيز على اليهودي والنصراني، وأخذ ~~من ابن نسطورس ثلاثمائة ألف دينا ر انتهى. وقال ابن خلكان: وأكثر أهل العلم ~~لا يصححون نسب المهدي عبيد الله والد خلفاء مصر، حتى إن العزيز في أول ~~ولايته صعد المنبر يوم الجمعة، فوجد هناك ورقة فيها: إنا سمعنا نسبا منكرا ~~... يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما تدعي صادقا ... فاذكر أبا بعد ~~الأب الرابع وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع أو فدع ~~الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع فإن أنساب بني هاشم ... يقصر ~~عنها طمع الطامع فقرأها العزيز ولم يتكلم. ثم صعد العزيز المنبر يوما آخر ~~فرأى ورقة فيها مكتوب: بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقه إن ~~كنت أعطيت علم غيب ... فقل لنا كاتب البطاقه قال: وذلك لأنهم ادعوا علم ~~المغيبات والنجوم. وأخبارهم في ذلك مشهورة. انتهى كلام ابن خلكان باختصار. ~~وقال غيره: كأن العزيز ناهضا، وفي أيامه فتحت حمص وحماة وحلب، وخطب له صاحب ~~الموصل أبو الذواد محمد بن المسيب بالموصل، وخطب له باليمن. ثم انتقض ما ~~بينه وبين صاحب حلب أبي الفضائل بن سعد الدولة ومدبر ملكه لؤلؤ بعد وفاة ~~سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب لما قتل بكجور وهرب كاتبه أعني ~~كاتب بكجور، وهو علي بن الحسين المغربي من حلب إلى مشهد الكوفة على البرية، ~~ثم اجتهد حتى وصل إلى مصر، واجتمع بالعزيز هذا وعظم أمر حلب عنده وكثرها، ~~وهون عليه حصونها وأمر متوليها أبي الفضائل. قلت: ولؤلؤ وأبو الفضائل يأتي ~~بيان ذكرهما فيما يقع بينهما وبين العزيز، وتأتي أيضا وفاتهما في الحوادث، ~~فيظهر بذلك أمرهما على من لا يعرفهما. PageV01P0426 # فلما هون علي بن الحسين أمر حلب على العزيز، تشوقت نفسه إلى أخذ حلب من ~~أبي الفضائل. وكان للعزيز غلامان، أحدهما يسمى منجوتكين والآخر بازتكين من ~~الأتراك، وكانا أمردين مشتدين، فأشار على العزيز ms0819 المغربي المذكور بإنفاذ ~~أحدهما لقتال الحلبيين لتنقاد إليه الأتراك مماليك سعد الدولة، فإنه كان ~~قبل ذلك قد استأمن إلى العزيز جماعة من أصحاب سعد الدولة بن سيف الدولة بن ~~حمدان بعد موت سعد الدولة، فأمنهم العزيز وأحسن إليهم وقربهم، منهم وفي ~~الصقلبي في ثلاثمائة غلام يعني مملوكا وبشارة الإخشيذي في أربعمائة غلام، ~~ورباح السيفي، فولى العزيز وفيا الصقلبي عكا، وولى بشارة طبرية، وولى رباحا ~~غزة. ثم إن العزيز ولى مملوكه منجوتكين حرب حلب، وقدمه على العساكر وولاه ~~الشأم، واستكتب له أحمد بن محمد النشوري، ثم ضم إليه أيضا أبا الحسن علي بن ~~الحسين المغربي المقدم ذكره ليقوم المغربي بأمر منجوتكين وتدبيره مع ~~الحلبيين، فإنه كان أصل هذه الحركة. وخرج العزيز حتى شيعهم بنفسه وودعهم. ~~فسار منجوتكين حتى وصل دمشق، فتلقاه أهلها والقواد وعساكر الشام والقبائل، ~~فأقام منجوتكين بعساكره عليها مدة، ثم رحل طالبا لحلب في ثلاثين ألفا. وكان ~~بحلب أبو الفضائل بن سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان ومعه لؤلؤ، فأغلقا ~~أبوابها واستظهرا في القتال غاية الاستظهار على المصريين. وكان لؤلؤ لما ~~قدم عسكر مصر إلى الشام كاتب بسيل ملك الروم في النجدة على المصريين ومت له ~~بما كان بينه وبين سعد الدولة من المعاهدة والمعاقدة، وأن هذا ولده قد حصر ~~مع عساكر المصريين، وحثه على إنجاده، ثم بعث إليه بهدايا وتحف كثيرة، وسأله ~~في المعونة والنصرة على المصريين، وبعث الكتاب والهدايا مع ملكون ~~PageV01P0427 # السرياني، فتوجه ملكون السرياني إليه فوجد ملك الروم يقاتل ملك البلغر، ~~فأعطاه الهدية والكتاب، فقبل الهدية وكتب إلى البرجي نائبه بأنطاكية أن ~~يسير بالعساكر إلى حلب ويدفع المغاربة أعني عساكر العزيز عن حلب. فسار ~~البرجي في خمسين ألفا، ونزل البرجي بعساكره الجسر الجديد بين أنطاكية وحلب. ~~فلما بلغ ذلك منجوتكين استشار علي بن الحسين المغربي والقواد في ذلك، ~~فأشاروا عليه بالانصراف من حلب وقصد الروم والابتداء بهم قبل وصول الروم ~~إلى حلب، لئلا يحصلوا بين عدوين. فساروا حتى نزلوا تحت حصن أعزاز وقاربوا ~~الروم، وصار ms0820 بينهم النهر المعروف بالمقلوب. فلما وقع بصرهم على الروم رموهم ~~بالنشاب وبينهم النهر المذكور، ولم يكن لأحد الفريقين سبيل للعبور لكثرة ~~الماء. وكان منجوتكين قد حفظ المواضع التي يقل الماء فيها، وأقام جماعة من ~~أصحابه يمنعون عسكره من العبور لوقت يختاره المنجم. فخرج من عسكره من ~~الديلم رجل شيخ كبير في السن وبيده ترس وثلاث روسات، فوقف على جانب النهر ~~وبإزائه قوم من الروم، فرموه بالنشاب وهو يسبح حتى قطع النهر، وصار على ~~الأرض من ذلك البر والماء في النهر إلى صدره. فلما رأوه عساكر منجوتكين ~~رموا بأنفسهم في الماء فرسانا ورجالة، ومنجوتكين يمنعهم فلا يمتنعون حتى ~~صاروا مع الروم في أرض واحدة وقاتلوا الروم، فأنزل الله نصره على المسلمين، ~~فولى الروم وأعطوهم ظهورهم، وركبهم المسلمون فأثخنوهم قتلا وأسرا، وأفلت ~~كبير الروم البرجي في عدد يسير إلى أنطاكية، وغنم المسلمون من عساكرهم ~~وأموالهم شيئا لا يعد ولا يحصى. وكان مع الروم ألفان من عسكر حلب المسلمين ~~فقتل منجوتكين منهم ثلاثمائة. وتبع منجوتكين الروم إلى أنطاكية فأحرق ~~ضياعها ونهب رساتيقها، ثم كر راجعا إلى حلب، وكان وقت الغلات، فعلم لؤلؤ ~~أنه لا له نجدة، وأنه يضعف عن مقاومة المصريين، فكاتب المغربي والنشوري، ~~كاتبي منجوتكين، وأرغبهما في المال وبذل لهما ما أرضاهما، وسألهما أن يشيرا ~~على منجوتكين بالانصراف عن حلب إلى دمشق وأن يعود في العام المقبل، فخاطباه ~~في ذلك، وصادف قولهما له شوق منجوتكين إلى دمشق، وكان منجوتكين أيضا قد مل ~~الحرب، فانخدع، وكتب هو والجماعة إلى العزيز يقولون: قد نفدت الميرة ولا ~~طاقة للعساكر على المقام، ويستأذنونه في الرجوع إلى دمشق. وقبل أن يجيء ~~جواب العزيز رحلوا عن حلب إلى دمشق. وبلغ العزيز ذلك فشق عليه رحيلهم، ووجد ~~أعداء المغربي طريقا إلى الطعن فيه عند العزيز، فصرف العزيز المغربي وقلد ~~الأمر للأمير صالح بن علي الروذباري وأقعده مكانه. ثم حمل العزيز من غلات ~~مصر في البحر إلى طرابلس شيئا كثيرا، ثم رجع منجوتكين إلى حلب في السنة ~~الآتية وبنى الدور ms0821 والحمامات والخانات والأسواق بظاهر حلب، وقاتل أهل حلب. ~~واشتد الحصار على لؤلؤ وأبي الفضائل بحلب، وعدمت الأقوات عندهم بداخل حلب، ~~فكاتبوا ملك الروم ثانيا وقالوا له: متى أخذت حلب أخذت أنطاكية، ومتى أخذت ~~أنطاكية أخذت قسطنطينية. فلما سمع ملك الروم ذلك سار بنفسه في مائة ألف ~~وتبعه من كل بلد من معاملته عسكره، فلما قرب من البلاد أرسل لؤلؤ إلى ~~منجوتكين يقول: إن الإسلام جامع بيني وبينك، وأنا ناصح لكم، وقد وافاكم ملك ~~الروم بجنوده فخذوا لأنفسكم، ثم جاءت جواسيس منجوتكين فأخبروه بمثل ذلك، ~~فأحرق منجوتكين الخزائن والأسواق وولى منهزما، وبعث أثقاله إلى دمشق، وأقام ~~هو بمرج قنسرين ثم سار إلى دمشق. ووصل بسيل ملك الروم بجنوده إلى حلب، ونزل ~~موضع عسكر PageV01P0428 # المصريين، فهاله ما كان فعله منجوتكين، وعلم كثرة عساكر المصريين وعظموا ~~في عينه، وخرج إليه أبو الفضائل صاحب حلب ولؤلؤ وخدماه. ثم سار ملك الروم ~~في اليوم الثالث ونزل على حصن شيزر وفيه منصور بن كراديس أحد قواد العزيز، ~~فقاتله يوما واحدا، ثم طلب منه الأمان فأمنه، فخرج بنفسه إليه، فأهل به ~~بسيل ملك الروم وأعطاه مالا وثيابا، وسلم الحصن إليه، فرتب ملك الروم عليه ~~أحد ثقاته. ثم نازل حمص فافتتحها عنوة وسبى منها ومن أعمالها أكثر من عشرة ~~آلاف نسمة. ثم نزل على طرابلس أربعين يوما، فقاتلهم فلم يقدر على فتحها، ~~فرحل عائدا إلى الروم. ووصل خبره إلى العزيز فعظم عليه ذلك إلى الغاية، ~~ونادى في الناس بالنفير، وفتح الخزائن وأنفق على جنده. ثم سار بجيوشه ومعه ~~توابيت آبائه فنزل إلى الشام، ووصل إلى بانياس، فأخذه مرض القولنج وتزايد ~~به حتى مات منه وهو في الحمام في سنة ست وثمانين وثلاثمائة. وقيل في وفاته ~~غير ذلك أقوال كثيرة، منها أنه مات بمدينة بلبيس من ضواحي القاهرة، وقيل: ~~إنه مات في شهر رمضان قبل خروجه من القاهرة في الحمام، وعمره اثنتان ~~وأربعون سنة وثمانية أشهر. وكانت مدة ولايته على مصر إحدى وعشرين سنة وخمسة ~~أشهر وأياما. وتولى مصر ms0822 بعده ابنه أبو علي منصور الملقب بالحاكم الآتي ذكره ~~إن شاء الله. وكان العزيز ملكا شجاعا مقداما حسن الأخلاق كثير الصفح حليما ~~لا يؤثر سفك الدماء، وكانت لديه فضيلة، وله شعر جيد، وكان فيه عدل وإحسان ~~للرعية. قلت: وهو أحسن الخلفاء الفاطميين حالا بالنسبة لأبيه المعز ولابنه ~~الحاكم، على ما يأتي ذكره إن شاء الله. قال ابن خلكان: وزادت مملكته على ~~مملكة أبيه، وفتحت له حمص وحماة وشيزر وحلب، وخطب له المقلد العقيلي صاحب ~~الموصل بالموصل وأعمالها، في المحرم سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وضرب ~~اسمه على السكة والبنود، وخطب له باليمن. ولم يزل في سلطانه وعظم شأنه إلى ~~أن خرج إلى بلبيس متوجها إلى الشام، فابتدأت به العلة في العشر الأخير من ~~رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة. ولم يزل مرضه يزيد وينقص، حتى ركب يوم الأحد ~~لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة إلى الحمام بمدينة بلبيس، وخرج ~~إلى منزل الأستاذ أبي الفتوح برجوان، وكان برجوان صاحب خزانته بالقصر، ~~فأقام عنده وأصبح يوم الاثنين، وقد أشتد به الوجع يومه ذلك وصبيحة نهار ~~الثلاثاء، وكان مرضه من حصاة وقولنج، فاستدعى القاضي محمد بن النعمان وأبا ~~محمد الحسن بن عمار الكتامي الملقب أمين الدولة وهو أول من تلقب من ~~المغاربة، وكان شيخ كتامة وسيدها ثم خاطبهما في أمر ولده الملقب بالحاكم، ~~ثم استدعى ولده المذكور وخاطبه أيضا بذلك. ولم يزل العزيز في الحمام والأمر ~~يشتد به إلى بين الصلاتين من ذلك النهار، وهو الثلاثاء الثامن والعشرون من ~~شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، فتوفي في مسلخ الحمام. هكذا قال ~~المسبحي. قلت: والعزيز هذا هو الذي رتب الفطرة في عيد شوال، وكانت تعمل على ~~غير هذه الهيئة. وكانت الفطرة تعمل وتفرق بالإيوان، ثم نقلت في عدة أماكن، ~~وكان مصروفها في كل سنة عشرة آلاف دينار. وتفصيل الأنواع: دقيق ألف حملة، ~~سكر سبعمائة قنطار، قلب فستق ستة قناطير، لوز ثمانية قناطير، بندق أربعة ~~قناطير، تمر أربعمائة إردب، زبيب ثلاثمائة إردب، خل ثلاثة قناطير، ms0823 عسل نحل ~~خمسة قناطير، شيرج مائتا قنطار، حطب ألف ومائتا حملة، سمسم إردبان، آنيسون ~~إردبان، زيت طيب للوقود ثلاثون قنطارا، ماء ورد خمسون رطلا، مسك خمس نوافج، ~~كافور عشرة مثاقيل، زعفران مائة وخمسون درهما. ثمن مواعين وأجرة صناع ~~وغيرها خمسمائة دينار. انتهى باختصار. ولنعد إلى ذكر وفاة العزيز صاحب ~~الترجمة. PageV01P0429 # وقال صاحب تاريخ القيروان: إن الطبيب وصف له دواء يشربه في حوض الحمام، ~~وغلط فيه فشربه فمات من ساعته، ولم ينكتم تاريخ موته ساعة واحدة. وترتب ~~موضعه ولده الحاكم أبو علي منصور. وبلغ الخبر أهل القاهرة، فخرج الناس غداة ~~الأربعاء لتلقي الحاكم، فدخل البلد وبين يديه البنود والرايات وعلى رأسه ~~المظلة يحملها ريدان الصقلبي، فدخل القصر عند اصفرار الشمس، ووالده العزيز ~~بين يديه في عمارية وقد خرجت رجلاه منها، وأدخلت العمارية القصر، وتولى ~~غسله القاضي محمد بن النعمان، ودفن عند أبيه المعز في حجرة من القصر. وكان ~~دفنه عند العشاء الأخيرة. وأصبح الناس يوم الخميس سلخ الشهر والأحوال ~~مستقيمة، وقد نودي في البلدان: لا مؤونة ولا كلفة، وقد أمنكم الله على ~~أموالكم وأرواحكم، فمن نازعكم أو عارضكم فقد حل ماله ودمه. وكانت ولادة ~~العزيز يوم الخميس رابع عشر المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة،. انتهى ~~كلام ابن خلكان باختصار، رحمه الله. وقال المختار المسبحي صاحب التاريخ ~~المشهور: قال لي الحاكم، وقد جرى ذكر والده العزيز: يا مختار، استدعاني ~~والدي قبل موته وهو عاري الجسم، وعليه الخرق والضماد يعني كونه كان في ~~الحمام قال: فاستدعاني وقبلني وضمني إليه، وقال: واغفي عليك يا حبيب قلبي، ~~ودمعت عيناه، ثم قال: امض يا سيدي فالعب فأنا في عافية. قال الحاكم: فمضيت ~~والتهيت بما يلتهي به الصبيان من اللعب إلى أن نقل الله تعالى العزيز إليه. ~~انتهى كلام المسبحي. وقد ذكرنا في وفاة العزيز عدة وجوه من كلام المؤرخين ~~رحمهم الله تعالى. وكان العزيز حازما فصيحا. وكتابه إلى عضد الدولة بحضرة ~~الخليفة الطائع العباسي يدل على فضل وقوة. وكان كتابه يتضمن بعد البسملة: ~~من عبد الله ms0824 ووليه نزار أبي منصور الإمام العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى ~~عضد الدولة الإمام نصير ملة الإسلام أبي شجاع بن أبي علي. سلام عليك، فإن ~~أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله الصلاة على جده ~~محمد رسول رب العالمين، وحجة الله على الخلق أجمعين، صلاة باقية نامية ~~متصلة دائمة بعترته الهادية، وذريته الطيبة الطاهرة. وبعد، فإن رسولك وصل ~~إلى حضرة أمير المؤمنين، مع الرسول المنفذ إليك، فأدى ما تحمله من إخلاصك ~~في ولاء أمير المؤمنين ومودتك، ومعرفتك بحق إمامته، ومحبتك لآبائه الطائعين ~~الهادين المهديين. فسر أمير المؤمنين بما سمعه عنك، ووافق ما كان يتوسمه ~~فيك وأنك لا تعدل عن الحق. ثم ذكر كلاما طويلا في المعنى إلى أن قال: وقد ~~علمت ما جرى على ثغور المسلمين من المشركين، وخراب الشام وضعف أهله، وغلاء ~~الأسعار. ولولا ذلك لتوجه أمير المؤمنين بنفسه إلى الثغور، وسوف يقدم إلى ~~الحيرة، وكتابه يقدم عليك عن قريب، فتأهب إلى الجهاد في سبيل الله. وفي آخر ~~الكتاب: وكتبه يعقوب بن يوسف بن كلس عند مولانا أمير المؤمنين. فكتب إليه ~~عضد الدولة كتابا يعترف فيه بفضل أهل البيت، ويقر للعزيز أنه من أهل تلك ~~النبعة الطاهرة، وأنه في طاعته ويخاطبه بالحضرة الشريفة، وما هذا معناه. ~~انتهى. قلت: وأنا أتعجب من كون عضد الدولة كان إليه أمر الخليفة العباسي ~~ونهيه، ويقع في مثل هذا لخلفاء مصر، وقد علم كل أحد ما كان بين بني العباس ~~وخلفاء مصر من الشنآن. وما أظن عضد الدولة كتب له ذلك إلا عجزا عن مقاومته، ~~فإنه قرأ كتابه في حضرة الخليفة الطائع، وأجاب بذلك أيضا بعلمه، فهذا من ~~العجب. قال الوزير يعقوب بن كلس: سمعت العزيز بالله يقول لعمه حيدرة: يا ~~عم، أحب أن أرى النعم عند الناس ظاهرة، وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر، ~~ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار، وأن يكون ذلك كله من عندي. قال ~~المسبحي: وهذا لم يسمع بمثله قط من ملك. انتهت ترجمة العزيز. ولما مات رثاه ~~الشعراء ms0825 بعدة قصائد. ### || AUT السنة الأولى من ولاية العزيز نزار # العبيدي على مصر وهي سنة ست وستين وثلاثمائة. فيها في جمادى الأولى زفت ~~بنت عز الدولة إلى الخليفة الطائع لله العباسي. وفيها جاء أبو بكر محمد بن ~~علي بن شاهويه صاحب القرامطة، ومعه ألف رجل من القرامطة إلى الكوفة، وأقام ~~الدعوة بها لعضد الدولة، وأسقط خطبة عز الدولة بختيار. وكان قدومه معونة ~~لعضد الدولة. PageV01P0430 # وفيها عمل في الديار المصرية المأتم في يوم عاشوراء على الحسين بن علي ~~رضي الله عنهما، وهو أول ما صنع ذلك بديار مصر. فدامت هذه السنة القبيحة ~~سنين إلى أن انقرضت دولتهم، على ما سيأتي ذكره. وفيها كانت وقعة بين عز ~~الدولة بن معز الدولة أحمد وبين ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن ~~بويه، وقعة هائلة أسر فيها غلام تركي لعز الدولة، فاشتد حزنه عليه، وامتنع ~~عز الدولة من الأكل والشرب وأخذ في البكاء واحتجب عن الناس وحرم على نفسه ~~الجلوس في الدست، وبذل لعضد الدولة في الغلام المذكور جاريتين عوادتين كان ~~قد بذل له في الواحدة مائة ألف درهم، فرده عضد الدولة عليه. وفيها حج ~~بالناس أبو عبد الله أحمد بن أبي الحسين العلوي. وحجت في السنة جميلة بنت ~~ناصر الدولة بن حمدان، ومعها أخواها إبراهيم وهبة الله حجة ضرب بها المثل، ~~وفرقت أموالا عظيمة، منها أنها لما رأت الكعبة نثرت عليها عشرة آلاف دينار، ~~وسقت جميع أهل الموسم السويق بالسكر والثلج. كذا قال أبو منصور الثعالبي. ~~وقتل أخوها هبة الله في الطريق. وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية، وفرقت ~~المال في المجاورين حتى أغنتهم، وخلعت على كبار الناس خمسين ألف ثوب. وكان ~~معها أربعمائة عمارية. ثم ضرب الدهر ضربانه واستولى عضد الدولة بن بويه على ~~أموالها وحصونها، فإنه كان خطبها فامتنعت، ولم يدع لها شيئا إلى أن احتاجت ~~وافتقرت. فانظر إلى هذا الدهر كيف يرفع ويضع. وفيها توفي المستنصر بالله ~~صاحب الأندلس، أبو العاصي، الحكم بن الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي. ~~بقي ms0826 في الملك ستة عشر عاما، وعاش ثلاثا وستين سنة. وكان حسن السيرة، جمع من ~~الكتب ما لا يعد ولا يوصف. وفيها توفي السلطان ركن الدولة أبو علي الحسن بن ~~بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهي بن شيرزيل الأصغر بن شيركوه بن شيرزيل ~~الأكبر الديلمي، صاحب أصبهان والري وهمذان وعراق العجم كله. وهؤلاء الملوك ~~الثلاثة: عضد الدولة وفخر الدولة ومؤيد الدولة أولاده. وكان ملكا جليلا ~~سعيدا في أولاده، قسم عليهم الممالك، فقاموا بها أحسن قيام. وملك ركن ~~الدولة أربعا وأربعين سنة وأشهرا. وكان أبو الفضل بن العميد وزيره، والصاحب ~~إسماعيل بن عباد كان وزير ولديه مؤيد الدولة ثم فخر الدولة. ومات ركن ~~الدولة المذكور في المحرم. وبويه: بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون ~~الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، وفناخسرو: بفتح الفاء وتشديد ~~النون وبعد الألف خاء معجمة مضمومة ثم سين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة ~~وبعدها واو. وقد ضبطته لكي يعرف بعد ذلك اسم من يأتي من أولاده في هذا ~~الكتاب. وفيها توفي إسماعيل الشيخ أبو عمر السلمي. كان من كبار المشايخ وله ~~قدم صدق وحكايات مشهورة، رحمه الله. وفيها توفي الحسن بن أحمد بن أبي سعيد ~~الحسن بن بهرام أبو علي، وقيل: أبو محمد، القرمطي الجنابي الخارجي. ولد ~~بالأحساء في شهر رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين، وغلب على الشام لما قتل ~~جعفر بن فلاح، وتوجه إلى مصر لقتال المعز العبيدي، كما ذكرناه في ترجمة ~~المعز، ثم مات بالرملة في عوده إلى دمشق في شهر رجب. وجده أبو سعيد هو أول ~~القرامطة، وقد مر من أخبارهم القبيحة نبذة كبيرة في عدة سنين. وكان الحسن ~~هذا صاحب الترجمة فصيحا شاعرا، وكان يلقب بالأعصم، وكان يلبس الثياب ~~القصيرة، وهو أحد من قتل العباد، وأخرب البلاد. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال: وفيها توفي الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي القرمطي كان ~~ملك الشام وحاصر مصر شهرا، وركن الدولة الحسن بن بويه صاحب عراق العجم، ~~وكانت دولته خمسا ms0827 وأربعين سنة، ووزر له أبو الفضل بن العميد، وتوفي أبو ~~الحسن محمد بن عبد الله بن زكرياء بن حيويه النيسابوري بمصر، وأبو الحسن ~~محمد بن الحسن النيسابوري السراج المقرىء الزاهد. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية العزيز نزار # وهي سنة سبع وستين وثلاثمائة. فيها دخل عضد الدولة بن ركن الدولة بن ~~بويه بغداد، وخرج منها ابن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه، ثم ~~تقاتلا فانتصر عز الدولة ثم قتل، حسب ما سنذكره في هذه السنة. PageV01P0431 # وفيها زادت دجلة في نيسان حتى بلغت إحدى وعشرين ذراعا، فهدمت الدور ~~والشوارع، وهرب الناس في السفن، وهيأ عضد الدولة الزبازب تحت داره والزبازب ~~هي المراكب الخفيفة. وفيها حج بالناس أبو عبد الله العلوي. وفيها جاء الخبر ~~بهلاك أبي يعقوب يوسف بن الحسن الجنابي القرمطي صاحب هجر، وأغلقت الأسواق ~~له بالكوفة ثلاثة أيام، وكان قد توزر لعضد الدولة. وفيها توفي أبو القاسم ~~إبراهيم بن محمد بن أحمد النصربادي النيسابوري ونصرباد: محلة من نيسابور. ~~وكل باد يأتي في اسم بلد من هؤلاء البلدان هو بالتفخيم حتى يصح معناه. كان ~~أبو القاسم حافظ خراسان وشيخها، وإليه يرجع في علوم القوم والسير ~~والتواريخ، وكان صحب الشبلي وغيره من المشايخ. مات بمكة حاجا، ودفن عند قبر ~~الفضيل بن عياض. وفيها توفي السلطان أبو منصور بختيار عز الدولة بن معز ~~الدولة أحمد بن بويه الديلمي. ولي ملك العراق بعد أبيه، وتزوج الخليفة ~~الطائع لله عبد الكريم بابنته شاه زمان على صداق مائة ألف دينار. وكان عز ~~الدولة شجاعا قويا يمسك الثور العظيم بقرنيه فلا يتحرك. وكان بينه وبين ابن ~~عمه عضد الدولة منافسات وحروب على الملك، وتقاتلا غير مرة آخرها في شوال، ~~قتل فيها عز الدولة المذكور في المعركة، وحمل رأسه إلى عضد الدولة، فوضع ~~المنديل على وجهه وبكى. وتملك عضد الدولة العراق بعده، واستقل بالممالك. ~~وعاش عز الدولة ستا وثلاثين ms0828 سنة. وفيها توفي محمد بن أحمد بن عبد الله بن ~~نصر، أبو طاهر الذهلي البغدادي القاضي نزيل مصر وقاضيها. ولد ببغداد في ذي ~~الحجة سنة تسع وسبعين ومائتين. وفيها توفي الوزير أبو طاهر، محمد بن محمد ~~بن بقية، وزير عز الدولة، وكان عضد الدولة قد بعث إليه يميله عن عز الدولة، ~~فقال: الخيانة والغدر ليستا من أخلاق الرجال. فلما قتل عز الدولة قبض عليه ~~عضد الدولة وشهره في بغداد من الجانبين وعلى رأسه برنس، ثم أمر به أن يطرح ~~تحت أرجل الفيلة فقتلته الفيلة، ثم صلب في طرف الجسر من الجانب الشرقي، ولم ~~يشفع فيه الخليفة الطائع لأمر كان في نفسه منه أيام مخدومه عز الدولة، ~~وأقيم عليه الحرس. فاجتاز به أبو الحسن محمد بن عمر الأنباري الصوفي ~~الواعظ، وكان صديقا لابن بقية المذكور، فرثاه بمرثيته المشهورة وهي: علو في ~~الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا ... ~~وفود نداك أيام الصلات كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة مددت ~~يديك نحوهم احتفاء ... كمدهما إليهم بالهبات وتشعل عندك النيران ليلا ... ~~كذلك كنت أيام الحياة ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات ~~ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عتاق المكرمات وتلك فضيلة فيها تأس ~~... تباعد عنك تعيير العداة أسأت إلى النوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر ~~النائبات وكنت تجير من جور الليالي ... فعاد مطالبا لك بالترات وصير دهرك ~~الإحسان فيه ... إلينا من عظيم السيئات وكنت لمعشر سعدا فلما ... مضيت ~~تفرقوا بالمنحسات غليل باطن لك في فؤادي ... يخفف بالدموع الجاريات ولو أني ~~قدرت على قيام ... لفرضك والحقوق الواجبات ملأت الأرض من نظم القوافي ... ~~ونحت بها خلاف النائحات ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجناة ~~وما لك تربة فأقول تسقى ... لأنك نصب هطل الهاطلات ولما ضاق بطن الأرض عن ~~أن ... يضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك واستنابوا ... عن الأكفان ~~ثوب السافيات عليك تحية الرحمن تترى ... برحمات غواد رائحات قلت: ولم أذكر ~~هذه ms0829 المرثية بتمامها هنا إلا لغرابتها وحسن نظمها. واستمر ابن بقية مصلوبا ~~إلى أن توفي عضد الدولة. وفيها توفي الأمير الغضنفر بن ناصر الدولة بن ~~حمدان صاحب الموصل وابن صاحبها. PageV01P0432 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو القاسم ~~إبراهيم بن محمد النصربادي الواعظ العارف، وعز الدولة بختيار بن معز الدولة ~~بن بويه ملك العراق قتل في مصاف بينه وبين ابن عمه عضد الدولة، والغضنفر بن ~~ناصر الدولة بن حمدان صاحب الموصل وابن صاحبها، وأبو طاهر محمد بن أحمد بن ~~عبد الله الذهلي بمصر في ذي القعدة، وله ثمان وثمانون سنة، وأبو بكر محمد ~~بن عمر القرطبي ابن القوطية اللغوي، والوزير أبو طاهر محمد بن محمد بن بقية ~~نصير الدولة، وزير عز الدولة، صلبه عضد الدولة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاث أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة ثمان وستين وثلاثمائة. فيها أمر الخليفة الطائع أن تضرب على باب ~~عضد الدولة الدبادب أعني الطبلخانات في وقت الصبح والمغرب والعشاء، وأن ~~يخطب له على منابر الحضرة. قلت: وهذا أول ملك دقت الطبلخانة على بابه، وصار ~~ذلك عادة من يومئذ. وقال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: وهذان أمران لم يكونا ~~من قبله ولا أطلقا لولاة العهود، ولا خطب بحضرة السلطان إلا له، ولا ضربت ~~الدبادب إلا على بابه. وقد كان معز الدولة أحب أن تضرب له الدبادب بمدينة ~~السلام، فسأل الخليفة المطيع لله في ذلك فلم يأذن له. قال الحافظ أبو عبد ~~الله الذهبي: وما ذاك إلا لضعف أمر الخلافة. انتهى. وفيها توفي أحمد بن ~~جعفر بن حمدان بن مالك، الحافظ أبو بكر القطيعي البغدادي، كان يسكن قطيعة ~~الرقيق. ومولده في أوائل سنة أربع وسبعين ومائتين. وكان مسند العراق في ~~زمانه وسمع الكثير، وروى عنه الدارقطني وابن شاهين والحاكم وخلق سواهم. ~~وفيها توفي عبد الله بن إبراهيم بن يوسف، الحافظ أبو القاسم الجرجاني ~~الآبندوني، ms0830 وآبندون: قرية من قرى جرجان. كان رفيق ابن عدي في الرحلة، سكن ~~بغداد وحدث بها عن جماعة، وروى عنه رفيقه الإمام أبو بكر الإسماعيلي وغيره. ~~وفيها توفي محمد بن عيسى بن عمرويه، الشيخ أبو أحمد الجلودي الزاهد، راوي ~~صحيح مسلم، سمع الكثير، وروى عنه غير واحد. قال الحاكم: كان من أعيان ~~الفقراء الزهاد، وأصحاب المعاملات في التصوف، ضاعت سماعاته من ابن سفيان، ~~فنسخ البعض من نسخة لم يكن له فيما سماع. وفيها توفي هفتكين الأمير أبو ~~منصور التركي الشرابي. هرب من بغداد خوفا من عضد الدولة، ووقع له أمور مع ~~العزيز هذا صاحب الترجمة بمصر، ثم أطلقه العزيز. وصار له موكب، فخافه ~~الوزير يعقوب بن يوسف بن كلس، فدس عليه من سقاه السم. وكان إليه المنتهى في ~~الشجاعة. وفيها توفي تميم بن المعز معد العبيدي الفاطمي أخو العزيز هذا ~~صاحب مصر. وكان تميم أميز أولاد المعز، وكان فاضلا جوادا سمحا يقول الشعر. ~~وشق موته على أخيه العزيز. وفيها توفي الحسن بن عبد الله بن المرزبان، أبو ~~سعيد السيرافي النحوي القاضي. كان أبوه مجوسيا واسمه بهزاد فأسلم فسمي عبد ~~الله. سكن الحسن بغداد، وولي القضاء بها، وكان مفتنا في علوم القراءات ~~والنحو واللغة والفقه والفرائض والكلام والشعر والعروض والقوافي والحساب ~~وسائر العلوم، وشرح كتاب سيبويه، مع الزهد والورع. وفيها توفي عبد الله بن ~~محمد بن ورقاء أبو أحمد الشيباني، كان من أهل البيوتات، وأسرته من أهل ~~الثغور، مات في ذي الحجة. وفيها توفي محمد بن محمد بن يعقوب النيسابوري من ~~ولد الحجاج بن الجراح، سمع الكثير، وكان عابدا صالحا حافظا ثقة صدوقا. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو بكر أحمد بن ~~جعفر القطيعي في ذي الحجة عن خمس وتسعين سنة، وأبو سعيد الحسن بن عبد الله ~~السيرافي النحوي في رجب وله أربع وثمانون سنة، وأبو القاسم عبد الله بن ~~إبراهيم الجرجاني الآبندوني الحافظ الزاهد ببغداد وله خمس وتسعون سنة، ~~وعيسى بن حامد الرخجي القاضي، وأبو أحمد ms0831 محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي في ~~ذي الحجة وله ثمانون سنة، وأبو الحسين محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي ~~الحافظ المفيد الصالح في ذي الحجة بنيسابور عن ثلاث وثمانين سنة، وهفتكين ~~التركي الذي هرب خوفا من عضد الدولة، وتملك دمشق وحارب المصريين مرات. أمر ~~النيل في هذه السنة: PageV01P0433 # الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وإصبع واحدة. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة تسع وستين وثلاثمائة. فيها تزوج الخليفة الطائع ببنت عضد ~~الدولة، وقد مر ذلك، ولكن الأصح في هذه السنة. وعقد العقد بحضرة الخليفة ~~الطائع على صداق مبلغه مائتا ألف دينار. وكان الوكيل عن عضد الدولة في ~~العقد أبا علي الحسن بن أحمد الفارسي النحوي، والخطيب أبو علي المحسن بن ~~علي القاضي التنوخي وكيلا عن الخليفة. وفيها حج بالناس أبو الفتح أحمد بن ~~عمر بن يحيى العلوي. وفيها توفي فارس بن زكرياء، والد ابن فارس أبي الحسين ~~اللغوي صاحب كتاب المجمل في اللغة. وكان عالما بفنون العلوم، وروى عنه ~~الأئمة، ومات ببغداد. وفيها توفي أحمد بن عطاء بن أحمد بن محمد بن عطاء، ~~أبو عبد الله الروذباري، ابن أخت أبي علي الروذباري. كان شيخ الشام في ~~وقته، وكان ممن جمع بين علم الشريعة والحقيقة، ومات بقرية بين عكا وصور ~~يقال لها منواث. وفيها توفي الحسين بن علي أبو عبد الله البصري، ويعرف ~~بالجعل، سكن بغداد. وكان من شيوخ المعتزلة، وصنف على مذاهب المعتزلة، ومات ~~يوم الجمعة ثاني ذي الحجة. وفيها توفي عبد الله بن محمد الراسبي، كان ~~بغدادي الأصل وكان من كبار المشايخ وأرباب المعاملات. ومن كلامه قال: خلق ~~الله الأنبياء للمجالسة، والعارفين للمواصلة، والمؤمنين للمجاهدة. ومن ~~كلامه: أعظم حجاب بينك وبين الحق اشتغالك بتدبير نفسك، واعتمادك على عاجز ~~مثلك في أسبابك. وتوفي ببغداد. وفيها توفي أبو تغلب الغضنفر بن ناصر الدولة ~~الحسن بن حمدان التغلبي، وقد تقدم ذكر وفاته، والأصح أنه في هذه السنة. كان ~~ملك الموصل وديار ربيعة ms0832 وقلاع ابن حمدان، ووقع له حروب مع بني بويه وأقاربه ~~بني حمدان، إلى أن طرقه عضد الدولة وأخذ منه بلاده فانهزم إلى أخلاط، ثم ~~توجه نحو الديار المصرية وحارب أعوان العزيز صاحب مصر فقتل في المعركة، ~~وبعث برأسه إلى العزيز صاحب الترجمة. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن جعفر ~~بن حيان الحافظ أبو محمد الأصبهاني، أبو الحافظ صاحب التصانيف، ولد سنة ~~أربع وسبعين ومائتين، وسمع في صغره من جده لأمه محمود بن الفرج الزاهد ~~وغيره، وهو صاحب تاريخ بلده، والتاريخ على السنين، وكتاب السنة وكتاب ~~العظمة وغيرها. وفيها توفي أبو سهل محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن ~~هارون العجلي الصعلوكي النيسابوري الفقيه الشافعي. كان أديبا لغويا مفسرا ~~نحويا شاعرا صوفيا. ولد سنة ست وتسعين ومائتين، ومات في ذي القعدة. ومن ~~شعره: أنام على سهو وتبكي الحمائم ... وليس لها جرم ومني الجرائم كذبت وبيت ~~الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم وفيها توفي محمد بن صالح ~~بن علي بن يحيى بن عبد الله، أبو الحسن القاضي القرشي الهاشمي، ويعرف بابن ~~أم شيبان، سمع الكثير، وتفقه على مذهب مالك رضي الله عنه، وكان عاقلا ~~متميزا كثير التصانيف. ولم يل القضاء بمدينة السلام من بني هاشم غيره. ~~وفيها توفي محمد بن علي بن الحسن أبو بكر التنيسي. سمع منه الدارقطني، ورآه ~~وحده فقال له: يا أبا بكر، ما في بلدك مسلم؟ قال: بلى، ولكنهم اشتغلوا ~~بالدنيا عن الآخرة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~أبو عبد الله بن عطاء الروذباري، وعبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي في ~~رجب وله خمس وتسعون سنة، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان أبو ~~الشيخ في المحرم وله خمس وتسعون سنة، وأبو سهل محمد بن سليمان الصعلوكي ذو ~~الفنون في آخر السنة وله ثمانون سنة، وقاضي العراق ابن أم شيبان أبو الحسن ~~محمد بن صالح الهاشمي فجأة في جمادى الأولى عن ست وسبعين سنة، ms0833 وأبو بكر ~~محمد بن علي بن الحسن المصري بن النقاش في شعبان، وكان حافظا، وأبو عمرو ~~محمد بن صالح ببخارى، وأبو علي مخلد بن جعفر الباقرحي. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة سبعين وثلاثمائة. PageV01P0434 # فيها خرج عضد الدولة للقاء الصاحب إسماعيل بن عباد، فقدم عليه ابن عباد ~~من الري من عند أخيه مؤيد الدولة، فبالغ عضد الدولة في إكرامه إلى الغاية ~~لكونه وزير أخيه مؤيد الدولة وصاحب أمره ونهيه. وتردد إليه عضد الدولة في ~~إقامته ببغداد غير مرة إلى أن سافر إلى مخدومه مؤيد الدولة في شهر ربيع ~~الآخر. وفيها توجه عضد الدولة إلى همذان. فلما عاد إلى بغداد خرج الخليفة ~~لتلقيه، ولم يكن ذلك بعادة أن الخليفة يلاقي أحدا من الأمراء. قلت: وهذا ~~كان أولا، وأما في الآخر فإن الطائع كان قد بقي تحت أوامر عضد الدولة ~~كالأسير. وفيها حج بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر العلوي وخطب بمكة والمدينة ~~للعزيز هذا صاحب مصر. وفيها غرقت بغداد من الجانبين وأشرف أهلها على ~~الهلاك، ووقعت القنطرتان وغرم على بنائهما أموال كثيرة. وفيها توفي أحمد بن ~~علي، الإمام العلامة أبو بكر الرازي الحنفي العالم المشهور. مولده في سنة ~~خمس وثلاثمائة، كان إمام الحنفية في زمانه، وكان مشهورا بالدين والورع ~~والزهد. قال أبو المظفر في تاريخه: وحاله كان يزيد على حال الرهبان من كثرة ~~التقشف، وهو صاحب التصانيف وتلميذ أبي الحسن الكرخي. وفيها توفي محمد بن ~~جعفر بن الحسين بن محمد بن زكرياء، الحافظ أبو بكر الوراق المعروف بغندر، ~~كان حافظا متقنا، ورحل إلى البلاد وسمع الكثير، وكتب ما لم يكتبه أحد، وكان ~~حافظا ثقة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو بكر ~~أحمد بن علي الرازي عالم الحنفية في ذي الحجة وله خمس وستون سنة، وبشر بن ~~أحمد أبو سهل الأسفرايني في شوال عن نيف وتسعين سنة، ms0834 وأبو محمد الحسن بن ~~أحمد السبيعي الحلبي الحافظ. وأبو محمد الحسن بن رشيق بمصر في جمادى ~~الآخرة، وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه النحوي، وأبو بكر عبد الله ~~بن محمد بن محمد بن فورك في ذي القعدة، وأبو منصور محمد بن أحمد الأزهري ~~صاحب تهذيب اللغة في ربيع الآخر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ذراع واحدة. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة السادسة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. فيها اتفق فخر الدولة وقابوس بن وشمكير ~~على عداوة أخيه عضد الدولة في الباطن. قلت: وهذه أول فتنة بدت بين الإخوة ~~أولاد ركن الدولة الثلاثة عضد الدولة، وفخر الدولة، ومؤيد الدولة. وفطن عضد ~~الدولة لذلك ولم يظهره وجهز العساكر لأخيه مؤيد الدولة لقتال قابوس ~~المذكور، فتوجه إليه مؤيد الدولة وحصره وأخذ بلاده، ولم ينفعه فخر الدولة. ~~وكان لقابوس من البلاد طبرستان وغيرها. وفيها حج بالناس أبو عبد الله ~~العلوي من العراق. وفيها توفي أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، الحافظ أبو بكر ~~الجرجاني، كان إماما، طاف البلاد، ولقي الشيوخ، وسمع الكثير، وصنف الكتب ~~الحسان، منها: الصحيح صنفه على صحيح البخاري، والفرائد والعوالي وغير ذلك، ~~ومات في شهر رجب. وفيها توفي الحسن بن أحمد بن صالح، الحافظ أبو محمد ~~السبيعي الكوفي. كان حافظا مكثرا إلا أنه كان عسر الرواية، وكان الدارقطني ~~يجلس بين يديه جلوس الصبي بين يدي المعلم هيبة له، ومات في ذي الحجة ~~ببغداد. وفيها توفي عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التميمي ~~الحنبلي، كان فقيها فاضلا، وله تصانيف في أصول الكلام وفي مذهبه والفرائض ~~وغير ذلك. وفيها توفي علي بن إبراهيم أبو الحسن الحصري البصري الصوفي ~~الواعظ. سكن بغداد وصحب الشبلي وغيره، وكان صاحب خلوات ومجاهدات، وله كلام ~~حسن في التوفيق. وفيها توفي محمد بن أحمد بن طالب الأخباري، رحل وسمع ~~الكثير، وكان فاضلا محدثا أخباريا. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي أبو بكر ms0835 أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني في رجب وله ~~أربع وتسعون سنة، وأبو العباس الحسن بن سعيد العباداني المطوعي المقرىء وله ~~مائة وسنتان، وأبو محمد عبد الله بن إسحاق القيرواني شيخ المالكية، وأبو ~~زيد محمد بن أحمد المروزي الفقيه في رجب، وأبو عبد الله محمد بن خفيف ~~الشيرازي شيخ الصوفية بفارس. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث ~~أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة السابعة من ولاية العزيز نزار # PageV01P0435 # وهي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. فيها وثب أبو الفرج محمد بن عمران بن ~~شاهين على أخيه أبي محمد الحسن بن عمران صاحب البطيحة، فقتله واستولى على ~~بلده. وفيها حج بالناس أبو الفتح أحمد بن عمر العلوي، وقيل: إنه لم يحج أحد ~~من العراق من هذه السنة إلى سنة ثمانين، بسبب الفتن والخلف بين خلفاء بني ~~العباس وبين خلفاء مصر بني عبيد. وفيها أنشأ عضد الدولة بيمارستانه ببغداد ~~في الجانب الغربي، ورتب فيه الأطباء والوكلاء والخزان وكل ما يحتاج إليه. ~~قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: وفي هذا الزمان كانت البدع والأهواء فاشية ~~ببغداد ومصر من الرفض والاعتزال والضلال فإنا لله وإنا إليه راجعون!. قلت: ~~ومعنى قول الذهبي: ومضر فإنه معلوم من كون خلفاء بني عبيد كانوا يظهرون ~~الرفض وسب الصحابة، وكذلك جميع أعوانهم وعمالهم. وأما قوله: ببغداد فإنه ~~كان بسبب عضد الدولة الآتي ذكره، فإنه كان أيضا يتشيع ويكرم جانب الرافضة. ~~وفيها توفي السلطان عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو وقيل بويه على اسم جده، ~~وفناخسرو أشهر ابن السلطان ركن الدولة الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي. ~~ولي مملكة فارس بعد عمه عماد الدولة، ثم قوي على ابن عمه عز الدولة بختيار ~~بن معز الدولة بن بويه، وأخذ منه العراق وبغداد. وقد تقدم من ذلك نبذة ~~يسيرة في حوادث بعض السنين. وبلغ سلطانه من سعة المملكة والاستيلاء على ~~الممالك ما لم يبلغه أحد من بني بويه، ودانت له البلاد والعباد. وهو أول من ~~خوطب بالملك شاهنشاه ms0836 في الإسلام، وأول من خطب له على منابر بغداد بعد ~~الخلفاء، وأول من ضربت الدبادب على باب داره. وكان فاضلا نحويا، وله مشاركة ~~في فنون كثيرة، وله صنف أبو علي الفارسي الإيضاح. قال أبو علي الفارسي: منذ ~~تلقب شاهنشاه تضعضع أمره، وما كفاه ذلك حتى مدح نفسه، فقال: عضد الدولة ~~وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر ولما أحس بالموت تمثل بشعر القاسم ~~بن عبد الله الوزير، وهو قوله: قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوا ولم ~~أمهل على ظنة خلقا وأخليت دور الملك من كل نازل ... وبددتهم غربا وشردتهم ~~شرقا ثم جعل يبكي ويقول: ما أغنى عني ماليه! هلك عني سلطانيه! وصار يرددها ~~إلى أن مات في شوال ببغداد وله سبع وأربعون سنة. وتولى الملك من بعده ابنه ~~صمصام الدولة، ولم يجلس للعزاء إلا في أول السنة. أظن أنهم كانوا أخفوا موت ~~عضد الدولة لأمر، أو أنه اشتغل بملك جديد حتى فرغ منه. وفيها توفي محمد بن ~~جعفر بن أحمد، أبو بكر الحريري المعدل البغدادي، وكان يعرف بزوج الحرة، ~~وكان جليل القدر، من الثقات. مات ببغداد، ودفن عند قبر معروف الكرخي. رحمة ~~الله عليهما. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وسبع عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. فيها في ثاني عشر المحرم أظهرت وفاة عضد ~~الدولة وحمل تابوته إلى المشهد، وجلس ابنه صمصام الدولة للعزاء، وجاءه ~~الخليفة الطائع معزيا، ولطم عليه الناس في دوره وفي الأسواق أياما عديدة. ~~ثم ركب صمصام الدولة إلى دار الخلافة، وخلع عليه الخليفة الطائع عبد الكريم ~~سبع خلع، وعقد له لواءين، ولقب شمس الدولة. وفيها بعد مدة يسيرة ورد الخبر ~~على صمصام الدولة المذكور بموت عمه مؤيد الدولة أبي منصور بن ركن الدولة ~~بجرجان، فجلس صمصام الدولة أيضا للتعزية، وجاءه الخليفة الطائع مرة ثانية ~~معزيا في عمه مؤيد الدولة المذكور. ولما مات مؤيد الدولة كتب وزيره الصاحب ~~إسماعيل ms0837 بن عباد إلى أخيه فخر الدولة علي بن ركن الدولة بالإسراع إليه وضبط ~~ممالك أخيه مؤيد الدولة، فقدم فخر الدولة إليه وملك بلاد أخيه، واستوزر ~~الصاحب بن عباد المذكور. وعظم ابن عباد في أيام فخر الدولة إلى الغاية. ~~وفيها كان الغلاء المفرط بالعراق، وبلغ الكر القمح أربعة آلاف وثمانمائة ~~درهم، ومات خلق كثير على الطريق جوعا، وعظم الخطب. وفيها ولى العزيز نزار ~~صاحب الترجمة خطلخ القائد إمرة دمشق. PageV01P0436 # وفيها توفي السلطان مؤيد الدولة أبو منصور بويه ابن السلطان ركن الدولة ~~حسن بن بويه المقدم ذكره. مات بجرجان وله ثلاث وأربعون سنة وشهر. وكانت مدة ~~إمرته سبع سنين وشهرا. وكان قد تزوج ببنت عمه معز الدولة، فأنفق في عرسها ~~سبعمائة ألف دينار. وكان موته في ثالث عشر شعبان، فيكون بعد موت أخيه عضد ~~الدولة بنحو عشرة أشهر. وصفا الوقت لأخيهما فخر الدولة. وفيها توفي سعيد بن ~~سلام أبو عثمان المغربي. مولده بقرية يقال لها كركنت، كان أوحد عصره في ~~الزهد والورع والعزلة. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عثمان بن المختار، ~~أبو محمد المزني الواسطي الحافظ، كان ثقة، مات بواسط. ومن كلامه قال: الذين ~~وقع عليهم اسم الخلافة ثلاثة: آدم، وداود عليهما السلام، وأبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه. قال الله تعالى في حق آدم: " إني جاعل في الأرض خليفة " ، ~~وقال في حق داود: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض " وقبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ثلاثين ألف مسلم كلهم يقول لأبي بكر: يا خليفة رسول ~~الله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ~~ست عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. فيها دخلت القرامطة البصرة لما علموا ~~بموت عضد الدولة، ولم يكن لهم قوة على حصارها، فجمع لهم مال فأخذوه ~~وانصرفوا. وفيها وقع الصلح بين صمصام الدولة وبين عمه فخر الدولة بمكاتبة ~~أبي عبد الله بن سعدان إلى الصاحب بن عباد. فكان ابن ms0838 سعدان يخاطب الصاحب بن ~~عباد بالصاحب الجليل، والصاحب بن عباد يخاطب ابن سعدان بالأستاذ مولاي ~~ورئيسي. وفيها ملكت الأكراد ديار بكر بن ربيعة. وسببه أنه كان بجبال حيزان ~~رجل كردي يقطع الطريق، يقال له أبو عبد الله الحسين بن دوستك، ولقبه باد، ~~واجتمع عليه خلق كثير، وجرت له مع بني حمدان حروب إلى أن قتل. فلما قتل ~~باد، المذكور كان له صهر يقال له مروان بن كسرى وكان له أولاد ثلاثة، ~~وكانوا من قرية يقال لها كرماس بين إسعرذ والمعدن، وكانوا رؤساءها. فلما ~~خرج باد خرج معه أولاد مروان المذكور وهم: الحسن وسعيد وأحمد وأخ آخر. فلما ~~قتل باد انضم عسكره على ابن أخته الحسن، واستفحل أمره وتقاتل مع من بقي من ~~بني حمدان فهزمهم. ثم مات عضد الدولة بن بويه، فصفا له الوقت وملك ديار بكر ~~وميافارقين، وأحسن السيرة في الناس فأحبته الرعية، ثم افتتح بعد ذلك عدة ~~حصون، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في محلها. وفيها توفي عبد الرحيم بن ~~محمد بن إسماعيل بن نباتة الخطيب الفارقي صاحب الخطب، والذي من ذريته الشيخ ~~جمال الدين محمد بن نباتة الشاعر المتأخر، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. ~~وكان مولده بميافارقين في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. وكان بارعا في الأدب، ~~وكان يحفظ نهج البلاغة وعامة خطبه بألفاظها ومعانيها، ومات بميافارقين عن ~~تسع وثلاثين سنة. ولولده أبي طاهر محمد خطب أيضا. وفيها توفي محمد بن محمد ~~بن مكي، أبو أحمد القاضي الجرجاني، رحل في طلب الحديث ولقي الشيوخ، وكان ~~حافظا فاضلا أديبا. ومن شعره رحمه الله: مضى زمن وكان الناس فيه ... كراما ~~لا يخالطهم خسيس فقد دفع الكرام إلى زمان ... أخس رجالهم فيه رئيس تعطلت ~~المكارم يا خليلي ... وصار الناس ليس لهم نفوس أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. فيها توفي أحمد بن الحسين بن علي، الحافظ ms0839 ~~أبو زرعة الرازي الصغير، كان إماما طاف البلاد في طلب الحديث، وجالس ~~الحفاظ، وصنف التراجم والأبواب، وكان متقنا صدوقا، فقد بطريق مكة في هذه ~~السنة. وفيها توفي الحسين بن علي بن محمد بن يحيى، الحافظ أبو أحمد ~~النيسابوري، ويقال له حسينك، مولده سنة ثلاث وتسعين ومائتين، ومات بنيسابور ~~في شهر ربيع الآخر، وكان ثقة جليلا مأمونا حجة. وفيها توفي محمد بن عبد ~~الله بن محمد، أبو بكر التميمي الأبهري الفقيه المالكي، ولد سنة تسع ~~وثمانين ومائتين، وصنف التصانيف الحسان في مذهبه، وانتهت إليه رياسة ~~المالكية في زمانه. PageV01P0437 # وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران، أبو مسلم البغدادي ~~الحافظ الثقة العابد العارف، رحل إلى البلاد وأقام بسمرقند وجمع المسند، ~~وكان يعد من الزهاد. وفيها توفي عبد الله بن علي بن عبيد الله، أبو القاسم ~~الواردي البصري القاضي، شيخ أهل الظاهر في عصره، سمع الكثير وحدث، وكان ~~موصوفا بالفضل وحسن السيرة، وولي القضاء بعدة بلاد وحسنت سيرته. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو زرعة الرازي الصغير أحمد ~~بن الحسين الحافظ، وأبو علي الحسين بن علي التميمي حسينك، والحسين بن محمد ~~بن عبيد أبو عبد الله العسكري الدقاق في شوال، وأبو مسلم عبد الرحمن بن ~~محمد بن عبد الله بن مهران البغدادي الحافظ الزاهد، وأبو القاسم عبد العزيز ~~بن عبد الله الداركي شيخ الشافعية ببغداد، وأبو القاسم عبد العزيز بن جعفر ~~الخرقي، وعمر بن محمد بن علي أبو حفص الزيات، ومحمد بن عبد الله بن محمد ~~القاضي أبو بكر الأبهري شيخ المالكية بالعراق، ويوسف بن القاسم القاضي أبو ~~بكر الميانجي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع واثنتان ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة ست وسبعين وثلاثمائة. فيها استقر الأمر على الطاعة لشرف الدولة ~~بن عضد الدولة، وتحالف الإخوة الثلاثة أولاد عضد الدولة وتعاقدوا، ومضمون ~~ما كتب بينهم: هذا ms0840 ما اتفق عليه وتعاهد وتعاقد شرف الدولة أبو الفوارس، ~~وصمصام الدولة، وأبو النصر أبناء عضد الدولة بن ركن الدولة، اتفقوا على ~~طاعة أمير المؤمنين الطائع لله ولشرف الدولة بن عضد الدولة، وذكر ما جرت به ~~العادة، وكان ذلك بعد أمور وقعت بين صمصام الدولة وبين أخيه شرف الدولة ~~المذكور حتى أذعن له صمصام الدولة. وفيها توفي أبو القاسم المظفر بن علي ~~الملقب بالموفق أمير البطيحة، وولي بعده أبو الحسن علي بن نصر بعهد منه. ~~فبعث ابن نصر هذا لشرف الدولة يبذل الطاعة وسأل الخلع والتقليد، فأجيب إلى ~~ذلك ولقب مهذب الدولة، فسار بالناس أحسن سيرة. وفيها توفي الحكم بن عبد ~~الرحمن بن عبد الله بن محمد الأموي المغربي أمير الأندلس. ولي مملكة ~~الأندلس بعد وفاة أبيه يوم مات سنة خمسين وثلاثمائة وكنيته أبو العاصي، ~~ولقبه المستنصر بالله، وأقام واليا على الأندلس خمسا وعشرين سنة، ومات في ~~صفر. وأمه أم ولد يقال لها مرجان. وتولى بعده ولده هشام بن الحكم، وكان ~~مشكور السيرة. وهو الذي كتب إليه العزيز صاحب الترجمة من مصر يهجوه، وقد ~~ذكرنا ذلك في أول ترجمة العزيزة فرد المستنصر هذا جواب العزيز، وكتب في أول ~~كتابه قصيدة أولها: ألسنا بني مروان كيف تقلبت ... بنا الحال أو دارت علينا ~~الدوائر إلى أن قال: إذا ولد المولود منا تهللت ... له الأرض واهتزت إليه ~~المنابر ثم قال: وبعد، فقد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لهجوناك.والسلام. ~~وفيها توفي محمد بن أحمد بن حمدان بن علي بن عبد الله بن سنان، أبو عمرو ~~الحيري الزاهد، صحب جماعة من الزهاد، وكان عالما بالقراءات والنحو، وكان ~~متعبدا، مات ببغداد في ذي القعدة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المستملي ببلخ، طوف وخرج ~~المعجم، وأبو سعيد الحسن بن جعفر السمسار الخرقي، وأبو الحسن علي بن الحسن ~~بن علي القاضي الجراحي الضعيف، وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن البكائي. وأبو ~~القاسم عمر بن محمد بن سبنك، وقسام الحارثي الغالب ms0841 على دمشق قبض عليه في ~~هذه السنة، وأبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيري في ذ القعدة عن ثلاث ~~وتسعين سنة، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الرازي الواعظ. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. فيها توفيت والدة شرف الدولة، فجاءه ~~الخليفة الطائع لله معزيا. وفيها في شعبان ولد لشرف الدولة بن عضد الدولة ~~ولدان توأمان، فكنى أحدهما أبا حرب وسماه سلار، والثاني أبا منصور وسماه ~~فناخسرو. PageV01P0438 # وفيها ولى العزيز صاحب الترجمة بكتكين التركي إمرة دمشق، وندبه لقتال ~~قسام، حسب ما تقدم ذكره. وفيها توفي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو علي ~~الفارسي النحوي الإمام المشهور، ولد ببلدة فسا، وقدم بغداد، وسمع الحديث ~~وبرع في علم النحو وانفرد به، وقصده الناس من الأقطار، وعلت منزلته في ~~العربية، وصنف فيها كتبا كثيرة لم يسبق إلى مثلها حتى اشتهر ذكره في ~~الآفاق، وتقدم عند عضد الدولة حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي في ~~النحو. ومن تصانيف أبي علي: الإيضاح والتكملة وكتاب الحجة في القراءات، ~~ومات ببغداد في شهر ربيع الأول عن نيف وتسعين سنة. وفيها كان قد هيأ العزيز ~~صاحب مصر عدة شواني لغزو الروم، فاحترقت مراكبه فآتهم بها أناسا. ثم بعد ~~ذلك وصلت رسل الروم في البحر إلى ساحل القدس بتقادم للعزيز، ودخلوا مصر ~~يطلبون الصلح، فأجابهم العزيز واشترط شروطا شديدة التزموا بها كلها، منها: ~~أنهم يحلفون أنه لا يبقى في مملكتهم أسير إلا أطلقوه، وأن يخطب للعزيز في ~~جامع قسطنطينية كل جمعة، وأن يحمل إليه من أمتعة الروم كل ما افترضه عليهم، ~~ثم ردهم بعقد الهدنة سبع سنين. وفيها توفيت ستيتة، وقيل آمنة، بنت القاضي ~~أبي عبد الله الحسين المحاملي، وأم القاضي أبي الحسين محمد بن أحمد بن ~~القاسم المحاملي، كنيتها أمة الواحد. كانت فاضلة، من أعلم الناس ms0842 وأحفظهم ~~لفقه الشافعي، وتقرأ القراءات والفرائض والنحو وغير ذلك من العلوم مع الزهد ~~والعبادة والصدقات، وكانت تفتي أبي علي بن أبي هريرة، وماتت في شهر رمضان. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع ~~عشره ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. فيها في المحرم أمر شرف الدولة بأن ترصد ~~الكواكب السبعة في مسيرها وتنقلها في بروجها على مثال ما كان المأمون يفعل، ~~وتولى ذلك ابن رستم الكوهي، وكان له علم بالهيئة والهندسة، وبنى بيتا في ~~دار المملكة بسبب ذلك في آخر البستان، وأقام الرصد لليلتين بقيتا من صفر. ~~وفيها كثرت العواصف وهبت ريح بفم الصلح عظيمة جرفت دجلة من غربيها إلى ~~شرقيها، فأهلكت خلقا كثيرا وغرقت كثيرا من السفن الكبار. وفيها بدأ المرض ~~بشرف الدولة ولحقه سوء مزاج. وفيها لحق الناس بالبصرة حر عظيم في نيف ~~وعشرين يوما من تموز، وهو أبيب بالقبطي، فكان الناس يتساقطون موتى بالعراق ~~في الشوارع. وفيها ولى العزيز صاحب مصر على دمشق منيرا الخادم، وعزل عنها ~~بكتكين التركي، لأنه كان قد قيل عنه إنه خرج عن الطاعة. وفيها توفي أحمد بن ~~الحسين بن أحمد بن علي بن محمد العلوي الدمشقي، ويعرف بالعقيقي، صاحب الدار ~~المشهورة بدمشق، وكان من وجوه الأشراف جوادا ممدحا، مات بدمشق في جمادى ~~الأولى. وفيها توفي الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل، أبو سعيد السجزي ~~القاضي الحنفي، وقيل: اسمه محمد، والخليل لقب له، ويعرف أيضا بابن جنك. كان ~~شيخ أهل الرأي في عصره، وكان مع كثرة علمه أحسن الناس كلاما في الوعظ ~~والتذكير، وكان صاحب فنون من العلوم، وطاف الدنيا شرقا وغربا وسمع الحديث، ~~وكان شاعرا فصيحا، مات قاضيا بسمرقند في جمادى الآخرة، ورثاه أبو بكر ~~الخوارزمي. وفيها توفي عبد الله بن علي بن محمد، أبو نصر السراج الصوفي ~~الطوسي، كان من كبار مشايخ طوس وزهادهم، مات بنيسابور في شهر رجب وهو ساجد. ~~ومن شعره: ما ms0843 ناصحتك خبايا الود من أحد ... ما لم تنلك بمكروه من العذل ~~مودتي فيك تأبى أن تسامحني ... بأن أراك على شيء من الزلل وفيها توفي محمد ~~بن محمد بن أحمد بن إسحاق، أبو أحمد الحافظ النيسابوري الكرابيسي الحاكم ~~الكبير، إمام عصره، صاحب التصانيف، سمع الكثير وروى عنه خلق كثيرة وصنف على ~~كتابي البخاري ومسلم وعلى جامع أبي عيسى الترمذي، وصنف كتابي الأسماء ~~والكنى والعلل والمخرج على كتاب المزني وغير ذلك، وولي القضاء بمدن كثيرة، ~~ومات في شهر ربيع الأول عن ثلاث وتسعين سنة. PageV01P0439 # وفيها توفي أبو القاسم بن الجلاب المالكي، وقيل اسمه عبد الرحمن بن عبيد ~~الله، وسماه القاضي عياض: محمد بن الحسين، تفقه بالقاضي أبي بكر محمد ~~الأبهري، وصنف كتابا جليلا في مسائل الخلاف، وكتاب التفريع في مذهبه، وكان ~~أحفظ أصحاب الأبهري. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع سواء. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة. فيها مات شرف الدولة شيرزيل بن عضد ~~الدولة بويه، وقيل: فناخسرو، ابن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي بعد أن ~~عهد بالملك إلى أخيه أبي نصر. وجاء الطائع الخليفة لأبي نصر وعزاه في أخيه ~~شرف الدولة، ثم ركب أبو نصر إلى دار الخليفة وحضر الأعيان. وخلع الخليفة ~~الطائع على أبي نصر المذكور سبع خلع أعلاها سوداء وعمامة سوداء، وفي عنقه ~~طوق كبير، وفي يديه سواران، ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف. فلما حصل بين ~~يدي الطائع قبل الأرض، ثم أجلس على كرسي، وقرأ أبو الحسن علي بن عبد العزيز ~~بن حاجب النعمان كاتب الخليفة عهده، وقدم إلى الطائع لواءه فعقده ولقبه ~~بهاء الدولة وضياء الملة. قلت: وهذا الثالث من بني عضد الدولة بن بويه، ~~فإنه ولي بعد عضد الدولة صمصام الدولة، ثم شرف الدولة، ثم بهاء الدولة هذا. ~~وكان بهاء الدولة المذكور من رجال بني بويه. وبلغ الأتراك بفارس ولايته ~~فوثبوا وأخرجوا صمصام الدولة من معتقله، وكان اعتقله ms0844 أخوه شرف الدولة. ولما ~~خرج صمصام الدولة واستفحل أمره، وقع بينه وبين الأتراك، فتركوه وأقاموا ابن ~~أخيه أبا علي ولقبوه شمس الدولة. ووقع لهم أمور يطول شرحها. وفيها توفي ~~محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى، أبو الحسين البزاز البغدادي الحافظ ~~المشهور، ولد سنة ست وثمانين ومائتين في المحرم، ورحل وسمع الكثير، وروى ~~عنه خلائق، كتب عنه الدارقطني. وقد روينا مسنده الذي جمعه من حديث أبي ~~حنيفة رضي الله عنه عن المسند المعمر الحاكم عبد الرحيم بن الفرات الحنفي. ~~أنبأنا ابن أبي عمر وغير واحد قالوا: أنبأنا أبو الحسن بن البخاري، أنبأنا ~~الخشوعي، أنبأنا ابن خسرو البلخي عن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي عن أبي ~~محمد الفارسي عن ابن المظفر. وقال محمد بن أبي الفوارس: انتهى إليه علم ~~الحديث مع الفقه والأمانة وحسن الخط. وفيها توفي شرف الدولة شيرزيل بن عضد ~~الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي سلطان بغداد ~~وابن سلطانها. ظفر بأخيه صمصام الدولة بعد حروب وحبسه وملك العراق. وكان ~~حسن السيرة، يميل إلى الخير، وأزال المصادرات. وكان مرضه بالاستسقاء، ~~وامتنع من الحمية فمات منه في جمادى الآخرة عن تسع وعشرين سنة، وملك سنتين ~~وثمانية أشهر. وتولى السلطنة بعده أخوه أبو نصر بهاء الدولة، حسب ما ذكرناه ~~في أول هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع سواء. ~~مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة ثمانين وثلاثمائة. فيها قلد أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي ~~العلوي نقابة الطالبيين والنظر في المظالم وإمرة الحاج، وكتب عهده على جميع ~~ذلك، واستخلف ولديه المرتضى والرضي على النقابة، وخلع عليهما من دار ~~الخلافة ببغداد. وفيها تغير بهاء الدولة على الخليفة الطائع لله عبد الكريم ~~حتى نكبه في السنة الآتية. وفيها حج بالناس أبو عبد الله أحمد بن محمد بن ~~عبيد الله نيابة عن الشريف أبي أحمد الموسوي. وفيها توفي حمزة بن أحمد بن ~~الحسين ms0845 الشريف، أبو الحسن العلوي الدمشقي، كان جوادا رئيسا، يسكن بباب ~~الفراديس. ولما قرىء نسب خلفاء مصر الفاطميين على منبر دمشق استهزأ بهم ~~ونال منهم، فبعث ابن كلس وزير العزيز من قبض عليه، وحبسه بالإسكندرية إلى ~~أن مات بها. وفيها توفي الوزير يعقوب بن يوسف بن كلس أبو الفرج وزير العزيز ~~صاحب مصر. كان يهوديا من أهل بغداد ثم انتقل إلى الرملة وعمل سمسارا، ~~فانكسر عليه مال فهرب إلى مصر. وتاجر لكافور الإخشيذي فرأى منه فطنة، فقال: ~~لو أسلم لصلح للوزارة، فأسلم، فقصده الوزير يوم ذلك، فهرب ابن كلس هذا إلى ~~المغرب، وترقى إلى أن وزره العزيز صاحب الترجمة سنة خمس وستين وثلاثمائة. ~~PageV01P0440 # فاستقامت أمور العزيز بتدبيره إلى أن مات. فلما أشرف على الموت عاده ~~العزيز وغمه أمره. فقال له العزيز: وددت أنك تباع فأشتريك بملكي، أو تفتدى ~~فأفديك بولدي، فهل من حاجة توصي بها؟ فبكى ابن كلس وقبل يده وجعلها على ~~عينيه، ثم أوصى العزيز بوصايا ومات. فصلى عليه العزيز وألحده في قبره بيده ~~في قبة في دار العزيز كان بناها العزيز لنفسه، وأغلق الدواوين بعده أياما. ~~وقيل: إنه كان حسن إسلامه وقرأ القرآن والنحو، وكان يجمع العلماء والفضلاء. ~~ولما مات خفف شيئا كثيرا. وقيل: إنه كفن وحنط بما قيمته عشرة آلاف دينار، ~~قاله الذهبي وغيره من المؤرخين، ورثاه مائة شاعر. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو القاسم طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد، ~~وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج القرطبي قاضي الجماعة، ~~ووزير مصر يعقوب بن يوسف بن كلس، وأبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن صبر ~~الحنفي المعتزلي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع سواء. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السادسة عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. فيها خلع الخليفة الطائع عبد الكريم في ~~تاسع عشر شعبان، وتولى القادر الخلافة. وسببه أن أبا الحسين بن المعلم ms0846 كان ~~من خواص بهاء الدولة فحبسه الطائع، وجاء بهاء الدولة إلى دار الخلافة وقد ~~جلس الطائع متقلدا سيفا. فلما قرب بهاء الدولة قبل الأرض وجلس على كرسي، ~~وتقدم أصحابه فجذبوا الطائع بحمائل سيفه وتكاثروا عليه ولفوه في كساء، وحمل ~~في زبزب في الدجلة وأصعد إلى دار الملك. وارتج البلد، وظن أكثر الناس أن ~~القبض على بهاء الدولة، ونهبت دار الخلافة، وماج الناس، إلى أن نودي بخلافة ~~القادر. وكتب على الطائع كتاب بخلع نفسه، وأنه سلم الأمر إلى القادر بالله، ~~فتشغبت الجند يطلبون رسم البيعة، وترددت الرسل بينهم وبين بهاء الدولة، أو ~~منعوا الخطبة باسم القادر، ثم أرضوهم وسكنوا، وأقيمت الخطبة للقادر في ~~الجمعة الآتية. والقادر هذا ابن عم الطائع المخلوع عن الخلافة به. واسمه ~~أحمد، وكنيته أبو العباس ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر. ~~والطائع الذي خلع اسمه عبد الكريم، وكنيته أبو بكر ابن الخليفة المطيع ~~الفضل ابن الخليفة جعفر المقتدر المذكور، حبس وأقام سنين بعد ذلك إلى أن ~~مات، على ما سيأتي ذكره في محله إن شاء الله تعالى. وفيها حج بالناس أبو ~~الحسن محمد بن الحسن بن يحيى العلوي الشريف أمير الحج، وكذلك، حج بالناس ~~عدة سنين. وفيها توفي أحمد بن الحسين بن مهران، أبو بكر النيسابوري المقرىء ~~العابد، مصنف كتاب الغاية في القراءات. قال الحاكم: كان إمام عصره في ~~القراءات، وكان أعبد من رأينا من القراء، وكان مجاب الدعوة. مات في شوال ~~وله ست وثمانون سنة. وفيها توفي أحمد بن محمد بن الفضل بن جعفر بن محمد بن ~~الجراح أبو بكر الخزاز، كان أديبا فاضلا فارسا شجاعا. وفيها توفي بكجور ~~التركي، ولي إمرة دمشق لأستاذه العزيز صاحب الترجمة، نقل إليها من ولاية ~~حمص. وكان ظالما جبارا، ساءت سيرته في ولايته. ولما كثر ظلمه عزله العزيز ~~صاحب مصر وولى مكانه منيرا الخادم سنة ثمان وسبعين. فلم يسلم بكجور المذكور ~~البلد إلا بعد قتال، وتوجه إلى جهة حلب، ثم قتل بمكان يقال له الناعورة. ~~وكان أصل بكجور المذكور ms0847 من موالي سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان. وفيها ~~توفي سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان ~~التغلبي الأمير صاحب حلب وابن صاحبها في شهر رمضان. وعهد إلى ولده أبي ~~الفضائل، ووصى لؤلؤا الكبير به وبولده الآخر أبي الهيجاء. ووقع بينهم وبين ~~العزيز صاحب مصر وقائع وحروب، ذكرناها في أول ترجمة العزيز هذا، وما وقع له ~~معهم إلى أن مات العزيز. وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن حمويه بن يوسف بن ~~أعين أبو محمد السرخسي، مولده في سنة ثلاث وتسعين ومائتين. قال أبو ذر: ~~قرأت عليه. وهو صاحب أصول حسان. وفيها توفي عبيد الله بن عبد الرحمن بن ~~محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو الفضل ~~الزهري العوفي، هو إمام مسند كبير القدر. قال أبو بكر الخطيب: كان ثقة. ولد ~~سنة تسعين ومائتين. PageV01P0441 # وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان الحافظ أبو بكر بن ~~المقرىء مسند أصبهان، طاف البلاد وسمع الكثير وروى عنه خلق. قال ابن ~~مردويه: هو ثقة مأمون صاحب أصول، مات في شوال وله ست وتسعون سنة. وفيها ~~توفي عبيد الله بن أحمد بن معروف أبو محمد القاضي، ولي القضاء من الجانبين ~~ببغداد، وكانت له منزلة عالية من الخلفاء والملوك خصوصا من الطائع، وكان من ~~العلماء الثقات الفضلاء العقلاء. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاث أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السابعة عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. فيها منع أبو الحسين علي بن محمد بن ~~المعلم الكوكبي، صاحب أمر بغداد، الرافضة من أهل الكرخ وباب الطاق من النوح ~~في يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح، وكان ذلك يعمل من نحو ثلاثين سنة. وفيها ~~جلس الخليفة القادر بالتاج وحضر القضاة والأشراف والأعيان، وأحضر رسول صاحب ~~المولتان، فذكر الرسول رغبة مرسله في الإسلام والدخول فيه برعيته، ms0848 وسأل أن ~~ينفذ إليه الخليفة من يعلمهم السنن والفرائض والشرائع والحدود، فكتب على ~~يده كتابا ووعد بكل جميل، وسر الناس بذلك غاية السرور، وفيها شغب الديلم ~~والترك والجند على بهاء الدولة وطلبوا منه تسليم أبي الحسين بن المعلم، ~~وكان ابن المعلم قد استولى على بهاء الدولة وحكم عليه وقصر في حق الجند، ~~فامتنع بهاء الدولة من تسليمه، ثم غلب وسلمه لخاله شيرزيل، فسقاه السم ~~مرتين فلم يعمل فيه، فخنقه بحبل الستارة حتى مات ودفنه. وفيها غلت الأسعار ~~ببغداد، فبيع رطل الخبز بأربعين درهما، والجوزة بدرهم. وفيها حج بالناس ~~محمد بن الحسن العلوي. وفيها توفي أحمد بن علي بن عمر أبو الحسين الحريري. ~~ولد سنة اثنتين وثلاثمائة، وهو غير صاحب المقامات. أخرج له الخطيب حديثا من ~~حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: " ~~أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما " . ~~ومات أبو الحسين في شهر رمضان. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ~~أبو سعيد الرازي القرشي الصوفي نزيل نيسابور، كان كالريحانة بين الصوفية، ~~سيدا ثقة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو أحمد ~~الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في ذي الحجة، وأبو القاسم عبد الله بن ~~أحمد بن محمد بن يعقوب النسائي الشافعي راوي مسند الحسن بن سفيان عنه، وأبو ~~سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي وله أربع وتسعون سنة، وأبو عمر ~~محمد بن العباس بن حيويه الخزاز في شهر ربيع الآخر عن سبع وثمانين سنة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. فيها تزوج الخليفة القادر بالله سكينة ~~بنت بهاء الدولة على صداق مائة ألف دينار، فماتت قبل الدخول بها. وفيها عظم ~~الغلاء حتى بلغ ثمن كر القمح ببغداد ms0849 ستة آلاف درهم وستمائة درهم غياثي، ~~والكارة الدقيق مائتين وستين درهما. وفيها ابتنى الوزير أبو نصر سابور بن ~~أردشير دارا بالكرخ سماها دار العلم، ووقفها على العلماء ونقل إليها كتبا ~~كثيرة. وفيها توفي أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان الحافظ أبو بكر ~~البزاز، ولد في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائتين، ومات في شوال ~~ببغداد. وكان ثبتا ثقة صاحب أصول. قيل له: أسمعت من الباغندي شيئا؟ قال: لا ~~أعلم، ثم وجد سماعه منه، فلم يحدث به تورعا. وفيها توفي جعفر بن عبد الله ~~بن يعقوب أبو القاسم الرازي. روى عن محمد بن هارون الروياني مسنده، وسمع ~~عبد الرحمن بن أبي حاتم وجماعة. قال أبو يعلى الخليلي: موصوف بالعدالة وحسن ~~الديانة، وهو آخر من روى عن الروياني. وفيها توفي عبد الله بن عطية بن عبد ~~الله بن حبيب، أبو محمد المقرىء الدمشقي المفسر العدل، إمام مسجد عطية داخل ~~باب الجابية. كان يحفظ خمسين ألف بيت من شعر العرب في الاستشهادات على ~~معاني القرآن واللغة. مات بدمشق في شوال. ومن شعره قوله: PageV01P0442 # احذر مودة ماذق ... مزج المرارة بالحلاوه يحصي الذنوب عليك أي ... ام ~~الصداقة للعداوه وفيها توفي عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم أبو محمد ~~الأندلسي القلعي، من أهل قلعة أيوب. رحل إلى مصر والشام والعراق سنة خمسين ~~وثلاثمائة، وسمع الكثير وعاد إلى الأندلس، وصنف الكتب. وكانوا يشبهونه ~~بسفيان الثوري في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومات في شهر ربيع الآخر ~~وله ثلاث وستون سنة. وفيها توفي محمد بن صالح بن محمد بن سعد، أبو عبد الله ~~الأندلسي الفقيه المالكي، سمع بمصر والشام والجزيرة وبغداد، ثم أقام ببخارى ~~حتى مات بها في شهر رجب. وكان فاضلا أديبا ثقة. ومن شعره: ودعت قلبي ساعة ~~التوديع ... وأطعت قلبي وهو غير مطيعي إن لم أشيعهم فقد شيعتهم ... ~~بمشيعين: حشاشتي ودموعي وفيها توفي نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب، أبو ~~الفضل الطوسي العطار الصوفي الحافظ، أحد أركان الحديث بخراسان، مع الدين ms0850 ~~والزهد والسخاء والعفة. وقد سافر إلى العراق ومصر والشام والحجاز، وجمع من ~~الحديث ما لم يجمعه أحد، وصنف الكتب. ومات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثماني عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة عشرة من ولاية العزيز نزار # وهي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. فيها تزوج مهذب الدولة علي بن نصر ببنت ~~بهاء الدولة بن بويه، وعقد أيضا للأمير أبي منصور بن بهاء الدولة على بنت ~~مهذب الدولة، كل صداق مائة ألف دينار. وفيها سار صمصام الدولة بن عضد ~~الدولة من شيراز يريد الأهواز، فخرج بهاء الدولة من بغداد ونزل واسطا، ~~وأرسل جيشا لقتال صمصام الدولة بن بويه، فالتقوا مع صمصام الدولة وانتصروا ~~عليه. وفيها عزل الشريف أبو أحمد الموسوي عن نقابة الطالبيين، وصرف ولداه ~~الرضي والمرتضى عن النيابة عنه، وتولى عوضه الشريف الزينبي. وفيها رجع ~~الحاج إلى بغداد، ولم يحج أحد من العراق خوفا من القرامطة. وفيها توفي ~~إبراهيم بن هلال أبو إسحاق الصابىء صاحب الرسائل، كان فاضلا شاعرا، نكب غير ~~مرة بسبب رسائله. ومولده في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، ومات في ~~هذه السنة، ودفن بالشونيزية. ورثاه الشريف الرضي الموسوي بقصيدته الدالية ~~التي أولها: أرأيت من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي ~~وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفا ورثى صابئا، فقال: إنما رثيت فضله. قال ~~ابن خلكان: وجهد فيه عز الدولة أن يسلم فلم يفعل. وكان يصوم شهر رمضان مع ~~المسلمين ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن ~~نافع بن مكرم، أبو العباس البستي الزاهد، كان ورث من آبائه أموالا عظيمة ~~أنفقها على الفقهاء والفقراء، أقام سبعين سنة لا يستند إلى جدار ولا إلى ~~غيره، ومات في المحرم. وفيها توفي علي بن عيسى بن علي، الإمام أبو الحسن ~~الرماني النحوي. مولده سنة ست وتسعين ومائتين، وبرع في علم النحو واللغة ~~والأصول والتفسير وغيرها. وله كتاب التفسير ms0851 الكبير، وهو كثير الفوائد إلا ~~أنه صرح فيه بالاعتزال، وسلك الزمخشري سبيله وزاد عليه. مات ببغداد ودفن ~~بالشونيزية. وفيها توفي محمد بن العباس بن أحمد بن محمد، الحافظ أبو الحسن ~~بن الفرات. ولد سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وكتب الكثير، وجمع ما لم يجمعه أحد ~~من أقرانه، وكان عنده عن علي بن محمد المصري وحده ألف جزء، وكتب مائة تفسير ~~ومائة تاريخ، وخفف ثمانية عشر صندوقا مملوءة كتبا غير ما سرق منه، وأكثرها ~~بخطه. وكانت له جارية تعارض معه بما يكتبه. ومات ببغداد في شوال، وكان ~~مأمونا ثقة. انتهى كلام صاحب مرآة الزمان. وفيها توفي محمد بن عمران بن ~~موسى بن عبيد الله، أبو عبد الله الكاتب المرزباني، كان صاحب أخبار وروايات ~~للآداب، وصنف كتبا في فنون العلوم. وكان أبو علي الفارسي يقول عنه: هو من ~~محاسن الدنيا. وفيها توفى المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم، القاضي أبو ~~علي التنوخي مصنف كتاب الفرج بعد الشدة. مولده سنة سبع وعشرين وثلاثمائة ~~بالبصرة. وكان أديبا شاعرا. تقلد القضاء بسر من رأى، ومات ببغداد في ~~المحرم. أمر النيل في هذه السنة: PageV01P0443 # الماء القديم أربع أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة العشرون من ولاية العزيز نزار # وهي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. فيها تحركت القرامطة على البصرة، فجهز ~~بهاء الدولة إليهم جيشا فرجعوا عنها. وفيها زلزلت الدنيا زلزلة عظيمة، مات ~~فيها تحت الهم خلق كثير. وفيها أمر صمصام الدولة بقتل من كان بفارس من ~~الأتراك، كل ذلك ولم ينتج أمر صمصام الدولة. وفيها توفي طغان صاحب بهاء ~~الدولة الذي كان ندبه لقتال صمصام الدولة بشيراز. وفيها حج بالناس أحمد بن ~~محمد بن عبد الله العلوي من العراق، وبعث بدر بن حسنويه الكردي خمسة آلاف ~~دينار إلى الاصيفر الأعرابي الذي كان يقطع الطريق على الحاج عوضا عما كان ~~يأخذه من الحاج، وجعل ذلك رسما عليه في كل سنة من ماله، رحمه الله. وفيها ~~توفي الوزير الصاحب إسماعيل بن ms0852 عباد بن العباس، أبو القاسم وزير مؤيد ~~الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه، ثم وزر لأخيه فخر الدولة. كان أصله من ~~الطالقان، وكان نادرة زمانه وأعجوبة عصره في الفضائل والمكارم. أخذ الأدب ~~عن الوزير أبي الفضل بن العميد وزير ركن الدولة بن بويه، وسمع الحديث من ~~أبيه ومن غير واحد، وحدث باليسير. وهو أول وزير سمي بالصاحب لأنه صحب مؤيد ~~الدولة من الصبا فسماه الصاحب، فغلب عليه، ثم سمي به كل من ولي الوزارة حتى ~~حرافيش زماننا حملة اللحم وأخذة المكوس! وقيل: إنه كان يصحب ابن العميد ~~فقيل له صاحب ابن العميد، ثم خفف فقيل الصاحب. ولما ولي الوزارة قال فيه ~~أبو سعيد الرستمي: ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد ~~يروي عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عباد ولما مات مؤيد الدولة ~~تولى السلطنة أخوه فخر الدولة، فأقر الصاحب هذا على وزارته، فعظم أمره أكثر ~~ما كان، وبقي في الوزارة ثمانية عشر عاما، وفتح خمسين قلعة وسلمها إلى فخر ~~الدولة. وكان عالما بفنون كثيرة. وأما الشعر فإليه المنتهى فيه. ومن شعره: ~~رق الزجاج وراقت الخمر ... وتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... ~~وكأنما قدح ولا خمر وله القصيدة التي أولها: تبسم إذ تبسم عن أقاحي ... ~~وأسفر حين أسفر عن صباح وقيل: إن القاضي العميري أرسل إلى الصاحب كتبا ~~كثيرة، وكتب معها يقول: العميري عبد كافي الكفاة ... وإن اعتد في وجوه ~~القضاة خدم المجلس الرفيع بكتب ... مفعمات من حسنها مترعات فأخذ منها ~~الصاحب بن عباد كتابا واحدا، وكتب معها: قد قبلنا من الجميع كتابا ... ~~ورددنا لوقتها الباقيات لست أستغنم الكثير فطبعي ... قول خذ ليس مذهبي قول ~~هات ومات الصاحب بالري عشية ليلة الخميس خامس عشرين صفر، وأغلقت له مدينة ~~الري، وحضر مخدومه فخر الدولة وجميع أعيان مملكته، وقد غيروا لباسهم. فلما ~~خرج نعشه صاح الناس صيحة واحدة، وقبلوا الأرض لنعشه، ومشى فخر الدولة أمام ~~نعشه، وقعد للعزاء أياما، ورثاه الشعراء بعدة قصائد. قلت: وأخبار ابن عباد ~~كثيرة، ms0853 وقد استوعبنا أمره في كتاب الوزراء. وليس هذا محل الإطناب في ~~التراجم سوى تراجم ملوك مصر التي بسببها صنف هذا الكتاب. وفيها توفي علي بن ~~عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبد الله أبو الحسن ~~البغدادي الدارقطني، الحافظ المشهور صاحب التصانيف. سمع من أبي القاسم ~~البغوي وخلق كثير ببغداد والكوفة والبصرة وواسط، ورحل في كهولته إلى الشام ~~ومصر، فسمع القاضي أبا الطاهر الذهلي وطبقته، وروى عنه أبو حامد الأسفرايني ~~وأبو عبد الله الحاكم وعبد الغني بن سعيد المصري وخلق سواهم. قال الخطيب ~~أبو بكر: كان الدارقطني فريد عصره، ووحيد دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، ~~انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال وأحوال الرواة، ~~مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد. وكانت وفاته في ثامن ذي القعدة. ~~PageV01P0444 # وفيها توفي عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن أيوب بن أزداد، الشيخ أبو ~~حفص بن شاهين، الحافظ الواعظ محدث بغداد ومفيدها، سمع الكثير وحدث، ومولده ~~سنة سبع وتسعين ومائتين. قال ابن ماكولا: كان ثقة مأمونا، سمع بالشام ~~والعراق والبصرة وفارس، وجمع الأبواب والتراجم، وصنف كثيرا. وفيها توفي أبو ~~الحسن عباد بن العباس والد الصاحب بن عباد المقدم ذكره، مات بعد ابنه بمدة ~~يسيرة. وكان فاضلا جليلا، سمع الحديث، وصنف كتاب أحكام القرآن. وقد تقدم أن ~~أصلهم من الطالقان وهي قرية كبيرة بين قزوين وأبهر، وحولها عدة قرى، وقيل: ~~هو إقليم يقع عليه هذا الاسم. وبخراسان مدينة يقال لها طالقان غير هذه. ~~وفيها توفي بشر بن هارون أبو نصر النصراني الكاتب، كان شاعرا هجاء خبيث ~~اللسان كتب مرة إلى إبراهيم الصابىء: حضرت بالجسم وقد كنت بالن ... فس وإن ~~لم ترني حاضرا أنطقني بالشعر حبي لكم ... ولم أكن من قبلها شاعرا فكتب إليه ~~الصابىء تحت خطه: ولا بعدها. وفيها توفي الحسن بن حامد بن الحسن بن حامد بن ~~الحسن بن حامد، أبو محمد الأديب الشاعر، كان فاضلا يتجر وله مال كثير. ولما ~~قدم المتنبي بغداد خدمه، فقال له ms0854 المتنبي: لو كنت مادحا تاجرا لمدحتك. ~~وفيها توفي عقيل بن محمد بن عبد الواحد، أبو الحسن الأحنف العكبري الأديب ~~الشاعر. ومن شعره: من أراد العز والرا ... حة من هم طويل فليكن فردا من ~~النا ... س ويرضى بالقليل وفيها توفي محمد بن عبد الله بن محمد، بن سكرة، ~~أبو الحسن الهاشمي البغدادي الشاعر المشهور، ويعرف بابن رابطة. هو من ولد ~~علي بن المهدي من بني العباس. كان شاعرا ظريفا فصيحا، وشعره في غاية الجودة ~~والرقة. من ذلك قوله: في وجه إنسانة كلفت بها ... أربعة ما اجتمعن في أحد ~~الوجه بدر والصدغ غالية ... والريق خمر والثغر من برد أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الحادية والعشرون من ولاية العزيز نزار، وفيها مات # وهي سنة ست وثمانين وثلاثمائة. فيها في المحرم ادعى أهل البصرة أنهم ~~كشفوا عن قبر عتيق فوجدوا فيه ميتا طريا بثيابه وسيفه، وأنه الزبير بن ~~العوام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه بالمربد، وبنى عليه أبو المسك عنبر بناء ~~وجعله مشهدا، وأوقف عليه أوقافا ونقل إليه القناديل والآلات. قال الذهبي: ~~فالله أعلم من ذلك الميت. وفيها توفي أحمد بن علي بن أحمد، أبو علي ~~المدائني، ويلقب بالهائم. روى عن السري الرفاء ديوان شعره. وكان شاعرا ~~ماهرا. ومن شعره في كوسج: وجه اليماني من تأمله ... أبصر فيه الوجود ~~والعدما قد شاب عثنونه وشاربه ... وعارضاه لم يبلغا الحلما وفيها توفي محمد ~~بن علي بن عطية أبو طالب الحارثي، مصنف كتاب قوت القلوب. كان من أهل الجبل ~~ونشأ بمكة وتزهد، وكان له لسان حلو في الوعظ والتصوف. وفيها توفي محمد بن ~~إبراهيم بن أحمد، أبو بكر السوسي، شيخ الصوفية بدمشق، كان زاهدا عابدا، ما ~~عقد على درهم ولا دينار، ولا اغتسل من حلال ولا حرام، حدث عن أحمد بن عطاء ~~الروذباري وأقرانه، ولقي المشايخ. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي ms0855 بهراة في شهر ربيع ~~الأول، وأبو أحمد عبد الله بن الحسين بن حسنون السامري، وأبو أحمد عبيد ~~الله بن يعقوب بن إسحاق الأصبهاني، روى عن جده مسند أحمد بن منيع، وأبو ~~الحسن علي بن عمر الحربي السكري في شوال وله تسعون سنة، وأبو عبد الله ~~الختن شيخ الشافعية محمد بن الحسن الإستراباذي، وأبو طالب محمد بن علي بن ~~عطية المكي صاحب القوت في جمادى الآخرة، والعزيز نزار بن المعز العبيدي في ~~رمضان عن ثلاث وأربعين سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث ~~أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية الحاكم بأمر الله # PageV01P0445 # هو أبو علي منصور، الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله نزار بن المعز بالله ~~معد بن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدي عبيد ~~الله، العبيدي الفاطمي المغربي الأصل، المصري المولد والدار والمنشأ، ~~الثالث من خلفاء مصر من بني عبيد والسادس منهم ممن ولي من أجداد بالمغرب، ~~وهم: المهدي والقائم والمنصور المقدم ذكرهم. مولده يوم الخميس لأربع ليال ~~بقين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بالقاهرة، وقيل: في ~~الثالث والعشرين منه. وولاه أبوه العزيز عهد الخلافة في شعبان سنة ثلاث ~~وثمانين وثلاثمائة، وبويع بالخلافة يوم مات أبوه يوم الثلاثاء لليلتين ~~بقيتا من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، فولي الخلافة وله إحدى عشرة ~~سنة ونصف، وقيل: عشر سنين ونصف وستة أيام، وقيل غير ذلك. قال العلامة أبو ~~المظفر بن قزأوغلي في تاريخه: وكانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام، وجبن ~~وإحجام، ومحبة للعلم وانتقام من العلماء، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء. ~~وكان الغالب عليه السخاء، وربما بخل بما لم يبخل به أحد قط. وأقام يلبس ~~الصوف سبع سنين، وامتنع من دخول الحمام، وأقام سنين يجلس في الشمع ليلا ~~ونهارا، ثم عن له أن يجلس في الظلمة فجلس فيها مدة. وقتل من العلماء ~~والكتاب والأماثل ما لا يحصى، وكتب على المساجد والجوامع سب أبي بكر وعمر ~~وعثمان ms0856 وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم في سنة ~~خمس وتسعين وثلاثمائة، ثم محاه في سنة سبع وتسعين، وأمر بقتل الكلاب وحرم ~~بيع الفقاع وعمله ثم نهى عنه، ورفع المكوس عن البلاد وعما يباع فيها، ونهى ~~عن النجوم، وكان ينظر فيها، ونفى المنجمين وكان يرصدها، ويخدم زحل، وطالعه ~~المريخ، ولهذا كان يسفك الدماء. وبنى جامع القاهرة، وجامع راشدة على النيل ~~بمصر، ومساجد كثيرة، ونقل إليها المصاحف المفضضة والستور الحرير وقناديل ~~الذهب والفضة، ومنع من صلاة التراويح عشر سنين، ثم أباحها، وقطع الكروم ~~ومنع من بيع العنب، ولم يبق في ولايته كرما، وأراق خمسة آلاف جرة من عسل في ~~البحر خوفا من أن تعمل نبيذا، ومنع النساء من الخروج من بيوتهن ليلا ~~ونهارا، وجعل لأهل الذمة علامات يعرفون بها، وألبس اليهود العمائم السود، ~~وأمر ألا يركبوا مع المسلمين في سفينة، وألا يستخدموا غلاما مسلما، ولا ~~يركبوا حمار مسلم، ولا يدخلوا مع المسلمين حماما، وجعل لهم حمامات على حدة، ~~ولم يبق في ولايته ديرا ولا كنيسة إلا هدمها، ونهى عن تقبيل الأرض بين يديه ~~والصلاة عليه في الخطب والمكاتبات، وجعل مكان الصلاة عليه: السلام على أمير ~~المؤمنين، ثم رجع عن ذلك، وأسلم خلق من أهل الذمة خوفا منه ثم ارتدوا، ~~وأعاد الكنائس إلى حالها،. انتهى كلام أبي المظفر. PageV01P0446 # قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه: كان جوادا سمحا، خبيثا ماكرا، ~~رديء الاعتقاد، سفاكا للدماء، قتل عددا كبيرا من كبراء دولته صبرا، وكان ~~عجيب السيرة، يخترع كل وقت أمورا وأحكاما يحمل الرعية عليها، فأمر بكتب سب ~~الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمال بالسب في الأقطار في سنة ~~خمس وتسعين وثلاثمائة، وأمر بقتل الكلاب في مملكته وبطل الفقاع والملوخيا، ~~ونهى عن السمك، وظفر بمن باع ذلك فقتلهم، ونهى في سنة اثنتين وأربعمائة عن ~~بيع الرطب ثم جمع منه شيئا عظيما فأحرق الكل، ومنع من بيع العنب وأباد ~~كثيرا من الكروم، وأمر النصارى بأن تعمل في أعناقهم الصلبان، وأن يكون ms0857 طول ~~الصليب ذراعا وزنته خمسة أرطال بالمصري، وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم ~~قرامي الخشب في زنة الصلبان أيضا، وأن يلبسوا العمائم السود، ولا يكتروا من ~~مسلم بهيمة، وأن يدخلوا الحمام بالصلبان، ثم أفرد لهم حمامات. وفي العام ~~أمر بهدم الكنيسة المعروفة بالقمامة. ولما أرسل إليه ابن باديس ينكر عليه ~~أفعاله، أراد استمالته فأظهر التفقه وحمل في كمه الدفاتر وطلب إليه فقيهين ~~وأمرهما بتدريس مذهب مالك في الجامع، ثم بدا له فقتلهما صبرا، وأذن للنصارى ~~الذين أكرههم إلى الإسلام في الرجوع إلى الشرك. وفي سنة أربع وأربعمائة منع ~~النساء من الخروج في الطريق، ومنع من عمل الخفاف لهن، فلم يزلن ممنوعات سبع ~~سنين وسبعة أشهر حتى مات. ثم إنه بعد مدة أمر ببناء ما كان أمر بهدمه من ~~الكنائس. وكان أبوه العزيز قد ابتدأ ببناء جامعه الكبير بالقاهرة يعني الذي ~~هو داخل باب النصر فتممه هو. وكان على بنائه ونظره الحافظ عبد الغني بن ~~سعيد. وكان الحاكم يفعل الشيء ثم ينقضه. وخرج عليه أبو ركوة الوليد بن هشام ~~العثماني الأموي الأندلسي بنواحي برقة فمال إليه خلق عظيم، فجهز الحاكم ~~لحربه جيشا فانتصر عليهم أبو ركوة وملك، ثم تكاثروا عليه وأسروه، ويقال: ~~إنه قتل من أصحابه مقدار سبعين ألفا. وحمل أبو ركوة إلى الحاكم فذبحه في ~~سنة سبع وتسعين. انتهى كلام الذهبي باختصار. قلت: ونذكر واقعته مع عساكر ~~الحاكم وكيف ظفر به الحاكم وقتله مفصلا في سنة سبع وتسعين المذكورة في ~~الحوادث بأوسع من هذا، إن شاء الله تعالى، لأن قصته غريبة فتنظر هناك. وقال ~~ابن خلكان: وكان أبو الحسن علي المعروف بابن يونس المنجم قد صنع له الزيج ~~المعروف بالحاكمي وهو زيج كبير مبسوط. قال: نقلت من خط الحافظ أبي طاهر ~~أحمد بن محمد السلفي رحمه الله تعالى أن الحاكم المذكور كان جالسا في مجلسه ~~العام وهو حفل بأعيان دولته، فقرأ بعض الحاضرين: " فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ms0858 ويسلموا تسليما ~~" ، والقارىء في أثناء ذلك كله يشير إلى الحاكم. فلما فرغ من القراءة قرأ ~~شخص يعرف بابن المشجر والمشجر بضم الميم وفتح الشين المعجمة والجيم المشددة ~~وبعدها راء مهملة وكان ابن المشجر رجلا صالحا فقرأ: " يا أيها الناس ضرب ~~مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا ~~له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا ~~الله حق قدره إن الله لقوي عزيز " . فلما انتهت قراءته تغير وجه الحاكم، ثم ~~أمر لابن المشجر المذكور بمائة دينار، ولم يطلق للآخر شيئا. ثم إن بعض ~~أصحاب ابن المشجر، قال له: أنت تعرف خلق الحاكم وكثرة استحالاته وما تأمن ~~أن يحقد عليك وأنه لا يؤاخذك في هذا الوقت ثم يؤاخذك بعدها فالمصلحة عندي ~~أن تغيب عنه. فتجهز ابن المشجر إلى الحج وركب في البحر وغرق. فرآه صاحبه في ~~النوم فسأله عن حاله فقال: ما قصر الربان معنا، أرسى بنا على باب الجنة. ~~انتهى كلام ابن خلكان رحمه الله. PageV01P0447 # وقال ابن الصابىء: كان الحاكم يواصل الركوب ليلا ونهارا، ويتصدى له الناس ~~على طبقاتهم، فيقف عليهم ويسمع منهم، فمن أراد قضاء حاجته قضاها في وقته، ~~ومن منعة سقطت المراجعة في أمره. وكان المصريون موتورين منه، فكانوا يدسون ~~إليه الرقاع المختومة بالدعاء عليه والسب له ولأسلافه، والوقوع فيه وفي ~~حرمه، حتى انتهى فعلهم إلى أن عملوا تمثال امرأة من قراطيس بخف وإزار، ~~ونصبوها في بعض الطرق وتركوا في يدها رقعة كأنها ظلامة، فتقدم الحاكم ~~وأخذها من يدها. فلما فتحها رأى في أولها ما استعظمه، فقال: انظروا هذه ~~المرأة من هي؟ فقيل له: إنها معمولة من قراطيس، فعلم أنهم قد سخروا منه، ~~وكان في الرقعة كل قبيح. فعاد من وقته إلى القاهرة، ونزل في قصره واستدعى ~~القواد والعرفاء، وأمرهم بالمسير إلى مصر وضربها بالنار ونهبها، وقتل من ~~ظفروا به من أهلها، فتوجه إليها العبيد والروم والمغاربة وجميع العساكر. ~~وعلم أهل مصر بذلك فاجتمعوا وقاتلوا عن نفوسهم، ms0859 وأوقعوا النار في أطراف ~~البلد، فاستمرت الحرب بين العبيد والعامة والرعية ثلاثة أيام، والحاكم يركب ~~في كل يوم إلى القرافة، ويطلع إلى الجبل ويشاهد النار ويسمع الصياح ويسأل ~~عن ذلك، فيقال له: العبيد يحرقون مصر وينهبونها، فيظهر التوجع، ويقول: ~~لعنهم الله! من أمرهم بهذا. فلما كان اليوم الرابع اجتمع الأشراف والشيوخ ~~إلى الجوامع ورفعوا المصاحف وضجوا بالبكاء وابتهلوا إلى الله تعالى ~~بالدعاء، فرحمهم الأتراك والمغاربة ورقوا لهم وانحازوا إليهم وقاتلوا معهم، ~~وكان أكثرهم مخالطا لهم ومداخلا ومصاهرا، وانفرد العبيد وصار القتال معهم، ~~وعظمت القصة وزادت الفتنة، واستظهرت كتامة والأتراك عليهم، وراسلوا الحاكم، ~~وقالوا: نحن عبيد ومماليك، وهذا البلد بلدك وفيه حرمنا وأموالنا وأولادنا ~~وعقارنا، وما علمنا أن أهله جنوا جناية تقتضي سوء المقابلة، وتدعو إلى مثل ~~هذه المعاملة. فإن كان هناك باطن لا نعرفه فأخبرنا به، وانتظرنا حتى نخرج ~~بعيالنا وأموالنا منه. وإن كان ما عليه هؤلاء العبيد مخالفا لرأيك فأطلقنا ~~في معاملتهم بما يعامل به المفسدون والمخالفون. فأجابهم بأنه ما أراد ذلك، ~~ولعن الفاعل له والآمر به، وقال: أنتم على الصواب في الذب عن المصريين، وقد ~~أذنت لكم في نصرتهم، والإيقاع بمن تعرض لهم. وأرسل إلى العبيد سرا يقول: ~~كونوا على أمركم، وحمل إليهم سلاحا قواهم به. وكان غرضه في هذا أن يطرح ~~بعضهم على بعض، وينتقم من فريق بفريق. وعلم القوم بما يفعل، فراسلته كتامة ~~والأتراك: قد عرفنا غرضك، وهذا هلاك هذه البلدة وأهلها وهلاكنا معهم، وما ~~يجوز أن نسلم نفوسنا والمسلمين لقتل الحريم وذهاب المهج. ولئن لم تكفهم ~~لنحرقن القاهرة، ونستنفرن العرب وغيرهم؟ فلما سمع الرسالة وكانوا قد ~~استظهروا على العبيد ركب حماره ووقف بين الصفين وأومأ للعبيد بالانصراف ~~فانصرفوا، واستدعى كتامة والأتراك ووجوه المصريين واعتذر إليهم، وحلف أنه ~~بريء مما فعله العبيد، وكذب في يمينه، فقبلوا الأرض بين يديه وشكروه، ~~وسألوه الأمان لأهل مصر، فكتب لهم، وقرىء الأمان على المنابر، وسكنت الفتنة ~~وفتح الناس أسواقهم وراجعوا معايشهم. واحترق. من مصر مقدار ثلثها، ونهب ~~نصفها. وتتبع المصريون ms0860 من أخذ أزواجهم وبناتهم وأخواتهم، وابتاعوهن من ~~العبيد بعد أن فضحوهن، وقتل بعضهن نفوسهن خوفا من العار. واستغاث قوم من ~~العلوي الأشراف إلى الحاكم، وذكروا أن بعض بناتهم في أيدي العبيد على أسوأ ~~حال، وسألوه أن يستخلصهن، فقال الحاكم: انظروا، ما يطالبونكم به عنهن ~~لأطلقه لكم، فقال له بعضهم: أراك الله في أهلك وولدك مثل ما رأينا في أهلنا ~~وأولادنا، فقد اطرحت الديانة والمروءة بأن رضيت لبنات عمك بمثل هذه ~~الفضيحة، ولم يلحقك منهن امتعاض ولا غيرة. فحلم عنه الحاكم وقال له: أنت ~~أيها الشريف محرج ونحن حقيقون باحتمالك، وإلا غضبنا عليك وزاد الأمر على ~~الناس فيما يفجؤهم به حالا بعد حال من كل ما تنخرق به العادات وتفسد ~~الطاعات. PageV01P0448 # ثم عن له أن يدعي الربوبية، وقرب رجلا يعرف بالأخرم ساعده على ذلك، وضم ~~إليه طائفة بسطهم للأفعال الخارجة عن الديانة. فلما كان في بعض الأيام خرج ~~الأخرم من القاهرة راكبا في خمسين رجلا من أصحابه، وقصد مصر ودخل الجامع ~~راكبا دابته، ومعه أصحابه على دوابهم، وقاضي القضاة ابن أبي العوام جالس ~~فيه ينظر في الحكم، فنهبوا الناس وسلبوهم ثيابهم وسلموا للقاضي رقعة فيها ~~فتوى، وقد صدرت باسم الحاكم الرحمن الرحيم. فلما قرأها القاضي رفع صوته ~~منكرا، واسترجع، وثار الناس بالأخرم وقتلوا أصحابه وهرب هو. وشاع الحديث في ~~دعواه الربوبية، وتقرب إليه جماعة من الجهال، فكانوا إذا لقوه قالوا: ~~السلام عليك يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت، وصارت له دعاة يدعون أوباش ~~الناس، ومن سخف عقله إلى اعتقاد ذلك، فمال إليه خلق كثير، طمعا في الدنيا ~~والتقرب إليه. وكان اليهودي والنصراني إذا لقيه يقول: إلهي قد رغبت في ~~شريعتي الأولى، فيقول الحاكم: افعل ما بدا لك، فيرتد عن الإسلام. وزاد هذا ~~الأمر بالناس. وقال الشيخ شمس الدين في تاريخه مرآة الزمان: رأيت في بعض ~~التواريخ بمصر أن رجلا يعرف بالدرزي قدم مصر، وكان من الباطنية القائلين ~~بالتناسخ، فاجتمع بالحاكم وساعده على ادعاء الربوبية وصنف له كتابا ذكر فيه ms0861 ~~أن روح آدم عليه السلام انتقلت إلى علي بن أبي طالب، وأن روح علي انتقلت ~~إلى أبي الحاكم، ثم انتقلت إلى الحاكم. فنفق عند الحاكم وقربه وفوض الأمور ~~إليه، وبلغ منه أعلى المراتب، بحيث إن الوزراء والقواد والعلماء كانوا ~~يقفون على بابه ولا ينقضي لهم شغل إلا على يده. وكان قصد الحاكم الانقياد ~~إلى الدرزي المذكور فيطيعونه. فأظهر الدرزي الكتاب الذي فعله وقرأه بجامع ~~القاهرة، فثار الناس عليه وقصدوا قتله، فهرب منهم، وأنكر الحاكم أمره خوفا ~~من الرعية، وبعث إليه في السر مالا، وقال: اخرج إلى الشام وانشر الدعوة في ~~الجبال، فإن أهلها سريعو الانقياد. فخرج إلى الشام، ونزل بوادي تيم الله بن ~~ثعلبة، غربي دمشق من أعمال بانياس، فقرأ الكتاب على أهله، واستمالهم إلى ~~الحاكم وأعطاهم المال، وقرر في نفوسهم الدرزي التناسخ، وأباح لهم شرب الخمر ~~والزناء وأخذ مال من خالفهم في عقائدهم وإباحة دمه، وأقام عندهم يبيح لهم ~~المحظورات إلى أن انتهى. وقال الذهبي: وكان يحب العزلة يعني الحاكم ويركب ~~على بهيمة وحده في الأسواق، ويقيم الحسبة بنفسه، وكان خبيث الاعتقاد، مضطرب ~~العقل. يقال: إنه أراد أن يدعي الإلهية وشرع في ذلك، فكلمه أعيان دولته ~~وخوفوه، بخروج الناس كلهم عليه فانتهى. واتفق أنه خرج ليلة في شوال سنة ~~إحدى عشرة، من القصر إلى ظاهر القاهرة، فطاف ليلته كلها، ثم أصبح فتوجه إلى ~~شرقي حلوان ومعه ركابيان، فرد أحدهما مع تسعة من العرب السويديين، ثم أمر ~~الآخر بالانصراف. فذكر أنه فارقه عند قبر الفقاعي، فكان آخر العهد به يعني ~~الحاكم. انتهى كلام الذهبي. ونذكر أمر موته بأطول من هذا من طرق عديدة. قال ~~ابن الصابىء وغيره: إن الحاكم لما بدت عنه هذه الأمور الشنيعة استوحش الناس ~~منه. وكان له أخت يقال لها ست الملك، من أعقل النساء وأحزمهن، فكانت تنهاه ~~وتقول: يا أخي، احذر أن يكون خراب هذا البيت على يديك. فكان يسمعها غليظ ~~الكلام ويتهددها بالقتل. وبعث إليها يقول: رفع إلي أصحاب الأخبار أنك ~~تدخلين الرجال إليك وتمكنينهم ms0862 من نفسك، وعمل على إنفاذ القوابل لاستبرائها، ~~فعلمت أنها هالكة معه. وكان بمصر سيف الدولة بن دواس من شيوخ كتامة، وكان ~~شديد الحذر من الحاكم، وممتنعا من دخول قصره ولقائه إلا في المواكب على ظهر ~~فرسه، واستدعاه الحاكم مرة إلى قصره فامتنع. فلما كان يوم الموكب عاتبه ~~الحاكم على تأخره، فقال له سيف الدولة المذكور: قد خدمت أباك، ولي عليكم ~~حقوق كثيرة يجب لمثلها المراعاة، وقد قام في نفسي أنك قاتلي، فأنا مجتهد في ~~دفعك بغاية جهدي، وليس لك حاجة إلى حضوري في قصرك. فإن كان باطن رأيك في ~~مثل ظاهره فدعني على حالي، فإنه لا ضرر عليك في تأخري عن حضور قصرك. وإن ~~كنت تريد بي سوءا، فلئن تقتلني في داري بين أهلي وولدي يكفنونني ويتولونني ~~أحب إلي من أن تقتلني في قصرك وتطرحني تأكل الكلاب لحمي، فضحك الحاكم وأمسك ~~عنه. PageV01P0449 # وراسلت ست الملك أخت الحاكم ابن دواس هذا مع بعض خدمها وخواصها، وهي تقول ~~له: لي إليك أمر لا بد لي فيه من الاجتماع بك، فإما تنكرت وجئتني ليلا، أو ~~فعلت أنا ذلك. فقال: أنا عبدك والأمر لك. فتوجهت إليه ليلا في داره متنكرة، ~~ولم تصحب معها أحدا. فلما دخلت عليه قام وقبل الأرض بين يديها دفعات ووقف ~~في الخدمة، فأمرته بالجلوس، وأخلي المكان. فقالت: يا سيف الدولة، قد جئت في ~~أمر أحرس به نفسي ونفسك والمسلمين، ولك فيه الحظ الأوفر، وأريد مساعدتك ~~فيه، فقال: أنا عبدك. فاستحلفته واستوثقت منه، وقالت له: أنت تعلم ما يقصده ~~أخي فيك، وأنه متى تمكن منك لم يبق عليك، وكذا أنا، ونحن على خطر عظيم. وقد ~~انضاف إلى ذلك تظاهره بادعائه الإلهية وهتكه ناموس الشريعة وناموس آبائه، ~~وقد زاد جنونه. وأنا خائفة أن يثور المسلمون عليه فيقتلوه ويقتلونا معه، ~~وتنقضي هذه الدولة أقبح انقضاء. فقال سيف الدولة: صدقت يا مولاتنا، فما ~~الرأي؟. قالت: قتله، ونستريح منه، فإذا تم لنا ذلك أقمنا ولده موضعه وبذلنا ~~الأموال، وكنت أنت صاحب جيشه ومدبره، وشيخ الدولة ms0863 والقائم بأمره، وأنا ~~امرأة من وراء حجاب، وليس غرضي إلا السلامة منه، وأني أعيش بينكم آمنة من ~~الفضيحة. ثم أقطعته إقطاعات كثيرة، ووعدته بالأموال والخلع والمراكب. فقال ~~لها عند ذلك: مري بأمرك، قالت: أريد عبدين من عبيدك تثق بهما في سرك، ~~وتعتمد عليهما في مهماتك، فأحضر عبدين ووصفهما بالشهامة، فاستحلفتهما ~~ووهبتهما ألف دينار، ووقعت لهما بثياب وإقطاعات وخيل وغير ذلك، وقالت لهما: ~~أريد منكما أن تصعدا غدا إلى الجبل، فإنها نوبة الحاكم في الركوب، وهو ~~ينفرد ولا يبقى معه غير القرافي الركابي، وربما رده، ويدخل الشعب وينفرد ~~بنفسه، فاخرجا عليه فاقتلاه واقتلا القرافي والصبي إن كانا معه، وأعطتهما ~~سكينين من عمل المغاربة تسمى الواحدة منهما: يافورت ولهما رأس كرأس المبضع ~~الذي يفصد به الحجام، ورجعت إلى القصر وقد أحكمت الأمر وأتقنته. وكان ~~الحاكم ينظر في النجوم فنظر مولده وكان قد حكم عليه بالقطع في هذا الوقت، ~~فإن تجاوزه عاش نيفا وثمانين سنة. وكان الحاكم لا يترك الركوب بالليل وطوف ~~القاهرة. فلما كان تلك الليلة قال لوالدته: علي في هذه الليلة وفي غد قطع ~~عظيم، والدليل عليه علامة تظهر في السماء طلوع نجم سماه، وكأني بك وقد ~~انتهكت وهلكت مع أختي، فإني ما أخاف عليك أضر منها. فتسلمي هذا المفتاح فهو ~~لهذه الخزانة، وفيها صناديق تشتمل على ثلاثمائة ألف دينار، خذيها وحوليها ~~إلى قصرك تكون ذخيرة لك. فقبلت الأرض وقالت: إذا كنت تتصور هذا فارحمني ~~واقض حقي ودع ركوبك الليلة، وكان يحبها، فقال: أفعل، ولم يزل يتشاغل حتى ~~مضى صدر من الليل، وكان له قوم ينتظرونه كل ليلة على باب القصر، فإذا ركب ~~ركبوا معه ويتبعه أبو عروس صاحب العسس. ومن رسمه أن يطوف كل ليلة حول القصر ~~في ألف رجل بالطبول الخفاف والبوقات البحرية. فإذا خرج الحاكم من باب ~~القاهرة قال له: ارجع وأغلق الأبواب، فلا يفتحها حتى يعود. وضجر الحاكم من ~~تأخره عن الركوب في تلك الليلة، ونازعته نفسه إليه، فسألته أمه وقالت: نم ~~ساعة، فنام ثم انتبه وقد ms0864 بقي من الليل ثلثه، وهو ينفخ ويقول: إن لم أركب ~~الليلة وأتفرج، وإلا خرجت روحي. ثم قام فركب حماره، وأخته تراعي ما يكون من ~~أمره، وكان قصرها مقابل قصره، فإذا ركب علمت. PageV01P0450 # ولما ركب سار في درب يقال له درب السباع، ورد صاحب العسس ونسيما الخادم ~~صاحب الستر والسيف، وخرج إلى القرافة ومعه القرافي الركابي والصبي. فحكى ~~أبو عروس صاحب العسس أنه لما صعد الجبل وقف على تل كبير ونظر إلى النجوم ~~وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وضرب بيد على يد، وقال: ظهرت يا مشؤوم، ثم ~~سار في الجبل، فعارضه عشرة فوارس من بني قرة، وقالوا: قد طال مقامنا على ~~الباب، وبنا من الفاقة والحاجة ما نسأل معه حسن النظر والإحسان، فأمر ~~الحاكم القرافي أن يحملهم إلى صاحب بيت المال ويأمره أن يعطيهم عشرة آلاف ~~درهم، فقالوا له: لعل مولانا ينكر تعرضنا له في هذا المكان فيأمر بنا ~~بمكروه، ونحن نريد الأمان قبل الإحسان، فما وقفنا إلا من الحاجة، فأعطاهم ~~الأمان ورد القرافي معهم، وبقي هو والصبي، فسار إلى الشعب الذي جرت عادته ~~بدخوله، وقد كمن العبدان الأسودان له، وقد قرب الصباح، فوثبا عليه وطرحاه ~~إلى الأرض، فصاح: ويلكما! ما تريدان؟ فقطعا يديه من رأس كتفيه، وشقا جوفه ~~وأخرجا ما فيه، ولفاه في كساء، وقتلا الصبي، وحملا الحاكم إلى ابن دواس بعد ~~أن عرقبا الحمار، فحمله ابن دواس مع العبدين إلى أخته ست الملك، فدفنته في ~~مجلسها وكتمت أمره، وأطلقت لابن دواس والعبدين مالا كثيرا وثيابا. وأحضرت ~~خطير الملك الوزير وعرفته الحال، واستكتمته واستحلفته على الطاعة والوفاء، ~~ورسمت له بمكاتبة ولي العهد عبد الرحيم بن الياس، وكان مقيما بدمشق نيابة ~~عن الحاكم، بأن يحضر إلى الباب، فكتب إليه بذلك. وأنفذت علي بن داود أحد ~~القواد إلى الفرما وهي مدينة على ساحل البحر فقالت له: إذا دخل ولي العهد ~~فاقبض عليه، واحمله إلى تنيس، وقيل غير ذلك، كما سيأتي ذكره. ثم كتبت إلى ~~عامل تنيس عن الحاكم بإنفاذ ما عنده ms0865 من المال، فأنفذه وهو ألف ألف دينار ~~وألف ألف درهم، خراج ثلاث سنين. وجاء ولي العهد إلى الفرما، فقبض عليه وحمل ~~إلى تنيس. وفقد الناس الحاكم في اليوم الثاني، ومنع أبو عروس من فتح أبواب ~~القاهرة انتظارا للحاكم، على حسب ما أمره به. ثم خرج الناس في اليوم الثالث ~~إلى الصحراء وقصدوا الجبل فلم يقفوا له على أثر. وأرسل القواد إلى أخته ~~وسألوها عنه، فقالت: ذكر لي أنه يغيب سبعة أيام، وما هنا إلا الخير، ~~فانصرفوا على سكون وطمأنينة. ولم تزل أخته في هذه الأيام ترتب الأمور وتفرق ~~الأموال وتستحلف الجند، ثم بعثت إلى ابن دواس المذكور وأمرته أن يستحلف ~~الناس لابن الحاكم، كتامة وغيرها، ففعل ذلك. فلما كان في اليوم السابع ~~ألبست أبا الحسن علي بن الحاكم أفخر الملابس واستدعت ابن دواس وقالت له: ~~المعول في قيام هذه الدولة عليك، وتدبيرها موكل إليك، وهذا الصبي ولدك، ~~فابذل في خدمته وسعك، فقبل الأرض ووعدها بالطاعة. ووضعت التاج على رأس ~~الصبي، وهو تاج عظيم فيه من الجواهر ما لا يوجد في خزانة خليفة، وهو تاج ~~المعز جد أبيه، وأركبته مركبا من مراكب الخليفة، وخرج بين يديه الوزير ~~وأرباب الدولة. فلما صار إلى باب القصر صاح خطير الملك الوزير: يا عبيد ~~الدولة، مولاتنا السيدة تقول لكم هذا مولاكم فسلموا عليه، فقبلوا الأرض ~~بأجمعهم، وارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل، ولقبوه الظاهر لإعزاز دين ~~الله، وأقبل الناس أفواجا فبايعوه، وأطلق المال وفرح الناس وأقيم العزاء ~~على الحاكم ثلاثة أيام. PageV01P0451 # وقال القضاعي في قتله وجها آخر، قال: خرج الحاكم إلى الجبل المعروف ~~بالمقطم ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال هذه السنة يعني سنة إحدى ~~عشرة وأربعمائة فطاف ليلته كلها، وأصبح عند قبر الفقاعي، ثم توجه شرقي ~~حلوان: موضع بالمقطم، ومعه ركابيان، فرد أحدهما مع تسعة نفر من العرب، كانت ~~لهم رسوم، ويقال لهم السويديون، إلى بيت المال وأمر لهم بجائزة، ثم عاد ~~الركابي الآخر، وذكر أنه فارقه عند قبر الفقاعي والقصبة، وأصبح الناس على ~~رسمهم، فخرجوا ms0866 ومعهم الموكب والقضاة والأشراف والقواد فأقاموا عند الجبل ~~إلى آخر النهار، ثم رجعوا إلى القاهرة ثم عادوا، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. ~~فلما كان يوم الخميس سلخ شوال خرج مظفر صاحب المظلة ونسيم صاحب الستر وابن ~~مسكين صاحب الرمح وجماعة من الأولياء الكتاميين والأتراك والقضاة والعدول ~~وأرباب الدولة، فبلغوا دير القصير المكان المعروف بحلوان، وأمعنوا في ~~الجبل، فبينما هم كذلك بصروا بالحمار الذي كان راكبه على قرن الجبل قد ضربت ~~يداه بسيف فقطعتا، وعليه سرجه ولجامه، فتتبعوا الأثر فإذا أثر راجل خلف أثر ~~الحمار، وأثر راجل قدامه فقصوا الأثر حتى أتوا إلى البركة التي شرقي حلوان، ~~فنزلها بعض الرجالة فوجد فيها ثيابه، وهي سبع جباب مزررة لم تحل أزرارها، ~~وفيها أثر السكاكين فتيقنوا قتله. وكان عمره ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، ~~وولايته على مصر خمسا وعشرين سنة وشهرا واحدا. قال ابن خلكان بعد ما ذكر ~~قتلته بنحو ما ذكرناه هنا: مع أن جماعة من الغالين في حبهم، السخيفي ~~العقول، يظنون حياته، وأنه لا بد أن يظهر، ويحلفون بغيبة الحاكم، وتلك ~~خيالات هذيانية. انتهى. قال القضاعي بعد ما ساق سبب قتله بنحو ما ذكرناه ~~إلى أن قال: ثم أمرت ست الملك بخلع عظيمة ومال كثير ومراكب ذهب وفضة ~~للأعيان، وأمرت ابن دواس أن يشاهدها في الخزانة، وقالت له: غدا نخلع عليك، ~~فقبل ابن دواس الأرض وفرح. وأصبح من الغد، فجلس عند الستر ينتظر الإذن حتى ~~يأمر وينهى، وكان للحاكم مائة عبد يختصون بركابه، ويحملون السيوف بين يديه، ~~ويقتلون من يأمرهم بقتله، فبعثت بهم ست الملك إلى ابن دواس ليكونوا في ~~خدمته، فجاؤوا في هذا اليوم ووقفوا بين يديه، فقالت ست الملك لنسيم صاحب ~~الستر: اخرج قف بين يدي ابن دواس، وقل للعبيد: يا عبيد، مولاتنا تقول لكم ~~هذا قاتل مولانا الحاكم فاقتلوه، فخرج نسيم فقال لهم ذلك فمالوا على ابن ~~دواس بالسيوف فقطعوه، وقتلوا العبدين اللذين قتلا الحاكم، وكل من اطلع على ~~سرها قتلته، فقامت لها الهيبة في قلوب الناس. انتهى كلام ms0867 القضاعي. وقال ابن ~~الصابىء: لما قتلت ست الملك ابن دواس قتلت الوزير الخطير ومن كانت تخاف منه ~~ممن عرف بأمرها. وأما ما خلفه الحاكم من المال فشيء كثير. قيل: إنه ورد ~~عليه أيام خلافته رسول ملك الروم، فأمر الحاكم بزينة القصر. قالت السيدة ~~رشيدة عمة الحاكم: فأخرج أعدالا مكتوبا على بعضها: الحادي والثلاثون ~~والثلاثمائة، وكان في الأعدال الديباج المغرز بالذهب، فأخرج ذلك وفرش ~~الإيوان وعلق في حيطانه حتى صار الإيوان يتلألأ بالذهب، وعلق في صدره ~~العسجدة، وهي درقة من ذهب مكللة بفاخر الجوهر يضيء لها ما حولها، إذا وقعت ~~عليها الشمس لا تطيق العيون النظر إليها. وأيضا مما يدل على كثرة ماله ما ~~خلفته ابنته ست مصر بعد موتها، فخلفت شيئا كثيرا يطول الشرح في ذكره، من ~~ذلك ثمانية آلاف جارية قاله المقريزي وغيره ونيف وثمانون زيرا صينيا مملوءة ~~جميعا مسكا، ووجد لها جوهر نفيس، من جملته قطعة ياقوت زنتها عشرة مثاقيل. ~~وكان إقطاعها في السنة خمسين ألف دينار، وكانت مع ذلك كريمة سمحة، والشيء ~~بالشيء يذكر. PageV01P0452 # وماتت في أيام الحاكم عمته السيدة رشيدة بنت المعز، فخلفت ما قيمته ألف ~~وسبعمائة ألف دينار، ومن جملة ما وجد لها في خزائن كسوتها ثلاثون ألف ثوب ~~خز، واثنا عشر ألفا من الثياب المصمتة ألوانا، ومائة قطرميز مملوءة كافورا، ~~وكانت مع ذلك دينة تأكل من غزلها لا من مال السلطان. وماتت أختها عبدة بنت ~~المعز بعدها بثلاثة أيام، وكانتا قد ولدتا برقادة من عمل القيروان. وتركت ~~أيضا عبدة المذكورة ما لا يحصى، من ذلك: أنه ختم على موجودها بأربعين رطل ~~شمع مصرية، ومن جملة ما وجد لها ألف وثلاثمائة قطعة مينا فضة، زنة كل مينا ~~عشرة آلاف درهم، وأربعمائة سيف محلى بذهب، وثلاثون ألف شقة صقلية، ومن ~~الجوهر إردب زمرد، وكانت لا تأكل عمرها إلا الثريد. وقد خرجنا عن المقصود ~~ونعود إلى ما يتعلق بالحاكم وأسبابه. وأما ولي العهد الذي كان بدمشق وكتبت ~~ست الملك بحضوره فاسمه الياس، وقيل: عبد الرحيم، وقيل: عبد ms0868 الرحمن بن أحمد، ~~وكنيته أبو القاسم ويلقب بالمهدي، ولاه الحاكم العهد سنة أربع وأربعمائة. ~~وقد قدمنا من ذكره أنه كان وصل إلى تنيس، وقبض عليه صاحب تنيس، وبعث به إلى ~~ست الملك، فحبسته في دار وأقامت له الإقامات، ووكلت بخدمته خواص خدمها، ~~وواصلته بالملاطفات والافتقادات فلما مرضت ويئست من نفسها أحضرت الظاهر ~~لإعزاز دين الله أعني ابن أخيها الحاكم وقالت له: قد علمت ما عاملتك به، ~~وأقله حراسة نفسك من أبيك، فإنه لو تمكن منك لقتلك، وما تركت لك أحدا تخافه ~~إلا ولي العهد، فبكى بين يديها هو ووالدته، وسلمت إليهما مفاتيح الخزائن، ~~وأوصتهما بما أرادت. وقالت لمعضاد الخادم: امض إلى ولي العهد وتفقد خدمته، ~~فإذا دخلت عليه فانكب كأنك تسائله بعد أن توافق الخدم على ضربه بالسكاكين، ~~فمضى إليه معضاد فقتله ودفنه وعاد فأخبرها، فأقامت بعد ذلك ثلاثة أيام ~~وماتت. وتولى أمر الدولة معضاد الخادم المذكور ورجل آخر علوي من أهل قزوين ~~وآخرون. وذكر القضاعي في قصة ولي العهد شيئا غير ذلك، قال: إن ست الملك لما ~~كتبت إلى دمشق بحمل ولي العهد إلى مصر لم يلتفت إلى ذلك، واستولى على دمشق، ~~ورخص للناس ما كان الحاكم حظره عليهم من شرب الخمر، وسماع الملاهي، فأحبه ~~أهل دمشق. وكان بخيلا ظالما. فشرع في جمع المال ومصادرة الناس، فأبغضه ~~الجند وأهل البلد. فكتبت أخت الحاكم إلى الجند فتتبعوه حتى مسكوه وبعثوا به ~~مقيدا إلى مصر، فحبس في القصر مكرما، فأقام مدة. وحمل إليه يوما بطيخ ومعه ~~سكين فأدخلها في سرته حتى غابت. وبلغ ابن عمه الظاهر بن الحاكم فبعث إليه ~~القضاة والشهود، فلما دخلوا عليه اعترف أنه الذي فعل ذلك بنفسه. وحضر ~~الطبيب فوجد طرف السكين ظاهرا، فقال لهم: لم تصادف مقتلا. فلما سمع ولي ~~العهد ذلك وضع يده عليها، فغيبها في جوفه فمات. PageV01P0453 # وقال ابن الصابىء: وكان على حلب عند هلاك الحاكم عزيز الدولة فاتك ~~الوحيدي، وقد استفحل أمره وعظم شأنه وحدث نفسه بالعصيان، فلاطفته ست الملك ~~وراسلته وآنسته، وبعثت ms0869 إليه بالخلع والخيل بمراكب الذهب وغيرها، ولم تزل ~~تعمل عليه الحيل، حتى أفسدت غلاما له يقال له بدر، وكان مالك أمره، وغلمانه ~~تحت يده، وبذلت له العطاء الجزيل، على الفتك به، ووعدته أن توليه مكانه. ~~وكان لفاتك غلام هندي يهواه، فاستغواه بدر المذكور وقال: قد عرفت من مولاك ~~ملالك، وتغير نيته فيك، وعزم على قتلك، ودافعته عنك دفعات، وأنا أخاف عليك. ~~ثم تركه بدر أياما، ووهب له دنانير وثيابا، ثم أظهر له المحبة وقال: إن علم ~~بنا الأمير قتلنا، فقال الهندي: فما أفعل؟ فاستحلفه بدر واستوثق منه، وقال: ~~إن قبلت ما أقول أعطيتك مالا وأغنيتك وعشنا جميعا في أطيب عيش. قال: فما ~~تريد؟ قال: تقتله ونستريح منه، فأجابه وقال: الليلة يشرب وأنا أسقيه وأميل ~~عليه، فإذا سكر فأقتله. وجلس فاتك المذكور على الشرب، فلما قام إلى مرقده ~~حمل الهندي سيفه، وكان ماضيا، ثم دخل في اللحاف وبدر على باب المجلس واقف. ~~فلما ثقل فاتك في نومه غمز بدر الهندي فضربه بالسيف فقطع رأسه، فصاح بدر ~~واستدعى الغلمان وأمرهم بقتل الهندي فقتلوه. واستولى بدر على القلعة وما ~~فيها، وكتب إلى أخت الحاكم بما جرى، فأظهرت الوجد على فاتك في الظاهر، ~~وشكرت بدرا في الباطن على ما كان منه من حفظ الخزائن، وبعثت إليه بالخلع، ~~ووهبت له جميع ما خلفه مولاه، وقلدته موضعه. ونظرت ست الملك في أمور الدولة ~~بعد قتل الحاكم أربع سنين، أعادت الملك فيها إلى غضارته، وعمرت الخزائن ~~بالأموال، واصطنعت الرجال. ثم اعتلت علة لحقها فيها ذرب فماتت منه. وكانت ~~عارفة مدبرة غزيرة العقل. وقد خرجنا عن المقصود على سبيل الاستطراد. وكانت ~~وفاة الحاكم ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ~~وكان فيه كسوف الشمس. وكانت مدة عمره ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وقيل: ~~سبعا وثلاثين سنة. وكانت ولايته على مصر خمسا وعشرين سنة وشهرا واحدا، قاله ~~القضاعي. وتولى الملك من بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله علي بن الحاكم، ~~وقام بتدبير مملكته عمته ست الملك ms0870 المقدم ذكرها إلى أن ماتت، حسب ما ~~ذكرناه. انتهت ترجمة الحاكم. ونذكر أيضا من أحواله نبذة كبيرة في الحوادث ~~المتعلقة بأيامه مرتبة على السنين، فيها عجائب وغرائب. وأما ما ينسب إليه ~~من الشعر وقيل: هو للآمر العبيدي الآتي ذكره فهو قوله: دع اللوم عني لست ~~مني بموثق ... فلا بد لي من صدمة المتحنق وأسقي جيادي من فرات ودجلة ... ~~وأجمع شمل الدين بعد التفرق ### || AUT السنة الأولى من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة: فيها استولى الحاكم صاحب الترجمة خليفة ~~مصر على السواحل والشامات. وفيها حج بالناس أبو عبد الله العلوي. وفيها ~~توفي الحسن بن عبد الله بن سعيد، أبو أحمد العسكري العلامة الراوية، صاحب ~~التصانيف الحسان في اللغة والأدب والأمثال. وفيها توفي الحسن بن مروان أبو ~~علي الكردي الأمير صاحب ميافارقين. قد ذكرنا مبدأ أمره وكيف تغلب على ديار ~~بكر وملك حصونها. مات قتيلا على باب آمد. وفيها توفي صندل الخادم مولى بهاء ~~الدولة وصاحب خيله أعني أمير آخوره وقام الأمير أبو المسك عنبر مقامه. ~~وفيها توفي السلطان فخر الدولة أبو الحسن علي ابن السلطان ركن الدولة الحسن ~~بن بويه بن فناخسرو الديلمي، مات بالري، وكان ابن أخيه بهاء الدولة بواسط، ~~فجلس للعزاء وجلس ابنه أبو منصور ببغداد. وقيل: إن فخر الدولة سم وسم ولداه ~~من بعده فمات الكل في هذه السنة، فملك أبو الحسين قابوس بن وشمكير من بعده ~~طبرستان وجرجان، فإنهما كانا في مملكته، وأخذهما منه مؤيد الدولة أخو فخر ~~الدولة هذا المقدم ذكره. وكان فخر الدولة شجاعا، لقبه الخليفة الطائع بملك ~~الأمة أو بفلك الأمة. وكانت وفاته في عاشر شعبان، وله ست وأربعون سنة وخمسة ~~أيام. وكانت مدة ملكه ثلاث عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة وعشرين يوما. وخلف ~~مالا كثيرا. PageV01P0454 # وقال ابن الصابىء بعد ما عدد ما خلفه من المتاع وغيره، قال: وخلف ألفي ~~ألف وثمانمائة ألف وخمسة وسبعين ألفا ومائتين وأربعة وثمانين دينارا، ومن ~~الورق والنقرة والفضة مائة ألف ألف وثمانمائة ألف وستين ألفا ms0871 وسبعمائة ~~وتسعين درهما، ومن الجواهر واليواقيت الحمر والصفر والحلي واللؤلؤ والبلخش ~~والماس وغيره أربعة عشر ألفا وخمسمائة وعشرين قطعة، قيمتها ثلاثة آلاف ألف ~~دينار، ومن أواني الذهب ما وزنه ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن البلور والصيني ~~ونحوه ثلاثة آلاف، ومن السلاح والثياب والفرش ثلاثة آلاف حمل. وقيل: إنه ~~خلف من الخيل والبغال والجمال ثلاثين ألف رأس، ومن الغلمان والمماليك خمسة ~~آلاف، ومن السراري خمسمائة، ومن الخيام عشرة آلاف خيمة. وكان شحيحا. كانت ~~مفاتيح خزائنه في الكيس الحديد مسمرا بالمسامير لا يفارقه. وملك بعده ابنه ~~أبو طالب رستم وعمره أربع سنين. وفيها توفي محمد بن أحمد بن إسماعيل بن ~~عنبس، أبو الحسين البغدادي الواعظ، ويعرف بابن سمعون، وكان يسمى الناطق ~~بالحكمة. قال أبو عبد الرحمن السلمي: هو من مشايخ بغداد، له لسان عال في ~~العلوم، لا ينتمي إلى أستاذ، وهو لسان الوقت المرجوع إليه في آداب، ~~المعاملات. وفيها توفي نوح بن منصور بن نوح أبو القاسم الساماني. كان هو ~~وآباؤه من ملوك ما وراء النهر وسمرقند. وولي نوح هذا وله ثلاث عشرة سنة، ~~وتعصب له عضد الدولة بن بويه، وأخذ له من الخليفة الطائع العهد على خراسان ~~والخلع، فأقام على خراسان إحدى وعشرين سنة، ومات في شهر رجب. وفيها توفي ~~صمصام الدولة المرزبان، وكنيته أبو كاليجار بن عضد الدولة بن بويه بن ركن ~~الدولة الحسن بن بويه الديلمي. ولي المملكة بعد موت أبيه عضد الدولة، فلم ~~ينجح أمره، وغلب عليه أخوه شرف الدولة وقهره وحبسه وأخذ بغداد منه وأكحله. ~~فدام في الحبس إلى أن مات أخوه شرف الدولة، ونزل من الحبس وهو أعمى. وانضم ~~إليه أناس، وسار إلى فارس وملك شيراز. ووقع له أمور مع أولاد أخيه وحروب. ~~وأقام بشيراز إلى أن قتل بها في هذه السنة، وقيل: في السنة الآتية، وهو ~~الأصح. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وإصبع واحدة. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة ثمان ms0872 وثمانين وثلاثمائة: فيها توفي محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو ~~الفرج المقرىء الشنبوذي، مولده في سنة ثلاثمائة. كان يقول: أحفظ خمسين ألف ~~بيت من الشعر من شواهد القرآن. ومات ببغداد، وبها كان مولده. وفيها توفي ~~أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب، الإمام أبو سليمان الخطابي البستي، ~~الفقيه الأديب، مصنف كتاب معالم السنن وكتاب غريب الحديث وكتاب شرح أسماء ~~الله الحسنى وكتاب الغنية عن الكلام وأهله وكتاب العزلة وغير ذلك. وفيها ~~توفي محمد بن عبد الله بن محمد بن زكرياء، الحافظ أبو بكر الشيباني الجوزقي ~~المعدل، شيخ نيسابور ومحدثها وابن أخت محدثها أبي إسحاق إبراهيم بن محمد ~~وجوزق: من قرى نيسابور كان حافظا إماما، صنف المسند الصحيح على كتاب مسلم. ~~ومات في شوال عن اثنتين وثمانين سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاث أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة: فيها حج بالناس محمد بن محمد بن عمر من ~~العراق، وكان في الحج الشريفان: الرضي والمرتضى، فاعترض ركب الحاج أبو ~~الجراح الطائي، فأعطياه تسعة آلاف دينار من أموالهما حتى أطلق الحاج. وفيها ~~استولى الأمير أبو القاسم محمود بن سبكتكين على أعمال خراسان بعد أن هزم ~~الأمير عبد الملك بن نوح الساماني، وأزال السامانية منها، وأقام الدعوة ~~للخليفة القادر بعد أن كانت للطائع الذي خلع. وفيها توفي زاهر بن أحمد بن ~~محمد بن عيسى، أبو علي السرخسي الفقيه الشافعي المقرىء المحدث. سمع الكثير ~~وروى عنه غير واحد. ومات في شهر ربيع الآخر وله ست وتسعون سنة. ~~PageV01P0455 # وفيها توفي عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن، الفقيه أبو محمد القيرواني ~~شيخ المالكية بالمغرب. جمع مذهب الإمام مالك رضي الله عنه وشرح أقواله. ~~وكان واسع العلم كثير الحفظ ذا صلاح وعفة وورع. قال القاضي عياض بن موسى بن ~~عياض: حاز رياسة الدين والدنيا، ورحل إليه من الأمصار. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع ms0873 أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة تسعين وثلاثمائة: فيها ظهر بسجستان معدن الذهب، فكانوا يصفون من ~~التراب الذهب الأحمر. وفيها ولى الحاكم صاحب مصر على نيابة الشام فحل بن ~~تميم، فمرض ومات بعد أشهر، فولى الحاكم عوضه على دمشق علي بن جعفر بن فلاح. ~~وفيها حج بالناس من العراق أبو الحارث العلوي. وفيها توفي الحسين بن محمد ~~بن خلف، أبو عبد الله الفراء، والد القاضي أبي يعلى. كان إماما فقيها على ~~مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، وسمع الحديث وتفقه وبرع. ومات في شعبان ~~ببغداد. وفيها توفي المعافى بن زكرياء بن يحيى بن حميد بن حماد بن داود، ~~أبو الفرج النهرواني، ويعرف بابن طرارى. ولد سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل: سنة ~~خمس وثلاثمائة. وكان إماما في النحو واللغة وأصناف الآداب، وكان يتفقه على ~~مذهب محمد بن جرير الطبري. وصنف كتاب الجليس والأنيس. قال المعافى المذكور: ~~حججت فكنت بمنى فسمعت مناديا ينادي: يا أبا الفرج، فقلت: لعله غيري. ثم ~~نادى يا أبا الفرج المعافى، فهممت أن أجيبه. ثم إنه رجع فنادى: يا أبا ~~الفرج المعافى بن زكرياء النهرواني، فقلت عند ذلك: ها أنا: فما تريد؟. قال: ~~لعلك من نهروان الشرق؟ قلت نعم، قال: نحن نريد نهروان الغرب. قال: فعجبت من ~~هذا الاتفاق. قلت: وهذا من الغرائب كونه طابق اسمه واسم أبيه والكنية ~~والشهرة ويكون هذا من نهروان الشرق، وذاك من نهروان الغرب. وكانت وفاته في ~~ذي الحجة وله خمس وثمانون سنة. وفيها توفي ناجية بن محمد بن سليمان، أبو ~~الحسن الكاتب البغدادي، نادم الخلفاء والأكابر، وكان شجاعا شاعرا فصيحا. ~~ومن شعره قوله: ولما رأيت الصبح قد سل سيفه ... وولى انهزاما ليله وكواكبه ~~ولاح احمرار قلت قد ذبح الدجى ... وهذا دم قد ضمخ الافق ساكبه أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية الحاكم منصور # وهي ms0874 سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة: فيها جلس الخليفة القادر بأبهة الخلافة، ~~ودخل عليه الحجاج بعد عودهم من الحج والقضاة والأشراف، فأعلمهم أنه قد جعل ~~الأمر في ولده أبي الفضل، ولقبه الغالب بأمر الله، وعمره ثماني سنين وأربعة ~~أشهر وأيام. وفيها حج من العراق بالناس أبو الحارس محمد بن محمد بن عمر ~~العلوي. وفيها توفي جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، الوزير ~~المحدث أبو الفضل المعروف بابن حنزابة. كان أبوه قد وزر للمقتدر سنة خلع. ~~وسافر هو إلى مصر، وتقلد الوزارة لكافور الإخشيذي، وسمع الحديث بمصر ورواه، ~~ومات بمصر. PageV01P0456 # وفيها توفي المقلد بن المسيب بن رافع، حسام الدولة، أبو حسان العقيلي ~~صاحب الموصل. كان أخوه أبو الفؤاد أول من تغلب على الموصل وملكها في سنة ~~ثمانين وثلاثمائة، وملك حسام الدولة هذا الموصل بعده، وكان حسن التدبير، ~~واتسعت مملكته. وأرسل إليه الخليفة القادر اللواء والخلع. وكان له شعر، ~~وفيه رفض فاحش. قتله غلام له تركي في صفر. قلت: لا شلت يداه!. يقال: إنه ~~قتله لأنه سمعه يوصي رجلا من الحاج أن يسلم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويقول له: لولا صاحباك لزرتك. وذكر الذهبي هذه الحكاية بإسناد إلى ~~جماعة إلى أن قال عن الرجل الذي قال له المقلد هذا بالسلام إنه قال: فأتيت ~~المدينة ولم أقل ذلك إجلالا؟ فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~منامي، فقال: يا فلان لم لم تؤد الرسالة؟ فقلت: يا رسول الله أجللتك، فرفع ~~رأسه إلى رجل قائم فقال له: خذ هذا الموس واذبحه به يعني المقلد. ثم رجعنا ~~فوافينا العراق، فسمعت أن الأمير المقلد ذبح على فراشه ووجد الموسى عند ~~رأسه، فذكرت للناس الرؤيا فشاعت، فأحضرني ابنه يعني ابن المقلد الذي ولي ~~بعده، واسمه قرواش، فحدثته، فقال: أتعرف الموسى؟ فقلت نعم، فأحضر طبقا ~~مملوءا مواسي فأخرجته منها، فقال: صدقت، هذا وجدته عند رأسه وهو مذبوح. ~~قلت: هذا ما جوزي به في الدنيا، وأما في الأخرى فجهنم وبئس المصير، هو وكل ~~من ms0875 يعتقد معتقده إن شاء الله تعالى. وفيها توفي جيش بن محمد بن صمصامة، أبو ~~الفتوح، القائد المغربي ابن أخت أبي محمود الكتامي أمير أمراء جيوش المغرب ~~ومصر والشام، وتولى نيابة دمشق غير مرة، وكان ظالما سفاكا للدماء. ظلم ~~الناس فاجتمع الصلحاء والزهاد ودعوا عليه، فسلط الله عليه الجذام حتى رأى ~~في نفسه العبر، ولم ينته حتى أخذه الله. وفيها توفي الحسين بن أحمد بن ~~الحجاج، أبو عبد الله الشاعر، كان من أولاد العمال والكتاب ببغداد، وتولى ~~حسبة بغداد لعز الدولة بختيار بن بويه، فتشاغل بالشعر والسخف والخلاعة عما ~~هو بصدده. قلت: وابن الحجاج هذا يضرب به المثل في السخف والمداعبة ~~والأهاجي. وغالب. شعره في الفحش والأهاجي والهزل، من ذلك قوله: المستعان ~~بربي ... من كس ستي وزبي قد كلفاني نيكا ... قد كان يقصف صلبي وقال ابن ~~خلكان: الشاعر المشهور ذو المجون والخلاعة في شعره. كان فرد زمانه في فنه، ~~فإنه لم يسبق إلى تلك الطريقة مع عذوبة ألفاظه وسلامة شعره من التكلف، ومدح ~~الملوك والأمراء والوزراء. وديوانه كبير أكثر ما يوجد في عشرة مجلدات. ~~والغالب عليه الهزل، وله في الجد أيضا. ويقال: إنه في الشعر في درجة امرىء ~~القيس وأنه لم يكن بينهما مثلهما، لأن كل واحد منهما مخترع طريقة. ولما مات ~~رثاه الشريف الرضي. انتهى كلام ابن خلكان باختصار. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ~~السنة السادسة من ولاية الحاكم منصور وهي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة: ~~فيها في المحرم غزا السلطان محمود بن سبكتكين الهند، فالتقاه صاحبها الملك ~~جيبال ومعه ثلاثمائة فيل، فنصر الله ابن سبكتكين وقتل من الكفار خمسة آلاف ~~ومن الفيلة خمسة عشر فيلا. وفيها ولى الحاكم على دمشق أبا منصور ختكين ~~القائد، فظلم وأساء السيرة. وفيها توفي عثمان بن جني، العلامة أبو الفتح ~~النحوي اللغوي الموصلي صاحب المصنفات، منها اللمع والكافي في شرح القوافي و ~~المذكر والمؤنث وسر الصناعة والخصائص، وشرح المتنبي وغير ذلك. وكان أبوه ms0876 ~~جني مملوكا روميا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي. وسكن ابن جني ~~المذكور بغداد ودرس بها وأقرأ حتى مات في صفر. وفيها توفي علي بن عبد ~~العزيز، أبو الحسن الجرجاني قاضي الري. سمع الحديث الكثير وترقى في العلوم ~~حتى برع في الفقه والشعر والنحو وغير ذلك من العلوم. وفيها توفي محمد بن ~~محمد بن جعفر، أبو بكر القاضي الشافعي، ويعرف بابن الدقاق، صاحب الأصول، ~~كان معدودا من الفضلاء، مات ببغداد. وفيها توفي الوليد بن بكر بن مخلد بن ~~أبي زياد، أبو العباس الأندلسي، رحل في طلب العلم إلى مصر والشام والعراق ~~والحجاز وخراسان وما وراء النهر، وسمع الكثير. وكان إماما عالما بالفقه ~~والنحو والحديث والأدب والشعر. ومن شعره قوله: PageV01P0457 # لأي بلائك لا تدكر ... وماذا يضرك لو تعتبر فبان الشباب وحل المشيب ... ~~وحان الرحيل فما تنتظر أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وسبع ~~أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة السابعة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة: فيها منع عميد الجيوش يوم عاشوراء من ~~النوح وتعليق المسوح ببغداد وغيرها، ثم منع أهل السنة مما كانوا ابتدعوه ~~أيضا في مقابلة الرافضة من التوجه إلى قبر مصعب بن الزبير وغيره، وسكنت ~~الفتنة لذلك. وفي شهر، ربيع الآخر منها أمر نائب دمشق من قبل الحاكم صاحب ~~مصر تمصولت الأسود الحاكمي بمغربي فضرب وطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا ~~جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم أمر به فضربت عنقه. رحمه الله تعالى. وفيها ~~نازل السلطان محمود بن سبكتكين سجستان وأخذها من صاحبها خلف بن أحمد ~~بالأمان. وفيها لم يحج أحد من العراق خوفا من الأصيفر الأعرابي. وفيها زلزل ~~الشام والعواصم والثغور، فمات تحت الهدم خلائق كثيرة. وفيها توفي إسماعيل ~~بن حماد أبو نصر الجوهري، مصنف كتاب الصحاح في اللغة. كان أصله من فاراب ~~أحد بلاد الترك، وكان يضرب المثل به في حفظ اللغة وحسن الكتابة، وخطه يذكر ~~مع خط ابن مقلة ومهلهل واليزيدي. ms0877 وكان يؤثر الغربة على الوطن، دخل بلاد ~~ربيعة ومضر في طلب العلم واللغة. وفي كتابه الصحاح لقول إسماعيل بن محمد ~~النيسابوري: هذا كتاب الصحاح سيد ما ... صنف قبل الصحاح في الأدب يشمل ~~أنواعه ويجمع ما ... فرق في غيره من الكتب مات الجوهري مترديا من سطح داره ~~بنيسابور. وفيها توفي أمير المؤمنين الطائع لله أبو بكر عبد الكريم ابن ~~الخليفة المطيع لله الفضل ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن الخليفة ~~المعتضد بالله أحمد الهاشمي العباسي البغدادي. وأمه أم ولد. ولي الخلافة ~~بعد أن خلع والده المطيع نفسه لمرض تمادى به في ذي القعدة سنة ثلاث وستين ~~وثلاثمائة، فدام في الخلافة إلى أن خلع بعد القبض عليه في شعبان سنة إحدى ~~وثمانين وثلاثمائة، وبويع القادر بالله بالخلافة. واستمر الطائع محبوسا في ~~دار عند القادر مكرما إلى أن مات في هذه السنة في ليلة عيد الفطر، وصلى ~~عليه القادر وكبر عليه خمسا. ومات الطائع وله ثلاث وسبعون سنة. وفيها توفي ~~محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكرياء، الحافظ أبو طاهر ~~البغدادي الذهبي المخلص محدث العراق. قال الخطيب أبو بكر: كان ثقة. مولده ~~في شوال سنة خمس وثلاثمائة، وسمع الكثير وروى عنه غير واحد. وفيها توفي ~~إبراهيم بن أحمد بن محمد، أبو إسحاق الطبري المقرىء، شيخ الشهود ومقدمهم ~~ببغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة. قرأ القرآن وسمع الكثير، وكان مالكي ~~المذهب، وحج فأم بالناس بالمسجد الحرام أيام الموسم، وما تقدم فيه إمام ليس ~~بقرشي سواه. وقرأ عليه الرضي الموسوي القرآن. وسكن بغداد وحدث بها إلى أن ~~توفى بها رحمه الله. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن حليس ~~السلامي الشاعر المشهور، كان فصيحا بليغا. ومن شعره وهو في المكتب وهو أول ~~قوله: بدائع الحسن فيه مفترقه ... وأعين الناس فيه متفقه سهام ألحاظه مفوقة ~~... فكل من رام لحظه رشقه قال الثعالبي في حقه: هو من أشعر أهل العراق قولا ~~بالإطلاق، وشهادة بالاستحقاق. ثم قال بعدما أثنى عليه: وقال ms0878 الشعر وهو ابن ~~عشر سنين. وفيها توفيت ميمونة بنت ساقولة الواعظة البغدادية. كان لها لسان ~~حلو في الوعظ. قالت: هذا قميصي له اليوم سبع وأربعون سنة ألبسه وما تخرق، ~~غزلته لي أمي، الثوب إذا لم يعص الله فيه لا يتخرق. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وخمس عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة أربع وتسعين وثلاثمائة: فيها قلد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد ~~الحسين بن موسى الموسوي قضاء القضاة والحج والمظالم ونقابة الطالبيين، ~~ولقبه الطاهر الأوحد ذا المناقب، فلم ينظر في القضاء لامتناع الخليفة ~~القادر بالله من الإذن له في ذلك. PageV01P0458 # وفيها حج بالناس من العراق أبو الحارث محمد العلوي، فاعترض الركب الاصيفر ~~الشيعي الأعرابي، وعول على نهبهم، فقالوا: من يكلمه ويقرر له ما يأخذه من ~~الحاج؟ فقدموا أبا الحسين بن الرفاء وأبا عبد الله بن الدجاجي، وكانا من ~~أحسن الناس قراءة، فدخلا عليه وقرآ بين يديه، فقال لهما: كيف عيشكما ~~ببغداد؟ قالا: نعم العيش، تصلنا الخلع والصلات. فقال: هل وهبوا لكما ألف ~~ألف دينار في مرة واحدة. قالا: لا، ولا ألف دينار؟. فقال: قد وهبت لكما ~~الحاج وأموالهم، فدعوا له وانصرفوا وفرح الناس. ولما قرأ بعرفات قال أهل ~~مصر والشام: ما سمعنا عنكم تبذيرا مثل هذا، يكون عندكم شخصان مثل هذين ~~فتصحبونهما معكم معا، فإن هلكا فبأي شيء تتجملون بعد ذلك!. ومن حسن ~~قراءتهما وطيب صوتهما أخذهما أبو الحسن بن بويه مع أبي عبد الله بن ~~البهلول، فكانوا يصفون به بالنوبة التراويح، وهم أحداث السن. وفيها توفي ~~الحسن بن محمد بن إسماعيل، أبو علي الإسكافي الملقب بالموفق. كان بهاء ~~الدولة قد فوض إليه أموره وقام بتدبير ملكه. وكان شجاعا مقداما، لا يتوجه ~~في أمر إلا وينصر. وارتفع أمره حتى قال رجل لبهاء الدولة: يا مولانا، زينك ~~الله في عين الموفق. ولازال الناس به حتى قبض عليه بهاء الدولة وخنقه. ~~وفيها توفي خلف بن القاسم ms0879 بن سهل، الحافظ أبو القاسم الأندلسي، كان يعرف ~~بابن الدباغ، مولده سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، كان حافظا مكثرا جمع مسند ~~الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه، وحديث شعبة بن الحجاج، وأسامي المعروفين ~~بالكنى من الصحابة والتابعين وسائر المحدثين، وكان أعلم الناس برجال الحديث ~~والتواريخ والتفسير. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع سواء. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. فيها حج بالعراقيين أبو جعفر بن شعيب، ~~ولحقهم عطش كبير في طريقهم فهلك خلق كثير. وفيها قتل الحاكم صاحب مصر جماعة ~~بمصر من أعيانها صبرا. وفيها كانت وقعة بين بهاء الدولة بن بويه وبين عميد ~~الجيوش، انكسر فيها عميد الجيوش وانهزم أقبح هزيمة. وفيها خرج أبو ركوة على ~~الحاكم، وتعاظم أمره حتى عزم الحاكم على الخروج إلى الشام، وبرز إلى بلبيس ~~بالعساكر والأموال، فأشير عليه بالعود إلى مصر فعاد وجهز إليه جيشا فواقعوه ~~غير مرة حتى هزموه، حسب ما ذكرناه في أصل ترجمة الحاكم من هذا المحل، ~~ونذكره أيضا في السنة الآتية. وفيها توفي أحمد بن محمد البشري الصوفي ~~المحدث، رحل في طلب الحديث وجاور بمكة مدة وصار شيخ الحرم، ثم عاد إلى مصر ~~فتوفي بالطريق بين مصر ومكة، وكان صالحا ثقة. وفيها توفي أحمد بن فارس بن ~~زكرياء بن محمد بن حبيب، أبو الحسين الرازي، وقيل: القزويني المعروف ~~بالرازي المالكي اللغوي، نزيل همذان، وصاحب المجمل في اللغة. سمع الحديث ~~وروى عنه جماعة، وولد بقزوين ونشأ بهمذان. وكان أكثر مقامه بالري، وكان ~~كاملا في الأدب فقيها مالكيا مناظرا في الكلام وينصر أهل الديانة، وطريقته ~~في النحو طريقة الكوفيين. وله مصنفات بديعة. ومن شعره قوله: مرت بنا هيفاء ~~مجدولة ... تركية تنمى لتركي ترنو بطرف فاتن فاتر ... أضعف من حجة نحوي ~~وفيها توفى أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر الزاهد، أبو الحسين بن أبي نصر ~~النيسابوري الخفاف. قال الحاكم: كان مجاب الدعوة، وسماعاته صحيحة بخط ms0880 أبيه ~~من أبي العباس السراج وأقرانه، وبقي واحد عصره في علوم الإسناد، ومات في ~~شهر ربيع الأول. قال الحاكم: وصليت عليه وله ثلاث وتسعون سنة. وفيها توفي ~~محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده واسم منده: إبراهيم بن الوليد بن ~~سيده الحافظ الكبير أبو عبد الله العبدي الأصبهاني المعروف بابن منده، رحل ~~وطوف الدنيا، وجمع وصنف وكتب ما لا ينحصر. وحدث عن أبيه وعم أبيه عبد ~~الرحمن بن يحيى وخلق كثير، وروى عنه جماعة. قال أبو نعيم وهو معاصره: ابن ~~منده حافظ من أولاد المحدثين، توفي في سلخ ذي القعدة، واختلط في آخر عمره. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية الحاكم منصور # PageV01P0459 # وهي سنة ست وتسعين وثلاثمائة: فيها حج بالناس من العراق محمد بن محمد بن ~~عمر العلوي، وخطب بالحرمين للحاكم صاحب مصر على العادة، وأمر الناس ~~بالحرمين بالقيام عند ذكر الحاكم، وفعل مثل ذلك بمصر وغيرها، فكان إذا ذكر ~~قاموا وسجدوا في السوق وفي مواضع الاجتماع. وفيها جلس الخليفة القادر بالله ~~العباسي لأبي المنيع قرواش بن أبي حسان ولقبه بمعتمد الدولة، وتفرد قرواش ~~المذكور بالإمارة وحده. وفيها توفي إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ~~أبو سعد الجرجاني، كان عالما بفنون علم الحديث والفقه والعربية، ودخل بغداد ~~وعقد مجلس المناظرة، وحضره أبو الطيب الطبري وأبو حامد الأسفراييني. وفيها ~~توفي عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد بن موسى الكلابي، المحدث أبو الحسين ~~الدمشقي، يعرف بأخي تنوك، سمع الكثير وروى عنه الناس. قال عبد العزيز ~~الكناني: كان ثقة نبيلا مأمونا. وكانت وفاته في شهر ربيع الأول، ومات وهو ~~مسند وقته. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الحافظ ~~أبو عمر أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن الباجي في المحرم، وأبو الحسن ~~أحمد بن محمد بن عمران بن الجندي وهو ضعيف، وأبو سعد إسماعيل بن أبي ms0881 بكر ~~الإسماعيلي شيخ الشافعية، وأبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن الكلابي في شهر ~~ربيع الأول وله تسعون سنة، والقاضي أبو الحسن علي بن محمد بن إسحاق الحلبي ~~بمصر، وأبو بكر محمد بن الحسن بن الفضل بن المأمون، وأبو بكر محمد بن علي ~~بن النضر الديباجي، وأبو بكر محمد بن عمر بن علي بن خلف بن زنبور الوراق. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ~~ست عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة سبع وتسعين وثلاثمائة: فيها دخل بهاء الدولة البصرة وملكها ~~واستولى على ذخائر ابن واصل. وفيها استفحل أمر أبي ركوة الذي خرج على ~~الحاكم، وذكرنا أمره في الماضية، ودعا لعمه هشام الأموي. وأبو ركوة المذكور ~~اسمه الوليد، وهو من ذرية هشام بن عبد الملك بن مروان، وعظم أمره وانضم ~~عليه الخلائق واستولى على برقة وغيرها، وكسر عسكر الحاكم، وضرب السكة، وصعد ~~المنبر وخطب خطبة بليغة، ولعن الحاكم وآباءه، وصلى بالناس وعاد إلى دار ~~الإمارة، وقد استولى على جميع ما كان فيها. وعرف الحاكم بما جرى فانزعج وكف ~~عن القتل وانقطع عن الركوب الذي كان يواصله، ثم جهز الحاكم إلى حرب أبي ~~ركوة قائدا من الأتراك يقال له ينال الطويل، وأرسل معه خمسة آلاف فارس وكان ~~معظم جيش ينال من كتامة، وكانت مستوحشة من ينال فإنه قتل كبار كتامة بأمر ~~الحاكم فتوجه ينال وواقع أبا ركوة فهزمه أبو ركوة وأخذه أسيرا، وقال له: ~~العن الحاكم، فبصق في وجه أبي ركوة، فأمر أبو ركوة به فقطع إربا إربا. وأخذ ~~أبو ركوة مائة ألف دينار كانت مع ينال وجميع ما كان معه، فقوي أمره أكثر ما ~~كان. PageV01P0460 # واشتد الأمر على الحاكم أكثر وأكثر بكسر ينال، وبعث إلى الشام واستدعى ~~الغلمان الحمدانية والقبائل وأنفق عليهم الأموال وجهزهم، وجعل عليهم الفضل ~~بن عبد الله، فطرقهم أبو ركوة وكسرهم وساق خلفهم حتى نزل عند الهرمين ~~بالجيزة، وغلق الحاكم أبواب القاهرة، ثم ms0882 عاد أبو ركوة إلى عسكره. فندب ~~الحاكم العساكر ثانيا، فسار بهم الفضل في جيوش كثيرة، والتقى مع أبي ركوة ~~فهزمه وقتل من عسكره نحو ثلاثين ألفا. ثم ظفر الفضل بأبي ركوة وسار به ~~مكرما إلى الحاكم. وسبب إكرامه له خوفه عليه من أن يقتل نفسه، وقصد الفضل ~~أن يأتي به الحاكم حيا. فأمر الحاكم أن يشهر أبو ركوة على جمل ويطاف به. ~~وكانت القاهرة قد زينت أحسن زينة، وكان بها شيخ يقال له الأبزاري، إذا خرج ~~خارجي صنع له طرطورا وعمل فيه ألوان الخرق المصبوغة وأخذ قردا ويجعل في يده ~~درة ويعلمه أن يضرب بها الخارجي من ورائه، ويعطى مائة دينار وعشر قطع قماش. ~~فلما قطع أبو ركوة الجيزة أمر به الحاكم، فأركب جملا بسنامين وألبس الطرطور ~~وأركب الأبزاري خلفه، والقرد بيده الدرة وهو يضربه والعساكر حوله، وبين ~~يديه خمسة عشر فيلا مزينة، ودخل القاهرة على هذا الوصف ورؤوس أصحابه بين ~~يديه على الخشب والقصب، وجلس الحاكم في منظرة على باب الذهب، والترك ~~والديلم عليهم السلاح وبأيديهم اللتوت وتحتهم الخيول بالتجافيف حول أبي ~~ركوة، وكان يوما عظيما، وأمر به الحاكم أن يخرج إلى ظاهر القاهرة ويضرب ~~عنقه على تل بإزاء مسجد ريدان خارج القاهرة. فلما حمل إلى هناك أنزل فإذا ~~به ميت فقطع رأسه وحمل به إلى الحاكم، فأمر بصلب جسده. وارتفعت منزلة الفضل ~~عند الحاكم بحيث إنه مرض فعاده مرتين أو ثلاثا، وأقطعه إقطاعات كثيرة ثم ~~عوفي من مرضه، وبعد أيام قبض عليه الحاكم وقتله شر قتلة. وفيها كسا الحاكم ~~الكعبة القباطي البيض، وبعث مالا لأهل الحرمين. وفيها توفي عبد الصمد بن ~~عمر بن محمد بن إسحاق، أبو القاسم الدينوري الواعظ الزاهد، كان فقيها زاهدا ~~عابدا محدثا منقطعا عن الناس، وهو من كبار الشيوخ رحمه الله. وفيها توفي ~~الشيخ الإمام العالم الحافظ أبو الحسن علي بن عمر القصار المالكي ببغداد. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة ~~أربع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ms0883 ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة: فيها في يوم عاشوراء عمل أهل الكرخ ما ~~جرت به العادة من النوح وغيره. واتفق يوم عاشوراء يوم المهرجان، فأخره عميد ~~الجيوش إلى اليوم الثاني مراعاة لأجل الرافضة، هذا ما كان ببغداد. فأما مصر ~~فإنه كان يفعل بها في يوم عاشوراء من النوح البكاء والصراخ وتعليق المسوح ~~أضعاف ذلك، لا سيما أيام خلفاء مصر بني عبيد، فإنهم كانوا أعلنوا الرفض وسب ~~الصحابة من غير تستر ولا خيفة. وفيها كانت فتنة عظيمة بين أهل السنة ~~والرافضة ببغداد. وفيها زلزلت الدينور فهدمت المنازل وأهلكت ستة عشر ألف ~~إنسان، وخرج من سلم إلى الصحراء وبنوا لهم أكواخا من القصب، وذهب من ~~الأموال ما لا يعد ولا يحصى. وفيها هدم الحاكم بيعة قمامة التي ببيت المقدس ~~وغيرها من الكنائس بمصر والشام، وألزم أهل الذمة بما ذكرناه في ترجمة ~~الحاكم. وفيها توفي أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد، أبو الفضل الهمذاني ~~الملقب ببديع الزمان، صاحب الرسائل الرائقة، وصاحب المقامات الفائقة، التي ~~على منوالها نسج الحريري مقاماته، واعترف له بالفضل عليه. وكان إمام وقته ~~في المنثور والمنظوم. ومن كلامه النثر: " الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه، ~~وإذا سكن متنه، تحرك نتنه " . وله من تعزية: " الموت خطب قد عظم حتى هان، ~~ومس قد خشن حتى لان، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وجنت حتى ~~صار أصغر ذنوبها. " وله من هذا أشياء كثيرة. وأما شعره فجيد إلى الغاية. من ~~ذلك قوله من جملة قصيدة: وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبا ... لو كان طلق ~~المحيا يمطر الذهبا والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد ~~والبحر لو عذبا وكانت وفاته في هذه السنة بمدينة هراة. PageV01P0461 # وفيها توفي عبد الواحد بن نصر بن محمد، أبو الفرج المخزومي النصيبي، ~~الشاعر المشهور المعروف بالببغاء. والببغاء هو الطير المعروف بالدرة، وقيل ~~غيرها. خدم الببغاء المذكور سيف الدولة بن حمدان ومدحه، وكان شاعرا مجيدا ~~وكاتبا مترسلا، ms0884 جيد المعاني حسن القول في المدائح. ومن شعره: وكأنما نقشت ~~حوافر خيله ... للناظرين أهلة في الجلمد وكأن طرف الشمس مطروف وقد ... جعل ~~الغبار له مكان الإثمد وفيها توفي عبد الله بن محمد، أبو محمد البخاري ~~الخوارزمي الفقيه الشافعي، كان فقيها فصيحا أديبا، يرتجل الخطب الطوال ~~ويقول الشعر على البديهة. ومن شعره: كم حضرنا وليس يقضى التلاقي ... نسأل ~~الله غير هذا الفراق إن أغب لم تغب وإن لم تغب ... غبت كأن افتراقنا باتفاق ~~وفيها توفي أبو منصور بن بهاء الدولة، وقيل: إن اسمه بويه. كان أبوه بهاء ~~الدولة يخافه، ومنع الخدم من الكلام معه وضيق عليه. ولما مات وجد عليه وجدا ~~عظيما، ولبس السواد، وواصل البكاء والحزن إلى أن اجتمع إليه وجوه الديلم ~~وسألوه أن يرجع إلى عادته. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~سواء. مبلغ الزيادة أربع عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة: فيها لحق الحاج عند عودهم من مكة الأصيفر ~~الأعرابي، وقرر عليهم أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي أمير الحاج ~~مالا فأوردوه، ودخلوا الكوفة بعد أن لاقوا مشقة شديدة، وأقاموا بها حتى ~~أرسل إليهم أبو الحسن علي بن مزيد أخاه حمادا فحملهم إلى المدائن، ثم دخلوا ~~بغداد. وفيها صرف أبو عمر عبد الواحد عن قضاء البصرة، ووليها أبو الحسن بن ~~أبي الشوارب. فقال العصفري الشاعر في هذه المعنى: عندي حديث ظريف ... بمثله ~~يتغنى من قاضيين يعزى ... هذا وهذا يهنى فذا يقول اكرهونا ... وذا يقول ~~استرحنا ويكذبان جميعا ... ومن يصدق منا وفيها ولى الحاكم القائد أبا الجيش ~~حامد بن ملهم أميرا على دمشق بعد علي بن جعفر بن فلاح، فوليها سنة وأربعة ~~أشهر، ثم عزل بمحمد بن نزال. وفيها لم يحج أحد من العراق خوفا من العطش ~~والعرب، وخرجوا ثم عادوا. وفيها توفيت يمنى أم القادر. كانت مولاة عبد ~~الواحد بن الخليفة المقتدر، وكانت من أهل الدين والصلاح. وصلى عليها القادر ~~في داره ms0885 وكبر أربعا، وحملت إلى الرصافة في طيار فدفنت بها. وفيها توفي ~~الأمير لؤلؤ غلام سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب والذي كان واقع العزيز ~~نزارا والد الحاكم، وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة العزيز مفصلا. كان لؤلؤ ~~شجاعا مقداما. ولما مات لؤلؤ تولى الملك بعده ابنه مرتضى الدولة، وهرب بعد ~~ذلك إلى الروم. وفيها توفي هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الأموي صاحب ~~الأندلس، ولقبه المؤيد، وهو من ذرية مروان بن الحكم الأموي، وهو عم أبي ~~ركوة الذي كان خرج على الحاكم المقدم ذكره، وباسمه كان يخطب أبو ركوة ~~المذكور. ولي هشام هذا الملك وله تسع سنين، وأقام واليا على الأندلس تسعا ~~وثلاثين سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وست عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة أربعمائة: فيها أرجف بموت الخليفة القادر، فجلس للناس بعد صلاة ~~الجمعة ودخل عليه القضاة والأشراف، وعليه أبهة الخلافة، وقبل أبو حامد ~~الأسفرايني يده. وفيها أرسل الحاكم إلى المدينة إلى دار جعفر الصادق من ~~فتحها وأخذ منها ما كان فيها، وكان فيها مصحف وسرير وآلات، وكان الذي فتحها ~~ختكين العضدي الداعي، وحمل معه رسوم الأشراف، وعاد إلى مصر بما وجد في ~~الدار، وخرج معه من شيوخ العلويين جماعة، فلما وصلوا إلى الحاكم أطلق لهم ~~نفقات قليلة ورد عليهم السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به، فانصرفوا ~~داعين عليه. PageV01P0462 # وشاع فعله في الأمور التي خرق العادات فيها، ودعي عليه في أعقاب الصلوات ~~وظوهر بذلك، فأشفق فخاف، وأمر بعمارة دار العلم وفرشها، ونقل إليها الكتب ~~العظيمة وأسكنها من شيوخ السنة شيخين، يعرف أحدهما بأبي بكر الأنطاكي، وخلع ~~عليهما وقربهما ورسم لهما بحضور مجلسه وملازمته، وجمع الفقهاء والمحدثين ~~إليها، وأمر أن يقرأ بها فضائل الصحابة، ورفع عنهم الاعتراض في ذلك، وأطلق ~~صلاة التراويح والضحى، وغير الأذان وجعل مكان " حي على خير العمل " " ~~الصلاة خير من النوم " وركب بنفسه إلى جامع عمرو ms0886 بن العاص وصلى فيه الضحى، ~~وأظهر الميل إلى مذهب الإمام مالك والقول به، ووضع للجامع تنورا من فضة ~~يوقد فيه ألف ومائتا فتيلة، واثنين آخرين من دونه، وزفهم بالدبادب والبوقات ~~والتهليل والتكبير، ونصبهم ليلة النصف من شعبان، وحضر أول يوم من رمضان إلى ~~الجامع الذي بالقاهرة، وحمل إليه الفرش الكثيرة وقناديل الذهب والفضة، فكثر ~~الدعاء له. ولبس الصوف في هذه السنة يوم الجمعة عاشر شهر رمضان، وركب ~~الحمار وأظهر النسك وملأ كفه دفاتر، وخطب بالناس يوم الجمعة وصلى بهم، ومنع ~~من أن يخاطب يا مولانا ومن تقبيل الأرض بين يديه، وأقام الرواتب لمن يأوي ~~المساجد من الفقراء والقراء والغرباء وأبناء السبيل، وأجرى لهم الأرزاق، ~~وصاغ محرابا عظيما من فضة وعشرة قناديل، ورصع المحراب بالجوهر ونصبه ~~بالمسجد الجامع. وأقام على ذلك ثلاث سنين يحمل الطيب والبخور والشموع إلى ~~الجوامع، وفعل ما لم يفعله أحد. ثم بدا له بعد ذلك فقتل الفقيه أبا بكر ~~الأنطاكي والشيخ الآخر وخلقا كثيرا أخر من أهل السنة لا لأمر يقتضي ذلك، ~~وفعل ذلك كله في يوم واحد. وأغلق دار العلم، ومنع من جميع ما كان فعله، ~~وعاد إلى ما كان عليه أولا من قتل العلماء والفقهاء وأزيد، ودام على ذلك ~~حتى مات قتيلا حسب ما ذكرناه. وفيها توفي الحسين بن موسى بن محمد بن ~~إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق، الشريف أبو أحمد الموسوي، والد الشريف ~~الرضي والمرتضى. مولده في سنة أربع وثلاثمائة. وكان سيدا عظيما مطاعا، كانت ~~هيبته أشد من هيبة الخلفاء، خاف منه عضد الدولة فاستصفى أمواله. وكانت ~~منزلته عند بهاء الدولة أرفع المنازل، ولقبه بالطاهر والأوحد وذي المناقب، ~~وكان فيه كل الخصال الحسنة إلا أنه كان رافضيا هو وأولاده على مذهب القوم. ~~ومات ببغداد عن سبع وتسعين سنة، وصلى عليه ابنه المرتضى، ودفن في داره ثم ~~نقل إلى مشهد الحسين، ورثاه ولده المرتضى. وفيها توفي أبو الحسن بن الرفاء ~~القارئ المجيد الطيب الصوت الذي ذكرنا قصته مع الأصيفر الأعرابي عندما ~~اعترض الحاج في ms0887 سنة أربع وتسعين، وكانت وفاته ببغداد. وفيها توفي أبو عبد ~~الله القمي التاجر المصري، كان بزاز خزانة الحاكم، مات في ذي القعدة بين ~~مصر ومكة، وحمل إلى البقيع ودفن به، وكان ذا مال عظيم، خرج في هذه السنة مع ~~حجاج مصر بعد أن اشتملت وصيته على ألف ألف دينار غير المتاع والقماش ~~والجوهر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة إحدى وأربعمائة: فيها خطب أبو المنيع قرواش بن المقلد الملقب ~~بمعتمد الدولة للحاكم صاحب مصر بالموصل. وكان الحاكم قد استماله، فجمع ~~معتمد الدولة أهل الموصل وأظهر طاعة الحاكم، فأجابوه وفي القلوب ما فيها، ~~فأحضر الخطيب يوم الجمعة رابع المحرم وخلع عليه قباء دبيقيا وعمامة صفراء ~~وسراويل ديباج أحمر وخفين أحمرين، وقلده سيفا، وأعطاه نسخة ما يخطب به ~~وأولها: PageV01P0463 # " الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. الحمد ~~لله الذي انجلت بنوره غمرات الغضب، وانهدت بقدرته أركان النصب، وأطلع بقدره ~~شمس الحق من الغرب، الذي محا بعدله جور الظلمة، وقصم بقوته ظهر الغشمة، ~~فعاد الأمر إلى نصابه، والحق إلى أربابه، البائن بذاته، المنفرد بصفاته، ~~الظاهر بآياته، المتوحد بدلالاته، لم تفنه الأوقات فتسبقه الأزمنة، ولم ~~يشبه الصور فتحويه الأمكنة، ولم تره العيون فتصفه الألسنة، سبق كل موجود ~~وجوده، وفات كل جود جوده، واستقر في كل عقل توحيده، وقام في كل مرأى شهيده. ~~أحمده كما يجب على أوليائه الشاكرين تحميده، وأستعينه على القيام بما يشاء ~~ويريده، وأشهد له بما شهد أصفياؤه وشهوده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له شهادة لا يشوبها دنس الشرك، ولا يعتريها وهم الشك، خالصة من ~~الإدهان، قائمة بالطاعة والإذعان. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم، اصطفاه واختاره لهداية الخلق، وإقامة الحق، فبلغ الرسالة وأدى ~~الأمانة، وهدى من الضلالة، والناس حينئذ عن الهدى غافلون، وعن سبيل الحق ~~ضالون، ms0888 فأنقذهم من عبادة الأوثان، وأمرهم بطاعة الرحمن، حتى قامت حجج الله ~~وآياته، وتمت بالتبليغ كلماته، صلى الله عليه وعلى أول مستجيب إليه علي ~~أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، أساس الفضل والرحمة، وعماد العلم والحكمة، ~~وأصل الشجرة الكرام البررة، النابتة في الأرومة المقدسة المطهرة، وعلى ~~خلفائه الأغصان البواسق من تلك الشجرة، وعلى ما خلص منها وزكا من الثمرة. ~~أيها الناس، اتقوا الله حق تقاته، وارغبوا في ثوابه واحذروا من عقابه، فقد ~~تسمعون ما يتلى عليكم من كتابه، قال الله عز وجل: " يوم ندعو كل أناس ~~بإمامهم " . فالحذر ثم الحذر، فكأني وقد أفضت بكم الدنيا إلى الآخرة، وقد ~~بان أشراطها، ولاح سراطها، ومناقشة حسابها، والعرض على كتابها، " فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " . اركبوا سفينة نجاتكم ~~قبل أن تغرقوا، " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " ، وأنيبوا إليه ~~خير الإنابة، وأجيبوا داعي الله على باب الإجابة، قبل " أن تقول نفس يا ~~حسرتى على ما فرطت في جنب الله " إلى قوله: " فأكون من المحسنين " . تيقظوا ~~من الغفلة والفترة، قبل الندامة والحسرة، وتمني الكر والتماس الخلاص، ولات ~~حين مناص، وأطيعوا إمامكم ترشدوا، وتمسكوا بولاة العهود تهتدوا، فقد نصب ~~الله لكم علما لتهتدوا به، وسبيلا لتقتدوا به، جعلنا الله وإياكم ممن تبع ~~مراده، وجعل الإيمان زاده، وألهمه تقواه ورشاده، أستغفر الله العظيم لي ~~ولكم ولجميع المؤمنين. ثم جلس وقام وقال: " الحمد لله ذي الجلال والإكرام، ~~وخالق الأنام ومقدر الأقسام، المنفرد بحقيقة البقاء والدوام، فالق الإصباح، ~~وخالق الأشباح، وفاطر الأرواح، أحمده أولا وآخرا، وأشكره باطنا وظاهرا، ~~وأستعين به إلها قادرا، و أستنصره وليا ناصرا، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، شهادة من أقر بوحدانيته إيمانا، ~~واعترف بربوبيته إيقانا، وعلم برهان ما يدعو إليه، وعرف حقيقة الدلالة ~~عليه. اللهم وصل على وليك الأزهر، وصديقك الأكبر، علي بن أبي طالب أبي ~~الخلفاء الراشدين المهديين. اللهم وصل على السبطين الطاهرين الحسن والحسين، ~~وعلى الأئمة الأبرار، والصفوة الأخيار، ms0889 من أقام منهم وظفر، ومن خاف فاستتر. ~~اللهم وصل على الإمام المهدي بك، والذي بلغ بأمرك، وأظهر حجتك، ونهض بالعدل ~~في بلادك، هاديا لعبادك. اللهم وصل على القائم بأمرك، والمنصور بنصرك، ~~اللذين بذلا نفوسهما في رضائك، وجاهدا أعداءك. اللهم وصل على المعز لدينك، ~~المجاهد في سبيلك، المظهر للآيات الخفية، والحجج الجلية. اللهم وصل على ~~العزيز بك الذي مهدت به البلاد، وهديت به العباد. PageV01P0464 # اللهم واجعل نوامي صلواتك، وزواكي بركاتك، على سيدنا ومولانا إمام ~~الزمان، وحصن الإيمان، وصاحب الدعوة العلوية، و الملة النبوية، عبدك ووليك ~~المنصور أبي علي الحاكم بأمر الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه ~~الراشدين، وأكرمت أجداده المهديين. اللهم وفقنا لطاعته، واجمعنا على كلمته ~~ودعوته واحشرنا في حزبه وزمرته. اللهم وأعنه على ما وليته، واحفظه فيما ~~استرعيته، وبارك له فيما آتيته، وانصر جيوشه وأعل أعلامه في مشارق الأرض ~~ومغاربها، إنك على كل شيء قدير. فلما سمع الخليفة القادر ذلك أزعجه وأرسل ~~عميد الجيوش في تجهيز العساكر. فلما بلغ قرواشا ذلك أرسل يعتذر للخليفة، ~~وأبطل دعوة الحاكم من بلاده وأعادها للقادر على العادة. وفيها لم يحج أحد ~~من العراق خوفا من الأعراب، وحج الناس من مصر وغيرها.. وفيها ولى الحاكم ~~لؤلؤ بن عبد الله الشيرازي دمشق، ولقبه بمنتخب الدولة، فقدم إليها في جمادى ~~الآخرة من الرقة، ثم عزله عنها في يوم عيد الأضحى، وولى عوضه أبا المطاع ذا ~~القرنين بن حمدان، وكان يوم الجمعة فصلى لؤلؤ بالناس العيد وأبو المطاع ~~الجمعة. وحمل لؤلؤ إلى بعلبك، فقتل بها بأمر الحاكم. وفيها توفي أبو علي ~~الأمير عميد الجيوش، واسمه الحسين بن أبي جعفر. كان أبوه من حجاب عضد ~~الدولة بن بويه، وجعل ابنه هذا برسم صمصام الدولة، فخدم المذكور صمصام ~~الدولة وبهاء الدولة، فولاه بهاء الدولة العراق، فقدمها والفتن قائمة، فقتل ~~وصلب وغرق حتى بلغ من هيبته أنه أعطى غلاما له صينية فضة فيها دنانير، ~~فقال: خذها على رأسك وسر من النجمي إلى الماصر الأعلى، فإن اعترضك معترض ~~فأعطه إياها واعرف ms0890 المكان، فجاء الغلام وقد انتصف الليل، وقال: مشيت الحد ~~جميعه فلم يلقني أحد. وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو عبيد ~~الهروي اللغوي المؤدب، مصنف الغريبين في اللغة، لغة القرآن ولغة الحديث، ~~ومات في شهر رجب. وفيها توفي علي بن محمد، أبو الفتح البستي الكاتب الشاعر. ~~قال الحاكم: هو واحد عصره، وحدثني أنه سمع الكثير من أبي حاتم بن حبان. ~~انتهى. قلت: وهو صاحب النظم الرائق، والنثر الفائق. ومن كلامه النثر: من ~~أصلح فاسده، أرغم حاسده. عادات السادات، سادات العادات. ومن شعره رحمه الله ~~تعالى: أعلل بالمنى روحي لعلي ... أروح بالأماني الهم عني واعلم أن وصلك لا ~~يرجى ... ولكن لا أقل من التمني أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وثماني عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة اثنتين وأربعمائة. فيها في شهر ربيع الآخر كتب الخليفة القادر ~~العباسي محضرا في معنى الخلفاء المصريين والقدح في أنسابهم وعقائدهم، وقرئت ~~النسخ ببغداد، وأخذت فيها خطوط القضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العلم ~~بمعرفة نسب الديصانية، قالوا: وهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي، إخوان ~~الكافرين، ونطف الشياطين. شهادة يتقربون بها إلى الله، ومعتقدين ما أوجب ~~الله على العلماء أن ينشروه للناس، فشهدوا جميعا أن الناجم بمصر، وهو منصور ~~بن نزار الملقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار والخزي والنكال ابن معد بن ~~إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد لا أسعده الله، فإنه لما صار إلى المغرب ~~تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدي هو ومن تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس عليه ~~وعليهم اللعنة أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، وأن ذلك ~~باطل وزور. وأنهم لا يعلمون أن أحدا من الطالبيين توقف عن إطلاق القول في ~~هؤلاء الخوارج إنهم أدعياء. وقد كان هذا الإنكار شائعا بالحرمين في أول ~~أمرهم بالمغرب، منتشرا انتشارا يمنع من أن يدلس على أحد كذبهم، أو يذهب وهم ~~إلى ms0891 تصديقهم. وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار وفساق فجار زنادقة، ولمذهب ~~الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وسفكوا ~~الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. وكتب في شهر ربيع ~~الآخر سنة اثنتين وأربعمائة. PageV01P0465 # وكتب خلق كثير في المحضر المذكور منهم: الشريف الرضي والمرتضى أخوه، وابن ~~الأزرق الموسوي، ومحمد بن محمد بن عمر بن أبي يعلى العلويون، والقاضي أبو ~~محمد عبد الله بن الأكفاني، والقاضي أبو القاسم الجزري، والإمام أبو حامد ~~الاسفرايني، والفقيه أبو محمد الكشفلي، والفقيه أبو الحسين القدوري الحنفي، ~~والفقيه أبو علي بن حمكان، وأبو القاسم التنوخي، والقاضي أبو عبد الله ~~الصيمري. انتهى أمر المحضر باختصار. فلما بلغ الحاكم قامت قيامته وهان في ~~أعين الناس لكتابة هؤلاء العلماء الأعلام في المحضر. وفيها حج بالناس من ~~العراق أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي، وهبت عليهم ريح سوداء ~~وفقدوا الماء ولقوا شدائد. وفيها توفي أحمد بن مروان أبو نصر، وقيل: أبو ~~منصور، ممهد الدولة الكردي صاحب ميافارقين. وقد ذكرنا مقتل الحسن بن مروان ~~على باب آمد، وأنهم من غير بيت في الرياسة، وأنهم وثبوا على ديار بكر ~~وملكوها. ووقع لأحمد هذا أمور ووقائع وحروب. وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد ~~بن عيسى بن فطيس بن أصبغ بن فطيس، أبو المطرف، الإمام قاضي الجماعة بقرطبة، ~~سمع الحديث وروى عنه جماعة، وكان من الحفاظ وكبار العلماء، عارفا بعلل ~~الحديث والرجال، وله مشاركة في سائر العلوم. وفيها توفي محمد بن أحمد بن ~~محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن يحيى بن جميع، أبو الحسين الصيداوي الغساني. ~~رحل إلى البلاد وسمع الكثير، وروى عنه غير واحد. ولد سنة خمس وثلاثمائة، ~~وكان ثقة محدثا كبير الشأن، ووفاته في شهر رجب. وفيها توفي محمد بن عبد ~~الله بن الحسن، أبو الحسين بن اللبان البصري العلامة صاحب الفرائض، سمع ~~الحديث وبرع في الفرائض حتى إنه كان يقول: ليس في الدنيا فرضي إلا من ~~أصحابي وأصحاب أصحابي، أو لا يحسن شيئا. أمر النيل في ms0892 هذه السنة: الماء ~~القديم ذراعان وثماني أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة السابعة عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة ثلاث وأربعمائة. فيها في يوم الجمعة سادس عشر المحرم قلد الشريف ~~الرضي نقابة الطالبيين بسائر الممالك. وفيها أرسل الحاكم صاحب الترجمة ~~كتابا إلى السلطان محمود بن سبكتكين صاحب غزنة يدعوه إلى طاعته، فبعث محمود ~~بالكتاب إلى القادر بعد أن خرقه وبصق في وسطه. وفيها لم يحج أحد من العراق. ~~وفيها توفي الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله الفقيه الحنبلي ~~الوراق، كان مدرس الحنابلة وفقيههم، وله مصنفات، منها كتاب الجامع أربعمائة ~~جزء. وهو شيخ القاضي أبي يعلى الفراء، وكان معظما في النفوس مقدما عند ~~السلطان، وكان زاهدا ورعا، ينسخ بالأجرة ويتقوت منه. وفيها توفي السلطان ~~فيروز أبو نصر بهاء الدولة بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة حسن بن بويه ~~بن فناخسرو الديلمي، وقيل: اسمه خاشاد. وبهاء الدولة هذا هو الذي قبض على ~~الخليفة الطائع وخلعه من الخلافة، وولى القادر الخلافة عوضه، وقد ذكرنا ذلك ~~في وقته. وكان بهاء الدولة ظالما غشوما سفاكا للدماء، حتى إنه كان خواصه ~~يهربون من قربه. وجمع من المال ما لم يجمعه أحد من بني بويه إلا إن كان عمه ~~فخر الدولة المقدم ذكره. ولم يكن في ملوك بني بويه أظلم منه ولا أقبح سيرة. ~~وكان به مرض الصرع يصرع في دست الملك، ورث ذلك عن أبيه، ومات به في أرجان ~~في يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة وكانت مدة سلطنته أربعا وعشرين سنة وتسعة ~~أشهر وأياما، ومات وله اثنتان وأربعون سنة وتسعة أشهر، وحمل من أرجان إلى ~~الكوفة. وتولى الملك من بعده ولده أبو شجاع بعهد منه. وفيها توفي قابوس بن ~~وشمكير أمير الجبال بنيسابور وغيرها. كان أيضا سيىء السيرة، قتل جماعة من ~~خواصه وحجابه ففسدت القلوب عليه، ودبروا في قتله وقصدوا ابنه منوجهر، ولا ~~زالوا به حتى قبض على أبيه قابوس هذا وقتله بالبرد، ثم قتل منوجهر ms0893 جماعة ~~ممن أشار عليه بقتل أبيه، وندم حين لا ينفع الندم. وفيها توفي الشريف محمد ~~بن محمد بن عمر العلوي، أبو الحارث، نقيب الطالبيين بالكوفة. كان شجاعا ~~جوادا دينا رئيسا، كانت إليه النقابة مع تسيير الحاج، حج بالناس عشر سنوات، ~~وكان ينفق عليهم من ماله ويحمل المنقطعين رحمه الله. ومات بالكوفة في جمادى ~~الآخرة. PageV01P0466 # وفيها توفي علي بن محمد بن خلف، الإمام أبو الحسن المعافري القيرواني ~~القابسي الفقيه المالكي. كان عالم أهل إفريقية. حج وسمع جماعة، وأخذ ~~بإفريقية عن ابن مسرور الدباغ وغيره، وكان حافظا للحديث وعلله، فقيها ~~أصوليا متكلما مصنفا صالحا، وكان أعمى لا يرى شيئا، وهو مع ذلك من أصح ~~الناس كتبا وأجودهم تقييدا، يضبط كتبه ثقات أصحابه، والذي ضبط له صحيح ~~البخاري بمكة رفيقه أبو محمد الأصيلي. وفيها توفي محمد بن الطيب بن محمد بن ~~جعفر بن القاسم، القاضي أبو بكر الباقلاني البصري صاحب التصانيف في علم ~~الكلام، سكن بغداد وكان في وقته أوحد زمانه، صنف في الرد على الرافضة ~~والمعتزلة والخوارج والجهمية. وذكره القاضي عياض في طبقات الفقهاء المالكية ~~فقال: هو الملقب بسيف السنة، ولسان الأمة، المتكلم على لسان أهل الحديث، ~~وطريق أبي الحسن الأشعري، وإليه انتهت رياسة المالكية. وفيها توفي محمد بن ~~موسى، أبو بكر الخوارزمي الحنفي شيخ الحنفية وعالمهم ومفتيهم، انتهت إليه ~~رياسة الحنفية في زمانه، وكان تفقه على أبي بكر أحمد بن علي الرازي، وسمع ~~الحديث من أبي بكر الشافعي، وروى عنه أبو بكر البرقاني. قال القاضي أبو عبد ~~الله الصيمري بعدما أثنى عليه: وما شاهد الناس مثله في حسن الفتوى والإصابة ~~فيها وحسن التدريس. وقد دعي إلى ولاية الحكم مرارا فامتنع تورعا. ومات في ~~جمادى الأولى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وثلاث وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة أربع وأربعمائة. فيها قلد فخر الملك الأمر، ولقبه الخليفة ~~القادر سلطان الدولة وعقد لواءه بيده، وقرىء تقليده، ms0894 وكتب القادر خطه عليه. ~~وفيها أبطل الحاكم المنجمين من بلاده، وأعتق أكثر مماليكه، وجعل ولي عهده ~~ابن عمه عبد الرحيم بن إلياس وخطب له بذلك، وأمر بحبس النساء في البيوت، ~~وصلحت سيرته. وفيها حج بالناس من العراق أبو الحسن محمد بن الحسن، وكذلك في ~~سنة خمس. وفيها كانت الملحمة الهائلة بين ملك الترك طغان وبين ملك الصين، ~~فقتل فيها من الكفار نحو من مائة ألف، ودامت الحرب بينهم أياما، ثم انتصر ~~المسلمون أعني الترك ولله الحمد. وفيها استولى الحاكم على حلب وزال ملك بني ~~حمدان منها. وفيها توفي إبراهيم بن عبد الله بن حصن، أبو إسحاق الغافقي ~~محتسب دمشق من قبل الحاكم، وكان شهما في الحسبة، أدب رجلا، فلما ضربه درة، ~~قال المضروب: هذه في قفا أبي بكرة فلما ضربه أخرى قال: هذه في قفا عمر، ~~فضربه أخرى فقال: هذه في قفا عثمان، ثم ضربه أخرى فسكت. فقال له الغافقي: ~~أنت ما تعرف ترتيب الصحابة، أنا أعرفك، وأفضلهم أهل بدر، لأصفعنك على عددهم ~~فصفعه ثلاثمائة وست عشرة درة، فحمل من بين يديه فمات بعد أيام. قلت: إلى ~~سقر. وبلغ الحاكم ذلك، فأرسل يشكره ويقول: هذا جزاء من ينتقص السلف الصالح. ~~قلت: لعل هذه الواقعة كانت صادفت من الحاكم أيام صلاحه وإظهاره الزهد ~~والتفقه. وفيها توفي الحسين بن أحمد بن جعفر أبو عبد الله، كان زاهدا عابدا ~~لا ينام إلا عن غلبة، وكان لا يدخل الحمام، ويأكل خبز الشعير، ومات في ~~شعبان. وفيها توفي علي بن سعيد الإصطخري أحد شيوخ المعتزلة، صنف للقادر ~~الرد على الباطنية وأجرى عليه القادر جراية سنية وحبسها من بعده على بنيه. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة التاسعة عشرة من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة خمس وأربعمائة. فيها منع الحاكم النساء من الخروج من بيوتهن، ~~وقتل بسبب ذلك عدة نسوة. وفيها جلس الخليفة القادر ببغداد وأحضر العلويين ~~والعباسيين والقضاة، وأحضر الخلع السلطانية ماعدا التاج ms0895 ولواء واحدا، وقرىء ~~عهد أبي طاهر ركن الدين بن بهاء الدولة، ولقبه بجلال الدولة وجمال الملة ~~ركن الدين. قلت: وهذا أول لقب سمعناه في الإسلام أعني ركن الدين. ولا أدري ~~متى لقب به ابن بهاء الدولة المذكور، غير أنني سمعت من بعض علماء العجم أن ~~ابن بهاء الدولة المذكور مشى بين يدي الخليفة القادر، فقال له الخليفة: ~~اركب ركن الدين، فسمي بذلك. والله أعلم. PageV01P0467 # وفيها حج بالناس من العراق أبو الحسن محمد بن الحسن العلوي الأقساسي. ~~وفيها توفي بدر بن حسنويه بن الحسين، أبو النجم الكردي، كان من أهل الجبال، ~~وولاه عضد الدولة الجبال وهمذان ودينور ونهاوند وسابور وتلك النواحي بعد ~~وفاة أبيه حسنويه. وكان شجاعا عادلا كثير الصدقات. والخليفة القادر كناه ~~أبا النجم،، ولقبه ناصر الدولة، وعقد له لواء بيده. وفيها توفي بكر بن ~~شاذان بن بكر، أبو القاسم المقرىء الواعظ البغدادي، قرأ القرآن، وسمع ~~الحديث، وكان عابدا زاهدا، وكانت وفاته في شوال. وفيها توفي عبد الله بن ~~محمد بن عبد الله، أبو محمد بن الأكفاني الحنفي القاضي الأسدي، كان عالما ~~دينا، ولد سنة ست عشرة وثلاثمائة. قال أبو إسحاق الطبري: من قال: إن أحدا ~~أنفق على العلم مائة ألف دينار غير أبي محمد بن الأكفاني فقد كذب. قلت: هذا ~~هو العلم الخالص لوجه الله تعالى. وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد بن محمد ~~بن عبد الله بن إدريس، الحافظ أبو سعيد، كان أبوه من إستراباد وسكن سمرقند ~~وصنف تاريخ سمرقند وعرضه على الدارقطني فاستحسنه، وكان ثقة. وفيها توفي عبد ~~السلام بن الحسين بن محمد، أبو أحمد البصري اللغوي، كان رجلا فاضلا عارفا ~~بالقرآن سمحا جوادا. وفيها توفي عبد العزيز بن عمرو بن محمد بن يحيى بن ~~حميد بن نباتة ونباتة بضم النون أبو نصر البغدادي، كان من الشعراء ~~المجيدين، مات ببغداد في شوال. ومن شعره: وإذا عجزت من العدو فداره ... ~~وامزج له إن المزاج وفاق فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج ~~وطبعها الإحراق وفيها توفي عبد الغفار ms0896 بن عبد الرحمن أبو بكر الدينوري، لم ~~يكن ببغداد مفت على مذهب سفيان الثوري غيره، وهو آخر من أفتى بجامع المنصور ~~على مذهب الثوري. قلت: لعل ذلك كان بالشرق، وأما بالغرب فدام مذهب الثوري ~~بعد هذا التاريخ عدة سنين. كان عبد الغفار عالما فاضلا مناظرا، ومات في ~~شوال. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم، الحافظ أبو ~~عبد الله الحاكم النيسابوري، ويعرف بابن البيع، الضبي، ولد سنة إحدى وعشرين ~~وثلاثمائة، كان أحد أركان الإسلام، وسيد المحدثين وإمامهم في وقته والمرجوع ~~إليه في هذا الشأن، رحل إلى البلاد، وصنف الكتب، وسمع الكثير، وروى عنه ~~الجم الغفير، ومات في صفر. وفيها توفي هبة الله بن عيسى، كاتب مهذب الدولة ~~البطائحي ووزيره، كان فاضلا راوية للأخبار وشاعرا فصيحا. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة العشرون من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة ست وأربعمائة. فيها منع فخر الملك يوم عاشوراء من النوح مخافة ~~الفتنة، وكان الشريف الرضي قد توفي في خامس المحرم فاشتغلوا به، وكان قد ~~وقع بالعراق وباء عظيم خصوصا بالبصرة. وفي صفر قلد الشريف المرتضى نقابة ~~الطالبيين والحج والمظالم بعد موت أخيه الشريف الرضي بإشارة سلطان الدولة ~~فخر الملك. وفيها ولى الحاكم شاتكين شهم الدولة دمشق، وعزله سنة ثمان. ~~وفيها لم يحج أحد من العراق، وحج الناس من مصر وغيرها. وفيها توفي أحمد بن ~~محمد بن أحمد، أبو حامد الاسفرايني الفقيه الشافعي، كان إماما فقيها عالما، ~~انتهت إليه رياسة مذهب الشافعي في زمانه. كان يقال: لو رآه الشافعي لفرح ~~به. وكان يتوسط بين الخليفة القادر وبين السلطان محمود بن سبكتكين. ومات ~~ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال. وفيها توفي محمد بن الحسين بن ~~موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ~~بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، الشريف أبو الحسن الرضي الموسوي، ms0897 ولد ~~سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. كان عارفا باللغة والفرائض والفقه والنحو، وكان ~~شاعرا فصيحا، عالي الهمة متدينا، إلا أنه كان على مذهب القوم إماما للشيعة ~~هو وأبوه وأخوه. ومن شعره من جملة أبيات: يا صاحبي قفا لي واقضيا وطرا ... ~~وحدثاني عن نجد بأخبار هل روضت قاعة الوعساء أو مطرت ... خميلة الطلح ذات ~~البان والغار تضوع أرواح نجد من ثيابهم ... عند القدوم لقرب العهد بالدار ~~PageV01P0468 # وفيها توفي محمد بن الحسن بن فورك، أبو بكر الأصبهاني الفقيه المتكلم، ~~كان إماما عالما، استدعي إلى نيسابور وتخرج به جماعة في الأصول والكلام، ~~وله فيهما تصانيف. وكان رجلا صالحا، سمع الحديث، وروى عنه أبو بكر البيهقي ~~وأبو القاسم القشيري وغيرهما. قتله محمود بن سبكتكين بالسم لكونه قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا في حياته فقط، وإن روحه قد بطل وتلاشى، ~~وليس هو في الجنة عند الله تعالى يعني روحه صلى الله عليه وسلم. وفيها كان ~~الطاعون العظيم بالبصرة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراع وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الحادية والعشرون من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة سبع وأربعمائة: فيها وقعت القبة الكبيرة التي على الصخرة ببيت ~~المقدس. وفيها كانت الفتنة بين الرافضة وأهل السنة بواسط، ونهبت دور الشيعة ~~والعلويين، وقصدوا علي بن مزيد واستنصروا به. وفيها احترق مشهد الحسين بن ~~علي بكربلاء من شمعتين غفلوا عنهما. وفيها في أولها تشعب الركن اليماني من ~~البيت الحرام. وفيها كانت الوقعة بين سلطان الدولة وبين أخيه أبي الفوارس، ~~وانهزم أبو الفوارس. وفيها ملك السلطان محمود بن سبكتكين خوارزم. وفيها ~~توفي أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن دوست، أبو عبد الله، كان حافظا ~~متقنا، مات في شهر رمضان. وفيها توفي سليمان بن الحكم الأموي المغربي صاحب ~~الأندلس. وثب عليه رجلان ادعيا أنهما من الأشراف وتغلبا على الأندلس. وكانت ~~مدة ولاية سليمان هذا على الأندلس ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام. ~~وانقطعت بموته ولاية بني أمية على ms0898 الأندلس سبع سنين وثمانية أشهر وأياما، ~~ثم عادت سنة أربع عشرة وأربعمائة. وفيها توفي محمد بن علي بن خلف، أبو غالب ~~الوزير فخر الملك. أصله من واسط، وكان أبوه صيرفيا، فتنقلت به الأيام إلى ~~أن استوزره بهاء الدولة، وبعثه نائبا عنه إلى بغداد. وكان جوادا ممدحا. أثر ~~ببغداد الآثار الجميلة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ~~سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثانية والعشرون من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة ثمان وأربعمائة: فيها عزل الحاكم شاتكين من إمرة دمشق، وكان ~~ظالما غشوما، وهو الذي بنى جسر الحديد تحت قلعة دمشق، واتفق أن يوم فراغ ~~الجسر قال: لا يعبر غدا أحد عليه. فلما أصبح جلس على الباب ينظر إليه وقد ~~عزم على أن يكون أول من يركب ويعبر عليه، وإذا بفارس قد أقبل فعبر عليه، ~~فأنكره وقال: من أين؟ قال: من مصر، وناوله كتابا من الحاكم بعزله. فقال بعض ~~أهل دمشق: عقد الجسر وقد ح ... ل عراه بيديه ما درى أن عليه ... يعبر العزل ~~إليه ولم يحج أحد في هذه السنين إلى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، أعني من ~~العراق. وفيها توفي شباشي المشطب، ولقبه السعيد وكنيته أبو طاهر، مولى شرف ~~الدولة بن عضد الدولة بن بويه. ولقبه بهاء الدولة بالسعيد وذي الفضيلتين، ~~ثم لقب بهاء الدولة أبا الهيجاء بختكين بالمناصح، وأشرك بينهما في أمور ~~الأتراك ببغداد. وكان السعيد هذا كثير الصدقات فائض المعروف والإحسان لأهل ~~بغداد، كان يكسو الأيتام والضعفاء وينظر في حال الفقراء، وكان من محاسن ~~الدنيا، وعاش بعد المناصح رفيقه ستة أشهر ومات. وكان رفيقه المناصح أيضا من ~~رجال الدهر وعقلائهم ومن أعلاهم همة، ولم يخلف بعده مثله. وفيها توفي محمد ~~بن إبراهيم بن محمد، أبو الفتح الطرسوسي المجاهد في سبيل الله، استوطن بيت ~~المقدس بنية الرباط، وتوفي به. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس ~~أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة والعشرون ms0899 من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة تسع وأربعمائة: فيها توفي عبد الله بن محمد بن أبي علان، أبو ~~محمد قاضي الأهواز وأحد شيوخ المعتزلة، كان فاضلا، صنف الكتب الكثيرة في ~~علم الكلام وغيره. ومن جملة تصانيفه: كتاب جمع فيه فضائل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ذكر له فيه ألف معجزة، وكان له مال عظيم وضياع كثيرة. ~~PageV01P0469 # وفيها توفي عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد ~~العزيز بن مروان، الحافظ أبو محمد المصري المحدث المشهور، مولده في ثاني ذي ~~القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وسمع الكثير، وبرع في علم الحديث، ~~وصنف الكتب: منها كتاب المؤتلف والمختلف، وكان عالما بأسامي الرجال وعلل ~~الحديث. وكان الدارقطني يعظمه ويقول: ما رأيت في طريقي مثله، ما اجتمعت به ~~وانفصلت منه إلا بفائدة. ومات بمصر في شوال، وفيها توفي علي بن نصر، أبو ~~الحسن مهذب الدولة صاحب البطيحة، كان جوادا ممدحا صاحب ذمة ووفاء، وهو الذي ~~استجار به القادر بالله قبل أن يتخلف، فأجاره ومنع الطائع منه، وقام في ~~خدمته أحسن قيام. وفيها توفي محمد بن الحسين، أبو عبد الله العلوي، ولاه ~~الحاكم القضاء والنقابة والخطابة بدمشق، وكان في القضاء قبل ذلك نائبا عن ~~مالك بن سعيد ابن أخت الفارقي قاضي قضاة الحاكم، وكانت وفاته بدمشق في شهر ~~رمضان. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وثماني أصابع. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة والعشرون من ولاية الحاكم منصور # وهي سنة عشر وأربعمائة: فيها جلس الخليفة القادر بالله ببغداد، وحضر ~~القضاة وكتب عهد أبي الفوارس بن بهاء الدولة على كرمان وأعمالها، وبعث إليه ~~بالخلع السلطانية على العادة. وفيها ورد كتاب السلطان يمين الدولة محمود بن ~~سبكتكين على الخليفة القادر بما فتحه من بلاد الهند وما وصل إليه من ~~غنائمهم. وفيها توفي إبراهيم بن مخلد بن جعفر بن إسحاق، أبو إسحاق ~~الباقرجي، كان محدثا صدوقا جيد النقل حسن الضبط، من أهل الديانة والعلم ms0900 ~~والأدب، وكان يتفقه على مذهب محمد بن جرير الطبري. وفيها توفي محمد بن ~~المظفر بن عبد الله، أبو الحسن المعدل، كان فاضلا شاعرا، مات ببغداد في ~~جمادى الأولى. وفيها توفي هبة الله بن سلامة، أبو القاسم الضرير البغدادي، ~~كان من أحفظ الناس لتفسير القرآن، وسمع الحديث ورواه، وكان ثقة صالحا. ~~وفيها توفي أحمد بن موسى بن مردويه، الحافظ أبو بكر الأصبهاني في شهر ~~رمضان، قاله الذهبي. وكان إماما حافظا ثقة سمع الكثير، وروى عنه جماعة. ~~وفيها توفي عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مهدي، الحافظ أبو ~~عمر الفارسي البزاز في شهر رجب عن إحدى وتسعين سنة وأشهر، وكان إماما فقيها ~~محدثا ثقة من كبار المشايخ. وفيها توفي عبد الصمد بن منصور بن الحسن بن ~~بابك، أبو القاسم، الشاعر المشهور، أحد الشعراء المجيدين المكثرين، وديوانه ~~في ثلاثة مجلدات. ومن شعره بيت من جملة قصيدة في غاية الرقة: ومر بي النسيم ~~فرق حتى ... كأني قد شكوت إليه ما بي ومات ببغداد. وبابك بفتح الباءين ~~الموحدتين وبينهما ألف وفي الآخر كاف. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ست أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسع عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الخامسة والعشرون من ولاية الحاكم منصور # وهي التي مات فيها الحاكم حسب ما ذكرناه في ترجمته. والسنة المذكورة سنة ~~إحدى عشرة وأربعمائة: فيها توفي محمد بن عبد الله بن أحمد، أبو الفرج ~~الدمشقي، ويعرف بابن المعلم، وهو الذي بنى الكهف بقاسيون، ويقال له كهف ~~جبريل، وفيه المغارة التي يقال: إن الملائكة عزت آدم عليه السلام فيها لما ~~قتل قابيل هابيل. وكان محمد هذا شيخا صالحا زاهدا عابدا، مات في شهر رجب، ~~ودفن بمقبرة الكهف. وفيها توفي الحسن بن الحسن بن علي بن المنذر، أبو ~~القاسم، كان إماما فاضلا محدثا، ومات ببغداد في هذه السنة. وممن ذكر الذهبي ~~وفاتهم، قال: وتوفي أبو نصر أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون النرسي، والحاكم ~~منصور بن العزيز العبيدي صاحب مصر يعني ms0901 صاحب الترجمة، وأبو القاسم الحسن بن ~~الحسن بن علي بن المنذر ببغداد، وأبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ببلخ. ~~انتهى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع وخمس أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### | AUT ولاية الظاهر لإعزاز دين الله # PageV01P0470 # هو الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم، وقيل: أبو الحسن، علي بن الحاكم ~~بأمر الله أبي علي منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن ~~المنصور إسماعيل بن القائم محمد بن المهدي عبيد الله العبيدي الفاطمي ~~المغربي الأصل، المصري المولد والمنشأ والوفاة، الرابع من خلفاء مصر من بني ~~عبيد والسابع من المهدي. مولده بالقاهرة في ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان ~~سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وولي الخلافة بعد قتل أبيه الحاكم في شوال من ~~سنة إحدى عشرة وأربعمائة، حسب ما ذكرناه مفصلا في أواخر ترجمة أبيه الحاكم، ~~وقيام عمته ست الملك في أمره. وقال صاحب مرآة الزمان: وولي الخلافة في يوم ~~عيد النحر سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وله ست عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة ~~أيام وتم أمره. ووافقه على ذلك القاضي شمس الدين بن خلكان، لكنه قال: وكانت ~~ولايته بعد أبيه بمدة، لأن أباه فقد في السابع والعشرين من شوال سنة إحدى ~~عشرة وأربعمائة، وكان الناس يرجون ظهوره، ويتبعون آثاره إلى أن تحققوا ~~عدمه، فأقاموا ولده المذكور في يوم النحر. انتهى كلام ابن خلكان. وقال أبو ~~المظفر في المرآة: وملك الظاهر لإعزاز دين الله سائر ممالك والده، مثل ~~الشام والثغور وإفريقية، وقامت عمته ست الملك بتدبير مملكته أحسن قيام، ~~وبذلت العطاء في الجند وساست الناس أحسن سياسة. وكان الظاهر لإعزاز دين ~~الله عاقلا سمحا جوادا يميل إلى دين وعفة وحلم مع تواضع. أزال الرسوم التي ~~جددها أبوه الحاكم إلى خير، وعدل في الرعية وأحسن السيرة، وأعطى الجند ~~والقواد الأموال، واستقام له الأمر مدة، وولى نوابه بالبلاد الشامية، إلى ~~أن خرج عليه صالح بن مرداس الكلابي وقصد حلب وبها مرتضى الدولة أبو نصر بن ~~لؤلؤ ms0902 الحمداني نيابة عن الظاهر هذا، فحاصرها صالح المذكور إلى أن أخذها. ثم ~~تغلب حسان بن المفرج بن دغفل البدوي صاحب الرملة على أكثر الشأم، وتضعضعت ~~دولة الظاهر. واستوزر الوزير نجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي. وكان ~~الوزير هذا من بيت حشمة ورياسة، وكان أقطع اليدين من المرفقين، قطعهما ~~الحاكم بأمر الله في سنة أربع وأربعمائة، وكان يكتب عنه العلامة القاضي أبو ~~عبد الله القضاعي، وكانت العلامة الحمد لله شكرا لنعمته. ولم يظهر أمر هذا ~~الوزير إلا بعد موت عمة الظاهر ست الملك بعد سنة خمس عشرة وأربعمائة. وكان ~~الظاهر لإعزاز دين الله كثير الصدقات منصفا من نفسه، لا يدعي دعاوى والده ~~وجده في معرفة النجوم وغيرها من الأشياء المنكرة، لا سيما لما وقع من بعض ~~حجاج المصريين كسر الحجر الأسود بالبيت الحرام في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. ~~وكان أمر الحجر أنه لما وصل الحاج المصري إلى مكة المشرفة، وثب شخص من ~~الحاج إلى الحجر الأسود وهو مكانه من البيت الحرام، وضربه بدبوس كان في يده ~~حتى شعثه وكسر قطعا منه، وعاجله الناس فقتلوه، وثار المكيون بالمصريين ~~فقتلوا منهم جماعة ونهبوهم، حتى ركب أبو الفتوح الحسن بن جعفر فأطفأ الفتنة ~~ودفع عن المصريين. وقيل: إن الرجل الذي فعل ذلك كان من الجهال الذين ~~استغواهم الحاكم وأفسد عقائدهم. فلما بلغ الظاهر ذلك شق عليه وكتب كتابا في ~~هذا المعنى. PageV01P0471 # قال هلال بن الصابىء: وجدت كتابا كتب من مصر في سنة أربع عشرة وأربعمائة ~~على لسان المصريين، وهو كتاب طويل، فمنه: وذهبت طائفة من النصيرية إلى ~~الغلو في أبينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، غلت وأدعت ~~فيه ما ادعت النصارى في المسيح. ونجمت من هؤلاء الكفرة فرقة سخيفة العقول ~~ضالة بجهلها عن سواء السبيل، فغلوا فينا غلوا كبيرا، وقالوا في آبائنا ~~وأجدادنا منكرا من القول وزورا، ونسبونا بغلوهم الأشنع، وجهلهم المستفظع، ~~إلى ما لا يليق بنا ذكره. وإنا لنبرأ إلى الله تعالى من هؤلاء الجهلة ~~الكفرة الضلال. ونسأل الله ms0903 أن يحسن معونتنا على إعزاز دينه وتوطيد قواعده ~~وتمكينه، والعمل بما أمرنا به جدنا المصطفى، وأبونا علي المرتضى، وأسلافنا ~~البررة أعلام الهدى. وقد علمتم يا معشر أوليائنا ودعاتنا ما حكمنا به من ~~قطع دابر هؤلاء الكفرة الفساق، والفجرة المراق، وتفريقنا لهم في البلاد كل ~~مفرق، فظعنوا في الآفاق هاربين، وشردوا مطرودين خائفين. وكان من جملة من ~~دعاه الخوف منهم إلى الانتزاح رجل من أهل البصرة أهوج أثول، ضال مضل، سار ~~مع الحجيج إلى مكة حرسها الله فرقا من وقع الحسام، وتستر بالحج إلى بيت ~~الله الحرام. فلما حصل في البيت المفضل المعظم، والمحل المقدس المكرم، أعلن ~~بالكفر، وما كان يخفيه من المكر، وحمله لمم في عقله على قصد الحجر الأسود ~~حتى قصده وضربه بدبوس ضربات متواليات، أطارت منه شظايا وصلت بعد ذلك. ثم إن ~~هذا الكافر عوجل بالقتل على أسوإ حاله وأضل أعماله، وألحق بأمثاله من ~~الكفرة الواردين موارد ضلاله، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم. ولعمري إن هذه لمصيبة في الإسلام قادحة، ونكاية فادحة، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون. لقد ارتقى هذا الملعون مرتقى عظيما، ومقاما جسيما، أذكر به ما ~~كان أقدم عليه غلام ثقيف المعروف بالحجاج لعنه الله من إحراق البيت وهدمه، ~~وإزالة بنيانه وردمه. ثم ذكر كلاما طويلا في هذا المعنى يطول الشرح في ~~ذكره. انتهى كلام ابن الصابىء. وروى ابن ناصر بإسناد إلى أبي عبد الله محمد ~~بن علي العلوي، قال: وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة كسر الحجر الأسود لما ~~صليت الجمعة يوم النفر الأول بمنى، ولم يكن رجع الناس بعد من منى، قام رجل ~~ممن ورد من ناحية مصر بيده سيف مسلول وبالأخرى دبوس، بعدما قضى الإمام ~~الصلاة، فقصد الحجر الأسود ليستلمه على الرسم، فضرب وجه الحجر ثلاث ضربات ~~متواليات بالدبوس، وقال: إلى متى يعبد الحجر! ولا محمد ولا علي يقدران على ~~منعي عما أفعله، إني أريد أن أهدم هذا البيت وأرفعه. فاتقاه الحاضرون ~~وتراجعوا عنه، وكاد يفلت. وكان رجلا تام ms0904 القامة أحمر اللون أشقر الشعر ~~سمينا، وكان على باب المسجد عشرة فرسان على أن ينصروه، فاحتسب رجل من أهل ~~اليمن أو من أهل مكة أو غيرها نفسه، فوجأه بخنجر واحتوشه الناس فقتلوه، ~~وقطعوه وأحرقوه بالنار، وثارت الفتنة، وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين ~~غير ما أخفي منهم. وتقشر بعض وجه الحجر في وسطه من تلك الضربات وتخشن. وزعم ~~بعض الحجاج أنه سقط منه ثلاث قطع، وكأنه ثقب ثلاثة ثقوب، وتساقطت منه شظايا ~~مثل الأظفار، وموضع الكسر أسمر يضرب إلى صفرة، محبب مثل الخشخاش. فجمع بنو ~~شيبة ما تفرق منه وعجنوه بالمسك، وحشوا تلك المواضع وطلوها بطلاء من اللك، ~~فهو بين لمن تأمله، وهو على حاله إلى اليوم. انتهى. PageV01P0472 # ثم بعد هذه الواقعة بلغ الظاهر هذا أن السلطان يمين الدولة محمود بن ~~سبكتكين عظم أمره، فأحدث أن يكتب إليه كتابا يدعوه إلى طاعته، فكتب إليه ~~وأرسل إليه بالخلع، وأن يخطب باسمه بتلك البلاد. وكان أبوه الحاكم بأمر ~~الله أرسل إليه قبل ذلك، فخرق محمود بن سبكتكين كتاب الحاكم وبصق فيه، ومات ~~الحاكم وفي قلبه من ذلك أمور، وقد ذكرنا ذلك في ترجمته. فلما علم الظاهر ~~هذا بما كان والده الحاكم عزم عليه من أمر محمود المذكور أخذ هو أيضا في ~~ذلك، وكاتب السلطان محمودا، فلم يلتفت محمود لكتابه، وبعث به وبالخلع إلى ~~الخليفة القادر العباسي، وتبرأ من الظاهر هذا. فجمع القادر القضاة والأشراف ~~والجند وغيرهم ببغداد، وأخرج الخلع إلى باب النوبي، وكانت سبع جبب وفرجية ~~ومركب ذهب، وأضرمت النار وألقيت الثياب فيها، وسبك المركب الذهب، فظهر منه ~~أربعون ألف دينار وخمسمائة، وقيل: أخرج منه دراهم هذا العدد، فتصدق بها ~~الخليفة القادر على ضعفاء بني هاشم. وبلغ الظاهر فقامت قيامته، وانكص عن ~~مكاتبة محمود بعدها. وكان الظاهر ينظر في مصالح الرعية بنفسه وفي إصلاح ~~البلاد. فلما وقع الفناء في ذوات الأربع في سنة سبع عشرة وأربعمائة، منع ~~الظاهر من ذبح البقر السليمة من العيوب التي تصلح للحرث وغيره، وكتب على ~~لسانه ms0905 كتاب قرىء على الناس، فمنه: إن الله تعالى بتتابع نعمته وبالغ حكمته، ~~خلق ضروب الأنعام، وعمل فيها منافع الأنام، فوجب أن تحمى البقر المخصوصة ~~بعمارة الأرض، المذللة لمصالح الخلق، فإن في ذبحها غاية الفساد، وإضرارا ~~للعباد والبلاد. وأباح ذبح ما لا يصلح للعمل ولا يحصل به النفع. فمنع الناس ~~ذبح البقر. وحصل بذلك النفع التام. ومات في أيام الظاهر المذكور مبارك ~~الأنماطي البغدادي التاجر، وكان له مال عظيم، وكان قد خرج من بغداد إلى مصر ~~فتوفي بها في سنة سبع عشرة وأربعمائة، وكان معه ثلاثمائة ألف دينار. فقال ~~الظاهر: هل له وارث؟ فقيل: ما له سوى بنت ببغداد، فترك الظاهر المال كله ~~للبنت ولم يأخذ منه شيئا. وفي سنة عشرين وأربعمائة خرج على الظاهر بالبلاد ~~الشامية صالح بن مرداس أسد الدولة وحسان بن المفرج بن الجراح، وجمعا الجموع ~~واستوليا على الأعمال، وانتهيا إلى غزة. فجهز الظاهر لحربهما جيشا عليه ~~القائد أنوشتكين منتخب الدولة التركي أمير الجيوش المعروف بالدزبري، فالتقى ~~معهما، فانهزم حسان بن المفرج، وقتل صالح وابنه الأصغر. وبعث الدزبري برأس ~~صالح إلى الظاهر بمصر، وأفلت نصر بن صالح الأكبر إلى حلب. واستولى الدزبري ~~على الشام ونزل على دمشق، وكتب إلى الظاهر كتابا مضمونه النصر، ويعرفه فيه ~~بما جرى، وكان بينه وبينهما ملحمة هائلة. ولما فرغ الدزبري من القتال مدحه ~~مظفر الدولة بن حيوس بأبيات بسبب هذه الواقعة، أولها: هل للخليط المستقل ~~إياب ... أم هل لأيام مضت أعقاب يا مي هل لدنو دارك رجعة ... أم للعتاب ~~لديكم إعتاب لا أرتجي يوما سلوا عنكم ... هيهات سدت دونه الأبواب أو صاب ~~جسمي من جناية بعدكم ... والصبر صبر بعدكم أو صاب ولمصطفى الملك اعتزام ~~المصطفى ... لما أحاط بيثرب الأحزاب يومان للإسلام عز لديهما ... دين الإله ~~وذلت الأعراب طلبوا العقاب ليسلموا بنفوسهم ... فابتزهم دون العقاب عقاب ~~واستشعروا نصرا فكان عليهم ... وتقطعت دون المراد رقاب كانوا حديدا في ~~الورى لكنهم ... لما اصطلوا نار المظفر ذابوا والقصيدة أطول من هذا، وكلها ~~على هذا النموذج. ولما انهزم ms0906 شبل الدولة نصر بن صالح المذكور إلى حلب ~~وملكها، طمع صاحب أنطاكية الرومي في حلب، وجمع الروم وسار إليها وأحاط بها ~~وقاتل أهلها، فكبسه شبل الدولة نصر المذكور من داخلها ومعه أهل البلد ~~فقتلوا معظم أصحابه، وانهزم ملكهم صاحب أنطاكية إليها في نفر يسير من ~~أصحابه، وغنم نصر أموالهم وعساكرهم. وقيل: كبسه نصر المذكور على أعزاز فغنم ~~منه أموالا عظيمة. وسر الظاهر هذا بنصرة نصر لكون الإسلام يجمع بينهما. ~~PageV01P0473 # وكان المتغلبون على البلاد في أيام الظاهر كثيرين جدا، وذلك لصغر سنه ~~وضعف بدنه. ووقع له في أيامه خطوب قاساها إلى أن توفي بالقاهرة في يوم ~~الأحد النصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وعمره إحدى وثلاثون سنة. ~~وكانت ولايته على مصر ست عشرة سنة وتسعة أشهر. تولى الملك بعده ابنه أبو ~~تميم معد، ولقب بالمستنصر وسنه ثماني سنين، وقام علي بن أحمد الجرجرائي ~~الوزير بالأمر، وأخذ له البيعة، وقرر للجند أرزاقهم، واستقامت الأحوال. ~~وكانت وفاة الظاهر بعلة الاستسقاء، طالت به نيفا وعشرين سنة من عمره. قلت: ~~ولهذا أشرنا أنه كان كثرة من تغلب عليه لضعف بدنه وصغر سنه. وكان الظاهر ~~جوادا ممدحا سمحا حليما محببا للرعية، ولا بأس به بالنسبة لآبائه وأجداده. ~~وهو الذي بنى قصر اللؤلؤة عند باب القنطرة، وهو من القصور المعدودة ~~بالقاهرة، وصار يتنزه به هو ومن جاء بعده من خلفاء مصر من ذريته وأقاربه، ~~وكان التوصل إلى القصر من باب مراد، وصار الخلفاء يقيمون به في أيام النيل. ~~ودام أمر هذا القصر مستقيما إلى أن وقع الغلاء بالديار المصرية في زمن ~~المستنصر، وذهب من محاسن القاهرة شيء كثير من عظم الغلاء والوباء، كما ~~سيأتي ذكره إن شاء الله في محله. ### || AUT السنة الأولى من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة: فيها وقع بين ~~سلطان الدولة وبين مشرف الدولة بن بويه، واستفحل في الآخر أمر مشرف الدولة، ~~وخطب له ببغداد في المحرم، وخوطب بشاهنشاه مولى أمير المؤمنين، وقطعت ~~الخطبة لسلطان الدولة ms0907 من بغداد. وفيها لم يحج أحد من العراقيين ولا في ~~الماضية. فقصد الناس يمين الدولة محمود بن سبكتكين وقالوا له: أنت سلطان ~~الإسلام وأعظم ملوك الأرض، وفي كل سنة تفتح من بلاد الكفر ما تحبه، والثواب ~~في فتح طريق الحج أعظم، وقد كان الأمير بدر بن حسنويه، وما في أمرائك إلا ~~من هو أكبر منه شأنا، يسير الحاج بماله وتدبيره عشرين سنة. فتقدم ابن ~~سبكتكين إلى قاضيه أبي محمد الناصحي بالتأهب للحج ونادى في أعمال خراسان ~~بالحج، وأطلق للعرب ثلاثين ألف دينار سلمها إلى الناصحي المذكور غير ما ~~للصدقات، فحج بالناس أبو الحسن الأقساسي. فلما بلغوا فيد حاصرتهم العرب، ~~فبذل لهم القاضي الناصحي خمسة آلاف دينار، فلم يقنعوا وصمموا على أخذ ~~الحافي، فركب رأسهم جماز بن عدي وقد انضم عليه ألفا رجل من بني نبهان، وأخذ ~~بيده رمحا وجال حول الحاج، وكان في السمرقنديين غلام يعرف بابن عفان، فرماه ~~بسهم فسقط منه ميتا وهرب جمعه، وعاد الحاج في سلامة. وفيها توفي أحمد بن ~~محمد بن أحمد، أبو سعد الماليني الصوفي الحافظ، سافر إلى الأقطار، وسمع ~~خلقا كثيرا، وصنف وصحب المشايخ، وكان يقال له طاوس الفقراء. وفيها توفي ~~الحسن بن علي، أبو علي الدقاق النيسابوري، أحد المشايخ، كان صاحب حال ~~ومقال. قال القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول في قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " من تواضع لغني لأجل دنياه ذهب ثلثا دينه " قال: لأن ~~المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا خدمه بأركانه وتواضع له بلسانه ذهب ثلثا ~~دينه، فإن خدمه بقلبه ذهب الكل. وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد، أبو ~~الحسن بن رزقويه البغدادي البزاز، ولد سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، ودرس ~~الفقه، وسمع الحديث فأكثر، وكان ثقة صدوقا كثير السماع حسن الاعتقاد جميل ~~المذهب. وفيها توفي محمد بن الحسين بن محمد بن موسى، أبو عبد الرحمن السلمي ~~النيسابوري، الحافظ الكبير، شيخ شيوخ الدنيا في زمانه، طاف الدنيا شرقا ~~وغربا، ولقي الشيوخ الأبدال، وإليه المرجع في علوم الحقائق والسير وغيرها، ms0908 ~~وله المصنفات الحسان. وفيها توفي محمد بن عمر، أبو بكر العنبري الشاعر، مات ~~يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى ببغداد. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الثانية من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة: فيها وقع الصلح ~~بين سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن بويه وبين أخيه مشرف الدولة على يد ~~الأوحد أبي محمد وزير سلطان الدولة، وخطب لسلطان الدولة ببغداد كما كان ~~أولا قبل الخلاف. PageV01P0474 # وفيها توفي علي بن عيسى بن سليمان، أبو الحسن القاضي المعروف بالسكري ~~الفارسي، مولده في صفر ببغداد سنة سبع وثلاثمائة، كان فاضلا عالما. مات في ~~شعبان رحمه الله. وفيها توفي علي بن هلال، الإمام الأستاذ أبو الحسن، صاحب ~~الخط المنسوب الفائق المعروف بابن البواب. كان أبوه بوابا لبني بويه، وقرأ ~~هو القرآن وتفقه وفاق أهل عصره في الخط المنسوب، حتى شاع ذكره شرقا وغربا. ~~ومن شعر أبي العلاء المعري من قصيدة: ولاح هلال مثل نون أجادها ... بماء ~~النضار الكاتب ابن هلال يعني بابن هلال ابن البواب هذا. وقال هلال بن ~~الصابىء: دخل أبو الحسن البتي دار فخر الملك، فوجد ابن البواب هذا جالسا ~~على عتبة الباب ينتظر خروج فخر الملك، فقال له: جلوس الأستاذ في العتب، ~~رعاية للنسب. فغضب ابن البواب وقال: لو كان لي الأمر ما مكنت مثلك من ~~الدخول، فقال البتي: حتى لا يترك الشيخ صنعته. انتهى. وقد قال فيه بعضهم: ~~هذا وأنت ابن بواب وذو عدم ... فكيف لو كنت رب الدار والمال وفيها توفي ~~محمد بن محمد بن النعمان، أبو عبد الله، فقيه الشيعة وشيخ الرافضة وعالمها ~~ومصنف الكتب في مذهبها. قرأ عليه الرضي والمرتضى وغيرهما من الرافضة، وكان ~~له منزلة عند بني بويه وعند ملوك الأطراف الرافضة. قلت: كان ضالا مضلا هو ~~ومن قرأ عليه ومن رفع منزلته، فإن الجميع كانوا يقعون في حق الصحابة رضوان ~~الله عليهم أجمعين، ms0909 عليهم من الله ما يستحقونه. ورثاه الشريف المرتضى، ولو ~~عاش أخوه لكان أمعن في ذلك، فإنهما كانا أيضا من كبار الرافضة. وقد تكلم ~~أيضا في بني بويه أنهم كانوا يميلون إلى هذا المذهب الخبيث، ولهذا نفرت ~~القلوب منهم، وزال ملكهم بعد تشييده. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة أربع عشرة وأربعمائة: فيها دخل مشرف ~~الدولة بن بهاء الدولة إلى بغداد، وتلقاه الخليفة في زبزب بأبهة الخلافة، ~~ولم يكن القادر لقي أحدا من الملوك قبله. وفيها ورد كتاب السلطان يمين ~~الدولة محمود بن سبكتكين على الخليفة القادر أنه أوغل في بلاد الهند. ~~وعنوان الكتاب: عبد مولانا أمير المؤمنين وصنيعته محمود بن سبكتكين،. وفيها ~~عادت دولة بني أمية إلى الأندلس بعد أن انقطعت سبع سنين. وفيها توفي الحسن ~~بن الفضل بن سهلان، أبو محمد وزير سلطان الدولة، وهو الذي بنى سور 2 الحائر ~~بمشهد الحسين بكربلاء، وكان من كبار الشيعة، كان رافضيا خبيثا، قبض عليه ~~وصودر وسمل وحبس حتى مات. وفيها توفي محمد بن أحمد، أبو جعفر النسفي الفقيه ~~الحنفي العلامة، صاحب التصانيف ومصنف كتاب التعليقة المشهورة وغيره. كان ~~عالما فاضلا ورعا زاهدا مفتنا في علوم، وكانت وفاته في شعبان. وفيها توفي ~~محمد بن الخضر بن عمر، أبو الحسين الحمصي القاضي الفرضي، ولي القضاء بدمشق ~~نيابة عن أبي عبد الله محمد بن الحسين النصيبي، وكان نزها عفيفا. مات بدمشق ~~في جمادى الأولى. وفيها توفي تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله ~~بن الجنيد، الحافظ أبو القاسم ابن الحافظ أبي الحسين الرازي ثم الدمشقي ~~المحدث. ولد بدمشق سنة ثلاثين وثلاثمائة، وسمع الكثير وحدث. قال أبو بكر ~~الحداد: ما لقينا مثل تمام في الحفظ والخير. مات في المحرم. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة أربع عشرة ~~ذراعا ms0910 وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة خمس عشرة وأربعمائة: فيها حج من ~~العراقيين أبو الحسن الأقساسي ومعه حسنك صاحب محمود بن سبكتكين، فأرسل إليه ~~الظاهر صاحب مصر خلعا وصلة، فقبلها حسنك ثم خاف من القادر فلم يدخل بغداد، ~~وكاتب القادر ابن سبكتكين فيما فعل حسنك، فأرسل إليه حسنك بالخلع المصرية، ~~فأحرقها القادر. وكان حسنك أمير خراسان من قبل ابن سبكتكين. وفيها ولي ~~وزارة مصر للظاهر صاحب الترجمة نجيب الدولة علي بن أحمد الجرجرائي بعد موت ~~ست الملك عمة الظاهر. PageV01P0475 # وفيها منع الرافضة من النوح في يوم عاشوراء، ووقع بسبب ذلك فتنة بين ~~الشيعة وأهل السنة قتل فيها خلق كثير، ومنع الرافضة من النوح وعيد الغدير، ~~وأيد الله أهل السنة، ولله الحمد. وفيها توفي أحمد بن محمد بن عمر بن ~~الحسن، أبو الفرج العدل البغدادي الفقيه الحنفي، ويعرف بابن المسلمة، مولده ~~سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وسمع الحديث، وكان إماما عالما فاضلا صدوقا ثقة ~~كثير المعروف، وداره مأوى لأهل العلم. وفيها توفي سلطان الدولة أبو شجاع بن ~~بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه ابن ركن الدولة الحسن بن بويه بن ~~فناخسرو الديلمي بشيراز. وكان مدة ملكه اثنتي عشرة سنة وأشهرا، وتولى الملك ~~صبيا، ومات وله ثلاث وعشرون سنة. وقال صاحب مرآة الزمان: مات عن اثنتين ~~وثلاثين سنة. انتهى. قلت: وكان في مدة ملكه وقع له حروب كثيرة مع أخيه مشرف ~~الدولة وخطب له ببغداد ثم اصطلحا، حسب ما ذكرناه، وخطب لمشرف الدولة على ~~عادته إلى أن توفي سلطان الدولة هذا. وفيها توفي عبد الله بن عبد الله بن ~~الحسين، أبو القاسم الخفاف، كان يعرف بابن النقيب البغدادي، رأى الشبلي ~~وغيره، وسمع الكثير، وكان سماعه صحيحا، وكان شديدا في السنة، ولما مات ابن ~~المعلم فقيه الشيعة جلس، رضي الله عنه، للتهنئة، وقال: ما أبالي أي وقت مت ~~بعد أن شاهدت موته. وأقام عدة سنين يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة. قلت: ~~ومما يدل ms0911 على دينه وحسن اعتقاده بغضه للشيعة عليهم الخزي. ولو لم يكن من ~~حسناته إلا ذلك لكفاه عند الله. وفيها توفي محمد بن الحسن، الشريف أبو ~~الحسن الأقساسي العلوي. هو من ولد زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه. حج ~~بالناس من العراق سنين كثيرة نيابة عن المرتضى، وكان فاضلا شاعرا فصيحا، ~~وهو أيضا من كبار الشيعة. وفيها توفي الأمير أبو طاهر بن دمنة، صاحب آمد من ~~ديار بكر. كان قتل ابن مروان صاحب ميا فارقين وقتل عبد البر شيخ آمد ~~واستولى عليهما من سنة سبع وثمانين وثلاثمائة إلى هذه السنة. وكان يصانع ~~ممهد الدولة بن مروان، وأيضا يصانع شروة. فلما قتل شروة ممهد الدولة وولي ~~أخوه أبو منصور، طمع هذا في البلاد واستفحل أمره. وفيها توفي أحمد بن محمد ~~بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي، أبو الحسن المحاملي الفقيه الشافعي، ~~كان تفقه بأبي حامد الاسفرايني وغيره، وكان إماما فقيها مصنفا، مات في شهر ~~ربيع الأول. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وخمس أصابع. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ست عشرة وأربعمائة: فيها توفي في شهر ~~ربيع الآخر السلطان مشرف الدولة، أبو علي الحسن ابن السلطان أبي نصر فيروز ~~بهاء الدولة ابن السلطان عضد الدولة بويه ابن السلطان ركن الدولة الحسن بن ~~بويه الديلمي. واستقر الأمر بعد موته على تولية جلال الدولة أبي طاهر، فخطب ~~له على منابر بغداد وهو بالبصرة، وخلع على شرف الملك أبي سعيد بن ماكولا ~~وزيره، ولقبه علم الدين سعد الدولة أمين الملة شرف الملك. قلت: وهذا ثاني ~~لقب سمعناه من اسم مضاف إلى الدين. وأول ما سمعنا من هذه الألقاب لقب بهاء ~~الدولة بن بويه ركن الدين. قلنا: لعل ذلك كان تعظيما في حقه لكونه سلطانا، ~~فيكون هذا على هذا الحكم هو أول لقب لقب به في الإسلام، والله أعلم. ومن ~~يومئذ ظهرت الألقاب وتغالت فيها الأعاجم، حتى ms0912 إنهم لم يدعوا شيئا إلا ~~وأضافوا الدين له، حتى اشتهر ذلك وشاع وسمي به كل أحد حتى الأسالمة، فمنهم ~~من يسمى جلال الدين، وسعد الدين، وجمال الدين، فلا قوة إلا بالله. وحق ~~المغاربة في حنقهم ممن يلقب بهذه الألقاب. وأنا بالله أحلف لو ملكت أمري ما ~~لقبت بجمال الدين ولا غيره، وأكره من يسميني بذلك ولا أقدر على تغيير ~~الاصطلاح. وهذا لا يكون إلا من ولي أمر أو حاكم بلدة. وقد خرجنا عن المقصود ~~فنعود إلى ذكر مشرف الدولة. PageV01P0476 # ومات مشرف الدولة وله ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما. ~~وكانت مدة ملكه خمس سنين وشهرا وخمسة وعشرين يوما. وكان شجاعا مقداما ~~جوادا، إلا أنه كان يميل إلى الشيعة على عادة آبائه وأجداده ميلا ليس بذاك، ~~وينصر أهل السنة في بعض الأحيان. وكل ملوك بني بويه كانوا على ذلك، غير ~~أنهم كانوا يميلون في الباطن للشيعة. والله أعلم بحالهم. وفيها توفي عبد ~~الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد، أبو محمد التجيبي المصري البزار، المعروف ~~بابن النحاس، مسند ديار مصر في وقته. مولده ليلة النحر سنة ثلاث وعشرين ~~وثلاثمائة، ومات في عاشر صفر. وفيها توفي علي بن محمد، أبو الحسن التهامي ~~الشاعر المشهور، كان من الشعراء المجيدين، وشعره في غاية الحسن. قدم ~~القاهرة مستخفيا ومعه كتب كثيرة من حسان بن المفرج البدوي وهو متوجه إلى ~~بني قرة، فظفروا به فاعتقل بخزانة البنود في سادس عشرين شهر ربيع الآخر، ثم ~~قتل سرا في سجنه في تاسع جمادى الأولى. والتهامي بكسر التاء المثناة من ~~فوقها وفتح الهاء وبعد الألف ميم، هذه النسبة إلى تهامة، وهي تطلق على مكة ~~حرسها الله. ومن شعر التهامي من جملة قصيدة: قلت لخلي وثغور الربا ... ~~مبتسمات وثغور الملاح أيهما أحلى ترى منظرا ... فقال لا أعلم كل أقاح وله ~~بيت بديع من جملة قصيدة: وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى ... طرا فلا تعتب ~~على أولاده وفيها توفي محمد بن يحيى بن أحمد بن الحذاء، أبو عبد الله ms0913 ~~القرطبي الحافظ المحدث العلامة، سمع الكثير وروى الحديث، وكتب وصنف، ومات ~~في شهر رمضان. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة السادسة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة سبع عشرة وأربعمائة: فيها عاد جلال ~~الدولة إلى البصرة، وقبض على وزيره أبي سعيد عبد الواحد بن أحمد بن جعفر بن ~~ماكولا وعلى أبي علي ابن عمه. ثم جرت أسباب استوجبت إطلاق ابن عمه، ~~واستوزره جلال الدولة ولقبه يمين الدولة وزير الوزراء، وخلع عليه. وفيها ~~توفي أحمد بن محمد بن عبد الله بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي ~~الشوارب، أبو الحسن القرشي الأموي قاضي القضاة، كان عفيفا جليلا، قال ~~القاضي أبو العلاء: ما رأينا مثله جلالة وصيانة وشرفا. وفيها توقي محسن بن ~~عبد الله بن محمد، أبو القاسم التنوخي اللغوي القاضي الحنفي، ولد يوم الأحد ~~الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وقدم دمشق ~~مجتازا إلى الحج، فأدركه أجله في الطريق في ذي القعدة، فحمل إلى مدينة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بالبقيع. وكان من أوعية العلم، وله مصنفات ~~كثيرة وشعر جيد، من ذلك وكل أداريه على حسب حاله ... سوى حاسدي فهي التي لا ~~أنالها وكيف يداري المرء حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها وفيها ~~توفي عبد الله بن أحمد، الإمام أبو بكر المروزي القفال شيخ الشافعية ~~بخراسان، كان يعمل الأقفال وحذق في عملها حتى صنع قفلا بآلاته ومفتاحه وزن ~~أربع حبات. فلما صار ابن ثلاثين سنة اشتغل بالعلم وتفقه حتى برع فيه وفاق ~~أقرانه. ومات في جمادى الآخرة وله تسعون سنة. وفيها توفي علي بن أحمد بن ~~عمر بن حفص، أبو الحسن بن الحمامي، كان إماما محدثا كبير الشأن، سمع وحدث، ~~ومات في شعبان عن تسع وثمانين سنة. وفيها توفي، في قول الذهبي، عمر بن أحمد ~~بن إبراهيم بن عبدويه، أبو حازم الهذلي العبدوي الحافظ ms0914 الكبير الرحال، سمع ~~الحديث وحدث، وروى عنه غير واحد، ومات بنيسابور. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة السابعة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ثماني عشرة وأربعمائة: فيها خطب لجلال ~~الدولة على المنابر ببغداد بعد أن منع الأتراك من ذلك وخطبوا لأبي كاليجار. ~~وفيها ورد كتاب السلطان محمود بن سبكتكين على الخليفة القادر يخبر بما فتح ~~من البلاد من أرض الهند، وكسره الصنم المعروف بسومنات. PageV01P0477 # وفيها توفي الحسين بن علي بن الحسين، أبو القاسم الوزير المغربي، ولد ~~بمصر في ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، وهرب منها لما قتل الحاكم أباه عليا ~~وعمه محمدا. وقيل: إن أباه وزر للعزيز بمصر ثم للحاكم ابنه. وهرب الحسين ~~هذا للعراق، وخدم بني بويه، ووقع له بالشرق أمور، ووزر لغير واحد من ملوك ~~الشرق. وكان فاضلا عاقلا شاعرا شهما شجاعا كافيا في فنه، حتى قيل: إنه لم ~~يل الوزارة لخليفة ولا ملك أكفى منه. ومن شعره قوله: الدهر سهل وصعب ... ~~والعيش مر وعذب فاكسب بمالك حمدا ... فليس للحمد كسب وما يدوم سرور ... ~~فاختم وطينك رطب وفيها توفي عبد الرحمن بن هشام القرشي الأموي صاحب ~~الأندلس، الذي كان لقب نفسه في سنة أربع عشرة وأربعمائة بالمستظهر ~~والمستكفي والمعتمد، وعاد ملك بني أمية إلى الأندلس بسببه، فلما كان في هذه ~~السنة وثب الجند عليه فقتلوه، وانقطعت ولاية بني أمية عن الأندلس إلى سنة ~~ثلاث وأربعين وأربعمائة. وكانت ولاة الأندلس من بني أمية أربعة عشر على عدد ~~أسلافهم، ومدة سنينهم مائتان وثمانون سنة، فأولهم عبد الرحمن بن معاوية بن ~~هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو المطرف الملقب بالداخل، لكونه دخل ~~المغرب، بويع سنة تسع وثلاثين ومائة في أيام أبي جعفر المنصور العباسي. ثم ~~ولي بعده ابنه هشام في سنة اثنتين وسبعين. ثم ولي بعده ابنه الحكم بن هشام ~~بن عبد الرحمن في سنة ثمانين ومائة. ثم ms0915 ولي بعده ابنه عبد الرحمن بن الحكم ~~في سنة ست وثمانين ومائة. ثم ولي بعده ابنه محمد في سنة ثمان وثلاثين ~~ومائتين. ثم ولي بعده ابنه المنذر بن محمد سنة ثلاث وسبعين ومائتين ومات ~~سنة خمس وسبعين، ولم يكن له ولد، فولي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن ~~الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل سنة275 للهجرة. ثم ولي بعده ابنه عبد ~~الرحمن سنة ثلاثمائة. ثم ولي بعده الحكم بن عبد الرحمن سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة. ثم ولي بعده ابنه هشام سنة سبعين وثلاثمائة ومات سنة تسع وتسعين ~~وثلاثمائة بعد أن تغلب عليه محمد بن هشام بن عبد الجبار الملقب بالناصر ~~لدين الله سنة 399 للهجرة ثم غلب عليه المستعين سليمان بن الحكم سنة 400 ~~للهجرة. ثم غلب محمد بن هشام بن عبد الجبار للمرة الثانية في شوال سنة 400 ~~للهجرة. ثم هشام بن الحكم للمرة الثانية في ذي الحجة سنة 400 للهجرة. ثم ~~ولي سليمان المستعين للمرة الثانية من شوال سنة 403 للهجرة إلى المحرم من ~~سنة 407 للهجرة. ثم تغلب علي بن حمود إلى شهر رمضان سنة 408 للهجرة. ثم ولي ~~المرتضى عبد الرحمن بن محمد في شهر رمضان سنة 408 للهجرة ثم تغلب القاسم بن ~~محمود في نفس السنة. ثم يحيى بن علي بن حمود في سنة 412 للهجرة، ثم القاسم ~~بن حمود للمرة الثانية في سنة 413 للهجرة. ثم ولي المستظهر عبد الرحمن بن ~~هشام في شهر رمضان سنة 414 للهجرة. ثم ولي المستكفي محمد بن عبد الرحمن في ~~ذي القعدة سنة 414 للهجرة. ثم تغلب يحيى بن علي بن حمود للمرة الثانية في ~~ربيع الأول سنة 416 للهجرة. ثم ولي المعتد هشام بن عبد الرحمن من ربيع ~~الأول سنة 418 للهجرة إلى سنة 422 للهجرة. وهو آخرهم. وفيها توفي الشريف ~~أبو الحسن علي بن طباطبا العلوي. كان فاضلا شاعرا فصيحا. مات ببغداد في ذي ~~القعدة، وكان على مذهب القوم. وفيها توفي إبراهيم بن ms0916 محمد بن إبراهيم، أبو ~~إسحاق الأسفرايني الأصولي المتكلم الفقيه الشافعي، إمام أهل خراسان، ركن ~~الدين. وهو أول من لقب من الفقهاء. كان إماما مفتنا له التصانيف المشهورة، ~~وكانت وفاته يوم عاشوراء بنيسابور. وقد تقدم أن الألقاب ما تداول تسميتها ~~إلا من الأعاجم لحبهم للرياسة والتعظيم كما هي عادتهم. وفيها توفي معمر بن ~~أحمد بن محمد بن زياد، أبو منصور الأصبهاني الزاهد، كان من كبار المشايخ، ~~وله قدم هائلة في الفقه والصلاح. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة تسع عشرة وأربعمائة: فيها ولى الظاهر ~~أمر دمشق لأمير الجيوش الدزبري، وكان شجاعا شهما، واسمه أبو منصور أنوشتكين ~~التركي. PageV01P0478 # وفيها توفي محمد بن عمر بن يوسف، أبو عبد الله بن الفخار القرطبي المالكي ~~الحافظ عالم الأندلس في عصره، سمع الحديث وحدث وحج وجاور بالمدينة وأفتى ~~بها، وكان إماما عالما زاهدا ورعا متقشفا عارفا بمذاهب الأئمة وأقوال ~~العلماء، يحفظ المدونة حفظا جيدا. وفيها توفي حمزة بن إبراهيم، أبو الخطاب، ~~كان بلغ من بهاء الدولة بن بويه منزلة عظيمة لم يبلغها غيره، كان يعلمه ~~النجوم. وكان حاكما على الدولة والوزراء، والقواد يخافونه، وما كان يقنع من ~~الوزراء بالقليل. ولما فتح فخر الملك قلعة سابور حمل إليه مائة ألف دينار ~~فاستقلها، وما كان بهاء الدولة يخالفه أبدا. وفيها توفي عبد المحسن بن محمد ~~بن أحمد بن غالب بن غلبون، أبو محمد الصوري الشاعر المشهور. كان أبو ~~الفتيان بن حيوس مغرى بشعره، ويفضله على أبي تمام والبحتري والمتنبي، فقال ~~أبو العلاء المعري: الأمراء لا يناظرون " يعني أنه ليس في هذا المقام. وكان ~~أبو الفتيان يقول: إن أغزل ما قيل قول جرير: إن العيون التي في طرفها حور ~~... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف ~~خلق الله إنسانا وقال الصوري أغزل منهما، وهو قوله: بالذي ms0917 ألهم تعذي ... بي ~~ثناياك العذابا ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا قلت: وقال غير ابن ~~حيوس: إن أرق ما قيل قول القائل: عيون عن السحر المبين تبين ... لها عند ~~تحريك القلوب سكون إذا أبصرت قلبا خليا من الهوى ... تقول له كن مغرما ~~فيكون ومن شعره أيضا: صددت فكنت مليح الصدود ... وأعرضت أفديك من معرض ومن ~~كان في سخطه محسنا ... فكيف يكون إذا ما رضي وله أيضا: تريك نفسك في معاندة ~~الورى ... رشدا ولست إذا فعلت براشد شغلتك عن أفعالها أفعالهم ... هلا ~~اقتصرت على عدو واحد وفيها توفي محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد، الفقيه ~~أبو الحسن البغدادي الحنفي، ولد سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وسمع الكثير ~~ورواه، وكان يتجر وله مال عظيم، صادره ملوك بني بويه حتى افتقر، ومات فلم ~~يكفن حتى بعث إليه الخليفة كفنا. ومات ولم يكن في زمانه أعلى سندا منه. ~~وكان صدوقا صالحا ثقة فقيها فاضلا عالما. وفيها توفي أبو الفوارس قوام ~~الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن ~~بويه الديلمي. كان عزم على نقض الصلح بينه وبين أخيه أبي كاليجار فعاجلته ~~منيته فمات في ذي القعدة، وحمل تابوته إلى شيراز فدفن في تربة عماد الدولة ~~بن بويه. وفيها هلك قسطنطين أخو بسيل ملك الروم، وبعد موته انتقل الملك إلى ~~بنت له وزوجها، وهو ابن خالها، يسمى أرمانوس، ولم يكن من بيت الملك، وجعلت ~~ولاية العهد في أرمانوس المذكور، ولبس الخف الأحمر، وتسمى قيصرا. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وأربع أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة عشرين وأربعمائة: فيها وقع بالعراق برد ~~في الواحدة مائة وخمسون رطلا كانت كالثور النائم، ونزلت في الأرض مقدار ~~ذراع، قاله أبو المظفر في مرآة الزمان؟ وفيها فسد الأمر بين قرواش صاحب ~~الموصل وبين أبي نصر بن مروان صاحب ميافارقين. وسببه أن قرواشا كان تزوج ms0918 ~~ببنت أبي نصر المذكور فأقامت عنده مدة، ثم هجرها، فطلبها أبو نصر فنقلها ~~إليه، وهذا أول الشر. وفيها توفي علي بن عيسى بن الفرج، أبو الحسن الربعي ~~صاحب أبي علي الفارسي، قرأ الأدب ببغداد على السيرافي، وخرج إلى شيراز ودرس ~~بها النحو على الفارسي عشرين سنة، ثم عاد إلى بغداد وأقام بها باقي عمره. ~~خرج يوما يمشي على جانب الشط، فرأى الشريف الرضي والمرتضى في سفينة ومعهما ~~عثمان بن جني النحوي، فصاح أبو الحسن: من أعجب أحوال الشريفين أن يكون ~~عثمان جالسا في صدر السفينة وعلي يمشي على الحافة، فضحكا وقالا: باسم الله. ~~قلت: وهذا مما يدل على أن الرضي والمرتضى كانا يصرحان بالرفض. PageV01P0479 # وفيها توفي الأستاذ الأمير المختار عز الملك، محمد بن أبي القاسم عبيد ~~الله بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز، المعروف بالمسبحي الكاتب، الحراني ~~الأصل المصري المولد والمنشأ، صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات. قال ~~ابن خلكان: كانت فيه فضائل ولديه معارف، ورزق حظوة في التصانيف، واتصل ~~بخدمة الحاكم العبيدي. قال: وتاريخه ثلاثة عشر ألف ورقة. انتهى. قلت: وله ~~عدة تصانيف أخر. مات في شهر ربيع الآخر. والمسبحي: بضم الميم وفتح السين ~~المهملة وكسر الباء الموحدة ثانية الحروف وفي آخرها حاء مهملة. قال ~~السمعاني: هذه النسبة إلى الجد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة العاشرة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. فيها عملت ~~الرافضة النوح في يوم عاشوراء بالكرخ، ووقع بينهم وبين أهل السنة وقعة قتل ~~فيها جماعة من الفريقين. وفيها خطب للأمير أبي سعيد مسعود بن محمود بن ~~سبكتكين بعد موت أبيه بأرمينية والأطراف. وفيها عاد جلال الدولة إلى بغداد ~~من واسط. ولم يحج أحد من العراقيين في هذه السنة، وحج الناس من مصر وغيرها. ~~وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن أحمد، أبو الحسن، ويعرف بابن الدان، أصله ~~من الجزيرة وسكن دمشق، وكان يعظ، ms0919 وكان صاحب مقالات وكرامات، وهو معدود من ~~المشايخ. وفيها توفي أحمد بن محمد بن العاص بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن ~~عراج، أبو عمر القسطلي الشاعر المشهور. قال ابن حزم: كان عالما بنقد الشعر، ~~لو قلت إنه لم يكن بالأندلس أشعر من ابن دراج لم أبعد. وهو من مدينة قسطلة ~~دراج، وقيل هو اسم ناحية. وكان من كتاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي ~~عامر. ومن شعره من جملة قصيدة طويلة: أضاء لها فجر النهى فنهاها ... عن ~~المدنف المضنى بحر هواها وضللها صبح جلا ليله الدجى ... وقد كان يهديها إلي ~~دجاها وفيها توفي السلطان يمين الدولة، أبو القاسم، محمود بن سبكتكين ابن ~~الأمير ناصر الدولة أبي منصور صاحب غزنة وغيرها. كان السلطان محمود هذا ~~يلقب قبل السلطنة بسيف الدولة، وكان من عظماء ملوك الدنيا، وفتح عدة بلاد ~~من الهند وغيرها، واتسعت مملكته حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية، وامتلأت ~~خزائنه من أصناف الأموال والجواهر، وكان دينا خيرا متعبدا فقيها على مذهب ~~أبي حنيفة. وما حكاه ابن خلكان من قصة القفال في صلاة الحنفية بين يدي ابن ~~سبكتكين المذكور ليس لها صحة، يعرف ذلك من له أدنى فوق من وجوه عديدة، فإن ~~محمودا المذكور كان قد قرأ في ابتداء أمره وبرع في الفقه والخلاف وصار ~~معدودا من العلماء، وصنف كتابا في فقه الحنفية قبل سلطنته بمدة سنين، وذلك ~~قبل أن يشتهر القفال. فمن يكون بهذه المثابة لا يحتاج إلى من يعرفه الصلاة ~~على المذاهب الأربعة بل ولا غيرها، وأصاغر الفقهاء من طلبة العلم يعرفون ~~الخلاف في مثل هذه المسألة. وأيضا حاشا القفال من أن يقع في مثل هذه ~~القبائح من كشف العورة والضراط في الملأ وتحكيم رجل نصراني في قراءة كتب ~~المذهبيين والافتراء على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، وما ثم أمر يحتاج ~~إلى ذلك ولا ألجأت الضرورة إلى أن يفعل بعض ما قيل عنه. وإنما محمود بن ~~سبكتكين رجل من المسلمين لا يزيد في الحنفية ولا ينقص من الشافعية، ms0920 ولعل ~~بعض الفقراء يكون أفضل منه عند الله تعالى. وها أنا لم أكن مثل القفال في ~~كثرة علومه بل ولا أصاغر تلامذته، لو قيل لي: افعل بين يدي السلطان بعض ما ~~قيل عن القفال لا أرضى بذلك، ولا ألتفت إلى السلطان ولا إلى غيره، ولا أهزأ ~~بصلاة مسلم كائن من كان. فهذا كله موضوع على القفال من أهل التحامل ~~والتعصب. فنعوذ بالله من الاستخفاف بالعلماء والوقوع في حقهم، ونسأل الله ~~السلامة في الدين. وكانت وفاة السلطان محمود في جمادى الأولى من هذه السنة، ~~رحمه الله تعالى. وتولى بعده الملك ابنه مسعود بن محمود الآتي ذكره. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. PageV01P0480 # فيها قتل أبو علي الحسن بن علي بن ماكولا بالأهواز، قتله غلام له يعرف ~~بعدنان، كان يجتمع مع امرأة في داره، ففطن بهما، فعلما بذلك فخافا منه، ~~وساعدهما فراش كان في داره، فغموه بشيء وعصروا خصاه حتى مات، وأظهروا أنه ~~مات فجأة، فأخذ الغلام والفراش وضربا فأقرا بما وقع من أمره، فصلبا وحبست ~~المرأة في دار. وفيها أخذ ملك الروم مدينة الرها. وفيها ولد بمدينة إسكاف ~~ولد له رأس وبقية بدنه كالحية، فنطق ساعة مولده وقال: الناس تحت غضب منذ ~~أربع سنين، والواجب أن يخرجوا فيستسقوا ليكشف عنهم البلاء. فكتب قاضي إسكاف ~~للخليفة بذلك، فاجتمع الناس واستسقوا فلم يسقوا. وفيها توفي الخليفة القادر ~~بالله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد ابن الأمير أبي أحمد إسحاق ابن ~~الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة المعتضد أحمد ابن الأمير أبي أحمد طلحة ~~الموفق ابن الخليفة جعفر المتوكل ابن الخليفة محمد المعتصم ابن الخليفة ~~الرشيد هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد ~~الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي ~~البغدادي. بويع بالخلافة بعد ms0921 القبض على الطائع عبد الكريم في حادي عشر شهر ~~رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، ومولده في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. ~~وأمه أم ولد تسمى يمنى، ماتت في خلافته. وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر ذي ~~الحجة، ودفن ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء. وكانت خلافته إحدى وأربعين ~~سنة وثلاثة أشهر، وهو أطول الخلفاء العباسية مدة، لا نعلم خليفة أقام في ~~الخلافة هذه المدة من بني العباس ولا غيرهم إلا المستنصر معدا العبيدي ~~الآتي ذكره، فإنه أقام في خلافة مصر ستين سنة. وتخلف بعد القادر ابنه أحمد ~~ولقب بالقائم بأمر الله. وكان القادر رحمه الله أبيض كث اللحية يخضب، وكان ~~دينا خيرا حسن الاعتقاد أمارا بالمعروف فاضلا. صنف كتبا كثيرة في فنون من ~~العلم، منها كتاب في أصول الدين، وكتاب في فضائل الصحابة وعمر بن عبد ~~العزيز، وكتاب كفر فيه القائلين بخلق القرآن. وكان كثير الصيام والصدقات، ~~رحمه الله تعالى. وفيها توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد، القاضي أبو ~~محمد البغدادي المالكي الفقيه، سمع الحديث وروى عنه غير واحد، وكان شيخ ~~المالكية في عصره وعالمهم، وصنف كتاب التلقين وشرح الرسالة وغير ذلك. وفيها ~~توفي يحيى بن نجاح، أبو الحسين بن القلاس الأموي مولاهم القرطبي. رحل إلى ~~البلاد وسمع الكثير وحج واستوطن مصر. وكان عالما ورعا دينا. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة الثانية عشرة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. فيها بعث ~~الظاهر صاحب الترجمة بكسوة الكعبة فكسيت. وفيها لم يحج أحد من العراق ولا ~~من خراسان وحج الناس من مصر. وفيها رأى رجل من أهل أصبهان في النوم أن شخصا ~~وقف على منارة أصبهان وقال: سكت نطق، نطق سكت. فانتبه وحكى للناس، فما عرف ~~أحد معناه، فقال رجل: يا أهل أصبهان، احذروا فإن أبا العتاهية الشاعر يقول: ~~سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق فما كان ms0922 بعد ذلك إلا قليل، ~~ودخل عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين ونهب البلد وقتل عالما لا يحصى. وفيها ~~توفي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم، أبو الحسن البصري، الحافظ ~~الشاعر. قال محمد بن علي الصوري: لم أر ببغداد أكمل منه. وجمع بين معرفة ~~الحديث وعلم الكلام والأدب والفقه والشعر. ومن شعره وأجاد: إذا عطشتك أكف ~~اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريا فكن رجلا رجله في الثرى ... وهمة هامته ~~في الثريا وفيها توفي محمد بن الطيب بن سعيد بن موسى، أبو بكر الصباغ ~~البغدادي، ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وسمع الكثير. قال أبو بكر ~~الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقا ثقة. وقال رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن ~~الحسن: تزوج محمد بن الطيب زيادة على تسعمائة امرأة. PageV01P0481 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو القاسم عبد ~~الرحمن بن عبد الله الحربي الحرفي في شوال وله سبع وثمانون سنة، وأبو الحسن ~~علي بن أحمد النعيمي المحدث الأديب، وأبو الفضل منصور بن منصور بن نصر بن ~~عبد الرحيم ابن بنت السمرقندي الكاغدي في ذي القعدة، وقد قارب المائة. ~~انتهى كلام الذهبي. وفيها كان الطاعون ببلاد الهند والعجم وعظم إلى الغاية، ~~وكان أكثره بغزنة وخراسان وجرجان والري وأصبهان ونواحي الجبل إلى حلوان، ~~وامتد إلى الموصل والجزيرة وبغداد، حتى قيل: إنه خرج من أصبهان وحدها ~~أربعون ألف جنازة، ثم امتد إلى شيراز. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة أربع وعشرين وأربعمائة. فيها عملت ~~الرافضة المأتم ببغداد في يوم عاشوراء على العادة، فأقام بذلك العيارون، ~~أعني عن الزعران الذين كانوا غلبوا على بغداد، وعجزت الحكام عنهم. وفيها ~~توفي أحمد بن الحسين بن أحمد، أبو الحسين المعروف بابن السماك الواعظ ~~البغدادي، مولده سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وكان يعظ بجامع المنصور ~~والمهدي ويتكلم على طريق الصوفية، وكان ms0923 لكلامه رونق، غير أنهم تكلموا فيه، ~~وكانت وفاته ببغداد في ذي الحجة من السنة. وفيها في المحرم خرجوا ببغداد ~~للاستسقاء بسبب القحط. وفيها ثار أهل الكرخ بالعيارين فهربوا، وكبسوا دورهم ~~ونهبوا سلاحهم، وطلبوا من السلطان المعاونة. وسبب ذلك أن العيارين نهبوا ~~تاجرا فغضب له أهل سوقه، فرد العيارون بعض ما أخذوا، ثم كبسوا دار ابن ~~العلواء الواعظ وأخذوا ماله، ثم فعلوا ذلك بجماعة كثيرة، حتى قام عليهم أهل ~~الكرخ، ووقع بينهم بسبب ذلك قتال وحروب يطول شرحها. وفيها توفي أبو بكر بن ~~محمد بن إبراهيم الأردستاني، كان إماما زاهدا فاضلا معدودا من كبار ~~المشايخ، وله كرامات وأحوال. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة خمس وعشرين وأربعمائة. فيها هبت ~~بنصيبين ريح سوداء قلعت معظم شجرها، وكان بين البساتين قصر عظيم فرمته من ~~أصله. وفيها زلزلت الرملة زلزلة هدمت ثلث مدينة الرملة، ونزل البحر مقدار ~~ثلاثة فراسخ، فنزل الناس يصيدون السمك، فرجع عليهم فغرق من لم يحسن ~~السباحة. وفيها توفي أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو العباس القاضي ~~الأبيوردي، ولد سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وتولى القضاء بالجانبين ببغداد، ~~وسمع الحديث ورواه، وكان عالما ورعا مفتنا، يصوم الدهر ويفطر على الخبز ~~والملح، وكان فقيرا ويظهر الثروة، ومات في جمادى الأولى، ودفن بباب حرب. ~~وفيها توفي أحمد بن محمد ابن أحمد بن غالب، الحافظ أبو بكر الخوارزمي، ولد ~~سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ورحل إلى البلاد وسمع الكثير وحدث، وكان إماما ~~في اللغة والفقه والحديث، ومات في يوم الأربعاء غرة شهر رجب. وفيها توفي ~~عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث، أبو الفرج التميمي الفقيه الحنبلي ~~الواعظ، ولد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وسمع الحديث ورواه، وكان فقيها ~~محدثا واعظا، وكانت وفاته في شهر ربيع الأول ببغداد، ودفن عند قبر الإمام ~~أحمد بن حنبل رضي الله عنه. وفيها توفي محمد ms0924 بن عبد الله، أبو عبد الله بن ~~باكويه الشيرازي، أحد مشايخ الصوفية، كان أوحد زمانه، وله كرامات وإشارات، ~~ولقي خلقا من المشايخ وحكى عنهم وسمع الحديث الكثير وروى عنه خلق كثير. ~~PageV01P0482 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو بكر أحمد بن ~~محمد بن أحمد بن غالب البرقاني الحافظ في رجب وله تسع وثمانون سنة، وأبو ~~علي الحسن بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز في آخر يوم من ~~السنة، وولد في ربيع الأول عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة، وأبو سعيد عبد ~~الرحمن بن محمد بن عبد الله بن بندار بن شبانة الهمذاني وأبو الحسن عبد ~~الله بن عمر المري الدمشقي، وأبو الفضل عمر بن أبي سعد إبراهيم بن عبد ~~الرحمن بن محمد بن يحيى الجوبري في صفر، وأبو نصر عبد الوهاب بن إسماعيل ~~الهروي الزاهد، وأبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم بن مصعب الأصبهاني التاجر. ~~انتهى كلام الذهبي. وفيها وقع الطاعون بشيراز، فكانت الأبواب تسد على ~~الموتى، ثم انتقل إلى واسط وبغداد والبصرة والأهواز وغيرها. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة ست وعشرين وأربعمائة. فيها استولى ~~العيارون على بغداد وملكوا الجانبيين أعني الحرامية قال: ولم يبق للخليفة ~~ولا لجلال الدولة معهم حكم. وكان العيارون في دور الأتراك والحواشي يقيمون ~~نهارا ويخرجون ليلا، والأتراك والحواشي تقوم معهم في الباطن، فكانوا يخرجون ~~ليلا ويعملون العملات، وأفسدوا وفعلوا أفعالا قبيحة، وأظهروا الإفطار في ~~شهر رمضان نهارا، وكان ذلك كله بمواطأة الأتراك. وفيها ورد كتاب مسعود بن ~~محمود بن سبكتكين على الخليفة أنه افتتح جرجان وطبرستان، وغزا الهند وافتتح ~~بلادا كثيرة. وفيها توفي أحمد بن كليب الشاعر المغربي. قال أبو عبد الله ~~محمد بن أبي نصر الحميدي في تاريخه كان أحمد هذا يهوى أسلم بن حمد بن سعيد ~~قاضي قضاة ms0925 الأندلس، وكان أسلم من أحسن أهل زمانه، فافتتن به وقال فيه ~~الأشعار الرائقة،. ثم سكت الحميدي ولم يذكر ما قاله في أسلم المذكور من ~~الأشعار. وفيها توفي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان، ~~أبو علي البزاز، إمام محدث مشهور من أهل بغداد، ولد سنة تسع وثلاثين ~~وثلاثمائة، سمع خلقا كثيرا، وكان صالحا ثقة صدوقا. وفيها توفي الحسن بن ~~عثمان بن أحمد بن الحسين بن سورة، أبو عمر الواعظ البغدادي، سمع الحديث ~~وتفقه، وكان شيخا، له لسان حلو في الوعظ، وكان له شعر على طريق القوم، فمنه ~~قوله: دخلت على السلطان في دار عزه ... بفقر ولم أجلب بخيل ولا رجل فقلت ~~انظروا ما بين فقري وملككم ... بمقدار ما بين الولاية والعزل أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة عشرة من ولاية الظاهر # لإعزاز دين الله على مصر وهي سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وفيها كانت ~~وفاته، حسب ما تقدم في ترجمته. فيها أعني سنة سبع وعشرين أرسل الظاهر قبل ~~موته خمسة آلاف دينار، فصلح بها نهر ينتهي إلى الكوفة ويرد إليه ماء ~~الفرات، وجاء أهل الكوفة يستأذنون القائم بأمر الله في ذلك، فثقل عليه وسأل ~~الفقهاء، فقالوا: هذا مال تغلب عليه من فيء المسلمين، فصرفه في هذا الوجه، ~~فأذن لهم القائم في ذلك. وفيها لم يحج أحد من العراق، وحجوا من الشام ومصر. ~~وفيها توفي أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الثعلبي صاحب التفسير ~~المشهور. قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي: ليس فيه ما يعاب به إلا ما ضمنه ~~من الأحاديث الواهية، التي هي في الضعف متناهية، خصوصا في أوائل السور. ~~وفيها توفي الحسن بن وهب، أبو علي الكاتب المجود، كان فاضلا إماما مجودا، ~~وخطه معروف مشهور بالحسن. وفيها توفي حمزة بن يوسف بن إبراهيم الجرجاني ~~الحافظ، هو من ولد هشام بن العاص بن وائل السهمي، وكان عالما فاضلا، رحل في ms0926 ~~طلب العلم، وسمع الحديث الكثير، وقال أنبأنا الحسين بن عمر الضراب، أنشدنا ~~شعبان الصيرفي: أشد من فاقة الزمان ... وقوف حر على هوان فاسترزق الله ~~واستعنه ... فإنه خير مستعان وإن نأى منزل بحر ... فمن مكان إلى مكان ~~PageV01P0483 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. /خلافة المستنصر بالله على مصر هو ~~أبو تميم معد الملقب بالمستنصر بالله بن الظاهر لإعزاز دين الله علي بن ~~الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله معد أول خلفاء ~~الفاطميين بمصر ابن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدي ~~عبيد الله العبيدي الفاطمي المغربي الأصل، المصري المولد والمنشأ والدار ~~والوفاة؛ وهو الخامس من خلفاء مصر من بني عبيد، والثامن من المهدي عبيد ~~الله. ولي الخلافة بعد موت أبيه الظاهر لإعزاز دين الله في يوم الأحد منتصف ~~شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وكان عمره يوم ولي الخلافة سبع سنين وسبعة ~~وعشرين يوما؛ وختن وهو ابن ست سنين. قال الذهبي رحمه الله: هو معد أبو تميم ~~الملقب بأمير المؤمنين المستنصر بالله بن الظاهر بن الحاكم بأمر الله - ~~وساق بقية نسبه بنحو ما سقناه إلى أن قال - : بقي في الخلافة ستين سنة ~~وأربعة أشهر؛ وهو الذي خطب له بإمرة المؤمنين على منابر العراق في نوبة ~~الأمير أبي الحارث أرسلان المعروف بالبساسير في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. ~~ولا أعلم أحدا في الإسلام، لا خليفة ولا سلطانا، طالت مدته مثل المستنصر ~~هذا. وولي وهو ابن سبع سنين. ولما كان في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع ~~الخطبة له من المغرب الأمير المعز بن باديس - وقيل: بل قطعها في سنة خمس ~~وثلاثين - وخطب لبني العباس وخرج عن طاعة بني عبيد الباطنية. وحدث في أيام ~~المستنصر بمصر الغلاء الذي ما عهد بمثله منذ زمان يوسف عليه السلام، ودام ~~سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضا، حتى قيل: إنه بيع رغيف واحد بخمسين ~~دينارا - فإنا لله وإنا إليه ms0927 راجعون - وحتى إن المستنصر هذا بقي يركب وحده، ~~وخواصه ليس لهم دواب يركبونها؟ وإذا مشوا سقطوا من الجوع؛ وآل الأمر إلى أن ~~استعار المستنصر بغلة يركبها من صاحب ديوان الإنشاء. وآخر شيء نزحت أم ~~المستنصر وبناته إلى بغداد خوفا من أن يمتن جوعا. وكان ذلك في سنة ستين ~~وأربعمائة. ولم يزل هذا الغلاء حتى تحرك الأمير بدر الجمالي والد الأفضل ~~أمير الجيوش من عكا وركب في البحر وجاء إلى مصر وتولى تدبير الأمور وشرع في ~~إصلاح الأمر. وتوفي المستنصر في ذي الحجة سنة 487ه. وفي دولته كان الرفض ~~والسب فاشيا مجهرا، والسنة والإسلام غريبا! فسبحان الحليم الخبير الذي يفعل ~~في ملكه ما يريد. وقام بعده ابنه المستعلي أحمد، أقامه أمير الجيوش الأفضل. ~~واستقامت الأحوال؛ فخرج أخوه نزار من مصر خفية، فسار إلى ناصر الدولة أمير ~~الإسكندرية، فأعانه ودعا إليه، فتمت بين أمير الجيوش وبينهم حروب وأمور إلى ~~أن ظفر بهم. انتهى كلام الذهبي في أمر المستنصر. ونشرع الآن في ذكر ~~المستنصر وأمر الغلاء بأوسع مما ذكره الذهبي من أقوال جماعة من المؤرخين ~~وغيرهم. قال العلامة أبو المظفر في تاريخه: ولم يل أحد من الخلفاء الأمويين ~~ولا العباسيين ولا المصريين مثل هذه المدة يعني مدة إقامة المستنصر في ~~الخلافة ستين سنة قال: وعاش المستنصر سبعا وستين سنة وخمسة أشهر في الهزاهز ~~والشدائد والوباء والغلاء والجلاء والفتن. وكان القحط في أيامه سبع سنين ~~مثل سني يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه، من سنة سبع وخمسين إلى سنة ~~أربع وستين وأربعمائة. أقامت البلاد سبع سنين يطلع النيل فيها وينزل، ولا ~~يوجد من يزرع لموت الناس واختلاف الولاة والرعية، فاستولى الخراب على كل ~~البلاد، ومات أهلها، وانقطعت السبل برا وبحرا. وكان معظم الغلاء سنة اثنتين ~~وستين. وقال أبو يعلى بن القلانسي: في أيامه يعني المستنصر ثارت الفتن في ~~بني حمدان وأكابر القواد، وغلت الأسعار، واضطربت الأحوال، واختلت الأعمال، ~~وحصر في قصره وطمع فيه. ولم يزل على ذلك حتى استدعى أمير الجيوش بدرا ~~الجمالي من ms0928 عكا إلى مصر فاستولى على التدبير، وقتل جماعة ممن يطلب الفساد، ~~فتمهدت الأمور؛ ولم يبق للمستنصر أمر ولا نهي إلا الركوب في العيدين. ولم ~~يزل كذلك حتى مات بدر الجمالي وقام بعده ولده الأفضل. ولما مات ~~PageV01P0484 # المستنصر وقام المستعلي مقامه وتقررت الأمور، خرج عبد الله ونزار ابنا ~~المستنصر خفية، وقصد نزار الإسكندرية إلى ناصر الدولة واليها، وجرت بينه ~~وبين الأفضل حروب بسبب ذلك إلى أن ثبت أمر المستعلي. انتهى كلام أبي يعلى ~~باختصار. قلت: وأما ما ذكره الذهبي رحمه الله - من الخطبة للمستنصر على ~~منابر بغداد وبالعراق كله، وخلع القائم بأمر الله العباسي من الدعوة، فكان ~~من قصته أن السلطان طغرلبك اشتغل بحصار تلك النواحي ونازل الموصل، ثم توجه ~~إلى نصيبين لفتح الجزيرة وتمهيدها. وأرسل الأمير أبو الحارث أرسلان المعروف ~~بالبساسيري إلى إبراهيم ينال أخي السلطان طغرلبك لينجده، فأخذ البساسيري ~~يعده ويمنيه ويطمعه في الملك حتى أصغى إليه وخالف أخاه طغرلبك. وساق ~~إبراهيم ينال في طائفة من العسكر إلى الري. وبلغ السلطان طغرلبك خبر عصيان ~~إبراهيم فانزعج، وسار وراءه وترك بعض عسكره في ديار بكر مع زوجته الخاتون ~~ووزيره عميد الملك الكندري، فتفرقت العساكر. وعادت زوجته الخاتون بالعسكر ~~الذي صحبها إلى بغداد. وأما زوجها السلطان طغرلبك فإنه التقى هو وأخوه ~~إبراهيم ينال وتقاتلا، فظفر عليه أخوه إبراهيم ينال وانهزم السلطان طغرلبك ~~إلى همذان؟ فساق أخوه إبراهيم خلفه وحاصره بها. فعزمت الخاتون على إنجاد ~~زوجها. واختبطت بغداد وعظم البلاء بها، وقامت الفتنة على ساق. وتم للأمير ~~أبي الحارث أرسلان البساسيري ما دبره من المكر. وأرجف الناس ببغداد بمجيء ~~البساسيري. ونفر الوزير عميد الملك وزير طغرلبك والأمير أنوشروان إلى ~~الجانب الغربي من بغداد وقطعا الجسر. ونهبت الغز دار خاتون. وأكل القوي ~~الضعيف. ووقع ببغداد وأعمالها أمور هائلة شنعة. ثم دخل الأمير أبو الحارث ~~أرسلان البساسيري بغداد في ثامن ذي القعدة بالرايات المستنصرية وعليها ~~ألقاب المستنصر هذا صاحب مصر؟ فمال إلى البساسيري أهل باب الكرخ وفرحوا به ~~لكونهم رافضة، والبساسيري وخلفاء مصر أيضا ms0929 رافضة؛ فانضموا إلى البساسيري ~~وتشفوا من أهل السنة، وشمخت أنوف المنافقين الرافضة، وأعلنوا بالأذان ب حي ~~على خير العمل ببغداد. واجتمع خلق من أهل السنة على الخليفة القائم بأمر ~~الله العباسي وقاتلوا معه، وفشت الحرب بين الفريقين في السفن أربعة أيام. ~~وخطب يوم الجمعة ثالث عشر ذي القعدة ببغداد للمستنصر هذا صاحب الترجمة ~~بجامع المنصور وأذنوا ب حي على خير العمل. وعقد الجسر وعبرت عساكر ~~البساسيري إلى الجانب الشرقي؛ فخندق الخليفة القائم بأمر الله على نفسه حول ~~داره وحول نهر المعلى، فأحرقت الغوغاء نهر المعلى ونهبت ما فيه، وقوي ~~البساسيري وتفلل عن الخليفة القائم أكثر الناس. فاستجار القائم بقريش بن ~~بدران أمير العرب، وكان مع البساسيري، فأجاره ومن معه وأخرجه إلى مخيمه. ~~وقبض البساسيري على وزير القائم بأمر الله رئيس الرؤساء أبي القاسم بن ~~المسلمة، وقيده وشهره على جمل وعليه طرطور وعباءة، وجعل في رقبته قلائد ~~كالمسخرة وطيف به بالشوارع، وخلفه من يصفعه، ثم سلخ له ثور وألبس جلده وخيط ~~عليه، وجعلت قرون الثور في رأسه، ثم علق على خشبة، وعمل في فيه كلوبان، فلم ~~يزل يضطرب حتى مات رحمه الله. ونصب للقائم الخليفة خيمة صغيرة بالجانب ~~الشرقي في المعسكر، ونهبت العامة دار الخلافة، فأخذوا منها ما لا يحصى ولا ~~يوصف كثرة. فلما كان يوم الجمعة رابع ذي الحجة لم تصل الجمعة بجامع ~~الخليفة، وخطب بسائر الجوامع للمستنصر المذكور، وقطعت الخطبة العباسية ~~بالعراق. وهذا شيء لم يفرح به أحد من آباء المستنصر. ثم حمل القائم بأمر ~~الله إلى حديثة عانة فجلس بها، وسلم إلى صاحبها مهارش. وذلك أن البساسيري ~~وقريشا اختلفا في أمر القائم بأمر الله، ثم وقع اتفاقهما بعد أمور على أن ~~يكون عند مهارش إلى أن يتفقا على ما يتفقان عليه في أمره. ثم جمع أبو ~~الحارث أرسلان البساسيري القضاة والأشراف ببغداد، وأخذ عليهم البيعة ~~للمستنصر العبيدي صاحب الترجمة فبايعوا قهرا على رغم الأنف. PageV01P0485 # وقال الشيخ عز الدين بن الأثير في تاريخه: إن إبراهيم ينال كان أخوه ~~السلطان ms0930 طغرلبك قد ولاه الموصل عام أول، وإنه في سنة خمسين فارق الموصل ~~ورحل نحو بلاد الجبل، فنسب السلطان رحيله إلى العصيان، فبعث وراءه رسولا ~~معه الفرجية التي خلعها عليه الخليفة. ولما فارق الموصل قصدها البساسيري ~~وقريش بن بدران وحاصراها، وأخذا البلد ليومه، وبقيت القلعة، فحاصراها أربعة ~~أشهر حتى أكل أهلها دوابهم ثم سلموها بالأمان، فهدمها البساسيري وعفى ~~أثرها. وسار طغرلبك بجريدة في ألفين إلى الموصل، فوجد البساسيري وقريشا ~~فارقاها فساق وراءهم، ففارقه أخوه وطلب همذان فوصلها في رمضان. قال: وقد ~~قيل إن المصريين كاتبوه، وإن البساسيري استماله وأطمعه في السلطنة، فسار ~~طغرلبك في أثره يعني أثر أخيه إبراهيم ينال. قال: وأما البساسيري فوصل إلى ~~بغداد في ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة فارس على غاية الضر والفقر، فنزل ~~بمشرعة الروايا، ونزل قريش في مائتي فارس عند مشرعة باب البصرة، ومالت ~~العامة للبساسيري: أما الشيعة فللمذهب، وأما أهل السنة فلما فعل بهم ~~الأتراك. وكان رئيس الرؤساء لقلة معرفته بالحرب ولما عنده من ضعف البساسيري ~~يرى المبادرة إلى الحرب؛ فاتفق أنه في بعض الأيام التي تحاربوا فيها حضر ~~القاضي الهمذاني عند رئيس الرؤساء، ثم استأذن في الحرب وضمن له قتل ~~البساسيري، فأذن له من غير أن يعلم عميد العراق، وكان رأي عميد العراق ~~المطاولة رجاء أن ينجدهم طغرلبك، فخرج الهمذاني بالهاشميين والخدم والعوام ~~إلى الحلبة وأبعدوا، والبساسيري يستجرهم. فلما أبعدوا حمل عليهم فانهزموا، ~~وقتل جماعة وهلك آخرون في الزحمة بباب الأزج. وكان رئيس الرؤساء واقفا دون ~~الباب فدخل داره وهرب كل من في الحريم؛ ولطم عميد العراق على وجهه كيف ~~استبد رئيس الرؤساء بالأمر ولا معرفة له بالحرب. فاستدعى الخليفة عميد ~~العراق وأمره بالقتال على سور الحريم، فلم يرعهم إلا الزعقات؛ وقد نهب ~~الحريم ودخلوا من باب النوبي، فركب الخليفة لابسا للسواد وعلى كتفه البردة ~~وعلى رأسه اللواء وبيده السيف وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف ~~المسللة، فرأى النهب إلى باب الفردوس من داره، فرجع إلى ورائه نحو عميد ~~العراق، فوجده قد استأمن ms0931 إلى قريش، فعاد وصعد إلى المنظرة. وصاح رئيس ~~الرؤساء: علم الدين يعني قريشا أمير المؤمنين يستدنيك، فدنا منه؛ فقال: قد ~~أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك، وأمير المؤمنين يستذم منك على نفسه ~~وأصحابه بذمام الله وذمام رسوله وذمام العربية؟ فقال: قد أذم الله تعالى ~~له؟ قال: ولي ولمن معه؟ قال نعم؟ وخلع قلنسوته وأعطاها الخليفة، وأعطى رئيس ~~الرؤساء بحضرته ذماما. فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وسارا معه. فأرسل ~~إليه البساسيري يقول: أتخالف ما استقر بيننا؟ - وكانا قد تحالفا ألا ينفرد ~~أحدهما عن الآخر بشيء، ويكون العراق بينهما نصفين - فقال قريش: ما عدلت عما ~~استقر بيننا، عدوك ابن المسلمة يعني رئيس الرؤساء فخذه، وأنا آخذ الخليفة، ~~فرضي البساسيري بذلك. فبعث رئيس الرؤساء إليه مع منصور بن مزيد، فحين رآه ~~البساسيري قال: مرحبا بمدمر الدولة، ومهلك الأمم، ومخرب البلاد، ومبيد ~~العباد. فقال له: أيها الأجل، العفو عند المقدرة. فقال: قد قدرت فما عفوت، ~~وأنت تاجر صاحب طيلسان، ولم تبق على الحريم والأموال والأطفال، فكيف أعفو ~~عنك وأنا صاحب سيف وقد أخذت أموالي وعاقبت أصحابي ودرست دوري وسببتني ~~وأبعدتني!. واجتمع العوام على ابن المسلمة يعني رئيس الرؤساء وسبوه ولعنوه ~~وهموا به. فأخذه البساسيري بيده وسيره إلى جانبه خوفا عليه من العامة. وحصل ~~في يد البساسيري جميع من كان يطلبه مثل ابن المردرسي، وأبي عبد الله ~~الدامغاني قاضي القضاة، وهبة الله بن المأمون، وأبي علي بن السيرواني، وأبي ~~عبد الله بن عبد الملك، وكان من التجار الكبار وبينه وبين البساسيري عداوة، ~~وكان قد سكن في دار الخلافة خوفا منه على ماله ونعمته. وظفر بالسيدة خاتون ~~بنت الأمير داود زوجة الخليفة، فأحسن معاملتها ولم يتعرض لها. PageV01P0486 # وأما قريش فحصل في يده الخليفة وعميد العراق وأبو منصور بن يوسف وولده؛ ~~فحمل الخليفة إلى معسكره راكبا وعلى كتفه البردة وبيده سيف مسلول وعلى رأسه ~~اللواء. ولحق الخليفة ذرب عظيم قام منه في اليوم مرارا، وامتنع من الطعام ~~والشراب؛ فسأله قريش وألح عليه حتى أكل وشرب، وحمله في ms0932 هودج وسار به إلى ~~حديثة عانة فنزل بها. وسار حاشية الخليفة على حامية إلى السلطان طغرلبك ~~مستنفرين له. ولما وصل الخليفة إلى الأنبار شكا البرد، فبعث يطلب من ~~متوليها ما يلبس، فأرسل إليه جبة ولحافا. وركب البساسيري يوم الأضحى وعلى ~~رأسه الألوية المصرية وعبر إلى المصلى بالجانب الشرقي، وأحسن إلى الناس، ~~وأجرى الجرايات على الفقهاء، ولم يتعصب لمذهب، وأفرد لوالدة الخليفة دارا ~~وراتبا، وكانت قد قاربت التسعين سنة. ثم في آخر ذي الحجة أخرج رئيس الرؤساء ~~مقيدا وعلى رأسه طرطور، وفي رقبته مخنقة جلود، وهو يقرأ: " قل اللهم مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء... " الآية. فبصق أهل الكرخ في وجهه، لأنه كان ~~متعصبا لأهل السنة، رحمه الله، ثم صلب على صورة ما ذكرناه أولا. وأما عميد ~~العراق فقتله البساسيري أيضا؛ وكان شجاعا شهما، وهو الذي بنى رباط شيخ ~~الشيوخ. ثم بعث البساسيري البشائر إلى مصر، وكان وزير المستنصر هناك أبا ~~الفرج ابن أخي أبي القاسم المغربي، وكان أبو الفرج ممن هرب من البساسيري، ~~فذم للمستنصر فعله وخوفه من سوء عاقبته؟ فتركت أجوبته مدة، ثم عادت على ~~البساسيري بغير الذي أمله، فسار البساسيري إلى البصرة وواسط وخطب بهما أيضا ~~للمستنصر. وأما طغرلبك فإنه انتصر في الآخر على أخيه إبراهيم ينال وقتله، ~~وكر راجعا إلى العراق، ليس له هم إلا إعادة الخليفة إلى رتبته. وفي الجملة ~~أن الذي حصل للمستنصر في هذه الواقعة من الخطبة باسمه في العراق وبغداد لم ~~يحصل ذلك لأحد من آبائه وأجداده. ولولا تخوف المستنصر من البساسيري أو ~~تحريضه على ما هو بصدده لكانت دعوته تتم بالعراق زمانا طويلا، فإنه كان ~~أولا أمد البساسيري بجمل مستكثرة. فلو دام المستنصر على ذلك لكان البساسيري ~~يفتتح له عدة بلاد. قال الحسن بن محمد العلوي: " إن الذي وصل إلى البساسيري ~~من المستنصر من مال خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ما قيمته مثل ذلك، ~~وخمسمائة فرس، وعشرة آلاف قوس، ومن السيوف ألوف، ومن الرماح والنشاب شيء ~~كثير. يعني قبل هذه الواقعة؛ ولهذا ms0933 قلنا: لو دام المستنصر على عطائه ~~للبساسيري لكان افتتح له عدة بلاد. قلت: ولله الحمد على ما فعله المستنصر ~~من التقصير في حق البساسيري، وإلا لكانت السنة تذهب بالعراق، وتملكها ~~الرافضة بأجمعها كما كان وقع بمصر في أيام دولة الفاطميين أعني صاحب ~~الترجمة وآباءه. ولما خطب البساسيري في بغداد باسم المستنصر معد هذا غنته ~~مغنية بقولها: الرمل - مجزوء يا بني العباس صدوا ... ملك الأمر معد ملككم ~~كان معارا ... والعواري تسترد فطرب المستنصر لذلك ووهبها أرضا بمصر رزقة ~~لها جائزة لإنشادها هذا الشعر، وتلك الأرض الآن تعرف بأرض الطبالة بالقرب ~~من بركة الرطلي لكونها غنته بهذه الأبيات، وهي تطبل بدف كان في يدها، فعرفت ~~بأرض الطبالة، وحكرت الأرض المذكورة وبنيت. وكان ما وقع للمستنصر هذا تمام ~~سعده. ومن حينئذ أخذ أمره في إدبار من وقوع الغلاء والوباء بالديار ~~المصرية. PageV01P0487 # وقاسى الناس شدائد، واختل أمر مصر - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى في ~~وقته من هذه الترجمة - من استيلاء ناصر الدولة بن حمدان على ممالك الديار ~~المصرية؛ وزاد ابن حمدان في عطاء الجند حتى نفدت الخزائن، وقلت الارتفاعات. ~~واتفق ابن حمدان مع الشريف أبي طاهر حيدرة بن الحسن الحسيني، وكان قد نفاه ~~بدر الجمالي من دمشق، وكان محببا للناس، وتلقبه العامة بأمير المؤمنين، ~~وكان لما نفاه بدر الجمالي من دمشق دخل إلى مصر شاكيا إلى ابن حمدان من بدر ~~الجمالي - فاتفق ابن حمدان والشريف وحازم وحميد ابنا جراح وهما من أمراء ~~عرب الشام، وكان لهما في حبس المستنصر نيف وعشرون سنة، فأخرجهما ابن حمدان ~~واتفقوا على الفتك ببدر الجمالي، فأعطاهم ابن حمدان أربعين ألف دينار ~~ينفقونها في هذا الوجه. وتحدث ابن حمدان بأن يرتب الشريف إذا عاد مكان ~~المستنصر في الخلافة لنسبه الصحيح. وانقسم عسكر مصر قسمين: قسما مع ابن ~~حمدان، وقسما عليه، وزادت مطالبة ابن حمدان بالأموال حتى استوعبها وأخرج ~~جميع ما في القصر من ثياب وأثاث وباعها بالثمن البخس وحالف الأتراك سرا على ~~المستنصر. وعلم المستنصر بما فعله مضافا ms0934 لما سمع عنه من أمر الشريف، فقلق ~~وأرسل لابن حمدان ويقول بأنك قدمت علينا زائرا وجئتنا ضيفا، فقابلناك ~~بالإحسان وأكرمناك، فقابلتنا بما لا نستحقه منك؟ ونحن عليك صابرون، وعنك ~~مغضون. وقد انتهت بك الحال إلى محالفة العسكر علينا والسعي في إتلافنا، وما ~~ذاك مما يهمك؛ ونحب أن تنصرف عنا موفورا في نفسك ومالك، وإلا قابلناك على ~~قبيح أفعالك. فأغلظ ابن حمدان في الجواب واستهزأ بالرسول. فبعث المستنصر ~~إلى إلدكز الملقب بأسد الدولة، وكان شيخ الأتراك والمقدم عليهم، وكان من ~~المخالفين على ابن حمدان، فاستحضره واستحلفه وتوثق منه ومن جماعة ممن جرى ~~مجراه، وجمع الأتراك الذين معه والمغاربة وكتامة إلى باب القصر. وعرف ابن ~~حمدان بذلك فبرز بخيمة إلى بركة الحبش، وأخرج المستنصر خيمته الحمراء، ~~وتسمى خيمة الدم، فضربها بين القصرين من القاهرة. واجتمع الناس على ~~المستنصر، وركب وسار إلى حرب ابن حمدان. والتقوا بمكان يعرف بالباب الجديد، ~~فورد أكثر من كان مع ابن حمدان بالأمان إلى المستنصر. وكان في جملة من ورد ~~الأمير أبو علي ابن الملك أبي طاهر بن بويه، ثم قتل المذكور بعد ذلك بمدة. ~~ووقع القتال فانكسر ابن حمدان وهرب بنفسه إلى الإسكندرية، ونهبت دوره ~~وأمواله ودور أصحابه. ومضى ابن حمدان إلى حي من العرب وتزوج منهم وقوي بهم، ~~فصار يشن الغارات على أعمال مصر، ويبعث إليه المستنصر في كل وقت جيشا ~~فيهزمه ابن حمدان. ولا زال على ذلك حتى جمع ابن حمدان جمعا كبيرا ونزل ~~الصالحية؛ فخرج إليه من كان يهواه من المشارقة، وامتدت عسكره نحو عشرة ~~فراسخ وحاصر مصر؛ فضعف المستنصر عن مقاومته وانحصر بالقاهرة. وطال الحصار ~~وغلت الأسعار حتى بلغت الراوية الماء ثلاثة عشر قيراطا، وكل ثلاثة عشر رطلا ~~من الخبز دينارا، وعدمت الأقوات، فضج العوام، فخاف المستنصر أن يسلموه ~~إليه، فراسله وصالحه. واقترح عليه ابن حمدان إبعاد إلدكز ومن يعاديه من ~~المشارقة، وأن ينفرد ابن حمدان بالبلاد وتدبير الأمور والعساكر، فرضي ~~المستنصر بذلك كله؛ ورفع الحصار عن مصر، وعادت الأمور إلى ما كانت ms0935 عليه. ~~فهرب غالب من كان مع المستنصر إلى الشام، ووفدوا على صاحبها بدر الجمالي. ~~وكان بدر الجمالي يكره ابن حمدان والشريف المذكور. ثم ظفر الجمالي بالشريف ~~المذكور وقتله خنقا. على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وصار المستنصر ~~في قصره كالمحجور عليه ولا حكم له. PageV01P0488 # هذا والغلاء بمصر يتزايد، حتى إنه جلا من مصر خلق كثير لما حصل بها من ~~الغلاء الزائد عن الحد، والجوع الذي لم يعهد مثله في الدنيا، فإنه مات أكثر ~~أهل مصر، وأكل بعضهم بعضا. وظهروا على بعض الطباخين أنه ذبح عدة من الصبيان ~~والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها. وأكلت الدواب بأسرها، فلم يبق ~~لصاحب مصر - أعني المستنصر - سوى ثلاثة أفراس بعد أن كانت عشرة آلاف ما بين ~~فرس وجمل ودابة. وبيع الكلب بخمسة دنانير، والسنور بثلاثة دنانير. ونزل ~~الوزير أبو المكارم وزير المستنصر على باب القصر عن بغلته وليس معه إلا ~~غلام واحد، فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة منه، ولم يقدر الغلام على منعهم لضعفه ~~من الجوع فذبحوها وأكلوها، فأخذوا وصلبوا، فأصبح الناس فلم يروا إلا ~~عظامهم، أكل الناس في تلك الليلة لحومهم. ودخل رجل الحمام فقال له الحمامي: ~~من تريد أن يخدمك سعد الدولة أو عز الدولة أو فخر الدولة. فقال له الرجل: ~~أتهزأ بي! فقال: لا والله، انظر إليهم، فنظر فإذا أعيان الدولة ورؤساؤها ~~صاروا يخدمون الناس في الحمام لكونهم باعوا جميع موجودهم في الغلاء ~~واحتاجوا إلى الخدمة. وأعظم من هذا أن المستنصر الخليفة صاحب الترجمة باع ~~جميع موجوده وجميع ما كان في قصره حتى أخرج ثيابا كانت في القصر من زمن ~~الطائع الخليفة العباسي، لما نهب بهاء الدولة دار الخليفة في إحدى وثمانين ~~وثلاثمائة، وأشياء أخر أخذت في نوبة البساسيري، وكانت هذه الثياب التي ~~لخلفاء بني العباس عند خلفاء مصر يحتفظون بها لبغضهم لبني العباس، فكانت ~~هذه الثياب عندهم بمصر بسبب المعيرة لبني العباس. فلما ضاق الأمر على ~~المستنصر أخرجها وباعها بأبخس ثمن لشدق الحاجة. وأخرج المستنصر أيضا طستا ~~وإبريقا ms0936 بلورا يسع الإبريق رطلين ماء، والطست أربعة أرطال، وأظنه ~~بالبغدادي، فبيعا باثني عشر درهما فلوسا، ثم باع المستنصر من هذا البلور ~~ثمانين ألف قطعة. وأما ما باع من الجواهر واليواقيت والخسرواني فشيء لا ~~يحصى. وأحصي من الثياب التي أبيعت في هذا الغلاء من قصر الخليفة ثمانون ألف ~~ثوب، وعشرون ألف درع، وعشرون ألف سيف محلى؛ وباع المستنصر حتى ثياب جواريه ~~وتخوت المهود، وكان الجند يأخذون ذلك بأقل ثمن. وباع رجل دارا بالقاهرة كان ~~اشتراها قبل ذلك بتسعمائة دينار بعشرين رطل دقيق. وبيعت البيضة بدينار ~~والإردب القمح بمائة دينار في الأول، ثم عدم وجود القمح أصلا. وكان السودان ~~يقفون في الأزقة يخطفون النساء بالكلاليب ويشرحون لحومهن ويأكلونها. ~~واجتازت امرأة بزقاق القناديل بمصر وكانت سمينة، فعفقها السودان بالكلاليب ~~وقطعوا من عجزها قطعة، وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها، فخرجت من الدار ~~واستغاثت، فجاء الوالي وكبس الدار فأخرج منها ألوفا من القتلى، وقتل ~~السودان. واحتاج المستنصر في هذا الغلاء حتى إنه أرسل فأخذ قناديل الفضة ~~والستور من مشهد إبراهيم الخليل عليه السلام. وخرجت امرأة من القاهرة في ~~هذا الغلاء ومعها مد جوهر، فقالت: من يأخذ هذا ويعطيني عوضه دقيقا أو قمحا؟ ~~فلم يلتفت إليها أحد؛ فألقته في الطريق وقالت: هذا ما ينفعني وقت حاجتي فلا ~~حاجة لي به بعد اليوم؛ فلم يلتفت إليه أحد وهو مبدد في الطريق فهذا أعجب من ~~الأول. PageV01P0489 # وقيل: إن سبب ما حصل لمصر من الخلل في أول الأمر الفتنة التي كانت بمصر ~~في أيام المستنصر هذا بين الأتراك والعبيد، وهو أن المستنصر كان من عادته ~~في كل سنة أن يركب على النجب مع النساء والحشم إلى جب عميرة، وهو موضع ~~نزهة، فيخرج إليه بهيئة أنه خارج إلى الحج على سبيل الهزء والمجانة، ومعه ~~الخمر في الروايا عوضا عن الماء ويسقيه الناس، كما يفعل بالماء في طريق ~~مكة. فلما كان في جمادى الآخرة خرج على عادته المذكورة، فاتفق أن بعض ~~الأتراك جرد سيفا في سكرته على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه ms0937 طائفة من ~~العبيد فقتلوه، فاجتمع الأتراك بالمستنصر هذا وقالوا له: إن كان هذا عن ~~رضاك فالسمع والطاعة، وإن كان عن غير رضاك فلا ترضى بذلك، فأنكر المستنصر ~~ذلك؛ فاجتمع جماعة من الأتراك وقتلوا جماعة من العبيد بعد أن حصل بينهم ~~وبين العبيد قتال شديد على كوم شريك وانهزم العبيد من الأتراك. وكانت أم ~~المستنصر تعين العبيد بالأموال والسلاح؛ فظفر بعض الأيام أحد الأتراك بذلك، ~~فجمع طائفة الأتراك ودخلوا على المستنصر وقاموا عليه وأغلظوا له في القول، ~~فحلف لهم أنه لم يكن عنده خبر. وصار السيف قائما بينهم. ثم دخل المستنصر ~~على والدته وأنكر عليها. ودامت الفتنة بين الأتراك والعبيد إلى أن سعى وزير ~~الجماعة أبو الفرج بن المغربي - وأبو الفرج هذا هو أول من ولي كتابة ~~الإنشاء بمصر - ولا زال الوزير أبو الفرج هذا يسعى بينهم حتى اصطلحوا صلحا ~~يسيرا، فاجتمع العبيد وخرجوا إلى شبرى دمنهور. فكانت هذه الواقعة أول ~~الاختلاف بديار مصر؛ فإنه قتل من الأتراك والعبيد خلائق كثيرة، وفسدت ~~الأمور فطمع كل أحد. وكان سبب كثرة السودان ميل أم المستنصر إليهم؛ فإنها ~~كانت جارية سوداء لأبي سعد التستري اليهودي. فلما ولي المستنصر الخلافة ~~ومات الوزير صفي الدين الجرجرائي في سنة ست وثلاثين حكمت والدة المستنصر ~~على الدولة، واستوزرت سيدها أبا سعد المذكور، ووزر لابنها المستنصر ~~الفلاحي، فلم يمش له مع أبي سعد حال؟ فاستمال الأتراك وزاد في واجباتهم حتى ~~قتلوا أبا سعد المذكورة فغضبت لذلك أم المستنصر وقتلت أبا منصور الفلاحي، ~~وشرعت في شراء العبيد السود، وجعلتهم طائفة واستكثرت منهم. فلما وقع بينهم ~~وبين الأتراك قامت في نصرهم. وقال الشيخ شمس الدين بن قزأوغلي في المرآة: ~~وكل هذه الأشياء كان ابن حمدان سببها، ووافق ذلك انقطاع النيل؛ وضاقت يد ~~أبي هاشم محمد أمير مكة بانقطاع ما كان يأتيه من مصر، فأخذ قناديل الكعبة ~~وستورها وصفائح الباب والميزاب، وصادر أهل مكة فهربوا. وكذا فعل أمير ~~المدينة مهنأ، وقطعا الخطبة للمستنصر، وخطبا لبني العباس الخليفة القائم ~~بأمر الله، وبعثا إلى ms0938 السلطان ألب أرسلان السلجوقي حاكم بغداد بذلك، وأنهما ~~أذنا بمكة والمدينة الأذان المعتاد، وتركا الأذان ب حي على خير العمل؛ ~~فأرسل ألب أرسلان إلى صاحب مكة أبي هاشم المذكور بثلاثين ألف دينار، وإلى ~~صاحب المدينة بعشرين ألف دينار. وبلغ الخبر بذلك المستنصر، فلم يلتفت إليه ~~لشغله بنفسه ورعيته من عظم الغلاء. وقد كاد الخراب أن يستولي على سائر ~~الإقليم. ودخل ابن الفضل على القائم بأمر الله العباسي ببغداد، وأنشده في ~~معنى الغلاء الذي شمل مصر قصيدة، منها: الطويل. وقد علم المصري أن جنوده ~~... سنو يوسف منها وطاعون عمواس أحاطت به حتى استراب بنفسه ... وأوجس منها ~~خيفة أي إيجاس قلت: وهذا شأن أرباب المناصب، إذا عزل أحدهم بآخر أراد هلاكه ~~ولو هلك العالم معه. وهذا البلاء من تلك الأيام إلى يومنا هذا. ثم في سنة ~~ست وستين سار بدر الجمالي أمير الجيوش من عكا إلى مصر، ومعه عبد الله بن ~~المستنصر باستدعاء المستنصر بعد قتل ابن حمدان بمدة. واسم ابن حمدان الحسن ~~بن الحسين بن حمدان أبو محمد التغلبي الأمير ناصر الدولة ذو المجدين. ### || AUT سبب قتل ابن حمدان المذكور # PageV01P0490 # وسببه أنه كان ابن حمدان اتفق مع إلدكز التركي، وكان إلدكز تزوج بابنته، ~~فاتفقا اتفاقا كليا وتحالفا وأمن أحدهما للآخر. ووصل ناصر الدولة إلى مصر - ~~أعني بعد توجهه إلى الإسكندرية حسب ما ذكرناه - على طمأنينة مرتبا للمواكب ~~والعساكر، فركب إلدكز يوم الجمعة مستهل شهر رمضان في خمسين فارسا، وكان له ~~غلام يقال له: أبو منصور كمشتكين ويلقب حسام الدولة، وكان يثق به، فقال له ~~إلدكز: أريد أن أطلعك على أمر لم أر له أهلا غيرك؛ قال: وما هو؟ قال: قد ~~علمت ما فعل ابن حمدان بالمسلمين من سفك الدماء والغلاء والجلاء، وقد عزمت ~~على قتله، فهل فيك موافقة ومشاركة وأريح الإسلام منه؟ فقال نعم، ولكن أخاف ~~أن يفلت فتتبرأ مني؛ قال لا. وقصدوا ابن حمدان قبل أن يلحقه أصحابه ~~واستأذنوا عليه، فأذن لهم فدخلوا والفراشون ينفضون البسط ليقعد عليها ابن ~~حمدان، ms0939 وهو يتمشى في صحن الدار، ومشى إلدكز معه، ثم تأخر عنه وضربه بيافروت ~~كان معه، وهو سكين مغربي في خاصرته، وضربه كمشتكين فقطع رجليه، فصاح: ~~فعلتموها! فحزوا رأسه. وكان محمود بن ذبيان أمير بني سنبس في خزانة الشراب، ~~فدخلوا عليه وقتلوه. ثم خرجوا إلى دار كان فيها فخر العرب ابن حمدان وقد ~~شرب دواء وعنده الأمير شاور فقتلوهما. وخرجوا إلى خيمة الأمير تاج المعالي ~~بن حمدان أخي ناصر الدولة، وكان على عزم المسير إلى الصعيد، فهرب إلى خراب ~~مقابل خيمته، فكمن فيه فرآه بعض العبيد فأعطاه معضدة فيها مائة دينار، وقال ~~له: اكتم علي؛ فأخذها العبد وجاء إلى إلدكز ونم عليه، فدخل وقتله. وانهزم ~~ابن أخي ابن المدبر في زي المكدين فأخذ، وكان قد تزوج بإحدى بنات نزار ابن ~~المستنصر الخليفة، فقطع ذكره وجعل في فمه ثم قتل. وقطع ابن حمدان قطعا، ~~وأنفذ كل قطعة إلى بلد. وجاءوا إلى القصر إلى الخليفة المستنصر هذا ومعهم ~~الرؤوس، وأرسلوا إلى الخليفة وقالوا: قد قتلنا عدوك وعدونا، من أخرب البلاد ~~وقتل العباد، ونريد من المستنصر الأموال. فقال المستنصر: أما المال فما ترك ~~ابن حمدان عندي مالا. وأما ابن حمدان فما كان عدوي، وإنما كانت الشحنة بينك ~~وبينه يا إلدكز، فهلكت الدنيا بينكما، وإني ما اخترت ما فعلت من قتله ولا ~~رضيته، وستعلم غب الغدر، ونقض العهد. ووقع بينهما كلام كثير. وآل الأمر إلى ~~بيع المستنصر قطع مرجان وعروضا وحمل إلى إلدكز ورفقته مالا من أثمان ذلك ~~وغيره. ثم علم المستنصر أن أمره يؤول مع إلدكز إلى شر حال؛ فلذلك أرسل أحضر ~~بدرا الجمالي المقدم ذكره. ولما حضر بدر الجمالي إلى مصر وجد إلدكز تغلب ~~عليها. وكان إلدكز قد وصل إلى دمياط وبها ابن المدبر، وكان قد هرب منه، ~~فقتله وصلبه، وعاد إلى مصر، واتفق مع بدر الجمالي وتحالفا وتعاهدا. فلم يكن ~~إلا مدة يسيرة وقبض بدر الجمالي على إلدكز وأهانه وعذبه وطالبه بالمال؛ فلم ~~يظهر سوى اثني عشر ألف دينار، وكان له من ms0940 الأموال والجواهر شيء كثير إلا ~~أنه لم يقر به، فقتله بدر الجمالي، وقيل: هرب إلى الشام. وأخذ بدر الجمالي ~~في إصلاح أمور الديار المصرية: انتزع الشرقية من أيدي عرب لواتة وقتل منهم ~~مقتلة عظيمة وأسر أمراءهم وأخذ منهم أموالا جمة وعمر الريف فرخصت الأسعار ~~ورجعت إلى عادتها القديمة. ثم أخذ الإسكندرية وسلمها إلى القاضي ابن ~~المحيرق. وأصلح أموال الصعيد واستدعى أكابرهم إليه، فجاءه منهم الكثير. ~~وصلح الحال لهلاك الأضداد، ورفعت الفتن، وانفرد أمير الجيوش بدر الجمالي ~~بالأمر إلى أن مات في خلافة المستنصر. وتولى بعده ابنه الأفضل شاهنشاه ابن ~~أمير الجيوش بدر الجمالي المذكور. ويأتي ذكر ذلك وغيره مما ذكرنا من الغلاء ~~والفناء والحروب في الحوادث المتعلقة بالمستنصر من سنين خلافته على سبيل ~~الاختصار، كما هو عادة هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ودام المستنصر في ~~الخلافة وهو كالمحجوز عليه مع بدر الجمالي؛ ثم من بعده مع ولده الأفضل ~~شاهنشاه إلى أن توفي بالقاهرة في يوم عيد الفطر، وهو يوم الخميس سنة سبع ~~وثمانين وأربعمائة. وبايع الناس ابنه أحمد من بعده، ولقب بالمستعلي بالله. ~~وقام الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي بتدبير ملكه. وقد تقدم مدة إقامة ~~المستنصر في الخلافة، وكم عاش من السنين في أول ترجمته فيطلب هناك. ~~PageV01P0491 # ومما رثي به المستنصر قول حظي الدولة أبي المناقب عبد الباقي بن علي ~~التنوخي الشاعر: الطويل. وليس ردى المستنصر اليوم كالردى ... ولا أمره أمر ~~يقاس به أمر لقد هاب ملك الموت إتيانه ضحى ... ففاجأه ليلا ولم يطلع الفجر ~~فأجرى عليه حين مات دموعنا ... سماء فقال الناس لا بل هو القطر وقد بكت ~~الخنساء صخرا وإنه ... ليبكيه من فرط المصاب به الصخر وقلدها المستعلي ~~الظهر حسب ما ... عليه قديما نص والده الطهر ### || AUT السنة الأولى من خلافة المستنصر # معد على مصر وهي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. فيها في المحرم خلع الخليفة ~~القائم بأمر الله على الأفضل أبي تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي الحنفي ~~العلوي وفوض إليه نقابة الهاشميين والصلاة، وأمره باستخلاف ms0941 أبي منصور محمد ~~على ذلك؟ وأحضر الخليفة القضاة والأعيان وقال لهم: قد عولنا على محمد بن ~~محمد بن علي الزينبي في نقابة أهله من العباسيين رعاية لحقوق سالفة. فقبل ~~أبو تمام الأرض؛ وخلع عليه السواد والطيلسان، ونقب عميد الرؤساء. وفيها لم ~~يحج أحد من العراق. وحج الناس من مصر وغيرها. وفيها توفي أحمد بن محمد بن ~~أحمد بن جعفر بن حمدان، الإمام العلامة أبو الحسين الحنفي الفقيه البغدادي ~~المشهور بالقدوري. قال أبو بكر الخطيب: لم يحدث إلا شيئا يسيرا؛ كتبت عنه، ~~وكان صدوقا، انتهت إليه بالعراق رياسة أصحاب أبي حنيفة، وعظم عندهم قدره ~~وارتفع جاهه؛ وكان حسن العبارة في النظر، جريء اللسان مديما للتلاوة. قلت: ~~والفضل ما شهدت به الأعداء، ولولا أن شأن هذا الرجل كان قد تجاوز الحد في ~~العلم والزهد ما سلم من لسان الخطيب، بل مدحه مع عظم تعصبه على الساعة ~~الحنفية وغيرهم؛ فإن عادته ثلم أعراض العلماء والزهاد بالأقوال الواهية، ~~والروايات المنقطعة، حتى أشحن تاريخه من هذه القبائح. وصاحب الترجمة هو ~~مصنف مختصر القدوري في فقه الحنفية، وشرح مختصر الكرخي في عدة مجلدات، ~~وأملى التجريد في الخلافيات أملاه في سنة خمس وأربعمائة، وأبان فيه عن حفظه ~~لما عند الدار قطني من أحاديث الأحكام وعللها، وصنف كتاب التقريب الأول في ~~الفقه في خلاف أبي حنيفة وأصحابه في مجلد، والتقريب الثاني في عدة مجلدات. ~~وكانت وفاته في منتصف رجب من السنة. ومولده سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. ~~وقد روينا جزأه المشهور عن الشيخ رضوان بن محمد العقبي، عن أبي الطاهر بن ~~الكويك عن محمد بن البلوي، أنا عبد الله بن عبد الواحد بن علاق، أنا فاطمة ~~بنت سعد الخير الأنصارية، أنا أبو بكر بن أبي طاهر، أنا العلامة أبو الحسين ~~القدوري، رحمه الله تعالى. وفيها توفي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ~~بن سينا، الرئيس أبو علي، صاحب الفلسفة والتصانيف الكثيرة. كان إمام عصره ~~في الحكمة وعلوم الأوائل، بل كان إماما في سائر العلوم. وتصانيفه كثيرة في ms0942 ~~فنون العلوم، حتى قيل عنه: إنه ليس في الإسلام من هو في رتبته. قال أبو عبد ~~الله الذهبي: كان ابن سينا آية في الذكاء، وهو رأس الفلاسفة الإسلاميين ~~الذين مشوا خلف العقول، وخالفوا الرسول - قلت: لم يكن ابن سينا بهذه ~~المثابة بل كان حنفي المذهب، تفقه على الإمام أبي بكر بن أبي عبد الله ~~الزاهد الحنفي - وتاب في مرض موته، وتصدق بما كان معه، وأعتق مماليكه، ورد ~~المظالم على من عرفه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة إلى أن توفي يوم ~~الجمعة في شهر رمضان. قلت: ومن يمشي خلف العقول، ويخالف الرسول، لا يقلد ~~الأحكام الشرعية، ولا يتقرب بتلاوة القرآن العظيم. وفيها توفي محمد بن أحمد ~~بن أبي موسى، أبو علي الهاشمي البغدادي شيخ الحنابلة وعالمهم، وصاحب ~~التصانيف الكثيرة. مات في شهر ربيع الآخر. PageV01P0492 # وفيها توفي مهيار بن مرزويه الديلمي، أبو الحسن الكاتب الشاعر المشهور، ~~كان مجوسيا فأسلم على يد الشريف الرضي، وهو أستاذه في الأدب والنظم ~~والتشيع. اشتغل حتى مهر في الأدب والكتابة والتشيع حتى صار من كبار الشعراء ~~الروافض. قال أبو القاسم بن برهان النحوي: كان مجوسيا فأسلم في سنة أربع ~~وتسعين وثلاثمائة؛ فقلت له: يا أبا الحسن، انتقلت بإسلامك، من زاوية في ~~جهنم؟ قال: وكيف؟ قلت: لأنك كنت مجوسيا ثم صرت تتعرض لأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ والمجوسي والرافضي في النار. انتهى. قلت: وأما شعر مهيار ~~ففي غاية الجودة. فمن ذلك قوله: البسيط. أستنجد الصبر فيكم وهو مغلوب ... ~~وأسأل النوم عنكم وهو مسلوب وأبتغي عندكم قلبا سمحت به ... وكيف يرجع شيء ~~وهو موهوب وله في إنجاز وعد: الطويل. أظلت علينا منك يوما غمامة ... أضاء ~~لها برق وأبطا رشاشها فلا غيمها يجلى فييأس طامع ... ولا غيثها يأتي فيروى ~~عطاشها وفيها توفي الحسن بن عبد الله بن حمدان، ناصر الدولة أبو المطالح ~~التغلبي، ويعرف بذي القرنين ووجيه الدولة. ولي إمرة دمشق للحاكم بأمر الله ~~ثم عزل عنها بلؤلؤ، ثم أعيد إليها سنة خمس عشرة وأربعمائة من ms0943 قبل الظاهر بن ~~الحاكم؛ ومات بها وقيل بمصر. وكان شاعرا أديبا شجاعا فصيحا. ومن شعره: ~~الرمل. موعدي بالبين ظنا ... أنني بالبين أشقى ما أرى بين مماتي ... وفراقي ~~لك فرقا لا تهددني ببين ... لست منه أتوقى إنما يشقى ببين ... منك من بعدك ~~يبقى أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع وثماني عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة خمس عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة الثانية من خلافة المستنصر # وهي سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فيها توفي عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~علي، أبو علي العدل، ويعرف بابن أبي العجائز؛ ولد سنة أربعين وثلاثمائة ~~بدمشق وبها مات في المحرم؛ وكان ثقة سمع الحديث ورواه؛ روى عنه غير واحد؛ ~~قال: وحدثنا محمد بن سليمان الربعي عن محمد بن تمام الحراني، عن محمد بن ~~قدامة قال: أتينا سفيان بن عيينة فحجبنا، فجاء خادم لهارون الرشيد يقال له ~~حسين في طلبه فأخرجه، فقدنا إليه فقلنا: أما أهل الدنيا فيصلون إليك، وأما ~~نحن فلا نصل! فنظر إلينا وقال: لا أفلح صاحب عيال؛ ثم أنشد: البسيط. اعمل ~~بعلمي ولا تنظر إلى عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري ثم قال: بم ~~تشبهون قوله عليه الصلاة والسلام إخبارا عن ربه تعالى: " ما أشغل عبدي ذكري ~~عن مسألتي إلا أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " ؟ فقلنا: قل يرحمك الله؛ ~~فقال قول القائل: الكامل - مجزوء. وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير ~~خال أعطاك قبل سؤاله ... وكفاك مكروه السؤال وفيها توفي أبو عمر أحمد بن ~~محمد بن عبد الله العلوي الطلمنكي الحافظ؛ كان إماما حافظا محدثا. مات في ~~ذي الحجة وله تسعون سنة. وفيها توفي الحسن بن علي بن الصقر، الإمام الكاتب ~~المقرئ صاحب زيد بن أبي بلال الكوفي؛ كان فاضلا قرأ القراءات بالروايات ~~وبرع في فنون. وفيها توفي أبو الوليد يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث ~~المقرئ القرطبي الفقيه المعروف بابن الصفار قاضي الجماعة، كان من أوعية ~~العلم؛ كان فقيها محدثا عالما زاهدا. مات في شهر رجب. أمر النيل في ms0944 هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من خلافة المستنصر # وهي سنة ثلاثين وأربعمائة. فيها سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر ~~الله أن يلقب ابنه لقبا، فلقبه الملك العزيز وكان مقيما بواسط. قلت: وهذا ~~أول لقب سمعناه من ألقاب ملوك الأتراك وغيرهم من ملوك زماننا. PageV01P0493 # وفيها استولى بنو سلجوق على خراسان والجبال، وهرب منهم السلطان مسعود بن ~~محمود بن سبكتكين إلى غزنة، واقتسموا البلاد. وهذا أول ظهور بني سلجوق ~~الآتي ذكرهم في عدة أماكن. وأصلهم أتراك من ما وراء النهر، فزوج سلجوق ~~ابنته من رجل يعرف بعلي تكين، فأفسدوا على محمود بن سبكتكين البلاد بالنهب ~~والغارات، فقصدهم محمود بن سبكتكين فقبض على سلجوق المذكور وهرب علي تكين ~~وطغرلبك، واسمه محمد بن ميكائيل بن سلجوق، وبقي طغرلبك في أربعة آلاف ~~خركاه، إلى أن توفي محمود بن سبكتكين، واشتغل ابنه مسعود بن محمود بن ~~سبكتكين باللهو. فصار أمر طغرلبك ينمو إلى مسعودا وهزمه واستولى على ~~خراسان، وولى أخاه داود مرو وسرخس وبلخ، وولى ابن عمه الحسن بن موسى هراة ~~وبوشنج وسجستان. وولى أخاه لأمه إبراهيم ينال دهستان. وعظم أمر طغرلبك إلى ~~أن كان من أمره ما سنذكره في عدة أماكن إن شاء الله تعالى. وفيها توفي أحمد ~~بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ~~الصوفي والأحول سبط الزاهد محمد بن يوسف البناء؛ كان أحد الأعلام؛ جمع بين ~~علو الرواية وكثرة الدراية، ورحل إليه من الأقطار، وألحق الصغار بالكبار؛ ~~وولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة بأصبهان. واستجاز له أبوه طائفة من شيوخ ~~العصر حتى تفرد في آخر عمره في الدنيا عنهم. وفيها توفي عبد الملك بن محمد ~~بن عبد الله، الشيخ أبو القاسم البغدادي الواعظ. كان مسند العراق في زمانه، ~~سمع الحديث وروى الكثير. قال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة ثبتا ~~صالحا؛ ولد سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وفيها توفي موسى بن عيس بن ms0945 أبي حاج ~~الفاسي، المقرئ الإمام أبو عمران، الفاسي الدار الغفجومي النسب - وغفجوم: ~~قبيلة من زناتة - البربري الفقيه المالكي نزيل القيروان وإليه انتهت رياسة ~~العلم بها. تفقه على أبي الحسن القابسي وهو أجل أصحابه؛ ودخل الأندلس فتفقه ~~على أبي محمد الأصيلي، وسمع وحدث وحج غير مرة، وكان من كبار العلماء. وفيها ~~توفي الفضل بن منصور، أبو الرضا البغدادي المعروف بابن الظريف، كان شاعرا ~~أديبا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست أصابع مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من خلافة المستنصر # وهي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. فيها توفي محمد بن علي بن أحمد بن ~~يعقوب بن مروان، القاضي أبو العلاء الواسطي؛ أصله من فم الصلح، ونشأ بمدينة ~~واسط. وكان فقيها فاضلا محدثا؛ سمع الحديث، وولي القضاء. ومات ببغداد في ~~جمادى الآخرة من السنة. وفيها توفي محمد بن الفضل بن نظيف، أبو عبد الله ~~المصري الفراء مسند الديار المصرية في زمانه؛ سمع الكثير وتفرد بأشياء، ~~وروى عنه خلائق كثيرة. ومات في شهر ربيع الآخر، وله تسعون سنة. وفيها شغب ~~الأتراك وخرجوا بالخيم إلى شاطئ دجلة وشكوا من تأخر النفقة ووقوع الاستيلاء ~~على إقطاعاتهم، فعرف السلطان هذا، فكاتب دبيس ابن علي بن مزيد وأبا الفتح ~~بن ورام وأبا الفوارس بن سعد؛ ثم كتب إلى الأتراك يلومهم. وحاصل الأمر أن ~~الناس ماجوا وانزعجوا، ووقع النهب وغلت الأسعار وزاد الخوف، حتى إن الخطيب ~~صلى صلاة الجمعة بجامع براثا وليس وراءه إلا ثلاثة أنفس؛ ونودي في الجمعة ~~المقبلة: من أراد الصلاة بجامع براثا فكل ثلاثة أنفس بدرهم خفارة. وفيها ~~توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد بن أحمد، الفقيه الاستوائي الحنفي ~~قاضي نيسابور وفقيهها وعالمها؛ كان إماما فقيها عالما عفيفا ورعا كثير ~~العلم؛ كان المعول على فتواه بنيسابور في زمانه. ومات في هذه السنة. قاله ~~الذهبي رحمه الله. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد بن أحمد الفقيه الاستوائي الحنفي ms0946 قاضي ~~نيسابور وفقيهها، والقاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي المقرئ وأبو ~~الحسن محمد بن عوف المزني في شهر ربيع الآخر، وأبو عبد الله محمد بن الفضل ~~بن نظيف المصري الفراء في شهر ربيع الآخر، وله تسعون سنة، وأبو المعمر مسدد ~~بن علي الأملوكي خطيب حمص. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من خلافة المستنصر # وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. PageV01P0494 # فيها اتفق جلال الدولة مع قرواش وتحالفا وسكنت الفتنة بينهما. وفيها توفي ~~القاضي أبو العلاء صاعد المقدم ذكره في السنة الماضية، في قول صاحب مرآة ~~الزمان. وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر بن بكير بن النجار؛ كان إماما ~~عالما محدثا. مات في هذه السنة. وفيها توفي عبد الباقي بن محمد الحافظ أبو ~~القاسم الطحان؛ كان إماما فاضلا فقيها محدثا. مات ببغداد في جمادى الأولى ~~من هذه السنة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز المستغفري، وأبو القاسم عبد ~~الباقي بن محمد الطحان ببغداد في جمادى الأولى، وأبو بكر محمد بن عمر بن ~~بكير النجار. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع ~~مثل الخالية. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من خلافة المستنصر # وهي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. فيها توفي محمد بن جعفر ابن الحسين، ~~المعروف بالجهرمي أبو الحسين البغدادي المقرئ كان فاضلا قارئا أديبا شاعرا ~~محدثا. ومن شعره: الكامل يا ويح قلبي من تقلبه ... أبدا يحن إلى معذبه ~~قالوا كتمت هواه عن جلد ... لو كان لي جلد لبحت به وفيها توفي السلطان ~~مسعود ابن السلطان محمود بن سبكتكين، أبو سعيد صاحب خراسان وغزنة وغيرهما. ~~كان ملكا عادلا حسن السيرة في الرعية؛ سلك طريق أبيه في الغزو وفتح البلاد، ~~إلا أنه كان عنده محبة في اللهو والطرب. وكان ولي الملك بعد موت أبيه ~~السلطان محمود في ms0947 ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، فكانت مدة حكمه على ~~بلاد الهند وغيرها اثنتي عشرة سنة إلا أشهرا. فيها توفى الأمير أنوشتكين ~~الدزبري، قسيم الدولة نائب الشام للمستنصر صاحب الترجمة؛ كان خصيصا عند ~~المستنصر يندبه إلى المهمات؛ وكان شجاعا مقداما عظيم الهيبة حسن السياسة؛ ~~طرد العرب من الشام وأباد المفسدين، ومهد أمور الشام حتى أمنت السبل في ~~أيامه. وقد قدمنا من ذكره نبذة في ترجمة المستنصر في هذا المحل. ولما مات ~~ولي دمشق بعده الأمير ناصر الدولة الحسن بن الحسين ابن عبد الله بن حمدان. ~~وفيها توفي الأمير أبو جعفر علاء الدولة بن كاكويه صاحب أصبهان. ولي بعده ~~منصور، وأقام الدعوة والسكة للملك أبي كاليجار في جميع بلاد أبيه. وفيها ~~توفي سعيد بن العباس، الحافظ أبو عثمان القرشي الهروي؛ كان إماما فاضلا ~~محدثا فقيها. مات في المحرم من هذه السنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من خلافة المستنصر # وهي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. فيها ورد الخبر من تبريز أن زلزلة ~~عظيمة وقعت بها هدمت قلعتها وسورها وكثيرا من دورها ومساكنها، ونجا أميرها ~~بنفسه. واحصي من مات تحت الهدم فكانوا خمسين ألفا؛ ولبس الناس بها السواد ~~وجلسوا على المسوح لعظم هذه المصيبة. ثم زلزلت تدمر أيضا وبعلبك، فمات تحت ~~الهدم معظم أهل تدمر. وفيها توفي حمزة بن الحسن بن العباس، الشريف العلوي، ~~أبو يعلى فخر الدولة. ولي قضاء دمشق عن الظاهر العبيدي، وهو الذي أجرى ~~الفوارة بجيرون، وبني قيساريه الأشراف وتعرف بالفخرية. قال الشريف أبو ~~الغنائم عبد الله بن الحسين: أنشدني لقس بن ساعدة في النجوم: الكامل. علم ~~النجوم على العقول وبال ... وطلاب شيء لا ينال ضلال ماذا طلابك علم شيء ~~اغلقت ... من دونه الأبواب والأقفال افهم فما أحد بغامض فطنة ... يدري متى ~~الأرزاق والآجال إلا الذي من فوق سبع عرشه ... فلوجهه الإكرام والإفضال ~~وفيها توفي عبيد الله بن هشام بن سوار، أبو الحسين، ms0948 من أهل داريا بدمشق؛ ~~كان إماما فاضلا متدينا. وفيها توفي عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~غفير، أبو ذر الأنصاري الهروي المالكي الحافظ؛ كان يعرف في بلده بابن ~~السماك؛ سمع الحديث ورحل إلى البلاد، وكان إماما عالما فاضلا سخيا صوفيا. ~~قال القاضي عياض: ولأبي ذر كتاب كبير مخرج على الصحيحين و كتاب السنة ~~والصفات. رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: PageV01P0495 # الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست ~~عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من الخلافة المستنصر # وهي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. فيها لم يحج أحد من العراق. وحج الناس ~~من مصر وغيرها. وفيها توفي الحسين بن عثمان بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبد ~~العزيز أبي دلف، أبو سعد العجلي؛ كان إماما محدثا، سافر إلى خراسان ثم عاد ~~إلى بغداد وحدث بها، ثم انتقل إلى مكة فتوفي بها في شوال. وفيها توفي عبيد ~~الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر، أبو القاسم الصيرفي المحدث؛ كان ~~صالحا ثقة مكثرا في الحديث. وفيها توفي السلطان أبو طاهر، جلال الدولة بن ~~بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن الدولة الحسن بن بويه. ولد ~~سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة. وكان ملكا محببا للرعية حسن السيرة، وكان يحب ~~الصالحين. ولقي في سلطنته من الأتراك شدائد. ومات ليلة الجمعة خامس شعبان، ~~وغسله أبو القاسم بن شاهين الواعظ وأبو محمد عبد القادر بن السماك، ودفن ~~بداره في دار المملكة في بيت كان دفن فيه عضد الدولة وبهاء الدولة قبل ~~نقلهما إلى الكوفة، ثم نقل بعد سنة إلى مقابر قريش. وكان عمره لما مات إحدى ~~وخمسين سنة وشهرا، ومدة ولايته على بغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهرا. ولما ~~مات كان ابنه الملقب بالملك العزيز بواسط، فكتب إليه الخليفة القائم بأمر ~~الله يعزيه فيه. قلت: وجلال الدولة هذا أحسن بني بويه حالا إن لم يكن ~~رافضيا على قاعدتهم النجسة. أمر النيل في هذه السنة: ms0949 الماء القديم خمس أذرع ~~واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من خلافة المستنصر # وهي سنة ست وثلاثين وأربعمائة. فيها دخل أبو كاليجار بغداد ولم يخرج ~~الخليفة القائم بأمر الله إلى لقائه، فنزل في دار المملكة وأخرج منها عيال ~~جلال الدولة، وضرب الدبادب على بابه في أوقات الصلوات الخمس؛ فروسل ~~بالاقتصار على ثلاثة أوقات، كما كانت العادة، فلم يلتفت إلى رسول الخليفة، ~~واستمرت الدبادب في خمسة أوقات. وفيها توفي الحسين بن علي بن محمد بن جعفر، ~~أبو عبد الله الصيمري العلامة. ولد سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وكان أحد ~~الفقهاء الحنفية الأعلام؛ كان جيد النظر حسن العبارة وافر العقل صدوقا ثقة؛ ~~انتهت إليه رياسة الحنفية ببغداد، وولي القضاء بالمدائن وغيرها؛ وكان في ~~ولايته نزها عفيفا دينا ورعا. مات ليلة الأحد حادي عشرين شوال ودفن في داره ~~بدرب الزرادين. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، أبو محمد ~~الأصبهاني، ويعرف بابن اللبان؛ كان صائما قائما صدوقا ثقة أحد أوعية العلم، ~~وله التصانيف الحسان. وفيها توفي علي بن الحسن بن إبراهيم، أبو الحسن ~~الصوفي الوكيل؛ كان دينا خيرا؛ سكن مصر، وبها كانت وفاته في شعبان. وفيها ~~توفي محمد بن أحمد بن بكير، أبو بكر التنوخي الخياط الدمشقي؛ كان يؤم بمسجد ~~أبي صالح خارج الباب الشرقي بدمشق، وكان صالحا ثقة. وفيها توفي محمد بن علي ~~بن الطيب، أبو الحسين البصري المتكلم؛ سكن بغداد ودرس بها على مذهب ~~المعتزلة، وله تصانيف كثيرة: منها المعتمد في أصول الفقه لم يصنف في فنه ~~مثله. وفيها توفي محسن بن محمد بن العباس، الشريف الحسيني؛ كان نقيب ~~الطالبيين بدمشق، وولي القضاء بها بعد أخيه لأمه فخر الدولة نيابة عن أبي ~~محمد القاسم بن النعمان قاضي قضاة خليفة مصر. ومات بدمشق في المحرم. وفيها ~~توفي علي بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن ~~محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ms0950 رضي الله ~~عنه، الشريف أبو طالب العلوي الموسوي المعروف بالشريف المرتضى، نقيب ~~الطالبيين ببغداد، وهو أخو الشريف الرضي. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ~~وكل منهما رافضي؛ وكان المرتضى أيضا رأسا في الاعتزال كثير الإطلاع والجدل. ~~ثم ذكر كلاما عن ابن حزم في هذا المعنى، أنزه الشريف عن ذكره مراعاة لسلفه ~~الطاهر لا لاعتقاده القبيح في الصحابة. وكان الشريف المرتضى عالما فاضلا ~~أديبا شاعرا. ومن شعره من جملة قصيدة قوله: الخفيف ضن عني بالنزر إذ أنا ~~يقظا ... ن وأعطى كثيره في المنام PageV01P0496 # والتقينا كما اشتهينا ولا عي ... ب سوى أن ذاك في الأحلام وإذا كانت ~~الملاقاة ليلا ... فالليالي خير من الأيام وكانت وفاة الشريف في يوم الأحد ~~الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول. وفيها توفي محمد بن عبد الله بن أحمد، ~~أبو الوليد المرسي؛ يعرف بابن منقذ؛ حدث عن سهل بن إبراهيم وغيره؛ وكان ~~عالما فاضلا ورعا محدثا صدوقا ثقة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثماني أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة العاشرة من خلافة المستنصر معد على هصر # وهي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. فيها مات بواسط نصراني يقال له ابن سهل، ~~وأخرجت جنازته نهارا، فثارت العامة بالنصارى وجردوا الميت وأحرقوه، ومضوا ~~إلى الدير فنهبوه. وكان الملك العزيز بن جلال الدولة بن بويه بواسط، وعمه ~~الملك أبو كاليجار ببغداد، ولم يكن له تلك الهيبة، وكانوا قد أحسوا بانقراض ~~دولة بني بويه بظهور طغرلبك السلجوقي صاحب خراسان، فلم ينتطح في ذلك شاتان. ~~وفيها جهز المستنصر صاحب الترجمة جيشا من مصر إلى حلب، فحصروا ابن مرداس ~~فيها واستظهروا عليه، فاستنجد بالروم فلم ينجحوه. وقد تقدم ذكر هذه الواقعة ~~في ترجمة المستنصر. وفيها لم يحج أحد من العراق. وحج الناس من مصر وغيرها. ~~وفيها توفي الحسن بن محمد بن أحمد، أبو محمد الدمشقي المعروف بابن السكن؛ ~~كان عابدا زاهدا. صام الدهر وله اثنتا عشرة سنة من العمر، وعاش سبعا ~~وثمانين سنة. وكان لا يشرب ms0951 الماء في الصيف، وأقام سنة وخمسة أشهر لا يشربه. ~~فقال له طبيب: معدتك تشبه الآبار، في الصيف باردة وفي الشتاء حارة. وفيها ~~توفي محمد بن محمد بن علي ابن الحسن بن علي بن إبراهيم بن علي بن عبد الله ~~بن الحسين الأصغر، أبو الحسن العلوي الحسيني البغدادي النسابة شيخ الأشراف. ~~كان فريدا في علم الأنساب، وله تصانيف كثيرة، وله شعر. وفيها توفي مكي بن ~~أبي طالب حموش بن محمد بن مختار، الإمام أبو محمد القيسي القيرواني ثم ~~القرطبي المقرئ شيخ الأندلس في زمانه؛ حج وسمع بمكة وغيرها. وكان إماما ~~عالما محدثا ورعا؛ صنف الكثير في علوم القرآن. ومولده بالقيروان سنة خمس ~~وخمسين وثلاثمائة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وسبع ~~أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة. فيها أغارت الترك على ما وراء النهر ~~واستولوا على بخارى وسمرقند وخوارزم، فقطع طغرلبك جيحون. وبعث أخاه إبراهيم ~~إلى العراق فاستولى على حلوان ثم عاد إلى الري. والتقى طغرلبك فهزمهم وعاد ~~إلى خراسان. وفيها زلزلت أخلاط وديار بكر زلازل هدمت القلاع والحصون وقتلص ~~خلقا كثيرا. وفيها لم يحج أحد من العراق. وحج الناس من مصر والشام. وفيها ~~توفي عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن حيويه الجويني الشافعي والد ~~أبي المعالي الجويني. وجوين بضم الجيم: بلدة من أعمال نيسابور. وأصلهم من ~~العرب من بني سنبس. سمع الحديث، وتفقه بمرو على القفال، وصنف التصانيف ~~الكثيرة. ومات بنيسابور. وفيها توفي محمد بن يحيى بن محمد أبو بكر. كان ~~أصله من قرية بالعراق يقال لها الزيدية. كان عالما بالقرآن والفرائض وسمع ~~الحديث. ومات في شهر رمضان. قال أبو بكر الخطيب: كتبت عنه، وكان ثقة. وفيها ~~توفي الحسن بن محمد بن إبراهيم، أبو علي البغدادي المالكي المقرئ العالم ~~المشهور، مصنف الروضة. كان عالما بالقراءات وغيرها، مفتنا. مات في هذه ~~السنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست ms0952 أذرع وعشر أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. فيها وقع الغلاء والوباء بالموصل ~~والجزيرة وبغداد، ووصل كتاب من الموصل أنهم أكلوا الميتة، وصفى الجمعة ~~أربعمائة نفس، ومات الباقون وكانوا زيادة على ثلاثمائة إنسان، وبيعت ~~الرمانة بقيراطين، واللينوفرة بقيراطين أيضا، والخيارة بقيراط. قاله صاحب ~~مرآة الزمان. PageV01P0497 # وفيها توفي أحمد ابن أحمد بن محمد أبو عبد الله القصري من قصر ابن هبيرة. ~~ولد سنة ست وأربعين وثلاثمائة. وسمع الحديث، وكان من أهل العلم والقرآن، ~~يختم القرآن في كل يوم مرة، وكان معروفا بالسنة. ومات في شهر رجب، ودفن ~~بباب حرب. وكان صدوقا صالحا ثقة. وفيها توفي أحمد بن عبد العزيز بن الحسن، ~~أبو يعلى الطاهري من ولد طاهر ابن الحسين الأمير. ولد سنة إحدى وثمانين ~~وثلاثمائة، وقرأ الأدب وسمع الحديث. ومات في شوال. وكان فصيحا صدوقا. وفيها ~~توفي أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد، أبو الفضل الهاشمي العباسي، من ولد ~~هارون الرشيد. ولي القضاء بسجستان، وسمع الحديث؛ وكان له شعر وفضل. وفيها ~~كان الطاعون العظيم بالموصل والجزيرة وبغداد، وصلي بالموصل على أربعمائة ~~نفس دفعة واحدة، وبلغت الموتى ثلاثمائة ألف إنسان. وفيها توفي عبد الواحد ~~بن محمد بن يحيى بن أيوب، أبو القاسم البغدادي الشاعر المشهور، كان يعرف ~~بالمطرز. مات ببغداد في جمادى الآخرة. وفيها توفي محمد بن الحسين بن علي بن ~~عبد الرحيم، الوزير أبو سعد، وزير جلال الدولة بن بويه. لقي شدائد من ~~المصادرات من الأتراك، حتى آل أمره أنه خرج من بغداد مستترا وأقام بجزيرة ~~ابن عمر حتى مات في ذي القعدة. وفيها توفي محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم، ~~أبو الخطاب الشاعر الجبلي؛ أصله من قرية جبل عند النعمانية ببغداد. كان ~~فصيحا شاعرا. رحل إلى البلاد ثم عاد إلى بغداد، وقد كف بصره فمات بها. وكان ~~رافضيا خبيثا. ومن شعره: المنسرح. ما حكم الحب فهو ممتثل ... وما جناه ~~الحبيب محتمل تهوى ms0953 وتشكو الضنى وكل هوى ... لا ينحل الجسم فهو منتحل أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة أربعين وأربعمائة. فيها تمت عمارة سور شيراز؛ ودوره اثنا عشر ~~ألف ذراع، وارتفاع حائطه عشرون ذراعا، وله عشرة أبواب. وفيها ولى المستنصر ~~صاحب الترجمة خليفة مصر القائد طارقا الصقلبي على دمشق؛ وعزل ناصر الدولة ~~الحسن بن الحسين بن عبد الله بن حمدان، وقبض عليه واستقدمه إلى مصر؛ ثم صرف ~~المستنصر طارقا عن إمرة دمشق في سنة إحدى وأربعين، وولى مكانه عدة الدولة ~~المستنصري؛ ثم صرفه أيضا عنها وبعث به إلى حلب، وولى دمشق حيدرة بن الحسين ~~بن مفلح، ويعرف بأبي الكرم المؤيد؛ فأقام عليها حيدرة تسع سنين. وفيها في ~~شعبان ختن الخليفة القائم بأمر الله العباسي ابنه أبا العباس محمدا، ولقبه ~~بذخيرة الدين وذكر اسمه على المنابر. وفيها لم يحج أحد من العراق. وحج ~~الناس من مصر وغيرها. وفيها توفي محمد بن جعفر بن أبي الفرج، الوزير أبو ~~الفرج، ويلقب ذا السعادات. وزر لأبي كاليجار بفارس وبغداد. وكان وزيرا ~~فاضلا عادلا شاعرا. ومات في شهر ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى. ومن ~~شعره: أودعكم وإني ذو اكتئاب ... وأرحل عنكم والقلب آبي وإن فراقكم في كل ~~حال ... لأوجع من مفارقة الشباب وفيها توفي السلطان أبو كاليجارة واسمه ~~المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة فيروز بن عضد الدولة بويه بن ركن ~~الدولة الحسن بن بويه بن فناخسرو الديلمي. ولد بالبصرة سنة تسع وتسعين ~~وثلاثمائة في شوال، ومات ليلة الخميس منتصف جمادى الأولى. وكانت ولايته على ~~العراق أربع سنين وشهرين وأياما، ومدة ولايته على فارس والأهواز خمسا ~~وعشرين سنة. وكان شجاعا فاتكا مشغولا بالشرب واللهو. ولما مات كان ولده أبو ~~نصر ببغداد في دار الملك نيابة عن أبيه، فلقبه الخليفة القائم بأمر الله ~~الملك الرحيم وخلع عليه خلعة السلطنة. وكانت الخلع سبع جباب كاملة والتاج ms0954 ~~والطوق والسوارين واللواءين كما كان فعل بعضد الدولة. وفيها توفي الفضل - ~~وقيل: فضل الله - بن أبي الخير محمد بن أحمد، أبو سعيد الميهني العارف ~~بالله صاحب الأحوال والكرامات. مات بقرية ميهنة من خراسان في شهر رمضان وله ~~تسع وسبعون سنة بعد أن سمع الحديث، وروى عنه جماعة؛ وتكلم في اعتقاده ابن ~~حزم. والله أعلم بحاله. PageV01P0498 # وفيها توفي محمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن زياد، أبو ~~بكر الأصبهاني التاجر، المعروف بابن ريفة. روى عن الطبراني معجميه الكبير ~~والصغير. وطال عمره، وسار ذكره، وتفرد بأشياء. ذكره أبو زكريا بن منده ~~وقال: الفقيه الأمين. كان أحد وجوه الناس، وافر العقل، كامل الفضل، أحسن ~~الخط، يعرف طرفا من النحو واللغة. وفيها توفي محمد بن محمد بن إبراهيم بن ~~غيلان بن عبد الله بن غيلان بن حكيم، أبو طالب الهمذاني البغدادي البزاز، ~~أخو غيلان المقدم ذكره. سمع من أبي بكم الشافعي أحد عشر جزءا معروفة ~~بالغيلانيات، وتفرد في الدنيا عنه. قال أبو بكر الخطيب: كتبنا عنه، وكان ~~صدوقا دينا صالحا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثلاث ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. فيها كانت فتنة بين أهل السنة ~~والرافضة. قال القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي: أهل الكرخ طائفة ~~نشأت على سب الصحابة، وليس للخلافة عليها أمر. قلت: وعدم أمر الخليفة عليهم ~~لميل بني بويه إليهم في الباطن، فإنهم أيضا من كبار الشيعة، وهم يوم ذلك ~~سلاطين بغداد؛ غير أنهم كانوا لا يظهرون ذلك خوفا على الملك. وفيها هبت ريح ~~سوداء ببغداد أظلمت الدنيا وقلعت رواشن دار الخلافة ودار المملكة ودور ~~الناس، واقتلعت من الشجر والنخل شيئا كثيرا. وفيها نزل طغرلبك السلجوقي ~~الري ولم يتحقق موت أبي كاليجار بن بويه، ثم فحص عن ذلك حتى تحقق وفاته. ~~وفيها دخل السلطان مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد الهند، ms0955 ووصل ~~إلى الأماكن التي كان وصل إليها جده محمود. وفيها توفي أحمد بن حمزة بن ~~محمد بن حمزة بن خزيمة، أبو إسماعيل الهروي الصوفي. كان يعرف بعفويه وكان ~~شيخ الصوفية بهراة. سمع الكثير بالعراق والشام. ومات بهراة في شهر رجب. ~~وفيها توفي محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ. ولد بصور سنة ست وسبعين ~~وثلاثمائة وقدم بغداد، وسمع الحديث على كبر السن وعني به. وكان إماما صحيح ~~النقل دقيق الخط صائما قائما لا يفطر إلا في العيدين وأيام التشريق. وكان ~~حسن المحاضرة. وله شعر على طريق القوم؛ فمن ذلك من قصيدة: المجتث. نعم ~~الأنيس كتاب ... إن خانك الأصحاب تنال منه فنونا ... تحظى بها وتثاب أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. فيها كان من العجائب أنه وقع الصلح ~~بين أهل السنة والرافضة وصارت كلمتهم واحدة. وسبب ذلك أن أبا محمد النسوي ~~ولي شرطة بغداد وكان فاتكا، فاتفقوا على أنه متى رحل إليهم قتلوه، واجتمعوا ~~وتحالفوا، وأذن بباب البصرة ب حي على خير العمل وقرئ في الكرخ فضائل ~~الصحابة، ومضى أهل السنة والشيعة إلى مقابر قريش، فعد ذلك من العجائب، فإن ~~الفتنة كانت قائمة والدماء تسكب، والملوك والخلفاء يعجزون عن ردهم، حتى ولي ~~هذا الشرطة، فتصالحوا على هذا الأمر اليسير. فلله الأمر من قبل ومن بعد. ~~وفيها توفي علي بن عمر بن محمد بن الحسن، أبو الحسن الزاهد المعروف بابن ~~القزويني. ولد بالحربية ببغداد في المحرم سنة ستين وثلاثمائة؛ وكان إماما ~~فاضلا زاهدا، قرأ النحو وسمع الحديث الكثيرة وكان صاحب كرامات وصلاح، يقصد ~~للزيارة. ومات في شعبان. وفيها توفي الأمير قرواش بن المقلد، أبو المنيع ~~صاحب الموصل والكوفة والأنبار. وقرواش بفتح القاف والراء المهملة والواو ~~وبعد الألف شين معجمة ساكنة. ومعناه باللغة التركية عبد أسود. وكان قرواش ~~هذا قد خلع عليه الخليفة القادر بالله ولقبه معتمد الدولة. وكان ms0956 قد جمع بين ~~أختين، فلامه الناس على ذلك؛ فقال لهم: خبروني، ما الذي نستعمله مما تبيحه ~~الشريعة! فهذا من ذاك. وكان الحاكم بأمر الله استماله فخطب له ببلاده ثم ~~رجع عن ذلك. ولما مات قرواش ولي مكانه ابن أخيه قريش بن بدران بن المقلد ~~المقدم ذكره في ترجمة المستنصر أنه كان مع البساسيري. ويأتي ذلك أيضا في ~~محله مختصرا. PageV01P0499 # وفيها توفي السلطان مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، ~~وغيرها من بلاد الهند وغيره. ومات بغزنة، وقام مقامه عمه عبد الرشيد بن ~~محمود بن سبكتكين؛ اختاره أهل المملكة فأقاموه. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. فيها في صفر عادت الفتنة بين أهل السنة ~~والرافضة ببغداد، وكتب أهل الكرخ على برج الباب: محمد وعلي خير البشر، فمن ~~رضي شكر، ومن أبى فقد كفر. وثارت الفتنة بينهم، ولم يقدر على منعهم الخليفة ~~ولا السلطان. واستنجد الخليفة بعيار من أهل عرب ريحان، فأحضر إلى الديوان ~~واستتيب عن الحرام، وسلط على أهل الكرخ فقتل منهم جماعة كثيرة. وفيها أقام ~~ابن المعز بن باديس الصنهاجي ملك الغرب الدعوة بالمغرب للقائم بأمر الله ~~العباسي، وأبطل دعوة بني عبيد خلفاء مصر من الغرب. وكان المعز لدين الله ~~معد خرج من المغرب وقصد الديار المصرية سلمها إلى المعز بن باديس. فأقام ~~بها سنين إلى أن توفي، وملكها ابنه من بعده، فأقام مدة سنين يخطب لبني عبيد ~~إلى هذه السنة؛ فأبطل الدعوة لهم وخطب لبني العباس، ودعا للقائم بأمر الله ~~وهو ببغداد. فلم تزل دعوة العباسية بعد ذلك بالمغرب حتى ظهر محمد بن تومرت ~~بالمغرب وتلقب بالمهدي، وقام بعده عبد المؤمن بن علي فقطع الدعوة لبني ~~العباس في أيام المقتفي العباسي، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ~~وفيها لم يحج أحد من العراق. وحج الناس من مصر وغيرها. وفيها توفي أحمد ms0957 بن ~~عثمان بن عيسى، أبو نصر الجلاب؛ كان محدثا ثقة، وأخرج له أبو بكر الخطيب ~~حديثا عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرئت عنده سورة الرحمن ~~فقال: " ما لي أرى الجن أحسن جوابا لردها منكم " . قالوا: وما ذاك يا رسول ~~الله؟ قال: " ما أتيت على قول الله تعالى " فبأي آلاء ربكما تكذبان " إلا ~~قالت الجن ولا بشيء من نعمك يا ربنا نكذب " . وفيها توفي إسماعيل بن علي بن ~~الحسين زنجويه، أبو سعد الحافظ الرازي الحنفي؛ كان إماما فاضلا. طاف الدنيا ~~ولقي الشيوخ وأثنى عليه العلماء؛ وكان ورعا زاهدا فاضلا، إمام أهل زمانه ~~بغير مدافعة، أو ما رأي مثل نفسه في كل فن، وكان يقال له: شيخ العدلية ومات ~~بالري، ودفن بجنب الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة. وكان قرأ على ألف ~~وثلاثمائة شيخ، وقرأ عليه ثلاثة آلاف. قال ابن عساكر: سمع نحوا من أربعة ~~آلاف شيخ، ومات وله أربع وتسعون سنة. وفيها توفي محمد بن محمد بن أحمد أبو ~~الحسن البصروي؛ كان شاعرا فصيحا فاضلا ظريفا صاحب نوادر. ومن شعره: الوافر ~~ترى الدنيا وزهرتها فتصبو ... وما يخلو من الشبهات قلب فضول العيش أكثرها ~~هموم ... وأكثر ما يضرك ما تحب وفيها توفي المفضل بن محمد بن مسعود، أبو ~~المحاسن التنوخي المعري الفقيه الحنفي. تفقه على القدوري، وأخذ الأدب عن ~~أبي عيسى الربعي وبرع في فنون، وناب في القضاء بدمشق، وولي قضاء بعلبك؛ ~~وصنف تاريخ النحاة وأهل اللغة. ومات بدمشق، ولم يخلف بعده مثله. أمر النيل ~~ني هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة أربع وأربعين وأربعمائة. فيها برز محضر من ديوان الخليفة القائم ~~بأمر الله العباسي بالقدح في أنساب خلفاء مصر وأنهم ديصانية خارجون عن ~~الإسلام، من جنس المحضر الذي برز في أيام القادر بالله، وقد ذكرناه في ~~وقته، وأخذ فيه خطوط القضاة والشهود والأشراف وغيرهم. وفيها كانت في مدينة ms0958 ~~أرجان والأهواز زلازل عظيمة ارتجت منها الأرض، وقلعت الجبال وخربت القلاع، ~~وامتدت هذه الزلازل إلى بلاد كثيرة. وفيها استولى طغرلبك محمد بن ميكائيل ~~السلجوقي على همذان ونواحيها، وطمع في قصد العراق. وفيها توفي الحسن بن علي ~~بن محمد بن علي أبو علي التميمي الواعظ؛ سمع الحديث الكثير وروي عنه مسند ~~الإمام أحمد عن القطيعي. وفيها توفي سهل بن محمد بن الحسن، أبو الحسن ~~الفاسي الصوفي؛ سمع الكثير وحدث بالعراق ودمشق وصور، وتوجه إلى مصر فمات ~~بها. وكان أديبا شاعرا على طريق القوم. فمن ذلك قوله: الطويل PageV01P0500 # إذا كنت في دار يهنيك أهلها ... ولم تك محبوبا بها فتحول وأيقن بأن الرزق ~~يأتيك أينما ... تكون ولو في قعر بيت مقفل وفيها توفي عثمان بن سعيد بن ~~عثمان بن سعيد بن عمر، الإمام أبو عمرو الأموي مولاهم القرطبي المقرئ ~~الحافظ المعروف بابن الصيرفي أولا، ثم بأبي عمرو الداني؛ صاحب التصانيف. ~~كان أحد الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه، وجمع في ذلك ~~كفه تواليف حسانا مفيدة يطول تعدادها. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ~~وبلغني أن مصنفاته مائة وعشرون مصنفا. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة خمس وأربعين وأربعمائة. فيها وقف طغرلبك السلجوقي على مقالات ~~الأشعري، كان طغرلبك حنفيا، فأمر بلعن الأشعري على المنابر، وقال: هذا يشعر ~~بأن ليس لله في الأرض كلام. فعز ذلك على أبي القاسم القشيري، وعمل رسالة ~~سماها شكاية أهل السنة ما نالهم من المحنة. ووقع بعد ذلك أمور، حتى دخل ~~القشيري وجماعة من الأشعرية إلى السلطان طغرلبك المذكور وسألوه رفع اللعنة ~~عن الأشعري. فقال طغرلبك: الأشعري عندي مبتدع يزيد على المعتزلة، لأن ~~المعتزلة أثبتوا أن القرآن في المصحف وهذا نفاه. قال الحافظ أبو الفرج بن ~~الجوزي رحمه الله: لو أن القشيري لم يعمل في هذه رسالة كان أستر للحال، ~~لأنه إنما ذكر فيها أنه وقع ms0959 اللعن على الأشعري، وأن السلطان سئل أن يرفع ~~ذلك فلم يجب؛ ثم لم يذكر له حجة، ولا دفع للخصم شبهة. وذكر ابن الجوزي من ~~هذا النوع أشياء كثيرة، حتى قال: وذكر مثل هذا نوع تغفل. انتهى. وفيها توفي ~~إبراهيم بن عمر بن أحمد، أبو إسحاق الفقيه الحنبلي، ويعرف بالبرمكي، لأن ~~أهله كانوا يسكنون بالبرمكية؛ كان إماما عارفا بمذهبه، وله حلقة للفتوى ~~بجامع المنصور، وسمع خلقا كثيرا، وروى عنه الخطيب وغيره؛ وكان صالحا زاهدا ~~ورعا دينا صدوقا ثقة. وفيها توفي أحمد بن عمر بن روح، أبو الحسين ~~النهرواني؛ كان فاضلا شاعرا. قال: كنت على شاطئ دجلة، فمر بي إنسان في ~~سفينة وهو يقول: الوا فر - مجزوء وما طلبوا سوى قتلي ... فهان علي ما طلبوا ~~فقلت له: قف، ثم قلت بديها: أضف إليه: على قلبي الأحبة بالت ... مادي في ~~الجفا غلبوا وبالهجران طيب النو ... م من عيني قد سلبوا وما طلبوا سوى قتلي ~~... فهان علي ما طلبوا وفيها توفي مطهر بن محمد بن إبراهيم، أبو عبد الله ~~الصوفي الشيرازي أحد أعيان مشايخ الصوفية؛ جاور بمدينة النبي صلى الله عليه ~~وسلم أربعين سنة، ورحل إلى بغداد، ثم عاد إلى دمشق فمات بها في شهر رجب. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة التاسعة عشرة من خلافة المستنصر # وهي سنة ست وأربعين وأربعمائة. فيها استوحش الخليفة القائم بأمر الله من ~~الأمير أبي الحارث أرسلان البساسيري واستوحش البساسيري منه. وهذا أول ~~الفتنة التي ذكرناها في ترجمة المستنصر هذا من أنه خطب له على منابر بغداد. ~~وكتب الخليفة القائم بأمر الله إلى طغرلبك السلجوقي في الباطن يستنهضه إلى ~~المسير إلى العراق، وكان بنواحي خراسان. وفيها توفي الحسن بن علي بن ~~إبراهيم، أبو علي الأهوازي المقرئ، كان إماما في القراءات، وصنف في علوم ~~القرآن كتبا كثيرة، وانتهت إليه الرياسة بالشام في القراءة، وسمع الحديث ~~الكثيرة وكان يكره مذهب الأشعري ويضعفه، ومن أجله صنف ابن ms0960 عساكر كتابه ~~المسمى تبيين كذب المفتري، فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري. وفيها توفي ~~الحسين بن جعفر بن محمد بن جعفر بن داود، أبو عبد الله السلماسي الفقيه ~~الصالح؛ كان مشهورا بأفعال البر والصدقات، ينفق ماله على الفقراء ~~والصالحين، وأخذ منه السلطان عشرة آلاف دينار قرضا، ثم أراد ردها فلم ~~يقبلها، وقال: إنني رجل يأكل من مالي قوم لو علموا أنني أخذت من مال ~~السلطان لامتنعوا. PageV02P0001 # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني الفقيه المحدث؛ كان ~~زاهدا عالما ورعا، وكنيته أبو محمد، ويعرف بابن اللبان. أثنى على علمه ~~وفضله جماعه من العلماء. وكانت وفاته في جمادى الآخرة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة العشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة سبع وأربعين وأربعمائة. فيها دخل طغرلبك السلجوقي بغداد، وهرب ~~منها أبو الحارث أرسلان البساسيري إلى الرحبة، وكاتب البساسري المستنصر ~~صاحب مصر، ومشت الرسل بينهما. وفيها استولى أبو الحسن علي بن محمد الصليحي ~~على اليمن، وانتمى إلى المستنصر صاحب مصر، وخطب له باليمن، وأزال دعوة بني ~~العباس منها، وكان يدعى بها للقائم بأمر الله، فصار يدعو للمستنصر هذا صاحب ~~الترجمة. وفيها توفي الحسين ابن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف، أبو ~~عبد الله العجلي القاضي، وكان يعرف بابن ماكولا؛ ولي قضاء البصرة وبغداد، ~~وكان قاضيا نزها عفيفا دينا أديبا شاعرا. وفيها توفي علي بن المحسن بن علي ~~بن محمد بن أبي الفهم، أبو القاسم التنوخي القاضي، تقلد القضاء في عدة ~~بلاد، وسمع الحديث الكثير، وصنف الكتب المفيدة، ومات في بغداد في المحرم. ~~وكان صدوقا محتاطا في الحديث. وقيل: إنه كان معتزليا يميل إلى الرفض. وفيها ~~توفي محمد ابن الخليفه القائم بأمر الله العباسي في حياة والده، كان قد نشأ ~~نشوءا حسنا، ورشحه أبوه القائم بأمر الله للخلافة، ولقبه ذخيرة الدين. ~~وكانت وفاته في ذي القعدة، وحزن عليه أبوه القائم حزنا شديدا، وخرج حتى ms0961 صلى ~~عليه بنفسه، فصلى عليه وبينه وبين الناس سرادق وهم يصلون خلفه بصلاته؛ وجلس ~~الوزير رئيس الرؤساء للعزاء ثلاثة أيام، ومنع من ضرب الطبول ثلاثة أيام، ~~فلما كان اليوم الرابع حضر عميد الملك وزير السلطان بين يدي القائم بأمر ~~الله، وأدى عن السلطان رسالة تتضمن التعزية والسؤال بقيام الوزير والجماعة ~~من مجلس التعزية فقاموا، ثم حمل تابوته بعد ذلك إلى الرصافة فدفن هناك. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ~~ست عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الحادية والعشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. فيها عم الوباء والقحط بغداد والشام ~~ومصر والدنيا؛ وكان الناس يأكلون الميتة. وبلغت الرمانة والسفرجلة دينارا، ~~وكذا الخيارة واللينوفرة، وانقطع ماء النيل بمصر، وكان يموت بها في كل يوم ~~عشرة آلاف إنسان. وباع عطار واحد في يوم واحد ألف قارورة شراب. ووقع بمصر ~~أن ثلاثة لصوص نقبوا نقبا فوجدوا عند الصباح موتى: أحدهم على باب النقب، ~~والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الكارة التي سرقها. وهذا الوباء ~~والغلاء خلاف الغلاء الذي ذكرناه في ترجمة المستنصرة ويأتي ذكر ذلك أيضا في ~~محله. غير أنه كان ينذر عن ذاك بأمور استرسلت إلى أن عظم الأمر. وفيها أقيم ~~الأذان في مشهد موسى بن جعفر ومساجد الكرخ ب الصلاة خير من النوم على رغم ~~أنف الشيعة، وأزيل ما كانوا يقولونه في الأذان من حي على خير العمل. وفيها ~~توفي جعفر بن محمد بن عبد الواحد، أبو طالب الجعفري الشريف الطوسي شيخ ~~الصوفية، كان محدثا فاضلا، سافر إلى البلاد في طلب الحديث، وسمع بالعراقين ~~والشام وخراسان وغيرها. وفيها توفي علي بن أحمد بن علي، أبو الحسن المؤدب. ~~أصله من قرية ببلاد خوزستان يقال لها فالة بفاء ثم قدم البصرة وسمع الحديث، ~~ثم قدم بغداد ومات بها؛ وكان محدثا شاعرا أديبا فصيحا ثقة. وفيها توفي هلال ~~بن المحسن بن إبراهيم بن هلال، أبو الحسين الكاتب الصابئ صاحب التاريخ - ~~قلت: نقلنا عنه كثيرا ms0962 في هذا التاريخ - وكان مولده في سنة تسع وخمسين ~~وثلاثمائة، وجده إبراهيم هو صاحب الرسائل المقدم ذكر وفاته، وأن الشريف ~~الرضي رثاه، وعيب عليه من كونه من الأشراف ورثى صابئا. وكان أبو هلال هذا ~~المحسن صابئا، وأسلم هو متأخرا؛ وكان قبل أن يسلم سمع جماعة من النحاة، ~~منهم أبو علي الفارسي وعلي بن عيسى الرماني وغيرهما. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. PageV02P0002 ### || AUT السنة الثانية والعشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة تسع وأربعين وأربعمائة. فيها استعفى ابن النسوي من ولاية الشرطة ~~ببغداد لاستيلاء الحرامية واللصوص عليها بحيث إنه أقيم جماعة لحفظ قصر ~~الخليفة والطيار الذي للخليفة من الحريق، لأن اللصوص كانوا إذا امتنع عليهم ~~موضع حرقوه. وفيها كان الطاعون العظيم ببخارى، حتى إنه خرج منها في يوم ~~واحد ثمانية عشر ألف إنسان. وحصر من مات فيه فكان ألف ألف وستمائة ألف ~~وخمسين ألف شخص. ثم وقع في أذربيجان والأهواز وواسط والبصرة، حتى كانوا ~~يجفرون التربة الواحدة ويلقون فيها العشرين والثلاثين. ثم وقع بسمرقند ~~وبلخ، فكان يموت في كل يوم ستة آلاف وأكثر. وذكر صاحب المرآة في هذا ~~الطاعون أشياء مهولة يطول الشرح في ذكرها، منها أن مؤدب أطفال كان عنده ~~تسعمائة صغير فلم يبق منهم واحد. ومات من عاشر شوال إلى سلخ ذي القعدة ~~بسمرقند خاضه مائتا ألف وستة وثلاثون ألفا وكان ابتداء هذا الطاعون من ~~تركستان إلى كاشغر وفرغانة انتهى. وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن سليمان ~~بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة ~~بن الحارث بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عدي بن غطفان بن عمرو بن ~~بريح بن جذيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن ~~الحاف بن قضاعة، أبو العلاء المعري التنوخي اللغوي الأعمى الشاعر المشهور، ~~صاحب التصانيف المشهورة. قال الذهبي: وصاحب ms0963 الزندقة المأثورة. وقال أبو ~~المظفر في مرآة الزمان: وتنوخ قبيلة من اليمن. وتوفي أبو العلاء بمعرة ~~النعمان في يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الأول. ومولده يوم الجمعة لثلاث ~~بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وأصابه جدري بعد ثلاث ~~سنين من عمره فعمي منه. وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. قلت: وقد اختلف ~~الناس في أبي العلاء المذكور، فمن الناس من جعله زنديقا وهم الأكثر، ومن ~~الناس من أول كلامه ودفع عنه. ومما يستشهد عليه من المقالة الأولى قوله: ~~الوافر عقول تستخف بها سطور ... ولا يدري الفتى لمن الثبور كتاب محمد وكتاب ~~موسى ... وإنجيل ابن مريم والزبور وله في غير هذا المعنى أشياء كثيرة، ~~وتصانيف مشهورة، منها سقط الزند وشرحه بنفسه وسماه ضوء السقط. وله غير ذلك. ~~وفيها توفي إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عابد ~~بن عامر، أبو عثمان الواعظ المفسر الصابوني النيسابوري شيخ الإسلام، قال ~~أبو عبد الله المالكي: أبو عثمان ممن شهد له أعيان الرجال بالكمال في الحفظ ~~والتفسير وغيرهما. وقال البيهقي: أنبأنا إمام المسلمين حقا، وشيخ الإسلام ~~صدقا أبو عثمان الصابوني. وفيها توفي علي بن هندي، القاضي أبو الحسن، قاضي ~~حمص. وله سنة أربعمائة. كان عالما فاضلا نزها عفيفا فصيحا مات بدمشق. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الثالثة والعشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة خمسين وأربعمائة. فيها أقام أبو الحارث أرسلان البساسيري الدعوة ~~للمستنصر ببغداد وخطب له على منابرها. وقد استوعبنا واقعته مع الخليفة ~~القائم بأمر الله العباسي في أول ترجمة المستنصر هذا، فيطلب هناك. وفيها ~~ولى المستنصر الأمير ناصر الدولة أبا محمد الحسن بن الحسين بن حمدان على ~~دمشق، فدام بها إلى أن أمره المستنصر أن يتوخه إلى حلب في سنة اثنتين ~~وخمسين لقتال العرب الذين استولوا عليها؛ فتوجه إليها ودافع العرب بظاهرها ~~فكانت بينهم وقعة هائلة انكسر فيها ناصر الدولة المذكور ms0964 وعاد جريحا، ~~واستولت العرب على أثقاله وما كان معه. وفيها توفي داود جغري بك أخو ~~السلطان طغرلبك السلجوقي، وداود كان الأكبر. ولم يقدم بغداد، وكان مقيما ~~بخراسان بإزاء أولاد محمود بن سبكتكين. وهو حمو الخليفة القائم بأمر الله. ~~وكان ملكا شجاعا عاقلا جوادا مدبرا حكيما. مات ببلخ. وتوجه ولداه ياقوتي بك ~~وقاورد بك إلى عند أخيهما متملك الأمر بعد أبيهما، واسمه ألب أرسلان، وقرر ~~عمهما السلطان طغرلبك أمورهما، وكان بأصبهان وقد عزم على قصد العراق. ~~PageV02P0003 # وفيها توفي طاهر بن عبد الله بن طاهر، أبو الطيب الطبري القاضي الشافعي. ~~تفقه بخراسان وبالعراق، وولي القضاء بربع الكرخ. ومولده سنة ثمان وأربعين ~~وثلاثمائة، ومات يوم السبت عشرين أشهر، ربيع الأول، وقد بلغ مائة سنة ~~وسنتين، وهو صحيح العقل ثابت الفهم سليم الأعضاء والحواس. وفيها توفي عبد ~~الله بن علي بن عياض، أبو محمد الصوري؛ كان يلقب بعين الدولة؛ كان جليلا ~~نبيلا؛ ولي القضاء بصور، وسمع الكثير، وخرج له أبو بكر الخطيب فوائد في ~~أربعة أجزاء وقرأها عليه بصور. وهو الذي أخذ الخطيب مصنفاته وادعاها لنفسه. ~~ومات فجأة في الزيب قرية بين عكا وصور في شوال. وكان صدوقا ثقة. وفيها قتل ~~الوزير رئيس الرؤساء علي بن الحسين بن أحمد بن محمد، الوزير أبو القاسم؛ ~~كان من بيت رياسة ومكانة، استكتبه القائم بأمر الله العباسي ثم استوزره ~~ولقبه رئيس الرؤساء شرف الوزراء. ومولده في شعبان سنة تسع وتسعين ~~وثلاثمائة. وكان عالما بفنون كثيرة مع سداد رأي ووفور عقل. قتله أبو الحارث ~~أرسلان البساسيري. حسب ما ذكرناه في أول ترجمة المستنصر صاحب الترجمة. ~~وفيها توفي علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي البصري، الإمام الفاضل ~~الفقيه الشافعي صاحب التصانيف الحسان، منها التفسير وكتاب الحاوي والأحكام ~~السلطانية وقوانين الوزارة والأمثال. وولي القضاء ببلدان كثيرة. وكان ~~محترما عند الخلفاء والملوك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس ~~أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة والعشرون من خلافة المستنصر # وهي ms0965 سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. فيها انصرف أبو الأغر دبيس بن مزيد عن ~~بغداد على غضب من البساسيري. وفيها كان بمكة رخص لم يعهد مثله، حتى بلغ ~~البر والتمر مائتي رطل بدينار. وفيها قتل أبو الحارث أرسلان التركي المعروف ~~بالبساسيري صاحب الدعوة للمستنصر ببغداد؛ كان يلقب بالمظفر. وكان في مبدأ ~~أمره فقدما على الأتراك خصيصا عند القائم بأمر الله العباسي، لا يقطع ~~القائم أمرا دونه. فتجبر وطغى، فجفاه القائم واستنصر عليه بالسلطان طغرلبك ~~السلجوقي حتى خرج من بغداد على غضب. وصار يسعى في زوال الخلافة عن القائم، ~~ولا زال يدبر عليه حتى فعل تلك الأمور، ودخل بغداد وقاتل الخليفة القائم ~~وقطع خطبته وخطب للمستنصر صاحب الترجمة، وقتل الوزير رئيس الرؤساء المقدم ~~ذكره - وقد ذكرنا ذلك كله في أول ترجمة المستنصر هذا - وملك بغداد ودام بها ~~حتى ظفره السلطان طغرلبك السلجوقي وقتله شر قتلة. وأعاد الخليفة القائم ~~بأمر الله من حديثة عانة إلى بغداد، وأعيدت الخطبة باسمه، وأبطل طغرلبك اسم ~~المستنصر هذا من بغداد والعراق، ومهد أمورها أعني العراق حتى عادت كما كانت ~~عليه، وكان قتله في آخر السنة. وفيها توفي الحسن بن أبي الفضل الإمام أبو ~~علي الشرمقاني - والشرمقان: قرية من قرى نيسابور - كان إماما فاضلا حافظا ~~للقرآن ووجوه القراءات، زاهدا عابدا ورعا سليم الصدر. وكان لا يقبل من أحد، ~~ويقنع بورق الخس. فاتفق أن ابن العلاف خرج يوما متوجها على دجلة فرأى ~~الشرمقاني هذا يأخذ ما يرمي به أصحاب الخس فيأكله، فشق عليه ذلك، فحكى أمره ~~للوزير رئيس الرؤساء؛ فقال: نبعث له شيئا؛ فقال: لا يقبل. فقال الوزير: ~~تحيل فيه. فقال لغلام له: اذهب إلى مسجد الشرمقاني واعمل لغلقه مفتاحا من ~~حيث لا يشعر ففعل. فقال: احمل له في كل يوم ثلاثة أرطال خبز، ودجاجة مشوية، ~~وقطعة حلوى سكر. فكان الغلام يرصده، فإذا خرج من المسجد فتح الباب وترك ذلك ~~في خلوته وخرج؛ فيقول الشرمقاني: المفتاح معي، من أين ذلك! وما هو إلا من ~~الجنة! وسكت ولم يخبر أحدا خوفا ms0966 من أن ينقطع، فأخصب جسمه وسمن؛ فقال له ابن ~~العلاف: قد سمنت، فإيش تأكل؟ فأنشد الشرمقاني يقول: البسيط. من أطلعوه على ~~سر فباح به ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأخذ يوري ولم يصرخ بما يقع ~~له، فقال: هذا كرامة. فقال له بعضهم: ينبغي أن تدعو للوزير؛ ففهم وانكسر ~~قلبه وامتنع من أكل ذلك. وتوفي بعد ذلك بمدة يسيرة. وفيها توفي سعيد بن ~~محمد بن أحمد، الشيخ أبو عثمان النجيرمي النيسابوري العدل. أمر النيل في ~~هذه السنة: PageV02P0004 # الماء القديم ثلاث أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا ~~وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة والعشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. فيها في صفر دخل عطية صاحب بالس إلى ~~الرحبة وحصرها وافتتحها. فلما دخلها أحسن معاملة أهلها، وخطب بها للمستنصر ~~هذا صاحب الترجمة، بعد أن كانوا خطبوا فيها بأمر السلطان طغرلبك السلجوقي ~~للقائم بأمر الله العباسي. وفيها دخل السلطان طغرلبك بغداد وفي خدمته أبو ~~كاليجار من ملوك بني بويه، واسمه هزارسب، والأمير أبو الأغر بن مزيد، ~~والأمير أبو الفتح بن ورام، وصدقة بن منصور بن الحسين؛ ونزل بدار الملك ~~ببغداد. وانقرضت دولة بني بويه من بغداد بسلطنة طغرلبك السلجوقي هذا. وفيها ~~توفي أحمد بن عبد الله بن فضالة أبو الفتح الموازيني الحلبي الشاعر. كان ~~يعرف بالماهر. سكن دمشق وبها توفي. ومن شعره: الكامل. يا من توقد في الحشا ~~بصدوده ... نار بغير وصاله لا تنطفي وظننت جسمي أن سيخفى بالضنا ... عن ~~عاذلي فقد ضنيت وما خفي وفيها توفيت الترنجان زوجة السلطان طغرلبك السلجوقي ~~وأم أنوشروان التي تزوجها خوارزم شاه؛ كانت أم ولد، وفيها دين وافر، ومعروف ~~ظاهر، وصدقات كثيرة، وكانت صاحبة رأي وتدبير وحزم وعزم؛ وكان زوجها السلطان ~~طغرلبك سامعا لها ومطيعا، والأمور مردودة إلى عقلها، وكانت تسير بالعساكر ~~وتنجده وتقاتل أعداءه. وفيها توفيت أم الخليفة القائم بأمر الله العباسي، ~~وهي أرمينية أم ولد. تسمى قطر الندى - وقيل بدر الدجى، وقيل علم - وهي التي ~~حبسها البساسيري لما ملك ms0967 بغداد. وكانت وفاتها في شهر رجب ببغداد، وصلى ~~عليها ابنها الخليفة القائم بأمر الله. وقد جاوزت التسعين سنة من العمر. ~~وفيها توفي الحسن بن أبي الفضل، الأمير أبو محمد النسوي صاحب شرطة بغداد ~~الذي اصطلح أهل السنة والرافضة خوفا منه فيما تقدم ذكره. وكان صارما فاتكا ~~ظالما، يقتل الناس ويأخذ أموالهم. وشهد عليه الشهود عند القاضي أبي الطيب ~~فحكم بقتله، فصالح بمال فسلم، وعزل من الشرطة ثم أعيد؛ فاتفقت أهل السنة ~~والرافضة عليه فقتلوه. وفيها وقع الطاعون بالحجاز واليمن، وخربت قرى كثيرة، ~~وصار من يدخلها هلك من ساعته. وفيها توفي محمد بن عبيد الله بن أحمد، أبو ~~الفضل المالكي المعروف بابن عمروس؛ انتهت إليه رياسة المالكية ببغداد في ~~زمانه، وكان من القراء المجودين ثقة دينا؛ أخرج له الخطيب حديثا عن معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من عير أخاه ~~بذنب لم يمت حتى يفعله " . أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة السادسة والعشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. فيها توفي الأمير أحمد بن مروان بن ~~دوستك نصر الدولة الكردي، صاحب ميافارقين وديار بكر؛ ملك البلاد بعد أن قتل ~~أخوه أبو سعيد منصور. وكان نصر الدولة هذا عالي الهمة، قوي الحرمة، مقبلا ~~على اللذات، عادلا في الرعية. قيل: لم تفته صلاة الصبح مع الجماعة مع ~~انهماكه في اللهو. وكان له ثلاثمائة وستون جارية، يخلو كل ليلة بواحدة على ~~عدد أيام السنة. وخلف عدة أولاد. وقد وزر له أبو القاسم الحسين بن علي ~~المغربي صاحب الرسائل، وكان أولا وزير صاحب مصر، فقدم عليه فوزر له مرتين. ~~ومات نصر الدولة في شوال بظاهر ميافارقين وله سبع وسبعون سنة. وكانت سلطنته ~~إحدى وخمسين سنة. وملك بعده ولده نظام الدين أبو القاسم نصر بن أحمد. وفيها ~~توفي علي بن رضوان بن علي بن جعفر، أبو الحسن المصري صاحب المصنفات. كان ms0968 من ~~كبار الفلاسفة في الإسلام، وكان له دار بمدينة مصر على قصر الشمعة؛ تعرف ~~بدار ابن رضوان. وقد تهدمت الآن. كان إماما في الطب والحكمة، كثير الرد على ~~أرباب فنه. وكان فيه سعة خلق عند بحثه، وله مصنفات كثيرة. وفيها توفي علي ~~بن يحيى بن محمد، أبو محمد وأبو القاسم السلمي الدمشقي المعروف بالسميساطي ~~واقف خانقاه دمشق وغيرها. سمع الحديث، وكان مقدما في علم الهندسة والهيئة، ~~وروى عنه أبو بكر الخطيب وغيره. أمر النيل في هذه السنة: PageV02P0005 # الماء القديم ثلاث أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة والعشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة أربع وخمسين وأربعمائة. فيها قبض المستنصر على وزيره أبي الفرج ~~بن المغربي، واستوزر أبا الفرج البابلي، ثم رد ابن المغربي إلى كتابة ~~الجيش، وهي كانت رتبته قبل الوزارة؛ ولم يكن قبله وزير يعزل فيعود إلى قديم ~~تصرفه. وفيها كانت وقعة بين أبي المكارم مسلم بن قريش بن بدران وبين عمه ~~مقبل ابن بدران. وكان مقبل قد طلب الأمر لنفسه واجتمع إليه خلق من الأكراد ~~وغيرهم، والتقيا على الخابور فانهزم مسلم، وملك مقبل الجزيرة. فبذل مسلم ~~المال وجمع وعاد إلى عمه مقبل فهزمه. ثم اتفقا واجتمعا واصطلحا على أمر مشى ~~بينهما. وفيها توفي الحسن بن علي بن محمد بن الحسن، أبو محمد الجوهري ثم ~~الشيرازي ثم البغدادي، مسند العراق في عصره. ولد في شعبان سنة ثلاث وستين ~~وثلاثمائة، وسمع الكثير وتفرد بأشياء عوال. وكان يعرف بالمقنعي لأنه كان ~~يتطيلس ويلتف بها تحت حنكه. ومات في ذي القعدة، وكان له شعر. فمن ذلك قوله: ~~السريع. يا موت ما أجفاك من زائر ... تنزل بالمرء على رغمه وتأخذ العذراء ~~من خمرها ... وتسلب الواحد من أمه وفيها توفي عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن ~~بن بندار، أبو الفضل العجلي الرازي المقرئ الإمام الزاهد. أصله من الري، ~~وولد بمكة، وكان يتنقل من بلد إلى بلد. وكان مقرئا، جليل القدر، كثير ~~التصانيف، حسن السيرة، زاهدا متعبدا. ms0969 وفيها توفي المعز بن باديس بن منصور ~~بن بلكين الحميري الصنهاجي سلطان إفريقية وما والاها من الغرب. كان الحاكم ~~صاحب مصر قد لقبه شرف الدولة، وأرسل إليه خلعة في سنة سبع وأربعمائة، وعاش ~~المعز إلى هذا الوقت. وكان ملكا رئيسا جليلا عالي الهمة، وهو الذي حسم مادة ~~الخلاف ببلاد الغرب. وكان مذهب أبي حنيفة ظاهرا بإفريقية، فحمل أهل مملكته ~~بالاشتغال بمذهب مالك وترك ما دونه من المذاهب. وكان المعز شيخا جوادا ~~ممدحا. وهو الذي خلع طاعة خلفاء مصر من بني عبيد، وأبطل دعوتهم من الغرب، ~~وخطب للقائم بأمر الله العباسي، فكتب إليه المستنصر هذا يتهدده، فما التفت ~~إلى ذلك. ثم وقع بين عساكره وعساكر المستنصر حروب بسبب ذلك. وفيها توفي ~~سبكتكين ابن عبد الله التركي أبو منصور، ولقب بتمام الدولة. تولى إمارة ~~دمشق من قبل المستنصر صاحب الترجمة، ومات بها في شهر ربيع الأول. وكان ~~صالحا عفيفا، سمع الحديث ورواه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الثامنة والعشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة خمس وخمسين وأربعمائة. فيها دخل الصليحي إلى مكة، واستعمل ~~الجميل مع أهلها، وأظهر العدل والإحسان، وطابت قلوب الناس له ورخصت ~~الأسعار؛ وكان شابا أشقر اللحية أزرق العينين، وليس كان باليمن أشقر أزرق ~~غيره. وكان متواضعا، إذا اجتاز بقوم سلم عليهم بيده؛ وكسا البيت الحرام ~~بثياب بيض، ورد بني شيبة عن قبيح أفعالهم. وفيها كانت واقعة بين قاورد بك ~~بن داود وبين فضلويه الشونكاري على فرسخين من شيراز، فانهزم فضلويه وغنم ~~قاورد بك أمواله. وكان فضلويه في عشرين ألفا من الديلم وغيرهم؛ وكان قاورد ~~بك في أربعة آلاف من الترك لا غير. وفيها ثار أهل همذان على العميد فقتلوه ~~مع سبعمائة رجل من أصحاب السلطان، وقتلوا أيضا شحنة البلد. وفيها قصد قتلمش ~~الري ومعه خمسون ألفا من التركمان، فدفعه عميد الملك عنها. PageV02P0006 # وفيها توفي السلطان طغرلبك. واسمه محمد بن ميكائيل بن سلجوق أبو طالب ~~السلجوقي. ms0970 قدم بغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وخلع عليه الخليفة القائم ~~بأمر الله العباسي، وخاطبه بملك المشرق والمغرب. قلت: وهذا أول ملوك ~~السلجوقية، وهو الذي مهد لهم الدولة، ورد ملك بني العباس بعد أن كان اضمحل ~~وزالت دعوتهم من العراق، وخطب لبني عبيد خلفاء مصر لما استولى أبو الحارث ~~أرسلان البساسيري على بغداد. وقد تقدم ذكر ذلك. فما زال طغرلبك هذا حتى رد ~~الخليفة القائم بأمر الله من الحديثة إلى بغداد، وأعاد الخطبة باسمه، وقتل ~~البساسيري. وكان شجاعا مقداما حليما؛ عصى عليه جماعة فظفر بهم وعفا عنهم. ~~وهو الذي أزال ملك بني بويه من العراق وغيره. وكانت وفاته بالري في يوم ~~الجمعة ثامن شهر رمضان من هذه السنة. وكانت مدة ملكه خمسا وعشرين سنة؛ وقيل ~~ثلاثون سنة. ومات وعمره سبعون سنة - وقيل جاوز الثمانين - والأول أشهر. ~~وطغرلبك بضم الطاء المهملة وكسر الراء المهملة وسكون اللام وفتح الباء ~~ثانية الحروف وسكون الكاف. وفيها توفي مسلم بن إبراهيم، أبو الفضل السلمي ~~البزاز، ويعرف بابن الشويطرة كان أديبا فاضلا. ومن شعره: البسيط. ما في ~~زمانك من ترجو مودته ... ولا صديق إذا خان الزمان وفا فعش فريدا ولا تركن ~~إلى أحد ... فقد نصحتك فيما قلته وكفى وفيها توفي منصور بن إسماعيل بن أبي ~~قرة القاضي، أبو المظفر الفقيه الهروي الحنفي، قاضي هراة وخطيبها ومسندها؛ ~~سمع الكثير وحدث. وهو أحد أعيان فقهاء الحنفية في زمانه. كان إماما حافظا ~~مفتنا. مات في ذي القعدة عن قريب تسعين سنة. وفيها كان الطاعون العظيم بمصر ~~وقراها فمات بمصر في عشرة أشهر كل يوم ألف إنسان. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم سبع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة والعشرون من خلافة المستنصر # وهي سنة ست وخمسين وأربعمائة. فيها وقعت فتنة عظيمة بين عبيد مصر ~~والترك؛ ووصل ناصر الدولة بن حمدان إلى الإسكندرية، والتقى مع العبيد بموضع ~~يعرف بالكرم؛ ففتل من العبيد ألف رجل، وهرب من بقي. ثم ترددت الرسل ms0971 في ~~إصلاح ذات البين فتم. وقد تقدم شيء من ذلك في ترجمة المستنصر هذا. وفيها ~~جرت مراسلة بين قاورد بك ابن أخي طغرلبك السلجوقي وبين أخيه ألب أرسلان، ~~وسببه أن ألب أرسلان لما ملك الري واستولى على الأموال، كان قاورد بك على ~~أصبهان فرجع إلى كرمان وخطب لألب أرسلان المذكور ولنفسه من بعده؛ فلم يحصل ~~له إنصاف من ألب أرسلان؛ فوقع بسبب ذلك ما وقع. وفيها توفي الحسن بن عبد ~~الله بن أحمد، أبو الفتح الحلبي الشاعر المعروف بابن أبي حصينة. كان فاضلا ~~شجاعا فصيحا، يخاطب بالأمير. وفيها توفي عبد الواحد بن علي بن برهان، أبو ~~القاسم النحوي. كان إماما فاضلا نحويا، وفيه شراسة خلق؛ ولم يلبس سراويل قط ~~ولا غطى رأسه أبدا. ومات ببغداد في جمادى الأولى. وفيها توفي علي بن أحمد ~~بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد مولى ~~يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي الفارسي الأصل، ثم الأندلسي ~~القرطبي، أبو محمد المعروف بابن حزم المحدث صاحب التصانيف المشهورة. كان ~~ظاهر في المذهب. وقد تكلم فيه كل أحد ما خلا أهل الحديث، فإنهم أثبتوا على ~~حفظه. كان إماما عارفا بفنون الحديث، إلا أنه كان صاحب لسان خبيث، ويقع في ~~حق العلماء الأعلام حتى صار مثلا، فيقال: نعوذ بالله من سيف الحجاج ولسان ~~ابن حزم. وكان له شعر جيد. فمن ذلك قوله: الوافر لئن أصبحت مرتحلا بجسمي ~~... فقلبي عندكم أبدا مقيم ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة ~~الكليم أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة سبع وخمسين وأربعمائة. PageV02P0007 # فيها توفي محمد بن منصور أبو نصر عميد الملك الكندري وزير السلطان طغرلبك ~~السلجوقي. كان فاضلا مدبرا حازما عاقلا. وكان طغرلبك في مبدأ أمره قد بعثه ~~ليخطب له امرأة فتزوجها هو، فخصاه طغرلبك ثم أقره على خدمته، فاستولى ms0972 عليه ~~إلى أن مات. ووزر بعد موت طغرلبك لابنه ألب أرسلان وهو الذي قتله. وولي ~~الوزارة بعده نظام الملك الذي نشر مذهب الإمام الشافعي بالعجم. وكان عميد ~~الملك المذكور فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره لما تحقق قتله، وأجاد إلى ~~الغاية: البسيط. إن كان بالناس ضيق عن مزاحمتي ... فالموت قد وسع الدنيا ~~على الناس قضيت والشامت المغرور يتبعني ... إن المنية كأس كلنا حاسي وفيها ~~توفي عبيد الله بن عمر القاضي، أبو زيد الدبوسي الحنفي شيخ الحنفية بما ~~وراء النهر. كان إماما عالما فقيها نحويا بارعا في فنون عفيفا مشكور ~~السيرة؛ انتهت إليه رياسة مذهب أبي حنيفة في زمانه بما وراء النهر، ومات ~~والمعول على فتواه بها. وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن ~~بشران، أبو القاسم الواعظ الفقيه المحدث في شهر ربيع الآخر. وكان له لسان ~~حلو في الوعظ مع دين وزهد وعفة. وفيها توفي موسى بن عيسى بن أبي حاج، أبو ~~عمران الفقيه المالكي القابسي، شيخ المالكية في زمانه. كان فقيها نحويا ~~إماما فاضلا بارعا في فنون من العلوم. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الحادية والثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. فيها شرع أهل الكرخ في عمل مأتم الحسين ~~في يوم عاشوراء، فثار عليهم أهل السنة. فقال القائم بأمر الله: هذا شيء قد ~~كان فلا تعاودوه، ونهى عنه. فانكفت الرافضة بغيظهم إلى لعنة الله. وفيها ~~توفي أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله، الحافظ أبو بكر البيهقي؛ مولده ~~سنة أربع وثمانين. كان أوحد زمانه في الحديث والفقه، وله تصانيف كثيرة، جمع ~~نصوص الإمام الشافعي - رضي الله عنه - في عشرة مجلدات. ومات بنيسابور في ~~جمادى الآخرة، ونقل تابوته إلى بيهق. وقد روينا سننه الكبرى عن الشيخ أبي ~~النعيم رضوان العقبي، ثنا التقي بن حاتم، أنا علي بن عمر الأرموي، أنا ابن ~~البخاري، أنا منصور بن عبد المنعم الفراوي، ms0973 أنا محمد بن إسماعيل الفارسي، ~~أنا أبو بكر البيهقي. وفيها توفي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن ~~الفراء، أبو يعلى القاضي الحنبلي. ولد سنة ثمانين وثلاثمائة في المحرم، ~~وسمع الكثير وتفقه على جماعة من العلماء، وانتهت إليه رياسة الحنابلة في ~~زمانه، ومات يوم الاثنين العشرين من شهر رمضان؛ وكانت جنازته مشهورة مشى ~~فيها الأعيان مثل القاضي الدامغاني الحنفي ونقيب الهاشميين أبي الفوارس ~~طراد وغيرهما. وفيها توفي محمد بن الفضل بن نظيف، أبو عبد الله المصري ~~الفراء في شهر ربيع الآخر وله تسعون سنة؛ وكان إماما عالما زاهدا ورعا. ~~وفيها توفي المسدد بن علي، أبو المعمر الأملوكي، الإمام المحدث البارع خطيب ~~حمص. كان إماما فقيها فصيحا؛ سمع الحديث ورواه. أمر النيل في هده السنة: ~~الماء القديم ثلاث أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية والثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة تسع وخمسين وأربعمائة. فيها بعث المستنصر صاحب الترجمة إلى ~~محمود بن الروقلية المتغلب على حلب يطالبه بحمل المال وغزو الروم، وصرف ابن ~~خاقان ومن معه من الغز إن كان على طاعته. فأجاب بأنني التزمت على أخذ حلب ~~من عمي أموالا اقترضتها وأنا مطالب بها، وليس في يدي ما أقضيها فضلا عما ~~أصرفه لغيره. وأما الروم فقد هادنتهم مدة وأعطيتهم ولدي رهينة على مال ~~اقترضته منهم، فلا سبيل إلى محاربتهم. وأما ابن خاقان والغز معه فيدهم فوق ~~يدي. فلما وصل الجواب إلى المستنصر كتب المستنصر أيضا إلى بدر الجمالي أمير ~~الجيوش المقيم بدمشق: إن ابن الروقلية خلع الطاعة ومال إلى جهة العراقية. ~~ثم ندب بدر الجمالي المذكور عطية وهو بالرحبة لقتاله؛ فدخل القاضي ابن عمار ~~المقيم بطرابلس بينهم وأصلح الحال. PageV02P0008 # وفيها كان بمصر الغلاء والقحط المتواتر الذي خرج عن الحد - وقد تقدم ذكره ~~- ولا زال في زيادة في هذه السنة والتي قبلها إلى أن أخذ أمره في نقص في ~~سنة إحدى وستين وأربعمائة. وأبيع القمح في هذه السنة بثمانين دينارا ms0974 ~~الإردب. وفيها توفي سعيد بن محمد بن الحسن، أبو القاسم إمام جامع صور. كان ~~فاضلا سمع الحديث ورواه؛ ومن رواياته عن الحسن البصري أنه قال: لا تشتروا ~~مودة ألف رجل بعداوة رجل واحد. وفيها توفي علي بن الخضر، أبو الحسن ~~العثماني الدمشقي الحاسب. كان له تصانيف في علم الحساب. ومات بدمشق في ~~شوال. وفيها كان بالرملة الزلزلة الهائلة التي أخربتها حتى طلع الماء من ~~رؤوس الآبار، وهلك من أهلها - كما نقل ابن الأثير - خمسة وعشرون ألفا. وقال ~~ابن الصابئ: حدثني علوي كان بالحجاز: أن الزلزلة كانت عندهم في الوقت ~~المذكور، وهو يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى الأولى، فرمت شرفتين من مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وانشقت الأرض فبان فيها كنوز ذهب وفضة، وانفجرت ~~فيها عين ماء، وأنها أهلكت أيلة ومن فيها؛ وذكر أشياء كثيرة من هذه ~~المقولة. وأما ابن الأثير فإنه قال: وانشقت صخرة بيت المقدس وعادت بإذن ~~الله، وأبعد البحر عن ساحله مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون السمك ~~فرجع الماء عليهم فأهلكهم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة والثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة ستين وأربعمائة. فيها ولى المستنصر دمشق للأمير بارزطغان قطب ~~الدولة، ووصل معه الشريف أبو طاهر حيدرة، ونزل بدار العقيقي، وانهزم بدر ~~الجمالي أمير الجيوش من دمشق، فنهب أهلها خزائنه لأنه كان مسيئا إليهم؛ ثم ~~ظفر بدر الجمالي بالشريف حيدرة بعد أمور صدرت وسلخه. وفيها جاء ناصر الدولة ~~بالأتراك إلى باب المستنصر بالقاهرة - وقيل: بالساحل - وزحف المذكورون إلى ~~باب وزيره ابن كدينة: فطالبوه بالمال؛ فقال: وأي مال بقي عندي بعد أخذكم ~~الأموال واقتسامكم الإقطاعات! فقالوا: لا بد أن تكتب إلى المستنصر. فكتب ~~إليه بما جرى. فكتب المستنصر الجواب على الرقعة بخطه يقول: السريع. أصبحت ~~لا أرجو ولا أتقي ... إلا إلهي وله الفضل جدي نبيي وإمامي أبي ... وقولي ~~التوحيد والعدل المال مال الله، والعبد عبد الله، والإعطاء خير ms0975 من المنع " ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " . وفيها توفي أحمد بن محمد بن عقيل ~~الشهرزوري الشاعر الفاضل في القدس الشريف. وكان إماما فاضلا أديبا شاعرا. ~~ومن شعره: البسيط. واحسرتا مات حظي من قلوبكم ... وللحظوظ كما للناس آجال ~~وفيها توفي الحسن بن أبي طاهر بن الحسن، أبو علي الختلي. كان يسكن دمشق ~~وبها توفي. ومن رواياته عن الحسن عن الحسن عن الحسن عن الحسن عن النبي. صلى ~~الله عليه وسلم قال: " إن أحسن الحسن الخلق الحسن " فالحسن الأول ابن حسان ~~التميمي، والثاني ابن دينار، والثالث البصري، والرابع ابن علي بن أبي طالب، ~~رضي الله عنهما. وفيها توفيت خديجة بنت محمد بن علي بن عبد الله الواعظة ~~الشاهجانية. كانت عظيمة مشهورة بالصدق والورع والزهد والدين المتين. ولدت ~~سنة ست وسبعين وثلاثمائة. وكانت تسكن قطيعة الربيع. وصحبت ابن سمعون ~~الواعظ. ولما ماتت دفنت إلى جانبه. وفيها توفي عبد الملك بن محمد بن يوسف، ~~أبو منصور البغدادي؛ كان إماما بارعا. لم يكن في زمانه من يخاطب بالشيخ ~~الأجل سواه. ولد سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وكان أوحد زمانه في فعل ~~المعروف، والقيام بأمور العلماء، وقمع أهل البدع. وفيها توفي أبو جعفر ~~الطوسي فقيه الإمامية الرافضة وعالمهم. وهو صاحب التفسير الكبير وهو عشرون ~~مجلدا، وله تصانيف أخر. مات بمشهد علي - رضي الله عنه - وكان مجاورا ~~بضريحه. كان رافضيا قوي التشيع. وفيها توفي أحمد بن محمد بن عيسى بن هلال، ~~أبو عمر القرطبي المعروف بابن القطان المالكي المغربي، شيخ المالكية في ~~زمانه وعالمهم. مات في هذه السنة وله سبعون سنة. وفيها توفي أحمد بن الفضل، ~~أبو بكر الباطرقاني المقرئ في صفر وله ثمان وثمانون سنة. كان إماما عالما ~~بالقراءات رحمه الله. أمر النيل في هذه السنة: PageV02P0009 # الماء القديم أربع أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة الرابعة والثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة إحدى وستين وأربعمائة. فيها خرج ناصر الدولة بن حمدان من عند ~~الوزير أبي عبد الله الماشلي وزير المستنصر ms0976 بمصر فوثب عليه رجل صيرفي وضربه ~~بسكين؛ فأمسك الصيرفي وشنق في الحال، وحمل ناصر الدولة بن حمدان إلى داره ~~جريحا، فعولج فبرئ بعد مدة. وقيل: إن المستنصر ووالدته كانا دسا الصيرفي ~~عليه. وفي هذه الأيام اضمحل أمر المستنصر بالديار المصرية لتشاغله باللهو ~~والشرب والطرب. فلما عوفي ابن حمدان اتفق مع مقدمي المشارقة، مثل سنان ~~الدولة وسلطان الجيوش وغيرهما، فركبوا وحصروا القاهرة. فاستنجد المستنصر ~~وأمه بأهل مصر، وأذكرهم حقوقه عليهم، ووعدهم بالإحسان؛ فقاموا معه ونهبوا ~~دور أصحاب ابن حمدان وقاتلوهم. فخاف ابن حمدان وأصحابه، ودخلوا تحت طاعة ~~المستنصر، بعد أمور كثيرة صدرت بين الفريقين. وفيها أبيع القمح بمصر بمائة ~~دينار الإردب، ثم عدم وجوده. وقد ذكرنا ذلك كله في أول ترجمة المستنصر ~~مفصلا. وفيها توفي عبد الرحيم بن أحمد بن نصر، الحافظ أبو زكريا البخاري ~~التميمي؛ سمع الحديث وطاف البلاد في طلب الحديث، وسمع بعدة أقطار، واتفقوا ~~على صدقه وثقته. وكانت وفاته في المحرم بمصر. وفيها توفي محمد بن مكي بن ~~عثمان، الحافظ أبو الحسين الأزدي المصري في جمادى الأولى؛ وكان إماما فاضلا ~~محدثا سمع الحديث ورحل البلاد. وفيها توفي نصر بن عبد العزيز، أبو الحسين ~~الشيرازي الفارسي المقرئ كان إماما في علم القراءات، وله سماع ورواية. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة والثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة اثنتين وستين وأربعمائة. فيها كان معظم الغلاء بالديار المصرية ~~حتى خربت وخرب غالب أعمالها. وأبطل صاحب مكة وأصاحب، المدينة خطبة ~~المستنصر، وخطبا للقائم بأمر الله العباسي، فلم يلتفت المستنصر لذلك لشغله ~~بنفسه ورعيته من عظم الغلاء. وفيها وقف الوزير نظام الملك الأوقاف على ~~مدرسته النظامية ببغداد. وفيها توفي الحسن بن علي بن محمد، أبو الجوائز ~~الواسطي الكاتب؛ ولد سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة؛ وسكن بغداد دهرا طويلا. ~~وكان شاعرا ماهرا. ومن شعره - رحمه الله تعالى - : واحربا من قولها: ... ~~خان عهودي ولها وحق من صيرني ... وقفا عليها ms0977 ولها ما خطرت بخاطري ... إلا ~~كستني ولها وفيها توفي الشريف حيدرة بن إبراهيم، أبو طاهر بن أبي الجن، ~~الشريف العلوي. كان عالما قارئا محدثا، وكان عدوا لبدر الجمالي؛ فلفا دخل ~~بدر الجمالي دمشق هرب منها حيدرة المذكور إلى عمان البلقاء؛ فغدر به بدر بن ~~حازم وبعث به إلى بدر الجمالي بعد أن أعطاه بدر الجمالي اثني عشر ألف دينار ~~وخلعا كثيرة؛ فقتله بدر الجمالي أقبح قتلة ثم سلخ جلده. وقيل: سلخه حيا. ~~وأظن القاضي شهاب الدين أحمد قاضي دمشق وكاتب مصر في زماننا هذا كان من ~~ذرية ابن أبي الجن هذا. والله أعلم. وفيها توفي محمد بن أحمد بن سهل، أبو ~~غالب بن بشران النحوي الواسطي الحنفي، ويعرف بابن الخالة. كان إماما عالما ~~فاضلا عارفا بالأدب والنحو واللغة والحديث والفقه، وكان شيخ العراق ورحلته. ~~وابن بشران جده لأمه. ومات بواسط. ومن شعره: المتقارب. يقول الحبيب غداة ~~الوداع ... كأن قد رحلنا فما تصنع فقلت أواصل سفح الدموع ... وأهجر نومي ~~فما أهجع وله أيضا: البسيط. لما رأيت سلوى غير متجه ... وأن عزم اصطباري ~~عاد مفلولا دخلت بالرغم مني تحت طاعتكم ... ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~وفيها توفي هزارسب بن تنكر بن عياض، أبو كاليجار تاج الملوك الكردي. كان ~~قدم على السلطان ألب أرسلان السلجوقي بأصبهان ثم عاد إلى خوزستان، ونزل ~~بموضع يعرف بخرندة. وكان قد تجبر وتكبر وتسلط وتفرعن وتزوج بأخت السلطان ~~ألب أرسلان، فلحقه مرض الذرب حتى مات منه. PageV02P0010 # وفيها توفي محمد بن عتاب، الإمام الفقيه أبو عبد الله القرطبي المالكي ~~مفتي قرطبة وعالمها؛ انتهت إليه رياسة مذهبه في زمانه ببلاد قرطبة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة السادسة والثلاثون من خلافة المستنصر # وهذه سنة ثلاث وستين وأربعمائة. فيها كانت الواقعة العظيمة بين السلطان ~~ألب أرسلان بن طغرلبك السلجوقي وبين ملك الروم، وانتصر المسلمون ولله ~~الحمد. ثم سار ألب أرسلان إلى ديار بكر وافتتح بها عدة حصون، ثم ms0978 نزل على ~~الفرات؛ ولم يخرج إليه محمود صاحب حلب فغاظه ذلك، فقدم حلب فسار إليها ~~ووصلها، وأخربت عساكره حلب ونهبوها، ووصلت عساكره إلى القريتين من أعمال ~~حمص؛ ثم شفع فيه الخليفة القائم بأمر الله، فقبل ألب أرسلان الشفاعة ~~واصطلحا. وفيها ملكت الفرنج جزيرة صقلية. وسببه أنه كان بها وال، فبعث إليه ~~المستنصر صاحب مصر يطلب منه المال، وكان عاجزا عما طلب منه، فبعث إلى ~~الفرنج وفتح لهم باب البلد فدخلوا وقتلوا وملكوا الجزيرة. وفيها ظهر أتسز ~~بن أوق مقدم الأتراك، وفتح الرملة وبيت المقدس، وضايق دمشق، وأخرب الشام. ~~وفيها توفي أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر الخطيب البغدادي. ~~ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة بدرزيجان قرية من قرى العراق تم انتقل إلى ~~بغداد، ورحل وسمع الحديث، وصنف الكتب الكثيرة. ويروى عن أبي الحسين بن ~~الطيوري أنه قال: أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصوري يعني أخذها ~~برمتها. منها: تاريخ بغداد الذي تكلم فيه في غالب علماء الإسلام بالألفاظ ~~القبيحة بالروايات الواهية الأسانيد المنقطعة، حتى امتحن في دنياه بأمور ~~قبيحة - نسأل الله السلامة وحسن العاقبة - ورمي بعظائم. وأمر صاحب دمشق ~~بقتله لولا أنه استجار بالشريف ابن أبي الحسن فأجاره. وقصته مع الصبي الذي ~~عشقه مشهورة. ومن أراد شيئا من ذلك فلينظر في تاريخ الإمام الحافظ الحجة ~~أبي الفرج بن الجوزي المسمى ب المنتظم وأيضا ينظر في تاريخ العلامة شمس ~~الدين يوسف بن قز أوغلي أعني مرآة الزمان وما وقع له من الأمور والمحن. وما ~~ربك بظلام للعبيد. أضربت عن ذكر ذلك كله لكونه متخلقا بأخلاق الفقهاء، ~~وأيضا من حملة الحديث الشريف. غير أنني أذكر من شعره ما تغزل به في محبوبه ~~المذكور. فمن ذلك قوله من قصيدة أولها: البسيط. تغيب الناس عن عيني سوى قمر ~~... حسبي من الناس طرا ذلك القمر وكفه على هذه الكيفية. وفيها توفي أحمد بن ~~عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون، أبو الوليد المخزومي الأندلسي القرطبي ~~الشاعر المشهور المعروف بابن زيدون، ms0979 حامل لواء الشعراء في عصره. كانت وفاته ~~في شهر رجب بمدينة إشبيلية. ومن شعره: السريع. أيتها النفس إليه اذهبي ... ~~فما لقلبي عنه من مذهب مفضض الثغر له نقطة ... من عنبر في خده المذهب ~~أنساني التوبة من حبه ... طلوعه شمسا من المغرب وله القصيدة التي سارت بها ~~الركبان الموسومة بالزيدونية التي أولها: البسيط. بنتم وبنا فما ابتلت ~~جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا وفيها توفي محمد بن علي بن محمد بن ~~حباب، أبو عبد الله الصوري الشاعر المشهور. كان فاضلا فصيحا. مات بطرابلس. ~~ومن شعره أول قصيدة: مجزوء الكامل. صب جفاه حبيبه ... فحلا له تعذيبه وفيها ~~توفي محمد بن وشاح بن عبد الله، أبو علي. ولد سنة تسع وسبعين وثلاثمائة. ~~وكان فاضلا كاتبا شاعرا فصيحا مترسلا. رحمه الله. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة السابعة والثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة أربع وستين وأربعمائة. فيها بعث الخليفة بأمر الله الشريف أبا ~~طالب الحسن بن محمد، أخا طراد الزينبي، إلى أبي هاشم محمد أمير مكة بمال ~~وخلع، وقال له: غير الأذان وأبطل حي على خير العمل. فناظره أبو هاشم ~~المذكور مناطرة طويلة، وقال له: هذا أذان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ~~فقال له أخو الشريف: ما صح عنه، وإنما عبد الله بن عمر بن الخطاب روي عنه ~~أنه أذن به في بعض أسفاره، وما أنت وابن عمر فأسقطه من الأذان. ~~PageV02P0011 # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عثمان، القاضي أبو طالب أمير الدولة، ~~الحاكم على طرابلس الشام والمتوفي عليها. وكان كريما، كثير الصدقة، عظيم ~~المراعاة للعلويين. مات في نصف شهر رجب. وفيها توفي عيسون بن علي، الشيخ ~~أبو بكر الصقلي الزاهد المشهور. كان كثير العبادة والزهد والورع. صنف كتابا ~~سماه دليل القاصدين في اثني عشر مجلدا. وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد بن ~~عبد الله بن عبد الصمد ابن الخليفة المهتدي بالله، أبو الحسين الهاشمي ~~العباسي، ms0980 خطيب جامع المنصور ببغداد. كان صالحا عالما زاهدا ثقة. وفيها توفي ~~المعتضد بالله عباد بن محمد بن إسماعيل بن عباد الملك الجليل صاحب إشبيلية ~~من بلاد الغرب، في قول الذهبي. كان من أجل ملوك المغرب وأعظمهم؛ وكان محبا ~~للعلماء والشعراء، وعنده فضيلة ومشاركة. وكان ابن زيدون الشاعر - المقدم ~~ذكره - عنده في صورة وزير. رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الثامنة والثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة خمس وستين وأربعمائة. فيها قتل الحسن بن الحسين بن حمدان، ~~الأمير أبو محمد ناصر الدولة التغلبي، ذو المجدين المقدم ذكره في أول ترجمة ~~المستنصر هذا. وقع له أمور آل أمره بعدها إلى أن تزوج ببنت إلدكز، واتفق ~~معه. واتفق لهما أمور كثيرة مع المستنصر صاحب الترجمة. ولما اتفقا قوي أمر ~~ناصر الدولة هذا ودخل إلى مصر واستولى عليها، ولقب نفسه بسلطان الجيوش، ~~وأمن إلدكز وناصر الدولة هذا كل منهما إلى الآخر. ووقع لهما أمور، إلى أن ~~دخل ناصر الدولة مصر ثالث مرة، فغدر إلدكز به وقتله، حسب ما ذكرناه مفضلا ~~في ترجمة المستنصر. ثم خرج إلدكز بمن معه إلى محمود بن ذبيان أمير بني سنبس ~~فقتلوه، وكان عنده الأمير شاور فقتلوه أيضا، وخرجوا إلى خيمة تاج المعالي ~~بن حمدان أخي ناصر الدولة فقتلوه بعد أن هرب منهم. ثم قطع ابن حمدان ~~المذكور قطعا وأنفذ كل قطعة إلى بلد. قلت: وهذا ناصر الدولة آخر من بقي من ~~أولاد بني حمدان ملوك حلب وغيرها. وفيها توفي عبد الكريم بن هوازن بن عبد ~~الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم القشيري النيسابوري. ولد سنة ست وسبعين ~~وثلاثمائة في شهر ربيع الأول؛ وربي يتيما فقرأ واشتغل بالأدب والعربية. ~~وكان أولا من أبناء الدنيا، فجذبه أبو علي الدقاق فصار من الصوفية. وتفقه ~~على بكر بن محمد الطوسي، وأخذ الكلام عن ابن فورك، وصنف التفسير الكبير ~~والرسالة. وكان يعظ ويتكلم بكلام الصوفية. ومات ms0981 بنيسابور. ومن شعره: ~~السريع. إن نابك الدهر بمكروه ... فقل بتهوين تخاويفه فعن قريب ينجلي غمه ~~... وتنقضي كل تصاريفه وقد روينا رسالته عن حافظ العصر قاضي القضاة شهاب ~~الدين أحمد بن علي ابن حجر، أنا أبو الحسن بن أبي المجد شفاها، أنا أبو ~~محمد القاسم بن مظفر بن عساكر إجازة إن لم يكن سماعا، أنا محمد بن علي بن ~~محمود العسقلاني سماعا، أنا أم المؤيد زينب بنت عبد الرحمن الشعرية سماعا، ~~أنا أبو الفتوح عبد الوهاب بن شاه الكرماني، أنا المؤلف إحمع الله. وفيها ~~توفي السلطان ألب أرسلان، عضد الدولة، أبو شجاع محمد الملقب بالملك العادل ~~ابن جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجوق السلجوقي التركي، ثاني ملوك بني ~~سلجوق؛ كان اسمه بالعربي محمدا، وبالتركي ألب أرسلان. وأصل هؤلاء السلجوقية ~~من الأتراك فيما وراء النهر، في موضع بينه وبين بخارى مسافة عشرين فرسخا؛ ~~وكانوا لا يدخلون تحت طاعة سلطان حتى صار من أمرهم ما صار. وهو ابن أخي ~~السلطان طغرلبك محمد، وبعده تولى السلطنة. وألب أرسلان هذا هو أول من أسلم ~~من أخوته، وأول من لقب بالسلطان من بني سلجوق، وذكر على منابر بغداد. وكانت ~~سلطنته بعد عمه طغرلبك في سنة سبع وخمسين وأربعمائة. ونازعه PageV02P0012 # أخوه قاورد بك فلم يتم له أمر. وكان ملكا مطاعا شجاعا. مات وهو أجل ملوك ~~بني سلجوق وأعدلهم في الرعية. وهو الذي أنشأ وزيره نظام الملك. وتولى ~~السلطنة من بعده ولده ملكشاه. ومات ألب أرسلان وعمره أربعون سنة قتيلا؛ ~~وكان سبب موته أنه سار في سنة خمس وستين وأربعمائة في مائتي ألف فارس إلى ~~نحو بلاد الروم، ثم عاد إلى ديار بكر، ثم إلى جهة حلب وقصد شمس الملك تكين. ~~فلفا دخل إليه أتاه أعوانه بوالي قلعة من قلاع شمس الملك، واسم الوالي يوسف ~~الخوارزمي، وقربوه إلى سرير السلطان ألب أرسلان، فأمر ألب أرسلان أن يضرب ~~له أربعة أوتاد وتشد أطرافه الأربعة إليها. فقال يوسف المذكور للسلطان: يا ~~مخنث، مثلي يقتل هذه القتلة! فغضب السلطان وأخذ ms0982 القوس والنشاب وقال: خلوه، ~~فرماه فأخطأه، ولم يكن يخطئ له سهم قبل ذلك، فأسرع يوسف المذكور وهجم على ~~السلطان على السرير، فنهض السلطان ونزل فعثر وخر على وجهه؛ فوصل يوسف إليه ~~وبرك عليه وضربه بسكين في خاصرته؛ وقتل يوسف في الحال، وحمل السلطان فمات ~~بعد أيام يسيرة - وقيل في يومه - وكان ذلك في جمادى الآخرة من السنة. وألب ~~أرسلان بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها باء موحدة وبقية الاسم معروف. وفيها ~~توفي قاورد بك بن داود بن ميكائيل السلجوقي أخو السلطان ألب أرسلان المقدم ~~ذكره. ولما مات أخوه ألب أرسلان نازع ابن أخيه ملكشاه وقاتله، فظفر به ~~ملكشاه بعد حروب وأسره وأمر بقتله؛ فخنقه رجل أرمني بوتر قوس، وتولى سعد ~~الدولة كوهرائين على قتله، وكان ذلك في شعبان بهمذان. وأمر قاورد بك ~~المذكور من العجائب؛ فإنه كان يتمنى موت ألب أرسلان ويتصور أنه يملك الدنيا ~~بعده، فكان هلاكه مقرونا بهلاكه. قلت: وكذلك كان أمر قتلمش مع أخيه طغرلبك ~~عم ألب أرسلان وقاورد بك؛ فإنه كان ينظر في النجوم ويتحقق أنه يملك بعده، ~~وكان هلاكه أيضا مقرونا بهلاكه. وفيها توفي محمد بن أحمد بن المسلمة، ~~الحافظ أبو جعفر. كان إماما حافظا محدثا عالما. مات ببغداد في جمادى الأولى ~~من السنة. وفيها توفي علي بن الحسن بن علي بن الفضل، الرئيس أبو منصور ~~الكاتب المعروف بصردر الشاعر المشهور. كان أحد نجباء الشعراء في عصره، جمع ~~بين جودة السبك وحسن المعنى. ومن شعره: البسيط. أكلف القلب أن يهوى وألزمه ~~... صبرا وذلك جمع بين أضداد وأكتم الركب أوطاري وأسأله ... حاجات نفسي لقد ~~أتعبت روادي وله أيضا: الكامل. لم أبك أن رحل الشباب وإنما ... أبكي لأن ~~يتقارب الميعاد شعر الفتى أوراقه فإذا ذوى ... جفت على آثاره الأعواد وله ~~أيضا في جارية سوداء: السريع. علقتها سوداء مصقولة ... سواد قلبي صفة فيها ~~ما انكسف البدر على تمه ... ونوره إلا ليحكيها لأجلها الأزمان أوقاتها ... ~~مؤرخات بلياليها أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وسبع عشرة ~~إصبعا. مبلغ ms0983 الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة التاسعة والثلاثون من خلافة المستنصر # وهي سنة ست وستين وأربعمائة. فيها خرج عساكر غزنة وتعرضوا لبلاد السلطان ~~ملكشاه السلجوقي: فخرج إليهم إلياس بن ألب أرسلان أخو ملكشاه، فقاتلهم ~~واستأمن إليه سبعمائة منهم، وانهزم من بقي إلى غزنة، وأوغل خلفهم إلياس. ~~وكان سلطان غزنة يوم ذاك إبراهيم بن مسعود بن سبكتكين. ثم عاد إلياس من ~~الوقعة وقد كفى ملكشاه أمر الغزنوية. ولما وصل إلياس إلى بلخ مات بعدها ~~بثلاثة أيام، وسر أخوه ملكشاه بموته، فإنه كان منحرفا على ملكشاه. فقال له ~~وزيره نظام الملك: لا تظهر الشماتة واقعد في العزاء؛ ففعل وأظهر الحزن ~~عليه. وفيها بنى حسان بن مسمار الكلبي قلعة صرخد، وكتب على بابها: أمر ~~بعمارة هذا الحصن المبارك الأمير الأجل مقدم العرب عز الذين فخر الدولة عدو ~~أمير المؤمنين يعني المستنصر صاحب مصر وذكر عليها اسمه ونسبه. PageV02P0013 # وفيها كما قال ابن الصابئ: ورد إلى مكة إنسان عجمي يعرف بسلار من جهة ~~جلال الدولة ملكشاه، ودخل وهو على بغلة بمركب ذهب، وعلى رأسه عمامة سوداء، ~~وبين يديه الطبول والبومات، ومعه للبيت كسوة ديباج أصفر، وعليها اسم محمود ~~بن سبكتكين وهي من استعماله؛ وكانت مودعة بنيسابور من عهد محمود بن سبكتكين ~~عند إنسان يعرف بأبي القاسم الدهقان، فأخذها الوزير نظام الملك منه وأنفذها ~~مع المذكور. وفيها توفي أحمد بن محمد بن عقيل أبو العباس الشهرزوري. كان ~~محدثا وسمع الكثير، وكان فاضلا فقيها شاعرا. مات ببيت المقدس في ذي القعدة. ~~ومن شعره من قصيدة طويلة قوله: البسيط. سألت طيفك عن تلفيق إفكهم ... فقال ~~معتذرا لا كان ما قالوا سعى الوشاة بقطع الود بينكما ... وللمودات بين ~~الناس آجال وفيها توفي عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان، أبو محمد الخفاجي ~~الحلبي الشاعر المشهور. كان فصيحا فاضلا. أخذ الأدب عن أبي العلاء المعري ~~وغيره، وسمع الحديث وبرع فيه. ومات بقلعة أعزاز من أعمال حلب. ومن شعره ~~قوله: الرمل. أترى طيفكم لما سرى ... أخذ النوم وأعطى ms0984 السهرا يا عيونا ~~بالغضا راقدة ... حرم الله عليكن الكرى ومنها: سل فروع البان عن قلبي فقد ~~... وهم البارق فيما ذكرا قال في الربع وما أحسبه ... فارق الأظعان حتى ~~انفطرا وفيها توفي عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي بن سليمان، أبو محمد ~~الكتاني الصوفي الحافظ الدمشقي أحد الرحالين في طلب العلم. كان من المكثرين ~~في الحديث كتابة وسماعا مع الصدق والأمانة. وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن ~~علي الحافظ، أبو بكر العطار الأصبهاني. كان عظيم الشأن ببلده، عارفا ~~بالرجال والمتون، وكان إماما ثقة. وفيها توفي محمد بن عبيد الله بن أحمد بن ~~محمد بن أبي الرعد الفقيه الحنفي، قاضي عكبرا. كان إماما فقيها صادقا ثقة. ~~مات بعكبرا يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر. وفيها توفيت الماوردية ~~البصرية. كانت زاهدة عابدة صالحة، تجتمع إليها النساء فتعظهن وتؤدبهن؛ ~~قاربت الثمانين سنة، أقامت منها خمسين سنة لا تفطر النهار ولا تنام الليل، ~~ولا تأكل خبزا ولا رطبا ولا تمرا، وإنما يطحن لها الباقلاء فتتقوت به. ~~وماتت بالبصرة فلم يبق بالبلد إلا من شهد جنازتها. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. ولما كان ليلة النوروز نقص أصابع، ثم ~~زاد حتى أوفى. ونودي عليه في سابع عشرين توت: إصبع من سبع عشرة ذراعا. ~~وانتهت زيادته في هذه السنة إلى ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع أعني أنه زاد ~~بعد الوفاء إصبعين لا غير. ### || AUT السنة الأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة سبع وستين وأربعمائة. فيها أعيدت الخطبة بمكة للمستنصر صاحب ~~الترجمة. PageV02P0014 # وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة ~~القادر بالله أحمد ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة ~~المعتضد بالله أحمد ابن الأمير طلحة الموفق ابن الخليفة المتوكل على الله ~~جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن ~~الخليفة المهدي بالله مجمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد ~~بن علي بن عبد الله بن عباس، أمير ms0985 المؤمنين أبو جعفر الهاشمي العباسي ~~البغدادي. وأمه أم ولد رومية تسمى قطر الندى. ماتت في خلافته، حسب ما ~~ذكرناه في هذا الكتاب في محله. ومولده في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وبويع ~~بالخلافة بعد موت أبيه وعمره إحدى وثلاثون سنة في ذي الحجة سنة اثنتين ~~وعشرين وأربعمائة. وكان جميلا، مليح الوجه، أبيض اللون، مشربا بحمرة، أبيض ~~الرأس واللحية، متدينا ورعا زاهدا عالما، في وجهه أثر صفار من قيام الليل؛ ~~وكان يسرد الصوم، وكان قليل الجماع، ولهذا قل نسله. وكان سبب تركه الجماع ~~أنه جامع ليلة وبين يديه شمعة فصارت صورته على الحائط صورة شنيعة، فقام ~~عنها وقال: لا عدت إلى مثلها. وكانت وفاته في يوم الخميس ثالث عشر شعبان من ~~هذه السنة، وله خمس وسبعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوما، وقيل غير ~~ذلك. وأقام في الخلافة أربعا وأربعين سنة. قلت: ومن الغرائب أن القائم هذا ~~كان معاصرا للمستنصر العبيدي صاحب الترجمة وهو خليفة مصر، وكلاهما مكث في ~~الخلافة ما لم يمكثه غيره من آبائه وأجداده من طول المدة؛ فالقائم هذا كانت ~~مدته أربعا وأربعين سنة، والمستنصر ستين سنة؛ فما أوقع للقائم لم يقع لأحد ~~من العباسيين، وما وقع للمستنصر لم يقع لأحد من الفاطميين. وبويع بالخلافة ~~بعد القائم حفيده عبد الله بن محمد الذخيرة بن القائم، المذكور. ومولده بعد ~~وفاة أبيه الذخيرة بستة أشهر، وتولى تربيته جده القائم، ولقب بالمقتدي بأمر ~~الله. وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود، أبو الحسن ~~بن أبي طلحة الداودي الحافظ. ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وسمع الحديث ~~وقرأ الفقه ودرس وأفتى، ووعظ وصنف؛ وكان له حظ من النظم والنثر. ومن شعره: ~~الخفيف. كان في الاجتماع للناس نور ... فمضى النور وأدلهم الظلام فسد الناس ~~والزمان جميعا ... فعلى الناس والزمان السلام وفيها توفي أبو الحسن علي بن ~~الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي. كان إماما فاضلا شاعرا، صنف دمية ~~القصر في شعراء أهل العصر. والعماد الكاتب حذا حذوه. وكان الباخرزي ms0986 فريد ~~عصره، وديوان شعره مشهور بأيدي الناس. ومن شعره قوله: الطويل. زكاة رؤوس ~~الناس في عيد فطرهم ... بقول رسول الله صاع من البر ورأسك أغلى قيمة فتصدقي ~~... بفيك علينا فهو صاع من الدر وفيها توفي علي بن الحسين بن أحمد بن ~~الحسين، أبو الحسن الثعلبي، ويعرف بابن صصرى. ذكره الحافظ ابن عساكر وأثنى ~~عليه. حدث عن تمام بن محمد وغيره، وكان ثقة. وأصل بني صصرى من قرية ~~بالموصل. ومات بدمشق. وفيها توفيت كوهر خاتون عمة السلطان ملكشاه السلجوقي ~~أخت السلطان ألب أرسلان. كانت دينة عفيفة، صادرها نظام الملك لما مات أخوها ~~ألب أرسلان وأخذ منها أموالا عظيمة. فخرجت إلى الري لتمضي إلى المباركية ~~تستنجدهم على قتال الوزير نظام الملك، فأشار نظام الملك على ملكشاه بقتلها ~~فقتلها. فلما وصل خبر قتلها إلى بغداد ذم الناس نظام الملك وقالوا: ما كفاه ~~بناء هذه المدرسة النظامية وغصبه لأراضي الناس وأخذ أنقاضهم حتى دخل في ~~الدماء من قتله هذه المرأة! وأيضا أنه أشار على ملكشاه بقتل عمه قاورد بك ~~المقدم ذكره، ثم أشار على ملكشاه بكحل أولاد عمه. وهجا نظام الملك جماعة من ~~أهل العراق؛ فلما بلغ نظام الملك قال: ما أقام هذه الشناعة علي إلا فخر ~~الدولة بن جهير. PageV02P0015 # وفيها توفي محمود بن نصر بن صالح بن مرداس صاحب حلب ويعرف بابن الروقلية. ~~كان عمه عطية قد أخذ حلب منه، فتجهز محمود هذا وأتاه وحصره حتى استعادها ~~منه. ومات بها في ليلة الخميس ثالث عشر شعبان، وهي الليلة التي مات فيها ~~الخليفة القائم بأمر الله العباسي. وسبب موته أنه عشق جارية لزوجته، وكانت ~~تمنعه منها، فماتت الجارية فحزن عليها حتى مات بعد يومين. ولما مات وقع بين ~~العسكر الخلاف. وكان محمود هذا قد أوصى إلى ولده أبي المعالي شبل وأسكنه ~~القلعة والخزائن عنده؛ وأسكن ولده نصرا البلد، وكان يكره نصرا ويحب شبلا، ~~والعساكر تحب نصرا؛ فلا زالوا حتى ملك نصر وخلع شبل. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وتسع عشرة ms0987 إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الحادية والأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة ثمان وستين وأربعمائة. فيها خرج مؤيد الملك بن نظام الملك ~~الوزير من بغداد يريد والده، وكان أبوه قد مرض، وخرج معه أبو عبد الله محمد ~~بن محمد بن محمد البيضاوي الشاهد رسولا من الديوان إلى السلطان إبراهيم بن ~~مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، يخبره بوفاة الخليفة القائم بأمر ~~الله وإقامة ولده المقتدي بعده في الخلافة. وفيها لبس بدر الجمالي أمير ~~الجيوش من المستنصر خلعة الوزارة بمصر، وكانت منزلته قبل ذلك أجل من ~~الوزارة، ولكن لبسها حتى لا يترتب أحد في الوزارة فينازعه في الأمر. وفيها ~~أيضا قبض بدر الجمالي على قاضي الإسكندرية ابن المحيرق وعلى جماعة من ~~فقهائها وأعيانها، وأخذ منهم أموالا عظيمة. وفيها استولى أتسز التركماني ~~على دمشق وخطب بها للمقتدي العباسي، وكتب إلى المقتدي يذكر له تسليمها إليه ~~وغلو الأسعار بها وموت أهلها، وأن الكارة الطعام بلغت في دمشق نيفا وثمانين ~~دينارا مغربية، وبقيت على ذلك أربع سنين. والكارتان ونصف غرارة بالشافي. ~~فتكون الغرارة بمائتي دينار. وهذا شيء لم يعهد مثله في سالف الأعصار. قلت: ~~ولا بعده. وقد تقدم ذكر هذا الغلاء بمصر والشام في ترجمة المستنصر هذا. ~~وفيها توفي أحمد بن علي بن محمد، القاضي أبو الحسين جلال الدولة الشريف ~~العلوي، كان ولي قضاء دمشق للمستنصر، وهو آخر قضاة المصريين الرافضة، وهو ~~الذي أجار الخطيب البغدادي لما أمر أمير دمشق بقتله. قال يوما وعنده أبو ~~الفتيان بن حيوس: وددت أني في الشجاعة مثل جدي علي، وفي السخاء مثل حاتم. ~~فقال له أبو الفتيان بن حيوس: وفي الصدق مثل أبي ذر الغفاري. فخجل الشريف، ~~فإنه كان يتزيد في كلامه. وفيها توفي إسماعيل بن علي أبو محمد العين زربي ~~الشاعر الفصيح. كان يسكن دمشق وبها مات. ومن شعره: وحقكم لا زرتكم في دجنة ~~... من الليل تخفيني كأني سارق ولا زرت إلا والسيوف شواهر ... علي وأطراف ~~الرماح لواحق وله أيضا: الطويل. ms0988 ألا يا حمام الأيك عيشك آهل ... وغصنك ميال ~~وإلفك حاضر أتبكي وما امتدت إليك يد النوى ... ببين ولم يذعر جناحك ذاعر ~~قلت: وهذا يشبه قول القائل في أحد معانيه: الخفيف نسب الناس للحمامة حزنا ~~... وأراها في الحزن ليست هنالك خضبت كفهما وطوقت الجي ... د وغنت وما ~~الحزين كذلك وفيها توفي مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن الحسن بن عبد ~~الرزاق، أبو جعفر البياضي الشاعر البغدادي. كان أديبا فاضلا شاعرا. مات ~~ببغداد في ذي القعدة. ومن شعره: الخفيف. ليس لي صاحب معين سوى اللي ... ل ~~إذا طال بالصدود عليا أنا أشكوهم الحبيب إليه ... وهو يشكو بعد الصباح إليا ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. وأوفى يوم نصف توت. ### || AUT السنة الثانية والأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة تسع وستين وأربعمائة. فيها في صفر غلب على المدينة النبوية محيط ~~العلوي وأعاد خطبة المستنصر هذا بها، وطرد عنها أميرها الحسين بن مهنأ فقصد ~~الحسين ملكشاه السلجوقي. PageV02P0016 # وفيها توفي - والصحيح في التي قبلها - علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو ~~الحسن الواحدي النيسابوري. كان من أولاد التجار من ساوه، وكان أوحد عصره في ~~التفسير. كان إماما عالما بارعا محدثا؛ صنف التفاسير الثلاثة: البسيط ~~والوجيز والوسيط. والغزالي أخذ هذه الأسماء برفتها وسمى بها تصانيفه. وصنف ~~الواحدي أيضا أسباب النزول في مجلد وشرح الأسماء الحسنى وكتبا كثيرة غير ~~ذلك. وكان له أخ اسمه عبد الرحمن قد تفقه وحدث أيضا. وفيها توفي إسفهدوست ~~بن محمد بن الحسن أبو منصور الديلمي الشاعر. كان أولا يهجو الصحابة - رضي ~~الله عنهم - والناس، ثم تاب وحسنت توبته. وقال في ذلك قصيدة طنانة أولها: ~~الكامل. لاح الهدى فجلا عن الأبصار ... كالليل يجلوه ضياء نهار ورأت سبيل ~~الرشد عيني بعدما ... غطى عليها الجهل بالأستار ومنها: وعدلت عما كنت ~~معتقدا له ... في الصحب صحب نبيك المختار السيد الصديق والعدل الرضى ... ~~عمر وعثمان شهيد الدار وهي طويلة جدا. وفيها توفي طاهر ms0989 بن أحمد بن باب شاذ، ~~أبو الحسن النحوي المصري صاحب المقدمة المشهورة. كان عالما فاضلا وله ~~تصانيف في النحو. سمع الحديث ورواه، وقرئ عليه الأدب بجامع مصر سنين. تردى ~~من سطح جامع مصر في شهر رجب فمات من ساعته. وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد ~~بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده - واسم منده إبراهيم بن الوليد - الحافظ ~~أبو القاسم ابن الحافظ أبي عبد الله العبدي الأصبهاني. كان كبير الشأن، ~~جليل القدر، حسن الخط واسع الرواية. ولد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وهو ~~أكبر أخوته - رحمه الله - ومات في شوال. وقال الذهبي: مات في سبعين ~~وأربعمائة. وفيها كان الطاعون العظيم بالشام، ومات خلائق لا تحصر. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. وأوفى بأواخر توت. ### || AUT السنة الثالثة والأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة سبعين وأربعمائة. فيها ورد كتاب ارتق بك على الخليفة المقتدي ~~العباسي بأخذه بلاد القرامطة. وفيها توفيت بنت الوزير نظام الملك وزوجة ~~الوزير عميد الدولة، وجلس الوزير وولده للعزاء. ونظام الملك وزير السلطان ~~ملكشاه، وعميد الدولة وزير الخليفة المقتدي بالله؛ وكان عميد الدولة في ~~المحل أعظم، ونظام الملك في المال أكثر. وفيها توفي أحمد بن عبد الملك بن ~~علي، الحافظ أبو صالح النيسابوري المؤذن. ولد سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، ~~وسمع الحديث الكثير، وصنف الأبواب والشيوخ؛ وكان يؤذن ويعظ، وكان شيخ ~~الصوفية في وقته علما وعملا وصدقا وثقة وأمانة. وفيها توفي عبد الخالق بن ~~عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد، أبو جعفر بن أبي موسى، الشريف ~~الهاشمي، إمام الحنابلة وعالمهم في زمانه. ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة. ~~وكان عالما ورعا فاضلا؛ تفقه على القاضي أبي يعلى. وكان يشهد ثم ترك ~~الشهادة. وكان صدوقا ثقة زاهدا عابدا مصنفا. مات بنيسابور في شهر رمضان. ~~وفيها توفي أحمد بن محمد ابن أحمد بن عبد الله بن النفور الحافظ أبو الحسن ~~البزاز. مات ببغداد في شهر رجب ms0990 وله تسعون سنة. وكان إماما محدثا فاضلا ~~بارعا. وفيها توفي الحسين بن محمد ابن أحمد بن طلاب أبو نصر خطيب دمشق في ~~صفر بها وله إحدى وتسعون سنة. وكان إماما بارعا محدثا فصيحا خطيبا. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. وفتح ~~الخليج في سابع عشر مسرى، والماء على اثنتي عشرة إصبعا من ست عشرة ذراعا. ~~وأوفى في رابع أيام النسيء، وبلغ سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ونقص في ثالث عشر بابة. ### || AUT السنة الرابعة والأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. فيها توفي إبراهيم بن علي بن الحسين، ~~أبو إسحاق شيخ الصوفية بالشام. سمع الحديث، وكان صاحب رياضات ومجاهدات. ~~أقام بصور أربعين سنة، ومات بدمشق. وفيها توفي الحسن بن أحمد بن عبد الله ~~أبو علي بن البناء الحنبلي. ولد سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. وبرع في الفقه ~~وغيره، وصنف في كل فن. وكان يقول: صنفت خمسين ومائة مصنف. وكانت وفاته في ~~شهر رجب هذه السنة. PageV02P0017 # وفيها توفي الحسين بن أحمد بن عقيل بن محمد أبو علي بن ريش الدمشقي. مات ~~بدمشق في جمادى الآخرة. وكان ثقة صدوقا فاضلا أديبا. وفيها توفي سعد بن علي ~~بن محمد بن علي بن الحسين، الحافظ أبو القاسم الزنجاني الصوفي. ولد سنة ~~ثمانين وثلاثمائة، وطاف البلاد وسمع الكثير. وانقطع في آخر عمره بمكة وصار ~~شيخ الحرم. وفيها توفي عبد القاهر بن عبد الرحمن، أبو بكر الجرجاني النحوي ~~شيخ العربية في زمانه. كان إماما بارعا مفتنا. انتهت إليه رياسة النحاة في ~~زمانه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع وعشرون إصبعا. ~~وفتح الخليج في سابع عشرين مسرى والماء على ثماني عشرة إصبعا من ست عشرة ~~ذراعا. وكان الوفاء في ثالث توت بعد ما توقف ولم يزد إلى عاشر مسرى. وكان ~~مبلغ الزيادة في هذه السنة سبع عشرة ذراعا وعشرين إصبعا، ونقص في خامس بابة. ### || AUT السنة الخامسة والأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. ms0991 فيها توفي منصور بن بهرام الأمير نظام ~~الملك صاحب ميافارقين من ديار بكر، وملك بعده ابنه ناصر الدولة. وفيها توفي ~~هياج بن عبيد بن الحسين، أبو محمد الحطيني الزاهد - وحطين: قرية غربي ~~طبرية. ويقال: إن قبر شعيب عليه السلام بها، وبنته صفوراء زوجة موسى عليه ~~السلام أيضا بها. وحطين بكسر الحاء المهملة وفتحها - . وكان هياج المذكور ~~إماما زاهدا. سمع الحديث وبرع، وجاور بمكة وصار فقيه الحرم ومفتي مكة. وكان ~~يصوم يوما ويفطر يوما، ويأكل في كل ثلاثة أيام مرة، ويعتمر في كل يوم ثلاث ~~مرات على قدميه. وأقام بالحرم أربعين سنة لم يحدث فيه، وكان يخرج إلى الحل ~~ويقضي حاجته. وكان يزور النبي صلى الله عليه وسلم في كل سنة ماشيا، وكان ~~يزور عبد الله بن عباس في كل سنة مرة بالطائف، ويأكل أكلة بالطائف وأخرى ~~بمكة، وما كان يدخر شيئا، ولم يكن له غير ثوب واحد. وفيه قال بعضهم: ~~الوافر، أقول لمكة ابتهجي وتيهي ... على الدنيا بهياج الفقيه إمام طلق ~~الدنيا ثلاثا ... فلا طمع لها من بعد فيه وكان سبب موته أن بعض الرافضة شكا ~~إلى صاحب مكة محمد بن أبي هاشم، قال: إن أهل السنة يستطيلون علينا بهياح، ~~وكان صاحب مكة المذكور رافضيا خبيثا، فأخذه وضربه ضربا عظيما على كبر سنه، ~~فبقي أياما ومات، وقد نيف على الثمانين سنة، ودفن إلى جانب الفضيل بن عياض، ~~رحمة الله عليهما. ولما مات قال بعض العلماء: لو ظفرت النصارى بهياج لما ~~فعلوا فيه ما فعله به صاحب مكة هذا الخبيث!. قلت: وهم الآن على هذا المذهب ~~سوى أن الله تعالى قمعهم بالدولة التركية ونصر أهل السنة عليهم، وجعلهم ~~رعايا ليس لهم بمكة الآن غير مجرد الاسم. وفيها توفي الحسن بن عبد الرحمن، ~~أبو علي الفقيه المكي الشافعي في ذي القعدة؛ وكان من الفضلاء. وفيها توفي ~~أبو عبد الله يحيى بن أبي مسعود عبد العزيز بن محمد الفارسي بهراة في شوال؛ ~~وكان إماما فقيها نحويا محدثا. أمر النيل في هذه السنة: الماء ms0992 القديم لم ~~يتحرر، فإنه زاد في بؤونة خمس أذرع، ثم نقص ثلاث أذرع؛ ولم يزد إلى ثاني ~~عشرين أبيب. وفتح الخليج في عشرين مسرى والماء على تسع عشرة إصبعا من ست ~~عشرة ذراعا. وكثرت زيادته في توت، وانتهى إلى خمس عشرة ذراعا وثماني عشرة ~~إصبعا، ثم نقص في ثاني بابة. ### || AUT السنة السادسة والأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. فيها وصل السلطان ملكشاه السلجوقي إلى ~~الري لقتال ابن عمه سلطان شاه بن قاورد بك؛ فخرج إليه سلطان شاه مستأمنا ~~وقبل الأرض بين يديه. فقام السلطان ملكشاه له وأجلسه بجانيه وتحالفا وزوجه ~~ابنته، وعاد السلطان ملكشاه إلى أصبهان. وفيها ملك جلال الملك أبو الحسن بن ~~عمار قاضي طرابلس وصاحبها حصن جبلة. وكان ابن عمار هذا قاضي طرابلس ~~وصاحبها، غلب على تلك البلاد سنين، وعجز بدر الجمالي أمير الجيوش عن ~~مقاومته. وفيها عزل المقتدي بالله العباسي وزيره عميد الدولة واستوزر أبا ~~شجاع محمد بن الحسين الروذراوري، وكان صالحا عفيفا دينا. فهجاه الموصلي ~~فقال: الكامل ما استبدلوا ابن جهير في ديوانهم ... بأبي شجاع لرفعة وجلال ~~PageV02P0018 # لكن رأوه أشح أهل زمانه ... فاستوزروه لحفظ بيت المال وفيها توفي محمد بن ~~الحسين بن عبد الله بن أحمد بن يوسف بن الشبلي، أبو علي الشاعر البغدادي؛ ~~كان شاعرا مجيدا؛ ومات في المحرم. ومن شعره: الكامل لا تظهرن لعاذل أو عاذر ~~... حاليك في السراء والضراء فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل ~~شماتة الأعداء وفيها توفي محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس الأمير الشاعر. ~~كان أحد شعراء الشاميين وفحولهم المجيدين، وكان له ديوان شعر. ومات بدمشق ~~في شعبان وقد جاوز الثمانين سنة. وأنشد له ابن عساكر قصيدة أولها: الكامل ~~أسكان نعمان الأراك تيقنوا ... بأنكم في ربع قلبي سكان وفيها توفي علي بن ~~محمد بن علي، أبو الحسن الصليحي الخارج باليمن. قال ابن خلكان: كان أبوه ~~قاضيا باليمن سني المذهب، ثم ذكر عنه فضيلة وأشياء أخر تدل على أنه كان ~~رافضيا خبيثا، إلى أن قال: ثم ms0993 إنه صار يحج بالناس على طريق السراة والطائف ~~خمس عشرة سنة. انتهى كلام ابن خلكان. قلت: وتغلب على اليمن حتى ملكه، وجعل ~~كرسي ملكه بصنعاء، وبنى عدة قصور، وطالت أيامه، ودخل سنة خمس وخمسين ~~وأربعمائة إلى مكة واستعمل الجميل مع أهلها، ورخصت الأسعار، وأحبه الناس ~~لتواضع كان فيه. ودخل معه مكة زوجته الحرة التي كان خطب لها على منابر ~~اليمن؛ وأقام بمكة شهرا ثم رحل. وكان يركب فرسا بألف دينار، وعلى رأسه ~~العصائب. وإذا ركبت زوجته الحرة ركبت في مائتي جارية بالحلي والجواهر، وبين ~~يديها الجنائب بالسروج الذهب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. وفتح الخليج في خامس توت والماء على خمس عشرة ~~إصبعا من ست عشرة ذراعا. وكان الوفاء في خامس عشرين توت. وكان مبلغ الزيادة ~~في هذه السنة ست عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ونقص في ثالث بابة. ### || AUT السنة السابعة والأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة أربع وسبعين وأربعمائة. فيها توفي داود ولد السلطان ملكشاه ~~السلجوقي في يوم الخميس حادي عشرين في الحجة بأصبهان، وحزن عليه والده ~~ملكشاه حزنا جاوز الحد، وفعل في مصابه مالم يسمع بمثله، ورام قتل نفسه ~~دفعات وخواصه تمنعه من ذلك، ولم يمكن من أخذه وغسله لقلة صبره على فراقه، ~~حتى تغير وكادت رائحته تظهر، فحينئذ مكن منه. وامتنع عن الطعام والشراب. ~~واجتمع الأتراك والتركمان في دار المملكة وجزوا شعورهم، واقتدى بهم نساء ~~الحواشي والحشم والأتباع والخدم، وجرت نواصي الخيول وقلبت السروج، وأقيمت ~~الخيول مسودات، وكذا النساء المذكورات؛ وأقام أهل البلد المأتم في منازلهم ~~وأسواقهم. وبقيت الحال على هذا سبعة أيام، حتى كلمه أرباب الدولة في منع ~~ذلك؛ وأرسل إليه الخليفة يحثه على الجلوس بالديوان. وفيها سار تتش صاحب ~~دمشق فافتتح أنطرطوس وغيرها. وفيها أخذ شرف الدولة صاحب الموصل حران من بني ~~وثاب النميريين، وصالحه صاحب الرهاء وخطب له بها. وفيها تملك الأمير سديد ~~الملك أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني حصن شيزر، ms0994 وانتزعه من ~~الفرنج، بعد أن نازلها وتسلمها بالأمان وبمال للأسقف. فلم تزل شيزر بيده ~~وبيد أولاده إلى أن هدمتها الزلزلة وقتلت أكثر من كان بها؛ فعند ذلك أخذها ~~السلطان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد وأصلحها وجددها. وأما سديد ~~الملك فلم يحي بعد أن تملكها إلا نحو السنة ومات. وكان شجاعا فارسا شاعرا. ~~وملكها بعده ابنه أبو المرهف نصر. وفيها توفي سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب ~~بن وارث، الإمام أبو الوليد التجيبي القرطبي الباجي صاحب التصانيف. أصله ~~بطليوسي، وانتقل آباؤه إلى باجة، وهي مدينة قريبة من إشبيلية. وولد في ذي ~~القعدة سنة ثلاث وأربعمائة. ورحل البلاد وحج وسافر إلى الشام وبغداد، وسمع ~~بهما الكثير. قال القاضي عياض: وولي قضاء مواضع من الأندلس، وذكر مصنفاته ~~وأثنى على علمه وفضله. وفيها توفي نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد أبو ~~الأغر صاحب الحلة. عاش ثمانين سنة، كان فيها أميرا نيفا وستين سنة؛ وكان ~~الطبول تضرب على بابه في أوقات الصلوات، وكان جوادا ممدحا؛ كان محط رحال ~~الرافضة - أخزاهم الله - وملك بعده ابنه أبو كامل بهاء الدولة منصور. أمر ~~النيل في هذه السنة: PageV02P0019 # الماء القديم خمس أذرع وثماني عشرة إصبعا. وفتح الخليج في خامس عشرين ~~مسرى، والماء على ثماني عشرة إصبعا من ست عشرة ذراعا. وكان الوفاء أول أيام ~~النسيء. وبلغ ثماني عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ونقص في ثالث بابه. ### || AUT السنة الثامنة والأربعون من خلافة المستنصر # وهي سنة خمس وسبعين وأربعمائة. فيها شفع أرتق بك إلى تاج الدولة تتش ~~صاحب الشام في مسمار الكلبي فأفرج عنه، وسار الأمير أرتق بك إلى القدس. ~~وفيها فتح ابن قتلمش حصن أنطرطوس من الروم، وبعث إلى ابن عمار قاضي طرابلس ~~وصاحبها يطلب منه قاضيا وخطيبا. وفيها سار مسلم بن قريش صاحب حلب إلى دمشق ~~وحصر بها صاحبها تتش، ثم عاد عنها ولم يظفر بطائل. وفيها توفي ابن ماكولا ~~علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد ابن دلف ابن ms0995 الأمير أبي ~~دلف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجلي. وعجل: بطن من بكر بن وائل من ~~أمة ربيعة أخي مضر ابني نزار بن معد بن عدنان. قال شيرويه في طبقاته: وكان ~~يعرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، وولد بعكبرا في سنة إحدى وعشرين ~~وأربعمائة في شعبان، وكنيته أبو نصر. قال صاحب مرآة الزمان: الأمير الحافظ ~~أبو نصر العجلي. قال أبو عبد الله الحميدي: ما راجعت أبا نصر ابن ماكولا في ~~شيء إلا وأجابني حفظا، كأنه يقرأ من كتاب. قلت وهو الذي صنف عن أوهام ~~الخطيب كتابا سماه مستمر الأوهام. ومات في هذه السنة. وقيل سنة تسع وسبعين، ~~وقيل سنة سبع وثمانين. ومن شعره - رحمه الله - : الطويل ولما توافينا تباكت ~~قلوبنا ... فمسك دمع يوم ذاك كساكبه فيا كبدي الحرى البسي ثوب حسرة ... ~~فراق الذي تهوينه قد كساك به وفيها توفي محمد بن أحمد بن عيسى الإمام أبو ~~بكر السمسار. مات في شوال. كان إماما فاضلا بارعا، سمع الحديث وبرع في ~~فنون. وفيها وقع الطاعون ببغداد ثم بمصر وما والاهما، فمات فيه خلق كثير. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني عشرة ذراعا. ثم زاد حنى كان ~~مبلغ الزيادة في هذه السنة خمس عشرة ذراعا وعشر أصابع. ثم نقص في خامس بابه. ### || AUT السنة التاسعة والأربعون من ولاية المستنصر # وهي سنة ست وسبعين وأربعمائة. فيها عزل المقتدي بالله العباسي عميد ~~الدولة عن الوزارة. وفيها سلم ابن صقيل قلعة بعلبك إلى تاج الدولة تتش صاحب ~~الشام، وكان مقيما فيها من قبل المستنصر العبيدي صاحب الترجمة، وكان ذلك في ~~صفر. وفيها عزم تتش صاحب دمشق على مصاهرة أمير الجيوش بدر الجمالي وزير مصر ~~وصاحب عقدها وحلها، فأشار ابن عمار قاضي طرابلس وصاحبها على تتش بألا يفعل، ~~فثنى عزمه عن ذلك. وفيها توفي سلطان شاه بن قارود بك بن داود بن ميكائيل ~~السلجوقي صاحب كرمان وابن عم السلطان ملكشاه؛ فقدمت أمه على ملكشاه بهدايا ~~وأموال، فأكرمها وأقر ولدها الآخر مكانه. وفيها تغيرت ms0996 نية السلطان ملكشاه ~~على وزيره نظام الملك، ثم أصلح نظام الملك أمره معه. وفيها توفي إبراهيم بن ~~علي بن يوسف، أبو إسحاق الفيروزابادي الشيرازي الشافعي. ولد سنة ثلاث ~~وتسعين وثلاثمائة، وتفقه بفارس على أبي عبد الله البيضاوي، وببغداد على أبي ~~الطيب الطبري. وسمع الحديث، وكان إماما فقيها عالما زاهدا. ولما قدم خراسان ~~في الرسالة تلقاه الناس وخرجوا إليه من نيسابور، فحمل إمام الحرمين أبو ~~المعالي الجويني غاشيته ومشى بين يديه كالخدم وقال: أنا أفتخر بهذا. قال ~~أبو المظفر في المرآة: وما عيب عليه شيء إلا دخوله النظامية، وذكره الدروس ~~بها، لأن حاله في الزهد والورع خلاف ذلك. ثم ساق له أشعارا كثيرة. منها في ~~غريق في الماء: الطويل غريق كأن الموت رق لأخذه ... فلان له في صورة الماء ~~جانبه أبى الله أن أنساه دهري فإنه ... توفاه في الماء الذي أنا شاربه وله: ~~الوافر سألت الناس عن خل وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرت بود ~~حر ... فإن الحر في الدنيا قليل وكانت وفاته ببغداد من الجانب الشرقي. ~~وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد بن إسماعيل، أبو طاهر بن أبي الصقر ~~الأنباري؛ كان محدثا فاضلا ثقة صدوقا صاحب صيام وقيام. وله شعر. وأنشد لابن ~~الرومي: الكامل PageV02P0020 # يا دهر صافيت اللئام مواليا ... أبدا وعاديت الأكارم عامدا فغدرت ~~كالميزان ترفع ناقصا ... أبدا وتخفض لا محالة زائدا أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. وفتح الخليج في ثاني ~~النسيء. وكان الوفاء في ثامن توت. وكان مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع ~~أصابع. ونقص في تاسع بابة. ### || AUT السنة الخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة سبع وسبعين وأربعمائة. فيها بني أمير الجيوش بدر الجمالي جامع ~~العطارين بالإسكندرية. وسببه أن الأوحد ولد بدر الجمالي عصى عليه وتحصن ~~بالإسكندرية. فسار إليه أبوه بدر الجمالي حتى نزل على الإسكندرية وحاصرها ~~شهرا حتى طلب أهلها الأمان وفتحوا له الباب، فدخلها وأخذ ابنه أسيرا ثم بنى ~~هذا الجامع. وفيها توفي عبد السيدبن ms0997 محمد بن عبد الواحد، أبو نصر بن الصباع ~~الفقيه الشافعي. ولد سنة أربعمائة، وتفقه وبرع حتى صار فقيه العراق، وكان ~~يقدم على أبي إسحاق الشيرازي في معرفة مذهبه. وصنف الكتب في الفقه، منها: ~~الشامل والكامل وتذكرة العالم و الطريق السالم. وولي تدريس النظامية قبل ~~أبي إسحاق عشرين يوما. ومات جمادى الأولى. وفيها توفي مسلم بن قريش بن ~~بدران الأمير أبو البركات شرف الدولة أمير بني عقيل صاحب الموصل والجزيرة ~~وحلب. وزوجه السلطان ألب أرسلان السلجوقي أخته. وكان شجاعا جوادا ذا همة ~~وعزم؛ احتاج إليه الخلفاء والملوك والوزراء، وخطب له على المنابر من بغداد ~~إلى العواصم والشام. وأقام حاكما على البلاد نيفا وعشرين سنة. ولما مدحه ~~ابن حيوس بقصيدته التي أولها: الكامل ما أدرك الطلبات مثل مصمم ... إن ~~أقدمت أعداؤه لم يحجم فأعطاه الموصل جائزة له، فأقامت في حكمه ستة أشهر. ~~وقتل مسلم هذا في وقعة كانت بينه وبين سليمان بن قتلمش في هذه السنة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. وفتح الخليج ~~في رابع عشرين مسرى، والماء على اثنتي عشرة إصبعا من ست عشرة ذراعا. وكان ~~الوفاء آخر أيام النسيء. ووقف مدة ثم نقص في العشرين من توت بعد ما بلغ سبع ~~عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الحادية والخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. فيها وقع طاعون عظيم بالعراق ثم عم ~~الدنيا؛ فكان الرجل قاعدا في شغله فتثور به الصفراء فتصرعه فيموت من وقته. ~~ثم هبت ريح سوداء ببغداد، أظلمت الدنيا، ولاحت نيران في أطراف السماء ~~وأصوات هائلة، فأهلكت خلقا كثيرا من الناس والبهائم. فكان أهل الدرب يموتون ~~فيسد الحرب عليهم. قاله صاحب مرآة الزمان - رحمه الله - . وفيها اتفق جماعة ~~بمصر مع ولده أمير الجيوش بدر الجمالي على قتل والده وينفرد الولد بالملك، ~~ففطن به أبوه فقتل الجماعة وعفى أثر ولده؛ ويقال: إنه دفنه حيا، وقيل: ~~غرقه، وقيل: جوعه حتى مات. وكان بدر الجمالي أرمني الجنس، فاتكا جبارا؛ قتل ms0998 ~~خلقا كثيرا من العلماء وغيرهم، وأقام الأذان ب حي على خير العمل، وكبر على ~~الجنائز خمسا، وكتب سب الصحابة على الحيطان. قلت: وبالجملة إنه كان من ~~مساوئ الدنيا، جزاه الله. وغالب من كان بمصر في تلك الأيام كان رافضيا ~~خبيثا بسبب ولاة مصر بني عبيد إلا من ثبته الله تعالى على السنة. وفيها ~~توفي أحمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم، أبو بكر سبط ابن فورك وختن أبي ~~القاسم القشيري على ابنته؛ وكان يعظ في النظامية، وكان قبيح السيرة. ~~PageV02P0021 # وفيها توفي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، أبو المعالي الجويني الفقيه ~~الشافعي المعروف بإمام الحرمين. وجوين: قرية من قرى نيسابور. ولد سنة سبع ~~عشرة وأربعمائة. وتفقه على والده فأقعد مكانه وله دون العشرين من العمر، ~~فأقام الحرس، وسمع بالبلاد، وحج وجاور؛ ثم عاد إلى نيسابور، ودرس بها ~~ثلاثين سنة، وإليه المنبر والمحراب، ويجلس للوعظ؛ وتخرج به جماعة، وصنف ~~نهاية المطلب في رواية المذهب. وصنف في الكلام الكتب الكثيرة: الإرشاد ~~وغيره. قال صاحب مرآة الزمان: وقال محمد بن علي تلميذ أبي المعالي الجويني: ~~دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه وأسنانه تتناثر من فيه ويسقط منها الدود، ~~لا يستطاع شم فيه؛ فقال: هذه عقوبة اشتغالي بالكلام فاحذروه! وكانت وفاته ~~ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول عن تسع وخمسين سنة. وفيها ~~توفي محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد، أبو علي المتكلم ~~المعتزلي شيخ المعتزلة والفلاسفة والداعية إلى مذهبهم. وهو من أهل الكرخ، ~~وكان يدرس هذه العلوم، فاضطره أهل السنة إلى أنه لزم بيته خمسين سنة لا ~~يتجاسر أن يظهر. ومات في ذي الحجة. وفيها توفي محمد بن علي بن محمد بن ~~الحسن بن عبد الملك بن عبد الوهاب بن حمويه، الإمام أبو عبد الله الدامغاني ~~القاصي الحنفي. ولد بالدامغان في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ~~وثلاثمائة، وتفقه ببلده، ثم قدم بغداد وتفقه أيضا بالصيمري والقدوري، وسمع ~~منهما الحديث، وبرع في الفقه، وخص بالفضل الوافر ms0999 والتواضع الزائد، وارتفع ~~وشيوخه أحياء، وانتهت إليه رياسة المذهب في زمانه. وكان فصيح العبارة مليح ~~الإشارة غزير العلم سهل الأخلاق معظما عند الخلفاء والملوك. ولي قضاء ~~القضاة ببغداد سنة سبع وأربعين، وصار رأس علماء عصره في كل مذهب. وحسنت ~~سيرته في القضاء حتى أقام فيه ثلاثين سنة. ومات ليلة السبت الرابع والعشرين ~~من شهر رجب. وكانت جنازته عظيمة، نزع العلماء طيالستهم ومشوا فيها. وكثر ~~أسف الناس عليه. رحمه الله تعالى. وفيها توفي منصور بن دبيس بن علي بن ~~مزيد، الأمير الرافضي أبو كامل بهاء الدولة صاحب الحلة. مات فيها في شهر ~~رجب، وكانت ولايته ست سنين. وقام بعده ولده سيف الدولة صدقة. قلت: والجميع ~~رافضة، كل واحد أنجس من الآخر، عاملهم الله بما يستحقونه. وفيها توفي هبة ~~الله بن عبد الله بن أحمد، أبو الحسن السيبي البغدادي. سمع الحديث وتفقه، ~~وكان أديبا شاعرا فصيحا. مات في المحرم. ومن شعره: المتقارب رجوت الثمانين ~~من خالقي ... لما جاء فيها عن المصطفى فبلغنيها وشكرا له ... وزاد ثلاثا ~~بها أردفا وها أنا منتظر وعده ... لينجزه فهو أهل الوفا وفيها توفي يحيى بن ~~محمد بن طباطبا الشريف أبو المعمر بقية شيوخ الطالبيين. كان هو وأخوه من ~~نسابيهم، وكان فاضلا شاعرا فقيها في مذهب الشيعة. ومات في شهر رمضان. وهو ~~آخر من بقي من أولاد طباطبا بالعراق ولم يعقب. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة يأتي ذكره؛ لأن النيل ~~لم يزد في هذه السنة إلى أول مسرى إلا ثلثي ذراع فقط، ثم زاد في ثاني عشرين ~~مسرى أذرعا حتى صار في يوم النوروز على ثلاث عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ثم ~~نقص إصبعين ثم ثمانيا، ثم زاد في خامس توت ست أصابع؛ وخرج الناس إلى الجبل ~~واستسقوا، فزاد حتى بلغ ثلاث عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا، ثم نقص سبع أصابع ~~- وقيل: ثمانيا - ثم زاد في عيد الصليب حتى صار على أربع عشرة ذراعا وخمس ~~عشرة إصبعا. ونقص تسع ms1000 أصابع، ثم زاد في أول بابة حتى بلغ خمس عشرة ذراعا ~~وخمس أصابع. وكان ذلك منتهى زيادته في هذه السنة. ### || AUT السنة الثانية والخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة تسع وسبعين وأربعمائة. فيها صاد السلطان ملكشاه أربعة آلاف غزال ~~- وقيل: عشرة آلاف وبنى بقرونها منارة سماها أم القرون. PageV02P0022 # وفيها توفي ختلغ بن كنتكين الأمير أبو منصور أمير الكوفة والحاج. ذمه ~~محمد بن هلال الصابئ وذم سيرته في تاريخه، إلا أنه كان شجاعا، وله وقائع مع ~~العرب في البرية. وكان محافظا على الصلوات في الجماعة، ويختم القرآن في كل ~~يوم، ويختص بالعلماء والقراء، وله آثار جميلة بطريق الحجاز والمشاهد ~~والمساجد. ومكث في إمارة الحاج اثنتي عشرة سنة. وفيها قتل سليمان بن قتلمش، ~~هو ابن عمة السلطان ملكشاه السلجوقي. كان أميرا شجاعا، فتح عدة بلاد، وآخر ~~ما فتحه إنطاكية، وكان قد حاصر حلب ورجع. وقتل مسلم بن قريش في حربه؛ فجاءه ~~تاج المدلة تتش والأمير أرتق بك من دمشق، والتقوا معه واقتتلوا فجاء سليمان ~~هذا سهم في وجهه فوقع عن فرسه ميتا، فدفن إلى جانب مسلم بن قريش الذي قتل ~~في محاربته قبل ذلك بأيام. وفيها توفي علي بن فضال بن علي، أبو الحسن ~~المغربي القيرواني. كان فاضلا أديبا، له نظم ونثر. ومات بغزنة في شهر ربيع ~~الأول. ومن شعره قوله: السريع إن تلقك الغربة في معشر ... قد أجمعوا فيك ~~على بغضهم فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم وفيها توفي ~~علي بن المقلد بن نصر بن منقذ بن محمد بن مالك، الأمير أبو الحسن الكناني. ~~كان بينه وبين ابن عمار قاضي طرابلس وصاحبها مودة، وكان شجاعا فاضلا نحويا ~~لغويا شاعرا، وكان صاحب شيزر وبها توفي. وتولى شيزر بعده ابنه نصر بن علي. ~~وكان له ديوان شعر مشهور. ومن شعره: البسيط إذا ذكرت أياديك التي سلفت ... ~~وسوء فعلي وزلاتي ومجترمي أكاد أقتل نفسي ثم يمنعني ... علمي بأنك مجبول ~~على الكرم وفيها توفي أبو سعيد أحمد بن محمد بن دوست ms1001 النيسابوري الفقيه ~~المحدث الصوفي شيخ الشيوخ ببغداد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست ~~أذرع وتسع عشرة إصبعا. وزاد في نصف بشنس، ثم نقص نصف ذراع، ثم زاد في أوانه ~~حتى أوفى في ثالث أيام النسيء. وكان مبلغ الزيادة في هذه السنة سبع عشرة ~~ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة والخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة ثمانين وأربعمائة. فيها بعث تتش أخو السلطان ملكشاه يقول لأخيه: ~~قد استولى المصريون على الساحل وضايقوا دمشق، وأسأل السلطان أن يأمر آق ~~سنقر وبوزان أن ينجداني. فكتب ملكشاه إليهما أن ينجداه. وكان الأمير بوزان ~~بالرهاء وآق سنقر بحلب. وسبب ذلك أن أمير الجيوش بدرا الجمالي لما قوي أمره ~~بمصر، وصار هو المتحدث عن المستنصر صاحب الترجمة بهذه البلاد، واسترجع ~~كثيرا مما كان ذهب من ممالكهم، جهز جيشا إلى الساحل. فعظم ذلك على تتش صاحب ~~دمشق. وفيها بنى تاج الملك أبو الغنائم ببغداد المدرسة التاجية بباب أبرز ~~وضاهى بها النظامية. قلت: ومن باب أبرز هذا أصل بني البارزي كتاب سر زماننا ~~هذا. كان جدهم مسلم يسكن في بغداد بباب أبرز المذكور، ثم خرج من بغداد في ~~جفلة التتار إلى حلب فسمي الأبرزي، ثم خفف فسمي البارزي. ويأتي ذكر جماعة ~~منهم في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وفيها توفي شافع بن صالح بن حاتم ~~أبو محمد الفقيه الحنبلي. كان إماما عالما، تفقه على أبي يعلى، ومات في صفر ~~ودفن بباب حرب، وكان صالحا زاهدا ثقة. وفيها توفي محمد بن هلال بن المحسن ~~بن إبراهيم الصابئ، أبو الحسن الملقب بغرس النعمة صاحب التاريخ المسمى ب ~~عيون التواريخ ذيله على تاريخ أبيه، وأبوه ذيله على تاريخ ثابت بن سنان. ~~وثابت ذيل على تاريخ محمد بن جرير الطبري. وكان تاريخ الطبري انتهى إلى سنة ~~اثنتين أو ثلاث وثلاثمائة. وتاريخ ثابت انتهى إلى سنة ستين وثلاثمائة. ~~وتاريخ هلال انتهى إلى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وتاريخ غرس النعمة هذا ~~انتهى إلى سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وكان غرس النعمة ms1002 هذا فاضلا أديبا ~~مترسلا، وله صدقة ومعروف، محترما عند الخلفاء والملوك والوزراء. وجد أبيه ~~إبراهيم الصابئ هو صاحب الرسائل في أيام عضد الدولة بن بويه. وقد تقدم ذكره ~~في محله من هذا الكتاب. PageV02P0023 # وفيها توفي أمير الملثمين بمراكش وغيرها من بلاد المغرب الأمير أبو بكر ~~بن عمر. أصله من ولد تاشفين. كان أميرا جليلا مجاهدا في سبيل الله تعالى. ~~ركب في بعض غزواته في خمسمائة ألف مقاتل من رجال الديوان والمطوعة؛ وكان ~~يخطب في بلاده للدولة العباسية، وكان يصفي بالناس الصلوات الخمس، ويقيم ~~الحدود، ويلبس الصوف، وينصف المظلوم، ويعدل في الرعية، وكان بين رعيته ~~كواحد منهم. رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست ~~أذرع وخمس أصابع وكان الوفاء في آخر أيام النسيء. وكان مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا وسبع أصابع. ونقص في رابع بابة. ### || AUT السنة الرابعة والخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. فيها توفي أحمد بن محمد بن الحسن بن ~~الخضر، الحافظ أبو طاهر الجواليقي والد أبي منصور موهوب. كان شيخا صالحا ~~متعبدا، من أهل البيولات القديمة ببغداد؛ وكان جده صاحب دنيا واسعة. ومات ~~هو فجأة في شهر رجب. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن مت بن ~~أحمد بن علي بن جعفر بن منصور بن مت، الحافظ شيخ الإسلام أبو إسماعيل ~~الأنصاري الهروي. هو من ولد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه. سمع الكثير ~~وروى عنه جماعة. وكان إماما حافظا بارعا في اللغة، إمام وقته. قال المؤتمن: ~~وكان يدخل على الأمراء والجبابرة فما كان يبالي بهم. ومات في ذي الحجة وقد ~~جاوز أربعا وثمانين سنة. وفيها توفي محمد بن أحمد بن الحسن بن ماجة، أبو ~~بكر الأبهري الأصبهاني، الإمام العالم المشهور. مات بأصبهان عن خمس وتسعين ~~سنة، وقد انتهت إليه ورياسة العلم بها. وفيها توفي عثمان بن محمد بن عبيد ~~الله أبو عمرو المحمي مات في صفر وكان إماما عالما مفتنا. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء ms1003 القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا وأربع أصابع. فهلكت الزروع والغلات والمخازن من كثرة الماء. ### || AUT السنة الخامسة والخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. فيها جهز بدر الجمالي أمير الجيوش ~~عسكرا من مصر مع نصير الدولة الجيوشي، فنزل على صور وبها القاضي عين الدولة ~~بن أبي عقيل، فسلمها إليه لما لم يكن له به طاقة. وفتح نصير الدولة صيداء ~~وعكا. وكان لتتش بهذه البلاد ذخائر وأموال، فأخذها نصير الدولة المذكور، ثم ~~نزل على بعلبك، وجاءه ابن ملاعب وخطب للمستنصر صاحب الترجمة أعني أنه دخل ~~تحت طاعة المصريين. وبعث تتش إلى آق سنقر وبوزان وقال لهما: هذه البلاد كان ~~لي فيها ذخائر وقد أخذت، وطلب منهما النجدة، فبعثا له عسكرا. وفيها توفي ~~طاهر بن بركات بن إبراهيم، الحافظ أبو الفضل القرشي الخشوعي. كان عظيم ~~الشأن، من أكابر شيوخ دمشق. قال ابن عساكر: سألت ولده إبراهيم بن طاهر: لم ~~سميتم الخشوعيين؟ فقال: لأن جدنا الأعلى كان يؤم الناس فمات بالمحراب. ~~انتهى. وكانت وفاة طاهر هذا بظاهر دمشق. وكان ثقة صدوقا عالما. وفيها توفي ~~عاصم بن الحسن بن محمد بن علي بن عاصم، أبو الحسين. كان ظريفا أديبا شاعرا ~~فصيحا حافظا للشعر. وفيها توفي علي بن أبي يعلى بن زيد، الشيخ أبو القاسم ~~الدبوسي من أهل دبوسية، وهي بلدة بين بخارى وسمرقند. كان إماما عالما. ~~أقدمه الوزير نظام الملك إلى بغداد للتدريس في مدرسته النظامية. وكان عارفا ~~بالفقه والجدل والمناظرة. ومات ببغداد في شعبان. وفيها توفي أحمد بن محمد ~~بن صاعد، رئيس نيسابور وعالمها وقاضيها، أبو نصر النيسابوري الحنفي. كان ~~إمام وقته ووحيد دهره علما وزهدا وفضلا ورياسة وعفة. انتهت إليه رياسة ~~السادة الحنفية في زمانه. وفيها توفي الشيخ الإمام أبو حامد أحمد بن محمد ~~السرخسي الشجاعي البلخي الفقيه العالم المشهور. كان إماما عالما فاضلا سمع ~~الحديث الكثير وتفقه وبرع في فنون. وفيها توفي إبراهيم بن سعيد، الحافظ أبو ~~إسحاق النعماني مولاهم الحبال. كان إماما ms1004 فاضلا حافظا؛ سمع الكثير ورحل ~~البلاد وحدث وسمع منه خلائق، ثم سكن مصر، وبها كانت وفاته، ومات وله تسعون ~~سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وثماني عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة السادسة والخمسون من خلافة المستنصر # PageV02P0024 # وهي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. فيها نزل تتش على حصن بعلبك وبها ابن ~~ملاعب ومع تتش آق سنقر وبوزان فقاتلوه مدة، وقالوا له: أنت توجهت إلى مصر ~~وخطبت للمستنصر. فلما أخافوه طلب الأمان فأعطوه؛ فنزل من القلعة وتوجه إلى ~~مصر؛ وملك تتش بعلبك. وأقام ابن ملاعب بمصر مدة، وأحسن إليه المستنصر صاحب ~~الترجمة، ثم عاد إلى الشام ودبر الحيلة على حصن فامية حتى ملكه. وفيها توفي ~~الشيخ الإمام علي بن محمد القيرواني. كان فقيها عالما شاعرا. ومن شعره - ~~وأجاد إلى الغاية - : الكامل ما في زمانك ماجد ... لو قد تأملت المشاهد ~~فاشهد بصدق مقالتي ... أو لا فكذبني بواحد قلت: لله دره! لقد عبر عن زماننا ~~هذا كأنه قد رآه. وفيها توفي محمد بن محمد بن جهير، الوزير أبو نصر فخر ~~الدولة. أصله من الموصل وبها ولد، وقدم ميافارقين. وكتب للخليفة القائم ~~بأمر الله العباسي يسأله أن يستوزره، فأجابه ثم نقم عليه ونفاه إلى الحفة ~~ثم أعاده. ولما تولى المقتدي الخلافة وزر له، ثم عزل ونفي؛ فمض إلى السلطان ~~ملكشاه وانتمى إليه، وفتح له ديار بكر وأتحفه بالأموال. ثم تغير عليه ~~السلطان؛ فاستأذن في الإقامة بالموصل فأذن له؛ فتوجه إليه فلم يقم به إلا ~~اليسير، ومرض ومات ودفن بالموصل. وكان سخيا كريما شجاعا مدبرا عارفا. وفيها ~~توفي الشيخ المسند أبو الحسين عاصم بن الحسن العاصمي الكرخي. كان إماما ~~محدثا؛ سمع الكثير وروى عنه خلق كثير، وكان أديبا شاعرا ثقة. وفيها توفي ~~الحافظ أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن علي الترياقي. مات بمدينة هراة وله ~~أربع وتسعون سنة. وكان عالما محدثا فقيها فاضلا. وفيها توفي الشيخ الإمام ~~العارف بالله أبو بكر محمد بن إسماعيل التفليسي الصوفي ms1005 النيسابوري. مات في ~~شوال بنيسابور، وكان إماما محدثا فقيها صوفيا معدودا من أعيان الصوفية. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وست وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ~~ثماني عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة السابعة والخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة أربع وثمانين وأربعمائة. فيها في صفر كتب الوزير أبو شجاع إلى ~~الخليفة يعرفه باستطالة أهل الذمة على المسلمين، وأن الواجب تمييزهم عنهم؛ ~~فأمره الخليفة أن يفعل مايراه. فألزمهم الوزير لبس الغيار والزنانير وتعليق ~~الدراهم الرصاص في أعناقهم مكتوب على المراهم ذمي، وتجعل هذه الدراهم أيضا ~~في أعناق نسائهم في الحمامات ليعرفن بها، وأن يلبسن الخفاف فردا أسود وفردا ~~أحمر، وجلجلا في أرجلهن. فذلوا وانقمعوا بذلك. وأسلم حينئذ أبو سعد بن ~~الموصلايا، كاتب الإنشاء للخليفة، وابن أخته أبو نصر هبة الله. وفيها في ~~جمادى الأولى قدم أبو حامد الطوسي الغزالي إلى بغداد مدرسا بالنظامية ومعه ~~توقيع نظام الملك. وفيها وقع بالشام زلزلة عظيمة وواقع ذلك تشرين الأول، ~~وخرج الناس من دورهم هاربين، وانهدم معظم إنطاكية ووقع من سورها نحو من ~~تسعين برجا. وفيها نزل آق سنقر على فامية فأخذها من ابن ملاعب. وفيها في ~~شهر رمضان خرج توقيع الخليفة المقتدي بالله العباسي بعزل الوزير أبي شجاع ~~من الوزار؛ وكان له أسباب، منها أن نظام الملك وزير السلطان ملكشاه ~~السلجوقي كان يسعى عليه لابنه. فلما أتاه الخبر بعزله قام من الديوان ولم ~~يتأثر؛ وأنشد: الوافر تولاها وليس له عدو ... وفارقها وليس له صديق وفيها ~~حاصر تتش أخو السلطان ملكشاه طرابلس ومعه آق سنقر وبوزان وبها قاضيها، وهو ~~صاحبها، واسمه جلال الملك بن عمار، ونصب عليها المجانيق. فاحتج عليهم ابن ~~عمار بأن معه منشور السلطان ملكشاه بإقراره على طرابلس؛ فلم يقبل منه تتش ~~ذلك، وتوقف آق سنقر عن قتاله. فقال له تتش: أنت تبع لي، فكيف تخالفني فقال: ~~أنا تبع لك إلا في عصيان السلطان. فغضب تاج الدولة تتش ورجع إلى دمشق، ومضى ~~آق سنقر إلى حلب، ومضى بوزان إلى الرهاء أعني ms1006 كل واحد إلى بلده. وفيها ملك ~~يوسف بن تاشفين الأندلس ونفي ابن عباد عنها. وفيها توفي محمد بن أحمد بن ~~علي بن حامد، أبو نصر المروزي. كان إماما في القراءات، وصنف فيها التصانيف، ~~وانتهت إليه الرياسة فيها. وكانت وفاته في ذي القعدة. PageV02P0025 # وفيها توفي محمد بن علي بن محمد، أبو عبد الله التنوخي الحلبي، ويعرف ~~بابن العظيمي. كان إماما شاعرا فصيحا بليغا. ومن شعره قوله: البسيط يلقى ~~العدا بجنان ليس يرعبه ... خوض الحمام ومتن ليس ينقصم فالبيض تكسر والأوداج ~~دامية ... والخيل تعرم والأبطال تلتطم والنقع غيم ووقع المرهفات به ... لمع ~~البوارق والغيث الملث دم أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة والخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة خمس وثمانين وأربعمائة. فيها ورد الأمير تاج الدولة تتش على ~~السلطان ملكشاه شاكيا من آق سنقر فلم يلتفت السلطان إليه؛ فترك ابنه عند ~~السلطان وعاد إلى دمشق. وفيها في يوم الاثنين منتصف شهر ربيع الأول وقت ~~الظهر، وهو السادس من نيسان، اقترن زحل والمريخ في برج السرطان، وذكر أهل ~~صناعة النجوم أن هذا القرآن لم يحدث مثله في هذا البرج منذ بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى هذه السنة. قال صاحب مرآة الزمان: وكان تأثير هذا ~~القرآن هلاك ملكشاه السلجوقي سيد الملوك، ومقتل نظام الملك سيد الوزراء. ~~انتهى. وفيها في شهر رمضان توجه السلطان ملكشاه من أصبهان إلى بغداد بنية ~~غير مرضية في حق الخليفة المقتدي بالله وعزم على تغييره، وكان معه وزيره ~~نظام الملك، فقتل في شهر رمضان في الطريق، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله. ~~ووصل ملكشاه إلى بغداد في ثامن عشر شهر رمضان. فأول ما وصل بعث يقول ~~للخليفة: لا بد أن تترك لي بغداد وتذهب إلى أي بلد شئت. فانزعج الخليفة ~~وبعث إليه يقول: أمهلني شهرا فقال: ولا ساعة. فأرسل الخليفة إلى تاج الملك ~~أبي الغنائم، وكان السلطان ملكشاه استوزره بعد قتل ms1007 نظام الملك؛ فقال: سله ~~بأن يؤخرنا عشرة أيام. فدخل تاج الملك على السلطان وقال له: لو أن بعض ~~العوام أراد أن ينتقل من دار إلى دار لم يقدر على النقلة في أقل من عشرة ~~أيام، فكيف بالخليفة! فأمر السلطان له بالمهلة عشرة أيام. ثم اشتغل بنفسه ~~من مرض حصل له ومات منه بعد أيام. ذكر وفاته: هو السلطان جلال الدولة أبو ~~الفتح ملكشاه بن ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقمان ~~التركي السلجوقي. تسلطن بعد موت أبيه بوصية منه إليه في سنة خمس وستين ~~وأربعمائة، وجعل وزيره نظام الملك وزيرا له ومتكلما في الدولة، وفرق البلاد ~~على أولاده! وجعل مرجعهم إلى ملكشاه هذا. فلما تسلطن ملكشاه خرج عليه عمه ~~قاورد بك صاحب كرمان؛ فواقعه فأخذه ملكشاه أسيرا. فلفا مثل بين يدي ملكشاه ~~قال: أمراؤك كاتبوني، وأظهر مكاتبات. فأخذها ملكشاه وأعطاها للوزير نظام ~~الملك، فأخذها نظام الملك وألقاها في منقل نار كان بين يدي ملكشاه فاحترقت. ~~فسكنت قلوب الأمراء، وبذلوا الطاعة؛ وثبت ملكه بهذه الفعلة. ثم خنق عمه ~~قاورد بك المذكور بوتر، وتم له الأمر. وملك من الأقاليم ما لم يملكه أحد من ~~السلاطين، فكان في مملكته جميع بلاد ما وراء النهر، وبلاد الهياطلة، وباب ~~الأبواب، وبلاد الروم والجزيرة والشام؛ حتى إنه ملك من مدينة كاشغر، وهي ~~أقصى مدينة للترك، إلى بيت المقدس طولا، ومن القسطنطينية إلى بلاد الخزر ~~وبحر الهند عرضا. وكان من أحسن الملوك سيرة، ولذلك كان يلقب بالسلطان ~~العادل. وكان منصورا في حروبه، مغرى بالعمائر، حفر الأنهار وعمر الأسوار ~~والقناطر وعمر جامع السلطان ببغداد ولم يتمه، وأبطل المكوس في جميع بلاده، ~~وصنع بطريق مكة مصانع الماء، غرم عليها أموالا كثيرة. وكان مغرى بالصيد، ~~حتى إنه صاد مرة في حلقة واحدة عشرة آلاف صيد؛ وقد تقدم ذكر ذلك. وكانت ~~وفاته في شوال. قيل: إنه سم في خلال تخلل به. ولم يشهد وفاته أحد من رجال ~~الدولة ولا عمل له عزاء. وحمل في تابوت إلى أصبهان ms1008 فدفن بها. وقام في ~~السلطنة بعده أكبر أولاده بركياروق ولقب بركن الدولة. وخالفه عمه، ووقع له ~~معه وقائع. PageV02P0026 # وفيها توفي الوزير نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقي المقدم ذكره. ~~واسمه الحسن بن إسحاق بن العباس الوزير أبو علي الطوسي. كان من أولاد ~~الدهاقين بناحية بيهق، وكان فقيرا مشغولا بسماع الحديث، ثم بعد حين اتصل ~~بداود بن ميكائيل السلجوقي، فأخذه بيده وسلمه إلى ولده ألب أرسلان، وقال ~~له: يا محمد، هذا حسن الطوسي اتخذه والدا ولا تخالفه. فلما وصل الملك إلى ~~ألب أرسلان استوزره، فدبر ملكه عشر سنين. ومات ألب أرسلان، فازدحم أولاده ~~على الملك، فقام بأمر ملكشاه حتى تم أمره وتسلطن. ولما دخل نظام الملك على ~~الخليفة المقتدي أمره بالجلوس، وقال له: يا حسن، رضي الله عنك لرضا أمير ~~المؤمنين عنك. وكان نظام الملك عالي الهمة، وافر العقل، عارفا بتدبير ~~الأمور، محبا للعلماء والصلحاء، على ظلم وجور كان عنده، على عادة الوزراء. ~~ولما خرج من أصبهان بعد مخدومه ملكشاه قاصدا بغداد نزل قرية من قرى نهاوند ~~مكان الوقعة التي كانت في زمان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: هذا ~~موضع مبارك؛ قتل فيه جماعة من الصحابة؛ طوبى لمن كان منهم. وكان جالسا ~~والأمراء بين يديه، وكان صائما، فإنه كان يوم الخميس؛ فقدم الأكل فأكل ~~الناس؛ ثم ركب محفته إلى خيمة النساء، وكان به مرض النقرس، فاعترضه صبي ~~ديلمي في زفي الصوفية وبيده قصة، فدعا له وسأله أن يناوله إياها من يده إلى ~~يده؛ فقال: هات؛ فمد يده ليأخذها فضربه بسكين في فؤاده، فحمل إلى مضربه ~~ومات؛ فهرب الديلمي فعثر بطنب خيمة فقطع قطعا. وكانت وزارة نظام الملك لبني ~~سلجوق أربعا وثلاثين سنة - وقيل أربعين سنة - وكان عمره ستا وسبعين سنة. ~~ومن شعره: البسيط بعد الثمانين ليس قوه ... لهفي على قوة الصبوه كأنني ~~والعصا بكفي ... موسى ولكن بلا نبوه وفيها توفي مالك بن أحمد، الإمام أبو ~~عبد الله البانياسي ثم البغدادي المعروف بالفراء في جمادى الآخرة شهيدا في ~~الحريق. وكان ms1009 معدودا من العلماء الفضلاء. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ست أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ~~وأوفى في سابع توت، ونقص فيه أيضا. ### || AUT السنة التاسعة والخمسون من خلافة المستنصر # وهي سنة ست وثمانين وأربعمائة. فيها خطب تاج الدولة تتش السلجوقي لنفسه ~~بعد موت أخيه ملكشاه، وأرسل إلى الخليفة بأن يخطب له ويوعده؛ فما التفت ~~إليه في الجواب، غير أنه أرسل يقول له: إنما تصلح للخطبة إذا خلصت الدنيا ~~بحكمك، والخزائن التي بأصبهان معك، وتكون صاحب الشرق وخراسان، ولم يبق من ~~أولاد أخيك ملكشاه من يخالفك؛ وأما في هذا الحال فلا سبيل إلى ما التمسته. ~~فلما وقف تتش على ذلك سار إلى الموصل وبها إبراهيم بن قريش؛ فخرج إليه في ~~بني عقيل والتقوا معه فقتل إبراهيم وقتل عليه أعيان بني عقيل. وكان علي بن ~~مسلم بن قريش عند بركياروق بن ملكشاه، فأخبره بمصاب عمه، فعز عليه فكتب إلى ~~تتش يلومه. وفيها فتح عسكر مصر صور وحمل صاحبها إلى مصر ومعه أصحابه. فضرب ~~بدر الجمالي رقاب الجميع، وقطع على أهل صور ستين ألف دينار عقوبة لهم. ~~وفيها بطل مسير الحاج من العراق خوفا عليهم، وسار حجاج دمشق، ولم يوصلوا ~~إلى أمير مكة ما يرضيه. فلما رحلوا خرج ونهبهم، وعاد من سلم منهم على أقبح ~~حال، وتخطفهم العرب في الطريق. وفيها توفي عبد القادر بن عبد الكريم بن ~~الحسين أبو البركات. كان شيخا صالحا، خطب بدمشق لبني العباس وللمصريين؛ ~~وأنشد لبعضهم: الطويل يعد رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه ~~بحسيب فإن حل أرضا عاش فيها بعقله ... ما عاقل في بلدة بغريب وفيها توفي ~~علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر بن عرفة، الحافظ الفقيه الهكاري. كان ينعت ~~بشيخ الإسلام - والهكارية: جبال فوق الموصل فيها قرى وبنى - وكنيته أبو ~~الحسن. كان إماما عالما فقيها؛ سمع الحديث ورواه، وبنى أربطة، وقدم بغداد. ~~وكان صالحا متعبدا شيخ بلاده في التصوف، وكان من أهل السنة ms1010 والجماعة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الستون من خلافة المستنصر # وهي سنة سبع وثمانين وأربعمائة. PageV02P0027 # وهي التي مات فيها المستنصر معد صاحب الترجمة حسب ما تقدم ذكره. وفيها ~~أيضا توفي الخليفة المقتدي بالله العباسي وبدر الجمالي أمير الجيوش بمصر، ~~وآق سنقر صاحب حلب قتيلا، وبوزان بالشام، وأمير مكة. وتسمى هذه السنة سنة ~~موت الخلفاء والأمراء؛ فعدة الناس هذا كله من القرآن المقدم ذكره في سنة ~~خمس وثمانين وأربعمائة. ويأتي كل واحد من هؤلاء على حدته في هذه السنة. ~~وفيها كانت زلزلة عظيمة ببغداد بين العشاءين في المحرم. وفيها حدث فتن ~~وحروب وغلاء بسائر الأقاليم. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين أبو القاسم ~~المقتدي بالله، عبد الله ابن الأمير ذخيرة اللين أبي العباس محمد ابن ~~الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة القادر بأمر الله أحمد ابن ~~الأمير إسحاق ابن الخليفة جعفر المقتدر ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد ابن ~~الأمير طلحة الموفق ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم ~~بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة المهدي بالله محمد ~~ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~العباسي الهاشمي. بويع بالخلافة بعد موت جده القائم بأمر الله في ثالث عشر ~~شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وهو ابن تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر. وكان ~~توفي أبوه الذخيرة محمد، والمقتدي هذا حمل في بطن أمه، وكان اسم أمه أرجوان ~~- وقيل قرة العين - وكانت أرمينية، فولدته بعد موت أبيه بستة أشهر. وكان ~~المقتدي من رجال بني العباس له همة عالية، وشجاعة وافرة، وظهرت في أيامه ~~خيرات؛ وخطب له في الشرق بأسره وما وراء النهر والهند وغزنة والصين ~~والجزيرة والشام واليمن؛ وعمرت في أيامه بغداد، واسترجع المسلمون الرهاء ~~وإنطاكية. ومات فجاة في ليلة السبت خامس عشر المحرم، وكان عمره ثمانيا ~~وثلاثين سنة وثمانية أشهر ويومين. وتخلف بعده ابنه ms1011 أبو العباس أحمد. وكانت ~~خلافة المقتدي تسع عشرة سنة وثمانية أشهر. وفيها توفي الشريف أمير مكة محمد ~~بن أبي هاشم. كان ظالما جبارا فاتكا سفاكا للدماء مسرفا رافضيا سبابا خبيثا ~~متلونا، تارة مع الخلفاء العباسيين، وتارة مع المصريين؛ وكان يقتل الحجاج ~~ويأخذ أموالهم. وهلك بمكة وقد ناهز السبعين. وفرح المسلمون وأهل مكة بموته، ~~وقام بعده ابنه هاشم. وفيها توفي المستنصر صاحب الترجمة العبيدي خليفة مصر، ~~وقد تقدم ذكر وفاته في ترجمته. وفيها توفي الحسن بن أسد، أبو نصر الفارقي ~~الشاعر المشهور. كان فصيحا فاضلا عارفا باللغة والأدب؛ وهو الذي سلم ~~ميافارقين إلى منصور بن مروان. فلما دخلها تتش السلجوقي اختفى، ثم ظهر لما ~~عاد تتش، ووقف بين يديه وأنشده قصيدة، منها: البسيط. واستحلبت حلب جفني ~~فانهملا ... وبشرتني بحر القتل حران فقال تتش: من هذا؟ فقيل له: هذا ~~الفارقي؛ فأمر بضرب عنقه من وقته. فكان قوله: وبشرتني بحر القتل حران فألا ~~عليه. ومن شعره: المنسرح كم ساءني الدهر ثم سر فلم ... يدم لنفسي هذا ولا ~~فرحا ألقاه بالصبر ثم يعركني ... تحت رحا من صروفه فرحا وفيها توفي الأمير ~~آق سنقر بن عبد الله قسيم الدولة التركي. كان شجاعا عادلا منصفا؛ وكان ~~الملوك السلجوقية يحترمونه، ولم يكن له ولد غير زنكي. وآق سنقر هذا هو جد ~~الملك العادل نور الدين محمود المعروف بالشهيد. ولما قتل آق سنقر انضم على ~~ولده زنكي مماليك أبيه وصار معهم، واستفحل أمره، على ما يأتي ذكره إن شاء ~~الله في عدة مواطن. وفيها توفي أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني وزير مصر ~~للمستنصر بل صاحب أمرها وعقدها وحلها. كان أولا ولي الشام والسواحل ~~للمستنصر، ثم خالفه مدة وأقام بعكا، إلى أن استدعاه المستنصر المذكور إلى ~~مصر بعد أن اختل أمرها من الغلاء والفتن، وفوض إليه أمور مصر والشام وجميع ~~ممالكه؛ فاستقامت الأمور بتدبيره وسكنت الفتن، وصار الأمر كله له؛ وليس ~~للخليفة المستنصر معه سوى الاسم لا غير. ومات قبل المستنصر بأشهر. ولما مات ~~بدر الجمالي أقام المستنصر ابنه ms1012 أبا القاسم شاهنشاه، ولقبه الأفضل؛ فأحسن ~~الأفضل السيرة في الرعية، لكنه عظم في الدولة أضعاف مكانة أبيه. وخلف بدر ~~الجمالي أموالا كثيرة يضرب بها المثل. أمر النيل في هذه السنة: ~~PageV02P0028 # الماء القديم ست أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### | AUT خلافة المستعلي بالله على مصر # المستعلي بالله خليفة مصر اسمه أحمد وكنيته أبو القاسم ابن المستنصر ~~بالله معد ابن الظاهر بالله علي ابن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز ~~بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم محمد بن ~~المهدي عبيد الله، السادس من خلفاء مصر الفاطميين بني عبيد، والتاسع ممن ~~ولي من أجداده الخلافة بالمغرب. بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستنصر معد ~~في يوم عيد الغدير، يوم ثامن عشر ذي الحجة سنة سبع وثمانين، ومولده ~~بالقاهرة في المحرم سنة سبع وستين وأربعمائة. ولما ولي الخلافة كانت سنه ~~يوم ذاك نيفت على عشرين سنة. وقال ابن خلكان: مولده لعشر ليال بقين من ~~المحرم، وذكر السنة. وكان القائم بأمره الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي؛ فإن ~~المستنصر كان قد أجلس بعده ابنه أبا منصور نزارا أكبر أولاده، وجعل إليه ~~ولاية العهد بالخلافة. فلما مرض المستنصر أراد أخذ البيعة له فتقاعد الأفضل ~~شاهنشاه ودافع المستنصر من يوم إلى يوم حتى مات المستنصر، وكان ذلك كراهة ~~من الأفضل في نزار ولد المستنصر. وسببه أن نزارا خرج ذات يوم في حياة أبيه ~~المستنصر فإذا الأفضل راكب وقد دخل من أحد أبواب القصر، فصاح به نزار ~~المذكور: انزل يا أرمني يا نجس!. فحقدها عليه الأفضل وصار كل منهما يكره ~~الآخر. فاجتمع الأفضل بعد موت المستنصر بالأمراء والخواص وخوفهم من نزار ~~وأشار عليهم بولاية أخيه الصغير أبي القاسم أحمد، فرضوا بذلك ما خلا محمود ~~بن مصال اللكي فإن نزارا كان وعده بالوزارة والتقدمة على الجيوش مكان ~~الأفضل. فلما علم ابن مصال الحال أعلم نزارا بذلك، وبادر الأفضل بإخراج أبي ~~القاسم أحمد هذا وبايعه ونعته بالمستعلي بالله، وذلك بكرة يوم ms1013 الخميس ~~لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، وأجلسه على سرير الخلافة، وجلس الأفضل ~~شاهنشاه على دكة الوزارة، وحضر قاضي القضاة المؤيد بنصر الأنام علي بن نافع ~~بن الكحال والشهود معه، وأخذوا البيعة على مقدمي الدولة ورؤسائها وأعيانها. ~~ثم مضى الأفضل إلى إسماعيل وعبد الله ابني المستنصر وهما بالمسجد بالقصر، ~~والموكلون عليهما، فقال لهما: إن البيعة تمت لمولانا المستعلي بالله، وهو ~~يقرئكما السلام ويقول لكما: تبايعان أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة؛ إن الله ~~اختاره علينا؛ وقاما وبايعاه. فكتب الأفضل بذلك سجلا قرأه الشريف سناء ~~الملك محمد بن محمد الحسيني الكاتب بديوان الإنشاء على الأمراء. وأما أمر ~~نزار فإنه بادر وخرج من وقته وأخذ معه أخاه عبد الله الذي بايع وابن مصال ~~اللكي وتوجهوا إلى الإسكندرية، وكان الوالي بها ناصر الدولة أفتكين التركي ~~أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالي أعني والد الأفضل هذا، فعرفوه الحال ~~ووعده نزار بالوزارة، فطمع أفتكين في ذلك، وبايع نزارا المذكور، وبايع أيضا ~~جميع أهل الإسكندرية، ولقب المصطفى لدين الله. ثم وقع لنزار هذا أمور وحروب ~~مع الأفضل نذكر منها نبذة من أقوال جماعة من المؤرخين. قال العلامة شمس ~~الدين يوسف بن قز أوغلي في تاريخه مرآة الزمان - بعد ما ساق نسبه بنحو ما ~~ذكرناه وأقل - قال: وكان المتصرف في دولته الأفضل ابن أمير الجيوش يعني عن ~~المستعلي. قال: وكان هرب أخوه نزار بن المستنصر إلى الإسكندرية وبها أفتكين ~~مولى أبيه. قلت: وهذا بخلاف ما ذكره غيره من أن أفتكين كان مولى لبدر ~~الجمالي والد الأفضل شاهنشاه. قال: وزعم نزار أن أباه عهد إليه، فقام له ~~بالأمر أفتكين ولقبه ناصر الدولة. وأخذ له البيعة على أهل البلد، وساعده ~~ابن عمار قاضي الإسكندرية. فتوجه الأفضل إلى الإسكندرية وضايقها؛ فخرج إليه ~~أفتكين فهزمه وعاد الأفضل إلى القاهرة يعني مهزوما فحشد وعاد إليها ونازلها ~~وافتتحها عنوة وقتل أعيان أهلها، واعتقل أفتكين وابن عمار. فكتب ابن عمار ~~إلى الأفضل ورقة من الحبس يقول فيها: البسيط هل أنت منقذ شلوي من يدي ms1014 زمن ~~... أضحى يقد أديمي قد منتهس دعوتك الدعوة الأولى وبي رمق ... وهذه دعوة ~~والدهر مفترسي فلم تصل إليه الورقة حتى قتل. فلما وقف عليها قال: والله لو ~~وقفت عليها قبل ذلك ما قتلته. وكان ابن عمار المذكور من حسنات الدهر. ~~PageV02P0029 # وقدم الأفضل بأفتكين ونزار إلى القاهرة، وكان أفتكين يلعن المستعلي ~~والأفضل ابن أمير الجيوش على المنابر؛ فقتله المستعلي بيده وبنى على أخيه ~~نزار حائطا فهو تحته إلى الآن. وكان للمستعلي أخ أسمه عبد الله فظفر به ~~الأفضل. انتهى كلام صاحب مرآة الزمان باختصار. وقال غيره: ولما استهلت سنة ~~ثمان وثمانين خرج الأفضل بعساكر مصر إلى الإسكندرية، وهناك نزار وأفتكين، ~~فكانت بينهم حرب شديدة بظاهر الإسكندرية، انكسر فيها الأفضل بمن معه، ورجع ~~إلى القاهرة منهزما؛ فخرج نزار ونهب أكثر البلاد بالوجه البحري. وأخذ ~~الأفضل في التجهز لقتال نزار، ودس إلى جماعة ممن كان مع نزار من العربان ~~واستمالهم عنه، ثم خرج بالعساكر ثانيا إلى نحو الإسكندرية، فكانت بينهم ~~أيضا وقعة بظاهر الإسكندرية انكسر فيها نزار بمن معه إلى داخل الإسكندرية؛ ~~فحاصرهم الأفضل حصارا شديدا إلى ذي القعدة. فلما رأى ذلك ابن مصال جمع ماله ~~وفر إلى الغرب. وكان سبب فرار ابن مصال أنه رأى في منامه أنه راكب فرسا ~~وسار والأفضل ماش في ركابه؛ فقال له المعبر: الماشي على الأرض أملك لها؛ ~~فلما سمع ذلك فر. ولما فر ابن مصال ضعفت قوى نزار وأفتكين وخافا وطلبا من ~~الأفضل الأمان فأمنهما ودخل البلدة ثم قبض على نزار وأفتكين وبعث بهما إلى ~~مصر، وكان ذلك آخر العهد بنزار. وكان مولد نزار في يوم الخميس العاشر من ~~شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. وقيل: إن الأفضل بنى لنزار ~~حائطين وجعله بينهما إلى أن مات. وأما أفتكين نائب الإسكندرية فإنه قتله ~~بعد ذلك. ولم يزل الأفضل يؤمن ابن مصال حتى حضر إليه بالقاهرة ولزم داره ~~حتى رضي عنه الأفضل. انتهى ذكر نزار وكيفية قتله. وقال الحافظ أبو عبد الله ~~الذهبي: وفي أيامه وهنت دولتهم ms1015 يعني المستعلي صاحب الترجمة. قال: وانقطعت ~~دعوتهم من أكثر مدن الشام، واستولى عليها الأتراك والفرنج على إنطاكية ~~وحصروها ثمانية أشهر، وأخذوها في سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ~~وأخذوا المعرة سنة اثنتين وتسعين، ثم أخذوا القدس فيها أيضا في شعبان، ~~واستولى الملاعين على كثير من مدن الساحل. ولم يكن للمستعلي مع الأفضل ابن ~~أمير الجيوش حكم. وفي أيامه هرب أخوه نزار إلى الإسكندرية، فأخذ له البيعة ~~على أهل الثغر أفتكين، وساعده قاضي الثغر ابن عمار، وأقاموا على ذلك سنة. ~~فجاء الأفضل سنة ثمان وثمانين وحاصر الثغر وخرج إليه أفتكين فهزمه، ثم ~~نازلها ثانيا وافتتحها عنوة وقتل جماعة، وأتى القاهرة بنزار وأفتكين، فذبح ~~أفتكين صبرا، وبنى المستعلي على أخيه حائطا، فهو تحته إلى الآن: انتهى كلام ~~الذهبي قلت: ومن حينئذ نذكه كيفية أخذ الفرنج للسواحل في أيام المستعلي ~~هذا، وهو كالشرح لمقالة الذهبي وغيره: كان أول حركة الفرنج لأخذ السواحل ~~وخروجهم إليها في سنة تسعين وأربعمائة، فساروا إليها، فأول ما أخذوا نيقية، ~~وهو أول بلد فتحوه وأخذوه من المسلمين. ثم فتحوا حصون الدروب شيئا بعد شيء، ~~ووصلوا إلى البارة وجبل السماق وفامية وكفر طاب ونواحيها. وفي سنة إحدى ~~وتسعين وأربعمائة ساروا إلى إنطاكية ولم ينازلوها، وجاءوا إلى المعرة ~~فنصبوا عليها السلالم فنزلوا إليها فقتلوا من أهلها مائة ألف إنسان، قاله ~~أبو المظفر سبط ابن الجوزي، قال: وسبوا مثلها. ثم دخلوا كفر طاب وفعلوا مثل ~~ذلك، وعادوا إلى إنطاكية، وكان بها الأمير شعبان، وقيل شقبان، وقيل في اسمه ~~غير ذلك - وكان على الفرنج صنجيل، فحاصرها مدة؛ فنافق رجل من إنطاكية يقال ~~له فيروز وفتح لهم في الليل شباكا فدخلوا منه، ووضعوا السيف، وهرب شعبان ~~وترك أهله وأمواله وأولاده بها. فلما بعد عن البلد ندم على ذلك، فنزل عن ~~فرسه فحثى للتراب على رأسه وبكى ولطم، وتفرق عنه أصحابه وبقي وحده؛ فمر به ~~رجل أرمني حطاب فعرفه فقتله وحمل رأسه إلى صنجيل ملك الفرنج. PageV02P0030 # وقال أبو يعلى بن القلانسي: في جمادى الأولى ms1016 ورد الخبر بأن قوما من أهل ~~إنطاكية عملوا عليها وواطؤوا الفرنج على تسليمها إليهم لإساءة تقدمت من ~~حاكم البلد في حقهم ومصادرته لهم، ووجدوا الفرصة في برج من الأبراج التي ~~للبلد مما يلي الجبل، فبادرهم إياه، وأصعدوا منه في السحر وصاحوا، فانهزم ~~ياغي سيان وخرج في خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص؛ فسقط الأمير عن فرسه عند ~~معرة مصرين، فحمله بعض أصحابه وأركبه فلم يثبت على ظهر الفرس وسقط ثانيا ~~فمات. وأما إنطاكية فقتل منها وسبي من الرجال والنساء والأطفال مالا يدركه ~~حصر، وهرب إلى القلعة قدر ثلاثة آلاف تحصنوا بها. وكان أخذ المعرة في ذي ~~الحجة بعد أخذ إنطاكية. ولما وقع ذلك اجتمع ملوك الإسلام بالشام، وهم رضوان ~~صاحب حلب وأخوه دقماق وطغتكين وصاحب الموصل وسكمان بن أرتق صاحب ماردين ~~وأرسلان شاه صاحب سنجار - ولم ينهض الأفضل بإخراج عساكر مصر. وما أدري ما ~~كان السبب في عدم إخراجه مع قدرته على المال والرجال - فاجتمع الجميع ~~ونازلوا إنطاكية وضيقوا على الفرنج حتى أكلوا ورق الشجر. وكان صنجيل مقدم ~~الفرنج عنده دهاء ومكر، فرتب مع راهب حيلة وقال: اذهب فادفن هذه الحربة في ~~مكان كذا، ثم قل للفرنج بعد ذلك: رأيت المسيح في منامي وهو يقول: في المكان ~~الفلاني حربة مدفونة فاطلبوها، فإن وجدتموها فالظفر لكم، وهي حربتي، فصوموا ~~ثلاثة أيام وصلوا وتصدقوا ثم قام وهم معه إلى المكان ففتشوه فظهرت الحربة؛ ~~فصاحوا وصاموا وتصدقوا وخرجوا إلى المسلمين، وقاتلوهم حتى دفعوهم عن البلد؛ ~~فثبت جماعة من المسلمين فقتلوا عن آخرهم، رحمهم الله تعالى. والعجب أن ~~الفرنج لما خرجوا إلى المسلمين كانوا في غاية الضعف من الجوع وعدم القوت ~~حتى إنهم أكلوا الميتة وكانت عساكر الإسلام في غاية القوة والكثرة، فكسروا ~~المسلمين وفرقوا جموعهم، وانكسر أصحاب الجرد السوابق، ووقع السيف في ~~المجاهدين والمطوعين. فكتب دقماق ورضوان والأمراء إلى الخليفة أعني ~~المستظهر العباسي يستنصرونه؛ فأخرج الخليفة أبا نصر بن الموصلايا إلى ~~السلطان بركياروق ابن السلطان ملكشاه السلجوقي يستنجده. كل ذلك وعساكر مصر ~~لم ms1017 تهيأ للخروج. وأما أخذ بيت المقدس فكان في يوم الجمعة ثالث عشرين شعبان ~~سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وهو أن الفرنج ساروا من إنطاكية ومقدم الفرنج ~~كندهري في ألف ألف، منهم خمسمائة ألف مقاتل فارس، والباقون رخالة وفعلة ~~وأرباب آلات من مجانيق وغيرها، وجعلوا طريقهم على الساحل. وكان بالقدس ~~افتخار الدولة من قبل المستعلي خليفة مصر صاحب الترجمة، فأقاموا يقاتلون ~~أربعين يوما، وعملوا برجين مطفين على السور؛ أحدهما بباب صهيون، والآخر ~~بباب العمود وباب الأسباط، وهو برج الزاوية - ومنه فتحها السلطان صلاح ~~الدين بن أيوب، على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى - فأحرق المسلمون البرج ~~الذي كان بباب صهيون وقتلوا من فيه. وأما الآخر فزحفوا به حتى ألصقوه ~~بالسور، وحكموا به على البلد، وكشفوا من كان عليه من المسلمين، ثم رموا ~~بالمجانيق والسهام رمية رجل واحد، فانهزم المسلمون فنزلوا إلى البلد، وهرب ~~الناس إلى الصخرة والأقصى واجتمعوا بها، فهجموا عليهم وقتلوا في الحرم مائة ~~ألف وسبوا مثلهم، وقتلوا الشيوخ والعجائز وسبوا النساء، وأخذوا من الصخرة ~~والأقصى سبعين قنديلا، منها عشرون ذهبا في كل قنديل ألف مثقال، ومنها خمسون ~~فضة في كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم بالشامي، وأخذوا تنورا من فضة ~~زنته أربعون رطلا بالشامي، وأخذوا من الأموال ما لا يحصى. وكان بيت المقدس ~~منه افتتحه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في سنة ست عشرة من الهجرة، لم ~~يزل بأيدي المسلمين إلى هذه السنة. هذا كله وعسكر مصر لم يحضر، غير أن ~~الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي صاحب أمر مصر لما بلغه أن ~~الفرنج ضايقوا بيت المقدس خرج في عشرين ألفا من عساكر مصر وجد في السير، ~~فوصل إلى القدس يوم ثاني فتحه ولم يعلم بذلك. فقصده الفرنج وقاتلوه، فلم ~~يثبت لهم ودخل عسقلان بعد أن قتل من أصحابه عدد كثير؛ فأحرق الفرنج ما حول ~~عسقلان وقطعوا أشجارها، ثم عادوا إلى القدس. ثم عاد الأفضل إلى مصر بعد ~~أمور وقعت له مع الفرنج. واستمر بيت المقدس مع ms1018 الفرنج، فلا قوة إلا بالله. ~~PageV02P0031 # وقال ابن القلانسي: إن أخذ المعرة كان في هذه السنة أيضا، لأنه كان قبل ~~أخذ بيت المقدس. قال: وزحف الفرنج في محرم هذه السنة إلى سور المعرة من ~~الناحية الشرقية والشمالية، وأسندوا البرج إلى سورها، فكان أعلى منه. ولم ~~يزل الحرب عليها إلى وقت المغرب من اليوم الرابع عشر من المحرم، وصعدوا ~~السور، وانكشف أهل البلد بعد أن ترددت إليهم رسل الفرنج، وأعطوهم الأمان ~~على نفوسهم وأموالهم وألا يدخلوا إليهم، بل يبعثوا إليهم شحنة فمنع من ذلك ~~الخلف بين أهلها، فملكت الفرنج البلد بعد المغرب بعد أن قتل من الفريقين ~~خلق كثير، ثم أعطوهم الأمان. فلما ملكوها غدروا بهم وفعلوا تلك الأفعال ~~القبيحة وأقاموا عليها، إلى أن رحلوا عنها في آخر شهر رجب إلى القدس. ~~وانجفل الناس بين أيديهم، فجاءوا إلى الرملة فأخذوها عند إدراك الغلة، ثم ~~انتهوا إلى القدس. وذكر في أمر القدس نحوا مما قلناه، غير أنه زاد فقال: ~~ولما بلغهم يعني الفرنج خروج الأفضل من مصر جدوا في القتال ونزلوا من السور ~~وقتلوا خلقا كثيرا، وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم، وهدموا ~~المشاهد وقبر الخليل - عليه السلام - وتسلموا محراب داود بالأمان. ووصل ~~الأفضل بالعساكر وقد فات الأمر، فنزل عسقلان في يوم رابع عشر شهر رمضان ~~ينتظر الأسطول في البحر والعرب؛ فنهض إليه مقدم الفرنج في خلق عظيم، فانهزم ~~العسكر المصري إلى ناحية عسقلان؛ ودخل الأفضل عسقلان، ولعبت سيوف الفرنج في ~~العسكر والرجال والمطوعة وأهل البلد، وكانوا زهاء عن عشرة آلاف نفس، ومضى ~~الأفضل. وقرر الفرنج على أهل البلد عشرين ألف دينار تحمل إليهم، وشرعوا في ~~جبايتها من أهل البلد؛ فاختلف المقدمون فرحلوا ولم يقبضوا من المال شيئا. ~~ثم قال: وحكي أنه قتل من أهل عسقلان من شهودها وتجارها وأحداثها سوى ~~أجنادها ألفان وسبعمائة نفس. ولما تمت هذه الحادثة خرج المستنفرون من دمشق ~~مع قاضيها زين الدين أبي سعد الهروي، فوصلوا بغداد وحضروا في الديوان ~~وقطعوا شعورهم واستغاثوا وبكوا، وقام القاضي في الديوان ms1019 وأورد كلاما أبكى ~~الحاضرين؛ وندب من الديوان من يمضي إلى العسكر السلطاني ويعرفهم بهذه ~~المصيبة؛ فوقع التقاعد لأمر يريده الله. فقال القاضي الهروي - وقيل: هي ~~لأبي المظفر الأبيوردي - القصيدة التي أولها: الطويل. مزجنا دماء بالدموع ~~السواجم ... فلم يبق منا عرضة للمراجم ومنها: وكيف تنام العين ملء جفونها ~~... على هفوات أيقظت كل نائم وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي ~~أو بطون القشاعم ومنها: وكاد لهن المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت يا ~~آل هاشم أرى أمتي لا يسرعون إلى العدا ... رماحهم والدين واهي الدعائم ~~ومنها: وليتهم إذ لم يذودوا حميمة ... عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم وإذ ~~زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى ... فهلا أتوه ركبة في الغنائم وقال آخر: ~~الوافر أحل الكفر بالإسلام ضيما ... يطول عليه للدين النحيب فحق ضائع وحمى ~~مباح ... وسيف قاطع ودم صبيب وكم من مسلم أمسى سليبا ... ومسلمة لها حرم ~~سليب وكم من مسجد جعلوه ديرا ... على محرابه نصب الصليب دم الخنزير فيه لهم ~~خلوق ... وتحريق المصاطف فيه طيب أمور لو تأملهن طفل ... لطفل في عوارضه ~~المشيب أتسبى المسلمات بكل ثغر ... وعيش المسلمين إذا يطيب أما لله ~~والإسلام حق ... يدافع عنه شبان وشيب فقل لذوي البصائر حيث كانوا ... ~~أجيبوا الله ويحكم أجيبوا PageV02P0032 # وقال الناس في هذا المعنى عدة مراث. والمقصود أن القاضي ورفقته عادوا من ~~بغداد إلى الشام بغير نجدة. ولا قوة إلا بالله. ثم إن الأفضل ابن أمير ~~الجيوش جهز من مصر جيشا كثيفا وعليه سعد الدولة القواسي في سنة ثلاث وتسعين ~~وأربعمائة، فخرج سعد الدولة المذكور من مصر بعسكره فالتقى مع الفرنج ~~بعسقلان؛ ووقف سعد الدولة في القلب، فقاتل قتالا شديدا، فكبا به فرسه فقتل. ~~وثبت المسلمون بعد قتله وحملوا على الفرنج فهزموهم إلى قيسارية. فيقال: ~~إنهم قتلوا من الفرنج ثلاثمائة ألف، ولم تقتل من المسلمين سوى مقدم عسكرهم ~~سعد الدولة القواسي المذكور ونفر يسير. قاله صاحب مرآة الزمان. وقال الذهبي ~~في تاريخه: هذه مجازفة عظيمة يعني كونه قال قتل ثلاثمائة ألف من الفرنج. ~~انتهى. قلت: ms1020 ومن يومئذ بدأت الفرنج في أخذ السواحل حتى استولوا على الساحل ~~الشامي بأجمعه إلى أن استولت الدولة الأيوبية والتركية واسترجعوها شيئا بعد ~~شيء، حسب ما يأتي ذكره إن شاء الله في هذا الكتاب. ومات المستعلي صاحب ~~الترجمة في يوم الثلاثاء تاسع صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وقيل: في ثالث ~~عشر صفر، والأول أشهر. ومات وله سبع وعشرون سنة، وكانت خلافته سبع سنين ~~وشهرين وأياما. وتولى الخلافة بعده ابنه الآمر بأحكام الله منصور. وكان ~~المتصرف في دولته وزيره الأفضل سيف الإسلام شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر ~~الجمالي. فانتظمت أحوال مصر بتدبيره، واشتغل بها عن السواحل الشامية حتى ~~استولت الفرنج على غالبها؛ وندم على ذلك حين لا ينفع الندم. وكان المستعلي ~~حسن الطريقة في الرعية، جميل السيرة في كافة الأجناد، ملازما لقصره كعادة ~~أبيه، مكتفيا بالأفضل فيما يريده، إلا أنه كان مع تقاعده عن الجهاد وتهاونه ~~في أخذ البلاد متغاليا في الرفض والتشيع؛ كان يقع منه الأمور الشنيعة في ~~مأتم عاشوراء، ويبالغ في النوح والمأتم، ويأمر الناس بلبس المسوح وغلق ~~الحوانيت واللطم والبكاء زيادة عما كان يفعله آباؤه، مع أن الجميع رافضة، ~~ولكن التقاوت نوع آخر. PageV02P0033 # وأما الذي كان يفعله آباؤه وأجداده من النوح في يوم عاشوراء والحزن ~~وترتيبه، فإذا كان يوم العاشر من المحرم احتجب الخليفة عن الناس، فإذا علا ~~النهار ركب قاضي القضاة والشهود وقد غيروا زيهم ولبسوا قماش الحزن، ثم ~~صاروا إلى المشهد الحسيني بالقاهرة - وكان قبل ذلك يعمل المأتم بالجامع ~~الأزهر - فإذا جلسوا فيه بمن معهم من الأمراء والأعيان وقراء الحضرة ~~والمتصدرين في الجوامع، جاء الوزير فجلس صدرا، والقاضي وداعي الدعاة من ~~جانبيه، والقراء يقرؤون نوبة بنوبة، ثم ينشد قوم من الشعراء غير شعراء ~~الخليفة أشعارا يرثون بها الحسن والحسين وأهل البيت، وتصيح الناس بالضجيج ~~والبكاء والعويل - فإن كان الوزير رافضيا على مذهب القوم تغالوا في ذلك ~~وأمعنوا، وإن كان الوزير سنيا اقتصروا - ولا يزالون كذلك حتى تمضي ثلاث ~~ساعات، فيستدعون إلى القصر عند الخليفة بنقباء الرسائل؛ فيركب ms1021 الوزير وهو ~~بمنديل صغير إلى داره، ويدخل قاضي القضاة والداعي ومن معهما إلى باب الذهب ~~أحد أبواب القصر فيجدون الدهاليز قد فرشت مساطبها بالحصر والبسط، وينصب في ~~الأماكن الخالية الدكك لتلحق بالمساطب وتفرش؛ ويجدون صاحب الباب جالسا ~~هناك، فيجلس القاضي والداعي إلى جانبه والناس على اختلاف طبقاتهم؛ فيقرأ ~~القراء وينشد المنشدون أيضا. ثم يفرش وسط القاعة بالحصر المقلوبة ليس على ~~وجوهها، وإنما تخالف مفارشها، ثم تفرش عليها سماط الحزن مقدار ألف زبدية من ~~العدس والملوحات والمخللات والأجبان والألبان الساذجة والأعسال النحل ~~والفطير والخبز المغير لونه بالقصد لأجل الحزن. فإذا قرب الظهر وقف صاحب ~~الباب وصاحب المائدة يعني الحاجب والمشد وأدخل الناس للأكل من السماط، ~~فيدخل القاضي والداعي ويجلس صاحب الباب ببابه، ومن الناس من لا يدخل من شدة ~~الحزن، فلا يلزم أحد بالدخول. فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى مكانهم ركبانا ~~بذلك الزي الذي ظهروا فيه من قماش الحزن. وطاف النواح بالقاهرة في ذلك ~~اليوم، وأغلق البياعون حوانيتهم إلى بعد العصر، والنوح قائم بجميع شوارع ~~القاهرة وأزقتها. فإذا فات العصر يفتح الناس دكاكينهم ويتصرفون في بيعهم ~~وشرائهم؛ فكان ذلك دأب الخلفاء الفاطميين من أولهم المعز لدين الله معد إلى ~~آخرهم العاضد عبد الله. انتهى ترجمة المستعلي. ويأتي بعض أخباره أيضا في ~~السنين المتعلقة به على سبيل الاختصار، كما هو عادة هذا الكتاب. ### || AUT السنة الأولى من خلافة المستعلي أحمد # وهي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. فيها اصطلح أهل السنة والرافضة ببغداد ~~وعملوا الدعوات ودخل بعضهم إلى بعض. وفيها قتل تاج الدولة تتش بن ألب ~~أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق أبو سعيد السلجوقي أخو ~~السلطان ملكشاه. كان أولا في المشرق، فاستنجده أتسز الخوارزمي صاحب الشام ~~فقدم دمشق، وقتل أتسز المذكور واستولى على الشام، وامتدت أيامه. وهو الذي ~~قتل آق سنقر وبوزان، ثم خالف على ابن أخيه بركياروق بن ملكشاه، ووقع بينهما ~~أمور آخرها في هذه السنة؛ كانت بينهما وقعة هائلة على الري. وكان لما قتل ~~آق وبوزان أخذ ms1022 جماعة من أمرائهما فقتلتهم بين يديه؛ وكان بكجور من أكابر ~~الأمراء، فقتل أولاده بين يديه صبرا، وهرب بكجور إلى بركياروق. فلما انتصر ~~على الري جاء بكجور إلى السلطان بركياروق وهو يبكي، فقال: قد قتل عمك ~~أولادي وأنا قاتله بأولادي؛ فقال: افعل. وكان تتش قد وقف بالقلب مقابل ابن ~~أخيه السلطان بركياروق، فقصده الأمير بكجور المذكور وطعنه فألقاه عن فرسه؛ ~~فنزل سنقرجه - وكان أيضا صاحب ثأر - فحز رأسه، وقيل؛ رماه مملوك بوزان بسهم ~~في ظهره فوقع منه، وانهزم أصحابه؛ وطيف برأسه. وأسر وزيره فخر الملك علي بن ~~نظام الملك، فعفا عنه السلطان بركياروق، وفخر الملك وزير تتش، وهما ابنا ~~نظام الملك. ثم وقع أيضا لأولاد تاج الدولة تتش هذا أمور وفتن بعد موت ~~أبيهم؛ وهم رضوان وأخوته، على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ~~PageV02P0034 # وفيها توفي عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني شيخ ~~المعتزلة. كان إماما في فنون، فسر القرآن في سبعمائة مجلد - وقيل في ~~أربعمائة، وقيل ثلاثمائة - وكان الكتاب وقفا في مشهد أبي حنيفة رضي الله ~~عنه. وكان رحل إلى مصر وأقام بها أربعين سنة. وكان محترما في الدول، ظريفا، ~~حسن العشرة، صاحب نادرة. قيل: إنه دخل على نظام الملك الوزير وكان عنده أبو ~~محمد التميمي ورجل آخر أشعري، فقال له القزويني: أيها الصدر قد اجتمع عندك ~~رؤوس أهل النار. قال نظام الملك وكيف ذلك؟ قال: أنا معتزلي، وهذا مشبه يعني ~~التميمي وذلك أشعري، وبعضنا يكفر بعضا؛ فضحك النظام. وقيل: إنه اجتمع مع ~~ابن البراج متكلم الشيعة، فقال له ابن البراج: ما تقول في الشيخين؟ فقال: ~~سفلتين ساقطين. قال: من تعني؟ قال: أنا وأنت. وكانت وفاة القزويني هذا في ~~ذي القعدة، وقد بلغ ستا وتسعين سنة، ودفن بمقابر الخيزران عند أبي حنيفة، ~~رضي الله عنه. وفيها توفي محمد بن فتوح بن عبد الله بن حميد، أبو عبد الله ~~بن أبي نصر الخميلي الأندلسي. كان من جزيرة ميورقة. ولد قبيل الأربعمائة، ~~وسمع الكثير ورحل إلى ms1023 الأقطار ثم استوطن بغداد. وكان مختصا بصحبة ابن حزم ~~الظاهري، وحمل عنه أكثر كتبه. قال ابن ماكولا: صديقنا أبو عبد الله الخميمي ~~من أهل العلم والفضل، ورد بغداد وسمع أصحاب الدارقطني وابن شاهين وغيرهم، ~~وسمع منه خلق كثير، وصنف تاريخ الأندلس، ولم أر مثله في عفته ونزاهته. ~~وفيها توفي منصور بن نصر الدولة بن مروان صاحب ميافارقين، وكان استولى على ~~الجزيرة فمات بها، فحمل إلى آمد فدفن بقية بنتها له زوجته ست الناس بنت ~~عميد الأمة. وأول ولاية بني مروان لديار بكر في سنة ثمانين وثلاثمائة، ~~واستولى الوزير ابن جهير على بلادهم سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ومات منصور ~~في هذه السنة. فكانت ولايتهم نيفا ومائة سنة. وأعيان ملوكهم أولهم باد ~~الكردي، وبعده مروان وهو جدهم، ثم بعده ولده أحمد، ثم بعده ولده نظام الدين ~~ثم ولداه سعيد ومنصور هذا. وفيها توفي محمد بن عباد بن محمد بن إسماعيل بن ~~قريش السلطان المعتمد على الله أبو القاسم ابن السلطان المعتضد بالله أبي ~~عمرو ابن الفقيه قاضي إشبيلية ثم سلطانها الظافر ابن المؤيد بالله أبي ~~العباس بن أبي الوليد اللخمي، من ولد النعمان بن المنذر صاحب الحيرة. كان ~~المعتمد هذا صاحب إشبيلية وقرطبة. وأصلهم من بلد العريش التي كانت في أول ~~رمل مصر. وكان المعتمد عالما ذكيا شاعرا عادلا في الرعية؛ كان من محاسن ~~الدنيا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وست أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من خلافة المستعلي أحمد # وهي سنة تسع وثمانين وأربعمائة. فيها حكم المنجمون بأن يكون طوفان مثل ~~طوفان نوح عليه السلام. فسأل الخليفة ابن عيسون المنخم، فقال: أخطأ ~~المنجمون، طوفان نوح قد اجتمع في برج الحوت الطوالع السبعة، والآن قد اجتمع ~~فيه ستة، زحل لم يجتمع معها؛ ولكني أقول: إن بقعة من البقاع يجتمع بها عالم ~~من بلاد كثيرة فيغرقون. فقيل: ما ثم أكبر من بغداد، ويجتمع فيها ما لا ~~يجتمع في غيرها، وربما كانت هي؛ ms1024 فقال ابن عيسون: لا أدري غير ما قلت. فأمر ~~الخليفة بإحكام المسنيات وسد الفروج، وكان الناس يتوقعون الغرق؛ فوصل الخبر ~~بأن الحاج نزلوا في واد عند نخلة، فأتاهم سيل عظيم وأخذ الجميع بالجمال ~~والرجال، وما نجا منهم إلا من تعلق برؤوس الجبال. فخلع الخليفة على ابن ~~عيسون وأجرى له الجراية وأمن الناس. وفيها ورد كتاب المستعلي صاحب مصر ~~وكتاب وزيره الأفضل أمير الجيوش إلى رضوان بن تتش السلجوقي بالدخول في ~~الطاعة. فأجاب وخطب للمستعلي صاحب الترجمة. وفيها خرج العسكر المصري إلى ~~الساحل ونزل على صور وفتحوها عنوة، وأخذوا منها أموالا عظيمة، وكان بها رجل ~~يعرف بالكتيلة، فأسر وحمل إلى مصر. PageV02P0035 # وفيها سار الأفضل أمير الجيوش المذكور من مصر بالعساكر إلى القدس، وكان ~~به سكمان بن أرتق وأخوه إيلغازي؛ فحصر البلد ونصب عليها المجانيق وقاتلهم ~~أربعين يوما؛ وأرسل أهل القدس فواطؤوه على فتح الباب، وطلبوا منه الأمان ~~فأمنهم وفتحوا له الباب، وخرج سكمان من باب آخر ومضى إلى الرها، ومضى أخوه ~~إيلغازي إلى بغداد. وهما أول ملوك الارتقية ظهورا. وفيها تواترت الأخبار ~~بخروج ملك الروم من بلاد الروم بقصد البلاد الشامية. وفيها قتل رضوان ابن ~~تاج الدولة تتش السلجوقي وقتل ولده ونهبت داره. وكان ظالما فاتكا. كان ~~استوزر أبا الفضل بن الموصلي مشير الدين. وفيها توفي عبد الله بن إبراهيم ~~بن عبد الله، أبو حكيم الخيري - وخير: إحدى بلاد فارس - وهو جد أبي الفضل ~~بن ناصر لأبيه. تفقه على أبي إسحاق الشيرازي وبرع في الفرائض، وله فيها ~~مصنف. وكان فقيها صالحا حسن الطريقة. وفيها توفي عبد الرزاق بن عبد الله بن ~~المحسن، أبو غانم التنوخي المعري. كان فاضلا شاعرا. ومن شعره في كوز فقاع: ~~الوافر ومحبوس بلا ذنب جناه ... له سجن بباب من رصاص يضيق بابه خوفا عليه ~~... ويوثق بعد ذلك بالعفاص إذا أطلقته خرج ارتقاصا ... وقبل فاك من فرح ~~الخلاص وفيها توفي منصور بن محمد بن عبد الجبار، الشيخ أبو المظفر ~~السمعاني، جد أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن ms1025 منصور صاحب الذيل. وكان أبو ~~المظفر هذا من أهل مرو، وتفقه على مذهب أبي حنيفة حتى برع، ثم ورد بغداد ~~وانتقل لمذهب الشافعي لمعنى من المعاني، ورجع إلى بلده فلم يقبلوه وقام ~~عليه العوائم، فخرج إلى طوس، ثم قصد نيسابور. وصنف التفسير والبرهان ~~والاصطلام والقواطع في أصول الفقه وغير ذلك. ومات في شهر ربيع الأول بمرو. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثلاث عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من خلافة المستعلي أحمد # وهي سنة تسعين وأربعمائة. فيها أخذت الفرنج نيقية وهي أول بلد أخذوه، ثم ~~أفتحوا حصون الدورب شيئا بعد شيء، كما ذكرناه مفصلا في أول ترجمة المستعلي ~~هذا. وفيها توفي المعمر بن محمد بن المعمر بن أحمد بن محمد، أبو الغنائم ~~الحسيني الطاهر ذو المناقب نقيب الطالبيين. مات بالكرخ، فحمل إلى مقابر ~~قريش فدفن بها. وكان من كبار الشيعة. وولي النقابة بعده ولده أبو الفتوح ~~حيدرة، ولقب بالرضي ذي الفخرين. وفيها توفي نصر بن إبراهيم بن نصر بن ~~إبراهيم، أبو الفتح الفقيه القدسي الشافعي. أصله من نابلس، وأقام بالقدس ~~مدة ودرس بها. وكان فقيها عابدا زاهدا ورعا. مات في المحرم من هذه السنة. ~~وفيها توفي يحيى بن أحمد السيبي. مات في شهر ربيع الآخر وعاش مائة وثلاثا ~~وخمسين سنة وثلاثة أشهر وأياما؛ وكان صحيح الحواس، يقرأ عليه القرآن، ويسمع ~~الحديث، ورحل الناس إليه. وكان ثقة صالحا صدوقا. وفيها قتل الملك أرسلان ~~أرغون ابن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق ~~السلجوقي بمرو؛ كان قد حكم على خراسان. وسبب قتله أنه كان مؤذيا لغلمانه ~~جبارا عليهم؛ فوثب عليه رجل منهم فقتله بسكين. وكان قد ملك مرو ونيسابور ~~وبلخ وترمذ، وأساء السيرة وخرب أسوار مدن خراسان، وصادر وزيره عماد الملك ~~ابن نظام الملك، وأخذ منه ثلاثمائة ألف دينار ثم قتله. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع ms1026 عشرة ~~ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة الرابعة من خلافة المستعلي أحمد # وهي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. فيها تواترت الشكايات من الفرنج، وكتب ~~السلطان بركياروق السلجوقي إلى العساكر يأمرهم بالخروج مع عميد الدولة ~~للجهاد، وتجهز سيف الدولة صدقة، وبعث مقدماته إلى الأنبار. ثم وردت الأخبار ~~إلى بغداد بأن الفرنج ملكوا إنطاكية وساروا إلى معرة النعمان في ألف ألف ~~إنسان، فقتلوا وسبوا، حسب ما ذكرنا في أول ترجمة المستعلي هذا. ~~PageV02P0036 # وفيها عزل السلطان بركياروق وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك عن وزارته، ~~واستوزر أخاه فخر الملك. وكان مؤئد الملك في غاية من العقل والفضل وحسنه ~~التدبير؛ وفخر الملك بعكس ذلك كفه. فلحق مؤيد الملك بأخي بركياروق محمد بن ~~ملكشاه، وأطمعه في الملك. وكان عزل مؤيد الملك بإشارة مجد الملك القمي ~~المستوفي. وفيها خرج محمد بن ملكشاه المذكور على أخيه بركياروق. وكان ~~لملكشاه عدة أولاد، منهم بركياروق السلطان بعده وأمه زبيدة، ومحمود وأمه ~~خاتون، ومحمد شاه هذا الذي خرج، وسنجر؛ ومحمد وسنجر هما أخوان لأب وأم. ~~وكان محمد هذا رباه أخوه بركياروق وأقطعه كنجة وأعمالها، ورتب معه شخصا ~~كالأتابك، واسمه أيضا محمد؛ فوثب عليه محمد شاه وقتله لكونه كان يحجز عليه، ~~ولا يبت أمرا حتى يراجع بركياروق. ووافق ذلك مجيء مؤيد الملك بن نظام الملك ~~إليه، فجرت له مع أخيه بركياروق حروب ووقائع. وفيها توفي طراد بن محمد بن ~~علي أبو الفوارس الزينبي العباسي الهاشمي. هو من ولد زينب بنت سليمان بن ~~علي بن عبد الله بن عباس. ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وسمع الكثير، ~~وزحل الناس إليه من الأقطار، وأملى بجامع المنصور، وحج سنة تسع وثمانين ~~وأربعمائة، وأملى بمكة والمدينة، وولي نقابة العباسيين بالبصرة، وكانت له ~~رياسة وجلالة. ومات في شوال وقد جاوز تسعين سنة. وفيها توفي نصر بن علي بن ~~المقلد بن نصر بن منقذ، أبو المرهف الكناني، عز الدولة. ملك شيزر بعد أبيه، ~~وقام بتربية أخوته أحسن قيام. وفيه يقول أبوه علي بن المقلد من قصيدة: ~~الطويل جزى الله نصرا ms1027 خير ما جزيت به ... رجال قضوا فرض العلا وتنفلوا ~~ومنها: سألقاك يوم الحشر أبيض واضحا ... وأشكر عند الله ما كنت تفعل ومنها: ~~إلى الله أشكو من فراقك لوعة ... توقد في الأحشاء ثم ترحل ومن شعر نصر هذا: ~~الخفيف كنت أستعمل البياض من الأم ... شاط عجبا بلمتي وشبابي فاتخذت السواد ~~في حالة الشي ... ب سلوا عن الصبا بالتصابي وفيها توفي الحافظ أبو العباس ~~أحمد بن بشرويه الأصبهاني الإمام المحدث. مات وله ست وتسعون سنة. وكان ~~إماما حافظا؛ سمع الحديث وروى عنه غير واحد؛ وكان من أئمة المحدثين. رحمه ~~الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثماني عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من خلافة المستعلي أحمد # وهي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. فيها استولى الفرنج على بيت المقدس في ~~يوم الجمعة ثالث عشر شعبان، حسب ما ذكرناه في ترجمة المستعلي هذا. وفيها ~~توفي السلطان إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب عزنة وغيرها من ~~بلاد الهند. كان ملكا عادلا منصفا منقادا إلى الخير كثير الصدقات؛ كان لا ~~يبني لنفسه مكانا حتى يبني لله مسجدا أو مدرسة. قال الفقيه أبو الحسن ~~الطبري: أرسلني إليه بركياروق في رسالة، فرأيت في مملكته ما لا يتأتى وصفه. ~~ومات في شهر رجب وقد جاوز السبعين. وأقام ملكا نيفا وأربعين سنة. وفيها ~~توفي الشيخ عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح، أبو تراب المراغي، الفقيه ~~الشافعي. كان إماما فقيها زاهدا مدرسا. مات في ذي القعدة عن اثنتين وتسعين ~~سنة، وقد انتهت إليه رياسة العلم بنيسابور. وفيها توفي علي بن الحسن بن ~~الحسين بن محمد، القاضي أبو الحسن الموصلي الأصل المصري الفقيه الشافعي ~~المعروف بالخلعي. ولد بمصر في أول سنة خمس وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير ~~ورواه، وكان مسند الديار المصرية في وقته. ومات في ذي الحجة. وفيها توفي ~~الحافظ أبو القاسم مكي بن عبد السلام الرميلي ببيت المقدس شهيدا حين أخذته ~~الفرنج في شعبان؛ واستشهد به ms1028 عالم لا يحصى. وكان إماما محدثا حافظا. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من خلافة المستعلي أحمد # وهي سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. فيها عادت الخطبة ببغداد باسم بركياروق ~~بعد الخليفة، وكان بطل اسمه وخطب لأخيه محمد شاه؛ وهذا بعد أن وقع بينهما ~~حروب إلى أن ملك بركياروق وأخرج أعوان محمد شاه من بغداد. PageV02P0037 # وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن علي بن صابر، أبو القاسم السلمي الدمشقي، ~~ويعرف بابن سيده. ولد سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، ومات في شهر ربيع الآخر ~~بدمشق. وأنشد: الوافر صبرا لحكمك أيها الدهر ... لك أن تجور ومتى الصبر ~~آليت لا أشكوك مجتهدا ... حتى يردك من له الأمر وفيها توفي محمد بن سلطان ~~بن محمد بن حيوس، أبو الفتيان الأمير الشاعر. ولد سنة إحدى وأربعمائة، وهو ~~من بيت الفضل والعلم والرياسة. ومات في شهر رجب وقد جاوز تسعين سنة. ومن ~~شعره من قصيدة أولها: الطويل لكم أن تجوروا معرضين وتغضبوا ... وعادتكم أن ~~تزهدوا حين تغضبوا جنيتم علينا واعتذرنا إليكم ... ولولا الهوى لم يسأل ~~الصفح مذنب وفيها توفي الوزير محمد بن محمد بن محمد بن جهير، الصاحب شرف ~~الدين عميد الدولة. كان حسن التدبير، كافيا في المهام، شجاعا جوادا عظيما ~~في الدول. وزر للخليفة القائم، ثم من بعده للمقتفي فعزله بأبي شجاع، ثم ~~أعاده المستظهر فدبر أموره ثماني سنين وأحد عشر شهرا وأربعة أيام. وكان له ~~ترسل بديع، وتوقيعات وجيزة وأشعار رقيقة. ومدحه شعراء عصره؛ وفيه يقول أبو ~~منصور علي بن الحسن المعروف بصردر الشاعر قصيدته العينية المشهورة التي ~~أولها: الكامل قد بان عذرك والخليط مودع ... وهوى النفوس مع الهوادج يرفع ~~وفيها توفي يحيى بن عيسى بن جزلة، أبو علي المتطبب صاحب المنهاج في الطب. ~~كان نصرانيا يقرأ على أبي علي بن الوليد المعتزلي، فلم يزل يدعوه إلى ~~الإسلام حتى أسلم وحسن إسلامه. واستخدمه أبو الحسن قاضي القضاة في كتب ~~السجلات. ms1029 وكان يطب أهل محلته بغير عوض، ويعود الفقراء ويحسن إليهم. ووقف ~~كتبه على مشهد أبي حنيفة - رضي الله عنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم عشر أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من خلافة المستعلي أحمد # وهي سنة أربع وتسعين وأربعمائة. فيها قتل السلطان بركياروق خلقا من ~~الباطنية، وكانوا ثلاثمائة ونيفا، وكتب إلى الخليفة بالقبض على من اتهم أنه ~~منهم. وفيها التقى بركياروق مع أخيه محمد شاه، وكان مع محمد شاه خمسة عشر ~~ألفا، ومع بركياروق خمسة وعشرون ألفا؛ فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل من ~~الفريقين عدة كبيرة؛ فانهزم محمد شاه وهرب وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك، ~~فتبعه غلمان بركياروق وأخذوه وجاءوا به إلى بركياروق، فقام وضرب عنقه بيده. ~~ومضى محمد شاه واستجار بأخيه سنجر شاه؛ فأرسل سنجر شاه إلى بركياروق يسأله ~~فيه؛ فقال بركياروق: لا بد أن يطأ بساطي. ثم وقع أمور؛ وانتصر سنجر شاه ~~لأخيه محمد شاه، ولا زال حتى دخل محمد بغداد وخطب له بها، وتوخه بركياروق ~~إلى واسط. وفيها أخذ الفرنج جبلة من بلاد الساحل وأرسوف وقيسارية بالسيف. ~~وفيها توفي محمد بن منصور، أبو سعد، شرف الملك المستوفي الخوارزمي. كان ~~جليل القدر فاضلا نبيلا متعصبا لأصحاب أبي حنيفة - رضي الله عند - وهو الذي ~~بنى على أبي حنيفة القبة والمدرسة الكبيرة بباب الطاق - وقد قدمنا ذكره في ~~وفاة أبي حنيفة في هذا الكتاب - وبنى أيضا مدرسة بمرو، ووقف فيها كتبا ~~نفيسة، وبنى الرباطات في المفاوز، وعمل خيرات كثيرة. ثم انقطع في آخر عمره. ~~وبذل لملكشاه مائة ألف دينار حتى أعفاه من الخدمة. ومات بأصبهان في جمادى ~~الآخرة. وفيها قتل أبو المحاسن وزير بركياروق. كان قد نقم على أبي سعد فركب ~~بعد ذلك وسار على باب أصبهان، فوثب عليه غلام أبي سعيد الحداد فقتله وأخذ ~~بثأر أستاذه. فأمر بركياروق بسلخ الغلام فسلخ وعلق. وفيها توفي الشيخ أبو ~~الحسن علي بن أحمد بن الأخرم المديني المؤذن. كان إماما محدثا ms1030 فاضلا. مات ~~في المحرم وله تسع وثمانون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست ~~أذرع وثماني عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة التي حكم في أولها المستعلي أحمد ثم الآمر ولده. # وهي سنة خمس وتسعين وأربعمائة. PageV02P0038 # فيها جلس الخليفة المستظهر بالله أحمد العباسي لمحمد شاه وسنجر شاه ابني ~~ملكشاه جلوسا عاما ودخلا عليه وقبلا الأرض له، فأدناهما وأفاض عليهما ~~الخلع، وتوجهما وطوقهما وسورهما، وقرأ الخليفة: " واعتصموا بحبل الله ~~جميعا... " الآية. ثم خرجا إلى قتال أخيهما بركياروق؛ فوقع بينهما وقائع ~~وحروب أسفرت عن نصرة بركياروق وانهزام محمد شاه. وفيها قبض بركياروق على ~~الكيا الهراسي الفقيه الشافعي، لأنه بلغه عنه أنه باطني شيعي؛ فكتب الخليفة ~~إليه ببراءة ساحته حسن عقيدته ودينه، فأطلقه. وفيها كانت وفاة صاحب الترجمة ~~المستعلي بالله أحمد، كما تقدم ذكره في ترجمته. وفيها توفي حسين بن ملاعب، ~~جناح الدولة صاحب حمص. كان أميرا مجاهدا شجاعا يباشر الحروب بنفسه. دخل ~~جامع حمص يوم الجمعة فصفى الجمعة، فوثب عليه ثلاثة من الباطنية فقتلوه. ~~وكان سبب قتله أنه كان عند رضوان بن تتش ملك حلب منجم باطني، وهو أول من ~~أظهر مذهب الباطنية بالشام، فندب لقتل جناح الدولة هذا أولئك النفر. ثم قتل ~~المنجم بحلب بعد ذلك بأربعة عشر يوما. وفيها توفي الشيخ أبو العلاء صاعد بن ~~سيار الكناني الهروي الفقيه العالم المشهور. كان إماما فقيها مفتيا مدرسا ~~صالحا ثقة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وثماني أصابع. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### | AUT خلافة الآمر بأحكام الله على مصر # الآمر اسمه منصور، وكنيته أبو علي، ولقبه الآمر بأحكام الله بن المستعلي ~~بالله أبي القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر بالله علي ~~بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن ~~المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدي عبيد الله العبيدي ~~الفاطمي، السابع من خلفاء مصر من ms1031 بني عبيد والعاشر منهم ممن ملك بالمغرب. ~~قال الحافظ أبو عبد الله شمس الذين محمد الذهبي في تاريخ الإسلام: كان ~~رافضيا كآبائه فاسقا ظالما جبارا متظاهرا بالمنكر واللهو، ذا كبر وجبروت، ~~وكان مدبر سلطانه الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش. ولي الآمر وهو صبي فلما ~~كبر قتل الأفضل وأقام في الوزارة المأمون أبا عبد الله محمد بن مختار بن ~~فاتك البطائحي، فظلم وأساء السيرة إلى أن قبض عليه الأمر سنة تسع عشرة ~~وخمسمائة، وصادره ثم قتله في سنة اثنتين وعشرين وصلبه، وقتل معه خمسة من ~~أخوته. وفي أيام الآمر أخذ الفرنج عكا سنة سبع وتسعين وأربعمائة، وأخذوا ~~طرابلس في سنة اثنتين وخمسمائة، فقتلوا وسبوا، وجاءتها نجمة المصريين بعد ~~فوات المصلحة؛ وأخذوا عرقة وبانياس. وتسلموا في سنة إحدى عشرة وخمسمائة ~~تبنين وتسلموا صور سنة ثماني عشرة، وأخذوا بيروت بالسيف في سنة ثلاث ~~وخمسمائة، وأخذوا صيداء سنة أربع وخمسمائة. ثم قصد الملك بردويل الإفرنجي ~~مصر ليأخذها، ودخل الفرما وأحرق جامعها ومساجدها؛ فأهلكه الله قبل أن يصل ~~إلى العريش. فشق أصحابه بطنه وصبروه، ورموا حشوته هناك؛ فهي ترجم إلى اليوم ~~بالسبخة، ودفنوه بقمامة. وهو الذي أخذ بيت المقدس وعكا وعدة حصون من ~~السواحل. وهذا كله بتخلف هذا المشؤوم الطلعة. وفي أيامه ظهر ابن تومرت ~~بالغرب. وولد الآمر في أول سنة تسعين وأربعمائة، واستخلف وله خمس سنين، ~~وبقي في الملك تسعا وعشرين سنة وتسعة أشهر، إلى أن خرج من القاهرة يوما في ~~ذي القعدة وعدى على الجسر إلى الجزيرة؛ فكمن له قوم بالسلاح. فلما عبر ~~نزلوا عليه بأسيافهم، وكان في طائفة يسيرة، فردوه إلى القصر وهو مثخن ~~بالجراح، فهلك من غير عقب. وهو العاشر من أولاد المهدي عبيد الله الخارج ~~بسجلماسة. وبايعوا بالآمر ابن عمه الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن محمد ~~بن المستنصر بالله. وكان الآمر ربعة، شديد الأدمة، جاحظ العينين، حسن الخط، ~~جيد العقل والمعرفة. وقد ابتهج بقتله لفسقه وسفكه للدماء وكثرة مصادرته ~~واستحسانه الفواحش. وعاش خمسا وثلاثين سنة. وبنى وزيره المأمون بالقاهرة ms1032 ~~الجامع الأقمر. انتهى كلام الذهبي برمته. ونذكر إن شاء الله قتله وأحواله ~~بأوسع مما قاله الذهبي من أقوال جماعة من المؤرخين أيضا. وقال العلامة أبو ~~المظفر من مرآة الزمان: PageV02P0039 # لما كان يوم الثلاثاء ثالث ذي القعدة خرج من القاهرة يعني الآمر وأتى ~~الجزيرة وعبر بعض الجسر، فوثب عليه قوم فلعبوا عليه بالسيوف - وقيل: كانوا ~~غلمان الأفضل - فحمل في مركب إلى القصر فمات في ليلته، وعمره أربع وثلاثون ~~سنة - وزاد غيره فقال: وتسعة أشهر وعشرون يوما - وكانت أيامه أربعا وعشرين ~~سنة وشهرا. قلت: وهم صاحب مرآة الزمان في قوله: وكانت مدته أربعا وعشرين ~~سنة وشهرا. والصواب ما قاله الذهبي، فإنه وافق في ذلك جمهور المؤرخين. ولعل ~~الوهم يكون من الناسخ. وما آفة الأخبار إلا رواتها. قال أعني صاحب مرآة ~~الزمان: ومولده سنة تسعين وأربعمائة. قلت: وزاد غيره وقال: في يوم الثلاثاء ~~ثالث عشر المحرم. قال: وكانت سيرته قد ساءت بالظلم والعسف والمصادرة. قال: ~~ولما قتل الآمر وثب غلام له أرمني فاستولى على القاهرة، وفرق الأموال في ~~العساكر، وأراد أن يتآمر على الناس؛ فخالفه جماعة ومضوا إلى أحمد بن الأفضل ~~يعني الوزير فعاهدوه وجاءوا به إلى القاهرة، فخرج الغلام الأرمني فقتلوه، ~~وولوا أبا الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، وولي الخلافة، ولقبوه ~~بالحافظ، ووزر له أبو علي أحمد بن الأفضل بن أمير الجيوش، وسماه أمير ~~الجيوش. فأحسن إلى الناس، وأعاد إليهم ما صادرهم به الآمر وأسقطه؛ فأحبه ~~الناس؛ فحسده مقدمو الدولة فاغتالوه. وقيل: إن الآمر لم يخلف ولدا وترك ~~امرأة حاملا؛ فماج أهل مصر وقالوا: لا يموت أحد من أهل هذا البيت إلا ويخلف ~~ولدا ذكرا، منصوصة عليه الإمامة؛ وكان قد نص على الحمل قبل موته، فوضعت ~~الحامل بنتا، فعدلوا إلى الحافظ؛ وانقطع النسل من الآمر وأولاده. وهذا مذهب ~~طائفة من شيعة المصريين؛ فإن الإمامة عندهم من المستنصر إلى نزار. وكان نقش ~~خاتم الآمر هذا الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين. وابتهج الناس بقتله. ~~انتهى كلام صاحب مرآة الزمان أيضا برمته. قلت: ms1033 ونذكر إن شاء الله قتلة ~~الآمر هذا بأوسع من هذا في آخر ترجمته بعد أن نذكر أقوال المؤرخين في أمره. ~~وقال قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان - رحمه الله - : وكان ~~الآمر سيئ الرأي جائر السيرة مستهترا متظاهرا باللهو واللعب. وفي أيامه ~~أخذت الفرنج مدينة عكا - ثم ذكر ابن خلكان نحوا مما ذكره الذهبي من أخذ ~~الفرنج للبلاد الشامية. إلى أن قال: - خرج من القاهرة يعني الآمر صبيحة يوم ~~الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ونزل إلى مصر وعدى ~~على الجسر إلى الجزيرة التي قبالة مصر يعني الروضة؛ فكمن له قوم بالأسلحة ~~وتواعدوا على قتله في السكة التي يمر فيها إلى فرن هناك. فلما مر بها وثبوا ~~عليه ولعبوا عليه بالسيوف، وكان قد جاوز الجسر وحده في عدة قليلة من غلمانه ~~وبطانته وخاصته وشيعته، فحمل في زورق في النيل ولم يمت، وأدخل القاهرة وهو ~~حي، وجيء به إلى القصر فمات من ليلته، ولم يعقب. وكان قبيح السيرة، ظلم ~~الناس وأخذ أموالهم، وسفك الدماء، وارتكب المحظورات، واستحسن القبائح، ~~وابتهج الناس بقتله. انتهى كلام ابن خلكان. وقيل: إن الآمر كان فيه هوج عند ~~طلوعه المنبر في خطبته في الجمع والأعياد، فاستحيا وزيره المأمون بن ~~البطائحي أن يشافهه بما يقع له من الهوج؛ وأراد أن يفهمها له من غير ~~مشافهة، فقال له: يا مولانا، قد مضى من الشهر أيام ولم يبق إلا الركوب إلى ~~الجمعة الأولى قلت: وقد تقدم في ترجمة المعز لدين الله ترتيب خروج الخلفاء ~~الفاطميين إلى صلاة الجمعة. ويصلوا بالناس ثلاث جمع، والجمعة الأولى من كل ~~شهر يصلي بالناس الخطيب، وتسمى تلك الجمعة جمعة الراحة - أعني يستريح فيها ~~الخليفة - ونستطرد في هذه الترجمة أيضا لذكر شيء من ذلك مما لم نذكره في ~~ترجمة المعز. PageV02P0040 # قال الوزير: يا مولانا، وبعد غد جمعة الراحة، فإن حسن في الرأي أن يخرج ~~مولانا بحاشيته خاصة من باب النوبة إلى القصر النافعي فما فيه سوى عجائز ~~وقرائب وألزام، ويجلس مولانا ms1034 على القبة التي على المحراب قبالة الخطيب ~~ليشاهد نائبه في الخطابة كيف يخطب، فإنه رجل شريف فصيح اللسان حافظ القرآن. ~~فأجابه الخليفة الآمر إلى ذلك. ولما حضر الجامع وجاس في القبة وفتح الروشن ~~وقام الخطيب فخطب، فهو في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة ~~الثانية وإذا بالهوى قد فتح الطاق فرفع الخطيب رأسه فوقع وجهه في وجه ~~الخليفة فعرفه فأرتج عليه وارتاع ولم يدر ما يقول، حتى فتح عليه فقال: ~~معاشر المسلمين، نفعكم الله وإياي بما سمعتم، وعن الضلال عصمكم. قال الله ~~تعالى في كتابة العزيز: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ~~" . إن الله يأمر بالعدل والإحسان... " . إلى آخر الآية، وصفى بالناس. فلما ~~انفصل المجلس تكلم الآمر مع وزيره المذكور بما وقع للخطيب. فانفتح الكلام ~~للوزير وتكلم فيما كان بصدده، فرجع الآمر عن الخطابة واستناب وزيره ~~المذكورة فصار الوزير يخطب بجامع القاهرة وجامع ابن طولون وجامع مصر. ~~PageV02P0041 # وقال ابن أبي المنصور في تاريخه: إن ابتداء خطبة الوزير المأمون كانت في ~~شهر رمضان سنة خمس وثمانين؛ وترك الآمر الخطابة مع ما كان له في ذلك من ~~الرغبة الزائدة، حتى إنه كان اقترح أشياء أخرى في خروجه إلى الجامع زيادة ~~على ما كانت آباؤه تفعله، غير أنه كان يخطب في الأعياد بعد ما استناب وزيره ~~المأمون ابن البطائحي في خطبة الجمع. فكان الآمر إذا خرج في خطبة العيد خرج ~~إلى المصلى، ويخرجون قبله، على العادة السابقة المذكورة في ترجمة المعز، ~~بالفرش والآلات، وعلق بالمحاريب الشروب المذهبة، وفرش فيه ثلاث سجادات ~~متراكبة وبأعلاها السجادة اللطيفة التي كانت عندهم معظمة، وهي قطعة من ~~حصير، ذكر أنها كانت من حصير لجعفر الصادق - رضي الله عنه - يصلي عليها ~~وكانت مما أخذه الحاكم بأمر الله عند فتح دار جعفر الصادق. ثم تغلق الأبواب ~~الثلاثة التي بجنب القبة التي في صدرها المحراب. - قلت: والذي ذكرناه في ~~ترجمة المعز لدين الله كانت صلاته بالجامع الأزهر، والآمر هذا كانت صلاته ~~في الجمعة ms1035 بالجامع الحاكمي، وفي العيد بالمصلى.. ونذكر أيضا هيئة خروج ~~الآمر إلى الجامع بنحو ما ذكرناه هناك وزيادة أخرى لم نذكرها؛ فبهذا ~~المقتضى يكون للإعادة نتيجة - قال: ثم تفرش أرض القبة المذكورة جميعا ~~بالحصر المحاريب المبطنة، ثم تعلق الستور بالمحراب وجانبي المنبر، ويفرش ~~درجه، وينصب اللواءان ويعلقان عليه، ويقف متولي ذلك والقاضي تحت المنبر، ~~ويطلق البخور، ويتقدم الوزير بألا يفتح الباب أحد، وهو الباب الذي يدخل ~~الخليفة منه ويقف عليه، ويقعد الداعي في الدهليز، ويقرأ المقرئون بين يديه، ~~ويدخل الأمراء والأشراف والشهود والشيوخ، ولا يدخل غيرهم إلا بضمان من ~~الداعي. فإذا استحقت الصلاة أقبل الخليفة في زيه الذي ذكرناه في ترجمة ~~المعز لدين الله وقضيب الملك بيده، وجميع أخوته وبنو عمه في ركابه. فعند ~~ذلك يتلقاه المقرئون ويرجع من كان حوله من بني عمه وأخوته وأستاذوه. ويخرج ~~من باب الملك إلى أن يصل إلى باب العيد، فتنشر المظلة عليه - وقد ذكرنا ~~أيضا زي المظلة في ترجمة المعز - ويترتب الموكب في دعة لا يتقدم أحد ولا ~~يتأخر عن مكانه، وكذلك وراء الموكب العماريات - هم عوض المحفات - والزرافات ~~والفيلة والأسود عليها الأسرة مزينة بالأسلحة. ولا يدخل من باب المصلى أحد ~~راكبا إلا الوزير خاصة، ثم يدخل الباب الثاني فيترجل الوزير ويتسلم شكيمة ~~فرس الخليفة حتى ينزل الخليفة ويمشي إلى المحراب، والقاضي والداعي عن يمينه ~~ويساره يوصلان التكبير لجماعة المؤذنين. وكاتب الدست وجماعة الكتاب يصلون ~~تحت عقد المنبر، لا يمكن غيرهم أن يكون معهم. ويكثر في الأولى سبعا وفي ~~الثانية خمسا على سنة القوم ثم يطلع الوزير ثم يسلم الدعو القاضي، فيستدعي ~~من جرت عادته بطلوع المنبر، وكل لا يتعدى مكانه. ثم ينزل الخليفة بعد ~~الخطبة ويعود في أحسن زي على هيئة خروجه من رحبة باب العيد حتى يأكل الناس ~~السماط. وقد ذكرنا كيفية السماط وزي لبس الخليفة والمظلة وصفة ركوبه وطلوعه ~~إلى المنبر ونزوله، في ترجمة المعز لدين الله أول خلفائهم، فينظر هناك من ~~هذا الكتاب. PageV02P0042 # قلت: وكان الأمر يتناهى في العظمة ويتقاعد ms1036 عن الجهاد. وما قاله الذهبي في ~~ترجمته فبحق؛ فإنه مع تلك المساوي التي ذكرت عنه كان فيه تهاون في أمر ~~الغزو والجهاد حتى استولت الفرنج على غالب السواحل وحصونها في أيامه، وإن ~~كان وقع لأبيه المستعلي أيضا ذلك وأخذ القدس في أيامه فإنه اهتم لقتال ~~الفرنج وأرسل الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش بالعساكر، فوصلوا بعد فوات ~~المصلحة بيوم. فكان له في الجملة مندوحة، بخلاف الآمر هذا، فإنه لم ينهض ~~لقتال الفرنج البتة، وإن كان أرسل مع الأسطول عسكرا فهو كلا شيء. وسنبين ~~ذلك عند استيلاء الفرنج على طرابلس وغيرها على سبيل الاختصار في هذا المحل، ~~فنقول: أول ما وقع في أيامه من طمع الفرنج في البلاد فإنهم خرجوا في أول ~~سنة سبع وتسعين وأربعمائة من الرهاء، وانقسموا قسمين، قسم قصد حران، وقسم ~~قصد الرقة. فالذي توخه إلى الرقة خرج لهم سكمان بن أرتق صاحب ماردين، وكان ~~سالم بن بدر العقيلي في بني عقيل، وقد نزلوا على رأس العين، فخرج بهم سكمان ~~المذكور، والتقوا مع الفرنج واقتتلوا قتالا شديدا أسر فيه سالم بن بدر ~~المذكور، ثم كانت الدائرة على الفرنج، فانهزموا وقتل منهم خلق كثير. والقسم ~~الآخر من الفرنج الذي قصد حران والبلاد الشامية لم ينهض لقتالهم وصالحهم ~~ابن عمار قاضي طرابلس وصاحبها وهادنهم، على أن يكون لصنجيل ملك الفرنج ظاهر ~~البلد، وألا يقطع الميرة عنها وأن يكون داخل البلد لابن عمار. وهلك في ~~أثناء ذلك صنجيل المذكور ملك الروم. ولم ينهض أحد من المصريين لقتال ~~المذكورين. فعلمت الفرنج ضعف من بمصر. ثم بعد ذلك في سنة اثنتين وخمسمائة ~~قصد الفرنج طرابلس وأخذوها، بعد أن اجتمع عليها ملوك الفرنج مع بلترام بن ~~صنجيل المقدم ذكره في ستين مركبا في البحر مشحونة بالمقاتلة؛ وطنكري ~~الفرنجي صاحب إنطاكية، وبغدوين الفرنجي صاحب القدس بمن معهم، جاءوا من البر ~~وشرعوا في قتالها وضايقوها من أول شعبان إلى حادي عشر ذي الحجة، وأسندوا ~~أبراجهم إلى سور البلد. فلما رأى أهل طرابلس ذلك أيقنوا بالهلاك مع ms1037 تأخر ~~أسطول مصر عنهم. ثم حضر أسطول مصر من البحر. وصار كلما سار نحو البلد رده ~~الفرنج إلى نحو مصر. قلت: ومن هذا يظهر عدم اكتراث أهل مصر بالفرنج من كل ~~وجه. الأول: من تقاعدهم عن المسير في هذه المدة الطويلة. والثاني: لضعف ~~العسكر الذي أرسلوه مع أسطول مصر، ولو كان لعسكر الأسطول قوة لدفع الفرنج ~~من البحر عن البلد على حسب الحال. والثالث: لم لا خرج الوزير الأفضل بن ~~أمير الجيوش بالعساكر المصرية كما كان فعل والده بدر الجمالي في أوائل ~~الأمر. هذا مع قوتهم من العساكر والأموال والأسلحة. فلله الأمر من قبل ومن ~~بعد. ولله در السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فيما فعله في أمر الجهاد ~~وفتح البلاد، كما يأتي ذلك كله إن شاء الله مفصلا في رقته وساعته في ترجمة ~~السلطان صلاح الدين - رحمه الله - . ثم إن الفرنج لما علموا بحال أهل ~~طرابلس وتحققوا أمرهم حملوا حملة رجل واحد في يوم الاثنين حادي عشر ذي ~~الحجة وهجموا على طرابلس، فأخذوها ونهبوها وأسروا رجالها وسبوا نساءهم ~~وأخذوا أموالها وذخائرها؛ وكان فيها ما لا يحصى ولا يحصر واقتسموها بينهم. ~~وطمعوا في الغنائم، فساروا إلى جبلة وبها فخر الملك بن عمار الذي كان صاحب ~~طرابلس وقاضيها، وتسلموها منه بالأمان في ثاني عشر ذي الحجة في يوم واحد، ~~وخرج منها ابن عمار سالما. ثم وصل بعد ذلك الأسطول المصري بالعساكر، فوجدوا ~~البلاد قد أخذت فعادوا كما هم إلى مصر. وسار ابن عمار إلى شيزر، فأكرمه ~~صاحبها سلطان بن علي بن منقذ واحترمه وعرض عليه المقام عنده فأبى، وتوجه ~~إلى الأمير طغتكين صاحب دمشق، فأكرمه طغتكين وأنزله وأقطعه الزبداني ~~وأعماله. ثم وقع بين بغدوين صاحب القدس وبين طغتكين المذكور أمور، حتى وقر ~~الاتفاق بينهما على أن يكون السواد وجبل عوف مثلثة، الثلث للفرنج والباقي ~~للمسلمين. ثم انقضى ذلك في سنة خمس وخمسمائة. PageV02P0043 # وقصد بغدوين الفرنجي المذكور صور، فكتب واليها وأهلها إلى طغتكين يسألونه ~~أنهم يسلمونها إليه قبل مجيء الفرنج لأنهم يئسوا ms1038 من نصرة مصر؛ فأبى وبعث ~~إليهم الفرسان والرجالة، وجاءهم هو من جبل عاملة ثم عاد. ثم سار إليهم ~~بغدوين في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة فقطع أشجارها ~~وقاتلها أياما، وهو يعود خاسرا. وخرج طغتكين وخيم ببانياس وجهز الخيالة ~~والرجالة إلى صور نجدة، فلم يقدروا على الدخول إليها من الفرنج. ثم رحلت ~~الفرنج عنها، ونزلوا على الحبيس وهو حصن عظيم وحاصروه حتى فتحوه عنوة؛ ~~وقتلوا كل من كان فيه، ثم عاد بغدوين إلى صور وشرع في عمل الأبراج، وأخذ في ~~قتالها والزحف في كل يوم. فلما بلغ ذلك طغتكين زحف عليهم ليشغلهم، فخندق ~~عليهم وهجم الشتاء فلم يبال الفرنج به لأنهم كانوا في أرض رملة، والميرة ~~تصل إليهم من صيدا في المراكب. ثم ركب طغتكين البحر وسار إلى نحو صيداء، ~~وقتل جماعة من الفرنج وغرق مراكبهم وأوصل مكاتبته إلى أهل صور، فقوى ~~قلوبهم. ثم عمل الفرنج برجين عظيمين، طول الكبير منهما زيادة على خمسين ~~ذراعا، وطول الصغير زيادة على أربعين ذراعا، وزحفوا بهما أول شهر رمضان، ~~وخرج أهل صور بالنفط والقطران ورموا النار، فهبت الريح فاحترق البرج الصغير ~~بعد المحاربة العظيمة، ونهب منه زرديات وطوارق وغير ذلك؛ ولعبت النار في ~~البرج الكبير أيضا فأطفأها الفرنج. ثم إن الفرنج طموا الخندق، وواتروا ~~الزحف طول شهر رمضان، وأشرف أهل البلد على الهلاك. فتحيل واحد من المسلمين ~~له خبرة بالحرب، فعمل كباشا من أخشاب تدفع البرج الذي يلصقونه بالسور. ثم ~~تحيل في حريق البرج الكبير حتى أحرقه، وخرج المسلمون فأخذوا منه آلات ~~وسلاحا. فحينئذ يئس الفرنج من أخذها، ورحلوا عنها بعد ما أحرقوا جميع ما ~~كان لهم من المراكب على الساحل والأخشاب والعمائر والعلوفات وغيرها. وجاءهم ~~طغتكين فما سلموا إليه البلدة فقال طغتكين: أنا ما فعلت الذي فعلته إلا لله ~~تعالى لا لرغبة في حصن ولا مال، ومتى دهمكم عدوكم جئتكم بنفسي وبرجالي، ثم ~~رحل عنهم - فلله عزه من ملك - كل ذلك ولم تأت نجدة المصريين. ودام الأمر ~~بين أهل صور ms1039 والفرنج، تارة بالقتال وتارة بالمهادنة، إلى أن طال على أهل ~~صور الأمر ويئسوا من نصرة مصر، فسلموها للفرنج بالأمان في سنة ثماني عشرة ~~وخمسمائة. قلت: وما أبقى أهل صور - رحمهم الله تعالى - ممكنا في قتالهم مع ~~الفرنج وثباتهم في هذه السنين الطويلة مع عدم المنجد لهم من مصر. وقيل في ~~أخذ صور وجه آخر. قال ابن القلانسي: وفي سنة تسع عشرة وخمسمائة، ملك الفرنج ~~صور بالأمان. وسببه خروج سيف الدولة مسعود منها، وكان قد حمل إلى مصر، ~~وأقام الوالي الذي بها في البلد. قلت: وهذه زيادة في النكاية للمسلمين من ~~صاحب مصر؛ فإن سيف الدولة المذكور كان قائما بمصالح المسلمين، وفعل ما فعل ~~مع الفرنج من قتالهم وحفظ سور المدينة هذه المدة الطويلة، فأخذوه منها غصبا ~~وخلوا البلد مع من لا قبل له بمحاربة الفرنج. فكان حال المصريين في أول ~~الأمر أنهم تقاعدوا عن نصرة المسلمين، والآن بأخذهم سيف الدولة من صور ~~صاروا نجدة للفرنج. وهذا ما فعله إلا الآمر هذا صاحب الترجمة بنفسه بعد أن ~~قبض على الأفضل ابن أمير الجيوش وقتله، وقتل غيره أيضا معه. PageV02P0044 # ونعود إلى كلام ابن القلانسي قال: وعرف الفرنج يعني بخروج سيف الدولة ~~فتأهبوا للنزول عليها، وعرف الوالي أنه لا قبل له بهم لقلة النجدة والميرة ~~بها؛ فكتب إلى صاحب مصر يخبره. فكتب إليه: قد رددنا أمرها إلى ظهير الدين - ~~أظنه يعني بظهير الدين طغتكين المقدم ذكره أمير دمشق - قال: ليتولى حمايتها ~~والذب عنها، وبعث منشورا له بها. ونزل الفرنج عليها وضايقوها بالحصار ~~والقتاله حتى خفت الأقوات، وجاء طغتكين فنزل ببانياس، وتواترت المكاتبات ~~إلى مصر باستدعاء المؤن، فتمادت الأيام إلى أن أشرف أهلها على الهلاك. ولم ~~يكن للأتابك طغتكين قدرة على دفع الفرنج، ويئس من مصر؛ فراسل أهلها الفرنج ~~وطلبوا الأمان على نفوسهم وأهاليهم وأموالهم، ومن أراد الخروج خرج ومن أراد ~~الإقامة أقام. وجاء الأتابك بعسكره فوقف بازاء الفرنج، وركبت الفرنج ووقفوا ~~بازائه وصاروا صفين؛ وخرج أهل البلد يمرون بين الصفين ولم يعرض لهم ms1040 أحد، ~~وحملوا ما أطاقوه، ومن ضعف منهم أقام. فمضى بعضهم إلى دمشق، وبعضهم إلى ~~غزة، وتفرقوا في البلاد، وعاد الأتابك إلى دمشق. ودخل الفرنج صور وملكوها ~~سنين إلى حين فتحت ثانيا، حسب ما سيأتي ذكره في ترجمة السلطان الذي يتولى ~~فتحها. قلت: وهذا الذي ذكرناه هو كالشرح لكلام الذهبي وغيره من المؤرخين ~~فيما ذكروه عن الأمر هذا. ونعود إلى ترجمة الآمر. وكان للآمر نظم ونظر في ~~الأدب. ومما نسب إليه من الشعر قوله: السريع أصبحت لا أرجو ولا أتقي ... ~~إلا إلهي وله الفضل جدي نبي وإمامي أبي ... ومذهبي التوحيد والعدل وقد نسب ~~هذا الشعر لغيره من الفاطميين أيضا؛ وكان الآمر يحفظ القرآن، انفرد بذلك ~~دون جميع خلفاء مصر من الفاطميين، وكان ضعيف الخط. وأما ما وعدنا به من ذكر ~~قتله فنقول: كان الآمر صاحب الترجمة مطلوبا من جماعة من أعوان عمه نزار ~~المقتول بيد أبيه بعد واقعة الإسكندرية المقدم ذكرها؛ لأن الآمر وأباه ~~المستعلي غصبا الخلافة، وأن النص كان على نزار. وقد ذكرنا ذلك كله في أول ~~ترجمة المستعلي. فاتصل بالآمر أن جماعة من النزارية حصلوا بالقاهرة ومصر ~~يريدون قتله، فاحترز الآمر على نفسه وتحيل في قبضهم، فلم يقدر له ذلك لما ~~أراده الله. وفشا أمر النزارية وكانوا عشرة، فخافوا أن يقع. عليهم الآمر ~~فيقتلهم قبل قتله، فاجتمعوا في بيت وقال بعضهم لبعض: قد فشا أمرنا ولا نأمن ~~أن يظفر بنا فيقتلنا، ومن المصلحة والرأي أن نقتل وأحدا منا ونلقي رأسه بين ~~القصرين، وحلانا عندهم؛ فإن عرفوه فلا مقام لنا عندهم، وإن لم يعرفوه ثم ~~لنا ما نريد، لأن القوم في غفلة. فقالوا للذي أشار عليهم: ما يتسع لنا قتل ~~واحد منا، ينقص عددنا وما يتم بذلك أمرنا، فقال الرجل: أليس هذا من مصلحتنا ~~ومصلحة من تلزمنا طاعته؛ فقالوا نعم. فقال: وما دللتكم إلا على نفسي، وشرع ~~في قتل نفسه بيده بسكين في جوفه فمات من وقته. فأخذوا رأسه فرموه في الليل ~~بين القصرين، وأصبحوا متفرقين ينظرون ما يجري في ms1041 البلد بسبب الرأس. فلما ~~وجد الرأس اجتمع عليه الناس وأبصروه، فلم يقل أحد منهم أنا أعرفه. فحمل إلى ~~الوالي، فأحضره الوالي عرفاء الأسواق وأرباب المعايش فلم يعرف؛ فأحضر أيضا ~~أصحاب الأرباع والحارات فلم يعرف؛ ففرح التسعة بذلك ووثقوا بالمقام ~~بالقاهرة لقضاء مرادهم. واتفق للخليفة الآمر أن يمضي إلى الروضة - حسب ما ~~ذكر في أول ترجمته - وأنه يجوز على الجسر الذي من مصر إلى جزيرة الروضة ~~للمقام بها أياما للفرجة. وكان من شأن الخلفاء أنهم يشيعون الركوب في أرباب ~~خدمتهم حيثما PageV02P0045 # قصدوا حتى لا يتفرقوا عنه، وأيضا لا يتخفف أحد عن الركوب؛ فعلم النزارية ~~التسعة بركوبه فجاءوا إلى الجزيرة، ووجدوا قبالة الطالع من الجسر فرنا، ~~فدخلوا فيه قبل مجيء الخليفة الآمر، ودفعوا إلى الفران دراهم وافرة ليعمل ~~لهم بها فطيرا بسمن وعسل؛ ففرح الفران بها وعمل لهم الفطير؛ فما هو بأكثر ~~مما أكلوه، ولم يتموا أكلهم إذ طلع الخليفة الآمر من آخر الجسر، وقد تفلل ~~عنه الركابية ومن يصونه لحرج الجواز على الجسر لضيقه، فلما قابلوه وثبوا ~~عليه وثبة رجل واحد وضربوه بالسكاكين حتى إن واحدا منهم ركب وراءه وضربه ~~عدة ضربات؛ وأدركهم الناس فقتل التسعة. وحمل الآمر في عشاري إلى قصر ~~اللؤلؤة، وكان ذلك في أيام النيل، ففاضت نفس الآمر قبل وصوله إلى اللؤلؤة. ~~وقد تقدم عمر الآمر ومدة خلافته في أول ترجمته، فلا حاجة لذكر ذلك ثانيا. ~~وقيل: إن بعض منجميه كان عرفه أنه يموت مقتولا بالسكاكين، فكان الآمر كثيرا ~~ما يلهج بقوله: الآمر مسكين، المقتول بالسكين. ### || AUT السنة الأولى من خلافة الآمر منصور # وهي سنة ست وتسعين وأربعمائة. فيها أعيدت الخطبة ببغداد إلى السلطان ~~بركياروق السلجوقي بعد أن التقى مع أخيه محمد شاه وهزمه بركياروق. فتوجه ~~محمد شاه إلى أرمينية وأخلاط، ثم عاد إلى تبريز في جمادى الآخرة، ومضى ~~بركياروق إلى زنجان. ووقع بينهما في الآخر الاتفاق على شيء فعلوه. وفيها ~~استوزر الخليفة المستظهر بالله العباسي زعيم الرؤساء أبا القاسم علي بن ~~محمد بن محمد بن جهير على ms1042 كره منه، عزل وزيره سديد الملك أبا الفضل بن عبد ~~الرزاق. فكانت ولايته عشرة أشهر. وفيها توفي أردشير بن منصور، أبو الحسين ~~العبادي الواعظ الأستاذ كان أصله من أهل مرو، وكان يخاطب بالأمير قطب ~~الدين. قدم بغداد وجلس في النظامية، وحضر أبو حامد الغزالي مجلس وعظه؛ وكان ~~يحضر مجلسه من الرجال والنساء ثلاثون ألفا. وكان صمته أكثر من نطقه، وإذا ~~تكلم هابته الناس؛ وبوعظه حلق أكثر الصبيان رؤوسهم، ولزموا المساجد وبددوا ~~الخمور وكسروا الملاهي. ولما قدم بغداد ووعظ بها، وكان البرهان الغزنوي يعظ ~~بها قبله فانكسر سوقه. فقال الدهان الشاعر المشهور في ذلك: السريع لله قطب ~~الذين من عالم ... منفرد بالعلم والباس قد ظهرت حجته للورى ... قام بها ~~البرهان للناس ومات قطب الدين في غرة جمادى الآخرة. رحمه الله. وفيها توفي ~~الشيخ أبو المعالي الزاهد الصالح البغدادي. كان مقيما بمسجد باب الطاق ~~ببغداد؛ فحضر مجلس ابن أبي عمامة فوقع كلامه في قلبه فتزهد وكان لا ينام ~~إلا جالسا ولا يلبس إلا ثوبا واحدا شتاء وصيفا. وكان منقطعا إلى العبادة، ~~ويقصد للزيارة. وفيها توفي الشيخ أبو طاهر أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر ~~بن سوار المقرئ المجود. كان إماما عارفا بالقراءات، وسمع الحديث واشتغل في ~~القراءات سنين. وفيها توفي الشيخ أبو داود سليمان بن نجاح المؤيدي المقرئ ~~الإمام. مات في شهر رمضان وله ثلاث وثمانون سنة، وقد انتهت إليه رياسة ~~القراء في زمانه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وثماني ~~أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا لإصبع واحدة. ### || AUT السنة الثانية من خلافة الآمر منصور # وهي سنة سبع وتسعين وأربعمائة. فيها وقع الصلح بين الأخوة أولاد السلطان ~~ملكشاه السلجوقي، وهم السلطان بركياروق ومحمد شاه وسنجر شاه، على أن يكون ~~اسم السلطنة لبركياروق وضرب النوبة عني الطبلخانات في أوقات الصلوات الخمس ~~على بابه، وأن يكون لمحمد شاه أرمينية وأذربيجان وديار بكر والجزيره ~~والموصل، وأن يكون لسنجر شاه خراسان على حاله أولا، وأن يكون لبركياروق ~~الجبل وهمذان وأصبهان ms1043 والري وبغداد وأعمالها والخطبة ببغداد، وأن محمد شاه ~~وسنجرشاه يخطبان لنفسيهما. وفيها نزل الأمير سكمان بن أرتق صاحب ماردين، ~~وجكرمش صاحب الموصل على رأس العين عازمين على لقاء الفرنج؛ وكان خرج ريمند ~~وطنكري صاحب إنطاكية بعساكر الفرنج إلى الرهاء، فالتقوا فنصر الله المسلمين ~~وقتلوا منهم عشرة آلاف، وانهزم ريمند وطنكري في نفر يسير من الفرنج. ~~PageV02P0046 # وفيها نزل بغدوين صاحب القدس الفرنجي على عكا في البر والبحر في نيف ~~وتسعين مركبا فحصروها من جميع الجهات، وكان واليها زهر الدولة الجيوشي، ~~فقاتل حتى عجز، فطلب الأمان له وللمسلمين فلم يعطوه لما علموا الفرنج من ~~أهل مصر أنهم لم ينجدوه، ثم أخذوها بالسيف في شهر رمضان. وقد قدمنا ذكر ذلك ~~في ترجمة الآمر هذا بأكثر من هذا القول. وفيها حاصر صنجيل الفرنجي طرابلس ~~وبنى عليها حصنا؛ فخرج القاضي ابن عمار صاحب طرابلس بعسكره في ذي الحجة، ~~وهدم الحصن وقتل من فيه من الفرنج ونهبه، وكان فيه شيء كثير. وفيها توفي ~~أحمد بن الحسين بن حيدرة الأديب أبو الحسين، ويعرف بابن خراسان الطرابلسي ~~الشاعر المشهور. وكان شاعرا مجيدا؛ هجا فخر الملك ابن عمار قاضي طرابلس ~~وصاحبها وأخاه؛ فأمر به قاضي طرابلس المذكور فضرب حتى مات. ومن شعره من ~~قصيدة: الطويل خرجنا على أنا نقيم ثلاثة ... فطاب لنا حتى أقمنا به عشرا ~~وفيها توفي إسماعيل بن علي بن الحسن بن علي، الشيخ أبو علي الجاجرمي الأصم ~~النيسابوري. ولد سنة ست وأربعمائة، ورحل في طلب العلم، وطاف البلاد وعاد ~~إلى نيسابور فمات بها في المحرم. وكان فقيها واعظا زاهدا ورعا صدوقا ثقة ~~حسن الطريقة. وفيها توفي دقماق بن تتش الأمير أبو نصر شمس الملوك السلجوقي ~~صاحب دمشق. وسماه الذهبي وصاحب مرآة الزمان دقاقا بلا ميم. ولعل الذي قلناه ~~هو الصواب؛ فإننا لم نسمع باسم قبل ذلك يقال له دقاق، وأيضا فإن جد ~~السلجوقيين الأعلى اسمه دقماق، وهذا من أكبر الأدلة على أن اسمه دقماق. ولي ~~دمشق بعد قتل أبيه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان؛ وقام ms1044 بأمر الأتابك ظهير ~~الدين طغتكين، وتزوج طغتكين والدته. فأقام في مملكة دمشق حتى مات. وملك ~~دمشق بعده ابنه تتش وهو حدث السن، وأوصى أن يكون طغتكين أيضا القائم ~~بدولته؛ فوقع ذلك، وقام طغتكين بالأمر أحسن قيام. وفيها توفي العلاء بن ~~الحسن بن وهب بن الموصلايا أبو سعد الكاتب الفاضل. كتب في الإنشاء للخلفاء ~~خمسا وستين سنة. وكان نصرانيا، فأسلم في سنة أربع وثمانين وأربعمائة على يد ~~الخليفة المقتدي بالله العباسي. ومات فجاءة. وكان طاهر الفسان كريم الأخلاق ~~شاعرا مجيدا مترسلا. ومن شعره: الوافر يا خليلي خلياني ووجدي ... فملام ~~العذول ما ليس يجدي ودعاني فقد دعاني إلى الحك ... م غريم الغرامة آلت عندي ~~فعساه يرق إذ ملك الر ... ق بنقد من وصله أو بوعد أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. فيها هلك صنجيل عظيم الفرنج وصاحب ~~إنطاكية. وفيها بعث ضياء الذين محمد وزير ميافارقين إلى قلج أرسلان بن ~~سليمان بن قتلمش وهو بملطية يستدعيه إلى ميافارقين؛ فتوجه إليه قلج أرسلان ~~وملك ميافارقين. وكان مبدأ قلج أرسلان هذا أنه خدم ملكشاه السلجوقي، فأرسله ~~على جيش لغزو الروم؛ فسار وافتتح ملطية وقيسارية وأقصرى وقونية وسيواس ~~وجميع ممالك الروم؛ فأقره ملكشاه بها، فأقام بها وعد من الملوك؛ إلى أن قدم ~~ميافارقين واستولى عليها، وولاها لمملوك والده خمرتاش السليماني. واستوزر ~~قلج أرسلان ضياء الدين المذكور، وأخذه معه وولاه أبلستين. ثم وقع بين قلج ~~أرسلان هذا وبين جاولي مملوك السلطان محمد شاه بن ملكشاه وتقاتلا، فانكسر ~~قلج أرسلان. فلما رأى الهزيمة عليه ألقى نفسه في الخابور فغرق، فأخرج وحمل ~~تابوته إلى ميافارقين ودفن بها. وفيها بعث يوسف بن تاشفين صاحب المغرب إلى ~~الخليفة المستظهر بالله العباسي يخبره أنه خطب له على منابر ممالكه، وأرسل ~~يطلب منه الخلع والتقليد؛ فبعث إليه بما طلب. وفيها توفي السلطان ركن ~~الدولة بركياروق ابن السلطان ms1045 ملكشاه ابن السلطان PageV02P0047 # ألب أرسلان بن داود بن سلجوق بن دقماق السلجوقي أبو المظفر. مات في شهر ~~ربيع الأول وهو ابن أربع وعشرين سنة. وكانت سلطنته اثنتي عشرة سنة. وعهد ~~لولده ملكشاه، وأوصى به الأمير آيازة فتوجه آياز بالصبي إلى بغداد ونزل به ~~دار المملكة، وعمره أربع سنين وعشرة أيام، وأجلسه على تخت الملك مكان أبيه ~~بركياروق؛ وخطب له ببغداد في جمادى الأولى. فلم يتم أمر الصبي، وملك عمه ~~محمد شاه الذي كان ينازع أخاه بركياروق، وقتل آياز المذكور. وبركياروق: ~~بفتح الباء الموحدة وسكون الراء والكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد ~~الألف راء مضمومة وبعد الراء واو وقاف. وفيها توفي محمد بن علي بن الحسن بن ~~أبي الصقر، أبو الحسن الواسطي. تفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وسمع الحديث ~~الكثير. وكان أديبا عالما. ومن شعره لما كبر سنه وصار لا يستطيع القيام ~~لأصحابه: الوافر علة سفيت ثمانين عاما ... منعتني للأصدقاء القياما فإذا ~~عمروا تمهد عذري ... عندهم بالذي ذكرت وقاما وفيها توفي الحافظ أبو علي ~~الحسين بن محمد الغساني الجياني عن إحدى وتسعين سنة. كان إماما حافظا؛ سمع ~~الكثير وحدث وكتب وصنف. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع ~~وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة تسع وتسعين وأربعمائة. فيها ظهر رجل من نواحي نهاوند وادعى ~~النبوة، وكان ممخرقا بالسحر والنجوم فتبعه خلق كثير وحملوا إليه أموالهم. ~~وكان يعطي جميع ما عنده لمن يقصده، وسمى أصحابه بأسماء الصحابة الخلفاء، ~~رضوان الله عليهم. وكان خرج أيضا في هذه السنة بنهاوند رجل من ولد ألب ~~أرسلان السلجوقي يطلب الملك؛ فخرج إليهما العساكر، وأخذوا الرجل المدعي ~~النبوة، والذي طلب الملك معا وقتلا. وفيها كان بين الفرنج وبين طغتكين ~~واقعة عظيمة على سواد طبرية. وفيها ملكت الإسماعيلية حصن فامية، وقتلوا خلف ~~بن ملاعب صاحب الحصن بأمر أبي طاهر الصائغ العجمي المقيم بحلب. وهذا الصائغ ~~هو الذي أظهر مذهب الباطنية الرافضة، وقتلته ms1046 الفرنج، وأراح الله المسلمين ~~منه. وفيها توفي عمر بن المبارك بن عمر، أبو الفوارس البغدادي. ولد سنة ~~ثلاث عشرة وأربعمائة، وبرع في علم القرآن، وقرأ الناس عليه سنين كثيرة، ~~وسمع الحديث الكثير، وكان من الصالحين. وفيها توفي مهارش البدوي بن مجلي، ~~الأمير أبو الحارث صاحب الحديثة، الذي خدم الخليفة القائم بأمر الله، فيما ~~تقدم ذكره لما حصل عنده بالحديثة. وكان مهارش هذا كثير الصلاة والصوم ~~والصدقة صالحا محبا لأهل العلم. وعاش نيفا وثمانين سنة. رحمه الله. وفيها ~~توفي الشيخ الإمام المقرئ أبو البركات محمد بن عبد الله بن يحيى بن الوكيل، ~~المقرئ المحدث؛ مات وله ثلاث وتسعون سنة. وكان عالما بفنون كثيرة، عارفا ~~بعلوم القرآن. وفيها توفي الشيخ الإمام أبو البقاء المعمر بن محمد بن علي ~~الكوفي الحبال؛ ومات وله ست وثمانون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثماني أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة خمسمائة. فيها ولى الخليفة المستظهر بالله أبا جعفر عبد الله ~~الدامغاني أخا قاضي القضاة حجبة الباب؛ فرمى الطيلسان وتزيا بزي الحجبة، ~~فشق ذلك على أخيه. وفيها بعث السلطان محمد شاه برأس أحمد بن عبد الملك بن ~~عطاش مقدم الباطنية، ورأس ولده. وكان ابن عطاش هذا في قلعة عظيمة بأصبهان. ~~وفيها توفي جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد، الشيخ أبو محمد السراج القارئ ~~البغدادي. ولد سنة ست عشرة وأربعمائة. وقرأ بالروايات وأقرأ سنين، وسافر ~~إلى مصر والشام، وسمع الحديث وصنف المصنفات الحسان، منها كتاب مصارع العشاق ~~وغيره. وكان فاضلا شاعرا لطيفا. نظم كتاب التنبيه وغيره. ولم يمرض في عمره ~~سوى مرض الموت. ومن شعره: السريع يا ساكني الدير حلولا به ... يطربهم فيه ~~النواقيس قيسوا لنا القرب وكم بينه ... وبين أيام النوى قيسوا PageV02P0048 # وفيها قتل السلطان محمد شاه بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي وزيره سعد ~~الملك، سعد بن محمد أبا المحاسن، واستوزر عوضه أبا نصر أحمد بن نظام الملك. ~~وكان ms1047 سبب قتله أنه بلغه أنه دبر عليه هو وجماعة، وكاتب أخاه سنجر شاه، فقبض ~~عليه وصلبه وأصحابه. وفيها قتل أيضا الوزير فخر الملك علي بن الوزير نظام ~~الملك حسن، وكنيته أبو المظفر. كان استوزره بركياروق، ثم توجه إلى نيسابور، ~~فوزر إلى سنجر شاه. وثب عليه شخص في زي الصوفية من الباطنية وناوله قضة ثم ~~ضربه بسكين فقتله. قلت: وهكذا أيضا وقع لأبيه نظام الملك. حسب ما ذكرناه في ~~محله. فأخذ الباطني وفصل على قبر فخر الملك عضوا عضوا. وفيها توفي محمد بن ~~إبراهيم، أبو عبد الله الأسدي. ولد بمكة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وسافر ~~البلاد ولقي العلماء. وكان إماما فاضلا شاعرا. ومن شعره: الخفيف قلت ثقلت ~~إذ أتيت مرارا ... قال ثقلت كاهلي بالأيادي قلت طولت قال لا بل تط ... ولت ~~وأبرمت قال حبل ودادي ورأيت هذين البيتين في شرح البديعية لابن حجة في ~~القول بالموجب، ونسبهما لابن حجاج. والله أعلم. وفيها توفي الحافظ أبو ~~الفتح أحمد بن محمد بن أحمد الحداد، الإمام العالم المحدث. مات في ذي ~~القعدة بأصبهان وله اثنتان وتسعون سنة. وفيها توفي الشيخ الإمام أبو غالب ~~محمد بن الحسن الكرخي الباقلاني العالم المشهور. مات وله ثمانون سنة. وفيها ~~توفي أبو الكرم المبارك بن فاخر النحوي البغدادي. كان إماما عالما بالنحو ~~واللغة والعربية، وله مصنفات حسان. وتوفي ببغداد. وفيها توفي سلطان ~~المسلمين بالمغرب يوسف بن تاشفين اللمتوني صاحب المغرب، كان من عظماء ملوك ~~الغرب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع وتسع أصابع. مبلغ ~~الزيادة تسع عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة السادسة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة إحدى وخمسمائة. فيها ظهرت ببغداد صبية عمياء تتكلم عن أسرار ~~الناس؛ فكانت تسأل عن نقوش الخواتم وما عليها، وألوان الفصوص، إلى غير ذلك. ~~وفيها حاصر بغدوين الفرنجي صاحب القدس صيداء وضايقها. حسب ما ذكرناه في أول ~~هذه الترجمة. وفيها توفي الحسين بن أحمد بن النقار الشيخ أبو طاهر. ولد ~~بالكوفة ونشأ ببغداد. وكان أديبا شاعرا فاضلا. ومن ms1048 شعره: السريع وزائر زار ~~على غفلة ... وقد أماط الصبح ثوب الظلام راح وقد سهلت الراح من ... أخلاقه ~~ما كان صعب المرام وفيها قتل صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد، الأمير أبو ~~الحسن سيف الدولة صاحب الحلة. كان كريما عفيفا عن الفواحش، وكانت داره ~~ببغداد حرما للخائفين. لم يتزوج غير امرأة واحدة في عمره، ولا تسرى قط. قتل ~~في واقعة كانت بينه وبين عسكر السلطان محمد شاه. قلت: وكانت سيرته مشكورة، ~~وخصاله محمودة وإن لم يسلم من مذهب أهل الحلة، فإن أباه كان من كبار ~~الرافضة. وفيها توفي عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد، الشيخ الإمام ~~أبو المحاسن الروياني الطبري فخر الإسلام. ولد في ذي الحجة سنة خمس عشرة ~~وأربعمائة، وتفقه ببخارى مدة؛ وبرع في مذهب الشافعي - رضي الله عنه - وله ~~مصنفات في مذهبه منها كتاب بحر المذهب وهو أطول كتب الشافعية، وكتاب مناصيص ~~الشافعي وكتاب الكافي وصنف في الأصول والخلاف. وكان قاضي طبرستان؛ فقتله ~~الملاحدة في يوم الجمعة حادي عشر المحرم - ورويان: بلدة بنواحي طبرستان - ~~وقيل: إنه مات في سنة اثنتين وخمسمائة. وفيها توفي يحيى بن علي بن محمد بن ~~الحسن بن بسطام، أبو زكرياء الشيباني التبريزي الخطيب اللغوي. كان إماما في ~~علم اللسان. رحل إلى الشام، وقرأ اللغة على أبي العلاء المعري، وسمع الحديث ~~وحدث؛ وأقرأ اللغة. ومات في جمادى الآخرة، وله إحدى وثمانون سنة. وفيها ~~توفي الملك تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية وما والاها من بلاد ~~المغرب. امتدت أيامه وكان من أجل ملوك المغرب؛ أقام هو وأبوه المعز نحوا من ~~مائة سنة وأكثر؛ ومات وله تسع وسبعون سنة. والصحيح أنه مات في القابلة. حسب ~~ما يأتي ذكره. وقد أثبت الذهبي وفاته في هذه السنة. PageV02P0049 # وفيها توفي الشيخ المسلك أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الدوني الصوفي، أحد ~~كبار مشايخ الصوفية في شهر رجب. وكان له قدم في علم التصوف. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة سبع ms1049 عشرة ذراعا ~~وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة اثنتين وخمسمائة. فيها توفي إسماعيل بن إبراهيم بن العباس بن ~~الحسن، الشريف أبو الفضل الحسيني الدمشقي المعروف بابن أبي الجن. كان فقيها ~~فاضلا ثقة. ولي قضاء دمشق مدة، وبها توفي. وفيها توفي ملك المغرب تميم بن ~~المعز بن باديس أبو يحيى صاحب إفريقية، وينتهي نسبه إلى يعرب بن قحطان، ~~قاله السمعاني. ولد سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وعاش ثمانين سنة، وأقام ~~في الإمرة ستا وأربعين سنة، وخفف مائة ولد لصلبه، قاله صاحب مرآة الزمان؛ ~~قال: لأنه كان مغرى بالجواري مع اهتمامه بالملك؛ وقيل: إنه مات وله خمسون ~~ولدا. وكان مقامه بالمهدية. وكان عظيم القدر شاعرا جوادا ممدحا. وله ديوان ~~شعر. ومن شعره: الكامل ما بان عذري فيه حتى عذرا ... ومشى الدجى في خده ~~فتحيرا همت تقبله عقارب صدغه ... فأسل ناظره عليها خنجرا والله لولا أن ~~يقال تغنى ... وصبا وإن كان التصابي أجدرا لأعدت تفاح الخدود بنفسجا ... ~~لثما وكافور الترائب عنبرا وله أيضا: الطويل أما والذي لا يعلم السر غيره ~~... ومن هو بالسر المكتم أعلم لئن كان كتمان المصائب مؤلما ... لإعلامها ~~عندي أشد وآلم وفيها توفي الحسن العلوي، أبو هاشم رئيس همذان. كان جوادا ~~ممدحا ممولا شجاعا صاحب صدقات وصلوات. صادره السلطان محمد شاه السلجوقي على ~~تسعمائة ألف دينار، أداها في نيف وعشرين يوما، ولم يبع فيها عقارا. وفيها ~~توفي الشيخ أبو القاسم علي بن الحسين الربعي البغداي الفقيه المحدث. مات في ~~شهر رجب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وثماني عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة ثلاث وخمسمائة. فيها كاتب السلطان محمد شاه السلجوقي الأمير ~~سكمان بن أرتق صاحب أرمينية وأخلاط وميافارقين، والأمير شرف الذين مودودا ~~صاحب الموصل، ونجم الدين إيلغازي صاحب ماردين بالاجتماع على جهاد الفرنج؛ ~~فاجتمعوا وبدؤوا بالرهاء. وبلغ الفرنج، فاجتمع طنكري صاحب إنطاكية، وابن ~~صنجيل صاحب طرابلس، وبغدوين ms1050 صاحب القدس، وتحالفوا هم أيضا على قتال ~~المسلمين، وساروا؛ فكانت وقعة عظيمة نصر الله المسلمين فيها وغنموا منهم ~~شيئا كثيرا. وفيها توفي عمر بن عبد الكريم بن سعدويه، الحافظ أبو الفتيان ~~الدهستاني. كان إماما حافظا محدثا، رحل البلاد وسمع الكثير، وروى عنه أبو ~~بكر الخطيب وغيره، واتفقوا على صدقه وثقته ودينه. ومات في شهر ربيع الأول. ~~وفيها توفي وجيه بن عبد الله بن نصر الأديب الفاضل أبو المقدام التنوخي. ~~كان شاعرا فصيحا. ولما أخربت الفرنج المعرة، أنشد في المعنى لمحمود بن علي: ~~الخفيف هذه صاح بلدة قد قضى الل ... ه عليها كما ترى بالخراب وقف العيس ~~وقفة وابك من كا ... ن بها من شيوخها والشباب واعتبر إن دخلت يوما إليها ~~... فهي كانت منازل الأحباب وفيها توفي الشيخ الإمام أبو سعيد محمد بن محمد ~~بن محمد الأصبهاني المعروف بالمطرز. مات في شوال. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ست أذرع وثماني عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة أربع وخمسمائة. فيها بنى الخليفة المستظهر بالله العباسي على ~~الخاتون بنت ملكشاه السلجوقي أخت السلطان محمد شاه. وفيها أيضا جهز السلطان ~~محمد شاه المذكور العساكر إلى الشام لقتال الفرنج، وندب جماعة من الملوك ~~معهم، منهم شرف الذين مودود صاحب الموصل، وقطب الدين سكمان بن أرتق صاحب ~~ديار بكر فاجتمعوا ونزلوا على تل باشر ينتظرون البرسقي صاحب همذان، فوصل ~~إليهم وهو مريض، فاختلفت آراؤهم لأمور وقعت، ورجع كل واحد إلى بلاده. ~~PageV02P0050 # وفيها توفي الأمير قطب الدين سكمان بن أرتق - المقدم ذكره - صاحب ديار ~~بكر. عاد من الرهاء مريضا في محفة حتى وصل ميافارقين فمات بها. وحمل تابوته ~~من ميافارقين إلى أخلاط فدفن به. وكان ملكا عادلا مجاهدا. وأبوه أرتق مات ~~بالقدس. ونجم الدين إيلغازي بن أرتق أخو سكمان المذكور هو الذي ولي بعده. ~~توجه إيلغازي المذكور إلى السلطان محمد شاه السلجوقي، فولاه شحنكية العراق ~~سصارى أرمن عوضا عن أخيه سكمان، ثم أخذ ms1051 منه ماردين في سنة ثمان وخمسمائة، ~~وميافارقين في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، ثم أخذ منه حلب أيضا. ولسكمان هذا ~~وقائع مع الفرنج كثيرة ومواقف. رحمه الله. وفيها توفي علي بن محمد بن علي، ~~الشيخ الإمام العلامة الفقيه العالم المشهور بالكيا الهراسي الشافعي ~~العجمي. لقبه عماد الذين. كان من أهل طبرستان وخرج إلى نيسابور، وتفقه على ~~أبي المعالي الخويني، وقدم بغداد ودرس بالنظامية ووعظ وذكر مذهب الأشعري، ~~فرجم وثارت الفتن، واتهم بمذهب الباطنية. فأراد السلطان قتله، فمنعه ~~الخليفة المستظهر بالله وشهد له بالبراءة. وكانت وفاته في يوم الخميس غرة ~~المحرم، ودفن عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وحضر لدفنه الشيخ أبو طالب ~~الزينبي وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني - وكانا مقدمي طائفة الساعة ~~الحنفية - فوقف أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الدامغاني متمثلا ~~بهذا البيت: الوافر وما تغني النوادب والبواكي ... وقد أصبحت مثل حديث أمس ~~وأنشد الزينبي أيضا متمثلا بهذا البيت: الكامل عقم النساء فما يلدن شبيهه ~~... إن النساء بمثله عقم ولما مات رثاه أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي ~~الشاعر المشهور ارتجالا بقصيدة أولها: البسيط هي الحوادث لا تبقي ولا تذر ~~... ما للبرية من محتومها وزر لو كان ينجي علو من بوائقها ... لم تكسف ~~الشمس بل لم يخسف القمر والكيا: بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها ~~وبعدها ألف. والهراسي معروف. والكيا بلغة الأعجام: الكبير القدر. وفيها ~~توفي أبو يعلى حمزة بن محمد الزينبي أخو الإمام العالم طراد. مات في شهر ~~رجب وله سبع وتسعون سنة. وفيها توفي الشيخ الإمام المقرئ أبو الحسين يحيى ~~بن علي بن الفرج الخشاب بمصر. كان عالم مصر ومقرئها. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وأربع أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة خمس وخمسمائة. فيها عزل السلطان محمد شاه بن ملكشاه السلجوقي ~~وزيره أحمد بن نظام الملك، وكانت وزارته أربع سنين وأحد عشر شهرا. وفيها ~~توفي الشيخ الإمام أبو حامد محمد بن ms1052 محمد بن محمد الغزالي الألوسي الفقيه ~~الشافعي. كان إمام عصره. تفقه على أبي المعالي الجويني حتى برع في عدة علوم ~~كثيرة، ودرس وأفتى، وصنف التصانيف المفيدة في الأصول والفروع، ودرس ~~بالنظامية، ثم ترك ذلك كله ولبس الخام الغليظ، ولازم الصوم وحج وعاد؛ ثم ~~قدم إلى القدس، وأخذ في تصنيف كتابه الإحياء وتممه بدمشق. وله من المصنفات ~~البسيط والوسيط والوجيز وله غير ذلك. وذكره ابن السمعاني في النيل فقال: ~~ومن شعره: الكامل حلت عقارب صدغه في خده ... قمرا يجل بها عن التشبيه ولقد ~~عهدناه يحل ببرجها ... ومن العجائب كيف حلت فيه وفيها توفي محمود بن علي بن ~~المهنأ بن أبي المكارم الفضل بن عبد القاهر، أبو سلامة المعري القائل في حق ~~المعرة لما استولى عليها الفرنج الأبيات التي مرت في ترجمة وجيه بن عبد ~~الله في سنة ثلاث وخمسمائة التي أولها: الخفيف هذه صاح بلدة قد قضى الل ... ~~ه عليها كما ترى بالخراب وجد والد محمود هذا الفضل بن عبد القاهر هو ~~القائل: البسيط ليلي وليلى نفى نومي اختلافهما ... بالطول والطول يا طوبى ~~لو اعتدلا يجود بالطول ليلى كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا ~~PageV02P0051 # وفيها توفي مقاتل بن عطية بن مقاتل، الأمير شبل الدولة، أبو الهيجاء ~~البكري، من ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال العماد الكاتب: كان شبل ~~الدولة من أولاد العرب، وقع بينه وبين أخوته خشونة ففارقهم، وسار إلى ~~خراسان وغزنة ومدح أعيانها، واختص بنظام الملك الوزير. انتهى كلام العماد. ~~قلت وهو الذي رثى نظام الملك بقوله: البسيط كان الوزير نظام الملك لؤلؤة ~~... نفيسة صاغها الرحمن من شرف أضحت ولا تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة ~~منه إلى الصدف أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وثلاث أصابع. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة ست وخمسمائة. فيها توفي محمد بن موسى بن عبد الله اللامشي ~~التركي الإمام الفقيه الحنفي، مصنف أصول الفقه على مذهب ms1053 أبي حنيفة رضي الله ~~عنه. كان إماما عالما فقيها مفتنا. ولي قضاء بيت المقدس مدة. وكانت وفاته ~~بدمشق في يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة. وسماه الذهبي البلاساغوني ~~الحنفي قاضي دمشق عدو الشافعية. وفيها توفي قاضي القضاة أبو العلاء صاعد بن ~~منصور النيسابوري الواعظ. كان إماما فقيها عالما واعظا، كان له لسان حلو في ~~الوعظ. وفيها توفي الشيخ أبو سعد المعمر بن علي بن المعمر بن أبي عمامة ~~الحنبلي الفقيه الواعظ؛ كان فقيه بغداد وواعظها. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثماني أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الثانية عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة سبع وخمسمائة. فيها توفي إسماعيل بن أحمد بن الحسين بن علي بن ~~موسى، أبو علي البيهقي ولد أبي بكر أحمد صاحب التصانيف. رحل البلاد، ولقي ~~الشيوخ، وسكن خوارزم ودرس بها، ثم عاد إلى بيهق فتوفي بها. وكان إماما ~~فاضلا صدوقا ثقة. وفيها توفي الأمير رضوان ابن الأمير تاج الدولة تتش بن ~~ألب أرسلان بن داود ابن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق السلجوقي المنعوت بفخر ~~الملك صاحب حلب. ملكها بعد قتل أبيه تتش في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. ~~وكان غير مشكور السيرة. قتل أخويه أبا طالب وبهرام؛ وقتل خواص أبيه. وهو ~~أول من بنى بحلب دار الدعوة. وكان ظالما بخيلا شحيحا قبيح السيرة، ليس في ~~قلبه رأفة ولا شفقة على المسلمين. وكانت الفرنج تغاور وتسبي وتأخذ من باب ~~حلب ولا يخرج إليهم. ومرض أمراضا مزمنة، ورأى العبر في نفسه، حتى مات في ~~ثامن عشر جمادى الآخرة، وملك بعده ابنه ألب أرسلان وعمره ست عشرة سنة، وقام ~~بكفالته لؤلؤ الخادم. وفيها توفي محمد بن أحمد بن الحسين، أبو بكر الشاشي ~~الفقيه الشافعي. ولد سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وكان يعرف بالمستظهري؛ تفقه ~~بجماعة وقرأ على ابن الصباغ كتاب الشامل ودرس بالنظامية. ومات في شوال، ~~ودفن عند أبي إسحاق الشيرازي. وكان كثيرا ما ينشد: الوافر تعلم يا فتى ~~والعود رطب ... وطينك ms1054 لين والطبع قابل فحسبك يا فتى شرفا وفخرا ... سكوت ~~الحاضرين وأنت قائل وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد، الإمام العلامة أبو ~~المظفر الأبيوردي؛ وهو من ولد معاوية بن محمد بن عثمان بن عتبة بن عنبسة بن ~~أبي سفيان صخر بن حرب. كان عالما بالأنساب وفنون اللغة والآداب، وسمع ~~الحديث ورواه، وصنف لأبيورد تاريخا، وصنف المختلف والمؤتلف في أنساب العرب. ~~وكان له الشعر الرائق. وكان فيه كبر وتيه بحيث إنه كان إذا صلى يقول: اللهم ~~ملكني مشارق الأرض ومغاربها. وكتب قضة للخليفة وعلى رأسها الخادم المعاوي ~~يريد بذلك نسبه إلى معاوية. فأمر الخليفة بكشط الميم ورد القصة؛ فبقيت ~~الخادم العاوي وكانت وفاته بأصبهان. ومن شعره وأجاد إلى الغاية: الطويل ~~تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون وظل يريني الخطب كيف ~~اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون PageV02P0052 # وفيها توفي الأمير موعود صاحب الموصل. كان قدم الشام لمساعدة الأتابك ~~ظهير الدين طغتكين وكسر الفرنج. وكان مودود هذا يدخل كل جمعة فيصلي بجامع ~~دمشق ويتبرك بمصحف عثمان رضي الله عنه. فدخل على عادته ومعه الأتابك طغتكين ~~يمشي في خدمته والغلمان حوله بالسيوف مسللة؛ فلما صار في صحن الجامع وثب ~~عليه رجل لا يؤبه له، وقرب من مودود هذا كأنه يدعو له، وضربه بخنجر أسفل ~~سرته ضربتين، أحداهما نفذت إلى خاصرته، والأخرى إلى فخذه، والسيوف تأخذه من ~~كل ناحية؛ وقطع رأسه ليعرف شخصه فما عرف. ومات مودود من يومه، وكان صائما ~~فلم يفطر، وقال: والله ما ألقى الله إلا صائما. وكان من خيار الملوك دينا ~~وشجاعة وخيرا. ولما بلغ السلطان محمدا شاه السلجوقي موته أقطع الموصل ~~والجزيرة لآق سنقر البرسقي، وأمره بتقديم عماد الدين زنكي والرجوع إلى ~~إشارته. وزنكي هذا هو والد الملك العادل نور الدين محمود المعروف بالشهيد، ~~المنشئ لدولة بني أيوب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع ~~وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة ms1055 ثمان وخمسمائة. فيها واطأ لؤلؤ خادم رضوان على قتل ابن أستاذه ~~ألب أرسلان، ففتكوا به في قلعة حلب. وفيها نزل الأمير نجم الدين إيلغازي بن ~~أرتق على حمص، وفيها خير خان بن قراجا، وكان عادة نجم الدين إذا شرب الخمر ~~وتمكن منه أقام أياما مخمورا لا يفيق لتدبيره، ولا يستأمر في أمور. وعرف ~~منه خير خان هذه العادة فتركه حتى سكر، فهجم عليه برجاله وهو في خيمته، ~~فقبض عليه وحمله إلى قلعة حمص وسجنه بها أياما، حتى أرسل إليه طغتكين يوبخه ~~ويلومه فأطلقه. وفيها هلك بغدوين الفرنجي صاحب القدس من جرح أصابه في وقعة ~~طبرية، وأراح الله المسلمين منه، ومصيره إلى سقر. وفيها قتل الأمير أحمد يل ~~الروادي صاحب مراغة؛ قتله باطني ضربه بسكين في دار السلطان محمد شاه ~~ببغداد. وكان شجاعا جوادا؛ وكان يركب في خمسة آلاف فارس. وكان إقطاعه ~~أربعمائة ألف دينار في السنة. وفيها توفي علي بن محمد بن محمد بن محمد بن ~~جهير، الصاحب أبو القاسم الوزير ابن الوزير؛ وزر لجماعة من الخلفاء غير ~~مرة. ومات في سابع عشرين شهر ربيع الأول. وكان وزيرا عاقلا حليما سديد ~~الرأي، حسن التدبير والثبات، من بيت رياسة ووزارة. وفيها توفي الشريف ~~الحسيب النسيب أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني خطيب دمشق في شهر ربيع ~~الآخر. وكان فاضلا فصيحا خطيبا. فيها توفي الحافظ الفقيه أبو عبد لله أحمد ~~بن محمد بن عبد الله الخولاني القرطبي، كان عالم بلاده ومفتيها. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة تسع وخمسمائة. فيها صالح الأفضل أمير الجيوش مدبر مملكة الآمر ~~صاحب الترجمة بردويل الفرنجي صاحب القدس. وكان بردويل قد أخذ قافلة عظيمة ~~من المسلمين بالسبخة المعروفة الآن بسبخة بردويل. فرأى الأفضل مهادنته ~~لعجزه عنه، وأمر الناس بذلك، وساروا إلى الشام وغيره. وفيها توفي علي بن ~~جعفر بن القطاع، أبو القاسم السعدي الصقلي، ms1056 من أولاد كبار علماء صقلية وقدم ~~مصر ومدح الأفضل أمير الجيوش. وكان شاعرا بارعا. ومن شعره: الطويل ألا ~~فليوطن نفسه كل عاشق ... على سبعة محفوفة بغرام رقيب رواش كاشح ومفند ... ~~ملح ودمع واكف وسقام وفيها توفي محمد بن علي - وقيل محمد بن محمد - بن صالح ~~الشيخ الأديب أبو يعلى العباسي المعروف بابن الهبارية الشاعر البغدادي. كان ~~فيه إقدام بالهجو على أرباب المناصب. وقدم أصبهان وبها السلطان ملكشاه ~~السلجوقي ووزيره نظام الملك حسن الطوسي، فدخل على النظام المذكور ومعه ~~رقعتان، رقعة فيها هجوه والأخرى فيها مدحه؛ فأعطاه التي فيها الهجو يظن ~~أنها التي فيها المدح. وكان الهجو: الكامل لا غرو أن ملك ابن إس ... حاق ~~وساعده القدر وصفا لدولته وخ ... ص أبا المحاسن بالكدر فالدهر كالدولاب لب ~~... س يدور إلا بالبقر PageV02P0053 # - وأبو المحاسن الذي أشار إليه كان صهر نظام الملك، وكان بينهما عداوة - ~~فكتب نظام الملك: يصرف لهذا القواد رسمه مضاعفا. ثم هجاه بعد ذلك فأهدر ~~دمه. قال العماد الكاتب: كان ابن الهبارية من شعراء نظام الملك، غلب على ~~شعره الهجاء والهزل والسخف، وسلك في قالب ابن حجاج وفاقه في الخلاعة ~~والمجون. ومن شعره أيضا: الكامل وإذا البيادق في الدسوت تفرزنت ... فالرأي ~~أن يتبيدق الفرزان وإذا النفوس مع الدنو تباعدت ... فالحزم أن تتباعد ~~الأبدان خذ جملة البلوى ودع تفصيلها ... ما في البرية كلها إنسان قلت: وابن ~~الهبارية هذا هو صاحب لا الصادح والباغم. وفيها توفي الحافظ البارع أبو ~~شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني بهمذان. كان إماما ~~حافظا، سمع الكثير ورحل البلاد وحدث، وكار من أوعية العلم. وفيها توفي - في ~~قول الذهبي - الأمير يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب بلاد المغرب. وقد ~~تقدم ذكر أبيه وجده في هذا الكتاب. كان ملك بعد أبيه تميم في سنة اثنتين ~~وخمسمائة إلى أن مات في هذه السنة رحمه الله. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم سبع أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الخامسة ms1057 عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة عشر وخمسمائة. فيها قتل الأمير لؤلؤ الذي كان قتل ابن أستاذه ~~ألب أرسلان. والصحيح أنه قتل في الآتية. وفيها حج بالناس أمير الجيوش ~~الجيوشي الحبشي المستظهري العباسي، ودخل مكة وعلى رأسه الأعلام وخلفه ~~الكوسات والبوقات والسيوف في ركابه، وقصد بذلك إذلال أمير مكة والسودان؛ ~~فوقع له بمكة أمور، ولم يقاومه أحد. وفيها توفي محمد بن علي بن ميمون، ~~الحافظ أبو الغنائم بن النرسي الكوفي؛ محدث مشهور ويعرف بأبي لأنه كان جيد ~~القراءة، وسمع الحديث الكثير وساق البلاد، وختم به علم الحديث بالكوفة. قال ~~محمد بن ناصر: ما رأيت مثل أبي الغنائم في ثقته وحفظه؛ ما كان أحد يقدر أن ~~يدخل في حديثه ما ليس منه. وعاش ستا وثمانين سنة. وفيها توفي محفوظ بن أحمد ~~بن الحسن أبو الخطاب الكلواذاني الفقيه الحنبلي. تفقه على القاضي أبي يعلى، ~~وسمع الحديث وأفتى ودرس، وصنف الهداية وغيرها، وشهد عند قاضي القضاة أبي ~~عبد الله الدامغاني الحنفي. وكان فاضلا شاعرا. وله قصيدة من جنس العقيدة؛ ~~أولها: الكامل دع عنك تذكار الخليط المنجد ... والشوق نحو الآنسات الخرد ~~والنوح في أطلال سعدى إنما ... تذكار سعدى شغل من لم يسعد وله أيضا من غير ~~هذه القصيدة: الوافر لئن جار الزمان علي حتى ... رماني منه في ضنك وضيق ~~فإني قد خبرت له صروفا ... عرفت بها عدوي من صديقي ومات وله ثمان وسبعون ~~سنة. وفيها توفي المسند المعمر أبو بكر عبد الغفار بن محمد الشيروبي، مسند ~~نيسابور في ذي الحجة، وله ست وتسعون سنة، ورحل إليه الناس من الأقطار. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وتسع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة السادسة عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة إحدى عشرة وخمسمائة. فيها زلزلت بغداد يوم عرفة زلزلة عظيمة ~~ارتجت لها الدنيا؛ فكانت الحيطان تذهب وتجيء، ووقع الدور على أهلها فمات ~~تحتها خلق كثير. ثم كان عقبها موت السلطان محمد شاه السلجوقي، ثم موت ms1058 ~~الخليفة المستظهر العباسي في السنة الآتية؛ وحارب دبيس بن مزيد الخليفة ~~المسترشد بالله، وغلت الأسعار حتى بلغ الكر القمح أو الدقيق ثلاثمائة ~~دينار، وفقد أصلا، ومات الناس جوعا، وأكلوا الكلاب والسنانير. ثم جاء سيل ~~عظيم فأخرب سنجار. قال ذلك صاحب مرآة الزمان. وفيها نزل آق سنقر البرسقي ~~على حلب وبها يارقتاش الخادم بعد لؤلؤ، فحاصرها فلم يظفر منه بطائل، وعاد ~~إلى الموصل. وفيها توفي محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان، أبو علي الكاتب ~~سبط هلال ابن المحسن الصابئ المقدم ذكره؛ مات في شوال ودفن بداره بالكرخ. ~~وكان فاضلا فصيحا شاعرا، إلا أنه كان شيعيا رافضيا. ومن شعره: السريع لي ~~أجل قدره خالقي ... نعم ورزق أتوفاه PageV02P0054 # حتى إذا استوفيت منه الذي ... قدر لي لم أتعداه وفيها توفي السلطان محمد ~~شاه ابن السلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق، أبو ~~شجاع غياث الدين السلجوقي. كان ملكا عادلا مهيبا شجاعا كريما. خرج في السنة ~~الماضية إلى أصبهان، فمرض بها مرضا طال به إلى أن مات في حادي عشر ذي ~~الحجة، وعمره سبع وثلاثون سنة، ومدة ملكه بعد وفاة أخيه بركياروق اثنتا ~~عشرة سنة. وخلف خمسة أولاد: مسعودا ومحمودا وطغرل وسليمان وسلجوق. وولي ~~السلطنة من بعده ولده محمود. وفيها توفي يمن بن عبد الله، الخادم أبو الخير ~~الحبشي، خادم المستظهر العباسي. كان مهيبا جوادا حسن التدبير ذا رأي وفطنة، ~~مات بأصبهان. وفيها توفي المحدث الفاضل أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد ~~القادر بن يوسف راوي سنن الدار قطني. كان من كبار المحدثين. وفيها توفي ~~الشيخ الإمام الفقيه الواعظ الحافظ أبو زكرياء يحيى بن عبد الوهاب بن منده ~~بأصبهان. سمع الكثير ورحل البلاد وبرع في فنون وحدث، وروى عنه غير واحد. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. فيها في يوم الجمعة ms1059 ثالث عشرين المحرم خطب ~~ببغداد لمحمود بن محمد شاه السلجوقي، بعد موت أبيه، على المنابر. وفيها ~~توفي الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله أبو العباس أحمد ابن الخليفة ~~المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله ابن الأمير محمد الذخيرة ابن الخليفة ~~القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله ابن الخليفة القادر بالله أحمد ابن ~~الأمير إسحاق ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله ~~أبي العباس أحمد ابن الأمير الموفق طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ~~ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون بن الخليفة ~~المهدي بالله محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي ابن عبد ~~الله بن عباس العباسي الهاشمي البغدادي. وأمه أم ولد تركية تسمى الطن. بويع ~~بالخلافة بعد موت أبيه المقتدي بالله في ثامن عشر المحرم سنة تسع وثمانين ~~وأربعمائة، وعمره سبع عشرة سنة وشهران. وكان ميمون الطلعة حميد الأيام. قال ~~ابن الأثير: كان لين الجانب، كريم الأخلاق، يسارع في أعمال البر، وكانت ~~أيامه أيام سرور للرعية، فكأنها من حسنها أعياد. وكان حسن الخط جيد ~~التوقيعات لا يقاربه فيها أحد، تدل على فضل غزير وعلم واسع. ومات بعلة ~~التراقي وهي دمل يطلع في الحلق. ومن شعره: البسيط أذاب حر الهوى في القلب ~~ما جمدا ... يوم مدت إلى رسم الوداع يدا وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد ... ~~أرى طرائق في مهوى الهوى قددا وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة وأياما. ولم ~~تصف له الخلافة، بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب. وتولى الخلافة من بعده ~~ابنه المسترشد. وفيها خرجت والدة السلطان محمود بن محمد شاه من أصبهان إلى ~~السلطان سنجر شاه، فلقيها ببلخ فأكرمها. فقالت له: أدرك ابن أخيك وإلا تلف، ~~فإن الأموال قد تمزقت، والبلاد قد أشرفت على الأخذ، وهو صبي وحوله من يلعب ~~بالملك. فقال لها: سمعا وطاعة. وكان وزير محمود ومدبر مملكته أبو القاسم، ~~وكان سيئ التدبير ظالما، وكان يخاف من مجيء سنجر شاه المذكور إلى البلادة ~~فأنفق ما في خزائن محمد ms1060 شاه في أربعة أشهر، وباع الجواهر والأثاث، وأنفقه ~~في العساكر فلم يفده ذلك، على ما سيأتي ذكره. وفيها توفي بكر بن محمد بن ~~علي بن الفضل بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم، الإمام الفقيه الحافظ المحدث ~~أبو الفضل الأنصاري الزرنجري - وزرنجر: قرية على خمسة فراسخ من بخارى - سمع ~~الحديث الكثير من جماعة كثيرة، وتفرد بالرواية عن جماعة منهم، لم يحدث عنهم ~~غيره. وكان بارعا في الفقه يضرب به المثل، ويقولون: هو أبو حنيفة الصغير. ~~وكان إذا طلب منه أحد من المتفقهة الدرس ألقى عليه من أي موضع أراد من غير ~~مطالعة ولا نظر في كتاب، وكان إذا أشكل على الفقهاء شيء رجعوا إلى قوله ~~ونقله. PageV02P0055 # وفيها توفي الحسين بن محمد بن علي بن الحسن، الإمام العلامة أبو طالب ~~الزينبي الحنفي فريد عصره. ولد سنة عشرين وأربعمائة، وقرأ القرآن وسمع ~~الحديث وبرع في الفقه وأفتى ودرس. انتهت إليه رياسة السادة الحنفية في ~~زمانه ببغداد، ولقب بنور الهدى. وترسل إلى ملوك الأطراف من قبل الخليفة، ~~وولي نقابة الطالبيين والعباسيين. وكان شريف النفس والحسب، كثير العلم جليل ~~القدر. ومات يوم الاثنين حادي عشر صفر، وصلى عليه ابنه القاسم، وحمل إلى ~~قبة أبي حنيفة فدفن داخل القبة، وله اثنتان وتسعون سنة. وكان سمع من غيلان ~~وغيره، وانفرد ببغداد بروايته صحيح البخاري عن كريمة بنت أحمد. وفيها توفي ~~محمد بن عتيق بن محمد التميمي القيرواني. قدم الشام مجتازا إلى العراق. ~~وكان يقرئ علم الكلام بالنظامية، وكان يحفظ كتاب سيبويه. وسمع يوما قائلا ~~ينشد أبيات أبي العلاء المعري: الطويل ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق ~~لسكان البسيطة أن يبكوا وتحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد ~~لنا سبك فقال مجيبا: الطويل كذبت، وبيت الله، حلفة صادق ... سيسبكنا بعد ~~النوى من له الملك ونرجع أجساما صحاحا سليمة ... تعارف في الفردوس ما عندنا ~~شك وفيها توفي أبو الفضل بن الخازن الشاعر المشهور. كان دينا فاضلا شاعرا. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع سواء. مبلغ ms1061 الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. فيها قدم السلطان سنجر شاه السلجوقي الري ~~وملكها؛ واصطلح مع ابن أخيه محمود بن محمد شاه بعد حروب، وزوجه ابنته، ~~وأقره على ملكه. وفيها وقعت المباينة بين الآمر خليفة مصر أعني صاحب ~~الترجمة وبين مدبر مملكته الأفضل ابن أمير الجيوش؛ واحتجب الآمر عنه وتعلل ~~بمرض. واجتهد الأفضل أن يغتاله بالسم فلم يقدر، ودس إليه السم مرارا فلم ~~يصل إليه. وكان للآمر قهرمانة كاتبة فاضلة تعرف أنواع العلوم: الطب والنجوم ~~والموسيقى، حتى كانت تعمل التحويلات وتحكم على الحوادث، فاحترزت على الآمرة ~~ولم تزل تدبر على الأفضل ابن أمير الجيوش حتى قتل، حسب ما يأتي ذكره. قال ~~ابن القلانسي: وفيها ظهرت صور الأنبياء عليهم السلام: الخليل وولديه إسحاق ~~ويعقوب صلوات الله عليهم وهم مجتمعون في مغارة بأرض بيت المقدس، وكأنهم ~~أحياء لم يبل لهم جسد ولا رم لهم عظم، وعليهم قناديل من ذهب وفضة معلقة، ~~فسدوا باب المغارة وأبقوا على حالهم. وفيها توفي علي بن محمد بن علي بن ~~محمد بن الحسن بن عبد الملك بن حمويه، قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني ~~الحنفي. ولد في رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وقلد القضاء وهو ابن ست ~~عشرة سنة بعد موت أبيه؛ وولي القضاء لأربعة خلفاء. وهذا لم يقع لغيره إلا ~~للقاضي شريح. وأما القاضي أبو طاهر محمد بن أحمد الكوفي فذاك ولي لخمسة ~~خلفاء. قلت: الشيء بالشيء يذكر؛ وهذا قاضي قضاة زماننا، جلال الدين عبد ~~الرحمن بن عمر البلقيني، ولي القضاء لستة سلاطين: الناصر فرج، والمنصور عبد ~~العزيز ابني الظاهر برقوق، والخليفة المستعين بالله العباسي، والمؤيد شيخ، ~~وابنه المظفر أحمد، والظاهر ططر. ووقع مثل هذا كثير في آخر الزمان؛ ~~والمقصود غير ذلك. وكان الدامغاني إماما عالما عفيفا دينا معظما عند ~~الخلفاء والملوك. وناب عن الوزارة، وانفرد بأخذ البيعة للخليفة المسترشد. ~~وكان ذا مروءة وصدقات وإحسان، ومعرفة بصناعتي القضاء والشروط. ومات ليلة ~~رابع عشر المحرم، ms1062 ودفن في مشهد أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعاش ثلاثا ~~وستين سنة وأشهرا. ولي القضاء منها تسعا وعشرين سنة وخمسة أيام. وسمع ~~الحديث من القاضي أبي يعلى الفراء والخطيب وغيرهما؛ وكان صدوقا ثقة. وفيها ~~توفي الإمام العلامة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي ~~الحنبلي شيخ الحنابلة في عصره. كان إماما عالما صالحا مفتنا؛ ومات ببغداد ~~وله اثنتان وثمانون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع ~~واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة التاسعة عشرة من خلافة الآمر منصور # وهي سنة أربع عشرة وخمسمائة. PageV02P0056 # فيها خطب ببغداد لسنجر شاه السلجوقي ولابن أخيه محمود بن محمد شاه جميعا ~~في المحرم، ولقب سنجر شاه بالسلطان عضد الدولة، ومحمود بجلال الدولة. وفيها ~~توفي الحسين بن علي بن محمد، الإمام العلامة مؤيد الدين الطغرائي الكاتب ~~وزير السلطان محمود بن محمد شاه السلجوقي، المقدم ذكره؛ والطغرائي هذا جد ~~محمد بن الحسين وزير الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. ~~وكان السلطان محمود نسب خروج أخيه مسعود عليه إلى الطغرائي فقتله. وقال ~~الذهبي: وزير السلطان مسعود قتل في المصاف بين مسعود وأخيه محمود. وكان ~~أفصح الفصحاء، وأفضل الفضلاء، وأمثل العلماء؛ وهو صاحب لامية العجم، ~~وديوانه مشهور بأيدي الناس. ومن شعره يمدح الوزير نظام الملك على قافيتين: ~~مجزوء الكامل يا أيها المولى الذي اص ... طنع الورى، شرقا وغربا والقصيدة ~~كلها على هذا المنوال. ومن شعره أيضا: السريع قوموا إلى لذاتكم يا نيام ... ~~ونبهوا العود وصفوا المدام هذا هلال الفطر قد جاءنا ... بمنجل يحصد شهر ~~الصيام وفيها توفي الحافظ أبو منصور محمود بن إسماعيل الأشقر الأصبهاني ~~عالم أصبهان ومحدثها؛ مات في ذي القعدة. وفيها توفي الشيخ الإمام المقرئ ~~أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع الأندلسي المري المقرئ المجود. ~~كان رأسا في علوم القرآن، وأفاد وأقرأ سنين. وفيها توفي الشيخ أبو الحسن ~~علي بن الحسن بن الموازيني، العالم المحدث المشهور. أمر النيل في ms1063 هذه ~~السنة: الماء القديم تسع أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا لإصبع واحدة. ### || AUT السنة العشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة خمس عشرة وخمسمائة. فيها كتب الخليفة المسترشد بالله العباسي ~~والسلطان محمود بن محمد شاه السلجوقي إلى إيلغازي يأمرانه بإبعاد دبيس بن ~~صدقة، وفسخ الكتاب الذي عقده له على ابنته. وفيها توفي عبد الرزاق بن عبد ~~الله بن علي بن إسحاق الطوسي، ابن أخي نظام الملك. كان فاضلا؛ تفقه على أبي ~~المعالي الجويني، وأفتى وناظر، ووزر للسلطان سنجر شاه السلجوقي. ومات ~~بنيسابور. وفها توفي محمد بن محمد بن عبد العزيز أبو علي بن المهتدي ~~الخطيب. كان فاضلا؛ شهد عند القاضي أبي عبد الله الدامغاني الحنفي؛ وكان ~~ظريفا صالحا دينا. ومات في شوال، ودفن بباب حرب من بغداد. وفيها قتل الأفضل ~~شاهنشاه أمير الجيوش أبو القاسم بن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني وزير ~~مصر ومدبر ممالكها. ولي مملكة مصر بعد موت أبيه بدر الجمالي في أيام ~~المستعلي إلى أن مات المستعلي؛ فأقام الأفضل هذا ولده مكانه في الخلافة، ~~ولقبه بالآمر أعني صاحب الترجمة ودبر لدولته وحجر عليه. وكان الخليفة ~~المستنصر جد الآمر هذا وولده المستعلي والد الآمر كلاهما أيضا تحت حجر بدر ~~الجمالي والد الأفضل هذا. فلما ملك الأفضل سار على سيرة أبيه مع الخلفاء من ~~الحجر والتضييق عليهم. وزاد الأفضل هذا في حق الآمر صاحب الترجمة حتى إنه ~~منعه من شهواته، وأراد قتله بالسم. فحمله ذلك على قتله، واتفق الآمر مع ~~جماعة، وكان الأفضل يسكن بمصر؛ فلما ركب في غير موكب وثبوا عليه وقتلوه في ~~سلخ شهر رمضان بعد أمور وقعت. وخفف الأفضل من الأموال والنقود والقماش ~~والمواشي ما يستحيا من ذكره كثرة. وقد ذكرنا ذلك في كتاب الوزراء وهو محل ~~الإطناب في الوزراء، وليس لذكره هنا محل. والمقصود في هذا الكتاب تراجم ~~ملوك مصر لا غير، وما عدا ذلك يكون على سبيل الاستطراد. قال ابن الأثير: ~~كانت ولايته يعني الأفضل ثمانيا وعشرين سنة، وكان حسن ms1064 السيرة عادلا. ثم أخذ ~~في تعداد أمواله. وفيها توفي الإمام الحافظ المحدث أبو محمد الحسين بن ~~مسعود البغوي المعروف بابن الفراء. كان إماما حافظا؛ رحل إلى البلاد وسمع ~~الكثير وحدث وألف وصنف. وكان يقال له محيي السنة. ومات في شوال. وفيها توفي ~~الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عمر السمرقندي الإمام الحافظ المشهور. ~~سمع الكثير وروى عنه غير واحد، وكان صدوقا ثقة دينا. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم سبع أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وعشر أصابع، وقيل: خمس أصابع. ### || AUT السنة الحادية والعشرون من خلافة الآمر منصور # PageV02P0057 # وهي سنة ست عشرة وخمسمائة. فيها كانت وقعة عظيمة بين الأمير إيلغازي بن ~~أرتق صاحب ماردين وبين الكفار على تفليس، فعاد مريضا فمات بعد أيام. ذكر ~~وفاته - هو نجم الدين إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين وديار بكر وحلب؛ وهو ~~ثالث من ظهر أمره من ملوك بني أرتق الأعيان. وكان ملكا شجاعا جوادا، له ~~غزوات ومواقف مشهورة مع الفرنج. وكانت وفاته في هذه السنة عند عوده من ~~تفليس بميافارقين في شهر رمضان. وذكر الذهبي وفاته في الخالية؛ والأصح ما ~~قلناه؛ فإنه عاد إلى ميافارقين مريضا، فنزل بظاهرها ومعه زوجته الخاتون بنت ~~الأمير ظهير الدين طغتكين صاحب دمشق؛ فمات يوم الخميس سابع عشر شهر رمضان ~~في قرية تعرف بالفحول؛ فحمل تابوته إلى ميافارقين. وكان عنده ابنه شمس ~~الدولة سليمان فاستولى على ميافارقين؛ واستولى ابنه الآخر حسام الدين ~~تمرتاش على ماردين. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن ~~عبد الله بن سليمان، أبو محمد والد أبي اليسر شاكر التنوخي المعري. ولد ~~بالمعرة، وقرأ الأدب، وقال الشعر. ومن شعره: الكامل يا من تنكب قوسه وسهامه ~~... وله من اللحظ السقيم سيوف يغنيك عن حمل السلاح إلى العدا ... أجفانك ~~المرضى وهن حتوف وفيها توفي عبد الله بن يحيى بن البهلول الأندلسي. كان ~~أصله من مدينة سرقسطة من الغرب؛ وكان فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره قوله: ~~الطويل ولست ms1065 بمن يبغي على الشعر رشوة ... أبى ذاك لي جد كريم ووالد وإني من ~~قوم قديما ومحدثا ... تباع عليهم بالألوف القصائد وفيها توفي الحسين بن ~~مسعود بن محمد، الشيخ الإمام العلامة أبو محمد البغوي الشافعي المعروف بابن ~~الفراء، الفقيه المحدث المفسر. وقد تقدم ذكر وفاته في الماضية. والصحيح أنه ~~مات في هذه السنة. وهو مصنف شرح السنة ومعالم التنزيل والمصابيح وكتاب ~~التهذيب في الفقه والجمع بين الصحيحين. وكان أبوه يعمل الفراء ويبيعها. ~~ومات بمرو الروذ في شوال. وفيها توفي عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق بن خلف، ~~أبو القاسم الصقلي المقرئ المجود المعروف بابن الفخام، مصنف التجريد في ~~القراءات السبع. كان من كبار شيوخ القراء، سكن الإسكندرية، وقصده الناس من ~~النواحي لعلو إسناده وإتقانه. وفيها توفي القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، ~~الشيخ العلامة الأديب اللغوي النحوي أبو محمد البصري الحراي الحريري، مصنف ~~المقامات. كان يسكن بني حرام أحد محال البصرة مما يلي الشط. مولده ومرباه ~~بقرية المشان، من أعمال البصرة في حدود سنة ست وأربعين وأربعمائة؛ وكان أحد ~~أئمة عصره في الأدب والبلاغة والفصاحة، وله مصنفات كثيرة، منها كتاب ~~المقامات، الذي لا نظير له في معناه، وقد سلك فيه منوال بديع الزمان صاحب ~~المقامات الذي عملها قبل الحريري؛ وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب في محله. ~~وفي مقامات الحريري هذا يقول إمام الدنيا محمود الزمخشري: السريع أقسم ~~بالله وآياته ... ومعشر الحج وميقاته إن الحريري حري بأن ... نكتب بالتبر ~~مقاماته ومن شعر الحريري: البسيط لا تخطون إلى خطء ولا خطأ ... من بعدما ~~الشيب في فوديك قد وخطا وأي عذر لمن شابت ذوائبه ... إذا سعى في ميادين ~~الصبا وخطا وقد أرخ الذهبي وفاته في السنة الماضية. والله أعلم. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وست وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الثانية والعشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة سبع عشرة وخمسمائة. فيها قبض السلطان محمود السلجوقي على وزيره ~~عثمان بن نظام الملك، ms1066 وبعث الخليفة بعزل أخيه أحمد عن وزارته. فبلغ أحمد ~~فانقطع عن الديوان. وفيها سار الأمير نور الدولة بلك ابن بهرام بن أرتق إلى ~~غزو مدينة الرهاء في شهر رجب. وفيها توفي الأمير الحاجب فيروز شحنة دمشق. ~~وكان أميرا صالحا دينا، وله آثار جميلة بدمشق وغيرها. PageV02P0058 # وفيها توفي أحمد بن محمد بن علي، أبو عبد الله بن الخياط التغلبي الدمشقي ~~الكاتب الشاعر المجيد؛ طاف البلاد ومدح الأكابر والملوك؛ قيل: إنه دخل حلب ~~في حداثة سنه، فقصد دار أبي الفتيان بن حيوس الشاعر وقد أسن، قال: فدخلت ~~عليه؛ فقال: من أين أنت؟ فقلت: من دمشق. فقال: ما صناعتك؟ قلت: الشعر. قال: ~~فأنشدني من شعرك. فأنشدته قولي: الكامل لم يبق عندي ما يباع بحبة ... وكفاك ~~شاهد منظري عن مخبري إلا صبابة ماء وجه صنتها ... من أن تباع وأين أين ~~المشتري قال: نعيت إلي نفسي. قلت: ولم؟ قال: لأن الشام لا تخلو من شاعر ~~مجيد، ولا يجتمع فيها شاعران، وأنت موازني في هذه الصناعة. ثم أعطاني ~~دنانير وكسوة. ومن شعره أيضا قوله في جواب كتاب: البسيط وافى كتابك أسنى ما ~~يعود به ... وفد المسرة مني إذ يوافيني فظلت أطويه من شوق وأنشره ... ~~والشوق ينشرني فيه ويطويني وفيها قتل الوزير عثمان بن نظام الملك. كان ~~استوزره السلطان محمود بن محمد شاه السلجوقي؛ فبعث عمه سنجر شاه السلجوقي ~~يطلبه. فقال أبو نصر المستوفي: متى بعثت به حيا إلى عمك سنجر شاه لم تأمنه، ~~اقتله وابعث إليه برأسه. فبعث عنبرا الخادم إليه ليقتله. فعرف عثمان وقال: ~~أمهلني حتى أصلي ركعتين؛ فقام وصلى وقال لعنبر: أرني سيفك ما أراه إياه، ~~سيفي أمضى منه، فلا تقتلني إلا به، وناوله إياه فقتله به. فلما كان بعد ~~قليل بعث السلطان محمود إلى أبي نصر المستوفي من فعل به كذلك، وذبحه ذبح ~~الشاة. قلت: الجزاء من جنس العمل. وفيها توفي عبد المنعم بن حفاظ بن أحمد ~~بن خلف، المحدث أبو البركات الأنصاري الدمشقي، ويعرف بابن البقلي. كان ~~جوادا فاضلا، سمع الكثيرة واستوزره ms1067 خير خان بن قراجا صاحب حمص؛ ثم بلغه أنه ~~كاتب طغتكين صاحب دمشق، فقبض عليه وكحله، فرجع إلى دمشق أعمى، فأقام بها ~~حتى مات. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع وعشر أصابع. ~~مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الثالثة والعشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة ثماني عشرة وخمسمائة. فيها عزم دبيس على قصد بغداد؛ وكان دبيس ~~قد ألتجأ إلى طغرل بن محمد شاه السلجوقي. فتأهب الخليفة المسترشد بالله ~~للقائهما، وجمع الجيوش من كل جانب؛ ثم ترك دبيس المجيء في هذه السنة لأمر ~~ما. وفيها كاتب أهل حلب آق سنقر صاحب الموصل: فسار إلى حلب فسلمها إليه ~~أهلها، وهرب منها الأمير سكمان بن أرتق؛ فساق آق سنقر البرسقي خلفه، فلحقه ~~بمنبج فقتله. وفيها استولت الفرنج على صور بالأمان بعد أمور وحروب ذكرناها ~~في أول ترجمة الآمر هذا. وفيها توفي عبد الله بن محمد بن علي بن محمد، ~~القاضي أبو جعفر الدامغاني الحنفي؛ شهد عند أبيه، ثم ولي قضاء الكرخ من قبل ~~أخيه، ثم ترك ذلك ورمى الطيلسان وولي حجبة باب النوبي للخليفة؛ وعظم على ~~أخيه. وكان فاضلا كريم الأخلاق حسن العشرة خليقا بالرياسة. وفيها توفي محمد ~~بن نصر بن منصور، أبو سعد القاضي الهروي. كان في بداءة أمره فقيرا حتى اتصل ~~بالخليفة، وصار سفيرا بينه وبين الملوك. واستشهد هو وولده بهمذان، وكانت له ~~اليد الباسطة في النظم والنثر. ومن شعره: الوافر أودعكم وأودعكم جناني ... ~~وأنثر دمعتي نثر الجمان وإني لا أريد لكم فراقا ... ولكن هكذا حكم الزمان ~~وفيها توفي الفقيه أبو الفتح سلطان بن إبراهيم المقدسي الشافعي بمصر؛ قاله ~~الذهبي. كان فقيها عالما بارعا في فنون. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم سبع أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وأربع ~~عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة والعشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة تسع عشرة وخمسمائة. فيها جسر دبيس بن صدقة طغرل بن محمد شاه ~~السلجوقي على قصد بغداد وأن يطلب ms1068 السلطنة لنفسه، فسارة واستعد له الخليفة ~~المسترشد، ووقع له معهما حروب آلت إلى أن دبيسا توجه بعد هزيمته إلى سنجر ~~شاه السلجوقي مستجيرا به، فأجاره ثم قبض عليه. PageV02P0059 # وفيها قبض الآمر صاحب الترجمة على وزيره المأمون أبي عبد الله بن ~~البطائحي وعلى أخيه أحمد المؤتمن، واستولى على أموالهما وذخائرهما ثم ~~قتلهما، وكانا قد دبرا في القبض عليه. والمأمون هذا هو باني جامع الأقمر ~~بالقاهرة. وكان الأمر استوزره بعد قتل الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش. ~~وفيها توفي أحمد بن محمد بن الفضل أبو الفضل الكاتب الأديب الفاضل الشاعر ~~المشهور، المعروف بابن الخازن، وقد تقدم ذكر وفاته فيما مضى. والله أعلم. ~~وفيها قتل الأمير آق سنقر البرسقي صاحب الموصل. كان أميرا شجاعا جوادا ~~عادلا في الرعية، وكان الخلفاء والملوك يحترمونه، وكان قد احترز من ~~الباطنية بالرجال والسلاح والجاندارية. فدخل يوم الجمعة لجامع الموصل، فجاء ~~إلى المقصورة وفيها جماعة من الصوفية لهم عادة يصفون فيها، فاستراب بهم ~~ودخل في الصلاة وتأخر عنه أصحابه؛ فوثب عليه ثلاثة في زي الصوفية فضربوه ~~بالسكاكين، فلم تعمل في جسده للدرع الذي كان عليه؛ فصاحوا: رأسه وجهه، ~~فضربوه حتى قتلوه، وقتل الثلاثة. وحزن الناس عليه، وأقاموا ابنه مسعودا ~~مقامه. وفيها توفي الأمير سليمان بن إيلغازي بن أرتق صاحب ميافارقين. كان ~~عادلا شجاعا جوادا؛ مات في شهر رمضان ودفن عند أبيه. وجاء أخوه تمرتاش من ~~ماردين، فملك ميافارقين وأحسن إلى أهلها. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم تسع أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة والعشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة عشرين وخمسمائة. فيها توفي أحمد بن محمد بن محمد الشيخ، أبو ~~الفتوح الغزالي الطوسي، أخو أبي حامد الغزالي المقدم ذكره. كان متصوفا ~~متزهدا في أول عمره ثم وعظ، وكان مفوها. قال ابن الجوزي: ولما وعظ قبله ~~العوام. وجلس في دار السلطان محمود فأعطاه ألف دينار، فلفا خرج وفرس الوزير ~~في الدهليز بمركب ذهب وقلائد وطوق ذهب، فركبه ومضى. وبلغ ms1069 الوزير فقال: لا ~~يتبعه أحد ولا يعاد الفرس. وفيها توفي عبد الله بن القاسم بن المظفر بن ~~علي، القاضي أبو محمد المرتضى الشهرزوري والد قاضي القضاة كمال الدين. كان ~~أحد الفضلاء الشهرزوريين والعلماء المذكورين، وكان له النظم والنثر. ومن ~~شعره: الطويل وبانوا فكم دمع من الأسر أطلقوا ... نجيعا وكم قلب أعادوا إلى ~~الأسر فلا تنكروا خلعي عذاري تأسفا ... عليهم فقد أوضحت عندكم عذري وفيها ~~توفي محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب، الشيخ الإمام ~~الفقيه الصوفي المالكي أبو بكر الطرطوشني الأندلسي العالم المشهور، نزيل ~~الإسكندرية - وطرطوشة آخر بلاد المسلمين من الأندلس، وقد عادت الآن للفرنج ~~- وكان يعرف بابن أبي رندقة. حج ودخل العراق وسمع الكثير؛ وكان عالما زاهدا ~~ورعا دينا متواضعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا باليسير. وقال ابن خلكان: ~~إنه دخل على الأفضل بن أمير الجيوش بمصر فبسط تحته مئزره، وكان إلى جانب ~~الأفضل نصراني، فوعظ الأفضل حتى أبكاه، ثم أنشد: السريع يا ذا الذي طاعته ~~قربة ... وحقه مفترض واجب إن الذي شرفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب ~~وأشار إلى النصراني. فأقام الأفضل النصراني من موضعه وأبعده. وقد صنف الشيخ ~~أبو بكر كتاب أسراج الملوك للمأمون الذي ولي وزارة مصر بعد الأفضل، وقد ~~تقدم ذكره في الماضية؛ وله تصانيف أخرى، وفضله مشهور لا يحتاج إلى بيان. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع وثلاث أصابع. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة السادسة والعشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. فيها قتل الباطنية وزير السلطان سنجر شاه ~~السلجوقي. وكان قد أفنى منهم اثني عشر ألفا. فبعثوا إليه سائسا يخدم في ~~إصطبله مئة إلى أن وجد الفرصة؛ فدخل الوزير يوما يفتقد خيله، فوثب عليه ~~المذكور فقتله، وقتل بعده. وفيها قتل الأمير مسعود بن آق سنقر البرسقي ~~بالرحبة؛ وكان عزمه أخذ دمشق فعوجل. وكان ولي بعد موت أبيه آق سنقر في ~~الخالية، فلم تطل مدته. PageV02P0060 # وفيها توفي أحمد بن ms1070 أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~محمد بن المتوكل على الله، الإمام المحدث أبو السعادات. سمع الحديث الكثير ~~ورحل البلاد. مات مترديا من سطحه في شهر رمضان ببغداد. وكان صحيح السماع ~~ثقة. وفيها توفي هبة الله بن علي بن إبراهيم، أبو المعالي الشيرازي. كان من ~~أعيان الفضلاء، وله شعر جيد. وفيها توفي العبد الصالح الزاهد أبو الحسن علي ~~بن المبارك بن الفاعوس، زاهد بغداد. كان كبير القدر، أحد أعيان الصوفية، ~~وله أحوال وكرامات. مات ببغداد وكان له مشهد عظيم. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثماني أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا، ~~وأصابع لم تحرر. ### || AUT السنة السابعة والعشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. فيها توفي الحسن بن علي بن صدقة، ~~الوزير أبو علي جلال الدين، وزير الخليفة المسترشد بالله العباسي. كان ~~فاضلا دينا رئيسا عاقلا حسن السيرة محمود الطريقة محبوبا للخاصة والعامة ~~جوادا ممدحا؛ مات ببغداد وحزن عليه الخليفة. وتطاول بعد موته للوزارة ~~جماعة، منهم عز الدولة بن المطلب، وابن الأنباري، وأحمد ابن نظام الملك ~~وغيرهم؛ فلم يستوزر الخليفة أحدا منهم، واستناب نقيب النقباء علي بن طراد ~~الزينبي الحنفي. وفيها توفي الحسين بن علي بن أبي القاسم الفقيه العلامة ~~أبو علي اللامشي السمرقندي الحنفي. كان إماما مفتنا يضرب به المثل في النظر ~~وسمع الحديث ورواه، وكان صالحا دينا على طريق السلف مطرحا للكلفة. ومات ~~بسمرقند. وفيها توفي الأمير ظهير الدين أبو المنصور طغتكين بن عبد الله ~~الأتابك صاحب الشام مملوك تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان السلجوقي. كان ~~طغتكين مقدما عند أستاذه تتش المذكور، وزوجه أم ابنه دقماق، ونصق عليه في ~~أتابكية ابنه دقماق المذكور. فقام بتدبير ملكه أحسن قيام، وغزا الفرنج غير ~~مرة، وله في الجهاد اليد البيضاء. وقد ذكرنا بعض وقائعه في أزل ترجمة الآمر ~~هذا مع الفرنج على سبيل الاختصار، نعرف من ذلك همته وشجاعته. وكان عادلا في ~~الرعية. ولما احتضر أوصى ms1071 بالملك إلى ولده تاج الملوك بوري؛ فسار في الناس ~~أيضا أحسن سيرة. ومات طغتكين في صفر بعد أن حكم دمشق سنين كثيرة. رحمه الله ~~تعالى. وفيها توفي عبد الله بن طاهر بن محمد بن كاكو، أبو محمد الواعظ. ولد ~~بصور ونشأ بالشام. قال أنشدني أبو إسحاق الشيرازي لنفسه: البسيط لما أتاني ~~كتاب منك مبتسما ... عن كل معنى ولفظ غير محدود حكت معانيه في أثناء أسطره ~~... أفعالك البيض في أحوالي السود أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبع أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة والعشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. فيها ضمن زنكي بن آق سنقر للسلطان مائة ~~ألف دينار على ألا يعزله عن الموصل؛ وضمن الخليفة للسلطان أيضا مثل ذلك، ~~ولا يولى دبيسا ولاية - وكان الخليفة يكره دبيسا - فقبل السلطان ذلك. وفيها ~~توفي طاهر بن سعد، الصاحب الوزير أبو علي المزدقاني. كان شجاعا جوادا، بنى ~~المسجد على الشرف شمالي دمشق، ويسمى مسجد الوزير؛ وكان قد عاداه وجيه ~~الدولة بن الصوفي، فانتمى إلى الإسماعيلية خوفا منه، فقتل هناك. وفيها توفي ~~هبة الله بن أحمد بن محمد، الحافظ المحدث أبو محمد الأنصاري المعروف بابن ~~الأكفاني. سمع الكثير ولقي الشيوخ، وسمع جده لأمه أبا الحسن بن صصري وغيره. ~~وفيها توفي الحافظ أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد الثقفي، الفقيه العالم ~~المشهور؛ مات وله تسع وثمانون سنة. وفيها توفي أبو الحسن عبيد الله بن محمد ~~ابن الإمام أبي بكر البيهقي ببغداد في جمادى الأولى؛ وكان فاضلا فقيها؛ سمع ~~الحديث. وفيها توفي الفقيه المحدث أبو الحجاج يوسف بن عبد العزيز الميورقي ~~الأصل ثم الإسكندري، وبها توفي. كان إماما فقيها عالما بارعا مفتنا في كثير ~~من العلوم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وست وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وخمس أصابع. ### || AUT السنة التاسعة والعشرون من خلافة الآمر منصور # وهي سنة أربع وعشرين وخمسمائة. PageV02P0061 # وهي السنة التي قتل ms1072 فيها الآمر صاحب الترجمة، حسب ما ذكرناه مفصلا في ~~ترجمته أولا. وفيها أعني سنة أربع وعشرين استوزر بوري بن طغتكين صاحب دمشق ~~المفرج بن الصوفي. وفيها وصل زنكي بن آق سنقر إلى حلب من الموصل، وقد أظهر ~~أنه على عزم الجهاد؛ وراسل بوري يلتمس منه المعونة على محاربة الفرنج. ~~فأرسل إليه بوري من استحلفه الإيمان المغلظة، واستوثق منه لنفسه ولصاحب حمص ~~وحماة. وفيها ظهرت بالعراق عقارب طيارة لها أجنحة، وهي ذات شوكتين؛ فقتلت ~~من الأطفال خلقا كثيرا. قاله صاحب مرآة الزمان؛ والعهدة عليه فيما نقلناه ~~عنه. وفيها توفي إبراهيم بن عثمان بن محمد، أبو إسحاق العري الكلبي الشاعر. ~~مولده بغزة. كان أحد فضلاء الدهر، رحل إلى البلاد وامتدح جماعة من الرؤساء. ~~ومن شعره وأجاد إلى الغاية: الكامل قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب ~~البواعث والدواعي مغلق خلت البلاد فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح ~~يعشق ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق وفيها توفي ~~الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، الإمام البارع أبو عبد الله النحوي؛ وهو أخو ~~أبي الكرم بن فاخر النحوي لأمه. قرأ بالروايات، وسمع الحديث الكثير، واشتغل ~~باللغة والأدب، وقال الشعر الرائق. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبع أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### | AUT خلافة الحافظ لدين الله على مصر # الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد ~~ابن الخليفة المستنصر بالله معد ابن الظاهر بالله علي ابن الحاكم بأمر الله ~~منصور ابن العزيز بالله نزار ابن المعز لدين الله معد ابن المنصور إسماعيل ~~ابن القائم محمد ابن المهدي عبيد الله، العبيدي الفاطمي المصري، الثامن من ~~خلفاء مصر من بني عبيد، والحادي عشر منهم ممن ولي من آبائه بالمغرب، وهم ~~ثلاثة: المهدي والقائم والمنصور. وأول من ولي من آبائه بالقاهرة المعز لدين ~~الله؛ فلهذا قلنا: هو الثامن من خلفاء مصر، والحادي عشر منهم ممن ولي ~~بالمغرب. وولي الحافظ الخلافة بمصر بعد قتل ms1073 ابن عمه الآمر أبي علي منصور، ~~على ما يأتي بيانه من أقوال كثيرة. ولم يكن من خلفاء مصر من أبوه غير خليفة ~~سواه والعاضد الآتي ذكره. ولقبوه الحافظ لدين الله، ووزر له أبو علي أحمد ~~بن الأفضل ولقب أمير الجيوش، فأحسن إلى الناس وعاملهم بالخير وأعاد لهم ~~مصادراتهم. وكان قبل ولاية الحافظ هذا اضطرب أمر الديار المصرية؛ لأن الآمر ~~قتل ولم يخلف ولدا ذكرا، وترك امرأة حاملا، فماج أهل مصر وقالوا: لا يموت ~~أحد من أهل هذا البيت إلا ويخلف ولدا ذكرا منصوصا عليه الإمامة. وكان الآمر ~~قد نص على الحمل قبل موته؛ فوضعت الحامل بنتا، فعدلوا إلى الحافظ هذا، ~~وانقطع النسل من الآمر وأولاده. وهذا مذهب طائفة من الشيعة المصريين؛ فإن ~~الإمامة عندهم من المستنصر إلى نزار الذي قتل بعد واقعة الإسكندرية. وقال ~~صاحب مرآة الزمان: ولما استمر الحافظ في خلافة مصر، ضعف أمره مع وزيره أبي ~~علي أحمد بن الأفضل أمير الجيوش وقوي شوكة الوزير المذكور، وخطب للمنتظر ~~المهدي، وأسقط من الأذان حي على خير العمل ودعا الوزير المذكور لنفسه على ~~المنابر بناصر إمام الحق، هادي العصاة إلى اتباع الحق؛ مولى الأمم، ومالك ~~فضيلتي السيف والقلم. فلم يزل كذلك حتى قتل الوزير المذكور، على ما يأتي ~~ذكره. وقال ابن خلكان: وهذا الحافظ كان كثير المرض بعلة القولنج، فعمل له ~~شيرماه الديلمي وقيل موسى النصراني طبل القولنج الذي كان في خزائنهم. ولما ~~ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب مصر كسر في أيامه، وقصته مشهورة. ~~وأخبرني حفيد شيرماه المذكور أن جده ركب هذا الطبل من المعادن السبعة، ~~والكواكب السبعة في إشرافها، وكل واحد منها في وقته. وكان من خاصته إذا ~~ضربه أحد خرج الريح من مخرجه. ولهذه الخاصية كان ينفع من القولنج. انتهى ~~كلام ابن خلكان. قلت: ونذكر سبب كسر هذا الطبل في ترجمة السلطان صلاح الدين ~~عند استقلاله بمملكة مصر. PageV02P0062 # ولما عظم أمر الحافظ بعد قتل الوزير المقدم ذكره، جدد له ألقاب لم يسبق ~~إليها، وخطب له بها ms1074 على المنابرة وكان الخطيب يقول: أصلح من شيدت به الذين ~~بعد دثوره، وأعززت به الإسلام بأن جعلته سببا لظهوره؛ مولانا وسيدنا إمام ~~العصر والزمان، أبا الميمون عبد المجيد الحافظ لدين الله صفى الله عليه ~~وسلم وعلى آبائه الطاهرين، حجج الله على العالمين. ولما قتل الوزير أبو علي ~~أحمد المذكور - على ما يأتي ذكره - وزر للحافظ جماعة، فأساؤوا التدبير، ~~منهم أبو الفتح يانس أمير الجيوش ومات، فوزر له ابنه الحسن، ثم وزر له ~~بهرام، ثم تولى الحافظ الأمر بنفسه إلى أن مات. وكان أمره مع الوزير أبي ~~علي أحمد بن الأفضل أنه لما قتل الخليفة الآمر كان الحافظ هذا محبوسا، ~~فأخرجوه وأشغلوا الوقت به إلى أن يولد حمل الآمر، فإن كان صبيا يلي الخلافة ~~ويخلع الحافظ. وتولى أحمد المذكور الوزارة وجعلوا الأمور إليه، وليس للحافظ ~~إلا مجرد الاسم في الخلافة. وكان الوزير المذكور شهما شجاعا عالي الهمة ~~كأبيه الأفضل وجده بدر الجمالي السابق ذكرهما، فاستولى على الديار المصرية. ~~وولدت الحامل بنتا، فاستمر الحافظ في الخلافة تحت الحجر، وصار الأمر كله ~~للوزير؛ فضيق على الحافظ وحجر عليه ومنعه من الظهور وأودعه في خزانة لا ~~يدخل إليه أحد إلا بأمر الأكمل أعني الوزير المذكور فإنه كان لقب بالأكمل ~~في أيام وزارته. وطلع الوزير إلى القصر وأخذ جميع ما فيه، وقال: هذا كله ~~مال أبي وجدي؛ ثم أهمل خلفاء بني عبيد والدعاء لهم، فإنه كان سنيا كأبيه، ~~وأظهر التمسك بالإمام المنتظر في آخر الزمان، فجعل الدعاء في الخطبة له، ~~وغير قواعد الرافضة. فأبغضه الأمراء والدعاة؛ لأن غالبهم كان رافضيا بل ~~الجميع. ثم أمر الوزير الخطباء بأن يدعوا له بألقاب اختصها لنفسه. فلما ~~كرهه الشيعة المصريون صمموا على قتله. فخرج في العشرين من المحرم إلى لعب ~~الكرة، فكمن له جماعة وحمل عليه مملوك إفرنجي للحافظ فطعنه وقتله وقطعوا ~~رأسه، وأخرجوا الحافظ وبايعوه ثانيا، ونهبت دار الوزير المذكور. وركب ~~الحافظ إلى دار الخلافة واستولى على الخزائن، واستوزر مملوكه أبا الفتح ~~يانس الحافظي. ولقب أمير الجيوش أيضا ms1075 وهو صاحب حارة اليانسية، فظهر هو أيضا ~~شيطانا ماكرا بعيد الغور حتى خاف منه أستاذه الحافظ، فتحيل عليه بكل ممكن ~~وعجز حتى واطأه فراشه بأن جعل له في الطهارة ماء مسموما، فاستنجى به فعمل ~~عليه سفله ودود؛ فكان يعالج بأن يلصق عليه اللحم الطري فيتعلق به الدود إلى ~~أن مات. وقال صاحب كتاب المقلتين في أخبار الدولتين: كان الآمر قد اصطفى ~~مملوكين، يقال لأحدهما هزبر الملوك، واسمه برغوارد؛ والآخر برغش، وينعت ~~بالعادل. وهو صاحب المسجد قبالة الروضة من بر مصر. وكان الآمر يؤثر هذا ~~الأصغر لرشاقته. فلما قتل الأمر، وما ثم من يدبر الأمر، اعتمدا على الأمير ~~أبي الميمون عبد المجيد، وكان أكبر الجماعة سنا، فتحيلا بأن قالا: إن ~~الخليفة المنتقل يعنون الآمر كان قبل وفاته بأسبوع أشار إلى شيء من ذلك، ~~وإنه كان يقول عن نفسه: المسكين المقتول بالسكين، وأنه قال: إن الجهة ~~الفلانية حامل منه، وإنه رأى رؤيا تدل على أنها ستلد ولدا ذكرا، وهو ~~الخليفة من بعده؛ وإن كفالته للأمير عبد المجيد أبي الميمون. فجلس عبد ~~المجيد المذكور كفيلا، ونعت بالحافظ لدين الله، وأن يكون هزبر الملوك ~~وزيرا، وأن يكون الأمير الأجل السعيد يانس متولي الباب وإسفهسالار. وكان ~~أصله من غلمان الأفضل بن أمير الجيوش يعني من مماليكه؛ وكان من أعيان ~~الأمراء بمصر، وقرئ بهذا التقرير سجل بالإيوان، والحافظ في الشباك جالس، ~~قرأه قاضي القضاة على منبر نصب له أمام الشباك بحضور أرباب الدولة. واستمر ~~الحافظ، وانفش ورم الحبلى، ووزر له هذا المذكور وأميران بعده، وهما: بهرام ~~الأرمني، ورضوان بن ولخشي. قلت: ولم يذكر هذا المؤرخ أمر أحمد الوزير، ولا ~~ما وقع له مع الحافظ، وهو أجدر بأخبار الفاطميين من غيره. ولعله حذف ذلك ~~لكونه كان في أول الأمر والله أعلم. PageV02P0063 # قال: استمر الحافظ خليفة من سنة أربع وعشرين وخمسمائة إلى جمادى الآخرة ~~سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وكان له من الأولاد عدة: سليمان وهو أكبرهم ~~وأحبهم إليه، وحسن وكان عاقا له، ويوسف وجبريل، هؤلاء قبل خلافته. وولد ms1076 له ~~في خلافته أبو منصور إسماعيل، وخلف بعد موته. ولما ولى العهد لسليمان أكبر ~~أولاده في حياته جعله يسد مكان الوزير، ويستريح من مقاساة الوزراء الذين ~~يحيفون عليه ويضايقوته في أمره ونهيه. فمات سليمان بعد ولايته العهد ~~بشهرين، فحزن عليه شهورا. وترشح حسن ثانيه في العمر لولاية العهد، فلم ~~يستصلحه أبوه الحافظ لذلك ولا أجابه إليه. فعظم ذلك على حسن المذكور، ودعا ~~لنفسه وكاتب الأمراء وعول على اعتقال أبيه ليستبد هو بالأمر، وأطمع الناس ~~فيما يواصلهم به إذا تم له الأمر؛ فامتدت إليه الأعناق، وكاتب الأمراء ~~وكاتبوه. ثم عاودتهم عقولهم بأن هذا لا يتم مع وجود الخليفة. وكاتبوا أباه ~~بخلاف ذلك. فسير أبوه تلك الكتب إليه؛ قال: لا تعتقد أن معك أحدا. فأوقع ~~بعدة من الأمراء، وأخذ ما في آدرهم. أبوه الحافظ إضعافه وصرفه عن جرأته ~~بغير فتك، ففسد أمره وافتقر إلى أبيه. وكان حسن المذكور سير بهرام الأرمني ~~المقدم ذكره حاشدا له ليصل إليه بالأرمن، وكان هذا بهرام أميرهم وكبيرهم. ~~فلما لجأ حسن إلى أبيه الحافظ احتفظ به أبوه وحرص عليه. فلما علم من بقي من ~~الأمراء، وهم على تخوف منه، اجتمعوا على طلبه من أبيه ليقتلوه ويأمنوا ~~أمره؛ فوقفوا ببين القصرين في عشرة آلاف. فراسلهم الخليفة. الحافظ بلين ~~الكلام وتقبيح مرادهم من قتل ولده، وأنه قد أزال عنهم أمره، وأن ضمانه عليه ~~في ألا يتصرف أبدا؛ ووعدهم بالزيادة في الأرزاق والإقطاعات. فلم يقبلوا ~~شيئا من ذلك بوجه؛ وقالوا: إما نحن وإما هو؛ وإن لم نتحقق الراحة الأبدية ~~منه وإلا فلا حاجة لنا بك أيضا ونخلع طاعتك. وأحضروا الأحطاب والنيران ~~لتحريق القصر، وبالغوا في الإقدام عليه. فلم يجد الخليفة عليهم؛ لأنهم ~~أنصاره وجنده الذين يستطيل بهم على غيرهم. فألجأته الضرورة أنه استبصرهم ~~ثلاثة أيام ليتروى فيما يعمل في حق ولده؛ فرأى أنه لا ينفك من هذه المنازلة ~~العظيمة التي لم ير مثلها إلا أن يقتله مستورا ويحسم مادته ويأمن مباينة ~~عسكره، وأنه لا يأمن هو على نفسه، وأنه لا ms1077 بد من التصرف بهم وفيهم، وأنهم ~~لا ينفكون من المقام ببين القصرين على هذا الأمر إلا بعد إنجازه. وكان ~~لخاصته طبيبان يهوديان يقال لأحدهما أبو منصور، وللآخر ابن قرقة. وكان ابن ~~قرقة خبيرا بالاستعمالات ذكيا. فحضر إليه أبو منصور قبل ابن قرقة، ففاوضه ~~الخليفة في عمل السقية القاتلة لولده؛ فتحرج من ذلك وأنكر معرفته، وحلف ~~برأس الخليفة وبالتوراة أنه لا يعرف شيئا من هذا فتركه. ثم حضر ابن قرقة ~~ففاوضه في السقية فقال: الساعة، ولا يتقطع الجسد بل تفيض النفس لا غير، ~~فأحضرها في يومه؛ وألزم الخليفة ولده حسنا على شربها فشربها ومات، وقيل ~~للقوم سرا: قد كان ما أردتم، فامضوا إلى دوركم. فلم يثقوا بذلك بل قالوا: ~~يشاهد منا من نثق به. فأحضروا أميرا معروفا بالجرأة يقال له المعظم جلال ~~الدين محمد جلب راغب؛ فدخل المذكور إلى المكان الذي فيه القتيل، فوجده مسجى ~~وعليه ملاءة، فكشف عن وجهه وأخرج من وسطه بارشينا، فغرزه بها في مواضع خطرة ~~من جسده حتى تحقق موته، وعاد إلى القوم فأخبرهم فوثقوا منه وتفرقوا. ولما ~~نساهم الحافظ أمر ابنه قبض على ابن قرقة صاحب السقية فرماه في خزانة ~~البنود، وأمر بارتجاع جميع أملاكه وموجوده إلى الديوان. وكانت داره بالزقاق ~~الذي كان يسكنه فروخ شاه بن أيوب، تطل على الخليج قبالة الغزالة وما فيه من ~~الدور والحمام؛ وهذا الدرب يعرف بدرب ابن قرقة قريب باب الخوخة. ثم أنعم ~~الخليفة على رفيقه أبي منصور وجعله رئيس اليهود، وحصلت له نعمة ضخمة. ~~PageV02P0064 # قال: وكان الحافظ في كل ستة أشهر يجرد عسكرا إلى عسقلان بما يتحققه من ~~عزمات الفرنج في القلة والكثرة مع من هو فيها مقيم من المركزية والكنانية ~~وغيرهم؛ فكان القلة من الفرسان من ثلاثمائة إلى أربعمائة يعني الذين يسيرهم ~~في التجريدة، والكثرة من أربعمائة إلى ستمائة؛ ويقدم على كل مائة فارس ~~أميرا، ويسلم للأمير الخريطة؛ وهذا اسم لحمل أوراق العرض من الديوان ليتفق ~~مع والي عسقلان على عرضهم. ثم يستم إليه مبلغا من المال ينفقه ms1078 فيمن فاتته ~~النفقة. وكانت النفقة للأمراء مائة دينار، وللأجناد ثلاثين دينارا. فاتفق ~~أن والي عسقلان أرسل كتابا يعرف الخليفة أن عند الفرنج حركة؛ فجرد الخليفة ~~في تلك المرة العدة الكبيرة، وفيهم جلال الدين جلب راغب الأمير الذي كشف ~~صحة موت حسن ابن الخليفة بسقية السم؛ فسير إليه الخليفة مائة دينار، وهي ~~علامة التجريد والاهتمام؛ فتجهز المذكور للسفر في جملة الناس، وفي نفسه تلك ~~الجناية التي قدمها عند الخليفة في ولده حتى قتله. فلما كان السفر جلس ~~الخليفة ليخدموه بالوداع ويدعو لهم بالنصر والسلامة؛ فدخلوا إليه ومثلوا ~~بين يديه لذلك وانصرفوا إلا جلال الدين جلب راغب المذكور. فقال الخليفة: ~~قولوا للأمير: ما وقوفك دون أصحابك! ألك حاجة؟ فقال: يأمرني مولانا ~~بالكلام. فقال له: قل. قال: يا مولانا ليس على وجه الأرض خليفة ابن بنت ~~رسول الله غيرك. وقد كان الشيطان استنزلني فأذنبت ذنبا عظيما، عفو مولانا ~~أوسع منه. فقال له: قل ما تريد غير هذا، فإنا غير مؤاخذيك به. فقال: يا ~~مولانا، قد توهمت بل تحققت أني ماض في حالة السخط منك، وقد آليت على نفسي ~~أن أبذلها في الجهاد، فلعلي أموت شهيدا فيضيع ذلك سخط مولانا علي. فقال له ~~الخليفة: أنت غني عن هذا الكلام، وقد قلنا لك: إنا ما وأخذناك، فأي شيء ~~تقصد. قال: لا يسيرني مولانا تبعا لغيري، فقد سرت مرارا كثيرة مقدما، وأخشى ~~أن يظن هذا التأخير للذنب الذي أنا معترف به. قال: لا، بل مقدما وصاحب ~~الخريطة. وأمر بنقل الحال عن المقدم الذي كان تقرر للتقدمة والخريطة. فسر ~~جلال الدين جلب راغب بذلك. ثم أعطاه الخليفة أيضا مائتي دينار، وقال له: ~~اتسع بهذه. قال: وكان الأغلب على أخلاق الحافظ الحلم. ومرض الخليفة مرضته ~~التي توفي فيها، فحمل إلى اللؤلؤة خارج القصر فأثخن في المرض فمات بها. ~~وظهر من وصيته أن ولده أبا منصور إسماعيل، وهو أصغر أولاده، هو الخليفة من ~~بعده، مع وجود ولدين كاملين، هما أبو الحجاج يوسف وهو أبو الخليفة العاضد ~~الآتي ذكره، وأبو ms1079 الأمانة جبريل. فعقدت عليه الخلافة من بعده، ونعت بالظافر ~~بأمر الله، وأن يستوزر له الأمير نجم الدين بن مصال. انتهى كلام صاحب ~~المقلتين. وقال ابن القلانسي: وفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة ورد الخبر من ~~مصر بوفاة الحافظ بأمر الله، وولي الوزارة أمير الجيوش أبو الفتح بن مصال ~~المغربي؛ فأحسن السيرة وأجمل السياسة، فاستقامت الأحوال. ثم حدث بعد ذلك من ~~اضطراب الأمور والخلف بين السودان والعساكر بحيث قتل بين الفريقين العدد ~~الكثير وسكنت الفتنة. انتهى كلام ابن القلانسي. وكانت ولاية الحافظ على مصر ~~تسع عشرة سنة وسبعة أشهر؛ وتولى الخلافة بعده أصغر أولاده، حسب ما ذكرناه ~~عن كلام صاحب المقلتين. ### || AUT السنة الأولى من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة خمس وعشرين وخمسمائة. فيها توفي حماد بن مسلم الرحبي الشيخ ~~الإمام الصالح المسلك، أستاذ الشيخ عبد القادر في التصوف وشيخه. سمع ~~الحديث. وكان على طريق التصوف يشير إلى المعرفة والمكاشفة وعلوم الباطن. ~~وكان يعطي كل من تصيبه حمى لوزة وزبيبة فيأكلهما فيبرأ، وصار الناس يترددون ~~إليه وينذرون إليه النفور، فيقبل الأموال ويفرقها على أصحابه، ثم كره أخذ ~~النفور، حتى مات في شهر رمضان ببغداد، ودفن بالشونيزية. وكان من الأبدال ~~الصالحين. ويعرف بحماد الدباس. رحمة الله عليه. PageV02P0065 # وفيها توفي السلطان محمود ابن السلطان محمد شاه ابن السلطان ملكشاه ابن ~~السلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق، عضد الدولة ~~السلجوقي. كان ملكا شجاعا. وكان قد عزم على إفساد الأمور على الخليفة ~~المسترشد العباسي، فعاجله الموت بهمذان في يوم الخميس خامس عشر شوال؛ وعمره ~~ثمان وعشرون سنة؛ ومدة مملكته أربع عشرة سنة. وكان قد عهد إلى ابنه داود ~~وهو صغير في حجر زوج أمه أحمد يلي صاحب أذربيجان. فجدد أبو القاسم وزير ~~محمود على الأمراء العهود، وكتب إلى أحمد يلي بذلك. وكان مسعود أخو محمود ~~المتوفي ببلاد أرمينية، فتحرك لطلب السلطنة، فكتب إلى الخليفة ولم يكتب ~~لعضه سنجر شاه السلجوقي، فمشى سنجر شاه وولي السلطنة لابن أخيه طغرل أعني ~~لعم ms1080 الصبي داود ورتب لداود ما يكفيه إلى أن يكبر. ووقع بعد ذلك أمور. وفيها ~~توفي محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد أبو عبد الله الرازي ثم المصري ~~المعدل الشاهد، ويعرف بابن الخطاب، مسند الديار المصرية وشيخ الإسكندرية، ~~مات في سادس جمادى الأولى وله إحدى وتسعون سنة. وفيها توفي هبة الله بن ~~محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحصين أبو القاسم الشيباني ~~الهمذاني الكاتب البغدادي مسند العراق. ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، ~~وسمع الكثير وحدث وروى عنه غير واحد. وفيها قتل الوزير أبو علي أحمد بن ~~الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني ثم المصري وزير الحافظ ~~العبيدي. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: صاحب مصر وسلطانها الملك الأكمل ~~أبو علي وابن صاحبها ووزيرها يعني الأفضل. قلت: والحق ما نعته به الذهبي؛ ~~فإن أحمد هذا ووالده وجده هم كانوا أصحاب مصر، والخلفاء معهم كانوا تحت ~~الحجر والضيق. وتصديق. ذلك ما خلفه الأفضل شاهنشاه أبو صاحب الترجمة من ~~الأموال والمواشي وغير ذلك. وإنما كان يطلق عليهم بالوزراء إلا لكون العادة ~~كانت جرت بأن الملك للخليفة لا وهم بلا مدافعة انهم كانوا أعظم من سلاطين ~~زماننا هذا. ولما قتل أبوه الأفضل في سنة خمس عشرة وخمسمائة في خلافة الآمر ~~وأخذ الآمر أمواله، سجن ابنه أحمد هذا إلى أن مات. فلما مات الآمر أخرج من ~~السجن وجعل أمر مصر إليه، ووزر واستولى على الديار المصرية. وحجر على ~~الحافظ الخليفة ومنعه من الظهور، حسب ما ذكرناه في ترجمة الحافظ، من أمر ~~قتلته وكيف قتل، فلا يحتاج للتكرار هنا. وبموته صفا الوقت للحافظ واستولى ~~على الملك، وسكن القصر على عادة الخلفاء إلى أن مات. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم سبع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثماني ~~عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة ست وعشرين وخمسمائة. فيها توفي أحمد بن حامد بن محمد أبو نصر ~~المستوفي المعروف بالعزيز عم العماد الكاتب. قبض ms1081 عليه الأنساباذي وزير طغرل ~~وسلمه إلى بهروز الخادم، فحمله إلى تكريت فقتل بها. وكان من رؤساء الأعاجم، ~~ولد بأصبهان، وهو من بيت كتابة وفضل. وفيها توفي الملك تاج الملوك بوري بن ~~ظهير الدين طغتكين صاحب دمشق. ولي أمر دمشق بعد موت أبيه الأتابك طغتكين في ~~سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وكان حليما شجاعا شهما. قتل أبا علي المزدقاني ~~وجماعة كثيرة من الإسماعيلية. قال ابن عساكر: بعث إليه الإسماعيلية برجلين ~~فضرباه بالسكاكين، وهو قد خرج من الحمام، فأثر فيه بعض الأثر، وأقام ينتقض ~~عليه الجرح تارة ويندمل تارة إلى أن مات في شهر رجب بعد سنين. ولما احتضر ~~أوصى إلى ولده شمس الملوك إسماعيل فولي بعده. وكانت ولاية بوري على دمشق ~~ثلاث سنين وشهورا. وفيها توفي عبد الكريم بن حمزة بن الخضر المحدث الفاضل ~~ابن محمد السلمي الدمشقي؛ سمع الكثير، وتوفي بدمشق. وأنشد لأبي القاسم ~~العجلي قوله: البسيط الضيف مرتحل والمال عارية ... وإنما الناس في الدنيا ~~أحاديث فلا تغرنك الدنيا وزهرتها ... فإنها بعد أيام مواريث واعمل لنفسك ~~خيرا تلق نائله ... فالخير والشر بعد الموت مبثوث PageV02P0066 # وفيها توفي علي بن عبد الله بن نصر بن عبيد الله بن سهل، الإمام أبو ~~الحسن ابن الزاغوني شيخ الحنابلة ببغداد. سمع الكثير بنفسه ونسخ بخطه. وولد ~~سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وكان إماما فقيها متبحرا في الأصول والفروع ~~متقنا واعظا شاعرا. وفيها توفي أحمد بن عبيد الله بن كادش، الإمام المحدث ~~أبو العز العكبري، مات في جمادى الأولى وله تسعون سنة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وعشر أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة سبع وعشرين وخمسمائة. فيها خطب لمسعود بن محمد شاه بن ملكشاه ~~السلجوقي ببغداد، ومن بعده لابن أخيه داود، وخلع عليهما وعلى آق سنقر ~~الأحمد يلي. وفيها أخذ شمس الملوك بن تاج الملوك بوري بن الأتابك طغتكين ~~صاحب دمشق بانياس من يد الفرنج. وفيها توفي أحمد بن عمار أبو ms1082 عبد الله ~~الحسيني، العالم الفاضل الفصيح الكوفي. قدم بغداد ومدح الوزير ابن صدقة. ~~ومن شعره: السريع وشادن في الشرب قد أشربت ... وجنته ما مج راووقه ما شبهت ~~يوما أباريقه ... بريقه إلا أبى ريقه قلت: وهذا يشبه قول القائل مواليا، ~~ولم أثر من السابق لهذا المعنى: قم اسقني ما تبقى في أباريق ... أما ترى ~~الصبح قد لاحت أباريق مع شادن قد روق سقاريق ... يسقي المدام وإن عزت سقا ~~ريق وقريب من هذا لشخص كان بخدمتي، يسمى بدر الدين حسن الزركشي رحمه الله: ~~أفدي مهفهف وقد روق دواريق ... بالسقم داوى لقلبي من دوا ريق ذا ساحر اللحظ ~~قد صفت نماريق ... مزج المدام بخضرا من نماريق وفيها توفي محمد بن أحمد بن ~~محمد بن صاعد، القاضي أبو سعيد النيسابوري. ولد بنيسابور وقدم بغداد، وكان ~~رئيس نيسابور وقاضيها، وله دنيا واسعة ومنزلة تامة عند الخاص والعام. ومات ~~في ذي الحجة بنيسابور. وكان فقيها نبيلا ثقة.. وفيها توفي محمد بن الحسين ~~بن علي بن إبراهيم، الإمام المحدث الفرضي أبو بكر المزرفي، سمع الكثير ~~وانفرد بعلم الفرائض في عصره. ومات في سجوده في المحرم. وكان ثقة صالحا. ~~وفيها توفي أبو خازم محمد ابن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي الفقيه ~~الصالح. مات في صفر وهو من بيت علم وفضل. وفيها توفي الفقيه العلامة أسعد ~~بن أبي نصر الميهني شيخ الشافعية في عصره وعالمهم، مات في هذه السنة في قول ~~الذهبي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وخمس وعشرون إصبعا. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. فيها عاد طغرل إلى همذان ومالت العسكر ~~إليه وانحل أمر أخيه مسعود. طغرل كلاهما ولد محمد شاه بن ملكشاه السلجوقي. ~~وفيها خرج شمس الملوك صاحب دمشق يتصيد، وانفرد من عسكره؛ فوثب عليه أحد ~~مماليك جده طغتكين يعرف بإيلبا. وضربه بالسيف ضربة هائلة، فانقلب السيف من ~~يده، فرمى بنفسه إلى الأرض؛ وضربه أخرى فوقعت ms1083 في عنق الفرس، وحال بينهما ~~الفرس فانهزم إيلبا. وعاد شمس الملوك إلى دمشق سالما، ورتب الغلمان في طلب ~~إيلبا حتى ظفروا به. فلما جاءوا به إليه، قال: ما الذي حملك على قتلي؟ قال: ~~لم أفعله إلا تقربا إلى الله لظلمك الناس. ثم قرره فأقر على جماعة؛ فجمع ~~شمس الملوك الجميع وقتلهم صبرا بين يديه. ولم يكفه قتلهم حتى اتهم أخاه ~~سونج فجعله في بيت، وسد عليه الباب حتى مات. ثم بعد ذلك بالغ في سفك الدماء ~~والظلم والأفعال القبيحة إلى أن أخذه الله، حسب ما يأتي ذكره. PageV02P0067 # وفيها أيضا وقع الخلف بين ولدي الخليفة صاحب الترجمة، وهما أبو علي الحسن ~~المقتول بالسم المقدم ذكره في ترجمة أبيه، وهو كان ولي العهد بعد سليمان، ~~وبين أخيه أبي تراب حيدرة، وكان ذلك بحضرة والدهم الحافظ بمصر. وانقسم ~~العسكر فرقتين، أحدهما على مذهب السنة، والثاني على مذهب الرافضة، ووقع ~~بينهم القتال، فكان النصر لولي العهد؛ وأباد الحسن من تبع أخاه من السودان ~~والأمراء بالقتل. وبعد هذا كان ركوب الأمراء بين القصرين على الحافظ لطلب ~~حسن هذا حتى قتله أبوه الحافظ بالسم الذي صنعه ابن قرقة اليهودي، وقد تبين ~~ذكر ذلك كله مفصلا في ترجمة الحافظ. وفيها توفي أحمد بن إبراهيم، الشيخ ~~الإمام أبو الوفاء الفثروزأباذي - وفيروزاباذ: أحد بلاد فارس - وقد تقدم ~~الكلام على أن كل اسم بلد فيها باذ فهو بالتفخيم - كان إماما محدثا، سمع ~~الكثير، وخدم مشايخ الصوفية، وكان حافظا لسيرهم وأشعارهم، وكان يسقى ~~الغناء، ويقود لعبد الوهاب الأنماطي: إني لأدعو لك وقت السماع. وكان ~~الأنماطي يتعجب ويقول: أليس هذا يعتقد أن ذلك وقت إجابة! وكانت وفاته في ~~صفر، وحضر جنازته خلق كثير، وكان صالحا دينا. وفيها توفي عبد الله بن محمد ~~بن أبي بكر الشاشي؛ كان فقيها مفتيا مناظرا ظريف الشمائل حسن العبارة، ويعظ ~~وينشئ الكلام المطابق المجانس. ومن شعره: الدوبيت الدمع دما يسيل من أجفاني ~~... إن عشت مع الفراق ما أجفاني سجني شجني وحالتي سجاني ... والعادل ~~بالملام قد سجاني والذكر ms1084 لهم يزيد في أشجاني ... والنوح مع الحمام قد ~~أشجاني ضاقت ببعاد منيتي أعطاني ... والبين به الهموم قد أعطاني وفيها توفي ~~علي بن محمد، الأديب أبو الحسن العنبري، ويقال له: ابن دواس القناء. كان ~~شاعرا فصيحا. أصله من البصرة وسكن واسطا وبها مات. ومن شعره من أول قصيدة: ~~البسيط هل أنت منجزة بالوصل ميعادي ... أم أنت مشمتة بالهجر حسادي وفيها ~~توفى محمد بن عبد الله بن تومرت، الأمير أبو عبد الله المنعوت بالمهدي ~~الهرغي صاحب دعوة عبد المؤمن بن علي. كان ابن تومرت هذا ينسب إلى الحسن بن ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - وأصله من جبل السوس من أقصى بلاد ~~المغرب، ونشأ هناك، ثم رحل في شبيبته إلى العراق وغيره، وسمع الحديث وتنسك ~~وهجر لذات الدنيا؛ ثم عاد إلى المغرب وانتهى إلى بجاية، فكسر بها آلات ~~اللهو وأهرق الخمور. ثم خرج منها إلى قرية يقال لها ملالة، فرأى بها عبد ~~المؤمن بن علي فتفرس فيه النجابة، وسأله عن نسبه حتى عرفه عبد المؤمن. فقال ~~له: أنت بغيتي. وقال ابن تومرت هذا لأصحابه: هذا الذي بشر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: " إن الله تعالى ينصر هذا الدين برجل من قيس سليم " ~~واستبشر به ابن تومرت هذا. ثم وقع له مع ملوك المغرب وقائع وأمور يطول ~~شرحها حتى ملك عدة بلاد. وكان ابتداء أمره في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة - ~~وقيل: سنة أربع عشرة وخمسمائة - ومولده في يوم عاشوراء سنة خمس وثمانين ~~وأربعمائة. ومات في هذه السنة، وقال ابن خلكان: في سنة أربع وعشرين. والله ~~أعلم. ومن شعره: المتقارب أخذت بأعضاءهم إذ نأوا ... وخلفك القوم إذ ودعوا ~~فكم أنت تنهى ولا تنتهي ... وتسمع وعظا ولا تسمع فيا حجر الشحذ حتى متى ... ~~تسن الحديد ولا تقطع وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت: الطويل تجرد من ~~الدنيا فإنك إنما ... سقطت على الدنيا وأنت مجرد وكان يتمثل أيضا بقول ~~المتنبي: الوافر إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم فطعم ~~الموت ms1085 في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم سبع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من خلافة الحافظ # وهي سنة تسع وعشرين وخمسمائة. PageV02P0068 # فيها توفي شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك بوري ابن الأتابك ظهير الدين ~~طغتكين صاحب دمشق. كانت ساءت سيرته وصادر الناس وأخذ أموالهم وسفك الدماء، ~~وظهر منه شح زائد، وقتل مماليك أبيه وجده. وقد ذكرنا من أخباره في السنة ~~الماضية تبيين ذلك. وزاد ظلمه حتى كتب أهل دمشق إلى زنكي بن آق سنقر ~~بالمسير إليهم. فقيل: إنه مات قبل وصول زنكي إلى الشام، واستراح أهل دمشق ~~منه. وفيها توفي دبيس بن صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد، الأمير أبو ~~الأغر الأسدي. أصله من بني أسد - وقيل: من بني خفاجة - وأول من ظهر من بيته ~~جده الأكبر مزيد في أيام بني بويه؛ ومات مزيد فقام علي ولده مقامه؛ وكان ~~عائنا، ما وقعت عينه على شيء إلا هلك. ثم قام بعده ابنه دبيس، ثم منصور؛ ~~فجرى من منصور في الخليفة القائم بأمر الله ما جرى. ثم مات منصور وخلف ابنه ~~صدقة، فخدم ملكشاه السلجوقي ثم خالف ابنه بركياروق فقتله بركياروق. وقام ~~بعده ابنه دبيس صاحب الترجمة؛ وكان شر أهل بيته، يرتكب الكبائر ويفعل ~~العظائم، ولقي منه الخليفة والمسلمون شرورا كثيرة، وأبطل الحج، وأباح ~~الفروج في شهر رمضان. وكانت أيامه سبعا وستين سنة إلى أن قتله السلطان ~~مسعود السلجوقي صبرا في ذي الحجة. وكان دبيس المذكور كثيرا ما ينشد: الكامل ~~إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتبسط بينها الأعمار فقصارهن مع الهموم ~~طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار وكان قتله بالمراغة. وفيها توفي الخليفة ~~أمير المؤمنين المسترشد بالله أبو منصور الفضل ابن الخليفة المستظهر بالله ~~أحمد ابن الخليفة المقتدي بالله عبد الله ابن الأمير محمد الذخيرة ابن ~~الخليفة القائم بأمر الله العباسي الهاشمي البغدادي. بويع بالخلافة بعد موت ~~أبيه في شهر ربيع الآخر ms1086 سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. ومولده في حدود سنة خمس ~~وثمانين وأربعمائة. وأمه أم ولد تسمى لبابة. وكان شهما شجاعا ذا همة ومعرفة ~~وعقل؛ وكان مشتغلا بالعبادة، سالكا في الخلافة سيرة القادر. قرأ القرآن ~~وسمع الحديث وقال الشعر، ومن شعره: الطويل أنا الأشقر الموعود بي في ~~الملاحم ... ومن يملك الدنيا بغير مزاحم ومات قتيلا. وكان سبب ذلك أنه خرج ~~لقتال مسعود بن محمد شاه بن ملكشاه السلجوقي فخالف عليه عسكره فانكسر وأسر. ~~فراسل سنجر شاه عم مسعود يلوم مسعودا؛ فرجع مسعود عن قتاله وضرب له ~~السرادق، فنزل المسترشد هذا فيه. ثم وصل رسول سنجر شاه إلى الخليفة ومعه ~~سبعة عشر نفرا من الباطنية؛ فركب مسعود لتلقي رسول عمه سنجر شاه ومعه ~~العسكر، فسبقت الباطنية في زي الغلمان ودخلوا على الخليفة وضربوه بالسكاكين ~~حتى قتلوه وقتلوا من كان عنده؛ وعادت العساكر فأحدقت بالسرادق، وخرج ~~الباطنية والسكاكين بأيديهم فيها الدم؛ فمالت العساكر عليهم فقتلوهم ~~وأحرقوهم. وغطي الخليفة بسندسة خضراء لفوه فيها، ودفن على حاله بباب مراغة. ~~وكان قتله في سابع عشر ذي القعدة، وعمره خمس وأربعون سنة، وخلافته سبع عشرة ~~سنة وثمانية أشهر وأيام. وبويع بالخلافة بعده ابنه أبو جعفر منصور، ولقب ~~بالراشد، وكان ببغداد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة السادسة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة ثلاثين وخمسمائة. فيها خلع الخليفة الراشد بالله أبو جعفر منصور ~~بن المسترشد المقدم ذكره، لأمور وقعت بينه وبين السلطان سنجر شاه وابن أخيه ~~السلطان مسعود وقطع خطبته. وكاتب الخليفة زنكي بن آق سنقر وأطمعه في الملك، ~~وقال: يكون السلطان ألب أرسلان بن محمود بن محمد شاه بن ملكشاه، وأنت تكون ~~أتابكه؛ فكان هذا أول سبب الفتنة، وخرج الخليفة من بغداد، ووقع له أمور آلت ~~إلى خلعه. PageV02P0069 # قال صدقة الحداد الحنبلي في تاريخه: إن الوزير أبا القاسم بن طراد صدر ~~محضرا على الراشد فيه أنواع من الكبائر ارتكبها من الفسق ms1087 والفجور ونكاح ~~أمهات أولاد أبيه وأخذ أموال الناس وسفك الدماء، وأنه فعل أشياء لا يجوز أن ~~يكون معها إماما. فتوقف الشهود؛ فهددهم ابن طراد وقال: علمتم صحة هذا، فما ~~المانع من إقامة الشهادة! فشهدوا. وكان السلطان مسعود قد جمع القضاة ~~والشهود والأعيان وأخرج لهم نسخة يمين كانت بينه وبين الراشد، أخذها عليه ~~بخطه: متى حشدت أو حاذيت وجذبت سيفا في وجه مسعود فقد خلعت نفسي من هذا ~~الأمر، وفيها خطوط القضاة والشهود بذلك. فحكم القضاة حينئذ بخلعه؛ فخلع في ~~يوم الاثنين ثامن عشر ذي القعدة. وولوا المقتفي محمد ابن المستظهر أخ ~~المسترشد عم الراشد هذا، وحبس الراشد إلى أن مات، حسب ما يأتي ذكره إن شاء ~~الله في محله. وفيها توفي القاسم بن عبد الله بن القاسم، القاضي شمس الدين ~~الشهرزوري أخو القاضي كمال الذين الشهرزوري؛ ولي قضاء الموصل، وكان يعظ وله ~~قبول حسن، وللناس فيه اعتقاد. وفيها توفي يوسف بن فيروز حاجب شمس الملوك ~~إسماعيل. كان مماليك طغتكين حقدوا عليه لأنه هو الذي أشار على شمس الملوك ~~بقتل إيلبا الذي ضرب شمس الملوك بالسيف، حسب ما ذكرناه؛ فاتفقوا على قتله؛ ~~فالتقاه بزواش الأتابكي عند المسجد الجديد فضربه بالسيف على وجهه فقتله في ~~جمادى الآخرة. وفيها توفي الإمام العلامة أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور ~~بن قيس الغساني المالكي النحوي. كان إماما فقيها عالما نحويا؛ حلق ودرس ~~سنين وأقرأ النحو وقصده الناس وانتفع به خلق كثير. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ست أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة السابعة من خلافة الحافظ # وهي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. فيها أرسل السلطان مسعود طالب الخليفة ~~المقتفي لأمر الله العباسي وحواشيه بمائة ألف دينار. فبعث إليه المقتفي ~~يقول: ما رأيت أعجب من أمرك! أنت تعلم أن أخي المسترشد سار من بغداد إليك ~~بأمواله، فوصل الكل إليك ورجع أصحابه بعد قتله عراة، وولي ابن أخي الراشد ~~ففعل ما فعل، ثم رحل وأبقى أمواله وخزائنه في ms1088 الدار، فأخذت الجميع. وأما ~~الناس فإني عاهدت الله أني لا آخذ لأحد شيئا، وقد أخذت أنت أيضا الجوالي ~~والتركات؛ فمن أي وجه أقيم لك هذا المال!. وفيها تتبع المقتفي القوم الذين ~~أفتوا بفسق الراشد وكتبوا المحضر، وعاقب من استحق العقوبة، وعزل من يستحق ~~العزل، ونكب الوزير شرف الدين علي بن طراد. وقال المقتفي: إذا فعلوا هذا مع ~~غيري فهم يفعلونه معي؛ واستصفى أموال الزينبي، واستوزر عوضه سديد الدولة بن ~~الأنباري، وكان كاتب الإنشاء. وفيها توفي مرشد بن علي بن المقلد بن نصر بن ~~منقذ الأمير أبو سلامة صاحب شيزر. كان عارفا بفنون العلوم والآداب، صالحا ~~كثير العبادة والتلاوة. وكان أخوه نصر ولاه شيزر فتركها وقال: لا أدخل في ~~الدنيا؛ وولاها أخاه سلطان بن علي. وسافر البلاد، وكان له يد طولى في ~~العربية والمكاتبة والشعر. كان كثير الصوم شديد البأس والنجدة في الحرب حسن ~~الخط، كتب بخطه سبعين ختمة، وكان له شعر. وفيها توفي بدران بن صدقة بن ~~منصور، وهو من بني مزيد، ولقبه شمس الدولة. ولما فعل أخوه دبيس ما فعل ~~بالعراق وتغيرت أحواله، خرج إلى مصر، فأكرمه صاحبها الحافظ صاحب الترجمة. ~~وكان أديبا فاضلا، مات في هذه السنة. وفيها توفي إسماعيل بن أبي القاسم بن ~~أبي بكر النيسابوري الإمام القارئ؛ مات في شهر رمضان. وكان رأسا في علم ~~القرآن وغيره. وفيها توفي الحافظ أبو جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني، ~~الحافظ المحدث المشهورة سمع الكثير وكتب وصنف وحدث، وروى عنه غير واحد. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. فيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد الشيخ ~~أبو بكر الدينوري الحنبلي. تفقه على أبي الخطاب الكلوذائي، وبرع في الفقه ~~والمناظرة. ومات في جمادى الأولى، ودفن قريبا من الإمام أحمد بن محمد بن ~~حنبل. رضي الله عنه. PageV02P0070 # وفيها توفي الوزير أنوشروان بن خالد بن محمد، أبو ms1089 نصر القاشاني القيني ~~وقين: قرية من قرى قاشان وزر للمسترشد الخليفة وللسلطان مسعود السلجوقي. ~~وكان مهيبا عاقلا فاضلا. وهو كان السبب في عمل الحريري المقامات التي ~~أنشأها. حكي أن الحريري كان جالسا بمسجد ببني حرام، وهي محلة من محال ~~البصرة، إذ دخل شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر رث الثياب. فاستنطقه الحريري ~~فإذا هو فصيح اللهجة حسن العبارة. فسأله من أين الشيخ؟ فقال: من سروج. قال: ~~فما كنيته؟ قال: أبو زيد. فعمل الحريري المقامة الحرامية بعد قيامه من ذلك ~~المجلس. هكذا قال صاحب مرآة الزمان. قلت: ولعل الحريري كان سمع به قبل ذلك ~~وما اجتمع به؛ فإن الذهبي قال عن أبي زيد السروجي: إنه رجل مكد لحوح فصيح ~~العبارة يسمى المطهر ابن سلار. وكان الوزير أنوشروان كريما جوادا ذا همة ~~عالية وإقدام. ومات في شهر رمضان. رحمه الله. وفيها توفي المسند بدر بن عبد ~~الله أبو النجم؛ سمع الحديث الكثير، ومات في شهر رمضان عن ثمانين سنة ~~ببغداد. وكان سليم الباطن. طلب منه أصحاب الحديث إجازة، فقال: كم تستجيزون! ~~ما بقي عندي إجازة. وفيها توفي الأمير البقش السلاحي. كان أميرا كبيرا، ناب ~~عن السلطان في ممالك؛ ثم توهم السلطان منه وقبض عليه وحبسه بقلعة تكريت، ثم ~~أمر بقتله، فغرق نفسه في دجلة، فأخرج من الماء وقطع رأسه وحمل إلى السلطان. ~~وفيها توفي الحسين بن تلمش بن يزدمر أبو الفوارس التركي الصوفي البغدادي. ~~كان شاعرا. ومن شعره: الخفيف أتمنى أني أكون مريضا ... علها أن تعود في ~~العواد فتراها عيني فيذهب عني ... ما أقاسيه من جوى في فؤادي وفيها توفي ~~محمد بن عبد الملك بن محمد الشيخ أبو الحسن الكرجي. كان محدثا فقيها شاعرا ~~شافعي المذهب، وصنف في مذهبه. وكان كريما جوادا. ومن شعره: الوافر تناءت ~~داره عني ولكن ... خيال جماله في القلب ساكن إذا امتلأ الفؤاد به فماذا ... ~~يضر إذا خلت منه المساكن وفيها توفي الخليفة الراشد بالله أبو جعفر منصور ~~ابن الخليفة المسترشد بالله أبي منصور الفضل ابن الخليفة المستظهر ms1090 بالله ~~أحمد ابن الخليفة المقتدي بأمر الله عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمد ~~ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله، العباسي الهاشمي. بويع بالخلافة ~~بعد قتل أبيه المسترشد في ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ومولده في ~~سنة اثنتين وخمسمائة. وخرج بعد خلافته بمدة إلى الموصل لقتال مسعود وغيره، ~~فخذله أصحابه؛ فقبض السلطان مسعود عليه، وخلعه من الخلافة، حسب ما ذكرناه ~~في سنة ثلاثين وخمسمائة، وحبسه إلى أن قتله في هذه السنة. وأمه أم ولد ~~حبشية يقال لها أم السادة. ويقال: إن الراشد هذا ولد مسدودا، فأحضر أبوه ~~المسترشد الأطباء، فأشاروا أن يفتح له مخرج بآلة من ذهب، ففعل به ذلك فنفع. ~~وحكي عن الراشد هذا أيضا أن والده أعطى له عدة جوار وعمره أقل من تسع سنين، ~~وأمرهن أن يلاعبنه؛ وكانت فيهن جارية حبشية فحملت من الراشد فلما ظهر الحمل ~~وبلغ المسترشد أنكره لصغر سن ولده الراشد؛ وسألها فقالت: والله ما تقدم إلى ~~غيره، وإنه احتلم. فسأل باقي الجواري فقلن كذلك. ووضعت الجارية صبيا وسمي ~~أمير الجيش. وقيل لأبيه: إن صبيان تهامة يحتلمون لتسع، وكذلك نساؤهم. وكانت ~~قتلة الراشد هذا في شهر رمضان من هذه السنة بظاهر أصبهان. وقال الذهبي: إن ~~قتلته كانت في الجالية. والله أعلم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمس أذرع وإصبع واحدة. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. فيها كانت زلزلة عظيمة أهلكت مائتي ألف ~~وثلاثين ألف إنسان، قاله صاحب مرآة الزمان. وقال ابن القلانسي: إنها كانت ~~بالدنيا كلها، وإنما كانت بحلب أعظم، جاءت ثمانين مرة، ورمت أسوار البلد ~~وأبراج القلعة، وهرب أهل البلد إلى ظاهرها. وفيها توفي إسماعيل بن محمد بن ~~أحمد، الشيخ الأديب أبو طاهر الرناني. كان شاعرا فصيحا مترسلا. ~~PageV02P0071 # وفيها توفي علي بن أفلح، الرئيس أبو القاسم الكاتب البغدادي. كان عالما ~~فاضلا كاتبا شاعرا. تقدم عند الخليفة المسترشد حتى إنه لقبه جمال الملك ~~وأعطاه ms1091 الذهب ورتب له الرواتب. ثم بلغه عنه أنه كاتب دبيسا، فأراد القبض ~~عليه، فهرب إلى تكريت واستجار ببهروز الخادم؛ فشفع فيه فعفا عنه الخليفة. ~~ومن شعره: البسيط دع الهوى لأناس يعرفون به ... قد مارسوا الحب حتى لان ~~أصعبه بلوت نفسك فيما لست تخبره ... والشيء صعب على من لا يجربه وفيها توفي ~~الأمير محمود بن تاج الملوك بوري بن الأتابك ظهير الدين طغتكين، الملك شهاب ~~الدين صاحب دمشق. ولي دمشق مكان أبيه - قلت: ولعله ولي بعد أخيه شمس الملوك ~~إسماعيل. والله أعلم - ولما ولي إمرة دمشق ساءت سيرته، فاستوحش منه جماعة ~~من أمرائه واتفقوا على قتله مع يوسف الخادم والبقش الأرمني. وكانا ينامان ~~حول سريره وساعدهما عنبر الفراش الخركاوي على ذلك. فلما كان ليلة الجمعة ~~ثالث عشرين شوال ذبحوه على فراشه وخرجوا هاربين؛ فظفروا بهم وأخذوا يوسف ~~وعنبرا فصلبا، وهرب البقش. وكتب الأمراء إلى أخي محمود هذا، وهو محمد بن ~~بوري بن طغتكين وكان ببعلبك، وكان صبيا لم يبلغ الحلم، فجاء مسرعا ودخل ~~دمشق، فملكوه ولقبوه جمال الدين. وانتهى الخبر إلى خاتون صفوة الملك والدة ~~محمود المقتول؛ فراسلت الأمير عماد الدين زنكي بن آق سنقر تعرفه الحال ~~وتطلب منه أخذ الثأرة فجاء إلى دمشق وملكها بالأمان، ثم غدر بهم وأمر ~~بقتلهم وصلبهم. قلت: وعماد الدين زنكي هذا هو والد السلطان نور الدين محمود ~~بن زنكي المعروف بالشهيد. وفيها توفي الشيخ الإمام المقرئ أبو العباس أحمد ~~بن عبد الملك بن أبي جمرة. كان عالما فاضلا سمع الحديث وروى عنه غير واحد، ~~وهو آخر من روى بالإجازة عن أبي عمرو الداني. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا ~~وخمس أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من خلافة الحافظ # وهي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. فيها قتل الأمير جوهر خادم السلطان سنجر ~~شاه بن ملكشاه السلجوقي. كان خادما حبشيا حاكما في الدول. قتله باطني جاءه ~~في صورة امرأة فاستغاث به؛ فوقف له جوهر لأخذ ظلامته؛ فرمى الإزار ms1092 ووثب ~~عليه وقتله؛ فقتلته خدم جوهر في الوقت. وعز على سنجر شاه قتله وحزن عليه. ~~وفيها توفي يحيى بن علي بن عبد العزيز، القاضي الزكي أبو الفضل قاضي دمشق، ~~وهو جد ابن عساكر لأمه. تفقه على أبي بكر الشاشي ببغداد، وتفقه بدمشق على ~~القاضي المروزي، ومات بدمشق في هذه السنة. وقال الذهبي: في الآتية، وكان ~~إماما فاضلا عالما. رحمه الله. وفيها توفي الأمير جمال الدين محمد ابن ~~الأمير تاج الملوك بوري ابن الأتابك ظهير الدين طغتكين صاحب دمشق. كان ملك ~~دمشق بعد قتل أخيه محمود، فلم تطل مدته، وحضر الأمير زنكي بن آق سنقر وأخذ ~~دمشق منه واستولى عليها، حسب ما ذكرناه. ومات في شعبان ولم أدر مات قتيلا ~~أم حتف أنفه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وثماني عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا، وشرقت البلاد. ### || AUT السنة الحادية عشرة من خلافة الحافظ # وهي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. فيها نقل الخليفة المقتفي لآمر الله ~~العباسي المظفر بن محمد بن جهير من الأستادارية إلى الوزر. قلت: وهذا أول ~~ما سمعنا بوظيفة الأستادارية في الدول. وفيها توفي محمد بن عبد الباقي ~~الشيخ الإمام أبو بكر الأنصاري. هو من ولد كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين ~~خلفوا. كان إماما عالما. وكان إذا سئل عن مولده يقول: أقبلوا على شأنكم، لا ~~ينبغي لأحد أن يخبر عن مولده؛ إن كان صغيرا يستحقرونه، وإن كان كبيرا ~~يستهرمونه. وكان ينشد: الكامل لي مدة لا بد أبلغها ... فإذا انقضت وتصرمت ~~مت لو عاندتني الأسد ضارية ... ما ضر بي ما لم يجى الوقت وفيها توفي الشيخ ~~الإمام حافظ عصره أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الطلحي الأصبهاني ~~التيمي. ولد سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وسافر البلاد وسمع الكثير وبرع في ~~فنون؛ وكان إماما في التفسير والحديث والفقه واللغة، وهو أحد الحفاظ ~~المتقنين. ومات بأصبهان في يوم عيد النحر. PageV02P0072 # وفيها توفي الشيخ الإمام الفقيه المحدث أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري ~~السرقسطي، ms1093 مات بمكة في المحرم. وفيها توفي القدوة الصالح الواعظ أبو يعقوب ~~يوسف بن أيوب الهمذاني الواعظ المفسر. كان إماما فاضلا، وله لسان حلو في ~~الوعظ، وللناس فيه محبة وعليه القبول. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ست أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة ست وثلاثين وخمسمائة. فيها توفي شيخ الإسلام الحسام عمر بن عبد ~~العزيز بن مازة، إمام الحنفية ببخارى وصدر الإسلام. كان علامة عصره، وكانت ~~له الحرمة العظيمة، والنعمة الجليلة، والتصانيف المشهورة؛ وكان الملوك ~~يصدرون عن رأيه. ولما عزم سنجر شاه بن ملكشاه على لقاء الخطا، أخرجه معه، ~~وفي صحبته من الفقهاء والخطباء والوعاظ والمطوعة ما يزيد على عشرة آلاف ~~نفر، فقتلوا في المصاف عن آخرهم، وأسر الحسام هذا وأعيان الفقهاء. فلما فرغ ~~المصاف أحضرهم ملك الخطا وقال: ما الذي دعاكم إلى قتال من لم يقاتلكم ~~والإضرار بمن لم يضركم؛ وضرب أعناق الجميع. وانهزم سنجر شاه في ست أنفس، ~~وأسرت زوجته وأولاده وأمه وهتك حريمه، وقتل عامة أمرائه. قال صاحب مرآة ~~الزمان: وقتل مع سنجر شاه اثنا عشر ألف صاحب عمامة كلهم رؤساء، وكان يوما ~~عظيما لم ير مثله في جاهلية ولا إسلام، وكانت قتلة ابن مازة المذكور في ~~صفر. وفيها توفي الشيخ الإمام أبو سعد أحمد بن محمد بن الشيخ علي بن محمود ~~الزوزني الصوفي. كان إماما عالما فاضلا رأسا في علم التصوف. مات ببغداد في ~~شعبان. وفيها توفي الشيخ العارف بالله أبو العباس أحمد ابن محمد بن موسى ~~الصنهاجي الأندلسي المالكي العالم الصوفي. كان ممن جمع بين علمي الشريعة ~~والحقيقة. وفيها توفي الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي ~~الأشعث السمرقندي، مات ببغداد في ذي القعدة. وكان حافظا مفتنا؛ سمع الكثير ~~وسافر البلاد وكتب وحصل وحدث؛ روى عنه غير واحد. وفيها توفي شرف الإسلام ~~عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي الفقيه ~~الحنبلي الواعظ. ms1094 كان رأسا في الوعظ مشاركا في فنون كثيرة. ومات بدمشق. ~~وفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي المازري المالكي الحافظ المحدث ~~المشهور؛ مات في شهر ربيع الأول وله ثلاث وثمانون سنة. وكان إماما حافظا ~~متقنا عارفا بعلوم الحديث؛ وسمع الكثير وسافر البلاد وكتب الكثير. وفيها ~~توفي إمام جامع دمشق أبو محمد هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن ~~طاوس. كان رجلا فقيها صالحا ورعا حسن القراءة؛ أم سنين بجامع دمشق، ومات ~~بها. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو سعد أحمد ~~بن محمد ابن الشيخ علي بن محمود الزوزني الصوفي ببغداد في شعبان. وأبو ~~العباس أحمد بن محمد بن موسى ابن عطاء الله بن العريف الصنهاجي الأندلسي ~~العارف. والحافظ أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث ~~السمرقندي ببغداد في ذي القعدة. والفقيه أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن ~~أحمد الخواري البيهقي في شعبان. وأبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن ~~أبي الرجال، وقد تغير. وشرف الإسلام عبد الوهاب ابن الشيخ أبي الفرج عبد ~~الواحد بن محمد الشيرازي الحنبلي الواعظ بدمشق. وأبو حفص عمر بن العزيز بن ~~مازة شيخ الحنفية بما وراء النهر، قتل صبرا في صفر. وأبو عبد الله محمد بن ~~علي المازري المالكي الحافظ في شهر ربيع الأول، وله ثلاث وثمانون سنة. وأبو ~~الكرم نصر الله بن محمد بن محمد بن مخلد بن الجلخت بواسط في ذي الحجة. ~~وإمام جامع دمشق أبو محمد هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن طاوس. ~~وأبو محمد يحيى بن علي بن الطراح المديني في رمضان. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وإحدى عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من خلافة الحافظ # وهي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. PageV02P0073 # فيها ملك الأمير زنكي بن آق سنقر التركي والد بني زنكي قلعة الحديثة التي ~~على الفرات، ونقل من كان بها ms1095 من آل مهارش إلى الموصل، ورتب فيها نوابه. ~~وفيها توفي الحسن بن محمد بن علي بن أبي الضوء، الشريف أبو محمد الحسيني ~~البغدادي، نقيب مشهد موسى بن جعفر ببغداد. كان إماما فاضلا فصيحا شاعرا، ~~إلا أنه كان على مذهب القوم، متغاليا في التشيع، فشان سؤدده بذلك. ومن شعره ~~قوله في المرثية التي عملها في الشريف النقيب طاهر، وأظنها من جملة أبيات: ~~الخفيف قرباني إن لم يكن لكما عق ... ر إلى جنب قبره فاعقراني وانضحا من ~~دمي عليه فقد كا ... ن عمي من نداه لو تعلمان قلت: لله دره! لقد أحسن وأبدع ~~فيما قال. وقد ساق ابن خلكان هذه الأبيات في ترجمة خالد الكاتب، وساق له ~~حكاية ظريفة، وذكر الأبيات في ضمنها فلتنظر هناك. وفيها توفي السلطان داود ~~ابن السلطان محمود شاه ابن السلطان محمد شاه ابن السلطان ملكشاه ابن ~~السلطان ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ابن دقماق السلجوقي، صاحب ~~أذربيجان وغيرها، الذي كسره السلطان مسعود وجرى له معه وقائع وحروب - تقدم ~~ذكر بعضها - حتى استولى على تلك النواحي. وكان سبب موته أنه ركب يوما في ~~سوق تبريز، فوثب عليه قوم من الباطنية فقتلوه غيلة، وقتلوا معه جماعة من ~~خواصه، ودفن بتبريز. وكان ملكا شجاعا جوادا عادلا في الرعية يباشر الحروب ~~بنفسه. وفيها توفي العلامة قاضي القضاة عبد المجيد بن إسماعيل بن محمد، أبو ~~سعيد الهروي الحنفي قاضي بلاد الروم. كان إماما فقيها متبحرا مصنفا، وله ~~مصنفات كثيرة في الأصول والفروع، وخطب ورسائل، وأذب وأفتى ودرس سنين عديدة. ~~ومات بمدينة قيسارية في شهر رجب من السنة المذكورة. ومن شعره: الكامل وإذا ~~متت إلى الكريم خديعة ... فرأيته فيما تروم يسارع فاعلم بأنك لم تخادع ~~جاهلا ... إن الكريم بفعله يتخادع وفيها توفي القان ملك الخطا والترك الملك ~~كورخان وهو على كفره. وأظنه هو الذي كسر سنجر شاه السلجوقي المقدم ذكره، ~~وقتل تلك الأمم. والله أعلم. وفيها توفي القاضي المنتخب أبو المعالي محمد ~~بن يحيى بن علي القرشي قاضي قضاة دمشق ms1096 وعالمها، مات بها في شهر ربيع الأول ~~وله تسع وتسعون سنة. وفيها توفي صاحب المغرب أمير المسلمين أبو الحسن علي ~~بن يوسف بن تاشفين المعروف بالملثم، قاله الذهبي في تاريخ الإسلام. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن ~~علي سبط أبي منصور الخياط. وأبو الفتح عبد الله بن محمد بن محمد البيضاوي ~~في جمادى الأولى. وأبو طالب علي بن عبد الرحمن بن أبي عقيل الصوري بدمشق. ~~وكور خان سلطان الخطا وهو على كفره. والخطيب أبو الفضل محمد بن عبد الله بن ~~المهتدي بالله. وأبو الفتح مفلح بن أحمد الرومي الوراق ببغداد. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من خلافة الحافظ # وهي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. فيها توفي نقيب النقباء علي بن طراد بن ~~محمد بن علي أبو القاسم الزينبي. كان معظما في الدول. ولاه الخليفة ~~المستظهر بالله نقابة النقباء، ولقبوه بالرضي ذي الفخرين. وكان من بيت ~~الرياسة والنقابة والفضل. قلت: وكان ولي الوزارة؛ فنقم عليه الخليفة ~~المقتفي بالله وصادره بما فعله مع الخليفة الراشد من كتابة المحضر المقدم ~~ذكره في سنة ثلاثين وخمسمائة. وكان الزينبي هذا إماما فاضلا فقيها بارعا في ~~مذهب الإمام أبي حنيفة، وكان جوادا ممدحا. مدحه الحيص بيص بقصيدته التي ~~أولها: الكامل ما أنصفت بغداد نائبها الذي ... كبرت نيابته على بغداد وفيها ~~توفي الشيخ الإمام العالم العلامة فريد عصره ووحيد دهره وإمام وقته، أبو ~~القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري. الخوارزمي النحوي اللغوي ~~الحنفي المتكلم المفسر صاحب الكشاف في التفسير والمفضل في النحو. وكان يقال ~~له جار الله؛ لأنه جاور بمكة المشرفة زمانا، وقرأ بها على ابن وهاس الذي ~~يقول فيه: الطويل ولولا ابن وهاس وسابق فضله ... رعيت هشيما واستقيت مصردا ~~PageV02P0074 # وزمخشر: قرية من قرى خوارزم، ومولده بها في رجب سنة سبع وستين وأربعمائة. ~~وقدم بغداد وسمع الحديث وتفقه وبرع ms1097 في فنون؛ وصار إمام عصره في عدة علوم. ~~ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصورا: الطويل وقائلة ما هذه الدرر التي ... ~~تساقط من عينيك سمطين سمطين فقلت لها الدر الذي كان قد حشا ... أبو مضر ~~أذني تساقط من عيني أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من خلافة الحافظ # وهي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. فيها افتتح زنكي بن آق سنقر الرهاء من يد ~~الفرنج مع أمور وحروب، وردم سورها، وكتب إلى النصارى أمانا وأحسن للرعية، ~~وحفر بها أساسا عميقا. وأول صخرة ظهرت في هذا الأساس وجدوا مكتوبا عليها ~~سطرين بالسريانية؛ فجاء شيخ يهودي فحلهما إلى العربية، وهما: السريع أصبحت ~~خلوا من بني الأصفر ... أختال بالأعلام والمنبر فظهر الرحب على أنني ... ~~لولا ابن سنقر لم أظهر وفيها توفي هبة الله بن الحسن الشيخ أبو القاسم ~~المعروف بالبديع الأسطرلابي. كان فريد وقته في عمل الأسطرلابات وآلات الفلك ~~والطلسمات، وكان مع ذلك أديبا فاضلا. ومن شعره وقد أرسل لبعض الرؤساء هدية: ~~الكامل أهدي لمجلسك الشريف وإنما ... أهدي له ما حزت من نعمائه كالبحر ~~يمطره السحاب وما له ... من عليه لأنه من مائه وفيها توفي صاحب المغرب ~~وأمير المسلمين تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين المصمودي المغربي. وتمكن ~~بعده عبد المؤمن بن علي بعد أمور وقعت له مع تاشفين هذا وبعده. وفيها توفي ~~الشيخ الإمام أبوا لحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني المالكي الفقيه خطيب ~~إشبيلية. كان إماما عالما خطيبا أديبا شاعرا. وفيها توفي المسند المعمر أبو ~~الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب الفقيه مسند الأندلس؛ سمع ~~الكثير ورحل البلاد وتفرد بأشياء عوال. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي أبو البدر إبراهيم بن محمد بن منصور الكرخي في شهر ~~ربيع الأول. وتاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين المصمودي أمير المسلمين، ~~وتمكن بعده عبد المؤمن وأبو منصور سعيد بن محمد بن ms1098 الرزاز شيخ الشافعية ~~ببغداد. وأبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيبي خطيب إشبيلية. ومسند ~~الأندلس أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب. وأبو البركات عمر ~~بن إبراهيم بن محمد الزيدي العلوي النحوي الكوفي. وفاطمة بنت محمد بن أبي ~~سعد محمد البغدادي بأصبهان، ولها أربع وتسعون سنة. وأبو المعالي محمد بن ~~إسماعيل الفارسي النيسابوري. وأبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن ~~إبراهيم بن خيرون المقرئ في رجب. وأبو المكارم المبارك بن علي. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة السادسة عشرة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة أربعين وخمسمائة. فيها توفي بهروز الخادم، أبو الحسن مجاهد ~~الدين خادم السلطان مسعود السلجوقي. كان خادما أبيض، ويلقب مجاهد الدين. ~~ولي إمرة العراق نيفا وثلاثين سنة، وله به مآثر. منها أخذ كنيسة وبناها ~~رباطا على شاطئ دجلة وأوقف عليها أوقافا، وبها دفن. وبهروز بكسر الباء ~~الموحدة ثانية الحروف وهاء ساكنة وراء مهملة مضمومة وواو وزاي ساكنة ومعناه ~~باللغة العجمية يوم جيد على التقديم والتأخير على عادة اللغة العجمية ~~والتركية. وفيها توفي موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي، الشيخ أبو ~~منصور إمام المقتفي العباسي. سمع الحديث ببغداد وقرأ الأدب فأكثر، وانتهى ~~إليه علم اللغة ودرس النحو والعربية بالنظامية بعد أبي زكريا التبريزي. ~~فلما ولي المقتفي الخلافة اختصه وجعله إمامه، فكان غزير العلم طويل الصمت ~~متواضعا مليح الخط. مات في المحرم. وفيها توفي الشيخ أبو بكرن تقي بتاء ~~مثناة من فوق ثالثة الحروف الأندلسي القرطبي الفقيه الشاعر؛ كان فاضلا ~~شاعرا فصيحا. ومن شعره: الطويل ومشمولة في الكأس تحسب أنها ... سماء عقيتي ~~زينت بكواكب PageV02P0075 # بنت كعبة الفذات في حرم الصبا ... فحج إليها اللهو من كل جانب الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد ~~بن أبي سعد البغدادي ثم الأصبهاني في شهر ربيع الأول. وأبو بكر ms1099 عبد الرحمن ~~بن عبد الله بن عبد الرحمن النيسابوري في جمادى الأولى. وأبو منصور موهوب ~~بن أحمد بن محمد الجواليقي النحوي اللغوي إمام المقتفي في المحرم. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة السابعة عشرة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. فيها بنى حسام الدين بن أرتق جسر ~~القرمان بأرض ميافارقين. وفيها توفي الأمير جاولي صاحب أذربيجان. كان شجاعا ~~شهما يخافه السلطان مسعود وغيره. وسبب موته أنه افتصد وركب للصيد، فعن له ~~أرنب فرماه بسهم فانفجر فصاده فضعف، ولم يقدر الطبيب على حبس الدم فمات. ~~وفيها توفي الملك أبو المظفر عماد الدين زنكي بن الأتابك آق سنقر. كان أبوه ~~يكنى بقسيم الدولة. وكان أعني آق سنقر من خواص السلطان ملكشاه السلجوقي ~~وولاه حلب وحمص وغيرهما. ولما مات ملك بعده ابنه زنكي جميع هذه البلاد، ~~وزاد مملكته حتى ملك الشام من محمد بن بوري بن طغتكين بعد حروب. ثم استولى ~~زنكي هذا على الشام جميعه، وأقام على ذلك سنين، إلى أن توجه إلى قلعة جعبر، ~~فقاتل صاحبها شهاب الدين سالم بن مالك العقيلي ونصب عليها المجانيق حتى لم ~~يبق إلا أخذها. فلما كان ليلة الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الآخر اتفق ثلاثة ~~من خدامه على قتله فذبحوه على فراشه وهربوا إلى القلعة وعرفوا من بها. وكان ~~مع زنكي أولاده الثلاثة: سيف الدين غازي، ونور الدين محمود المعروف ~~بالشهيد، وقطب الدين مودود. فملك بعده ابنه نور الدين محمود الشهيد، وسار ~~غازي إلى الموصل. قلت: وبنو زنكي هؤلاء هم أوسط الدول؛ فإن أول من ملك مع ~~الخلفاء وتلقب بالسلطان والألقاب العظيمة بنو بويه، ثم أنشأ بنو بويه بني ~~سلجوق. وأنشأ بنو سلجوق بني أرتق وآق سنقر جد بني زنكي هؤلاء. ثم أنشأ بنو ~~زنكي أعني الملك العادل نور الدين محمود الشهيد بني أيوب سلاطين مصر ~~وغيرها. ثم أنشأ بنو أيوب المماليك ودولة الترك. وأول ملوكهم الملك ms1100 المعز ~~أيبك التركماني. فانظر إلى أمر الدنيا وكيف كل طائفة نعمة طائفة ونشوءها ~~إلى يومنا هذا. انتهى. وفيها توفي الأمير عباس شحنة مدينة الري. كان أميرا ~~شجاعا مقداما جوادا يباشر الحروب بنفسه. وفيها توفي عبد الرحيم بن المحسن ~~بن عبد الباقي الشيخ أبو محمد التنوخي. كان شاعرا فصيحا، مات بميافارقين. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو البركات ~~إسماعيل بن أبي سعد أحمد بن محمد بن دوست الصوفي شيخ الشيوخ في جمادى ~~الآخرة. وأبو جعفر حسن بن علي البخاري الصوفي بهراة. وعماد الدين زنكي ~~الأتابك ابن قسيم الدولة آق سنقر؛ قتله غلام له وهو محاصر قلعة جعبر. وأبو ~~الفتح محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن علي النيسابوري الخشاب، آخر من حدث ~~بأصبهان عن القشيري. وأبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن السلال الوراق. ~~وأبو بكر وجيه بن طاهر الشحامي العدل في جمادى الآخرة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ست أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من خلافة الحافظ # وهي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. فيها افتتح نور الدين محمود المعروف ~~بالشهيد صاحب الشام حصن أرتاح وغيرها من يد الفرنج. قلت: وهذا أول أمر ~~الفتوحات الزنكية والأيوبية الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى. وفيها استولى ~~عبد المؤمن بن علي على مدينة مراكش من المغرب بالسيف وقتل من بها من ~~المقاتلة، ولم يتعرض للرعية، وأحضر اليهود والنصارى وقال: إن الإمام المهدي ~~أمرني ألا أقر الناس إلا على ملة واحدة وهي الإسلام، وأنتم تزعمون أن بعد ~~الخمسمائة عام يظهر من يعضد شريعتكم، وقد انقضت المدة؛ وأنا مخيركم بين ~~ثلاث؛ إما أن تسلموا، وإما أن تلحقوا بدار الحرب، وإما أن أضرب رقابكم. ~~فأسلم منهم طائفة، ولحق بدار الحرب أخرى. وأخرب عبد المؤمن الكنائس والبيع ~~وردها مساجد، وأبطل الجزية، وفعل ذلك في جميع ولاياته. PageV02P0076 # وفيها قتل الوزير رضوان بن ولخشي أمير الجيوش وزير الحافظ صاحب الترجمة ~~ومدبر ممالكه بديار مصر ms1101 وغيرها. كان استوزره الحافظ صاحب مصر المذكور. فلما ~~ولي الوزر استولى على مصر، وحجر على الخليفة الحافظ، وسلك في ذلك طريق ~~الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي. وزاد أمره، حتى دس عليه الحافظ السودان ~~فوثبوا عليه وقتلوه. وفيها توفي الأستاذ هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة، ~~أبو السعادات العلوي النحوي، ويعرف بابن الشجري. انتهى إليه في زمانه علم ~~النحو والعربية ببغداد، وسمع الحديث وطال عمره وأقرأ وحدث. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة عشرة من خلافة الحافظ عبد المجيد # وهي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. فيها أزال السلطان نور الدين محمود بن ~~زنكي صاحب دمشق من حلب الأذان بحي على خير العمل وسب الصحابة بها، وقال: من ~~عاد إليه قتلته؛ فلم يعد أحد. رحمه الله تعالى. وفيها ظهر بمصر رجل من ولد ~~نزار ابن الخليفة المستنصر العبيدي يطلب الخلافة، فاجتمع عليه خلق، حتى جهز ~~إليه الخليفة الحافظ صاحب الترجمة العساكر فالتقوا بالصعيد، وقتل من ~~الفريقين جماعة. ثم انهزم النزاري الذي خرج وقتل ولده. وفيها أغار نور ~~الدين محمود صاحب دمشق المعروف بالشهيد المقدم ذكره على بلاد الفرنج وفتح ~~عدة حصون - تقبل الله منه - وأسر وقتل وغنم. وفيها حج بالناس من العراق ~~الأمير قايماز. وفيها توفي قاضي القضاة أبو القاسم علي بن الحسين بن محمد ~~بن علي الزينبي البغدادي الحنفي. ولد في نصف شهر ربيع الأول سنة سبع ~~وأربعين وأربعمائة، وسمع الحديث وتفقه وبرع في مذهبه. ولاه الخليفة ~~المسترشد قضاء القضاة، وطالت مدته وحسنت سيرته، وناب في الوزارة في بعض ~~الأحيان. وفيها توفي الفقيه أبو الحجاج يوسف بن دوباس الفندلاوي شيخ ~~المالكية بدمشق، استشهد بظاهر دمشق في حرب الفرنج ومحاصرتهم دمشق. وكان ~~إماما عالما دينا بارعا في فنون. وفيها توفي الأستاذ أبو الدر ياقوت الرومي ~~الكاتب مولى أبي المعالي أحمد بن علي بن البخاري التاجر بدمشق. قلت: وتسمى ~~بهذا الاسم جماعة كثيرة لهم ذكر، ms1102 فمنهم من يذكر هنا ومنهم من لا يذكر على ~~حسب الاتفاق، وهم ياقوت هذا المذكور. وياقوت بن عبد الله الصقلبي أبو الحسن ~~المعروف بالجمالي مولى الخليفة المسترشد بالله الفضل العباسي، ووفاته سنة ~~ثلاث وستين وخمسمائة. وياقوت بن عبد الله أبو سعيد مولى أبي عبد الله عيسى ~~بن هبة الله بن النقاش، ووفاته سنة أربع وسبعين وخمسمائة. وياقوت بن عبد ~~الله الموصلي الكاتب أمين الدين المعروف بالملكي نسبته إلى أستاذه السلطان ~~ملكشاه السلجوقي، انتشر خطه في الآفاق، توفي بالموصل سنة ثماني عشرة ~~وستمائة. وياقوت بن عبد الله الحموي الرومي شهاب الدين أبو الدر. كان من ~~خدام بعض التجار ببغداد يعرف بعسكر الحموي، وهو صاحب التصانيف؛ توفي سنة ست ~~وعشرين وستمائة. وياقوت بن عبد الله مهذب الدين الرومي مولى أبي منصور ~~الجيلي التاجر، كان شاعرا ماهرا، وهو صاحب القصيدة التي أولها: البسيط إن ~~غاض دمعك والأحباب قد بانوا ... فكل ما تدعي زور وبهتان توفي سنة اثنتين ~~وعشرين وستمائة. وياقوت بن عبد الله المستعصمي الرومي جمال الدين أبو المجد ~~صاحب الخط البديع، مولى الخليفة المستعصم بالله العباسي، توفي سنة ثمان ~~وتسعين وستمائة. وياقوت الشيخي افتخار الدين الحبشي مقدم المماليك في دولة ~~الأشراف شعبان بن حسين، توفي سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وياقوت بن عبد الله ~~الحبشي المعزي المسعودي المحدث الفاضل، توفي سنة أربع وخمسين وستمائة. ~~وياقوت بن عبد الله الأرغون شاوي الحبشي مقدم المماليك للأشراف برسباي، ~~توفي سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. قلت: وهؤلاء الأعيان. وأما غير الأعيان ~~فكثير. وقد استطردنا ذكرهم هنا جملة لئلا يلتبس أحد منهم على من ينظر في ~~ترجمة أحدهم في محله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع ~~وثماني أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة العشرون من خلافة الحافظ عبد المجيد # مات في جمادى الآخرة، حسب ما تقدم ذكره. وهي سنة أربع وأربعين وخمسمائة. ~~PageV02P0077 # فيها واقع السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آق سنقر ~~المعروف بالشهيد صاحب دمشق الفرنج وكسرهم ms1103 الكسرة المشهورة، وقتل منهم ألفا ~~وخمسمائة، وأسر مثلهم؛ وعاد إلى حلب بالغنائم العظيمة والأسارى، وبعث بعضها ~~إلى أخيه مودود. وفيها يقول ابن القيسراني الشاعر: السريع وكم له من وقعة ~~يومها ... عند ملوك الشرك مشهود حتى إذا عادوا إلى مثلها ... قالت لهم ~~هيبته عودوا مناقب لم تك موجودة ... إلا ونور الدين موجود وكيف لا نثني على ~~عيشنا ال ... محمود والسلطان محمود وفيها افتتح نور الدين محمود أيضا حصن ~~فامية؛ وكان على حماة وحمص منه ضرر عظيم. وفيها توفي القاضي الإمام الأديب ~~العلامة ناصح الدين أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني قاضي تستر. ~~قال ابن خلكان: والأرجاني: بفتح الهمزة وتشديد الراء والفتح والجيم وبعد ~~الألف نون، هذه نسبة إلى أرجان، وهي من كور الأهواز من بلاد خوزستان. ~~انتهى. وقال صاحب المرآة: كان إمام عصره، فقيها أديبا شاعرا صاحب النظم ~~الرائق. وديوان شعره مشهور بأيدي الناس؛ سمع الحديث وتفقه. وكان بليغا ~~مفوها. وهو القائل: الكامل أنا أشعر الفقهاء غير مدافع ... في العصر وأنا ~~أفقه الشعراء قلت: ومن شعره - والبيت الثاني يقرأ معكوسا: الوافر أحب المرء ~~ظاهره جميل ... لصاحبه وباطنه سليم مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته ~~تدوم وفيها توفي الحافظ الناقد الحجة عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى ~~بن عياض بن محمد بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، أبو الفضل المعروف ~~بالقاضي عياض، أحد عظماء المالكية. ولد بسبتة في منتصف شعبان سنة ست وتسعين ~~وأربعمائة. وأصله من الأندلس ثم انتقل أخير أجداده إلى مدينة فاس، ثم من ~~فاس إلى سبتة. كان إماما حافظا محدثا فقيها متبحرا؛ صنف التصانيف المفيدة، ~~وانتشر اسمه في الآفاق وبعد صيته. ومن مصنفاته كتاب الشفا في شرف المصطفى. ~~وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك وكتاب العقيدة ~~وكتاب شرح حديث أم زرع وكتاب جامع التاريخ وهو كتاب جليل، وشيء كثير غير ~~ذلك. ومات بمراكش في جمادى الآخرة. ومن شعره رحمه الله: السريع أنظر إلى ~~الزرع وخاماته ... تحكي وقد هبت عليها ms1104 الرياح كتيبة خضراء مهزومة ... شقائق ~~النعمان فيها جراح وفيها توفي الملك غازي بن زنكي بن آق سنقر التركي، أخو ~~السلطان نور الدين محمود الشهيد الأتابك، سيف الدين صاحب الموصل، وهو أكبر ~~أولاد زنكي. مات في سلخ جمادى الآخرة وله أربع وخمسون سنة، وأقام في الملك ~~ثلاث سنين وشهورا. وكان شجاعا جوادا. وهو أول من حمل السنجق على رأسه في ~~الأتابكية، ولم يحمله أحد قبله لأجل ملوك السلجوقية. وفيها توفي الأمير ~~معين الدين أنر مملوك الأتابك طغتكين. كان مدبر دولة أولاد أستاذه الأتابك ~~طغتكين، وكان جليل القدر عالي الهمة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي القاضي أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني ~~الشاعر بتستر. ومعين الدين أنر الطغتكي مدبر دولة أولاد أستاذه. والحافظ ~~لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر العبيدي. والقاضي عياض بن موسى ~~بن عياض أبو الفضل اليحصبي السبتي بمراكش في جمادى الآخرة. وصاحب الموصل ~~سيف الدين غازي ابن الأتابك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع ~~وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### | AUT خلافة الظافر على مصر # الظافر بالله أبو منصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد ~~المجيد ابن الأمير محمد ابن الخليفة المستنصر معد بن الظاهر علي بن الحاكم ~~منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد، التاسع من خلفاء مصر ~~من بني عبيد، والثاني عشر منهم ممن ولي من أجداده خلفاء المغرب. بويع ~~بالخلافة بعد موت أبيه الحافظ في جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ~~وهو ابن سبع عشرة سنة وأشهر؛ لأن مولده في يوم الأحد منتصف شهر ربيع الآخر ~~سنة سبع وعشرين وخمسمائة. وأمه أم ولد تدعى ست الوفاء، وقيل: ست المنى. ~~PageV02P0078 # قال العلامة شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قز أوغلي سبط ابن الجوزي في ~~تاريخه مرآة الزمان - بعد أن سماه يوسف، والصواب ما قلناه أنه إسماعيل - ~~قال: وكانت أيامه مضطربة لحداثة سنه واشتغاله باللهو، وكان ms1105 عباس الصنهاجي ~~لما قتل ابن سلار وزر له واستولى عليه. وكان له ولد اسمه نصر، فأطمع نفسه ~~في الأمر وأراد قتل أبيه، ودس إليه سما ليقتله. فعلم أبوه واحترز وأراد أن ~~يقبض عليه فما قدر؛ ومنعه مؤيد الدولة أسامة بن منقذ وقبح عليه ذلك، وقال: ~~إن فعلت هذا لم يبق لك أحد ويفر الناس عنك. فشرع أبوه يلاطفه يعني الوزير ~~عباس يلاطف ابنه نصرا وقال له: عوض ما تقتلني اقتل الظافر. وكان نصر ينادم ~~الظافر ويعاشره، وكان الظافر يثق به وينزل في الليل إلى داره متخفيا. فنزل ~~ليلة إلى داره وكانت بالسيوفيين داخل القاهرة ومعه خادم له، فشربا ونام ~~الظافر؛ فقام نصر فقتله ورمى به في بئر. فلما أصبح عباس يعني الوزير أبا ~~نصر المذكور جاء إلى باب القصر يطلب الظافر؛ فقال له خادم القصر: ابنك يعرف ~~أين هو ومن قتله. فقال عباس: ما لابني فيه علم. وأحضر أخوي الظافر وابن ~~أخيه فقتلهم صبرا بين يديه؛ وأحضر أعيان الدولة وقال: إن الظافر ركب ~~البارحة في مركب فانقلبت به فغرق. ثم أخرج عيسى ولد الظافر. فتفرقوا عن ~~عباس وابنه، وثار الجند والعبيد وأهل القاهرة وطلبوا بثأر الظافر من عباس ~~وابنه نصر. فأخذ عباس وابنه نصر ما قدرا عليه من المال والجواهر وهربا إلى ~~الشام. فبلغ الفرنج فخرجوا إليهما، وقتلوا عباسا وأسروا ابنه نصرا؛ وقتل ~~نصر في السنة الآتية انتهى. وقال القاضي شمس الذين أحمد بن خلكان: بويع يوم ~~مات أبوه بوصية أبيه، وكان أصغر أولاد أبيه سنا. كان كثير اللهو واللعب، ~~والتفرد بالجواري، واستماع المغاني. وكان يأنس بنصر بن عباس. فاستدعاه إلى ~~دار أبيه ليلا سرا بحيث لا يعلم به أحد، وتلك الدار في المدرسة الحنفية ~~السيوفية الآن، فقتله بها وأخفى أمره. قال: وقصته مشهورة، وذلك في نصف ~~المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وكان من أحسن الناس صورة. والجامع ~~الظافري الذي بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إليه، وهو الذي عمره وأوقف ~~عليه شيئا كثيرا. انتهى كلام ابن خلكان. قلت: والجامع الظافري ms1106 هو المعروف ~~الآن بجامع الفاكهانيين على الشارع الأعظم بالقرب من حارة الديلم. وقال ابن ~~القلانسي:، إن الظافر إنما قتله أخواه يوسف وجبريل وابن عمهما صالح بن ~~الحسن. قلت: وهذا القول يؤيده قول ما نقله أبو المظفر من أن عباسا قتل أخوي ~~الظافر وابن عمه صبرا أعني لما بلغه قتلهم للظافر قتلهم به؛ غير أن جمهور ~~المؤرخين اتفقوا على أن قاتل الظافر نصر بن عباس المقدم ذكره. قال: وكان ~~الظافر قد ركن إليهم يعني أخويه وابن عمه وأنس بهم في وقت مسراته؛ فاتفقوا ~~عليه واغتالوه، وذلك في يوم الخميس سلخ صفر. وحضر العادل عباس الوزير وابنه ~~ناصر الدين وجماعة من الأمراء والمقدمين للسلام على الرسم. فقيل لهم: إن ~~أمير المؤمنين ملتاث الجسم. فطلبوا الدخول إليه فمنعوا؛ فألحوا في الدخول ~~بسبب العيادة فلم يمكنوا. فهجموا ودخلوا القصر وانكشف أمره، فقتلوا الثلاثة ~~وأقاموا ولده عيسى وهو ابن ثلاث سنين، ولقبوه بالفائز بنصر الله وبايعوه؛ ~~وعباس الوزير إليه تدبير الأمور. ثم ورد الخبر بأن طلائع بن رزيك فارس ~~المسلمين قد امتعض من ذلك وجمع وحشد وقصد القاهرة، وكان من أكابر الأمراء. ~~وعلم عباس أنه لا طاقة له به، فجمع أمراءه وأسبابه وأهله وخرج من القاهرة. ~~فلما قرب من عسقلان وغزة خرج عليه جماعة من خيالة الفرنج، فاغتر بكثرة من ~~معه؛ فلما حمل عليهم قتل أكثر أصحابه وانهزموا، فانهزم هو وابنه الصغير ~~وأسر ابنه الكبير الذي قتل ابن سلار مع ولمه وحرمه وماله وكراعه، وصار ~~الجميع للفرنج، ومن هرب مات من الجوع والعطش. ووصل طلائع بن رزيك إلى ~~القاهرة، فوضع السيف فيمن بقي من أصحاب عباس، وجلس في منصب الوزارة. انتهى ~~كلام ابن القلانسي. وما نقله غالبه مخالف لغيره من المؤرخين. والله أعلم. ~~وقيل غير ذلك: إن خدام القصر كتبوا إلى طلائع بن رزيك وهو والي قوص وأسوان ~~والصعيد يخبرونه بقتل الظافر ويستنجدونه على عباس وابنه نصر. وكتب إليه ~~فيمن كتب القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب قصيدته الدالية ~~التي أولها: الطويل PageV02P0079 # دمعي ms1107 عن نظم القريض غوادي ... وشف فؤادي شجوه المتمادي وأرق عيني والعيون ~~هواجع ... هموم أقضت مضجعي ووسادي بمصرع أبناء الوصي وعترة الن ... بي وآل ~~الذاريات وصاد فأين بنو رزيك عنهم ونصرهم ... وما لهم من منعة وذياد أولئك ~~أنصار الهدى وبنو الردى ... وسم العدا من حاضرين وباد لقد هد ركن الذين ~~ليلة قتله ... بخير دليل للنجاة وهاد تدارك من الإيمان قبل دثوره ... حشاشة ~~نفس آذنت بنفاد وقد كاد أن يطفي تألق نوره ... على الحق عاد من بقية عاد ~~فلو عاينت عيناك بالقصر يومهم ... ومصرعهم لم تكتحل برقاد وهي طويلة كلها ~~على هذا المنوال في معنى النجدة. وقد نقلتها من خط عقد لا يقرأ إلا بجهد. ~~فلفا بلغ ذلك طلائع بن رزيك جمع ودخل القاهرة في تاسع شهر ربيع الأول، وجلس ~~في دست الوزارة، وتلقب بالملك الصالح؛ وهو صاحب الجامع خارج بابي زويلة، ~~وأخرج جسد الظافر من البئر التي كان رمي فيها بعد قتله وجعله في تابوت ومشى ~~بين يديه حافيا مكشوف الرأس، وفعل الناس كذلك، وكثر الضجيج والبكاء والعويل ~~في ذلك اليوم. وقال بعضهم وأوضح الأمر، وقوله: إن الظافر كان قد أحب نصر بن ~~عباس حبا شديدا، وبقي لا يفارقه ليلا ولا نهارا. فقدم مؤيد الدولة أسامة بن ~~منقذ من الشام، فقال لعباس الوزير يوما: كيف تصبر على ما أسمع من قبيح ~~القول! قال عباس: وما يقولون؟ قال يقولون: إن الظافر بنى على ابنك نصر. ~~فغضب عباس من ذلك، وأمر ابنه نصرا، فدعا الظافر لبيته فوثب عليه وقتله. ~~وساق نحوا مما سقناه من قول أبي المظفر وابن خلكان. وانتهى كلامه. وقال ~~صاحب كتاب المقلتين في أخبار الدولتين: ولما تم أمر الظافر ركب بزي الخلافة ~~وعاد إلى القصر؛ ولم يقدم شيئا على انتقامه من ابني الأنصاري لما كان يبلغه ~~عنهما في أيام والده الحافظ. وخبر ابني الأنصاري أنهما كانا من جملة ~~الكتاب، وتوصلا إلى الحافظ، فاستخدمهما في ديوان الجيش قصدا لتمييزهما؛ ~~وهما غير قانعين بذلك، لما يعلمانه من إقبال الحافظ عليهما؛ فوثبا على ms1108 ~~الساعة من رؤساء الدولة مثل الأجل الموفق أبي الحجاج يوسف كاتب دست الخليفة ~~ومشورته، ومن يليه مثل القاضي المرتضى المحنك والخطيري البواب؛ فتجرا على ~~المذكورين وغيرهم من الأمراء مع قلة دربة. فتتبع القوم عوراتهم، والخليفة ~~الحافظ لا يزداد فيهما إلا رغبة. ووقع لهما أمور. قبيحة، والقوم يبلغون ~~الخليفة خبرهم شيئا بعد شيء، وهو لا يلتفت إلى قولهم. ولا زال ابنا ~~الأنصاري حتى صار الأكبر شريك الأجل الموفق في ديوان المكاتبات، ولكن خصص ~~الموفق بالإنشاء جميعه. ولما تولى ابن الأنصاري نصف الديوان نعت بالقاضي ~~الأجل سناء الملك، بعد أن وصاه الخليفة الحافظ أن يقنع مع الموفق بالرتبة ~~ويدع المباشرة، ويخدم الموفق. وصبر الأجل الموفق على ذلك مراعاة لخاطر ~~الخليفة. وأما ابن الأنصاري الصغير فإنه تجند فتأمر في يوم، وخلع عليه ~~بالطوق وما يلزم الأمرية، وصار أمير طوائف الأجناد. فقال الناس: هو الأمير ~~الطاري ابن الأنصاري. وبينما هم في ذلك مرض الخليفة الحافظ ومات، وآلت ~~الخلافة لولده الظافر هذا. فنرجع لما كنا عليه من أمر الظافر مع ولدي ~~الأنصاري المذكورين. فركب الخليفة الظافر بعد العشاء الآخرة في الشمع ~~بالقصر، ووقف على باب الملك بالإيوان المجاور للشباك، وأحضر ابني الأنصاري ~~واستدعى متولي الستر، وهو صاحب العذاب، وأحضرت آلات العقوبة، فضرب الأكبر ~~بحضوره بالسياط إلى أن قارب الهلاك، وثنى بأخيه كذلك؛ وأمر بإخراجهما وقطع ~~أيديهما وسل ألسنتهما من قفيهما، وصلبا على بابي زويلة الأول والثاني ~~زمانا. PageV02P0080 # وأقام الظافر ابن مصال المغربي وزيرا مدة شهرين. فخرج عليه ابن سلار، ~~وكان واليا على البحيرة والإسكندرية، ولم يرض بوزارة ابن مصال المذكور، ~~وتابعة عباس وكان واليا على الغربية، وهو ولد زوجته. فلما بلغ الوزير ابن ~~مصال ذلك، خرج إلى الصعيد لكونه لم يطق لقاء ابن سلار ومن معه على غير ~~موافقة من الخليفة الظافر. ودخل ابن سلار إلى القاهرة وزيرا؛ فما طابت به ~~نفس الخليفة الظافر بالله، فباشر الأمور مباشرة بجد. وأقام الظافر خليفة ~~إلى أوائل سنة تسع وأربعين وخمسمائة، ولم يصف بين الخليفة والوزير عيش قط، ms1109 ~~وجرت بينهما أمور؛ وثبت عند ابن سلار كراهة الخليفة فيه، فاحترز على نفسه ~~منه، وأقام كذلك أربع سنين وبعض الخامسة، حتى قتله نصر بن عباس اغتيالا في ~~داره. وذكر أن ذلك بموافقة الخليفة الظافر على ذلك؛ لأن هذا نصرا كان قد ~~اختلط بالخليفة اختلاطا دائما أدى إلى حسد أكثر أهل الدولة له على ذلك. ~~وخشي عباس على نفسه من ولده نصر المذكور لما تم منه في حق ابن سلار؛ فرمى ~~بينه وبين الخليفة بموهمات قبيحة، حتى قتل نصر الخليفة أيضا. ودفنه في داره ~~التي بالسيوفيين، وقتل أستاذين معه. ولما عدم الخليفة استخلف ولده، وهو أبو ~~القاسم عيسى، ونعت بالفائز بنصر الله، وكان عمره يومئذ خمس سنين. أخرجه ~~الوزير عباس من عند جدته أم أبيه الخليفة يوم قتل عميه يوسف وجبريل ابني ~~الحافظ - وهما مظلومان - بتهمة أنهما قتلا أخاهما الخليفة الظافر حسدا على ~~الرتبة لينالاها بعده. وليس الأمر كذلك، بل عباس الوزير وولده نصر قتلاه. ~~فرآهما الخليفة هذا الصغير مقتولين، فتفزع واضطرب وغشي عليه، ولازمه ذلك ~~وكثر به. قلت: وقول هذا عندي في قتل الخليفة الظافر أثبت الأقاويل. وبكلامه ~~أيضا يعرف جميع ما ذكرناه في أمره من أقوال المؤزخين؛ فإنه ساق أمره على ~~جليته من غير إدخال شيء معه، وأما تفصيل أمر عباس الوزير وابنه نصر فإن ~~عباسا كان رجلا من بني تميم ملوك الغرب، ودخل عباس القاهرة فاجتمع ~~بالخليفة، فأكرمه وأنعم عليه بأشياء ثم خلع عليه بالوزارة على العادة ~~ولقبه؛ فباشر عباس الوزارة وخدم الأمور وأكرم الأمراء وأحسن إلى الأجناد ~~لينسيهم العادل ابن سلار. واستمر ابنه نصر على مخالطة الخليفة الظافر، حتى ~~اشتغل الظافر عن كل أحد بابن عباس المذكور، وأبوه عباس يكره خلطته ~~بالخليفة. وانتهى الخليفة معه إلى أن يخرج من قصره لزيارة ابن عباس بداره ~~التي بالسيوفيين، بحيث لا يعلم عباس بذلك. فلما علم استوحش من الخليفة ~~لجرأة ابنه، وتوهم أنه ربما يحمله الخليفة على قتله. فقال عباس لابنه سرا: ~~قد أكثرت من ملازمة الخليفة حتى تحدث الناس ms1110 في حقك معه بما أزعج باطني، ~~وربما يتناقل الناس ذلك ويصل إلى أعدائنا منه ما لا يزول، ففهم ابنه نصر ~~عنه وأخذته حدة الشباب؛ فقال نصر لأبيه: أيرضيك قتله. فقال أزل التهمة عنك ~~كيف شئت. فخرج الخليفة ليلة إلى نصر بن عباس على عادته، فقتله بالجماعة ~~الذين قتل بهم الوزير ابن سلار، وقتل أيضا أستاذين كانا مع الخليفة الظافر، ~~وطمرهم في بئر هناك. وأصبح عباس فبايع عيسى بن الظافر، ولقبه الفائز، على ~~ما يأتي ذكره في أول ترجمة الفائز. ولما تم لعباس ما قصه من قتل الخليفة ~~ولولية ولده الخلافة، كثرت الأقاويل ووقع الناس على الخبر الصحيح بالحدس، ~~فاستوحش الناس قتل هؤلاء الأئمة. وكان طلائع بن رزيك واليا على الأشمونين ~~والبهنسا؛ فتحرك حاشدا على عباس، ولبس السواد وحمل شعور النساء حرم الخليفة ~~على الرماح. فتخلخل أمر عباس وتفرق الناس عنه، وصار الناس تسمعه المكروه في ~~الطرقات من كل فج، حتى إنه رمي من طاق ببعض الشوارع وهو جائز بهاون نحاس، ~~وفي يوم آخر بقدر مملوءة ماء حارا؛ فقال العباس: ما بقي بعد هذا شيء. فصار ~~يدبر كيف يخرج وأين يسلك. فأشار عليه بعض أصحابه بتحريق القاهرة قبل خروجه ~~منها فلم يفعل، وقال: يكفي ما جرى. فلما قرب طلائع بن رزيك إلى القاهرة خرج ~~عباس وابنه ومعهما كل ما يملكانه طالبا للشرق. فحال الفرنج بينه وبين ~~طريقه، فقاتل حتى قتل وأسر ولده نصر، وفاز الفرنج بما كان معه، وذلك في شهر ~~ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وأما ولده نصر فنذكر أمره وقتله في ~~أول ترجمة الفائز بأوسع من هذا إن شاء الله تعالى. PageV02P0081 # وكانت قتلة الخليفة الظافر هذا في سلخ المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة ~~على قول من رجح ذلك، وله اثنتان وعشرون سنة؛ وكانت خلافته أربع سنين وسبعة ~~أشهر وسبعة أيام. وتولى الخلافة بعده ولده الفائز عيسى. ونذكر إن شاء الله ~~أمر قتله أيضا في ترجمة الفائز بأوسع من هذا هناك. ؟؟ ### || AUT السنة الأولى من خلافة الظافر بالله # أبي ms1111 منصور إسماعيل على مصر وهي سنة خمس وأربعين وخمسمائة. فيها مطرت ~~اليمن مطرا دما، وبقي أثره في الأرض وفي ثياب الناس. وفيها في المحرم نزل ~~الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام على دمشق وحاصرها؛ فراسله ~~صاحبها مجير الدين، وخرج إليه هو والرئيس ابن الصوفي وبذلا له الطاعة وأن ~~يخطب له مجير الدين بعد الخليفة والسلطان، وأن ينقش اسمه على الدينار ~~والدرهم؛ فرضي نور الدين وخلع عليه ورحل عنه. وعاد وافتتح قلعة أعزاز. ~~وفيها أختلف وزير مصر ابن مصال المغربي والعادل ابن سلار وجمعا العساكر ~~واقتتلا، فقتل الوزير ابن مصال، واستقل ابن سلار بالوزر والملك، وقد ذكرنا ~~نحو ذلك في ترجمة الظافر هذا. وفيها توفي أبو المفاخر الحسن بن ذي النون ~~الواعظ بن أبي القاسم،. كان فاضلا صالحا إماما فقيها حنفي المذهب؛ كان يعيد ~~الدرس خمسين مرة. ومن شعره: البسيط مات الكرام ومروا وانقضوا ومضوا ... ~~ومات بعدهم تلك الكرامات وخلفوني في قوم ذوي سفه ... لو أبصروا طيف ضيف في ~~الكرى ماتوا وفيها توفي الأمير أبو الحسن علي بن دبيس صاحب الحلة. كان ~~شجاعا جوادا إلا أنه كان على عادة أهل الحلة رافضيا خبيثا. وفيها توفي ~~قتيلا الوزير علي بن سلار وزير الظافر صاحب الترجمة بديار مصر. كان يلقب ~~بالملك العادل. وتولى الوزر بعده عباس أبو نصر الذي قتل الظافر، حسب ما ~~ذكرنا ذلك كله مفصلا. وفيها ملكت الفرنج عسقلان بالأمان بعد أن قتل من ~~الفريقين خلق كثير، وكان قد تماى القتال بينهم في كل سنة إلى أن سلموها. ~~وأخذ الفرنج جميع ما كان فيها من الذخائر وغيرها. وفيها توفي أحمد بن منير ~~بن أحمد الأديب أبو الحسين الطرابلسي الشاعر المشهور المعروف بالرفاء. ولد ~~سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس. وكان بارعا في اللغة والعربية والأدب ~~إلا أنه خبيث اللسان كثير الفحش. حبسه الملك تاج الملوك بوري صاحب دمشق، ~~وعزم على قطع لسانه؛ فاستوهبه منه الحاجب يوسف بن فيروز فوهبه له فنفاه. ~~وكان هجا خلائق كثيرة؛ وكان بينه وبين ابن ms1112 القيسراني مهاجاة، وكان رافضيا. ~~وكانت وفاته بحلب في جمادى الآخرة. ومن شعره: الطويل جنى وتجنى والفؤاد ~~يطيعه ... فلا ذاق من يجنى عليه كما يجني فإن لم يكن عندي كعيني ومسمعي ... ~~فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني وفيها توفي الأمير تمرتاش بن نجم الدين ~~إيلغازي الأرتقي صاحب ماردين وديار بكر. كان شجاعا جوادا عادلا محبا ~~للعلماء والفضلاء يبحث معهم في فنون العلوم. وكان لا يرى القتل ولا الحبس. ~~ومات في ذي القعدة، وكانت مدته نيفا وثلاثين سنة. وقام بعده ابنه. وفيها ~~توفي حيدرة بن الصوفي الذي كان أقامه مجير الدين صاحب دمشق مقام أخيه، ثم ~~وقع منه سعي بالفساد، فاستدعاه مجير الدين إلى القلعة على حين غفلة فضرب ~~عنقه لسوء سيرته وقبح أفعاله. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أبو بكر محمد بن أبي حامد بن عبد العزيز بن علي الدينوري البيع ~~ببغداد. والمبارك بن أحمد بن بركة الكنمي الحبار. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ست أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من خلافة الظافر # وهي سنة ست وأربعين وخمسمائة. فيها دخل السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه ~~السلجوقي إلى بغداد، وخرج الوزير ابن هبيرة وأرباب الدولة إلى لقائه ~~فأكرمهم. وفيها عاد الملك العادل نور الدين محمود إلى حصار دمشق، ووقع له ~~مع مجير الدين صاحب دمشق أمور حتى استنجد مجير الدين بالفرنج، فرحل عنها ~~نور الدين؛ ثم نازلها وتراسلا على يد الفقيه برهان الدين البلخي وأسد الدين ~~شيركوه الكردي وأخيه نجم الدين أيوب، ثم تحالف نور الدين مع مجير الدين على ~~أمر ورحل عنه. PageV02P0082 # وفيها توفي الأمير علي بن مرشد ابن علي بن المقلد بن نصر بن منقذ عز ~~الدين. ولد بشيزر. وكان فاضلا أديبا حسن الخط؛ مات بعسقلان شهيدا. وكان ~~أكبر أخوته وبعده أسامة. ومن شعره: الكامل قد قلت للمنثور إن الورد قد ... ~~وافى على الأزهار وهو أمير فافتر ثغر الأقحوان مسرة ... لقدومه وتلون ms1113 ~~المنثور وفيها توفي الفامي الحافظ أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الجبار الهروي ~~العجمي. كان إماما عالما فاضلا؛ رحل وسمع الحديث وتفقه وبرع في علوم شتى. ~~مات في هذه السنة في قول الذهبي. وفيها توفي الأمير نوشتكين بن عبد الله ~~الرضواني السلجوقي ببغداد. كان أميرا معظما في الدول وله مواقف ووقائع. ~~وفيها توفي القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي المالكي. ~~كان إمام وقته مفتنا في علوم كثيرة، وولي القضاء مدة طويلة، وكان مشكور ~~السيرة عدلا في حكمه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي أبو نصر عبد الرحمن بن عبد الجبار الهروي الفامي الحافظ. والقاضي أبو ~~بكر محمد بن عبد الله الأندلسي. والأمير نوشتكين الرضواني ببغداد. وأبو ~~الوليد يوسف بن عبد العزيز بن الدباغ اللخمي الأندلسي. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ست أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من خلافة الظافر # أبي منصور على مصر وهي سنة سبع وأربعين وخمسمائة. فيها توفي محمد بن نصر ~~أبو عبد الله العكاوي ويقال له ابن صغير القيسراني الشاعر المشهور. ولد ~~بعكا ونشأ بقيسارية الساحل، ثم انتقل إلى حلب وإلى دمشق. فبلغ تاج الملوك ~~بوري بن طغتكين أنه هجاه فتنكر له، فهرب إلى حلب ومدح نور الدين محمود بن ~~زنكي صاحبها. وله ديوان شعر مشهور، ومات بدمشق. ومن شعره في مغن وأجاد إلى ~~الغاية: البسيط والله لو أنصف الفتيان أنفسهم ... أعطوك ما ادخروا منها وما ~~صانوا ما أنت حين تغني في مجالسهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان وفيها ~~توفي السلطان مسعود ابن السلطان محمد شاه ابن السلطان ملكشاه ابن السلطان ~~ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق السلجوقي. كان ملكا جليلا ~~شجاعا طالت أيامه. قال أبو المظفر: لم ير أحد ما رأى من الملوك والسلاطين ~~حتى مرض على همذان بأمراض حارة، وعسرت مداواته. ومات في سلخ جمادى الآخرة. ~~وأقيم بعده في الملك ابن أخيه ملكشاه بن ms1114 محمود بن محمد شاه بن ملكشاه، ~~فأقام ملكشاه المذكور خمسة أشهر ثم وقع له أمور وخلع. قلت: يكون ملكشاه هذا ~~ثاني ملك من بني سلجوق سمي بملكشاه وفيها توفي الشيخ الإمام الواعظ المظفر ~~بن أردشير، أبو منصور العبادي الواعظ. سمع الحديث الكثير، وقدم بغداد ووعظ ~~بجامع القصر والنظامية، وحصل له قبول زائد. وكان فصيحا بليغا. وترسل بين ~~الخليفة والملوك، وعظم أمره. وفيها توفي القاضي أبو الفضل محمد بن عمر بن ~~يوسف الأرموي الشافعي. كان إماما عالما فقيها مفتنا في عدة فنون؛ وولي ~~القضاء زمانا، وحمدت سيرته. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أبو عبد الله محمد ابن الحسن بن محمد بن سعيد الداني، المقرئ ~~ابن غلام الفرس. وأبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي القاضي الشافعي. ~~وأبو نصر محمد بن منصور ابن عبد الرحيم النيسابوري الحرضي في شوال، وله ~~تسعون سنة. والسلطان مسعود ابن محمد بن ملكشاه السلجوقي. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ست أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا ~~وأربع أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من خلافة الظافر # أبي منصور على مصر وهي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. PageV02P0083 # فيها انحل أمر بني سلجوق باستيلاء الترك على السلطان سنجر شاه السلجوقي. ~~وسببه أنه لما التقى مع خاقان ملك الترك وخوارزم شاه قبل تاريخه، وانهزم ~~منهم تلك الهزيمة القبيحة التي قتل فيها خلائق من العلماء والفقهاء وغيرهم، ~~وعاد خاقان إلى بلاده، ثم صالح سنجر شاه خوارزم شاه، وبقي في قلب سنجر شاه ~~ما جرى عليه. فلما حسن أمره تجهز للقاء الترك ثانيا بعد أمور صدرت بينهم، ~~والتقى معهم فانكسر ثانيا؛ واستولوا عليه وجعلوه في قفص حديد؛ فبقي فيه مدة ~~وهو يخدم نفسه وليس معه أحد. واقتص الله منه للخليفة المسترشد وابنه الراشد ~~ما كان فعله معهما حسب ما تقدم ذكره. وامتحن بأشياء إلى أن مات، على ما ~~يأتي ذكره إن شاء الله. وفيها توفي القاضي محفوظ بن أبي محمد الحسن بن صصرى ~~أبو البركات، ms1115 ويعرف بالقاضي الكبير. كان إماما عالما مشهورا بالخير ~~والعفاف. ومات بدمشق في ذي الحجة وقد بلغ ثمانين سنة. وفيها توفي الشيخ ~~الزاهد المسلك أبو العباس أحمد بن أبي غالب بن الطلاية الصوفي العارف في ~~شهر رمضان. وفيها توفي الحافظ أبو الفرج عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر ~~اليوسفي. كان إماما حافظا محدثا، سمع الكثير ورحل وكتب وصنف. ومات في ~~المحرم وله أربع وثمانون سنة. وفيها توفي الأفضل أبو الفتح محمد بن عبد ~~الكريم الشهرستاني الإمام العالم المتكلم. كان إمام عصره في علم الكلام ~~عالما بفنون كثيرة من العلوم، وبه تخرج جماعة كثيرة من العلماء. وفيها توفي ~~شيخ الصوفية في زمانه أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن بن محمد المروزي ~~الكشميهني. كان إماما مسلكا عارفا بطريق القوم، إمام عصره في علم التصوف ~~وغيره؛ وللناس فيه محبة واعتقاد حسن. وفيها توفي الشيخ الإمام أب وسعد محيي ~~الدين محمد بن يحيى النيسابوري الشافعي، تلميذ أبي حامد الغزالي، في شهر ~~رمضان حين استباحت الترك نيسابور. وكان فقيها إماما عالما مصنفا. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا وست أصابع. ### | AUT خلافة الفائز بنصر الله على مصر # هو أبو القاسم عيسى ابن الخليفة الظافر بأمر الله أبي منصور إسماعيل ابن ~~الخليفة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد بن محمد - ومحمد هذا ليس بخليفة - ~~ابن الخليفة المستنصر بالله معد ابن الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله علي ~~ابن الخليفة الحاكم بأمر الله منصور ابن الخليفة العزيز بالله نزار ابن ~~الخليفة المعز لدين الله معد أول خلفاء مصر ابن الخليفة المنصور إسماعيل ~~ابن الخليفة القائم بأمر الله محمد ابن الخليفة المهدي عبيد الله، العبيدي ~~الفاطمي المغربي الأصل المصري، العاشر من خلفاء مصر من بني عبيد والثالث ~~عشر من أصلهم المهدي أحد خلفاء بني عبيد بالمغرب. وأم الفائز هذا أم ولد ~~يقال لها زين الكمال. قال أبو المظفر بن قز أوغلي في تاريخه مرآة الزمان: ~~مولده في المحرم سنة ms1116 أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي وهو ابن إحدى عشرة سنة ~~وشهور. وزاد ابن خلكان بأن قال: لتسع بقين من المحرم. قال: وكانت أيامه ست ~~سنين وستة أشهر وسبعة عشر يوما. وبين وفاته ووفاة المقتفي يعني خليفة بغداد ~~العباسي. أربعة أشهر وأيام. قلت: وقوله وبين وفاته ووفاة المقتفي أربعة ~~أشهر وأيام لا يعرف بذلك من السابق منهما بالوفاة. وأنا أقول: أما السابق ~~فهو الخليفة المقتفي الآتي ذكره إن شاء الله؛ فإن وفاة المقتفي في شهر ربيع ~~الأول، ووفاة الفائز هذا صاحب الترجمة في شهر رجب. قال صاحب المرآة: وقام ~~بعده أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ. ولم يكن أبوه خليفة، وأمه يعني ~~عبد الله أم ولد تدعى ست المنى، ولقب بالعاضد. انتهى كلام صاحب المرآة. ~~PageV02P0084 # وقال صاحب كتاب المقلتين في أخبار الدولتين: ولما أصبح الوزير عباس يعني ~~صبيحة قتل الخليفة الظافر بأمر الله ركب إلى القصر ودخل إلى مقطع الوزارة ~~من غير استدعاء، فأطال جلوسه ولم يجلس الخليفة له، فاستدعى عباس زمام ~~القصر، وقال له: إن كان لمولانا ما يشغله عنا في هذا اليوم عدنا إليه في ~~الغد. فمضى الأستاذ وهو حائر فيما يعمل وقد فقد الخليفة. فدخل إلى أخوي ~~الخليفة يوسف وجبريل، وهما رجلان أحدهما مكتهل، فأخبرهما بالقصة؛ وما كان ~~عندهما من خروج أخيهما البارحة إلى دار نصر بن عباس خبر ولا اطلعا عليه إلا ~~في تلك الساعة؛ فما شكا في قتل أخيهما الخليفة الظافر، وقالا للزمام: إن ~~اعتذرت اليوم هل يتم لك هذا مع الزمان؟ فقال الزمام: ما تأمراني به؟ قالا: ~~تصدقه وتحققه. وكان للخليفة ولد عمره خمس سنين اسمه عيسى. فعاد الزمام إلى ~~عباس وقال له: ثم سر أقوله إليك بحضور الأمراء والأستاذين. فقال عباس: ما ~~ثم إلا الجهر. قال: إن الخليفة خرج البارحة لزيارة ولدك نصر فلم يعد بغير ~~العادة. فقال عباس: تكذب يا عبد السوء! إنما أنت مبايع أخويه يوسف وجبريل ~~اللذين حسداه على الخلافة فاغتالاه، واتفقتم على هذا القول. فقال الزمام: ~~معاذ الله! قال ms1117 عباس: فأين هما. فخرجا إليه ومعهما ابن أخ لهما اسمه صالح ~~بن حسن الذي قتل والده الخليفة الحافظ بالسم. وقد تقدم ذكر قتله في ترجمة ~~أبيه الحافظ عبد المجيد. قال: فلما حضروا قال لهم عباس الوزير: أين ~~الخليفة؟ فقالوا: حيث يعلم ابنك ناصر الدين. قال لا. قالوا: بلى! وهذا ~~بهتان منك، لأن بيعة أخينا في أعناقنا، وهؤلاء الأمراء الحاضرون يعلمون ~~ذلك، وإنا في طاعته بوصية والدنا، وأقاما الحجة عليه. فكذبهما وأمر غلمانه ~~بقتل الثلاثة في دارهم. ثم قال للزمام: أين ابن مولانا؟ قال حاضر. فقال ~~عباس: قدامي إلى مكانه. فدخل الوزير عباس بنفسه إليه، وكان عند جدته لأمه، ~~فحمله على كتفه وأخرجه للناس قبل رفع المقتولين، وبايع له بالخلافة، ولقبه ~~بالفائز بنصر الله. فرأى الصبي القتلى فتفزع واضطرب ودام مدة خلافته لا ~~يطيب له عيش من تلك الرجفة. وثم أمر الفائز في الخلافة، ووزر له عباس ~~المذكور، إلى أن وقع له مع طلائع بن رزيك ما سنذكره من أقوال جماعة من ~~المؤرخين. وقد ذكرنا منه أيضا نبذة فيما مضى، ولكن اختلاف النقود فيها ~~فوائد. وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخ الإسلام - بعد أن ساق نسب ~~الفائز هذا حتى قال - : بويع بالقاهرة حين قتل والده الظافر وله خمس سنين، ~~وقيل: بل سنتان، فحمله الوزير عباس على كتفه ووقف في صحن الدار به مظهرا ~~الحزن والكآبة، وأمر أن يدخل الأمراء فدخلوا؛ فقال لهم: هذا ولد مولاكم، ~~وقد قتل عماه مولاكم، وقد قتلتهما كما ترون به، وأشار إلى القتلى، والواجب ~~إخلاص الطاعة لهذا الولد الطفل. فقالوا كلهم: سمعنا وأطعنا، وضخوا ضجة ~~واحدة بذلك. ففزع الطفل يعني الفائز، ومال على كتف عباس من الفزع. وسموه ~~الفائز، ثم سيروه إلى أمه وقد اختل عقله من تلك الضجة فيما قيل، فصار يتحرك ~~في بعض الأوقات ويصرع - قلت: على كل قول كان الفائز قد اختل عقله - . قاله: ~~ولم يبق على يد عباس الوزير يد ودانت له الممالك. وأما أهل القصر فإنهم ~~اطلعوا على باطن القصة ms1118 فأخفوا في إعمال الحيلة في قتل عباس وابنه، فكاتبوا ~~طلائع بن رزيك الأرمني والي منية بني خصيب. ثم ساق الذهبي قصة طلائع مع ~~الوزير عباس. وقال ابن الأثير: اتفق أن أسامة بن منقذ قدم مصر، فاتصل بعباس ~~الوزير وحسن له قتل زوج أمه العادل بن سلار فقتله، وولاه الظافر الوزارة من ~~بعده؛ فاستبد بالأمر وتم له ذلك. وعلم الأمراء والأجناد، أن ذلك من فعل ابن ~~منقذ فعزموا على قتله. فخلا بعباس وقال له: كيف تصبر على ما أسمع من قبيح ~~قول الناس إن الظافر يفعل بابنك نصر - وكان من أجمل الناس، وكان ملازما ~~للظافر - فانزعج لذلك وقال: كيف الحيلة؟ قال: اقتله فيذهب عنك العار. فاتفق ~~مع ابنه على قتله. وقيل: إن الظافر أقطع نصر بن عباس قرية قليوب كلها فدخل ~~وقال: أقطعني مولانا قليوب. فقال ابن منقذ: ما هي في مهرك بكثير. ~~PageV02P0085 # فجرى ما ذكرناه، وهربوا وقصدوا الشام على ناحية أيلة في شهر ربيع الأول ~~سنة تسع وأربعين. وملك الصالح طلائع بن رزيك ديار مصر من غير قتال؛ وأتى ~~إلى دار عباس المعروفة بدار الوزير المأمون بن البطائحي التي هي اليوم ~~المدرسة السيوفية الحنفية؛ فاستحضر الخادم الصغير الذي كان مع الظافر لما ~~نزل سرا، وسأله عن الموضع الذي دفن فيه فعرفه به. فقلع البلاطة التي كانت ~~على الظافر ومن معه من المقتولين، وحملوا وقطعت عليهم الشعور وناحوا عليهم ~~بمصر، ومشى الأمراء قدام الجنازة إلى تربة آبائه. فتكفل الصالح طلائع بن ~~رزيك بالصغير يعني الفائز هذا ودبر أحواله. وأما عباس ومن معه فإن أخت ~~الظافر كاتبت الفرنج الذين بعسقلان الذين استولوا عليها من مديدة يسيرة، ~~وشرطت لهم مالا جزيلا إذا خرجوا عليه وأخفوه، فخرجوا عليه فواقعهم فقتل ~~عباس وأخذت الفرنج أمواله وهرب ابن منقذ في طائفة إلى الشام؛ وأرسلت الفرنج ~~نصر بن عباس إلى مصر في قفص حديد. فلما وصل تسلم رسولهم المال وذلك في شهر، ~~ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة ثم خلعت أخت الظافر يد نصر وضرب ضربا مهلكا، ~~وقرض ms1119 جسمه بالمقاريض، ثم صلب على باب زويلة حيا ثم مات؛ وبقي مصلوبا إلى ~~يوم عاشوراء سنة إحدى وخمسين، ثم أنزل وأحرقت عظامه. وقيل: إن الصالح طلائع ~~بن رزيك بعث إلى الفرنج بطلب نصر بن عباس وبذل إليهم أموالا. فلما وصل سلمه ~~الملك الصالح إلى نساء الظافر فأقمن يضربنه بالقباقيب والزرابيل أياما، ~~وقطعن لحمه وأطعمنه إياه، إلى أن مات ثم صلب. وتكفل الصالح طلائع بن رزيك ~~أمر الصبي أعني الفائز وساس الأمور وتلقب بالملك الصالح، وسار في الناس ~~أحسن سيرة، وفخم أمره، وكان طلائع أديبا كاتبا. ولما ولي الوزر وتلقب ~~بالملك الصالح خلع عليه مثل الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي من الطيلسان ~~المقور، وأنشئ له السجل؛ فتناهى فيه كتاب الإنشاء. فمما قيل فيه: واختصك ~~أمير المؤمنين بطيلسان غدا للسيف توأما، ليكون كل ما أسند إليك من أمور ~~الدولة معلما. ولم يسمع بذلك إلا ما أكرم به الإمام المستنصر بالله أمير ~~المؤمنين أمير الجيوش أبا النجم بحرا وولده أبا القاسم شاهنشاه، وأنت أيها ~~السيد الأجل الملك الصالح. وأين سعيهما من سعيك، ورعيهما الذمام من رعيك؛ ~~لأنك كشفت الغمة، وانتصرت للأئمة، وبيضت غياهب الظلمة، وشفيت قلوب الأمة. ~~وأشياء غير ذلك. وعظم أمر الصالح طلائع إلى أن وقع له ما سنذكره. كل ذلك ~~والفائز ليس له من الخلافة إلا مجرد الاسم فقط، وذلك لصغر سنه. ولما استفحل ~~أمر الصالح طلائع أخذ في جمع المال؛ فإنه كان شرها حريصا على التحصيل. وكان ~~مائلا إلى مذهب الإمامية أعني أنه كان متغاليا في الرفض فمال على ~~المستخدمين في الأموال، وأخذ يعمل على الأمراء المقدمين في الدولة، مثل ~~ناصر الدولة ياقوت، وكان صاحب الباب، وناب عن الحافظ في مرضة مرضها مدة ~~ثلاثة أشهر؛ وطلب أن يوزره فأبى ياقوت المذكور. ومثل الأوحد بن تميم، فإنه ~~كان من أعيان الأمراء. ولما سمع بقصة عباس من قتله الظافر، وكان واليا على ~~دمياط وتنيس، تحرك لطلب دم الظافر وقصد القاهرة، فسبقه طلائع بن رزيك بيوم ~~واحد، فخاب قصده؛ فرده طلائع بن ms1120 رزيك إلى ولايته، وأضاف إليه الدقهلية ~~والمرتاحية. وبقي تاج الملوك قايماز بالقاهرة، وهو من كبار الأمراء، وابن ~~غالب لاحق به؛ فحمل الأجناد عليهما يطلبونهما، فخرجا في جماعتهما، فتكاثر ~~عليهما الأجناد فقتلا ونهبت دورهما بأطماع الصالح طلائع بن رزيك في ذلك. ~~PageV02P0086 # ثم إن طلائع ما اتسع له قرب الأوحد بن تميم بدمياط، فقلده أسيوط وإخميم. ~~وكان ناصر الدولة بقوص من وزارة عباس؛ وكان ابن رزيك لما استدعي لأخذ الثأر ~~وهو بالاشمونين لم يجسر على الحركة إلا بعد مكاتبة ناصر الدولة بذلك، ~~واستدعاه ابن رزيك ليكون الأمر له. فكاتبه ناصر الدولة بإزهاده في ذلك، ~~وأنه سئل به وتركه في أيام الحافظ عن قدرة، واعتقد أنه لا يفلح لأنه لم ~~يتحقق ما كان من عباس. فعند ذلك خلت القاهرة لطلائع بن رزيك من مماثل. ~~وأظهر مذهب الإمامية، وباع الولايات للأمراء، وجعل لها أسعارا، ومدتها ستة ~~أشهر؛ فتضرر الناس من تردد الولاة عليهم في كل ستة أشهر. وضايق القصر طمعا ~~في صغر سن الخليفة، فتعب الناس معه. وجعل له مجلسا في أكثر الليالي يحضره ~~أهل الأدب، ونظم هو شعرا ودونه، وصار الناس يهرعون إلى نقل شعره؛ وربما ~~أصلحه له شاعر كان يصحبه يقال له ابن الزبير. ومما نسب إليه من الشعر قوله: ~~الكامل كم ذا يرينا الدهر من أحداثه ... عبرا وفينا الصد والإعراض ننسى ~~الممات وليس نجري ذكره ... فينا فتذكرنا به الأمراض وله من قصيدة: الوافر ~~مشيبك قد رمى صبغ الشباب ... وحل الباز في وكر الغراب ومنها: فكيف بقاء ~~عمرك وهو كنز ... وقد أنفقت منه بلا حساب فلما ثقلت وطأته على القصر، وكان ~~الخليفة الفائز في تدبير عمته، شرعت في قتل طلائع بن رزيك المذكور، وفرقت ~~في ذلك ما لا يقرب من خمسين ألف دينار. فعلم ابن رزيك بذلك، فأوقع بها ~~وقتلها بالأستاذين والصقالبة سرا، والخليفة في واد آخر من الاضطراب. ثم نقل ~~ابن رزيك كفالة الفائز إلى عمته الصغرى، وطيب قلبها وراسلها. فما حماه ذلك ~~منها بل رتبت قتله. وسعى لها في ذلك ms1121 أصحاب أختها المقتولة؛ فرتبت قوما من ~~السودان الأقوياء في باب السرداب في الدهليز المظلم الذي يدخل منه إلى ~~القاعة، وقوم أخر في خزانة هناك وفيهم واحد من الأجناد يقال له ابن الراعي. ~~فدخل يوم خمسة من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة؛ فلما انفصل من السلام ~~على الخليفة، وكان صاحب الباب في ذلك اليويم أميرا يقال له ابن قوام ~~الدولة، وكان إماميا، فيقال: إنه أخلى الدهليز من الناس حتى لم يبق فيه ~~أحد، وإنه استوقفه أستاذ يقال له عنبر الربعي بحديث طويل. وتقدم طلائع بن ~~رزيك ومعه ولده رزيك، فأرادت الجماعة المخبأة أن تخرج، فوجدوا الباب مغلقا، ~~وخافوا من خلعه التشغيب؛ فخرجت عليه الجماعة الأخرى فضربوا رزيك بن الصالح ~~طلائع ضربة أوقعت عضده الأيمن، وجرح أبوه الصالح طلائع بن رزيك من ابن ~~الراعي المذكور. وقيل: إن طلائع كان متخوما فاستفرغ بالدم، فأكب على وجهه ~~وأخذ منديله من على رأسه؛ فعاد إليه رجل يقال له ابن الزبد، فألبسه ~~المنديل، وخرج به محمولا على الدابة لا يفيق. فقيل: إنه كان يقول إذا أفاق: ~~رحمك الله يا عباس يعني بذلك عباسا الوزير الذي قتل الخليفة الظافر. ~~PageV02P0087 # وكان الفائز قد مات، وتولى الخلافة العاضد، وهو أيضا تحت حجر طلائع ~~المذكور. فمات طلائع سحرا. وكان طلائع قد ولى شاور قوص وندم على ولايته، ~~فأراد استعادته من الطريق؛ فسبقه شاور حتى حصل بها، وطلب منه كل شهر ~~أربعمائة دينار، وقال: لا بد لقوص من وال، وأنا ذلك؛ والله لا أدخل ~~القاهرة، ومتى صرفني دخلت النوبة. ولما مات الصالح طلائع بن رزيك وطاب ولده ~~رزيك، طلبت عمة الفائز رزيك، وأحضرت له الذي ضربه في عضده الأيمن، وأحضرت ~~أيضا سيف الدين حسين ابن أخي طلائع، وحلفت لهما أنها لم تدر بما جرى على ~~أبيه الصالح، وأن فاعل ذلك أصحاب أختها المقتولة؛ وخلعت على رزيك بالوزارة ~~عوضا عن أبيه طلائع بن رزيك، وفسحت له في أخذ من ارتاب به في قتل أبيه. ~~فأخذ ابن قوام الدولة فقتله وولده، والأستاذ ms1122 الذي شغله. وأقام رزيك المذكور ~~في الوزارة سنة وكسرا، فما رأى الناس أحسن من أيامه؛ وسامح الناس بما عليهم ~~من الأموال البواقي الثابتة في الدواوين، ولم يسبق إلى ذلك. ودام في ~~الوزارة حتى قيل: اصرف شاور من قوص يتم الأمر لك. فأشار عليه سيف الدين ~~حسين بإبقائه؛ فقال رزيك: ما لي طمع فيما آخذه منه، ولكن أريده يطأ بساطي. ~~فقيل له: ما يدخل أبدا، فما قبل. وخلع على أمير يقال له ابن الرفعة بولاية ~~قوص عوضا عن شاور؛ فخرج شاور من قوص في جماعة قليلة إلى الواحات. وأما رزيك ~~الوزير فإنه رأى مناما أخبر به ابن عمه سيف الدين حسين؛ فقال له حسين: إن ~~بمصر رجلا يقال له ابن الإيتاخي حاذقا في التعبير، فأحضره رزيك وقال له: ~~رأيت كأن القمر قد أحاط به حنش، وكأنني رواس في حانوت. فغالطه المعبر في ~~التفسير؛ وظهر ذلك لسيف الدين حسين، فأمسك إلى أن خرج المعبر فقال له: ما ~~أعجبني كلامك، والله لا بد أن تصدقني ولا بأس عليك. فقال: يا مولاي، القمر ~~عندنا هو الوزير، كما أن الشمس خليفة؛ والحنش المستدير عليه هو جيش مصحف؛ ~~وكونه رواسا اقلبها تجدها شاور مصحفا أيضا. فقال له حسين: اكتم هذا عن ~~الناس. واهتم حسين في أمره، ووطأ له التوجه إلى مدينة النبي عليه السلام، ~~وكان أحسن إلى المقيمين بها، وحمل إليها مالا وأودعه عند من يثق به. وصار ~~أمر شاور يزداد ويقوى حتى قرب من القاهرة، وصاح الصائح في بني رزيك وكانوا ~~أكثر من ثلاثة آلاف فارس. فأول من نجا بنفسه حسين. فلما بلغ رزيك توجه حسين ~~انقطع قلبه، وأخذ أمواله على البغال وخرج في خاصته إلى إطفيح، فأخذه مقدم ~~إطفيح بعد أمور وكل من معه، وأتى بهم إلى شاور في الحديد؛ فاعتقله شاور ~~وأخاه جلال الإسلام؛ فطلب رزيك من بعض غلمان أبيه مبردا فبرد قيده؛ فعلم ~~أخوه جلال الإسلام فأعلم شاور بذلك، فقتل شاور رزيك وأبقى على أخيه جلال ~~الإسلام لهذه النصيحة. واستمر شاور في ms1123 الوزر أشهرا حتى وقع له مع الضرغام ~~أحد أمراء بني رزيك ما وقع، واستنجد عليه بتوجهه إلى دمشق إلى نور الدين ~~محمود بن زنكي؛ فأرسل معه نور الدين أسد الدين شيركوه بن شافي. وشاور هو ~~صاحب القصة مع أسد الدين شيركوه وابن أخيه السلطان صلاح الدين. يأتي ذكر ~~ذلك في ترجمة العاضد مفصلا، إن شاء الله. وكانت وفاة الفائز صاحب الترجمة ~~في شهر رجب سنة خمس وخمسين وهو ابن عشر سنين أو نحوها. وبايعوا العاضد لدين ~~الله أبا محمد عبد الله بن يوسف ابن الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المستنصر ~~ابن عم الفائز هذا. وأجلسه الملك الصالح طلائع بن رزيك على سرير الخلافة. ~~وأزوجه ابنته. ثم بعد ذلك استعمل طلائع شاور على بلاد الصعيد. وهو شاور ~~البدري الذي استولى على ديار مصر في خلافة العاضد آخر خلفاء بني عبيد، على ~~ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ### || AUT السنة التي حكم في أولها الظافر وفي آخرها الفائز # وكلاهما ليس له في الخلافة إلا مجرد الاسم فقط. وهي سنة تسع وأربعين ~~وخمسمائة. فيها حنقت الترك على سنجر شاه السلجوقي وتركوه في قيد من حديد في ~~خيمة، ووكل به جماعة وأجروا عليه ما لا يجرى على الكفرة، وكاد يموت خوفا، ~~وصار يبكي ليلا ونهارا على نفسه، ويتمنى الموت. PageV02P0088 # وفيها ملك نور الدين محمود بن زنكي بن آق سنقر المعروف بالشهيد دمشق من ~~الأمير مجير الدين. وساعده في ذلك بعض أهل دمشق على مجير الدين المذكور ~~لزيادة ظلمه ومصادراته الناس؛ فلما تحرك نور الدين لطلب دمشق وافقه أهلها ~~لما في نفوسهم من مجير الدين. وفيها توفي المظفر بن علي بن محمد بن محمد بن ~~جهير، الوزير أبو نصر ابن الوزير فخر الدولة، وجده كان أيضا وزيرا. وهو من ~~بيت وزارة وفضل؛ وزر للمقتفي سبع سنين، وعزل عن الوزارء في سنة اثنتين ~~وأربعين وخمسمائة، وكان الخليفة المقتفي نقله من الاستادارية إلى الوزر. ~~وكانت وفاته في ذي الحجة. وكان فاضلا نبيلا، سمع الحديث وحج ms1124 وتصدق. وفيها ~~توفي محمد بن أحمد بن إبراهيم العلامة أبو بكر البغدادي الحنفي. كان فقيها ~~عالما نحويا. مات في ذي القعدة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي الظافر بالله إسماعيل ابن الحافظ العبيدي، اغتاله عباس في ~~المحرم وله اثنتان وعشرون سنة، وأجلس مكانه ولده الفائز طفلا. وأبو البركات ~~عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي، مات جوعا في ذي القعدة في كائنة الغز. ~~وأبو منصور عبد الخالق بن زاهر بن طاهر الشحامي، هلك في شوال بنيسابور. ~~وأبو سعد محمد بن جامع الصيرفي خياط الصوف، توفي في شهر ربيع الآخر. وأبو ~~العشائر محمد بن فارس القيسي بدمشق في ذي الحجة. والحافظ أبو المعمر ~~المبارك بن أحمد الأنصاري الأزجي في رمضان. والوزير أبو نصر المظفر بن علي ~~ابن الوزير فخر الدولة بن جهير، وزر للمقتفي سبع سنين، ومات في ذي الحجة. ~~وأبو المحاسن نصر بن المظفر البرمكي بهمذان. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ست أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من خلافة الفائز بنصر الله # وهي سنة خمسين وخمسمائة. فيها دخلت الترك نيسابور بعد أن كان بينهم وبين ~~أهلها قتال عظيم ونهبوا وسبوا وقتلوا بها نحوا من ثلاثين ألف نسمة، منهم ~~محمد بن يحيى شيخ الشافعية، وكان الملك سنجر شاه السلجوقي معهم في الأسر، ~~وعليه اسم السلطنة وهو مقيد معتقل على أقبح وجه يخدم نفسه ويجلس وحده في ~~أضيق مكان. وفيها توفي محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر السلامي الدار ~~الفارسي الأصل. سمع الحديث ورحل إلى البلاد؛ وكان حافظا متقنا عالما ~~بالأسانيد والمتون، ضابطا ثقة من أهل السنة. ومات في شعبان. وأنشد لغيره: ~~البسيط دع المقادير تجري في أعنتها ... واصبر فليس لها صبر على حال ما بين ~~رقدة عين وانتباهتها ... يقلب الدهر من حال إلى حال وفيها توفي هبة الله بن ~~علي أبو محمد بن عرام؛ كان فاضلا شاعرا. ومن شعره في ذم إنسان: مخلع البسيط ms1125 ~~جميع أقواله دعاوي ... وكل أفعاله مساوي ما زال في فئه غريبا ... ليس له في ~~الورى مساوي وفيها توفي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو بكر ~~القيسي المغربي المالكي؛ مات بفاس في ذي القعدة. وكان فقيها أديبا مترسلا ~~شاعرا. ومن شعره: الخفيف أطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون ~~الجياد ورسول يأتي بوعد حبيب ... وحبيب يأتي بلا ميعاد قلت: وقد تغالى ~~الناس في رسول الحبيب وقالوا فيه أحسن الأقوال. فمن ذلك قول بهاء الدين ~~زهير من أول قصيدته: الطويل رسول الرضا أهلا وسهلا ومرحبا ... حديثك ما ~~أحلاه عندي وأطيبا وأحسن ما سمعت في هذا المعنى قول صفي الدين الحلي: مجزوء ~~الكامل من كنت أنت رسوله ... كان الجواب قبوله هو طلعة الشمس الذي ... جاء ~~الصباح دليله وفي المعنى للسراج الوراق: الكامل إن كانت العشاق من أشواقهم ~~... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا فأنا الذي أتلو لهم: يا ليتني ... كنت ~~اتخذت مع الرسول سبيلا ومما يقارب هذا المعنى ما أنشدني الحافظ شهاب الدين ~~بن حجر لنفسه إجازة إن لم يكن سماعا: الطويل أتى من أحبابي رسول فقال لي ~~... ترفق وهن واخضع تفز برضانا فكم عاشق قاسى الهوان بحبنا ... فصار عزيزا ~~حين ذاق هوانا وقد خرجنا عن المقصود. PageV02P0089 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو العباس أحمد ~~ابن معد التجيبي الأقليشي. وأبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن العصائدي ~~النيسابوري. وأبو القاسم سعيد بن أحمد بن الحسن ابن عبد الله بن أحمد بن ~~البناء في ذي الحجة. وأبو الفتح محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام ~~الكاتب. والحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي السلامي في شعبان، ~~وله ثلاث وثمانون سنة. وأبو الكرم المبارك بن الحسن الشهرزوري المقرئ في ذي ~~الحجة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وتسع عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من خلافة الفائز بنصر الله # وهي سنة إحدى وخمسين ms1126 وخمسمائة. فيها خلع الخليفة المقتفي بالله على ~~سليمان شاه بن محمد شاه بن ملكشاه السلجوقي بعد عمه سنجر شاه خلعة السلطنة: ~~التاج والطوق والسوار والمركب الذهب، واستحلفه الخليفة أن يكون العراق ~~للخليفة ولا يكون لسليمان شاه المذكور إلا ما يفتحه بسيفه من غير العراق، ~~وخطب له على منابر العراق بالسلطنة، وتم أمره إلى ما سيأتي ذكره. وفيها خلص ~~السلطان سنجر شاه من أسر الترك بحيلة، وهرب إلى قلعة ترمذ بعد أن أقام ~~عندهم أربع سنين في الذل والهوان حتى ضرب بحاله عندهم الأمثال. وفيها توفي ~~عبد القاهر بن عبد الله بن الحسين أبو الفرج المعروف بالوأواء الشاعر ~~المشهور. كان أصله من بزاعة ونشأ بحلب وبزاعة بضم الباء الموحدة وفتح الزاي ~~وبعد الألف عين مهملة مفتوحة وهاء، وهي قرية من أعمال حلب وتأدب بحلب وبرع ~~في الأدب وقول الشعر، وشرح ديوان المتنبي. ومما ينسب إليه من الخمريات - ~~وقيل هما لغيره - قوله: الوافر مجرة جدول وسماء آس ... وأنجم نرجس وشموس ~~ورد ورعد مثلث وسحاب كأس ... وبرق مدامة وضباب ند قلت: ويعجبني في هذا ~~المعنى قول يزيد بن معاوية: الكامل ومدامة حمراء في قارورة ... زرقاء ~~تحملها يد بيضاء فالراح شمس والحباب كواكب ... والكف قطب والإناء سماء وما ~~أظرف قول ديك الجن عبد السلام بن رغبان: الوافر شربنا في غروب الشمس شمسا ~~... لها وصف يجل عن الصفات عجبت لعاصريها كيف ماتوا ... وقد صنعوا لنا ماء ~~الحياة ومما قيل في هذا المعنى - دوبيت - : يا ساقي خصني بما تهواه ... لا ~~تمزج أقداحي رعاك الله دعها صرفا فإنني أمزجها ... إذ أشربها بذكر من أهواه ~~وفيها توفي علي بن الحسين الشيخ الإمام الواعظ أبو الحسن الغزنوي الملقب ~~بالبرهان. قدم بغداد وسمع الحديث ووعظ، وكان فصيحا مفوها. كان السلطان ~~مسعود السلجوقي يزوره. ولما أقام ببغداد أمرت الخاتون زوجة الخليفة ~~المستظهر أن يبنى له رباط ووقفت عليه قرية اشترتها من الخليفة المسترشد. ~~وانتفع الناس بجاهه وماله. وكان له أدب ونظم. فمن شعره قوله: السريع كم ~~حسرة لي في الحشا ... من ms1127 ولد إذا نشا وكم أردت رشده ... فما نشا كما نشا ~~وله في غير هذا المعنى وأجاد: السريع يحسدني قومي على صنعتي ... لأنني في ~~صنعتي فارس سهرت في ليلي واستنعسوا ... هل يستوي الساهر والناعس وفيها توفي ~~السلطان مسعود بن محمد ملك الروم. وتولى ممالك الروم بعده ابنه قليج أرسلان ~~بن مسعود. وفيها توفي الشيخ أبو العز بن أبي الدنيا القرشي الصوفي البصري. ~~كان أبوه محتسب البصرة، وكان شاعرا مجيدا أعني أباه. ومن شعره: الرجز ما ~~بال قلبي زائدا غرامه ... ودمع عيني هاطلا غمامه وذلك الجمر الذي خلفتم ... ~~على الحشا لا ينطفي ضرامه الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أبو القاسم إسماعيل بن علي النيسابوري ثم الأصبهاني الحمامي ~~الصوفي في صفر وقد شارف المائة. وأبو القاسم الحسين بن الحسن بن البن ~~الأسدي بدمشق في ربيع الآخر. وأبو الحسن علي بن أحمد بن محمويه اليزدي ~~الشافعي المصري. وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سلامة الكرخي في شوال. ~~والشيخ أبو البيان نبا بن محمد بن محفوظ القرشي ابن الحوراني الدمشقي ~~اللغوي الشافعي الزاهد القدوة. PageV02P0090 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وتسع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من خلافة الفائز بنصر الله # وهي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. فيها جمع الملك محمد شاه بن محمود شاه ~~بن محمد شاه بن ملك شاه السلجوقي التركمان والأكراد وسار حتى قارب بغداد، ~~وبعث إلى الخليفة المقتفي يطلب منه الخطبة والسلطنة، فقيل له: السلطان هو ~~سنجر شاه بن ملكشاه عم أبيك، وأنتم مختلفون. فلم يلتفت محمد شاه حتى قدم ~~بغداد وحصرها، ووقع له بها أمور؛ وطال الأمر بينهم إلى أن رحل منها إلى جهة ~~همذان. وفيها كانت زلازل عظيمة بالشام وحلب وحماة وشيزر وغالب بلاد الشام ~~والشرق، وهلك خلق كثير، حكي أن معلما كان بحماة في كتاب، فقام من المكتب ~~يقضي حاجة ثم عاد وقد رقع المكتب على الصبيان فماتوا بأسرهم. والعجب أنه لم ms1128 ~~يأت أحد يسأل عن صبي منهم بل جميع آبائهم ماتوا أيضا تحت الهدم في دورهم. ~~ووقعت أبراج قلعة حلب وغيرها، وهلك جميع من كان في شيزر إلا امرأة واحدة ~~وخادما. وساخت قلعة فامية، وانشق تل حران نصفين، وظهر فيه بيوت وعمائر ~~قديمة. وانشق في اللاذقية موضع ظهر فيه صنم قائم في الماء، وخربت صيداء ~~وبيروت وطرابلس وعكا وصور وجميع قلاع الفرنج. وعمل شعراء ذلك العصر في هذه ~~الزلزلة أشعارا كثيرة. وفيها ملك الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن ~~آق سنقر المعروف بالشهيد حصن شيزر، وزال ملك بني منقذ عنها بعد أن ملكوها ~~سنين كثيرة. وفيها توفي أحمد بن عمر الشيخ الإمام العلامة أبو الليث ~~السمرقندي الحنفي. كان إماما فقيها حسن الهيئة كثير الصمت غزير العلم واسع ~~الحفظ. حج وعاد إلى بغداد، وصنف التصانيف المفيدة النافعة، وتفقه به جماعة ~~كبيرة. ولما خرج من بغداد خرج الناس لوداعه، فلما ودعهم أنشد: مخلع البسيط ~~يا عالم الغيب والشهاده ... إن بتوحيدك الشهاده أسأل في غربتي وكربي ... ~~منك وفاة على الشهاده وخرج في قافلة؛ فلما ساروا قطع قوم الطريق على ~~القافلة المذكورة وقتلوا منهم جماعة كبيرة من العلماء، فيهم صاحب الترجمة، ~~فقتل الجميع شهداء. وفيها توفي أحمد بن المبارك بن محمد بن عبد الله. ولد ~~سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. كان أديبا شاعرا فاضلا. ومن شعره: دوبيت ~~ساروا وأقام في فؤادي الكمد ... لم ينق كما لقيت منهم أحد شوق وجوى ونار ~~وجد تقد ... ما لي جلد ضعفت ما لي جلد وفيها توفي السلطان سنجر شاه ابن ~~السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق، ~~السلطان أبو الحارث - وقيل: اسمه أحمد. وسمي بسنجر لأنه ولد بسنجار في شهر ~~رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة حين توجه أبوه إلى غزو الروم - ونشأ ببلاد ~~الخوز، وسكن خراسان واستوطن مدينة مرو. وكان دخل بغداد مع أخيه محمد شاه ~~على الخليفة المستظهر. قال سنجر شاه: فلما وقفنا بين يدي الخليفة المذكور ~~ظن أني أنا السلطان، ms1129 فافتتح كلامه معي؛ فخدمت وقلت: يا مولانا أمير ~~المؤمنين، السلطان هو أخي، وأشرت إلى أخي محمد شاه ففوض إليه السلطنة ~~وجعلني ولي عهده. قلت: ولما مات محمد شاه خوطب سنجر شاه هذا بالسلطنة، وكان ~~قبلها في ملك ضخم نحوا من عشرين سنة، وخطب له على عامة منابر الإسلام؛ ~~وأسره الترك أربع سنين، حسب ما ذكرناه في وقته. ثم خلص وكاد ملكه أن يرجع ~~إليه، فأدركته المنية فمات في يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول. ودفن ~~بمرو في قبة بناها بها. وكان روى الحديث وعنده فضيلة. وأصابه صمم في آخر ~~عمره. واستقر الملك بعده لابن أخيه أبي القاسم محمود بن محمد شاه بن ملكشاه ~~السلجوقي. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي السلطان ~~معز الدين أبو الحارث سنجر بن ملكشاه السلجوقي في شهر ربيع الأول، وبقي في ~~الملك نحوا من خمسين سنة. وأبو صابر عبد الصبور بن عبد السلام الهروي. وأبو ~~عمرو عثمان بن علي البيكندي الزاهد ببخارى. وأبو حفص عمر بن عبد الله ~~الحربي المقرئ. وأبو بكر محمد بن عبيد بن نصر بن الزاغوني. وشيخ الشافعية ~~أبو الحسن محمد بن المبارك بن الخل. وأبو القاسم نصر بن نصر العكبري الواعظ ~~في ذي الحجة. أمر النيل في هذه السنة: PageV02P0091 # الماء القديم ست أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا ~~وإحدى عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من خلافة الفائز بنصر الله # وهي سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. فيها اتفق السلطان محمد شاه السلجوقي مع ~~أخيه ملكشاه وأمده بعساكر، فسار إلى خوزستان وفتحها. وفيها توفي عبد الأول ~~بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم، أبو الوقت الهروي المنشأ السجزي الأصل. ومولده ~~في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وحمله أبوه من هراة إلى بوشنج على عنقه، ~~فسمع صحيح البخاري؛ وقدم بغداد وطال عمره وحدث وسمع منه خلائق وألحق الصغار ~~بالكبار. وكان كثير التعبد والتهجد. ومات ببغداد ودفن بالشونيزية عن نيف ~~وتسعين سنة. وفيها توفي يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد، ms1130 الشيخ أبو الفضل ~~الحصكفي. ولد بطنزة مدينة صغيرة بديار بكر ونشأ بحصن كيفا وانتقل إلى ~~ميافارقين. وكان إماما في كل فن، وله أدب وترسل وشعر. ومن شعره: البسيط ~~والله ولو كانت الدنيا بأجمعها ... تبقي علينا ويأتي رزقها رغدا ما كان من ~~حق حر أن يذل لها ... فكيف وهي متاع يضمحل غدا قلت: وهذا الشعر تكلم به ~~الحصكفي المذكور عن خاطري. وكثيرا ما كنت ألهج بهذا المعنى نثرا قبل أن أقف ~~على هذين البيتين، فطابقا ما كان يخطر ببالي، فلله دره. ومن شعره أيضا ~~قوله: البسيط على ذوي الحب آيات مترجمة ... تبين من أجله عن كل مشتبه عرف ~~يلوح وآثار تلوح وأس ... رار تبوح وأحشاء تنوح به الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي الصوفي ~~في ذي القعدة، وله ست وتسعون سنة. وأبو مسعود عبد الجليل بن محمد كوتاه ~~الحافظ بأصبهان في شعبان. وعلي بن عساكر بن سرور المقدسي الكيال بدمشق في ~~شوال عن ست وتسعين سنة. والعلامة أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور النيسابوري ~~الصفار يوم النحر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع سواء. ~~مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة السادسة من خلافة الفائز بنصر الله # وهي سنة أربع وخمسين وخمسمائة. فيها غرقت بغداد وصارت تلالا لا يعرف أحد ~~موضع داره. وفيها توفي عبد الواحد بن حميد بن مفرج الدمشقي. كان أديبا ~~شاعرا فصيحا. ومن شعره قوله من أول قصيدة: الرمل ظالمي في الحب أضحى حكمي ~~... كيف لا يأثم في سفك دمي كم كتمت الحب عن عاذلتي ... حذر البين فلم ~~ينكتم وفيها توفي السلطان محمد شاه بن محمود شاه ابن محمد شاه بن ملكشاه بن ~~ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن دقماق بن سلجوق، أبو نصر السلجوقي. قد ~~تقدم نبذة كبيرة من ذكره في الحوادث. ولما حاصر بغداد كان مريضا، وبلغه موت ~~عمه سنجر شاه فزاد به المرض إلى أن مات على ms1131 باب همذان في ذي الحجة. واختلف ~~الأمراء بعد موته؛ فمنهم من مال إلى أخيه ملكشاه، ومنهم من مال إلى سليمان ~~شاه، ومنهم من مال إلى أرسلان شاه؛ ثم اتفقوا على سليمان شاه. وكان محبوسا ~~بالموصل؛ فجهزه زين الدين صاحب الموصل بإشارة الملك العادل نور الدين محمود ~~بن زنكي المعروف بالشهيد؛ فأجلسوه على سرير الملك بهمذان. وكان قصدهم أن ~~يأكلوا به البلاد، لأنه كان مشغولا باللهو إلا أنه كان فاضلا جوادا مشفقا ~~أمينا. وأما محمد شاه صاحب الترجمة فإنه كان شابا وعنده شجاعة وإقدام وكرم. ~~وفيها توفي محمد بن أبي عقامة أبو عبد الله قاضي زبيد. كان حاكما على ~~اليمن، ولما تغلب ابن مهدي على اليمن قتله وقتل ولده، وكانا فاضلين. ومن ~~شعر محمد هذا من أول قصيدة قوله: البسيط للوجد عنكم روايات وأخبار ... ~~وللعلا نحوكم حاج وأوطار وحيث كنتم فثغر الروض مبتسم ... وأين سرتم فدمع ~~العين مدرار لله قوم إذا حلوا بمنزلة ... حل الندى ويسير الجود إن ساروا ~~تشتاقكم كل أرض تنزلون بها ... كأنكم لبقاع الأرض أمطار PageV02P0092 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو القاسم أحمد ~~بن المبارك بن عبد الباقي الذهبي القطان. وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد ~~العزيز العباسي المكي النقيب في شعبان. وأبو زيد جعفر بن زيد بن جامع ~~الحموي صاحب الرسالة. وأبو علي الحسن بن جعفر ابن عبد الصمد بن المتوكل. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وثماني عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة خمس عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة السابعة من خلافة الفائز بنصر الله # وهي سنة خمس وخمسين وخمسمائة. على أن الفائز مات فيها في شهر رجب، وحكم ~~في باقيها العاضد بالله عبد الله. فيها في يوم الجمعة سلخ صفر أرجف ببغداد ~~بموت الخليفة المقتفي بالله العباسي، فلما كان ثاني شهر ربيع الأول تحقق ~~الناس موته، ودعي الناس إلى بيعة ولي العهد المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ~~بن محمد المقتفي، وتم ذلك وبويع بالخلافة. وفيها توفي الحسن ms1132 بن علي بن عبد ~~الله بن أبي جرادة، أبو علي ثقة الملك الحلبي الحنفي. نشأ بحلب ثم سافر إلى ~~مصر، فتقدم عند وزيرها الملك الصالح طلائع بن رزيك، وكان طلائع المذكور ~~يحترمه لفضله وبيته. ومات بمصر في هذه السنة - وقيل: في سنة إحدى وخمسين ~~وخمسمائة - وكان إماما بارعا فصيحا شاعرا. ومن شعره: البسيط يا صاحبي أطيلا ~~في مؤانستي ... وذكراني بخلاني وعشاقي وحدثاني حديث الخيف إن به ... روحا ~~لروحي وتسهيلا لآماقي وفيها توفي حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى ~~التميمي العميد الدمشقي، ويعرف بابن القلانسي. كان فاضلا أديبا مترسلا؛ جمع ~~تاريخ دمشق وسماه النيل، وذكر في أوله طرفا من أخبار المصريين وبعض حوادث ~~السنين. وقد نقلنا عنه نبذة في هذا الكتاب. وكانت وفاته بدمشق في يوم ~~الجمعة سابع شهر ربيع الأول، ودفن يوم السبت بقاسيون. ومن شعره: الكامل ~~إياك تقنط عند كل شديدة ... فشدائد الأيام سوف تهون وانظر أوائل كل أمر ~~حادث ... أبدا فما هو كائن سيكون وفيها توفي الأمير قايماز الأرجواني، أمير ~~الحاج. حج غير مرة بالناس. وكان شجاعا عادلا رفيقا بالحاج محسنا إليهم. دخل ~~ميدان دار الخلافة يلعب بالكرة فسقط من الفرس فمات، فحزن الخليفة عليه ~~والناس؛ ثم أمر الخليفة أمراء الدولة أن يمشوا في جنازته. وكان حج بالناس ~~مدة سنين. وفيها توفي الخليفة المقتفي بالله أمير المؤمنين أبو عبد الله ~~محمد ابن الخليفة المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بالله عبد الله ابن ~~الأمير محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن القادر بالله أحمد ~~ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن المعتضد بالله أحمد ~~ابن الأمير الموفق طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم ~~محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي البغدادي. بويع بالخلافة بعد قتل ابن ~~أخيه الراشد بالله في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. ومولده في ~~سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وأمه أم ms1133 ولد تدعى بغية النفوس - وقيل: نسيم - ~~ومات في يوم الأحد ثاني شهر ربيع الأول ودفن بداره بعد أن صلي عليه ~~بالمسجد. وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وواحدا وعشرين يوما. ~~وولي الخلافة من بعده ابنه المستنجد يوسف. وكان إماما عالما أديبا شجاعا ~~حليما دمث الأخلاق كامل السودد، خليقا بالخلافة قليل المثل في الأئمة. رحمه ~~الله تعالى. PageV02P0093 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي العميد أبو يعلى ~~حمزة بن أسد التميمي ابن القلانسي رئيس دمشق في عشر التسعين. وأبو يعلى ~~حمزة بن علي بن هبة الله بن الحبوبي الثعلبي البزاز في جمادى الأولى. وصاحب ~~غزنة خسرو شاه بن مسعود السبكتكيني. والفائز عيسى بن الظافر بن الحافظ ~~العبيدي، أقاموه في الخلافة بمصر وله خمس سنين أو دونها، وكان يصرع، فمات ~~في رجب وبايعوا العاضد. وتوفي المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين محمد ابن ~~المستظهر بالله ابن المقتدي في شهر ربيع الأول وله ست وستون سنة، وكانت ~~دولته خمسا وعشرين سنة، وأمه حبشية. وأبو المظفر محمد بن أحمد بن التريكي ~~الهاشمي. وأبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي الهمذاني. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا وعشر أصابع. ### | AUT خلافة العاضد بالله على مصر # الخليفة أبو محمد عبد الله العاضد بالله ابن الأمير يوسف ابن الخليفة ~~الحافظ بالله عبد المجيد ابن الأمير محمد ابن الخليفة المستنصر بالله معد ~~ابن الظاهر بالله علي بن الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز بالله نزار بن ~~المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل ابن القائم بالله محمد بن المهدي ~~عبيد الله، الفاطمي العبيدي، المغربي الأصل المصري، الحادي عشر من خلفاء ~~بني عبيد بمصر، والرابع عشر بالثلاثة الذين ولوا بالمغرب: المهدي والقائم ~~والمنصور. ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقيل سنة أربعين. وقال قاضي ~~القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان - رحمه الله - : ولد يوم الثلاثاء لعشر ~~بقين من المحرم سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وبويع في رجب ms1134 بعد موت ابن عمه ~~الفائز بنصر الله سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة وشهور. ~~وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس الوزير بعد قتل الظافر. ~~انتهى. وقال أبو المظفر بن قز أوغلي في تاريخه: وتوفي يعني العاضد يوم ~~عاشوراء وعمره ثلاث وعشرون سنة، فكانت أيامه إحدى عشرة سنة. واختلفوا في ~~سبب وفاته على أقوال. أحدها أنه تفكر قي أموره فرآها في إدبار فأصابه ذرب ~~عظيم فمات منه. والثاني أنه لما خطب لبني العباس بلغه فاغتم ومات؛ وقيل: إن ~~أهله أخذوا عنه ذلك، وقالوا: إن سلم فهو يعلم، وإن مات فلا ينبغي أن ننغض ~~عليه هذه الأيام التي بقيت من عمره. والثالث أنه لما أيقن بزوال دولته كان ~~في يده خاتم، له فص مسموم فمصه فمات منه. وجلس صلاح الدين في عزائه ومشى في ~~جنازته وتولى غسله وتكفينه، ودفنه عند أهله. واستولى السلطان صلاح الدين ~~على ما في القصر من الأموال والذخائر والتحف والجواهر والعبيد والخدم ~~والخيل والمتاع وغيره. وكان في القصر من الجواهر النفيسة ما لم يكن عند ~~خليفة ولا ملك، مما كان قد جمع في طول السنين. فمنه: القضيب الزمرد وطوله ~~قبضة ونصف، والجبل الياقوت الأحمر، والمرة اليتيمية مثل بيض الحمام، ~~والياقوتة الحمراء وتسمى الحافر، وزنتها أربعة عشر مثقالا. ومن الكتب ~~المنتخبة بالخطوط النفيسة مائة ألف مجلد. ووجد عمامة القائم وطيلسانه؛ كان ~~البساسيري بعث بهما إلى المستنصر، يعني لما استولى البساسيري على بغداد، ~~وأسر الخليفة القائم العباسي، وخطب ببغداد للمستنصر من بني عبيد، ثم بعث ~~بعمامة القائم وطيلسانه، فأخذوهما خلفاء مصر فاحتفظوا عليهما، نوعا من ~~النكاية في بني العباس؛ فهذا شرح قول أبي المظفر من عمامة القائم ~~والطيلسان. قال: ووجدوا أموالا لا تعد ولا تحصى. وأفرد صلاح الدين أهل ~~العاضد ناحية عن القصر، وأجرى عليهم جميع ما يحتاجون إليه، وسلمهم إلى ~~الخادم قراقوش؛ فعزل الرجال عن النساء واحتاط عليهم. ومما وجد في خزانة ~~العاضد طبل القولنج الذي صنع للظافر، وكان من ضربه خرج منه ريح ms1135 واستراح من ~~القولنج - قلت: قد تقدم الكلام قبل ذلك على هذا الطبل في محله - . قال: ~~فوقع الطبل إلى بعض الأكراد فلم يدر ما هو فكسره، لأنه ضرب عليه فخرج منه ~~ريح فحنق وضربه وكسره. PageV02P0094 # قال: وفرق صلاح الدين الأموال التي أخذها من القصر في العساكر، وباع بعض ~~الجواري والعبيد، وأعطى للقاضي الفاضل من الكتب ما أراد، وبعث إلى نور ~~الدين بعمامة القائم وطيلسانه وهدايا وتحف وطيب ومائة ألف دينار. وكان نور ~~الدين بحلب فلما حضرت بين يديه قال: والله ما كان لي حاجة إلى هذا؛ ما وصل ~~إلينا عشر معشار ما أنفقناه على العساكر التي جهزناها إلى مصر، وما قصدنا ~~بفتحها إلا فتح الساحل، و قلع الكفار منه. وانقضت أيام الخلفاء المصريين ~~بوفاة العاضد، وعدتهم أربعة عشر على عدد بني أمية، إلا أن أيامهم طالت ~~فملكوا مائتين وثماني سنين، وبنو أمية ملكوا نيفا وتسعين سنة. قال: وأول ~~المصريين عبيد الله الملقب بالمهدي. قلت: ليس هو كما قال: إن عبيد الله أول ~~خلفاء المصريين، وإنما أولهم المعز لدين الله معد. نعم إن كان قصد بأن يكون ~~أولهم ممن دعي له على المنابر بالمغرب وأطلق عليه اسم الخليفة فيكون، وأما ~~أنه ملك مصر فلا. ويأتي بيان ذلك. وقد تقدم أيضا في ترجمة المعز وغيره. قال ~~أبو المظفر: قال ابن عبد البر: هو عبيد الله بن محمد بن ميمون بن محمد بن ~~إسماعيل بن جعفر الصادق - عليه السلام - . والثاني ابنه أبو القاسم محمد ~~ويلقب بالقائم بأمر الله، والثالث ابنه إسماعيل ويلقب بالمنصور، والرابع ~~ابنه معد ويلقب بالمعز لدين الله. - قلت: وهذا المعز هو الذي تقدم ذكره أنه ~~أول من ولي مصر من بني عبيد وبنى له جوهر القائد القاهرة، وهو أول خليفة ~~سكن مصر من بني عبيد؛ ولهذا كنا نقول في تراجمهم الأول من خلفاء مصر ~~والرابع ممن ولي من آبائه بالمغرب، وعلى هذا سلكنا في تراجمهم - . قال: ~~والخامس ابنه نزار ويلقب بالعزيز بالله، والسادس ابنه منصور ويلقب بالحاكم ~~بأمر الله، والسابع ابنه ms1136 علي ويلقب بالظاهر لدين الله، والثامن ابنه معد ~~ويلقب بالمستنصر بالله وقد ولي ستين سنة، والتاسع أبو القاسم أحمد ويلقب ~~بالمستعلي، والعاشر ابنه منصور ويلقب بالآمر بأحكام الله، وانقطع نسله، ~~وولي ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد بن أبي القاسم بن المستنصر ويلقب ~~بالحافظ لدين الله وهو الحادي عشر، والثاني عشر ولده إسماعيل ويلقب ~~بالظافر، والثالث عشر أبو القاسم عيسى ويلقب بالفائز بنصر الله، والرابع ~~عشر عبد الله بن يوسف بن الحافظ ويلقب بالعاضد. انتهى كلام صاحب مرآة ~~الزمان وغيره. قلت: فائدة جليلة لم يل الخلافة أحد من الفاطميين بعد أخيه، ~~وهذا لم يقع لغيرهم. وأما عدد خلفاء بني أمية فهم كما قال: أربعة عشر، لكنه ~~ما عدهم، فنقول: هم معاوية بن أبي سفيان، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه ~~معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه ~~الوليد ابن عبد الملك، ثم أخوه سليمان بن عبد الملك، ثم ابن عمه عمر بن عبد ~~العزيز بن مروان، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم أخوه هشام بن عبد الملك ثم ~~الوليد الفاسق ابن يزيد بن عبد الملك، ثم ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد ~~الملك، المعروف بالناقص، ثم أخوه إبراهيم، ثم مروان بن محمد بن مروان بن ~~الحكم المعروف بالحمار؛ وهو آخرهم، قتل بسيف بني العباس. وقد خرجنا عن ~~المقصود ولنعد إلى ترجمة العاضد وما يتعلق به. قلت: وكان وزير العاضد شاور. ~~وشاور هذا هو الذي وقع له مع الأمير أسد الدين شيركوه الآتي ذكره ما وقع. ~~يأتي ذلك كله في ترجمة ابن أخيه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب مفصلا؛ ~~لكن نذكر هنا من أحوال شاور المذكور نبذة كبيرة ليكون الناظر بعد ذلك فيما ~~يأتي على بصيرة بترجمة شاور المذكور. PageV02P0095 # وكان شاور قد وزر للعاضد بعد قتل رزيك ابن الملك الصالح طلائع بن رزيك. ~~وكان دخوله إلى القاهرة من قوص في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة لما ملكها ~~رزيك، ودخل معه خلق ms1137 كثير ونزل بدار سعيد السعداء، ودخل معه أولاده طيئ ~~وشجاع. فلما وزر زاد الأجناد على ما كان لهم عشر مرات. وكان يجلس والأبواب ~~مغلقة عليه خيفة من حواشي رزيك. وكان رزيك أنشأ أمراء يقال لهم البرقية، ~~ويقال لكبيرهم ضرغام. فولى شاور ضرغاما المذكور الباب، وكان فارسا شجاعا، ~~جمع على شاور حتى أخرجه من القاهرة وقتل ولده الأكبر المسمى بطيئ، وبقي ~~ابنه شجاع المنعوت بالكامل. فسار شاور إلى الشام، واستنجد بالملك العادل ~~نور الدين محمود بن زنكي بن آق سنقر المعروف بالشهيد؛ فأرسل معه الملك ~~العادل أحد أمرائه وهو الأمير أسد الدين شيركوه بن شادي. يأتي ذكر ذلك كله ~~في آخر هذه الترجمة، وأيضا في ترجمة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بأوسع ~~من هذا، بعد أن نذكر أقوال جماعة من المؤرخين في حق العاضد هذا وأحواله. ~~قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخ الإسلام - بعد ما ساق نسبته إلى ~~أن قال - : العبيدي الرافضي الذي زعم هو وبيته أنهم فاطميون، وهو آخر خلفاء ~~مصر. ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة في أولها. فلما هلك الفائز ابن عمه ~~واستولى الملك الصالح طلائع بن رزيك الديار المصرية، بايع العاضد وأقامه ~~صورة؛ وكان كالمحجور عليه لا يتصرف في كل ما يريد، ومع هذا كان رافضيا ~~سبابا خبيثا. قال ابن خلكان: كان إذا رأى سنيا استحل دمه. وسار وزيره الملك ~~الصالح طلائع بن رزيك بسيرة مذمومة، واحتكر الغلات فغلت الأسعار، وقتل ~~أمراء الدولة خيفة منهم، وأضعف أحوال دولتهم، فقتل ذوي الرأي والبأس وصادر ~~أولي الثروة. وفي أيام العاضد ورد حسين بن نزار بن المستنصر العبيدي من ~~المغرب وقد جمع وحشدت فلما قارب مصر غدر به أصحابه وقبضوا عليه وأتوا به ~~إلى العاضد فذبحه صبرا في سنة سبع وخمسين. ثم قتل العاضد طلائع بن رزيك ~~ووزر له شاور؛ فكان سبب خراب دياره؛ ودخل أسد الدين إلى ديار مصر وقتل ~~شاور، ومات أسد الدين شيركوه وقام في الأمر ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب، وتمكن وقال ms1138 القاضي جمال الدين بن واصل: حكى لي الأمير حسام الدين بن ~~أبي علي قال: كان جدي في خدمة صلاح الدين، فحكى أنه لما وقعت هذه الواقعة ~~يعني وقعة السودان بالقاهرة التي زالت دولتهم فيها، وزالت آل عبيد من مصر ~~يأتي ذكر هذه الواقعة في آخر ترجمة العاضد إن شاء الله تعالى قال: وشرع ~~صلاح الدين يطلب من العاضد أشياء من الخيل والرقيق والأموال ليتقوى بذلك. ~~قال: فسيرني يوما إلى العاضد أطلب منه فرسا ولم يبق عنده إلا فرس واحد، ~~فأتيته وهو راكب في البستان المعروف بالكافوري الذي يلي القصر، فقلت: ~~السلطان صلاح الدين يسلم عليك ويطلب منك فرسا؛ فقال: ما عندي إلا الفرس ~~الذي أنا راكبه، ونزل عنه وشق خفيه ورمى بهما وسلم إلي الفرس، فأتيت به ~~صلاح الدين، ولزم العاضد بيته. واشتغل صلاح الدين بالأمر وبقي العاضد معه ~~صورة إلى أن خلعه وخطب في حياته لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله ~~العباسي؛ وأزال الله تلك الدولة المخذولة. انتهى. PageV02P0096 # وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: اجتمعت بالأمير أبي الفتوح بن العاضد ~~وهو مسجون مقيد في سنة ثمان وعشرين وستمائة، فحكى لي أن أباه في مرضه ~~استدعى صلاح الدين فحضر، فأحضرونا يعني أولاده ونحن صغار فأوصاه بنا، ~~فالتزم إكرامنا واحترامنا. ثم قال أبو شامة: وهم أربعة عشر خليفة وعدهم ~~نحوا مما ذكرناه، إلى أن قال: ويدعون الشرف، ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، ~~حتى اشتهر لهم ذلك بين العوائم، فصاروا يقولون الدولة الفاطمية والدولة ~~العلوية، وإنما هي الدولة اليهودية والمجوسية الملحمة الباطنية. قال: وقد ~~ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر وأنهم لم يكونوا لذلك أهلا ولا نسبهم ~~صحيحا بل المعروف أنهم بنو عبيد، وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد ~~المجوسي. قال: وقيل إن والد عبيد هذا كان يهوديا من أهل سلمية وكان جوادا. ~~وعبيد كان اسمه سعيدا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله وادعى نسبا ليس ~~بصحيح، قال ذلك جماعة من علماء الأنساب. ثم ترقت به الحال إلى أن ملك ~~المغرب ms1139 وبنى المهدية وتلقب بالمهدي؛ وكان زنديقا خبيثا عدوا للإسلام، من ~~أول دولتهم إلى آخرها، وذلك من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين إلى سنة ~~سبع وستين وخمسمائة. وقد بين نسبهم جماعة مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، ~~فإنه كشف في أول كتابه المسمى بكشف أسرار الباطنية عن بطلان نسب هؤلاء إلى ~~علي - رضي الله عنه - وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد استقصى الكلام في ~~أصولهم. انتهى. قلت. وقد ذكرنا نوعا من ذلك في عدة تراجم من هذا الكتاب من ~~بني عبيد المذكورين، وفي المحضر المكتتب من جهة الخليفة القائم بأمر الله ~~العباسي وغيره. وقال بعضهم: كانت وفاة العاضد في يوم عاشوراء بعد إقامة ~~الخطبة بيوميات قليلة في أول جمعة من المحرم لأمير المؤمنين المستضيء ~~بالله، والعاضد آخر خلفاء مصر؛ فلما كانت الجمعة الثانية خطب بالقاهرة أيضا ~~للمستضيء بسائر الجوامع، ورجعت الدعوة العباسية بعد أن كانت قد قطعت بها ~~أعني الديار المصرية وأعمالها أكثر من مائتي سنة. وتسلم السلطان الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قصر الخلافة، واستولى على ما كان به من ~~الأموال والذخائر، وكانت عظيمة الوصف، وقبض على أولاد العاضد وحبسهم في ~~مكان واحد بالقصر، وأجرى عليهم ما يمونهم وعفى آثارهم، وقمع مواليهم وسائر ~~نسائهم. قال: وكانت هذه الفعلة من أشرف أفعاله، فلنعم ما فعل؛ فإن هؤلاء ~~كانوا باطنيين زنادقة دعوا إلى مذهب التناسخ واعتقاد حلول الجزء الإلهي في ~~أشباحهم. وقد قال الحاكم لداعيه: كم في جريدتك؟ قال ستة عشر ألفا يعتقدون ~~أنك الإله. وقال قائلهم - وأظنه في الحاكم بأمر الله - : الكامل ما شئت لا ~~ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار قال: فلعن الله المداح ~~والممدوح؛ فليس هذا في القبح إلا كقول فرعون: أنا ربكم الأعلى. وقال الحافظ ~~شمس الدين الذهبي: وقال بعض شعرائهم في المهدي - وهو غاية في الكفر - : ~~مخلع البسيط حل برقادة المسيح ... حل بها آدم ونوح حل بها الله في علاه ... ~~وما سوى الله فهو ريح قال: وهذا أعظم كفرا من النصارى؛ لأن النصارى يزعمون ms1140 ~~أن الجزء الإلهي حل بناسوت عيسى فقط، وهؤلاء يعتقدون حلوله في جسد آدم ونوح ~~والأنبياء وجميع الأمة. هذا اعتقادهم. لعنهم الله!. PageV02P0097 # وقال القاضي شمس الدين بن خلكان - رحمه الله - : سمعت جماعة من المصريين ~~يقولون: هؤلاء القوم في أوائل دولتهم قالوا لبعض العلماء: أكتب لنا ألقابا ~~في ورقة تصلح للخلفاء، حتى إذا تولى واحد لقبوه ببعض تلك الألقاب. فكتب لهم ~~ألقابا كثيرة، وآخر ما كتب في الورقة العاضد؛ فاتفق أن آخر من ولي منهم ~~تلقب بالعاضد. وهذا من عجيب الاتفاق. وأخبرني أحد علماء المصريين أيضا: أن ~~العاضد المذكور في آخر دولته رأى في منامه أنه بمدينة مصر، وقد خرجت إليه ~~عقرب من مسجد هو معروف بها، فلدغته. فلما استيقظ ارتاع لذلك فطلب بعض معبري ~~الرؤيا وقص عليه المنام؛ فقال: ينالك مكروه من شخص هو مقيم بالمسجد. فطلب ~~والي مصر وقال له: اكشف عمن هو مقيم بالمسجد الفلاني - وكان العاضد قد رأى ~~ذلك المسجد - فإذا رأيت أحدا أحضره إلي. فمضى الوالي إلى المسجد فوجد به ~~رجلا صوفيا، فأخذه ودخل به إلى العاضد. فلما رآه سأله من أين هو، ومتى قدم ~~البلاد، وفي أي شيء قدم؟ وهو يجاوبه عن كل سؤال. فلما ظهر منه ضعف الحال ~~والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه أعطاه شيئا وقال له: يا شيخ، ادع لنا؛ ~~وخلى سبيله؛ وخرج من عنده وعاد إلى المسجد. فلما استولى السلطان صلاح الدين ~~على الديار المصرية وعزم على قبض العاضد وأشياعه واستفتى الفقهاء وأفتوه ~~بجواز ذلك لما كان عليه من انحلال العقيدة وفساد الاعتقاد وكثرة الوقوع في ~~الصحابة والاشتهار بذلك، فكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الصوفي المقيم ~~بالمسجد، وهو الشيخ نجم الدين الخبوشاني. انتهى كلام ابن خلكان. ولما ~~استولى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على مصر، كتب إلى الوزير ببغداد ~~على يد شمس الدين محمد بن المحسن بن الحسين بن أبي المضاء البعلبكي الذي ~~خطب أول شيء بمصر لبني العباس بإشارة السلطان صلاح الدين؛ وكان الكتاب من ~~إنشاء القاضي الفاضل عبد الرحيم ms1141 البيساني، وكان مما فيه: وقد توالت الفتوح ~~غربا ويمنا وشاما، وصارت البلاد بل الدنيا والشهر بل الدهر حرما حراما، ~~وأضحى الدين واحدا بعد ما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم ~~يخروا عليها صفا وعميانا؛ والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع ~~الضلال شائعة؛ وذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء ~~الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا؛ ~~وكذبوا بالنار فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظبا حروف رؤوسهم نثر ~~الأقلام للحروف؛ ومزقوا كل ممزق، وأخذ منهم كل مخنق، وقطع دابرهم، ووعظ ~~ائبهم غابرهم، ورغمت أنوفهم ومنابرهم؛ وحقت عليهم الكلمة تشريدا وقتلا، ~~وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا. وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ~~ولا النيل عن السير إليهم بنائم. ولا خفاء عن المجلس الصاحبي أن من شد عقد ~~خلافة وحل عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف؛ ~~فإنه مفتقر إلى أن يشكر ما نصح، ويقلد ما فتح، ويبتغ ما اقترح، ويقدم حقه ~~ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح؛ وتأتيه التشريفات الشريفة. - ثم قال بعد ~~كلام آخر - : وقد أنهض لإيصال ملطفاته، وتنجيز تشريفاته؛ خطيب الخطباء ~~بمصر، وهو الذي اختاره بمصر لصعود المنبر، وقام بالأمر قيام من بر. واستفتح ~~بلبس السواد الأعظم، الذي جمع الله عليه السواد الأعظم. ثم كتب السلطان ~~صلاح الدين إلى الملك العادل نور الدين يطلب منه أباه وأقاربه، ويأتي ذلك ~~كله في ترجمة صلاح الدين مفصلا، إن شاء الله تعالى. وقد ذكرنا أقوال جماعة ~~من العلماء والمؤرخين في أحوال العاضد وتوليته ووفاته ونسبه. والآن نذكر ~~الأسباب التي كانت سببا لذهاب ملك العاضد وزوال دولة الفاطميين بني عبيد من ~~ديار مصر، وابتداء ملك بني أيوب على سبيل الاختصار مجملا. وقد ذكرنا ذلك ~~كله في التراجم والحوادث على عادة سياق هذا الكتاب من أوله إلى آخره؛ غير ~~أن الذي نذكره هنا متعلق بالوزراء وكيفية انفصال الدولة الفاطمية واتصال ~~الدولة الأيوبية. PageV02P0098 # فأول الأمر قتل العاضد وزيره ms1142 الملك الصالح طلائع بن رزيك، وكنيته أبو ~~الغارات الأرمني الأصل. أقام وزيرا بمصر سبع سنين؛ وقد ذكرنا ابتداء أمره ~~في آخر ترجمة الظافر وأول ترجمة الفائز، وكان الفائز معه كالمحجور عليه. ~~ولما مات الفائز أقام العاضد هذا في الخلافة، وتولى تدبير ملكه على عادته، ~~وولى شاور بن مجير السعدي الصعيد. ثم ثقل طلائع هذا على العاضد فدبر في ~~قتله. فلما كان عاشر شهر رجب سنة ست وخمسين وخمسمائة حضر الصالح طلائع إلى ~~قصر الخلافة، فوثب عليه باطني فضربه بسكين في رأسه، ثم في ترقوته فحمل إلى ~~داره، وقتل الباطني. ومات الملك الصالح طلائع بن رزيك من الغد، فحزن الناس ~~عليه لحسن سيرته، وأقيم المأتم عليه بالقصر وبالقاهرة ومصر. وكان جوادا ~~ممدحا فاضلا شاعرا كثير الصدقات حسن الآثار؛ بنى جامعا خارج بابي زويلة ~~يعرف بجامع الصالح، وآخر بالقرافة وتربة إلى جانبه، وهو مدفون بها. وقام ~~بعده في الوزر ابنه رزيك بن طلائع بن رزيك، ولقب بمجد الإسلام. وفرح العاضد ~~بقتل طلائع المذكور إلى الغاية، وكان في ذلك عكسه؛ على ما يأتي: وهو أن ~~رزيك لما وزر مكان والده طلائع سار على سيرة أبيه، فلم يحسن ذلك ببال ~~العاضد، فأحب ذهابه أيضا ليستبد بالأمور من غير وزيرة فدس إلى شاور، فتحرك ~~شاور بن مجير السعدي من بلاد الصعيد وجمع أوباش الصعيد من العبيد والأوغاد، ~~وقدم إلى القاهرة تحرابا لرزيك. فخرج إليه رزيك بن طلائع وقاتله والعاضد في ~~الباطن مع شاور، فانهزم رزيك. ودخل شاور إلى القاهرة وملكها وأخرب دور ~~الوزارة ودور بني رزيك؛ واختفى الوزير رزيك المذكور إلى أن ظفر به شاور ~~وقتله. يأتي بعض ذكر ذلك في الحوادث كل واحد على حدته. وتولى شاور الوزارة، ~~فعامل العاضد بأفعال قبيحة وأساء السيرة في الرعية، وأخذ أمر مصر في وزارته ~~في إدبار. ولما كثر ظلمه خرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر من الصعيد - ~~وقيل من مصر - وحشد. فخرج إليه شاور بدسته فهزمه ضرغام، وقتل ولده الأكبر ~~طيئ، وخذل أهل القاهرة شاور لبغضهم ms1143 له. فهرب شاور إلى الشام ودخل إلى ~~السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي المعروف بالشهيد، فالتقاه ~~نور الدين وأكرمه. فطلب شاور منه النجمة والعساكر وأطمعه في الديار ~~المصرية، وقال له: أكون نائبك بها، وأقنع بما تعين لي من الضياع والباقي ~~لك. فأجابه نور الدين لذلك وجهز له العساكر مع الأمير أسد الدين شيركوه بن ~~شادي الكردي، أحد أمراء نور الدين. وخرجوا من دمشق في العشرين من جمادى سنة ~~سبع وخمسين وخمسمائة، وكان مع أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين يوسف ~~بن أيوب في خدمته. فلما وصلوا إلى القاهرة خرج إليهم أبو الأشبال ضرغام بن ~~عامر بن سوار، فحاربهم أياما ووقع بينهم حروب وأمور يطول شرحها، إلى أن ~~التقوا على باب القاهرة؛ فحمل ضرغام بنفسه في أوائل الناس فطعن وقتل، ~~واستقام أمر شاور. فكانت وزارة ضرغام تسعة أشهر. واستولى شاور ثانيا على ~~القاهرة. وكان خبيثا سفاكا للدماء. ولما ثبت أمره ظهر منه إمارات الغدر ~~بأسد الدين شيركوه. فأشار صلاح الدين يوسف بن أيوب على عمه أسد الدين ~~شيركوه بالتأخر إلى بلبيس. وكان أسد الدين لا يقطع أمرا دون صلاح الدين؛ ~~ففعل ذلك وخرج إلى بلبيس، وبعث أسد الدين يطلب من شاور رزق الجند أعني ~~النفقة فاعتذر وتعلل عليه. فكتب أسد الدين إلى نور الدين يخبره بما جرى، ~~ودس شاور إلى الفرنج رسلا يدعوهم إلى مصر ويبذل لهم الأموال، فاجتمع الفرنج ~~من الساحل وساروا من الداروم متفقين مع شاور على أسد الدين شيركوه. فتهيأ ~~أسد الدين لحربهم وحاربهم فقوي الفرنج عليه وحاصروه بمدينة بلبيس نحو شهرين ~~حتى صالحهم أسد الدين على مال. وكان حصارهم له من أول شهر رمضان إلى ذي ~~القعدة. ووقع بينهم حروب وأمور حتى بلغهم أن نور الدين الشهيد قصد بلادهم ~~من الشام؛ فعند ذلك رجعت الفرنج وصالحوا أسد الدين شيركوه، فعاد أسد الدين ~~إلى الشام وهو في غاية من القهر. PageV02P0099 # وأقام شاور بالقاهرة على عادته يظلم ويقتل ويصادر الناس، ولم يبق للعاضد ~~معه أمر ولا ms1144 نهي. وأقام أسد الدين بدمشق في خدمة نور الدين إلى سنة اثنتين ~~وستين، فعاد بعساكر الشام إلى مصر ثانيا. وسببه أن العاضد لما غلب عليه ~~شاور كتب إلى نور الدين يستنجده على شاور وأنه قد استبد بالأمر وظلم وسفك ~~الدم. وكان في قلب نور الدين من شاور حرازة لكونه غدر بأسد الدين شيركوه ~~واستنجد عليه بالفرنج. فخرج أسد الدين بعساكر الشام من دمشق في منتصف شهر ~~ربيع الأول من سنة اثنتين وستين المذكورة، وسار أسد الدين ومعه ابن أخيه ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب حتى نزل بر الجيزة غربي مصر على بحر النيل. وكان ~~شاور قد أعطى الفرنج الأموال وأقطعهم الإقطاعات وأنزلهم دور القاهرة وبنى ~~لهم أسواقا تخصهم. وكان مقدم الفرنج الملك مري وابن نيرزان. فأقام أسد ~~الدين على الجيزة شهرين، وعمى إلى بر مصر والقاهرة في خامس عشرين جمادى ~~الآخرة، وخرج إليه شاور والفرنج. ورتب شاور عساكره، فجعل الفرنج على ~~الميمنة مع ابن نيرزان، وعسكر مصر في الميسرة، وأقام الملك مري الفرنجي في ~~القلب في عسكره من الفرنج. ورتب أسد الدين عساكره فجعل صلاح الدين في ~~الميمنة؛ وفي الميسرة الأكراد، وأسد الدين في القلب، فحمل الملك مري على ~~القلب فتعتعه، وكانت أثقال المسلمين خلفه فاشتغل الفرنج بالنهب؛ وحمل صلاح ~~الدين على شاور فكسره وفرق جمعه. وعاد أسد الدين إلى ابن أخيه صلاح الدين ~~وحملا على الفرنج فانهزموا، فقتلا منهم ألوفا وأسرا مائة وسبعين فارسا. ~~وطلبوا القاهرة، فلو ساق أسد الدين خلفهم في الحال ملك القاهرة، وإنما عدل ~~إلى الإسكندرية فتلقاه أهلها طائعين، فدخلها وولى عليها صلاح الدين. فأقام ~~صلاح الدين بها وسار أسد الدين إلى الصعيد فاستولى عليه، وأقام يجمع ~~أمواله. وخرج شاور والفرنج من القاهرة فحصروا الإسكندرية أربعة أشهر، ~~وأهلها يقاتلون مع صلاح الدين ويقوونه بالمال. وبلغ أسد الدين فجمع عرب ~~البلاد وسار إلى الإسكندرية، فعاد شاور إلى القاهرة وراسل أسد الدين حتى تم ~~الصلح بينهم، وأعطى شاور أسد الدين إقطاعا بمصر وعجل له مالا. فعاد أسد ~~الدين ms1145 إلى الشام ومعه صلاح الدين. واعتذر أسد الدين إلى الملك العادل نور ~~الدين محمود بكثرة الفرنج والمال. ورأى صلاح الدين لأهل الإسكندرية ما ~~فعلوا، فلما ملك مصر بعد ذلك أحسن إليهم. ثم إن الفرنج طلبوا من شاور أن ~~يكون لهم شحنة بالقاهرة ويكون أبوابها بأيدي فرسانهم وتحمل إليهم في كل سنة ~~مائة ألف دينار، ومن سكن منهم بالقاهرة يبقى على حاله ويعود بعض ملوكهم إلى ~~الساحل؛ فأجابهم شاور إلى ما طلبوا منه. كل ذلك تقرر بين شاور والفرنج ~~والعاضد لا يعلم بشيء منه. وسار بعض الفرنج إلى الساحل. وكان الملك العادل ~~نور الدين محمود يخاف على مصر من غلبة الفرنج عليها، فسار بعساكره من دمشق ~~وفتح المنيطرة وقلاعا كثيرة؛ فخاف من كان بمصر من الفرنج. وبينما هم في ذلك ~~عاد الفرنج من الساحل إلى نحو مصر في سنة أربع وستين، وطمعوا في أخذها. ~~وكان خروجهم من عسقلان والساحل إلى نحو مصر في أوائل السنة، وساروا حتى ~~نزلوا بلبيس، وأغاروا على الريف وأسروا وقتلوا. هذا وقد تلاشى أمر الديار ~~المصرية من الظلم ولم يبق للعاضد من الخلافة سوى الاسم والخطبة لا غير. ~~PageV02P0100 # فلما بلغ شاور فعل الفرنج بالأرياف، أخرج من كان بمصر من الفرنج بعد أن ~~أساء في حقهم قبل ذلك، وقتل منهم جماعة كبيرة وهرب الباقون. ثم أمر شاور ~~أهل مصر بأن ينتقلوا إلى القاهرة ففعلوا، وأحرق شاور مصر. وسار الفرنج من ~~بلبيس حتى نزلوا على القاهرة في سابع صفر، وضايقوها وضربوها بالمجانيق. فلم ~~يجد شاور بدا أن كاتب الملك العادل نور الدين محمودا بأمر العاضد. وكان ~~الفرنج لما وصلوا إلى مصر في المرتين الأوليين اطلعوا على عوراتها وطمعوا ~~فيها؛ وعلم نور الدين بذلك فأسرع بتجهيز العساكر خوفا على مصر. ثم جاءته ~~كتب شاور والعاضدة فقال نور الدين لأسد الدين شيركوه: خذ العساكر وتوجه ~~إليها؛ وقال لصلاح الدين: أخرج مع عمك أسد الدين؛ فامتنع وقال: يا مولاي، ~~يكفي ما لقينا من الشدائد في تلك المرة. فقال نور الدين: لا بد ms1146 من خروجك؟ ~~فما أمكنه مخالفة مخدومه نور الدين المذكور؛ فخرج مع عمه، وساروا إلى مصر. ~~وبلغ الفرنج ذلك فرجعوا عن مصر إلى الساحل. وقيل: إن شاور أعطاهم مائة ألف ~~دينار. وجاء أسد الدين بمن معه من العساكر ونزل على باب القاهرة. فاستدعاه ~~العاضد إلى القصر وخلع عليه في الإيوان خلعة الوزارة ولقبه بالمنصور، وشر ~~أهل مصر بذلك. وقيل: إنه لم يستدعه، وإنما بعث إليه بالخلع والأموال ~~والإقامات؛ وكذلك إلى الأمراء الذين كانوا معه. وأقام أسد الدين مكانه ~~وأرباب الدولة يترددون إلى خدمته في كل يوم، ولم يقدر شاور على منعهم لكثرة ~~العساكر ولكون العاضد مائلا إلى أسد الدين المذكور. فكاتب شاور أيضا الفرنج ~~واستدعاهم وقال لهم: يكون مجيئكم إلى دمياط في البحر والبر. فبلغ ذلك أعيان ~~الدولة بمصر، فاجتمعوا عند الملك المنصور أسد الدين شيركوه وقالوا له: شاور ~~فساد العباد والبلاد، وقد كاتب الفرنج، وهو يكون سبب هلاك الإسلام. ثم إن ~~شاور خاف لما تأخر وصول الفرنج، فعمل في عمل دعوة لأسد الدين المذكور ~~ولأمرائه ويقبض عليهم. فنهاه ابنه الكامل وقال له: والله لئن لم تنته عن ~~هذا الأمر لأعرفن أسد الدين. فقال له أبوه شاور: والله لئن لم نفعل هذا ~~لنقتلن كفنا. فقال له ابنه الكامل: لأن نقتل والبلاد بيد المسلمين خير من ~~أن نقتل والبلاد بيد الفرنج. وكان شاور قد شرط لأسد الدين شيركوه ثلث أموال ~~البلاد؛ فأرسل أسد الدين يطلب منه المال؛ فجعل شاور يتعلل ويماطل وينتظر ~~وصول الفرنج؛ فابتدره أسد الدين وقتله. واختلفوا في قتله على أقوال؛ أحدها ~~أن الأمراء اتفقوا على قتله لما علموا مكاتبته للفرنج، وأن أسد الدين ~~تمارض، وكان شاور يخرج إليه في كل يوم والطبل والبوق يضربان بين يديه على ~~عادة وزراء مصر. - قلت: وعلى هذا القول يكون قول من قال: إن العاضد خلع على ~~أسد الدين شيركوه بالوزارة ولقبه بالمنصور في أول قدومه إلى مصر ليس ~~بالقوي، ولعل ذلك يكون بعد قتل شاور، على ما سيأتي ذكره. - فجاء شاور ليعود ~~أسد ms1147 الدين فقبض عليه وقتله. والثاني أن صلاح الدين وجرديك اتفقا على قتله ~~وأخبرا أسد الدين فنهاهما، وقال: لا تفعلا، فنحن في بلاده ومعه عسكر عظيم، ~~فأمسكا عن ذلك إلى أن اتفق أن أسد الدين ركب إلى زيارة الإمام الشافعي - ~~رضي الله عنه - وأقام عنده، فجاء شاور على عادته إلى أسد الدين فالتقاه ~~صلاح الدين وجرديك وقالا: هو في الزيارة انزل، فامتنع؛ فجذباه فوقع إلى ~~الأرض فقتلاه. والثالث أنهما لما جذباه لم يمكنهما قتله بغير أمر أسد الدين ~~فسحبه الغلمان إلى الخيمة وانهزم أصحابه عنه إلى القاهرة ليجيشوا عليهم. ~~وعلم أسد الدين فعاد مسرعا؛ وجاء رسول من العاضد برقعة يطلب من أسد الدين ~~رأس شاور، وتتابعت الرسل. وكان أسد الدين قد بعث إلى شاور مع الفقيه عيسى ~~يقول: لك في رقبتي أيمان، وأنا خائف عليك من الذي عندي فلا تجىء. فلم يلتفت ~~وجاء على العادة فوقع ما ذكرناه. ولما تكاثرت الرسل من العاضد دخل جرديك ~~إلى الخيمة وجزر رأسه، وبعث أسد الدين برأسه إلى العاضد فسر به. ثم طلب ~~العاضد ولد شاور الملك الكامل وقتله في الدهليز وقتل أخاه، واستوزر أسد ~~الدين شيركوه، وذلك في شهر ربيع الأول. وهذا الذي أشرنا إليه من أن ولاية ~~أسد الدين للوزر كانت بعد قتل شاور. ولما قتل شاور وابنه الكامل، بعث ~~العاضد منشورا بالوزارة لأسد الدين بخط القاضي الفاضل وعليه خط العاضد بما ~~صورته: PageV02P0101 # هذا عهد لم يعهد إلى وزير بمثله، فتقفد ما أراك الله أهلا بحمله؛ وخذ ~~كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الافتخار بخدمتك بيت النبوة؛ والزم حق ~~الإمامة تجد إلى الفوز سبيلا. " ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم ~~الله عليكم كفيلا " . ثم أرسل العاضد نسخة الأيمان إلى أسد الدين، وحلف كل ~~واحد منهما لصاحبه على الوفاء والطاعة والصفاء. فتصرف أسد الدين شهرين ~~ومات. ولما احتضر أوصى إلى ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، فولي صلاح ~~الدين الوزارة ولقب بالملك الناصر، على ما يأتي ذكر ذلك كله في ترجمتهما ~~بأوضح ms1148 من ذلك. ولما وزر صلاح الدين اختلف عليه جماعة من الأمراء عقيب وفاة ~~أسد الدين. وبلغ الملك العادل نور الدين اتفاق الأمراء عليه بمصر؛ فقال له ~~توران شاه بن أيوب الذي لقب بعد ذلك بالملك المعظم، وكان أسن من صلاح ~~الدين: يا مولانا، أريد أن أسير إلى أخي يعني إلى صلاح الدين فقال له نور ~~الدين: إن كنت تسير إلى مصر وترى يوسف أخاك بعين أنه كان يقف في خدمتك وأنت ~~قاعد فلا تسر، فإنك تفسد العباد والبلاد فتحوجني إلى عقوبتك بما تستحقه؛ ~~وإن كنت تسير إليه وترى أنه قائم مقامي وتخدمه كما تخدمني، أفسر إليه وأشد ~~أزره وساعده على ما هو بصدده وإلا فلا تذهب إليه. فقال: يا مولانا، سوف ~~يبلغك ما أفعل من الخدمة والطاعة. وسار إلى مصر فتلقاه صلاح الدين من بلبيس ~~وخدمه وقدم له المال والخيل والتحف، وأقام عنده على أحسن حال؛ وفعل ما ضمن ~~لنور الدين من خدمة أخيه صلاح الدين؛ وقوي أمر صلاح الدين به واستقام أمره. ~~كل ذلك والخطبة باسم العاضد في هذه السنين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة، على ~~ما يأتي ذكره في ترجمة السلطان صلاح الدين. ولما تم أمر صلاح الدين بمصر ~~خاف العاضد عاقبة أمره. وكان للعاضد خادم يقال له مؤتمن الخلافة، وكان مقدم ~~السودان والخدم والمشار إليه بالقصر. فأمره العاضد بقتال الترك والغز. ~~واتفق العسكر المصري مع الخادم وثاروا على الترك فقتلوا منهم جماعة. فركب ~~صلاح الدين وشمس الدولة ودخلا إلى باب القصر، وتقاتلا مع مؤتمن الخلافة، ~~وأبلى شمس الدولة بلاء حسنا، وقتل الخادم مؤتمن الخلافة وجماعة كبيرة من ~~السودان بعد حروب وقتال عظيم. فأرسل العاضد إلى صلاح الدين يتعتب عليه ~~ويقول له: فأين أيماناتكم! هذا الخادم جاهل فعل ما فعل بغير أمرنا فقال ~~صلاح الدين: نحن على الأيمان والعهود ما نتغير، وما قتلنا إلا من قصد ~~قتلنا. وقول العاضد: أين الأيمان والعهود يعني بذلك أنه لما مات أسد الدين ~~شيركوه وأوصى لابن أخيه صلاح الدين المذكور اختلف جماعة ms1149 من أمراء نور الدين ~~الذين كانوا قدموا مع أسد الدين على صلاح الدين، ورام كل واحد منهم الأمر ~~لنفسه استصغارا بصلاح الدين، وهم: عين الدين الياروقي رأس الأتراك، وسيف ~~الدين المشطوب ملك الأكراد، وشهاب الدين محمود صاحب حارم وهو خال صلاح ~~الدين، وجماعة أخر؛ فبادر العاضد واستدعى صلاح الدين وخلع عليه في الإيوان ~~خلعة الوزارة وكتب عهده ولقبه الملك الناصر. وقيل: الذي لقبه بالملك الناصر ~~إنما هو الخليفة المستضيء العباسي بعد ذلك. ولما ولي الوزارة شرع الفقيه ~~عيسى في تفريق البعض عن بعض، وأصلح الأمور لصلاح الدين، على ما يأتي في ~~ترجمة صلاح الدين بعد ذلك. وبذل صلاح الدين الأموال وأحسن لجميع العسكر ~~الشامي والمصري فأحبوه وأطاعوه؛ وأقام نائبا عن نور الدين؛ يدعى لنور الدين ~~على منابر مصر بعد الخنيفة العاضد، ولصلاح الدين بعدهما. واستمر صلاح الدين ~~على ذلك والخطبة للعاضد، وقد ضعف أمره وقوي أمر صلاح الدين، حتى كانت أول ~~سنة سبع وستين وخمسمائة، فكتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره ~~بقطع الخطبة لبني عبيد، وأن يخطب بمصر لبني العباس. فخاف صلاح الدين من أهل ~~مصر ألا يجيبوه، ولم يسعه مخالفة أمر نور الدين، وقال: ربما وقعت فتنة لا ~~تتدارك، فكتب الجواب إلى نور الدين يخبره بذلك، فلم يسمع منه نور الدين ~~وخشن عليه في القول، وألزمه إلزاما لا محيد عنه. PageV02P0102 # ومرض العاضد، فجمع صلاح الدين الأمراء والأعيان واستشارهم في أمر نور ~~الدين بقطع الخطبة للعاضد والدعاء لبني العباس، فمنهم من أجاب ومنهم من ~~امتنع؛ وقالوا: هذا باب فتنة وما يفوت ذلك، والجميع أمراء نور الدين؛ ~~فعاودوا نور الدين فلم يلتفت وأرسل إلى صلاح الدين يستحثه في ذلك؛ فأقامها ~~والعاضد مريض. واختلفوا في الخطيب فقيل: إنه رجل من الأعاجم يسمى الأمير ~~العالم، وقيل: هو رجل من أهل بعلبك يقال له محمد بن المحسن بن أبي المضاء ~~البعلبكي المقدم ذكره الذي توجه في الرسلية من قبل صلاح الدين إلى بغداد، ~~وقيل: إنه كان رجلا شريفا عجميا، ورد من العراق ms1150 أيام الوزير الملك الصالح ~~طلائع بن رزيك. قلت: فأشبه أمر الفاطميين في هذا الأمر أمر العباسيين لما ~~انتقلت الدعوة منهم إلى الفاطميين بني عبيد؛ فإنه أول من خطب للمعز معد أول ~~خلفاء مصر من بني الخطيب عمر بن عبد السميع العباسي الخطيب بجامع عمرو ~~وجامع أحمد ابن طولون، وهذا من باب المكافأة والمجازاة أعني أن الذي خطب ~~لبني عبيد كان عباسيا والذي خطب لبني العباس الآن علوي. انتهى أمر ~~الفاطميين. وأقيمت الخطبة لبني العباس في أول المحرم، والعاضد مريض، فأخفى ~~عنه أهله ذلك؛ وقيل: بلغه، فأرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فخاف أن ~~يكون خديعه فلم يتوجه إليه. ومات العاضد في يوم عاشوراء سنة سبع وستين ~~وخمسمائة، وانقضت دولة الفاطميين من مصر بموته. وندم صلاح الدين على قطع ~~خطبته، وقال: ليتني صبرت حتى يموت. ثم كتب صلاح الدين يخبر الملك العادل ~~نور الدين بإقامة الدعوة العباسية بمصر. فكتب نور الدين كتابا إلى بغداد من ~~إنشاء العماد الكاتب الأصبهاني، وفيه: الخفيف قد خطبنا للمستضيء بمصر ... ~~نائب المصطفى إمام العصر ولدينا تضاعفت نعم الل ... ه وجلت عن كل عد وحصر ~~واستنارت عزائم الملك العا ... دل نور الدين الهمام الأغر هو فتح بكر ودون ~~البرايا ... خضنا الله بافتراع البكر وهي أطول من ذلك. وصفا الوقت لصلاح ~~الدين وسمي السلطان، وصار يخطب باسمه على منابر مصر بعد الخليفة العباسي ~~والملك العادل نور الدين محمود. وكان ابتداء مرض العاضد من أواخر ذي الحجة ~~سنة ست وستين وخمسمائة. فلما كان رابع المحرم سنة سبع وستين جلس العاضد في ~~قصره بعد الإرجاف بأنه أثخن في مرضه، فشوهد وهو على ما حقق الإرجاف من ضعف ~~القوى وتخاذل الأعضاء وظهور الحمى. وقيل: إن الحمى فشت بأعضائه، وأمسك ~~طبيبه المعروف بابن السديد عن الحضور إليه، وامتنع من مداواته وخذله، ~~مساعدة عليه للزمان وميلا مع الأيام. ثم خطب في سابع المحرم باسم الخليفة ~~المستضيء بالله العباسي وصرح باسمه ولقبه وكنيته بمصر، حسب ما تقدم ذكره. ~~فمات العاضد بعد ذلك بثلاثة أيام ms1151 في يوم الاثنين يوم عاشوراء. وكان لموته ~~بمصر يوم عظيم إلى الغاية؛ وعظم مصابه على المصريين إلى الغاية، ووجدوا عيه ~~وجدا عظيما لا سيما الرافضة؛ فإن نفوسهم كادت تزهق حزنا لانقضاء دولة ~~الرافضة من ديار مصر وأعمالها. وقد تقدم التعريف بأحوال العاضد في أول ~~ترجمته من عدة أقوال، فلا حاجة لتكرار ذلك في هذا المحل. ### || AUT السنة الأولى من خلافة العاضد # وهي سنة ست وخمسين وخمسمائة. فيها توفي محمود بن نعمة، الشيخ أبو الثناء ~~الشيرازي الشاعر المشهور. كان أديبا فاضلا بارعا. ومن شعره يعارض قول ابن ~~سكرة في قوله: البسيط جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن ~~حاجاتنا حبسا كيس وكن وكانون وكأس طلا ... مع الكباب وكسى ناعم وكسا فقال ~~الشيرازي: الطويل يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هي إلا فرد كاف بلا ~~مرا إذا صح كاف الكيس فالكل حاصل ... لديك وكل الصيد يوجد في الفرا ولغيره ~~في المعنى: الوافر وكافات الشتاء تعد سبعا ... وما لي طاقة بلقاء سبع إذا ~~ظفرت بكاف الكيس كفي ... ظفرت بمفرد يأتي بجمع وأما ما يشبه قول ابن سكرة ~~فكثير. من ذلك ما قاله ابن قزل: البسيط عجل إلي فعندي سبعة كملت ... وليس ~~فيها من اللذات إعواز PageV02P0103 # طار وطبل وطنبور وطاس طلا ... وطفلة وطباهيج وطناز قلت: لم يحك وفاته ~~الشنب. وأكثر الصفدي في المعنى فقال: البسيط إن قدر الله لي بالعمر واجتمعت ~~... سبع فما أنا في اللذات مغبون قصر وقدر وقواد وقحبته ... وقهوة وقناديل ~~وقانون وله أيضا: الطويل ثمانية إن يسمح الدهر لي بها ... فما لي عليه بعد ~~ذلك مطلوب مقام ومشروب ومزج ومأكل ... وملهى ومشموم ومال ومحبوب وللسراج ~~الوراق في هذا المعنى أيضا - وهو عندي أقربهم لقول ابن سكرة - : البسيط ~~عندي فديتك لذات ثمانية ... أنفي بها الحزن إن وافى وإن وردا راح وروح ~~وريحان وريق رشا ... ورفرف ورياض ناعم وردا ولغيره في المعنى: البسيط إذا ~~بلغت من الدنيا ولذتها ... سبعا فإني في اللذات سلطان خمر وخود وخاتون ~~وخاتمها ... وخضرة وخلاعات وخلان وقد خرجنا ms1152 عن المقصود في الاستطراد في ~~معنى هذين البيتين. ولنعد لما نحن بصدده. وفيها كانت مقتلة وزير العاضد ~~الملك الصالح طلائع بن رزيك الأرمني أبي الغارات؛ أقام وزيرا سبع سنين. وقد ~~تقدم ذكر طلائع هذا في ترجمة جماعة من خلفاء مصر: الحافظ والفائز والعاضد، ~~وكيف كان قدومه إلى مصر وكيف قتل. وكان ملكا جوادا ممدحا شاعرا بليغا. ومن ~~شعره من جملة أبيات، وكان قد خرج من الحمام فقال: الخفيف نحن في غفلة ونوم ~~وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنام قد دخلنا الحمام عاما ودهرا ... ليت شعري ~~متى يكون الحمام فقتل بعد قوله بثلاثة أيام. ومن شعره أيضا إلى صديق له ~~بالشام: البسيط أحباب قلبي إن شط المزار بكم ... فأنتم في صميم القلب سكان ~~وإن رجعتم إلى الأوطان إن لكم ... صدورنا عوض الأوطان أوطان جاورتم غيرنا ~~لما نأت بكم ... دار وأنتم لنا بالود جيران فكيف ننساكم يوما لبعدكم ... ~~عنا وأشخصكم للعين إنسان وفيها توفي القاضي الأعز أبو البركات بن أبي ~~جرادة، أخو القاضي ثقة الملك الحسن بن علي بن أبي جرادة. كان أبو البركات ~~هذا أمينا على خزانة الملك العادل نور الدين الشهيد، وكان فاضلا بليغا. كتب ~~إلى أخيه بمصر قصيدة منها: الطويل أحباب قلبي والذين أودهم ... وأشتاقهم في ~~كل صبح وغيهب الذين ذكر الذهبي وفاتهم في الإشارة، قال: وفيها توفي أبو ~~حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني الحنبلي الزاهد. والملك الصالح طلائع بن ~~رزيك الأرمني الرافضي. وأبو الفتح عبد الوهاب بن محمد بن الحسين بن ~~الصابوني الخفاف. وأبو محمد محمد بن أحمد بن عبد الكريم التميمي بن المادح. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشر ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من خلافة العاضد # وهي سنة سبع وخمسين وخمسمائة. PageV02P0104 # فيها توفي الحسين بن علي بن القاسم بن المظفر قاضي القضاة أبو علي ~~الشهرزوري قاضي الموصل. كان عظيم الشأن عالما فاضلا عفيفا، رحمه الله. ~~وفيها توفي الشيخ الصالح الزاهد عدي بن مسافر بن ms1153 إسماعيل بن موسى بن مروان ~~بن الحسن بن مروان بن الحكم بن مروان، القدوة شرف الدين أبو الفضائل الأموي ~~الهكاري؛ استوطن ليلش من جبل الهكارية إلى أن مات بها في سنة ثمان، وقيل ~~سنة سبع وخمسين وخمسمائة، ودفن بزاويته؛ وقبره بها ظاهر يزار وكان فقيها ~~عالما عابدا فصيحا متواضعا حسن الأخلاق مع كثرة الهيبة والوقار؛ وهو أحد ~~كبار مشايخ الطريقة، وأحد العلماء الأعلام فيها. سلك في المجاهدة طريقا ~~صعبا بعيدا. وكان القطب محيي الدين عبد القادر ينوه بذكره ويثني عليه ~~كثيرا، وشهد له بالسلطنة يعني على الأولياء، وقال: لو كانت النبوة تنال ~~بالمجاهدة لنالها الشيخ عدي بن مسافر. وكان في أول أمره في الجبالا ~~والصحارى مجردا يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات مدة سنين، وكانت الحيات والسباع ~~تألفه، ثم عاد وسكن بزاويته. وتلمذ له خلق كثير من الأولياء، وتخرج بصحبته ~~غير واحد من ذوي الأحوال. وكان له كلام على لسان أهل الطريقة في توحيد ~~البارئ عظيم. ومناقبه كثيرة يضيق هذا المحل عن استيعابها، رحمه الله. الذين ~~ذكرهم الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو يعلى حمزة بن أحمد ~~بن فارس بن كروس السلمي الدمشقي. والشيخ عدي بن مسافر الهكاري الزاهد ~~العارف، يوم عاشوراء. وأبو المظفر هبة الله بن أحمد الشبلي القصار في سلخ ~~العام. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من خلافة العاضد # وهي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. فيها سار الملك العادل نور الدين محمود ~~بن زنكي المعروف بالشهيد إلى قتال قليج أرسلان ابن السلطان مسعود صاحب بلاد ~~الروم، ووقع له معه أمور وحروب. وفيها ظهر شاور بن مجير السعدي وجمع جمعا ~~كثيرا وقتل وزير العاضد صاحب الترجمة رزيك بن طلائع بن رزيك، وتولى الوزارة ~~عوضه. وفيها توفي عبد المؤمن بن علي، أبو محمد القيسي الكومي الذي قام ~~بأمره محمد بن تومرت المعروف بالمهدي. قال ابن خلكان: رأيت في بعض تواريخ ~~الغرب أن ابن تومرت ms1154 كان قد ظفر بكتاب يقال له الجفر، وفيه ما يكون على يده. ~~فأقام ابن تومرت مدة يتطلبه حتى وجده وصحبه وهو إذ ذاك غلام، وكان يتفرس ~~فيه النجابة، وينشد إذا أبصره: البسيط تكاملت فيك أوصاف خصصت بها ... فكلنا ~~بك مسرور ومغتبط السن ضاحكة والكف مانحة ... والنفس واسعة والوجه منبسط ~~وكان يقول ابن تومرت لأصحابه: صاحبكم هذا غلاب الدول. ولم يصح عنه أنه ~~استخلفه، بل راعى أصحابه في تقديمه إشارته، فتم له الأمر. وأول ما أخذ من ~~البلاد وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم مراكش بعد أن حاصرها أحد عشر شهرا، وذلك ~~في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، واستوثق له الأمر وامتد ملكه إلى الغرب ~~الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية، وتسمى أمير المؤمنين. وقصدته الشعراء ~~وامتدحته. ذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة أن الفقيه أبا عبد ~~الله محمد بن أبي العباس لما أنشده: البسيط ما هز عطفيه بين البيض والأسل ~~... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي أشار إليه بأن يقتصر على هذا البيت، ~~وأمر له بألف دينار. وكانت وفاة عبد المؤمن المذكور في العشر الأخير من ~~جمادى الآخرة، وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة وأشهرا. والكومي المنسوب ~~إليها هي كومية قبيلة صغيرة نازلة بساحل البحر من أعمال تلمسان. وفيها توفي ~~محمد بن عبد الكريم، أبو عبد الله سديد الدولة ابن الأنباري، كاتب الإنشاء ~~بديوان الخليفة. أقام كاتبا به نيفا وخمسين سنة، وناب في الوزارة. وكان ~~بينه وبين الحريري صاحب المقامات مكاتبات ومراسلات. وفيها توفي يحيى بن ~~سعيد النصراني البغدادي أوحد زمانه في الطب والأدب؛ له ستون مقامة ضاهى بها ~~مقامات الحريري، وله شعر جيد. من ذلك في الشيب: الخفيف نفرت هند من طلائع ~~شيبي ... واعترتها سآمة من وجوم هكذا عادة الشياطين ينفر ... ن إذا ما بدت ~~رجوم النجوم PageV02P0105 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة؛ قال: وفيها توفي الزاهد أبو ~~العباس أحمد بن محمد بن قدامة. وأبو منصور شهردار بن شيرويه الديلمي ~~بهمذان. وصاحب الغرب عبد المؤمن بن علي بن علوي القيسي ms1155 التلمساني في جمادى ~~الآخرة بمدينة سلا. والصاحب جمال الدين محمد بن علي الأصبهاني الملقب ~~بالجواد وزير الموصل. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وثلاث ~~عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من خلافة العاضد # وهي سنة تسع وخمسين وخمسمائة. فيها توفي الحسن بن محمد بن الحسن، الشيخ ~~أبو المعالي الوركاني الفقيه الشافعي - ووركان: بلد بنواحي قاشان - كان ~~إماما في فنون العلوم؛ عاش نيفا وثمانين سنة. وفيها توفي محمد بن علي بن ~~أبي المنصور الوزير أبو جعفر جمال الدين الأصبهاني وزير الأتابك زنكي وسيف ~~الدين غازي وقطب الدين مودود؛ وكان هو الحاكم على الدولة. وكان بينه وبين ~~زين الدين كوجك مصافاة وعهود ومواثيق. وكانت الموصل في أيامه ملجأ لكل ~~ملهوف. ولم يكن في زمانه من يضاهيه ولا يقاربه في الجواد والنوال؛ وكان ~~كثير الصلات والصدقات، بنى مسجد الخيف بمنى وغرم عليه أموالا عظيمة، وجمد ~~الحجر إلى جانب الكعبة، وزخرف البيت بالذهب، وبنى أبواب الحرم وشيدها ورفع ~~أعتابها صيانة للحرم؛ وبنى المسجد الذي على عرفة والدرج الذي فيها، وأجرى ~~الماء إلى عرفات، وعمل البرك والمصانع؛ وبنى على مدينة النبي صلى الله عليه ~~وسلم سورا، وكانت الأعراب تنهبها، وكان الخطيب يقول على المنبر: اللهم صن ~~من صان حرم حريم نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. وكانت صدقاته تسير إلى ~~المشرق والمغرب، رحمه الله تعالى. وفيها توفي أبو الفرج عبد الله بن أسعد ~~بن علي بن عيسى الموصلي المعروف بابن الدهان وبالحمصي أيضا، الفقيه الشافعي ~~المنعوت بالمهذب الشاعر المشهور. كان فصيحا فقيها فاضلا أديبا شاعرا؛ غلب ~~عليه الشعر واشتهر به؛ وله ديوان صغير وكله جيد؛ ورحل البلاد ومدح بمصر ~~الوزير الصالح طلائع بن رزيك وغيره. ومن شعره في غلام لسبته نحلة في شفته: ~~الرمل بأبي من لسبته نحلة ... آلمت أكرم شيء وأجل أثرت لسبتها في شفة ... ~~ما براها الله إلا للقبل حسبت أن بفيه بيتها ... إذ رأت ريقته مثل العسل ~~ومن شعره أيضا: الكامل قالوا سلا، ms1156 صدقوا، عن الس ... لوان ليس عن الحبيب ~~قالوا فلم ترك الزيا ... رة قلت من خوف الرقيب قالوا فكيف يعيش مع ... هذا ~~فقلت من العجيب الذين ذكر الذهبي أوفاتهم، في هذه السنة، قال: فيها توفي ~~أبو سعد عبد الوهاب بن الحسن الكرماني آخر من روى عن ابن خلف وغيره. والسيد ~~أبو الحسن علي بن حمزة العلوي الموسوي بهراة، وكان مسندها وله إحدى وتسعون ~~سنة. وأبو الخير محمد بن أحمد بن محمد الباغبان. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثماني أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وعشر ~~أصابع. وزاد بعد طلوع السماك بعدة أيام. ### || AUT السنة الخامسة من خلافة العاضد # وهي سنة ستين وخمسمائة. فيها فتح الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ~~الشهيد بانياس عنوة، وكان معه أخوه نصرة الدين، فأصابه سهم فأذهب إحدى ~~عينيه؛ فقال له أخوه نور الدين: لو كشف عما أعد لك من الأجر لتمنيت ذهاب ~~الأخرى، فحمد الله على ذلك. وفيها فوض الملك العادل شحنكية دمشق إلى صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب، فأظهر صلاح الدين السياسة وهذب الأمور، وذلك في حياة ~~والده وعمه أسد الدين شيركوه. وفيها توفي أمير أميران نصرة الدين بن زنكي ~~بن آق سنقر التركي أخو الملك العادل نور الدين المقدم ذكره في ذهاب عينه في ~~فتح بانياس. وكان أميرا شجاعا مقداما عزيزا على أخيه نور الدين محمود، وعظم ~~مصابه عليه؛ رحمه الله. وفيها توفي حسان بن تميم بن نصر، الشيخ أبو الندى ~~الدمشقي المحدث سمع الحديث وحج ومات في شهر رجب، ودفن بمقبرة باب الفراديس. ~~PageV02P0106 # وفيها توفي الشيخ المعتقد محمد بن إبراهيم الكيزاني أبو عبد الله الواعظ ~~المصري. قيل إنه كان يقول: إن أفعال العباد قديمة. ولما مات دفن عند قبر ~~الإمام الشافعي بالقرافة الصغرى، واستمر هناك إلى أن نبشه الشيخ نجم الدين ~~الخبوشاني في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وأخرجه، فدفن بمكان آخر ~~في القرافة. وقبره معروف يقصد للزيارة. قيل إن الخبوشاني لما أراد نبشه ~~قال: لا ms1157 يتفق مجاورة زنديق إلى صديق؛ ثم نبشه. قال صاحب المرآة وغيره: كان ~~يعني الكيزاني زاهدا عابدا قنوعا من الدنيا باليسير. وله شعر جيد، وديوانه ~~مشهور. ومن شعره: مجزوء الرمل اصرفوا عني طبيبي ... ودعوني وحبيبي عللوا ~~قلبي بذكرا ... ه فقد زاد لهيبي طاب هتكي في هواه ... بين واش ورقيب ما ~~أبالي بفوات الن ... فس ما دام نصيبي ليس من لام وإن أط ... نب فيه بمصيب ~~جسدي راض بسقمي ... وجفوني بنحيبي ومن شعره أيضا قوله من أبيات: الكامل يا ~~من يتيه على الزمان بحسنه ... اعطف على الصب المشوق التائه أضحى يخاف على ~~احتراق فؤاده ... أسفا لأنك منه في سودائه قلت: وللكيزاني كلام في علم ~~الطريق ولسان حلو في الوعظ؛ وكان للناس فيه محبة ولكلامه تأثير في القلوب؛ ~~ولا يلتفت لقول الخبوشاني فيه؛ لأنهما أهل عصر واحد، وتهور الخبوشاني ~~معروف، كما سيأتي ذكره في وفاته إن شاء الله تعالى. وفيها توفي محمد بن عبد ~~الله بن عباس، الشيخ أبو عبد الله الحراني كان شهد عند القاضي أبي الحسن ~~الدامغاني الحنفي، وعاش حتى لم يبق من شهوده غيره. وسمع الحديث، وصنف كتابا ~~سماه روض الأدباء. قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في تاريخه: ~~زرته يوما وأطلت الجلوس عنده؛ فقلت له: ثقلت عليك. فأنشدني - رحمه الله - : ~~الوافر لئن سميت إبراما وثقلا ... زيارات رفعت بهن قدري فما أبرمت إلا حبل ~~ودي ... ولا ثقلت إلا ظهر شكري وكانت وفاته في جمادى الآخرة. وفيها توفي ~~يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن حسن الشيباني - قد رفع نسبه صاحب مرآة ~~الزمان إلى عدنان - هو الوزير عون الدين أبو المظفر بن هبيرة. ولد سنة تسع ~~وتسعين وأربعمائة بقرية الدور من أعمال العراق، وقرأ بالروايات وسمع الحديث ~~الكثير، وقرأ النحو واللغة والعروض، وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ~~رضي الله عنه، وصنف الكتب الحسان. وكان قبل وزارته فقيرا؛ فلما أضر الفقر ~~بحاله تعرض للخدمة، فجعله الخليفة المقتفي مشرفا في المخزن، ثم صار صاحب ~~الديوان ثم استوزره، فسار ms1158 في الوزارة أجمل سيرة. وكان دينا جوادا كريما. ~~دخل عليه الحيص بيص الشاعر مرة؛ فقال له ابن هبيرة: قد نظمت بيتين، تقدر أن ~~تعززهما بثالث؟ قال: وما هما؟ قال: البسيط زار الخيال بخيلا مثل مرسله ... ~~ما شاقني منه إلا الضم والقبل ما زارني قط إلا كي يوافقني ... على الرقاد ~~فينفيه ويرتحل فقال الحيص بيص من غير روية: وما درى أن نومي حيلة نصبت ... ~~لوصله حين أعيا اليقظة الحيل فأعجبه وأجازه. وكانت وفاة ابن هبيرة في جمادى ~~الأولى فجأة، وله إحدى وستون سنة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي أبو العباس أحمد ابن عبد الله ابن أحمد بن هشام بن الحطيئة ~~الفاسي الناسخ المقرئ بمصر. وأبو الندى حسان بن تميم الزيات. والوزير أبو ~~المظفر سعيد بن سهل الفلكي في شوال. وأبو الحسن علي بن أحمد اللباد ~~بأصبهان. وعلي بن أحمد بن مقاتل السوسي الشاغوري. وأبو القاسم عمر بن محمد ~~بن البزري الشافعي فقيه الجزيرة. وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن العباس ~~الحراني العدل ببغداد. والقاضي أبو يعلى الصغير شيخ الحنابلة محمد بن أبي ~~خازم ابن القاضي أبي يعلى بن الفراء. والشريف أبو طالب محمد بن محمد بن ~~محمد بن أبي زيد العلوي البصري النقيب. والوزير عون الدين يحيى بن محمد بن ~~هبيرة الشيباني في جمادى الأولى فجأة وله إحدى وستون سنة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وثماني عشرة إصبعا. PageV02P0107 ### || AUT السنة السادسة من خلافة العاضد # وهي سنة إحدى وستين وخمسمائة. فيها هرب عز الدين محمد بن الوزير عون ~~الدين بن هبيرة من دار الخلافة، وكان صودر بعد موت والده. وفيها توفي عبد ~~العزيز بن الحسين بن الحباب، أبو المعالي القاضي الجليس السعدي، كان يجالس ~~خلفاء مصر من بني عبيد فسمي الجليس. وكان أديبا مترسلا شاعرا. ومن شعره ~~وأبدع: الطويل ومن عجب أن الصوارم في الوغى ... تحيض بأيدي القوم وهي ذكور ~~وأعجب من ذا ms1159 أنها في أكفهم ... تأجج نارا والأكف بحور وفيها توفي شيخ ~~الإسلام تاج العارفين محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى بن ~~عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى ~~الجون بن عبد الله المحض بن الحسن أبي محمد المثنى بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب الهاشمي القرشي العلوي الجيلي الحنبلي السيد الشريف الصالح المشهور ~~المعروف بسبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد. وكان يعرف بجيلان. وأمه أم ~~الخير أمة الجبار فاطمة بنت أبي عبد الله الصومعي. مولده بجيلان في سنة ~~إحدى وسبعين وأربعمائة. كان شيخ العراق صاحب حال ومقال، عالما عاملا قطب ~~الوجود، إمام أهل الطريقة، قدوة المشايخ في زمانه بلا مدافعة. ومناقبه ~~وشهرته أشهر من أن تذكر. كان ممن جمع بين العلم والعمل؛ أفتى ودرس ووعظ ~~سنين، ونظم ونثر؛ وكان محققا، صاحب لسان في التحقيق، وبيان في الطريق. وهو ~~أحد المشايخ الذين طن ذكرهم في الشرق والغرب. أعاد الله علينا من بركاته ~~وبركات أسلافه الطاهرين. وفيها توفي محمد بن حيدر بن عبد الله الشيخ أبو ~~طاهر البغدادي الأديب الشاعر المعروف بابن شعبان. ومن شعره من أول قصيدة: ~~الطويل خليلي هذا آخر العهد منكما ... ومني فهل من موعد نستجده وفيها توفي ~~محمد بن يحيى بن محمد بن هبيرة أبو عبد الله عز الدين ابن الوزير عون ~~الدين. كان فاضلا كبير الشأن عظيم القدر. ناب عن أبيه في الوزارة مدة، ثم ~~قبض عليه بعد موت أبيه وصودر وحبس، ثم هرب من محبسه خوفا على نفسه فلم ~~يستتر أمره؛ وأخذ وقتل خنقا. وكان من بيت علم وفضل ورياسة. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو طاهر إبراهيم ابن الحسن ~~بن الحصين الشافعي بدمشق. وأبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي الشافعي ~~في صفر وله ثلاث وتسعون سنة. وأبو محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي ~~الفرضي في ذي القعدة وله أربع وتسعون سنة. والحافظ أبو محمد ms1160 عبد الله ابن ~~محمد الأشيري - وأشير: بين حمص وبعلبك - وأبو طالب عبد الرحمن بن الحسن بن ~~العجمي بحلب. والقدوة الشيخ عبد القادر الجيلي شيخ العراق وله تسعون سنة. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من خلافة العاضد # وهي سنة اثنتين وستين وخمسمائة. فيها تزوج الخليفة المستنجد بالله بابنة ~~عمه أبي نصر بن المستظهر، ودخل بها في شهر رجب ليلة الدعوة التي كان يعملها ~~في كل سنة للصوفية وغيرهم؛ وغنى المغني: الطويل يقول رجال الحي تطمع أن ترى ~~... محاسن ليلى مت بداء المطامع وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما ~~طفرتها بالمدامع وتلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في خروق ~~المسامع وكان مع الصوفية رجل من أهل أصبهان، فقام قائما وجعل يقول للمغني: ~~أي خواجا كفت وهو يكرر ذلك، والمغني يعيد الأبيات حتى وقع الرجل ميتا؛ فصار ~~ذلك الفرح مأتما؛ وبكى الخليفة والصوفية ولا زالوا يتراقصون حوله إلى ~~الصباح، فحملوه إلى الشونيزية فدفنوه بها، وكان له مشهد عظيم. وفيها عاد ~~الأمير أسد الدين شيركوه بعساكر دمشق إلى مصر، وهي المرة الثانية. وقد تقدم ~~ذلك كفه في ترجمة العاضد. وفيها احترقت اللبادون وباب الساعات بدمشق حريقا ~~عظيما صار تاريخا. وسببه أن بعض الطباخين أوقد نارا عظيمة تحت قدر هريسة ~~ونام، فاحترقت دكانه ولعبت النار في اللبادين وغيرها إلى أن عظم الأمر. ~~PageV02P0108 # وفيها توفي أحمد بن علي بن الزبير القاضي الرشيد. كان أصله من أسوان وسكن ~~مصر، وكان من شعراء شاور بن مجير السعدي، وله فيه مدائح، إلا أنه لم ينج من ~~شر شاور؛ اتهمه بمكاتبة أسد الدين شيركوه فقتله. وكان فاضلا شاعرا؛ وله ~~التصانيف المفيدة، من ذلك كتاب جنات الجنان ورياض الأذهان ذيل به على ~~اليتيمة. ومن شعره: الطويل تواطا على ظلمي الأنام بأسرهم ... وأظلم من ~~لاقيت أهلي وجيراني لكل امرئ شيطان جن يكيده ... بسوء ولي الورى ألف شيطان ~~وفيها توفي يحيى بن ms1161 عبد الله بن القاسم القاضي تاج الدين الشهرزوري. كان ~~إماما فاضلا شاعرا فصيحا؛ مات بالموصل. ومن شعره يوازن قصيدة مهيار التي ~~يقول فيها: المتقارب وعطل كؤوسك إلا الكبار ... تجد للصغار أناسا صغارا ~~وفيها توفي محمد بن الحسن بن محمد بن علي العلامة أبو المعالي بن حمدون ~~الكاتب، الملقب كافي الكفاة، بهاء الدين البغدادي. كان فاضلا ذا معرفة تامة ~~بالأدب والكتابة من بيت مشهور بالرياسة والفضل هو وأبوه وأخواه أبو نصر ~~وأبو المظفر. وأبو المعالي هذا هو مصنف كتاب التذكرة وهو من أحسن التصانيف، ~~يشتمل على التاريخ والأدب والأشعار، وقفت عليه وهو في غاية الحسن. وكان ابن ~~حمدون المذكور صاحب ديوان الخليفة المستنجد العباسي، وروي عن المستنجد قول ~~أبي حفص الشطرنجي في جارية حولاء، وهو: الطويل حمدت إلهي إذ بليت بحبها ... ~~وبي حول يغني عن النظر الشزر نظرت إليها والرقيب يخالني ... نظرت إليه ~~فاسترحت من العذر وقال ابن خلكان: إنه توفي ببغداد في يوم الأربعاء من شهر ~~رجب سنة خمس وسبعين وخمسمائة، بخلاف ما ذكرناه من قول أبي المظفر. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: فيها توفي أبو البركات الخضر ابن شبل ~~بن الحسين بن عبد الواحد خطيب دمشق. والحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن ~~منصور التميمي السمعاني تاج الإسلام محدث خراسان في شهر ربيع الأول وله ست ~~وخمسون سنة. وأبو عروبة عبد الهادي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مأمون ~~السجستاني الزاهد. وجمال الأئمة بن الماسح أبو القاسم علي بن الحسن الكلابي ~~الدمشقي في ذي الحجة. وأبو الحسن علي بن مهدي بن الهلال الغبيب. والعلامة ~~أبو شجاع عمر بن محمد البسطامي ثم البلخي. وأبو عاصم قيس بن محمد السويقي ~~المؤذن. وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت المصري الكيزاني الواعظ في ~~المحرم. وأبو المعالي محمد بن محمد بن محمد في شهر ربيع الآخر. والمبارك بن ~~المبارك بن صدقة السمسار. وأبو طالب المبارك بن خضير الصيرفي. وأبو الفرج ~~مسعود بن الحسن الثقفي في رجب ms1162 وله مائة سنة. وأبو القاسم هبة الله بن الحسن ~~الدقاق في المحرم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من خلافة العاضد # وهي سنة ثلاث وستين وخمسمائة. فيها أبيع الورد ببغداد مائة رطل بقيراط ~~وحبة. وفيها زاد ظلم أبي جعفر بن البلدي وزير الخليفة، واستغاث أهل بغداد ~~منه. وفيها توفي ظافر بن القاسم الأديب أبو منصور الجذامي الإسكندري ~~المعروف بالحداد الشاعر المشهور. كان فصيحا فاضلا بليغا. وشعره في غاية ~~الحسن. وهو صاحب القصيدة الذالية التي أولها: الكامل لو كان بالصبر الجميل ~~ملاذه ... ما سح وابل دمعه ورذاذه ما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهي ~~وتقطعت أفلاذه لم يبق فيه من الغرام بقية ... إلا رسيس يحتويه جذاذه من كان ~~يرغب في السلامة فليكن ... أبدا من الحمق المراض عياذه لا تخدعنك بالفتور ~~فإنه ... نظر يضر بقلبك استلذاذه يا أيها الرشأ الذي من طرفه ... سهم إلى ~~حب القلوب نفاذه در يلوح بفيك من نظامه ... خمر يجول عليه من نباذه وقناة ~~ذاك القد كيف تقومت ... وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه رفقا بجسمك لا يذوب ~~فإنني ... أخشى بأن يجفو عليه لاذه PageV02P0109 # هاروت يعجز عن مواقع سحره ... وهو الإمام فمن ترى أستاذه تالله ما علقت ~~محاسنك آمرا ... إلا وعز على الورى استنقاذه أغريت حبك بالقلوب فأذعنت ... ~~طوعا وقد أوس بها استحواذه مالي أتيت الحدث من أبوابه ... جهدي فدام نفاره ~~ولواذه إياك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله وغنيه شحاذه ومنها: دالية ابن ~~دريد استهوى بها ... قوما غداة نبت به بغداذه دانوا لزخرف قوله فتفرقت ... ~~طمعا بهم صرعاه أو جذاذه ويحكى أن ابن ظفر أمير الإسكندرية أحضره مرة ليبرد ~~له خاتما قد ضاق في خنصره فقال ظافر المذكور: السريع قصر عن أوصافك العالم ~~... فاعترف الناثر والناظم من يكن البحر له راحة ... يضيق عن خنصره الخاتم ~~وكانت وفاته في هذه السنة. وقال ابن خلكان: في سنة تسع وعشرين وخمسمائة. ~~وفيها توفي عبد ms1163 الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار الإمام ~~الحافظ أبو سعيد بن السمعاني التميمي، مولده بمرو. وكان إماما فاضلا محدثا ~~فقيها. ذيل على تاريخ أبي بكر الخطيب، ورحل إلى دمشق. قال ابن عساكر ثم عاد ~~من دمشق إلى بغداد فسمع تاريخ الخطيب وذيله، وعاد إلى خراسان وعبر النهر، ~~وحدث ببلخ وهراة. وصنف كتابا سماه فرط الغرام إلى ساكني الشام وأرسل به إلى ~~دمشق وهو بخطه في ثمانية أجزاء تشتمل على أخبار وحكايات. ومات بمرو في شهر ~~ربيع الأول. وفيها توفي الأمير زين الدين علي بن بكتكين بن مظفر الدين ~~كوكبوري، المعروف كوجك، التركي. كان حاكما على الموصل وغيرها؛ وكان حسن ~~السيرة عادلا في الرعية. وكان أولا بخيلا مسيكا، ثم إنه جاد في آخر عمره، ~~وبنى المدارس والقناطر والجسور. وحكي أن بعض الجند جاءه بذنب فرس وقال له: ~~مات فرسي، فأعطاه عوضه؛ وأخذ ذلك الذنب آخر وجاءه به وقال له: مات فرسي، ~~فأعطاه عوضه؛ ولا زال يتداول الذنب اثنا عشر رجلا، وهو يعلم أنه الأول ~~ويعطيهم الخيل. فلما أعجزوه أنشد: الكامل ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن ~~سيد قومه المتغابي فعلموا أنه علم فتركوه. ولما كبر سنه سلم البلاد إلى قطب ~~الدين مودود، وقال له: إنك لا تنتفع بي، فقد كبرت وضعفت قوتي وخانني سمعي ~~وبصري. وكان الأتابك زنكي قد أعطاه إربل، فمضى إليها وأقام بها حتى مات في ~~ذي الحجة. وكانت أيامه على الموصل إحدى وعشرين سنة ونصف. وملك بعده ابنه ~~زين الذين يوسف بن علي بن مظفر الدين كوكبوري. وفيها توفي محمد بن عبد ~~الحميد أبو الفتح علاء الدين الرازي السمرقندي صاحب التعليقة والمعترض ~~والمختلف على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، رضي الله عنه. وكان إماما ~~بارعا مفتنا؛ كان من فرسان الكلام؛ قدم بغداد وناظر وبرع وفاق أهلها. وكان ~~شحيحا بكلامه؛ فكانوا يورثون عليه أسئلة وهو عالم بأجوبتها، فيكاد ينقطع ~~ولا يذكرها لشحه ولئلا تستفاد منه؛ وعلم ذلك منه علماء عصره. وقيل: إنه ~~تنسك وترك المناظرة ms1164 مع شهادة أهل عصره من العلماء له بالسبق والفضيلة. ~~PageV02P0110 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو المعالي أحمد ~~ابن عبد الغني الباجسرائي. والقاضي الرشيد أبو الحسين أحمد بن علي بن ~~الزبير الأسواني الكاتب بمصر. وأبو المظفر أحمد بن محمد بن علي الكاغدي في ~~رجب ببغداد. وأبو بكر أحمد بن المقرب الكرخي في ذي الحجة. وأبو المناقب ~~حيدرة بن عمر بن إبراهيم العلوي الزيدي في ذي الحجة بالكوفة. وأبو طاهر ~~الخضر بن الفضل الصفار، ويعرف بزحل، في جمادى الأولى، وله إجازة عالية. ~~وأبو الفضل شاكر بن علي الأسواري. وأبو محمد عبد الله بن علي الطامذي ~~المقرئ بأصبهان في شعبان. والشيخ العلامة أبو النجيب عبد القاهر بن عبد ~~الله السهروري عن ثلاث وسبعين سنة. وأبو الحسن علي بن عبد الرحمن الألوسي ~~بن تاج القراء. وعمرو بن سمان البغدادي. وأبو الحسن محمد بن إسحاق بن محمد ~~بن الصابئ. والشريف الخطيب أبو الفتوح ناصر بن الحسن الحسيني المقرئ بمصر. ~~وأبو بكر محمد بن علي بن عبد الله بن ياسر الجياني الأندلسي. ونفيسة بنت ~~محمد بن علي البزازة. والصائن هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن عساكر في ~~شعبان وله خمس وسبعون سنة. وأبو المظفر هبة الله بن عبد الله بن أحمد بن ~~السمرقندي. وأبو الغنائم هبة الله بن محفوظ بن صصرى. ومدرس النظامية أبو ~~الحسن يوسف بن عبد الله بن بندار الدمشقي. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من خلافة العاضد # وهي سنة أربع وستين وخمسمائة. فيها ملك السلطان الملك العادل نور الدين ~~محمود بن زنكي الشهيد قلعة جعبر من صاحبها ابن مالك العقيلي. وفيها قدم أسد ~~الدين شيركوه إلى الديار المصرية ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~لقتال الفرنج. وهذه قدمته إلى مصر الثالثة التي ملك فيها مصر، حسب ما تقدم ~~ذكره في ترجمة العاضد: من قتله لشاور، وتوليته ms1165 الوزر للعاضد، ووفاته بديار ~~مصر، وتولية صلاح الدين يوسف بعده. وفيها توفي حميد بن مالك بن مغيث بن نصر ~~بن منقذ الأمير أبو الغنائم الكناني. مولده بشيزر، ثم انتقل منها وسكن ~~دمشق، ثم رحل إلى حلب ومات بها في شعبان. وكان أديبا فاضلا شاعرا. وفيها ~~توفي عبد الخالق بن أسد بن ثابت الإمام أبو محمد الدمشقي الحنفي. كان فقيها ~~مفتنا عارفا بالحديث وفنون العلوم، ودرس بالصادرية بدمشق ومات بها. ومن ~~شعره: الكامل قال العوافل ما اسم من ... أضنى فؤادك قلت أحمد قالوا أتحمده ~~وقد ... أضنى فؤادك قلت أحمد الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي الأمير مجير الدين آبق بن محمد بن بوري بن طغتكين الذي أخذ منه ~~نور الدين دمشق، ثم صار أميرا ببغداد. والملك أبو شجاع شاور بن مجير بن ~~نزار السعدي، وزير العاضد، قتله جرديك النوري. والملك المنصور أسد الدين ~~شيركوه بن شادي فجأة بعد شاور بشهرين. وأبو محمد عبد الخالق بن أسد الحنفي ~~الحافظ في المحرم. وأبو الحسن علي بن محمد بن علي البلنسي المقرئ في رجب ~~وله أربع وتسعون سنة. وقاضي القضاة زكي الدين علي بن المنتخب محمد بن يحيى ~~القرشي الدمشقي في شوال غريبا ببغداد وله سبع وخمسون سنة. وأبو الفتح محمد ~~بن عبد الباقي بن البطي الحاجب مسند العراق في جمادى الأولى وله سبع ~~وثمانون سنة. والحافظ أبو أحمد معمر بن عبد الواحد القرشي بن الفاخر ~~الأصبهاني في ذي القعدة بطريق الحجاز وله سبعون سنة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ست أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة العاشرة من خلافة العاضد # وقد وزر له الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ولم يكن له مع صلاح ~~الدين إلا مجرد الاسم فقط. وهي سنة خمس وستين وخمسمائة. فيها نزل الفرنج ~~على دمياط يوم الجمعة في ثالث صفر، وجدوا في القتال، وأقاموا عليها ثلاثة ~~وخمسين يوما يحاصرونها ليلا ونهارا. ونذكر هذه الواقعة بأوسع ms1166 من هذا في أول ~~ترجمة صلاح الدين إن شاء الله. وفيها توفي حماد بن منصور البزاعي الحلبي ~~ويعرف بالخراط. كان أديبا شاعرا فصيحا. ومن شعره في كريم: الخفيف ما نوال ~~الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير وقت سخاء PageV02P0111 # فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء قلت: ومن الغاية في هذا ~~المعنى قول الشيخ علاء الدين علي الوداعي: البسيط من زار بابك لم تبرح ~~جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن فالعين عن قرة والكف عن صلة ... ~~والقلب عن جابر والسمع عن حسن وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن هانئ أبو ~~القاسم المغربي. كان من شعراء الخلفاء الفاطميين. ومن شعره من أول قصيدة ~~مدح بها بعض خلفاء مصر: الرمل امسحوا عن ناظري كحل السهاد ... وانفضوا عن ~~مضجعي شوك القتاد أو خذوا مني الذي أبقيتم ... ما أحدث الجسم مسلوب الفؤاد ~~وفيها توفي مودود بن زنكي بن آق سنقر الملك قطب الدين صاحب الموصل وأخو ~~السلطان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد. ولما احتضر مودود هذا أوصى ~~بالملك لولده عماد الدين زنكي، وكان أكبرهم وأعزهم عليه. وكان الحاكم على ~~الموصل فخر الدين عبد المسيح، وكان يكره عماد الدين زنكي هذا؛ وكان عماد ~~الدين قد أقام عند عمه نور الدين محمود بحلب مدة وتزوج بابنته، فلا زال، ~~فخر الدين المذكور بقطب الدين مودود حتى جعل العهد من بعده لولده سيف الدين ~~غازي وعزل عماد الدين زنكي؛ فعز ذلك على نور الدين وقصد الموصل وقال: أنا ~~أحق بتدبير ملك أولاد أخي. الذين ذكرهم الذهبي في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي أبو بكر عبد الله ابن محمد بن النقور البزاز في شعبان عن إحدى وثمانين ~~سنة. وأبو المكارم عبد الواحد بن محمد بن المسلم بن الحسن بن هلال الأزدي ~~العدل في جمادى الآخرة. وأبو القاسم محمود بن عبد الكريم الأصبهاني التاجر. ~~وصاحب الموصل قطب الدين مودود ابن أتابك زنكي. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمس أذرع وثماني عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ms1167 ~~وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من خلافة العاضد # وتحكم وزيره الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وهي سنة ست وستين ~~وخمسمائة. فيها سار الملك العادل نور الدين محمود من دمشق إلى الموصل ~~وسلمها لابن أخيه عماد الدين زنكي بعد أمور وقعت بينه وبين فخر الدين عبد ~~المسيح المقدم ذكره في الماضية. وفيها بنى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب مدرسة للشافعية، وكان موضعها حبس المعونة، وبنى بها أيضا مدرسة ~~للمالكية تعرف بدار الغزل وولى صدر الدين عبد الملك بن درباس الكردي القضاء ~~بالقاهرة. وفيها في جمادى الآخرة خرج صلاح الدين يوسف بن أيوب بعساكر ~~العاضد إلى الشام فأغار على غزة وعسقلان والرملة ومضى إلى أيلة، وكان بها ~~قلعة فيها جماعة من الفرنج، والتقاه الأسطول في البحر؛ فافتتحها وقتل من ~~فيها وشحنها بالرجال والعدد؛ وكان على درب الحجاز منهم خطر عظيم. ثم عاد ~~صلاح الدين إلى مصر في جمادى الآخرة. وفيها في شعبان اشترى تقي الدين عمر ~~بن شاهنشاه منازل العز بمصر، وعملها مدرسة للشافعية. وفيها توفي الخليفة ~~المستنجد بالله أمير المؤمنين أبو المظفر يوسف ابن المقتفي لأمر الله محمد ~~ابن المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بأمر الله عبد الله الهاشمي العباسي ~~البغدادي. استخلف يوم مات أبوه في شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ~~ومولده في سنة ثماني عشرة وخمسمائة. وأمه أم ولد تسمى طاوس كرجية، أدركت ~~خلافته. وكان المستنجد أسمر طويل اللحية معتدل القامة شجاعا مهيبا عادلا في ~~الرعية ذكيا فصيحا فطنا؛ أزال المظالم والمكوس. وكانت وفاته في يوم السبت ~~ثامن شهر ربيع الآخر، ودفن بداره. وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرا. أمر ~~النيل ني هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### | AUT ولاية أسد الدين شيركوه على مصر # PageV02P0112 # وقد اختلف المؤرخون في أمر ولايته على مصر، فمنهم من عده من الأمراء، ~~ومنهم من ذكره من الوزراء. ولهذا أخرنا ترجمته إلى هذه السنة، ولم نسلك ~~فيها طريق ms1168 أمراء مصر. وقد ذكرنا من تردده إلى مصر وقتله لشاور وتوليته ~~الوزارة من قبل العاضد نبذة كبيرة في ترجمة العاضد المذكور. ونذكر ترجمته ~~الآن على هيئة تراجم أمراء مصر؛ ففي مساق هذه الترجمة وفي سياق تلك الترجمة ~~جمع بين القولين، وللناظر فيهما الاختيار، فمن شاء يجعله وزيرا، ومن شاء ~~يجعله أميرا. هو الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي بن مروان عم ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. يأتي بقية نسبه وما قيل في أصله في ترجمة ~~ابن أخيه صلاح الدين المذكور، من أقوال كثيرة. وقد تقدم من حديثه نبذة ~~كبيرة. ونسوق ذلك كله على سبيل الاختصار، فنقول: كان شاور قد توجه إلى ~~الشام يستنجد نور الدين في سنة تسع وخمسين وخمسمائة؛ فنجده بأسد الدين ~~شيركوه هذا بالعساكر، ووصلوا إلى مصر في الثاني من جمادى الآخرة من سنة تسع ~~وخمسين، وغدر بهم شاور ولم يف بما وعدهم به؛ فعادوا إلى دمشق وعرفوا نور ~~الدين بذلك. ثم إن شاور ألجأته الضرورة لطلبهم ثانيا خوفا من الفرنج؛ فعاد ~~أسد الدين ثانيا إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين؛ وسلك طريق ~~وادي الغزلان وخرج عند وادي إطفيح، فكالت بينه وبينهم وقعة هائلة. وتوجه ~~صلاح الدين إلى الإسكندرية واحتمى بها وحاصره شاور؛ لأنه كان قد وقع بينهم ~~وبينه أيضا، واصطلح عليهم مع الفرنج. ثم رجع أسد الدين من الصعيد نجمة لابن ~~أخيه صلاح الدين، وأخذه وسار إلى بلبيس حتى وقع الصلح بينه وبين المصريين؛ ~~وعاد إلى الشام. فحنق نور الدين لذلك ولم يمكنه الكلام لاشتغاله بفتح ~~السواحل، ودام ذلك إلى أن وصل الفرنج إلى مصر وملكوها في سنة أربع وستين ~~وقتلوا أهلها. أرسل العاضد يطلب النجدة من نور الدين فنجدهم بأسد الدين ~~شيركوه، وهي ثالث مرة، فمضى إليهم أسد الدين وطرد الفرنج عنهم، وملك مصر في ~~شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين وخمسمائة. وعزم شاور على قتل أسد الدين ~~وقتل أصحابه أكابر أمراء نور الدين معه؛ ففطن أسد الدين لذلك فاحترز ms1169 على ~~نفسه. وعلم ذلك صلاح الدين يوسف بن أيوب أيضا، فاتفق صلاح الدين يوسف مع ~~الأمير جرديك النوري على مسك شاور وقتله؛ واتفق ركوب أسد الدين إلى زيارة ~~قبر الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وكان شاور يركب في كل يوم إلى أسد ~~الدين؛ فلما توجه إليه في هذا اليوم المذكور قيل له: إنه توجه إلى الزيارة. ~~فطلب العود؛ فلم يمكنه صلاح الدين وقال: انزل، الساعة يحضر عمي. فامتنع ~~فجذبه هو وجرديك فأنزلوه عن فرسه وقبضوا عليه وقتلوه بعد حضور أسد الدين. ~~وقد تقدم ذكر ذلك كله مفصلا في ترجمة العاضد. وخلع العاضد على الأمير أسد ~~الدين شيركوه المذكور بالوزارة، ولقبه بالملك المنصور. فلم تطل مدته ومات ~~بعد شهرين فجأة في يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة - وقيل: يوم الأحد ثالث ~~عشرينه - سنة أربع وستين وخمسمائة، ودفن بالقاهرة ثم نقل إلى المدينة. وقال ~~ابن شداد: كان أسد الدين شيركوه كثير الأكل، كثير المواظبة على أكل اللحوم ~~الغليظة، فتواتر عليه التخم والخوانيق وهو ينجو منها بعد مقاساة شدة عظيمة، ~~ثم اعترضه بعد ذلك مرض شديد واعتراه خانوق فقتله في التاريخ المقدم ذكره. ~~قلت: ولما مات تولى ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب الوزارة من بعده. ~~وكان أسد الدين أميرا عاقلا شجاعا مدبرا عارفا فطنا وقورا. كان هو وأخوه ~~أيوب من أكابر أمراء نور الدين محمود الشهيد، وهو الذي أنشأهم حتى صار منهم ~~ما صار. رحمهم الله تعالى. /سلطنة صلاح الدين على مصر هو السلطان الملك ~~الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي بن ~~مروان، ويقال: إن مروان من أولاد خلفاء بني أمية. وقال ابن القادسي: كان ~~شادي مملوك بهروز الخادم. قال صاحب مرآة الزمان: " وهذا من غلطات ابن ~~القادسي، ما كان شادي مملوكا قط، ولا جرى على أحد من بني أيوب رق، وإنما ~~شادي خدم بهروز الخادم، فاستنابه بقلعة تكريت " . انتهى. PageV02P0113 # قلت: كان بداية أمر بني أيوب أن نجم الدين أيوب والد صلاح الدين هذا، ms1170 ~~وأخاه أسد الدين شيركوه - ونجم الدين هو الأكبر - كان أصلهم من دوين: بلدة ~~صغيرة في العجم، وقيل: هو من الأكراد الروادية، وهو الأصح. فقدم نجم الدين ~~أيوب وأخوه أسد الدين - شيركوه إلى العراق وخدما مجاهد الدين بهروز الخادم ~~شحنة بغداد، فرأى بهروز من نجم الدين رأيا وعقلا، فولاه دزدارا بتكريت، ~~وكانت تكريت لبهروز، أعطاها له السلطان مسعود بن غياث الدين محمد ابن ~~ملكشاه - المقدم ذكره - السلجوقي. وبهروز كان يلقب مجاهد الدين. وكان خادما ~~روميا أبيض، ولاه السلطان مسعود شحنة العراق. وبهروز " بكسر الباء الموحدة ~~وسكون الهاء وضم الراء وسكون الواو وبعدها زاي " ، وهو لفظ عجمي معناه: يوم ~~جيد. فأقام نجم الدين بتكريت ومعه أخوه أسد الدين إلى أن انهزم الأتابك ~~زنكي بن آق سنقر من الخليفة المسترشد في سنة ست وعشرين وخمسمائة، ووصل إلى ~~تكريت وبه نجم الدين أيوب، فأقام له المعابر فعبر زنكي بن آق سنقر " دجلة " ~~من هناك، وبالغ نجم الدين في إكرامه، فرأى له زنكي ذلك. وأقام نجم الدين ~~بعد ذلك بتكريت إلى أن خرج منها بغير إذن بهروز. وسببه أن نجم الدين كان ~~يرمي يوما بالنشاب فوقعت نشابة في مملوك بهروز فقتلته من غير قصد، فاستحى ~~نجم الدين من بهروز فخرج هو وأخوه إلى الموصل. وقيل غير ذلك: إن بهروز ~~أخرجهما لمعنى من المعاني، وقيل في خروجهما غير ذلك أيضا. ولما خرجا من ~~تكريت قصدا الأتابك بن آق سنقر - المقدم ذكره - وهو والد الملك العادل نور ~~الدين محمود بن زنكي المعروف بالشهيد، فأحسن إليهما زنكي وأقطعهما إقطاعات ~~كثيرة، وصارا من جملة أجناده إلى أن فتح زنكي مدينة بعلبك، وولى نجم الدين ~~أيوب دزدارا بقلعتها، والدزدار بضم الدال المهملة وسكون الزاي وفتح الدال ~~المهملة وبعدها ألف وراء مهملة ومعناها بالعجمي: ماسك القلعة. ودام نجم ~~الدين ببعلبك إلى أن قتل زنكي على قلعة جمبر. وتوجه صاحب دمشق " يومئذ مجير ~~الدين " وحصر نجم الدين المذكور في بعلبك وضايقه، فكتب نجم الدين إلى نور ~~الدين الشهيد بن زنكي وسيف الدين ms1171 غازي يطلب. منهما نجدة، فاشتغلا عنه بملك ~~جديد؛ واشتد الحصار على بعلبك، فخاف نجم الدين من فتحها عنوة وتسليم أهلها، ~~فصالح مجير الدين صاحب دمشق على مال؛ وانتقل هو وأخوه أسد الدين شيركوه إلى ~~دمشق وصارا من كبار أمرائها. ولا زال بها أسد الدين شيركوه حتى اتصل بخدمة ~~الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي وصار من أكابر دولته. فرأى منه محمود ~~نجابة وشجاعة فأعطاه حمص والرحبة، وجعله مقدم عساكره. فلما صرف نور الدين ~~همته لأخذ دمشق أمر أسد الدين أن يكاتب أخاه نجم الدين أيوب على المساعدة ~~على فتحها، فكتب أسد الدين إلى أخيه، وقال له: هذا يجب عليك؛ فإن مجير ~~الدين قد أعطى الفرنج بانياس وربما سلم إليهم دمشق بعد ذلك؛ فأجابه نجم ~~الدين. وطلبا من نور الدين إقطاعا وأملاكا فأعطاهما، وحلف لهما ووفى ~~بيمينه. وأما مجير الدين المذكور صاحب دمشق، فكان اسمه آبق بن محمد بن بوري ~~بن الأتابك ظهير الدين طغتكين. وطغتكين مولى تتش بن ألب أرسلان أخي ملكشاه ~~السلجوقي. ولما ملك نور الدين محمود دمشق وفى لهما بما وعدهما، وصارا من ~~أكابر أمرائه خصوصا نجم الدين؛ فإن جميع الأمراء كانوا إذا دخلوا على نور ~~الدين لا يقعد أحد حتى يأمره نور الدين بالقعود إلا نجم الدين هذا، فإنه ~~كان إذا دخل قعد من غير إذن. وداما عند نور الدين في أعلى المنازل إلى أن ~~وقع من أمر شاور وزير مصر ما وقع - وقد حكيناه في ترجمة العاضد العبيدي - ~~ودخول أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية ثلاث مرات، ومعه ابن أخيه صلاح ~~الدين يوسف هذا، حتى ملك أسد الدين الديار المصرية في الثالثة، وقتل شاور؛ ~~وولي أسد الدين وزارة مصر، ولقب بالمنصور، ومات بعد شهرين؛ فولى العاضد ~~الخليفة صلاح الدين هذا الوزارة، ولقبه الملك الناصر، وذلك في العشر الأخير ~~من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة. واستولى على الديار المصرية ومهد ~~أمورها. وصار يدعى للعاضد، ثم من بعده للملك العادل نور الدين محمود، ثم من ~~بعدهما ms1172 لصلاح الدين هذا. ونذكر ولايته إن شاء الله بأوسع من هذا من كلام ~~ابن خلكان، بعد أن نذكر نبذة من أموره. PageV02P0114 # واستمر صلاح الدين بمصر وأرسل يطلب أباه نجم الدين أيوب من الملك العادل ~~نور الدين محمود الشهيد، فأرسله إليه معطما مبجلا؛ وكان وصوله أعني نجم ~~الدين إلى القاهرة في شهر رجب سنة خمس وستين وخمسمائة، فلما قرب نجم الدين ~~إلى الديار المصرية خرج ابنه السلطان صلاح الدين بجميع أمراء مصر إلى ~~ملاقاته، وترجل صلاح الدين وجميع الأمراء ومشوا في ركابه؛ ثم قال له ابنه ~~صلاح الدين: هذا الأمر لك يعني الوزارة وهي السلطنة الآن، وتدبير ملك مصر، ~~ونحن بين يديك؛ فقال له نجم الدين: يا بني، ما اختارك الله لهذا الأمر إلا ~~وأنت أهل له. وأبى نجم الدين عن قبول السلطنة، غير أنه حكمه ابنه صلاح ~~الدين في الخزائن، فكان يطلق منها ما يختار من غير مراجعة صلاح الدين. ~~وكانت الفرنج تولت على دمياط في ثالث صفر من السنة المذكورة وجدوا في ~~قتالها، وأقاموا عليها نحو الشهرين يحاصرونها بالمجانيق ويزحفون عليها ليلا ~~ونهارا، وصلاح الدين يوجه إليها العساكر مع خاله شهاب الدين وابن أخيه، تقي ~~الدين، وطلب من العاضد مالا فبعث إليه شيئا كثيرا، حتى قال صلاح الدين: ما ~~رأيت أكرم من العاضد! جهز إلي في حصار الفرنج لدمياط ألف ألف دينار سوى ~~الثياب وغيرها. ولما سمع نور الدين بما وقع لدمياط أخذ في غزو الفرنج ~~بالغارات عليهم. ثم وقع فيهم الوباء والفناء فرحلوا عن دمياط بعد أن مات ~~منهم خلق كثير. كل ذلك في حياة العاضد في أوائل أمر صلاح الدين. ثم أخذ ~~السلطان صلاح الدين في إصلاح أحوال مصر وعمارة البلادة وبينا هو في ذلك ورد ~~عليه كتاب الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي من دمشق، فأمره فيه بقطع ~~خطبة العاضد وإقامتها لبني العباس خلفاء بغداد، فخاف صلاح الدين من أهل مصر ~~إلا يجيبوه إلى ذلك، وربما وقعت فتنة؛ فعاد الجواب لنور الدين يخبره بذلك، ~~فلم ms1173 يسمع له نور الدين؛ وأرسل إليه وخشن له في القول، وألزمه بذلك إلزاما ~~كليا إلى أن وقع ذلك؛ وقطعت خطبة العاضد في أول المحرم سنة سبع وستين ~~وخمسمائة. وكان العاضد مريضا فأخفى عنه أهله ذلك حتى مات يوم عاشوراء، فندم ~~صلاح الدين على قطع خطبته، وقال: ليتني صبرت حتى مات. وقد ذكرنا ذلك كله ~~مفصلا في ترجمة العاضد السابقة لهذه الترجمة. ومن هنا نذكر - إن شاء الله ~~تعالى - أقوال المؤرخين في أحوال السلطان صلاح الدين هذا وغزواته وأموره، ~~كل مؤرخ على حدته. ومن يوم مات العاضد عظم أمر صلاح الدين واستولى على ~~خزائن مصر واستبد بأمورها من غير منازع. غير أنه كان من تحت أوامر الملك ~~العادل نور الدين محمود بن زنكي المعروف بالشهيد صاحب دمشق على ما سنبينه ~~في هذا المحل. وكان يدعو له الخطيب بمصر وأعمالها بعد نور الدين المذكور ~~ويدعو لنور الدين بعد الخليفة. وكان مولد صلاح الدين بتكريت في سنة اثنتين ~~وثلاثين وخمسمائة، ونشأ في حجر أبيه نجم الدين أيوب في الدولة النورية، ~~وترقى فيها؛ وكان ولاه نور الدين قبل خروجه مع عمه أسد الدين شيركوه ~~الثالثة إلى ديار مصر، شحنجية دمشق، فرجع عنها غضبا على ما سنذكره إن شاء ~~الله. قال العلامة أبو المظفر شمس الدين يوسف بن قزأوغلي في تاريخه مرآة ~~الزمان: " كان السلطان صلاح الدين شجاعا شهما مجاهدا في سبيل الله؛ وكان ~~مغرما بالإنفاق في سبيل الله؛ وحسب ما أطلقه ووهبه مدة مقامه على عكا ~~مرابطا للفرنج، من شهر رجب سنة خمس وثمانين، إلى يوم انفصاله عنها في شعبان ~~سنة ثمان وثمانين، فكان اثني عشر ألف رأس من الخيل العراب والأكاديش الجياد ~~للحاضرين معه للجهاد، غير ما أطلقه من الأموال. قال العماد الكاتب: لم يكن ~~له فرس يركب إلا وهو موهوب، ولا جاءه قود إلا وهو مطلوب؛ وما كان يلبس إلا ~~ما يحل لبسه، كالكتان والقطن والصوف؛ وكانت مجالسه منزهة عن الهزء والهزل، ~~ومحافله حافلة بأهل العلم والفضل، ويؤثر سماع الحديث. وكان من ms1174 جالسه لا ~~يعلم أنه جالس سلطانا لتواضعه. قال: ورأى معي يوما دواة محلاة بفضة فأنكر ~~علي وقال: ما هذا! فلم أكتب بها عنده بعدها. وكان محافظا على الصلوات في ~~أوقاتها لا يصلي إلا في جماعة، وكان لا يلتفت إلى قول منجم؛ وإذا عزم على ~~أمر توكل على الله. انتهى كلام العماد باختصار. PageV02P0115 # وذكره القاضي ابن شداد في السيرة فقال: كان حسن العقيدة، كثير الذكر لله ~~تعالى؛ وإذا جاء وقت صلاة وهو راكب نزل فصلى، وما قطعها إلا في مرضه الذي ~~مات فيه ثلاثة أيام اختلط فإنه فيها. وكان قد قرأ عقيدة القطب النيسابوري، ~~وعلمها أولاده الصغار لترسخ في أذهانهم، وكان يأخذها عليهم. وأما الزكاة ~~فإنه مات ولم تجب عليه قط. وأما صدقة النوافل فاستنفدت أمواله كفها فيها. ~~وكان يحب سماع القرآن؛ واجتاز يوما على صبي صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ ~~القرآن فاستحسن قراءته، فوقف عليه وعلى أبيه مزرعة. وكان شديد الحياء خاشع ~~الطرف، رقيق القلب، سريع الدمعة، شديد الرغبة في سماع الحديث. وإذا بلغه عن ~~شيخ رواية عالية وكان ممن يحضر عنده، استحضره وسمع عليه وأسمع أولاده ~~ومماليكه، ويأمرهم بالقعود عند سماع الحديث إجلالا له، وإن لم يكن ممن يحضر ~~عنده، ولا يطرق أبواب الملوك سعى إليه. وكان مبغضا لكتب الفلاسفة وأرباب ~~المنطق ومن يعاند الشريعة. ولما بلغه عن السهرودي ما بلغه أمر ولده الملك ~~الظاهر بقتله. وكان محبا للعدل يجلس في كل يوم اثنين وخميس أفي، مجلس عام ~~يحضره القضاة والفقهاء، ويصل إليه الكبير والصغير والشيخ والعجوز، وما ~~استغاث إليه أحد إلا أجابه وكشف ظلامته؛ واستغاث إليه ابن زهير الدمشقي على ~~تقي الدين عمر " ابن أخيه " وقال: ما يحضر معي مجلس الشرع، فأمر تقي الدين ~~بالحضور معه. وادعى رجل على السلطان صلاح الدين المذكور بأن سنقر الخلاطي ~~مملوكه ومات على ملكه. قال ابن شداد: فأخبرته فأحضر الرجل، وقد خرج عن ~~طراحته وساواه في الجلوس، فادعى الرجل؛ فرفع السلطان رأسه إلى جماعة ~~الأمراء والشيوخ الأخيار، وهم وقوف على رأسه، ms1175 فقال: أتعرفون سنقر الخلاطي ~~قالوا: نشهد أنه ملوكك، وأنه مات على ملكك. ولم يكن للرجل المدعي بينة، ~~فأسقط في يده. فقلت: يا مولانا، رجل غريب، وقد جاء من خلاط في طمع، ونفدت ~~نفقته، وما يحسن أن يرجع خائبا فقال: يا قاضي، هذا إنما يكون على غير هذا ~~الوجه، ووهب له نفقة وخلعة وبغلة وأحسن إليه. قال: وفتح آمد، ووهبها لابن ~~قرا أرسلان. واجتمع عنده وفود بالقدس ولم يكن عنده مال، فباع ضيعة وفرق ~~ثمنها فيهم. قال ابن شداد: وسألت باليان بن بارزان يوم انعقاد الصلح عن عدة ~~الفرنج الذين كانوا على عكا، وهو جالس بين يدي السلطان، فقال للترجمان: قل ~~له كانوا من خمسمائة ألف إلى ستمائة ألف، قتل منهم أكثر من مائة ألف وغرق ~~معظمهم. قال: وكان يوم المصاف يدور على الأطلاب ويقول: وهل أنا إلا واحد ~~منكم وكان في الشتاء يعطي العساكر دستورا وهو نازل على برج عكا، ويقيم طول ~~الشتاء في نفر يسير. وكان على الرملة فجاءه كتاب بوفاة تقي الدين " ابن ~~أخيه " ، فقال وقد خنقته العبرة: مات تقي الدين اكتموا خبره مخافة العدو. ~~قال: ولقد واجهه الجناح على يافا بذلك الكلام القبيح، فما قال له كلمة، ~~واستدعاه فأيقن بالهلاك؛ وارتقب الناس أن يضرب رقبته فأطعمه فاكهة قدمت من ~~دمشق وسقاه ماء وثلجا. قال: وكان للمسلمين لصوص يدخلون خيام الفرنج بالليل ~~وشرقونهم، فسرقوا ليلة صبيا رضيعا فباتت أمه تبكي طول الليل، فقال لها ~~الفرنج: إن سلطانهم رحيم القلب فاذهبي إليه، فجاءته وهو على تل الخروبة ~~راكب، فعفرت وجهها وبكت، فسأل عنها فأخبر بقصتها، فرق لها ودمعت عيناه، ~~وتقدم إلى مقدم اللصوص بإحضار الطفل، ولم يزل واقفا حتى أحضروه؛ فلما رأته ~~بكت وشهقت وأخذته وأرضعته ساعة وضمته إليها، وأشارت إلى ناحية الفرنج؛ فأمر ~~أن تحمل على فرس وتلحق بالفرنج ففعلوا. قال ابن شداد: وكان حسن العشرة طيب ~~الخلق حافظا لأنساب العرب، عارفا بخيولهم، طاهر اللسان والقلم، فما شتم ~~أحدا قط ولا كتب بيده ما فيه أذى مسلم. وما ms1176 حضر بين يديه يتيم إلا وترحم ~~على من خلفه، وجبر قلبه وأعطاه ما يكفيه؛ فإن كان له كافل " سلمه إليه " ، ~~وإلا كفله. وسرق يوما من خزائنه ألفا دينار وجعل في الكيس فلوس فما قال ~~شيئا. انتهى كلام ابن شداد باختصار. PageV02P0116 # قال أبو المظفر: وحكى لي المبارز سنقر الحلبي - رحمه الله تعالى - قال: ~~كان الحجاب يزدحمون على طراحته فجاء سنقر الخلاطي ومعه قصص فقدم إليه قصة، ~~وكان السلطان مد يده اليمنى على الأرض ليستريح، فداسها سنقر الخلاطي ولم ~~يعلم؛ وقال له: علم عليها، فلم يجبه، فكرر عليه القول؛ فقال له: يا طواشي، ~~أعلم بيدي أم برجلي فنظر سنقر فرأى يد السلطان تحت رجله فخجل؛ وتعجب ~~الحاضرون من هذا الحلم؛ ثم قال السلطان: هات القصة فعلم عليها " . وقال ~~القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان - رحمه الله - في تاريخه: لا وصلاح ~~الدين كان واسطة العقد، وشهرته أكبر من أن يحتاج إلى التنبيه عليه. اتفق ~~أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دوين " بضم الدال المهملة وكسر الواو ~~وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون " ، وهي يلحق في آخر عمل أذربيجان ~~من جهة أران وبلاد الكرج، وأنهم أكراد روادية " بفتح الراء والواو وبعد ~~الألف دال مهملة مكسورة، ثم ياء مثناة من تحتها مشددة ثم هاء " . ~~والروادية: بطن من الهذبانية لفتح الهاء والذال المعجمة والباء الموحدة ~~وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مثناة مشددة من تحتها وبعدها هاء وهي قبيلة ~~كبيرة من الأكراد. وقال لي رجل عارف بما يقول، وهو من أهل دوين: إن على باب ~~دوين قرية يقال لها: أجدانقان " بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الدال ~~المهملة وبعد الألف نون مفتوحة ثم قاف وبعد الألف الثانية نون أخرى " وجميع ~~أهلها أكراد روادية؛ ومولد أيوب والد صلاح الدين بها، وشادي أخذ ولديه، " ~~منها " ،: أسد الدين شيركوه، ونجم الدين أيوب، وخرج بهما إلى بغداد؛ ومن ~~هناك إلى تكريت. ومات شادي بها، وعلى قبره قبة داخل البلد. ولقد تتبعت ~~نسبهم كثيرا فلم أجد أحدا ذكر ms1177 بعد شادي أبا آخر، حتى إني وقفت على كتب ~~كثيرة بأوقاف وأملاك باسم شيركوه وأيوب فلم أر فيها سوى شيركوه بن شادي أو ~~أيوب بن شادي لا غير. وقال لي بعض أعوانهم: هو شادي بن مروان، وقد ذكرته في ~~ترجمة أيوب وشيركوه. قال: ورأيت مدرجا رتبه الحسن بن غريب بن عمران الحرشي ~~يتضمن أن أيوب بن شادي بن مروان بن أبي علي بن عنترة بن الحسن بن علي بن ~~أحمد بن أبي علي بن عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن الحارث بن سنان بن ~~عمرو بن مرة بن عوف بن أسامة بن بيهس بن الحارث صاحب الحمالة ابن عوف بن ~~أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ~~ريث بن غطفان ابن سعد بن قيس بن عيلان بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن ~~عدنان؛ ثم رفع هذا النسب إلى أن انتهى إلى آدم عليه السلام. ثم ذكر بعد ذلك ~~أن علي بن أحمد بن أحمد بن أبي علي يقال إنه ممدوح المتنبي، ويعرف ~~بالخراساني. وفيه يقول من جملة قصيدة: شرق الجو بالغبار إذا سا ... ر علي ~~بن أحمد القمقام وأما الحارث بن عوف بن أبي حارثة صاحب الحمالة فهو الذي ~~حمل الدماء بين عبس وذبيان، وشاركه في الحمالة خارجة بن سنان أخو هرم بن ~~سنان. وفيهما قال زهير بن أبي سلمى المزني قصائد كثيرة، منها قوله: وهل ~~ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل هذا آخر ما ذكره في ~~المدرج، وكان قد قدمه إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل ~~صاحب دمشق، وسمعه عليه هو وولده الملك الناصر صلاح الدين أبو المفاخر داود ~~بن الملك المعظم، وكتب لهما بسماعهما عليه في آخر رجب سنة تسع عشرة ~~وستمائة. والله أعلم انتهى ما ذكرته من المدرج. ثم قال: PageV02P0117 # وأقول: " ذكر المؤرخون أن أسد الدين شيركوه لما مات استقرت الأمور بعده ~~لصلاح الدين يوسف ms1178 بن أيوب وتمهدت القواعد، ومشى الحال على أحسن الأوضاع، ~~وبذل الأموال وملك قلوب الرجال، وشكر نعمة الله تعالى عليه، فتاب عن الخمر ~~وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، ولا زال على قدم الخير ~~وما يقر به إلى الله تعالى إلى أن مات " . قال: " وقال شيخنا ابن شداد - ~~رحمه الله - : قال صلاح الدين - رحمه الله - : لما يسر الله تعالى بملك ~~الديار المصرية علمت أن الله أراد فتح الساحل لأنه أوقع ذلك في نفسي " . ~~قال: ومن حين استقام له الأمر ما زال صلاح الدين يشن الغارات على الفرنج ~~إلى أن ملك الكرك والشوبك وبلادهما، وغشي الناس من سحائب الإفضال والإنعام ~~أما لم يؤرخ عن غير تلك الأيام. وهذا كله وهو وزير متابع للقوم، ولكنه يقول ~~بمذهب أهل السنة، " غارس في البلاد أهل الفقه والعلم والتصوف والدين، ~~والناس يهرعون إليه من كل صوب ويفدون عليه من كل جانب وهو لا يخيب قاصدا، ~~ولا يعدم وافدا " إلى سنة خمس وستين وخمسمائة. فلما عرف نور الدين استقرار ~~أمر صلاح الدين بمصر أخذ حمص من نواب أسد الدين شيركوه، وذلك في رجب سنة ~~أربع وستين. ولما علم الفرنج ما جرى من المسلمين وعساكرهم، وما تم للسلطان ~~من استقامة الأمر له بالبلاد المصرية علموا أنه يملك بلادهم، ويخرب ديارهم، ~~ويقطع آثارهم، فاجتمع الفرنج والروم جميعا وقصدوا الديار المصرية، ونزلوا ~~دمياط ومعهم آلات الحصار وما يحتاج إليه " . قلت: وهذه الواقعة التي ~~ذكرناها في أول هذه الترجمة، غير أننا نذكرها أيضا من قول ابن خلكان ~~لزيادات تأتي فيها. قال: " ولما سمع فرنج الشام ذلك اشتد أمرهم، فسرقوا حصن ~~عكا من المسلمين وأسروا صاحبها، وكان مملوكا لنور الدين محمود، يقال له: " ~~خطلخ العلم دار " ، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين. ولما رأى نور ~~الدين ظهور الفرنج ونزولهم على دمياط قصد شغل قلوبهم، فنزل على الكرك ~~فحاصرها في شعبان من السنة المذكورة، فقصده فرنج الساحل فرحل عنها، وقصد ~~لقاءهم فلم يقووا له. ثم بلغه وفاة مجد الدين ms1179 بن الداية، وكانت وفاته بحلب ~~في أشهر، رمضان سنة خمس وستين، فاشتغل قلبه، فإنه صاحب أمره. وعاد يطلب ~~الشام فبلغه أمر الزلازل بحلب التي أخربت البلاد، وكانت في ثاني عشر شوال ~~فسار يطلب حلب، فبلغه موت أخيه قطب الدين مولود بالموصل، وبلغه خبر موته ~~وهو بتل باشر، فسار من ليلته طالبا لبلاد الموصل. ودام صلاح الدين في قتال ~~الفرنج بدمياط إلى أن رحلوا عنها خائبين " . PageV02P0118 # قال ابن خلكان: والذي ذكره شيخنا عز الدين بن الأثير: أما كيفية ولاية ~~صلاح الدين فإن جماعة من الأمراء النورية الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم ~~على العساكر وولاية الوزارة " يعني بعد موت أسد الدين شيركوه " : منهم ~~الأمير عين الدولة الياروقي، وقطب الدين خسرو بن تليل وهو ابن أخي أبي ~~الهيجاء الهدباني الذي كان صاحب إربل. قلت: وهو صاحب المدرسة القطبية ~~بالقاهرة؛ ومنهم سيف الدين علي بن أحمد الهكاري، وجده كان صاحب القلاع ~~الهكارية. قلت: هو المعروف بالمشطوب - ولوالده أحمد ترجمة في تاريخنا " ~~المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي " قال: ومنهم شهاب الدين محمود ~~الحارمي، وهو خال صلاح الدين؛ وكل واحد من هؤلاء قد لحظها لنفسه أو قد جمع ~~ليغالب عليها فأرسل العاضد صاحب مصر إلى صلاح الدين يأمره بالحضور إلى قصره ~~ليخلع عليه خلعة الوزارة ويوليه الأمر بعد عمه. وكان الذي حمل العاضد على ~~تولية صلاح الدين ضعف صلاح الدين، فإنه ظن أنه إذا ولى صلاح الدين، وليس له ~~عسكر ولا رجال، كان في ولايته مستضعفا، يحكم عليه ولا يقدر على المخالفة، ~~وأنه يضع على العساكر الشافي من يستميلهم " إليه " فإذا صار معه البعض أخرج ~~الباقين، وتعود البلاد إليه، وعنده من العساكر الشامية من يحميها من الفرنج ~~ونور الدين. والقصة مشهورة " أردت عمرا وأراد الله خارجة " . فامتنع صلاح ~~الدين وضعفت نفسه عن هذا المقام، فألزمه العاضد وأخذ كارها؛ إن الله ليعجب ~~من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل. فلما حضر في القصر خلع عليه خلعة ~~الوزارة: الجبة والعمامة وغيرهما، ولقب بالملك الناصر، وعاد إلى دار عمه ~~أسد ms1180 الدين شيركوه وأقام بها، ولم يلتفت إليه أحد من أولئك الأمراء الذين ~~يريدون الأمر لأنفسهم ولا خدموه. وكان الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري معه، ~~فسعى مع سيف الدين علي بن أحمد حتى أماله إليه، وقال له: إن هذا الأمر لا ~~يصل إليك مع وجود عين الدولة والحارمي وابن تليل، فمال إلى صلاح الدين. ثم ~~قصد شهاب الدين الحارمي، وقال له: إن هذا صلاح الدين هو ابن أختك وملكه لك، ~~وقد استقام له الأمر فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه أولا يصل إليك، ولم ~~يزل به حتى أحضره أيضا عنه وحلفه له. ثم عدل إلى قطب الدين وقال له: إن ~~صلاح الدين قد أطاعه الناس ولم يبق غيرك وغير الياروقي، وعلى كل حال فيجمع ~~بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد، ووعده وزاد في إقطاعه فأطاع صلاح ~~الدين. ثم عدل إلى عين الدولة الياروقي، وكان أكبر الجماعة وأكثرهم جمعا، ~~فاجتمع به فلم ينفع فيه رقاه ولا نفذ فيه سحره، وقال: " أنا لا أخدم يوسف ~~أبدا " وعاد إلى نور الدين محمود ومعه غيره. فأنكر عليهم نور الدين فراقه، ~~وقد فات الأمر، ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وثبتت قدم صلاح الدين ورسخ ~~ملكه، وهو نائب عن الملك العادل نور الدين، والخطبة لنور الدين في البلاد ~~كلها، ولا يتصرفون إلا عن أمره. وكان نور الدين يكاتب صلاح الدين بالأمير ~~الأسفهسالار، ويكتب علامته في الكتب تعظيما أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده ~~بمكاتبة، بل يكتب: " الأمير الأسفهسالار صلاح الدين، وكافة الأمراء بالديار ~~المصرية يفعلون كذا وكذا " . واستمال صلاح الدين قلوب الناس وبذل الأموال ~~مما كان أسد الدين قد جمعه، فمال الناس إليه وأحبوه، وقويت نفسه على القيام ~~بهذا الأمر والثبات فيه؛ وضعف أمر العاضد، وكان العاضد كالباحث عن حتفه ~~بظلفه " . PageV02P0119 # قال ابن الأثير في تاريخه الكبير: قد اعتبرت التواريخ ورأيت كثيرا من ~~التواريخ الإسلامية، فرأيت كثيرا ممن يبتدئ الملك تنتقل الدولة عن صلبه إلى ~~بعض أهله وأقاربه: منهم في أول الإسلام معاوية ms1181 بن أبي سفيان، أول من ملك من ~~أهل بيته، فانتقل الملك عن أعقابه إلى بني مروان من بني عمه. ثم من بعده ~~السفاح أول من ملك من ملوك بني العباس، انتقل الملك عن أعقابه إلى أخيه أبي ~~جعفر المنصور. ثم السامانية أول من ملك منهم نصر بن أحمد فانتقل الملك عنه ~~إلى أخيه إسماعيل بن أحمد وأعقابه. ثم يعقوب ابن الليث، الضفار أول من ملك ~~من أهل بيته فانتقل الملك عنه إلى أخيه عمرو وأعقابه. ثم عماد الدولة بن ~~بويه أول من ملك من أهل بيته ثم انتقل الملك عنه إلى أخويه: ركن الدولة ~~ومعز الدولة. ثم السلجوقية أول من ملك منهم طغرلبك. ثم انتقل الملك إلى ~~أولاد أخيه داود. ثم هذا شيركوه كما ذكرنا انتقل الملك عنه إلى ولد أخيه ~~نجم الدين أيوب. ولولا خوف الإطالة لذكرنا أكثر من هذا. والذي أظنه السبب ~~في ذلك أن الذي يكون أول دولة يكثر القتل، فيأخذ الملك وقلوب من كان فيه ~~متعلقة به؛ فلهذا يحرم الله تعالى أعقابه ويفعل ذلك لأجلهم عقوبة له، ~~انتهى. قلت: وما ذكره ابن الأثير من انتقال الملك من عقب من يلي الملك أولا ~~إلى أقاربه، هو بعكس ما وقع لخلفاء مصر بني عبيد؛ فإنه لم يل الخلافة منهم ~~أحد بعد أخيه من أولهم المعز إلى آخرهم العاضد. قلت: ونادرة أخرى وقعت ~~لخليفة زماننا هذا، فإنه خامس أخ ولي الخلافة بعد إخوته، وهو أمير المؤمنين ~~المستنجد بالله يوسف، وهم خمسة إخوة من أولاد المتوكل، كل منهم ولي ~~الخلافة: وأولهم المستعين بالله العباسي، الذي تسلطن بعد خلع الملك الناصر ~~فرج بن برقوق، في سنة خمس عشرة وثمانمائة؛ ثم بعمه المعتضد داود؛ ثم من ~~بعده المستكفي سليمان؛ ثم من بعده القائم حمزة؛ ثم يوسف هذا خليفة زماننا. ~~وأكثر من ولي من بني أمية أربعة من أولاد عبد الملك بن مروان: وهم الوليد ~~وسليمان ويزيد وهشام؛ قيل: إن عبد الملك رأى في نومه أنه بال في محراب ~~النبي صلى الله عليه ms1182 وسلم أربع بولات، فأوله المعبرون بأنه يلي الخلافة من ~~ولده لصلبه أربعة، فكان كذلك. وأما ثلاثة الإخوة: فالأمين محمد والمأمون ~~عبد الله والمعتصم محمد أولاد الرشيد هارون. ثم وقع ذلك أيضا لبني العباس ~~في أولاد المتوكل جعفر؛ ولي من أولاده ثلاثة: المنتصر والمعتز والمعتمد. ثم ~~وقع ذلك أيضا للمعتضد؛ ولي من أولاده ثلاثة: وهم المكتفي علي والمقتدر جعفر ~~والقاهر محمد. ثم وقع ذلك للمقتدر جعفرة ولي من أولاده ثلاثة: الراضي ~~والمتقي والمطيع. ونادرة أخرى، قيل: إن المستنجد بن المقتفي رأى في حياة ~~والده في منامه كأن ملكا نزل من السماء فكتب في كفه أربع خاءات معجمات، ~~فعبروه أنه يلي الخلافة سنة خمس وخمسين وخمسمائة فكان كذلك. وقد خرجنا عن ~~المقصود، ونعود إلى ذكر صلاح الدين. ثم ذكر ابن الأثير شيئا عن أحوال صلاح ~~الدين إلى أن قال: وتوفي العاضد وجلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصره ~~وجميع ما فيه؛ فكان قد رتب فيه قبل وفاة العاضد بهاء الدين قراقوش، وهو خصي ~~يحفظه، فحفظ ما فيه حتى تسلمه صلاح الدين ونقل صلاح الدين أهله إلى مكان ~~منفرد، ووكل بهم من يحفظهم، وجعل أولاده وعمومته وأبناءه في إيوان بالقصر، ~~وأخرج من كان فيه من العبيد والإماء، فأعتق البعض ووهب البعض وأخلى القصر ~~من سكانه وأهله. فسبحان من لا يزول ملكه قال: ولما استولى صلاح الدين على ~~القصر وأمواله وذخائره اختار منه ما أراد، ووهب أهله وأمراءه، وباع منه ~~كثيرا، وكان فيه من الجواهر النفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك. قال ابن ~~الأثير: ولما وصل الخبر إلى الإمام المستضيئ بأمر الله أبي محمد الحسن بن ~~الإمام المستنجد، وهو والد الإمام الناصر PageV02P0120 # لدين الله، بما تجدد من أمر مصر، وعود الخطبة والسكة بها باسمه بعد ~~انقطاعها بمصر هذه المدة الطويلة عمل أبو الفتح محمد سبط ابن، التعاويذي ~~قصيدة طنانة مدح بها المستضيئ، وذكر هذا الفتوح المتجدد له، وفتوح بلاد ~~اليمن، وهلاك الخارجي بها الذي سمى نفسه المهدي. نذكر في آخر ترجمته أمر ms1183 ~~القصيدة التي نظمها ابن التعاويذي من كلام ابن خلكان وغيرها إن شاء الله ~~تعالى. وكان صلاح الدين قد أرسل له من ذخائر مصر وأسلاب المصريين شيئا ~~كثيرا. ثم ذكر ابن الأثير فصلا في سنة سبع وستين وخمسمائة يتضمن حصول ~~الوحشة بين نور الدين الشهيد وبين صلاح الدين باطنا، فقال: " في هذه السنة ~~جرت أمور أوجبت تأثر نور الدين من صلاح الدين، ولم يظهر ذلك. وكان سببه أن ~~صلاح الدين سار عن مصر في صفر منها إلى بلاد الفرنج، ونازل حصن الشوبك، ~~وبينه وبين الكرك يوم، وحصره وضيق على من به من الفرنج، وأدام القتال؛ ~~فطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام، فأجابهم إلى ذلك. فلما سمع نور الدين ~~ما فعله صلاح الدين سار من دمشق قاصدا بلاد الفرنج ليدخل إليها من جهة ~~أخرى، فقيل لصلاح الدين: إن دخل نور الدين إلى بلاد الفرنج وهم على هذه ~~الحال - أنت من جانب ونور الدين من جانب - ملكها، ومتى زال ملك الفرنج عن ~~الطريق لم يبق لك بديار مصر مقام مع نور الدين؛ ومتى جاء نور الدين إليك ~~وأنت هاهنا فلا بذلك من الاجتماع به؛ وحينئذ يكون هو المتحكم فيك، إن شاء ~~تركك وإن شاء عزلك، ولا تقدر على الامتناع عليه؛ وحينئذ المصلحة الرجوع إلى ~~مصر. فرحل عن الشوبك عائدا إلى مصر " ولم يأخذه من الفرنج " . وكتب إلى نور ~~الدين يعتذر باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلوي، وأنهم ~~عازمون على الوثوب بها، وأنه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوم أهلها على ~~من تخلف بها. فلم يقبل نور الدين هذا الاعتذار منه وتغير عليه، وعزم على ~~الدخول إلى مصر وإخراجه عنها. وظهر ذلك لصلاح الدين فجمع أهله وفيهم أبوه ~~نجم الدين أيوب، وخاله شهاب الدين الحارمي وسائر الأمراء، وأعلمهم بما بلغه ~~من عزم نور الدين وحركته إليه، فاستشارهم فلم يجبه أحد منهم بكلمة؛ فقام ~~تقي الدين عمر ابن أخيه وقال: إذا جاء قاتلناه ومنعناه عن البلاد، ووافقه ~~غيره من أهله؛ فشتمهم نجم ms1184 الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه، وقال لصلاح ~~الدين: أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك، ونحن أكثر محبة لك من جميع من ترى؛ ~~والله لو رأيت أنا وخالك نور الدين لم يمكنا إلا أن نقبل الأرض بين يديه، ~~ولو أمرنا أن نضرب عنقك لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا فما ظنك بغيرنا! وكل من ~~ترى من الأمراء لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسروا من الثبات على سروجهم. ~~ثم قال: وهذه البلاد له، ونحن مماليكه ونوابه فيها، فإن أراد غير ذلك سمعنا ~~وأطعنا؛ والرأي أن تكتب إليه وتقول: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد، ~~فأي حاجة إلى هذا! يرسل المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك، ~~فما هاهنا من يمتنع عليك؛ وقام الأمراء وتفرقوا. فلما خلا نجم الدين أيوب ~~بابنه صلاح الدين قال له: يا بني، بأي عقل قلت هذا! أما علمت أن نور الدين ~~متى سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهم الوجوه عنده، وحينئذ لا نقوى ~~به؛ وإذا بلغه طاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا، والأقدار تعمل عملها؛ والله ~~لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل. ~~ففعل صلاح الدين ما أشار به والده عليه؛ فترك نور الدين قصده واشتغل بغيره؛ ~~فكان الأمر كما ظنه أيوب. وتوفي نور الدين ولم يقصده. وملك صلاح الدين ~~البلاد، وكان هذا من أصوب الآراء وأحسنها. انتهى كلام ابن الأثير باختصار. ~~PageV02P0121 # قال ابن شداد: ولم يزل صلاح الدين في نشر الإحسان وإفاضة النعم على الناس ~~إلى سنة ثمان وستين وخمسمائة، فعند ذلك خرج بالعسكر يريد بلاد الكرك ~~والشوبك، وإنما بدأ بها لأنها كانت أقرب إليه، وكانت على الطريق تمنع من ~~يقصد الديار المصرية، وكان لا يمكن أن تعبر قافلة حتى يخرج هو بنفسه ~~يعبرها، فأراد توسيع الطريق وتسهيلها، فحاصرها في هذه السنة، وجرى بينه ~~وبين الفرنج وقعات، وعاد إلى مصر ولم يظفر منها بشيء. ولما عاد بلغه خبر ~~وفاة والده نجم الدين قبل وصوله إليه. قال: ولما كانت ms1185 سنة تسع وستين رأى ~~قوة عسكره وكثرة دمعه، وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك ~~حصونها، وكان يسمى عبد النبي بن مهدي؛ فأرسل أخاه توران شاه فقتله وأخذ ~~البلاد منه. ثم مات الملك العادل نور الدين محمود صاحب دمشق في سنة تسع ~~وستين وخمسمائة، على ما سيأتي ذكره في الوفيات. ثم بلغ صلاح الدين أن ~~إنسانا يقال له الكنز " جمع بأسوان خلقا كثيرا من السودان، وزعم أنه يعيد ~~الدولة العبيدية المصرية. وكان أهل مصر يؤثرون عودهم وانضافوا إليه، فسير ~~صلاح الدين إليه جيشا كثيفا وجعل مقدمه أخاه الملك العادل، فساروا والتقوا ~~به، وكسروه في السابع من صفر سنة سبعين وخمسمائة. ثم بعد ذلك استقرت له ~~قواعد الملك. وكان نور الدين محمود قد خلف ولده الملك الصالح إسماعيل، وكان ~~بدمشق عند وفاة أبيه. وكان بحلب شمس الدين علي بن الداية، وكان ابن الداية ~~حدث نفسه بأمور، فسار الملك الصالح من دمشق إلى حلب، فوصل إلى ظاهرها في ~~المحرم سنة سبعين ومعه سابق الدين، فخرج بدر الدين حسن بن الداية فقبض على ~~سابق الدين. ولما دخل الملك الصالح قلعة حلب قبض على شمس الدين علي بن ~~الداية، وعلى أخيه بدر الدين حسن المذكور، وأودع الثلاثة السجن. وفي ذلك ~~اليوم قتل أبو الفضل بن الخشاب لفتنة جرت بحلب وقيل: بل قتل قبل القبض على ~~أولاد الداية بيوم، لأنهم تولوا تدبير ذلك. ثم إن صلاح الدين بعد وفاة نور ~~الدين علم أن ولده الملك الصالح صبي لا يستقل بالأمر، ولا ينهض بأعباء ~~الملك، واختلفت الأحوال بالشام. وكاتب شمس الدين محمد بن عبد الملك بن ~~المقدم صلاح الدين، فتجهز صلاح الدين من مصر في جيش كثيف، وترك بالقاهرة من ~~يحفظها، وقصد دمشق مظهرا أنه يتولى مصالح الملك الصالح؛ فدخلها بالتسليم في ~~يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة سبعين وخمسمائة، وتسلم قلعتها واجتمع ~~الناس إليه وفرحوا به، وانفق في ذلك اليوم مالا جزيلا، وأظهر السرور ~~بالدمشقيين وصعد القلعة؛ ثم سار إلى حلب ونازل حمص ms1186 وأخذ مدينتها في أول ~~جمادى الأولى، ولم يشتغل بقلعتها وتوجه إلى حلب، ونازلها في يوم الجمعة سلخ ~~جمادى الأولى من السنة، وهي الوقعة الأولى. PageV02P0122 # ثم إن سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل لما أحس ~~بما جرى علم أن الرجل قد استفحل أمره وعظم شأنه، فخاف إن غفل عنه استحوذ ~~على البلاد واستقرت قدمه في الملك وتعدى الأمر إليه، فأرسل عسكرا وافرا، ~~وجيشا عظيما، وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود، وساروا ~~يريدون لقاء صلاح الدين نجمة لابن عمه الملك الصالح ابن نور الدين، ليردوا ~~صلاح الدين عن البلاد. فلما علم صلاح الدين ذلك رحل من حلب في مستهل رجب من ~~السنة عائدا إلى حماة، ثم رجع إلى حمص وأخذ قلعتها. ووصل عز الدين مسعود ~~إلى حلب وأخذ معه عسكر ابن عمه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود، ~~وهو صاحب حلب يومئذ، وخرجوا في جمع عظيم؛ وما علم صلاح الدين بخروجهم حتى ~~وافاهم على قرون حماة، فراسلهم وراسلوه، واجتهد صلاح الدين على أن يصالحوه ~~فلم يصالحوه؛ فرأى أن ضرب المصاف معهم ربما نالوا به غرضهم، والقضاء يجري ~~إلى أموره وهم لا يشعرون، فتلاقوا فقضى الله تعالى أنهم انكسروا بين يديه، ~~وأسر جماعة منهم فمن عليهم وأطلقهم، وذلك في تاسع عشر شهر رمضان من السنة ~~عند قرون حماة. ثم سار صلاح الدين عقيب كسرتهم ونزل على حلب، وهي الدفعة ~~الثانية، فصالحوه على المعرة وكفر طاب وبارين. ولما جرت هذه الواقعة كان ~~سيف الدين غازي محاصرا أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، وعزم على أخذها ~~منه، لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين، وكان قد قارب أخذها. فلما بلغه خبر ~~هذه الواقعة، وأن عسكره انكسر من صلاح الدين على قرون حماة خاف أن يبلغ ~~أخاه عماد الدين الخبر فيشتد أمره ويقوى جأشه، فراسله وصالحه. ثم سار غازي ~~من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر والإنفاق فيها، وسار إلى الفرات ~~وعبر البيرة وخيم على الجانب ms1187 الشامي، وراسل ابن عمه الملك الصالح ابن الملك ~~العادل نور الدين صاحب حلب حتى تستقر له قاعدة يصل إليها. ثم إنه وصل إلى ~~حلب وخرج ابن عمه الملك الصالح صاحب حلب إلى لقائه، وأقام غازي على حلب ~~مدة، وصعد قلعتها جريدة؛ ثم نزل وسار إلى تل السلطان، وهي منزلة بين حلب ~~وحماة، ومعه جمع كبير. وأرسل صلاح الدين إلى مصر وطلب عسكرها، فوصل إليه ~~منها جمع كبير، فسار بهم صلاح الدين حتى نزل قرون حماة ثانيا. وتصافوا بكرة ~~يوم الخميس العاشر من شوال سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وجرى قتال عظيم، ~~وانكسرت ميسرة صلاح الدين من مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، فإنه كان ~~على ميمنة سيف الدين غازي، فحمل صلاح الدين بنفسه على عسكر سيف الدين غازي ~~حملة شديدة فانكسر القوم، وأسر منهم جماعة من كبار الأمراء، فمن عليهم صلاح ~~الدين وأطلقهم. وعاد سيف الذين غازي إلى حلب فأخذ منها خزائنه وسار حتى عبر ~~الفرات، وترك ابن عمه الملك الصالح صاحب حلب بها وعاد إلى بلاده. ومنع صلاح ~~الدين من تتبع القوم، ونزل في بقية اليوم في خيامهم، فإنهم تركوا أثقالهم ~~وانهزموا؛ وفرق صلاح الدين الأطلاب ووهب الخزائن وأعطى خيمة سيف الدين غازي ~~لابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب أخي تقي الدين عمر صاحب ~~حماة، وكان فرخشاه صاحب بعلبك. ثم سار صلاح الدين إلى منبج فتسلمها، ثم سار ~~إلى قلعة عزاز وحاصرها في رابع في القعدة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وبينما ~~صلاح الدين بها وثب عليه جماعة من الإسماعيلية " أعني الفداوية " فنخاه ~~الله منهم وظفر بهم. وأقام عليها حتى أخذها في رابع عشر ذي الحجة من السنة. ~~ثم سار فنزل على حلب في سادس عشر ذي الحجة وأقام عليها مدة. ثم رحل عنها ~~بعد أن أخرجوا له ابنة صغيرة لنور الدين محمود فسألته عزاز فوهبها لها. ثم ~~عاد صلاح الدين إلى مصر ليتفقد أحوالها، وكان مسيره إليها في شهر ربيع ~~الأول سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة؛ وكان ms1188 أخوه شمس الدولة توران شاه بن أيوب ~~قد وصل إليه من اليمن فاستخلفه بدمشق. ثم بعد ذلك تأهب صلاح الدين للغزاة ~~وخرج يطلب الساحل حتى وافى الفرنج على الرملة، وذلك في أوائل جمادى الأولى ~~سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وكانت الكسرة على المسلمين في ذلك الوقت ولما ~~انهزموا لم يكن لهم حصن قريب يأوون إليه، فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا ~~في الطريق وتبددوا، وأسر منهم جماعة: منهم الفقيه عيسى الهكاري. وكان ذلك ~~وهنا عظيما، جبره الله تعالى بوقعة حطين المشهورة. PageV02P0123 # ووصل صلاح الدين إلى مصر ولم شعثه وشعث أصحابه من أثر كسرة الرملة؛ ثم ~~بلغه تخبط الشام فعاد إليه واهتم بالغزاة، فوصله رسول صاحب الروم يلتمس ~~الصلح ويتضرر من الأرمن، فعزم على قصد بلاد ابن لاون يعني بلاد سيس الفاصلة ~~بين حلب والروم من جهة الساحل لينصر قليج أرسلان عليه؛ فتوجه صلاح الدين ~~إليه، واستدعى عسكر حلب، لأنه كان في الصلح متى استدعاه حضر إليه؛ يعني صلح ~~صلاح الدين مع الملك الصالح صاحب حلب. ثم دخل صلاح الدين بلاد ابن لاون ~~وأخذ في طريقه حصنا وأخربه، ورغبوا إليه في الصلح فصالحهم ورجع عنهم. ثم ~~سأله قليج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم يعني سيف الدين غازي وإخوته فأجاب ~~إلى ذلك صلاح الدين وحلف في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وخمسمائة، ~~ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة. ثم عاد صلاح الدين بعد تمام الصلح ~~إلى دمشق؛ ثم منها إلى مصر. فورد عليه الخبر بموت الملك الصالح ابن الملك ~~العادل نور الدين محمود الشهيد بعد أن استحلف أمراء حلب وأجنادها قبل موته ~~لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، وهو ابن عم قطب الدين مودود. ولما ~~بلغ عز الدين مسعودا خبر موت ابن عمه الملك الصالح المذكور، وأنه أوصى له ~~بحلب بالحر إلى التوجه إليها خوفا أن يسبقه صلاح الدين إليها فأخذها. وكان ~~أول قادم إليها مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، وكان إذ ذاك صاحب حران، ~~وهو مضاف إلى الموصل، ووصلها ms1189 مظفر الدين المذكور في ثالث شعبان من سنة سبع ~~وسبعين. وفي العشرين منه وصلها عز الدين مسعود وطلع إلى القلعة واستولى على ~~ما فيها من الحواصل، وتزوج بأم الملك الصالح في الخامس من شوال من السنة. ~~قال: وحاصل الأمر أن عز الدين مسعودا قايض أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار ~~عن حلب بسنجار، وخرج عز الدين من حلب ودخلها عماد الدين زنكي، فلما بلغ ~~صلاح الدين ذلك توجه إليه وحاصره فلم يقدر عماد الدين على حفظ حلب، وكان ~~نزول صلاح الدين على حلب في السادس والعشرين من المحرم سنة سبع وسبعين ~~وخمسمائة. فتحدث عماد الدين زنكي مع الأمير حسام الدين طمان بن غازي في ~~السر بما يفعله، فأشار عليه أن يطلب من صلاح الدين بلادا وينزل له عن حلب، ~~بشرط أن يكون له جميع ما في القلعة من الأموال؛ فقال له عماد الدين: وهذا ~~كان في نفسي. ثم اجتمع حسام الدين طمان بن غازي مع صلاح الدين في السر على ~~تقرير القاعدة لذلك، فأجابه صلاح الدين إلى ما طلب ووقع له بسنجار وخابور ~~ونصيبين وسروج، ووقع لطمان المذكور بالرقة لسفارته بينهما، وحلف صلاح الدين ~~على ذلك في سابع عشر صفر من السنة؛ وكان صلاح الدين قد نزل قبل تاريخه على ~~سنجار وأخذها في ثامن شهر رمضان من سنة ثمان وسبعين وأعطاها لابن أخيه تقي ~~الدين عمر؛ فلما جرى الصلح على هذا أخذها من عمر وأعطاها لعماد الدين ~~المذكور. وتسلم صلاح الدين قلعة حلب وصعد إليها في يوم الاثنين السابع ~~والعشرين من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وأقام بها حتى رتب أمورها ثم رحل ~~عنها في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأخر من السنة، وجعل فيها ولده الملك ~~الظاهر وكان صبيا، وولى القلعة لسيف الدين يازكوج الأسدي وجعله يرتب مصالح ~~ولده. PageV02P0124 # ثم سار صلاح الدين إلى دمشق وتوجه من دمشق لقصد محاصرة الكرك في الثالث ~~من رجب من السنة، وسير إلى أخيه الملك العادل وهو بمصر، يستدعيه ليجتمع به ~~على الكرك، ms1190 فسار إليه الملك العادل أبو بكر بجمع عظيم وجيش كبير، واجتمع به ~~على الكرك في رابع شعبان فلما بلغ الفرنج نزوله على الكرك حشدوا خلقا عظيما ~~وجاؤوا إلى الكرك ليكونوا من خارج قبالة عسكر المسلمين، فخاف صلاح الدين ~~على الديار المصرية، فسير إليها ابن أخيه تقي الدين عمر، ثم رحل صلاح الدين ~~عن الكرك في سادس عشر شعبان من السنة واستصحب أخاه الملك العادل معه ودخل ~~دمشق في الرابع والعشرين من شعبان من السنة، وأعطى أخاه العادل حلب، فتوجه ~~إليها العادل ودخلها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان من السنة. ~~وخرج الملك الظاهر ويازكوج من حلب ودخلا دمشق يوم الاثنين الثامن والعشرين ~~من شوال من السنة. وكان الملك الظاهر أحب أولاد أبيه إليه لما فيه من ~~الخلال الحميدة، ولم يأخذ منه حلب إلا لمصلحة رآها أبوه صلاح الدين في ذلك ~~الوقت. وقيل: إن الملك العادل أعطاه على أخذ حلب ثلاثمائة ألف دينار يستعين ~~بها على الجهاد. ثم إن صلاح الدين رأى أن عود الملك العادل إلى مصر، وعود ~~الملك الظاهر إلى حلب أصلح. قيل: إن علم الدين سليمان بن جندر كان هو السبب ~~لذلك، فإنه قال لصلاح الدين وكانت بينهما مؤانسة قبل أن يتملك البلاد، وقد ~~سايره يوما، وكان من أمراء حلب، والملك العادل لا ينصفه، وقدم عليه غيره؛ ~~وكان صلاح الدين قد مرض على حصار الموصل! وحمل إلى حران وأشفى على الهلاك، ~~ولما عوفي ورجع إلى الشام واجتمعا في المسير، قال له - وكان صلاح الدين قد ~~أوصى لكل واحد من أولاده بشيء من البلاد - : بأي رأي كنت تظن أن وصيتك ~~تنفذ! كأنك كنت خارجا إلى الصيد ثم تعود فلا يخالفونك! أما تستحي أن يكون ~~الطائر أهدى منك إلى المصلحة؛ قال صلاح الدين: وكيف ذلك؛ وهو يضحك؛ قال: ~~إذا أراد الطائر أن يعمل عشا لفراخه قصد أعالي الشجر ليحمي فراخه، وأنت ~~سلمت الحصون إلى أهلك وجعلت أولادك على الأرض؛ هذه حلب - وهي أم البلاد - ~~بيد أخيك، وحماة بيد ابن ms1191 أخيك تقي الدين عمر، وحمص بيد ابن عمك أسد الدين؛ ~~وابنك الأفضل مع تقي الدين بمصر يخرجه متى شاء، وابنك الآخر مع أخيك في ~~خيمة يفعل به ما أراد؛ فقال له صلاح الدين: صدقت، فأكتم هذا الأمر؛ ثم أخذ ~~حلب من أخيه العادل وأعادها إلى ابنه الملك الظاهر، وأعطى العادل بعد ذلك ~~حران والرها وميافارقين ليخرجه من الشام. وفرق الشام على أولاده، فكان ما ~~كان. وزوج السلطان صلاح الدين ولده الملك الظاهر بغازية خاتون ابنة أخيه ~~الملك العادل المذكور. PageV02P0125 # ثم كانت وقعة حطين المباركة على المسلمين، وكانت في يوم السبت رابع عشر ~~شهر ربيع الأخر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة في وسط نهار الجمعة. وكان صلاح ~~الدين كثيرا ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند الصلاة تبركا بدعاء ~~المسلمين والخطباء على المنابر، فسار في ذلك الوقت واجتمع له من العساكر ~~الإسلامية عدد يفوت الحصر، وكان قد بلغه أن العدو اجتمع في عدة كثيرة بمرج ~~صفورية بأرض عكا عندما بلغهم اجتماع العساكر الإسلامية، فسار صلاح الدين ~~ونزل على طبرية على سطح الجبل ينتظر قصد الفرنج، فلما بلغهم نزوله في ~~الموضع المذكور لم يتحركوا ولا خرجوا من منزلتهم، وكان نزولهم في الموضع ~~المذكور يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر؛ فلما رآهم لا ~~يتحركون نزل جريدة على طبرية، وترك الأطلاب على حالها قبالة العدو، ونزل ~~طبرية وهاجمها وأخذها في ساعة واحدة، وانتهب الناس ما فيها، وأخذوا في ~~القتل والسبي والحريق؛ وبقيت القلعة ممتنعة بمن فيها. ولما بلغ العدو ما ~~جرى في طبرية قلقوا لذلك ورحلوا نحوها، فبلغ السلطان صلاح الدين ذلك فترك ~~على طبرية من يحاصرها ولحق بالعسكر، والتقى بالعدو على سطح جبل طبرية ~~الغربي منها، وذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الآخر، فحال ~~الليل بين العسكرين، فناما على المصاف إلى بكرة يوم الجمعة الثالث والعشرين ~~منه، فركب العسكران وتصادما والتحم القتال واشتد الأمر ودام القتال حتى لم ~~يبق إلا الظفر، فحال الليل بينهم، وناما على المصاف؛ وتحقق ms1192 المسلمون أن من ~~ورائهم الأردن، ومن بين أيديهم بلاد العدو، وأنهم لا ينجيهم إلا القتال ~~والجهاد. وأصبحوا من الغد فحملت أطلاب المسلمين من جميع الجوانب، وحمل ~~القلب وصاحوا صيحة رجل واحد: الله أكبر، وألقى الله الرعب في قلوب ~~الكافرين، وكان حقا عليه نصر المؤمنين. ولما أحس الملك القومص بالخذلان هرب ~~في أوائل الأمر و قصد جهة صور، فتبعه جماعة من المسلمين، فنجا منهم؛ وأحاط ~~المسلمون بالكافرين من كل جانب، وأطلقوا عليهم السهام، وحملوا عليهم ~~بالسيوف، وسقوهم كأس الحمام، وانهزمت طائفة منهم فتبعهم المسلمون يقتلونهم ~~واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له: تل حطين، وهي قرية عندها قبر النبي شعيب ~~عليه السلام، فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران، واشتد بهم العطش ~~فاستسلموا للأسر خوفا من القتل، فأسر مقدموهم وقتل الباقون؛ وكان ممن أسر ~~من مقدميهم الملك جفري وأخوه الملك، والبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك، ~~وابن الهنفري وابن صاحب طبرية، أو مقدم الديوية، وصاحب جبيل، ومقدم ~~الاسبتار. قال ابن شداد: لقد حكى لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصا واحدا ~~ومعه نيف وثلاثون أسيرا ربطهم بطنب خيمة، لما وقع عليهم من الخذلان. ثم إن ~~الملك القومص الذي هرب في أول الوقعة وصل إلى طرابلس، وأصابه ذات الجنب ~~فهلك. وأما مقدم الأسبتار والذيوية فإنه قتلهما السلطان صلاح الدين، وقتل ~~من بقي من أصحابهما حيا؛ وأما البرنس أرناط فإن السلطان كان نذر أنه إن ظفر ~~به قتله، وذلك أنه كان عبر إليه بالشوبك قوم من الديار المصرية في حال ~~الصلح فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الصلح الذي بينه وبين السلطان، فقال ما ~~يتضمن الاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ وبلغ ذلك السلطان، فحملته حمية ~~دينه على أن أهدر دمه. PageV02P0126 # ولما فتح الله عليه بالنصر جلس بالدهليز يعني الخيمة فإنها لم تكن نصبت ~~بعد لشغل السلطان بالجهاد، وعرضت عليه الأسارى، وصار الناس يتقربون إليه ~~بما في أيديهم منهم، وهو فرح بما فتح الله عليه، وأشخص الملك جفري وأخاه، ~~والبرنس أرناط، وناول السلطان الملك جفري شربة من جلاب ms1193 وثلج فشرب منها، ~~وكان على أشد حال من العطش ثم ناولها للبرنس، ثم قال السلطان للترجمان: قل ~~للملك أنت الذي سقيته وإلا أنا فما سقيته، فإنه كان من جميل عادة العرب ~~وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن؛ فلذا قال ~~السلطان لترجمان: أنت الذي سقيته. ثم أمر السلطان بمسيرهم إلى موضع عينه ~~لهم فأكلوا شيئا، ثم عادوا بهم ولم يبق عند السلطان سوى بعض الخدم؛ ~~فاستحضرهم وأقعد الملك في دهليز الخيمة، فطلب البرنس أرناط وأوقفه بين ~~يديه، وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد منك. ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل، فسل ~~النيمجاة فضربه بها فحل كتفه، وتمم قتله من حضر، وأخرجت جثته فرميت على باب ~~الخيمة؛ فلما رآها الملك جفري لم يشك أنه يلحقه به، فاستحضره السلطان وطيب ~~قلبه، وقال له: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك، إلا أن هذا تجاوز ~~الحد وتجرأ على الأنبياء صلوات الله عليهم، ثم أمره بالانصراف. وبات الناس ~~تلك الليلة على أتم سرور. وفي هذه الواقعة يقول العماد الكاتب قصيدة طنانة ~~منها: حططت على حطين قدر ملوكهم ... ولم تبق من أجناس كفرهم جنسا بطون ذئاب ~~الأرض صارت قبورهم ... ولم ترض أرض أن تكون لهم رمسا وقد طاب ربانا على ~~طبرية ... فيا طيبها ريا ويا حسنها مرسى وقال ابن الساعاتي قصيدة أخرى ~~عظيمة في هذا الفتح، أولها: جلت عزماتك الفتح المبينا ... فقد قرت عيون ~~المؤمنينا ثم رحل السلطان بعد أن تسلم طبرية ونزل على عكا في يوم الأربعاء ~~سلخ شهر ربيع الآخر، وقاتلها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة ثلاث ~~وثمانين وخمسمائة؛ وأخذها واستنقذ من كان فيها من أسارى المسلمين، وكانوا ~~أكثر من أربعة آلاف أسير، واستولى على ما كان فيها من الأموال والذخائر ~~والبضائع، لأنها كانت مظنة التجار؛ وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون ~~الحصون والقلاع. ثم سار السلطان من عكا ونزل على تبنين يوم الأحد حادي عشر ~~جمادى الأولى، وهي قلعة منيعة، فحاصرها حتى أخذها في ms1194 يوم الأحد ثامن عشر ~~جمادى الأولى المذكور عنوة. ثم رحل عنها إلى صيدا فنزل عليها وتسلمها في غد ~~يوم نزوله عليها. ثم رحل عنها وأتى بيروت فنازلها يوم الخميس الثاني ~~والعشرين من جمادى الأولى، حتى أخذها في يوم الخميس تاسع عشرين جمادى ~~الأولى. ولما فرغ باله من هذا رأى قصد عسقلان، ولم ير الاشتغال بصور بعد أن ~~نزل عليها؛ ثم رأى أن العسكر تفرق في الساحل وكانوا قد ضرسوا من القتال؛ ~~وكان قد اجتمع بصور من بقي من الفرنج فرأى أن فصلى عسقلان أولى، لأنها أيسر ~~من صور؛ فأتى عسقلان ونزل عليها يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة. وأقام ~~عليها إلى أن تسلم أصحابه مدينة غزة وبيت جبريل والنطرون من غير قتال، وكان ~~بين فتح عسقلان وأخذ الفرنج لها ثانيا من المسلمين خمس وثلاثون سنة؛ فإن ~~أخذها كان في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. PageV02P0127 # ولما تسلم السلطان عسقلان والبلاد المحيطة بالقدس شمر عن ساق الجد ~~والاجتهاد في قصد القدس المبارك، واجتمع عليه العساكر التي كانت متفرقة في ~~الساحل، فسار بهم نحو القدس معتمدا على الله تعالى مفوضا أمره إليه منتهزا ~~الفرصة في فتح باب الخير الذي حث على انتهازه بقوله صلى الله عليه وسلم: من ~~فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يعلم متى يغلق دونه " . وكان نزول السلطان ~~على القدس في يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين المذكورة، ~~ونزل بالجانب الغربي، وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة حتى إنه ~~حزر أهل الخبرة، فمن كان مع السلطان، من كان فيه من المقاتلة فكانوا يزيدون ~~على ستين ألفا خارجا عن النساء والصبيان؛ ثم انتقل السلطان لمصلحة رآها إلى ~~الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب ونصب عليها المجانيق وضايق ~~البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهم، ولما رأى ~~العدو ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع لهم عنه، وظهرت لهم أمارات فتح ~~المدينة وظهور المسلمين عليهم، وكان قد اشتد روعهم لما ms1195 جرى على أبطالهم ما ~~جرى، فاستكانوا إلى طلب الأمان، وسلموا المدينة في يوم الجمعة السابع ~~والعشرين من رجب، وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن ~~الكريم. فانظر إلى هذا الاتفاق العظيم، كيف يسر الله تعالى عوده إلى ~~المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم صلى الله عليه وسلم. قال: وكان فتحا ~~عظيما شهده من العلماء خلق، ومن أرباب الحرب والزهد عالم كثير، وارتفعت ~~الأصوات بالضجيج بالدعاء والتهليل والتكبير، وصفيت فيه الجمعة يوم فتحه، ~~ونكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة، وكان الصليب شكلا عظيما، ونصر الله ~~الإسلام. وكان الفرنج قد استولوا على القدس - بعد فتحه الأول في زمن عمر - ~~في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة؛ ~~وقيل: في ثاني شعبان وقيل يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر رمضان من ~~السنة أعني سنة اثنتين وتسعين، وذلك كان في خلافة المستعلي أبي القاسم أحد ~~خلفاء مصر من بني عبيد، وكان من وزارة بدر الجمالي بديار مصر. وقد حكينا ~~طرفا من فلك في ترجمة المستعلي في هذا الكتاب. قلت: وعلى هذا الحساب يكون ~~القدس أقام بيد الفرنج نيفا وتسعين سنة من يوم أخفوه في خلافة المستعلي إلى ~~أن فتحه السلطان صلاح الدين في هذه المرة ثانيا. ولله الحمد. قال ابن شداد: ~~وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرين دينارا، وعن كل ~~امرأة خمسة دنانير صورية، وعن كل صغير ذكر أو أنثى دينارا واحدا، فمن أحضر ~~قطيعته نجا بنفسه وإلا أخذ أسيرا، وأفرج عمن كان بالقدس من أسارى المسلمين، ~~وكانوا خلقا عظيما. وأقام السلطان بالقدس يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء ~~والرجال، ثم رسم بإيصال من قام بقطيعته من الفرنج إلى مأمنه، وهي مدينة ~~صور، فلم يرحل السلطان من القدس ومعه من المال الذي جبي شيء، وكان يقارب ~~مائتي ألف دينار أو عشرين ألفا. PageV02P0128 # ولما فتح القدس حسن عنده فتح صور، وعلم أنه متى أخره عسر عليه فتحه، فسار ~~نحوها حتى أتى عكا فنزل عليها ونظر في ms1196 أمورها؛ ثم رحل عنها متوجها إلى صور ~~في يوم الجمعة خامس شهر رمضان من سنة ثلاث وثمانين المذكورة، فنزل قريبا ~~منها، وأرسل لإحضار آلات القتال حتى تكاملت عنده؛ نزل عليها في ثاني عشر ~~الشهر المذكور، وقاتل أهلها قتالا شديدا وضايقها، واستدعى أسطول مصر، وكان ~~السلطان يضايقها في البر والبحر ثم سير من حاصر هونين فسلمت في الثالث ~~والعشرين من شوال من السنة؛ وخرج أسطول صور في الليل فكبس أسطول المسلمين ~~في البحر، وأخذوا المقدم والرئيس وخمس قطع للمسلمين، وقتلوا خلقا كثيرا من ~~الرجال، وذلك في السابع والعشرين من الشهر المذكور؛ وعظم ذلك على السلطان ~~وضاق صدره؛ وكان الشتاء قد هجم وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال ~~لكثرة الأمطار، فجمع السلطان الأمراء واستشارهم فيما يفعل، فأشاروا عليه ~~بالرحيل لتستريح الرجال، فرحل عنها في يوم الأحد ثاني في القعدة وتفرقت ~~العساكر، وأعطى كل طائفة منها دستورا؛ فسار كل قوم إلى بلادهم، وأقام هو في ~~جماعة من خواضه بمدينة عكا إلى أن دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة. فرحل ~~ونزل على كوكب في أول المحرم، ولم يبق معه من العسكر إلا القليل؛ وكان كوكب ~~حصنا حصينا فيه الرجال و الأقوات، فعلم السلطان أنه لا يؤخذ إلا بقتال ~~شديد. فرحل إلى دمشق فدخلها في سادس عشرين شهر ربيع الأول من السنة؛ وأقام ~~بدمشق خمسة أيام. وبلغه أن الفرنج قصدوا جبلة واغتالوها، فخرج مسرعا وقد ~~سير يستدعي العساكر من جميع البلاد، وسار يطلب جبلة؛ فلما علم الفرنج ~~بخروجه كفوا عن ذلك. وكان السلطان بلغه وصول عماد الدين صاحب سنجار ومظفر ~~الدين بن زين الدين صاحب إربل وعسكر الموصل إلى حلب قاصدين خدمته والغزاة ~~معه؛ فسار السلطان نحو حصن الأكراد حتى اجتمع بالمذكورين وتقوى بهم للغاية ~~لما. انتهى كلام ابن شداد. وقال القاضي شمس الدين بن خلكان: " وفي يوم ~~الجمعة رابع جمادى الأولى دخل السلطان يعني صلاح الدين بلاد العدو على ~~تعبئة حسنة ورتب الأطلاب، وسارت الميمنة أولا ومقدمها عماد الدين زنكي، ~~والقلب في الوسط، والميسرة في ms1197 الأخير ومقدم الميسرة مظفر الدين بن زين ~~الدين صاحب أربل، فوصل إلى أنطرسوس يوم الأحد سادس جمادى الأولى، فوقف ~~قبالتها ينظر إليها فإن قصده كان جبلة، فاستهان أمرها وعزم على قتالها فسير ~~من رد الميمنة، وأمرها بالنزول إلى جانب البحر، والميسرة على الجانب الآخر، ~~ونزل هو موضعه والعساكر محدقة بها من البحر إلى البحرة وهي مدينة راكبة على ~~البحر ولها برجان، فركبوا وقاربوا البلد وزحفوا عليها، واشتد القتال فما ~~استتم نصب الخيام حتى صعد المسلمون سورها وأخفوها بالسيف، وغنم المسلمون ~~جميع ما فيها؛ وأحرق البلد وأقام عليها إلى رابع عشر جمادى الأولى، وسلم ~~أحد البرجين إلى مظفر الدين، فما زال يحاربه حتى أخربه. وحضر إلى السلطان ~~ولده الملك الظاهر بعساكر حلب، لأنه كان طلبه فجاء بعساكر عظيمة. ثم سار ~~السلطان يريد جبلة فوصلها في ثاني عشر جمادى الأولى، وما استتم نزول العسكر ~~عليها حتى أخذت البلد؛ وكان فيه مسلمون مقيمون وقاض يحكم بينهم، وقوتلت ~~القلعة قتالا شديدا ثم سلمت بالأمان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى من ~~السنة. ثم سار السلطان عنها إلى اللاذقية فنزل عليها يوم الخميس الرابع ~~والعشرين من جمادى الأولى، ولها قلعتان يعني اللاذقية متصلتان على تل مشرف ~~على البلد، واشتد القتال إلى آخر النهار، فأخذ البلد دون القلعتين، وغنم ~~المسلمون منه غنيمة عظيمة لأنه كان بلد التجار؛ ثم جدوا في أمر القلعتين ~~بالنقوب حتى بلغ طول النقب ستين ذراعا وعرضه أربع أذرع. فلما رأى أهل ~~القلعتين الغلبة لاذوا بطلب الأمان، وذلك في عشية يوم الجمعة الخامس ~~والعشرين من الشهر، والتمسوا الصلح على سلامة أنفسهم وذراريهم ونسائهم ~~وأموالهم ما خلا الغلال والذخائر والسلاح وآلات الحرب، فأجاب السلطان إلى ~~ذلك، ورفع العلم الإسلامي عليها في يوم السبت وأقام عليها إلى يوم الأحد ~~السابع والعشرين من الشهر. PageV02P0129 # ثم رحل عنها ونزل صهيون وقاتلهم أشذ قتال حتى أخذ البلد يوم ثاني عشر ~~جمادى الآخرة؛ ثم، قدموا إلى القلعة وصدقوا القتال، فلما عاينوا الهلاك ~~طلبوا الأمان فأجابهم إليه بحيث يؤخذ ms1198 من الرجل عشرة دنانير، ومن المرأة ~~خمسة دنانير، ومن كل صغير ديناران، الذكر والأنثى سواء. وأقام السلطان صلاح ~~الدين بهذه الجهات حتى أخذ عمة قلاع منها بلاطنس وغيرها من الحصون المتعلقة ~~بصهيون. ثم رحل عنها وأتى بكاس، وهي قلعة حصينة على العاصي ولها نهر يخرج ~~من تحتها، وكان النزول عليها في يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة، ~~وقاتلوها قتالا شديدا إلى يوم الجمعة تاسع الشهر ففتحها عنوة، فقتل أكثر من ~~بها وأسر الباقون، وغنم المسلمون جميع ما كان فيها؛ ولها قلعة تسمى الشغر، ~~وهي في غاية المنعة يعبر إليها بجسر وليس عليها طريق، فسلطت المجانيق عليها ~~من جميع الجوانب، فرأوا أن لا ناصر لهم فطلبوا الأمان في يوم الثلاثاء ثالث ~~عشر الشهر. ثم سار السلطان إلى برزيه، وهي أيضا من الحصون المنيعة في غاية ~~القوة يضرب بها المثل، ويحيط بها أودية من جميع جوانبها، وعلوها خمسمائة ~~ونيف وسبعون ذراعا؛ وكان نزوله عليها يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر، ~~فقاتلوها حتى أخذوها عنوة في يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه. ثم سار ~~السلطان إلى دربساك فنزل عليها يوم الجمعة ثامن رجب، وهي قلعة منيعة ~~فقاتلها قتالا شديدا حتى أخذها وترقى العلم الإسلامي عليها يوم الجمعة ~~الثاني والعشرين من رجب، وأعطاها للأمير علم الدين سليمان بن جندر. وسار ~~عنها بكرة يوم السبت الثالث والعشرين من رجب ونزل على بغراس، وهي قلعة ~~حصينة بالقرب من أنطاكية، وقاتلها قتالا شديدا حتى صعد العلم الإسلامي ~~عليها في ثاني شعبان؛ فراسله أهل أنطاكية في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر ~~العسكرة فكان الصلح بينهم على أن يطلقوا كل أسير عندهم لا غير، والصلح إلى ~~سبعة أشهر؛ فإن جاءهم من ينصرهم وإلا سلموا البلد. ثم رحل السلطان فسأله ~~ولده الملك الظاهر صاحب حلب أن يجتاز به فأجابه إلى ذلك، فوصل إلى حلب في ~~حادي عشر شعبان، وأقام بالقلعة ثلاثة أيام، وولده يقوم بالضيافة حق القيام. ~~ثم سار من حلب فاعترضه تقي الدين عمر ابن أخيه، وأصعده إلى قلعة حماة، ms1199 وصنع ~~له طعاما وأحضر له سماعا من جنس ما يعمل الصوفية، وبات فيها ليلة واحدة، ~~وأعطاه السلطان جبلة واللاذقية. ثم سار السلطان على طريق بعلبك، ودخل دمشق ~~قبل شهر رمضان بأيام يسيرة. ثم سار في أوائل شهر رمضان يريد صفد، فنزل ~~عليها ولم يزل القتال عمالا في كل يوم حتى تسلمها بالأمان في رابع عشر ~~شوال. وفي شهر رمضان المذكور سلمت الكرك، سلمها نواب صاحبها وخلصوا صاحبها ~~بذلك، فإنه كان في الأسر من نوبة حطين. ثم نزل السلطان بالغور، وأقام بقية ~~الشهر، فأعطى الجماعة دستورا. وسار السلطان مع أخيه العادل يريد زيارة ~~القدس ووداع أخيه العادل المذكور، لأن العادل المذكور كان متوجها إلى مصر، ~~فدخل السلطان القدس في ثامن ذي الحجة وصلى به العيد. وتوجه في حادي عشر ذي ~~الحجة إلى عسقلان لينظر في أمورها، فتوجه إليها وأخذها من أخيه، وعوضه عنها ~~الكرك. ثم مر على بلاد الساحل يتفقد أحوالها. ثم سار فدخل عكا وأقام بها ~~معظم المحرم من سنة خمس وثمانين وخمسمائة يصلح أحوالها، ورتب فيها الأمير ~~بهاء الدين قراقوش، وأمره بعمارتها وعمارة سورها. ودخل السلطان دمشق في ~~مستهل صفر من السنة، وأقام بها إلى شهر ربيع الأول من السنة. ثم خرج إلى ~~شقيف أرنون، وهو موضع حصين، فخيم في مرج عيون بالقرب من الشقيف في سابع ~~عشرين شهر ربيع الأول فأقام أياما على قتاله، والعسكر تتواصل إليه؛ فلما ~~تحقق صاحب الشقيف أنه لا طاقة له به نزل إليه بنفسه، فلم يشعر به إلا وهو ~~قائم على باب خيمته، فأذن له في الدخول وأكرمه السلطان واحترمه، وكان من ~~أكبر الفرنج قدرا، وكان يعرف بالعربية، وعنده اطلاع على بعض التواريخ ~~والأحاديث، وكان حسن التأتي لما حضر بين يدي السلطان وأكل معه الطعام، ثم ~~خلا به وذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم إليه المكان من غير تعب، ~~واشترط عليه أن يعطى موضعا يسكنه بدمشق، فإنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة ~~الفرنج، وإقطاعا بدمشق يقوم به وبأهله، وشروطا غير ذلك، ms1200 فأجابه إلى ذلك. ~~PageV02P0130 # وفي أثناء شهر ربيع الأول وصل إلى السلطان الخبر بتسليم الشوبك، وكان قد ~~أقام عليه جمعا يحاصرونه مدة كاملة إلى أن نفد زاد من كان فيه فسلموه ~~بالأمان. ثم ظهر للسلطان بعد ذلك أن جميع ما قاله صاحب شقيف كان خديعة، ~~فرسم عليه. ثم بلغه أن الفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها في ثالث عشر شهر رجب ~~من سنة خمس وثمانين المذكورة. وفي ذلك اليوم سير السلطان صاحب الشقيف إلى ~~دمشق بعد الإهانة الشديدة. ثم سار السلطان وأتى عكا ودخلها بغتة ليقوي قلوب ~~من بها، واستدعى العساكر من كل ناحية؛ وكان العدو مقدار ألفي فارس وثلاثين ~~ألف راجل. وتكاثر الفرنج واستفحل أمرهم، وأحاطوا بعكا ومنعوا من يدخل إليها ~~ويخرج، وذلك في يوم الخميس سلخ رجب، فضاق صدر السلطان لذلك، ثم اجتهد في ~~فتح الطريق إليها لتستمر السابلة بالميرة والنجدة، وشاور الأمراء فاتفقوا ~~على مضايقة العدو لفتح الطريق، ففعلوا ذلك وانفتح الطريق وسلكه المسلمون؛ ~~ودخل السلطان عكا فأشرف على أمورها؛ ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة ~~أيام، وتأخر الناس إلى تل العياضية وهو مشرف على عكا. وفي هذه المنزلة توفي ~~الأمير حسام الدين طمان المقدم ذكره، وذلك في نصف شعبان من سنة خمس وثمانين ~~وخمسمائة، وكان من الشجعان " . قال ابن خلكان: قال شيخنا ابن شداد: وسمعت ~~السلطان ينشد - وقد قيل له إن الوخم قد عظم بعكا، وان الموت قد فشا بين ~~الطائفتين - : اقتلاني ومالكا ... واقتلا مالكا معي - قلت: وهذا الشعر له ~~سبب ذكرناه في ترجمة الأشتر النخعي، اسمه مالك، في أوائل هذا الكتاب فإنه ~~ملك مصر، وكان الأشتر من أصحاب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والحكاية ~~مطولة تنظر في ترجمة مالك أعني الأشتر النخعي من هذا الكتاب. قال ابن شداد: ~~ثم إن الفرنج جاءهم الإمداد من البحر، واستظهروا على الجماعة الإسلامية ~~بعكا، وكان فيهم الأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب، ~~والأمير بهاء الدين قراقوش الخادم الصلاحي، وضايقوهم أشد مضايقة إلى أن ~~غلبوا عن ms1201 حفظ البلد. فلما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة أسنة سبع ~~وثمانين وخمسمائة، خرج من عكا رجل عوام في البحر، ومعه كتب إلى السلطان من ~~المسلمين يذكرون حالهم وما هم فيه، وأنهم تيقنوا الهلاك، ومتى أخذوا البلد ~~عنوة ضربت رقابهم، وأنهم صالحوا على أن يسلموا البلد وجميع ما فيه من ~~الآلات والأسلحة والمراكب، ومائتي ألف دينار وخمسمائة أسير مجاهيل ومائة ~~أسير معينين من جماعتهم، وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين، وما ~~معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وفراريهم ونسائهم، وضمنوا للمركيس - ~~لأنه كان الواسطة في هذا الأمر - أربعة آلاف دينار. فلما وقف السلطان على ~~الكتب المشار إليها أنكر ذلك إنكارا عظيما، وعظم عليه هذا الأمر، وجمع أهل ~~الرأي من أكابر دولته، وشاورهم فيما يصنع، واضطربت آراؤه، وتقسم فكره وتشوش ~~حاله، وعزم أن تكتب في تلك الليلة كتب مع الرجل العوام الني قدم عليه بهذا ~~الخبر ينكر المصالحة على هذا الوجه؛ وبينما هو يتردد في هذا فلم يشعر إلا ~~وقد ارتفعت أعلام العدو وصلبانه وناره على سور البلد؛ وذلك في يوم الجمعة ~~سابع عشر جمادى الآخرة؛ وصاح الفرنج صيحة واحدة، وعظمت المصيبة على ~~المسلمين، واشتد حزنهم، ووقع من الصياح والعويل والبكاء ما لا يذكر. ~~PageV02P0131 # ثم خرجت الفرنج بعد أن ملكوا عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها أيضا من ~~المسلمين، وساروا على الساحل والسلطان وعساكره قبالتهم إلى أن وصلوا إلى ~~أرسوف، فكان بينهما قتال عظيم، ونال المسلمين وهن شديد. ثم ساروا على تلك ~~الهيئة تتمة عشر منازل من سيرهم من عكا، فأتى السلطان الرملة، فأتاه من ~~أخبر بأن القوم على عزم عمارة يافا وتقويتها بالرجال والعدد والآلات، فأحضر ~~السلطان أرباب مشورته، وشاورهم في أمر عسقلان، وهل الصواب خرابها أو ~~بقاؤها؟ فاتفقت آراؤهم أن يبقى الملك العادل في قبالة العدو، ويتوجه ~~السلطان بنفسه ويخربها خوفا من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة ~~ويأخذ بها القدس، وينقطع بها طريق مصر، وامتنع العسكر من الدخول وخافوا مما ~~جرى على المسلمين بعكا. فلا قوة ms1202 إلا بالله. ورأوا أن حفظ القدس أولى، فتعين ~~خرابها من عدة جهات؛ وكان هذا الاجتماع يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان من سنة ~~سبع وثمانين وخمسمائة، فسار إليها السلطان في سحر يوم الأربعاء ثامن عشر ~~شعبان المذكور. قال ابن شداد: وتحدث معي في معنى خرابها يعني عسقلان بعد أن ~~تحدث مع ولده الملك الأفضل أيضا في أمرها، ثم قال السلطان: لأن أفقد ولدي ~~جميعهم أحب إلي من أن أهم منها حجرا واحدا، ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك، ~~وكان فيه مصلحة للمسلمين، فما الحيلة في ذلك! فلما اتفق الرأي على خرابها ~~أوقع الله ذلك في نفسه، وأن المصلحة فيه لعجز المسلمين عن حفظها. وشرع في ~~إخرابها في سحر يوم الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة المذكورة، وقدم ~~السور على الناس وجعل لكل أمير وطائفة من العسكر بدنة معلومة وبرجا معلوما ~~يخربه؛ ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضجيج والبكاء لفرقة بلدهم وأوطانهم؛ ~~وكان بلدا خفيفا على القلب محكم الأسوار عظيم البناء مرغوبا في سكنه، فلحق ~~الناس على خرابه حزن عظيم. وشرع أهل البلد في بيع ما لا يقدرون على حمله، ~~فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد، حتى باعوا اثني عشر طير دجاج ~~بدرهم، واختبط أهل البلد وخرجوا بأولادهم وأهليهم إلى الخيم وتشتتوا، فذهب ~~منهم قوم إلى مصر وقوم إلى الشام، وجرت عليهم أمور عظيمة. واجتهد السلطان ~~وأولاده في خراب البلد كي لا يسمع العدو فيسرع إليه فلا يمكن إخرابه؛ وكانت ~~الناس على أصعب حال، واشتد تعب الناس مما قاسوه في خرابها. وفي تلك الليلة ~~وصل من جانب الملك العادل من حلب من أخبر أن الفرنج تحدثوا معه في الصلح، ~~وطلبوا جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما علم من نفوس ~~الناس والعساكر من الضجر من القتال وكثرة ما عليه من الديون؛ فكتب السلطان ~~إلى أخيه الملك العادل يأذن له في ذلك، وفوض الأمر إلى رأيه؛ وأصبح السلطان ~~يوم الجمعة وهو مصر على الخراب، ويستعجل الناس عليه ويحثهم على ms1203 العجلة فيه؛ ~~وأباحهم ما في الهري الذي كان مدخرا للميرة خوفا من أن يهجم العدو والعجز ~~عن نقله. ثم أمر السلطان بإحراق البلد فأضرمت النيران في بيوته، ولم يزل ~~الخراب يعمل في البلد إلى سلخ شعبان المذكور؛ ثم أصبح السلطان يوم الاثنين ~~مستهل شهر رمضان، أمر ولده الملك الأفضل أن يباشر خراب البلد بنفسه وخواصه. ~~قال ابن شداد، ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه يعني الملك الأفضل. وفي يوم ~~الأربعاء ثالث شهر رمضان أتى السلطان الرملة وأشرف عليها، وأمر أيضا ~~بإحراقها وإخراب قلعتها يعني الرملة فأحرقت قلعتها خوفا أيضا من الفرنج. ~~وفي يوم السبت ثالث عشر رمضان تأخر السلطان والعسكر إلى جهة الجبل ليتمكن ~~الناس من تسيير دوابهم لإحضار ما يحتاجون إليه. ثم شرع السلطان أيضا في ~~خراب قلعة النطرون، وكانت قلعة منيعة فشرع الناس في ذلك. PageV02P0132 # ثم ذكر ابن شداد فصلا طويلا يتضمن الصلح بين الأنكلتير ملك الفرنج وبين ~~السلطان صلاح الدين المذكور إلى أن قال: وحاصل الأمر أنه تم الصلح بينهم، ~~وكانت الأيمان يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين ~~وخمسمائة؛ ونادى المنادي بانتظام الصلح، وأن البلاد الإسلامية والنصرانية ~~واحدة في الأمن والمسالمة، فمن شاء من كل طائفة أن يتردد إلى بلاد الطائفة ~~الأخرى من غير خوف ولا محذور فليفعل. وكان يوما مشهودا نال الطائفتين فيه ~~من السرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ وقد علم الله تعالى أن الصلح لم يكن ~~عن مرضاة السلطان، لكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر من القتال، ~~ومظاهرتهم للمخالفة. وكان مصلحة في علم الله تعالى، فإنه اتفقت وفاته بعد ~~الصلح، فلو اتفق ذلك في أثناء وقعاته كان الإسلام على خطر. ثم إن السلطان ~~أعطى العساكر الوافدة عليه من البلاد البعيدة برسم الغزاة والنجمة دستورا، ~~فساروا عنه. وعزم السلطان على الحج لما فرغ باله من هذه الجهة، وأمن الناس ~~وتردد المسلمون إلى بلاد الفرنج، وجاؤوا هم أيضا إلى بلاد المسلمين، وحملت ~~البضائع والمتاجر إلى البلادة وتوجه السلطان إلى القدس ليتفقد أحواله، ms1204 ~~وتوجه أخوه الملك العادل إلى الكرك، وابنه الملك الظاهر إلى حلب، وابنه ~~الملك الأفضل إلى دمشق. ثم تأهب السلطان إلى المسير إلى الديار المصرية، ~~ولم يزل كذلك إلى أن صح عنده سير مركب الانكلتير ملك الفرنج إلى بلاده في ~~مستهل شوال، فعند ذلك قوي عزمه على أن يدخل الساحل جريدة يتفقد أحواله ~~وأحوال القلاح البحرية إلى بانياس. ثم يدخل دمشق فيقيم بها قليلا، ثم يعود ~~إلى القدس ومنه إلى الديار المصرية. قال ابن شداد: وأمرني بالمقام بالقدس ~~إلى حين عوده إليه لعمارة بيمارستان أنشأه به، وتكميل المدرسة التي أنشأها ~~به، وسار ضاحي نهار الخميس السادس من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. فلما ~~فرغ السلطان من افتقاد أحوال القلاع وإزاحة خللها دخل دمشق بكرة يوم ~~الأربعاء سادس عشر شوال، وفيها أولاده: الملك الأفضل، والملك الظاهر، ~~والملك الظافر مظفر الذين الخضر المعروف بالمشمر وأولاده الصغار؛ وكان ~~السلطان يحب البلد يعني دمشق ويؤثر الإقامة به على سائر البلاد؛ وجلس للناس ~~في بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه، وحضروا عنده وبلوا أشواقهم منه، ~~وأنشده الشعراء، ولم يتخفف عنه أحد من الخاص والعام؛ وأقام ينشر جناح عدله ~~بدمشق إلى أن كان يوم الاثنين مستهل ذي القعدة، عمل الملك الأفضل دعوة ~~للملك الظاهر أخيه لأنه لما وصل إلى دمشق وبلغه حركة السلطان أقام بها ~~ليتملى بالنظر إليه ثانيا. ولما عمل الأفضل الدعوة! أظهر فيها من الهمم ~~العالية ما يليق بهمته، وكان أراد بذلك مجازاته لما خدمه به حين وصوله إلى ~~بلده، وحضر الدعوة المذكورة أرباب الدنيا والآخرة، وسأل الأفضل والده ~~السلطان في الحضور فحضر جبرا لقلبه، وكان يوما مشهودا على ما بلغني. قال: ~~ولما أصلح الملك العادل الكرك سار قاصدا الديار الفراتية، وأحب أن يدخل ~~دمشق، فوصل إليها وخرج السلطان إلى لقائه. وأقام يتصيد حول غباغب إلى ~~الكسوة حتى لقي أخاه الملك العادل وسارا جميعا يتصيدان، ثم عادا إلى دمشق؛ ~~فكان دخولهما دمشق آخر نهار يوم الأحد حادي عشرين ذي القعدة سنة ثمان ~~وثمانين وخمسمائة. وأقام ms1205 السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه الملك العادل ~~وأولاده ويتفرجون في أراضي دمشق، وكأنه وجد راحة مما كان فيه من ملازمة ~~التعب والنصب وسهر الليل، فكان ذلك كالوداع لأولاده، ونسي عزمه إلى مصر، ~~وعرضت له أمور أخر وعزمات غير ما تقدم. قال ابن شداد: ووصلني كتابه إلى ~~القدس يستدعيني لخدمته، فخرجت من القدس في يوم الجمعة الثالث والعشرين من ~~المحرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وكان الوصول إلى دمشق يوم الثلاثاء ثاني ~~عشر صفر من السنة. وركب السلطان ليتلقى الحاج في يوم الجمعة خامس عشر صفر، ~~وكان ذلك آخر ركوبه. PageV02P0133 # ولما كانت ليلة السبت وجد كسلا عظيما، وما انتصف الليل حتى غشيته حمى ~~صفراوية، وكانت في باطنه أكثر مما في ظاهره. وأصبح يوم السبت متكسلا، عليه ~~أثر الحمى. ولم يظهر ذلك للناس، لكن حضرت عنده أنا والقاضي الفاضل، فدخل ~~ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو قلقه بالليل، وطاب له الحديث ~~إلى وقت الظهر، ثم انصرفنا وقلوبنا عنده، فتقدم إلينا بالحضور على الطعام ~~في خدمة ولده الأفضل، ولم يكن للقاضي الفاضل في ذلك عادة فانصرف - ودخلت ~~إلى الإيوان القبلي وقد مد السماط، وابنه الملك الأفضل قد جلس موضعه، ~~فانصرفت وما كانت لي قوة للجلوس استيحاشا له. وبكى في ذلك اليوم جماعة ~~تفاؤلا بجلوس ولده الأفضل موضعه. ثم أخذ المرض يتزايد به من حينئذ، ونحن ~~نلازم التردد له طرفي النهار، وكان مرضه في رأسه. وكان من أمارات انتهاء ~~العمر غيبة طبيبه الذي كان قد عرف مزاجه سفرا وحضرا، ورأى الأطباء فصده ~~فقصدوه في الرابع، فاشتد مرضه وقلت رطوبات بدنه، وكان يغلب على مزاجه ~~اليبس، فلم يزل المرض يتزايد به حتى انتهى إلى غاية الضعف. واشتد مرضه في ~~السادس والسابع والثامن، ولم يزل يتزايد ويغيب فإنه؛ ولما كان التاسع حدثت ~~له غشية وامتنع من تناول المشروب، واشتد الخوف في البلد، وخاف الناس ونقلوا ~~أقمشتهم من الأسواق، وعلا الناس من الكآبة والحزن ما لا يمكن حكايته. ولما ~~كان اليوم العاشر من مرضه أيس منه ms1206 الأطباء. ثم شرع ولده الملك الأفضل في ~~تحليف الناس له. ثم إنه توفي - إلى رحمة الله تعالى - بعد صلاة الصبح من ~~يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وكان يوم ~~موته يوما لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله بعد فقد الخلفاء الراشدين - رضى ~~الله عنهم - وغشي القلعة والملك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى. ~~وبالله لقد كنت أسمع من الناس أنهم يتمنون فداء من يعز عليهم بنفوسهم، وكنت ~~أتوهم أن هذا على ضرب من التجوز والترخص إلى ذلك اليوم، فإني علمت من نفسي ~~ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالأنفس. ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء ~~وغسله أبو القاسم ضياء الدين عبد الملك بن زيد الدولعي خطيب دمشق، وأخرج ~~تابوت السلطان - رحمه الله تعالى - بعد صلاة الظهر مسبحي بثوب فوط، فارتفعت ~~الأصوات عند مشاهدته، وعظم الضجيج وأخذ الناس في البكاء والعويل، وصلوا ~~عليه أرسالا، ثم أعيد إلى داره التي في البستان، وهي التي كان متمرضا بها، ~~ودفن في الصفة الغربية منها. وكان نزوله في حفرته قريبا من صلاة العصر. ثم ~~أطال ابن شداد القول في هذا المعنى إلى أن أنشد في آخر السيرة بيت أبي تمام ~~الطائي، وهو قوله: ثم انقضت تلك السنون ... وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام ~~ولقد كان - رحمه الله تعالى - من محاسن الدنيا وغرائبها. ثم ذكر ابن شداد ~~أنه مات ولم يخلف في خزائنه من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية ~~وجرما واحدا ذهبا صوريا، ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا ~~قرية ولا مزرعة. وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر ~~صاحب حلب بطاقة مضمونها: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " . " إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم " . كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر، أحسن ~~الله عزاءه وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة، وقد زلزل ~~المسلمون زلزالا شديدا؛ وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر؛ ~~وقد وذعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده؛ وقد ms1207 قبلت وجهه عني وعنك، ~~وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيا عن الله، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله؛ وبالباب من الجنود المجندة، والأسلحة المغمدة، ما لا ~~يدفع البلاء، ولا ملك يرد القضاء؛ وتدمع العين ويخشع القلب، ولا نقول إلا ~~ما يرضي الرب، وإنا عليك يا يوسف لمحزونون. وأما الوصايا فما يحتاج إليها، ~~والآراء فقد شغلني المصاب عنها؛ وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما ~~عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غير ذلك فالمصائب المستقبلة أهونها موته، ~~وهو الهول العظيم، والسلام. انتهى كلام القاضي الفاضل بما كتبه للملك ~~الظاهر. PageV02P0134 # قال ابن خلكان: واستمر السلطان صلاح الدين مدفونا بقلعة دمشق إلى أن بنيت ~~له قبة شمالي الكلاسة التي هي شمالي جامع دمشق، ولها بابان، أحدهما إلى ~~الكلاسة والآخر في زقاق غير نافذ، وهو مجاور المدرسة العزيزية. ثم نقل من ~~مدفنه بالقلعة إلى هذه القبة في يوم عاشوراء في يوم الخميس من سنة اثنتين ~~وتسعين وخمسمائة. ثم إن ولده الملك العزيز عثمان لما ملك دمشق من أخيه ~~الملك الأفضل بنى إلى جانب هذه القبة المدرسة العزيزية. قلت: في أيامه بنى ~~الخصي بهاء الدين قراقوش قلعة الجبل ثم قلعة المقدس ثم سور القاهرة، وذرع ~~السور المذكور سبعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع. قال ابن خلكان: " وكان ~~السلطان صلاح الدين لما ملك الديار المصرية لم يكن بها شيء من المدارس، فإن ~~الدولة المصرية كان مذهبها مذهب الإمامية، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، ~~فعمر السلطان صلاح الدين بالقرافة الصغرى المدرسة المجاورة للإمام الشافعي ~~- رضي الله عنه - وبنى مدرسة مجاورة للمشهد المنسوب للحسين بن علي - رضي ~~الله عنهما - بالقاهرة. وجعل دار سعيد السعداء خادم الخلفاء المصريين ~~خانقاه، ووقف عليها وقفا هائلا؛ وكذلك وقف على كل مدرسة عمرها وقفا جيدا، ~~وجعل دار عباس الوزير العبيدي مدرسة للحنفية، وأوقف عليها وقفا جيدا أيضا ~~وهي بالقاهرة، وبنى المدرسة التي بمصر المعروفة بابن زين التجار للشافعية، ~~ووقف عليها وقفا جيدا، وبنى بالقصر داخل القاهرة بيمارستانا، وأوقف له ms1208 وقفا ~~جيدا؛ وله بالقدس مدرسة وخانقاه. قال ابن خلكان: ولقد فكرت في نفسي في أمور ~~هذا الرجل، وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في الدنيا هذه ~~الأفعال المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها، ورتب هذه الأوقاف العظيمة، ~~وليس شيء منسوبا إليه في الظاهر، فإن المدرسة التي بالقرافة ما يسمونها ~~الناس إلا بالشافعي، والمجاورة للمشهد لا يقولون إلا المشهد، والخانقاه لا ~~يقولون إلا سعيد السعداء، والمدرسة الحنفية لا يقولون إلا السيوفية، والتي ~~بمصر لا يقولون إلا مدرسة زين التجار، والتي بمصر أيضا مدرسة المالكية؛ ~~وهذه صدقة السر على الحقيقة. والعجب أن له بدمشق في جانب البيمارستان ~~النوري مدرسة أيضا، ويقال لها الصلاحية، وهي منسوبة إليه وليس لها وقف. ~~قال: وكان مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العظيمة كثير التواضع واللطف، ~~قريبا من الناس، رحيم القلب، كثير الاحتمال والمداراة؛ وكان يحب العلماء ~~وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم؛ وكان يميل إلى الفضائل، ويستحسن الأشعار ~~الجيدة ويرفدها في مجالسه، حتى قيل: إنه كان كثيرا ما ينشد قول أبي المنصور ~~محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن إسحاق الحميري؛ وهو قوله: وزارني طيف ~~من أهوى على حدر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا فكدت أوقظ من حولي به ~~فرحا ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا ثم انتبهت وآمالي تخيل لي ... نيل ~~المنى فاستحالت غبطتي أسفا وقيل: إنه كان يعجبه قول نشو الملك أبي الحسن ~~علي بن مفرج المعروف بابن المنجم المغربي الأصل المصري الدار والوفاة، وهو ~~في خضاب الشيب وأجاد: وما خضب الناس البياض لقبحه ... وأقبح منه حين يظهر ~~ناصله ولكنه مات الشباب فسودت ... على الرسم من حزن عليه منازله قالوا: ~~فكان إذا قال: مات الشباب يمسك كريمته وينظر إليها ويقول: إي والله مات ~~الشباب. وذكر العماد الكاتب الأصبهاني في كتابه الخريدة أن السلطان صلاح ~~الدين في أول ملكه كتب إلى بعض أصحابه بدمشق: أيها الغائبون عنا وإن كن ... ~~تم لقلبي بذكركم جيرانا إنني مذ فقدتكم لأراكم ... بعيون الضمير عندي عيانا ~~قال ابن خلكان: ms1209 وأما القصيدتان اللتان ذكرت أن سبط بن التعاويذي أنفذهما ~~إليه من بغداد، وأن إحداهما وازن بها قصيدة صردر الشاعر، وقد ذكرت منها ~~أبياتا في ترجمة الكندري وأولها: أكذا يجازى ود كل قرين ... أم هذه شيم ~~الظباء العين PageV02P0135 # ثم ذكر قصيدة سبط بن التعاويذي. وهي على هذا الوزن أضربت عن ذكرها ~~لطولها. ثم قال ابن خلكان: وأما القصيدة الثانية يعني التي كتبها إليه ~~الخليفة في أوائل أمر صلاح الدين قال: فمنها قوله: حتام أرضى في هواك وتغضب ~~... وإلى متى تجني علي وتعتب ما كان لي لولا ملالك زلة ... لما مللت زعمت ~~أني مذنب خذ في أفانين الصدود فإن لي ... قلبا على العلات لا يتقلب أتظنني ~~أضمرت بعدك سلوة ... هيهات عطفك من سلوي أقرب لي فيك نار جوانح ما تنطفي ~~... حزنا وماء مدامع ما ينضب أنسيت أياما لنا ولياليا ... للهو فيها ~~والبطالة ملعب أيام لا الواشي يعد ضلالة ... ولهي عليك ولا العذول يؤنب قد ~~كنت تنصفني المودة راكبا ... في الحب من أخطاره ما أركب واليوم أقنع أن يمر ~~بمضجعي ... في النوم طيف خيالك المتأوب ما خلت أن جديد أيام الصبا ... يبلي ~~ولا ثوب الشبيبة يسلب حتى انجلى ليل الغواية واهتدى ... ساري الدجى وانجاب ~~ذاك الغيهب وتنافر البيض الحسان فأعرضت ... عني سعاد وأنكرتني زينب قالت ~~وريعت من بياض مفارقي ... ونحول جسمي بان منك الأطيب إن تنكري سقمي فخصرك ~~ناحل ... أو تنكري شيبي فثغرك أشنب يا طالبا بعد المشيب غضارة ... من عيشه ~~ذهب الزمان المذهب أتروم بعد الأربعين تعدها ... وصل الدمى هيهات عز المطلب ~~والقصيدة طويلة ذكرها ابن خلكان، وقد نقلتها من خط عسر. ثم قال ابن خلكان: ~~وقد مدحه جميع شعراء عصره، فمنهم العلم الشاتاني واسمه - رحمه الله - مدحه ~~بقصيدة أولها: أرى النضر مقرونا برايتك الصفرا ... فسر واملك فأنت بها أحرى ~~ومدحه المهذب أبو حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر المعروف بابن الشحنة ~~الموصلي الشاعر المشهور بقصيدته التي أولها: سلام مشوق قد براه التشوق ... ~~على جيرة الحي الذين تفرقوا وعدد ms1210 أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتا، وفيها ~~البيتان السائران، أحدهما: وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن ~~كالعين تعشق وقد أخذ هذا المعنى من قول بشار بن برد، وهو: يا قوم أذني لبعض ~~الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا والبيت الثاني من قول ابن ~~الشحنة المذكور: وقالت لي الآمال إن كنت لاحقا ... بأبناء أيوب فأنت الموفق ~~قال: ومدحه ابن قلاقس وابن الذروي وابن المنجم وابن سناء الملك وابن ~~الساعاتي والإربلي ومحمد بن إسماعيل بن حمدان الحيزاني. انتهى ما أوردته من ~~كلام ابن خلكان ومن كلام ابن شداد وابن الأثير وابن الجوزي وغيرهم باختصار. ~~وقال العلامة أبو المظفر في تاريخه مرآة الزمان: ولما كان في سادس عشر صفر ~~وجد السلطان كسلا وحم حمى صفراوية؛ ثم ذكر نحوا مما ذكره ابن شداد إلى أن ~~قال: وأحضر الأفضل يعني ولده الأمراء: سعد الدين مسعودا أخا بدر الدين ~~مودود شحنة دمشق، وناصر الدين صاحب صهيون، وسابق الدين عثمان صاحب شيزر ابن ~~الداية، وميمونا القصري، والبكي الفارسي، وأيبك فطيس، وحسام الدين بشارة، ~~وأسامة الحلبي وغيرهم، فاستحلفهم لنفسه. وكان عند السلطان أبو جعفر إمام ~~الكلاسة يقرأ القران، فلما انتهى إلى قوله تعالى: " هو الله الذي لا إله ~~إلا هو عالم الغيب والشهادة " ، وكان قد غاب فإنه فتح عينيه، وقال: صحيح. ~~ثم قال أبو المظفر: وغسله ابن الدولعي، وصفى عليه القاضي محيي الدين بن ~~الزكي. وبعث القاضي الفاضل له الأكفان والحنوط من أجل الجهات. ثم قال: وقال ~~العماد الكاتب: دخلنا عليه ليلة الأحد للعيادة، ومرضه في زيادة؛ وفي كل يوم ~~تضعف القلوب، وتتضاعف الكروب؛ ثم انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، سحر ~~يوم الأربعاء؛ ومات بموته رجاء الرجال، وأظلم بغروب شمسه فضاء الإفضال. ~~ورثاه الشعراء؛ فمن ذلك قول بعضهم: شمل الهدى والملك عم شتاته ... والدهر ~~ساء وأقلعت حسناته PageV02P0136 # بالله أين الناصر الملك الذي ... لله خالصة صفت نياته أين الذي مذ لم يزل ~~مخشية ... مرجوة رهباته وهباته أين الذي كانت له طاعاتنا ... مبذولة ولربه ~~طاعاته أين الذي ms1211 ما زال سلطانا لنا ... يرجى نداه وتتقى سطواته أين الذي ~~شرف الزمان بفضله ... وسمت على الفضلاء تشريفاته لا تحسبوه مات شخصا واحدا ~~... قد عم كل العالمين مماته ملك عن الإسلام كان محاميا ... أبدا لماذا ~~أسلمته حماته قد أظلمت مذ غاب عنا دوره ... لما خلت من بدره داراته دفن ~~السماح فليس تنشر بعدما ... أقوت قواه وأقفرت ساحاته الدين بعد أبي المظفر ~~يوسف ... محفوفة بوروده حافاته بحر خلا من وارديه ولم تزل ... متعطف مفضوضة ~~صدقاته من لليتامى والأرامل راحم ... في ذكره من ذكره آياته لو كان في عصر ~~النبي لأنزلت ... من سلها وركوبها عزماته بكت الصوارم والصواهل إذ خلت ... ~~من كل قلب مؤمن روعاته يا وحشة الإسلام حين تمكنت ... منه الذئاب وأسلمته ~~رعاته يا راعيا للدين حين تمكنت ... منه الذئاب وأسلمته رعاته ما كان ضرك ~~لو أقمت مراعيا ... دينا تولى مذ رحلت ولاته فارقت ملكا غير باق متعبا ... ~~ووصلت ملكا باقيا راحاته فعلى صلاح الدين يوسف دائما ... رضوان رب العرش بل صلواته ### || AUT أولاد السلطان صلاح الدين # يوسف بن أيوب - رحمه الله - . كانوا ستة عشر ذكرا وابنة واحدة؛ أكبرهم ~~الأفضل علي، ولد بمصر سنة خمس وستين يوم عيد الفطر. وأخوه لأبيه وأمه الملك ~~الظافر خضر، ولد بمصر سنة ثمان وستين. وأخوهما أيضا لأبيهما وأمهما قطب ~~الدين موسى، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين. فهؤلاء الثلاثة أشقاء. ثم الملك ~~العزيز عثمان الذي ملك مصر بعد أبيه، ولد بها سنة سبع وستين. وأخوه لأبيه ~~وأمه الأعز يعقوب، ولد بمصر سنة اثنتين وسبعين. والملك الظاهر غازي صاحب ~~حلب، ولد بمصر سنة ثمان وستين. وأخوه لأبيه وأمه الملك الزاهر داود، ولد ~~بمصر سنة ثلاث وسبعين. والملك المعز إسحاق، ولد سنة سبعين. والملك المؤيد ~~مسعود، ولد بدمشق سنة إحدى وسبعين. والملك الأشرف محمد، ولد بالشام سنة خمس ~~وسبعين. وأخوه أيضا لأبيه وأمه الملك المحسن أحمد، ولد بمصر سنة سبع ~~وسبعين. وأخوه أيضا لأبيه وأمه الملك الغالب ملكشاه، ولد بالشام سنة ثمان ~~وسبعين. وأخوهم أيضا لأبيهم وأمهم أبو بكر ms1212 النصر، ولد بحران بعد وفاة أبيه ~~سنة تسع وثمانين. والبنت مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل - الآتي ~~ذكره - ابن الملك العادل وماتت عنده. وملك بعد السلطان صلاح الدين مصر ابنه ~~الملك العزيز عثمان الآتي ذكره، إن شاء الله تعالى، وملك دمشق بعده ابنه ~~الملك الأفضل علي، وملك حلب ابنه الظاهر غازي كما كانوا أيام أبيهم. ثم وقع ~~بين الملك العزيز والأفضل أمور نذكرها فيما يأتي إن شاء الله تعالى. انتهت ~~ترجمة السلطان صلاح الدين - رحمه الله - . ونذكر الآن ما وقع في أيامه من ~~الحوادث، ومن توفي من الأعيان في زمانه على سبيل الاختصار على عادة هذا ~~الكتاب. وبالله المستعان. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر # صلاح الدين يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة سبع وستين وخمسمائة. أعني ~~سلطنته بعد موت العاضد العبيدي آخر خلفاء الفاطميين بمصر. وأما وزارته ~~فكانت قبل ذلك بمدة من يوم مات عمه الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن أيوب ~~في يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة. وقد ذكرنا ~~حوادث وزارته فيما مضى، ونذكر الآن من يوم سلطنته بعد الخليفة العاضد عني ~~حوادث سنة سبع وستين وخمسمائة. فيها خطب لبني العباس بمصر وأبطل الخطبة ~~لبني عبيد، حسب ما تقدم ذكره في ترجمة العاضد، وفي ترجمة صلاح الدين أيضا؛ ~~ولما وقع ذلك كتب العماد الكاتب عن السلطان صلاح الدين لنور الدين الشهيد ~~يخبره بذلك: PageV02P0137 # قد خطبنا للمستضيء بمصر ... نائب المصطفى إمام العصر ولدينا تضاعفت نعم ~~الل ... ه وجلت عن كل عد وحصر واستنارت عزائم الملك العا ... دل نور الدين ~~الهمام الأغر وفيها بعث الملك العادل نور الدين محمود المذكور بالبشارة ~~للخليفة فلما وصل شهاب الدين المذكور للخليفة، قال في المعنى ابن الحرستاني ~~الشاعر المشهور قصيدة أولها: جاء البشير فسر الناس وابتهجوا ... فما على ذي ~~سرور بعدها حرج وخلع الخليفة على شهاب الدين المذكور. ثم بعث جواب الملك ~~العادل على يد الخادم صندل وعلى يديه الخلع والتقاليد له، وفي الخلعة الطوق ~~وفيه ms1213 ألف دينار، والفرجية والعمامة؛ ثم أرسل مع الخادم المذكور لصلاح الدين ~~صاحب الترجمة خلعا دون خلع نور الدين. وبعث أيضا لنور الدين سيفا قلده ~~للشام، ثم سيفا آخر قلده بمصر، ويكون صلاح الدين نائبه بمصر. وزينت بغداد ~~وضربت القباب لذلك. وفيها وقعت الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين. هذا ~~الأمر ذكرناه في أوائل ترجمة صلاح الدين، ثم سكن ذلك. وفيها توفي حسان بن ~~نمير الكلبي، أبو الندى الشاعر المشهور المعروف بعرقلة الدمشقي، ويقال له ~~عرقلة من حاضرة دمشق؛ كان شيخا خليعا أعور مطبوعا لطيفا ظريفا؛ كان اختص ~~بالسلطان صلاح الدين وله فيه مدائح، وله شعر رائق كثير. من ذلك قصيدته ~~المشهورة: كتم الهوى فوشت عليه دموعه ... من حر نار تحتويه ضلوعه صب تشاغل ~~بالربيع وزهره ... قوم وفي وجه الحبيب ربيعه يا لائمي فيمن تمنع وصله ... ~~عن بغيتي أحلى الهوى ممنوعه كيف التخلص إن تجنى أو جنى ... والحسن شيء ما ~~يرد شفيعه شمس ولكن في فؤادي حرها ... بدر ولكن في القباء طلوعه قال ~~العواذل ما الذي استحسنته ... منه وما يسبيك قلت جميعه وفيها توفي عبد الله ~~بن أحمد بن أحمد بن أحمد العلامة أبو محمد المعروف بابن الخشاب النحوي ~~اللغوي حجة العرب؛ برع في فنون العلوم وانفرد بعلم النحو والعربية حتى فاق ~~أهل عصره. وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن الحسين ابن أحمد بن الحسين بن ~~إسحاق، أبو محمد الحميري ويعرف بابن النقار الكاتب. ولد بطرابلس سنة تسع ~~وسبعين وأربعمائة. ولما استولى الفرنج على طرابلس انتقل منها إلى دمشق؛ ~~وكان شاعرا ماهرا. ومن شعره - رحمه الله - القصيدة المشهورة التي أولها: ~~بادر إلى اللذات في أزمانها ... واركض خيول اللهو في ميدانها واستقبل ~~الدنيا بصدر واسع ... ما أوسعت لك من رحيب مكانها وله: الله يعلم أنني ما ~~خلته ... يصبو إلى الهجران حين وصلته من منصفي من ظالم متعتب ... يزداد ~~ظلما كلما حكمته ملكته روحي ليحفظ ملكه ... فأضاعني وأضاع ما ملكته لا ذنب ~~لي إلا هواه لأنه ... لما دعاني للسقام أجبته وفيها توفي ms1214 العاضد خليفة مصر، ~~حسب ما ذكرناه في ترجمته. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أبو علي أحمد بن محمد بن علي الرحبي الحرفي في صفر. وأبو محمد ~~عبد الله بن منصور بن الموصلي. وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد ابن ~~أحمد بن الخشاب النحوي. والعاضد عبد الله بن يوسف بن الحافظ العبيدي في ~~المحرم، وانقضت دولة الرفض عن مصر. وأبو الحسن علي بن عبد الله بن خلف بن ~~النعمة الأندلسي بسبتة في رمضان. وأبو المطهر القاسم بن الفضل بن عبد ~~الواحد الصيدلاني بأصبهان في جمادى الأولى، وقد نيف على التسعين. وأبو ~~المظفر محمد بن أسعد بن حكيم العراقي الواعظ شيخ الحنفية بدمشق. وأبو ~~المكارم المبارك بن محمد بن المعمر البادراي. وأبو العلاء وجيه بن عبد الله ~~السقطي. وأبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي الأزدي ونزيل الموصل يوم الفطر. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ؟ ### || AUT السنة الثانية من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ثمان وستين وخمسمائة: PageV02P0138 # فيها سار الملك العادل نور الدين محمود صاحب دمشق إلى الموصل، وصلى ~~بالجامع الذي بناه وسط الموصل وتصدق بمال عظيم. ولما علم صلاح الدين صاحب ~~الترجمة بتوجهه إلى الموصل خرج بعساكره من مصر إلى الشام، وحصر الكرك ~~والشوبك ونهب أعمالهما؛ ثم عاد لما بلغه عود نور الدين إلى الشام. وهذه أول ~~غزوات صلاح الدين. وفيها توفي الأمير نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان، ~~والد صلاح الدين المذكور. كان أميرا عاقلا حازما شجاعا جوادا عاطفا على ~~الفقراء والمساكين محبا للصالحين، قليل الكلام جدا لا يتكلم إلا لضرورة. ~~ولما قدم مصر سأله ولده السلطان صلاح الدين صاحب الترجمة أن يكون هو ~~السلطان، فقال: أنت أولى. وكان سبب موته أنه ركب يوما وخرج من باب النصر ~~يريد الميدان فشب به فرسه فوقع على رأسه، فأقام ثمانية أيام ومات في ليلة ~~الثلاثاء السابع والعشرين ms1215 من ذي الحجة، ودفن إلى جانب أخيه أسد الدين ~~شيركوه بن أيوب في الدار السلطانية ثم نقلا بعد سنين إلى مدينة النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وكان ابنه السلطان، صلاح الدين قد عاد من الكرك فبلغه خبر ~~موته في الطريق، فوجد عليه وتأسف حيث لم يحضره. وخلف من الذكور ستة: ~~السلطان صلاح الدين يوسف، وأبا بكر العادل الآتي ذكره في ملوك مصر، وشمس ~~الدولة توران شاه وهو أكبر الجميع، وشاهنشاه، وسيف الإسلام طغتكين، وتاج ~~الملوك بوري وهو الأصغر. وفيها توفي الحسن بن أبي الحسن صافي، ملك النحاة، ~~مولى الحسين بن الأرموي التاجر البغدادي؛ قرأ النحو وأصول الدين والفقه ~~والخلاف والحديث وبرع في النحو وفاق أهل زمانه، وسافر البلاد وصنف الكتب في ~~فنون العلوم، من ذلك " المقامات " التي من جنس " مقامات الحريري " ؛ وكان ~~يقول: مقاماتي جد وصدق، ومقامات الحريري هزل وكذب. قلت: ولكن بين ذلك ~~أهوال. ومن مصنفاته كتاب أربعمائة كراسة، سماها " التذكرة السفرية " ، ~~وفيها توفي سعد الدين بن علي بن القاسم بن علي، أبو المعالي الكتبي الحظيري ~~الحنفي؛ كان شاعرا فاضلا. والحظيرة: قرية فوق بغداد وهي بفتح الحاء المهملة ~~وكسر الظاء المعجمة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء وإلى هذه ~~القرية ينسب كثير من العلماء. ومن شعر الحظيري - رحمه الله تعالى وعفا عنه ~~- : صبح مشيبي بدا وفارقني ... ليل شبابي فصحت وا قلقي وصرت أبكي دما عليه ~~ولا ... بد لصبح المشيب من شفق الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي نجم الدين أيوب بن شادي والد الملوك. وملك النحاة أبو نزار ~~الحسن بن صافي البغدادي بدمشق. وأبو جعفر محمد بن الحسن الصيدلاني بأصبهان، ~~وله خمس وتسعون سنة. وصالح ابن إسماعيل أبو طالب ابن بنت معافى المالكي ~~مفتي الإسكندرية - رحمه الله - . أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس ~~أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة تسع وستين وخمسمائة: فيها ms1216 كتب صلاح الدين ~~صاحب الترجمة لنور الدين يستأذنه في إنفاذ جيش إلى اليمن فأذن له، فبعث ~~صلاح الدين أخاه شمس الدولة توران شاه بن أيوب، فسار إليها، وكان فيها عبد ~~النبي بن مهدي من أصحاب المصريين، وكان ظالما فاتكا، فحصره شمس الدولة ~~توران شاه في قصره بزبيد مدة، حتى طلب الأمان فأذنه؛ فلما نزل إليه قيده ~~ووكل به، وفتح صنعاء وحصون اليمن والمدائن، يقال: إنه فتح ثمانين حصنا ~~ومدينة واستولى على أموالها وذخائرها، وقتل عبد النبي المذكور. وولى على ~~زبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ، وعز الدين عثمان بن الزنجيلي على باقي ~~البلاد. PageV02P0139 # وفيها قبض صلاح الدين على جماعة من أعيان الدولة العبيدية: مثل داعي ~~الدعاة، وعمارة اليمني وغيرهما، بلغه أنهم يجتمعون على إثارة الفتن، ~~واتفقوا مع السودان وكاتبوا الفرنج، فقتل داعي الدعاة، وصلب عمارة اليمني. ~~قال القاضي شمس الدين ابن خلكان: هو أبو محمد عمارة بن أبي الحسن علي بن ~~زيدان بن أحمد بن محمد الحكمي اليمني، الملقب نجم الدين الشاعر؛ وهو من ~~جبال اليمن من مدينة مرطان، بينها وبين مكة من جهة الجنوب أحد عشر يوما. ~~وكان فقيها فصيحا، أقام بزبيد مدة يقرأ عليه مذهب الشافعي، وله في الفرائض ~~مصنف مشهور باليمن، ومدح خلفاء مصر، فقربوه وأعطوه الأموال، فكان عندهم ~~بمنزلة الوزير، وكان أيضا معظما قبل ذلك في اليمن؛ ثم ظهرت أمور اقتضت ~~خروجه منها، فقدم إلى مصر في سنة خمسين وخمسمائة. وقيل: إن سبب قتله أنه ~~مدح توران شاه، وحرضه على أخذ اليمن بقصيدة أولها: لعلم مذ كان محتاج إلى ~~العلم ... وشفرة السيف تستغني عن القلم إلى أن قال: هذا ابن تومرت قد كانت ~~بدايته ... كما يقول الورى لحما على وضم وكان أول هذا الدين من رجل ... سعى ~~إلى أن دعوه سيد الأمم قال العماد الكاتب: اتفقت لعمارة اتفاقات: منها أنه ~~نسب إليه قول هذا البيت فكان أحد أسباب قتله؛ وأفتى قضاة مصر بقتله، وقيل: ~~إنه لما أمر صلاح الدين بصلبه، مروا به على دار القاضي الفاضل، ms1217 فرمى بنفسه ~~على بابه وطلب الدخول إليه ليستجير به فلم يؤذن له، فقال: عبد الرحيم قد ~~احتجب ... إن الخلاص من العجب فصلب وهو صائم في شهر رمضان. وفيها توفي ~~السلطان الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر صاحب ~~الشام ومصر المعروف بنور الدين الشهيد. قال ابن عساكر: " ولد سنة إحدى عشرة ~~وخمسمائة، وكان معتدل القامة أسمر اللون واسع الجبهة حسن الصورة، لحيته ~~شعرات خفيفة في حنكه، ونشأ على الخير والصلاح. وكان زنكي يقدمه على أولاده، ~~ويرى فيه مخايل النجابة. وفتح في أيام سلطنته نيفا وخمسين حصنا " . قلت: ~~ومصر أيضا من جملة فتوحاته، وأيضا ما فتحه صلاح الدين من البلاد والحصون هو ~~شريكه في الأجر والثواب، ولولاه إيش كان صلاح الدين! حتى ملك مصر من أيدي ~~تلك الرافضة من بني عبيد خلفاء مصر وقوة بأسهم!. قلت: وترجمة الملك العادل ~~طويلة، يضيق هذا المحل عن ذكرها، وأحواله أشهر من أن تذكر. غير أننا نذكر ~~مرض موته ووفاته. وكان ابتداء مرضه أنه ختن ولده الملك الصالح إسماعيل يوم ~~عيد الفطر، فهنئ بالعيد والطهور، فقال العماد الكاتب - رحمه الله - : عيدان ~~فطر وطهر ... فتح قريب ونصر كلاهما لك فيه ... حقا هناء وأجر فمرض بعد عوده ~~من صلاة العيد بالخوانيق؛ وما كان يرى الطب، على قاعدة الأتراك؛ فأشير عليه ~~بالفصد في أول مرضه فامتنع؛ وكان مهيبا فما روجع؛ فمات يوم الأربعاء حادي ~~عشر شوال، ودفن بالقلعة، ثم نقل إلى مدرسته التي أنشأها مجاورة الخواصين ~~بدمشق. وعاش ثمانيا وخمسين سنة. وكانت سلطنته ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر. ~~ورثاه العماد الكاتب بعدة مراث؛ من ذلك قوله: يا ملكا أيامه لم تزل ... ~~لفضله فاضلة فاخره ملكت دنياك وخلفتها ... وسرت حتى تملك الآخره قال أبو ~~اليسر؛ شاكر بن عبد الله التنوخي المعري: " تعدى بعض أمراء صلاح الدين بن ~~أيوب على رجل، وأخذ ماله، فجاء إلى صلاح الدين فلم يأخذ له بيد؛ فجاء إلى ~~قبر نور الدين وشق ثيابه، وحثا التراب على رأسه، وجعل يستغيث: يا ms1218 نور الدين ~~أين أيامك! ويبكي. فبلغ صلاح الدين فاستدعاه وأعطاه ماله، فازداد بكاؤه؛ ~~فقال له صلاح الدين: ما يبكيك وقد أنصفناك؛ فقال: إنما أبكي على ملك أنصفت ~~ببركاته وبعد موته، كيف يأكله التراب ويفقده المسلمون!. وتسلطن بعده ولده ~~الملك الصالح إسماعيل ولم يبلغ الحلم. وقد مر من أخباره نبذة كبيرة في ~~ترجمة صلاح الدين. PageV02P0140 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي النقيب أبو عبد ~~الله أحمد بن علي بن المعمر العلوي ببغداد في جمادى الأولى. والحافظ أبو ~~العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني العطار المقرئ في جمادى الأولى، وله إحدى ~~وثمانون سنة. ودهبل بن علي ابن منصور بن إبراهيم بن عبد الله المعروف بابن ~~كارة الحنبلي. وناصح الدين سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي ببغداد، وله ~~خمس وسبعون سنة. وأبو تميم سلمان بن علي الرحبي الخباز بدمشق. وعبد النبي ~~بن المهدي صاحب اليمن، وكان باطنيا استأصله أخو صلاح الدين. وأبو الحسن علي ~~بن أحمد الكناني القرطبي بفاس، وله ثلاث وتسعون سنة. والفقيه عمارة بن علي ~~بن زيدان اليمني الشاعر؛ شنق في جماعة سعوا في إعادة الدولة العبيدية. ~~والسلطان نور الدين محمود بن زنكي الأتابكي بن آق سنقر التركي الملكشاهي في ~~شوال، وله ثمان وخمسون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع ~~وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة سبعين وخمسمائة: فيها ملك السلطان صلاح ~~الدين دمشق من الملك الصالح ابن الملك العادل نور الدين محمود، حسب ما ~~ذكرناه في ترجمته. وكان أخذه لدمشق بمكاتبة القاضي كمال الدين الشهرزوري ~~وابن الجاولي والأعيان، وكان بالقلعة ريحان الخادم فعزم على قتاله، فجهز ~~إليه عسكر دمشق، وركب صلاح الدين من الجسور، فالتقاه أهل دمشق بأسرهم ~~وأحدقوا به، فنثر عليهم الدراهم والدنانير، ودخل دمشق فلم يغلق في وجهه باب ~~ولا منعه مانع، فملكها عناية لا عنوة. وفيها استخدم صلاح الدين العماد ~~الكاتب الأصبهاني؛ ms1219 وسببه أنه التقى بالقاضي الفاضل ومدحه بأبيات منها: ~~عاينت طود سكينة ورأيت شم ... س فضيلة ووردت بحر فضائل ورأيت سحبان البلاغة ~~ساحبا ... ببيانه ذيل الفخار لوائل حلف الحصافة والفصاحة والسما ... حة ~~والحماسة والتقى والنائل بحر من الفضل الغزير خضمه ... طامي العباب وما له ~~من ساحل في كفه قلم يعجل جريه ... ما كان من أجل ورزق آجل أبصرت قسا في ~~الفصاحة معجزا ... فعرفت أني في فهاهة باقل فدخل القاضي الفاضل على السلطان ~~صلاح الدين وقال: غدا تأتيك تراجم الأعاجم، وما يحلها مثل العماد الكاتب. ~~فقال: ما لي عنك مندوحة، أنت كاتبي ووزيري، وقد رأيت على وجهك البركة، فإذا ~~استكتبت غيرك تحدث الناس؛ فقال الفاضل: هذا يحل التراجم، وربما أغيب أنا ~~ولا أقدر على ملازمتك، فإذا غبت قام العماد مقامي، وقد عرفت فضل العماد، ~~وخدمته للدولة النورية، فاستكتبه. وفيها توفي السلطان أرسلان شاه بن طغرل ~~بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق ~~السلجوقي. وقام بعده في الملك ابنه طغرل شاه، وكان صغير السن، فتولى تدبير ~~ملكه محمد بن إيلدكز الأتابك وكان يلقب بالبهلوان. وفيها توفي يحيى بن جعفر ~~أبو الفضل زعيم الدين، صاحب مخزن الخلفاء: المقتفي والمستنجد والمستضيء، ~~وناب في الوزارة، وتقلب في الأعمال نيفا وعشرين سنة، وكان حافظا للقرآن ~~فاضلا عارفا منصفا، محبا للعلماء والصالحين؛ ومات في شهر ربيع الأول، وكانت ~~جنازته مشهودة. قال العماد الكاتب: جلس يوما في ديوان الوزارة فقام شهاب ~~الدين بن الصيفي فأنشده: لكل زمان من أماثل أهله ... برامكة يمتارهم كل ~~معسر أبو الفضل يحيى مثل يحيى بن خالد ... يدا وأبوه جعفر مثل جعفر ثم قام ~~ثابت الواعظ - رحمه الله - فأنشد بديها: وفي الجانب الشرقي يحيى بن جعفر ~~... وفي الجانب الغربي موسى بن جعفر فذاك إلى الله الكريم شفيعنا ... وهذا ~~إلى المولى الإمام المطهر يعني ساكن الجانب الشرقي صاحب الترجمة، وبالجانب ~~الغربي موسى بن جعفر الصادق. PageV02P0141 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي قاضي القضاة أبو ms1220 ~~طالب روح بن أحمد الحديثي، وله ثمان وستون سنة. وفخر النساء خديجة بنت أحمد ~~النهروانية في شهر رمضان. وعبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق السلمي ~~العطار. وأبو بكر محمد بن علي بن محمد الطوسي. وأبو عبد الله محمد بن عبد ~~الله بن خليل القيسي مسند المغرب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة: فيها عزل الخليفة ~~المستضيء بالله الحسن صندل الخادم عن الأستادارية، وضيق على ولده الأمير ~~أبي العباس أحمد، لأمر بلغه عنهما، وولى ابن الصاحب الأستادارية عوضا عن ~~صندل المذكور. وفيها وثبت الإسماعيلية على السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~وهو على أعزاز؛ جاءه ثلاثة في زي الأجناد، فضربه واحد بسكين في رأسه فلم ~~يجرحه وخدشت السكين خده وقتل الثلاثة، فرحل صلاح الدين إلى حلب، فلغا نزل ~~عليها بعث إليه الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل نور الدين محمود أخته ~~خاتون بنت نور الدين في الليل، فدخلت عليه فقام قائما وقبل الأرض لها وبكى ~~على نور الدين؛ فسألته أن يرد عليهم أعزاز، فأعطاها إياها، وقدم لها من ~~الجواهر والتحف شيئا كثيرا؛ واتفق مع الملك الصالح أن من حماة وما فتحه إلى ~~مصر له، وباقي البلاد الحلبية للصالح. وفيها قدم شمس الدولة توران شاه بن ~~أيوب أخو صلاح الدين من اليمن إلى دمشق في سلخ ذي الحجة. وفيها فوض سيف ~~الدولة غازي أمر الموصل إلى مجاهد الدين قيماز الخادم. وفيها توفي علي بن ~~الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، الحافظ أبو القاسم الدمشقي ~~المعروف بابن عساكر؛ مولده في أول المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة. كان ~~أحد أئمة الحديث المشهورين، والعلماء المذكورين؛ سمع الكثير وسافر، وصنف ~~تاريخا لدمشق، وصنف كتبا كثيرة؛ وكان إماما في الفنون، فقيها محدثا حافظا ~~مؤرخا. قال العماد الكاتب: أنشدني لنفسه بالمزة: أيا ms1221 نفس ويحك جاء المشيب ~~... فماذا التصابي وماذا الغزل تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن ~~لم يزل كأني بنفسي على غرة ... وخطب المنون بها قد نزل فيا ليت شعري ممن ~~أكون ... وما قدر الله في الأزل الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي الحافظ ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن ~~عساكر في رجب، وله ثلاث وسبعون سنة إلا شهرا. ومجد الدين أبو منصور محمد بن ~~أسعد بن محمد المعروف بحفدة الطوسي العطاري الشافعي الواعظ. وأبو حنيفة ~~محمد بن كبيد الله الأصبهاني الخطيبي في صفر. وأبو جعفر هبة الله بن يحيى ~~بن البوقي الشافعي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست ~~عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة: فيها تزوج ~~السلطان صلاح الدين يوسف بالخاتون عصمة الدين بنت الأمير معين الدين أنر ~~زوجة الملك العادل نور الدين محمود، وكانت بقلعة دمشق. وفيها كانت فتنة ~~مقدم السودان من صعيد مصرة سار من الصعيد إلى مصر في مائة ألف أسود، ليعيد ~~الدولة المصرية الفاطمية، فخرج إليه أخو صلاح الدين الملك العادل أبو بكر، ~~وأبو الهيجاء الهكاري، وعز الدين موصك بمن معهم من عساكر مصر؛ والتقوا مع ~~السودان، فكانت بينهم وقعة هائلة، قتل كبير السودان المذكور ومن معه. قال ~~الشيخ شمس الدين يوسف في مرآة الزمان: " يقال إنهم قتلوا منهم ثمانين ألفا ~~وعادوا إلى القاهرة. وفيها خرج السلطان صلاح من دمشق إلى مصر، وأستناب أخاه ~~شمس الدولة توران شاه على الشام. وجاءت الفرنج إلى داريا، فأحرقوا ونهبوا ~~وعادوا. وفيها أمر السلطان صلاح الدين قراقوش الخادم بعمارة سور القاهرة ~~ومصر، وضيع فيه أموالا كثيرة ولم ينتفع به أحد. PageV02P0142 # وفيها أبطل صلاح الدين المكوس التي كانت تؤخذ من الحاج بجدة، مما يحمل في ~~البحرة وعوض صاحب مكة عنها في كل سنة ثمانية آلاف إردب قمحا ms1222 تحمل إليه في ~~البحر، فتفرق في أهل الحرمين. وفيها عمر صلاح الدين مدرسة الشافعي ~~بالقرافة، وتولى الشيخ نجم الدين الخبوشاني عمارتها. وعمر البيمارستان في ~~القصر، ووقف عليه الأوقاف. وفيها حج بالناس من الشام قيماز النجمي. وفيها ~~توفي علي بن منصور، أبو الحسن السروجي الأديب، مؤدب أولاد الأتابك زنكي بن ~~آق سنقرة كان يأخذ الماء بفيه ويكتب به على الحائط كتابة حسنة كأنها كتبت ~~بقلم الطومار، وينقط ما يكتب ويشكله. ومن شعره في فصل الربيع وفضل دمشق، ~~ومدح نور الدين قصيدة طنانة أولها: فصل الربيع زمان نوره نور ... أنفاس ~~أشجاره مسك وكافور وفيها توفي محمد بن مسعود أبو المعالي؛ خرج إلى الحج في ~~هذه السنة فتوفي بفند؛ كان أديبا فاضلا. ومن شعره هجو في قاض ولي القضاء: ~~ولما إن توليت القضايا ... وقاض الجور من كفيك فيضا ذبحت بغير سكين وإني ~~... لأرجو الذبح بالسكين أيضا وفيها توفي محمد بن عبد الله بن القاسم أبو ~~الفضل كمال الدين الشهرزوري قاضي دمشق. مولده في سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة؛ كان إماما فاضلا فقيها مفتنا؛ كان إليه في أيام نور الدين ~~الشهيد مع القضاء أمر المساجد والمدارس والأوقاف والحسبة، والأمور الدينية ~~والشرعية. وكان صاحب القلم والسيف، وكانت شحنجية دمشق إليه، ولى فيها بعض ~~غلمانه؛ ثم ولاها نور الدين بعد ذلك لصلاح الدين يوسف بن أيوب قبل قدومه ~~إلى مصر. وكان مع فضله ودينه له الشعر الجيد، وكان بينه وبين صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب، صاحب الترجمة، في أيام نور الدين مضاغنة. ومن شعره: وجاؤوا ~~عشاء يهرعون وقد بدا ... بجسمي من داء الصبابة ألوان فقالوا وكل معظم بعض ~~ما رأى ... أصابتك عين قلت عين وأجفان قلت: وهذا شبه قول القائل ولم أدر من ~~السابق: ولما رأوني العاذلون متيما ... كئيبا بمن أهوى وعقلي ذاهب رثوا لي ~~وقالوا كنت بالأمس عاقلا ... أصابتك عين قلت عين وحاجب الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو محمد، صالح بن المبارك بن الرخلة ~~القزاز. والمحدث أبو محمد عبد الله ms1223 بن عبد الرحمن الأموي الديباجي ~~الأصبهاني العثماني الإسكندراني. وأبو الحسن علي بن عساكر. وأبو بكر محمد ~~بن أحمد بن ماه شاور الأصبهاني المقرئ، آخر من روى عن سليمان الحافظ. وقاضي ~~الشام كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفر ~~الشهرزوري في المحرم. والقاضي أبو الفتح نصر بن سيار بن صاعد الكتاني ~~الهروي الحنفي مسند خراسان يوم عاشوراء، وله سبع وتسعون سنة. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. فيها توفي صدقة بن ~~الحسين بن الحسن أبو الفرج الناسخ الحنبلي؛ كان يعرف بابن الحدد؛ كان فقيها ~~مفتنا مناظرا. قال أبو المظفر: لكنه قرأ " الشفاء " وكتب الفلاسفة، فتغير ~~اعتقاده؛ وكان يبدو من فلتات لسانه ما يدل على ذلك. ومن شعره - رحمه الله ~~تعالى - : لا توطنها فليست بمقام ... واجتنبها فهي دار الانتقام أتراها ~~صنعة من صانع ... أم تراها رمية من غير رام وفيها توفي كمشتكين خادم ~~السلطان نور الدين الشهيد. كان من أكابر خدامه أعني مماليكه، وكان ولاه ~~الموصل نيابة عنه. فلما مات نور الدين هرب إلى حلب، وخدم شمس الدين ابن ~~الداية، ثم جاء إلى الملك الصالح ابن نور الدين الشهيد فأعطاه حارم، ثم غضب ~~عليه لأمر وطلب منه قلعة حارم بعد أن قبض عليه، فامتنعوا أصحابه من ~~تسليمها، فعلقه الملك الصالح منكسا، ودخن تحت أنفه حتى مات. PageV02P0143 # وفيها توفي محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر، الوزير أبو الفرج ~~ابن رئيس الرؤساء، ولقبه عضد الدولة. وكان أبوه أستادار المقتفي وأقره ~~المستنجد. فلما ولي المستضيء استوزره، فشرع ظهير الدين أبو بكر صاحب المخزن ~~في عداوته، حتى غير قلب الخليفة عليه، فطلب الحج فأذن له، فتجهز جهازا ~~عظيما واشترى ستمائة جمل لحمل المنقطعين وزادهم، وحمل معه جماعة من العلماء ~~والزهاد، وأخذ معه بيمارستانا فيه جميع ما يحتاج ms1224 إليه، وسافر بتجمل زائد. ~~فلما وصل إلى باب قطفتا خرج إليه رجل صوفي بيده قصة، فقال: مظلوم! فقال ~~الغلمان: هات قصتك. فقال: ما أسلمها إلا للوزير. فلما دنا منه ضربه بسكين ~~في خاصرته، فصاح: قتلتني، وسقط من دابته، وبقي على قارعة الطريق ملقى، ~~وتفرق من كان معه إلا حاجب الباب، فإنه رمى بنفسه عليه، فضربه الباطني ~~بسكين فجرحه، وظهر للباطني رفيقان فقتلوا وأحرقوا. ثم حمل الوزير إلى داره ~~فمات بها. وكان مشكور السيرة محببا إلى الرعية، غير أن القاضي الفاضل لما ~~بلغه خبر قتله، أنشد: وأحسن من نيل الوزارة للفتى ... حياة تريه مصرع ~~الوزراء وما ربك بظلام للعبيد. كان - عفا الله عنه - قد قتل ولدي الوزير ~~ابن هبيرة وخلقا كثيرا. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي الوزير أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن رئيس الرؤساء، وثبت عليه ~~الإسماعلية في ذي القعدة. وهارون بن العباس أبو محمد بن المأموني صاحب ~~التاريخ وأبو شاكر يحيى بن يوسف السقلاطوني. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون ~~إصبعا. السنة الثامنة من سلطنة صلاح الدين يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ~~أربع وسبعين وخمسمائة. فيها جرى بحث في مجلس ظهير الدين بن العطار في قتال ~~عائشة لعلي. فقال ابن البغدادي الحنفي: كانت عائشة باغية على علي، فصاح ~~عليه ابن العطار وأقامه من مكانه وأخبر الخليفة، فجمع الفقهاء وسأل: ما يجب ~~عليه؛ فقالوا: يعزر. فقال ابن الجوزي: لا يجب عليه التعزير، لأنه رجل ليس ~~له علم بالنقل، وقد سمع أنه جرى قتال ولم يعلم أن السفهاء أثاروه بغير رضا ~~الفريقين، وتأديبه العفو عنه، فأطلق. وفيها توفي سعد بن محمد بن سعد أبو ~~الفوارس شهاب الدين بن الصيفي التميمي، المعروف بالحيص بيص؛ كان شاعرا ~~فاضلا؛ مدح الخلفاء والوزراء والأكابرة وله ديوان شعرة وكانت وفاته ببغداد ~~في شعبان. وسبب تسميته بالحيص بيص أنه رأى الناس في يوم حركة فقال: ما ~~للناس ms1225 في حيص بيص! فغلب عليه هذا اللقب ومعنى هاتين الكلمتين: الشدة ~~والاختلاط. تقول العرب: وقع الناس في حيص بيص أي في شدة واختلاط. ومن شعر ~~الحيص بيص - رحمه الله وعفا عنه - : لم ألق مستكبرا إلا تحول لي ... عند ~~اللقاء له الكبر الذي فيه ولا حلا لي من الدنيا ولذتها ... إلا مقابلتي ~~للتيه بالتيه وكان الحيص بيص يلبس زي العرب، ويتقلد سيفا، فعمل فيه أبو ~~القاسم ابن الفضل: كم تبادى وكم تطول طرطو ... رك ما فيك شعرة من تميم فكل ~~الضب وأقرض الحنظل اليا ... بس، واشرب ما شئت بول الظليم ليس ذا وجه من ~~يضيف ولا ... يقري ولا يدفع الأذى عن حريم الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي أبو أحمد أسعد بن بلدرك الجبريلي البواب. والحيص ~~بيص الشاعر شهاب الدين أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن صيفي التميمي في ~~شوال. وفخر النساء شهدة بنت أحمد بن الفرج الإبري في المحرم، وقد جاوزت ~~التسعين. وأبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهاني في شهر ربيع الآخر. وأبو نصر ~~عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفي. وأبو الخطاب عمر بن محمد التاجر بدمشق. ~~وأبو عبد الله محمد بن نسيم العيشوني. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة خمس وسبعين وخمسمائة. فيها ختن السلطان ~~صلاح الدين ولده الملك العزيز عثمان. PageV02P0144 # وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن بن ~~يوسف المستنجد بن المقتفي محمد العباسي الهاشمي البغدادي. كان أحسن الخلفاء ~~سيرة؛ كان إماما عادلا شريف النفس حسن السيرة ليس للمال عنده قدر، حليما ~~شفيقا على الرعية؛ أسقط المكوس والضرائب في أيام خلافته؛ وكانت وفاته ~~ببغداد في ثاني ذي القعدة عن ست وثلاثين سنة، وكانت خلافته تسع سنين. وهو ~~الذي عادت الخطبة باسمه في الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور، ~~واجتمعت الأمة ms1226 على خليفة واحد، وانقطعت في أيامه دولة بني عبيد الفاطميين ~~الرافضة من مصر وأعمالها. ولله الحمد. وأمه أم ولد مولدة. وفيها توفيت ~~الزاهدة العابدة علم بنت عبد الله بن المبارك. كانت تضاهي رابعة العدوية في ~~زمانها؛ مرض ولدها أحمد بن الزبيدي فاحتضر، وجاء وقت الصلاة، فقالت: يا ~~بني، ادخل في الصلاة، فدخل وكبر ومات، فخرجت إلى النساء وقالت: هنينني! قلن ~~ماذا؛ قالت: ولدي مات في الصلاة. فتعجب الناس من ذلك. وكانت وفاتها ببغداد، ~~وعمرها مائة سنة وست سنين، ولم يتغير لها شيء من حواسها. وفيها توفي منصور ~~بن نصر بن الحسين الرئيس ظهير الدين صاحب المخزن للخلفاء، ونائب الوزارة. ~~نال من الوجاهة والرياسة ما لم ينله غيره من أطباقه، إلى أن قبض عليه ~~الخليفة الناصر لدين الله، وعلى أصحابه وحواشيه، وصادره وأجرى عليه العقوبة ~~إلى أن مات. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة قال: وفيها توفي أبو ~~الفتح أحمد بن أبي الوفاء الحنبلي بحران. والمستضيء بأمر الله أبو محمد ~~الحسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي في شوال. وأبو الحسين عبد الحق بن عبد ~~الخالق اليوسفي في جمادى الأولى. وأبو الفضل عبد المحسن بن تريك الأزجي. ~~وأبو الحسن علي بن أحمد الزيدي المحدث الزاهد. وأبو المعالي علي بن هبة ~~الله بن خلدون. والقاضي أبو المحاسن عمر بن علي القرشي عم كريمة. وأبو هاشم ~~عيسى بن أحمد الهاشمي الدوشابي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس ~~أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ست وسبعين وخمسمائة. فيها قدمت امرأة إلى ~~القاهرة عديمة اليدين، وكانت تكتب برجليها كتابة حسنة، فحصل لها القبول ~~التام، ونالها مال جزيل. وفيها حج من العراق الأمير طاشتكين، ومن الشام ~~الأمير سيف الدين علي بن المشطوب. وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ ~~أبو طاهر السلفي الأصبهاني؛ ولد سنة سبعين وأربعمائة، وكان طاف الدنيا ولقي ~~المشايخ؛ وكان يمشي حافيا ms1227 لطلب العلم والحديث، وقدم دمشق وغيرها، وسمع بعدة ~~بلاد، ثم دخل مصر وسمع بها، واستوطن الإسكندرية حتى مات بها في يوم الجمعة ~~خامس شهر ربيع الآخر، ودفن داخل الإسكندرية وقد جاوز المائة بخمس سنين. ومن ~~شعره في معنى كبر سنه: أنا إن بان شبابي ومضى ... فلربي الحمد ذهني حاضر ~~ولئن خفت وجفت أعظمي ... كبرا غصن علومي ناضر وفيها توفي الملك المعظم فخر ~~الدين شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين صاحب الترجمة ~~لأبيه. كان أكبر من صلاح الدين في السن، وكان يرى في نفسه أنه أحق بالملك ~~من صلاح الدين يوسف المذكور، وكان تبدو منه كلمات في سكره في حق صلاح ~~الدين، ويبلغ صلاح الدين، فأبعده وبعثه إلى اليمن، فسفك الدماء وقتل ~~الأماثل وأخذ الأموال. ولم يطب له اليمن فعاد إلى الشام على مضض من صلاح ~~الدين، فأعطاه بعلبك، فبلغه عنه أشياء فأبعده إلى الإسكندرية، فتوجه إليها ~~وأقام بها معتكفا على اللهو، ولم يحضر حروب أخيه صلاح الدين ولا غزواته؛ ~~ومات بالإسكندرية، فأرسلت أخته شقيقته ست الشام، فحملته في تابوت إلى دمشق ~~فدفنته في تربتها التي أنشأتها بدمشق. وكان توران شاه المذكور جوادا ممدحا ~~حسن الأخلاق؛ إلا أنه كان أسوأ بني أيوب سيرة وأقبحهم طريقة. وفيها توفي ~~الملك غازي بن مودود بن زنكي بن آق سنقر التركي سيف الدين صاحب الموصل وابن ~~أخي السلطان الملك العادل نور الدين محمود الشهيد. كان غازي من أحسن الناس ~~صورة، وكان وقورا عاقلا غيورا، ما يدع خادما بالغا يدخل داره على حرمه؛ ~~وكان طاهر اللسان عفيفا عن أموال الناس، قليل السفك للدماء، مع شح كان فيه. ~~PageV02P0145 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الحافظ أبو طاهر ~~أحمد بن محمد السلقي في شهر ربيع الآخر، وقد جاوز المائة بيقين. وشمس ~~الدولة توران شاه بن أيوب بن شادي صاحب اليمن بالإسكندرية في صفر. وأبو ~~المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر السلمي في رجب. ~~وأبو ms1228 المفاخر سعيد بن الحسين المأموني. وأبو الفهم عبد الرحمن بن عبد ~~العزيز بن محمد الأزدي ابن أبي العجائز في جمادى الآخرة. وأبو الحسين علي ~~بن عبد الرحيم بن العصار السلمي البغدادي اللغوي في المحرم. وصاحب الموصل ~~سيف الدين غازي بن مودود بن أتابك في صفر، وله ثلاثون سنة. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة سبع وسبعين وخمسمائة. فيها عاد السلطان ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب الترجمة من دمشق إلى القاهرة، ~~واستناب على الشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه. وفيها أمر السلطان صلاح الدين ~~أخاه سيف الإسلام طغتكين بالمسير إلى اليمن، فأخذ يتجهز للمسير. وفيها بعث ~~السلطان صلاح الدين الخادم بهاء الدين قراقوش إلى اليمن، فتوجه وقبض على ~~سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وطلب منه المال؛ وكان نائب أخيه توران ~~شاه. وفيها بنيت قلعة الجبل بالقاهرة. وفيها توفي الملك الصالح إسماعيل ابن ~~الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آق سنقر صاحب حلب بمرض القولنج؛ ~~وكان لما اشتد به مرض القولنج وصف له الحكماء قليل خمر، فقال: لا أفعل حتى ~~أسأل الفقهاء. فسأل الشافعية فأفتوه بالجواز فلم يقبل، وقال: إن الله تعالى ~~قرب أجلي، أيؤخره شرب الخمر! قالوا: لا. قال: فوالله لا لقيت الله وقد فعلت ~~ما حرم علي، فمات ولم يشربه. ولما أشرف على الموت أحضر الأمراء واستحلفهم ~~لابن عمه عز الدين مسعود بن مردود صاحب الموصل؛ فقيل له: لو أوصيت لابن عمك ~~عماد الدين صاحب سنجار! فإنه صعلوك ليس له غير سنجار، وهو تربية أبيك وزوج ~~أختك، وشجاع كريم، وعز الدين له من الفرات إلى همذان؛ فقال: هذا لم يخف ~~عني، ولكن قد علمتم استيلاء صلاح الدين على الشام سوى ما بيدي، ومصر ~~واليمن، وعماد الدين لا يثبت له إذا أراد أخذ البلاد؛ وعز الدين ms1229 له العساكر ~~والأموال فهو أقدر على حفظ حلب وأثبت من عماد الدين، ومتى ذهبت حلب ذهب ~~الجميع؛ فاستحسنوا قوله. قلت: ولم يخطر ببال أحد أخذ صلاح الدين بن أيوب ~~الشام من الملك الصالح هذا قبل تاريخه، فإنه كان غرس نعمة أبيه الملك ~~العادل، فلم يلتفت صلاح الدين للأيادي السالفة، وانتهز الفرصة حيث أمكنته، ~~وقاتل الملك الصالح هذا حتى أخذ منه دمشق، فلهذا صار عند الصالح كمين من ~~صلاح الدين. وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد أبو ~~البركات الأنباري النحوي، مصنف كتاب " الأسرار في علم العربية " وكتاب " ~~هداية الذاهب في معرفة المذاهب " . كان إماما في فنون كثيرة مع الزهد ~~والورع والعبادة، وكانت وفاته في شعبان. وفيها توفي عمر بن حمويه عماد ~~الدين والد شيخ الشيوخ صدر الدين وتاج الدين، وهو من ولد حمويه بن علي ~~الحاكم على خراسان إمام السامانية. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة ~~في كتاب الإشارة، قال: وفيها توفي الملك الصالح إسماعيل ابن السلطان نور ~~الدين بحلب في رجب، وله ثماني عشرة سنة. والكمال أبو البركات عبد الرحمن بن ~~محمد الأنباري النحوي العبد الصالح. وشيخ الشيوخ أبو الفتوح عمر بن علي ~~الجويني. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشر أصابع. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وخمس أصابع. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة الملك الناصر # صلاح الدين يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. ~~PageV02P0146 # فيها سار سيف الإسلام طغتكين أخو صلاح الدين من مصر إلى اليمن إلى أن نزل ~~زبيد، وبها حطان، فأمره أن يسير إلى الشام، فجمع أمواله وذخائره ونزل بظاهر ~~زبيد فقبض عليه سيف الإسلام، وأخذ جميع ما كان معه، وقيمته ألف ألف دينار، ~~ثم قتله بعد ذلك. وكان عثمان الزنجبيلي بعدن، فلما بلغه ذلك سافر إلى الشام ~~بعد أن أثر باليمن آثارا كبيرة ووقف الأوقاف؛ وله مدرسة أيضا بمكة، ورباط ~~بالمدينة وغيرها. وفيها في خامس المحرم خرج صلاح الدين من مصر فنزل ms1230 البركة ~~قاصدا الشام، وخرج أعيان الدولة لوداعه، وأنشده الشعراء أبياتا في الوداع، ~~فسمع قائلا يقول في ظاهر المخيم: تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية ~~من عرار فطلب القائل فلم يجده. فوجم الناس وتطير الحاضرون، فكان كما قال. ~~قلت: وقول من قال " فكان كما قال " ليس بشيء، فإن صلاح الدين عاش بعد ذلك ~~نحو العشر سنين، غير أنه ما دخل مصر بعدها فيما أظن، فإنه اشتغل بفتح ~~الساحل وقتال الفرنج، كما تقدم ذكره في ترجمته. وفيها توفي أحمد بن علي بن ~~أحمد الشيخ أبو العباس المعروف بابن الرفاعي، إمام وقته في الزهد والصلاح ~~والعلم والعبادة. كان من الأفراد الذين أجمع الناس على علمه وفضله وصلاحه. ~~كان يسكن أم عبيدة بالعراق، وكان شيخ البطائحية وكان له كرامات ومقامات، ~~وأصحابه يركبون السباع ويلعبون بالحيات، ويتعلق أحدهم في أطول النخل ثم ~~يلقي نفسه إلى الأرض ولا يتألم؛ وكان يجتمع عنده كل سنة في المواسم خلق ~~عظيم. قال الشيخ شمس الدين يوسف في تاريخه مرآة الزمان: " حكى لي بعض ~~أشياخنا قال: حضرت عنده ليلة نصف شعبان، وعنده نحو من مائة ألف إنسان قال: ~~فقلت له: هذا جمع عظيم، فقال لي: حشرت محشر هامان إن خطر ببالي أني مقدم ~~هذا الجمع. قال: وكان متواضعا سليم الصدر مجردا من الدنيا ما ادخر شيئا قط. ~~انتهى. قلت: وعلم الشيخ أحمد بن الرفاعي وفضله وصرعه أشهر من أن يذكر؛ وهو ~~أكثر الفقراء أتباعا شرقا وغربا، والأعاجم يسمونه: سيدي أحمد الكبير، وقيل: ~~إن سبب مرضه الذي مات منه، أن عبد الغني بن محمد بن نقطة الزاهد مضى إلى ~~زيارته، فأنشد أبياتا منها: إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح ~~الحمام المطوق وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار بالأسى تتدفق ~~سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها ... تفك الأسارى دونه وهو موثق فلا هو مقتول ~~ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيعتق وكانت وفاة الشيخ أحمد في يوم ~~الخميس ثاني عشر جمادى الأولى، وقد جاوز سبعين ms1231 سنة. وفيها توفي الأمير ~~فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب أبو سعد عز الدين. كان من الأماثل الأفاضل؛ كان ~~متواضعا سخيا جوادا شجاعا مقداما؛ وكان عمه صلاح الدين قد استنابه بالشام، ~~وكان فصيحا شاعرا. مات بدمشق في جمادى الأولى. ومن شعره - رحمه الله تعالى ~~- : أقرضوني زمنا قربهم ... واستعادوا بالنوى ما أقرضوا أنا راض بالذي ~~يرضيهم ... ليت شعري بالتلاقي هل رضوا؟ وفيها توفي الأمير يوسف بن عبد ~~المؤمن بن علي أبو يعقوب صاحب المغرب، أمير الموحدين. كان حسن السيرة عادلا ~~دينا ملازما للصلوات الخمس، لابسا للصوف، مجاهدا في سبيل الله تعالى. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الشيخ الكبير أبو العباس ~~أحمد بن علي بن أحمد الرفاعي بالبطائح. وأبو طالب الخضر بن هبة الله بن ~~أحمد بن طاوس في شوال. والحافظ أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن مسعود بن ~~موسى بن بشكوال الأنصاري القرطبي في شهر رمضان، وله أربع وثمانون سنة. وأبو ~~طالب أحمد بن المسلم بن رجاء اللخمي التنوخي في شهر رمضان بالإسكندرية. ~~وخطيب الموصل أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي في شهر رمضان عن ~~اثنتين وتسعين سنة. وعز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب نائب دمشق في ~~جمادى الأولى. والقطب النيسابوري أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود شيخ ~~الشافعية في آخر شهر رمضان. وأبو محمد هبة الله بن محمد بن هبة الله ~~الشيرازي بدمشق في شهر ربيع الأول. أمر النيل في هذه السنة: PageV02P0147 # الماء القديم ست أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعا. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة تسع وسبعين وخمسمائة. فيها في يوم الأحد ~~عاشر المحرم تسلم السلطان صلاح الدين آمد من ديار بكر، ودخل إليها وجلس في ~~دار الإمارة، ثم سلمها وأعمالها إلى نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن ~~كيفا، وكان قد وعده بها لما جاء إلى خدمته. ثم عاد إلى حلب وحاصرها حتى ms1232 ~~أخذها من عماد الدين زنكي ابن أخي نور الدين الشهيد، وبذل له عوضها سنجار، ~~وعمل الناس في ذلك أشعارا كثيرة، منها: وبعت بسنجار خير القلاع ... ثكلتك ~~من بائع مشتري وكان في أيام حصار حلب أصاب تاج الملوك بوري بن أيوب سهم في ~~عينه فمات بعد أيام، فحزن أخوه السلطان صلاح الدين عليه حزنا شديدا، وكان ~~يبكي ويقول: " ما وفت حلب بشعرة من أخي تاج الملوك بوري " . وخرج عماد ~~الدين من حلب وسار إلى سنجار. ولما طلع صلاح الدين إلى قلعة حلب في سلخ صفر ~~أنشد القاضي محيي الدين بن زكي الدين محمد بن علي القرشي قاضي دمشق أبياتا ~~منها: وفتحه حلبا بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب فكان كما قال، ~~لكن بعد سنين؛ وهو الذي خطب بالقدس لما فتحه صلاح الدين في رجب. وفيها توفي ~~محمد بن بختيار الأديب، أبو عبد الله المولد المعروف بالأبله البغدادي ~~الشاعر المشهور؛ كان شاعرا ماهرا، جمع في شعره بين الصناعة والرقة. ومن ~~شعره: زار من أحيا بزورته ... والدجى في لون طرته قمر يثني معاطفه ... بانة ~~في ثني بردته بت أستجلي المدام على ... غرة الواشي وغرته يا لها من زورة ~~قصرت ... فأماتت طول جفوته يا له في الحسن من صنم ... كلنا في جاهليته وله ~~قصيدة طنانة أولها: دعني أكابد لوعتي وأعاني ... أين الطليق من الأسير ~~العاني وفيها توفي الملك تاج الملوك بوري بن أيوب بن شادي أبو سعيد أخو ~~السلطان صلاح الدين من سهم أصابه في حصار حلب كما تقدم ذكره. كان مولد تاج ~~الملوك في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة، وكان قد جمع فيه محاسن ~~الأخلاق: من مكارم وشيم ولطف طباع، مع شجاعة وفضل وفصاحة، وكان شاعرا ~~بليغا. ومن شعره: رمضان بل مرضان إلا أنهم ... غلطوا إذا في قولهم وأساؤوا ~~مرضان فيه تحالفا، فنهاره ... سل وأما ليله استسقاء الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إسماعيل بن قاسم الزيات بمصر. وتقية ~~بنت أغيث بن علي الأرمنازية الشاعرة. وأبو ms1233 الفتح عبد الله بن أحمد ~~الأصبهاني الخرقي في رجب، وله تسع وثمانون سنة. ومحمد بن بختيار البغدادي ~~الشاعر المعروف بالأبله. وأبو العلاء محمد بن جعفر بن عقيل، وله ثلاث ~~وتسعون سنة. وأبو طالب محمد بن علي الكتاني المحتسب. والعلامة رضي الدين ~~يونس بن محمد بن منعة فقيه الموصل. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ست أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ثمانين وخمسمائة: فيها حج بالناس من ~~العراق طاشتكين. وفيها توفي إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق ~~قطب الدين صاحب ماردين؛ كانت وفاته في جمادى الآخرة. وخلف ولدين صغيرين. ~~وكان ملكا شجاعا عادلا منصفا عاقلا. وفيها توفي عبد الرحيم بن إسماعيل بن ~~أبي سعد شيخ الشيوخ صدر الدين وابن شيخ الشيوخ النيسابوري. ولد سنة ثمان ~~وخمسمائة، وكان فاضلا رسولا بين الخليفة وصلاح الدين، وكان يلبس الثياب ~~الفاخرة، ويتخصص بالأطعمة الطيبة، فكان أهل بغداد يعيبون عليه حيث لم يسلك ~~طريق المشايخ في التعفف عن الدنيا، ولما مات رثاه ابن المنجم المصري: يا ~~أخلائي وحقكم ... ما بقي من بعدكم فرح أفي صدر في الزمان لنا ... بعد صدر ~~الدين ينشرح وتولى مشيخة الرباط بعده الشيخ صفي الدين إسماعيل. ~~PageV02P0148 # وفيها توفي محمد بن قرا أرسلان نور الدين صاحب حصن كيفا، الذي كان أعطاه ~~السلطان صلاح الدين آمد. وترك ابنه ظهير الدين سكمان صغيرا، عمره عشر سنين. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي صدر الدين عبد ~~الرحيم بن إسماعيل بن أبي سعد شيخ الشيوخ في رجب بالرحبة راجعا في الرسلية. ~~وأبو عبد الله محمد بن حمزة بن أبي الصقر القرشي. وأبو الوفا محمود بن أبي ~~القاسم محمد الأصبهاني في شهر ربيع الآخر، وله إحدى وسبعون سنة. أجاز له ~~طراد " الزينبي النقيب " وسمع من أبي الفتح " أحمد بن محمد " البيودرحاني. ~~وصاحب المغرب أبو يعقوب يوسف بن عبد ms1234 المؤمن شهيدا على حصار شنترين بالأندلس ~~في رجب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. فيها قطع السلطان ~~صلاح الدين الفرات ونزل على الموصل وافتتح عدة بلاد. وفيها توفي عبد السلام ~~بن يوسف بن محمد الأديب أبو الفتوح الجماهري. كان فاضلا شاعرا. ومن شعره من ~~قصيدة: على ساكني بطن العقيق سلام ... وإن أسهروني بالفراق وناموا حرمتم ~~علي النوم وهو محلل ... وحللتم التعذيب وهو حرام إلا يا حمامات الأراك ~~إليكم ... فما لي في تغريدكن مرام فوجدي وشوقي مسعد ومؤانس ... ونوحي ودمعي ~~مطرب ومدام وفيها توفيت عصمة الدين خاتون بنت معين الدين أنر زوجة السلطان ~~صلاح الدين صاحب الترجمة، تزوجها بعد زوجها الملك العادل نور الدين الشهيد. ~~كانت من أعف الناس وأكرمهن، كان لها صدقات كثيرة وبر عظيم؛ بنت بدمشق مدرسة ~~للحنفية في حجر الذهب، ورباطا للصوفية، وبنت تربة بقاسيون على نهر بردى، ~~وبها دفنت؛ وأوقفت على هذه الأماكن أوقافا كثيرة. وماتت في رجب، فبلغ صلاح ~~الدين موتها وهو مريض بحران فتزايد مرضه لموتها ولحزنه عليها. ثم مات بعدها ~~أخوها سعد الدين مسعود بن أنر في هذه السنة، وكان من أكابر الأمراء، زوجه ~~صلاح الدين أخته ربيعة خاتون. فلما توفي تزوجها بعده الأمير مظفر الدين بن ~~زين الدين. وفيها توفي محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي ~~الأمير ناصر الدين ابن عم السلطان صلاح الدين. كان السلطان صلاح الدين ~~يخافه لأنه كان يدعي أنه أحق بالملك منه. وكان السلطان صلاح الدين يبلغه ~~عنه هذا، وكان زوج أخت السلطان صلاح الدين ست الشام بنت أيوب. ومات بحمص في ~~يوم عرفة، وتناثر لحمه حتى قيل إنه سم، وقيل: مات فجأة، فنقلته زوجته ست ~~الشام إلى تربتها، ودفنته عند أخيها الملك المعظم توران شاه بن أيوب المقدم ~~ذكره. ولما بلغ صلاح الدين ms1235 موته أبقى على ولده أسد الدين شيركوه بن محمد ~~المذكور ما كان بيد والده: حمص وتدمر والرحبة وسلمية، وخلع عليه وكتب ~~منشورا بذلك. وفيها توفي محمد بن أحمد بن فتح الدين البغدادي الحنفي؛ كان ~~فقيها شاعرا أديبا. ومن شعره في مليح عليه قباء كمه مطرز: ضممت معذبي لما ~~أتاني ... ورقم طرازه قد راق عيني فيا طرزيه هل يدني زماني ... ليالي وصلنا ~~بالرقمتين PageV02P0149 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو الطاهر ~~إسماعيل بن مكي ابن إسماعيل بن عيسى بن عوف الزهري شيخ المالكية بالثغر في ~~شعبان. وصاحب أذربيجان البهلوان محمد بن إيلدكز. والشيخ حياة بن قيس ~~الحراني العابد في جمادى الأولى. وأبو اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد ~~التنوخي كاتب نور الدين. والمهذب عبد الله بن أسعد بن علي بن الدهان ~~الموصلي الشافعي النحوي الشاعر في شعبان بحمص. والحافظ أبو محمد عبد الحق ~~بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي في شهر ربيع الآخر ببجاية، وله سبعون سنة. ~~والحافظ أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي المالقي الأديب في شعبان. ~~وعبد الرزاق بن نصر بن المسلم النخار الدمشقي. وأبو الفتح " عبيد الله ابن ~~" عبد الله بن محمد بن نجا بن شاتيل الدباس في رجب، وله تسعون سنة. وأبو ~~الجيوش عساكر بن علي المقرىء بمصر. وأبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي ~~بمكة. وأبو المجد الفضل بن الحسين البانياسي في شوال. وصاحب حمص ناصر الدين ~~محمد بن أسد الدين شيركوه. والحافظ أبو سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ ~~بأصبهان في ذي القعدة. والحافظ العلامة أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن ~~أبي عيسى المدني في جمادى الأولى، وله ثمانون سنة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم سبع أذرع وتسع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة السادسة عشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. فيها حكم ~~المنجمون في الآفاق بخراب العالم في جمادى الآخرة، ms1236 وقالوا: تقترن الكواكب ~~السيارة: الشمس والقمر وزحل والمريخ والزهرة وعطارد والمشتري في برج ~~الميزان أو السرطان، فتؤثر تأثيرا يضمحل به العالم، وتهب سموم محرقة تحمل ~~رملا أحمر، فاستعد الناس وحفروا السراديب وجمعوا فيها الزاد. وانقضت المدة ~~المعينة، وظهر كذب المنجمين. فقال أبو الغنائم محمد بن المعلم في أبي الفضل ~~المنجم قصيدة طنانة: قل لأبي الفضل قول معترف ... مضى جمادى وجاءنا رجب وما ~~جرت زعزغ كما حكموا ... ولا بدا كوكب له ذنب ومنها: مدبر الأمر واحد ليس ~~للسب ... عة في كل حادث سبب لا المشتري سالم ولا زحل ... باق ولا زهرة ولا ~~قطب ومنها: فليبطل المدعون ما وضعوا ... في كتبهم ولتحرق الكتب قلت: وهذا ~~الكذب متداول بين القوم إلى زماننا هذا، حتى إنه لا يمضي شهر إلا وقد ~~أوعدوا الناس بشيء لا حقيقة له. والعجب أن الشخص من العامة إذا كذب مرة على ~~رجل يستحي ولا يعود إلى مثلها، وهؤلاء القوم لا عرض لهم ولا دين ولا مروءة، ~~ولله در القائل ولم أدر لمن هو: دع النجوم لصوفي يعيش بها ... وبالعزائم ~~فانهض أيها الملك إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ~~ملكوا وفيها عاد السلطان صلاح الدين إلى الشام وتلقاه شيركوه بن محمد بن ~~شيركوه وأخته سفري خاتون أولاد ابن عمه محمد بن أسد الدين شيركوه وزوجته ست ~~الشام، وهي أخت السلطان صلاح الدين؛ فقال السلطان لأخيه العادل أبي بكر بن ~~أيوب: اقسم التركة بينهم على فرائض الله تعالى. وكان محمد قد خلف أموالا ~~عظيمة، فكان مبلغ التركة ألف ألف دينار. وفيها دخل سيف الإسلام أخو صلاح ~~الدين إلى مكة، ومنع من الأذان في الحرم ب " حي على خير العمل " . وفيها ~~قدم السلطان صلاح الدين يوسف البلاد بين أهله وولده برأي القاضي الفاضل، ~~فأعطى مصر لولده العزيز عثمان؛ والشام لولده الأفضل؛ وحلب لولده الظاهر؛ ~~وأعطى أخاه العادل أبا بكر إقطاعات كثيرة بمصر، وجعله أتابك العزيز؛ وأعطى ~~لابن أخيه تقي الدين حماة والمعرة ومنبج وأضاف إليه ميافارقين. وفيها توفي ms1237 ~~الحسن بن علي بن بركة أبو محمد المقرئ النحوي؛ كان إماما فاضلا انتفع بعلمه ~~خلائق كثيرة؛ وكان أديبا بارعا ومات في شوال. ومن شعره: وما شنان الشيب من ~~أجل لونه ... ولكنه حاد إلى الموت مسرع إذا ما بدت منه الطليعة آذنت ... ~~بأن المنايا بعدها تتطلع PageV02P0150 # وفيها توفي عبد الله ابن بري بن عبد الجبار المعروف بابن بري النحوي ~~بمصر؛ كان إماما أديبا فاضلا بارعا في علم النحو والعربية، وانتفع به خلق ~~كثير، ومات بمصر في شوال. وكان حجة ثقة. ومن شعره - رحمه الله - : خد وثغر ~~فجل رب ... بمبدع الحسن قد تفرد فذا عن الواقدي يروي ... وذاك يروي عن ~~المبرد الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو محمد ~~عبد الله ابن بري النحوي بمصر في شوال، وله ثلاث وثمانون سنة. وأبو محمد ~~عبد الله بن محمد بن جرير القرشي الناسخ ببغداد. وأبو محمد الحسن بن علي ~~ابن بركة بن عبيدة الكوفي النحوي المقرئ في شوال. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ست أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وإصبع واحدة. ### || AUT السنة السابعة عشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. فيها فتح السلطان ~~صلاح الدين بيت المقدس وعكا وحصونا كثيرة بالساحل، بعد أمور وحروب ذكرناها ~~في ترجمته. وفيها توفي علي بن أحمد بن علي بن محمد قاضي القضاة أبو الحسن ~~بن الدامغاني الحنفي قاضي قضاة بغداد. قال أبو المظفر: قاض ابن قاض ابن قاض ~~ابن قاض ابن قاض ابن قاض. ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وولاه الخليفة ~~المقتفي القضاء بمدينة السلام وسائر البلاد مشرقا ومغربا، وأقره المستنجد ~~ثم عزله؛ ثم أعاده المستضيء سنة سبعين وخمسمائة؛ ثم أقره الناصر لدين الله ~~تعالى إلى أن توفي ببغداد في ذي القعدة ودفن بالشونيزية عند جده لأمه أبي ~~الفتح الشاوي. وكان إماما فقيها عالما نزها عفيفا معدودا من كبار فقهاء ~~الساعة الحنفية - رحمه الله تعالى - . وفيها توفي محمد بن ms1238 عبد الله بن ~~المقدم الأمير شمس الدين؛ كان من أكابر أمراء الملك العادل نور الدين، ثم ~~صلاح الدين بن أيوب. وله المواقف المشهودة، وحضر جميع فتوحات السلطان صلاح ~~الدين؛ ثم إنه استأذن صلاح الدين في الحج فأذن له على كره من مفارقته؛ فلما ~~وصل إلى عرفات أراد أن يرفع علم صلاح الدين ويضرب الطبل، فمنعه طاشتكين ~~وقال: لا يرفع هنا سوى علم الخليفة. فقال ابن المقدم هذا: والسلطان مملوك ~~الخليفة. فمنعه طاشتكين، فأمر ابن المقدم غلمانه فرفع العلم فنكسوه، فركب ~~ابن المقدم ومن معه، وركب طاشتكين له، واقتتلوا فقتل من الفريقين، ورمى ~~مملوك طاشتكين ابن المقدم بسهم فوقع في عينه فخر صريعا، وجاء طاشتكين وحمله ~~إلى خيمته فتوفي في يوم الخميس يوم النحر ودفن بالمعلى. ثم أرسل الخليفة ~~يعتذر لصلاح الدين أن ابن المقدم كان الباغي، فلم يقبل صلاح الدين، وقال: ~~أنا الجواب عن الكتاب. ولولا اشتغاله بالجهاد لكان له وللخليفة شأن. وفيها ~~توفي محمد بن عبيد الله الأديب أبو الفتح البغدادي، المعروف بسبط ابن ~~التعاويذي الشاعر المشهور. وله ديوان شعر كبير، الموجود غالبه في المديح. ~~ومن شعره - رحمه الله - في غير المديح، في الزهد: اجعل همومك واحدا ... ~~وتخل عن كل الهموم فعساك أن تحظى بما يغنيك ... عن كل الهموم وله: فكم ليلة ~~قد بت أرشف ريقه ... وجرت على ذاك الشنيب المنضد وبات كما شاء الغرام ~~معانقي ... وبت وإياه كحرف مشدد الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي شيخ الفتوى عبد الجبار بن يوسف ببغداد. والمحدث أبو العز ~~عبد المغيث بن زهير الحربي. وقاضي القضاة أبو الحسن علي بن أحمد ابن قاضي ~~القضاة علي بن محمد بن الدامغاني الحنفي. وأبو الفتح محمد بن يحيى بن محمد ~~بن مواهب البرداني. والأمير الكبير شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم ~~النوري، قتل بعرفات. وأبو السعادات نصر الله بن عبد الرحمن بن محمد المعروف ~~بابن زريق القزاز في شهر ربيع الآخر، وله اثنتان وتسعون سنة. وشيخ الحنابلة ~~ناصح الدين ms1239 أبو الفتح نصر بن فتيان " بن مطرف المعروف با " بن المني في ~~رمضان عن إحدى وثمانين سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع ~~وثماني أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة أربع وثمانين وخمسمائة. PageV02P0151 # فيها توفي الأمير أسامة بن مرشد بن علي بن المقلد بن نصر بن منقذ الأمير ~~أبو الحارث مؤيد الدولة مجد الدين الكناني. مولده بشيزر في سنة ثمان ~~وثمانين وأربعمائة؛ وكانت له اليد الأولى في الأدب والكتابة والشعر؛ وكان ~~فارسا شجاعا عاقلا مدبرا؛ كان يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب الجاهلية، ~~وطاف البلاد ثم استوطن حماة فتوفي فيها في شهر رمضان، وقد بلغ ستا وتسعين ~~سنة. وله ديوان شعر مشهور، وكان السلطان صلاح الدين مغرى بشعره. ومن شعره ~~في قلع الضرس: وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد لم ~~ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد وقال في أيام ~~الملك العادل نور الدين الشهيد: سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا ... له فكل ~~على الخيرات منكمش أيامه مثل شهر الصوم طاهرة ... من المعاصي وفيها الجوع ~~والعطش وفيها توفي مجاهد الدين خالص بن عبد الله الناصري خادم الخليفة ~~الناصر لدين الله؛ كان قريبا من الخليفة، سلم إليه مماليكه الخواص؛ وكان ~~سليم الباطن دينا، صلى به إمامه صلاة الفجر فقرا الإمام فيها: " إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي " فلما سمع خالص ذلك رفع صوته وهو في الصلاة ~~وقال: صلى الله عليك يا رسول الله. فضحك القوم وقطعوا الصلاة. فقال لهم ~~خالق المذكور: مجانين أنتم! يقول الله: صلوا عليه وسلموا تسليما وأسكت أنا! ~~وفيها توفي محمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن المظفر بن علي؛ أبو حامد ~~محيي الدين الشهرزوري الإمام الفقيه؛ ولي القضاء بالموصل، وقدم بغداد رسولا ~~من صاحب الموصل، فأكرمه الخليفة وخلع عليه. ثم عاد فمات في جمادى الأولى. ~~ومن شعره: ms1240 ولما شاب رأس الدهر غيظا ... لما قاساه من فقد الكرام أقام يميط ~~عنه الشيب عمدا ... وينشر ما أماط على الأنام الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قاد: وفيها توفي الأمير مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن مرشد ~~بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني في شهر رمضان عن سبع وتسعين سنة. ~~وظاعن بن محمد الزبيري الخياط. وأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ~~" بن يوسف بن أبي عيسى القاضي " بن حبيش الأنصاري بمرسية، وكان خطيبها ~~وقاضيها ومحدثها ومسندها، توفي في صفر وأبو القبائل بن علي عن مائة سنة ~~وزيادة. والعلامة شمس الأئمة عماد الدين عمر بن شمس الأئمة بكر بن محمد ~~الزرنجري البخاري شيخ الحنفية في شوال، وله خمس وستون سنة. وأبو عبد الله ~~محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن صدقة الحراني التاجر، وله سبع وتسعون سنة. ~~والحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان الحازمي الهمذاني في جمادى الأولى ~~شابا، وله خمس وثلاثون سنة. وأبو الفرج يحيى بن محمود الثقفي الصوفي في ~~نواحي همذان غريبا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع واثنتا ~~عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة عشرة من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة خمس وثمانين وخمسمائة. فيها وفي السلطان ~~صلاح الدين على عكة حسام الدين بشارة، وولى على عمارة سررها الخادم بهاء ~~الدين قراقوش. وفيها توفي الأمير طمان بن عبد الله النوري صاحب الرقة؛ كان ~~شجاعا جوادا محبا للخير كثير الصدقات يحب الفقهاء والعلماء، بنى مدرسة بحلب ~~للحنفية. وكانت وفاته في ليلة نصف شعبان؛ وحزن السلطان صلاح الدين عليه ~~والمسلمون لحرصه على الجهاد ولمواقفه المشهودة. وفيها توفي عبد الله بن ~~محمد بن هبة الله بن المطهر بن علي أبو سعد بن أبي السري التميمي الموصلي ~~القاضي شرف الدين بن أبي عصرون. كان إماما فاضلا مصنفا، وكان خصيصا بالملك ~~العادل نور الدين، ثم اقتضى به السلطان ms1241 صلاح الدين، وولي القضاء بعدة بلاد ~~وضر قبل وفاته بعشر سنين. ومن شعره قوله: كل جمع إلى الشتات يصير ... أي ~~صفو ما شانه التكدير أنت في اللهو والأماني مقيم ... والمنايا في كل وقت ~~تسير PageV02P0152 # وفيها توفي الفقيه عيسى الهكاري ضياء الدين؛ حضر فتح مصر مع أسد الدين ~~شيركوه، وهو الذي مشى بين الأمراء وبين السلطان صلاح الدين لما ولي وزارة ~~العاضد بعد موت عمه أسد الدين شيركوه، حسب ما تقدم ذكره حتى تم أمره. ثم ~~حضر مع السلطان صلاح الدين فتح القدس والغزوات، وكان صلاح الدين يميل إليه ~~ويستشيره، وكأن الله قد أقامه لقضاء حوائج الناس والتفريج عن المكروبين مع ~~الورع والعفة والدين - رحمه الله - . وفيها توفي الأمير موسك بن جكو ابن ~~خال صلاح الدين. كان حافظا للقرآن سامعا للحديث، وكان محسنا إلى الناس ~~ملازما للسلطان في غزواته، وكان دينا صالحا جوادا؛ مرض بمرج عكا فأمره ~~السلطان أن يمضي إلى دمشق ليتطبب بها، فتوجه إلى دمشق ومات بها - رحمة الله ~~- . الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو العباس ~~الترك أحمد بن أحمد بن محمد بن ينال شيخ الصوفية بأصبهان ومسندها في شعبان. ~~وأبو الحسين أحمد بن حمزة الموازيني في المحرم. وقاضي القضاة شرف الدين أبو ~~سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون التميمي الموصلي في رمضان. وأبو الفضل ~~عبد المجيد بن الحصيني بن يوسف بن الحسن بن أحمد بن دليل الإسكندراني ~~المعدل. وشيخ الشافعية أبو طالب المبارك بن المبارك بن المبارك الكرخي صاحب ~~ابن الخل. وأبو المعالي وأبو النجاح منجب بن عبد الله المرشدي الخادم في ~~المحرم. والحافظ يوسف بن أحمد الشيرازي ثم البغدادي الصوفي. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة العشرون من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ست وثمانين وخمسمائة. فيها ملك سيف ~~الإسلام أخو السلطان صلاح الدين صنعاء من بلاد اليمن. وفيها ms1242 حج بالناس من ~~العراق طاشتكين المذكور في السنة الماضية. وفيها توفي مسعود بن علي بن عبيد ~~الله أبو الفضل بن النادر الصفار الأديب الشاعر؛ كان بارعا في الأدب، وكتب ~~خطا حسنا نحوا من مائة ربعة. ومن شعره قوله: تولوا فأولوا الجسم من بعدهم ~~ضنا ... وحرا شديدا في الحشا يتزايد وزاد بلائي بالذين أحبهم ... وللناس ~~فيما يذهبون مقاصد وفيها توفي يوسف بن علي بن بكتكين الأمير زين الدين صاحب ~~إربل. كان قدم إلى السلطان صلاح الدين نجمة فمرض ومات، وفرح بموته أخوه ~~مظفر الدين وتولى إربل مكانه من قبل السلطان صلاح الدين. وكان زين الدين ~~أميرا كبيرا شجاعا مقداما مدبرا. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي الحافظ أبو المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى ~~التغلبي الدمشقي، وله تسع وأربعون سنة. وأبو الطيب عبد المنعم بن يحيى بن ~~خلف بن نفيس بن الخلوف الغرناطي المقرئ. وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن ~~أحمد بن عبد العزيز بن عبد البر بن مجاهد المعروف ب " ابن زرقون الإشبيلي ~~المالكي المسند. وأبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الفرح بن الجد ~~الفهري الحافظ بإشبيلية. وقاضي القضاة محيي الدين أبو حامد محمد ابن قاضي ~~القضاة كمال الدين بن الشهرزوري، وله اثنتان وستون سنة؛ ولي حلب ثم الموصل. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وخمس وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الحادية والعشرون من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة سبع وثمانين وخمسمائة. فيها كان استيلاء ~~الفرنج على عكا، كما تقدم في ترجمة السلطان صلاح الدين من هذا الكتاب. ~~وفيها توفي الموفق أسعد بن إلياس بن جرجس المعروف بابن المطران الطيب. كان ~~نصرانيا فأسلم على يد السلطان، وكان غزير المروءة حسن الأخلاق كريم العشرة. ~~وكان يصحبه صبي حسن الصورة اسمه عمر. وكان الموفق يحب أهل البيت ويبغض ابن ~~عنين الشاعر لخبث لسانه، وكان يحرض السلطان صلاح ms1243 الدين عليه ويقول له: أليس ~~هذا هو القائل: سلطاننا أعرج وكاتبه ... أعمش والوزير منحدب فهجاه ابن عنين ~~بقوله: قالوا الموفق شيعي فقلت لهم ... هذا خلاف الذي للناس منه ظهر فكيف ~~يجعل دين الرفض مذهبه ... وما دعاه إلى الإسلام غير عمر PageV02P0153 # وفيها توفي سليمان بن جنحرة كان من أكابر أمراء حلب، ومشائخ الدولتين: ~~النورية والصلاحية؛ شهد مع السلطان صلاح الدين حروبه كلها، وهو الذي أشار ~~بخراب عسقلان مصلحة للمسلمين. ومات في أواخر ذي الحجة. وفيها توفي عمر بن ~~شاهنشاه بن أيوب الملك المظفر تقي الدين. قد ذكرنا من أمره: أن عمه السلطان ~~صلاح الدين كان أعطاه حماة، وعدة بلاد من حماة إلى ديار بكر، فطمع في مملكة ~~الشرق فنفرت عنه وعن عمه صلاح الدين القلوب لعظم طمعهما. ووقع لتقي الدين ~~هذا مع بكتمر بن عبد الله مملوك شاه أرمن صاحب خلاط وقائع وحروب، فمات تقي ~~الدين بتلك البلاد، فكتم محمد ولده موته، وحمله إلى ميافارقين، فدفن بها. ~~وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر شهر رمضان، ثم بنيت له مدرسة بظاهر حماة، فنقل ~~إليها. وكان السلطان صلاح الدين يكره ابنه محمدا فأخذ منه بلاد أبيه، وأبقى ~~معه حماة لا غير. ولقب محمد هذا بالملك المنصور. وهو أبو ملوك حماة من بني ~~أيوب الآتي ذكرهم. وكان تقي الدين شجاعا مقداما شاعرا فاضلا، عاشر العلماء ~~والأدباء وتخلق بأخلاقهم، وله ديوان شعر. ومن شعره: يا ناظريه ترفقا ... ما ~~في الورى لكما مبارز هبكم حجبتم أن أرا ... ه فهل لقلب الضب حاجز وفيها ~~توفي يحيى السهروردي المقتول بحلب؛ كان يعاني علوم الأوائل والمنطق ~~والسيمياء وأبواب النيرنجيات، فاستمال بذلك خلقا كثيرا وتبعوه؛ وله تصانيف ~~في هذه العلوم. واجتمع بالملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، ~~فأعجب الظاهر كلامه ومال إليه. فكتب أهل حلب إلى السلطان صلاح الدين: أدرك ~~ولدك وإلا تتلف عقيدته؛ فكتب إليه أبوه صلاح الدين بإبعاده فلم يبعده، فكتب ~~بمناظرته، فناظره العلماء فظهر عليهم بعبارته، فقالوا: إنك قلت في بعض ~~تصانيفك: إن الله قادر على ms1244 أن يخلق نبيا، وهذا مستحيل. فقال: ما وجه ~~استحالته؛ فإن الله القادر هو الذي لا يمتنع عليه شيء. فتعصبوا عليه، فحبسه ~~الظاهر وجرت بسببه خطوب وشناعات. وكان السهروردي رديء الهيئة، زري الخلقة، ~~دنس الثياب، وسخ البدن، لا يغسل له ثوبا ولا جسما، ولا يقص ظفرا ولا شعرا، ~~فكان القمل يتناثر على وجهه، وكان من رآه يهرب منه لسوء منظره، وقبح زيه. ~~وطال أمره إلى أن أمر السلطان بقتله فقتل في يوم الجمعة منسلخ ذي الحجة من ~~هذه السنة، أخرج من الحبس ميتا. ومما ينسب إليه من الشعر القصيدة التي ~~أولها: أبدا تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح وقلوب أهل ~~ودادكم تشتاقكم ... وإلى كمال جمالكم ترتاح وقال السيف الآمدي: اجتمعت ~~بالسهروردي بحلب، فقال لي: لا بد أن أملك الأرض. فقلت: من أين لك هذا. فقال ~~رأيت في المنام أني شربت ماء البحر؛ فقلت: لعل ذلك يكون اشتهار العلم فلم ~~يرجع؛ فرأيته كثير العلم قليل العقل. ويقال: إنه لما تحقق القتل كان كثيرا ~~ما ينشد: أرى قدمي أراق دمي ... وهان دمي فها ندمي والأول قول أبي الفتح ~~البستي وهو قوله: إلى حتفي سعى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي فلا أنفك من ندم ~~... وليس بنافعي ندمي وفيها توفي الشيخ نجم الدين الخبوشاني. قال صاحب ~~المرآة: " قدم إلى الديار المصرية وأظهر الناموس وتزهد، وكان يركب الحمار ~~فيقف على السلطان صلاح الدين وأهله. وأعطاه السلطان مالا فبنى به المدرسة ~~التي بجانب الشافعي - رحمة الله عليه - وكان كثير الفتن - منذ دخل مصر إلى ~~أن مات - ما زالت الفتنة قائمة بينه وبين الحنابلة " و " ابن الصابوني وزين ~~الدين بن نجية، يكفرونه ويكفرهم، وكان طائشا متهورا، نبش على ابن الكيزاني ~~وأخرج عظامه من عند الشافعي، وقد تقدم ذلك. وكان يصوم ويفطر على خبز ~~الشعير، فلما مات وجد له ألوف الدنانير، وبلغ صلاح الدين فقال: يا خيبة ~~المسعى! ومات في صفر. وتولى بعده - تدريس مدرسة الشافعي التي بناها - شيخ ~~الشيوخ صدر الدين ابن حمويه. انتهى كلام صاحب المرآة باختصار ms1245 بعد أن ثلب ~~الخبوشاني المذكور بمساوئ أضربت عن ذكرها - رحمه الله تعالى - . ~~PageV02P0154 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الفقيه أبو محمد ~~عبد الرحمن بن علي الخرقي اللخمي في ذي القعدة، وله ثمان وثمانون سنة. وأبو ~~المعالي عبد المنعم بن عبد الله بن محمد الفراوي في شعبان. وصاحب حماة ~~المظفر عمر بنى شاهنشاه بن أيوب. ونجم الدين محمد بن الموفق الخبوشاني ~~الشافعي الزاهد. والشهاب السهروردي الفيلسوف. ويعقوب بن يوسف الحربي ~~المقرئ. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية والعشرون من سلطنة صلاح الدين # يوسف بن أيوب على مصر وهي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. فيها توفي سنان بن ~~سليمان، صاحب الدعوة بقلاع اللثام. كان أصله من البصرة من حصن الموت، فرأى ~~منه صاحب الأمر بتلك البلاد نجابة وشهامة وعقلا وتدبيرا، فسيره إلى حصون ~~الشام، فسار حتى وصل إلى البلاد الشامية، وكان فيه معرفة وسياسة. وجد في ~~إقامة الدعوة واستجلاب القلوب، وكان مجيئه إلى الشام في أيام السلطان الملك ~~العادل نور الدين الشهيد. فجرت له معه حروب وخطوب، واستولى سنان هذا على ~~عدة قلاع وأقام واليا ثلاثين سنة والبعوث ترد عليه في كل قليل من قبل نور ~~الدين . ثم إن السلطان نور الدين عزم على قصده فتوفي. وأقام سنان على ذلك ~~إلى أن توفي ببلاد الشام في هذه السنة. وفيها توفي علي بن أحمد الأمير سيف ~~الدين بن المشطوب ملك الهكارية. وكان أميرا شجاعا صابرا في الحروب مطاعا في ~~قبيلته؛ دخل مع أسد الدين شيركوه إلى مصر في مراته الثلاث، ثم عاد بعد ~~سلطنة صلاح الدين إلى البلاد الشامية، فدام بها إلى أن مات في آخر شوال. ~~وقال ابن شداد: مات بالقدس وصلي عليه بالجامع الأقصى. وفيها توفي السلطان ~~قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن إسرائيل بن ~~سلجوق، الملك عز الدين السلجوقي صاحب بلاد الروم. طالت أيامه واتسعت ms1246 ~~ممالكه. ولما أسن أصابه الفالج فتعطلت حركته، وتنافس أولاده في الملك، وحكم ~~عليه ولده قطب الدين ملكشاه، وقتل كثيرا من خواصه في حياة أبيه. وكان قطب ~~الدين مقيما بسيواس وأبوه بقونية. ثم جاء إلى أبيه يقاتله فأخرج إليه ~~العساكر، فالتقاهم قطب الدين وكسرهم وبدد شمل أصحاب أبيه، ثم ظفر بأبيه ~~فأخذه مكرها وحمله إلى قيسارية، ووقع له معه أمور أخر. وآخر الأمر أنه عهد ~~إلى ولده غياث الدين بالملك ولم يعهد لقطب الدين. وكانت وفاته في نصف ~~شعبان. وفيها توفي نصر بن منصور أبو المرهف النميري الشاعر المشهور، منسوب ~~إلى نمير بن عامر بن صعصعة. ولد برقة الشام، وأمه بنت سالم بن مالك صاحب ~~الرحبة، وربي بالشام وعاشر الأدباء وقال الشعر وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقل ~~بصره بالجحري وله أربع عشرة سنة. وقدم بغداد ليداوي عينيه فآيسه الأطباء، ~~فحفظ القرآن وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - وكان ~~طاهر اللسان عفيفا دينا. وله مدائح في صلاح الدين وغيره. ومن شعره - رحمه ~~الله تعالى - : ترى يتألف الشمل الصديع ... وآمن من زمان ما يروع وتأنس بعد ~~وحشتنا بنجد ... منازلنا القديمة والربوع ذكرت بأيمن العلمين عصرا ... مضى ~~والشمل ملتئم جميع فلم أملك لدمعي رد غرب ... وعند الشوق تعصيك الدموع ~~ينازعني إلى خنساء قلبي ... ودون لقائها بلد شسوع وأخوف ما أخاف على فؤادي ~~... إذا ما أنجد البرق اللموع لقد حملت من طول التنائي ... عن الأحباب ما ~~لا أستطيع الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الفقيه ~~أحمد ابن الحسين بن علي العراقي الحنبلي بدمشق. والمحدث أبو الفضل إسماعيل ~~بن علي الجنزوري الشروطي بدمشق في سلخ جمادى الأولى. وأبو ياسر عبد الوهاب ~~ابن هبة الله بن عبد الوهاب بن أبي حبة الدقاق بحران في شهر ربيع الأول. ~~وأبو جعفر عبيد الله بن أحمد ابن علي بن علي بن السمين. والأمير الكبير سيف ~~الدين علي بن أحمد الهكاري المشطوب في شوال بالقدس. وصاحب الروم قليج ~~أرسلان بن مسعود السلجوقي. ms1247 والنسابة أبو علي محمد بن أسعد الحسيني الجواني ~~بمصر. أمر النيل في هذه السنة: PageV02P0155 # الماء القديم ست أذرع وثلاث وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وإحدى عشرة إصبعا. ### | AUT سلطنة الملك العزيز عثمان على مصر # هو الملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان سلطان الديار المصرية وابن ~~سلطانها الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي ~~بن مروان الأيوبي الكردي الأصل المصري. ولي سلطنة مصر في حياة والده صورة؛ ~~ثم تسلطن بعد وفاته استقلالا باتفاق الأمراء وأعيان الدولة بديار مصر، لأنه ~~كان كان نائبا عن أبيه صلاح الدين بها لما كان أبوه مشتغلا بفتح السواحل ~~بالبلاد الشامية وتم أمره. وكان مولده بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى سنة ~~سبع وستين وخمسمائة. وكان الملك العزيز هذا أصغر من أخيه الملك الظاهر غازي ~~صاحب حلب، وأصغر من أخيه الأفضل صاحب دمشق. وكان الأفضل هو أكبر الإخوة، ~~وهو المشار إليه في أيام أبيه صلاح الدين ومن بعده، وهو الذي جلس للعزاء ~~بعد موت صلاح الدين، وصار هو السلطان الأكبر إلى أن ظهر منه أمور، منها: ~~أنه كان استوزر ضياء الدين الجزري، فأساء ضياء الدين السيرة؛ وشغف قلوب ~~الجند إلى مصر، وساروا إليها فالتقاهم الملك العزيز وأكرمهم، وكانوا معظم ~~الصلاحية. واشتغل الأفضل بلهوه. وكان القدس في يده فعجز عنه وسلمه إلى نواب ~~الملك العزيز هذا، فبان للناس عجز الأفضل. ثم وقعت الوحشة بين العزيز هذا ~~وبين أخيه الأفضل المذكور. وبلغ الفرنج ذلك، فطمعوا في البلاد وحاصروا جبلة ~~وكان بها جماعة من الأكراد فباعوها للفرنج. وبرز الملك العزيز من مصر يريد ~~قتال الفرنج في الظاهر، وفي الباطن أخذ دمشق من أخيه الأفضل؛ وعلم الأفضل ~~بذلك فكتب إلى عمه العادل أبي بكر بن أيوب، وللمشارقة بالنجدة، فأجابوه إلى ~~ما يريد؛ وكان مع العادل عدة بلاد بالشرق، وكان لما توفي أخوه السلطان ~~الملك الناصر صلاح الدين بالكرك قدم دمشق معزيا للأفضل وأقام عنده أياما ثم ~~رحل إلى محل ولايته بالجزيرة والرها وسميساط والرقة ms1248 وقلعة جعبر وديار بكر ~~وميافارقين؛ وهي البلاد التي كان أعطاها له أخوه صلاح الدين في حياته، وكان ~~له أيضا مع ذلك بالبلاد الشامية الكرك والشوبك. والمقصود أن الملك العزيز ~~هذا لما رحل من مصر إلى نحو دمشق، سار حتى نزل بظاهر دمشق، وقيل بعقبة ~~الشحورة؛ وجاء العادل بعساكر الشرق ونزل بمرج عدواء. فأرسل إليه العزيز ~~يقول: أريد الاجتماع بالعادل؛ فاجتمعا على ظهور خيلهما وتفاوضا؛ فقال له ~~العادل: لا تخرب البيت وتدخل عليه الآفة! والعدو وراءنا من كل جانب، وقد ~~أخذوا جبلة؛ فارجع إلى مصر واحفظ عهد أبيك. وأيضا فلا تكسر حرمة دمشق، ~~وتطمع فيها كل أحد! وعاد الملك العادل عنه إلى دمشق، وأقام العزيز في ~~منزلته. وقدمت العساكر على الأفضل وبعث العادل إلى العزيز يقول له: ارحل ~~إلى مرج الصفر؛ فرحل وهو مريض. وكان قصد العادل أن يبعده عن البلد. فوصل ~~الملك الظاهر غازي من حلب، والملك المنصور من حماة، وشيركوه بن محمد بن ~~شيركوه من حمص، والأمجد من بعلبك، والجميع نجمة للأفضل. فقال لهم العادل: ~~قد تقرر أنه يرحل إلى مصر. واشتد مرض العزيز فاحتاج إلى المصالحة، ولولا ~~المرض ما صالح؛ فأرسل الملك العزيز كبراء دولته فخر الدين اياز جهاركس؛ ~~وغيره يحلف الملوك، وطلب مصاهرة عمه العادل فزوجه ابنته الخاتون. ورجع كل ~~واحد إلى بلده، وذلك في شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وقال العماد ~~الكاتب الأصفهاني: خرج الملوك لتوديع الملك العزيز إلى مرج الصفر واحدا بعد ~~واحد. وأول من خرج إليه أخوه الملك الظاهر غازي صاحب حلب، فبات عنده ليلة ~~وعاد، فخرج إليه أخوه الأفضل صاحب الواقعة، فقام إليه واعتنقا وبكيا، وأقام ~~عنده أيضا يوما، وكان قد فارقه منذ تسع سنين، فلما عاد كتب إلى العزيز من ~~إنشائه من عدة أبيات: نظرتك نظرة من بعد تسع ... تقضت بالتفرق من سنين ولما ~~انفصل العساكر عن دمشق شرع الأفضل على عادته في اللهو واللعب، فاحتجب عن ~~الرعية فسمي " الملك النوام " وفوض الأمر إلى وزيره ضياء الدين الجزري، ~~وحاجبه الجمال محاسن بن ms1249 العجمي، فأفسدا عليه الأحوال، وكانا سببا لزوال ~~دولته. واستمر الملك العزيز هذا بمصر وأمره ينمو ويزداد إلى سنة تسعين. ~~وفيها عاد الاختلاف ثانيا بين العزيز والأفضل؛ وسببه إغراء الجند والوسائط. ~~PageV02P0156 # وكان أكبر المحرضين للعزيز على أخيه الأفضل أسامة، حتى قال له: إن الله ~~يسألك عن الرعية، هذا الرجل قد غرق في اللهو وشربه، واستولى عليه الجزري ~~وابن العجمي. ثم قال له القاضي ابن أبي عصرون: لا تسلم يوم القيامة. وبلغ ~~الأفضل قول أسامة وابن أبي عصرون فأقلع عما كان عليه، وتاب وندم على ~~تفريطه، وعاشر العلماء والصلحاء، وشرع يكتب مصحفا بخطه، وكان خطه في ~~النهاية، فلم يغن عنه ذلك. وتحرك العزيز يقصده، فسار الأفضل إلى عمه العادل ~~يستنجد به، فالتقاه العادل على صفين، فسار معه بعساكر الشرق إلى دمشق؛ وكان ~~الأفضل لما اجتاز بحلب اتفق مع أخيه الظاهر غازي وتحالفا، وجاء إلى حماة ~~ففعل كذلك مع ابن عمه المنصور. وصار العادل يشير عليه بعزل الجزري عن ~~الوزارة، ويقود له: هذا يخرب بيتك. فصار لا يلتفت إليه فحنق منه. ثم إن ~~العادل سأل الملك الظاهر غازي في شيء فلم يجبه، فغضب لذلك العادل وانفرد ~~عنهم، وكتب إلى العزيز يخبره أنه معه، ويستحثه على القدوم إلى دمشق؛ فخرج ~~العزيز من مصر مسرعا، ثم علم العادل أنه لا طاقة له بالعزيز ولا بالظاهر؛ ~~فراسل الأسدية الذين كانوا بمصر، وأوعدهم بالأموال والإقطاعات. وكان الملك ~~العزيز قد قدم عليهم الصلاحية مماليك أبيه. والأسدية هم مماليك عمه أسد ~~الدين شيركوه وحواشيه الأكراد؛ ثم دس العادل للأسدية الأموال، وكان مقدم ~~الأكراد الأسدية أبو الهيجاء السمين؛ وكان العزيز قد عزله عن ولاية القدس، ~~وتقدمت الأسدية بسيف الدين جرديك؛ فركب أبو الهيجاء بجموعه، ومعه أزكش في ~~الليل، وقصدوا دمشق، فأصبح العزيز فلم ير في الخيام من الأسدية أحدا، فرجع ~~إلى مصر. وشرع أزكش وأبو الهيجاء والأسدية يحرضون العادل على أخذ مصر؛ ~~وكانت الأسدية والأكراد يكرهون العادل، وإنما دعتهم الضرورة إليه. واتفق ~~العادل مع ابن أخيه الأفضل وسارا إلى جهة ms1250 العزيز نحو مصر. فلما وصلوا إلى ~~القدس ولوا أبا الهيجاء كما كان، وعزلوا جرديك عنها؛ ثم ساروا حتى نزلوا ~~بلبيس وبها جماعة من الصلاحية. فتوقف العادل عن القتال ولم ير انتزاع مصر ~~من يد العزيز، وظهرت منه قرائن تدل على أنه لا يؤثر السلطنة للأفضل، ولا ~~يرى بتقدميته على العزيز. فأرسل العادل إلى العزيز يطلب منه القاضي الفاضل، ~~وكان الفاضل قد اعتزلهم وانقطع إلى داره، فأرسل إليه العزيز يسأله فامتنع، ~~فتضرع إليه وأقسم عليه، فخرج إلى العادل، فاحترمه العادل وأكرمه وتحدث معه ~~بما قرره، وعاد الفاضل إلى العزيز وتحدث معه، فأرسل العزيز ولديه الصغيرين ~~مع خادم له برسالة ظاهرة، مضمونها: " لا تقاتلوا المسلمين ولا تسفكوا ~~دماءهم، وقد أنفذت ولدي يكونان تحت كفالة عمي العادل، وأنا أنزل لكم عن ~~البلاد وأمضي إلى الغرب " . وكان ذلك بمشهد من الأمراء، فرق العادل وبكى من ~~حضر. فقال العادل: معاذ الله ما وصل الأمر إلى هذا الحد. وكان العادل قد ~~قرر مع القاضي الفاضل رد خبز الأسدية وإقطاعاتهم وأملاكهم، وأن يبقى أبو ~~الهيجاء على ولاية القدس. ثم قال العادل للأفضل: المصلحة أن تمضى إلى أخيك ~~وتصالحه، ما عذرنا عند الله وعند الناس إذا فعلنا بابن أخينا ما لا يليق!. ~~وكان العزيز أرسل يقول للعادل مع الخادم المقدم ذكره: " البلاد بلادك وأنت ~~السلطان ونحن رعيتك " . ففهم الأفضل أن العادل رجع عن يمينه، وأنه اتفق مع ~~العزيز على أخذ البلاد منه، لكنه لم يمكنه الكلام، ومضى إلى أخيه الملك ~~العزيز واصطلحا، وعاد إلى دمشق. ودخل العزيز والعادل والأسدية إلى القاهرة ~~يوم الخميس رابع ذي الحجة. وسلطن العادل العزيز ومشى بين يديه بالغاشية. ~~ولو أراد العادل مصر في هذه المرة لأخذها؛ وإنما كان قصده الإصلاح بين ~~الإخوة. PageV02P0157 # ثم وقع بين العزيز هذا والأفضل ثالثا؛ وهو أنه لما عاد الأفضل إلى دمشق ~~ازداد وزيره الجزري من الأفعال القبيحة، والأفضل يسمع منه ولا يخالفه، فكتب ~~قيماز النجمي وأعيان الدولة إلى العادل يشكونه، فأرسل العادل إلى الأفضل: ~~ارفع يد هذا الأحمق ms1251 السيء التدبير القليل التوفيق " ، فلم يلتفت. فاتفق ~~العادل مع ابن أخيه العزيز هذا على التوجه إلى الشام فسارا. واستشار الأفضل ~~أصحابه، فكل أشار عليه بأن يلتقي عمه العادل وأخاه العزيز ولا يخالفهما إلا ~~الجزري، فإنه أشار بالعصيان، فاستعد الأفضل للقتال والحصار وحلف الأمراء ~~والمقدمين، وفرقهم في الأبراج والأسوار، فراسلوا العزيز والعادل وأصلحوا ~~أمرهم في الباطن؛ واتفق العادل مع عز الدين الحمصي على فتح الباب الشرقي؛ ~~وكان مسلما إليه، فلما كان يوم الأربعاء سادس عشرين شهر رجب ركب العادل ~~والعزيز وجاءا إلى الباب الشرقي ففتحه ابن الحمصي فدخلا إلى البلد من غير ~~قتال؛ فنزل العزيز دار عمته ست الشام، ونزل العادل دار العقيقي، ونزل ~~الأفضل إليهما وهما بدار العقيقي؛ فدخل عليهما وبكى بكاء شديدا، فأمره ~~العزيز بالانتقال من دمشق إلى صرخد، فأخرج وزيره الجزري في الليل في جملة ~~الصناديق خوفا عليه من القتل، فأخذ أموالا عظيمة وهرب إلى بلاده. وكان ~~العزيز قد قرر مع عمه العادل أن يكون نائبه بمصر، ويقيم العزيز بدمشق. ثم ~~ندم فأرسل إلى أخيه الأفضل رسالة فيها صلاح حاله. ثم وقعت أمور إلى أن سلم ~~العزيز بصرى إلى العادل، وكان بها الظافر. وأقام العزيز بعد ذلك بدمشق مدة، ~~وصلى الجمعة عند قبر والده بالكلاسة وأمر ببناء القبة والمدرسة إلى جانبها، ~~ثم أمر محيي الدين بن الزكي بعمارة المدرسة العزيزية، ونقل السلطان صلاح ~~الدين إلى الكلاسة في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وكان الأفضل قد شرع في ~~بناء تربة عند مشهد القدم بوصية من السلطان صلاح الدين. وكان الملك العزيز ~~إذا جلس في مجالس لهوه يجلس العادل على بابه، كأنه بردداره. فلما كان آخر ~~ليلة من مقام العزيز بدمشق، وكانت ليلة الاثنين تاسع شعبان، قال العادل ~~لولده المعظم عيسى: ادخل إلى العزيز فقبل يده واطلب منه دمشق، وكان المعظم ~~قد راهق الحلم، فدخل إلى ابن عمه العزيز وقبل يده وطلب منه دمشق، فدفعها ~~إليه وأعطاه مستحقه، وقيل: بل استناب العادل فيها، نم أعطاها للمعظم في سنة ~~أربع وتسعين. وكان ms1252 خروج الملك العزيز من دمشق في يوم تاسع شعبان المذكور. ~~وسار إلى مصر ومضى الأفضل إلى صرخد، واجتاز العزيز بالقدس فعزل أبا الهيجاء ~~السمين عن نيابتها، وولاها لسنقر الكبير، ومضى أبو الهيجاء إلى بغداد. ~~واستمر الملك العزيز بمصر، واستقامت الأمور في أيامه، وعمل في الرعية، وعف ~~عن أموالها حتى قيل: إن ابن البيساني أخا القاضي الفاضل بذل على قضاء ~~المحلة أربعين ألف دينار، فعجل منها عشرين ألفا، وكان رسوله في ذلك الملك ~~العادل عم العزيز المقدم ذكره، وبذل له عن ترسله خمسة آلاف دينار، وللحاجب ~~أبي بكر ألف دينار، ولجهاركس ألف دينار. فاجتمعوا على العزيز جميعا وخاطبوه ~~في ذلك، وألح عليه الملك العادل. فقال له العزيز: والله يا عم، هذا الرجل ~~بذل لنا هذا البذل " لا " عن محبة لنا، والله إنه ليأخذ من أموال الرعية ~~أضعاف ذلك، لا وليته أبدا! فرجع العادل عن مساعدته، فلما آل الأمر إلى ~~العادل صادر ابن البيساني المذكور، وأخذ منه أموالا كثيرة انتهى. ~~PageV02P0158 # وقال القاضي شمس الدين بن خلكان في ترجمة الملك العزيز هذا بعد أن ذكر ~~اسمه ولقبه قال: أو كان ملكا مباركا كثير الخير واسع الكرم محسنا إلى الناس ~~معتقدا في أرباب الخير والصلاح؛ وسمع بالإسكندرية الحديث من الحافظ السلفي، ~~والفقية أبي طاهر بن عوف الزهري، وسمع بمصر من العلامة أبي محمد بن بري ~~النحوي وغيرهم. ويقال: إن والده لما كان بالشام والقاضي الفاضل عبد الرحيم ~~بالقاهرة عند العزيز ولد للعزيز المذكور ولد، فكتب القاضي الفاضل يهنئ ~~والده السلطان صلاح الدين بولد ولده، فقال: المملوك يقبل الأرض بين يدي ~~مولانا الملك الناصر، دام رشده وإرشاده، وزاد سعده وإسعاده، وكثر أولياؤه ~~وعبيده وأحفاده، واشتد بأعضاده فيهم اعتضاده، وأنمى الله عدده حتى يقال هذا ~~آدم الملوك وهذه أولاده؛ وينهي أن الله تعالى - وله الحمد - رزق الملك ~~العزيز - عز نصره - ولدا مباركا عليا، ذكرا سريا، " برا " زكيا نقيا تقيا؛ ~~من ورثة كريمة بعضها من بعض، وبيت شريف كادت ملوكه تكون ملائكة في السماء، ~~ومماليكه ملوكا في ms1253 الأرض. انتهى ما كتبه القاضي الفاضل في التهنئة. قال ابن ~~خلكان - رحمه الله - : " وكانت ولادة العزيز بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى ~~سنة سبع وستين وخمسمائة. وكان قد توجه إلى الفيوم، فطرد فرسه وراء صيد ~~فتقنطر به فرسه، فأصابته الحمى من ذلك، وحمل إلى القاهرة فتوفي بها في ~~الساعة السابعة من ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين ~~وخمسمائة - رحمه الله تعالى - قال: ولما مات كتب القاضي الفاضل إلى عمه ~~العادل رسالة يعزيه، من جملتها: " فنقول في توديع النعمة بالملك العزيز: لا ~~حول ولا قوة إلا بالله قول الصابرين، ونقول في استقبالها بالملك العادل: ~~الحمد لله رب العالمين قول الشاكرين؛ وقد كان من أمر هذه الحادثة ما قطع كل ~~قلب، وجلب كل كرب، ومثل وقوع هذه الواقعة لكل أحد ولا سيما لأمثال المملوك، ~~ومواعظ الموت بليغة، وأبلغها ما كان في شباب الملوك؛ فرحم الله ذلك الوجه ~~ونضره، ثم السبيل إلى الجنة يسره. وإذا محاسن أوجه بليت ... فعفا الثرى عن ~~وجهه الحسن والمملوك في حال تسطير هذه الخدمة جامع بين مرضي قلب وجسد، ووجع ~~أطراف وعليل كبد؛ فقد فجع المملوك بهذا المولى، والعهد بوالده غير بعيد، ~~والأسى في كل يوم جديد؛ وما كان ليندمل ذلك الفرح، حتى أعقبه هذا الجرح؛ ~~والله تعالى لا يعدم المسلمين بسلطانهم الملك العادل السلوة، كما لم يعدمهم ~~بينهم صلى الله عليه وسلم الأسوة " وأخذ في نعت الملك العادل إلى أن قال - ~~: " ودفن بالقرافة الصغرى يعني العزيز في قبة الإمام الشافعي - رضي الله ~~عنه - . وقبره معروف هناك " انتهى كلام ابن خلكان برمته، ولم يتعرض لشيء من ~~أحواله، ولا إلى ما كان في بداية أمره. وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي في ~~تاريخه: " وفيها يعني سنة خمس وتسعين توفي الملك العزيز عثمان بن صلاح ~~الدين صاحب مصر. كان صلاح الدين يحبه، وكان جوادا شجاعا عادلا منصفا لطيفا ~~كثير الخير رفيقا بالرعية حليما. حكى لي المبارز سنقر الحلبي - رحمه الله - ~~قال: ضاق ما بيده بمصر يعني عن العزيز ms1254 ولم يبق في الخزانة درهم ولا دينار، ~~فجاء رجل من أهل الصعيد إلى أزكش سيف الدين، قال: عندي للسلطان عشرة آلاف ~~دينار ولك ألف دينار، وتوليني قضاء الصعيد؛ فدخل أزكش إلى العزيز فأخبره؛ ~~فقال: والله لا بعت دماء المسلمين وأموالهم بملك الأرض! وكتب ورقة لأزكش ~~بألف دينار. قال: اخرج فاطرد هذا الدبر، ولولاك لأذبته. وقد ذكرنا أنه وهب ~~دمشق للملك، المعظم، وكان يطلق عشرة آلاف دينار وعشرين ألفا. وكان سبب ~~وفاته أنه خرج إلى الفيوم يتصيد، فلاح له ظبي فركض الفرس خلفه فكبا به ~~الفرس، فدخل قربوس السرج، في فؤاده، فحمل إلى القاهرة فمات في العشرين من ~~المحرم، ودفن عند الشافعي - رحمه الله - عن سبع وعشرين سنة وشهور؛ وقيل: عن ~~ثمان وعشرين سنة. ولما مات نص على ولده ناصر الدين محمد، وهو أكبر أولاده، ~~وكان له عشرة أولاد، ولم يذكر عمه العادل في الوصية. وأوصى للأمير أزكش، ~~وكان مقدم الأسدية وكبيرهم، وعاش بعد العزيز مدة طويلة " . انتهى كلام أبي ~~المظفر. وقال ابن القادسي - خلاف ما نقل أبو المظفر وابن خلكان وغيرهما - ~~قال: PageV02P0159 # " كان قد ركب وتبع غزالة فوقع فاندقت عنقه، وبقي أربعة أيام ومات. وبقي ~~على ولده الأكبر محمد إن أمضى العادل ذلك. وكانت الوصية إلى أمير كبير اسمه ~~أزكش فوثبت الأسدية عليه فقتلته " . انتهى. وقال الشيخ شمس الدين يوسف بن ~~قزأوغلي في تاريخه: " ولما مات العزيز كان لابنه محمد عشر سنين، وكان مقدم ~~الصلاحية فخر الدين جهاركس، وأسد الدين سرا سنقر، وزين الدين قراجا؛ ~~فاتفقوا على ناصر الدين محمد يعني ابن العزيز، وحلفوا له الأمراء. وكان سيف ~~الدين أزكش مقدم الأسدية غائبا بأسوان، فقدم فصوب رأيهم وما فعلوه، إلا أنه ~~قال: هو صغير السن لا ينهض بأعباء الملك، ولا بد من تدبير كبير يحسم المواد ~~ويقيم الأمور؛ والعادل مشغول في الشرق بماردين، وما ثم أقرب من الأفضل ~~نجعله أتابك العساكر. فلم يمكن الصلاحية مخالفته. وقالوا: افعل، فكتب ازكش ~~إلى الأفضل يستدعيه وهو بصرخد، وكتبت الصلاحية إلى من بدمشق من ms1255 أصحابهم ~~يقولون: قد اتفقت الأسدية على الأفضل، وإن ملكوا حكموا علينا، فامنعوه من ~~المجيء فركب عسكر دمشق ليمنعوه ففاتهم؛ وكان الأفضل قد التقى نجابا من ~~جهاركس إلى من بدمشق بهذا المعنى، ومعه كتب فأخذها منه وقال: ارجع فرجع إلى ~~مصر. ولما وصل الأفضل إلى مصر التقاه الأسدية - نحكي ذلك كله في أول ترجمة ~~الملك المنصور بن العزيز هذا، إن شاء الله - . وكان الملك العزيز قويا ذا ~~بطش وخفة حركة، كريما محسنا عفيفا لم يرد سائلا؛ وبلغ من كرمه أنه لم يبق ~~له خزانة ولا خاص ولا ترك ولا فرش. وأما عفته فإنه كان له غلام تركي اشتراه ~~بألف دينار يقال له: أبو شامة، فوقف يوما على رأسه في خلوة ليس معهما ثالث، ~~فنظر العزيز إلى جماله، وأمره أن ينزع ثيابه، وقعد العزيز منه مكان ~~الفاحشة؛ فأدركه التوفيق ونهض مسرعا إلى بعض سراريه فقضى وطره، وخرج إلى ~~الغلام وأمره بالخروج عنه. انتهى. ويحكى عن عفته عن الأموال: أن عرب المحلة ~~قتلوا بعض أمرائه، وكان والي المحلة ابن بهرام، فجباهم عشرة آلاف دينار، ~~وجاء بها إلى القاهرة؛ فصادف في الدهليز غلاما خارجا من عند السلطان؛ فقال ~~ابن بهرام: ارجع إلى السلطان واستأذنه لي؛ فقال الغلام: دعني، أنا في أمر ~~مهم للسلطان، قد وهب لشيخ صياد دينارين، وقد سيرني إلى الجهات كلها فلم أجد ~~فيها شيئا، وقد تعذر عليه هذا المبلغ اليسير؛ فقال: ارجع إليه، معي مال ~~عظيم. فلما دخل ابن بهرام إلى العزيز فض المال بين يديه وقال: هذا دية ~~فلان؛ فقال: أخذتها من القاتل؛ قال: لا، بل من القبيلة؛ فقال العزيز: لا ~~أستجيز أخذه، رده على أربابه، فراجعه فاكفهر؛ فخرج ابن بهرام بالمال وهو ~~يقول: ما يرد هذا مع شدة الحاجة إلا مجنون. فرحم الله هذه الشيم. انتهت ~~ترجمة الملك العزيز من عدة أقوال. رحمه الله تعالى وعفا عنه وعن جميع ~~المسلمين والحمد لله رب العالمين. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة العزيز عثمان # بن صلاح الدين يوسف على مصر وهي سنة ms1256 تسع وثمانين وخمسمائة، على أن والده ~~السلطان صلاح الدين يوسف حكم منها المحرم وصفرا. فيها كانت وفاة السلطان ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب حسب ما تقدم ذكره في ترجمته. وفيها توفي الأمير ~~بكتمر بن عبد الله مملوك شاه أرمن. وعز الدين صاحب الموصل كما سيأتي. وفيها ~~بنى الخليفة الناصر لدين الله العباسي دار الكتب بالمدرسة النظامية ببغداد، ~~ونقل إليها عشرة آلاف مجلد، فيها الخطوط المنسوبة وغيرها. وفيها توفي أسعد ~~بن نصر بن أسعد النحوي؛ كان إماما فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره قوله: يجمع ~~المرء ثم يترك ما جم ... ع من كسبه لغير شكور ليس يحظى إلا بذكر جميل ... ~~أو بعلم من بعده مأثور وفيها توفي الأمير بكتمر بن عبد الله مملوك شاه أرمن ~~بن سكمان صاحب خلاط؛ مات شاه أرمن ولم يخلف ولدا، فاتفق خواصه على بكتمر ~~فولي، وضبط الأمور وأحسن للرعية، وصاحب العلماء؛ وكان حسن السيرة متصدقا ~~دينا صالحا؛ جاءه أربعة على زي الصوفية فتقدم إليه واحد منهم فمنعه ~~الجاندارية. فقال: دعوه، فتقدم وبيده قصة فأخذها منه، فضربه بسكين في جوفه ~~فمات في ساعته. فأخذوا الأربعة وقرروا، فقالوا: نحن إسماعيلية؛ فقتلوا ~~وأحرقوا؛ وذلك في جمادى الأولى. PageV02P0160 # وفيها توفي السلطان مسعود بن مودود بن زنكي بن آق سنقر عز الدين صاحب ~~الموصل وابن أخي السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد. كان خفيف العارضين ~~أسمر مليح اللون، عادلا عاقلا محسنا إلى الرعية شجاعا؛ صبر على حصار ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب له بالموصل ثلاث مرات، وحفظ البلد وفرق ~~الأموال العظيمة. وكان دينا صالحا؛ خرج من الموصل لقتال الملك العادل أبى ~~بكر ابن أيوب، وكان العادل على حران بعد موت صلاح الدين. فعاد مريضا ومات ~~في شهر رمضان؛ وكانت أيامه ثلاث عشرة سنة وستة أشهر. وأوصى بالملك من بعده ~~لولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه، وكان أخوه شرف الدين مودود يروم ~~السلطنة، فصرفت عنه لنور الدين هذا فعز ذلك عليه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي الشيخ ms1257 سنان بن سليمان البصري زعيم ~~الإسماعيلية. وأبو منصور عبد الله بن محمد ابن علي بن هبة الله، ابن عبد ~~السلام الكاتب. والقاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحضري ~~بالإسكندرية. وصاحب الموصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي. ~~والمكرم بن هبة الله بن المكرم الصوفي. والسلطان الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب في صفر بقلعة دمشق، وله سبع وخمسون سنة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا ~~وثماني أصابع. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة العزيز عثمان # بن صلاح الدين يوسف على مصر وهي سنة تسعين وخمسمائة. فيها توفي أحمد بن ~~إسماعيل بن يوسف الشيخ الإمام أبو الخير القزويني الشافعي. كان إماما عالما ~~بالتفسير والفقه، وكان متعبدا يختم القرآن في كل يوم وليلة. ومولده بقزوين ~~في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وقدم بغداد ووعظ ومال إلى الأشعري، فوقعت ~~الفتن. وجلس يوم عاشوراء في النظامية فقيل له: العن يزيد بن معاوية؛ فقال: ~~ذاك إمام مجتهد، فجاءه الرجم حتى كاد يقتل، وسقط عن المنبر فأدخل إلى بيت ~~في النظامية، وأخذت فتاوى الفقهاء بتعزيره؛ فقال بعضهم يضرب عشرين سوطا: ~~قيل له: من أين لك هذا. فقال: عن عمر بن عبد العزيز، سمع قائلا يقول: أمير ~~المؤمنين يزيد بن معاوية، فضربه عشرين سوطا. ثم خلص القزويني بعد ذلك وأخرج ~~من بغداد إلى قزوين. وفيها توفي السلطان طغرلبك شاه بن أرسلان شاه بن طغرل ~~شاه بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق السلجوقي ~~آخر ملوك السلجوقية بالعراق سوى صاحب الروم. وكان مبدأ أمره - عند وفاة ~~والده - سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وكان صغير السن فكفله البهلوان إلى أن ~~مات في سنة اثنتين وثمانين، فكفله بعده أخوه البهلوان لأبيه حتى أنف من ~~الحجر وخرج عن يده، وانضاف إليه جماعة من الأمراء، وكسر عسكر الخليفة وأسر ~~ابن يونس وهابته الملوك. وكان طغرلبك هذا سفاكا للدماء، قتل وزيره رضي ~~الدين الغزنوي، ms1258 وفخر الدين العلوي رئيس همذان. ثم وقع له أمور ومحن وأخذ ~~وحبس. وقد تقدم أن طغرلبك هذا آخر ملوك السلجوقية، وعدتهم نيف وعشرون ملكا، ~~ومدة ملكهم مائة وستون سنة. وأول من ملك منهم طغرلبك في سنة اثنتين وثلاثين ~~وأربعمائة؛ ثم ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقماق، وهو ابن ~~أخي طغرلبك؛ ثم بعده ولده ملكشاه؛ ثم ولده محمود؛ ثم أخوه بركياروق؛ ثم ~~أخوه محمد شاه؛ ثم ولده محمود؛ ثم واحد بعد واحد. حسب ما ذكرناهم في هذا ~~الكتاب كل واحد في محله. وطغريلبك " بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة ~~وكسر الراء المهملة وبعدها ياء ولام ساكنتان " . وهو اسم باللغة التركية ~~لطائر معروف عندهم. وبك: هو الأمير، واضح لا يحتاج إلى تفسير. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: فيها توفي العلامة رضي الدين أبو الخير ~~أحمد بن إسماعيل الطالقاني القزويني الشافعي الواعظ في المحرم، وله ثمان ~~وثمانون سنة. وطغرلبك شاه السلطان ابن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه ~~السلجوقي؛ قتله في المصاف خوارزم شاه تكش. وأبو المظفر عبد الخالق بن فيروز ~~الجوهري. والإمام أبو محمد القاسم بن فيره الرعيني الشاطبي المقرئ في جمادى ~~الآخرة، وله اثنتان وخمسون سنة. والحافظ محمد بن إبراهيم بن خلف المالقي ~~أبو عبد الله بن الفخار بمراكش. والفخر محمد بن علي بن شعيب بن الدهان ~~الأديب المؤرخ فجأة بالجلة. PageV02P0161 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ~~ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. ؟ ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة العزيز عثمان # بن صلاح الدين يوسف على مصر وهي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. فيها أقطع ~~الملك العزيز فارس الدين ميمون القصري نابلس في سبعمائة فارس من مقاتلة ~~الفرنج. وفيها كانت وقعة الزلاقة بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين ~~ألفنش الفرنجي ملك طليطلة، وكان قد استولى على جزيرة الأندلس وقهر ولاتها، ~~ويعقوب المذكور مشغول بقتال الخارجين عليه، وبينه وبين الأندلس زقاق سبتة، ~~وعرضه ثلاث فراسخ، فجمع يعقوب ms1259 العساكر وعرض جنده، وكانوا مائتي ألف مقاتل: ~~مائة ألف يأكلون الأرزاق، ومائة ألف مطوعة، وعبر الزقاق إلى مكان يقال له ~~الزلاقة؛ والتقوا فجرى بينهم قتال لم يجر في جاهلية ولا إسلام حتى أنزل ~~الله نصره على المسلمين. فولى ألفنش هاربا في نفر يسير إلى طليطلة، وغنم ~~المسلمون ما كان في عسكره. وكان عدة من قتل من الفرنج مائة ألف وستة ~~وأربعين ألفا، وعدة الأسارى ثلاثين ألفا؛ ومن الخيام: مائة ألف خيمة وخمسين ~~ألفا؛ ومن الخيل ثمانين ألفا؛ ومن البغال والأموال والجواهر والثياب ما لا ~~يحد ولا يحصى. ويبع الأسير من الفرنج بدرهم؛ والسيف بنصف درهم، والحصان ~~بخمسة دراهم، والحمار بدرهم. وقسم الملك يعقوب هذه الغنائم بين المسلمين ~~على مقتضى الشريعة، فاستغنوا إلى الأبد. ووصل ألفنش إلى طليطلة على أقبح ~~وجه، فحلق رأسه ولحيته، ونكس صليبه وآلى أنه لا ينام على فراش ولا يقرب ~~النساء ولا يركب فرسا حتى يأخذ بالثأر. وفيها اعتنى الخليفة الناصر لدين ~~الله العباسي بحمام البطاقة اعتناء زائدا، حتى صار يكتب بأنساب الطير ~~المحاضر أنه من ولد الطير الفلاني؛ وقيل: إنه باع طيرا بألف دينار. وفيها ~~حج بالناس من بغداد سنجر الناصري، ومن الشام سرا سنقر وأيبك فطيس ~~الصلاحيان، ومن مصر الشريف إسماعيل بن ثعلب الجعفري الطالبي. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال. وفيها توفي أبو القاسم ذاكر بن كامل ~~الخفاف. والفقيه أبو محمد عبد الله الزاهد ابن محمد بن علي الأندلسي في ~~المحرم عن بضع وثمانين سنة. وأبو الحسن نجبة بن يحيى ابن خلف بن نجبة ~~الإشبيلي المقرئ النحوي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع ~~وإصبعان. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ؟السنة الرابعة من سلطنة ~~العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف على مصر وهي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. ~~فيها بعد خروج الحاج من مكة هبت ريح سوداء عمت الدنيا، ووقع على الناس رمل ~~أحمر، ووقع من الركن اليماني قطعة، وتحرك البيت الحرام مرارا. وهذا شيء لم ~~يعهد منذ بناه ms1260 عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - . وفيها أيضا كانت ~~الوقعة الثانية بين السلطان يعقوب وبين ألفنش ملك الفرنج بعد أن حشد ألفنش ~~جمعا كبيرا والتقوا، فكان بينهم قتلة عظيمة؛ ونصر الله المسلمين. وهزمه ~~يعقوب وتبعه وحصره على الزلاقة وبطليطلة ونصب عليها المجانيق وضيق عليها، ~~ولم يبق إلا أخذها. فخرجت إليه والدة ألفنش وبناته ونساؤه وبكين بين يديه، ~~وسألنه إبقاء البلد عليهن، فرق لهن ومن عليهن بها، ولو فتح طليطلة لفتح إلى ~~مدينة النحاس. ثم عاد يعقوب إلى قرطبة فأقام بها شهرا يقسم الغنائم، وجاءته ~~رسل ألفنش أيضا تسأل الصلح، فصالحه على مدة معينة. وفيها توفي محمد بن علي ~~بن أحمد، الوزير أبو الفضل مؤيد الدين بن القضاب. أصله من شيراز، وقدم ~~بغداد واستخدم في الديوان، ثم ترقى إلى أن ولي الوزارة وقرأ الأدب والنحو. ~~وكان داهية رديء الاعتقاد إلا أنه كان له خبرة بالأمور والحروب وفتح ~~البلاد؛ وكان الخليفة الناصر لدين الله يثني عليه ويقول: لو قبلوا من رأيه ~~ما جرى ما جرى، ولقد أتعب الوزراء من بعده. وفيها توفي محمد بن علي بن ~~شعيب، الشيخ أبو شجاع الفرضي الحاسب البغدادي المعروف بابن الذهان. كان ~~فاضلا عالما وصنف تاريخا من عشر وخمسمائة إلى اثنتين وتسعين وخمسمائة. ~~وفيها توفي محمد بن علي بن فارس الشيخ أبو الغنائم " المعروف ب " ابن ~~المعلم الهرثي الشاعر المشهور. وهرث: قرية تحت واسط. كان رقيق الشعر، لطيف ~~المعاني، وله ديوان شعر. ومن شعره القصيدة التي أولها: PageV02P0162 # لو قضى من أهل نجد أربه ... لم يهج نشر الخزامى طربه عللوا الصب بأنفاس ~~الصبا ... إنها تشفي النفوس الوصبه فهي إن مرت عليه نشرت ... ما انطوى عنه ~~وجلت كربه كلفي فيكم قديم عهده ... ما صباباتي بكم مكتسبه أين ورق الجزع من ~~لي أن أرى ... عجمه إن لم أشاهد عربه ومنها: عن جفوني النوم من بعده ... ~~وإلى جسمي الضنا من قربه وصلوا الطيف إذا لم تصلوا ... مستهاما قد قطعتم ~~سببه وإلى أن تحسنوا صنعا بنا ... قد أساء الحب فينا أدبه ms1261 وهي أطول من هذا. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي المحدث أبو الرضا ~~أحمد بن طارق الكركي في ذي الحجة ببغداد. وعبد الخالق بن عبد الوهاب بن ~~محمد المالكي الصابوني الخفاف. وأبو الغنائم محمد بن علي بن فارس " المعروف ~~ب " ابن المعلم الواسطي شاعر العراق عن إحدى وتسعين سنة. والوزير مؤيد ~~الدين محمد بن علي بن القضاب. والعلامة مجير الدين محمود بن المبارك ~~البغدادي الشافعي عن خمس وسبعين سنة. ويوسف بن معالي الكتاني المقرئ بدمشق. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وست وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. السنة الخامسة من سلطنة العزيز ~~عثمان بن صلاح الدين يوسف على مصر وهي سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. فيها قدم ~~حسام الدين أبو الهيجاء السمين بغداد وخرج الموكب للقائه، ودخل أبو الهيجاء ~~في زي عظيم ورتب الأطلاب على ترتيب أهل الشام، وكان في خدمته عدة من ~~الأمراء؛ وأول ما تقدم من الأمراء طلب ابن أخيه المعروف بكور الغرس ثم أمير ~~أمير؛ وجاء هو بعد الكل في العدة الكاملة والسلاح التام، وخرج أيضا أهل ~~بغداد للقائه، وكان رأسه صغيرا وبطنه كبيرا جدا، بحيث كان بطنه على رقبة ~~البغلة؛ فرآه رجل كواز فعمل في الساعة كوزا من طين على هيئته، وسبقه فعلقه ~~في السوق؛ فلما اجتاز به ضحك. ثم عمل بعد ذلك أهل بغداد كيزانا سموها: أبا ~~الهيجاء. وأكرمه الخليفة وأقام له بالضيافات. قلت: أبو الهيجاء هذا هو الذي ~~عزله الملك العزيز هذا عن نيابة القدس بجرديك في أوائل أمره. حسب ما تقدم ~~ذكره في ترجمة العزيز. وفيها توفي الأمير طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح ~~الدين بن أيوب، ولقبه سيف الإسلام. كان والي اليمن، ملكها من زبيد إلى ~~حضرموت؛ وكان شجاعا مقداما شهما. وتوفي بزبيد. وولي اليمن بعده ولده شمس ~~الملوك إسماعيل وادعى الخلافة. وفيها توفي عبد الله بن منصور بن عمران ~~الشيخ أبو بكر الباقلاني. ومولده في سنة خمسمائة. وانفرد بالرواية في ms1262 ~~القراءات العشر، وكان حسن التلاوة. وقدم بغداد ومات بواسط في سلخ شهر ربيع ~~الآخر. وفيها توفي عبيد الله بن يونس بن أحمد الوزير جلال الدين أبو المظفر ~~الحنبلي، ولي حجابة الديوان ثم استوزره الخليفة؛ وكان إماما عالما في ~~الأصلين أخرب بيت الشيخ عبد القادر الجيلاني وشتت أولاده، ويقال: إنه بعث ~~في الليل من نبش على الشيخ عبد القادر ورمى بعظامه في اللجة، وقال: هذا وقف ~~ما يحل أن يدفن فيه أحد. PageV02P0163 # قلت: وما فعله هو بعظام الشيخ أقبح من أن يدفن بعض المسلمين في بعض أوقاف ~~المسلمين، وما ذاك إلا الحسد داخله من الشيخ عبد القادر وعظم شهرته حتى وقع ~~منه ما وقع؛ ولهذا كان موته على أقبح وجه، بعد أن قاسى خطوبا ومحنا وحبس ~~سنين، حتى أخرج من الحبس ميتا؛ وهذا ما وقع له في الدنيا، وأما الأخرى ~~فأمره إلى الله تعالى. وبالجملة فإنه كان من مساوئ الدهر. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي سيف الإسلام طغتكين بن أيوب بن شادي ~~صاحب اليمن في شوال، وولى بعده ابنه إسماعيل. ومقرئ العراق أبو عبد الله بن ~~منصور الربعي الباقلاني بواسط في شهر ربيع الأول عن ثلاث وتسعين سنة. ~~والوزير جلال الدين عبيد الله بن يونس، مات في المطمورة. وعذراء بنت ~~شاهنشاه بن أيوب ودفنت بالعذراوية. وقاضي القضاة أبو طالب علي بن علي بن ~~أبي البركات البخاري الشافعي ببغداد. وأبو المعمر محمد بن حيمرة بن عمر بن ~~إبراهيم العلوي الزيدي الرافضي. وأبو الفتح الأصبهاني ناصر الدين بن محمد ~~الوترح في ذي الحجة. وأبو القاسم يحيى بن أسعد بن بوش الخباز في ذي القعدة، ~~غص بلقمة، وعاش بضعا وثمانين سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمس أذرع وخمس وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة العزيز عثمان # بن صلاح الدين يوسف على مصر وهي سنة أربع وتسعين وخمسمائة. فيها توفي ~~الأمير جرديك بن عبد الله النوري. كان من ms1263 أكابر أمراء الملك العادل نور ~~الدين محمود الشهيد؛ ثم خدم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في جميع ~~غزواته وحروبه من يوم قتل شاور بمصر وابن الخشاب بحلب. وكان أميرا شجاعا ~~مهيبا جوادا؛ ولاه صلاح الدين نيابة القدس إلى أن أخذها منه الأفضل. وفيها ~~توفي زنكي بن مودود بن زنكي بن آق سنقر عماد الدين صاحب سنجار، وابن أخي ~~نور الدين الشهيد. كان عاقلا جوادا لم يزل مع السلطان صلاح الدين؛ وكان ~~السلطان صلاح الدين يحترمه مثل ما كان يحترم نور الدين، ويعطيه الأموال ~~والهدايا، وكانت وفاته بسنجار. ولما احتضر أوصى إلى أكبر أولاده قطب الدين ~~محمد، ولقب بالملك المنصور. وفيها توفي قيماز بن عبد الله مجاهد الدين ~~الخادم الرومي الحاكم على الموصل، وهو الذي بنى الجامع المجاهدي والمدرسة ~~والرباط والبيمارستان بظاهر الموصل على دجلة ووقف عليها الأوقاف. وكان عليه ~~رواتب بحيث إنه لم يدع بالموصل بيت، فقير إلا أغنى أهله؛ وكان دينا صالحا ~~عابدا عادلا كريما، يتصدق كل يوم خارجا عن الرواتب بمائة دينار. ولما مات ~~عز الدين مسعود وولي ابنه أرسلان شاه حبس قيماز هذا وضيق عليه وآذاه إلى أن ~~مات في حبسه. وفيها توفي يحيى بن سعيد بن هبة الله العلامة أبو طالب قوام ~~الدين الشيباني المنشئ الكاتب الواسطي الأصل، البغدادي المولد والدار ~~والوفاة. مولده في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وشتغل بالأدب وبرع في ~~الإنشاء وفنون من العلوم كالفقه وعلم الكلام والأصول والحساب والشعر، وجالس ~~أبا منصور بن الجواليقي وقرأ عليه، وسمع أبا القاسم بن الصائغ وغيره؛ وولي ~~للخليفة عدة خدم: حجبة الباب، ثم الأستادارية، ثم كتابة الإنشاء آخر عمره ~~ومات في ذي الحجة. ومن شعره - وأحسن فيما قال - : باضطراب الزمان ترتفع ~~الأن ... ذال فيه حتى يعم البلاء وكذا الماء ساكنا فإذا ... حرك ثارت من ~~قعره الأقذاء قلت: وفي هذين البيتين شرح حال زماننا هذا لكثرة من ترقى فيه ~~من الأوباش إلى الرتب السنية كل طائفة؛ وقد أذكرني ذلك واقعة جرت في أول ~~سلطنة الملك الأشرف إينال، ms1264 وهي أن بعض أوباش الخاصكية ممن ليس له ذات ولا ~~أدوات وقف إلى السلطان وطلب منه إمرة عشرة، وقال له: يا مولانا السلطان، ~~إما أن تنعم علي بإمرة عشرة وإلا وسطني هنا؛ وقيل: إنه تمدد ونام بين يديه ~~حتى أخذ إمرة عشرة؛ وهو معروف لا يحتاج إلى تسميته. ومن هذه المقولة شيء ~~كثير، ومع ذلك خرج الزمان وللدولة أعيان، فلا قوة إلا بالله. PageV02P0164 # وفيها توفي أبو الهيجاء السمين الأمير حسام الدين الكردي المقدم ذكره في ~~عدة أماكن، وذكرنا أيضا دخوله إلى بغداد، وأنه صار من جملة أمراء الخليفة ~~حتى سيره إلى همذان، فلم يتم له أمر، واختلف أصحابه عليه فاستحيا أن يعود ~~إلى بغداد، فسار إلى الشام ومرض بها ومات بعد أيام. وكان أميرا شجاعا ~~مقداما عارفا متجملا سيوسا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبعان. ### | AUT سلطنة الملك المنصور محمد على مصر # اختلف المؤرخون فيمن ولي ملك مصر بعد موت الملك العزيز عثمان ابن ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. فمن الناس من قال: أخوه الأفضل نور الدين ~~علي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ ومنهم من قال: ولده الملك المنصور محمد ~~هذا. والصواب المقالة الثانية، فإنه كان ولاه والده العزيز من بعده، وإليه ~~أوصى العزيز بالملك؛ وأيضا مما يقوي المقالة الثانية أن المنصور كان تحت ~~كنف والده العزيز بمصر، وكان الأفضل بصرخد، ولم يحضر إلى مصر، حتى تم أمر ~~المنصور وتسلطن بعد موت أبيه. وبيان ذلك أيضا يأتي فيما نذكره الآن في سياق ~~ترجمة الملك المنصور، فيعرف بهذا السياق من كان في هذه المدة السلطان بمصر ~~إلى حين ملك الملك العادل أبو بكر بن أيوب؛ فنقول: لما مات الملك العزيز ~~عثمان بديار مصر في العشرين من المحرم أوصى بالملك لأكبر أولاده وهو ناصر ~~الدين محمد المذكور، ونص عليه في الوصية؛ وكان للعزيز عشرة أولاد، ولم يذكر ~~في الوصية عمه العادل؛ وجعل وصيه الأمير أزكش مقدم الأسدية. قال ms1265 أبو المظفر ~~سبط ابن الجوزي في تاريخه: " كان لابنه محمد عشر سنين وكان مقدم الصلاحية ~~فخر الدين جهاركس، وأسد الدين سرا سنقر، وزين الدين قراجا؛ فاتفقوا على ~~ناصر الدين محمد وحلفوا له الأمراء؛ وكان سيف الدين أزكش مقدم الأسدية ~~غائبا بأسوان، فقدم وصوب رأيهم وما فعلوه، إلا أنه قال: هو صغير السن لا ~~ينهض بأعباء الملك، ولا بد من تدبير كبير يحسم المواد ويقيم الأمور، ~~والعادل مشغول في الشرق بماردين، وما ثم أقرب من الأفضل نجعله أتابك ~~العساكر، فلم يمكن الصلاحية مخالفة الأسدية وقالوا: افعلوا ففعلوا. فكتب ~~أزكش إلى الأفضل يستدعيه وهو بصرخد. وكتبت الصلاحية إلى من بدمشق من ~~أصحابهم يقولون: قد اتفقت الأسدية على الأفضل، وإن ملك الأفضل الديار ~~المصرية حكموا علينا، فامنعوا الأفضل من المجيء، فركب عسكر دمشق ليمنعوه ~~ففاتهم؛ وكان الأفضل قد التقى النجاب المتوجه إلى دمشق ثانيا من قبل ~~الصلاحية، وعلى يده الكتب التي تتضمن ما ذكرناه من منع الأفضل من المجيء ~~إلى الديار المصرية، فأخذ الأفضل النجاب وعاد به إلى مصر، ولما وصل الأفضل ~~إلى مصر التقاه الأسدية والصلاحية، ورأى جهاركس النخاب الذي أرسله، فقال ~~له: ما أسرع ما عدت! فأخبره الخبر، فساق هو وقراجا بمن معهما من وقتهما إلى ~~القدس وتحضنا به. فلما وقع ذلك أشارت الأسدية على الأفضل بقصد دمشق، وأن ~~العادل مشغول بماردين. فكتب الأفضل إلى أخيه الملك الظاهر غازي صاحب حلب ~~يستنجده، فأجابه وقال: اقدم حتى أساعدك. فسار الأفضل بالعساكر المصرية إلى ~~الشام واستناب بمصر سيف الدين أزكش، ووصل الأفضل إلى دمشق في شعبان من ~~السنة فأحدق بها. وبلغ هذا الخير الملك العادل وهو على ماردين، وقد أقام ~~عليها عشرة أشهر، ولم يبق إلا تسليمها وصعدت أعلامه على القلعة؛ فلما سمعوا ~~بوفاة العزيز توقفوا عن تسليمها؛ فرحل الملك العادل أبو بكر عنها، وترك على ~~حصارها ولده الكامل محمدا الآتي ذكره في سلاطين مصر - إن شاء الله تعالى - ~~وسار العادل إلى نحو الشام فوصلها ومعه جماعة من الأمراء؛ وكان الأفضل ~~نازلا في ms1266 الميدان الأخضر فأشار عليه جماعة من الأمراء أن يتأخر إلى مشهد ~~القدم حتى يصل الظاهر وصاحب حمص والأمراء. PageV02P0165 # ودخل العادل ومن معه إلى دمشق، وجاء الظاهر بعسكر حلب، وجاء عسكر حماة ~~وحمص، وبشارة من بانياس، وعسكر الحصون، وسعد الدين مسعود صاحب صفد، وضايقوا ~~دمشق وبها العادل، وكسروا باب السلامة؛ وجاء آخرون إلى باب الفراديس، وكان ~~العادل في القلعة وقد استأمن إليه جماعة من المصريين مثل ابن كهدان ومثقال ~~الخادم وغيرهما. فلما بلغه أن ابن الحنبلي وأخاه شهاب الدين وأصحابهما قد ~~كسروا باب الفراديس ركب من وقته وخرج إليهم وجاء إلى جيرون والمجد أخو ~~الفقيه عيسى قائم على فرسه يشرب الفقاع، ثم صاح العادل: يا فعلة يا صنعة ~~إلى ها هنا! فلما سمعوا كلامه انهزموا وخرجوا؛ فأغلق العادل باب السلامة، ~~وجاء إلى باب الفراديس فوجدهم قد كسروا الأقفال بالمرزبات؛ فقال: من فعل ~~هذا. قالوا: الحنابلة؛ فسكت ولم يقل شيئا. وقال أبو المظفر: وحكى لي المعظم ~~عيسى - رحمه الله - قال: لما رجعنا من باب الفراديس ووصلنا إلى باب مدرسة ~~الحنابلة رمي على رأس أبي يعني العادل حب الزيت فأخطأه فوقع في رقبة الفرس ~~فوقع ميتا، فنزل أبي وركب غيره ولم ينطق بكلمة، وجاء جهاركس وقراجا في ~~الفيل من جبل سنير فدخلا دمشق. وأما المواصلة فساقوا على الكامل محمد ~~فرحلوه عن ماردين، فجاء أيضا يقصد دمشق، وجمع التركمان وغيرهم. وأما أمر ~~دمشق فإنه لما اشتد الحصار عليها، وقطعوا أشجارها ومياهها الداخلة إليها، ~~انقطعت عن أهلها الميرة وضجوا، فبعث العادل إلى ابن أخيه الظاهر غازي صاحب ~~حلب يقول له: أنا أسلم إليك دمشق على أن تكون أنت السلطان، وتكون دمشق لك ~~لا للأفضل. فطمع الظاهر وأرسل إلى الأفضل يقول: أنت صاحب مصر فآثرني بدمشق، ~~فقال الأفضل: دمشق لي من أبي، وإنما أخذت مني غصبا، فلا أعطيها لأحد؛ فوقع ~~الخلف بينهما ووقع التباعد، وخرجت السنة على هذا. ثم دخلت السنة السادسة ~~والتسعون، والحصار على دمشق. وكان أتابك أرسلان شاه صاحب الموصل قد دخل ~~الكامل من ms1267 ماردين كما تقدم ذكره. فقدم الكامل دمشق ومعه خلق كثير من ~~التركمان وعسكر حران والرها، فتأخر الأفضل بالعساكر إلى عقبة الشحورة في ~~سابع عشر صفر. ووصل الكامل في تاسع عشره فنزل بجوسق أبيه على الشرف، ثم رحل ~~الأفضل إلى مرج الصفر، ورحل الظاهر إلى حلب، وأحرقوا ما عجزوا عن حمله. ~~وسار الأفضل إلى مصر. وأحضر العادل بني الحنبلي: الناصح وأخاه شهاب الدين ~~وغيرهما، وكان الأفضل قد وعد الناصح بقضاء دمشق، والشهاب بالحسبة، فقال لهم ~~العادل: ما الذي دعاكم إلى كسر باب الفراديس، ومظاهرة أعدائي علي، وسفك ~~دمي؟ فقال له الناصح: أخطأنا ثم إلا عفو السلطان. - ثم ساق أبو المظفر ~~كلاما طويلا محصوله العفو عن الحنابلة، إلى أن قال - : وأما الأفضل فإنه ~~سار إلى مصر، فأرسل العادل وراءه أبا محمد نجيب الدين إليه بالزبداني يقول ~~له: ترفق، فأنا لك مثل الوالد، وعندي كل ما تريد. فقال الأفضل: قل له: إن ~~صحت مقاتلك فأبعد عنك أعدائي الصلاحية. وبلغ ذلك الصلاحية، فقالوا للعادل: ~~إيش قعودنا هنا؟. قم بنا، وساروا خلف الأفضل مرحلة مرحلة؛ فنزل الأفضل ~~بلبيس ونزل العادل السائح؛ فرجع الأفضل وضرب معهم المصاف، وتقاتلوا فانكسر ~~الأفضل وتفرق عنه أصحابه؛ ورحل إلى القاهرة وأغلق أبوابها. وجاء العادل ~~فنزل البركة، ودخل سيف الدين أزكش بين العادل والأفضل، واتفقوا أن يعطيه ~~العادل ميافارقين وجبل جور وديار بكر، ويأخذ منه مصر؛ فاتفق الأمر على ذلك. ~~ورحل الأفضل من مصر في شهر ربيع الآخر، ودخل العادل إلى القاهرة، وأحسن إلى ~~أزكش، وقال للأفضل: جميع من كان معك كاتبني إلا سيف الدين أركش. ثم قدم ~~العادل أزكش المذكور وحكمه في البلاد، ورد القضاء إلى صدر الدين عبد الملك ~~بن درباس الكردي، وولى شيخ الشيوخ ابن حمويه التدريس بالشافعي ومشهد الحسين ~~والنظر في خانقاه الصوفية، وجلس الوزير صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر ~~في دار السلطنة في حجرة القاضي الفاضل، ونظر في الدواوين. وسار الأفضل إلى ~~ميافارقين. واستدعى العادل ولده الكامل إلى مصر فخرج من دمشق في ms1268 ثالث عشرين ~~شعبان وودعه أخوه الملك المعظم عيسى إلى رأس الماء. قال العماد الكاتب: ~~وسرت معه إلى مصر وأنشدته: دعتك مصر إلى سلطانها فأجب ... دعاءها فهو حق ~~غير مكذوب PageV02P0166 # قد كان يهضمني دهري ... فأدركني محمد بن أبي بكر بن أيوب ووصل الكامل إلى ~~مصر في عاشر شهر رمضان، والتقاه أبوه العادل من العباسة، وأنزله في دار ~~الوزارة. وكان قد زوجه بنت أخيه صلاح الدين فدخل بها. ولم يقطع العادل ~~الخطبة لولد العزيز. قلت: وهذا مما يدل أيضا على أن الأفضل كان عند الملك ~~المنصور محمد بن العزيز عثمان بمنزلة الأتابك. والظاهر أنه كان ظن الأفضل ~~إذا تم أمره مع عمه العادل هذا استقل بالملك، فلم يقع له ذلك؛ ولهذا لم ~~نذكره في ملوك مصر، وما ذكرناه هنا إلا في ضمن ترجمة المنصور صاحب الترجمة. ~~قال: ثم إنه جمع الفقهاء يعني الملك العادل وقال لهم: هل يجوز ولاية الصغير ~~على الكبير؛ فقالوا: الصغير مولى عليه. قال: فهل يجوز للكبير أن ينوب عن ~~الصغير؛ قالوا: لا، لأن الولاية من الأصل إذا كانت غير صحيحة فكيف تصح ~~النيابة! فعند ذلك قطع خطبة ابن العزيز يعني عن المنصور صاحب الترجمة وخطب ~~لنفسه ولولده الكامل من بعده. ونقص النيل في هذه السنة ولم يبلغ ثلاث عشرة ~~ذراعا. ووقع الغلاء بديار مصر " . قلت: وعلى هذا يكون أول سلطنة العادل على ~~مصر في يوم خطب له بمصر؛ وهو يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ست ~~وتسعين وخمسمائة. قال ابن المستوفي في تاريخ إربل: فتكون أول سلطنة الملك ~~العادل من هذا اليوم، ولا عبرة باستيلائه على مصر قبل ذلك. وعلى هذا أيضا ~~تكون مدة الملك المنصور محمد صاحب الترجمة على سلطنة مصر سنة واحدة وتسعة ~~أشهر سواء، فإن والده العزيز عثمان مات في عشرين المحرم من سنة خمس وتسعين ~~وخمسمائة فتسلطن من يوم موت أبيه، وخلع في العشرين من شوال سنة ست وتسعين ~~وخمسمائة. انتهى. ولم أقف على وفاته الآن. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك المنصور ms1269 # محمد ابن الملك العزيز عثمان بن الملك الناصر يوسف على مصر وهي سنة خمس ~~وتسعين وخمسمائة؛ على أن الملك العزيز والده حكم منها نحو العشرين يوما من ~~المحرم كما تقدم ذكره. فيها حج بالناس من بغداد مظفر الدين وجه السبع. ~~وفيها كانت وفاة الملك العزيز عثمان حسب ما تقدم ذكره في ترجمته. وفيها ~~توفي يحيى بن علي بن الفضل أبو القاسم بن فضلان مدرس النظامية؛ كان فقيها ~~بارعا؛ قم بغداد وناظر وأفتى ودرس، وكان مقطوع اليد؛ وقع من الجمل فعملت ~~عليه يده فخيف عليه فقطعت. وكانت وفاته في شعبان. ومن شعره: - رحمه الله ~~تعالى - : وإذا أردت منازل الأشراف ... فعليك بالإسعاف والإنصاف وإذا بغى ~~باغ عليك فخله ... والدهر فهو له مكاف كاف وفيها توفي يعقوب بن يوسف بن عبد ~~المؤمن الملك المنصور أبو يوسف صاحب المغرب. كان ملكا مغازيا مجاهدا، وهو ~~الذي كسر ألفنش ملك الفرنج المقدم ذكره على الزلاقة، وهو أعظم ملوك المغرب ~~وأحسنهم سيرة لما كان جمع من المحاسن: الدين والصلاح والشجاعة والكرم ~~والحزم والعزم، ودام في ملكه إلى أن مات في شهر ربيع الأول بعد أن أوصى ~~بالملك إلى ولده أبي عبد الله محمد. وكانت مدة أيامه خمس عشرة سنة. وفيه ~~يقول شاعره أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن عبد الرحمن بن مجير الأندلسي ~~المرسي قصيدته المطولة، وعدة أبياتها مائة وسبعة أبيات. أولها: أتراه يترك ~~الغزلا ... وعليه شب واكتهلا ومدحه أيضا إبراهيم بن يعقوب الشاعر المشهور ~~بقصيدة طنانة أولها: أزال حجابه عني وعيني ... تراه من المهابة في حجاب ~~وقربني تفضله ولكن ... بعدت مهابة عند اقترابي الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال: وفيها توفي الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب ~~صاحب مصر في المحرم، وله ثمان وعشرون سنة. والحفيد ابن رشد العلامة أبو ~~الوليد محمد بن أحمد بن أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المتكلم. ~~وأبو جعفر محمد بن إسماعيل الطرسوسي بأصبهان في جمادى الآخرة. وأبو الحسن ~~مسعود بن أبي مسعود ms1270 الأصبهاني الخياط الجمال في شوال. وأبو الفضل منصور بن ~~أبي الحسن الطبري الصوفي الواعظ. والعلامة جمال الدين يحيى بن علي بن فضلان ~~البغدادي الشافعي في شعبان. وصاحب المغرب المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف ~~بن عبد المؤمن القيسي. أمر النيل في هذه السنة: PageV02P0167 # الماء القديم ثلاث أذرع وأربع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك المنصور # محمد ابن الملك العزيز عثمان على مصر على أنه حكم في آخرها من شهر رمضان ~~إلى آخر السنة عم أبيه الملك العادل أبو بكر بن أيوب؛ وهي سنة ست وتسعين ~~وخمسمائة. فيها توفي تكش بن أرسلان شاه بن اتسز الملك علاء الدين خوارزم ~~شاه؛ هو من ولد طاهر بن الحسين. كان شجاعا مقداما جودا؛ ملك الدنيا من ~~الضين والهند وما وراء النهر إلى خراسان إلى باب بغداد، وكان نوابه في ~~حلوان، وكان في ديوانه مائة ألف مقاتل، وهو الذي أزال دولة بني سلجوق؛ وكان ~~عارفا بعلم الموسيقى؛ ولم يكن في زمانه أعرف منه بضرب العود، وكان يباشر ~~الحروب بنفسه حتى ذهبت إحدى عينيه في الحرب؛ وكان قد عزم على أخذ بغداد ~~وسار إليها؛ فلما وصل إلى دهستان توفي بها في شهر رمضان. ووقع له في مسيره ~~إلى أخذ بغداد في هذه المرة طريفة: وهو أن الباطنية جهزوا إليه رجلا ~~ليقتله، وكان قوي الاحتراس، فجلس تلك الليلة يلعب بالعود، وقد شرع الخيمة ~~وغنى بيتا بالعجمية، وفيه " ببيتم " ومعناه بالعجمي: أبصرتك؛ وكرر هذه ~~اللفظة؛ فلما سمع الباطني ذلك خاف وظن أنه رآه فهرب، فأخذ وحمل إليه فعزره ~~وأمر بقتله. فكان ذلك من الطرائف. وفيها توفي إمام عصره ووحيد دهره، القاضي ~~الفاضل عبد الرحيم ابن القاضي الأشرف أبي المجد علي ابن القاضي السعيد أبي ~~محمد محمد بن الحسن بن الحسين بن أحمد ابن المفرج بن أحمد اللخمي العسقلاني ~~المولد، المصري الدار، المعروف بالقاضي الفاضل الملقب محيي الدين؛ وزير ~~السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. قال ابن ms1271 خلكان - رحمه الله ~~- : تمكن منه غاية التمكن يعني من صلاح الدين وبرز في صناعة الإنشاء وفاق ~~المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار. أخبرني أحد الفضلاء الثقات ~~المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في ~~الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد في أكثرها. قال العماد ~~الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة في حقه: " رب القلم والبيان، واللسن ~~واللسان؛ والقريحة الوقادة، والبصيرة النقادة؛ والبديهة المعجزة، والبديعة ~~المطرزة، والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في زمانه لتعلق في ~~غباره، أو جرى في مضماره؛ فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت ~~بها الصنائع؛ يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع ~~الأزهار؛ وهو ضابط الملك بآرائه، ورابط السلك بآلائه؛ إن شاء أنشأ في اليوم ~~الواحد بل في الساعة، ما لو دون لكان لأهل الصناعة، خير بضاعة " انتهى كلام ~~العماد باختصار. وقال غيره: وكان مع فضله كثير العبادة تاليا للقرآن العزيز ~~دينا خيرا، وكان السلطان صلاح الدين يقول: لا تظنوا أني ملكت البلاد ~~بسيوفكم، بل بقلم الفاضل. وكان بين الفاضل وبين الملك العادل أبي بكر بن ~~أيوب وحشة، فلما بلغ الفاضل مجيء العادل إلى مصر دعا الله على نفسه بالموت، ~~فمات قبل دخوله. وقيل: إن العادل كان داخلا من باب النصر، وجنازة الفاضل ~~خارجة من باب زويلة. انتهى. قلت: وفضل الفاضل وبلاغته وفصاحته أشهر من أن ~~يذكر. ومن شعره: قوله: وإذا السعادة أحرستك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن ~~أمان واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان وقد ~~استشهد علماء البديع بكثير من شعره في أنواع كثيرة، فمما ذكره الشيخ تقي ~~الدين أبو بكر بن حجة في شرح بديعيته في نوع تجاهل العارف " قوله من قصيدة: ~~أهذي كفه أم غوث غيث ... ولا بلغ السحاب ولا كرامه وهذا بشره أم لمع برق ~~... ومن للبرق فينا بالإقامه وهذا الجيش أم صرف الليالي ... ولا سبقت ~~حوادثها زحامه وهذا الدهر أم عبد لديه ... يصرف عن عزيمته زمامه وهذا فعل ~~غمد ms1272 أم هلال ... إذا أمسى كنون أم قلامه وهذا الترب أم خد لثمنا ... فآثار ~~الشفاه عليه شامه ومنها وهو غير تجاهل العارف ولكنه من المرقص والمطرب: ~~وهذا الدر منثور ولكن ... أروني غير أقلامي نظامه PageV02P0168 # وهذي روضة تندى وسطري ... بها غصن وقافيتي حمامه وهذا الكأس روق من بناني ~~... وذكرك كان من مسك ختامه وذكر أيضا في " تجاهل العارف " قوله من قصيدة: ~~أهذه سير في المجد أم سور ... وهذه أنجم في السعد أم غرر وأنمل أم بحار ~~والسيوف لها ... موج وإفرندها في لجها درر وأنت في الأرض أم فوق السماء وفي ~~... يمينك البحر أم في وجهك القمر وفيها توفي علي بن نصر بن عقيل المعروف ~~بالهمام البغدادي العبدي الشاعر المشهور؛ قدم الشام ومدح الملك العادل، ~~والملك الأمجد صاحب بعلبك. ومن شعره: ومن الناس إلا كامل الحظ ناقص ... ~~وآخر منهم ناقص الحظ كامل وإني لمثر من حياء وعفة ... وإن لم يكن عندي من ~~المال طائل الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو ~~جعفر أحمد بن علي القرطبي المقرئ إمام الكلاسة. وإسماعيل بن صالح بن يس ~~بمصر في ذي الحجة. وأبو سعيد خليل بن أبي الرجاء الراراني الصوفي في شهر ~~ربيع الآخر، وله ست وتسعون سنة. والسلطان علاء الدين خوارزم شاه تكش بن ~~خوارزم شاه أرسلان بن أتسز بن محمد في رمضان بالخوانيق، وتملك بعده ابنه ~~علاء الدين محمد. والقاضي الفاضل أبو علي عبد الرحيم بن علي ابن محمد، بن ~~حسن اللخمي البيساني الوزير في شهر ربيع الآخر، وله سبع وستون سنة. وأبو ~~الحسن عبد اللطيف بن إسماعيل بن أبي سعد الصوفي في ذي الحجة بدمشق. وأبو ~~الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن سعد بن صدقة بن الخضر بن كليب في شهر ~~ربيع الأول، وله ست وتسعون سنة وشهر. والأثير أبو الفضل محمد بن محمد بن ~~بيان الأنباري ثم المصري الكاتب في شهر ربيع الآخر. والعلامة شهاب الدين ~~محمد بن محمود الطوسي بمصر. وأبو جعفر - المبارك بن المبارك بن أحمد ms1273 بن ~~زريق الواسطي الحداد المقرىء. أمر النيل لي هذه السنة: الماء القديم لم ~~يذكر لقلته. وكان مبلغ الزيادة في هذه السنة اثنتي عشرة ذراعا وإحدى وعشرين ~~إصبعا. وشرقت الأراضي، وعم البلاء والغلاء الديار المصرية وأعمالها. ### | AUT سلطنة الملك العادل على مصر # هو السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد ابن الأمير أبي الشكر ~~نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان الدويني التكريتي ثم الدمشقي. وقد تقدم ~~ذكر نسبه وأصله في ترجمة أخيه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وقد ذكرنا ~~أيضا من أحوال العادل هذا نبذة كبيرة في ترجمة أخيه صلاح الدين المذكور، ~~وأيضا في ترجمة أولاده، ثم في ترجمة حفيده الملك المنصور محمد ابن الملك ~~العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف، الذي خلعه العادل هذا وتسلطن مكانه في ~~العشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة. وقد تقدم ذلك كله في ترجمة ~~المنصور محمد المخلوع عن السلطنة. ولابد من ذكر شيء من أحوال العادل هنا ~~على حدته، وإيراد قطعة جيدة من أقوال الناس في ترجمته - إن شاء الله تعالى ~~- . قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في تاريخه: " ولد ~~ببعلبك في سنة أربع وثلاثين، وأبوه نائب عليها للأتابك زنكي والد نور الدين ~~محمود، وهو أصغر من أخيه صلاح الدين بسنتين؛ وقيل: ولد في سنة ثمان ~~وثلاثين؛ وقيل: ولد في أوائل سنة أربعين. قال أبو شامة: توفي الملك العادل ~~سيف الدين أبو بكر محمد، وهو بكنيته أشهر. ومولده ببعلبك، وعاش ستا وسبعين ~~سنة. ونشأ في خدمة نور الدين مع أبيه وإخوته؛ وحضر مع أخيه صلاح الدين ~~فتوحاته وقام أحسن قيام في الهدنة مع الأنكلتير ملك الفرنج بعد أخذهم عكا، ~~وكان صلاح الدين يعول عليه كثيرا، واستنابه بمصر مدة، ثم أعطاه حلب، ثم ~~أخذها منه وأعطاها لولده الظاهر، وأعطاه الكرك عوضها، ثم حران " انتهى كلام ~~الذهبي. وقال الشيخ شمس الدين أحمد بن خلكان - رحمه الله - في وفيات ~~الأعيان: PageV02P0169 # " كان الملك العادل قد وصل إلى مصر صحبة أخيه وعمه أسد ms1274 الدين شيركوه ~~المقدم ذكره. وكان يقول: لما عزمنا على المسير إلى مصر احتجت إلى جرمدان ~~فطلبته من والدي فأعطاني، وقال: يا أبا بكر، إذا ملكتم مصر أعطوني ملأة ~~ذهبا. فلما جاء إلى مصر، قال: يا أبا بكر أين الجرمدان. فرحت وملأته له من ~~الدراهم السود، وجعلت على أعلاها شيئا من الذهب وأحضرته إليه، فلما رآه ~~اعتقده ذهبا، فقلبه فظهرت الفضة السوداء، فقال: يا أبا بكر، تعلمت زعل ~~المصريين! قال: ولما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب مصر كان ينوب عنه ~~في حال غيبته بالشام، ويستدعي منه الأموال للإنفاق في الجند وغيرهم. قال: ~~ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الحمول تأخرت مدة فتقدم السلطان صلاح ~~الدين إلى العماد الأصبهاني أن يكتب إلى أخيه العادل يستحثه على إنفاذها ~~حتى قال: يسير لنا الحمل من مالنا أو من ماله! فلما وصل الكتاب إليه، ووقف ~~على هذا الفصل شق عليه، وكتب إلى القاضي الفاضل يشكو من السلطان لأجل ذلك. ~~فكتب القاضي الفاضل جوابه، وفي جملته: " وأما ما ذكره المولى من قوله: يسير ~~لنا الحمل من مالنا أو من ماله، فتلك لفظة ما المقصود منها من الملك ~~النجعة، وإنما المقصود من الكاتب السجعة. وكم من لفظة فظة، وكلمة فيها ~~غلظة؛ حيرت عيي الأقلام، فسدت خلل الكلام. وعلى المملوك الضمان في هذه ~~النكتة، وقد فات لسان القلم منها أي سكتة " . قال: ولما ملك السلطان يعني ~~صلاح الدين مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة كما تقدم ذكره " ~~أعطاها لولده الملك الظاهر غازي ثم أخذها منه و " أعطاها للملك العادل ~~فانتقل إليها وقصد قلعتها يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر رمضان من ~~السنة المذكورة؛ ثم نزل عنها للملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين؛ ثم ~~أعطاه السلطان قلعة الكرك، وتنقل في الممالك في حياة السلطان صلاح الدين ~~وبعد وفاته. وقضاياه مشهورة مع الملك الأفضل والملك العزيز والملك المنصور ~~فلا حاجة إلى الإطالة في شرحها. وآخر الأمر أنه استقل بمملكة الديار ~~المصرية. وكان دخوله إلى ms1275 القاهرة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر ~~سنة ست وتسعين وخمسمائة، واستقرت له القواعد. وقال أبو البركات ابن ~~المستوفي في تاريخ إربل " ، في ترجمة ضياء الدين أبي الفتح نصر الله ~~المعروف بابن الأثير الوزير الجزري ما مثاله: وجدت بخطه خطب للملك العادل ~~أبي بكر بن أيوب بالقاهرة ومصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال سنة ست ~~وتسعين وخمسمائة، وخطب له بحلب يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان ~~وتسعين وخمسمائة " - والله أعلم بالصواب - هذا ما ذكره ابن خلكان وهو بخلاف ~~ما ذكرناه من أنه خطب له في عاشر شهر رمضان من السنة؛ ويمكن الجمع بين ~~القولين، لأننا قلنا في شهر رمضان تخمينا، لأن الاتفاق كان في شهر رمضان، ~~ولعل الخطبة كانت في شوال - انتهى. قال: " وملك مع ذلك البلاد الشامية ~~والمشرقية، وصفت له الدنيا، ثم ملك بلاد اليمن في سنة اثنتي عشرة وستمائة " ~~و " سير إليها ولد ولده الملك المسعود صلاح الدين أبا المظفر يوسف ابن ~~الملك الكامل محمد الآتي ذكره. وكان ولده الملك الأوحد نجم الدين أيوب ينوب ~~عنه في ميافارقين وتلك النواحي، فاستولى على مدينة خلاط وبلاد أرمينية، ~~واتسعت مملكته، وذلك في سنة أربع وستمائة. ولما تمهدت له البلاد قسمها بين ~~أولاده، فأعطى الملك الكامل محمدا الديار المصرية، وأعطى الملك المعظم عيسى ~~البلاد الشامية، وأعطى الملك الأشرف موسى البلاد الشرقية، والأوحد في ~~المواضع التي ذكرناها. وكان ملكا عظيما ذا رأي ومعرفة تامة قد حنكته ~~التجارب، حسن السيرة جميل الطوية وافر العقل، حازما في الأمور، صالحا ~~محافظا على الصلوات في أوقاتها، متبعا لأرباب السنة مائلا إلى العلماء. صنف ~~له فخر الدين الرازي " كتاب تأسيس التقديس " ، وذكر اسمه في خطبته، وسيره ~~إليه من بلاد خراسان. وبالجملة فإنه كان رجلا مسعودا، ومن سعادته أنه كان ~~خلف أولادا لم يخلف أحد من الملوك أمثالهم، في نجابتهم وبسالتهم، ومعرفتهم ~~وعلو همتهم، ودان لهم العباد وملكوا أخيار البلاد. ولما مدحه ابن عنين ~~بقصيدته الرائية ذكر منها في مديح أولاده المذكورين، فقال: ms1276 وله البنون بكل ~~أرض منهم ... ملك يقود إلى الأعادي عسكرا PageV02P0170 # من كل وضاح الجبين تخاله بدرا ... وإن شهد الوغى فغضنفرا متقدم حتى إذا ~~النقع انجلى ... بالبيض عن سبي الحريم تأخرا قوم زكوا أصلا وطابوا محتدا ~~... وتدفقوا جودا وراقوا منظرا قال: ومن جملة هذه القصيدة في مدح الملك ~~العادل هذا قوله، ولقد أحسن فيها: العادل الملك الذي أسماؤه ... في كل ~~ناحية تشرف منبرا وبكل أرض جنة من عدله الص ... افي أسال نداه فيها كوثرا ~~عدل يبيت الذئب منه على الطوى ... غرثان وهو يرى الغزال الأعفرا ما في أبي ~~بكر لمعتقد الهدى ... شك مريث أنه خير الورى سيف صقال المجد أخلص متنه ... ~~وأبان طيب الأصل منه الجوهرا ما مدحه بالمستعار له ولا ... آيات سؤدده حديث ~~يفترى بين الملوك الغابرين وبينه ... في الفضل ما بين الثريا والثرى نسخت ~~خلائقه الحميدة ما أتى ... في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا ملك إذا خفت ~~حلوم ذوي النهى ... في الروع زاد رصانة وتوقرا ثبت الجنان تراع من وثباثه ~~... وثباته يوم الوغى أسد الشرى يقظ يكاد يقول عما في غد ... ببديهة أغنته ~~أن يتفكرا حلم تخف له الحلوم وراءه ... رأي وعزم يحقر الإسكندرا يعفو عن ~~الذنب العظيم تكرما ... ويصد عن قيل الخنا متكبرا لا تسمعن حديث ملك غيره ~~... يروى فكل الصيد في جوف الفرا قال: ولما قسم البلاد بين أولاده كان ~~يتردد بينهم، ويتنقل من مملكة إلى أخرى؛ وكان يصيف بالشام لأجل الفواكه ~~والمياه الباردة، ويشتي بالديار المصرية لاعتدال الوقت فيها وقلة البرودة؛ ~~وعاش في أرغد عيش. وكان يأكل كثيرا خارجا عن المعتاد، حتى يقال إنه كان ~~يأكل وحده خروفا لطيفا مشويا؛ وكان له في النكاح نصيب وافر. وحاصل الأمر ~~أنه كان ممتعا في دنياه. وكانت ولادته بدمشق في المحرم سنة أربعين؛ وقيل: ~~ثمان وثلاثين وخمسمائة. قلت: وافق الذهبي في مولده في السنة، مع خلاف ذكره ~~الذهبي فيه، وخالفه في المكان الذي ولد فيه، فإن الذهبي قال: كانت ولادته ~~ببعلبك كما تقدم ذكره. قال: وتوفي في سابع جمادى ms1277 الآخرة سنة خمس عشرة ~~وستمائة بعالقين. ونقل إلى دمشق، ودفن بالقلعة ثاني يوم وفاته، ثم نقل إلى ~~مدرسته المعروفة به، ودفن بالتربة التي بها؛ وقبره على الطريق يراه المجتاز ~~من الشباك المركب هناك. وعالقين بفتح العين المهملة وبعد الألف لام مكسورة ~~وقاف مكسورة أيضا وياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها نون وهي قرية بظاهر ~~دمشق. انتهى كلام ابن خلكان - رحمه الله تعالى - بتمامه. PageV02P0171 # وقال غيره: ولما افتتح ولده الكامل إقليم أرمينية فرح العادل فرحا شديدا، ~~وسير أستاداره إيلدكز وقاضي العسكر نجم الدين خليل إلى الخليفة يطلب ~~التقليد بمصر والشام وخلاط وبلاد الجزيرة، فأكرمهما الخليفة وأرسل إليه ~~الشيخ شهاب الدين أبا حفص عمر بن محمد السهروردي بالتشريف، ومر بحلب ووعظ ~~بها؛ واحترمه الظاهر غازي صاحب حلب، وبعث معه بهاء الدين بن شداد بثلاثة ~~آلاف دينار لينثرها على عمه العادل، إذا لبس خلعة الخليفة. ولما وصل ~~السهروردي إلى دمشق فرح العادل وتلقاه من القصير، وكان يوما مشهودا، ثم من ~~الغد أفيضت عليه الخلع؛ وهي: جبة سوداء بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، ~~وطوق ذهب فيه جوهر، وقلد سيفا محلى جميع قرابه بالذهب، وحصان أشهب بمركب ~~ذهب، وعلم أسود مكتوب فيه بالبياض ألقاب الناصر لدين الله. ثم خلع ~~السهروردي على ولدي العادل: المعظم عيسى والأشرف موسى، لكل واحد عمامة ~~سوداء، وثوبا أسود واسع الكم؛ وخلع على الصاحب ابن شكر كذلك. ونثر الذهب ~~على رأس العادل من رسل صاحب حلب وحماة وحمص وغيرهم. وركب الأربعة أعني ~~العادل وولديه وابن شكر الوزير بالخلع، ثم عادوا إلى القلعة؛ وقرأ ابن شكر ~~التقليد على كرسي، وخوطب العادل: بشاهنشاه ملك الملوك خليل أمير المؤمنين. ~~ثم قدم السهروري إلى مصر وخلع على الملك الكامل بن العادل. وهو يوم ذاك ~~صاحب مصر نيابة عن أبيه العادل كما تقدم ذكره. وقال الموفق عبد اللطيف في ~~سيرة الملك العادل: " كان أصغر الإخوة وأطولهم عمرا وأعمقهم فكرا وأبصرهم ~~في العواقب وأشدهم إمساكا وأحبهم للدرهم؛ وكان فيه حلم وأناة وصبر على ~~الشدائد؛ وكان سعيد ms1278 الجد عالي الكعب مظفرا بالأعداء من قبل السماء، وكان ~~نهما أكولا يحب الطعام واختلاف ألوانه، وكان أكثر أكله بالليل كالخيل، وله ~~عندما ينام رضيع، ويأكل رطلا بالدمشقي خبيص السكر، يجعل هذا كالجوارش؛ وكان ~~كثير الصلاة ويصوم الخميس؛ وله صدقات في كثير من الأوقات، وخاصة عندما تنزل ~~به الآفات؛ وكان كريما على الطعام يحب من يؤاكله، وكان قليل الأمراض. قال ~~لي طبيبه بمصر: إني آكل خير هذا السلطان سنين كثيرة ولم يحتج إلي سوى يوم ~~واحد؛ أحضر إليه من البطيخ أربعون حملا فكسر الجميع بيده، وبالغ في الأكل ~~منه ومن الفواكه والأطعمة، فعرض له تخمة، فأصبح، فأشرت عليه بشرب الماء ~~الحار، وأن يركب طويلا ففعل، وآخر النهار تعشى وعاد إلى صحته. وكان نكاحا ~~يكثر من اقتناء السراري، وكان غيورا لا يدخل في داره خصي إلا دون البلوغ، ~~وكان يحب أن يطبخ لنفسه مع أن في كل دار من دور حظاياه مطبخا دائرا وكان ~~عفيف الفرج لا يعرف له نظر إلى غير حلائله. نجب له أولاد من الذكور ~~والإناث، سلطن الذكور وزوج البنات بملوك الأطراف. وكان العادل قد أوقع الله ~~تعالى بغضته في قلوب رعاياه، والمخامرة عليه في قلوب جنده؛ وعملوا في قتله ~~أصناما من الحيل الدقيقة مرات كثيرة؛ وعند ما يقال إن الحيلة تفت تنفسح ~~وتنكشف وتحسم موادها، ولولا أولاده يتولون بلاده لما ثبت فلكه، بخلاف أخيه ~~صلاح الدين فإنه إنما حفظ ملكه بالمحبة له وحسن الطاعة؛ ولم يكن - رحمه ~~الله - بالمنزلة المكروهة؛ وإنما كان الناس قد ألفوا دولة صلاح الدين ~~وأولاده، فتغيرت عليهم العادة دفعة واحدة. ثم إن وزيره ابن شكر بالغ في ~~الظلم. قال: وكان العارز يواظب على خدمة أخيه صلاح الدين، يكون أول داخل ~~وآخر خارج، وبهذا جلبه، وكان يشاوره في أمور الدولة، لما جرب من نفوذ رأيه. ~~ولما تسلطن الأفضل بدمشق والعزيز بمصر قصد العزيز دمشق، ووقع له ما حكيناه ~~إلى أن ملكها. قال: ثم أخذ العادل يدبر الحيلة حتى يستنيبه العزيز على مصر، ~~ويقيم العزيز بدمشق، ms1279 ففطن بعض أصحاب العزيز فرمى قلنسوته بين يديه، وقال: ~~ألم يكفك أنك أعطيته دمشق حتى تعطيه مصرة فنهض العزيز لوقته على غرة ولحق ~~بمصر. قال الموفق: ومات الملك الظاهر غازي قبله بسنتين فلم يتهن العادل ~~بالملك من بعده؛ وكاد كل واحد منهما ينتظر موت الآخر، فلم يصف للعادل العيش ~~بعد موته، لأمراض لزمته بعد طول الصحة، والخوف من الفرنج بعد طول الأمن. ~~PageV02P0172 # وخرجوا يعني الفرنج إلى عكا وتجمعوا على الغور، فنزل العادل قبالتهم على ~~بيسان، وخفي عليه أن ينزل على عقبة أفيق، وكانوا قد هدموا قلعة كوكب، وكانت ~~ظهرهم، ولم يقبل من الجواسيس ما أخبروه بما عزم عليه الفرنج من الغارة، ~~فاغتر بما عودته المقادير من طول السلامة، فغشيت الفرنج عسكره على غرة، ~~وكان قد آوى إليه خلق من البلاد يعتصمون به، فركب مجدا؛ وماج الفرنج في ~~أثره حتى وصل دمشق على شفا وهم؛ فدخل إليها فمنعه المعتمد وشجعه، وقال له: ~~المصلحة أن تقيم بظاهر دمشق. وأما الفرنج فاعتقدوا أن هزيمته مكيدة فرجعوا ~~من قرب دمشق بعد ما عادوا في البلاد قتلا وأسرا وعادوا إلى بلادهم؛ وقصدوا ~~دمياط في البحر فنازلوها. وكان قد عرض له قبل ذلك ضعف وصار يعتريه ورم ~~الأنثيين. فلما هزته الحيل على خلاف العادة ودخله الرعب، لم يبق إلا مدة ~~يسيرة ومات بظاهر دمشق. وكان مع حرصه يهين المال عند الشدائد غاية الإهانة ~~ببذله. وشرع في بناء قلعة دمشق فقسم أرضها على أمرائه وأولاده، وكان ~~الحفارون يحفرون الخندق ويقطعون الحجارة، فخرج من تحته خرزة بئر فيها ماء ~~معين. قال: ودعا مرة فقال: الفهم حاسبني حسابا يسيرا؛ فقال له رجل ماجن من ~~خواصه: يا مولانا، إن الله قد يسر حسابك؛ قال: ويلك! وكيف ذلك؛ قال: إذا ~~حاسبك قل له: المال كله في قلعة جعبر لم أفرط فيه في قليل ولا كثير. وكانت ~~خزائنه بالكرك ثم نقلها إلى قلعة جعبر وبها ولده الملك الحافظ، فسول له بعض ~~أصحابه الطمع فيها، فأتاها الملك العادل ونقل ما فيها إلى قلعة ms1280 دمشق، فحصلت ~~في قبضة ولده الملك المعظم عيسى، فلم ينازعه فيها إخوته؛ وقيل: إن الذي سول ~~للحافظ الطمع والعصيان هو المعظم ففعل ذلك الحافظ، وكانت مكيدة من المعظم ~~حتى رجع إليه المال " . انتهى كلام الموفق باختصار. وقال أبو المظفر شمس ~~الدين يوسف بن قزأوغلي في تاريخه: " سألته عن مولده فقال: فتوح الرها يعني ~~سنة تسع وثلاثين وخمسمائة " - وهذا نقل آخر في مولده - قال: وقد ذكرنا ~~أحواله في السنين إلى أن استقر له الملك وامتد من بلاد الكرج إلى همذان ~~والجزيرة والشام ومصر والحجاز ومكة والمدينة واليمن إلى حضرموت؛ وكان ثبتا ~~خليقا بالملك حسن التدبير، حليما صفوحا مدبرا للملك على وجه الرضا، عادلا ~~مجاهدا دينا عفيفا متصدقا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، طفر جميع ~~ولاياته من الخمور والخواطىء والقمار والمكوس والمظالم. وكان الحاصل من هذه ~~الجهات بدمشق على الخصوص مائة ألف دينار، فأبطل الجميع لله تعالى. وكان ~~واليه على دمشق المبارز والمعتمد، أعانه المبارز على ذلك، أقام رجالا على ~~عقاب قاسيون وجبل الثلج وحوالي دمشق بالجامكية والجراية يحرمون أحدا يدخل ~~دمشق بمنكر. بلغني أن بعض المغاني دخلت على العادل في عرس فقال لها: أين ~~كنت. فقالت: ما قدرت أجيء حتى وفيت ما علي للضامن. فقال: وأي ضامن؛ قالت ~~ضامن القيان، فقامت عليه القيامة، وطلب المعتمد وعمل به ما لا يليق، وقال: ~~والله لئن عاد بلغني مثل هذا لأفعلن ولأصنعن. ولقد فعل العادل في غلاء مصر ~~عقيب موت العزيز ما لم يفعله غيره؛ كان يخرج في الليل بنفسه ويفرق الأموال ~~في ذوي البيوتات والمساكين، وكفن تلك الأيام من ماله ثلاثمائة ألف من ~~الغرباء، وكان إذا مرض أو تشوش مزاجه خلع جميع ما عليه رباعه حتى فرسه ~~وتصدق به. قال أبو المظفر: وقد ذكرنا وصول شيخ الشيوخ إليه بخبر برج دمياط، ~~وأنه انزعج وأقام مريضا إلى يوم الجمعة سابع أو ثامن جمادى الآخرة وتوفي ~~بعالقين. وكان المعظم قد كسر الفرنج على القيمون يوم الخميس خامس جمادى ~~الآخرة، وقيل يوم الأربعاء. ولما توفي العادل ms1281 لم يعلم بموته غير كريم الذين ~~الخلاطي، فأرسل الطير إلى نابلس إلى المعظم، فجاء يوم السبت إلى عالقين ~~فاحتاط على الخزائن، وصبر العادل وجعله في محفة وعنده خادم يروح عليه وقد ~~رفع طرف سجافها وأظهر أنه مريض؛ ودخلوا به دمشق يوم الأحد والناس يسلمون ~~على الخادم، وهو يومئ إلى ناحية العادل ويرد السلام؛ ودخلوا به القلعة ~~وكتموا موته؛ وأمن العجائب أنهم، طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه، فأخذوا ~~عمامة الفقيه ابن فارس فكفنوه بها، وأخرجوا قطنا من مخدة فلفوه به، وصلى ~~عليه وزيره، ابن فارس ودفنوه في القلعة. PageV02P0173 # قال أبو المظفر: وكنت قاعدا إلى جانب المعظم عند باب الدار التي فيها ~~الإيوان وهو واجم ولم أعلم بحاله؛ فلما دفن أبوه قام قائما وشق ثيابه ولطم ~~رأسه ووجهه، وكان يوما عظيما، وعمل له العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالي، ~~وعمل له العزاء في الدنيا كلها، ونودي ببغداد: من أراد الصلاة على الملك ~~العادل الغازي المجاهد في سبيل الله فليحضر إلى جامع القصر، فحضر الناس ولم ~~يتخلف سوى الخليفة؛ وصلوا عليه صلاة الغائب وترحموا عليه، وتقدموا إلى ~~خطباء الجوامع بأسرهم، ففعلوا ذلك بعد صلاة الجمعة. وبقي العادل بالقلعة ~~إلى سنة تسع عشرة وستمائة، ثم نقل إلى تربته التي أنشأها عند دار العقيقي ~~ومدرسته. - قلت: لا أعلم ما كان السبب في عدم وجود الكفن القطن للملك ~~العادل مع همة ولده الملك المعظم عيسى وأخذه من عالقين ميتا في محفة ولم ~~يفطن به أحد. وهذا أعظم وأكثر كلفة وأصعب من شراء ثوب بعلبكي، وما يحتاج ~~إليه الميت من الحنوط والقطن وغيره فلعل لها عذرا وأنت تلوم " - . قال: ~~وكان له عدة أولاد: منهم شمس الدين مودود والد الملك الجواد يونس. والكامل ~~محمد. والأشرف موسى. والمعظم عيسى. والأوحد أيوب. والفائز إبراهيم. وشهاب ~~الدين غازي. والعزيز عثمان. والأمجد حسن. والحافظ أرسلان. والصالح إسماعيل. ~~والمغيث عمر. ومجير الدين يعقوب. وتقي الدين عباس. وقطب الدين أحمد. ~~والقاهر إسحاق. وخليل أصغرهم. وكان له عدة بنات أفضلهن صفية خاتون صاحبة ~~حلب أم ms1282 الملك العزيز " . انتهت ترجمة الملك العادل - رحمه الله تعالى - . ~~ولما مات العادل استقر كل واحد من أولاده في مملكته، فإنه كان قسم ممالكه ~~في أولاده حسب ما تقدم ذكر ذلك كله في صدر هذه الترجمة؛ فالذي كان بمصر ~~الملك الكامل محمد، وبالشام المعظم عيسى، وبالشرق الأشرف شاه أرمن، وباقي ~~أولاده كل واحد في مملكة، أو في خدمة أخ من إخوته. انتهى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة سبع وتسعين وخمسمائة. فيها كان هبوط ~~النيل، ولم يعهد ذلك في الإسلام إلا مرة واحدة في دولة الفاطميين، ولم يبق ~~منه إلا شيء يسير؛ واشتد الغلاء والوباء بمصر، فهرب الناس إلى المغرب ~~والحجاز واليمن والشام وتفرقوا وتمزقوا كل ممزق. قال أبو المظفر: " كان ~~الرجل يذبح ولده الصغير وتساعده أمه على طبخه وشيه؛ وأحرق السلطان جماعة ~~فعلوا ذلك ولم ينتهوا. وكان الرجل يدعو صديقه وأحب الناس إليه إلى منزله ~~ليضيفه فيذبحه ويأكله، وفعلوا بالأطباء كذلك، فكانوا يدعونهم ليبصروا ~~المرضى فيقتلونهم ويأكلونهم، وفقدت الميتات والجيف من كثرة ما أكلوها، ~~وكانوا يختطفون الصبيان من الشوارع فيأكلونهم. وكفن السلطان في مدة يسيرة ~~مائتي ألف وعشرين ألفا؛ وامتلأت طرقات المغرب والمشرق والحجاز والشام برمم ~~الناس، وصلى إمام جامع الإسكندرية في يوم على سبعمائة جنازة. وقال العماد ~~الكاتب الأصبهاني: " في سنة سبع وتسعين وخمسمائة: اشتد الغلاء، وامتد ~~البلاء؛ وتحققت المجاعة، وتفرقت الجماعة؛ وهلك القوي فكيف الضعيف! ونحف ~~السمين فكيف العجيف! وخرج الناس حذر الموت من الديار، وتفرق فريق مصر في ~~الأمصار؛ ولقد رأيت الأرامل على الرمال، والجمال باركة تحت الأحمال، ومراكب ~~الفرنج واقفة بساحل البحر على اللقم، تسترق الجياع باللقم " . انتهى. قال: ~~وجاءت في شعبان، زلزلة هائلة من الصعيد هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلق ~~كثير، ثم امتدت إلى الشام والساحل فهدمت مدينة نابلس، فلم تبق فيها جدارا ~~قائما إلا حارة السمرة؛ ومات تحت الهدم ثلاثون ألفا، وهدمت عكا وصور وجميع ~~قلاع الساحل؛ وامتدت إلى دمشق فرمت بعض المنارة ms1283 الشرقية بجامع دمشق، وأكثر ~~الكلاسة والبيمارستان النوري، وعامة دور دمشق إلا القليل؛ فهرب الناس إلى ~~الميادين، وسقط من الجامع ست عشرة شرفة، وتشققت قبة النسر " انتهى كلام ~~صاحب المرآة باختصار، فإنه أمعن وذكر أشياء مهولة من هذا النموذج. ~~PageV02P0174 # وفيها توفي عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله ~~بن حماد بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن ~~القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر ~~الصديق أبو الفرج بن أبي قحافة، الشيخ الإمام الحافظ الواعظ المفسر العلامة ~~جمال الدين أبو الفرج القرشي التيمي البكري البغدادي الحنبلي المعروف بابن ~~الجوزي؛ صاحب التصانيف المشهورة في أنواع العلوم: كالتفسير والحديث والفقه ~~والوعظ والزهد والتاريخ والطب وغير ذلك. مولده ببغداد سنة عشر وخمسمائة ~~تقريبا بدرب حبيب. وتوفي أبوه وله ثلاث سنين. قلت: وفضل الشيخ جمال الدين ~~وحفظه وغزير علمه أشهر من أن يذكر هنا، والمقصود أن وفاته كانت في ليلة ~~الجمعة بين العشاءين في داره بقطفتا ودفن من الغد، وكانت جنازته مشهودة، ~~وكثر أسف الناس عليه، ولم يخلف بعده مثله. قال ابن خلكان: وبالجملة فكتبه ~~أكثر من أن تعد، وكتب بخطه كثيرا، والناس يغالون في ذلك حتى يقولوا إنه ~~جمعت الكراريس التي كتبها، وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة، فكان ~~ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل. ويقال: إنه ~~جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل ~~منها شيء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك ~~فكفت. انتهى كلام ابن خلكان باختصار. ومن شعره: يا صاحبي إن كنت لي أو معي ~~... فعج إلى واعي الحمى نرتع وسل عن الوادي وسكانه ... وانشد فؤادي في ربا ~~المجمع حي كثيب الرمل رمل الحمى ... وقف وسلم لي على لعلع واسمع حديثا قد ~~روته الصبا ... تسنده عن بانة ms1284 الأجرع وآبك فما في العين من فضله ... ونب ~~فدتك النفس عن مدمعي وله: رأيت خيال الظل أعظم عبرة ... لمن كان في أوج ~~الحقيقة راق شخوص وأشكال تمر وتنقضي ... وتفنى جميعا والمحرك باق وفيها ~~توفي الأمير بهاء الدين قراقوش ابن عبد الله، الأسمي الخادم الخصي المنسوب ~~إليه حارة بهاء الذين بالقاهرة داخل باب الفتوح، وهو الذي بنى قلعة الجبل ~~بالقاهرة، والسور على مصر والقاهرة، والقنطرة التي عند الأهرام وغير ذلك؛ ~~وكان من أكابر الخدام، من خدام القصر، وقيل إن أصله من خدام العاضد، وقيل ~~إنه من خدام أسد الدين شيركوه وهو الأصح. واتصل بخدمة السلطان صلاح الدين، ~~وكان صلاح الذين يثق به ويعول عليه في مهماته. ولما افتتح عكا من الفرنج ~~سلمها إليه؛ ثم لما استولوا عليها أخذ أسيرا، ففداه صلاح الدين بعشرة آلاف ~~دينار؛ وقيل: بستين ألف دينار. قال ابن خلكان: " والناس ينسبون إليه أحكاما ~~عجيبة في ولايته نيابة مصر عن صلاح الدين، حتى إن الأسعد بن مماتي له فيه ~~كتاب لطيف سماه: " الفاشوش في أحكام قراقوش " . وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها ~~منه، والظاهر أنها موضوعة؛ فإن صلاح الدين كان يعتمد في أحوال المملكة ~~عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه. وكانت وفاته في مستهل ~~رجب. وفيها توفي محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود ~~بن هبة الله أبو عبد الله، الإمام العلامة عماد الدين الأصبهاني المنشئ ~~المعروف بالعماد الكاتب، وبابن أخي العزيز. ولد بأصبهان سنة تسع عشرة ~~وخمسمائة وبها نشأ. وقدم بغداد مع أبيه وبها تفقه، واشتغل بالأدب وبرع في ~~الإنشاء، وخدم الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة، وكان أحد كتابه. ثم قدم دمشق ~~أيام نور الدين الشهيد واتصل به وخدمه. وكان فاضلا حافظا لدواوين العرب، ~~وله عدة مصنفات، منها: " خريدة القصر في شعراء العصر " وغير ذلك وكان ~~القاضي الفاضل يقول: العماد الكاتب كالزناد الوقاد يعني أن النار في باطنه ~~كامنة، وظاهره فيه فترة. وكانت وفاة العماد بدمشق في يوم الاثنين ms1285 غرة شهر ~~رمضان. ودفن عند مقابر الصوفية عند المنيبع. وقيل إن العماد اجتمع بالقاضي ~~الفاضل يوما في موكب السلطان فسارا جميعا، وقد انتشر الغبار لكثرة الفرسان ~~ما سد الفضاء فتعجبا من ذلك، فأنشد العماد في الحال: أما الغبار فإنه ... ~~مما أثارته السنابك PageV02P0175 # والجو منه مظلم ... لكن أنار به السنابك يا دهر لي عبد الرح ... يم فلست ~~أخشى مس نابك ومن شعره: دار غير اللبيب إن كنت ذا ... لب ولاطفة حين يأتي ~~بحذق فأخو السكير لا يخاطبه الصا ... حي إلى أن يفيق إلا برفق وفيها توفي ~~محمد بن المبارك بن محمد الطهير أبو غالب المصري؛ كان فاضلا أديبا. ولد سنة ~~ثلاث وعشرين وخمسمائة؛ ومن شعره - رحمه الله تعالى - قوله: تقنع بالقليل ~~وعش عزيزا ... خفيف الظهر من كلف وإثم وإلا هي نفسك للبلايا ... وهم وارد ~~في إثر هم الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي القاضي ~~أبو المكارم أحمد بن محمد بن محمد التميمي الأصبهاني المعروف بابن اللبان ~~العدل في ذي الحجة. ومفيد بغداد تميم بن أحمد البندنيجي في جمادى الآخرة، ~~أدرك ابن الزاغوني. والإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، وقد ~~ناهز التسعين. وأبو محمد عبد المنعم بن محمد المالكي فقيه الأندلس. والأمير ~~بهاء الدين قراقوش الأسدي الخادم الأبيض. ومحمد بن أبي زيد الكراني الخباز ~~بأصبهان في شوال، وقد كمل المائة. والعماد الكاتب العلامة محمد بن محمد بن ~~حامد الأصبهاني في شهر رمضان، وله سبع وسبعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ~~السنة الثانية من سلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ثمان ~~وتسعين وخمسمائة: فيها برز العادل المذكور من ديار مصر طالبا حلب، وكان ~~الملك الأفضل بحمص عند شيركوه، فجاء إلى العادل فأكرمه العادل وعوضه عن ~~ميافارقين سميساط وسروج، ثم سار العادل ونزل على حماة، وصالحه الملك الظاهر ~~صاحب حلب، وعاد الملك العادل إلى حمص. وفيها توفي عبد الملك ms1286 بن زيد بن يس ~~التغلبي الدولعي خطيب دمشق؛ والدولعية: قرية من قرى الموصل. قدم دمشق ~~واستوطنها وصار خطيبها، ودرس بالزاوية الغربية من جامع دمشق؛ وكان منزها ~~حسن الأثر حميد الطريقة. مات في شهر ربيع الأول. وفيها توفي هبة الله بن ~~الحسن بن المظفر الهمذاني؛ محدث ابن محدث ابن محدث. كانت وفاته بباب ~~المراتب ببغداد في المحرم. قال أبو المظفر: أنشدنا لغيره: إذا الفتى ذم ~~عيشا في شبيبته ... فما يقول إذا عصر الشباب مضى وقد تعوضت عن كل بمشبهه ~~... فما وجدت لأيام الصبا عوضا الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي الملك المعز إسماعيل ابن سيف الإسلام أطغتكين، صاحب اليمن. وأبو ~~طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي. والمحدث حماد بن هبة الله الحراني التاجر ~~في ذي الحجة. وعبد الله بن حمد بن أبي المجد الحربي الإسكاف في المحرم ~~بالموصل. وزين القضاة أبو بكر عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى القرشي الزكوي ~~في ذي الحجة، سمع من جده. وأبو الحسن عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الرحمن ~~الشعري، أخو زينب في المحرم. وخطيب دمشق الضياء عبد الملك بن زيد بن يس ~~الدولعي في شهر ربيع الأول، وله إحدى وتسعون سنة. وقاضي القضاة محيي الدين ~~أبو المعالي محمد ابن القاضي الزكي علي بن محمد القرشي، وله ثماني وأربعون ~~سنة، توفي في شعبان. وأبو القاسم هبة الله بن علي بن مسعود الأنصاري ~~البوصيري في صفر، وله اثنتان وتسعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ذراع واحد وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثلاث ~~وعشرون إصبعا. ؟ ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة تسع وتسعين وخمسمائة: فيها في ليلة ~~السبت سلخ المحرم ماجت النجوم في السماء شرقا وغربا، وتطايرت كالجراد ~~المنتشر يمينا وشمالا؛ ولم ير هذا إلا عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكانت هذه السنة أعظم. PageV02P0176 # وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن محمد أبو ms1287 إسحاق الموفق الفقيه بن الصقال ~~الحنبلي. ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وتفقه على أبي يعلى الفراء، وسمع ~~الحديث الكثير، وكان شيخا ظريفا صالحا زاهدا. مات في ذي الحجة، ودفن بباب ~~حرب ببغداد. وفيها توفيت زمرد خاتون أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي ~~ببغداد. كانت صالحة كثيرة البر والصدقات، وحجت مرة فأنفقت ثلاثمائة ألف ~~دينار، وكان معها نحو ألفي جمل، وتصدقت على أهل الحرمين، وأصلحت البرك ~~والمصانع؛ وعمرت التربة عند قبر معروف الكرخي والمدرسة إلى جانبها. وماتت ~~في جمادى الأولى. وفيها توفي علي بن الحسن بن إسماعيل أبو الحسن العبدي من ~~عبد القيس؛ كان فاضلا بارعا في الأدب وغيره، وله شعر جيد؛ من ذلك قوله - ~~رحمه الله تعالى - : لا تسلك الطرق إذا أخطرت ... لو أنها تفضي إلى المملكه ~~قد أنزل الله تعالى: ولا ... تلقوا بأيديكم إلى التهلكه وفيها توفي القاسم ~~بن يحيى بن عبد الله بن القاسم أبو الفضائل ضياء الدين الشهرزوري، وهو ابن ~~أخي القاضي كمال الدين محمد الشهرزوري. كان فقيها فاضلا جوادا كريما أديبا ~~شاعرا. ومن شعره أول قصيدة: في كل يوم ترى للبين آثار ... وما له في التئام ~~الشمل آثار يسطو علينا بتفريق فواعجبا ... هل كان للبين فيما بيننا ثار ~~وفيها توفي يحيى بن طاهر بن محمد أبو زكرياء الواعظ، ويعرف بابن النجار ~~البغدادي. كان فاضلا فصيحا. وكان ينشد في مجلسه - رحمه الله تعالى - : عاشر ~~من الناس من تبقى مودته ... فأكثر الناس جمع غير مؤتلف منهم صديق بلا قاف ~~ومعرفة ... بغير فاء وإخوان بلا ألف الذين ذكر الذهبي وفاتهم في السنة، ~~قال: وفيها توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي بن حمزة بن موقا الأنصاري ~~الإسكندراني التاجر في شهر ربيع الآخر، وله أربع وتسعون سنة. وزين الدين ~~أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا الدمشقي الحنبلي الواعظ بمصر في رمضان، ~~وله إحدى وتسعون سنة، وأبو الحسن علي بن حمزة بن علي بن طلحة البغدادي ~~الكاتب بمصر في شعبان. وسلطان غزنة غياث الدين. وقاضي القضاة ضياء الدين ~~القاسم بن ms1288 يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري الشافعي، وله خمس وستون ~~سنة، ولي القضاء بدمشق بعد عمه، ثم استعفى لأمر ما، ثم بعد مدة ولي قضاء ~~العراق، ثم استعفى وخاف العواقب ثم سكن حماة؛ وولي قضاءها؛ وبها مات في ~~رجب. والزاهد أبو عبد الله محمد بن أحمد القرشي الهاشمي الأندلسي ببيت ~~المقدس. والشهاب أبو الفضل محمد بن يوسف الغزنوي الحنفي المقرئ بمصر. وأبو ~~طاهر المبارك بن المبارك بن هبة الله بن المعطوش في جمادى الأولى عن اثنتين ~~وتسعين سنة ببغداد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وست ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا. السنة الرابعة من سلطنة الملك ~~العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ستمائة: فيها وصل إلى بغداد أبو ~~الفتح بن أبي نصر الغزنوي رسولا من صاحب غزنة وجلس بباب بدر، وقال: هنيئا ~~لكم يا أهل بغداد، أنتم تحظون بأمير المؤمنين، ونحن محرومون! وأنشد - رحمه ~~الله - : ألا قل لسكان وادي العقيق ... هنيئا لكم في الجنان الخلود أفيضوا ~~علينا من الماء فيضا ... فنحن عطاش وأنتم ورود PageV02P0177 # وفيها توفي الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور أبو محمد ~~المقدسي. ولد بجماعيل، وهي قرية من أعمال نابلس في شهر ربيع الآخر سنة إحدى ~~وأربعين وخمسمائة، وكان أكبر من الشيخ موفق الدين بأربعة أشهر وهما ابنا ~~خالة. وكان إماما حافظا متقنا مصنفا ثقة؛ سمع الكثير ورحل إلى البلاد وكتب ~~الكثير، وهو أحد أكابر أهل الحديث وأعيان حفاظهم، ووقع له محن ذكرها صاحب ~~مرآة الزمان، ونجاه الله منها. ومات في يوم الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع ~~الأول، ودفن بالقرافة عند الشيخ أبي عمرو بن مرزوق، وكان إماما عابدا زاهدا ~~ورعا. قال تاج الدين الكندي: هو أعلم من الدارقطني والحافظ أبي موسى. قال ~~أبو المظفر: وفي هذه السنة سافرت من بغداد إلى الشام، وهي أول رحلتي، ~~فاجتزت بدقوقا وجلست بها يعني للموعظة، ثم قدمت إربل واجتمعت بمحيي الدين ~~الساعاتي، وأنشدني مقطعات لغيره. منها - رحمه الله - : رحمت ms1289 أسود هذا الخال ~~حين بدا ... في جمرة الخد مرميا بأبصار كأنه بعض عباد المجوس وقد ... ألقى ~~بمهجته في لجة النار الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي منتخب الدين أبو الفتح أسعد بن أبي الفضائل محمود بن خلف العجلي ~~الأصبهاني شيخ الشافعية ببلده في صفر، وله خمس وثمانون سنة. وأبو سعد عبد ~~الله بن عمر بن أحمد النيسابوري الصفار في رمضان، وله اثنتان وتسعون سنة. ~~والحافظ تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي الجماعيلي المقدسي في ~~شهر ربيع الأول، وله تسع وخمسون سنة، وفاطمة بنت سعد الخير الأنصارية في ~~شهر ربيع الأول، ولها ثمان وسبعون سنة. وبهاء الدين أبو محمد القاسم ابن ~~الحافظ علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر في صفر، وله ثلاث وسبعون سنة. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة إحدى وستمائة: فيها جاءت الفرنج حماة ~~بغتة وأخذوا النساء الغسالات من باب البلد على العاصي، وخرج إليهم الملك ~~المنصور بن تقي الدين وقاتلهم وثبت وأبلى بلاء حسنا، وكسر الفرنج عسكره، ~~فوقف على الساقة، ولولا وقوفه ما أبقوا من المسلمين أحدا. وفيها حج بالناس ~~من العراق وجه السبع، ومن الشام صارم الدين برغش العادلي وزين الدين قراجا ~~صاحب صرخد. وفيها توفي عبد المنعم بن علي بن نصر بن الصيقلي أبو محمد نجم ~~الدين الحراني، قدم بغداد وتفقه بها؛ وسمع الحديث؛ ثم عاد إلى حران ووعظ ~~بها وحصل له القبول التام، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها. قال أبو المظفر سبط ~~ابن الجوزي في تاريخه: سمعته ينشد: وأشتاقكم يا أهل ودي وبيننا ... كما زعم ~~البين المشت فراسخ فأما الكرى عن ناظري فمشرد ... وأما هواكم في فؤادي ~~فراسخ وفيها توفي محمد بن سعد الله بن نصر أبو نصر بن الدجاجي الواعظ ~~الحنبلي. ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ومات ms1290 في شهر ربيع الأول، ودفن بباب ~~حرب. ومن شعره - رحمه الله - : نفس الفتى إن أصلحت أحوالها ... كان إلى نيل ~~التقى أحوى لها وإن تراها سددت أقوالها ... كان على حمل العلا أقوى لها ~~وفيها توفي ملك خلاط سيف الدين بكتمر. كان من أحسن الشباب؛ ولم يبلغ عشرين ~~سنة من العمر، قتله الهزار ديناري؛ قيل: إنه غرقه في بحر خلاط، وقتل الهزار ~~ديناري بعده بمدة يسيرة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي المحدث أحمد بن سليمان الحربي الملقب بالسكر. وأبو الفضل محمد بن ~~الحسين بن الخصيب بدمشق. ويوسف بن المبارك بن كامل الخفاف. وعبد الله بن ~~عبد الرحمن بن أيوب الحربي البقلي. وشميم الحلي أبو الحسن علي بن الحسن بن ~~عنتر الأديب. ومحمد بن أحمد بن حامد - أبو عبد الله الارتاحي الحنبلي بمصر، ~~وله بضع وتسعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست ~~أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة اثنتين وستمائة: PageV02P0178 # فيها توجه ناصر الدين صاحب ماردين إلى خلاط بمكاتبة أهلها وملكها، فجاء ~~الملك الأشرف موسى شاه أرمن ابن الملك العادل هذا فنزل على دنيسر، وأقطع ~~بلاد ماردين؛ فلما بلغ ذلك ناصر الدين عاد إلى ماردين بعد أن غرم مائة ألف ~~دينار، ولم تسلم له خلاط. وليها أغار ابن لاون على حلب وأخذ الجشار من ~~نواحي حارم، فبعث إليه الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب - وهو يوم ذاك صاحب حلب - فارس الدين ميمونا القصري، وأيبك فطيس، ~~والأمير حسام الدين بن أمير تركمان؛ فتقاتلا قتالا شديدا، وكان ميمون تقدم ~~ولولاهما لأخذ ميمون؛ فلما بلغ ذلك الملك الظاهر خرج من حلب ونزل مرج دابق، ~~ثم جاء إلى حارم، فهرب ابن لاون إلى بلاده. وكان ابن لاون قد بنى قلعة فوق ~~دربساك، فأخذها الظاهر وأخربها، ثم عاد الملك الظاهر إلى حلب. وفيها حج ~~بالناس من العراق ms1291 وجه السبع، ومن الشام الشجاع علي بن السلار. وفيها توفي ~~الأمير طاشتكين بن عبد الله المقتفوي مجير الدين أمير الحاج؛ حج بالناس ستا ~~وعشرين حجة، وكان يسير في طريق الحج مثل الملوك. شكاه ابن يونس االوزير؛ ~~إلى الخليفة أنه يكاتب السلطان صلاح الدين صاحب مصر وزور عليه كتابة، فحبسه ~~الخليفة مدة، ثم تبين له أنه بريء، فأطلقه وأعطاه خوزستان؛ ثم أعاده إلى ~~إمرة الحاج؛ وكانت الحلة إقطاعه. وكان شجاعا جوادا سمحا قليل الكلام يمضي ~~عليه الأسبوع ولا يتكلم. استغاث إليه رجل يوما فلم يكلمه، فقال الرجل: الله ~~كلم موسى، فقال: وأنت موسى! فقال الرجل: وأنت الله! فقضى حاجته. وكان ~~حليما. التقاه رجل فاستغاث إليه من نوابه فلم يجبه، فقال الرجل: أنت حمار؛ ~~فقال طاشتكين: لا. وفي قلة كلامه يقول ابن التعاويذي الشاعر المشهور: وأمير ~~على البلاد مولى ... لا يجيب الشاكي بغير السكوت كلما زاد رفعة حطنا الل ~~... ه بتغفيله إلى البهموت إملائي وفيها توفي مسعود بن سعد الدين صاحب صفد. ~~وأخوه بدر الدين ممدود شحنة دمشق، وهما ابنا الحاجب مبارك بن عبد الله، ~~وأمهما أم فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب ففرخشاه أخوهما لأمهما، وأختهما ~~لأمهما أيضا الست عذراء صاحبة المدرسة العذراوية المجاورة لقلعة دمشق. ~~وكانا أميرين كبيرين أعني ممدودا ومسعودا صاحبي الترجمة، ولهما مواقف مع ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتقدمت وفاة ممدود على أخيه مسعود، فإنه ~~مات بصفد في يوم الأحد خامس شهر رمضان من هذه السنة. وتوفي مسعود هذا بصفد ~~في يوم الاثنين خامس شوال - رحمهما الله تعالى - . الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي سلطان غزنة شهاب الدين أبو المظفر محمد بن ~~سام الغوري، قتلته الباطنية. وأبو علي ضياء الدين بن أبي القاسم أحمد بن ~~الحسن بن علي بن الخريف. والمفتي أبو المفاخر خلف بن أحمد الأصبهاني ~~الفراء، وله أربع وثمانون سنة. وأبو يعلى حمزة بن علي بن حمزة بن فارس بن ~~القبيطي، قرأ القرآن على سبط الخياط وجماعة. أمر النيل في هذه ms1292 السنة: الماء ~~القديم سبع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ثلاث وستمائة: فيها فارق وجه السبع ~~الحاج، وقصد الشام مغضبا؛ وكان في الحج جماعة من الأعيان، فبكوا وسألوه ~~العود معهم على العادة، فقال: مولاي أمير المؤمنين محسن إلي، وما أشكو إلا ~~من الوزير ابن مهدي، وما عن التوجه بد؛ ففارقهم وسار إلى الشام، فتلقاه ~~الملك العادل صاحب الترجمة وأولاده، وأحسن العادل إليه وأكرم نزله. وحزن ~~الخليفة على فراقه. وفيها ولى الخليفة عماد الدين أبا القاسم عبد الله بن ~~الدامغاني الحنفي قاضي قضاة بغداد. وفيها قبض الخليفة على عبد السلام بن ~~عبد الوهاب بن الشيخ عبد القادر الجيلي، واستأصله حتى احتاج إلى الطلب من ~~الناس. وفيها نزلت الفرنج على حمص، وكان الملك الظاهر غازي صاحب حلب قد بعث ~~المبارز يوسف بن خطلخ الحلبي إليها نجدة لأسد الدين صاحبها، وحصل القتال ~~بينهم وبين الفرنج وأسر الصمصام بن العلائي، وخادم صاحب حمص. ورجع الفرنج ~~إلى بلادهم. PageV02P0179 # وفيها توفي عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي المعروف بالكيلاني - ~~رضي الله عنه - وكان عبد الرزاق هذا زاهدا ورعا عابدا مقتنعا من الدنيا ~~باليسير صالحا ثقة، لم يدخل في الدنيا كما دخل فيها غيره من إخوته. وكان ~~مولده سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ومات في شوال ببغداد ودفن بباب حرب. وفيها ~~توفي أبو القاسم أحمد ابن المقرئ صاحب ديوان الخليفة ببغداد؛ كان شابا حسنا ~~يعاشر ابن الأمير أصبه، وكان ابن أصبه شابا جميلا؛ جلسا يوما فداعب ابن ~~المقرئ ابن أصبه فرماه بسكين صغيرة، فوقعت في فؤاده فقتلته، فسلم الخليفة ~~ابن المقرئ إلى أولاد أصبه، فلما خرجوا به ليقتلوه أنشد: قدمت على الإله ~~بغير زاد ... من الأعمال بالقلب السليم وسوء الظن أن تعتد زادا ... إذا كان ~~القدوم على كريم فقتلوه - رحمه الله تعالى - . الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو جعفر محمد بن ms1293 أحمد بن نصر الصيدلاني، وله ~~أربع وتسعون سنة. وأبو عبد الله محمد بن معمر بن عبد الواحد بن رجاء، بن ~~الفاخر القرشي. وأبو بكر عبد الرزاق بن عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ~~الحافظ في شوال، وله خمس وسبعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمس أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة أربع وستمائة. فيها ملك الأوحد ابن ~~الملك العادل صاحب الترجمة خلاط بمكاتبة أهلها بعد قتل ابن بكتمر والهزار ~~ديناري المقدم ذكرهما؛ وكانت بنت بكتمر مع صاحب أرزن الروم، - فقالت بعد ~~قتل أخيها - : لا أرضى حتى تقتل قاتل أخي، وهو الهزار ديناري وتأخذ بثأره؛ ~~فسار صاحب أرزن إلى خلاط، وخرج الهزار ديناري للقائه، فضربه صاحب أرزن ~~فأبان رأسه، وعاد إلى أرزن الروم. وبقيت خلاط بغير ملك، وكان الأوحد ابن ~~العادل صاحب ميافارقين، فكاتبوه أهل خلاط فجاء إليهم واستولى عليها. وفيها ~~حج بالناس من العراق ياقوت. وفيها توفي محمود بن هبة الله بن أبي القاسم ~~الحلبي أبو الثناء البزاز. كان فاضلا، قرأ القرآن، وسمع الحديث على إسماعيل ~~بن موهوب بن الجواليقي، وحكى عنه قال: كنت في حلقة والدي بجامع القصر، فوقف ~~عليه شاب وقال: ما معنى قول القائل: وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... ~~وهجره النار يصليني به النارا فالشمس بالقوس أضحت وهي نازلة ... إن لم ~~يزرني وبالجوزاء إن زارا فقال له والحي: يا بني، هذا شيء يتعلق بعلم النجوم ~~لا بعلم الأدب. ثم قام والحي وآلى نفسه إلا يعود إلى مكانه حتى ينظر في علم ~~النجوم، ويعرف مسير الشمس والقمر، فنظر فيه وعلمه. ومعنى الشعر: أن الشمس ~~إذا نزلت القوس يكون الليل في غاية الطول، وإذا كانت في الجوزاء كان في ~~غاية القصر. قلت: ومحصول البيتين: أنه إذا لم يزره محبوبه كان الليل عليه ~~أطول الليالي، وإذا زاره كان عليه أقصر الليالي، فقصد القوس للطول، ~~والجوزاء للقصر. وهذا يشبه قول ms1294 القائل، وقد تقدم ذلك في غير هذا المحل من ~~هذا الكتاب: ليلي وليلى نفى نومي اختلافهما ... بالطول يا طوبى لو اعتدلا ~~يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا ومثل هذا قول ~~شرف الدين أحمد بن نصر بن كامل - وقيل هما لغيره - : عهدي بهم ورداء الوصل ~~يجمعنا ... والليل أطوله كاللمح بالبصر فاليوم ليلي مذ غابوا فديتهم ... ~~ليل الضرير فصبحي غير منتظر ويعجبني قول من قال - وهو قريب من هذا المعنى ~~إن لم يكن هو بعينه - : هجم السهاد على عيوني في الدجى ... سرق الرقاد ودمع ~~عيني سافح وغدا يسامح للدجى في بيعه ... واللص كيف يبيع فهو الرابح وقد ~~استوعبنا هذا النوع أعني ما قيل في طول الليل وقصره في كتابنا المسمى: ب " ~~حلية الصفات في الأسماء والصناعات " فلينظر هناك في حرف الطاء المهملة. ~~PageV02P0180 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي حنبل بن عبد الله ~~ابن الفرج بن سعادة أبو علي الرصافي المكبر الدلال في المحرم. وعبد المجيب ~~بن عبد الله بن زهير الحربي بحماة. وأبو الفضل عبد الواحد بن عبد السلام بن ~~سلطان المقرئ. وست الكتبة نعمة بنت علي بن يحيى بن محمد بن الطراح بدمشق. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة خمس وستمائة. فيها زلزلت نيسابور زلزلة ~~عظيمة دامت عشرة أيام، فمات تحت الردم خلق كثير. وفيها اتفق الفرنج من ~~طرابلس وحصن الأكراد على الإغارة على أعمال حمص، فتوجهوا إليها وحاصروها، ~~فعجز صاحب حمص أسد الدين شيركوه عنهم، ونجده ابن عمه الملك الظاهر غازي ~~صاحب حلب، فعاد الفرنج إلى طرابلس. وبلغ السلطان الملك العادل صاحب ~~الترجمة، فخرج إليهم من مصر بالجيوش وقصد وعكا، فصالحه صاحبها، فسار حتى ~~نزل على بحيرة حمص وأغار على بلاد طرابلس وأخذ من أعمالها حصنا صغيرا. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ms1295 وفيها توفي قاضي القضاة صدر ~~الدين أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس بمصر عن تسع وثمانين سنة. ~~والقاضي أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار بواسط في شعبان، وله ثمان ~~وثمانون سنة. وأبو الجود غياث بن فارس اللخمي مقرئ ديار مصر. وأبو بكر محمد ~~بن المبارك، ابن مشق محدث بغداد، وله اثنتان وسبعون سنة. والحسين بن أبي ~~نصر بن الحسين بن هبة الله بن أبى حنيفة بن القارص الحريمي الضرير آخر من ~~روى شيئا عن المسند، توفي في شعبان. وخطيب القدس علي بن محمد بن علي بن ~~جميل المعافري. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ست وستمائة. فيها توفي الحسن بن أحمد ~~بن محمد، بن حكينا من أهل الحرم الطاهري؛ كان فاضلا رئيسا شاعرا. ومن شعره: ~~قد بان لي عذر الكرام وصدهم ... عن أكثر الشعراء ليس بعار لم يسأموا بذل ~~النوال وإنما ... جمد الندى لبرودة الأشعار وفيها توفي محمد بن عمر بن ~~الحسين العلامة أبو المعالي فخر الدين الرازي المتكلم صاحب التصانيف في علم ~~الكلام والمنطق والتفسير. كان إماما بارعا في فنون من العلوم، صنف " ~~التفسير " و " المحصل " و " الأربعين " و " نهاية العقول " وغير ذلك. قال ~~صاحب المرآة: " واختص بكتب ابن سينا في المنطق وشرحها؛ وكان يعظ وينال من ~~الكرامية وينالون منه، ويكفرهم ويكفرونه، وقيل: إنهم دسوا عليه من سقاه ~~السم فمات ففرحوا بموته؛ وكانوا يرمونه بالكبائر، وكانت وفاته في ذي الحجة. ~~ثم ذكر عنه صاحب المرآة أشياء، الأليق الإضراب عنها والسكات عن ذكرها " . ~~وفيها توفي المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم أبو السعادات مجد الدين ~~بن الأثير الموصلي الجزري الكاتب؛ ولد سنة أربعين وخمسمائة بجزيرة ابن عمر، ~~ثم انتقل إلى الموصل وكتب لأمرائها، وكانوا يحترمونه، وكان عندهم بمنزلة ~~الوزير الناصح إلا أنه كان منقطعا إلى العلم قليل ms1296 الملازمة لهم. صنف الكتب ~~الحسان، منها: " جامع الأصول في أحاديث الرسول " ، جمع فيه بين الصحاح ~~الستة. وكتاب " النهاية في غريب الحديث " في خمسة مجلدات. وكتاب " الإنصاف ~~في الجمع بين الكشف والكشاف " في تفسير القرآن، أخذه من تفسير الثعلبي ~~والزمخشري؛ وله كتاب " المصطفى والمختار في الأدعية والأذكار " وله كتاب ~~لطيف في صناعة الكتابة، وكتاب " البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان ~~" وله " ديوان رسائل " ، وكتاب " الشافي في شرح مسند الإمام الشافعي " - ~~رضي الله عنه - . ومن شعره - رحمه الله - ما أنشده لصاحب الموصل، وقد زلت ~~به بغلته وألقته إلى الأرض: إن زلت البغلة من تحته ... فإن في زلتها عذرا ~~حملها من علمه شاهقا ... أو من ندى راحته بحرا وكانت وفاته بالموصل في يوم ~~الخميس سلخ ذي الحجة، ودفن برباطه بحرب دراج، وهو أخو أبي الحسن علي بن ~~الجزري الكاتب. PageV02P0181 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي القاضي وجيه ~~الدين أسعد بن المنجا التنوخي في المحرم، وله سبع وثمانون سنة. وأبو مسلم ~~المؤيد هشام بن عبد الرحيم ابن أحمد بن محمد بن الإخوة العدل بأصبهان في ~~جمادى الآخرة. وأبو عبد الله محمود بن أحمد المضري الأصبهاني إمام جامع ~~أصبهان عن تسع وثمانين سنة. وأبو القاسم إدريس بن محمد العطار بأصبهان، وله ~~نحو مائة سنة. وفخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرازي ~~المصنف ابن خطيب الري يوم عيد الفطر، وله اثنتان وستون سنة. ومجد الدين ~~يحيى بن الربيع الواسطي مدرس النظامية عن ثمان وسبعين سنة. ومجد الدين أبو ~~السعادات المبارك بن الأثير الجزري الكاتب صاحب " جامع الأصول " و " ~~النهاية " في سلخ العام، وله ثلاث وستون سنة. وأم هانئ عفيفة بنت أحمد ~~الفارفانية مسندة أصبهان، ولها ست وتسعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة سبع وستمائة. فيها ms1297 حج بالناس من الشام ~~سيف الدين علي بن علم الدين سليمان بن جندر. وفيها توفي أرسلان شاه بن عز ~~الدين مسعود الأمير نور الدين الأتابك صاحب الموصل؛ كان متكبرا جبارا بخيلا ~~فاتكا سفاكا للدماء؛ حبس أخاه عماد الدين سنين حتى مات في حبسه، وولى ~~الموصل لرجل ظالم يقال له السراج فأهلك الحرث والنسل، وكانت وفاة أرسلان ~~هذا في صفر. وخلف ولدين: القاهر مسعودا وزنكي، وأوصى إلى بدر الدين لؤلؤ أن ~~يكون مسعود السلطان ويكون زنكي في شهرزور. وفيها توفي عبد الوهاب بن علي ~~الشيخ أبو محمد الصوفي ضياء الدين المعروف بابن سكينة سبط شيخ الشيوخ ~~إسماعيل بن أحمد النيسابوري. وكان فاضلا محدثا عابدا زاهدا، وكان ينشد ~~لمحمد الفارقي - رحمه اله - : تحمل أخاك على خلقه ... فما في استقامته مطمع ~~وأنى له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع وفيها توفي عمر بن محمد بن معمر ~~بن أحمد بن يحيى بن حسان المسند الكبير رحلة الآفاق أبو حفص بن أبي بكر ~~البغدادي الدارقزي المؤدب المعروف بابن طبرزد، والطبرزد: هو السكر. ولد في ~~ذي الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة، وسمع الكثير بإفادة أخيه المحدث أبي البقاء ~~محمد ثم بنفسه، وحصل الأصول وحفظها إلى وقت الحاجة إليه، فلما كبرت سنه حدث ~~بالكثير، وصار رحلة الزمان إلى أن مات في تاسع شهر رجب ببغداد؛ ودفن بباب ~~حرب. وفيها توفي محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام الإمام القدوة ~~الزاهد أبو عمر المقدسي الجماعيلي. قال ابن أخته الحافظ ضياء الدين: مولده ~~في سنة ثماني وعشرين وخمسمائة بجماعيل، وسمع الكثير بدمشق من والده وخلق ~~كثير سواه، وروى عنه أخوه الشيخ الموفق وولداه شرف الدين عبد الله وشمس ~~الدين عبد الرحمن وجماعة كثيرة، وكان إماما عالما زاهدا ورعا متقنا متعبدا؛ ~~قال أبو المظفر: وكان معتدل القامة حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال ~~مبتسما، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام. ثم قال - بعد كلام طويل وبعد ~~أن أورد أشعارا كثيرة - : وأنشدني لغيره: لي حيلة فيمن ينم ... وليس في ms1298 ~~الكذاب حيله من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله وفيها توفي الوجيه ~~بن النوري المصري الفقيه المقرئ الحنفي إمام مقصورة الحنفية الغربية بجامع ~~دمشق؛ كان صالحا دينا فقيرا قارئا للقرآن بالسبع. قال أبو المظفر: وأنشد ~~لغيره: ومن عادة السادات أن يتفقدوا ... أصاغرهم والمكرمات مصايد سليمان ذو ~~ملك تفقد هدهدا ... وإن أقل الطائرات الهداهد PageV02P0182 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو محمد جعفر بن ~~محمد ابن أبي محمد بن آموسان الأصبهاني بعد حجه بالمدينة في المحرم، وله ~~خمس وسبعون سنة. وأبو محمد عبد الوهاب ابن الأمين علي بن سكينة الصوفي مسند ~~العراق وشيخها، وله ثمان وثمانون سنة. مات في شهر ربيع الآخر. والشيخ أبو ~~عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الزاهد شيخ المقادسة في شهر ربيع الآخر، ~~وله تسع وسبعون سنة. وعائشة بنت معمر بن الفاخر عن بضع وثمانين سنة. وأبو ~~الفرج محمد بن هبة الله بن كامل الوكيل ببغداد عن خمس وثمانين سنة. وأبو ~~حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد عن إحدى وتسعين سنة، كلاهما في رجب. وأبو ~~المجد زاهر بن أحمد بن أبي غانم الثقفي الأصبهاني وقد قارب التسعين في ذي ~~القعدة. وأسعد بن سعيد بن محمود بن محمد بن أحمد بن جعفر بن روح التاجر ~~بأصبهان في ذي الحجة، وله تسعون سنة، وختم به حديث الطبراني في الدنيا. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يوجد له قاع في هذه السنة. مبلغ ~~الزيادة خمس عشرة ذراعا وأربع أصابع، بعد ما توقف عن الزيادة أياما. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ثمان وستمائة. فيها قدم بغداد رسول ~~جلال الدين حسن صاحب الموت، يخبر الخليفة بأنهم تبرؤوا من الباطنية، وبنوا ~~الجوامع والمساجد، وأقيمت الجمعة والجماعات عندهم، وصلوا التراويح في شهر ~~رمضان؛ فسر الخليفة والناس بذلك. وقدمت الخاتون أم جلال الدين حاجة، واحتفل ~~بها الخليفة، وجهز لها ما يليق بها. ms1299 وفيها بعث الخليفة الناصر لدين الله ~~خاتمه للأمير وجه السبع بالشام، وقد تقدم ذكره فيما مضى، فتوجه وجه السبع ~~إلى الخليفة ومعه رسول الملك العادل صاحب الترجمة، فأكرم الخليفة وجه ~~السبع، وأعطاه الكوفة إقطاعا. وفيها توفي عبد الواحد بن عبد الوهاب بن علي ~~بن سكينة ويلقب بالمعين. ولد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، وسافر إلى الشام ~~في أيام الأفضل، وبسط لسانه في الدولة، ثم عاد إلى بغداد بأمان من الخليفة؛ ~~وولي مشيخة الشيوخ. ومات غريقا في البحر، وكان سمع جده لأمه شيخ الشيوخ عبد ~~الرحيم وغيره. وأنشد لجده المذكور قوله في الخصاب: ولم أخضب مشيبي وهو زين ~~... لإيثاري جهالات الشباب ولكن كي يراني من أعادي ... فأرهبه بوثبات ~~التصابي وفيها توفي مظفر الماسكي البغدادي؛ كان ظريفا أديبا، وكان يقول من ~~الشعر " كان وكان " وغيره. ومن شعره في " كان وكان " قوله: ذي زوجها ما ~~شطها وكل من جا حفها ... قصده يرى النقش عنده في كفها ألوان إن شندرت ~~فلوجهه تصيب قبل كفوفها ... ما صح ذاك النشادر إلا من الدخان الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو المعالي محمد ابن صالح ~~آخر من حدث عن الميورقي. ويحيى بن البناء، وله تسعون سنة. وأبو الفتح منصور ~~بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد الفراوي العدل بنيسابور، وله ست وثمانون ~~سنة في شعبان. والقاضي أبو القاسم هبة الله بن جعفر بن سناء الملك بمصر. ~~وأبو عبد الله محمد بن أيوب بن محمد بن وهب بن محمد بن وهب بن نوح الغافقي ~~ببلنسية، وله ثمان وسبعون سنة. والخضر بن كامل ابن سالم بن سبيع الدلال ~~بدمشق. وأبو العباس أحمد بن الحسن بن أبي البقاء العاقولي في ذي الحجة ~~ببغداد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست أصابع. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة تسع وستمائة. PageV02P0183 # فيها اجتمع الملك العادل المذكور وأولاده: الكامل ms1300 والفائز والمعظم على ~~دمياط لقتال الفرنج، وكان الأمير أسامة بالقاهرة، فاتهم بمكاتبة الملك ~~الظاهر غازي صاحب حلب، ووجدوا كتبا إليه وأجوبة؛ فخرج أسامة المذكور من ~~القاهرة كأنه يتصيد وساق إلى الشام في مماليكه يطلب قلعة كوكب وعجلون. وكان ~~ذلك في يوم الاثنين سلخ جمادى الآخرة. فأرسل والي بلبيس الحمام إلى دمياط ~~بالخبر؛ فقال العادل: من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه؛ فقال ولده الملك ~~المعظم عيسى: أنا، وركب من دمياط يوم الثلاثاء غرة رجب. قال أبو المظفر سبط ~~ابن الجوزي: وكنت معه، فقال لي: أنا أريد أن أسوق فابق أنت مع قماشي ودفع ~~لي بغلة، وساق ومعه نفر يسير وعلى يده حصان، فكان صباح يوم الجمعة بغزة، ~~ساق مسيرة ثمانية أيام في ثلاثة أيام فسبق أسامة. وأما أسامة فتقطع عنه ~~مماليكه وبقي وحده؛ وكان به مرض النقرس يعني بأسامة، فجاء إلى بلد الداروم؛ ~~وكان المعظم أمسك عليه من البحر إلى الزرقاء، فرآه بعض الصيادين في برية ~~الداروم فعرفه، فقال له: انزل، فقال: هذه ألف دينار وأوصلني إلى الشام، ~~فأخذها الصياد وجاء إلى رفاقه، فأخذوه على طريق الخليل ليحملوه إلى عجلون، ~~فدخلوا به إلى القدس في يوم الأحد في سادس رجب بعد وصول المعظم بثلاثة ~~أيام، فتسلمه المعظم وأنزله بصهيون، وبعث إليه بثياب وطعام ولاطفه وقال له: ~~أنت شيخ كبير وبك نقرس وما تصلح لك قلعة، سلم إلي كوكب وعجلون، وأنا أحلف ~~لك على مالك وجميع أسبابك، وتعيش بيننا مثل الوالد. فامتنع وشتم المعظم، ~~فبعث به المعظم إلى الكرك فاعتقله بها، واستولى على قلاعه وأمواله وذخائره، ~~فكان قيمة ما أخذ منه ألف ألف دينار. وفيها حج بالناس من العراق حسام الدين ~~بن أبي فراس نيابة عن محمد بن ياقوت، وكان معه مال وخلع لقتادة صاحب مكة ~~وحج بالناس من الشام شجاع الدين بن محارب، من على أيلة. وفيها توفي الملك ~~الأوحد نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك العادل أبي بكر صاحب الترجمة. كان ~~صاحب خلاط وغيرها في أيام أبيه الملك العادل، وقد ms1301 تقدم ذكر أخذه خلاط ~~وغيرها، وكان قد ابتلى بأمراض مزمنة، وكان يتمنى الموت، وكان قد استزار ~~أخاه الملك الأشرف موسى من حران، فأقام عنده أياما، واشتد مرضه فطلب الأشرف ~~الرجوع إلى حران لئلا يتخيل منه الأوحد، فقال له الأوحد: يا أخي، لم تلح في ~~الرواح! والله إني ميت وأنت تأخذ البلاد من بعدي، فكان كذلك. وملك الأشرف ~~بعد موته خلاط وأحبه أهلها. كل ذلك في حياة أبيهما الملك العادل هذا. فكانت ~~مدة تملك الأوحد خلاط أقل من خمس سنين، ووجد عليه الملك العادل كثيرا. ~~وفيها توفي محمود بن عثمان بن مكارم أبو الثناء الحنبلي؛ كان شيخا زاهدا ~~عابدا صاحب رياضات ومجاهدات يصوم الدهر، وانتفع بصحبته خلق كثير، وكان من ~~الأبدال. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو جعفر ~~أحمد ابن علي الأنصاري الداني الحضار المقرئ ببلنسية؛ استشهد في وقعة ~~العقاب هو وخلق من المسلمين. وأبو الفرج محمد بن علي بن حمزة بن القبيطي، ~~وله نيف وثمانون سنة. والحافظ أبو نزار ربيعة بن الحسن الحضرمي اليمني بمصر ~~عن اثنتين وثمانين سنة. وأبو أشجاع، زاهر بن رستم المقرئ بمكة. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنه عشر وستمائة. فيها حج بالناس من العراق ~~ابن أبي فراس نيابة عن ابن ياقوت. وحج بالناس من الشام الغرز صديق بن ~~تمرداش التركماني من على عقبة أيلة بحجاج الكرك والقدس. وحج في هذه السنة ~~الملك الظافر خضر ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب من على تيماء، ومعه ~~حج الشام بإذن عمه السلطان الملك العادل - فيما قيل - ، فلما بلغ الملك ~~الكامل محمد بن العادل أنه توجه إلى الحجاز خاف على بلاد اليمن منه، فوجه ~~إليه عسكرا من مصر فلحقوه، وقالوا له: ارجع؛ فقال: قد بقي بيني وبين مكة ~~مسافة يسيرة، والله ما قصدي اليمن، ms1302 وإنما قصدي الحج، فقيدوني واحتاطوا بي ~~حتى أقضي المناسك وأعود إلى الشام؛ فلم يلتفتوا لكلامه؛ فأراد أن يقاتلهم ~~فلم يكن له بهم طاقة، فرجع إلى الشام ولم يحج. PageV02P0184 # وفيها توفي الأمير أيدغمش صاحب همذان؛ أرسله الخليفة إلى همذان فسار ~~وانتظر العسكر وطال عليه الأمر فرحل عن همذان. فالتقاه عسكر منكلي بغا ملك ~~التتار،، قاتلوه فقتلوه، وحملوا رأسه إلى منكلي بغا المذكور. وكان أميرا ~~صالحا كثير الصدقات دينا صائما عادلا كثير المحاسن - رحمه الله - . وفيها ~~توفي الوزير الرئيس سعيد بن علي بن أحمد أبو المعالي بن حديدة من ولد قطبة ~~بن عامر بن حديدة الأنصاري الصحابي. وكان مولده بكرخ سامرا سنة ست وثلاثين ~~وخمسمائة؛ وكان له مال كثير، واستوزره الخليفة الناصر لدين الله، ووقع له ~~بعد ذلك محن، فهرب واختقى إلى أن توفي. وفيها توفي الأمير سنجر ابن عبد ~~الله، الناصري صهر طاشتكين، وكان ذليلا بخيلا ساقط النفس مع كثرة المال. ~~وتولى إمرة الحاج سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فاعترض الحاج رجل بدوي في نفر ~~يسير جدا، وكان مع سنجر هذا خمسمائة نفس، فذل وجبن عن ملاقاته، وجبى له ~~مالا من الحج؛ فلما دخل بغداد رسم عليه الخليفة حتى أخذ منه المال ورده إلى ~~أصحابه، ثم عزله وأخذ إقطاعه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أبو الحسن مهذب الدين علي بن أحمد بن علي المعروف بابن هبل ~~البغدادي الطبيب بالموصل. وأبو عبد الله الحسين بن سعيد بن الحسين بن شنيف ~~الدارقزي الأمين ببغداد، كلاهما في المحرم. وأم النور عين الشمس بنت أحمد ~~بن أبي الذر الثقفية، ولها ست وثمانون سنة. وأبو مسعود عبد الجليل بن أبي ~~غالب بن أبي المعالي بن محمد بن الحسين بن مندويه الصوفي بدمشق عن ثمان ~~وثمانين سنة، وإنما سمع في كبره. وتاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن بن ~~هبة الله بن عساكر الدمشقي. والفخر إسماعيل بن علي الحنبلي المتكلم غلام بن ~~المني. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر ms1303 أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة إحدى عشرة وستمائة: قلت: وفي مدة هذه ~~السنين كلها كان صاحب مصر ولده الكامل محمد بن العادل، والملك العادل يتنقل ~~في البلاد، غير أنه هو الأصل في السلطنة وعليه المعول؛ ولا تحسب سلطنة ~~الكامل على مصر إلا بعد موت أبيه العادل هذا. كما سيأتي ذكره إن شاء الله ~~تعالى. فيها ملك اليمن أضسيس بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر ~~صاحب الترجمة. ولقب أضسيس المذكور بالملك المسعود، والعامة يسمونه " أقسيس ~~" وغلب عليه مقالة العامة، والصواب ما قلناه لأن والده الملك الكامل ما كان ~~يعيش له ولد، فلما ولد له هذا أضسيس قال له بعض الأتراك: في بلادنا إذا كان ~~الإنسان لا يعيش له ولد يسمونه أضسيس. ومعناه باللغة التركية: ما له اسم؛ ~~فسماه والده الملك الكامل بذلك؛ فلما كبر ثقل على العامة لفظ أضسيس؛ فسفوه ~~" أقسيس " . انتهى. وكان أقسيس المذكور شابا جبارا فاتكا قتل باليمن نحو ~~ثمانمائة شريف. ودخل إلى مكة إلى حاشية الطواف راكبا. وقيل إنه كان يسكر ~~وينام بدار على المسعى، فتخرج أعوانه تمنع الناس من الصياح والضجيج في ~~المسعى، ويقولون: الأمير سكران نائم! لا ترفعوا أصواتكم بالذكر والتلبية! ~~وقتل أقسيس هذا خلقا كثيرا من الأكابر والعظماء. ولو لم يحج عمه الملك ~~المعظم عيسى صاحب دمشق ما قدر أقسيس هذا على أخذ اليمن. كل ذلك في حياة جده ~~الملك العادل صاحب الترجمة. وفيها أخذ الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل ~~هذا قلعة صرخد من الأمير ابن قراجا، وعوضه مالا وإقطاعا. وفيها حج بالناس ~~من العراق ابن أبي فراس بن وزام نائبا عن محمد بن ياقوت. وفيها حج الملك ~~المعظم عيسى المقدم ذكره من دمشق، وحج معه عدة أمراء من أعيان دمشق، وحج ~~على مذهب أبي حنيفة واستمر على المذهب، وكلمه والده الملك العادل صاحب ~~الترجمة في العود إلى مذهب الشافعي فلم يقبل، ms1304 وجاوبه بكلام السكات عنه ~~أليق. وفيها توفي عبد العزيز بن محمود بن المبارك الشيخ أبو محمد البزاز؛ ~~سمع الحديث وأكثر وصنف وكتب، وكان فاضلا دينا صالحا. مات في شوال. ~~PageV02P0185 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الحافظ شرف الدين ~~أبو الحسن علي بن المفضل بن علي المقدسي الإسكندراني المالكي، وله سبع ~~وستون سنة. وفقيه بغداد أبو بكر محمد بن معالي بن غنيمة بن الحلاوي ~~الحنبلي، وكان من أبناء السبعين. والحافظ عبد العزيز بن محمود بن المبارك ~~بن محمود بن الأخضر، وله سبع وثمانون سنة في شوال. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاث أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة اثنتي عشرة وستمائة: فيها خرج وجه ~~السبع من بغداد بالعساكر إلى همذان للقاء منكلي مملوك السلطان أزبك خان، ~~وكان قد عصى على مولاه وعلى الخليفة وقطع الطريق، فكتب الخليفة إلى ابن زين ~~الدين، وإلى الملك الظاهر غازي صاحب حلب، وإلى الملك العادل هذا يطلب ~~العساكر، فجاءته العساكر من كل مكان؛ وتوجه ابن زين الدين مقدم العساكر، ~~وجاء أزبك وجلال الدين مقدم الإسماعيلية. وجمع أيضا منكلي جموعا كثيرة ~~والتقوا قريبا من همذان، واقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة على منكلي، ~~وقتل من أصحابه ستة آلاف، ونهبوا أثقاله، فحال بينهم الفيل فصعد منكلي على ~~جبل، وابن زين الدين والعساكر أسفل، وأوقد منكلي نارا عظيمة وهرب في الليل، ~~فأصبح الناس وليس لمنكلي أثرة ثم قتل منكلي بعد ذلك. وأزبك خان هذا هو غير ~~أزبك خان التتري المتأخر. وفيها أخذ خوارزم شاه محمد بن تكش مدينة غزنة من ~~يلدزتاج الدين مملوك شهاب الدين الغوري بغير قتال. وفيها أخذ ابن لاون ~~الإفرنجي أنطاكية في يوم الأحد رابع عشرين شوال. وفيها حج بالناس ابن أبي ~~فراس من العراق نيابة عن محمد بن ياقوت. وفيها توفي علي ابن الخليفة الناصر ~~لدين الله العباسي ms1305 وكنيته أبو الحسن. وكان لقبه أبوه الخليفة بالملك ~~المعظم، وكان جليلا نبيلا. مات في ذي القعدة وأخرج تابوته وبين يديه أرباب ~~الدولة. ومن الاتفاق الغريب أنه يوم الجمعة دخل بغداد رأس منكلي على رمح، ~~وزينت بغداد وأظهر الخليفة السرور والفرح، ووافق تلك الساعة وفاة ابن ~~الخليفة علي هذا، ووقع صراخ عظيم في دار الخلافة، فانقلب ذلك الفرح بحزن. ~~وخرجت المخدرات من خدورهن ونشرن شعورهن. قال أبو المظفر: " ولطمن وقام ~~النوائح في كل ناحية، وعظم حزن الخليفة بحيث إنه امتنع من الطعام والشراب، ~~وغلقت الأسواق، وغلقت الحمامات، وبطل البيع والشراء، وجرى ما لم يجر قبله. ~~وكان الخليفة قد رشحه للخلافة، ففعل الله في ملكه ما أراد. وخلف ولدين: أبا ~~عبد الله الحسين ولقبه جده " المؤيد " ويحيى ولقبه ب " الموفق " . وفيها ~~توفي المبارك بن المبارك أبو بكر الواسطي النحوي. ولد سنة أربع وثلاثين ~~وخمسمائة، وكان حنبليا، ثم صار حنفيا، ثم صار شافعيا لأسباب وقعت له، وكان ~~قرأ الأدب على ابن الخشاب وغيره، وكان أديبا فاضلا شاعرا. ومن شعره - رحمه ~~الله - قوله: لا خير في الخمر فمن شأنها ... إفقادها العقل وجلب الجنون أو ~~أن تري الأقبح مستحسنا ... وتظهر السر الخفي المصون قلت: ويعجبني قول ~~القائل، وهو قريب مما نحن فيه: على قدر عقل المرء في حال صحوه ... تؤثر فيه ~~الخمر في حال سكره فتأخذ من عقل كبير أقله ... وتأتي على العقل اليسير ~~بأسره الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الفقيه ~~سليمان بن محمد بن علي الموصلي في صفر، وله أربع وثمانون سنة. وأبو العباس ~~أحمد بن يحيى بن بركة الدبيقي البزاز في شهر ربيع الأول، وله أربع وثمانون ~~سنة أيضا. والحافظ عبد القادر ابن عبد الله أبو محمد الرهاوي بحران، وله ست ~~وسبعون سنة في جمادى الأولى. وأبو الفرج يحيى بن ياقوت الفراش في جمادى ~~الآخرة. والقدوة الزاهد أبو الحسن علي بن الصباغ بن حميد الصعيدي ببلدة ~~قنا. وأبو الفتوح محمد بن علي الجلاجلي التاجر بالقدس عن إحدى وسبعين ms1306 سنة. ~~ومحمد بن أبي المعالي عبد الله بن موهوب الصوفي ابن البناء في ذي القعدة. ~~وأبو محمد عبد العزيز بن معالي ابن غنيمة بن الحسن المعروف ب " ابن منينا ~~الأشناني، وله سبع وثمانون سنة. مات في ذي الحجة. أمر النيل في هذه السنة: ~~PageV02P0186 # الماء القديم أربع أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ثلاث عشرة وستمائة. فيها جهز الخليفة ~~الناصر لدين الله ولدي ولده المقدم ذكرهما إلى تستر، وضمهما، إلى بدر الدين ~~محمد سبط العقاب، وخرج أرباب الدولة بين يديهما، وضرب لهما خيمة الأطلس ~~بأطناب خضر إبريسم، وعلى رؤوسهما الشمسية والبنود والأعلام، وخلفهما ~~الكوسات، وسار معهما نجاح الشرابي والمكين القمي بالعساكر في سابع المحرم، ~~فأقاما بتستر شهرين فلم تطب لهما، فعادا إلى بغداد عند جدهما الخليفة في ~~شهر ربيع الآخر. وفيها توفي الملك الظاهر غازي - على ما يأتي ذكره - في هذه ~~السنة. وتوجه الشيخ أبو العباس عبد السلام بن أبي عصرون رسولا من الملك ~~العزيز محمد بن الظاهر غازي المذكور إلى الخليفة الناصر لدين الله يطلب ~~تقريره بسلطنة حلب على ما كان أبوه عليها. وفيها قصد الملك المعظم عيسى ~~صاحب دمشق الاجتماع بأخيه الملك الأشرف موسى، فاجتمعا بنواحي الرقة، وفاوض ~~المعظم الأشرف في أمر حلب. وفيها حج بالناس من العراق ابن أبي فراس، ومن ~~الشام الشيخ علم الدين الجعبري. وفيها توفي زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن ~~بن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة بن حمير العلامة تاج الدين أبو اليمن ~~الكندي البغدادي المقرئ النحوي اللغوي. مولده في شعبان سنة عشرين وخمسمائة، ~~وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وكمل القراءات العشر وله عشر سنين. قال ~~الذهبي: " وكان أعلى أهل الأرض إسنادا في القراءات، فإني لا أعلم أحدا من ~~الأئمة عاش بعد ما قرأ القراءات ثلاثا وثمانين سنة غيره. هذا مع أنه قرأ ~~على أسن شيوخ العصر بالعراق، ولم يبق ms1307 أحد ممن قرأ عليه مثل بقائه ولا قريبا ~~منه، بل آخر من قرأ عليه الكمال بن فارس، وعاش بعده نيفا وستين سنة. ثم إنه ~~سمع الحديث على الكبار، وبقي مسند الزمان في القراءات والحديث. انتهى كلام ~~الذهبي باختصار. وكان فاضلا أديبا ومات في شوال. ومن شعره - رحمه الله ~~تعالى - : دع المنجم يكبو في ضلالته ... إن ادعى علم ما يجري به الفلك تفرد ~~الله بالعلم القديم فلا ال ... إنسان يشركه فيه ولا الملك وفيها توفي سعيد ~~بن حمزة بن أحمد أبو الغنائم بن شاروخ الكاتب العراقي. كان فاضلا بارعا في ~~الأدب، وله رسائل ومكاتبات وشعر. ومن شعره القصية التي أولها: يا شائم ~~البرق من نجدي كاظمة ... يبدو مرارا وتخفيه الدياجير وفيها توفي السلطان ~~الملك الظاهر أبو منصور غازي صاحب حلب ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف ابن الأمير نجم الدين أيوب. ولد بالقاهرة في سنة ثمان وستين وخمسمائة ~~في سلطنة والده. ونشأ تحت كنف والده، وولاه أبوه سلطنة حلب في حياته. وكان ~~ملكا مهيبا وله سياسة وفطنة، ودولة معمورة بالعلماء والأمراء والفضلاء. ~~وكان محسنا للرعية والوافدين عليه. وحضر معظم غزوات والده السلطان صلاح ~~الدين، وكان في دولة الظاهر هذا من الأمراء: ميمون القصري، والمبارز بن ~~يوسف بن خطلخ، وسنقر الحلبي، وسراسنقر، وأيبك فطيس وغيرهم من الصلاحية. ومن ~~أرباب العمائم القاضي بهاء الدين بن شداد، والشريف الافتخاري الهاشمي، ~~والشريف النسابة، وبنو العجمي والقيسراني، وبنو الخشاب. وكان ملجأ للغرباء ~~وكهفا للفقراء، يزور الصالحين ويتفقدهم، ودام على ذلك إلى أن توفي ليلة ~~الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة بعلة الذرب. ودفن بقلعة حلب، ثم نقل بعد ~~ذلك إلى مدرسته التي أنشأها. وقام بعده ولده الملك العزيز محمد بوصيته، ~~وولاه الخليفة حسب ما تقدم ذكره. وفيها توفي الشيخ عز الدين محمد بن الحافظ ~~عبد الغني المقدسي؛ ولد سنة ست وستين وخمسمائة، وسمع الحديث ورحل البلاد، ~~وكان حافظا دينا ورعا زاهدا. ومات بقاسيون. وفيها توفي يحيى بن محمد بن ~~محمد بن محمد بن محمد أبو جعفر ms1308 الشريف الحسيني. ولي نقابة الطالبيين ~~بالبصرة بعد أبيه؛ وقرأ الأدب، وسمع الحديث، ومن شعره - رحمه الله تعالى - ~~: هذا العقيق وهذا الجزع والبان ... فاحبس فلي فيه أوطار وأوطان آليت والحر ~~لا يلوي أليته ... إلا تلد بطيب النوم أجفان PageV02P0187 # حتى تعود ليالينا التي سلفت ... بالأجرعين وجيراني كما كانوا الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي العلامة تاج الدين أبو اليمن ~~زيد بن الحسن الكندي في شوال، وله ثلاث وتسعون سنة وشهران. والملك الظاهر ~~أبو منصور غازي ابن السلطان صلاح الدين بحلب في جمادى الآخرة. والمحدث عز ~~الدين محمد ابن الحافظ عبد الغني المقدسي في شوال. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة أربع عشرة وستمائة. فيها قدم الملك ~~خوارزم شاه واسمه محمد ابن تكش إلى همذان بقصد بغداد في أربعمائة ألف ~~مقاتل، وقيل في ستمائة ألف، فاستعد له الخليفة الناصر لدين الله، وفرق ~~المال والسلاح، وأرسل إليه الشيخ شهاب الدين السهروردي في رسالة فأهانه ~~واستدعاه وأوقفه إلى جانب تخته، ولم يأذن له بالقعود. قال أبو المظفر: - " ~~حكى الشهاب قال - استدعاني فأتيت إلى خيمة عظيمة لها دهليز لم أر في الدنيا ~~مثله، والدهليز والشقة أطلس والأطناب حرير، وفي الدهليز ملوك العجم على ~~اختلاف طبقاتهم: صاحب همذان وأصبهان والري وغيرهم، فدخلنا إلى خيمة أخرى ~~إبريسم؛ وفي دهليزها ملوك خراسان: مرو ونيسابور وبلخ وغيرهم؛ ثم دخلنا خيمة ~~أخرى، وملوك ما وراء النهر في دهليزها، كذلك ثلاث خيام. ثم دخلنا عليه وهو ~~في خركاة عظيمة من ذهب؛ وعليها سجاف مرصع بالجواهر. وهو صبي له شعرات قاعد ~~على تخت ساذج وعليه قباء بخاري يساوي خمسة دراهم، وعلى رأسه قطعة من جلد ~~تساوي درهما، فسلمت عليه فلم يرد، ولا أمرني بالجلوس؛ فشرعت فخطبت خطبة ~~بليغة، ذكرت فيها فضل بني العباس ووصفت الخليفة بالزهد والورع والتقى ~~والدين؛ والترجمان ms1309 يعيد عليه قولي. فلما فرغت قال للترجمان: قل له: هذا ~~الذي وصفته ما هو في بغداد؟. قلت: نعم قال: أنا أجيء وأقيم خليفة يكون بهذه ~~الأوصاف. ثم ردنا بغير جواب. فنزل الثلج عليهم فهلكت دوابهم وركب خوارزم ~~شاه يوما فعثر به فرسه فتطير، ووقع الفساد في عسكره وقفت الميرة. وكان معه ~~سبعون ألفا من الخطا فرده الله ونكب تلك النكبة العظيمة " . وسنذكرها - إن ~~شاء الله تعالى - في محلها. وفيها توفي إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن ~~سرور الشيخ العماد المقدسي الزاهد القدوة الحنبلي أخو الحافظ عبد الغني؛ ~~ولد بجماعيل في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، فهو أصغر من الحافظ عبد الغني ~~بسنتين وسمع الكثيرة وكان إماما حافظا عالما محدثا زاهدا عابدا فقيها. مات ~~فجأة في ليلة الأربعاء سادس عشر ذي القعدة. وفيها توفي عبد الصمد بن محمد ~~بن أبي الفضل بن علي بن عبد الواحد أبو القاسم القاضي جمال الدين الحرستاني ~~الأنصاري شيخ القضاة. ولد بدمشق في سنة عشرين وخمسمائة، ورحل وسمع الحديث ~~وتفقه؛ وكان إماما عفيفا خطيبا دينا صالحا. له حكايات مع الملك المعظم عيسى ~~في أحكامه - رحمه الله تعالى - . وفيها توفي محمد بن أبي القاسم بن محمد ~~أبو عبد الله الهكاري الأمير بدر الدين؛ استشهد على حصن الطور، وأبلى بلاء ~~حسنا ذلك اليوم وكان من المجاهدين، له المواقف المشهودة في قتال الفرنج، ~~وكان من أكابر أمراء الملك المعظم، كان يستشيره ويصدر عن رأيه ويثق له ~~لصلاحه ودينه وكان سمحا جوادا. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي المحدث أبو الخطاب أحمد بن محمد البلنسي بمراكش. وأبو الحسن علي ~~بن محمد بن علي الموصلي أخو سليمان. وأبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير ~~الكناني البلنسي الأديب الإسكندراني بها، وله أربع وسبعون سنة. وقاضي ~~القضاة أبو القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني في ذي الحجة، وله أربع ~~وتسعون سنة وأشهر. والإمام عماد الدين إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي فجأة ~~في ذي القعدة وله سبعون سنة. والمحدث أبو ms1310 محمد عبد الله بن عبد الجبار ~~العثماني الإسكندراني الكارمي بمكة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة عشرة من سلطنة الملك العادل # أبي بكر بن أيوب على مصر وهي التي مات فيها العادل في جمادى الآخرة حسب ~~ما تقدم ذكره. PageV02P0188 # وهي سنة خمس عشرة وستمائة. وفيها نزلت الفرنج على دمياط في شهر ربيع ~~الأول، وكان العادل بمرج الصفر، فبعث بالعساكر التي كانت معه إلى مصر إلى ~~ولده الكامل، وأقام المعظم بالساحل بعسكر الشام في مقابلة الفرنج ليشغلهم ~~عن دمياط. وفيها استدعى الملك العادل صاحب الترجمة ابنه الملك المعظم ~~المقدم ذكره وقال له: قد بنيت هذا الطور، وهو يكون سببا لخراب الشام، وقد ~~سلم الله من كان فيه من أبطال المسلمين، وسلاح الدنيا والذخائر، وأرى من ~~المصلحة خرابه ليتوفر من فيه من المسلمين والعمد على حفظ دمياط، وأنا أعوضك ~~عنه؛ فتوقف المعظم وبقي أياما لا يدخل إلى أبيه العادل، فبعث إليه العادل ~~ثانيا وأرضاه بالمال، ووعده في مصر ببلاد، فأجاب المعظم وبعث ونقل ما كان ~~فيه. وفيها في يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر كسر الملك الأشرف موسى، ~~صاحب خلاط وديار بكر وحلب ابن الملك العادل هذا، ملك الروم كيكاوس. وفيها ~~أيضا بعث الأشرف المذكور بالأمير سيف الدين بن كهدان والمبارز ابن خطلج ~~بجماعة من العساكر نجمة إلى أخيه الملك الكامل بدمياط، كل ذلك والقتال عمال ~~بين الملك الكامل والفرنج على ثغر دمياط. وفيها في آخر جمادى الأولى أخذ ~~الفرنج برج السلسلة من الكامل، فأرسل الكامل شيخ الشيوخ صدر الدين إلى أبيه ~~العادل وأخبره، فدق العادل بيده على صدره، ومرض من قهره مرض الموت. وفيها ~~في جمادى الآخرة التقى الملك المعظم الفرنج بساحل الشام وقاتلهم فنصره الله ~~عليهم، وقتل منهم مقتلة، وأسر من الداوية مائة فارس، وأدخلهم القدس منكسي ~~الأعلام. وفيها وصل رسول خوارزم شاه إلى الملك العادل هذا وهو بمرج الصفر، ~~فبعث بالجواب ms1311 الخطيب الدولعي ونجم الدين خليل ابن علي الحنفي، قاضي العسكر، ~~فوصلا همذان فوجدا الخوارزمي قد اندفع بين يحيى الخطا والتتار، وقد خامر ~~عليه عسكره، فسارا إلى حد بخارى؛ فاجتمعا بولده الملك جلال الدين فأخبرهما ~~بوفاة العادل صاحب الترجمة مرسلهما، فرجعا إلى دمشق. وفيها حج بالناس من ~~بغداد أقباش الناصري. وفيها توفي عبد الله بن الحسين أبو القاسم عماد الدين ~~الدامغاني الحنفي قاضى القضاة ببغداد، ومولده في شهر رجب سنة أربع وستين ~~وخمسمائة. وكان له صمت ووقار ودين وعصمة وعفة وسيرة حسنة مع العلم والفضل، ~~وكانت وفاته في ذي القعدة ودفن بالشونيزية. وفيها توفي كيكاوس الأمير عز ~~الدين صاحب الروم؛ كان جبارا ظالما سفاكا للدماء، ولما عاد إلى بلده من ~~كسرة الأشرف موسى اتهم أقواما من أمراء دولته أنهم قصروا في قتال الحلبيين، ~~وسلق منهم جماعة في القدور، وجعل آخرين في بيت وأحرقه؛ فأخذه الله بغتة. ~~ومات سكران فجأة؛ وقيل: بل ابتلي في بدنه، وتقطعت أوصاله. وكان أخوه علاء ~~الدين كيقباد محبوسا في قلعة، وقد أمر كيكاوس بقتله، فبادروا وأخرجوه، ~~وأقاموه في الملك. وكانت وفاة كيكاوس في شوال، وهو الذي أطمع الفرنج في ~~دمياط. وفيها توفي خوارزم شاه واسمه محمد بن تكش بن إيل أرسلان بن أتسز بن ~~محمد بن أنوشتكين السلطان علاء الدين المعروف بخوارزم شاه. قال ابن واصل : ~~نسبه ينتهي إلى إيلتكين أحد مماليك السلطان ألب أرسلان بن طغرلبك السلجوقي، ~~وكانت سلطنة خوارزم شاه المذكور في سنة ست وتسعين وخمسمائة عند موت والده ~~السلطان علاء الدين تكش. وقال عز الدين بن الأثير: كان صبورا على التعب ~~وإدمان السير غير متنعم ولا مقبل على اللذات، إنما همته في الملك وتدبيره ~~وحفظه وحفظ رعيته، وكان فاضلا عالما بالفقه وغيرهما، وكان مكرما محبا لهم ~~محسنا إليهم يحب مناظرتهم بين يديه ويعظم أهل الدين ويتبرك بهم. - قلت: ~~وهذا بخلاف ما ذكره أبو المظفر مما حكاه عن الشيخ شهاب الدين السهروردي، ~~لما توجه إلى خوارزم شاه هذا رسولا من قبل الخليفة الناصر لدين الله ms1312 فإنه ~~ذكر عنه أشياء من التكبر والتعاظم عليه، وعدم الالتفات له، وإنه صار لا ~~يفهم كلام السهروردي إلا بالترجمان؛ ولعله كان فعل ذلك لإظهار العظمة، وهو ~~نوع من تجاهل العارف - . PageV02P0189 # قال: وكان أعظم ملوك الدنيا واتسعت ممالكه شرقا وغربا وهابته الملوك حتى ~~لم يبق إلا من دخل تحث طاعته وصار من عسكره. ومحق أبوه التتار بالسيف وملك ~~منهم البلاد. ووقع له أمور طويلة حتى إنه نزل همذان، وكان في عسكره سبعون ~~ألفا من الخطا؛ فكاتب القمي عساكره ووعدهم بالبلاد، فاتفقوا مع الخطا على ~~قتله. وكان خاله من الخطا وحلفوه إلا يطلعه على ما دبروا عليه، فجاء إليه ~~في الليل وكتب في يده صورة الحال، فقام وخرج من وقته ومعه ولداه: جلال ~~الدين وآخر؛ ولما خرج من الخيمة دخل الخطا والعساكر من بابها ظنا منهم أنه ~~فيها، فلم يجدوه فنهبوا الخزائن؛ يقال: إنه كان في خزائنه عشرة آلاف ألف ~~دينار، وألف حمل قماش أطلس، وعشرون ألف فرس وبغل، وكان له عشرة آلاف مملوك، ~~فتمزق الجميع وهرب ولداه إلى الهند، وهرب خوارزم شاه إلى الجزيرة، وفيها ~~قلعة ليتحصن بها، فمات دون طلوع القلعة المذكورة في هذه السنة، وقيل: في ~~سنة سبع عشرة وستمائة. والله أعلم. وفيها توفي الملك القاهر عز الدين مسعود ~~ابن أرسلان بن مسعود بن مودود ابن زنكي أبو الفتح صاحب الموصل، وترك ولدا ~~صغيرا اسمه محمود، فأخرج الأمير بدر الدين لؤلؤ زنكي أخا القاهر من الموصل ~~واستولى عليها، ودبر مملكة محمود المذكور. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي الشهاب فتيان بن علي الشاغوري الأديب. وصاحب الروم ~~السلطان عز الدين كيكاوس، وولي بعده علاء الدين أخوه. وصاحب الموصل عز ~~الدين مسعود بن أرسلان شاه الأتابكي. وصاحب مصر وغيرها السلطان الملك ~~العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب في جمادى الآخرة عن سبع وسبعين سنة. وأبو ~~الفتوح محمد بن محمد بن محمد بن عمروك البكري النيسابوري الصوفي في جمادى ~~الآخرة، وهو في عشر المائة. والشمس أبو القاسم ms1313 أحمد بن عبد الله بن عبد ~~الصمد السلمي العطار في شعبان. والحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد بن أحمد بن ~~كرم البندنيجي في رمضان عن أربع وسبعين سنة، سمع ابن الزاغوبي. وأم المؤيد ~~زينب بنت عبد الرحمن بن الحسن الشعرية، ولها إحدى وتسعون سنة. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وست أصابع. ### | AUT سلطنة الملك الكامل على مصر # أعني بذلك استقلالا بعد وفاة أبيه العادل، لأن الكامل هذا كان متولي ~~سلطنة مصر في حياة والده العادل؛ لما قسم العادل الممالك في أولاده من سنين ~~عديدة؛ أعطى المعظم عيسى دمشق، وأعطى الأشرف موسى الشرق، وأعطى الملك ~~الكامل محمدا هذا مصر، وصار هو يتنقل في ممالك أولاده؛ والعمدة في كل ~~الممالك عليه إلى أن مات الملك العادل تفرد الملك الكامل محمد بالخطبة في ~~ديار مصر وأعمالها، واستقل بأمورها وتدبير أحوالها، وذلك من يوم وفاة والده ~~الملك إلى المذكور، وهو من يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة من سنة خمس عشرة ~~وستمائة. قلت: وقد تقدم نسب الملك الكامل هذا في ترجمة عمه السلطان صلاح ~~الدين، واستوعبنا ذلك من عدة أقوال وحررناه، فلينظر هناك. قال أبو المظفر: ~~" ولد الكامل سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وكان أكبر أولاد العادل بعد مودود، ~~وكان العادل قد عهد إليه لما رأى من ثباته وعقله وسداده. وكان شجاعا ذكيا ~~فطنا يحب العلماء والأماثل ويلقي عليهم المشكلات، ويتكلم على صحيح مسلم ~~بكلام مليح، ويثبت بين يدي العدو. وأما عدله فإليه المنتهى " انتهى كلام ~~أبي المظفر باختصار. وقال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في ~~تاريخ الإسلام: " الملك الكامل محمد السلطان ناصر الدين أبو المعالي وأبو ~~المظفر ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي ~~صاحب مصر. ولد بمصر سنة ست وسبعين وخمسمائة " . - قلت: وهذا بخلاف ما نقله ~~أبو المظفر في سنة مولده، وعندي أن أبا المظفر أثبت لصحبته بأخيه المعظم ~~عيسى، وكونه أيضا عصري الملك ms1314 الكامل هذا - . والله أعلم. PageV02P0190 # قال أعني الذهبي: وأجاز له العلامة عبد الله بن بري، وأبو عبد الله ابن ~~صدقة الحراني، وعبد الرحمن بن الخرقي؛ قرأت بخط ابن مسدي في معجمه: كان ~~الكامل محبا للحديث وأهله، حريصا على حفظه ونقله، وللعلم عنده شرف؛ خرج له ~~أبو القاسم بن الصفراوي أربعين حديثا، وسمعها جماعة. وحكى لي عنه مكرم ~~الكاتب أن أباه العادل استجاز له السلفي قبل موت السلفي بأيام، قال ابن ~~المسدي: ثم وقفت أنا على ذلك وأجاز لي " و " لابني. قال الذهبي: وتملك ~~الديار المصرية أربعين سنة، شطرها في أيام والده. وقيل: بل ولد في ذي ~~القعدة سنة خمس وسبعين. قلت: وهذا قول ثالث في مولده. وقال الحافظ عبد ~~العظيم المنذري استادار الحديث بالقاهرة يعني بذلك المدرسة الكاملية ببين ~~القصرين. قال: وعمر القبة على ضريح الشافعي، وأجرى الماء من بركه الحبش إلى ~~حوض السبيل والسقايه، وهما على باب القبة المذكورة، ووقف غير ذلك من الوقوف ~~على أنواع من أعمال البر بمصر وغيرها. وله المواقف المشهودة في الجهاد ~~بدمياط المدة الطويلة، وأنفق الأموال الكثيرة، وكافح العدو المخذول برا ~~وبحرا ليلا ونهارا. يعرف ذلك من مشاهده. ولم يزل على ذلك حتى أعز الله ~~الإسلام وأهله، وخذل الكفر وأهله، وكان معظما للسنة النبوية وأهلها، راغبا ~~في نشرها والتمسك بها، مؤثرا الاجتماع مع العلماء والكلام معهم حضرا وسفرا. ~~انتهى كلام المنذري باختصار. وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان في تاريخه ~~بعد ما ساق نسبه وذكره نحوا مما ذكرناه حتى قال: " ولما وصل الفرنج إلى ~~دمياط كما تقدم ذكره، كان الملك الكامل في مبدأ استقلاله بالسلطنة، وكان ~~عنده جماعة كثيرة من أكابر الأمراء، منهم: عماد الدين أحمد بن المشطوب، ~~فاتفقوا مع أخيه الملك الفائز سابق الدين إبراهيم ابن الملك العادل، ~~وانضموا إليه، فظهر للملك الكامل منهم أمور تدل على أنهم عازمون على تفويض ~~الملك إليه وخلع الكامل، واشتهر ذلك بين الناس؛ وكان الملك الكامل يداريهم ~~لكونه في قبالة العدو ولا يمكنه المقاهرة، وطول روحه معهم، ولم ms1315 يزل على ذلك ~~حتى وصل إليه أخوه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق يوم الخميس تاسع عشر ذي ~~القعدة من سنة خمس عشرة وستمائة، فأطلعه الكامل في الباطن على صورة الحال، ~~وأن رأس هذه الطائفة ابن المشطوب ، فجاءه يوما على غفلة في خيمته واستدعاه ~~فخرج إليه، فقال له: أريد أن أتحدث أمعك سرا في خلوة، فركب فرسه يعني ابن ~~المشطوب. وسار معه جريدة، وقد خرد المعظم جماعة ممن يعتمد عليهم ويثق ~~إليهم، وقال لهم: اتبعونا. ولم يزل المعظم يشغله بالحديث ويخرج معه من شيء ~~إلى شيء حتى أبعد عن المخيم، ثم قال له: يا عماد الدين هذه البلاد لك ~~ونشتهي أن تهبها لنا، ثم أعطاه شيئا من النفقة، وقال لأولئك المجردين: ~~تسلموه حتى تخرجوه من الرمل، فلم يسعه إلا الامتثال لانفراده وعدم القدرة ~~على الممانعة في تلك الحال؛ ثم عاد المعظم إلى أخيه الملك الكامل وعرفه ~~صورة ما جرى. ثم جهز أخاه الملك الفائز المذكور إلى الموصل لإحضار النجدة ~~منها " و " من بلاد الشرق فمات بسنجار. وكان ذلك خديعة لإخراجه من البلاد. ~~فلما خرج هذان الشخصان من العسكر تحللت عزائم من بقي من الأمراء الموافقين ~~لهما، ودخلوا في طاعة الملك الكامل كرها لا طوعا. وجرى في قصة دمياط ما هو ~~مشهور فلا حاجة للإطالة في ذكره . ولما ملك الفرنج دمياط وصارت في أيديهم ~~خرجوا منها قاصدين القاهرة ومصر ونزلوا في رأس الجزيرة التي دمياط في برها، ~~وكان المسلمون قبالتهم في القرية المعروفة بالمنصورة، والبحر حائل بينهم، ~~وهو بحر أشموم، ونصر الله - سبحانه وتعالى - بمنه وجميل لطفه المسلمين ~~عليهم كما هو مشهور؛ ورحل الفرنج عن منزلتهم ليلة الجمعة سابع رجب سنة ~~ثماني عشرة وستمائة، وتم الصلح بينهم وبين المسلمين في حادي عشر الشهر ~~المذكور، ورحل الفرنج عن البلاد في شعبان من السنة المذكورة، وكانت مدة ~~إقامتهم في بلاد الإسلام ما بين الشام والديار المصرية أربعين شهرا وأربعة ~~عشر يوما؛ وكفى الله - تعالى - المسلمين شرهم والحمد لله على ذلك. ~~PageV02P0191 # - قلت ونذكر أمر دمياط ms1316 من كلام أبي المظفر في آخر هذه الترجمة بأوسع من ~~ذلك، لأنه معاصر الكامل وصاحب المعظم، فهو أجدر بهذه الواقعة - . فلما ~~استراح خاطر الملك الكامل من جهة هذا العدو تفرغ للأمراء الذين كانوا ~~متحاملين عليه فنفاهم عن البلاد وبدد شملهم وشردهم، ودخل القاهرة وشرع في ~~عمارة البلاد واستخراج الأموال من جهاتها، وكان سلطانا عظيم القدر جميل ~~الذكر محبا للعلماء متمسكا بالسنة، حسن الاعتقاد معاشرا لأرباب الفضائل ~~حازما في أموره لا يضع الشيء إلا في مواضعه من غير إسراف ولا إقتارة وكان ~~يبيت عنده كل ليلة جمعة جماعة من الفضلاء يشاركهم في مباحثهم، ويسألهم عن ~~المواضع المشكلة في كل فن، وهو معهم كواحد منهم، وكان - رحمه الله - يعجبه ~~هذان البيتان وينشدهما كثيرا وهما: ما كنت من قبل ملك قلبي ... تصد عن مدنف ~~حزين وإنما قد طمعت لما ... حللت في موضع حصين قال : ولما مات أخوه الملك ~~المعظم عيسى صاحب الشام، وقام ابنه الملك الناصر صلاح الدين داود مقامه، ~~خرج الملك الكامل من الديار المصرية قاصدا أخذ دمشق منه؛ وجاءه أخوه الملك ~~الأشرف مظفر الدين موسى، واجتمعا على أخذ دمشق بعد فصول يطول شرحها. وملك ~~الكامل دمشق في أول شعبان سنة ست وعشرين وستمائة، وكان يوم الاثنين؛ فلما ~~ملكها دفعها لأخيه الملك الأشرف، وأخذ عوضها من بلاد الأشرف: حران والرها ~~وسروج والرقة ورأس العين؛ توجه إليها بنفسه في تاسع شهر رمضان من السنة. ~~قال ابن خلكان: واجتزت بحران في شوال سنة ست وعشرين وستمائة والملك الكامل ~~مقيم به بعساكر الديار المصرية؛ وجلال الدين خوارزم شاه يوم ذاك محاصر ~~لخلاط، وكانت لأخيه الملك الأشرف، ثم رجع إلى الديار المصرية. ثم تجهز في ~~جيش عظيم، وقصد آمد في سنة تسع وعشرين وستمائة فأخذها مع حصن كيفا والبلاد ~~من الملك المسعود ركن الدين مودود بن الملك الصالح أبي الفتح محمود بن نور ~~الدين محمد بن فخر الدين قرا أرسلان بن ركن الدولة داود بن نور الدولة ~~سقمان؛ ويقال سكمان بن أرتق، قال: ثم مات أخوه ms1317 الملك الأشرف وجعل ولي عهده ~~أخاه الملك الصالح إسماعيل بن العادل، فقصده الملك الكامل أيضا، وانتزع منه ~~دمشق بعد مصالحة جرت بينهما في التاسع من جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين ~~وستمائة، وأبقى له بعلبك وأعمالها، وبصرى وأرض السواد وتلك البلاد. ولما ~~ملك البلاد المشرقية وآمد وتلك النواحي استخلف فيها ولده الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب، واستخلف ولده الأصغر الملك العادل سيف الدين أبا بكر بالديار ~~المصرية. وقد تقدم في ترجمة الملك العادل أنه سير ولده الملك المسعود أقسيس ~~إلى اليمن، وكان أكبر أولاد الملك الكامل. وملك الملك المسعود مكة - حرسها ~~الله تعالى - وبلاد الحجاز مضافة إلى اليمن، وكان رحيل الملك المسعود من ~~الديار المصرية متوجها إلى اليمن في يوم الاثنين سابع عشر رمضان سنة إحدى ~~عشرة وستمائة، ودخل مكة في ثالث ذي القعدة من السنة، وخطب له بها وحج؛ ودخل ~~زبيد وملكها مستهل المحرم سنة اثنتي عشرة وستمائة. ثم ملك مكة في شهر ربيع ~~الآخر سنة عشرين وستمائة، أخذها من الشريف حسن بن قتادة الحسني. قلت: وقد ~~ذكرنا خروج الملك المسعود إلى اليمن من وقته في ترجمة جده الملك العادل. ~~وتوفي الملك المسعود في حياة والده الملك الكامل بمكة في ثالث جمادى الأولى ~~سنة ست وعشرين وستمائة. وكان مولده في سنة سبع وتسعين وخمسمائة وأظنه أكبر ~~أولاد الكامل. والله أعلم. قال ابن خلكان: واتسعت المملكة للملك الكامل؛ ~~ولقد حكى لي من حضر الخطبة يوم الجمعة بمكة أنه لما وصل الخطيب إلى الدعاء ~~للملك الكامل قال: صاحب مكة وعبيدها، واليمن وزبيدها، ومصر وصعيدها، والشام ~~وصناديدها، والجزيرة ووليدها، سلطان القبلتين ورب العلامتين وخادم الحرمين ~~الشريفين الملك الكامل أبو المعالي ناصر الدين محمد خليل أمير المؤمنين. ~~PageV02P0192 # قال: ولقد رأيته بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمائة عند رجوعه من بلاد ~~المشرق، واستنقاذه إياها من الأمير علاء الدين كيقباد بن كيخسرو بن قليج ~~أرسلان بن مسعود ابن قليج أرسلان، بن سليمان ابن قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق ~~بن دقاق السلجوقي صاحب الروم، وهي وقعة مشهورة يطول ms1318 شرحها؛ وفي خدمته يومئذ ~~بضعة عشر ملكا، منهم أخوه الملك الأشرف. ولم يزل في علو شأنه وعظيم سلطانه ~~إلى أن مرض بعد أخذه دمشق ولم يركب، وكان ينشد في مرضه كثيرا: يا خليلي ~~خبراني بصدق ... كيف طعم الكرى فإني نسيته ولم يزل كذلك إلى أن توفي يوم ~~الأربعاء بعد العصر، ودفن بالقلعة بمدينة دمشق يوم الخميس الثاني والعشرين ~~من رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة، وأنا بدمشق يومئذ، وحضرت الصيحة يوم السبت ~~في جامع دمشق، لأنهم أخذوا موته إلى وقت صلاة الجمعة، فلما أحضرت الصلاة ~~قام بعض الدعاة على العريش، بين يدي المنبر وترحم على الملك الكامل، ودعا ~~لولده الملك العادل صاحب مصر، وكنت حاضرا في ذلك الموضع، فضج الناس ضجة ~~واحدة، وكانوا قد أحسوا بذلك، لكنهم لم يتحققوه إلا ذلك اليوم. وترتب ابن ~~أخيه الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن الملك العادل في ~~نيابة السلطنة بدمشق عن الملك العادل بن الكامل صاحب مصر باتفاق الأمراء ~~الذين كانوا حاضرين ذلك الوقت بدمشق. ثم بني له تربة مجاورة للجامع، ولها ~~شباك إلى الجامع، ونقل إليها. قال: وأما ولده الملك العادل فإنه أقام في ~~المملكة إلى يوم الجمعة ثامن ذي القعدة من سنة سبع وثلاثين وستمائة، فقبض ~~عليه أمراء دولته بظاهر بلبيس " . انتهى كلام ابن خلكان على جليته. ونذكر ~~أيضا من أحوال الكامل نبذة جيدة من أقوال غيره من المؤرخين. إن شاء الله ~~تعالى. قال بعضهم: كان الملك الكامل فاضلا عالما شهما مهيبا عاقلا محبا ~~للعلماء، وله شعر حسن، واشتغال في العلم. قيل: إنه شكا إليه ركبدار أستاذه ~~بأنه استخدمه ستة أشهر بلا جامكية، فأنزل أستاذه من فرسه وألبسه ثياب ~~الركبدار، وألبس الركبدار ثيابه، وأمره بخدمة الركبدار وحمل مداسه ستة أشهر ~~حتى شفع وكانت الطرق آمنة في زمانه. ولما بعث ابنه الملك المسعود أقسيس ~~وافتتح اليمن والحجاز ثم مات قبله كما ذكرناه ورث منه أموالا عظيمة، ففرق ~~غالبها في وجوه البر والصدقات. وكانت راية الملك الكامل صفراء. وفيه يقول ms1319 ~~البهاء زهير - رحمه الله تعالى - . بك اهتز عطف الدين في حلل النصر ... ~~وردت على أعقاب ملة الكفر وأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكرى ... لما حلمت إلا ~~بأعلامك الضفر ثلاثة أعوام أقمت وأشهرا ... تجاهد فيهم لا بزيد ولا عمرو ~~وليلة نفر للعدو رأيتها ... بكثرة من أرديته ليلة النحر فيا ليلة قد شرف ~~الله قدرها ... فلا غرو إن سميتها ليلة القدر وقال: وكان فيه جبروت مع سفك ~~الدماء. وذكر الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري: أن عماد الدين يحيى ~~البيضاوي الشريف قال: حكى لي الخادم الذي للكامل قال: طلب مني الكامل طستا ~~حتى يتقيأ فيه فأحضرته، وكان الملك الناصر داود على الباب، جاء ليعود عمه ~~الكامل؛ فقلت: داود على الباب، فقال: ينتظر موتي؛ فانزعج، فخرجت وقلت: ما ~~ذاك وقتك. السلطان منزعج؛ فنزل إلى داره؛ ودخلت إلى السلطان فوجدته قد قضى ~~والطست بين يديه وهو مكبوب على المخدة. وقال ابن واصل: حكى لي طبيبه قال: ~~أصابه لما دخل قلعة دمشق زكام، فدخل الحمام وصب على رأسه ماء شديد الحرارة، ~~اتباعا لقول محمد بن زكريا الرازي في كتاب سماه " طب ساعة " ؛ قال فيه: من ~~أصابه زكام وصب على رأسه ماء شديد الحرارة انحل زكامه لوقته، وهو لا ينبغي ~~أن يعمل على إطلاقه؛ قال الطبيب: فانصب من دماغه إلى فم معدته فتورمت، ~~وعرضت له حمى شديدة، وأراد القيء فنهاه الأطباء، وقالوا: إن تقيأ هلك، ~~فخالفهم وتقيأ فهلك لوقته. قال ابن واصل: وحكى لي الحكم رضي الدين قال: عرض ~~له خوانيق، وتقيأ دما كثيرا ومدة، فأراد القيء أيضا فنهاه موفق الدين ~~إبراهيم، وأشار عليه بعض الأطباء بالقيء فتقيأ، فانصبت بقية المادة إلى ~~قصبة الرئة وسدتها فمات. PageV02P0193 # وقال ابن واصل: وكان ملكا جليلا حازما، سديد الآراء حسن التدبير لممالكه ~~عفيفا حليما؛ عمرت في أيامه الديار المصرية عمارة كبيرة، وكان عنده مسائل ~~غريبة من الفقه والنحو يوردها، فمن أجابه حظي عنده. ### || AUT أخذ دمياط # PageV02P0194 # قال أبو المظفر في تاريخه: " في شعبان أخذ الفرنج دمياط، وكان المعظم قد ms1320 ~~جهز إليها الناهض بن الجرخي في خمسمائة راجل، فهجموا على الخنادق فقتل ابن ~~الجرخي ومن كان معه، وصفوا رؤوس القتلى على الخنادق، وكان الفرنج قد طموها ~~يعني الخنادق وضعف أهل دمياط وأكلوا الميتات، وعجز الملك الكامل عن نصرتهم، ~~ووقع فيهم الوباء والفناء، فراسلوا الفرنج على أن يسلموا إليهم البلد ~~ويخرجوا منه بأموالهم وأهلهم، واجتمعوا وحلفوهم على ذلك، فركبوا في المراكب ~~وزحفوا في البر والبحر، وفتح لهم أهل دمياط الأبواب، فدخلوا ورفعوا أعلامهم ~~على السور، وغدروا بأهل دمياط، ووضعوا فيهم السيف قتلا وأسرا، وباتوا تلك ~~الليلة بالجامع يفجرون بالنساء، ويفتضون البنات، وأخذوا المنبر والمصاحف ~~ورؤوس القتلى، وبعثوا بها إلى الجزائر، وجعلوا الجامع كنيسة؛ وكان أبو ~~الحسن ابن قفل بدمياط، فسألوا عنه، فقيل لهم: هذا رجل صالح من مشايخ ~~المسلمين يأوي إليه الفقراء، فما تعرضوا له. ووقع على المسلمين كآبة عظيمة. ~~وبكى الكامل والمعظم بكاء شديدا، ثم تأخرت العساكر عن تلك المنزلة. ثم قال ~~الكامل لأخيه المعظم: قد فات المطلوب، وجرى المقدر بما هو كائن، وما في ~~مقامك هاهنا فائدة؛ والمصلحة أن تنزل إلى الشام تشغل خواطر الفرنج، وتستجلب ~~العساكر من بلاد الشرق. قال أبو المظفر: فكتب المعظم إلي وأنا بدمشق كتابا ~~بخطه، يقول - في أوله - : قد علم الأخ العزيز بأن قد جرى على دمياط ما جرى، ~~وأريد أن تحرض الناس على الجهاد، وتعرفهم ما جرى على إخوانهم أهل دمياط من ~~الكفرة أهل العناد. وإني كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفي قرية، منها ألف ~~وستمائة أملاك لأهلها، وأربعمائة سلطانية، وكم مقدار ما تقوم به هذه ~~الأربعمائة من العساكر؛ وأريد أن تخرج الدماشقة ليذبوا عن أملاكهم، الأصاغر ~~منهم والأكابر. ويكون لقاؤنا وهم صحبتك إلى نابلس في وقت سماه. قال: فجلست ~~بجامع دمشق وقرأت كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع والطاعة، وقالوا: نمتثل أمره ~~بحسب الاستطاعة. وتجهزوا، فلما حل ركابه بالساحل وقع التقاعد، وكان تقاعدهم ~~سببا لأخذه الثمن والخمس من أموالهم. وكتب إلي يقول: إذا لم يخرجوا فسر أنت ~~إلينا، فخرجت إلى الساحل وهو نازل على قيسارية، ms1321 فأقمنا حتى فتحها عنوة، ثم ~~سرنا إلى النفر ففتحه وهدمه؛ وعاد إلى دمشق بعد أن أخرج العساكر إلى ~~السواحل. واستمر الملك الكامل على مقاتلة الفرنج إلى أن فتح الله عليه في ~~سنة ثماني عشرة وستمائة، وطلب من إخوته النجدة، وتوجه المعظم في أول السنة ~~إلى أخيه الأشرف موسى، واجتمعا على حران. وكتب صاحب ماردين إلى الأشرف ~~يسأله أن يصعد المعظم إليه، فسأله فسار إلى ماردين، فتلقاه صاحب ماردين من ~~دنيسر، وأصدمه إلى القلعة وخدمه خدمة عظيمة، وقدم له التحف والجواهر ~~وتحالفا واتفقا على ما أرادا؛ ثم عاد المعظم إلى أخيه الأشرف. وجاء خبر ~~دمياط. وكان المعظم أحرص الناس على خلاص دمياط والغزاة، وكان مصافيا لأخيه ~~الكامل، وكان الأشرف مقصرا في حق الكامل مباينا له في الباطن؛ فلما اجتمعت ~~العساكر على حران قطع بهم المعظم الفرات، وسار الأشرف في آثاره، ونزل ~~المعظم حمص والأشرف سلمية. قال: وكنت قد خرجت من دمشق إلى حمص لطلب الغزاة، ~~فإنهم كانوا على عزم الدخول إلى طرابلس، فاجتمعت بالمعظم في شهر ربيع الآخر ~~فقال لي: قد سحبت الأشرف إلى هاهنا وهو كاره، وكل يوم أعتبه في تأخره وهو ~~يكاسر وأخاف من الفرنج أن يستولوا على مصر، وهو صديقك؛ وأشتهي أن تقوم تروح ~~إليه فقد سألني عنك مرارا؛ ثم كتب إلى أخيه كتابا بخطه نحو ثمانين سطرا، ~~فأخذته ومضيت إلى سلمية؛ وبلغ الأشرف وصولي فخرج من الخيمة وتلقاني وعاتبني ~~على انقطاعي عنه وجرى بيني وبينه فصول؛ وقلت له: المسلمون في ضائقة، وإذا ~~أخذ الفرنج الديار المصرية ملكوا إلى حضرموت، وعفوا آثار مكة والمدينة ~~والشام وأنت تلعب، قم الساعة وارحل؛ فقال: ارموا الخيام والدهليز، وسبقته ~~إلى حمص فتلقاني المعظم، وقال: ما نمت البارحة ولا أكلت اليوم شيئا، فقلت: ~~غدا يصبح أخوك الأشرف حمصي. PageV02P0195 # فلما كان من الغد أقبلت الأطلاب وجاء طلب الأشرف، والله ما رأيت أجمل منه ~~ولا أحسن رجالا ولا أكمل عدة، وسر المعظم سرورا عظيما؛ وجلسوا تلك الليلة ~~يتشاورون، فاتفقوا على الدخول في السحر إلى طرابلس، ms1322 وكانوا على حال، فأنطق ~~الله الملك الأشرف من غير قصد وقال للمعظم: يا خوند؛ عوض ما ندخل الساحل ~~وتضعف خيلنا وعساكرنا ويضيع الزمان ما نروح إلى دمياط ونستريح؛ فقال له ~~المعظم - قول رماة البندق قال - : نعم، فقبل المعظم قدمه ونام الأشرف، فخرج ~~المعظم من الخيمة كالأسد الضاري يصيح: الرحيل الرحيل إلى دمياط؛ وما كان ~~يظن أن الأشرف يسمح بذلك، وساق المعظم إلى دمشق وتبعته العساكر، ونام ~~الأشرف في خيمته إلى قرب الظهر، وانتبه فدخل الحمام فلم ير حول خيمته أحدا، ~~فقال: وأين العساكر؛ فأخبروه الخبر فسكت، وساق إلى دمشق فنزل القصير يوم ~~الثلاثاء رابع جمادى الأولى، فأقام إلى سلخه، وعرض العساكر تحت قلعة دمشق، ~~وكان هو وأخوه المعظم في الطيارة بقلعة دمشق، وساروا إلى مصر. وأما الفرنج ~~فإنهم خرجوا بالفارس والراجل، وكان البحر زائدا جدا، فجاؤوا إلى ترعة ~~فأرسوا عليها، وفتح المسلمون عليهم الترع من كل مكان، وأحدق بهم عساكر ~~الكامل، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط؛ وجاء أسطول المسلمين فأخذوا مراكبهم، ~~ومنعوهم أن تصل إليهم الميرة من دمياط، وكانوا خلقا عظيما، وانقطعت أخبارهم ~~عن دمياط، وكان فيهم مائة كند وثمانمائة من الخيالة المعروفين وملك عكا ~~والدوك واللوكان نائب البابا؛ ومن الرجالة ما لا يحصى، فلما عاينوا الهلاك ~~أرسلوا إلى الكامل يطلبون الصلح والرهائن، ويسلمون دمياط، فمن حرص الكامل ~~على خلاص دمياط أجابهم، ولو أقاموا يومين أخذوا برقابهم؛ فبعث إليهم الكامل ~~ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وابن أخيه شمس الملوك؛ وجاء ملوكهم إلى ~~الكامل ممن سمينا، فالتقاهم وأنعم عليهم وضرب لهم الخيام. ووصل المعظم ~~والأشرف في تلك الحال إلى المنصورة في ثالث رجب، فجلس الكامل مجلسا عظيما ~~في خيمة كبيرة عالية، وقد مد سماطا عظيما، وأحضر ملوك الفرنج، ووقف المعظم ~~والأشرف والملوك في خدمته، وقام الحلي الشاعر - رحمه الله تعالى - فأنشد: ~~هنيئا فإن السعد راح مخلدا ... وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا حبانا إله ~~الخلق فتحا بدا لنا ... مبينا وإنعاما وعزا مؤيدا تهلل وجه الدهر بعد قطوبه ~~... وأصبح وجه الشرك ms1323 بالظلم أسودا ولما طغى البحر الخضم بأهله ال ... طغاة ~~وأضحى بالمراكب مزبدا أقام لهذا الدين من سل سيفه ... صقيلا كما سل الحسام ~~مجردا فلم ينج إلا كل شلو مجدل ... ثوى منهم أو من تراه مقيدا ونادى لسان ~~الكون في الأرض رافعا ... عقيرته في الخافقين ومنشدا أعباد عيسى إن عيسى ~~وحزبه ... وموسى جميعا يخدمون محمدا وهذا من أبيات كثيرة. قلت: صح للشاعر ~~فيما قصد من التورية في المعظم عيسى والأشرف موسى، لما وقفا في خدمة العامل ~~محمد، فلله دره! لقد أجاد فيما قال. ووقع الصلح بين الملك الكامل وبين ~~الفرنج في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رجب سنة ثماني عشرة وستمائة، وسار بعض ~~الفرنج في البر وبعضهم في البحر إلى عكا، وتسلم الكامل دمياط. قلت: ويعجبني ~~قول البارع كمال الدين علي بن النبيه في مدح مخدومه الملك الأشرف موسى لما ~~حضر مع أخيه المعظم إلى دمياط في هذه الكائنة قصيدته التي أولها: للذة ~~العيش والأفراح أوقات ... فانشر لواء له بالنصر عادات إلى أن قال منها: ~~دمياط طور ونار الحرب موقدة ... وأنت موسى وهذا اليوم ميقات ألق العصا ~~تتلقف كل ما صنعوا ... ولا تخف ما حبال القوم حيات وقي قصيدة طويلة مثبتة ~~في ديوان ابن النبيه. PageV02P0196 # قال أبو المظفر: قال فخر الدين ابن شيخ الشيوخ: حضر الفرنج دمياط صعد ~~الكامل على مكان عال، وقال لي: ما ترى ما أكثر الفرنج! ما لنا بهم طاقة؛ ~~فقلت: أعوذ بالله من هذا الكلام؛ قال: ولم. قلت لأن السعد موكل بالمنطق، ~~قال: فأخذت الفرنج دمياط بعد قليل، فلما طال الحصار صعد يوما على مكان عال، ~~وقال: يا فلان، ترى الفرنج ما أقلهم! والله ما هم شيء فقلت: أخذتهم والله ~~قال: وكيف؛ قلت: قلت في يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فأخذوا دمياط، وقد قلت ~~اليوم: كذا، والملوك منطقون بخير وشرة فأخذ دمياط بعد قليل " . انتهى. وقد ~~تقدم ذكر الكامل في أوائل الترجمة من قول جماعة من المؤرخين، ويأتي أيضا - ~~من ذكره في السنين المتعلقة به - نبذة كبيرة، ms1324 إن شاء الله تعالى. والله ~~الموفق لذلك بمنه وكرمه. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك الكامل محمد # ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ست عشرة وستمائة. وقد ~~تقدم أن الكامل كان ولي مصر في حياة والده العادل سنين عديدة فلا عمدة ~~بولايته تلك الأيام، فإنه كان كالنائب بمصر لأبيه العادل، ولا عبرة إلا بعد ~~استقلاله بسلطنة مصر بعد وفاة أبيه. فيها أعني سنة ست عشرة وستمائة أخرب ~~الملك المعظم عيسى صاحب دمشق القدس، لأنه كان توجه إلى أخيه الملك الكامل ~~صاحب الترجمة في نوبة دمياط في المرة الأولى، فبلغه أن الفرنج على عزم أخذ ~~القدس، فاتفق الأمراء على خرابه؛ وقالوا: قد خلا الشام من العساكر، فلو أخذ ~~الفرنج القدس حكموا على الشام جميعه. وكان بالقدس أخوه العزيز عثمان، وعز ~~الدين أيبك أستادار، فكتب إليهما المعظم بخرابه، فتوقفا وقالا: نحن نحفظه، ~~فكتب إليهما المعظم ثانيا: لو أخذوه لقتلوا كل من فيه وحكموا على الشام ~~وبلاد الإسلام، فألجأت الضرورة إلى خرابه. فشرعوا في خراب السور أول يوم من ~~المحرم، ووقع في البلد ضجة عظيمة. وخرج النساء المخدرات والبنات والشيوخ ~~وغيرهم إلى الصخرة والأقصى وقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم، وفعلوا أشياء من ~~هذه الفعال؛ ثم خرجوا هاربين وتركوا أموالهم وأهاليهم، وما شكوا أن الفرنج ~~تصبحهم، وامتلأت بهم الطرقات؛ فتوجه بعضهم إلى مصر، وبعضهم إلى الكرك، ~~وبعضهم إلى دمشق، وكانت البنات المخدرات يمزقن ثيابهن ويربطنها على أرجلهن ~~من الحفا؛ ومات خلق كثير من الجوع والعطش، ونهبت الأموال التي كانت لهم ~~بالقدس، وبلغ ثمن القنطار الزيت عشرة دراهم، والرطل النحاس نصف درهم؛ وذم ~~الناس المعظم؛ فقال بعض أهل العلم في ذلك: في رجب حلل الحميا ... وأخرب ~~القدس في المحرم وقال القاضي مجد الدين محمد بن عبد الله الحنفي قاضي الطور ~~في خراب القدس: مررت على القدس الشريف مسلما ... على ما تبقى من زبوع كأنجم ~~ففاضت دموع العين مني صبابة ... على ما مضى من عصرنا المتقدم وقد رام علج ~~أن يعفي رسومه ms1325 ... وشمر عن كفي لئيم مذمم فقلت له شلت يمينك خلها ... ~~لمعتبر أو سائل أو مسلم فلو كان يفدى بالنفوص فديته ... بنفسي وهذا الظن في ~~كل مسلم وفيها حج بالناس من العراق أقباش الناصري، ومن الشام مملوك الملك ~~المعظم عيسى. وفيها توفيت ست الشام بنت الأمير نجم الذين أيوب أخت السلطان ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ كانت سيدة الخواتين في زمنها؛ كانت كثيرة البر ~~والصدقات؛ كانت تعمل في دارها الأشربة والمعاجين والعقاقير كل سنة بألوف ~~دنانير وتفرقها على الناس، وكان بابها ملجأ للقاصدين؛ وكان زوجها ابن عمها ~~الأمير ناصر الدين محمد بن شيركوه صاحب حمص، وهي أم حسام الدين محمد بن عمر ~~بن لاجين، وصاحبة الأوقاف والأربطة بدمشق وغيرها - رحمها الله تعالى - . ~~وفيها توفي محمد بن زنكي الملك المنصور صاحب سنجار؛ كان ملكا عادلا عاقلا ~~جوادا، خلف عدة أولاد: سلطان شاه وزنكي ومظفر الدين، وعدة بنات. وكان من ~~بيت ملك وسلطنة. وفيها توفي علي بن القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله بن ~~عساكر ابن صاحب تاريخ دمشق. كان فاضلا سمع الحديث وتفقه وسافر إلى بغداد، ~~فلما عاد قطع عليه الطريق، فأصابه جراح فمات منه بعد أيام. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي العدل أبو منصور PageV02P0197 # سعيد بن محمد بن سعيد الرزاز فجأة في المحرم. وأبو منصور عتيق بن أحمد في ~~صفر. والعلامة أبو البقاء عبد الله بن الحسين بن أبي البقاء العكبري الضرير ~~في شهر ربيع الآخر، وقد قارب الثمانين. وأبو البركات داود بن أحمد بن محمد ~~ابن منصور بن ثابت بن ملاعب الأزجي الوكيل في رجب، ولد في أول سنة اثنتين ~~وأربعين. وأبو الفضل أحمد بن محمد بن سيدهم الأنصاري بن الهراس الجابي في ~~شعبان، وله أربع وثمانون سنة. وأبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن علي ~~الأنباري الكاتب سبط قاضي القضاة أبي الحسن بن الدامغاني، وله تسعون سنة. ~~وأبو يعلى حمزة بن السيد بن أبي لقمة الصفار في شهر رمضان، وهو أصغر من ms1326 ~~أخيه . وأبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن مسعود بن سعد بن علي بن الناقد ~~المقرئ، ويقال: كان آخر من قرأ المصباح على مؤلفه الشهرزوري، مات في شوال ~~عن ست وثمانين سنة. والخاتون ست الشام أخت الملك العادل في ذي القعدة. ~~والعلامة افتخار الدين أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي الحنفي بحلب. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ونصف إصبع. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة سبع عشرة وستمائة. فيها قتل ~~صاحب سنجار أخاه، فسار الملك الأشرف موسى أخو الملك الكامل هذا إليها، ~~فأخذها وعوض صاحبها الرقة. وفيها نزل الملك الأشرف المذكور على الموصل نجدة ~~لبدر الدين علي بن زين الدين، وعزم على قصد إربل، فبعث الخليفة من رده عن ~~إربل وأصلح بينهما. وفيها في شهر رجب كانت واقعة البرلس بين الكامل صاحب ~~الترجمة وبين الفرنج، ونصر الله الكامل وقتل منهم عشرة آلاف وغنم خيولهم ~~وسلاحهم ورجعوا إلى دمياط مهزومين. وفيها عزل الملك المعظم عيسى صاحب دمشق ~~المبارز المعتمد عن ولاية دمشق، وولى عوضه عليها العزيز خليلا. وفيها كان ~~أول ظهور التتار وعبورهم جيحون؛ وكان أول ظهورهم من ما وراء النهر سنة خمس ~~عشرة وستمائة. وقبل عبورهم جيحون قصدوا بخارى وسمرقند، وقتلوا أهلها ~~وسبوهم، وحصروا خوارزم شاه، فانضم إليهم الخطا، وصاروا تبعا لهم. وكان ~~خوارزم شاه قد أخلى البلاد من الملوك، فلم يجدوا أحدا يردهم، ووصلوا في هذه ~~السنة إلى الري وقزوين وهمذان، وقتلوا أهلها وأحرقوا مساجدها، ثم فعلوا ~~بأذربيجان كذلك. وفيها حج بالناس من العراق أقباش الناصري وقتل بمكة، ولم ~~يحج أحد من العجم بسبب التتار، وعاد الحج البغدادي من على الشام. وحج ~~بالناس من الشام المبارز المعتمد. وفيها توفي الملك الفائز إبراهيم ابن ~~الملك العادل أبي بكر ابن الأمير نجم الدين أيوب أخو الملك الكامل صاحب ~~الترجمة. وقد تقدم أنه كان يريد الوثوب على أخيه الملك ms1327 الكامل، واتفق مع ~~ابن المشطوب حتى أخرجهما أخوه الملك المعظم عيسى من مصر؛ فمات الفائز بين ~~سنجار والموصل، فحمل إلى سنجار ودفن بتربة عماد الدين زنكي والد السلطان ~~الملك العادل نور الدين محمود الشهيد، ومات وهو في عنفوان شبيبته. وفيها ~~توفي الأمير أقباش بن عبد الله الناصري. قال أبو المظفر: " اشتراه الخليفة ~~يعني الناصر لدين الله وهو ابن خمس عشرة سنة بخمسة آلاف دينار، ولم يكن ~~بالعراق أجمل صورة منه، ثم قربه إليه ولم يكن يفارقه؛ فلما ترعرع ولاه إمرة ~~الحاج والحرمين، وكان متواضعا محبوبا إلى القلوب. قتل بمكة المشوفة في ~~واقعة بين أشراف مكة، خرج ليصلح بينهم فقتل. وكان قتله في سادس عشر ذي ~~الحجة. وفيها توفي الشيخ عبد الله بن عثمان بن جعفر بن محمد اليونيني، أصله ~~من قرية من قرى بعلبك يقال لها " يونين " . كان صاحب رياضات وكرامات ~~ومجاهدات ومكاشفات، وكان من الأبدال. وكانت وفاته يوم السبت في العشر الأول ~~من ذي الحجة - رحمه الله - . PageV02P0198 # وفيها توفي الشريف قتادة بن إدريس أبو عزيز الحسيني المكي أمير مكة. كان ~~شيخا عارفا منصفا نقمة على عبيد مكة المفسدين، وكان الحاج في أيامه في أمان ~~على أموالهم ونفوسهم، وكان يؤذن في الحرم ب " حي على خير العمل " على قاعدة ~~الرافضة، وما كان يلتفت إلى أحد من خلق الله تعالى، ولا وطئ بساط الخليفة ~~ولا غيره، وكان يحمل إليه من بغداد في كل سنة الذهب والخلع وهو بداره في ~~مكة، وهو يقول: أنا أحق بالخلافة من الناصر لدين الله، ولم يرتكب كبيرة ~~فيما قيل. قلت: وأي كبيرة أعظم من الرفض وسب الصحابة! - رضي الله عنهم - . ~~وفيها توفي محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب الملك المنصور صاحب حماة. كان ~~شجاعا محبا للعلماء والفضلاء، مات بحماة ودفن بها. وقام بعده ولده الأكبر ~~الملك الصالح الناصر قليج أرسلان. وجرى له مع الملك الكامل صاحب الترجمة ~~أمور وفصول. وفيها توفي محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق الملك الصالح ~~ناصر الدين صاحب آمد؛ ms1328 كان شجاعا عاقلا جوادا محبا للعلماء، وكان الأشرف ~~يحبه، وجاء إلى الأشرف وخدمه غير مرة ة ومات بآمد في صفر. وقام بعده ولده ~~مسعود، وكان مسعود ضد اسمه بخيلا فاسقا، حصره الملك الكامل هذا وظفر به ~~وأخذه إلى مصر وأحسن إليه؛ فكاتب الروم وسعى في هلاك الكامل، فحبسه الكامل ~~- لما سمع ذلك - في الحبس مدة ثم أطلقه، فمضى إلى التتار، وكان معه الجواهر ~~والأموال فقتلته التتار، وأخذوا جميع ما كان معه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي عبد الرحمن بن أحمد بن هدية الوراق في شهر ~~ربيع الأول، وقد جاوز التسعين، وهو آخر من روى عن عبد الوهاب الأنماطي. ~~وشيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن محمد بن أبي الفتح عمر بن علي بن محمد بن ~~حفويه في جمادى الأولى ذاهبا في الرسلية من الكامل بالموصل، وله أربع ~~وسبعون سنة. وصاحب حماة الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه. ~~والزاهد الكبير الشيخ عبد الله اليونيني في ذي الحجة ببعلبك. وصاحب مكة ~~قتادة بن إدريس الحسيني. وأبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي المقرئ ~~في شوال. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع ونصف إصبع. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الملك الكامل # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ثماني عشرة وستمائة. فيها ~~توفي إسماعيل بن عبد الله أبو طاهر الأنماطي المحدث؛ كان إماما فاضلا سمع ~~الكثير ولقي الشيوخ وحدث، وتوفي بدمش في شهر رجب وكان ثقة. وفيها توفي محمد ~~بن خلف بن راجح المقدسي ويلقب بالشهاب والد القاضي نجم الدين، كان زاهدا ~~عابدا فاضلا في فنون العلوم. وفيها توفي محمد بن محمد الشيخ الإمام النحوي ~~التكريني؛ كان بارعا في النحو والأدب والشعر. ومن شعره قوله: من كان ذم ~~الرقيب يوما ... فإنني للرقيب شاكر لم أر وجه الرقيب وقتا ... إلا ووجه ~~الحبيب حاضر وله في مجنونة: أمسيت مجنونا بمجنونة ... يغار من قامتها الغصن ms1329 ~~فمن عذيري من هوى ظبية ... قد عشقتها الإنس والجن قلت: وطريف قول الشيخ زين ~~الدين عمر بن الوردي - رحمه الله - في هذا المعنى: زاد جنوني بذي جنون ... ~~معذر والعذار زين قالوا به عارض وعين ... قلت وبي عارض وعين الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي شهاب الدين محمد بن خلف بن ~~راجح المقدسي في صفر، وله ثمان وستون سنة. وأبو محمد هبة الله ابن الخضر بن ~~هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن طاوس في جمادى الأولى، وله إحدى وثمانون ~~سنة. وأبو نصر موسى ابن الشيخ عبد القادر الجيلي جمادى الآخرة. واستشهد ~~بهمذان خلق بأيدي التتار، منهم: الإمام تقي الدين أبو جعفر محمد بن محمود ~~بن إبراهيم الحمامي الواعظ. وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن هبة الله ~~الروذراوري. وبهراة أبو روح عبد المعز بن محمد الهروي. وبنيسابور أبو بكر ~~القاسم بن عبد الله بن عمر بن الصفار. وأبو النجيب إسماعيل بن عثمان بن ~~إسماعيل بن أبي القاسم القارئ الصوفي. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاث أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان. ~~PageV02P0199 ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة تسع عشرة وستمائة. فيها ظهر ~~جراد بالشام أكل الشجر والزروع والثمر ولم ير مثله. وفيها نقلت رمة الملك ~~العادل أبي بكر من قلعة دمشق إلى مدرسته التي عند دار العقيقي، فدفن بها. ~~وفيها توفي مسمار بن عمر بن محمد الشيخ أبو بكر بن العويس البغدادي في ~~شعبان بالموصل، وكان فاضلا ثقة. وفيها توفي نصر بن أبي الفرج الفقيه ~~الحنبلي؛ كان إمام الحنابلة بمكة، جاور بمكة سنين، ثم خرج إلى اليمن فمات ~~بالمهجم ودفن به، وكان صالحا متعبدا لا يفتر عن الطواف. وفيها توفي الأمير ~~قطب الدين أحمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب أخو الملك الكامل محمد ~~هذا. مات بالفيوم فنقل إلى القاهرة ودفن بها. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ms1330 ~~هذه السنة، قال: وفيها توفي الحافظ أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج البغدادي ~~ابن الحصري المقرئ الحنبلي في المحرم، وله ثلاث وثمانون سنة. والحافظ أبو ~~الطاهر تقي الدين إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن المصري ابن الأنماطي ~~في رجب كهلا. وأبو بكر مسمار بن عمر بن محمد بن العويس النيار بالموصل في ~~شعبان. والقدوة الشيخ علي ابن أبي بكر محمد بن عبد الله، بن إدريس اليعقوبي ~~في ذي القعدة. وأبو سعد ثابت بن مشرف المعمار في ذي الحجة. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة عشرين وستمائة. قال أبو ~~شامة: ففيها عاد الملك الأشرف موسى من مصر إلى الشام قاصدا بلاده بالشرق، ~~فالتقاه أخوه المعظم عيسى وعرض عليه النزول بالقلعة، فامتنع، ونزل بجوسق ~~والده العادل، وبدت الوحشة بين الإخوة الثلاثة يعني الكامل محمدا صاحب ~~الترجمة، والمعظم عيسى صاحب دمشق، والأشرف موسى صاحب خلاط وغيرها، قال: ثم ~~رحل الأشرف سحرا على ضمير ثم سار إلى حران، وكان الأشرف قد استناب أخاه ~~شهاب الدين غازيا صاحب ميافارقين على خلاط، لما سافر إلى مصر وجعله ولي ~~عهده، ومكنه من بلاده؛ فسولت له نفسه العصيان، وحسن له ذلك الملك المعظم ~~وكاتبه وأعانه، وكذا كاتبه صاحب إربل والمشارقة، فأرسل الأشرف إلى غازي ~~المذكور يطلبه فامتنع؛ فأرسل إليه: يا أخي لا تفعل، أنت ولي عهدي والبلاد ~~في حكمك فأبى؛ فجمع الأشرف عساكره وقصده، ووقع له معه أمور حتى هزمه، ثم ~~رضي عنه الأشرف حسب ما نذكره في السنة الآتية. وفيها كانت بين التتار الذين ~~جاؤوا إلى الدربند وبين القبجاق والروس وقعة هائلة، وصبر الفريقان أياما، ~~ثم انهزم القبجاق والروس، ولم يسلم منهم إلا اليسير. وفيها توفي عبد الله ~~بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر شيخ الإسلام موفق الدين أبو محمد ~~المقدسي الجماعيلي ms1331 الدمشقي الصالحي الحنبلي صاحب التصانيف. ولد بجماعيل في ~~شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقرأ القراءات واشتغل في صغره وسمع من ~~أبيه سنة نيف وخمسين، ورحل إلى البلاد وسمع الكثير، وكتب وصنف وبرع في ~~الفقه والحديث، وأفتى ودرس وشاع ذكره وبعد صيته. وكانت وفاته في يوم عيد ~~الفطر، وله ثمانون سنة. وفيها توفي عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة ~~الله بن عبد الله بن الحسين الإمام المفتي فخر الدين أبو منصور الدمشقي ~~الشافعي المعروف بابن عساكر شيخ الشافعية بالشام. ولد في سنة خمسين ~~وخمسمائة، وسمع من عميه هبة الله، والحافظ أبي القاسم وجماعة أخر، وتفقه ~~على حميه قطب الدين النيسابوري؛ وكان بارعا مفتنا مدرسا فقيها عالما محدثا؛ ~~وكانت وفاته في شهر رجب. PageV02P0200 # وفيها توفي ملك الغرب يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ابن ~~علي السلطان المستنصر بالله الملقب بأمير المؤمنين، المكنى أبا يعقوب، ~~القيسي المغربي صاحب بلاد المغرب؛ لم يكن في بني عبد عبد المؤمن أحسن صورة ~~منه، ولا أبلغ خطابا، ولكنه كان مشغولا باللذات؛ ومات وهو شاب في هذه ~~السنة، ولم يخلف ولدا؛ فاتفق أهل دولته على تولية الأمر لأبي محمد عبد ~~الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، فولي ولم يحسن التدبير ولا المداراة. ~~وكان مولد يوسف صاحب الترجمة في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وأمه أم ولد ~~رومية اسمها قمر، وكانت دولته عشر سنين وشهرين. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو سعد عبد السلام بن المبارك بن عبد الجبار ~~بن محمد بن عبد السلام بن الردغولي في المحرم، وله تسع وثمانون سنة. ~~والعلامة فخر الدين أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن ابن عساكر ~~الشافعي في رجب، وله سبعون سنة. والعلامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن ~~محمد بن قدامة المقدسي شيخ الحنابلة في يوم الفطر، وله ثمانون سنة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ونصف إصبع. مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا ms1332 سواء. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة إحدى وعشرين وستمائة. فيها ~~استرد الملك الأشرف موسى مدينة خلاط من أخيه شهاب الدين غازي، وأبقى عليه ~~ميافارقين، ورضي عنه بعد أمور وقعت بينهما، وقد تقدم ذكر ذلك أيضا. وفيها ~~ظهر السلطان جلال اللين بن خوارزم شاه بعد ما انفصل عن بلاد الهند وكرمان، ~~واستولى على أذربيجان وحكم عليها. وراسله الملك المعظم عيسى ليعينه على ~~قتال أخيه الملك الأشرف موسى؛ ثم كتب المعظم أيضا لصاحب إربل في هذا ~~المعنى، وبعث ولده الملك الناصر داود إليه رهينة. وفيها استولى بدر الدين ~~لؤلؤ على الموصل وأظهر أن الملك محمود بن القاهر قد توفي، وكان قد أمر ~~بخنقه. وفيها بنى الملك الكامل صاحب الترجمة دار الحديث الكاملية بالقاهرة ~~في بين القصرين، وجعل أبا الخطاب بن دحية شيخها. وفيها قدم الملك مسعود ~~أضسيس المشهور بأقسيس على أبيه الملك الكامل من اليمن طائعا، وعزمه أخذ ~~الشام من عمه الملك المعظم عيسى، وقدم لأبيه أشياء عظيمة، منها مائتا خادم. ~~قال ابن الأثير: وفيها عادت التتار من بلاد القبجاق ووصلت إلى الري، وكان ~~من سلم من أهلها قد عمروها، فلم يشعروا إلا بقدوم التتار بغتة، فوضعوا فيهم ~~السيف، ثم فعلوا بعدة بلاد أخر كذلك، فما شاء الله كان. وفيها حدثت واقعة ~~قبيحة من الكرج، وهو أن الكرج - لعنهم الله - لم يبق فيهم من بيت الملك أحد ~~سوى امرأة فملكوها عليهم. قال ابن الأثير: ثم طلبوا لها زوجا يتزوجها وينوب ~~عنها في الملك، ويكون من بيت مملكة. وكان صاحب أرزن الروم مغيث الدين طغرل ~~شاه بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان وهو من الملوك السلجوقية وله ~~ولد، فأرسل إلى الكرج يخطب الملكة لولده فامتنعوا، وقالوا: لا يملكنا مسلم، ~~فقال لهم: إن ابني يتنصر ويتزوجها، فأجابوا فتنصر وتزوج بها، وأقام عندها ~~حاكما في بلادهم، فنعوذ بالله من الخذلان! وكانت الملكة تهوى مملوكا، فكان ~~هذا الزوج يسمع عنها من ms1333 القبائح أشياء ولا يمكنه الكلام لعجزه، فدخل يوما، ~~فرآها مع المملوك، فأنكر ذلك، فقالت: إن رضيت بذا وإلا أنت أخبر بما أفعله ~~معك!. فقال: إنني لا أرضى بهذا فنقلته إلى بلد آخر ووكلت به من يحفظه وحجرت ~~عليه؛ وأرسلت إلى بلاد اللان وأحضرت رجلين وصفا لها بحسن الصورة فتزوجت ~~بأحدهما، وبقي معها ذاك يسيرا، ثم فارقته وأحضرت آخر من كنجة وهو مسلم، ~~فطلبت منه أن يتنصر ويتزوجها فلم يفعل، فأرادت أن تتزوجه وهو مسلم فقام ~~عليها الأمراء ومعهم إبواني مقدمهم، وقالوا لها: فضحتينا بين الملوك بما ~~تفعلين! " ثم تريدين أن يتزوجك مسلم، وهذا لا نمكنك منه أبدا " ، والأمر ~~بينهم متردد، والرجل الكنجي عندهم " لم يجبهم إلى الدخول في النصرانية، وهي ~~تهواه " . انتهى كلام ابن الأثير. وفيها توفي فخر الدين أبو المعالي محمد ~~بن أبي الفرج الموصلي المقرئ ببغداد في شهر رمضان. وكان إماما فاضلا بارعا ~~في فنون. ومن شعره " مواليا " : PageV02P0201 # ساق قمر بكفه شمس ضحا ... قد أسكرني من راحتيه وصحا لو أمكنني والراح في ~~راحته ... في الحان شربت كفه والقدحا قلت: ويعجبني في هذا المعنى قول أبي ~~الحسن علي بن عبد الغني الفهري القيرواني الضرير المعروف بالحصري الشاعر ~~المشهور، ووفاته سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وهما: أقول له وقد حيا بكأس ~~... لها من مسك ريقته ختام أمن خديك يعصر قال كلا ... متى عصرت من الورد ~~المدام وفيها توفي القاضي أبو البركات عبد القوي بن عبد العزيز بن الجباب ~~السعدي في شوال، وله خمس وثمانون سنة. وكان عالما بارعا دينا. عفيفا أفتى ~~وعرس سنين. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو ~~جعفر محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي ببغداد في المحرم. وأبو طالب عبد ~~الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي المقرئ بواسط. وأبو العباس أحمد بن ~~يوسف بن محمد بن أحمد بن صرمى الأزجي في شعبان. وفخر الدين أبو المعالي ~~محمد بن أبي الفرج الموصلي البغدادي المقرئ في رمضان. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ms1334 ثلاث أذرع سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة اثنتين وعشرين وستمائة. فيها ~~في شهر ربيع الأولى وصل السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه إلى دقوقا؛ ~~فافتتحها بالسيف، وأحرق البلد ونهب أهلها، وفعل فيها ما لا تفعله الكفار ~~لكونهم شتموه ولعنوه على الأسوار؛ ثم عزم على قصد بغداد، فانزعج الخليفة ~~الناصر لدين الله واستعد لقتاله وأنفق ألف ألف دينار في هذا المعنى. قال ~~أبو المظفر: " قال لي الملك المعظم عيسى: كتب إلي جلال الدين يقول: تحضر ~~أنت ومن عاهدني فنتفق حتى نقصد الخليفة، فإنه كان السبب في هلاك المسلمين، ~~وفي هلاك أبي، وفي مجيء الكفار إلى البلاد؛ ووجدنا كتبه إلى الخطا وتواقيعه ~~لهم بالبلاد والخلع والخيل؛ فقال المعظم: فكتبت إليه: أنا معك على كل أحد ~~إلا على الخليفة فإنه إمام المسلمين " . انتهى. قلت: ثم وقع لجلال الدين ~~المذكور في هذه السنة أمور ووقائع مع غير الخليفة من الملوك يطول شرحها. ~~يأتي ذكر بعضها إن شاء الله. وفيها توفي الخليفة الناصر لدين الله أمير ~~المؤمنين أبو العباس أحمد ابن الخليفة المستضيء بالله أبي محمد الحسن ابن ~~الخليفة المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ابن الخليفة المقتفي بأمر الله أبي ~~عبد الله محمد ابن الخليفة المستظهر بالله أحمد الهاشمي العباسي البغدادي. ~~ولد يوم الاثنين عاشر شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وبويع بالخلافة ~~بعد موت أبيه المستضيء في أول ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وأمه أم ~~ولد تركية. قال الشيخ شمس الدين: " وكان أبيض اللون تركي الوجه مليح ~~العينين، أنور الجبهة، أقنى الأنف، خفيف العارضين، أشقر اللحية رقيق ~~المحاسن. كان نقش خاتمه: " رجائي من الله عفوه " . لم يل الخلافة قبله أحد ~~من بني العباس أطول مدة منه، إلا ما ذكرنا من خلفاء العبيدية المستنصر معد ~~" انتهى. وفي أيام الناصر لدين الله ظهرت الفتوة ببغداد ورمي البندق ولعب ~~الحمام المناسيب، وافتن الناس في ms1335 ذلك، ودخل فيه الأجلاء ثم الملوك؛ فألبسوا ~~الملك العادل ثم أولاده سراويل الفتوة، ولبسها أيضا الملك شهاب الدين صاحب ~~غزنة والهند من الخليفة الناصر لدين الله، ولبسها جماعة أخر من الملوك. ~~وأما لعب الحمام فخرج فيه عن الحد، يحكى عنه أنه لما دخلت التتار البلاد ~~وملكوا من ما وراء النهر إلى العراق، وقتلوا تلك المقتلة من المسلمين، التي ~~ما نكب المسلمون بأعظم منها، دخل عليه الوزير فقال له: آه يا مولانا، إن ~~التتار قد ملكت البلاد وقتلت المسلمين! فقال له الناصر لدين الله: دعني أنا ~~في شيء أهم من ذلك! طيرتي البلقاء، لي ثلاثة أيام ما رأيتها! وفي هذه ~~الحكاية كفاية إن صحت عنه. وكانت وقاته في سلخ شهر رمضان؛ وكانت خلافته ~~سبعا وأربعين سنة. وبويع بعده لولده أبي نصر ولقب بالظاهر بأمر الله، فكانت ~~خلافه الظاهر المذكور تسعة أشهر ومات. حسب ما يأتي ذكره. PageV02P0202 # وفيها توفي السلطان الملك الأفضل على بن ابن السلطان صلاح الدين يوسف ابن ~~الأمير نجم الدين أيوب في يوم الجمعة من شهر ربيع الأول من السنة، وهو الذي ~~كان ملك الشام في حياة أبيه ثم من بعده، ووقع له تلك الأمور مع أخيه وعمه ~~العادل، وقد تقدم ذكر ذلك كله، وتنقلت به الأحوال إلى أن صار صاحب سميساط، ~~وبقي بها إلى أن مات في هذه السنة. وكان مولده بمصر في سلطنة والده سنة خمس ~~وستين وخمسمائة. وكان فاضلا شاعرا حسن الخط قليل الحظ غير مسعود في حركاته ~~- رحمه الله تعالى - ومن شعره - مما كتبه إلى الخليفة لما خرج من دمشق، ~~واتفق عليه الملك العادل عمه والعزيز أخوه - : مولاي إن أبا بكر وصاحبه ... ~~عثمان قد غصبا بالسيف حق علي فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي ... من ~~الأواخر ما لاقى من الأول الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي الواعظ أبو إسحاق إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم بن البرني ~~بالموصل في المحرم. والخطيب المفسر فخر الدين محمد بن الخضر بن محمد بن ~~تيمية ms1336 الحراني في صفر. والملك الأفضل علي بن السلطان صلاح الدين بسميساط في ~~صفر، وله سبع وخمسون سنة. وأبو الحسن علي بن أبي الكرم نصر بن المبارك ~~الجلال بن البناء بمكة في شهر ربيع الأول. وعبد المحسن خطيب الموصل ابن عبد ~~الله بن أحمد الطوسي في شهر ربيع الأول. وقاضي القضاة بالقاهرة زين الدين ~~علي ابن العلامة يوسف بن عبد الله بن بندار الدمشقي. والوزير الكبير صفي ~~الدين عبد الله بن علي الشيبي ابن شكر بالقاهرة في شعبان. ومجد الدين أبو ~~المجد محمد بن الحسين القزويني الصوفي بالموصل في شعبان. والناصر لدين الله ~~أبو العباس أحمد بن المستضيء بالله حسن بن المستنجد في سلخ شهر رمضان، وله ~~سبعون سنة، وكانت خلافته سبعا وأربعين سنة. وفخر الدين محمد بن إبراهيم بن ~~أحمد الفارسي الخبري الصوفي بمصر في ذي الحجة، وله أربع وتسعون سنة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ونصف إصبع. مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ثلاث وعشرين وستمائة. فيها ~~قدم الشيخ محيي الدين بن الجوزي إلى دمشق رسولا إلى الملك المعظم عيسى صاحب ~~دمشق، ومعه الخلع له ولإخوته أولاد العادل من الخليفة الظاهر بأمر الله أبي ~~نصر محمد العباسي المتولي الخلافة بعد وفاة والده الناصر لدين الله. ومضمون ~~رسالته طلب رجوع المعظم عن موالاة ابن الخوارزمي. قال أبو المظفر سبط ابن ~~الجوزي، قال لي الملك المعظم، قال خالك: المصلحة رجوعك عن هذا الخارجي يعني ~~جلال الدين بن الخوارزمي وترجع إلى إخوتك ونصلح بينكم؛ قال: فقلت لخالك: ~~إذا رجعت عن ابن الخوارزمي وقصدني إخوتي تنجدونني. قال: نعم، فقلت: ما لكم ~~عادة تنجحون أحدا! هذه كتب الخليفة الناصر لدين الله عندنا، ونحن على دمياط ~~نكتب ونستصرخ به، فيجيء الجواب بأنا قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة ولم يفعلوا. ~~قال: قلت: مثلي معكم كمثل رجل كان يخرج إلى الصلاة وبيده عكاز ms1337 خوفا من ~~الكلاب، فقال له بعض أصدقائه: أنت شيخ كبير، وهذا العكاز يثقلك، وأنا أدلك ~~على شيء يغنيك عن حمله، قال: وما هو؛ قال: تقرأ سورة يس عند خروجك من ~~الدار، وما يقربك كلب، وأقام مدة فرأى الشيخ حامل العكاز، فقال له: أما قد ~~علمتك ما يغنيك عن حمله؛ فقال: هذا العكاز لكلب لا يعرف القرآن. وقد اتفق ~~إخوتي علي، وقد أنزلت ابن الخوارزمي على خلاط، إن قصدني أخي الأشرف منعه؛ ~~وإن قصدني أخي الكامل يعني صاحب الترجمة فأنا له. ثم اصطلح الإخوة. بعد ذلك ~~في السنة. وفيها توفي كافور بن عبد الله شبل الدولة الحسامي خادم ست الشام ~~بنت أيوب. كان عاقلا دينا صالحا بني مدرسته على نهر ثورا بدمشق لأصحاب أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - والخانقاه إلى جانب مدرسته. وكانت وفاته بدمشق في ~~شهر رجب. PageV02P0203 # وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد ابن ~~الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد الهاشمي البغدادي. ولي الخلافة ~~بعد وفاة أبيه في السنة الماضية فلم تطل مدته فيها، ووقع له شدائد إلى أن ~~مات في شهر رجب؛ وأمه أم ولد. وكانت خلافته تسعة أشهر وأياما، وكان مولده ~~في المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وكان جميل الصورة أبيض مشربا بحمرة حلو ~~الشمائل شديد القوى. أفضت الخلافة إليه، وله اثنتان وخمسون سنة إلا أشهرا، ~~فقيل له: إلا تنفسح؛ فقال: قد فات الزرع! فقيل له: يبارك الله في عمرك، ~~فقال: من فتح دكانا بعد العصر إيش يكسب!. وكان خيرا عادلا قطع الظلامات ~~والمكوس، حتى قيل: إن جملة ما قطع من الظلامات والمكوس ثمانية آلاف دينار ~~في كل سنة، وتصدق في ليلة العيد بمائة ألف دينار. وسببه أنه لما ولي ~~الخلافة ولى الشيخ عماد الدين ابن الشيخ عبد القادر الجيلي القضاء، فما قبل ~~عماد الدين إلا بشرط أن يورث ذوي الأرحام، فقال له الخليفة: أعط كل ذي حق ~~حقه واتق الله ولا تثق بسواه؛ فكلمه القاضي أيضا في الأوراق التي ترفع إلى ~~الخليفة؛ ms1338 وهو أن حراس الحروب كانت ترفع إلى الخليفة في صبيحة كل يوم ما ~~يكون عندهم من أحوال الناس الصالحة والطالحة، فأمر الظاهر بتبطيل ذلك، ~~وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس! فقيل له: إن تركت ذلك فسدت أحوال ~~الرعية، فقال: نحن ندعو لهم بالإصلاح. ثم أعطى القاضي المذكور عشرة آلاف ~~دينار يفي بها ديون من في السجون من الفقراء، ثم فرق بقية المائة الألف ~~الدينار في العلماء والفقراء. ولما مات الظاهر تولى الخلافة بعده ولده ~~المستنصر بالله أبو جعفر. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أبو المحاسن محمد بن السيد بن أبي لقمة الأنصاري الصفار في شهر ~~ربيع الأول عن أربع وتسعين سنة. وقاضي الشام جمال الدين يونس بن بدران ~~القرشي المصري الشافعي في شهر ربيع الأول، ودفن بقرب القليجية. وشمس الدين ~~أحمد بن عبد الواحد المقدسي الملقب بالبخاري الفقيه المناظر في جمادى ~~الآخرة، وله تسع وخمسون سنة. والتقي خزعل بن عسكر المصري النحوي اللغوي ~~بدمشق. والمحاري. الزاهد أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بحلب في ~~جمادى الآخرة، وله تسعون سنة. والعلامة إمام الدين عبد الكريم بن محمد بن ~~الفضل الرافعي القزويني صاحب الشرح. والظاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن ~~الناصر لدين الله في رجب، وله ثلاث وخمسون سنة، وكانت خلافته عشرة أشهر. ~~وبويع بعده ابنه المستنصر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة أربع وعشرين وستمائة. فيها ~~عاد الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل إلى بلاده بعد أن صالح أخاه الملك ~~المعظم عيسى ابن الملك العادل، وكلاهما أخو الملك الكامل هذا. وفيها حج ~~بالناس من الشام الشجاع علي بن السلار، ومن ميافارقين الشهاب غازي ابن ~~الملك العادل. وفيها توفي السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك ~~العادل أبي بكر بن أيوب ms1339 بن شادي الأيوبي صاحب الشام. قال أبو المظفر: وفيها ~~توفي الملك المعظم العالم الفقيه المجاهد في سبيل الله الغازي النحوي ~~اللغوي. ولد بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة، ونشأ بالشام وقرأ القرآن ~~وتفقه على مذهب أبي حنيفة بجمال الدين الحصيري، وحفظ المسعودي، واعتنى ~~بالجامع الكبير " ، وقرأ الأدب والنحو على تاج الدين الكندي، فأخذ عنه " ~~كتاب " سيبويه وشرحه الكبير للسيرافي، " والحجة في القراءات " لأبي علي ~~الفارسي و " الحماسة " ، وقرأ عليه الإيضاح لأبي علي حفظا؛ ثم ذكر مسموعاته ~~في الحديث وغيره إلى أن قال: وشرح الجامع الكبير، وصنف الرد على الخطيب، ~~والعروض، وله " ديوان شعر " . قال: وكان شجاعا مقداما كثير الحياء متواضعا ~~مليح الصورة ضحوكا غيورا جوادا حسن السيرة. وأطلق أبو المظفر عنان القلم في ~~ميدان محاسنه حتى إنه ساق ترجمته في عدة أوراق في مرآة الزمان. ~~PageV02P0204 # قلت: ويحق له ذلك، فإن المعظم كان في غاية ما يكون من الكمال في عدة علوم ~~وفنون، وهو رجل بني أيوب وعالمهم بلا مدافعة، ومحاسنه أشهر من أن تذكر. ~~وكانت وفاته - رحمه الله - في ثالث ساعة من نهار الجمعة أول يوم ذي الحجة، ~~ودفن بقلعة دمشق، ثم نقل بعد ذلك من قلعة دمشق ودفن مع والدته في القبة عند ~~الباب. وخلف عدة أولاد: الملك الناصر داود، والملك المغيث عبد العزيز، ~~والملك القاهر عبد الملك؛ ومن البنات تسعا، وقيل إحدى عشرة. وتولى ابنه ~~الناصر داود دمشق بعده إلى أن أخذها منه عمه الملك الكامل صاحب الترجمة. ~~وفيها توفي الملك جنكزخان التركي، طاغية التتار وملكهم الأول الذي خرب ~~البلاد وأباد العباد، وليس للتتار ذكر قبله. قلت: هو صاحب " التورا " و " ~~اليسق " ، وقد أوضحنا أمره في غير هذا الكتاب، وذكرنا أصله واعتقاد التتار ~~فيه وأشياء كثيرة. والتورا باللغة التركية هو المذهب، واليسق هو الترتيب، ~~وأصل كلمة اليسق: سي يسا، وهو لفظ مركب من أعجمي وتركي، ومعناه: التراتيب ~~الثلاث، لأن " سي " بالعجمي في العدد ثلاثة، و " يسا " بالتركي: الترتيب؛ ~~وعلى هذا مشت التتار من يومه إلى يومنا هذا، وانتشر ذلك ms1340 في سائر الممالك ~~حتى ممالك مصر والشام، وصاروا يقولون: " سي يسا " فثقلت عليهم فقالوا: " ~~سياسة " على تحاريف أولاد العرب في اللغات الأعجمية. ولما أن تسلطن الملك ~~الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري أحب أن يسلك في ملكه بالديار المصرية ~~طريقة جنكرخان هذا وأموره، ففعل ما أمكنه، ورتب في سلطنته أشياء كثيرة، لم ~~تكن قبله بديار مصر: مثل ضرب البوقات، وتجديد الوظائف، على ما نذكره - إن ~~شاء الله تعالى - في ترجمته. واستمر أولاد جنكزخان في ممالكه التي قسمها ~~عليهم في حياته، ولم يختلف منهم واحد على واحد، ومشوا على ما أوصاهم به، ~~وعلى طريقته " التورا " و " اليسق " إلى يومنا هذا. انتهى. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي داود بن معمر بن عبد الواحد ~~بن الفاخر القرشي في رجب وفي شعبان، وله تسعون سنة. وطاغية التتار جنكزخان ~~في شهر رمضان. وقاضي القضاة بحران أبو بكر عبد الله بن نصر الحنبلي، وله ~~خمس وسبعون سنة. وأبو محمد عبد البر ابن الحافظ ابن العلاء الهمذاني ~~بروذراور في شعبان. والبهاء عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي الحنبلي الفقيه ~~المحدث في ذي الحجة، وله تسع وستون سنة. والملك المعظم شرف الدين عيسى بن ~~العادل في ذي القعدة، وله ثمان وأربعون سنة. وأبو الفرج الفتح بن عبد الله ~~بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب في المحرم، وله سبع ~~وثمانون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبع أذرع واثنتا عشرة إصبعا. هكذا وجدته مكتوبا، ولعله ~~وهم من الكاتب. ؟؟ ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة خمس وعشرين وستمائة. فيها ~~نزل جلال الدين بن خوارزم شاه على خلاط مرة ثانية، وهجم عليه الثتاء فرحل ~~عنها إلى أذربيجان، وخرج الحاجب علي من خلاط بالعسكر، فاستولى على خوي ~~وسلماس وتلك النواحي، وأخذ خزائن جلال الدين المذكور وعاد إلى خلاط، فقيل ~~له: بئس ما فعلت! وهذا ms1341 يكون سببا لهلاك العباد والبلاد، فلم يلتفت. وفيها ~~كان فراغ مدرسة ركن الدين الفلكي بقاسيون دمشق. وفيها توفي عبد الرحيم بن ~~علي بن إسحاق سبط القاضي جمال الدين القرشي. كان إماما عالما فاضلا غزير ~~المروءة كثير الإحسان شاعرا مترسلا، وكانت وفاته بدمشق في سابع المحرم. ومن ~~شعره قوله في مليح بالحمام: تجرد للحمام عن قشر لؤلؤ ... وألبس من ثوب ~~المحاسن ملبوسا وقد زئين الموسى لتزيين رأسه ... فقلت لقد أوتيت سؤلك يا ~~موسى PageV02P0205 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو المعالي أحمد ~~ابن الخضر بن هبة الله بن طاوس الصوفي في رمضان. والمحدث محب الدين أحمد بن ~~تميم اللبلي. وأبو منصور أحمد بن يحيى بن البراج الصوفي الوكيل في المحرم. ~~والعلامة أبو القاسم أحمد بن يزيد القرطبي آخر من روى بالإجازة عن شريح في ~~رمضان. وأبو علي الحسن بن إسحاق بن موهوب بن أحمد الجواليقي في شعبان، وله ~~إحدى وثمانون سنة. ونفيس الدين الحسن بن علي بن أبي القاسم الحسين بن الحسن ~~بن البن الأسدي في شعبان، وله ثمان وثمانون سنة. والرئيس المنشىء جمال ~~الدين عبد الرحيم بن علي بن الحسين بن شيث القرشي الفرضي بدمشق في المحرم، ~~وكان كاتب المعظم. وأبو منصور محمد بن عبد الله بن المبارك البندنيجي. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وتسع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة الملك الكامل محمد # بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة ست وعشرين وستمائة. فيها ~~أعطى الملك الكامل صاحب الترجمة بيت المقدس لملك الفرنج الأنبرور وفيها خرج ~~الملك الكامل في صفر من مصر، ونزل تل العجول، وكان الملك الناصر داود ابن ~~الملك المعظم عيسى صاحب دمشق كاتب عمه الملك الأشرف موسى بالحضور إلى دمشق، ~~فوصل إليها ونزل بالنيرب؛ وكان عز الدين أيبك قد أشار على الملك الناصر ~~داود بمداراة عمه الملك الكامل محمد صاحب مصر فخالفه؛ وقال الناصر لعمه ~~الأشرف ms1342 في قتال عمه الكامل، فلم يلتفت الأشرف إلى كلامه؛ واجتمع الأشرف مع ~~أخيه الملك الكامل واتفقا على حصار دمشق. ووصلت الأخبار بتسليم القدس إلى ~~الأنبرور، فقامت قيامة الناس لذلك ووقع أمور، وتسلم الأنبرور القدس؛ ~~والكامل والأشرف على حصار دمشق، فلم يقم الأنبرور بالقدس سوى ليلتين، وعاد ~~إلى يافا بعد أن أحسن إلى أهل القدس، ولم يغير من شعائر الإسلام شيئا. ~~وفيها سلم الملك الناصر داود إلى عمه الملك الكامل دمشق وعوضه عمه الكامل ~~الشوبك، وذلك في شهر ربيع الآخر من السنة. وفيها توفي أضسيس المعروف بأقسيس ~~المنعوت بالملك المسعود بن الملك الكامل صاحب الترجمة؛ مرض بعد خروجه من ~~اليمن مرضا مزمنا، ومات بمكة ودفن بالمعلي؛ في حياة والده الملك الكامل، ~~وكان معه من الأموال شيء كثير. وكان ظالما جبارا سفاكا للدماء قتل باليمن ~~خلائق لا تدخل تحت حصر، واستولى على أموالهم. وكان أبوه الملك الكامل يكرهه ~~ويخافه. ودام باليمن حتى سمع بموت عمه الملك المعظم عيسى، فخرج من اليمن ~~بطمع دمشق، فمرض ومات. فلما سمع أبوه الملك الكامل بموته سر بذلك، واستولى ~~على جميع أمواله. وفيها توفي الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى الشيخ ~~الإمام أبو القاسم الدمشقي التغلبي. سمع الحافظ ابن عساكر وغيره، وروى ~~الكثير وكان صالحا ثقة - رحمه الله - . الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي أبو القاسم ابن هبة الله بن محفوظ بن صصرى التغلبي ~~في المحرم، وقد قارب التسعين. وتوفيت أمة الله بنت أحمد بن عبد الله بن علي ~~الأبنوسي. وأبو الحسن محمد بن محمد بن أبي حرب النرسي الشاعر. والمهذب بن ~~علي بن قنيدة أبو نصر الأزجي والملك المسعود أقسيس صاحب اليمن ابن الملك ~~الكامل في جمادى الآخرة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ~~وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة الملك الكامل # محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة سبع وعشرين وستمائة. ~~فيها ms1343 أخذ السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه مدينة خلاط بعد حصار طويل أقام ~~عليها عشرة أشهر، ولما بلغ صاحبها الملك الأشرف ذلك استنجد بملك الروم ~~وغيره من الملوك، وواقع جلال الدين الخوارزمي المذكور وكسره بعد أمور، وقتل ~~معظم عسكره، وامتلأت الجبال والأودية منهم، وشبعت الوحوش والطيور من رممهم، ~~وعظم الملك الأشرف في النفوس. PageV02P0206 # وفيها توفي الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الشيخ أبو البركات زين ~~الأمناء المعروف بابن عساكر في ليلة الجمعة سابع عشر صفر، ودفن عند أخيه ~~فخر الدين؛ وكان فاضلا محدثا، سمع الكثير وروى تاريخ الحافظ ابن عساكر. ~~وفيها توفي فتيان بن علي بن فتيان الأسدي الحريمي المعروف بالشاغوري المعلم ~~الشاعر المشهورة كان فاضلا شاعرا. خدم الملوك ومدحهم وعلم أولادهم، وله ~~ديوان شعر مشهور. قال الإسعردي: إنه مات في هذه السنة. وقال ابن خلكان: إنه ~~توفي سحر الثاني والعشرين من المحرم سنة خمس عشرة وستمائة بالشاغور، ودفن ~~بمقابر الباب الصغير، وقول ابن خلكان هو الأرجح. انتهى. ومن شعر الشاغوري ~~في مدح أرض الزبداني من دمشق: قد أجمد الخمر كانون بكل قدح ... وأخمد الجمر ~~في الكانون حين قدح يا جنة الربداني أنت مسفرة ... بحسن وجه إذا وجه الزمان ~~كلح فالثلج قطن عليه السحب تندفه ... والجو يحلجه والقوس قوس قزح وله، وقد ~~دخل الحمام وماؤها شديد الحرارة، وكان شاخ، فقال: أرى ماء حمامكم كالحميم ~~... نكابد منه عناء وبوسا وعهدي بكم تسمطون الجداء ... فما بالكم تسمطون ~~التيوسا ومثل هذا قول بعضهم: حمامكم هذه حمام ... وقودها الناس والحجاره ~~أعجب شيء رأيت فيها ... طهورها ينقض الطهاره ومن أحسن لغز سمعناه في ~~الحمام: وما ليل يخالطه نهار ... وأقمار تصد عن الشموس وأنهار على النيران ~~تجري ... وأسلحة تسل على الرؤوس الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي زين الأمناء الحسن بن محمد بن الحسن بن عساكر في صفر، وله ~~ثلاث وثمانون سنة. والشرف راجح بن إسماعيل الحلي الشاعر. وعبد الرحمن بن ~~عتيق بن عبد العزيز بن صيلا المؤدب. وعبد السلام ms1344 بن عبد الرحمن ابن الأمين ~~علي ابن علي بن سكينة. وأبو المعالي محمد بن أحمد بن صالح الحنبلي ببغداد. ~~وفخر الدين محمد بن عبد الوهاب الأنصاري يوم عيد الأضحى. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من سلطنة الكامل # محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر! وهي سنة ثمان وعشرين وستمائة. ~~فيها ساق التتار خلف السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه بعد أن واقعهم عدة ~~وقائع من بلاد تبريز، فانهزم بين أيديهم إلى ديار بكر، فقتل في قرية من ~~أعمال ميافارقين. وفيها توفي بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، ~~الملك الأمجد صاحب بعلبك. كان السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أعطاه بعلبك ~~عند وفاة أبيه سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فأقام فيها خمسين سنة حتى حصره ~~الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب وأخرجه منها، وساعده عليه ابن ~~عمه أسد الدين شيركوه صاحب حمص؛ فانتقل الملك الأمجد إلى الشام وسكنها حتى ~~قتله بعض مماليكه غيلة؛ وكان فاضلا شاعرا فصيحا كاتبا، وله ديوان شعر كبير. ~~ومن شعره " دوبيت " : كم يذهب هذا العمر في الخسران ... يا غفلتي فيه وما ~~أنساني ضيعت زماني كله في لعب ... يا عمر فهل بعدك عمر ثان قلت: وما أحسن ~~قول قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر - رحمه الله - في هذا المعنى، وهو ~~مما أنشدني من لفظه لنفسه - عفا الله عنه - : خليلي ولى العمر منا ولم نتب ~~... وننوي فعال الصالحات ولكنا فحتى متى نبني بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منا ~~تهد وما تبنى وما ألطف قول السراج الوراق - رحمه الله - وهو قريب مما نحن ~~فيه: يا خجلتي وصحائفي سودا غدت ... وصحائف الأبرار في إشراق وفضيحتي لمعنف ~~لي قائل ... أكذا تكون صحائف الوراق PageV02P0207 # وفيها قتل السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه، واسمه تكش، وقيل محمود ابن ~~السلطان علاء الدين خوارزم شاه؛ واسمه محمد بن تكش، وهو من نسل عبد الله بن ~~طاهر ms1345 بن الحسين، وجده تكش هو الذي أزال ملك السلجوقية. قتل بديار بكر، كما ~~ذكرناه في أول هذه السنة. ولما قتل دخل جماعة على الملك الأشرف موسى فهنؤوه ~~بموته، فقال: تهنوني به ولفرحون! سوف ترون غبة! والله لتكونن هذه الكسرة ~~سببا لدخول التتار إلى بلاد الإسلام، ما كان الخوارزمي إلا مثل السد الذي ~~بيننا وبين يأجوج ومأجوج؛ فكان كما قال الأشرف. كان الخوارزمي يقاتل التتار ~~عشرة أيام بلياليها بعساكره، يترجلون عن خيولهم ويلتقون بالسيوف، ويبقى ~~الرجل منهم يأكل ويبول وهو يقاتل. وفيها توفي المهذب عبد الرحيم بن علي بن ~~الدخوار الطبيب؛ كان فاضلا حاذقا بعلم الطب أستاذ عصره، تقدم على جميع ~~أطباء زمانه، ومع هذا مات بستة أمراض مختلفة، ووقف داره وكتبه على الأطباء. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو نصر أحمد بن ~~الحسين بن عبد الله بن النرسي البيع في رجب، وله ثلاث وثمانون سنة. والملك ~~الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه صاحب بعلبك. ومحمد بن عمر بن حسين ~~المقرئ الكردي بدمشق. والمهذب عبد الرحيم بن علي رئيس الطب، ويعرف بالدخوار ~~في صفر. وأبو الفضل عبد السلام بن عبد الله الداهري الخفاف في شهر ربيع ~~الأول عن اثنتين وثمانين سنة. وأبو الرضا محمد بن أبي الفتح المبارك ابن ~~عصية الحربي في المحرم، وله ثلاث وثمانون سنة. والعلامة زين الدين يحيى بن ~~عبد المعطي بن عبد النور الزواوي النحوي في ذي القعدة بمصر. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ذراع واحدة ونصف إصبع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من سلطنة الملك الكامل # محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة تسع وعشرين وستمائة. ~~فيها عاد التتار إلى الجزيرة وحران وقتلوا وأسروا وسبوا، وخرج الكامل صاحب ~~الترجمة من مصر إلى أن وصل إلى ديار بكر واجتمع مع أخيه الأشرف موسى، ~~واجتمعوا على دفع التتار؛ وكان أهل حران قد خرجوا لقتال التتار، فما رجع ~~منهم إلا القليل. وعاد ms1346 التتار إلى بلادهم بعد أمور صدرت منهم في حق ~~المسلمين. فلما بلغ الكامل عود التتار نزل على مدينة آمد ومعه أخوه الأشرف، ~~وحاصرها حتى استولى عليها وعلى عدة قلاع. وفيها توفي إسماعيل بن إبراهيم ~~الشيخ شرف الدين الفقيه الحنفي وهو ابن خالة شمس الدين ابن الشيرازي. كان ~~فقيها فاضلا زاهدا عابدا ورعا وله تصانيف حسان، منها مقدمة في الفرائض " ؛ ~~وكان بعث إليه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق يقول: أفت بإباحة الأنبذة، وما ~~يعمل من ماء الرمان ونحوه، فقال: لا أفتح هذا الباب على أبي حنيفة! إنما هي ~~رواية النوادر، وقد صح عن أبي حنيفة أنه ما شربه قط، وحديث ابن مسعود لا ~~يصح، وكذا ما يروي عن عمر في إباحة شربه لا يثبت عنه. فغضب المعظم وأخرجه ~~من مدرسة طرخان. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~أبو القاسم أحمد بن أحمد بن السمذي الكاتب. والحافظ أبو موسى عبد الله ابن ~~الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي في رمضان، وله ثمان وأربعون سنة. ~~وعبد اللطيف بن عبد الوهاب بن الطبري في شعبان. والعلامة موفق الدين عبد ~~اللطيف بن يوسف بن محمد البغدادي النحوي الطبيب في المحرم عن اثنتين وسبعين ~~سنة. والزاهد الشيخ عمر بن عبد الملك الدينوري بقاسيون. وأبو حفص عمر بن ~~كرم بن أبي الحسن الدينوري الحمامي في رجب، وله تسعون سنة. وأبو القاسم ~~عيسى بن عبد العزيز بن عيسى المقرئ بالإسكندرية. والحافظ معين الدين أبو ~~بكر محمد بن عبد الغني نقطة الحنبلي في صفر كهلا. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاث أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا. وثلاث ~~أصابع. السنة الخامسة عشرة من سلطنة الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر ~~بن أيوب على مصر وهي سنة ثلاثين وستمائة. PageV02P0208 # فيها فتح الملك الكامل محمد صاحب الترجمة آمد، وأخرج منها صاحبها الملك ~~المسعود بن مودود بعد حصار طويل؛ وتسلم منه جميع القلاع التي كانت بيده، ~~وبقي حصن كيفا عاصيا؛ فبعث الكامل ms1347 أخاه الأشرف، وأخاه شهاب الدين غازيا، ~~ومعهما صاحب آمد تحت الحوطة؛ فسألهم صاحب آمد في تسليم الحصن فلم يسلموا ~~البلد، فعذبه الأشرف عذابا عظيما، وكان يبغضه؛ ولا زال الأشرف يحاصر حصن ~~كيفا حتى تسلمها بعد أمور في صفر من السنة، ووجد عند مسعود المذكور خمسمائة ~~بنت من بنات الناس للفراش. وفيها فتحت دار الحديث الأشرفية المجاورة لقلعة ~~دمشق التي بناها الملك الأشرف موسى، وأمده بها ابن الصلاح الحديث، وذلك في ~~ليلة النصف من شعبان، ووقف عليها الأشرف الأوقاف، وجعل بها نعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وفيها توفي الوزير صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر، وزير ~~الملك العادل؛ وأصله من الدميرة، وهي قرية بالوجه البحري من أعمال مصر. ~~وكان صفي الدين المذكور وزيرا مهيبا عالما فاضلا له معرفة بقوانين الوزارة، ~~وكانت عنايته مصروفة إلى العلماء والفقهاء والأدباء، وكان مالكي المذهب. ~~ومات بالقاهرة وهو على حرمته، وله بالقاهرة مدرسة معروفة به. وفيها توفي ~~الملك العزيز عثمان ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب أخو الملك ~~الكامل هذا؛ وكان شقيق المعظم عيسى، وهو صاحب بانياس وتبنين والحصون، وهو ~~الذي بنى الصبيبة؛ ودام مالكا لهذه القلاع إلى أن مات في يوم الاثنين عاشر ~~شهر رمضان ببستانه ببيت لهيا، وحمل تابوته فدفن بقاسيون عند أخيه الملك ~~المعظم عيسى، وقد تقدم أنه كان شقيقه. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي بهاء الدين إبراهيم ابن أبي اليسر شاكر بن عبد الله ~~التنوخي الشافعي في المحرم؛ ولي قضاء المعرة خمسة أعوام. وأبو الحسن علي بن ~~أحمد بن يوسف الأزجي بالقدس في صفر. وأبو محمد الحسن ابن الأمير السيد علي ~~بن المرتضى العلوي الحسيني في شعبان. وصفي الدين أبو بكر عبد العزيز بن ~~أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن باقا التاجر في رمضان، وله خمس وسبعون سنة. ~~وصاحب الصبيبة الملك العزيز عثمان بن العادل - رحمه الله - والعلامة عز ~~الدين أبو الحسن علي بن الأثير بن محمد بن محمد بن ms1348 عبد الكريم الشيباني ~~الجزري المؤرخ في شعبان، وقد قارب ستا وسبعين سنة. وصاحب إربل مظفر الدين ~~كوكبوري ابن صاحب إربل أيضا زين الدين علي بن بكتكين التركماني في رمضان. ~~والوزير مؤيد الدين محمد بن محمد بن القمي ببغداد. وشرف الدين محمد بن نصر ~~الله بن مكارم الدمشقي الشاعر الكاتب المعروف بابن عنين، في شهر ربيع ~~الأول. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وست أصابع، وطال مكثه على الأراضي. والله أعلم. ؟ ### || AUT السنة السادسة عشرة من سلطنة الملك الكامل # محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة إحدى وثلاثين وستمائة. ~~فيها اجتمع الملك الكامل صاحب الترجمة وإخوته وأسد الدين شيركوه صاحب حمص، ~~وساروا ليدخلوا بلاد الروم من عند النهر الأزرق، فوجدوا الروم قد حفظوا ~~الدربند، ووقفوا على رؤوس الجبال وسموا الطرق، فامتنعت العساكر من الدخول؛ ~~وكان الملك الأشرف صاحب دمشق يومئذ ضيق الصدر من أخيه الملك الكامل هذا، ~~لأنه طلب منه الرقة فامتنع؛ وقال له: ما يكفيك كرسي بني أمية! فاجتمع أسد ~~الدين شيركوه صاحب حمص بالأشرف وقال له: إن حكم الكامل على الروم أخذ جميع ~~ما بأيدينا فوقع التقاعد، فلما رأى الكامل ذلك عبر الفرات ونزل السويداء ، ~~وجاءه صاحب خرتبرت، وهو من بني أرتق، وقال له: عندنا طريق سهلة تدخل منها ~~إلى الروم. فجهز الملك الكامل بين يديه ولده الملك الصالح نجم الدين الوب، ~~وابن أخيه الملك الناصر داود بن المعظم، والخادم صوابا، فجاءتهم عساكر ~~الروم؛ وكان الناصر تأخر وتقدم صواب في خمسة آلاف فارس، ومعه الملك المظفر ~~صاحب حماة، وقاتلوا الروم وانهزموا؛ فعاد الملك الكامل إلى آمد. وكان أسر ~~صواب وجماعة من الأمراء فأطلقهم الروم بعد أن أحسنوا إليهم. وفيها قدم رسول ~~الأنبرور الفرنجي على الملك الكامل بهدايا فيها دب أبيض، وشعره مثل شعر ~~السبع، ينزل البحر فيصعد بالسمك فيأكله ومعه أيضا طاووس أبيض. PageV02P0209 # وفيها توفي الشيخ العارف المسلك الزاهد شهاب الدين أبو حفص - وقيل أبو ms1349 ~~عبد الله - عمر بن محمد بن عبد الله بن عمويه القرشي التيمي البكري ~~السهروردي الصوفي. وذكر الذهبي وفاته في سنة اثنتين وثلاثين وهو الأشهر. ~~قلت: ومولده في شهر رجب سنة تسع وثلاثين وخمسمائة بسهرورد، وقدم بغداد وهو ~~أمرد، فصحب عمه الشيخ أبا النجيب عبد القاهر وأخذ عنه التصوف والوعظ وصحب ~~أيضا الشيخ عبد القادر الجيلي، وسمع الحديث من عمه المذكور وغيره، وروى عنه ~~البرزالي وجماعة كثيرة؛ وكان له في الطريقة قدم ثابتة ولسان ناطق، وولي عدة ~~ربط للصوفية، ونفذه الخليفة إلى عدة جهات رسولا، وكان فقيها عالما واعظا ~~مفتنا مصنفا، وهو صاحب التصانيف المشهورة، واشتهر اسمه وقصد من الأقطار، ~~وظهرت بركات أنفاسه على خلق من العصاة فتابوا، ووصل به خلق إلى الله تعالى، ~~وكف بصره قبل موته. قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: رأيته في سنة تسعين ~~وخمسمائة يعظ برباط درب المقير على منبر طين، وعلى رأسه مئزر صوف؛ قال: ~~وصنف كتابا للصوفية وسماه " عوارف المعارف " . قال: وجلس يوما ببغداد وذكر ~~أحوال القوم وأنشد - رحمه الله تعالى وعفا عنه - : ما في الصحاب أخو وجد ~~نطارحه ... حديث نجد ولا صب نجاريه وجعل يرعد البيت ويطرب، فصاح به شاب من ~~أطراف المجلس، وعليه قباء وكلوتة؛ وقال: يا شيخ، لم تشطح وتنتقص القوم! ~~والله إن فيهم من لا يرضى أن يجاريك، ولا يصل فهمك إلى ما يقول، هلا أنشدت: ~~ما في الصحاب وقد سارت حمولهم ... إلا محب له في الركب محبوب كأنه يوسف في ~~كل راحلة ... والحي في كل بيت منه يعقوب! فصاح الشيخ ونزل من على المنبر ~~وقصده فلم يجده، ووجد موضعه حفرة بها دم مما فحص برجليه عند إنشاد الشيخ ~~البيت. انتهى كلام أبي المظفر باختصار. وفيها توفي الشيخ طي المصري مريد ~~الشيخ محمد الفزاري؛ قدم الشام وأقام مدة بزاويته، وكان يغشاه الأكابر، ~~وانتفع بصحبته جماعة، وكان زاهدا عابدا، ودفن بزاويته بدمشق. وفيها توفي ~~الشيخ عبد الله الأرمني الزاهد العابد الورع. كان رحالا سافر إلى البلاد ~~ولقي الأبدال وأخذ عنهم، وكان ms1350 له مجاهدات ورياضات وعبادات وسياحات، وكان في ~~بداية أمره لا يأوي إلا البراري القفار ويتناول المباحات، قرأ القرآن وكتاب ~~القدوري في الفقه، وصحب رجالا من الأولياء، وكان معدودا من فقهاء الحنفية، ~~وله حكايات ومناقب كثيرة. ومات في يوم الجمعة تاسع عشرين ذي القعدة، ودفن ~~بسفح قاسيون، وقد جاوز سبعين سنة. وفيها توفي العلامة سيف الدين علي بن أبي ~~علي بن محمد بن سالم المعروف بالسيف الآمدي؛ كان إماما بارعا لم يكن في ~~زمانه من يجاريه في علم الكلام. قال أبو المظفر: وكان يرمى بأشياء ظاهرها ~~أنه كان بريئا منها، لأنه كان سريع الدمعة، رقيق القلب سليم الصدر، وكان ~~مقيما بحماة وسكن دمشق، وكان بنو العادل: المعظم والأشرف والكامل يكرهونه ~~لما اشتهر عنه من الاشتغال بالمنطق وعلوم الأوائل. ثم قال أبو المظفر بعد ~~كلام آخر: وأقام السيف خاملا في بيته إلى أن توفي في صفر، ودفن بقاسيون في ~~تربته. وفيها توفي كريم الدين الخلاطي الأميرة كان أديبا لطيفا حسن اللقاء ~~ذا مروءة. خدم الأشرف والمعظم والكامل، وحج بالناس أميرا من الشام، وتوفي ~~بدمشق ودفن بقاسيون عند مغارة الجوع. وفيها توفي الصلاح الإربلي، كان أديبا ~~فاضلا شاعرا؛ خدم مظفر الذين صاحب إربل، ثم انتقل إلى خدمة الملك المغيث بن ~~العادل، ثم خدم الكامل وتقدم في دولته وصار نديمه؛ ثم سخط عليه، لأنه بعثه ~~رسولا إلى أخيه المعظم فنقل عنه أن المعظم استماله، فحبسه الكامل في الجب ~~مدة سنتين، ثم رضي عنه وأخرجه. ومن شعره من قصيدة: من يوم فراقنا على ~~التحقيق ... هذي كبدي أحق بالتمزيق لو دام لنا الوصال ألفي سنة ... ما كان ~~يفي بساعة التفريق PageV02P0210 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي إسماعيل بن علي ~~بن إسماعيل بن ماتكين الجوهري في ذي القعدة، وله ثمانون سنة. ونجم الدين ~~ثابت بن بادان التفليسي الصوفي شيخ الأسدية. وسراج الدين الحسين بن أبي بكر ~~المبارك بن محمد الزبيدي الحنبلي في صفر، وله خمس وثمانون سنة. وزكريا بن ~~علي بن حسان العلبي ms1351 في شهر ربيع الأول. والخادم طغريل أتابك الملك العزيز ~~ومدبر دولته. والشيخ القدوة عبد الله بن يونس الأرمني. والسيف الآمدي علي ~~بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي في صفر، وله ثمانون سنة. والمحدث أبو ~~رشيد محمد بن أبي بكر الأصبهاني الغزالي المقرئ. وأبو عبد الله محمد بن - ~~عمر بن يوسف القرطبي في صفر بالمدينة. وأبو الغنائم المسلم بن أحمد المازني ~~النصيبي في شهر ربيع الأول. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~سواء. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ؟السنة السابعة عشرة من ~~سلطنة الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة اثنتين ~~وثلاثين وستمائة. فيها خرجت عساكر الروم نحو آمد وحاصروها وأقاموا عليها ~~أياما، ثم نازلوا السويداء فأخذوها. وفيها كان الوباء العظيم بمصر حيث إنه ~~مات في شهر نيف وثلاثون ألف إنسان. وفيها توفي عبد السلام بن المظفر بن عبد ~~الله بن محمد بن أبي عصرون. كان فقيها فاضلا زاهدا إلا أنه كان مغرى ~~بالنكاح؛ كان عنده نيف وعشرون جارية للفراش. ومات بدمشق بقاسيون، وهو والد ~~قطب الدين وتاج الدين. وفيها توفي صواب العادلي مقدم عسكر الملك الكامل ~~الذي كانت الروم أسرته في عام أول؛ وكان خادما عاقلا شجاعا، وكان العادل ~~والكامل يعتمدان عليه، وكان حاكما على الشرق كله من قبل الكامل. وفيها توفي ~~الشيخ شرف الدين أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي المعروف ~~بابن الفارض الحموي الأصل، المصري " المولد و " الدار والوفاة الصالح ~~الشاعر المشهور، أحد البلغاء الفصحاء الأدباء. مولده في رابع ذي القعدة سنة ~~ست وسبعين وخمسمائة، وتوفي بالقاهرة في يوم الثلاثاء الثاني من جمادى ~~الأولى، ودفن من الغد بسفح المقطم، وقبره معروف به يقصد للزيارة. والفارض ~~بفتح الفاء وبعدها ألف وراء مكسورة وضاد معجمة، وهو الذي يكتب الفروض على ~~النساء والرجال. وهو صاحب النظم الرائق والشعر الفائق الغرامي. وديوان شعره ~~مشهور كثير الوجود بأيدي الناس، وشعره أشهر من أن يذكر. فمن ms1352 مقطعات شعره ~~قوله: وحياة أشواقي إلي ... ك وحرمة الصبر الجميل لا نظرت عيني سوا ... ك ~~ولا صبوت إلى خليل ومن قصائده - رحمه الله وعفا عنه: سائق الأظعان يطوي ~~البيد طي ... منعما عرج على كثبان طي وبذات الشيح عني إن مرر ... ت بحي من ~~عريب الجزع حي وتلطف واجر ذكرى عندهم ... علهم أن ينظروا عطفا إلي قل تركت ~~الصب فيكم شبحا ... ما له مما براه الشوق في ؟خافيا عن عائد لاح كما ... ~~لاح في برديه بعد النشر طي صار وصف الضر ذاتيا له ... عن عناء والكلام الحي ~~لي كهلال الشك لولا أنه ... أن عيني عينه لم تتأي مثل مسلوب حياة مثلا ... ~~صار في حبكم ملسوب حي مسبلا للنأي طرفا جاد إن ... ضن نوء الطرف إذ يسقط خي ~~بين أهليه غريبا نازحا ... وعلى الأوطان لم يعطفه لي جامحا إن سيم صبرا ~~عنكم ... وعليكم جانحا لم يتأي نشر الكاشح ما كان له ... طاوي الكشح قبيل ~~النأي طي في هواكم رمضان عمره ... ينقضي ما بين إحياء وطي صاديا شوقا لصدى ~~طيفكم ... جد ملتاح إلى رؤيا ورى حائرا فيما إليه أمره ... حائر والمرء في ~~المحنة عي فكأين من أسى أعيا الإسى ... نال لو يغنيه قولي وكأي رائيا إنكار ~~ضر مسه ... حذر التعنيف في تعريف ري PageV02P0211 # والذي أرويه عن ظاهر ما ... باطني يزويه عن علمي زي يا أهيل الود أنى ~~تنكرو ... ني كهلا بعد عرفاني فتي وهوى الغادة عمري عادة ... يجلب الشيب ~~إلى الشاب الأحي نصبا أكسبني الشوق كما ... تكسب الأفعال نصبا لام كي ومتى ~~أشكو جراحا بالحشى ... زيد بالشكوى إليها الجرح كي عين حسادي عليها لي كوت ~~... لا تعداها أليم الكي كي عجبا في الحرب أدعى باسلا ... ولها مستبسلا في ~~الحب كي هل سمعتم أو رأيتم أسدا ... صاده لحظ مهاة أو ظبي سهم شهم القوم ~~أشوى وشوى ... سهم ألحاظكم أحشاي شي وضع الآسي بصدري كفه ... قال ما لي ~~حيلة في ذا الهوى أي شيء مبرد حرا شوى ... للشوى حشو حشاي أي شي سقمي من ~~سقم ms1353 أجفانكم ... وبمعسول الثنايا لي دوني أوعدوني أوعدوني وامطلوا ... حكم ~~دين الحب دين الحب لي رجع اللاحي عليكم آيسا ... من رشادي وكذاك العشق غي ~~أبعينيه عمى عنكم كما ... صمم عن عذله في أذني أو لم ينه النهى عن عذله ... ~~زاويا وجه قبول النصح زي ظل يهدي لي هدى في زعمه ... ضل كم يهذي ولا أصغى ~~لغي ولما يعذل عن لمياء طو ... ع هوى في العذل أعصى من عصي لومه صبا لدى ~~الحجر صبا ... بكم دل على حجر صبي عاذلي عن صبوة عذرية ... هي بي لا فتئت ~~هي بن بي ذابت الروح اشتياقا فهي بع ... د نفاد الحمع أجرى عبرتي فهبوا ~~عيني ما أجدى البكا ... عين ماء فهي إحدى منيتي أو حشا سال ولا أختارها ... ~~إن تروا ذاك بها منا علي بل أسيئوا في الهوى أو أحسنوا ... كل شيء حسن منكم ~~لدي وفيها توفي عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل بن حماد الشيخ الإمام ~~الأديب البارع حسام الدين أبو يحيى - وقيل: أبو الفضل - الإربلي المعروف ~~بالحاجري الشاعر المشهور. كان جنديا من أولاد الأتراك. وكان أديبا فاضلا ~~ظريفا فصيحا، وله ديوان شعر مشهور، يغلب على شعره الرقة والانسجام. قال ابن ~~خلكان - رحمه الله - : وكان صاحبي وأنشدني كثيرا من شعره، فمن ذلك وهو معنى ~~جيد في نهاية الجودة: ما زال يحلف لي بكل ألية ... ألا يزال مدى الزمان ~~مصاحبي لما جفا نزل العذار بخده ... فتعجبوا لسواد وجه الكاذب قال وأنشدني ~~لنفسه أيضا: لك خال من فوق عر ... ش شقيق قد استوى بعث الصدغ مرسلا ... ~~يأمر الناس بالهوى انتهى. قلت: ومن شعره أيضا: لك أن تشوقني إلى الأوطان ~~... وعلي أن أبكي بدمعي القاني إن الألى رحلوا غداة محجر ... ملؤوا القلوب ~~لواعج الأحزان فلأبعثن مع النسيم إليهم ... شكوى تميل لها غصون البان نزلوا ~~برامة قاطنين فلا تسل ... ما حل بالأغصان والغزلان وكانت وفاته في يوم ~~الخميس ثاني شوال، وتقدير عمره خمسون سنة. والحاجري بفتح الحاء المهملة ~~وبعد الألف جيم مكسورة وبعدها راء وهذه النسبة إلى ms1354 حاجر، وكانت بليدة ~~بالحجاز. وسبب تسميته بذلك لأنه كان يكثر من ذكر الحاجر في شعره فسمي بذلك. ~~PageV02P0212 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الحسن بن صباح بن ~~حسام المخزومي الكاتب في رجب، وله إحدى وتسعون سنة. وتقي الدين علي بن أبي ~~الفتح بن ماسويه الواسطي في شعبان، وله ست وسبعون سنة. والأديب شرف الدين ~~عمر بن علي بن المرشد الحموي بن الفارض بمصر في جمادى الأولى. والزاهد ~~العارف أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله التيمي السهروردي في أول السنة، ~~وله ثلاث وتسعون سنة. وأبو عبد الله محمد بن عماد بن محمد الحراني التاجر ~~في صفر بالإسكندرية، وله تسعون سنة. والقدوة الزاهد غانم بن علي المقدسي. ~~والقاضي العلامة بهاء الدين يوسف بن رافع بن لميم الشافعي ابن شداد بحلب في ~~صفر. وسيف الدولة محمد بن غسان الحمصي في شعبان. وأبو الوفا محمود ابن ~~إبراهيم بن سفيان، بن منحه التاجر بأصفهان شهيدا في خلق لا يحصون بسيف ~~التتار في شوال. وأبو سعد محمد بن عبد الواحد المديني. وحسام الدين عيسى بن ~~سنجر بن بهرام الإربلي المعروف بالحاجري الشاعر المشهور، قتله شخص في شوال، ~~وله خمسون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ؟ ### || AUT السنة الثامنة عشرة من سلطنة الملك الكامل # محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، على مصر وهي سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. ~~فيها استعاد الكامل من الروم حران والرها وغيرهما، وأخرب قلعة الرها ونزل ~~على دنيسر فأخربها ومعه أخوه الأشرف، وبينما هم في ذلك جاء كتاب بدر الدين ~~لؤلؤ إلى الأشرف يقول: قد قطع التتار دجلة في مائة طلب كل طلب خمسمائة ~~فارس، ووصلوا إلى سنجار، فخرج إليهم معين الدين بن كمال الدين بن مهاجر ~~فقتلوه على باب سنجار، ثم رجع التتار ثم عادت. فأمنهم الأشرف للتوجه إلى ~~جهة الشرق. وفي هذه السنة كان الطاعون العظيم بمصر وقراها، مات فيه خلق ~~كثير ms1355 من أهلها وغيرها حتى تجاوز الحد. وفيها جاءت الخوارزمية إلى صاحب ~~ماردين فنزل إليهم وقاتلهم، ثم نزلوا نصيبين وأحرقوها، وفعلوا فيها أعظم ما ~~فعل الكامل بدنيسر. وفيها توفي الحسن بن محمد القاضي القيلوي، وقيلوية: ~~قرية من قرى بغداد. كان فاضلا كاتبا، ولد بالعراق سنة أربع وستين وخمسمائة، ~~وكان كثير الأدب مليح الخط عارفا بالتواريخ حسن العبارة متواضعا، وكانت ~~وفاته في ذي القعدة ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع. وفيها توفي أبو ~~المحاسن محمد بن نصر الدين بن نصر بن الحسين بن عنين الزرعي، أصله من ~~حوران. قال أبو المظفر: " كان خبيث اللسان هجاء فاسقا متهتكا عمل قصيدة ~~سماها: " مقراض الأعراض " خمسمائة بيت، لم يفلت أحد من أهل دمشق منها بأقبح ~~هجو. ونفاه السلطان صلاح الدين إلى الهند، فمضى ومدح ملوكها واكتسب مالا، ~~وعاد إلى دمشق. ومن هجوه في السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمه الله ~~تعالى - قوله: سلطاننا أعرج وكاتبه ... ذو عمش والوزير منحدب وصاحب الأمر ~~خلقه شرس ... وعارض الجيش داؤه عجب والدولعي الخطيب معتكف ... وهو على قشر ~~بيضة يثب ولابن باقا وعظ يغر به الن ... اس وعبد اللطيف محتسب ولما نفي كتب ~~من الهند إلى دمشق: فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا انفوا ~~المؤذن من بلادكم ... إن كان ينفى كل من صدقا ولما عاد إلى دمشق هجا الملك ~~العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب بقوله: إن سلطاننا الذي نرتجيه ... واسع ~~المال ضيق الإنفاق هو سيف كما يقال ولكن ... قاطع للرسوم والأرزاق قال: ~~واستكتبه الملك المعظم، وكان من أكبر سيئات المعظم. ومات عن إحدى وثمانين ~~سنة. انتهى كلام أبي المظفر باختصار. وقال ابن خلكان: " كان خاتمة الشعراء، ~~لم يأت بعده مثله، ولا كان في أواخر عصره من يقاس به، ولم يكن شعره مع ~~جودته مقصورا على أسلوب واحد. ثم نعته بأشياء إلى أن قال: ولما ملك الملك ~~العادل دمشق كتب إليه قصيدته الرائية يستأذنه في الدخول إليها، ويصف دمشق ~~ويذكر ما قاساه في الغربة؛ وقد أحسن ms1356 فيها كل الإحسان واستعطفه كل ~~الاستعطاف، وأولها: ماذا على طيف لو سرى ... وعليهم لو سامحوني في الكرى ثم ~~وصف دمشق وقال: PageV02P0213 # فارقتها لا عن رضا وهجرتها ... لا عن قلى ورحلت لا متخيرا أسعى لرزق في ~~البلاد مشتت ... ومن العجائب أن يكون مقترا وأصون وجه مدائحي متقنعا ... ~~وأكف ذيل مطامعي متسترا ومنها يشكو الغربة: أشكو إليك نوى تمادى عمرها ... ~~حتى حسبت اليوم منها أشهرا لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو ولا جفني ~~يصافحه الكرى أضحي عن الأحوى المريع محلأ ... وأبيت عن ورد النمير منفرا ~~ومن العجائب أن يقيل بظلكم ... كل الورى وأبيت وحدي بالعرا فلما وقف عليها ~~العادل أذن له في الدخول إلى دمشق، ففما دخلها قال: هجوت الأكابر في جلق ~~... ورعت الوضيع بسب الرفيع وأخرجت منها ولكنني ... رجعت على رغم أنف ~~الجميع وفيها توفي أبو الخطاب بن دحية المغربي. قال أبو المظفر: كان في ~~المحدثين مثل ابن عنين في الشعراء، يثلب علماء المسلمين ويقع فيهم، ويتزيد ~~في كلامه، فترك الناس الرواية عنه وكذبوه. وكان الكامل مقبلا عليه، فلما ~~انكشف له حاله أعرض عنه، وأخذ منه دار الحديث وأهانه، فمات في شهر ربيع ~~الأول بالقاهرة ودفن بقرافة مصر. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي الجمال أبو حمزة أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر المقدسي. ~~وعفيف الدين علي بن عبد الصمد بن الرماح المصري المقرئ النحوي. وأبو الحسن ~~علي بن أبي بكر بن روزبة القلانسي الصوفي في شهر ربيع الآخر، وقد جاوز ~~التسعين. والعلامة أبو الخطاب عمر بن الحسن بن علي البلنسي المعروف بابن ~~دحية في شهر ربيع الأول عن سبع وثمانين سنة. والفخر محمد بن إبراهيم بن ~~مسلم الإربلي الصوفي بإربل في شوال أو شهر رمضان. وقاضي القضاة عماد الدين ~~أبو صالح نصر بن عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي الحنبلي في شوال. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة التاسعة ms1357 عشرة من سلطنة الملك الكامل # محمد بن العادل أبي بكر ابن أيوب على مصر وهي سنة أربع وثلاثين وستمائة. ~~فيها نزلت التتار على إربل وحاصرتها مدة حتى أخذوها عنوة، وقتلوا كل من ~~فيها وسبوا وفضحوا البنات، وصارت الآبار والدور قبورا للناس. وكان أيدكين ~~مملوك الخليفة بالقلعة فقاتلهم، فنقبوا القلعة وجعلوا لها سردابا وطرقا، ~~وقلت عندهم المياه حتى مات بعضهم عطشا، فلم يبق سوى أخذها؛ فرحلوا عنها في ~~ذي الحجة، وقد عجزوا عن حمل ما أخذوا من الأموال والغنائم. وفيها استخدم ~~الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل - صاحب الترجمة - الخوارزمية ~~أصحاب جلال الدين، فانضموا عليه وانفصلوا من الروم؛ وسر والده الملك الكامل ~~بذلك. وفيها بدت الوحشة بين الأخوين، وسببها أن الأشرف طلب من الكامل الرقة ~~وقال: الشرق كله صار له، وأنا أركب كل يوم في خدمته، فتكون الرقة برسم عليق ~~دوابي، فأبى الكامل وأغلظ في الجواب، فوقعت الوحشة بينهم بسبب ذلك. وفيها ~~توفي الناصح عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب الحنبلي؛ ولد بدمشق ونشأ بها، ~~وتفقه ووعظ وصنف ودرس بمدرسة ربيعة خاتون. ومات في غرة المحرم. وفيها توفي ~~السلطان الملك العزيز محمد ابن السلطان الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب. كان صاحب حلب، وليها بعد وفاة أبيه الظاهر. ومولده في ~~ذي الحجة سنة تسع أو عشر وستمائة. وتوفي والده وهو طفل، فنشأ تحت حجر شهاب ~~الدين الخادم، فرتب شهاب الدين أموره أحسن ترتيب إلى سنة تسع وعشرين ~~وستمائة. استقل الملك العزيز هذا بالأمر إلى أن توفي بحلب في شهر ربيع ~~الأول. وكان حسن الصورة كريما عفيفا، ولم يبلغ أربعا وعشرين سنة. ودفن ~~بقلعة حلب، وإليه تنسب المماليك العزيزية الآتي ذكرهم في عدة أماكن. وفيها ~~توفي كيقباذ السلطان علاء الدين صاحب الروم. كان عاقلا شجاعا مقداما جوادا، ~~وهو الذي كسر الخوارزمي وكسر الكامل واستولى على بلاد الشرق. وكان الملك ~~العادل زوجه ابنته فأولدها أولادا؛ وكان عادلا منصفا مهيبا، ما وقف له ~~مظلوم إلا وكشف ظلامته، ms1358 وكانت وفاته في شوال. PageV02P0214 # قلت: وبنو قرمان ملوك الروم في زماننا هذا يزعمون أنهم من نسل السلطان ~~علاء الدين هذا - والله أعلم - . الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي الملك المحسن أحمد ابن السلطان صلاح الدين في المحرم، وله ~~سبع وخمسون سنة. والخطيب أبو طاهر الخليل أحمد الجوسقي في شهر ربيع الأول. ~~وأبو منصور سعيد بن محمد بن يس السفار، وقد حج تسعا وأربعين حجة، في صفر. ~~والحافظ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي البلنسي في ذي الحجة، ~~وله سبعون سنة. والإمام ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب ~~الحنبلي في المحرم، وقد نيف على الثمانين. ومفتي حران ناصر الدين عبد ~~القادر بن عبد القاهر بن أبي الفهم الحنبلي في شهر ربيع الأول عن اثنتين ~~وسبعين سنة. وعلي بن محمد بن جعفر بن كب المؤدب. وكمال الدين علي بن أبي ~~الفتح بن الكباري الطبيب بحلب في المحرم. وسلطان الروم علاء الدين كيقباذ ~~بن كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقي في شوال. والحافظ أبو الحسن محمد بن أحمد ~~بن عمر القطيعي في شهر ربيع الآخر عن تسع وثمانين سنة. والملك العزيز محمد ~~ابن الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف صاحب حلب بها في شهر ربيع الأول. ~~ومحتسب دمشق الفخر محمود بن عبد اللطيف. وأبو الحسن مرتضى ابن أبي الجود ~~حاتم بن المسلم الحارثي المصري في شوال. وأبو بكر هبة الله بن عمر بن الحسن ~~القطان، وكان آخر من روى عن أمه كمال بنت عبد الله بن السمرقندي، وعن هبة ~~الله الشبلي، عاش نيفا وثمانين سنة. وياسمين بنت سالم بن علي بن البيطار ~~يوم عاشوراء. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة العشرون من سلطنة الملك الكامل # محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب على مصر وهي سنة خمس وثلاثين وستمائة. ~~وهي السنة التي مات الكامل المذكور في رجبها، وحكم ابنه العادل ms1359 في باقيها ~~حسب ما تقدم في وفاة الكامل في ترجمته. وفيها أيضا توفي الملك الأشرف موسى، ~~ثم بعده أخوه الملك الكامل. وملك دمشق بعد موت الأشرف الملك الجواد بن ~~الأشرف. على ما سيأتي ذكره في وفاة الأشرف في هذه السنة. وفيها اختلفت ~~الخوارزمية على الملك الصالح أيوب بن الكامل، وأرادوا القبض عليه فهرب إلى ~~سنجار، وترك خزائنه وأثقاله، فنهبوا الجميع. ولما قدم الصالح سنجار سار ~~إليه بدر الدين لؤلؤ في ذي القعدة وحصره بها، فأرسل إليه الصالح يسأله ~~الصلح؛ فقال: لا بد من حمله في قفص إلى بغداد، وكان لؤلؤ " و " المشارقة ~~يكرهونه وينسبونه إلى التكبر والظلم؛ فاحتاج الصالح أن يبعث إلى ~~الخوارزمية، وهم على حران يستنجدهم، فساقوا جريدة من حران، وكبسوا لؤلؤا، ~~فنجا وحده، ونهبوا أمواله وخزائنه وجميع ما كان في عسكره. وفيها توفي الملك ~~الأشرف أبو الفتح مظفر الدين موسى شاه أرمن ابن السلطان الملك العادل أبي ~~بكر ابن الأمير نجم الدين أيوب، أخو الملك الكامل محمد صاحب الترجمة. وأول ~~شيء ملكه الأشرف هذا من القلاع والبلاد الرها في أيام أبيه، وآخر شيء دمشق. ~~ومات بها بعد أن ملك قلاع ديار بكر سنين. وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة في ~~حوادث دولة أخيه الكامل، وفي غزوة دمياط وغير ذلك. ومولده سنة ثمان وسبعين ~~وخمسمائة بقصر الزمرد بالقاهرة قبل أخيه المعظم عيسى بليلة واحدة، وكان ~~مولدهما بموضع واحد - وقيل: كان بقلعة الكرك - والأول أشهر. وكان الملك ~~الأشرف ملكا كريما حليما واسع الصدر كريم الأخلاق كثير العطايا، لا يوجد في ~~خزائنه شيء من المال مع اتساع مملكته؛ ولا تزال عليه الديون؛ ونظر يوما في ~~دواة كاتبه وشاعره كمال الدين علي بن النبيه المصري فرأى بها قلما واحدا ~~فأنكر عليه، فأنشد الكمال بديها " دوبيت " : قال الملك الأشرف قولا رشدا ~~... أقلامك يا كمال قلت عددا جاوبت لعظم كتب ما تطلقه ... تحفى فتقط فهي ~~تفنى أبدا ولكمال الدين ابن النبيه المذكور فيه غرر المدائح معروفة بمخالص ~~قصائده في ديوانه، وتسمى الأشرفيات. وكانت وفاة ms1360 الأشرف في يوم الخميس رابع ~~المحرم بدمشق، ودفن بقلعتها؛ ثم نقل بعد محق إلى التربة التي أنشئت له ~~بالكلاسة في الجانب الشمالي من جامع دمشق. PageV02P0215 # وفيها توفي يحيى بن هبة الله بن الحسن القاضي شمس الدين أبو البركات بن ~~سناء الدولة؛ كان إماما فقيها فاضلا حافظا للقوانين الشرعية؛ ولي القضاء ~~بالبيت المقدس ثم بدمشق، وكان الملك الأشرف موسى يحبه ويثني عليه. ومات في ~~ذي القعدة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الأنجب ~~بن أبي السعادات الحمامي في شهر ربيع الآخر، وله نيف وثمانون سنة. وأبو ~~محمد الحسين بن علي بن الحسين بن رئيس الرؤساء في رجب. وقاضي حلب زين الدين ~~أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن غلوان الأسدي ابن الأستاذ. ~~وأبو المنجا عبد الله بن عمر بن علي بن اللتي القزاز في جمادى الأولى، وله ~~تسعون سنة. وأبو طالب علي بن عبد الله بن مظفر ابن الوزير علي بن طراد ~~الزينبي في رمضان. والرضي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقدسي ~~المقرىء. وشيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرزاق بن عبد الوهاب بن سكينة في ~~جمادى الأولى. والسلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن العادل في رجب ~~بدمشق، وله ستون سنة. وأبو بكر محمد بن مسعود بن بهروز الطبيب في شهر ~~رمضان، وقد نيف على التسعين، وهو آخر من حدث ببغداد عن أبي الوقت. وشرف ~~الدين محمد بن نصر المقدسي ابن أخي الشيخ أبي البيان في رجب. والقاضي شمس ~~الدين أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد ابن الشيرازي في جمادى الآخرة، وله ~~ست وثمانون سنة. وخطيب دمشق جمال الدين محمد بن أبي الفضل الدولعي في جمادى ~~الأولى، ودفن بمدرسته بجيرون، وله ثمانون سنة. ونجم الدين مكرم بن محمد بن ~~حمزة بن أبي الصقر القرشي السفار في رجب، وله سبع وثمانون سنة. والسلطان ~~الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن العادل في المحرم، وله تسع وخمسون سنة. ~~وقاضي القضاة شمس الدين ms1361 يحيى بن هبة الله بن سناء الدولة في ذي القعدة، وله ~~ثلاث وثمانون سنة، وهو من تلامذة القطب النيسابوري. والشهاب يوسف بن ~~إسماعيل الحلبي بن الشواء الشاعر المشهور. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع ونصف إصبع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. ### | AUT سلطنة الملك العادل الصغير على مصر # هو السلطان الملك العادل أبو بكر ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن ~~السلطان الملك العادل أبي بكر ابن الأمير نجم الدين أيوب الأيوبي المصري. ~~وسبب تسلطنه وتقدمه على أخيه الأكبر نجم الدين أيوب أنه لما مات أبوه الملك ~~الكامل محمد بقلعة دمشق في رجب - حسب ما ذكرناه في أواخر ترجمته - كان ابنه ~~الملك الصالح نجم الدين أيوب - وهو الأكبر - نائب أبيه الملك الكامل على ~~الشرق وإقليم ديار بكر، وكان ابنه الملك العادل أبو بكر هذا - وهو الأصغر - ~~نائب أبيه بديار مصر؛ فلما مات الكامل قعد الأمراء يشتورون فيمن يولون من ~~أولاده فوقع الاتفاق بعد اختلاف كبير - نذكره من قول صاحب المرآة - على ~~إقامة العادل هذا في سلطنة مصر والشام، وأن يكون نائبه بدمشق ابن عمه الملك ~~الجواد يونس، وأن يكون أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب على ممالك الشرق ~~على حاله، فتم ذلك وتسلطن الملك العادل هذا في أواخر سنة خمس وثلاثين ~~وستمائة، وتم أمره ونعت بالعادل سيف الدين على لقب جده. ومولد العادل هذا ~~بالمنصورة، ووالده الملك الكامل على قتال الفرنج بدمياط في ذي الحجة سنة ~~سبع عشرة وستمائة. وقال العلامة شمس الدين يوسف بن قزأوغلي في مرآة الزمان: ~~ذكر ما جرى بعد وفاة الملك الكامل: اجتمع الأمراء وفيهم سيف الدين علي بن ~~قليج، وعز الدين أيبك، والركن الهيجاوي، وعماد الدين وفخر الدين ابنا ~~الشيخ، وتشاوروا وانفصلوا على غير شيء وكان الناصر داود يعني ابن الملك ~~المعظم عيسى بدار أسامة، فجاءه، الهيجاوي؛ وأرسل إليه عز الدين أيبك يقول: ~~أخرج المال وفرقه في مماليك أبيك المعظم والعوام معك، وتملك البلد ويبقوا ~~في القلعة محصورين فما اتفق ذلك. وأصبحوا ms1362 يوم الجمعة في القلعة فحضر من ~~سمينا بالأمس، وذكروا الناصر والجواد - قلت: والناصر داود هو ابن المعظم ~~عيسى، والجواد مظفر الدين يونس هو ابن شمس الدين مودود بن العادل " أعني ~~هما أولاد عم " انتهى - . PageV02P0216 # قال: وكان أضر ما على الناصر عماد الدين ابن الشيخ، لأنه كان يجري في ~~مجالس الكامل مباحثا فيخطئه فيها ويستجهله فبقي في قلبه؛ وكان أخوه فخر ~~الدين يميل إلى الناصر؛ فأشار عماد الدين بالجواد، ووافقوا أمره، وأرسلوا ~~الهيجاوي في يوم الجمعة إلى الناصر، وهو في دار أسامة، فدخل عليه وقال له: ~~إيش قعودك في بلد القوم. قم فاخرج، فقام وركب وجميع من في دمشق من دار ~~أسامة إلى القلعة، وما شك أحد أن الناصر لما ركب من دار أسامة إلا أنه طالع ~~إلى القلعة، فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب وخرج من باب الترب عرج إلى باب ~~الفرج، فصاحت العامة لا لا لا؛ وانقلبت دمشق وخرج الناصر من باب الفرج إلى ~~القابون، فوقع بهاء الدين بن بركيسو وغلمانه في الناس بالدبابيس، فأنكوا ~~فيهم فهربوا. وأما الجواد فإنه فتح الخزائن وأخرج المال وفرق ستة آلاف ألف ~~دينار، وخلع خمسة آلاف خلعة، وأبطل المكوس والخمور، ونفى الخواطئ. وأقام ~~الناصر بالقابون أياما، فعزموا على قبضه، فرحل وبات بقصر أم حكيم، وخرج ~~خلفه أيبك الأشرفي ليمسكه، وعرف عماد الدين بن موسك فبعث إليه في السر، ~~فسار في الليل إلى عجلون، ووصل أيبك إلى قصر أم حكيم، وعاد إلى دمشق. وسار ~~الناصر إلى غزة، فاستولى على الساحل؛ فخرج إليه الجواد في عسكر مصر والشام، ~~وقال للأشرفية: كاتبوه وأطمعوه فكاتبوه وأطمعوه فاغتر بهم، وساق من غزة في ~~سبعمائة فارس إلى نابلس بأثقاله وخزائنه وأمواله، وكانت على سبعمائة جمل، ~~وترك العساكر منقطعة خلفه، وضرب دهليزه على سبسطية، والجواد على جيتين ~~فساقوا عليه وأحاطوا به، فساق في نفر قليل إلى نابلس، وأخذوا الجمال ~~بأحمالها والخزائن والجواهر والجنائب واستغنوا غنى الأبد، وافتقر هو فقرا ~~ما افتقره أحد؛ ووقع عماد الدين بسفط صغير فيه اثنتا عشرة قطعة ms1363 من الجوهر ~~وفصوص ليس لها قيمة؛ فدخل على الجواد فطلبه منه فأعطاه إياه. وسار الناصر ~~لا يلوي على شيء إلى الكرك. ثم وقع له أمور نذكر بعضها في حوادث العادل ~~والصالح وغيرهما. انتهى. PageV02P0217 # ولما تم أمر العادل وتسلطن بمصر واستقر الجواد بدمشق على أنه نائب ~~العادل، وبلغ هذا الخبر الملك الصالح نجم الدين أيوب عظم عليه ذلك، كونه ~~كان هو الأكبر، فقصد الشام بعد أمور وقعت له مع الخوارزمية ومع لؤلؤ صاحب ~~الموصل؛ ثم سار الملك الصالح بعساكر الشرق حتى وافى دمشق ودخلها في جمادى ~~الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة، فخرج إليه الملك الجواد والتقاه؛ واتفق معه ~~على مقايضة دمشق بسنجار وعانة، وسببه ضيق عطن الجواد، وعجزه عن القيام ~~بمملكة الشام فإنه كان يظهر أنه نائب العادل بدمشق في مدة إقامته، ثم خاف ~~الجواد أيضا من العادل، وظن أنه يأخذ دمشق منه، فخرج الجواد إلى البرية ~~وكاتب الملك الصالح المذكور حتى حضر، فلما حضر استأنس به وقايضه ودخلا ~~دمشق، ومشى الجواد بين يدي الصالح وحمل الغاشية من تحت القلعة، ثم حملها ~~بعده الملك المظفر صاحب حماة من باب الحديد، ونزل الملك الصالح أيوب بقلعة ~~دمشق، والجواد في دار فرخشاه؛ ثم ندم الجواد على مقايضة دمشق بسنجار، ~~واستدعى المقدمين والجند واستحلفهم، وجمع الصالح أصحابه عنده في القلعة، ~~وأراد الصالح أن يحرق دار فرخشاه، فدخل ابن جرير في الوسط وأصلح الحال. ثم ~~خرج الجواد إلى النيرب، واجتمع الخلق عند باب النصر يدعون عليه ويسبونه في ~~وجهه، وكان قد أساء السيرة في أهل دمشق. ثم خرج الصالح من دمشق وتوجه إلى ~~خربة الفصوص على عزم الديار المصرية، فكاتب عمه صاحب بعلبك الملك الصالح ~~إسماعيل بن العادل، وسار الملك الصالح نجم الدين إلى نابلس فاستولى عليها ~~وعلى بلاد الناصر داود؛ فتوجه الناصر داود إلى مصر داخلا في طاعة الملك ~~العادل، فأكرمه العادل وأقام الصالح بنابلس ينتظر مجيء عمه الصالح إسماعيل، ~~فلم يلتفت الملك الصالح إسماعيل إلى ابن أخيه الصالح نجم الدين أيوب هذا؛ ~~وتوجه ms1364 نحو دمشق وهجم عليها ومعه أسد الدين شيركوه صاحب حمص فدخلوها يوم ~~الثلاثاء سابع عشرين صفر من سنة سبع وثلاثين؛ كل ذلك والصالح نجم الدين ~~مقيم بنابلس؛ واتفق الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك، وأسد الدين شيركوه ~~صاحب حمص على أن تكون البلاد بينهما مناصفة. ونزل الصالح إسماعيل في دمشق ~~بداره بحرب الشعارين، ونزل صاحب حمص بداره أيضا، وأصبحوا يوم الأربعاء ~~فزحفوا على القلعة ونقبوها من ناحية باب الفرج، وهتكوا حرمتها ودخلوها، ~~وبها الملك المغيث عمر بن الملك الصالح أيوب، فاعتقله الصالح إسماعيل في ~~برج، واستولى على جميع ما في القلعة. وبلغ الملك الصالح نجم الدين أيوب ما ~~جرى، وقيل له في العود إلى دمشق، فخلع الصالح أيوب على عميه مجير الدين ~~وتقي الدين وعلى غيرهم، وأعطاهم الأموال وقال لهم: ما الرأي؟ قالوا: نسوق ~~إلى دمشق قبل أن تؤخذ القلعة. فخرجوا من نابلس فنزلوا القصير فبلغهم أخذ ~~القلعة، فنفر بنو أيوب بأسرهم وخافوا على أولادهم وأهليهم بدمشق، وكان ~~الفساد قد لعب فيهم، فتركوا الصالح أيوب وتوجهوا إلى دمشق؛ وبقي الصالح في ~~مماليكه وغلمانه لا غير، ومعه جاريته شجرة الدر أم خليل؛ فرحل من القصير ~~يريد نابلس فطمع فيه أهل الغور والقبائل، وكان مقدمهم شيخا جاهلا يقال له ~~مسبل من أهل بيسان قد سفك الدماء، فتقاتل عسكر الصالح معه حتى كسروه. ثم ~~اتفق بعد ذلك الملك الناصر داود من مصر بغير رضا من الملك العادل صاحب مصر ~~ووصل إلى الكرك؛ وكتب الوزيري إلى الناصر يخبره الخبر، فلما بلغ الناصر ذلك ~~أرسل عماد الدين بن موسك والظهير بن سنقر الحلبي في ثلاثمائة فارس إلى ~~نابلس. فركب الصالح أيوب والتقاهم فخدموه وسقموا عليه بالسلطنة، وقالوا له: ~~طيب قلبك، إلى بيتك جئت، فقال الصالح: لا ينظر ابن عمي فيما فعلت، فلا زال ~~الملوك على هذا؛ وقد جئت إليه أستجير به، فقالوا: قد أجارك وما عليك بأس؛ ~~وأقاموا عنده أياما حول الدار. فلما كان في بعض الليالي ضربوا بوق النفير ~~وقالوا: جاءت الفرنج، فركب الناس ومماليك ms1365 الصالح ووصلوا سبسطية، وجاء عماد ~~الدين والظهير بالعسكر إلى الدار، وقالوا للصالح: تطلع إلى الكرك، فإن ابن ~~عمك له بك اجتماع، وأخذ سيفه. وكانت شجرة الدر حاملا فسقطت، وأخذوه وتوجهوا ~~به إلى الكرك. واستفحل أمر أخيه الملك العادل صاحب مصر بالقبض على الصالح ~~هذا، وأخذ وأعطى وأمر ونهى، فتغذر عليه بعض أمراء مصر، ولكن ما أمكنهم ~~يومئذ إلا السكات. PageV02P0218 # وأما الصالح، قال أبو المظفر: ولما اجتمعت به يعني الصالح في سنة تسع ~~وثلاثين وستمائة بالقاهرة حكى لي صورة الحال قال: أركبوني بغلة بغير مهماز ~~ولا مقرعة، وساروا إلى البرية في ثلاثة أيام، والله ما كلمت أحدا منهم ~~كلمة، ولا أكلت لهم طعاما حتى جاءني خطيب الموتة ومعه بردة عليها دجاجة، ~~فأكلت منها وأقاموا بي في الموتة يومين وما أعلم إيش كان المقصود، فإذا ~~بهم. يريدون أن يأخذوا طالعا خبيثا يقتضي ألا أخرج من حبس الكرك، ثم ~~أدخلوني إلى الكرك ليلا على الطالع الذي كان سبب سعادتي ونحوسهم. قلت: وأنا ~~ممن ينكر على أرباب التقاويم أفعالهم وأقوالهم لأني من عمري أصحب عيانهم ~~فلم أر لما يقولونه صحة، بل الكذب الصريح المحض. ويعجبني قول الإمام ~~الرباني عبد المؤمن بن هبة الله الجرجاني في كتابه " أطباق الذهب " الذي ~~يشتمل على مائة مقالة واثنتين، والذي أعجبني من ذلك هي المقالة الثالثة ~~والعشرون، وهي مما نحن فيه من علم الفلك والنجوم، قال: " أهل التسبيح ~~والتقديس، لا يؤمنون بالتربيع والتسديس؛ والإنسان بعد علو النفس، يجل عن ~~ملاحظة السعد والنحس؛ وإن في الدين القويم، استغناء عن الزيج والتقويم؛ ~~والإيمان بالكهانة، باب من أبواب المهانة؛ فأعرض عن الفلاسفة، وغلق بصرك عن ~~تلك الوجوه الكاسفة، فأكثرهم عبدة الطبع، وحرسة الكواكب السبع؛ ما للمنجم ~~الغبي، والعلم الغيبي، وما للكاهن الأجنبي، وسر حجب عن النبي؛ وهل ينخدع ~~بالفال، إلا قلوب الأطفال؛ وإن امرأ جهل حال قومه، وما الذي يجري عليه في ~~يومه، كيف يعرف علم الغد وبعده، ونحس الفلك وسعده! وإن قوما يأكلون من قرصة ~~الشمس لمهزولون، وإنهم عن السمع لمعزولون؛ ms1366 ما السموات إلا مجاهل خالية، ~~والكواكب سواها، والنجوم إلا هياكل عالية، ومن الله قواها؛ سبعة سيرة نيرة، ~~خمسة منها متحيرة، شرارة وخيرة طباعها متغايرة؛ كل يسري لأمر معمى، وكل ~~يجري لأجل مسمى! " انتهت المقالة بتمامها وكمالها. وقد خرجنا بذكرها عن ~~المقصود، ولنرجع إلى ما نحن فيه من ترجمة العادل وأخبار أخيه الصالح. قال: ~~ووكلوا بي مملوكا لهم، يقال له: زريق؛ وكان أضر علي من كل ما جرى، فأقمت ~~عندهم إلى شهر رمضان سبعة أشهر؛ ولقد كان عندي خادم صغير فاتفق أن أكل ليلة ~~كثيرا فاتخم وبال على البساط، فأخذت البساط بيدي والخادم، وقمت من الإيوان ~~إلى قرب الدهليز، وفي الدهليز ثمانون رجلا يحفظوني، وقلت: يا مقدمون، هذا ~~الخادم قد أتلف هذا البساط، فاذهبوا به إلى الوادي واغسلوه فنفر في زريق، ~~وقال: إيش جاء بك إلى هاهنا! وصاحوا علي فعدت إلى موضعي. انتهى. قلت: وأما ~~مماليكه وخزائنه فإن الوزيري توجه بهم إلى قلعة الصلت. وأقام مماليكه ~~بنابلس، واستمر الحال على ذلك إلى أن بلغ الملك العادل صاحب الترجمة ما جرى ~~على أخيه الصالح، فأظهر الفرح ودقت الكوسات وزينت القاهرة؛ ثم أرسل الملك ~~العادل المذكور العلاء بن النابلسي إلى الملك الناصر داود صاحب الكرك، يطلب ~~الملك الصالح نجم الدين المذكور منه، ويعطيه مائة ألف دينار فما أجاب. ثم ~~كاتبه الملك الصالح صاحب بعلبك، وصاحب حمص أسد الدين شيركوه في إرساله إلى ~~الملك العادل إلى مصر؛ كل ذلك والعادل في قلق من جهة الصالح، فلم يلتفت ~~الملك الناصر داود لكلامهم؛ وأقام الصالح مدة في الحبس حتى أشار عماد الدين ~~وابن قليج والظهير على الملك الناصر بالاتفاق مع الصالح نجم الدين أيوب ~~وإخراجه، فأخرجه الناصر وتحالفا واتفقا، وذلك في آخر شهر رمضان، وكان تحليف ~~الناصر داود للصالح أيوب على شيء ما يقوم به أحد من الملوك، وهو أنه يأخذ ~~له دمشق وحمص وحماة وحلب والجزيرة والموصل وديار بكر ونصف ديار مصر ونصف ما ~~في الخزائن من المال والجواهر والخيل والثياب وغيرها، فخلف الصالح على ms1367 هذا ~~كله وهو تحت القهر والسيف. PageV02P0219 # ولما علم الملك العادل صاحب الترجمة بخلاص أخيه الصالح اتفق مع عمه الملك ~~الصالح إسماعيل صاحب بعلبك الذي ملك دمشق؛ فسار الملك العادل من مصر والملك ~~الصالح من دمشق ومعه أسد الدين صاحب حمص، ثم عزموا على قصد الناصر والصالح؛ ~~فأول من برز لهم الملك العادل صاحب الترجمة بعساكر مصر، وخرج وسار حتى وصل ~~إلى بلبيس؛ وكان قد أساء السيرة في أمرائه وحواشيه، فوقع الخلف بينهم ~~وتزايد الأمر حتى قبضوا عليه، وأرسلوا إلى الصالح نجم الدين أيوب يعرفونه ~~ويسألونه الإسراع في المجيء إلى الديار المصرية. فسار ومعه الملك الناصر ~~داود صاحب الكرك وجماعة من أمرائه ابن موسك وغيره، فكان وصول الصالح إلى ~~بلبيس في يوم الأحد رابع عشرين في القعدة، فنزل في خيمة العادل، والعادل ~~معتقل في خركاه. قال أبو المظفر: حكى لي الصالح واقعات جرت له في مسيره إلى ~~مصر منها أنه قال: ما قصدت بمجيء الناصر معي إلا خوفا أن تكون معمولة علي، ~~ومنذ فارقنا غزة تغير علي، ولا شك أن بعض أعدائي أطمعه في الملك، فذكر لي ~~جماعة من مماليكي أنه تحدث معهم في قتلي. قال: ومنها أنه لما أخرجني يعني ~~الناصر ندم وعزم على حبسي، فرميت روحي على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا ~~أن يتوجه إلى دمشق أولا فإذا أخذنا دمشق عدنا إلى مصر. قال: ومنها أنه ليلة ~~وصل إلى بلبيس شرب وشطح إلى العادل، فخرج له من الخركاه فقبل الأرض بين ~~يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت عليك ولم تقبل مني! فقال: يا خوند، ~~التوبة، فقال: طيب قلبك، الساعة أطلقك؛ وجاء فدخل علينا الخيمة ووقف، فقلت: ~~باسم الله اجلس، فقال: ما أجلس حتى تطلق العادل، فقلت: اقعد، وهو يكرر ~~الحديث؛ ثم سكت ونام فما صدقت بنومه وقمت في باقي الفيل، فأخذت العادل في ~~محفة ورحلت به إلى القاهره. ولما دخلنا القاهرة بعثت إليه بعشرين ألف ~~دينار، فعادت إلى مع غلماني، وغضب وأراد نصف ما في خزائن ms1368 مصر. قلت: واستولى ~~الصالح على ملك مصر وقبض على أخيه العادل صاحب الترجمة في يوم الاثنين خامس ~~عشرين ذي الحجة وحبسه عنده بالقلعة سنين. قال سعد الدين مسعود بن حمويه: ~~وفي خامس شوال سنة ست وأربعين وستمائة جهز الصالح أخاه أبا بكر العادل ~~ونفاه إلى الشوبك، وبعث إليه الخادم محسنا يكلمه في السفر، فدخل عليه ~~المحسن وقال له: السلطان يقول لك: لا بد من رواحك إلى الشوبك، فقال: إن ~~أردتم أن تقتلوني في الشوبك فهاهنا أولى ولا أروح أبدا، فعذله محسن، فرماه ~~بدواة كانت عنده، فخرج وعرف الصالح أيوب بقوله، فقال: دبر أمره، فأخذ ~~المحسن ثلاث مماليك ودخلوا عليه ليلة الاثنين ثاني عشر شوال فخنقوه بشاش ~~وعلقوه به، وأظهروا أنه شنق نفسه وأخرجوا جنازته مثل بعض الغرباء، ولم ~~يتجاسر أحد أن يترحم عليه أو يبكي حول نعشه وعاش بعده الملك الصالح عشرة ~~أشهر رأى في نفسه العبر من مرض تمادى به وما نفعه الاحتراز كما سيأتي ذكره ~~في ترجمته، إن شاء الله تعالى. وزاد ابن خلكان في وفاته بأن قال: ودفن في ~~تربة شمس الدولة خارج باب النصر - رحمه الله تعالى - . وكان للعادل المذكور ~~ولد صغير يقال له الملك المغيث مقيم بالقلعة فلا زال بها إلى أن وصل ابن ~~عمه الملك المعظم توران شاه بعد موت أبيه الصالح نجم الدين إلى المنصورة، ~~وسير المغيث المذكور من هناك ونقله إلى الشوبك؛ فلما جرت الكائنة على ~~المعظم ملك المغيث الكرك وتلك النواحي. قلت: وكانت ولاية الملك العادل على ~~مصر سنة واحدة ونحو شهرين وأياما مع ما وقع له فيها من الفتن والأنكاد، ولم ~~يعرف حاله فيها لصغر سنه وقصر مدته - رحمه الله تعالى - والعادل هذا يعرف ~~بالعادل الصغير، والعادل الكبير هو جده. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك العادل الصغير # أبي بكر ابن الملك الكامل محمد على مصر وهي سنة ست وثلاثين وستمائة. على ~~أنه ولي السلطنة في شهر رجب منها. PageV02P0220 # فيها توفي محمود بن أحمد الشيخ الإمام العلامة جمال الدين الحصيري ms1369 ~~الحنفي؛ أصله من بخارى من قرية يقال لها حصير، وتفقه في بلده وسمع الحديث ~~وبرع في علوم كثيرة، وقدم الشام ودرس بالنورية؛ وانتهت إليه رياسة الحنفية ~~في زمانه؛ وصنف الكتب الحسان، وشرح " الجامع الكبير " ، وقرأ عليه الملك ~~المعظم عيسى الجامع الكبير وغيره. وكان كثير الصدقات غزير الدمعة، عاقلا ~~دينا نزها عفيفا وقورا، وكان المعظم يحترمه ويجله. وكانت وفاته في يوم ~~الأحد ثامن صفر، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع، ومات وله تسعون سنة. ~~وفيها توفى عماد الدين عمر ابن شيخ الشيوخ محمد المنعوت بالصاحب، وهو الذي ~~كان السبب في عطاء دمشق الجواد، فلما مضى إلى مصر لامه العادل على ذلك ~~وتهدده، فقال: أنا أمضي إلى دمشق، وأنزل بالقلعة وأبعث بالجواد إليك، وإن ~~امتنع قمنا عليه؛ فسار إلى دمشق فوصلها قبل مجيء الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب، ونزل بقلعة دمشق وأمر ونهى، وقال: أنا نائب العادل، وأمر الجواد ~~بالمسير إلى مصر. وكان أسد الدين صاحب حمص بدمشق، فاتفق مع الجواد على قتل ~~عماد الدين، فاستدعى صاحب حمص بعض نصارى قارة، وأمره بقتله، فركب ابن الشيخ ~~يوما من القلعة بعد العصر فوثب عليه النصراني وضربه بالسكاكين حتى قتله؛ ~~وذلك في جمادى الأولى. ودخل الصالح أيوب دمشق فحبس النصراني أياما ثم ~~أطلقه، ومات عماد الدين وله ست وخمسون سنة. وفيها توفي الحافظ زكي الدين ~~أبو عبد الله محمد بن يوسف البرزالي الإشبيلي بحماه في رابع عشرين شهر ~~رمضان ودفن بها، وكان إماما فقيها محدثا فاضلا دينا - رحمه الله - . الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو العباس أحمد بن علي ~~القسطلاني المالكي بمكة. وصاحب ماردين ناصر الدين أرتق الأرتقي. وأبو ~~المعالي أسعد بن المسلم بن مكي بن علان القيسي في رجب، وله ست وتسعون سنة. ~~والمحدث بدر بن أبي المعمر التبريزي في جمادى الأولى. وأبو الفضل جعفر بن ~~علي بن هبة الله الهمذاني المالكي المقرىء في صفر، وله تسعون سنة. والعلامة ~~جمال الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد بن ms1370 إسماعيل بن حفص ~~الصفراوي المالكي مفتي الإسكندرية ومقرئها في شهر ربيع الآخر وله اثنتان ~~وتسعون سنة. والشيخ عثمان القصير الزاهد. وشيخ نصيبين عسكر بن عبد الرحيم ~~بن عسكر عن نيف وسبعين سنة. والصاحب عماد الدين عمر ابن شيخ الشيوخ صدر ~~الدين محمد بن عمر الجويني قتيلا بقلعة دمشق. وأبو الفضل محمد بن محمد بن ~~الحسين بن السباك في شهر ربيع الآخر. والحافظ زكي الدين أبو عبد الله محمد ~~بن يوسف بن البرزالي الإشبيلي بحماة في رمضان، وله ستون سنة. والعلامة جمال ~~الدين محمود بن أحمد بن عبد السيد البخاري الحصيري شيخ الحنفية بدمشق في ~~صفر، وله تسعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك العادل الصغير # ابن الملك الكامل على مصر وهي سنة سبع وثلاثين وستمائة. فيها خلع الملك ~~العادل المذكور من ملك مصر بأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب حسب ما تقدم ~~ذكره. وفيها هجم الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك على دمشق، ومعه أسد الدين ~~شيركوه صاحب حمص وملكها في يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر. وفيها توفي الملك ~~ناصر الدين أرتق صاحب ماردين الأرتقي، كان الملك المعظم عيسى بن العادل ~~تزوج أخته، وهي التي بنت المدرسة والتربة عند الجسر الأبيض بقاسيون، ولم ~~تدفن فيها لأنها نقلت بعد موت زوجها المعظم إلى عند أبيها بماردين فماتت ~~هناك. وكان ناصر الدين المذكور شيخا شجاعا شهما جوادا، ما قصده أحد وخيبه. ~~قتله ولده بماردين خنقا وهو سكران. PageV02P0221 # وفيها توفي الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن أسد الدين شيركوه ~~ابن شادي الأيوبي صاحب حمص؛ أعطاه ابن عم أبيه السلطان صلاح الدين يوسف ابن ~~أيوب حمص بعد وفاة أبيه محمد بن شيركوه في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، ~~فأقام بها إلى هذه السنة، وحفظ المسلمين من الفرنج والعرب، ومات بحمص في ~~يوم الثلاثاء العشرين من شهر رجب ودفن بها. وفيها توفي يعقوب الخياط. كان ms1371 ~~يسكن مغارة الجوع بقاسيون. وكان شيخا صالحا. لقي المشايخ وعاصر الرجال ومات ~~بقاسيون - رحمه الله تعالى - . الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن الخليل الخويي في شعبان، وله ~~أربع وخمسون سنة. وأبو البقاء إسماعيل بن محمد بن يحيى المؤدب راوي مسند ~~إسحاق، في المحرم. والصدر علاء الدين أبو سعد ثابت بن محمد الخجندي بشيراز، ~~وله تسع وثمانون سنة. وأمين الدين سالم ابن الحافظ ابن صصرى في جمادى ~~الآخرة، وله ستون سنة. وصاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن شادي ~~في رجب، وكانت دولته ستا وخمسين سنة. والقاضي أبو بكر عبد المجيد بن عبد ~~الرشيد بن علي بن سمان الهمذاني سبط الحافظ أبي العلاء في شوال عن ثلاث ~~وسبعين سنة. وأبو القاسم عبد الرحيم بن يوسف بن هبة الله بن الطفيل في ذي ~~الحجة. وإمام الربوة عبد العزيز بن دلف المقرىء الناسخ في صفر. وأبو الحسن ~~علي بن أحمد الأندلسي الحراني الصوفي المفسر بحماة. وشمس الدين محمد بن ~~الحسن بن محمد بن عبد الكريم الكاتب بدمشق في رجب. والحافظ أبو عبد الله ~~محمد بن سعيد بن يحيى في شهر ربيع الآخر، وله تسع وسبعون سنة. وتقي الدين ~~محمد بن طرخان السلمي الصالحي في المحرم، وله ست وسبعون سنة. وأبو طالب ~~محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أحمد بن علي، بن صابر السلمي الزاهد في ~~المحرم. والمحتسب رشيد الدين أبو الفضل محمد بن عبد الكريم بن الهادي ~~التنسي في جمادى الآخرة، وله ثمان وثمانون سنة. والصاحب شرف الدين أبو ~~البركات المبارك بن أحمد المستوفي بالموصل في المحرم. والصاحب ضياء الدين ~~نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن عبد الواحد المعروف بابن ~~الأثير الشيباني الجزري الكاتب مؤلف كتاب، " المثل السائر " في شهر ربيع ~~الآخر، وله نحو من ثمانين سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس ~~أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ms1372 ؟ ### | AUT سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب على مصر # هو السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل ناصر ~~الدين محمد ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر ابن الأمير نجم ~~الدين أيوب بن شادي الأيوبي سلطان الديار المصرية. وقد تقدم أن الملك ~~الصالح هذا ولي الشرق وديار بكر في أيام والده الملك الكامل سنين، وذكرنا ~~أيضا ما وقع له بعد موت الكامل مع أخيه العادل، ومع ابن عمه الملك الناصر ~~داود وغيرهما في ترجمة أخيه العادل مفصلا إلى أن ملك الديار المصرية في يوم ~~الاثنين الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وثلاثين وستمائة. ومولده ~~بالقاهرة في سنة ثلاث وستمائة وبها نشأ، واستخلفه أبوه على مصر لما توجه ~~إلى الشرق فأقام الصالح هذا بمصر مع صواب الخادم لا أمر له ولا نهي إلى أن ~~عاد أبوه الكامل إلى الديار المصرية، وأعطاه حصن كيفا فتوجه إليها، ووقع له ~~بها أمور ووقائع مع ملوك الشرق بتلك البلاد في حياة والده حتى مات أبوه، ~~ووقع له ما حكيناه إلى أن ملك مصر؛ ولما تم أمره بمصر أصلح أمورها ومهد ~~قواعدها. قلت: والملك الصالح هذا هو الذي أنشأ المماليك الأتراك وأمرهم ~~بديار مصر، وفي هذا المعنى يقول بعضهم: الصالح المرتضى أيوب أكثر من ... ~~ترك بدولته يا شر مجلوب لا آخذ الله أيوبا بفعلته ... فالناس كلهم في ضر ~~أيوب PageV02P0222 # وقال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذهبي في تاريخه - بعد أن ذكر من ~~مبدأ أمره نبذة إلى أن قال - : " ثم ملك مصر بلا كلفة واعتقل أخاه، ثم جهز ~~من أوهم الناصر بأن الصالح في نية القبض عليه، فخاف وغضب فأسرع إلى الكرك. ~~ثم تحقق الصالح فساد نيات الأشرفية، وأنهم يريدون الوثوب عليه؛ فأخذ في ~~تفريقهم والقبض عليهم، فبعث مقدم الأشرفية وكبيرهم يبك الأشقر نائبا على ~~جهة، ثم سير من قبض عليه، ثم مسكهم عن بكرة أبيهم وسجنهم؛ وأقبل على شراء ~~المماليك الترك والخطائية، واستخدم الأجنادة ثم قبض على أكبر الخدام: شمس ms1373 ~~الدين الخاص وجوهر النوبي وعلى جماعة من الأمراء الكاملية وسجنهم بقلعة صدر ~~بالقرب من أيلة؛ وأخرج فخر الدين ابن الشيخ من سجن العادل فركب ركبة عظيمة، ~~ودعت له الرعية لكرمه وحسن سيرته، فلم يعجب الصالح ذلك وتخيل، فأمره بلزوم ~~بيته: واستوزر أخاه معين الدين. ثم شرع يؤمر غلمانه يعني مماليكه فأكثر من ~~ذلك، وأخذ في بناء قلعة الجزيرة واتخذها سكنا، وأنفق عليها أموالا عظيمة، ~~وكانت الجزيرة قبلا متنزها لوالده، فشيدها في ثلاثة أعوام وتحول إليها. ~~وأما الناصر داود فإنه اتفق مع عمه الصالح إسماعيل والمنصور صاحب حمص ~~فاتفقوا على الصالح أيوب،. وأما الخوارزمية فإنهم تغلبوا على عدة قلاع ~~وعادوا وخربوا البلاد، وكانوا شرا من التتار، لا يعفون عن قتل ولا عن سبي ~~ولا في قلوبهم رحمة. وفي سنة إحدى وأربعين وقع الصلح بين الصالحين ~~والمنصور، صاحب حمص، على أن تكون دمشق للصالح إسماعيل؛ وأن يقيم هو ~~والحلبيون والحمصيون الخطبة في بلادهم لصاحب مصر، وأن يخرج ولد الملك ~~الصالح أيوب، الملك المغيث من اعتقال الملك الصالح إسماعيل - والملك المغيث ~~هو ابن الملك الصالح نجم الدين، كان معتقلا قبل سلطنته في واقعة جرت. قلت: ~~يعني أن الصالح قبض عليه لما ملك دمشق بعد خروج الصالح من دمشق قاصدا ~~الديار المصرية قبل أن يقبض عليه الناصر داود وقد ذكرنا ذلك كله في ترجمة ~~العادل مفصلا. قلت وكذلك أطلق أصحاب الصالح، مثل حسام الدين بن أبي علي، ~~ومجير الدين بن أبي ذكرى، فأطلقهم الملك الصالح إسماعيل - . وركب الملك ~~المغيث وبقي يسير ويرجع إلى القلعة، ورد على حسام الدين ما أخذ منه. ثم ~~ساروا إلى مصر، واتفق الملوك على عداوة الناصر داود وجهز الصالح إسماعيل ~~عسكرا يحاصرون عجلون وهي للناصر، وخطب لصاحب مصر في بلاده، وبقي عنده ~~المغيث حتى تأتيه نسخ الأيمان، ثم بطل ذلك كله، . وقال ابن واصل: فحدثني ~~جلال الدين الخلاطي قال: كنت رسولا من جهة الصالح إسماعيل، فورد علي منه ~~كتاب وفي طيه كتاب من الصالح نجم الدين إلى الخوارزمية يحثهم على ms1374 الحركة ~~ويعلمهم أنه إنما صالح عمه الصالح ليخلص ابنه المغيث من يده، وأنه باق على ~~عداوته، ولا بد له من أخذ دمشق منه، فمضيت بهذا الكتاب إلى الصاحب معين ~~الدين فأوقفته عليه، فما أبدى عنه عذرا يسوغ. ورد الصالح إسماعيل المغيث بن ~~الصالح نجم الدين إلى الاعتقال، وقطع الخطبة ورد عسكره عن عجلون وأرسل إلى ~~الناصر داود واتفق معه على عداوة صاحب مصر؛ وكذلك رجع صاحب حلب وصاحب حمص ~~عنه، وصاروا كلمة واحدة عليه، واعتقلت رسلهم بمصر؛ واعتضد صاحب دمشق ~~بالفرنج، وسلم إليهم القدس وطبرية وعسقلان. وتجهز صاحب مصر الملك الصالح ~~هذا لقتالهم، وجهز البعوث وجاءته الخوارزمية فساقوا إلى غزة واجتمعوا ~~بالمصريين، وعليهم ركن الدين بيبرس البندقداري الصالحي. قلت: وبيبرس هذا هو ~~غير بيبرس البندقداري الظاهري، وإنما هذا أيضا على اسمه وشهرته، وهذا أكبر ~~من الظاهر بيبرس وأقدم، وقبض عليه الملك الصالح بعد ذلك وأعدمه. انتهى. قال ~~ابن واصل: وتسلم الفرنج حرم القدس وغيره، وعمروا قلعتي طبرية وعسقلان ~~وحصنوهما، ووعدهم الصالح إسماعيل بأنه إذا ملك مصر أعطاهم بعضها، فتجمعوا ~~وحشدوا وسارت عساكر الشام إلى غزة، ومضى المنصور صاحب حمص بنفسه إلى عكا ~~وطلبها فأجابوه. قال: وسافرت أنا إلى مصر ودخلت القدس، فرأيت الرهبان على ~~الصخرة وعليها قناني الخمر، ورأيت الجرس في المسجد الأقصى، وأبطل الأذان ~~بالحرم وأعلن الكفر. وقدم - وأنا بالمقدس - الناصر داود إلى القدس فنزل ~~بغربيه. وفيها ولى الصالح نجم الدين قضاء مصر للأفضل بعد أن عزل ابن عبد ~~السلام نفسه بمديدة. PageV02P0223 # ولما عدت الخوارزامية الفرات، وكانوا أكثر من عشرة آلاف ما مروا بشيء إلا ~~نهبوه، وتقهقر الذين بغزة منهم، وطلع الناصر إلى الكرك وهربت الفرنج من ~~القدس، فهجمت الخوارزمية على القدس وقتلوا من به من النصارى، وهدموا مقبرة ~~القمامة، وجمعوا بها عظام الموتى فحرقوها، ونزلوا بغزة وراسلوا صاحب مصر ~~يعني الملك الصالح هذا فبعث إليهم بالخلع والأموال وجاءتهم العساكر، وسار ~~الأمير حسام الدين بن أبي علي بعسكر ليكون مركزا بنابلس، وتقدم المنصور ~~إبراهيم على الشاميين يعني لقتال المصريين ms1375 وكان شهما شجاعا قد انتصر على ~~الخوارزامية غير مرة، وسار بهم ورافقته الفرنج من عكا وغيرها بالفارس ~~والراجل، ونفذ الناصر داود عسكرا فوقع المصاب بظاهر غزة، فانكسر المنصور ~~إبراهيم شر كسرة. وأخذت سيوف المسلمين الفرنج فأفنوهم قتلا وأسرا، ولم يفلت ~~منهم إلا الشارد، وأسر أيضا من عسكر دمشق والكرك جماعة من المقدمين. قال ~~ابن واصل: حكي لي عن المنصور أنه قال: والله لقد قصرت ذلك اليوم ووقع في ~~قلبي أنه لا ننتصر لانتصارنا بالفرنج - قلت: عليه من الله ما يستحقه من ~~الخزي. وإيش يفيد تقصيره بعد أن صار هو والفرنج يدا واحدة على المسلمين! - ~~قال: ووصلت عسكر دمشق معه في أسوأ حال. وأما مصر فزينت زينة لم ير مثلها، ~~وضربت البشائر ودخلت أسارى الشام الفرنج والأمراء، وكان يوما مشهودا ~~بالقاهرة. ثم عطف حسام الدين بن أبي علي، وركن الدين بيبرس فنازلوا عسقلان ~~وحاصروها وبها الفرنج الذين تسلموها فجرج حسام الدين وامتنعت عليهم عسقلان ~~لحصانتها " ؛ ثم ترحلوا إلى نابلس، وحكموا على فلسطين والأغوار إلا عجلون ~~فهي بيد سيف الدين بن قليج نيابة عن الناصر داود. ثم بعث السلطان الملك ~~الصالح نجم الدين ابن الشيخ على جيشه وأقامه مقام نفسه، وأنفذ معه الخزائن ~~وحكمه في الأمور، وسار إلى الشام ومعه الخوارزمية، فنالوا دمشق وبها الصالح ~~إسماعيل والمنصور صاحب حمص؛ فذل الصالح إسماعيل، وبعث وزيره أمين الدولة ~~مستشفعا بالخليفة ليصلح بينه وبين ابن أخيه الملك نجم الدين، فلم يظفر ~~بطائل، ورجع واشتد الحصار على دمشق، وأخذت بالأمان لقلة من مع صاحبها، ~~ولعدم الميرة بالقلعة، ولتخلي الحلبيين عنه، فترحل الصالح إسماعيل إلى ~~بعلبك، والمنصور إلى حمص، وتسلم الصاحب معين الدين القلعة والبلد. ولما رأت ~~الخوارزمية أن السلطان قد تملك الشام بهم وهزم أعداءه صار لهم عليه إدلال ~~كثير، مع ما تقدم من نصرهم له على صاحب الموصل قبل سلطنته وهو بسنجار، ~~فطمعوا في الأخبار العظيمة؛ فلما لم يحصلوا على شيء فسدت نيتهم له وخرجوا ~~عليه، وكاتبوا الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وهو أكبر أمراء ms1376 الصالح ~~نجم الدين أيوب، وكان بغزة، فأصغى إليهم - فيما قيل - وراسلوا صاحب الكرك ~~فنزل إليهم ووافقهم. وكانت أمه أيضا خوارزمية وتزوج منهم، ثم طلع إلى الكرك ~~واستولى حينئذ على القدس ونابلس وتلك الناحية، وهرب منه نواب صاحب مصرة ثم ~~راسلت الخوارزمية الملك الصالح إسماعيل وهو في بعلبك وحلفوا له فسار إليهم، ~~واتفقت كلمة الجميع على حرب الصالح صاحب مصر؛ فقلق الصالح لذلك وطلب ركن ~~الدين بيبرس فقدم مصر فاعتقله، وكان آخر العهد به. PageV02P0224 # ثم خرج بعساكره فخيم بالعباسة وكان قد نفذ رسوله إلى الخليفة المستعصم ~~يطلب تقليدا بمصر والشام أو الشرق، فجاءه التشريف والطوق الذهب والمركوب، ~~فلبس التشريف الأسود والعمامة والجبة، وركب الفرس بالحلية الكاملة، وكان ~~يوما مشهودا؛ ثم جاء الصالح والخوارزمية ونازلوا دمشق وليس بها كبير عسكر، ~~وبالقلعة الطواشي رشيد، وبالبلد نائبها حسام الدين بن أبي علي الهذباني، ~~فضبطها وقام بحفظها بنفسه ليلا ونهارا، واشتد بها الغلاء وهلك أهلها جوعا ~~ووباء. قال: وبلغني أن رجلا مات في الحبس فأكلوه؛ كذلك حدثني حسام الدين بن ~~أبي علي، فعند ذلك اتفق عسكر حلب والمنصور صاحب حمص على حرب الخوارزمية ~~وقصدوهم، فتركوا حصار دمشق وساقوا أيضا يقصدونهم فالتقى الجمعان، ووقع ~~المصاف في أول سنة أربع وأربعين على القصب، وهي منزلة بريد من حمص من ~~قبليها، فاشتد القتال والصالح إسماعيل مع الخوارزمية فانكسروا عندما قتل ~~مقدمهم حسام الدين بركة خان، وانهزموا ولم تقم لهم بعدها قائمة، وقتل بركة ~~خان مملوك من الحلبيين وتشتتت الخوارزمية، وخدم طائفة منهم بالشام وطائفة ~~بمصر وطائفة مع كشلوخان ذهبوا إلى التتار وخدموا معهم؛ وكفى الله شرهم. ~~وعلق رأس بركة خان على قلعة حلب. ووصل الخبر إلى القاهرة فزينت، وحصل الصلح ~~التام بين السلطان يعني الصالح نجم الدين أيوب وبين صاحب حمص والحلبيين. ~~وأما الصالح إسماعيل فإنه التجأ إلى ابن أخته الملك الناصر صلاح الدين صاحب ~~حلب. وأما نائب دمشق حسام الدين فإنه سار إلى بعلبك وحاصرها وبها أولاد ~~الصالح إسماعيل فسلموها بالأمان؛ ثم أرسلوا إلى مصر تحت الحوطة ms1377 هم والوزير ~~أمين الدولة والأستادار ناصر الدين بن يغمور فاعتقلوا بمصر. وصفت البلاد ~~للملك الصالح. وبقي الملك الناصر داود بالكرك في حكم المحصور، ثم رضي ~~السلطان على فخر الدين ابن الشيخ وأخرجه من الحبس بعد موت أخيه الوزير معين ~~الدين، وسيره إلى الشام واستولى على جميع بلاد الناصر داود، وخرب ضياع ~~الكرك ثم نازلها أياما، وقل ما عند الناصر من المال والذخائر وقل ناصره، ~~فعمل قصيدة يعاتب فيها السلطان فيما له عنده من اليد من الذب عنه وتمليكه ~~ديار مصر، وهي: قل للذي قاسمته ملك اليد ... ونهضت فيه نهضة المستأسد عاصيت ~~فيه ذوي الحجى من أسرتي ... وأطعت فيه مكارمي وتوددي يا قاطع الرحم التي ~~صلتي بها ... كتبت على الفلك الأثير بعسجد إن كنت تقدح في صريح مناسبي ... ~~فاصبر بعزمك للهيب المرصد عمي أبوك ووالدي عم به ... يعلو انتسابك كل ملك ~~أصيد صالا وجالا كالأسود ... ضواريا فارتد تيار الفرات المزبد دع سيف مقولي ~~البليغ يذب ... عن أعراضكم بفرنده المتوقد فهو الذي قد صاغ تاج فخاركم ... ~~بمفضل من لؤلؤ وزبرجد ثم أخذ يصف نفسه وجوده ومحاسنه وسؤدده إلى أن قال: يا ~~محرجي بالقول والله الذي ... خضعت لعزته جباه السجد لولا مقال الهجر منك ~~لما بدا ... مني افتخار بالقريض المنشد إن كنت قلت خلاف ما هو شيمتي ... ~~فالحاكمون بمسمع وبمشهد والله يابن العم لولا خيفتي ... لرميت ثغرك بالعداة ~~المرد لكنني ممن يخاف حرامه ... ندما يجرعني سمام الأسود فأراك ربك بالهدى ~~ما ترتجي ... لنراك تفعل كل فعل مرشد لتعيد وجه الملك طلقا ضاحكا ... وترد ~~شمل البيت غير مبدد كي لا ترى الأيام فينا فرصة ... للخارجين وضحكة للحسد ~~لا زال هذا البيت مرتفع البنا ... يزهى بعد آخر أمجد PageV02P0225 # قال: ثم إن السلطان طلب الأمير حسام الدين بن أبي علي وولاه نيابة الديار ~~المصرية، واستناب على دمشق الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح، ثم قدم الشام ~~وجاء إلى خدمته صاحب حماة الملك المنصور وهو ابن اثنتي عشرة سنة وصاحب حمص ~~وهو صغيرا، فأكرمهما وقربهما، ووصل إلى ms1378 بعلبك، ثم رد إلى الشام، ثم رجع ~~السلطان ومرض في الطريق. قال ابن واصل: حكى لي الأمير حسام الدين قال: لما ~~ودعني السلطان قال: إني مسافر وأخاف أن يعرض لي موت وأخي العادل بقلعة مصر، ~~فيأخذ البلاد وما يجري عليكم منه خير، فإن مرضت - ولو أنه حمى يوم - ~~فأعدمه، فإنه لا خير فيه؛ وولدي توران شاه لا يصلح للملك، فإن بلغك موتي ~~فلا تسلم البلاد لأحد من أهلي، بل سلمها للخليفة. انتهى. قال: ودخل السلطان ~~مصر، وصرف حسام الدين عن نيابة مصر بجمال الدين ابن يغمور، وبعث الحسام ~~بالمصريين إلى الشام، فأقاموا بالصالحية أربعة أشهر. قال ابن واصل: وأقمت ~~مع حسام الدين هذه المدة، وكان السلطان في هذه المدة وقبلها مقيما بأشمون ~~طناح. ثم في السنة خرج الحلبيون وعليهم شمس الدين لؤلؤ الأميني، فنازلوا ~~حمص، ومعهم الملك الصالح إسماعيل يرجعون إلى رأيه، فحاصرها شهرين ولم ~~ينجدها صاحب مصرة وكان السلطان مشغولا بمرض عرض له في بيضه ثم فتح، وحصل ~~منه ناسور بعسر بول، وحصلت له في رئته بعض قرحة متلفة؛ لكنه عازم على إنجاد ~~صاحب حمص. ولما اشتد الحصار بالأشرف صاحب حمص اضطر إلى أن أذعن بالصلح، ~~وطلب العوض عن حمص تل باشر مضافا إلى ما بيده، وهو الرحبة وتدمر، فتسلمها ~~الأمير شمس الدين لؤلؤ الاميني، وأقام بها نوابا لصاحب حلب. فلما بلغ ~~السلطان أخذ حمص، وهو مريض، غضب وعظم عليه، وترحل إلى القاهرة فاستناب بها ~~ابن يغمور وبعث الجيوش إلى الشام لاستنقاذ حمص. وسار السلطان في محفة، وذلك ~~في سنة ست وأربعين وستمائة؛ فنزل بقلعة دمشق وبعث جيشه فنازلوا حمص ونصبوا ~~عليها المجانيق، منها منجنيق مغربي، ذكر الأمير حسام الدين أنه كان يرمي ~~حجرا زنتة مائة وأربعون رطلا بالدمشقي؛ ونصب عليها قرابغا اثني عشر منجنيقا ~~سلطانية، وذلك في الشتاء. وخرج صاحب حلب بعسكره فنزل بأرض كفر طاب، ودام ~~الحصار إلى أن قم البادرائي للصلح بين صاحب حلب والسلطان، على أن تقر حمص ~~بيد صاحب حلب، فوقع الاتفاق على ذلك؛ ms1379 وترحل السلطان عن حمص لمرض السلطان ~~ولأن الفرنج تحركوا وقصدوا مصر، وترحل السلطان إلى الديار المصرية كذلك وهو ~~في محفة. وكان الناصر صاحب الكرك قد بعث شمس الدين الخسروشاهي إلى السلطان ~~وهو بدمشق يطلب خبزا بمصر والشوبك وينزل له عن الكرك، فبعث السلطان تاج ~~الدين بن مهاجر في إبرام ذلك إلى الناصر، فرجع عن ذلك لما سمع حركة الفرنج؛ ~~وطلب السلطان نائب مصر جمال الدين بن يغمور فاستنابه بدمشق وبعث على نيابة ~~مصر حسام الدين بن أبي علي فدخلها في المحرم سنة سبع وأربعين؛ وسار السلطان ~~فنزل بأشموم طناح ليكون في مقابلة الفرنج إن قصدوا دمياط. PageV02P0226 # وتواترت الأخبار بأن ريدا فرنس مقدم الأفرنسيسية قد خرج من بلاده في جموع ~~عظيمة وشتى بجزيرة قبرص؛ وكان من أعظم ملوك الفرنج وأشدهم بأسا - وريدا ~~بلسانهم: الملك - فشحنت دمياط بالذخائر وأحكمت الشواني، ونزل فخر الدين ابن ~~الشيخ بالعساكر على جزيرة دمياط، فأقبلت مراكب الفرنج فأرست في البحر بإزاء ~~المسلمين في صفر من السنة. ثم شرعوا من الغد في النزول إلى البر الذي فيه ~~المسلمون وضربت خيمة حمراء لريدا فرنس وناوشهم المسلمون القتال، فقتل يومئذ ~~الأمير نجم الدين ابن شيخ الإسلام، والأمير الوزيري - رحمهما الله تعالى - ~~فترحل فخر الدين ابن الشيخ بالناس، وقطع بهم الجسر إلى البر الشرقي الذي ~~فيه دمياط، وتقهقر إلى أشمون طناح، ووقع الخذلان على أهل دمياط، فخرجوا ~~منها طول الليل على وجوههم حتى لم يبق بها أحد؛ وكان هذا من قبيح رأي فخر ~~الدين؛ فإن دمياط كانت في نوبة سنة خمس عشرة وستمائة أقل ذخائر وعددا، وما ~~قدر عليها الفرنج إلا بعد سنة، وإنما هرب أهلها لما رأوا هرب العسكر وضعف ~~السلطان؛ فلما أصبحت الفرنج ملكوها صفوا بما حوت من العدد والأسلحة ~~والذخائر والغلال والمجانيق، وهذه مصيبة لم يجر مثلها! فلما وصلت العساكر ~~وأهل دمياط إلى السلطان حنق على الشجعان الذين كانوا بها، وأمر بهم فشنقوا ~~جميعا ثم رحل بالجيش، وسار إلى المنصورة فنزل بها في المنزلة التي كان أبوه ~~نزلها، ms1380 وبها قصر بناه أبوه الكامل. ووقع النفير العام في المسلمين، فاجتمع ~~بالمنصورة أمم لا يحصون من المطوعة والعربان؛ وشرعوا في الإغارة على الفرنج ~~ومناوشتهم وتخطفهم، واستمر ذلك أشهرا، والسلطان يتزايد مرضه والأطباء قد ~~آيسته لاستحكام المرض به. وأما صاحب الكرك يعني الملك الناصر داود فإنه ~~سافر إلى بغداد فاختلف أولاده، فسار أحدهم إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب ~~وسلم إليه الكرك، ففرح بها مع ما فيه من الأمراض، وزينت بلاده وبعث إليها ~~بالطواشي بدر الدين الصوابي نائبا،. وقدم عليه أولاد الناصر داود، فبالغ ~~الملك الصالح في إكرامهم وأقطعهم أخبازا جليلة. ولم يزل يتزايد به المرض ~~إلى أن مات، وأخفي موته على ما سيأتي ذكره. إن شاء الله تعالى. قال ابن ~~واصل في سيرة الملك نجم الدين أيوب هذا: وكان مهيبا عزيز النفس عفيفا طاهر ~~اللسان والذيل، لا يرى الهزل ولا العبث، شديد الوقار كثير الصمت، اشترى من ~~المماليك الترك ما لم يشتره أحد من أهل بيته حتى صاروا معظم عسكره، ورجحهم ~~على الأكراد وأمرهم، واشترى وهو بمصر خلقا منهم، وجعلهم بطانته والمحيطين ~~بدهليزه، وسماهم " البحرية " . حكى لي حسام الدين بن أبي علي: أن هؤلاء ~~المماليك مع فرط جبروتهم وسطوتهم كانوا أبلغ من يعظم هيبته؛ كان إذا خرج ~~وشاهدوا صورته يرعدون خوفا منه، وأنه لم يقع منه في حال غضبه كلمة قبيحة ~~قط، أكثر ما يقول إذا شتم: يا متخلف؛ وكان كثير الباه بجواريه فقط، ولم يكن ~~عنده في آخر وقت غير زوجتين: إحداهما شجرة الدر، والأخرى بنت العالمة، ~~تزوجها بعد مملوكه الجوكندار وكان إذا سمع الغناء لا يتزعزع ولا يتحرك، ~~وكذلك الحاضرون يلتزمون حالته كأنما على رؤوسهم الطيرة وكأن لا يستقل أحدا ~~من أرباب دولته بأمر بل يراجعون القصص مع الخدام، فيوقع عليها بما يعتمده ~~كتاب الإنشاء؛ وكان يحب أهل الفضل والدين، وما كان له ميل لمطالعة الكتب؛ ~~وكان كثير العزلة والانفراد، وله نهمة باللعب بالصوالجة، وفي إنشاء الأبنية ~~العظيمة الفاخرة. انتهى كلام ابن واصل. وقال غيره: وكان ملكا مهيبا ms1381 جبارا ~~ذا سطوة وجلالة؛ وكان فصيحا حسن المحاورة عفيفا عن الفواحش، أمر مماليكه ~~الترك؛ وجرى بينه وبين عمه الملك الصالح أمور وحروب إلى أن أخذ نقابة دمشق ~~عام ثلاثة وأربعين، وذهب إسماعيل إلى بعلبك، ثم أخذت من إسماعيل بعلبك، ~~وتعثر والتجأ إلى ابن أخته الناصر صاحب حلب. ولما خرج الملك الصالح هذا من ~~مصر إلى الشام خاف من بقاء أخيه الملك العادل فقتله سرا ولم يتمتع بعده؛ ~~ووقعت الأكلة في فخذه بدمشق. ونزل الأفرنس ملك الفرنج بجيوشه على دمياط ~~فأخذها، فسار إليه الملك الصالح في محفة حتى نزل المنصورة عليلا، ثم عرض له ~~إسهال إلى أن مات في ليلة النصف من شعبان بالمنصورة، وأخفي موته حتى أحضروا ~~ولده الملك المعظم توران شاه من حصن كيفا وملكوه. PageV02P0227 # وقال سعد الدين: إن ابن عمه فخر الدين نائب السلطنة أمر بتحليف الناس ~~لولده الملك المعظم توران شاه، ولولي عهده فخر الدين فتقرر ذلك، وطلبوا ~~الناس فحضروا وحلفوا إلا أولاد الناصر داود صاحب الكرك توقفوا؛ وقالوا: ~~نشتهي أن نبصر السلطان، فدخل خادم وخرج وقال: السلطان يسلم عليكم، وقال: ما ~~يشتهي أن تروه في هذه الحالة، وقد رسم لكم أن تحلفوا. فحلفوا؛ وكان للسلطان ~~مدة من وفاته ولا يعلم به أحد، وزوجته شجرة الدر توقع مثل خطه على التواقيع ~~- على ما يأتي ذكره - ولما حلف أولاد الناصر صاحب الكرك جاءتهم المصيبة من ~~كل ناحية، لأن الكرك راحت من يدهم، واسودت وجوههم عند أبيهم، ومات الملك ~~الصالح الذي أفلوه وأعطوه الكرك؛ ثم عقيب ذلك نفوهم من مصر. ثم إن الأمير ~~فخر الدين نفذ نسخة الأيمان إلى البلاد، ثم كل ذلك والسلطان لم يظهر موته. ~~قال: وكانت أم ولده شجرة الدر ذات رأي وشهامة، فدبرت أمر الملك الصالح ~~وأخفت موته. وهي التي وليت الملك مدة شهرين بعد ذلك، وخطب لها على المنابر ~~بمصر وغيرها - على ما يأتي ذكر ذلك في محله إن شاء الله تعالى. ثم ملك ~~بعدها الأتراك إلى يومنا هذا. انتهى. وقال الشيخ شمس الدين ms1382 يوسف بن قزأرغلي ~~في تاريخه مرآة الزمان - بعد ما ذكر اسم الملك الصالح ومولده قال - : ولما ~~ملك مصر اجتهد في خلاص ولده المغيث فلم يقدر. قلت يعني المغيث الذي كان ~~حبسه الملك الصالح إسماعيك بقلعة دمشق في مبادئ أمر الملك الصالح. قال: ~~وكان مهيبا، هيبته عظيمة، جبارا أباد الأشرفية وغيرهم. وقال جماعة من ~~أمرائه: والله ما نقعد على بابه إلا ونقول من هاهنا نحمل إلى الحبوس؛ وكان ~~إذا حبس إنسانا نسيه، ولا يتجاسر أحد أن يخاطبه فيه، وكان يحلف أنه ما قتل ~~نفسا بغير حق. قال صاحب المرآة: وهذه مكابرة ظاهرة؛ فإن خواص أصحابه حكوا ~~أنه لا يمكن إحصاء من قتل من الأشرفية وغيرهم ، ولو لم يكن إلا قتل أخيه ~~العادل لكفى. قال: وكانت عشيقته شجرة الدر تكتب خطا يشبه خطه، فكانت تعلم ~~على التواقيع، وكان قد نسر مخرج السلطان وامتد إلى فخذه اليمنى ورجله ونحل ~~جسمه وعملت له محفة يركب فيها، وكان يتجلد، ولا يطلع أحد على حاله؛ ولما ~~مات حمل تابوته إلى الجزيرة فعلق بسلاسل حتى قبر في تربته إلى جانب مدرسته ~~بالقاهرة. قلت: وذكر القطب اليونيني في كتابه الذيل على مرآة الزمان، قال ~~في ترجمة البهاء زهير كاتب الملك الصالح قال: PageV02P0228 # فلما خرج الملك الصالح بالكرك من الاعتقال وسار إلى الديار المصرية، كان ~~بهاء الدين زهير المذكور في صحبته، وأقام عنده في أعلى المنازل وأجل ~~المراتب، وهو المشار إليه في كتاب المرج والمقدم عليهم، وأكثرهم اختصاصا ~~بالملك الصالح واجتماعا به. وسيره رسولا في سنة خمس وأربعين وستمائة إلى ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب يطلب منه إنفاذ الملك الصالح عماد ~~الدين إسماعيل إليه فلم يجب إلى ذلك، وأنكر الناصر هذه الرسالة غاية ~~الإنكار، وأعظمها واستصعبها، وقال: كيف يسعني أن أسير عمه إليه، وهو خال ~~أبي وكبير البيت الأيوبي حتى يقتله، وقد استجار بي! والله هذا شيء لا أفعله ~~أبدا. ورجع البهاء زهير إلى الملك الصالح نجم الدين بهذا الجواب، فعظم عليه ~~وسكت على ما في نفسه ms1383 من الحنق. وقبل موت الملك الصالح نجم الدين أيوب ~~بمديدة يسيرة - وهو نازل على المنصورة - تغير على بهاء الدين زهير وأبعده ~~لأمر لم يطلع عليه أحد. قال: حكى لي البهاء أن سبب تغيره عليه أنه كتب عن ~~الملك الصالح كتابا إلى الملك الناصر داود صاحب الكرك، وأدخل الكتاب إلى ~~الملك الصالح ليعلم عليه على العادة، فلما وقف عليه الملك الصالح كتب بخطه ~~بين الأسطر: " أنت تعرف قلة عقل ابن عمي، وأنه يحب من يعظمه ويعطيه من يده ~~فاكتب له غير هذا الكتاب ما يعجبه " ، وسير الكتاب إلى البهاء زهير ليغيره، ~~والبهاء زهير مشغول، فأعطاه لفخر الدين إبراهيم بن لقمان وأمره بختمه، ~~فختمه وجهزه إلى الناصر على يد نجاب، ولم يتأمله فسافر به النجاب لوقته؛ ~~واستبطأ الملك الصالح عود الكتاب إليه ليعلم عليه؛ ثم سأل عنه بهاء الدين ~~زهير بعد ذلك، وقال له: ما وقفت على ما كتبته بخطي بين الأسطر؟. قال البهاء ~~زهير: ومن يجسر أن يقف على ما كتبه السلطان بخطه إلى ابن عمه! وأخبره أنه ~~سير الكتاب مع النجاب، فقامت قيامة السلطان، وسيروا في طلب النجاب فلم ~~يدركوه؛ ووصل الكتاب إلى الملك الناصر بانكرك فعظم عليه وتألم له، ثم كتب ~~جوابه إلى الملك الصالح، وهو يعتب فيه العتب المؤلم، ويقول له فيه: والله ~~ما بي ما يصدر منك في حقي، وإنما بي اطلاع كتابك على مثل هذا! فعز ذلك على ~~الملك الصالح، وغضب على بهاء الدين زهير، وبهاء الدين لكثرة مروءته نسب ذلك ~~إلى نفسه ولم ينسبه لكاتب الكتاب، وهو فخر الدين بن لقمان - رحمه الله ~~تعالى - . قال: وكان الملك الصالح كثير التخيل والغضب والمؤاخذة على الذنب ~~الصغير والمعاقبة على الوهم، لا يقبل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يرعى سالف ~~خدمة، والسيئة عنده لا تعذر، والتوسل إليه لا يقبل، والشفائع لديه لا تؤثر، ~~فلا يزداد بهذه الأمور التي تسل سخائم الصدور إلا انتقاما. وكان ملكا جبارا ~~متكبرا شديد السطوة كثير التجبر والتعاظم على أصحابه وندمائه وخواصه، ثقيل ~~الوطفة، ms1384 لا جرم أن الله تعالى قصر مدة ملكه وابتلاه بأمراض عدم فيها صبره. ~~وقتل مماليكه ولده توران شاه من بعده، لكنه كان عنده سياسة حسنة ومهابة ~~عظيمة وسعة صدر في إعطاء العساكر والإنفاق في مهمات الدولة، لا يتوقف فيما ~~يخرجه في هذا الوجه، وكانت همته عالية جدا، وآماله بعيدة، ونفسه تحدثه ~~بالاستيلاء على الدنيا بأسرها والتغلب عليها، وانتزاعها من يد ملوكها، حتى ~~لقد حدثته نفسه بالاستيلاء على بغداد والعراق؛ وكان لا يمكن القوي من ~~الضعيف، وينصف المشروف - من الشريف؛ وهو أول من استكثر من المماليك من ملوك ~~البيت الأيوبي، ثم اقتدوا به لما آل الملك إليهم. قلت: ومن ولي مصر بعد ~~الصالح من بني أيوب حتى اقتنى المماليك! هو آخر ملوك مصر، ولا عبرة بولاية ~~ولده الملك المعظم توران شاه، اللهم إن كان الذي بالبلاد الشامية فيمكن، ~~وأما بمصر فلا. وكانت ولايته بمصر تسع سنين وسبعة أشهر وعشرين يوما لأنه ~~ولي السلطنة في عشرين ذي الحجة سنة سبع وثلاثين، ومات في نصف شعبان سنة سبع ~~وأربعين وستمائة. انتهى. PageV02P0229 # قال: ولما مات الملك الصالح نجم الدين لم يحزن لموته إلا القليل، مع ما ~~كان الناس فيه من قصد الفرنج الديار المصرية واستيلائهم على قلعة منها، ومع ~~هذا سر معظم الناس بموته حتى خواصه، فإنهم لم يكونوا يأمنون سطوته ولا ~~يقدرون على الاحتراز منه. قال: ولم يكن في خلقه الميل لأحد من أصحابه ولا ~~أهله ولا أولاده ولا المحبة لهم ولا الحنو عليهم على ما جرت به العادة. ~~وكان يلازم في خلواته ومجالس أنسه من الناموس ما يلازمه إذا كان جالسا في ~~دست السلطنة. وكان عفيف الذيل طاهر اللسان قليل الفحش في حال غضبه، ينتقم ~~بالفعل لا بالقول - رحمه الله تعالى - . انتهى ما أوردناه في ترجمة الملك ~~الصالح من أقوال جماعة كثيرة من المؤرخين ممن عاصره وبعدهم، فمنهم من شكر ~~ومنهم من أنكر. قلت: وهذا شأن الناس في أفعال ملوكهم؛ والحاكم أحد الخصمين ~~غضبان منه إذا حكم بالحق، فكيف السلطان! وفي الجملة ms1385 هو عنده أعظم ملوك بني ~~أيوب وأجلهم وأحسنهم رأيا وتدبيرا ومهابة وشجاعة وسؤددا بعد السلطان صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب، وهو أخو جده الملك العادل أبي بكر بن أيوب؛ ولو لم يكن ~~من محاسنه إلا تجلده على مقابلة العدو بالمنصورة، وهو بتلك الأمراض المزمنة ~~المذكورة وموته على الجهاد، والذب عن المسلمين. - والله يرحمه. ما كان ~~أصبره وأغزر مروءته! ولما مات رثاه الشعراء بعدة مراث. وأما مدائحه فكثيرة ~~من ذلك ما قاله فيه كاتبه وشاعره بهاء الدين زهير من قصيدته التي أولها: ~~وعد الزيارة طرفه المتملق ... وبلاء قلبي من جفون تنطق إني لأهوى الحسن حيث ~~وجدته ... وأهيم بالقد الرشيق وأعشق يا عاذلي أنا من سمعت حديثه ... فعساك ~~تحنو أو لعلك ترفق لو كنت منا حيث تسمع أو ترى ... لرأيت ثوب الصبر كيف ~~يمزق ورأيت ألطف عاشقين تشاكيا ... وعجبت ممن لا يحب ويعشق أيسومني العذال ~~عنه تصبرا ... وحياته قلبي أرق وأشفق إن عنفوا أو سوفوا أو خوفوا ... لا ~~أنتهي لا أنثني لا أفرق أبدا أزيد مع الوصال تلهفا ... كالعقد في جيد ~~المليحة يقلق يا قاتلي إني عليك لمشفق ... يا هاجري إني إليك الشيق وأذاع ~~أني قد سلوتك معشر ... يا رب لا عاشوا لذاك ولا بقوا ما أطمع العذال إلا ~~أنني ... خوفا عليك إليهم أتملق وإذا وعدت الطيف منك بهجعة ... فاشهد علي ~~بأنني لا أصدق فعلام قلبك ليس بالقلب الذي ... قد كان لي منه المحب المشفق ~~وأظن قدك شامتا لفراقنا ... فلقد نظرت إليه وهو مخلق ولقد سعيت إلى العلا ~~بعزيمة ... فقضى لسعيي أنه لا يحقق وسريت في ليل كأن نجومه ... من فرط ~~غيرتها إلي تحدق حتى وصلت سرادق الملك الذي ... تقف الملوك ببابه تسترزق ~~ووقفت من ملك الزمان بموقف ... ألفيت قلب الدهر منه يخفق فإليك يا نجم ~~السماء فإنني ... قد لاح نجم الدين لي يتألق الصالح الملك الذي لزمانه ... ~~حسن يتيه به الزمان ورونق ملك تحدث عن أبيه وجده ... نسب لعمري في العلا لا ~~يلحق سجدت له حتى العيون مهابة ... أو ما تراها ms1386 حين يقبل تطرق والقصيدة ~~أطول من هذا تركتها خوف الإطالة والملل. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب بن الكامل محمد على مصر وهي سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ~~فيها سلم الملك الصالح إسماعيل الشقيف لصاحب صيداء الفرنجي؛ وعزل عز الدين ~~بن عبد السلام عن الخطابة وحبسه، وحبس أيضا أبا عمرو بن الحاجب لأنهما ~~أنكرا عليه فعله، فحبسهما مدة ثم أطلقهما، وولى العماد ابن خطيب بيت الأبار ~~الخطابة عوضا عن ابن عبد السلام. وفيها ظهر بالروم رجل تركماني يقال له ~~البابا وادعى النبوة، وكان يقول قولوا: PageV02P0230 # لا إله إلا الله البابا ولي الله، واجتمع إليه خلق كثير؛ فجهز إليه صاحب ~~الروم جيشا فالتقوا، فقتل بينهم أربعة آلاف، وقتل البابا المذكور. قال أبو ~~المظفر: " وفيها ذكر أن بمازندران - وهي مدينة العجم - عين ماء يطلع منها ~~في كل ست وثلاثين سنة حية عظيمة مثل المنارة، فتقيم طول النهار، فإذا غربت ~~الشمس غاصت الحية في العين فلا ترى إلا مثل ذلك الوقت؛ وقيل: إن بعض ملوك ~~العجم جاء بنفسه إليها في مثل ذلك اليوم، وربطها بسلاسل حتى يعوقها، فلما ~~غربت الشمس غاصت في العين، وهي إلى الآن إذا طلعت رأوا السلاسل في وسطها " ~~. قلت: ولعلها لم تتعرض لأحد بسوء، وإلا فكان الناس تحيلوا في قتلها ~~وقتلوها بأنواع المكايد. وأمر هذه الحية مشهور ذكره غير واحد من المؤرخين. ~~وفيها وصل الملك الناصر داود من مصر إلى غزة، وكان بينه وبين الفرنج وقعة، ~~وكسرهم فيها وغنم منهم أشياء كثيرة. وفيها توفي أبو بكر محمد بن علي بن ~~محمد الشيخ الإمام محيي الدين العالم المشهور بابن عربي الطائي الحاتمي في ~~شهر ربيع الآخر، وله ثمان وسبعون سنة، وكان إماما في علوم الحقائق، وله ~~المصنفات الكثيرة. وقد اختلف الناس في تصانيفه وأقواله اختلافا كبيرا. قال: ~~وكان يقول: أعرف الاسم الأعظم، وأعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق ~~الكسب، وكانت وفاته بدمشق ودفن بقاسيون بتربة القاضي محيي الدين بن الزكي. ~~ومن شعره في جزار: ناديت جزارا تروق ms1387 صفاته ... قد أخجلت سمر القنا حركاته ~~يا واضع السكين في فمه وقد ... أهدى بها ماء الحياة لهاته ضعها على المذبوح ~~ثاني كرة ... وأنا الضمين بأن تعود حياته قلت: وأحسن من هذا قول البرهان ~~القيراطي - رحمه الله - في المعنى: رب جزار هواه ... صار لي دما ولحما فضت ~~بالألية منه ... وامتلا قلبي شحما الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي أبو علي أحمد بن محمد بن محمود الحراني ثم البغدادي في ~~المحرم. والعلامة القاضي نجم الدين أبو العباس أجمد بن محمد بن خلف بن راجح ~~المقدسي الشافعي مدرس العذراوية في شوال. وخطيب داريا سمح بن ثابت. وجمال ~~الملك علي بن مختار العامري ابن الجمل في شعبان، وله تسعون سنة. ومحيي ~~الدين أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن العربي الطائي الحاتمي المرسي، وله ~~ثمان وسبعون سنة. مات في شهر ربيع الآخر. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة تسع وثلاثين وستمائة. فيها شرع الملك ~~الصالح المذكور في عمارة المدارس بين القصرين من القاهرة، وشرع أيضا في ~~بناء قلعة الجزيرة، وأخذ أملاك الناس، وأخرب نيفا وثلاثين مسجدا، وقطع ألف ~~نخلة، وغرم عليها خراج مصر سنين كثيرة؛ فلم تقم بعد وفاته، وأخربها مماليكه ~~الأتراك سنة إحدى وخمسين وستمائة. وفيها توفي أحمد بن الحسين بن أحمد الشيخ ~~الإمام العالم شمس الدين النحوي الإربلي ثم الموصلي الضرير المعروف بابن ~~الخباز، صاحب التصانيف. كان إماما بارعا مفتنا عالما بالنحو واللغة والأدب. ~~ومن شعره في العناق: كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد فلو ~~ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسد واحد قلت: ومثل هذا قول العلامة أبي ~~الحسن علي بن الجهم - رحمه الله تعالى - : سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... ~~وأدنى فؤادا من فؤاد معذب فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما ~~بيننا لم تسرب ومثل هذا ms1388 قول القائل: لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بالخيف ~~إذ جسدانا بيننا جسد كم رام منا الكرى من لطف مسلكه ... نوما فما انفك لا ~~خذ ولا عضد ومثل هذا أيضا قول ابن التعاويذي - رحمه الله تعالى - : فكم ~~ليلة قد بت أرشف ريقه ... وجرت على ذاك الشنيب المنضد وبات كما شاء الغرام ~~معانقي ... وبت وإياه كحرف مشدد وقد خرجنا عن المقصود ولنرجع لما نحن ~~بصدده. PageV02P0231 # وفيها توفي موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك العلامة كمال الدين أبو ~~الفتح الموصلي الشافعي. مولده في صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بالموصل، ~~وتفقه على والده وغيره، وبرع في عدة علوم. قال ابن خلكان - رحمه الله - : ~~وكان الشيخ يعرف الفقه والأصلين والخلاف. والمنطق والطبيعي والإلهي ~~والمجسطي وإقليدس والهيئة والحساب والجبر والمقابلة والمساحة والموسيقى ~~معرفة لا يشاركه فيها غيره. ثم قال بعد ثناء زائد إلا أنه كان يتهم في دينه ~~لكون العلوم العقلية غالبة عليه. وعمل فيه العماد المغربي وهو عمر بن عبد ~~النور الصنهاجي النحوي هجوا - رحمه الله تعالى - : أجدك أن قد جاء بعد ~~التعبس ... غزال بوصل لي وأصبح مؤنسي وعاطيته صهباء من فيه مزجها ... كرقة ~~شعري أو كدين ابن يونس وكان العماد المذكور قد مدحه قبل ذلك بأبيات منها: ~~كمال كمال الدين للعلم والعلا ... فهيهات ساع في مساعيك يطمع إذا اجتمع ~~النظار في كل موطن ... فغاية كل أن تقول ويسمعوا فلا تحسبوهم من عناد ~~تطيلسوا ... ولكن حياء واعترافا تقنعوا ومن شعر ابن يونس ما كتبه لصاحب ~~الموصل يشفع عنده شفاعة، وهو: لئن شرفت أرض بمالك قدرها ... فمملكة الدنيا ~~بكم تتشرف بقيت بقا نوح وأمرك نافذ ... وسعيك مشكور وظلك منصف ومكنت في حفظ ~~البسيطة مثل ما ... تمكن في أمصار فرعون يوسف الذين ذكر الدهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال: وفيها توفي العلامة شمس الدين أحمد بن الحسين بن أحمد ~~الإربلي ثم الموصلي الضرير النحوي صاحب التصانيف. وأحمد بن يعقوب أبو ~~العيناء المارستاني الصوفي في ذي الحجة. والفقيه إسحاق بن طرخان الشاغوري ~~في رمضان، وله ms1389 نحو تسعين سنة. وأبو الطاهر إسماعيل بن ظفر النابلسي في ~~شوال، وله خمس وستون سنة. وأبو علي الحسن بن إبراهيم بن هبة الله بن دينار ~~الصائغ في جمادى الآخرة. وخطيب بيت لهيا أبو الربيع سليمان بن إبراهيم بن ~~هبة الله بن رحمة الإسعردي الحنبلي في شهر ربيع الآخر. والفقيه عبد الحميد ~~بن محمد بن أبي بكر بن ماض. والعلامة كمال الدين أبو الفتح موسى بن موسى ~~الموصلي، ذو الفنون في شعبان عن تسع وثمانين سنة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة أربعين وستمائة. فيها كان الوباء ببغداد ~~وتزايدت الأمراض. وتوفي الخليفة المستنصر وبويع ابنه المستعصم. وفيها عزم ~~الملك الصالح المذكور على التوجه إلى الشام، فقيل له: البلاد مختلة ~~والعساكر مختلفة فجهز إليها العساكر وأقام هو بمصر. وفيها توفي كمال الدين ~~أحمد بن صدر الدين شيخ الشيوخ بمدينة غزة في صفر عن ست وخمسين سنة، وبنى ~~عليه أخوه معين الدين قبة على جانب الطريق، وكان قد كسره الجواد بعسكر ~~الملك الناصر داود صاحب الكرك؛ وقيل: إنه مات مسموما. ومن شعره ما كتبه ~~لابن عمه سعد الدين: لو أن في الأرض جنات مزخرفة ... تحف أركانها الولدان ~~والخدم ولم تكن رأى عيني فالوجود بها ... إذ لا أراك وجود كله عدم ~~PageV02P0232 # وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بالله أبو جعفر منصور ابن ~~الخليفة الظاهر بأمر الله محمد ابن الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس ~~أحمد ابن الخليفة المستضيء بأمر الله حسن ابن الخليفة المستنجد بالله يوسف ~~العباسي الهاشمي البغدادي. مولده في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ببغداد، ~~وأفه أم ولد تركية؛ بويع بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر بأمر الله في شهر ~~رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة؛ ولما ولي الخلافة نشر العدل في الرعايا وبذل ~~الإنصاف، وقرب أهل العلم والدين، وبنى المساجد والربط والمدارس، وأقام منار ~~الدين وقمع المتمردة، ms1390 ونشر السنن وكف الفتن. وكان أبيض أشقر الشعر ضخما ~~قصيرا، وخطه الشيب فخضب بالحناء، ثم ترك الخضاب. ومات في العشرين من جمادى، ~~وقيل: في يوم الجمعة عاشر جمادى الآخر عن إحدى وخمسين سنة وأربعة أشهر ~~وتسعة أيام وكتم موته، وخطب له يومئذ بالجامع حتى أقبل شرف الدين إقبال ~~الشرابي ومعه جمع من الخدام، وسلم على ولده المستعصم بالله أمير المؤمنين، ~~واستدعاه إلى سدة الخلافة ثم عرف الوزير وأستاذ الدار، ثم طلبوا الناس، ~~وبايعوه بالخلافة وتم أمره. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي زين الدين أحمد بن عبد الملك بن عثمان المقدسي المحدث الشروطي. ~~وإبراهيم بن بركات بن إبراهيم الخشوعي في رجب. وعبد العزيز بن محمد بن ~~الحسن بن عبد الله ويعرف بابن الدجاجية. وعلم الدين علي بن محمود ابن ~~الصابوني الصوفي في شوال، وله أربع وثمانون سنة. وأبو الكرم محمد بن عبد ~~الواحد بن أحمد المتوكلي، المعروف بابن شفنين في رجب، وله إحدى وتسعون سنة. ~~والمستنصر بالله أبو جعفر منصور بن الظاهر، وله اثنتان وخمسون سنة، توفي في ~~جمادى الآخرة، وكانت خلافته ثلاث عشرة سنة. قلت: لعل الذهبي وهم في مدة ~~خلافته، والصحيح أنه ولي سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وتوفي سنة أربعين. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة إحدى وأربعين وستمائة. فيها ترددت الرسل ~~بين السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب المذكور وبين عمه الملك الصالح ~~إسماعيل صاحب الشام في الصلح؛ وكان الملك المغيث بن الصالح نجم الدين هذا ~~في حبس الصالح إسماعيل صاحب الشام بدمشق، فأطلقه الصالح إسماعيل وخطب ~~للصالح هذا ببلاده، ثم تغير ذلك كله وقبض الصالح إسماعيل ثانيا على الملك ~~المغيث بن الصالح نجم الدين وحبسه. قال أبو المظفر - رحمه الله - : " وفيها ~~قدمت القاهرة وسافرت إلى الإسكندرية في هذه السنة، فوجدتها كما قال الله ~~تعالى: ذات ms1391 قرار ومعين معمورة بالعلماء، مغمورة بالأولياء، الذين هم في ~~الدنيا شامة: كالشيخ محمد القباري والشاطبي وابن أبي أسامة. وهي أولى بقول ~~القيسراني رحمه الله في وصف دمشق: أرض تحل الأماني من أماكنها ... بحيث ~~تجتمع الدنيا وتفترق إذا شدى الطير في أغصانها وقفت ... على حدائقها ~~الأسماع والحدق قلت: وأين قول أبي المظفر من قول مجير الدين بن تميم في وصف ~~الإسكندرية: لما قصدت سكندرية زائرا ... ملأت فؤادي بهجة وسرورا ما زرت ~~فيها جانبا إلا رأت ... عيناي فيها جنة وحريرا وفيها صالح صاحب الروم ~~التتار على أن يدفع إليهم في كل يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا وجارية وكلب ~~صيد؛ وكان صاحب الروم يومئذ ابن علاء الدين كيقباذ، وهو شاب لغاب ظالم قليل ~~العقل، يلعب بالكلاب والسباع ويسلطها على الناس فعضه بعد ذلك سبع فمات، ~~فأقام التتار شحنة على الروم. وفيها توفي الشيخ نجم الدين خليل بن علي بن ~~الحسين الحموي الحنفي الفقيه. قدم دمشق وتفقه بها وخدم المعظم ودرس في ~~الريحانية بدمشق، وناب في القضاء بها عن الرفيع. ومات في شهر ربيع الأول ~~ودفن بقاسيون. PageV02P0233 # وفيها توفي مظفر الدين الملك الجواد يونس بن مودود بن الملك العادل أبي ~~بكر بن أيوب. وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة عند وفاة الملك الكامل محمد ~~بدمشق. انتهى. وكان مظفر الدين هذا قد جاء إلى ابن عمه الملك المعظم لما ~~وقع بينه وبين الملك الكامل صاحب مصر ما وقع فأحسن إليه المعظم، ثم عاد إلى ~~مصر لما مات الملك الأشرف موسى شاه أرمن، فأقام بها عند الكامل إلى أن عاد ~~صحبته إلى دمشق وأقام بها إلى أن مات الكامل فملكوه دمشق، حسب ما حكيناه في ~~ترجمة الكامل والعادل ابنه، ووقع له بعد ذلك أمور. وكان جوادا كما اسمه، ~~ويحب الصالحين والفقراء. قال أبو المظفر: " إلا أنه كان حوله من ينهب الناس ~~ويظلم وينسب ذلك إليه " !. قلت: ثم قبض عليه عمه الملك الصالح إسماعيل ~~واعتقله، فطلبه الفرنج لصحبة كانت بينهم، فخنقه ابن يغمور وقال: إنه مات، ~~وكان ms1392 ذلك في شوال، ودفن بقاسيون دمشق في تربة المعظم. وأما ابن يغمور فإنه ~~حبس بإذن الصالح بقلعة دمشق، ثم شنقه الملك الصالح أيوب لما ملك دمشق. بعث ~~به ابن شيخ الشيوخ إلى مصر، فحبسه الصالح بالجب، ثم شنقه بعد مدة هو وأمين ~~الدولة على قلعة القاهرة. وفيها توفي الشيخ الصالح الزاهد أبو بكر الشعيبي؛ ~~كان من أهل ميافارقين وكان من الأبدال، بعث إليه غازي صاحب ميافارقين مرارا ~~يسأله الإذن في الزيارة، فلم يأذن له، فقيل له: هل يطرق البلاد التتار. ~~فرفع رأسه إلى السماء وأنشد: وما كل أسرار القلوب مباحة ... ولا كل ما حل ~~الفؤاد يقال ثم خرج إلى الشعيبة وهي قرية هناك وقال: احذروا لي هاهنا، فبعد ~~يومين أموت فمات بعد يومين - رحمه الله تعالى - . الذين ذكر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو تمام علي ابن أبي الفخار هبة الله بن ~~محمد الهاشمي خطيب جامع ابن المطلب ببغداد، وله تسعون سنة. وأبو الوفاء عبد ~~الملك بن عبد الحق بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن الحنبلي. وأم الفضل ~~كريمة بنت عبد الوهاب القرشية في جمادى الآخرة. والعدل أبو المكارم عبد ~~الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد بن هلال في رجب. وأبو طالب عبد ~~اللطيف بن محمد بن علي بن القبيطي التاجر، وله ست وثمانون سنة. وأبو محمد ~~عبد الحق بن خلف الحنبلي. وأبو الرضا علي بن زيد التسارسي الخياط بالثغر. ~~والأعز بن كرم بن محمد الإسكاف. والقاضي شمس الدين عمر بن أسعد بن المنجا ~~الحنبلي، وله أربع وثمانون سنة. والحافظ تقي الدين إبراهيم بن محمد بن ~~الأزهر بدمشق، وله ستون سنة. وقيصر بن فيروز المقرئ البواب في رجب. وقاضي ~~القضاة الرفيع الحنبلي في آخر السنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ثلاث أذرع، وقيل أكثر. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة اثنتين وأربعين وستمائة. فيها توفي شهاب ms1393 ~~الدين أحمد بن محمد بن الناقد وزير الخليفة. كان أبوه وكيل أم الخليفة ~~الناصر لدين الله، ونشأ ابنه هذا وتنقل في الخدم حتى ولي الوزارة للخليفة ~~المستنصر، ولقب مؤيد الدين، وحسنت سيرته. وكان رجلا صالحا فاضلا عفيفا دينا ~~صار في وزارته أحسن سيرة - رحمه الله تعالى - . وفيها توفي شيخ الشيوخ تاج ~~الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه. كان فاضلا نزها ~~شريف النفس عالي الهمة؛ صنف التاريخ وغيره، وكان معدودا من العلماء ~~الفضلاء. ومات في صفر. وفيها قتل القاضي الرفيع عبد العزيز بن عبد الواحد ~~بن إسماعيل أبو حامد الملقب بالرفيع. قال أبو المظفر في تاريخه: قيل إنه ~~كان فاسد العقيدة دهريا مستهترا بأمور الشريعة، يخرج إلى الجمعة سكران، ~~وكذلك كان يجلس في مجلس الحكم، وكانت داره مثل الحانات؛ قبض عليه أمين ~~الدولة وبعث به في الليل إلى بعلبك، وصودر هناك، وباع أملاكه؛ وبعد ذلك ~~جاءه داود النصراني فقال: قد أمرنا بحملك إلى بعلبك، فأيقن بالهلاك؛ فقال: ~~دعوني أصلي ركعتين! فقال له داود: صل، فقام يصلي فأطال، فرفسه داود من رأس ~~شقيف مطل على نهر إبراهيم فوقع، فما وصل إلى الماء إلا وقد تقطع - وقيل: ~~إنه تعلق بذيله بسن الجبل فما زال داود يضربه بالحجارة حتى قتله - قلت: لا ~~شلت يداه! فإنه كان من مساوئ الدنيا!. PageV02P0234 # وفيها توفي الملك المغيث عمر بن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ~~صاحب الترجمة؛ مات في حياة والده الملك الصالح في حبس دمشق - بعد أن عجز ~~والده في خلاصه - في يوم الجمعة ثاني عشرين شهر ربيع الآخر، وحمل إلى تربة ~~جده الملك الكامل محمد فدفن بها؛ وكان شابا حسنا عاقلا دينا. وقد مر من ~~ذكره نبذة كبيرة في عدة مواضع من هذا الكتاب. وفيها توفي شمس الأئمة محمد ~~بن عبد الستار بن محمد الإمام العلامة فريد دهره ووحيد عصره المعروف بشمس ~~الأئمة الكردري البراتقيني الحنفي. وبراتقين: قصبة من قصبات كردر من أعمال ~~جرجانية. قال الذهبي: كان أستاذ الأئمة ms1394 على الإطلاق والموفود إليه من ~~الآفاق؛ برع في علوم، وأقرأ في فنون؛ وانتهت إليه رياسة الحنفية في زمانه. ~~انتهى قلت: وشمس الأئمة أحد العلماء الأعلام وأحد من سار ذكره شرقا وغربا، ~~وانتشرت تصانيفه في الدنيا - رحمه الله تعالى - . الذين ذبهر الذهبي وفاتهم ~~في هذه السنة، قال: وفيها توفي شيخ الشيوخ تاج الدين عبد الله بن عمر بن ~~علي الجويني في صفر، وله سبعون سنة. وأبو المنصور ظافر بن طاهر بن ظافر بن ~~إسماعيل بن سحم الأزدي المطرز بالإسكندرية في شهر ربيع الأول. وأبو الفضل ~~يوسف بن عبد المعطي بن منصور بن نجا العسالي. ابن المخيلي أحد رؤوس الثغر ~~في جمادى الآخرة، وله أربع وسبعون سنة. وأبو الضوء قمر بن هلال بن نطاح ~~القطيعي في رجب. وتاج الدين أحمد بن محمد بن هبة الله بن محمد بن الشيرازي ~~في رمضان، وقد نيف على السبعين. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع سواء. مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة ثلاث وأربعين وستمائة. فيها كان الحصار ~~على دمشق من الخوارزمية. وفيها كان الغلاء العظيم بدمشق، وبلغت الغرارة ~~القمح ألفا وستمائة درهم، وأبيعت الأملاك والأمتعة بالهوان. وفيها أيضا كان ~~الغلاء بمصر، وقاسى أهلها شدائد. وفيها توفي الوزير معين الدين الحسن ابن ~~شيخ الشيوخ أبو علي وزير الملك الصالح أيوب، وهو الذي حصر دمشق فيما مضى. ~~كان استوزره الملك الصالح بعد أخيه عماد الدين، وكانت وفاته بدمشق في شهر ~~رمضان، ودفن إلى جانب أخيه عماد الدين المذكور بقاسيون. وفيها توفي عبد ~~المحسن بن حمود بن عبد المحسن أبو الفضل أمين الدين الحلبي، كان كاتبا لعز ~~الدين أيبك المعظمي، وكان فاضلا دينا بارعا حسن الخط. ومن شعره في إجازة - ~~رحمه الله تعالى - : قد أجزت الذي فيها ... إلى ما التمسوه مني فلهم بعدها ~~رواية ما ... صح لديهم من الرواية عني وكانت وفاته في شهر رجب، ودفن بباب ~~توما. وفيها توفيت ربيعة ms1395 خاتون بنت أيوب أخت السلطان صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب، وأخت الملك العادل أبي بكر بن أيوب، كان تزوجها أولا سعد الدين مسعود ~~بن معين الدين أنر، وبعد موته تزوجها صلاح الدين بن مظفر الدين بن زين ~~الدين صاحب إربل، ثم قدمت دمشق، وهي صاحبة الأوقاف، وماتت بدمشق ودفنت ~~بقاسيون، وقد جاوزت ثمانين سنة. وفيها توفي أحمد بن عيسى ابن العلامة موفق ~~الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الإمام الحافظ الزاهد سيف الدين ~~بن المجد الحنبلي. ولد سنة خمس وستمائة. وسمع الحديث الكثير، وكتب وصنف ~~وجمع وخرج، وكان ثقة حجة بصيرا بالحديث ورجاله، ومات في أول شعبان. وفيها ~~توفي عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى أبي نصر، الإمام المفتي تقي ~~الدين أبو عمرو ابن الإمام البارع صلاح الدين النصري الكردي الشهرزوري ~~الشافعي المعروف بابن الصلاح. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة وتفقه على والده ~~الصلاح بشهرزور وغيره، وبرع في الفقه والحديث والعربية وشارك في فنون. ومات ~~في شهر ربيع الآخر ودفن بمقابر الصوفية. وفيها توفي علي بن محمد بن عبد ~~الصمد العلامة شيخ القراء بدمشق علم الدين أبو الحسن الهمذاني السخاوي ~~المصري. ولد سنة ثالث أو تسع وخمسين وخمسمائة؛ وكان إماما علامة مقرئا ~~محققا مجودا بصيرا بالقراءات، ماهرا في النحو واللغة، إماما في التفسير، ~~مات بدمشق في جمادى الآخرة. PageV02P0235 # وفيها توفي محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل، الحافظ ~~ضياء الدين أبو عبد الله المقدسي السعدي ثم الدمشقي الصالحي صاحب التصانيف ~~المشهورة. ولد سنة تسع وستين وخمسمائة، وسمع الكثير ورحل البلاد، وكتب وصنف ~~وحصل شيئا كثيرا من الأجزاء والأسانيد. ومات يوم الاثنين الثامن والعشرين ~~من جمادى الآخرة، وله أربع وسبعون سنة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن مقرب التجيبي ~~الإسكندري في صفر. والحافظ أبو العباس أحمد بن محمود بن إبراهيم بن نبهان ~~بن الجوهري بدمشق في صفر. والحافظ العلامة تقي الدين عثمان ms1396 بن الصلاح عبد ~~الرحمن بن عثمان الكردي في شهر ربيع الآخر، وله ست وستون سنة. والحافظ سيف ~~الدين أحمد بن المجد عيسى بن الموفق في شعبان. والحافظ ضياء الدين محمد بن ~~عبد الواحد المقدسي في جمادى الآخرة، وله أربع وسبعون سنة. والحافظ الفقيه ~~تقي الدين أحمد بن المعز محمد بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي في شهر ~~ربيع الآخر، وله اثنتان وخمسون سنة. والحافظ المفيد تاج الدين محمد بن أبي ~~جعفر أحمد بن علي القرطبي إمام الكلاسة في جمادى الأولى. والرئيس عز الدين ~~ابن النسابة محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر في رجب، وله ثمان ~~وسبعون سنة. والعلامة موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش النحوي بحلب في جمادى ~~الأولى، وله تسعون سنة. والعلامة علم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد ~~الهمذاني السخاوي المقرئ المفسر؛ وله خمس وثمانون سنة في جمادى الآخرة. ~~وأبو غالب منصور بن أحمد بن أبي غالب محمد بن محمد المراتبي ابن المعوج ~~فيه، وله ثمان وثمانون سنة. وخطيب الجبل شرف الدين عبد الله ابن الشيخ أبي ~~عمر محمد المقدسي فيه أيضا. والحافظ مجد الدين محمد بن محمود بن حسن بن هبة ~~الله بن محاسن بن النجار محدث العراق في شعبان، وله خمس وتسعون سنة. ~~والصاحب معين الدين حسن ابن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد بن عمر الجويني ~~بدمشق في رمضان. والشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن المقير النجار بمصر في ~~ذي القعدة، وله ثمان وتسعون سنة. وأبو بكر محمد بن سعد بن الموفق الصوفي بن ~~الخازن ببغداد في ذي الحجة، وله سبع وثمانون سنة. والأمير سيف الدين علي بن ~~قليج، ودفن بتربته داخل دمشق. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع ~~أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة أربع وأربعين وستمائة. فيها توفي الملك ~~المنصور صاحب حمص، واسمه إبراهيم بن شيركوه ms1397 بن محمد بن أسد الدين شيركوه ~~الكبير أخو أيوب. كان المنصور هذا شجاعا متواضعا موافقا للملك الصالح ~~إسماعيل ومصاهرا له. ومات بدمشق في يوم الأربعاء حادي عشر صفر، وحمل في ~~تابوت إلى حمص، ومات وله عشرون سنة. وقام بعده على حمص ولده الأشرف موسى، ~~فأقام بها سنتين وشهورا وأخذت منه. وفيها تسلم السلطان الملك الصالح أيوب ~~قلعة الصبيبة من ابن عمه الملك السعيد ابن الملك العزيز، ثم أخذ السلطان ~~أيضا حصن الصلت من الملك الناصر داود صاحب الكرك. وفيها قدم رسولان من ~~التتار إلى بغداد، أحدهما من بركة خان، والآخر من باجو، فاجتمعا بالوزير ~~مؤيد الدين ابن العلقمي، فتغمت على الناس بواطن الأمور. وفيها أخذت الفرنج ~~مدينة شاطبة من بلاد المغرب صلحا، ثم أجلوا أهلها بعد سنة عنها. فما شاء ~~الله كان. وفيها توفي بركة خان الخوارزمي أحد الخانات الأربعة، كان أصلحهم ~~في الميل إلى الخير، وكان الملك الصالح نجم الدين - صاحب الترجمة - قد ~~صاهره وأحسن إليه، وجرى منه عليه، ما جرى في حياة والده الملك الكامل. ولما ~~قتل انحل نظام الخوارزمية من بعده، وكان قتله بالقرب من حلب في قتال كان ~~بينه وبين صاحب حلب وحمص. وقد تقدم ذكر ذلك كله في أول ترجمة الصالح هذا. ~~PageV02P0236 # قال الأمير شمس الدين لؤلؤ: لما التقينا على حمص رأيت الخوارزمية خلقا ~~عظيما، وكنا بالنسبة إليهم كالشامة السوداء في الثور الأبيض، فقال لي ~~غلماني يعني مماليكه: أيما أحب إليك، نأخذ بركة خان أسيرا، أو نحمل رأسه ~~إليك. فقلت: رأسه، كأن الله أنطقني والتقينا. فلما كان بعد ساعة وإذا بواحد ~~من أصحابنا يحمل رأسا مليح الصورة وليس في وجهه سوى شعرات يسيرة، ولم يعرفه ~~أحد ولا نحن عرفناه، وانهزموا، وجيء بطائفة منهم أسارى، فلما رأوا الرأس ~~رموا نفوسهم من خيولهم وحثوا التراب على رؤوسهم، فعلمنا حينئذ أنه رأسه، ~~وبعثنا به إلى حلب. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~أبو عبد الله محمد بن حسان بن رافع العامري خطيب الموصل. وعبد ms1398 المنعم بن ~~محمد بن محمد بن أبي الضياء الدمشقي بحماة. والزاهد إسماعيل بن علي ~~الكوراني، ودفن بمقابر الصوفية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست ~~أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة خمس وأربعين وستمائة. فيها نزل الوزير ~~فخر الدين ابن الشيخ بعسكر الصالح نجم الدين المذكور على طبرية ففتحها ~~عنوة، وحاصر عسقلان وقاتل عليها قتالا عظيما وأخذها المسلمون. وفيها وجه ~~الملك الصالح نجم الدين تاج الدين بن مهاجر من مصر إلى دمشق ومعه المبارز ~~نسيبه ومعهما تذكرة فيها أسماء جماعة من أعيان الدماشقة بأن يحملوا إلى مصر ~~فحملوا، وهم: محيي الدين بن الزكي وابن الحصيري وابن العماد الكاتب وبنو ~~صصرى الأربعة، وشرف الدين بن المعتمد وابن الخطيب العقرباني والتاج ~~الإسكندراني، الملقب بالشحرور وأبو الشامات والحكيمي مملوك إسماعيل وغازي ~~والي بصرى وابن الهاب المحتسب؛ وأخرج العماد ابن خطيب بيت الأبار من جامع ~~دمشق، وولى العماد الحرستاني الخطابة عوضه. وسبب حمل هؤلاء الجماعة إلى ~~مصر، أنه نقل إلى الملك الصالح أيوب أنهم خواص الصالح إسماعيل، فخاف أن ~~يجري ما جرى في النوبة الأولى من أخذ دمشق. ولما وصلوا إلى مصر حبس منهم ~~السلطان الملك الصالح جماعة فأقاموا في الحبس إلى أن مات الملك الصالح، ~~فأخرجوا وعادوا إلى دمشق. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي العلامة أبو علي عمر بن محمد الأزدي الإشبيلي النحوي الشلوبيني ~~في صفر، وله ثلاث وثمانون سنة. وأبو مدين شعيب بن يحيى الإسكندراني ~~الزعفراني التاجر بمكة - شرفها الله تعالى - والشيخ علي بن الحسن بن ~~المنصور الحريري في رمضان عن سن عالية. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ست أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة ست وأربعين وستمائة. فيها قايض الملك ~~الأشرف موسى صاحب حمص تل باشر بحمص مع ms1399 الملك الناصر يوسف ابن العزيز بن ~~الظاهر بن صلاح الدين، صاحب حلب، ولذلك خرج الملك الصالح نجم الدين أيوب ~~هذا من مصر بالعساكر حسب ما ذكرناه في ترجمته، ثم عاد مريضا لما بلغه مجيء ~~الفرنج إلى دمياط. وفيها أخذ الملك الصالح نجم الدين المذكور من الأمير ~~علاء الدين ايدكين البندقداري الذي تسلطن فيما بعد. اشتراه منه ورقاه إلى ~~أن صار من أمره ما صار. وفيها زار الملك الصالح في عوده إلى مصر القدس ~~الشريف، وأمر أن يذرع سوره، فجاء ستة آلاف ذراع، فأمر بأن يصرف مغل القدس ~~في عمارته. وتصدق السلطان الملك الصالح بألفي دينار في الحرم، وزار الخليل ~~- عليه السلام - ثم عاد إلى مصر. وفيها توفي علي بن أبي الجن بن منصور ~~الشيخ أبو الجن. وأبو محمد الحريري، مقدم الطائفة الفقراء الحريرية، ولد ~~بقرية بسر وقدم دمشق صبيا فنشأ بها. وفي أحوال الحريري هذا أقوال كثيرة، ~~أثنى عليه أبو شامة وغيره، وتكلم فيه جماعة منهم الذهبي وغيره. والله أعلم ~~بحاله. وقال ابن إسرائيل: وتوفي في الساعة التاسعة من يوم الجمعة السادس ~~والعشرين من رمضان سنة خمس وأربعين من غير مرض، وكان أخبر بذلك قبل موته ~~بمدة. PageV02P0237 # وفيها توفى عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الشيخ الإمام العالم العلامة ~~جمال الدين أبو عمرو المعروف بابن الحاجب الكردي المالكي النحوي الأصولي ~~صاحب التصانيف في النحو وغيره. مولده في سنة سبعين وخمسمائة بإسناد من بلاد ~~الصعيد، ومات في شوال، وفي شهرته ما يغني عن الإطناب في ذكره - رحمه الله ~~تعالى - . الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو على ~~منصور ابن سند بن منصور المعروف بابن الدباغ بالإسكندرية في شهر ربيع ~~الأول. وأبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله ~~بن رواحة الأنصاري في جمادى الآخرة. وله ست وثمانون سنة. وأم حمزة صفية بنت ~~عبد الوهاب بن علي القرشية أخت كريمة في رجب. والعلامة أبو الحسن علي بن ~~جابر بن الدباح ms1400 الإشبيلي بها عند استيلاء الفرنج عليها. والوزير الأكرم علي ~~بن يوسف جمال الدين القفطي بحلب. والعلامة جمال الدين أبو عمرو عثمان بن ~~الجاجب. وعمرو بن عبد الله بن أبي بكر الإشبيلي في شوال بالإسكندرية، وله ~~ست وسبعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأربع ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ؟؟ ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الملك الصالح # نجم الدين أيوب على مصر وهي سنة سبع وأربعين وستمائة. وفيها كانت وفاته ~~في شعبان، حسب ما تقدم ذكره. فيها في أولها كان عود السلطان الملك الصالح ~~المذكور من دمشق - حسب ما ذكرناه في العام الماضي - قال الذهبي: وفيها في ~~أولها عاد الملك الصالح إلى الديار المصرية مريضا في محفة، وكان قد قتل ~~أخاه الملك العادل قبل خروجه من مصر فما هنأه الله. واستعمل على نيابة دمشق ~~الأمير جمال الدين بن يغمور. قال: وفيها ولدت امرأة ببغداد ابنين وبنتين في ~~جوف، وشاع ذلك فطلبوا إلى دار الخلافة وأحضروا، وقد مات واحد، فاحضر ميتا ~~فتعجبوا، وأعطيت الأم من الثياب والحلي ما يبلغ ألف دينار. وفيها توجه ~~الملك الناصر داود صاحب الكرك إلى الملك الناصر يوسف صاحب حلب، وبلغ ~~السلطان الملك الصالح نجم الدين ذلك، فأرسل إلى نائبه ابن يغمور بدمشق ~~بخراب دار أسامة وقطع شجر بستان القصر الذي للناصر داود بالقابون وخراب ~~القصر، ففعل ذلك. وفيها سار الملك الظاهر شادي، والملك الأمجد ابنا الملك ~~الناصر داود المقدم ذكره من الكرك إلى مصر، وسلما الكرك إلى السلطان الملك ~~الصالح نجم الدين بغير رضا أبيهما الناصر، فأعطى الملك الصالح للظاهر بن ~~الناصر داود عوضا عن الكرك خبز مائتي فارس بمصر، وخمسين ألف دينار، ~~وثلاثمائة قطعة قماش، والذخائر التي بالكرك؛ وأعطى لأخيه الأمجد إخميم، ~~وخبز مائة وخمسين فارسا بمصر؛ فلم تطل مدتهم بمصر ومات الملك الصالح وزال ~~ذلك كله من أيديهم حسب ما تقدم ذكره، وحسب ما يأتي ذكره أيضا. وفيها هاجمت ~~الفرنج دمياط وأحاطت بها في شهر ربيع ms1401 الأول، وقد ذكر ذلك كله. وفيها توفي ~~الصاحب فخر الدين يوسف بن صدر الدين شيخ الشيوخ أبي الحسن محمد بن عمر بن ~~علي بن محمد بن حمويه الجويني. كان عاقلا جوادا ممدحا مدبرا خليقا بالملك ~~محبوبا إلى الناس. ولما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمياط ندب إلى ~~الملك فامتنع، ولو أجاب لما خالفوه، واستشهد على دمياط بعد أخذها. ومن شعره ~~قوله: عصيت هوى نفسي صغيرا فعندما ... رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر أطعت ~~الهوى عكس القضية ليتني ... خلقت كبيرا وانتقلت إلى الصغر قلت: ويذكر هذا ~~الشعر أيضا لغيره فيما يأتي - إن شاء الله تعالى - . الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو يعقوب يوسف بن محمود بن الحسين ~~الساوي في رجب بالقاهرة، وولد بدمشق في سنة ثمان وستين. والسلطان الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بن العادل بالمنصورة في شعبان، وله أربع ~~وأربعون سنة. والأمير مقدم الجيوش فخر الدين يوسف ابن شيخ الشيوخ صدر الدين ~~الجوييي في ذي القعدة شهيدا يوم وقعة المنصورة. وأبو جعفر محمد بن عبد ~~الكريم بن محمد ببغداد. وصفي الدين عمر بن عبد الوهاب بن البرادعي في شهر ~~ربيع الآخر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وست أصابع. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني أصابع. PageV02P0238 ### | AUT سلطنة الملك المعظم توران شاه على مصر # هو السلطان الملك المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل سيف الدين ~~محمد أبي بكر ابن نجم الدين أيوب بن شادي، سلطان الديار المصرية الأيوبي ~~الكردي، آخر ملوك بني أيوب بمصر؛ ولا عبرة بولاية الأشرف في سلطنة الملك ~~المعز أيبك. تسلطن الملك المعظم هذا بعد موت أبيه الملك الصالح بنحو شهرين ~~ونصف، وقيل: أربعة أشهر ونصف وهو الأصح؛ لأن الملك الصالح أيوب كانت وفاته ~~في ليلة النصف من شعبان سنة سبع وأربعين بالمنصورة، والفرنج محدقة بعساكر ~~الإسلام، فأخذت زوجته أم ولده خليل شجرة ms1402 الدر موته مخافة على المسلمين، ~~وبايعوا لابنه المعظم هذا بالسلطنة في غيبته، وصارت شجرة الدر تدبر الأمور ~~وتخفي موت السلطان الملك الصالح إلى أن حضر المعظم توران شاه هذا من حصن ~~كيفا إلى المنصورة في أول المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة. وكان المعظم ~~هذا نائبا لأبيه الملك الصالح على حصن كيفا وغيرها من ديار بكر. ولما وصل ~~المعظم إلى المنصورة فتح الله على يديه، ونصر الله الإسلام في يوم دخوله ~~فتيمن الناس بطلعته. وسبب النصر أنه لما استهلت سنة ثمان وأربعين والفرنج ~~على المنصورة والجيوش الإسلامية بإزائهم، وقد طال القتال بين الفريقين ~~أشهرا ضعف حال الفرنج لانقطاع الميرة عنهم، ووقع في خيلهم وباء وموت، وعزم ~~ملكهم الفرنسيس على أن يركب في أول الليل ويسير إلى دمياط، فعلم المسلمون ~~بذلك. وكان الفرنج قد عملوا جسرا عظيما من الصنوبر على النيل، فسهوا عن ~~قطعه، فعبر منه المسلمون في الليل إلى برهم، وخيامهم على حالها وثقلهم، ~~وأحدق المسلمون بهم يتخطفونهم طول الليل قتلا وأسرا، فالتجؤوا إلى قرية ~~تسمى منية أبي عبد الله وتحصنوا بها، ودار المسلمون حولها، وظفر أسطول ~~المسلمين بأسطولهم، فغنموا جميع المراكب بمن فيها. واجتمع إلى الفرنسيس ~~خمسمائة فارس من أبطال الفرنج، وقعد في حوش منية أبي عبد الله؛ وطلب ~~الطواشي رشيد الدين، والأمير سيف الدين القيمري فحضرا إليه؛ فطلب منهما ~~الأمان على نفسه ومن معه؛ فأجاباه وأفناه وهرب باقي الفرنج على حمية؛ وأحدق ~~المسلمون بهم؛ وبقوا يحملون عليهم حملة بعد حملة، حتى أبيدت الفرنج، ولم ~~يبق منهم سوى فارسين، فرموا نفوسهم بخيولهم إلى البحر فغرقوا، وغنم ~~المسلمون منهم ما لا يوصف واستغنى خلق؛ وأنزل الفرنسيس في حراقة، وأحدقت به ~~مراكب المسلمين تضرب فيها الكوسات والطبول. وفي البر الشرقي العسكر سائر ~~منصور مؤيد، والبر الغربي فيه العربان والعامة في لهو وتهان وسرور بهذا ~~الفتح العظيم، والأسرى تقاد في الحبال؛ فكان يوما من الأيام العظيمة ~~المشهودة. وقال سعد الدين بن حمويه في تاريخه: لو أراد الفرنسيس أن ينجو ~~بنفسه لخلص على ms1403 خيل سبق أو في حراقة، لكنه أقام في الساقة يحمي أصحابه. ~~وكان في الأسر ملوك وكنود من الفرنج. وأحصي عدة الأسرى فكانوا نيفا وعشرين ~~ألف آدمي، والذي غرق وقتل سبعة آلاف نفس. قال: فرأيت القتلى وقد ستروا وجه ~~الأرض من كثرتهم، وكان الفارس العظيم يأتيه وسائق يسوقه وراءه كأذل ما ~~يكون، وكان يوما لم يشاهد المسلمون مثله؛ ولم يقتل في ذلك اليوم من ~~المسلمين مائة نفس، ونفذ السلطان الملك المعظم توران شاه للفرنسيس والملوك ~~الذين معه والكنود خلعا. وكانوا نيفا وخمسين، فلبس الكل سواه. وقال إن ~~بلادي بقدر بلاد صاحب مصر، كيف ألبس خلعته! وعمل السلطان من الغد دعوة ~~عظيمة فامتنع الملعون أيضا من حضورها؛ وقال: أنا ما آكل طعامه وما يحضرني ~~إلا ليهزأ بي عسكره ولا سبيل إلى هذا! وكان عنده عقل وثبات ودين، فالنصارى ~~كانوا يعتقدون فيه بسبب ذلك. وكان حسن الخلقة. وأبقى الملك المعظم الأسرى، ~~وأخذ أصحاب الصنائع، ثم أمر بضرب رقاب الجميع. انتهى. وقال غيره: وحبسوا ~~الفرنسيس بالمنصورة بدار ابن لقمان يحفظه الطواشى صبيح مكرما غاية الكرامة. ~~وقال آخر: بمصر بدار ابن لقمان وهو الأصح، وزاد بعضهم فقال: دار ابن لقمان ~~هي الدار الكبيرة بالقرب من باب الخرق يعني دار ابن قطينة انتهى. ~~PageV02P0239 # وقال أبو المظفر في تاريخه مرآة الزمان: " وفي أول ليلة منها يعني سنة ~~ثمان وأربعين كان المصاف بين الفرنج والمسلمين على المنصورة بعد وصول ~~المعظم توران شاه إلى المخيم، ومسك الفرنسيس وقتل من الفرنج مائة ألف، ووصل ~~كتاب المعظم توران شاه إلى جمال الدين بن يغمور يعني إلى نائب الشام يقول: ~~" الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. وما النصر إلا من عند الله. ويومئذ يفرح ~~المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وأما بنعمة ربك فحدث. ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. نبشر المجلس السامي الجمالي، بل نبشر ~~الإسلام كافة بما من الله به على المسلمين، من الظفر بعدو الدين، فإنه كان ~~قد استفحل أمره واستحكم شره؛ ويئس العباد من البلاد، ms1404 والأهل والأولادة ~~فنودوا: " ولا تيأسوا من روح الله " الآية. ولما كان يوم الأربعاء مستهل ~~السنة المباركة، تمم الله على الإسلام بركتها، فتحنا الخزائن، وبذلنا ~~الأموال، وفرقنا السلاح، وجمعنا العربان والمطوعة واجتمع خلق لا يحصيهم إلا ~~الله تعالى، فجاؤوا من كل فج عميق، ومن كل مكان بعيد سحيق؛ ولما رأى العدو ~~ذلك أرسل يطلب الصلح على ما وقع عليه الاتفاق بينهم وبين الملك العادل أبي ~~بكر فأبينا. ولما كان في الليل تركوا خيامهم وأثقالهم وأموالهم وقصدوا ~~دمياط هاربين، فسرنا في آثارهم طالبين؛ وما زال السيف يعمل فيهم عامة ~~الليل، ويدخل فيهم الخزي والويل. فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ~~ثلاثين ألفا غير من ألقى نفسه في اللجج. وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا ~~حرج؛ والتجأ الفرنسيس إلى المنية وطلب الأمان فأمناه، وأخذناه وأكرمناه؛ ~~وتسلمنا دمياط بعونه وقوته، وجلاله وعظمته " . وأرسل الملك المعظم مع ~~الكتاب إلى ابن يغمور المذكور بغفارة الفرنسيس فلبسها ابن يغمور في دست ~~مملكته بدمشق، وكانت سقراط أحمر بفرو سنجاب. فكتب ابن يغمور في الجواب إلى ~~السلطان الملك المعظم المذكور بيتين لابن إسرائيل، وهما : أسيد أملاك ~~الزمان بأسرهم ... تنجزت من نصر الإله وعوده فلا زال مولانا يبيح حمى العدا ~~... ويلبس أسلاب الملوك عبيده انتهى كلام أبي المظفر بعد أن ساق كلاما ~~طويلا من هذا النموذج بنحو ما حكيناه. وقال غيره: وبمي الفرنسيس في ~~الاعتقال إلى أن قتل الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب يعني صاحب الترجمة، فدخل حسام الدين بن أبي علي نائب السلطان، في ~~قضيته، على أن يسلم للمسلمين دمياط ويحمل خمسمائة ألف دينار. فأركبوه بغلة ~~وساقت معه الجيوش إلى دمياط، فما وصلوا إلا والمسلمون على أعلاها بالتكبير ~~والتهليل، والفرنج الذين كانوا بها قد هربوا إلى المراكب وأخلوها، فخاف ~~الفرنسيس واصفر لونه. فقال الأمير حسام الدين بن أبي علي للملك المعز: هذه ~~دمياط قد حصلت لنا، وهذا الرجل في أسرنا وهو عظيم النصرانية، وقد اطلع على ~~عوراتنا، والمصلحة ألا نطلقه؛ وكان قد تسلطن أيبك ms1405 التركماني الصالحي أو صار ~~حاكما عن المحلكة شجرة الدر، فقال أيبك وغيره من المماليك الصالحية: ما نرى ~~الغمر! وكانت المصلحة ما قاله حسام الدين. فقووا عليه وأطلقوه طمعا في ~~المال! فركب في البحر الرومي في شيني. وذكر حسام الدين أنه سأل الفرنسيس عن ~~عدة العسكر الذي كان معه لما قدم لأخذ دمياط؛ فقال: كان معي تسعة آلاف ~~وخمسمائة فارس، ومائة ألف وثلاثون ألف طبسي سوى الغلمان والسوقة والبخارة. ~~انتهى. PageV02P0240 # قال سعد الدين في تاريخه: اتفقوا على أن يسلم الفرنسيس دمياط، وأن يعطي ~~هو والكنود ثمانمائة ألف دينار عوضا عما كان بدمياط من الحواصل، ويطلقوا ~~أسرى المسلمين؛ فحلفوا على هذا؛ وركبت العساكر ثاني صفر إلى دمياط قرب ~~الظهر، وساروا حتى دخلوها، ونهبوا وقتلوا من بقي من الفرنج حتى ضربتهم ~~الأمراء وأخرجوهم، وقوموا الحواصل التي بقيت في دمياط بأربعمائة ألف دينار؛ ~~وأخذوا من الملك الفرنسيس أربعمائة ألف دينار، وأطلقوه العصر هو وجماعته؛ ~~فانحدروا في شيني إلى البطس، وأنفذ رسولا إلى الأمراء الصالحية يقول: ما ~~رأيت أقل عقلا ولا دينا منكم! أما قلة الدين فقتلتم سلطانكم بغير ذنب يعني ~~لما قتلوا ابن أستاذهم الملك المعظم توران شاه بعد أخذ دمياط بأيام على ما ~~سنذكره هنا إن شاء الله تعالى. قال: وأما قلة العقل فكذا، مثلي ملك البحر ~~وقع في أيديكم بعتموه بأربعمائة ألف دينار، ولو طلبتم مملكتي دفعتها لكم ~~حتى أخلص. ثم لما سار إلى بلاده أخذ في الاستعداد والعود إلى دمياط فأهلكه ~~الله تعالى. وندمت الأمراء على إطلاقه. ولما أراد الفرنسيس العود إلى دمياط ~~قال في ذلك الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح قصيدته المشهورة، وكتب بها ~~إليه يعني إلى الفرنسيس، وهي: قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق من قول ~~فصيح آجرك الله على ما جرى ... من قتل عباد يسوع المسيح أتيت مصر تبتغي ~~ملكها ... تحسب أن الزمر يا طبل ريح فساقك الحين إلى أدهم ... ضاق به عن ~~ناظريك الفسيح وكل أصحابك أودعتهم ... بحسن تدبيرك بطن الضريح خمسون ألفا ~~لا ترى منهم ms1406 ... إلا قتيلا أو أسيرا جريح وفقك الله لأمثالها ... لعل عيسى ~~منكم يستريح إن كان باباكم بذا راضيا ... فرب غش قد أتى من نصيح وقل لهم إن ~~أضمروا عوده ... لأخذ ثار أو لعقد صحيح دار ابن لقمان على حالها ... والقيد ~~باق والطواشي صبيح قلت: لله دره! فيما أجاب عن المسلمين مع اللطف والبلاغة ~~وحسن التركيب، رحمه الله. وأما أمر الملك المعظم توران شاه صاحب الترجمة، ~~قال العلامة شمس الدين يوسف بن قزأوغلي في تاريخه في سبب قتله، قال: ذكرنا ~~مجيئه إلى الشام وذهابه إلى مصر، واتفق كسرة الفرنج عند قدومه فتيمن الناس ~~بطلعته، غير أنه بدت منه أسباب نفرت القلوب عنه فاتفقوا على قتله. وكان فيه ~~نوع خفة، فكان يجلس على السماط، فإذا سمع فقيها يذكر مسألة وهو بعيد عنه، ~~يصيح: لا نسلم!. ثم احتجب عن الناس أكثر من أبيه؛ وكان إذا سكر يجمع الشموع ~~ويضرب رؤوسها بالسيف فيقطعها ويقول: كذا أفعل بالبحرية! يعني مماليك أبيه ~~الذين كان جعلهم بقلعة البحر بجزيرة الروضة، ثم يسمي مماليك أبيه بأسمائهم؛ ~~وأهانهم وقدم الأراذل وأبعد الأماثل. ووعد الفارس أقطاي أن يؤمره ولم يف ~~له، فاستوحش منه. وكانت أم خليل يعني شجرة الدر زوجة والده الملك الصالح ~~لما وصل إلى القاهرة مضت هي إلى القدس، فبعث يهددها ويطلب المال والجواهر ~~منها فخافت منه، فكاتبت فيه، فاتفق الجميع عند ذلك على قتله. فلما كان يوم ~~الاثنين سابع عشرين المحرم جلس المعظم على السماط فضربه بعض مماليك أبيه ~~البحرية بالسيف فتلقاه بيده فقطع بعض أصابعه؛ وقام من وقته ودخل البرج ~~الخشب الذي نصب له بفارسكور وصاح: من جرحني. قالوا: الحشيشية. فقال: لا ~~والله إلا البحرية، والله لا أبقيت منهم بقية . PageV02P0241 # واستدعى المزين فخيط يده وهو يتوعدهم، فقال بعضهم لبعض: تمموه وإلا ~~أبادكم! فدخلوا عليه فانهزم إلى أعلى البرج، فأوقدوا النيران حول البرج ~~ورموه بالنشاب، فرمى بنفسه وهرب نحو البرج، وهو يقول: ما أريد ملكا! دعوني ~~أرجع إلى الحصن يا مسلمون! ما فيكم من يصطنعني ويجيرني! والعساكر واقفة ms1407 فما ~~أجابه أحد، والنشاب تأخذه، فتعلق بذيل الفارس أقطاي فما أجاره، فقطعوه قطعا ~~وبقي على جانب البحر ثلاثة أيام منتفخا لا يجسر أحد أن يدفنه حتى شفع فيه ~~رسول الخليفة، فحمل إلى ذلك الجانب فدفن به. ولما قتلوه دخلوا على الفرنسيس ~~الخيمة بالسيوف، فقالوا؛ نريد المال، فقال: نعم، فأطلقوه وسار إلى عكا على ~~ما اتفقوا عليه معه. قال: وكان الذي باشر قتله أربعة؛ وكان أبوه الملك ~~الصالح أيوب قال لمحسن الخادم: اذهب إلى أخي العادل إلى الحبس، وخذ معك من ~~المماليك من يخنقه، فعرض محسن ذلك على جميع المماليك فامتنعوا إلا هؤلاء ~~الأربعة فإنهم مضوا معه وخنقوه، فسلطهم الله على ولده فقتلوه أقبح قتلة، ~~ومثلوا به أعظم مثلة لما فعل بأخيه! قال الأمير حسام الدين بن أبي علي: كان ~~توران شاه لا يصلح للملك؛ كنا نقول لأبيه الملك الصالح نجم الدين أيوب: ما ~~تنفذ تحضره إلى هاهنا! فيقول: دعوني من هذا، فألححنا عليه يوما، فقال: ~~أجيبه إلى هاهنا أقتله! وقال عماد الدين بن درباس: رأى بعض أصحابنا الملك ~~الصالح أيوب في المنام وهو يقول: قتلوه شر قتله ... صار للعالم مثله لم ~~يراعوا فيه إلا ... لا ولا من كان قبله ستراهم عن قليل ... لأقل الناس أكله ~~وكانوا قد جمعوا في قتله ثلاثة أشياء: السيف والنار والماء! وتسلطن بعده ~~زوجة والده أم خليل شجرة الدر باتفاق الأمراء وخشداشينها المماليك ~~الصالحية، وخطب لها على المنابر بمصر والقاهرة. وكانت ولاية توران شاه هذا ~~على مصر دون الشهر، وقتل في يوم الاثنين سابع عشرين المحرم من سنة ثمان ~~وأربعين وستمائة؛ وكان قدومه من حصن كيفا إلى المنصورة في ليلة مستهل ~~المحرم من السنة المذكورة حسب ما تقدم ذكره. ### | AUT سلطنة الملكة شجرة الدر على مصر # هي الملكة شجرة الدر بنت عبد الله جارية السلطان الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب وزوجته وأم ولده خليل؛ وكانت حظية عنده إلى الغاية، وكانت في صحبته ~~وهو ببلاد المشرق في حياة أبيه الملك الكامل، ثم سارت معه لما حبسه الملك ms1408 ~~الناصر داود صاحب الكرك بالكرك، ومعها ولدها خليل أيضا، وقاست مع الصالح ~~تلك الأهوال والمحن، ثم قدمت معه مضر لما تسلطن؛ وعاش ابنها خليل بعد ذلك ~~وتوفي صغيرا. ولا زالت في عظمتها من الحشم، إليها غالب تدبير الديار ~~المصرية في حياة سيدها الملك الصالح وفي مرضه وبعد موته، والأمور تدبرها ~~على أكمل وجه، إلى أن قدم ولد زوجها الملك المعظم توران شاه، فلم يشكر لها ~~توران شاه ما فعلته من الإخفاء لموت والده وقيامها بالتدبير أتم قيام، حتى ~~حضر إلى المنصورة وجلس في دست السلطنة. ولم تدع أحدا يطمع في الملك لعظمتها ~~في لنفوس، فترك توران شاه ذلك كله وأخذ في تهديدها، وطلب الأموال منها ~~بسرعة، سلم يحسن ذلك ببال أحد. واتفقوا على ولايتها لحسن سيرتها وغزير ~~عقلها وجودة تدبيرها، وجعلوا المعز أيبك التركماني أتابكا لها، وخطب لها ~~على المنابر بمصر والقاهرة لكنها لم تلبس خلعة السلطنة الخليفتي على ~~العادة، غير أنهم بايعوها السلطنة في أيام أرسالا وتم أمرها. PageV02P0242 # قال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في تاريخه: " شجرة الدر أم ~~خليل الصالحية وجارية السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأم ولده خليل؛ ~~كان الملك الصالح يحبها حبا عظيما، ويعتمد عليها في أموره ومهماته؛ وكانت ~~بديعة الجمال ذات رأي وتدبير ودهاء وعقل، ونالت من السعادة ما لم ينله أحد ~~في زمانها. ولما مات الملك الصالح في شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة على ~~دمياط في حصار الفرنج، أخفت موته وصارت تعلم بخطها مثل علامة الملك الصالح، ~~وتقول: السلطان ما هو طيب. وتمنع الناس من الدخول إليه؛ وكان أرباب الدولة ~~يحترمونها. ولما علموا بموت السلطان ملكوها عليهم أياما. وتسلطنت بعد قتل ~~السلطان الملك المعظم ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب، وخطب لها على ~~المنابر، وكان الخطباء يقولون على المنبر بعد الدعاء للخليفة: " واحفظ ~~اللهم الجهة الصالحية ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين أم خليل ~~المستعصمية صاحبة السلطان الملك الصالح " . انتهى كلام الصفدي. وقال غيره: ~~وكانت تعلم على المناشير وغيرها " والدة خليل " ، وبقيت ms1409 على ذلك مدة ثلاثة ~~أشهر إلى أن خلعت نفسها، واستقر زوجها الملك المعز أيبك التركماني الصالحي ~~الآتي ذكره، إلى أن اتفقت المماليك البحرية وقالوا: لا بد لنا من واحد من ~~بني أيوب يجتمع الكل على طاعته، وكان القائم بهذا الأمر الأصر الفارس أقطاي ~~الجمدار، وبيبرس البندقداري، وبلبان الرشيدي وسنقر الرومي؛ فأقاموا في ~~السلطنة، الملك الأشرف الأيوبي. وقيل: إنه تزوجها أيبك بعد سلطنته، وكانت ~~مستولية على أيبك في جميع أحواله ليس له معها كلام. وكانت تركية ذات شهامة ~~ونفس قوية وسيرة حسنة، شديدة الغيرة. فلما بلغها أن زوجها الملك المعز أيبك ~~يريد أن يتزوج ببنت الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وقد عزم على ~~ذلك، فتخيلت منه أنه ربما عزم على إبعادها أو إعدامها، لأنه سئم من حجرها ~~عليه واستطالتها، فعاجلته وعزمت على الفتك به وإقامة غيره في الملك. قال ~~الشيخ قطب الدين: " وطلبت صفي الدين إبراهيم بن مرزوق، وكان بمصر، ~~فاستشارته ووعدته بالوزارة، فأنكر عليها ونهاها عن ذلك فلم تصغ إلى قوله، ~~وطلبت مملوكا للطواشي محسن الجوجري الصالحي وعرضت عليه أمرها ووعدته ومنته ~~إن قتل المعز! ثم استدعت جماعة من الخدام واتفقت معهم. فلما كان يوم ~~الثلاثاء الثالث والعشرون من شهر ربيع الأول سنة لعب المعز بالكرة ومن معه، ~~وصعد إلى القلعة آخر النهار، وأتى الحمام ليغتسل، فلما قلع ثيابه وثب عليه ~~سنجر الجوجري والخدم فرموه وخنقوه؛ وطلبت شجرة الدر ابن مرزوق على لسان ~~الملك المعز، فركب حماره وبادر وطلع القلعة من باب السر، فرآها جالسة ~~والمعز بين يديها ميت، فأخبرته الأمر فعظم عليه جدا، واستشارته فقال: ما ~~أعرف ما أقول، وقد وقعت في أمر عظيم مالك منه مخلص! ثم طلبت الأمير جمال ~~الدين بن أيدغدي العزيزي وعز الدين أيبك الحلبي وعرضت عليهما السلطنة ~~فامتنعا؛ فلما ارتفع النهار شاع الخبر واضطربت الناس " . انتهى كلام قطب ~~الدين. PageV02P0243 # وقيل في قتله وجه آخر: وهو أن شجرة الدر لما غارت رتبت للمعز سنجر ~~الجوهري مملوك الفارس أقطاي، فدخل عليه الحمام ولكمه ورماه، ms1410 وألزم الخدام ~~معاونته، وبقيت هي تضربه بالقبقاب وهو يستغيث ويتضرع إليها إلى أن مات؛ ~~وانطوت الأخبار عن الناس تلك الليلة. فلما كان سحر يوم الأربعاء الرابع ~~والعشرين من شهر ربيع الأول ركب الأمراء الأكابر إلى القلعة على عادتهم، ~~وليس عندهم خبر بما جرى، ولم يركب الفائزي في ذلك اليوم؛ وتحيرت شجرة الدر ~~فيما تفعل، فأرسلت إلى الملك المنصور نور الدين علي ابن الملك المعز تقول ~~له عن أبيه: إنه ينزل إلى البحر في جمع من الأمراء لإصلاح الشواني التي ~~تجفزت للمضي إلى دمياط ففعل، وقصدت بذلك لتقل الناس من على الباب لتتمكن ~~مما تريد، فلم يتم مرادها. ولما تعالى النهار شاع الخبر بقتل الملك المعز، ~~واضطربت الناس في البلد واختلفت أقاويلهم ولم يقفوا على حقيقة الأمر، وركب ~~العسكر إلى جهة القلعة، وأحدقوا بها ودخلها مماليك الملك المعز أيبك ~~والأمير بهاء الدين بغدي الأشرفي مقدم الحلقة؛ وطمع الأمير عز الدين الحلبي ~~في التقدم، وساعده على ذلك جماعة من الأمراء الصالحية، فلم يتم له ذلك. ثم ~~استحصر الذين في القلعة الوزير شرف الدين الفائزي واتفقوا على تمليك الملك ~~المنصور نور الدين علي بن الملك المعز أيبك، وعمره يومئذ نحو خمس عشرة سنة، ~~فرتبوه في الملك ونودي في البلد بشعاره؛ وسكن الناس وتفرقوا إلى دورهم، ~~ونزل الأمراء الصالحية إلى دورهم. فلما كان يوم الخميس خامس عشرين الشهر ~~وقع في البلد خبطة عظيمة وركب العسكر إلى القلعة. واتفق رأي الذين بالقلعة ~~على نصب الأمير علم الدين سنجر الحلبي في السلطنة، وكان أتابك الملك المعز ~~ويعرف بالمشد، واستحلفوا العسكر له، وحلف له الأمراء الصالحية على كره من ~~أكثرهم، وامتنع الأمير عز الدين ثم خاف على نفسه فحلف وانتظمت الأمور، ثم ~~انتقض بعد ذلك. وفى يوم الجمعة سادس عشرين شهر ربيع الأول خطب للملك ~~المنصور بمصر والقاهرة. PageV02P0244 # وأما شجرة الدر صاحبة الترجمة فإنها امتنعت بدار السلطنة، هي والذين ~~قتلوا الملك المعز أيبك؛ وطلب المماليك المعزية هجوم الدار عليهم، فحالت ~~الأمراء الصالحية بينهم وبينها، حمية لشجرة الدر ms1411 لأنها خشداشتهم؛ فلما ~~غلبوا مماليك المعز منهم ومنها أمنوها وحلفوا لها أنهم لا يتعرضون لها ~~بسوء. فلما كان يوم الاثنين التاسع والعشرون منه أخرجت من دار السلطنة إلى ~~البرج الأحمر فحبست به وعندها بعض جواريها وقبض على الخدام واقتسمت الأمراء ~~جواريها؛ وكان نصر العزيزي الصالحي، وهو أحد الخدام القتلة، قد تسرب إلى ~~الشام يوم ظهور الواقعة، وأحاطت المماليك المعزية بالدار السلطانية وجميع ~~ما فيها؛ ويوم ظهور الواقعة أحضر الصفي بن مرزوق من الدار وسئل عن حضوره ~~عند شجرة الدر لما طلبته بعد قتل المعز واستشارته، فعرفهم صورة الحال ~~فصدقوه وأطلقوه. وحضر الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي، وكان الناس قد ~~قطعوا بموت المعز، فعند حضور أيدغدي العزيزي المذكور أمر باعتقاله بالقلعة، ~~ثم نقل إلى الإسكندرية، فاعتقل بها؛ ثم صلب الخدام الذين اتفقوا على قتل ~~المعز؛ وهرب سنجر غلام الجوهري ثم ظفر به وصلب إلى جانب أستاذه محسن، فمات ~~سنجر من يوم الاثنين المذكور وقت العصر على الخشبة، وتأخر موت الباقين إلى ~~تمام يومين. واستمرت شجرة الدر بالبرج الأحمر بقلعة الجبل، والملك المنصور ~~علي ابن الملك المعز أيبك ووالدته يحرضان المعزية على قتلها، والمماليك ~~الصالحية تمنعهم عنها، لكونها جارية أستاذهم، ولا زالوا على ذلك إلى يوم ~~السبت حادي عشر شهر ربيع الآخر حيث وجدت مقتولة مسلوبة خارج القلعة، فحملت ~~إلى التربة التي كانت بنتها لنفسها بقرب مشهد السيدة نفيسة - رحمها الله ~~تعالى - فدفنت. وشجرة الدر أوقاف على التربة المذكورة وغيرها. وكان الصاحب ~~بهاء الدين. علي بن محمد بن سليم المعروف بابن حنا وزيرها، ووزارته لها أول ~~عرجة ترقاها من المناصب الجليلة. ولما تيقنت شجرة الدر أنها مقتولة أودعت ~~جملة من المال والجواهر، وأعدت أيضا جملة من الجواهر النفيسة فسحقتها في ~~الهاون لئلا يأخذها الملك المنصور ابن المعز أيبك وأمه، فإنها كانت تكره ~~المنصور ووالدته؛ وكانت غير متجملة في أمرها لما تزوجها أيبك حتى منعته ~~الدخول إليهما بالكلية، فلهذا كان المنصور وأمه يحرضان المماليك المعزية ~~على قتلها. وكانت خيرة دينة رئيسة عظيمة في ms1412 النفوس، ولها مآثر وأوقاف على ~~وجوه البر معروفة بها. والذي وقع لها من تملكها الديار المصرية لم يقع ذلك ~~لامرأة قبلها ولا بعدها في الإسلام. انتهى الجزء السادس من النجوم الزاهرة، ~~ويليه الجزء السابع؛ وأوله: ذكر سلطنة المعز أيبك التركماني على مصر. ~~/سلطنة المعز أيبك التركماني هو السلطان الملك المعز عز الدين أيبك بن عبد ~~الله الصالحي النجمي المعروف بالتركماني، أول ملوك الترك بالديار المصرية. ~~وقد ذكرهم بعض الناس في أبيات مواليا إلى يومنا هذا، وهم الملوك الذين مسهم ~~الرق، غير أولادهم، فقال: أيبك قطز يعقبو بيبرس ياذا الدين ... بعدو قلاوون ~~بعدو كتبغا لاجين بيبرس برقوق بعدو شيخ ذو التبيين ... ططر برسباي جقمق ~~صاحب التمكين قلت: هذا قبل أن يتسلطن الملك الأشرف إينال العلائي، فلما ملك ~~إينال قلت أنا: أيبك قطز يعقبو بيبرس ذو الإكمال ... بعدو قلاوون بعدو ~~كتبغا المفضال لاجين بيبرس برقوق شيخ ذو الإفضال ... ططر برسباي جقمق ذو ~~العلا إينال وقد خرجنا عن المقصود. ولنعد إلى ذكر الملك المعز أيبك ~~المذكور، فنقول: أصله من مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، ~~اشتراه في حياة والده الملك الكامل محمد، وتنقلت به الأحوال عنده، ولازم ~~أستاذه الملك الصالح في الشرق حتى جعله جاشنكيره ، ولهذا لما أمره كان عمل ~~رنكه صورة خوانجا. واستمر على ذلك إلى أن قتل المعظم توران شاه وملكت شجرة ~~الدر بعده. PageV02P0245 # اتفق الأمراء على سلطنة الملك المعز أيبك هذا وسلطنوه بعد أن بقيت الديار ~~المصرية بلا سلطان مدة، وتشوف إلى السلطنة عدة أمراء، فخيف من شرهم، ومال ~~الناس إلى أيبك المذكور، وهو من أوسط الأمراء، ولم يكن من أعيانهم، غير أنه ~~كان معروفا بالسداد وملازمة الصلاة، ولا يشرب الخمر، وعنده كرم وسعة صدر ~~ولين جانب. وقالوا أيضا: هذا متى أردنا صرفه أمكننا ذلك لعدم شوكته، وكونه ~~من أوسط الأمراء. فبايعوه وسلطنوه وأجلسوه في دست الملك في أواخر شهر ربيع ~~الآخر سنة ثمان وأربعين وستمائة. وحملت الغاشية بين يديه، وركب بشعائر ~~السلطنة. وأول من حمل الغاشية بين يديه ms1413 الأمير حسام الدين بن أبي علي، ثم ~~تداولها أكابر الأمراء واحدا بعد واحد. وتم أمره في السلطنة وخطب له على ~~المنابر، ونودي في القاهرة ومصر بسلطنته، إلى أن كان الخامس من جمادى ~~الأولى بعد سلطنته بخمسة أيام ثارت المماليك البحرية الصالحية وقالوا: لا ~~بد لنا من سلطان يكون من بني أيوب يجتمع الكل على طاعته، وكان الذي قام ~~بهذا الأمر الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، والأمير ركن الدين بيبرس ~~البندقداري، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، والأمير شمس الدين سنقر ~~الرومي، واتفقوا على أن يكون الملك المعز أيبك هذا أتابكا عليهم، واختاروا ~~أن يقيموا صبيا عليهم من بني أيوب يكون له اسم السلطنة، وهم يدبرونه كيفما ~~شاؤوا ويأكلون الدنيا به. كل ذلك والملك المعز سامع مطيع. فوقع الاتفاق على ~~الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك الناصر يوسف ابن الملك المسعود ~~أقسيس ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل أبي بكر ابن ~~الأمير ووصلت طائفة منهم من البحرية على وجوههم إلى الصعيد، وكانوا قد ~~أساؤوا إلى المصريين ونهبوهم وآرتكبوا معهم كل قبيح، فخافوا منهم فتوجهوا ~~إلى الصعيد. وخطب في ذلك النهار بالقاهرة ومصر والقلعة للملك الناصر صلاح ~~الدين يوسف المذكور وفي جميع البلاد. وأيقن كل أحد بزوال دولة الملك المعز ~~أيبك. وبات في تلك الليلة جمال الدين بن يغمور بالعباسة، وأحمى الحمام ~~للملك الناصر صلاح الدين يوسف، وهيأ له الاقامة. كل ذلك والملك الناصر ما ~~عنده! خبر بماوقع من القتال والكسرة، وهو واقف بسناجقه وأصحابه ينتظر ما ~~يرد عليه من أمر جيشه. وأما أمر المصريين فإنه لما وقعت الهزيمة عليهم ساق ~~الملك المعز أيبك وأقطاي الجمدار المعروف ب إ أقطيا أ في ثلاثمائة فارس ~~طالبين الشام هاربين، فعثروا في طريقهم بشمس الدين لؤلؤ المقذم ذكره ~~والضياء القيمري، فساق شمس الدين لؤلؤ عليهم فحملوا عليه فكسروه وأسروه ~~وقتلوا ضياءالدين القيمري، وجيء بشمس الدين لؤلؤ إلى بين يدي الملك المعز ~~أيبك، فقال الأمير حسام الدين بن أبي علي: لا تقتلوه لنأخذ ms1414 به الشام، فقال ~~أقطاي الجمدار: هذا الذي ياخذ مصر منا بمائتي قناع! وجعلنا مخانيث، كيف ~~نتركه! وضربوا عنقه، وساقوا على حمية إلى جهة، فاعترضوا طلب السلطان الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف فوقع المصاف بينهم، فخامر على الملك الناصر جماعة ~~من المماليك العزيزية من مماليك أبيه، وجاؤوا إلى الملك المعز أيبك ~~التركماني، وقالوا له: إلى أين تتوجه. هذا السلطان واقف في طلبه ليس له علم ~~بكسرتهم، فعطفوا على الطلب، وتقدمتهم العزيزية فكسروا سناجق السلطان ~~وصناديقه ونهبوا ماله، ورموه بالنشاب، فأخذ نوفل البدوي وجماعة من مماليكه ~~وأصحابه وعادوا به إلى الشام، وأسر المصريون الملك المعظم توران شاه، ابن ~~السلطان صلاح الدين بعد أن جرحوه وجرحوا ولده تاج الملوك، وأخذوا الملك ~~الأشرف صاحب حمص، والملك الزاهر عمه، والملك الصالح إسماعيل صاحب الوقائع ~~مع الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجماعة كثيرة من أعيان الحلبيين، ومات تاج ~~الملوك من جراحة كانت به، فحمل إلى بيت المقدس ودفن به. وضرب الشريف ~~المرتضى في وجهه بالسيف ضربة هائلة عرضا وأرادوا قتله، فقال: أنا رجل شريف ~~و ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركوه، وتمزق عساكر دمشق كل ممزق، ~~ومشوا في الرمل أياما. PageV02P0246 # وأما المصريون فإنهم لما وقعت لهم هذه النصرة عادوا إلى القاهرة ~~بالأسارى، وسناجق الناصر مقلوبة وطبوله مشققة، ومعهم الخيول والأموال ~~والعدد وشقوا القاهرة، فلما وصلت المماليك الصالحية النجمية إلى تربة ~~أستاذهم الملك الصالح نجم الدين أيوب ببين القصرين أخذوا الملك الصالح ~~إسماعيل الذي أسروه في الوقعة، وكان عدو أستاذهم الملك الصالح المذكور، ~~ووقفوا به عند التربة، وقالوا: يا خوند، أين عينك ترى عدوك أسيرا بأيدينا! ~~ثم سحبوه ومضوا به إلى الحبس، فحبسوه هو وأولاده أياما ثم غيبوه إلى يومنا ~~هذا، ولم يسمع عنه خبر إلا ما تحدث به العوام بإتلافه. وأما عساكر الناصر ~~الذين كانوا بالعباسة - أعني الذين كسروا الملك المعز أيبك أولا - فإن ~~المعز لما تم له النصر وهزم الناصر رد إلى المذكورين في عوده إلى القاهرة، ~~ومال عليهم بمن معه قتلا ms1415 وأسرا حتى بدد شملهم، ورحل إلى القاهرة بمن معه من ~~الأسارى وغيرهم. ولما دخل الملك المعز أيبك هذا إلى القاهرة ومعه المماليك ~~الصالحية مالوا على المصريين قتلا ونهبا ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم ~~وفعلوا بهم ما لم يفعله الفرنج بالمسلمين. قلت: وسبب ذلك أنه لما بلغهم ~~كسرة المعز فرحوا وتباشروا بزوال المماليك من الديار المصرية، وأسرعوا أيضا ~~بالخطبة للملك صلاح الدين يوسف صاحب الشام المقدم ذكره. وكان السامري وزير ~~الملك الصالح إسماعيل المقدم ذكره معتقلا بقلعة الجبل هو وناصر الدين ~~إسماعيل بن يغمور نائب الشام وسيف الدين القيمري والخوارزمي صهر الملك ~~الناصر يوسف، فخرجوا من الجب وعصوا بقلعة الجبل، فلم يوافقهم سيف الدين ~~القيمري بل جاء وقعد على باب الدار التي فيها أعيان الملك المعز أيبك ~~وحماها من النهب، ولم يدع أحدا يقربها، وأما الباقون فصاحوا: الملك الناصر ~~يا منصور. فلما جاء الترك فتحوا باب القلعة ودخلوها، وأخذوا من كان عصى ~~فيها، وشنقوا وزير الصالح و ابن يغمور والخوارزمي متقابلين، وشنقوا أيضا ~~مجير الدين بن حمدان، وكان شابا حسنا، وكان تعدى على بعض المماليك وأخذ ~~خيله. وأما الملك الناصر يوسف فإنه سار حتى وصل إلى غزة وأقام ينتظر ~~اصحابه، فوصل إليه منهم من سلم من عسكر الشام وعسكر الموصل ومضوا إلى ~~الشام. وأما العساكر المصرية فإن الملك المعز أيبك المذكور لما دخل إلى مصر ~~بعد هذه الوقعة عظم أمره وثبتت قواعد ملكه ورسخت قدمه. ثم وقع له فصول مع ~~الملك الناصر يوسف المذكور يطول شرحها. محصول ذلك: أنه لما كانت سنة إحدى ~~وخمسين وستمائة وقع الاتفاق بينه وبين الملك الناصر المذكور على أن يكون ~~للمعز وخشداشيته المماليك الصالحية البحرية الديار المصرية وغزة والقدس، ~~وما بقي بعد ذلك من البلاد الشامية تكون للملك الناصر صلاح الدين يوسف. ~~وأفرج الملك المعز عن الملك المعظم توران شاه ابن الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف المذكور وعن أخيه نصرة الدين وعن الملك الأشرف صاحب حمص وغيرهم من ~~الاعتقال، وتوجهوا إلى الشام. ولما فرغ الملك المعز من ms1416 ذلك أخذ ينظر في ~~أمره مع فارس الدين أقطاي الجمدار، فإنه كان أمره قد زاد في العظمة والتفت ~~عليه المماليك البحرية، وصار أقطاي المذكور يركب بالشاويش وغيره من شعار ~~الملك، وحدثته نفسه بالملك، وكان أصحابه يسمونه الملك الجواد فيما بينهم. ~~كل ذلك والمعز سامع مطيع، حتى خطب أقطاي بنت الملك المظفر تقي الدين محمود ~~صاحب حماة، وكان أخوها الملك المنصور هو يومئذ صاحب حماة بعد موت أبيه. ~~وتحدث أقطاي مع الملك المعز أيبك أنه يريد يسكنها في قلعة الجبل لكونها من ~~بنات الملوك، ولا يليق سكناها بالبلد، فاستشعر الملك المعز منه بما عزم ~~عليه، وأخذ يدبر أمره وعمل على قتله فلم يقدر على ذلك . فكاتب الملك المعز ~~السلطان صلاح الدين يوسف واستشاره في الفتك به، فلم يجبه في ذلك بشيء، مع ~~أنه كان يؤثر ذلك، لكنه علم أنه مقتول على كل حال، فترك الجواب. ثم سير ~~فارس الذين أقطاي الجمدار المذكور جماعة لإحضار بنت صاحب حماة إليه، فخرجت ~~من حماة ووصلت إلى دمشق بتجمل عظيم في عدة محفات مغشاة بالأطلس وغيره من ~~فاخر الثياب وعليها الحلي والجواهر، ثم خرجت بمن معها من دمشق متوجهة إلى ~~الديار المصرية. PageV02P0247 # وأما الملك المعز فإنه لما أبطأ عليه جواب الملك الناصر صلاح الدين في ~~أمر أقطاي وتحقق أن بنت صاحب حماة في الطريق بقي متحيرا، إن منعه من سكنى ~~القلعة حصلت المباينة الكلية، وإن سكنه قويت أسبابه بها ولا يعود يتمكن من ~~إخراجه، ويترتب على ذلك استقلال الأمير فارس الدين أقطاي بالملك، فعمل على ~~معاجلته، فدخل أقطاي عليه على عادته، وقد رتب له الملك المعز جماعة للفتك ~~به، منهم الأمير سيف الدين قطز المعزي - أعني الذي تسلطن بعد ذلك - ، ~~وبهادر وسنجر الغتمي فلما دخل أقطاي وثبوا عليه وقتلوه في دار السلطنة ~~بقلعة الجبل في سنة اثنتين وخمسين وستمائة، فتحرك لقتله جماعة من خشداشيته ~~البحرية، ثم سكن الحال ولم ينتطح في ذلك شاتان!. ولما وقع ذلك التفت الملك ~~المعز إلى خلع الملك الأشرف مظفر الدين ms1417 موسى الأيوبي فخلعه وأنزله من قلعة ~~الجبل إلى حيث كان أولا عند عماته القطبيات. وركب الملك المعز بالسناجق ~~السلطانية وحملت الأمراء الغاشية بين يديه واستقل على الملك بمفرده ~~استقلالا تاما إلى أن قصدت المماليك العزيزية القبض عليه في سنة ثلاث ~~وخمسين، فشعر بذلك قبل وقوعه فقبض على بعضهم وهرب بعضهم. ثم وقعت الوحشة ~~ثانيا بين الملك المعز هذا وبين الملك الناصر صلاح الدين يوسف، فمشى الشيخ ~~نجم الدين البادرائي بينهما حتى قرر الصلح بين المعز وبين الناصر، على أن ~~تكون الشام جملة للملك الناصر، وديار مصر للملك المعز، وحد ما بينهما بئر ~~القاضي، وهو فيما بين الورادة والعريش؟ واستمر الحال على ذلك. ثم إن الملك ~~المعز تزوج بالملكة شجرة الدر أم خليل في هذه السنة ودخل بها، وكان زواجه ~~بها سببا لقتله على ما تقدم في ترجمتها، وعلى ما يأتي في هذه الترجمة أيضا. ~~ولما تزوجها وأقام معها مدة أراد أن يتزوج ببنت الملك الرحيم صاحب الموصل، ~~وكانت شجرة الدر شديدة الغيرة، فعملت عليه وقتلته في الحمام، وأعانها على ~~ذلك جماعة من الخدام. وقد ذكرنا ذلك كله مفصلا في ترجمة شجرة الدر فيما ~~مضى. وكان قتل الملك المعز في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر ربيع ~~الأول سنة خمس وخمسين وستمائة. وكان ملكا شجاعا كريما عاقلا سيوسا كثير ~~البذل للأموال، أطلق في مدة سلطنته من الأموال والخيول وغير ذلك ما لا يحصى ~~كثرة حتى رضي الناس بسلطان مسه الرق. وأما أهل مصر فلم يرضوا بذلك إلى أن ~~مات، وهم يسمعونه ما يكره، حتى في وجهه إذا ركب ومر بالطرقات، ويقولون: لا ~~نريد إلا سلطانا رئيسا مولودا على الفطرة. على أن الملك المعز كان عفيفا ~~طاهر الذيل بعيدا عن الظلم والعسف كثير المداراة لخشداشيته والاحتمال ~~لتجنيهم عليه وشر أخلاقهم، وكذلك مع الناس. وخلف عدة أولاد منهم الملك ~~المنصور علي الذي تسلطن بعده، وناصر الدين قان. قال الشيخ قطب الدين ~~اليونيني في الذيل على مرآة الزمان: ورأيت له ولدا آخر بالديار المصرية ms1418 في ~~سنة تسع وثمانين وستمائة، وهو في زي الفقراء الحريرية. انتهى. وكان للمعز ~~بر ومعروف وعمائر، من ذلك: المدرسة المعزية على النيل بمصر القديمة ووقف ~~عليها أوقافا. ودهليز المدرسة متسع طويل مفرط، قيل: إن بعض الأكابر دخل إلى ~~هذه المدرسة المذكورة فراها صغيرة بالنسبة إلى دهليزها، فقال: هذه المدرسة ~~مجاز بلا حقيقة! انتهى. وكان مدرسها القاضي برهان الدين الخضر بن الحسن ~~السنجاري إلى أن مات . وكانت مدة سلطنة الملك المعز على مصر سبع سنين. ومات ~~وقد ناهز الستين سنة - رحمه الله تعالى - . PageV02P0248 # قلت: وقد تقدم أن الملك المعز أيبك هذا أول من ملك الديار المصرية من ~~الأتراك الذين مسهم الرق. وقد ذكرنا مبدأ أمره وما وقع له من الحروب وغيرها ~~على سبيل الاختصار. ولنذكر هنا أيضا من عاصره من ملوك الأقطار ليعلم الناظر ~~في هذه الترجمة بأصل جماعة كبيرة من الملوك الآتي ذكرهم في الحوادث، وأيضا ~~بحد مملكة الملك المعز يوم ذاك، وحد تحكمه من البلاد، ومع هذا كان له من ~~المماليك والحشم والعساكر أضعاف ما لملوك زماننا هذا مع اتساع ممالكهم. ~~انتهى. ونذكر أيضا من أمر النار التي كانت بأرض الحجاز في أيام سلطنته في ~~سنة أربع وخمسين وستمائة، فنقول: استهلت سنة أربع وخمسين المذكورة والخليفة ~~المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله العباسي ببغداد، وسلطان مصر الملك المعز ~~أيبك التركماني هذا، وسلطان الشام إلى الفرات الملك الناصر صلاح الدين يوسف ~~الأيوبي ما خلا حماة وحمص والكرك وبلادا أخر نذكر ملوكها فيما يأتي - إن ~~شاء الله تعالى - وهم: صاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد بن محمود ~~بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب. وصاحب الكرك والشوبك الملك المغيث فتح ~~الدين عمر ابن الملك العادل أبي بكر ابن الملك الكامل محمد ابن الملك ~~العادل أبي بكر بن أيوب. وصاحب صهيون وبرزيه وبلاطنس الأمير مظفر الدين ~~عثمان ابن الأمير ناصر الدين منكورس. وصاحب تل باشر والرحبة وتدمر الملك ~~الأشرف مظفر الدين موسى ابن إبراهيم بن شيركوه بن محمد بن شيركوه ms1419 بن شادي. ~~وصاحب الموصل وأعمالها الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ الأتابكي. وصاحب ~~ميافارقين وديار بكر وتلك الأعمال الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك ~~المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب. وصاحب ماردين ~~الملك السعيد إيلغازي الأرتقي. وصاحب إربل وأعمالها الصاحب تاج الدين بن ~~صلايا العلوي من جهة الخليفة. والنائب في حصون الإسماعيلية الثمانية بالشام ~~رضي الدين أبو المعالي. وصاحب المدينة الشريفة - صلوات الله وسلامه على ~~ساكنها - الأمير عز الدين أبو ملك منيف بن شيحة بن قاسم الحسيني. وصاحب ~~اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر. وأما ملوك الشرق فسلطان ما وراء ~~النهر وخوارزم السلطان ركن الدين وأخوه عز الدين والبلاد بينهما مناصفة، ~~وهما في طاعة هولاكو ملك التتار. وأما أمر النار التي ظهرت بالحجاز قال ~~قاضي المدينة سنان الحسيني: لما كان ليلة الأربعاء ثالث خمادى الآخرة سنة ~~أربع وخمسين وستمائة، ظهر بالمدينة الشريفة دوي عظيم ثم زلزلة عظيمة رجفت ~~منها المدينة والحيطان والسقوف ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة خامس الشهر ~~المذكور ظهرت نار عظيمة، وقد سالت أودية منها بالنار إلى وادي شظا حيث يسيل ~~الماء، وقد سدت مسيل شظا وما عاد يسيل. ثم قال: والله لقد طلعنا جماعة ~~نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، وقد سدت الحرة طريق الحاج العرافي، وسارت ~~إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجيء إلينا، ورجعت تسير في ~~الشرق، يخرج من وسطها مهود وجبال نيران تأكل الحجارة، كما أخبر الله في ~~كتابه العزيز فقال عز من قائل: " إنها ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالات صفر " ~~. قال: وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين والنار في زيادة ~~ما تغيرت، وقد عادت إلى الحرة وفي قريظة طريق الحاج العراقي. وأما أمر ~~النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر، والأم الكبيرة النار التي سالت النيران ~~منها من عند قريظة وقد زادت، وما عاد الناس يدرون أي شيء يتم بعد ذلك، ~~والله يجعل العاقبة إلى خير، وما أقدر أصف ms1420 هذه النار. انتهى كلام القاضي في ~~كتابه. وقال غيره بعد ما ساق من أمر النار المذكورة عجائب نحوا مما ذكرناه ~~وأعظم إلى أن قال: وقد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربعة فراسخ وعرضه ~~أربعة أميال وعمقه قامة ونصفا، وهي تجري على وجه الأرض، وتخرج منها أمهاد ~~وجبال صغار تسير على الأرض، وهو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك، فإذا جمد صار ~~أسود، وقبل الجمود لونه أحمر، وقد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصي ~~والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة. ~~PageV02P0249 # ثم قال قطب الدين في الذيل: ومن كتاب شمس الدين سنان بن نميلة الحسيني ~~قاضي المدينة إلى بعض أصحابه يصف الزلزلة إلى أن ذكر قصة النار وحكى منها ~~شيئا إلى أن قال: وأشفقنا منها وخفنا خوفا عظيما، وطلعت إلى الأمير وكلمته ~~وقلت: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله! فأعتق كل مماليكه، ورد على جماعة ~~أموالهم، فلما فعل هذا قلت له: اهبط الساعة معنا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فهبط، وبتنا ليلة السبت والناس جميعهم والنسوان وأولادهم، وما بقي ~~أحد لا في النخيل ولا في المدينة إلا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأشفقنا منها وظهر ضوءها إلى أن أبصرت من مكة، ومن الفلاة جميعها. ثم سال ~~من ذلك نهر من نار وأخذ في وادي أحيلين وسد الطريق ثم طلع إلى بحرة الحاج، ~~وهو بحر نار يجري وفوقه جمر يسير إلى أن قطعت الوادي: وادي الشظا، وما عاد ~~يجري سيل قط لأنها حفرته نحو قامتين. والمدينة قد تاب جميع أهلها ولا بقي ~~يسمع فيها رباب ولا دف. ثم ذكر أشياء مهولة من هذا الجنس إلى أن قال: ~~والشمس والقمر من يوم طلعت النار ما يطلعان إلا كاسفين! قال: وأقامت هذه ~~النار أكثر من شهرين. وفيها يقول بعضهم: البسيط يا كاشف الضر صفحا عن ~~جرائمنا ... لقد أحاطت بنا يا رب بأساء نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها ... ~~حملا ونحن بها حقا أحقاء ms1421 زلازلا تخشع الصم الصلاب لها ... وكيف يقوى على ~~الزلزال شماء أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت ... عن منظر منه عين الشمس عشواء ~~والقصيدة طويلة جدا كلها على هذا المنوال. ولولا خشية الإطالة لذكرنا أمر ~~هذه النار وما وقع منها، فرأينا أن الشرح يطول، والمقصود هنا بقية ترجمة ~~السلطان الملك المعز أيبك. ولما مات المعز رثاه سراج الدين الوراق بقصيدة ~~أولها: الطويل نقيم عليه مأتما بعد مأتم ... ونسفح دمعا دون سفح المقطم ولو ~~أننا نبكي على قدر فقده ... لدمنا عليه نتبع الدمع بالدم وسل طرفي ينبيك ~~عني أنني ... دعوت الكرى من بعده بالمحرم ومنها في ذكر ولده الملك المنصور ~~علي - رحمه الله - : بنى الله بالمنصور ما هم الردى ... وإن بناء الله غير ~~مهدم مليك الورى بشرى لمضمر طاعة ... وبؤسى لطاغ في زمانك مجرم فما للذي ~~قدمت من متأخر ... ولا للذي أخرت من متقدم وأيبك صوابه كما هو مكتوب، وهو ~~لفظ تركي مركب من كلمتين. فأي هو القمر، وبك أمير، فمعنى الاسم باللغة ~~العربية أمير قمر، ولا عبرة بالتقديم والتأخير في اللفظ، وأيبك بفتح الهمزة ~~وسكون الياء المثناة من تحت وتفخيمهما معا وبك معروف لا حاجة إلى التعريف به. انتهى. ### || AUT السنة التي حكم في محرمها الملك المعظم توران # شاه ابن الملك الصالح نجم الدين، ثم في صفر والربيعين منها الملكة شجرة ~~الدر أم خليل الصالحية، ثم في باقيها الملك المعز أيبك صاحب الترجمة، ومعه ~~الملك الأشرف مظفر الدين موسى، والعمدة في ذلك على المعز هذا. وهي سنة ثمان ~~وأربعين وستمائة. فيها كانت كسرة الفرنج على دمياط وقبض على الفرنسيس كما ~~تقدم. وفيها قتل الملك المعالم توران شاه، وقد مر أيضا. وفيها كانت الوقعة ~~بين الملك الناصر صلاح الدين يوسف وبين الملك المعز هذا. وفيها حج طائفة من ~~العراق، ولم يحج أحد من الشام ولا مصر في هذه السنة. وفيها ثارت الجند ~~ببغداد لقطع أرزاقهم. وكل ذلك كان من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي، فإنه ~~كان حريصا على زوال دولة بني العباس ونقلها ms1422 إلى العلويين، وكان يرسل إلى ~~التتار في السر والخليفة المستعصم لا يطلع على باطن الأمور. وفيها لما ~~فرغوا من حرب دمياط وتفرق أهلها نقلوا أخشاب بيوتهم وأبوابهم منها وتركوها ~~خاوية على عروشها، ثم بنيت بعد ذلك بليدة بالقرب منها تسمى المنشية. وكان ~~سور دمياط من أحسن الأسوار. PageV02P0250 # وفيها توفيت أرغوان الحافظية عتيقة الملك العادل أبي بكر بن أيوب، سميت ~~الحافظية لأنها ربت الملك الحافظ صاحب جعبر، وكانن امرأة عاقلة صالحة، ~~وكانت مدة حبس الملك المغيث ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق تهيئ له ~~الأطعمة والأشربة وتبعث له الثياب، فحقد عليها الملك الصالح إسماعيل ~~فصادرها وأخذ منها أموالا عظيمة، يقال: إنه أخذ منها أربعمائة صندوق. ولها ~~تربة ومسجد ووقفت عليهما أوقافا. وفيها قتل الأمير شمس الدين لؤلؤ بن عبد ~~الله مقدم عسكر حلب، وهو الذي قتلته المماليك الصالحية في الوقعة التي كانت ~~بين الناصر والمعز صاحب الترجمة. وكان أميرا شجاعا مقداما زاهدا مدبرا عظيم ~~الشأن، وكان فيه قوة وبأس، غير أنه كان مستخفا بالمماليك، ويقول: كل عشرة ~~من المماليك في مقابلة كردي، ولا زال يمعن في ذلك حتى كانت منيته بأيدي ~~المماليك الصالحية كما تقدم ذكره. وفيها توفي أبو الحسن المتطبب وزير الملك ~~الصالح إسماعيل، وهو الذي كان السبب لزوال ملك مخدومه، فإنه كان سيئ السيرة ~~كثير الظلم قليل الخير، وكان يتستر بالإسلام، وكان يرمى في دينه بعظائم، ~~وقيل: إنه كان أولا سامريا فلم يحسن إسلامه، وظهر له بعد موته من الأموال ~~والجواهر والتحف والذخائر ما لا يوجد في خزائن الخلفاء، وأقاموا ينقلونه ~~مدة سنين. وقيمة ما ظهر له غير ما ذهب عند الناس ثلاثة آلاف ألف دينار، ~~ووجد له عشرة آلاف مجلد من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة. قال الشيخ ~~إسماعيل الكوراني يوما وقد زاره الوزير المذكور: لو بقيت على دينك كان أصلح ~~لأنك تتمسك بدين في الجملة، وأما الآن فأنت مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء!. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الإمام أبو ms1423 ~~محمد إبراهيم بن محمود بن سالم بن الخير في شهر ربيع الآخر، وله خمس ~~وثمانون سنة. والحافظ شمس الدين يوسف بن خليل الدمشقي الأدمي بحلب في جمادى ~~الآخرة، وله ثلاث وتسعون سنة. والقاضي أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد ~~العزيز بن الحباب التميمي السعدي، وله سبع وثمانون سنة في شهر رمضان. ~~والمحدث أبو محمد عبد الوهاب بن رواح، واسمه ظافر بن علي بن فتوح القرشي ~~المالكي. وله أربع وتسعون سنة. وأبو المنصور مظفر بن عبد الملك بن الفوي ~~المالكي. ونائب الملك الناصر الأمير شمس الدين لؤلؤ قتل في جماعة في الوقعة ~~الكائنة بين المصريين والشاميين. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس ~~أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الثانية من ولاية السلطان الملك المعز أيبك # الصالحي النجمي التركماني على مصر وهي سنة تسع وأربعين وستمائة. فيها ~~عاد الملك الناصر صلاح الدين يوسف من غزة إلى دمشق، وأرسل المعز عسكر مصر ~~فنزل إلى غزة والساحل، ثم عادوا إلى القاهرة. وفيها أيضا أخذ الملك المغيث ~~ابن الملك العادل ابن الملك الكامل الكرك والشوبك، أعطاه إياهما الخادم. ~~ولما سمع الملك المعز بذلك جهز الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار في ألف ~~فارس إلى غزة. وفيها نقلوا تابوت الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى تربته ~~بالقاهرة ببين القصرين، ولبس الأمراء ثياب العزاء وناحوا عليه ببين ~~القصرين، وتصدقت جاريته شجرة الدر في ذلك اليوم بمال عظيم. وفيها أخرب ~~الترك دمياط وحملوا آلاتها إلى مصر وأخربوا الجزيرة - أعني الروضة - ~~وأخلوها. وفيها كثر الظلم بالديار المصرية وعظم الجور والمصادرات لكل أحد ~~حتى أخذوا مال الأوقاف ومال الأيتام على نية القرض، ومن أرباب الصنائع ~~كالأطباء والشهود . وفيها توفي الفقيه بهاء الدين علي بن هبة الله بن سلامة ~~الجميزي، كان إماما فاضلا عارفا بمذهب الشافعي دينا، وكان يخالط الملوك. ~~ولما حج قبل هدية صاحب اليمن فأعرض عنه الملك الصالح نجم الدين أيوب لذلك. ~~وكانت وفاته في ذي الحجة بمصر، ودفن بالقرافة. PageV02P0251 # الذين ذكر ms1424 الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الإمام عبد ~~الظاهر بن نشوان السعدي المقرئ النحوي الضرير في جمادى الأولى. وأبو نصر ~~عبد العزيز بن يحيى بن الزبيدي، وله تسع وثمانون سنة. والإمام أبو المظفر ~~محمد بن مقبل بن فتيان النهرواني بن المني في جمادى الآخرة. وأبو نصر الأعز ~~بن فضائل ببغداد في رجب. والأمير الصاحب جمال الدين يحيى بن عيسى المصري بن ~~مطروح الأديب. وأبو القاسم عيسى بن أبي الحرم مكي بن حسين العامري المصري ~~المقرئ في شوال. والإمام أبو محمد عبد الخالق بن الأنجب بن المعمر النشتبري ~~بماردين في ذي الحجة، وله تسعون سنة وأسبوعان. والفقيه عبيد الله بن عاصم ~~خطيب رندة ، وله سبع وثمانون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من ولاية الملك المعز أيبك التركماني # وهي سنة خمسين وستمائة. فيها وصلت التتار إلى الجزيرة ونهبوا ديار بكر ~~وميافارقين، وجاؤوا إلى رأس عين وسروج وغيرها، وقتلوا زيادة على عشرة آلاف ~~إنسان، وصادفوا قافلة خرجت من حران تقصد بغداد، فأخذوا منها أموالا عظيمة: ~~منها ستمائة حمل سكر مصري وستمائة ألف دينار، قاله أبو المظفر في مرآة ~~الزمان، قال: وقتلوا الشيوخ والعجائز وساقوا من النساء والصبيان ما أرادوا، ~~ثم رجعوا إلى خلاط. وقطع أهل الشرق الفرات وخاض الناس في القتلى من دنيسر ~~إلى الفرات. قال بعض التجار: عددت على جسر بين حران ورأس عين في مكان واحد ~~ثلاثمائة وثمانين قتيلا من المسلمين، ثم قتل ملك التتار كشلوخان . وفيها حج ~~بالناس من بغداد بعد أن كان بطل الحج منذ عشر سنين من سنة مات الخليفة ~~المستنصر. وفيها قدم الشيخ نجم الدين البادراني رسولا من الخليفة وأصلح بين ~~المعز أيبك صاحب الترجمة وبين الناصر يوسف، وقد تقدم ذلك، وكان كل واحد من ~~الطائفتين قد سئم وضرس من الحرب، وسكنت الفتنة بين الملوك واستراح الناس. ~~وفيها توفي العلامة رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمد ms1425 بن الحسن بن حيدر ~~بن علي القرشي العدوي العمري الصاغاني الأصل الهندي اللاهوري المولد ~~البغدادي الوفاة المحدث الفقيه الحنفي اللغوي الإمام صاحب التصانيف، ولد ~~بمنية لاهور في عاشر صفر سنة سبع وسبعين وخمسمائة ونشأ بغزنة، ودخل بغداد ~~فسمع الكثير في عدة بلاد ورحل. وكان إليه المنتهى في علم العربية واللغة، ~~وصنف كتاب مجمع البحرين في اللغة، اثنا عشر مجلدا، وكتاب العباب الزاخر في ~~اللغة أيضا عشرون مجلدا، وأشياء غير ذلك. قال الحافظ الدمياطي: وكان شيخا ~~صدوقا صالحا صموتا عن فضول الكلام إماما في اللغة والفقه والحديث، قرأت ~~عليه يوم الأربعاء وتوفي ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان، وحضرت دفنه بداره ~~بالحريم الطاهري ببغداد. ثم ترجمه الدمياطي ترجمة طويلة وأثنى على علمه ~~وفضله ودينه. وفيها توفي الشيخ شمس الدين محمد بن سعد بن عبد الله بن سعد ~~بن مفلح بن هبة الله الكاتب المقدسي نشأ بقاسيون على الخير والصلاح وقرأ ~~النحو والعربية وسمع الحديث الكثير، وبرع في الأدب. وكان دينا حسن الخط ~~وكتب للملك الصالح إسماعيل وللملك الناصر داود. ومن شعره: الوافر لنا بقدوم ~~طلعتك الهناء ... وللأعداء ويحهم الفناء قدمت فكنت شبه الغيث وافى ... ~~بلادا قد أحل بها الظماء قلت: ويعجبني في هذا المعنى قول القائل ولم أدر ~~لمن هو: الطويل قدومك أشهى من زلال على ظما ... وأحسن من نيل المنى في ~~المآرب حكى الغيث وافى الأرض من بعد جدبها ... وأطلع فيها النبت من كل جانب ~~وفيها توفي الأمير الصاحب جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عيسى بن إبراهيم ~~بن الحسين بن علي بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين بن مطروح. كان أصله من صعيد ~~مصر، وولد به ونشأ هناك، ثم قدم القاهرة واشتغل وبرع في الأدب والكتابة ~~واتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب. قال أبو المظفر: كان فاضلا كيسا ~~شاعرا. ومن شعره لما فتح الناصر داود برج داود بالقدس، قال: السريع المسجد ~~الأقص له عادة ... سارت وصارت مثلا سائرا إذا غدا للكفر مستوطنا ... أن ~~يبعث الله له ناصرا PageV02P0252 # فناصر طهره ms1426 أولا ... وناصر طهره آخرا قال: وتوفي في شعبان ودفن بسارية ~~بالقرافة وكانت له أخبار عظيمة، وكان قد دخل بين الخوارزمية والصالح أيوب، ~~واستنابه أيوب بالشام ولبس ثياب الجند وما كانت تليق به. ثم غضب عليه ~~الصالح وأعرض عنه إلى أن مات، فأقام خاملا إلى أن مات. وقد كان جوادا ذا ~~مروءة متعصبا سمحا حليما حسن الظن بالفقراء عارفا فاضلا. انتهى كلام أبي ~~المظفر. قلت: وديوان شعره مشهور. ومن شعره القصيدة المشهورة: الكامل هي ~~رامة فخذوا يمين الوادي ... وذروا السيوف تقر في الأغماد وحذار من لحظات ~~أعين عينها ... فلكم صرعن بها من الاساد من كان منكم واثقا بفؤاده ... ~~فهناك ما أنا واثق بفؤادي يا صاحبي ولي بجرعاء الحمى ... قلب أسير ما له من ~~فادي سلبته مني يوم بانوا مقلة ... مكحولة أجفانها بسواد وبحي من أنا في ~~هواه ميت ... عين على العشاق بالمرصاد وأغن مسكي اللمى معسوله ... لولا ~~الرقيب بلغت منه مرادي كيف السبيل إلى وصال محجب ... ما بين بيض ظبا وسمر ~~صعاد في بيت شعر نازل من شعره ... فالحسن منه عاكف في بادي حرسوا مهفهف قده ~~بمثقف ... فتشابه المياس بالمياد قالت لنا ألف العذار بخده ... في ميم ~~مبسمه شفاء الصادي وهي أطول من ذلك اختصرتها خوف الإطالة. ويعجبني قصيدة ~~الجزار في مدح ابن مطروح هذا. أذكر غزلها: الرمل هو ذا الربع ولي نفش مشوقه ~~... فاحبس الركب عسى أقضي حقوقه فقبيح بي في شرع الهوى ... بعد ذاك البر أن ~~أرضى عقوقه لست أنسى فيه ليلات مضت ... مع من أهوى وساعات أنيقه ولئن أضحى ~~مجازا بعدهم ... فغرامي فيه ما زال حقيقه يا صديقي والكريم الحر في ... مثل ~~هذا الوقت لا ينسى صديقه ضع يدا منك على قلبي عسى ... أن تهدي بين جنبي ~~خفوقه فاض دمعي مذ رأى ربع الهوى ... ولكم فاض وقد شام بروقه نفد اللؤلؤ من ~~أدمعه ... فغدا ينثر في الترب عقيقه قف معي واستوقف الركب فإن ... لم يقف ~~فاتركه يمضي وطريقه فهي أرض قلما يلحقها ... آمل والركب لم أعدم لحوقه ~~طالما ms1427 استجليت في أرجائها ... من يتيه البدر إذ يدعى شقيقه يفضح الورد ~~احمرارا خده ... وتود الخمر لو تشبه ريقه فبه الحسن خليق لم يزل ... ~~والمعالي بابن مطروح خليقه وله بيتان ضمنهما بيت المتنبي الذي هو أول ~~قصيدته، وهو: الطويل تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى ~~السوابق فقال ابن مطروح مضمنا: الطويل، إذا ما سقاني ريقه وهو باسم ... ~~تذكرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني من قده ومدامعي ... مجر عوالينا ومجرى ~~السوابق الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو ~~البركات هبة الله بن محمد بن الحسين المعروف بابن الواعظ المقدسي ثم ~~الإسكندراني عن إحدى وثمانين سنة. وأبو القاسم يحيى بن أبي السعود نصر بن ~~قميرة التاجر في جمادى الأولى، وله خمس وثمانون سنة. والعلامة أبو الفضائل ~~الحسن بن محمد بن الحسن العدوي العمري الصغاني النحوي اللغوي. والأديب شمس ~~الدين محمد بن سعد بن عبد الله المقدسي الكاتب في شوال. والمسند رشيد الدين ~~أحمد بن المفرج بن علي بن عبد العزيز بن مسلمة العدل في ذي القعدة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة ~~ثماني عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من ولاية الملك المعز أيبك # الصالحي النجمي التركماني على مصر وهي سنة إحدى وخمسين وستمائة. فيها ~~كانت الوقفة الجمعة. PageV02P0253 # وفيها عظم بمصر أمر الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار ورشح للسلطنة، وكان ~~من حزبه من خشداشيته بيبرس البندقداري، وبلبان الرشيدي، وسنقر الرومي، ~~وسنقر الأشقر. وصار الملك المعز في خوف. وقد تقدم ذكر هذه الحكاية في ترجمة ~~المعز. وفيها كان الغلاء بمكة المشرفة، وأبيع فيها الشربة الماء بدرهم، ~~والشاة بأربعين درهما. وفيها توفي الشيخ الإمام سعد الدين محمد بن المؤيد ~~بن حمويه ابن عم شيخ الشيوخ صدر الدين. مات بخراسان، وكان زاهدا عابدا دينا ~~متكلما في الحقيقة، وله مجاهدات ورياضات، وقدم الشام وحج وسكن بدمشق، ثم ~~عاد إلى الشرق بعد أن افتقر بالشام، واجتمع بملك التتار فأحسن به الظن ~~وأعطاه مالا ms1428 كثيرا، وأسلم على يده خلق كثير من التتار، وبنى هناك خانقاه ~~وتربة إلى جانبها، وأقام يتعبد، وكان له قبول عظيم هناك - رحمه الله تعالى ~~- . الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو البقاء ~~صالح بن شجاع بن محمد بن سيدهم المدلجي الخياط في المحرم. وسبط السلفي أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن أبي الحرم مكي بن عبد الرحمن الطرابلسي الإسكندراني ~~في شوال عن إحدى وثمانين سنة. وأبو محمد عبد القادر بن حسين البندنيجي ~~البواب آخر من روى عن عبد الحق اليوسفي. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من ولاية الملك المعز أيبك # الصالحي النجمي التركماني على مصر وهي سنة اثنتين وخمسين وستمائة. فيها ~~وصلت الأخبار من مكة بأن نارا ظهرت في أرض عدن في بعض جبالها، بحيث يطير ~~شررها إلى البحر في الليل، ويصعد منها دخان عظيم في النهار، فما شكوا أنها ~~النار التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تظهر في آخر الزمان. فتاب ~~الناس وأقلعوا عما كانوا عليه من المظالم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير ~~والصدقات. قلت: وقد تقدم ذكر هذه النار بأوسع من هذا في ترجمة الملك المعز ~~هذا. وفيها وصلت الأخبار من الغرب باستيلاء إنسان على إفريقية وادعى أنه ~~خليفة، وتلقب بالمستنصر، وخطب له في تلك النواحي، وأظهر العدل وبنى برجا ~~وأجلس الوزير والقاضي والمحتسب بين يديه يحكمون بين الناس، وأحبته الرعية ~~وتم أمره. وفيها توفي الإمام عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي. كان إماما ~~فاضلا في فنون، وصحب الفخر الرازي خطيب الري، وأقام عند الملك الناصر داود ~~سنين كثيرة بدمشق والكرك، وكان متواضعا كبير القدر كثير الإحسان. مات بدمشق ~~ودفن بقاسيون في تربة المعظم عيسى. وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة مجد ~~الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني الحنبلي جد ~~الشيخ تقي الدين ابن تيمية. ولد في حدود سنة تسعين وخمسمائة وتفقه في ms1429 صغره ~~على عمه الخطيب فخر الدين، وسمع الكثير ورحل البلاد وبرع في الحديث والفقه ~~وغيره، ودرس وأفتى وانتفع به الطلبة، ومات يوم الفطر بحران. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي السديد أبو محمد مكي بن ~~المسلم بن علان القيسي في صفر، وله تسع وثمانون سنة. والرشيد إسماعيل بن ~~أحمد بن الحسين العراقي الحنبلي عن نيف وثمانين سنة في جمادى الأولى. ~~والمفتي كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة النصيبي بحلب عن سبعين سنة. وأبو ~~البقاء محمد بن علي بن بقاء بن السباك. والعلامة مجد الدين أبو البركات عبد ~~السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية بحران يوم الفطر عن اثنتين ~~وستين سنة. وأبو الغيث فرج ابن عبد الله الحبشي فتى أبي جعفر القرطبي في ~~شوال. والإمام شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي بدمشق. وأبو ~~العزائم عيسى بن سلامة بن سالم الخياط بحران في أواخر السنة، وله مائة ~~وسنة. والفارس أقطاي مقدم البحرية، قتله المعز بمصر. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من ولاية الملك المعز أيبك # الصالحي النجمي التركماني على مصر. وهي سنة ثلاث وخمسين وستمائة. ~~PageV02P0254 # فيها عزمت المماليك العزيزية على القبض على الملك المعز وكاتبوا الملك ~~الناصر فلم يوافقهم أيدغدي العزيزي، واستشعر الملك المعز منهم بذلك وعلم ~~الخبر، وعلموا هم أيضا فهربوا على حمية، وكبيرهم آقوش البرنلي، ولم يهرب ~~أيدغدي وأقام بمخيمه، فجاء الملك المعز راكبا إلى قرب خيمته فخرج إليه ~~أيدغدي فأمر المعز بحمله، وقبض أيضا على الأمير الأتابكي ونهبت خيام ~~العزيزية وكانوا بالعباسة. والأعيان الذين هربوا هم بلبان الرشيدي، وعز ~~الدين أزدمر، وبيبرس البندقداري، وسنقر الأشقر، وسيف الدين قلاوون الألفي، ~~وبدر الدين بيسري، وسنقر الرومي، وبلبان المستنصري. وفيها عاد الملك الناصر ~~داود من الأنبار إلى دمشق بعد أن حبسه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بقلعة ~~حمص ثلاث سنين وبعث به إلى بغداد، ثم عاد ms1430 إلى دمشق وأقام بها، ثم عاد في ~~سنة ثلاث وخمسين إلى العراق، وحج وأقام بالحلة، وكان قد جرى بين الحج ~~العراقي وأصحاب أمير مكة فتنة، فأصلح بينهم. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال: وفيها توفي المفتي ضياء الدين صقر بن يحيى بن سالم الحلبي ~~في صفر عن نيف وتسعين سنة. والمحدث شهاب الدين أبو العرب إسماعيل بن حامد ~~الأنصاري القوصي في شهر ربيع الأول عن ثمانين سنة. والنور محمد بن أبي بكر ~~بن خلف البلخي ثم الدمشقي في شهر ربيع الأخر، وقد رأى السلفي. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة السابعة من ولاية الملك المعز أيبك # الصالحي النجمي التركماني وهي سنة أربع وخمسين وستمائة. فيها فتح الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف مدرسته التي أنشأها بدمشق بباب الفراديس. وفيها ~~غرقت بغداد الغرق العظيم الذي لم يعهد مثله بحيث انتقل الخليفة، ودخل الماء ~~إلى دار الوزير وغرقت خزائن الخليفة، وجرى شيء لم يجر مثله، وكان ذلك في ~~شهر ربيع الآخر وجمادى الأولى. وفيها توفي الشيخ الزاهد العابد الورع ~~المجاهد عماد الدين عبد الله بن أبي المجد الحسن بن الحسين بن علي الأنصاري ~~ابن النحاس، خدم في مبادئ أمره الملوك، وولى الوزارة لبعضهم، ثم انقطع في ~~آخر عمره بقاسيون بزاويته، فأقام بها ثلاثين سنة صائما قائما مشغولا بالله ~~تعالى ويقضي حوائج الناس بنفسه وماله، ودفن بقاسيون، وكان له مشهد هائل. ~~وفيها كان ظهور النار العظيمة بالمدينة الشريفة وهي غير التي ذكرناها في ~~السنة الماضية، وهذه النار التي تقدم ذكرها في ترجمة الملك المعز هذا. ~~وفيها احترق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، وهذا غير ~~النار التي ظهرت بنواحي المدينة، فإن هذا الحريق له سبب، ابتدأ من زاوية ~~الحرم النبوي الغربية من الشمال، فعلقت في آلات الحرم ثم دبت في السقوف، ~~فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقع بعض أساطينه، وكان ms1431 ذلك ~~قبل أن ينام الناس، واحترق أيضا سقف الحجرة. وأصبح الناس في يوم الجمعة ~~فعزلوا موضعا للصلاة. ونظم في حريق المسجد غير واحد من الشعراء، فقال معين ~~الدين بن تولو المغربي: الكامل، قل للروافض بالمدينة ما لكم ... يقتادكم ~~للذم كل سفيه ما أصبح الحرم الشريف محرقا ... إلا لسبكم الصحابة فيه وقال ~~غيره: الكامل، لم يحترق حرم النبي لحادث ... يخشى عليه ولا دهاه العار ~~لكنها أيدي الروافض لامست ... ذاك الجناب فطهرته النار قال: وعد ما وقع من ~~تلك النار الخارجة وحريق المسجد من جملة الآيات. وقال أبو شامة: في ليلة ~~السادس عشر من جمادى الآخرة خسف القمر أول الليل، وكان شديد الحمرة ثم ~~انجلى، وكسفت الشمس في غده، احمرت وقت طلوعها وقريب غروبها، واتضح بذلك ما ~~صوره الإمام الشافعي من اجتماع الخسوف والكسوف، واستبعده أهل النجامة. ~~وفيها تواترت الأخبار بوصول هولاكو إلى أذربيجان قاصدا بلاد الشام، فتصالح ~~العسكر المصري والشامي على قتاله وتهيأ كل منهم للقاء التتار. وفيها توفي ~~الأمير مجاهد الدين إبراهيم بن أدنبا الصوابي نائب دمشق، وليها بعد حسام ~~الدين بن أبي علي، وكان في أول أمره أمير جاندار الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب، وكان أميرا كبيرا عاقلا فاضلا شاعرا. ومن شعره - رحمه الله تعالى - : ~~مخلع البسيط PageV02P0255 # أشبهك الغصن في خصال ... القد واللين والتثني لكن تجنيك، ما حكاه ... ~~الغصن يجنى وأنت تجني وفيها توفي الإمام العلامة عبد العظيم بن عبد الواحد ~~بن ظافر بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن الحسن زكي الدين أبو محمد البغداي ~~ثم المصري المعروف بابن أبي الإصبع. كان أحد الشعراء المجيدين، وهو صاحب ~~التصانيف المفيدة في الأدب وغيره. ومولده في سنة خمس وقيل سنة تسع وثمانين ~~وخمسمائة بمصر وتوفي بها. ومن شعره في نوع التصدير وسماه الأوائل رد العجز ~~على الصدر على خلاف وقع في ذلك: مخلع البسيط، اصبر على خلق من تصاحبه ... ~~واصحب صبورا على أذى خلقك وذكر أيضا في نوع المدح في معرض الذم أبياتا ~~يعارض بها القاضي السعيد ابن سناء ms1432 الملك في قواد. فقال هو فيمن ادعى الفقه ~~والكرم: السريع، إن فلانا أكرم الناس لا ... يمنع ذا الحاجة من فلسه وهو ~~فقيه ذو اجتهاد وقد ... نص على التقليد في درسه فيحسن البحث على وجهه ... ~~ويوجب الدخل على نفسه وأما قول ابن سناء الملك في قواد: السريع، لي صاحب ~~أفديه من صاحب ... حلو التأتي حسن الاحتيال لو شاء من رقة ألفاظه ... ألف ~~ما بين الهدى والضلال يكفيك منه أنه ربما ... قاد إلى المهجور طيف الخيال ~~قلت: ويعجبني قول من قال في هذا المعنى - أعني في قواد - : الوافر، إذا ما ~~كان من تهواه غصنا ... وأقسم لا يرق لمن يهيم فدونك والنسيم له رسول ... ~~فإن الغصن يعطفه النسيم وأحسن من هذا قول من قال: الكامل، لي صاحب ما زلت ~~أشكر فعله ... قد عمني بلطائف الإحسان لو لم يكن مثل النسيم لطافة ... ما ~~كان يعطف لي غصون البان وفيها توفي الشيخ الإمام الفقيه الواعظ المؤرخ ~~العلامة شمس اللين أبو المظفر يوسف بن قزأغلي بن عبد الله البغدادي ثم ~~الدمشقي الحنفي سبط الحافظ أبي الفرج بن الجوزي. كان والده حسام الدين ~~قزأوغلي من مماليك الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة وكان عنده بمنزلة الولد، ~~رباه وأعتقه وأدبه. ومولد الشيخ شمس الدين هذا في سنة اثنتين وثمانين ~~وخمسمائة ببغداد، وبها نشأ تحت كنف جده لأمه الحافظ أبي الفرج بن الجوزي ~~إلى أن مات في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، واشتغل وبرع في عدة علوم، ووعظ ~~ببغداد وغيرها، وقدم دمشق واستوطنها، ونالته السعادة والوجاهة عند الملوك، ~~لا سيما الملك المعظم عيسى، فإنه كان عنده بالمنزلة العظمى، ورحل البلاد ~~وسمع الحديث وجلس للوعظ في الأقطار، وكان له لسان حلو في الوعظ والتذكار، ~~ولكلامه موقع في القلوب، وعليه قابلية من الخاص والعام، وله مصنفات مفيدة: ~~تاريخه المسمى مرآة الزمان وهو من أجل الكتب في معناها. ونقلت منه في هذا ~~الكتاب معظم حوادثه. وكانت وفاته في ذي الحجة. رحمه الله تعالى. وقد ~~استوعبنا ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي ms1433 بأوسع من ~~هذا إذ هو كتاب تراجم وليس للإطناب في ذكره هنا محل، كون أننا شرطنا في هذا ~~الكتاب ألا نطنب إلا في تراجم ملوك مصر الذين تأليف هذا الكتاب بصددهم، وما ~~عداهم يكون على سبيل الاختصار في ضمن الحوادث المتعلقة بالمترجم من ملوك ~~مصر. انتهى. وفيها توفي الأمير سيف الدين أبو الحسن يوسف بن أبي الفوارس بن ~~موسك القيمري واقف المارستان بجبل الصالحية، كان أكبر الأمراء في آخر عمره ~~وأعظمهم مكانة، وجميع أمراء الأكراد القيمرية وغيرهم كانوا يتأدبون ويقفون ~~في خدمته إلى أن مات في شعبان، وهو أجل الأمراء مرتبة. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي العماد أبو بكر عبد الله بن أبي ~~المجد الحسن بن الحسين الأنصاري ابن النحاس الأصم في المحرم، وله اثنتان ~~وثمانون سنة. والإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن وثيق ~~الإشبيلي المقرئ بالإسكندرية، وله سبع وثمانون سنة، توفي في شهر ربيع ~~الآخر. والقاضي أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام بن المقدسية السفاقسي، ~~آخر من حضر على السلفي في جمادى الأولى. والمفتي شمس الدين عبد الرحمن بن ~~نوح المقدسي. والواعظ شمس الدين يوسف بن قزأوغلي سبط ابن الجوزي في ذي ~~الحجة. PageV02P0256 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### | AUT سلطنة المنصور علي بن إيبك التركماني # السلطان الملك المنصور نور الدين علي ابن السلطان الملك المعز عز الدين ~~أيبك التركماني الصالحي النجمي ملك الديار المصرية بعد قتل أبيه المعز أيبك ~~في يوم الخميس خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة، وتم أمره ~~وخطب له من الغد في يوم الجمعة سادس عشرينه على منابر مصر وأعمالها. ~~والمنصور هذا هو الثاني من ملوك مصر من الترك بالديار المصرية. وتسلطن ~~المنصور هذا وعمره خمس عشرة سنة، وركب في يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر ~~بشعار السلطنة من القلعة إلى قبة النصر في موكب هائل، ثم عاد ms1434 ودخل القاهرة ~~من باب النصر، وترجل الأمراء ومشوا بين يديه ما خلا الأتابك علم الدين سنجر ~~الحلبي. ثم صعد المنصور إلى القلعة وجلس بدار السلطنة ومد السماط للأمراء ~~فأكلوا، ووزر له وزير أبيه شرف الدين الفائزي وانفض الموكب. وفي يوم الجمعة ~~ثالث شهر ربيع الآخر خطب للملك المنصور وبعده لأتابكه علم الدين سنجر ~~الحلبي المذكور. وفوض القضاء بالقاهرة وأعمالها إلى القاضي بدر الدين ~~السنجاري، وعزل تاج الدين ابن بنت الأعز وأبقى عليه قضاء مصر القديمة ~~وأعمالها. وفي عاشر شهر ربيع الأخر قبض الأمير قطز وسنجر الغتمي، وبهادر ~~وغيرهم من الأمراء المعزية على الأتابك سنجر الحلبي، وأنزلوه إلى الجب ~~بالقلعة، وكان القبض عليه لأمور: أحدها أنه كان طمع في السلطنة بعد قتل ~~الملك المعز أيبك لما طلبته شجرة الدر وعرضت عليه الملك، والثاني أنه بلغهم ~~أنه ندم على ترك الملك وهو في عزم الوثوب. فعاجلوه وقبضوا عليه. ولما قبض ~~عليه اضطربت خشداشيته من المماليك الصالحية النجمية وخاف كل أحد على نفسه، ~~فهرب أكثرهم إلى جهة الشام، فخرج في إثرهم جماعة من الأمراء المعزية ~~وغيرهم، وتقنطر بالأمير عز الدين أيبك الحلبي الكبير فرسه، وكذلك الأمير ~~خاص ترك الصغير فهلكا خارج القاهرة وادخلا ميتين، وكانوا ركبوا في جماعة من ~~المماليك الصالحية في قصد الشام أيضا. واتبع العسكر المهزومين إلى الشام، ~~فقبض على أكثرهم وحملوا إلى القلعة واعتقلوا بها. وقبض أيضا على الوزير شرف ~~الدين الفائزي. وفوض أمر الوزارة إلى القاضي بدر الدين يوسف السنجاري مضافا ~~إلى القضاء، وأخذ موجود الفائزي وكان له مال كثير. ثم قبض على بهاء الدين ~~علي بن حنا وزير شجرة الدر، وأخذ خطه بستين ألف دينار. ثم خلع الملك ~~المنصور على الأمير أقطاي المستعرب باستقراره أتابكا عوضا عن سنجر الحلبي. ~~ثم في شهر رجب رفعت يد القاضي بحر الدين السنجاري من الوزارة وأضيف إليه ~~قضاء مصر القديمة، فكمل له قضاء الإقليم بكماله، وولي القاضي تاج الدين ابن ~~بنت الأعز الوزارة. ثم في شعبان كثرت الأراجيف بين الناس بأن الأمراء ms1435 ~~والأجناد اتفقوا على إزالة حكم مماليك الملك المعز من الدولة، وأن الملك ~~المنصور تغير على الأمير سيف الدين قطز المعزي، واجتمع الأمراء في بيت ~~الأمير بهاء الدين بغدي الأشرفي مقدم الحلقة، وتكلموا إلى أن صلح الأمر بين ~~الملك المنصور وبين مملوك أبيه الأمير قطز. وخلع عليه وطيب قلبه، ثم وقع ~~الكلام أيضا من المعزية وغيرهم. فلما كان رابع شهر رمضان ركب الأمير بغدي ~~وبدر الدين بلغان وانضاف إليهما جماعة ووقفوا بآلة الحرب، فخرج إليهم حاشية ~~السلطان فقاتلوهم وهزموهم وقبضوا على بغدي بعد أن جرح وعلى بلغان وحملا إلى ~~القلعة، ودخلت المعزية إلى القاهرة، فقبضوا على الأمير عز الدين أيبك ~~الأسمر وأرزن الرومي وسابق الدين بوزنا الصيرفي وغيرهم من المماليك ~~الأشرفية ونهبت دورهم، فاضطربت القاهرة حتى نودي بالأمان لمن دخل في ~~الطاعة، وسكن الناس وركب السلطان الملك المنصور في خامس شهر رمضان وشق ~~القاهرة وفي خدمته الأمير قطز وباقي مماليك أبيه، ثم نزل أيضا في عيد الفطر ~~وصلى بالمصفى. وركب وعاد إلى القلعة ومد السماط. PageV02P0257 # ثم ورد كتاب الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام وحلب على الملك ~~المنصور بمفارقة البحرية والصالحية له - أعني الأمراء والمماليك الذين ~~خرجوا من القاهرة بعد القبض على علم الدين سنجر الحلبي المقدم ذكره - . ~~فلما وقف المصريون على الكتاب ظنوا أن ذلك خديعة من الملك الناصر فاحترزوا ~~لأنفسهم. ثم جهز المنصور عسكرا من المماليك والأمراء ومقدمهم الدمياطي إلى ~~الشام، فتوجهوا ونزلوا بالعباسة، فوردت الأخبار على السلطان الملك المنصور ~~بأن عساكر الملك الناصر وصلت إلى نابلس لقتال البحرية الذين قدموا عليه من ~~مصر ثم فارقوه، وكان البحرية نازلين بغزة، ثم وردت الأخبار بأن البحرية، ~~وكان مقدم البحرية بلبان الرشيدي وبيبرس البندقداري، خرجوا من غزة وكبسوا ~~عسكر الملك الناصر وقتلوا منهم جماعة كثيرة ليلا. ثم ورد الخبر ثانيا بأن ~~عسكر الملك الناصر كسروا البحرية وأن البحرية انحازوا إلى ناحية زغر من ~~الغور. ثم ورد الخبر أيضا بمجيء البحرية إلى جهة القاهرة طائعين للسلطنة، ~~فقدم منهم الأمير عز الدين ms1436 أيبك الأفرم ومعه جماعة، فتلقوا بالإكرام، وأفرج ~~عن أملاك الأفرم وأرزاقه ونزل بداره بمصر. ثم بلغ السلطان أن البحرية - ~~أعني الذي بقي منهم - رحلوا من زغر طالبين بعض الجهات، فاتضح من أمرهم أنهم ~~خرجوا من دمشق على حمية وأنهم قصدوا القدس الشريف، ومقطع القدس يوم ذاك سيف ~~الدين كبك من جهة الملك الناصر يوسف صاحب الشام وحلب، فطلبوا منه البحرية ~~أن يكون معهم فامتنع فاعتقلوه، وخطبوا بالقدس للملك المغيث بن العادل بن ~~الكامل بن العادل بن أيوب. ثم جاؤوا إلى غزة وقبضوا على واليها - أعني ~~نائبها - وأخذوا حواصل الملك الناصر من غزة. والقدس وغيرهما. ثم إنهم ~~أطمعوا الملك المغيث صاحب الكرك في ملك مصر، وقالوا له: هذا ملك أبيك وجدك ~~وعمك، ثم عزموا على قصد الديار المصرية، فجاء الخبر إلى مصر بذلك فخرج ~~إليهم العسكر المصري، واجتمعوا بالصالحية وأقاموا بها فلما كان سحر ليلة ~~السبت منتصف في القعدة وصلت البحرية بمن معهم من عسكر الملك المغيث، ووقعت ~~الحرب بين الفريقين واشتد القتال بينهم وجرح جماعة، والمصريون مع ذلك ~~يزدادون كثرة وطلعت الشمس، فرأت البحرية كثرة المصريين فانهزموا وأسر منهم ~~بلبان الرشيدي وبه جراحات وهو من كبار القوم، وهرب بيبرس البندقداري وبدر ~~الصوابي إلى الكرك، وبعض البحرية دخل في العسكر المصري، ودخل العسكر المصري ~~القاهرة، وزين البلد لهذا النصر وفرح الملك المنصور والأمير قطز بذلك. وأما ~~البحرية فإنهم توجهوا إلى الملك المغيث صاحب الكرك وحسنوا له أن يركب ويجيء ~~معهم لأخذ مصر فأصغى لهم وتجهز وخرج بعساكره من الكرك في أول سنة ست وخمسين ~~وستمائة، وسار حتى قدم غزة، وأمر البحرية راجع إلى بيبرس البندقداري. فلما ~~بلغ ذلك المصريين خرج الأمير سيف الدين قطز بعساكر مصر ونزل بالعباسة. فلما ~~تكامل عسكره سار منه قاصدا الشاميين. وخرج الملك المغيث من غزة إلى الرمل ~~فالتقى بالعسكر المصري وتقاتلا قتالا شديدا في يوم الثلاثاء الحادي ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر، فانكسر الملك المغيث بمن معه من البحرية، وقبض ~~على جماعة كثيرة من المماليك البحرية ms1437 الصالحية، وهم: الأمير عز الدين أيبك ~~الرومي وعز الدين أيبك الحموي وركن الدين الصيرفي وابن أطلس خان الخوارزمي ~~وجماعة كثيرة، فاحضروا بين يدي الأمير سيف الدين قطز والأمير الغتمي ~~والأمير بهادر المعزية فأمروا بضرب أعناقهم فضربت، وحملت رؤوسهم إلى ~~القاهرة وعلقت بباب زويلة، ثم أنزلت من يومها لما أنكر قتلهم على المعزية ~~بعض أمراء مصر واستشنع ذلك. وأما الملك المغيث فإنه هرب هو والطواشي بدر ~~الصوابي وبيبرس البندقداري ومن معهم، ووصلوا إلى الكرك في أسوأ حال بعد أن ~~نهب ما كان معهم من الثقل والخيام والسلاح وغير ذلك وأقاموا بالكرك، وبينما ~~هم في ذلك أرسل الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام جيشا مقدمه الأمير ~~مجير الدين إبراهيم بن أبي بكرم بن أبي زكري والأمير نور الدين علي بن ~~الشجاع الأكتع في طلب البحرية، وخرجت البحرية لما بلغهم ذلك إلى غزة، ~~والتقوا مع العسكر الشامي وتقاتلوا فانكسر العسكر الشامي، وقبض على مجير ~~الدين ونور الدين وحملوهما البحرية إلى الكرك، وقوي أمر البحرية بهذه ~~الكسرة واشتدوا. PageV02P0258 # وأما الملك الناصر لما بلغه كسر عسكره تجهز وخرج بنفسه لقتال البحرية، ~~وضرب دهليزه قبلي دمشق. فلما بلغ البحرية ذلك توجهوا نحو دمشق وضربوا أطراف ~~عساكر الملك الناصر، وخف بيبرس البندقداري حتى إنه أتى في بعض الأيام وقطع ~~أطناب خيمة الملك الناصر المضروبة، وذلك قبل خروج الناصر من دمشق. وبينما ~~الناس في ذلك ورد الخبر بأخذ التتار لبغداد وقتل هولاكو الخليفة المستعصم ~~بالله وإخراب بغداد. ### || AUT سقوط بغداد بأيدي المغول # قلت: نذكر سبب أخذ هولاكو لبغداد ثم نعود إلى أمر المصريين والشاميين ~~والبحرية. فأما أمر هولاكو فإنه هولاكو، وقيل: هولاو بن تولي خان بن ~~جنكزخان المغلي. ولي الملك بعد موت أبيه تولي قان، واتسعت ممالكه وعظم أمره ~~وكثرت جيوشه من المغل والتتار، ولا زال أمره في زيادة حتى ملك مدينة ألموت ~~وقتل متوليها شمس الشموس وأخذ بلاده، ثم أخذ الروم وأبقى بها ركن الدين ~~كيقباد بن غياث الدين كيخسرو صورة بلا معنى والحكم والتصرف لغيره. ms1438 وكان ~~وزير الخليفة المستعصم بالله مؤيد الدين بن العلقمي ببغداد، وكان رافضيا ~~خبيثا حريصا على زوال الدولة العباسية ونقل الخلافة إلى العلويين، يدبر ذلك ~~في الباطن ويظهر للخليفة المستعصم خلاف ذلك، ولا زال يثير الفتن بين أهل ~~السنة والرافضة حتى تجالدوا بالسيوف، وقتل جماعة من الرافضة ونهبوا، فاشتكى ~~أهل باب البصرة إلى الأمير مجاهد الدين الدوادار وللأمير أبي بكر ابن ~~الخليفة فتقدما إلى الجند بنهب الكرخ فركبوا من وقتهم وهجموا على الرافضة ~~بالكرخ وقتلوا منهم جماعة وارتكبوا معهم العظائم فخنق الوزير ابن العلقمي ~~ونوى الشر في الباطن وأمر أهل الكرخ الرافضة بالصبر والكف عن القتال، وقال ~~لهم: أنا أكفيكم فيهم. وكان الخليفة المستنصر بالله قد استكثر من الجند قبل ~~موته حتى بلغ عدد عسكره مائة ألف. وكان الوزير ابن العلقمي مع ذلك يصانع ~~التتار في الباطن ويكاتبهم ويهاديهم، فلما استخلف المستعصم بعد موت أبيه ~~المستنصر، وكان المستعصم خليا من الرأي والتدبير، فأشار عليه ابن العلقمي ~~المذكور بقطع أرزاق أكثر الجند، وأنه بمصانعة التتار وإكرامهم يحصل بذلك ~~المقصود، ولا حاجة لكثرة الجند ففعل الخليفة ذلك! قلت: وكلمة الشيخ مطاعة! ~~ثم إن الوزير بعد ذلك كاتب التتار وأطمعهم في البلاد سرا، وأرسل إليهم ~~غلامه وأخاه وسهل عليهم فتح العراق وأخذ بغداد، وطلب منهم أن يكون نائبهم ~~بالبلاد فوعدوه بذلك، وتأهبوا لقصد بغداد وكاتبوا لؤلؤا صاحب الموصل في ~~تهيئة الإقامات والسلاح، فكاتب لؤلؤ الخليفة سرا وحذره، ثم هيأ لهم الآلات ~~والإقامات. وكان الوزير ابن العلقمي المذكور ليس لأحد معه كلام في تدبير ~~أمر الخليفة، فصار لا يوصل مكاتبات لؤلؤ ولا غيره للخليفة، وعمى عنه ~~الأخبار والنصائح، فكان يقرؤها هو ويجيب عنها بما يختار، فنتج أمر التتار ~~بذلك غاية النتاج وأخذ أمر الخليفة والمسلمين في إدبار! وكان تاج الدين بن ~~صلايا نائب الخليفة بإربل حذر الخليفة وحرك عزمه، والخليفة لا يتحرك ولا ~~يستيقظ فلما تحقق الخليفة حركة التتار نحوه سير إليهم شرف الدين بن محيي ~~الدين بن الجوزي رسولا يعدهم بأموال عظيمة، ثم سير ms1439 مائة رجل إلى الدربند ~~يكونون فيه يطالعون الخليفة بالأخبار، فمضوا فلم يطلع لهم خبر، لأن الأكراد ~~الذين كانوا هناك دلوا التتار عليهم، فهجموا عليهم وقتلوهم أجمعين. ~~PageV02P0259 # ثم ركب هولاكو بن تولي خان بن جنكزخان في جيوشه من المغل والتتار وقصدوا ~~العراق، وكان على مقدمته الأمير بايجونوين، وفي جيشه خلق من أهل الكرخ ~~الرافضة ومن عسكر بركة خان ابن عم هولاكو، ومدد من صاحب الموصل مع ولده ~~الملك الصالح ركن الدين إسماعيل، فوصلوا قرب بغداد واقتتلوا من جهة البر ~~الغربي عن دجلة، فخرج عسكر بغداد وعليهم ركن الدين الدوادار، فالتقوا على ~~نحو مرحلتين من بغداد، فانكسر البغداديون وأخذتهم السيوف، وغرق بعضهم في ~~الماء وهرب الباقون. ثم ساق بايجونوين مقدمة هولاكو فنزل القرية مقابل دار ~~الخلافة وبينه وبينها دجلة لا غير. وقصد هولاكو بغداد من البر الشرقي، وضرب ~~سورا وخندقا على عسكره وأحاط ببغداد، فأشار الوزير ابن العلقمي على الخليفة ~~المستعصم بالله بمصانعتهم. وقال له: أخرج إليهم أنا في تقرير الصلح فخرج ~~إليهم، واجتمع بهولاكو وتوثق لنفسه ورد إلى الخليفة، وقال: إن الملك قد رغب ~~في أن يزوج بنته بابنك الأمير أبي بكر، ويبقيك على منصب الخلافة كما أبقى ~~صاحب الروم في سلطنته، ولا يطلب إلا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع ~~السلاطين السلجوقية، وينصرف هو عنك بجيوشه فتجيبه يا مولانا أمير المؤمنين ~~لهذا، فإن فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن أن تفعل بعد ذلك ما تريد والرأي أن ~~تخرج إليه، فسمع له الخليفة وخرج إليه في جمع من الأعيان من أقاربه وحواشيه ~~وغيرهم. فلما توجه إلى هولاكو لم يجتمع به هولاكو وأنزل في خيمة، ثم ركب ~~الوزير وعاد إلى بغداد بإذن هولاكو، واستدعى الفقهاء والأعيان والأماثل ~~ليحضروا عقد بنت هولاكو على ابن الخليفة، فخرجوا من بغداد إلى هولاكو، فأمر ~~هولاكو بضرب أعناقهم ثم مد الجسر ودخل بايجونوين بمن معه إلى بغداد وبذلوا ~~السيف فيها واستمر القتل والنهب والسبي في بغداد بضعة وثلاثين يوما، فلم ~~ينج منهم إلا من اختفى. ثم ms1440 أمر هولاكو بعد القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ~~ألف وكسرا. وقال الذهبي - رحمه الله - في تاريخ الإسلام: والأصح أنهم بلغوا ~~ثمانمائة ألف. ثم نودي بعد ذلك بالأمان، فظهر من كان اختفى وهم قليل من ~~كثير. وأما الوزير ابن العلقمي فلم يتم له ما أراد، وما اعتقد أن التتار ~~يبذلون السيف مطلقا في أهل السنة والرافضة معا، وراح مع الطائفتين أيضا أمم ~~لا يحصون كثرة، وذاق ابن العلقمي الهوان والذل من التتار ولم تطل أيامه بعد ~~ذلك كما سيأتي ذكره. ثم ضرب هولاكو عنق مقدم جيشه بايجونوين لأنه بلغه عنه ~~من الوزير ابن العلقمي أنه كاتب الخليفة المستعصم لما كان بالجانب الغربي. ~~وأما الخليفة فيأتي ذكره في الحوادث على عادة هذا الكتاب في محله غير أننا ~~نذكره هنا على سبيل الاستطراد. ولما تم أمر هولاكو طلب الخليفة وقتله خنقا. ~~وقيل غم في بساط، وقيل جعله هو وولده في عدلين وأمر برفسهما حتى ماتا. ثم ~~قتل الأمير مجاهد الدين الدوادار، والخادم إقبال الشرابي صاحب الرباط بحرم ~~مكة، والأستادار محيي الدين بن الجوزي وولداه وسائر الأمراء الأكابر ~~والحجاب والأعيان. وانقضت الخلافة من بغداد وزالت أيامهم من تلك البلاد، ~~وخربت بغداد الخراب العظيم، وأحرقت كتب العلم التي كانت بها من سائر العلوم ~~والفنون التي ما كانت في الدنيا، قيل: إنهم بنوا بها جسرا من الطين والماء ~~عوضا عن الآجر، وقيل غير ذلك. وكانت كسرة الخليفة يوم عاشوراء من سنة ست ~~وخمسين وستمائة المذكورة، ونزل هولاكو بظاهر بغداد في عاشر المحرم، وبقي ~~السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يوما وآخر جمعة خطب الخطيب ببغداد، كانت ~~الخطبة: الحمد لله الذي هدم بالموت مشيد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه ~~الدار، إلى أن قال: اللهم أجرنا في مصيبتنا التي لم يصب الإسلام وأهله ~~بمثلها، وإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم عمل الشعراء والعلماء قصائد في ~~مراثي بغداد وأهلها، وعمل الشيخ تقي الدين إسماعيل ابن إبراهيم، بن أبي ~~اليسر شاكر بن عبد الله التنوخي، قصيدته المشهورة، وهي: البسيط، لسائل ms1441 ~~الدمع عن بغداد أخبار ... فما وقوفك والأحباب قد ساروا يا زائرين إلى ~~الزوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديار تاج الخلافة والربع الذي ~~شرفت به ... المعالم قد عفاه إقفار PageV02P0260 # أضحى لعطف البلى في ربعه أثر ... وللدموع على الآثار آثار يا نار قلبي من ~~نار لحرب وغى ... شبت عليه ووافي الربع إعصار علا الصليب على أعلى منابرها ~~... وقام بالأمر من يحويه زنار ومنها: وكم بدور على البدرية انخسفت ... ولم ~~يعد لبدور منه إبدار وكم ذخائر أضحت وهي شائعة ... من النهاب وقد حازته ~~كفار وكم حدود أقيمت من سيوفهم ... على الرقاب وحطت فيه أوزار ناديت والسبي ~~مهتوك يجرهم ... إلى السفاح من الأعداء دعار ومنها: وهم يساقون للموت الذي ~~شهدوا ... النار يا رب من هذا ولا العار يا للرجال بأحداث تحدثنا ... بما ~~غدا فيه إعذار وإنذار من بعد أسر بني العباس كلهم ... فلا أنار لوجه الصبح ~~إسفار ما راق لي قط شيء بعد بينهم ... إلا أحاديث أرويها وآثار لم يبق ~~للدين والدنيا وقد ذهبوا ... سوق لمجد وقد بانوا وقد باروا إن القيامة في ~~بغداد قد وجدت ... وحدها حين للإقبال إدبار آل النبي وأهل العلم قد سبيوا ~~... فمن ترى بعدهم تحويه أمصار ما كنت آمل أن أبقى وقد ذهبوا ... لكن أبى ~~دون ما أختار أقدار وهي أطول من ذلك. وجملة القصيدة ستة وستون بيتا. وقال ~~غيره في فقد الخلافة من بغداد بيتا مفردا وأجاد: الكامل، خلت المنابر ~~والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام انتهى ذكر بغداد هنا، ولا بد من ~~ذكر شيء منها أيضا في الحوادث. وأما أمر البحرية فإنه لما دخلت سنة سبع ~~وخمسين وستمائة رحل الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام بعساكر في أثر ~~البحرية، فاندفعوا البحرية أمامه إلى الكرك، فسار الناصر حتى نزل بركة ~~زيزاء ليحاصر الكرك، وصحبته الملك المنصور صاحب حماة، فأرسل الملك المغيث ~~عمر بن العادل بن الكامل صاحب الكرك رسله إلى الملك الناصر يطلب الصلح، ~~وكان مع رسله الدار القطبية ابنة الملك المفضل قطب الدين بن ms1442 العادل، وهي من ~~عمات الناصر والمغيث يتضرعون إلى الناصر ويطلبون الصلح ورضاه على ابن ~~المغيث، فشرط عليه الناصر أن يقبض على من عنده من البحرية، فأجاب إلى ذلك ~~وقبض وجهزهم إلى الملك الناصر على الجمال، وهو نازل ببركة زيزاء. فحملهم ~~الملك الناصر إلى حلب واعتقلهم بقلعتها ما خلا الأمير بيبرس البندقداري، ~~فإنه لما أحس بما وقع عليه الصلح هرب من الكرك في جماعة من البحرية وأتى ~~إلى الملك الناصر صلاح الدين المذكور داخلا تحت طاعته، فأكرمه الملك الناصر ~~وأكرم رفقته إكراما زائدا، وعاد الناصر إلى دمشق وفي خدمته الأمير ركن ~~الدين بيبرس البندقداري وغيره من البحرية. PageV02P0261 # وأما المصريون فإنه لما بلغ الملك المنصور عليا والأمير قطز المعزي ما ~~وقع للبحرية فرحا فرحا زائدا، وزينت مصر أياما لذلك، وصفا الوقت للأمير ~~قطز. وبينما هو في ذلك ورد الخبر عليه بنزول هولاكو على مدينة آمد من ديار ~~بكر، وأنه في قصد البلاد الشامية، وأن هولاكو بعث رسله إلى الملك السعيد ~~نجم الدين إيلغاري صاحب ماردين يستدعيه إلى طاعته وحضرته، فسير إليه الملك ~~السعيد ولده الملك المظفر قرا أرسلان وقاضي القضاة مهذب الدين محمد بن ~~مجلي، والأمير سابق الدين بلبان وعلى أيديهم هدية، وحملهم رسالة تتضمن ~~الاعتذار عن الحضور بمرض منعه الحركة. ووافق وصولهم إلى هولاكو أخذه لقلعة ~~اليمانية وإنزاله من بها من حريم صاحب ميافارقين وأولاده وأقاربه، وهم: ~~ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف جفتاي، وولده الملك السعيد عمر وابن ~~أخيه الملك الأشرف أحمد وولده الملك المشهر ابن تاج الملوك علي ابن الملك ~~العادل، وكان ينعت بالملك الصالح نجم الدين أيوب، فأدوا الرسالة، فقال ~~هولاكو: ليس مرضه بصحيح، وإنما هو يتمارض مخافة الملك الناصر صاحب الشام، ~~فإن انتصرت عليه اعتذر لي بزيادة المرض، وإن انتصر علي كانت له اليد ~~البيضاء عنده، ثم قال: ولو كان للملك الناصر قوة يدفعني لم يمكني من دخول ~~هذه البلاد، وقد بلغني أنه بعث حريمه إلى مصر، ثم أمر برد القاضي وحده فرد ~~القاضي وأخبر الملك السعيد ms1443 بالجواب. وأما هولاكو فإنه لازال يأخذ بلدا بعد ~~أخرى إلى أن استولى على حلب والشام ، واضمحل أمر الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف صاحب الشام بعد أمور ووقائع وقعت له، وانفل عنه أصحابه. فلما وقع ذلك ~~فارقه الأمير بيبرس البندقداري وقدم إلى مصر ومعه جماعة من البحرية طائعا ~~للملك المنصور هذا فأكرمه قطز وأكرم رفقته وصاروا الجميع من عساكر مصر على ~~العادة أولا. يأتي تفصيل ذلك في ترجمة الملك المظفر قطز. إن شاء الله ~~تعالى. ولما استفحل أمر قطز بديار مصر وصار هو المشار إليه فيها لصغر ~~السلطان الملك المنصور علي، ولكثرة حواشي قطز المذكور، ثم تحقق قطز مجيء ~~التتار إلى البلاد الشامية، وعلم أنه لا بد من خروجه من الديار المصرية ~~بالعساكر للذب عن المسلمين، فرأى أنه لا يقع له ذلك، فإن الآراء مغلولة ~~لصغر السلطان ولاختلاف الكلمة، فجمع قطز كمال الدين بن العديم الحنفي وغيره ~~من الأعيان والأمراء بالديار المصرية، وعرفهم أن الملك المنصور هذا صبي لا ~~يحسن التدبير في مثل هذا الوقت الصعب، ولا بد أن يقوم بأمر الملك رجل شهم ~~يطيعه كل أحد، وينتصب للجهاد في التتار، فأجابه الجميع: ليس لها غيرك! وكان ~~قطز قبل ذلك قد قبض على الملك المنصور علي هذا وعوقه بالدور السلطانية، ~~فخلع الملك المنصور في الحال من الملك وبويع الأمير قطز ولقب بالملك المظفر ~~سيف الدين قطز، واعتقل الملك المنصور ووالدته بالدور السلطانية من قلعة ~~الجبل، وحلف قطز الناس لنفسه وتم أمره، وذلك في يوم السبت سابع عشر في ~~القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة. وكانت مدة الملك المنصور في السلطنة ~~بالديار المصرية سنتين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما، وبقي معتقلا سنين ~~كثيرة إلى أن تولى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري، فنفاه هو ~~ووالدته وأخاه ناصر الدين قاقان إلى بلاد الأشكري في ذي القعدة سنة ثمان ~~وخمسين وستمائة. قلت: والملك المظفر قطز هذا هو أول مملوك خلع ابن أستاذه ~~من الملك وتسلطن عوضه، ولم يقع ذلك قبله من أحد من الملوك. وتمت ms1444 هذه السنة ~~السيئة في حاصد إلى يوم القيامة. وبهذه الواقعة فسدت أحوال مصر. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة المنصور علي # ابن الملك المعز أيبك التركماني على مصر وهي سنة خمس وخمسين وستمائة، ~~على أن والده الملك المعز حكم فيها نحوا من ثلاثة أشهر. فيها أرسل الملك ~~الناصر يوسف صاحب الشام ولده الملك العزيز بهدية إلى هولاكو ملك التتار ~~وطاغيتهم. وفيها قتلت الملكة شجرة الدر الملك المعز أيبك، ثم قتلت هي أيضا. ~~وقد تقدم ذكر ذلك كل واحد على حدته في ترجمته من هذا الكتاب، فلا حاجة إلى ~~الإعادة. PageV02P0262 # وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الحلبي الكبير، كان من ~~أعيان المماليك الصالحية النجمية، وممن يضاهي الملك المعز أيبك التركماني ~~في موكبه، وكانت له المكانة العظمى في الدولة، كان الأمراء يعترفون له ~~بالتقدم عليهم، وكان له عدة مماليك نجباء صاروا من بعده أمراء، منهم: ركن ~~الدين إياجي الحاجب، وبدر الدين بيليك الجاشنكير، وصارم الدين أزبك الحلبي ~~وغيرهم. ولما قتل الملك المعز أيبك التركماني حدثته نفسه بالسلطنة، فلما ~~قبض قطز على الأمير سنجر الحلبي، ركب أيبك هذا ومعه الأمراء الصالحية ~~فتقنطر به فرسه فهلك خارج القاهرة وأدخل إليها ميتا، وكذلك وقع للأمير خاص ~~ترك. وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة الملك المنصور. وفيها توفي الشيخ الإمام ~~العلامة نجم الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن بن عبد الله ~~البغدادي البادرائي، ولد سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وسمع الكثير وتفقه وبرع ~~وأفتى ودرس، وترسل عن الخليفة إلى ملوك الشام ومصر غير مرة إلى هذه السنة، ~~ولي قضاء القضاة ببغداد. ومات في سلخ ذي القعدة. وفيها توفي الشيخ الأديب ~~أبو الحسن علي بن محمد بن الرضا الموسوي الحسيني الشريف المعروف بابن دفتر ~~خوان. ولد سنة تسع وثمانين بحماة، وكان فاضلا وله تصانيف وشعر جيد، من ذلك ~~قوله: الطويل، إذا لمت قلبي قال عيناك أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب ~~للقلب فعيني وقلبي قد تشاركن في دمي ... فيا رب كن عوني على ms1445 العين والقلب ~~وفيها توفيت الصاحبية غازية خاتون بنت الملك الكامل محمد ابن العادل أبي ~~بكر بن أيوب، والدة الملك المنصور صاحب حماة. كانت صالحة دينة دبرت ملك ~~ولدها المنصور بعد وفاة زوجها الملك المظفر أحسن تدبير، وهي والدة الملك ~~الأفضل نور الدين أبي الحسن علي أيضا. وكانت وفاتها في أواخر في القعدة أو ~~في ذي الحجة من السنة. وفيها توفي الشيخ الإمام العالم العلامة المقرئ أبو ~~عبد الله محمد بن أبي القاسم بن فيره بن خلف الرعيني الشاطبي الأصل المصري ~~المولد والدار الضرير راوي القصيدة المشهورة في القراءات التي لم يسبق إلى ~~مثلها التي سماها حرز الأماني ووجه التهاني. ومولده في حادي عشر في الحجة ~~سنة ست أو سبع وسبعين وخمسمائة بمصر، وتوفي بها في حادي عشر شوال ودفن من ~~يومه بسفح المقطم، ولم يخلف بعده مثله. وكان الشيخ كثيرا ما ينشد هذا اللغز ~~وهو نعش الموتى واللغز المذكور للخطيب أبي زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي، ~~وهو: الطويل، أتعرف شيئا في السماء نظيره ... إذا سار صاح الناس حين يسير ~~فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكل أمير يعتليه أسير يحض على التقوى وتكره ~~قربه ... وتنفر منه النفس وهو نذير وفيها توفي الوزير الصاحب شرف الدين هبة ~~الله بن صاعد الفائزي، كان أولا نصرانيا يلقب بالأسعد، وهو منسوب بالفائزي ~~إلى الملك الفائز إبراهيم ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، ثم أسلم وتنقل ~~في الخدم حتى ولي الوزارة. وكان عنده رياسة ومكارم وعقل وحسن تدبير، وخدم ~~عدة ملوك وكان محظوظا عندهم، وهو الذي هجاه الصاحب جمال الدين يحيى بن ~~مطروح، وقيل بهاء الدين زهير بقوله: مجزوء الخفيف، لعن الله صاعدا ... ~~وأباه فصاعدا وبنيه فنازلا ... واحدا ثم واحدا وفيها توفي أبو الحسن ~~المغربي الميورقي الشيخ نور الدين. كان من أقارب الميورقي الملك المشهور ~~ببلاد الغرب، مات بدمشق ودفن بقاسيون، وكان فاضلا أديبا شاعرا. ومن شعره من ~~أبيات: البسيط، القضب راقصة والطير صادحة ... والستر مرتفع والماء منحدر ~~وقد تجلت من اللذات أوجهها ... لكنها بظلال الدوح ms1446 تستتر فكل واد به موسى ~~يفجره ... وكل روض على حافاته الخضر قلت: وهذا يشبه قول من قال في مليح ~~حليق: الرمل، مرت الموسى على عارضه ... فكأن الماء بالآس غمر مجمع البحرين ~~أضحى خده ... إذ تلاقى فيه موسى والخضر PageV02P0263 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي المحدث أبو محمد ~~عبد الرحمن بن أبي الفهم اليلداني في شهر ربيع الأول، وله سبع وثمانون سنة. ~~والإمام شرف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل ~~السلمي المرسي في نصف شهر ربيع الأول، وله ست وثمانون سنة. والإمام نجم ~~الدين أبو محمد عبد الله بن أبي الوفاء البادرائي الشافعي في ذي القعدة ~~ببغداد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة المنصور علي # ابن الملك المعز أيبك على مصر وهي سنة ست وخمسين وستمائة. فيها استولى ~~الطاغية هولاكو على بغداد، وقتل الخليفة المستعصم بالله ومعظم أهل بغداد، ~~وقد تقدم ذلك. وفيها كان الوباء العظيم بدمشق وغيرها. وفيها توفي الأديب ~~البارع شرف الدين أبو الطيب أحمد بن محمد بن أبي الوفا الربعي الموصلي ~~المعروف بابن الحلاوي الشاعر المشهور، كان من أحسن الناس صورة وألطفهم ~~أخلاقا مع الفضيلة التامة، ورحل البلاد ومدح الخلفاء والملوك وخدم الملك ~~الرحيم بدر الدين لؤلؤا صاحب الموصل ولبس زي الجند. وشعره في نهاية الرقة ~~والجزالة، وهو صاحب القصيدة التي أولها: الطويل، حكاه من الغصن الرطيب ~~وريقه ... وما الخمر إلا وجنتاه وريقه هلال ولكن أفق قلبي محله ... غزال ~~ولكن سفح عيني عقيقه وأسمر يحكي الأسمر اللدن قده ... غدا راشقا قلب المحب ~~رشيقه على خده جمر من الحسن مضرم ... يشب ولكن في فؤادي حريقه أقر له من كل ~~حسن جليله ... ووافقه من كل معنى دقيقه بديع التثني راح قلبي أسيره ... على ~~أن دمعي في الغرام طليقه على سالفيه للعذار جريرة ... وفي شفتيه للسلاف ~~عتيقه يهدد منه الطرف من ms1447 ليس خصمه ... ويسكر منه الريق من لا يذوقه على ~~مثله يستحسن الصب هتكه ... وفي حبه يجفو الصديق صديقه من الترك لا يصبيه ~~وجد إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير تشوقه ولا حل في حي تلوح قبابه ... ~~ولا سار في ركب يساق وسوقه ولا بات صبا بالفريق وأهله ... ولكن إلى خاقان ~~يعزى فريقه له مبسم ينسي المدام بريقه ... ويخجل نوار الأقاحي بريقه تداويت ~~من حر الغرام ببرده ... فأضرم من ذاك الحريق رحيقه إذا خفق البرق اليماني ~~موهنا ... تذكرته فاعتاد قلبي خفوقه حكى وجهه بدر السماء فلو بدا ... مع ~~البدر قال الناس هذا شقيقه رآني خيالا حين وافى خياله ... فأطرق من فرط ~~الحياء طروقه فأشبهت منه الخصر سقما فقد غدا ... يحملني كالخصر ما لا أطيقه ~~فما بال قلبي كل حب يهيجه ... وحتام طرفي كل حسن يروقه فهذا ليوم البين لم ~~تطف ناره ... وهذا لبعد الدار ما جف موقه ولله قلبي ما أشد عفافه ... وإن ~~كان طرفي مستمرا فسوقه فما فاز إلا من يبيت صبوحه ... شراب ثناياه ومنها ~~غبوقه وفيها توفي الأمير بكتوت بن عبد الله سيف الدين العزيزي أستادار ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، كان من أكابر الأمراء في الدولة ~~الناصرية، وكان حسن السيرة مليح الشكل متجملا، كان موكبه يضاهي مواكب ~~الملوك. PageV02P0264 # وفيها توفي الملك الناصر أبو المظفر وقيل أبو المفاخر داود صاحب الكرك ~~ابن الملك المعظم عيسى صاحب الشام ابن الملك العادل أبي بكر صاحب مصر ابن ~~الأمير نجم الدين أيوب. مولده في جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة، ووقع له ~~أمور وحوادث ومحن تكرر ذكرها في عدة تراجم من هذا الكتاب. وكان تغلب على ~~الشام بعد موت عمه الملك الكامل محمد، وقدم مصر بعد ذلك غير مرة وتوجه إلى ~~الشرق، ووقع له أمور يطول شرحها إلى أن مات في جمادى الأولى. وكان ملكا ~~شجاعا مقداما فاضلا أديبا شاعرا، وقد تقدم من شعره عدة أبيات يستعطف بها ~~الملك الصالح نجم الدين أيوب في ترجمة الملك الصالح المذكور. ومن شعره ~~أيضا: ms1448 الطويل، لئن عاينت عيناي أعلام جلق ... وبان من القصر المشيد قبابه ~~تيقنت أن البين قد بان والنوى ... نأى شحطها والعيش عاد شبابه وفيها توفي ~~العلامة المفتن أبو الفضل، وقيل أبو العلاء، بهاء الدين زهير بن محمد بن ~~علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن المنصور بن عاصم الأزدي المكي القوصي ~~المنشأ المصري الدار، الكاتب الشاعر المشهور المعروف بالبهاء زهير صاحب ~~الديوان المشهور. مولده بوادي نخلة بقرب مكة في خامس ذي الحجة سنة إحدى ~~وثمانين وخمسمائة، وربي بصعيد مصر بقوص، وقرأ الأدب وسمع الحديث وبرع في ~~النظم والنثر والترسل، وله الشعر الرائق الفائق، وكان رئيسا فاضلا حسن ~~الأخلاق، اتصل بخدمه الملك الصالح نجم الدين أيوب في حياة أبيه الملك ~~الكامل، ودام في خدمته إلى أن توفي. وقد تقدم من ذكره في ترجمة الملك ~~الصالح نبذة جيدة. وكانت وفاة البهاء زهير هذا في يوم الأحد قبل المغرب ~~رابع ذي القعدة وقيل خامسه. ومن شعره - رحمه الله - : الطويل، ولما جفاني ~~من أحب وخانني ... حفظت له الود الذي كان ضيعا ولو شئت قابلت الصدود بمثله ~~... ولكنني أبقيت للصلح موضعا وقد كان ما قد كان بيني وبينه ... أكيدا ~~ولكني رعيت وما رعى سعى بيننا الواشي ففرق بيننا ... لك الذنب يا من خانني ~~لا لمن سعى ومن شعره أيضا قصيدته التي أولها: الطويل، رويدك قد أفنيت يا ~~بين أدمعي ... وحسبك قد أحرقت يا شوق أضلعي إلى كم أقاسي لوعة بعد لوعة ... ~~وحتى متى يا بين أنت معي معي وقالوا علمنا ما جرى منك بعدنا ... فلا ~~تظلموني ما جرى غير أدمعي وفيها توفي الإمام الحافظ الحجة أبو محمد زكي ~~الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد بن سعيد ~~المنذري الدمشقي الأصل المصري المولد والدار والوفاة. ولد سنة إحدى وثمانين ~~وخمسمائة، وسمع الكثير ورحل وكتب وصنف وخرج وأملى وحدث بالكثير، وتخرج به ~~جماعة، وهو أحد الحفاظ المشهورين. PageV02P0265 # وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله ابن ~~الخليفة المستنصر ms1449 بالله منصور ابن الخليفة الظاهر بأمر الله محمد ابن ~~الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن الخليفة المستضيء بالله أبي ~~الحسن ابن الخليفة المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ابن الخليفة المقتفي ~~بالله أبي عبد الله محمد ابن الخليفة المستظهر بالله أبي العباس أحمد ابن ~~الخليفة المقتدي بالله أبي القاسم عبد الله ابن الأمير محمد الذخيرة، وهو ~~غير خليفة، ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة القادر ~~بالله أبي العباس أحمد ابن الأمير إسحاق، وإسحاق غير خليفة، ابن الخليفة ~~المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله أبي العباس أحمد ~~ابن الأمير طلحة الموفق، وطلحة غير خليفة أيضا، ابن الخليفة المتوكل على ~~الله أبي الفضل جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد ~~بالله هارون ابن الخليفة المهدي بالله محمد ابن الخليفة أبي جعفر عبد الله ~~المنصور بن محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي البغدادي، ~~آخر خلفاء بني العباس ببغداد، وبموته انقرضت الخلافة من بغداد. ولي الخلافة ~~بعد وفاة والده المستنصر بالله في العشرين من جمادى الأولى سنة أربعين ~~وستمائة، ومات قتيلا بيد هولاكو طاغية التتار في هذه السنة. وقد تقدم كيفية ~~قتله في ترجمة الملك المنصور علي هذا، وكانت مدة خلافته خمس عشرة سنة ~~وثمانية أشهر وأياما. وتقدير عمره سبع وأربعون سنة. وكان قليل المعرفة ~~بتدبير الملك نازل الهمة مهملا للأمور المهمة محبا لجمع الأموال يقدم على ~~فعل ما يستقبح، أهمل أمر هولاكو حتى كان في ذلك هلاكه. وشغرت الخلافة بعده ~~سنين، وبقيت الدنيا بلا خليفة حتى أقام الملك الظاهر بيبرس البندقداري بعض ~~بني العباس في الخلافة. على ما يأتي ذكر ذلك في ترجمة الظاهر بيبرس ~~البندقداري إن شاء الله تعالى. وفيها توفي الأمير الأديب الشاعر سيف الدين ~~أبو الحسن علي بن عمر بن قزل المعروف بالمشد الشاعر المشهور. مولده بمصر في ~~شوال سنة اثنتين وستمائة، وتولى شد الدواوين بمصر مدة سنين، وكان من أكابر ~~الأمراء الفضلاء وهو قريب الأمير جمال ms1450 الدين بن يغمور، وله ديوان شعر مشهور ~~بأيدي الناس، وتوفي بدمشق في يوم عاشوراء. ورثاه بعض الفضلاء، فقال: ~~الكامل، عاشور يوم قد تعاظم ذنبه ... إذ حل فيه كل خطب مشكل لم يكفه قتل ~~الحسين وما جرى ... حتى تعدى بالمصاب على علي ومن شعره - رحمه الله - بيت ~~مفرد كل كلمة منه قلب نفسها وهو: مجزوء الكامل، ليل أضاء هلاله ... أنى ~~يضيء بكوكب ومن شعره أيضا، قوله: السريع، وشادن أوردني حبه ... لهيب حر ~~الشوق والفرقه أصبحت حرانا إلى ريقه ... فليت لي من قلبه الرقه وله أيضا ~~مضمنا مقتبسا: البسيط، وافى إلي وكأس الراح في يده ... فخلت من لطفه أن ~~النسيم سرى لا تدرك الراح معنى من شمائله ... والشمس لا ينبغي أن تدرك ~~القمرا وله في خود عمياء: السريع، علقتها نجلاء مثل المها ... فخان فيها ~~الزمن الغادر أذهب عينيها فإنسانها ... في ظلمة لا يهتدي حائر تجرح قلبي ~~وهي مكفوفة ... وهكذا قد يفعل الباتر ونرجس اللحظ غدا ذابلا ... واحسرتا لو ~~أنه ناظر وله في لاعب شطرنج: السريع، لعبت بالشطرنج مع شادن ... رشاقة ~~الأغصان من قده احل عقد البند من خصره ... وألثم الشامات من خده وفيها توفي ~~الشيخ الإمام الأديب الرباني جمال الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف بن يحيى بن ~~منصور بن المعمر بن عبد السلام الصرصري الضرير الشاعر المشهور. كان من ~~العلماء الفضلاء الزهاد العباد، وكان له اليد الطولى في النظم، وشعره في ~~غاية الجودة، ومدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصائد لا تدخل تحت الحصر ~~كثرة، قيل: إن مدائحه في النبي صلى الله عليه وسلم تقارب عشرين مجلدا. ومن ~~شعره من المدائح النبوية قوله: الخفيف، زار وهنا ونحن بالزوراء ... في مقام ~~خلا من الرقباء PageV02P0266 # من حبيب القلوب طيف خيال ... فجلا نوره دجى الظلماء يا لها زورة على غير ~~وعد ... بت منها في ليلة سراء نعمت عيشتي وطابت حياتي ... في دجاها يا طلعة ~~الغراء ومنها: يا هلال السرور يا قمر الأن ... س ونجم الهدى وشمس البهاء يا ~~ربيع القلوب يا قرة العي ... ن ms1451 وباب الإحسان والنعماء ومنها: أحمد حبه فخار ~~وتشري ... ف وعز باق لأهل الصفاء أحمد المصطفى السراج المنير ال ... خير ~~خاتم الأنبياء ومن شعره في عدد الخلفاء بني العباس إلى المستعصم آخر خلفاء ~~بني العباس ببغداد، قال: الطويل، لكرب بني العباس سفاحهم جلا ... وجر ~~لمنصور ومهدي الولا وهاد وهارون الرشيد تلاهما ... أمين ومأمون ومعتصم ~~الملا وواثقهم من بعده متوكل ... ومنتصر والمستعين بنو العلا وطاب بمعتز ~~جنى مهتد كما ... بمعتضد عيش لمعتمد حلا قلت: لعله ما قال إلا: ~~................... كما ... بمعتمد عيش لمعتضد حلا لأن المعتمد عم المعتضد ~~وتولى المعتضد الخلافة بعده. انتهى. ومكتفيا فاعدد ومقتدرا وقد ... تلا ~~قاهرا راض لمتقي تلا ومستكفيا ثم المطيع وطائعا ... وقادرهم والقائم اعدد ~~محصلا وبالمقتدي مستظهر ساد مثلما ... بمسترشد والراشد المقتفي علا بمستنجد ~~والمستضيء وناصر ... وظاهر والمستنصر اجل مقفلا ومستعصم لا زال بالنصر ~~قاهرا ... لأعدائه ما حنت العيس في الفلا قال الذهبي: حكى لنا شيخنا ابن ~~الذباهي - وكان خال أمه يعني الصرصري - قال: بلغنا أنه دخل عليه التتار ~~وكان ضريرا، فطعن بعكازه بطن واحد قتله، ثم قتل شهيدا بيد التتار. انتهى. ~~قلت: كل ذلك في واقعة هولاكو المقدم ذكرها. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفى الأمير سيف الدين المشد الشاعر صاحب الديوان، واسمه ~~علي بن عمر بن قزل، في المحرم. والشيخ يحيى بن يوسف بن يحيى الصرصري الزاهد ~~صاحب الديوان، استشهد ببغداد في صفر في أمم لا يحصون: منهم المستعصم بالله ~~أبو أحمد عبدا لله ابن المستنصر، وله سبع وأربعون سنة، وكانت خلافته ست ~~عشرة سنة. ومنهم أستاداره محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي. ~~ومدرس المستنصرية الإمام أبو المناقب محمود بن أحمد بن محمود الزنجاني ~~الشافعي، وله ثلاث وثمانون سنة. والمحدث شمس الدين علي بن المظفر بن القاسم ~~النشبي في شهر ربيع الأول. وأبو عمرو عثمان بن علي القرشي ابن خطيب القرافة ~~في شهر ربيع الآخر، وله أربع وثمانون سنة. وأبو العز عبد العزيز بن محمد بن ~~أحمد بن محمد ms1452 بن صديق المؤدب الحراني بدمشق. والملك الناصر أبو المظفر داود ~~ابن الملك المعظم ابن العادل في جمادى الأولى، وله ثلاث وخمسون سنة. ~~والمحدث نجيب الدين نصر الله بن أبي العز الشيباني بن شقيشقة في جمادى ~~الآخرة، وقد جاوز السبعين. وأبو الفضل عبد العزيز بن عبد الوهاب بن بنان ~~الكفرطابي في شوال، وله تسع وسبعون سنة. والأديب شرف الدين الحسين بن ~~إبراهيم الإربلي اللغوي في ذي القعدة، وله ثمان وثمانون سنة. والحافظ زكي ~~الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري في ذي القعدة، وله ست وسبعون سنة. ~~والبهاء زهير بن محمد بن علي المهلبي الكاتب الشاعر. والعارف أبو الحسن علي ~~بن عبد الله بن عبد الجبار الشاذلي الضرير بصحراء عيذاب في ذي القعدة. وأبو ~~العباس القرطبي أحمد بن عمر بن إبراهيم العدل بالإسكندرية، وله ثمان وسبعون ~~سنة. وخطيب مردا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد الحنبلي في ذي ~~الحجة. والحافظ صدر الدين أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد البكري ~~بالقاهرة في ذي الحجة، وله اثنتان وثمانون سنة. والشيخ أبو عبد الله الفاسي ~~محمد بن حسن شيخ الإقراء بحلب في شهر ربيع الآخر. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وتسع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة المنصور علي # ابن الملك المعز أيبك على مصر PageV02P0267 # وهي سنة سبع وخمسين وستمائة. فيها خلع الملك المنصور علي المذكور بمملوك ~~أبيه الملك المظفر قطز المعزي. وقد تقدم ذلك. وفيها دخل هولاكو ديار بكر ~~قاصدا حلب. يأتي ذكر ذلك كله في ترجمة الملك المظفر قطز إن شاء الله تعالى. ~~وفيها توفي الملك الرحيم أبو الفضائل بدر الدين لؤلؤ بن عبد الله الأتابكي ~~صاحب الموصل، كان من أجل الملوك، وطالت أيامه بالموصل لأنه أقام بتدبير ~~أستاذه نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن موعود بن زنكي بن آق ~~سنقر التركي. فلما توفي نور الدين قام بتدبير ولده الملك القاهر عز ms1453 الدين ~~مسعود. فلما توفي الملك القاهر سنة أربع عشرة وستمائة أقام صبيين من ولده ~~هما ابنا بنت مظفر الدين صاحب إربل ثم إنه أخنى على أولاد أستاذه فقتلهم ~~غيلة، واحدا بعد واحد، ثم بعد ذلك استبد بمملكة الموصل وأعمالها سبعا ~~وأربعين سنة. وكان كثير التجمل بالرسل والوافدين عليه، وكان له همة عالية ~~ومعرفة تامة، وكان شديد البحث عن أخبار رعاياه ما يخفى عنه من أحوالهم إلا ~~ما قل، وكان يغرم على القصاد والجواسيس في كل سنة مالا عظيما، وكان إذا عدم ~~من بلاده ما قيمته مائة درهم هان عليه أن يبذل عشرة آلاف دينار ليبلغ غرضه ~~في عوده، ولا يذهب مال رعيته. قلت: لله در هذا الملك ما أحوج الناس إلى ملك ~~مثل هذا يملك الدنيا بأسرها. وكانت وفاته بالموصل وهو في عشر التسعين سنة. ~~وفيها توفي الأديب الفاضل أبو عبد الله بهاء الدين محمد بن مكي بن محمد بن ~~الحسن القرشي الدمشقي العدل المعروف بابن الدجاجية، كان فاضلا شاعرا ~~مطبوعا. ومن شعره قوله: مخلع البسيط، كم تكتم الوجد يا معنى ... منا وما ~~يختفي اللهيب سل عرب الواديين عمن ... بانوا فما بيننا غريب الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو الحسين أحمد بن محمد بن ~~أحمد الأنصاري الإشبيلي بن السراج مسند الغرب ببجاية في صفر، وله سبع ~~وتسعون سنة، وكانت الرحلة إليه من الأقطار. وصدر الدين أسعد بن عثمان بن ~~المنجى، ودفن بمدرسته الصدرية في شهر رمضان. والمقرئ شمس الدين أبو الفتح ~~محمد بن موسى الأنصاري بدمشق في المحرم. والملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب ~~الموصل في شعبان. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### | AUT سلطنة المظفر قطز # PageV02P0268 # السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز بن عبد الله المعزي، الثالث من ملوك ~~الترك بالديار المصرية. وقطز بضم القاف والطاء المهملة وسكون الزاي، وهو ~~لفظ مغلي. تسلطن بعد خلع ابن أستاذه الملك المنصور علي ابن ms1454 الملك المعز ~~أيبك في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة، وذلك بعد أن ~~عظمت الأراجيف بتحرك التتار نحو البلاد الشامية وقطعهم الفرات وهجمهم ~~بالغارات على البلاد الحلبية، وكان وصل إليه بسبب ذلك الصاحب كمال الدين ~~عمر بن العديم رسولا من الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب والشام يطلب ~~منه النجدة على قتال التتار، فأنزله قطز بالكبش وجمع القضاة والفقهاء ~~والأعيان لمشاورتهم فيما يعتمد عليه في أمر التتار وأن يؤخذ من الناس ما ~~يستعان به على جهادهم، فحضروا في دار السلطنة بقلعة الجبل، وحضر الشيخ عز ~~الدين بن عبد السلام والقاضي بدر الدين السنجاري قاضي الديار المصرية ~~وغيرهما من العلماء. وجلس الملك المنصور علي في دست السلطنة، وأفاضوا في ~~الحديث، فكان الاعتماد على ما يقوله ابن عبد السلام، وخلاصة ما قال: إنه ~~إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من ~~الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء، ~~وتبيعوا مالكم من الحوائص المذهبة والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على ~~مركوبه وسلاحه ولتساووا هم والعامة. وأما أخذ الأموال من العامة مع بقايا ~~في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. وانفض المجلس على ذلك، ولم ~~يتكلم السلطان بكلمة في المجلس لعدم معرفته بالأمور ولصغر سنه، فلهج الناس ~~بخلع المنصور وسلطنة قطز حتى يقوم بهذا الأمر المهم. واتفق ذلك بعد أيام، ~~وقبض قطز هذا على الملك المنصور علي، واحتج لكمال الدين ابن العديم وغيره ~~بأنه صبي لا يحسن تدبير الملك، وفي مثل هذا الوقت الصعب لابد أن يقوم بأمر ~~الملك رجل شهم يطيعه الناس وينتصب للجهاد. وكان الأميران: علم الدين سنجر ~~الغتمي المعظمي، وسيف الدين بهادر حين جرى هذا الأمر غائبين في الصيد، ~~فاغتنم قطز لغيبتهما الفرصة، فلما حضرا قبض عليهما واعتقلهما، وتسلطن. وركب ~~بشعار الملك، وجلس على كرسي السلطنة وتم أمره. ولما وقع ذلك تقدم قطز إلى ~~برهان الدين الخضر أن يتوجه في جواب رسالة الملك ms1455 الناصر صلاح الدين يوسف ~~صاحب الشام صحبة الصاحب كمال الدين ابن العديم، ويعد الملك الناصر بالنجمة ~~وإنفاذ العساكر إليه، فتوجها ووصلا إلى دمشق وأديا الرسالة . ولم يزل ~~البرهان بدمشق إلى أن رحل الملك الناصر من دمشق إلى جهة الديار المصرية ~~جافلا من التتار. وكان الناصر لما تحقق بحركة التتار رحل إلى برزة شمالي ~~دمشق، ونزل بها بعساكره واجتمع إليه أمم عظيمة من العرب والعجم والتركمان ~~والأتراك والمطوعة، فلم يعجب الناصر حاله لما رأى من تخاذل عسكره، وعلم أنه ~~إذا لاقى التتار لم يثبت عسكره لهم لكثرتهما ولقوتهم، فإن هولاكو في خلق لا ~~يحصيهم إلا الله تعالى عن المغل والكرج والعجم وغيرهم، ولم يكن من حين ~~قدومهم على بلاد المسلمين من سنة ست عشرة وستمائة إلى هذه السنة يلقاهم ~~عسكر إلا فلوه سوى وقائع كانت بينهم وبين جلال الدين بن خوارزم شاه، انتصف ~~جلال الدين في بعضها، ثم كبسوه على باب آمد وبددوا جمعه، وأعقب ذلك موت ~~جلال الدين بالقرب من ميافارقين. وأما أمر هولاكو فإنه في جمادى الأولى من ~~هذه السنة نزل حران واستولى عليها وملك بلاد الجزيرة، ثم سير ولده أشموط بن ~~هولاكو إلى الشام وأمره بقطع الفرات وأخذ البلاد الشامية، وسيره في جمع ~~كثيف من التتار فوصل أشموط إلى نهر الجوز وتل باشر، ووصل الخبر إلى حلب من ~~البيرة بذلك. وكان نائب السلطان صلاح الدين يوسف بحلب ابنه الملك المعظم ~~توران شاه، فجفل الناس بين يدي التتار إلى جهة دمشق وعظم الخطب، واجتمع ~~الناس من كل فج عند الملك الناصر بدمشق، واحترز الملك المعظم توران شاه ابن ~~الملك الناصر بحلب غاية الاحتراز، وكذلك جميع نواب البلاد الحلبية، وصارت ~~حلب في غاية الحصانة بأسوارها المحكمة البناء وكثرة الآلات. فلما كان العشر ~~الأخير من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة قصد التتار حلب ونزلوا على قرية ~~يقال لها سلمية وامتدوا إلى حيلان والحادي، وسيروا جماعة من عسكرهم أشرفوا ~~على المدينة. PageV02P0269 # فخرج عسكر حلب ومعهم خلق عظيم من العوام والسوقة، وأشرفوا ms1456 على التتار وهم ~~نازلون على هذه الأماكن، وقد ركبوا جميعهم لانتظار المسلمين، فلما تحقق ~~المسلمون كثرتهم كروا راجعين إلى المدينة، فرسم الملك المعظم بعد ذلك ألا ~~يخرج أحد من المدينة. ولما كان غد هذا اليوم رحلت التتار من منازلهم طالبين ~~مدينة حلب، واجتمع عسكر المسلمين بالنواشير وميدان الحصا وأخذوا في المشورة ~~فيما يعتمدونه، فأشار عليهم الملك المعظم أنهم لا يخرجون أصلا لكثرة التتار ~~ولقوتهم وضعف المسلمين على لقائهم، فلم يوافقه جماعة من العسكر وأبوا إلا ~~الخروج إلى ظاهر البلد لئلا يطمع العدو فيهم، فخرج العسكر إلى ظاهر حلب ~~وخرج معهم العوام والسوقة واجتمعوا الجميع بجبل بانقوسا، ووصل جمع التتار ~~إلى أسفل الجبل فنزل إليهم جماعة من العسكر ليقاتلوهم، فلما رآهم التتار ~~اندفعوا بين أيديهم مكرا منهم وخديعة، فتبعهم عسكر حلب ساعة من النهار، ثم ~~كر التتار عليهم فولوا منهزمين إلى جهة البلد والتتار في أثرهم. فلما حاذوا ~~جبل بانقوسا وعليه بقية عسكر المسلمين والعوام اندفعوا كلهم نحو البلد ~~والتتار في أعقابهم، فقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا من الجند والعوام. وممن ~~استشهد في ذلك اليوم الأمير علم الدين زريق العزيزي - رحمه الله - وكان من ~~أعيان الأمراء. ونازل التتار المدينة في ذلك اليوم إلى آخره، ثم رحلوا ~~طالبين أعزاز فتسلموها بالأمان. ثم عادوا إلى حلب في ثاني صفر من سنة ثمان ~~وخمسين وستمائة وحاصروها حتى استولوا عليها في تاسع صفر بالأمان. فلما ~~ملكوها غدروا بأهل حلب وقتلوا ونهبوا وسبوا وفعلوا تلك الأفعال القبيحة على ~~عادة فعلهم. وبلغ الملك الناصر يوسف أخذ حلب في منتصف صفر، فخرج الناصر من ~~الشام بأمرائه نحو القبلة. وكان رسل التتار بقرية حرستا فأدخلوا دمشق ليلة ~~الاثنين سابع عشر صفر. وقرئ بعد صلاة الظهر فرمان - أعني مرسوما - جاء من ~~عند ملك التتار يتضمن الأمان لأهل دمشق وما حولها، وشرع الأكابر في تدبير ~~أمرهم. ثم وصلت التتار إلى دمشق في سابع عشر ربيع الأول، فلقيهم أعيان ~~البلد أحسن ملتقى وقرئ ما معهم من الفرمان المتضمن الأمان، ووصلت عساكرهم ~~من ms1457 جهة الغوطة مارين من وراء الضياع إلى جهة الكسوة وأهلكوا في ممرهم جماعة ~~كانوا قد تجمعوا وتحزبوا. وفي السادس والعشرين منه جاء منشور من هولاكو ~~للقاضي كمال الدين عمر بن بندار التفليسي بتفويض قضاء القضاة إليه بمدائن ~~الشام إلى الموصل وميافارقين وغير ذلك، وكان القاضي قبله صدر الدين أحمد بن ~~سني الدولة. وتوجه الملك الناصر نحو الديار المصرية ونزل العريش ثم قطيا ~~بعد أن تفرق عسكره عنه وتوجه معظم عسكره إلى مصر قبله مع الأثقال. فلما وصل ~~الناصر إلى قطيا عاد منها إلى جهة الشام لشيء بلغه عن الملك المظفر صاحب ~~مصر، ونزل بوادي موسى ثم نزل بركة زيزاء، فكبسه التتار بها وهو في خواصه ~~وقليل من مماليكه، فاستأمن الناصر من التتار وتوجه إليهم. فلما وصل إليهم ~~احتفظوا به وبقي معهم في ذل وهوان إلى أن قتل على ما يأتي ذكره في محله إن ~~شاء الله تعالى. PageV02P0270 # وأما التتار فإنه بلغت غارتهم إلى غزة وبلد الخليل - عليه السلام - ~~فقتلوا الرجال وسبوا النساء والصبيان واستاقوا من الأسرى والأبقار والأغنام ~~والمواشي شيئا كثيرا. كل ذلك والسلطان الملك المظفر قطز سلطان مصر يتهيأ ~~للقاء التتار. فلما اجتمعت العساكر الإسلامية بالديار المصرية ألقى الله ~~تعالى في قلب الملك المظفر قطز الخروج لقتالهم بعد أن كانت القلوب قد أيست ~~من النصرة على التتار، وأجمعوا على حفظ مصر لا غير لكثرة عددهم واستيلائهم ~~على معظم بلاد المسلمين، وأنهم ما قصدوا إقليما إلا فتحوه ولا عسكرا إلا ~~هزموه، ولم يبق خارج عن حكمهم في الجانب الشرقي إلا الديار المصرية والحجاز ~~واليمن، وهرب جماعة من المغاربة الذين كانوا بمصر إلى الغرب، وهرب جماعة من ~~الناس إلى اليمن والحجاز، والباقون بقوا في وجل عظيم وخوف شديد يتوقعون ~~دخول العدو وأخذ البلاد، وصمم الملك المظفر - رحمه الله - على لقاء التتار، ~~وخرج من مصر في الجحافل الشامية والمصرية في شهر رمضان، وصحبته الملك ~~المنصور صاحب حماة، وكان الأتابك فارس الدين أقطاي المستعرب، الأمور كلها ~~مفوضة إليه، وسير الملك المظفر قطز إلى ms1458 صاحب حماة، وهو بالصالحية، يقول له: ~~لا تحتفل في مد سماط، بل كل واحد من أصحابك يفطر على قطعة لحم في صولقه. ~~وسافر الملك المظفر بالعساكر من الصالحية ووصل غزة والقلوب وجلة . وأما ~~كتبغانوين مقدم التتار على عسكر هولاكو لما بلغه خروج الملك المظفر قطز كان ~~بالبقاع، فاستدعى الملك الأشرف موسى ابن المنصور صاحب حمص وقاضي القضاة ~~محيي الدين واستشارهم في ذلك، فمنهم من أشار بعدم الملتقى والاندفاع بين ~~يدي الملك المظفر إلى حيث يجيئه مدد من هولاكو ليقوى على ملتقى العسكر ~~المصري، ومنهم من أشار بغير ذلك وتفرقت الآراء، فاقتضى رأي كتبغانوين ~~الملتقى، وتوجه من فوره لما أراد الله تعالى من إعزاز الإسلام وأهله، ~~وإذلال الشرك وحزبه، بعد أن جمع كتبغانوين من في الشام من التتار وغيرهم، ~~وقصد محاربة المسلمين، وصحبته الملك السعيد حسن ابن الملك العزيز عثمان. ثم ~~رحل الملك المظفر قطز بعساكره من غزة ونزل الغور بعين جالوت، وفيه جموع ~~التتار في يوم الجمعة خامس عشرين شهر رمضان، ووقع المصاف بينهم في اليوم ~~المذكور، وتقاتلا قتالا شديدا لم ير مثله حتى قتل من الطائفتين جماعة كثيرة ~~وانكسرت ميسرة المسلمين كسرة شنيعة، فحمل الملك المظفر - رحمه الله - بنفسه ~~في طائفة من عسكره وأردف الميسرة حتى تحايوا وتراجعوا، واقتحم الملك المظفر ~~القتال وباشر ذلك بنفسه وأبلي في ذلك اليوم بلاء حسنا، وعظم الحرب وثبت كل ~~من الفريقين مع كثرة التتار. والمظفر مع ذلك يشجع أصحابه ويحسن إليهم ~~الموت، وهو يكر بهم كرة بعد كرة حتى نصر الله الإسلام وأعزه، وانكسرت ~~التتار وولوا الأدبار على أقبح وجه بعد أن قتل معظم أعيانهم وأصيب مقدم ~~العساكر التتارية كتبغانوين، فإنه أيضا لما عظم الخطب باشر القتال بنفسه ~~فأخزاه الله تعالى وقتل شر قتلة. وكان الذي حمل عليه وقتله الأمير جمال ~~الدين آقوش الشمسي - رحمه الله تعالى - . وولوا التتار الأدبار لا يلوون ~~على شيء، واعتصم منهم طائفة بالتل المجاور لمكان الوقعة، فأحدقت بهم ~~العساكر وصابروهم على القتال حتى أفنوهم قتلا، ونجا من نجا. ms1459 وتبعهم الأمير ~~ركن الدين بيبرس البندقداري في جماعة من الشجعان إلى أطراف البلاد، واستوفى ~~أهل البلاد والضياع من التتار آثارهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة حتى إنه لم ~~يسلم منهم إلا القليل جدا. وفي حال الفراغ من المصاف حضر الملك السعيد حسن ~~ابن الملك العزيز عثمان ابن الملك العادل بين يدي السلطان الملك المظفر ~~قطز، وكان التتار لما ملكوا قلعة البيرة وجدوه فيها معتقلا فأطلقوه وأعطوه ~~بانياس وقلعة الصبيبة فانضم على التتار وبقي منهم، وقاتل يوم المصاف ~~المسلمين قتالا شديدا، فلما أيد الله المسلمين بنصره وحضر الملوك عند الملك ~~المظفر فحضر الملك السعيد هذا من جملتهم على رغم أنفه، فلم يقبل المظفر ~~عذره، وأمر بضرب عنقه فضربت في الحال. PageV02P0271 # ثم كتب الملك المظفر كتابا إلى أهل دمشق يخبرهم فيه بالفتح وكسر العدو ~~المخذول ويعدهم بوصوله إليهم ونشر العدل فيهم، فسر عوام دمشق وأهلها بذلك ~~سرورا زائدا، وقتلوا فخر الدين محمد بن يوسف بن محمد الكنجي في جامع دمشق. ~~وكان المذكور من أهل العلم، لكنه كان فيه شر، وكان رافضيا خبيثا وانضم على ~~التتار. وقتلوا أيضا بدمشق من أعوان التتار ابن الماسكيني، وابن النفيل ~~وغيرهما. وكان النصارى بدمشق قد شمخوا وتجرؤوا على المسلمين واستطالوا ~~بتردد التتار إلى كنائسهم. وذهب بعضهم إلى هولاكو وجاؤوا من عنده بفرمان ~~يتضمن الوصية بهم والاعتناء بأمرهم، ودخلوا بالفرمان من باب توما وصلبانهم ~~مرتفعة، وهم ينادون بارتفاع دينهم واتضاع دين المسلمين، ويرشون الخمر على ~~الناس وفي أبواب المساجد، فحصل عند المسلمين من ذلك هم عظيم. فلما هرب نواب ~~التتار حين بلغتهم الكسرة أصبح الناس وتوجهوا إلى دور النصارى ينهبونها ~~ويأخذون ما استطاعوا منها، وأخربوا كنيسة اليعاقبة وأحرقوا كنيسة مريم حتى ~~بقيت كوما، وقتلوا منهم جماعة واختفى الباقون. وكانت النصارى في تلك الأيام ~~ألزموا المسلمين بالقيام في دكاكينهم للصليب، ومن لم يقم أخرقوا به ~~وأهانوه، وشقوا السوق على هذا الوجه إلى عند القنطرة آخر سويقة كنيسة مريم، ~~فقام بعضهم على الدكان الوسطى من الصف الغربي بين القناطر وخطب وفضل ms1460 دين ~~النصارى ووضع من دين الإسلام، وكان ذلك في ثاني عشرين شهر رمضان. ثم من ~~الغد طلع المسلمون مع قضاتهم وشهودهم إلى قلعة دمشق وبها التتار فأهانوهم ~~التتار، ورفعوا قسيس النصارى عليهم، ثم أخرجوهم بالضرب، فصار ذلك كله في ~~قلوب المسلمين. انتهى. ثم إن أهل دمشق هموا أيضا بنهب اليهود فنهبوا منهم ~~يسيرا، ثم كفوا عنهم. ثم وصل الملك المظفر قطز إلى دمشق مؤيدا منصورا ~~فانجبرت بذلك قلوب الرعايا وتضاعف شكرهم لله تعالى. والتقاه أهل دمشق بعد ~~أن عفوا آثار النصارى وخربوا كنائسهم جزاء لما كانوا سلفوه من ضرب النواقيس ~~على رؤوس المسلمين، ودخولهم بالخمر إلى الجامع. وفي هذا المعنى يقول بعض ~~شعراء دمشق: الخفيف، هلك الكفر في الشام جميعا ... واستجد الإسلام بعد ~~دحوضه بالمليك المظفر الملك الأر ... وع سيف الإسلام عند نهوضه ملك جاءنا ~~بعزم وحزم ... فاعتززنا بسمره وبيضه أوجب الله شكر ذاك علينا ... دائما مثل ~~واجبات فروضه وفي نصرة الملك المظفر هذا يقول الشيخ شهاب الدين أبو شامة: ~~الكامل، غلب التتار على البلاد فجاءهم ... من مصر تركي يجود بنفسه بالشام ~~أهلكهم وبدد شملهم ... ولكل شيء آفة من جنسه ثم قدم الخبر على السلطان ~~بدمشق في شوال بأن المنهزمين من رجال التتار ونسائهم لحقهم الطلب من الأمير ~~ركن الدين بيبرس البندقداري، فإن بيبرس كان تقدم قبل السلطان إلى دمشق يتبع ~~آثار التتار إلى قرب حلب، فلما قرب منهم بيبرس سيبوا ما كان في أيديهم من ~~أسارى المسلمين، ورموا أولادهم فتخطفهم الناس، وقاسوا من البلاء ما ~~يستحقونه. وكان الملك المظفر قطز قد وعد الأمير بيبرس بحلب وأعمالها، فلما ~~انتصر على التتار انثنى عزمه عن إعطائه حلب، وولاها لعلاء الذين علي بن بدر ~~الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فكان ذلك سبب الوحشة بين بيبرس وبين الملك المظفر ~~قطز. على ما يأتي ذكره. ولما قدم الملك المظفر إلى دمشق أحسن إلى الناس ~~وأجراهم على عوائدهم وقواعدهم إلى آخر أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف. ~~وسير الملك الأشرف صاحب حمص يطلب منه أمانا على ms1461 نفسه وبلاده، وكان الأشرف ~~أيضا ممن انضاف إلى التتار فأمنه وأعطاه بلاده وأقره عليها، فحضر الأشرف ~~إلى خدمة الملك المظفر ثم عاد إلى بلده. ثم توجه الملك المظفر صاحب حماة ~~إلى حماة على ما كان عليه، وكان حضر مع الملك المظفر قطز من مصر. قلت: ~~والملك المظفر قطز هو أول من ملك البلاد الشامية واستناب بها من ملوك ~~الترك. PageV02P0272 # ثم إن الملك المظفر قطز رتب أمور الشام واستناب بدمشق الأمير علم الدين ~~سنجر الحلبي الكبير. ثم خرج المظفر من دمشق عائدا إلى مصر إلى أن وصل إلى ~~القصير، وبقي بينه وبين الصالحية مرحلة واحدة، ورحلت العساكر إلى جهة ~~الصالحية وضرب الدهليز السلطاني بها وبقي المظفر مع بعض خواصه وأمرائه، ~~وكان جماعة قد اتفقوا مع الأمير بيبرس البندقداري على قتل الملك المظفر: ~~منهم الأمير سيف الدين أنص من مماليك نجم الدين الرومي الصالحي، وعلم الدين ~~صنغلي، وسيف الدين بلبان، الهاروني وغيرهم، كل ذلك لكمين كان في نفس بيبرس، ~~لأجل نيابة حلب. واتفق عند القصير بعد توجه العساكر إلى الصالحية أن ثارت ~~أرنب فساق الملك المظفر قطز عليها، وساق هؤلاء المتفقون على قتله معه، فلما ~~أبعدوا ولم يبق معه غيرهم، تقدم إليه الأمير بيبرس البندقداري وشفع عنده ~~شفاعة في إنسان فأجابه، فأهوى بيبرس ليقبل يده فقبض عليها، وحمل أنص عليه، ~~وقد أشغل بيبرس يده، وضربه بالسيف، ثم حمل الباقون عليه ورموه عن فرسه، ~~ورشقوه بالنشاب فقتلوه، ثم حملوا على العسكر وهم شاهرون سيوفهم حتى وصلوا ~~إلى الدهليز السلطاني بالصالحية، فنزلوا ودخلوا والأتابك على باب الدهليز ~~فأخبروه بما فعلوا، فقال: من قتله منكم، فقال بيبرس: أنا، فقال: يا خوند، ~~اجلس على مرتبة السلطان، يأتي بقية ذلك في أول ترجمة الملك الظاهر بيبرس ~~البندقداري المذكور. إن شاء الله تعالى. ولما وقع ذلك وبلغ الأمير علم ~~الدين سنجر الحلبي الكبير نائب دمشق عز عليه قتل الملك المظفر، ثم دعا ~~الناس لنفسه واستحلفهم وتلقب بالملك المجاهد. على ما يأتي ذكره أيضا. أما ~~الملك المظفر قطز فإنه ms1462 دفن موضع قتله - رحمه الله تعالى - وكثر أسف الناس ~~وحزنهم عليه. قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في تاريخه - ~~رحمه الله تعالى - بعد ما سماه ونعته قال: وكان المظفر أكبر مماليك الملك ~~المعز أيبك التركماني، وكان بطلا شجاعا مقداما حازما حسن التدبير، يرجع إلى ~~دين وإسلام وخير، وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوض الله شبابه بالجنة ~~ورضي عنه. وحكى الشيخ شمس الدين الجزري في تاريخه عن أبيه، قال: كان قطز في ~~رق ابن الزعيم بدمشق في القصاعين، فضربه أستاذه فبكى ولم يأكل شيئا يومه، ~~ثم ركب أستاذه للخدمة وأمر الفراش أن يترضاه ويطعمه، قال: فحدثني الحاج علي ~~الفراش قال: فجئته وقلت: ما هذا البكاء من لطشة؟ فقال: إنما بكائي من لعنة ~~أبي وجدي وهم خير منه، فقلت: من أبوك؟ واحد كافر، فقال: والله ما أنا إلا ~~مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن ممدود ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك، ~~فسكته وترضيته. وتنقلت به الأحوال إلى أن تملك مصر. ولما تملك أحسن إلى ~~الحاج علي الفراش المذكور، وأعطاه خمسمائة دينار وعمل له راتبا. قال الذهبي ~~أيضا: ولما تسلطن لم يبلع ريقه ولا تهنى بالسلطنة حتى امتلأت الشامات ~~المباركة بالتتار، ثم ساق الذهبي أمره مع التتار بنحو ما حكيناه. وقال ~~الشيخ قطب الدين: حكي عن الملك المظفر قطز أنه قتل جواده يوم القتال مع ~~التتار، ولم يصادف المظفر أحد من الأوشاقية فبقي راجلا، فرآه بعض الأمراء ~~الشجعان فترجل له وقدم له حصانه، فامتنع المظفر من ركوبه وقال: ما كنت ~~لأمنع المسلمين الانتفاع بك في هذا الوقت! ثم تلاحقت الأوشاقية إليه. وقال ~~ابن الجزري في تاريخه: حدثني أبي قال حدثني أبو بكر بن الدريهم الإسعردي ~~والزكي إبراهيم أستاذ الفارس أقطاي قالا: كنا عند سيف الدين قطز لما تسلطن ~~أستاذه الملك المعز أيبك التركماني، فأمرنا قطز بالقعود، ثم أمر المنجم ~~فضرب الرمل، ثم قال له قطز: اضرب لمن يملك بعد أستاذي الملك المعز أيبك، ~~ومن يكسر التتار، فضرب وبقي ms1463 زمانا يحسب، فقال: يطلع معي خمس حروف بلا نقط. ~~فقال له قطز: لم لا تقول محمود بن ممدود، فقال: يا خوند لا ينفع غير هذا ~~الاسم، فقال: أنا هو، أنا محمود بن ممدود، وأنا أكسر التتار وآخذ بثأر خالي ~~خوارزم شاه، فتعجبنا من كلامه، وقلنا: إن شاء الله يكون هذا يا خوند، فقال: ~~اكتموا ذلك، وأعطى المنجم ثلاثمائة درهم. PageV02P0273 # قلت: ونقل الشيخ قطب الدين اليونيني في تاريخه الذي ذيله على مرآة ~~الزمان، فقال في أمر المنجم غير هذه الصورة، وسنذكرها في سياق كلام قطب ~~الدين المذكور. قال - أعني قطب الدين - : كان المظفر أخص مماليك الملك ~~المعز وأقربهم إليه وأوثقهم عنده. وهو الذي قتل الأمير فارس الدين أقطاي ~~الجمدار. قال: وكان الملك المظفر بطلا شجاعا مقداما حازما حسن التدبير لم ~~يكن يوصف بكرم ولا شح بل كان متوسطا في ذلك، وذكر حكايته لما أن قتل جواده ~~يوم الوقعة بنحو مما حكيناه، لكنه زاد بأن قال: فلام المظفر بعض خواصه على ~~عدم ركوبه، وقال: يا خوند - لو صادفك، والعياذ بالله تعالى - بعض المغل ~~وأنت راجل كنت رحت وراح الإسلام فقال: أما أنا فكنت رحت إلى الجنة - إن شاء ~~الله تعالى - وأما الإسلام فما كان الله ليضيعه، فقد مات الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب، وقتل بعده أبنه الملك المعظم توران شاه، وقتل الأمير فخر الدين ~~ابن الشيخ مقدم العساكر يوم ذاك، ونصر الله الإسلام بعد اليأس من نصره! - ~~يعني عن نوبة أخذ الفرنج دمياط - . ثم قال قطب الدين، بعد ما ساق توجهه إلى ~~دمشق وإصلاح أمرها إلى أن قال: وقتل الملك المظفر قطز مظلوما بالقرب من ~~القصير وهي المنزلة التي بقرب الصالحية، وبقي ملقى بالعراء فدفنه بعض من ~~كان في خدمته بالقصير، وكان قبره يقصد للزيارة دائما. قال: واجتزت به في ~~شهر رمضان سنة تسع وخمسين وستمائة، وترحمت عليه وزرته. وكان كثير الترحم ~~عليه والدعاء على من قتله. فلما بلغ بيبرس ذلك أمر بنبشه ونقله إلى غير ذلك ~~المكان وعفي أثره، ولم يعفى ms1464 خبره - رحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلام خيرا ~~- قال: ولم يخلف ولدا ذكرا، وكان قتله يوم السبت سادس عشر ذي القعدة سنة ~~ثمان وخمسين وستمائة. قلت: فعلى هذا تكون مدة سلطنة الملك المظفر قطز سنة ~~إلا يوما واحدا، فإنه تسلطن في يوم السبت سابع عشر ذي القعدة من سنة سبع ~~وخمسين وستمائة، وقتل فيما نقله الشيخ قطب الدين في يوم السبت سادس عشر في ~~القعدة من سنة ثمان وخمسين وستمائة انتهى. قال: حكى لي المولى علاء الدين ~~بن غانم في غرة شوال سنة إحدى وتسعين وستمائة ببعلبك، قال: حدثني المولى ~~تاج الدين أحمد ابن الأثير - تغمده الله برحمته - ما معناه: أن الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف - رحمه الله - لما كان على برزة في أواخر سنة سبع ~~وخمسين وصله قصاد من الديار المصرية بكتب يخبرونه فيها أن قطز تسلطن وملك ~~الديار المصرية وقبض على ابن أستاذه. قال المولى تاج الدين - رحمه الله - : ~~فطلبني السلطان الملك الناصر قرأت عليه الكتب، وقال لي: خذ هذه الكتب ورح ~~إلى الأمير ناصر الدين القيمري، والأمير جمال الدين بن يغمور أوقف كلا ~~منهما عليها، قال: فأخذتها وخرجت فلما بعدت عن الدهليز لقيني حسام الدين ~~البركتخاني وسلم علي، وقال: جاءكم بريدي أو قصاد من الديار المصرية. فوريت ~~وقلت: ما عندي علم بشيء من هذا، قال: قطز تسلطن وتملك الديار المصرية ويكسر ~~التتار، قال تاج الدين: فبقيت متعجبا من حديثه، وقلت له: ايش هذا القول، ~~ومن أين لك هذا؟ قال: والله هذا قطز خشداشي، كنت أنا وإياه عند الهيجاوي من ~~أمراء مصر ونحن صبيان، وكان عليه قمل كثير، فكنت أسرح رأسه، على أنني كلما ~~أخذت منه قملة أخذت منه فلسا أو صفعته، ثم قلت في غضون ذلك: والله ما أشتهي ~~إلا أن الله يرزقني إمرة خمسين فارسا، فقال لي: طيب قلبك، أنا أعطيك إمرة ~~خمسين فارسا، فصفعته وقلت: أنت تعطيني إمرة خمسين! قال: نعم فصفعته، فقال ~~لي: وألك علة! ايش يلزم لك إلا إمرة خمسين فارسا، أنا والله ms1465 أعطيك، قلت: ~~ويلك! كيف تعطيني؟ قال: أنا أملك الديار المصرية، وأكسر التتار وأعطيك الذي ~~طلبت، قلت: ويلك أنت مجنون! أنت بقملك تملك الديار المصرية؟ قال: نعم، رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقال لي: أنت تملك الديار المصرية ~~وتكسر التتار وقول النبي صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيه، قال: فسكت وكنت ~~أعرف منه الصدق في حديثه وعدم الكذب. قال تاج الدين: فلما قال لي هذا، قلت ~~له: قد وردت الأخبار بأنه تسلطن، قال لي: والله وهو يكسر التتار. قال تاج ~~الدين: فرأيت حسام الدين البركتخاني - الحاكي ذلك - بالديار المصرية بعد ~~كسر التتار فسلم علي، وقال: يا مولاي تاج الدين، تذكر ما قلت لك في الوقت ~~الفلاني؟ قلت: نعم، قال: والله PageV02P0274 # حالما عاد الملك الناصر من قطيا دخلت الديار المصرية أعطاني إمرة خمسين ~~فارسا كما قال، لا زائد على ذلك. قال: وحكى لي عز الدين محمد بن أبي ~~الهيجاء ما معناه: أن سيف الدين بلغاق حدثه أن الأمير بدر الدين بكتوت ~~الأتابكي، حكى لي قال: كنت أنا والملك المظفر قطز والملك الظاهر بيبرس - ~~رحمهما الله تعالى - في حال الصبا كثيرا ما نكون مجتمعين في ركوبنا وغير ~~ذلك، فاتفق أن رأينا منجما في بعض الطريق بالديار المصرية، فقال له الملك ~~المظفر قطز: أبصر نجمي، فضرب بالرمل وحسب وقال: أنت تملك هذه البلاد وتكسر ~~التتار، فشرعنا نهزأ به. ثم قال له الملك الظاهر بيبرس: أبصر نجمي، فقال: ~~وأنت أيضا تملك الديار المصرية وغيرها، فتزايد استهزاؤنا به. ثم قالا لي: ~~لا بد أن تبصر نجمك، فقلت له: أبصر لي نجمي، فحسب وقال: أنت تخلص لك إمرة ~~مائة فارس، يعطيك هذا، وأشار إلى الملك الظاهر، فاتفق أن وقع الأمر كما ~~قال، ولم يخرم منه شيء. وهذا من عجيب الاتفاق. انتهت ترجمة الملك المظفر ~~قطز. ويأتي ذكر حوادثه على عادة هذا الكاتب إن شاء الله تعالى.لما عاد ~~الملك الناصر من قطيا دخلت الديار المصرية أعطاني إمرة خمسين فارسا كما ~~قال، لا زائد ms1466 على ذلك. قال: وحكى لي عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ما ~~معناه: أن سيف الدين بلغاق حدثه أن الأمير بدر الدين بكتوت الأتابكي، حكى ~~لي قال: كنت أنا والملك المظفر قطز والملك الظاهر بيبرس - رحمهما الله ~~تعالى - في حال الصبا كثيرا ما نكون مجتمعين في ركوبنا وغير ذلك، فاتفق أن ~~رأينا منجما في بعض الطريق بالديار المصرية، فقال له الملك المظفر قطز: ~~أبصر نجمي، فضرب بالرمل وحسب وقال: أنت تملك هذه البلاد وتكسر التتار، ~~فشرعنا نهزأ به. ثم قال له الملك الظاهر بيبرس: أبصر نجمي، فقال: وأنت أيضا ~~تملك الديار المصرية وغيرها، فتزايد استهزاؤنا به. ثم قالا لي: لا بد أن ~~تبصر نجمك، فقلت له: أبصر لي نجمي، فحسب وقال: أنت تخلص لك إمرة مائة فارس، ~~يعطيك هذا، وأشار إلى الملك الظاهر، فاتفق أن وقع الأمر كما قال، ولم يخرم ~~منه شيء. وهذا من عجيب الاتفاق. انتهت ترجمة الملك المظفر قطز. ويأتي ذكر ~~حوادثه على عادة هذا الكاتب إن شاء الله تعالى. ### || AUT السنة التي حكم فيها المظفر قطز مصر # وهي سنة ثمان وخمسين وستمائة على أنه حكم من سنة سبع شهرين وقتل قبل ~~انقضاء السنة أيضا بشهرين. فيها كانت كائنة التتار مع الملك المظفر قطز ~~وغيره، حسب ما تقدم ذكره من أنهم ملكوا حلب والشام ثم رحلوا عنها. وفيها ~~غلت الأسعار بالبلاد الشامية. وفيها توفي الملك السعيد نجم الدين إيلغازي ~~ابن الملك المنصور ناصر الدين أبي المظفر أرتق بن أرسلان بن نجم الدين ~~إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيغازي بن أرتق، السلطان أبو الفتح صاحب ~~ماردين، كان ملكا جليلا كبير القدر شجاعا جوادا حازما ممدحا. مات في ذي ~~الحجة، وملك ماردين بعده ابنه الملك المظفر رحمه الله. وفيها توفي الملك ~~المعظم فخر الدين أبو المفاخر توران شاه ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب، كان قد كبرت سنه وصار كبير البيت الأيوبي، وكانت نفسه لا تحدثه ~~بالوثوب على الأمر، فلذلك عاش عيشا رغدا وطال عمره. وكان الملك ms1467 الناصر صلاح ~~الدين يوسف صاحب الشام يعظمه ويحترمه ويثق به. وهو غير الملك المعظم توران ~~شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب. وقد تقدم قتل هذاك في كائنة دمياط، ~~وعد أيضا من ملوك مصر. وتوران شاه هذا هو ابن عم الملك الكامل محمد جد ~~توران شاه هذاك. وهو أيضا غير توران شاه ابن الملك الكامل محمد المعروف ~~بأقسيس انتهى. ومولد توران شاه هذا بالقاهرة في سنة سبع وسبعين وخمسمائة ~~ومات في شهر ربيع الأول من هذه السنة بحلب. وفيها قتل الأمير كتبغانوين ~~مقدم عساكر التتار الذي قتل في الوقعة التي كانت بينه وبين المظفر قطز بعين ~~جالوت المقدم ذكرها. كان كتبغانوين عظيما عند التتار يعتمدون على رأيه ~~وشجاعته وتدبيره، وكان بطلا شجاعا مقداما خبيرا بالحروب وافتتاح الحصون ~~والاستيلاء على الممالك، وهو الذي فتح معظم بلاد العجم والعراق. وكان ~~هولاكو ملك التتار يثق به ولا يخالفه فيما يشير إليه ويتبرك برأيه. يحكى ~~عنه عجائب في حروبه، وكانت مقتلته في يوم الجمعة خامس عشرين شهر رمضان في ~~المصاف على عين جالوت. PageV02P0275 # قلت: إلى سقر وبئس المصير، ولقد استراح الإسلام منه، فإنه شر عصابة على ~~الإسلام وأهله. ولله الحمد على هلاكه. وفيها توفي الملك المظفر أبو المعالي ~~ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر غازي بن أبي بكر محمد العادل بن أيوب ~~صاحب ميافارقين وتلك البلاد. ملكها في سنة خمس وأربعين وستمائة عقيب وفاة ~~والده ودام في الملك سنين إلى أن جفل من التتار بعد أن كان يداريهم سنين، ~~وقدم على الملك الناصر صلاح الدين يوسف بدمشق واستنجده على التتار فوعده ~~الناصر بالنجدة، وآخر الأمر أنه رجع إلى بلاده، وحصره التتار بها نحو سنتين ~~حتى استشهد بأيديهم - رحمه الله تعالى وعفا عنه - . الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي واستشهد بحلب خلائق لا يحصون، منهم، ~~إبراهيم بن خليل الأدمي. والرئيس أبو طالب عبد الرحمن ابن عبد الرحيم بن ~~عبد الرحمن بن العجمي، تحت عذاب التتار. وبدمشق عبد الله ابن بركات بن ms1468 ~~إبراهيم المعروف بابن الخشوعي في صفر. والعماد عبد الحميد بن عبد الهادي ~~المقدسي في شهر ربيع الأول عن خمس وثمانين سنة. والملك المعظم توران شاه ~~ابن السلطان صلاح الدين في شهر ربيع الأول، وله إحدى وثمانون سنة. والشمس ~~محمد بن عبد الهادي أخو العماد بقرية ساوية - من عمل نابلس - شهيدا. وقاضي ~~القضاة صدر الدين أحمد ابن شمس الدين أبي البركات يحيى بن هبة الله ابن سني ~~الدولة ببعلبك، وقد قارب السبعين في جمادى الآخرة. وأبو الكرم لاحق بن عبد ~~المنعم الأرتاحي بالقاهرة، وله خمس وثمانون سنة. والحافظ المفيد محب الدين ~~عبد الله بن أحمد المقدسي. والفقيه الكبير أبو عبد الله محمد بن أبي الحسين ~~أحمد بن عبد الله اليونيني في رمضان، وله سبع وثمانون سنة في المحرم. ~~والحافظ البليغ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي ~~الكاتب المعروف بابن الأبار بتونس مقتولا. والملك الكامل الشهيد ناصر الدين ~~محمد ابن المظفر شهاب الدين غازي ابن العادل. والملك المظفر الشهيد سيف ~~الدين قطز في ذي القعدة، فتكوا به في الرمل. وصاحب الصبيبة الملك السعيد ~~حسن ابن العزيز عثمان ابن العادل، قتل صبرا يوم عين جالوت بأمر الملك ~~المظفر. وفي آخرها صاحب ماردين الملك السعيد نجم الدين إيلغازي بن أرتق. ~~والملك كتبغانوين رأس التتار يوم عين جالوت، قتله آقوش الشمسي. وحسام الدين ~~محمد بن أبي علي الهذباني نائب السلطنة بمصر. والأمير مجير الدين إبراهيم ~~بن أبي بكر بن أبي زكري بنابلس شهيدا بعد أن قتل جماعة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمس أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### | AUT سلطنة الملك الظاهر بيبرس # السلطان الملك القاهر ثم الظاهر ركن الدين أبو الفتوح بيبرس بن عبد الله ~~البندقداري الصالحي النجمي الأيوبي التركي، سلطان الديار المصرية والبلاد ~~الشامية والأقطار الحجازية وهو الرابع من ملوك الترك. مولده في حدود ~~العشرين وستمائة بصحراء القبجاق تخمينا، والقبجاق قبيلة عظيمة في الترك، ~~وهو بكسر القاف وسكون ms1469 الباء ثانية الحروف وسكون الياء المثناة من تحتها ثم ~~فتح الباء الموحدة وسكون الراء والسين المهملتين ومعناه باللغة التركية: ~~أمير فهد. انتهى. قلت: أخذ بيبرس المذكور من بلاده وأبيع بدمشق للعماد ~~الصائغ. ثم اشتراه الأمير علاء الدين أيدكين الصالحي البندقداري وبه سمي ~~البندقداري. قلت: والعجيب أن علاء الدين أيدكين البندقداري المذكور عاش حتى ~~صار من جملة أمراء الظاهر بيبرس هذا. على ما سيأتي ذكره مفصلا - إن شاء ~~الله تعالى - حكى شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري الحموي قال. ~~كان الأمير علاء الدين البندقداري الصالحي لما قبض عليه وأحضر إلى حماة ~~واعتقل بجامع قلعتها اتفق حضور ركن الدين بيبرس مع تاجر، وكان الملك ~~المنصور - يعني صاحب حماة - إذ ذاك صبيا وكان إذا أراد شراء رقيق تبصره ~~الصاحبة والدته، فأحضر بيبرس هذا مع آخر قرأتهما من وراء الستر فأمرت بشراء ~~خشداشه، وقالت: هذا الأسمر لا يكون بينك وبينه معاملة فإن في عينيه شرا ~~لائحا فردتهما جميعا، فطلب البندقداري الغلامين يعني بيبرس ورفيقه ~~فاشتراهما وهو معتقل ثم أفرج عنه فسار إلى مصرة وآل أمر ركن الدين إلى ما ~~آل. PageV02P0276 # وقال الذهبي: اشتراه الأمير علاء الدين البندقداري الصالحي فطلع بطلا ~~شجاعا نجيبا لا ينبغي أن يكون إلا عند ملك، فأخذه الملك الصالح منه. وقيل: ~~بقي بيبرس المذكور في ملك البندقداري حتى صادره أستاذه الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب، وأخذ بيبرس هذا فيما أخذه منه في المصادرة في شهر شوال سنة ~~أربع وأربعين وستمائة. قلت: وهذا القول هو المشهور. ولما اشتراه الملك ~~الصالح أعتقه وجعله من جملة مماليكه، وقدمه على طائفة الجمدارية لما رأى من ~~فطنته وذكائه، وحضر مع أستاذه الملك الصالح واقعة دمياط.. وقال الشيخ عز ~~الدين عمر بن علي بن إبراهيم بن شداد: أخبرني الأمير بدر الدين بيسري ~~الشمسي أن مولد الملك الظاهر بأرض القبجاق سنة خمس وعشرين وستمائة تقريبا. ~~وسبب انتقاله من وطنه إلى البلاد أن التتار لما أزمعوا على قصد بلادهم سنة ~~تسع وثلاثين وستمائة، وبلغهم ذلك، كاتبوا أنس خان ms1470 ملك أولاق أن يعبروا بحر ~~سوداق إليه ليجيرهم من التتار، فأجابهم إلى ذلك وأنزلهم واديا بين جبلين، ~~وكان عبورهم إليه في سنة أربعين وستمائة، فلما اطمأن بهم المقام غدر بهم ~~وشن الغارة عليهم، فقتل منهم وسبى. قال بيسري: وكنت أنا والملك الظاهر فيمن ~~أسر، قال: وكان عمره إذ ذاك أربع عشرة سنة تقديرا، فبيع فيمن بيع وحمل إلى ~~سيواس ثم افترقنا واجتمعنا في حلب في خان ابن قليج ثم افترقنا، فاتفق أن ~~حمل إلى القاهرة فبيع على الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري وبقي في يده ~~إلى أن انتقل عنه بالقبض عليه في جملة ما استرجعه الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب منه، وذلك في شوال سنة أربع وأربعين وستمائة. قلت: وهذا القول مطابق ~~لقولنا الذي ذكرناه. قال: ثم قدمه الملك الصالح على طائفة الجمدارية. ~~انتهى. PageV02P0277 # وقال غيره: ولما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب وملك بعده ابنه الملك ~~المعظم توران شاه وقتل وأجمعوا على الأمير عز الدين أيبك التركماني وولوه ~~الأتابكية، ثم استقل بالملك وقتل الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، ركب ~~الملك الظاهر بيبرس هذا والبحرية وقصدوا قلعة الجبل، فلما لم ينالوا ~~مقصودهم خرجوا من القاهرة مجاهرين بالعداوة للملك المعز أيبك التركماني ~~ومهاجرين إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام. وهم: الملك الظاهر ~~بيبرس هذا، وسيف الدين بلبان الرشيدي، وعز الدين أزدمر السيفي، وشمس الدين ~~سنقر الرومي، وشمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسري الشمسي، وسيف الدين ~~قلاوون الألفي، وسيف الدين بلبان المستعرب وغيرهم، فلما شارفوا دمشق سير ~~إليهم الملك الناصر طيب قلوبهم، فبعثوا فخر الدين إياز المقرئ يستحلفه لهم ~~فحلف الناصر لهم ودخلوا دمشق في العشر الأخير من شهر رمضان سنة اثنتين ~~وخمسين وستمائة، فأكرمهم الملك الناصر صلاح الدين وأطلق للملك الظاهر بيبرس ~~ثلاثين ألف درهم، وثلاثة قطر بغال وثلاثة قطر جمال وملبوسا، وفرق في بقية ~~الجماعة الأموال والخلع على قدر مراتبهم. وكتب الملك المعز أيبك إلى الملك ~~الناصر يحذره منهم ويغريه بهم، فلم يصغ إليه الناصر، ودام على ms1471 إحسانه ~~إليهم. وكان عين الناصر لبيبرس إقطاعا بحلب، فطلب الملك الظاهر بيبرس من ~~الملك الناصر أن يعوضه عما كان له بحلب من الإقطاع بجييين وزرعين فأجابه ~~الملك الناصر إلى ذلك، فتوجه بيبرس إليها وعاد، فاستشعر بيبرس من الملك ~~الناصر بالغمر فتوجه بمن معه ومن تبعه من خشداشيته إلى الكرك، واجتمعوا ~~بصاحب الكرك الملك المغيث عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل محمد، فجهز ~~الملك المغيث عسكره مع بيبرس المذكور، وعدة من كان جهزه معه ستمائة فارس، ~~وخرج من عسكر مصر جماعة لملتقاه، فأراد بيبرس كبسهم فوجدهم على أهبة، ثم ~~واقع المصريين فانكسر ولم ينج منهم إلا القليل، فالذي نجا من الأعيان: ~~بيبرس وبيليك الخازندار، وأسر بلبان الرشيدي. وقد تقدم ذكر ذلك كله في ~~ترجمة المعز مجملا، ولكن نذكره هنا مفصلا. وعاد بيبرس هذا إلى الكرك وأقام ~~بها، فتواترت عليه كتب المصريين يحرضونه على قصد الديار المصرية، وجاءه ~~جماعة كثيرة من عسكر الملك الناصر. فأخذ بيبرس يطمع الملك المغيث صاحب ~~الكرك في ملك مصر، ولازال به حتى ركب معه بعسكره ونزل غزة. وندب الملك ~~المعز أيبك عسكرا لقتالهم، وقدم على العسكر المصري مملوكه الأمير قطز ~~والأمير أقطاي المستعرب، وساروا وهرب من عسكر مصر إلى بيبرس والمغيث الأمير ~~عز الدين أيبك الرومي، والأمير بلبان الكافوري والأمير سنقر شاه العزيزي، ~~والأمير أيبك الخواشي، والأمير بدر الدين برخان، والأمير بغدي، وأيبك ~~الحموي، وجمال الدين هارون القيمري والجميع أمراء، واجتمعوا الجميع مع ~~بيبرس والملك المغيث بغزة، فقويت شوكتهما بهؤلاء. وساروا الجميع إلى ~~الصالحية، ولقوا عسكر مصر يوم الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة ست ~~وخمسين، فاستظهر عسكر بيبرس والمغيث أولا، ثم عادت الكسرة عليهم لثبات قطز ~~المعزي، وهرب الملك المغيث ولحقه بيبرس، وأسر من عسكر بيبرس عز الدين أيبك ~~الرومي، وركن الدين منكورس الصيرفي، وبلبان الكافوري وعز الدين أيبك ~~الحموي، وبدر الدين بلغان الأشرفي، وجمال الدين هارون القيمري، وسنقر شاه ~~العزيزي، وبهاء الدين أيدغدي الإسكندراني، وبدر الدين برخان، وبغدي، وبيليك ~~الخازندار الظاهري فضربت أعناق ms1472 الجميع صبرا، ما خلا الخازندار فإن جمال ~~الدين، الجوكنداري شفع فيه، وخيروه بين المقام والذهاب فاختار الذهاب إلى ~~أستاذه، فأطلق وتوجه إلى أستاذه، ولما أن وصل الملك المغيث إلى الكرك حصل ~~بينه وبين ركن الدين بيبرس هذا وحشة، وأراد المغيث القبض عليه بعد أمور ~~صدرت، فأحس بيبرس بذلك وهرب وعاد إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب ~~الشام، بعد أن استحلفه على أن يعطيه خبز مائة فارس من جملتها قصبة نابلس، ~~وجينين وزرعين فأجاب إلى نابلس لا غير. وكان قدومه على الناصر في شهر رجب ~~سنة سبع وخمسين وستمائة، ومعه الجماعة الذين حلف لهم الملك الناصر أيضا ~~وهم: بيسرى الشمسي وأيتمش السعدي وطيبرس الوزيري وآقوش الرومي الدوادار، ~~وكشتغدي الشمسي ولاجين الدرفيل، وأيدغمش الحلبي وكشتغدي الشرفي وأيبك ~~PageV02P0278 # الشيخي وبيبرس خاص ترك الصغير، وبلبان المهراني، وسنجر الباشقردي وسنجر ~~الهمامي، وأرسلان الناصري ويكنى الخوارزمي، وسيف الدين طمان الشقيري، وأيبك ~~العلائي، ولاجين الشقيري، وبلبان الأقسيسي، وعلم الدين سلطان الإلدكزي، ~~فأكرمهم الملك الناصر، ووفى لهم بما حلف. وداموا على ذلك حتى قبض الأمير ~~قطز على ابن أستاذه الملك المنصور علي، وتسلطن وتلقب بالملك المظفر قطز، ~~شرع بيبرس يحرض الملك الناصر على التوجه إلى الديار المصرية ليملكها، فلم ~~يجبه، فكلمه بيبرس في أن يقدمه على أربعة آلاف فارس، أو يقدم عليهم غيره، ~~ويتوجه بها إلى شط الفرات يمنع التتار من العبور إلى الشام، فلم يمكنه ابن ~~عمه الملك الصالح إسماعيل لباطن كان له مع التتار قاتله الله! فاستمر بيبرس ~~عند الناصر إلى سنة ثمان وخمسين فارقه بمن معه وقصد الشهرزورية وتزوج منهم، ~~ثم أرسل إلى الملك المظفر قطز من استحلفه له، فحلف قطز. ودخل بيبرس إلى ~~القاهرة في يوم السبت الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين، ~~فركب الملك المظفر قطز للقائه وأنزله في دار الوزارة وأقطعه قصبة قليوب. ~~فلم تطل مدته بالقاهرة وتهيأ الملك المظفر قطز لقتال التتار، وسير بيبرس ~~هذا في عسكر أمامه كالجاليش ليتجسس أخبار التتار، فكان أول ما وقعت عينه ms1473 ~~عليهم ناوشهم بالقتال. فلما انقضت الوقعة بعين جالوت تبعهم بيبرس هذا، يقتل ~~من وجده منهم، إلى حمص، ثم عاد فوافى الملك المظفر قطز بدمشق، وكان وعده ~~بنيابة حلب، فأعطاها قطز لصاحب الموصل، فحقد عليه بيبرس في الباطن، واتفق ~~على قتله مع جماعة لما عاد الملك المظفر إلى نحو الديار المصرية. والذين ~~اتفقوا معه: بلبان الرشيدي، وبهادر المعزي، وبكتوت الجوكندار المعزي، ~~وبيدغان الركني، وبلبان الهاروني، وأنص الأصبهاني، واتفقوا الجميع مع بيبرس ~~على قتل الملك المظفر قطز، وساروا معه نحو الديار المصرية إلى أن وصل الملك ~~المظفر قطز إلى القصير، وبقي بينه وبين الصالحية مرحلة، ورحل العسكر طالبا ~~الصالحية، وضرب دهليز السلطان بها. واتفق عند القصير أن ثارت أرنب فساق ~~المظفر قطز، وساق هؤلاء المتفقون على قتله معه، فلما أبعدوا ولم يبق مع ~~المظفر غيرهم، تقدم إليه ركن الدين بيبرس وشفع عنده في إنسان فأجابه ~~المظفر، فأهوى بيبرس ليقبل يده فقبض عليها، وحمل أنص عليه وقد أشغل بيبرس ~~يده وضربه أنص بالسيف، وحمل الباقون عليه ورموه عن فرسه ورشقوه بالنشاب إلى ~~أن مات، ثم حملوا على العسكر وهم شاهرون سيوفهم حتى وصلوا إلى الدهليز ~~السلطاني، فنزلوا ودخلوه والأتابك على باب الدهليز فأخبروه بما فعلوا، فقال ~~فارس الدين الأتابك: من قتله منكم؟ فقال بيبرس: أنا، فقال: يا خوند، اجلس ~~في مرتبة السلطنة فجلس، واستدعيت العساكر للحلف، وكان القاضي برهان الدين ~~قد وصل إلى العسكر متلقيا للملك المظفر قطز، فاستدعي وحلف العسكر للملك ~~الظاهر بيبرس، وتم أمره في السلطنة وأطاعته العساكر، ثم ركب وساق في جماعة ~~من أصحابه حتى وصل إلى قلعة الجبل فدخلها من غير ممانع، واستقر ملكه. وكانت ~~البلد قد زينت للملك المظفر فاستمرت الزينة. وكان الذي ركب معه من الصالحية ~~إلى القلعة وهم خواصه من خشداشيته، وهم: فارس الدين الأتابك، وبيسرى، ~~وقلاوون الألفي، وبيليك الخازندار، وبلبان الرشيدي، ثم في يوم الأحد سابع ~~عشر ذي القعدة وهو صبيحة قتل المظفر قطز، وهو أول يوم من سلطنة الظاهر ~~بيبرس، جلس بالإيوان من قلعة ms1474 الجبل.الشيخي وبيبرس خاص ترك الصغير، وبلبان ~~المهراني، وسنجر الباشقردي وسنجر الهمامي، وأرسلان الناصري ويكنى ~~الخوارزمي، وسيف الدين طمان الشقيري، وأيبك العلائي، ولاجين الشقيري، ~~وبلبان الأقسيسي، وعلم الدين سلطان الإلدكزي، فأكرمهم الملك الناصر، ووفى ~~لهم بما حلف. وداموا على ذلك حتى قبض الأمير قطز على ابن أستاذه الملك ~~المنصور علي، وتسلطن وتلقب بالملك المظفر قطز، شرع بيبرس يحرض الملك الناصر ~~على التوجه إلى الديار المصرية ليملكها، فلم يجبه، فكلمه بيبرس في أن يقدمه ~~على أربعة آلاف فارس، أو يقدم عليهم غيره، ويتوجه بها إلى شط الفرات يمنع ~~التتار من العبور إلى الشام، فلم يمكنه ابن عمه الملك الصالح إسماعيل لباطن ~~كان له مع التتار قاتله الله! فاستمر بيبرس عند الناصر إلى سنة ثمان وخمسين ~~فارقه بمن معه وقصد الشهرزورية وتزوج منهم، ثم أرسل إلى الملك المظفر قطز ~~من استحلفه له، فحلف قطز. ودخل بيبرس إلى القاهرة في يوم السبت الثاني ~~والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين، فركب الملك المظفر قطز للقائه ~~وأنزله في دار الوزارة وأقطعه قصبة قليوب. فلم تطل مدته بالقاهرة وتهيأ ~~الملك المظفر قطز لقتال التتار، وسير بيبرس هذا في عسكر أمامه كالجاليش ~~ليتجسس أخبار التتار، فكان أول ما وقعت عينه عليهم ناوشهم بالقتال. فلما ~~انقضت الوقعة بعين جالوت تبعهم بيبرس هذا، يقتل من وجده منهم، إلى حمص، ثم ~~عاد فوافى الملك المظفر قطز بدمشق، وكان وعده بنيابة حلب، فأعطاها قطز ~~لصاحب الموصل، فحقد عليه بيبرس في الباطن، واتفق على قتله مع جماعة لما عاد ~~الملك المظفر إلى نحو الديار المصرية. والذين اتفقوا معه: بلبان الرشيدي، ~~وبهادر المعزي، وبكتوت الجوكندار المعزي، وبيدغان الركني، وبلبان الهاروني، ~~وأنص الأصبهاني، واتفقوا الجميع مع بيبرس على قتل الملك المظفر قطز، وساروا ~~معه نحو الديار المصرية إلى أن وصل الملك المظفر قطز إلى القصير، وبقي بينه ~~وبين الصالحية مرحلة، ورحل العسكر طالبا الصالحية، وضرب دهليز السلطان بها. ~~واتفق عند القصير أن ثارت أرنب فساق المظفر قطز، وساق هؤلاء المتفقون على ~~قتله معه، ms1475 فلما أبعدوا ولم يبق مع المظفر غيرهم، تقدم إليه ركن الدين بيبرس ~~وشفع عنده في إنسان فأجابه المظفر، فأهوى بيبرس ليقبل يده فقبض عليها، وحمل ~~أنص عليه وقد أشغل بيبرس يده وضربه أنص بالسيف، وحمل الباقون عليه ورموه عن ~~فرسه ورشقوه بالنشاب إلى أن مات، ثم حملوا على العسكر وهم شاهرون سيوفهم ~~حتى وصلوا إلى الدهليز السلطاني، فنزلوا ودخلوه والأتابك على باب الدهليز ~~فأخبروه بما فعلوا، فقال فارس الدين الأتابك: من قتله منكم؟ فقال بيبرس: ~~أنا، فقال: يا خوند، اجلس في مرتبة السلطنة فجلس، واستدعيت العساكر للحلف، ~~وكان القاضي برهان الدين قد وصل إلى العسكر متلقيا للملك المظفر قطز، ~~فاستدعي وحلف العسكر للملك الظاهر بيبرس، وتم أمره في السلطنة وأطاعته ~~العساكر، ثم ركب وساق في جماعة من أصحابه حتى وصل إلى قلعة الجبل فدخلها من ~~غير ممانع، واستقر ملكه. وكانت البلد قد زينت للملك المظفر فاستمرت الزينة. ~~وكان الذي ركب معه من الصالحية إلى القلعة وهم خواصه من خشداشيته، وهم: ~~فارس الدين الأتابك، وبيسرى، وقلاوون الألفي، وبيليك الخازندار، وبلبان ~~الرشيدي، ثم في يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة وهو صبيحة قتل المظفر قطز، ~~وهو أول يوم من سلطنة الظاهر بيبرس، جلس بالإيوان من قلعة الجبل. ~~PageV02P0279 # قلت: ولم يذكر أحد من المؤرخين لبسه خلعة السلطنة الخليفتي، ولعله اكتفى ~~بالمبايعة والحلف. انتهى. ولما جلس الظاهر بالإيوان رسم أن يكتب إلى ~~الأقطار بسلطنته، فأول من بدأ به الملك الأشرف صاحب حمص، ثم الملك المنصور ~~صاحب حماة، ثم الأمير مظفر الدين صاحب صهيون ثم إلى الإسماعيلية، ثم إلى ~~الملك السعيد المظفر علاء الدين علي بن لؤلؤ صاحب الموصل الذي صار نائب ~~السلطنة بحلب، ثم إلى من في بلاد الشام يعرفهم بما جرى. ثم أفرج عمن ~~بالحبوس من أصحاب الجرائم، وأقر الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير على ~~الوزارة، وتقدم بالإفراج عن الأجناد المحبوسين والإنعام عليهم، وزيادة من ~~رأى استحقاقه من الأمراء وخلع عليهم، وسير الأمير جمال الدين آقوش المحمدي ~~بتواقيع للأمير سنجر الحلبي نائب ms1476 دمشق، فتوجه إليه فوجده قد تسلطن بدمشق ~~ودعا لنفسه، وحلف الأمراء، وتلقب بالملك المجاهد، فعظم ذلك على الملك ~~الظاهر بيبرس وأخذ في إصلاح أمره معه والإحسان إلى خشداشيته البحرية ~~الصالحية، وأمر أعيانهم. ثم إنه أخرج الملك المنصور نور الدين عليا ابن ~~الملك المعز أيبك التركماني وأمه وأخاه ناصر الدين قاقان من مصر إلى بلاد ~~الأشكري، وكانوا معتقلين بقلعة الجبل. وكان بيبرس لما تسلطن لقب نفسه الملك ~~القاهر، فقال الوزير زين الدين يعقوب بن الزبير، وكان فاضلا في الأدب ~~والترسل وعلم التاريخ، فأشار بتغيير هذا اللقب، وقال: ما لقب به أحد فأفلح: ~~لقب به القاهر ابن المعتضد، فلم تطل مدته وخلع من الخلافة وسمل، ولقب به ~~القاهر ابن صاحب الموصل فسم، فأبطل بيبرس اللقب الأول، وتلقب بالملك ~~الظاهر. وأما أمر دمشق ففي العشر الأخير من ذي القعدة أمر الأمير عليم ~~الدين سنجر الحلبي الذي تسلطن بدمشق بتجديد عمارة قلعة دمشق، وزفت بالمغاني ~~والطبول والبوقات، وفرحت أهل دمشق بذلك، وحضر كبراء الدولة وخلع على الصناع ~~والنقباء، وعمل الناس في البناء حتى النساء، وكان يوم الشروع في تجديدها ~~يوما مشهودا. ثم في اليوم الأول من العشر الأول من ذي الحجة دعا الأمير علم ~~الدين سنجر الحلبي الناس بدمشق إلى الحلف له بالسلطنة فأجابوه، وحضر الجند ~~والأكابر وحلفوا له ولقب بالملك المجاهد، وخطب له على المنابر، وضربت السكة ~~باسمه، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة ليحلف له فامتنع، وقال: أنا مع من ~~يملك الديار المصرية كائنا من كان. PageV02P0280 # ولما صح عند التتار قتل الملك المظفر قطز - رحمه الله تعالى - وكان ~~النائب ابن صاحب الموصل أساء السيرة في الجند والرعية، فاجتمع رأي الأمراء ~~والجند بحلب على قبضه وإخراجه من حلب، وتحالفوا على ذلك، وعينوا للقيام ~~بالأمر الأمير حسام الدين الجوكنداري العزيزي، فبينما هم على ذلك وردت ~~عليهم بطاقة نائب البيرة يحبر أن التتار قاربوا البيرة لمحاصرتها، واستصرخ ~~بهم لينجدوه بعسكر. وكان التتار قد هدموا أبراج البيرة وأسوارها، وهي ~~مكشوفة من جميع جهاتها، فجرد الملك السعيد ابن ms1477 صاحب الموصل الذي هو نائب ~~حلب عسكره إليها، وقدم عليهم الأمير سابق الدين أمير مجلس الناصري، فحضر ~~الأمراء عنده، وقالوا له: هذا العسكر الذي جردته لا يمكنه رد العدو، ونخاف ~~أن يحصل النشوب بيننا وبين العدو، وعسكرنا قليل فيصل العدو إلى حلب، ويكون ~~ذلك سببا لخروجنا منها فلم يقبل منهم، فخرجوا من عنده وهم غضبانون، وسار ~~العسكر المذكور إلى البيرة في قلة. فلما وصلوا إلى عمق البيرة صادفوا ~~التتار بجموعهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وقصد سابق الدين البيرة، فتبعه ~~التتار وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة، وما سلم منهم إلا القليل، وورد هذا ~~الخبر لحلب فجفل أهل حلب إلى جهة القبلة ولم يبق بها إلا القليل. وندم ~~الملك السعيد نائب حلب على مخالفة الأمراء، وقوي بذلك غضبهم عليه وقاطعوه. ~~ووقعت بطاقة نائب البيرة، فيها أن التتار توجهوا إلى ناحية منبج، فخرج نائب ~~حلب وضرب دهليزه بباب إله شرقي حلب. وبعد يومين وصل الأمير عز الدين أزدمر ~~الدوادار الغزيزي، وكان قطز قد جعله نائبا باللاذقية وجبلة، فقصده خشداشيته ~~بحلب، فلما قرب ركبت العزيزية والناصرية والتقوا به، فأخبرهم بأن الملك ~~المظفر قطز قتل، وأن ركن الدين بيبرس ملك الديار المصرية، وأن سنجر الحلبي ~~خطب لنفسه بدمشق، ونحن أيضا نعمل بعمل أولئك، ونقيم واحدا من الجماعة ونقبض ~~على هذا - يعني على نائب حلب - ونقتصر على حلب وبلادها مملكة أستاذنا وابن ~~أستاذنا فأجابوه إلى ذلك وتقرر بينهم أنه حال دخولهم إلى المخيم يمضي إليه ~~الأمراء: حسام الدين الجوكنداري، وبكتمرالساقي وأزدمر الدوادار، وكان الملك ~~السعيد نائب حلب نازلا بباب لا في بيت القاضي، وهو فوق سطحه والعساكر حوله، ~~فعندما طلعوا إليه وحضروا عنده على السطح شرعت أعوانهم في نهب وطاقه فسمع ~~الضجة فاعتقد أن التتار قد كبست العسكر، تم شاهد لهب العزيرية والناصرية ~~لوطاقه، ووثب الأمراء الذين عنده ليقبضوا عليه، فطلب منهم الأمان على نفسه ~~فأمنوه وشرطوا عليه أن يسلم إليهم جميع ما حصله من الأموال. ثم نزلوا به ~~إلى الدار وقصدوا الخزانة، فما وجدوا فيها طائلا ms1478 فهددوه، وقالوا له: أين ~~الأموال التي حصلتها؟ وطلبوا قتله، فقام إلى ساحة بستان في الدار المذكورة ~~وحفر وأخرج الأموال، وهي تزيد على أربعين ألف دينار، ففرقت على الأمراء على ~~قدر منازلهم. ثم رسموا عليه جماعة من الجند وسيروه إلى قلعة حبسوه بها. ثم ~~بعد أيام قلائل دهم العدو حلب، فاندفع الأمير حسام الدين الخوكنداري المقدم ~~على عسكر حلب بمن معه إلى جهة دمشق، ودخلت التتار حلب وأخرجوا من كان فيها ~~إلى ظاهر حلب، ووضعوا السيف فيهم، فقتل بعضهم وفر بعضهم. ونزل العسكر ~~الحلبي بظاهر حماة، فقام الملك المنصور بضيافتهم، ثم تقدم التتار إلى حماة، ~~فلما قاربوا منها رحل صاحبها الملك المنصور ومعه الجوكنداري بعساكر حلب إلى ~~حمص، ونزل التتار على حماة فامتنعت عليهم، فاندفعوا من حماة طالبين العسكر، ~~وجفل الناس بين أيديهم، وخاف أهل دمشق خوفا شديدا، وأقاموا الجميع على حمص ~~حتى قدم إليهم التتار في أوائل المحرم من سنة تسع وخمسين وستمائة، وكانوا ~~في ستة آلاف فارس، فخرج إليهم الملك المنصور صاحب حماة والأشرف صاحب حمص ~~والجوكنداري العزيزي بعساكر حلب، وحملوا عليهم حملة رجل واحد فهزموهم ~~وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهرب الأمير بيدرا مقدم التتار في نفر يسير، ~~وكانت الوقعة عند قبر خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ثم عاد التتار إلى ~~حلب وفعلوا بأهلها تلك الأفعال القبيحة على عادتهم. PageV02P0281 # وأما الملك الطاهر بيبرس صاحب الترجمة فإنه كاتب أمراء دمشق يستميلهم ~~إليه ويحضهم على منابذة الأمير علم الدين سنجر الحلبي والقبض عليه، فأجابوه ~~إلى ذلك وخرجوا من دمشق منابذين لسنجر، وفيهم: الأمير علاء الدين أيدكين ~~البندقداري - أعني أستاذ الملك الظاهر بيبرس المذكور - الذي قدمنا من ذكره ~~أن الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراه منه. انتهى. والأمير بهاء الدين ~~بغدي فتبعهم الحلبي بمن بقي معه من أصحابه، فحاربوه فهزموه وألجؤوه إلى ~~قلعة دمشق فأغلقها دونهم، وذلك في يوم السبت حادي عشر صفر من السنة. ثم خرج ~~الأمير علم الدين سنجر الحلبي تلك الليلة من القلعة وقصد بعلبك، فدخل ~~قلعتها ومعه ms1479 قريب عشرين نفرا من مماليكه، فدخل الأمير علاء الدين أيدكين ~~البندقداري دمشق، واستولى عليها وحكم فيها نيابة عن الملك الظاهر بيبرس، ثم ~~جهز عسكرا إلى بعلبك لحصار الحلبي وعليهم الأمير بدر الدين محمد بن رحال ~~وكان من الشجعان، وأمير آخر، فحال وصولهما إلى بعلبك دخلا المدينة ونزلا ~~بالمدرسة النورية. وكان الحلبي لما وصلها جعل عنده طائفة كبيرة من أهل محله ~~مقدمهم علي بن عبور، فسير إليهم الأمير بدر الدين بن رحال وأفسدهم، فتدلوا ~~من القلعة ليلا ونزلوا إليه، فعند ذلك ترددت المراسلات بين الحلبي وعلاء ~~الدين البندقداري حتى استقر الحال على نزول الحلبي وتوجهه إلى الملك الظاهر ~~بيبرس بمصر، فخرج الحلبي من قلعة بعلبك راكبا في وسطه عدته وفي قرابه قوسان ~~وهو كالأسد، فجاء حتى بعد عن القلعة، قدم له بغلة فتحول إليها وقلع العدة ~~وركبها، وسار حتى وصل إلى دمشق وسار منها إلى مصر، فأدخل على الملك ليلا ~~بقلعة الجبل، فقام إليه واعتنقه وأدنى مجلسه منه وعاتبه عتابا لطيفا، ثم ~~خلع عليه ورسم له بخيل وبغال وجمال وقماش وغير ذلك. ثم التفت الملك الظاهر ~~إلى إصلاح مملكته خلع على الصاحب بهاء الدين علي بن حنا وزير شجرة الدر ~~بالوزارة، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة تسع وخمسين، وهي أول ولايته ~~للوزر. ثم حضر عند الظاهر شخص وأنهى إليه أن الأمير عز الدين الصقلي يريد ~~الوثوب على السلطان، واتفق معه الأمير علم الدين سنجر الغتمي وبهادر ~~المعزي، والشجاع بكتوت فقبض الملك الظاهر عليهم. ثم تسلم الملك الظاهر ~~الكرك من نواب الملك المغيث في هذه السنة. ثم قبض على الأمير بهاء الدين ~~بغدي الأشرفي وحمل إلى القاهرة وحبس بقلعة الجبل إلى أن مات. ثم جهز الملك ~~الظاهر عسكرا لخروج التتار من حلب فساروا إليها وأخرجوهم منها على أقبح ~~وجه، كل ذلك والدنيا بلا خليفة من سنة ست وخمسين وستمائة. ففي هذه السنة ~~كان وصول المستنصر بالله الخليفة إلى مصر وبايعه الملك الظاهر بيبرس، وهو ~~أبو القاسم أحمد، كان محبوسا ببغداد ms1480 مع جماعة من بني العباس في حبس الخليفة ~~المستعصم، فلما ملكت التتار بغداد أطلقوهم، فخرج المستنصر هذا إلى عرب ~~العراق، واختلط بهم إلى أن سمع بسلطنة الملك الظاهر بيبرس، وفد عليه مع ~~جماعة من بني مهارش، وهم عشرة أمراء مقدمهم ابن قسا وشرف اللين ابن مهنا، ~~وكان وصول المستنصر إلى القاهرة في ثامن شهر رجب من سنة تسع وخمسين ~~وستمائة، فركب السلطان للقائه ومعه الوزير بهاء الدين بن حنا وقاضي القضاة ~~تاج الدين ابن بنت الأعز والشهود والرؤساء والقراء والمؤذنون واليهود ~~بالتوراة والنصارى بالإنجيل في يوم الخميس، فدخل من باب النصر وشق القاهرة، ~~وكان لدخوله يوم مشهود. PageV02P0282 # فلما كان يوم الاثنين ثالث عشر الشهر جلس السلطان الملك الظاهر والخليفة ~~بالإيوان وأعيان الدولة بأجمعهم وقرئ نسب الخليفة، وشهد عند القاضي بصحته ~~فأسجل عليه بذلك وحكم به وبويع بالخلافة. وركب من يومه وشق القاهرة في وجوه ~~الدولة وأعيانها. وكان أول من بايعه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن ~~بنت الأعز عندما ثبت نسبه عنده، ثم السلطان، ثم الشيخ عز الدين بن عبد ~~السلام، ثم الأمراء والوزراء على مراتبهم. والمستنصر هذا هو الثامن ~~والثلاثون من خلفاء بني العباس - رضي الله عنهم - وهو المستنصر بالله أبو ~~القاسم أحمد الأسمر بن الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله أحمد بن ~~المستضيء الحسن ابن الخليفة المستنجد بالله يوسف ابن الخليفة المقتفي لأمر ~~الله محمد ابن الخليفة المستظهر بالله أحمد ابن الخليفة المقتدي بأمر الله ~~عبد الله ابن الأمير محمد الذخيرة ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ~~ابن الخليفة القادر بالله أحمد ابن الأمير إسحاق ابن الخليفة المقتدر بالله ~~جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله أحمد ابن الأمير طلحة الموفق ابن الخليفة ~~المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليفة الرشيد ~~هارون ابن الخليفة المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي البغدادي. وقد تقدم أن ~~الناس كانوا بغير خليفة ms1481 منذ قتل التتار ابن أخيه الخليفة المستعصم بالله في ~~أوائل سنة ست وخمسين وستمائة إلى يومنا هذا، فكانت مدة شغور الخلافة ثلاث ~~سنين ونصفا والناس بلا خليفة. وكان المستنصر هذا جسيما وسيما شديد السمرة ~~عالي الهمة شديد القوة وعنده شجاعة وإقدام، وهو أخو الخليفة المستنصر ولقب ~~بلقبه، وهذا لم تجر به العادة من أن خليفة يلقب بلقب خليفة تقدمه من أهل ~~بيته. وفي يوم الجمعة سابع عشر الشهر خرج الخليفة المستنصر بالله وعليه ~~ثياب سود إلى الجامع بالقلعة وخطب خطبة بليغة ذكر فيها شرف بني العباس، ثم ~~صلى على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم في مستهل شعبان من سنة تسع وخمسين ~~المذكورة تقدم الخليفة بتفصيل خلعة سوداء وبعمل طوق ذهب وقيد ذهب وبكتابة ~~تقليد بالسلطنة للملك الظاهر بيبرس ونصب خيمة ظاهر القاهرة. فلما كان يوم ~~الاثنين رابعه ركب الخليفة والسلطان والوزير والقضاة والأمراء ووجوه الدولة ~~إلى الخيمة ظاهر القاهرة بقبة النصر، فألبس الخليفة السلطان الملك الظاهر ~~بيبرس خلعة السلطنة بيده وطوقه وقيده، وصعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان ~~رئيس الكتاب منبرا نصب له فقرأ التقليد وهو من إنشائه وبخطه. ثم ركب ~~السلطان بالخلعة والطوق والقيد ودخل من باب النصر وقد زينت القاهرة له، ~~وحمل الصاحب بهاء الدين بن حنا التقليد على رأسه راكبا والأمراء يمشون بين ~~يديه، فكان يوما يقصر اللسان عن وصفه. ونسخة التقليد: الحمد لله الذي أضفى ~~على الإسلام ملابس الشرف، وأظهر بهجة درره وكانت خافية بما استحكم عليها من ~~الصدف، وشيد ما وهي من علائه حتى أنسى ذكر من سلف، وقيض لنصره ملوكا اتفق ~~عليهم من اختلف. أحمده على نعمته التي رتعت الأعين منها في الروض الأنف، ~~وألطافه التي وقف الشكر عليها فليس له عنها منصرف، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له شهادة توجب من المخاوف أمنا، وتسهل من الأمور ما كان ~~حزنا، وأشهد أن محمدا عبده الذي جبر من الدين وهنا، ورسوله الذي أظهر من ~~المكارم فنونا لا فنا، صلى الله ms1482 عليه وسلم وعلى آله الذين أصبحت مناقبهم ~~باقية لا تفنى، وأصحابه الذين أحسنوا في الدين فاستحقوا الزيادة بالحسنى. ~~وبعد: فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا ~~في تسطير مناقبه وبره، من سعى فأضحى سعيد الجد متقدما، ودعا إلى طاعته ~~فأجاب من كان منجدا ومتهما، وما بدت يد في المكرمات إلا كان لها زندا ~~ومعصما، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرم منه نارا وأجراه دما. ~~PageV02P0283 # ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالي المولوي السلطاني ~~الملكي الظاهري الركني - شرفه الله وأعلاه - ذكرها الديوان العزيز النبوي ~~الإمامي المستنصري - أعز الله سلطانه - تنويها بشريف قدره، واعترافا بصنعه ~~الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره، وكيف لا وقد أقام الدولة ~~العباسية بعد أن أقعدتها زمانة الزمان، وأذهبت ما كان لها من محاسن وإحسان، ~~وعتب دهرها المسيء لها فأعتب وأرضى عنها زمنها وقد كان صال عليها صوله مغضب ~~فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا، وصرف إليها اهتمامه فرجع كل متضايق ~~من أمورها واسعا رحبا، ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوا وعطفا، ~~وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الاهتمام بأمر ~~البيعة أمرا لو رامه غيره لامتنع عليه، ولو تمسك بحبله متمسك لانقطع به قبل ~~الوصول إليه، ولكن الله ادخر هذه الحسنة ليثقل بها في الميزان ثوابه، ويخفف ~~بها يوم القيامة حسابه، والسعيد من خفف حسابه! فهذه منقبة أبى الله إلا أن ~~يخلدها في صحيفة صنعه، ومكرمة قضت لهذا البيت الشريف بجمعه، بعد أن حصل ~~الإياس من جمعه. وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع، ويعترف أنه لولا ~~اهتمامك لاتسع الخرق على الراقع، وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية، ~~والديار البكرية، والحجازية واليمنية والفراتية، وما يتجدد من الفتوحات ~~غورا ونجدا، وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حين أصبحت بالمكارم فردا. ثم أخذ ~~في آخر التقليد يذكر فضل الجهاد والرفق بالرعية وطول في الكلام إلى الغاية. ~~وهذا الذي ذكرناه من نسخة التقليد هو المراد. ثم إن ms1483 الملك الظاهر ولى ~~الأمير علم الدين سنجر الحلبي نيابة حلب لما بلغه أن البرنلي تغلب على حلب، ~~وسير معه عسكرا فسار إليها الأمير علم الدين سنجر الحلبي، ودخل إليها ~~وملكها وخرج منها البرنلي وتوجه إلى الرقة، ثم حشد وجمع العساكر وأخذ ~~البيرة، ثم عاد إلى حلب وأخرج منها الحلبي بعد أمور ووقائع جرت بينهم. فلما ~~بلغ الملك الظاهر ذلك عزم على التوجه إلى البلاد الشامية، وبرز من القاهرة ~~ومعه الخليفة المستنصر وأولاد صاحب الموصل، وكان خروجهم الجميع من القاهرة ~~في تاسع عشر شهر رمضان بعد أن رتب السلطان الأمير عز الدين أيدمر الحلبي ~~نائب السلطنة بقلعة الجبل، والصاحب بهاء الدين بن حنا مدبر الأمور، وخرج مع ~~السلطان العساكر المصرية وأقام ببركة الجب إلى عيد الفطر، ثم سافر في ثالث ~~شوال بعد ما عزل قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز عن القضاء ~~ببرهان الدين خضر السنجاري. وسار السلطان حتى دخل دمشق في يوم الاثنين سابع ~~ذي القعدة. وقدم عليه الملك الأشرف صاحب حمص فخلع عليه وأعطاه ثمانين ألف ~~دينار وحملين ثيابا، وزاده على ما بيده من البلاد تل باشر، ثم قدم عليه ~~الملك المنصور صاحب حماة فخلع عليه وأعطاه ثمانين ألف درهم وحملين ثيابا، ~~وكتب له توقيعا ببلاده التي بيده. ثم جهز السلطان الخليفة، وأولاد صاحب ~~الموصل صحبته، بتجمل زائد وبرك يضاهي برك السلطان من الأطلاب والخيول ~~والجمال وأرباب الوظائف من الكبير إلى الصغير، قيل: إن الذي غرمه السلطان ~~الملك الظاهر على تجهيز الخليفة وأولاد صاحب الموصل فوق الألف ألف دينار ~~عينا .. ثم جهز السلطان الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري لنيابة ~~السلطنة بحلب، وأيدكين هذا هو أستاذ الملك الظاهر بيبرس صاحب الترجمة ~~المقدم ذكره، فسبحان من يعز ويذل! وبعث السلطان مع البندقداري عسكرا ~~لمحاربة البرنلي وصحبته أيضا الأمير بلبان الرشيدي فخرجا من دمشق في منتصف ~~ذي القعدة، فلما وصلا حماة خرج البرنلي وقصد حران فتبعه الرشيدي بالعساكر، ~~ودخل علاء الدين البندقداري إلى حلب، ثم عاد الرشيدي إلى أنطاكية ms1484 ثم رحل ~~عنها بعد ما حاصرها مدة لما بلغه عود الملك الظاهر إلى مصر. PageV02P0284 # وأما الخليفة فإنه لما توجه نحو العراق ومعه أولاد صاحب الموصل، وهم: ~~الملك الصالح وولده علاء الدين والملك المجاهد سيف الدين صاحب الجزيرة، ~~والملك المظفر علاء الدين صاحب سنجار، والملك الكامل ناصر الدين محمد، فلما ~~وصلوا صحبة الخليفة إلى الرحبة وافوا عليها الأمير يزيد بن علي بن حديثة ~~أمير آل فضل وأخاه الأخرس في أربعمائة فارس من العرب. وفارق الخليفة أولاد ~~صاحب الموصل من الرحبة، وكان الخليفة طلب منهم المسير معه فأبوا، وقالوا: ~~ما معنا مرسوم بذلك ، وأرسلوا معه من مماليك والدهم نحو ستين نفرا فانضافوا ~~إليه، ولحقهم الأمير عز الدين أيدكين من حماة ومعه ثلاثون فارسا. ورحل ~~الخليفة بمن معه من الرحبة بعدما أقام بها ثلاثة أيام، ونزل مشهد علي - رضي ~~الله عنه - ثم رحل إلى قائم عنقة، ثم إلى عانة فوافوا الإمام الحاكم بأمر ~~الله العباسي على عانة من ناحية الشرق ومعه نحو سبعمائة فارس من التركمان. ~~وكان البرنلي قد جهزه من حلب، فبعث الخليفة المستنصر بالله إليهم ~~واستمالهم، فلما جاوزوا الفرات فارقوا الحاكم فبعث إليه المستنصر بالله ~~يطلبه إليه ويؤمنه على نفسه ويرغب إليه في اجتماع الكلمة، فأجاب ورحل إليه، ~~فوفى إليه المستنصر وأنزله معه في الدهليز. وكان الحاكم لما نزل على عانة ~~امتنع أهلها منه، وقالوا: قد بايع الملك الظاهر خليفة وهو واصل فما نسلمها ~~إلا إليه، فلما وصل المستنصر بالله إليها نزل إليه نائبها وكريم الدين ~~ناظرها وسلماها إليه وحملا له إقامة، فأقطعها الخليفة للأمير ناصر الدين ~~أغلمش أخي الأمير علم الدين سنجر الحلبي. ثم رحل الخليفة عنها إلى الحديثة ~~ففتحها أهلها له، فجعلها خاصا له، ثم رحل عنها ونزل على شط قرية الناووسة، ~~ثم رحل عنها قاصدا هيت. ولما اتصل مجيء الخليفة المستنصر بالله بقرابغا ~~مقدم عسكر التتار بالعراق، وبهادر علي الخوارزمي شحنة بغداد وخرج قرابغا ~~بخمسة آلاف فارس من التتار على الشط العراقي وقصد الأنبار، فدخلها إغارة، ~~وقتل جميع ms1485 من فيها، ثم ردفه الأمير بهادر علي الخوارزمي بمن بقي ببغداد من ~~عساكر التتار، وكان قد بعث ولده إلى هيت متشوقا لما يرد من أخبار المستنصر، ~~وقرر معه أنه إذا اتصل به خبره بعث بالمراكب إلى الشط الآخر وأحرقها، فلما ~~وصل الخليفة هيت أغلق أهلها الباب دونه، فنزل عليها وحاصرها حتى فتحها، ~~ودخلها في التاسع والعشرين من ذي الحجة، ونهب من فيها من اليهود والنصارى، ~~ثم رحل عنها ونزل الحور وبعث طليعة من عسكره مقدمها الأمير أسد الدين محمود ~~ابن الملك المفضل موسى، فبات تجاه الأنبار تلك الليلة، وهي ليلة الأحد ثالث ~~المحرم من سنة ستين وستمائة، فلما رأى قرابغا الطليعة أمر من معه من ~~العساكر بالعبور إليها في المخائض والمراكب ليلا، فلما أسفر الصبح أفرد ~~قرابغا من معه من عسكر بغداد ناحية. وأما الخليفة فإنه رتب اثني عشر طلبا، ~~وجعل التركمان والعربان ميمنة وميسرة وباقي العساكر قلبا، ثم حمل بنفسه ~~مبادرا وحمل من كان معه في القلب فانكسر بهادر، ووقع معظم عسكره في الفرات، ~~ثم خرج كمين من التتار، فلما رآه التركمان والعرب هربوا، وأحاط الكمين ~~بعسكر الخليفة فصدق المسلمون الحملة، فأفرج لهم التتار، فنجا الحاكم وشرف ~~الدين ابن مهنا وناصر الدين ابن صيرم وبوزنا وسيف الدين بلبان الشمسي وأسد ~~الدين محمود وجماعة من الجند نحو الخمسين نفرا، وقتل الشريف نجم الدين جعفر ~~أستادار الخليفة، وفتح الدين ابن الشهاب أحمد، وفارس الدين أحمد بن أزدمر ~~اليغموري، ولم يوقع للخليفة المستنصر على خبر، فقيل إنه قتل في الوقعة وعفي ~~أثره، وقيل إنه نجا مجروحا في طائفة من العرب فمات عندهم، وقيل سلم وأضمرته ~~البلاد . PageV02P0285 # وأما السلطان الملك الظاهر بيبرس فإنه لما عاد إلى مصر عاد بعده بلبان ~~الرشيدي في أثره وعاد البرنلي إلى حلب ودخلها وملكها، فجرد إليه الملك ~~الظاهر عسكرا ثانيا، عليهم الأمير شمس الدين سنقر الرومي، وأمره بالمسير ~~إلى حلب ثم إلى الموصل، وكتب إلى الأمير علاء الدين طيبرس نائب السلطنة ~~بدمشق وإلى الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري ms1486 يأمرهما أن يكونا معه ~~بعسكرهما حيث توجه يتوجه الجميع، فسار الجميع إلى جهة حلب، فخرج البرنلي من ~~حلب وتسلم نواب أيدكين البندقداري حلب. ثم جاء مرسوم السلطان بتوجه ~~البندقداري إلى حلب، ويعود طيبرس إلى دمشق ويعود سنقر الرومي إلى مصر، فعاد ~~الرومي إلى القاهرة. فلما اجتمع بالسلطان أوغر خاطره على طيبرس، فكان ذلك ~~سببا للقبض على طيبرس المذكور وحبسه بالقاهرة مدة سنين. ثم وصل إلى الديار ~~المصرية في السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر الإمام الحاكم بأمر الله أبو ~~العباس أحمد ابن الأمير أبي علي الحسن ابن الأمير أبي بكر بن الحسن بن علي ~~القبي ابن الخليفة المسترشد بالله أبي منصور الفضل ابن الخليفة المستظهر ~~بالله أحمد العباسي. قلت: ومن المستظهر يعرف نسبه من ترجمة المستنصر وغيره ~~من أقاربه إلى العباس. ووصل صحبته شمس الدين صالح بن محمد بن أبي الرشيد ~~الأسدي الحاكمي المعروف ابن البناء وأخوه محمد ونجم الدين محمد، واحتفل ~~الملك الظاهر بيبرس بلقائه وأنزله بالبرج الكبير داخل قلعة الجبل، ورتب له ~~ما يحتاج إليه، ووصل معه ولده. وبايعه بالخلافة في يوم الخميس تاسع المحرم ~~من سنة إحدى وستين بقلعة الجبل. وكانت المسلمون بلا خليفة منذ استشهد ~~الخليفة المستنصر بالله في أوائل السنة الحالية. وجلس السلطان بالإيوان ~~لبيعته وحضر القضاة والأعيان وأرباب الدولة، وقرئ نسبه على قاضي القضاة ~~وشهد عنده جماعة بذلك، فأثبته ومد يده وبايعه بالخلافة، ثم بايعه السلطان ~~ثم الوزير ثم الأعيان على طبقاتهم، وخطب له على المنابر، وكتب السلطان إلى ~~الأقطار بذلك وأن يخطبوا باسمه، وأنزل إلى مناظر الكبش فسكن بها إلى أن مات ~~في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة ودفن بجوار السيدة ~~نفيسة، وهو أول خليفة مات بالقاهرة من بني العباس حسب ما يأتي ذكره - إن ~~شاء الله تعالى - في محله بأوسع من هذا. وأما الملك الظاهر فإنه تجهز للسفر ~~إلى البلاد الشامية، وخرج من الديار المصرية في يوم السبت سابع شهر ربيع ~~الآخر من سنة إحدى وستين وستمائة. وفي ms1487 هذه السفرة قبض على الملك المغيث ~~صاحب الكرك الذي كان معه تلك الأيام على قتال المصريين وغيرهم، ولما قبض ~~عليه الظاهر بعث به إلى قلعة الجبل صحبة الأمير آق سنقر الفارقاني، فوصل به ~~إلى القاهرة في يوم الأحد خامس عشر جمادى الآخرة، فكان ذلك آخر العهد به. ~~ثم عاد الملك الظاهر إلى الديار المصرية في يوم السبت سادس عشر شهر رجب. ~~ولما دخل إلى القاهرة قبض على الأمير بلبان الرشيدي وأيبك الدمياطي وآقوش ~~البرنلي. ثم في هذه السنة شرع الملك الظاهر في عمارة المدرسة الظاهرية ببين ~~القصرين، وتمت في أوائل سنة اثنتين وستين وستمائة. ورتب في تدريس الإيوان ~~القبلي القاضي تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين الشافعي، وفي تدريس ~~الإيوان الذي يواجهه القاضي مجد الدين عبد الرحمن بن العديم، والحافظ شرف ~~الدين الدمياطي لتدريس الحديث في الإيوان الشرقي، والشيخ كمال الدين المحلي ~~في الإيوان الذي يقابله لإقراء القران بالروايات والطرق، ثم رتب جماعة ~~يقرؤون السبع بهذا الإيوان أيضا بعد صلاة الصبح، ووقف بها خزانة كتب، وبنى ~~إلى جانبها مكتبا لتعليم الأيتام، أجرى عليهم الخبز في كل يوم، وكسوة ~~الفصلين وسقاية تعين على الطهارة، وجلس للتدريس بهذه المدرسة يوم الأحد ~~ثالث عشر صفر من سنة اثنين وستين، وحضر الصاحب بهاء الدين بن حنا، والأمير ~~جمال الدين بن يغمور، والأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي وغيرهم من ~~الأعيان. PageV02P0286 # وفي سنة إحدى وستين أيضا تسلم الأمير بيليك العلائي حمص بعد وفاة صاحبها ~~الملك الأشرف الأيوبي. ثم أمر الملك الظاهر أيضا بإنشاء خان في القدس ~~الشريف للسبيل، وفوض بناءه ونظره إلى الأمير جمال الدين محمد بن بهادر ولما ~~تم الخان المذكور أوقف عليه قيراطا ونصفا بالمطر، وثلث وربع قرية المشيرفة ~~من بلد بصرى، ونصف قرية لبنى، يصرف ريع ذلك في خبز وفلوس وإصلاح نعال من ~~يرد عليه من المسافرين المشاة. وبنى له طاحونا وفرنا، واستمر ذلك كله. ثم ~~ولى الملك الظاهر في سنة ثلاث وستين وستمائة في كل مذهب قاضيا مستقلا ~~بذاته، فصارت قضاة ms1488 القضاة أربعة، وسبب ذلك كثرة توقف قاضي القضاة تاج الدين ~~عبد الوهاب ابن بنت الأعز في تنفيذ الأحكام التي لا توافق مذهبه، وكثرة ~~الشكاوى منه بسبب ذلك. فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر في الحجة شكا القاضي ~~المذكور الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي في المجلس، وكان يكره القاضي تاج ~~الدين المذكور، فقال أيدغدي بحضرة السلطان: يا تاج الدين، نترك مذهب ~~الشافعي لك، ونولي معك من كل مذهب قاضيا، فمال الملك الظاهر إلى كلامه، ~~وكان لأيدغدي منه محل عظيم، فولى السلطان الشيخ صدر الدين سليمان الحنفي ~~قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية، وكان للقضاة الحنفية أزيد من ثلاثمائة ~~سنة من أول الدولة الفاطمية قد بطل حكمهم من ديار مصر استقلالا عندما أبطل ~~الفاطميون القضاة من سائر المذاهب، وأقاموا قضاة الشيعة بمصر. انتهى. وولى ~~القاضي شرف الدين عمر السبكي المالكي قاضي قضاة المالكية. وولى الشيخ شمس ~~الدين محمد ابن الشيخ العماد الحنبلي قاضي القضاة الحنابلة، وفوض لكل واحد ~~منهم أن يستنيب بالأعمال وغيرها، وأبقى على تاج الدين النظر في مال الأيتام ~~والمحاكمات المختصة ببيت المال، وكتب لهم التقاليد وخلع عليهم، ثم فعل ذلك ~~ببلاد الشام كله. قلت: وقد جمعت أسماء من ولي القضاء من المذاهب الأربعة من ~~يوم رتب الملك الظاهر بيبرس القضاة - أعني من سنة ثلاث وستين وستمائة - إلى ~~يومنا هذا على الترتيب على سبيل الاختصار لتكثر الفائدة في هذا الكتاب، وإن ~~كان يأتي ذكر غالبهم في الوفيات في حوادث الملوك على عادة هذا الكتاب، ~~فذكرهم هنا جملة أرشق وأهون على من أراد ذلك، والله المستعان. فنقول: ### || AUT قضاة الشافعية # PageV02P0287 # كان قاضي قضاة الشافعية يوم ذاك القاضي تاج الدين عبد الوهاب، وهي ولايته ~~الثانية، وتوفي سنة خمس وستين وستمائة. ثم القاضي تقي الدين محمد بن رزين ~~العامري سنة خمس وستين وستمائة، ومولده في شعبان سنة ثلاث وستمائة، وتوفي ~~ثالث رجب سنة ثمانين وستمائة. ثم القاضي صدر الدين عمر بن عبد الوهاب ابن ~~بنت الأعز سنة ثمان وسبعين وستمائة. ثم أعيد القاضي تقي ms1489 الدين محمد بن رزين ~~سنة تسع وسبعين وستمائة. ثم القاضي وجيه الدين عبد الوهاب البهنسي سنة ~~ثمانين وستمائة. ثم القاضي تقي الدين عبد الرحمن ابن القاضي تاج الدين عبد ~~الوهاب ابن بنت الأعز سنة خمس وثمانين وستمائة. ثم القاضي بدر الدين محمد ~~بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الحموي الكناني سنة تسعين وستمائة. ثم ~~أعيد القاضي تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز في صفر سنة ثلاث وتسعين ~~وستمائة. ثم ولي القاضي تقي الدين محمد بن علي بن دقيق العيد سنة خمس ~~وتسعين وستمائة، ومولده في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة، وتوفي سنة اثنتين ~~وسبعمائة. ثم أعيد القاضي بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الحموي في ~~سنة أربع وسبعمائة. ثم ولي القاضي جمال الدين سليمان بن عمر الزرعي سنة عشر ~~وسبعمائة. ثم أعيد القاضي بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة سنة إحدى ~~عشرة وسبعمائة. ثم ولي القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني سنة ~~سبع وعشرين وسبعمائة، وتوفي سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ثم ولي القاضي عز ~~الدين عبد العزيز ابن القاضي بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الحموي ~~سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. ثم ولي القاضي بهاء الدين عبد الله بن عقيل سنة ~~تسع وخمسين وسبعمائة. ثم أعيد القاضي عز الدين عبد العزيز بن جماعة سنة تسع ~~وخمسين وسبعمائة. ثم ولي القاضي بهاء الدين محمد أبو البقاء بن عبد البر ~~السبكي في سنة ست وستين وسبعمائة. ثم ولي القاضي برهان الدين إبراهيم بن ~~عبد الرحيم بن جماعة سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. ثم ولي القاضي بدر الدين ~~محمد بن بهاء الدين محمد بن عبد البر السبكي في صفر سنة تسع وسبعين ~~وسبعمائة. ثم أعيد القاضي برهان الدين إبراهيم بن جماعة سنة إحدى وثمانين ~~وسبعمائة. ثم أعيد القاضي بدر الدين محمد بن أبي البقاء السبكي في صفر سنة ~~أربع وثمانين وسبعمائة. ثم ولي القاضي ناصر الدين محمد بن عبد الدائم بن ~~محمد بن سلامة ابن بنت الميلق في ms1490 شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وامتحن ~~وعزل. ثم ولي القاضي صدر الدين محمد بن إبراهيم السلمي المناوي في ذي ~~القعدة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضي بدر الدين محمد بن أبي ~~البقاء السبكي سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ثم ولي القاضي عماد الدين أحمد ~~الكركي في رجب سنة اثنتين وتسعين، ثم عزل في ذي الحجة سنة أربع وتسعين ~~وسبعمائة. ثم أعيد القاضي صدر الدين محمد بن إبراهيم المناوي في شعبان سنة ~~أربع وتسعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضي بدر الدين محمد بن أبي البقاء السبكي ~~في شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين وسبعمائة. ثم أعيد القاضي صدر الدين محمد ~~بن إبراهيم المناوي في شعبان سنة سبع وتسعين وسبعمائة. ثم ولي القاضي تقي ~~الدين الزبيري في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبعمائة. PageV02P0288 # ثم أعيد القاضي صدر الدين المناوي في شهر رجب سنة إحدى وثمانمائة. ثم ولي ~~القاضي ناصر الدين الصالحي في سلخ شعبان سنة ثلاث وثمانمائة. ثم ولي القاضي ~~جلال الدين عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير البلقيني في جمادى الأولى ~~سنة أربع وثمانمائة في حياة والده. ثم أعيد القاضي ناصر الدين الصالحي في ~~شوال سنة خمس وثمانمائة، ومات في المحرم سنة ست وثمانمائة. ثم ولي القاضي ~~شمس الدين محمد الإخنائي في شهر الله المحرم سنة ست وثمانمائة. ثم أعيد ~~القاضي جلال الدين عبد الرحمن البلقيني في شهر ربيع الأول سنة ست ~~وثمانمائة، ومولده سنة إحدى وستين وسبعمائة، وهكذا حكى لي من لفظه، - رحمه ~~الله - وتوفي بالقاهرة في شوال سنة أربع وعشرين وثمانمائة. ثم أعيد القاضي ~~شمس الدين محمد الإخنائي في شهر شعبان سنة ست وثمانمائة. ثم أعيد القاضي ~~جلال الدين عبد الرحمن البلقيني في ذي الحجة من سنة ست وثمانمائة. ثم أعيد ~~القاضي شمس الدين الإخنائي في ثاني عشرين جمادى الأولى سنة سبع وثمانمائة. ~~ثم أعيد القاضي جلال الدين البلقيني في ثالث عشر ذي القعدة سنة سبع ~~وثمانمائة. ثم أعيد القاضي شمس الدين محمد الإخنائي في حادي عشر صفر ms1491 سنة ~~ثمان وثمانمائة. ثم أعيد القاضي جلال الدين البلقيني في خامس شهر ربيع ~~الأول سنة ثمان وثمانمائة، وهي ولايته الخامسة، ولم يزل في هذه المرة قاضيا ~~إلى أن توجه صحبة الملك الناصر فرج إلى الشام سنة أربع عشرة وثمانمائة. ثم ~~عزل بالقاضي شهاب الدين أحمد الباعوني بدمشق في المحرم سنة خمس عشرة ~~وثمانمائة. ثم أعيد القاضي جلال الدين البلقيني المذكور في أول صفر من سنة ~~خمس عشرة وثمانمائة، فاستمر في القضاء إلى آخر جمادى الأولى سنة إحدى ~~وعشرين وثمانمائة. ثم عزل بالقاضي شمس الدين محمد الهروي في سلخ جمادى ~~الأولى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. ثم أعيد القاضي جلال الدين البلقيني في ~~شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، واستمر إلى أن مات في شوال ~~كما تقدم ذكره. قلت: وقاضي القضاة جلال الدين المذكور هو صهري وزوج كريمتي، ~~ومات عنها. رحمهما الله تعالى وعفا عنهما. ثم ولي القاضي ولي الدين أحمد ~~ابن الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي في شوال سنة أربع وعشرين ~~وثمانمائة. ثم ولي القاضي علم الدين صالح بن عمر البلقيني في يوم السبت ~~سادس في الحجة سنة خمس وعشرين وثمانمائة. ثم ولي القاضي شهاب الدين أحمد بن ~~علي بن حجر العسقلاني في سابع عشرين المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة. ثم ~~أعيد القاضي شمس الدين الهروي في سابع ذي القعدة سنة سبع وعشرين وثمانمائة. ~~ثم أعيد القاضي شهاب الدين أحمد بن حجر في ثاني رجب سنة ثمان وعشرين ~~وثمانمائة. ثم أعيد القاضي علم الدين صالح البلقيني في خامس عشرين صفر سنة ~~ثلاث وثلاثين وثمانمائة. ثم أعيد القاضي شهاب الدين أحمد بن حجر في رابع ~~عشرين جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثمانمائة. ثم أعيد القاضي علم الدين ~~صالح البلقيني في خامس شوال سنة أربعين وثمانمائة. ثم أعيد القاضي شهاب ~~الدين أحمد بن حجر في يوم الثلاثاء سادس شوال سنة إحدى وأربعين وثمانمائة. ~~ثم ولي القاضي شمس الدين محمد القاياتي في يوم الخميس رابع عشر المحرم سنة ~~تسع وأربعين وثمانمائة، ومات ms1492 في ثامن عشرين المحرم سنة خمسين وثمانمائة - ~~رحمه الله تعالى - ثم أعيد القاضي شهاب الدين أحمد بن حجر في خامس صفر سنة ~~خمسين وثمانمائة. ثم أعيد القاضي علم الدين صالح البلقيني في يوم السبت ~~مستهل سنة إحدى وخمسين وثمانمائة. ثم ولي القاضي ولي الدين محمد السفطي في ~~يوم الخميس خامس عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وثمانمائة. ثم أعيد ~~القاضي شهاب الدين أحمد بن حجر في ثامن شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ~~وثمانمائة، ثم عزل نفسه ومات معزولا - رحمه الله تعالى - . ثم أعيد القاضي ~~علم الدين صالح البلقيني في سادس عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين ~~وثمانمائة. ثم ولي القاضي شرف الدين يحيى المناوي في يوم الاثنين ثالث عشر ~~رجب سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. ثم أعيد القاضي علم الدين صالح البلقيني في ~~يوم السبت ثامن عشرين صفر سنة سبع وخمسين وثمانمائة. ### || AUT القضاة الحنفية # PageV02P0289 # فالذي ولي أولا قاضي القضاة صدر الدين سليمان. ثم من بعده قاضي القضاة ~~معز الدين النعمان بن الحسن إلى أن توفي في سابع عشر شعبان سنة اثنتين ~~وتسعين وستمائة. ثم ولي قاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجي فاستمر إلى أن ~~تسلطن الملك المنصور لاجين عزله. ثم ولي قاضي القضاة حسام الدين الرازي ~~فاستمر إلى أن قتل لاجين، نقل إلى قضاء دمشق سنة ثمان وتسعين. ثم أعيد شمس ~~الدين السروجي، ثم عزل أول شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة. ثم ولي بعده ~~قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عثمان الحريري إلى أن مات يوم السبت رابع ~~جمادى الآخرة - رحمه الله - سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. ثم ولي بعده قاضي ~~القضاة برهان الدين إبراهيم بن عبد الحق إلى أن عزل يوم الأحد ثامن عشر ~~جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. ثم ولي بعده قاضي القضاة حسام ~~الدين الغوري إلى أن كانت واقعة الأمير قوصون نهبوا الرسل والعامة بيته ~~وطلبوه ليقتلوه فهرب. ثم ولي بعده قاضي القضاة زين الدين عمر بن عبد الرحمن ~~البسطامي في سنة اثنتين وأربعين ms1493 وسبعمائة إلى أن عزل في سنة ثمان وأربعين ~~وسبعمائة. ثم تولاها من بعده قاضي القضاة علاء الدين التركماني في جمادى ~~منها إلى أن توفي عاشر المحرم سنة خمسين. فولي بعده ولده قاضي القضاة جمال ~~الدين عبد الله بن التركماني إلى أن مات في شعبان سنة تسع وستين وسبعمائة. ~~فولي بعده قاضي القضاة سراج الدين عمر ابن إسحاق الهندي إلى أن مات في شهر ~~رجب سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، ثم ولي بعده قاضي القضاة صدر الدين ابن جمال ~~الدين التركماني إلى أن مات في ذي القعدة سنة ست وسبعين. فوليها بعده قاضي ~~القضاة نجم الدين بن الكشك، طلب من دمشق في المحرم سنة سبع وسبعين ~~وسبعمائة، ثم عزل عنها. وتولى من بعده قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي ~~العز الأذرعي، ثم اعتفى عنها. فتولاها قاضي القضاة شرف الدين أبو العباس ~~أحمد بن علي بن منصور في سنة سبع وسبعين، فاستمر إلى سادس عشرين رجب عزل. ~~ثم تولاها بعده قاضي القضاة جلال الدين جار الله، فاستمر قاضيا إلى أن مات ~~في يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة. فتولى بعده ~~قاضي القضاة صدر الدين محمد بن علي بن منصور في شهر رمضان سنة اثنتين ~~وثمانين وسبعمائة، فاستمر إلى أن مات في شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين ~~وسبعمائة. فتولاها بعده قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر ~~الطرابلسي، فاستمر إلى بعد فتنة الأتابك يلبغا الناصري ومنطاش مع الظاهر ~~برقوق سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة عزل عنها. ثم تولاها قاضي القضاة مجد ~~الدين إسماعيل بن إبراهيم الكناني، أقام فيها قليلا ثم عزل. ثم تولاها من ~~بعده قاضي القضاة جمال الدين محمود بن محمد بن علي بن عبد الله القيصري ~~العجمي مضافا لنظر الجيش، فاستمر إلى أن مات في ليلة الأحد سابع شهر ربيع ~~الأول سنة تسع وتسعين وسبعمائة. ثم تولاها من بعده قاضي القضاة شمس الدين ~~الطرابلسي ثانيا في الشهر والسنة، فاستمر إلى أن مات في آخر ms1494 السنة ~~المذكورة. وتولى بعده قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن موسى الملطي الحلبي ~~في يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمانمائة، طلب من حلب واستمر ~~إلى أن مات في ليلة الاثنين تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانمائة. ~~وتولاها من بعده قاضي القضاة أمين الدين عبد الوهاب ابن القاضي شمس الدين ~~الطرابلسي في يوم الخميس ثاني عشر جمادي الآخرة من السنة، فاستمر إلى سادس ~~عشرين شهر رجب سنة خمس وثمانمائة، عزل. فتولاها من بعده قاضي القضاة كمال ~~الدين عمر ابن إبراهيم بن محمد، بن العديم الحلبي، واستمر إلى أن مات في ~~ليلة السبت ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثمانمائة، ومولده بحلب ~~سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. فتولاها من بعده ابنه القاضي ناصر الدين محمد في ~~يوم الاثنين رابع عشر الشهر المذكور مضافا لمشيخة الشيخونية ، واستمر إلى ~~أن صرف. وأعيد القاضي أمين الدين الطرابلسي ثانيا في رابع عشرين شهر رجب من ~~سنة إحدى عشره وثمانمائة، فاستمر القاضي أمين الدين إلى سابع المحرم من سنة ~~اثنتي عشرة وثمانمائة صرف. وأعيد قاضي القضاة ناصر الدين ابن العديم ثانيا، ~~واستقر القاضي أمين الدين الطرابلسي في مشيخة الشيخونية عوضا عن ناصر الدين ~~ابن العديم المذكور. PageV02P0290 # قلت: وناصر الدين المذكور هو صهري زوج كريمتي. انتهى. واستمر ناصر الدين ~~ابن العديم إلى أن عزل، فتولاها قاضي القضاة صدر الدين علي بن محمد بن محمد ~~المعروف بابن الأدمي الدمشقي في سنة خمس عشرة وثمانمائة، واستمر إلى أن مات ~~في يوم السبت ثامن شهر رمضان من سنة ست عشرة وثمانمائة. ثم أعيد ناصر الدين ~~بن العديم ثالثا، فاستمر إلى أن مات في ليلة السبت تاسع شهر ربيع الآخر سنة ~~تسع عشرة وثمانمائة، وشغرت الوظيفة إلى أن طلب الملك المؤيد شيخ شمس الدين ~~محمد بن عبد الله بن سعد، الديري من القدس، وقدم القاهرة في ثالث عشر جمادى ~~الأولى من سنة تسع عشرة المذكورة، ونزل بقاعة الحنفية بالمدرسة الصالحية ~~إلى أن استقر في القضاء يوم الاثنين ms1495 سابع عشره، واستمر إلى أن عزل برغبة ~~منه. وتولاها من بعده قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن بن علي بن عبد ~~الرحمن التفهني في يوم الجمعة سادس ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، ~~واستمر إلى أن عزل. ثم تولاها من بعده قاضي القضاة بدر الدين محمود ابن ~~أحمد بن موسى، العيني في يوم الخميس سابع عشرين شهر ربيع الآخر سنة تسع ~~وعشرين وثمانمائة، واستقر التفهني المذكور في مشيخة خانقاه شيخون، بعد موت ~~شيخ الإسلام سراج الدين عمر قارئ الهداية، واستمر العيني إلى أن عزل. ثم ~~أعيد التفهني في يوم الخميس سادس عشرين صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، ~~فدام إلى أن صرف لطول مرضه. ثم أعيد قاضي القضاة العيني ثانيا في سابع ~~عشرين جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، فاستمر العيني إلى أن صرف ~~في دولة الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباي بقاضي القضاة سعد الدين ~~سعد ابن القاضي شمس الدين محمد بن الديري في أول سنة اثنتين وأربعين ~~وثمانمائة ... قلت: وهؤلاء القضاة الذين استجدهم الملك الظاهر بيبرس ~~البندقداري حسب ما ذكرناه في أول الترجمة. وذلك بعد انقضاء الدولة ~~الأيوبية. وأما قبل خراب الديار المصرية في الدولة العبيدية فكانت قضاة ~~الحنفية هم حكام مصر بل حكام المشرق والمغرب إلى حدود نيف وأربعمائة، لما ~~حمل المعز بن باديس الناس ببلاد المغرب على اتباع مذهب الإمام مالك - رضي ~~الله عنه - ثم ملكت العبيدية مصر فمحوا آثار السنة وولوا قضاة الشيعة وبطل ~~الأربعة مذاهب من مصر إلى أن زالت دولتهم وتولى السلطان صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب - رحمه الله - فولى قاضيا شافعيا فقط كونه كان شافعيا، وأذهب الرافضة، ~~واستمر ذلك نحو تسعين سنة حتى ولي الملك الظاهر بيبرس فجدد المذاهب الثلاثة ~~كما سقناه. انتهى. ### || AUT القضاة المالكية # فالذي كان أولهم ولاية في دولة الظاهر بيبرس هو القاضي شرف الدين عمر ~~السبكي المالكي تغمده الله برحمته وجميع المسلمين... ### || AUT قضاة الحنابلة # PageV02P0291 # فالذي ولاه الملك الظاهر بيبرس هو قاضي القضاة شمس الدين أبو بكر محمدا ms1496 ~~ابن العماد إبراهيم، الجماعيلي الحنبلي إلى أن امتحن وصرف في ثاني شعبان ~~سنة سبعين وستمائة، ولم يل بعد عزله بالقاهرة أحد من الحنابلة حتى توفي شمس ~~الدين المذكور في يوم الخميس في العشر الأول من المحرم سنة ست وسبعين. ثم ~~ولي قاضي القضاة عز الدين عمر بن عبد الله بن عوض في النصف من جمادى الأولى ~~سنة ثمان وسبعين، فاستمر حتى مات سنة ست وتسعين وستمائة. ثم تولى بعده قاضي ~~القضاة شرف الدين أبو محمد عبد الغني بن يحيى الحراني إلى أن مات في رابع ~~عشرين شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعمائة. ثم تولى بعده قاضي القضاة سعد ~~الدين مسعود بن أحمد الحارثي في ثالث شهر ربيع الآخر من السنة، وعزل بعد ~~سنتين ونصف بقاضي القضاة تقي الدين ابن قاضي القضاة عز الدين عمر في حادي ~~عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، بعدما شغر منصب القضاة ثلاثة ~~أشهر، فلم تطل أيامه وعزل بقاضي القضاة موفق الدين عبد الله بن محمد بن عبد ~~الملك المقدسي في نصف جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، فدام في ~~المنصب إلى أن مات في المحرم سنة تسع وستين وسبعمائة. ثم تولى عوضه قاضي ~~القضاة ناصر الدين نصر الله بن أحمد بن محمد العسقلاني حتى مات في ليلة ~~الحادي والعشرين من شهر شعبان سنة خمس وتسعين وسبعمائة. ثم تولى بعده ابنه ~~قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم ابن نصر الله حتى مات في ثامن شهر ربيع ~~الأول سنة اثنتين وثمانمائة. ثم تولى عوضه أخوه قاضي القضاة موفق الدين ~~أحمد بن نصر الله، فدام حتى صرف بقاضي القضاة نور الدين علي بن خليل بن علي ~~بن أحمد بن عبد الله الحكري، فلم تطل مدة الحكري وصرف. ثم أعيد موفق الدين ~~فاستمر إلى أن مات في سنة ثلاث وثمانمائة. ثم تولى بعده قاضي القضاة مجد ~~الدين سالم بن أحمد في ثالث عشرين شهر رمضان من سنة ثلاث فاستمر في القضاء ~~إلى أن صرف بقاضي القضاة علاء الدين ms1497 علي بن محمود بن أبي بكر بن مغلي في ~~حدود سنة ست عشرة وثمانمائة، فاستمر علاء الدين بن فغلي في القضاء إلى أن ~~توفي بالقاهرة في العشرين من صفر سنة ثمان وعشرين وثمانمائة. ثم تولى بعده ~~قاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي من التاريخ المذكور إلى ~~أن صرفه الملك الأشرف بقاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ابن علي، البغدادي ~~في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين، فدام القاضي عز الدين إلى أن صرف ~~في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر سنة ثلاثين وثمانمائة. ثم أعيد قاضي القضاة ~~محب الدين، واستمر إلى أن مات في يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى سنة ~~أربع وأربعين وثمانمائة. ثم تولى بعده قاضي القضاة بدر الدين محمد بن محمد ~~بن عبد المنعم البغدادي إلى أن مات في ليلة الخميس سابع جمادى الأولى سنة ~~سبع وخمسين وثمانمائة. ثم تولى بعده قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم ~~بن نصر الله العسقلاني، في يوم السبت تاسع جمادى الأولى المذكور. قلت: وقد ~~خرجنا عن المقصود في ترجمة الملك الظاهر بيبرس بالإطالة فيما ذكرناه، غير ~~أن ذلك كله هو أيضا مما يضاف إلى ترجمته، ولا بأس بالإطالة مع تحصيل ~~الفائدة، ولنعد إلى ذكر السلطان الملك الظاهر بيبرس. ثم أمر الملك الظاهر ~~بأن يعمل بدمشق أيضا كذلك في سنة أربع وستين فوقع ذلك، وولى بها قضاة ~~أربعة. ولما وقع ولايته القضاء من كل مذهب بدمشق اتفق أنه كان لقب ثلاثة ~~قضاة منهم شمس الدين، وهم: قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان ~~الشافعي، وقاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطا الأذرعي الحنفي، ~~وقاضي القضاة شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي، فقال بعض ~~الشعراء رحمه الله في هذا المعنى: (المجتث) أهل الشام استرابوا ... من كثرة ~~الحكام إذ هم جميعا شموس ... وحالهم في ظلام وقال غيره: (مجزوء الرمل) ~~بدمشق آية قد ... ظهرت للناس عاما كلما ولي شمس ... قاضيا زادت ظلاما ### || AUT ms1498 فتوحاته رحمه الله # PageV02P0292 # ثم سافر الملك الظاهر من مصر إلى البلاد الشامية في هذه السنة - أعني سنة ~~أربع وستين - فخرج منها في يوم السبت مستهل شعبان، وجعل نائبه بديار مصر ~~ولده الملك السعيد، وجعل الجيش في خدمته والوزير بهاء الدين بن حنا، وسار ~~الملك الظاهر حتى نزل عين جالوت وبعث عسكرا مقدمه الأمير جمال الدين أيدغدي ~~العزيزي، ثم عسكرا آخر مقدمه الأمير سيف الدين قلاوون الألفي للإغارة على ~~بلاد الساحل، فأغاروا على عكا وصور وطرابلس وحصن الأكراد وسبوا وغنموا ما ~~لا يحصى. ثم نزل الملك الظاهر بنفسه على صفد في ثامن شهر رمضان، ونصب عليها ~~المجانيق، ودام الاهتمام بعمل الآلات الحربية إلى مستهل شوال إذ شرع في ~~الزحف والحصار وأخذ النقوب من جميع الجهات إلى أن ملكها بكرة يوم الثلاثاء ~~خامس عشر شوال، واستمر الزحف والقتال ونصب السلالم على القلعة وتسلطت عليها ~~النقوب، والسلطان يباشر ذلك بنفسه، حتى طلب أهل القلعة الأمان على أنفسهم ~~وطلبوا اليمين على ذلك، فأجلس السلطان الملك الظاهر الأمير كرمون أغا ~~التتاري في دست السلطنة، وحضرت رسلهم فاستحلفوه فحلف لهم كرمون التتاري وهم ~~يظنونه الملك الظاهر، فإنه كان يشبه الملك الظاهر. وكان في قلب الملك ~~الظاهر منهم حزازة، ثم شرط عليهم ألا يأخذوا معهم من أموالهم شيئا. فلما ~~كان يوم الجمعة ثامن عشر شوال طلعت السناجق على قلعة صفد، ووقف الملك ~~الظاهر بنفسه على بابها وأخرج من كان فيها من الخيالة والرجالة والفلاحين، ~~ودخل الأمير بدر الدين بيليك الخازندار وتسلمها، واطلع على أنهم أخذوا شيئا ~~كثيرا من التحف له قيمة، فأمر الملك الظاهر بضرب رقابهم فضربت على ذل هناك. ~~وكتبت البشائر بهذا النصر إلى مصر والأقطار، وزينت الديار المصرية لذلك ثم ~~أمر الملك الظاهر بعمارة قلعة صفد وتحصينها ونقل الذخائر إليها والأسلحة، ~~وأزال دولة الكفر، منها، ولله الحمد، وأقطع بلدها لمن رتبه لحفظها من ~~الأجناد، وجعل مقدمهم الأمير علاء الدين البكي، وجعل في نيابة السلطنة ~~بالمدينة الأمير عز الدين العلائي، وولاية القلعة للأمير مجد الدين الطوري. ms1499 ~~ثم رحل الملك الظاهر إلى دمشق في تاسع عشر شوال. ولما كان الملك الظاهر ~~نازلا بصفد وصل إليه رسول صاحب صهيون بهدية جليلة ورسالة مضمونها الاعتذار ~~من تأخيره عن الحضور، فقبل الملك الظاهر الهدية والعذر. ثم وصلت رسل صاحب ~~سيس أيضا بهدية فلم يقبلها ولا سمع رسالتهم. ثم وصلت البريدية من متولي قوص ~~ببلاد الصعيد بخبر أنه استولى على جزيرة سواكن وأن صاحبها هرب، وأرسل يطلب ~~من الملك الظاهر الدخول في الطاعة وإبقاء سواكن عليه، فرسم له الملك الظاهر ~~بذلك. ثم رحل الملك الظاهر من دمشق يوم السبت ثالث في القعدة وأمر العساكر ~~بالتقدم إلى بلاد سيس للإغارة عليها، وقدم عليهم الملك المنصور صاحب حماة ~~وتدبير الأمور راجع إلى الأمير آق سنقر الفارقاني، فساروا حتى وصلوا إلى ~~الدرب الذي يدخلون منه إليها، وكان صاحبها قد بنى عليها أبرجة فيها ~~المقاتلة، فلما رأوا العسكر تركوها ومضوا فأخذها المسلمون وهدموها، ودخلوا ~~بلاد سيس فنهبوا وأسروا وقتلوا، وكان فيمن أسر ابن صاحب سيس وابن أخته ~~وجماعة من أكابرهم. ودخلوا المدينة يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة وأخذوا ~~منها ما لا يحصى كثرة، وعادوا نحو دمشق. فلما قاربوها خرج الملك الظاهر ~~لتلقيهم في ثاني ذي الحجة، واجتاز بقارة في سادسه، فأمر بنهبها وقتل من ~~فيها من الفرنج، فإنهم كانوا يخيفون السبيل ويستأسرون المسلمين، فأراح الله ~~منهم وجعلت كنيستها جامعا، ورتب بقارة خطيبا وقاضيا، ونقل إليها الرعية من ~~المسلمين، ثم التقى العساكر وخلع عليهم وعاد معهم، فدخل دمشق، والغنائم ~~والأسرى بين يديه، في يوم الاثنين خامس عشر شهر ذي الحجة فأقام بها مدة. ~~PageV02P0293 # ثم خرج منها طالبا الكرك في مستهل المحرم سنة خمس وستين وستمائة، وأمر ~~الملك الظاهر بعد خروجه من دمشق بعمارة جسر بالغور على نهر الشريعة، وكان ~~المتولي لعمارته جمال الدين محمد بن نهار وبدر الدين محمد بن رحال وهما من ~~أعيان الأمراء، ولما تكامل عمارته اضطرب بعض أركانه، فقلق الملك الظاهر ~~لذلك وأعاد الناس لإصلاحه فتعذر ذلك لزيادة الماء، فاتفق وقوف الماء ms1500 عن ~~جريانه حتى أمكن إصلاحه، فلما تم إصلاحه عاد الماء إلى حاله، قيل إنه كان ~~وقع في النهر قطعة كبيرة مما يجاوره من الأماكن العالية فسدته من غير قصد. ~~وهذا من عجيب الاتفاق. ثم عاد الملك الظاهر إلى ديار مصر، وعند عوده إليها ~~وصل إليه رسل صاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر ومعهم فيل ~~وحمار وحش أبيض وأسود وخيول وصيني وتحف، وطلب معاضدة الملك الظاهر له وشرط ~~له أن يخطب له ببلاده. ثم خرج السلطان في يوم السبت في ثاني جمادى الآخرة ~~إلى بركة الجب عازما على قصد الشام على حين غفلة، وجعل نائب السلطنة على ~~مصر الأمير بيليك الخازندار ورحل في سابع الشهر، فوردت عليه رسل صاحب يافا ~~في الطريق فاعتقلهم، وأمر العسكر بلبس آلة الحرب ليلا وسار فأصبح يافا، ~~وأحاط بها من كل جانب، فهرب من كان فيها من الفرنج إلى قلعتها، فملك ~~السلطان المدينة وطلب أهل القلعة الأمان، فأمنهم وعوضهم عما نهب لهم أربعين ~~ألف درهم، فركبوا في المراكب إلى عكا، وكان أخذ قلعة يافا في الثاني ~~والعشرين من الشهر المذكور وأمر بهدمها. فلما فرغ السلطان من هدمها رحل ~~عنها يوم الأربعاء ثاني عشر شهر رجب طالبا للشقيف، فنزل عليه يوم الثلاثاء ~~وحاصرها حتى تسلمها يوم الأحد تاسع عشرين رجب، وكان الملك الظاهر أيضا ملك ~~الباشورة بالسيف في السادس والعشرين منه. ثم رحل الملك الظاهر عنها بعد أن ~~رتب بها عسكرا في عاشر شعبان، وبعث أكثر أثقاله إلى دمشق وسار إلى طرابلس ~~فشن عليها الغارة وأخرب قراها وقطع أشجارها وغور أنهارها. ثم رحل إلى حصن ~~الأكراد ونزل بالمرج الذي تحته، فحضر إليه رسول من فيه بإقامة وضيافة، ~~فردها عليه وطلب منهم دية رجل من أجناده، كانوا قتلوه، مائة ألف دينار ~~فأرضوه. فرحل إلى حمص ثم إلى حماة ثم إلى أفامية ثم سار ونزل منزلة أخرى. ~~ثم رحل ليلا وأمر العسكر بلبس آلة الحرب، ونزل أنطاكية في غرة شهر رمضان، ~~فخرج إليه جماعة من أهلها ms1501 يطلبون الأمان وشرطوا شروطا لم يجب إليها وزحف ~~عليها فملكها يوم السبت رابع الشهر، ورتب على أبوابها جماعة من الأمراء ~~لئلا يخرج أحد من الحرافشة بشيء من النهب، ومن يوجد معه شيء يؤخذ منه، فجمع ~~من ذلك ما أمكن جمعه وفرقه على الأمراء والأجناد بحسب مراتبهم. وحصر من قتل ~~بأنطاكية فكانوا فوق الأربعين ألفا، وأطلق جماعة من المسلمين. كانوا فيها ~~أسراء من الحلبيين، وكتب البشائر بذلك إلى مصر وإلى سائر الأقطار. ~~وأنطاكية: ملينة عظيمة مشهورة، مسافة سورها اثنا عشر ميلا، وعدد أبراجها ~~مائة وستة وثلاثون برجا، وعدد شرفاتها أربع وعشرون ألفا. ولم يفتحها ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمه الله - فيما فتح . قلت: كم ترك ~~الأول للآخر. ولما ملك الملك الظاهر أنطاكية وصل إليه قصاد من أهل القصير ~~يطلبون تسليمها إليه، فسير السلطان الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني ~~بالعساكر إليها فوصلها ووجد أكثر أهلها قد برح منها، فتسلمها في ثالث عشر ~~شهر رمضان، وكان قد تسلم دركوش بواسطة فخر الدين الجناحي في تاسع شهر رمضان ~~وعاد إلى دمشق، فدخلها في سابع عشرين شهر رمضان، وعيد السلطان بقلعة دمشق. ~~ثم عاد إلى القاهرة فدخلها آخر نهار الأربعاء حادي عشر في الحجة. وبعد ~~وصوله بمدة جلس في الإيوان بقلعة الجبل يوم الخميس تاسع صفر، وأحضر القضاة ~~والشهود والأعيان وأمر بتحليف الأمراء ومقدمي الحلقة لولده الملك السعيد ~~بركة خان فحلفوا ثم ركب الملك السعيد يوم الاثنين العشرين من الشهر بأبهة ~~السلطنة في القلعة ومشى والده أمامه، وكتب تقليد له وقرئ على الناس بحضور ~~الملك الظاهر وسائر أرباب الدولة. PageV02P0294 # ثم في يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة خرج الملك الظاهر من القاهرة ~~متوجها إلى الشام ومعه الأمراء بأسرهم جرائد، واستناب بالديار المصرية في ~~خدمة ولده الأمير بدر الدين بيليك الخازندار. ومن هذا التاريخ علم الملك ~~السعيد على التواقيع وغيرها. ولما صار الملك الظاهر بدمشق وصلت إليه كتب ~~التتار ورسلهم، والرسل: محب الدين دولة خان، وسيف الدين سعيد ترجمان وآخر، ~~ومعهم جماعة من ms1502 أصحاب سيس، فأنزلهم السلطان بالقلعة وأحضرهم من الغد وأدوا ~~الرسالة ومضمونها: أن الملك أبغا بن هولاكو لما خرج من الشرق ملك جميع ~~البلاد ومن خالفه قتل وأنت - يعني للملك الظاهر لو صعدت إلى السماء أو هبطت ~~إلى الأرض ما تخلص منا، فالمصلحة أن تجعل بيننا صلحا، وأنت مملوك أبعت في ~~سيواس فكيف تشاقق ملوك الأرض وأولاد ملوكها، فأجابه في وقته بأنه في طلب ~~جميع ما استولوا عليه من العراق والجزيرة والروم والشام وسفرهم إليه بسرعة. ~~ثم في آخر شهر رجب خرج الملك الظاهر من دمشق ونزل خربة اللصوص فأقام بها ~~أياما، ثم ركب ليلة الاثنين ثامن عشر شعبان ولم يشعر به أحد وتوجه إلى ~~القاهرة على البريد بعد أن عرف الفارقاني أنه يغيب أياما معلومة، وقرر معه ~~أنه يحضر الأطباء كل يوم ويستوصف منهم ما يعالج به متوعك يشكو تغيير مزاجه، ~~ليوهم الناس أن الملك الظاهر هو المتوعك، فكان يدخل ما يصفونه إلى الخيمة ~~ليوهم العسكر صحة ذلك، وسار الملك الظاهر حتى وصل قلعة الجبل ليلة الخميس ~~حادي عشرين شعبان، فأقام بالقاهرة أربعة أيام، ثم توجه ليلة الاثنين خامس ~~عشرين الشهر على البريد، فوصل إلى المعسكر يوم تاسع عشرين الشهر. وكان غرضه ~~بهذا السفر كشف أحوال ولده الملك السعيد وغير ذلك. ثم في يوم الأحد سادس ~~عشر شهر رمضان تسلم نواب الملك الظاهر قلعة بلاطنس وقلعة كرابيل، من عز ~~الدين أحمد بن مظفر الدين عثمان بن منكورس صاحب صهيون، وعوضه غيرهما قرية ~~تعرف بالخميلة من أعمال شيزر. ثم في يوم الخميس العشرين من شهر رمضان توجه ~~الملك الظاهر إلى صفد فأقام بها يومين ثم شن الغارة على بلد صور، وأخذ منها ~~شيئا كثيرا. ثم عاد الملك الظاهر إلى دمشق وعيد بها. ثم خرج منها في خامس ~~عشرين شوال يريد الكرك فوصله في أوائل ذي القعدة. ثم توجه في سادسه إلى ~~الحجاز، وصحبته بيليك الخازندار والقاضي صدر الدين سليمان الحنفي وفخر ~~الدين إبراهيم بن لقمان وتاج الدين ابن الأثير ونحو ثلاثمائة ms1503 مملوك وجماعة ~~من أعيان الحلقة، فوصل المدينة الشريفة في العشر الأخير من الشهر فأقام بها ~~ثلاثة أيام. وكان جماز قد طرق المدينة وملكها، فلما قدم الظاهر هرب، فقال ~~الملك الظاهر: لو كان جماز يستحق القتل ما قتلته. لأنه في حرم النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم تصدق في المدينة بصدقات كثيرة، وخرج منها متوجها إلى ~~مكة فوصلها في ثامن ذي الحجة، فخرج إليه أبو نمي وعمه إدريس صاحبا مكة، ~~وبذلا له الطاعة فخلع عليهما وسارا بين يديه إلى عرفات، فوقف بها يوم ~~الجمعة ثم عاد إلى منى، ثم إلى مكة وطاف بها طواف الإفاضة، وصعد الكعبة ~~وغسلها بماء الورد وطيبها بيده، وأقام يوم الاثنين ثم ركب وتوجه إلى ~~المدينة الشريفة، فزار بها قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا. ثم توجه ~~إلى الكرك فوصله في يوم الخميس تاسع عشرين في الحجة فصلى به الجمعة. ثم ~~توجه إلى دمشق فوصل يوم الأحد ثاني المحرم سنة ثمان وستين وستمائة في ~~السحر، فخرج الأمير جمال الدين آقوش فصادفه في سوق الخيل واجتمع به. ثم سار ~~إلى حلب فوصلها في سادس المحرم. PageV02P0295 # ثم خرج منها في عاشره وسار إلى حماة ثم إلى دمشق ثم إلى مصر، وصحبته ~~الأمير عز الدين الأفرم فدخلها يوم الأربعاء رابع صفر، واتفق ذلك اليوم ~~دخول ركب الحاج، وكانت العادة يوم ذاك بدخول الحاج إلى القاهرة بعد عاشر ~~صفر، فأقام الملك الظاهر بالقاهرة أياما، وخرج منها في صفر المذكور إلى ~~الإسكندرية ومعه ولده الملك السعيد وسائر الأمراء فتصيد أياما وعاد إلى نحو ~~القاهرة في يوم الثلاثاء ثامن شهر ربيع الأول، وخلع في هذه السفرة على ~~الأمراء وفرق فيهم الخيل والحوائص الذهب والسيوف المحلاة والذهب والدراهم ~~والقماش وغير ذلك. فلم يقم بالقاهرة إلا مدة يسيرة، وخرج منها متوجها إلى ~~الشام في يوم الاثنين حادي عشرين شهر ربيع الأول في طائفة يسيرة من أمرائه ~~وخواصه، فوصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الآخر، ولقي أصحابه ~~في الطريق مشقة شديدة من ms1504 البرد. ثم خرج عقيب ذلك إلى الساحل وأسر ملك عكا، ~~وقتل وأسر وسبى. ثم قصد الغارة على المرقب فوجد من الأمطار والثلوج ما ~~منعه، فرجع إلى حمص فأقام بها نحو عشرين يوما. ثم خرج إلى جهة حصن الأكراد ~~ونزل تحتها، وأقام يركب كل يوم ويعود من غير قتال إلى الثامن والعشرين من ~~شهر رجب، فبلغه أن مراكب الفرنج دخلت ميناء الإسكندرية وأخذت مركبين ~~للمسلمين، فرحل من فوره إلى نحو الديار المصرية فوصلها ثاني عشر شعبان. ~~فحين دخوله إلى مصر أمر بعمارة القناطر التي على بحر أبي المنجا، وهي من ~~المباني العجيبة في الحسن والإتقان، وبينما هو في ذلك ورد عليه البريد من ~~الشام أن الفرنج قاصدون الساحل، والمقدم عليهم شارل أخوريدا فرنس، وربما ~~كان محطهم عكا، فتقدم الملك الظاهر إلى العسكر بالتوجه إلى الشام. ثم ورد ~~الخبر أيضا بأن اثني عشر مركبا للفرنج عبروا على الإسكندرية ودخلوا ميناءها ~~وأخذوا مركبا للتجار واستأصلوا ما فيه وأحرقوه، ولم يجسر والي الإسكندرية ~~أن يخرج الشواني من الصناعة لغيبة رئيسها في مهم استدعاه الملك الظاهر ~~بسببه. ولما بلغ الملك الظاهر ذلك بعث أمر بقتل الكلاب في الإسكندرية وألا ~~يفتح أحد حانوتا بعد المغرب ولا يوقد نارا في البلد ليلا، ثم تجهز بسرعة ~~وخرج نحو دمياط يوم الخميس خامس ذي القعدة في البحر. وفي ذي الحجة أمر ~~السلطان بعمل جسرين: أحدهما من مصر إلى الجزيرة - أعني الروضة، والآخر من ~~الجزيرة إلى الجيزة على مراكب لتجوز العساكر عليهما. ثم عاد الملك الظاهر ~~من دمياط بسرعة ولم يلق حربا. وخرج من مصر إلى عسقلان في يوم السبت عاشر ~~صفر سنة تسع وستين وستمائة في جماعة يسيرة من الأمراء والأجناد، فوصل إلى ~~عسقلان وهدم من سورها ما كان أهمل هدمه في أيام الملك الصالح، ووجد فيما ~~هدم كوزان مملوءان ذهبا مقدار ألفي دينار ففرقها على من صحبه، وورد عليه ~~الخبر وهو بعسقلان بأن عسكر ابن أخي بركة خان المغلي كسر عسكر أبغا بن ~~هولاكو، فسر الملك الظاهر بذلك ms1505 سرورا زائدا. وعاد إلى مصر يوم السبت ثامن ~~شهر ربيع الأول. وفي هذه السنة انتهى الجسر والقناطر الذي عمل على بحر أبي ~~المنجا، ووقف عليه الملك الظاهر وقفا يعمر منه ما دثر منه على طول السنين. ~~وفي هذه السنة أيضا بنى الملك الظاهر جامع المنشية، وأقيمت فيه الخطبة يوم ~~الجمعة ثامن عشرين شهر ربيع الآخر من سنة تسع وستين وستمائة المذكورة. ~~PageV02P0296 # ثم في السنة المذكورة أيضا خرج الملك الظاهر من الديار المصرية متوجها ~~إلى نحو حصن الأكراد في ثاني عشر جمادى الآخرة، ودخل دمشق يوم الخميس ثامن ~~شهر رجب، وكان معه في هذه السفرة ولده الملك السعيد والصاحب بهاء الدين بن ~~حنا، واستخلف بمصر الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني، وفي الوزارة الصاحب ~~تاج الدين بن حنا. ثم خرج الملك الظاهر من دمشق في يوم السبت عاشره وتوجه ~~بطائفة من العسكر إلى جهة، وولده وبيليك الخازندار بطائفة أخرى إلى جهة، ~~وتواعدوا الاجتماع في يوم واحد بمكان معين ليشنوا الغارة على جبلة ~~واللاذقية والمرقب وعرقة ومرقية والقليعات وصافيثا والمجدل وأنطرطوس، فلما ~~اجتمعوا على أن يشنوا الغارة فتحوا صافيثا والمجدل، ثم ساروا ونزلوا حصن ~~الأكراد يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رجب من سنة تسع وستين وستمائة، وأخذوا ~~في نصب المجانيق وعمل الستائر، ول!ذا الحصن ثلاثة أسوار، فاشتد عليه الزحف ~~والقتال وفتحت الباشورة الأولى يوم الخميس حادي عشرين الشهر، وفتحت الثانية ~~يوم السبت سابع شعبان، وفتحت الثالثة الملاصقة للقلعة في يوم الأحد خامس ~~عشره، وكان المحاصر لها الملك السعيد ابن الملك الظاهر ومعه بيليك ~~الخازندار وبيسري، ودخلت العساكر البلد بالسيف وأسروا من فيه من الجبلية ~~والفلاحين ثم أطلقوهم. فلما رأى أهل القلعة ذلك أذعنوا بالتسليم وطلبوا ~~الأمان، فأمنهم الملك الظاهر وتسلم القلعة يوم الاثنين ثالث عشرين شعبان، ~~وكتبت البشائر بهذا الفتح إلى الأقطار، وأطلق الملك الظاهر من كان فيها من ~~الفرنج فتوجهوا إلى طرابلس. ثم رحل الملك الظاهر بعد أن رتب الأمير عز ~~الدين أيبك الأفرم لعمارته، وأقيمت فيه الجمعة، ورتب نائبا وقاضيا. ms1506 ولما ~~وقع ذلك بعث صاحب أنطرطوس إلى الملك الظاهر يطلب المهادنة، وبعث إليه ~~بمفاتيح أنطرطوس فصالحه على نصف ما يتحصل من غلال بلده، وجعل عندهم نائبا ~~من قبله. ثم صالح صاحب المرقب على المناصفة أيضا، وذلك في يوم الاثنين ~~مستهل شهر رمضان من سنة تسع وستين، وقررت الهدنة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة ~~أيام . ثم سار الملك الظاهر في يوم الأحد رابع عشر شهر رمضان فأشرف على حصن ~~ابن عكار، وعاد إلى المرج فأقام به إلى أن سار ونزل على الحصن المذكور ~~ثانيا في يوم الاثنين ثاني عشرين شهر رمضان، ونصب المجانيق عليه في يوم ~~الثلاثاء. وفي يوم الأحد ثامن عشرينه رمى المنجنيق الذي قبالة الباب الشرقي ~~رميا كثيرا فخسف خسفا كبيرا إلى جانب البدنة، ودام ذلك إلى الليل فطلبوا ~~الأمان على أنفسهم من القتل وأن يمكنهم من التوجه إلى طرابلس فأجابهم، ~~فخرجوا يوم الثلاثاء سلخ الشهر، وكتبت البشائر بالفتح والنصر إلى سائر ~~الأقطار. ثم في يوم السبت رابع شوال خيم السلطان الملك الظاهر بعساكره على ~~طرابلس فسير صاحبها إليه يستعطفه فبعث إليه الملك الظاهر الأتابك وسيف ~~الدين الدوادار الرومي على أن يكون له من أعمال طرابلس نصف بالسوية، وأن ~~يكون له دار وكالة فيها، وأن يعطى جبلة واللاذقية بخراجهما من يوم خروجهما ~~عن الملك الناصر إلى يوم تاريخه، وأن يعطى نفقات العساكر من يوم خروجه، ~~فلما علم الرسالة عزم على القتال وحصن طرابلس، فنصب الملك الظاهر المجانيق، ~~ثم ترددت الرسل ثانيا وتقرر الصلح أن تكون عرقة وجبلة وأعمالها للبرنس صاحب ~~طرابلس، وأن يكون ساحل أنطرطوس والمرقب وبانياس وبلاد هذه النواحي بينه ~~وبين الداوية، والتي كانت خاصا لهم، وهي بارين وحمص القديمة تعود خاصا ~~للملك الظاهر، وشرط أن تكون عرقة وأعمالها، وهي ست وخمسون قرية، صدقة من ~~الملك الظاهر عليه، فتوقف صاحب طرابلس وأنف، فلما بلغ الملك ؟؟؟؟؟؟نقص صفحة ~~138 - 139 الظاهر امتناعه صمم على ما شرط عليه حتى أجابه، وعقد الصلح ~~بينهما مدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام. ms1507 وفي يوم السبت حادى عشر شوال ~~رحل الملك الظاهر عن مرج صافيثا، وأذن إلى صاحب حماة وصاحب حمص بالعود إلى ~~بلادهم، وسار الظاهر حتى دخل دمشق يوم الأربعاء خامس عشر شوال، وعزل القاضي ~~شمس الدين أحمد بن خلكان عن قضاء دمشق، وكانت مدة ولايته عشر سنين، وولى ~~عوضه القاضي عزالدين محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق المعروف بابن ~~الصائغ. PageV02P0297 # ثم في يوم الجمعة رابع عشرين شوال خرج الملك الظاهر من دمشق قاصدا القرين ~~، فنزل عليه يوم الاثنين سابع عشرين الشهر، ونصب عليه المجانيق، ولم يكن به ~~نساء ولا أطفال بل مقاتلة، فقاتلوا قتالا شديدا، وأخذت النقوب للحصن من كل ~~جانب، فطلب من فيه الأمان، فأمنوا يوم الاثنين ثالث عشر ذي القعدة، وتسلم ~~السلطان الحصن بما فيه من السلاح ثم هدمه ؛ وكان بناؤه من الحجر الصلد وبين ~~كل حجرين عود حديد ملزوم بالرصاص، فأقاموا في هدمه اثني عشريوما وفي حصاره ~~خمسة عشريوما. وفي يوم الاثنين سادس عشرين الشهر نزل الملك الظاهر على ~~كردانة - قرية قريبة من عكا - ولبس العسكر وسار إلى عكا وأشرف عليها، ثم ~~عاد إلى منزله. ثم رحل منها يوم الثلاثاء قاصدا مصر، فدخلها يوم الخميس ~~ثالث عشر ذي الحجة، وكان جملة ما صرفه الملك الظاهر في هنه السفرة من حين ~~خروجه من مصر إلى حين عوده إليها ما ينيف على مائة ألف دينار وثمانين ألف ~~دينار عينا. وفي اليوم الثاني من وصوله إلى قلعة الجبل قبض على جماعة من ~~الأمراء منهم: الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير، الذي كان تسلطن بدمشق ~~في أول سلطنة الملك الظاهر بيبرس، والأمير جمال الدين آقوش المحمدي، ~~والأمير جمال الدين أيدغدي الحاجبي الناصري، والأمير شمس الدين سنقر المساح ~~والأمير سيف الدين بيدغان الركني والأمير علم الدين سنجر طرطح وغيرهم، ~~وحبسوا الجميع بقلعة الجبل؟ وسبب ذلك أنه بلغه أنهم تآمروا على قبضه لما ~~كان بالشقيف، فأسرها في نفسه إلى وقتها. وكان بلغ الملك الظاهر وهوعلى حصن ~~الأكراد أن صاحب قبرص خرج منها في ms1508 مراكبه إلى عكا، فأراد السلطان اغتنام ~~خلوها، فجهز سبعة عشر شينيأ، فيها الرئيس ناصر الدين عمربن منصور رئيس مصر ~~وشهاب الدين محمد بن إبراهيم بن عبد السلام رئيس الإسكندرية، وشرف الدين، ~~علوي بن أبي المجد بن علوي العسقلاني رئيس دمياط، وجمال الدين مكي بن حسون ~~مقدمأ على الجميع؟ فوصلوا الجزيرة ليلا، فهاجت عليهم ريح طردتهم عن المرسى، ~~وألقت بعض الشواني على بعض، فتحطم منها أكثر من أحد عشر شينيا وأخذ من فيها ~~من الرجال والصناع أسراء، وكانوا زهاء ألف وثمانمائة نفس، وسلم الرئيس ~~ناصرالدين وابن حسون في الشواني السالمة، وعادت إلى مراكزها فعظم ذلك على ~~الملك الظاهر بيبرس إلى الغاية . وفي يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة أمر ~~الملك الظاهر بإراقة الخمور في سائر بلاده، وأوعد من يعصرها بالقتل، فأريق ~~على الأجناد والعوام منها ما لا تحصى قيمته، وكان ضمان ذلك في ديار مصر ~~خالصة ألف دينار في كل يوم، وكتب بذلك توقيع قرىء على منبر مصر والقاهرة ~~وفي العشر الأخير من ذي الحجة آهتم الملك الظاهر بإنشاء شوان عوضأ عما ذهب ~~على قبرص، وانتهى العمل من الشواني في يوم الأحد رابع عشر المحرم سنة ~~سبعين، وركب السلطان إلى الصناعة لإلقاء الشواني في بحر النيل، وركب ~~السلطان في شيني منها ومعه الأمير بدر الدين بيليك الخازندار، فلما صار ~~الشيني في الماء مال بمن فيه فوقع الخازندار منه إلى البحر، فنهض بعض رجال ~~الشيني ورمى بنفسه خلفه فأدركه وأخذ بشعره وخلصه، وقد كاد يهلك، فخلع عليه ~~الملك الظاهر وأحسن إليه. وفي ليلة السبت السابع والعشرين منه خرج الملك ~~الظاهر من الديار المصرية إلى الشام في نفر يسير من خواصه وأمرائه ودخل حصن ~~الكرك، وخرج منه وصحب معه نائبه الأمير عز الدين أيدمر وسار إلى دمشق، فوصل ~~إليه يوم الجمعة ثاني عشر صفر، فعزل عنها الأمير جمال الدين آقوش النجيبي، ~~وولى مكانه الأمير عز الدين أيدمر المعزول عن نيابة الكرك. ثم خرج منها إلى ~~حماة في سادس عشره ثم عاد منها في ms1509 السادس والعشرين. PageV02P0298 # وفيها أمر ملك التتار أبغا بن هولاكو عساكره بقصد البلاد الشامية، فخرج ~~عسكره في عدة عشرة آلاف فارس وعليهم الأمير صمغرا والبرواناه، فلما بلغهم ~~أن الملك الظاهر بالشام أرسلوا ألفا وخمسمائة من المغل ليتجسسوا الأخبار ~~ويغيروا على أطراف بلاد حلب، وكان مقدمهم أمال بن بيجونوين ووصلت غارتهم ~~إلى عينتاب ثم إلى قسطون ووقعوا على تركمان نازلين بين حارم وأنطاكية ~~فاستأصلوهم، فتقدم الملك الظاهر بتجفيل البلاد ليحمل التتار الطمع فيدخلوا ~~فيتمكن منهم. وبعث إلى مصر بخروج العساكر فخرجت ومقدمها الأمير بيسري، ~~فوصلوا إلى السلطان في خامس شهر ربيع الآخر، وخرج بهم في السابع منه، فسبق ~~إلى التتار خبره، فولوا على أعقابهم. وكان الظاهر لما مر بحماة استصحب معه ~~الملك المنصور صاحب حماة، ونزل الظاهر حلب يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربع ~~الآخر من سنة سبعين وستمائة وخيم بالميدان الأخضر، ثم جهز الأمير شمس الدين ~~آق سنقر الفارقاني في عسكر وأمره أن يمضي إلى بلاده حلب الشمالية ولا يتعرض ~~لبلاد صاحب سيس، وجهز الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري في عسكر وأمره ~~بالتوجه إلى حران. فاما الفارقاني فإنه سار خلف التتار إلى مرعش فلم يجد ~~منهم أحدا، ثم عاد إلى حلب فوجد الملك الظاهر مقيما بها، وقد أمر بإنشاء ~~دار شمالي القلعة كانت تعرف بدار الأمير بكتوت، أستادار الملك الناصر صلاح ~~الدين يوسف صاحب حلب وأضاف إليها دارا أخرى، ووكل بعمارتها الأمير عز الدين ~~آقوش الأفرم. ولفا عاد الفارقاني إلى حلب رحل الملك الظاهر منها نحو الديار ~~المصرية في ثامن عشرين شهر ربيع الآخر، ودخل مصر في الثالث والعشرين من ~~جمادى الأولى. ولما وصل الظاهر إلى مصر قبض على الأمراء الذين كانوا مجردين ~~على قاقون بسبب الفرنج لما أغاروا على الساحل ما عدا آقوش الشمسي ثم شفع ~~فيهم فأطلقهم. وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة عدى الملك الظاهر إلى بر ~~الجيزة فأخبر أن ببوصير السدر مغارة فيها مطلب ، فجمع لها خلقا فحفروا مدى ~~بعيدا، فوجدوا قطاطا ميتة وكلاب صيد وطيورا وغير ms1510 ذلك من الحيوانات ملفوفا ~~في عصائب وخرق، فإذا حلت اللفائف ولاقى الهواء ما كان فيها صار هباء ~~منثورا، وأقام الناس ينقلون من ذلك مدة ولم ينفد ما فيها، فأمر الملك ~~الظاهر بتركها وعاد من الجيزة. وفي يوم السبت سابع عشرين جمادى الآخرة ركب ~~السلطان الملك الظاهر إلى الصناعة ليرى الشواني التي عملت وهي أربعون شينيا ~~فسر بها. وعند عوده إلى القلعة ولدت زرافة بقلعة الجبل وأرضع ولدها لبن ~~بقرة . ثم سافر الملك الظاهر إلى الشام في شعبان وسار حتى وصل الساحل وخيم ~~بين قيسارية وأرسوف، وكان مركزا بها الفارقاني فرحل الفارقاني عنها إلى ~~مصر. ثم إن الملك الظاهر شن الغارة على عكا، فطلب منه أهلها الصلح وترددوا ~~في ذلك حتى تقررت الهدنة بينهم مدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ~~ساعات، أولها ثاني عشرين شهر رمضان سنة سبعين وستمائة. ثم رحل الملك الظاهر ~~إلى خربة اللصوص، ثم سار منها إلى دمشق فدخلها في الثامن من شوال، وبينما ~~هو في دمشق ترددت الرسل بينه وبين التتار وانفصل الأمر من غير اتفاق. وفي ~~ذي الحجة توجه الملك الظاهر من دمشق إلى حصن الأكراد لينقل حجارة المجانيق ~~إليها ورؤية ما عمر فيها ففعل ذلك. ثم سار إلى حصن عكار فأشرف عليها. ثم ~~عاد إلى دمشق في خامس المحرم من سنة إحدى وسبعين وستمائة. وفي ثاني عشر ~~المحرم المذكور أفرج الملك الظاهر عن الأمير أيبك النجيبي الصغير، وأيدمر ~~الحلي العزيزي وكانا محبوسين بالقاهرة. PageV02P0299 # ثم خرج الملك الظاهر من دمشق في المحرم أيضا عائدا إلى الديار المصرية ~~وصحبته الأمير بدر الدين بيسري والأمير آقوش الرومي وجرمك الناصري، فوصل ~~إليها في يوم السبت ثالث عشرين المحرم، فأقام بالقاهرة إلى ليلة الجمعة ~~تاسع عشرينه، خرج من مصر وتوجه إلى دمشق فدخل قلعتها ليله الثلاثاء رابع ~~صفر، فأقام بدمشق إلى خامس جمادى الأولى. واتصل به أن فرقة من التتار قصدت ~~الرحبة، فبرز إلى القصير فبلغه أنهم عادوا من الرحبة ونزلوا على البيرة، ~~فسار إلى حمص وأخذ مراكب ms1511 الصيادين على الجمال ليجوز عليها، ثم سار حتى وصل ~~إلى الباب من أعمال حلب، وبعث جماعة من الأجناد والعربان لكشف أخبارهم، ~~وسار إلى منبج، فعادوا وأخبروا أن طائفة من التتار مقدار ثلاثة آلاف فارس ~~على شط الفرات مما يلي الجزيرة فرحل عن منبج يوم الأحد ثامن عشر جمادى ~~الأولى ووصل شط الفرات، وتقدم إلى العسكر بخوضها، فخاض الأمير سيف الدين ~~قلاوون الألفي والأمير بدر الدين بيسري في أول الناس، ثم تبعهما هو بنفسه ~~وتبعته العساكر، فوقعوا على التتار فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا تقدير ~~مائتي نفس ولم ينج منهم إلا القليل، وتبعهم بيسري إلى قريب سروج ثم عاد. ~~وكان على البيرة جماعة كثيرة من عسكر التتار، وكانوا قد أشرفوا على أخذها، ~~فلما بلغهم الخبر رحلوا عن البيرة، ودخلها السلطان في ثاني عشرين الشهر ~~وخلع على نائبها وفرق في أهلها مائة ألف درهم، وأنعم عليهم ببعض ما تركه ~~التتار عندهم لما هربوا. ثم رحل الملك الظاهر عنها بعساكره وعاد إلى دمشق. ~~وفي هذه النصرة قال العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود كاتب الإنشاء - ~~رحمه الله - قصيدة طنانة، أولها: الكامل، سر حيث شئت لك المهيمن جار ... ~~واحكم فطوع مرادك الأقدار لم يبق للدين الذي أظهرته ... يا ركنه عند ~~الأعادي ثار لما تراقصت الرؤوس وحركت ... من مطربات قسيك الأوتار خضت ~~الفرات بسابح أقصى منى ... هوج الصبا من نعله آثار حملتك أمواج الفرات ومن ~~رأى ... بحرا سواك تقله الأنهار وتقطعت فرقا ولم يك طودها ... إذ ذاك إلا ~~جيشك الجرار رشت دماؤهم الصعيد فلم يطر ... منهم على الجيش السعيد غبار ~~شكرت مساعيك المعاقل والورى ... والترب والآساد والأطيار هذي منعت وهؤلاء ~~حميتهم ... وسقيت تلك وعم ذا الإيسار فلأملأن الدهر فيك مدائحا ... تبقى ~~بقيت وتذهب الأعصار وهي أطول من ذلك. وقال الشيخ ناصر الدين حسن ابن النقيب ~~الكناني الشاعر - رحمه الله تعالى - قصيدة وكان حاضرا الوقعة منها: الطويل، ~~ولما ترامينا الفرات بخيلنا ... سكناه منا بالقوى والقوائم فأوقفت التيار ~~عن جريانه ... إلى حيث عدنا بالغنى والغنائم وقال الموفق ms1512 عبد الله بن عمر ~~الأنصاري - رحمه الله - وأجاد: السريع، الملك الظاهر سلطاننا ... نفديه ~~بالأموال والأهل اقتحم الماء ليطفي به ... حرارة القلب من المغل ثم توجه ~~الملك الظاهر إلى نحو الديار المصرية، فخرج ولده الملك السعيد لتلقيه في ~~يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة، فاجتمع به بين القصير والصالحية في ~~يوم الجمعة ثاني عشرينه، فترجلا واعتنقا طويلا، ثم ركبا وسارا جميعا إلى ~~القلعة وبين يديهم أسارى التتار ركابا على الخيل. ثم في سابع شهر رجب أفرج ~~الملك الظاهر عن الأمير عز الدين أيبك الدمياطي من الاعتقال، وكانت مدة ~~اعتقاله تسع سنين وعشرة أيام، ثم خلع الملك الظاهر على أمراء الدولة ومقدمي ~~الحلقة وأعطى كل واحد منهم ما يليق به من الخيل والذهب والحوائص والثياب ~~والسيوف، وكان قيمة ما صرفه فيهم فوق ثلاثمائة ألف دينار. وفي سادس عشرين ~~شعبان أفرج الملك الظاهر عن الأمير علم الدين سنجر الحلبي الغتمي المعزي. ~~وفي يوم الاثنين ثاني عشر شوال استدعى الملك الظاهر الشيخ خضرا إلى القلعة ~~وأحضره بين يديه. PageV02P0300 # قلت: والشيخ خضر هذا هو صاحب الزاوية بالحسينية بالقرب من جامح الظاهر. ~~انتهى. وأحضر معه جماعة من الفقراء حاققوه على أشياء كثيرة منكرة، وكثر ~~بينه وبينهم فيها المقالة ورموه بفواحش كثيرة ونسبوه إلى قبائح عظيمة، فرسم ~~الملك الظاهر باعتقاله، وكان للشيخ خضر المذكور منزلة عظيمة عند الملك ~~الظاهر بحيث إنه كان ينزل عنده في الجمعة المرة والمرتين ويباسطه ويمازحه ~~ويقبل شفاعته ويستصحبه في سائر سفراته، ومتى فتح مكانا أفرض له منه أوفر ~~نصيب، فامتدت يد الشيخ خضر بذلك في سائر المملكة يفعل ما يختار لا يمنعه ~~أحد من النواب، حتى إنه دخل إلى كنيسة قمامة ذبح قسيسها بيده، وانتهب ما ~~كان فيها تلامذته، وهجم كنيسة اليهود بدمشق ونهبها، وكان فيها ما لا يعبر ~~من الأموال، وعمرها مسجدا وعمل بها سماعا ومد بها سماطا. ودخل كنيسة ~~الإسكندرية وهي عظيمة عند النصارى فنهبها وصيرها مسجدا، وسماها المدرسة ~~الخضراء، وأنفق في تعميرها مالا كثيرا من بيت المال. وبنى له ms1513 الملك الظاهر ~~زاوية بالحسينية ظاهر القاهرة ووقف عليها وحبس عليها أرضا تجاورها تحتكر ~~للبناء. وبنى لأجله جامع الحسينية. وفي يوم الاثنين سابع المحرم سنة اثنتين ~~وسبعين وستمائة جلس الملك الظاهر بدار العدل وحكم بين الناس ونظر في أمور ~~الرعية، فأنصف المظلوم وخلص الحقوق ومال على القوي ورفق بالضعيف. وفي ~~العاشر منه هدمت غرفة على باب قصر من قصور الخلفاء الفاطميين بالقاهرة. ~~ويعرف هذا الباب بباب البحر، وهو من بناء الخليفة الحاكم بأمر الله منصور ~~المقدم ذكره، فوجد في القصر الذي هدم امرأة في صندوق منقوش عليها كتابة اسم ~~الملك الظاهر بيبرس هذا وصفته، وبقي منها ما لم يمكن قراءته. وفيها قبض على ~~ملك الكرج، وهو أنه كان قد خرج من بلاده قاصدا زيارة القدس الشريف متنكرا ~~في زي الرهبان ومعه جماعة يسيرة من خواصه، فسلك بلاد الروم إلى سيس فركب ~~البحر إلى عكا، ثم خرج منها إلى بيت المقدس فاطلع الأمير بدر الدين ~~الخازندار على أمره وهو على يافا، فبعث إليه من قبض عليه، فلما حضر بين ~~يديه بعثه مع الأمير ركن الدين منكورس إلى السلطان، وكان السلطان قد توجه ~~إلى دمشق فوصل إلى دمشق في رابع عشر جمادى الأولى، فأقبل عليه السلطان ~~وسأله حتى اعترف، فحبسه في برج من أبراج قلعة دمشق، وأمره أن يبحث من جهته ~~إلى بلاده من يعرفهم بأسره، فبعث نفرين. وخرج الملك الظاهر من دمشق ثالث ~~عشرين جمادى الآخرة، وقدم القاهرة يوم الخميس سابع شهر رجب من سنة اثنتين ~~وسبعين المذكورة. ثم في يوم الخميس خامس عشرين شهر رمضان أمر السلطان ~~العسكر أن يركب بالزينة الفاخرة ويلعب في الميدان تحت القلعة، فاستمر ذلك ~~كل يوم إلى يوم عيد الفطر ختن السلطان الملك الظاهر ولده خضرا ومعه جماعة ~~من أولاد الأمراء وغيرهم، وكان الملك السعيد ابن الملك الظاهر في يوم ~~الأربعاء سابع عشر شهر رمضان خرج من القاهرة وتوجه إلى دمشق ومعه شمس الدين ~~آقسنقر الفارقاني وأربعون نفرا من خواصه على خيل البريد، وعاد إلى القاهرة ms1514 ~~في يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال. وفي يوم الأحد سابع صفر من سنة ~~ثلاث وسبعين وستمائة ركب الملك، الظاهر الهجن وتوجه إلى الكرك ومعه بيسري ~~وأتامش السعدي، وسبب توجهه أن وقع بالكرك برج فأحب أن يكون إصلاحه بحضوره. ~~ثم عاد إلى مصر فدخلها في يوم الثلاثاء ثاني عشرين شهر ربيع الأول، فأقام ~~بها مدة يسيرة. PageV02P0301 # ثم توجه إلى دمشق وأقام به إلى أن أرسل في رابع عشرين المحرم سنة أربع ~~وسبعين وستمائة الأمير بدر الدين بيليك الخازندار على البريد إلى مصر ~~لإحضار الملك السعيد، فعاد به إلى دمشق في يوم الأربعاء سادس صفر من السنة. ~~وفي الثالث والعشرين من جمادى الأولى فتح حصن القصير وهو بين حارم ~~وأنطاكية، وكان فيه قسيس عظيم عند الفرنج يقصدونه للتبرك به، وكان الملك ~~الظاهر قد أمر التركمان وبعض العرب بمحاصرته، وبعد أخذه عاد الملك الظاهر ~~إلى مصر فلم تطل مدته به وعاد إلى دمشق، فدخله يوم ثالث المحرم من سنة خمس ~~وسبعين، فأقام به مدة يسيرة أيضا، وعاد إلى الديار المصرية في يوم الاثنين ~~ثالث شهر ربيع الآخر، وأمر بعمل عرس ولده الملك السعيد، واهتم في ذلك إلى ~~يوم الخميس خامس جمادى الأولى أمر العسكر بالركوب إلى الميدان الأسود تحت ~~القلعة في أحسن زي، وأقاموا يركبون كل يوم كذلك ويتراكضون في الميدان، ~~والناس تزدحم للفرجة عليهم خمسة أيام، وفي اليوم السادس افترق الجيش ~~فرقتين، وحملت كل فرقة على الأخرى وجرى من اللعب والزينة ما لا يوصف، وفي ~~اليوم السابع خلع على سائر الأمراء والوزراء والقضاة والكتاب والأطباء ~~مقدار ألف وثلاثمائة خلعة، وأرسل إلى دمشق الخلع ففرقت كذلك، وفي يوم ~~الخميس مد السماط في الميدان المذكور في أربعة خيم، وحضر السماط من علا ومن ~~دنا، ورسل التتار ورسل الفرنج، وعليهم الخلع أيضا، وجلس السلطان في صدر ~~الخيمة على تخت من آبنوس وعاج مصفح بالذهب مسمر بالفضة غرم عليه ألف دينار، ~~ولما انقضى السماط قدم الأمراء الهدايا من الخيل والسلاح والتحف وسائر ~~الملابس، فلم يقبل ms1515 السلطان من أحد منهم سوى ثوب واحد جبرا له، فلما كان وقت ~~العصر ركب إلى القلعة وأخذ في تجهيز ما يليق بالزفاف والدخول، ولم يمكن أحد ~~من نساء الأمراء على الإطلاق من الدخول إلى البيوت، ودخل الملك السعيد إلى ~~الحمام ثم دخل إلى بيته الذب هيئ له بأهله، وحملت العروس فدخل عليها. ولما ~~بلغ الملك المنصور صاحب حماة ذلك قدم القاهرة مهنئا للسلطان ومعه هدية ~~سنية، فوصل القاهرة في ثامن جمادى الآخرة، فركب الملك السعيد لتلقيه ونزل ~~بالكبش ، وأقام مدة يسيرة ثم عاد إلى بلده. ثم خرج الملك الظاهر بعد ذلك من ~~القاهرة في يوم الخميس العشرين من شهر رمضان بعد أن استناب الأمير آق سنقر ~~الفارقاني الأستادار نائبا عنه في خدمة ولده الملك السعيد، وترك معه من ~~العسكر بالديار المصرية لحفظ البلاد خمسة آلاف فارس، ورحل من المنزلة يوم ~~السبت ثاني عشر شوال قاصدا بلاد الروم فدخل دمشق ثم خرج منها ودخل حلب يوم ~~الأربعاء مستهل ذي القعدة، وخرج منها يوم الخميس إلى حيلان، فترك بها بعض ~~الثقل، وأمر الأمير نور الدين علي بن مجلي نائب حلب أن يتوجه إلى الساجور ~~ويقيم على الفرات بمن معه من عسكر حلب ويحفظ معابر الفرات لئلا يعبر منها ~~أحد من التتار قاصدا الشام، ووصل إلى الأمير نور الدين الأمير شرف الدين ~~عيسى بن مهنا وأقام عنده، فبلغ نواب التتار ذلك فجهزوا إليهم جماعة من عرب ~~خفاجة لكبسهم فحشدوا وتوجهوا نحوهم. فاتصل بالأمير علي نائب حلب الخبر وكان ~~يقظا، فركب إليهم وآلتقاهم وكسرهم أقبح كسرة، وأخذ منهم ألفآ ومائتي ~~جمل.وأما الملك الظاهر فإنه ركب من حيلان يوم الجمعة ثالث الشهر، وسار ~~إلىعينتاب، ثم إلى دلوك ، ثم إلى منزلة أخرى ثم إلى كينوك ، ثم إلى كك صو ~~ومعناه الماء الأزرق باللغة التركيسة ثم رحل عنه إلى أقجادربند فقطعه في ~~نصف نهار؟ فلما خرجت عساكره وملكت المفاوز، قدم الأمير شمس الدين سنقر ~~الأشقر على جماعة من العسكر وأمره بالمسير بين يديه، فوقع على كتيبة التتار ms1516 ~~و عدتهم ثلاثة آلاف فارس، ومقدمهم كراي فهزمهم !سنقر الأشقر وأسر منهم ~~طائفة، .ذ لك في يوم الخميس تاسع ذي القعدة. PageV02P0302 # ثم ورد الخبر على الملك الظاهر بأن عسكر الروم والتتار مع البرواناه ~~اجتمعوا على نهر جيحان ، فلما صعد العسكر الجبل أشرف على صحراءابلستين ~~فشاهد التتار قد رتبوا عساكرهم أحد عشرطلبا في كل طلب ألف فارس،وعزلوا ~~عسمكر الروم عنهم خوفا من باطن يكون لهم مع المسلمين، وجعلوا عسكر الكرج ~~طلبا واحدا ؛ فلما تراءى الجمعان حملت ميسرة الئتار حملة واحدة وصدمواسجق ~~الملك الظاهر، ودخلت طائفة منهم بينهم، وشقوا الميسرة وساقوا إلى الميمنة؟ ~~فلما رأى الملك الظاهر ذلك أردفهم بنفسه، ثم لاحت منه التفاتة فرأى الميسرة ~~قد أتت عليها ميمنة التتار، فأمر الملك الظاهر جماعة من أصحابه الشجعان ~~بإردافها، ثم حمل هو بنفسه - رحمه الله - فلفا رأته العساكر حملت نحوه ~~برمتها حملة رجل واحد، فترخل التتار عن خيولهم وقاتلوا قتال الموت فلم يغن ~~عنهم ذلك شيئأ، وصبر لهم الملك الظاهر وعسكره وهو يكر في القوم كالأسد ~~الضاري ويقتحم الآهوال بنفسه ويشجع أصحابه ويطيب لهم الموت في الجهاد إلى ~~أن أنزل الله تعالى نصره عليه، وآنكسر التتار أقبح كسرة وقتلوا وأسروا وفر ~~من نجا منهم، فآعتصموا بالجبال، فقصدتهم العساكر الإسلامية وأحاطوا بهم، ~~فترجلوا عن خيولهم وقاتلوا فقتل منهم جماعة كثيرة، وقتل ممن قاتلهم من ~~عساكر المسلمين الأمير ضياء الدين ابن الخطير، وكان من الشجعان الفرسان، ~~والأمير شرف الدين قيران العلائي، والأمير عز الدين أخو المحمدي، وسيف ~~الدين قفجاق الجاشنكير، والأمير أيبك الشقيفي - رحمهم الله تعالى وأسكنهم ~~الجنة - . وأسر من كبار الروميين مهذب الدين ابن معين الدين البرواناه، ~~وآبن بنت معين الدين المذكور، والأمير نورالدين جبريل أبن جاجا، ، والأمير ~~قطب الدين محمود أخو مجد الدين الأتابك، والأمير سراج الدين إسماعيل أبن ~~جاجا، ، والأمير سيف الدين سنقرجاه الزوباشي، والأمير نصرة الدين بهمن أخو ~~تاج الدين كيوي يعني الصهر صاحب سيواس ، والأمير كمال الدين إسماعيل عارض ~~الجيش، والأمير حسام الدين كاوك ، والأمير سيف الدين بن الجاويش، ms1517 والأمير ~~شهاب الدين غازي بن علي شير التركماني، فوبخهم السلطان الملك الظاهر من ~~كونهم قاتلوه في مساعدة التتار الكفرة، ثم سلمهم لمن آحتفظ بهم. وأسر من ~~مقد مي التتار على الألوف والمئين بركة " صهر أبغا بن هولاكو ملك التتار، ~~وسرطق، وخيز كدوس وسركده وتماديه. ولما أسر من أسر وقتل من قتل نجا ~~البرواناه وساق حتى دخل قيصرية يوم الأحد ثاني عشر ذي القعدة واجتمع ~~بالسلطان غياث الدين، والصاحب فخر الدين، والأتابك مجد الدين، والأمير جلال ~~الدين المستوفي، والأمير بدر الدين ميكائيل النائب فأخبرهم بالكسرة، وقال ~~لهم: إن التتار المنهزمين متى دخلوا قيصرية فتكوا بمن فيها حنقا على ~~المسلمين، وأشار عليهم بالخروج منها فخرج السلطان غياث الدين بأهله وماله ~~إلى توقات وبينها وبين قيصرية أربعة أيام. وعملت شعراء الإسلام في هذه ~~الوقعة عدة قصائد ومدائح، من ذلك ما قاله العلامة شهاب الدين أبو الثناء ~~محمود الحلبي كاتب المرج قصيدته التي أولها: الطويل، كذا فلتكن في الله ~~تمضي العزائم ... وإلا فلا تجفو الجفون الصوارم عزائم حاذتها الرياح فأصبحت ~~... مخلفة تبكي عليها الغمائم سرت من حمى مصر إلى الروم فاحتوت ... عليه ~~وسوراه الظبا واللهاذم بجيش تظل الأرض منه كأنها ... على سعة الأرجاء في ~~الضيق خاتم كتائب كالبحر الخضم جيادها ... إذا ما تهادت موجه المتلاطم تحيط ~~بمنصور اللواء مظفر ... له النصر والتأييد عبد وخادم مليك يلوذ الدين من ~~عزماته ... بركن له الفتح المبين دعائم مليك لأبكار الأقاليم نحوه ... حنين ~~كذا تهوى الكرام الكرائم فكم وطئت طوعا وكرها جياده ... معاقل قرطاها السها ~~والنعائم مليك به الدين في كل ساعة ... بشائر للكفار منها مآتم ~~PageV02P0303 # جلا حين أقذى ناظر الكفر للهدى ... ثغورا بكى الشيطان وهي بواسم إذا رام ~~شيئا لم يعقه لبعدها ... وشقتها عنه الإكام الطواسم فلو نازع النسرين أمرا ~~لناله ... وذا واقع عجزا وذا بعد حائم ولما رمى الروم المنيع بخيله ... ومن ~~دونه سد من الصخر عاصم يروم عقاب الجو قطع عقابه ... إليه فلا تقوى عليها ~~القوادم ومنها: وسالت عليهم أرضهم بمواكب ... لها النصر طوع والزمان ms1518 مسالم ~~أدارت بهم سورا منيعا مشرفا ... بسمر العوالي ما له الدهر هادم من الترك ~~أما في المغاني فإنهم ... شموس وأما في الوغى فضراغم غدا ظاهرا بالظاهر ~~النصر فيهم ... تبيد الليالي والعدا وهو دائم فأهووا إلى لثم الأسنة في ~~الوغى ... كأنهم العشاق وهي المباسم وصافحت البيض الصفاح رقابهم ... وعانقت ~~السمر القدود النواعم فكم حاكم منهم على ألف دارع ... غدا حاسرا والرمح في ~~فيه حاكم وكم ملك منهم رأى وهو موثق ... خزائن ما يحويه وهي غنائم ومنها: ~~فلا زلت منصور اللواء مؤيدا ... على الكفر ما ناحت وأبكت حمائم ثم جرد ~~الملك الظاهر الأمير سنقر الأشقر لإدراك ما فات من الترك والتوجه إلى ~~قيصرية، وكتب معه كتابا بتأمين أهلها وإخراج الأسواق والتعامل بالدراهم ~~الظاهرية. ثم رحل الملك الظاهر بكرة السبت حادي عشر ذي القعدة قاصدا ~~قيصرية، فمر في طريقه بقرية أهل الكهف ثم إلى قلعة سمندو فنزل إليه واليها ~~مذعنا للطاعة، ثم سار إلى قلعة درندة وقلعة فالو ففعل متوليها كذلك، ثم نزل ~~بقرية من قرى قيصرية فبات بها، فلما أصبح رتب عساكره وخرج أهل قيصرية ~~بأجمعهم مستبشرين بلقائه، وكانوا لنزوله نصبوا الخيام بوطاة، فلما قرب ~~الظاهر منها ترجل وجوه الناس على طبقاتهم ومشوا بين يديه إلى أن وصلها. ~~فلما كان يوم الجمعة سابع عشر الشهر ركب السلطان للجمعة، فدخل قيصرية ونزل ~~دار السلطنة وجلس على التخت وحضر بين يديه القضاة والفقهاء والصوفية ~~والقراء وجلسوا في مراتبهم على عادة ملوك السلجوقية، فأقبل عليهم السلطان ~~ومد لهم سماطا فأكلوا وانصرفوا، ثم حضر الجمعة بالجامع وخطب له، وحضر بين ~~يديه الدراهم التي ضربت له باسمه. وكتب إليه البرواناه يهنئه بالجلوس على ~~تخت الملك بقيصرية، فكتب الملك الظاهر إليه بعوده ليوليه مكانه، فكتب إليه ~~يسأله أن ينتظره خمسة عشر يوما، وكان مراد البرواناه أن يصل أبغا ويحثه على ~~المسير ليدرك الملك الظاهر بالبلاد، فاجتمع تتاوون بالأمير شمس الدين سنقر ~~الأشقر وعرفه مكر البرواناه في ذلك، فكان ذلك سببا لرحيل الملك الظاهر عن ~~قيصرية مع ما انضاف ms1519 إلى ذلك من قلق العساكر، فرحل يوم الاثنين، وكان على ~~اليزك عز الدين أيبك الشيخي، وكان الملك الظاهر ضربه بسبب سبقه الناس فغضب ~~وهرب إلى التتار. وكان أولاد قرمان قد رهنوا أخاهم الصغير علي بك بقيصرية، ~~فأخرجه الملك الظاهر وأنعم عليه، وسأل السلطان في تواقيع وسناجق له ولإخوته ~~فأعطاه، وتوجه نحو إخوته بجبل لارندة. وعاد السلطان وأخذ في عوده أيضا عدة ~~بلاد إلى أن وصل مكان المعركة يوم السبت، فرأى القتلى، فسأل عن عدتهم فأخبر ~~أن المغل خاصة ستة آلاف وسبعمائة وسبعون نفسا، ثم رحل حتى وصلى أقجادربند، ~~بعث الخزائن والدهليز والسناجق صحبة الأمير بدر الدين بيليك الخازندار ~~ليعبر بها الدربند، وأقام السلطان في ساقة العسكر بقية اليوم ويوم الأحد، ~~ورحل يوم الاثنين فدخل الدربند. PageV02P0304 # ثم سار إلى أن وصل دمشق في سابع المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، ونزل ~~بالجوسق المعروف بالقصر الأبلق جوار الميدان الأخضر وتواترت عليه الأخبار ~~بوصول أبغا ملك التتار إلى مكان الوقعة، فجمع السلطان الأمراء وضرب مشورة، ~~فوقع الاتفاق على الخروج من دمشق بالعساكر وتلقيه حيث كان، فأمر الملك ~~الظاهر بضرب الدهليز على القصير، وفي أثناء ذلك وصل رجل من التركمان وأخبر ~~أن أبغا عاد إلى بلاده هاربا خائفا، ثم وصل الأمير سابق الدين بيسري أمير ~~مجلس الملك الناصر صلاح الدين، وهو غير بيسري الكبير، وأخبر بمثل ما أخبر ~~التركماني، فعند ذلك أمر الملك الظاهر برد الدهليز إلى الشام. وكان عود ~~أبغا من ألطاف الله تعالى بالمسلمين، فإن الملك الظاهر في يوم الجمعة نصف ~~المحرم من سنة ست وسبعين ابتدأ به مرض الموت. ### || AUT مرض الملك الظاهر ووفاته # لما كان يوم الخميس رابع عشر المحرم سنة ست وسبعين وستمائة جلس الملك ~~الظاهر بالجوسق الأبلق بميدان دمشق يشرب القمز وبات على هذه الحالة، فلما ~~كان يوم الجمعة خامس عشره وجد في نفسه فتورا وتوعكا فشكا ذلك إلى الأمير ~~شمس الدين سنقر الألفي السلحدار فأشار عليه بالقيء، فاستدعاه فاستعصى عليه ~~القيء، فلما كان بعد صلاة الجمعة ركب من ms1520 الجوسق إلى الميدان على عادته، ~~والألم مع ذلك يقوى عليه، وعند الغروب عاد إلى الجوسق. فلما أصبح اشتكى ~~حرارة في باطنه فصنع له بعض خواصه دواء، ولم يكن عن رأي طبيب، فلم ينجع ~~وتضاعف ألمه، فأحضر الأطباء فأنكروا استعماله الدواء، وأجمعوا على استعمال ~~دواء مسهل فسقوه فلم ينجع، فحركوه بدواء آخر كان سبب الإفراط في الإسهال ~~ودفع دما، فتضاعفت حماه وضعفت قواه، فتخيل خواصه أن كبده يتقطع وأن ذلك عن ~~سم سقيه فعولج بالجوهر، وأخذ أمره في انحطاط، وجهده المرض وتزايد به إلى أن ~~قضى نحبه يوم الخميس بعد صلاة الظهر السابع والعشرين من المحرم، فاتفق رأي ~~الأمراء على إخفائه وحمله إلى القلعة لئلا تشعر العامة بوفاته، ومنعوا من ~~هو داخل من المماليك من الخروج ومن هو خارج منهم من الدخول. فلما كان آخر ~~الليل حمله من كبار الأمراء سيف الدين قلاوون الألفي وشمس الدين سنقر ~~الأشقر، وبدر الدين بيسري، وبدر الدين بيليك الخازندار، وعز الدين آقوش ~~الأفرم، وعز الدين أيبك الحموي، وشمس اللين سنقر الألفي الظاهري، وعلم ~~الذين سنجر الحموي أبو خرص، وجماعة من أكابر خواصه. وتولى غسله وتحنيطه ~~وتصبيره وتكفينه مهتاره الشجاع عنبر، والفقيه كمال الدين الإسكندري المعروف ~~بابن المنبجي، والأمير عز الدين الأفرم، ثم جعل في تابوت وعلق في بيت من ~~بيوت البحرية بقلعة دمشق إلى أن حصل الاتفاق على موضع دفنه. ثم كتب الأمير ~~بدر الدين بيليك الخازندار إلى ولده الملك السعيد مطالعة بيده وسيرها إلى ~~مصر على يد بدر الدين بكتوت الجوكنداري الحموي، وعلاء الدين أيدغمش الحكيمي ~~الجاشنكير، فلما وصلا وأوصلاه المطالعة خلع عليهما وأعطى كل واحد منهما ~~خمسين ألف درهم، على أن ذلك بشارة بعود السلطان إلى الديار المصرية. ولما ~~كان يوم السبت ركب الأمراء إلى سوق الخيل بدمشق على عادتهم ولم يظهروا شيئا ~~من زي الحزن. وكان أوصى أن يدفن على الطريق السالكة قريبا من داريا وأن ~~يبنى عليه هناك، فرأى ولده الملك السعيد أن يدفنه داخل السور، فابتاع دار ~~العقيقي بثمانية وأربعين ms1521 ألف درهم نقرة ، وأمر أن تغير معالمها وتبنى ~~مدرسة. انتهى. وأما الملك السعيد فإنه جهز الأمير علم الدين سنجر الحموي ~~المعروف بأبي خرص، والطواشي صفي الدين جوهر الهندي إلى دمشق لدفن والده ~~الملك الظاهر، فلما وصلاها اجتمعا بالأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة ~~بدمشق، وعرفاه المرسوم فبادر إليه، وحمل الملك الظاهر من القلعة إلى التربة ~~ليلا على أعناق الرجال، ودفن بها ليلة الجمعة خامس شهر رجب الفرد، وكان قد ~~ظهر موته بدمشق في يوم السبت رابع عشر صفر، وشرع العمل في أعزيته بالبلاد ~~الشامية والديار المصرية. PageV02P0305 # قال الأمير بيبرس الدوادار في تاريخه - وهو أعرف بأحواله من غيره - قال: ~~وكان القمر قد كسف كسوفا كاملا أظلم له الجو وتأول ذلك المتأولون بموت رجل ~~جليل القدرة فقيل: إن الملك الظاهر لما بلغه ذلك حذر على نفسه وخاف وقصد أن ~~يصرف التأويل إلى غيره لعله يسلم من شره، وكان بدمشق شخص من أولاد الملوك ~~الأيوبية، وهو الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك ابن السلطان الملك المعظم ~~عيسى ابن السلطان الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فأراد الظاهر، على ما قيل، ~~اغتياله بالسم، فأحضره في مجلس شرابه فأمر الساقي أن يسقيه قمزا ممزوجا، ~~فيما يقال، بسم، فسقاه الساقي تلك الكأس فأحس به وخرج من وقته، ثم غلط ~~الساقي وملأ الكأس المذكورة وفيها أثر السم، ووقعت الكأس في يد الملك ~~الظاهر فشربه، فكان من أمره ما كان. انتهى كلام بيبرس الدوادار باختصار. ~~قلت: وهذا القول مشهور وأظنه هو الأصح في علة موته، والله أعلم . وكانت مدة ~~ملكه تسع عشرة سنة وشهرين ونصفا، وملك بعده ابنه الملك السعيد ناصر الدين ~~محمد المعروف ببركة خان، وكان تسلطن في حياته من مدة سنين حسب ما تقدم ~~ذكره. وكان الملك الظاهر رحمه الله ملكا شجاعا مقداما غازيا مجاهدا مرابطا ~~خليقا بالملك خفيف الوطأة سريع الحركة يباشر الحروب بنفسه. قال الحافظ أبو ~~عبد الله الذهبي في تاريخه بعدما أثنى عليه: وكان خليقا بالملك لولا ما كان ~~فيه من الظلم، والله ms1522 يرحمه ويغفر له، فإن له أياما بيضا في الإسلام ومواقف ~~مشهورة وفتوحات معدودة. انتهى كلام الذهبي باختصار. وقال الشيخ قطب الدين ~~اليونيني في الذيل على مرآة الزمان في موت الملك الظاهر هذا نوعا مما قاله ~~الأمير بيبرس الدوادار لكنه زاد أمورا نحكيها، قال: حكى لي ابن شيخ ~~السلامية عن الأمير أزدمر العلائي نائب السلطنة بقلعة صفد قال: كان الملك ~~الظاهر مولعا بالنجوم وما يقوله أرباب التقاويم، كثير البحث عن ذلك، فأخبر ~~أنه يموت في سنة ست وسبعين ملك بالسم، فحصل عنده من ذلك أثر كبير، وكان ~~عنده حسد شديد لمن يوصف بالشجاعة. واتفق أن الملك القاهر عبد الملك بن ~~المعظم عيسى الآتي ذكره لما دخل مع الملك الظاهر إلى الروم، وكان يوم ~~المصاف، فدام الملك القاهر في القتال فتأثر الظاهر منه، ثم انضاف إلى ذلك ~~أن الملك الظاهر حصل منه في ذلك اليوم فتور على خلاف العادة، وظهر عليه ~~الخوف والندم على تورطه في بلاد الروم، فحدثه الملك القاهر عبد الملك ~~المذكور بما فيه نوع من الإنكار عليه والتقبيح لأفعاله، فأثر ذلك عنده أثرا ~~آخر. فلما عاد الظاهر من غزوته سمع الناس يلهجون بما فعله الملك القاهر، ~~فزاد على ما في نفسه وحقد عليه، فخيل في ذهنه أنه إذا سمه كان هو الذي ذكره ~~أرباب النجوم، فأحضره عنده ليشرب القمز معه، وجعل الذي أعده له من السم في ~~ورقة في جيبه من غير أن يطلع على ذلك أحد، وكان للسلطان هنابات ثلاثة مختصة ~~به مع ثلاثة سقاة لا يشرب فيها إلا من يكرمه السلطان، فأخذ الملك الظاهر ~~الكأس بيده وجعل فيه ما في الورقة خفية، وأسقاه للملك القاهر، وقام الملك ~~الظاهر إلى الخلاء وعاد، فنسي الساقي وأسقى الملك الظاهر فيه وفيه بقايا ~~السم. انتهى كلام قطب الدين. وخفف الملك الظاهر من الأولاد: الملك السعيد ~~ناصر الدين محمد بركة خان. ومولده في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة بضواحي ~~مصر، وأمه بنت الأمير حسام الدين بركة خان بن دولة خان الخوارزمي. والملك ms1523 ~~المسعود نجم الدين خضرا، أمه أم ولد. والملك العادل بدر الدين سلامش. وولد ~~له من البنات سبع. وأما زوجاته فأم الملك السعيد بنت بركة خان، وبنت الأمير ~~سيف الدين نوكاي التتاري، وبنت الأمير سيف الدين كراي التتاري، وبنت الأمير ~~سيف نوغاي التتاري، وشهرزورية تزوجها لما قدم غزة وحالف الشهرزورية قبل ~~سلطنته، فلما تسلطن طلقها. وأما وزراؤه لما تولى السلطنة استمر زين الدين ~~يعقوب بن عبد الرفيع بن الزبير، ثم صرفه واستوزر الصاحب بهاء الذين علي بن ~~محمد بن سليم بن حنا. وكان للملك الظاهر أربعة آلاف مملوك مشتريات أمراء ~~وخاصكية وأصحاب وظائف. PageV02P0306 # وأما سيرته وأحكامه وشرف نفسه حكي: أن الأشرف صاحب حمص كتب إليه يستأذنه ~~في الحج، وفي ضمن الكتاب شهادة عليه أن جميع ما يملكه انتقل عنه إلى الملك ~~الظاهر، فلم يأذن له الملك الظاهر في تلك السنة غضبا منه لكونه كتب ذلك، ~~واتفق أن الأشرف مات بعد ذلك فتسلم الملك الظاهر حصونه التي كانت بيده ولم ~~يتعرض للتركة، ومكن ورثته من الموجود والأملاك، وكان شيئا كثيرا إلى ~~الغاية، ودفع الملك الظاهر إليهم الشهادة وقد تجنبوا التركة لعلمهم ~~بالشهادة. ومنها أن شعرا بانياس وهي إقليم يشتمل على أرض كثيرة عاطلة بحكم ~~استيلاء الفرنج على صفد، فلما افتتح صفد أفتاه بعض العلماء باستحقاق الشعرا ~~فلم يرجع إلى الفتيا، وتقدم أمره أن من كان له فيها ملك قديم فليتسلمه. ~~وأما صدقاته فكان يتصدق في كل سنة بعشرة آلاف إردب قمح في الفقراء ~~والمساكين وأرباب الزوايا، وكان يرتب لأيتام الأجناد ما يقوم بهم على ~~كثرتهم، ووقف وقفا على تكفين أموات الغرباء بالقاهرة ومصر، ووقفا ليشترى به ~~خبز ويفرق في فقراء المسلمين، وأصلح قبر خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ~~بحمص، ووقف وقفا على من هو راتب فيه من إمام ومؤذن وغير ذلك، ووقف على قبر ~~أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - وقفا مثل ذلك، وأجرى على أهل الحرمين ~~والحجاز وأهل بدر وغيرهم ما كان انقطع في أيام غيره من الملوك. وأما ms1524 ~~عمائره: المدارس والجوامع والأسبلة والأربطة فكثيرة، وغالبها معروفة به، ~~وكان يخرج كل سنة جملة مستكثرة يستفك بها من حبسه القاضي من المقلين، وكان ~~يرتب في أول شهر رمضان بمصر والقاهرة مطابخ لأنواع الأطعمة، وتفرق على ~~الفقراء والمساكين. وأما حرمته ومهابته، منها: أن يهوديا دفن بقلعة جعبر ~~عند قصد التتار لها مصاغا وذهبا وهرب بأهله إلى الشام واستوطن حماة، فلما ~~أمن كتب إلى صاحب حماة يعرفه ويسأله أن يسير معه من يحفظه ليأخذ خبيئته ~~ويدفع لبيت المال نصفه، فطالع صاحب حماة الملك الظاهر بذلك، فرد عليه ~~الجواب أنه يوجهه مع رجلين ليقضي حاجته، فلما توجهوا مع اليهودي ووصلوا إلى ~~الفرات امتنع من كان معه من العبور فعبر اليهودي وحده، فلما وصل وأخذ في ~~الحفر هو وابنه وإذا بطائفة من العرب على رأسه، فسألوه عن حاله فأخبرهم، ~~فأرادوا قتله وأخذ المال، فأخرج لهم كتاب الملك الظاهر مطلقا إلى من عساه ~~يقف عليه، فلما رأوا المرسوم كفوا عنه وساعدوه حتى استخلص ماله. ثم توجهوا ~~به إلى حماة وسلموه إلى صاحب حماة، وأخذوا خطه بذلك. ومنها: أن جماعة من ~~التجار خرجوا من بلاد العجم قاصدين مصر، فلما مروا بسيس منعهم صاحبها من ~~الغبور، وكتب إلى أبغا ملك التتار، فأمره أبغا بالحوطة عليهم وإرسالهم ~~إليه، وبلغ الملك الظاهر خبرهم، فكتب إلى نائب حلب بأن يكتب إلى نائب سيس: ~~إن هو تعرض لهم بشيء يساوي درهما واحدا أخذت عوضه مرارا، فكتب إليه نائب ~~حلب بذلك فأطلقهم، وصانع أبغا بن هولاكو على ذلك بأموال جليلة حتى لا يخالف ~~مرسوم. الظاهر، وهو تحت حكم غيره لا تحت حكم الظاهر. ومنها: أن تواقيعه ~~التي كانت بأيدي التجار المترددين إلى بلاد القبجاق بإعفائهم من الصادر ~~والوارد، كان يعمل بها حيث حلوا من مملكة بركة خان ومنكوتمر وبلاد فارس ~~وكرمان. ومنها: أنه أعطى بعض التجار مالا ليشتري به مماليك وجواري من الترك ~~فشرهت نفس التاجر في المال فدخل به قراقرم من بلاد الترك واستوطنها، فوقع ~~الملك الظاهر على خبره، فبعث إلى ms1525 منكوتمر في أمره فأحضروه إليه تحت الحوطة ~~إلى مصر. وله أشياء كثيرة من ذلك. وكان الملك الظاهر يدب أن يطلع على أحوال ~~أمرائه وأعيان دولته حتى لم يخف عليه من أحوالهم شيء. وكان يقرب أرباب ~~الكمالات من كل فن وعلم. وكان يميل إلى التاريخ وأهله ميلا زائدا ويقول: ~~سماع التاريخ أعظم من التجارب، وكانت ترد عليه الأخبار وهو بالقاهرة بحركة ~~العدو، فيأمر العسكر بالخروج وهم زيادة على ثلاثين ألف فارس، فلا يبيت منهم ~~فارس في بيته، وإذا خرج من القاهرة لا يمكن من العود إليها ثانيا. ~~PageV02P0307 # قلت: كان الملك الظاهر - رحمه الله - يسير على قاعدة ملوك التتار وغالب ~~أحكام جنكزخان من أمر اليسق والتورا، واليسق: هو الترتيب، والتورا: المذهب ~~باللغة التركية، وأصل لفظة اليسق: سي يسا، وهي لفظة مركبة من كلمتين صدر ~~الكلمة: سي بالعجمي، وعجزها يسا بالتركي لأن سي بالعجمي ثلاثة، ويا بالمغلي ~~الترتيب، فكأنه قال: التراتيب الثلاثة. وسبب هذه الكلمة أن جنكزخان ملك ~~المغل كان قسم ممالكه في أولاده الثلاثة، وجعلها ثلاثة أقسام، وأوصاهم ~~بوصايا لم يخرجوا عنها الترك إلى يومنا هذا، مع كثرتهم واختلاف أديانهم، ~~فصاروا يقولون: سي يسا - يعني التراتيب الثلاثة التي رتبها جنكزخان - ، وقد ~~أوضحنا هذا في غير هذا الكتاب بأوسع من هذا. انتهى. فصارت الترك يقولون: ~~إسي يسا، فثقل ذلك على العامة فحرفوها على عادة تحاريفهم، وقالوا: سياسة. ~~ثم إن الترك أيضا حذفوا صدر الكلمة، فقالوا: يسا مدة طويلة، ثم قالوا: يسق، ~~واستمر ذلك إلى يومنا هذا. انتهى. ### || AUT الوظائف المستحدثة في أيامه # قلت: والملك الظاهر هذا هو الذي ابتدأ في دولته بأرباب الوظائف من ~~الأمراء والأجناد، وإن كان بعضها قبله فلم تكن على هذه الصيغة أبدا، وأمثل ~~لذلك مثلا فيقاس عليه، وهو أن الدوادار كان قديما لا يباشره إلا متعمم يحمل ~~الدواة ويحفظها. وأمير مجلس هو الذي كان يحرس مجلس قعود السلطان وفرشه. ~~والحاجب هو البواب الآن، لكونه يحجب الناس عن الدخول، وقس على هذا. فجاء ~~الملك الظاهر جدد جماعة كثيرة من الأمراء ms1526 والجند ورتبهم في وظائف: ~~كالدوادار والخازندار وأمير آخور والسلاخور والسقاة والجمدارية والحجاب ~~ورؤوس النوب وأمير سلاح وأمير مجلس وأمير شكار. فأما موضوع أمير سلاح في ~~أيام الملك الظاهر فهو الذي كان يتحدث على السلاح دارية، ويناول السلطان ~~آلة الحرب والسلاح في يوم القتال وغيره، مثل يوم الأضحى وما أشبهه. ولم يكن ~~إذ ذاك في هذه المرتبة - أعني الجلوس رأس ميسرة السلطان - ، وإنما هذا ~~الجلوس كان إذ ذاك مختصا بأطابك. ثم بعده في الدولة الناصرية محمد بن ~~قلاوون برأس نوبة الأمراء كما سيأتي ذكره في محله. وتأييد ذلك يأتي في أول ~~ترجمة الملك الظاهر برقوق، فإن برقوق نقل أمير سلاح قطلوبغا الكوكائي إلى ~~حجوبية الحجاب. وأمير مجلس كان موضوعها في الدولة الظاهرية بيبرس التحدث ~~على الأطباء والكحالين والمجبرين، وكانت وظيفة جليلة أكبر قدرا من أمير ~~سلاح. وأما الدوادارية فكانت وظيفة سافلة. كان الذي يليها أولا غير جندي، ~~وكانت نوعا من أنواع المباشرة، فجعلها الملك الظاهر بيبرس على هذه الهيئة، ~~غير أنه كان الذي يليها أمير عشرة . ومعنى دوادار باللغة العجمية: ماسك ~~الدواة، فإن لفظة دار بالعجمي: ماسك، لا ما يفهمه عوام المصريين أن دار هي ~~الدار التي يسكن فيها، كما يقولون في حق الزمام: زمام الآدر، وصوابه زمام ~~دار. وأول من أحدث هذه الوظيفة ملوك السلجوقية. والجمدار، الجمى هي البقجة ~~باللغة العجمية، ودار تقدم الكلام عليه، فكأنه قال: ماسك البقجة التي ~~للقماش. وقس على هذا في كل لفظ يكون فيه دار من الوظائف. وأما رأس نوبة فهي ~~عظيمة عند التتار، ويسمون الذي يليها يسوول بتفخيم السين. والملك الظاهر ~~أول من أحدثها في مملكة مصر. والأمير آخور أيضا وظيفة عظيمة، والمغل تسمي ~~الذي يليها آق طشي. وأمير آخور لفظ مركب من فارسي وعربي، فأمير معروف وآخور ~~هو اسم المذود بالعجمي، فكأنه يقول: أمير المذود الذي يأكل فيه الفرس. ~~وكذلك السلاخوري وغيره مما أحدثه الملك الظاهر أيضا. وأما الحجوبية فوظيفة ~~جليلة في الدولة التركية، وليس هي الوظيفة التي كان يليها حجبة الخلفاء، ~~فأولئك ms1527 كانوا حجبة يحجبون الناس عن الدخول على الخليفة، ليس من شأنهم الحكم ~~بين الناس والأمر والنهي، وهي مما جدده الملك الظاهر بيبرس، لكنها عظمت في ~~دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون حتى عادلت النيابة. وأما ما عدا ذلك من ~~الوظائف فأحدثها الملك الناصر محمد بن قلاوون كما سيأتي بيانه في تراجمه ~~الثلاث من هذا الكتاب، بعد أن جدد والده الملك المنصور قلاوون وظائف أخر ~~كما سيأتي ذكره أيضا في ترجمته على ما شرطناه في هذا الكتاب من أن كل من ~~أحدث شيئا عزيناه له. PageV02P0308 # ومما أحدثه الملك الظاهر أيضا البريد في سائر ممالكه، بحيث إنه كان يصل ~~إليه أخبار أطراف بلاده على اتساع مملكته في أقرب وقت. ### || AUT فتوحاته # وأما ما افتتحه من البلاد وصار إليه من أيدي المسلمين فعدة بلاد وقلاع. ~~والذي افتتحه من أيدي الفرنج - خذلهم الله - : قيسارية، وأرسوف، وصفد، ~~وطبرية، ويافا، والشقيف، وأنطاكية، وبغراس، والقصير، وحصن الأكراد وعكار، ~~والقرين، وصافيثا، ومرقية. وناصفهم على المرقب وبانياس وبلاد أنطرطوس وعلى ~~سائر ما بقي في أيديهم من البلاد والحصون وغيرها. واستعاد من صاحب سيس ~~دربساك، ردركوش، ورعبان، والمرزبان وبلادا أخر. والذي صار إليه من أيدي ~~المسلمين: دمشق وبعلبك وعجلون وبصرى وصرخد والصلت، وكانت هذه البلاد التي ~~تغلب عليها الأمير علم الدين سنجر الحلبي بعد موت الملك المظفر قطز، لما ~~تسلطن بدمشق وتلقب بالملك المجاهد. انتهى. وحمص، وتدمر، والرحبة، ودلويا، ~~وتل باشر، وهذه البلاد انتقلت إليه عن الملك الأشرف صاحب حمص في سنة اثنتين ~~وستين وستمائة. وصهيون وبلاطنس، وبرزيه، وهذه منتقلة إليه عن الأمير سابق ~~الدين سليمان بن سيف الدين أحمد وعمه عز الدين. وحصون الإسماعيلية وهي: ~~الكهف، والقدموس، والمينقة، والعليقة، والخوابي، والرصافة، ومصياف، ~~والقليعة. وأما ما انتقل إليه عن الملك المغيث ابن الملك العادل أبي بكر ~~ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب: الشوبك، والكرك. ~~وما انتقل إليه عن التتار: بلاد حلب الشمالية بأسرها، وشيزر، والبيرة. وفتح ~~الله على يديه بلاد النوبة، وفيها من البلاد مما ms1528 يلي أسوان جزيرة بلاق، ~~ويلي هذه البلاد بلاد العلى وجزيرة ميكائيل، وفيها بلاد وجزائر الجنادل وهي ~~أيضا بلاد، ولما فتحها أنعم بها على ابن عم المأخوذة منه، ثم ناصفه عليها، ~~ووضع عليه عبيدا وجواري وهجنا وبقرا، وعن كل بالغ من رعيته دينارا في كل ~~سنة. وكانت حدود مملكة الملك الظاهر من أقصى بلاد النوبة إلى قاطع الفرات. ~~ووفد عليه من التتار زهاء عن ثلاثة آلاف فارس، فمنهم من أمره طبلخاناه، ~~ومنهم من جعله أمير عشرة إلى عشرين، ومنهم من جعله من السقاة، ثم جعل منهم ~~سلحدارية وجمدارية ومنهم من أضافه إلى الأمراء. ### || AUT مبانيه # PageV02P0309 # وأما مبانيه فكثيرة منها ما هدمه التتار من المعاقل والحصون. وعمر بقلعة ~~الجبل دار الذهب، وبرحبة الحبارج قبة عظيمة محمولة على اثني عشر عمودا من ~~الرخام الملون، وصور فيها سائر حاشيته وأمرائه على هيئتهم، وعمر بالقلعة ~~أيضا طبقتين مطلتين على رحبة الجامع وأنشأ برج الزاوية المجاورة لباب ~~القلعة، وأخرج منه رواشن، وبنى عليه قبة وزخرف سقفها، وأنشأ جواره طباقا ~~للمماليك أيضا. وأنشأ برحبة باب القلعة دارا كبيرة لولده الملك السعيد، ~~وكان في موضعها حفير فعقد عليه ستة عشر عقدا، وأنشأ دورا كثيرة بظاهر ~~القاهرة مما يلي القلعة وإصطبلات برسم الأمراء، فإنه كان يكره سكنى الأمير ~~بالقاهرة مخافة من حواشيه على الرعية. وأنشأ حماما بسوق الخيل لولده الملك ~~السعيد، وأنشأ الجسر الأعظم والقنطرة التي على الخليج، وأظنها قنطرة ~~السباع، وأنشأ الميدان بالبورجي ونقل إليه النخيل بالثمن الزائد من الديار ~~المصرية، فكانت أجرة نقله ستة عشر ألف دينار، وأنشأ به المناظر والقاعات ~~والبيوتات. وجدد جامع الأنور - أعني جامع الظافر العبيدي - المعروف الآن ~~بجامع الفاكهيين والجامع الأزهر، وبنى جامع العافية بالحسينية وأنفق عليه ~~فوق الألف ألف درهم، وأنشأ قريبا منه زاوية الشيخ خضر وحماما وطاحونا وفرنا ~~وعمر بالمقياس قبة رفيعة مزخرفة، وأنشأ عدة جوامع بالديار المصرية، وجدد ~~قلعة الجزيرة، وقلعة العمودين ببرقة، وقلعة السويس، وعمر جسرا بالقليوبية، ~~والقناطر على بحر أبي المنجا وقنطرة بمنية السيرج، وقنطرتين عند القصير على ms1529 ~~بحر إبراش بسبعة أبواب مثل قنطرة بحر أبي المنجا، وأنشأ في الجسر الذي يسلك ~~فيه إلى دمياط ست عشرة قنطرة، وبنى على خليج الإسكندرية قريبا من قنطرتها ~~قنطرة عظيمة بعقد واحد، وحفر خليج الإسكندرية وكان قد ارتدم بالطين، وحفر ~~بحر أشموم، وكان قد عمي، وحفر ترعة الصلاح وخورسخا، وحفر المحامدي ~~والكافوري، وحفر في ترعة أبي الفضل ألف قصبة، وحفر بحر الصمصام بالقليوبية، ~~وحفر بحر سردوس. وتمم عمارة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل منبره، ~~وجعل بالضريح النبوي درابزينا، وذهب سقوفه وجددها وبيض حيطانه، وجدد ~~البيمارستان بالمدينة النبوية، ونقل إليه سائر المعاجين والأكحال والأشربة، ~~وبعث إليه طبيبا من الديار المصرية. وجدد في الخليل عليه السلام قبته، ورم ~~شعثه وأصلح أبوابه وميضأته وبيضه وزاد في راتبه. وجدد بالقدس الشريف ما كان ~~قد تهدم من قبة الصخرة، وجدد قبة السلسلة وزخرفها وأنشأ بها خانا للسبيل، ~~نقل بابه من دهليز كان للخلفاء المصريين بالقاهرة، وبنى به مسجدا وطاحونا ~~وفرنا وبستانا. وبنى على قبر موسى عليه السلام قبة ومسجدا، وهو عند الكثيب ~~الأحمر قبلي أريحا، ووقف عليه وقفا. وجدد بالكرك برجين كانا صغيرين فهدمهما ~~وغيرهما. ووسع عمارة مشهد جعفر الطيار - رضي الله عنه - ووقف عليه وقفا ~~زيادة على وقفه على الزائرين له والوافدين عليه. وعمر جسرا بقرية دامية ~~بالغور على نهر الشريعة، ووقف عليه وقفا برسم ما عساه يتهدم منه. وأنشأ ~~جسورا كثيرة بالغور والساحل. وأنشأ قلعة قاقون وبنى بها جامعا ووقف عليه ~~وقفا، وبنى على طريقها حوضا للسبيل. وجدد جامع مدينة الرملة، وأصلح جامعا ~~لبني أمية ووقف عليه وقفا. وعدة جوامع ومساجد بالساحل. وجدد باشورة لقلعة ~~صفد وأنشأها بالحجر الهرقلي، وعمر لها أبراجا وبدنات، وصنع بغلات مصفحة ~~دائر الباشورة بالحجر المنحوت، وأنشأ بالقلعة صهريجا كبيرا مدرجا من أربع ~~جهاته، وبنى عليه برجا زائد الارتفاع، قيل إن ارتفاعه مائة ذراع، وبنى تحت ~~البرج حماما، وصنع الكنيسة جامعا وأنشأ رباطا ثانيا، وبنى حماما ودارا ~~لنائب السلطنة. PageV02P0310 # وكانت قلعة الصبيبة قد أخربها التتار، ولم يبقوا ms1530 منها إلا الآثار فجددها، ~~وأنشأ لجامعها منارة، وبنى بها دارا لنائب السلطنة، وعمل جسرا يمشى عليه ~~إلى القلعة. وكان التتار قد هدموا شراريف قلعة دمشق، ورؤوس أبراجها، فجدد ~~ذلك كله، وبنى فوق برج الزاوية المطل على الميادين وسوق الخيل طارمة كبيرة، ~~وجدد منظرة على قائمة مستجدة على البرج المجاور لباب النصر، وبيض البحرة ~~وجدد دهان سقوفها: وبنى حماما خارج باب النصر بدمشق، وجمد ثلاثة إسطبلات ~~على الشرف الأعلى، وبنى القصر الأبلق بالميدان بدمشق وما حوله من العمائر. ~~وجدد مشهد زين العابدين رضي الله عنه بجامع دمشق، وأمر بترخيم الحائط ~~الشمالي، وتجديد باب البريد وفرشه بالبلاط. ورم شعث مغارة الدم. وجدد ~~المباني التي هدموها التتار من قلعة صرخد. وجدد قبر نوح عليه السلام ~~بالكرك. وجدد أسوار حصن الأكراد، وعفر قلعتها. وعمر جوامع ومساجد بالساحل ~~يطول الشرح في ذكرها حذفتها خوف الإطالة. وبني في أيامه بالديار المصرية ما ~~لم يبن في أيام الخلفاء المصريين، ولا ملوك بني أيوب من الأبنية والرباع ~~والخانات والقواسير والدور والمساجد والحمامات، من قريب مسجد التبن إلى ~~أسوار القاهرة إلى الخليج وأرض الطبالة، واتصلت العمائر إلى باب المقسم إلى ~~اللوق إلى البورجي، ومن الشارع إلى الكبش وحدرة ابن قميحة إلى تحت القلعة ~~ومشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها إلى السور القراقوشي. وكل ذلك من كثرة ~~عدله وإنصافه للرعية والنظر في أمورهم وإنصاف الضعيف من المستضعف والذب ~~عنهم من العدو المخذول، رحمه الله وعفا عنه. ### || AUT ما كان ينوب دولته من الكلف # كانت عدة العساكر بالديار المصرية أيام الملك الكامل محمد وولده الملك ~~الصالح أيوب عشرة آلاف فارس، فضاعفها أربعة أضعاف، وكان أولئك الذين كانوا ~~قبله العشرة آلاف مقتصدين في الملبوس والنفقات والعدد، وهؤلاء - أعني عسكر ~~الظاهر الأربعين ألفا - ، كانوا بالضد من ذلك، وكانت كلف ما يلوذ بهم من ~~إقطاعهم، وهؤلاء كلفهم على الملك الظاهرة ولذلك تضاعفت الكلف في أيامه. ~~فإنه كان يصرف في كلف مطبخ أستاذه الملك الصالح أيوب ألف رطل لحم بالمصري ~~خاصة نفسه في كل يوم، ms1531 والمصروف في مطبخ الملك الظاهر عشرة آلاف رطل كل يوم ~~عنها وعن توابلها عشرون ألف درهم نقرة، ويصرف في خزانة الكسوة في كل يوم ~~عشرون ألف درهم، ويصرف في الكلف الطارئة المتعلقة بالرسل والوفود في كل يوم ~~عشرون ألف درهم، ويصرف في ثمن قرط دوابه ودواب من يلوذ به في كل سنة ~~ثمانمائة ألف درهم، ويقوم بكلف الخيل والبغال والجمال والحمير من العلوفات ~~خمس عشرة ألف عليقة في اليوم، عنها ستمائة إردب، وما كان يقوم به لمن أوجب ~~نفقته وألزمها عليه تطحن وتحمل إلى المخابز المعدة لعمل الجرايات خلا ما ~~يصرف على أرباب الرواتب في كل شهر عشرون ألف إدرب، وذلك بالديار المصرية ~~خاصة. وهذا خلاف الطوارئ التي كانت تفد عليه فما يمكن حصرها. وكلف أسفاره ~~وتجديد السلاح في كل قليل، وما كان عليه من الجوامك والجرايات لمماليكه ~~ولأرباب الخدم، فكان ديوانه يفي بذلك كله، ويحمل لحاصله جملة كبيرة في ~~السنة من الذهب. وكان سبب ذلك أنه رفع أيدي الأقباط من غالب تعلقاته فافتقر ~~أكثرهم في أيامه، وباشروا الصنائع كالنجارة والبناية، ولا زال أمرهم على ~~ذلك حتى تراجع أواخر الدولة الناصرية محمد بن قلاوون. انتهت ترجمة الملك ~~الظاهر بيبرس، رحمه الله تعالى. ونذكر بعض أحواله، إن شاء الله تعالى، في ~~حوادث سنينه كما هو عادة هذا الكتاب على سبيل الاختصار. وقد أطلت في ترجمته ~~وهو مستحق لذلك، لأنه فرع فاق أصله، كونه كان من جملة مماليك الملك الصالح ~~نجم الدين أيوب فزادت محاسنه عليه. وأما من يأتي بعده فلا سبيل إليه. ~~ويعجبني في هذا المعنى المقالة الثانية عشرة من قول الشيخ الإمام العالم ~~العارف الرباني شرف الدين عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهاني المعروف بشوروة ~~رحمه الله في كتابه الذي في اللغة وسماه أطباق الذهب يشتمل على مائة مقالة ~~أحسن فيها غاية الإحسان، وهي: PageV02P0311 # ليس الشريف من تطاول وتكاثر، إنما الشريف من تطول وآثر، وليس المحسن من ~~روى القرآن، إنما المحسن من أروى الظمآن، وليس البر إبانة الحروف بالإمالة ~~والاشباع، ms1532 لكن البر إغاثة الملهوف بالإنالة والاشباع، ولا خير في زكاة لا ~~يسدي معروفا، ولا بركة في لبنة لا تروي خروفا، فوا ها لك، لمن تذخر أموالك! ~~انفق ألفك، قبل أن يقسم خلفك، إن منازل الخلق سواسية، إلا من له يد مواسية، ~~فأرفعهم أنفعهم، وأسودهم أجودهم، وأفضلهم أبذلهم، وخير الناس من سقى ~~ملواحا، ونصب للجنة ملواحا، والكرم نوعان، أحسنهما إطعام الجوعان، والحازم ~~من قدم الزاد لعقبة العقبى، وآتى المال على حبه ذوي القربى. انتهت المقالة. ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الظاهر بيبرس # البندقداري وهي سنة تسع وخمسين وستمائة، على أنه حكم في آخر السنة ~~الماضية نحو الشهر. قلت: ودخلت سنة تسع وخمسين المذكورة وليس للمسلمين ~~خليفة، وكان أولها يوم الاثنين لأيام خلون من كانون أحد شهور الروم، وكانون ~~بالقبطي كيهك. فدخلت السنة والسلطان بديار مصر الملك الظاهر بيبرس، وصاحب ~~مكة نجم الدين أبو نمي بن أبي سعد الحسني، وصاحب المدينة جماز بن شيحة ~~الحسيني، وصاحب دمشق وبعلبك وبانياس والصبيبة الأمير علم الدين سنجر ~~الحلبي، تغلب عليها وتسلطن وتلقب بالملك المجاهد، ونائب حلب من قبل الملك ~~الظاهر بيبرس الأمير حسام الدين لاجين الجوكندار العزيزي، وصاحب الموصل ~~الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الرحيم لؤلؤ، وصاحب جزيرة ابن عمر أخوه ~~الملك المجاهد سيف الدين إسحاق بن لؤلؤ المذكور، وصاحب ماردين الملك السعيد ~~نجم الدين إيلغازي الأرتقي، وصاحب بلاد الروم ركن الدين قليج أرسلان ابن ~~السلطان غياث الدين كيخسرو بن علاء الدين كيقباد السلجوقي وأخوه عز الدين ~~كيكاوس، والبلاد بينهما مناصفة، وصاحب الكرك والشوبك الملك المغيث فتح ~~الدين عمر ابن الملك العادل ابن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب، ~~وصاحب حماة الملك المنصور محمد الأيوبي، وصاحب حمص وتدمر والرحبة الملك ~~الأشرف مظفر الدين موسى، وصاحب مراكش من بلاد المغرب أبو حفص عمر الملقب ~~بالمرتضى، وصاحب تونس أبو عبد الله محمد بن أبي زكريا، وصاحب اليمن الملك ~~المظفر شمس الدين يوسف بن عمر التركماني من بني رسول. وفيها كانت كسرة ms1533 ~~التتار على حمص، وقد تقدم ذكر ذلك. وفيها ملك السلطان الملك الظاهر دمشق ~~وأخرج منها علم الدين سنجر الحلبي، وولى نيابتها الأمير علاء الدين أيدكين ~~البندقداري، أستاذ الملك الظاهر بيبرس هذا، الذي أخذه الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب منه، حسب ما ذكرنا ذلك أول ترجمة الملك الظاهر. وفيها وصل ~~الخليفة المستنصر بالله إلى القاهرة وبويع بالخلافة، وسافر صحبة الملك ~~الظاهر إلى الشام، ثم فارقه وتوجه إلى العراق فقتل، وقد مر ذكر ذلك كله ~~أيضا. وفيها توفي الملك الصالح نور الدين إسماعيل ابن الملك المجاهد أسد ~~الدين شيركوه بن محمد ابن أسد الدين شيركوه الكبير، كان الملك الصالح هذا ~~صاحب حمص ملكها بعد موت أبيه، وكان له اختصاص كبير بابن عمه الملك الناصر ~~صلاح الدين يوسف صاحب حلب والشام، وكان الصالح هذا يداري التتار ولا ~~يشاققهم وآخر الأمر أنه قتل في وقعة هولاكو بيد التتار - رحمه الله تعالى - ~~لما توجه إليهم صحبة الملك الناصر صلاح الدين يوسف المذكور، وكان عنده حزم ~~وشجاعة. وفيها توفي الشيخ الأديب الفقيه مخلص الدين إسماعيل بن عمر ابن ~~يوسف بن قرناص الحموي الشاعر المشهور، كان فصيحا شاعرا من بيت علم وأدب. ~~ومن شعره رحمه الله تعالى: الوافر أما والله لو شقت قلوب ... ليعلم ما بها ~~من فرط حبي لأرضاك الذي لك في فؤادي ... وأرضاني رضاك بشق قلبي وفيها توفي ~~الملك السعيد إيلغازي نجم الدين الأرتقي صاحب ماردين، مات في سادس صفر، ~~وقيل في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين. وفيها توفي الشيخ الإمام الواعظ المحدث ~~أبو عمرو عثمان بن مكي بن عثمان السعدي الشارعي الشافعي، سمع الكثير واعتنى ~~به والده فأسمعه من نفسه وغيره، وكان ينشد لأبي العتاهية: مجزوء الكامل ~~إصبر لدهر نال مذ ... ك، فهكذا مضت الدهور فرخ وحزن مرة ... لا الحزن دام ~~ولا السرور PageV02P0312 # وفيها توفي الأديب الفاضل نور الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن أبي ~~المكارم عبد الله الأنصاري المصرفي المعروف بالعطار، كان شاعرا فاضلا، مات ~~قبل الأربعين سنة من عمره. ومن شعره ms1534 ملغزا في كوز الزير: الهزج، وذي أذن ~~بلا سمع ... له قلب بلا لب مدى الأيام في خفض ... وفي رفع وفي نصب إذا ~~استولى على الحب ... فقل ما شئت في الصب وفيها كانت مقتلة السلطان الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف، وكنيته أبو المظفر، ابن السلطان الملك العزيز محمد ~~ابن السلطان الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف ابن الأمير نجم ~~الدين أيوب الأيوبي الحلبي، وكان صاحب حلب ثم صاحب الشام. ولد بقلعة حلب في ~~شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة، وسلطنوه عند موت أبيه سنة أربع وثلاثين، ~~وقام بتدبير مملكته الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني، وعز الدين ابن المحلي، ~~والوزير الأكرم جمال الدين القفطي، والطواشي جمال الدولة إقبال الخاتوني، ~~والأمر كله راجع لأم أبيه، الصاحبة صفية خاتون بنت الملك العادل أبي بكر بن ~~أيوب. وماتت سنة أربعين واستقل الملك الناصر هذا وأمر ونهى. ووقع للملك ~~الناصر هذا أمور ووقائع ومحن، وهو الذي كان الملك الظاهر بيبرس لما خرج من ~~مصر في نوبة البحرية توجه إليه وصار في خدمته. وقد مر ذكره في مواطن كثيرة ~~من هذا الكتاب، من قدومه نحو القاهرة في جفلة التتار، ورجوعه من قطية إلى ~~البلاد الشامية، وغير ذلك، ثم آل أمره إلى أن توجه إلى ملك التتار هولاكو ~~وتوجه معه أخوه الملك الظاهر سيف الدين غازي، وكان رشح للملك، والملك ~~الصالح نور الدين إسماعيل صاحب حمص المقدم ذكره في هذه السنة، ولما وصل ~~الملك الناصر إلى هولاكو أحسن إليه وأكرمه إلى أن بلغه كسرة عين جالوت غضب ~~عليه وأمر بقتله، فاعتذر إليه فأمسك عن قتله، لكن أعرض عنه، فلما بلغه كسرة ~~بيدرا على حمص قتله وقتل أخاه سيف الدين غازيا المذكور، وقتل الملك الصالح ~~نور الدين صاحب حمص وجميع من كان معه سوى ولده الملك العزيز. وكان الملك ~~الناصر مليح الشكل إلا أنه كان أحول، وكان عنده فصاحة ومعرفة بالأدب، وكان ~~كريما عاقلا فاضلا جليلا متجملا في مماليكه وملبسه ومركبه، وكان فصيحا ~~شاعرا لطيفا. قال ابن ms1535 العديم: أنشدني لنفسه. - يعني الملك الناصر هذا - . ~~الكامل، البدر يجنح للغروب ومهجتي ... لفراق مشبهه أسى تتقطع والشرب قد خاط ~~النعاس جفونهم ... والصبح من جلبابه يتطلع قال: وأنشدني لنفسه رحمه الله ~~تعالى: مجزوء الرجز، اليوم يوم الأربعا ... فيه يطيب المرتعى يا صاحبي أما ~~ترى ... شمل المنى قد جمعا وقد حوى مجلسنا ... جل السرور أجمعا فقم بنا ~~نشربها ... ثلاثة وأربعا من كف ساق أهيف ... شبيه بدر طلعا في خده وثغره ~~... ورد ودر صنعا يسطو ويرنو تارة ... والليث والظبي معا وله، لما مرت به ~~التتار على حلب وهي خاوية على عروشها وقد تهدمت والنيران بها تعمل، فقال: ~~الطويل، يعز علينا أن نرى ربعكم يبلى ... وكانت به آيات حسنكم تتلى وله ~~يشتاق إلى حلب ومنازلها: الطويل، سقى حلب الشهباء في كل لزبة ... سحابة غيث ~~نوءها ليس يقلع فتلك دياري لا العقيق ولا الغضا ... وتلك ربوعي لا زرود ~~ولعلع قلت: وقد ذكرنا من محاسنه وفضله نبذة كبيرة في تاريخنا المنهل الصافي ~~والمستوفى بعد الوافي إذ هو كتاب تراجم يحسن التطويل فيه. انتهى. ~~PageV02P0313 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الجمال عثمان بن ~~مكي ابن السعدي الشارعي الواعظ في شهر ربيع الآخر، وله خمس وسبعون سنة. ~~وأبو الحسن محمد بن الأنجب بن أبي عبد الله الصوفي في رجب، وله ثلاث ~~وثمانون سنة. وحافظ المغرب أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن ~~يحيى بن سيد الناس اليعمري بتونس في رجب، وله واحد وستون عاما. وكمال الدين ~~أبو حامد محمد ابن القاضي صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس الصدر ~~العدل في شوال، وله اثنتان وثمانون سنة. وصاحب الشام الملك الناصر ويوسف ~~ابن العزيز قتل صبرا، وله اثنتان وثلاثون سنة، وقتل معه شقيقه الملك الظاهر ~~غازي، والملك الصالح إسماعيل ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص. ~~وتوفي بصهيون صاحبها مظفر الدين عثمان بن منكورس في شهر ربيع الأول عن سن ~~عالية، تملك بعد أبيه ثلاثا وثلاثين سنة، وولي بعد ms1536 ابنه محمد. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة ستين وستمائة. فيها استولى الملك الظاهر بيبرس صاحب الترجمة على ~~دمشق وبعلبك والضبيبة وحلب وأعمالها خلا البيرة. وفيها استولى التتار على ~~الموصل، وقتلوا الملك الصالح صاحبها الذي كان خرج مع الخليفة المستنصر من ~~ديار مصر، على ما يأتي ذكرهما في محله من هذه السنة. وفيها توفي الخليفة ~~أمير المؤمنين المستنصر بالله أبو القاسم أحمد ابن الخليفة الظاهر بأمر ~~الله محمد ابن الناصر لدين الله أحمد، الذي بويع بالقاهرة بالخلافة بعد ~~شغور الخلافة نحو سنتين ونصف، وخرج الملك الظاهر بيبرس معه إلى البلاد ~~الشامية، وقد مر ذكر قدومه القاهرة وبيعته وسفره وقتله ورفع نسبه إلى ~~العباس رضي الله عنه في ترجمة الملك الظاهر هذا، ولا حاجة للإعادة، ومن ~~أراد ذلك فلينظره هناك. وفيها قتل الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الرحيم ~~بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل. وقد ذكرنا وفوده على الملك وخروجه مع أخيه ~~والخليفة المستنصر بالله المقدم ذكره، فلا حاجة لذكره هنا ثانيا، قتل بأيدي ~~التتار في ذي القعدة، وكان عارفا عادلا حسن السيرة. وفيها توفي الأمير سيف ~~الدين بلبان الزردكاش، كان من أعيان أمراء دمشق، وكان الأمير طيبرس الوزيري ~~نائب الشام إذا خرج من الشام استنابه عليها، وكان دينا خيرا. مات بدمشق في ~~ذي الحجة. وفيها توفي الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الشيخ الأديب أبو محمد ~~الغنوي النصيبي الشافعي الإربلي المنشأ الضرير الملقب بالعز. قال صاحب ~~الذيل على مرآة الزمان: المشهور بعدم الدين والزندقة. كان فاضلا في العربية ~~والنحو والأدب وعلوم الأوائل، منقطعا في منزله يتردد إليه من يقرأ عليه تلك ~~العلوم، وكان يتردد إليه جماعة من المسلمين واليهود والنصارى والسامرة يقرئ ~~الجميع، قال: وكان يصدر عنه من الأقوال ما يشعر بانحلال عقيدته. ومات في ~~شهر ربيع الأخر بدمشق. ومن شعره قوله: توهم واشينا بليل مزاره ... فهم ~~ليسعى ms1537 بيننا بالتباعد فعانقته حتى اتحدنا تعانقا ... فلما أتانا ما رأى غير ~~واحد قال الشهاب محمود: ولما أنشدت هذين البيتين، يعني قول العز: توهم ~~واشينا بليل مزاره بين يحيى الملك الناصر صلاح الدين صاحب دمشق قال: لا ~~تلمه فإنه لزمه لزوم أعمى، فلما بلغ العز قول الملك الناصرة قال: والله هذا ~~الكلام أحلى من شعري. وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام عز ~~الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد ~~بن المهذب السلمي الدمشقي الشافعي المعروف بابن عبد السلام. مولده سنة سبع ~~أو ثمان وسبعين وخمسمائة. قال الذهبي: وتفقه على الإمام فخر الدين ابن ~~عساكر، وقرأ الأصول والعربية، ودرس وأفتى وصنف وبرع في المذهب وبلغ رتبة ~~الاجتهاد، وقصده الطلبة من الآفاق وتخرج به أئمة، وله التصانيف المفيدة ~~والفتاوى السديدة، وكان إماما ناسكا عابدا، وتولى قضاء مصر القديمة مدة، ~~ودرس بعدة بلاد. ومات في عاشر جمادى الأولى. PageV02P0314 # وفيها توفي الشيخ الإمام الواعظ عز الدين أبو محمد عبد العزيز ابن الشيخ ~~الإمام العلامة أبي المظفر شمس الدين يوسف بن قزأوغلي الدمشقي الحنفي، وهو ~~ابن صاحب مرآة الزمان. كان عز الدين فقيها واعظا فصيحا مفتنا درس بعد أبيه ~~في المدرسة المعزية ووعظ وثان لوعظه موقع في القلوب، وكانت وفاته بدمشق في ~~شوال ودفن عند أبيه بسفح قاسيون. وفيها توفي الإمام العلامة كمال الدين أبو ~~القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن ~~زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة عامر بن ~~ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل العقيلي الحلبي الفقيه الحنفي ~~الكاتب المعروف بابن العديم، ورفع نسبه بعض المؤرخين إلى غيلان. مولده بحلب ~~في العشر الأول من ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث من أبيه ~~وعمه أبي غانم محمد ومن غيرهما، وحدث بالكثير في بلاد متعددة، ودرس وأفتى ~~وصنف، وكان إماما عالما فاضلا مفتنا ms1538 في علوم كثيرة، وهو أحد الرؤساء ~~المشهورين والعلماء المذكورين. وأما خطه ففي غاية الحسن يضاهي ابن البواب ~~الكاتب، وقيل: إنه هو الذي اخترع قلم الحواشي، وعرض بهذا في شعره القيسراني ~~رحمه اله تعالى بقوله: الوافر، بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا ~~تحاشي ونسخة حسنه قرئت وصحت ... وها خط الكمال على الحواشي وجمع لحلب ~~تاريخا كبيرا في غاية الحسن، ومات وبعضه مسودة. قلت: وذيل عليه القاضي علاء ~~الدين علي ابن خطيب الناصرية قاضي قضاة الشافعية بحلب ذيلا إلا أنه قصير ~~إلى الركبة، وقفت عليه فلم أجده جال حول الحمى، ولا سلك فيه مسلك المذيل ~~عليه من الشروط، إلا أنه أخذ علم التاريخ بقوة الفقه، على أنه كان من ~~الفضلاء العلماء ولكنه ليس من خيل هذا الميدان، وكان يقال في الأمثال: من ~~مدح بما ليس فيه فقد تعرض للضحكة. انتهى. ومحاسن ابن العديم كثيرة وعلومه ~~غزيرة، وهم بيت علم ورياسة وعراقة. يأتي ذكر جماعة من ذريته وأقاربه في هذا ~~الكتاب إن شاء الله تعالى. ومن شعر الصاحب كمال الدين المذكور مما كتبه على ~~ديوان الشيخ أيدمر مولى وزير الجزيرة، وهو: الطويل، وكنت أظن الترك تختص ~~أعين ... لهم إن رنت بالسحر منها وأجفان إلى أن أتاني من بديع قريضهم ... ~~قواف هي السحر الحلال وديوان فأيقنت أن السحر راجعة لهم ... يقر لهم هاروت ~~فيها وسحبان ومن شعره أيضا رحمه الله وأجاد فيه إلى الغاية: الطويل، ~~فواعجبا من ريقها وهو طاهر ... حلال وقد أمسى علي محرما هو الخمر لكن أين ~~للخمر طعمه ... ولذته مع أنني لم أذقهما الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال. وفيها توفي العلامة عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي ~~الدمشقي بالقاهرة في جمادى الأولى عن ثلاث وثمانين سنة. والصاحب كمال الدين ~~عمر بن أحمد بن هبة الله بن العديم العقيلي بعد ابن عبد السلام بأيام، وكان ~~له اثنتان وسبعون سنة. ونقيب الأشراف بهاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن ~~أبي الحسن الحسيني في رجب ms1539 عن إحدى وثمانين سنة. وضياء الدين عيسى بن سليمان ~~التغلبي في رمضان، وله تسعون سنة. واستشهد في المصاف المستنصر بالله أحمد ~~ابن الظاهر محمد ابن الناصر في أوائل المحرم بالعراق، وتفرق جمعه. وقتلت ~~التتار في ذي القعدة الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بن لؤلؤ صاحب الموصل ~~بعد الأمان. وفي شهر ربيع الآخر العز الضرير الفيلسوف حسن بن محمد بن أحمد ~~الإربلي، وله أربع وسبعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست ~~أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادق ثماني عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة إحدى وستين وستمائة. فيها بايع السلطان الملك الظاهر بيبرس ~~المذكور الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس أحمد ابن الأمير أبي علي ~~الحسن، وقيل: ابن محمد بن الحسن بن علي القبي ابن الخليفة الراشد، وهو ~~التاسع والثلاثون من خلفاء بني العباس، وهو أول خليفة من بني العباس سكن ~~بمصر ومات بها، وبويع يوم الخميس تاسع المحرم من سنة إحدى وستين وستمائة، ~~وكان وصوله إلى الديار المصرية في السنة الحالية. PageV02P0315 # وفيها هلك ريدا فرنس، واسمه بواش المعروف بالفرنسيس ملك الفرنج الذي كان ~~ملك دمياط في دولة الملك الصالح أيوب. وفيها توفي المحدث الفاضل عز الدين ~~أبو محمد عبد الرزاق بن رزق الله ابن أبي بكر بن خلف الرسعني، كان إماما ~~فاضلا شاعرا محدثا. ومن شعره: ولو أن إنسانا يبلغ لوعتي ... وشوقي وأشجاني ~~إلى ذلك الرشا لأسكنته عيني ولم أرضها له ... فلولا لهيب القلب أسكنته ~~الحشا وفيها توفي الأمير مجير الدين أبو الهيجاء بن عيسى الأزكشي الكردي ~~الأموي، كان من أعيان الأمراء وشجعانهم، ولما ولي الملك المظفر قطز ~~السلطنة، وولى الأمير علم الدين سنجر الحلبي نيابة الشام جعله مشاركا له في ~~الرأي والتدبير في نيابة الشام، وكان الملك الأشرف موسى ابن العادل سجنه ~~مدة لأمر اقتضى ذلك. فلما كان في السجن كتب بعض الأدباء يقول: دوبيت، يا ~~أحمد ما زلت عماد الدين ... يا أشجع من أمسك رمحا بيمين لا تيئسن إن حصلت ms1540 ~~في سجنهم ... ها يوسف قد أقام في السجن سنين وكان مولده بمصر في سنة ثمان ~~وستين وخمسمائة، ومات في جمادى الأولى بمدينة إربل. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي عبد الغني بن سليمان بن بنين ~~البناني، في شهر ربيع الأول، وله ست وثمانون سنة، وهو آخر من روى عن عمر. ~~والعلامة علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسي في رجب بدمشق، وله ست وثمانون ~~سنة. والإمام تقي الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن مرهف الناشري المصري ~~المقرئ في شعبان، وله إحدى وثمانون سنة. والإمام كمال الدين علي بن شجاع بن ~~سالم العباسي الضرير في ذي الحجة، وله تسعون سنة إلا شهرا. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وسبع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة اثنتين وستين وستمائة. فيها انتهت عمارة مدرسة السلطان الملك ~~الظاهر بيبرس ببين القصرين من القاهرة. وقد تقدم ذكرها في ترجمته. وفيها ~~استدعى الملك الظاهر الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري إلى القاهرة، ~~وأمره أن يجعل نائبه بحلب بعد خروجه الأمير نور الدين علي بن مجلي ففعل ~~ذلك، وقدم القاهرة، فلما وصل إليها عزله وأقام نور الدين عوضه في نيابة ~~حلب. وقد تقدم أن علاء الدين أيدكين هو أستاذ الملك الظاهر بيبرس الذي ~~اشتراه منه الملك الصالح نجم الدين أيوب. وفيها كان الغلاء بديار مصر فبلغ ~~الإردب القمح مائة درهم وخمسة دراهم نقرة، والشعير سبعين درهما الإردب، ~~وثلاثة أرطال خبز بالمصري بدرهم نقرة، ورطل اللحم بالمصري - وهو مائة ~~وأربعة وأربعون درهما - بدرهم، وكان هذا الغلاء عظيما بديار مصر. فلما وقع ~~ذلك فرق الملك الظاهر الفقراء على الأغنياء والأمراء وألزمهم بإطعامهم، ثم ~~فرق من شونه القمح على الزوايا والأربطة، ورتب للفقراء كل يوم مائة إردب ~~مخبوزة تفرق بجامع ابن طولون. ودام على ذلك إلى أن دخلت السنة الجديدة ~~والمغل الجديدة وأبيع القمح في الإسكندرية في هذا الغلاء الإردب بثلاثمائة ~~وعشرين درهما. ms1541 وفيها أحضر بين يدي السلطان طفل ميت له رأسان وأربع أعين ~~وأربع أيد وأربع أرجل، فأمر بدفنه. وفيها توفي القاضي كمال الدين أبو ~~العباس أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الأسدي الحلبي الشافعي المعروف بابن ~~الأستاذ قاضي حلب، مولده سنة إحدى عشرة وستمائة، سمع الكثير وحدث ودرس، ~~وكان فاضلا عالما مشكور السيرة مات في شوال. وفيها توفي شيخ الشيوخ الصاحب ~~شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن بن منصور الأنصاري الأوسي ~~الدمشقي المولد الحموي الدار والوفاة الإمام الأديب العلامة، مولده يوم ~~الأربعاء ثاني عشرين جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث ~~وتفقه وبرع في الفقه والحديث والأدب، وأفتى ودرس وتقدم عند الملوك، وترسل ~~عنهم غير مرة. وكانت له الوجاهة التامة وله اليد الطولى في الترسل والنظم، ~~وشعره في غاية الحسن. ومن شعره - رحمه الله - قوله: الخفيف، إن قوما يلحون ~~في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا سمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا ~~طيبا وأعطوا خبيثا وله رحمه الله: السريع PageV02P0316 # قلت وقد عقرب صدغا له ... عن شقة الحاجب لم يحجب قدست يا رب الجمال الذي ~~... ألف بين النون والعقرب وله عفا الله عنه: المتقارب، مرضت ولي جيرة كلهم ~~... عن الرشد في صحبتي حائد فأصبحت في النقص مثل الذي ... ولا صلة لي ولا ~~عائد وله غفر الله له: الكامل، ولقد عجبت لعاذلي في حبه ... لما دجى ليل ~~العذار المظلم أومأ درى من سنتي وطريقتي ... أني أميل مع السواد الأعظم ~~قلت: وقد استوعبنا ترجمة شيخ الشيوخ بأوسع من ذلك في تاريخنا المنهل الصافي ~~وذكرنا من محاسنه وشعره نبذة كبيرة، وكانت وفاته ليلة الجمعة ثامن شهر ~~رمضان بحماة رحمه الله تعالى. وفيها توفي الملك المغيث فتح الدين أبو الفتح ~~عمر صاحب الكرك ابن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد ابن السلطان الملك ~~الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر محمد ابن الأمير نجم الدين أيوب ~~الأيوبي المصري ثم الكركي. وقد ذكرنا من أمره نبذة كبيرة في ترجمة عمه ~~الملك الصالح ثم ms1542 من بعده في عدة تراجم لا سيما لما توجه إليه الملك الظاهر ~~بيبرس مع جماعة البحرية، وأقام عنده وحركه على ملك مصر حسب ما تقدم ذكر ذلك ~~كله. انتهى. قلت: ومولد الملك المغيث هذا بالديار المصرية وربي يتيما عند ~~عماته القطبيات بنات الملك العادل - والقطبيات عرفن بالقطبيات لأنهن أشقاء ~~الملك المفضل قطب الدين ابن الملك العادل - وبقي المغيث هذا عندهن إلى أن ~~أخرج إلى الكرك واعتقل بها ثم ملكها بعد موت عمه الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب، ووقع له بها أمور، إلى أن قدم في العام الماضي على الملك الظاهر ~~بيبرس بمصر، فقبض عليه وقتله في محبسه، رحمه الله تعالى، لما كان في نفسه ~~منه أيام كان بخدمته في الكرك مع البحرية. وفيها توفي الأمير حسام الدين ~~لاجين بن عبد الله العزيزي الجوكندار، كان من أكابر الأمراء وأعظمهم، وكان ~~شجاعا جوادا دينا له اليد البيضاء في غزو التتار، وكان يجمع الفقراء ويصنع ~~لهم الأوقات والسماعات، وكان كبير القدر عظيم الشأن، رحمه الله تعالى. ~~وفيها توفي الشيخ محيي الدين أبو بكر محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن ~~سراقة الأنصاري الأندلسي الشاطبي، كان فاضلا محدثا، سمع الكثير وولي مشيخة ~~دار الحديث بحلب، ثم ولي مشيخة الحديث بمصر بالمدرسة الكاملية وحدث بها. ~~ومن شعره، رحمه الله تعالى: مخلع البسيط، وصاحب كالزلال يمحو ... صفاؤه ~~الشك باليقين لم يحص إلا الجميل مني ... كأنه كاتب اليمين قلت: وهذا بعكس ~~قول الأديب شهاب الدين المنازي ، رحمه الله تعالى: مخلع البسيط، وصاحب خلته ~~خليلا ... وما جرى غدره ببالي لم يحص إلا القبيح مني ... كأنه كاتب الشمال ~~وفيها توفي الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك المنصور إبراهيم ابن ~~الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد ابن الملك المنصور أسد الدين ~~شيركوه الكبير، ملك الأشرف هذا حمص بعد وفاة أبيه، وطالت مدته به ووقع له ~~أمور، وكان فيه مداراة للتتار، واستمر على ذلك إلى أن توفي بحمص في حادي ~~عشر صفر قبل صلاة الجمعة، ودفن ليلا على ms1543 جده الملك المجاهد أسد الدين ~~شيركوه. PageV02P0317 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي المحدث ضياء ~~الدين علي بن محمد البالسي في صفر، وله سبع وخمسون سنة. وأبو عبد الله محمد ~~بن إبراهيم الأنصاري البابشرقي في شهر ربيع الأول. والحافظ رشيد الدين أبو ~~الحسين يحيى بن علي الأموي العطار المالكي في جمادى الأولى، وله ثمان ~~وسبعون سنة. وأبو الطاهر إسماعيل بن صارم الخياط بعده بأيام. والخطيب عماد ~~الدين عبد الكريم ابن جمال الدين أبي القاسم عبد الصمد بن محمد الأنصاري بن ~~الحرستاني في جمادى الأولى. والورع الزاهد أبو القاسم بن منصور في شعبان. ~~والإمام محيي الدين أبو بكر محمد بن محمد بن سراقة الشاطبي بمصر، وله سبعون ~~سنة. وشيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري ~~بحماة في رمضان. والملك المغيث فتح الدين عمر ابن العادل أبي بكر ابن ~~الكامل محمد صاحب الكرك، أعدمه الملك الظاهر. والأمير الكبير حسام الدين ~~لاجين الجوكندار العزيزي في المحرم، ودفن بقاسيون. وصاحب حمص الملك الأشرف ~~موسى ابن المنصور إبراهيم بن أسد الدين بحمص في صفر، وله خمس وثلاثون سنة. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة ثلاث وستين وستمائة. فيها ولى الملك الظاهر بيبرس من كل مذهب ~~قاضيا وقد تقدم ذكر ذلك. وفيها توفي الأديب البارع شرف الدين محاسن الصوري، ~~كان عالما فاضلا أديبا شاعرا، ومات في شهر رجب. ومن شعره، رحمه الله: ~~الكامل، عتبت على فقلت إن عاتبتها ... كان العتاب لوصلها استهلاكا وأردت أن ~~تبقى المولدة بيننا ... موقوفة فتركت ذاك لذاك وفيها توفي الأمير جمال ~~الدين موسى بن يغمور بن جلدك بن بليمان بن عبد الله أبو الفتح، مولده في ~~جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالقوب من أعمال قوص بصعيد مصر وسمع ~~الحديث، وتنقل في الولايات الجليلة مثل نيابة السلطنة بالقاهرة ونيابة ~~دمشق، ولم ms1544 يكن في الأمراء من يضاهيه في منزلته وشجاعته وقربه من الملوك، ~~وكان أميرا جليلا خبيرا حازما سيوسا مدبرا جوادا ممدحا، وكان الملك الظاهر ~~إذا عمل مشورة وتكلم جمع خشداشيته من الأمراء فلا يصغي إلا إلى قول ابن ~~يغمور هذا ويفعل ما أشار به عليه. وكانت وفاته في مستهل شعبان بالقصير من ~~أعمال الفاقوسية بين الغرابي والصالحية. ومن شعره قوله: دوبيت، ما أحسن ما ~~جاء كتاب الحب ... يبدي حرقا كأنه عن قلبي فازددت بما قرأت شوقا وضما ... ~~لا يبرده إلا نسيم القرب الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي المحدث معين الدين إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز القرشي الزكوي. ~~والحافظ زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف بن سعد النابلسي بدمشق، وله ~~ثمان وسبعون سنة في سلخ جمادى الأولى. والأمير الكبير جمال الدين موسى بن ~~يغمور. والنجيب فراس بن علي بن زيد العسقلاني التاجر. وقاضي الديار المصرية ~~بدر الدين يوسف بن الحسن السنجاري في رجب. والشيخ أبو القاسم الحواري ~~الزاهد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وإصبعان. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة أربع وستين وستمائة. فيها توفي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن ~~صالح، كان فاضلا أديبا. ومن شعره، رحمه الله، في مكار مليح: مجزوء الرجز، ~~علقته مكاريا ... شرد عن عيني الكرى قد أشبه البحر فلا ... يمل من طول ~~السرى PageV02P0318 # وفيها توفي طاغية التتار وملكهم هولاكو وقيل هولاوون وقيل هولاو بن تولي ~~خان بن جنكز خان المغلي التركي، ملك مكان أبيه بعد موته وكان من أعظم ملوك ~~التتار، وكان حازما شجاعا مدبرا، استولى على الممالك والأقاليم في أيسر مدة ~~وفتح بلاد خراسان وأذربيجان وعراق العجم وعراق العرب والموصل والجزيرة ~~وديار بكر والشام والروم والشرق وغير ذلك. وهو الذي قتل الخليفة المستعصم ~~المقدم ذكره، وكان على قاعدة المغل لا يتدين بدين، وإنما كانت زوجته طقز ~~خاتون قد تنصرت، فكانت تعضد النصارى وتقيم شعائرهم ms1545 في تلك البلاد. وكان ~~هولاكو سعيدا في حروبه لا يروم أمرا إلا ويسهل عليه، وكانت وفاته بعلة ~~الصرع، وكان الضرع يعتريه من عدة سنين في كل وقت، حتى إنه كان يعتريه في ~~اليوم الواحد المرة والمرتين والثلاث، ثم زاد به فمرض ولم يزل ضعيفا نحو ~~شهرين وهلك، فأخفوا موته وصبروه حتى حضر ولده أبغا وجلس مكانه في الملك، ~~وقيل: إنه لم يدفن وعلق بسلاسل، ومات وله ستون سنة أو نحوها. وخلف من ~~الأولاد الذكور سبعة عشر ولدا. وهم أبغا الذي ملك بعده وأشموط وتمشين وتكشي ~~وكان جبارا، وأجاي وتستر ومنكوتمر الذي التقى مع الملك المنصور قلاوون على ~~حمص وانهزم جريحا، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وباكودر وأرغون وتغاي ~~تمر والملك أحمد وجماعة أخر. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي أبو الفضل إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى القرشي بن الدرجي في صفر. ~~والشيخ جمال الدين أحمد بن عبد الله بن شعيب التميمي في شهر ربيع الآخر، ~~وله اثنتان وسبعون سنة. ورضي الدين إبراهيم بن البرهان عمر الواسطي التاجر ~~بالإسكندرية في رجب، وله إحدى وسبعون سنة، وخلف أموالا عظيمة. والأمير ~~الكبير جمال الدين أيدغدي العزيزي. والشيخ أحمد بن سالم المصري النحوي في ~~شوال بدمشق. والطاغية هولاكو بمراغة. أمر النيل في هذه السنة:الماء القديم ~~أربع أذرع وسبع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة خمس وستين وستمائة. فيها توفي بركة خان بن جوجي بن جنكزخان ملك ~~التتار، هو ابن عم هولاكو المقدم ذكره، وكانت مملكته عظيمة متسعة جدا وهي ~~بعيدة عن بلادنا وله عساكر وافرة العدد، وكان بركة هذا يميل إلى المسلمين ~~ميلا زائدا ويعظم أهل العلم ويقصد الصلحاء ويتبرك بهم. ووقع بينه وبين ابن ~~عمه هولاكو، وقاتله بسبب قتله للخليفة المستعصم بالله وغيره من المسلمين، ~~وكان بينه وبين الملك الظاهر مودة ويعظم رسله، وكان قد أسلم هو وكثير من ~~جنده وبنى المساجد وأقيمت الجمعة ms1546 ببلاده، وكان جوادا عادلا شجاعا، ومات ~~ببلاده في هذه السنة وهو في عشر الستين، وقام مقامه منكوتمر. وفيها توفي ~~الأمير ناصر الدين أبو المعالي حسين بن عزيز بن أبي الفوارس القيمري، كان ~~من أكابر الأمراء وأجلهم قدرا وأكبرهم شأنا، وكان شجاعا كريما عادلا، وكان ~~الملك الظاهر قد جعله مقدم العساكر بالساحل فتوجه إليه فمات به مرابطا في ~~يوم الأحد ثالث عشر شهر ربيع الأول، وهو صاحب المدرسة القيمرية بدمشق، وكان ~~عالي الهمة يضاهي السلاطين في موكبه وخيله ومماليكه وحواشيه. وفيها توفي ~~القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف بن محمود بن بحر أبو محمد العلامي ~~الفقيه الشافعي المعروف بابن بنت الأعز، كان إماما عالما فاضلا وولي ~~المناصب الجليلة كنظر الدواوين والوزارة وقضاء القضاة ودرس بالشافعي، وكانت ~~له مكانة عند الملك الظاهر، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة، ومات ليلة ~~السابع والعشرين من شهر رجب ودفن من الغد بسفح المقطم. وفيها توفي الشيخ ~~الإمام المحدث تاج الدين أبو الحسين علي بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسين ~~بن عبد الله بن أحمد بن ميمون القيسي المصرفي المالكي المعروف بابن ~~القسطلاني، ولد سنة ثمان وخمسمائة بمصر، وبها تفقه وسمع الحديث من جماعة ~~كبيرة وحدث بالكثير ودرس وأفتى وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة ~~إلى أن مات بكرة السابع والعشرين من شوال ودفن من يومه بسفح المقطم. ~~PageV02P0319 # وفيها توفي الشيخ الإمام الفقيه المحدث شمس الدين ملكشاه بن عبد الملك ~~ابن يوسف بن إبراهيم المقدسي الأصل المصري المولد الدمشقي الدار الحنفي ~~المعروف بقاضي بيسان، كان فقيها عالما فاضلا مفتنا في علوم، ولد بحارة ~~زويلة بالقاهرة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة ومات في سادس عشر صفر بدمشق، رحمه ~~الله. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أبو الحجاج ~~يوسف بن مكتوم السويدي الحبال. والشيخ الصالح الأثري محمود بن أبي القاسم ~~الدشتي بالقاهرة في رجب. وقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن خلف ابن بنت ~~الأعز في رجب، وله إحدى وستون سنة. والعلامة شهاب ms1547 الدين أبو شامة أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي ثم الدمشقي في رمضان، وله ست وستون ~~سنة. والإمام تاج الدين علي ابن الشيخ أبي العباس أحمد بن علي القسطلاني ~~بمصر، وله سبع وسبعون سنة. والسلطان بركة خان بن جوجي بن جنكزخان. والأمير ~~الكبير ناصر الدين حسين بن عزيز بن أبي الفوارس القيمري صاحب القيمرية. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأربع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ~~ست عشرة ذراعا وأربع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة ست وستين وستمائة. فيها توفي الرئيس كمال الدين أبو يوسف أحمد ~~بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الله الحلبي المعروف ~~بابن العجمي، كان شاعرا رئيسا عالما فاضلا حسن الخط والإنشاء، كتب للملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف، وكان من أعيان الكتاب وأماثلهم، بلغ من العمر ستا ~~وأربعين سنة، ومات بظاهر صور من بلاد الساحل في العشر الأول من ذي الحجة ~~وحمل إلى ظاهر دمشق فدفن بها. ومن شعره في خال مليح، قال: الطويل، وما خاله ~~ذاك الذي خاله الورى ... على خده نقطا من المسك في ورد ولكن نار الخد للقلب ~~أحرقت ... فصار سواد القلب خالا على الخد قلت: يعجبني قول ابن صابر ~~المنجنيقي في هذا المعنى: مخلع البسيط، أهلا بوجه كالبدر حسنا ... صيرني ~~حبه هلالا قد رق حتى لحظت فيه ... سواد عيني فخلت خالا ومثل هذا أيضا قول ~~القائل في هذا المعنى، ولم أدر لمن هو غير أنني أحفظه قديما، وهو في خال ~~تحت العذار: الوافر، له خال تغشاه هلال ... يفوت العين إن نظرت إليه كشحرور ~~تخبأ في سياج ... مخافة جارح من مقلتيه وفي هذا المعنى للعز الموصلي وأبدع ~~إلى الغاية: السريع، لحظت من وجنتها شامة ... فابتسمت تعجب من حالي قالت ~~قفوا واستمعوا ما جرى ... قد هام عمي الشيخ في خالي وفي هذا المعنى: مخلع ~~البسيط، تفاخر الحسن في انتساب ... لما بدا خاله الأنيق فقالت العين ذا ابن ~~أختي ... وقال لي ms1548 الخد ذا شقيق وقد استوعبنا هذا النوع وغيره في كتابنا ~~حلية الصفات في الأسماء والصناعات فلينظر هناك. وفيها توفي عفيف الدين أبو ~~الحسن على بن عدلان بن حماد بن علي الموصلي النحوي المترجم، كان إماما ~~عالما أديبا مفتنا شاعرا، مات بمصر في يوم الجمعة تاسع شوال. ومن شعره، ~~رحمه الله: البسيط، لا تعجبن إذا ما فاتك المطلب ... وعود النفس أن تشقى ~~وأن تتعب إن دام ذا الفقر في الدنيا فلا تعجب ... مات الكرام وما فيهم فتى ~~أعقب وفيها توفي السلطان ركن الدين كيقباد ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ~~ابن السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج ~~أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أتسز بن إسرائيل بن سلجوق بن دقماق السلجوقي ~~صاحب الروم، كان ملكا جليلا شجاعا لكنه كان غير سديد الرأي، كان جعل أمره ~~بيد البرواناه فاستفحل أمر البرواناه، فأراد ركن الدين هذا قتله فعاجله ~~البرواناه وعمل على قتله حتى قتل وكيقباد بفتح الكاف وسكون الياء آخر ~~الحروف وضم القاف وفتح الباء ثانية الحروف وبعد الألف دال مهملة ساكنة. ~~وكيخسرو مثل ذلك غير أن الخاء المعجمة مضمومة وبعدها سين مهملة ساكنة وراء ~~مهملة مضمومة. وقليج أرسلان بكسر القاف واللام وسكون الياء والجيم معا. ~~وأرسلان معروف. PageV02P0320 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي أيوب بن أبي بكر ~~عمر الحمامي ابن الفقاعي. ومجد الدين أحمد بن عبد الله بن ميسرة الأزدي ابن ~~الحلوانية في شهر ربيع الأول. والشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الله ابن الشيخ ~~أبي عمر المقدسي في شهر ربيع الأول، وله ستون سنة. وأبو بكر عبد الله بن ~~أحمد بن ناصر النحاس في ذي القعدة. وفيها قتلت التتار السلطان ركن الدين ~~كيقباد ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباد صاحب ~~الروم، وله ثمان وعشرون سنة وأجلسوا ولده كيخسرو على التخت وهو ابن عشر ~~سنين. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثماني ms1549 عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة سبع وستين وستمائة. فيها توفي الأمير عز الدين أيدمر بن عبد ~~الله الحلي الصالحي النجمي، كان من أكبر أمراء الدولة وأعظمهم محلا عند ~~الملك الظاهر، وكان نائب السلطنة عنه بالديار المصرية في غيبته عنها لوثوقه ~~به واعتماده عليه، وكان قليل الخبرة لكن رزق السعادة. قلت: له أسوة ~~بأمثاله. قال: وكان محظوظا من الدنيا له الأموال الجمة والمتاجر الكثيرة ~~والأملاك الوافرة. وأما ما خلفه من الأموال والخيول والجمال والبغال والعدد ~~فيقصر الوصف عنه. ومات بقلعة دمشق في يوم الخميس سابع شعبان ودفن بتربته ~~بجوار مسجد الأمير موسى بن يغمور. ومات وقد نيف على الستين. وفيها توفي ~~الشيخ المحدث عماد الدين محمد بن محمد بن علي أبو عبد الله، كان فاضلا سمع ~~الكثير، ومات بدمشق في شهر ربيع الأول، ولما كان بحلب كتب إليه أخوه سعد ~~الدين سعد يقول: البسيط، ما للنوى رقة ترثي لمكتئب ... حران في قلبه والدمع ~~في حلب قد أصبحت حلب ذات العماد بكم ... وجلق إرما هذا من العجب الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفني زين الدين إسماعيل بن عبد ~~القوي بن عزون الأنصاري في المحرم. والإمام مجد الدين علي بن وهب القشيري ~~والد ابن دقيق العيد. والحافظ زين الدين أبو الفتح محمد بن محمد الأبيوردي ~~الصوفي في جمادى الأولى. واللغوي مجد الدين عبد المجيد بن أبي الفرج ~~الروذراوري بدمشق في صفر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع ~~وست عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة ثمان وستين وستمائة. فيها توفي الشيخ موفق الدين أبو العباس ~~أحمد بن القاسم بن خليفة الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة الحكيم الفاضل ~~صاحب المصنفات منها طبقات الأطباء. مات بصرخد في جمادى الأولى، وقد نيف على ~~سبعين سنة، وكان فاضلا عالما في الطب والأدب والتاريخ وله شعر كثير، من ذلك ~~ما مدح به الصاحب ms1550 أمين الدولة، وهي قصيدة طنانة أولها: الوافر، فؤادي في ~~محبتهم أسير ... وأنى سار ركبهم يسير يحن إلى العذيب وساكنيه ... حنينا قد ~~تضفنه سعير ويهوى نسمة هبت سحيرا ... بها من طيب نشرهم عبير وإني قانع بعد ~~التداني ... بطيف من خيالهم يزور ومعسول اللمى مر التجني ... يجور على ~~المحب ولا يجير تصدى للصدود ففي فؤادي ... بوافر هجره أبدا هجير وقد وصلت ~~جفوني فيه سهدي ... فما هذي القطيعة والنفور وهي طويلة كلها على هذا النمط. ~~وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الظاهري نائب حمص، كان فيه ~~صرامة مفرطة، وكان موصوفا بالعسف والظلم وسيرة قبيحة، ومع هذه المساوئ كان ~~أيضا فيه رفض. مات بحمص وفرح بموته أهل بلده. وفيها توفي الأمير عز الدين ~~أيبك بن عبد الله المعروف بالزراد، كان نائب قلعة دمشق، وكان من المماليك ~~الصالحية النجمية، وكانت حرمته وافرة وسيرته جميلة. ومات في ذي القعدة. ~~وفيها توفي موسى بن غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن حسين الأنصاري ~~المقدسي، كان كبير القذر صدرا كبيرا شجاعا وافر الحرمة، تولى مشيخة الحرم ~~بالقدس الشريف، وكان كريما وله سمعة وصيت. مات بالقدس في المحرم وقد جاوز ~~سبعين سنة. PageV02P0321 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي المحدث زين الدين ~~أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي في رجب، وله ثلاث وتسعون سنة. وقاضي ~~القضاة محي الدين يحيى بن محمد بن الزكي القرشي في رجب، وله اثنتان وسبعون ~~سنة. وأبو حفص عمر بن محمد بن أبي سعد الكرماني الواعظ في شعبان، وله ثمان ~~وتسعون سنة. وفيها قتل في المصاف صاحب المغرب الملك أبو دبوس أبو العلاء ~~الواثق بالله إدريس بن عبد الله بن محمد المؤمني. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ست أذرع واثنتان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~واثنتان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة الظاهر بيبرس # البندقداري على مصر وهي سنة تسع وستين وستمائة. فيها توفي الشيخ شمس ~~الدين أبو إسحاق إبراهيم بن ms1551 المسلم بن هبة الله بن البارزي الفقيه الحموي ~~الشافعي، مولده سنة ثمانين وخمسمائة، وكان فقيها فاضلا ورعا، وله شعر جيد، ~~وأفتى ودرس بمعرة النعمان وغيرها، ومات في شعبان بحماة. ومن شعره، رحمه ~~الله، يصف دمشق: المتقارب، دمشق لها منظر رائق ... وكل إلى وصلها تائق وأنى ~~يقاس بها بلدة ... أبى الله والجامع الفارق وفيها توفي القاضي كمال الدين ~~أبو السعادات أحمد بن مقدام بن أحمد بن شكر المعروف بابن القاضي الأعزة كان ~~أحد الأكابر بالديار المصرية متأهلا للوزارة وغيرها، وتولى المناصب ~~الجليلة، وكان له يد في النظم ومعرفة بالأدب ومشاركة في غيره. ومات في شهر ~~رمضان بالقاهرة. وفيها توفي الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الصيرفي، ~~كان من أعيان الأمراء بالديار المصرية وممن يخشى جانبه، فلما تمكن الملك ~~الظاهر بيبرس أخرجه إلى دمشق ليأمن غائلته وأقطعه بها خبزا جيدا، فدام به ~~إلى أن مات ببعلبك وهو في عشر الستين. وفيها توفي الأمير قطب الدين سنجر بن ~~عبد الله المستنصري البغدادي المعروف بالياغز، كان من مماليك الخليفة ~~المستنصر بالله، وكان محترما في الدولة الظاهرية وعنده معرفة وحسن عشرة ~~ومحاضرة بالأشعار والحكايات. وفيها توفي الملك الأمجد تقي الدين عباس ابن ~~الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي، وكنيته أبوالفضل، كان محترما ~~عند الملك الظاهر لا يرتفع عليه أحد في المجالس، وهو آخر من مات من أولاد ~~الملك العادل لصلبه، وكان دمث الأخلاق حسن العشرة لا تمل مجالسته. ومات ~~بدمشق في جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون. وفيها توفي قطب الدين عبد الحق بن ~~إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن سبعين أبو محمد المرسي ~~الرقوطي الصوفي المعروف بابن سبعين. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: كان ~~صوفيا على قاعدة زهاد الفلاسفة وتصوفهم، وله كلائم كثير في العرفان على ~~طريق الاتحاد والزندقة. وقد ذكرنا محط هؤلاء الجنس في ترجمة ابن الفارض ~~وابن العربي وغيرهما، فيا حسرة على العباد! كيف لا يغضبون لله تعالى ولا ~~يقومون في الذب عن ms1552 معبودهم، تبارك الله وتقدس في ذاته عن أن يمتزج بخلقه أو ~~يحل فيهم، وتعالى الله عن أن يكون هو عين السموات والأرض وما بينهما، فإن ~~هذا الكلام شر من مقالة من قال بقدم العالم. ومن عرف هؤلاء الباطنية عذرني ~~أو هو زنديق مبطن للاتحاد يذب عن الاتحادية والحلولية، ومن لم يعرفهم فالله ~~يثيبه على حسن قصده. ثم قال بعد كلام طويل: واشتهر عنه يعني عن ابن سبعين ~~هذا، أنه قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعا بقوله: لا نبي بعدي. ثم ساق الذهبي ~~أيضا من جنس هذه المقولة أشياء أضربت عنها إجلالا في حق الله ورسوله لا ~~لأجل هذا النجس. قلت: إن صح عنه ما نقله الحافظ الذهبي، وهو حجة في نقله، ~~فهو كافر زنديق مارق من الدين مطرود من رحمة الله تعالى. انتهى. والرقوطي ~~نسبة إلى حصن من عمل مرسية يقال له رقوطة. PageV02P0322 # وفيها توفي الأمير شرف الدين أبو محمد عيسى بن محمد بن أبي القاسم بن ~~محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كامل الكردي الهكاري، كان أحد أعيان الأمراء ~~سمع الحديث وحدث، ومولده سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالقدس، وكان أحد ~~الأمراء المشهورين بالشجاعة والإقدام وله وقائع معدوة ومواقف مشهورة مع ~~العدو بأرض الساحل، ولي الأعمال الجليلة وقدمه الملك الظاهر بيبرس على ~~العساكر في الحروب غير مرة، ومات بدمشق في شهر ربيع الآخر. ومن شعره مما ~~كتبه للوزير شرف الدين ابن المبارك وزير إربل: الطويل، أ أحبابنا إن غبت ~~عنكم وكان لي ... إلى غير مغناكم مراح وإيسام فما عن رضا كانت سليمى بديلة ~~... بليلى ولكن للضرورات أحكام وفيها توفي محمد بن عبد المنعم بن نصر الله ~~بن جعفر بن أحمد بن حوارى، الفقيه الأديب أبو المكارم تاج الدين التنوخي ~~المعري الأصل الحنفي الدمشقي المولد والدار والوفاة المعروف بابن شقير. ولد ~~سنة سبع وستمائة وسمع وحدث بدمشق والقاهرة، وكان فقيها محدثا فاضلا بارعا ~~أديبا وعنده رياسة ومكارم ودماثة أخلاق وحسن محاضرة، وهو معدود من شعراء ~~الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن ms1553 العزيز ومات في صفر. ومن شعره: السريع، ~~قد أقبل الصيف وولى الشتا ... وعن قريب نشتكي الحرا أما ترى البان بأغصانه ~~... قد قلب الفرو إلى برا وقال، رحمه الله: الكامل، واحيرة القمرين منه إذا ~~بدا ... وإذا انثنى واخجلة الأغصان كتب الجمال ويا له من كاتب ... سطرين في ~~خذيه بالريحان قلت: ويعجبني قول ابن المعتز في هذا المعنى وقد أبدع في ~~التشبيه فقال: البسيط، كأن خط عذار شق عارضه ... ميدان آس على ورد ونسرين ~~وخط فوق حجاب الدر شاربه ... بنصف صاد ودار الصدغ كالنون ولمحمد بن يوسف ~~الخياط الدمشقي في معنى العذار: مخلع البسيط، عذار حبي دقيق معنى ... تجل ~~عن حسنه الصفات حلا لرائيه وهو نبت ... هذا هو السكر النبات ولابن نباتة: ~~الكامل، وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنه نشوان من شفتيه شغف العذار بخده ~~ورآه قد ... نعست لواحظه فدب عليه وللصفدي: عيناه قد شهدت بأني مخطئ ... ~~وأتت تخط عذاره تذكارا يا حاكم الحب اتئد في قتلتي ... فالخط زور والشهود ~~سكارى الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الشيخ حسن بن ~~أبي عبد الله بن صدقة الصقلي المقرئ في شهر ربيع الأول وقد نيف على سبعين. ~~وشيخ السبعينية قطب الدين عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن سبعين المرسي ~~بمكة في شوال، وله خمس وخمسون سنة. ومجد الدين محمد بن إسماعيل بن عثمان بن ~~مظفر بن هبة الله بن عساكر في ذي القعدة. وقاضي حماة شمس الدين إبراهيم بن ~~المسلم بن البارزي في شعبان، وله تسع وثمانون سنة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ست أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا ~~واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة سبعين وستمائة. فيها توفي الملك الأمجد مجد الدين أبو محمد ~~الحسن ابن الملك الناصر داود ابن الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي ~~بكر بن أيوب، كان الملك الأمجد هذا من الفضلاء وعنده مشاركة جيدة في كثير ~~من العلوم، وله معرفة تامة ms1554 بالأدب. وفيها توفي الشيخ عماد الدين عبد الرحيم ~~بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر ~~بن محمد بن محمد بن الحسين الحلبي الشافعي المعروف بابن العجمي، كان فاضلا ~~سمع الحديث وتفقه وحدث ودرس وتولى الحكم بمدينة الفيوم من أعمال مصر وغيرها ~~وناب في الحكم بدمشق، وكان مشكور السيرة. ومات بحلب في رابع عشر شهر رمضان. ~~ومولده في سنة خمس وستمائة بحلب. PageV02P0323 # وفيها توفي الأديب أمين الدين علي بن عثمان بن علي بن سليمان بن علي بن ~~سليمان بن علي أبو الحسن المعروف بأمين الدين السليماني الصوفي الإربلي ~~الشاعر المشهور، ولد سنة اثنتين وستمائة. ومات بمدينة الفيوم من أعمال مصر ~~في جمادى الأولى، وكان فاضلا مقتدرا على النظم، وهو من أعيان شعراء الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، وكان أولا جنديا ثم ترك ذلك وتزهد. ومن ~~شعره وقد أرسل إلى بعض الرؤساء هدية فقال: الطويل، هدية عبد مخلص في ولائه ~~... لها شاهد منها على عدم المال وليست على قدري ولا قدر مالكي ... ولكنها ~~جاءت على قدر الحال وقال رحمه الله: الوافر، ألا فاحفظ لسانك فهو خير ... ~~وطرفك واستمع نصحي ووعظي فرب عداوة حصلت بلفظ ... ورب صبابة حصلت بلحظ ~~وفيها توفي الرئيس الصدر عماد الدين أبو عبد الله محمد بن سالم بن الحسن بن ~~هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى ~~التغلبي، البلدي الأصل الدمشقي المولد والدار والوفاة العدل الكبير، مولده ~~سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وسمع الكثير وحدث، وكان شيخا جليلا من بيت العلم ~~والحديث، وقد حدث هو وأبوه وجده وجد أبيه وجذ جده وغير واحد من بيته. ومات ~~في ذي القعدة. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~العلامة الكمال سلار بن الحسن الإربلي الشافعي في جمادى الآخرة ومعين الدين ~~أحمد ابن القاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشقي العدل بمصر في رجب. والإمام ~~جمال الدين عبد الرحمن بن ms1555 سلمان الحراني البغدادي الحنبلي في شعبان، وله ~~خمس وثمانون سنة. والقاضي عماد الدين أبو عبد الله محمد بن سالم بن الحسن ~~بن هبة الله الدمشقي بن صصرى في ذي القعدة. والملك الأمجد السيد الجليل حسن ~~ابن الناصر داود صاحب الكرك في جمادى الأولى كهلا. والصدر وجيه الدين محمد ~~بن علي بن سويد التكريتي التاجر في ذي القعدة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم سبع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة إحدى وسبعين وستمائة. فيها توفي الأديب الفاضل مخلص الدين أبو ~~إسحاق إبراهيم بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن قرناص الخزاعي الحموي الشاعر ~~المشهور، كان أديبا فاضلا وله اليد الطولى في النظم، ومات بحماة يوم الأحد ~~رابع شوال. ومن شعره: البسيط، ليلي وليلك يا سؤلي ويا أملي ... ضدان هذا به ~~طول وذا قصر وذاك أن جفوني لا يلم بها ... نوم وجفنك لا يحظى به السهر قلت: ~~وهذا يشبه قول القائل وما أدري أيهما أسبق إلى هذا المعنى وهو: البسيط، ~~ليلي وليلى نفى نومي اختلافهما ... بالطول والطول يا طوبى لو اعتدلا يجود ~~بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا وفيها توفي الشريف ~~شرف الدين أبو عبد الله محمد بن رضوان بن علي بن أبي المظفر بن أبي ~~العتاهية المعروف بالشريف الناسخ. مات بدمشق في شهر ربيع الآخر، وكان من ~~الفضلاء وله مشاركة في كثير من العلوم وله اليد الطولى في النظم والنثر. ~~ومن شعره: الكامل، عانقته عند الوداع وقد جرت ... عيني دموعا كالنجيع ~~القاني ورجعت عنه وطرفه في فترة ... يملي علي مقاتل الفرسان قلت: وما أحسن ~~قول القاضي ناصح الدين الأرجاني في هذا المعنى: مخلع البسيط، إذا رأيت ~~الوداع فاصبر ... ولا يهمنك البعاد وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب ~~الوداع عادوا وأجاد أيضا من قال في هذا المعنى: الطويل، فإن سرت بالجثمان ~~عنكم فإنني ... أخلف قلبي عندكم وأسير فكونوا عليه مشفقين فإنه ms1556 ... رهين ~~لديكم في الهوى وأسير وفيها توفي المحدث شرف الدين أبو المظفر يوسف بن ~~الحسن بن بدر بن الحسن بن مفرج بن بكار النابلسي الأصل الدمشقي المولد ~~والدار والمنشأ والوفاة المحدث المشهورة كان فاضلا وسمع الكثير وحدث، وكانت ~~لديه فضيلة ومشاركة ومعرفة بالأدب. ومن شعره: البسيط PageV02P0324 # عرج بعيسك واحبس أيها الحادي ... عند الكثيب وعرس يمنة الوادي واقر ~~السلام على سكان كاظمة ... مني وعرض بتهيامي وتسهادي وقل محب بنار الشوق ~~محترق ... أودى به الوجد خلفناه بالنادي الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي الحافظ شرف الدين أبو المظفر يوسف بن الحسن بن ~~النابلسي الدمشقي في المحرم. وخطيب المقياس أبو الفتح عبد الهادي بن عبد ~~الكريم القيسي المقرئ، وله أربع وتسعون سنة في شعبان. والمحدث شمس الدين ~~محمد بن عبد المنعم بن عمار بن هامل الحراني في رمضان. وأبو العباس أحمد بن ~~هبة الله بن أحمد السلمي الكهفي في رجب. وصاحب التعجيز الإمام تاج الدين ~~أبو القاسم عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس الموصلي في جمادى الأولى ~~ببغداد، وله ثلاث وسبعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع ~~أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة اثنتين وسبعين وستمائة. فيها ملك الملك الظاهر بيبرس برقة بعد ~~حروب كثيرة. وفيها توفي الصاحب محيي الدين أحمد بن علي بن محمد بن سليم ~~الصاحب محيي الدين أبو العباس ابن الصاحب بهاء الدين بن حنا في ثامن شعبان ~~بمصر ودفن بسفح المقطم، ووجد عليه والده وجدا شديدا، وعملت له الأعزية ~~والختم، وكان فاضلا، وسمع من جماعة وحدث ودرس بمدرسة والده التي أنشأها ~~بزقاق القناديل بمصر إلى حين وفاته. وفيها توفي المحدث مؤيد الدين أبو ~~المعالي أسعد بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي ~~المعروف بابن القلانسي، مولده بدمشق سنة ثمان أو تسع وتسعين وخمسمائة، وسمع ~~الكثير وحدث بدمشق ومصر، ms1557 وهو من البيوتات المشهورة بالحديث والعدالة ~~والتقدم. ومات في ثالث عشر المحرم ببستانه ظاهر دمشق، وكان وافر الحرمة ~~متأهلا للوزارة كثير الأملاك واسع الصدر. وفيها توفي الأمير فارس الدين ~~أقطاي بن عبد الله الأتابكي المعروف بالمستعرب الصالحي النجمي، كان من ~~أكابر الأمراء وأعيانهم، وكان الملك المظفر قطز قربه وجعله أتابكا وعلق ~~جميع أمور المملكة به. فلما تسلطن الملك الظاهر قام معه وحلف له وسلطنه فلم ~~يسع الملك الظاهر إلا أن أبقاه على حاله، وصار الظاهر في الباطن يتبرم منه ~~ولا يسعه إلا تعظيمه لعدم وجود من يقوم مقامه، فإنه كان من رجال الدهر حزما ~~وعزما ورأيا، فلما أنشأ الملك الظاهر بيليك الخازندار أمره بملازمته ~~والاقتباس منه فلازمه مدة، فلما علم الظاهر منه الاستقلال جعله مشاركا له ~~في الجيش، وقطع الرواتب التي كانت لأقطاي المذكورة فجمع أقطاي نفسه وتعلل ~~قريب السنة وصار يتداوى إلى أن مات، وكان أظهر أن به طرف جذام ولم يكن به ~~شيء من ذلك، رحمه الله تعالى. وفيها توفي مجاهد بن سليمان بن مرهف بن أبي ~~الفتح التميمي المصري الخياط الشاعر المشهور، وكان يعرف بابن أبي الربيع. ~~مات في جمادى الآخرة بالقرافة الكبرى، وكان بها سكنه وبها دفن، وكان فاضلا ~~أديبا، ومن شعره في أبي الحسين الجزار وكان بينهما مهاجاة: المجتث، أبا ~~الحسين تأدب ... ما الفخر بالشعر فخر وما ترشحت منه ... بقطرة وهو بحر وفيه ~~يقول أيضا: مخلع البسيط، إن تاه جزاركم عليكم ... بفطنة عنده وكيس فليس ~~يرجوه غير كلب ... وليس يخشاه غير تيس ومن شعره قوله، لغز في إبرة وكستبان: ~~السريع، ثلاثة في أمر خصمين ... إلفين لكن غير إلفين هما قريبان وإن فرقت ~~... بينهما الأيام فرقين فواحد يعضده واحد ... ويعضد الآخر باثنين تراهما ~~بينهما وقعة ... إذ تقع العين على العين وفيها توفي الشيخ الإمام أبو عبد ~~الله محمد بن سليمان بن عبد الملك بن علي المعافري الشاطبي المقرئ الزاهد ~~نزيل الإسكندرية، قرأ بالسبع في الأندلس وبرع في القراءات والتفسير، وله ~~تفسير صغير. ومات في العشرين من ms1558 شهر رمضان، وله سبع وثمانون سنة. ~~PageV02P0325 # وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة فريد عصره جمال الدين أبو عبد الله محمد ~~بن عبد الله بن مالك النحوي الجياني الشافعي الطائي العالم المشهور صاحب ~~التصانيف في النحو والعربية نزيل دمشق. مولده سنة إحدى وستمائة، وسمع ~~الحديث وتصحر بحلب لإقراء العربية، وصرف همته إلى النحو حتى بلغ فيه ~~الغاية، وصنف التصانيف المفيدة، وكان إماما في القراءات، وصنف فيها أيضا ~~قصيدة مرموزة في مقدار الشاطبية، وكان إماما في اللغة. قلت: وشهرته تغني عن ~~الإطناب في ذكره. ومات في ثاني عشر شعبان وقد نيف على السبعين، رحمه الله ~~تعالى. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي مؤيد الدين ~~أسعد ابن المظفر التميمي ابن القلانسي عن ثلاث وسبعين سنة في المحرم والسيد ~~نجيب الدين عبد اللطيف بن أبي محمد عبد المنعم بن الصيقل الحراني في صفر، ~~وله خمس وثمانون سنة. والمسند تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر ~~التنوخي الكاتب في صفر، وله ثلاث وثمانون سنة. وأبو عيسى عبد الله بن عبد ~~الواحد بن محمد بن علاق الأنصاري الرزاز في شهر ربيع الأول عن ست وثمانين ~~سنة. والقاضي كمال الدين عمر بن بندار التفليسي بمصر في شهر ربيع الأول وقد ~~جاوز السبعين. والمحدث نجم الدين علي بن عبد الكافي الربعي الشافعي في شهر ~~ربيع الآخر شابا. والشيخ كمال الدين عبد العزيز بن عبد المنعم في شعبان عن ~~ثلاث وثمانين سنة. والعلامة جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك الطائي ~~الجياني في شعبان عن نحو سبعين سنة. والأمير الكبير أتابك المستعرب، واسمه ~~فارس الدين أقطاي الصالحي، وقد ولي نيابة المظفر قطز، توفي في جمادى ~~الأولى. والزاهد الكبير الشيخ محمد بن سليمان الشاطبي بالإسكندرية. وخواجا ~~نصير الدين الطوسي في ذي الحجة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست ~~أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة ثلاث وسبعين وستمائة. فيها ms1559 كانت أعجوبة في السابع والعشرين من ~~شعبان وهو أنه وقع رمل بمدينة الموصل ظهر من القبلة وانتشر يمينا وشمالا ~~حتى ملأ الآفاق وعميت الطرق، فخرج العالم إلى ظاهر البلد، ولم يزالوا ~~يبتهلون إلى الله تعالى بالدعاء إلى أن كشف الله ذلك عنهم. وفيها توفي ~~الأمير شهاب الدين أبو العباس أحمد بن موسى بن يغمور بن جلدك. وقد تقدم ذكر ~~والده الأمير جمال الدين موسى. كان شهاب الدين هذا معروفا بالشجاعة ~~والشهامة والصرامة والحرمة، ولاه الملك الظاهر المحلة وأعمالها من الغربية ~~من إقليم مصر، فهذبها ومهد قواعدها وأباد المفسدين بها بحيث إنه قطع من ~~الأيدي والأرجل ما لا يحصى كثرة، وشنق ووسط فخافه البريء والسقيم. ومات ~~بالمحلة في الرابع والعشرين من جمادى الأولى، وكان عنده رياسة وحشمة وبر ~~لمن يقصده، وله نظم وعنده فضيلة. ومن شعره يخاطب الأمير علم الدين ~~الدواداري: الخفيف، إن صددتم عن منزلي فلكم في ... ه ثناء كنشر روض بهي أو ~~رددتم فأنا المحب الذي من ... آل موسى في الجانب الغربي وله: مخلع البسيط، ~~خطب أتى مسرعا فآذى ... أصبح جسمي به جذاذ خضد قلبي وعم غيري ... يا ليتني ~~مت قبل هذا وله في مليح نحوي: الخفيف، ومليح تعلم النحو يحكي ... مشكلات له ~~بلفظ وجيز ما تميزت حسنه قط إلا ... قام أيري نصبا على التمييز ~~PageV02P0326 # وفيها هلك بيمند الفرنجي متملك طرابلس بها في العشر الأول من شهر رمضان ~~ودفن في كنيسة بها، وتملك بعده ابنه، وكان حسن الشكل مليح الصورة. وفيها ~~توفي الشيخ الإمام أبو محمد شمس الدين عبد الله ابن شرف الدين محمد بن عطاء ~~الأفرعي الأصل الدمشقي الوفاة الحنفي، كان إماما فقيها مفتيا عالما مفتنا، ~~أفتى ودرس بعدة مدارس، وهو أول قاض ولي القضاء استقلالا بدمشق من الحنفية ~~في العصر الثاني. وأما أول الزمان فوليها جماعة كثيرة من العلماء في أوائل ~~الدولة العباسية. وحسنت سيرته في القضاء إلى الغاية، وقصته مع الملك الظاهر ~~بيبرس مشهورة لما أوقع الظاهر الحوطة على الأملاك والبساتين بدمشق، وقعد ~~الظاهر في دار ms1560 العمل بدمشق وجرى الحديث في هذا المعنى بحضور القضاة الأربعة ~~والعلماء وغيرهم، فكل من القضاة ألان له القول وخشي سطوة الملك الظاهر إلا ~~شمس الدين هذا، فإنه صدع بالحق وقال: ما يحل لمسلم أن يتعرض لهذه الأملاك ~~والبساتين، فإنها بيد أربابها ويدهم ثابتة عليها. فغضب الملك الظاهر من هذا ~~القول وقام من دار العدل وقال: إذا كنا ما نحن مسلمون إيش قعودنا، فشرع ~~الأمراء يتألفوه ولازالوا به حتى سكن غضبه، فلما رأى الظاهر الظاهر صلابة ~~دينه حظي عنده وقال: أثبتوا كتبنا عند هذا القاضي الحنفي، وعظم في عينه ~~وهابه. وكان من العلماء الأعيان تام الفضيلة وافر الديانة كريم الأخلاق حسن ~~العشرة كثير التواضع عديم النظيرة وانتفع بعلمه جم غفير، رحمه الله تعالى. ~~وفيها توفي الشيخ جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد بن ~~محمد التكريتي الجد، الموصلي الأب، الدمشقي المولد، المحلي الوفاة، المعروف ~~بابن الطحان الشهير بالحافظ اليغموري، كان فاضلا سمع الكثير بعدة بلاد، ~~وكان له مشاركة في فنون، وكان أديبا شاعرا. ومن شعره: الرمل، رجع الود على ~~رغم الأعادي ... وأتى الوصل على وفق مرادي ما على الأيام ذنب بعد ما ... ~~كفر القرب إساءات البعاد الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي الحافظ وجيه الدين أبو المظفر منصور بن سليم الهمداني بالإسكندرية في ~~شوال. وقاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي في جمادى ~~الأولى وهو في عشر الثمانين. وأبو الفتح عمر بن يعقوب الإربلي الصوفي في ~~يوم النحر. أمر النيل في هذه السنة المباركة: الماء القديم خمس أذرع وأربع ~~أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة السادسة عشرة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة أربع وسبعين وستمائة. فيها توفي الأمير عز الدين أبو محمد أيبك ~~بن عبد الله الإسكندراني الصالحي النجمي، كان أستاذه الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب يثق به ويعتمد عليه وولاه الشوبك، وجعل عنده جماعة كثيرة من ~~خواصه: منهم الأمير عز الدين أيدمر الحلي، ms1561 والأمير سنجر الحصني، والأمير ~~أيبك الزراد، وكان عنده كفاية وخبرة تامة وصرامة شديدة ومهابة عظيمة يقيم ~~الحدود على ما تجب، ثم نقل في عدة وظائف إلى أن مات في شهر رمضان بقلعة ~~الرحبة ودفن بظاهرها. وفيها توفي الحسن بن علي بن الحسن بن ماهك بن طاهر ~~أبو محمد فخر الدين الحسيني نقيب الأشراف وابن نقيبهم، مولده سنة ثماني ~~وستمائة، ومات يوم الأحد تاسع شهر ربيع الأول ببعلبك، وكان عنده فضيلة ~~ومعرفة بأنساب العلوي ونظم نظما متوسطا، وكان مبذرا للأموال. وفيها توفي ~~الأمير الكبير ركن الدين خاص ترك بن عبد الله الصالحي النجمي، وكان شجاعا ~~مقداما مقدما عند الملوك. مات في شهر ربيع الأول بدمشق. وفيها توفي الشيخ ~~زين الدين أبو المظفر عبد الملك بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد ~~الرحمن بن طاهر الحلبي الشافعي المعروف بابن العجمي، مولده بحلب سنة إحدى ~~وتسعين وخمسمائة، وسمع الحديث وحدث وكان شيخا فاضلا. مات في ذي القعدة ~~بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم وهو خال قاضي القضاة كمال الدين أحمد ابن ~~الأستاذ. وفيها توفي الشيخ بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن عبيد الله. كان ~~صدرا كبيرا عالما فاضلا شاعرا. مات بالقاهرة ودفن بالقرافة وهو في عشر ~~الستين. ومن شعره، رحمه الله تعالى: مجزوء الكامل، ولقد شكوت لمتلفي ... ~~حالي ولطفت العباره PageV02P0327 # فكأنني أشكو إلى ... حجر وإن من الحجاره وله: الكامل، يا راحلا قد كدت ~~أقضي بعده ... أسفا وأحشائي عليه تقطع شط المزار فما القلوب سواكن ... لكن ~~دمع العين بعدك ينبع وفيها توفي الشيخ الإمام تاج الدين أبو الثناء محمود ~~بن عابد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن جعفر بن عمارة بن عيسى بن علي بن ~~عمارة التميمي الصرخدي الحنفي، مولده سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بصرخد. ومات ~~ليلة الجمعة السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية ~~عند قبر شيخه جمال الدين الحصيري، كان من الصلحاء العلماء العاملين، كان ~~كثير التواضع قنوعا من الدنيا معرضا عنها، وكانت له وجاهة عظيمة ms1562 عند الملوك ~~وانتفع به جم غفير من الطلبة، وكانت له اليد الطولى في النظم والنثر. ومن ~~شعره قوله: مخلع البسيط، ما نلت من حب من كلفت به ... إلا غراما عليه أو ~~ولها ومحنتي في هواه دائرة ... آخرها ما يزال أولها قلت: وأرشق من هذا من ~~قال: مجزوء الرجز محبتي ما تنقضي ... لجفوة تبطلها كأنها دائرة ... آخرها ~~أولها الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي المحدث مكين ~~الدين أبو الحسن بن عبد العظيم الحصني المصري في رجب، وله أربع وسبعون سنة. ~~وسعد الدين أبو الفضل محمد بن مهلهل بن بحران الأنصاري الجبتي المصري سمع ~~الأرتاحي. وتوفي تاج الدين محمود بن عابد التميمي الصرخدي الحنفي الشاعر ~~المشهور في شهر ربيع الآخر عن نيف وتسعين سنة. وسعد الدين الخضر ابن شيخ ~~الشيوخ تاج الدين عبد الله ابن شيخ الشيوخ أبي الفتح عمر بن حمويه الجويني ~~في ذي الحجة عن ثلاث وثمانين سنة. وأبو الفتح عثمان بن هبة الله بن عبد ~~الرحمن بن مكي بن إسماعيل بن عوف الزهري آخر أصحاب ابن موقا في شهر ربيع ~~الآخر بالإسكندرية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم القاعدة لم تحرر ~~لاختلاف المؤرخين. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السابعة عشرة من سلطنة الظاهر بيبرس # وهي سنة خمس وسبعين وستمائة. فيها توفي إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن ~~علي بن جماعة بن حازم بن صخر، أبو إسحاق الحموي الكناني المعروف بابن ~~جماعة، سمع الفخر بن عساكر وغيره وحدث. ومولده يوم الاثنين منتصف رجب سنة ~~ست وتسعين وخمسمائة بحماة، وهو والد القاضي بدر الدين بن جماعة. مات يوم ~~عيد النحر. وفيها توفي الأمير ناصر الدين محمد بن أيبك الإسكندري، وكان ممن ~~جمع بين حسن الصورة وحسن السيرة ووفور العقل والرياسة ومكارم الأخلاق. مات ~~غريقا، مر بفرسه على جسر حجر فزلق الفرس ووقع به في النهر وخرج الفرس سباحة ~~ومات هو. فكأن الجلال بن الصفار المارديني عناه بقوله : البسيط، يا أيها ms1563 ~~الرشأ المكحول ناظره ... بالسحر حسبك قد أحرقت أحشائي إن انغماسك في التيار ~~حقق أ ... ن الشمس تغرب في عين من الماء أو بقوله أيضا. وقيل إنهما لأبي ~~إسحاق الشيرازي ، والله أعلم: الطويل، غريق كان الموت رق لحسنه ... فلان له ~~في صفحة الماء جانبه أبى الله أن يسلوه قلبي فإنه ... توفاه في الماء الذي ~~أنا شاربه وفيها توفي الشيخ المعتقد الصالح أبو الفتيان أحمد بن علي بن ~~إبراهيم بن أبي بكر المقدسي الأصل البدوي المعروف بأبي اللثامين السطوحي. ~~مولده سنة ست وتسعين وخمسمائة، وتوفي في سنة خمس وسبعين في شهر ربيع الأول، ~~ودفن بطندتا وقبره يقصد للزيارة هناك، وكان من الأولياء المشهورين، وسمي ~~بأبي اللثامين لملازمته اللثامين صيفا وشتاء، وكان له كرامات ومناقب جمة، ~~رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته. PageV02P0328 # وفيها توفي العلامة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد ~~بن عبد الرحمن بن محمد بن حفاظ السلمي الحنفي المعروف بابن الفويرة. مات ~~بدمشق في يوم السبت حادي عشرين جمادى الأولى وقال الحافظ عبد القادر في ~~طبقاته: رأيت بخط الحافظ الدمياطي في مشيخته أنه توفي ليلة المجمعة فجأة ~~منتصف شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وستمائة. وكان إماما عالما متبحرا في ~~العلوم، درس بالشبلية بجبل الصالحية وأفتى سنين وبرع في الفقه والحربية ~~وسمع الكثيرة وكان يكتب خطا حسنا، وله معرفة أيضا بالأصول والأدب وله نظم ~~رائق، وكان رئيسا وعنده ديانة ومروءة ومكارم أخلاق. ومن شعره: السريع، ~~وشاعر يسحرني طرفه ... ورقة الألفاظ من شعره أنشدني نظما بديعا فما ... ~~أحسن ذاك النظم من ثغره وله في معذر: مجزوء الكامل، عانيت حبة خاله ... في ~~روضة من جلنار فغدا فؤادي طائرا ... فاصطاده شرك العذار وله: البسيط، كانت ~~دموعي حمرا يوم بينهم ... فمذ نأوا قصرتها لوعة الحرق قطفت باللحظ وردا من ~~خدودهم ... فاستقطر البعد ماء الورد من حدقي وقيل إنه رئي في المنام بعد ~~موته فسئل عما لقي بعد موته فكان جوابه: السريع، ما كان لي من شافع عنده ~~... إلا اعتقادي أنه واحد ms1564 وفيها توفي الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ~~عبد الوهاب بن منصور الحراني الحنبلي، كان فقيها إماما عالما عارفا بعلم ~~الأصول والخلاف والفقه ودرس وأفتى واشتغل أعلى الشيخ علم الدين القاسم في ~~الأصول والعربية، ومات في جمادى الأولى. ومن شعره قوله: الرمل، طار قلبي ~~يوم ساروا فرقا ... وسواء فاض دمعي أو رقا حار في سقمي من بعدهم ... كل من ~~في الحي داوى أو رقى بعدهم لا طل وادي المنحنى ... وكذا بان الحمى لا أورقا ~~وفيها توفي الأديب الشاعر شهاب الدين أبو المكارم محمد بن يوسف بن مسعود بن ~~بركة الشيباني التلعفري الشاعر المشهور، مولده سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ~~بالموصل، ومات بحماة في شوال. كان أديبا فاضلا حافظا للأشعار وأيام العرب ~~وأخبارها، وكان يتشيع، وكان من شعراء الملك الأشرف موسى شاه أرمن، وكان ~~التلعفري هذا مع تقدمه في الأدب وبراعته ابتلي بالقمار، ووقع له بسبب ~~القمار أمور منها: أنه نودي بحلب من قبل السلطان: من قامر مع الشهاب ~~التلعفري قطعنا يده، فضاقت عليه الأرض، فجاء إلى دمشق ولم يزل يستجدي ~~ويقامر حتى بقي في أتون من الفقر. قلت: وديوان شعره لطيف في غاية الحسن وهو ~~موجود بأيدي الناس. ومن شعره قصيدته المشهورة: الخفيف، أي دمع من الجفون ~~أساله ... إذ أتته مع النسيم رساله حملته الرياح أسرار عرف ... أودعتها ~~السحائب الهطاله يا خليلي وللخليل حقوق ... واجبات الأحوال في كل حاله سل ~~عقيق الحمى وقل إذ تراه ... خاليا من ظبائه المختاله أين تلك المراشف ~~العسلي ... ات وتلك المعاطف العساله وليال قضيتها كلال ... بغزال تغار منه ~~الغزاله بابلي الألحاظ والريق والأل ... فاظ كل مدامة سلساله من بني الترك ~~كلما جذب القو ... س رأينا في برجه بدر هاله أوقع الوهم حين يرمي فلم ند ~~... ر يداه أم عينه النباله قلت لما لوى ديون وصالي ... وهو مثر وقادر لا ~~محاله بيننا الشرع قال سر بي فعندي ... من صفاتي لكل دعوى دلاله وشهودي من ~~خال خدي ومن قد ... ي شهود معروفة بالعداله أنا وكلت مقلتي ms1565 في دم الخل ... ~~ق فقالت: قبلت هذي الوكاله وله موشحة مدح بها شهاب الدين الأعزازي، ثم وقع ~~بينهما وتهاجيا. وأول الموشحة: ليس يروي ما بقلبي من ظما ... غير برق لائح ~~من إضم إن تبدى لك بان الأجرع وأثيلات النقا من لعلع يا خليلي قف على الدار ~~معي PageV02P0329 # وتأمل كم بها من مصرع واحترز واحذر فأحداق الدمى ... كم أراقت في رباها ~~من دم حظ قلبي في الغرام الوله فعذولي فيه ما لي وله حسبي الليل فما أطوله ~~لم يزل آخره أوله في هوى أهيف معسول اللمى ... ريقه كم قد شفى من ألم وله ~~في القمار: الرجز، ينشرح الصدر لمن لاعبني ... والأرض بي ضيقة فروجها كم ~~شوشت شهوتها عقلي وكم ... عهدا سقتني عامدا بنوجها ومن شعره وأجاد، عفا ~~الله عنه: الوافر، أحب الصالحين ولست منهم ... رجاء أن أنال بهم شفاعه ~~وأبغض من به أثر المعاصي ... وإن كنا سواء في البضاعه الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي القاضي شمس الدين علي بن محمود ~~الشهرزوري مدرس القيمرية في شوال. والشيخ قطب الدين أحمد بن عبد السلام بن ~~أبي عصرون بحلب في جمادى الآخرة. والإمام شمس الدين محمد بن عبد الوهاب بن ~~منصور الحراني الحنبلي في جمادى الأولى. والشهاب محمد بن يوسف بن مسعود ~~التلعفري الشاعر بحماة في شوال، وله ثلاث وثمانون سنة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. ### | AUT سلطنة الملك السعيد محمد # ابن الملك الظاهر بيبرس على مصر هو السلطان الملك السعيد ناصر الدين أبو ~~المعالي محمد المدعو بركة خان ابن السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري ~~الصالحي النجمي، الخامس من ملوك الترك بمصر. سمي بركة خان على اسم جده لأمه ~~بركة خان بن دولة خان الخوارزمي. تسلطن الملك السعيد هذا في حياة والده حسب ~~ما ذكرناه في ترجمة والده في يوم الخميس تاسع صفر سنة سبع وستين وستمائة. ~~وأقام على ذلك سنين، وليس له من ms1566 السلطنة إلا مجرد الاسم، إلى أن توفي أبوه ~~الملك الظاهر بيبرس في يوم الخميس بعد صلاة الظهر التاسع والعشرين من ~~المحرم من سنة ست وسبعين وستمائة بدمشق. اتفق رأي الأمراء على إخفاء موت ~~الظاهر، وكتب الأمير بيليك الخازندار عرف الملك السعيد هذا بذلك على يد ~~الأمير بدر الدين بكتوت الجوكندار الحموي، وعلى يد الأمير علاء الدين ~~أيدغمش الحكيمي الجاشنكير. فلما بلغ الملك السعيد موت والده الملك الظاهر ~~أخفاه أيضا، وخلع عليهما وأعطى كل واحد منهما خمسين ألف درهم، على أن ذلك ~~بشارة بعود السلطان إلى الديار المصرية. وسافرت العساكر من دمشق إلى جهة ~~الديار المصرية فدخلوها يوم الخميس سادس عشرين صفر من سنة ست وسبعين ~~وستمائة، ومقدمهم الأمير بدر الدين بيليك الخازندار، ودخلوا مصر وهم يخفون ~~موت الملك الظاهر في الصورة الظاهرة، وفي صدر الموكب مكان تسيير السلطان ~~تحت العصائب، محفة وراءها السلحدارية والجمدارية وغيرهم من أرباب الوظائف ~~توهم أن السلطان في المحفة مريض، هذا مع عمل جد في إظهار ناموس السلطنة ~~والحرمة للمحفة والتأدب مع من فيها حتى تم لهم ذلك. قلت: لله درهم من أمراء ~~وحاشية ولو كان ذلك في عصرنا هذا ما قدر الأمراء على إخفاء ذلك من الظهر ~~إلى العصر. ولما وصلوا إلى قلعة الجبل، ترجل الأمراء والعساكر بين يدي ~~المحفة، كما كانت العادة في الطريق في كل منزلة من حين خروجهم من دمشق إلى ~~أن وصلوا إلى قلعة الجبل من باب السر، وعند دخولها إلى القلعة اجتمع الأمير ~~بدر الدين بيليك الخازندار بالملك السعيد هذا، وكان الملك السعيد لم يركب ~~لتلقيهم، وقبل الأرض ورمى بعمامته ثم صرخ، وقام العزاء في جميع القلعة، ~~ولوقتهم جمعوا الأمراء والمقدمين والجند وحلفوهم بالإيوان المجاور لجامع ~~القلعة للملك السعيد، واستثبت له الأمر على هذه الصورة، وخطب له يوم الجمعة ~~سابع عشرين صفر، بجوامع القاهرة ومصر، وصلي على والده صلاة الغائب. ومولد ~~الملك السعيد هذا في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، وقيل: سنة سبع وخمسين ~~بالعش من ضواحي مصر، ونشأ بديار ms1567 مصر تحت كنف والده إلى أن سلطنه في حياته، ~~كما تقدم ذكره. وأما الأمير بدر الدين بيليك الخازندار فإنه لم تطل مدته، ~~ومات في ليلة الأحد سابع شهر ربيع الأول. وخلع الملك السعيد على الأمير شمس ~~الدين آق سنقر الفارقاني بنيابة السلطنة عوضا عن بيليك الخازندار المذكور. ~~PageV02P0330 # وفي سادس عشر شهر ربيع الأول يوم الأربعاء ركب السلطان الملك السعيد من ~~القلعة تحت العصائب على عادة والده وسار إلى تحت الجبل الأحمر ، وهذا أول ~~ركوبه بعد قدوم العسكر، ثم عاد وشق القاهرة وسر الناس به سرورا زائدا، وكان ~~عمره يومئذ تسع عشرة سنة، وطلع القلعة وأقام إلى يوم الجمعة خامس وعشرين ~~شهر ربيع الأول المذكور قبض على الأمير سنقر الأشقر وعلى الأمير بدر الدين ~~بيسري وحبسهما بقلعة الجبل. ثم في يوم السبت ثامن عشر شهر ربيع الآخر قبض ~~الملك السعيد على الأمير آق سنقر الفارقاني نائب السلطنة بديار مصر المقدم ~~ذكره. ثم في تاسع عشر الشهر المذكور أفرج الملك السعيد عن الأمير سنقر ~~الأشقر وبيسري وخلع عليهما وأعادهما إلى مكانتهما . وفي يوم الاثنين رابع ~~جمادى الأولى فتحت المدرسة التي أنشأها الأمير آق سنقر الفارقاني المجاورة ~~للوزيرية بالقاهرة وجعل شيخها على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه. وفي يوم ~~الجمعة خامس عشريه قبض الملك السعيد على خاله الأمير بدر الدين محمد ابن ~~الأمير حسام الدين بركة خان الخوارزمي وحبسه بقلعة الجبل لأمر نقمه عليه، ~~ثم أفرج عنه في ليلة خامس عشرينه، وخلع عليه وأعاده إلى منزلته. وكان الملك ~~السعيد هذا أمر ببناء مدرسة لدفن أبيه فيها، حسب ما أوصى به والده، فنقل ~~تابوت الملك الظاهر بيبرس في ليلة الجمعة خامس شهر رجب من قلعة دمشق إلى ~~التربة المذكورة بدمشق داخل باب الفرج قبالة المدرسة العادلية، والتربة ~~المذكورة كانت دار الشريف العقيقي فاشتريت وهدمت، وبنى موضع بابها قبة ~~الدفن وفتح لها شبابيك على الطريق وجعل بقبة الدار مدرسة على فريقين: حنفية ~~وشافعية. وكان دفنه بها في نصف الليل، ولم يحضره سوى الأمير عز ms1568 الدين أيدمر ~~الظاهري نائب الشام، ومن الخواص دون العشرة لا غير. ثم وقع الاهتمام إلى ~~السفر للبلاد الشامية وتجهز السلطان والعساكر. فلما كان يوم السبت سابع ذي ~~القعدة برز الملك السعيد بالعساكر من قلعة الجبل إلى مسجد التبن خارج ~~القاهرة فأقام به إلى يوم السبت حالي عشرينه، انتقل بخواصه إلى الميدان ~~الذي أنشأه بين مصر والقاهرة، ودخلت العساكر إلى منازلهم، وبطلت حركة السفر ~~بعد أن أعاد قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان إلى قضاء دمشق وأعمالها ~~من العريش إلى سلمية، وتوجه ابن خلكان إلى الشام، وطلع الملك السعيد إلى ~~قلعة الجبل وأبطل حركة السفر بالكلية إلى وقت يريده حسب ما وقع الاتفاق ~~عليه، واستمر بالقلعة إلى أن أمر العساكر بالتأهب إلى السفر وتجهز هو أيضا ~~لأمر اقتضى ذلك. وخرج من الديار المصرية في العشر الأوسط من ذي القعدة من ~~سنة سبع وسبعين وستمائة، وخرج من القاهرة بعساكره وأمرائه، وسار حتى وصل ~~إلى الشام في خامس ذي الحجة، فخرج أهل دمشق إلى ملتقاه وزينوا له البلد ~~وسروا بقدومه سرورا زائدا. وعمل عيد النحر بقلعة دمشق وصلى العيد بالميدان ~~الأخضر. وورد عليه الخبر بموت الصاحب بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن ~~حنا بالقاهرة، فقبض السلطان على حفيده الصاحب تاج الدين محمد، وضرب الحوطة ~~على موجوده بسبب موت جده الصاحب بهاء الدين المذكور. ثم أرسل السلطان الملك ~~السعيد إلى برهان الدين الخضر بن الحسن السنجاري باستقراره وزيرا بالديار ~~المصرية ثم خلع السلطان على الصاحب فتح الدين عبد الله بن القيسراني بوزارة ~~دمشق، وبسط يده في بلاد الشام وأمر القضاة وغيرهم بالركوب معه. ~~PageV02P0331 # ثم جهز السلطان العساكر إلى بلاد سيس للنهب والإغارة، ومقدمهم الأمير سيف ~~الدين قلاوون الألفي. وأقام الملك السعيد بدمشق في نفر يسير من الأمراء ~~والخواص، فصار في غيبة العسكر يكثر التردد إلى الربعية من قرى المرج يقيم ~~فيها أياما ثم يعود. ثم أسقط السلطان ما كان قرره والده الملك الظاهر على ~~بساتين دمشق في كل سنة، فسر الناس ms1569 بذلك وتضاعفت أدعيتهم له واستمر السلطان ~~بدمشق إلى أن وقع الخلف في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول من سنة ثمان ~~وسبعين بين المماليك الخاصكية الملازمين لخدمته وبين الأمراء لأمور يطول ~~شرحها. وعجز الملك السعيد عن تلافي ذلك، وخرج عن طاعته الأمير سيف الدين ~~كويدك الظاهري نائب السلطنة ومقدم العساكر مغاضبا للسلطان الملك السعيد، ~~وخرج معه نحو أربعمائة مملوك من الظاهرية: منهم جماعة كثيرة مشهورة ~~بالشجاعة ونزلوا بمنزلة القطيفة في انتظار العساكر التي ببلاد سيس، ففي ~~العشر الأخير من شهر ربيع الأول عادت العساكر من بلاد سيس إلى جهة دمشق ~~فنزلوا بمرج عذراء إلى القصير، وكان قد اتصل بهم سيف الدين كوندك ومن معه ~~واستمالوهم فلم يدخل العسكر دمشق، وأرسلوا إلى الملك السعيد في معنى الخلف ~~الذي حصل بين الطائفتين، وكان كوندك مائلا إلى الأمير بيسري. ولما اجتمع ~~بالأمير سيف الدين قلاوون الألفي والأمير بدر الدين بيسري والأمراء الكبار ~~أوحى إليهم عن السلطان ما غلت صدورهم، وخوفهم من الخاصكية وعرفهم أن نيتهم ~~لهم غير جميلة، وأن الملك السعيد موافق على ذلك وأكثر من القول المختلق، ~~فوقع الكلام بين الأمراء الكبار وبين السلطان الملك السعيد، وترددت الرسل ~~بينهم، فكان من جملة ما اقترح الأمراء على الملك السعيد إبعاد الخاصكية ~~عنه، وألا يكون لهم في الدولة تدبير ولا حديث، بل يكونوا على أخبارهم ~~ووظائفهم مقيمين، فلم يجب الملك السعيد إلى ذلك، نرحل العسكر من مرج عذراء ~~إلى ذيل عقبة الشحورة بأسرهم ولم يعبروا المدينة بل جعلوا طريقهم من المرج، ~~وأقاموا بهذه المنزلة ثلاثة أيام، والرسل تتردد بينهم وبين الملك السعيد، ~~ثم رحلوا ونزلوا بمرج الصفر، وعند رحيلهم رجع الأمير عز الدين أيدمر ~~الظاهري نائب الشام وأكثر عسكر دمشق، وقدموا مدينة دمشق ودخلوا في طاعة ~~السلطان. وفي يوم رحيلهم من مرج الصفر سير الملك السعيد والدته بنت بركة ~~خان في محفة وفي خدمتها الأمير شمس الدين قراسنقر، وكان من الذين لم ~~يتوجهوا إلى بلاد سيس ولحقوا العسكر، فلما سمعوا بوصولها خرج الأمراء ~~الأكابر ms1570 المقدمون لملتقاها، وترجلوا بأجمعهم وقبلوا الأرض أمام المحفة، ~~وبسطوا الحرير العتابي، وغيره تحت حوافر بغال المحفة ومشوا أمام المحفة حتى ~~نزلت في المنزلة، فلما استقرت بها تحدثت معهم في الصلح والانقياد واجتماع ~~الكلمة، فذكروا ما بلغهم من تغير السلطان عليهم، وموافقته الخاصكية على ما ~~يرومونه من إمساكهم وإبعادهم، فحلفت لهم على بطلان ما نقل إليهم، فاشترطوا ~~شروطا كثيرة التزمت لهم بها، وعادت إلى ولدها وعرفته الصورة، فمنعه من حوله ~~من الخاصكية من الدخول تحت تلك الشروط، وقالوا: ما القصد إلا إبعادنا عنك ~~حتى يتمكنوا منك وينزعوك من الملك، فمال إلى كلامهم وأبى قبول تلك الشروط. ~~PageV02P0332 # فلما بلغ العسكر ذلك رحل من مرج الصفر قاصدا الديار المصرية، فخرج ~~السلطان الملك السعيد بنفسه فيمن معه من الخاصكية جريدة، وساق في طلبهم ~~ليتلافى الأمر إلى أن بلغ رأس الماء، فوجدهم قد عموه وأبعدوا، فعاد من يومه ~~ودخل قلعة دمشق في الليل وهي ليلة الخميس سلخ شهر ربيع الأول سنة ثمان ~~وسبعين وستمائة. وأصبح في يوم الجمعة مستهل شهر ربيع الآخر خرج السلطان ~~الملك السعيد بجميع من تخلف معه من العساكر المصرية والشامية إلى جهة ~~الديار المصرية بعد أن صلى الجمعة بها، وسار بمن معه في طلب العساكر المقدم ~~ذكرهم، وجهز والدته وخزائنه إلى الكرك، وسار حتى وصل إلى بلبيس يوم الجمعة ~~خامس شهر ربيع الآخر المذكور، فوجد العسكر قد سبقه إلى القاهرة؟ فأمر ~~بالرحيل من بلبيس؟ فلما أخذت العساكر في الرحيل من بلبيس بعد العصر فارق ~~الأمير عز الدين أيدمر الظاهري نائب الشام وصحبته أكثر أمراء دمشق السلطان ~~الملك السعيد، وانضاف إلى المصريين، وبلغ الملك السعيد ذلك فلم يكترث، وركب ~~بمن بقي معه من خواصه وعساكره وسار بهم حتى وصل ظاهر القاهرة، وكان نائبه ~~بالديار المصرية الأمير عز الدين أيبك الأفرم، وهو بقلعة الجبل والعساكر ~~محدقة بها، فتقدم الملك السعيد بمن معه لقتال العساكر، وكان الذي بقي مع ~~السلطان الملك السعيد جماعة قليلة بالنسبة إلى من يقاتلونه، ووقع المصاف ~~بينهم وتقاتلوا فحمل الأمير ms1571 سنجر الحلبي من جهة الملك السعيد وشق الأطلاب ~~ودخل إلى قلعة الجبل بعد أن قتل من الفريقين نفر يسير، وملك القلعة وشال ~~علم السلطان، ثم نزل وفتح للملك السعيد طريقا وطلع به إلى القلعة. وأما ~~سنقر الأشقر فإنه بقي في المطرية وحده وصار لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ~~ولما طلع السلطان إليها أحاطت العساكر بها وحاصروها وقاتلوا من بها قتالا ~~شديدا وضايقوها وقطعوا الماء الذي يطلع إليها وزحفوا عليها فجدوا في ~~القتال، ورأى الملك السعيد تخلي من كان معه وتخاذل من بقي من الخاصكية، ~~وعلم أنه لا طاقة له بهم، وكان المشار إليه في العسكر المخامر الأمير سيف ~~الدين قلاوون الألفي، وهو حمو الملك السعيد، فإن الملك السعيد كان تزوج ~~ابنته قبل ذلك بمدة، فجرت المراسلات بينهم وكثر الكلام وترددت الرسل غير ~~مرة، حتى استقر الحال على أن الملك السعيد يخلع من السلطنة وينضبون في ~~السلطنة أخاه بدر الدين سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس، ويقطعون الملك ~~السعيد هذا وأخاه نجم الدين خضرا الكرك والشوبك وأعمالهما، فسير الملك ~~السعيد الأمير علم الدين سنجر الحلبي والقاضي تاج الدين محمد بن الأثير إلى ~~الأمير سيف الدين قلاوون وأعيان الأمراء ليستوثق لنفسه منهم، فحلفوا على ~~الوفاء بما ألتزموه من إعطاء الكرك والشوبك له ولأخيه. وخرج من قلعة الجبل ~~يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الآخر المذكور ونزل إلى دار العدل التي على ~~باب القلعة، وكانت مركز الأمير قلاوون في حال المصاف والقتال، وكان الحصار ~~ثلاثة أيام بيوم القدوم لا غير. ولما حضر الملك السعيد إلى عند قلاوون أحضر ~~أعيان القضاة والأمراء والمفتين وخلعوا الملك السعيد هذا من السلطنة ~~وسلطنوا مكانه أخاه بدر الدين سلامش ولقبوه بالملك العادل سلامش، وعمره ~~يومئذ سبع سنين، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي ~~النجمي. واستمرت بنت قلاوون عند زوجها الملك السعيد المذكور إلى ما سيأتي ~~ذكره. PageV02P0333 # ثم أخذ قلاوون في تحليف الأمراء للملك العادل فحلفوا بأجمعهم على العادة، ~~وضربت السكة في أحد الوجهين: اسم الملك العادل ms1572 والآخر اسم قلاوون، وخطب ~~لهما أيضا معا على المنابر، واستمر الأمر على ذلك، وتصرف قلاوون في المملكة ~~والخزائن، وعامله الأمراء والجيوش بما يعاملون به السلطان. ثم عمل قلاوون ~~بخلع الملك السعيد محضرا شرعيا ووضع الأمراء خطوطهم عليه وشهادتهم فيه، ~~وكتب فيه المفتون والقضاة وأعطوا الملك السعيد الكرك وعملها، وأخاه نجم ~~الدين خضرا الشوبك وعملها. وخرج الملك السعيد من قلعة الجبل إلى بركة ~~الحجاج متوجها إلى الكرك في يوم الاثنين ثامن عشر شهر ربيع الآخر المذكور ~~من سنة ثماني وسبعين - أعني ثاني يوم من خلعه - ومعه جماعة من العسكر صورة ~~ترسيم، ومقدمهم الأمير سيف الدين بيدغان الركني، ثم بدا لهم أن يرجعوا به ~~إلى القلعة فعادوا إليها في نهار الاثنين لأمر أرادوه وقرروه معه ثم أمروه ~~بالتوجه، فخرج وسافر ليلة الثلاثاء إلى الكرك بمن معه فوصلها يوم الاثنين ~~خامس عشرين شهر ربيع الآخر المذكور، وتسلم أخوه نجم الدين خضر الشوبك، وكان ~~الأمير بيدغان ومن معه قد فارقوا الملك السعيد من غزة ورجعوا إلى الديار ~~المصرية، وأقام الملك السعيد بالكرك وزال ملكه، فكانت مدة حكمه وسلطنته بعد ~~موت أبيه الملك الظاهر بيبرس إلى يوم خلعه سنتين وشهرين وخمسة عشر يوما، ~~واستمر بالكرك مع مماليكه وعياله، وقصده الناس والأجناد، فصار ينعم على من ~~يقصده، واستكثر من استخدام المماليك. ثم رسم الأمير سيف الدين قلاوون ~~بانتقال الملك خضر من الشوبك إلى عند أخيه الملك السعيد بالكرك، وتسلم نواب ~~قلاوون الشوبك، ودام الملك السعيد على ذلك حتى خلع سلامش من السلطنة وتسلطن ~~قلاوون حسب ما يأتي ذكر ذلك كله في ترجمتهما. فلما تسلطن قلاوون بلغه عن ~~الملك السعيد أنه استكثر من استخدام المماليك وأنه ينعم على من يقصده ~~فاستوحش منه، وتأثر من ذلك. فمرض الملك السعيد بعد ذلك بمدة يسيرة وتوفي، ~~رحمه الله تعالى، في يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين ~~وستمائة بالكرك، ودفن من يومه بأرض مؤتة عند جعفر بن أبي طالب، رضي الله ~~عنه، ثم نقل بعد ذلك إلى دمشق ms1573 في سنة ثمانين وستمائة فدفن إلى جنب والده ~~الملك الظاهر بيبرس بالتربة التي أنشأها قبالة المدرسة العادلية السيفية، ~~وألحده قاضي القضاة عز الدين محمد بن الصائغ. وكانت مدة إقامته بالكرك بعد ~~أن خلع من السلطنة ستة أشهر وخمسة وعشرين يوما. ووجد الناس عليه كثيرا وعمل ~~عزاؤه بسائر البلاد، وخرجت الخوندات حاسرات بجواريهن يلطمن بالملاهي ~~والدفوف أياما عديدة، ويسمعن الملك المنصور قلاوون الكلام الخشن وأنواع ~~السب وهو لا يتكلم، فإنه نسب إليه أنه اغتاله بالسم لما سمع كثرة استخدامه ~~للمماليك وغيرهم. قلت: ولا يبعد ذلك عن الملك المنصور قلاوون لكثرة تخوفه ~~عظم شوكته وكثرة مماليك والده وحواشيه. وأبغض الناس الملك المنصور قلاوون ~~سنينا كثيرة إلى أن أرضاهم بكثرة الجهاد والفتوحات، وأبغض الملك المنصور ~~قلاوون حتى ابنتته زوجة الملك السعيد المذكور، فإنها وجدت على زوجها الملك ~~السعيد وجدا عظيما وتألمت لفقده، ولم تزل باكية عليه حزينة لم لتزوج بعده ~~إلى أن توفيت بعد زوجها الملك السعيد بمدة طويلة في مستهل شهر رجب سنة سبع ~~وثمانين وستمائة. وكانت شقيقة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، ودفنت في تربة ~~معروفة بوالدها بين مصر والقاهرة. وصلي على الملك السعيد بدمشق صلاة الغائب ~~يوم الجمعة رابع وعشرين ذي الحجة. ثم أنعم الملك المنصور بالكرك بعد موته ~~على أخيه خضر ولقب بالملك المسعود خضر. PageV02P0334 # وكان الملك السعيد، رحمه الله، سلطانا جليلا كريما سخي الكف، كثير العدل ~~في الرعية، محسنا للخاص والعام، لا يرد سائلا ولا يخيب آملا، وكان متواضعا ~~بشوشا، حسن الأخلاق ليس في طبعه عسف ولا ظلم، كثير الشفقة والرحمة على ~~الناس، لين الكلمة محبا لفعل الخير، قليل الحجاب على الناس، يتصدى للأحكام ~~بنفسه، وكان لا يميل لسفك الدماء مع قدرته على ذلك، وكان يوم دخوله إلى ~~قلعة الجبل ولد له مولود ذكر من بعض حظاياه في شهر ربيع الآخر من هذه ~~السنة. وكان يحب التجمل ويكثر من الإنعام على الناس ويخلع حتى في الأعزية. ~~ولما مات خاله الأمير بدر الدين محمد بن بركة خان بن دولة ms1574 خان، وكان من ~~أعيان الأمراء بالديار المصرية في الدولة الظاهرية، وكان حصل له عند إفضاء ~~الملك لابن أخته الملك السعيد تقدم كبير ومكانة عالية، وتوجه معه إلى دمشق ~~فمرض بها إلى أن توفي ليلة الخميس تاسع شهر ربيع الأول، ودفن بسفح قاسيون ~~بالتربة المجاورة لرباط الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ومقدار عمره خمسون ~~سنة، عمل له عدة أعزية وقرئ بالتربة عدة ختمات، حضر إحداها ابن أخته الملك ~~السعيد، ومد خوان فيه من عظيم فاخر الأطعمة والحلاوات، فأكل من حضر، وخلع ~~الملك السعيد على الدولة ومماليكه وخواصه وهو في العزاء فلبسوا الخلع ~~وقبلوا الأرض، وكانت الخلع خارجة عن الحد. فهذا أيضا مما يدل على كرمه ووسع ~~نفسه وكثرة إنعامه حتى في الأعزية، رحمه الله تعالى. انتهت ترجمة الملك ~~السعيد. ويأتي ذكر حوادث سنين سلطنته على عادة هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة السعيد محمد بركة # خان على مصر وهي سنة ست وسبعين وستمائة. فيها توفي الشيخ كمال الدين أبو ~~إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الإسكندري المقرئ، كان عارفا بالقراءات، ~~وانتفع به خلق كثير، وتولى نظر حبس دمشق، ونظر بيت المال بها مضافا إلى نظر ~~الحبس، وباشر عدة وظائف دينية. ومات في صفر. وكان رئيسا فاضلا. وفيها توفي ~~الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله المحمدي الصالحي النجمي، كان من أعيان ~~الأمراء ومن أكابرهم، وكان الملك الظاهر بيبرس يخافه، فحبسه مدة طويلة ثم ~~أفرج عنه فمات في شهر ربيع الأول، ودفن بتربته بالقرافة الصغرى. وفيها توفي ~~الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الموصلي الظاهري نائب السلطنة بحمص، وكان ~~ولي حمص مدة ثم عزله الملك الظاهر عنها ونفاه إلى حصن الأكراد، وكان شجاعا ~~مقداما. وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الدمياطي الصالحي ~~النجمي أحد أكابر الأمراء المقدمين على الجيوش، كان قديم الهجرة بينهم في ~~علو المنزلة وسمو المكانة، وكان الملك الظاهر أيضا حبسه مدة طويلة ثم أطلقه ~~وأعاده إلى مكانته. ومات بالقاهرة في ms1575 شعبان ودفن بتربته التي أنشأها بين ~~القاهرة ومصر في القبة المجاورة لحوض السبيل المعروف به. وفيها توفي الأمير ~~عز الدين أيدمر بن عبد الله العلائي نائب قلعة صفد، حضر بعد موت الملك ~~الظاهر إلى القاهرة ومات بها ودفن بالقرافة الصغرى، وكان دينا عفيفا أمينا، ~~وهو أخو الأمير علاء الدين أيدكين الصالحي. وفيها توفي الأمير بدر الدين ~~بيليك بن عبد الله الظاهري الخازندار نائب السلطنة بالديار المصرية بل ~~بالممالك كفها. قد تقدم من ذكره نبذة جيدة في عدة مواطن، وهو الذي أخفى موت ~~الملك الظاهر حتى قدم به إلى مصر حسب ما تقدم ذكره، وكانت وفاته بالقاهرة ~~في سادس شهر ربيع الأول بقلعة الجبل ودفن بتربته التي أنشأها بالقرافة ~~الصغرى، وحزن الناس عليه خزنا شديدا حتى شمل مصابه الخاص والعام، وعمل ~~عزاؤه بالقاهرة ثلاثة أيام، في الليل بالشموع وأنواع الملاهي: وصدع موته ~~القلوب وأبكى العيون، وقيل: إنه مات مسموما، وكان عمره خمسا وأربعين سنة، ~~ومحاسنه كثيرة يطول الشرح في ذكرها. PageV02P0335 # وفيها توفي الشيخ المعتقد خضر بن أبي بكر بن موسى أبو العباس المهراني ~~العدوي، كان أصله من قرية المحمدية من أعمال جزيرة ابن عمر، وهو شيخ الملك ~~الظاهر بيبرس، وصاحب الزاوية التي بناها الملك الظاهر بالحسينية على الخليج ~~بالقرب من جامع الظاهر. وقد تقدم من ذكره في ترجمة الملك الظاهر ما يغني عن ~~الإعادة هاهنا. وكان الشيخ خضر بشر الملك الظاهر قبل سلطنته بالملك، فلما ~~تسلطن صار له فيه العقيمة العظيمة حتى إنه كان ينزل إليه في الجمعة المرة ~~والمرتين، وكان يطلعه على غوامض أسراره، ويستشيره في أموره، ويستصحبه في ~~أسفاره، وفيه يقول الشريف محمد بن رضوان الناسخ: الكامل، ما الظاهر السلطان ~~إلا مالك ال ... دنيا بذاك لنا الملاحم تخبر ولنا دليل واضح كالشمس في ... ~~وسط السماء بكل عين تنظر لما رأينا الخضر يقدم جيشه ... أبدا علمنا أنه ~~الإسكندر وكان الشيخ يخبر الملك الظاهر بأمور قبل وقوعها فتقع على مما ~~يخبره، ثم تغير الملك الظاهر عليه لأمور بلغته عنه وأحضر السلطان ms1576 من حاققه، ~~وذكروا عنه من القبائح ما لم يصدر عن مسلم والله أعلم بصحة ذلك، فاستشار ~~الملك الظاهر الأمراء في أمره، فمنهم من أشار بقتله، ومنهم من أشار بحبسه، ~~فمال الظاهر إلى قتله ففهم خضر، فقال للظاهر: اسمع ما أقول لك، إن أجلي ~~قريب من أجلك، وبيني وبينك مدة أيام يسيرة، فمن مات منا لحقه صاحبه عن قريب ~~فوجم الملك الظاهر وكف عن قتله، فحبسه في مكان لا يسمع له فيه حديث، وكان ~~حبسه في شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة، وتوفي يوم الخميس أو في ليلة الجمعة ~~سادس المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، ودفن بزاويته بالحسينية. وكان الملك ~~الظاهر بدمشق، فلما بلغه موته اضطرب وخاف على نفسه من الموت لما كان قال له ~~الشيخ خضر: إن أجله قريب، فمرض الظاهر بعد أيام يسيرة ومات، فكان بين الشيخ ~~خضر وبين الملك الظاهر دون الشهر. انتهى. وفيها توفي شيخ الإسلام محيي ~~الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مرى بن الحسن بن الحسين النووي الفقيه ~~الشافعي الحافظ الزاهد صاحب المصنفات المشهورة. ولد في العشر الأوسط من ~~المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ومات ليلة الأربعاء رابع عشرين شهر رجب ~~بقرية نوى. قلت: وفضله وعلمه وزهده أشهر من أن يذكر. وقد ذكرنا من أمره ~~نبذة كبيرة في تاريخنا لا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، إذ هو كتاب ~~تراجم يحسن الإطناب فيه. انتهى. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي الملك القاهر عبد الملك ابن المعظم عيسى ابن العادل أبي ~~بكر بن أيوب في المحرم مسموما. والسلطان الملك الظاهر ركن الدين الصالحي ~~بيبرس في أواخر المحرم بالقصر الأبلق، وله بضع وخمسون سنة. وكمال الدين ~~إبراهيم بن الوزيري نجيب الدين أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس التميمي ~~الكاتب المقرئ في صفر، وله ثمانون سنة. والواعظ نجم الدين علي بن علي بن ~~إسفنديار بدمشق في رجب، وله خمس وأربعون سنة وأشهر. وبيليك الظاهري ~~الخازندار نائب مصر. والصاحب معين الدين سليمان بن علي البرواناه ms1577 الرومي، ~~قتله أبغا في المحرم. والشيخ خضر بن أبي بكر العدوي شيخ السلطان. والشيخ ~~الإمام شمس الدين محمد ابن إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور قاضي ~~القضاة أبو بكر وأبو عبد الله المعروف بابن العماد الحنبلي في المحرم بمصر. ~~والقاضي تقي الدين محمد بن حياة الرقي قاضي حلب بتبوك في المحرم. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وثلاث عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك السعيد # وهي سنة سبع وسبعين وستمائة. فيها توفي الشيخ الإمام زين الدين أبو ~~العباس إبراهيم بن أحمد بن أبي الفرج الدمشقي الحنفي المعروف بابن السديد ~~إمام مقصورة الحنفية شمالي جامع دمشق وناظر وقفها. كان إماما فقيها دينا ~~كثير الخير غزير المروءة. مات في جمادي الأولى ببستانه بالمزة ودفن بسفح ~~قاسيون. PageV02P0336 # وفيها توفي الأمير شمس الدين آق سنقر بن عبد الله الفارقاني، كان أصله من ~~مماليك الأمير نجم الدين حاجب الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، ثم ~~انتقل إلى ملك السلطان الملك الظاهر بيبرس، وتقدم عنده وجعله أستادارا ~~كبيرا. وكان للملك الظاهر عدة أستادارية، وكان الملك الظاهر كثير الوثوق به ~~في أموره ويستنيبه في غيبته وبقدمه على عساكره، ولما صار الأمر إلى الملك ~~السعيد جعله نائبه لسائر الممالك بعد بيليك الخازندار، فلما ثارت الخاصكية ~~قبضوا عليه وقتلوه، وقيل إنه بقي في هذه السنة، والأصح أنهم قبضوا عليه ~~وسجنوه إلى أن مات في جمادى الأولى من هذه السنة. وكان أميرا كبيرا جسيما ~~شجاعا مقداما مهابا ذا رأي وتدبير وعقل ودهاء، كثير البر والصدقات عالي ~~الهمة، وله مدرسة عند داره داخل باب سعادة بالقاهرة. وفيها توفي الأمير ~~جمال الدين آقوش بن عبد الله النجيبي الصالحي النجمي الأيوبي، كان مقربا ~~عند أستاذه الملك الصالح وولاه استادارا، وكان كثير الاعتماد عليه. ثم ولاه ~~الملك الظاهر بيبرس نيابة دمشق فأقام بها تسع سنين، ثم عزله وتركه بطالا ~~بالقاهرة إلى أن مات بها في ليلة الجمعة خامس شهر ms1578 ربيع الآخر بداره بدرب ~~ملوخيا من القاهرة، ودفن يوم الجمعة بتربته بالقرافة الصغرى. وفيها توفي ~~الشيخ جمال الدين طه بن إبراهيم بن أبي بكر بن أحمد بن بختيار الهذباني ~~الإربلي، كان عنده فضيلة وأدب ورياسة، وله يد في النظم. ومات في جمادى ~~الأولى. ومن شعره في النهي عن النظر في النجوم: البسيط، دع النجوم لطرقي ~~يعيش بها ... وبالعزيمة فانهض أيها الملك إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... ~~عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا وفيها توفي قاضي القضاة مجد الدين أبو المجد ~~عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي الحلبي الحنفي ابن الصاحب ~~كمال الدين عمر بن العديم. كان إماما عالما فاضلا كبير الديانة والورع، كان ~~جمع بين العليم والعمل والرياسة، ولي قضاء دمشق مع عدة تداريس، ولم يزل ~~قاضيا إلى أن توفي بظاهر دمشق بجوسقه الذي على الشرف القبلي في يوم ~~الثلاثاء سادس عشر شهر ربيع الآخر ودفن في تربة أنشأها قبالة الجوسق ~~المذكور. ومن شعره ما كتبه لخاله عون الدين سليمان ابن العجمي بسبب ابن ~~مالك، فقال: الطويل، أمولاي عون الدين يا راويا لنا ... حديث المعالي عن ~~عطاء ونافع بعيشك حدثني حديث ابن مالك ... فأنت له يا مالكي خير شافع وفيها ~~توفي الشيخ موفق الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن نصر الله الأنصاري، كان ~~أديبا فاضلا. قال الشيخ قطب الدين اليونيني في الذيل على المرآة: صاحبنا ~~كان أديبا فاضلا مقتدرا على النظم، وله مشاركة في علوم كثيرة، منها: الكحل ~~والطب، وغير ذلك من الفقه والنحو والأدب، ويعظ الناس، حلو النادرة حسن ~~المحاضر،. انتهى كلام قطب الدين. قلت: ومن شعره: السريع، قلبي وطرفي في ~~ديارهم ... هذا يهيم بها وذا يهدي رسم الهوى لما وقفت بها ... للدمع أن ~~يجري على الرسم وفيها توفي الأديب نجم الدين أبو المعالي محمد بن سوار بن ~~إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل الشيباني الدمشقي المولد والدار والوفاة، كان ~~أديبا فاضلا قادرا على النظم صوفيا. وقد ذكرنا حكايته مع الشهاب الخيمي لما ~~ادعى ms1579 كل منهما القصيدة البائية التي أولها: البسيط، يا مطلبا ليس لي في ~~غيره أرب وتداعيا عند الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض فأمر ابن الفارض أن ~~يعمل كل منهما قصيدة على الوزن والقافية فعملا ذلك، فحكم ابن الفارض ~~بالقصيدة للشهاب الخيمي. وقد ذكرنا القصائد الثلاث في المنهل الصافي في ~~ترجمة شهاب الدين الخيمي. وابن إسرائيل هذا ممن تكلموا فيه ورموه بالاتحاد. ~~والله أعلم بحاله. ومن شعر ابن إسرائيل هذا على مذهب القوم: الطويل، خلا ~~منه طرفي وامتلا منه خاطري ... فطرفي له شاك وقلبي شاكر ولو أنني أنصفت لم ~~تشك مقلتي ... بعادا ودارات الوجود مظاهر وله أيضا: الرجز يا من تناءى ~~وفؤادي داره ... مضناك قد أقلقه تذكاره صددت عنه قبل ما وصلته ... وكان قبل ~~سكره خماره PageV02P0337 # وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة مجد الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ~~عمر بن أحمد بن أبي شاكر الإربلي الأديب الفقيه الحنفي المعروف بابن ~~الظهير. مولده بإربل في ثاني صفر سنة اثنتين وستمائة ونشأ بها، وطلب العلم ~~وتفقه وبرع في الفقه والأصول والعربية، وقدم دمشق وتصدى بها للإقراء ~~والتدريس ودرس بالقايمازية بدمشق، وهو من أعيان شيوخ الأدب وفحول المتأخرين ~~وله ديوان شعر، وسمع الحديث ببغداد من أبي بكر بن الخازن والكاشغري وبدمشق ~~من السخاوي وكريمة وتاج الدين ابن حمويه، وروى عنه أبو شامة والقوصي ~~والدمياطي والشهاب محمود، وعليه تدرب في الأدب، وأبو الحسين اليونيني ~~والحافظ جمال الدين المزي. ولما مات رثاه تلميذه الشهاب محمود بقصيدة ~~أولها: الطويل، تمكن ليلي واطمأنت كواكبه ... وسدت على صبحي الغداة مذاهبه ~~بكته معاليه ولم ير قبله ... كريم مضى والمكرمات نوادبه ومن شعر ابن ~~الظهير: الكامل: قلبي وطرفي ذا يسيل دما وذا ... دون الورى أنت العليم ~~بقرحه وهما بحبك شاهدان وإنما ... تعديل كل منهما في جرحه والقلب منزلك ~~القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحه الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ~~هذه السنة، قال وفيها توفي الأديب نجم الدين محمد بن سوار بن إسرائيل ~~الحريري الشاعر المشهور في شهر ms1580 ربيع الآخر. والإمام مجد الدين محمد بن أحمد ~~بن عمر بن الظهير الحنفي الأديب في شهر ربيع الآخر أيضا. والأمير شمس الدين ~~آق سنقر الفارقاني في الحبس في جمادى الأولى. والأمير جمال الدين آقوش ~~النجيبي بالقاهرة في شهر ربيع الآخر. وشيخ الحنفية وقاضيهم الصدر سليمان بن ~~أبي العز وهيب الحنفي في شعبان، وله ثلاث وثمانون سنة. والصاحب مجد الدين ~~أبو المجد عبد الرحمن بن أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله العقيلي قاضي ~~الحنفية في شهر ربيع الآخر، وله ثلاث وستون سنة. والوزير بهاء الدين علي بن ~~محمد بن سليم المصري بن حنا في ذي القعدة. والمحدث ناصر الدين محمد بن ~~عربشاه الهمذاني في جمادى الأولى. والمحدث شهاب الدين أحمد بن محمد بن عيسى ~~الجزري. وأبو المرجى المؤمل بن محمد بن علي البالسي في رجب. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا وخمس أصابع. ### | AUT سلطنة الملك العادل سلامش # PageV02P0338 # هو السلطان الملك العادل بدر الدين سلامش ابن السلطان الملك الظاهر ركن ~~الدين بيبرس البندقداري الصالحي النجمي السادس من ملوك الترك بمصر. تسلطن ~~بعد خلع أخيه الملك السعيد أبي المعالي ناصر الدين محمد بركة خان باتفاق ~~الأمراء على سلطنته، وجلس على سرير الملك في يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع ~~الأخر سنة ثمان وسبعين وستمائة وعمره يوم تسلطن سبع سنين. وجعلوا أتابكه ~~ومدبر مملكته الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي النجمي. وضربت السكة على أحد ~~الوجهين باسم الملك العادل سلامش هذا، وعلى الوجه الآخر اسم الأمير قلاوون، ~~وخطب لهما أيضا على المنابر. واستمر الأمر على ذلك وصار الأمير قلاوون هو ~~المتصرف في الممالك والعساكر والخزائن، ولم يكن لسلامش في السلطنة مع ~~قلاوون إلا مجرد الاسم فقط. وأخذ قلاوون في الأمر لنفسه. فلما استقام له ~~الأمر دخل إليه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ووافقه على السلطنة وأخفى ذلك ~~لكونه كأن خشداشه، وكان الأمير عز الدين أيدمر نائب الشام عاد إلى الشام ~~بمن ms1581 معه بعد خلع الملك السعيد، فوصل إلى دمشق يوم الأحد مستهل جمادى ~~الأولى، فخرج لتلقيه من كان تخلف بدمشق من الأمراء والجند، والمقدم عليهم ~~الأمير جمال الدين آقوش الشمسي. وكان قلاوون قد كاتب آقوش في أمر أيدمر هذا ~~والقبض عليه، فلما وصلوا إلى مصلى العيد بقصر حجاج احتاط الأمير جمال الدين ~~آقوش الشمسي والأمراء الذين معه على الأمير أيدمر نائب الشام وأخذوه بينهم، ~~وفرقوا بينه وبين عسكره الذين حضروا معه من الديار المصرية، ودخلوا إلى ~~دمشق من باب الجابية، ورسموا عليه بدار في دمشق، ثم نقلوه إلى قلعة دمشق ~~واعتقلوه بها. وكان الملك السعيد قبل أن يخرج من الشام سلم قلعة دمشق ~~للأمير علم الدين سنجر الدويداري وجعله النائب عنه أيضا في البلد. ثم أرسل ~~قلاوون جمال الدين آقوش الباخلي وشمس الدين سنقر جاه الكنجي إلى البلاد ~~الشامية وعلى يدهم نسخة الأيمان بالصورة التي استقر الحال عليها بمصر، ~~وأحضروا الأمراء والجند والقضاة والعلماء وأكابر البلد للحلف، وكان معهم ~~نسخة بالمكتوب المتضمن خلع الملك السعيد وتولية الملك العادل سلامش، فقرئ ~~ذلك على الناس وحلفوا واستمر الحلف أياما. ثم إن الأمير قلاوون ولى خشداشه ~~الذي اتفق معه على السلطنة، وهو الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، نيابة الشام ~~وأعمالها فتوجه سنقر الأشقر إليها، ودخلها يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ~~من سنة ثمان وسبعين المذكورة بتحمل زائد، فكان موكبه يضاهي موكب السلطان، ~~وعند وصوله إلى دمشق أمر الأمير علم الدين سنجر الدويداري بالنزول من قلعة ~~دمشق فنزل في الحال. وصفا الوقت للأمير قلاوون بمسك أيدمر نائب الشام، ~~وبخروج سنقر الأشقر من الديار المصرية وانبرم أمره مع الأمراء والخاصكية، ~~واتفقوا معه على خلع الملك العادل سلامش من السلطنة وتوليته إياها. فلما ~~كان يوم الثلاثاء حادي عشرين شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة اجتمع ~~الأمراء والقضاة والأعيان بقلعة الجبل وخلعوا الملك العادل بدر الدين سلامش ~~من السلطنة لصغر سنه، وتسلطن عوضه أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفي ~~الصالحي النجمي، ونعت بالملك المنصور، على أنه كان هو ms1582 المتصرف في المملكة ~~منذ خلع الملك السعيد وتسلطن الملك العادل سلامش، ولم يكن لسلامش في أيام ~~سلطنته غير الاسم، وقلاوون هو الكل، وكان عم سلطنة قلاوون قبل سلامش أنه ~~خاف ثورة المماليك الظاهرية عليه، فإنهم كانوا يوم ذاك هم معظم عسكر الديار ~~المصرية، وأيضا كانت بعض القلاع في يد نواب الملك السعيد فلما مهد أمره ~~تسلطن . ولما بلغ سنقر الأشقر سلطنة قلاوون داخله الطمع في الملك وأظهر ~~العصيان، على ما سيأتي ذكره في ترجمة الملك المنصور قلاوون إن شاء الله ~~تعالى. PageV02P0339 # وكانت مدة سلطنة الملك العادل بدر الدين سلامش على مصر ثلاثة أشهر تنقص ~~ستة أيام . ولزم الملك العادل سلامش داره عند أمه إلى أن أرسله الملك ~~المنصور قلاوون إلى الكرك، فأقام به عند أخيه الملك خضر مدة، ثم رسم الملك ~~المنصور بإحضاره إلى القاهرة فحضر إليها، وبقي خاملا إلى أن مات الملك ~~المنصور قلاوون وتسلطن من بعده ولده الملك الأشرف خليل بن قلاوون، جهزه ~~وأخاه الملك خضرا وأهله إلى مدينة اسطنبول بلاد الأشكري، فأقام هناك إلى أن ~~توفي بها في سنة تسعين وستمائة. وكان شابا مليحا جميلا تام الشكل رشيق القد ~~طويل الشعر ذا حياء ووقار وعقل تام. مات وله من العمر قريب من عشرين سنة، ~~قيل: إنه كان أحسن أهل زمانه، وبه افتتن جماعة من الناس، وشبب به الشعراء ~~وصار يضرب به المثل في الحسن حتى يقول القائل: ثغر سلامشي. انتهت ترجمة ~~الملك العادل سلامش، رحمه الله. ### || AUT السنة التي حكم فيها الملك السعيد # إلى سابع عشر شهر ربيع الآخر ثم حكم من سابع عشر شهر ربيع الآخر إلى ~~حادي عشرين شهر رجب الملك العادل سلامش. ثم في باقيها الملك المنصور سيف ~~الدين قلاوون الألفي وهي سنة ثمان وسبعين وستمائة. فيها كان خلع ولدي الملك ~~الظاهر بيبرس من السلطنة: الملك السعيد محمد بركة خان، والملك العادل بدر ~~الدين سلامش، وتسلطن بعد سلامش الأمير قلاوون. وقد تقدم ذكر ذلك كله. وفيها ~~توفي الفقيه المحدث صفي الدين أبو محمد إسحاق ms1583 بن إبراهيم بن يحيى الشقراوي ~~الحنبلي، ولد بشقراء من ضياع برزة من عمل دمشق سنة خمس وستمائة. ومات بدمشق ~~في ذي الحجة، وكان فاضلا فقيها سمع الكثير وحدث.. وفيها توفي الأمير جمال ~~الدين آقوش بن عبد الله الركني المعروف بالطباخ أحد أكابر أمراء دمشق، عاد ~~من تجريدة سيس مريضا ومات بحلب ونقل إلى حمص فدفن عند قبر خالد بن الوليد، ~~رضي الله عنه. والركني: نسبة إلى أستاذه الأمير ركن الدين بيبرس الصالحي ~~النجمي الذي لقي الفرنج بأرض غزة وكسرهم، وهو غير الملك الظاهر بيبرس. ~~وفيها توفي الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الشهابي السلحدار، كان أيضا ~~في تجريدة سيس وعاد مريضا، وتوفي بحماة ثم نقل إلى دمشق ودفن عند خشداشه ~~أيدكين الشهابي، نسبة إلى الطواشي شهاب الدين رشيد الخادم الصالحي الكبير ~~وهو أستاذهما. وفيها توفي الأمير نور الدين أبو الحسن علي بن عمر بن مجلي ~~الهكاري، كان من أجل الأمراء وأعظمهم، ولي نيابة حلب، وكان حسن السيرة عالي ~~الهمة كريم الأخلاق شجاعا مقداما عارفا مدبرا معظما في الدول. مات بعد عزله ~~عن نيابة حلب في مرض موته باستعفائه عنها بها في شهر ربيع الآخر ودفن بها، ~~وقد نيف على السبعين سنة، رحمه الله تعالى. وفيها توفي جمال الدين أبو ~~زكريا يحيى بن أبي المنصور بن أبي الفتح ابن رافع بن علي الحراني الحنبلي ~~المعروف بابن الصيرفي، كان إماما فقيها عالما مفتنا في الفقه متبحرا فيه ~~كثير الإفادة، وأفتى ودرس وانتفع به الطلبة، ومات في صفر. الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي السلطان الملك السعيد ناصر الدين ~~محمد ابن الظاهر بالكرك في ذي القعدة، وله عشرون سنة وأشهر. والمسند أبو ~~العباس أحمد بن أبي الخير سلامة بن إبراهيم الحداد الحنبلي يوم عاشوراء. ~~والإمام جمال الدين يحيى بن أبي المنصور بن الصيرفي الحراني في صفر، وله ~~خمس وتسعون سنة. وصفي الدين إسحاق بن إبراهيم الشقراوي. وفاطمة بنت الملك ~~المحسن ببزاعة . أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ms1584 ست أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبع واحدة. ### | AUT سلطنة الملك المنصور سيف الدين # قلاوون على مصر السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو المعالي وأبو الفتح ~~قلاوون بن عبد الله الألفي التركي الصالحي النجمي، السابع من ملوك الترك ~~بالديار المصرية، والرابع ممن مسه الرق. ملك الديار المصرية بعد خلع الملك ~~السعيد وصار مدبر مملكة الملك العادل بدر الدين سلامش إلى أن خلع سلامش ~~وتسلطن الملك المنصور قلاوون هذا من بعده في حادي عشرين، وقيل عشر شهر رجب ~~سنة ثمان وسبعين وستمائة، وجلس على سرير الملك بأبهة السلطنة وشعار الملك ~~وتم أمره. PageV02P0340 # ولما استقل بالمملكة أمسك جماعة كثيرة من المماليك والأمراء الظاهرية ~~وغيرهم، واستعمل مماليكه على البلاد والقلاع، فلم يبلع ريقه حتى خرج عليه ~~الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نائب دمشق، فإنه لما وصل إليه البريد إلى ~~دمشق بسلطنة المنصور قلاوون في يوم الأحد سادس عشري رجب، وعلى يده نسخة ~~يمين التحليف للأمراء والجند وأرباب الدولة وأعيان الناس، فأحضروا إلى دار ~~السعادة بدمشق وحلفوا إلا الأمير سنقر الأشقر نائب الشام، فإنه لم يحلف ولا ~~رضي بما جرى من خلع سلامش وسلطنة قلاوون، فلم يلتفت أهل دمشق إلى كلامه. ~~وخطب بجامع دمشق للملك المنصور قلاوون وجوامع الشام بأسرها خلا مواضع يسيرة ~~توقفوا، ثم خطبوا بعد ذلك. وأما الملك المنصور قلاوون فإنه في شهر رمضان ~~عزل الصاحب برهان الدين السنجاري عن الوزارة بالديار المصرية، وأمره بلزوم ~~مدرسة أخيه قاضي القضاة بدر اللين السنجاري بالقرافة الصغرى، واستقر مكانه ~~في الوزارة الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء الشريف ~~بالديار المصرية، وتولى عوضه صحابة الديوان القاضي فتح الدين محمد ابن ~~القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وهو أول كاتب سر كان في الدولة التركية ~~وغيرها، وإنما كانت هذه الوظيفة في ضمن الوزارة، والوزير هو المتصرف في ~~الديوان، وتحت يده جماعة من الكتاب الموقعين، وفيهم رجل كبير كتائب كاتب ~~السر الآن، سمي في الآخر صاحب ديوان الإنشاء. ومن الناس من قال: إن ms1585 هذه ~~الوظيفة قديمة واستدل بقول صاحب صبح الأعشى وغيره ممن كتب للنبي، صلى الله ~~عليه وسلم، ومن بعده ورد على من قال ذلك جماعة أخر، وقالوا: ليس في ذكر من ~~كتب للنبي، صلى الله عليه وسلم، وغيره من الخلفاء دلالة على وظيفة كتابة ~~السر، وإنما هو دليل لكل كاتب كتب لملك أو سلطان أو غيرهما كائنا من كان، ~~فكل كاتب كتب عند رجل يقول: هو أنا ذاك الكاتب، وإذا الأمر احتمل واحتمل ~~سقط الاحتجاج به. ومن قال: إن هذه الوظيفة ما أحدثها إلا الملك المنصور ~~قلاوون فهو الأصح، ونبين ذلك، إن شاء الله تعالى. في أواخر هذه الترجمة، ~~وذكر من ذكره صاحب صبح الأعشى وغيره من الكتاب من عهد النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، إلى يومنا هذا على سبيل الاختصار. انتهى. وقد خرجنا عن المقصود. وأما ~~سنقر الأشقر فإنه في يوم الجمعة رابع عشري ذي القعدة من السنة ركب من دار ~~السعادة بدمشق بعد صلاة العصر ومعه جماعة من الأمراء والجند، وهم رجالة وهو ~~راكب وحده وقصد القلعة من الباب الذي يلي المدينة فهجمها بمن كان معه، ~~وطلعها وجلس بها من ساعته وحلف الأمراء والجند ومن حضر وتسلطن وتلقب بالملك ~~الكامل ونادت المنادية في المدينة بسلطنته واستقلاله بالمماليك الشامية، ~~وفي بكرة يوم السبت خامس عشرين ذي القعدة طلب القضاة والعلماء ورؤساء البلد ~~وأكابره وأعيانه إلى مسجد أبي الدرداء، رضي الله عنه، بقلعة دمشق وحلفهم ~~وحلف بقية الناس على طاعته، ثم وجه العساكر في يوم الأربعاء تاسع عشرينه ~~إلى بلاد غزة الحفظ البلاد ومغلها ودفع من يأتي إليها من الديار المصرية. ~~وخرجت سنة ثمان وسبعين وليس للملك المنصور قلاوون حكم إلا على الديار ~~المصرية وأعمالها فقط. واستهلت سنة تسع وسبعين والملك المنصور سلطان مصر، ~~والملك الكامل شمس الدين سنقر الأشقر سلطان دمشق وما والاها، وصاحب الكرك ~~الملك المسعود خضر ابن الملك الظاهر بيبرس، وصاحب حماة والمعرة الملك ~~المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك تقي الدين محمود الأيوبي، والعراق ~~والجزيرة والموصل وإربل ms1586 وأذربيجان وديار بكر وخلاط وخراسان والعجم وما وراء ~~ذلك بيد التتار والروم، وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر بن ~~علي بن رسول وصاحب مكة، شرفها الله تعالى، الشريف نجم الدين أبو نمي ~~الحسني، وصاحب المدينة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، الأمير عز ~~الدين جماز بن شيحة الحسيني، ذكرنا هؤلاء تنبيها للناظر في الحوادث الآتية، ~~ليكون فيما يأتي على بصيرة. انتهى. PageV02P0341 # ثم إن السلطان الملك المنصور قلاوون في أول سنة تسع وسبعين وستمائة ~~المذكورة جهز عسكرا لغزة، فلما قاربوها لقيهم عسكر الملك الكامل سنقر ~~الأشقر وقاتلوهم حتى نزحوهم عنها، وأنكسر العسكر المصري وقصد الرمل، واطمأن ~~الشاميون بغزة ونزلوا بها ساعة من النهار، وكانوا في قلة، فكر عليهم عساكر ~~الديار المصرية ثانيا وكبسوهم ونالوا منهم منالا كبيرا، ورجع عسكر الشام ~~منهزما إلى مدينة الرملة. وأما الملك الكامل سنقر الأشقر فإنه قدم عليه ~~بدمشق الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا ملك العرب بالبلاد الشرقية والشمالية، ~~ودخل على الكامل وهو على السماط فقام له الكامل، فقبل عيسى الأرض وجلس عن ~~يمينه فوق من حضر. ثم وصل إلى الملك الكامل أيضا الأمير شهاب الدين أحمد بن ~~حجي بن يزيد ملك العرب بالبلاد الحجازية فأكرمه الملك الكامل غاية الإكرام. ~~وأما الملك المنصور لما بلغه ما وقع لعسكره بغزة جهز عسكرا آخر كثيفا إلى ~~دمشق لقتال الملك الكامل سنقر الأشقر، ومقدمهم الأمير علم الدين سنجر ~~الحلبي، وخرجوا من مصر وساروا إلى جهة الشام، فصار عسكر دمشق الذي بالرملة ~~كلما تقدم العسكر المصري منزلة إلى أن وصل أوائلهم إلى دمشق في أوائل صفر. ~~وفي يوم الأربعاء ثاني عشر صفر المذكور خرج الملك الكامل من دمشق بنفسه ~~بجميع من عنده من العساكر، وضرب دهليزه بالجسورة وخيم هناك بجميع الجيش، ~~واستخدم المماليك وأنفق الأموال، وجمع خلقا عظيما وحضر عنده عرب الأميرين: ~~ابن مهنا و ابن جحي ونجدة حلب ونجدة حماة، مقدمهما الملك الأفضل نور الدين ~~علي أخو صاحب حماة، ورجالة كثيرة من جبال بعلبك، ورتب العساكر ms1587 والأطلاب ~~بنفسه وصف العساكر ميمنة وميسرة ووقف هو تحت عصائبه، وسار العسكر المصري ~~أيضا بترتيب هائل وعساكر كثيرة، والأطلاب أيضا مرتبة، والتقى الجيشان في ~~يوم الأحد سادس عشر صفر وقت طلوع الشمس في المكان المذكور وتقاتلا أشد ~~قتال، وثبت كل من الطائفتين ثباتا لم يسمع بمثله إلا نادرا لا سيما الملك ~~الكامل سنقر الأشقر، فإنه ثبت وقاتل بنفسه قتالا شديدا، واستمر المصاف بين ~~الطائفتين إلى الرابعة من النهار ولم يقتل من الفريقين إلا نفر يسير جدا، ~~وأما الجراح فكثيرة. فلما كانت الساعة الرابعة من النهار خامر أكثر عسكر ~~دمشق على الملك الكامل سنقر الأشقر وغمروا به وانضافوا إلى العسكر المصري، ~~وكان لما وقع العين على العين قبل أن يلتحم القتال انهزم عساكر حماة وتخاذل ~~عسكر الشام على الكامل، فمنهم: من دخل بساتين دمشق واختفى بها، ومنهم من ~~دخل دمشق راجعا، ومنهم من ذهب إلى طريق بعلبك، فلم يلتفت الملك الكامل لمن ~~ذهب منه من العساكر وقاتل، فلما انهزم عنه من ذكرنا في حال القتال ضعف أمره ~~ومع هذا استمر يقاتل بنفسه ومماليكه إلى أن رأى الأمير عيسى بن مهنا ~~الهزيمة على الملك الكامل أخذه ومضى به إلى الرحبة، وأنزله عنده ونصب له ~~بيوت الشعر. وأما الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي فإنه دخل إلى دمشق ~~بالأمان، ودخل في طاعة الملك المنصور قلاوون. وأما عساكر الشام فإنهم ~~اجتمعوا على القصب من عمل حمص، ثم عاد أكثر الأمراء إلى جهة دمشق وطلبوا ~~الأمان من مقدم العساكر المصرية الأمير علم الدين سنجر الحلبي. وأما ~~العساكر المصرية فإنهم ساقوا من وقتهم إلى مدينة دمشق وأحاطوا بها، ونزلوا ~~بخيامهم ولم يتعرضوا للزحف، وراسلوا من بالقلعة إلى العصر من ذلك النهار، ~~وفتح من المدينة باب الفرج ودخل منه إلى دمشق بعض مقدمي الجيش، ثم طلب من ~~بالقلعة الأمان فأمنهم سنجر الحلبي، ففتحت القلعة فدخلوا إليها من الباب ~~الذي داخل المدينة وتسلموها بالأمان وأفرجوا عن جماعة كثيرة من الأمراء ~~وغيرهم، كان اعتقلهم سنقر الأشقر، منهم: الأمير ركن ms1588 الدين بيبرس العجمي ~~المعروف بالجالق، والجالق: اسم للفرس الحاد المزاج باللغة التركية، والأمير ~~حسام الدين لاجين المنصوري، والقاضي تقي الدين توبة التكريتي وغيرهم. وكتب ~~الأمير علم الدين سنجر الحلبي بالنصر إلى الملك المنصور قلاوون فسر المنصور ~~بذلك، ودقت البشائر لذلك أياما بالديار المصرية وزينت القاهرة ومصر. ~~PageV02P0342 # وأما سنجر المصري فإنه لما ملك دمشق وقلعتها جهز في الحال قطعة جيدة من ~~الجيش المصري تقارب ثلاثة آلاف فارس في طلب سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء ~~والجند. ثم حضر جواب الملك المنصور قلاوون بسرعة يتضمن: بأننا قد عفونا عن ~~جميع الناس الخاص والعام أرباب السيوف والأقلام، وأمناهم على أنفسهم ~~وأهليهم وأموالهم، وحضر التشريف للأمير حسام الدين لاجين المنصوري السلحدار ~~بنيابة دمشق، فلبس الخلعة وقبل الأرض، ثم أردف الأمير سنجر الحلبي العسكر ~~الذي كان توجه لقتال سنقر الأشقر بعسكر آخر، مقدمه الأمير عز الدين الأفرم، ~~فلحق بمن كان توجه قبله وسار الجميع في طلب سنقر الأشقر. فلما بلغ سنقر ذلك ~~رحل عن عيسى بن مهنا وتوجه في البرية إلى الحصون التي كانت بقيت في يد ~~نوابه، فتحصن هو ومن معه بها في أواخر الشهر المذكور وهي: صهيون، كان بها ~~أولاده وخزائنه ودخلها هو أيضا، وبلاطنس وحصن برزيه وحصن عكار وجبلة ~~واللاذقية وغيرها، ثم عادت العساكر إلى دمشق وترددت الرسل بينهم وبين سنقر ~~الأشقر. وبينما هم في ذلك وردت الأخبار في أوائل جمادى الآخرة أن التتار ~~قصدوا البلاد الشامية، فخرج من كان بدمشق من العساكر الشامية والمصرية، ~~ومقدمهم الأمير ركن الدين إياجي، ولحقهم العساكر الذين كانوا في طلب سنقر ~~الأشقر، ونزل الجميع بظاهر حماة، وكانوا كاتبوا الملك المنصور قلاوون بمجيء ~~التتار. فجهز إليهم في الحال عسكرا عليه الأمير بدر الدين بكتاش النجمي، ~~فلحق بهم الأمير بكتاش المذكور بمن معه من العسكر المصري، واجتمع الجميع ~~على حماة وأرسلوا وأرسلوا كشافة في العشر الأوسط من جمادى الآخرة إلى بلاد ~~التتار. هذا وقد جفل غالب من بالبلاد الشامية وخرجوا عن دورهم ومنازلهم ولم ~~يبق هناك إلا من ms1589 عجز عن الحركة. وكان سبب حركة التتار أنهم لما سمعوا ~~اختلاف الكلمة، وظنوا أن سنقر الأشقر بمن معه يتفق معهم على قتال الملك ~~المنصور قلاوون. فأرسل أمراء العساكر المصرية إلى سنقر الأشقر يقولون له: ~~هذا العدو قد دهمنا، وما سببه إلا الخلف بيننا، وما ينبغي هلاك الإسلام، ~~والمصلحة أننا نجتمع على دفعه، فامتثل سنقر ذلك وأنزل عسكره من صهيون وأمر ~~رفيقه الحاج أزدمر أن يفعل كذلك من شيزر، وخيمت كل طائفة تحت قلعتها، ولم ~~يجتمعوا بالمصريين، غير أنهم اتفقوا على اجتماع الكلمة ودفع العدو المخذول ~~عن الشام. واستمروا على ذلك إلى يوم الجمعة حادي عشرين جمادى الآخرة، حيث ~~وصل طائفة كبيرة من عساكر التتار إلى حلب بعد أن ملكوا عين تاب وبغراس ~~والمربساك ودخلوها من غير مانع يمنعهم عنها، وأحرقوا الجوامع والمساجد ~~والمدارس المعتبرة ودار السلطنة ودور الأمراء، وأفسدوا إفسادا كبيرا على ~~عادة أفعالهم القبيحة، وأقاموا بها يومين على هذه الصورة، ثم رحلوا عنها في ~~يوم الأحد ثالث عشرينه راجعين إلى بلادهم بعد أن تقدمتهم الغنائم التي ~~كسبوها وكان شيئا كثيرا. وكان سبب رجوعهم ما بلغهم أمن، اتفاق الطائفتين ~~على قتالهم ولما بلغهم من اهتمام الملك المنصور صاحب حلب وخروجه بالعساكر ~~من الديار المصرية. وقيل في رجوعهم وجه آخر، وهو أن بعض من كان استتر بحلب ~~يئس عن نفسه من الحياة، فطلع منارة الجامع وكبر بأعلى صوته على التتار، ~~وقال: جاء النصر من عند الله، وأشار بمنديل كان معه إلى ظاهر البلد، وأوهم ~~أنه أشار به إلى عسكر المسلمين، وجعل يقول في خلال ذلك: اقبضوهم من البيوت ~~مثل النساء فتوهم التتار من ذلك وخرجوا من البلد على وجوههم وسلم الذي فعل ~~ذلك. وأما سنقر الأشقر فإن جماعة من الأمراء والأعيان الذين كانوا معه فروا ~~إلى العسكر المصري ودخلوا تحت طاعة الملك المنصور قلاوون. وأما الملك ~~المنصور قلاوون فإنه لما طال عليه أمر سنقر الأشقر وأمر التتار جمع أعيان ~~مملكته في هذا الشهر بقلعة الجبل، وجعل ولده الأمير علاء الدين عليا ms1590 ولي ~~عهده، ولقبه الملك الصالح، وخطب له على المنابر. ثم تجهز السلطان وخرج من ~~الديار المصرية بعساكره، وسار حتى وصل إلى غزة بلغه رجوع العدو المخذول، ~~فأقام بالرملة وتوقف عن التوجه إلى دمشق لعدم الحاجة إلى ذلك، وقصد تخفيف ~~الوطأة عن البلاد وأهلها. ثم رحل يوم الخميس عاشر شعبان راجعا من الرملة ~~إلى الديار المصرية، فدخلها وأقام بها أقل من أربعة أشهر. PageV02P0343 # ثم بدا له التوجه إلى الشام ثانيا، فتجهز وتجهزت عساكره وخرج بهم من مصر ~~في يوم الأحد مستهل ذي الحجة قاصدا الشام، وترك ولده الملك الصالح عليا ~~يباشر الأمور عنه بالديار المصرية. وسار الملك المنصور قلاوون حتى وصل إلى ~~الروحاء من عمل الساحل، ونزل عليها في يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة، ~~وأقام قبالة عكا، فراسلته الفرنج من عكا في تجديد الهدنة، فإنها كانت انقضت ~~مدتها، وأقام بهذه المنزلة حتى استهلت سنة ثمانين وستمائة رحل عنها يوم ~~الخميس عاشر المحرم. ونزل اللجون، وحضر رسل الفرنج بها بحضرة الأمراء، ~~وسمعوا رسالة الفرنج، فاستشارهم السلطان فحصل الاتفاق على الهدنة، وحلف لهم ~~الملك المنصور على الصورة التي وقع الاتفاق عليها، وانبرم الصلح وانعقدت ~~الهدنة في يوم الأحد ثالث عشر المحرم. ثم قبض الملك المنصور على الأمير ~~كوندك الظاهري وعلى جماعة من الأمراء الظاهرية لمصلحة اقتضاها الحال . وعند ~~قبضهم هرب الأمير سيف الدين بلبان الهاروني ومعه جماعة وقصدوا صهيون إلى ~~عند سنقر الأشقر، وركبت الخيل في طلبهم فلم يدركوهم، ثم هرب الأمير أيتمش ~~السعدي أيضا ومعه جماعة إلى صهيون من منزلة خربة اللصوص. ثم سار الملك ~~المنصور إلى دمشق فدخلها في يوم السبت تاسع عشره، وأقام بدمشق إلى أن قدم ~~عليه في صفر الملك المنصور محمد صاحب حماة، فخرج الملك المنصور قلاوون ~~لتلقيه وأكرمه. ثم ترددت الرسل بين السلطان الملك المنصور قلاوون وبين سنقر ~~الأشقر في تقرير قواعد الصلح. فلما كان يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول من ! ~~شة ثمانين وستمائة وصل من جهة سنقر الأشقر الأمير علم الدين سنجر الدواداري ~~ومعه ms1591 خازندار سنقر الأشقر في معنى الصلح والوقوف على اليمين، فحلف الملك ~~المنصور قلاوون يوم الاثنين خامسه، ونادت المنادية في دمشق بآنتظام الصلح ~~وآجتماع الكلمة، فرجع رسل سنفر الأشقر ومعهم الأمير فخر الدين إيازالمقرىء ~~ليحضريمين سنقر الأشقر، فحلفه وعاد إلى دمشق يوم الاثنين ثاني عشره، فضربت ~~البشائر بالقلعة وسر الناس بذلك غاية السرور. وصورة ما انتظم الصلح عليه أن ~~سنقر الأشقر يرفع يده عن شيزر ويسلمها إلى نواب الملك المنصور قلاوون، ~~وعوضه قلاوون عنها فامية وكفرطاب وأنطاكية والسويدية وبكاس ودركوش بأعمالها ~~كلها وعدة و ضياع معروفة، وأن يقيم على ذلك، وعلى ماكان آستقر بيده عند ~~الصلح، وهو صهيون وبلاطنس وحصن برزة وجبلة واللأذقية بستمائة فارس ألنصرة ~~الإسلام، وأنه يسلم الأمر إلى الملك المنصور قلاوون ؛ وخوطب سنقر الأشقر في ~~مكاتباته بالمقر العالي المولوي السيدي العالمي العالمي العادلي الشمسي ولم ~~يصرح في مخاطباته بالملك ولا بالأمير، وكان يخاطب قبل ذلك في مكاتباته من ~~الملك المصور قلاوون: ا إلى الجناب العالي الأميري الشمسي انتهى. وبينما ~~السلطان في ذلك ورد عليه مجيء التتار إلى البلاد الشامية وهو بدمشق، فتهيأ ~~لقتالهم وأرسل يطلب العساكر المصرية، وبعد قليل حضرت عساكر مصر إلى دمشق ~~وآجتمعت العساكر عند السلطان، ولم يتأخر أحد من التركمان والعربان وسائر ~~الطوائف. ووصل الخبر بوصول التتار إلى أطراف بلاد حلب، فخلت حلب من أهلها ~~وجندها ونزحوا إلى جهة حماة وحمص، وتركوا الغلال والحواصل والأمتعة، وخرجوا ~~جرائد على وجوههم؟ ثم ورد الخبر بوصول منكوتمر بن هولاكو ملك التتار إلى ~~عين تاب وما جاورها في يوم الأحد سادس عشرين جمادى الآخرة PageV02P0344 # فخرج الملك المنصور قلاوون بعساكره في يوم الأحد المذكور وخيم بالمرج، ~~ووصل التتار إلى بغراس، فقدم الملك المنصور عسكره أمامه، ثم سافر هو بنفسه ~~في سلخ جمادى الآخرة المذكور، وسار حتى نزل السلطان بعساكره على حمص في يوم ~~الأحد ثالث عشرين شهر رجب، وراسل سنقر الأشقر بالحضور إليه بمن معه من ~~الأمراء والعساكر، وكذلك الأمير أيتمش السعدي الذي كان هرب من عند السلطان ~~لما قبض ms1592 على الأمراء الظاهرية، فامتثل سنقر الأشقر أمر السلطان بالسمع ~~والطاعة وركب من وقته بجماعته، وحضر إلى عند الملك المنصور قلاوون، ~~واستحلفه لأيتمش السعدي يمينا ثانية ليزداد طمأنينة، ثم أحضره، وتكامل ~~حضورهم عند السلطان. وعامل السلطان سنقر الأشقر بالاحترام التام والخدمة ~~البالغة والإقامات العظيمة والرواتب الجليلة. وشرعت التتار تتقدم قليلا ~~قليلا بخلاف عادتهم، فلما وصلوا حماة أفسدوا بنواحيها، وشغثوا وأحرقوا ~~بستان الملك المنصور صاحب حماة وجوسقه وما به من الأبنية. واستمر عسكر ~~السلطان بظاهر حمص على حاله إلى أن وصلت التتار إليه في يوم الخميس رابع ~~عشر شعبان، فركب الملك المنصور بعساكره وصافف العدو، والتقى الجمعان عيد ~~طلوع الشمس، وكان عدد التتار على ما قيل مائة ألف فارس أو يزيدون، وعسكر ~~المسلمين على مقدار النصف من ذلك أو أقل، وتواقعوا من ضحوة النهار إلى ~~آخره، وعظم القتال بين الفريقين وثبت كل منهم. قال الشيخ قطب الدين ~~اليونيني: وكانت وقعة عظيمة لم يشهد مثلها في هذه الأزمان ولا من سنين ~~كثيرة، وكان الملتقى فيما بين مشهد خالد بن الوليد، رضي الله عنه، إلى ~~الرستن والعاصي، واضطربت ميمنة المسلمين، وحملت التتار على ميسرة المسلمين ~~فكسروها وانهزم من كان بها، وكذلك انكسر جناح القلب الأيسر وثبت الملك ~~المنصور سيف الدين قلاوون، رحمه الله تعالى، في جمع قليل بالقلب ثباتا ~~عظيما، ووصل جماعة كثيرة من التتار خلف المنكسرين من المسلمين إلى بحيرة ~~حمص، وأحدق جماعة من التتار بحمص، وهي مغلقة الأبواب، وبذلوا نفوسهم ~~وسيوفهم فيمن وجدوه من العوام والسوقة والغلمان والرجالة المجاهدين ~~بظاهرها، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأشرف الإسلام على خطة صعبة! ثم إن ~~أعيان الأمراء ومشاهيرهم وشجعانهم: مثل سنقر الأشقر المقدم ذكره، وبدر ~~الدين بيسري، وعلم الدين سنجر الدواداري وعلاء الدين طيبرس الوزيري، وبدر ~~الدين بيليك أمير سلاح، وسيف الدين أيتمش السعدي، وحسام الدين لاجين ~~المنصوري، والأمير حسام الدين طرنطاي وأمثالهم لما رأوا ثبات السلطان ردوا ~~على التتار وحملوا عليهم حملات حتى كسروهم كسرة عظيمة، وجرح منكوتمر مقدم ~~التتار، وجاءهم الأمير شرف الدين عيسى ms1593 بن مهنا في عربه عرضا فتمت هزيمتهم، ~~وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوز الوصف، واتفق أن ميسرة المسلمين كانت انكسرت ~~كما ذكرنا، والميمنة ساقت على العدو ولم يبق مع السلطان إلا النفر اليسير، ~~والأمير حسام الذين طرنطاي قدامه بالسناجق، فعادت الميمنة الذين كسروا ~~ميسرة المسلمين في خلق عظيم ومروا به، وهو في ذلك النفر تحت السناجق - يعني ~~الملك المنصور قلاوون - والكوسات تضرب. قال: ولقد مررت به في ذلك الوقت وما ~~حوله من المقاتلة ألف فارس إلا دون ذلك، فلما مروا به - يعني ميمنة التتار ~~التي كانت كسرت ميسرة المسلمين - ثبت لهم ثباتا عظيما، ثم ساق عليهم بنفسه ~~فانهزموا أمامه لا يلوون على شيء، وكان ذلك تمام النصر، وكان انهزامهم عن ~~آخرهم قبل الغروب، وافترقوا فرقتين: فرقة أخذت جهة سلمية والبرية، وفرقة ~~أخذت جهة حلب والفرات. ولما انقضى الحرب في ذلك النهار عاد السلطان إلى ~~منزلته، وأصبح بكرة يوم الجمعة سادس عشر رجب جهز السلطان وراءهم جماعة ~~كثيرة من العسكر والعربان، ومقدمهم الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري، وكان ~~لما لاحت الكسرة على المسلمين نهب لهم من الأقمشة والأمتعة والخزائن ~~والسلاح ما لا يحصى كثرة، وذهب ذلك كله أخذته الحرافشة من المسلمين مثل ~~الغلمان وغيرهم. وكتبت البشائر بهذا النصر العظيم إلى سائر البلاد، وحصل ~~للناس السرور الذي لا مزيد عليه، وعملت القلاع وزينت المدن. PageV02P0345 # وأما أهل دمشق فإنه كان ورد عليهم الخبر أولا بكسرة المسلمين، ووصل إليهم ~~جماعة ممن كان انهزم، فلما بلغهم النصر كان سرورهم أضعاف سرور غيرهم. وكان ~~أهل البلاد الشامية من يوم خرج السلطان من عندهم إلى ملتقى التتار وهم ~~يدعون الله تعالى في كل يوم ويبتهلون إليه، وخرج أهل البلاد بالنساء ~~والأطفال إلى الصحارى والجوامع والمساجد، وأكثروا من الابتهال إلى الله، عز ~~وجل، في تلك الأيام لا يفترون عن ذلك حتى ورد عليهم هذا النصر العظيم ولله ~~الحمد، وطابت قلوب الناس، ورد من كان نزح عن بلاده وأوطانه واطمأن كل أحد ~~وتضاعف شكر الناس لذلك. وقتل في هذه الوقعة ms1594 من التتار ما لا يحصى كثرة، ~~وكان من استشهد من عسكر المسلمين دون المائتين على ما قيل، وممن قتل الأمير ~~الحاج أزدمر، وسيف الدين بلبان الرومي، وشهاب الدين توتل الشهرزوري، وعز ~~الدين بن النصرة من بيت الأتابك صاحب الموصل وكان أحد الشجعان المفرطين في ~~الشجاعة، رحمهم الله تعالى أجمعين. ثم إن السلطان انتقل من منزلته بظاهر ~~حمص إلى البحيرة التي بحمص ليبعد عن الجيف، ثم توجه عائدا إلى دمشق فدخلها ~~يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان قبل الصلاة، وخرج الناس إلى ظاهر ~~البلد للقائه، فدخل دمشق وبين يديه جماعة من أسرى التتار وبأيديهم رماح ~~عليها رؤوس القتلى من التتار، فكان يوما مشهودا. ودخل السلطان الشام وفي ~~خدمته جماعة من الأعيان، منهم: سنقر الأشقر الذي كان تسلطن وتلقب بالملك ~~الكامل، وأيتمش السعدي، والأمير علم الدين سنجر الدواداري، وبلبان ~~الهاروني، ثم قدم بعد ذلك الأمير بدر الدين الأيدمري بمن معه من العسكر ~~عائدا من تتبع التتار بعد ما أنكى فيهم نكاية عظيمة، ووصل إلى حلب وأقام ~~بها، وسير أكثر من معه يتبعونهم، فهلك من التتار خلق كثير غرقوا بالفرات ~~عند عبورهم، وعندما عدوه نزل إليهم أهل البيرة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ~~وأسروا منهم جمعا كثيرا، وتفرق جمع التتار وأخذت أموالهم. وأقام السلطان ~~بدمشق إلى ثاني شهر رمضان خرج منه عائدا إلى الديار المصرية، وخرج الناس ~~لوداعه مبتهلين بالدعاء له، وسار حتى دخل الديار المصرية يوم ثاني عشرين ~~الشهر بعد أن احتفل أهل مصر لملاقاته، وزينت الديار المصرية زينة لم ير ~~مثلها من مدة سنين، وعملت بها القلاع، وشق القاهرة في مروره إلى قلعة الجبل ~~حتى طلع إليها، فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة، وتضاعف سرور الناس ~~بسلامته وبنصر المسلمين على العدو المخذول. ثم إن السلطان عقيب دخوله إلى ~~مصر قبض على الأمير ركن الدين إياجي الحاجب، وبهاء الدين يعقوب مقدم ~~الشهرزورية بقلعة الجبل. واستمر السلطان بمصر إلى خامس ذي القعدة من السنة ~~قبض على الأمير أيتمش السعدي بقلعة الجبل وحبسه بها، ثم ms1595 أرسل إلى نائب دمشق ~~بالقبض على الأمير بلبان الهاروني بدمشق فقبض عليه. وفي هذه السنة - أعني ~~سنة ثمانين وستمائة - تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل تجاه قرية بولاق واللوق، ~~وانقطع بسببها مجرى البحر ما بين قلعة المكس وساحل باب البحر، والرملة وبين ~~جزيرة الفيل وهو المار تحت منية السيرج، وانسد هذا البحر ونشف بالكلية، ~~واتصل ما بين المقس وجزيرة الفيل بالمشي، ولم يعهد فيما تقدم، وحصل لأهل ~~القاهرة مشقة من نقل الماء الحلو لبعد البحر، فأراد السلطان حفره فنهوه عن ~~ذلك، وقالوا له: هذا ينشف إلى الأبد، فتأسف السلطان وغيره على ذلك. قلت: ~~وكذا وقع، ونحن الآن لا نعرف أين كان جريان البحر المذكور إلا بالحدس، ~~لإنشاء الأملاك والبساتين والعمائر والحارات في محل مجرى البحر المذكور، ~~فسبحان القادر على كل شيء. ثم في أول سنة إحدى وثمانين وستمائة ورد الخبر ~~على السلطان أنه تسلطن في مملكة التتار مكان أبغا بن هولاكو أخوه لأبيه ~~أحمد بن هولاكو، وهو مسلم حسن الإسلام وعمره يومئذ مقدار ثلاثين سنة، وأنه ~~وصلت أوامره إلى بغداد تتضمن إظهار شعائر الإسلام وإقامة مناره، وأنه أعلى ~~كلمة الدين، وبنى الجوامع والمساجد والأوقاف ورتب القضاة، وأنه انقاد إلى ~~الأحكام الشرعية، وأنه ألزم أهل الفقة بلبس الغيار، وضرب الجزية عليهم، ~~ويقال إن إسلامه كان في حياة والده هولاكو، فسر السلطان بذلك سرورا عظيما. ~~PageV02P0346 # وبعد مدة قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسري، وعلى علاء الدين ~~كشتغدي الشمسي واعتقلهما بقلعة الجبل، وذلك في يوم الأحد مستهل صفر من ~~السنة. واستمر السلطان على ذلك إلى يوم الأربعاء ثاني عشرين شعبان طافوا ~~بكسوة البيت العتيق التي عملت برسم الكعبة، عظمها الله تعالى، بمصر ~~والقاهرة على العادة، ولعبت مماليك السلطان الملك المنصور قلاوون أمام ~~الكسوة بالرماح والسلاح. قلت: وأظن هذا هو أول ابتداء سوق المحمل المعهود ~~الآن، فإننا لم نقف فيما مضى على شيء من ذلك مع كثرة التفاتنا إلى هذا ~~المعنى، ولهذا غلب على ظني من يوم ذاك بدأ السوق المعهود الآن، ولم يكن ms1596 إذ ~~ذاك على هيئة يومنا هذا، وإنما ازداد بحسب اجتهاد المعلمين، كما وقع ذلك في ~~غيره من الفنون والملاعيب والعلوم، فإن مبدأ كل أمر ليس كنهايته، وإنما شرع ~~كل معلم في اقتراح نوع من أنواع السوق إلى أن انتهى إلى ما نحن عليه الآن، ~~ولا سبيل إلى غير ذلك. يعرف ما قلته من له إلمام بالفنون والعلوم إذا كان ~~له فوق وعقل. وعلى هذه الصيغة أيضا اللعب بالرمح فإن مماليك قلاوون هم أيضا ~~أحدثوه، وإن كانت الأوائل كانت تلعبه، فليس كان لعبهم على هذه الطريقة، ~~وأنا أضرب لك مثلا لمصداق قولي في هذا الفن، وهو أن مماليك الملك الظاهر ~~برقوق كان أكثرهم قد حاز من هذا الفن طرفا جيدا، وصار فيهم من يضرب بلعبه ~~المثل، وهم جماعة كثيرة يطول الشرح في ذكرهم، ومع هذا أحدث معلمو زماننا ~~أشياء لم يعهدوها أولئك من تغيير القبض على الرمح في مواطن كثيرة في اللعب، ~~حتى إن لعب زماننا هذا يكاد أنه يخالف لعب أولئك في غالب قبوضاتهم ~~وحركاتهم. وهذا أكبر شاهد لي على ما نقلته من أمر المحمل، وتعداد فنونه، ~~وكثرة ميادينه، واختلاف أسمائها لتغيير لعب الرمح في هذه المدة اليسيرة من ~~صفة إلى أخرى، فكيف وهذا الذي ذكرناه من ابتداء السوق من سنة إحدى وثمانين ~~وستمائة! فمن باب أولى تكون زيادات أنواع سوق المحمل أحق بهذا لطول السنين، ~~ولكثرة من باشره من المعلمين الأستاذين، ولتغير الدول، ولمحبة الملوك ~~وتعظيمهم لهذا الفن، ولإنفاق سوق من كان حاذقا في هذا الفن. وقد صنفت أنا ~~ثمانية ميادين كل واحد يخالف الآخر في نوعه لم أسبق إلى مثلها قديما ولا ~~حديثا، لكنني لم أظهرها لكساد هذا الفن وغيره في زماننا هذا، ولعدم الإنصاف ~~فيه وكثرة حساده ممن يدعي فيه المعرفة وهو أجنبي عنها، لا يعرف اسم نوع من ~~أندابه على جليته بل يدعيه جهلا، ويقوى على دعواه بالشوكة والعصبية. ولله ~~در القائل: الخفيف، أيها المدعي سليمى كفاحا ... لست منها ولا قلامة ظفر ~~إنما أنت من سليمى ms1597 كواو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو وشاهدي أيضا قول ~~العلامة جار الله محمود الزمخشري وأجاد، رحمه الله تعالى: الطويل، وأخرني ~~دهري وقدم معشرا ... على أنهم لا يعلمون وأعلم ومذ أفلح الجهال أيقنت أنني ~~... أنا الميم والأيام أفلح اعلم قلت: وتفسير الأفلح هو مشقوق الشفة ~~العليا، والأعلم مشقوق الشفة السفلى، وفائدة ذلك أن مشقوق الشفتين العليا ~~والسفلى لا يقدر أن يتلفظ بالميم ولا ينطق بها. فانظر إلى حسن هذا التخيل ~~والغوص على المعاني. وما أحسن قول الإمام العلامة القاضي الفاضل عبد الرحيم ~~وزير السلطان صلاح الدين، وهو: مجزوء الكامل، ما ضر جهل الجاهل ... ين ولا ~~انتفعت أنا بحذقي وزيادة في الحذق فه ... ي زيادة في نقص رزقي وقول الشريف ~~الرضي في المعنى: البسيط، ما قدر فضلك ما أصبحت ترزقه ... ليس الحظوظ على ~~الأقدار والمهن قد كنت قبلك من دهري على حنق ... فزاد ما بك في غيظي على ~~الزمن وفي المعنى: البسيط، كم فاضل فاضل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه ~~مرزوقا هذا الذي ترك الألباب حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا قلت: ~~ويعجبني المقالة السادسة عشرة من كتاب أطباق الذهب للعلامة شرف الدين عبد ~~المؤمن الأصفهاني المعروف بشوروة، وهي: PageV02P0347 # طبع الكريم لا يحتمل حمة الضيم، وهواء الصيف لا يقبل غمة الغيم، والنبيل ~~يرضى النبال والحسام، ويأبى أن يسام، ولأن يقتل صبرا، ويودع قبرا، أحب إليه ~~من أن يصيبه نشاب الجفاء، من جفير الأكفاء، يهوى المنية، ولا يرضى الدنية، ~~يستقبل السيف، ولا يقبل الحيف، إن سيم أخذته الهزة، وإن ضيم أخذته العزة، ~~إن عاشرته سال عذبا، وإن عاسرته سل عضبا، إن شاربته تخمر، وإن حاربته تنفر، ~~يرى العز مغنما، والذل مغرما، وكان كأنف الليث لا يشتم مرغما. فيا هذا كن ~~في الدنيا حمي الأنف منيع الجناب، أبي النفس طرير الناب، ولا تصحب الدنيا ~~صحبة بعال ، ولا تنظر إلى أبنائها إلا من عال، ولا تخفض جناحك لبنيها، ~~ولاتضعضع ركنك لبانيها، ولا تمدن عينيك إلى زخارفها، ولا تبسط يدك إلى ~~مخارفها، وكن من الأكياس، واتل على ms1598 اللئام سورة الناس، ولا تصعر خدك للناس. ~~انتهى. قلت: وقد خرجنا عن المقصود غير أننا وجدنا المقال فقلنا. ولنعد إلى ~~ما نحن فيه من ترجمة الملك المنصور قلاوون. ودام السلطان الملك المنصور ~~بديار مصر إلى سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وتوفي صاحب حماة الملك المنصور ~~محمد الأيوبي، فأنعم السلطان الملك المنصور على ولده بسلطنة حماة، وولاه ~~مكان والده المنصور. ثم تجهز السلطان في السنة المذكورة وخرج من الديار ~~المصرية بعسكره متوجها إلى الشام في أواخر جمادى الأولى، وسار حتى دخل دمشق ~~في ثاني عشر جمادى الآخرة، وأقام بدمشق إلى أن عاد إلى جهة الديار المصرية ~~في الثلث الأخير من ليلة السبت ثالث عشرين شعبان، وسار حتى دخل مصر في ~~النصف من شهر رمضان، وأقام بديار مصر إلى أول سنة أربع وثمانين وستمائة ~~فتجهز وخرج منها بعساكره إلى جهة الشام، وسافر حتى دخل دمشق يوم السبت ثاني ~~عشرين المحرم من السنة المذكورة، وعرض العسكر الشامي عدة أيام، وخرجوا ~~جميعا قاصدين المرقب في يوم الاثنين ثاني صفر. وكان قد بقي في يد سنقر ~~الأشقر قطعة من البلاد، منها: بلاطنس وصهيون وبرزيه وغير ذلك، وكان عمل ~~السلطان في الباطن انتزاع ما يمكن انتزاعه من يد سنقر الأشقر المذكور ~~وإفساد نوابه. فاتفق الحال بين نواب السلطان وبين نواب سنقر الأشقر على ~~تسليم بلاطنس فسلمت في أول صفر. ووافى السلطان البشرى بتسليمها وهو على ~~عيون القصب في توجهه إلى حصار المرقب فسر بذلك واستبشر بنيل مقصوده من ~~المرقب. وكان في نفس السلطان من أهل المرقب لما فعلوا مع عسكره ما فعلوا في ~~السنين الماضية، فنازل السلطان حصن المرقب في يوم الأربعاء عاشر صفر، وشرع ~~العسكر في عمل الستائر والمجانيق. فلما انتهت الستائر التي للمجانيق حملتها ~~المقاتلة لباب الحصن، فسقطت الستارة إلى بركة كبيرة كان عليها جماعة من ~~أصحاب الأمير علم الدين سنجر الدويداري، منهم شمس الدين سنقر أستاداره وعدة ~~من مماليكه فاستشهدوا جميعهم، رحمهم الله تعالى. ثم في يوم الأحد رابع ~~عشره، حضر رسل الفرنج من ms1599 عند ملكهم الإسبتار، وسألوا السلطان الصلح والأمان ~~لأهل المرقب على نفوسهم وأموالهم ويسلمون الحصن المذكور، فلم يجبهم السلطان ~~إلى ذلك، وكمل نصب المجانيق ورمى بها وشعث الحصن وهدم معظم أبراجه واستمر ~~الحال إلى سادس عشر شهر ربيع الأول، زحف السلطان على الحصن فأذعن من فيه ~~بالتسليم، وحصلت المراسلة في معنى ذلك. فلما كان يوم الجمعة ثامن عشر شهر ~~ربيع الأول المذكور سلم، ورفعت عليه الأعلام الإسلامية ونزل من به بالأمان ~~على أرواحهم فركبوا، وجهز معهم من أوصلهم إلى أنطرطوس .. وبالقرب من هذا ~~الحصن مرقية وهي بلدة صغيرة على البحر، وكان صاحبها قد بنى في البحر برجا ~~عظيما لا يرام ولا تصله النشاب ولا حجر المنجنيق وحصنه، واتفق حضور رسل ~~صاحب طرابلس إلى السلطان بطلب مراضيه، فاقترح عليه خراب هذا البرج وإحضار ~~من كان فيه أسيرا من الجبيليين الذين كانوا مع صاحب جبيل فأحضر من بقي منهم ~~في قيد الحياة واعتذر عن هدم البرج بأنه ليس له، ولا هو تحت حكمه، فلم يقبل ~~السلطان اعتذاره وصمم على طلبه منه، فقيل: إنه اشتراه من صاحبه بعدة قرى ~~وذهب كثير، ودفعه إلى السلطان، فأمر بهدمه فهدم واستراح الناس منه. وحصل ~~الاستيلاء في هذه الغزوة على المرقب وأعماله ومرقية. PageV02P0348 # والمرقب هو من الحصون المشهورة بالمنعة والحصانة وهو كبير جدا، ولم يفتحه ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فيما فتح، فأبقاه السلطان الملك المنصور ~~بعد أن أشير عليه بهدمه، ورمم شعثه واستناب فيه بعض أمرائه ورتب أحواله. ~~وكتبت البشائر بهذا الفتح إلى الأقطار. ولما كان السلطان الملك المنصور على ~~حصار المرقب جاءته البشرى بولادة ولده الملك الناصر محمد بن قلاوون، فمولد ~~الملك الناصر محمد هذه السنة، فيحفظ إلى ما يأتي ذكره في ترجمته، إن شاء ~~الله تعالى، فإنه أعظم ملوك الترك بلا مدافعة. ولما فتح السلطان الملك ~~المنصور المرقب عملت الشعراء في ذلك عدة قصائد، فمن ذلك ما قاله العلامة ~~شهاب الدين أبو الثناء محمود، وهي قصيدة طنانة أولها: البسيط، الله أكبر ~~هذا النصر والظفر ms1600 ... هذا هو الفتح لا ما تزعم السير هذا الذي كانت الآمال ~~إن طمحت ... إلى الكواكب ترجوه وتنتظر فانهض وسر واملك الدنيا فقد نحلت ... ~~شوقا منابرها وارتاحت السرر كم رام قبلك هذا الحصن من ملك ... فطال عنه وما ~~في باعه قصر وكيف تمنحه الأيام مملكة ... كانت لدولتك الغراء تدخر وكيف ~~يسمو إليها من تأخر عن ... إسعاده منجداك القمر والقدر غر العدا منك حلم ~~تحته همم ... لأشقر البرق من تحجيلها غرر لها وإن أشبهت لطف النسيم سرى ... ~~معنى العواصف لا تبقي ولا تذر أوردتها المرقب العالي وليس سوى ... ماء ~~المجرة في أرجائها نهر كأنه وكأن الجو يكنفه ... وهم تمثله في طيها الفكر ~~يختال كالغادة العذراء قد نظمت ... منه مكان اللآلي الأنجم الزهر له الهلال ~~سوار والسها شنف ... والقلب قلب ومسود الدجى طرر تعلو الرياح إليه كي تحيط ~~به ... خبرا وتدنو وما في ضمنها خبر ويومض البرق يهفو نحوه ليرى ... أدنى ~~رباه ويأتي وهو معتذر وليس يروى بماء السحب مصعدة ... إليه من فيه إلا وهو ~~منحدر ومنها: وأضرمت حوله نار لها لهب ... من السيوف ومن نبل الوغى شرر ~~ومنها: كأنها ومجانيق الفرنج لها ... فرائس الأسد في أظفارها الظفر وكم شكا ~~الحصن ما يلقى فما اكترثت ... يا قلبها أحديد أنت أم حجر وللنقوب دبيب في ~~مفاصله ... تثير سقما ولا يبدو له أثر أضحى به مثل صب لا تبين به ... نار ~~الهوى وهي في الأحشاء تستعر ومنها: ركبت في جندك الأولى إليه ضحا ... ~~والنصر يتلوك منه جندك الأخر قد زال تجلى قواه عن قواعده ... وخر أعلاه نحو ~~الأرض يبتدر وساخ وانكشفت أقباؤه وبدا ... لديك من مضمرات النصر ما ستروا ~~فمال يهوي إليهم كل ليث وغى ... له من البيض ناب والقنا ظفر ومنها بعد ~~أبيات كثيرة براعة المقطع: إن لم يوف الورى بالشكر ما فتحت ... يداك فالله ~~والأملاك قد شكروا ثم سار الملك المنصور قلاوون من المرقب إلى دمشق وأقام ~~بها أياما، ثم خرج منها عائدا إلى نحو الديار المصرية في بكرة الاثنين ثاني ~~عشر جمادى ms1601 الأولى، فدخل الديار المصرية في أوائل شهر رجب. ولما دخل القاهرة ~~وأقام بها أخذ في عمل أخذ الكرك من الملك المسعود نجم الدين خضر ابن ~~السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري حتى أخذت، وورد عليه ~~الخبر بأخذها في ليلة الجمعة سابع صفر سنة خمس وثمانين وستمائة ودقت ~~البشائر بالديار المصرية ثلاثة أيام. PageV02P0349 # ثم في سنة ست وثمانين وستمائة جهز السلطان طائفة من العسكر بالديار ~~المصرية صحبة الأمير حسام الدين طرنطاي إلى الشام لحصار صهيون وبرزيه ~~وانتزاعهما من يد سنقر الأشقر، فسار حسام الدين المذكور بمن معه حتى وصل ~~دمشق في أثناء المحرم، واستصحب معه الأمير حسام الدين لاجين نائب الشام، ~~وتوجه الجميع إلى صهيون بالمجانيق فوصلوها وشرعوا في حصارها، وكان سنقر ~~الأشقر قد استعد لهم وجمع إلى القلعة خلقا كثيرا، فحاصروه أياما، ثم بعد ~~ذلك توجه الأمير حسام الدين إلى برزيه وحصرها واستولى عليها، وهي مما يضرب ~~المثل بحصانتها. ولما فتحها وجد فيها خيولا لسنقر الأشقر. ولما فتحت برزيه ~~لانت عريكة سنقر الأشقر، وأجاب إلى تسليم صهيون على شروط اشترطها، فأجابه ~~طرنطاي إليها وحلف له بما وثق به من الأيمان، ونزل من قلعة صهيون بعد حصرها ~~شهرا واحدا، وأعين على نقل أثقاله بجمال كثيرة وحضر بنفسه وأولاده وأثقاله ~~وأتباعه إلى دمشق. ثم توجه إلى الديار المصرية صحبة طرنطاي المذكور ووفى له ~~بجميع ما حلف عليه، ولم يزل يذب عنه أيام حياته أشد ذب. وأعطى السلطان ~~لسنقر الأشقر بالديار المصرية خبز مائة فارس، وبقي وافر الحرمة إلى آخر ~~أيام الملك المنصور قلاوون. وانتظمت صهيون وبرزيه في سلك الممالك ~~المنصورية. ثم خرج الملك المنصور من الديار المصرية قاصدا الشام في يوم ~~سابع عشرين شهر رجب سنة ست وثمانين، وسار حتى وصل غزة أقام بتل العجول ~~أياما إلى شوال، ثم رجع إلى الديار المصرية فدخلها يوم الاثنين ثالث عشرين ~~شوال، ولم يعلم أحد ما كان غرضه في هذه السفرة. وفي شوال هذا سلطن الملك ~~المنصور ولده الملك الأشرف صلاح الدين خليلا وجعله ms1602 مكان أخيه الملك الصالح ~~علاء الدين علي بعد موته، ودقت البشائر لذلك سبعة أيام بالديار المصرية ~~وغيرها، وحلف الناس له والعساكر، وخطب له بولاية العهد . ثم في سنة ثمان ~~وثمانين وستمائة فتحت طرابلس، وهو أن صاحب طرابلس كان وقع بينه وبين سير ~~تلميه الفرنجي، وكان من أصحاب صاحب الحصن الذي أخربه صاحب طرابلس رضاء ~~للملك المنصور قلاوون حسب ما تقدم ذكره. فحصلت بينه وبين صاحب طرابلس وحشة ~~بسبب ذلك، واتفق موت صاحب الحصن، وسأل سير تلميه من السلطان الملك المنصور ~~المساعدة، وأن يتقدم للأمير بلبان الطباخي السلحدار أن يساعده على تملك ~~طرابلس، على أن تكون مناصفة، وبذل في ذلك بذولا كثيرة، فسوعد إلى أن تم له ~~مراده، ورأى أن الذي بذله للسلطان لا يوافقه الفرنج عليه، فشرع في باب ~~التسويف والمغالطة ومدافعه الأوقات، فلما علم السلطان باطن أمره عزم على ~~قتاله قبل استحكام أمره، فتجهز وخرج من الديار المصرية بعساكره لحصار ~~طرابلس، وسار حتى وصل دمشق وأقام بها، ثم تهيأ وخرج منها، ونازل طرابلس في ~~مستهل شهر ربيع الأول، ونصب عليها المجانيق وضايقها مضايقة شديدة إلى أن ~~ملكها بالسيف في الرابعة من نهار الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر، وشمل القتل ~~والأسر لسائر من كان بها، وغرق منهم في الماء جماعة كثيرة، ونهب من الأموال ~~والذخائر والمتاجر وغير ذلك ما لا يوصف، ثم أحرقت وخرب سورها، وكان من أعظم ~~الأسوار وأمنعها. ثم تسلم حصن أنفة وكان أيضا لصاحب طرابلس فأمر السلطان ~~بتخريبه، ثم تسلم السلطان البترون وجميع ما هناك من الحصون. وكان لطرابلس ~~مدة طويلة بأيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمسمائة إلى الآن. قلت: وكان فتح ~~طرابلس الأول في زمن معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، وتنقلت في أيدي ~~الملوك، وعظمت في زمن بني عمار قضاة طرابلس وحكامها. فلما كان في آخر ~~المائة الخامسة ظهرت طوائف الفرنج في الشام واستولوا على البلاد فامتنعت ~~عليهم طرابلس مدة حتى ملكوها بعد أمور في سنة ثلاث وخمسمائة، واستمرت في ~~أيديهم إلى أن فتحها ms1603 الملك المنصور قلاوون في هذه السنة. وقال شرف الدين ~~محمد بن موسى المقدسي الكاتب في السيرة المنصورية: إن طرابلس كانت عبارة عن ~~ثلاثة حصون مجتمعة باللسان الرومي، وكان فتحها على يد سفيان بن مجيب ~~الأزدي، بعثه لحصارها معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان بن عفان، رضي ~~الله عنه، انتهى كلام شرف الدين باختصار. PageV02P0350 # قلت: وأما طرابلس القديمة كانت من أحسن المدن وأطيبها، ثم بعد ذلك اتخذوا ~~مكانا على ميل من البلدة وبنوه مدينة صغيرة بلا سور، فجاء مكانا رديء الهوى ~~والمزاج من الوخم. انتهى. ولما فتحت طرابلس كتبت البشائر إلى الآفاق بهذا ~~النصر العظيم، ودقت البشائر والتهاني وزينت المدن وعملت القلاع في الشوارع ~~وسر الناس بهذا النصر غاية السرور. وأنشأ في هذا المعنى القاضي تاج الدين ~~ابن الأثير كتابا إلى صاحب اليمن بأمر الملك المنصور يعرفه بهذا الفتح ~~العظيم وبالبشارة به. وأوله: بسم الله الرحمن الرحيم أعز الله نصر المقام ~~العالي السلطاني الملكي المظفري الشمسي. ثم استطرد وحكى أمر الفتح وغيره ~~إلى أن قال فأحسن فيما قال: وكانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم ~~إلا من هو مشغول بنفسه، مكب على مجلس أنسه، يرى السلامة غنيمة، وإذا عن له ~~وصف الحرب لم يسأل منها إلا عن طرق الهزيمة، قد بلغ أمله من الرتبة، وقنع ~~أمن ملكه كما يقال بالسكة والخطبة، أموال تنهب، وممالك تذهب، لا يبالون بما ~~سلبوا، وهم كما قيل: البسيط، إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا ... أو ~~حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا إلى أن أوجد الله من نصر دينه، وأذل الكفر ~~وشياطينه. انتهى. قلت: والكتاب هذا خلاصته والذي أعجبني منه. وعمل الشعراء ~~في هذا الفتح عدة قصائد، فمن ذلك ما قاله العلامة شهاب الدين أبو الثناء ~~محمود كاتب الدرج المقدم ذكره يمدح الملك المنصور قلاوون ويذكر فتحه ~~طرابلس، والقصيدة أولها: الطويل، علينا لمن أولاك نعمته الشكر ... لأنك ~~للإسلام يا سيفه ذخر ومنا لك الإخلاص في صالح الدعا ... إلى من له في أمر ~~نصرتك الأمر ولله في ms1604 إعلاء ملكك في الورى ... مراد وفي التأييد يوم الوغى ~~سر ألا هكذا يا وارث الملك فليكن ... جهاد العدا لا ما توالى به الدهر ~~ومنها: نهضت إلى عليا طرابلس التي ... أقل عناها أن خندقها البحر والقصيدة ~~طويلة كلها على هذا المنوال، أضربت عنها خوف الإطالة. انتهى. ثم عاد الملك ~~المنصور إلى الديار المصرية في جمادى الآخرة من السنة، واستمر بالقاهرة إلى ~~أول سنة تسع وثمانين وستمائة، جهز الأمير حسام الدين طرنطاي كافل الممالك ~~الشامية إلى بلاد الصعيد، ومعه عسكر جيد من الأمراء والجند، فسكن تلك ~~النواحي وأباد المفسدين وأخذ خلقا عظيما من أعيانهم رهائن، وأخذ جميع ~~أسلحتهم وخيولهم، وكان معظم سلاحهم السيوف والحجف والرماح، وأحضروا إلى ~~السلطان من ذلك عدة أحمال، ففرق السلطان من الخيول والسلاح فيمن أراد من ~~الأمراء والجند وأودع الرهائن الحبوس. وفي هذه السنة أيضا عاد الأمير عز ~~الدين أيبك الأفرم من غزو بلاد السودان بمغانم كثيرة ورقيق كثير من النساء ~~والرجال وفيل صغير. ثم في هذه السنة أيضا رسم السلطان ألا يستخدم أحد من ~~الأمراء وغيرهم في دواوينهم أحدا من النصارى واليهود وحرض على ذلك، فامتثل ~~ذلك الأمراء جميعهم. وفي هذه السنة عزم السلطان الملك المنصور على الحج ~~لبلعه خبر فرنج عكا، ففتر عزمه وتهيأ للخروج إلى البلاد الشامية، ورأى أن ~~يقدم غزوهم والانتقام على الحج، وأخذ في تجهيز العساكر والبعوث، وضرب ~~دهليزه خارج القاهرة، وباب الدهليز إلى جهة عكا. وخرج من القاهرة إلى مخيمه ~~وهو متوعك لأيام خلت من شوال، ولا زال متمرضا بمخيمه عند مسجد التبن خارج ~~القاهرة إلى أن توفي به في يوم السبت سادس ذي القعدة من سنة تسع وثمانين ~~وستمائة، وحمل إلى القلعة ليلة الأحد. وتسلطن من بعده ولده الملك الأشرف ~~صلاح الدين خليل الذي كان عهد له بالسلطنة قبل تاريخه حسب ما ذكرناه. وكثر ~~أسف الناس عليه. PageV02P0351 # قال الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد الذهبي في تاريخ الإسلام بعدما ~~سماه ولقبه قال: اشتري بألف دينار، ولهذا كان في حال إمرته ms1605 يسمى بالألفي، ~~وكان من أحسن الناس صورة في صباه، وأبهاهم وأهيبهم في رجوليته، كان تام ~~الشكل مستدير اللحية قد وخطه الشيب، على وجهه هيبة الملك وعلى أكتافه حشمة ~~السلطنة، وعليه سكينة ووقار، رأيته مرات آخرها منصرفه من فتح طرابلس. وكان ~~من أبناء الستين. ثم قال: وحدثني أبي أنه كان معجم اللسان لا يكاد يفصح ~~بالعربية، وذلك لأنه أتي به من بلاد الترك وهو كبير. ثم قال بعد كلام آخر: ~~وعمل بالقاهرة ببين القصرين تربة عظيمة ومدرسة كبيرة، قال: وبيمارستانا ~~للمرضى. قلت: ومن عمارته البيمارستان المذكور وعظم أوقافه تعرف همته، ونذكر ~~عمارة البيمارستان إن شاء الله تعالى بعد ذلك. انتهى. وقال غيره: وكان يعرف ~~أيضا قلاوون الآقسنقري الكاملي الصالحي النجمي، لأن الأمير آق سنقر الكاملي ~~كان اشتراه من تاجره بألف دينار، ثم مات الأمير آق سنقر المذكور بعد مدة ~~يسيرة، فارتجع هو وخشداشيته إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب في سنة سبع ~~وأربعين وستمائة، وهي السنة التي مات فيها الملك الصالح أيوب، وهذا القول ~~هو الصحيح في أصل مشتراه. قلت: ولما طلع الملك المنصور قلاوون إلى قلعة ~~الجبل ميتا، أخذوا في تجهيزه وغسله وتكفينه إلى أن تم أمره، وحملوه وأنزلوه ~~إلى تربته ببين القصرين فدفن بها. وكانت مدة ملكه إحدى عشرة سنة وثلاثة ~~أشهر، رحمه الله تعالى، وكان سلطانا كريما حليما شجاعا مقداما عادلا عفيفا ~~عن سفك الدماء مائلا إلى فعل الخير والأمر بالمعرف، وله مآثر كثيرة: منها ~~البيمارستان الذي أنشأه ببين القصرين، وتمم عمارته في مدة يسيرة، وكان مشد ~~عمارته الأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري وزير الديار المصرية ومشد ~~دواوينها ، ثم ولي نيابة دمشق ونهض بهذا العمل العظيم وفرغ منه في أيام ~~قلائل، ولما كمل عمارة الجميع امتدحه معين الدين ابن تولوا بقصيدة أولها: ~~الكامل، أنشأت مدرسة ومارستانا ... لتصحح الأديان والأبدانا قلت: وهذا ~~البيمارستان وأوقافه وما شرطه فيه لم يسبقه إلى ذلك أحد قديما ولا حديثا ~~شرقا ولا غربا. وجدد عمارة قلعة حلب وقلعة كركر وغير موضع. وأما غزواته ms1606 فقد ~~ذكرناها في وقتها. وجمع من المماليك خلقا عظيما لم يجمعهم أحد قبله، فبلغت ~~عدتهم اثني عشر ألفا، وصار منهم الأمراء الكبار والنواب، ومنهم من تسلطن من ~~بعده على ما يأتي ذكره. وتسلطن أيضا من ذريته سلاطين كثيرة آخرهم الملك ~~المنصور حاجي الذي خلعه الملك الظاهر برقوق. وأعظم من هذا أنه من تسلطن من ~~بعده من يوم مات إلى يومنا هذا، إما من ذريته، وإما من مماليكه أو مماليك ~~مماليك أولاده وذريته، لأن يلبغا مملوك السلطان حسن، وحسن بن محمد بن ~~قلاوون، وبرقوق مملوك يلبغا، والسلاطين بأجمعهم مماليك برقوق وأولاده. ~~انتهى. وكان من محاسن الملك المنصور قلاوون أنه لا يميل إلى جنس بعينه بل ~~كان ميله يتخيل فيه النجابة كائنا من كان. قلت: ولهذا طالت مدة مماليكه ~~وذريته باختلاف أجناس مماليكه، وكانت حرمته عظيمة على مماليكه لا يستطيع ~~الواحد منهم أن ينهر غلامه ولا خادمه خوفا منه، ولا يتجاهر أحد منهم ~~بفاحشة، ولا يتزوج إلا إن زوجه هو بعض جواريه، هذا مع كثرة عددهم. قلت رحمه ~~الله تعالى: لو لم يكن من محاسنه إلا تربية مماليكه وكف شرهم عن الناس ~~لكفاه ذلك عند الله تعالى، فإنه كان بهم منفعة للمسلمين، ومضرة للمشركين ~~وقيامهم في الغزوات معروف، وشرهم عن الرعية مكفوف، بخلاف زماننا هذا، فإنه ~~مع قلتهم وضعف بنيتهم وعدم شجاعتهم، شرهم في الرعية معروف، ونفعهم عن الناس ~~مكفوف، هذا مع عدم التجاريد والتقاء الخوارج وقلة الغزوات، فإنه لم يقع في ~~هذا القرن، وهو القرن التاسع، لقاء مع خارجي غير وقعة تيمور، وافتضحوا منه ~~غاية الفضيحة، وسلموا البلاد والعباد وتسحب أكثرهم من غير قتال. وأما ~~الغزوات فأعظم ما وقع في هذا القرن فتح قبرس، وكان النصر فيها من الله ~~سبحانه وتعالى، انكسر صاحبها وأخذ من جماعة يسيرة، تلقاهم بعض عساكره. ~~خذلان من الله تعالى، وقع ذلك كله قبل وصول غالب عسكر المسلمين. ~~PageV02P0352 # وأما غير ذلك من الغزوات فسفر في البحر ذهابا، فكيف لو كان هؤلاء أيام ~~السلطان صلاح الدين يوسف بن ms1607 أيوب عندما غزا الساحل، وغاب عن الديار المصرية ~~نحو العشر سنين، لا يفارق فيها الخيم والتشتت عن الأوطان واتصال الغزوة ~~بالغزوة، أو لو كانوا أيام الملك الكامل محمد لما قاتل الفرنج على دمياط ~~نحو الثلاث سنين لم يدخل فيها مصر إلى أن فتح الله عليه، أو لو كانوا أيام ~~الملك الظاهر بيبرس وهو يتجرد ويغزو في السنة الواحدة المرة والمرتين ~~والثلاث وهلم جرا، إلى أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين لما أخذت ~~الإسكندرية. وهذا شيء معروف لا يشاح فيه أحد. وأعجب من هذا كله أن أولئك ~~كانوا على حظ وافر من الأدب والحشمة والتواضع مع الأكابر، وإظهار الناموس ~~وعدم الازدراء بمن هو دونهم، وهؤلاء آست في الماء وأنف في السماء، لا يهتدي ~~أحدهم لمسك لجام الفرس، وإن تكلم تكلم بنفس، ليس لهم صناعة، إلا نهب ~~البضاعة، يتقوون على الضعيف، ويشرهون حتى في الرغيف، جهادهم الإخراق ~~بالرئيس، وغزوهم في التبن والدريس، وحظهم منقام، ولا مروءة لهم والسلام. ~~انتهى. قال ابن كثير في حق الملك المنصور قلاوون المذكور: اشتراه الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب من الملك الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيوب ~~بألف دينار، فلذلك سمي بالألفي. قلت: وهذا بخلاف ما نقله الشيخ صلاح الدين ~~خليل بن أيبك الصفدي في أن الذي اشتراه بألف دينار إنما هو الأمير آق سنقر ~~الكاملي، والأرجح عنده ما قاله الصفدي في أن الذي اشتراه بألف دينار إنما ~~هو الأمير آق سنقر من وجوه عديدة. قال ابن كثير أيضا: وكان الملك المنصور ~~قد أفرد من مماليكه ثلاثة آلاف وسبعمائة مملوك من الأمراء والجراكسة وجعلهم ~~بالقلعة، وسماهم البرجية، وأقام نوابه في البلدان من مماليكه، وهم الذين ~~غيروا ملابس الدولة الماضية. قال الصلاح الصفدي: ولبسوا أحسن الملابس، لأن ~~في الدولة الماضية الصلاحية كان الجميع يلبسون كلوتات صفر مضربة بكلبندات ~~بغير شاشات، وشعورهم مضفورة دبابيق في أكياس حرير ملونة، وكان في خواصرهم ~~موضع الحوائص بنود ملونة أو بعلبكية، وأكمام أقبيتهم ضيقة على زي ملابس ~~الفرنج، وأخفافهم برغالي أو ms1608 سقامين، ومن فوق قماشهم كمرات بحلق وإبزيم، ~~وصوالقهم كبار يسع كل صولق نصف ويبة أو أكثر، ومنديلهم كبير طوله ثلاث ~~أذرع، فأبطل المنصور ذلك كله بأحسن منه. وكانت الخلع للأمراء المقدمين ~~المروزي، فخصص الملك المنصور من الأمراء بلبس الطرد وحش أربعة من خشداشيته، ~~وهم: سنقر الأشقر الذي كان تسلطن ولقب بالملك الكامل والبيسري والأيدمري ~~والأفرم. وباقي الأمراء والخاصكية والبرانية تلبس المروزي، والطبلخاتات ~~بالملون، والعشرات بالعتابي .. قلت: وهذا أيضا بخلاف زماننا فإنه لبس فيه ~~أوباش الناس الخلع السنية، وأعجب من هذا أنه لما لبس هؤلاء الخلع السنية ~~تلك الأبهة والحشمة عن الخلع المذكورة وصارت كمن دونها من الخلع في أعين ~~الناس لمعرفتهم بمقام اللابس. انتهى. قلت: والآن نذكر ما وعدنا بذكره في ~~أوائل ترجمة الملك المنصور قلاوون من أمر كتاب السر، لأنه هو الذي أحدث هذه ~~الوظيفة وسمى صاحبها بكاتب السر على ما نبينه من أقوال كثيرة: PageV02P0353 # منها أنه لما كان أيام الملك الظاهر بيبرس كان الدوادار يوم ذاك بلبان بن ~~عبد الله الرومي. قال الشيخ صلاح الدين خليل الصفدي: كان من أعيان الأمراء ~~- يعني عن بلبان المذكور - ومن نجبائهم، وكان الملك الظاهر بيبرس يعتمد ~~عليه ويحمله أسراره إلى القصاد. ولم يؤمره إلا الملك السعيد ابن الملك ~~الظاهر بيبرس. واستشهد بمصاف حمص سنة ثمانين وستمائة، وكان يباشر وظيفة ~~الدوادارية ولم يكن معه كاتب سر، فاتفق أنه قال يوما لمحيي الدين بن عبد ~~الظاهر: اكتب إلى فلان مرسوما أن يطلق له من الخزانة العالية بدمشق عشرة ~~آلاف درهم، نصفها عشرون ألفا، فكتب المرسوم كما قال له وجهزه إلى دمشق، ~~فأنكروه وأعادوه إلى السلطان، وقالوا: ما نعلم، هل هذا المرسوم بعشرين ~~نصفها عشرة أو بعشرة نصفها خمسة، فطلب السلطان محيي الدين وأنكر عليه ذلك، ~~فقال: يا خوند، هكذا قال لي الأمير سيف الدين بلبان الدوادار، فقال ~~السلطان: ينبغي أن يكون للملك كاتب سر يتلقى المرسوم منه شفاها. وكان الملك ~~المنصور قلاوون حاضرا من جملة الأمراء فسمع هذا الكلام. وخرج الملك الظاهر ~~عقيب ذلك ms1609 إلى نوبة أبلستين، فلما توفي الملك الظاهر وملك المنصور قلاوون ~~اتخذ كاتب سر. انتهى. كلام الصفدي باختصار. قلت: وفي هذه الحكاية دلالة على ~~أن وظيفة كتابة السر لم تكن قبل ذلك أبدا، لقوله: ينبغي للملك أن يكون له ~~كاتب سر يتلقى المرسوم منه شفاها. وأيضا تحقيق ما قلناه: إن وظيفة كتابة ~~السر لم تكن قديما، وإنما كانت الملوك لا يتلقى الأمور عنهم إلا الوزراء. ~~قضية فخر الدين بن لقمان مع القاضي فتح الدين محمد بن عبد الظاهر في الدولة ~~الأشرفية خليل بن قلاوون، وهو أنه لما توزر فخر الدين بن لقمان قال له ~~الملك المنصور: من يكون عوضك في الإنشاء، قال: فتح الدين ابن عبد الظاهر، ~~فولى فتح الدين وتمكن عند السلطان وحظي عنده، وفتح الدين هذا هو الذي قلنا ~~عنه في أول الكتاب إنه أول كاتب سر كان، وظهر اسم هذه الوظيفة من ثم. ~~انتهى. وحظي فتح الدين عند السلطان إلى الغاية. فلما كان بعض الأيام دخل ~~فخر الدين بن لقمان على السلطان فأعطاه السلطان كتابا يقرؤه، فلما دخل فتح ~~الدين أخذ السلطان الكتاب منه وأعطاه لفتح الدين، وقال لفخر الدين: تأخر، ~~فعظم ذلك على فخر الدين بن لقمان. قلت: ولولا أن هذه الواقعة خرق للعادة ما ~~غضب ابن لقمان من ذلك، لأن العادة كانت يوم ذاك لا يقرأ أحد على السلطان ~~كتابا بحضرة الوزير. انتهى. ومنها واقعة القاضي فتح الدين المذكور مع شمس ~~الدين ابن السلعوس لما ولي الوزارة للملك الأشرف خليل بن قلاوون، فإنه قال ~~لفتح الدين: اعرض علي كل ما تكتبه عن السلطان كما هي العادة، فقال فتح ~~الدين: لا سبيل إلى ذلك، فلما بلغ الملك الأشرف هذا الخبر من الوزير ~~المذكور، قال: صدق فتح الدين، فغضب من ذلك الوزير ابن السلعوس. قلت: وعندي ~~دليل آخر أقوى من جميع ما ذكرته، أنه لم أقف على ترجمة رجل في الإسلام شرقا ~~ولا غربا نعت بكاتب السر قبل فتح الدين هذا، وفي هذا كفايته. وما ذكره صاحب ~~صبح ms1610 الأعشى وغيره ممن كتبوا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده ليس في ذلك ~~دليل على أنهم كتاب السر، بل ذلك دليل لكل كاتب كتب عن مخدومه كائنا من ~~كان. ونحن أيضا نذكر الذين ذكرهم صاحب صبح الأعشى وغيره من الكتاب، ونذكر ~~أيضا من ألحقناه بهم من كتاب السر إلى يومنا هذا، ليعلم بذلك صدق مقالتي ~~بذكرهم وألقابهم وزمانهم. انتهى. قال: اعلم أن كتاب النبي، صلى الله عليه ~~وسلم، كانوا نيفا على ستة وثلاثين كاتبا، لكن المشهور منهم: أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي ومعاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم. PageV02P0354 # قلت: وفي مروان خلاف، لأن الحافظ أبا عبد الله الذهبي قال في ترجمة مروان ~~بن الحكم: له رؤية إن شاء الله، ولم يعده من الصحابة، فكيف يكون من الكتاب، ~~وأيضا حذف جماعة من كبار الصحابة كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأثبت ~~مروان هذا، وفي صحبته خلاف. ولولا خشية الإطالة لذكرنا من ذكره الحافظ ~~العلامة مغلطاي، ممن كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ليعلم بذلك غلط من عد ~~مروان من الكتاب. انتهى. قال: ولما توفى النبي، صلى الله عليه وسلم وصارت ~~الخلافة إلى أبي بكر كتب عنه عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم. ~~فلما استحلف عمر كتب عنه عثمان وعلي ومعاوية وعبد الله بن خلف الخزاعي، ~~وكان زيد بن ثابت وزيد بن أرقم يكتبان على بيت المال. فلما استخلف عثمان ~~كتب عنه مروان بن الحكم. فلما استخلف علي كتب عنه عبد الله بن رافع مولى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسعيد بن نمران. فلفا استخلف الحسن كتب عنه كتاب ~~أبيه. فلما بايعوا معاوية كتب عنه عبد الله بن أوس، وكتب عبد الله المذكور ~~عن ابنه يزيد أيضا، وابن ابنه معاوية بن يزيد. فلما خلع معاوية بن يزيد ~~نفسه وتولى مروان بن الحكم كتب عنه سفيان الأحول وقيل عبيد الله بن أوس. ~~فلما استخلف عبد الملك بن مروان كتب عنه روح بن زنباع الجذامي . فلما ~~استخلف الوليد كتب عنه ms1611 قرة بن شريك، ثم قبيصة بن ذؤيب، ثم الضحاك بن زمل. ~~فلما استخلف سليمان كتب عنه يزيد بن المهلب، ثم عبد العزيز بن الحارث. فلما ~~استخلف الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب عنه رجاء بن حيوة ~~الكندي، ثم الليث بن أبي رقية، فلما استخلف يزيد بن عبد الملك كتب عنه سعيد ~~بن الوليد الأبرش، ثم محمد بن عبد الله بن حارثة الأنصاري. فلما استخلف ~~هشام بن عبد الملك أبقاهما على عادتهما، واستكتب معهما سالما مولاه. فلما ~~استخلف الوليد بن يزيد كتب عنه العباس بن مسلم. فلما استخلف يزيد بن الوليد ~~كتب عنه ثابت بن سليمان. فلما استخلف إبراهيم بن الوليد كتب عنه أيضا ثابت ~~على عادته. فلما صارت الخلافة إلى مروان بن محمد بن مروان كتب عنه عبد ~~الحميد بن يحيى مولى بني عامر إلى حين انقراض الدول الأموية. ثم صارت ~~الخلافة لبني العباس فاتخذوا كتابهم وزراء، وكان أول خلفاء بني العباس أبو ~~العباس عبد الله بن محمد السفاح فاتخذ أبا سلمة حفص بن سليمان الخلال، وهو ~~أول وزير وزر في الإسلام، ثم استوزر معه خالد بن برمك وسليمان بن مخلد ~~والبربيع بن يونس، فتراكمت عليهم الأشغال، واتسعت عليهم الأمور، فأفردوا ~~للمكاتبات ديوانا، وكانوا يعبرون عنه تارة بصاحب ديوان الرسائل، وتارة ~~بصاحب ديوان المكاتبات، وتفرقت دواوين الإنشاء في الأقطار، فكان بكل مملكة ~~ديوان إنشاء. PageV02P0355 # وكانت الديار المصرية من حين الفتح الإسلامي وإلى الدولة الطولونية ~~إمارة، ولم يكن لديوان الإنشاء فيها كبير أمر. فلما استولى أحمد بن طولون ~~عظمت مملكتها وقوي أمرها فكتب عنه أبو جعفر محمد بن أحمد بن مودود. وكتب ~~لولده خمارويه إسحاق بن نصر العبادي النصراني وتوالت دواوين الإنشاء بذلك ~~إلى حين انقراض الدولة الإخشيدية. ثم كانت الدولة الفاطمية فعظم ديوان ~~الإنشاء بها، ووقع الاعتناء به واختيار بلغاء الكتاب ما بين مسلم وذمي، ~~فكتب للعزيز بن المعز في الدولة الفاطمية أبو المنصور بن سورين النصراني، ~~ثم كتب لابنه الحاكم ومات في أيامه، وكتب للحاكم بعده ms1612 القاضي أبو الطاهر ~~النهركي. ثم تولى الظاهر بن الحاكم فكتب عنه أبو الطاهر المذكور. ثم تولى ~~المستنصر فكتب عنه القاضي ولي الدين بن خيران، وولي الدولة موسى بن الحسن ~~بعد انتقاله إلى الوزارة، وأبو سعيد العميدي. ثم تولى الآمر والحافظ فكتب ~~عنهما الشيخ أبو الحسن علي ابن أحمد بن الحسن بن أبي أسامة الحلبي إلى أن ~~توفي في أيام الحافظ، فكتب بعده ولده أبو المكارم هبة الله إلى أن توفي، ~~ومعه الشيخ أمين الدين تاج الرياسة أبو القاسم علي بن سليمان بن منجب ~~المعروف بابن الصيرفي، والقاضي كافي الكفاة محمود ابن القاضي الموفق أسعد ~~بن قادوس، وابن أبي الدم اليهودي، ثم كتب بعد أبي المكارم القاضي الموفق بن ~~الخلال بقية أيام الحافظ إلى آخر أيام العاضد آخر خلفائهم، وبه تخرج القاضي ~~الفاضل عبد الرحيم البيساني. ثم أشرك العاضد مع الموفق بن الخلال في ديوان ~~الإنشاء القاضي جلال الدين محمودا الأنصاري. ثم كتب القاضي الفاضل بين يدي ~~الموفق بن الخلال في وزارة صلاح الدين يوسف بن أيوب. ثم كانت الدولة ~~الأيوبية، فكتب للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب القاضي الفاضل المذكور، ثم ~~أضيفت إليه الوزارة. ثم كتب بعد الناصر لابنه العزيز ولأخيه العادل أبي ~~بكر، ثم مات العادل والفاضل. قلت: هنا مجازفة لم يكتب القاضي الفاضل للعادل ~~وكان بينهما مشاحنة، ومات الفاضل قبل وصول العادل إلى مصر، وقيل وقت دخول ~~العادل من باب النصر إلى القاهرة كانت جنازة القاضي الفاضل خارجة. وقد ~~ذكرنا ذلك كله في هذا الكتاب، وإنما كتب الفاضل للعزيز عثمان ولولده الملك ~~المنصور محمد، فالتبس المنصور على الناقل بالعادل. انتهى. قال: ثم تولى ~~الكامل بن العادل فكتب له أمين الدين سليمان المعروف بكاتب الدرج إلى أن ~~توفي، فكتب له بعده الشيخ أمين الدين عبد المحسن بن حمود الحلبي مدة قليلة، ~~ثم كتب للصالح نجم الدين أيوب، ثم ولي ديوان الإنشاء الصاحب بهاء الدين ~~زهير، ثم صرف وولي بعده الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الإسعردي، فبقي ~~إلى انقراض ms1613 الدولة الأيوبية. PageV02P0356 # فلما كانت الدولة التركية كتب للمعز أيبك الصاحب فخر الدين المذكور، ثم ~~بعده للمظفر قطز، ثم للظاهر بيبرس، ثم للمنصور قلاوون، ثم نقله قلاوون من ~~ديوان الإنشاء للوزارة، وولي ديوان الإنشاء مكانه القاضي فتح الدين بن عبد ~~الظاهر فكتب عنه بقية أيامه، ثم كتب لابنه الأشرف خليل إلى أن توفي، فولى ~~مكانه القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير فكتب إلى أن توفي، فكتب بعده الماضي ~~شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمري، فكتب بقية أيام الأشرف. فلما ~~تولى أخوه الناصر محمد كتب عنه القاضي شرف الدين المذكور في سلطنته الأولى ~~ثم في أيام العادل كتبغا ثم أيام المنصور لاجين ثم في أيام سلطنة الناصر ~~محمد الثانية، ثم نقله إلى كتابة السر بدمشق عوضا عن أخيه القاضي محيي ~~الدين بن فضل الله العمري، وتولى مكانه بمصر القاضي علاء الدين بن تاج ~~الدين بن الأثير فبقي حتى مرض بالفالج فاستدعى الملك الناصر محي الدين بن ~~فضل الله من دمشق وولده شهاب الدين أحمد وولاهما ديوان الإنشاء بمصر. ثم ~~ولى بعدهما القاضي شمس الدين ابن الشهاب محمود فبقي إلى عود السلطان من ~~الحج فأعاد القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين إلى ديوان الإنشاء ~~بمصر فبقيا مدة. ثم تغير السلطان على القاضي شهاب الدين وصرفه عن المباشرة، ~~وأقام أخاه القاضي علاء الدين علي وكلاهما معين لوالده لكبر سنه، ثم سأل ~~القاضي محيي الدين السلطان في العود إلى دمشق فأعاده وصحبته ولده شهاب ~~الدين، واستمر ولده القاضي علاء الدين بالديار المصرية فباشر بقية أيام ~~الناصر، ثم أيام ولده الملك المنصور، ثم أيام الأشرف كجك، ثم أيام الناصر ~~أحمد إلى أن خلع نفسه وتوجه إلى الكرك وتوجه معه القاضي علاء الدين، فلما ~~تولى الملك الصالح إسماعيل السلطنة بمصر بعد أخيه الناصر أحمد قرر القاضي ~~بدر الدين محمد ابن القاضي محيي الدين بن فضل الله عوضا عن أخيه علاء ~~الدين. قلت: لم يل بدر الدين محمد بعد أخيه علاء الدين الوظيفة استقلالا ~~وإنما ms1614 ناب عنه إلى حين حضوره. انتهى. قال: ثم أعيد علاء الدين أيام الصالح ~~إسماعيل وأيام الكامل شعبان، ثم أيام المظفر حاجي ثم أيام الناصر حسن في ~~سلطنته الأولى، ثم في أيام الصالح صالح، ثم في أيام الناصر حسن في سلطنته ~~الثانية، ثم أيام المنصور محمد ابن المظفر حاجي، ثم في أيام الأشرف شعبان ~~وتوفي في أيامه. قلت: وكانت وفاته في شهر رمضان سنة تسع وستين وسبعمائة بعد ~~أن باشر كتابة السر نيفا وثلاثين سنة لأحد عشر سلطانا. قال: ثم ولي الوظيفة ~~بعده ولده بدر الدين محمد ابن القاضي علاء الدين، فباشر بقية أيام الأشرف ~~شعبان، ثم ولده المنصور علي، ثم أخيه الملك الصالح حاجي بن شعبان إلى أن ~~خلع بالظاهر برقوق، فاستقر برقوق بالقاضي أوحد الدين عبد الواحد بن إسماعيل ~~التركماني إلى أن توفي. قلت: وكانت وفاته في ذي الحجة سنة ست وثمانين ~~وسبعمائة. قال: ثم أعيد بدر الدين فباشر حتى خلع الظاهر برقوق بالمنصور ~~حاجي، فاستمر بدر الدين إلى أن عاد برقوق إلى سلطنته الثانية، صرفه بالقاضي ~~علاء الدين علي بن عيسى الكركي، ثم صرف الكركي. قلت: ومات معزولا في شهر ~~ربيع الأول في سنة أربع وتسعين وسبعمائة. قال: ثم أعيد القاضي بدر الدين من ~~بعد عزل القاضي علاء الدين فاستمر بدر الدين إلى أن عاد برقوق فتوفي بدمشق. ~~قلت: ووفاته في شوال سنة ست وتسعين وسبعمائة. قال: وولي بعده القاضي بدر ~~الدين محمود الكلستاني فباشر إلى أن توفي. قلت: وكانت وفاته في عاشر جمادى ~~الأولى سنة إحدى وثمانمائة. قال: فتولى بعده القاضي فتح الدين فتح الله ~~التبريزي فباشر بقية أيام الظاهر، ومدة من أيام الناصر إلى أن صرفه الناصر ~~فرج بالقاضي سعد الدين إبراهيم بن غراب مدة يسيرة، ثم صرف ابن غراب وأعيد ~~القاضي فتح الله ثانيا، فباشر إلى أن صرف بالقاضي فخر الدين بن المزوق، ~~فباشر مدة يسيرة، ثم صرف وأعيد فتح الله فباشر إلى أن صرفه الملك المؤيد ~~شيخ وقبض عليه وصادره. قلت: ومات تحت العقوبة ms1615 خنقا في ليلة الأحد خامس عشر ~~شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وثمانمائة، وهو فتح الله بن مستعصم بن نفيس ~~التبريزي الحنفي الداودي، يأتي ذكره هو وغيره من كتاب السر في محلهم من هذا ~~الكتاب إن شاء الله تعالى. PageV02P0357 # قال : وتولى بعده القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي فباشر إلى أن توفي. ~~قلت: وكانت وفاته يوم الأربعاء ثامن شوال سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ~~ومولده بحماة في يوم الاثنين رابع شوال سنة تسع وستين وسبعمائة. وتولى بعده ~~ولده القاضي كمال الدين محمد بن البارزي، فباشر إلى أن صرفه الملك الظاهر ~~ططر وولى علم الدين داود بن عبد الرحمن بن الكويز، فباشر إلى أن توفي سنة ~~ست وعشرين وثمانمائة في دولة الملك الأشرف برسباي. وولى بعده جمال الدين ~~يوسف بن الصفي الكركي فباشر قليلا إلى أن صرف بقاضي القضاة شمس الدين محمد ~~الهروي، ودام الكركي بعد ذلك وباشر عدة وظائف بالبلاد الشامية إلى أن توفي ~~في حدود سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وباشر الهروي إلى أن عزل بقاضي القضاة ~~نجم الدين عمر بن حجي، فباشر ابن حجي إلى أن عزل وتوجه إلى دمشق على ~~قضائها، ودام إلى أن قتل بها في ذي القعدة سنة ثلاثين وثمانمائة، وولى بعده ~~القاضي بدر الدين محمد بن محمد بن أحمد بن مزهر، واستمر إلى أن مات في ليلة ~~الأحد سابع عشرين جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة. وولى بعده ~~ابنه جلال الدين، وقيل بدر الدين محمد مدة يسيرة. وصرف بالشريف شهاب الدين ~~أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان الحسيني الدمشقي، فباشر مدة يسيرة وتوفي ~~بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين، وولي بعده أخوه نحو الجمعة بغير خلعة وتوفي ~~بالطاعون أيضا. وولي بعدهما شهاب الدين أحمد بن صالح بن أحمد بن عمر ~~المعروف بابن السفاح الحلبي فباشر إلى أن مات في سنة خمس وثلاثين. وولي ~~بعده الوزير كريم الدين عبد الكريم بن عبد الرزاق بن عبد الله المعروف بابن ~~كاتب المناخ مضافا للوزارة، فباشر أشهرا وصرف، وأعيد ms1616 القاضي كمال الدين ~~محمد بن البارزي في يوم السبت العشرين من شهر ربيع الأخر سنة ست وثلاثين، ~~فباشر إلى أن صرف يوم الخميس سابع شهر رجب سنة تسع وثلاثين، وولي مكانه ~~الشيخ محب الدين محمد بن الأشقر فباشر إلى أن صرف، وولي صلاح الدين محمد ~~ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله، فباشر إلى أن توفي بالطاعون في سنة ~~إحدى وأربعين، وولي مكانه والده الصاحب بدر الدين حسن فباشر إلى أن صرف، ~~وأعيد القاضي كمال الدين بن البارزي في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع ~~الآخر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وهي ولايته الثالثة، فباشر إلى أن ~~توفي بكرة يوم الأحد سادس عشرين صفر سنة ست وخمسين وثمانمائة، ولم يخلف ~~بعده مثله، وولي بعده القاضي محب الدين محمد بن الأشقر المقدم ذكره، وباشر ~~إلى أن صرفه الملك الأشرف إينال بالقاضي محب الدين محمد بن الشحنة الحلبي، ~~فباشر ابن الشحنة أشهرا ثم صرف، وأعيد القاضي محب الدين محمد بن الأشقر وهي ~~ولايته الثالثة. انتهى. قلت: وغالب من ذكرناه من هؤلاء الكتاب قد تقدم ذكر ~~أكثرهم، ويأتي ذكر باقيهم في محلهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وقد ~~استطردنا من ترجمة الملك المنصور إلى غيرها، ولكن لا بأس بالتطويل في تحصيل ~~الفوائد. انتهى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة المنصور قلاوون # وقد تقدم ذكرها في ترجمة الملك السعيد، والملك العادل سلامش ولدي الملك ~~الظاهر بيبرس، وهي سنة ثمان وسبعين وستمائة، فإنه حكم فيها من شهر رجب. إلى آخرها. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة تسع وسبعين وستمائة. فيها توفي الشيخ محيي الدين أبو العباس ~~أحمد بن علي بن عبد الواحد بن السابق الحلبي العدل الكبير كان من أكابر ~~بيوت حلب، وكان عنده فضيلة ورياسة، ومات بدمشق في ذي الحجة. وفيها توفي ~~الأمير سيف الدين، وقيل صارم الدين، أزبك بن عبد الله الحلبي العدل الكبير ~~كان من أعيان أمراء دمشق، وهو منسوب إلى أستاذه الأمير عز الدين أيبك ~~الحلبي، وكان ms1617 قد تجرد إلى بعلبك فتمرض بها، فحمل في محفة إلى دمشق، فمات ~~بها في شوال. وفيها توفي الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الشمسي كان من ~~أعيان الأمراء وأماثلهم وشجعانهم، وهو الذي أمسك الأمير عز الدين أيدمر ~~الظاهري، وهو الذي باشر قتل كتبغا نوين مقدم التتار يوم عين جالوت وكان ولي ~~نيابة حلب في السنة الخالية ومات بها في يوم الاثنين خامس المحرم ودفن ~~بحلب، وهو في عشر الخمسين. PageV02P0358 # وفيها توفي الشيخ الإمام كمال الدين أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الحنفي ~~الفقيه العدل كان من أعيان الفقهاء العدول، وكان كثير الديانة والتعبد وهو ~~أخو قاضي القضاة شمس الدين الحنفي. وفيها توفي الشيخ شمس الدين أبو عبد ~~الله محمد بن أيوب بن أبي رحلة الحمصي المولد والدار البعلبكي الوفاة كان ~~فاضلا ظريفا أديبا شاعرا ومما ينسب إليه من الشعر قوله: البسيط، والدهر ~~كالطيف بؤساه وأنعمه ... عن غير قصد فلا تحمد ولا تلم لا تسأل الدهر في ~~البأساء يكشفها ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم وفيها توفي الأديب الفاضل ~~الشاعر المفتن جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد ~~بن علي المصري المولد والوفاة، المعروف بالجزار، الشاعر المشهور أحد فحول ~~الشعراء في زمانه. مولده سنة إحدى وستمائة. ومات يوم الثلاثاء ثاني عشر ~~شوال ودفن بالقرافة وكان من محاسن الدنيا، وله نوادر مستظرفة ومداعبات ~~ومفاوضات مع شعراء عصره، وله ديوان شعر كبير. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: ~~لم يكن في عصره من يقاربه في جودة النظم غير السراج الوراق، وهو كان فارس ~~تلك الحلبة، ومنه أخذوا، وعلى نمطه نسجوا، ومن مادته استمدوا. انتهى كلام ~~الصفدي. قلت: ونذكر قطعة من شعره فمن ذلك قوله: الطويل أكلف نفسي كل يوم ~~وليلة ... شرورا على من لا أفوز بخيره كما سود القصار بالشمس وجهه ... ~~ليجهد في تبييض أثواب غيره وقيل: إنه بات ليلة في رمضان عند الصاحب بهاء ~~الدين بن حنا، فصلى عنده التراويح، وقرأ الإمام في تلك الليلة سورة الأنعام ms1618 ~~في ركعة واحدة فقال أبو الحسين: السريع، مالي على الأنعام من قدرة ... لا ~~سيما في ركعة واحمه فلا تسوموني حضورا سوى ... في ليلة الأنفال والمائده ~~ومن شعره: الكامل، طرف المحب فم يذاع به الجوى ... والدمع إن صمت اللسان ~~لسان تبكي الجفون على الكرى فاعجب لمن ... تبكي عليه إذا نأى الأوطان وفيها ~~توفي الشيخ الإمام عماد الدين أبو بكر بن هلال بن عباد الجيلي الحنفي معيد ~~المدرسة الشبلية. كان إماما عالما صالحا منقطعا عن الناس مشتغلا بنفسه، ~~وكان معدودا من العلماء، أفتى وأعاد ودرس وانتفع به الناس ومات في تاسع عشر ~~شهر رجب، وقد كمل له مائة سنة وأربع سنين. وروى عنه ابن الزبيدي، وروى ~~بالإجازة العامة عن السلفي. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: ~~وفيها توفي الفقيه شمس الدين محمد بن عبد الله بن محمد بن النن. والأديب ~~البارع أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم الجزار بمصر. وشيخ الرافضة النجيب ~~أبو القاسم بن الحسين ابن العود الحلي بجزين في شعبان. والشيخ الزاهد يوسف ~~بن نجاح بن موهوب الفقاعي بزاويته بقاسيون. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاث أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة ثمانين وستمائة. فيها تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل تجاه قرية ~~بولاق واللوق، وانقطع بسببها مجرى البحر ما بين قلعة المقس وساحل باب البحر ~~والرملة وبين جزيرة الفيل، ولم يعهد هذا فيما تقدم، وحصل لأهل القاهرة مشقة ~~يسيرة من نقل الماء لبعد البحر عنهم، وأراد السلطان حفره فمنعوه، وقالوا ~~له: هذا نشف إلى الأبد . قلت: وكذا وقع، وغالب أملاك باب البحر والبساتين ~~خارج باب البحر وداخله هي مكان البحر الذي نشف، والتصقت المباني والبساتين ~~بجزيرة الفيل وصارت غير جزيرة، فسبحان القادر على كل شيء. وفيها توفي الشيخ ~~الصالح الموله المعتقد إبراهيم بن سعيد الشاغوري المعروف بجيعانة في يوم ~~الأحد سابع جمادى الأولى بدمشق، ودفن بمقبرة المولهين بسفح قاسيون، وله من ~~العمر ms1619 نحو سبعين سنة، وكانت له جنازة عظيمة، وكان له أحوال ومكاشفات، رحمه ~~الله. PageV02P0359 # وفيها توفي ملك التتار أبغا بن هولاكو بن تولي خان بن جنكزخان ملك التتار ~~وطاغيتهم، كان ملكا جليل القدر عالي الهمة شجاعا مقداما خبيرا بالحروب، لم ~~يكن بعد والده مثله، وكان على مذهب التتار واعتقادهم، ومملكته متسعة جدا ~~وعساكره كثيرة، وكان مع ذلك كلمته مسموعة في جنده مع كثرتهم. ولما توجه ~~أخوه منكوتمر بالعساكر إلى جهة الشام لم يكن ذلك عن رأيه بل أشير عليه ~~فوافق، ونزل في ذلك الوقت الرحبة، أو بالقرب منها، فلما بلغ أبغا كسرة ~~منكوتمر رجع إلى همذان فمات غما وكمدا. ومات منكوتمر بعد أخيه أبغا بمدة ~~يسيرة بين العيدين، وله من العمر نحو خمسين سنة، وقيل: ثلاثين سنة والثاني ~~أرجح. ومات بعده بيومين أخوه آجاي على ما يأتي ذكر منكوتمر في القابلة. ~~وفيها توفي التاجر نجم الدين أبو العباس أحمد بن علي بن المظفر بن الحلي، ~~كان ذا نعمة ضخمة وثروة ظاهرة، وأموال جمة، وله التقدم في الدولة. وفيها ~~توفي الشيخ موفق الدين أبو العباس أحمد بن يوسف المعروف بالكواشي، الإمام ~~العالم المفسر صاحب التفسير الكبير والتفسير الصغير وهما من أحسن التفاسير، ~~وكانت له اليد الطولى في القراءات ومشاركة في غير ذلك من العلوم، وكان ~~مقيما بالجامع العتيق بالموصل منقطعا عن الناس مجتهدا في العبادة لا يقبل ~~لأحد شيئا، وكان يزوره الملك ومن دونه فلا يقوم لهم ولا يعبأ بهم، وكان له ~~مجاهدات وكشوف وكرامات، ولأهل تلك البلاد فيه عقيدة. ومات وله تسعون سنة ~~تقريبا، وكانت وفاته في سابع عشر جمادى الآخرة بالموصل ودفن بها. وفيها ~~توفي الأمير عز الدين المعروف بالحاج أزدمر بن عبد الله الجمدار، كان من ~~أعيان الأمراء، وكان ممن انضاف إلى سنقر الأشقر لما تسلطن، وكان سنقر جعله ~~نائبا بدمشق، ووقع له أمور ذكرنا بعضها في أول ترجمة الملك المنصور قلاوون ~~إلى أن استشهد في واقعة التتار مع المنصور قلاوون بظاهر حمص مقبلا غير ~~مدبر، رحمه الله وتقبل ms1620 منه. وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله ~~الشجاعي الصالحي العمادي والي الولاة بالجهات القبلية، كان دينا خيرا لين ~~الجانب شديدا على أهل الريب وجيها عند الملوك، وكان الملك الظاهر بيبرس ~~يعتمد عليه في أموره، ثم إنه ترك الأمر باختياره ولزم داره إلى أن مات ~~بدمشق في جمادى الآخرة، وقد بلغ خمسا وثمانين سنة. وفيها توفي الأمير بدر ~~الدين بكتوت بن عبد الله الخازندار، استشهد أيضا في وقعة التتار بحمص، وكان ~~أميرا جليلا. وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار المقدم ~~ذكره في قضية كتاب السر، كان الملك الظاهر بيبرس يعتمد عليه وولاه دوادارا، ~~وكان المطلع على أسراره، وتدبير أمور القصاد والجواسيس والمكاتبات لا ~~يشاركه في ذلك وزير ولا نائب سلطنة، بل كان هو والأمير حسام الدين لاجين ~~الأيدمري المعروف بالدرفيل، فلما توفي لاجين المذكور انفرد بلبان بذلك ~~وحده، وكان مع هذه الخصوصية عند الملك الظاهر أمير عشرة، وقيل جنديا. قال ~~الصفدي: لم يؤمره طبلخاناه إلى أن مات الملك الظاهر أنعم عليه ولده الملك ~~السعيد بأمرة ستين فارسا بالشام، وبقي بعد ذلك إلى أن استشهد بظاهر حمص ~~رحمه الله وقد نيف على ستين سنة. وفيها توفي الأمير شمس الدين سنقر بن عبد ~~الله الألفي، كان من أعيان الأمراء الظاهرية، وولي نيابة السلطنة بمصر ~~للملك السعيد بعد موت الأمير بدر الدين بيليك الخازندار، وباشر النيابة ~~أحسن مباشرة إلى أن استعفى فاعفي، وولي النيابة عوضه الأمير كوندك، فكان ~~ذهاب الدولة على يده. ثم قبض الملك المنصور على سنقر هذا واعتقله ~~بالإسكندرية، وقيل بقلعة الجبل، إلى أن مات، وله من العمر نحو أربعين سنة. ~~وفيها توفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن الحسن بن نبهان ~~اليشكري ثم الربعي، كان له اليد الطولى في علم الفلك، وتفرد بحل الأزياج ~~وعمل التقاويم، وغلب ذلك عليه مع فضلية تامة في علم الأدب وجودة النظم. ومن ~~شعره: الطويل، ولما أتاني العاذلون عدمتهم ... وما منهم إلا للحمي قارض وقد ~~بهتوا لما رأوني ms1621 شاحبا ... وقالوا: به عين فقلت: وعارض وله: الكامل، إني ~~أغار من النسيم إذا سرى ... بأريج عرفك خيفة من ناشق PageV02P0360 # وأود لو سفرت لا من علة ... حذرا عليك من الخيال الطارق قلت: وأجاد ~~الصاحب جماد الدين يحيى بن مطروح في هذا المعنى حيث قال: الوافر، فلو أمسى ~~على تلفي مصرا ... لقلت: معذبي، بالله زدني ولا تسمح بوصلك لي فإني ... ~~أغار عليك منك فكيف مني ومثل هذا أيضا قول حفصة المغربية، رحمها الله: ~~الوافر، أغار عليك من غيري ومني ... ومنك ومن مكانك والزمان ولو أني خبأتك ~~في جفوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني وفيها توفي الشيخ الإمام الأديب ~~البارع بدر الدين يوسف بن لؤلؤ بن عبد الله الذهبي الشاعر المشهور، كان ~~أبوه لؤلؤ عتيق الأمير بدر الدين صاحب تل باشر. وكان بدر الدين هذا فاضلا ~~شاعرا ماهرا. ومن شعره مما كتبه للشيخ نجم الدين محمد بن إسرائيل وله صاحب ~~يميل إليه يسمى بالجارح: مجزوء الخفيف، قلبك اليوم طائر ... عنك في الجوائح ~~كيف يرجى خلاصه ... وهو في كف جارح ومن شعره في دولاب: مجزوء الرجز، وروضة ~~دولابها ... إلى الغصون قد شكا من حين ضاع زهرها ... دار عليه وبكى وله: ~~المجتث، يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو يمر بي كل حين ... وكلما ~~مر يحلو وله: السريع، حلا نبات الشعر يا عاذلي ... لما بدا في خده الأحمر ~~فشاقني ذاك العذار الذي ... نباته أحلى من السكر وله في غلام على وجهه حب ~~شباب: الطويل، تعشقته لمن القوام مهفهفا ... شهي اللمى أحوى المراشف أشنبا ~~وقالوا بدا حب الشباب بوجهه ... فيا حسنه وجها إلي محببا وله: مجزوء ~~الكامل، رفقا بصب مغرم ... أبليته صدا وهجرا وافاك سائل دمعه ... فرددته في ~~الحال نهرا الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي العلامة ~~الزاهد موفق الدين أحمد بن يوسف الكواشي المفسر بالموصل في جمادى الآخرة، ~~وقد جاوز التسعين. والقاضي نجم الدين محمد ابن القاضي صدر الدين ابن سني ~~الدولة بدمشق في المحرم. والعلامة قاضي القضاة تقي ms1622 الدين محمد بن الحسين بن ~~رزين العامري بالقاهرة في رجب، وله سبع وسبعون سنة. والحافظ المسند جمال ~~الدين أبو حامد محمد بن علي بن محمود بن الصابوني في ذي القعدة. والمسند ~~شمس الدين أبو الغمائم المسلم بن محمد بن المسلم بن علان في ذي الحجة، وله ~~سبع وثمانون سنة. والعدل أمين القاسم بن أبي بكر بن القاسم الإربلي في ~~جمادى الأولى. والعارف الزاهد ولي الدين علي بن أحمد بن بدر الجزري المقيم ~~بجامع بيت لهيا في شوال. وأبغا بن هولاكو ملك التتار ببلاد همذان. والحاج ~~أزدمر الأمير بمصاف حمص شهيدا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة ~~أذرع وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة إحدى وثمانين وستمائة. فيها توفي قاضي القضاة شمس الدين أبو ~~العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان بن باول بن عبد الله ~~بن شاكل بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي ~~الإربلي الشافعي قاضي قضاة دمشق وعالمها ومؤرخها. مولده في ليلة الأحد حادي ~~عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستمائة بإربل وبها نشأ. ذكره ابن العديم في ~~تاريخه فقال: من بيت معروف بالفقه والمناصب الدينية. وقال غيره: كان إماما ~~عالما فقيها أديبا شاعرا مفتنا مجموع الفضائل معدوم النظير في علوم شتى، ~~حجة فيما ينقله محققا لما يورده منفردا في علم الأدب والتاريخ، وكانت وفاته ~~في شهر رجب وله ثلاث وسبعون سنة. قلت: وهو صاحب التاريخ المشهور، وقد ~~استوعبنا من حاله نبذة جيدة في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد ~~الوافي. انتهى. PageV02P0361 # وكان ولي قضاء دمشق مرتين: الأولى في حدود الستين وستمائة وعزل وقدم ~~القاهرة، وناب في الحكم بها عن قاضي القضاة بدر الدين السنجاري، وأفتى بها ~~ودرس ودام بها نحو سبع سنين، ثم أعيد إلى قضاء دمشق بعد عز الدين بن ~~الصائغ، وسر الناس بعوده. ومدحته الشعراء بعدة قصائد، من ذلك مما أنشده ~~الشيخ رشيد ms1623 الدين عمر بن إسماعيل الفارقي فقال: الخفيف، أنت قي الشام مثل ~~يوسف في مص ... ر وعندي أن الكرام جناس ولكل سبع شداد وبعد السب ... ع عام ~~فيه يغاث الناس وقال فيه أيضا نور الدين علي بن مصعب: مخلع البسيط، رأيت ~~أهل الشام طرا ... ما فيهم قط غير راض أتاهم الخير بعد شر ... فالوقت بسط ~~بلا انقباض وعوضوا فرحة بحزن ... قد أنصف الدهر في التقاضي وسرهم بعد طول ~~غم ... قدوم قاض وعزل قاض فكفهم شاكر وشاك ... لحال مستقبل وماض ومن شعر ~~ابن خلكان المذكور قوله: الطويل، تمثلتم لي والبلاد بعيدة ... فخيل لي أن ~~الفؤاد لكم مغنى وناجاكم قلبي على البعد والنوى ... فآنستمو لفظا وأوحشتمو ~~معنى وله دوبيت: قاسوك ببدر التم قوم ظلموا ... لا ذنب لهم لأنهم ما علموا ~~من أين لبدر التم يا ويحهم ... جيد وعيون وقوائم وفم وله: الكامل، يا رب إن ~~العبد يخفي عيبه ... فاستر بحلمك ما بدا من عيبه ولقد أتاك وما له من شافع ~~... لذنوبه فاقبل شفاعة شيبه قلت ويعجبني في هذا المعنى قول القائل: ~~الكامل، إن كانت الأعضاء خالفت الذي ... أمرت به في سالف الأزمان فسلوا ~~الفؤاد عن الذي أودعتم ... فيه من التوحيد والإيمان تجدوه قد أدى الأمانة ~~فيهما ... فهبوا له ما حل في الأركان وفيها توفي ملك التتار منكوتمر بن ~~هولاكو خان بن تولي خان بن جنكز خان، هو أخو أبغا ملك التتار، ومنكوتمر هذا ~~هو الذي ضرب المصاف مع السلطان الملك المنصور قلاوون على حمص حسب ما تقدم ~~ذكره وانكسرت عساكره، فلما وقع ذلك عظم عليه وحصل عنده غم شديد وكمد زائد، ~~وحدثته نفسه بجمع العساكر من سائر ممالك بيت هولاكو، واستنجد بأخيه أبغا ~~على غزو الشام، فقدر الله سبحانه وتعالى موت أبغا، ثم مات هو بعده في محرم ~~هذه السنة، وأراح الله المسلمين من شرهما. وكان منكوتمر شجاعا مقداما وعنده ~~بطش وجبروت وسفك للدماء، وكان نصرانيا، وكان جرح يوم مصاف حمص، والذي جرحه ~~الأمير علم الدين سنجر الدويداري. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في ms1624 هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي الإمام زين الدين عبد السلام بن علي الزواوي المالكي شيخ ~~القراء في رجب، عن اثنتين وتسعين سنة. وقاضي القضاة شمس الدين أحمد بن ~~خلكان الإربلي في رجب، وله ثلاث وسبعون سنة. ونجيب الدين المقداد بن هبة ~~الله القيسي العدل في شعبان. وأبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليجي آخر ~~من قرأ القرآن على أبي الجود في رمضان بالقرافة. والبرهان إبراهيم بن ~~إسماعيل بن إبراهيم بن يحيى بن علوي المعروف بابن الدرجي إمام المدرسة ~~المعزية في صفر، وله اثنتان وثمانون سنة. والعماد إسماعيل بن إسماعيل بن ~~جوسلين البعلبكي. والعلامة برهان الدين محمود بن عبد الله المراغي في شهر ~~ربيع الآخر، وله ست وسبعون سنة. والإمام أمين الدين أحمد بن عبد الله بن ~~عبد الجبار بن طلحة بن عمر بن الأشتر المعروف بالأشتري الشافعي في شهر ربيع ~~الأول. والشيخ الزاهد عبد الله بن أبي بكر ويعرف بكتيلة ببغداد. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثماني ~~عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة اثنتين وثمانين وستمائة. PageV02P0362 # فيها توفي الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي بن يزيد البرمكي أمير آل مرى، ~~كان من فرسان العرب المشهورين كانت سراياه تغير إلى أقصى نجد وبلاد الحجاز ~~ويؤدون له الخفر، وكذلك صاحب المدينة الشريفة، وكانت له المنزلة العالية ~~عند الظاهر والمنصور قلاوون وغيرهما من الملوك كانوا يدارونه ويتقون شره، ~~وكان يزعم أنه من نسل الوزير جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي من أخت ~~الخليفة هارون الرشيد الذي امتحن جعفر بسببها وقتل. وكان بين شهاب الدين ~~هذا وبين عيسى بن مهنا أمير آل فضل منافسة، فكتب إليه شهاب الدين هذا مرة ~~كتابا وأغلظ فيه، وكان عند عيسى الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم فسأله عيسى ~~بن مهنا المجاوبة، فكتب عنه يقول: مجزوء الرمل، زعموا أنا هجونا ... جمعهم ~~بالافتراء كذبوا فيما ادعوه ... وافتروا بالادعاء إنما قلنا مقالا ... لا ~~كقول السفهاء ms1625 آل فضل آل فضل ... وانتم آل مراء وفيها توفي شرف بن مري بن ~~حسن بن حسين بن محمد النواوي والد الشيخ محيي الدين النواوي، كان مقتنعا ~~بالحلال يزرع أرضا يقتات منها هو وأهله، وكان يمون ولده الشيخ محيي الدين ~~منها، ومات في صفر. وفيها توفي الشيخ الإمام شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ~~بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي المقدسي كان إماما فقيها ورعا ~~زاهدا كبير القدر جم الفضائل، انتهت إليه رياسة مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ~~رضي الله عنه، في زمانه، وشرح كتاب المقنع في الفقه تأليف عمه شيخ الإسلام ~~موفق الدين، رحمه الله. وفيها توفي الأمير علاء الدين كشتغدي بن عبد الله ~~الشرفي الظاهر في المعروف بأمير مجلس، كان من أعيان الأمراء وأكابرهم ~~بالديار المصرية وكان بطلا شجاعا وله مواقف مشهورة ونكايات في العدو ~~المخذول. ومات بقلعة الجبل وقد نيف على خمسين سنة، وحضر الملك المنصور ~~قلاوون جنازته. وفيها توفي الكاتب المجود عماد الدين أبو عبد الله، وقيل ~~أبو الفضل، محمد ابن محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله الشيرازي ~~الدمشقي صاحب الخط المنسوب. انتهت إليه الرياسة في براعة الخط لاسيما في ~~المحقق والنسخ . سمع الكثير وروى عنه الحافظ جمال الدين المزي وغيره، وتصدى ~~للكتابة وانتفع به الناس. وقدم القاهرة واتفق أنه ركب النيل مرة مع الصاحب ~~بهاء الدين بن حنا، وكان معه جماعة من أصحابه وفيهم شخص معروف بابن الفقاعي ~~ممن له عناية بالكتابة، فسأل الصاحب بهاء الدين، وقال: عندي لمولانا الصاحب ~~وهؤلاء الجماعة يوم كامل الدعوة، ومولانا يدعو المولى عماد الدين يفيدني ~~قطة القلم، فقال الصاحب: والله ما في هذا شيء، مولانا يتفضل عليه بذلك، ~~فأطرق عماد الدين مغضبا، ثم رفع رأسه وقال: أو خير لك من ذلك، قال: وما هو ~~قال: أحمل إليك ربعة بخطي، ويعفيني من هذا، فقال الصاحب: لا والله، الربعة ~~بخط مولانا تساوي ألفي درهم، وأنا ما آكل من هذه الضيافة شيئا يساوي عشرة ~~دراهم. وفيها توفي ms1626 الشيخ أبو محمد، وقيل أبو المحاسن، عبد الحليم بن عبد ~~السلام ابن تيمية الحراني أحد علماء الحنابلة ووالد الشيخ تقي الدين بن ~~تيمية. مولده بحران في ثاني عشر شوال سنة سبع وعشرين وستمائة، وسمع الكثير ~~وتفقه وبرع في الفقه وتميز في عدة فنون، ودرس ببلده وأفتى وخطب ووعظ وفسر ~~ولى هذه الوظائف عقيب موت والده مجد الدين، وعمره خمس وعشرون سنة، وكان ~~أبوه أيضا من العلماء. ومات في سلخ ذي الحجة ودفن بمقابر الصوفية بدمشق. ~~PageV02P0363 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الإمام عماد ~~الدين علي بن يعقوب بن أبي زهران الموصلي الشافعي شيخ القراء بدمشق في صفر، ~~وقد قارب الستين. وشيخ الإسلام الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر ~~المقدسي في شهر ربيع الآخر، وله خمس وثمانون سنة. والإمام شهاب الدين عبد ~~الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني والد شيخنا في سلخ السنة، وله ست ~~وخمسون سنة. والشيخ محيي الدين عمر بن محمد بن أبي سعد بن أبي عصرون ~~التميمي في ذي القعدة عن ثلاث وثمانين سنة. والإمام شمس الدين محمد ابن ~~أحمد بن نعمة المقدسي مدرس الشامية في ذي القعدة. وخطيب دمشق محيي الدين ~~محمد بن الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن الحرستاني في جمادى الآخرة، وله ~~ثمان وستون سنة. والحافظ شمس الدين محمد بن محمد بن عباس بن جعوان الأديب ~~في جمادى الأولى. والرئيس محيي الدين يحيى بن علي بن القلانسي في شوال. ~~والرئيس عماد الدين أبو الفضل محمد بن محمد، ابن القاضي شمس الدين هبة الله ~~بن الشيرازي في صفر. وشرف الدين محمد بن عبد المنعم بن القواس في شهر ربيع ~~الآخر. والمحدث جمال الدين عبد الله بن يحيى الجزائري في شوال. والرشيد ~~محمد بن أبي بكر بن محمد العامري في ذي الحجة. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيارة سبع عشرة ذراعا وثماني أصابع. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة ثلاث ms1627 وثمانين وستمائة. فيها توفي قاضي القضاة ناصر الدين أبو ~~العباس أحمد بن محمد بن منصور الجذامي المالكي المعروف بابن المنير قاضي ~~الإسكندرية، مولده في ذي القعدة سنة عشرين وستمائة، ومات بالإسكندرية ليلة ~~الخميس مستهل شهر ربيع الأول، ودفن عند تربة والده عند الجامع المغربي وكان ~~إماما فاضلا متبحرا في العلوم وله اليد الطولى في علم الأدب والنظم والنثر. ~~ومن شعره ما كتبه لقاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان في صدر كتاب: الخفيف، ~~ليس شمس الضحا كأوصاف شمس الد ... ين قاضي القضاة حاشا وكلا تلك مهما علت ~~محلا ثنت ... ظلا وهذا مهما علا مد ظلا وله يهجو القاضي زين الدين بن أبي ~~الفرج لما نازعه في الحكم: الخفيف، قل لمن يدعي المناصب بالجه ... ل تنح ~~عنها لمن هو أعلم إن تكن في ربيع وليت يوما ... فعليك القضاء أمسى محرم وله ~~في صدر كتاب كتبه إلى الفائزي يسأله رفع التصقيع عن ثغر الإسكندرية: الوافر ~~إذا اعتل الزمان فمنك يرجو ... بنو الأيام عاقبة الشفاء وإن ينزل بساحتهم ~~قضاء ... فأنت اللطف في ذاك القضاء وفيها توفي ملك التتار أحمد بن هولاكو ~~قان بن تولي قان بن جنكزخان كان ملكا شهما خبيرا بأمور الرعية سالكا أحسن ~~المسالك أسلم وحسن إسلامه وبنى بممالكه الجوامع والمساجد، وكان متبعا دين ~~الإسلام لا يصدر عنه إلا ما يوافق الشريعة وكان لما حسن إسلامه صالح ~~السلطان الملك المنصور قلاوون، وفرح السلطان بذلك، فمات أحمد بعد مدة ~~يسيرة، وملك بعده أرغون بن أبغا. وفيها توفي القاضي نجم الدين أبو محمد عبد ~~الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسان بن محمد بن ~~منصور بن أحمد الجهني الشافعي المعروف بابن البارزي، ولد بحماة سنة ثمان ~~وستمائة، وروى الحديث وبرع في الفقه والحديث والنحو والأدب والكلام ~~والحكمة، وصنف في كثير من العلوم، وتولى القضاء بحماة نيابة عن والده، ثم ~~استقل بعده ولم يأخذ على القضاء رزقا، وصرف قبل موته بسنين. ومن شعره ~~تضمينا لأول قصيدة البهاء زهير البائية: ms1628 الطويل، وكان الرضا مني إليه ولم ~~يكن ... رسول فأخشى أن ينم ويكذبا وناديت أهلا بالحبيب ولم أقل ... رسول ~~الرضا أهلا وسهلا ومرحبا PageV02P0364 # وفيها توفي الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا أمير آل فضل وملك العرب في ~~وقته، وكان له منزلة عظيمة عند الملوك لاسيما عند الملك الظاهر بيبرس ~~البندقداري، ثم تضاعفت عند الملك المنصور قلاوون، وكان كريم الأخلاق حسن ~~الجوار مكفوف الشر مبذول الخير، لم يكن في العرب وملوكها من يضاهيه، وكان ~~عنده ديانة وصدق. ولما مات ولى الملك المنصور قلاوون ولده مهنا عوضه، وكان ~~بين وفاته ووفاة عدوه الأمير أحمد بن حجي أمير آل مرى دون السنة. وفيها ~~توفي الشيخ الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان ~~التلمساني، سمع الكثير بعدة بلاد وحدث، ومولده بتلمسان في سنة ست أو سبع ~~وستمائة، ومات بمصر ودفن بالقرافة الكبرى، وهو غير شمس الدين محمد بن ~~العفيف التلمساني. وفيها توفي الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد ~~ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن ~~شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة والمعرة وابن صاحبهما، ملكهما بعد وفاة أبيه سنة ~~اثنتين وأربعين وستمائة، ووالدته الصاحبة غازية خاتون بنت الملك الكامل ~~محمد صاحب مصر ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب. وكان مولده سنة اثنتين ~~وثلاثين وستمائة، وولي الملك المنصور قلاوون ابنه بعد وفاته. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي القاضي ناصر الدين أبو العباس ~~أحمد بن محمد بن منصور الجذامي بن المنير بالإسكندرية في شهر ربيع الآخر، ~~وله ثلاث وستون سنة. والملك أحمد بن هولاكو ملك التتار. وقاضي حماة نجم ~~الدين عبد الرحيم بن إبراهيم بن البارزي الشافعي في ذي القعدة، وحمل ودفن ~~بالبقيع، وله خمس وسبعون سنة. وقاضي دمشق عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد ~~القادر بن عبد الخالق الأنصاري بن الصائع في شهر ربيع الآخر في آخر ~~الكهولية. وصاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن المظفر محمود عن ms1629 ~~إحدى وخمسين سنة. والشيخ العارف أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان ~~التلمساني بمصر في رمضان، وله سبع وسبعون سنة. وملك العرب عيسى بن مهنا في ~~شهر ربيع الأول. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعدة ~~أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وثلاث أصابع. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة أربع وثمانين وستمائة. فيها كان فتوح المرقب وغيره من القلاع ~~بالساحل حسب ما ذكرناه في أول الترجمة. وفيها ولد الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون، ووالده على حصار المرقب، وقد تقدم ذكر ذلك أيضا. وفيها توفي الشيخ ~~زين الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الأندلسي الإشبيلي الأصل ~~المعروف بكتاكت المصري الواعظ المقرئ الأديب الشاعر، مولده سنة خمس ~~وستمائة، وقيل غير ذلك، ومات بالقاهرة في شهر ربيع الأول. وكان إماما في ~~الوعظ ولديه فضيلة ومشاركة. وله شعر جيد. من ذلك قوله: البسيط، من أنت ~~محبوبه ماذا يغيره ... ومن صفوت له ماذا يكدره هيهات عنك ملاح الكون تشغلني ~~... والكل أعراض حسن أنت جوهره وله القصيدة المشهورة عند الفقراء التي ~~أولها: الكامل، حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا ... والكل مذ سمعوا خطابك ~~طابوا وفيها توفي الأمير علاء الدين أيدكين بن عبد الله البندقداري الصالحي ~~النجمي أستاذ الملك الظاهر بيبرس البندقداري، كان أصل أيدكين هذا من مماليك ~~الأمير جمال الدين موسى بن يغفور، ثم انتقل عنه للملك الصالح نجم الدين ~~أيوب وجعله بندقداره وأمره ثم نكبه، وأخذ منه الملك الظاهر بيبرس ثم أعاده. ~~ثم ترقى بعد موت أستاذه وولي نيابة الشام من قبل مملوكه الملك الظاهر ~~بيبرس، وكان الملك الظاهر بيبرس يعظمه ويقول له: أنت أستاذي، ويعرف له حق ~~التربية، وكان هو أيضا يبالغ في خدمة الملك الظاهر والنصح له، وهو الذي ~~انتزع له دمشق من يد الأمير سنجر الحلبي كما تقدم ذكره. وعاش أيدكين إلى ~~دولة الملك المنصور قلاوون، وهو من أكابر الأمراء وأعيانهم إلى أن مات في ~~القاهرة في شهر ربيع الآخر، ودفن بتربته قريب ms1630 بركة الفيل وقد ناهز السبعين. ~~PageV02P0365 # قلت: وما العجب أن أيدكين هذا كان من جملة أمراء مملوكه الملك الظاهر ~~بيبرس، والعجب أن أستاذ إيدكين هذا الأمير جمال الدين بن يغمور كان أيضا من ~~جملة أمراء الظاهر بيبرس فكان الظاهر أستاذ أستاذه في خدمته ومن جملة ~~أمرائه فانظر إلى تقلبات الدهر بالملوك وغيرها. وفيها توفي الشيخ الإمام ~~رشيد الدين أبو محمد سعيد بن علي بن سعيد البصراوي الحنفي مدرس الشبلية، ~~كان إماما عالما فاضلا مدرسا في الديانة والورع، عرض عليه القضاء غير مرة ~~فامتنع، وكانت له اليد الطولى في العربية والنظم، وكانت وفاته في شعبان ~~ودفن بقاسيون. ومن شعره: البسيط، أرى عناصر طيب العيش أربعة ... ما زال ~~منها فطيب العيش قد زالا أمنا وصحة جسم لا يخالطها ... مغاير والشباب الغض ~~والمالا وله مواليا: كيف اعتمدت على الدنيا وتجريبك ... أراك فلك تراها كيف ~~تجري بك ما زالت الخادعة تدنو فتغري بك ... حتى رمتك بإبعادك وتغريبك وفيها ~~توفي الأديب البارع مجير الدين أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن علي المعروف ~~بابن تميم الشاعر المشهور، وهو سبط ابن تميم، كان أصله دمشقيا وانتقل إلى ~~حماة وخدم صاحبها الملك المنصور جنديا، وكان له به اختصاص، وكان فاضلا ~~شجاعا عاقلا، وكان من الشعراء المعدودين. ومن شعره في الشجاعة والإقدام ~~قوله: الكامل، دعني أخاطر في الحروب بمهجتي ... إما أموت بها وإما أرزق ~~فسواد عيشي لا أراه أبيضا ... إلا إذا احمر السنان الأزرق وله: الرجز، لم ~~لا أهيم إلى الرياض وزهرها ... وأقيم منها تحت ظل ضافي والغصن يلقاني بثغر ~~باسم ... والماء يلقاني بقلب صافي وله: الكامل، عاينت ورد الروض يلطم خده ~~... ويقول وهو على البنفسج محنق لا تقربوه وإن تضوع نشره ... ما بينكم فهو ~~العدو الأزرق قلت: وقريب من هذا قول القائل: مخلع بسيط، بنفسج الروض تاه ~~عجبا ... وقال: طيبي للجو ضمخ فأقبل الزهر في احتفال ... والبان من غيظه ~~تنفخ الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفيت أم الخير ست ~~العرب بنت يحيى بن قيماز ms1631 الكندية في المحرم. والمحدث أبو القاسم علي بن ~~بلبان الناصري في رمضان. وأبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله الانماطي في ~~ذي الحجة. والقدوة الشيخ محمد بن الحسن الإخميمي بقاسيون في جمادى الأولى. ~~والشيخ الزاهد شرف الدين محمد ابن الشيخ عثمان الرومي. والإمام الرشيد سعيد ~~بن علي الحنفي في رمضان. والعلامة رضي الدين محمد بن علي بن يوسف الشاطبي ~~اللغوي بمصر، وله نيف وثمانون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~لم يحرر. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة خمس وثمانين وستمائة. فيها استولى الملك المنصور قلاوون على ~~الكرك وانتزعها من يد الملك المسعود خضر ابن الملك الظاهر بيبرس. وفيها ~~توفي الشيخ معين الدين أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن ~~تولوا الفهري، مولده بتنيس سنة خمس وستمائة، ومات بمصر في شهر ربيع الأول، ~~ودفن بالقرافة الصغرى، وسمع الحديث وتفقه وكان له معرفة بالأدب وله يد طولى ~~في النظم، وشعره في غاية الجودة. ومن شعره، وقد أمر قاضي مصر بقطع أرزاق ~~الشعراء من الصدقات سوى أبي الحسين الجزار، فقال: السريع، تقدم القاضي ~~لنوابه ... بقطع رزق البر والفاجر ووفر الجزار من بينهم ... فاعجب للطف ~~التيس بالجازر وفيها توفي الشيخ شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد ~~المنعم بن محمد الأنصاري الصوفي الفقيه الشافعي، الشاعر المشهور المعروف ~~بابن الخيمي، كان إمام عصره في الأدب ونظم الشعر مع مشاركة في كثير من ~~العلوم. ومولده سنة اثنتين وستمائة، وتوفي بمشهد الحسين بالقاهرة في شهر ~~رجب، وقد أوضحنا أمره مع نجم الدين بن إسرائيل لما تداعيا القصيدة التي ~~أولها: البسيط، يا مطلبا ليس لي في غيره أرب ... إليك آل التقصي وانتهى ~~الطلب PageV02P0366 # في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، وذكرنا أمرهما لما ~~أمرهما ابن الفارض بنظم قصيدتين في الروي والقافية وذكرنا القصيدتين أيضا ~~بكمالهما، ثم حكم ابن الفارض بالقصيدة لشهاب الدين هذا. والقصيدة التي ~~نظمها شهاب الدين ابن ms1632 الخيمي هذا لما أمره ابن الفارض بالنظم أولها: ~~البسيط، لله قوم بجرعاء الحمى غيب ... جنوا علي ولما أن جنوا عتبوا والتي ~~نظمها ابن إسرائيل: البسيط، لم يقض من حبكم بعض الذي يجب ... قلب متى ما ~~جرى تذكاركم يجب الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~المسند أبو العباس أحمد بن شيبان الصالحي في صفر، وقد قارب التسعين. ~~والعلامة جمال الدين محمد بن أحمد بن محمد البكري. والشهاب محمد بن عبد ~~المنعم بن محمد الأنصاري ابن الخيمي الشاعر في رجب، وله ثلاث وثمانون سنة. ~~والشيخ عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن فارس العلثي بن الزجاج في المحرم. ~~وأمة الحق شامية ابنة صدر الدين الحسن بن محمد بن محمد البكري في رمضان. ~~والإمام صفي الدين خليل بن أبي بكر بن محمد المراغي في ذي القعدة. وقاضي ~~القضاة بهاء الدين يوسف ابن القاضي محيي الدين بن الزكي في ذي الحجة، وله ~~ست وأربعون سنة. والمقرئ برهان الدين إبراهيم بن إسحاق بن المظفر الوزيري ~~في ذي الحجة قافلا من الحج. وخطيب كفربطنا جمال الدين محمد بن عمر الدينوري ~~في رجب، وله اثنتان وسبعون سنة. والمقرئ الشيخ حسن بن عبد الله بن ويحيان ~~الراشدي في صفر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع، وقيل ~~خمس، وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة ست وثمانين وستمائة. فيها توفي الشيخ الإمام العارف بالله تعالى ~~قطب زمانه شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن محمد المرسي الأنصاري ~~الإسكندري المالكي الصالح المشهورة كان علامة زمانه في العلوم الإسلامية، ~~وله القدم الراسخة في علم التحقيق، وله الكرامات الباهرة، وكان يقول: ~~شاركنا الفقهاء فيما هم فيه، ولم يشاركونا فيما نحن فيه. وقال الشيخ أبو ~~الحسن الشاذلي: أبو العباس بطرق السماء أعلم منه بطرق الأرض. انتهى. قلت: ~~وكان لديه فضيلة ومشاركة، وله كرامات وأحوال مشهورة عنه، وللناس فيه اعتماد ~~كبير لاسيما أهل الإسكندرية، وقد ms1633 شاع ذكره وبعد صيته بالصلاح والزهد، وكان ~~من جملة الشهود بالثغر، وبها توفي ودفن، وقبره يقصد للزيارة. وفيها توفي ~~الشيخ شرف الدين أبو الربيع سليمان بن بليمان بن أبي الجيش ابن عبد الجبار ~~بن بليمان الهمذاني الأصل الرعباني المولد، الإربلي المنشأ، الشاعر المشهور ~~صاحب النوادر، كان من شعراء الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد صاحب ~~الشام، وكان أبوه صائغا وتعانى هو أيضا الصياغة، قيل إنه جاء إليه مملوك ~~مليح من مماليك الملك الأشرف موسى، وقال له: عندك خاتم لإصبعي، فقال له: ~~لا، إنما عندي إصبع مليح لخاتمك. ومات بدمشق في ليلة عاشر صفر. ومن شعره: ~~الطويل، وما زالت الركبان تخبر عنكم ... أحاديث كالمسك الذكي بلا مين إلى ~~أن تلاقينا فكان الذي وعت ... من القول أذني دون ما أبصرت عيني ولما قامر ~~التلعفري بثيابه وأخفافه قال فيه شرف الدين هذا قصيدة وأنشدها للملك الناصر ~~بحضرة التلعفري. فلما فرغ من إنشادها قال له التلعفري: ما أنا جندي حتى ~~أقامر بأخفافي. فقال له شرف الدين: بخفاف امرأتك. فقال: ما لي امرأة، فقال ~~له: لك مقامرة من بين الحجرين إما بالخفاف أو بالنعال. انتهى. قلت: وأنا ~~مسامح التلعفري على القمار، لحسن ما قاله من رائق الأشعار: الطويل، فمن كان ~~ذا عذر قبلت اعتذاره ... ومن لا له عذر فعندي له غذر وفيها توفي الشيخ ~~الإمام المحدث قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن ~~أحمد بن عبد الله بن ميمون القيسي الشاطبي المحدث الإمام العلامة، كان شيخ ~~الكاملية بالقاهرة وهو المعروف بابن القسطلاني التوزري الأصل المصري المولد ~~المكي المنشأ الشافعي المذهب، مولده سنة أربع عشرة وستمائة، ومات يوم السبت ~~ثامن عشر المحرم، ودفن بالقرافة الصغرى، وكان مجموع الفضائل، رحمه الله. ~~PageV02P0367 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الإمام النحوي ~~بدر الدين محمد ابن الشيخ جمال الدين بن مالك في المحرم. والإمام قطب الدين ~~أبو بكر محمد بن أحمد بن علي القسطلاني بالقاهرة في المحرم. وقاضي ms1634 القضاة ~~برهان الدين الخضر بن الحسن بن علي السنجاري بمصر في صفر. والحكيم عماد ~~الدين محمد بن عباس الربعي الدنيسري، وله إحدى وثمانون سنة. وشرف الدين ~~سليمان بن بليمان الإربلي الشاعر. والمحدث وجيه الدين عبد الرحمن بن حسن ~~السبتي في جمادى الأولى. والمسند عز الدين أبو العز عبد العزيز بن عبد ~~المنعم بن الصيقل الحراني في شهر رجب. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة سبع وثمانين وستمائة. فيها توفي الشيخ المعتقد الصالح برهان ~~الدين أبو إسحاق إبراهيم بن معضاد بن شداد الجعبري الأصل والمولد المصري ~~الدار والوفاة، الصالح المشهور، نشأ بجعبر ثم انتقل إلى الديار المصرية ~~واستوطنها ولزم مسجده، وكان يعظ به ويجتمع عنده خلق كثير، ولأصحابه فيه ~~عقيمة حسنة، وله مقالات كثيرة، وكان زاهدا عابدا، سمع الحديث وروى عن ~~السخاوي وغيره، وكان غزير الفضيلة حلو العبارة. قال الصلاح الصفدي: أخبرني ~~الشيخ الإمام العلامة أثير الدين أبو حيان من لفظه قال: رأيت المذكور ~~بالقاهرة، وحضرت مجلسه أنا والشيخ نجم الدين بن مكي، وجرت لنا معه حكاية، ~~وكان يجلس للعوام يذكرهم ولهم فيه اعتقاد، وكان يدري شيئا من الحديث، وله ~~مشاركة في أشياء من العلوم وفي الطب، وله شعر جيد. وأنشد له قصيدة أذكر ~~منها القليل: الكامل، عشقوا الجمال مجردا بمجرد الر ... وح الزكية عشق من ~~زكاها متجردين عن الطباع ولؤمها ... متلبسين عفافها وتقاها انتهى كلام ~~الصفدي. وقال القطب اليونيني: وأظنه نيف على الثمانين من العمر، ولما مرض ~~مرض الموت أمر أن يخرج به إلى مكان مدفنه، فلما رآه قال له: قبير جاك دبير. ~~ومات بعد ذلك بيوم في يوم السبت رابع عشرين المحرم بالقاهرة ودفن من يومه ~~بالحسينية خارج باب النصر، وقبره معروف هناك يقصد للزيارة. قلت: ويعجبني في ~~هذا المعنى المقالة السابعة الزهدية من مقالات الشيخ العارف الرباني شرف ~~الدين عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهاني المعروف بشوروة من ms1635 كتابه أطباق ~~الذهب وهي: طوبى للتقي الخامل، الذي سلم عن إشارة الأنامل، وتعسا لمن قعد ~~في الصوامع، ليعرف بالأصابع، خزائن الأمناء مكتومة، وكنوز الأولياء مختومة، ~~والكامل كامن يتضاءل، والناقص قصير يتطاول، والعاقل قبعة، والجاهل طلعة، ~~فاقبع قبوع الحيات، واكمن في الظلمات، كمون ماء الحياة، وصن كنزك في ~~التراب، وسيفك في القراب، وعف آثارك بالذيل المسحوب، واستر رواءك بسفعة ~~الشحوب، فالنباهة فتنة، والوجاهة محنة، فكن كنزا مستورا، ولا تكن سيفا ~~مشهورا، إن الظالم جدير أن يقبر ولا يحشر، والبالي خليق أن يطوى ولا ينشر، ~~ولو عرف الجذل صولة النجار، وعضة المنشار، لما تطاول شبرا، ولا تخايل كبرا، ~~وسيقول البلبل المعتقل: يا ليتني كنت غرابا، ويقول الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا. انتهى. وفيها توفي الشيخ ناصر الدين أبو محمد حسن بن شاور بن طرخان ~~الكناني ويعرف بابن الفقيسي وبابن النقيب الشاعر المشهور، كان من الفضلاء ~~الأدباء، ومات ليلة الأحد منتصف شهر ربيع الأول ودفن بسفح المقطم، وله تسع ~~وسبعون سنة، وكان بينه وبين العلامة شهاب الدين محمود الحلبي صحبة ومجالسة ~~ومذاكرة في القريض. ومن شعره: الطويل، نهيناه عن فعل القبيح فما انتهى ... ~~ولا رده ردع وعاد وعادى وقلنا له رز بالصلاح فقلما ... رأينا فتى عانى ~~الفساد فسادا وله: الطويل، وجردت مع فقري وشيخوختي التي ... تراها فنومي عن ~~جفوني مشرد فلا يدعي غيري مقامي فإنني ... أنا ذلك الشيخ الفقير المجرد ~~وله: مخلع البسيط، حدثت عن ثغره المحلى ... فمل إلى خده المورد خد وثغر فجل ~~رب ... بمبدع الحسن قد تفرد وله: الكامل، يا من أدار سلافة من ريقه ... ~~وحبابها الثغر الشنيب الأشنب PageV02P0368 # تفاح خدك بالعذار ممسك ... لكنه بدم القلوب مخضب وله: الوافر، أنا العذري ~~فاعذرني وسامح ... وجر علي بالإحسان ذيلا ولما صرت كالمجنون عشقا ... كتمت ~~زيارتي وأتيت ليلا وفيها توفي الملك الصالح علي ابن السلطان الملك المنصور ~~قلاوون، كان والده المنصور قلاوون قد جعله ولي عهده وسلطنه في حياته حسب ما ~~تقدم ذكره في سنة تسع وسبعين وستمائة، فدام في ولاية العهد إلى هذه ms1636 السنة: ~~مرض ومات بعد أيام في رابع شعبان بقلعة الجبل، ووجد عليه أبوه الملك ~~المنصور قلاوون كثيرا، فإنه كان نجيبا عاقلا خليقا للملك. وفيها توفي الشيخ ~~الطبيب علاء الدين علي بن أبي الحرم القرشي الدمشقي المعروف بابن النفيس ~~الحكيم الفاضل العلامة في فنه، لم يكن في عصره من يضاهيه في الطب والعلاج ~~والعلم، اشتغل على المهذب الدخوار حتى برع، وانتهت إليه رياسة فنه في ~~زمانه، وهو صاحب التصانيف المفيدة، منها: الشامل في الطب، والمهذب في ~~الكحل، والموجز، وشرح القانون لابن سينا. ومات في ذي القعدة بعد أن أوقف ~~داره وأملاكه وجميع ما يتعلق به على البيمارستان المنصوري بالقاهرة. الذين ~~ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الشيخ إبراهيم بن معضاد ~~الجعبري بالقاهرة في المحرم عن نيف وثمانين سنة. والإمام أبو العباس أحمد ~~بن أحمد بن عبد الله المقدسي الفرضي. وخطيب القدس قطب الدين أبو الزكاء عبد ~~المنعم بن يحيى الزهري في رمضان. والجمال أحمد بن أبي بكر بن سليمان ~~الحموي. والشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز اللوري شيخ ~~المالكية في صفر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأربع ~~أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وأربع أصابع. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة ثمان وثمانين وستمائة. فيها فتحت طرابلس وما أضيف إليها بعد ~~أمور ووقائع حسب ما ذكرناه في أصل هذه الترجمة مفصلا. وفيها توفي الشيخ علم ~~الدين أحمد ابن الصاحب صفي الدين يوسف بن عبد الله بن شكر المعروف بابن ~~الصاحب، كان نادرة زمانه في المجون والهزل وإنشاد الأشعار والبليقات وكان ~~بقي في آخر عمره فقيرا مجردا وكان اشتغل في صباه وحصل ودرس وكان لديه فضيلة ~~وذكاء وحسن تصور، إلا أنه تمفقر في آخر عمره وأطلق طباعه على التكدي وصار ~~يجارد الرؤساء، ويركب في قفص حمال ويتضارب الحمالون على حمله، لأنه كان ~~مهما فتح له من الرؤساء كان للذي يحمله، فكان يستمر راكبا في القفص والحمال ~~يمهر به في ms1637 أماكن الفرج والنزه وكان يتعمم بشرطوط طويل جدا رقيق العرض ~~ويعاشر الحرافيش وكان له أولاد رؤساء، ويقال: إن الصاحب بهاء الدين بن حنا ~~هو الذي أحوجه إلى أن ظهر بذلك المظهر، وأخمله وجننه لكونه كان من بيت ~~وزارة، فكان ابن الصاحب هذا إذا رأى الصاحب بهاء الدين بن حنا ينشد: ~~المجتث، اشرب كل وتهنا ... لا بد أن تتعنى محمد وعلي ... من أين لك يا ابن ~~حنا قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: أخبرني من لفظه الحافظ نجم الدين أبو ~~محمد الحسن خطيب صفد، قال: رأيته يعني ابن الصاحب أشقر أزرق العينين عليه ~~قميص أزرق، وبيده عكاز حديد. قال: وأخبرني من لفظه الحافظ فتح الدين ابن ~~سيد الناس، قال: كان ابن الصاحب يعاشر الفارس أقطاي فاتفق أنهم كانوا يوما ~~على ظهر النيل في شختور، وكان الملك الظاهر بيبرس مع الفارس أقطاي وجرى ~~بينهم أمر، ثم ضرب الدهر ضربانه حتى تسلطن الملك الظاهر بيبرس وركب يوما ~~إلى الميدان، ولم يكن عمر قنطرة السباع، وكان التوجه إلى الميدان من على ~~باب زويلة على باب الخرق، وكان ابن الصاحب هذا نائما على قفص صيرفي من تلك ~~الصيارف برا باب زويلة، ولم يكن أحد يتعرض لابن الصاحب، فمر به الملك ~~الظاهر فلم يشعر إلا و ابن الصاحب يضرب بمفتاح في يده على خشب الصيرفي ~~قوتا، فالتفت الظاهر فرآه فقال: هاه علم الدين فقال: إيش علم الدين أنا ~~جيعان فقال: أعطوه ثلاثة آلاف درهم. وكان ابن الصاحب أشار بتلك الدقة إلى ~~دقة مثلها يوم المركب. انتهى. PageV02P0369 # قلت: ومن نوادره اللطيفة أنه كان بالقاهرة إنسان يجرد الناس فسموه زحل، ~~فلما كان في بعض الأيام وقف ابن الصاحب على دكان حلوى يزن دراهم يشتري بها ~~حلوى، وإذا بزحل قد أقبل من بعيد، فقال ابن الصاحب للحلاوي: أعطني الدراهم، ~~ما بقي لي حاجة بالحلوى، فقال: لم قال: أما ترى زحل قارن المشتري في ~~الميزان وله من هذا أشياء كثيرة ذكرنا منها نبذة في ترجمته في تاريخنا ~~المنهل الصافي. ومن شعره: ms1638 مخلع البسيط، يا نفس ميلي إلى التصابي ... فاللهو ~~منه الفتى يعيش ولا تملي من سكر يوم ... إن أعوز الخمر فالحشيش وله في ~~المعنى: الخفيف، في خمار الحشيش معنى مرامي ... يا أهيل العقول والأفهام ~~حرموها من غير عقل ونقل ... وحرام تحريم غير الحرام قلت: وأحسن ما قيل في ~~هذا المعنى قول القائل ولم أدر لمن هو: الطويل، وخضراء ما الحمراء تفعل ~~فعلها ... لها وثبات في الحشى وثبات تؤجج نارا في الحشى وهي جنة ... وتروي ~~مرير الطعم وهي نبات وفيها توفي الشيخ الأديب البارع المفتن شمس الدين محمد ~~ابن عفيف الدين سليمان بن علي التلمساني الشاعر المشهور كان شابا فاضلا ~~ظريفا، وشعره في غاية الحسن والجودة. وديوان شعره مشهور بأيدي الناس، ومن ~~شعره: مخلع البسيط، يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثاني لأي معنى ~~كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان وله في ذم الحشيش: البسيط، ما للحشيشة ~~فضل عند آكلها ... لكنه غير مصروف إلى رشده صفراء في وجهه خضراء في فمه ... ~~حمراء في عينه سوداء في كبده وله أيضا: الكامل لي من هواك بعيده وقريبه ... ~~ولك الجمال بديعه وغريبه يا من أعيذ جماله بجلاله ... حذرا عليه من العيون ~~تصيبه إن لم تكن عيني فإنك نورها ... أو لم تكن قلبي فأنت حبيبه هل رحمة أو ~~حرمة لمتيم ... قد قل منك نصيره ونصيبه ألف القصائد في هواك تغزلا ... حتى ~~كأن بك النسيب نسيبه لم تبق لي سرا أقول تذيعه ... عني ولا قلب أقول تذيبه ~~كم ليلة قضيتها متسهدا ... والدمع يجرح مقلتي مسكوبه والنجم أقرب من لقاك ~~مناله ... عندي وأبعد من رضاك مغيبه والجو قد رقت علي شماله ... وجفونه ~~وشماله وجنوبه هي مقلة سهم الفراق يصيبها ... ويسح وابل دمعها فيصوبه وجوى ~~تضرم جمره لولا ندى ... قاضي القضاة قضى علي لهيبه وله: السريع، أخجلت ~~بالثغر ثنايا الأقاح ... يا طرة الليل ووجه الصباح وأعجمت أعينك السحر مذ ~~... أعربت منهن صفاحا فصاح فيا لها سودا مراضا غدت ... تسل للعاشق بيضا ~~صحاح يا للهوى من مسعد مغرما ... رأى ms1639 حمام الأيك غنى فناح يا بانة مالت ~~بأعطافه ... علمتني كيف تهز الرماح وأنت يا أسهم ألحاظه ... أثخنت والله ~~فؤادي جراح الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي كمال ~~الدين أحمد ابن يوسف بن نصر الفاضلي. والمفتي فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف ~~البعلبكي الحنبلي في رجب. ورئيس الشهود زين الدين المهذب ابن أبي الغنائم ~~التنوخي. والعلامة شمس الدين الأصبهاني الأصولي محمد بن محمود بالقاهرة في ~~رجب. والمقرئ تقي الدين. يعقوب بن بدران الجرائدي بالقاهرة في شعبان. ~~والمسندة العابدة زينب بنت مكي في شوال، ولها أربع وتسعون سنة. والعماد ~~أحمد ابن الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي. والإمام شمس الدين ~~أبو عبد الله محمد ابن الكمال عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسي في جمادى ~~الأولى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وعشر أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة المنصور قلاوون # وهي سنة تسع وثمانين وستمائة. PageV02P0370 # فيها كانت وفاة صاحب الترجمة الملك المنصور قلاوون في ذي القعدة حسب ما ~~تقدم ذكره، وتسلطن بعده ابنه الملك الأشرف خليل. وفيها توفي الشيخ الإمام ~~أبو المعالي برهان الدين أحمد بن ناصر بن طاهر الحسيني الحنفي إمام ~~المقصورة الحنفية الشمالية بجامع دمشق، كان إماما عالما فاضلا زاهدا صالحا ~~متعبدا مفتنا مشتغلا بما هو فيه من الاشغال بالعلم والأوراد والقراءة إلى ~~أن مات في يوم السبت ثاني عشرين شوال، وتولى بعده الإمامة الشيخ نجم الدين ~~يعقوب البروكاري الحنفي، وسلك مسلكه. وفيها توفي الأمير حسام الدين أبو ~~سعيد طرنطاي بن عبد الله المنصور في الأمير الكبير كان أوحد أهل عصره كان ~~عظيم دولة أستاذه الملك المنصور قلاوون وكان المنصور قد جعله نائبه بسائر ~~الممالك، وكان هو المتصرف في مملكته. فلما مات الملك المنصور قلاوون وتسلطن ~~ولده الملك الأشرف خليل استنابه أياما إلى أن رتب أموره ودبره ودبر أحواله ~~وكان عظيم التنفيذ سديد الرأي، مفرط الذكاء غزير العقل فلما رسخت قدم ~~الأشرف في السلطنة ms1640 أمسكه، وكان في نفسه منه أيام والده، وبسط عليه العذاب ~~إلى أن مات شهيدا وصبر على العذاب صبرا لم يعهد مثله عصره إلى أن هلك، ولما ~~غسلوه وجدوه قد تهرأ لحمه وتزايلت أعضاؤه، وأن جوفه كان مشقوقا، كل ذلك ولم ~~يسمع منه كلمة. وكان بينه وبين الأمير علم الدين سنجر الشجاعي عداوة على ~~الرتبة، فسلمه الأشرف إلى الشجاعي وأمره بتعذيبه، فبسط الشجاعي عليه العذاب ~~أنواعا إلى أن مات، فحمل إلى زاوية الشيخ عمر السعودي، فغسلوه وكفنوه ~~ودفنوه بظاهر الزاوية . وكان له مواقف مع العدو، وغزوات مشهورة وفتوحات. ~~وبنى مدرسة حسنة بقرب داره بخط البندقانيين بالقاهرة، وقبة برسم الدفن، وله ~~أوقاف على الأسرى وغيرها. وكان فيه محاسن، لولا شحه وبذاءة لسانه لكان أوحد ~~أهل زمانه، وخلف أموالا جمة. قال الشيخ قطب الدين اليونيني: قال الشيخ تاج ~~الدين الفزاري: حدثني تاج الدين ابن الشيرازي المحتسب: أنهم وجدوا في خزانة ~~طرنطاي من الذهب العين ألفي ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وألفي حياصة ذهب ~~وألف وسبعمائة كلوته مزركشة، ومن الدراهم ما لا يحصى، فاستولى الأشرف خليل ~~على ذلك كله، وفرقه على الأمراء والمماليك في أيسر مدة، واحتاج أولاد ~~طرنطاي هذا وعياله من بعده إلى الطلب من الناس من الفقر. وقال غيره: وجد ~~لطرنطاي ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار. ثم ذكر أنواع الأقمشة والخيول ~~والجمال والبغال والمتاجر ما يستحى من ذكره كثرة. ومات طرنطاي المذكور ولم ~~يبلغ خمسين سنة من العمر. وفيها توفي الأمير علاء الدين طيبرس بن عبد الله ~~الصالحي المعروف بالوزيري، كان أحد الأمراء المشهورين بالشجاعة والإقدام، ~~وكان من المبرزين وله التقدم في الدول والوجاهة، ولم يزل على ذلك إلى أن ~~مات، رحمه الله تعالى. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي العلامة رشيد الدين عمر بن إسماعيل الفارقي: خنق في المحرم وقد كمل ~~التسعين. والإمام نور الدين علي بن ظهير بن شهاب بن الكفتي المقرئ الزاهد ~~في شهر ربيع الآخر. وقاضي الحنابلة نجم الدين أحمد ابن الشيخ شمس ms1641 الدين عبد ~~الرحمن بن أبي عمر في جمادى الأولى، وله ثمان وثلاثون سنة. وخطيب دمشق جمال ~~الدين عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي في سلخ جمادى الأولى. ~~والزاهد فخر الدين أبو طاهر إسماعيل عز القضاة بن علي بن محمود الصوفي في ~~رمضان. والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن الزين أحمد بن عبد الملك المقدسي في ~~ذي القعدة. والسلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي في ذي ~~القعدة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وإصبعان. مبلغ ~~الزيادة خمس عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا، ولم يوف في هذه السنة. /سلطنة ~~الملك الأشرف خليل PageV02P0371 # هو السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف ~~الدين قلاوون الألفي الصالحي النجمي جلس على تخت الملك يوم وفاة أبيه في ~~يوم الأحد سابع ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة. وكان والده قلاوون قد ~~سلطنه في حياته بعد موت أخيه الملك الصالح علي بن قلاوون في سنة سبع ~~وثمانين وستمائة، والمعتد به جلوسه الآن على تخت الملك بعد موت أبيه. وجدد ~~له الأمراء والجند الحلف في يوم الاثنين ثامن في القعدة المذكور. وطلب من ~~القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر تقليده، فأخرجه إليه مكتوبا بغير علامة ~~الملك المنصور، وكان ابن عبد الظاهر قد قدمه إليه ليعلم عليه فلم يرض، ~~وتقدم طلب الأشرف وتكرر، وابن عبد الظاهر يقدمه إلى الملك المنصور، ~~والمنصور يمتنع إلى أن قال له: " يا فتح الدين، أنا ما أولي خليلا على ~~المسلمين! " ومعنى ذلك أن الملك المنصور قلاوون كان قد ندم على توليته ~~السلطنة من بعده. فلما رأى الأشرف التقليد بلا علامة، قال: " لا فتح الدين، ~~السلطان امتنع أن يعطيني، وقد أعطاني الله! " ورمى التقليد من يده وتم أمره ~~ورتب أمور الديار المصرية، وكتب بسلطنته إلى الأقطار، وأرسل الخلع إلى ~~النواب بالبلاد الشامية. وهو السلطان الثامن من ملوك الترك وأولاهم. ثم خلع ~~على أرباب وظائفه بمصر والذين خلع عليهم من الأعيان: الأمير بدر الدين ~~بيدرا ms1642 المنصوري نائب السلطنة بالديار المصرية ووزيره ومدبر مملكته شمس ~~الدين محمد بن السلعوس الدمشقي، وهو في الحجاز الشريف؛ وعلى بقية أرباب ~~وظائفه على العادة والنواب بالبلاد الشامية يوم ذاك فكان نائبه بدمشق وما ~~أضيف إليها من الشام الأمير حسام الدين لاجين المنصوري؛ ونائب السلطنة ~~بالممالك الحلبية وما أضيف إليها الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري؛ ~~ونائب الفتوحات الساحلية والأعمال الطرابلسية والقلاع الإسماعيلية الأمير ~~سيف الدين بلبان السلحدار المعروف بالطباخي ونائبه بالكرك والشوبك وما أضيف ~~إلى ذلك الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري، صاحب التاريخ المعروف " ~~بتاريخ بيبرس الدوادار " ؛ وصاحب حماة والمعرة الملك المظفر تقي الدين ~~محمود ابن الملك المنصور محمد الأيوبي. والذين هم تحت طاعته من الملوك صاحب ~~مكة المشرفة الشريف نجم الدين أبو نمي محمد بن إدريس بن علي بن قتادة ~~الحسني، وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، فهؤلاء الذين ~~أرسل إليهم بالخلع والتقليد. انتهى. ولما رسخت قدم الملك الأشرف هذا في ~~الملك أخذ وأعطى وأمر ونهى، وفرق الأموال وقبض على جماعة من حواشي والده، ~~وصادرهم على ما يأتي ذكره. ولما استهلت سنة تسعين وستمائة أخذ الملك الأشرف ~~في التجهز للسفر للبلاد الشامية، وإتمام ما كان قصده والده من حصار عكا، ~~وأرسل إلى البلاد الشامية وجمع العساكر وعمل آلات الحصار، وجمع الصناع إلى ~~أن تم أمره خرج بعساكره من الديار المصرية في ثالث شهر ربيع الأول من سنة ~~تسعين المذكورة، وسار حتى نازل عكا في يوم الخميس رابع شهر ربيع الآخر، ~~ويوافقه خامس نيسان، فاجتمع عنده على عكا من الأمم ما لا يحصى كثرة. وكان ~~المطوعة أكثر من الجند ومن في الخدمة. ونصب عليها المجانيق الكبار الفرنجية ~~خمسة عشر منجنيقا، منها ما يرمي بقنطار دمشقي وأكبر، ومنها دونه. وأما ~~المجانيق الشيطانية وغيرها فكثيرة، ونقب عدة نقوب وأنجد أهل عكا صاحب قبرس ~~بنفسه، وفي ليلة قدومه عليهم أشعلوا نيرانا عظيمة لم ير مثلها فرحا به، ~~وأقام عندهم قريب ثلاثة أيام، ثم عاد عندما شاهد انحلال أمرهم وعظم ms1643 ما ~~دهمهم ولم يزل الحصار عليها والجد في أمر قتالها إلى أن انحلت عزائم من بها ~~وضعف أمرهم واختلفت كلمتهم. هذا والحصار عمال في كل يوم، واستشهد عليها ~~جماعة من المسلمين. PageV02P0372 # فلما كان سحر يوم الجمعة سابع جمادى الأولى ركب السلطان والعساكر وزحفوا ~~عليها قبل طلوع الشمس، وضربوا الكوسات فكان لها أصوات مهولة وحس عظيم مزعج، ~~فحال ملاصقة العسكر لها وللأسوار هرب الفرنج وملكت المدينة بالسيف، ولم تمض ~~ثلاث ساعات من النهار المذكور إلا وقد استولى المسلمون عليها ودخلوها وطلب ~~الفرنج البحر فتبعتهم العساكر الإسلامية تقتل وتأسر فلم ينج منهم إلا ~~القليل، ونهب ما وجد من الأموال والذخائر والسلاح وعمل الأسر والقتل في ~~جميع أهلها، وعصى الديوية والإسبتار واستتر الأرمن في أربعة أبراج شواهق في ~~وسط البلد فحصروا فيها. فلما كان يوم السبت ثامن عشر الشهر، وهو ثاني يوم ~~فتح المدينة، قصد جماعة من الجند وغيرهم الدار والبرج الذي فيه الديوية ~~فطلبوا الأمان فأمنهم السلطان وسير لهم صنجقا، فأخذوه ورفعوه على برجهم ~~وفتحوا الباب، فطلع إليهم جماعة كثيرة من الجند وغيرهم. فلما صاروا عندهم ~~تعرض بعض الجند والعوام للنهب، ومدوا أيديهم إلى من عندهم من النساء ~~والأصاغر، فغلق الفرنج الأبواب ووضعوا فيهم السيف، فقتلوا جماعة من ~~المسلمين، ورموا الصنجق وتمسكوا بالعصيان وعاد الحصار عليهم. وفي اليوم ~~المذكور نزل من كان ببرج الإسبتار الأرمن بالأمان فأمنهم السلطان على ~~أنفسهم وحريمهم على يد الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، وتم القتال على ~~برج الديوية ومن عنده إلى يوم الأحد التاسع عشر من جمادى الأولى طلب ~~الديوية ومن بقي في الأبراج الأمان، فأمنهم السلطان على أنفسهم وحريمهم على ~~أن يتوجهوا حيث شاؤوا. فلما خرجوا قتلوا منهم فوق الألفين وأسروا مثلهم، ~~وساقوا إلى باب الدهليز النساء والصبيان، وكان من جملة حنق السلطان عليهم ~~مع ما صدر منهم أن الأمير آقبغا المنصوري أحد أمراء الشام كان طلع إليهم في ~~جملة من طلع فأمسكوه وقتلوه، وعرقبوا ما عندهم من الخيول، وأذهبوا ما ~~أمكنهم أذهابه، فتزايد الحنق عليهم ms1644 وأخذ الجند وغيرهم من السبي والمكاسب ما ~~لا يحصى. ولما علم من بقي منهم ما جرى على إخوانهم تمسكوا بالعصيان، ~~وامتنعوا من قبول الأمان وقاتلوا أشد قتال، واختطفوا خمسة نفر من المسلمين ~~ورموهم من أعلى البرج فسلم منهم نفر واحد ومات الأربعة. ثم في يوم الثلاثاء ~~ثامن عشرين جمادى المذكورة أخذ البرج الذي تأخر بعكا، وأنزل من فيه ~~بالأمان، وكان قد غلق من سائر جهاته. فلما نزلوا منه وحولوا معظم ما فيه ~~سقط على جماعة من المسلمين المتفرجين ومضن قصد النهب فهلكوا عن آخرهم. ثم ~~بعد ذلك عزل السلطان النساء والصبيان ناحية وضرب رقاب الرجال أجمعين وكانوا ~~خلائق كثيرة. والعجب أن الله سبحانه وتعالى قدر فتح عكا في مثل اليوم الذي ~~أخذها الفرنج فيه، ومثل الساعة التي أخذوها فيها؛ فإن الفرنج كانوا استولوا ~~على عكا في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة في ~~الساعة الثالثة من النهار، وأمنوا من كان بها من المسلمين ثم قتلوهم غدرا، ~~وقدر الله تعالى أن المسلمين استرجعوها منهم في هذه المرة يوم الجمعة في ~~الساعة الثالثة من النهار، ووافق السابع عشر من جمادى الأولى، وأمنهم ~~السلطان ثم قتلهم كما فعل الفرنج بالمسلمين، فانتقم الله تعالى من عاقبتهم. ~~وكان السلطان عند منازلته عكا قد جهز جماعة من الجند مقدمهم الأمير علم ~~الدين سنجر الصوابي الجاشنكير إلى صور لحفظ الطرق وتعرف الأخبار، وأمره ~~بمضايقة صور. فبينما هو في ذلك لم يشعر إلا بمراكب المنهزمين من عكا قد ~~وافت الميناء التي لصور، فحال بينها وبين الميناء؛ فطلب أهل صور الأمان ~~فأمنهم على أنفسهم وأموالهم ويسلموا صور فأجيبوا إلى ذلك، فتسلمها. وصور من ~~أجل الأماكن ومن الحصون المنيعة، ولم يفتحها السلطان صلاح الدين يوسف بن ~~أيوب فيما فتح من الساحل، بل كان صلاح الدين كلما فتح مكانا وأمنهم أوصلهم ~~إلى صور هذه لحصانتها ومنعتها، فألقى الله تعالى في قلوب أهلها الرعب حتى ~~سلموها من غير قتال ولا منازلة، ولا كان الملك الأشرف في نفسه شيء ms1645 من أمرها ~~البتة. وعندما تسلمها جهز إليها من أخربها وهدم أسوارها وأبنيتها، ونقل من ~~رخامها وأنقاضها شيء كثير. ولما تيسر أخذ صور على هذه الصورة قوي عزم الملك ~~الأشرف على أخذ غيرها. PageV02P0373 # ولما كان الملك الأشرف محاصرا لعكا استدعى الأمير حسام الدين لاجين ~~المنصوري نائب الشام، وهو الذي تسلطن بعد ذلك حسب ما يأتي ذكره، والأمير ~~ركن الدين بيبرس المعروف بطقصو في ليلة الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى إلى ~~المخيم وأمسكهما وقيدهما، وجهزهما في بكره نهار الاثنين إلى قلعة صفد، ~~ومنها إلى قلعة الجبل. وكان تقدم قبل ذلك بستة أيام مسك الأمير سنجر ~~المعروف بأبي خرص وجهزه إلى الديار المصرية محتاطا عليه. ثم استقر الملك ~~الأشرف بالأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري في نيابة الشام عوضا عن ~~الأمير لاجين المذكور. وعندما أمسك الأشرف هذين الأميرين الكبيرين حصل ~~للناس قلق شديد وخشوا من حدوث أمر يكون سببا لتنفيس الخناق عن أهل عكا، ~~فكفى الله تعالى ذلك. ثم أمسك الأشرف الأمير علم الدين أيدغدي الإلدكزي ~~نائب صفد وما معها لأمر نقمه عليه وصادره، وجعل مكانه الأمير علاء الدين ~~أيدكين الصالحي العمادي، وأضاف إليه مع ولاية صفد عكا وما استجد من ~~الفتوحات الأشرفية. ثم لما فرغ الأشرف من مصادرة أيدكين المذكور ولاه بر ~~صفد عوضا عن علم الدين سنجر الصوابي ثم استدعى الملك الأشرف الأمير بيبرس ~~الدوادار المنصوري الخطائي المؤرخ نائب الكرك وعزله، وولى عوضه الأمير آقوش ~~الأشرفي. ثم رحل الملك الأشرف عن عكا في بكرة نهار الاثنين خامس جمادى ~~الآخرة، ودخل دمشق يوم الاثنين ثاني عشره بعد أن زينت له دمشق غاية الزينة، ~~وعملت القباب بالشوارع من قريب المصلى إلى الباب الجديد، وحصل من الاحتفال ~~لقدومه ما لا يوصف، ودخل وبين يديه الأسرى من الفرنج تحتهم الخيول وفي ~~أرجلهم القيود، ومنهم الحامل من سناجق الفرنج المنكسة، وفيهم من حمل رمحا ~~علمه من رؤوس قتلى الفرنج، فكان لقدومه يوم عظيم. وأقام الأشرف بدمشق إلى ~~فجر نهار الأربعاء تاسع عشر شهر رجب. وعاد إلى ms1646 الديار المصرية فدخلها يوم ~~الاثنين تاسع شعبان؛ فاحتفل أيضا أهل مصر لملاقاته احتفالا عظيما أضعاف ~~احتفال أهل دمشق وعند دخوله إلى مصر أطلق رسل صاحب عكا الذين كانوا معوقين ~~بالقاهرة. ثم إن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي نائب الشام فتح صيدا بعد ~~حصار كبير بالأمان في يوم السبت خامس عشر شهر رجب. ولما أخذت هذه البلاد في ~~هذه السنة أمر السلطان أن تخرب قلعة جبيل وأسوارها بحيث يلحقها بالأرض ~~فخربت أصلا ثم أخذت عثليث بعد شهر. وأما أهل أنطرطوس لما بلغهم أخذ هذه ~~القلاع عزموا على الهرب، فجرد الأمير سيف الدين بلبان الطباخي عسكرا، فلما ~~أحاطوا بها ليلة الخميس خامس شعبان ركبوا البحر وهربوا إلى جزيرة أرواد، ~~وهي بالقرب منها، فندب إليها السعدي بما كان أحضره من المراكب والشواني ~~فأخلوها. وكان فتح هذه المدن الست في ستة شهور . ثم رسم الملك الأشرف ~~بالقبض على الأمير علم الدين سنجر الدوادار، فقبض عليه في شهر رمضان، وجهز ~~إلى الديار المصرية بعد أن أحيط على جميع موجوده؛ ثم أفرج الملك الأشرف على ~~جماعة من الأمراء ممن كان قبض عليهم وحبسهم، وهم: الأمير لاجين المنصوري ~~الذي تسلطن بعد ذلك، وبيبرس طقصو الناصري، وسنقر الأشقر الصالحي، وبدر ~~الدين بيسري الشمسي، وسنقر الطويل المنصوري، وبدر الدين خضر بن جودي ~~القيمري وفي شهر رمضان سنة تسعين وستمائة المذكورة أنعم السلطان الملك ~~الأشرف على علم الدين سنجر المنصوري المعروف بأرجواش خبزا وخلع عليه وأعيد ~~إلى ولاية قلعة دمشق ثم طلب الملك الأشرف قاضي القدس بدر الدين محمد بن ~~إبراهيم بن جماعة إلى الديار المصرية وولاه قضاءها بعد عزل قاضي القضاة تقي ~~الدين ابن بنت الأعز. واستمر الملك الأشرف بالديار المصرية إلى أن تجهز ~~وخرج منها قاصدا البلاد الشامية في يوم السبت ثامن شهر ربيع الآخر من مدة ~~إحدى وتسعين وستمائة، وسار حتى دخل دمشق في يوم السبت سادس جمادى الأولى. ~~وفي ثامن جمادى الأولى أحضر السلطان الأموال وأنفق في جميع العساكر المصرية ~~والشامية. ووصل الملك المظفر تقي الدين ms1647 صاحب حماة لتلقي الملك الأشرف ~~فالتقاه فزاد السلطان في إكرامه، واستعرض الجيوش عليه وأمر بتسفيرهم قدام ~~الملك المظفر المذكور. PageV02P0374 # ثم توجه الملك الأشرف من دمشق بجميع العساكر قاصدا حلب، فوصلها في ثامن ~~عشرين جمادى الأولى ثم خرج منها ونزل على قلعة الروم بعساكره وحاصرها إلى ~~أن افتتحها بالسيف عنوة في يوم السبت حادي عشر شهر رجب، وكتب البشائر إلى ~~الأقطار بأخذها ثم عاد السلطان إلى دمشق وترك بقلعة الروم الشجاعي وعساكر ~~الشام ليعمروا ما انهدم منها في الحصار. وكان دخول السلطان إلى دمشق في يوم ~~الثلاثاء تاسع عشر شعبان بعد أن عزل الأمير قرا سنقر المنصوري عن نيابة حلب ~~بالأمير بلبان الطاخي، وولى عوضا عن الطباخي في الفتوحات طغريل الإيغاني. ~~ولما كان السلطان بدمشق عمل عسكره النوروز كعادتهم بالديار المصرية، وعظم ~~ذلك على أهل دمشق لعدم عادتهم بذلك. وفي يوم الجمعة ثامن عشرين رمضان قبض ~~السلطان على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وعلى الأمير ركن الدين طقصو، ~~وهرب الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ونادوا عليه بدمشق من أحضره فله ألف ~~دينار، ومن أخفاه شنق. ثم ركب الملك الأشرف ومماليكه في طلب لاجين المذكور، ~~وأصبح يوم العيد والسلطان في البرية مهجج، وكانوا عملوا السماط كجاري ~~العادة في الأعياد، وأطلعوا المنبر إلى الميدان الأخضر، وطلع الخطيب موفق ~~الدين فصلى في الميدان بالعوام وعاد السلطان بعد صلاة العصر إلى دمشق، ولم ~~يقع للاجين على خبر. ثم سير الملك الأشرف طقصو وسنقر الأشقر تحت الحوطة إلى ~~الديار المصرية. وأما لاجين فإن العرب أمسكوه وأحضروه إلى الملك الأشرف ~~فأرسله الملك الأشرف مقيدا إلى مصر. وفي سادس شوال ولى السلطان الأمير عز ~~الدين أيبك الحموي نيابة دمشق عوضا عن الشجاعي. ثم خرج الأشرف من دمشق ~~قاصدا الديار المصرية في ليلة الثلاثاء عاشر شوال، وكان قد رسم الأشرف لأهل ~~الأسواق بدمشق وظاهرها أن كل صاحب حانوت يأخذ بيده شمعة ويخرج إلى ظاهر ~~البلد، وعند ركوب السلطان يشعلها، فبات أكثر أهل البلد بظاهر دمشق لأجل ~~الفرجة! فلما كان ms1648 الثلث الأخير من الليل ركب السلطان وأشعلت الناس الشموع، ~~فكان أول الشمع من باب النصر وآخر الوقيد عند مسجد القدم، لأن والي دمشق ~~كان قد رتبهم من أول الليل، فكانت ليلة عظيمة لم ير مثلها. وسافر السلطان ~~حتى دخل الديار المصرية يوم الأربعاء ثاني ذي القعدة من باب النصر وخرج من ~~باب زويلة، واحتفل أهل مصر لدخوله احتفالا عظيما، وكان يوم دخوله يوما ~~مشهودا. ولما أن طلع السلطان إلى قلعة الجبل أنعم على الأمير قرا سنقر ~~المنصوري المعزول عن نيابة حلب بإمرة مائة فارس بديار مصر. ثم أفرج عن ~~الأمير حسام الدين لاجين المنصوري وأعطاه أيضا خبز مائة فارس بديار مصر ~~وسببه أن السلطان عاقب سنقر الأشقر وركن الدين طقصو فاعترفوا أنهم كانوا ~~يريدون قتله، وأن لاجين لم يكن معهم ولا كان له اطلاع على الباطن فخنقهم ~~وأفرج عن لاجين بعد ما كان وضع الوتر في حلقه لخنقه، فضمنه خشداشه الأمير ~~بدر الدين بيدرا المنصوري نائب السلطان، وعلم الدين سنجر الشجاعي وغيرهما. ~~قلت وسنقر الأشقر هو الذي كان تسلطن بدمشق في أوائل سلطنة الملك المنصور ~~قلاوون، ووقع له معه تلك الأمور المذكورة في عدة أماكن. وأما لاجين هذا فهو ~~الذي تسلطن بعد ذلك وتلقب بالملك المنصور حسب ما يأتي ذكره. وكلما ذكرنا من ~~حينئذ لاجين فهو المنصور ولا حاجة للتعريف به بعد ذلك. ثم إنهم أخرجوا ~~الأمراء المخنقين وسلموهم إلى أهاليهم وكان السلطان خنق معهما ثلاثة أمراء ~~أخر فأخرجوا الجميع ودفنوا، ثم غرق السلطان جماعة أخرى، وقيل إن ذلك كان في ~~مستهل سنة اثنتين وتسعين وستمائة. واستمر السلطان بمصر إلى أن تجهز وخرج ~~منها إلى الشام في جمادى الأولى من سنة اثنتين وتسعين وستمائة المذكورة، ~~وسار حتى دخل دمشق في يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة ونزل بالقصر الأبلق من ~~الميدان الأخضر. ولما استقر ركابه بدمشق شرع في تجهيز العساكر إلى بلاد سيس ~~والغارة عليها، فوصل رسل صاحب سيس بطلب الصلح ورضا السلطان عليه، ومهما طلب ~~منه من القلاع والمال أعطاه، ms1649 وشفع الأمراء في صاحب سيس واتفق الحال على أن ~~يتسلم نواب السلطان من صاحب سيس ثلاث قلاع، وهي: بهسنا ومرعش وتل حمدون ~~ففرح الناس بذلك، لأنه كان على المسلمين من بهسنا أذى عظيم. PageV02P0375 # وأقام السلطان بدمشق إلى مستهل شهر رجب توجه منها، وصحبته عسكر الشام ~~والأمراء وبعض عساكر مصر. وأما الضعفاء من عسكر مصر فأعطاهم السلطان دستورا ~~بعودتهم إلى الديار المصرية. وسار السلطان حتى وصل إلى حمص، ثم توجه منها ~~إلى سلمية مظهرا أنه متوجه إلى ضيافة الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى بن ~~مهنا أمير آل فضل، وكان خروج السلطان من دمشق في ثاني شهر رجب؛ فلما كان ~~بكرة يوم الأحد سابع شهر رجب وصل الأمير لاجين وصحبته مهنا إلى دمشق وهو ~~مقبوض عليه، أمسكه السلطان لما انقضت الضيافة وولى عوضه شخصا من أولاد عمه، ~~وهو الأمير محمد بن علي بن حذيفة. وفي بقية النهار وصل السلطان إلى دمشق، ~~ورسم للأمير بيدرا أن يأخذ بقية العساكر ويتوجه إلى مصر، وأن يركب تحت ~~الصناجق عوض السلطان وبقي السلطان مع خواصه بدمشق بعدهم ثلاثة أيام ثم خرج ~~من دمشق في يوم السبت ثالث عشر رجب، وعاد إلى جهة الديار المصرية في العشر ~~الأخير من شهر رجب من سنة اثنتين وتسعين وستمائة. ثم إن السلطان أمر الأمير ~~عز الدين أيبك الحموي الأفرم أمير جاندار نائب الشام أن يسافر إلى الشوبك ~~ويخرب قلعتها، فكلمه الأفرم في بقائها فانتهره، وسافر من يومه، وتوجه ~~الأفرم إلى الشوبك وأخربها غير القلعة. وكان ذلك غاية ما يكون من الخطأ ~~وسوء التدبير؛ وكان أخرب قبل ذلك أيضا عدة أماكن بقلعة الجبل، وبقلعة دمشق ~~أيضا أخرب عدة قاعات ومباني هائلة. وأما قلاع السواحل فأخرب غالبها، وكان ~~يقصد ذلك لمعنى يخطر بباله. ثم في العشرين من ذي الحجة نصب السلطان ظاهر ~~القاهرة خارج باب النصر القبق، وصفة ذلك أن ينصب صار طويل ويعمل على رأسه ~~قرعة من ذهب أو فضة ويجعل في القرعة طير حمام، ثم يأتي الرامي بالنشاب وهو ms1650 ~~سائق فرسه ويرمي عليه، فمن أصاب القرعة وطير الحمام خلع عليه خلعة تليق به، ~~ثم يأخذ القرعة وكان ذلك بسبب طهور أخي الملك الأشرف، وهو الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون، وطهور ابن أخيه الأمير مظفر الدين موسى ابن الملك الصالح ~~علاء الدين علي بن قلاوون، فاحتفل السلطان لطهورهما وعمل مهما عظيما. وكان ~~الطهور في يوم الاثنين ثاني عشرين ذي الحجة. وعندما طهروهم رموا الأمراء ~~الذهب لأجل النقوط؛ فإن كان الأمير أمير مائة فارس رمى مائة دينار، وإن كان ~~أمير خمسين فارسا رمى خمسين دينارا، وقس على ذلك سائر الأمراء؛ ورمى حتى ~~مقدمو الحلقة والأجناد، فجمع من ذلك شيء كثيرة وهو آخر فرح عمله الأشرف ~~هذا. ثم بعد فراغ المهم بمدة يسيرة، نزل السلطان الملك الأشرف المذكور من ~~قلعة الجبل متوجها إلى الصيد في ثاني المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة ~~وصحبته وزيره الصاحب شمس الدين بن السلعوس، ونائب سلطنته الأمير بدر الدين ~~بيدرا وجميع الأمراء، فلما وصل إلى الطرانة فارقه وزيره ابن السلعوس ~~المذكور وتوجه إلى الإسكندرية. وأما السلطان فإنه نزل بالحمامات لأجل ~~الصيد، وأقام إلى يوم السبت ثاني عشر المحرم، فلما كان قرب العصر وهو بأرض ~~تروجة حضر إليه الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة ومعه جماعة كثيرة من ~~الأمراء وكان السلطان بكرة النهار قد أمره أن يأخذ العسكر والدهليز ويمشي ~~عوضه تحت الصاجق وأن يتقدمه، ويبقى السلطان يتصيد وحده بقية يومه ويعود ~~العشية إلى الدهليز، فتوجه بيدرا على ذلك وأخذ السلطان الملك الأشرف يتصيد ~~ومعه شخص واحد يقال له شهاب الدين الأشل أمير شكار، وبينما السلطان في ذلك ~~أتاه هؤلاء: بيدرا ورفقته، فأنكر السلطان مجيئهم، وكان في وسط السلطان بند ~~حرير وليس معه نمجة لأجل الصيد، وكان أول من ابتدره الأمير بيدرا فضربه ~~بالسيف ضربة قطع بها يده مع كتفه، فجاء الأمير حسام الدين لاجين، وهو الذي ~~تسلطن بعد ذلك بمدة، وقال لبيدرا: يا نحس من يريد ملك مصر والشام تكون هذه ~~ضربته ثم ضربه على كتفه فحلها، ووقع ms1651 السلطان على الأرض، جاء بعدهما الأمير ~~بهادر رأس نوبة، وأخذ السيف ودسه في دبره وأطلعه من حلقه، وبقي يجيء واحد ~~من الأمراء بعد واحد ويظهرون ما في أنفسهم منه؛ ثم تركوه في مكانه وانضموا ~~على الأمير بيدرا وحلفوا له، وأخذوه تحت الصناجق وركبوا سائرين بين يديه ~~طالبين القاهرة. وقيل في قتله وجه آخر. PageV02P0376 # قال القطب اليونيني: " ومما حكى لي الأمير سيف الدين بن المحفدار كيف كان ~~قتل السلطان الملك الأشرف خليل قال: سألت الأمير شهاب الدين أحمد بن الأشل ~~أمير شكار السلطان، كيف كان قتل السلطان الأشرف؛ فقال ابن الأشل: بعد رحيل ~~الدهليز يعني مدورة السلطان والعساكر جاء إليه الخبر أن بتروجة طيرا كثيرا، ~~فقال السلطان: امش بنا نسبق الخاصكية، فركبنا وسرنا، فرأينا طيرا كثيرا ~~فرماه السلطان بالبندق، فأصرع شيئا كثيرا، ثم إنه التفت إلي وقال: أنا ~~جيعان، فهل معك شيء تطعمني فقلت: والله ما معي سوى فروجة ورغيف خبز، قد ~~ادخرته لنفسي في صولقي فقال لي: ناولني إياه، فأخذه وأكله جميعه، ثم قال ~~لي: أمسك لي فرسي حتى أنزل وأريق الماء، فقلت له: ما فيها حيلة! أنت راكب ~~حصانا وأنا راكب حجرة وما يتفقوا، فقال لي: انزل أنت واركب خلفي وأركب أنا ~~الحجرة التي لك، والحجرة مع الحصان تقف، قال: فنزلت وناولته لجام الحجرة، ~~ثم أني ركبت خلفه، ثم إن السلطان نزل وقعد يريق الماء، وشرع يولغ بذكره ~~ويمازحني، ثم قام وركب حصانه ومسك لي الحجرة، ثم إني ركبت. فبينما أنا ~~وإياه نتحدث وإذا بغبار عظيم قد ثار وهو قاصد نحونا، فقال لي السلطان: سق ~~واكشف لي خبر هذا الغبار، قال: فسقت، وإذا الأمير بدر الدين بيدرا والأمراء ~~معه، فسألتهم عن سبب مجيئهم فلم يردوا علي جوابا ولا التفتوا إلى كلامي، ~~وساقوا على حالهم حتى قربوا من السلطان، فكان أول من ابتدره بيدرا بالضربة ~~قطع بها يده وتمم الباقي قتله " انتهى. وأما أمر بيدرا فإنه لما قتل ~~السلطان بايع الأمراء بيدرا بالسلطنة ولقبوه بالملك الأوحد وبات تلك ~~الليلة، فإن ms1652 قتل الأشرف كان بين الظهر والعصر وأصبح ثاني يومه سار بيدرا ~~بالعساكر إلى نحو الديار المصرية؛ وبينما بيدرا سائر بعساكره وإذا بغبار ~~عظيم قد علا وملأ الجو وقرب منه، وإذا بالطلب عظيم فيه نحو ألف وخمسمائة ~~فارس من الخاصكية الأشرفية، ومعهم الأمير زين الدين كتبغا - وهو الذي تسلطن ~~بعد ذلك بمدة على ما يأتي ذكره - والأمير حسام الدين الأستادار طالبين ~~بيدرا بدم أستاذهم السلطان الملك الأشرف خليل المذكور وأخذ الثأر منه ومن ~~أصحابه، وكان ذلك بالطرانة في يوم الأحد أول النهار؛ فما كان غير ساعة إلا ~~والتقوا، وكان بيدرا لما رآهم صف من معه من أصحابه للقتال، فصدموه الأشرفية ~~صدمة صادقة وحملوا عليه حملة واحدة فرقوا شمله، وهرب أكثر من كان معه؛ ~~فحينئذ أحاطوا ببيدرا وقبضوا عليه وحزوا رأسه، وقيل: إنهم قطعوا يده قبل أن ~~يحزوا رأسه، كما قطعت يد أستاذهم الملك الأشرف بضربة السيف؛ ولما حزوا رأسه ~~حملوه على رمح وسيروه إلى القاهرة، فطافوا به ثم عادوا نحو القاهرة حتى ~~وصلوا بر الجيزة، فلم يمكنهم الأمير علم الدين سنجر الشجاعي من التعدية إلى ~~بر مصر، لأن السلطان الملك الأشرف كان قد تركه في القلعة عند سفره نائب ~~السلطنة بها، فلم يلتفتوا إليه وأرادوا التعدية؛ فأمر الشجاعي المراكب ~~والشواني فعدت إلى بر القاهرة، وبقي العسكر والأمراء على جانب البحر مقيمين ~~حتى مشت بينهم الرسل على أن يمكنهم الشجاعي من العبور حتى يقيموا عوض ~~السلطان أخاه الملك الناصر محمد بن قلاوون وهو صغير، تسكينا لما وقع ~~وإخمادا للفتنة، فأجلسوه على تخت الملك بقلعة الجبل في رابع عشر المحرم من ~~سنة ثلاث وتسعين وستمائة المذكورة، وأن يكون نائب السلطنة الأمير زين الدين ~~كتبغا، والوزير الأمير علم الدين سنجر الشجاعي وحسام الدين أستاذ الدار ~~أتابك العساكر. قلت: وساق الشيخ قطب الدين اليونيني واقعة الملك الأشرف هذا ~~وقتله وقتل بيدرا بأطول من هذا؛ قال الشيخ قطب الدين: PageV02P0377 # " وحكى لي الأمير سيف الدين بن المحفدار أمير جاندار قال: كان السلطان ~~الملك الأشرف قد أنفذني في ms1653 أول النهار إلى الأمير بدر الدين بيدرا يأمره أن ~~يأخذ العساكر ويسير بهم، فلما جئت إليه وقلت له: السلطان يأمرك أن تسير ~~الساعة تحت الصناجق بالأمراء والعسكر، قال: فنفر في بيدرا، ثم قال: السمع ~~والطاعة؛ قال: ورأيت في وجهه أثر الغيظ والحنق وقال: ولم يستعجلني! فظهر في ~~وجهه شيء ما كنت أعهده منه؛ ثم إني تركته ومشيت حملت الزردخاناه والثقل ~~الذي لي وسرت، فبينما أنا سائر أنا ورفيقي الأمير صارم الدين الفخري وركن ~~الدين أمير جاندار عند المساء، وإذا بنجاب سائر، فسألت عن السلطان أين ~~تركته؛ فقال: طول الله أعماركم فيه؛ فبينما نحن متحيرون في أمره، وإذا ~~بالسناجق التي للسلطان قد لاحت وقربت والأمراء تحتها، والأمير بدر الدين ~~بيدرا بينهم وهم محدقون به؛ قال: فجئنا وسلمنا عليه، فقال له الأمير ركن ~~الدين بيبرس أمير جاندار: يا خوند، هذا الذي فعلته كان بمشورة الأمراء؛ ~~قال: نعم، إنما قتلته بمشورتهم وحضورهم، وها هم كلهم حاضرون؛ وكان من جملة ~~من هو حاضر الأمير حسام الدين لاجين المنصوري، والأمير شمس الدين قرا سنقر ~~المنصوري، والأمير بدر الدين بيسري، وأكثر الأمراء سائقون معه؛ قال: ثم إن ~~بيدرا شرع يعدد سيئات السلطان ومخازيه ومناحسه وإهماله أمور المسلمين ~~واستهزاءه بالأمراء ومماليك أبيه ووزارته لابن السلعوس؛ قال: ثم إنه سألنا ~~هل رأيتم الأمير زين الدين كتبغا. فقلنا له: لا، فقال بعض الأمراء: يا ~~خوند، هل كان عنده علم بالقضية؛ فقال: نعم، وهو أول من أشار بهذا الأمر. ~~فلما كان ثاني يوم وإذا بالأميرين: زين الدين كتبغا وحسام الدين أستاذ ~~الدار قد جاؤوا في طلب كبير فيه مماليك السلطان الملك الأشرف نحو من الذي ~~فارس وفيهم جماعة من العسكر والحلقة، فالتقوه بالطرانة يوم الأحد أول ~~النهار ثم ساق قطب الدين في أمر الواقعة نحوا مما ذكرناه من أمر بيدرا ~~وغيره، إلى أن قال: وتفرق جمع الأمير بيدرا. قال ابن المحفدار: فلما رأينا ~~ما لنا بهم طاقة التجأنا إلى جبل هناك شمالي، واختلطنا بذلك الطلب الذي فيه ~~كتبغا، ورأينا بعض ms1654 أصحابنا، فقال: شدوا بالعجلة مناديلكم في رقابكم إلى تحت ~~آباطكم، فهي الإشارة بيننا وإلا قتلوكم أو شلحوكم فعملنا مناديلنا في ~~رقابنا إلى تحت آباطنا، وكان ذلك سبب سلامتنا، فحصل لنا به نفع كثير من جهة ~~الأمير زين الدين كتبغا ومن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وسلمت ~~بذلك أنفسنا وأثقالنا وأموالنا؛ ثم ظهر لهم أننا لم يكن لنا في باطن القضية ~~علم. قال: وسرنا إلى قمة الجبل. وذكر سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~حسب ما نذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى فيما يأتي. قال: ولما كان يوم ~~خامس عشرين المحرم أحضر إلى قلعة الجبل أميران وهما سيف الدين بهادر رأس ~~نوبة وجمال الدين آقوش الموصلي الحاجب، فحين حضروا اجتمعوا الأشرفية عليهم ~~فضربوا رقابهم وعلقوا رأس بهادر على باب داره الملاصقة لمشهد الحسين ~~بالقاهرة. وبهادر هذا هو الذي حط السيف في دبر الملك الأشرف بعد قتله ~~وأخرجه من حلقه. ثم أخذوا جثته وجثة آقوش وأحرقوهما في قمين جير وأما ~~الأمير حسام الدلن لاجين المنصوري، والأمير شمس الدين قرا سنقر فإنهما ~~اختفيا ولم يظهر لهما خبر، ولا وقع لهما على أثر. ثم أحضر المماليك ~~الأشرفية سبعة أمراء، وهم: سيف الدين نوغيه، وسيف الدين ألناق، وعلاء الدين ~~ألطنبغا الجمدار، وشمس الدين سنقر مملوك لاجين، وحسام الدين طرنطاي الساقي، ~~ومحمد خواجا، وسيف الدين أروس في يوم الاثنين خامس صفر إلى قلعة الجبل، ~~فلما رآهم السلطان الملك الناصر محمد أمر بقطع أيديهم أولا، وبعد ذلك ~~يسمرون على الجمال وأن تعلق أيديهم في حلوقهم ففعل ذلك، ورأس بيدرا أيضا ~~على رمح يطاف به معهم بمصر والقاهرة، وبقوا على هذه الحالة إلى أن ماتوا، ~~وكل من مات منهم سلم إلى أهله، والجميع دفنوهم بالقرافة. قلت: وقريب مما ~~وقع لبيدرا هذا وأصحابه أوائل ألفاظ المقالة الخامسة عشرة من " كتاب أطباق ~~الذهب " للشيخ الإمام الرباني شرف الدين عبد المؤمن الأصفهاني المعروف ~~بشوروة، وهي قوله: PageV02P0378 # " من الناس من يستطيب ركوب الأخطار، وورود التيار، ولحوق العار والشنار، ~~ويستحب وقد ms1655 النار، وعقد الزنار لأجل الدينار؛ ويستلذ سف الرماد، ونقل ~~السماد، وطي البلاد، لأجل الأولاد؛ ويصبر على نسف الجبال، ونتف السبال ~~لشهوة المال؛ ويبدل الإيمان بالكفر، ويحفر الجبال بالظفر، للدنانير الضفر؛ ~~ويلج ماضغي الأسود، للمراهم السود؛ لا يكره صداعا، إذا نال كراعا ويلقى ~~النوائب بقلب صابر، في هوى الشيخ أبي جابر ويأبى العز طبيعة، ويرى الذل ~~شريعة؛ وإن رزق لعيعة، يراها صنيعة، يؤم راسه وترض أضراسه؛ وإن أعطي درهما، ~~يراه مرهما. ومن الناس من يختار العفاف، ويعلف الإسفاف يدع الطعام طاويا، ~~ويذر الشراب صاديا، ويرى المال رائحا غاديا؛ يترك الدنيا لطلابها، ويطرح ~~الجيفة لكلابها؛ لا يسترزق لئام الناس، ويقنع بالخبز الناس؛ يكره المن ~~والأذى، ويعاف الماء على القذى؛ إن أثرى جعل موجوده معدوما، وإن أقوى حسب ~~قفاره مأدوما جوف خال، وثوب بال، ومجد عال ووجه مصفر، عليه قرة وثوب أسمال، ~~وراءه عز وجمال؛ وعقب مشقوق، وذيل مفتوق، يجره فتى مغبوق شعر: لله تحت قباب ~~العز طائفة ... أخفاهم في رداء الفقر إجلالا هم السلاطين في أطمار مسكنة ~~... استعبدوا من ملوك الأرض أقيالا غبر ملابسهم شم معاطسهم ... جروا على ~~فلك الخضراء أذيالا هذي المناقب لا ثوبان من عدن ... خيطا قميصا فصارا بعد ~~أسمالا هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا هم ~~الذين جبلوا برآء من التكلف، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف انتهى ما ~~ذكرناه من المقالة الخامسة عشرة وإن كنا خرجنا عن المقصود من كون غالبها من ~~غير ما نحن فيه، غير أنني لم أذكرها بتمامها هنا إلا لغرابتها. انتهى. ولما ~~مات الملك الأشرف خليل هذا، وتم أمر أخيه الملك الناصر محمد في السلطنة، ~~استقر الأمير زين الدين كتبغا المنصوري نائب السلطنة، وسنجر الشجاعي مدبر ~~المملكة وأتابك العساكر؛ وبقية الأمور تأتي في أول سلطنة الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون بأوضح من هذا. ولما قتل الملك الأشرف خليل المذكور بقي ملقى إلى ~~أن خرج والي تروجة من بعد قتله بيومين، ومعه أهل تروجة، وأخذوه وغسلوه ~~وكفنوه وجعلوه في تابوت في ms1656 دار الوالي إلى أن سيروا من القاهرة الأمير سعد ~~الدين كوجبا الناصري إلى مصرعه، فأخذه في تابوت ووصل به إلى القاهرة سحر ~~يوم الخميس ثاني عشرين صفر، فدفن في تربة والدته بجوار أخيه الملك الصالح ~~علي بن قلاوون - رحمهما الله تعالى - ورثاه ابن حبيب بقصيدة، أولها: ~~الكامل، تبا لأقوام بمالك رقهم ... فتكوا وما رقوا لحالة مترف وافوه غدرا ~~ثم صالوا جملة ... بالمشرفي على المليك الأشرف وافى شهيدا نحو روضات الرضا ~~... يختال بين مزهر ومزخرف ومضى يقول لقاتليه تربصوا ... بيني وبينكم عراض ~~الموقف وقال النويري في تاريخه: كان ملكا مهيبا شجاعا مقداما جسورا جوادا ~~كريما بالمال، أنفق على الجيش في هذه الثلاث سنين ثلاث نفقات: الأولى في ~~أول جلوسه في السلطنة في مال طرنطاي والثانية عند توجهه إلى عكا، والثالثة ~~عند توجهه إلى قلعة الروم انتهى كلام النويري باختصار. وقال الشيخ صلاح ~~الدين خليل بن أيبك الصفدي في تاريخه: " وكان قبل ولاية الملك الأشرف يؤخذ ~~عند باب الجابية بدمشق عن كل حمل خمسة دراهم مكسا، فأول ما تسلطن وردت إلى ~~دمشق مسامحة بإسقاط هذا، وبين سطور المرسوم بقلم العلامة بخطه: لتسقط عن ~~رعايانا هذه الظلامة، ويستجلب لنا الدعاء من الخاصة والعامة " انتهى كلام ~~الصفدي. PageV02P0379 # وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه، بعد أن ساق من أحواله قطعة ~~جيدة فقال: " ولو طالت أيامه أو حياته لأخذ العراق وغيرها؛ فإنه كان بطلا ~~شجاعا مقداما مهيبا عالي الهمة يملأ العين ويرجف القلب؛ رأيته مرات، وكان ~~ضخما سمينا كبير الوجه بديع الجمال مستدير اللحية، على وجهه رونق الحسن ~~وهيبة السلطنة؛ وكان إلى جوده وبذله الأموال في أغراضه المنتهى. وكان مخوف ~~السطوة، شديد الوطأة، قوي البطش؛ تخافه الملوك في أمصارها، والوحوش العادية ~~في آجامها. أباد جماعة من كبار الدولة. وكان منهمكا في اللذات، لا يعبأ ~~بالتحرز لنفسه لفرط شجاعته، ولم أحسبه بلغ ثلاثين سنة، ولعل الله عز وجل قد ~~عفا عنه وأوجب له الجنة لكثرة جهاده، وإنكائه في الكفار " انتهى كلام ~~الذهبي باختصار. قلت: وكان ms1657 الأشرف مفرط الشجاعة والإقدام، وجمهور الناس على ~~أنه أشجع ملوك الترك قديما وحديثا بلا مدافعة، ثم من بعده الملك الناصر فرج ~~ابن الملك الظاهر برقوق، وشهرتهما في ذلك تغني عن الإطناب في ذكرهما. وكانت ~~مدة مملكة الأشرف هذا على مصر ثلاث سنين وشهرين وخمسة أيام، لأن وفاة والده ~~كانت في يوم السبت سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة. وجلس الأشرف ~~المذكور على تخت الملك في صبيحة دفن والده في يوم الاثنين ثامن ذي القعدة. ~~وقتل في يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة. انتهى. وقال ~~الشيخ قطب الدين اليونيني: ومات يعني الملك الأشرف شهيدا مظلوما، فإن جميع ~~من وافق على قتله كان قد أحسن إليه ومناه وأعطاه وخوله، وأعطاهم ضياعا ~~بالشام؛ ولم تتجدد في زمانه مظلمة، ولا استجد ضمان مكس، وكان يحب الشأم ~~وأهله، وكذلك أهل الشأم كانوا يحبونه - رحمه الله تعالى وعفا عنه - . ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك الأشرف صلاح # الدين خليل على مصر وهي سنة تسعين ستمائة. على أنه حكم من الماضية من ~~يوم الاثنين ثامن ذي القعدة إلى آخرها. انتهى. فيها أعني سنة تسعين وستمائة ~~توفي الشيخ عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري السويدي ~~الطبيب المشهور؛ وهو من ولد سعد بن معاذ الأوسي - رضي الله عنه - كان قد ~~تفرد في آخر عمره بمعرفة الطب، وكان له مشاركة جيدة في العربية والتاريخ، ~~واجتمع بأكابر الأطباء وأفاضل الحكماء، مثل المهذب عبد الرحيم بن علي ~~الدخوار وغيره، وقرأ علم الأدب على جماعة من العلماء، وكان له نظم جيد. من ~~ذلك قوله في خضاب اللحية: مخلع البسيط، لو أن تغيير لون شيبي ... يعيد ما ~~فات من شبابي لما وفى لي بما تلاقي ... روحي من كلفة الخضاب قلت: ويعجبني ~~قول الشيخ صفي الدين عبد العزيز الحلي في هذا المعنى: قالوا اخضب الشيب ~~فقلت اقصروا ... فإن قصد الصدق من شيمتي فكيف أرضى بعد ذا أنني ... أول ما ~~أكذب في لحيتي غيره في المعنى: السريع يا ms1658 خاضب اللحية ما تستحي ... تعاند ~~الرحمن في خلقته أقبح شيء قيل بين الورى ... أن يكذب الإنسان في لحيته ومن ~~شعر عز الدين صاحب الترجمة: البدر والسعد ذا شبهك وذا نجمك ... والقد ~~واللحظ ذا رمحك وذا سهمك والبغض والحب ذا قسمي وذا قسمك ... والمسك والحسن ~~ذا خالك وذا عمك وفيها توفي ملك التتار أرغون بن أبغا بن هولاكو عظيم ~~التتار وملكهم، قيل: إنه اغتيل بالسم، وقيل: إنه مات حتف أنفه، واتهم الترك ~~اليهود بقتله فمالوا عليهم بالسيوف فقتلوهم ونهبوا أموالهم؛ واختلفت كلمة ~~التتار فيمن يقيمونه بعده في الملك، فمالت طائفة إلى بيدو ولم يوافقوا على، ~~كيختو، فرحل كيختو إلى الروم وكان أرغون هذا قد عظم أمره عند التتار بعد ~~قتل عمه أحمد تكودار، ورسخت قدمه في الملك، وكان شهما شجاعا مقداما، حسن ~~الصورة، سفاكا للدماء، شديد الوطأة. وفيها توفي الشيخ عفيف الدين أبو ~~الربيع سليمان بن علي بن عبد الله بن علي بن يس العابدي ثم الكوفي ثم ~~التلمساني المعروف بالعفيف التلمساني، الصوفي الشاعر المشهور؛ كان فاضلا ~~ويدعي العرفان، ويتكلم في ذلك على اصطلاح القوم. PageV02P0380 # قال الشيخ قطب الدين: " ورأيت جماعة ينسبونه إلى رقة الدين؛ وتوفي وقد ~~جاوز الثمانين سنة من العمر؛ وكان حسن العشرة كريم الأخلاق له حرمة ووجاهة، ~~وخدم في عدة جهات. قلت: وقد تقدم ذكر ولده الأديب الظريف شمس الدين محمد ~~أنه مات في حياة والده العفيف هذا انتهى. وكان العفيف المذكور من الشعراء ~~المجيدين وله ديوان شعر كبير ومن شعره: السريع، يشكو إلى أردافه خصره ... ~~لو تسمع الأمواج شكوى الغريق يا ردفه رق على خصره ... فإنه حمل ما لا يطيق ~~وله: الكامل، إن كان قتلي في الهوى يتعين ... يا قاتلي فبسيف جفنك أهون ~~حسبي وحسبك أن تكون مدامعي ... غسلي وفي ثوب السقام أكفن عجبا لخدك وردة في ~~بأنه ... والبان فوق الغصن ما لا يمكن أدنته لي سنة الكرى فلثمته ... حتى ~~تبدل بالشقيق السوسن ووردت كوثر ثغره فحسبتني ... في جنة من وجنيته أسكن ما ~~راعني إلا بلال الخال ms1659 فو ... ق الخد في صبح الجبين يؤذن قلت: وهذا مأخوذ من ~~قول الحاجري من قصيدة: أقام بلال الخال في صحن خده ... يراقب من لألاء غرته ~~الفجرا ومنه أيضا أخذ الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة المصري قوله: البسيط ~~وانظر إلى الخال فوق الثغر دون لمى ... تجد بلالا يراعي الصبح في السحر ~~قلت: وقد سبق إلى هذا المعنى أمير المؤمنين عبد الله بن المعتز بقوله: ~~السريع أسفر ضوء الصبح من وجهه ... فقام خال الخد فيه بلال كأنما الخال على ~~خده ... ساعة هجر في زمان الوصال قلت وقد استوعبنا من ذكر العفيف هذا في ~~ترجمته في تاريخنا " المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي " نبذة كبيرة ~~فلينظر هناك. وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة فقيه الشام تاج الدين أبو ~~محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري البدري المصري " الأصل ~~الدمشقي الشافعي المعروف بالفركاح. ولد في شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين ~~وستمائة. قال الصفدي: تفقه في صغره على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ~~والشيخ تقي الدين بن الصلاح، وبرع في المذهب وهو شاب، وجلس للاشتغال وله ~~بضع وعشرون سنة، ودرس في سنة ثمان وأربعين، وكتب في الفتاوى وقد أكمل ~~الثلاثين. ولما قدم النووي من بلده أحضروه ليشتغل عليه، فحمل همه وبعث به ~~إلى مدرس الرواحية ليصح له بها بيت ويرتفق بمعلومها وكانت الفتاوى تأتيه من ~~الأقطار وإذا سافر لزيارة القدس يترامى أهل البر على ضيافته، وكان أكبر من ~~الشيخ محيي الدين النووي بسبع سنين، وهو أفقه نفسا وأذكى وأقوى مناظرة من ~~الشيخ محيي الدين بكثير، وقيل إنه كان يقول: أيش قال النووي في مزبلته! ~~يعني عن الروضة قال: وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يسميه " الدويك " ~~لحسن بحثه. انتهى كلام الصفدي باختصار. ومن شعره ما كتبه لزين الدين عبد ~~الملك بن العجمي ملغزا في اسم بيدرا: البسيط يا سيدا ملأ الآفاق قاطبة ... ~~بكل فن من الألغاز مبتكر ما اسم مسماه بدر وهو مشتمل ... عليه في اللفظ إن ~~حققت في النظر ms1660 وإن تكن مسقطا ثانيه مقتصرا ... عليه في الحذف أضحى واحد ~~البدر وله أيضا دو بيت. ما أطيب ما كنت من الوجد لقيت ... إذ أصبح بالحبيب ~~صبا وأبيت واليوم صحا قلبي من سكرته ... ما أعرف في الغرام من أين أتيت ~~PageV02P0381 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي مسند العالم فخر ~~الدين علي بن البخاري المقدسي في ربيع الآخر، وله خمس وتسعون سنة. والمعمر ~~شهاب الدين غازي بن أبي الفضل الحلاوي في صفر وفخر الدين عمر بن يحيى ~~الكرخى في شهر ربيع الآخر، وله إحدى وتسعون سنة. والعلامة تاج الدين عبد ~~الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري الشافعي في جمادى الآخرة، وله ست وستون ~~سنة. والشيخ العفيف التلمساني الشاعر سليمان بن علي في رجب، وله ثمانون ~~سنة. والمقرىء شهاب الدين محمد بن عبد الخالق بن مزهر في رجب. والقاضي شمس ~~الدين عبد الواسع بن عبد الكافي الأبهري في شوال. والمسند نجم الدين يوسف ~~بن يعقوب بن محمد بن المجاور في ذي القعدة. والمسند شمس الدين محمد بن عبد ~~المؤمن بن أبي الفتح الصالحي في ذي الحجة، وهو آخر من سمع من الكندي ~~والإمام شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الزبير الخابوري خطيب حلب في ~~المحرم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثلاث أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع أصابع. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك الأشرف خليل # وهي سنة إحدى وتسعين وستمائة. فيها في يوم الجمعة رابع عشرين صفر ظهر ~~بقلعة الجبل حريق عظيم في بعض خزائن الخاص، وأتلف شيئا عظيما من الذخائر ~~والنفائس والكتب وغيرها. وفيها توفي الصاحب تاج الدين أحمد ابن شرف الدين ~~سعيد ابن شمس الدين محمد بن الأثير الحلبي الكاتب المنشىء. وأولاد ابن ~~الأثير هؤلاء غير بني الأثير الموصليين. وكان تاج الدين هذا بارعا فاضلا ~~معظما في الدول. باشر الإنشاء بدمشق ثم بمصر للملك الظاهر بيبرس، ثم للملك ~~المنصور قلاوون، وكان له نظم ونثر ولكلامه رونق وطلاوة. ومن عجيب ما ms1661 اتفق ~~أن الأمير عز الدين أيدمر السناني النجيبي الدوادار أنشد تاج الدين المذكور ~~عند قدومه إلى القاهرة في الأيام الظاهرية أول اجتماعه به، ولم يكن يعلم ~~اسمه ولا اسم أبيه، قول الشاعر: البسيط، كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن ~~أحمد بن سعيد أحسن الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما ~~قد رأى بصري فقال له تاج الدين: يا مولانا، أتعرف أحمد بن سعيد؛ فقال: لا، ~~فقال: المملوك أحمد بن سعيد. ولم يزل تاج الدين هذا يترقى إلى أن ولي كتابة ~~السر بمصر بعد موت فتح الدين محمد بن عبد الظاهر الآتي ذكره. ولما ولي ~~كتابة السر سافر مع السلطان إلى الديار المصرية فأدركه أجله فمات بغزة ودفن ~~هناك؛ وولي بعده كتابة السر ابنه عماد الدين إسماعيل مدة إلى أن عزل بشرف ~~الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمري. وكان تاج الدين فاضلا نبيلا، وله يد ~~في النظم والنثر. ومن شعره القصيدة التي أولها: الطويل، أتتني أياديك التي ~~لو تصورت ... محاسنها كانت من الأنجم الزهر وفيها توفي القاضي فتح الدين ~~محمد ابن القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر ~~الجذامي الروحي المصري المعروف بآبن عبد الظاهر صاحب ديوان الإنشاء ومؤتمن ~~المملكة بالديار المصرية. مولده بالقاهرة في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ~~وسمع الحديث وتفقه ومهر في الإنشاء، وساد في الدولة المنصورية قلاوون برأيه ~~وعقله وحسن سياسته، وتقدم على والده فكان والده من جملة الجماعة الذين ~~يصرفهم أمره ونهيه وقد تقدم ذكره في ترجمة الملك المنصور قلاوون والتعريف ~~بحاله. ومن شعر فتح الدين المذكور لما توجه إلى دمشق في صحبة السلطان وحصل ~~له توعك فكتب إلى والده يقول: الكامل، إن شئت تبصرني وتبصر حالتي ... قابل ~~إذا هب النسيم قبولا تلقاه مثلي رقة ونحافة ... ولأجل قلبك لا أقول عليلا ~~فهو الرسول إليك مني ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا وله: الخفيف، ذو ~~قوام يجور منه اعتدال ... كم طعين به من العشاق سلب القضب لينها فهي غيظا ms1662 ~~... واقفات تشكوه بالأوراق قلت: وأجاد شمس الدين محمد بن العفيف في هذا ~~المعنى حيث قال: قده حاز اعتدالا ... فله فتك ونسك سلب الأغصان لينا ... ~~فهي بالأوراق تشكو PageV02P0382 # الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي سيف الدين عبد ~~الرحمن بن محفوظ الرسعني في المحرم. وخطيب دمشق زين الدين عمر بن مكي ~~الوكيل في ربيع الأول. والمقرىء رضي الدين جعفر بن القاسم المعروف بابن ~~دبوقا الربعي في رجب. والعدل علاء الدين علي بن أبي بكر بن أبي الفتح بن ~~محفوظ بن الحسن، بن صصرى الضرير في شعبان. والموقعان: سعد الدين سعد الله، ~~بن مروان الفارقي، وفتح الدين محمد بن محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وست عشرة إصبعا. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الملك الأشرف خليل # وهي سنة اثنتين وتسعين وستمائة. فيها حصل ببلاد غزة والرملة وقاقون ~~والكرك زلزلة عظيمة، وكان معظم تأثيرها بالكرك بحيث انهدم ثلاثة أبراج من ~~قلعتها، وبنيان كثير من دورها وأماكنها وكانت الزلزلة المذكورة في صفر. ~~وفيها كانت وفاة الأمير الكبير شمس الدين سنقر بن عبد الله العلائي، ثم ~~الصالحي النجمي المعروف بالأشقر؛ كان من كبار الأمراء ممن تملك الشام في ~~أوائل سلطنة الملك المنصور قلاوون ودعا لنفسه وتلقب " بالملك الكامل " وخطب ~~له على منابر الشام، وضرب الدرهم والدينار باسمه وقد أوضحنا من أمره نبذة ~~كبيرة في عدة مواضع من ترجمة الملك المنصور قلاوون وغيره. ووقع له مع الملك ~~المنصور أمور أسفرت بعد سنين على أنه دخل تحت طاعته، وصار من جملة أكابر ~~أمرائه. واستمر سنقر على ذلك إلى أن مات الملك المنصور قلاوون وملك بعده ~~ابنه الملك الأشرف خليل صاحب الترجمة؛ قبض عليه في هذه السنة وخنقه وخنق ~~معه جماعة من الأمراء لأمر اقتضاه رأيه. والأمراء الذين قتلوا معه مثل: ~~الأمير ركن الدين طقصو الناصري، وجرمك الناصري وبلبان الهاروني؛ وكان معهم ~~الأمير حسام الدين لاجين المنصوري الذي تسلطن ms1663 بعد ذلك، فوضع السلطان الوتر ~~في رقبته لخنقه فانقطع الوتر؛ فقال لاجين: يا خوند، أيش ذنبي! ما لي ذنب ~~إلا أن طقصو حموي وأنا أطلق بنته، فرقوا له خشداشيته لأمر سبق في علم الله ~~وقبلوا الأرض وسألوا السلطان فيه، وضمنه خشداشه الأمير بدر الدين بيدرا ~~نائب السلطنة، فأطلقه السلطان وأعاده إلى رتبته؛ وأخذ سنقر الأشقر هذا ودفن ~~بالقرافة. وكان سنقر المذكور أميرا شجاعا مقداما كريما حسن السياسة مهابا ~~جليلا معظما في الدول؛ وخوطب بالسلطنة سنين عديدة إلى أن ضعف أمره ونزل من ~~قلعة صهيون بالأمان، وقدم على الملك المنصور قلاوون فأكرمه قلاوون، ودام ~~على ذلك إلى أن مات. وكان سنقر شجاعا أشقر عبل البدن جهوري الصوت مليح ~~الشكل. رحمه الله تعالى. وفيها توفي الشيخ الصالح القدوة المعتقد شيخ الشام ~~أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ السيد العارف أبي محمد عبد الله الأرموي ~~بزاويته بجبل قاسيون بعد الظهر وكانت جنازته مشهودة، رحمه الله. وفيها توفي ~~الصاحب محيي الدين عبد الله بن رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد ~~الظاهر السعدي الموقع كاتب الإنشاء بالديار المصرية. وقد تقدم ذكر ولده ~~القاضي فتح الدين في السنة الماضية. كان محيي الدين هذا من سادات. الكتاب ~~ورؤسائهم وفضلائهم. ومولده في سنة عشرين وستمائة بالقاهرة، ومات يوم ~~الأربعاء ثالث شهر رجب ودفن بالقرافة بتربته التي أنشأها. وهو صاحب النظم ~~الرائق والنثر الفائق. ومن شعره قوله: يا قاتلي بجفون ... قتيلها ليس يقبر ~~إن صبروا عنك قلبي ... فهو القتيل المصبر وله، وأجاد إلى الغاية: الخفيف ~~نسب الناس للحمامة حزنا ... وأراها في الشجو ليست هنالك خضبت كفها وطوقت ~~الجي ... د وغنت وما الحزين كذلك وله مضمنا: الطويل، لقد قال كعب في النبي ~~قصيدة ... وقلنا عسى في مدحه نتشارك فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة ~~كعب فهو كعب مبارك وله: الخفيف، سلفتنا على العقول السلافه ... فتقاضت ~~ديونها بلطافه ضيفتنا بالنشر والبشر واليس ... ر ألا هكذا تكون الضيافه وقد ~~سقنا من ترجمته في تاريخنا، " المنهل الصافي " عدة أخر غير هؤلاء المقطعات. ~~PageV02P0383 # وفيها ms1664 توفي الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الحلبي، الأمير الكبير أحد ~~الموصوفين بالشجاعة والإقدام، وقد شهد عدة حروب، وله مواقف مشهورة مع ~~العدو. وكان أبيض الرأس واللحية من أبناء الثمانين، وكان ولي نيابة دمشق في ~~آخر سنة ثمان وخمسين وستمائة. ولما تسلطن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس لم ~~يبايعه سنجر هذا ودعا لنفسه وحلف الأمراء وتسلطن بدمشق ولقب " بالملك ~~المجاهد " ، فلم يتم له ذلك حسب ما تقدم ذكره في أول ترجمة الملك الظاهر ~~بيبرس، وقبض الظاهر عليه وحبسه مدة سنين إلى أن مات. وتسلطن بعده ولده ~~الملك السعيد فأفرج عنه وأمره، فدام على ذلك إلى أن تسلطن الملك المنصور ~~قلاوون، ولما، خرج عليه الأمير سنقر الأشقر المقدم ذكره وتسلطن بدمشق، ندب ~~المنصور لحربه علم الدين سنجر هذا، وأضاف إليه العساكر المصرية، فخرج إليه ~~وقاتله وكسره وأخرجه من دمشق، ثم عاد إلى الديار المصرية، فأنعم عليه ~~المنصور قلاوون بأشياء كثيرة، ثم خانه وقبض عليه وحبسه إلى أن مات. فلما ~~تسلطن ولده الملك الأشرف خليل أفرج عنه وأكرمه ورفع منزلته. وكان سبب مسك ~~قلاوون له أنه لما كسر سنقر الأشقر عظم في أعين الناس ولهج بعض الناس ~~بتسميته " بالملك المجاهد " كما كان تلقب أولا لما ادعى السلطنة، فبادره ~~قلاوون وقبض عليه. وكان سنجر هذا من بقايا الأمراء الصالحية النجمية، رحمه ~~الله تعالى. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الشيخ ~~الزاهد إبراهيم ابن العارف الشيخ عبد الله الأرموي في المحرم وكمال الدين ~~أحمد بن محمد النصيبي الحلبي في المحرم. والمقرىء جمال الدين إبراهيم بن ~~داود الفاضلي في أول جمادى الأولى والإمام القدوة تقي الدين إبراهيم بن علي ~~بن الواسطي الحنبلي في جمادى الآخرة، وله تسعون سنة. والسيف علي ابن الرضي ~~عبد الرحمن المقدسي في شوال. والمحدث التقي عبيد بن محمد بن عباس، ~~الإسعردي. وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ترجم المصري راوي الترمذي. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع ms1665 ~~عشرة ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. انتهت ترجمة الملك الأشرف خليل. ### | AUT سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون الأولى # على مصر هو السلطان الملك الناصر أبو الفتوح ناصر الدين محمد ابن ~~السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي النجمي الألفي سلطان ~~الديار المصرية وابن سلطانها؛ مولده بالقاهرة في سنة أربع وثمانين وستمائة ~~بقلعة الجبل ووالده الملك المنصور قلاوون يحاصر حصن المرقب؛ وجلس على تخت ~~الملك بعد قتل أخيه الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون في يوم الاثنين ~~رابع عشر المحرم، وقيل يوم الثلاثاء خامس عشر المحرم، من سنة ثلاث وتسعين ~~وستمائة، لأن الملك الأشرف قتل بتروجة في يوم السبت ثاني عشر المحرم وقتل ~~قاتله الأمير بدر الدين بيدرا في يوم الأحد ثالث عشر المحرم، ثم اتفقوا على ~~سلطنة الملك الناصر محمد هذا عوضا عن أخيه، فتم له ذلك. فتكون سلطنته في ~~أحد اليومين المذكورين تخمينا لما وقع في ذلك من الاختلاف بين المؤرخين. ~~انتهى. PageV02P0384 # والملك الناصر هذا هو السلطان التاسع من ملوك الترك بالديار المصرية؛ ~~ولما استقر في السلطنة رتبوا الأمير زين الدين كتبغا المنصوري نائب السلطنة ~~بالديار المصرية عوضا عن بيدرا، والأمير علم الدين سنجر الشجاعي وزيرا ~~ومدبرا للمملكة وأتابك العساكر؛ ثم قبضوا على جماعة من قتلة الملك الأشرف ~~خليل حسب ما تقدم ذكره، وتم ذلك ودام إلى العشرين من صفر. فبلغ الأمير زين ~~الدين كتبغا أن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي يريد الوثوب عليه وقبضه ~~وقتله. وكان الذي أخبره بذلك سيف الدين قنق التتاري، وأعلمه بما في باطن ~~الشجاعي؛ والسبب في اطلاعه على ما في باطن الشجاعي أن هذا قنق هاجر من بلاد ~~التتار في زمن الملك الظاهر بيبرس، وأقام بمصر وأقطع في الحلقة فرزقه الله ~~تعالى اثني عشر ولدا كلهم ذكور، منهم: ستة أولاد في خدمة الملك الأشرف، ~~وخمسة في خدمة الشجاعي، وواحد منهم صغير وجميع أولاده شباب ملاح من أجمل ~~الناس صورة. وكان لقنق هذا منزلة عظيمة عند الشجاي وكلمته مسموعة، وشفاعته ~~مقبولة، وله طلاع على ms1666 أمور الدولة بسبب أولاده؛ فعلم بما دبره الشجاعي، ~~فحملته الجنسية حتى أعلم الأمير كتبغا على ما في باطن الشجاعي؛ فاحترز ~~كتبغا على نفسه وأعلم الأمراء بالخبر، وكان الأمراء كارهين الشجاعي. فلما ~~كان يوم الخميس ثاني عشرين صفر ركب الأمير كتبغا إلى سوق الخيل فنزل إليه ~~من القلعة أمير يقال له علم الدين سنجر، البندقداري وقال له من قبل ~~الشجاعي: أين حسام الدين لاجين المنصوري؛ أحضره الساعة؛ فقال له كتبغا: ما ~~هو عندي؛ وكان لاجين من يوم قتل الأشرف قد اختفى، والمماليك الأشرفية قد ~~أعياهم أمره من كثرة التفتيش عليه، فقال له البندقداري: بلى، لاجين عندك، ~~ثم مد يده إلى سيفه ليضربه به، فجذب سيف الدين بلبان الأزرق مملوك كتبغا ~~سيفه وعلا به البندقداري من ورائه وضربه ضربة حل بها كتفه ويده، ثم إنهم ~~تكاثروا عليه وأنزلوه عن فرسه وذبحوه، وهم مماليك كتبغا، وذلك في وسط سوق ~~الخيل؛ ومال غالب العسكر من الأمراء والمقدمين وأجناد الحلقة والتتار ~~والأكراد إلى كتبغا وانضموا عليه، ومالت البرجية وبعض الخاصكية إلى سنجر ~~الشجاعي، لأن الشجاعي كان أنفق فيهم في الباطن في يوم واحد ثمانين ألف ~~دينار، واتفق معهم أيضا أن كل من جاء برأس أمير كان له إقطاعه؛ وكان ~~الاتفاق معهم أنه في يوم الخميس وقت الموكب لما يطلع الأمير كتبغا إلى ~~القلعة ويمدوا السماط يمسك هو ومن اتفق معه من الأمراء يقبضون عليهم. ~~فآستعجل البندقداري ونزل إلى سوق الخيل وفعل ما ذكرناه. PageV02P0385 # ولما وقع ذلك تحقق الأمراء صحة ما نقل إليهم الأمير زين الدين كتبغا عن ~~الشجاعي، فاجتمع في الحال الأمراء عند كتبغا بسوق الخيل وركبت التتار ~~جميعهم وجماعة من الشهر زورية والأكراد وجماعة من الحلقة كراهية منهم في ~~الشجاعي، وخرج الشجاعي بمن معه إلى باب القلعة، فإن إقامته كانت بالقلعة، ~~وأمر بضرب الكوسات فضربت، وبقي يطلب أن يطلع إليه أحد من الأمراء والمقدمين ~~فلم يجبه أحد؛ وكان قد أخرج صحبته الذهب في الصرر وبقي كل من جاء إليه ~~يعطيه صرة؛ فلم يجىء إليه ms1667 إلا أناس قليلون ما لهم مرتبة. وشرع كتبغا ومن ~~معه في حصار القلعة وقطعوا عنها الماء وبقوا ذلك اليوم محاصرين. فلما كان ~~ثاني يوم نزلت البرجية من القلعة على حمية وتلاقوا مع كتبغا وعساكره وصدموه ~~صدمة كسروه فيها كسرة شنيعة وهزموه إلى بئر البيضاء، وتوجه كتبغا إلى جهة ~~بلبيس؛ فلما سمعوا باقي الأمراء بذلك ركب الأمير بدر الدين بيسري المنصوري ~~والأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح بقية العساكر المصرية، وتوجهت ~~الجميع إلى نصرة الأمير كتبغا وأصحابه، وقاتلوا المماليك البرجية حتى ~~كسروهم وردوهم إلى أن أدخلوهم إلى قلعة الجبل؛ ثم جدوا في حصار القلعة ومن ~~فيها، وعاد الأمير كتبغا وقد قوي عضده بخشداشيته والأمراء؛ ودام الحصار على ~~القلعة إلى أن طلعت الست خوند والدة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~إلى أعلى السور وكلمتهم بأن قالت لهم: أيش هو غرضكم حتى إننا نفعله لكم؛ ~~فقالوا: ما لنا غرض إلا مسك الشجاعي وإخماد الفتنة، ونحن لو بقيت بنت عمياء ~~من بنات أستاذنا الملك المنصور قلاوون كنا مماليكها لا سيما وولده الناصر ~~محمد حاضر وفيه كفاية فلما علمت ذلك رجعت واتفقت مع الأمير حسام الدين ~~لاجين أستاذ الدار، وغلقوا باب القلة من القلعة وهي التي عليها المعتمد، ~~وبقي الشجاعي بداره بالقلعة محصورا. فلما رآه أصحابه أنه في أنحس حال شرعوا ~~في النزول إلى عند الأمير كتبغا، فبقي جمع الشجاعي يقل وجمع كتبغا يكثر إلى ~~يوم السبت رابع عشرين صفر ضجر الشجاعي وطلب الأمان فلم يوافقوه الأمراء؛ ~~وطلع وقت صلاة الظهر بعض الأمراء وجماعة من الخاصكية وفيهم آقوش المنصوري ~~إلى عند الشجاعي يطلبونه إلى عند السلطان وإلى والدته في صورة أنهم يريدون ~~يستشيرونه فيما يعملون، فمشى معهم قليلا وتكاثروا عليه المماليك وجاء أقوش ~~من ورائه وضربه بالسيف ضربة قطع بها يده، ثم بادره بضربة ثانية أبرى بها ~~رأسه عن جسده، وأخذوا رأسه في الحال ورفعوه على سور القلعة ثم عادوا ونزلوا ~~به إلى كتبغا ودقوا البشائر وفتحوا باب القلة، وأخذوا رأس الشجاعي وجعلوه ms1668 ~~على رمح وأعطوه للمشاعلية فجبوا عليه مصر والقاهرة، فحصل المشاعلية مالا ~~كثيرا لبغض الناس قاطبة في الشجاعي؛ فقيل: إنهم كانوا يأخذون الرأس من ~~المشاعلية ويدخلونه بيتهم فتضربه النسوة بالمداسات لما في نفوسهم منه وسبب ~~ذلك ما كان اشتمل عليه من الظلم ومصادراته للعالم وتنوعه في الظلم والعسف ~~حسب ما يأتي ذكره في الوفيات بأوسع من هذا وأغلقت القاهرة خمسة أيام إلى أن ~~طلع كتبغا إلى القلعة في يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر ودقت البشائر وفتحت ~~الأبواب وجددت الأيمان والعهود للملك الناصر محمد بن قلاوون وأن يكون ~~الأمير كتبغا نائب السلطنة. ولما تم ذلك قبض كتبغا على جماعة من الخاصكية ~~والبرجية المتفقين مع الشجاعي، ثم أفرج عن جماعة من الأمراء كان قبض عليهم ~~في المخيم، وهم: الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الذي تسلطن بعد ذلك على ~~ما يأتي ذكره، والأمير سيف الدين برلغي، والأمير القمامي وسيف الدين قبجق ~~المنصوري، والأمير بدر الدين عبد الله وحامل الجتر، والأمير سيف الدين بوري ~~السلاح دار والأمير زين الدين عمر، والأمير سيف الدين قرمشي، والأمير علاء ~~الدين مغلطاي المسعودي وغيرهم وأخذ أمير زين الدين كتبغا وأعطى في الملك ~~وانفرد بتدبير الأمر ومشى مع الملك الناصر محمد مشي المملوك مع أستاذه. ~~PageV02P0386 # ثم بعث بتقليد نائب الشام على عادته، وهو الأمير أيبك الحموي. ثم بعد ذلك ~~نزل السلطان الملك الناصر محمد من قلعة الجبل في موكب هائل بأبهة السلطنة، ~~وتوجه إلى ظاهر القاهرة ثم عاد وشق القاهرة، ودخل من باب النصر وخرج من باب ~~زويلة عائدا إلى القلعة والأمراء مشاة بين يديه حتى الأمير كتبغا، وكان ذلك ~~في يوم الأحد رابع عشرين شهر رجب ولما كان سابع عشرين شهر رمضان ظهر الأمير ~~حسام الدين لاجين المنصوري من اختفائه واجتمع بالأمير كتبغا خفية، فتكلم ~~كتبغا في أمره مع الأمراء، فاتفقوا على إظهار أمره لما رأوا في ذلك من ~~إصلاح الحال، فطيب كتبغا خاطر الأمير حسام الدين لاجين ووعده أن يتكلم في ~~أمره مع السلطان والمماليك الأشرفية. ولا زال ms1669 كتبغا بالسلطان والحاشية حتى ~~رضاهم عليه وطيب قلوبهم إلى أن كان يوم عيد الفطر، ظهر حسام الدين لاجين من ~~دار كتبغا، وحضر السماط وقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر محمد، ~~فخلع عليه السلطان وطيب قلبه، ولم يعاتبه بما فعل مع أخيه الملك الأشرف ~~خليل مراعاة لخاطر كتبغا ثم خلع عليه الأمير كتبغا أيضا، وحملت إليه ~~الهدايا والتحف من الأمراء وغيرهم؛ وكل ذلك لأجل خاطر كتبغا. اصطلحت أيضا ~~معه المماليك الأشرفية على ما في نفوسهم منه من قتل أستاذهم بأمر كتبغا لهم ~~وإلحاحه عليهم في ذلك حتى قبلوا كلامه. وكانت مكافأة لاجين لكتبغا بعد هذا ~~الإحسان كله بأن دبر عليه حتى أخذ الملك منة وتسلطن عوضه على ما يأتي ذكره ~~وبيانه إن شاء الله تعالى. ثم خلع السلطان على الصاحب تاج الدين محمد ابن ~~الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء الدين علي بن حنا باستقراره في ~~الوزارة بالديار المصرية. ثم استهلت سنة أربع وتسعين وستمائة والخليفة ~~الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد وسلطان مصر والشام الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون، ومدبر مملكته الأمير كتبغا المنصوري. PageV02P0387 # ولما كان عاشر المحرم ثار جماعة من المماليك الأشرفية خليل في الليل بمصر ~~والقاهرة وعملوا عملا قبيحا وفتحوا أسواق السلاح بالقاهرة بعد حريق باب ~~السعادة، وأخذوا خيل السلطان وخرقوا ناموس الملك، وذلك كله بسبب ظهور ~~الأمير حسام الدين لاجين وعدم قتله فإنه كان ممن باشر قتل أستاذهم الملك ~~الأشرف خليل، فحماه الأمير كتبغا ورعاه؛ وأيضا قد بلغهم خلع أخي أستاذهم ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون من السلطنة وسلطنة كتبغا فتزايدت وحشتهم ~~وترادفت عليهم الأمور، فاتفقوا ووثبوا فلم ينتج أمرهم. فلما أصبح الصباح ~~قبض عليهم الأمير كتبغا وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم وكحل البعض وقطع ألسنة ~~آخرين وصلب جماعة منهم على باب زويلة؛ ثم فرق بقية المماليك على الأمراء ~~والمقدمين، وكانوا فوق الثلاثمائة نفر وهرب الباقون؛ فطلب الأمير زين الدين ~~كتبغا الخليفة والقضاة والأمراء وتكلم معهم في عدم أهلية الملك الناصر محمد ~~للسلطنة لصغر سنه، وأن ms1670 الأمور لابد لها من رجل كامل تخافه الجند والرعية ~~وتقف عند أوامره ونواهيه. كل ذلك كان بتدبير لاجين، فإنه لما خرج من إخفائه ~~علم أن المماليك الأشرفية لا بد لهم من أخذ ثار أستاذهم منه، وأيضا أنه علم ~~أن الملك الناصر محمد متى ترعرع وكبر لا يبقيه لكونه كان ممن قتل أخاه ~~الملك الأشرف خليلا؛ فلما تحقق ذلك أخذ يحسن للأمير كتبغا السلطنة وخلع ابن ~~أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون وسلطنته، وكتبغا يمتنع من ذلك فلا زال ~~به لاجين حتى حذره وأخافه عاقبة ذلك، وقال له: متى كبر الملك الناصر لا ~~يبقيك البتة، ولا يبقي أحدا ممن تعامل على قتل أخيه الملك الأشرف، وأن ~~هؤلاء الأشرفية ما دام الملك الناصر محمد في الملك شوكتهم قائمة، والمصلحة ~~خلعه وسلطنتك. فمال كتبغا إلى كلامه، غير أنه أهمل الأمر وأخذ في تدبير ذلك ~~على مهل. فلما وقع من الأشرفية ما وقع وثب وطلب الخليفة والقضاة حسب ما ~~ذكرناه ولما حضر الخليفة والقضاة اتفق رأي الأمراء والجند على خلع السلطان ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون من الملك وسلطنة كتبغا هذا عوضه؛ فوقع ذلك ~~وخلع الملك الناصر محمد من السلطنة وتسلطن كتبغا وجلس على تخت الملك في يوم ~~خلع الملك الناصر، وهو يوم الخميس ثاني عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة ~~بعد واقعة المماليك الأشرفية بيومين، وأدخل الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~إلى الدور بالقلعة، وأمره كتبغا بألا يركب ولا يظهر وكان عمره يوم خلع نحو ~~العشر سنين. وكانت مدة سلطنته في هذه المرة الأولى سنة واحدة إلا ثلاثة ~~أيام أو أقل ويأتي بقية ترجمته في سلطنته الثانية والثالثة إن شاء الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر محمد الأولى # على أنه لم يكن له من السلطنة فيها إلا مجرد الاسم فقط، وإنما كان الأمر ~~أولا للأمير علم الدين سنجر الشجاعي ثم للأمير كتبغا المنصوري، وهي سنة ~~ثلاث وتسعين وستمائة، على أن الأشرف قتل في أوائلها في المحرم حسب ما تقدم ~~ذكره. ms1671 فيها توفي الصاحب فخر الدين أبو العباس إبراهيم بن لقمان بن أحمد بن ~~محمد الشيباني الإسعردي ثم المصري، رئيس الموقعين بالديار المصرية، ثم ~~الوزير بها. ولي الوزارة مرتين، وكان مشكور السيرة قليل الظلم كثير العدل ~~والإحسان للرعية وفي أيام وزارته سعى في إبطال مظالم كثيرة، وكان يتولى ~~الوزارة بجامكية الإنشاء، وعندما يعزلونه من الوزارة يصبح يأخذ غلامه ~~الحرمدان خلفه، ويروح يقعد في ديوان الإنشاء وكأنه ما تغير عليه شيء؛ وكان ~~أصله من المعدن من بلاد إسعرد، وتدرب في الإنشاء بالصاحب بهاء الدين زهير ~~حتى برع في الإنشاء وغيره. قال الذهبي: رأيته شيخا بعمامة صغيرة وقد حدث عن ~~ابن رواح وكتب عنه البرزالي والطلبة انتهى. وكان ابن لقمان المذكور فاضلا ~~ناظما ناثرا مترسلا، ومات بالقاهرة في جمادى الآخرة ودفن بالقرافة ومن ~~شعره: الكامل كن كيف شئت فإنني بك مغرم ... راض بما فعل الهوى المتحكم ولئن ~~كتمت عن الوشاة صبابتي ... بك فالجوانح بالهوى تتكلم أشتاق من أهوى وأعجب ~~أنني ... أشتاق من هو في الفؤاد مخيم يا من يصد عن المحب تدللا ... وإذا ~~بكى وجدا غدا يتبسم أسكنتك القلب الذي أحرقته ... فحذار من نار به تتضرم ~~PageV02P0388 # وفيها قتل الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الشجاعي المنصوري؛ كان من ~~مماليك الملك المنصور قلاوون، وترقى حتى ولي شد الدواوين، ثم الوزارة ~~بالديار المصرية في أوائل دولة الناصر؛ وساءت سيرته وكثر ظلمه؛ ثم ولي ~~نيابة دمشق فتلطف بأهلها وقل شره، ودام بها سنين إلى أن عزل بالأمير عز ~~الدين أيبك الحموي، وقدم إلى القاهرة وكان مركبه يضاهي موكب السلطان من ~~التجمل؛ ومع ظلمه كان له ميل لأهل العلم وتعظيم الإسلام؛ وهو الذي كان مشد ~~عمارة البيمارستان المنصوري ببين القصرين فتممه في مدة يسيرة، ونهض بهذا ~~العمل العظيم وفرغ منه في أيام قليلة، وكان يستعمل فيه الصناع والفعول ~~بالبندق حتى لا يفوته من هو بعيد عنه في أعلى سقالة كان ويقال إنه يوما وقع ~~بعض الفعول من أعلى السقالة بجنبه فمات، فما اكترث سنجر هذا ولا ms1672 تغير من ~~مكانه وأمر بدفنه ثم عمل الوزارة أيضا في أوائل دولة الناصر محمد بن قلاوون ~~أكثر من شهر حسب ما تقدم ذكره، وحدثته نفسه بما فوق الوزارة، فكان في ذلك ~~حتفه وقتله حسب ما ذكرناه في أول ترجمة الملك الناصر هذا، وفرح أهل مصر ~~بقتله فرحا زائدا حتى إنه لما طافت المشاعلية برأسه على بيوت الكتاب القبط ~~بلغت اللطمة على وجهه بالمداس نصفا، والبولة عليه درهما، وحصلوا المشاعلية ~~جملا من ذلك. قلت: وهذا غلط فاحش من المشاعلية، قاتلهم الله! لو كان من ~~الظلم ما كان هو خير من الأقباط النصارى. ولما كان على نيابة دمشق وسع ~~ميدانها أيام الملك الأشرف، فقال الأديب علاء الدين الوداعي في ذلك: ~~الكامل، علم الأمير بأن سلطان الورى ... يأتي دمشق ويطلق الأموالا فلأجل ذا ~~قد زاد في ميدانها ... لتكون أوسع للجواد مجالا قال الصلاح الصفدي: أخبرني ~~من لفظه شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني والدي عن قاضي القضاة نجم ~~الدين ابن الشيخ شمس الدين شيخ الجبل قال: كنت ليلة نائما فاستيقظت وكأن من ~~أنبهني وأنا أحفظ كأنما قد أنشدت ذلك: البسيط، عند الشجاعي أنواع منوعة ... ~~من العذاب فلا ترحمه بالله لم تغن عنه ذنوب قد تحملها ... من العباد ولا ~~مال ولا جاه قال: ثم جاءنا الخبر بقتله بعد أيام قلائل فكانت قتلته في تلك ~~الليلة التي أنشدت فيها الشعر. انتهى. قلت: وهذا من الغرائب. وقد ذكرنا من ~~أحوال سنجر هذا في تاريخنا المنهل الصافي في نبذة كبيرة كونه كتاب تراجم ~~وليس للإطناب لهؤلاء هنا محل. انتهى. وفيها توفي قتيلا الملك كيختو ملك ~~التتار قتله ابن أخيه بيدو. قلت: وهنا نكتة غريبة لم يفطن إليها أحد من ~~مؤرخي تلك الأيام، وهي أن سلطان الديار المصرية الملك الأشرف خليل بن ~~قلاوون قتله نائبه الأمير بيدرا، وملك التتار كيختو هذا أيضا قتله ابن أخيه ~~بيدو، وكلاهما في سنة واحدة، وذاك في الشرق وهذا في الغرب. انتهى. وملك بعد ~~كيختو بيدو المذكور الذي قتله. قلت: وكذلك وقع ms1673 للأشرف خليل؛ فإن بيدرا ملك ~~بعمه يوما واحدا وتلقب بالملك الأوحد. وعلى كل حال فإنهما تشابها أيضا وكان ~~بيدو الذي ولي أمر التتار يميل إلى دين النصرانية، وقيل إنه تنصر، لعنه ~~الله، ووقع له مع الملك غازان أمور يطول شرحها. وفيها قتل الوزير الصاحب ~~شمس الدين محمد بن عثمان بن أبي الرجاء التنوخي الدمشقي التاجر المعروف ~~بابن السلعوس قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: كان في شبيبته يسافر بالتجارة، ~~وكان أشقر سمينا أبيض معتدل القامة فصيح العبارة حلو المنطق وافر الهيبة ~~كامل الأدوات خليقا للوزارة تام الخبرة زائد الإعجاب عظيم التيه، وكان جارا ~~للصاحب تقي الدين البيع، فصاحبه ورأى فيه الكفاءة فأخذ له حسبة دمشق، ثم ~~توجه إلى مصر وتوكل للملك الأشرف خليل في دولة أبيه، فجرى عليه نكبة من ~~السلطان فشفع فيه مخدومه الأشرف خليل، وأطلقه من الاعتقاد، وحج فتملك ~~الأشرف في غيبته وكان محبا له فكتب إليه بين الأسطر: يا شقير، يا وجه ~~الخير، قدم السير. فلما قدم وزره وكان إذا ركب تمشي الأمراء الكبار في ~~خدمته انتهى. PageV02P0389 # قلت: وكان في أيام وزارته يقف الشجاعي المقدم ذكره في خدمته، فلما قتل ~~مخدومه الملك الأشرف وهو بالإسكندرية قدم القاهرة فطلب إلى القلعة فأنزله ~~الشجاعي من القلعة ماشيا، ثم سلمه من الغد إلى عدوه الأمير بهاء الدين ~~قراقوش مشد الصحبة، قيل: إنه ضربه ألفا ومائة مقرعة، ثم تداوله المسعودي ~~وغيره وأخذ منه أموالا كثيرة، ولا زال تحت العقوبة حتى مات في صفر. ولما ~~تولى الوزارة كتب إليه بعض أحبائه من الشام يحذره من الشجاعي: الوافر تنبه ~~يا وزير الأرض واعلم ... بأنك قد وطئت على الأفاعي وكن بالله معتصما فإني ~~... أخاف عليك من نهش الشجاعي فبلغ الشجاعي، فلما جرى ما جرى طلب أقاربه ~~وأصحابه وصادرهم، فقيل له عن الناظم، فقال: لا أوذيه فإنه نصحه في وما ~~انتصح وقد أوضحنا أمره في المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي بأطول من ~~هذا. انتهى. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي ~~المقرىء شمس ms1674 الدين محمد بن عبد العزيز الدمياطي بدمشق في صفر وقاضي القضاة ~~شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خليل الخويي. والسلطان الملك ~~الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون، فتكوا به في المحرم. ونائبه بيدرا قتل ~~من الغد ووزيره الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن السلعوس هلك تحت العذاب. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع مبلغ الزيادة خمس عشرة ~~ذراعا وسبع أصابع. وثبت إلى سادس عشر توت. ### | AUT سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا # هو السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا بن عبد الله المنصوري التركي ~~المغلي سلطان الديار المصرية؛ جلس على تخت الملك بعد أن خلع ابن أستاذه ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الخميس ثاني عشر المحرم سنة أربع ~~وتسعين وستمائة باتفاق الأمراء على سلطنته وهو السلطان العاشر من ملوك ~~الترك بالديار المصرية، وأصله من التتار من سبي وقعة حمص الأولى التي كانت ~~في سنة تسع وخمسين وستمائة؛ فأخذ الملك المنصور قلاوون وأدبه ثم أعتقه، ~~وجعله من جملة مماليكه، ورقاة حتى صار من أكابر أمرائه؛ واستمر على ذلك في ~~الدولة الأشرفية خليل بن قلاوون إلى أن قتل، وتسلطن أخوه الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون في سنة ثلاث وتسعين وأقام الناصر في الملك إلى سنة أربع وتسعين ~~ووقع الاتفاق على خلعه وسلطنة كتبغا هذا، فتسلطن وتلقب بالملك العادل، وسنه ~~يوم ذاك نحو الأربعين سنة، وقيل خمسين سنة. وقد تقدم سبب خلع الملك الناصر ~~محمد وسلطنة كتبغا هذا في آخر ترجمه الملك الناصر محمد فلا حاجة في الإعادة ~~وقال الشيخ شمس الدين بن الجزري قال: حكى لي الشيخ أبو الكرم النصراني ~~الكاتب، قال: لما فتح هولاكو حلب بالسيف ودمشق بالأمان طلب هولاكو نصير ~~الدين الطوسي وكان في صحبته، وقال له: اكتب أسماء مقدمي عسكري، وأبصر أيهم ~~يملك مصر، ويقعد على تخت الملك بها حتى أقدمه؛ قال: فحسب نصير الدين أسماء، ~~المقدمين فما ظهر له من الأسماء اسم من يملك الديار المصرية غير اسم كتبغا. ms1675 ~~وكان كتبغا صهر هولاكو، فقدمه على العساكر فتوجه بهم كتبغا فانكسر على عين ~~جالوت، فتعجب هولاكو من هذه الواقعة وظن أن نصير الدين قد غلط في حسابه. ~~وكان كتبغا هذا من جملة من كان في عسكر هولاكو من التتار ممن لا يؤبه إليه ~~من الأصاغر، وكسبه قلاوون في الواقعة؛ فكان بين المدة نحو من خمس وثلاثين ~~سنة، حتى قدر الله تعالى بما قدر من سلطنة كتبغا هذا. انتهى. ولما تم أمر ~~كتبغا في الملك وتسلطن مد سماطا عظيما وأحضر جميع الأمراء والمقدمين ~~والعسكر وأكلوا السماط، ثم تقدموا وقبلوا الأرض ثم قبلوا يده وهنأوه ~~بالسلطنة، وخلع على الأمير حسام الدين لاجين وولاه نيابة السلطنة بالديار ~~المصرية، وولى عز الدين الأفرم أمير جاندار، والأمير سيف الدين بهادر حاجب ~~الحجاب؛ ثم خلع على جميع الأمراء والمقدمين ومن له عادة بلبس الخلع وفي يوم ~~الخميس تاسع عشر المحرم ركب جميع الأمراء والمقدمين وجميع من خلع عليه ~~وأتوا إلى سوق الخيل وترجلوا وقبلوا الأرض، ثم كتب بسلطنة الملك العادل إلى ~~البلاد الشامية وغيرها. وزينت مصر والقاهرة لسلطنته. PageV02P0390 # ولما كان يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول ركب السلطان الملك العادل ~~كتبغا بأبهة السلطنة وشعار الملك من قلعة الجبل ونزل وسار إلى ظاهر القاهرة ~~نحو قبة النصر، وعاد من باب النصر وشق القاهرة حتى خرج من باب زويلة عائدا ~~إلى قلعة الجبل، كما جرت العادة بركوب الملوك. ولم تطل مدة سلطنته حتى وقع ~~الغلاء والفناء بالديار المصرية وأعمالها؛ ثم انتشر ذلك بالبلاد الشامية ~~جميعها في شوال من هذه السنة، وارتفع سعر القمح حتى بيع كل إردب بمائة ~~وعشرين درهما بعد أن كان بخمسة وعشرين درهما الإردب، وهذا في هذه السنة؛ ~~وأما في السنة الآتية التي هي سنة خمس وتسعين وستمائة فوصل سعر القمح إلى ~~مائة وستين درهما الإردب وأما الموت فإنه فشا بالقاهرة وكثر، فأحصي من مات ~~بها وثبت اسمه في ديوان المواريث، في ذي الحجة فبلغوا سبعة عشر ألفا ~~وخمسمائة وهذا سوى من لم يرد اسمه ms1676 في ديوان المواريث من الغرباء والفقراء ~~ومن لم يطلق من الديوان ورحل جماعة كثيرة من أهل مصر عنها إلى الأقطار من ~~عظم الغلاء وتخلخل أمر الديار المصرية. وفي هذه السنة حج الأمير أنس ابن ~~الملك العادل كتبغا صاحب الترجمة، وحجت معه والدته وأكثر حرم السلطان، وحج ~~بسببهم خلق كثير من نساء الأمراء بتجمل زائد، وحصل بهم رفق كبير لأهل مكة ~~والمدينة والمجاورين، وشكرت سيرة ولد السلطان أنس المذكور وبذل شيئا كثيرا ~~لصاحب مكة. ثم استهلت سنة خمس وتسعين وستمائة وخليفة المسلمين الحاكم بأمر ~~الله أبو العباس أحمد الهاشمي البغدادي العباسي وسلطان الديار المصرية ~~والبلاد الشامية والشمالية والفراتية والساحلية الملك العادل زين الدين ~~كتبغا المنصوري. ووزيره الصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين بن ~~الخليلي. ونائب السلطنة بالديار المصرية الأمير حسام الدين لاجين المنصوري. ~~وصاحب مكة، شرفها الله تعالى، الشريف نجم الدين أبو نمي محمد الحسني المكي ~~وصاحب المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، عز الدين جماز بن ~~شيحة الحسيني. وصاحب اليمن ممهد الدين عمر ابن الملك المظفر شمس الدين يوسف ~~ابن الملك المنصور عمر ابن علي، بن رسول. وصاحب حماة بالبلاد الشامية الملك ~~المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك ~~المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور محمد ابن تقي الدين عمر، بن ~~شاهنشاه بن أيوب. وصاحب ماردين الملك السعيد شمس الدين داود ابن، الملك ~~المظفر فخر الدين ألبي أرسلان ابن الملك السعيد شمس الدين قرا أرسلان بن ~~أرتق الأرتقي وصاحب الروم السلطان غياث الدين مسعود ابن السلطان عز الدين ~~كيكاوس ابن السلطان غياث الدين كيخسرو بن سلجوق السلجوقي. وملك التتار ~~غازان ويقال قازان، وكلاهما يصح معناه، واسمه الحقيقي محمود بن أرغون بن ~~أبغا بن هولاكو، وهو مظهر الإسلام وشعائر الإيمان. ونائب دمشق الأمير عز ~~الدين أيبك الحموي المنصوري وكان الموافق لأول هذه السنة عاشر بابه أحد ~~شهور القبط المسمى بالرومي تشرين الأول. وقال الشيخ قطب الدين اليونيني: ~~وفي العشر الأول من المحرم ms1677 حكى جماعة كثيرة من أهل دمشق واستفاض ذلك في ~~دمشق وكثر الحديث فيه عن قاضي جبة أعسال، وهي قرية من قرى دمشق، أنه تكلم ~~ثور بقرية من قرى جبة أعسال، وملخصها: أن الثور خرج مع صبي يشرب ماء من ~~هناك فلما فرغ حمد الله تعالى فتعجب صبي، وحكى لسيده مالك الثور فشك في ~~قوله وحضر في اليوم الثاني بنفسه، فلفا شرب الثور حمد الله تعالى؛ ثم في ~~اليوم الثالث حضر جماعة وسمعوه يحمد الله تعالى؛ فكلمه بعضهم فقال الثور: " ~~إن الله كان كتب على الأمة سبع سنين جدبا، ولكن بشفاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبدلها بالخصب، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتبليغ ذلك، ~~وقال الثور: يا رسول الله ما علامة صدقي عندهم؛ قال: أن تموت عقب الإخبار ~~قال الحاكي لذلك: ثم تقدم الثور على مكان عال فسقط ميتا، فأخذ الناس من ~~شعره للتبرك، وكفن ودفن انتهى. قلت: وهذه الحكاية غريبة الوقوع والحاكي لها ~~ثقة حجة، وقد قال: إنه استفاض ذلك بدمشق انتهى. وأما أمر الديار المصرية ~~فإنه عظم أمر الغلاء بها حتى أكل بعضهم الميتات والكلاب، ومات خلق كثير ~~بالجوع. والحكايات في ذلك كثيرة، وانتشر الغلاء شرقا وغربا. PageV02P0391 # وبينما السلطان الملك العادل كتبغا فيما هو فيه من أمر الغلاء ورد عليه ~~الخبر في صفر بأنه قد وصل إلى الرحبة عسكر كثير نحو عشرة آلاف بيت من عسكر ~~بيدو ملك التتار طالبين الدخول في الإسلام خوفا من السلطان غازان، ومقدمهم ~~أمير اسمه طرغاي، وهو زوج بنت هولاكو؛ فرسم الملك العادل إلى الأمير علم ~~الدين سنجر الدواداري، بأن يسافر من دمشق إلى الرحبة حتى يتلقاهم، فخرج ~~إليهم، ثم خرج بعده الأمير سنقر الأعسر شاد دواوين دمشق، ثم ندب الملك ~~العادل أيضا الأمير قراسنقر المنصوري بالخروج من القاهرة، فخرج حتى وصل إلى ~~دمشق لتلقي المذكورين، ورسم له أن يحضر معه في عوده إلى مصر جماعة من ~~أعيانهم، فوصل قراسنقر إلى دمشق وخرج لتلقيهم، ثم عاد إلى دمشق في يوم ms1678 ~~الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع الأول، ومعه من أعيانهم مائة فارس وثلاثة عشر ~~فارسا؛ وفرح الناس بهم وبإسلامهم وأنزلوهم بالقصر الأبلق من الميدان. وأما ~~الأمير علم الدين سنجر لدواداري فبقي مع الباقين، وهم فوق عشرة آلاف ما بين ~~رجل كبير وكهل وصغير وامرأة ومعهم ماشية كثيرة ورخت عظيم، وأقام قراسنقر ~~بهم أياما؛ ثم سافر بهم إلى جهة الديار المصرية، وقدموا القاهرة في آخر شهر ~~ربيع الآخر، فأكرمهم السلطان الملك العادل كتبغا ورتب لهم الرواتب ثم بدا ~~للملك العادل كتبغا السفر إلى البلاد الشامية لأمر مقدر اقتضاه رأيه، وأخذ ~~في تجهيز عساكره وتهيأ للسفر وخرج بجميع عساكره وأمرائه وخاصكيته في يوم ~~السبت سابع عشر شوال وسار حتى دخل دمشق، في يوم السبت خامس عشر ذي القعدة ~~وخامس ساعة من النهار المذكور ودخل دمشق والأمير بدر الدين بيسري حامل ~~الجتر على رأسه، ونائب سلطنته الأمير حسام الدين لاجين المنصوري ماشيا بين ~~يديه، ووزيره الصاحب فخر الدين بن الخليلي؛ واحتفل أهل دمشق لقدومه وزينت ~~المدينة وفرح الناس به. ولما دخل الملك العادل إلى دمشق وأقام بها أياما ~~عزل عنها نائبها الأمير عز الدين أيبك الحموي، وولى عوضه في نيابة دمشق ~~مملوكه الأمير سيف الدين أغزلو العادلي وعمره نحو من اثنتين وثلاثين سنة، ~~وأنعم على الأمير عز الدين أيبك الحموي بخبز أغزلو بمصر، وخرجا من عند ~~السلطان وعليهما الخلع، هذا متول وهذا منفصل. ثم سافر السلطان الملك العادل ~~من دمشق في ثاني عشر ذي الحجة بأكثر العسكر المصري وبقية جيش الشام إلى جهة ~~قرية جوسية، وهي ضيعة اشتراها له الصاحب شهاب الدين الحنفي فتوجه إليها، ثم ~~سافر منها في تاسع عشر ذي الحجة إلى حمص ونزل عند البحرة بالمرج بعدما أقام ~~في البرية أياما لأجل الصيد، وحضر إليه نواب البلاد الحلبية جميعها ثم عاد ~~إلى دمشق ودخلها بمن معه من العساكر ضحى نهار الأربعاء ثاني المحرم من سنة ~~ست وتسعين وستمائة. وأقام بدمشق إلى يوم الجمعة رابع المحرم ركب السلطان ~~الملك العادل المذكور بخواصه ms1679 وأمرائه إلى الجامع لصلاة الجمعة فحضر وصلى ~~بالمقصورة؛ وأخذ من الناس قصصهم حتى إنه رأى شخصا بيده قصة فتقدم إليه ~~بنفسه خطوات وأخذها منه ولما جلس الملك العادل للصلاة بالمقصورة جلس عن ~~يمينه الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة، وتحته بدر الدين أمير سلاح، ~~ثم من تحته نائب دمشق أغزلو العادلي وعن يسار السلطان الشيخ حسن بن الحريري ~~وأخواه، ثم نائب السلطنة لاجين المنصوري، ثم تحته نائب دمشق الأمير عز ~~الدين أيبك الحموي أعني الذي عزل عن نيابة دمشق، ثم من تحته الأمير بدر ~~الدين بيسري، ثم قراسنقر المنصوري، ثم الحاج بهادر حاجب الحجاب ثم الأمراء ~~على مراتبهم ميمنة وميسرة. فلما انقضت الصلاة خرج من الجامع والأمراء بين ~~يديه والناس يبتهلون بالدعاء له، وأحبه أهل دمشق وشكرت سيرته، وحمدت ~~طريقته. ثم في يوم الخميس سابع عشر المحرم أمسك السلطان الأمير أسندمر ~~وقيده وحبسه بالقلعة وفي يوم الاثنين حادي عشرين المحرم عزل السلطان الأمير ~~شمس الدين سنقر الأعسر عن شد دواوين دمشق ورسم له بالسفر صحبة السلطان إلى ~~مصر، وولى عوضه فتح الدين عمر بن محمد، بن صبرة. PageV02P0392 # ولما كان بكرة يوم الاثنين المذكور خرج السلطان الملك العادل من دمشق ~~بعساكره وجيوشه نحو الديار المصرية، وسار حتى نزل باللجون بالقرب من وادي ~~فحمة في بكرة يوم الاثنين ثامن عشرين المحرم من سنة ست وتسعين، وكان الأمير ~~حسام الدين لاجين المنصوري نائب السلطنة قد اتفق مع الأمراء على الوثوب على ~~السلطان الملك العادل كتبغا هذا والفتك به، فلم يقدر عليه لعظم شوكته؛ فدبر ~~أمرا آخر وهو أنه ابتدأ أولا بالقبض على الأميرين: بتخاص وبكتوت الأزرق ~~العادليين، وكانا شهمين شجاعين عزيزين عند أستاذهما الملك العادل المذكور، ~~فركب لاجين بمن وافقه من الأمراء على حين غفلة وقبض على الأميرين المذكورين ~~وقتلهما في الحال، وقصد مخيم السلطان فمنعه بعض مماليك السلطان قليلا ~~وعوقوه عن الوصول إلى الملك العادل وكان العادل لما بلغه هذا الأمر علم أنه ~~لا قبل له على قتال لاجين لعلمه بمن ms1680 وافقه من الأمراء وغيرهم وخاف على ~~نفسه، وركب من خيل النوبة فرسا تسمى حمامة وساق لقلة سعده ولزوال ملكه ~~راجعا إلى الشام، ولو أقام بمخيمه لم يقدر لاجين على قتاله وأخذه، فما شاء ~~الله كان وساق حتى وصل إلى دمشق يوم الأربعاء آخر المحرم قرب العصر، ومعه ~~أربعة أو خمسة من خواصه. وكان وصل إلى دمشق يوم الأربعاء آخر المحرم أول ~~النهار أمير شكار السلطان، وأخبر نائب الشام بصورة الحال وهو مجروح، فتهيأ ~~نائب الشام الأمير أغزلو العادلي واستعد وأحضر أمراء الشام عند السلطان ~~ورسم بالاحتياط على نواب الأمير حسام الدين لاجين وعلى حواصله بدمشق، وندم ~~الملك العادل على ما فعله مع لاجين هذا من الخير والمدافعة عنه، من كونه ~~كان أحد من أعانه على قتل الأشرف، وعلى أنه ولاه نيابة السلطنة، وفي الجملة ~~أنه ندم حيث لا ينفعه الندم! وعلى رأي من قال: " أشبعتهم سبا وفازوا بالإبل ~~" ومثله أيضا قول القائل: مخلع البسيط، من راقب الناس مات غما ... وفاز ~~باللذة الجسور ثم إن الملك العادل طلب قاضي قضاة دمشق بدر الدين بن جماعة ~~فحضر بين يدي السلطان هو وقاضي القضاة حسام الدين الحنفي، وحضرا عند الملك ~~العادل تحليف الأمراء والمقدمين وتجديد المواثيق منهم، ووعدهم وطيب قلوبهم. ~~وأما الأمير حسام الدين لاجين فإنه استولى على دهليز السلطان والخزائن ~~والحراس والعساكر من غير ممانع، وتسلطن في الطريق ولقب بالملك المنصور حسام ~~الدين لاجين، وتوجه إلى نحو الديار المصرية وملكها وتم أمره، وخطب له مصر ~~وأعمالها والقدس والساحل جميعه، وأما الملك العادل فإنه أقام بقلعة دمشق ~~هذه الأيام كلها لا يخرج منها، وأمر جماعة بدمشق، وأطلق بعض المكوس بها، ~~وقرىء بذلك توقيع يوم الجمعة سادس عشر صفر بعد صلاة الجمعة بالجامع. وبينما ~~هو في ذلك ورد الخبر على أهل دمشق بأن مدينة صفد زينت لسلطنة لاجين ودق بها ~~البشائر، وكذلك نابلس والكرك. فلما بلغ الملك العادل ذلك جهز جماعة من عسكر ~~دمشق مقدمهم الأمير طقصبا الناصري بكشف هذا الأمر وتحقيق الخبر، فتوجهوا ms1681 ~~يوم الخميس ثاني عشرين صفر فعلموا بعد خروجهم في النهار المذكور بدخول ~~الملك المنصور لاجين إلى مصر وسلطنته، فرجعوا وعلموا عدم الفائدة في ~~توجههم. ثم في الغد من يوم الجمعة ثالث عشرين صفر ظهر الأمر بدمشق وانكشف ~~الحال وجوهر الملك العادل كتبغا بذلك، وبلغه أنه لما وصل العسكر إلى غزة ~~ركب الأمير حسام الدين لاجين في دست السلطنة، وحمل البيسري على رأسه الجتر ~~وحلفوا له، ونعت بالملك المنصور. PageV02P0393 # ثم في يوم السبت رابع عشرين صفر وصل إلى دمشق الأمير كجكن ومعه جماعة من ~~الأمراء كانوا مجردين إلى الرحبة، فلم يدخلوا دمشق بل توجهوا إلى جهة ميدان ~~الحصا قريبا من مسجد القدم، وأعلن الأمير كجكن أمر الملك المنصور لاجين، ~~وعلم جيش دمشق بذلك، فخرج إليه طائفة بعد طائفة، وكان قبل ذلك قد توجه ~~أميران من أكابر أمراء دمشق إلى جهة الديار المصرية. فلما تحقق الملك ~~العادل كتبغا بذلك وعلم انحلال أمره وزوال دولته بالكلية أذعن بالطاعة ~~لأمراء دمشق، وقال لهم: الملك المنصور لاجين خشداشي وأنا في خدمته وطاعته؛ ~~وحضر الأمير سيف الدين جاغان الحسامي إلى قلعة دمشق إلى عند الملك العادل ~~كتبغا، فقال له كتبغا: أنا أجلس في مكان بالقلعة حتى نكاتب السلطان ونعتمد ~~على ما يرسم به. فلما رأى الأمراء منه ذلك تفرقوا وتوجهوا إلى باب الميدان ~~وحلفوا للملك المنصور لاجين وأرسلوا البريد إلى القاهرة بذلك، ثم احتفظوا ~~بالقلعة وبالملك العادل كتبغا؛ ولبس عسكر دمشق آلة الحرب وسيروا عامة نهار ~~السبت بظاهر دمشق وحول القلعة، والناس في هرج واختباط وأقوال مختلفة، ~~وأبواب دمشق مغلقة سوى باب النصر، وباب القلعة مغلق فتح منه خوخته، واجتمع ~~العامة والناس من باب القلعة إلى باب النصر وظاهر البلد حتى سقط منهم جماعة ~~كثيرة في الخندق فسلم جماعة وهلك دون العشرة، وأمسى الناس يوم السبت وقد ~~أعلن باسم الملك المنصور لاجين لا يخفي أحد ذلك، وشرع دق البشائر بالقلعة ~~ثم في سحر يوم الأحد ذكره المؤذنون بجامع دمشق، وتلوا قوله تعالى: " قل ~~اللهم مالك الملك ms1682 " إلى آخرها وأظهروا اسم المنصور والدعاء له، ثم ذكره ~~قارىء المصحف بعد صلاة الصبح بمقصورة جامع دمشق، ودقت البشائر على أبواب ~~جميع أمراء دمشق دقا مزعجا، وأظهروا الفرح والسرور وأمر بتزيين أسواق البلد ~~جميعها فزينت مدينة دمشق، وفتحت دكاكين دمشق وأسواقها واشتغلوا بمعايشهم، ~~وتعجب الناس من تسليم الملك العادل كتبغا الأمر إلى الملك المنصور لاجين ~~على هذا الوجه الهين من غير قتال ولا حرب مع ما كان معه من الأمراء والجند، ~~ولو لم يكن معه إلا مملوكه الأمير أغزلو العادلي نائب الشام لكفاه ذلك. على ~~أن الملك المنصور لاجين كان أرسل في الباطن عدة مطالعات لأمراء دمشق وأهلها ~~واستمال غالب أهل دمشق، فما أحوجه الملك العادل كتبغا لشيء من ذلك بل سلم ~~له الأمر على هذا الوجه الذي ذكرناه خذلان من الله تعالى. وأما الأمير سيف ~~الدين أغزلو العادلي مملوك الملك العادل كتبغا نائب الشام لما رأى ما وقع ~~من أستاذه لم يسعه إلا الإذعان للملك المنصور وأظهر الفرح به وحلف له. قال: ~~الملك المنصور لاجين - نصره الله - هو الذي كان عينني لنيابة دمشق، وأستاذي ~~الملك العادل كتبغا استصغرني فأنا نائبه ثم سافر هو والأمير جاغان إلى نحو ~~الديار المصرية. وأما لاجين فإنه تسلطن يوم الجمعة عاشر صفر وركب يوم ~~الخميس سادس عشر صفر وشق القاهرة وتم أمره وأما الملك العادل كتبغا هذا ~~فإنه استمر بقلعة دمشق إلى أن عاد الأمير جاغان المنصوري الحسامي إلى دمشق ~~في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الأول، وطلع من الغد إلى قلعة دمشق ومعه ~~الأمير الكبير حسام الدين الظاهري أستاذ الدار في الدولة المنصورية ~~والأشرفية، والأمير سيف الدين كجكن، وحضر قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ~~قاضى دمشق ودخلوا الجميع إلى الملك العادل كتبغا، فتكلم معهم كلاما كثيرا ~~بحيث إنه طال المجلس كالعاتب عليهم، ثم إنه حلف يمينا طويلة يقول في أولها: ~~أقول وأنا كتبغا المنصوري، ويكرر اسم الله تعالى في الحلف مرة بعد مرة، أنه ~~يرضى بالمكان الذي عينه له السلطان الملك ms1683 المنصور حسام الدين لاجين ولا ~~يكاتب ولا يسارر، وأنه تحت الطاعة، وأنه خلع نفسه من الملك وأشياء كثيرة من ~~هذا النموذج؛ ثم خرجوا من عنده. وكان المكان الذي عينه له الملك المنصور ~~لاجين قلعة صرخد، ولم يعين المكان المذكور في اليمين. PageV02P0394 # ثم ولى الملك المنصور نيابة الشام للأمير قبجق المنصوري وعزل أغزلو ~~العادلي، فدخل قبجق إلى دمشق في يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول؛ وتجهز ~~الملك العادل كتبغا وخرج من قلعة دمشق بأولاده وعياله ومماليكه وتوجه إلى ~~صرخد في ليلة الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول المذكور، وجردوا معه جماعة ~~من الجيش نحو مائتي فارس إلى أن أوصلوه إلى صرخد. فكانت مدة سلطنة الملك ~~العادل كتبغا هذا على مصر سنتين وثمانية وعشرين يوما، وقيل سبعة عشر يوما؛ ~~وتسلطن من بعده الملك المنصور حسام الدين لاجين حسب ما تقدم ذكره. ثم كتب ~~له الملك المنصور حسام الدين لاجين تقليدا بنيابة صرخد، فقبل الملك العادل ~~ذلك، وباشر نيابة صرخد سنين إلى أن نقله السلطان الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون في سلطنته الثانية من نيابة صرخد إلى نيابة حماة؛ وصار من جملة نواب ~~السلطنة، وكتب له عن السلطان كما يكتب لأمثاله من النواب؛ وسافر في ~~التجاريد في خدمة نواب دمشق وحضر الجهاد ولم يزل على نيابة حماة حتى مات ~~بها في ليلة الجمعة يوم عيد الأضحى وهو في سن الكهولية، ودفن بحماة؛ ثم نقل ~~منها ودفن بتربته التي أنشأها بسفح جبل قاسيون دمشق غربي الرباط الناصري، ~~وله عليها أوقاف. وكان ملكا خيرا دينا عاقلا عادلا سليم الباطن شجاعا ~~متواضعا؛ وكان يحب الفقهاء والعلماء والصلحاء ويكرمهم إكراما زائدا؛ وكان ~~أسمر اللون قصيرا دقيق الصدر قصير العنق؛ وكان له لحية صغيرة في حنكه. أسر ~~صغيرا من عسكر هولاكو. وكان لما ولي سلطنة مصر والشام تشاءم الناس به، وهو ~~أن النيل قد بلغ في تلك السنة ست عشرة ذراعا ثم هبط من ليلته فشرقت البلاد ~~وأعقبه غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة. وقد تقدم ذكر ms1684 ذلك في أول ترجمته ~~ومات الملك العادل كتبغا المذكور بعد أن طال مرضه واسترخى حتى لم يبق له ~~حركة؛ وترك عدة أولاد وتولى نيابة حماة بعده الأمير بتخاص المنصوري نقل ~~إليها من نيابة الشوبك. وقد تقدم التعريف بأحوال كتبغا هذا في أوائل ترجمته ~~وفي غيرها فيما مر ذكره. وأمر كتبغا هذا هو خرق العادة من كونه كان ولي ~~سلطنة مصر أكثر من سنتين وصار له شوكة ومماليك وحاشية، ثم يخلع ويصير من ~~جملة نواب السلطان بالبلاد الشامية؛ فهذا شيء لم يقع لغيره من الملوك. ~~وأعجب من هذا أنه لما قتل الملك المنصور لاجين وتحير أمراء مصر فيمن يولونه ~~السلطنة من بعده لم يتعرض أحد لذكره ولا رشح للعود البتة حتى احتاجوا ~~الأمراء وبعثوا خلف الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، وأتوا به ~~وسلطنوه. قلت: وما أظن أن القلوب نفرت منه إلا لما رأوه من دنيء همته عندما ~~خلع من السلطنة وتسليمه للأمر من غير قتال ولا ممانعة وكان يمكنه أن يدافع ~~بكل ما تصل القدرة إليه ولو ذهبت روحه عزيزة غير ذليلة، وما أحسن قول عبد ~~المطلب جد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واسمه شيبة الحمد: البسيط، لنا ~~نفوس لنيل المجد عاشقة ... وإن تسلت أسلناها على الأسل لا ينزل المجد إلا ~~في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل وقول عنترة أيضا: الوافر أروم ~~من المعالي منتهاها ... ولا أرضى بمنزلة دنيه فإما أن أشال على العوالي ... ~~وإما أن توسدني المنيه PageV02P0395 # ويعجبني المقالة الثامنة عشرة من تأليف العلامة شرف الدين عبد المؤمن بن ~~هبه الله الأصفهاني المعروف بشوروة فإن أوائلها تقارب ما نحن فيه وهي: رتبة ~~الشرف، لا تنال بالترف؛ والسعادة أمر لا يدرك، إلا بعيش يفرك، وطيب يترك؛ ~~ونوم يطرد، وصوم يسرد؛ وسرور عازب، وهم لازب، ومن عشق المعالي ألف الغم، ~~ومن طلب اللآليء ركب اليم ومن قنص الحيتان ورد النهر، ومن خطب الحصان نقد ~~المهر؛ كلا أين أنت من المعالي! إن السحوق جبار وأنت قاعد، والفيلق جرار ms1685 ~~وأنت واحد العقل يناديك وأنت أصلخ، ويدنيك ويحول بينكما البرزخ؛ لقد أزف ~~الرحيل قاستنفد جهدك، وأكثب الصيد فضمر فهدك؛ فالحذر يترصد الانتهاز، ~~والحازم يهيىء أسباب الجهاز؛ تجرع مرارة النوائب في أيام معدودة، لحلاوة ~~معهودة غير محدودة؛ وإنما هي محنة بائدة، تتلوها فائدة؛ وكربة نافذة، بعدها ~~نعمة خالدة، وغنيمة باردة؛ فلا تكرهن صبرا أو صابا، يغسل عنك أو صابا ولا ~~تشربن وردا يعقبك سقاما، ولا تشمن وردا يورثك زكاما؛ ما ألين الريحان لو لا ~~وخز البهمى، وما أطيب الماذي لولا حمة الحمى! فلا تهولنك مرارات ذاقها ~~عصبة، إنما يريد الله ليهديهم بها؛ ولا تروقنك حلاوات نالها فرقة، إنما ~~يريد الله ليعذبهم بها. انتهى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك العادل كتبغا # المنصوري على مصر وهي سنة أربع وتسعين وستمائة. كان فيها الغلاء العظيم ~~بسائر البلاد ولا سيما مصر والشام؛ وكان بمصر مع الغلاء وباء عظيم أيضا؛ ~~وقاسى الناس شدائد في هذه السنة واستسقى الناس بمصر من عظم الغلاء والفناء. ~~وفيها أسلم ملك التتار غازان وأسلم غالب جنده وعساكره، على ما حكى الشيخ ~~علم الدين البرزالي. PageV02P0396 # وفيها توفي السلطان الملك المظفر شمس الدين أبو المحاسن يوسف ابن السلطان ~~الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني الأصل الغساني صاحب ~~بلاد اليمن؛ مات في شهر رجب بقلعة تعز من بلاد اليمن، وقيل: اسم رسول محمد ~~بن هارون بن أبي الفتح بن يوحي بن رستم من ذرية جبلة بن الأيهم، قيل: إن ~~رسولا جد هؤلاء ملوك اليمن كان انضم لبعض الخلفاء العباسية، فاختصه ~~بالرسالة إلى الشام وغيرها فعرف برسول، وغلب عليه ذلك ثم انتقل من العراق ~~إلى الشام ثم إلى مصر، وخدم هو وأولاده بعض بني أيوب، وهو مع ذلك له حاشية ~~وخدم ولما أرسل السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أخاه الملك المعظم توران ~~شاه إلى اليمن أرسل الملك المنصور عمر والد صاحب الترجمة معه كالوزير له ~~واستحلفه على المناصحة، فسار معه إلى اليمن. فلما ملك الملك المسعود أقسيس ~~ابن الملك ms1686 الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب اليمن بعد توران شاه قرب عمر ~~المذكور وزاد في تعظيمه وولاه الحصون، ثم ولاه مكة المشرفة ورتب معه ~~ثلاثمائة فارس، وحصل بينه وبين صاحب مكة حسن بن قتادة وقعة انكسر فيها حسن ~~ودخل المنصور مكة واستولى عليها، وعمر بها المسجد الذي اعتمرت منه عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها في سنة تسع عشرة وستمائة، ثم عمر في ولايته لمكة ~~أيضا دار أبي بكر الصديق، رضي الله عنه في زقاق الحجر في سنة ثلاث وعشرين ~~وستمائة، ثم استنابه الملك المسعود على اليمن لما توجه إلى الديار المصرية، ~~واستناب على صنعاء أخاه بدر الدين حسن بن علي بن رسول. ولما عاد الملك ~~المسعود إلى اليمن قبض على نور الدين هذا وعلى أخيه بدر الدين حسن المذكور ~~وعلى أخيه فخر الدين وعلى شرف الدين موسى تخوفا منهم لما ظهر من نجابتهم في ~~غيبته، وأرسلهم إلى الديار المصرية محتفظا بهم خلا نور الدين عمر أعني ~~الملك المنصور فإنه أطلقه من يومه لأنه كان يأنس إليه، ثم استحلفه وجعله ~~أتابك عسكره؛ ثم استنابه الملك المسعود ثانيا لما توجه إلى مصر، وقال له: ~~إن مت فأنت أولى بالملك من إخوتي لخدمتك لي، وإن عشت فأنت على حالك وإياك ~~أن تترك أحدا من أهلي يدخل اليمن، ولوجاءك الملك الكامل. ثم سار الملك ~~المسعود إلى مكة فمات بها فلما بلغ الملك المنصور ذلك استولى على ممالك ~~اليمن بعد أمور وخطوب، واستوسق له الأمر، فكانت مدة مملكته باليمن نيفا على ~~عشرين سنة. ومات بها في ليلة السبت تاسع ذي القعدة سنة سبع وأربعين ~~وستمائة، وملك بعده ابنه الملك المظفر يوسف هذا، وهو ثاني سلطان من بني ~~رسول باليمن؛ وأقام الملك المظفر هذا في الملك نحوا من ست وأربعين سنة وكان ~~ملكا عادلا عفيفا عن أموال الرعية، حسن السيرة كثير العدل؛ وملك بعده ولده ~~الأكبر الملك الأشرف ممهد الدين عمر فلم يمكث الأشرف بعد أبيه إلا سنة ~~ومات؛ وملك أخوه الملك المؤيد هزبر ms1687 الدين داود. ومات الملك المظفر هذا ~~مسموما: سمته بعض جواريه؛ ومات وقد جاوز الثمانين؛ وخلف من الأولاد: الملك ~~الأشرف الذي ولي بعده، والمؤيد داود والواثق إبراهيم، والمسعود أحسن ~~والمنصور أيوب انتهى. وفيها توفي العلامة جمال الدين أبو غانم محمد ابن ~~الصاحب كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن أبي ~~جرادة الحلبي الحنفي المعروف بابن العديم مات بمدينة حماة، وكان إماما ~~فاضلا بارعا من بيت علم ورياسة. وفيها قتل الأمير عساف ابن الأمير أحمد بن ~~حجي أمير العرب من آل مرى؛ وكان أبوه أكبر عربان آل برمك، وكان يدعي أنه من ~~نسل البرامكة من العباسة أخت هارون الرشيد. وقد ذكرنا ذلك في وفاة أبيه ~~الأمير شهاب الدين أحمد. وفيها توفي الأمير بدر الدين بكتوت بن عبد الله ~~الفارسي الأتابكي؛ كان من خيار الأمراء وأكابرهم وأحسنهم سيرة. وفيها توفي ~~شيخ الحجاز وعالمه الشيخ محب الدين أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن ~~محمد بن إبراهيم الطبري الملكي الشافعي فقيه الحرم بمكة - شرفها الله تعالى ~~- ومفتيه؛ ومولده في سنة أربع عشرة وستمائة بمكة. وكانت وفاته في ذي ~~القعدة. وقال البرزالي: ولد بمكة في يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى ~~الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. قلت: ونشأ بمكة وطلب العلم وسمع الكثير ورحل ~~البلاد. وقال جمال الدين الإسنائي: إنه تفقه بقوص على الشيخ مجد الدين ~~القشيري انتهى. PageV02P0397 # وذكر نحو ذلك القطب الحلبي في تاريخ مصر، وحدث وخرج لنفسه أحاديث عوالي. ~~قال أبو حيان: إنه وقع له وهم فاحش في القسم الأول وهو التساعي، وهو إسقاط ~~رجل من الإسناد حتى صار له الحديث تساعيا في ظنه. انتهى. قلت: وقد استوعبنا ~~سماعاته ومصنفاته ومشايخه في ترجمته من تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى ~~بعد الوافي مستوفاة في الكتاب المذكور. وكان له يد في النظم، فمن ذلك ~~قصيدته الحائية: الخفيف، ما لطرفي عن الجمال براح ... ولقلبي به غدا ورواح ~~كل معنى يلوح في كل حسن ... لي إليه تقلب وارتياح ومنها: ms1688 فيهم يعشق الجمال ~~ويهوى ... ويشوق الحمى وتهوى الملاح وبهم يعذب الغرام ويحلو ... ويطيب ~~الثناء والإمتداح لا تلم يا خلي قلبي فيهم ... ما على من هوى الملاح جناح ~~ويح قلبي وويح طرفي إلى كم ... يكتم الحب والهوى فضاح صاح عرج على العقيق ~~وبلغ ... وقباب فيها الوجوه الصباح والقصيدة طويلة كلها على هذا المنوال. ~~وفيها توفي سلطان إفريقية وابن سلطانها وأخو سلطانها عمر بن أبي زكريا يحيى ~~بن عبد الواحد بن عمر الهنتاني الملقب بالمستنصر بالله والمؤيد به؛ وولي ~~سلطنة تونس بعد وفاة أخيه إبراهيم فيما أظن، وقتل الدعي الذي غلب عليها، ~~وملك البلاد ودام في الملك إلى أن مات في ذي الحجة. وكان عهد لولده عبد ~~الله بالملك، فلما اختصر أشار عليه الشيخ أبو محمد المرجاني بأن يخلعه لصغر ~~سنه فخلعه، وولى ولد الواثق محمد بن يحيى بن محمد الملقب بأبي عصيدة الآتي ~~ذكر وفاته في سنة تسع وسبعمائة. وكان المستنصر هذا ملكا عادلا حسن السيرة ~~وفيه خبرة ونهضة وكفاية ودين وشجاعة وإقدام. رحمه الله تعالى. الذين ذكر ~~الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي الزاهد القدوة أبو الرجال بن ~~مري بمنين في المحرم. وعز الدين أبو بكر محفوظ بن معتوق التاجر ابن البزوري ~~في صفر. والإمام عز الدين أحمد بن إبراهيم بن الفاروثي في ذي الحجة. وصاحب ~~اليمن الملك المظفر يوسف بن عمر في رجب؛ وكانت دولته بضعا وأربعين سنة. ~~وشيخ الحجاز محب الدين الطبري. وأبو الفهم أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد ~~الرحمن الحسيني النقيب في المحرم. والعلامة تاج الدين أبو عبد الله محمد بن ~~عبد السلام بن المطهر بن أبي عصرون التميمي مدرس الشامية الصغرى في ربيع ~~الأول. ومحيي الدين عبد الرحيم بن عبد المنعم بن الدميري في المحرم، وله ~~تسعون سنة. والزاهد القدوة شرف الدين محمد بن عبد الملك اليونيني المعروف ~~بالأرزوني. والزاهد المقرىء شرف الدين محمود بن محمد التاذفي بقاسيون في ~~رجب. والعلامة زين الدين المنجا بن عثمان بن أسعد ابن المنجا الحنبلي في ms1689 ~~شعبان، وله خمس وستون سنة. وقاضي القضاة شرف الدين الحسن بن عبد الله ابن ~~الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي. وناصر الدين نصر الله بن محمد بن عياش ~~الحداد في شوال والعدل كمال الدين عبد الله بن محمد بن قوام في ذي القعدة. ~~وأبو الغنائم بن محاسن الكفراني. والمقرىء موفق الدين محمد بن أبي العلاء ~~محمد بن علي، ببعلبك في ذي الحجة. والمقرىء أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد ~~الحليم سحنون المالكي في شوال بالإسكندرية. والعلامة الصاحب محيي الدين ~~محمد بن يعقوب بن النحاس الحلبي الحنفي في آخر السنة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ذراع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع عشرة ~~إصبعا. وكان الوفاء في سادس أيام النسيء. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك العادل كتبغا # المنصوري على مصر وهي سنة خمس وتسعين وستمائة. فيها كان الغلاء العظيم ~~بسائر البلاد، ولا سيما مصر والشام؛ وكان بمصر مع الغلاء وباء عظيم أيضا، ~~وقاسى الناس شدائد في هذه السنة والماضية. وفيها ولي قضاء الديار المصرية ~~الشيخ تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن دقيق العيد بعد وفاة قاضي ~~القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز. PageV02P0398 # وفيها توفي الملك السعيد شمس الدين إيلغازي ابن الملك المظفر فخر الدين ~~قرا أرسلان ابن الملك السعيد صاحب ماردين الأرتقي، ودفن بتربة جده أرتق؛ ~~وتولى بعده سلطنة ماردين أخوه الملك المنصور نجم الدين غازي. وكان مدة ~~مملكة الملك السعيد هذا على ماردين دون الثلاث سنين. وكان جوادا عادلا حسن ~~السيرة، رحمه الله تعالى. وفيها توفي الأمير بدر الدين بيليك بن عبد الله ~~المحسني المعروف بأبي شامة بالقاهرة؛ وكان من أعيان الأمراء وأكابرهم، رحمه ~~الله. وفيها توفي الأسعد بن السديد القبطي الأسلمي الكاتب مستوفي الديار ~~المصرية والبلاد الشامية والجيوش جميعها المعروف بالماعز الديواني المشهور؛ ~~وكان معروفا بالأمانة والخير، وكان نصرانيا ثم أسلم في دولة السلطان الملك ~~الأشرف خليل بن قلاوون. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي - رحمه الله - : حكى ~~لي القاضي شهاب ms1690 الدين محمود رحمه الله قال: لما مرض المذكور توجهنا إليه ~~نعوده فوجدناه ضعيفا إلى الغاية، وقد وضعوا عنده أنواعا من الحلي والمصاغ ~~المجوهر والعقود وفيها العنبر الفائق وأنواع من الطيب. ثم إنه قال: ارفعوا ~~هذا عني، وأسر إلى خادم كلاما؛ فمضى وأتى بحق ففتحه وأقبل يشمه وقمنا من ~~عنده ثم إنه مات، فسألنا ذلك الخادم فيما بعد: ما كان في ذلك الحق؛ قال: ~~شعرة من است الراهب الفلاني الذي كان له كذا كذا سنة ما لمس الماء ولا ~~قربه. قال: فأنشدت: ما يقبض الموت نفسا من نفوسهم ... إلا وفي يده من نتنها ~~عود وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الأفرم الكبير أمير ~~جاندار الملك الظاهر والملك السعيد والملك المنصور قلاوون. فلما تسلطن ~~الملك الأشرف خليل ابن قلاوون حبسه؛ وبعد قتل الأشرف خليل أخرجه أخوه الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون وأعاده إلى مكانته؛ ثم استقر في أيام الملك العادل ~~كتبغا على حاله إلى أن مات بالقاهرة في يوم السبت سابع شهر ربيع الأول. قال ~~القطب اليونيني: حكى لي الأمير سيف الدين بن المحفدار قال: أوصى الأفرم عند ~~موته أنه إذا توفي يأخذون خيله يلبسونها أفخر ما لها من العدة، وكذلك جميع ~~مماليكه وغلمانه يلبسونهم عدة الحرب، وأن تضرب نوبة الطبلخاناه خلف جنازته، ~~كما كان يطلع إلى الغزاة، وألا يقلب له سنجق ولا يكسر له رمح، ففعلوا ~~أولاده ما أمر به ما خلا الطبلخاناه، فإن نائب السلطنة حسام الدين لاجين ~~منعهم من ذلك؛ وكانت جنازته حفلة حضرها السلطان ومن دونه. وكان دينا من ~~وسائط الأخيار وأرباب المعروف. وكان يقال: إنه يدخل عليه من أملاكه ~~وضماناته وإقطاعاته كل يوم ألف دينار خارج عن الغلال. قلت: وهذا مستفاض بين ~~الناس. وقصة أولاده لما احتاجوا مع كثرة هذا المال إلى السؤال مشهورة. يقال ~~إنه كان له ثمن الديار المصرية، وهو صاحب الرباط والجسر على بركة الحبش ~~خارج القاهرة. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: " كنت بالقاهرة وقد وقف أولاده ~~وشكا عليهم أرباب الديون ms1691 إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فقال ~~السلطان: يا بشتك، هؤلاء أولاد الأفرم الكبير صاحب الأملاك والأموال، أبصر ~~كيف حالهم! وما سببه إلا أن أباهم وكلهم على أملاكهم فما بقيت، وأنا لأجل ~~ذلك لا أدخر لأولادي ملكا ولا مالا " انتهى كلام الصفدي. PageV02P0399 # قلت: والعجيب أنه كان قليل الظلم كثير الخير، وغالب ما حصله من نوع ~~المتاجر والمزروعات والمستأجرات، ومع هذا احتاج أولاده وذريته إلى السؤال. ~~وفيها توفي قاضي القضاة بالديار المصرية ورئيسها تقي الدين أبو القاسم عبد ~~الرحمن ابن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب ابن القاضي الأعز ~~أبي القاسم خلف بن محمود، بن بدر العلامي الشافعي المصري المعروف: بابن بنت ~~الأعز. مات يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى ودفن عند والده بالقرافة في ~~تربتهم وهو في الكهولية. وكان فقيها بارعا شاعرا خيرا دينا متواضعا كريما؛ ~~تفقه على والده وعلى ابن عبد السلام تولى الوزارة والقضاء ومشيخة الشيوخ، ~~وأضيف إليه تدريس الصلاحية والشريفية بالقاهرة والمشهد الحسيني وخطابة ~~الجامع الأزهر، وامتحن محنة شديدة في أول الدولة الأشرفية وعمل على إتلافه ~~بالكلية، وذلك بسعاية الوزير ابن السلعوس الدمشقي. وقد استوعبنا أمره في ~~المنهل الصافي، ثم أعيد إلى القضاء بعد وفاة الأشرف، فلم تطل أيامه ومات. ~~ولما حج القاضي تقي الدين هذا وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد عند ~~الحجرة النبوية، قصيدته التي مطلعها: الناس بين مرجز ومقصد ... ومطول في ~~مدحه ومجود ومخبر عمن روى ومعبر ... عما رآه من العلا والسؤدد وفيها توفي ~~الشيخ الإمام الأديب البارع المفتن سراج الدين أبو حفص عمر بن محمد بن ~~الحسين المصري المعروف بالسراج الوراق الشاعر المشهور مولده في العشر ~~الأخير من شوال سنة خمس عشرة وستمائة، ومات في جمادى الأولى من هذه السنة ~~ودفن بالقرافة. وكان إماما فاضلا أديبا مكثرا متصرفا في فنون البلاغة وهو ~~شاعر مصر في زمانه بلا مدافعة. ومن شعره: البسيط، في خده ضل علم الناس ~~واختلفوا ... أللشقائق أم للورد نسبته فذاك بالخال يقضي للشقيق وذا ... ~~دليله أن ms1692 ماء الورد ريقته وله: مخلع البسيط، كم قطع الجود من لسان ... قلد ~~من نظمه النحورا فهأنا شاعر سراج ... فاقطع لساني أزدك نورا وله: لا تحجب ~~الطيف إني عنه محجوب ... لم يبق مني لفرط السقم مطلوب ولا تثق بأنيني إن ~~موعده ... بأن أعيش للقيا الطيف مكذوب هذا وخدك مخضوب يشاكله ... دمع يفيض ~~على خدي مخضوب وليس للورد في التشبيه رتبته ... وإنما ذاك من معناه تقريب ~~وما عذارك ريحانا كما زعموا ... فات الرياحين ذاك الحسن والطيب تأود الغصن ~~مهتزا فأنبأنا ... أن الذي فيك خلق فيه مكسوب يا قاسي القلب لو أعداه رقته ~~... جسم من الماء بالألحاظ مشروب أرحت سمعي وفي حبيك من عذلي ... إذ أنت حب ~~إلى العذال محبوب وكان السراج أشقر أزرق العين. وفي ذلك يقول عن نفسه: ~~الرجز، ومن رآني والحمار مركبي ... وزرقتي للروم عرق قد ضرب قال وقد أبصر ~~وجهي مقبلا ... لا فارس الخيل ولا وجه العرب أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمس أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإصبع. وكان ~~الوفاء في رابع عشرين توت. ### | AUT سلطنة الملك المنصور لاجين # PageV02P0400 # هو السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين بن عبد الله المنصوري سلطان ~~الديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع الملك العادل كتبغا المنصوري كما تقدم ذكره ~~في يوم الجمعة عاشر صفر من سنة ست وتسعين وستمائة. وأصل لاجين هذا مملوك ~~للملك المنصور قلاوون اشتراه ورباه وأعتقه ورقاه إلى أن جعله من جملة ~~مماليكه؛ فلما تسلطن أمره وجعله نائبا بقلعة دمشق. فلما خرج الأمير سيف ~~الدين سنقر الأشقر عن طاعة الملك المنصور قلاوون وتسلطن بدمشق وتلقب بالملك ~~الكامل وملك قلعة دمشق قبض على لاجين هذا وحبسه مدة إلى أن انكسر سنقر ~~الأشقر وملك الأمير علم الدين سنجر الحلبي دمشق أخرجه من محبسه ودام لاجين ~~بدمشق إلى أن ورد مرسوم الملك المنصور قلاوون باستقرار لاجين هذا في نيابة ~~دمشق دفعة واحدة؛ فوليها ودام بها إحدى عشرة سنة إلى أن عزله الملك الأشرف ~~خليل بن قلاوون بالشجاعي؛ ثم قبض ms1693 عليه ثم أطلقه بعد أشهر، ثم قبض عليه ~~ثانيا مع جماعة أمراء، وهم: الأمير سنقر الأشقر المقدم ذكره الذي كان تسلطن ~~بدمشق وتلقب بالملك الكامل، والأمير ركن الدين طقصو الناصري حمو لاجين هذا، ~~والأمير سيف الدين جرمك الناصري، والأمير بلبان الهاروني وغيرهم، فخنقوا ~~الجميع وما بقي غير لاجين هذا، فقدموه ووضعوا الوتر في حلقه وجذب الوتر ~~فانقطع؛ وكان الملك الأشرف حاضرا؛ فقال لاجين: يا خوند، أيش لي ذنب! ما لي ~~ذنب إلا أن صهري طقصو ها هو قد هلك، وأنا أطلق ابنته؛ فرق له خشداشيته ~~وقبلوا الأرض وسألوا السلطان فيه، وضمنوه فأطلقه وخلع عليه وأعطاه إمرة ~~مائة فارس بالديار المصرية وجعله سلاح دار. قلت: يعني جعله أمير سلاح فإن ~~أمير سلاح هو الذي يناول السلطان السلاح وغيره. قلت: لله در المتنبي حيث ~~يقول: الكامل، لا تخدعنك من عدوك دمعة ... وارحم شبابك من عدو ترحم لا يسلم ~~الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم وذلك أن لاجين لما خرج ~~من الحبس وصار من جملة الأمراء خاف على نفسه، واتفق مع الأمير بيدرا نائب ~~السلطنة وغيره على قتل الأشرف حتى تم لهم ذلك حسب ما تقدم ذكره في ترجمة ~~الملك الأشرف. ثم اختفى لاجين أشهرا إلى أن أصلح أمره الأمير كتبغا وأخرجه ~~وخلع عليه الملك الناصر محمد بن قلاوون كما تقدم وجعله على عادته. كل ذلك ~~بسفارة الأمير كتبغا. ثم لما تسلطن كتبغا جعله نائب سلطنته بل قسيم مملكته؛ ~~واستمر لاجين على ذلك حتى سافر الملك العادل كتبغا إلى البلاد الشامية ~~وأصلح أمورها وعاد إلى نحو الديار المصرية، وسار حتى نزل بمنزلة اللجون، ~~اتفق لاجين هذا مع جماعة من أكابر الأمراء على قتل الملك العادل كتبغا ~~ووثبوا عليه بالمنزلة المذكورة، وقتلوا الأميرين: بتخاص وبكتوت الأزرق ~~العادليين، وكانا من أكابر مماليك الملك العادل كتبغا وأمرائه، واختبط ~~العسكر وبلغ الملك العادل كتبغا ذلك ففاز بنفسه، وركب في خمسة من خواصه ~~وتوجه إلى دمشق. وقد حكينا ذلك كله في ترجمة كتبغا. فاستولى عند ms1694 ذلك لاجين ~~على الخزائن والدهليز وبرك السلطنة، وساق الجميع أمامه إلى مدينة غزة. ~~وبايعوه الأمراء بالسلطنة بعد شروط اشترطوها الأمراء عليه حسب ما يأتي ~~ذكرها في محله. وسار الجميع إلى نحو الديار المصرية حتى دخلوها وملكوا ~~القلعة بغير مدافع، وجلس لاجين هذا على كرسي المملكة في يوم الجمعة المقدم ~~ذكره. وتم أمره وخلع على الأمراء بعدة وظائف، وهم: الأمير شمس الدين قرا ~~سنقر المنصوري بنيابة السلطنة بالديار المصرية عوضا عن نفسه، وخلع على ~~الأمير قبجق المنصوري بنيابة الشام عوضا عن الأمير أغزلو العادلي، وعلى عدة ~~أمراء أخر. ثم ركب الملك المنصور لاجين بعد ذلك من قلعة الجبل في يوم ~~الاثنين العشرين من صفر بأبهة السلطنة وعليه الخلعة الخليفتية، وخرج إلى ~~ظاهر القاهرة إلى جهة قبة النصر، ثم عاد من باب النصر وشق القاهرة إلى أن ~~خرج من باب زويلة، والأمراء والعساكر بين يديه؛ وحمل الأمير بدر الدين ~~بيسري الجتر على رأسه وطلع إلى القلعة. وخلع أيضا على الأمراء وأرباب ~~الوظائف على العادة. واستمر في السلطنة وحسنت سيرته، وباشر الأمور بنفسه ~~وأحبه الناس لولا مملوكه منكوتمر، فإنه كان صبيا مذموم السيرة. ~~PageV02P0401 # ولما كان يوم الثلاثاء منتصف ذي القعدة من سنة ست وتسعين وستمائة قبض ~~السلطان الملك المنصور لاجين على الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري نائب ~~السلطنة وحبسه، وولى مملوكه منكوتمر المذكور نيابة السلطنة عوضه، فعظم ذلك ~~على أكابر الأمراء في الباطن. ثم بعد أيام ركب السلطان الملك المنصور لاجين ~~ولعب الكرة بالميدان فتقنطر به الفرس فوقع من عليه وتهشم جميع بدنه وانكسرت ~~يده وبعض أضلاعه ووهن عظمه وضعفت حركته، وبقي يعلم عنه مملوكه ونائبه سيف ~~الدين منكوتمر وأيس من نفسه. كل ذلك والأمراء راضون بما يفعله منكوتمر لأجل ~~خاطره إلى أن من الله تعالى عليه بالعافية وركب؛ ولما ركب زينت له القاهرة ~~ومصر والبلاد الشامية لعافيته، وفرح الناس بعافيته فرحا شديدا، خصوصا ~~الحرافيش فإنه لما ركب بعد عافيته قال له واحد من الحرافشة: يا قضيب الذهب، ~~بالله أرني يدك، فرفع ms1695 إليه يده وهو ماسك المقرعة وضرب بها رقبة الحصان الذي ~~تحته. وكان ركوبه في حادي عشرين صفر من سنة سبع وتسعين وستمائة. ولما كان ~~لعب الكرة وكبا به فرسه ووقع وانكسرت يده قال فيه الأديب شمس الدين محمد ~~المعروف بابن البياعة، البسيط، حويت بطشا وإحسانا ومعرفة ... وليس يحمل هذا ~~كله الفرس ولما تعافى الملك المنصور لاجين قال فيه شمس الدين المذكور نثرا ~~وهو: " أسفر ثغر صباحه عن محيا القمر الزاهر، وبطش الأسد الكاسر، وجود ~~البحر الزاخر؛ فيا له يوما نال به الإسلام على شرفه شرفا، وأخذ كل مسلم من ~~السرور العام طرفا فملئت كل النفوس سرورا، وزيدت قلوب المؤمنين وأبصارهم ~~ثباتا ونورا " ثم أنشد أبياتا منها: البسيط، فمصر والشام كل الخير عمهما ~~... وكل قطر علت فيه التباشير فالكون مبتهج والخلق مبتسم ... والخير متصل ~~والدين مجبور ومنها: وكيف لا وعدو الدين منكسر ... بالله والملك المنصور ~~منصور والشرك قد مات رعبا حيث صاح به ... التوحيد هذا حسام الدين مشهور ثم ~~بعد ذلك بمدة قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسري، وأحتاط على جميع ~~موجوده! في سادس شهر ربيع الآخر. ثم جهز السلطان الملك المنصور العساكر إلى ~~البلاد الشامية لغزو سيس وغيرها، وعليهم الأمير علم الدين سنجر الدواداري ~~وغيره من الأمراء وسارت العساكر من الديار المصرية إلى البلاد الشامية، ~~وفتحت تل حمدون وتل باشر وقلعة مرعش؛ وجاء الأمير علم الدين سنجر الدواداري ~~حجر في رجله عطله عن الركوب في أيام الحصار. وأستشهد الأمير علم الدين سنجر ~~المعروف بطقصبا، وجرح جماعة كثيرة من العسكر والأمراء. ثم إن الملك المنصور ~~قبض على الأمير عز الدين أيبك الحموي المعزول عن نيابة دمشق قبل تاريخه ~~بمدة سنين وعلى الأمير سنقر شاه الظاهري لأمر بلغه عنهما. ثم في أواخر صفر ~~أخرج السلطان الملك المنصور لاجين الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار ~~المصرية إلى الكرك ليقيم بها، وفي خدمته الأمير جمال الدين آقوش أستاذ دار ~~الملك المنصور، فنزل الملك الناصر محمد بحواشيه من قلعة الجبل، وسافر حتى ~~وصل ms1696 إلى الكرك ثم بدا للسلطان الملك المنصور هذا أن يعمل الروك بالديار ~~المصرية وهو الروك الحسامي فلما كان يوم سادس جمادى الأولى من سنة سبع ~~وتسعين وستمائة ابتدأ عمل الروك والشروع فيه في إقطاعات الأمراء وأخباز ~~الحلقة والأجناد وجميع عساكر الديار المصرية، واستمروا في عمله إلى يوم ~~الاثنين ثامن شهر رجب من سنة سبع وتسعين وستمائة، وفرقت المثالات على ~~الأمراء والمقدمين. وفي اليوم العاشر ضرع نائب السلطنة الأمير سيف الدين ~~منكوتمر في تفرقة المثالات على الحلقة والبحرية ومماليك السلطان وغير ذلك، ~~فكان كل من وقع له مثال لا سبيل له إلى المراجعة فيه، فمن الجند من سعد ~~ومنهم من شقي؛ وأفرد للخاص أعمال الجيزية بتمامها وكمالها، ونواحي الصفقة ~~الإتفيحية وثغر دمياط والإسكندرية ونواحي معينة من البلاد القبلية والبحرية ~~وعين لمنكوتمر من النواحي ما اختاره لنفسه وأصحابه؛ وكان الحكم في التعيين ~~لداوين منكوتمر، والاختيار لهم في التفرقة وكان الذي باشر هذا الروك وعمله ~~من الأمراء الأمير بدر الدين بيليك الفارسي الحاجب والأمير بهاء الدين ~~قراقوش الطواشي الظاهري. PageV02P0402 # وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي: وكان مدة عمل الروك ثمانية أشهر إلا أياما ~~قلائل. ثم تقنطر السلطان الملك المنصور لاجين عن فرسه في لعب الكرة انتهى ~~كلام الصفدي. وقال القطب اليونيني: حكى بعض كتاب الجيش بالديار المصرية في ~~سنة سبعمائة قال لي: أخدم في ديوان الجيش بالديار المصرية أربعين سنة، قال: ~~والديار المصرية أربعة وعشرون قيراطا، منها: أربعة قراريط للسلطان ولما ~~يطلقه وللكلف والرواتب وغير ذلك، ومنها عشرة للأمراء والإطلاقات والزيادات، ~~ومنها عشرة قراريط للحلقة قال: وذكروا للسلطان ولمنكوتمر أنهم يكفون ~~الأمراء والجند بأحد عشر قيراطا، يستخدم عليها حلقة بمقدار الجيش، فشرعوا ~~في ذلك وطلبونا وطلبوا الكتاب الجياد في هذه الصناعة، فكفينا الأمراء ~~والجند بعشرة قراريط، وزدنا الذين تضرروا قيراطا فبقي تسعة، فاتفق قتل ~~السلطان ومنكوتمر. وكان في قلوب الأمراء من ذلك هم عظيم، فأنعم على كل أمير ~~ببلد وبلدين من تلك التسعة قراريط، وبقي الجيش ضعيفا ليس له قوة وكانت ~~التسعة قراريط التي ms1697 بقيت خيرا من الأحد عشر قيراطا المقطعة. قلت: يعني أن ~~هذا خارج عن الأربعة قراريط التي هي برسم السلطان خاصة. انتهى. ~~PageV02P0403 # وقيل في الروك وجه آخر قال: لما كان في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وستمائة ~~قصد السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري أن يروك البلاد ~~المصرية وينظر في أمور عساكر مصر، فتقدم التاج الطويل مستوفي الدولة بجمع ~~الدواوين لعمل أوراق بعبرة إقطاع الأمراء والجند وقانون البلاد، وندب ~~الأمير بهاء الدين قراقوش الظاهري والأمير بدرالدين بيليك الفارسي الحاجب، ~~فجمع سائر الكتاب لذلك؛ وأخذوا في عمله فلم يحكموا العمل، وذلك أنهم عمدوا ~~إلى الإقطاعات الثقيلة المتحصلة من إقطاعات الأمراء والجند، وأبدلوها ~~بإقطاعات دونها في العبرة والمتحصل، وأصلحوا ما كان من الإقطاعات ضعيفا، ~~وأفرد للعسكر بأجمعه أربعة عشر قيراطا، وللسلطان أربعة قراريط، وأرصد لمن ~~عساه يتضرر من الأمراء والجند ويشكو قلة المتحصل قيراطان، فتم بذلك عشرون ~~قيراطا وقتل الملك المنصور لاجين ولم يستخدم أحدا وأوقف برسم عسكر أخر ~~يستجد أربعة قراريط وأفرد لخاص السلطان الجيزية والإتفيحية ومنفلوط وهو ~~والكوم الأحمر ومرج بني هميم وحرجة سمطا، وأتفو أدفو بأعمال قوص وإسكندرية ~~ودمياط، وأفرد لمنكوتمر مملوكه نائب السلطنة من الجهات ما لم يكن لنائب ~~قبله، وهو عبرة نيف عن مائة ألف دينار. فلما فرغت الأوراق على ما ذكرنا جلس ~~السلطان الملك المنصور لاجين لتفرقة المثالات على الأمراء والمقدمين ~~فأخذوها وهم غير راضين بذلك؛ وتبين للسلطان من وجوه الأمراء الكراهة، فأراد ~~زيادة العبرة في الإقطاعات فمنعه نائبه منكوتمر من ذلك وحذره فتح هذا ~~الباب، فإنه يخشى أن يعجز السلطان عن سده، وتكفل له منكوتمر بإتمام العرض ~~فيما قد عمل برسم السلطان، ولمن كان له تعلق في هذا العمل من الأمراء ~~وغيرهم أن يرفعوا شكايتهم إلى النائب؛ وتصدى منكوتمر لتفرقة إقطاعات أجناد ~~الحلقة، فجلس في شباك النيابة بالقلعة ووقف الحجاب بين يديه، وأعطى لكل ~~تقدمة مثالاتها فتناولوها على كره منهم، وخافوا أن يكلموا منكوتمر لسوء ~~خلقه وسرعة بطشه؛ وتمادى الحال على ذلك عدة أيام. وكانت ms1698 أجناد الحلقة قد ~~تناقصت أحوالهم عن أيام الملك المنصور قلاوون، فإنهم كانوا على أن أقل عبرة ~~الإقطاعات وأضعف متحصلاتها عشرة آلاف درهم وما فوق ذلك إلى ثلاثين ألف درهم ~~وهي أعلاها، فرجع الأمر في هذا الروك إلى أن استقر أكثر الإقطاعات عشرين ~~ألفا إلى ما دونها؛ فقل لذلك رزق الأجناد؛ فإنه صار من كان متحصله عشرين ~~ألفا رجع إلى عشرة آلاف، ومن كان عبرة إقطاعه عشرة آلاف بقيت خمسة آلاف، ~~فشق ذلك على الجند ولم يرضوه إلا أنهم خشوا التنكيل من منكوتمر؛ وكانت فيهم ~~بقية من أهل القوة والشجاعة، فتقدموا إلى النائب منكوتمر وألقوا مثالاتهم، ~~وقالوا: إنا لا نعتد قط بمثل هذه الإقطاعات، ونحن إما أن نخدم الأمراء وإلا ~~بطلنا، فعظم قولهم على النائب وأغضبه، وأمر الحجاب بضربهم وساقهم إلى ~~السجن؛ فشفع فيهم الأمراء فلم يقبل شفاعتهم، وأقبل منكوتمر على من حضر من ~~الأمراء والمقدمين وغيرهم فأوسعهم سبا وملأهم تقريعا وتعنيفا حتى وغر ~~صدورهم وغير نياتهم فانصرفوا، وقد عولوا على عمل الفتنة؛ وبلغ السلطان ذلك ~~فعنف منكوتمر ولامه وأخرج الأجناد من السجن بعد أيام. وكان عمل هذا الروك ~~وتفرقته من أكبر الأسباب وأعظمهما في فتك الأمراء بالسلطان الملك المنصور ~~لاجين وقتله وقتل نائبه منكوتمر المذكور. على ما سيأتي ذكره. وكان هذا ~~الروك أيضا سببا كبيرا في إضعاف الجند بديار مصر وإتلافهم، فإنه لم يعمل ~~فيه عمل طائل ولا حصل لأحد منهم زيادة يرضاها، وإنما توفر من البلاد جزء ~~كبير. فلما قتل الملك المنصور لاجين تقسمها الأمراء زيادة على ماكان بيدهم ~~انتهى. PageV02P0404 # ثم إن السلطان الملك المنصور لاجين جهز الأمير جمال الدين آقوش الأفرم ~~الصغير والأمير سيف الدين حمدان بن صلغاي إلى البلاد الشامية، وعلى أيديهم ~~مراسيم شريفة بخروج العساكر الشامية، وخروج نائب الشام الأمير قبجق ~~المنصوري بجميع أمراء دمشق حتى حواشي الأمير أرجواش نائب قلعة دمشق، فوصلوا ~~إلى دمشق وألحوا في خروج العسكر ونوهوا بأن التتار قاصدون البلاد، فخرج ~~نائب الشام بعساكر دمشق في ليلة الخميس رابع عشر المحرم من ms1699 سنة ثمان وتسعين ~~وستمائة. ووقع لقبجق نائب الشام المذكور في هذه السفرة أمور أوجبت عصيانه ~~وخروجه من البلاد الحلبية بمن معه من الأمراء ومماليكه إلى غازان ملك ~~التتار. وكان الذي توجه معه من أكابر الأمراء: بكتمر السلاح دار وألبكي ~~وبيغار وغيرهم في جمع كثير، وكان خروجهم في ليلة الثلاثاء ثامن شهر ربيع ~~الأخر. وسبب خروج قبجق عن الطاعة وتوجهه أنه كان ورد عليه مرسوم السلطان ~~بالقبض على هؤلاء الأمراء المذكورين وغيرهم، ففطن الأمراء بذلك فهرب منهم ~~من هرب وبقي هؤلاء، فجاؤوا إلى قبجق وهو نازل على حمص، فطلبوا منه أمانا ~~فأمنهم وحلف لهم، وبعث قبجق إلى السلطان يطلب منه أمانا لهم فأبطأ عليه ~~الأمان، ثم خشن عليه بعض كابر أمراء دمشق في القول بسببهم فعلم قبجق أن ذلك ~~الكلام من قبل السلطان فغضب، وخرج على حمية وتبعه الأمير عز الدين بن صبرا، ~~والملك الأوحد وجماعة من مشايخ الأمراء يسترضونه فلم يرجع؛ وركب هو ومن معه ~~من حواشيه ومن الأمراء المذكورين وسار حتى وصل ماردين، والتقى مع مقدم ~~التتار فخدمهم مقدم التتار، وأخذهم وتوجه بأطلاب التتار وعساكره إلى أن ~~وصلوا إلى غازان ملك التتار وهو نازل بأرض السيب من أعمال واسط. فلما قدم ~~قبجق ومن معه على غازان سر بهم وأكرمهم ووعدهم ومناهم وأعطى لكل أمير عشرة ~~آلاف دينار، ولكل مملوك مائة دينار، وللمماليك الصغار مع الركبدارية خمسين ~~دينارا، وكل دينار من هذه الدنانير صرفه باثني عشر درهما؛ ثم أقطع الأمير ~~قبجق المذكور مدينة همذان وأعمالها، فلم يقبل قبجق واعتذر أن ليس له قصد ~~إلا أن يكون في صحبة السلطان الملك غازان ليرى وجهه في كل وقت! فأجابه ~~غازان إلى ما سأله وأعجبه ذلك منه. وكان لما خرج قبجق من حمص إلى جهة ~~التتار، وبلغ أمراء دمشق ذلك خرج في طلبه الأمير كجكن والأمير أيدغدي شقير ~~بمماليكهم ومعهم أيضا جماعة من عسكر الشام، فوجدوه قد قطع الفرات ولحقوا ~~بعض ثقله. وعند وصول قبجق ومن معه إلى غازان بلغه قتل السلطان الملك ms1700 ~~المنصور لاجين بالديار المصرية وكان خبر قتل السلطان أيضا بلغ الأمير كجكن ~~والأمير أيدغدي لما خرجوا في أثر قبجق فانحلت عزائمهم عن اللحوق بقبجق ~~ورجعوا عنه وإلا كانوا لحقوه وقاتلوه. وأما أمر السلطان الملك المنصور حسام ~~الدين لاجين صاحب الترجمة فإنه لما أخذ في قبض من استوحش منهم من الأمراء ~~وغيرهم، وزاد في ذلك بإشارة مملوكه منكوتمر، استوحش الناس منه ونفرت قلوبهم ~~وأجمعوا على عمل فتنة. ثم فوض لمملوكه منكوتمر جميع أمور المملكة فاستبد ~~منكوتمر بوظائف الملك ومهماته. وانتهى حال أستاذه الملك المنصور معه إلى أن ~~صار إذا رسم الملك المنصور لاجين مرسوما أو كتب لأحد توقيعا وليس هو بإشارة ~~منكوتمر يأخذه منكوتمر من يد المعطى له ويمزقه في الملأ، ويرده ويمنع ~~أستاذه منه؛ فعند ذلك استثقل الأمراء وطأة منكوتمر وعلموا أن أستاذه الملك ~~المنصور لا يسمع فيه كلام متكلم، فعملوا على قتل أستاذه الملك المنصور ~~لاجين. قلت: الولد الخبيث يكون سببا لاستجلاب اللعنة لوالده! انتهى. ~~PageV02P0405 # وقال الأمير بيبرس الدوادار في تاريخه: وكان سبب قتل لاجين أمور، منها: ~~أنه لما أراد أن يتسلطن جاءه جماعة من الأمراء واشترطوا عليه شروطا ~~فالتزمها لاجين، منها أنه يكون كأحدهم ولا ينفرد برأي عنهم، ولا يسلط يد ~~أحد من مماليكه فيهم وكان الأعيان الحاضرون في هذه المشورة، والمتفقون على ~~هذه الصورة: الأمير بدر الدين بيسري الشمسي، والأمير قرا سنقر المنصوري، ~~والأمير سيف الدين قبجق، والأمير الحاج بهادر أمير حاجب الحجاب والأمير ~~كرت، والأمير حسام الدين لاجين السلاح دار الرومي الأستادار، والأمير بدر ~~الدين بكتاش الفخري أمير سلاح، والأمير عز الدين أيبك الخازندار، والأمير ~~جمال الدين آقوش الموصلي، والأمير مبارز الدين أمير شكار، والأمير بكتمر ~~السلاح دار، والأمير سيف الدين سلار، والأمير طغجي، والأمير كرجي، والأمير ~~طقطاي، والأمير برلطاي وغيرهم ولما حلف لهم الملك المنصور لاجين على ما ~~شرطوا قال الأمير سيف الدين قبجق: نخشى أنك إذا جلست في المنصب تنسى هذا ~~التقرير وتقدم الصغير من مماليكك على الكبير، وتفوض لمملوكك منكوتمر في ~~التحكم والتدبير، ms1701 فتنصل لاجين من ذلك، وكرر لاجين الحلف أنه لا يفعل، فعند ~~ذلك حلفوا له. ورحلوا نحو الديار المصرية يعني أن ذلك كان بعد هروب الملك ~~العادل كتبغا وعند دخول لاجين إلى غزة فوقع هذه الشروط كلها يمدينة غزة ~~انتهى. قال بيبرس: فلما تسلطن رتب الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري ~~نائبا، والأمير الحاج بهادر حاجبا على عادته، والأمير سلار أستادارا، ~~والأمير بكتمر السلاح دار أمير اخور، واستقر بالصاحب فخر الدين بن الخليلي ~~في الوزارة، ورتب الأمير قبجق نائب الشام؛ ثم بعد مدة أفرج عن الأمير برلغي ~~فأعطاه إقطاعا بدمشق؛ ثم أفرج عن الأمير بيبرس الجاشنكير وجماعة من ~~الأمراء، وأعطى بيبرس الجاشنكير إمرة بالقاهرة. قلت: وبيبرس هذا هو الذي ~~تسلطن فيما بعد حسب ما يأتي ذكره. ثم برز مرسومه باستقرار الملك العادل ~~كتبغا في نيابة صرخد، وكتب له بها منشورا. انتهى كلام بيبرس باختصار، لأنه ~~خرج في سياق الكلام إلى غير ما نحن بصدده. وقال غيره: ولما تسلطن لاجين ~~وثبتت قدمه ورسخت نسي الشروط وقبض على أكابر خشداشيته من أعيان أمراء مصر ~~وأماثلهم، مثل: الأمير قرا سنقر والبيسري وبكتمر السلاح دار وغيرهم، وولى ~~مملوكه منكوتمر نيابة السلطنة بل صار منكوتمر هو المتصرف في الممالك. فعند ~~ذلك نفرت قلوب الأمراء والجند من الملك المنصور لاجين ودبروا عليه، واستوحش ~~هو أيضا منهم واحترز على نفسه، وقلل من الركوب ولزم القعاد بقلعة الجبل ~~متخوفا وكان كرجي خصيصا به، وهو أحد من كان أعانه على السلطنة، فقدمه لاجين ~~لما تسلطن على المماليك السلطانية، فكان يتحدث في أشغالهم ويدخل للسلطان من ~~أراد، لا يحجبه عنه حاجب، فحسده منكوتمر مع ما هو فيه من الحل والعقد في ~~المملكة؛ وسعى في إبعاد كرجي عن السلطان الملك المنصور لاجين. فلما ورد ~~البريد يخبر بأمر القلاع التي فتحها عسكر السلطان ببلاد الأرمن حسن منكوتمر ~~إلى السلطان أن يرسل كرجي المذكور إليها نائبا ليقيم فيها، فوافقه السلطان ~~على ذلك، وكلم كرجي فاستعفى كرجي من ذلك فأعفاه السلطان بعد أمور فكمن كرجي ms1702 ~~في نفسه. ثم أخذ مع هذا منكوتمر يغلظ على المماليك السلطانية وعلى الأمراء ~~الكبار في الكلام، فعظم ذلك عليهم وتشاكوا فيما بينهم من منكوتمر، وقالوا: ~~هذا متى طالت مدته أخذنا واحدا بعد واحد، وأستاذه مرتبط به، ولا يمكن ~~الوثوب عليه أيام أستاذه؛ فلم يجدوا بدا من قتل أستاذه الملك المنصور لاجين ~~قبله، ثم يقتلونه بعده، واتفقوا على ذلك. PageV02P0406 # قال الشيخ مجد الدين الحرمي وكيل بيت المال: كان الملك المنصور لاجين ~~متزوجا ببنت الملك الظاهر بيبرس، وكانت دينة عفيفة، فحكت أنها رأت في ~~المنام، ليلة الخميس قبل قتل السلطان بليلة واحدة، كأن السلطان جالس في ~~المكان الذي قتل فيه، وكأن عدة غربان سود على أعلى المكان، وقد نزل منهم ~~غراب فضرب عمامة السلطان فرماها عن رأسه، وهو يقول: كرج كرج؛ فلما ذكرت ذلك ~~للسلطان، قالت له: أقم الليلة عندنا؛ فقال السلطان: ما ثم إلا ما قدره ~~الله! وخرج من عندها إلى القصر بعد أن ركب في أول النهار على العادة، وكان ~~صائما وهو يوم الخميس عاشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة، فأفطر ~~بالقصر. ثم دخل إلى القصر الجواني بعد العشاء الآخرة وأخذ في لعب الشطرنج ~~وعنده خواصه وهم: قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، والأمير عبد الله، وبريد ~~البدوي، وإمامه محب الدين بن العسال؛ فأول من دخل عليه كرجي، وكان نوغيه ~~السلاح دار من جملة المتفقين، وهو في نوبته عند السلطان وكان كرجي مقدم ~~البرجية والسلطان مكب على لعب الشطرنج، فأوهم كرجي أنه يصلح الشمعة فرمى ~~الفوطة على النيمجاة ثم قال السلطان لكرجي: رحت بيت البرجية وغلقت عليهم ~~والبرجية هم الآن مماليك الأطباق، فقال كرجي: نعم يا خوند وقد كان أوقف ~~كرجي أكثرهم في دهليز القصر، فشكره السلطان وأثنى عليه من حضر فقال السلطان ~~القاضي القضاة، : لولا الأمير سيف الدين كرجي ما وصلت أنا إلى السلطنة فقبل ~~كرجي الأرض، وقال: يا خوند، ما تصلي العشاء؛ فقال السلطان: نعم؛ وقام حتى ~~يصلي فضربه كرجي بالسيف على كتفه، فطلب السلطان النيمجاة فلم ms1703 يجدها، فقام ~~من هول الضربة ومسك كرجي ورماه تحته؛ وأخذ نوغيه السلاح دار النيمجاة وضرب ~~بها رجل السلطان فقطعها، فانقلب السلطان على قفاه يخور في دمه. انتهى ما ~~ذكره وكيل بيت المال. وقال القاضي حسام الدين الحنفي: كنت عند السلطان فما ~~شعرت إلا وستة أو سبعة أسياف نازلة على السلطان، وهو مكب على لعب الشطرنج، ~~فقتلوه ثم تركوه وأنا عنده، وغلقوا علينا الباب؛ وكان سيف الدين طغجي قد ~~قصد بقية البرجية المتفقين معه ومع كرجي في الدركاه، فقال لهم: قضيتم ~~الشغل؛ فقالوا: نعم. ثم إنهم توجهوا جميعا إلى دار سيف الدين منكوتمر وهو ~~بدار النيابة من قلعة الجبل، فدقوا عليه الباب وقالوا له: السلطان يطلبك، ~~فأنكر حالهم وقال لهم: قتلتم السلطان؛ فقال له كرجي: نعم يا مأبون، وقد ~~جئناك نقتلك، فقال: أنا ما أسلم نفسي إليكم، إنما أنا في جيرة الأمير سيف ~~الدين طغجي، فأجاره طغجي، وحلف له أنه لا يؤذيه ولا يمكن أحدا من أذيته؛ ~~ففتح داره فتسلموه وراحوا به إلى الجب فأنزلوه إلى عند الأمراء المحبوسين ~~فلما دخل إلى الجب قام إليه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وتلقاه متهكما ~~عليه، ثم قام إليه الأمير عز الدين أيبك الحموي وشتمه، وأراد قتله، لأن ~~منكوتمر هذا كان هو السبب في مسك هؤلاء الأمراء، وإقلاب الدولة من حرصه على ~~أن الأمر يفضي إليه ويتسلطن بعد أستاذه فأقام منكوتمر نحو ساعة في الجب، ~~وراح الأمير طغجي إلى داره حتى يقضي شغلا له، فاغتنم كرجي غيبته وأخذ معه ~~جماعة وتوجه إلى باب الحبس وأطلع منكوتمر صورة أنهم يريدون تقييمه كما جرت ~~العادة في أمر المحتبسين، فامتنع من الطلوع فألحوا عليه وأطلعوه وذبحوه على ~~باب الجب، ونهبوا داره وأمواله. ثم اتفقوا كما هم في الليل على سلطنة الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون وعوده إلى ملكه كونه ابن أستاذهم، وأن يكون سيف ~~الدين طغجي نائب السلطنة، ومهما عملوه يكون باتفاق الأمراء، وحلفوا على هذا ~~الأمر كل ذلك في تلك الليلة قبل أن يطلع الفجر. وأصبح ms1704 نهار الجمعة حلفوا ~~الأمراء والمقدمين والعسكر جميعه للملك الناصر محمد بن قلاوون ونائب ~~السلطنة طغجي. وسيروا في الحال خلف الملك الناصر محمد يطلبونه من الكرك؛ ~~وركب الأمير طغجي يوم السبت في الموكب والتف عليه العسكر وطلع إلى قلعة ~~الجبل، وحضر الأمراء الموكب ومد السماط كما جرت العادة به من غير هرج ولا ~~غوغاء وكأنه لم يجر شيء، وسكنت الفتنة، وفرح غالب الناس بزوال الدولة لأجل ~~منكوتمر. PageV02P0407 # ودام ذلك إلى أن كان يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الآخر من سنة ثمان ~~وتسعين المذكورة، وصل الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح عائدا من الشام من ~~فتوح سيس، وصحبته العساكر المتوجهة معه، وكان قد راح إليه جماعة من أمراء ~~مصر لتلقيه إلى بلبيس وأعلموه بصورة الحال، وقالوا له بأن، الذي وقع من قتل ~~الملك المنصور ليس هو عن رضاهم ولا علموا به، وأغروه على قتل طغجي واتفقوا ~~معه على ذلك؛ وكانوا الأمراء المذكورون قد أشاروا قبل خروجهم على طغجي أن ~~يخرج يلتقي الأمير بكتاش أمير سلاح، فركب طغجي بكرة يوم الاثنين وتوجه نحوه ~~حتى التقاه وتعانقا وتكارشا. ثم قال أمير سلاح لطغجي: كان لنا عادة من ~~السلطان إذا قدمنا من السفر يتلقانا، وما أعلم ذنبي الآن ما هو، كونه ما ~~يلقاني اليوم! فقال له طغجي: وما علمت بما جرى على السلطان؛ السلطان قتل! ~~فقال أمير سلاح: ومن قتله؛ قال له بعض الأمراء وهو الأمير سيف الدين كرت ~~أمير حاجب: قتله، سيف الدين طغجي وكرجي، فأنكر عليه وقال: كلما قام ~~للمسلمين ملك تقتلونه! تقدم عني لا تلتصق بي، وساق عنه أمير سلاح؛ فتيقن ~~طغجي أنه مقتول، فحرك فرسه وساق فانقض عليه بعض الأمراء وقبض عليه بشعر ~~دبوقته، ثم علاه بالسيف، وساعده على قتله جماعة من الأمراء، فقتل وقتل معه ~~ثلاثة نفر، ومروا سائقين إلى تحت القلعة. وكان كرجي قد قعد في القلعة لأجل ~~حفظها، فبلغه قتل رفيقة طغجي، فألبس البرجية السلاح وركب في مقدار الذي ~~فارس حتى يدفع عن نفسه، فركبت جميع أجناد ms1705 الحلقة والأمراء والمقدمين في ~~خدمة أمير سلاح إلى الرابعة من النهار، ثم حملوا العساكر على جماعة كرجي ~~فهزموهم، وساق كرجي وحده، واعتقد أن أصحابه يتوجهون حيث توجه، فلم يتبعه ~~غير تبعه ونوغيه الكرموني أمير سلاح دار الذي كان أعانه على قتل الملك ~~المنصور لاجين. فلما أبعدوا والقوم في أثرهم لحقه بعض خشداشيته وضربه ~~بالسيف حل كتفه، ثم ساعده بعض الأمراء حتى قتل، وقتل معه نوغيه الكرموني ~~السلاح دار الذي كان أعانه على قتل لاجين المقدم ذكره، واثنا عشر نفرا من ~~مماليكهما وأصحابهما؛ وبطلت الغوغاء وسكنت الفتنة في الحال. واستقر الأمر ~~أيضا على تولية السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون كما كان دبره طغجي ~~وكرجي وسيروا بطلبه وحثوا الطلب في قدومه من الكرك إلى الديار المصرية؛ ~~وبقي يدبر الأمور ويعلم على الكتب المسيرة إلى البلاد ثمانية أمراء إلى أن ~~حضر السلطان، وهم: الأمير سيف الدين سلار، والأمير سيف الدين كرت، والأمير ~~ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير عز الدين أيبك الخازندار، والأمير جمال ~~الدين آقوش الأفرم الصغير، والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير ~~سيف الدين بكتمر أمير جاندار، والأمير جمال الدين عبد الله السلاح دار، ~~وجميعهم منصورية قلاوونية، وغالبهم قد أخرج من السجن بعد قتل لاجين. يأتي ~~ذلك كله في ترجمة الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية عند عوده إلى ~~السلطنة إن شاء الله تعالى. وأما السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين ~~فإنه أخذ بعد قتله وغسل وكفن بتربته بالقرافة الصغرى بالقرب من سفح المقطم؛ ~~ودفن مملوكه منكوتمر تحت رجليه. قتل الملك المنصور لاجين وهو في عشر ~~الخمسين أو جاوزها بقليل وقد تقدم التعريف به في عدة تراجم مما تقدم ونذكر ~~هنا أيضا من أحواله ما يتضح التعريف به ثانيا. كان لاجين ملكا شجاعا مقداما ~~عارفا عاقلا حشيما وقورا معظما في الدول. طالت أيامه في نيابة دمشق أيام ~~أستاذه في السعادة؛ وهو الذي أبطل الثلج الذي كان ينقل في البحر من الشام ~~إلى مصر؛ وقال: أنا كنت نائب الشام وأعلم ما ms1706 يقاسي الناس في وسقه من المشقة ~~وكان - رحمه الله - تام القامة أشقر في لحيته طول يسير وخفة، ووجه رقيق ~~معرق، وعليه هيبة ووقار، وفي قده رشاقة وكان ذكيا نبيها شجاعا حذورا ولما ~~قتل الملك الأشرف خليل بن قلاوون هرب هو وقراسنقر، فإنهما كانا أعانا ~~الأمير بيدرا على قتله حسب ما ذكرناه ترجمة الملك الأشرف المذكور، بل كان ~~لاجين هذا هو الذي تمم قتله؛ ولما هرب جاء هو وقراسنقر إلى جامع أحمد بن ~~طولون وطلعا إلى المئذنة واستترا فيها وقال لاجين: لئن نجانا الله من هذه ~~الشدة وصرت شيئا عمرت هذا الجامع. PageV02P0408 # قلت: وكذا فعل رحمه الله تعالى، فإنه لما تسلطن أمر بتجديد جامع أحمد ابن ~~طولون المذكور ورتب في شد عمارته وعمارة أوقافه الأمير علم الدين أبا موسى ~~سنجر بن عبد الله الصالحي النجمي الدواداري المعروف بالبرنلي، وكان من ~~أكابر أمراء الألوف بالديار المصرية، وفوض السلطان الملك المنصور لاجين أمر ~~الجامع المذكور وأوقافه إليه فعمره وعمر وقفه وأوقف عليه عدة قرى، وقرر فيه ~~دروس الفقه والحديث والتفسير والطب وغير ذلك، وجعل من جملة ذلك وقفا يختص ~~بالديكة التي تكون في سطح الجامع المذكور في مكان مخصوص بها، وزعم أن ~~الديكة تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين في السحر، وضمن ذلك كتاب الوقف؛ فلما ~~قرىء كتاب الوقف على السلطان وما شرطه أعجبه جميعه، فلما انتهى إلى ذكر ~~الديكة أنكر السلطان ذلك، وقال: أبطلوا هذا لئلا يضحك الناس علينا، وأمضى ~~ما عدا ذلك من الشروط والجامع المذكور عامر بالأوقاف المذكورة إلى يومنا ~~هذا، ولولاه لكان دثر وخرب، فإن غالب ما كان أوقفه صاحبه أحمد بن طولون خرب ~~وذهب أثره، فجدده لاجين هذا وأوقف عليه هذه الأوقاف الجمة، فعمر وبقي إلى ~~الآن. انتهى. وكان المنصور لاجين فهما كريم الأخلاق متواضعا. يحكى أن ~~القاضي شهاب الدين محمود كان يكتب بين يديه فوقع من الحبر على ثيابه، ~~فأعلمه السلطان بذلك؛ فنظم في الحال بيتين وهما: السريع، ثياب مملوكك يا ~~سيدي ... قد بيضت حالي بتسويدها ماوقع الحبر عليها ms1707 بلى ... وقع لي منك ~~بتجديدها فأمر له المنصور بتفصيلتين وخمسمائة درهم فقال الشهاب محمود: يا ~~خوند، مماليكك الجماعة رفاقي يبقى ذلك في قلوبهم، فأمر لكل منهم بمثل ذلك، ~~وصارت راتبا لهم في كل سنة. وقال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في ~~تاريخه: حكى لي الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس: لما دخل عليه لم يدعه يبوس ~~الأرض، وقال: أهل العلم منزهون عن هذا وأجلسه عنده، وأظنه قال: على المقعد، ~~ورتبه موقعا فباشر ذلك أياما، واستعفى فأعفاه وجعل المعلوم له راتبا ~~فتناوله إلى أن مات. ولما تسلطن مدحه القاضي شهاب الدين محمود بقصيدة ~~أولها: البسيط، أطاعك الدهر فأمر فهو ممتثل ... واحكم فأنت الذي تزهى بك ~~الدول ولما تسلطن الملك المنصور لاجين تفاءل الناس واستبشروا بسلطنته، وجاء ~~في تلك السنة غيث عظيم بعدما كان تأخر؛ فقال في ذلك الشيخ علاء الدين ~~الوداعي: السريع، يا أيها العالم بشراكم ... بدولة المنصور رب الفخار فالله ~~قد بارك فيها لكم ... فأمطر الليل وأضحى النهار وكانت مدة سلطنة المنصور ~~لاجين على الديار المصرية سنتين وثلاثة شهور. قال الأديب صلاح الدين ~~الصفدي: وكان دينا متقشفا كثير الصوم قليل الأذى. قطع أكثر المكوس، وقال: ~~إن عشت ما تركت مكسا واحدا. قلت: كان فيه كل الخصال الحسنة، لولا توليته ~~مملوكه منكوتمر الأمور ومحبته له، وهو السبب في هلاكه حسب ما تقدم. وتسلطن ~~من بعده ابن أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون: طلب من الكرك وأعيد إلى ~~السلطنة انتهت ترجمة الملك المنصور لاجين. رحمه الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك المنصور لاجين # وهي سنة ست وتسعين وستمائة. على أن الملك العادل كتبغا حكم منها المحرم ~~وأياما من صفر. فيها كان خلع الملك العادل كتبغا المنصوري من السلطنة ~~وتوليته نيابة صرخد، وسلطنة الملك المنصور لاجين هذا من بعده حسب ما تقدم ~~ذكره. وفيها في ذي القعدة مسك الملك المنصور لاجين الأمير شمس الدين قرا ~~سنقر المنصوري نائب السلطنة بديار مصروحبسه، وولى عوضه مملوكه منكوتمر. ~~وفيها ولي قضاء دمشق ms1708 قاضي القضاة إمام الدين القزويني عوضا عن القاضي بدر ~~الدين بن جماعة؛ واستمر ابن جماعة المذكور على خطابة جامع دمشق. وفيها تولى ~~سلطنة اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود ابن الملك المظفر شمس الدين يوسف ~~ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول، بعد موت أخيه الأشرف. ~~PageV02P0409 # وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة مفتي المسلمين محيي الدين أبو عبد الله ~~محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق بن سالم بن النحاس الحلبي ~~الأسدي الحنفي في ليلة سلخ المحرم ببستانه بالمزة ودفن بتربته بالمزة، وحضر ~~جنازته نائب الشام ومن دونه؛ وكان إماما مفتنا في علوم؛ وتولى عدة تداريس ~~ووظائف دينية، ووزر بالشام للملك المنصور قلاوون؛ وحسنت سيرته ثم عزل ولازم ~~الأشغال والإقراء وانتفع به عامة أهل دمشق، ومات ولم يخلف بعده مثله. وفيها ~~توفي الملك الأشرف ممهد الدين عمر ابن الملك المظفر يوسف ابن الملك المنصور ~~نور الدين عمر بن علي بن رسول ملك اليمن، وتولى بعده أخوه هزبر الدين داود ~~المقدم ذكره، وكانت مدة ملكه دون السنتين. وفيها توفي القاضي تاج الدين عبد ~~القادر ابن القاضي عز الدين محمد السنجاري الحنفي قاضي قضاة الحنفية بحلب ~~في يوم الخميس ثامن عشرين شعبان؛ كان إماما فقيها عالما مفتيا. ولي القضاء ~~بعدة بلاد وحمدت سيرته. وفيها توفي الأمير عز الدين أزدمر بن عبد الله ~~العلائي في ذي القعدة بدمشق، وكان أميرا كبيرا معظما إلا أنه شرس الأخلاق ~~قليل الفهم رسم له الملك الظاهر بيبرس أنه لا يركب بسيف فبقي أكثر من عشرين ~~سنة لا يركب بسيف، وهو أخو الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري. وفيها توفي ~~شيخ الحرم وفقيه الحجاز رضي الدين محمد بن أبي بكر عبد الله بن خليل بن ~~إبراهيم القسطلاني المكي المعروف بابن خليل. مولده سنة ثلاث وثلاثين ~~وستمائة؛ وكان فقيها عالما مفتتا مفتيا، وله عبادة وصلاح وحسن أخلاق. مات ~~بمكة بعد خروج الحاج بشهر، ودفن بالمعلاة بالقرب من سفيان الثوري. ومن شعره ~~رحمه الله: الخفيف، أيها ms1709 النازح المقيم بقلبي ... في أمان أنى حللت ورحب ~~جمع الله بيننا عن قريب ... فهو أقصى مناي منك وحسبي الذين ذكر الذهبي ~~وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي القاضي تاج الدين عبد الخالق بن عبد ~~السلام بن سعيد ببعلبك في المحرم، وله ثلاث وتسعون سنة. وقاضي القضاة عز ~~الدين عمر بن عبد الله بن عمر بن عرض الحنبلي بالقاهرة والحافظ الزاهد جمال ~~الدين أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهري بمصر. والمحدث ضياء الدين عيسى بن ~~يحيى السبتي بالقاهرة في رجب. والزاهد شمس الدين محمد بن حامد المقدسي في ~~ذي الحجة وأبو العباس أحمد بن عبد الكريم في صفر. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم كان قليلا جدا مبلغ الزيادة خمس عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا ~~ثم نقص ولم يوف في تلك السنة. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك المنصور لاجين # وهي سنة سبع وتسعين وستمائة. فيها مسك الملك المنصور لاجين الأمير بدر ~~الدين بيسري الشمسي وحبسه واحتاط على وجوده وفيها أخذت العساكر المصرية تل ~~حمدون وقلعتها بعد حصار، ومرعش وغيرهما، ودقت البشائر بمصر أياما بسبب ذلك. ~~وفيها قدم الملك المسعود نجم الدين خضر ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين ~~بيبرس البندقداري من بلاد الأشكري إلى مصر، فتلقاه السلطان الملك المنصور ~~لاجين في الموكب وأكرمه. وطلب الملك المسعود الحج فأذن له بذلك وكان الملك ~~الأشرف خليل بن قلاوون أرسله إلى هناك وسكن الملك المسعود بالقاهرة إلى أن ~~مات بها حسب ما يأتي ذكره وكان خضر هذا من أحسن الناس شكلا، ولما ختنه أبوه ~~قال فيه القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر يهنىء والده الملك ~~الظاهر ركن الدين بيبرس: هنأت بالعيد وما ... على الهناء أقتصر بل إنها ~~بشارة ... لها الوجود مفتقر بفرحة قد جمعت ... ما بين موسى والخضر قد هيأت ~~لوردكم ... ماء الحياة المنهمر قلت: وأحسن من هذا قول من قال في مليح حليق: ~~الرمل، مرت الموسى على عارضه ... فكأن الماء بالآس غمر مجمع البحرين أضحى ~~خده ... إذ ms1710 تلاقى فيه موسى والخضر PageV02P0410 # وفيها توفي الشيخ الصالح الزاهد بقية المشايخ بدر الدين حسن ابن الشيخ ~~الكبير القدوة العارف نور الدين أبي الحسن علي بن منصور الحريري في يوم ~~السبت عاشر شهر ربيع الآخر بزاويته بقرية بسر من أعمال زرع؛ وكان هو ~~المتعين بعد أبيه في الزاوية وعلى الطائفة الحيريرية المنسوبين إلى والده؛ ~~ومات وقد جاوز الثمانين. وفيها توفي قاضي القضاة صدر الدين إبراهيم بن أحمد ~~بن عقبة البصراوي الفقيه الحنفي المدرس، أحد أعيان فقهاء الحنفية؛ ولي قضاء ~~حلب ثم عزل ثم أعيد فمات قبل دخوله حلب؛ وكان عالما مفتنا وله اليد الطولى ~~في الجبر والمقابلة والفرائض وغير ذلك. الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه ~~السنة، قال: وفيها توفي الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر الفارسي الأبجي ~~في رمضان وعائشة ابنة المجد عيسى بن الموفق المقدسي في شعبان ولها ست ~~وثمانون سنة. وقاضي حماة جمال الدين محمد بن سالم بن واصل في شوال. وشهاب ~~الدين أحمد بن عبد الرحمن النابلسي الحنبلي العابر والشيخ كمال الدين عبد ~~الرحمن بن عبد اللطيف البغدادي بن المكبر في ذي الحجة، وله ثمان وتسعون ~~سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا وعشر أصابع. وكان الوفاء آخر أيام النسيء. ### | AUT سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية # على مصر السلطان الملك الناصر ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن السلطان ~~الملك المنصور سيف الدين قلاوون؛ تقدم ذكر مولده في ترجمته الأولى من هذا ~~الكتاب أعيد إلى السلطنة بعد قتل الملك المنصور لاجين فإنه كان لما خلع من ~~الملك بالملك العادل كتبغا المنصوري أقام عند والدته بالدور من قلعة الجبل ~~إلى أن أخرجه الملك المنصور لاجين لما تسلطن إلى الكرك، فأقام الملك الناصر ~~بالكرك إلى أن قتل الملك المنصور لاجين حسب ماذكرناه أجمع رأي الأمراء على ~~سلطنته ثانيا، وخرج إليه الطلب من الديار المصرية صبيحة الحادي عشر من شهر ~~ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستمائة، وهو ثاني يوم قتل ms1711 لاجين، وسار الطلب ~~إليه؛ فلما قتل طغجي وكرجي في يوم الاثنين رابع عشره استحثوا الأمراء في ~~طلبه، وتكرر سفر القصاد له من الديار المصرية إلى الكرك، حتى إذا حضر إلى ~~الديار المصرية في ليلة السبت رابع جمادى الأولى من السنة، وبات تلك الليلة ~~بالإسطبل السلطاني، ودام به إلى أن طلع إلى القلعة في بكرة يوم الاثنين ~~سادس جمادى الأولى المذكور. وحضر الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد ~~والقضاة، وأعيد إلى السلطنة وجلس على تخت الملك وكان الذي توجه من القاهرة ~~بطلبه الأمير الحاج آل ملك، والأمير سنجر الجاولي. فلما قدما إلى الكرك كان ~~الملك الناصر بالغور يتصيد فتوجها إليه، ودخل آقوش نائب الكرك إلى أم ~~السلطان وبشرها، فخافت أن تكون مكيدة من لاجين فتوقفت في المسير، فما زال ~~بها حتى أجابت. ووصل الأميران إلى الملك الناصر بالغور وقبلا الأرض بين ~~يديه وأعلماه بالخبر، فرحب بهما وعاد إلى البلد وتهيأ، وأخذ في تجهيز أمره، ~~والبريد يترادف باستحثاثه إلى أن قدم القاهرة، فخرج الأمراء وجميع الناس ~~قاطبة للقائه، وكادت القاهرة ومصر ألا يتأخر بهما أحد فرحا بقدومه وكان ~~خروجهم في يوم السبت، وأظهر الناس لعوده إلى الملك من السرور ما لا يوصف ~~ولا يحد، وزينت القاهرة ومصر بأفخر زينة، وأبطل الناس معايشهم وضجوا له ~~بالدعاء والشكر لله على عوده إلى الملك، وأسمعوا حواشي الملك العادل كتبغا ~~والملك المنصور لاجين من المكروه والاستهزاء ما لا مزيد عليه؛ واستمروا في ~~الفرح والسرور إلى يوم الاثنين، وهو يوم جلوسه على تخت الملك. وجلس على تخت ~~الملك في هذه المرة الثانية وعمره يومئذ نحو أربع عشرة سنة. ثم جدد للملك ~~الناصر العهد وخلع على الأمير سيف الدين سلار بنيابة السلطنة، وعلى الأمير ~~حسام الدين لاجين بالأستادارية على عادته، واستمر الأمير آقوش الأفرم ~~الصغير بنيابة دمشق على عادته، وخلع عليه وسفر بعد أيام. وفي معنى سلطنة ~~الملك الناصر محمد يقول الشيخ علاء الدين الوداي الدمشقي: السريع، الملك ~~الناصر قد أقبلت ... دولته مشرقة الشمس عاد إلى كرسيه ms1712 مثلما ... عاد سليمان ~~إلى الكرسي PageV02P0411 # وفي تاسع جمادى الأولى فرقت الخلع على جميع من له عادة بالخلع من أعيان ~~الدولة. وفي ثاني عشره لبس الناس الخلع وركب السلطان الملك الناصر بالخلعة ~~الخليفتية وأبهة السلطنة وشعار الملك، ونزل من قلعة الجبل إلى سوق الخيل ثم ~~عاد إلى القلعة، وترجل في خدمته جميع الأمراء والأكابر وقبلوا الأرض بين ~~يديه. واستقرت سلطنته وتم أمره، وكتبت البشائر بذلك إلى الأقطار، وسر الناس ~~بعوده إلى الملك سرورا زائدا بسائر الممالك. وبعد أيام ورد الخبر عن غازان ~~ملك التتار أنه قد عزم على قصد البلاد الشامية لما قدم عليه الأمير قبجق ~~المنصوري نائب الشام ورفقته ثم رأى غازان أن يجهز سلامش بن أباجو من خمسة ~~وعشرين ألفا من الفرسان إلى بلاد الروم، على أنه يأخذ بلاد الروم، ويتوجه ~~بعد ذلك بسائر عساكره إلى الشام من جهة بلاد سيس ويجيء غازان من ديار بكر، ~~وينزلون على الفرات ويغيرون على البيرة والرحبة وقلعة الروم، ويكون ~~اجتماعهم على مدينة حلب، فإن التقاهم أحد من العساكر المصرية والشامية ~~التقوه وإلا دخلوا بلاد الشام؛ فاتفق أن سلامش لما توجه من عند قازان ودخل ~~إلى الروم أطمعته نفسه بالملك، وملك الروم وخلع طاعة غازان واستخدم الجند، ~~وأنفق عليهم وخلع على أكابر الأمراء ببلاد الروم؛ وكانوا أولاد قرمان قد ~~أطاعوه، ونزلوا إلى خدمته، وهم فوق عشرة آلاف فارس. وهذا الخبر أرسله سلامش ~~المذكور إلى مصر، وأرسل في ضمن ذلك يطلب من المصريين النجدة والمساعدة على ~~غازان. قلت: غازان وقازان كلاهما اسم لملك التتار. انتهى. وكان وصول رسول ~~سلامش بهذا الخبر إلى مصر في شعبان من السنة. وأما قازان فإنه وصل إلى ~~بغداد؛ وكانوا متولين بغداد من قبله شكوا إليه من أهل السيب والعربان أنهم ~~ينهبون التجار القادمين من البحر، وأنهم قد قطعوا السابلة فسار قازان بنفسه ~~إليهم ونهبهم، وأقام بأرض دقوقا مشتيا. ولما بلغه خبر سلامش انثنى عزمه عن ~~قصد الشام وشرع في تجهيز العساكر مع ثلاثة مقدمين، ومعهم خمسة وثلاثون ألف ~~فارس: ms1713 منها خمسة عشر مع الأمير سوتاي وعشرة مع هندوجاغان وعشرة مع بولاي ~~وهو المشار إليه من المقدمين مع العساكر وسفرهم إلى الروم لقتال سلامش. ثم ~~رحل قازان إلى جهة تبريز ومعه الأمير قبجق المنصوري نائب الشام وبكتمر ~~السلاح دار والألبكي وبزلار، هؤلاء هم الذين خرجوا من دمشق مغاضبين للملك ~~المنصور لاجين. وسار التتار الذين أرسلهم غازان حتى وصلوا إلى الروم في ~~أواخر شهر رجب والتقوا مع سلامش، وكان سلامش قد عصى عليه أهل سيواس وهو ~~يحاصرهم، فتركهم سلامش وتجهز، وجهز عساكره لملتقى التتار؛ وكان قد جمع فوق ~~ستين ألف فارس. فلما قارب التتار فر من عسكر سلامش التتار والروم ولحقوا ~~بولاي مقدم عساكر غازان. PageV02P0412 # وأما التركمان فإنهم تركوه وصعدوا إلى الجبال على عادتهم، وبقي سلامش في ~~جمع قليل دون خمسمائة فارس، فتوجه بهم من سيواس إلى جهة سيس، وسار منها ~~فوصل إلى بهسنا في أواخر شهر رجب. وكان السلطان الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون قد برز مرسومه إلى نائب الشام بأن يجرد خمسة أمراء من حمص وخمسة من ~~حماة وخمسة من حلب لتكملة خمسة عشر أميرا ويبعثهم نجدة إلى سلامش فلما وصل ~~الخبر بقدوم سلامش إلى بهسنا منهزما توقف العسكر عن المسير؛ ثم وصل سلامش ~~إلى دمشق. وسلامش هذا هو من أولاد عم غازان؛ وهو سلامش بن أباجو بن هولاكو. ~~وكان وصوله إلى دمشق في يوم الخميس ثاني عشر شعبان، فتلقاه نائب الشام ~~واحتفل لملاقاته احتفالا عظيما وأكرمه، وقدم في خدمته نائب بهسنا الأمير ~~بدر الدين بكتاش الزردكاش؛ ثم سار سلامش من دمشق إلى جهة الديار المصرية ~~إلى أن وصلها، فأكرمه السلطان غاية الإكرام، وأقام بمصر أياما قليلة ثم عاد ~~إلى حلب، بعد أن اتفق معه أكابر دولة الملك الناصر محمد على أمر يفعلونه ~~إذا قدم غازان إلى البلاد الشامية؛ ثم بعد خروجه جهز السلطان خلفه أربعة ~~آلاف فارس من العسكر المصري نجدة له لقتال التتار، وأيضا كالمقدمة للسلطان، ~~وعلى كل ألف فارس أمير مائة ومقدم ألف فارس، وهم: الأمير ms1714 جمال الدين آقوش ~~قتال السبع، والمبارز أمير شكار، والأمير جمال الدين عبد الله، والأمير سيف ~~الدين بلبان، الحبشي، وهو المقدم على الجميع؛ وساروا الجميع إلى بلاد حلب، ~~وتهيأ السلطان للسفر، وتجهزت أمراؤه وعساكره. وخرج من الديار المصرية ~~بأمرائه وعساكره في يوم الخميس سادس عشرين ذي الحجة الموافق لسادس عشرين ~~توت أحد شهور القبط. هذا والعساكر الشامية في التهيؤ لقتال التتار، وقد ~~دخلهم من الرعب والخوف أمر لا مزيد عليه؛ وسار السلطان بعساكره إلى البلاد ~~الشامية بعد أن تقدمه أيضا جماعة من أكابر أمراء الديار المصرية غير أولئك، ~~كالجاليش على العادة، وهم: الأمير قطلوبك والأمير سيف الدين كزناي وهو من ~~كبار الأمراء: كان حما الملكين الصالح والأشرف أولاد قلاوون، وجماعة أمراء ~~أخر ودخلوا هؤلاء الأمراء قبل السلطان إلى الشام بأيام، فاطمأن خواطر أهل ~~دمشق بهم. وسافر السلطان بالعساكر على مهل، وأقام بغزة وعسقلان أياما ~~كثيرة؛ ثم دخل إلى دمشق يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين ~~وستمائة؛ واحتفل أهل دمشق لدخوله احتفالا عظيما، ودخل السلطان بتجمل عظيم ~~زائد عن الوصف حتى لعله زاد على الملوك الذين كانوا قبله؛ ونزل بقلعة دمشق ~~بعد أن أقام بغزة وغيرها نحو الشهرين في الطريق إلى أن ترادفت عليه الأخبار ~~بقرب التتار إلى البلاد الشامية، فقدم دمشق؛ وتعين حضوره إليها ليجتمع ~~بعساكره السابقة له وأقام السلطان بدمشق وجهز عساكرها إلى جهة البلاد ~~الحلبية أمامه، ثم خرج هو بأمرائه وعساكره بعدهم في يوم الأحد السابع عشر ~~من شهر ربيع الأول من سنة تسع وتسعين المذكورة في وسط النهار، وسار من دمشق ~~إلى حمص؛ وابتهل الناس له بالدعاء، وعظم خوف الناس وصياحهم وبكاؤهم على ~~الإسلام وأهله. ووصل السلطان إلى حمص وأقام لابس السلاح ثلاثة أيام ~~بلياليها إلى أن حصل الملل والضجر، وغلت الأسعار بالعسكر وقلت العلوفات. ~~PageV02P0413 # وبلغ السلطان أن التتار قد نزلوا بالقرب من سلمية وأنهم يريدون الرجوع ~~إلى بلادهم لما بلغهم من كثرة الجيوش واجتماعهم على قتالهم - وكان هذا ~~الخبر مكيدة من التتار - فركب السلطان ms1715 بعساكره من حمص بكرة يوم الأربعاء ~~وقت الصبح السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، وساقوا الخيل إلى أن وصلوا ~~إليهم، وهم بالقرب من سلمية بمكان يسمى وادي الخازندار؛ فركب التتار ~~للقائهم وكانوا تهيؤوا لذلك؛ وكان الملتقى في ذلك المكان في الساعة الخامسة ~~من نهار الأربعاء المذكور وتصادما، وقد كلت خيول السلطان وعساكره من السوق؛ ~~والتحم القتال بين الفريقين، وحملت ميسرة المسلمين عليهم فكسرتهم أقبح ~~كسرة، وقتلوا منهم جماعة كثيرة نحو خمسة آلاف أو أكثر ولم يقتل من المسلمين ~~إلا اليسير. ثم حملت القلب أيضا حملة هائلة وصدمت العدو أعظم صدمة، وثبت كل ~~من الفريقين ثباتا عظيما ثم حصل تخاذل في عسكر الإسلام بعضهم في بعض - بلاء ~~من الله تعالى - فانهزمت ميمنة السلطان بعد أن كان لاح لهم النصر فلا قوة ~~إلا بالله. ولما انهزمت الميمنة انهزم أيضا من كان وراء السناجق السلطانية ~~من غير قتال، وألقى الله تعالى الهزيمة عليهم فانهزم جميع عساكر الإسلام ~~بعد النصر؛ وساق السلطان في طائفة يسيرة من أمرائه ومدبري مملكته إلى نحو ~~بعلبك وتركوا جميع الأثقال ملقاة؛ فبقيت العدد والسلاح والغنائم والأثقال ~~ملأت تلك الأراضي حتى بقيت الرماح في الطرق كأنها القصب لا ينظر إليها أحد، ~~ورمى الجند خوذهم عن رؤوسهم وجواشنهم وسلاحهم تخفيفا عن الخيل لتنجيهم ~~بأنفسهم، وقصدوا الجميع دمشق. وكان أكثر من وصل إلى دمشق من المنهزمين من ~~طريق بعلبك. ولما بلغ أهل دمشق وغيرها كسرة السلطان عظم الضجيج والبكاء، ~~وخرجت المخدرات حاسرات لا يعرفن أين يذهبن والأطفال بأيديهن، وصار كل واحد ~~في شغل عن صاحبه إلى أن ورد عليهم الخبر أن ملك التتار قازان مسلم وأن غالب ~~جيشه على ملة الإسلام، وأنهم لم يتبعوا المنهزمين، وبعد انفصال الوقعة لم ~~يقتلوا أحدا ممن وجدوه، وإنما يأخذون سلاحه ومركوبه ويطلقونه، فسكن بذلك ~~روع أهل دمشق قليلا. ثم صار من وصل إلى دمشق أخذ أهله وحواصله بحيث الإمكان ~~وتوجه إلى جهة مصر، وبقي من بقي بدمشق في خمدة وحيرة لا يدرون ما عاقبة ~~أمرهم؛ فطائفة ms1716 تغلب عليهم الخوف، وطائفة يترجون حقن الدماء، وطائفة يترجون ~~أكثر من ذلك من عدل وحسن سيرة؛ واجتمعوا في يوم الأحد بمشهد علي من الجامع ~~الأموي، واشتوروا في أمر الخروج إلى ملك التتار غازان وأخذهم أمانا لأهل ~~البلد، فحضر من الفقهاء قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وهو يومئذ خطيب ~~جامع أهل دمشق، والشيخ زين الدين الفارقي، والشيخ تقي الدين بن تيمية، ~~وقاضي قضاة دمشق نجم الدين ابن صصرى، والصاحب فخر الدين بن الشيرجي، ~~والقاضي عز الدين بن الزكي، والشيخ وجيه الدين بن المنجا، والشيخ عز الدين ~~بن القلانسي، وابن عمه شرف الدين، وأمين الدين بن شقير الحراني، والشريف ~~زين الدين بن عدنان، والصاحب شهاب الدين الحنفي، والقاضي شمس الدين بن ~~الحريري، والشيخ محمد بن قوام النابلسي، وجلال الدين أخو القاضي إمام الدين ~~القزويني - وقد خرج أخوه إمام الدين قبل ذلك مع جماعة جافلا إلى مصر - ~~وجلال الدين ابن القاضي حسام الدين الحنفي، وجماعة كثيرة من العدول ~~والفقهاء والقراء. وأما السلطان الملك الناصر وعساكره فإنه سار هو بخواصه ~~بعد الوقعة إلى جهة الكسوة. وأما العساكر المصرية والشامية فلا يمكن أن ~~يعبر عن حالهم: فإنه كان أكبر الأمراء يرى، وهو وحده وقد عجز عن الهرب ليس ~~معه من يقوم بخدمته، وهو مسرع في السير خائف متوجه إلى جهة الكسوة لا يلوي ~~على أحد، قد دخل قلوبهم الرعب والخوف، تشتمهم العامة وتوبخهم بسبب الهزيمة ~~من التتار، وكونهم كانوا قبل ذلك يحكمون في الناس ويتعاظمون عليهم، وقد صار ~~أحدهم الآن أضعف من الهزيل؛ وأمعنوا العامة في ذلك وهم لا يلتفتون إلى ~~قولهم، ولا ينتقمون من أحد منهم. PageV02P0414 # قلت: وكذا وقع في زماننا هذا في وقعة تيمورلنك وأعظم؛ فإن هؤلاء قاتلوا ~~وكسروا ميمنة التتار، إلا أصحابنا فإنهم سلموا البلاد والعباد من غير قتال! ~~حسب ما يأتي ذكره في محله من ترجمة السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق. ~~انتهى. قال: وعجز أكثر الأمراء والجند عن التوجه إلى جهة مصر خلف السلطان ~~بسبب ضعف فرسه، فصار الجندي ms1717 يغير زيه حتى يقيم بدمشق خيفة من توبيخ العامة ~~له، حتى إن بعضهم حلق شعره وصار بغير دبوقة. قال الشيخ قطب الدين اليونيني: ~~مع أن الله تعالى لطف بهم لطفا عظيما؛ إذ لم يسق عدوهم خلفهم ولا تبعهم إلا ~~حول المعركة وما قاربها؛ وكان ذلك لطفا من الله تعالى بهم وبقي الأمر على ~~ذلك إلى آخر يوم الخميس سادس شهر ربيع الآخر، فوصل أربعة من التتار ومعهم ~~الشريف القمي وتكلموا مع أهل دمشق، فلم ينبرم أمر. ثم قدم من الغد آخر ومعه ~~فرمان يعني مرسوما من غازان بالأمان وقرىء بالمدرسة البادرائية ثم وقع بعد ~~ذلك أمور يطول شرحها من أن قازان أرسل إلى أهل دمشق وعرفهم أنه يحب العدل ~~والإحسان للرعية وإنصاف المظلوم من الظالم، وأشياء من هذا النمط، فحصل ~~للناس بذلك سكون وطمأنينة. ثم دخل الأمير قبجق المنصوري الذي كان نائب دمشق ~~قبل تاريخه، وهرب من الملك المنصور لاجين إلى غازان، ومعه رفقته الأمير ~~بكتمر السلاح دار وغيره إلى دمشق، وكلموا الأمير أرجواش المنصوري خشداشهم ~~نائب قلعة دمشق في تسليمها إلى غازان؛ وقالوا له: دم المسلمين في عنقك إن ~~لم تسلمها؛ فأجابهم: دم المسلمين في أعناقكم أنتم الذين خرجتم من دمشق ~~وتوجهتم إلى غازان وحسنتم له المجيء إلى دمشق وغيرها، ثم وبخهم ولم يسلم ~~قلعة دمشق، وتهيأ للقتال والحصار؛ واستمر على حفظ القلعة. ثم ترادفت قصاد ~~غازان إلى أرجواش هذا، وطال الكلام بينهم في تسليم القلعة؛ فثبته الله ~~تعالى ومنع ذلك بالكلية وملك قازان دمشق وخطب له بها في يوم الجمعة رابع ~~عشر شهر ربيع الآخر. وصورة الدعاء لغازان أن قال الخطيب: " مولانا السلطان ~~الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين مظفر الدنيا والدين محمود غازان " وصلى ~~الأمير قبجق المنصوري وجماعة من المغل بالمقصورة من جامع دمشق؛ ثم أخذ ~~التتار في نهب قرى دمشق والفساد بها، ثم بجبل الصالحية وغيرها، وفعلوا تلك ~~الأفعال القبيحة، ثم قرروا على البلد تقارير تضاعفت غير مرة، وحصل على أهل ~~دمشق الذل والهوان وطال ذلك عليهم، وكان ms1718 متولي الطلب من أهل دمشق الصفي ~~السنجاري، وعلاء الدين أستادار قبجق، وابنا الشيخ الحريري الحن والبن؛ وعمل ~~الشيخ كمال الدين الزملكاني في ذلك قوله: لهفي على جلق يا شرما لقيت ... من ~~كل علج له في كفره فن بالطم والرم جاؤوا لا عديد لهم ... فالجن بعضهم والحن ~~والبن وللشيخ عز الدين عبد الغني الجوزي في المعنى: بلينا بقوم كالكلاب ~~أخسة ... علينا بغارات المخاوف قد شنوا هم الجن حقا ليس في ذاك ريبة ... ~~ومع ذا فقد والاهم الحن والبن ولابن قاضي شهبة: الطويل، رمتنا صروف الدهر ~~حقا بسبعة ... فما أحذ منا من السبع سالم غلاء وغازان وغزو وغارة ... وغدر ~~وإغبان وغم ملازم وفي المعنى يقول أيضا الشيخ علاء الدين الوداي وأجاد: ~~الطويل، أتى الشام مع غازان شيخ مسلك ... على يده تاب الورى وتزهدوا فخلوا ~~عن الأموال والأهل جملة ... فما منهم إلا فقير مجرد ودامت هذه الشدة على ~~أهل دمشق والحصار عمال في كل يوم على قلعة دمشق حتى عجزوا عن أخذها من يد ~~أرجواش المذكور قلت: على أن أرجواش كان عنده سلامة باطن إلى الغاية يأتي ~~ذكره بعض أحواله في الوفيات من سنين الملك الناصر محمد بن قلاوون. انتهى. ~~PageV02P0415 # قال: وتم جبي المال، وأخذه غازان وسافر من دمشق في يوم الجمعة ثاني عشر ~~جمادى الأولى بعد أن ولى الأمير قبجق المنصوري نيابة الشام على عادته أولا، ~~وقرر بدمشق جماعة أخر يطول الشرح في ذكرهم. وأقام الأمير قطلوشاه مقدم ~~عساكر التتار بعد غازان بدمشق بجماعة كثيرة من التتار لأخذ ما بقي من ~~الأموال ولحصار قلعة دمشق، ودام على ذلك حتى سافر من دمشق ببقية التتار في ~~يوم الثلاثاء ثالث عشرين جمادى الأولى، وخرج الأمير قبجق نائب الشام ~~لتوديعه، ثم عاد يوم الخميس خامس عشرينه، وانقطع أمر المغل من دمشق بعد أن ~~قاسى أهلها شدائد وذهبت أموالهم. قال ابن المنجا: إن الذي حمل إلى خزانة ~~قازان خاصة نفسه ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف سوى ما محق عليهم من التراسيم ~~والبراطيل والاستخراج لغيره من الأمراء ms1719 والوزراء وغير ذلك، بحيث إن الصفي ~~السنجاري استخرج لنفسه أكثر من ثمانين ألف درهم، وللأمير إسماعيل مائتي ألف ~~درهم، وللوزير نحو أربعمائة ألف، وقس على هذا. واستمر بدمشق ورسم أن ينادى ~~في دمشق بأن أهل القرى والحواضر يخرجون إلى أماكنهم: رسم بذلك سلطان الشام ~~حاج الحرمين سيف الدين قبجق. وصار قبجق يركب بالعصابة، والشاويشية بين ~~يديه، وأجتمع الناس عليه. كل ذلك والقتال والمباينة واقعة بين الأمير ~~أرجواش نائب قلعة دمشق وبين قبجق المذكور ونواب قازان، والرسل تمشي بينهم ~~في الصلح، وأرجواش يأبى تسليم القلعة له، فلله در هذا الرجل! ما كان أثبت ~~جنانه مع تغفل كان فيه حسب ما يأتي ذكره. هذا وقبجق غير مستبد بأمر الشام ~~بل غالب الأمر بها لنواب قازان مثل بولاي وغيره. ثم سافر بولاي من دمشق بمن ~~كان بقي معه من التتار في عشية يوم السبت الرابع من شهر رجب، ومعه قبجق، ~~وقد أشيع أن قبجق يريد الانفصال عن التتار. وبعد خروجهما استبد أرجواش نائب ~~قلعة دمشق بتدبير أمور البلد. وفي يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب أعيدت ~~الخطبة بدمشق إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون، وللخليفة الحاكم بأمر الله ~~على العادة، ففرح الناس بذلك. وكان أسقط اسم الملك الناصر محمد من الخطبة ~~بدمشق من سابع شهر ربيع الآخر، فالمدة مائة يوم. ثم نادى أرجواش بكرة يوم ~~السبت بالزينة في البلد فزينت. وأما الملك الناصر محمد بن قلاوون فإن عوده ~~إلى الديار المصرية كان يوم الأربعاء ثاني عشر شهر ربيع الأخر وتبعته ~~العساكر المصرية والشامية متفرقين، وأكثرهم عراة مشاة ضعفاء، وذاك الذي ~~أوجب تأخرهم عن الدخول مع السلطان إلى مصر، وأقاموا بعد ذلك أشهرا حتى ~~آستقام أمرهم؛ ولولا حصول البركة بالديار المصرية وعظمها ما وسعت مثل هذه ~~الخلائق والجيوش التي دخلوها في جفلة التتار وبعدها؛ فمن الله تعالى بالخيل ~~والعدد والرزق، إلا أن جميع الأسعار غلت لا سيما السلاح وآلات الجندية من ~~القماش والبرك وحوائج الخيل وغير ذلك حتى زادت عن الحد. ومما زاد سعر ms1720 ~~العمائم، فإن الجند كان على رؤوسهم في المصاف الخوذ، فلما آنكسروا رموا ~~الخوذ تخفيفا ووضعوا على رؤوسهم المناديل، فآحتاجوا لما حضروا إلى مصر إلى ~~شراء العمائم، مع أن الملك الناصر أنفق في الجيش بعد عوده، واستخدم جمعا ~~كثيرا من الجند خوفا من قدوم غازان إلى الديار المصرية. وتهيأ السلطان إلى ~~لقاء غازان ثانيا، وجهز العساكر وقام بكلفهم أتم قيام على صغر سنه. فلما ~~ورد عليه الخبر بعدم مجيء قازان إلى الديار المصرية تجهز وخرج بعساكره ~~وأمرائه من الديار المصرية إلى جهة البلاد الشامية إلى ملتقى غازان ثانيا، ~~بعد أن خلع على الأمير آقوش الأفرم الصغير بنيابة الشام على عادته، وعلى ~~الأمير قرا سنقر المنصوري بنيابة حماة وحلب، وكان خروج السلطان من مصر ~~بعساكره في تاسع شهر رجب من سنة تسع وتسعين وستمائة. وسار حتى نزل بمنزلة ~~الصالحية فبلغه عود قازان بعساكره إلى بلاده، فكلم الأمراء السلطان في عدم ~~سفره ورجوعه إلى مصر فأبى عن رجوع العسكر، وسمع لهم في عدم سفره، وأقام ~~بمنزلة الصالحية. PageV02P0416 # وسافر الأمير سلار المنصوري نائب السلطنة بالديار المصرية، والأمير ركن ~~الدين بيبرس الجاشنكير بالعساكر إلى الشام. ولما سار سلار وبيبرس الجاشنكير ~~إلى جهة الشام تلاقوا في الطريق مع الأمير سيف الدين قبجق والأمير يكتمر ~~السلاح دار والألبكي وهم قاصدون السلطان، فعتب الأمراء قبجق ورفقته عتبا ~~هينا على عبور قازان إلى البلاد الشامية، فاعتذروا أن ذلك كان خوفا من ~~الملك المنصور لاجين وحنقا من مملوكه منكوتمر، وأنهم لما بلغهم قتل الملك ~~المنصور لاجين كانوا قد تكلموا مع قازان في دخول الشام، ولا بقي يمكنهم ~~الرجوع عما قالوه، ولا سبيل إلى الهروب من عنده، فقبلوا عذرهم وبعثوهم إلى ~~الملك الناصر. فقدموا عليه بالصالحية وقبلوا الأرض بين يديه، فعتبهم أيضا ~~على ما وقع منهم، فذكروا له العذر السابق ذكره، فقبله منهم وخلع عليهم؛ ~~وعاد السلطان إلى القاهرة وصحبته خواصه والأمير قبجق ورفقته، فطلع القلعة ~~في يوم الخميس رابع عشر شعبان. ودخل الأمراء إلى دمشق ومعهم الأمير آقوش ~~الأفرم الصغير ms1721 نائب الشام وغالب أمراء دمشق، وفي العسكر أيضا الأمير قرا ~~سنقر المنصوري متولي نيابة حماة وحلب؛ ودخل الجميع دمشق بتجمل زائد، ~~ودخلوها على دفعات كل أمير بطلبه على حدة؛ وسر الناس بهم غاية السرور، ~~وعلموا أن في عسكر الإسلام القوة والمنعة ولله الحمد. وكان آخر من دخل إلى ~~الشام الأمير سلار نائب السلطنة، وغالب الأمراء في خدمته، حتى الملك العادل ~~زين الدين كتبغا المنصوري نائب صرخد؛ ونزل جميع الجيش بالمرج. وخلع على ~~الأمير أرجواش المنصوري نائب قلعة دمشق باستمراره على عادته، وشكروا له ~~الأمراء ما فعله من حفظ القلعة، ودخلوا الأمراء إلى دمشق وقلعة دمشق مغلقة ~~وعليها الستائر والطوارف، فكلموه الأمراء في ترك ذلك. فلما كان يوم السبت ~~مستهل شهر رمضان أزال أرجواش الطوارف والستائر من على القلعة؛ فأقام العسكر ~~بدمشق أياما حتى أصلحوا أمرها، ثم عاد الأمير سلار إلى نحو الديار المصرية ~~بجميع أمراء مصر وعساكره في يوم السبت ثامن شهر رمضان، وتفرق باقي الجيش كل ~~واحد إلى محل ولايته؛ ودخل سلار إلى مصر بمن معه في ثالث شوال بعد أن آحتفل ~~الناس لملاقاتهم؛ وخرج أمراء مصر إلى بلبيس، وخلع السلطان على جميع من قدم ~~من الأمراء رفقة سلار، وكانت خلعة سلار أعظم من الجميع. ودام السلطان بقية ~~سنته بالديار المصرية. فلما آستهلت سنة سبعمائة كثرت الأراجيف بالشام ومصر ~~بحركة قازان؛ وكان قازان قد تسمى محمودا، وصار يقال له السلطان محمود ~~غازان. ثم وصلت في أول المحرم من سنة سبعمائة الأخبار والقصاد من الشرق ~~وأخبروا أن قازان قد جمع جموعا كثيرة وقد ناس في جميع بلاده الغزاة إلى ~~مصر، وأنه قاصد الشام؛ فجفل أهل الشام من دمشق وتفرقوا في السواحل وقصدوا ~~الحصون وتشتت غالب أهل الشام إلى البلاد من الفرات إلى غزة، فعند ذلك تجهز ~~الملك الناصر وجهز عساكره وتهيأ وخرج بجميع عساكره وأمرائه من القاهرة إلى ~~مسجد التبن في يوم السبت ثالث عشر صفر، وسافر حتى قارب دمشق أقام بمنزلته ~~إلى سلخ شهر ربيع الآخر، وتوجه هو وعساكره ms1722 عائدين إلى جهة الديار المصرية، ~~بعد أن لاقوا شدة ومشقة عظيمة من كثرة الأمطار والثلوج والأوحال وعدم ~~المأكول، بحيث إنه انقطعت الطريق من البرد والمطر وعدم جلب المأكول لهم ~~ولدوابهم، حتى إنهم لم يقدروا على الوصول إلى دمشق؛ وكان طلوع السلطان ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى قلعه الجبل يوم الاثنين حادي عشر جمادى ~~الأولى. وقبل عود السلطان إلى مصر كان جهز السلطان الأمير بكتمر السلاح دار ~~والأمير بهاء الدين يعقوبا إلى دمشق أمامه، فدخلوا دمشق. ثم أشيع بدمشق عود ~~السلطان إلى القاهرة، فجفل غالب أهل دمشق منها، ونائب الشام لم يمنعهم بل ~~يحسن لهم ذلك. وقيل إن والي دمشق بقي يجفل الناس بنفسه، وصار يمر بالأسواق، ~~ويقول: في أي شيء أنتم قعود! ولما كان يوم السبت تاسع جمادى الأولى نادت ~~المناداة بدمشق: من قعد فدمه في رقبته، ومن لم يقدر على السفر فليطلع إلى ~~القلعة، فسافر في ذلك اليوم معظم الناس. PageV02P0417 # وأما قازان فإنه وصل إلى حلب ووصل عساكره إلى قرون حماة وإلى بلاد سرمين، ~~وسير معظم جيشه إلى بلاد أنطاكية وغيرها، فنهبوا من الدواب والأغنام ~~والأبقار ما جاوز حد الكثرة، وسبوا عالما كثيرا من الرجال والنساء ~~والصبيان. ثم أرسل الله تعالى على غازان وعساكره الأمطار والثلوج بحيث إنه ~~أمطر عليهم واحدا وأربعين يوما، وقت مطر ووقت ثلج، فهلك منهم عالم كثير؛ ~~ورجع غازان بعساكره إلى بلادهم أقبح من المكسورين، وقد تلفت خيولهم وهلك ~~أكثرها، وعجزهم الله تعالى وخذلهم، وردهم خائبين عما كانوا عزموا عليه. " ~~ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال " . ~~ووصل الخبر برجوعهم في جمادى الآخرة، وقد خلت دمشق وجميع بلاد الشام من ~~سكانها. ثم في شهر رجب من السنة وصل إلى القاهرة وزير ملك الغرب بسبب الحج، ~~واجتمع بالسلطان وبالأمير سلار نائب السلطنة وبالأمير ركن الدين بيبرس ~~الجاشنكير فقابلوه بالإكرام وأنعموا عليه واحترموه؛ فلما كان في بعض الأيام ~~جلس الوزير المغربي المذكور بباب القلعة عند بيبرس الجاشنكير وسلار، فحضر ~~بعض كتاب ms1723 النصارى، فقام إليه المغربي يتوهم أنه مسلم ثم ظهر له أنه نصراني ~~فقامت قيامته؛ وقام من وقته ودخل إلى السلطان بحضرة الأمير سلار وبيبرس ~~مدبري مملكة الناصر محمد، وتحدث معهم في أمر النصارى واليهود، وأنهم عندهم ~~في بلادهم في غاية الذل والهوان، وأنهم لا يمكنونهم من ركوب الخيل، ولا من ~~آستخدامهم في الجهات السلطانية والديوانية، وأنكر على نصارى ديار مصر ~~ويهودها كونهم يلبسون أفخر الثياب ويركبون البغال والخيل، وأنهم يستخدمونهم ~~في أجل الجهات ويحكمونهم في رقاب المسلمين؛ ثم إنه ذكر أن عهد ذمتهم قد ~~انقضى من الهجرة النبوية، وذكر كلاما كثيرا من هذا النوع، فأثر كلامه عند ~~القلوب النيرة من أهل الدولة، وحصل له قبول من الخاص والعام بسبب هذا ~~الكلام، وقام بنصرته الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وجماعة كثيرة من ~~الأمراء وافقوه على ذلك، ورأوا أن في هذا الأمر مصلحة كبيرة لإظهار شعائر ~~الإسلام. فلما كان شهر رجب جمعوا النصارى واليهود ورسموا لهم ألا يستخدموا ~~في الجهات السلطانية ولا عند الأمراء، وأن يغيروا عمائمهم فيلبس النصارى ~~عمائم زرقا وزنانيرهم مشدودة في أوساطهم؛ وأن اليهود يلبسون عمائم صفرا، ~~فسعوا الملتان عند جميع أمراء الدولة وأعيانها، وساعدهم أعيان القبط وبذلوا ~~الأموال الكثيرة الخارجة عن الحد للسلطان والأمراء على أن يعفوا من ذلك، ~~فلم يقبل منهم شيئا. وشدد عليهم الأمير بيبرس الجاشنكير الأستادار - رحمه ~~الله - غاية التشديد، فإنه هو الذي كان القائم في هذا الأمر، عفا الله ~~تعالى عنه وأسكنه الجنة بما فعله، فإنه رفع الإسلام بهذه الفعلة وخفض أهل ~~الملتين بعد أن وعد بأموال جمة فلم يفعل. قلت: رحم الله ذلك الزمان وأهله ~~ما كان أعلى هممهم، وأشبع نفوسهم! وما أحسن قول المتنبي: أتى الزمان بنوه ~~في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم ثم رسم السلطان الملك الناصر محمد ~~بغلق الكنائس بمصر والقاهرة، فضرب على كل باب منها دفوف ومسامير، وأصبح يوم ~~الثاني والعشرين من شهر رجب المبارك من سنة سبعمائة، وقد لبسوا اليهود ~~عمائم صفرا، والنصارى عمائم زرقا، وإذا ركب أحد ms1724 منهم بهيمة يكف إحدى رجليه، ~~وبطلوا من الخدم السلطانية وكذلك من عند الأمراء؛ وأسلم لذلك جماعة كثيرة ~~من النصارى، منهم: أمين الملك أعبد الله بن الغنام، مستوفي الصحبة وغيره. ~~ثم رسم السلطان أن يكتب بذلك في جميع بلاده من دنقلة إلى الفرات. فأما أهل ~~الإسكندرية لما وصل إليهم المرسوم سارعوا إلى خراب كنيستين عندهم، وذكروا ~~أنهما مستجدتان في عهد الإسلام؛ ثم داروا إلى دورهم فما وجدوه أعلى على من ~~جاورها من دور المسلمين هدموه، وكل من كان جاور مسلما في حانوت أنزلوا ~~مصطبة حانوته بحيث يكون المسلم أرفع منه، وفعلوا أشياء كثيرة من هذا، ~~وأقاموا شعار الإسلام كما ينبغي على العادة القديمة؛ ووقع ذلك بسائر ~~الأقطار لا سيما أهل دمشق، فإنهم أيضا أمعنوا في ذلك. وعملت الشعراء في هذا ~~المعنى عدة مقاطيع شعر، ومما قاله الشيخ شمس الدين الطيبي: تعجبوا للنصارى ~~واليهود معا ... والسامريين لما عمموا الخرقا PageV02P0418 # كأنما بات بالأصباغ منسهلا ... نسر السماء فأضحى فوقهم ذرقا ومما قاله ~~الشيخ علاء الدين كاتب أبن وداعة المعروف بالوداعي في المعنى وأجاد: لقد ~~ألزموا الكفار شاشات ذلة ... تزيدهم من لعنة الله تشويشا فقلت لهم ما ~~ألبسوكم عمائما ... ولكنهم قد ألبسوكم براطيشا وفيها في تاسع ذي القعدة وصل ~~إلى القاهرة من حلب الأمير أنس يخبر بحركة التتار، وأن التتار قد أرسلوا ~~أمامهم رسلا، وأن رسلهم قد قاربت الفرات؛ ثم وصلت الرسل المذكورة بعد ذلك ~~بمدة إلى الديار المصرية في ليلة الاثنين خامس عشر ذي الحجة، وأعيان القصاد ~~ثلاثة نفر: قاضي الموصل وخطيبها كمال الدين بن بهاء الدين بن كمال الدين بن ~~يونس الشافعي، وآخر عجمي وآخر تركي. ولما كان عصر يوم الثلاثاء جمعوا ~~الأمراء والمقدمين إلى القلعة وعملت الخدمة ولبسوا المماليك أفخر الثياب ~~والملابس؛ وبعد العشاء الأخيرة أوقدوا الشموع نحوا من ألف شمعة، ثم أظهروا ~~زينة عظيمة بالقصر، ثم أحضروا الرسل، وحضر القاضي بجملتهم وعلى رأسه طرحة، ~~فقام وخطب خطبة بليغة وجيزة وذكر آيات كثيرة في معنى الصلح وآتفاق الكلمة ~~ورغب فيه؛ ثم إنه ms1725 دعا للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، ومن بعده ~~للسلطان محمود غازان، ودعا للمسلمين والأمراء وأدى الرسالة. ومضمونها: إنما ~~قصدهم الصلح؛ ودفعوا إليهم كتابا مختوما من السلطان غازان، فأخذ منهم ~~الكتاب ولم يقرؤوه تلك الليلة، وأعيد الرسل إلى مكانهم. فلما كان ليلة ~~الخميس فتح الكتاب وقرىء على السلطان وهو مكتوب بالمغلي وكتم الأمر. فلما ~~كان يوم الخميس ثامن عشر ذي الحجة حضر جميع الأمراء والمقدمين وأكثر العسكر ~~وأخرج إليهم الكتاب وقريء عليهم، وهو مكتوب بخط غليظ في نصف قطع البغدادي، ~~ومضمونه: PageV02P0419 # " بسم الله الرحمن الرحيم، وننهي بعد السلام إليه أن الله عز وجل جعلنا ~~وإياكم أهل ملة واحدة، وشرفنا بدين الإسلام وأيدنا، وندبنا لإقامة مناره ~~وسددنا؛ وكان بيننا وبينكم ما كان بقضاء الله وقدره، وما كان ذلك إلا بما ~~كسبت أيديكم، وما الله بظلام للعبيد. وسبب ذلك أن بعض عساكركم أغاروا على ~~ماردين وبلادها في شهر رمضان المعظم قدره، الذي لم تزل الأمم يعظمونه في ~~سائر الأقطار، وفيه تغل الشياطين وتغلق أبواب النيران، فطرقوا البلاد على ~~حين غفلة من أهلها، وقتلوا وسبوا وفسقوا وهتكوا محارم الله بسرعة من غير ~~مهلة؛ وأكلوا الحرام وارتكبوا الآثام، وفعلوا ما لم تفعله عباد الأصنام؛ ~~فأتونا أهل ماردين صارخين مسارعين ملهوفين مستغيثين بالأطفال والحريم، وقد ~~آستولى عليهم الشقاء بعد النعيم؛ فلاذوا بجنابنا وتعلقوا بأسبابنا، ووقفوا ~~موقف المستجير الخائف ببابنا؛ فهزتنا نخوة الكرام، وحركتنا حمية الإسلام، ~~فركبنا على الفور بمن كان معنا ولم يسعنا بعد هذا المقام؛ ودخلنا البلاد ~~وقدمنا النية، وعاهدنا الله تعالى على ما يرضيه عند بلوغ الأمنية؛ وعلمنا ~~أن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر بأن يسعوا في الأرض فسادا والله لا يحب ~~الفساد، وأنه يغضب لهتك الحريم وسبي الأولاد، فما كان إلا أن لقيناكم بنية ~~صادقة، وقلوب على الحمية للدين موافقة، فمزقناكم كل ممزق، والذي ساقنا ~~إليكم، هو الذي نصرنا عليكم، وما كان مثلكم إلا كمثل قرية كانت آمنة مطمئنة ~~- الآية - فوليتم الأدبار، واعتصمتم من سيوفنا بالفرار، فعفونا عنكم بعد ~~آقتدار، ورفعنا ms1726 عنكم حكم السيف البتار؛ وتقدمنا إلى جيوشنا ألا يسعوا في ~~الأرض كما سعيتم، وأن ينشروا من العفو والعفاف ما طويتم ولو قدرتم ما عفوتم ~~ولا عففتم؛ ولم نقلدكم منة بذلك، بل حكم الإسلام في قتال البغاة كذلك؛ وكان ~~جميع ما جرى في سالف القدم، ومن قبل كونه جرى به في اللوح القلم؛ ثم لما ~~رأينا الرعية تضرروا بمقامنا في الشام، لمشاركتنا لهم في الشراب والطعام؛ ~~وما حصل في قلوب الرعية من الرعب، عند معاينة جيوشنا التي هي كمطبقات ~~السحب؛ فأردنا أن نسكن تخوفهم بعودتنا من أرضهم بالنصر والتأييد، والعلو ~~والمزيد؛ فتركنا عندهم بعض جيوشنا بحيث تتونس بهم، وتعود في أمرها إليهم؛ ~~ويحرسونهم من تعدي بعضهم على بعض، بحيث إنكم ضاقت بكم الأرض؛ إلى أن يستقر ~~جأشكم، وتبصروا رشدكم؛ وتسيروا إلى الشام من يحفظه من أعدائكم المتقدمين، ~~وأكرادكم المتمردين؛ وتقدمنا إلى مقدمي طوامين جيوشنا أنهم متى سمعوا بقدوم ~~أحد منكم إلى الشام، أن يعودوا إلينا بسلام؛ فعادوا إلينا بالنصر المبين، ~~والحمد لله رب العالمين. والآن فإنا وإياكم لم نزل على كلمة الإسلام ~~مجتمعين، وما بيننا ما يفرق كلمتنا إلا ما كان من فعلكم بأهل ماردين؛ وقد ~~أخذنا منكم القصاص، وهو جزاء كل عاص؛ فنرجع الآن في إصلاح الرعايا، ونجتهد ~~نحن وإياكم على العدل في سائر القضايا؛ فقد آنضرت بيننا وبينكم حال البلاد ~~وسكانها، ومنعها الخوف من القرار في أوطانها؛ وتعذر سفر التجار، وتوقف حال ~~المعايش لانقطاع البضائع والأسفار؛ ونحن نعلم أننا نسأل عن ذلك ونحاسب ~~عليه، وأن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن جميع ~~ما كان وما يكون في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وأنت تعلم ~~أيها الملك الجليل، أنني وأنت مطالبون بالحقير والجليل؛ وأننا مسؤولون عما ~~جناه، أقل من وليناه، وأن مصيرنا إلى الله؛ وإنا معتقدون الإسلام قولا ~~وعملا ونية، عاملون بفروضه في كل وصية. وقد حملنا قاضي القضاة علامة الوقت ~~حجة الإسلام بقية السلف كمال الدين موسى بن محمد ms1727 أبا عبد الله، أعزه الله ~~تعالى، مشافهة يعيدها على سمع الملك والعمدة عليها، فإذا عاد من الملك ~~الجواب فليسير لنا هدية الديار المصرية، لنعلم بإرسالها أن قد حصل منكم في ~~إجابتنا للصلح صدق النية؛ ونهدي إليكم من بلادنا ما يليق أن نهديه إليكم، ~~والسلام الطيب منا عليكم. إن شاء الله تعالى. PageV02P0420 # فلما سمع الملك الناصر الكتاب استشار الأمراء في ذلك؛ وبعد أيام طلبوا ~~قاضي الموصل أعني الرسول المقدم ذكره من عند قازان، وقالوا له: أنت من ~~أكابر العلماء وخيار المسلمين، وتعلم ما يجب عليك من حقوق الإسلام والنصيحة ~~للدين؛ فنحن ما نتقاتل إلا لقيام الدين؛ فإن كان هذا الأمر قد فعلوه حيلة ~~ودهاء فنحن نحلف لك أن ما يطلع على هذا القول أحد من خلق الله تعالى، ~~ورغبوه غاية الرغبة؛ فحلف لهم بما يعتقده أنه ما يعلم من قازان وخواصه غير ~~الصلح وحقن الدماء ورواج التجار ومجيئهم وإصلاح الرعية. ثم إنه قال لهم: ~~والمصلحة أنكم تتفقون وتبقون على ما أنتم عليه من الاهتمام بعدوكم، وأنتم ~~فلكم عادة في كل سنة تخرجون إلى أطراف بلادكم لأجل حفظها فتخرجون على ~~عادتكم؛ فإن كان هذا الأمر خديعة فيظهر لكم فتكونون مستيقظين، وإن كان ~~الأمر صحيحا فتكونون قريبين منهم فينتظم الصلح وتحقن الدماء فيما بينكم. ~~فلما سمعوا كلامه رأوه ما فيه غرض وهو مصلحة، فشرعوا ليعينوا من يروح في ~~الرسالة، فعينوا جماعة، منهم الأمير شمس الدين محمد بن التيتي، والخطيب شمس ~~الدين الجوزي خطيب جامع آبن طولون، فتشفع آبن الجوزي حتى تركوه، وعينوا ~~القاضي عماد الدين بن السكري خطيب جامع الحاكم، وهو ناظر دار العدل بالديار ~~المصرية، وشخصا أمير آخور من البرجية. ثم إن السلطان أخذ في تجهير أمرهم ~~إلى ما يأتي ذكره. ثم استقر السلطان في سنة إحدى وسبعمائة بالأمير عز الدين ~~أيبك البغدادي المنصوري، أحد الأمراء البرجية في الوزارة عوضا عن شمس الدين ~~سنقر الأعسر، وجلس في قلعة الجبل بخلعة الوزارة، وطلع إليه جميع أرباب ~~الدولة وأعيان الناس. وأيبك هذا هو الرابع ms1728 من الوزراء الأمراء الأتراك ~~بالديار المصرية، الذين كان تضرب على أبوابهم الطبلخاناه على قاعدة الوزراء ~~بالعراق زمن الخلفاء فأولهم الأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري؛ ثم ~~ولي بعده الأمير بدر الدين بيدرا؛ ولما ولي بيدرا نيابة السلطنة أعيد ~~الشجاعي، وبعده آبن السلعوس وليس هما من العدد، ثم الخليلي، وليس هو من ~~العدد، ثم بعد الخليلي ولي الأمير سنقر الأعسر الوزر، وهو الثالث. ثم بعده ~~أيبك هذا وهو الرابع. وكان الوزير يوم ذاك في رتبة النيابة بالديار ~~المصرية، ونيابة السلطنة كانت يوم ذاك دون السلطنة. انتهى. وفي يوم الأحد ~~تاسع عشر المحرم من سنة إحدى وسبعمائة، رسم السلطان لجميع الأمراء ~~والمقدمين بمصر والقاهرة أن يخرجوا صحبة السلطان إلى الصيد نحو العباسة، ~~وأن يستصحبوا معهم عليق عشرة أيام؛ وسافر السلطان بأكثر العسكر والجميع ~~بعدتهم في بكرة يوم الاثنين في العشرين من المحرم. ونزل إلى بركة الحجاج ~~وتبعه جميع الأمراء والمقدمين والعساكر، وبعد سفره سيروا طلبوا القضاة ~~الأربعة فتوجهوا إليه، وآجتمعوا بالسلطان في بركة الحجاج وعادوا إلى ~~القاهرة، ثم شرعوا في تجهيز رسل قازان؛ وتقدم دهليز السلطان إلى الصالحية، ~~ودخل السلطان والأمراء إلى البرية بسبب الصيد. فلما كان يوم الاثنين عشية ~~النهار وصل السلطان والأمراء إلى الصالحية، فخلع على جميع الأمراء ~~والمقدمين، وكان عدة ما خلع أربعمائة وعشرين خلعة، وكان الرسل قد سفروهم من ~~القاهرة وأنزلوهم بالصالحية، حتى إنهم يجتمعون بالسلطان عند حضوره من ~~الصيد. فلما حضر الأمراء قدام السلطان بالخلع السنية وتلك الهيئة الجميلة ~~الحسنة أذهل عقول الرسل مما رأوا من حسن زي عسكر الديار المصرية بخلاف زي ~~التتار، وأحضروا الرسل في الليل إلى الدهليز إلى بين يدي السلطان، وقد ~~أوقدوا شموعا كثيرة ومشاعل عديدة وفوانيس وأشياء كثيرة من ذلك تتجاوز عن ~~الحد بحيث إن البرية بقيت حمراء تتلهب نورا ونارا، فتحدثوا معهم ساعة، ثم ~~أعطوهم جواب الكتاب، وخلعوا عليهم خلع السفر وأعطوا لكل واحد من الرسل عشرة ~~آلاف درهم وقماشا وغير ذلك. ونسخة الكتاب المسير إليهم صورته: PageV02P0421 # " بسم الله الرحمن الرحيم: ms1729 علمنا ما أشار الملك إليه، وعول في قوله وفعله ~~عليه؛ فأما قول الملك: قد جمعتنا وإياكم كلمة الإسلام! وإنه لم يطرق بلادنا ~~ولا قصدها إلا لما سبق به القضاء المحتوم، فهذا الأمر غير مجهول بل هو ~~عندنا معلوم؛ وأن السبب في ذلك غارة بعض جيوشنا على ماردين، وأنهم قتلوا ~~وسبوا وهتكوا الحريم وفعلوا فعل من لا له دين؛ فالملك يعلم أن غارتنا ما ~~برحت في بلادكم، مستمرة من عهد آبائكم وأجدادكم؛ وأن من فعل ما فعل من ~~الفساد، لم يكن برأينا ولا من أمرائنا ولا الأجناد، بل من الأطراف الطامعة ~~ممن لا يؤبه إليه، ولا يعول في فعل ولا قول عليه؛ وأن معظم جيشنا كان في ~~تلك الغارة إذا لم يجدوا ما يشترونه للقوت صاموا لئلا يأكلوا ما فيه شبهة ~~أو حرام، وأنهم أكثر ليلهم سجد ونهارهم صيام. وأما قول الملك ابن الملك ~~الذي هو من أعظم القان فيقول قولا يقع عليه الرد من قريب، ويزعم أن جميع ما ~~هو عليه من علمنا ساعة واحدة يغيب؛ ولو يعلم أنه لو تقلب في مضجعه من جانب ~~إلى جانب، أو خرج من منزله راجلا أو راكبا، كان عندنا علم من ذلك في الوقت ~~القريب؛ أو يتحقق أن أقرب بطائنه إليه، هو العين لنا عليه، وإن كثر ذلك ~~لديه. ونحن تحققنا أن الملك بقي عامين يجمع الجموع، وينتصر بالتابع ~~والمتبوع؛ وحشد وجمع من كل بلد وآعتضد بالنصارى والكرج والأرمن، واستنجد ~~بكل من ركب فرسا من فصيح وألكن؛ وطلب من المسومات خيولا وركاب، وكثر سوادا ~~وعدد أطلاب؛ ثم إنه لما رأى أنه ليس له بجيشنا قبل في المجال، عاد إلى قول ~~الزور والمحال، والخديعة والاحتيال؛ وتظاهر بدين الإسلام، وآشتهر به في ~~الخاص والعام؛ والباطن بخلاف ذلك، حتى ظن جيوشنا وأبطالنا أن الأمر كذلك؛ ~~فلما التقينا معه، كان معظم جيشنا يمتنع من قتاله، ويبعد عن نزاله؛ ويقول: ~~لا يجوز لنا قتال المسلمين، ولا يحل قتل من يتظاهر بهذا الدين!؛ فلهذا حصل ~~منهم الفشل، وبتأخرهم عن ms1730 قتالكم حصل ما حصل؛ وأنت تعلم أن الدائرة كانت ~~عليك. وليس يرى من أصحابك إلا من هو نادم أو باكي، أو فاقد عزيز عنده أو ~~شاكي؛ والحرب سجال يوم لك، ويوم عليك؛ وليس ذلك مما تعاب به الجيوش ولا ~~تقهر، وهذا بقضاء الله وقدره المقدر. وأما قول الملك إنه لما آلتقى بجيشنا ~~مزقهم كل ممزق، فمثل هذا القول ما كان يليق بالملك أن يقوله أو يتكلم به، ~~وهو يعلم وإن كان ما رأى بل يسأل كبراء دولته وأمراء عساكره عن وقائع ~~جيوشنا ومراتع سيوفنا من رقاب آبائه وأجداده، وهي إلى الآن تقطر من دمائهم؛ ~~وإن كنت نصرت مرة فقد كسرت آباؤك مرارا، وإن كان جيشك قد داس أرضنا مرة ~~فبلادكم لغارتنا مقام ولجيوشنا قرار؛ وكما تدين تدان. PageV02P0422 # وأما قول الملك: إنه ومن معه آعتقدوا الإسلام قولا وفعلا وعملا ونية، ~~فهذا الذي فعلته ما فعله من هو متوجه إلى هذه البنية، أعني الكعبة المضية، ~~فإن الذي جرى بظاهر دمشق وجبل الصالحية ليس بخفي عنك ولا مكتوم، وليس هذا ~~هو فعل المسلمين، ولا من هو متمسك بهذا الدين؛ فأين وكيف وما الحجة! وحرم ~~البيت المقدس تشرب فيه الخمور، وتهتك الستور، وتفتض البكور؛ ويقتل فيه ~~المجاورون، ويستأسر خطباؤه أو المؤذنون؛ ثم على رأس خليل الرحمن، تعلق ~~الصلبان، وتهتك النسوان، ويدخل فيه الكافر سكران، فإن كان هذا عن علمك ~~ورضاك، فواخيبتك في دنياك وأخراك؛ ويا ويلك في مبدئك ومعادك، وعن قليل يؤذن ~~بخراب عمرك وبلادك، وهلاك جيشك وأجنادك؛ وإن كنت لم تعلم بذلك فقد أعلمناك، ~~فاستدرك ما فات فليس مطلوبا به سواك؛ وإن كنت كما زعمت أنك على دين ~~الإسلام، وأنت في قولك صادق في الكلام، وفي عقدك صحيح النظام؛ فآقتل ~~الطوامين الذين فعلوا هذه الفعال، وأوقع بهم أعظم النكال؛ لنعلم أنك على ~~بيضاء المحجة، وكان فعلك وقولك أبلغ حجة؛ ولما وصلت جيوشنا إلى القاهرة ~~المحروسة وتحققوا أنكم تظاهرتم بكلمة الإخلاص وخدعتم باليمين والإيمان، ~~وانتصرتم على قتالهم بعبدة الصلبان؛ آجتمعوا وتأهبوا وخرجوا بعزمات محمدية، ms1731 ~~وقلوب بدرية، وهمم علية، عند الله مرضية؛ وجدوا السير في البلاد، ليتشفوا ~~منكم غليل الصدور والأكباد؛ فما وسع جيشكم إلا الفرار، وما كان لهم على ~~اللقاء صبر ولا قرار؛ فآندفعت عساكرنا المنصورة مثل أمواج البحر الزخار إلى ~~الشام، يقصدون دخول بلادكم ليظفروا بنيل المرام؛ فخشينا على رعيتكم تهلك، ~~وأنتم تهربون ولا تجدون إلى النجاة مسلك؛ فأمرناهم بالمقام، ولزوم الأهبة ~~والاهتمام؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وأما ما تحمله قاضي القضاة من ~~المشافهة، فإنا سمعناه ووعيناه وتحققنا تضمنته مشافهة؛ ونحن نعلم علمه ~~ونسكه ودينه وفضله المشهور، وزهده في دار الغرور؛ ولكن قاضي القضاة غريب ~~عنكم بعيد منكم، لم يطلع على بواطن قضاياكم وأموركم، ولا يكاد يظهر له خفي ~~مستوركم؛ فإن كنتم تريدون الصلح والإصلاح، وبواطنكم كظواهركم متتابعة في ~~الصلاح؛ وأنت أيها الملك طالب الصلح على التحقيق، وليس في قولك مين ولا ~~يشوبه تنميق؛ نقلدك سيف البغي، ومن سل سيف البغي قتل به، ولا يحيق المكر ~~السيىء إلا بأهله؛ فيرسل إلينا من خواص دولتك رجل يكون منكم ممن إذا قطع ~~بأمر وقفتم عنده، أو فصل حكما انتهيتم إليه، أو جزم أمرا عولتم عليه؛ يكون ~~له في أول دولتكم حكم وتمكين، وهو فيما يعول عليه ثقة أمين؛ لنتكلم معه ~~فيما فيه الصلاح لذات البين، وإن لم يكن كذلك عاد بخفي حنين. وأما ما طلبه ~~الملك من الهدية من الديار المصرية فليس نبخل عليه، ومقداره عندنا أجل ~~مقدار وجميع ما يهدى إليه دون قدره، وإنما الواجب أن يهدي أولا من آستهدى؛ ~~لتقابل هديته بأضعافها، ونتحقق صدق نيته، وإخلاص سريرته؛ ونفعل ما يكون فيه ~~رضا الله عز وجل ورضا رسوله في الدنيا والآخرة، لعل صفقتنا رابحة في معادنا ~~غير خاسرة. والله تعالى الموفق للصواب " . انتهى. ثم سافر القصاد ~~المذكورون، وعاد السلطان من الصيد في ثالث صفر إلى بركة الحجاج وآلتقى أمير ~~الحاج وهو الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جاندار، وصحبته ركب الحاج ~~والمحمل السلطاني، فنزل عنده السلطان وخلع عليه؛ ثم ركب وتوجه حتى صعد ms1732 قلعة ~~الجبل عصر النهار، ودخل عقيب دخوله المحمل والحجاج؛ وشكر الحاج من حسن سيرة ~~بكتمر المذكور مع سرعة مجيئه بخلاف العادة؛ فإن العادة كانت يوم ذاك دخول ~~المحمل في سابع صفر، وقبل ذلك وبعد ذلك. وعمل بكتمر في هذه السفرة من ~~الخيرات والبر والخلع على أمراء الحجاز وغيرهم شيئا كثيرا؛ قيل: إن جملة ما ~~أنفقه في هذه السفرة خمسة وثمانون ألف دينار مصرية، تقبل الله تعالى منه. ~~PageV02P0423 # ثم في صفر هذا وصل الخبر إلى السلطان بأن قازان على عزم الركوب وقصد ~~الشام، وأن مقدم عساكره الأمير بولاي قد قارب الفرات، وأن الذي أرسله من ~~الرسل خديعة. فعند ذلك شرع السلطان في تجهيز العساكر، وتهيأ للخروج إلى ~~البلاد الشامية؛ ثم في أثناء ذلك ورد على السلطان قاصد الأمير كتبغا ~~المنصوري نائب صرخد - وكتبغا هذا هو الملك العادل المخلوع بالملك المنصور ~~لاجين المقدم ذكرهما - وأخبر أنه وقع بين حماة وحمص وحصن الأكراد برد وفيه ~~شيء على صورة بني آدم من الذكور والإناث، وصور قرود وغير ذلك، فتعجب ~~السلطان وغيره من ذلك. ثم في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى ~~وسبعمائة في وقت السحر توفي الخليفة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو ~~العباس أحمد بن علي الهاشمي العباسي بمسكنه بالكبش ظاهر القاهرة ومصر المطل ~~على بركة الفيل، وخطب له في ذلك اليوم بجوامع القاهرة ومصر، فإنهم أخفوا ~~موته إلى بعد صلاة الجمعة؛ فلما آنقضت الصلاة سير الأمير سلار نائب السلطنة ~~خلف جماعة الصوفية ومشايخ الزوايا والربط والقضاة والعلماء والأعيان من ~~الأمراء وغيرهم للصلاة عليه؛ وتولى غسله وتكفينه الشيخ كريم الدين عبد ~~الكريم الأبلي شيخ الشيوخ بخانقاه سعيد السعداء ورئيس المغسلين بين يديه، ~~وهو عمر بن عبد العزيز الطوخي، وحمل من الكبش إلى جامع أحمد بن طولون؛ ونزل ~~نائب السلطنة الأمير سلار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الأستادار، ~~وجميع الأمراء من القلعة إلى الكبش، وحضروا تغسيله ومشوا أمام جنازته إلى ~~الجامع المذكور؛ وتقدم للصلاة عليه الشيخ كريم الدين المذكور، وحمل إلى ~~تربته ms1733 بجوار السيدة نفيسة ودفن بها، بعد أن أوصى بولاية العهد إلى ولده أبي ~~الربيع سليمان، وتقدير عمره فوق العشرين سنة. وكان السلطان طلبه في أول ~~نهار الجمعة قبل الإشاعة بموت والده، وأشهد عليه أنه ولى الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون جميع ما ولاه والده وفوضه إليه، ثم عاد إلى الكبش. فلما فرغت ~~الصلاة على الخليفة رد ولده المذكور وأولاد أخيه من جامع آبن طولون إلى ~~دورهم، ونزل من القلعة خمسة خدام من خدام السلطان، وقعدوا على باب الكبش ~~صفة الترسيم عليهم؛ وسير السلطان يستشير قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق ~~العيد الشافعي في أمر سليمان المذكور: هل يصلح للخلافة أم لا؟ فقال: نعم ~~يصلح؛ وأثنى عليه. وبقي الأمر موقوفا إلى يوم يوم الخميس رابع عشرين جمادى ~~الأولى المذكور. فلما كان بكرة النهار المذكور طلب سليمان إلى القلعة فطلع ~~هو وأولاد أخيه بسبب المبايعة فأمضى السلطان ما عهد إليه والده المذكور بعد ~~فصول وأمور يطول شرحها بينه وبين أولاد أخيه وجلس السلطان وخلع على أبي ~~الربيع سليمان هذا خلعة الخلافة، ونعت بالمستكفي، وهي جبة سوداء وطرحة ~~سوداء، وخلع على أولاد أخيه خلع الأمراء الأكابر خلعا ملونة. وبعد ذلك ~~بايعه السلطان والأمراء والقضاة والمقدمون وأعيان الدولة، ومدوا السماط على ~~العادة؛ ثم رسم له السلطان بنزوله إلى الكبش وأجرى راتبه الذي كان مقررا ~~لوالده وزيادة؛ ونزلوا إلى الكبش وأقاموا به إلى يوم الخميس مستهل جمادى ~~الآخرة إذ حضر من عند السلطان المهمندار ومعه جماعة وصحبتهم جمال كثيرة، ~~فنقلوا الخليفة وأولاد أخيه ونساءهم وجميع من يلوذ بهم إلى قلعة الجبل، ~~وأنزلوهم بالقلعة في دارين: الواحدة تسمى بالصالحية، والأخرى بالظاهرية، ~~وأجروا عليهم الرواتب المقررة لهم؛ وكان في يوم الجمعة ثاني يوم المبايعة ~~خطب بمصر والقاهرة للمستكفي هذا، ورسم بضرب آسمه على سكة الدينار والدرهم. ~~انتهى. PageV02P0424 # وكان السلطان قبل ذلك أمر بخروج تجريدة إلى الوجه القبلي لكثرة فساد ~~العربان وتعدى شرهم في قطع الطريق إلى أن فرضوا على التجار وأرباب المعايش ~~بأسيوط ومنفلوط فرائض جبوها شبه ms1734 الجالية، واستخفوا بالولاة ومنعوا الخراج ~~وتسموا بأسماء الأمراء، وجعلوا لهم كبيرين: أحدهما سموه سلار، والآخر ~~بيبرس، ولبسوا الأسلحة وأخرجوا أهل السجون بأيديهم؛ فأحضر السلطان الأمراء ~~والقضاة وآستفتوهم في قتالهم، فأفتوهم بجواز ذلك؛ فآتفق الأمراء على الخروج ~~لقتالهم، وأخذت الطرق عليهم لئلا يمتنعوا بالجبال والمنافذ، فيفوت الغرض ~~فيهم؛ واستدعوا الأمير ناصر الدين ناصر الدين محمد بن الشيخي متولي الجيزة ~~وندبوه لمنع الناس بأسرهم من السفر إلى الصعيد في البر والبحر، ومن ظهر أنه ~~سافر كانت أرواح الولاة قبالة ذلك وما ملك؛ وأشاع الأمراء أنهم يريدون ~~السفر إلى الشام وتجهزوا، وكتبت أوراق الأمراء المسافرين وهم عشرون مقدما ~~بمضافيهم، وعينوا أربعة أقسام: قسم يتوجه في البر الغربي، وقسم يتوجه في ~~البر الشرقي، وقسم يركب النيل، وقسم يمضي في الطريق السالكة. وتوجه الأمير ~~شمس الدين سنقر الأعسر، وكان قد قدم من الشام، إلى الواح في خمسة أمراء، ~~وقرروا أن يتأخر مع السلطان أربعة أمراء من المقدمين، ورسم إلى كل من تعين ~~من الأمراء لجهة أن يضع السيف في الكبير والصغير والجليل والحقير، ولا ~~يبقوا شيخا ولا صبيا ويحتاطوا على سائر الأموال. وسار الأمير سلار نائب ~~السلطنة في رابع جمادى الآخرة ومعه جماعة من الأمراء في البر الغربي، وسار ~~الأمير بيبرس الجاشنكير بمن معه من الحاجر في البر الغربي أيضا من طريق ~~الواحات، وسار الأمير بكتاش أمير سلاح بمن معه في البر الشرقي، وسار الأمير ~~قتال السبع وبيبرس الدوادار وبلبان الغلمشي وغيره من الشرقية إلى السويس ~~والطور، وسار الأمير قبجق المنصوري نائب الشام بمن كان معه إلى عقبة السيل، ~~وسار طقصبا والي قوص بعرب الطاعة، وأخذ عليهم المفازات؛ وقد عميت أخبار ~~الديار المصرية على أهل الصعيد لمنع المسافرين إليها فطرقوا الأمراء البلاد ~~على حين غفلة من أهلها، ووضعوا السيف من الجيزة بالبر الغربي والإطفيحية من ~~الشرقي، فلم يتركوا أحدا إلا قتلوه، ووسطوا نحو عشرة آلاف رجل، وما منهم ~~إلا من أخذوا ماله وسبوا حريمه؛ فكان إذا ادعى أحد منهم أنه حضري، قيل له: ~~قل " دقيق ms1735 " ، فإن قال: دقيق - بالكاف لغات العرب - قتل وإن قال: بالقاف ~~المعهودة أطلق. ووقع الرعب في قلوب العربان حتى طبق عليهم الأمراء وأخذوهم ~~من كل جهة فروا إليها، وأخرجوهم من مخابئهم حتى قتلوا من بجانبي النيل إلى ~~قوص؛ وجافت الأرض بالقتلى؛ واختفى كثير منهم بمغاور الجبال فأوقدت عليهم ~~النيران حتى هلكوا بأجمعهم، وأسر منهم نحو ألف وستمائة لهم فلاحات وزروع، ~~وحصل من أموالهم شيء عظيم جدا تفرقته الأيدي؛ وأحضر منه إلى الديوان ~~السلطاني ستة عشرة ألف رأس من الغنم، وذلك من جملة ثمانين ألف رأس ما بين ~~ضأن وماعز، ومن السلاح نحو مائتين وستين حملا من السيوف والسلاح والرماح، ~~ومن الأموال على بغال محملة مائتين وثمانين بغلا، ونحو أربعة آلاف فرس، ~~واثنين وثلاثين ألف جمل، وثمانية آلاف رأس من البقر، غير ما أرصد في ~~المعاصر؛ وصار لكثرة ما حصل للأجناد والغلمان والفقراء الذين آتبعوا العسكر ~~يباع الكبش السمين من ثلاثة دراهم إلى درهم، والمعز بدرهم الرأس، والجزة ~~الصوف بنصف درهم، والكساء بخمسة دراهم، والرطل السمن بربع درهم، ولم يوجد ~~من يشتري الغلال لكثرتها؛ فإن البلاد طرقت وأهلها آمنون، وقد كسروا الخراج ~~سنتين. ثم عاد العسكر في سادس عشر شهر رجب من سنة إحدى وسبعمائة، وقد خلت ~~بلاد الصعيد من أهلها بحيث صار الرجل يمشي فلا يجد في طريقه أحدا، وينزل ~~القرية فلا يرى إلا النساء والصبيان؛ ثم أفرج السلطان عن المأسورين وأعادهم ~~إلى بلادهم لحفظ البلاد. PageV02P0425 # وعند عود الأمراء المذكورين من بلاد الصعيد ورد الخبر من حلب أن تكفور ~~متملك سيس منع الحمل وخرج عن الطاعة وانتمى لغازان، فرسم بخروج العساكر ~~لمحاربته؛ وخرج الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح، والأمير عز الدين ~~أيبك الخازندار بمضافيهما من الأمراء وغيرهم في شهر رمضان، فساروا إلى حماة ~~فتوجه معهم نائبها الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري في خامس عشرين ~~شوال. وتوجهوا إلى بلاد سيس وأحرقوا الزروع وآنتهبوا ما قدروا عليه، ~~وحاصروا مدينة سيس وغنموا من سفح قلعتها شيئا كثيرا من جفال الأرمن؛ وعادوا ms1736 ~~من الدربند إلى مرج أنطاكية. ثم قدموا في تاسع عشر ذي القعدة. ثم ورد الخبر ~~على السلطان من طرابلس بأن الفرنج أنشأوا جزيرة تجاه طرابلس تعرف بجزيرة ~~أرواد، وعمروها بالعدد والآلات، وكثر فيها جمعهم، وصاروا يركبون البحر ~~ويأخذون المراكب. فرسم السلطان للوزير بعمارة أربعة شوان حربية في محرم سنة ~~اثنتين وسبعمائة ففعل ذلك، ونجزت عمارة الشواني وجهزت بالمقاتلة وآلات ~~الحرب مع الأمير جمال الدين آقوش القارىء العلائي وإلى البهنسا؛ واجتمع ~~الناس لمشاهدة لعب الشواني في يوم السبت ثاني عشر المحرم، ونزل السلطان ~~والأمراء لمشاهدة ذلك، وآجتمع من العالم ما لا يحصيه إلا الله تعالى حتى ~~بلغ كراء المركب التي تحمل عشرة أنفس إلى مائة درهم؛ وآمتلأ البر من بولاق ~~إلى الصناعة حتى لم يوجد موضع قدم؛ ووقف العسكر على بر بستان الخشاب وركب ~~الأمراء الحراريق إلى الروضة وبرزت الشواني تجاه المقياس تلعب كأنها في ~~الحرب، فلعب الشيني الأول والثاني والثالث، وأعجب الناس إعجابا زائدا لكثرة ~~ما كان فيها من المقاتلة والنفوط وآلات الحرب، وتقدم الرابع وفيه الأمير ~~آقوش فما هو إلا أنه خرج من الصناعة بمصر وتوسط في النيل إذا بالريح حركته ~~فمال به ميلة واحدة آنقلب وصار أعلاه أسفله، فصرخ الناس صرخة واحدة كادت ~~تسقط منها الحبالى، وتكدر ما كانوا فيه من الصفو فتلاحق الناس بالشيني ~~وأخرجوا ما سقط منه في الماء، فلم يعدم منه سوى الأمير آقوش وسلم الجميع، ~~فتكدر السلطان والأمراء بسببه، وعاد السلطان بأمرائه إلى القلعة وآنفض ~~الجمع. وبعد ثلاثة أيام أخرج الشيني فإذا امرأة الريس وابنها وهي ترضعه في ~~قيد الحياة، فاشتد عجب الناس من سلامتها طول هذه الأيام! قاله المقريزي ~~وغيره، والعهدة عليهم في هذا النقل. ثم شرع العمل في إعادة الشيني الذي غرق ~~حتى نجز، وندب السلطان الأمير سيف الدين كهرداش الزراق المنصوري إلى السفر ~~فيه عوضا عن آقوش الذي غرق، رحمه الله تعالى، وتوجه الجميع إلى طرابلس ثم ~~إلى جزيرة أرواد المذكورة، وهي بالقرب من أنطرطوس، فأخربوها وسبوا وغنموا، ~~وكان الأسرى منها ms1737 مائتين وثمانين نفرا؛ وقدم الخبر بذلك إلى السلطان فسر ~~وسر الناس قاطبة ودقت البشائر لذلك أياما؛ وآتفق في ذلك اليوم أيضا حضور ~~الأمير بكتاش الفخري أمير سلاح من غزو سيس. ثم بعد ذلك بأيام ورد الخبر من ~~حلب بأن قازان على عزم الحركة إلى الشام، فوقع الاتفاق على خروج العساكر من ~~الديار المصرية إلى الشام، وعين من الأمراء الأمير بيبرس الجاشنكير، وطغريل ~~الإيغاني، وكراي المنصوري، وحسام الدين لاجين أستادار بمضافيهم وثلاثة آلاف ~~من الأجناد، وساروا من مصر في ثامن عشر شهر رجب؛ وتواترت الأخبار بنزول ~~قازان على الفرات، ووصل عسكره إلى الرحبة، وبعث أمامه قطلوشاه من أصحابه ~~على عساكر عظيمة إلى الشام تبلغ ثمانين ألفا، وكتب إلى الأمير عز الدين ~~أيبك الأفرم نائب الشام يرغبه في طاعته. PageV02P0426 # ودخل الأمير بيبرس الجاشنكير بمن معه إلى دمشق في نصف شعبان، ولبث يستحث ~~السلطان على الخروج. وأقبل الناس من حلب وحماة إلى دمشق جافلين من التتار، ~~فاستعد أهل دمشق للفرار ولم يبق إلا خروجهم، فنودي بدمشق: من خرج منها حل ~~ماله وعمه. وخرج الأمير بهادر آص والأمير قطلوبك المنصوري، وأنس الجمدار في ~~عسكر إلى حماة، ولحق بهم عساكر طرابلس وحمص، فاجتمعوا على حماة عند نائبها ~~الملك العادل كتبغا المنصوري؛ وبلغ التتار ذلك فبعثوا طائفة كثيرة إلى ~~القريتين فأوقعوا بالتركمان، فتوجه إليهم أسندمر كرجي نائب طرابلس وبهادر ~~آص وكجكن وغرلوا العادلي وتمر الساقي وأنص الجمدار ومحمد بن قرا سنقر في ~~ألف وخمسمائة فارس، فطرقوهم بمنزلة عرض في حادي عشر شعبان. على غفلة، ~~فافترقوا عليهما أربع فرق، وقاتلوهم قتالا شديدا من نصف النهار إلى العصر ~~حتى كسروهم وأفنوهم - وكانوا التتار، فيما يقال، أربعة آلاف - وآستنقذوا ~~التركمان وحريمهم وأولادهم من أيدي التتار، وهم نحو ستة آلاف أسير، ولم ~~يفقد من العسكر الإسلامي إلا الأمير أنص الجمدار المنصوري ومحمد بن باشقرد ~~الناصري وستة وخمسون من الأجناد؛ وعاد من آنهزم من التتار إلى قطلوشاه، ~~وأسر العسكر المصري مائة وثمانين من التتار، وكتب إلى السلطان بذلك ودقت ~~البشائر بدمشق. ms1738 وكان السلطان الملك الناصر محمد قد خرج بعساكره وأمرائه من ~~الديار المصرية إلى جهة البلاد الشامية في ثالث شعبان، وخرج بعده الخليفة ~~المستكفي بالله، واستناب السلطان بديار مصر الأمير عز الدين أيبك البغدادي. ~~وجد قطلوشاه مقدم التتار بالعساكر في المسير حتى نزل قرون حماة في ثالث عشر ~~شعبان، فآندفعت العساكر المصرية التي كانت بحماة بين يديه إلى دمشق، وركب ~~نائب حماة الأمير كتبغا الذي كان تسلطن وتلقب بالملك العادل في محفة لضعفه؛ ~~واجتمع الجميع بدمشق وآختلف رأيهم في الخروج إلى لقاء العدو أو آنتظار قدوم ~~السلطان؛ ثم خشوا من مفاجأة العدو فنادوا بالرحيل؛ وركبوا في أول شهر رمضان ~~من دمشق، فاضطربت دمشق بأهلها، وأخذوا في الرحيل منها على وجوههم، واشتروا ~~الحمار بستمائة درهم والجمل بألف درهم، وترك كثير منهم حريمه وأولاده ونجا ~~بنفسه إلى القلعة؛ فلم يأت الليل إلا وبوادر التتار في سائر نواحي المدينة. ~~وسار العسكر مخفا، وبات الناس بدمشق في الجامع يضجون بالدعاء إلى الله ~~تعالى؛ فلما أصبحوا رحل التتار عن دمشق بعد أن نزلوا بالغوطة. وبلغ الأمراء ~~قدوم السلطان فتوجهوا إليه من مرج راهط فلقوه على عقبة الشحورا في يوم ~~السبت ثاني عشر رمضان وقبلوا له الأرض. ثم ورد عند لقائهم به الخبر بوصول ~~التتار في خمسين ألفا مع قطلوشاه نائب غازان، فلبس العسكر بأجمعه السلاح، ~~واتفقوا على قتال التتار بشقحب تحت جبل غباغب؛ وكان قطلوشاه قد وقف على ~~أعلى النهر، فصفت العساكر الإسلامية: فوقف السلطان في القلب وبجانبه ~~الخليفة، والأمير سلار النائب، والأمير بيبرس الجاشنكير، وعز الدين أيبك ~~الخازندار، وبكتمر الجوكندار، وآقوش الأفرم نائب الشام، والأمير برلغي، ~~والأمير أيبك الحموي، وبكتمر الأبو بكري، وقطلوبك، ونوغاي السلاح دار، ~~ومبارز الدين أمير شكار، ويعقوبا الشهرزوري، ومبارز الدين أوليا بن قرمان؛ ~~ووقف في الجناح الأيمن الأمير قبجق بعساكر حماة والعربان وجماعة كثيرة من ~~الأمراء؛ ووقف في الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح، ~~والأمير قرا سنقر نائب حلب بعساكرها، والأمير بتخاص نائب صفد بعساكرها؛ ~~والأمير طغريل الإيغاني، وبكتمر ms1739 السلاح دار وبيبرس الدوادار بمضافيهم. ومشى ~~السلطان على التتار والخليفة بجانبه ومعهما القراء يتلون القرآن ويحثون على ~~الجهاد ويشوقون إلى الجنة، وصار الخليفة يقول: " يا مجاهدون؛ لا تنظروا ~~لسلطانكم. قاتلوا عن دين نبيكم صلى الله عليه وسلم وعن حريمكم! " والناس في ~~بكاء شديد، ومنهم من سقط عن فرسه إلى الأرض! وتواصى بيبرس وسلار على الثبات ~~في الجهاد. وكل ذلك والسلطان والخليفة يكر في العساكر يمينا وشمالا. ثم عاد ~~السلطان والخليفة إلى مواقفهما، ووقف خلفه الغلمان والأحمال والعساكر صفا ~~واحدا، وقال لهم: من خرج من الأجناد عن المصاف فاقتلوه ولكم سلبه. ~~PageV02P0427 # فلما تم الترتيب زحفت كراديس التتار كقطع الليل، وكان ذلك وقت الظهر من ~~يوم السبت ثاني رمضان المذكور. وأقبل قطلوشاه بمن معه من الطوامين، وحملوا ~~على الميمنة فثبتت لهم الميمنة وقاتلوهم أشد قتال حتى قتل من أعيان الميمنة ~~الأمير حسام الدين لاجين الأستادار، وأوليا بن قرمان، والأمير سنقر ~~الكافوري، والأمير أيدمر الشمسي القشاش، والأمير آقوش الشمسي الحاجب، وحسام ~~الدين علي بن باخل ونحو الألف فارس، كل ذلك وهم في مقابلة العدو والقتال ~~عمال بينهم. فلما وقع ذلك أدركتهم الأمراء من القلب ومن الميسرة، وصاح ~~سلار: " هلك والله أهل الإسلام! " وصرخ في بيبرس الجاشنكير وفي البرجية ~~فأتوه دفعة واحدة، فأخذهم وصدم بهم العدو وقصد مقدم التتار قطلوشاه، وتقدم ~~عن الميمنة حتى أخذت الميمنة راحة، وأبلى سلار في ذلك اليوم هو وبيبرس ~~الجاشنكير بلاء حسنا، وسلموا نفوسهم إلى الموت. فلما رأى باقي الأمراء منهم ~~ذلك ألقوا نفوسهم إلى الموت، واقتحموا القتال؛ وكانت لسلار والجاشنكير في ~~ذلك اليوم اليد البيضاء على المسلمين - رحمهما الله تعالى - واستمروا في ~~القتال إلى أن كشفوا التتار عن المسلمين. وكان جوبان وقرمجي وهما من طوامين ~~التتار قد ساقا تقوية لبولاي وهو خلف المسلمين؛ فلما عاينوا الكسرة على ~~قطلو شاه أتوه نجدة ووقفوا في وجه سلار وبيبرس، فخرج من عسكر السلطان ~~أسندمر، والأمير قطلوبك والأمير قبجق والمماليك السلطانية وأردفوا سلار ~~وبيبرس، وقاتلوا أشد قتال حتى أزاحوهم عن مواقفهم، فمالت ms1740 التتار على الأمير ~~برلغي في موقفه، فتوجهوا الجماعة المذكورون إلى برلغي، واستمر القتال ~~بينهم. وأما سلار فإنه قصد قطلوشاه مقدم التتار وصدمه بمن معه، وتقاتلا ~~وثبت كل منهما. وكانت الميمنة لما قتل الأمراء منها آنهزم من كان معهم، ~~ومرت التتار خلفهم فجفل الناس وظنوا أنها كسرة؛ وأقبل السواد الأعظم على ~~الخزائن السلطانية فكسروها ونهبوا ما فيها من الأموال؛ وجفل النساء ~~والأطفال، وكانوا قد خرجوا من دمشق عند خروج الأمراء منها، وكشف النساء عن ~~وجوههن وأسبلن الشعور. وضج ذلك الجمع العظيم بالدعاء، وقد كادت العقول أن ~~تطيش وتذهب عند مشاهدة الهزيمة! وآستمر القتال بين التتار والمسلمين إلى أن ~~وقف كل من الطائفتين عن القتال. ومال قطلوشاه بمن معه إلى جبل قريب منه، ~~وصعد عليه وفي نفسه أنه انتصر، وأن بولاي في أثر المنهزمين من المسلمين؛ ~~فلما صعد الجبل رأى السهل والوعر كله عساكر، والميسرة السلطانية ثابتة ~~وأعلامها تخفق، فبهت قطلوشاه وتحير وآستمر بموضعه حتى كمل معه جمعه وأتاه ~~من كان خلف المنهزمين من الميمنة السلطانية ومعهم عدة من المسلمين قد ~~أسروهم، منهم: الأمير عز الدين أيدمر نقيب المماليك السلطانية، فأحضره ~~قطلوشاه وسأله: " من أين أنت؟ " فقال: " من أمراء مصر " ، وأخبره بقدوم ~~السلطان؛ وكان قطلوشاه ليس له علم بقدوم السلطان بعساكر مصر إلا ذلك الوقت؛ ~~فعند ذلك جمع قطلوشاه أصحابه وشاورهم فيما يفعل، وإذا بكوسات السلطان ~~والبوقات قد زحفت وأزعجت الأرض وأرجفت القلوب بحسها، فلم يثبت بولاي وخرج ~~من تجاه قطلوشاه في نحو العشرين ألفا من التتار، ونزل من الجبل بعد المغرب ~~ومر هاربا. وبات السلطان وسائر عساكره على ظهور الخيل والطبول تضرب، وتلاحق ~~بهم من كان آنهزم شيئا بعد شيء، وهم يقصدون ضرب الطبول السلطانية والكوسات؛ ~~وأحاط عسكر السلطان بالجبل الذي بات عليه التتار، وصار بيبرس وسلار وقبجق ~~والأمراء والأكابر في طول الليل دائرين على الأمراء والأجناد يوصونهم ~~ويرتبونهم ويؤكدون عليهم في التيقظ، ووقف كل أمير في مصافه مع أصحابه، ~~والحمل والأثقال قد وقف على بعد، وثبتوا على ذلك حتى آرتفعت ms1741 الشمس. ~~PageV02P0428 # وشرع قطلوشاه في ترتيب من معه، ونزلوا مشاة وفرسانا وقاتلوا العساكر. ~~فبرزت المماليك السلطانية بمقدميها إلى قطلوشاه وجوبان، وعملوا في قتالهم ~~عملا عظيما، فصاروا تارة يرمونهم بالسهام وتارة يواجهونهم بالرماح، واشتغل ~~الأمراء أيضا بقتال من في جهتهم، وصاروا يتناوبون في القتال أميرا بعد ~~أمير. وألحت المماليك السلطانية في القتال وأظهروا في ذلك اليوم من الشجاعة ~~والفروسية ما لا يوصف حتى إن بعضهم قتل تحته الثلاثة من الخيل. وما زال ~~الأمراء على ذلك حشى انتصف نهار الأحد، صعد قطلوشاه الجبل وقد قتل من عسكره ~~نحو ثمانين رجلا، وجرح الكثير واشتد عطشهم. واتفق أن بعض من كان أسره ~~التتار هرب ونزل إلى السلطان، وعرفه أن التتار قد أجمعوا على النزول في ~~السحر لمصادمة العساكر السلطانية، وأنهم في شدة من العطش، فاقتضى الرأي أن ~~يفرج لهم عند نزولهم ويركب الجيش أقفيتهم. فلما باتوا على ذلك وأصبحوا نهار ~~الاثنين، ركب التتار في الرابعة من النهار ونزلوا من الجبل فلم يتعرض لهم ~~أحد وساروا إلى النهر فاقتحموه؛ فعند ذلك ركبهم بلاء الله من المسلمين ~~وأيدهم الله تعالى بنصره حتى حصدوا رؤوس التتار عن أبدانهم ووضعوا فيهم ~~السيف ومروا في أثرهم قتلا وأسرا إلى وقت العصر. وعادوا إلى السلطان وعرفوه ~~بهذا النصر العظيم، فكتبت البشائر في البطائق، وسرحت الطيور بهذا النصر ~~العظيم إلى غزة. وكتب إلى غزة بمنع المنهزمين من عساكر السلطان من الدخول ~~إلى مصر، وتتبع من نهب الخزائن السلطانية والاحتفاظ بمن يمسك منهم، وعين ~~السلطان الأمير بدر الدين بكتوت الفتاح للمسير بالبشارة إلى مصر ثم كتب ~~بهذا الفتح العظيم إلى سائر الأقطار. ثم ركب السلطان في يوم الاثنين من ~~مكان الواقعة، وبات ليلته بالكسوة وأصبح يوم الثلاثاء وقد خرج إليه أهل ~~دمشق، فسار إليها ومعه الخليفة في عالم عظيم من الفرسان والأعيان والعامة ~~والنساء والصبيان لا يحصيهم إلا الله تعالى، وهم يضجون بالدعاء والهناء ~~والشكر لله سبحانه وتعالى على هذه المنة! وتساقطت عبرات الناس فرحا، ودقت ~~البشائر بسائر الممالك؛ وكان هذا اليوم يوما ms1742 لم يشاهد مثله. وسار السلطان ~~حتى نزل بالقصر الأبلق، وقد زينت المدينة. وآستمرت الأمراء وبقيت العساكر ~~في طلب التتار إلى القريتين، وقد كلت خيول التتار وضعفت نفوسهم وألقوا ~~أسلحتهم وآستسلموا للقتل، والعساكر تقتلهم بغير مدافعة، حتى إن أراذل ~~العامة والغلمان قتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا عذ غنائم، وقتل الواحد من ~~العسكر العشرين من التتار فما فوقها؛ ثم أدركت عربان البلاد التتار وأخذوا ~~في كيدهم: فيجيء منهم الاثنان والثلاثة إلى العدة الكثير من التتار، كأنهم ~~يهدونهم إلى طريق قريبة مفازة، فيوصلونهم إلى البرية ويتركونهم بها فيموتوا ~~عطشا؛ ومنهم من دار بهم وأوصلوهم إلى غوطة دمشق، فخرجت إليهم عامة دمشق ~~فقتلوا منهم خلقا كثيرا. ثم تتبعت الحكام النهبة وعاقبوا منهم جماعة كثيرة ~~حتى تحصل أكثر ما نهب من الخزائن ولم يفقد منه إلا القليل. ثم خلع السلطان ~~على الأمراء جميعهم؛ ثم حضر الأمير برلغي، وقد كان آنهزم، فلم يأذن له ~~السلطان في الدخول عليه، وقال: بأي وجه تدخل علي أو تنظر في وجهي! فما زال ~~به الأمراء حتى رضي عنه. ثم قبض على رجل من أمراء حلب كان قد انتمى إلى ~~التتار وصار يدلهم على الطرقات، فسمر على جمل وشهر بدمشق وضواحيها. وآستمر ~~الناس في شهر رمضان كله في مسرات تتجدد، ثم صلى السلطان صلاة عيد الفطر، ~~وخرج في ثالث شوال من دمشق يريد الديار المصرية. وأما التتار فإنه لما قتل ~~أكثرهم ودخل قطلوشاه الفرات في قليل من أصحابه. ووصل خبر كسرته إلى همذان، ~~ووقعت الصرخات في بلادهم، وخرج أهل تبريز وغيرها إلى لقائهم واستعلام خبر ~~من فقد منهم حتى علموا ذلك، فقامت النياحة في مدينة تبريز شهرين على ~~القتلى. PageV02P0429 # ثم بلغ الخبر غازان فاغتم غما عظيما وخرج من منخريه دم كثير حتى أشفى على ~~الموت وآحتجب عن حواشيه، فإنه لم يصل إليه من عساكره من كل عشرة واحد ممن ~~كان آنتخبهم من خيار جيشه. ثم بعد ذلك بمدة جلس غازان وأوقف قطلوشاه مقدم ~~عساكره وجوبان وسوتاي ومن كان معهم من الأمراء، ms1743 وأنكر على قطلوشاه وأمر ~~بقتله، فما زالوا به حتى عفا عنه وأبعده من قدامه حتى صار على مسافة بعيدة ~~بحيث يراه، وقام إليه، وقد مسكه الحجاب، سائر من حضر - وهم خلق كثير جدا - ~~وصار كل منهم يبصق في وجهه حتى بصق الجميع! ثم أبعده عنه إلى كيلان ثم ضرب ~~بولاي عدة عصي وأهانه. وفي الجملة فإنه حصل على غازان بهذه الكسرة من القهر ~~والهم ما لا مزيد عليه، ولله الحمد. وسار السلطان الملك الناصر بعساكره ~~وأمرائه حتى وصل إلى القاهرة، ودخلها في يوم ثالث عشرين شوال حسب ما يأتي ~~ذكره. وكان نائب الغيبة رسم بزينة القاهرة من باب النصر إلى باب السلسلة من ~~القلعة، وكتب بإحضار سائر مغاني العرب بأعمال الديار المصرية كلها. وتفاخر ~~الناس في الزينة ونصبوا القلاع، واقتسمت أستادارية الأمراء شوارع القاهرة ~~إلى القلعة، وزينوا ما يخص كل واحد منهم وعملوا به قلعة بحيث نودي: من ~~آستعمل صانعا في غير صنعة القلاع كانت عليه جناية للسلطان. وتحسن سعر الخشب ~~والقصب وآلات النجارة، وتفاخروا في تزيين القلاع المذكورة، وأقبل أهل الريف ~~إلى القاهرة للفرجة على قدوم السلطان وعلى الزينة، فإن الناس كانوا أخرجوا ~~الحلي والجواهر واللآلىء وأنواع الحرير فزينوا بها. ولم ينسلخ شهر رمضان ~~حتى تهيأ أمر القلاع؛ وعمل ناصر الدين محمد بن الشيخي والي القاهرة قلعة ~~بباب النصر فيها سائر أنواع الخد والهزل ونصب عدة أحواض ملأها بالسكر ~~والليمون وأوقف مماليكه بشربات حتى يسقوا العسكر. قلت: لو فعل هذا في ~~زماننا والي القاهرة لكان حصل عليه الإنكار بسبب إضاعة المال، وقيل له: لم ~~لا حملت إلينا ما صرفته؟ فإنه كان أنفع وخيرا من هذا الفشار، وإنما كانت ~~نفوس أولئك غنية وهممهم علية؛ وما كان جل قصدهم إلا إظهار النعمة والتفاخر ~~في الحشم والأسمطة والإنعامات حتى يشاع عنهم ذلك ويذكر إلى الأبد، فرحم ~~الله تلك الأيام وأهلها!. وقدم السلطان إلى القاهرة في يوم الثلاثاء ثالث ~~عشرين شوال، وقد خرج الناس إلى لقائه وللفرجة عليه، وبلغ كراء البيت الذي ~~يمر ms1744 عليه السلطان من خمسين درهما إلى مائة درهم. فلما وصل السلطان إلى باب ~~النصر ترجل الأمراء كلهم، وأول من ترجل منهم الأمير بدر الدين بكتاش الفخري ~~أمير سلاح وأخذ يحمل سلاح السلطان، فأمره السلطان أن يركب لكبر سنه ويحمل ~~السلاح خلفه فامتنع ومشى. وحمل الأمير مبارز الدين سوار الرومي أمير شكار ~~القبة والطير على رأس السلطان، وحمل الأمير بكتمر أمير جاندار العصا، ~~والأمير سنجر الجمقدار الدبوس؛ ومشى كل أمير في منزلته، وفرش كل منهم الشقق ~~من قلعته إلى قلعة غيره التي أنشأوها بالشوارع. وكان السلطان إذا تجاوز ~~قلعة فرشت القلعة المجاورة لها الشقق، حتى يمشي عليها بفرسه مشيا هينا من ~~غير هرج بسكون ووقار لأجل مشي الأمراء بين يديه. وكان السلطان كلما رأى ~~قلعة أمير أمسك عن المشي ووقف حتى يعاينها ويعرف ما آشتملت عليه هو ~~والأمراء حتى يجبر خاطر فاعلها بذلك. هذا والأمراء من التتار بين يديه ~~مقيدون، ورؤوس من قتل منهم معلقة في رقابهم، وألف رأس على ألف رمح، وعدة ~~الأسرى ألف وستمائة، وفي أعناقهم أيضا ألف وستمائة رأس، وطبولهم قدامهم ~~مخرقة. PageV02P0430 # وكانت القلاع التي نصبت أولها قلعة الأمير ناصر الدين ابن الشيخي والي ~~القاهرة بباب النصر، ويليها قلعة الأمير علاء الدين مغلطاي أمير مجلس، ~~ويليها قلعة آبن أيتمش السعدي، ثم يليها قلعة الأمير سنجر الجاولي، وبعده ~~قلعة الأمير طغريل الإيغاني ثم قلعة بهادر اليوسفي، ثم قلعة سودي، ثم قلعة ~~بيليك الخطيري، ثم قلعة برلغي، ثم قلعة مبارز الدين أمير شكار، ثم قلعة ~~أيبك الخازندار، ثم قلعة سنقر الأعسر، ثم قلعة بيبرس الدوادار، ثم قلعة ~~سنقر الكاملي، ثم قلعة موسى ابن الملك الصالح، ثم قلعة الأمير آل ملك، ثم ~~قلعة علم الدين الصوابي، ثم قلعة الأمير جمال الدين الطشلاقي، ثم قلعة ~~الأمير سيف الدين آدم، ثم قلعة الأمير سلار النائب ثم قلعة الأمير بيبرس ~~الجاشنكير، ثم قلعة بكتاش أمير سلاح، ثم قلعة الطواشي مرشد الخازندار - ~~وكانت قلعته على باب المدرسة المنصورية - ثم بعده قلعة بكتمر أمير جاندار، ~~ثم ms1745 قلعة أيبك البغدادي نائب الغيبة، ثم قلعة آبن أمير سلاح، ثم قلعة بكتوت ~~الفتاح، ثم قلعة تباكر الطغريلي، ثم قلعة قلي السلاح دار، ثم قلعة لاجين ~~زيرباج الجاشنكير، ثم قلعة طيبرس الخازنداري نقيب الجيش، ثم قلعة بلبان ~~طرنا، ثم قلعة سنقر العلائي، ثم قلعة بهاء الدين يعقوبا، ثم قلعة ~~الأبوبكري، ثم قلعة بهادر العزي، ثم قلعة كوكاي، ثم قلعة قرا لاجين، ثم ~~قلعة كراي المنصوري، ثم قلعة جمال الدين آقوش قتال السبع، وقلعته كانت على ~~باب زويلة؛ وكان عدتها سبعين قلعة. وعندما وصل السلطان إلى باب البيمارستان ~~المنصوري ببين القصرين نزل ودخل وزار قبر والده الملك المنصور قلاوون وقرأ ~~القراء أمامه ثم ركب إلى باب زويلة ووقف حتى أركب الأمير بدر الدين بكتاش ~~الفخري أمير سلاح. ثم سار السلطان على شقق الحرير إلى داخل قلعة الجبل. هذا ~~والتهاني في دور السلطان والأمراء وغيرهم قد امتلأت منهم البيوت والشوارع ~~بحيث إن الرجل كان لا يسمع كلام من هو بجانبه إلا بعد جهد؛ وكان يوما عظيما ~~عظم فيه سرور الناس قاطبة لا سيما أهل مصر، فإنهم فرحوا بالنصر وأيضا ~~بسلامة سلطانهم الملك الناصر محمد. وأقام الملك الناصر بالديار المصرية إلى ~~سنة ثلاث وسبعمائة فورد عليه الخبر بموت غازان بمدينة الري، وقام بعده أخوه ~~خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو في ثالث عشر شوال؛ وجلس خربندا على تخت ~~الملك في ثالث عشر ذي الحجة وتلقب غياث الدين محمدا، وكتب إلى السلطان ~~بجلوسه وطلب الصلح وإخماد الفتنة. ثم في السنة آستأذن الأمير سلار نائب ~~السلطنة في الحج فأذن له، فحج كما حج الأمير بيبرس الجاشنكير في السنة ~~الماضية اثنتين وسبعمائة، إلا أن سلار صنع من المعروف في هذه السنة ~~والإحسان إلى أهل مكة والمجاورين وغيرهم وعاد، ثم حج الأمير بيبرس ~~الجاشنكير ثانيا في سنة أربع وسبعمائة. PageV02P0431 # وورد الخبر على السلطان الملك الناصر بقدوم رجل من بلاد التتار إلى دمشق ~~يقال له الشيخ براق في تاسع جمادى الأولى ومعه جماعة من الفقراء نحو المائة ms1746 ~~لهم هيئة عجيبة، على رأسهم كلاوت لباد مقصص بعمائم فوقها، وفيها قرون من ~~لباد يشبه قرون الجواميس، وفيها أجراس، ولحاهم محلقة دون شواربهم، ولبسهم ~~لبابيد بيض، وقد تقلدوا بحبال منظومة بكعاب البقر، وكل منهم مكسور الثنية ~~العليا، وشيخهم من أبناء الأربعين سنة، وفيه إقدام وجرأة وقوة نفس وله ~~صولة، ومعه طبلخاناه تدق له نوبة، وله محتسب على جماعته، يؤدب كل من يترك ~~شيئا من سنته بضرب عشرين عصا تحت رجليه، وهو ومن معه ملازمون التعبد ~~والصلاة؛ وأنه قيل له عن زيه، فقال: أردت أن أكون مسخرة الفقراء. وذكر أن ~~غازان لما بلغه خبره استدعاه وألقى عليه سبعا ضاريا فركب على ظهر السبع ~~ومشى به فجل في عين قازان ونثر عليه عشرة آلاف دينار؛ وأنه عندما قدم دمشق ~~كان النائب بالميدان الأخضر فدخل عليه، وكان هناك نعامة قد تفاقم ضررها ~~وشرها ولم يقدر أحد على الدنو منها، فأمر النائب بإرسالها عليه فتوجهت ~~نحوه، فوثب عليها وركبها فطارت به في الميدان قدر خمسين ذراعا في الهواء ~~حتى دنا من النائب، وقال له: أطير بها إلى فوق شيئا آخر؟ فقال له النائب: ~~لا، وأنعم عليه وهاداه الناس؛ فكتب السلطان بمنعه من القدوم إلى الديار ~~المصرية، فسار إلى القدس ثم رجع إلى بلاده. وفي فقرائه يقول سراج الدين عمر ~~الوراق من موشحة طويلة أولها: جتنا عجم من جوا الروم ... صور تحير فيها ~~الأفكار لها قرون مثل التيران ... إبليس يصيح منهم زنهار وقد ترجمنا براق ~~هذا في تاريخنا المنهل الصافي بأوسع من هذا انتهى. ثم إن السلطان الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون في سنة سبع وسبعمائة ضجر من الحجر عليه من تحكم ~~الأميرين سلار وبيبرش الجاشنكير ومنعه من التصرف وضيق يده، وشكا ذلك ~~لخاصته، وآستدعى الأمير بكتمر الجوكندار وهو أمير جاندار يوم ذاك في خفية ~~وأعلمه بما عزم عليه من القيام على الأميرين سلار وبيبرس، فقرر معه بكتمر ~~أن القلعة إذا أغلقت في الليل وحملت مفاتيحها إلى السلطان على العادة لبست ~~مماليك السلطان السلاح وركبت ms1747 الخيول من الإسطبل وسارت إلى إسطبلات الأمراء، ~~ودقت كوسات السلطان بالقلعة دقا حربيا ليجتمع المماليك تحت القلعة ممن هو ~~في طاعة السلطان، قال بكتمر: وأنا أهجم على بيتي سلار وبيبرس بالقلعة أيضا. ~~قلت: أعني أن بكتمر كان سكنه بالقلعة، فيهجم هو أيضا على بيتي سلار وبيبرس ~~بالقلعة أيضا، ويأخذهما قبضا باليد. PageV02P0432 # وكان لكل من بيبرس وسلار أعين عند السلطان، فبلغوهما ذلك، فاحترزا على ~~أنفسهما، وأمر الأمير سيف الدين بلبان الدمشقي والي القلعة، وكان خصيصا ~~بهما، أن يوهم أنه أغلق باب القلعة ويطرف أقفالها ويعبر بالمفاتيح إلى ~~السلطان على العادة ففعل ذلك. وظن السلطان ومماليكه أنهم قد حصلوا على ~~غرضهم، وآنتظروا بكتمر الجوكندار أن يحضر إليهم فلم يحضر، فبعثوا إليه فإذا ~~هو مع بيبرس وسلار وقد حلف لهما على القيام معهما. فلما طلع النهار ظن ~~السلطان أن بكتمر قد غدر به وترقب المكروه من الأمراء، وليس الأمر كذلك، ~~وما هو إلا أن سلار وبيبرس لما بلغهما الخبر خرجوا إلى دار النيابة ~~بالقلعة، وعزم بيبرس أن يهجم على بكتمر ويقتله فمنعه سلار لما كان عنده من ~~التثبت والتؤدة، وأشار بالإرسال إليه ويحضره حتى تبطل حركة السلطان؛ فلما ~~أتى بكتمر الرسول تحير في أمره وقصد الامتناع، وألبس مماليكه السلاح ومنعهم ~~وخرج إليهم، فعنفه سلار ولامه على ما قصد فأنكر وحلف لهم على أنه معهم، ~~وأقام عندهم إلى الصباح، ودخل مع الأمراء إلى الخدمة عند الأمير سلار ~~النائب ووقف ألزام سلار وبيبرس على خيولهم بباب الإسطبل مترقبين خروج ~~المماليك السلطانية، ولم يدخل أحد من الأمراء إلى خدمة السلطان وتشاوروا. ~~وقد أشيع في القاهرة أن الأمراء يريدون قتل السلطان الملك وخرج العامة ~~والأجناد إلى تحت القلعة، وبقي الأمراء نهارهم مجتمعين، وبعثوا بالاحتراس ~~على السلطان خوفا من نزوله من باب السر، وألبسوا عدة مماليك وأوقفوهم مع ~~الأمير سيف الدين سمك أخي سلار على باب الإسطبل. فلما كان نصف الليل وقع ~~بداخل الإسطبل حس وحركة من قيام المماليك السلطانية ولبسهم السلاح لينزلوا ~~بالسلطان على حمية من الإسطبل، ms1748 وتوقعوا الحرب، فمنعهم السلطان من ذلك؛ ~~وأراد الأمير سمك إقامة الحرمة فرمى بالنشاب ودق الطبل فوقع سهم من النشاب ~~بالرفرف السلطاني وآستمر الحال على ذلك إلى أذان العصر من الغد، فبعث ~~السلطان إلى الأمراء يقول: " ما سبب هذا الركوب على باب إسطبلي؟ إن كان ~~غرضكم في الملك فما أنا متطلع إليه، فخذوه وابعثوني أي موضع أردتم! " فردوا ~~إليه الجواب مع الأمير بيبرس الدوادار والأمير عز الدين أيبك الخازندار ~~والأمير برلغي الأشرفي بأن السبب هو من عند السلطان من المماليك الذين ~~يحرضونه على الأمراء؛ فأنكر أن يكون أحد من مماليكه ذكر له شيئا عن ~~الأمراء، وفي عود الجواب من عند السلطان وقعت صيحة بالقلعة سببها أن العامة ~~كان جمعهم قد كثر، وكان عادتهم أنهم لا يريدون أن يلي الملك أحذ من ~~المماليك، بل إن كان ولا بد يكون الذي يلي الملك من بني قلاوون. وكانوا مع ~~ذلك شديدي المحبة للملك الناصر محمد بن قلاوون. فلما رأوا العامة أن الملك ~~الناصر قد وقف بالرفرف من القلعة، وحواشي بيبرس وسلار قد وقفوا على باب ~~الإسطبل محاصرينه، حنقوا من ذلك وصرخوا، ثم حملوا يدا واحدة على الأمراء ~~بباب الإسطبل، وهم يقولون: " يا ناصر! يا منصور! " فأراد سمك قتالهم، فمنعه ~~من كان معه من الأمراء وخوفه الكسرة من العوام، فتقهقروا عن باب الإسطبل ~~السلطاني وسطا عليهم العامة وأفحشوا في حقهم. وبلغ ذلك بيبرس وسلار فأركبا ~~الأمير بتخاص المنصوري في عدة مماليك فنزلوا إلى العامة ينحونهم ويضربونهم ~~بالدبابيس ليتفرقوا فآشتد صياحهم: يا ناصر! يا منصور! وتكاثر جمعهم وصاروا ~~يدعون للسلطان، ويقولون: الله يخون الخائن، الله يخون من يخون ابن قلاوون! ~~ثم حملت طائفة منهم على بتخاص ورجمته طائفة أخرى، فجرد السيف ليضعه فيهم ~~فخشي تكاثرهم عليه، فأخذ يلاطفهم، وقال لهم: طيبوا خاطركم، فإن السلطان قد ~~طاب خاطره على أمرائه؛ وما زال يحلف لهم حتى تفرقوا. PageV02P0433 # وعاد بتخاص إلى سلار وبيبرس وعرفهم شدة تعصب العامة للسلطان؛ فبعث ~~الأمراء عند ذلك ثانيا إلى السلطان بأنهم مماليكه وفي طاعته، ms1749 ولا بد من ~~إخراج الشباب الذين يرمون الفتنة بين السلطان والأمراء، فامتنع السلطان من ~~ذلك وآشتد، فما زال به بيبرس الدوادار وبرلغي حتى أخرج منهم جماعة وهم: ~~يلبغا التركماني، وأيدمر المرقبي، وخاص ترك؛ فهددهم بيبرس وسلار ووبخاهم ~~وقصد سلار أن يقيدهم، فلم توافق الأمراء على ذلك رعاية لخاطر السلطان؛ ~~فأخرجوا إلى القدس من وقتهم على البريد. ودخل جميع الأمراء على السلطان ~~وقبلوا الأرض ثم قبلوا يده فخلع على الأمير بيبرس وسلار. ثم سأل الأمراء ~~السلطان أن يركب في أمرائه إلى الجبل الأحمر حتى تطمئن قلوب العامة عليه ~~ويعلموا أن الفتنة قد خمدت، فأجاب لذلك. وبات ليلته في قلق زائد وكرب عظيم ~~لإخراج مماليكه المذكورين إلى القدس. ثم ركب بالأمراء من الغد إلى قبة ~~النصر تحت الجبل الأحمر، وعاد بعد ما قال لبيبرس وسلار: إن سبب الفتنة إنما ~~كان من بكتمر الجوكندار؛ وذلك أنه رآه قد ركب بجانب الأمير بيبرس الجاشنكير ~~وحادثه، فتذكر غدره به، فشق عليه ذلك. فتلطفوا به في أمره، فقال: " والله ~~ما بقيت لي عين تنظر إليه؛ ومتى أقام في مصر لا جلست على كرسي الملك أبدا " ~~؛ فأخرج من وقته إلى قلعة الصبيبة، واستقر عوضه أمير جاندار الأمير بدر ~~الدين بكتوب الفتاح. فلما مات سنقرشاه بعد ذلك آستقر بكتمر الجوكندار في ~~نيابة صفد عوضه فنقل إليها من الصبيبة. وآجتاز السلطان بخانقاه الأمير ~~بيبرس الجاشنكير داخل باب النصر فرآها في ممره، وكان قد نجز العمل منها في ~~هذه الأيام، وطلع السلطان إلى القلعة وسكن الحال، والأمراء في حصر من جهة ~~العامة من تعصبهم للسلطان، والسلطان، في حصر بسبب حجر الأمراء عليه وإخراج ~~مماليكه من عنده. وآستمر ذلك إلى أن كان العاشر من جمادى الآخرة من سنة ~~ثمان وسبعمائة عدى السلطان الجيزة وأقام حول الأهرام يتصيد عشرين يوما، ~~وعاد وقد ضاق صدره وصار في غاية الحصر من تحكم بيبرس الجاشنكير وسلار عليه، ~~وعدم تصرفه في الدولة من كل ما يريد، حتى إنه لا يصل إلى ما تشتهي نفسه من ~~المأكل ms1750 لقلة المرتب له! فلولا ما كان يتحصل له من أملاكه وأوقاف أبيه لما ~~وجد سبيلا لبلوغ بعض أغراضه؛ وطال الأمر عليه سنين، فأخذ في عمل مصلحة نفسه ~~وأظهر أنه يريد الحج بعياله، وحدث بيبرس وسلار في ذلك يوم النصف من شهر ~~رمضان فوافقاه عليه، وأعجب البرجية خشداشية بيبرس سفره لينالوا أغراضهم، ~~وشرعوا في تجهيزه؛ وكتب إلى دمشق والكرك وغزة برمي الإقامات، وألزم عرب ~~الشرقية بحمل الشعير، فتهيأ ذلك. وأحضر الأمراء تقادمهم له من الخيل ~~والجمال في العشرين من شهر رمضان فقبلها منهم وشكرهم على ذلك. وركب في خامس ~~عشرين شهر رمضان من القلعة يريد السفر إلى الحج، ونزل من القلعة ومعه جميع ~~الأمراء؛ وخرج العامة حوله وحاذوا بينه وبين الأمراء، وهم يتباكون حوله ~~ويتأسفون على فراقه ويدعون له إلى أن نزل بركة الحجاج. وتعين للسفر مع ~~السلطان من الأمراء: عز الدين أيدمر الخطيري الأستادار، وسيف الدين آل ملك ~~الجوكندار، وحسام الدين قرا لاجين أمير مجلس، وسيف الدين بلبان أمير ~~جاندار، وعز الدين أيبك الرومي السلاح دار، وركن الدين بيبرس الأحمدي، وعلم ~~الدين سنجر الجمقدار، وسيف الدين تقطاي الساقي، وشمس الدين سنقر السعدي ~~النقيب، ومن المماليك خمسة وسبعون نفرا. وودعه سلار وبيبرس بمن معهم من ~~الأمراء وهم على خيولهم من غير أن يترجلوا له، وعاد الأمراء. PageV02P0434 # ورحل السلطان من ليلته وخرج إلى جهة الصالحية وتصيد بها، ثم سار إلى ~~الكرك ومعه من الخيل مائة وخمسون فرسا، فوصل إلى الكرك في يوم الأحد عاشر ~~شوال بمن معه من الأمراء ومماليكه. واحتفل الأمير جمال الدين آقوش الأشرفي ~~نائب الكرك بقدومه وقام له بما يليق به، وزين له القلعة والمدينة، وفتح له ~~باب السر من قلعة الكرك ومد الجسر على الخندق، وكان له مدة سنين لم يمد وقد ~~ساس خشبه لطول مكثه. فلما عبرت الدواب عليه وأتى السلطان في آخرهم آنكسر ~~الجسر تحت رجلي فرس السلطان بعدما تعدى يدا الفرس الجسر، فكاد فرس السلطان ~~أن يسقط لولا أنهم جبدوا عنان الفرس حتى خرج من ms1751 الجسر وهو سالم؛ وسقط ~~الأمير بلبان طرنا أمير جاندار وجماعة كثيرة، ولم يمت منهم سوى رجل واحد، ~~وسقط أكثر خاصكية السلطان في الخندق وسلموا كلهم إلا اثنين، وهم: الحاج عز ~~الدين أزدمر رأس نوبة الجمدارية آنقطع نخاعه وبطل وعاش كذلك لسنة ست عشرة ~~وسبعمائة، والآخر مات لوقته. قال ابن كثير في تاريخه: ولما توسط السلطان ~~الجسر آنكسر فسلم من كان قدامه وقفز به فرسه فسلم، وسقط من كان وراءه ~~وكانوا خمسين فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي تحته. انتهى. وقال غيره: ~~لما انقطعت سلسلة الجسر وتمزق الخشب صرخ السلطان على فرسه، وكان قد نزلت ~~رجله في الخشب، فوثب الفرس إلى داخل الباب، ووقع كل من كان على الجسر، ~~وكانوا أكثر من مائة مملوك، فوقعوا في الخندق فمات منهم سبعة وآنهشم منهم ~~خلق كثير؛ وضاق صدر السلطان، فقيل له: هذه شدة يأتي من بعدها فرج. وجلس ~~السلطان بقلعة الكرك، ووقف نائبها الأمير آقوش خجلا وجلا خائفا أن يتوهم ~~السلطان أن يكون ذلك مكيدة منه في حقه؛ وكان النائب المذكور قد عمل ضيافة ~~عظيمة للسلطان غرم عليها جملة مستكثرة، فلم تقع الموقع لاشتغال السلطان ~~بهمه وبما جرى على مماليكه وخاصكيته. ثم إن السلطان سأل الأمير آقوش عن ~~الجسر المذكور فقال: ما سبب انقطاعه؟ فقال آقوش بعد أن قبل الأرض: أيد الله ~~مولانا السلطان، هذا الجسر عتيق وثقل بالرجال فما حمل، فقال السلطان: صدقت، ~~ثم خلع عليه وأمره بالانصراف. وعندما آستقر السلطان بقلعة الكرك عرف ~~الأمراء أنه قد انثنى عزمه عن الحج، وآختار الإقامة بالكرك وترك السلطنة، ~~وخلع نفسه ليستريح خاطره. وقال آبن كثير: لما جرى على السلطان ما جرى ~~واستقر في قلعة الكرك خلع على النائب، وأذن له في التوجه إلى مصر فسافر. ~~وقال صاحب النزهة : لما بات السلطان تلك الليلة في القلعة وأصبح طلب نائب ~~الكرك وقال له: يا جمال الدين، سافر إلى مصر وآجتمع بخشداشيتك؛ فباس الأرض، ~~وقال: السمع والطاعة. ثم إنه خرج في تلك الساعة بمماليكه وكل من يلوذ ms1752 به. ~~ثم بعد ثلاثة أيام نادى السلطان بالقلعة والكرك: لا يبقى هنا أحد لا كبير ~~ولا صغير حتى يخرج فيجيب ثلاثة أحجار من خارج البلد، فخرج كل من بالقلعة ~~والبلد. ثم إن السلطان أغلق باب الكرك؛ ورجعت الناس ومعهم الأحجار فرأوا ~~الباب مغلقا، فقيل لهم: كل من له أولاد أو حريم يخرج إليه ولا يبقى أحد ~~بالكرك، فخرج الناس بمتاعهم وأولادهم وأموالهم، وما أمسى المساء وبقي في ~~الكرك أحد من أهلها غيره ومماليكه. ثم طلب مملوكه أرغون الدوادار وقال له: ~~سر إلى عقبة أيلة وأحضر بيتي وأولادي؛ فسار إليهم أرغون وأقدمهم عليه. ووجد ~~الملك الناصر من الأموال بالكرك سبعة وعشرين ألف دينار عينا، وألف ألف درهم ~~وسبعمائة ألف درهم. ثم إن السلطان طلب الأمراء الذين قدموا معه وعرفهم أنه ~~اختار الإقامة بالكرك كما كان أولا، وأنه ترك السلطنة، فشق عليهم ذلك وبكوا ~~وقبلوا الأرض يتضرعون إليه في ترك هذا الخاطر، وكشفوا رؤوسهم، فلم يقبل ولا ~~رجع إلى قولهم. ثم استدعى القاضي علاء الدين علي بن أحمد بن سعيد بن الأثير ~~كاتب السر، وكان قد توجه معه، وأمره أن يكتب للأمراء بالسلام عليهم، ~~ويعرفهم أنه قد رجع عن الحج وأقام بالكرك ونزل عن السلطنة، وسألهم الإنعام ~~عليه بالكرك والشوبك؛ وأعطى الكتب للأمراء وأمرهم بالعودة إلى الديار ~~المصرية، وأعطاهم الهجن التي كانت معه برسم الحج، وعدتها خمسمائة هجين ~~والجمال والمال الذي قدمه له الأمراء برسم التقدمة قبل خروجه من القاهرة، ~~فساروا الجميع إلى القاهرة. PageV02P0435 # وأما إخراج السلطان أهل قلعة الكرك منها لأنه قال: أنا أعلم كيف باعوا ~~الملك السعيد بركة خان آبن الملك الظاهر بيبرس بالمال لطرنطاي! فلا ~~يجاورونني؛ فخرج كل من كان فيها بأموالهم وحريمهم من غير أن يتعرض إليهم ~~أحد البتة. وأما النائب آقوش فإنه أخذ حريمه وسافر إلى مصر بعد أن قدم ما ~~كان له من الغلال إلى السلطان، وهو شيء كثير، فقبله السلطان منه. فلما قدم ~~آقوش إلى مصر قال له سلار وبيبرس: من أمرك بتمكين السلطان من ms1753 الطلوع إلى ~~القلعة؟ يعني قلعة الكرك فقال: كتابكم وصل إلي يأمرني بأن أنزل إليه وأطلعه ~~إلى القلعة، فقال: وأين الكتاب؟ فأخرجه، فقالا: هذا غير الكتاب الذي ~~كتبناه، فآطلبوا ألطنبغا؛ فطلبوه فوجدوه قد هرب إلى الكرك عند السلطان ~~فسكتوا عنه. انتهى. وأما الكتاب الذي كتبه الملك الناصر محمد بن قلاوون من ~~الكرك إلى بيبرس وسلار مضمونه: " بسم الله الرحمن الرحيم. حرس الله تعالى ~~نعمة الجنابين العاليين الكبيرين الغازيين المجاهدين، وفقهما الله تعالى ~~توفيق العارفين! أما بعد فقد طلعت إلى قلعة الكرك، وهي من بعض قلاعي وملكي، ~~وقد عولت على الإقامة فيها فإن كنتم مماليكي ومماليك أبي فأطيعوا نائبي ~~يعني نائبه سلار ولا تخالفوه في أمر من الأمور، ولا تعملوا شيئا حتى ~~تشاوروني، فأنا ما أريد لكم إلا الخير، وما طلعت إلى هذا المكان إلا لأنه ~~أروح لي وأقل كلفة؛ وإن كنتم ما تسمعون مني فأنا متوكل على الله والسلام " ~~. فلما وصل الكتاب إلى الأمراء قرأوه وتشاوروا ساعة، ثم قاموا من باب ~~القلعة وذهبوا إلى دار بيبرس وآتفقوا على أن يرسلوا إلى الملك الناصر ~~كتابا، فكتبوه وأرسلوه مع البرواني على البريدة فسار البرواني إلى أن وصل ~~إلى الكرك، واجتمع بالملك الناصر وقبل الأرض بين يديه وناوله الكتاب، ~~فأعطاه الملك الناصر لأرغون الدوادار، فقرأه، فتبسم السلطان وقال: لا إله ~~إلا الله! وكان في الكتاب: " ما علمنا ما عولت عليه، وطلوعك إلى قلعة الكرك ~~وإخراج أهلها وتشييعك نائبها، وهذا أمل بعيد فحل عنك شغل الصبي، وقم وآحضر ~~إلينا، وإلا بعد ذلك تطلب الحضور ولا يصح لك، وتندم ولا ينفعك الندم. فيا ~~ليت لو علمنا ما كان. وقع في خاطرك وما عولت عليه؛ غير أن لكل ملك آنصرام، ~~ولانقضاء الدولة أحكام، ولحلول الأقدار سهام؛ ولأجل هذا أمرك غيك بالتطويل، ~~وحسن لك زخرف الأقاويل؛ فالله الله حال وقوفك على هذا الكتاب، يكون الجواب ~~حضورك بنفسك ومعك مماليكك، وإلا تعلم أنا ما نخليك في الكرك، ولو كثر ~~شاكروك ويخرج الملك من يدك؛ والسلام " . فقال الملك الناصر: لا ms1754 إله إلا ~~الله، كيف أظهروا ما في صدورهم! ثم أمر بإحضار آلة مثل العصائب والسناجق ~~والكوسات وكل ما كان معه من آلة الملك وسلمها إلى البرواني، وقال له: قل ~~لسلار " ما أخذت لكم شيئا من بيت المال؛ وهذا الذي أخذته قد سيرته لكم؛ ~~وآنظروا في حالكم فأنا ما بقيت أعمل سلطانا، وأنتم على هذه الصورة! فدعوني ~~أنا في هذه القلعة منعزلا عنكم إلى أن يفرج الله تعالى إما بالموت وإما ~~بغيره " . فأخذ البرواني الكتاب وجميع ما أعطاه السلطان وسار إلى أن وصل ~~إلى الديار المصرية؛ ودفع الكتاب لسلار وبيبرس، فلما قرآ الكتاب قالا: " ~~ولو كان هذا الصبي يجيء ما بقي يفلح ولا يصلح للسلطنة؛ وأي وقت عاد إلى ~~السلطنة لا نأمن غدره " . فلما سمعت الأمراء ذلك اجتمعت على سلطنة الأمير ~~سلار، فخاف سلار من ذلك وخشي العاقبة فامتنع، فآختار الأمراء ركن الدين ~~بيبرس الجاشنكير وأكثرهم البرجية فإنهم خشداشيته. وبويع له بعد أن أثبت ~~كتاب الملك الناصر محمد بن قلاوون على القضاة بالديار المصرية بأنه خلع ~~نفسه؛ وكانت البيعة لبيبرس في الثالث والعشرين من شوال من سنة ثمان ~~وسبعمائة في يوم السبت بعد العصر في دار سلار. يأتي ذكر ذلك كله في أول ~~ترجمة بيبرس، إن شاء الله تعالى. وكانت مدة سلطنة الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون في هذه المرة الثانية عشر سنين وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما. وتأتي ~~بقية ترجمته في سلطنته الثالثة بعد أن نذكر سلطنة بيبرس وأيامه كما نذكر ~~أيام الملك الناصر هذا قبل ترجمة بيبرس المذكور على عادة هذا الكتاب إن شاء ~~الله تعالى. والحمد لله وحده. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر محمد الثانية # على مصر PageV02P0436 # وهي سنة ثمان وتسعين وستمائة، على أن الملك المنصور لاجين كان حكم منها ~~مائة يوم. فيها كان قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين المذكور ومملوكه ~~منكوتمر حسب ما تقدم. وفيها في العشر الأوسط من المحرم ظهر كوكب ذو ذؤابة ~~في السماء ما بين أواخر برج الثور إلى أول برج ms1755 الجوزاء، وكانت ذؤابته إلى ~~ناحية الشمال، وكان في العشر الأخير من كانون الثاني وهو شهر طوبة. وفيها ~~توفي القاضي نظام الدين أحمد ابن الشيخ الإمام العلامه جمال الدين محمود بن ~~أحمد بن عبد السلام الحصيري الحنفي في يوم الخميس ثامن المحرم ودفن يوم ~~الجمعة بمقابر الصوفية بدمشق عند والده؛ وكان إماما عالما بارعا ذكيا وله ~~ذهن جيد وعبارة طلقة مفيدة؛ ودرس بالنورية وغيرها وأفتى سنين وأقرأ؛ وناب ~~في الحكم بدمشق عن قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، وحسنت سيرته رحمه الله. ~~وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك الموصلي نائب طرابلس والفتوحات الطرابلسية ~~في أول صفر مسموما. وكان من أجل الأمراء وله مواقف مشهورة. وفيها توفي ~~قتيلا الأمير سيف الدين طغجي بن عبد الله الأشرفي. أصله من مماليك الملك ~~الأشرف خليل بن قلاوون. وقتل أيضا الأمير سيف الدين كرجي، والأمير نوغاي ~~الكرموني السلاح دار؛ وهؤلاء الذين قتلوا السلطان الملك المنصور حسام الدين ~~لاجين ومملوكه منكوتمر، ثم قتلوا بعده بثلاثة أيام حسب ما تقدم ذكر ذلك كله ~~في آخر ترجمة الملك المنصور لاجين مفصلا؛ وقتل معهم تمام آثني عشر نفرا من ~~الأمراء والخاصكية ممن تألبوا على قتل لاجين. وفيها توفي الأمير بدر الدين ~~بدر الصوابي أحد أمراء الألوف بدمشق، في ليلة الخميس تاسع جمادى الأولى ~~بقرية الخيارة. كان خرج إليها فمرض بها ومات؛ وقيل بل مات فجأة - وهو الأصح ~~- فحمل منها إلى جبل قاسيون، ودفن بتربته التي أعدها لنفسه. وكان أميرا ~~مباركا صالحا دينا خيرا. قال عز الدين بن عبد الدائم: أقام أمير مائة ومقدم ~~ألف أكثر من أربعين سنة، وولي إمرة الحاج بدمشق غير مرة. رحمه الله. وفيها ~~توفي العلامة حجة العرب الإمام الأستاذ بهاء الدين أبو عبد الله محمد ابن ~~إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي النحوي المعروف بابن النحاس. مات ~~بالقاهرة في يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى وأخرج من الغد، ودفن بالقرافة ~~بالقرب من تربة الملك المنصور لاجين؛ ومولده في سنة سبع وعشرين وستمائة ~~بحلب؛ وكان إماما عالما علامة بارعا ms1756 في العربية، نادرة عصره في فنون كثيرة. ~~وله نظم ونثر. قال العلامة أثير الدين أبو حيان: حدثنا الشيخ بهاء الدين ~~آبن النحاس قال: اجتمعت أنا والشهاب مسعود السنبلي والضياء المناوي فأنشد ~~كل منا له بيتين، فكان الذي أنشده السنبلي في مليح مكاري: علقته مكاريا ... ~~شرد عن عيني الكرى قد أشبه البدر فلا ... يمل من طول السرى وأنشد المناوي ~~في مليح آسمه جمري: أفدي الذي يكبت بدر الدجى ... لحسنه الباهر من عبده ~~سموه جمريا وما أنصفوا ... ما فيه جمري سوى خده وأنشد الشيخ بهاء الدين هذا ~~في مليح مشروط: قلت لما شرطوه وجرى ... لحمه القاني على الوجه اليقق غير ~~بدع ما أتوا في فعلهم ... هو بدر ستروه بالشفق قلت: ونظم الثلاثة نظم متوسط ~~ليس بالطبقة العليا. وأحسن من الأول قول من قال: أفدي مكاريا تراه إذا سعى ~~... كالبرق ينتهب العيون ويخطف أخذ الكرا مني وأحرمني الكرى ... بيني وبينك ~~يا مكاري الموقف وأحسن من الأخير قول من قال، وهو نجم الدين عبد المجيد بن ~~محمد التنوخي: انظر إليه وسل ... قلبك عن محبته لعلك ملك الفؤاد بغير شر ~~... ط حسنه والشرط أملك غيره في المعنى: شرطوه فبكى من ألم ... فغدا ما بين ~~دمع ودم ناثرا من ذا ومن ذا لؤلؤا ... وعقيقا ليس بالمنتظم PageV02P0437 # وفيها توفي الصاحب تقي الدين أبو البقاء توبة بن علي بن مهاجر بن شجاع بن ~~توبة التكريتي في ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة ودفن بقاسيون. وكان رئيسا ~~فاضلا، ولي الوزر بدمشق لخمسة سلاطين: أولهم المنصور قلاوون، ثانيهم آبنه ~~الأشرف خليل، ثم لأخيه الناصر محمد، ثم للعادل كتبغا، ثم للمنصور لاجين. ~~انتهى. وكان مولده سنة عشرين وستمائة. وفيها في أول ذي القعدة، وقيل في ~~شوال، توفي بالقاهرة الأمير الكبير بدر الدين بيسري بن عبد الله الشمسي ~~الصالحي النجمي بالسجن بقلعة الجبل، ودفن بتربته بالقاهرة. كان أميرا جليلا ~~معظما في الدول؛ كان الظاهر بيبرس يقول: هذا ابن سلطاننا في بلادنا! وعرضت ~~عليه السلطنة لما قتل الملك الأشرف خليل ابن قلاوون فامتنع، وكانت ms1757 قد عرضت ~~عليه قبل ذلك بعد الملك السعيد بن الظاهر فلم يقبل؛ وهو آخر من بقي من ~~أكابر مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب، وترقى حتى صار أمير مائة ومقدم ~~ألف؛ وعظم في الدول حتى قبض عليه خشداشه المنصور قلاوون وحبسه تسع سنين إلى ~~أن أطلقه آبنه الأشرف خليل وأعاده إلى رتبته، فاستمر إلى أن قبض عليه ~~المنصور لاجين وحبسه إلى أن قتل لاجين؛ وأعيد الناصر محمد بن قلاوون فكلموه ~~في إطلاقه فأبى إلا حبسه إلى أن مات في الجب. وكانت له دار عظيمة ببين ~~القصرين وقد تغيرت رسومها الآن. وكان عالي الهمة كثير الصدقات والمعروف؛ ~~كان عليه في أيام إمرته رواتب لجماعة من مماليكه وحواشيه وخدمه، فكان يرتب ~~لبعضهم في اليوم من اللحم سبعين رطلا وما تحتاج إليه من التوابل وسبعين ~~عليقة، ولأقلهم خمسة أرطال وخمس علائق وما بين ذلك؛ وكان ما يحتاج إليه في ~~كل يوم لسماطه ولدوره والمرتب عليه ثلاثة آلاف رطل لحم وثلاثة آلاف عليقة ~~في كل يوم؛ وكانت صدقته على الفقير ما فوق الخمسمائة ولا يعطي أقل من ذلك؛ ~~وكان إنعامه ألف إردب غلة وألف قنطار عسل وألف دينار وأشياء يطول شرحها. ~~وفي الجملة أنه كان من أعظم أمراء مصر بلا مدافعة. وبيسري: آسم مركب من ~~لفظتين: تركية وعجمية وصوابه في الكتابة باي سري فباي في اللغة التركية ~~بالتفخيم هو السعيد، وسري بالعجمي الرأس، فمعنى الاسم سعيد الرأس. قلت: ~~وكان سعيد الرأس كما قيل، وهذا بخلاف مذهب النحاة فإن هذا الاسم عين ~~المسمى. انتهى. وفيها توفي الأستاذ جمال الدين أبو المجد ياقوت بن عبد الله ~~المستعصمي الرومي الطواشي صاحب الخط البديع الذي شاع ذكره شرقا وغربا. كان ~~خصيصا عند أستاذه الخليفة المستعصم بالله العباسي آخر خلفاء بني العباس ~~ببغداد. رباه وأدبه وتعهده حتى برع في الأدب، ونظم ونثر وانتهت إليه ~~الرياسة في الخط المنسوب. وقد سمي بهذا الاسم جماعة كثيرة قد ذكر غالبهم في ~~هذا التاريخ، منهم كتاب وغير كتاب، وهم: ياقوت أبو الدر الكاتب ms1758 مولى أبي ~~المعالي أحمد بن علي بن النجار، التاجر الرومي وفاته بدمشق سنة ثلاث ~~وأربعين وخمسمائة، وياقوت الصقلبي الجمالي أبو الحسن مولى الخليفة المسترشد ~~العباسي وفاته سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وياقوت أبو سعيد مولى أبي عبد الله ~~عيسى بن هبة الله بن النقاش وفاته سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وياقوت بن عبد ~~الله الموصلي الكاتب أمين الدين المعروف بالملكي نسبة إلى أستاذه السلطان ~~ملكشاه السلجوقي وياقوت هذا أيضا ممن آنتشر خطه في الآفاق، ووفاته بالموصل ~~سنة ثماني عشرة وستمائة، وياقوت بن عبد الله، الحموي الرومي شهاب الدين أبو ~~الدر: كان من خدام بعض التجار ببغداد يعرف بعسكر الحموي وياقوت هذا هو صاحب ~~التصانيف والخط أيضا، ووفاته سنة ست وعشرين وستمائة، وياقوت بن عبد الله ~~مهذب الدين الرومي مولى أبي منصور التاجر الجيلي، وياقوت هذا كان شاعرا ~~ماهرا، وهو صاحب القصيدة التي أولها: إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا ... ~~فكل ما تدعي زور وبهتان ووفاته سنة آثنتين وعشرين وستمائة. فهؤلاء الذين ~~تقدموا ياقوت المستعصمي صاحب الترجمة بالوفاة، وكل منهم له ترجمة وفضيلة ~~وخط وشعر. وقد تقدم ذكر غالبهم في هذا الكتاب، وإنما ذكرناهم هنا جملة لكون ~~جماعات كثيرة من الناس مهما رأوه من الخطوط والتصانيف يقرأوه لياقوت ~~المستعصمي، وليس الأمر كذلك بل فيهم من رجح خطه ابن خلكان على ياقوت هذا. ~~PageV02P0438 # قلت: وقد خرجنا عن المقصود لكثرة الفائدة، ولنعد إلى بقية ترجمة ياقوت ~~المستعصمي. فمن شعره قوله: تجدد الشمس شوقي كلما طلعت ... إلى محياك يا ~~سمعي ويا بصري وأسهر الليل ذا أنس بوحشته ... إذ طيب ذكرك في ظلمائه سمري ~~وكل يوم مضى لي لا أراك به ... فلست محتسبا ماضيه من عمري ليلي نهاري إذا ~~ما درت في خلدي ... لأن ذكرك نور القلب والبصر وله أيضا: صدقتم في الوشاة ~~وقد مضى ... في حبكم عمري وفي تكذيبها وزعمتم أني مللت حديثكم ... من ذا ~~يمل من الحياة وطيبها الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها ~~توفي السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، ms1759 ومن الغد قتل نائبه ~~منكوتمر؛ ثم قتلوا الأميرين كرجي وطغجي الأشرفيين. وأحضر السلطان الملك ~~الناصر وعاد إلى السلطنة. وفيها توفي الإمام جمال الدين محمد بن سليمان بن ~~النقيب الحنفي صاحب التفسير بالقدس في المحرم. والعلامة بهاء الدين محمد بن ~~إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أبو عبد الله الحلبي آبن النحاس في جمادى ~~الأولى. والصاحب تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي في جمادى الآخرة. ~~والزاهد الملقن علي بن محمد بن علي بن بقاء الصالحي في شوال. والمسند ناصر ~~الدين عمر بن عبد المنعم بن عمر بن القواس في ذي القعدة. وصاحب حماة الملك ~~المظفر تقي الدين محمود ابن المنصور محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن ~~شاهنشاه. والملك الأوحد يوسف ابن الملك الناصر داود بن المعظم عيسى. ~~والعماد عبد الحافظ بن بدران بن شبل النابلسي في ذي الحجة، وقد قارب ~~التسعين. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة تسع وتسعين وستمائة. فيها كانت وقعة ~~السلطان الملك الناصر محمد المذكور مع قازان على حمص وقد تقدم ذكرها. وفيها ~~توفي القاضي علاء الدين أحمد بن عبد الوهاب بن خلف بن محمود ابن بدر ~~العلامي المعروف بابن بنت الأعز. كان لطيف العبارة جميل الصورة لطيف ~~المزاج. تولى حسبة القاهرة ونظر الأحباس، ودرس بعدة مدارس وحج ودخل اليمن ~~ثم عاد إلى القاهرة ومات بها في شهر ربيع الآخر، وكان له نظم ونثر. ومن ~~شعره قصيدة أولها: إن أومض البرق في ليل بذي سلم ... فإنه ثغر سلمى لاح في ~~الظلم وفيها توفي الشيخ المسند المعمر شرف الدين أحمد بن هبة الله ابن تاج ~~الأمناء أحمد بن محمد بن عساكر بدمشق، وبها دفن بمقابر الصوفية بتربة الشيخ ~~فخر الدين بن عساكر، وكان من بقايا المسندين، تفرد سماعا وإجازة. ### || AUT من عدم هذه السنة من وقعة حمص مع التتار ms1760 # قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، والشيخ عماد الدين إسماعيل ابن تاج ~~الدين أحمد بن سعيد بن الأثير الكاتب، والأمير جمال الدين المطروحي، ~~والأمير سيف الدين كرت، والأمير ركن الدين الجمالي نائب غزة؛ ولم يظهر ~~للجميع خبر، غير أنهم ذكروا أن قاضي القضاة حسام الدين المذكور أسروه ~~التتار وباعوه للفرنج، ووصل قبرص وصار بها حكيما، وداوى صاحب قبرص من مرض ~~مخيف فشفي فأوعده أن يطلقه، فمرض القاضي حسام الدين المذكور ومات. كذا حكى ~~بعض أجناد الإسكندرية. وفيها توفي الشيخ الصالح الحافظ شهاب الدين أبو ~~العباس أحمد بن فرج بن أحمد بن اللخمي الإشبيلي بدمشق، ودفن بمقابر ~~الصوفية؛ وكان حافظا دينا خيرا زاهدا متورعا. عرض عليه جهات كثيرة فأعرض ~~عنها؛ وهو صاحب القصيدة المشتملة على صفات الحديث: غرامي صحيح والرجا فيك ~~معضل ... وحزني ودمعي مرسل ومسلسل وصبري عنكم يشهد العقل أنه ... ضعيف ~~ومتروك وذلي أجمل فلا حسن إلا سماع حديثكم ... مشافهة تملى علي فأنقل وأمري ~~موقوف عليك وليس لي ... على أحد إلا عليك المعول ولو كان مرفوعا إليك لكنت ~~لي ... على رغم عذالي ترق وتعدل وعذل عذول منكر لا أسيغه ... وزور وتدليس ~~يرد ويهمل PageV02P0439 # أقضي زماني فيك متصل الأسى ... ومنقطعا عما به أتوصل وها أنا في أكفان ~~هجرك مدرج ... تكلفني ما لا أطيق فأحمل وهي أطول من ذلك. وفيها توفي قاضي ~~القضاة عز الدين عبد العزيز آبن قاضي القضاة محيي الدين يحيى بن محمد بن ~~علي بن الزكي في يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة. وكان من أعيان الدمشقيين؛ ~~ودرس بعدة مدارس وآنتفع به الناس. رحمه الله. وفيها توفي الشيخ الإمام ~~العالم مفتي المسلمين شمس الدين محمد ابن الشيخ الإمام العلامة شيخ المواهب ~~قاضي القضاة صدر الدين أبي الربيع سليمان ابن أبي العز وهيب الحنفي الدمشقي ~~في يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة بالمدرسة النورية بدمشق، ودفن بتربة والده ~~بقاسيون؛ وكان فقيها عالما مفتيا بصيرا بالأحكام متصديا للفتوى والتدريس. ~~أفتى مدة أربع وثلاثين سنة وقرأ عليه جماعة كثيرة وانتفع الناس به؛ وكان ms1761 ~~نائبا في القضاء عن والده، وسئل بالمناصب الجليلة فآمتنع من قبولها. رحمه ~~الله. قلت: وبنو العز بيت كبير بدمشق مشهورون بالعلم والرياسة. وفيها توفي ~~صاحب الأندلس أمير المسلمين أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف المعروف ~~بابن الأحمر. ملك الأندلس وما والاها بعد موت والده سنة إحدى وسبعين ~~وستمائة، وامتدت أيامه وقوي سلطانه، ومات في عشر الثمانين رحمه الله تعالى. ~~الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: فيها توفي الإمام شمس الدين ~~محمد بن عبد القوي المقدسي النحوي. وعماد الدين يوسف بن أبي نصر الشقاري، ~~وقاضي القضاة إمام الدين عمر بن عبد الرحمن القزويني بمصر في ربيع الآخر. ~~وعبد الدائم بن أحمد المحجي الوزان. وعلي بن أحمد بن عبد الدائم وأخوه عمر. ~~وأحمد بن زيد بن أبي الفضل الصالحي الفقير المعروف، بالجمال. وشرف الدين ~~أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد بن عساكر في جمادى الأولى. وعيسى بن ~~بركة بن والي. ومحمد بن أحمد بن نوال الرصافي. وعلي بن مطر المحجي البقال. ~~وصفية بنت عبد الرحمن بن عمرو الفراء، وابن عمها إبراهيم بن أبي الحسن بن ~~عمرو بن موسى أبو إسحاق الفراء. وأحمد بن محمد الحداد. وخديجة بنت التقي ~~محمد بن محمود بن عبد المنعم المراتبي. والحافظ شهاب الدين أحمد بن فرج ~~اللخمي الإشبيلي في جمادى الآخرة. وأبو العباس أحمد بن سليمان بن أحمد ~~المقدسي الحراني. والشيخ عز الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد الحق. والخطيب ~~موفق الدين محمد بن محمد المعروف بابن حبيش في جمادى الآخرة بدمشق. ~~والمعمرة زينب بنت عمر بن كندي ببعلبك. والأمير علم الدين سنجر البرنلي، ~~الدواداري في رجب بحصن الأكراد. والمؤيد علي بن إبراهيم بن يحيى ابن خطيب ~~عقرباء. وشمس الدين محمد بن علي بن أحمد بن الفضل الواسطي في رجب، وله أربع ~~وثمانون سنة. والعلامة نجم الدين أحمد بن مكي في جمادى الآخرة. والإمام شمس ~~الدين محمد بن سلمان بن حمائل سبط غانم. والشيخ بدر الدين حسن بن علي بن ms1762 ~~يوسف بن هود المرسي في رجب. والإمام شمس الدين محمد آبن الفخر عبد الرحمن ~~بن يوسف البعلبكي في رمضان. والشريف شمس الدين محمد بن هاشم بن عبد القاهر ~~العباسي العدل في رمضان، وله أربع وتسعون سنة. والشيخ بهاء الدين أيوب بن ~~أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله أبو صابر بن النحاس مدرس القليجية في شوال. ~~والمفتي جمال الدين عبد الرحيم بن عمر الباجربقي. والعدل بهاء الدين محمد ~~بن يوسف البرزالي عن آثنتين وستين سنة. والأديب جمال الدين عمر بن إبراهيم ~~بن العقيمي الرسعني، وله أربع وتسعون سنة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاث أذرع وعدة أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وست أصابع؛ وكان ~~الوفاء ثالث عشر توت. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة سبعمائة من الهجرة. فيها توفي الأمير ~~سيف الذين بلبان الطباخي بالعسكر المنصور على الساحل؛ وكان من أعيان ~~الأمراء وأحشمهم وأشجعهم وأكثرهم عدة ومماليك وحاشية. وولي نيابة حلب قبل ~~ذلك بمدة، ثم ولي الفتوحات بالساحل ودام عليها سنين. وكان جميل السيرة ~~والطريقة وله المواقف المشهورة والنكاية في العدو. رحمه الله تعالى. ~~PageV02P0440 # وفيها توفي الأديب البارع شهاب الدين أبو جلنك الحلبي الشاعر المشهور ~~صاحب النوادر الطريفة، كان بارعا ماهرا وفيه همة وشجاعة. ولما كانت وقعة ~~التتار في هذه السنة نزل أبو جلنك المذكور من قلعة حلب لقتال التتار، وكان ~~ضخما سمينا فوقع عن فرسه من سهم أصاب الفرس فبقي راجلا، فأسروه وأحضروه بين ~~يدي مقدم التتار، فسأله عن عسكر المسلمين، فرفع شأنهم فغضب مقدم التتار، ~~عليه اللعنة، من ذلك فضرب عنقه. رحمه الله تعالى. ومن شعر أبي جلنك المذكور ~~قوله: وشادن يصفع مغرى به ... براحة أندى من الوابل فصحت في الناس ألا ~~فآعجبوا ... بحر غدا يلطم في الساحل قال الشيخ صلاح الدين الصفدي رحمه ~~الله: وكان أبو جلنك قد مدح قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان فوقع له ~~برطلي خبز، فكتب أبو جلنك على بستانه: ms1763 لله بستان حللنا دوحه ... كجنة قد ~~فتحت أبوابها والبان تحسبه سنانيرا رأت ... قاضي القضاة فنفشت أذنابها قلت: ~~لعل الصلاح الصفدي وهم في ابن خلكان، والصواب أن القصة كانت مع قاضي القضاة ~~كمال الدين ابن الزملكاني. انتهى. ومن شعر أبي جلنك في أقطع: وبي أقطع ما ~~زال يسخو بماله ... ومن جوده ما رد في الناس سائل تناهت يداه فاستطال ~~عطاؤها ... وعند التناهي يقصر المتطاول قلت: ووقع في هذا المعنى عدة مقاطيع ~~جيدة في كتابي المسمى ب " حلية الصفات في الأسماء والصناعات " فمن ذلك: ~~أفديه أقطع يشدو ... ساروا ولا ودعوني ما أنصفوا أهل ودي ... واصلتهم ~~قطعوني ولشمس الدين ابن الصائغ الحنفي: وأقطع قلت له ... هل أنت لص أوحد ~~فقال هذي صنعة ... لم يبق لي فيها يد وفي المعنى هجو: تجنب كل أقطع فهو لص ~~... يريد لك الخيانة كل ساعه وما قطعوه بعد الوصل لكن ... أرادوا كفه عن ذي ~~الصناعه غيره في المعنى: من يكن في الأصل لصا ... لم يكن قط أمينا فثقوا ~~منه برهن ... أو خذوا منه يمينا وفيها توفي الشيخ الصالح المسند عز الدين ~~أبو الفدى إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمر بن موسى بن عميرة المعروف بابن ~~الفراء المرداوي ثم الصالحي الحنبلي. مولده سنة عشر وستمائة وسمع الكثير ~~وحدث، وخرج له الحافظ شمس الدين الذهبي مشيخة؛ وكان دينا خيرا وله نظم. عن ~~ذلك قوله: أين من عهد آدم وإلى الآ ... ن ملوك وساعة وصدور مزقتهم أيدي ~~الحوادث وآستو ... لت عليهم رحى المنون تدور وله في المعنى، وقيل هما ~~لغيره: ثم آنقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام وكذاك من يأتي ~~وحقك بعدهم ... أمضاه رب قادر علام الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، ~~قال: وفيها توفي عز الدين أحمد آبن العماد عبد الحميد بن عبد الهادي في ~~المحرم، وله ثمان وثمانون سنة. وعماد الدين أحمد بن محمد بن سعد المقدسي ~~وله ثلاث وثمانون سنة. وعز الدين إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمر الفراء في ~~جمادى الآخرة، وله تسعون سنة. وأبو ms1764 علي يوسف بن أحمد بن أبي بكر الغسولي في ~~الشهر، وله نحو من تسعين سنة. والحافظ شمس الدين أبو العلاء محمود بن أبي ~~بكر البخاري الفرضي بماردين في ربيع الأول، وله ست وخمسون سنة. وشمس الدين ~~أبو القاسم الخضر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبدان الأزدي في ذي الحجة. ~~والمقرىء شمس الدين محمد بن منصور الحاضري في صفر. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم والحديث أعني مجموع النيل في هذه السنة ست عشرة ذراعا وثماني ~~عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة إحدى وسبعمائة. PageV02P0441 # فيها في ثالث عشر من شهر ربيع الأول سافر الأمير ركن الدين بيبرس ~~الجاشنكير إلى الإسكندرية وصحبته جماعة كثيرة من الأمراء بسبب الصيد، ورسم ~~له السلطان أن مدة مقامه بالإسكندرية يكون دخلها له؛ ثم أعطى السلطان لجميع ~~الأمراء دستورا لمن أراد السفر لإقطاعه لعمل مصالح بلاده؛ وكان إذ ذاك ~~يربعون خيولهم شهرا واحدا لأجل العدو المخذول. وفيها توفي مسند العصر شهاب ~~الدين أحمد ابن رفيع الدين إسحاق بن محمد ابن المؤيد الأبرقوهي بمكة في ~~العشرين من ذي الحجة. ومولده سنة خمس عشرة وستمائة بأبرقوه من أعمال شيراز، ~~وكان سمع الكثير وحدث وطال عمره وتفرد بأشياء. وفيها توفي الحافظ شرف الدين ~~أبو الحسين على آبن الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد ~~الله بن عيسى بن أحمد بن محمد اليونيني في يوم الخميس حادي عشر شهر رمضان ~~ببعلبك. ومولده في حادي عشر شهر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة ببعلبك. وفيها ~~توفي الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله المعروف بأرجواش المنصوري نائب ~~قلعة دمشق في ليلة السبت ثاني عشرين ذي الحجة، وكان شجاعا. وهو الذي حفظ ~~قلعة دمشق في نوبة غازان وأظهر من الشجاعة مالا يوصف على تغفل كان فيه؛ حسب ~~ما قدمنا من ذكره في أصل ترجمة الملك الناصر محمد بن قلاوون ما فعله وكيف ~~كان حفظه لقلعة دمشق. ms1765 وأما أمر التغفل الذي كان به: قال الشيخ صلاح الدين ~~خليل بن أيبك في تاريخه: حكى لي عنه عبد الغني الفقير المعروف قال: لما مات ~~الملك المنصور قلاوون أعني أستاذه قال لي: أحضر لي مقرئين يقرأون ختمة ~~للسلطان، فأحضرت إليه جماعة فجعلوا يقرأون على العادة، فأحضر دبوسا وقال: ~~كيف تقرأون للسلطان هذه القراءة! تقرأون عاليا؛ فضجوا بالقراءة جهدهم، فلما ~~فرغوا منها، قلت: يا خوند فرغت الختمة، فقال: يقرأون أخرى، فقرأوها وقفزوا ~~ما أرادوا، فلما فرغوا أعلمته، قال: ويلك! السماء ثلاثة، والأرض ثلاثة، ~~والأيام ثلاثة، والمعادن ثلاثة، وكل ما في الدنيا ثلاثة، يقرأون أخرى! ~~فقلت: اقرأوها واحمدوا الله تعالى على أنه ما علم أن هذه الأشياء سبعة ~~سبعة؛ فلما فرغوا من الثلاثة وقد هلكوا من صراخهم، قال: دعهم عندك في ~~الترسيم إلى بكرة، ورح آكتب عليهم حجة بالقسامة الشريفة بالله تعالى، ~~وبنعمة السلطان أن ثواب هذه الختمات لمولانا السلطان الملك المنصور قلاوون؛ ~~ففعلت ذلك وجئت إليه بالحجة، فقال: هذا جيد، أصلح الله أبدانكم؛ وصرف لهم ~~أجرتهم. وحكي عنه عدة حكايات من هذا تدل على تغفل كبير. قلت: ويلحق أرجواش ~~هذا بعقلاء المجانين فإن تدبيره في أمر قلعة دمشق وقيامه في قتال غازان له ~~المنتهى في الشجاعة وحسن التدبير. انتهى. وفيها توفي شمس الدين سعيد بن ~~محمد بن سعيد بن الأثير في سابع عشر ذي القعدة بدمشق؛ وكان رئيسا فاضلا ~~كاتبا؛ كتب الإنشاء بدمشق سنين. وفيها توفي الشريف نجم الدين أبو نمي محمد ~~بن أبي سعد حسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى ~~بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله المحض ~~بن موسى بن عبد الله، بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني المكي ~~صاحب مكة المشرفة في يوم الأحد رابع صفر بعد أن أقام في إمرة مكة أربعين ~~سنة؛ وقدم القاهرة مرارا، وكان يقال: لولا أنه زيدي لصلح للخلافة لحسن ~~صفاته. أمر ms1766 النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة اثنتين وسبعمائة. فيها في أول المحرم ~~قدم الأمير بيبرس الجاشنكير من الحجاز ومعه الشريفان حميضة ورميثة في ~~الحديد فسجنا بقلعة الجبل. PageV02P0442 # وفيها في رابع جمادى الآخرة ظهر بالنيل دابة كلون الجاموس بغير شعر، ~~واذناها كآذن الجمل، وعيناها وفرجها مثل الناقة، ويغطي فرجها ذنب طوله شبر ~~ونصف، طرفه كذنب السمك، ورقبتها مثل ثخن التليس المحشو تبنا، وفمها وشفتاها ~~مثل الكربال، ولها أربع أنياب اثنتان فوق اثنتين، في طول نحو شبر وعرض ~~إصبعين، وفي فمها ثمانية وأربعون ضرسا وسنا مثل بيادق الشطرنج، وطول يدها ~~من باطنها شبران ونصف، ومن ركبتها إلى حافرها مثل أظافير الجمل، وعرض ظهرها ~~قدر ذراعين ونصف، ومن فمها إلى ذنبها خمس عشرة قدما، وفي بطنها ثلاثة كروش، ~~ولحمها أحمر له ذفرة السمك، وطعمه مثل لحم الجمل، وثخانة جلدها أربع أصابع، ~~لا تعمل فيه السيوف؛ وحمل جلدها على خمسة جمال في مقدار ساعة من ثقله، وكان ~~ينقل من جمل إلى جمل وقد حشي تبنا حتى وصل إلى قلعة الجبل. وفيها كان بمصر ~~والقاهرة زلزلة عظيمة أخربت عدة منائر ومبان كثيرة من الجوامع والبيوت حتى ~~أقامت الأمراء ومباشرو الأوقاف مدة طويلة ترم وتجدد ما تشعث فيها من ~~المدارس والجوامع حتى منارة الإسكندرية. وفيها أبطل الأمير ركن الدين بيبرس ~~الجاشنكير عيد الشهيد بمصر، وهو أن النصارى كان عندهم تابوت فيه إصبع ~~يزعمون أنها من أصابع بعض شهدائهم، وأن النيل لا يزيد ما لم يرم فيه هذا ~~التابوت، فكان يجتمع النصارى من سائر النواحي إلى شبرا، ويقع هناك أمور ~~يطول الشرح في ذكرها، حتى إن بعض النصارى باع في أيام هذا العيد باثني عشر ~~ألف درهم خمرا من كثرة الناس التي تتوجه إليه للفرجة، وكان تثور في هذا ~~العيد فتن وتقتل خلائق. فأمر الأمير بيبرس رحمه الله بإبطال ذلك، وقام ms1767 في ~~ذلك قومة عظيمة، فشق ذلك على النصارى، واجتمعوا بالأقباط الذين أظهروا ~~الإسلام، فتوجه الجميع إلى التاج ابن سعيد الدولة كاتب بيبرس، وكان خصيصا ~~به، وأوعدوا بيبرس بأموال عظيمة، وخوفوه من عدم طلوع النيل ومن كسر الخراج، ~~فلم يلتفت إلى ذلك وأبطله إلى يومنا هذا. وفيها توفي الشيخ كمال الدين أحمد ~~بن أبي الفتح محمود بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سليمان بن فتيان المعروف ~~بآبن العطار، أحد كتاب الدرج بدمشق في رابع عشر ذي القعدة. ومولده سنة ست ~~وعشرين وستمائة؛ وكان كثير التلاوة محبا لسماع الحديث، وسمع وحدث، وكان ~~صدرا كبيرا فاضلا وله نظم ونثر، وأقام يكتب الدرج أربعين سنة. وفيها توفي ~~الشيخ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ القدوة برهان الدين إبراهيم ابن معضاد ~~الجعبري بالقاهرة؛ وقد تقدم ذكر وفاة والده، ودفن بزاويته خارج باب النصر ~~من القاهرة. وفيها توفي الأمير فارس الدين ألبكي الساقي أحد مماليك الملك ~~الظاهر بيبرس. كان من أكابر أمراء الديار المصرية، ثم اعتقل إلى أن أفرج ~~عنه الملك المنصور قلاوون وأنعم عليه بإمرة؛ ثم نقله إلى نيابة صفد فأقام ~~بها عشر سنين؛ وفر مع الأمير قبجق إلى غازان وتزوج بأخته؛ ثم قدم مع غازان ~~ولحق بالسلطان، فولاه نيابة حمص حتى مات بها في يوم الثلاثاء ثامن ذي ~~القعدة. وكان مليح الشكل كثير الآدب، ما جلس قط بلا خف، وإذا ركب ونزل حمل ~~جمداره شاشه، فإذا أراد الركوب لفه مرة واحدة بيده كيف كانت. وفيها استشهد ~~بوقعة شقحب الأمير عز الدين أيدمر العزي نقيب المماليك السلطانية؛ وأصله من ~~مماليك الأمير عز الدين أيدمر الظاهري، نائب الشام؛ وكان كثير الهزل، وإليه ~~تنسب سويقة العزي خارج القاهرة بالقرب من جامع ألجاي اليوسفي. وفيها استشهد ~~الأمير يوسف الدين أيدمر الشمسي القشاش؛ وكان قد ولي كشف الغربية والشرقية ~~جميعا وآشتدت مهابته؛ وكان يعذب أهل الفساد بأنواع قبيحة من العذاب، منها: ~~أنه كان يغرس خازوقا بالأرض ويجعل عوده قائما ويرفع الرجل ويسقطه عليه! ~~وأشياء كثيرة ذكرناها في ترجمته في ms1768 تاريخنا المنهل الصافي؛ ولم يجسر أحد من ~~الفلاحين في أيامه أن يلبس مئزرا أسود ولا يركب فرسا ولا يتقلد بسيف ولا ~~يحمل عصا مجلبة بحديد حتى ولا أرباب الأدراك؛ ثم استعفى من الولاية ولزم ~~داره؛ وخرج لغزوة شقحب في محفة إلى وقت القتال: لبس سلاحه وركب فرسه وهو في ~~غاية الألم، فقيل له: أنت لا تقدر تقاتل، فقال: والله لمثل هذا اليوم ~~أنتظر، وإلا بأي شيء يتخلص القشاش من ربه بغير هذا! وحمل على العدو وقاتل ~~حتى قتل؛ ورئي فيه - بعد أن مات - ستة جراحات. PageV02P0443 # وفيها أيضا آستشهد الأمير أوليا بن قرمان أحد أمراء الظاهرية، وهو ابن ~~أخت قرمان؛ وكان شجاعا مقداما. وفيها آستشهد أيضا الأمير عز الدين أيبك ~~الأستادار، وكان من كبار الأمراء المنصورية. وآستشهد الأمير جمال الدين ~~آقوش الشمسي الحاجب، والأمير سيف الدين بهادر أحد الأمراء بحماة، والأمير ~~صلاح الدين ابن الكامل، والأمير علاء الدين ابن الجاكي، والشيخ نجم الدين ~~أيوب الكردي، والأمير شمس الدين سنقر الشمسي الحاجب والأمير شمس الدين سنقر ~~الكافري، والأمير سنقرشاه أستادار بيبرس الجالق، والأمير حسام الدين علي بن ~~باخل، والأمير لاجين الرومي المنصوري أستادار الملك المنصور قلاوون ويعرف ~~بالحسام. قلت: ورأيت أنا من ذريته الصارمي إبراهيم بن الحسام. وكل هؤلاء ~~استشهدوا في نوبة غازان بشقحب بيد التتار. وفيها توفي الملك العادل كتبغا ~~المنصوري نائب حماة بها وهو في الكهولية في ليلة الجمعة يوم عيد الأضحى. ~~وقد تقدم ذكره في ترجمته من هذا الكتاب عند ذكر سلطنته بالديار المصرية، ~~وما وقع له حتى خلع وتوجه لنيابة صرخد، ثم نقل إلى نيابة حماة فمات بها. ~~وفيها توفي قاضي القضاة تقي الدين محمد ابن الشيخ مجد الدين علي بن وهب بن ~~مطيع بن أبي الطاعة القشيري المنفلوطي الفقيه المالكي ثم الشافعي المعروف ~~بابن دقيق العيد قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية. كان إماما عالما. كان ~~مالكيا ثم آنتقل إلى مذهب الشافعي؛ ومولده في عشرين شعبان سنة خمس وعشرين ~~وستمائة، ومات في يوم الجمعة حادي عشر صفر؛ وكان ms1769 تفقه بأبيه ثم بالشيخ عز ~~الدين آبن عبد السلام وغيره، وسمع من آبن المقير وآبن رواح وآبن عبد الدائم ~~وغيرهم؛ وخرج لنفسه تساعيات، وصار من أئمة العلماء في مذهبي مالك والشافعي ~~مع جودة المعرفة بالأصول والنحو والأدب، إلا أنه كان قهره الوسواس في أمر ~~المياه والنجاسات، وله في ذلك حكايات ووقائع عجيبة. وروى عنه الحافظ فتح ~~الدين ابن سيد الناس، وقاضي القضاة علاء الدين القونوي، وقاضي القضاة علم ~~الدين الإخنائي وغيرهم. وكان أبو حيان النحوي يطلق لسانه في حق قاضي القضاة ~~المذكور، وقد أوضحنا ذلك في ترجمته في المنهل الصافي باستيعاب. ومن نظمه ~~قصيدته المشهورة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم التي أولها: يا سائرا نحو ~~الحجاز مشمرا ... اجهد فديتك في المسير وفي السرى وإذا سهرت الليل في طلب ~~العلا ... فحذار ثم حذار من خدع الكرى وله أيضا: سحاب فكري لا يزال هاميا ~~... وليل همي لا أراه راحلا قد أتعبتني همتي وفطنتي ... فليتني كنت مهينا ~~جاهلا أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يحرر. مبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا سواء؛ وكان الوفاء في سابع عشرين مسري. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاون الثانية على مصر وهي سنة ثلاث وسبعمائة. فيها آنتدب الأمراء ~~لعمارة ما خرب من الجوامع بالزلزلة في السنة الماضية، وأنفقوا فيها مالا ~~جزيلا. وفيها كملت عمارة المدرسة الناصرية ببين القصرين، ونقل الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون أمه من التربة المجاورة للمشهد النفيسي إليها. وموضع هذه ~~المدرسة الناصرية كان دارا تعرف بدار سيف الدين بلبان الرشيدي فآشتراها ~~الملك العادل زين الدين كتبغا وشرع في بنائها مدرسة، وعمل بوابتها من أنقاض ~~مدينة عكا، وهي بوابة كنيسة بها، ثم خلع كتبغا، فاشتراها الملك الناصر محمد ~~هذا على يد قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف وأتمها وعمل لها أوقافا ~~جليلة، من جملتها: قيسارية أمير علي بالشرابشيين، والربع المعروف بالدهيشة ~~قريبا من باب زويلة، وحوانيت بباب الزهومة والحمام المعروفة بالفخرية بجوار ~~المدرسة الفخرية، وعدة أوقاف أخرى ms1770 في مصر والشام. وفيها توفي الأمير عز ~~الدين أيبك الحموي. كان أصله من مماليك الملك المنصور صاحب حماة، فطلبه منه ~~الملك الظاهر بيبرس هو وأبو خرص علم الدين سنجر من الملك المنصور، فسيرهما ~~إليه فرقاهما ثم أمرهما، ثم ولى الملك الأشرف خليل أيبك هذا نيابة دمشق بعد ~~سنجر الشجاعي حتى عزله الملك العادل كتبغا بمملوكه إغزلوا العادلي، وولي ~~بعد ذلك نيابة صرخد ثم حمص وبها مات في تاسع عشر ربيع الآخر. PageV02P0444 # وفيها توفي الأمير ركن الدين بيبرس التلاوي. وكان يلي شد دمشق؛ وكان فيه ~~ظلم وعسف، وتولى عوضه شد دمشق الأمير قيران الدواداري. وفيها توفي القاضي ~~شمس الدين سليمان بن إبراهيم بن إسماعيل الملطي ثم الدمشقي الحنفي أحد نواب ~~الحكم بدمشق ومصر. كان فقيها عالما دينا مباركا حسن السيرة. وفيها توفي ~~القان إيل خان معز الدين قازان، وقيل كازان، وكلاهما يصح معناه، ابن أرغون ~~بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكز خان ببلاد قزوين في ثاني عشر شوال وحمل ~~إلى تربته وقبته التي أنشأها خارج تبريز. وكان جلوسه على تخت الملك في سنة ~~ثلاث وتسعين وستمائة؛ وأسلم في سنة أربع وتسعين، ونثر الذهب والفضة واللؤلؤ ~~على رؤوس الناس؛ وفشا الإسلام بإسلامه في ممالك التتار، وأظهر العدل وتسمى ~~محمودا، وكان أجل ملوك المغل من بيت هولاكو، وهو صاحب الوقعات مع الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون والذي ملك الشام. وقد تقدم ذكر ذلك كله في أصل هذه ~~الترجمة. وفيها توفي القاضي فتح الدين أبو محمد عبد الله آبن الصاحب عز ~~الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد القيسراني في يوم الجمعة خامس عشرين ~~شهر ربيع الآخر بالقاهرة؛ وقد وزر جده موفق الدين خالد للملك العادل نور ~~الدين محمود بن زنكي المعروف بالشهيد. وكانت لديه فضيلة وعني بالحديث، وجمع ~~وألف كتابا في معرفة الصحابة؛ وكان له نظم ونثر، وخرج لنفسه أربعين حديثا، ~~وروى عنه الدمياطي من شعره، وأخذ عنه الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس، ~~والبرزالي والذهبي. ومن شعره: بوجه معذبي ms1771 آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا ~~تحاشي ونسخة حسنه قرئت فصحت ... وها خط الكمال على الحواشي وفيها توفي ~~القاضي كمال الدين أبو الفتح موسى ابن قاضي القضاة شمس الدين أحمد ابن شهاب ~~الدين محمد بن خلكان. كان فاضلا، آشتغل في حياة والده ودرس؛ وكانت سيرته ~~غير مشكورة؛ وهو كان أكبر الأسباب في عزل والده، ومات في شهر ربيع الأول. ~~وفيها توفي الشريف أبو فارس عبد العزيز بن عبد الغني بن سرور بن سلامة ~~المنوفي أحد أصحاب أبي الحجاج الأقصري. مات في ليلة الاثنين خامس عشر ذي ~~الحجة بمصر عن مائة وعشرين سنة. وفيها توفي الشريف جماز بن شيحة بن هاشم بن ~~قاسم بن مهنا أمير المدينة النبوية مصروفا عن ولايتها، والأصح وفاته في ~~القابلة. وفيها توفي الإمام المحدث تاج الدين علي بن أحمد بن عبد المحسن ~~الحسيني الغرافي الإسكندراني في سابع ذي الحجة. وفيها توفي الأمير الوزير ~~ناصر الدين محمد، ويقال ذبيان الشيخي، تحت العقوبة في سابع ذي القعدة. ~~وفيها توفي الشريف شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن محمد الأرموي ~~نقيب الأشراف في تاسع عشر شوال، وكان فاضلا رئيسا. وقيل وفاته في الآتية، ~~وهو الأقوى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وعدة أصابع. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. وكان الوفاء أول أيام النسيء. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة أربع وسبعمائة. فيها توجه الأمير ~~بيبرس الجاشنكير إلى الحجاز مرة ثانية ومعه علاء الدين أيدغدي الشهرزوري ~~رسول ملك الغرب، والأمير بيبرس المنصوري الدوادار، والأمير بهاء الدين ~~يعقوبا وجماعة كثيرة من الأمراء، وخرج ركب الحاج في عالم كثير من الناس مع ~~الأمير عز الدين أيبك الخازندار زوج بنت الملك الظاهر بيبرس. وفيها ظهر في ~~معدن الزمرد قطعة زنتها مائة وخمسة وسبعون مثقالا فأخفاها الضامن، ثم حملها ~~إلى بعض الملوك، فدفع فيها مائة ألف وعشرين ألف درهم، فأبى أن يبيعها، ~~فأخذها الملك منه غصبا ms1772 وبعث بها إلى السلطان فمات الضامن غما. وفيها توفي ~~القاضي فتح الدين أحمد بن محمد بن سلطان القوصي الشافعي وكيل بيت المال ~~بقوص وأحد أعيانها. كان من الرؤساء، ومات بها في حادي عشر المحرم. وفيها ~~توفي القاضي زين الدين أحمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب بهاء ~~الدين علي بن محمد بن سليم بن حنا في ليلة الخميس ثامن صفر، وكان فقيها ~~فاضلا متدينا وافر الحرمة. PageV02P0445 # وفيها توفي شمس الدين أحمد بن علي بن هبة الله بن السديد الإسنائي خطيب ~~إسنا ونائب الحكم بها وبأدفو وقوص في شهر رجب؛ وكانت قد آنتهت إليه رياسة ~~الصعيد، وبنى بقوص مدرسة؛ وكان قوي النفس كثير العطاء مهابا ممدوحا يبذل في ~~بقاء رياسته الآلاف الكثيرة؛ يقال إنه بذل في نيابة الحكم بالصعيد مائتي ~~ألف؛ وصادره الأمير كراي المنصوري وأخذ منه مائة وستين ألف درهم، فقدم ~~القاهرة ومات بها. وفيها توفي الأمير بيبرس الموفقي المنصوري أحد الأمراء ~~بدمشق بها في يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة مخنوقا وهو سكران. نسأل ~~الله حسن الخاتمة بمنه وكرمه. وفيها توفي الأمير الشريف عز الدين جماز بن ~~شيحة أمير المدينة، وقد تقدم في الماضية. والأصح أنه في هذه السنة. وفيها ~~توفي الأمير شمس الدين محمد آبن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبي سعيد بن ~~التيتي الآمدي أحد الأمراء ونائب دار العدل بقلعة الجبل، كان رئيسا فاضلا. ~~وفيها توفي الأمير مبارز الدين سوار الرومي المنصوري أمير شكار؛ وكان من ~~أعيان الأمراء وفيه شجاعة وحشمة ورياسة؛ وكان معظما في الدول. وفيها توفي ~~الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله المنصوري المعروف بسمز أعني سمينا ~~مقتولا بأيدي عرب الشام بعد أن قتل منهم مقتلة كبيرة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتا ~~عشرة إصبعا، وكان الوفاء رابع توت. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة خمس وسبعمائة. فيها قدمت هدية الملك ~~المؤيد هزبر الدين ms1773 داود صاحب اليمن فوجدت قيمتها أقل من العادة؛ فكتب ~~بالإنكار عليه والتهديد. وفيها آستسقى أهل دمشق لقلة الغيث فسقوا بعد ذلك، ~~ولله الحمد. وفيها توفي خطيب دمشق شرف الدين أحمد بن إبراهيم بن سباغ ~~الفزاري الفقيه المقرىء النحوي المحدث الشافعي في شوال عن خمس وسبعين سنة. ~~وفيها توفي الحافظ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن ~~شرف بن الخضر بن موسى الدمياطي الشافعي أحد الأئمة الأعلام والحفاظ ~~والثقات. مولده في سنة ثلاث عشرة وستمائة بتونة وهي بلدة في بحيرة تنيس من ~~عمل دمياط، وقيل في سنة عشر وستمائة؛ وآشتغل بدمياط وحفظ التنبيه في الفقه، ~~وسمع بها وبالقاهرة من الحافظ عبد العظيم المنذري وأخذ عنه علم الحديث؛ ~~وقرأ القرآن بالروايات، وبرع في عدة فنون وسمع من خلائق؛ آستوعبنا أسماء ~~غالبهم في ترجمته في المنهل الصافي. ورحل إلى الحجاز ودمشق وحلب وحماة ~~وبغداد، وحدث وسمع منه خلائق مثل اليوبيني والقونوي والمزي وأبي حيان ~~والبرزالي والذهبي وابن سيد الناس وخلق سواهم؛ وصنف مصنفات كثيرة ذكرنا ~~غالبها في المنهل الصافي، وله كتاب فضل الخيل، وقد سمعت أنا هذا الكتاب ~~بقراءة الحافظ قطب الدين الخيضري في أربعة مجالس آخرها في سلخ شعبان سنة ~~خمس وأربعين وثمانمائة بالقاهرة في منزل المسمع بحارة برجوان على الشيخ ~~الإمام العلامة مؤرخ الديار المصرية تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر ~~المقريزي بسماعه جميعه على الشيخ ناصر الدين محمد بن علي بن الطبردار ~~الحراوي بسماعه جميعه على الشيخ مؤلفه الحافظ شرف الدين الدمياطي صاحب ~~الترجمة - رحمه الله - وكانت وفاته فجأة بالقاهرة: بعد أن صلى العصر غشي ~~عليه في موضعه، فحمل إلى منزله فمات من ساعته في يوم الأحد خامس عشر ذي ~~القعدة. ومن شعره: روينا بإسناد عن آبن مغفل ... حديثا شهيرا صح من علة ~~القدح بأن رسول الله حين مسيره ... لثامنة وافته من ليلة الفتح وفيها توفي ~~الملك الأوحد، وقيل الزاهر، تقي الدين شادي آبن الملك الزاهر مجير الدين ~~داود آبن الملك المجاهد أسد ms1774 الدين شيركوه الصغير ابن الأمير ناصر الدين ~~محمد آبن الملك المنصور أسد الدين شيركوه الكبير آبن شادي بن مروان الأيوبي ~~في ثالث صفر وهو يوم ذاك أحد أمراء دمشق. وفيها توفي المسند أبو عبد الله ~~محمد بن أحمد بن أبي بكر الحراني الحنبلي. مولده بحران سنة ثماني عشرة ~~وستمائة، وسمع من آبن روزبة والمؤتمن بن قميرة، وسمع بمصر من ابن الجميزي ~~وغيره وتفرد بأشياء؛ وكان فيه دعابة ودين، وتلا بمكة ألف ختمة. ~~PageV02P0446 # وفيها توفي قاضي قضاة الشافعية بحلب شمس الدين محمد بن محمد بن بهرام بها ~~في أول جمادى الأولى، وكان فقيها فاضلا. وفيها توفي الشيخ الإمام شرف الدين ~~أبو زكريا يحيى بن أحمد بن عبد العزيز الجذامي الإسكندراني المالكي شيخ ~~القراءات بها في هذه السنة؛ وكان إماما عالما بالقراءات، وله مشاركة في ~~فنون. رحمه الله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يحرر، وزاد ~~البحر حتى بلغ ثماني أذرع ونصفا ثم توقف إلى ثامن مسري، ثم زاد حتى أوفى في ~~رابع توت. وبلغ ست عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة ست وسبعمائة. فيها وقع بين الأميرين: ~~علم الدين سنجر البرواني وسيف الدين الطشلاقي على باب قلعة الجبل مخاصمة ~~بحضرة الأمراء لأجل آستحقاقهما في الإقطاعات، لأن الطشلاقي نزل على إقطاع ~~البرواني، وكان كل منهما في ظلم وعسف. والبرواني من خواص بيبرس الجاشنكير، ~~والطشلاقي من ألزام سلار لأنه خشداشه، كلاهما مملوك الملك الصالح علي ابن ~~الملك المنصور قلاوون - ومات في حياة والده قلاوون - فسطا الطشلاقي على ~~البرواني وسفه عليه، فقام البرواني إلى بيبرس وآشتكى منه فطلبه بيبرس ~~وعنفه، فأساء الطشلاقي في رد الجواب وأفحش في حق البرواني، وقال: أنت واحد ~~منفي تجعل نفسك مثل مماليك السلطان! فاستشاط بيبرس غضبا وقام ليضربه، فجرد ~~الطشلاقي سيفه يريد ضرب بيبرس، فقامت قيامة بيبرس وأخذ سيفه ليضربه، فترامى ~~عليه من حضر من الأمراء وأمسكوه عنه، وأخرجوا الطشلاقي من وجهه بعدما ms1775 كادت ~~مماليك بيبرس وحواشيه تقتله بالسيوف؛ وفي الوقت طلب بيبرس الأمير سنقر ~~الكمالي الحاجب وأمر بنفي الطشلاقي إلى دمشق، فخشي سنقر من النائب سلار ~~ودخل عليه وأخبره، فأرسل سلار جماعة من أعيان الأمراء إلى بيبرس، وأمرهم ~~بملاطفته حتى يرضى عن الطشلاقي وأن الطشلاقي يلزم داره، فلما سمع بيبرس ذلك ~~من الذين حضروا صرخ فيهم وحلف إن بات الطشلاقي الليلة بالقاهرة عملت فتنة ~~كبيرة؛ فعاد الحاجب وبلغ سلار ذلك فلم يسعه إلا السكوت لأنهما أعني بيبرس ~~وسلار كانا غضبا على الملك الناصر محمد وتحقق كل منهما متى وقع بينهما ~~الخلف وجد الملك الناصر طريقا لأخذهما واحدا بعد واحد، فكان كل من بيبرس ~~وسلار يراعي الآخر وقد اقتسما مملكة مصر، وليس للناصر معهما إلا مجرد الاسم ~~في السلطنة فقط. انتهى. وأخرج الطشلاقي من وقته وأمر سلار الحاجب بتأخيره ~~في بلبيس حتى يراجع بيبرس في أمره، فعندما اجتمع سلار مع بيبرس في الخدمة ~~السلطانية من الغد بدأ بيبرس سلار بما كان من الطشلاقي في حقه من الإساءة، ~~وسلار يسكنه ولا يسكن بل يشتد فأمسك سلار عن الكلام على حقد في الباطن، ~~وصار السلطان يريد إثارة الفتنة بينهما فلم يتم له ذلك. وتوجه الطشلاقي إلى ~~الشام منفيا. وفيها قدم البريد على الملك الناصر من حماة بمحضر ثابت على ~~القاضي بأن ضيعة تعرف ببارين بين جبلين فسمع للجبلين في الليل قعقعة عظيمة ~~فتسارع الناس في الصباح إليهما، وإذا أحد الجبلين قد قطع الوادي وآنتقل منه ~~قدر نصفه إلى الجبل الأخر، والمياه فيما بين الجبلين تجري في الوادي فلم ~~يسقط من الجبل المنتقل شيء من الحجارة؛ ومقدار النصف المنتقل من الجبل مائة ~~ذراع وعشر أذرع، ومسافة الوادي الذي قطعه هذا الجبل مائة ذراع، وأن قاضي ~~حماة خرج بالشهود حتى عاين ذلك وكتب به محضرا. فكان هذا من الغرائب. ~~PageV02P0447 # وفيها وقعت الوحشة بين بيبرس الجاشنكير وسلار بسبب كاتب بيبرس التاج ابن ~~سعيد الدولة، فإنه كان أساء السيرة، ووقع بين هذا الكاتب المذكور وبين ~~الأمير سنجر الجاولي، وكان ms1776 الجاولي صديقا لسلار إلى الغايه؛ فقام بيبرس في ~~نصرة كاتبه، وقام سلار في نصرة صاحبه الجاولي، ووقع بينهما بسبب ذلك أمور؛ ~~وكان بيبرس من عادته أنه يركب لسلار عند ركوبه وينزل عند نزوله، فمن يومئذ ~~لم يركب معه وكادت الفتنة أن تقع بينهما؛ ثم استدركا أمرها خوفا من الملك ~~الناصر، وآصطلحا بعد أمور يطول شرحها؛ وتكلما في أمر الوزر ومن يصلح لها، ~~فعين سلار كاتب بيبرس التاج ابن سعيد الدولة المقدم ذكره تقربا لخاطر بيبرس ~~بذلك، فقال بيبرس: ما يرضى، فقال سلار: دعني وإياه، فقال بيبرس: دونك، ~~وتفرقا. فبعث سلار للتاج المذكور وأحضره، فلما دخل عليه عبس وجهه وصاح ~~بإزعاج: هاتوا خلعة الوزارة، فأحضروها؛ وأشار إلى تاج الدولة المذكور ~~بلبسها، فتمنع، فصرخ فيه، وحلف لئن لم يلبسها ضرب عنقه، فخاف الإخراق به ~~لما يعلمه بغض سلار له فلبس التشريف، وكان ذلك يوم الخميس خامس عشر المحرم ~~من السنة، وقبل يد سلار فبش في وجهه ووصاه؛ وخرج تاج الدولة بخلعة الوزارة ~~من دار النيابة بقلعة الجبل إلى قاعة الصاحب بها، وبين يديه النقباء ~~والحجاب، وأخرجت له دواة الوزارة والبغلة، فعلم على الأوراق وصرف الأمور ~~إلى بعد العصر ثم نزل إلى داره. وهذا كله بعد أن أمسك بيبرس سنجر الجاولي ~~وصادره ثم نفاه إلى دمشق على إمرة طبلخاناه، وولى مكانه أستادارا الأمير ~~أيدمر الخطيري صاحب الجامع ببولاق. وفيها توفي الصاحب شهاب الدين أحمد بن ~~أحمد بن عطاء الله الأذرعي الدمشقي الحنفي محتسب دمشق ووزيرها؛ وكان رئيسا ~~فاضلا حسن السيرة. وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الطويل ~~الخازندار المنصوري في حادي عشر شهر ربيع الأول بدمشق؛ وكان دينا كثير البر ~~والصدقات والمعروف. وفيها توفي الأمير بدر الدين بكتاش بن عبد الله الفخري ~~الصالحي النجمي أمير سلاح. أصله من مماليك الأمير فخر الدين يوسف ابن نجم ~~الدين أيوب، فترقى في الخدم حتى صار من أكابر الأمراء وغزا غير مرة وعرف ~~بالخير وعلو الهمة وسداد الرأي وكثرة المعروف. ولما قتل الملك المنصور ms1777 ~~لاجين أجمعوا على سلطنته فامتنع وأشار بعود السلطان الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون، وبعدها ترك الإمرة في حال مرضه الذي مات فيه. رحمه الله تعالى. ~~وفيها توفي الأمير سيف الدين كاوركا المنصوري أحد أعيان الأمراء بالديار ~~المصرية. وفيها توفي الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري، وكان ولي ~~نيابة قلعة صفد وشد دواوين دمشق ثم نيابة قلعتها، ثم نقل إلى نيابة حمص ~~فمات بها، وكان مشكور السيرة. وفيها توفي القاضي بدر الدين محمد بن فضل ~~الله بن مجلي العمري الدمشقي أخو كاتب السر القاضي شرف الدين عبد الوهاب ~~ومحيي الدين يحيى وقد جاوز سبعين سنة. وهذا أول بدر الدين من بني فضل الله، ~~ويأتي ذكر ثان وثالث، والثالث هو كاتب السر بمصر. وفيها توفي الأمير فارس ~~الدين أصلم الردادي في نصف ذي القعدة؛ وكان رئيسا حشيما من أعيان الدولة ~~الناصرية. وفيها توفي الأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزوري بالقاهرة في سابع ~~عشر ذي الحجة؛ وكان أميرا حشيما شجاعا، وهو من حواشي بيبرس الجاشنكير. ~~وفيها توفي الطواشي عز الدين دينار العزيزي الخازندار الظاهري في يوم ~~الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول؛ وكان دينا خيرا كثير الصدقات والمعروف. ~~وفيها توفي ملك الغرب الناصر أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن عبد الحق؛ المريني ~~وثب عليه سعادة الخصي أحد مواليه في بعض حجره، وقد خضب رجليه بالحناء وهو ~~مستلق على قفاه، فطعنه طعنات قطع بها أمعاءه، وخرج فأدرك وقتل؛ ومات ~~السلطان من جراحه في آخر يوم الأربعاء سابع ذي القعدة؛ وأقيم بعده في الملك ~~أبو ثابت عامر ابن الأمير أبي عامر عبد الله ابن السلطان أبي يعقوب - هذا ~~أعني حفيده. وكان مدة ملكه إحدى وعشرين سنة. وفيها توفي الطواشي شمس الدين ~~صواب السهيلي بالكرك عن مائة سنة؛ وكان مشكور السيرة. PageV02P0448 # وفيها توفي الشيخ ضياء الدين عبد العزيز بن محمد بن علي الطوسي الفقيه ~~الشافعي بدمشق في تاسع عشرين جمادى الأولى؛ وكان فقيها نحويا مصنفا. شرح " ~~الحاوي " في الفقه و " مختصر ابن الحاجب " وغير ذلك. أمر النيل في ms1778 هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وعدة أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا ~~وسبع أصابع؛ وكان الوفاء في رابع عشر مسري. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة سبع وسبعمائة. فيها ورد الخبر عن ملك ~~اليمن هزبر الدين داود بأمور تدل على عصيانه، فكتب السلطان والخليفة ~~بالإنذار؛ ثم رسم السلطان للأمراء أن يعمل كل أمير مركبا يقال لها: جلبة، ~~وعمارة قياسة يقال لها: فلوة برسم حمل الأزواد وغيرها لغزو بلاد اليمن. ~~وفيها عمر الأمير بيبرس الجاشنكير الخانقاه الركنية داخل باب النصر موضع ~~دار الوزارة برحبة باب العيد من القاهرة، ووقف عليها أوقافا جليلة ومات قبل ~~فتحها، فأغلقها الملك الناصر في سلطنته الثالثة مدة، ثم أمر بفتحها ففتحت. ~~وفيها عمر الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصغير نائب دمشق جامعا بالصالحية، ~~وبعث يسأل في أرض يوقفها عليه فأجيب إلى ذلك. وفيها وقع الاهتمام على سفر ~~اليمن، وعول الأمير سلار أن يتوجه إليها بنفسه خشية من السلطان الملك ~~الناصر، وذلك بعد أن أراد السلطان القبض عليه وعلى بيبرس الجاشنكير عندما ~~اتفق السلطان مع بكتمر الجوكندار، وقد تقدم ذكر ذلك كله في أصل هذه ~~الترجمة، وأيضا أنه شق عليه ما صار إليه بيبرس الجاشنكير من القوة ~~والاستظهار عليه بكثرة خشداشيته البرجية؛ والبرجية كانت يوم ذاك مثل مماليك ~~الأطباق الآن، وصار غالب البرجية أمراء، فآشتدت شوكة بيبرس بهم بحيث إنه ~~أخرج الأمير سنجر الجاولي وصادره بغير آختيار سلار؛ وعظمت مهابته وآنبسطت ~~يده بالتحكم وانفرد بالركوب في جمع عظيم؛ وقصد البرجية في نوبة بكتمر ~~الجوكندار إخراج الملك الناصر محمد إلى الكرك وسلطنة بيبرس، لولا ما كان من ~~منع سلار لسياسة وتدبير كانا فيه. فلما وقع ذلك كله خاف سلار عواقب الأمور ~~من السلطان ومن بيبرس، وتحيل في الخلاص من ذلك بأنه يحج في جماعته، ثم يسير ~~إلى اليمن فيملكها ويمتنع بها؛ ففطن بيبرس لهذا، فدس عليه جماعة من الأمراء ~~من أثنى عزمه عن ذلك، ثم آقتضى الرأي تأخير ms1779 السفر حتى يعود جواب صاحب ~~اليمن. وفيها حبس تقي الدين بن تيمية بعد أمور وقعت له. وفيها توفي الأمير ~~عز الدين أيدمر السناني بدمشق؛ وكان فاضلا، وله شعر وخبرة بتفسير المنامات. ~~ومن شعره: تجد النسيم إلى الحبيب رسولا ... دنف حكاه رقة ونحولا تجري ~~العيون من العيون صبابة ... فتسيل في إثر الغريق سيولا وتقول من حسد له: يا ~~ليتني ... كنت آتخذت مع الرسول سبيلا وفيها توفي الأمير ركن الدين بيبرس ~~العجمي الصالحي المعروف بالجالق؛ والجالق باللغة التركية: آسم للفرس الحاد ~~المزاج الكثير اللعب؛ وكان أحد البحرية وكبير الأمراء بدمشق؛ ومات في نصف ~~جمادى الأولى بمدينة الرملة عن نحو الثمانين سنة، وكان دينا فيه مروءة ~~وخير. وجالق بفتح الجيم وبعد الألف لام مكسورة وقاف ساكنة. وفيها توفي ~~الأمير الطواشي شهاب الدين فاخر المنصوري مقدم المماليك السلطانية؛ وكانت ~~له سطوة ومهابة على المماليك السلطانية بحيث إنه كان لا يستجرىء أحد منهم ~~أن يمر من بين يديه كائنا من كان بحاجة أو بغير حاجة، وحيثما وقع بصره عليه ~~أمر بضربه. قلت: لله در ذلك الزمان وأهله! ما كان أحسن تدبيرهم وأصوب حدسهم ~~من جودة تربية صغيرهم وتعظيم كبيرهم! حتى ملكوا البلاد، ودانت لهم العباد، ~~وآستجلبوا خواطر الرعية، فنالوا الرتب السنية. وأما زماننا هذا فهو بخلاف ~~ذلك كله، فالمقدم مؤخر والصغير متنمر، والقلوب متنافرة، والشرور متظاهرة، ~~وإن شئت تعلم صدق مقالتي حرك تر. انتهى. وفيها توفي المعتقد عمر بن يعقوب ~~بن أحمد السعودي في جمادى الآخرة. وفيها توفي الشيخ فخر الدين عثمان بن ~~جوشن السعودي في يوم الأربعاء من شهر رجب؛ وكان رجلا صالحا معتقدا. ~~PageV02P0449 # وفيها توفي الصاحب تاج الدين محمد آبن الصاحب فخر الدين محمد آبن الصاحب ~~بهاء الدين علي بن محمد بن سليم بن حنا، ومولده في تاسع شعبان سنة أربعين ~~وستمائة، وجده لأمه الوزير شرف الدين صاعد الفائزي. وكانت له رياسة ضخمة ~~وفضيلة، ومات بالقاهرة في يوم السبت خامس جمادى الآخرة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وست أصابع. ms1780 مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا ~~وإصبع واحدة. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة الملك الناصر محمد # بن قلاوون الثانية على مصر وهي سنة ثمان وسبعمائة؛ وهي التي خلع فيها ~~الملك الناصر المذكور من ملك مصر وأقام بالكرك وتسلطن من بعده بيبرس ~~الجاشنكير حسب ما تقدم ذكره. فيها أفرج عن الملك المسعود خضر ابن الملك ~~الظاهر بيبرس البندقداري من البرج بقلعة الجبل، وأسكن بدار الأمير عز الدين ~~الأفرم الكبير بمصر، وذلك في شهر ربيع الأول. وفيها كان خروج الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون صاحب الترجمة من القاهرة قاصدا الحج وسار إلى الكرك وخلع ~~نفسه. وفيها توفي الشيخ علم الدين إبراهيم بن الرشيد بن أبي الوحش رئيس ~~الأطباء بالديار المصرية والبلاد الشامية؛ وكان بارعا في الطب محظوظا عند ~~الملوك، ونالته السعادة من ذلك، حتى إنه لما مات خلف ثلاثمائة ألف دينار ~~غير القماش والأثاث. وفيها توفي الأمير عز الدين أيبك الشجاعي الأشقر شاد ~~الدواوين بالقاهرة في المحرم. وفيها توفي الأمير علاء الدين ألطبرس ~~المنصوري والي باب القلعة والملقب بالمجنون، المنسوب إليه العمارة فوق ~~قنطرة المجنونة على الخليج الكبير خارج القاهرة؛ عمرها للشيخ شهاب الدين ~~العابر ولفقرائه وعقدها قبوا. وفي ذلك يقول علم الدين ابن الصاحب: ولقد ~~عجبت من الطبرس وصحبه ... وعقولهم بعقوده مفتونه عقدوه عقدا لا يصح لأنهم ~~... عقدوا لمجنون على مجنونه وكان ألطبرس المذكور عفيفا دينا، غير أنه كان ~~له أحكام قراقوشية من تسلطه على النساء ومنعهن من الخروج إلى الأسواق ~~وغيرها؛ وكان يخرج أيام الموسم إلى القرافة وينكل بهن، فامتنعن من الخروج ~~في زمانه إلا لأمر مهم مثل الحمام وغيره. وفيها توفي الأمير عز الدين أيدمر ~~الرشيدي أستادار الأمير سلار نائب السلطنة بالديار المصرية في تاسع عشر ~~شوال؛ وكان عاقلا رئيسا وله ثروة واسعة وجاه عريض. وفيها توفي الشيخ ~~المعتقد عبد الغفار بن أحمد بن عبد المجيد بن نوح القوصي القائم بخراب ~~الكنائس بقوص وغيرها في ليلة الجمعة سابع ذي القعدة؛ وكان له أتباع ومريدون ~~وللناس فيه آعتقاد. وفيها توفي ms1781 ظهير الدين أبو نصر بن الرشيد بن أبي السرور ~~بن أبي النصر السامري الدمشقي الكاتب في حادي عشرين شهر رمضان بدمشق؛ ~~ومولده سنة آثنتين وعشرين وستمائة؛ كان أولا سامريا ثم أسلم في أيام الملك ~~المنصور قلاوون، وتنقل في الخدم حتى ولي نظر جيش دمشق إلى أن مات. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا وإصبع واحدة مثل السنة الماضية. ### | AUT سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير # PageV02P0450 # السلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري الجاشنكير، ~~أصله من مماليك الملك المنصور قلاوون البرجية، وكان جركسي الجنس، ولم نعلم ~~أحدا ملك مصر من الجراكسة قبله إن صح أنه كان جركسيا. وتأمر في أيام أستاذه ~~المنصور قلاوون، وبقي على ذلك إلى أن صار من أكابر الأمراء في دولة الملك ~~الأشرف خليل بن قلاوون. ولما تسلطن الملك الناصر محمد بن قلاوون بعد قتل ~~أخيه الأشرف خليل صار بيبرس هذا أستادارا إلى أن تسلطن الملك العادل زين ~~الدين كتبغا عزله عن الأستادارية بالأمير بتخاص، وقيل: إنه قبض على بيبرس ~~هذا وحبسه مدة، ثم أفرج عنه وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار ~~المصرية. واستمر على ذلك حتى قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين فكان ~~بيبرس هذا أحد من أشار بعود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى الملك. فلما ~~عاد الناصر إلى ملكه تقرر بيبرس هذا أستادارا على عادته وسلار نائبا، ~~فأقاما على ذلك سنين إلى أن صار هو وسلار كفيلي الممالك الشريفة الناصرية، ~~والملك الناصر محمد معهما آلة في السلطنة، إلى أن ضجر الملك الناصر منهما ~~وخرج إلى الحج فسار إلى الكرك وخلع نفسه من الملك. وقد ذكرنا ذلك كله في ~~ترجمة الملك الناصر محمد. فعند ذلك وقع الاتفاق على سلطنة بيبرس هذا بعد ~~أمور نذكرها؛ فتسلطن وجلس على تخت الملك في يوم السبت الثالث والعشرين من ~~شوال من سنة ثمان وسبعمائة. وهو السلطان الحادي عشر من ملوك الترك، والسابع ~~ممن مسهم الرق، والأول من الجراكسة إن ms1782 صح أنه جركسي الجنس؛ ودقت البشائر ~~وحضر الخليفة أبو الربيع سليمان وفوض إليه تقليد السلطنة، وكتب له عهدا ~~وشمله بخطه، وكان من جملة عنوان التقليد: " إنه من سليمان وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم " . ثم جلس الأمير بتخاص والأمير قلي والأمير لاجين ~~الجاشنكير لاستحلاف الأمراء والعساكر، فحلفوا الجميع وكتب بذلك إلى ~~الأقطار. والآن نذكر ما وعدنا بذكره من سبب سلطنة بيبرس هذا مع وجود سلار ~~وآقوش قتال السبع وهما أكبر منه وأقدم وأرفع منزلة، فنقول: لما خرج الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية إلى الحج، ثم ثنى عزمه عن الحج ~~وتوجه إلى الكرك، خلع نفسه؛ فلما حضر كتابه الثاني بتركه السلطنة - وقد ~~تقدم ذكر ذلك في أواخر ترجمة الناصر بأوسع من هذا - أثبت الكتاب على ~~القضاة. فلما أصبح نهار السبت الثالث والعشرين من شوال جلس الأمير سلار ~~النائب بشباك دار النيابة بالقلعة وحضر إلى عنده الأمير بيبرس الجاشنكير ~~هذا وسائر الأمراء وآشتوروا فيمن يلي السلطنة، فقال الأمير آقوش قتال ~~السبع، والأمير بيبرس الدوادار، والأمير أيبك الخازندار وهم أكابر الأمراء ~~المنصورية: ينبغي آستدعاء الخليفة والقضاة وإعلامهم بما وقع، فخرج الطلب ~~لهم وحضروا، وقرىء عليهم كتاب السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ وشهد ~~عند قاضي القضاة زين الدين بن مخلوف الأميران: عز الدين أيدمر الخطيري ~~والأمير الحاج آل ملك، ومن كان توجه معهم إلى الكرك في الرسلية، بنزول ~~الملك الناصر عن الملك وتركه " مملكة مصر والشام فأثبت ذلك. وأعيد الكلام ~~فيمن يصلح للسلطنة من الأمراء، فأشار الأمراء الأكابر بالأمير سلار، فقال ~~سلار: نعم على شرط: كل ما أشير به لا تخالفوه. وأحضر المصحف وحلفهم على ~~موافقته وألا يخالفوه في شيء؛ فقلق البرجية من ذلك، ولم يبق إلا إقامتهم ~~الفتنة، فكفهم الله عن ذلك وآنقضى الحلف، فعند ذلك قال الأمير سلار: والله ~~يا أمراء، أنا ما أصلح للملك، ولا يصلح له إلا أخي هذا، وأشار إلى بيبرس ~~الجاشنكير ونهض قائما إليه، فتسارع البرجية بأجمعهم: صدق الأمير سلار ~~وأخذوا بيد الأمير بيبرس، وأقاموه ms1783 كرها، وصاحوا بالجاويشية فصرخوا بآسمه؛ ~~وكان فرس النوبة عند الشباك فألبسوه تشريف السلطنة الخليفتي، وهي فرجية ~~أطلس سوداء وطرحة سوداء وتقلد بسيفين، ومشى سلار والأمراء بين يديه من عند ~~سلار من دار النيابة بالقلعة وهو راكب، وعبر من باب القلعة إلى الإيوان ~~بالقلعة، وجلس على تخت الملك وهو يبكي بحيث يراه الناس، وذلك في يوم السبت ~~المذكور؛ ولقب بالملك المظفر، وقبل الأمراء الأرض بين يديه طوعا وكرها؛ ثم ~~قام إلى القصر وتفرق الناس بعد ما ظنوا كل الظن من وقوع الفتنة بين ~~السلارية والبيبرسية. PageV02P0451 # وقيل في سلطنته وجه آخر، وهو أنه لما آشتوروا الأمراء فيمن يقوم بالملك، ~~فاختار الأمراء سلار لعقله، وآختار البرجية بيبرس؛ فلم يجب سلار إلى ذلك ~~وآنفض المجلس؛ وخلا كل من أصحاب بيبرس وسلار بصاحبه، وحسن له القيام ~~بالسلطنة وخوفه عاقبة تركها، وأنه متى ولي غيره لا يوافقونه بل يقاتلونه. ~~وبات البرجية في قلق خوفا من ولاية سلار، وسعى بعضهم إلى بعض، وكانوا أكثر ~~جمعا من أصحاب سلار، وأعدوا السلاح وتأهبوا للحرب. فبلغ ذلك سلار فخشي سوء ~~العاقبة، واستدعى الأمراء إخوته وحفدته ومن ينتمي إليه، وقرر معهم سرا ~~موافقته على ما يشير به، وكان مطاعا فيهم فأجابوه؛ ثم خرج في شباك النيابة ~~ووقع نحو مما حكيناه من عدم قبوله السلطنة وقبول بيبرس الجاشنكير هذا؛ ~~وتسلطن حسب ما ذكرناه، وتم أمره، وآجتمع الأمراء على طاعته، ودخلوا إلى ~~الخدمة على العادة في الاثنين خامس عشرين شوال، فأظهر بيبرس التغمم بما صار ~~إليه. وخلع على الأمير سلار خلعة النيابة على عادته بعد ما استعفى وطلب أن ~~دون من جملة الأمراء، وألح في ذلك حتى قال له الملك المظفر بيبرس: إن تكن ~~أنت نائبا فلا أعمل أنا السلطنة أبدا، فقامت الأمراء على سلار إلى أن قبل ~~ولبس خلعة النيابة. ثم عينت الأمراء للتوجه إلى النواب بالبلاد الشامية ~~وغيرها؛ فتوجه إلى نائب دمشق - وهو الأمير جمال الدين آقوش الأفرم الصغير ~~المنصوري - الأمير أيبك البغدادي ومعه آخر يسمى شادي ومعهما كتاب، وأمرهما ~~أن ms1784 يذهبا إلى دمشق ويحلفا نائبه المذكور وسائر الأمراء بدمشق؛ وتوجه إلى ~~حلب الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي وطيبرس الجمدار وعلى يديهما كتاب مثل ~~ذلك؛ وتوجه إلى حماة الأمير سيف الدين بلاط الخوكندار وطيدمر الجمدار؛ ~~وتوجه إلى صفد عز الدين أزدمر الإسماعيلي وبيبرس بن عبد الله؛ وتوجه إلى ~~طرابلس عز الدين أيدمر اليونسي وأقطاي الجمدار. وخطب له بالقاهرة ومصر في ~~يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوال المذكور، وتوجه الأمراء المذكورون إلى ~~البلاد الشامية. فلما قرب من سار إلى دمشق خرج النائب آقوش الأفرم ولاقاهما ~~خارج دمشق وعاد بهما؛ فلما قرأ الكتاب بسلطنة بيبرس كاد أن يطير فرحا لأنه ~~كان خشداش بيبرس، وكان أيضا جاركسي الجنس، وكانا يوم ذاك بين الأقراك ~~كالغرباء. بنت دمشق زينة هائلة كما زينت القاهرة لسلطنته. ثم أخرج كتاب ~~السلطان بالحلف؛ وفيه أن يحلفوا ويبعثوا لنا نسخة الأيمان، فأجاب جميع ~~الأمراء بالسمع والطاعة، وسكت منهم أربعة أنفس ولم يتحدثوا بشيء، وهم: ~~بيبرس العلائي وبهادر آص وآقجبا الظاهري وبكتمر الحاجب بدمشق، فقال لهم ~~الأفرم: يا أمراء، كل الناس ينتظرون كلامكم فتكلموا، فقال بهادر آص: نريد ~~الخط الذي كتبه الملك الناصر بيده وفيه عزل نفسه، فأخرج النائب خط الملك ~~الناصر فرآه بهادر ثم قال: يا مولانا ملك الأمراء، لا تستعجل فممالك الشام ~~فيها أمراء غيرنا، مثل الأمير قرا سنقر نائب حلب، وقبجق نائب حماة، وأسندمر ~~نائب طرابلس وغيرهم، فنرسل إليهم ونتفق معهم على المصلحة، فإذا شاورناهم ~~تطيب خواطرهم، وربما يرون من المصلحة ما لا نرى نحن؛ ثم قام بهادر المذكور ~~وخرج فخرجت الأمراء كلهم في أثره، فقال الأمير أيبك البغدادي القادم من مصر ~~للأفرم: لو مسكت بهادر آص لا نصلح الأمر على ما نريد! فقال له الأفرم: ~~والله العظيم لو قبضت عليه لقامت فتنة عظيمة تروح فيها روحك، وتغيير الدول ~~يا أيبك ما هو هين! وأنا ما أخاف من أمراء الشام من أحد إلا من قبجق ~~المنصوري فإنه ربما يقيم فتنة من خوفه على روحه. قلت: وقبجق هذا هو الذي ms1785 ~~كان نائب دمشق في أيام المنصور لاجين، وتوجه إلى غازان وأقدمه إلى الشام. ~~وقد تقدم ذكر ذلك كله. PageV02P0452 # ولما كان اليوم الثاني طلب الأفرم هؤلاء الأمراء الأربعة وآختلى بهم، ~~وقال لهم: اعلموا أن هذا أمر انقضى، ولم يبق لنا ولا لغيرنا فيه مجال؛ ~~وأنتم تعلمون أن كل من يجلس على كرسي مصر كان هو السلطان ولو كان عبدا ~~حبشيا؛ فما أنتم بأعظم من أمراء مصر، وربما يبلغ هذا إليه فيتغير قلبه ~~عليكم؛ ولم يزل يتلاطف بهم حتى حلفوا له، فلما حلفوا حلف باقي الأمراء، ~~وخلع الأفرم على جميع الأمراء والقضاة خلعا سنية، وكذلك خلع على الأمير ~~أيبك البغدادي وعلى رفيقه شادي وأعطاهما ألفي دينار وزودهما وردهما في أسرع ~~وقت. وكتب معهما كتابا يهنىء بيبرس بالملك، ويقول: عن قريب تأتيك نسخة ~~الأيمان. وقدما القاهرة وأخبرا الملك المظفر بيبرس بذلك، فسر وآنشرح صدره ~~بذلك. ثم إن الأفرم نائب الشام أرسل إلى قرا سنقر وإلى قبجق شخصا من ~~مماليكه بصورة الحال؛ فأما قراسنقر نائب حلب فإنه لما سمع الواقعة وقرأ ~~كتاب الأفرم، قال: أيش الحاجة إلى مشاورتنا! أستاذك بعثك بعد أن حلف، وكان ~~ينبغي أن يتأنى في ذلك؛ وأما قبجق نائب حماة فإنه لما قرأ كتاب الأفرم، ~~قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أيش جرى على آبن أستاذنا حتى ~~عزل نفسه! والله لقد دبرتم أنحس تدبير؛ هذه والله نوبة لاجين. ثم قال ~~لمملوك الأفرم: اذهب إلى أستاذك وقل له: الآن بلغت مرادك، وسوف تبصر من ~~يصبح ندمان، وفي أمره حيران! وكذلك لما بعث الأفرم لأسندمر نائب طرابلس، ~~فلما قرأ كتابه أطرق رأسه إلى الأرض، ثم قال: أذهب لأستاذك وقل له: يا بعيد ~~الذهن وقليل العلم، بعد أن دبرت أمرا، فما الحاجة إلى مشاورتنا! فوالله ~~ليكونن عليك أشأم التدبير وسيعود وباله عليك؛ ولم يكتب له جوابا. وأما قرا ~~سنقر نائب حلب فإنه أرسل إلى قبجق وإلى أسندمر يعلمهما أن الأفرم حلف عساكر ~~دمشق على طاعة بيبرس، ولا نأمن أن يعمل الأفرم ms1786 علينا، فهلموا نجتمع في موضع ~~واحد فنتشاور ونرى أمرا يكون فيه المصلحة؛ فاتفقوا الجميع على أن يجتمعوا ~~في حلب عند قرا سنقر، وعينوا ليلة يكون اجتماعهم فيها. فأما قبجق فإنه ركب ~~إلى الصيد بمماليكه خاصة، وتصيد إلى الليل فسار إلي حلب. وأما أسندمر أظهر ~~أنه ضعيف وأمر ألا يخلي أحدا يدخل عليه؛ وفي الليل ركب بمماليكه الذين ~~يعتمد عليهم، وقد غيروا ملابسهم، وسار يطلب حلب. واجتمع الجميع عند قرا ~~سنقر، فقال لهم قرا سنقر: ما تقولون في هذه القضية التي جرت؟. فقال قبجق: ~~والله لقد جرى أمر عظيم، وإن لم نحسن التدبير نقع في أمور! يعزل آبن ~~أستاذنا ويأخذها بيبرس! ويكون الأفرم هو مدبر الدولة! وهو على كل حال عدونا ~~ولا نأمن شره، فقالوا: فما نفعل؛ قال: الرأي أن نكتب إلى ابن أستاذنا في ~~الكرك ونطلبه إلى حلب ونركب معه؛ فإما نأخذ له الملك، وإما أن نموت على ~~خيولنا! ففال أسندمر: هذا هو الكلام؛ فحلف كل من الثلاثة على هذا الاتفاق، ~~ولا يقطع واحد منهم أمرا إلا بمشورة أصحابه، وأنهم يموت بعضهم على بعض؛ ثم ~~إنهم تفرقوا في الليل كل واحد إلى بلده. PageV02P0453 # وأما الأمراء الذين خرجوا من مصر إلى النواب بالبلاد الشامية بالخلع ~~وبسلطنة بيبرس، فإنهم لما وصلوا إلى دمشق قال لهم الأفرم: أنا أرسلت إليهم ~~مملوكي، فردوا علي جوابا لا يرضى به مولانا السلطان. وكان الأفرم أرسل إلى ~~الملك المظفر بيبرس نسخة اليمين التي حلف بها أمراء دمشق مع مملوكه مغلطاي، ~~فأعطاه الملك المظفر إمرة طبلخاناه وخلع عليه، وأرسل معه خلعة لأستاذه ~~الأفرم بألف دينار، وأطلق له شيئا كثيرا كان لبيبرس في الشام قبل سلطنته من ~~الحواصل والغلال؛ فسر الأفرم بذلك غاية السرور، ثم قال الأميران اللذان ~~وصلا إلى دمشق للأفرم: ما تشير به علينا؟ فقال لهما: ارجعا إلى مصر ولا ~~تذهبا إلى هؤلاء؛ فإن رؤوسهم قوية، وربما يثيرون فتنة، فقالا: لا غنى لنا ~~عن أن نسمع كلامهم؛ ثم إنهما ركبا من دمشق وسارا إلى حماة، ودخلا على ms1787 قبجق ~~ودفعا له كتاب الملك المظفر، فقرأه ثم قال: وأين كتاب الملك الناصر؟ فأخرجا ~~له الكتاب، فلما وقف عليه بكى، ثم قال: من قال إن هذا خط الملك الناصر؛ ~~والله واحد يكون وكيلا في قرية ما يعزل نفسه منها بطيبة من خاطره! ولا بد ~~لهذا الأمر من سبب؛ اذهبا إلى الأمير قرا سنقر فهو أكبر الأمراء وأخبرهم ~~بالأحوال؛ فركبا وسارا إلى حلب واجتمعا بقراسنقر؛ فلما قرأ كتاب المظفر ~~قال: يا إخوتي إنا على أيمان آبن أستاذنا لا نخونه ولا نحلف لغيره ولا ~~نواطىء عليه ولا نفسد ملكه، فكيف نحلف لغيره! والله لا يكون هذا أبدا ودعوا ~~يجري ما يجري، وكل شيء ينزل من السماء تحمله الأرض، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم! فخرجا من عنده وسارا إلى طرابلس ودخلا على أسندمر فقال ~~لهما مثل مقالة قبجق وقراسنقر؛ فخرجا وركبا وسارا نحو الديار المصرية، ~~ودخلا على الملك المظفر بيبرس وأعلماه بما كان، فضاق صدر المظفر وأرسل خلف ~~الأمير سلار النائب وقص عليه القصة، فقال له سلار: هذا أمر هين ونقدر أن ~~نصلح هؤلاء، فقال: وكيف السبيل إلى ذلك. قال: تكتب إلى قرا سنقر كتابا ~~وترقق له في الكلام، وأرسل إليه تقليدا بنيابة حلب وبلادها، وأنه لا يحمل ~~منه الدرهم الفرد، وكذا لقبجق بحماة، ولأسندمر بطرابلس والسواحل، فقال ~~بيبرس: إذا فرقت البلاد عليهم ما يساوي ملكي شيئا! فقال له سلار: وكم أمن، ~~يد تقبل عن ضرورة وهي تستحق القطع! فآسمع مني وأرضهم في هذا الوقت؛ فإذا ~~قدرت عليهم بعد ذلك افعل بهم ما شئت؛ فمال المظفر إلى كلامه وأمر أن يكتب ~~بما قاله سلار لكل واحد على حدته، فكتب ذلك وأرسله مع بعض خواصه. ~~PageV02P0454 # وأما أمر الملك الناصر محمد بن قلاوون فإن الملك المظفر لما تسلطن وتم ~~أمره كتب له تقليدا بالكرك، وسيره له على يد الأمير آل ملك، ومنشورا بما ~~عين له من الإقطاعات. وأما أمر قرا سنقر فإنه جهز ولده محمدا إلى الملك ~~الناصر محمد بالكرك، وعلى يده ms1788 كتابه وكتاب قبجق نائب حماه وكتاب أسندمر ~~نائب طرابلس. ومضمون كتاب قرا سنقر: أنه يلوم الملك الناصر عن نزوله عن ~~الملك، وكيف وقع له ذلك ولم يشاوره في أول الأمر، ثم وعده برجوع ملكه إليه ~~عن قريب، وأنه هو وقبجق وأسندمر ما حلفوا للمظفر، وأنهم مقيمون على أيمانهم ~~له. وكذلك كتاب قبجق وكتاب أسندمر؛ فأخذ الأمير ناصر الدين محمد بن قرا ~~سنقر كتب الثلاثة وسار مسرعا ومعه نجاب خبير بتلك الأرض، فلم يزالا سائرين ~~في البرية والمفاوز إلى أن وصلا إلى الكرك، وآبن قرا سنقر عليه زي العرب، ~~فلما وقفا على باب الكرك سألوهما من أين أنتما؟ فقالا: من مصر، فدخلوا ~~وأعلموا الملك الناصر محمدا بهما واستأذنوه في إحضارهما، فأذن لهما ~~بالدخول؛ فلما مثلا بين يديه كشف ابن قرا سنقر لثامه عن وجهه فعرفه ~~السلطان، وقال له: محمد؟ فقال: لبيك يا مولانا السلطان، وقبل الأرض وقال: ~~لا بد من خلوة، فأمر السلطان لمن حوله بالانصراف؛ فعند ذلك حدث ابن قرا ~~سنقر السلطان بما جرى من أبيه وقبجق وأسندمر، وأنهم آجتمعوا في حلب ~~وتحالفوا بأنهم مقيمون على الأيمان التي حلفوها للملك الناصر، ثم دفع له ~~الكتب الثلاثة فقرأها، ثم قال: يا محمد، ما لهم قدرة على ما آتفقوا عليه، ~~فإن كل من في مصر والشام قد آتفقوا على سلطنة بيبرس؛ فلما سمع ابن قراسنقر ~~ذلك حلف بأن كل واحد من هؤلاء الثلاثة كفء لأهل مصر والشام، ومولانا ~~السلطان أخبر بذلك مني، فتبسم السلطان وقال صدقت يا محمد، ولكن القائل ~~يقول: كن جريا إذا رأيت جبانا ... وجبانا إذا رأيت جريا لا تقاتل بواحد أهل ~~بيت ... فضعيفان يغلبان قويا وهذه البلاد كلها دارت مع بيبرس ولا يتم لنا ~~الحال إلا بحسن التدبير والمداراة والصبر على الأمور. ثم إنه أنزله في موضع ~~وأحسن إليه، وقال له: استرح اليوم وغدا ثم سافر؛ فأقام يومين ثم طلبه الملك ~~الناصر في صبيحة اليوم الثالث وأعطاه جواب الكتب، وقال له: سلم على أبي ~~يعني على قرا سنقر وقل ms1789 له: اصبر؛ ثم خلع عليه خلعة سنية وأعطاه ألف دينار ~~مصرية، وخلع على معن النجاب الذي أتى به أيضا وأعطاه ألف درهم؛ فخرج آبن ~~قرا سنقر والنجاب معه، وأسرعا في السير إلى أن وصلا إلى حلب، فدخل آبن ~~قراسنقر إلى أبيه ودفع له كتاب الملك الناصر ففتحه فإذا فيه: " بسم الله ~~الرحمن الرحيم: حرس الله تعالى نعمة المقر العالي الأبوي الشمسي ومتعنا ~~بطول حياته؛ فقد علمنا ما أشار به وما عول عليه، وقد علمنا قديما وحديثا ~~أنه لم يزل على هذه الصورة؛ وأريد منك أنك تطول روحك علي، فهذا الأمر ما ~~ينال بالعجلة، لأنك قد علمت انتظام أمراء مصر والشام في سلك واحد ولا سيما ~~الأفرم ومن معه من اللئام، فهذه عقدة لا تنحل إلا بالصبر؛ وإن حضر إليك أحد ~~من جهة المظفر وطلب منك اليمين له، فقدم النية أنك مجبور ومغصوب واحلف. ولا ~~تقطع كتبك عني في كل وقت، وعرفني بجميع ما يجري من الأمور قليلها وكثيرها " ~~. وكذلك كتب في كتاب قبجق وأسندمر، فعرف قرا سنقر مضمون كتابه وسكت. ~~PageV02P0455 # ثم بعد قليل وصل إلى قرا سنقر من الملك المظفر بيبرس تقليد بنيابه حلب ~~وبلادها دربست على يد أمير من أمراء مصر. ومن مضمون الكتاب الذي من المظفر ~~إلى قرا سنقر: " أنت خشداشي، ولو علمت أن هذا الأمر يصعب عليك ما عملت شيئا ~~حتى أرسلت إليك وأعلمتك به، لأن ما في المنصورية أحد أكبر منك، غير أنه لما ~~نزل ابن أستاذنا عن الملك آجتمع الأمراء والقضاة وكافة الناس، وقالوا: ما ~~لنا سلطان إلا أنت، وأنت تعلم أن البلاد لا تكون بلا سلطان، فلو لم أتقدم ~~أنا كان غيري يتقدم فآجعلني واحدا منكم ودبرني برأيك. وهذه حلب وبلادها ~~دربست لك، وكذا لخشداشيتك: الأمير قبجق والأمير أسندمر " . وسير الملك ~~المظفر لكل من هؤلاء الثلاثة خلعة بألف دينار، وفرشا قماشه بألف دينار، ~~وعشرة رؤوس من الخيل. فعند ذلك حلف قرا سنقر وقبجق وأسندمر، ورجع الأمير ~~المذكور إلى مصر بنسخة اليمين. فلما وقف عليها ms1790 الملك المظفر فرح غاية ~~الفرح، وقال: الآن تم لي الملك. ثم شرع من يومئذ في كشف أمور البلاد وإزالة ~~المظالم والنظر في أحوال الرعية. ثم آستهلت سنة تسع وسبعمائة وسلطان الديار ~~المصرية الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري، والخليفة ~~المستكفي بالله أبو الربيع سليمان، ونائب السلطنة بديار مصر الأمير سلار، ~~ونائب الشام الأمير آقوش الأفرم الصغير، ونائب حلب الأمير شمس الدين قرا ~~سنقر المنصوري، ونائب حماة الأمير سيف الدين قبجق المنصوري، ونائب طرابلس ~~الأمير سيف الدين أسندمر المنصوري. ثم فشا في الناس في السنة المذكورة ~~أمراض حادة، وعم الوباء الخلائق وعز سائر ما يحتاج إليه المرضى. ثم توقفت ~~زيادة النيل إلى أن دخل شهر مسري، وآرتفع سعر القمح وسائر الغلال، ومنع ~~الأمراء البيع من شونهم إلا الأمير عز الدين أيدمر الخطيري الاستادار، فإنه ~~تقدم إلى مباشريه ألا يتركوا عنده سوى مؤونة سنة واحدة، وباع ما عداه قليلا ~~قليلا. والخطيري هذا هو صاحب الجامع الذي بخط بولاق. انتهى. وخاف الناس أن ~~يقع نظير غلاء كتبغا، وتشاءموا بسلطنة الملك المظفر بيبرس المذكور. ثم إن ~~الخطيب نور الدين علي بن محمد بن الحسن بن علي القسطلاني خرج بالناس ~~وآستسقى، وكان يوما مشهودا، فنودي من الغد بثلاث أصابع؛ ثم توقفت الزيادة ~~مدة، ثم زاد وانتهت زيادة النيل فيه إلى خمس عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا في ~~سابع عشرين توت، ثم نقص في أيام النسيء، وجاء النوروز ولم يوف النيل ست ~~عشرة ذراعا، ففتح سد الخليج في يوم الجمعة ثامن توت وهو ثامن عشرين شهر ~~ربيع الأول. وذكر بعضهم أنه لم يوف إلى تاسع عشر بابه، وهو يوم الخميس حادي ~~عشر جمادى الأولى، وذلك بعد اليأس منه، وهذا القول هو الأشهر. قال: وآنحط ~~مع ذلك بعد الوفاء السعر وتشاءم الناس بطلعة الملك المظفر بيبرس. وغنت ~~العامة في المعنى: سلطاننا ركينونائبنا دقين يجينا الماء منين جيبوا لنا ~~الأعرج ... يجيء الماء ويدحرج ومن يومئذ وقعت الوحشة بين المظفر وبين عامة ~~مصر، وأخذت دولة الملك المظفر بيبرس ms1791 في آضطراب، وذلك أنه كثر توهمه من ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقصد في أيامه كل واحد من خشداشيته أن يترقى ~~إلى أعلى منزلة، واتهموا الأمير سلار بمباطنة الملك الناصر محمد وحذروا ~~الملك المظفر منه، وحسنوا له القبض على سلار المذكور، فجبن بيبرس عن ذلك. ~~PageV02P0456 # ثم ما زالوا حتى بعث الأمير مغلطاي إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~بالكرك ليأخذ منه الخيل والمماليك التي عنده، وتغلظ في القول، فغضب الملك ~~الناصر من ذلك غضبا شديدا وقال له: أنا خليت ملك مصر والشام لبيبرس، ما ~~يكفيه حتى ضاقت عينه على فرس عندي ومملوك لي، ويكرر الطلب! ارجع إليه وقل ~~له: والله لئن لم يتركني، وإلا دخلت بلاد التتار وأعلمهم أني تركت ملك أبي ~~وأخي وملكي لمملوكي، وهو يتابعني ويطلب مني ما أخذته. فجافاه مغلطاي وخشن ~~له في القول بحيث اشتد غضب الملك الناصر، وصاح به: ويلك وصلت إلى هنا! وأمر ~~أن يجر ويرمى من سور القلعة؛ فثار به المماليك، يسبونه ويلعنونه وأخرجوه ~~إلى السورة فلم يزل به أرغون الدوادار والأمير طغاي إلى أن عفا عنه وحبسه ~~ثم أخرجه ماشيا. وعظم ذلك على الملك الناصر وكتب ملطفات إلى نواب البلاد ~~الشامية بحلب وحماة وطرابلس وصفد، ثم إلى مصر ممن يثق به، وذكر ما كان به ~~من ضيق اليد وقلة الحرمة، وأنه لأجل هذا ترك ملك مصر وقنع بالإقامة بالكرك، ~~وأن السلطان الملك المظفر في كل وقت يرسل يطالبه بالمماليك والخيل التي ~~عنده. ثم ذكر لهم في ضمن الكتاب: " أنتم مماليك أبي وربيتموني؛ فإما أن ~~تردوه عني وإلا سرت إلى بلاد التتار " ، وتلطف في مخاطبتهم غاية التلطف؛ ~~وسير لهم بالكتب على يد العربان فأوصلوها إلى أربابها. وكان قد أرسل الملك ~~المظفر قبل ذلك يطلب منه المال الذي كان بالكرك والخيل والمماليك التي ~~عنده، حسب ما يأتي ذكره في ترجمة الملك الناصر محمد، فبعث إليه الملك ~~الناصر بالمبلغ الذي أخذه من الكرك فلم يقنع المظفر بذلك وأرسل ثانيا؛ وكان ~~الملك الناصر لما أقام بالكرك ms1792 صار يخطب بها للملك المظفر بيبرس بحضرة الملك ~~الناصر، والملك الناصر يتأدب معه، ويسكت بحضرة مماليكه وحواشيه. وصار الملك ~~الناصر إذا كاتب الملك المظفر يكتب إليه: " الملكي المظفري " وقصد بذلك ~~سكون الأحوال وإخماد الفتن، والمظفر يلح عليه لأمر يريده الله تعالى حتى ~~كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى. PageV02P0457 # وأما النواب بالبلاد الشامية فإن قرا سنقر نائب حلب كتب إلى الملك الناصر ~~الجواب: " بأني مملوك السلطان في كل ما يرسم به " وسأل أن يبعث إليه بعض ~~المماليك السلطانية، وكذلك نائب حماة ونائب طرابلس وغيرهما ما خلا بكتمر ~~الجوكندار نائب صفد، فإنه طرد قاصد الملك الناصر ولم يجتمع به. ثم أرسل ~~الملك الناصر مملوكه أيتمش المحمدي إلى الشام وكتب معه ملطفات إلى الأمير ~~قطلوبك المنصوري وبكتمر الحسامي الحاجب بدمشق ولغيرهما؛ ووصل أيتمش إلى ~~دمشق خفية ونزل عند بعض مماليك قطلوبك المذكور، ودفع إليه الملطف؛ فلما ~~أوصله إلى قطلوبك أنكر عليه وأمره بالاحتفاظ على أيتمش المذكور ليوصله إلى ~~الأفرم نائب الشام ويتقرب إليه بذلك؛ فبلغ أيتمش الخبر فترك راحلته التي ~~قدم عليها ومضى إلى دار الأمير بهادر آص في الليل، فآستأذن عليه فأذن له؛ ~~فدخل إليه أيتمش وعرفه ما كان من قطلوبك في حقه، فطيب بهادر آص خاطره ~~وأنزله عنده، وأركبه من الغد معه إلى الموكب؛ وقد سبق قطلوبك إلى الأفرم ~~نائب الشام وعرفه قدوم مملوك الملك الناصر إليه وهروبه من عنده ليلا، فقلق ~~الأفرم من ذلك وألزم والي المدينة بتحصيل المملوك المذكور، فقال بهادر آص: ~~" هذا المملوك عندي " وأشار إليه، فنزل عن فرسه وسلم على الأفرم وسار معه ~~في الموكب إلى دار السعادة، وقال له بحضرة الأمراء: السلطان الملك الناصر ~~يسلم عليك ويقول: ما منكم أحد إلا وأكل خبز الملك الشهيد قلاوون، وما منكم ~~إلا من إنعامه عليه، وأنتم تربية الشهيد والده، وأنه قاصد الدخول إلى دمشق ~~والإقامة بها، فإن كان فيكم من يقاتله ويمنعه العبور فعرفوه. فلم يتم هذا ~~القول حتى صاح الكوكندي الزراق أحد أكابر أمراء دمشق: ms1793 " وا ابن أستاذاه! " ~~وبكى؛ فغضب الأفرم نائب الشام عليه وأخرجه، ثم قال الأفرم لأيتمش: قل له ~~يعني الملك الناصر: كيف يجيء إلى الشام أو إلى غير الشام! كأن الشام ومصر ~~الآن تحت حكمك؟ أنا لما أرسل إلي السلطان الملك المظفر أن أحلف له ما حلفت ~~حتى سيرت أقول له: كيف يكون ذلك وآبن أستاذنا باق! فأرسل يقول: أنا ما ~~تقدمت عليه حتى خلع آبن أستاذنا نفسه؛ وكتب خطه وأشهد عليه بنزوله عن ~~الملك، فعند ذلك حلفت له. ثم في هذا الوقت تقول: من يردني عن الشام! ثم أمر ~~به الأفرم فسلم إلى استاداره الطنقش. فلما كان الليل آستدعاه ودفع له خمسين ~~دينارا وقال: قل له : " لا تذكر الخروج من الكرك " ، وأنا أكتب إلى المظفر ~~وأرجعه عن الطلب؛ ثم أطلقه فعاد أيتمش إلى الكرك وأعلم الملك الناصر بما ~~وقع. فأعاده الملك الناصر على البريد ومعه أركتمر وعثمان الهجان ليجتمع ~~بالأمير قرا سنقر نائب حلب ويواعده على المسير إلى دمشق؛ ثم خرج الملك ~~الناصر من الكرك وسار إلى بركة زيزاء فنزل بها. وأما الملك المظفر بيبرس ~~صاحب الترجمة فإنه لما بلغه أن الملك الناصر حبس قاصده مغلطاي المقدم ذكره ~~قلق من ذلك واستدعى الأمير سلار وعرفه ذلك، وكانت البرجية قد أغروا المظفر ~~بيبرس بسلار واتهموه أنه باطن الملك الناصر وحسنوا له القبض عليه، حسب ما ~~ذكرناه، فجبن الملك المظفر من القبض عليه. وبلغ ذلك سلار فخاف من البرجية ~~لكثرتهم وقوتهم وأخذ في مداراتهم؛ وكان أشدهم عليه الأمير بيكور وقد شرق ~~إقطاعه، فبعث إليه سلار بستة آلاف إردب غلة وألف دينار، فكف عنه. ثم هادى ~~خواص المظفر وأنعم عليهم. فلما حضر سلار عند المظفر وتكلما فيما هم فيه ~~فآقتضى الرأي إرسال قاصد إلى الملك الناصر بتهديده ليفرج عن مغلطاي. وبينما ~~هم في ذلك قدم البريد من دمشق بأن الملك الناصر سار من الكرك إلى البرج ~~الأبيض ولم يعرف أحد مقصده؛ فكتب الجواب في الحال بحفظ الطرقات عليه. ~~PageV02P0458 # وآشتهر بالديار المصرية حركة الملك الناصر ms1794 محمد وخروجه من الكرك، فماجت ~~الناس، وتحرك الأمير نوغاي القبجاقي، وكان شجاعا مقداما حاد المزاج قوي ~~النفس، وكان من ألزام الأمير سلار النائب، وتواعد مع جماعة من المماليك ~~السلطانية أن يهجم بهم على السلطان الملك المظفر إذا ركب ويقتله. فلما ركب ~~المظفر ونزل إلى بركة الجب آستجمع نوغاي بمن وافقه يريدون الفتك بالمظفر في ~~عوده من البركة؛ وتقرب نوغاي من السلطان قليلا قليلا، وقد تغير وجهه وظهر ~~فيه أمارات الشر، ففطن به خواص المظفر وتحلقوا حول المظفر، فلم يجد نوغاي ~~سبيلا إلى ما عزم عليه. وعاد الملك المظفر إلى القلعة فعرفه ألزامه ما ~~فهموه من نوغاي، وحسنوا له القبض عليه وتقريره على من معه. فاستدعى السلطان ~~الأمير سلار وعرفه الخبر، وكان نوغاي قد باطن سلار بذلك، فحذر سلار الملك ~~المظفر وخوفه عاقبة القبض على نوغاي وأن فيه فساد قلوب جميع الأمراء، وليس ~~الرأي إلا الإغضاء فقط. وقام سلار عنه، فأخذ البرجية بالإغراء بسلار وأنه ~~باطن نوغاي، ومتى لم يقبض عليه فسد الحال. وبلغ نوغاي الحديث، فواعد أصحابه ~~على اللحاق بالملك الناصر، وخرج هو والأمير مغلطاي القازاني الساقي ونحو ~~ستين مملوكا وقت المغرب عند غلق باب القلعة في ليلة الخميس خامس عشر جمادى ~~الآخرة من سنة تسع وسبعمائة المذكورة. وقيل في أمر نوغاي وهروبه وجه آخر: ~~قال الأمير بيبرس الدوادار في تاريخه: تسحب من الديار المصرية إلى الكرك ~~المحروس سيف الدين نوغاي القفجاقي أحد المماليك السلطانية وسيف الدين تقطاي ~~الساقي وعلاء الدين مغلطاي القازاني، وتوجه معهم من المماليك السلطانية ~~بالقلعة مائة وستة وثلاثون نفرا، وخرجوا طلبا واحدا بخيلهم وهجنهم وغلمانهم ~~وتركوا بيوتهم وأولادهم. انتهى. وقال غيره: لما ولي الملك المظفر بيبرس ~~السلطنة بقي سلار هو الملك الظاهر بين الناس والملك المظفر بيبرس من وراء ~~حجاب، فلما كان في بعض الأيام دخل على الملك المظفر أميران: أحدهما يسمى ~~نوغاي والآخر مغلطاي، فباسا الأرض بين يديه وشكوا له ضعف أخبازهما، فقال ~~لهما المظفر: اشكوا إلى سلار فهو أعلم بحالكما مني، فقالا: خلد الله ms1795 ملك ~~مولانا السلطان، أهو مالك البلاد أم مولانا السلطان! فقال: اذهبا إلى سلارة ~~ولم يزدهما على ذلك. فخرجا من عنده وجاءا إلى سلار وأعلماه بقول الملك ~~المظفر، فقال سلار: ولله يا أصحابي أبعدكما بهذا الكلام؛ وأنتما تعلمان أن ~~النائب ما له كلام مثل السلطان. وكان نوغاي شجاعا وعنده قوة بأس، فأقسم ~~بالله لئن لم يغيروا خبزه ليقيمن شرا تهرق فيه الدماء؛ ثم خرجا من عند ~~سلار. وفي الحال ركب سلار وطلع إلى عند الملك المظفر وحدثه بما جرى من أمر ~~نوغاي ومغلطاي، وقال: هذا نوغاي يصدق فيما يقول، لأنه قادر على إثارة ~~الفتنة، فالمصلحة قبضه وحبسه في الحبس؛ فاتفقوا على قبضه. وكان في ذلك ~~الوقت أمير يقال له أنس، فسمع الحديث، فلما خرج أعلم نوغاي بذلك؛ فلما سمع ~~نوغاي الكلام طلب مغلطاي وجماعة من مماليك الملك الناصر، وقال لهم: يا ~~جماعة، هذا الرجل قد عول على قبضنا، وأما أنا فلا أسلم نفسي إلا بعد حرب ~~تضرب فيه الرقاب، فقالوا له: على ماذا عولت؟ فقال: عولت على أني أسير إلى ~~الكرك إلى الملك الناصر أستاذنا، فقالوا له: ونحن معك؛ فحلف كل منهم على ~~ذلك، فقال نوغاي، وكان بيته خارج باب النصر: كونوا عندي وقت الفجر الأول ~~راكبين وأنتم لابسون، وتفرقا؛ فجهز نوغاي حاله في تلك الليلة، وركب بعد ~~الثلث الأخير مع مماليكه وحاشيته؛ ثم جاءه مغلطاي القازاني بمماليكه ومعه ~~جماعة من مماليك السلطان الملك الناصر والكل ملبسون على ظهر الخيل. ثم إن ~~نوغاي حرك الطبلخاناه حربيا، وشق من الحسينية، فماجت الناس وركبوا من ~~الحسينية وأعلموا الأمير سلار، فركب سلار وطلع إلى القلعة وأعلم السلطان ~~بذلك. PageV02P0459 # قال آبن كثير: وكان ذلك بمباطنة سلار مع نوغاي. فلما بلغ المظفر ذلك قال: ~~على أيش توجها؟ " فقال سلار: " على نباح الجراء في بطون الكلاب " ، والله ~~ما ينظر في عواقب الأمور ولا يخاف آثار المقدور؛ فقال المظفر: " أيش ~~المصلحة؟ " فآتفقوا على تجريد عسكر خلف المتسحبين؛ فجرد في أثرهم جماعة من ~~الأمراء صحبة الأمير علاء الدين مغلطاي ms1796 المسعودي، والأمير سيف الدين قلي في ~~جماعة من المماليك؛ فساروا سيرا خفيفا قصدا في عدم إدراكهم وحفظا لسلطانهم ~~وآبن سلطانهم الملك الناصر محمد بن قلاوون فلم يدركوهم، وأقاموا على غزة ~~أياما وعادوا إلى القاهرة. وقال صاحب نزهة الألباب: وجرد السلطان الملك ~~المظفر وراءهم خمسة آلاف فارس صحبة الأمير أخي سلار، وقال له المظفر: " لا ~~ترجع إلا بهم، ولو غاصوا في البحر! " وكان فيهم الأمير شمس الدين دباكوز ~~وسيف الدين بجاس وجنكلي بن البابا وكهرداش وأيبك البغدادي وبلاط وصاروجا ~~والقرماني وأمير آخر، وهؤلاء الأمراء هم خيار عسكر مصر، فساروا. وكان نوغيه ~~قد وصل إلى بلبيس وطلب واليها وقال له: " إن لم تحضر لي في هذه الساعة خمسة ~~آلاف دينار من مال السلطان وإلا سلخت جلدك من كعبك إلى أذنك " . ففي الساعة ~~أحضر الذهب؛ وكان نوغيه قد أرصد أناسا يكشفون له الأخبار، فجاؤوا له وذكروا ~~أن عسكرا عظيما قد وصل من القاهرة وهم سائقون؛ فلما سمع نوغيه ذلك ركب هو ~~وأصحابه وقال لوالي بلبيس: قل للأمراء الجائين خلفي: أنا رائح على مهل حتى ~~تلحقوني، وأنا أقسم بالله العظيم لئن وقعت عيني عليهم لأجعلن عليهم يوما ~~يذكر إلى اليوم القيامة! ولم يبعد نوغيه حتى وصل أخو سلار وهو الأمير سمك ~~ومعه العساكر، فلاقاهم والي بلبيس وأخبرهم بما جرى له مع نوغيه وقال لهم: ~~ما ركب إلا من ساعة؛ فلما سمعوا بذلك ساقوا إلى أن وصلوا إلى مكان بين ~~الخطارة والسعيدية، فإذا بنوغاي واقف وقد صف رجاله ميمنة وميسرة وهو واقف ~~في القلب قدام الكل؛ فلما رآهم سمك أرسل إليه فارسا من كبار الحلقة؛ وسار ~~إليه الفارس وآجتمع بنوغيه وقال له: أرسلني سمك إليك وهو يقول: " السلطان ~~الملك المظفر يسلم عليك ويقول لك: سبحان الله! أنت كنت أكبر أصحابه، فما ~~الذي غيرك عليه. فإن كان لأجل الخبز فما يأكل الخبز أحد أحق منك؛ فإن عدت ~~إليه فكل ما تشتهي يفعله لك " . فلما سمع نوغيه هذا الكلام ضحك وقال: " أيش ~~هذا الكلام الكذب! لما أمس ms1797 سألته أن يصلح خبزي بقرية واحدة ما أعطاني، وأنا ~~تحت أمره، فكيف يسمح لي اليوم بما أشتهي وأنا صرت عدوه! فخل عنك هذا ~~الهذيان، وما لكم عندي إلا السيف " ، فرجع الرسول وأعلم سمك بمقالته؛ ثم إن ~~نوغيه دكس فرسه وتقدم إلى سمك وأصحابه وقال له: " إن هؤلاء الذين معي أنا ~~الذي أخرجتهم من بيوتهم وأنا المطلوب؛ فمن كان يريدني يبرز لي وهذا ~~الميدان! " فنظرت الأمراء بعضهم إلى بعض، ثم قال: " يا أمراء، ما أنا عاص ~~على أحد، وما خرجت من بيتي إلا غبنا، وأنتم أغبن مني، ولكن ما تظهرون ذلك، ~~وها أنتم سمعتم مني الكلام؛ فمن أراد الخروج إلي فليخرج، وإلا احملوا علي ~~بأجمعكم " ، وكان آخر النهار، فلم يخرج إليه أحد، فرجع إلى أصحابه، ونزل ~~سمك في ذلك المكان. فلما أمسى الليل رحل نوغيه بأصحابه وسار مجدا ليله ~~ونهاره حتى وصل قطيا، فوجد واليها قد جمع العربان لقتاله، لأن البطاقة وردت ~~عليه من مصر بذلك؛ والعربان الذين جمعهم الوالي نحو ثلاثة آلاف فارس؛ فلما ~~رآهم نوغاي قال لأصحابه: احملوا عليهم وبادروهم حتى لا يأخذهم الطمع فيكم ~~يعني لقلتهم وتأتي الخيل التي وراءكم؛ فحملوا عليهم، وكان مقدم العرب نوفل ~~البياضي، وفيهم نحو الخمسمائة نفر بلبوس، فحملت الأتراك أصحاب نوغاي عليهم ~~وتقاتلا قتالا عظيما حتى ولت العرب، وانتصر نوغيه عليهم هو وأصحابه، وولت ~~العرب الأدبار طالبين البرية؛ ولحق نوغيه والي قطيا فطعنه وألقاه عن فرسه ~~وأخذه أسيرا. ثم رجعت الترك من خلف العرب وقد كسبوا منهم شيئا كثيرا. ~~PageV02P0460 # وأما سمك فإنه لم يزل يتبعهم بعساكر مصر منزلة بعد منزلة حتى وصلوا إلى ~~قطيا فوجدوها خرابا، وسمعوا ما جرى من نوغيه على العرب، فقال الأمراء: ~~الرأي أننا نسير إلى غزة ونشاور نائب غزة في عمل المصلحة؛ فساروا إلى غزة، ~~فلاقاهم نائب غزة وأنزلهم على ظاهر غزة وخدمهم، فقال له سمك: " نحن ما جئنا ~~إلا لأجل نوغاي، وأنه من العريش سار يطلب الكرك، فما رأيك؟ نسير إلى الكرك ~~أو نرجع إلى مصر؟ فقال لهم ms1798 نائب غزة: " رواحكم إلى الكرك ما هو مصلحة؛ ~~وأنتم من حين خرجتم من مصر سائرون وراءهم ورأيتموهم في الطريق فما قدرتم ~~عليهم، وقد وصلوا إلى الكرك وانضموا إلى الملك الناصر، والرأي أنكم ترجعون ~~إلى مصر وتقولون للسلطان ما وقع وتعتذرون له " ؛ فرجعوا وأخبروا الملك ~~المظفر بالحال فكاد يموت غيظا؛ وكتب من وقته كتابا للملك الناصر فيه: " إنه ~~من ساعة وقوفك على هذا الكتاب، وقبل وضعه من يدك، ترسل لنا نوغاي ومغلطاي ~~ومماليكهما، وتبعث المماليك الذين عندك، ولا تخل منهم عندك سوى خمسين ~~مملوكا، فإنك آشتريت الكل من بيت المال؛ وإن لم تسيرهم سرت إليك وأخذتك ~~وأنفك راغم! " وسير الكتاب مع بدوي إلى الملك الناصر. وأما نوغيه فإنه لما ~~وصل إلى الكرك وجد الملك الناصر في الصيد، فقال نوغيه لمغلطاي: " انزل أنت ~~ها هنا وأسير أنا للسلطان " ؛ وركب هجينا وأخذ معه ثلاثة مماليك وسار إلى ~~ناحية عقبة أيلة، وإذا بالسلطان نازل في موضع وعنده خلق كثير من العرب ~~والترك؛ فلما رأوا نوغيه وقد أقبل من صدر البرية، أرسلوا إليه خيلا فكشفوا ~~خبره، فلما قربوا منه عرفه مماليك السلطان فرجعوا وأعلموا السلطان أنه ~~نوغاي، فقال السلطان: " الله أكبر! ما جاء هذا إلا عن أمر عظيم " ؛ فلما ~~حضر نزل وباس الأرض بين يدي الملك الناصر ودعا له، فقال له الملك الناصر: " ~~أراك ما جئت لي في مثل هذا الوقت إلى هذا المكان إلا لأمر؛ فحدثني حقيقة ~~أمرك " ، فأنشأ نوغيه يقول: أنت المليك وهذه أعناقنا ... خضعت لعز علاك يا ~~سلطاني أنت المرجى يا مليك فمن لنا ... أسد سواك ومالك البلدان في أبيات ~~أخر؛ ثم حكى له ما وقع له منذ خرج الملك الناصر من مصر إلى يوم تاريخه، ~~فركب الملك الناصر وركب معه نوغيه وعادا إلى الكرك، وخلع عليه وعلى رفقته ~~وأنزلهم عنده ووعدهم بكل خير. ثم إن الملك الناصر جمع أمراءه ومماليكه ~~وشاورهم في أمره، فقال نوغيه: " من ذا الذي يعاندك أو يقف قدامك والجميع ~~مماليكك! والذي خلق الخلق، إذا كنت أنت معي ms1799 وحدي ألتقي بك كل من خرج من مصر ~~والشام! " فقال السلطان: " صدقت فيما قلت، ولكن من لم ينظر في العواقب، ما ~~الدهر له بصاحب!. انتهى. وقال آبن كثير في تاريخه: وصل المتوجهون إلى الكرك ~~إلى الملك الناصر في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة فقبلهم ~~الناصر أحسن قبول؛ وكان حين وصلوا إلى قطيا أخذوا ما بها من المال، ووجدوا ~~أيضا في طريقهم تقدمة لسيف الدين طوغان نائب البيرة فأخذوها بكمالها ~~وأحضروا الجميع بين يدي الملك الناصر محمد؛ ولما وصلت إليه الأمراء ~~المذكورون أمر الملك الناصر بالخطبة لنفسه؛ ثم كاتب النواب فآجتمعوا ~~وأجابوه بالسمع والطاعة. PageV02P0461 # ولما عاد الأمراء من غزة إلى مصر اشتد خوف السلطان الملك المظفر وكثر ~~خياله من أكثر عسكر مصر، فقبض على جماعة تزيد على ثلاثمائة مملوك، وأخرج ~~أخبازهم وأخباز المتوجهين مع نوغيه إلى الكرك لمماليكه؛ وتحلقوا عليه ~~البرجية وشؤشوا فكره بكثرة تخيله بمخامرة العسكر المصري عليه؛ وما زالوا به ~~حتى أخرج الأمير بينجار والأمير صارم الدين الجرمكي في عدة من الأمراء ~~مجردين، وأخرج الأمير آقوش الرومي بجماعته إلى طريق السويس ليمنع من عساه ~~يتوجه من الأمراء والمماليك إلى الملك الناصر. ثم قبض الملك المظفر على أحد ~~عشر مملوكا وقصد أن يقبض على آخرين فآستوحش الأمير بطرا فهرب، فأدركه ~~الأمير جركتمر بن بهادر رأس نوبة فأحضره فحبس؛ وعند إحضاره طلع الأمير ~~ألديكز السلاح دار بملطف من عند الملك الناصر محمد، وهو جواب الكتاب الذي ~~كان أرسله الملك المظفر للملك الناصر يطلب نوغيه وأصحابه. وقد ذكرنا معناه ~~وما أغلظ فيه وأفحش في الخطاب للملك الناصر؛ وكان في وقت وصول كتاب المظفر ~~حضر إلى الملك الناصر الأمير أسندمر نائب طرابلس، كأنهما كانا على ميعاد، ~~فأخذ الناصر الكتاب وأسندمر إلى جانبه، وعليه لبس العربان، وقد ضرب اللثام، ~~فقرأ الناصر الكتاب، ثم ناوله إلى أسندمر فقرأه وفهم معناه؛ ثم أمر الملك ~~الناصر الناس بالانصراف وبقي هو وأسندمر، وقال لأسندمر: ما يكون الجواب؛ ~~فقال له أسندمر: المصلحة أن تخادعه في الكلام ms1800 وتترقق له في الخطاب حتى نجهز ~~أمرنا ونستظهر؛ فقال له السلطان: اكتب له الجواب مثل ما تختاره، فكتب ~~أسندمر: " المملوك محمد بن قلاوون يقبل اليد العالية المولوية السلطانية ~~المظفرية، أسبغ الله ظلها، ورفع قدرها ومحلها، وينهي بعد رفع دعائه، وخالص ~~عبوديته وولائه، أنه وصل إلي المملوك نوغيه ومغلطاي وجماعة من المماليك، ~~فلما علم المملوك بوصولهم أغلق باب القلعة ولم يمكن أحدا منهم يعبر إليه؛ ~~وسيرت إليهم ألومهم على ما فعلوه؛ وقد دخلوا على المملوك بأن يبعث ويشفع ~~فيهم، فأخذ المملوك في تجهيز تقدمة لمولانا السلطان ويشفع فيهم؛ والذي يحيط ~~به علم مولانا السلطان أن هؤلاء من مماليك السلطان، خلد الله ملكه، وأن ~~الذي قيل فيهم غير صحيح، وإنما هربوا خوفا على أنفسهم؛ وقد استجاروا ~~بالمملوك، والمملوك يستجير بظل الدولة المظفرية؛ والمأمول ألا يخيب سؤاله ~~ولا يكسر قلبه، ولا يرده فيما قصده. وفي هذه الأيام يجهز المملوك تقدمة مع ~~المماليك الذين طلبهم مولانا السلطان، وأنا ما لي حاجة بالمماليك في هذا ~~المكان؛ وإن رسم مولانا مالك الرق أن يسير نائبا له وينزل المملوك بمصر ~~ويلتجىء بالدولة المظفرية ويحلق رأسه ويقعد في تربة الملك المنصور. ~~والمملوك قد وطن نفسه على مثل هذا؛ وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه: " ما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعم والموت من ~~الحياة " . وقال بعضهم: إياك وما يسخط سلطانك، ويوحش إخوانك؛ فمن أسخط ~~سلطانه فقد تعرض للمنية، ومن أوحش إخوانه فقد تبرأ عن الحرية. والمملوك ~~يسأل كريم العفو والصفح الجميل! والله تعالى قال في كتابه الكريم وهو أصدق ~~القائلين: والكاظمين الغيط والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " . ~~والمملوك ينتظر الأمان والجواب. أنهى المملوك ذلك " . فلما قرأ الملك ~~المظفر الكتاب خص ما كان عنده؛ وكان سلار حاضرا فقال له سلار: ما قلت لك إن ~~الملك الناصر ما بقيت له قدرة على المعاندة! وقد أصبح ملك الشام ومصر طوع ~~يدك، ولكن عندي رأي: وهو أن تسير إلى الأفرم بأن يجعل باله من الأمراء، ms1801 ~~فإنهم ربما يهربون إلى بلاد التتار، فآستصوب المظفر ذلك، وكتب إلى الأفرم ~~في الحال بالغرض؛ فلما وصل الكتاب إلى الأفرم اجتهد في ذلك غاية الاجتهاد. ~~PageV02P0462 # وأخذ الملك الناصر في تدبير أمره؛ وبينما المظفر في دلك ورد عليه الحبر ~~من الأفرم بخروج الملك الناصر من الكرك، فقلق المظفر من ذلك وزاد توهمه؛ ~~ونفرت قلوب جماعة من الأمراء والمماليك منه وخشوا على أنفسهم؛ واجتمع كثير ~~من المنصورية والأشرفية والأويراتية وتواعدوا على الحرب؛ وخرج منهم مائة ~~وعشرون فارسا بالسلاح، وساروا على حمية إلى الملك الناصر، فخرج في أثرهم ~~الأمير بينجار والصارم الجرمكي بمن معهم، وقاتلوا المماليك وجرح الجرمكي ~~بسيف في خده سقط منه إلى الأرض؛ ومضى المماليك إلى الكرك ولم يستجرىء أحد ~~أن يتعرض إليهم؛ فعظم بذلك الخطب على الملك المظفر، وآجتمع عنده البرجية ~~وقالوا: هذا الفساد كله من الأمير سلار، ومتى لم تقبض عليه خرج الأمر من ~~يدك؛ فلم يوافق على ذلك وجبن من القبض على سلار لشوكته ولاضطراب دولته؛ ثم ~~طلب الملك المظفر الأمير سلار وغيره من الأمراء واستشارهم في أمر الملك ~~الناصر، فاتفق الرأي على خروج تجريدة لقتال الملك الناصر. وأما الملك ~~الناصر فإنه أرسل الأمير أيتمش المحمدي الناصري إلى الأمير قبجق نائب حماة، ~~فأحال الأمير قبجق الأمر على الأمير قراسنقر نائب حلب، فاجتمع أيتمش بقرا ~~سنقر فأكرمه ووافق على القيام مع الملك الناصر، ودخل في طاعته وأعلن بذلك، ~~وهو أكبر المماليك المنصورية، وواعد الملك الناصر على المسير إلى دمشق في ~~أول شعبان. ثم كتب قرا سنقر إلى الأفرم نائب الشام يحثه على طاعة الملك ~~الناصر ويرغبه في ذلك ويحذره مخالفته وأشار قرا سنقر على الملك الناصر أنه ~~يكاتب الأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد، والأمير كراي المنصوري نائب القدس. ~~ثم عاد أيتمش إلى أستاذه الملك الناصر وأخبره بكل ما وقع، فسر الملك الناصر ~~بذلك هو وكل من عنده غاية السرور، وتحقق كل أحد من حواشي الملك الناصر ~~بإتمام أمره. وكان نوغيه منذ قدم على الملك الناصر بالكرك لا يبرح يحرضه ms1802 ~~على المسير إلى دمشق حتى إنه ثفل على الملك الناصر من مخاشنته في المخاطب ~~بسبب توجهه إلى دمشق، وغضب منه وقال له: " ليس لي بك حاجة، ارجع حيث جئت " ~~؛ فترك نوغاي الخدمة وانقطع وحقد له الملك الناصر ذلك حتى قتله بعد عوده ~~إلى الملك بمدة حسب ما يأتي ذكره من كثرة ما وبخه نوغيه المذكور، وأسمعه من ~~الكلام الخشن. ولما قدم أيتمش بالأجوبة على الملك الناصر قوي عزم الملك ~~الناصر على الحركة؛ ثم إن الملك الناصر أيضا أرسل مملوكه أيتمش المحمدي ~~المذكور إلى الأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد حسب ما أشار به قرا سنقر؛ ~~فسار أيتمش إليه واجتمع بالأمير محمد بن بكتمر الجوكندار، فجمع محمد ~~المذكور بين أيتمش وبين أبيه ليلا في مقابر صفد، فعتبه أيتمش على رده أولا ~~قاصد السلطان الملك الناصر فآعتذر له بكتمر بالخوف من بيبرس وسلار كما كان ~~وقع له مع الناصر أولا بالديار المصرية حين آتفقا على قبض بيبرس وسلار ولم ~~يتم لهم ذلك، وأخرج بكتمر بسبب ذلك من الديار المصرية، وقد تقدم ذكر ذلك ~~كله. انتهى. ثم قال له بكتمر: ولولا ثقتي بك ما اجتمعت عليك؛ فلما عرفه ~~أيتمش طاعة الأمير قرا سنقر والأمير قبجق والأمير أسندمر أجاب بالسمع ~~والطاعة، وأنه على ميعاد النواب إلى المضي إلى الشام؛ وعاد أيتمش إلى الملك ~~الناصر بجواب بكتمر فسر به غاية السرور. PageV02P0463 # وأما السلطان الملك المظفر بيبرس هذا فإنه أخذ في تجهيز العساكر إلى قتال ~~الملك الناصر محمد حتى تم أمرهم وخرجوا من الديار المصرية في يوم السبت ~~تاسع شهر رجب وعليهم خمسة أمراء من مقدمي الألوف، وهم: الأمير برلغي ~~الأشرفي، والأمير جمال الدين آقوش الأشرفي نائب الكرك كان، والأمير عز ~~الدين أيبك البغدادي، والأمير سيف الدين طغريل الإيغاني، والأمير سيف الدين ~~ألدكز السلاح دار، ومعهم نحو ثلاثين أميرا من أمراء الطبلخاناه بعد ما أنفق ~~فيهم الملك المظفر: فأعطى برلغي عشرة آلاف دينار، وأعطى لكل مقدم الذي ~~دينار، ولكل من الطبلخاناه ألف دينار، ولكل واحد من مقدمي ms1803 الحلقة ألف درهم، ~~ولكل واحد من أجناد الحلقة خمسمائة درهم. ونزلوا بمسجد التبن خارج القاهرة ~~ولم يتقدموا؛ ثم عادوا بعد أربعة أيام إلى القاهرة. وكان الباعث على عودهم ~~أن كتب آقوش الأفرم نائب الشام وردت على الملك المظفر تتضمن وصول الملك ~~الناصر إلى البرج الأبيض ثم عاد إلى الكرك، فآطمأن الملك المظفر وأرسل إلى ~~برلغي ومن معه من المجردين بالعود، فعادوا بعد أربعة أيام. فلم يكن إلا ~~أيام وورد الخبر ثانيا بمسير الملك الناصر محمد من الكرك إلى نحو دمشق، ~~فتجهز العسكر المذكور في أربعة آلاف فارس وخرجوا من القاهرة في العشرين من ~~شعبان إلى العباسة. فورد البريد من دمشق بقدوم أيتمش المحمدي من قبل الملك ~~الناصر بمشافهة إلى الأفرم ذكرها للمظفر. ثم إن الأفرم بعد قدوم أيتمش بعث ~~الأمير علاء الدين أيدغدي شقير الحسامي والأمير جوبان لكشف خبر الملك ~~الناصر، وأنهما توجها من الشام إلى جهة الكرك، فوجدا الملك الناصر يتصيد ~~وأنه عوق أيتمش عنده، فسر المظفر بذلك. وكان الأمر بخلاف ذلك، وهو أن ~~أمرهما: أنه لما سيرهما الأفرم لكشف خبر الملك الناصر قدما على الملك ~~الناصر، ودخلا تحت طاعته، وعرفاه أنهما جاءا لكشف خبره، وحلفا له على ~~القيام بنصرته سرا، وعادا إلى الأفرم بالجواب المذكور. وكان الناصر هو الذي ~~أمرهما بهذا القول، فظن الأفرم أن أخبارهما على الصدق، فكتب به إلى المظفر. ~~ثم إن الأفرم خاف أن يطرق الملك الناصر دمشق على غفلة فجرد إليه ثمانية ~~أمراء من أمراء دمشق، وهم: الأمير سيف الدين قطلوبك المنصوري، والأمير سيف ~~الدين الحماج بهادر الحلبي الحاجب، والأمير جوبان، والأمير كجكن، والأمير ~~علم الدين سنجر الجاولي وغيرهم ليقيموا على الطرقات لحفظها على من يخرج من ~~الشام وغيره إلى الملك الناصر. وكتب إلى الملك المظفر يستحثه على إخراج ~~عساكر مصر لتجتمع عنده مع عساكر دمشق على قتال الملك الناصر، وأنه قد جدد ~~اليمين للمظفر وحلف أمراء دمشق ألا يخونوه ولا ينصروا الملك الناصر. فلما ~~قرأ المظفر كتاب الأفرم اضطرب وزاد قلقه. ثم ورد ms1804 عليه كتاب الأمير برلغي من ~~العباسة بأن مماليك الأمير آقوش الرومي تجمعوا عليه وقتلوه وساروا ومعهم ~~خزائنه إلى الملك الناصر، وأنه لحق بهم بعض أمراء الطبلخاناه في جماعة من ~~مماليك الأمراء؛ وقد فسد الحال، والرأي أن يخرج السلطان بنفسه. فلما سمع ~~الملك المظفر ذلك أخرج تجريدة أخرى فيها عدة أمراء أكابر، وهم: الأمير بجاس ~~وبكتوت وكثير من البرجية، ثم بعث إلى برلغي بألفي دينار ووعده بأنه عازم ~~على التوجه إليه بنفسه. PageV02P0464 # فلما ورد كتاب الملك المظفر بذلك وبقدوم التجريدة إليه عزم على الرحيل ~~إلى جهة الكرك؛ فلما كان الليل رحل كثير ممن كان معه يريدون الملك الناصر، ~~فثنى عزمه عن الرحيل ثانيا، وكتب إلى المظفر يقول بأن نصف العسكر سار إلى ~~الملك الناصر وخرج عن طاعة الملك المظفر، ثم حرض الملك المظفر على الخروج ~~بنفسه. وقبل أن يطلع الفجر من اليوم المذكور وصل إلى القاهرة الأمير ~~بهادرجك بكتاب الأمير برلغي المذكور وطلع إلى السلطان؛ فلما قضى الملك ~~المظفر صلاة الصبح تقدم إليه بهادرجك وعرفه بوصول أكثر العسكر إلى الملك ~~الناصر وناوله الكتاب، فلما قرأه بيبرس تبسم وقال: " سلم على الأمير برلغي، ~~وقل له: لا تخش من شيء، فإن الخليفة أمير المؤمنين قد عقد لنا بيعة ثانية ~~وجدد لنا عهدا، وقد قرىء على المنابر، وجددنا اليمين على الأمراء، وما بقي ~~أحد يجسر أن يخالف ما كتب به أمير المؤمنين! " ثم دفع إليه العهد الخليفتي ~~وقال: لا امض به إليه حتى يقرأه على الأمراء والجند ثم يرسله إلي، فإذا فرغ ~~من قراءته يرحل بالعساكر إلى الشام " وجهز له بألفي دينار أخرى؛ وكتب جوابه ~~بنظير المشافهة؛ فعاد بهادر جك إلى برلغي، فلما قرأ عليه الكتاب وآنتهى إلى ~~قوله: " وأن أمير المؤمنين ولاني تولية جديدة وكتب لي عهدا وجدد لي بيعة ~~ثانية " وفتح العهد فإذا أوله: " إنه من سليمان وإنه بسم آلله آلرحمن ~~آلرحيم " فقال برلغي: ولسليمان الريح! ثم آلتفت إلى بهادرجك وقال له: " قل ~~له: يا بارد الذقن! والله ما بقي أحد يلتفت ms1805 إلى الخليفة " ثم قام وهو مغضب. ~~وكان سبب تجديد العهد للملك المظفر هذا أن الأفرم نائب الشام لما ورد كتابه ~~على المظفر أنه حلف الأمراء بدمشق ثانيا، وبعث بالشيخ صدر الدين محمد ابن ~~عمر بن مكي بن عبد الصمد الشهير بابن المرحل إلى الملك المظفر في الرسلية، ~~صار صدر الدين يجتمع به هو وآبن عدلان، وصار الملك المظفر يشغل وقته بهما، ~~فأشارا عليه بتجديد العهد والبيعة وتحليف الأمراء، وأن ذلك يثبت به قواعد ~~ملكه، ففعل الملك المظفر ذلك، وحلف الأمراء بحضور الخليفة؛ وكتب له عهد ~~جديد عن الخليفة أبي الربيع سليمان العباسي.. . ونسخة العهد: " إنه من ~~سليمان وإنه بسم آلله آلرحمن آلرحيم، من عبد الله وخليفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبي الربيع سليمان بن أحمد العباسي لأمراء المسلمين ~~وجيوشها. " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا آلله وأطيعوا آلرسول وأولي الأمر ~~منكم " وإني رضيت لكم بعبد الله تعالى الملك المظفر ركن الدين نائبا عني ~~لملك الديار المصرية والبلاد الشامية، وأقمته مقام نفسي لدينه وكفاءته ~~وأهليته، ورضيته للمؤمنين، وعزلت من كان قبله بعد علمي بنزوله عن الملك، ~~ورأيت ذلك متعينا علي، وحكمت بذلك الحكام الأربعة؛ واعلموا، رحمكم الله، أن ~~الملك عقيم ليس بالوراثة لأحد خالف عن سالف ولا كابر عن كابرة وقد آستخرت ~~الله تعالى ووليت عليكم الملك المظفر؛ فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد ~~عصاني، ومن عصاني فقد عصى أبا القاسم ابن عمي صلى الله عليه وسلم. وبلغني ~~أن الملك الناصر آبن السلطان الملك المنصور شق العصا على المسلمين وفرق ~~كلمتهم وشتت شملهم وأطمع عدوهم فيهم، وعرض البلاد الشامية والمصرية إلى سبي ~~الحريم والأولاد وسفك الدماء، فتلك دماء قد صانها الله تعالى من ذلك. وأنا ~~خارج إليه ومحاربه أن آستمر على ذلك، وأدافع عن حريم المسلمين وأنفسهم ~~وأولادهم لهذا الأمر العظيم، وأقاتله حتى يفيء إلى أمر الله تعالى؛ وقد ~~أوجبت عليكم يا معاشر المسلمين كافة الخروج تحت لوائي اللواء الشريف، فقد ~~أجمعت الحكام على وجوب دفعه وقتاله إن آستمر ms1806 على ذلك، وأنا مستصحب معي ~~الملك المظفر فجهزوا أرواحكم والسلام " . وقرىء هذا العهد على منابر ~~الجوامع بالقاهرة، فلما بلغ القارىء إلى ذكر الملك الناصر صاحت العوام: ~~نصره الله نصره الله! وكررت ذلك. وقرأ، فلما وصل إلى ذكر الملك المظفر ~~صاحوا: لا، ما نريده ووقع في القاهرة ضجة وحركة بسبب ذلك. انتهى. ~~PageV02P0465 # ثم قدم على الملك المظفر من الشام على البريد الأمير بهادر آص يحث الملك ~~المظفر على الخروج إلى الشام بنفسه، فإن النواب قد مالوا كلهم إلى الملك ~~الناصر، فأجاب أنه لا يخرج، واحتج بكراهيته للفتنة وسفك الدماء، وأن ~~الخليفة قد كتب بولايته وعزل الملك الناصر، فإن قبلوا وإلا ترك الملك. ثم ~~قدم أيضا الأمير بلاط بكتاب الأمير برلغي، وفيه أن جميع من خرج معه من ~~أمراء الطبلخاناه لحقوا بالملك الناصر وتبعهم خلق كثير، ولم يتأخر غير ~~برلغي وآقوش نائب الكرك وأيبك البغدادي، وألدكز والفتاح، وذلك لأنهم خواص ~~الملك المظفر. وأما الملك الناصر فإنه سار من الكرك بمن معه في أول شعبان ~~يريد دمشق بعد أمور وقعت له، نذكرها في أوائل ترجمته الثالثة. فلما سار دخل ~~في طاعته الأمير قطلوبك المنصوري والحاج بهادر وبكتمر الحسامي حاجب حجاب ~~دمشق وعلم الدين سنجر الجاولي. وصار الملك الناصر يتأنى في مسيره من غير ~~سرعة حتى يتبين ما عند أمراء دمشق الذين أخرجهم الأفرم لحفظ الطرقات قبل ~~ذلك؛ فكتبوا أمراء دمشق المذكورون إلى الأفرم أنه لا سبيل لهم إلى محاربة ~~الملك الناصر؛ وأرادوا بذلك إما أن يخرج بنفسه فيقبضوه أو يسير عن دمشق إلى ~~جهة أخرى فيأتيهم بقية الجيش وكان كذلك. فإنه لما قدم كتابهم عليه بدمشق ~~شاع بين الناس مجيء الملك الناصر من الكرك فثارت العوام وصاحوا: " نصر الله ~~الملك الناصر! " وتسلل عسكره من دمشق طائفة بعد طائفة إلى الملك الناصر، ~~وانفرط الأمر من الأفرم. وآتفق الأمير بيبرس العلائي والأمير بيبرس المجنون ~~بمن معهما على الوثوب على الأفرم والقبض عليه، فلم يثبت عندما بلغه ذلك؛ ~~واستدعى علاء الدين علي بن صبيح، وكان من ms1807 خواصه، وخرج ليلا وتوجه إلى جهة ~~الشقيف؛ فركب قطلوبك والحاج بهادر عندما سمعا خبر الأفرم، وتوجها إلى الملك ~~الناصر، وكانا كاتباه بالدخول في طاعته قبل ذلك، فسر بهما وأنعم على كل ~~واحد منهما بعشرة آلاف درهم؛ وقدم على الناصر أيضا الجاولي وجوبان وسائر من ~~كان معهم، فسار بهم الملك الناصر حتى نزل الكسوة، وخرج إليه بقية الأمراء ~~والأجناد. وقد عمل له سائر شعار السلطنة من السناجق الخليفتية والسلطانية ~~والعصائب والجتر والغاشية، وحلف العساكر. وسار يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان ~~يريد مدينة دمشق، فدخلها من غير مدافع بعدما زينت له زينة عظيمة؛ وخرج جميع ~~الناس إلى لقائه على اختلاف طبقاتهم حتى صغار الكتاب؛ وبلغ كراء البيت من ~~البيوت التي بميدان الحصى إلى قلعة دمشق للتفرج على السلطان من خمسمائة ~~درهم إلى مائة درهم؛ وفرشت الأرض بشقاق الحرير الملونة، وحمل الأمير قطلوبك ~~المنصوري الغاشية، وحمل الأمير الحاج بهادر الجتر، وترجل الأمراء والعساكر ~~بأجمعهم ومشوا بين يديه حتى نزل بالقصر الأبلق. وفي وقت نزوله قدم مملوك ~~الأمير قرا سنقر نائب حلب لكشف الخبر وأن قراسنقر خرج من حلب، وقبجق خرج من ~~حماة، فخلع عليه وكتب لهما بسرعة الحضور إليه. ثم كتب إلى الأفرم أمانا ~~وتوجه به علم الدين سنجر الجاولي؛ فلم يثق بذلك لما كان وقع منه في حق ~~الناصر لما قدم عليه تنكز، وطلب يمين السلطان، فحلف السلطان له وبعث إليه ~~نسخة الحلف. PageV02P0466 # وكان قبل ذلك بعث الملك الناصر خازنداره وتنكز مملوكه إلى الأفرم هذا ~~صحبة عثمان الركاب يستدعيه إلى طاعته بكل ما يمكن، ثم أمره الملك الناصر إن ~~لم يطع يخشن له في القول، وكذلك كتب في المطالعة التي على يد تنكز: " أولها ~~وعد وآخرها وعيد " . فلما قرأ الأفرم الكتاب المذكور آسود وجهه من الغضب، ~~ثم آلتفت إلى تنكز وقال: " أنت وأمثالك الذين حمقوا هذا الصبي حتى كتب لي ~~هذا الكتاب، ويلك! من هو الذي وافقه من أمراء دمشق على ذلك " وكان الناصر ~~قد كتب له في جملة الكلام أن غالب ms1808 أمراء البلاد الشامية أطاعوني، وكان ~~الأفرم لما حضر إليه تنكز قبل أن يقرأ الكتاب جمع أمراء دمشق ثم قرأ ~~الكتاب، فلما وصل إلى ذلك، قال الأفرم: " قل لي، من هو الذي أطاعه حتى أقبض ~~عليه وأرسله إلى مصر؟ " فنظر أمراء دمشق بعضهم إلى بعض، وأمعن الأفرم في ~~الكلام؛ فقام الأمير بيبرس المجنون وقال: " ما هذا الكلام مصلحة، تجاوب آبن ~~استاذك بهذا الجواب! ولكن لاطفه وقل له: أنت تعلم أننا متبعون مصر وما يبرز ~~منها؛ فإن أردت الملك فاطلبه من مصر، ولا تبتلش بنا وارجع عنا " ؛ وذكر له ~~أشياء من هذا النمط؛ فقال الأفرم: لا أنا ما أقول هذا الكلام؛ وليس له عندي ~~إلا السيف إن جاءنا! " ثم طلب الأفرم تنكز في خلوة وقال له: " سر إلى ~~أستاذك وقل له: " ارجع، وإلا يسمع الملك المظفر فيمسكك ويحبسك، فتبقى تتمنى ~~أن تشبع الخبز! ولا ينفعك حينئذ أحد؛ فإن كان لك رأي فاقبض على نوغيه ومن ~~معه وسيرهم للملك المظفر؛ فإن فعلت ذلك يصلح حالك، ولا تفعل غير هذا تهلك " ~~. وكتب له كتابا بمعنى هذا ودفعه إلى تنكز؛ فلم يخرج تنكز من دمشق إلى ~~أثناء الطريق. حتى خرج في أثره جماعة من أمراء دمشق إلى طاعة الناصر. وكان ~~كلام الأفرم لتنكز أكبر الأسباب لخروج الملك الناصر من الكرك إلى دمشق؛ ~~فلما قدم الناصر دمشق وكتب الأمان للأفرم فتخوف الأفرم مما كان وقع منه من ~~القول لما قدم عليه تنكز وطلب الحلف. انتهى. وقال بيبرس في تاريخه: وأرسل ~~السلطان إلى الأفرم رسلا بالأمان والأيمان، وهما الأميران عز الدين أيدمر ~~الزردكاش والأمير سيف الدين جوبان. وقال غيره: بعث إليه السلطان نسخة الحلف ~~مع الأمير الحاج أرقطاي الجمدار، فما زال به حتى قدم معه هو وابن صبيح؛ ~~فركب السلطان إلى لقائه حتى قرب منه نزل كل منهما عن فرسه، فأعظم الأفرم ~~نزول السلطان له، وقبل الأرض؛ وكان الأفرم قد لبس كاملية وشد وسطه وتوشح ~~بنصفية يعني أنه حضر بهيئة البطالين من الأمراء وكفنه تحت إبطه؛ وعندما ms1809 ~~شاهدته الناس على هذه الحالة صرخوا بصوت واحد: يا مولانا السلطان، بتربة ~~والدك الملك الشهيد قلاوون لا تؤذه ولا تغير عليه! فبكى سائر من حضر، وبالغ ~~السلطان في إكرامه وخلع عليه وأركبه وأقره على نيابة دمشق، فكثر الدعاء له ~~وسار إلى القصر. فلما كان من الغد أحضر الأفرم خيلا وجمالا وثيابا بمائتي ~~ألف درهم تقدمة إلى السلطان الملك الناصر. وفي يوم الجمعة ثاني عشرين شعبان ~~خطب للملك الناصر بدمشق وانقطع منها آسم المظفر، وصليت الجمعة بالميدان ~~فكان يوما مشهودا. وفي ذلك اليوم قدم الأمير قرا سنقر نائب حلب، والأمير ~~قبجق نائب حماة، والأمير أسندمر كرجي نائب طرابلس، وتمر الساقي نائب حمص، ~~فركب السلطان إلى لقائهم، وترجل إلى قرا سنقر وعانقه، وشكر الأمراء وأثنى ~~عليهم. ثم قدم الأمير كراي المنصوري نائب القدس والأمير بكتمر الجوكندار ~~نائب صفد، ثم قدم كل من الأمراء والنواب تقدمته بقدر حاله ما بين ثياب أطلس ~~وحوائص ذهب وكلفتاة زركش وخيول مسرجة، في عنق كل فرس كيس فيه ألف دينار ~~وعليه مملوك، وعدة بغال وجمال بخاتي وغير ذلك. وشرع الملك الناصر في النفقة ~~على الأمراء والعساكر الواردة عليه مع النواب، فلما آنتهت النفقة قدم بين ~~يديه الأمير كراي المنصوري على عسكره إلى غزة فسار إليها؛ وصار كراي يمد في ~~كل يوم سماطا عظيما للمقيمين والوارعين عليه، فأنفق في ذلك أموالا جزيلة من ~~حاصله؛ وآجتمع عليه بغزة عالم كثير، وهو يقوم بكلفهم ويعدهم عن السلطان بما ~~يرضيهم. PageV02P0467 # وأما الملك المظفر فإنه قدم عليه الخبر في خامس عشرين شعبان باستيلاء ~~الملك الناصر على دمشق بغير قتال، فعظم ذلك على الملك المظفر وأظهر الذلة؛ ~~وخرجت عساكر مصر شيئا بعد شيء تريد الملك الناصر حتى لم يبق عنده بالديار ~~المصرية سوى خواصه من الأمراء والأجناد. وأما الأمير برلغي ومن معه من ~~الأمراء صار عساكرهم تتسلل واحدا بعد واحد حتى بقي برلغي في مماليكه وجماعة ~~من خواص الملك المظفر بيبرس، فتشاور برلغي مع جماعته حتى آقتضى رأيه ورأي ~~آقوش نائب الكرك اللحاق ms1810 بالملك الناصر أيضا، فلم يوافق على ذلك البرجية، ~~وعاد أيبك البغدادي وبكتوت الفتاح وقجقار ببقية البرجية إلى القاهرة، ~~وصاروا مع الملك المظفر بيبرس. وسار برلغي وآقوش إلى الملك الناصر فيمن بقي ~~من الأمراء والعساكر، فاضطربت القاهرة لذلك. وكان الملك المظفر قد أمر في ~~مستهل شهر رمضان سبعة وعشرين أميرا ما بين طبلخاناه وعشرات، منهم من ~~مماليكه: صديق وصنقيجي وطوغان وقرمان وإغزلو وبهادر؛ ومن المماليك ~~السلطانية سبعة وهم: قراجا الحسامي وطرنطاي المحمدي وبكتمر الساقي وبهادر ~~قبجاق وأنكبار وطشتمر أخو بتخاص ولاجين؛ وممن عداهم جركتمر بن بهادر وحسن ~~بن الردادي، ونزلوا الجميع إلى المدرسة المنصورية ليلبسوا الخلع على جاري ~~العادة؛ وآجتمع لهم النقباء والحجاب والعامة بالأسواق ينتظرون طلوعهم ~~القلعة، وكل منهم بقي لابس الخلعة، فاتفق أن شخصا من المنجمين كان بين يدي ~~النائب سلار، فرأى الطالع غير موافق، فقال: " هذا الوقت ركوبهم غير لائق " ~~؛ فلم يلتفت بعضهم ولبس وركب في طلبه، فآستبردوهم العوام وقالوا: " ليس له ~~حلاوة، ولا عليه طلاوة " ؛ وصار بعضهم يصيح ويقول: " يا فرحة لا تمت " . ثم ~~أخرج الملك المظفر عدة من المماليك السلطانية إلى بلاد الصعيد وأخذ ~~أخبازهم، وظن الملك المظفر أنه ينشىء له دولة، فلما بلغه مسير برلغي وآقوش ~~نائب الكرك إلى الملك الناصر سقط في يده وعلم زوال ملكه؛ فإن برلغي كان زوج ~~ابنته وأحد خواصه وأعيان دولته، بحيث إنه أنعم عليه في هذه الحركة بنيف ~~وأربعين ألف دينار مصرية، وقيل: سبعين ألف دينار. وظهر عليه اختلال الحال، ~~وأخذ خواصه في تعنيفه على إبقاء سلار النائب، وأن جميع هذا الفساد منه؛ ~~وكان كذلك: فإنه لما فاتته السلطنة، وقام بيبرس فيها، حسده على ذلك ودبر ~~عليه، وبيبرس في غفلة عنه، فإنه كان سليم الباطن لا يظن أن سلار يخونه. ثم ~~قبض الملك المظفر ليلة الجمعة على جماعة من العوام، وضربوا وشهروا لإعلانهم ~~بسب الملك المظفر بيبرس؛ فما زادهم ذلك إلا طغيانا وفي كل ذلك تنسب البرجية ~~فساد الأمور لسلار. فلما أكثر البرجية الإغراء بسلار قال لهم الملك المظفر: ms1811 ~~" إن كان في خاطركم شيء فدونكم وإياه إذا جاء سلار للخدمة؛ وأما أنا فلا ~~أتعرض له بسوء قط " . فاجتمعت البرجية على قبض سلار إذا حضر الخدمة في يوم ~~الأثنين خامس عشره؛ فبلغ سلار ذلك، فتأخر عن حضور الخدمة واحترس على نفسه، ~~وأظهر أنه قد توعك؛ فبعث الملك المظفر يسلم عليه ويستدعيه ليأخذ رأيه، ~~فاعتذر بأنه لا يطيق الحركة لعجزه عنها. فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشر ~~رمضان آستدعى الملك المظفر الأمراء كلهم وآستشارهم فيما يفعل، فأشار الأمير ~~بيبرس الدوادار المؤرخ والأمير بهادر آص بنزوله عن الملك والإشهاد عليه ~~بذلك كما فعله الملك الناصر، " وتسير إلى الملك الناصر بذلك وتستعطفه، ~~وتخرج إلى إطفيح بمن تثق به، وتقيم هناك حتى يرد جواب الملك الناصر عليك " ~~فأعجبه ذلك، وقام ليجهز أمره، وبعث بالأمير ركن الدين بيبرس الدوادار ~~المذكور إلى الملك الناصر محمد يعرفه بما وقع. وقيل إنه كتب إلى الملك ~~الناصر يقول مع غير بيبرس الدوادار: " والذي أعرفك به أني قد رجعت أقلدك ~~بغيك؛ فإن حبستني علات ذلك خلوة، وإن نفيتني عددت ذلك سياحة، وإن قتلتني ~~كان ذلك لي شهادة " فلما سمع الملك الناصر ذلك، عين له صهيون على ما نذكره. ~~وأما ما كتبه المظفر على يد بيبرس الدوادار يسأله في إحدى ثلاث: إما الكرك ~~وأعمالها، أو حماة وبلادها، أو صهيون ومضافاتها. PageV02P0468 # ثم آضطربت أحوال المظفر وتحير، وقام ودخل الخزائن، وأخذ من المال والخيل ~~ما أحب، وخرج من يومه من باب الإسطبل في مماليكه وعدتهم سبعمائة مملوك، ~~ومعه من الأمراء: الأمير عز الدين أيدمر الخطيري الأستادار، والأمير بكتوت ~~الفتاح، والأمير سيف الدين قجماس، والأمير سيف الدين تاكز في بقية ألزامه ~~من البرجية، فكأنما نودي في الناس بأنه خرج هاربا، فآجتمع العوام، وعندما ~~برز من باب الإسطبل صاحوا به وتبعوه وهم يصيحون عليه بأنواع الكلام، وزادوا ~~في الصياح حتى خرجوا عن الحد، ورماه بعضهم بالحجارة. فشق ذلك على مماليكه ~~وهموا بالرجوع إليهم ووضع السيف فيهم فمنعهم الملك المظفر من ذلك، وأمر ~~بنثر المال عليهم ms1812 ليشتغلوا بجمعه عنه؛ فأخرج كل من المماليك حفنة من الذهب ~~ونثرها، فلم يلتفت العامة لذلك وتركوه وأخذوا في العدو خلفه وهم يسبون ~~ويصيحون، فشهر المماليك حينئذ سيوفهم ورجعوا إلى العوام فآنهزموا منهم. ~~وأصبح الحراس بقلعة الجبل في يوم الأربعاء سابع عشر شهر رمضان يصيحون باسم ~~الملك الناصر، وأسقط آسم الملك المظفر بإشارة الأمير سلار بذلك؛ فإنه أقام ~~بالقلعة ومهد أمورها بعد خروج المظفر إلى إطفيح. وفي يوم الجمعة تاسع عشره ~~خطب على منابر القاهرة ومصر بآسم الملك الناصر، والمسقط آسم الملك المظفر ~~بيبرس هذا وزال ملكه. وأما الملك المظفر فإنه لما فارق القلعة أقام بإطفيح ~~يومين؛ ثم آتفق رأيه ورأي أيدمر الخطيري وبكتوت الفتاح إلى المسير إلى ~~برقة، وقيل بل إلى أسوان، فأصبح حاله كقول القائل: موكل ببقاع الأرض يذرعها ~~... من خفة الروع لا من خفة الطرب ولما بلغ مماليك الملك المظفر هذا الرأي ~~عزموا على مفارقته. فلما رحل من إطفيح رجع المماليك عنه شيئا بعد شيء إلى ~~القاهرة، فما وصل المظفر إلى إخميم حتى فارقه أكثر من كان معه؛ فعند ذلك ~~آنثنى عزمه عن التوجه إلى برقة، وتركه الخطيري والفتاح وعادا نحو القاهرة. ~~وبينما هو سائر قدم عليه الأميران: بيبرس الدوادار وبهادر آص من عند الملك ~~الناصر ليتوجه إلى بيبرس الدوادار، فأخذ بيبرس المال وسار به في النيل إلى ~~الملك الناصر وهو بقلعة الجبل؛ وقدم بهادر آص في البر بالملك المظفر ومعه ~~كاتبه كريم الدين أكرم؛ وسأل المظفر في يمين السلطان مع من يثق به، فحلف له ~~الملك الناصر بحضرة الأمراء وبعث إليه بذلك مع أيتمش المحمدي؛ فلما قدم ~~عليه أيتمش بالغ المظفر في إكرامه وكتب الجواب بالطاعة وأنه يتوجه إلى ~~ناحية السويس، وأن كريم الدين يحضر بالخزانة والحواصل التي أخذها؛ فلم يعجب ~~السلطان ذلك، وعزم على إخراج تجريدة إلى غزة ليردوه، وأطلع على ذلك بكتمر ~~الجوكندار النائب وقرا سنقر نائب دمشق والحاج بهادر وأسندمر نائب طرابلس. ~~PageV02P0469 # فلما كان يوم الخميس الذي قبض فيه الملك الناصر على الأمراء - على ms1813 ما ~~سيأتي ذكره مفصلا في أول ترجمة الملك الناصر الثالثة إن شاء الله تعالى - ~~جلس بعض المماليك الأشرفية خارج القلعة، فلما خرج الأمراء من الخدمة قال: " ~~وأي ذنب لهؤلاء الأمراء الذين قبض عليهم! وهذا الذي قتل أستاذنا الملك ~~الأشرف، ودمه الآن على سيفه، قد صار اليوم حاكم المملكة " يعني عن قرا سنقر ~~فقيل هذا لقرا سنقر، فخاف على نفسه وأخذ في عمل الخلاص من مصر؛ فآلتزم ~~للسلطان أنه بتوجه ويحصل الملك المظفر بيبرس هو والحاج بهادر نائب طرابلس ~~من غير إخراج تجريدة، فإن في بعث الأمراء لذلك شناعة؛ فمشى ذلك على السلطان ~~ورسم بسفرهما؛ فخرج قراسنقر ومعه سائر النواب إلى ممالكهم، وعوق السلطان ~~عنده أسندمر كرجي، وقد استقر به في نيابة حماة، وسار البقية. ثم جهز ~~السلطان أسندمر كرجي لإحضار المظفر مقيدا. وآتفق دخول قرا سنقر والأمراء ~~إلى غزة قبل وصول المظفر إليها؛ فلما بلغهم قربه ركب قرا سنقر وسائر النواب ~~والأمراء ولقوه شرقي غزة وقد بقي معه عدة من مماليكه وقد تأهبوا للحرب، ~~فلبس الأمراء السلاح ليقاتلوهم، فأنكر المظفر على مماليكه للقتال وقال: " ~~أنا كنت ملكا، وحولي أضعافك، ولي عصبة كبيرة من الأمراء، وما اخترت سفك ~~الدماء! " وما زال بهم حتى كفوا عن القتال؛ وساق هو بنفسه حتى بقي مع ~~الأمراء وسلم نفسه إليهم؛ فسلموا عليه وساروا به إلى معسكرهم وأنزلوه ~~بخيمة، وأخذوا سلاح مماليكه ووكلوا بهم من يحفظهم؛ وأصبحوا من الغد عائدين ~~بهم معهم إلى مصر؛ فأدركهم أسندمر كرجي بالخطارة فأنزل في الحال المظفر عن ~~فرسه وقيده بقيد أحضره معه، فبكى وتحدرت دموعه على شيبته، فشق ذلك على ~~قراسنقر وألقى الكلفتاة عن رأسه إلى الأرض وقال: " لعن الله الدنيا، فيا ~~ليتنا متنا ولا رأينا هذا اليوم! فترجلت الأمراء وأخذوا كلفتاته ووضعوها ~~على رأسه. هذا مع أن قرا سنقر كان أكبر الأسباب في زوال دولة المظفر ~~المذكور! وهو الذي جسر الملك الناصر حتى كان من أمره ما كان. ثم عاد قرا ~~سنقر والحاج بهادر إلى محل كفالتهما، وأخذ بهادر ms1814 يلوم قرا سنقر كيف خالف ~~رأيه؛ فإنه كان أشار على قرا سنقر في الليل، بعد القبض على المظفر، بأن ~~يخفي عن المظفر حتى يصل إلى صيهون، ويتوجه كل منهما إلى محل ولايته، ويخيفا ~~الملك الناصر بأنه متى تغير عما كان وافق الأمراء عليه بدمشق قاموا بنصرة ~~المظفر وإعادته إلى الملك؛ فلم يوافق قرا سنقر، وظن أن الملك الناصر لا ~~يستحيل عليه ولا على المظفر؛ فلما رأى ما حل بالمظفر نم على مخالفة بهادر. ~~وبينما هما في ذلك بعث أسندمر كرجي إلى قراسنقر مرسوم السلطان بأن يحضر ~~صحبة المظفر إلى القلعة - وكان عزم الناصر أن يقبض عليه - ففطن قرا سنقر ~~بذلك وآمتنع من التوجه إلى مصر، وآعتذر بأن العشير قد تجمعوا ويخاف على ~~دمشق منهم، وجد في السير، وعرف أنه ترك الرأي في مخالفة بهادر. وقدم أسندمر ~~بالمظفر إلى القلعة في ليلة الأربعاء الرابع عشر من ذي القعدة؛ فلما مثل ~~المظفر بين يدي السلطان قبل الأرض، فأجلسه وعنفه بما فعل به، وذكره بما كان ~~منه إليه، وعدد ذنوبه، وقال له: " تذكر وقد صحت علي يوم كذا بسبب فلان! ~~ورددت شفاعتي في حق فلان! وآستدعيت بنفقة في يوم كذا من الخزانة فمنعتها! ~~وطلبت في وقت حلوى بلوز وسكر فمنعتني؛ ويلك! وزدت في أمري حتى منعتني شهوة ~~نفسي " والمظفر ساكت. فلما فرغ كلام السلطان قال له المظفر: " يا مولانا ~~السلطان! كل ما قلت فعلته، ولم يبق إلا مراحم السلطان؛ وإيش يقول المملوك ~~لأستاذه " فقال له: " يا ركن! أنا اليوم أستاذك! وأمس تقول لما طلبت إوزا ~~مشويا: إيش يعمل بالإوز! الأكل هو عشرون مرة في النهار! " ثم أمر به إلى ~~مكان، وكان ليلة الخميس، فاستدعى المظفر بوضوء وقد صلى العشاء. ثم جاء ~~السلطان الملك الناصر، فخنق المظفر بين يديه بوتر حتى كاد يتلف، ثم سيبه ~~حتى أفاق، وعنفه وزاد في شتمه، ثم خنقه ثانيا حتى مات؛ وأنزل على جنوية إلى ~~الإسطبل السلطاني فغسل ودفن خلف قلعة الجبل، وذلك في ليلة الجمعة خامس عشر ~~ذي ms1815 القعدة سنة تسع وسبعمائة. وكانت أيام المظفر هذا في سلطنة مصر عشرة أشهر ~~وأربعة وعشرين يوما لم يتهن فيها من الفتن والحركة. PageV02P0470 # وكان لما خرج المظفر من مصر هاربا قبل دخول الملك الناصر - قال بعض ~~الأدباء: تثنى عطف مصر حين وافى ... قدوم الناصر الملك الخبير فذل الجشنكير ~~بلا لقاء ... وأمسى وهو ذو جأش نكير إذا لم تعضد الأقدار شخصا ... فأول ما ~~يراع من النصير وقال النويري في تاريخه: ولما وصلوا بالمظفر بيبرس إلى ~~السلطان الناصر أوقفه بين يديه وأمر بدخوله الحمام، وخنق في بقية من يومه، ~~ودفن بالقرافة، وعفى أثر قبره مدة؛ ثم أمر بآنتقاله إلى تربته بالخانقاه ~~التي أنشأها فنقل إليها. وكان بيبرس هذا آبتدأ بعمارة الخانقاه والتربة ~~داخل باب النصر موضع دار الوزارة في سنة ست وسبعمائة، وأوقف عليها أوقافا ~~جليلة، ولكنه مات قبل تمامها، فأغلقها الملك الناصر مدة ثم فتحها. انتهى ~~كلام النويري. وكان الملك المظفر ملكا ثابتا كثير السكون والوقار، جميل ~~الصفات؛ ندب إلى المهمات مرارا عديدة، وتكلم في أمر الدولة مدة سنين، وحسنت ~~سيرته، وكان يرجع إلى دين وخير ومعروف. تولى السلطنة على كره منه، وله ~~أوقاف على وجوه البر والصدقة؛ وعمر ما هدم من الجامع الحاكمي داخل باب ~~النصر، بعد ما شعثته الزلازل. وكان من أعيان الأمراء في الدولة المنصورية ~~قلاوون أستاذه، ثم في الدولة الأشرفية خليل، والدولة الناصرية محمد بن ~~قلاوون. وكان أبيض اللون أشقر مستدير اللحية؛ وهو جاركسي الجنس على ما قيل، ~~ولم يتسلطن أحد من الجراكسة قبله ولا بعده إلى الملك الظاهر برقوق؛ وقيل ~~إنه كان تركيا، والأقوى عندي أنه كان جاركسيا، لأنه كان بينه وبين آقوش ~~الأفرم نائب الشام مودة ومحبة زائدة، وقيل قرابة، وكان الأفرم جاركسي ~~الجنس. انتهى. وآستولى السلطان الملك الناصر على جميع تعلقاته، وآستقدم ~~كاتبه كريم الدين أكرم بن العلم بن السديد، فقدم على الملك الناصر بأموال ~~المظفر بيبرس وحواصله، فقربه السلطان وأثنى عليه ووعده بكل جميل إن أظهره ~~على ذخائر المظفر بيبرس. فنزل كريم الدين إلى ms1816 داره، وتتبع أموال بيبرس وبذل ~~جهده في ذلك. ثم انتمى كريم الدين إلى طغاي وكستاي وأرغون الدوادار ~~الناصرية، وبذل لهم مالا كثيرا حتى صاروا أكبر أعوانه، وحموه من أستاذهم ~~الملك الناصر. ثم قدم من كان مع المظفر بيبرس من المماليك وعدتهم ثلاثمائة، ~~ومعهم الهجن والخيل والسلاح، ومبلغ مائتي ألف درهم وعشرين ألف دينار، وستون ~~بقجة من أنواع الثياب، فأخذ السلطان جميع ذلك، وفرق المماليك على الأمراء ~~ما خلا بكتمر الساقي لجمال صورته وطوغان الساقي وقراتمر. ثم استدعى الملك ~~الناصر القضاة وأقام عندهم البينة بأن جميع مماليك المظفر بيبرس وسلار، ~~وجميع ما وقفاه من الضياع والأملاك اشتري من بيت المال. فلما ثبت ذلك ندب ~~السلطان جمال الدين آقوش الأشرفي نائب الكرك، وكريم الدين أكرم لبيع تركة ~~المظفر بيبرس وإحضار نصف ما يتحصل، ودفع النصف الآخر لابنة المظفر زوجة ~~الأمير برلغي الأشرفي، فإن المظفر لم يترك من الأولاد سواها؛ فشدد كريم ~~الدين الطلب على زوجة المظفر وآبنته حتى أخذ منهما جواهر عظيمة القدر، ~~وذخائر نفيسة؛ ثم تابع موجود المظفر فوجد له شيئا كثيرا. ### || AUT السنة التي حكم فيها الملك المظفر بيبرس # الجاشنكير على مصر إلى شهر رمضان، ثم حكم في باقيها الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون وهي سنة تسع وسبعمائة؛ على أن الملك المظفر بيبرس حكم من السنة ~~الماضية أياما. فيها أعني سنة تسع وسبعمائة كانت الفتنة بين السلطان الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون وبين الملك المظفر بيبرس. حسب ما تقدم ذكره مفصلا ~~حتى خلع المظفر وأعيد الناصر. وفيها كانت الفتنة أيضا بالمدينة النبوية بين ~~الشريف مقبل بن جماز بن شيحة وبين أخيه منصور بن جماز؛ وكان مقبل قدم ~~القاهرة فولاه المظفر نصف إمرة المدينة شريكا لأخيه منصور، فتوجه إليها ~~فوجد منصورا بنجد وقد ترك آبنه كبيشة بالمدينة، فأخرجه مقبل؛ فحشد كبيشة ~~وقاتل مقبلا حتى قتله، وانفرد منصور بإمرة المدينة. وفيها كتب السلطان ~~الملك الناصر لقرا سنقر نائب الشام بقتال العشير. وفيها أظهر خربندا ملك ~~التتار الرفض في بلاده وأمر الخطباء إلا ms1817 يذكروا في خطبهم إلا علي بن أبي ~~طالب وولديه وأهل البيت. PageV02P0471 # وفيها حج بالناس من القاهرة الأمير شمس الدين إلدكز السلاح دار، ولم يحج ~~أحد من الشام لاضطراب الدولة. وفيها توفي الأمير الوزير شمس الدين سنقر ~~الأعسر المنصوري بالقاهرة في شهر ربيع الأول ودفن خارج باب النصر بعد ما ~~استعفى ولزم داره مدة. وفيها توفي قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد عبد ~~الغني بن يحيى بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن نصر بن محمد، بن أبي بكر ~~الحراني الحنبلي في ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول ودفن ~~بالقرافة. ومولده بحران في سنة خمس وأربعين وستمائة، وسمع الحديث وتفقه، ~~وقدم مصر فباشر نظر الخزانة وتدريس الصالحية ثم أضيف إليه قضاء الحنابلة، ~~فباشره وحمدت سيرته. وفيها توفي الشيخ نجم الدين محمد بن إدريس بن محمد ~~القمولي الشافعي بقوص في جمادى الأولى؛ وكان صالحا عالما بالتفسير والفقه ~~والحديث. وفيها توفي الأمير سيف الدين طغريل بن عبد الله الإيغاني بالقاهرة ~~في عاشر شهر رمضان؛ وكان من كبار الأمراء وأعيان الديار المصرية. وفيها ~~توفي الأمير عز الدين أيبك الخازندار في سابع شهر رمضان بالقاهرة؛ وكان من ~~أعيان أمراء مصر. وفيها توفي متملك تونس من بلاد الغرب الأمير أبو عبد الله ~~محمد المعروف أبي عصيدة بن يحيى الواثق بن محمد المستنصر بن يحيى بن عبد ~~الواحد بن أبي حفص في عاشر شهر ربيع الآخر. وكانت مدة ملكه أربع عشرة سنة ~~وأربعة أشهر؛ وتولى بعده الأمير أبو بكر بن أبي يزيد عبد الرحمن بن أبي بكر ~~بن يحيى بن عبد الواحد المدعو بالشهيد، لأنه قتل ظلما بعد ستة عشر يوما من ~~ملكه، وبويع بعده أيضا أبو البقاء خالد بن يحيى بن إبراهيم. وفيها توفي ~~الوزير التاج أبو الفرج بن سعيد الدولة في يوم السبت ثاني شهر رجب؛ وكان ~~عند الملك المظفر بيبرس بمكانة عظيمة، ولما تسلطن بيبرس قرره مشيرا، فكانت ~~تحمل إليه فوطة العلامة فيمضي منها ما يختاره، ويكتب عليه " عرض " فإذا ms1818 رأى ~~المظفر خطه علم وإلا فلا؛ ولم يزل على ذلك حتى بعث إليه الأمير آقوش الأفرم ~~نائب الشام يهدده بقطع رأسه فامتنع. وكان الأفرم صار يدبر غالب أمور الديار ~~المصرية وهو بدمشق، لأنه كان خشداش المظفر بيبرس وخصيصا به والقائم بدولته، ~~والمعاند للناصر وغيره من نواب البلاد الشامية، وقد تقدم ذكر ذلك. كله في ~~ترجمة الملك المظفر بيبرس. وفيها توفي الشيخ القدوة العارف بالله تعالى تاج ~~الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري المالكي ~~الصوفي الواعظ المذكر المسلك بالقاهرة في جمادى الآخرة ودفن بالقرافة؛ ~~وقبره معروف بها، يقصد للزيارة. وكان رجلا صالحا عالما يتكلم على كرسي ~~ويحضر ميعاده خلق كثير، وكان لوعظه تأثير في القلوب، وكان له معرفة تامة ~~بكلام أهل الحقائق وأرباب الطريق؛ وكان له نظم حسن على طريق القوم؛ وكانت ~~جنازته مشهودة حفلة إلى الغاية ومن شعره قصيدة أولها: يا صاح إن الركب قد ~~سار مسرعا ... ونحن قعود ما الذي أنت صانع أترضى بأن تبقى المخلف بعدهم ... ~~صريع الأماني والغرام ينارع وهذا لسان الكون ينطق جهرة ... بأن جميع ~~الكائنات قواطع وفيها توفي القاضي عز الدين عبد العزيز ابن القاضي شرف ~~الدين محمد ابن فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن خالد، بن القيسراني ~~أحد كتاب الدرج ومدرس الفخرية في ثامن صفر بالقاهرة، ودفن عند والده ~~بالقرافة. وكان من أعيان الموقعين وهو ووالده وجده، ومات وله دون الأربعين ~~سنة؛ وكان له فضيلة ونظم ونثر. ومن شعره في رد جواب: جاء الكتاب ومن سواد ~~مداده ... مسك ومن قرطاسه الأنوار فتشرف الوادي به وتعطرت ... أرجاؤه ~~وأنارت الأقطار قلت وأين هذا من قول البارع جمال الدين محمد بن نباتة ~~المصري، حيث يقول في هذا المعنى: أفديه من ملك يكاتب عبده ... بأحرفه ~~اللاتي حكتها الكواكب ملكت بها رقي وأنحلني الأسى ... فها أنذا عبد رقيق ~~مكاتب والشيخ علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن العبيي رحمه الله: ~~أهلتني لجواب ... ما كان ظني أجاوب لكنني عبد ms1819 رق ... مدبر ومكاتب ~~PageV02P0472 # وفيها توفي القاضي بهاء الدين عبد الله بن نجم الدين أحمد بن علي ابن ~~المظفر المعروف بابن الحلي ناظر ديوان الجيش المنصور، واستقر عوضه القاضي ~~فخر الدين صاحب ديوان الجيش. وفيها توفي الأديب إبراهيم بن علي بن خليل ~~الحراني المعروف بعين بصل. كان شيخا حائكا أناف على الثمانين، وكان عاميا ~~مطبوعا؛ وقصده آبن خلكان واستنشده من شعره فقال: أما القديم فلا يليق ~~إنشاده، وأما نظم الوقت الحاضر فنعم، وأنشده بديها: وما كل وقت فيه يسمح ~~خاطري ... بنظم قريض رائق اللفظ والمعنى وهل يقتضي الشرع الشريف تيمما ... ~~بترب وهذا البحر يا صاحبي معنا فقال له ابن خلكان. أنت عين بصر، لا عين ~~بصل. انتهى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم تأخر، وتأخرت الزيادة ~~إلى أن دخل شهر مسرى ووقع الغلاء واستسقى الناس، فنودي بزيادة ثلاث أصابع؛ ~~ثم توقفت الزيادة ونقص في أيام النسيء، ثم زاد حتى بلغ في سابع عشرين توت ~~خمس عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا، وفتح خليج السد، بعد ما كان الوفاء في تاسع ~~عشر بابه، بعد النوروز بتسعة وأربعين يوما. وكان مبلغ الزيادة في هذه السنة ~~ست عشرة ذراعا وإصبعين. وكان ذلك في أوائل سلطنة المظفر بيبرس الجاشنكير. ~~فتشاءم الناس بكعبه وأبغضته العامة. /عود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى ~~ملك مصر ثالث مرة وقد تقدم ذكر نزوله عن الملك وتوجهه إلى الكرك وخلع نفسه ~~وماوقع له بالكرك من مجيء نوغاي ورفقته، ومكاتباته إلى نواب الشام وخروجه ~~من الكرك إلى الشام، طالبا ملك مصر إلى أن دخل إلى دمشق، كل ذلك ذكرناه ~~مفصلا في ترجمة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير. ونسوق الآن ذكر دخوله إلى ~~مصر فنقول: لما كانت الثانية من نهار الثلاثاء السادس عشر من شهر رمضان سنة ~~تسع وسبعمائة، وهي الساعة التي خلع الملك المظفر بيبرس نفسه فيها من ملك ~~مصر بديار مصر، خرج الملك الناصر محمد بن قلاوون من دمشق يريد الديار ~~المصرية، فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب، وإقبال سعد الناصر وإدبار ms1820 سعد ~~المظفر وسارا الملك الناصر يريد الديار المصرية وصحبته نواب البلاد الشامية ~~بتمامهم وكمالهم والعساكر الشامية وخواصه ومماليكه. وأما أمر الديار ~~المصرية فإن الملك المظفر بيبرس لما خلع نفسه وخرج من مصر إلى الإطفيحية ~~جلس الأمير سلار بقاعة النيابة من قلعة الجبل وجمع من بقي من الأمراء واهتم ~~بحفظ القلعة، وأخرج المحابيس الذين كانوا فيها من حواشي الملك الناصر محمد ~~وغيرهم، وركب ونادى في الناس: " ادعوا لسلطانكم الملك الناصر " ، وكتب إلى ~~الملك الناصر بنزول المظفر عن الملك وفراره إلى إطفيح، وسير بذلك أصلم ~~الدوادار ومعه النمجاه، وكان قد توجه قبل ذلك من القاهرة الأمير بيبرس ~~المنصورفي الدوادار، والأمير بهادر آص في رسالة المظفر بيبرس أنه قد ترك ~~السلطنة وأنه سأل: إما الكرك وإما حماة وإما صهيون. واتفق يوم وصولهما إلى ~~غزة قدوم الملك الناصر أيضا إليها، وقدوم الأمير سيف الدين شاطي السلاح دار ~~في طائفة من الأمراء المصريين إليها أيضا. ثم قدمت العربان وقدم الأمير ~~مهنا بن عيسى، بجماعة كثيرة من آل فضل، فركب السلطان إلى لقائه. ثم قدم ~~الأمير برلغي الأشرفي مقدم عساكر المظفر بيبرس وزوج ابنته، والأمير آقوش ~~الأشرفي نائب الكرك، فسر الملك الناصر بقدومهما، فإنهما كانا عضدي المظفر. ~~قال الأمير بيبرس الدوادار المقدم ذكره في تاريخه، رحمه الله: PageV02P0473 # وأما نحن فإنا تقدمنا على البريد فوصلنا إلى السلطان يوم نزوله على غزة، ~~فمثلنا بين يديه وأعدنا المشافهة عليه، وطالعناه بنزول الركن عن السلطنة ~~والتماسه مكانا من بعض الأمكنة، فاستبشر لحقن دماء المسلمين وخمود الفتنة، ~~واتفق في ذلك النهار ورود الأمير سيف الدين برلغي والأمير عز الدين ~~البغدادي ومن معهما من الأمراء والمقدمين، واجتمعنا جميعاأ بالدهليز ~~المنصور، وقد شملنا الابتهاج، وزال عنا الانزعاج، وأفاض السلطان على ~~الأمراء التشاريف الجليلة على طبقاتهم، والحوائص الذهب الثمينة لصلاتهم، ~~فلم يترك أميرا إلأ وصله، ولا مقدما حتى شرفه بالخلع وجمله. وجددنا استعطاف ~~السلطان، فيما سأله الركن من الأمان، وكل من الأمراء الحاضرين بين يديه ~~يتلطف في سؤاله، ويتضرع في مقاله، حتى أجاب، وعدنا ms1821 بالجواب. ورحل السلطان ~~على الأثر قاصدا الديار المصرية، فوصلنا إلى القلعة يوم الخميس الخامس ~~والعشرين من شهر رمضان، واجتمعنا بالأمير سيف الدين سلار، ووجدنا الجاشنكير ~~قد تجاوز موضع الميعاد، وأخذ في الإصعاد، وحمله الإجفال على الإبعاد، ولم ~~يدعه الرعب يستقر به قرار، ولا تلقتة معه أرض ولا دار؟ فاقتضى الحال أن ~~أرسلنا إليه الكتب الشريفة الواردة على أيدينا، وعدت أنا وسيف الدين بهادر ~~آص إلى الخدمة السلطانية، فوجدنا الدهليز على منزلة السعيدية. انتهى كلام ~~بيبرس الدوادار باختصار. قلت: ولما تكاملت العساكر بغزة سار الملك الناصر ~~يريد الديار المصرية، فوافاه أصلم دوادار سلار بالنمجاه، ثم وصل رسلان ~~الدوادار فسر السلطان بنزوله. وسار حتى نزل بركة الحجاج في سلخ شهر رمضان، ~~وقد جهز إليه الأمير سلار الطلب السلطاني والأمراء والعساكر، ثم خرج الأمير ~~سلار إلى لقائه. وصلى السلطان صلاة العيد بالدهليز ببركة الحاج في يوم ~~الأربعاء مستهل شوال، وخرج الناس إلى لقاء السلطان الملك الناصر. وأنشد ~~الشعراء مدائحهم بين يديه، فمن ذلك ما أنشده الشيخ شمس الدين محمد بن علي ~~بن موسى الداعي أبياتا منها: الكامل: الملك عاد إلى حماه كما بدا ... ومحمد ~~بالنصر سر محمدا وإيابه كالسيف عاد لغمده ... ومعاده كالورد عاوده الندى ~~الحق مرتجع إلى أربابه ... من كف غاصبه وإن طال المدى ومنها: يا وارث الملك ~~العقيم تهنه ... واعلم بأنك لم تسد فيه سدى عن خير أسلاف ورثت سريره ... ~~فوجدت منصبه السري ممهدا يا ناصرا من خير منصور أتى ... كمهند خلف الغداة ~~مهندا آنست ملكا كان قبلك موحشا ... وجمعت شملا كان منه مبددا ومنها: ~~فالناس أجمع قد رضوك مليكهم ... وتضرعوا ألا تزال مخلدا وتباركوا بسناء ~~غرتك التي ... وجدوا على نوار بهجتها هدى الله أعطاك الذي لم يعطه ... ملكا ~~سواك برغم آناف العدا لا زلت منصور اللواء مؤيد إل ... عزمات ما هتف الحمام ~~وغردا ثم قدم الأمير سلار سماطا جليلا بلغت النفقة عليه اثني عشر ألف درهم، ~~وجلس عليه السلطان والأمراء والأكابر والعساكر. فلما انقضىالسماط، عزم ~~السلطان على المبيت هناك والركوب ms1822 بكرة النهار يوم الخميس، فبلغه أن الأمير ~~برلغي والأمير آقوش نائب الكرك قد اتفقا مع البرجية على الهجوم عليه وقتله، ~~فبعث السلطان إلى الأمراء عرفهم بما بلغه وأمرهم بالركوب، فركبوا وركبت ~~المماليك ودقت الكوسات. وسارالناصر وقت الظهر من يوم الأربعاء، وقد احتفت ~~به مماليكه كي لايصل إليه أحد من الأمراء حتى وصل إلى القلعة، وخرج الناس ~~بأجمعهم إلى مشاهدته. فلما وصل بين العروستين ترجل سلار عن فرسه، وترجل ~~سائر الأمراء ومشوا بين يديه إلى باب السر من القلعة، وقد وقف جماعة من ~~الأمراء بمماليكهم وعليهم السلاح، حتى عبر السلطان إلى القلعة ثم أمر ~~السلطان الأمراء بالانصراف إلى منازلهم، وعين جماعة من الأمراء الذين يثق ~~بهم أن يستمروا على ظهور خيولهم حول القلعة طول الليل فباتوا على ذلك. ~~PageV02P0474 # وأصبحوا من الغد وقد جلس السلطان الملك الناصر على كرسي الملك وهو يوم ~~الخميس ثاني شؤال. وحضر الخليفة أبو الربيع سليمان والقضاة والأمراء وسائر ~~أهل الدولة للهناء، فقرأ الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن موسى الداعي : " ~~قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " الآية، 2. وأنشد بعض الشعراء هذه ~~الأبيات: الطويل، تهنأت الدنيا بمقدمه الذي ... أضاءت له الآفاق شرقا ~~ومغربا وأما سرير الملك فاهتز رفعة ... ليبلغ في التشريف قصدا ومطلبا وتاق ~~إلى أن يعلو الملك فوقه ... كما قد حوى من قبله الأخ والأبا وكان ذلك بحضرة ~~الأمراء والنواب والعساكر ثم حلف السلطان الجميع على طبقاتهم ومراتبهم ~~الكبير منهم والصغير. ولما تقدم الخليفة ليسلم على السلطان نظر إليه وقال ~~له: كيف تحضر وتسلم على خارجي، هل كنت أنا خارجيا؟ وبيبرس من سلالة بني ~~العباس، فتغير وجه الخليفة ولا ينطق. قلت: والخليفة هذا، كان الملك الناصر ~~هو الذي ولاه الخلافة بعد موت أبيه الحاكم بأمر الله. ثم التفت السلطان إلى ~~القاضي علاء الدين علي بن عبد الظاهر الموقع، وكان هو الذي كتب عهد المظفر ~~بيبرس عن الخليفة، وقال له: يا أسود الوجه، فقال ابن عبد الظاهر من غير ~~توقف: يا خوند، أبلق خير من ms1823 أسود. فقال السلطان: ويلك حتى لا تترك رنكه ~~أيضا، يعني أن ابن عبد الظاهر كان ممن ينتمي إلى سلار، وكان رنك سلار أبيض ~~وأسود. ثم التفت السلطان إلى قاضي القضاة بدر الدين محمد، بن جماعة وقال ~~له: يا قاضي، كنت تفتي المسلمين بقتالي، فقال: معاذ الله أن تكون الفتوى ~~كذلك، وإنما الفتوى على مقتضى كلام المستفتي. ثم حضر الشيخ صدر الدين محمد ~~بن عمر بن المرحل وقبل يد السلطان، فقال له السلطان: كنت تقول في قصيدتك: ~~ما للصبي وما للملك يكفله فحلف ابن المرحل بالله ما قال هذا، وإنما الأعداء ~~أرادوا إتلافي فزادوا في قصيدتي هذا البيت، والعفو من شيم الملوك، فعفا ~~عنه. وكان ابن المرحل قد مدح المظفر بيبرس بقصيدة عرض فيها بذكر الملك ~~الناصر محمد، من جملتها: البسيط، ما للصبي وما للملك يكفله ... شأن الصبي ~~بغير الملك مألوف ثم استأذن شمس الدين محمد بن عدلان للدخول على السلطان، ~~فقال السلطان للدوادار، قل له: أنت أفتيت أنه خارجي وقتاله جائز، ما لك ~~عنده دخول، ولكن عرفه هو وابن المرحل أنه، يكفيهما ما قال الشار مساحي في ~~حقهما، وكان من خبر ذلك أن الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد الدائم ~~الشارمساحي الماجن مدح السلطان الملك الناصر بقصيدة يهجو فيها المظفر بيبرس ~~ويعرض لصحبته ابن المرحل وابن عدلان، منها: البسيط، ولى المظفر لما فاته ~~الظفر ... وناصر الحق وافى وهو منتصر وقد طوى الله من بين الورى فتنا ... ~~كادت على عصبة الإسلام تنتشر فقل لبيبرس إن الدهر ألبسه ... أثواب عارية في ~~طولها قصر لما تولى تولى الخير عن أمم ... لم يحمدوا أمرهم فيها ولا شكروا ~~وكيف تمشي به الأحوال في زمن ... لا النيل وافى ولا وافاهم مطر ومن يقوم ~~ابن عدلان بنصرته ... وابن المرحل قل لي كيف ينتصر وكان المطر لم يقع في ~~تلك السنة بأرض مصر وقصر النيل، وشرقت البلاد وارتفع السعر. واتفق أيضا يوم ~~جلوس السلطان الملك الناصر أن الأمراء لما اجتمعوا قبل خروج السلطان إليهم ~~بالإيوان، أشار الأفرم نائب ms1824 الشام لمنشد يقال له مسعود أحضره معه من دمشق، ~~فقام مسعي وأنشد أبياتا لبعض عوام القاهرة، قالها عند توجه الملك الناصر من ~~الديار المصرية إلى الكرك: منها: الطويل، أحبة قلبي إنني لوحيد ... أريد ~~لقاكم والمزار بعيد كفى حزنا أني مقيم ببلدة ... ومن شف قلبي بالفراق فريد ~~أجول بطرفي في الديار فلا أرى ... وجوه أحبائي الذين أريد فتواجد الأفرم ~~وبكى وحسر عن رأسه ووضع الكلفتاة على الأرض، فأنكر الأمراء ذلك، وتناول ~~الأمير قراسنقر الكلفتاة ووضعها بيده على رأس الأفرم، ثم خرج السلطان فقام ~~الجميع، وصرخ الجاويشية فقبل الأمراء الأرض وجرى ما ذكرناه، وانقضت الخدمة، ~~ودخل السلطان إلى الحريم. PageV02P0475 # ثم بعد الخدمة قدم الأمير سلار النائب عدة من المماليك والخيول والجمال ~~وتعابي القماش ما قيمته مائتا ألف درهم، فقبل السلطان شيئا ورد الباقي. ~~وسأل سلار الإعفاء من الإمرة والنيابة وأن ينعم عليه بالشوبك فأجيب إلى ~~ذلك، بعد أن حلف أنه متى طلب حضر وخلع السلطان عليه، وخرج سلار من مصر عصر ~~يوم الجمعة ثالث شوال مسافرا إلى الشوبك، فكانت مدة نيابة سلار على مصر ~~إحدى عشرة سنة. وكانت الخلعة التي خلعها السلطان عليه بالعزل عن النيابة ~~أعظم من خلعة الولاية، وأعطاه حياصة من الذهب مرضعة، وتوجه معه الأمير نظام ~~الدين مسفرا له، واستمر الأمير علي بن سلار بالقاهرة، وأعطاه السلطان إمرة ~~عشرة بمصر. ثم في خامس شؤال قدم رسول المظفر بيبرس يطلب الأمان فأمنه ~~السلطان. وفيه خلع السلطان على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري ~~باستقراره في نيابة دمشق، عوضا عن الأمير آقوش الأفرم بحكم عزله. وخلع على ~~الأمير سيف الدين قبجق المنصوري بنيابة حلب عوضا عن قرا سنقر. وخلع على ~~أسندمركرجي بنيابة حماة عوضا عن قبجق، وخلع على الحاج بهادر الحلبي بنيابة ~~طرابلس عوضا عن أسندمر كرجي. وخلع على قطلوبك المنصوري بنيابة صفد عوضا عن ~~بكتمر الجوكندار. واستقر سنقر، الكمالي حاجب الحجاب بديار مصر على عادته، ~~وقرالاجين أمير مجلس على عادته. وبيبرس الدوادار على عادته، وأضيف إليه ~~نيابة دار العدل ونظر الأحباس. ms1825 وخلع على الأمير جمال الدين آقوش الأفرم ~~نائب الشام كان بنيابة صرخد على خبز مائة فارس. وأنعم السلطان على نوغاي ~~القبجاقي بإقطاع الأمير قطلوبك المنصوري، وهو إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق. ~~ونوغاي هذا هو صاحب الواقعة مع المظفر والخارج من مصر إلى الكرك. انتهى. ثم ~~رسم السلطان لشهاب الدين بن عبادة بتجهيز الخلع والتشاريف لسائر أمراء ~~الشام ومصر فجهزت، وخلع عليهم كلهم في يوم الاثنين سادس شوال، وركبوا ~~بالخلع والتشاريف فكان لركوبهم يوم عظيم. وفي يوم الأحد ثاني عشر شوال ~~استقر فخر الدين عمر بن الخليلي في الوزارة عوضا عن ضياء الدين النشائي. ثم ~~رسم السلطان للنواب بالسفر، فأول من سافر الأمير قبجق نائب حلب، وخرجت معه ~~تجريدة من العساكر المصرية خوفا من طارق يطرق البلاد. والذي تجرد مع قبجق ~~من أمراء مصر هم: الأمير جبا أخو سلار، وطرنطاي البغدادي، وعلاء الدين ~~أيدغدي، وبهادر الحموي، وبلبان الدمشقي، وسابق الدين بوزنا الساقي، وركن ~~الدين بيبرس الشجاعي، وكوري السلاح دار، وأقطوان الأشرفي، وبهادر ~~الجوكندار، وبلبان الشمسي، وأيدغدي الزراق، وكهرداش الزراق، وبكتمر ~~أستادار، وأيدمر الإسماعيلي، وأقطاي الجمدار، وجماعة من أمراء العشرات. ~~فلما وصلوا إلى حلب رسم بإقامة جماعة منهم بالبلاد الشامية، عدتهم ستة من ~~أمراء الطبلخاناه، وعادت البقية. وفي يوم الخميس سادس عشر شوال حضر الأمراء ~~للخدمة على العادة، وقد قرر السلطان مع مماليكه القبض على عدة من الأمراء، ~~وأن كل عشرة يقبضون أميرا ممن عينهم، بحيث يكون العشرة عند دخول الأمير ~~محتفة به، فإذا رفع السماط واستدعى السلطان أمير جاندار قبض كل جماعة على ~~من عين لهم. فلما حضر الأمراء في الخدمة أحاط بهم المماليك ففهموا القصد ~~وجلسوا على السماط، فلم يتناول أحد منهم لقمة، وعندما نهضوا أشار السلطان ~~إلى أمير جاندار، فتقدم إليه وقبض المماليك على الأمراء المعينين، وعدتهم ~~اثنان وعشرون أميرا، فلم يتحرك أحد منهم، فبهت الجميع ولم يفلت منهم سوى ~~جركتمر بن بهادر رأس نوبة، فإنه لما فهم القصد وضع يده على أنفه كأنه رعف ~~وخرج من غير أن ms1826 يشعر به أحد، واختفى عند الأمير قراسنقر، وكان زوج أخته، ~~فشفع فيه، قراسنقر فقبل السلطان شفاعته. وكان الأمراء المقبوض عليهم: ~~الأمير باكير وأيبك البغدادي وقينغار التقوي وقجماس وصاروجا وبيبرس، ~~وبيدمروتينوا، ومنكوبرس، وإشقتمر، والسيواسي وسنقر الكمالي الحاجب، والحاج ~~بيليك المطفري، ، والغتمي، وإكبار، وحسن الردادي، وبلاط وتمربغا، وقيران، ~~ونوغاي الحموي وهو غير نوغاي القبجاقي صاحب الواقعة ، وجماعة أخر تتمة ~~الاثنين وعشرين أميرا. PageV02P0476 # وفي ثالث عشرين شوال استقر الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار المنصوري في ~~نيابة السلطنة بديار مصر عوضا عن سلار. وفيه أمر السلطان اثنين وثلاثين ~~أميرا من مماليكه، منهم: تنكز الحسامي الذي ولي نيابة الشام بعد ذلك، ~~وطغاي، وكستاي، وقجليس، وخاص ترك، وطط قرا ، وأقتمر، وأيدمر الشيخي، وأيدمر ~~الساقي، وبيبرس أمير آخور، وطاجار المارديني الناصري، وخضر بن نوكاي، ~~وبهادر قبجق، والحاج أرقطاي ، وأخوه أيتمش المحمدي، وأرغون الدوادار الذي ~~صار بعد ذلك نائب السلطنة بمصر، وسنقر المرزوقي، وبلبان الجاشنكير، وأسنبغا ~~بن عبد الله المحمودي الأمير سيف الدين، ، وبيبغا المكي ، وأمير، علي بن ~~قطلوبك، ونوروز أخو جنكلي، وألجاي الحسامي، وطيبغا حاجي، ومغلطاي العزي صهر ~~نوغاي، وقرمشي الزيني، وبكتمر قبجق، وتينوا الصالحي، ومغلطاي البهائي، ~~وسنقر السلاح دار، ومنكلي بغا، وركبوا الجميع بالخلع والشرابيش من ~~المنصورية ببين القصرين وشقوا القاهرة، وقد أوقدت الحوانيت كلها إلى ~~الرميلة وسوق الخيل وصفت المغاني وأرباب الملاهي في عدة أماكن، ونثرت عليهم ~~الدراهم فكان يوما مشهودا. وكان المذكورون منهم أمراء طبلخاناه وعشراوات. ~~وفيه قبض السلطان على برلغي الأشرفي وجماعة أخر. ثم بعد أيام أيضا قبض ~~السلطان على الأمير عز الدين أيدمر الخطيري الأستادار، والأمير بدر الدين، ~~بكتوت الفتاح أمير جاندار بعدما حضرا من عند الملك المظفر بيبرس وخلع ~~عليهما، وذلك بعد الفتك بالمظفر بيبرس حسب ما ذكرناه في ترجمة المظفر ~~بيبرس، وسكتنا عنه هنا لطول قصته، ولقصر مدة حكايته، فإنه بالأمس ذكر فليس ~~لتكراره محل، ومن أراد ذلك فلينظر في ترجمة المظفر بيبرس. انتهى. وفيه سفر ~~الأمراء المقبوض عليهم إلى حبس الإسكندرية، وكتب بالإفراج عن المعتقلين ~~بها، وهم: آقوش المنصوري ms1827 قاتل الشجاعي، والشيخ علي التتاري، ومنكلي ~~التتاري، وشاورشي بن قنغر، وهو الذي كان أثار فتنة الشجاعي، وكتبغا، وغازي ~~وموسى أخوا حمدان بن صلغاي، فلما حضر.خلع عليهم وأنعم عليهم بإمريات في ~~الشام. ثم أحضر شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية من سجن الإسكنرية ~~وبالغ في إكرامه، وكان حبسه المظفر لأمر وقع بينه وبين علماء دمشق ذكرناه ~~في غير هذا الكتاب، وهو بسبب الاعتقاد وما يرمى به أوباش الحنابلة. وفي يوم ~~الثلاثاء تاسع عشرين صفر سنة عشر وسبعمائة عزل السلطان قاضي القضاة بدر ~~الدين محمد بن جماعة الشافعي عن قضاء الديار المصرية بقاضي القضاة جمال ~~الدين أبي داود سليمان بن مجد الدين أبي حفص عمر الزرعي، وعزل قاضي القضاة ~~شمس الدين أحمد بن إبراهيم السروجي الحنفي، فأقام بعد عزله ستة أيام ومات. ~~ثم كتب السلطان الملك الناصر بالقبض على الأمراء الذين كان أطلقهم من حبس ~~الإسكندرية وأنعم عليهم بإمريات بالبلاد الشامية خوفا من شرهم. ثم استقر ~~السلطان بالأمير بكتمر الحسامي حاجب دمشق في نيابة غزة عوضا عن بلبان ~~البدري. ثم قبض السلطان على قطقطو، والشيخ علي وضروط، مماليك سلار، وأمر ~~عوضهم جماعة من مماليكه وحواشيه، منهم: بيبغا الأشرفي، وجفتاي، وطيبغا ~~الشمسي، وأيدمر الدوادار، وبهادر النقيب. وفيها حضر ملك العرب حسام الدين ~~مهنا أمير آل فضل فأكرمه السلطان وخلع عليه، وسأل مهنا السلطان في أشياء ~~وأجابه، منها: ولاية حماة للملك المؤيد إسماعيل ابن الملك الأفضل علي ~~الأيوبي، فأجابه إلى ذلك ووعده بها بعد أسندمر كرجي، ومنها الشفاعة في ~~أيدمر الشيخي فعفا عنه وأخرجه إلى قوص، ومنها الشفاعة في الأمير برلغي ~~الأشرفي، وكان في الأصل مملوكه قد كسبه مهنا هذا من التتار ثم أهداه إلى ~~الملك المنصور قلاوون، فورثه منه ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون، فعدد ~~السلطان الملك الناصر ذنوبه، فما زال به مهنا حتى خفف عنه، وأذن للناس في ~~الدخول عليه، ووعدده بالإفراج عنه بعد شهر، فرضي بذلك وعاد إلى بلاده وهو ~~كثير الشكر والثناء على الملك الناصر. ولما فرغ السلطان ms1828 الملك الناصر كل من ~~أمر المظفر بيبرس وأصحابه ولم يبق عنده PageV02P0477 # ممن يخشاه إلا سلار، ندب إليه السلطان الأمير ناصر الدين محمد ابن أمير ~~سلاح بكتاش الفخري وكتب على يده كتابا بحضوره إلى مصر فاعتذر سلار عن ~~الحضور إلى الديار المصرية بوجع في فؤاده، وأنه يحضر إذا زال عنه. فتخيل ~~السلطان من تأخره وخاف أن يتوخه إلى التتارة فكتب إلى قراسنقر نائب الشام ~~وإلى أسندمر نائب حماة بأخذ الطرق على سلار لئلا يتوجه إلى التتار. ثم بعث ~~الملك الناصر بالأميرين: بيبرس الدوادار وسنجر الجاولي إلى الأمير سلار، ~~وأكد عليهما في إحضاره، وأن يضمنا له عن السلطان أنه يريد إقامته عنده ~~يستشيره في أمور المملكة، فقدما على سلار وبلغاه عن السلطان ما قال، ~~فوعدهما أنه يحضر، وكتب الجواب بذلك، فلما رجعا اشتد قلق السلطان وكثر ~~خياله منه. وأما سلار فإنه تحير في أمره واستشار أصحابه فاختلفوا عليه، ~~فمنهم من أشار بتوجهه إلى السلطان، ومنهم من أشار بتوجهه إلى قطر من ~~الأقطار، إما إلى التتار أو إلى اليمن أو إلى برقة. فعول على المسير إلى ~~اليمن، ثم رجع عن ذلك وأجمع على الحضور إلى السلطان، وخرج من الشوبك و عنده ~~ممن سافر معه من مصر، أربعمائة وستون فارسا، فسار إلى القاهرة، فعندما قدم ~~على الملك الناصر قبض عليه وحبسه بالبرج من قلعة الجبل، وذلك في سلخ شهر ~~ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة. ثم ضيق السلطان على الأمير برلغي بعد رواح ~~الأمير مهنا، وأخرج حريمه من عنده، ومنع ألا يدخل إليه أحد بأكل ولا شرب ~~حتى أشفى على الموت ويبست أعضاؤه وخرس لسانه من شدة الجوع، ومات ليلة ~~الأربعاء ثاني شهر رجب. PageV02P0478 # وأما أمر سلار فإنه لما حضر بين يدي الملك الناصر عاتبه عتابا كثيرا وطلب ~~منه الأموال، وأمر الأمير سنجر الجاولي أن ينزل معه ويتسلم منه مايعطيه من ~~الأموال، فنزل معه إلى داره، ففتح سلار سربا تحت الأرض، فأخرج منه سبائك ~~ذهب وفضة وجرب من الأديم، الطائفي، في كل جراب عشرة آلاف ms1829 دينار، فحملوا من ~~ذلك السرب أكثر من حمل، خمسين بغلا من الذهب والفضة، ثم طلع سلار إلى ~~الطارمة التي كان يحكم عليها فحفروا تحتها، فأخرجوا سبعا وعشرين خابية ~~مملوءة ذهبا، ثم أخرج من الجواهر شيئأ كثيرا، منها: حجر بهرمان زنته أربعون ~~مثقالا، وأخرج ألفي حياصة ذهب مجوهرة بالفصوص، وألفي قلادة من الذهب، كل ~~قلادة تساوي مائة دينار، وألفي كلفتاة زركش، وشيئا كثيرا يأتي ذكره أيضا ~~بعد أن نذكر وفاته، ومنها: أنهم وجدوا له لجما مفضضة فنكتوا الفضة عن ~~السيور ووزنوها، فجاء وزنها عشرة قناطير بالشامي. ثم إن السلطان طلبه وأمر ~~أن يبنى عليه أربع حيطان في مجلسه، وأمر ألا يطعم ولايسقى، وقيل: إنه لما ~~قبض عليه وحبسه بقلعة الجبل أحضر إليه طعاما فأبى سلار أن يأكل وأظهر ~~الغضب، فطولع السلطان بذلك، فأمر بألا يرسل إليه طعام بعد هذا، فبقي سبعة ~~أيام لا يطعم ولايسقى وهو يستغيث من الجوع، فأرسل إليه السلطان ثلاثة أطباق ~~مغطاة بسفر الطعام، فلما أحضروها بين يديه فرح فرحا عظيما وظن أن فيها ~~أطعمة يأكل منها، فكشفوها فإذا في طبق ذهب، وفي الآخر فضة، وفي الآخر لؤلؤ ~~وجواهر، فعلم سلار أنه ما أرسل إليه هذه الأطباق إلا ليقابله على ما كان ~~فعله معه، فقال سلار: الحمد لله الذي جعلني من أهل المقابلة في الدنيا وبقي ~~على هذه الحالة اثني عشر يوما ومات، فأعلموا الملك الناصر بموته فجاؤوا ~~إليه، فوجدوه قد أكل ساق خفه، وقد أخذ السرموجة وحطها في فيه وقد عض عليها ~~بأسنانه وهو ميت، وقيل: إنهم دخلوا عليه قبل موته وقالوا: السلطان قد عفا ~~عنك، فقام من الفرح ومشى خطوات ثم خر ميتا، وذلك في يوم الأربعاء الرابع ~~والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة، وقيل: في العشرين من جمادى ~~الأولى من السنة المذكورة. فأخذ الأمير علم الدين سنجر الجاولي بإذن ~~السلطان وتولى غسله وتجهيزه، ودفنه بتربته التي أنشأها بجانب مدرسته على ~~الكبش خارج القاهرة بالقرب من جامع ابن طولون، لصداقة كانت بين الجاولي و ms1830 ~~سلار قديما وحديثا. وكان سلار أسمر اللون أسيل الخد لطيف القد صغير اللحية ~~تركي الجنس، وكان أصله من مماليك الملك الصالح علي بن قلاوون الذي مات في ~~حياة والده قلاوون، وكان سلار أميرا جليلا شجاعا مقداما عاقلا سيوسا، وفيه ~~كرم وحشمة ورياسة، وكانت داره ببين القصرين بالقاهرة. وقيل: إن سلار لما حج ~~المرة الثانية فرق في أهل الحرمين أموالا كثيرة وغلالا وثيابا تخرج عن حد ~~الوصف، حتى إنه لم يدع بالحرمين فقيرا، وبعد هذا مات، وأكبر شهواته رغيف ~~خبز، وكان في شونته يوم مات من الغلال ما يزيد على أربعمائة ألف إردب. وكان ~~سلار ظريفا لبيسا كبير الأمراء في عصره، اقترح أشياء من الملابس كثيرة مثل ~~السلاري وغيره، ولم يعرف لبس السلاري قبله، وكان شهد وقعة شقحب مع الملك ~~الناصر وأبلى في ذلك اليوم بلاء حسنا وثخنت جراحاته، وله اليد البيضاء في ~~قتال التتار. وتولى نيابة السلطنة بديار مصر، فاستقل فيها بتدبير الدولة ~~الناصرية نحو عشر سنين. ومن جملة صدقاته أنه بعث إلى مكة في سنة اثنتين ~~وسبعمائة في البحر المالح عشرة آلاف إردب قمح ففرقت في أهل مكة، وكذا فعل ~~بالمدينة. وكان فارسا كان إذا لعب بالكرة لا يرى في ثيابه عرق، وكذا في لعب ~~الرمح مع الإتقان فيهما. وأما ماخلفه من الأموال فقد ذكرنا منه شيئا ونذكر ~~منه أيضا ما نقله بعض المؤرخين. قال الجزري: وجد ل سلار بعد موته ثمانمائة ~~ألف ألف دينار، وذلك غير الجوهر والحلي والخيل والسلاح. قال الحافظ أبو عبد ~~الله الذهبي: هذا كالمستحيل، وحسب زنة الدينار وجمله بالقنطار فقال: يكون ~~ذلك حمل خمسة آلاف بغل، وما سمعناه عن أحد من كبار السلاطين أنه ملك هذا ~~القدر، ولا سيما ذلك خارج عن الجوهر وغيره. انتهى كلام الذهبي. قلت: وهو ~~معذور في الجزري، فإنه جازف وأمعن. PageV02P0479 # وقالى ابن دقماق في تاريخه: وكان يدخل إلى سلار في كل يوم من أجرة أملاكه ~~ألف دينار. وحكى الشيخ محمد بن شاكر الكتبي فيما رآه بخط الإمام العالم ~~العلامة ms1831 علم الدين البرزالي، قال: رفع إلي المولى جمال الدين بن الفويرة ~~ورقة فيها قبض أموال سلار وقت الحوطة عليه في أيام متفرقة، أولها يوم ~~الأحد: ياقوت أحمر وبهرمان رطلان. بلخش رطلان ونصف. زمرد ريحاني وذباب تسعة ~~عشر رطلا. صناديق ضمنها فصوص ستة. ما بين زمرد وعين الهر ثلاثمائة قطعة ~~كبار. لؤلؤ مدور من مثقال إلى درهم ألف ومائة وخمسون حبة. ذهب عين مائتا ~~ألف دينار وأربعة وأربعون ألف دينار. ودراهم أربعمائة ألف وأحد وسبعون ألف ~~درهم. يوم الاثنين: فصوص مختلفة رطلان ذهب عين خمسة وخمسون ألف دينار، ~~دراهم ألف ألف درهم. مصاغ وعقود ذهب مصري أربع قناطير. فضيات طاسات وأطباق ~~وطشوت ست قناطير. يوم الثلاثاء: ذهب عين خمسة وأربعون ألف دينار، دراهم ~~ثلاثمائة ألف درهم وثلاثون ألف درهم. قطزيات وأهله وطلعات صناجق فضة ثلاثة ~~قناطير. يوم الأربعاء: ذهب عين ألف ألف دينار، دراهم ثلاثمائة ألف درهم. ~~أقبية بفرو قاقم ثلاثمائة قباء. أقبية حرير عمل الدار ملونة بفرو سنجاب ~~أربعمائة قباء، سروج ذهب مائة سرج. ووجد له عند صهره أمير موسى ثمانية ~~صناديق لم يعلم ما فيها، حملت إلى الدور السلطانية وحمل أيضا من عند سلار ~~إلى الخزانة تفاصيل طرد وحش، وعمل الدار ألف تفصيلة. ووجد له خام السفر ست ~~عشرة نوبه كاملة. ووصل له مما كان أخذه صحبته لما توجه إلى الشوبك ذهب مصري ~~خمسون ألف دينار، ودراهم أربعمائة ألف درهم وسبعون ألف درهم، وخلع ملونة ~~ثلاثمائة خلعة وخركاه كسوتها أطلس أحمر معدني مبطن بأزرق مروزي أوستر، ~~بابها زركش ووجد له خيل ثلاثمائة فرس، ومائة وعشرون قطار بغال، ومائة ~~وعشرون قطار جمال. هذا خارج عما وجد له من الأغنام والأبقار والجواميس ~~والأملاك والمماليك والجواري والعبيد. ودل مملوكه على مكان مبني في داره ~~فوجدوا حائطين مبنيين بينهما أكياس ما علم عدتها، وفتح مكان آخر فيه فسقية ~~ملآنة ذهبا منسبكا بغيرأكياس. قلت: ومما زاد سلار من العظمة أنه لما ولي ~~النيابة في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون، وصار إليه وإلى بيبرس ~~الجاشنكير ms1832 تدبير المملكة، حضر إلى الديار المصرية الملك العادل زين الدين ~~كتبغا الذي كان سلطان الديار المصرية وعزل بحسام الدين لاجين، ثم استقر ~~نائب حماة، فقدم كتبغا إلى القاهرة وقبل الأرض بين يدي الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون، ثم خرج من عنده وأتى سلار هذا ليسلم عليه، فوجد سلار راكبا وهو ~~يسير في حوش داره، فنزل كتبغا عن فرسه وسلم على سلار، و سلار على فرسه لم ~~ينزل عنه، وتحادثا حتى انتهى كلام كتبغا، وعاد إلى حيث نزل بالقاهرة، فهذا ~~شيء لم يسمع بمثله انتهى. وبعد موت سلار قدم على السلطان البريد بموت ~~الأمير قبجق المنصوري نائب حلب، وكان الملك الناصر عزل أسندمر كرجي عن ~~نيابة حماة وولى نيابة حماة للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل، فسار إليه ~~المؤيد من دمشق فمنعه أسندمر، فأقام المؤيد بين حماة ومصر ينتظر مرسوم ~~السلطان، فاتفق موت قبجق نائب حلب، فسار أسندمر من حماة إلى حلب وكتب يسأل ~~السلطان في نيابة حلب، فأعطاها له، وأسر ذلك في نفسه، لكونه أخذ نيابتها ~~باليد. ثم عزل السلطان بكتمر الحسامي الحاجب عن نيابة غزة وأحضره إلى ~~القاهرة، وولى عوضه على نيابة غزة الأمير قطلقتمر وخلع على بكتمر الحاجب ~~بالوزارة بالديار المصرية عوضا عن فخر اللدين عمر، بن الخليلي. ثم قدم ~~البريد بعد مدة، لكن في السنة، بموت الأمير الحاج بهادر الحلبي نائب ~~طرابلس، فكتب السلطان بنقل الأمير جمال الدين آقوش الأفرم من نيابة صرخد ~~إلى نيابة طرابلس عوضا عن الحاج بهادر المذكور، فسار إليها وفرح بموت الحاج ~~بهادر فرحا عظيما، فإنه كان يخافه ويخشى شره. PageV02P0480 # ثم التفت السلطان بعد موت قبجق والحاج بهادر المذكور إلى أسندمر كرجي، ~~وأخرج تجريدة من الديار المصرية، وفيها من الأمراء كراي المنصوري وهو مقدم ~~العسكر، وسنقر الكمالي حاجب الحجاب، وأيبك الرومي وبينجار وكجكن وبهادر آص ~~في عدة من مضافيهم من أمراء الطبلخاناه والعشرات ومقدمي الحلقة، وأظهر أنهم ~~توجهوا لغزو سيس، وكتب لأسندمر كرجي بتجهيز آلات الحصار على العادة، ~~والاهتمام في هذا الأمر حتى يصل ms1833 إليه العسكر من مصر. وكتب الملك الناصر إلى ~~المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة بالمسير مع العسكر المصري. ثم خرج ~~الأمير كراي من القاهرة بالعساكر في مستهل ذي القعدة سنة عشر وسبعمائة وأسر ~~إليه السلطان ما يعتمده في أمر كرجي. وبعد خروج هذا العسكر من مصر توحش ~~خاطر الأمير بكتمر الخوكندار نائب السلطنة من الملك الناصر وخاف على نفسه، ~~واتفق مع الأمير بتخاص المنصوري على إقامة الأمير مظفر الدين موسى ابن ~~الملك الصالح علي بن قلاوون في السلطنة، والاستعانة بالمماليك المظفرية، ~~وبعث إليهم في ذلك فوافقوه. ثم شرع النائب بكتمر الجوكندار في استمالة ~~الأمراء ومواعدة المماليك المظفرية الذين بخدمة الأمراء، على أن كل طائفة ~~تقبض على الأمير الذي هي في خدمته في يوم عينه لهم، ثم يسوق الجميع إلى قبة ~~النصر خارج القاهرة، ويكون الأمير موسى المذكور قد سبقهم هناك. فدبروا ذلك ~~حتى انتظم الأمر ولم يبق إلا وقوعه، فنم عليهم إلى الملك الناصر بيبرس ~~الجمدار أحد المماليك المظفرية. وهو ممن اتفق معهم بكتمر الجوكندار، أراد ~~بذلك أن يتخذ يدا عند السلطان الملك الناصر بهذا الخبر، فعرف خشداشه قراتمر ~~الخاصكي بما عزم عليه فوافقه. وكان بكتمر الجوكندار قد سير يعرف الأمير ~~كراي المنصوري بذلك، لأنه كان خشداشه، وأرسل كذلك إلى قطلوبك المنصوري نائب ~~صفد ثم إلى قطلقتمر نائب غزه، فأما قطلوبك وقطلقتمر فوافقاه، وأما كراي ~~فأرسل نهاه وحذره من ذلك، فلم يلتفت بكتمر، وتم على ما هو عليه. فلما بلغ ~~السلطان هذا الخبر وكان في الليل لم يتمهل، وطلب الأمير موسى إلى عنده وكان ~~يسكن بالقاهرة، فلما نزل إليه الطلب هرب. ثم استدعى السلطان، الأمير بكتمر ~~الجوكندار النائب، وبعث أيضا في طلب بتخاص، وكانوا إذ ذاك يسكنون بالقلعة، ~~فلما دخل إليه بكتمر أجلسه وأخذ يحادثه حتى أتاه المماليك بالأمير بتخاص، ~~فلما رآه بكتمر علم أنه قد هلك، فقيد بتخاص وسجن، وأقام السلطان ينتظر ~~الأمير موسى، فعاد إليه الجاولي ونائب الكرك وأخبراه بفراره، فاشتد غضبه ~~عليهما. وماطلع النهار حتى أحضر السلطان ms1834 الأمراء وعرفهم بما قد وقع، ولم ~~يذكر اسم بكتمر النائب. وألزم السلطان الأمير كشدغدي البهادري والي القاهرة ~~بالنداء على الأمير موسى، ومن أحضره من الجند فله إمرته، وإن كان من العامة ~~فله ألف دينار. فنزل كشدغدي، ومعه الأمير فخر الدين إياز شاذ الدواوين ~~وأيدغل شقير وسودي وعدة من المماليك، وألزم السلطان سائر الأمراء بالإقامة ~~بالقاعة الأشرفية من القلعة حتى يظهر خبر الأمير موسى. ثم قبض السلطان على ~~حواشي الأمير موسى وجماعته وعاقب كثيرا منهم. فلم يزل الأمر على ذاك من ~~ليلة الأربعاء إلى يوم الجمعة، ثم قبض على الأمير موسى المذكور من بيت ~~أستادار الفارقاني من حارة الوزيرية بالقاهرة، وحمل إلى القلعة فسجن بها. ~~ونزل الأمراء إلى دورهم، وخلي عن الأمير بكتمر النائب أيضا ونزل إلى داره، ~~ورسم السلطان بتسمير أستادار الفارقاني، ثم عفا عنه وسار إلى داره. وتتبع ~~السلطان المماليك المظفرية، وفيهم بيبرس الجمدار، الذي نم عليهم وعملوا في ~~الحديد، وأنزلوا ليسمروا تحت القلعة، وقد حضر نساؤهم وأولادهم، وجاء الناس ~~من كل موضع وكثر البكاء والصراخ عليهم، رحمة لهم، والسلطان ينظر، فأخذته ~~الرحمة عليهم فعفا عنهم، فتركوا ولم يقتل أحد منهم، فكثر الدعاء للسلطان ~~والثناء عليه. PageV02P0481 # وأما أمر أسندمر كرجي فإن الأمير كراي لما وصل بالعساكر المصرية إلى حمص ~~وأقام بها على ما قرره السلطان معه وصل إليه الأمير منكوتمر الطباخي، وكان ~~السلطان كتب معه ملطفات إلى أمراء حلب بقبض نائبها أسندمر كرجي في الباطن، ~~وكتب في الظاهر لكراي وأسندمر كرجي بما أراده من عمل المصالح، فقضى كراي ~~شغله من حمص وركب وتهيأ من حمص، وجد في السير جريمة حتى وصل إلى حلب في يوم ~~ونصف، فوقف بمن معه تحت قلعة حلب عند ثلث الليل الآخر، وصاح: يا لعلي، وهي ~~الإشارة التي رتبها السلطان، بينه وبين نائب قلعة حلب. فنزل نائب القلعة ~~عند ذلك بجميع رجالها وقد استعدوا للحرب، وزحف الأمير كراي على دار ~~النيابة، ولحق به أمراء حلب وعسكرها، فسلم الأمير أسندمر كرجي نفسه بغير ~~قتال، فأخذ وقيد ms1835 وسجن بقلعتها وأحيط على موجوده. وسار منكوتمر الطباخي على ~~البريد بذلك إلى السلطان. ثم حمل أسندمر كرجي إلى السلطان صحبة الأمير ~~بينجار وأيبك الرومي، فخاف عند ذلك الأمير قرا سنقر نائب الشام على نفسه، ~~وسأل أن ينتقل من نيابة دمشق إلى نيابة حلب ليبعد عن الشر، فأجيب إلى ذلك، ~~وكتب بتقليده وجهز إليه في آخر ذي الحجة من سنة عشر وسبعمائة على يد الأمير ~~أرغون الدوادار الناصري، وأسر له السلطان بالقبض عليه إن أمكنه ذلك. وقدم ~~أسندمر كرجي إلى القاهرة واعتقل بالقلعة، وبعث يسأل السلطان عن ذنبه فأعاد ~~جوابه: ما لك ذنب، إلا أنك قلت لي لما ودعتك عند سفرك: أوصيك ياخوند: لاتبق ~~في دولتك كبشا كبيرا، وأنشىء مماليكك ولم يبق عندي كبش كبير غيرك " . ثم ~~قبض السلطان على طوغان نائب البيرة، وحمل إلى السلطان فحبس أياما ثم أطلقه ~~وولاه شد الدواوين بدمشق. وفي مستهل سنة إحدى عشرة وسبعمائة وصل الأمير ~~أرغون الدوادار إلى الشام لتسفير قراسنقر المنصوري منها إلى نيابة حلب ~~فاحترس منه الأمير قراسنقر على نفسه، وبعث إليه عدة من مماليكه يتلقونه ~~ويمنعون أحدا ممن جاء معه أن ينفرد مخافة أن يكون معه ملطفات إلى أمراء ~~دمشق. ثم ركب قراسنقر إليه ولقيه بميدان الحصى خارج دمشق، وأنزله عنده بدار ~~السعادة ووكل بخدمته من ثقاته جماعة. فلما كان من الغد، أخرج له أرغون ~~تقليده فقبله وقبل الأرض على العادة، وأخد في التجهيز، ولم يدع قراسنقر ~~أرغون أن ينفرد عنه، بحيث إنه أراد زيارة أماكن بدمشق فركب معه قراسنقر ~~بنفسه، حتى قضى أرغون أربه وعاد، وتم كذلك إلى أن سافر. فلما أراد قراسنقر ~~السفر بعث إلى الأمراء ألا يركب أحد منهم لوداعه، وألا يخرج من بيته، ~~واستعد وقدم أثقاله أولا في الليل فلما أصبح ركب يوم الرابع من المحرم ~~بمماليكه، وعدتهم ستمائة فارس، أرغون الموادار بجانبه وبهادر آص في جماعة ~~قليلة، وسار معه أرغون حتى أوصله إلى حلب. ثم عاد أرغون إلى دمشق، وقلد ~~الأمير كراي المنصوري نيابة الشام عوضا ms1836 عن قراسنقر، وأنعم كراي على أرغون ~~الدوادار بألف دينار سوى الخيل والخلع وغير ذلك. ثم إن الملك الناصر عزل ~~الأمير بكتمر الحسامي عن الوزارة وولاه حجوبية الحجاب بالديار المصرية عوضا ~~عن سنقر الكمالي. ولا زال السلطان يتربص في أمر بكتمر الجوكندار النائب حتى ~~قبض عليه بحيلة دبرها عليه في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى من سنة ~~إحدى عشرة وسبعمائة، وقبض معه على عدة من الأمراء، منهم: صهر الجوكندار ~~الكتمر الجمدار، وأيدغدي العثماني، ومنكوتمر الطباخي، وبدر الدين بكمش ~~الساقي وأيدمر الشمسي وأيدمر الشيخي، وسجنوا الجميع إلا الطباخي فإنه قتل ~~من وقته. PageV02P0482 # والحيلة التي دبرها السلطان على قبض بكتمر الجوكندار أنه نزل السلطان ~~إلى، المطعم وبكتمر بإزائه، فخرج السلطان من البرج ومال إلى بكتمر وقال: ~~ياعمي، ما بقي في قلبي من أحد إلا فلان وفلان وذكر له أميرين، فقال له ~~بكتمر: يا خوند، ما تطلع من المطعم إلا وتجدني قد أمسكتهما، وكان ذلك يوم ~~الثلاثاء، فقال له السلطان: لا، يا عمي إلا دعهما إلى يوم الجمعة، تمسكهما ~~في الصلاة فقال له: السمع والطاعة. ثم إن السلطان جهز لبكتمر تشريفا هائلا ~~ومركوبا معظما، فلما كان يوم الجمعة قال له في الصلاة: والله يا عمي ما لي ~~وجه أراهما وأستحي منهما، ولكن أمسكهما إذا دخلت أنا إلى الدار، وتوجه بهما ~~إلى المكان الفلاني تجد هناك منكلي بغا وقجماس فسلمهما إليهما، ورح أنت، ~~فأمسكهما بكتمر الجوكندار وتوجه بهما إلى المكان المذكور له، فوجد ~~الأميرين: قجماس ومنكلي بغا هناك، فقاما إليه وقالا له: عليك السمع والطاعة ~~لمولانا السلطان، وأخذا سيفه، فقال لهما: يا خشداشيتي ما هو هكذا الساعة ~~كما فارقت السلطان، وقال لي: أمسك هؤلاء فقالا: ما القصد إلا أنت، فأمسكاه ~~وأطلقا الأميرين، وكان ذلك آخر العهد ببكتمر الجوكندار كما يأتي ذكره. ~~انتهى. ئم أرسل السلطان استدعى الأمير بيبرس الدوادار المنصوري المؤزخ ~~وولاه نيابة السلطنة بديار مصر عوضا عن بكتمر الجوكندار. ثم أرسل السلطان ~~قبض أيضا على الأمير كراي المنصوري نائب الشام بدار السعادة في ms1837 يوم الخميس ~~ثاني عشرين جماس الأولى، وحمل مقيدا إلى الكرك فحبس بها، وسبب القبض عليه ~~كونه كان خشداش بكتمر الجوكندار ورفيقه. ثم قبض السلطان على الأمير قطلوبك ~~نائب صفد بها، وكان أيضا ممن وافق بكتمر على الوثوب مع الأمير موسى حسب ما ~~تقدم ذكره. ثم خلع السلطان على الأمير آقوش الأشرفي نائب الكرك باستقراره ~~في نيابة دمشق عوضا عن كراي المنصوري، واستقر بالأمير بهادر آص في نيابة ~~صفد عوضا عن قطلوبك. ثم نقل السلطان بكتمر الجوكندار النائب وأسندمر كرجي ~~من سجن الإسكندرية إلى سجن الكرك فبقي بسجن الكرك جماعة من أكابر الأمراء ~~مثل: بكتمر الجوكندار وكراي المنصوري وأسندمر كرجي وقطلوبك المنصوري نائب ~~صفد وبيبرس العلائي في آخرين. ثم عزل السلطان مملوكه أيتمش المحمدي عن ~~نيابة الكرك، واستقر في نيابتها تيبغا الأشرفي، وكان السلطان قد استناب ~~أيتمش هذا على الكرك لما خرج منها إلى دمشق. PageV02P0483 # وأما قراسنقر فإنه أخذ في التدبير لنفسه خوفا من القبض عليه كما قبض على ~~غيره، واصطنع العربان وهاداهم، وصحب سليمان بن مهنا وآخاه، وأنعم عليه وعلى ~~أخيه موسى حتى صار الجميع من أنصاره. وقدم عليه الأمير مهنا إلى وأقام عنده ~~أياما وأفضى إليه قراسنقر بسره، وأوقفه على كتاب السلطان بالقبض على مهنا، ~~وأنه لم يوافق على ذلك. ثم بعث قراسنقر يسأل السلطان في الإذن له في الحج، ~~فجهز قراسنقر حاله، وخرج من حلب في نصف شوال ومعه أربعمائة مملوك، واستناب ~~بحلب الأمير قرطاي وترك عنده عدة من مماليكه لحفظ حواصله، فكتب السلطان ~~لقرطاي بالاحتراس، وألا يمكن قراسنقر من حلب إذا عاد، ويحتج عليه بإحضار ~~مرسوم السلطان بتمكينه من ذلك. ثم كتب إلى نائب غزة ونائب الشام ونائب ~~الكرك وإلى بني عقبة بأخذ الطريق على قراسنقر، فقدم البريد أنه سلك البرية ~~إلى صرخد وإلى زيزاء، ثم كثر خوفه من السلطان فعاد من غير الطربق التي ~~سلكها، ففات أهل الكرك القبض عليه فكتبوا بالخبر إلى السلطان فشق عليهم وصل ~~قراسنقر إلى ظاهر حلب فبلغه ماكتب السلطان إلى قرطاي، ms1838 فعظم خوفه، وكتب إلى ~~مهنا فكتب مهنا إلى قرطاي أن يخرج حواصل قراسنقر وإلا هجم مدينة حلب وأخذ ~~ماله قهرا، فخاف قرطاي من ذلك، وجهز كتابه إلى السلطان في طي كتابه، وبعث ~~بشيء من حواصل قراسنقر إلى السلطان مع ابن قراسنقر الأمير عز الدين فرج، ~~فأنعم عليه الملك الناصر بإمرة عشرة، وأقام بالقاهرة مع أخيه أمير علي بن ~~قراسنقر. ثم إن سليمان بن مهنا قدم على قراسنقر، فأخذه ومضى وأنزله في بيت ~~أمه فاستجار قراسنقر بها فأجارته، ثم أتاه مهنا وقام له بما يليق به. ثم ~~بعث مهنا يعرف السلطان بما وقع لقراسنقر وأنه استجار بأم سليمان فأجارته، ~~وطلب من السلطان العفو عنه، فأجاب السلطان سؤاله، وبعث إليه أن يخير ~~قراسنقر في بلد من البلاد حتى يوليه إياها فلما سافر قاصد مهنا، وهو ابن ~~مهنا لكنه غير سليمان، جهز السلطان تجريدة هائلة فيها عدة كثيرة من الأمراء ~~وغيرهم إلى جهة مهنا، فاستعد مهنا. وكتب قراسنقر إلى الآفرم نائب طرابلس ~~يستدعيه إليه، فأجابه ووعده بالحضور إليه. ثم بعث قراسنقر ومهنا إلى ~~السلطان وخدعاه، وطلب قراسنقر صرخد، فانخدع السلطان وكتب له تقليدا بصرخد، ~~وتوجه إليه بالتقليد أيتمش المحمدي، فقبل قراسنقر الأرض، واحتج حتى يصل ~~إليه ماله بحلب ثم يتوجه إلى صرخد فقدمت أموال قراسنقر من حلب، فما هو إلا ~~أن وصل إليه ماله، وإذا بالأفرم قد قدم عليه من الغد ومعه خمسة أمراء من ~~أمراء طبلخاناه وست عشراوات في جماعة من التركمان فسر قراسنقر بهم، ثم ~~استدعوا أيتمش وعددوا عليه من قتله السلطان من الأمراء، وأنهم خافوا على ~~أنفسهم وعزموا على الدخول في بلاد التتار، وركبوا بأجمعهم، وعاد أيتمش إلى ~~الأمراء المجردين بحمص وعرفهم الخبر، فرجعوا عائدين إلى مصر بغير طائل. ~~وقدم الخبر على السلطان بخروج قراسنقر والأفرم إلى بلاد التتار في أول سنة ~~اثنتي عشرة وسبعمائة وقيل إن الأفرم لما خرج هو وقراسنقر إلى بلاد التتار ~~بكى الأفرم، وأنشد: الطويل سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة ~~الظلماء يفتقد البدر فقال ms1839 له قراسنقر: امش بلا فشار تبكي عليهم ولا يبكون ~~عليك فقال الأفرم: والله ما بي إلا فراق ابني موسى فقال قراسنقر: أي بغاية ~~بصقت في رحمها جاء منه موسى وإبراهيم، وعدد أسماء كثيرة، وتوجها. انتهى. ثم ~~إن السلطان أفرج عن الأمير أيدمر الخطيري وأنعم عليه بخبز الأمير علم الدين ~~سنجر الجاولي. وفي أول سنة اثنتي عشرة وسبعمائة كملت عمارة الجامع الجديد ~~الناصري بمصر القديمة على النيل ووقف عليه عدة أوقاف كثيرة. وأما قراسنقر ~~والأفرم فإنهما سارا بمن معهما إلى بلاد التتار، فخرج خربندا ملك التتار ~~وتلقاهم وترجل لهم وترجلوا له، وبالغ في إكرامهم، وسار بهم إلى مخيمه ~~وأجلسهم معه على التخت، وضرب لكل منهم خركاه ورتب لهم الرواتب السنية ثم ~~استدعاهم بعد يومين واختلى بقراسنقر فحسن له قراسنقر عبور الشام وضمن له ~~تسليم البلاد بغير قتال. ثم اختلى بالأفرم فحن له أيضا أخذ الشام، إلا أنه ~~خيله من قوة السلطان وكثرة عساكره. ثم إن خربندا أقطع قراسنقر مراغة وأقطع ~~الأفرم همذان، واستمروا هناك إلى ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ~~PageV02P0484 # ولما حضر من تجرد من الأمراء إلى الديار المصرية حضر معهم الأمير جمال ~~الدين آقوش نائب الكرك الذي ولي نيابة الشام بعد كراي المنصوري، فقبض ~~السلطان عليه وعلى الأمير بيبرس الدوادار نائب السلطان صاحب التاريخ، وعلى ~~سنفر الكمالي، ولاجين الجاشنكير وبينجار وألدكز الأشرفي، ومغلطاي المسعودي ~~وسجنوا بالقلعة في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وذلك لميلهم ~~إلى قراسنقر والأفرم. ثم خلع السلطان على تنكز الحسامي الناصري بنيابة دمشق ~~دفعة واحدة عوضا عن آقوش نائب الكرك، وتنكز هذا هو أول من رقاه من مماليكه ~~إلى الرتب السنية. ثم استقر بسودي الجمدار في نيابة حلب، واستقر تمر الساقي ~~المنصوري في نيابة طرابلس. ثم إن السلطان عزل مهنا بأخيه فضل ورسم بأن مهنا ~~لايقيم بالبلاد. ثم قبض السلطان على الأمير بيبرس المجنون وبيبرس العلمي ~~وسنجر البرواني وطوغان المنصوري وبيبرس التاجي، وقيدوا وحملوا من دمشق إلى ~~الكرك في سادس ربيع الآخر من ms1840 السنة. ثم أمر السلطان في يوم واحد ستة ~~وأربعين أميرا، منهم طبلخاناه تسعة وعشرون، وعشروات سبعة عشر، وشقوا ~~القاهرة بالشرابيش والخلع. ثم في يوم الاثنين أول جمادى الأولى خلع السلطان ~~على مملوكه أرغون الدوادار بنيابة السلطنة بالديار المصرية عوضا عن بيبرس ~~الدوادار بحكم القبض عليه. ثم خلع السلطان على بلبان طرنا أمير جاندار ~~بنيابة صفد عوضا عن بهادر آص، وأن يرجع بهادر آص إلى دمشق أميرا على عادته ~~أولا. ثم ركب السلطان إلى الصيد ببر الجيزة وأمر جماعة من مماليكه، وهم: ~~طقتمر الدمشقي، وقطلوبغا الفخري المعروف بالفول المقشر، وطشتمر البدري ~~المعروف بحمص أخضر. ثم ورد على السلطان الخبر بحركة خربندا ملك التتار، ~~فكتب السلطان إلى الشام بتجهيز الإقامات، وعرض السلطان العساكر وأنفق فيهم ~~الأموال، وابتدأ بالعرض في خامس عشر شهر ربيع الآخر، وكمل في أول جمادى ~~الأولى، فكان يعرض في كل يوم أميرين من مقدمي الألوف، وكان يتولى العرض هو ~~بنفسه، ويخرج الأميران بمن أضيف إليهما من الأمراء ومقدمي الحلقة والأجناد، ~~ويرحلون شيئا بعد شيء من أول شهر رمضان إلى ثامن عشرينه حتى لم يبق بمصر ~~أحد من العسكر. ثم خرج السلطان في ثاني شوال ونزل مسجد التبن خارج القاهرة ~~ورحل منه في يوم الثلاثاء ثالث من شوال، ورتب بالقلعة نائب الغيبة الأمير ~~سيف الدين، أيتمش المحمدي الناصري. فلما كان ثامن شوال قدم البريد برحيل ~~التتار ليلة سادس عشرين رمضان من الرحبة وعودهم إلى بلادهم بعد ما أقاموا ~~عليها من أول شهر رمضان. فلما بلغ السلطان ذلك فرق العساكر في قاقون ~~وعسقلان وعزم السلطان، على الحج ودخل دمشق في تاسع عشر شوال، وخرج منها في ~~ثاني ذي القعدة إلى الكرك، وكان قد، أقام بدمشق أرغون النائب للنفقة على ~~العساكر وغير ذلك من الأعمال، وكلف الوزير أمين الملك ابن الغنام بجمع ~~المال اللازم، وتوجه السلطان من الكرك إلى الحجاز في أربعين أميرا، فحج ~~وعاد إلى دمشق في يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، ~~وكان لدخوله دمشق يوم مشهود، ms1841 وعبر دمشق على ناقة وعليه بشت من ملابس العرب ~~بلثام وبيده حربة، فأقام بدمشق خمسة عشر يوما وعاد إلى مصر، فدخلها يوم ~~ثاني عشر صفر. ثم عمل السلطان في هذه السنة أعني سنه ثلاث عشرة وسبعمائة ~~الروك بدمشق، وندب إليه الأمير علم الدين سنجر الجاولي نائب غزة. ثم إن ~~السلطان تجهز إلى بلاد الصعيد ونزل من قلعة الجبل في ثاني عشرين شهر رجب من ~~السنة ونزل تحت الأهرام بالجيزة، وأظهر أنه يريد الصيد، والقصد السفر ~~للصعيد وأخذ العربان لكثرة فسادهم. وبعث عدة من الأمراء حتى أمسكوا طريق ~~السويس وطريق الواحات فضبط البرين على العربان، ثم رحل من منزلة الأهرام ~~إلى جهة الصعيد وفعل بالعربان أفعالا عظيمة من القتل والأسر، ثم عاد إلى ~~الديار المصرية فدخلها في يوم السبت عاشر شهر رمضان. وكان ممن قبض عليه ~~السلطان مقداد بن شماس، وكان قد عظم ماله، حتى كان عدة جواريه أربعمائة ~~جارية، وعدة أولاده ثمانين. PageV02P0485 # وكان السلطان قد ابتدأ في أول هذه السنة بعمارة القصر الأبلق على الإسطبل ~~السلطاني، ففرغ في سابع عشر شهر رجب. وقصد السلطان أن يحاكي قصر الملك ~~الظاهر بيبرس البندقداري الذي بظاهر دمشق، واستدعى له صناع دمشق وصناع مصر ~~حتى كمل، وأنشأ بجانبه جنينة، وقد ذهبت تلك الجنينة كما ذهب غيرها من ~~المحاسن. ثم إن السلطان رسم بهدم مناظر اللوق بالميدان الظاهري، وعمله ~~بستانا وأحضر إليه سائر أصناف الزراعات، واستدعى خولة الشام والمطعمين ~~فباشروه حتى صار من أعظم البساتين، وعرف أهل جزيرة الفيل من ذلك اليوم ~~صناعة، التطعيم للشجر واغتنوا بها. ثم في سنة أربع عشرة وسبعمائة كتب ~~السلطان لنائب حلب وحماة وحمص وطرابلس وصفد بأن أحدا منهم لا يكاتب ~~السلطان، وإنما يكاتب الأمير تنكز نائب الشام، ويكون تنكز هو المكاتب ~~للسلطان في أمرهم فشق ذلك على النواب، وأخذ الأمير سيف الدين، بلبان طرنا ~~نائب صفد ينكر ذلك، فكاتب فيه تنكز السلطان، حتى عزل، واستقر عوضه الأمير ~~بلبان البدري وحمل بلبان طرنا مقيدا إلى مصر وسجن بالقلعة. ثم إن ms1842 السلطان ~~اهتم بعمارة الجسور بأرض مصر وترعها، وندب الأمير عز الدين أيدمر الخطيري ~~إلى الشرقية، والأمير علاء الدين أيدغدي شقير إلى البهنساوية والأمير حسين ~~بن جندر إلى أسيوط ومنفلوط ، والأمير سيف الدين آقول الحاجب إلى الغربية، ~~والأمير سيف الدين قلي أمير سلاح إلى الطحاوية وبلاد الأشمونين، والأمير ~~جنكلي بن البابا إلى القليوبية، والأمير بهادر المعزي إلى إخميم، والأمير ~~بهاء الدين أصلم إلى قوص. ثم إن السلطان قبض على الأمير أيدغدي شقير وعلى ~~الأمير بكتمر الحسامي الحاجب صاحب الدار خارج باب النصر في أول شهر ربيع ~~الأول سنة خمس عشرة وسبعمائة، فقتل أيدغدي شقير من يومه لأنه اتهم أنه يريد ~~الفتك بالسلطان، وأخذ من بكتمر الحاجب مائة ألف دينار وسجن. ثم قبض السلطان ~~على الأمير طغاي، وعلى الأمير تمر الساقي نائب طرابلس وحمل إلى قلعة الجبل، ~~وقبض على الأمير بهادر آص وحمل إلى الكرك من دمشق. واستقر الأمير كستاي ~~الناصري نائب طرابلس عوضا عن تمر الساقي. ثم أفرج السلطان عن الأمير قجماس ~~المنصوري أحد البرجية من الحبس، وأخرج الأمير بدر الدين محمد بن الوزيري ~~إلى دمشق منفيا. ثم في ثامن عشر شر رجب أفرج السلطان عن الأمير آقوش ~~الأشرفي نائب الكرك، وخلع عليه وأنعم عليه بإقطاع الأمير حسام الدين لاجين ~~الأستادار بعد موته. وفي العشر الأخير من شعبان من سنة خمس عشرة وسبعمائة ~~وقع الشروع في عمل الروك بأرض مصر، وسبب ذلك أن أصحاب بيبرس الجاشنكير ~~وسلار وجماعة من البرجية، كان خبز الواحد منهم مابين ألف مثقال في السنة ~~إلى ثلاثمائة مثقال فأخذ السلطان أخبازهم وخشي الفتنة فقرر مع فخر الدين ~~محمد بن فضل الله ناظر الجيش روك البلاد، وأخرج الأمراء إلى الأعمال: فتعين ~~الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا إلى الغربية ومعه آقول الحاجب والكاتب ~~مكين الدين إبراهيم بن قروينة وتعين للشرقية الأمير أيدمر الخطيري ومعه ~~أيتمش المحمدي والكاتب أمين الدين قرموط وتعين للمنوفية والبحيرة الأمير ~~بلبان الصرخدي وطرنطاي، القلنجقي ومحمد بن طرنطاي وبيبرس الجمدار. وتعين ~~جماعة أخر للصعيد. وتوجه ms1843 كل أمير إلى عمله، فلما نزلوا بالبلاد استدعى كل ~~أمير مشايخ البلاد ودلاتها وقياسيها وعدولها وسجلات كل بلد، وعرف متحصلها ~~ومقدار فدنها ومبلغ عبرتها، وما يتحصل منه للجندي من العين والغلة والدجاج ~~والإوز والخراف والكشك والعدس والكعك. ثم قاس الأمير تلك الناحية وكتب بذلك ~~عدة نسخ، ولازال يعمل ذلك في كل بلد حتى انتهى أمر عمله. وعادوا بعد خمسة ~~وسبعين يوما بالأوراق، فتسلمها فخر الدين ناظر الجيش. ثم طلب السلطان الفخر ~~ناظر الجيش والتقي الأسعد بن أمين الملك المعروف بكاتب برلغي وسائر مستوفي ~~الدولة، ليفردوا لخاص السلطان بلادا ويضيفوا الجوالي إلى البلاد وكانت ~~الجوالي قبل ذلك إلى وقت الروك لها ديوان مفرد يختص بالسلطان، فأضيف جوالي ~~كل بلد إلى متحصل خراجها. وأبطلت جهات المكوس التي كانت أرزاق الجند عليها. ~~منها ساحل الغلة، وكانت هذه الجهة مقطعة لأربعمائة جندي من أجناد الحلقه ~~سوى الأمراء، وكان متحصلها في السنة أربعة آلاف ألف وستمائة ألف درهم. ~~PageV02P0486 # قلت: وهذا القدر يكون الآن شيئا كثيرا من الذهب من سعر يومنا هذا. وكان ~~إقطاع الجندي منها من عشرة آلاف درهم إلى ثلاثة الاف درهم، وللأمراء من ~~أربعين ألفا إلى عشرة الاف درهم، فاقتنى المباشرون منها أموالا عظيمة، ~~فإنها كانت أعظم الجهات الديوانية وأجل معاملات مصر. وكان الناس منها في ~~أنواع من الشدائد لكثرة المغارم والعسف والظلم، فإن أمرها كان يدور على ~~نواتية المراكب والكيالين والمشدين والكتاب، وكان المقرر على كل إردب ~~درهمين للسلطان، ويلحقه نصف درهم آخر سوى ما كان ينهب. وكان له ديوان في ~~بولاق خارج المقس، وقبله كان له خص يعرف بخص الكيالة. وكان في هذه الجهة ~~نحو ستين رجلا ما بين نظار ومستوفين وكتاب وثلاثين جنديا للشد، وكانت غلال ~~الأقاليم لا تباع إلا فيه، فأزال الملك الناصر هذا الظلم جميعه عن الرعية، ~~ورخص سعر القمح من ذلك اليوم، وانتعش الفقير وزالت هذه الظلامة عن أهل مصر، ~~بعد أن راجعته أقباط مصر في ذلك غير مرة، فلم يلتفت إلى قول قائل، رحمه ~~الله تعالى، ms1844 ما كان أعلى همته، وأحسن تدبيره. وأبطل الملك الناصر أيضا نصف ~~السمسرة الذي كان أحدثه ابن الشيخي فى وزارته، عامله الله تعالى بعدله، وهو ~~أنه من باع شيئا فإن دلالة كل مائة درهم درهمان، يؤخذ منها درهم للسلطان، ~~فصار الدلال يحسب حسابه ويخلص درهمه قبل درهم السلطان، فأبطل الملك الناصر ~~ذلك أيضا، وكان يتحصل منه جملة كثيرة، وعليها جند مستقطعة. وأبطل السلطان ~~الملك الناصر أيضا رسوم الولايات والمقدمين والنواب والشرطية، وهي أنها ~~كانت تجبى من عرفاء الأسواق وبيوت الفواحش، وكان عليها أيضا جنذ مستقطعة ~~وأمراء، وكان فيها من الظلم والعسف وهتك الحرم وهجم البيوت وإظهار الفواحش ~~ما لا يوصف، فأبطل ذلك كله، سامحه الله تعالى وعفا عنه. وأبطل ماكان مقررا ~~للحوائص والبغال، وكان يجبى من المدينة ومن الوجهين: القبلي والبحري، ويحمل ~~في كل قسط من أقساط السنة إلى بيت المال عن ثمن الحياصة ثلاثمائة درهم، وعن ~~ثمن البغل خمسمائة درهم، وكان على هذه الجهة أيضا عدة مقطعين، سوى ماكان ~~يحمل إلى الخزانة، فكان فيها من الظلم بلاء عظيم، فأبطل الملك الناصر ذلك ~~كله، رحمه الله. وأبطل أيضا ما كان مقررا على السجون، وهوعلى كل من سجن ولو ~~لحظة واحدة مائة درهم سوى ما يغرمه. وكان أيضا على هذه الجهة عدة مقطعين، ~~ولها ضامن يجبي ذلك من سائر السجون، فأبطل ذلك كله، رحمه الله. وأبطل ما ~~كان مقررا من طرح الفراريج، وكان لها ضمان في سائر الأقاليم. كانت تطرح على ~~الناس بالنواحي الفراريج، وكان فيها أيضا من الظلم والعسف وأخذ الأموال من ~~الأرامل والفقراء والأيتام ما لا يمكن شرحه، وكان عليها عدة مقطعين ~~ومرتبات، ولكل إقليم ضامن مقرر، ولا يقدر أحد أن يشتري فروجا إلا من ~~الضامن، فأبطل الناصر ذلك، ولله الحمد. وأبطل ما كان مقررا للفرسان، وهوشيء ~~تستهديه الولاة والمقدمون من سائر الأقاليم، فيجبى من ذلك مال عظيم، ويؤخذ ~~فيه الدرهم ثلاثة دراهم من كثرة الظلم، فأبطل الملك الناصر ذلك، رحمه الله ~~تعالى. وأبطل ما كان مقررا على الأقصاب والمعاصر، ms1845 كان يجبى من مزارعي ~~الأقصاب وأرباب المعاصر ورجال المعصرة، فيحصل من ذلك شيء كثير. وأبطل ماكان ~~يؤخذ من رسوم الأفراح، كانت تجبى من سائر البلاد، وهي جهة لايعرف لها أصل، ~~فبطل ذلك ونسي، و لله الحمد. وأبطل جباية المراكب، كانت تجبى من سائر ~~المراكب التي في بحر النيل بتقرير معين على كل مركب، يقال له مقرر الحماية. ~~كان يجبى ذلك من مسافري المراكب سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، فبطل ذلك ~~أيضا. وأبطل ما كان يأخذه مهتار طشتخاناه السلطان من البغايا والمنكرات ~~والفواحش، وكانت جملة مستكثرة . وأبطل ضمان تجيب بمصر وشد الزعماء وحقوق ~~السودان وكشف مراكب النوبة، فكان يؤخذ عن كل عبد وجارية مبلغ مقرر عند ~~نزولهم في الخانات، وكانت جهة قبيحة شنيعة إلى الغاية، فأراح الله المسلمين ~~منها على يد الملك الناصر، رحمه الله. وأبطل أيضا متوفر الجراريف ~~بالأقاليم، وكان عليها عدة كثيرة من المقطعين. PageV02P0487 # وأبطل ماكان مقررا على المشاعلية من تنظيف أسربة البيوت والحمامات ~~والمسامط وغيرها، فكان إذا امتلأ سراب بيت أو مدرسة من الأوساخ، لا يمكن ~~شيله حتى يحضر الضامن ويقرر أجرته بما يختار، ومتى لم يوافقه صاحب البيت ~~تركه ومضى حتى يحتاج إليه ويبذل له ما يطلب. وأبطل ما كان مقررا من الجبي ~~برسم ثمن العبي وثمن ركوة السواس. وأبطل أيضا وظيفتي النظر والاستيفاء من ~~سائر الأعمال، وكان في كل بلد ناظر ومستوف ومباشرون، فرسم السلطان ألا ~~يستخدم أحد في إقليم لا يكون للسلطان فيه مال، وما كان للسلطان فيه مال ~~يكون في كل إقليم، ناظر وأمين حكم لا غير، ورفع يد سائر المباشرين من ~~البلاد. قلت: وكل ما فعله الملك الناصر من إبطال هذه المظالم والمكوس دليل ~~على حسن اعتقاده وغزير عقله وجودة تدبيره وتصرفه، حيث أبطل هذه الجهات ~~القبيحة التي كانت من أقبح الأمور وأشنعها وعوضها من جهات لا يظلم فيها ~~الرجل الواحد. ومثله في ذلك كمثل الرجل الشجاع الذي لا يبالي بالقوم، كثروا ~~أو قلوا، فهو يكر فيهم، فإن أوغل فيهم خلص، وإن كر ms1846 راجعا لايبالي بمن هو في ~~أثره، لما يعلم ما في يده من نفسه، فأبطل لذلك ماقبح وأحدث ما صلح من غير ~~تكلف، وعدم تخوف، فلله دره من ملك عمر البلاد، وعمر بالإحسان العباد. وهذا ~~بخلاف من ولي بعده من السلاطين، فإنهم لقصر باعهم عن إدراك المصلحة، مهما ~~رأوه، ولو كان فيه هلاك الرعية، وعذاب البرية، يقولون: بهذا جرت العادة من ~~قبلنا، فلا سبيل إلى تغيير ذلك ولو هلك العالم، فلعمري هل تلك العادة حدثت ~~من الكتاب والسنة، أم أحدثها ملك مثلهم وما أرى هذا وأمثاله إلا من جميل ~~صنع الله تعالى، كي يتميز العالم من الجاهل. انتهى. ثم رسم السلطان الملك ~~الناصر بالمسامحة، بالبواقي الديوانية والإقطاعية من سائر النواحي إلى آخر ~~سنة أربع عشرة وسبعمائة. وجعل الروك الهلالي لاستقبال صفر سنة ست عشرة ~~وسبعمائة، والروك الخراجي لاستقبال ثلث مغل سنة خمس عشرة وسبعمائة. وأفرد ~~السلطان لخاصه الجيزية وأعمالها. وأخرجت الجوالي من الخاص وفرقت في البلاد ~~، وأفردت الجهات التي بقيص من المكس كلها، وأضيفت إلى الوزير، وأفردت ~~للحاشية بلاد، ولجوامك المباشرين بلاد، ولأرباب الرواتب جهات. وارتجعت عدة ~~بلاد كانت اشتريت من بيت المال وحبست، فأدخلت في الإقطاعات. قلت: وشراء ~~الإقطاعات من بيت المال شراء لا يعبأ الله به قديما وحديثا، فإنه متى احتاج ~~بيت مال المسلمين إلى بيع قرية من القرى، وإنفاق ثمنها في مصالح المسلمين. ~~فهذا شيء لم يقع في عصر من الأعصار، وإنما تشترى القرية من بيت المال، ثم ~~إن السلطان يهب للشاري ثمن تلك القرية، فهذا البيع وإن جاز في الظاهر لا ~~يستحله الورع، ولا فعله السلف، حتى إن الملك لا تجوز له النفقة من بيت ~~المال إلا بالمعروف، فمتى جاز له أن يهب الألوف المؤلفة من أثمان القرى لمن ~~لايستحق أن يكون له النزر اليسير من بيت المال. وهذا أمر ظاهر معروف يطول ~~الشرح في ذكره. وفي قصة سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ما فرضه لنفسه ~~من بيت المال كفاية عن الإكثار في هذا المعنى. ms1847 انتهى. ثم إن السلطان رسم ~~بأن يعتد في سائر البلاد بما كان يهديه الفلاحين وحسب من جملة المبالغ. ~~فلما فرغ من العمل في ذلك نودي في الناس بالقاهرة ومصر وسائر الأعمال ~~بإبطال ما أبطل من جهات المكس وغيره، وكتبت المراسيم بذلك إلى سائر النواحي ~~بهذا الإحسان العظيم، فسر الناس بذلك قاطبة سرورا عظيما، وضج العالم ~~بالدعاء للسلطان بسائر الأقطار، حتى شكر ذلك ملوك الفرنج، وهابته من حسن ~~تدبيره. ووقع ذلك لملوك التتار وأرسلوا في طلب الصلح حسب ما يأتي ذكره. ثم ~~جلس السلطان الملك الناصر بالإيوان الذي أنشأه بقلعة الجبل في يوم الخميس ~~ثاني عشرين في الحجة سنة خمس عشرة وسبعمائة لتفرقة المثالات. PageV02P0488 # وهذا الروك يعرف بالروك الناصري المعمول به إلى يومنا هذا. وحضروا الناس ~~ورسم السلطان أن يفرق في كل يوم على أميرين من المقدمين بمضافيهما، فكان ~~المقدم يقف بمضافيه، ويستدعى كل واحد باسمه، فإذا تقدم المطلوب سأله ~~السلطان، من أنت، ومملوك من أنت؟ حتى لايخفى عليه شيء من أمره، ثم يعطيه ~~مثالا يلائمه، فأظهر السلطان في هذا العرض عن معرفة تامة بأحوال رعيته، ~~وأمور جيوشه وعساكره، وكان كبار الأمراء تحضر التفرقة، فكانوا إذا أخفوا في ~~شكر جندي عاكسهم السلطان، وأعطاه دون ما كان في أملهم له، وأراد بذلك ألا ~~يتكلم أحدهم في المجلس، فلما علموا بذلك أمسكوا عن الكلام والشكر، بحيث إنه ~~لايتكلم أحد منهم إلا رد جواب له يسأل عنه، فمشى الحال بذلك على أحسن وجه ~~من غير غرض ولا عصبية، وأعطي لكل واحد ما يستحقه. قلت: وأين هذه الفعلة من ~~فعل الملك الظاهر برقوق، رحمه الله، وقد أظهر من قلة المعرفة، وإظهار الغرض ~~التام، حيث أنعم على قريبه الأمير قجماس بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار ~~المصرية، وهو إذ ذاك لا يحسن يتلفظ بالشهادتين، فكان مباشرو إقطاعه يدخلون ~~إليه مع أرباب وظائفه فيجدون الفقيه يعلمه الشهادة وقراءة الفاتحة وهو ~~كالتيس بين يدي الفقيه، فكان ذلك من جملة ذنوب الملك الظاهر برقوق التي ~~عددوها له عند خروج الناصري ms1848 ومنطاش عليه، ونفرت القلوب منه حتى خلع وحبس ~~حسب مايأتي ذكره. ولم أرد بذلك الحط على الملك الظاهر المذكور غير أن الشيء ~~بالشيء يذكر. انتهى. ثم فعل السلطان الملك الناصر ذلك مع مماليكه وعساكره، ~~فكان يسأل المملوك عن اسمه واسم تاجره وعن أصله وعن قومه إلى الديار ~~المصرية، وكم حضر مصاف، وكم لعب بالرمح عن سنه، ومن كان خصمه في لعب الرمح، ~~وكم أقام سنة بالطبقة؟ فإن أجابه بصدق أنصفه، وإلا تركه ورسم له بجامكية ~~هينة حتى يصل إلى رتبة من يقطع بباب السلطان، فأعجب الناس هذا غاية العجب. ~~وكان الملك الناصر أيضا يخير الشيخ المسن بين الإقطاع والراتب، فيعطيه ما ~~يختاره، ولم يقطع في هذا العرض العاجز عن الحركة، بل كان يرتب له ما يقوم ~~به عوضا عن إقطاعه. واتفق للسلطان أشياء في هذا العرض، منها: أنه تقدم إليه ~~شاب تام الخلقة في وجهه أثر يشبه ضربة السيف، فأعجبه وناوله مثالا بإقطاع ~~جيد، وقال له: في أي مصاف وقع في وجهك هذا السيف، فقال: لا يا خوند هذا ما ~~هو أثر سيف، وإنما وقعت من سلم فصار في وجهي هذا الأثر، فتبسم السلطان ~~وتركه، فقال له الفخر ناظر الجيش: ما بقي يصلح له هذا الخبز، فقال الملك ~~الناصر: قد صدقني وقال الحق، وقد أخذ رزقه، فلو قال: أصبت في المصاف ~~الفلاني، من كان يكذبه، فدعت الأمراء له، وانصرف الشاب بالإقطاع. ومنها: ~~أنه تقدم إليه رجل دميم الخلق وله إقطاع ثقيل، عبرته ثمانمائة دينار، ~~فأعطاه مثالا وانصرف به، عبرته نصف ماكان في يده، فعاد وقتل الأرض، فسأله ~~السلطان عن حاجته، فقال: الله يحفظ السلطان، فإنه غلط في حقي، فإن إقطاعي ~~كانت عبرته ثمانمائة دينار، وهذا عبرته أربعمائة دينار، فقال السلطان: بل ~~الغلط كان في إقطاعك الأولى، فامض بما قسم الله لك، وأشياء من هذا النوع ~~إلى أن انتهت تفرقة المثالات في آخر المحرم سنة ست عشرة وسبعمائة، فوفر ~~منها نحو مائتي مثال. ثم أخذ السلطان في عرض مماليك الطباق ووفر ms1849 جوامك عدة ~~منهم، ثم أفرد جهة قطيا للعاجزين من الأجناد، وقرر لكل منهم ثلاثة آلاف ~~أدرهم، في السنة. ثم إن السلطان ارتجع ما كانت المماليك البرجية اشترته من ~~أراضي الجيزة وغيرها. PageV02P0489 # وارتجع السلطان أيضا ما كان لبيبرس و سلار وبرلغي والجوكندار وغيرهم من ~~الرزق وغيرها، وأضاف ذلك كله لخاص السلطان، وبالغ السلطان في إقامة الحرمة ~~في أيام العرض، وعرف الأمير أرغون النائب وأكابر الأمراء أنه من رد مثالا ~~أوتضرر أوشكا ضرب وحبس وقطع خبزه، وأن أحدا من الأمراء لايتكلم مع السلطان ~~في أمر جندي ولا مملوك، فلم يتجاسر أحد يخالف مارسم به، وغبن في هذا الروك ~~أكثر الأجناد، فإنهم أخذوا إقطاعا دون الإقطاع الذي كان معهم، وقصد الأمراء ~~التحدث في ذلك مع السلطان، فنهاهم أرغون النائب عن ذلك، فقدر الله تعالى أن ~~الملك، الناصر نزل إلى بركة الحجيج لصيد الكركي على العادة، وجلس في ~~البستان المنصوري الذي كان هناك ليستريح، فدخل بعض المرقدارية يقال له ~~عزيز، وكان من عادته أن، يهزل قدام السلطان ليضحكه، فأخذ المرقدار يهزل ~~ويمزح ويتمسخر قدام السلطان والأمراء جلوس، وهناك ساقية والسلطان ينظر ~~إليها، فتمادى في الهزل لشؤم بخته إلى أن قال: وجدت جنديا من جند الروك ~~الناصري وهو راكب إكديشا، وخرخه ومخلاته ورمحه على كتفه، وأراد أن يتم ~~الكلام، فاشتد غضب السلطان، فصاح في المماليك: عروه ثيابه ، ففي الحال خلعت ~~عنه الثياب، وربط مع قواديس الساقية، وضربت الأبقار حتى أسرعت في الدوران، ~~فصار عزيز المذكور تارة ينغمس في الماء وتارة يظهر وهو يستغيث وقد عاين ~~الموت، والسلطان يزداد غضبا. ولم يجسر أحد من الأمراء أن يشفع فيه حتى مضى ~~نحو ساعتين وانقطع حسه، فتقدم الأمير طغاي الناصري والأمير قطلوبغا الفخري ~~الناصري وقالا: يا خوند، هذا المسكين لم يرد إلا أن يضحك السلطان ويطيب ~~خاطره، ولم يرد غير ذلك، فما زالا به حتى أخرج الرجل وقد أشفى على الموت، ~~ورسم بنفيه من الديار المصرية، فعند ذلك حمد الله تعالى الأمراء على سكوتهم ~~وتركهم الشفاعة في تغيير ms1850 مثالات الأجناد. انتهى أمر الروك وما يتعلق به. ~~وفي محرم سنة ست عشرة وسبعمائة ورد الخبر على السلطان بموت خربندا ملك ~~التتار و جلوس ولده بوسعيد في الملك بعده. ثم أفرج الملك الناصر عن الأمير ~~بكتمر الحسامي الحاجب وخلع عليه يوم الخميس ثالث عشر شوال من السنة ~~المذكورة بنيابة صفد، وأنعم عليه بمائتي ألف درهم. ثم نقل السلطان في السنة ~~أيضا الأمير كراي المنصوري وسنقر الكمالي الحاجب من سجن الكرك إلى البرج ~~بقلعة الجبل فسجنا بها. ثم بدا له زيارة القدس الشريف، ونزل السلطان بعد ~~أيام في يوم الخميس رابع جمادى الأولى من سنة سبع عشرة وسبعمائة، وسار ومعه ~~خمسون أميرا، وكريم الدين الكبير ناظر الخواص وفخر الدين ناظر الجيش، وعلاء ~~الدين علي بن أحمد بن سعيد بن الأثير كاتب السر، بعدما فرق في كل واحد فرسا ~~مسرجا وهجينا، وبعضهم ثلاث هجن، وكتب إلى الأمير تنكز نائب، الشام أن يلقاه ~~بالإقامات لزيارة القدس، فتوجه إلى القدس وزاره، ثم توجه إلى الكرك ودخله ~~وأفرج عن جماعة، ثم عاد إلى الديار المصرية فدخلها في رابع عشر جمادى ~~الآخرة، فكانت غيبته عن مصر أربعين يوما. ثم بعد مجيء السلطان وصل إلى ~~القاهرة الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، والأمير بهادر آص، والأمير ~~بيبرس الدوادار، وهؤلاء الذين أفرج عنهم من حبس الكرك، وخلع السلطان عليهم ~~وأنعم على بهادر بإمرة في دمشق، ولزم بيبرس داره، ثم أنعم عليه بإمرة ~~وتقدمة ألف على عادته أولا. ثم عزل السلطان الأمير بكتمر الحسامي الحاجب عن ~~نيابة صفد في أول سنة ثماني عشرة وسبعمائة، وقدم القاهرة وأنعم عليه بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف بديار مصر. وفي هذه السنة تجهز السلطان لركوب الميدان ، ~~وفرق الخيل على جميع الأمراء، واستجد ركوب الأوجاقية بكوافي زركش على صفة ~~الطاسات وهم الجفتاوات . وفيها ابتدأ السلطان بهدم المطبخ وهدم الحوائج ~~خاناه والطشتخاناه وجامع القلعة القديم، وأخلط الجميع وبناه الجامع الناصري ~~الذي هو بالقلعة الآن فجاء من أحسن المباني. وتجدد أيضا في هذه السنة بدمشق ~~ثلاثة جوامع: جامع ms1851 الأمير تنكز المشهور به، وجامع كريم الدين ، وجامع شمس ~~الدين غبريال. ثم حج بالركب المصري في هذه السنة أمير الحاج الأمير مغلطاي ~~الجمالي، وقبض بمكة على الشريف رميثة، وفر حميضة، وقدم مغلطاي المذكور ~~برميثة مقيدا إلى القاهرة. PageV02P0490 # وفي سنة تسع عشرة وسبعمائة استجد السلطان القيام فوق الكرسي للأمير جمال ~~الدين آقوش الأشرفي نائب الكرك الذي أفرج عنه السلطان في السنة الماضية، ~~وكذلك للأمير بكتمر البوبكري السلاح دار، فكانا إذا دخلا عليه قام لهما، ~~وكان آقوش نائب الكرك يتقدم على البوبكري عند تقبيل يد السلطان، فعتب ~~الأمراء على البوبكري في ذلك، فسأل البوبكري السلطان عن تقديم نائب الكرك ~~عليه، فقال: لأنه أكبر منك في المنزلة، فاستغرب الأمراء ذلك وكشفوا عنه، ~~فوجدوا نائب الكرك تأمر في أيام الملك المنصور قلاوون إمرة عشرة، وجعله ~~أستادار ابنه الأشرف خليل في سنة خمس وثمانين وستمائة، ووجدوا البوبكري ~~تأمر في سنة تسعين وستمائة فسكتوا الأمراء عند ذلك، وعلموا أن السلطان يسير ~~على القواعد القديمة وأنه أعرف منهم بمنازل الأمراء وغيرها. وفيها اهتم ~~السلطان لحركة السفر إلى الحجاز الشريف، وتقدم كريم الدين الكبير ناظر ~~الخواص إلى الإسكندرية لعمل الثياب الحرير برسم كسوة الكعبة، وبينا السلطان ~~في ذلك وصلت تقدمة الأمير تنكز نائب الشام، وفيها الخيل والهجن بأكوار ذهب ~~وسلاسل ذهب وفضة ومقاود حرير، وكانت عدة كثيرة يطول الشرح في ذكرها. ثم ~~أيضا وصلت تقدمة الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة، وهي أيضا ~~تشتمل على أشياء كثيرة. وتولى كريم الدين تجهيز ما يحتاج إليه السلطان من ~~كل شيء حتى إنه عمل له عدة قدور من ذهب وفضة ونحاس، تحمل على البخاتي ويطبخ ~~فيها للسلطان وأحضر الخولة لعمل مباقل ورياحين في أحواض خشب تحمل على ~~الجمال فتصير مزروعة فيها وتسقى بالماء، ويحصد منها ما تدعو الحاجة إليه ~~أولا بأول، فتهيأ من البقل والكراث والكسبرة والنعناع وأنواع المشمومات ~~والريحان شيء كثير، ورتب لها الخولة لتعهدها بالسقية وغيرها،وجهزت الأفران ~~وصناع الكماج والجبن المقلي وغيره. وكتبت أوراق عليق السلطان والأمراء ~~الذين ms1852 معه وعدتهم اثنان وخمسون أميرا، لكل أمير ما بين مائة عليقة، في كل ~~يوم، إلى خمسين عليقة إلى عشرين عليقة، وكانت جملة العليق في مدة سفر ~~السلطان ذهابا وإيابا مائة ألف إردب وثلاثين ألف إردب من الشعير، وحمل تنكز ~~من دمشق خمسمائة حمل على الجمال ما بين حلوى وسكر وفواكه، ومائة وثمانين ~~حمل حب رمان ولوز، ومايحتاج إليه من أصناف الطبخ. وجهز كريم الدين الكبير ~~من الإوز ألف طائر، ومن الدجاج ثلانة آلاف طائر، وأشياء كثيرة من ذلك. وعين ~~السلطان للإقامة بديار مصر الأمير أرغون الناصري النائب ومعه الأمير أيتمش ~~المحمدي وغيره . ثم قدم الملك المؤيد صاحب حماة إلى القاهرة ليتوجه في ركاب ~~السلطان إلى الحجاز. وسافر المحمل على العادة في ثامن عشر شوالى مع الأمير ~~سيف الدين طرجي أمير مجلس. وركب السلطان من قلعة الجبل في أول ذي القعدة، ~~وسار من بركة الحجاج في سادس ذي القعدة وصحبته المؤيد صاحب حماة والأمراء ~~وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي وغالب أرباب الدولة. وسار حتى وصل ~~مكة المشرفة بتواضع زائد بحيث إن السلطان قال للأمير جنكلي بن البابا: لا ~~زلت أعظم نفسي إلى أن رأيت الكعبة المشرفة، وذكرت بوس الناس الأرض لي، ~~فدخلت في قلبي مهابة عظيمة ما زالت عني حتى سجدت لله تعالى. وكان السلطان ~~لما دخل مكة حسن له قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة أن يطوف بالبيت راكبا ~~كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له الملك الناصر: ومن أنا حتى أتشبه ~~بالنبي والله لاطفت إلا كما يطوف الناس. ومنع الحجاب من منع الناس أن ~~يطوفوا معه، وصاروا يزاحمونه وهو يزاحمهم كواحد منهم في مدة طوافه، ، في ~~تقبيله الحجر الأسود. قلت: وهذه حجة الملك الناصر الثانية. ولما كان الملك ~~الناصر بمكة بلغه أن جماعة من المغل ممن حج في هذه السنة قد اختفى خوفا ~~منه، فأحضرهم السلطان وأنعم عليهم وبالغ في إكرامهم. وغسل السلطان الكعبة ~~بيده، وصار يأخذ أزر إحرام الحجاج ويغسلها لهم في داخل البيت ms1853 بنفسه، ثم ~~يدفعها لهم، وكثر الدعاء له. وأبطل سائر المكوس من الحرمين الشريفين، وعوض ~~أميري مكة والمدينة عنها إقطاعات بمصر والشام، وأحسن إلى أهل الحرمين، ~~وأكثر من الصدقات. وفي هذه السنة مهد السلطان ماكان في عقبة أيلة من ~~الصخور، ووسع طريقها، حتى أمكن سلوكها بغير مشقة، وأنفق على ذلك جملا ~~مستكثرة. PageV02P0491 # واتفق لكريم الدين الكبير ناظر الخاصة أمر غريب بمكة فيه موعظة، وهو أن ~~السلطان بالغ في تواضعه في هذه الحجة للغاية، فلما أخرجت الكسوة لتعمل على ~~البيت صعد كريم الدن المذكور إلى أعلى الكعبة بعد ما صلى بجوفها، ثم جلس ~~على العتبة ينظر في الخياطين، فأنكر الناس استعلاءه على الطائفين، فبعث ~~الله عليه وهو جالس نعاسا سقط منه على رأسه من علو البيت، فلو لم يتداركوه ~~من تحته لهلك. وصرخ الناس في الطواف صرخة عظيمة تعجبا من ظهور قدرة الله ~~تعالى في إذلال المتكبرين وانقطع ظفر كريم الدين، وعلم بذنبه فتصدق بمال ~~جزيل. وفي هذه السفرة أيضا أجرى السلطان الماء لخليص ، وكان انقطع من مدة ~~سنين. ولقي السلطان في هذه السفرة جميع العربان وملوكها من بني مهدي ~~وأمرائها وشطي بن عبية، وأخاه عسافا وأولاده وأشراف مكة من الأمراء وغيرهم، ~~وأشراف المدينة وينبع وغيرهم، وعرب خليص وبني لام وعربان حوران وأولاد ~~مهنا: موسى وسليمان وفياضا وأحمد وغيرهم، ولم يتفق اجتماعهم عند ملك غيره، ~~وأنعم عليهم بإقطاعات وصلات، وتدللوا على السلطان، حتى إن موسى بن مهنا كان ~~له ولد صغير فقام في بعض الأيام ومد يده إلى لحية السلطان وقال له: يا أبا ~~علي بحياة هذه اللحية، ومسك منها شعرات، إلا ما أعطيتني الضيعة الفلانية ~~إنعاما علي، فصرخ فيه فخر الدين ناظر الجيش وقال له، لاشل يدك قطع الله يدك ~~تمد يدك إلى السلطان، فتبسم له السلطان وقال: هذه عادة العرب، إذا قصدوا ~~كبيرا في شيء فيكون عظمته عندهم مسك لحيته، يريدون أنهم قد استجاروا بذلك ~~الشيء فهو سنة عندهم، فغضب الفخر ناظر الجيش وقام وهو يقول: إن هؤلاء ~~مناحيس وسنتهم ms1854 أنحس. ثم عاد السلطان بعد أن قضى مناسكه إلى جهة الديار ~~المصرية في يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة عشرين وسبعمائة بعد أن خرج ~~الأمراء إلى لقائه ببركة الحجاج، وركب السلطان بعد انقضاء السماط في موكب ~~عظيم، وقد خرج الناس لرؤيته وسار حتى طلع القلعة، فكان يوما مشهودا، وزينت ~~القاهرة ومصر زينة عظيمة لقدومه، وكثرت التهاني وأرباب الملاهي من الطبول ~~والزمور. وجلس السلطان على تخت الملك وخلع على الأمراء وألبس كريم الدين ~~الكبير أطلسين، ولم يتفق ذلك لمتعمم قبله. ثم خلع السلطان على الملك المؤيد ~~إسماعيل صاحب حماة وأركبه بشعار السلطنة من المدرسة المنصورية ببين ~~القصرين، وحمل وراءه الأمير قجليس السلاح دار السلاح، وحمل الأمير ألجاي ~~الدوادار الدواة، وركب معه الأمير بيبرس الأحمدي أمير جاندار والأمير ~~طيبرس، وسار بالغاشية والعصائب وسائر دست السلطنة، وهم بالخلع معه، إلى أن ~~طلع إلى القلعة، فكان عدة تشاريف من سار معه مائة وثلاثين تشريفا: فيها ~~ثلاثة عشر أطلس، والبقية كنجي وعمل الدار وطرد وحش، وقبل الأرض وجلس على ~~ميمنة السلطان ولقبه السلطان بالملك المؤيد، وسافر من يومه بعد ما جهزه ~~السلطان بسائر ما يحتاج إليه. ثم أفرج السلطان عن جماعة من الأمراء ~~المحبوسين، وعدتهم أزيد من عشرة نفر. ثم ندب السلطان الأمير بيبرس الأحمدي ~~الحاجب وطائفة من الأجناد إلى مكة ليقيم بها بدل الأمير آق سنقر شاد ~~العمائر خوفا من هجوم الشريف حميضة على مكة. وفي هذه السنة أبطل السلطان ~~مكس الملح بالقاهرة وأعمالها، فأبيع الإردب الملح بثلاثة دراهم بعد ما كان ~~بعشرة دراهم فإنه كتب إلى العمال ألا يمنع أحد من شيل الملح من الملاحات، ~~وأبيحت لكل أحد، فبادر الناس إليها وجلبوا الملح. ثم أذن السلطان للأمير ~~أرغون النائب في الحج فحج، وعاد في سنة إحدى وعشرين بعد أن مشى من مكة إلى ~~عرفات على قدميه تواضعا. ثم أخرج السلطان الأمير شرف الدين حسين بن جندر ~~إلى الشام على إقطاع الأمير جوبان ونقل جوبان على إمرة بديار مصر. وسبب نفي ~~الأمير حسين أنه ms1855 لما أنشأ جامعه المعروف بجامع أمير حسين بجوار داره على ~~الخليج في البر الغربي بحكر جوهر النوبي، ثم عمر القنطرة وأراد أن يفتح في ~~سور القاهرة خوخة تنتهي إلى حارة الوزيرية، فأذن له السلطان في فتحها، فخرق ~~بابا كبيرا وعمل عليه رنكه، فسعى به علم الدين سنجر الخياط متولي القاهرة، ~~وعظم الأمر على السلطان في فتح هذا الباب المذكور، فرسم بنفيه في سنة إحدى ~~وعشرين وسبعمائة المذكورة. PageV02P0492 # وفيها وقع الحريق بالقاهرة ومصر فابتدأ من يوم السبت خامس عشر جمادى ~~الأولى وتواتر إلى سلخه. وكان مما احترق فيه الربع الذي بالشوايين من أوقاف ~~البيمارستان المنصوري واجتهد الأمراء في طفيه، فوقع الحريق في حارة الديلم ~~قريبا من دار كريم الدين الكبير، ودخل الليل واشتد هبوب الرياح فسرت النار ~~في عدة أماكن، وبعث كريم الدين ابنه عبد الله للسلطان فعرفه، فبعث السلطان ~~لإطفائه عدة كثيرة من الأمراء والمماليك خوفا على الحواصل السلطانية، ~~فتعاظم الأمر وعجز آق سنقر شاد العمائر، والنار تعمل طول نهار الأحد، وخرج ~~النساء مسيبات وبات الناس على ذلك وأصبحوا يوم الاثنين والنار تلف ما تمر ~~به، والهدم واقع في الدور المجاورة للحريق. وخرج أمر الحريق عن القدرة ~~البشرية، وخرجت ريح عاصفة ألقت النخيل وغرقت المراكب ونشرت النار، فما شك ~~الناس في أن القيامة قد قامت، وعظم شرر النيران وصارت تسقط الأماكن ~~البعيدة، فخرج الناس وتعلقوا بالموادن واجتمعوا في الجوامع والزوايا وضجوا ~~بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى. وصعد السلطان إلى أعلى القصر فهاله ما ~~شاهده. وأصبح الناس في يوم الثلاثاء في أسوأ حال، فنزل أرغون النائب بسائر ~~الأمراء وجميع من في القلعة، وجمع أهل القاهرة ونقل الماء على جمال ~~الأمراء، ثم لحقه الأمير بكتمر الساقي بالجمال السلطانية، ومنعت أبواب ~~القاهرة أن يخرج منها سقاء، ونقلت المياه من المدارس والحمامات والآبار، ~~وجمعت سائر البنائين والنخارين فهدمت الدور من أسفلها، والنار تحرق في ~~سقوفها. وعمل الأمراء الألوف، وعدتهم أربعة وعشرون أميرا، بأنفسهم في طفي ~~الحريق ومعهم مضافوهم من أمراء الطبلخاناه والعشرات، وتناولوا الماء ms1856 بالقرب ~~من السقائين بحيث صار من باب زويلة إلى حارة الروم بحرا، فكان يوما لم ير ~~أشنع منه، بحيث إنه لم يبق أحد إلا وهو في شغل، ووقف الأمير أرغون النائب ~~وبكتمر الساقي حتى نقلت الحواصل السلطانية من بيت كريم الدين ناظر الخاص ~~إلى بيت ولده علم الدين عبد الله بدرب الرصاصي، وهدم لأجل نقل الحواصل سبع ~~عشرة دارا، وخمدت النار وعاد الأمراء. فوقع الصياح في ليلة الأربعاء بحريق ~~آخر وقع بربع الملك الظاهر بيبرس خارج باب زويلة وبقيسارية الفقراء، وهبت ~~الرياح مع ذلك. فركبت الحجاب والوالي فعملوا في طفيها عملا إلى بعد ظهر يوم ~~الأربعاء، وهدموا دورا كثيرة، فما كاد أن تفرغ الأمراء من إطفاء ربع الملك ~~الظاهر، حتى وقعت النار في بيت الأمير سلار بخط بين القصرين، وإذا بالنار ~~ابتدأت من أصل البادهنج وكان ارتفاعه من الأرض زيادة على مائة ذراع بذراع ~~العمل، ورأوا فيه نفطا قد عمل فيه فتيلة كبيرة، فما زالوا بالنار حتى أطفئت ~~من غير أن يكون لها أثر كبير. فنودي أن يعمل بجانب كل حانوت بالقاهرة ومصر ~~زير أو دن كبير ملآن ماء. ثم في ليلة الخميس وقع الحريق بحارة الروم وبموضع ~~آخر خارج القاهرة، وتمادى الحال على ذلك لا يخلو وقوع الحريق بالقاهرة ~~ومصر، فشاع بين الناس أن الحريق من جهة النصارى لما أنكاهم هدم الكنائس. ثم ~~وقع الحريق في عدة مساجد وجوامع ودور، إلى أن كان ليلة الجمعة حادي عشرينه ~~قبض على راهبين خرجا من المدرسة الكهارية بالقاهرة وقد أرميا النار بها، ~~فأحضروا إلى الأمير علم الدين سنجر الخازن، والي القاهرة وشم منهما رائحة ~~الكبريت والزيت، فأحضرهما من الغد إلى السلطان فأمر بعقوبتهما حتى يعترفا. ~~فلما نزل الأمير علم الدين، بهما وجد العامة قد قبضت على نصراني، وهو خارج ~~والأثر في يديه من جامع الظاهر بالحسينية ومعه كعكة خرق وبها نفط وقطران، ~~وقد وضعها بجانب المنبر، فلما فاح الدخان أنكروا ووجدوا النصراني ~~PageV02P0493 # وهو خارج والأثر في يديه كما ذكر فعوقب قبل صاحبيه. ms1857 فاعترف أن جماعة من ~~النصارى قد اجتمعوا وعملوا النفط وفرقوه على جماعة ليدوروا به على المواضع. ~~ثم عاقب الأمير علم الدين، الراهبين فاعترفا بأنهما من دير البغل، وأنهما ~~اللذان أحرقا سائر الأماكن نكاية للمسلمين بسبب هدم الكنائس، وكان أمرهم ~~أنهم عملوا النفط وحشوه في فتائل وعملوها في سهام ورموا بها، فكانت الفتيلة ~~إذا خرجت من السهم تقع على مسافة مائة ذراع أو أكثر. فأمر السلطان كريم ~~الدين الكبير بطلب البترك فطلبه وبالغ في إكرامه على عادة القبطية، وأعلمه ~~كريم الدين بما وقع فبكى، وقال: هؤلاء سفهاء، قد عملوا كما فعل سفهاؤكم ~~بالكنائس من غير إذن السلطان، والحكم للسلطان، ثم ركب بغلة وتوجه إلى حال ~~سبيله، فكادت الناس أن تقتله، لولا حماية المماليك له. ثم ركب كريم الدين ~~من الغد إلى القلعة، فصاحت عليه العوام وأسمعته ما يكره. فلما طلع كريم ~~الدين عرف السلطان بمقالة البترك واعتنى به، وكان النصارى أقروا على أربعة ~~عشر راهبا بدير البغل، فقبض عليهم وعملت حفيرة كبيرة بشارع الصليبة وأحرق ~~فيها أربعة منهم في يوم الجمعة. واشتدت العامة عند ذلك على النصارى، ~~وأهانوهم وسلبوهم ثيابهم وألقوهم عن الدواب إلى الأرض. وركب السلطان إلى ~~الميدان في يوم السبت وقد اجتمع عالم عظيم، وصاحوا: نصر الله الإسلام، انصر ~~دين محمد بن عبد الله. فلما استقر السلطان بالميدان أحضر والي القاهرة ~~نصرانيين قد قبض عليهما فأحرقا خارج الميدان. وخرج كريم الدين من الميدان ~~وعليه التشريف، فصاحت به العامة: كم تحامي للنصارى، وسبوه ورموه بالحجارة، ~~فعاد إلى الميدان فشق ذلك على السلطان، واستشار السلطان الأمراء في أمر ~~العامة، فأشار عليه الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك بعزل الكتاب ~~النصارى، فإن الناس قد أبغضوهم، فلم يرضه ذلك وتقدم السلطان إلى ألماس ~~الحاجب أن يخرج في أربعة أمراء ويضع السيف في العامة حتى ينتهي إلى باب ~~زويلة، ويمر كذلك إلى باب النصر ولا يرفع السيف عن أحدث وأمر والي القاهرة ~~أن يتوجه إلى باب اللوق وباب البحر ويقبض على من وجده من ms1858 العامة ويحمله إلى ~~القلعة، وعين لذلك أيضا عدة مماليك فخرجوا من الميدان فبادر كريم الدين ~~وسأل السلطان العفو فقبل شفاعته، ورسم بالقبض على العامة من غير قتلهم وكان ~~الخبر بلغ العامة ففرت العامة حتى الغلمان وصار الأمير لا يجد من يركبه، ~~وانتشر ذلك فغلقت الأسواق بالقاهرة فكانت ساعة لم يمر بالناس أبشع منها، ~~وهي من هفوات الملك الناصر. ومر الوالي بباب اللوق وبولاق وباب البحر وقبض ~~على كثير من الكلابزية وأراذل العامة بحيث إنه صار كل من رآه أخذه وجفل ~~الناس من الخوف وعدوا في المراكب إلى بر الجيزة. فلما عاد السلطان إلى ~~القلعة لم يجد أحدا في طريقه، وأحضر إليه الوالي من قبض عليه، وهم نحو ~~المائتين فرسم السلطان جماعة منهم للصلب، وأفرد جماعة للشنق، وجماعة ~~للتوسيط، وجماعة لقطع الأيدي، فصاحوا: يا خوند، ما يحل لك ما نحن الغرماء، ~~وتباكوا. فرق لهم بكتمر الساقي وقام ومعه الأمراء، وما زالوا به حتى أمر ~~بصلب جماعة منهم على الخشب من باب زويلة إلى قلعة الجبل، وأن يعلقوا ~~بأيديهم، ففعل بهم ذلك وأصبحوا يوم الأحد صفا واحدا من باب زويلة إلى تحت ~~القلعة، فتوجع لهم الناس وكان منهم كثير من بياض الناس ولم تفتح القاهرة ~~وخاف كريم الدين على نفسه ولم يسلك من باب زويلة، وطلع القلعة من خارج ~~السور، وإذا بالسلطان قد قدم الكلابزية وأخذ في قطع أيديهم، فكشف كريم ~~الدين رأسه وقئل الأرض وباس رجل السلطان وسأل السلطان العفو عن هؤلاء، ~~فأجابه بمساعدة الأمير بكتمر، وأمر بهم فقيدوا وأخرجوا للعمل في الحفر ~~بالجيزة ومات ممن قطع يده رجلان، وأمر بحط من علق على الخشب. PageV02P0494 # وفي الحال وقع الصوت بحريق أماكن بجوار. مع أحمد بن طولون، وبوقوع الحريق ~~في القلعة، وفي بيت بيبرس الأحمدي بحارة بهاء الدين قراقوش، وبفندق طرنطاي ~~خارج باب البحر، فدهش السلطان وكان هذا الفندق برسم تجار الزيت الوارد من ~~الشام، فعمت النار كل مات، حتى العمد الرخام وكانت ستة عشر عمودا، طول كل ~~عمود ست أذرع بالعمل، ms1859 ودوره نحو ذراعين فصارت كلها جيرا، وتلف فيه لتاجر ~~واحد ماقيمته تسعون ألف درهم، وقبض فيه على ثلاثة نصارى ومعهم فتائل النفط ~~آعترفوا أنهم فعلوا ذلك. فلما كان يوم السبت تاسع عشرين جمادى الأولى ~~المذكور ركب السطان إلى الميدان فوجد نحو العشرين ألفا من العامة في طريقه ~~قد صبغوا خرقا بالأزرق والأصفر، وعملوا في الأزرق صلبانا بيضاء ورفعوها على ~~الجريدة وصاحوا صيحة واحدة: لا دين إلا دين الإسلام نصر الله دين محمد بن ~~عبد الله يا ملك الناصر، يا سلطان الإسلام، أنصرنا على أهل الكفر، ولا تنصر ~~النصارى. فخشع السلطان والأمراء وتوجه إلى الميدان وقد آشتغل سره وركبت ~~العامة أوسوار الميدان ورفعوا الخرق الزرق وهم يصيحون: " لا دين إلا دين ~~الإسلام " . فخاف السلطان الفتنة ورجع إلى مداراتهم، وتقدم إلى الحاجب أن ~~يخرج فينادي: من وجد نصرانيا فدمه وماله حلال، فلما سمعوا النداء صرخوا ~~صوتا واحدا: نصرك الله فارتجت الأرض. ثم نودي عقيب ذلك بالقاهرة ومصر: من ~~وجد نصرانيا بعمامة بيضاء حل دمه " وكتب مرسوم بلبس النصارى العمائم الزرق، ~~وألا يركبوا فرسا ولا بغلا ولا يدخلوا الحمام إلا بجرس في أعناقهم، ولا ~~يتزيوا بزي المسلمين، هم ونساؤهم وأولادهم ورسم للأمراء بإخراج النصارى من ~~دواوينهم ودواوين السلطان، وكتب بذلك إلى سائر الأعمال. وغلقت الكنائس ~~والأديرة، وتجرأت العامة على النصارى حيث وجدوهم ضربوهم وعروهم، فلم يتجاسر ~~نصراني أن يخرج من بيته، ولم يتحدث في أمر اليهود، فكان النصراني إذا عن له ~~أمر يتزيا بزي اليهود فيلبس عمامة صفراء يكتريها من يهودي ليخرج في حاجته. ~~وآتفق أن بعض كتاب النصارى حضر إلى يهودي له عليه مبلغ كبير ليأخذ منه ~~شيئا، فأمسكه اليهودي وصاح: أنا بالله وبالمسلمين، فخاف النصراني وقال له: ~~" أبرأت ذمتك وكتب له خطه بالبراءة وفر. واحتاج عدة من النصارى إلى إظهارهم ~~الإسلام، فأسلم السني ابن ست بهجة، الكاتب وغيره، واعترف بعضهم على راهب ~~دير الخندق أنه كان ينفق المال في عمل النفط للحريق ومعه أربعة، فأخذوا ~~وسمروا. وانبسطت عند ذلك السنة الأمراء ms1860 في كريم الدين أكرم الصغير، وحصلت ~~مفاوضة بين الأمير قطلوبغا الفخري وبين بكتمر الساقي بسبب كريم الدين ~~الكبير، لأن بكتمر كان يعتني به وبالدواوين، وكان الفخري يضع منه، ومنهم. ~~قلت: ولأجل هذا راح كريم الدين الكبير، من الدنيا على أقبح وجه وأخرب الله ~~دياره بعد ذلك بقليل. واستمر الفخري على رتبته بعد سنين عديدة. قال: وصار ~~مع كل من الأميرين جماعة وبلغ السلطان ذلك، وأن الأمراء تترقب وقوع فتنة ~~وصار السلطان إذا ركب إلى الميدان لا يرى في طريقه أحدا من العامة لكثرة ~~خوفهم أن يبطش السلطان بهم فلم يعجبه ذلك، ونادى بخروج الناس للفرجة على ~~الميدان ولهم الأمان والاطمئنان، فخرجوا على عادتهم. ثم لما كانت ليلة ~~الأحد ثاني عشريه، وقع الحريق بالقاهرة واشتد أمره إلى أن طفىء. وسافر كريم ~~الدين الكبير إلى الإسكندرية وشدد على النصارى في لبسهم وركوبهم حتى يتقرب ~~بذلك إلى خواطر العامة. ثم تنكرت المماليك السلطانية على كريم الدين الكبير ~~لتأخر جوامكهم شهرين، وتجمعوا يوم الخميس ثامن عشرين صفر قبل الظهر ووقفوا ~~بباب القصر. وكان السلطان في الحريم، فلما بلغه ذلك خشي منهم، وبعث إليهم ~~بكتمر الساقي فلم يلتفتوا إليه فخرج السلطان إليهم وقد صاروا نحو ألف ~~وخمسمائة، فعندما رآهم السلطان سبهم وأهانهم وأخذ العصا من مقدم المماليك ~~وضرب بها رؤوسهم وأكتافهم، وصاح فيهم: اطلعوا مكانكم فعادوا بأجمعهم إلى ~~الطباق، وعدت سلامة السلطان في هذه الواقعة من العجائب، فإنه خرج إليهم في ~~جماعة يسيرة من الخدام، وهم غوغاء لارأس لهم ولاعقل ومعهم السلاح. انتهى. ~~PageV02P0495 # ثم أمر السلطان للنائب بعرضهم أعني المماليك فعرضهم في يوم السبت آخر ~~صفر، وأخرج منهم مائة وثمانين إلى البلاد الشامية فرقهم على الأمراء، وأخرج ~~بعد ذلك جماعة منهم من الطباق إلى خرائب التتار بقلعة الجبل، وضرب بعضهم ~~بالمقارع، هو وغلامه لكونه شرب الخمر، ضربا مبرحا مات منه المملوك بعد ~~يومين. قلت: لا شك يداه، هذا وأبيك العمل ثم أنقص السلطان جوامك من بقي من ~~مماليك الطباق، ثم أخرج جماعة من خذام الطباق ms1861 الطواشية أعني مقدمي الطباق ~~وقطع جوامكهم وأنزلهم من القلعة لكونهم فرطوا في تربية المماليك. ثم غير ~~السلطان موضع دار العدل التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس وهدمها وجعلها موضع ~~الطبلخاناه الآن، وذلك قي شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. ولما هدم ~~الموضع المذكور وجد في أساسه أربعة قبور، فنبشت فوجد بها رمم أناس طوال ~~عراض وأحدها مغطاة بملاءة دبيقي ملونة، إذا مس منها شيء تطاير لطول مكثه، ~~وعليهم عدة القتال وبهم جراحات، وفي وجه أحدهم ضربة سيف بين عينيه عليها ~~قطن، فعندما رفع القطن نبع الدم من تحته وشوهد الجرح كأنه جديد، فنقلوا إلى ~~بين العروستين وجعل عليهم مسجد. وفي شعبان زوج الملك الناصر ابنته للأمير ~~أبي بكر بن أرغون النائب الناصري، وتولى العقد قاضي القضاة شمس الدين محمد ~~بن الحريري الحنفي على أربعة آلاف دينار. ثم قدم الملك المؤيد صاحب حماة ~~على السلطان بالديار المصرية وتوجه في خدمة الملك الناصر إلى قوص بالوجه ~~القبلي للصيد. وعاد السلطان من قوص إلى جهة القاهرة في أول محرم سنة ثلاث ~~وعشرين وسبعمائة الموافق لرابع عشر طوبة، ونزل بالجيزة، وخلع على الملك ~~المؤيد خلعة السفر. ثم استدعى السلطان الحريم السلطاني إلى بر الجيزة، فطرد ~~سائر الناس من الطرقات، وغلقت الحوانيت، ونزلت خوند طغاي زوجة السلطان وأم ~~ولده آنوك، والأمير أيدغمش الأمير آخور كبير ماش يقود عنان فرسها بيده ~~وحولها سائر الخدام مشاة منذ ركبت من القلعة إلى أن وصلت إلى النيل فعدت في ~~الحراقة. ثم استدعى السلطان الأمير بكتمر الساقي وغيره من الأمراء الخاصكية ~~وحريمهم وأقام السلطان بالجيزة أياما إلى أن عاد إلى القلعة في خامس عشره، ~~وقد توعك كريم الدين الكبير. ثم قدم الحاج في سادس عشرين المحرم. ~~PageV02P0496 # ثم عوفي كريم الدين فخلع السلطان عليه خلعة أطلس بطرز زركش وكلفتاة زركش ~~وحياصة ذهب فاستعظم الناس ذلك، وبالغ السلطان في الإنعام. على الأمراء ~~الحكماء. ثم بعد أيام قبض السلطان على كريم الدين المذكور في يوم الخميس ~~رابع عشر شهر ربيع الآخر، وهو كريم الدين ms1862 عبد الكريم ابن المعلم هبة الله ~~بن السديد ناظر الخواص ووكيل السلطان وعظيم دولته، وأحيط بداره وصودر فوجد ~~له شيء كثير جدا ولازال في المصادرة إلى أن أفرج عنه في يوم الأربعاء رابع ~~عشرين جمادى الآخرة، وألزمه السلطان بإقامته بتربته بالقرافة. ثم إن ~~السلطان أخرجه إلى الشوبك ثم نقله إلى القدس ثم طلب إلى مصر وجهز إلى ~~أسوان، وبعد قليل أصبح مشنوقا بعمامته يعني أنه شنق نفسه، وليس الأمر كذلك، ~~وقيل إنه لما أحس بقتله صلى ركعتين وقال: هاتوا عشنا سعداء ومتنا شهداء، ~~وكان الناس يقولون: ما عمل أحد مع أحد ما عمله الملك الناصر مع كريم الدين: ~~أعطاه الدنيا والآخرة، ومعنى هذا أنه كان حكمه في الدولة، ثم قتله، ~~والمقتول ظلما في الجنة. وأصل كريم الدين هذا كان من كتبة النصارى ثم أسلم ~~كهلا في أيام بيبرس الجاشنكير، وكان كاتبه، وكان الجاشنكير لا يصرف على ~~الملك الناصر إلا بقلم كريم الدين، وكان الناصر إذ ذاك تحت حجر الجاشنكير، ~~ولما قتل بيبرس الجاشنكير اختفى كريم الدين هذا مدة ثم طلع مع الأمير طغاي ~~الكبير فأوقفه طغاي ثم دخل إلى السلطان وهو يضحك، وقال له: إن حضر كريم ~~الدين أيش تعطيني؟ ففرح السلطان وقال: أعندك هو؟ أحضره، فخرج وأحضره وقال ~~له: مهما قال لك قل له: السمع والطاعة، ودعني أدبر أمرك، فلما مثل بين يدي ~~السلطان قال له بعد أن استشاط غضبا: اخرج واحمل ألف ألف دينار، فقال: نعم، ~~وأراد الخروج، فقال له السلطان: لا، كثير، احمل خمسمائة ألف دينارا فقال له ~~كما قال أولا ولازال السلطان ينقصه من نفسه إلى أن ألزمه بمائة ألف دينار، ~~فلما خرج على أن يحمل ذلك، قال له طغاي المذكور: " لا تصقع ذقنك وتحضر ~~الجميع الآن، ولكن هات منها عشرة آلاف دينار ففعل ذلك، ودخل بها إلى ~~السلطان وصار يأتيه بالنقحة من ثلاثة آلاف دينار إلى ما دونها، ولما بقي ~~عليه بعضها أخذ طغاي والقاضي فخر الدين ناظر الجيش في إصلاح أمره، ولازال ~~بالسلطان حتى ms1863 أنعم عليه بما بقي، واستخدمه ناظر الخاص، وهو أول من باشر هذه ~~الوظيفة بتجمل ولم تكن تعرف أولا ثم تقدم عند السلطان حتى صار أعز الناس ~~عليه، وحج مع خوند طغاي زوجة السلطان بتجمل زائد، ذكرناه في ترجمته في ~~المنهل الصافي وكان يخدم كل أحد من الأمراء الكبار المشايخ والخاصكية ~~وأرباب الوظائف والجمدارية الصغار وكل أحد حتى الأوجاقية وكان يركب في ~~خدمته سبعون مملوكا بكنابيش عمل الدار وطرز ذهب، والأمراء تركب في خدمته، ~~ومن جملة ما ناله من السعادة والوجاهة عند الملك الناصر أنه مرة طلبه ~~السلطان إلى الدور، فدخل عليه وبقيت خازندارة خوند طغاي تروح إليه وتجيء ~~مرات فيما تطلبه خوند طغاي من كريم الدين هذا، وطال الأمر، فقال السلطان ~~له،: يا قاضي أيش حاجة لهذا التطويل، بنتك ما تختبىء منك ادخل إليها أبصر ~~ما تريده افعله لها، فقام كريم الدين دخل إليها، وقال لها السلطان: أبوك ~~هنا أبصري له ما يأكل، فأخرجت له طعاما، وقام السلطان إلى كرمة في الدار ~~وقطع منها عنبا وأحضره بيده وهو ينفخه من الغبار، وقال: يا قاضي كل من عنب ~~دارنا. وهذا شيء لم يقع لأحد غيره مثله مع الملك الناصر وأشياء كثيرة من ~~ذلك. وكان حسن الإسلام كريم النفس، قيل إنه كان في كل قليل يحاسب صيرفيه ~~فيجد في الوصولات وصولات زور. ثم بعد حين وقع بالمزور فقال له: ما حملك على ~~هذا، فقال: الحاجة، فأطلقه، وقال له: كلما احتجت إلى شيء اكتب به خطك على ~~عادتك على هذا الصيرفي، ولكن ارفق، فإن علينا كلفا كثيرة. وكان إذا قال: ~~نعم، كانت نعم، وإذا قال: لا، فهي لا. ولما قبض السلطان عليه خلع على ~~الأمير آقوش نائب الكرك باستقراره في نظر البيمارستان المنصوري عوضا عن ~~كريم الدين المذكور. فوجد آقوش حاصله أربعمائة ألف درهم. PageV02P0497 # ثم أمر السلطان فنودي في يوم الأربعاء سادس المحرهم سنة خمس وعشرين. ~~وسبعمائة على الفلوس أن يتعامل الناس بها بالرطل، على أن كل رطل منها ~~بدرهمين، ورسم بضرب فلوس ms1864 زنة الفلس منها درهم وثمن، فضرب منها نحو مائتي ~~ألف درهم فرقت على الناس. ثم رسم السلطان بأن يكتب له كل يوم أوراق بالحاصل ~~من تعلقات السلطنة والمصروف منها في كل يوم، فصارت تعرض عليه كل يوم ويباشر ~~ذلك بنفسه فتوفر مال كثير وشق ذلك على الدواوين. ثم سافر السلطان إلى الوجه ~~القبلي للصيد وعاد في ثالث عشر المحرم سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وفي هذه ~~السنة قدم على الملك الناصر رسل صاحب اليمن، ورسل صاحب اسطنبول، ورسل ~~الأشكري، ورسل متملك سيس، ورسل القان بوسعيد، ورسل صاحب ماردين، ورسل ابن ~~قرمان، ورسل متملك النوبة، وكلهم يبذلون الطاعة. وسأل رسل صاحب اليمن الملك ~~المجاهد إنجاده بعسكر من مصر، وأكثر من ترغيب السلطان في المال الذي ~~باليمن، فرسم السلطان بتجهيز العسكر إلى اليمن صحبة الأمير بيبرس الحاجب ~~ومعه من أمراء الطبلخاناه خمسة، وهم: آقول الحاجب، وقجماس الجوكندار، ~~وبلبان الصرخدي، وبكتمر العلائي الأستادار، وألجاي الناصري الساقي، ومن ~~العشرات: عز الدين أيدمر الكوندكي وشمس الدين إبراهيم التركماني، وأربعه من ~~مقدمي الحلقة، و هؤلاء العسكر لهم مقدمة أخرى كالجاليش عليها الأمير سيف ~~الدين طينال الحاجب، ومعه خمسة من أمراء الطبلخاناه وهم: الأمير ططر ~~الناصري وعلاء الدين علي بن طغريل الإيغاني وجرباش أمير علم، وأيبك ~~الكوندكي وكوكاي طاز، وأربعة من مقدمي الحلقة، ومن العشرات بلبان الدواداري ~~وطرنطاي الإسماعيلي والي باب القلعة، ومن مماليك السلطان ثلاثمائة فارس، ~~ومن أجناد الحلقة تتمة الألف فارس، وفرقت فيهم أوراق السفر، وكتب بحضور ~~العربان من الشرقية والغربية لأجل الجمال. ثم خرج السلطان إلى سرياقوس على ~~العادة في كل سنة، وقبض على الأمير بكتمر الحاجب بها، وعلى أمير آخر في يوم ~~الخميس ثامن شهر ربيع الأول. ثم قدم على السلطان الأمير تنكز الناصري نائب ~~الشام وأقام إلى عاشره وعاد إلى الشام. ثم أنفق السلطان على الأمراء ~~المتوجهين إلى اليمن فقط، فحمل إلى بيبرس ألف دينار وإلى طينال ثمانمائة ~~دينار، ولكل أمير طبلخاناه عشرة آلاف درهم، ولكل من العشرات مبلغ ألفي ~~درهم، ولمقدمي الحلقة ms1865 ألف درهم. وحضر العربان. وباعوا الأجناد موجودهم ~~واكتروا الجمال، فانحط سعر الدينار من خمسة وعشرين درهما إلى عشرين درهما ~~من كثرة ماباعوا من الحلل والمصاغ. ثم برزوا من القاهرة إلى بركة الحاج في ~~يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين، وسافروا من البركة في ~~يوم الخميس ثاني عشره. ثم خرج السلطان إلى سرياقوس ومعه عدة من المهندسين، ~~وعين موضعا على نحو فرسخ من ناحية سرياقوس ليبنى فيه خانقاه، فيها مائة ~~خلوة لمائة صوفي، وبجانبها جامع تقام فيه الخطبة، ومكان برسم ضيافة ~~الواردين وحمام ومطبخ، وندب آق سنقر شاد العمائر لجمع الصناع. ورتب أيضا ~~قصور سرياقوس برسم الأمراء والخاصكية، وعاد فوقع الاهتمام في العمل حتى ~~كملت في أربعين يوما. ثم اقتضى رأي السلطان حفر خليج خارج القاهرة ينتهي ~~إلى سرياقوس، ويرتب عليه السواقي والزراعات وتسير فيه المراكب في أيام ~~النيل بالغلال وغيرها إلى القصور بسرياقوس. قلت: وقد أدركت أنا بواقي هذه ~~القصور التي كانت بسرياقوس، وخربت في دولة الملك الأشرف برسباي في حدود سنة ~~ثلاثين وثمانمائة، وأخذ الأمير سودون بن عبد الرحمن أنقاضها وبنى بها جامعه ~~الذي بخانقاه سرياقوس، فكان ذلك سببا لمحو آثارها، وكانت من محاسن الدنيا. ~~انتهى. PageV02P0498 # ثم إن الملك الناصر فوض عمل الخليج إلى الأمير أرغون النائب. فنزل أرغون ~~بالمهندسين إلى النيل إلى أن وقع الاختيار على موضع بموردة البلاط من أراضي ~~بستان الخشاب، ويقع الحفر في الميدان الظاهري الذي جعله الملك الناصر هذا ~~بستانا من سنيات وغرم عليه أموالا جمة، ثم يمر الخليج المذكور على بركة ~~قرموط إلى باب البحر ثم إلى أرض الطبالة ويرمي في الخليج الكبير. وكتب إلى ~~ولاة الأعمال بإحضار الرجال للحفر، وعين لكل واحد من الأمراء أقصابا ~~بحفرها، وابتدئ بالحفر من أول جمادى الأولى من سنة خمس وعشرين إلى أن تم في ~~سلخ جمادى الآخرة من السنة. وأخرب فيه أملاك كثيرة، وأخذت قطعة من بستان ~~الأمير أرغون النائب، وأعطى السلطان ثمن ما خرب من الأملاك لأربابها، ~~والتزم فخر الدين ناظر الجيش ms1866 بعمارة قنطرة برأس الخليج عند فمه. قلت: وهي ~~القنطرة المعروفة بقنطرة الفخر. والتزم قديدار والي القاهرة بعمارة قنطرة ~~تجاه البستان الذي كان ميدانا للظاهر بيبرس البندقداري، وأن قديدار أيضا ~~يتم قناطر الإوز وقناطر الأميرية فعمل ذلك كله. فلما كان أيام النيل جرت ~~السفن فيه، وعمرت عليه السواقي، وأنشئت بجانبه البساتين والأملاك. ثم توجه ~~السلطان في يوم الإثنين سادس جمادى الآخرة إلى خانقاته التي أنشأها ~~بسرياقوس، وخرجت القضاة والمشايخ والصوفية إليها وعمل لهم سماط عظيم في يوم ~~الخميس تاسعه بالخانقاه المذكورة. واستقر الشيخ مجد الدين أبو حامد موسى بن ~~محمود الأقصرائي الذي كان شيخ خانقاه كريم الدين الكبير بالقرافة في مشيخة ~~هم الخانقاه، ورتب عنده مائة صوفي، ورسم للشيخ مجد الدين المذكور بخلعة وأن ~~يلقب بشيخ الشيوخ. PageV02P0499 # وأما العسكر الذي توجه إلى اليمن فإن السلطان كتب إلى أمراء الحجاز ~~بالقيام في خدمة العسكر، وتقدم كافور الشبلي خادم الملك المجاهد الذي قدم ~~في الرسلية إلى زبيد ليعلم أستاذه الملك المجاهد بقدوم العسكر، وكتب لأهل ~~حلي بني يعقوب الأمان وأن يجلبوا البضائع للعسكر. ورحل العسكر في خامس ~~جمادى الآخرة من مكة، فوصل إلى حلي بني يعقوب في اثني عشر يوما بعد عشرين ~~مرحلة، فتلقاهم أهلها ودهشوا لرؤية العساكر وقد طلبت ولبست السلاح، وهموا ~~بالفرار. فنودي فيهم بالأمان، وألا يتعرض أحد من العسكر لشيء إلا بثمنه، ~~فأطمأنوا وحملوا إلى كل من بيبرس وطينال من مقدمي العسكر مائة رأس من الغنم ~~وخمسمائة إردب ذرة، فرداها ولم يقبلا لأحد شيئا. ورحلوا بعد ثلاثة أيام في ~~العشرين منه. فقدمت الأخبار على العسكر باجتماع رأي أهل زبيد على الدخول في ~~طاعة الملك المجاهد خوفا من العسكر، وأنهم ثاروا بالمتملك عليهم ونهبوا ~~أمواله ففر عنهم، فكتبوا للمجاهد بذلك، فقوي ونزل من قلعة تعز يريد زبيد، ~~فكتب أمراء العسكر المصري إليه أن يكون على أهبة اللقاء. فنزل العسكر زبيد، ~~ووافاهم المجاهد بجنده، فسخر منهم العسكر المصري، من كونهم عراة وسلاحهم ~~الجريد والخشب، وسيوفهم مشدودة على أذرعهم، ويقاد للأمير فرس واحد ms1867 مجلل، ~~وعلى رأس المجاهد عصابة ملونة فوق العمامة. فعندما عاين المجاهد ~~العساكرالمصرية، وهي لابسة آلة الحرب رعب، وهم أن يترجل فمنعه الأمير بيبرس ~~وآقول من ذلك. ومشى العسكر صفين والأمراء في الوسط حتى قربوا منه، فألقى ~~المجاهد نفسه هو ومن معه إلى الأرض، فترجل له الأمراء أيضا وأركبوه وأكرموه ~~وأركبوه في الوسط، وساروا إلى المخيم، وألبسوه تشريفا سلطانيا بكلفتاة زركش ~~وحياصة ذهب. وركب والأمراء في خدمته والعساكر إلى داخل زبيد، ففرح أهلها ~~فرحا شديدا، ومد المجاهد لهم سماطا جليلا، فامتنع الأمراء والعساكر من أكله ~~خوفا من أن يكون فيه ما يخاف عاقبته، واعتذروا إليه بأن هذا لا يكفي ~~العساكر، ولكن في غد يعمل السماط. فأحضر لهم المجاهد ما يحتاجون إليه وتولى ~~طباخو الأمراء عمل السماط، وأصبح وقد، حضر المجاهد وأمراؤه وقد مد السماط ~~بين يديهم، وأحضر كرسي جلس عليه المجاهد، فوقف السقاة والنقباء والحجاب ~~والجاشنكيرية على العادة، ووقف الأمير بيبرس رأس الميمنة والأمير طينال رأس ~~الميسرة فلما فرغ السماط صاحت الجاوشية على أمراء المجاهد وأهل دولته ~~وأحضروهم، وقرىء عليهم كتاب السلطان، فباسوا بأجمعهم الأرض وقالوا: سمعا ~~وطاعة، وكتب الأمير بيبرس لممالك اليمن بالحضور فحضروا. ثم كتب لهم المجاهد ~~بغنم وذرة، واعتذر للأمراء والعساكر المصرية بعدم عمل الإقامة لهم بخراب ~~البلاد، فتوجه قصاد العسكر لأخذ الغنم والذرة وأقامت العساكر بزبيد، فعادت ~~قصادهم بغير غنم ولاذرة، فرحلوا من زبيد في نصف رجب يريدون تعز، فتلقاهم ~~المجاهد ونزلوا خارج البلد وشكوا ماهم فيه من قلة الإقامات فوعدهم ~~بالإنجاز. ثم إن الأمراء كتبوا للملك الظاهر المقيم بدملوه، وبعثوا له ~~الشريف عطيفة أمير مكة وعز الدين الكوندكي، وكتب إليه المجاهد أيضا يحثه ~~على الطاعة. وأقام العسكر في جهد، فأغاروا على الضياع وأخذوا ما قدروا ~~عليه، فارتفع الذرة من ثلاثين درهما الإردب إلى تسعين، وفقد الأك إلا من ~~الفاكهة فقط لقلة الجالب، واتهم أن ذلك بمواطأة المجاهد خوفا من العسكر أن ~~تملك منه البلاد. ثم إن أهل جبل صبر قطعوا الماء عن العسكر وتخطفوا الجمال ~~والغلمان، ms1868 وزاد أمرهم إلى أن ركب العسكر في أثرهم، فامتنعوا بالجبل ورموا ~~بالمقاليع على العسكر فرموهم بالنشاب، وأتاهم المجاهد فخذلهم عن الصعود إلى ~~الجبل، فلم يلتفتوا إلى كلامه ونازلوا الجبل يومهم وقتل من العسكر أربعة من ~~الغلمان، وبات العسكر تحت الجبل. فبلغ بيبرس أن المجاهد قرر مع أصحابه أن ~~العسكر إذا صعدوا الجبل يضرمون النار في الوطاق وينهبون ما فيه، فبادر ~~بيبرس، وقبض على بهاء الدين بهادر الصقري وأخذ موجوده ووسطه قطعتين وعلقه ~~على الطريق، ففرح أهل تعز بقتله وكان قد تغلب على زبيد، حتى طرده أهلها عند ~~قدوم العسكر. وعاد الشريف عطيفة والكوندكي من دملوه بأن الظاهر في طاعة ~~السلطان. ثم طلب العسكر من المجاهد ما وعد به السلطان الملك الناصر فأجاب ~~بأنه لا قدرة له إلا بما في PageV02P0500 # عملوه، فأشهد عليه بيبرس قضاة تعز بذلك.ه، فأشهد عليه بيبرس قضاة تعز ~~بذلك. وارتحل العسكر إلى حلي بني يعقوب، فقدمها في تاسع شعبان. ورحلوا منها ~~أول شهر رمضان إلى مكة فدخلوها في حادي عشره في مشقة زائدة. وساروا من مكة ~~يوم عيد الفطر إلى جهة مصر، فقدموا بركة الحجاج أول يوم من ذي القعدة. وطلع ~~الأمراء إلى القلعة فخلع السلطان عليهم في يوم السبت ثالثه. وقدم الأمير ~~بيبرس هدية فأغرى الأمير طينال السلطان على الأمير بيبرس بأنه أخذ مالا من ~~المجاهد وغيره وقصر في أخذ مملكة اليمن. فلما كان يوم الاثنين تاسع عشره ~~رسم السلطان بخروج بيبرس إلى نيابة غزة فامتنع لأنه كان بلغه ما قيل عنه، ~~وأن السلطان قد تغير عليه، فقبض عليه السلطان وسجنه بالبرج من القلعة وقبض ~~على حواشيه وصادرهم وعوقبوا على المال فلم يظهر شيء، وسكت السلطان عن أحوال ~~اليمن. ثم في سنة ست وعشرين وسبعمائة استأذن الأمير أرغون النائب السلطان ~~في الحج فأذن له، فحج هو وولده ناصرالدين محمد. وعادا من الحجاز إلى ~~سرياقوس في يوم الأحد حادي عشر المحرم سنة سبع وعشرين وسبعمائة، فقبض ~~السلطان عليهما وعلى الأمير طيبغا المجدي، فأخذهم الأمير بكتمر الساقي عنده ms1869 ~~وسعى في أمرهم حتى أخرج في يوم الاثنين ثاني عشره يعني من الغد الأمير ~~أرغون إلى نيابة حلب عوضا عن الأمير ألطنبغا، وأخرج معه الأمير أيتمش ~~المحمدي مسفره، وتوجه الأمير ألجاي الدوادار إلى حلب لإحضار الأمير ألطنبغا ~~نائبها، وقرر السلطان مع كل من أيتمش وألجاي أن يكونا بمن معهما في دمشق ~~يوم الجمعة ثالث عشرينه، ولم يعلم أحد بما توجه فيه الآخر حتى توافيا بدمشق ~~في يوم الجمعة المذكور. وقد خرج الأمير تنكز نائب الشام إلى ميدان الحصى ~~لتلقي الأمير أرغون، فترجل كل منهما لصاحبه وسارا إلى جامع بني أمية، فلما ~~توسطاه إذا بألجاي ومعه الأمير ألطنبغا نائب حلب، فسلم أرغون عليه ~~بالإيماء. فلما انقضت صلاة الجمعة عمل لهما الأمير تنكز سماطا جليلا فحضرا ~~السماط. ثم سار أرغون إلى حلب فوصلها في سلخ الشهر. وسار ألطنبغا حتى دخل ~~مصر في مستهل صفر، فأكرمه السلطان وخلع عليه وأسكنه بقلعة الجبل، وأنعم ~~عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف من جملة إقطاع أرغون النائب وكمل السلطان من ~~إقطاع أرغون أيضا لطايربغا على إقطاعه إمرة مائة وتقدمة ألف، فزادت التقادم ~~تقدمة، فصارت أمراء الألوف خمسة وعشرين مقدم ألف بالديار المصرية. وفي ~~مستهل جمادى الأولى قبض السلطان على الأمير بهاء الدين أصلم وعلى أخيه ~~قرمجي وجماعة من القبجاقية، وسبب ذلك أن أصلم عرض سلاح خاناته وجلس بإسطبله ~~وألبس خيله ورتبها للركوب، فوشى به بعض أعدائه بأنه قد عزم هو وأخوه قرمجي ~~وجماعة القبجاق أن يهجموا على السلطان ويغيروا الدولة، وكتب بواقعة أمره ~~ورقة وألقاها إلى السلطان، فلما وقف عليها السلطان تغير تغيرا زائدا وكانت ~~عادته ألا يكذب في الشر خبرا، وبعث من فوره فسأل أصلم مع ألماس الحاجب عما ~~كان يفعله أمس في إسطبله، فذكر أنه اشترى عدة أسلحة فعرضها على خيله لينظر ~~مايناسب كل فرس منها فصدق السلطان مانقل عنه، وقبض السلطان عليه وعلى أخيه ~~وعلى أهل جنسه وعلى الأمير قيران صهر قرمجي وعلى الأمير إتكان أخي آقول ~~الحاجب، وسفروا إلى الإسكندرية مع الأمير صلاح ms1870 الدين طرخان بن بيسري، ~~وبرلغي قريب السلطان، وأفرد أصلم ببرج في القلعة. ثم قدم الأمير حسين بن ~~جندر من الشام الذي كان نفاه السلطان لما عمر جامعه وفتح بابا من سور ~~القاهرة، فلما مثل بين يدي السلطان خلع عليه خلعة أطلس بطرز زركش وكلفتاة ~~زركش وحياصة مكوبجة، وأنعم عليه بإقطاع أصلم في يوم الاثنين ثالث جمادى ~~الآخره. وفيها عقد على الأمير قوصون الناصري عقد ابنة السلطان الملك الناصر ~~بقلعة الجبل، وتولى عقد النكاح قاضي القضاة شمس الدين محمد بن الحريري ~~الحنفي. ثم بعد مدة في سنة ثمان وعشرين عقد نكاح ابنة السلطان الأخرى على ~~الأمير طغاي تمر العمري، وأعفى السلطان في هذه المرة الأمراء من حمل الشموع ~~وغيرها إلى طغاي تمر كما كانوا قد فعلوا مع قوصون، وأنعم السلطان على طغاي ~~تمر من خزانته عوضا عن ذلك بأربعة آلاف دينار. PageV03P0001 # ثم أفرج السلطان عن الأمير علم الدين سنجر الجاولي بعد أن اعتقل ثماني ~~سنين وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، فكان فيها ينسخ القرآن وكتب الحديث. وفي ~~سنة ثمان وعشرين أيضا عزم السلطان على أن يجري النيل تحت قلعة الجبل ويشق ~~له من ناحية حلوان، فبعث الصناع صحبة شاد العمائر إلى حلوان، وقاسوا منها ~~إلى الجبل الأحمر المطل على القاهرة، وقدروا العمل في بناء الواطي حتى ~~يرتفع وحفر العالي ليجري الماء إلى تحت قلعة الجبل من غير نقل ولاكلفة. ثم ~~عادوا وعرفوا السلطان ذلك، فركب، وقاسوا الأرض بين يديه، فكان قياس ما يحفر ~~اثنتين وأربعين ألف قصبة حاكمية لتبقى خليجا يجري فيه ماء النيل شتاء وصيفا ~~بسفح الجبل، فعاد السلطان وقد أعجبه ذالك وشاور الأمراء فيه فلم يعارضه فيه ~~أحد إلا الفخر ناظر الجيش، فإنه قال: بمن يحفر السلطان هذا الخليج، قال: ~~بالعسكر، قال: والله لو اجتمع عسكر آخر فوق العسكر السلطاني وأقام سنين ما ~~قدروا على حفر هذا العمل، فإنه يحتاج إلى ثلاث خزائن من المال، ثم هل يصح ~~أولا فالسلطان لايسمع كلام كل أحد ويتعب الناس ويستجلب دعاءهم ونحو ms1871 ذلك من ~~القول، فرجع السلطان عن عمله. وفيها أفرج السلطان عن الشيخ تقي الدين أحمد ~~بن تيمية بشفاعة الأمير جنكلي بن البابا. وفي يوم الاثنين سابع عشر، جمادى ~~الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة رسم السلطان بردم الجب الذي كان بقلعة ~~الجبل لما بلغ السلطان أنه شنيع المنظر شديد الظلمة كره الرائحة وأنه يمر ~~بالمحابيس فيه شدائد عظيمة، فردم وعمر فوقه طباق للمماليك السلطانية. وكان ~~هذا الجب عمل في سنة إحدى وثمانين وستمائة في أيام الملك المنصور قلاوون. ~~ثم في السنة المذكورة رسم السلطان للحاجب أن ينادي بألا يباع مملوك تركي ~~لكاتب ولا عامي، ومن كان عنده مملوك فليبعه، ومن عثر عليه بعد ذلك أن عنده ~~مملوكا، فلا يلوم إلا نفسه. وفيها عرض السلطان مماليك الطباق وقطع منهم ~~مائة وخمسين، وأخرجهم من يومهم ففرقوا بقلاع الشام. وفيها قتل الأمير تنكز ~~نائب الشام الكلاب ببلاد الشام فتجاوز عدتها خمسة آلاف كلب. ثم خرج السلطان ~~إلى سرياقوس في سابع عشرين من ذي الحجة على العادة في كل سنة، وقدم عليه ~~الأمير تنكز نائب الشام في أول المحرم سنة ثلاثين وسبعمائة وبالغ السلطان ~~في إكرامه ورفع منزلته، وقد تكرر قدوم تنكز هذا إلى القاهرة قبل تاريخه غير ~~مرة، ثم عاد إلى نيابته بدمشق في رابع عشر المحرم. ثم في عشرين المحرم ~~المذكور وصل إلى القاهرة الملك المؤيد إسماعيل صاحب حماة، فبالغ السلطان ~~أيضا في إكرامه ورفع منزلته وخلع عليه. ثم سافر السلطان في تاسع صفر إلى ~~بلاد الصعيد للصيد على عادته، ومعه المؤيد صاحب حماة، ثم عاد بعد أيام ~~قليلة لتوعك بدنه من رمد طلع فيه، وأقام بالأهرام بالجيزة أياما، ثم عاد ~~وسافر إلى الصعيد حتى وصل إلى هو، ثم عاد إلى مصر في خامس شهر ربيع الآخر، ~~وسافر في ثامنه المؤيد صاحب حماة إلى محل ولايته بعد أن غاب مع السلطان هذه ~~الأيام الكثيرة. PageV03P0002 # ثم نزل السلطان من القلعة في خامس عشرين ربيع الآخر المذكور، وتوجه إلى ~~نواحي قليوب يريد الصيد، فبينما هو ms1872 في الصيد تقنطر عن فرسه فانكسرت يده ~~وغشي عليه ساعة وهو ملقى على الأرض، ثم أفاق وقد نزل إليه الأميران: أيدغمش ~~أمير أخور وقماري أمير شكار وأركباه فأقبل الأمراء بأجمعهم إلى خدمته، وعاد ~~إلى قلعة الجبل في عشية الأحد ثامن عشرينه، فجمع الأطباء والمجبرين ~~لمداواته فتقدم رجل من المجبرين يعرف بابن بن بوسقة وتكلم بجفاء وعامية ~~طباع، وقال له: تريد تفيق سريعا؟ اسمع مني، فقال له السلطان: قل ماعندك، ~~فقال: لاتخل يداويك غيري بمفردي وإلا فسدت حال يدك مثلما سلمت رجلك لابن ~~السيسي فأفسدها، وأنا ما أخلي شهرا يمضي حتى تركب وتلعب بيدك الأكرة، فسكت ~~السلطان عن جوابه، وسلم إليه يده فتولى علاجه بمفرده، وبطلت الخدمة مئة ~~سبعة وثلاثين يوما. وعوفي السلطان فزينت له القاهرة في يوم الأحد رابع ~~جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وتفاخر الناس في الزينة بحيث إنه لم يعهد ~~زينة مثلها، وأقامت سبعة أيام، هذا والأفراح عمالة بالقلعة وسائر بيوت ~~الأمراء مدة الأسبوع، فإن كل أمير متزوج إما بإحدى جواري السلطان أو ~~ببناته، وأكثرهم أيضا مماليكه، وكذلك البشائر والكوسات تضرب، وأنعم السلطان ~~على الأمراء وخلع عليهم. ثم خرج السلطان إلى القصر الأبلق، وفرق عدة مثالات ~~على الأيتام وعمل سماطا جليلا وخلع على جميع أرباب الوظائف. وأنعم على ~~المجبر بعشرة آلاف درهم، ورسم له أن يدور على جميع الأمراء فلم يتأخر أحد ~~من الأمراء عن إفاضة الخلع عليه، وإعطائه المال فحصل له ما يجل وصفه. وتوجه ~~الأمير آقبغا عبد الواحد إلى البلاد الشامية مبشرا بعافية السلطان. وفيها ~~اشترى الأمير قوصون الناصري دار الأمير آقوش الموصلي الحاجب المعروف بآقوش ~~نميلة، ثم عرفت ثانيا بدار الأمير آقوش قتال السبع، من أربابها، واشترى ~~أيضا ما حولها وهدم ذلك كله، وشرع في بناء جامع ، فبعث السلطان إليه بشاد ~~العمائر والأسرى لنقل الحجارة ونحوها، فنجزت عمارته في مدة يسيرة، وجاء ~~الجامع المذكور من أحسن المباني، وهو خارج بابي زويلة على الشارع الأعظم ~~بالقرب من بركة الفيل، وتولى عمارة منارته رجل من أهل تبريز ms1873 أحضره الأمير ~~أيتمش المحمدي معه فعملها على منوال موادن تبريز. ولما كمل بناء الجامع ~~أقيمت الجمعة فيه في يوم الجمعة حادي عشر شهر رمضان سنة ثلاثين وسبعمائة، ~~وخطب به يومئذ قاضي القضاة جلال الدين محمد القزويني وخلع عليه الأمير ~~قوصون بعد فراغه وأركبه بغلة هائلة. وفي هذه السنة أيضا ابتدأ علاء الدين ~~مغلطاي الجمالي، أحد المماليك السلطانية في عمارة جامع بين السورين من ~~القاهرة، وسمي جامع التوبة لكثرة ما كان هناك من الفساد وأقام به الخطبة. ~~ثم عاد السلطان الملك الناصر على ما كان عليه من أول سنة إحدى وثلاثين ~~وسبعمائة من التوجه إلى الصيد على عادته، وقدم عليه موت الأمير أرغون ~~الدوادار نائب حلب كان وهو بالصيد، فخلع على الأمير ألطنبغا الصالحي بنيابة ~~حلب عوضه. ثم في يوم السبت سابع عشر ذي الحجة، ركب السلطان من القلعة إلى ~~الميدان الذي استجده، وقد كملت عمارته. وكان السلطان قد رسم في أول هذه ~~السنة بهدم مناظر الميدان الظاهري الذي كان بباب اللوق وتجديد عمارة هذا ~~الميدان الذي استجده، وفوض ذلك للأمير ناصر الدين محمد، بن المحسني، فهدم ~~تلك المناظر وباع أخشابها بمائة ألف درهم وألفي درهم، واهتم في عمارة جديدة ~~فكمل في مدة شهرين، وجاء من أحسن مايكون، فخلع السلطان عليه، وفرق على ~~الأمراء الخيول المسرجة الملجمة. PageV03P0003 # وفي أول محرم سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة قدم مبشر الحاج، وأخبر بسلامة ~~الحاج وأن الأمير مغلطاي الجمالي الأستادار على خطة، فعين السلطان عوضه في ~~الأستادارية الأمير أقبغا عبد الواحد. ومات مغلطاي في العقبة، وصبر وحمل ~~إلى أن دفن بمدرسته قريبا من درب ملوخيا بالقاهرة بالقرب من رحبة باب ~~العيد. ولبس آقبغا عبد الواحد الأستادارية في يوم الثلاثاء سادس عشرين ~~المحرم. ثم بعد أيام خلع عليه السلطان بتقدمة المماليك السلطانية مضافا على ~~الأستادارية، من أجل أن السلطان وجد بعض المماليك قد نزل من القلعة إلى ~~القاهرة وسكر، فضرب السلطان كثيرا من الطواشية وطرد كثيرا منهم، وأنكر على ~~الطواشي مقدم المماليك وصرفه عن التقدمة بآقبغا هذا، ms1874 فضبط آقبغا المذكور ~~طباق المماليك بالقلعة وضرب عدة منهم ضربا مبرحا أشرف منهم جماعة على ~~الموت، فلم يجسر بعد ذلك أحد أن يتجاوز طبقته إلى غيرها. وفي يوم الاثنين ~~ثالث عشرين صفر جمع السلطان الأمراء والقضاة والخليفة ليعهد بالسلطنة لابنه ~~آنوك ويركب ولده آنوك بشعار السلطنة، ثم انثنى عزمه عن ذلك في المجلس، وأمر ~~أن يلبس آنوك شعار الأمراء ولا يطلق عليه اسم السلطنة، فركب وعليه خلعة ~~أطلس أحمر بطرز زركش وشربوش مكلل مزركش، وخرج من باب القرافة والأمراء في ~~خدمته حتى مر من سوق الخيل تحت القلعة ونزل عن فرسه وباس الأرض، وطلع من ~~باب الإسطبل إلى باب السر وصعد منه إلى القلعة، ونثرت عليه الدنانير ~~والدراهم. وخلع السلطان على الأمير ألماس الحاجب والأمير بيبرس الأحمدي، ~~وكان السلطان أفرج عن بيبرس المذكور قبل ذلك بمدة من السجن، وخلع على ~~الأمير أيدغمش أمير آخور الجميع خلع أطلس، وخلع السلطان على جميع أرباب ~~الوظائف ومد لهم سماط عظيم وعملت الأفراح الجليلة. وعظم المهم لعقد آنوك ~~المذكور على بنت بكتمر الساقي، فعقد العقد بالقصر على صداق مبلغه من الذهب ~~اثنا عشر ألف دينار، المقبوض منه عشرة آلاف دينار وأنعم السلطان على ولده ~~آنوك المذكور بإقطاع الأمير مغلطاي المتوفى بالعقبة. ثم في عاشر شهر ربيع ~~الآخر من سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة المذكورة قدم الملك الأفضل ناصرالدين ~~محمد بن الملك المؤيد إسماعيل الأيوبي صاحب حماة بعد وفاة أبيه الملك ~~المؤيد بها، وله من العمر نحو من عشرين سنة، فأكرمه السلطان وأقبل عليه. ~~وكان والده لما توفي بحماة أخفى أهله موته، وسارت زوجته أم الأفضل هذا إلى ~~دمشق وترامت على الأمير تنكز نائب الشام، وقدمت له جوهرا باهرا، وسألته في ~~إقامة ولدها الأفضل في سلطنة أبيه المؤيد بحماة. فقبل تنكز هديتها، وكتب في ~~الحال إلى الملك الناصر بوفاة الملك المؤيد، وتضرع إليه في إقامة ولده ~~الأفضل مكانه. فلما قدم البريد بذلك تأسف السلطان على الملك المؤيد وكتب ~~للأمير تنكز بولايته وبتجهيز الأفضل المذكور إلى مصر، ms1875 فأمره تنكز في الحال ~~بالتوجه إلى مصر، فركب وسار حتى دخلها ومثل بين يدي السلطان. وخلع عليه ~~الملك الناصر في يوم الخميس خامس عشرين شهر ربيع الآخر بسلطنة حماة، وركب ~~الأفضل من المدرسة المنصورية ببين القصرين وهو بشعار السلطنة وبين يديه ~~الغاشية، وقد نشرت على رأسه العصائب الثلاث، منها واحد خليفتي أسود واثنان ~~سلطانيان أصفران، وعليه خلعة أطلسين بطراز ذهب، وعلى رأسه شربوش ذهب، وفي ~~وسطه حياصة ذهب بثلاث بيكاريات. وسارالأفضل في موكب جليل وطلع إلى القلعة ~~وقبل الأرض بين يدي السلطان بالقصر. ثم جلس وخلع السلطان على الأمراء الذين ~~مشوا بخدمته، وهم: الأمير ألماس الحاجب وبيبرس الأحمدي وأيدغمش أمير آخور ~~وطغجي أمير سلاح وتمر رأس نوبة، ألبمس كلا منهم أطلسين بطراز ذهب. ثم خلع ~~على جماعة أخر وكان يوما مشهودا. ولقبه السلطان بالملك الأفضل، ثم جهزه إلى ~~بلاده. PageV03P0004 # ثم حضر بعد ذلك تنكز نائب الشام إلى القاهرة ليحضر عرس ابن السلطان ~~الأمير آنوك. وشرع السلطان في عمل المهم من أوائل شعبان من سنة اثنتين ~~وثلاثين، وجمع السلطان من بالقاهرة ومصر من أرباب الملاهي واستمر المهم ~~سبعة أيام بلياليها. واستدعى حريم الأمراء للمهم، فلما كانت ليلة السابع ~~منه حضر السلطان على باب القصر، وتقدم الأمراء على قدر مراتبهم واحدا بعد ~~واحد ومعهم الشموع، فكان إذا قدم الواحد ما أحضره من الشمع قبل الأرض ~~وتأخر، حتى انقضت تقادمهم، فكان عدتها ثلاثة آلاف وثلاثين شمعة، زنتها ~~ثلاثة آلاف وستون قنطارا، فيها ماعني به ونقش نقشا بديعا تنوع في تحسينه، ~~وأحسنها شمع الأمير سنجر الجاولي، فإنه اعتنى بأمره وبعث إلى عملها إلى ~~دمشق فجاءت من أبدع شيء. وجلس الأمير آنوك تجاه السلطان، فأقبل الأمراء ~~جميعا وكل أمير يحمل بنفسه شمعة وخلفه مماليكه تحمل الشمع، فيتقدمون على ~~قدر رتبهم ويقبلون الأرض واحدا بعد واحد طول ليلهم، حتى كان آخر الليل نهض ~~السلطان وعبر حيث مجتمع النساء، فقامت نساء الأمراء بأسرهن وقبلن الأرض ~~واحدة بعد أخرى وهي تقدم ما أحضرت من التحف الفاخرة، حتى انقضت ms1876 تقامهن ~~جميعا، رسم السلطان برقصهن فرقصن عن آخرهن واحدة بعد واحدة، والمغاني تضربن ~~بالدفوف، والأموال من الذهب والفضة والشقق الحرير تلقى على المغنيات، فحصل ~~لهن ما يجل وصفه، ثم زفت العروس. وجلس السلطان من بكرة الغد، وخلع على جميع ~~الأمراء وأرباب الوظائف بأسرها، ورسم لكل امرأة أمير بتعبية قماش على قدر ~~منزلة زوجها، وخلع على الأمير تنكز نائب الشام وجهز صحبته الخلع لأمراء ~~دمشق. فكان هذا العرس من الأعراس المذكورة، ذبح فيه من الغنم والبقر والخيل ~~والإوز والدجاج ما يزيد على عشرين ألفا، وكمل فيه من السكر برسم الحلوى ~~والمشروب ثمانية عشر ألف قنطار، وبلغت قيمة ماحمله الأمير بكتمر الساقي مع ~~ابنته من الشورة ألف ألف دينار، قاله جماعة من المؤرخين. ثم استهم السلطان ~~إلى سفر الحجاز الشريف، وسافر الأمير أيدمر الخطيري أمير حاج المحمل في ~~عشرين شوال من السنة، ونزل السلطان من القلعة في ثاني عشر شوال وأقام ~~بسرياقوس، حتى سار منه إلى الحجاز في خامس عشرينه، بعد ما قدم حرمه صحبة ~~الأمير طغيتمر في عدة من الأمراء. واستناب السلطان على ديار مصر الأمير سيف ~~الدين ألماس الحاجب ورسم له، أن يقيم بداره، وجعل الأمير آقبغا عبد الواحد ~~داخل باب القلة عن قلعة الجبل لحفظ القلعة، وجعل الأمير جمال الدين آقوش ~~نائب الكرك بالقلعة وأمره ألا ينزل منها حتى يحضر، وأخرج كل أمير من ~~الأمراء المقيمين إلى إقطاعه، ورسم لهم ألا يعودوا منها حتى يرجع السلطان ~~من الحجاز. وتوجه مع السلطان إلى الحجاز الملك الأفضل صاحب حماة، ومن ~~الأمراء: جنكلي بن البابا، والحاج آل ملك، وبيبرس الأحمدي، وبهادر المعزي، ~~وأيدغمش أمير آخور، وبكتمر الساقي، وطقزدمر، وسنجر الجاولي، وقوصون، ~~وطايربغا، وطغاي تمر، وبشتاك، وأرنبغا، وطغجي، وأحمد بن بكتمر الساقي، ~~وجركتمر بن بهادر، وطيدمر الساقي، وآقبغا آص الجاشنكير، وطوغان الساقي، ~~وطقتمر الخازن، وسوسون السلاح دار، وتلك، وبيبغا الشمسي، وبيغرا، وقماري، ~~وتمر الموسوي، وأيدمر أمير جاندار، وبيدمر البدري، وطقبغا الناصري، وأيتمش ~~الساقي، وإياز الساقي، وألطنقش، وأنس، وأيدمر دقماق، وطيبغا المجدي، وخير ~~بك، ms1877 وقطز أمير آخور، وبيدمر، وأينبك،، وأيدمر العمري، ويحيى بن طايربغا، ~~ومسعود الحاجب، ونوروز، وكجلي،، وبرلغي، وبكجا، ويوسف الدوادار، وقطلقتمر ~~السلاح دار، وآناق ، وساطلمش، وبغاتمر، ومحمد بن جنكلي، وعلي بن أيدغمش، ~~وألاجا ، وآق سنقر، وقرا، وعلاء الدين علي بن هلال الدولة، وتمربغا ~~العقيلي، وقماري الحسني، وعلي بن أيدمر الخطيري، وطقتمر اليوسفي، و هؤلاء ~~مقدمون وطلبخاناه. ومن العشرات: علي بن PageV03P0005 # السعيدي، وصاروجا النقيب، وآق سنقر الرومي، وإياجي الساقي، وسنقر الخازن، ~~وأحمد بن كجكن، وأرغون العلائي، وأرغون الإسماعيلي، وتكا، وقبجق، ومحمد بن ~~الخطيري، وأحمد بن أيدغمش، وطشبغا، وقليجي. وحج مع السلطان أيضا قاضي ~~القضاة جلال الدين القزويني الشافعي، وابن الفرات الحنفي وفخر الدين ~~النويري المالكي، وموفق الدين الحنبلي، وكانوا أربعتهم ينزلون في خيمة ~~واحدة، فإذا قدمت لهم فتوى كتبوا عليها الأربعة، وقدم السلطان الأمير أيتمش ~~إلى عقبة أيلة ومعه مائة رجل من الحجازيين حتى وسعوا طريق العقبة وأزالوا ~~وعرها، ومن يومئذ سهل صعودها. ولما قرب السلطان من عقبة أيلة بلغه آتفاق ~~الأمير بكتمر الساقي على الفتك به مع عدة من المماليك السلطانية، فتمارض ~~السلطان وعزم على الرجوع إلى مصر، ووافقه الأمراء على ذلك إلا بكتمر ~~الساقي، فإنه أشار بإتمام السفر وشنع عوده قبل الحج. فعند ذلك عزم السلطان ~~على السفر، وسير ابنه آنوك وأمه خوند طغاي إلى الكرك صحبة الأمير ملكتمر ~~السرجواني نائب الكرك، فإنه كان قدم إلى العقبة ومعه ابنا السلطان الملك ~~الناصر: أبو بكر وأحمد اللذان كان والدهما الناصر أرسلهما إلى الكرك قبل ~~تاريخه بسنين ليسكنا بها. ثم مضى السلطان إلى سفره وهو محترز غاية التحرز، ~~بحيث إنه ينتقل في الليل عدة مرار من مكان إلى مكان، ويخفي موضع مبيته من ~~غير أن يظهر أحدا على مافي نفسه مما بلغه عن بكتمر الساقي، إلى أن وصل إلى ~~ينبع. فتلقاه الأشراف من أهل المدينة، وقدم عليه الشريف أسد الدين رميثة من ~~مكة ومعه قواده وحريمه فأكرمهم السلطان وأنعم عليهم، وساروا معه إلى أن نزل ~~على خليص فر منه نحو ثلاثين مملوكا إلى ms1878 جهة العراق فلم يتكلم السلطان. وسار ~~حتى قدم مكة ودخلها فأنعم على الأمراء، وأنفق في جميع من معه من الأجناد ~~والمماليك ذهبا كثيرا، وأفاض على أهل مكة بالصدقات والإنعام. فلما قضى ~~النسك عاد يريد مصر، وعرج إلى زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ~~فسار حتى وصلها فلما دخلها هبت بها ريح شديدة في الليل ألقت الخيم كلها ~~وتزايد اضطراب الناس، واشتدت ظلمة الجو فكان أمرا مهولا، فلما كان النهار ~~سكن الريح، فظفر أمير المدينة بمن فر من المماليك السلطانية فخلع السلطان ~~عليه، وأنعم عليه بجميع ماكان مع المماليك من مال وغيره، وبعث بالمماليك ~~إلى الكرك، فكان ذلك آخر العهد بهم. PageV03P0006 # ثم مرض الأمير بكتمر الساقي وولده أحمد، فمات أحمد في ليلة الثلاثاء سابع ~~المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، ومات أبوه الأمير بكتمر الساقي في ليلة ~~الجمعة عاشر المحرم بعد ابنه أحمد بيومين، وحمل بكتمر إلى عيون القصب فدفن ~~بها، واتهم السلطان أنه سمهما. وذلك أنه، كان قد عظم أمر بكتمر، بحيث إن ~~السلطان كان معه في هذه السفرة ثلاثة آلاف ومائة عليقة، ومع بكتمر الساقي ~~ثلاثة آلاف عليقة، وبلغت عدة خيوله الخاصة مائة طوالة بمائة سايس بمائة ~~سطل، وكان عليق خيول إسطبله دائما ألفا ومائة عليقة كل يوم، ومع هذا لم ~~يقنعه ذلك. وأخذ يدبر في قتل السلطان، وبلغ السلطان ذلك بعد أن خرج من ~~القاهرة فتحرز على نفسه بدربة وعقل ومعرفة ودهاء ومكر، حتى صار في أعظم ~~حجاب من بكتمر وغيره. ثم أخذ هو أيضا يدبر على بكتمر، وأخذ يلازمه في الليل ~~والنهار، بحيث أن بكتمر عجز في الطريق أن ينظر إلى زوجته، فإنه كان إذا ركب ~~أخذ يسايره بجانبه ويكالمه من غير جفاء، وإذا نزل جلس معه، فإن مضى إلى ~~خيامه أرسل السلطان في الحال خلفه، بحيث إنه استدعاه، مرة وهو يتوضأ، بواحد ~~بعد آخر حتى كمل عنده اثنا عشر جمدار. فلما ثارت الريح بالمدينة قصد ~~السلطان قتل بكتمر وولده أحمد تلك الليلة. وأعد لذلك جماعة فهجموا ms1879 على ولده ~~أحمد فلم يتمكنوا منه، واعتذروا بأنهم رأوا حرامية وقد أخذوا لهم متاعا ~~فمروا في طلبهم، فداخل الصبي منهم الفزع ثم زاد احتراز السلطان على نفسه، ~~ورسم للأمراء أن يناموا بمماليكهم على بابه. ولما سار من المدينة عظم عنده ~~أمر بكتمر، فلما كان في أثناء الطريق سقى أحمد بن بكتمر ماء باردا في ~~مسيره، كانت فيه منيته، ثم سقى بكتمر بعد موت ولده مشروبا فلحق بابنه. ~~واشتهر ذلك، حتى إن زوجة بكتمر لما مات صاحت وقالت للسلطان بصوت سمعها كل ~~أحد: يا ظالم أين تروح من الله؟ ولدي وزوجي؟ فأما زوجي كان مملوكك، وولدي، ~~ايش كان بينك وبينه؟ وكررت ذلك مرارا فلم يجبها. قلت: ولولا أن الملك ~~الناصر سقى ولده أحمد قبله، وإلا كانت حيلة الناصر لا تتم، فإن بكتمر أيضا ~~كان احترز على نفسه وأعلم أصحابه بذلك. فلما اشتغل بمصاب ابنه أحمد انتهز ~~الملك الناصر الفرصة وسقاه في الحال. و أيضا لو بقي ولده ربما وثب حواشي ~~بكتمر به على السلطان، وهذا الذي قلته على الظن مني. والله أعلم. ويأتي ~~أيضا بعض ذكر بكتمر الساقي في الوفيات. انتهى. ثم وصل إلى القاهرة مبشر ~~الحاج في ثامن المحرم سنة ثلاث وثلاثين تلك المظفري الجمدار وأخبر بسلامة ~~السلطان، فدقت البشائر، وخلع عليه خلع كثيرة، واطمأن الناس بعد ما كان ~~بينهم أراجيف. ثم وصل السلطان إلى الديار المصرية في يوم السبت ثامن عشر ~~المحرم بعد ما خرج معظم الناس إلى لقائه، ومد شرف الدين النشو شقاق الحرير ~~والزربفت من بين العروستين إلى باب الإسطبل، فلما توسط بين الناس صاحت ~~العوام: هو إياه؟ ما هو إياه؟ با لله اكشف لنا لثامك، وأرنا وجهك وكان قد ~~تلثم، فعند ذلك حسر اللثام عن وجهه فصاحوا بأجمعهم: الحمد لله على السلامة، ~~ثم بالغوا في إظهار الفرح به والدعاء له وأمعنوا في ذلك، فسر السلطان بهذا ~~الأمر، ودخل القلعة ودقت البشائر وعملت الأفراح ثلاثة أيام. وهذه حجة ~~السلطان الملك الناصر الثالثة، وهي التي يضرب بها المثل. ms1880 وجلس السلطان على ~~كرسي الملك وخلع على الأمراء قاطبة. وكان بلغ السلطان أن ألماس الحاجب كان ~~اتفق مع بكتمر الساقي على الفتك بالسلطان. قلت: وبكتمر وألماس كلاهما ~~مملوكه ومشتراه. انتهى. PageV03P0007 # ثم أخذ السلطان يدبر على ألماس حتى قبض عليه وعلى أخيه قرا في العشرين من ~~ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين، وحمل قرا من يومه إلى الإسكندرية. وسبب معرفة ~~السلطان اتفاق ألماس مع بكتمر أن الملك الناصر لما مات بكتمر الساقي صحبته ~~بطريق الحجاز احتاط على موجوده، فكان من جملة الموجود جزدان ففتحه السلطان ~~فوجد فيه جوابا من الأمير ألماس إلى بكتمر الساقي يقول فيه: إنني حافظ ~~القاهرة والقلعة إلى أن يرد علي منك ما أعتمده، فتحقق السلطان أمره وقبض ~~عليه ولما قبض السلطان على ألماس أخذ جميع أمواله وكان مالا جزيلا إلى ~~الغاية، فإنه كان ولي الحجوبية وباشرها وليس بالديار المصرية نائب سلطنة، ~~فإن الملك الناصر لم يول أحدا معه بعد الأمير أرغون، فعظم أمر ألماس في ~~الحجوبية لذلك فصار هو في محل النيابة، ويركبون الأمراء وينزلون في خدمته ~~ويجلس في باب القلعة في منزلة النائب، والحجاب والأمراء وقوف بين يديه. ~~وكان ألماس رجلا طوالا غتميا لا يفهم بالعربية، يفعل ذلك عامدا لإقامة ~~الحرمة، ويظهر البخل ولم يكن كذلك، بل كان يفعل ذلك خوفا من الملك الناصر، ~~فإنه كان يطلق لمماليكه الأرباع والأملاك المثمنة وليس البخيل كذلك. ويأتي ~~أيضا من ذكره شيء في الوفيات. ثم في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة قدم تنكز ~~إلى القاهرة وأقام بها أياما ثم عاد إلى محل ولايته في يوم الخميس ثالث شهر ~~رجب من سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. وفي هذه السنة أفرج السلطان عن الأمير ~~بهاء الدين أصلم وعن أخيه قرمجي وعن بكتوت القرماني، فكانت مدة اعتقال أصلم ~~وقرمجي ست سنين وثمانية أشهر. ثم خلع السلطان على الأمير آقوش الأشرفي ~~المعروف بنائب الكرك بنيابة طرابلس بعد موت قرطاي. قلت: وإخراج آقوش نائب ~~الكرك المذكور من مصر لأمور، منها: صحبته مع ألماس، ومنها ثقله على ~~السلطان، ms1881 فإن السلطان كان يجله ويحترمه ويقوم له كلما دخل عليه لكبر سنه، ~~ومنها معارضته للسلطان فيما يرومه، فأخرجه وبعث له بألف دينار، وخرج معه ~~برسبغا مسفرا له، فلما أوصله إلى طرابلس وعاد، خلع عليه السلطان، واستقر به ~~حاجبا صغيرا. وخلع على الأمير مسعود بن أوحد، بن الخطير بدر الدين، واستقر ~~حاجبا كبيرا عوضا عن ألماس. وورد الخبر على السلطان من بغداد بأن صاحبها ~~أمر النصارى بلبس العمائم الزرق واليهود الصفر اقتداء بالسلطان الملك ~~الناصر بهذه السنة الحسنة. وفي يوم الأحد رابع المحرم سنة خمس وثلاثين ~~وسبعمائة قبض السلطان على الطواشي شجاع الدين عنبر السحرتي مقدم المماليك ~~بسعاية النشو ناظر الخاص. وأنعم بإقطاعه وهي إمرة طبلخاناه على الطواشي ~~سنبل، واستقر نائب مقدم المماليك. وخلع على الأمير آقبغا عبد الواحد واستقر ~~مقدم المماليك السلطانية مضافا للأستادارية عوضا عن عنبر السحرتي كما كان ~~أولا. فلما تولى آقبغا تقدمة المماليك عرض الطباق، ووضع فيهم، وضرب جماعة ~~من السلاح دارية والجمدارية لامتناعهم عنه ونفاهم إلى صفد فأعجب السلطان ~~ذلك. وفي شهر رجب من سنة خمس وثلاثين أفرج السلطان عن الأمير بيبرس الحاجب، ~~وكان له في السجن من سنة خمس وعشرين. وأفرج أيضا عن الأمير طغلق التتاري، ~~وهو أحد الأمراء الأشرفية، وكان له في السجن ثلاث وعشرون سنة فمات بعد ~~أسبوع من قدومه. قلت: لعله مات من شدة الفرح. ثم أفرج السلطان عن الأمير ~~غانم بن أطلس خان، وكان له في السجن خمس وعشرون سنة، وأفرج عن الأمير برلغي ~~الصغير وله في السجن ثلاث وعشرون سنة، وأفرج عن جماعة أخر، وهم: أيدمر ~~اليونسي أحد أمراء البرجية المظفرية، والأمير لاجين العمري، والأمير طشتمر ~~أخو بتخاص، والأمير بيبرس العلمي، وكان من أكابر الأمراء البرجية من حواشي ~~المظفر بيبرس، والأمير قطلوبك الأوجاقي، والشيخ علي مملوك سلار، والأمير ~~تمر الساقي نائب طرابلس أحد المنصورية، وكان قبض عليه سنة أربع عشرة، ~~والجميع كان حبسهم في ابتداء سلطنة الملك الناصر الثالثة بعد سنة عشر ~~وسبعمائة. وأنعم السلطان على تمر الساقي بطبلخاناه بالشام، ms1882 وأنعم على بيبرس ~~الحاجب بإمرة في حلب، وأنعم على طشتمر بإمرة بدمشق، وعلى أيدمر اليونسي ~~وبلاط بإمرة في طرابلس. PageV03P0008 # ثم في يوم الخميس رابع شهر ربيع الأول أنعم السلطان على ولده أبي بكر ~~بإمرة، وركب بشربوش من إسطبل الأمير قوصون، وسار من الرميلة إلى باب ~~القرافة، فطلع إلى القلعة، والأمراء والخاصكية في خدمته، وعمل لهم الأمير ~~قوصون مهما عظيما في إسطبله. ثم إن السلطان قبض على الأمير جمال الدين آقوش ~~الأشرفي المعروف بنائب الكرك، وهو يوم ذاك نائب طرابلس، في نصف جمادى ~~الآخرة وحبس بقلعة صرخد، ثم نقل منها في مستهل شوال إلى الإسكندرية، ونزل ~~النشو إلى بيته بالقاهرة، وأخذ موجوده وموجود حريمه وعاقب أستاداره. واستقر ~~عوضه في نيابة طرابلس الأمير طينال. ثم اشتغل الملك الناصر بضعف مملوكه ~~ومحبوبه ألطنبغا المارداني، وتولى تمريضه بنفسه إلى أن عوفي، فأحب ألطنبغا ~~أن ينشىء له جامعا تجاه ربع الأمير طغجي خارج باب زويلة، واشترى عدة دور من ~~أربابها بغير رضاهم فندب السلطان النشو لعمارة الجامع المذكور، فطلب النشو ~~أرباب الأملاك وقال لهم: الأرض للسلطان ولكم قيمة البناء، ولازال بهم حتى ~~ابتاعها منهم بنصف مافي مكاتيبهم من الثمن، وكانوا قد أنفقوا في عمارتها ~~بعد مشتراها جملة، فلم يعتد لهم النشو منها بشيء. وأقام النشو في عمارته ~~حتى تم في أحسن هندام، فجاء مصروفه ثلاثمائة ألف درهم ونيف، سوى ما أنعم به ~~عليه السلطان من الخشب والرخام وغيره. وخطب به الشيخ ركن الدين عمر بن ~~إبراهيم، الجعبري من غير أن يتناول له معلوما. ثم جلس السلطان بدار العدل ~~فوجد به رقعة تتضمن الوقيعة في النشو وكثرة ظلمه وتسلط أقاربه على الناس ~~وكثرة أموالهم وتعشق صهره ولي الدولة لشاب تركي. وكان قبل ذلك قد ذكر ~~الأمير قوصون للسلطان أن عميرا الذي كان شغف به الأمير ألماس قد ولع به ~~أقارب النشو وأنفقوا عليه الأموال الكثيرة، فلم يقبل السلطان فيه قول ~~الأمراء لمعرفته لكراهتهم له، فلما قرئت عليه القصة قال: أنا أعرف من ~~كتبها، واستدعى النشو ودفعها ms1883 إليه، وأعاد له مارماه به الأمير قوصون، فحلف ~~النشو على براءتهم من هذا الشاب، وإنما هذا ومثله مما يفعله حواشي الأمير ~~قوصون، وقصد قوصون تغير خاطر السلطان علي وبكى وانصرف. فطلب السلطان قوصون ~~وأنكر عليه إصغاءه لحواشيه في حق النشو، فحلف قوصون أن النشو يكذب في حلفه، ~~ولئن قبض السلطان على الشاب وعوقب ليصدقن السلطان فيمن يعاشره من أقارب ~~النشو فغضب السلطان وطلب أمير مسعود الحاجب وأمره بطلب الشاب وضربه ~~بالمقارع حتى يعترف بجميع من يصحبه وكتابة أسمائهم، وألزمه ألا يكتم عنه ~~شيئا فطلبه مسعود، وأحضر المعاصير فأملى عليه الشاب عدة كثيرة من الأعيان، ~~منهم ولي الدولة فخشي مسعود على الناس من الفضيحة، وقال للسلطان: هذا ~~الكذاب ماترك أحدا في المدينة حتى اعترف عليه، وأنا أعتقد أنه يكذب عليهم، ~~وكان السلطان حشيم النفس يكره الفحش، فقال لمسعود: يا بدر الدين، من ذكر من ~~الدواوين؟. فقال: " والله يا خوند ما خلى أحدا من خوفه حتى ذكره، فرسم ~~السلطان بإخراج عمير المذكور ووالده إلى غزة، ورسم لنائبها أن يقطعهما خبزا ~~بها. وكان ذلك أول انحطاط قدر النشو عند السلطان. ثم اتفق بعد ذلك أن طيبغا ~~القاسمي الناصري، وكان يسكن بجوار النشو وله مملوك جميل الصورة، فاعتشر به ~~ولي الدولة وغيره من إخوة النشو، فترصد أستاذه طيبغا، حتى هجم يوما عليهم ~~وهو معهم فأخذه منهم وخرج. وبلغ النشو ذلك، فبادر بالشكوى إلى السلطان بأن ~~طيبغا القاسمي يتعشق مملوكه ويتلف عليه ماله، وأنه هجم وهو سكران على بيتي ~~وحريمي، وقد شهر سيفه، وبالغ في السب. وكان السلطان يمقت على السكر، فأمر ~~في الحال بإخراج طيبغا ومملوكه إلى الشام. وكان السلطان مشغولا في هذه ~~الأيام بعمارة قناطر شبين القصر على بحر أبي المنجا فأنشئت تسع قناطر. ثم ~~توجه السلطان في شهر ربيع الآخر من سنة ست وثلاثين وسبعمائة إلى الوجه ~~القبلي للصيد، ثم عاد إلى القاهرة بعد أن غاب خمسة وأربعين يوما كل ذلك ~~وأمر النشو في إدبار بالنسبة لما كان عليه. PageV03P0009 # ثم جلس السلطان ms1884 يوما بالميدان فسقط عليه طائر حمام وعلى جناحه ورقة تتضمن ~~الوقيعة في النشو وأقاربه والقدح في السلطان بأنه قد أخرب دولته. فغضب ~~السلطان غضبا شديدا، وطلب النشو وأوقفه على الورقة، وتنمر عليه لكثرة ما ~~شكي منه، فقال النشو: يا خوند، الناس. معذورون وحق رأسك لقد جاءني خبر هذه ~~الورقة ليلة كتبت. وهي فعل المعلم أبي شاكر بن سعيد الدولة ناظر البيوت، ~~كتبها في بيت الصفي كاتب الأمير قوصون، وقد اجتمع هذا وأقاربه في التدبير ~~علي، ثم أخذ النشو يعرف السلطان ماكان من أمر سعيد الدولة في أيام المظفر ~~بيبرس الجاشنكير، وأغراه به حتى طلبه وسلمه إلى الوالي علاء الدين علي بن ~~المرواني، فعاقبه الوالي عقوبة مؤلمة. ثم طلب السلطان الأمير قوصون وعنفه ~~بفعل الصفي كاتبه. ثم تتبع النشو حواشي أبي شاكر وقبض عليهم وسلمهم إلى ~~الوالي وخرب بيوتهم وحرثها بالمحراث. واشتدت وطأة النشو على الناس واستوحش ~~الناس منه قاطبة، وصار النشو يدافع عن نفسه بكل ما يمكن، والمقادير تمهله. ~~ثم بدا للسلطان أن ينقل الخليفة من مناظر الكبش إلى قلعة الجبل، فنقل في ~~ثالث عشرين ذي القعدة من سنة ست وثلاثين والخليفة المستكفي بالله أبو ~~الربيع سليمان. وسكن الخليفة بالقلعة حيث كان أبوه الحاكم نازلا ببرج ~~السباع بعياله، ورسم على الباب جاندار بالنوبة. وسكن ابن عمه إبراهيم في ~~برج بجواره بعياله، ورسم عليه جاندار آخر ومنعا عن الاجتماع بالناس، كل ذلك ~~لأمر قيل. ثم إن السلطان في سابع عشر محرم سنة سبع وثلاثين وسبعمائة عقد ~~عقد ابنه أبي بكر على ابنة الأمير سيف الدين طقزدمر الحموي الناصري أمير ~~مجلس بدار الأمير قوصون. ثم قدم الأمير تنكز نائب الشام ثاني شهر رجب من ~~سبع وثلاثين المذكورة على السلطان وهو بسرياقوس، فخلع عليه، وسافر في ثاني ~~عشرينه إلى محل ولايته. ثم في هذه السنة زاد ظلم النشو على التجار، ورمى ~~على التجار الخشب بأضعاف ثمنه، فكثرت الشكوى منه إلى أن توصل بعض التجار ~~لزوجة السلطان خوند طغاي أم آنوك، وقال لها: رمى ms1885 علي النشو خشبا يساوي ألفي ~~درهم بألفي دينار،، فعرفت أم آنوك السلطان بذلك، فأمر السلطان بطلب التاجر ~~وقد اشتد غضبه على النشو. وبلغ النشو الخبر، ففي الحال أرسل النشو رجلا إلى ~~التاجر وسأله في قرض مبلغ من المال، فعرفه التاجر أمر الخشب وما هو فيه من ~~الغرامة، فقال له الرجل: أرني الخشب فإني محتاج إليه،، فلما رآه قال: هذا ~~غرضي واشتراه منه بفائة ألف درهم إلى شهر، وفرح التاجر بخلاصه من الخشب، ~~وأشهد عليه بذلك. وأخذ الرجل الخشب وأتى بالمعاقدة إلى النشو، فأخذها النشو ~~وطلع إلى السلطان من فوره، وقال للسلطان: يا مولانا السلطان، نزلت أخذ ~~الخشب من التاجر فوجدته قد باعه بفائدة ألف درهم، فلم يصدقه السلطان، وعوق ~~النشو وقد امتلأ عليه غضبا فطلب السلطان التاجر وسأله عما رماه عليه النشو ~~من الخشب، فاغتر التاجر بأم آنوك وأخذ يقول: ظلمني النشو وأعطاني خشبا ~~بألفي دينار يساوي ألفي درهم، فقال له السلطان: وأين الخشب؟، فقال: بعته ~~بالدين، فقال النشو: قل الصحيح، فهذه معاقدتك معه، فلم يجد التاجر بدا من ~~الاعتراف، فحنق عليه السلطان وقال له: ويلك تقيم علينا القالة، وأنت تبيع ~~بضاعتنا بفائدة " ، وسلمه إلى النشو وأمره بضربه، وأخذ الألفي دينار منه مع ~~مثلها. وعظم عنده النشو وتحقق حق مايقوله، وأن الذي يحمل الناس على التكلم ~~فيه الحسد. ثم عبر السلطان إلى الحريم وسبهن وعرفهن بما جرى من كذب التاجر ~~وصدق النشو، وقال: مسكين النشو، ما وجدت أحدا يحبه. ثم أفرج السلطان عن ~~الأمير طرنطاي المحمدي بعد ما أقام في السجن سبعا وعشرين سنة وأخرج إلى ~~الشام. PageV03P0010 # ثم في يوم الاثنين ثاني عشر رمضان ركب النشو على عادته في السحر إلى ~~الخدمة فاعترضه في طريقه عبد المؤمن بن عبد الوهاب السلامي المعزول عن ~~ولاية قوص، فضربه بالسيف فأخطأ رأس النشو، وسقطت عمامته عن رأسه، وقد جرح ~~كتفه وسقط على الأرض. ونجا الفارس بنفسه، وفي ظنه أن رأس النشو قد طاح عن ~~بدنه لعظم ضربه. وبلغ السلطان ذلك، فغضب ولم يحضر ms1886 السماط. وبعث إلى النشو ~~بعدة من الجمدارية والجرايحية فقطبت ذراعه بست إبر وجبينه باثنتي عشرة ~~إبرة، وألزم السلطان والي القاهرة ومصر بإحضار غريم النشو. وأغلظ السلطان ~~على الأمراء بالكلام ومازال يشتد ويحتد حتى عادت القصاد بسلامة النشو فسكن ~~ما به، ثم بعث النشو مع أخيه رزق الله إلى السلطان يعلمه بأن هذا من فعل ~~الكتاب بموافقة لؤلؤ شاد الدواوين، فطلب السلطان الوالي وأمره بمعاقبة ~~الكتاب الذين هم في المصادرة مع لؤلؤحتى يعترفوا بغريم النشو، وكان السلطان ~~قد قبض على لؤلؤ وكتابه وصادره قبل تاريخه بموافقة النشو، فنزل الوالي ~~وعاقب لؤلؤا وضربه ضربا مبرحا، وعاقب المعلم أبا شاكر وقرموطا عقابا شديدا، ~~فلم يعترفوا بشيء. وعوفي النشو، وطلع إلى القلعة، وخلع السلطان عليه، ونزل ~~من القلعة بعد أن رتب السلطان المقدم إبراهيم بن أبي بكر بن شداد صابر أن ~~يمشي في ركابه ومعه عشرة من رجاله في ذهابه وإيابه. ثم قبض النشو بعد ذلك ~~على تاج الدين، بن الأزرق وصادره حتى باع أملاكه، وكان من جملة أملاكه ملك ~~بشاطىء النيل، فاشتراه منه الأمير عز الدين أيدمر الخطيري، وكان بجانبه ~~ساقية، فهدم الخطيري الدار والساقية وعمرهما جامعا بخط بولاق على شاطىء ~~النيل. قلت: وكان أصل موضع هذا الجامع المذكور أنه لما أنشئت العمائر ~~ببولاق عمر الحاج محمد بن عز الفراش بجوار الساقية المذكورة دارا على ~~النيل، ثم انتقلت بعد موته إلى ابن الأزرق هذا فكانت تعرف بدار الفاسقين، ~~من كثرة اجتماع النصارى بها على مالا يرضي الله تعالى. فلما صادره النشو ~~باعها فيما باعه، فاشتراها الخطيري بثمانية آلاف درهم، وهدمها وبنى مكانها ~~ومكان الساقية جامعا أنفق فيه أموالا جزيلة في أساساته مخافة من زيادة ~~النيل وأخذ أراضي حوله من بيت المال، وأنشأ عليها الحوانيت والرباع ~~والفنادق. فلما تم بناؤه قوي عليه ماء النيل فهدم جانبا منه، فأنشأ تجاهه ~~زريبة رمى فيها ألف مركب موسوقة بالحجارة، قاله الشيخ تقي الدين المقريزي ~~رحمه الله وهو حجة فيما ينقله. لكن أقول: لعله وهم في هذا وأراد ms1887 أن يقول: ~~وسق ألف مركب بالحجارة، فسبق قلمه بما ذكرناه، قال: وسمي هذا الجامع بجامع ~~التوبة، وجاء في غاية الحسن. فلما أفرج عن بن الأزرق من المصادرة ادعى أنه ~~كان مكرها في بيع داره، فأعطاه الأمير أيدمر الخطيري ثمانية آلاف درهم أخرى ~~حتى استرضاه، ولا يكون جامعه بني في أرض مكرهة انتهى. وقد خرجنا عن المقصود ~~ولنرجع إلى أمر الملك الناصر. وأما النشو فإنه لا زال على بن الأزرق هذا ~~حتى قبض عليه ثانيا وعاقبه حتى مات، وذلك في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ثم ~~في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة أنعم السلطان الملك الناصر في يوم واحد على ~~أربعة من مماليكه بمائتي ألف دينار مصرية، وهم: قوصون، وألطنبغا المارداني، ~~وملكتمر الحجازي، وبشتك. وفي هذه السنة ولد للسلطان ابنه صالح من بنت ~~الأمير تنكز نائب الشام، فعمل لها السلطان بشخاناه ودائر بيت زركش، وتكملة ~~البذلة من المخدات والمقاعد بمائتي ألف دينار وأربعين ألف دينار وعمل لها ~~الفرح سبعة أيام. PageV03P0011 # وفي هذه السنة وقع للملك الناصر غريبة، وهو أنه استدعى من بلاد الصعيد ~~بألفي رأس من الضأن، واستدعى من الوجه البحري بمثلها لتتمة أربعة آلاف رأس. ~~وشرع السلطان في عمل حوش برسمها وبرسم الأبقار البلق، فوقع اختياره على ~~موضع بقلعة الجبل مساحته أربعة أفدنة، قد قطعت منه الحجارة لعمارة القاعات ~~التي بالقلعة حتى صار غورا عظيما، فطلب كاتب الجيش ورتب على كل من الأمراء ~~المقدمين مائة رجل ومائة دابة لنقل التراب، وعلى كل من أمراء الطبلخاناه ~~بحسب حاله. وأقام الأمير آقبغا عبد الواحد شادا وأن يقيم معه من جهة كل ~~أمير استاداره بعدة من جنده، وألزم الأسرى بالعمل. ورسم لوالي القاهرة ~~بتسخير العامة. فنصب الأمير آقبغا خيمته على جانب الموضع، واستدعى ~~استادارية الأمراء واشتد عليهم، فلم يمض ثلاثة أيام حتى حضرت إليه رجال ~~الأمراء من نواحيهم، ونزل كل أستادار بخيمته، ومعه دوابه ورجاله، فقسمت ~~عليهم الأرض قطعا معينة لكل واحد منهم، فجدوا في العمل ليلا ونهارا. ~~واستحثهم آقبغا المذكور بالضرب، وكان ظالما غشوما، ms1888 فعسف بالرجال وكلفهم ~~السرعة في أعمالهم من غير رخصة ولا مكنهم من الاستراحة. وكان الوقت صيفا ~~حارا فهلك جماعة كثيرة منهم في العمل لعجز قدرتهم عما كلفوه. ومع ذلك كله ~~والولاة تسخر من تظفر به من العامة، وتسوقه إلى العمل، فكان أحدهم إذا عجزو ~~ألقى بنفسه إلى الأرض، رمى أصحابه عليه التراب فيموت لوقته. هذا والسلطان ~~يحضر كل يوم حتى ينظر العمل. وكان الأمير ألطنبغا المارداني قد مرض وأقام ~~أياما بالميدان على النيل حتى عوفي وطلع إلى القلعة من باب القرافة، ~~فاستغاث به الناس وسألوه أن يخلصهم من هذا العمل، فتوسط لهم عند السلطان، ~~حتى أعفى الناس من السخر وأفرج عمن قبض عليه منهم. فأقام العمل ستة وثلاثين ~~يوما إلى أن فرغ منه، وأجريت إليه المياه، وأقيمت به الأغنام المذكورة ~~والأبقار البلق، وبنيت به بيوت للإوز وغيرها. قلت: لعل هذا الموضع يكون هو ~~الحوش الذي يلعب فيه السلطان بالكرة تحت قاعة الدهيشة. والله أعلم. وعند ~~فراغ هذا الحوش استدعى السلطان الأمراء وعمل لهم سماطا جليلا، وخلع على ~~جماعة ممن باشر العمل وغيرهم. ثم أنشأ السلطان لمملوكيه: الأمير يلبغا ~~اليحياوي والأمير ألطنبغا المارداني لكل منهما قصرا تجاه حمام الملك السعيد ~~بركة خان، قريبا من الرميلة تجاه القلعة، وأخذ من إسطبل الأمير أيدغمش أمير ~~آخور قطعة، ومن إصطبل الأمير قوصون قطعة، ومن إصطبل طشتمر الساقي قطعة، ~~ونزل السلطان بنفسه حتى قرر أمره. ورسم السلطان للأمير قوصون أن يشتري ~~الأملاك التي حول إصطبله ويضيفها فيه. ثم أمر السلطان أن يكون بابا ~~الإصطبلين اللذين أمر بإنشائهما ليلبغا وألطنبغا تجاه حمام الملك السعيد. ~~وأقام الأمير آقبغا عبد الواحد شاد عمارة القصرين والإصطبلين المذكورين. ~~قلت: أما إصطبل قوصون فهو البيت المعد لسكن كل من صار أتابك العساكر في ~~زماننا هذا، الذي بابه الواحد تجاه باب السلسلة. وأما بيت طشتمر الساقي حمص ~~أخضر، فهو البيت الذي الآن على ملك الأمير جرباش المحمدي الأتابك، الذي ~~بابه الواحد من حدرة البقر. وبيت أيدغمش أمير آخور لعله يكون بيت منجك ms1889 ~~اليوسفي الذي هو الآن على ملك تمربغا الظاهري رأس نوبة النوب. وأما القصران ~~والإسطبلان اللذان عمرهما السلطان ليلبغا اليحياوي وألطنبغا المارداني فقد، ~~أخذهما السلطان حسن، وجعل مكانهما مدرسته المعروفة بمدرسه السلطان حسن تجاه ~~قلعة الجبل. والله أعلم. PageV03P0012 # وفي هذه السنة أعني سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة عمل السلطان جسرا بالنيل ~~على جسر بن الأثير، وحفر الخليج الكبير المعروف بخليج الخور. وسببه أن ~~النيل قوي على ناحية بولاق، وهدم جامع الخطيري حتى احتاج أيدمر الخطيري ~~لتجديده، فرسم السلطان للسكان على شاطىء النيل بعمل زرايي لجميع ملاك الدور ~~بالقرب من فم الخور، وألا يؤخذ منهم عليها حكر، فبنى صاحب كل دار زريبة ~~تجاه داره فلم يفد ذلك شيئا. فكتب السلطان بإحضار مهندسي البلاد القبلية ~~والبحرية فلما تكاملوا ركب السلطان إلى النيل وهم معه، وكشف البحر فاتفق ~~الرأي على أن يحفر الرمل الذي بالجزيرة المعروفة بجزيرة أروى أعني الجزيرة ~~الوسطى حتى يصير خليجا يجري فيه الماء، ويعمل جسر وسط النيل يكون سدا يتصل ~~بالجزيرة يعني من الروضة إلى الجزيرة الوسطانية، فإذا كانت زيادة النيل جرى ~~الماء في الخليج الذي حفر وكان قدامه سد عال يرد الماء إليه، حتى يتراجع ~~النيل عن بر بولاق والقاهرة إلى بر ناحية منبابة. وعاد السلطان إلى القلعة، ~~وخرجت البرد من الغد إلى الأعمال بإحضار الرجال للعمل، صحبة المشدين، وطلبت ~~الحجارون بأجمعهم لقطع الحجارة من الجبل، وكانت تلك الحجارة، تحمل إلى ~~الساحل وتملأ بها المراكب وتغرق وهي ملآنة بالحجارة حيث يعمل الجسر. فلم ~~يمض عشرة أيام حتى قدمت الرجال من النواحي وتسلمهم آقبغا عبد الأحد والأمير ~~برسبغا الحاجب. ورسم السلطان لوالي القاهرة ولوالي مصر بتسخير العامة ~~للعمل، فركبا وقبضا على عدة كثيرة منهم، وزادوا في ذلك حتى صارت الناس تؤخذ ~~من المساجد والجوامع والأسواق، فتستر الناس ببيوتهم خوفا من السخرة. ووقع ~~الاجتهاد في العمل واشتد الاستحثاث فيه، حتى إن الرجل كان يخر إلى الأرض ~~وهو يعمل لعجزه عن الحركة، فتردم رفقته عليه الرمل فيموت من ساعته. واتفق ~~هذا لخلائق كثيرة، ms1890 وآقبغا عبد الواحد راكب في حراقة يستعجل المراكب ~~المشحونة بالحجارة، والسلطان ينزل إليهم في كل قليل ويباشرهم ويغلظ على ~~آقبغا ويحرضه على السرعة واستنهاض العمال حتى كمل في مدة شهر بعد أن غرق ~~فيه اثنتا عشرة مركبا بالحجارة، وسق كل مركب ألف إردب. وكانت عدة المراكب ~~التي أشحنت بالحجارة المقطوعة من الجبل، ورميت في البحر حتى صار جسرا يمشي ~~عليه، ثلاثا وعشرين ألف مركب حجر، سوى ما عمل فيه من آلات الخشب والسرياقات ~~والحلفاء ونحو ذلك. وحفر الخليج بالجزيرة، فلما زاد النيل جرى في الخليج ~~المذكور وتراجع الماء حتى قوي على بر منبابة وبر بولاق التكروري، فسر ~~السلطان والناس قاطبة بذلك، فإن الناس كانوا على تخوف كبير من النيل على ~~القاهرة. وأنفق السلطان على هذا العمل من خزانته أموالا كثيرة. كل ذلك في ~~سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة المذكورة. فلما استهلت سنة تسع وثلاثين وسبعمائة ~~حضر فيها الأمير تنكز نائب الشام ورسم بسكناه في داره بالكافوري على عادته، ~~وخلع عليه خلعة الاستمرار على نيابة دمشق. وبعد أيام تكلم تنكز في يلبغا ~~نائب حلب فعزله السلطان عن نيابة حلب وأنعم عليه بنيابة غزة. وقدم تنكز في ~~هذه المرة للسلطان تقدمة عظيمة تجل عن الوصف، فيها من صنف الجوهر فقط ~~ماقيمته ثلاثون ألف دينار، ومن الزركش عشرون ألف دينار، ومن أواني البلور ~~وتعابي القماش والخيل والسروج والجمال البخاتي ما قيمته مائتان وعشرون ألف ~~دينار مصرية فلما انقضت التقدمة أخذ السلطان تنكز وأدخله إلى الدور ~~السلطانية حتى رأى ابنته زوجة السلطان، فقامت إليه وقبلت يده ثم أخرج ~~السلطان إليه جميع بناته وأمرهن بتقبيل يد تنكز المذكور وهو يقول لهن واحدة ~~بعد واحدة: بوسي يد عمك، ثم عين منهن بنتين لولدي الأمير تنكز، فقبل تنكز ~~الأرض وخرج من الدور، والسلطان يحادثه. PageV03P0013 # وأمر السلطان بالاهتمام إلى سفر الصعيد للصيد على عادته وتنكز صحبته، ~~وكان من إكرامه له في هذه السفرة ما لا عهد من ملك مثله. فلما عاد السلطان ~~من الصعيد أمر النشو بتجهيز كلفة عقد ms1891 ابني تنكز على ابنتيه، وكلفة سفر تنكز ~~إلى الشام، فجهز النشو ذلك كله، وعقد لابني تنكز على ابنتي السلطان في بيت ~~الأمير قوصون، لكون قوصون أيضا متزوجا بإحدى بنات السلطان، بحضرة القضاة ~~والأمراء. ثم ولدت بنت الأمير تنكز من السلطان بنتا فسجد شكرا لله بحضرة ~~السلطان، وقال: يا خوند، كنت أتمنى أن يكون المولود بنتا. فإنها لو وضعت ~~ذكرا كنت أخشى من تمام السعادة فإن السلطان قد تصدق علي بما غمرني به من ~~السعادة فخشيت من كمالها. ثم جهز السلطان الأمير تنكز وأنعم عليه من الخيل ~~والتعابي القماش ما قيمته مائة وعشرون ألف دينار. وأقام تنكز في هذه المرة ~~بالقاهرة مدة شهرين. فلما وادع السلطان سأله إعفاء الأمير كجكن من الخدمة ~~وأشياء غير ذلك فأجابه إلى جميع ماسأله. وكتب له تقليدا بتفويض الحكم في ~~جميع الممالك الشامية بأسرها، وأن جميع نوابها تكاتبه بأحوالها، وأن تكون ~~مكاتبته: أعز الله أنصار المقر الشريف، بعد ما كانت: أعز الله أنصار الجناب ~~وأن يزاد في ألقابه: الزاهدي العابدي العالمي كافل الإسلام أتابك الجيوش. ~~وأنعم السلطان على مغنية قدمت معه من دمشق من جملة مغانيه بعشرة آلاف درهم، ~~وحصل لها من الدور ثلاث بذلات زركش، وثلاثون تعبية قماش، وأربع بذلات ~~مقانع، وخمسمائة دينار. ثم كان آخر ما قال السلطان لتنكز: إيش بقي لك حاجة، ~~أو بقي في نفسك شيء أقضيه لك قبل سفرك. فقبل الأرض وقال: والله ياخوند، ما ~~بقي في نفسي شيء أطلبه إلا أن أموت في أيامك،، فقال السلطان: لا، إن شاء ~~الله تعيش أنت وأكون أنا فداءك، أو أكون بعدك بقليل، فقبل الأرض وانصرف، ~~وقد حسده سائر الأمراء، وكثر حديثهم، فيما حصل له من الإكرام الزائد. فاتفق ~~ما قال السلطان، فإنه لم يقم بعد موت تنكز إلا مدة قليلة. وأما أمر النشو ~~فإنه لم يزل على الظلم والعسف في الرعية والأقدار تساعده إلى أن قبض عليه ~~السلطان الملك الناصر في يوم الاثنين ثاني صفر سنة أربعين وسبعمائة، وعلى ~~أخيه شرف الدين رزق ms1892 الله، وعلى أخيه، المخلص وعلى مقدم الخاص ورفيقه. وسبب ~~ذلك أنه زاد في الظلم حتى قل الجالب إلى مصر، وذهب أكثر أموال التجار لطرح ~~الأصناف عليهم بأغلى الأثمان، وطلب السلطان الزيادة، فخاف النشو العجز، ~~فرجع عن ظلم العام إلى الخاص، ورتب مع أصحابه ذلك. وكانت عادته في كل ليلة ~~أن يجمع إخوته وصهره ومن يثق به للنظر فيما يحدثه من المظالم، فيقترح كل ~~منهم ما يقترحه من المظالم ثم يتفرقون. فرتبوا في ليلة من الليالي أوراقا ~~تشتمل على فصول يتحصل منها ألف ألف دينار عينا وقرأها على السلطان: منها ~~التقاوي السلطانية المخلدة بالنواحي من الدولة الظاهرية بيبرس والمنصورية ~~قلاوون في إقطاعات الأمراء والأجناد، وجملتها مائة ألف إردب وستون ألف إردب ~~سوى ما في بلاد السلطان من التقاوي، ومنها الرزق الأحباسية الموقوفة على ~~المساجد والجوامع والزوايا وغير ذلك، وهي مائة ألف فدان وثلاثون ألف فدان. ~~وقرر النشو مع السلطان أن يأخذ التقاوي المذكورة، وأن يلزم كل متولي إقليم ~~باستخراجها وحملها، وأن يقيم شادا يختاره لكشف الرزق الأحباسية، فما كان ~~منها على موضع عامر بذكر الله، يعطيه نصف ما يحصل ويأخذ من مزارعيه في ~~النصف الآخر عن كل فدان مائة درهم. قلت: ولم يصح ذلك للنشو، وصح مع أستادار ~~زماننا هذا زين الدين يحيى الأشقر قريب بن أبي الفرج لما كان ناظر المفرد ~~في أستادارية قزطوغان، فإنه أحدث هذه المظلمة في دولة الملك الظاهر، ودامت ~~في صحيفته إلى يوم القيامة، فأقول: كم ترك الأول للآخر. انتهى. ~~PageV03P0014 # قال: ويلزم المزارع بخراج ثلاث سنين، وما كان من الرزق على موضع خراب، أو ~~على أهل الأرياف من الفقهاء والخطباء ونحوهم أخذوا، واستخرج من مزارعيه ~~خراج ثلاث سنين. ومما أحدثه أيضا أرض جزيرة الروضة تجاه مدينة مصر، فإنها ~~بيد أولاد الملوك، فيستأجرها منهم الدواوين وينشئون بها سواقي الأقصاب ~~وغيرها. ومنها ما باعه أولاد الملوك بأبخس الأثمان. وقرر النشو، مع السلطان ~~أخذ أراضي الروضة للخاص. ومنها أرباب الرواتب السلطانية، فإن أكثرهم عبيد ~~الدواوين، ونساؤهم وغلمانهم يكتبونها باسم ms1893 زيد وعمرو، وذكر النشو للسلطان، ~~أشياء كثيرة من هذه المقولة إلى أن تعرض للأمير آقبغا عبد الواحد ولأمواله ~~وحواصله، وحسن للسلطان القبض عليه، وشرع في عمل ماقاله. فعظم ذلك على ~~الناس، وتراموا على خواص السلطان من الأمراء وغيرهم، فكلموا السلطان في ذلك ~~وعرفوه قبح سيرة النشو، وما قصده إلا خراب مملكة السلطان ثم رميت للسلطان ~~عدة أوراق في حق النشو فيها مكتوب: السريع أمعنت في الظلم وأكثرته ... وزدت ~~يانشو على العالم ترى من الظالم فيكم لنا ... فلعنة الله على الظالم وأبيات ~~أخر. وكان السلطان أرسل قرمجي إلى تنكز لكشف أخبار النشو بالبلاد الشامية، ~~فعاد بمكاتبات تنكز بالحط عليه، وذكر قبح سيرته وظلمه وعسفه. وكان النشو قد ~~حصل له قولنج انقطع منه أياما. ثم طلع إلى القلعة وأثر المرض في وجهه، وقرر ~~مع السلطان إيقاع الحوطة على آقبغا عبد الواحد من الغد، وكان ذلك في أول ~~يوم من صفر. وتقرر الحال على أنه يجلس النشو على باب الخزانة، فإذا خرج ~~الأمير بشتك من الخدمة جلس معه، ثم يتوجهان إلى بيت آقبغا ويقبضان عليه. ~~فلما عاد النشو إلى داره عبر الحمام ليلة الاثنين ومعه شمس الدين ~~PageV03P0015 # محمد بن الأكفاني، وقد قال له بن الأكفاني بأن عليه في هذا الشهر قطعا ~~عظيما فأمر النشو بعض عبيده السودان أن يحلق رأسه ويجرحه بحيث يسيل الدم ~~على جسده ليكون ذلك حظه من القطع، ففعل به ذلك، وتباشروا بما دفع الله عنه ~~من السوء. ثم خرج النشو من الحمام، وكان الأمير يلبغا اليحياوي أحد خواص ~~السلطان ومماليكه قد توعك جسده توعكا صعبا، فقلق السلطان عليه وأقام عنده ~~لكثرة شغفه به، فقال له يلبغا فيما قال: ياخوند، قد عظم إحسانك لي ووجب ~~نصحك علي، والمصلحة القبض على النشو، وإلا دخل عليك الدخيل، فإنه ما عندك ~~أحد من مماليكك إلا وهو يترقب غفلة منك، وقد عرفتك ونصحتك قبل أن أموت، ~~وبكى. وبكى السلطان لبكائه، وقام السلطان وهو لا يعقل لكثرة ما داخله من ~~الوهم لثقته بمحبة يلبغا له، ms1894 وطلب بشتك في الحال وعرفه أن الناس قد كرهوا ~~هذا النشو، وأنه عزم على الإيقاع به، فخاف بشتك أن يكون ذلك امتحانا من ~~السلطان، ثم وجد عزمه قويا في القبض عليه، فاقتضى الحال إحضار الأمير قوصون ~~أيضا، فحضر وقوي عزم السلطان على ذاك، وما زالا به حتى قرر معهما أخذه ~~والقبض عليه. وأصبح النشو وفي ذهنه أن القطع الذي تخوف منه قد زال عنه بما ~~دبره ابن الأكفاني من إسالة دمه. ثم علق عليه عدة من العقود والطلسمات ~~والحروز، وركب إلى القلعة وجلس بين يدي السلطان على عادته، وأخذ معه في ~~الكلام على القبض على آقبغا عبد الواحد، فأمره السلطان أن يجلس على باب ~~خزانة القصر حتى يخرج إليه الأمير بشتك، ثم يمضيا لإيقاع الحوطة على موجود ~~آقبغا عبد الواحد، ثم نهض النشو وتوجه إلى باب الخزانة، وجلس عليها ينتظر ~~مواعدة بشتك. فعندما قام النشو طلب السلطان المقدم بن صابر، وأسر إليه أن ~~يقف بجماعته على باب القلعة وعلى باب القرافة، ولا يدعوا أحدا من حواشي ~~النشو وجماعته وأقاربه وإخوته أن ينزلوا، ويقبضوا عليهم الجميع. وأمر ~~السلطان بشتك وبرسبغا الحاجب أن يمضيا إلى النشو ويقبضا عليه وعلى أقاربه. ~~فخرج بشتك وجلس بباب الخزانة، وطلب النشو من داخلها، فظن النشو أنه جاء ~~لميعاده مع السلطان حتى يحتاطا على موجود آقبغا، فساعة ما وقع بصره عليه ~~أمر مماليكه بأخذه فأخذوه إلى بيته بالقلعة، وبعث إلى بيت الأمير ملكتمر ~~الحجازي فقبض على أخيه رزق الله، ثم أخذ أخاه المخلص وسائر أقاربه. وطار ~~الخبر في القاهرة ومصر، فخرج الناس كلهم كأنهم جراد منتشر. وركب الأمير ~~آقبغا عبد الواحد والأمير طيبغا المجدي والأمير بيغرا والأمير برسبغا ~~لإيقاع الحوطة على بيوت النشو وأقاربه وحواشيه، ومعهم عدوه جمال الكفاة ~~كاتب الأمير بشتك وشهود الخزانة. وأخذ السلطان يقول للأمراء: كم تقولون ~~النشو ينهب مال الناس الساعة ننظر المال الذي عنده وكان السلطان يظن أنه ~~يؤديه الأمانة، وأنه لا مال له. فندم الأمراء على تحسينهم مسك النشو خوفا ~~من ms1895 ألا يظهر له مال، لاسيما قوصون وبشتك من أجل أنهما كانا بالغا في الحط ~~عليه، فكثر قلقهما ولم يأكلا طعاما نهارهما، وبعثا في الكشف على الخبر. ~~فلما أوقع الأمراء الحوطة على دور الممسوكين بلغهم أن حريم النشو في بستان ~~في جزيرة الفيل، فساروا إليه وهجموا عليه فوجدوا ستين جارية وأم النشو ~~وامرأته وإخوته وولديه وسائر أهله، وعندهم مائتا قنطار عنب وقند كثير ~~ومعاصر وهم في عصر العنب. فختموا على الدور والحواصل، ولم يتهيأ لهم نقل ~~شيء منها. هذا وقد غلقت الأسواق بمصر والقاهرة، واجتمع الناس بالرميلة تحت ~~القلعة ومعهم النساء والأطفال وقد أشعلوا الشموع ورفعوا على رؤوسهم المصاحف ~~ونشروا الأعلام وهم يصيحون استبشارا وفرحا بقبض النشو، والأمراء تشير إليهم ~~أن يكثروا مماهم فيه، واستمروا ليلة الثلاثاء على ذلك، فلما أصبحوا وقع ~~الصوت من داخل القلعة بأن رزق الله أخا النشو قد قتل نفسه، وهو أنه لما قبض ~~عليه قوصون وكل به أمير شكاره، فسجنه ببعض الخزائن، فلما طلع الفجر قام ~~الأمير شكار إلى صلاة الصبح فقام رزق الله وأخذ من حياصته سكينا ووضعها في ~~نحره حتى نفذت منه وقطعت ورائده، فلم يشعر أمير شكار إلا وهو يشخر وقد تلف، ~~فصاح أمير شكار، حتى بلغ صياحه، قوصون، فانزعج لذلك وضرب أمير شكاره ضربا ~~مبرحا إلى أن علم السلطان الخبر، فلم يكترث به. PageV03P0016 # وفي يوم الاثنين المذكور أفرج السلطان عن الصاحب شمس الدين موسى ابن ~~التاج إسحاق وأخيه، ونزلا من القلعة إلى الجامع الجديد الناصري، بمصر. وكان ~~شمس الدين هذا قد وشى به النشو حتى قبض عليه السلطان، وأجرى عليه العقوبة ~~أشهرا إلى أن أشيع موته غير مرة، وقد ذكرنا أمر عقوبة شمس الدين هذا وما ~~وقع له في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، فإن في ~~سيرته عجائب فلينظر هناك. قال الشيخ كمال الدين جعفر الأدفوي في يوم ~~الاثنين هذا، وفي معنى مسك النشو وغيره هذه الأبيات: الخفيف إن يوم الاثنين ~~يوم سعيد ... فيه لا شك للبرية عيد أخذ ms1896 الله فيه فرعون مصر ... وغدا النيل ~~في رباه يزيد وقال الشيخ شمس الدين محمد بن الصائغ الحنفي في معنى مسك ~~النشو والإفراج عن شمس الدين موسى وزيادة النيل هذه الأبيات: الطويل لقد ~~ظهرت في يوم الاثنين آية ... أزالت بنعماها عن العالم البوسا تزايد بحر ~~النيل فيه وأغرقت ... به آل فرعون وفيه نجا موسى وفي المعنى يقول أيضا ~~القاضي علاء الدين علي بن يحيى، بن فضل الله كاتب السر: البسيط في يوم ~~الاثنين ثاني الشهر من صفر ... ندىس البشير إلى أن أسمع الفلكا يا أهل مصر ~~نجا موسى ونيلكمو ... طغى وفرعون وهوالنشو قد هلكا ثم في يوم الثلاثاء نودي ~~بالقاهرة ومصر: بيعوا واشتروا واحمدوا الله تعالى على خلاصكم من النشو. ثم ~~أخرج رزق الله أخو النشو ميتا في تابوت امرأة حتى دفن في مقابر النصارى ~~خوفا عليه من العامة أن تحرقه. ثم دخل الأمير بشتك على السلطان واستعفى من ~~تسليم النشو خشية مما جرى على أخيه، فأمر السلطان أن يهدده على إخراج ~~المال، ثم يسلمه لابن صابر فأوقفه بشتك وأهانه، فالتزم إن أفرج عنه جمع ~~للسلطان من أقاربه خزانة مال ثم تسلمه ابن صابر فأخذه ليمضي به إلى قاعة ~~الصاحب، فتكاثرت العامة لرجمه حتى طردهم نقيب الجيش، وأخرجه والجنزير في ~~عنقه حتى أدخله قاعة الصاحب، والعامة تحمل عليه حملة بعد حملة والنقباء ~~تطردهم. ثم طلب السلطان في اليوم المذكور جمال الكفاة إبراهيم كاتب الأمير ~~بشتك وخلع عليه واستقر في وظيفة نظر الخاص عوضا عن شرف الدين عبد الوهاب بن ~~فضل الله المعروف بالنشو بعد تمنعه. ورسم له أن ينزل للحوطة على النشو ~~وأقاربه، ومعه الأمير آقبغا عبد الواحد وبرسبغا الحاجب وشهود الخزانة. فنزل ~~بتشريفه، وركب بغلة النشو حتى أخرج حواصله، وقد أغلق الناس الأسواق وتجمعوا ~~ومعهم الطبول والشموع وأنواع الملاهي وأرباب الخيال، بحيث لم يبق حانوت ~~بالقاهرة مفتوح نهارهم كله. ثم ساروا مع الأمراء على حالهم إلى تحت القلعة ~~وصاحوا صيحة واحدة، حتى انزعج السلطان وأمر الأمير أيدغمش بطردهم. ودخلوا ~~الأمراء ms1897 على السلطان بما وجدوه للنشو، وهو من العين خمسة عشر ألف دينار ~~مصرية. وألفان وخمسمائة حبة لؤلؤ، قيمة كل حبة مابين ألفي درهم إلى ألف ~~درهم. وسبعون فص بلخش قيمة كل فص ما بين خمسة آلاف درهم إلى ألفي درهم. ~~وقطعة زمرد فاخر زنتها رطل. ونيف وستون حبلا من لؤلؤ كبار، زنة ذلك ~~أربعمائة مثقال. ومائة وسبعون خاتم ذهب وفضة بفصوص مثمنة. وكف مريم مرصع ~~بجوهر. وصليب ذهب مرصع. وعدة قطع زركش، سوى حواصل لم تفتح. فخجل السلطان ~~لما رأى ذلك، وقال للأمراء: " لعن الله الأقباط ومن يأمنهم أو يصدقهم وذلك ~~أن النشو كان يظهر له الفاقة، بحيث إنه كان يقترض الخمسين درهما والثلاثين ~~درهما حتى ينفقها. وبعث في بعض الليالي إلى جمال الدين إبراهيم بن المغريي ~~رئيس الأطباء يطلب منه مائة درهم، ويذكر له أنه طرقه ضيف ولم يجد له ما ~~يعشيه به، وقصد بذلك أن يكون له شاهد عند السلطان بما يدعيه من الفقر. فلما ~~كان في بعض الأيام شكا النشو الفاقة للسلطان وابن المغربي حاضر، فذكر ~~للسلطان أنه اقترض منه في ليلة كذا مائة درهم، فمشى ذلك على السلطان وتقرر ~~في ذهنه أنه فقير لا مال له. انتهى. واستمر الأمراء تنزل كل يوم لإخراج ~~حواصل النشو، فوجدوا في بعض الأيام من الصيني والبلور والتحف السنية شيئا ~~كثيرا. PageV03P0017 # وفي يوم الخميس خامسه، زينت القاهرة ومصر بسبب قبض النشو زينة هائلة دامت ~~سبعة أيام، وعملت أفراح كثيرة. وعملت العامة فيه عدة أزجال وبلاليق ، ~~وأظهروا من الفرح واللهو والخيال ما يجل وصفه. ووجدت مآكل كثيرة في حواصل ~~النشو، منها: نحو مائتي مطر مملوءة، ملوحة وثمانين مطر جبن وأحمال كثيرة من ~~سواقة الشام. ووجد له أربعمائة بذلة قماش جديدة وثمانون بذلة قماش مستعمل. ~~ووجد له ستون بغلطاق نسائي مزركش ومناديل زركش عدة كثيرة. ووجد له صناديق ~~كثيرة فيها قماش سكندري مما عمل برسم الحرة جهة ملك المغرب قد اختلسه ~~النشو، وكثير من قماش الأمراء الذين ماتوا والذين قبض عليهم. ووجد له ms1898 مملوك ~~تركي قد خصاه هو واثنين معه ماتا، وخصى أيضا أربعة عبيد فماتوا فطلب ~~السلطان الذي خصاهم وضربه بالمقارع وجرس . وتتبعت أصحابة وضرب منهم جماعة. ~~ثم وجد بعد ذلك بمدة لإخوة النشو ذخائر نفيسة، منها لصهره ولي الدولة صندوق ~~فيه مائة وسبعون فص بلخش. وست وثلاثون مرسلة مكللة بالجوهر. وإحدى عشرة ~~عنبرينة مكللة بلؤلؤ كبار. وعشرون طراز زركش، وغير ذلك ما بين لؤلؤ منظوم ~~وزمرد وكوافي زركش، قوموا بأربعة وعشرين ألف دينار. وضرب المخلص أخو النشو ~~ومفلح عبده بالمقارع، فأظهر المخلص الإسلام. ثم في يوم الثلاثاء ثاني عشرين ~~شهر ربيع الأول وجدت ورقة بين فرش السلطان فيها: المملوك بيرم ناصح السلطان ~~يقبل الأرض وينهي: إنني أكلت رزقك، وأنت قوام المسلمين، ويجب على كل أحد ~~نصحك، وإن بشتك وآقبغا عبد الواحد اتفقا على قتلك مع جماعة من المماليك ~~فاحترس على نفسك. وكان بشتك في ذلك اليوم قد توجه بكرة النهار إلى جهة ~~الصعيد، فطلب السلطان الأمير قوصون والأمير آقبغا عبد الواحد وأوقفهما على ~~الورقة، فكاد عقل آقبغا أن يختلط من شدة الرعب. وأخذ الأمير قوصون يعرف ~~السلطان أن هذا فعل من يريد التشويش على السلطان وتغيير خاطره على مماليكه. ~~فأخرج السلطان البريد في الحال لرد الأمير بشتك، فأدركه بإطفيح وقد مد ~~سماطه، فلما بلغه الخبر قام ولم يمد يده إلى شيء منه. وجد في سيره حتى دخل ~~على السلطان، فأوقفه السلطان على الورقة فتنصل مما رمي به كما تنصل آقبغا ~~واستسلم، وقال: هذه نفسي ومالي بين يدي السلطان. وإنما حمل من رماني بذلك ~~الحسد على قربي من السلطان، وعظم إحسانه إلي، ونحو هذا، حتى رق له السلطان ~~وأمره أن يعود إلى الصيد إلى جهة قصده. PageV03P0018 # ثم طلب السلطان ناظر ديوان الجيش، ورسم له أن يكتب كل من اسمه بيرم ~~ويحضره إلى آقبغا عبد الواحد. فارتجت القلعة والمدينة، فطلب ناظر الجيش ~~المذكورين وعرضهم وأخذ خطوطهم ليقابل بها كتابة الورقة فلم يجده. فلما أعيا ~~آقبغا الظفر بالغريم اتهم النشو أنها من مكايده. واشتد ms1899 قلق السلطان وكثر ~~انزعاجه بحيث إنه لم يستطع أن يقر بمكان واحد وطلب والي القاهرة وأمره بهدم ~~ما بالقاهرة من حوانيت صناع النشاب، وينادي: من عمل نشابا شنق، فامتثل ذلك. ~~وخرب جميع مرامي النشاب، وغلقت حوانيت القواسين. ونزل الأمير برسبغا إلى ~~الأمراء جميعهم، وعرفهم عن السلطان أن من رمى من مماليكم بالنشاب أو حمل ~~قوسا كان أستاذه عوضا عنه في التلاف، وألا يركب أحد من الأمراء بسلاح ولا ~~تركاش. وبينما الناس في هذا الهول الشديد إذ دخل رجل يعرف بابن الأزرق، كان ~~أبوه ممن مات في عقوبة النشو له عند مصادرته لجمال الكفاة وقد تقدم ذكر بن ~~الأزرق في أمر بناء جامع الخطيري، وطلب الورقة ليعرفهم من كتبها، فقام جمال ~~الكفاة إلى السلطان ومعه الرجل، فلما وقف عليها قال: يا خوند، هذه خط أحمد ~~الخطائي، وهو رجل عند ولي الدولة صهر النشو يلعب معه النرد ويعاقره الخمر، ~~فطلب المذكور وحاققه الرجل محاققة طويلة فلم يعترف، فعوقب عقوبات مؤلمة إلى ~~أن أقر بأن ولي الدولة أمره بكتابتها فجمع بينه وبين ولي الدولة فأنكر ولي ~~الدولة ذلك، وطلب أن يرى الورقة، فلما رآها حلف جهد أيمانه أنها خط بن ~~الأزرق الشاكي، لينال منه غرضه، من أجل أن النشو قتل أباه، وحاققه على ذلك. ~~فاقتضى الحال عقوبة بن الأزرق، فاعترف أنها كتابته، وأنه أراد أن يأخذ بثأر ~~أبيه من النشو وأهله. فعفا السلطان عن بن الأزرق ورسم بحبس بن الخطائي. ~~ورسم لبرسبغا الحاجب وابن صابر المقدم أن يعاقبا النشو وأهله حتى يموتوا. ~~وأذن السلطان للأجناد في حمل النشاب في السفر دون الحضر، فصارت هذه عادة ~~إلى اليوم. ويقال إن سبب عقوبة النشو أن أمراء المشورة تحدثوا مع السلطان، ~~وكان الذي ابتدأ بالكلام سنجر الجاولي وقبل الأرض، وقال: حاشى مولانا ~~السلطان من شغل الخاطر وضيق الصدر، فقال السلطان: يا أمراء، هؤلاء مماليكي ~~أنشأتهم وأعطيتهم العطاء الجزيل، وقد بلغني عنهم ما لا يليق، فقال الجاولي: ~~حاشى لله أن يبدو من مماليك السلطان شيء من هذا، ms1900 غير أن علم مولانا السلطان ~~محيط بأن ملك الخلفاء ما زال إلا بسبب الكتاب، وغالب السلاطين ما دخل عليهم ~~الدخيل إلا من جهة الوزراء، ومولانا السلطان ما يحتاج في هذا إلى أن يعرفه ~~أحد بما جرى لهم، ومن المصلحة قتل هذا الكلب وإراحة الناس منه، فوافقه ~~الجميع على ذلك، فضرب المخلص أخو النشو في هذا اليوم بالمقارع، وكان ذلك في ~~يوم الخميس رابع عشرين شهر ربيع الأول حتى هلك يوم الجمعة العصر، ودفن ~~بمقابر اليهود. ثم ماتت أمه عقيبه. ثم مات ولي الدولة عامل المتجر تحت ~~العقوبة ورمي للكلاب، هذا والعقوبة تتنوع على النشو حتى هلك يوم الأربعاء ~~ثاني شهر ربيع الآخر من سنة أربعين وسبعمائة فوجد النشو بغير ختان. وكتب به ~~محضر ودفن بمقابر اليهود بكفن قيمته أربعة دراهم، ووكل بقبره من يحرسه مدة ~~أسبوع خوفا من العامة أن تنبشه وتحرقه. وكان مدة ولايته وجوره سبع سنين ~~وسبعة أشهر. ثم أحضر ولي الدولة صهر النشو، وهذا بخلاف ولي الدولة عامل ~~المتجر الذي تقدم، وأمر السلطان بعقوبته، فدل على ذخائر النشو ما بين ذهب ~~وأوان، فطلبت جماعة بسبب ودائع النشو، وشمل الضرر غير واحد. وكان موجود ~~النشو سوى الصندوق الذي أخذه السلطان شيئا كثيرا جدا، عمل لبيعه تسع وعشرون ~~حلقة، بلغت قيمته خمسة وسبعين ألف درهم. وكان جملة ما أخذ منه سوى الصندوق ~~نحو مائتي ألف دينار. ووجد لولي الدولة عامل المتجر ما قيمته خمسون ألف ~~دينار. ووجد لولي الدولة صهر النشو زيادة على مائتي ألف دينار. وبيعت للنشو ~~دور بمائتي ألف درهم. وركب الأمير آقبغا عد الواحد إلى دور آل النشو فخربها ~~كلها، حتى ساوى بها الأرض وحرثها بالمحاريث في طلب الخبايا، فلم يجد بها من ~~الخبايا إلا القليل. انتهى. PageV03P0019 # وأما أصل النشو هذا أنه كان هو ووالده وإخوته يخدمون الأمير بكتمر ~~الحاجب، فلما انفصلوا من عنده أقاموا بطالين مدة. ثم خدم النشو هذا عند ~~الأمير أيدغمش أمير آخور فأقام بخدمته إلى أن جمع السلطان في بعض الأيام ~~كتاب ms1901 الأمراء لأمر ما، فرآه السلطان وهو واقف من وراء الجماعة وهو شاب طويل ~~نصراني حلو الوجه، فاستدعاه وقال له: ايش اسمك؟ قال: النشو، فقال: " أنا ~~أجعلك نشوي ورتبه مستوفيا في الجيزة. وأقبلت سعادته فيما ندبه إليه وملا ~~عينه، ثم نقله إلى استيفاء الدولة فباشر ذلك مدة حتى استسلمه الأمير بكتمر ~~الساقي وسلم إليه ديوان سيدي آنوك، ثم نقله بعد ذلك إلى نظر الخاص بعد موت ~~القاضي فخر الدين ناظر الجيش، فإن شمس الدين موسى بن التاج ولي الجيش، ~~والنشو هذا ولي عوضه الخاص. انتهى. وفي آخر شهر ربيع الآخر نودي على الذهب ~~أن يكون صرف الدينار بخمسة وعشرين درهما، وكان بعشرين درهما. وفي هذه السنة ~~فرغت مدرسة الأمير آقبغا عبد الواحد بجوار الجامع الأزهر، وأبلى الناس في ~~عمارتها ببلايا كثيرة، منها: أن الصناع كان قرر عليهم آقبغا أن يعملوا بهذه ~~المدرسة يوما في الاسبوع بغير أجرة، ثم حمل إليها الأصناف من الناس ومن ~~العمائر السلطانية، فكانت عمارتها ما بين نهب وسرقة. ومع هذا فإنه ما نزل ~~إليها قط إلا وضرب بها أحدا زيادة على شدة عسف مملوكه الذي أقامه شادا بها. ~~فلما تمت جمع بها القضاة والفقهاء ولم يول بها أحد، وكان الشريف المحتسب ~~قدم بها سماطا بنحو ستة آلاف درهم على أن يلي تدريسها فلم يتم له ذلك. ثم ~~إن السلطان نزل إلى خانقاه سرياقوس التي أنشأها في يوم الثلاثاء ثامن عشرين ~~شهر ربيع الاخر من سنة أربعين وسبعمائة، وقد تقدمه إليها الشيخ شمس الدين ~~محمد الأصفهاني وقوام الدين الكرماني وجماعة من صوفية سعيد السعداء. فوقف ~~السلطان على باب خانقاه سعيد السعداء بفرسه، وخرج إليه جميع صوفيتها ووقفوا ~~بين يديه، فسألهم من يختارونه شيخا لهم بعد وفاة الشيخ مجد الدين موسى بن ~~أحمد بن محمود الأقصرائي فلم يعينوا أحدا. فولى السلطان بها الركن الملطي ~~خادم المجد الأقصرائي المتوفى. وانقطع السلطان في هذه الأيام عن الخروج إلى ~~دار العدل نحو عشرين يوما بسبب شغل خاطره لمرض مملوكه يلبغا اليحياوي ~~وملازمته ms1902 له إلى أن تعافى، وعمل السلطان لعافيته سماطا عظيما هائلا ~~بالميدان وأحضر الأمراء، ثم استدعى بعدهم جميع صوفية الخوانق والزوايا وأهل ~~الخير وسائر الطوائف، ومد لهم الأسمطة الهائلة. وأخرج من الخزائن السلطانية ~~نحو ثلاثين ألف درهم، أفرج بها عن المسجونين على دين، وأخرج للأمير يلبغا ~~المذكور ثلاث حجورة بمائتي ألف درهم، وحياصة ذهب مرصعة بالجوهر، كل ذلك ~~لعافية يلبغا المذكور. PageV03P0020 # ثم في هذه السنة تغير خاطر السلطان على مملوكه الأمير تنكز نائب الشام، ~~وبلغ تنكز تغير خاطر السلطان عليه، فجهز أمواله ليحملها إلى قلعة جعبر ~~ويخرج هو إليها بعد ذلك بحجة أنه يتصيد. فقدم إليه الأمير طاجار الدوادار ~~قبل ذلك في يوم الأحد رابع عشر ذي الحجة وعتبه وبلغه عن السلطان ما حمله من ~~الرسالة، فتغير الأمير تنكز وبدأت الوحشة بينه وبين السلطان، وعاد طاجار ~~إلى السلطان في يوم الجمعة تاسع عشر في الحجة فأغرى السلطان على تنكز وقال: ~~إنه عزم على الخروج من دمشق. فطلب السلطان بعد الصلاة الأمير بشتك والأمير ~~بيبرس الأحمدي والأمير جنكلي بن البابا والأمير أرقطاي والأمير طقزدمر في ~~آخرين، وعرفهم أن تنكز قد خرج عن الطاعة، وأنه يبعث إليه تجريدة مع الأمير ~~جنكلي والأمير بشتك والأمير أرقطاي والأمير أرنبغا أمير جاندار والأمير ~~قماري أمير شكار والأمير قماري أخو بكتمر الساقي والأمير برسبغا الحاجب، ~~ومع هذه الأمراء السبعة ثلاثون أمير طبلخاناه، وعشرون أمير عشرة، وخمسون ~~نفرا من مقدمي الحلقة وأربعمائة من المماليك السلطانية، وجلس السلطان، ~~وعرضهم. ثم جمع السلطان في يوم السبت عشرين ذي الحجة الأمراء جميعهم وحلف ~~المجردين والمقيمين له ولولده الأمير أبي بكر من بعده، وطلبت الأجناد من ~~النواحي للحلف، فكانت بالقاهرة حركات عظيمة. وحمل السلطان لكل مقدم ألف ~~مبلغ ألف دينار، ولكل أمير، طبلخاناه أربعمائة دينار، ولكل مقدم حلقة ألف ~~درهم، ولكل مملوك خمسمائة درهم وفرسا، وقرقلا وخوذة. فاتفق قدوم الأمير ~~موسى بن مهنا، فقرر معه السلطان القبض على الأمير تنكز، وكتب إلى العربان ~~بأخذ الطرقات من كل جهة على تنكز. ثم بعث ms1903 السلطان بهادر حلاوة من طائفة ~~الأوجاقية على البريد إلى غزة وصفد وإلى دمشق بملطفات كثيرة. ثم أخرج موسى ~~بن مهنا لتجهيز العربان وإقامته على حمص، واهتم السلطان بأمر تنكز اهتماما ~~زائدا جدا. قلت: على قدر الصعود يكون الهبوط، ما لتلك الإحسان والعظمة، ~~المحبة الزائدة لتنكز قبل تاريخه إلا هذه الهمة العظيمة في أخذه والقبض ~~عليه، ولكن هذا شأن الدنيا مع المغرمين بها. ثم إن الملك الناصر كثر قلقه ~~من أمر تنكز وتنغص عيشه. وخرج العسكر المعين من القاهرة لقتال تنكز في يوم ~~الثلاثاء ثالث عشرين ذي الحجة من سنة أربعين وسبعمائة. وكان حلاوة الأوجاقي ~~قدم على الأمير ألطنبغا الصالحي نائب غزة بملطف. وفيه أنه استقر في نيابة ~~الشام عوضا عن تنكز، وأن العسكر واصل إليه ليسيروا به إلى دمشق. قلت: ~~وألطنبغا نائب غزة هو عدو تنكز الذي كان تنكز سعى في أمره حتى عزله السلطان ~~من نيابة حلب وولاه نيابة غزة قبل تاريخه. PageV03P0021 # ثئم سار حلاوة الأوجاقي إلى صفد وإلى الشام وأوصل الملطفات إلى أمراء ~~دمشق. ثم وصلت كتب ألطنبغا الصالحي إلى أمراء دمشق بولايته نيابة الشام. ثم ~~ركب الأمير طشتمر الساقي المعروف بحمص أخضر نائب صفد إلى دمشق في ثمانين ~~فارسا، واجتمع بالأمير قطلوبغا الفخري وسنجر البشمقدار وبيبرس السلاح دار. ~~واتفق ركوب الأمير تنكز في ذلك اليوم إلى قصره فوق ميدان الحصى في خواصه ~~للنزهة، وبينما هو في ذلك إذ بلغه قدوم الخيل من صفد، فعاد إلى دار السعادة ~~وألبس مماليكه السلاح، فأحاط به في الوقت أمراء دمشق، ووقع الصوت بوصول ~~نائب صفد، فخرج عسكر دمشق إلى لقائه، وقد نزل بمسجد القدم. فأمر نائب صفد ~~جماعة من المماليك الأمراء أن يعودوا إلى تنكز ويخرجوه إليه، فدخل عليه ~~جماعة منهم تمر الساقي والأمير طرنطاي البشمقدار وبيبرس السلاح دار وعرفوه ~~مرسوم السلطان فأذعن لقلة أهبته للركوب، فإن نائب صفد طرقه على حين غفلة ~~باتفاق أمراء دمشق، ولم يجتمع على تنكز إلا عدة يسيرة من مماليكه، فلذلك ~~سلم نفسه. فأخذوه وأركبوه إكديشا ms1904 وساروا به إلى نائب صفد، وهو واقف بالعسكر ~~على ميدان الحصى، فقبض عليه وعلى مملوكيه: جنغاي وطغاي وسجنا بقلعة دمشق. ~~وأنزل تنكز عن فرسه على ثوب سرج، وقيده وأخذه الأمير بيبرس السلاح دار ~~وتوجه به إلى الكسوة، فحصل لتنكز إسهال ورعدة خيف عليه الموت، فأقام ~~بالكسوة يوما وليلة ثم مضى به بيبرس إلى القاهرة ونزل طشتمر حمص أخضر نائب ~~صفد بالمدرسة النجيبية. وتقدم بهادر حلاوة عندما قبض على تنكز ليبشر ~~السلطان بمسك تنكز، فوصل إلى بلبيس ليلا والعسكر نازل بها وعرف الأمير ~~بشتك. ثم سار حتى دخل القاهرة، وأعلم السلطان الخبر فسر سرورا زائدا، وكتب ~~بعود العسكر من بلبيس إلى القاهرة ما خلا بشتك وأرقطاي وبرسبغا الحاجب، ~~فإنهم يتوجهون إلى دمشق للحوطة على مال تنكز، وأن يقيم الأمير بيغرا أمير ~~جاندار والأمير قماري أمير شكار بالصالحية إلى أن يقدم عليهما الأمير تنكز. ~~وعاد جميع العسكر إلى الديار المصرية. وسار بشتك ورفيقاه إلى غزة فركب معهم ~~الأمير ألطنبغا الصالحي إلى نحو دمشق فلقوا الأمير تنكز على حسبان فسلموا ~~عليه وأكرموه. وكان بشتك لما سافر من القاهرة صحبة العسكر كان في ذلك اليوم ~~فراغ بناء قصره الذي بناه ببين القصرين فلم يدخله برجله، واشتغل بما هو فيه ~~من أمر السفر، فشرع السلطان في غيبته في تحسين القصر المذكور. وكان سبب ~~عمارة بشتك لهذا القصر أن الأمير قوصون لما أخذ قصر بيسري وجدده أحب الأمير ~~بشتك أن يعمل له قصرا تجاه قصر بيسري ببين القصرين، فدل على دار الأمير ~~بكتاش الفخري أمير سلاح، وكانت أحد قصور الخلفاء الفاطميين التي اشتراها من ~~ذريتهم، وأنشأ بها الفخري دورا وإسطبلات، وأبقى ما كان بها من المساجد ~~فشاور بشتك السلطان على أخذها فرسم له بذلك، فأخذها من أولاد بكتاش وأرضاهم ~~وأنعم عليهم. وأنعم السلطان عليه بأرض كانت داخلها برسم الفراشخاناه ~~السلطانية. ثم أخذ بشتك دار أقطوان الساقي بجوارها، وهدم الجميع وأنشأه ~~قصرا مطلا على الطريق، وارتفاعه أربعون ذراعا وأساسه أربعون ذراعا، وأجرى ~~إليه الماء ينزل إلى شاذروان ms1905 إلى بركة به. وأخرب في عمله أحد عشر مسجدا ~~وأربعة معابد أدخلها فيه، فلم يحدد منها سوى مسجد رفعه وعمله معلقا على ~~الشارع. PageV03P0022 # وفي هذه الأيام ورد الخبر على السلطان من بلاد الصعيد بموت الخليفة ~~المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بقوص في مستهل شعبان، وأنه قد عهد إلى ~~ولده أحمد بشهادة أربعين عدلا وأثبت قاضي قوص ذلك، فلم يمض السلطان عهده، ~~وطلب إبراهيم بن محمد المستمسك بن أحمد الحاكم بأمر الله في يوم الاثنين ~~ثالث عشر شهر رمضان، واجتمع القضاة بدار العدل على العادة، فعرفهم السلطان ~~بما أراد من إقامة إبراهيم في الخلافة وأمرهم بمبايعته، فأجابوا بعدم ~~أهليته، وأن المستكفي عهد إلى ولده، واحتجوا بما حكم به قاضي قوص فكتب ~~السلطان بقدوم أحمد المذكور. وأقام الخطباء بالقاهرة ومصر نحو أربعة أشهر ~~لا يذكرون في خطبتهم الخليفة. فلما قدم أحمد المذكور من قوص لم يمض السلطان ~~عهده، وطلب إبراهيم وعرفه قبح سيرته، فأظهر التوبة منها، والتزم سلوك طريق ~~الخير. فاستدعى السلطان القضاة وعرفهم أنه قد أقام إبراهيم في الخلافة، ~~فأخذ قاضي القضاه عز الدين بن جماعة يعرف السلطان عدم أهليته، فلم يلتفت ~~السلطان اليه، وقال: إنه قد تاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فبايعوه ~~ولقب بالواثق، وكانت العامة تسميه المستعطي، فإنه كان يستعطي من الناس ما ~~ينفقه. ثم وصل الأمير تنكز إلى الديار المصرية في يوم الثلاثاء ثامن المحرم ~~سنه إحدى وأربعين وسبعمائة، وهو متضعف، صحبة الأمير بيبرس السلاح دار، ~~وأنزل بالقلعة في مكان ضيق. وقصد السلطان ضربه بالمقارع، فقام الأمير قوصون ~~في شفاعته حتى أجيب إلى ذلك. ثم بعث السلطان إليه يهدده حتى يعترف بما له ~~من المال ويذكر له من كان موافقا له من الأمراء على العصيان، فأجاب بأنه لا ~~مال له سوى ثلاثين ألف دينار وديعة عنده لأيتام بكتمر الساقي، وأنكر أن ~~يكون خرج عن الطاعة. فأمر به السلطان في الليل فأخرج مع المقدم بن صابر ~~وأمير جاندار في حراقة إلى الإسكندرية، فقتله بها المقدم بن ms1906 صابر في يوم ~~الثلاثاء نصف المحرم من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وتأتي بقية أحواله. ثم ~~لما وصل الأمير بشتك إلى دمشق قبض على الأمير صاروجا والجيبغا العادلي ~~وسلما إلى الأمير برسبغا فعاقبهما أشد عقوبة على المال، وأوقع الحوطة على ~~موجودهما. ثم وسط بشتك جنغاي وطغاي مملوكي تنكز وخواصه بسوق خيل دمشق وكان ~~جنغاي المذكور يضاهي أستاذه تنكز في موكبه وبركه، ثم أكحل صاروجا وتتبع ~~أموال تنكز فوجد له مايجل وصفه وعملت لبيع حواصله عدة حلق، وتولى البيع ~~فيها الأمير ألطنبغا الصالحي نائب دمشق والأمير أرقطاي وهما أعدى عدو ~~لتنكز. وكان تنكز أميرا جليلا محترما مهابا عفيفا عن أموال الرعية، حسن ~~المباشرة والطريقة، إلا أنه كان صعب المراس ذا سطوة عظيمة وحرمة وافرة على ~~الأعيان من أرباب الدولة، متواضعا للفقراء وأهل الخير، وأوقف عدة أوقاف على ~~وجوه البر والصدقة. وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي: جلب تنكز إلى مصر وهو ~~حدث فنشأ بها، وكان أبيض، إلى السمرة أقرب، رشيق القد، مليح الشعر، خفيف ~~اللحية، قليل الشيب، حسن الشكل، ظريفه. جلبه الخواجا علاء الدين السيواسي ~~فاشتراه الأمير لاجين، فلما قتل لاجين في سلطنته صار من خاصكية الملك ~~الناصر وشهد معه وقعة وادي الخازندار ثم وقعة شقحب. قلت: ولهذا كان يعرف ~~تنكز بالحسامي. PageV03P0023 # قال: وسمع تنكز صحيح البخاري غير مرة من ابن الشحنة وسمع كتاب معاني ~~الآثار للطحاوي، وصحيح مسلم، وسمع من عيسى المطعم وأبي بكر بن عبد الدائم، ~~وحدث، وقرأ عليه المحدثين ثلاثيات البخاري بالمدينة النبوية. قال: وكان ~~الملك الناصر أمره إمرة عشرة قبل توجهه إلى الكرك، ثم ساق توجهه مع الملك ~~الناصر إلى الكرك وخروجه من الكرك إلى مصر وغيرهما إلى أن قال: وولاه ~~السلطان نيابة دمشق في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة فأقام بدمشق نائبا ثمانيا ~~وعشرين سنة، وهو الذي عمر بلاد دمشق ومد نواحيها، وأقام شعائر المساجد بها ~~بعد التتار. قلت: وأما ماظهر له من الأموال فقد وجد له من التحف السنية ومن ~~الأقمشة مائتا منديل زركش، وأربعمائة حياصة ذهب، وستمائة ms1907 كلفتاه زركش، ~~ومائة حياصة ذهب مرصعة بالجوهر، وثمان وستون بقجة بذلات ثياب زركش، وألفا ~~ثوب أطلس، ومائتا تخفيفة زركش. وذهب مختوم أربعمائة ألف دينار مصرية. ووجد ~~له من الخيل والهجن والجمال البخاتي وغيرها نحو أربعة آلاف ومائتي رأس، ~~وذلك غير ما أخذه الأمراء ومماليكهم، فإنهم كانوا ينهبون ما يخرج به نهبا. ~~ووجد له من الثياب الصوف ومن النصافي ما لا ينحصر. وظفر الأمير بشتك بجوهر ~~له ثمين اختص به. وحملت حرمه وأولاده إلى مصر صحبة الأمير بيغرا، بعد ما ~~أخذ لهم من الجوهر واللؤلؤ والزركش شيء كثير. وأما أملاكه التي أنشأها فشيء ~~كثير. وقال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي في تاريخه، وهو معاصره، ~~قال: ورد مرسوم شريف إلى دمشق بتقويم أملاك تنكز، فعمل ذلك بالعمول وأرباب ~~الخبرة وشهود القيمة، وحضرت بذلك محاضر إلى ديوان الإنشاء لتجهز إلى ~~السلطان، فنقلت منها ما صورته: دار الذهب بمجموعها وإسطبلاتها ستمائة ألف ~~درهم. دار الزمرد مائتا ألف وسبعون ألف درهم. دار الزردكاش وما معها، مائتا ~~ألف وعشرون ألف درهم. الدار التي بجوار جامعه بدمشق مائة ألف درهم. الحمام ~~التي بجوار جامعه مائة ألف درهم. خان العرصة مائة ألف درهم وخمسون ألف ~~درهم. إسطبل حكر السماق عشرون ألف درهم. الطبقة التي بجوار حمام ابن يمن ~~أربعة الآف وخمسمائة درهم. قيسارية المرحلين مائتا ألف وخمسون ألف درهم. ~~الفرن والحوض بالقنوات من غير أرض عشرة آلاف درهم. حوانيت التعديل ثمانية ~~آلاف درهم. الأهراء من إسطبل بهادر آص عشرون ألف درهم. خان البيض وحوانيته ~~مائة ألف وعشرة الآف درهم. حوانيت باب الفرج خمسة وأربعون ألف درهم. حمام ~~القابون عشرة آلاف درهم. حمام العمري ستة آلاف درهم. الدهشة والحمام مائتا ~~ألف وخمسون ألف درهم. بستان العادل مائة ألف وثلاثون ألف درهم. بستان ~~النجيبي والحمام والفرن مائة ألف درهم وثلاثون ألف درهم بستان الحلبي ~~بحرستا أربعون ألف درهم. الحدائق بها مائة ألف وخمسة وستون ألف درهم بستان ~~القوصي بها ستون ألف درهم. بستان الدردوزية خمسون ألف درهم الجنينة ms1908 ~~المعروفة بالحمام بزبدين، سبعة الآف درهم. بستان الرزاز خمسة وثمانون ألف ~~درهم الجنينة وبستان غيث ثمانية آلاف درهم. المزرعة المعروفة بتهامة بها ~~يعني دمشق ستون ألف درهم مزرعة الركن النوبي والعبري مائة ألف درهم الحصة ~~بالدفوف القبلية بكفر بطنا، ثلثاها ثلاثون ألف درهم بستان السفلاطوني خمسة ~~وسبعون ألف درهم الفاتكيات والرشيدي والكروم بزملكا مائة ألف درهم وثمانون ~~ألف درهم. مزرعة المربع بقابون مائة ألف وعشرة الآف درهم الحصة من غراس ~~غيضة الأعجام عشرون ألف درهم نصف الضيعة المعروفة بزرنية خمسة آلاف درهم ~~غراس قائم في جوار دار الجالق ألفا درهم. النصف من خراج الهامة ثلاثون ألف ~~درهم الحوانيت التي قبالة الحمام مائة ألف درهم بيدر تبدين ثلاثة وأربعون ~~ألف درهم الإسطبلات التي عند الجامع ثلاثون ألف درهم أرض خارج باب الفرج ~~ستة عشر ألف درهم القصر وما معه خمسمائة ألف درهم وخمسون ألف درهم ربع ضيعة ~~القصرين ثمانية وعشرون ألف درهم نصف بوابة مائة وثمانون ألف درهم العلانية ~~بعيون الفارسنا ثمانون ألف درهم حصة دير ابن عصرون خمسة وسبعون ألف درهم ~~حصة دويرة الكسوة ألف وخمسمائة درهم الدير الأبيض خمسون ألف درهم العديل ~~مائة ألف وثلاثون ألف درهم حوانيت أيضا داخل باب الفرج أربعون ألف درهم ~~التنورية اثنان وعشرون ألف درهم. PageV03P0024 # الأملاك التي له بحمص: الحمام خمسة وعشرون ألف درهم الحوانيت سبعة آلاف ~~درهم السريع ستون ألف درهم الطاحون الراكبة على العاصي ثلاثون ألف درهم زور ~~قبجق خمسة وعشرون ألف درهم الخان مائة ألف درهم الحمام الملاصقة للخان ستون ~~ألف درهم الحوش الملاصق له ألف وخمسمائة درهم. المناخ ثلاثة آلاف درهم ~~الحوش الملاصق للخندق ثلاثة آلاف درهم حوانيت العريضة ثلاثة آلاف درهم ~~الأراضي المحتكرة سبعة آلاف درهم. والتي في بيروت: الخان مائة وخمسة ~~وثلاثون ألف درهم الحوانيت والفرن مائة وعشرون ألف درهم المصبنة بآلاتها ~~عشرة آلاف درهم الحمام عشرون ألف درهم. المسلخ عشرة آلاف درهم الطاحون خمسة ~~آلاف درهم قرية زلايا خمسة وأربعون ألف درهم. القرى التي بالبقاع: مرج ~~الصفا ms1909 سبعون ألف درهم التل الأخضر مائة ألف وثمانون ألف درهم المباركة خمسة ~~وسبعون ألف درهم. المسعودية مائة ألف درهم. الضياع الثلاث المعروفة ~~بالجوهري أربعمائة ألف وسبعون ألف درهم السعادة أربعمائة ألف درهم أبروطيا ~~ستون ألف درهم نصف بيرود والصالحية والحوانيت أربعمائة ألف درهم المباركة ~~والناصرية مائة ألف درهم رأس الماء سبعة وخمسون ألف درهم حصة من خربة روق ~~اثنان وعشرون ألف درهم رأس الماء والدلي بمزارعها خمسمائة ألف درهم حمام ~~صرخد خمسة وسبعون ألف درهم. طاحون الغور ثلاثون ألف درهم السالمية ثلاثة ~~آلاف درهم. الأملاك بقارا: الحمام خمسة وعشرون ألف درهم الهري ستمائة ألف ~~درهم الصالحية والطاحون والأراضي مائتا ألف درهم وخمسة وعشرون ألف درهم. ~~راسليها ومزارعها مائة وخمسة وعشرون ألف درهم القضيبة أربعون ألف درهم. ~~القريتان المعروفة إحداهما بالمزرعة، والأخرى بالبينسية تسعون ألف درهم، ~~هذا جميعه خارج عما له من الأملاك على وجوه البر والأوقاف في صفد وعجلون ~~والقدس ونابلس والرملة والديار المصرية. وعمر بصفد بيمارستانا مليحا. وعمر ~~بالقدس رباطا وحمامين وقياسر. وله بجلجولية خان مليح، وله بالقاهرة دار ~~عظيمة بالكافوري. قلت: هي دار عبد الباسط بن خليل الآن. وحمام وغير ذلك من ~~الأملاك. انتهى كلام الشيخ صلاح الدين باختصار. قلت: وكان لتغير السلطان ~~الملك الناصر على تنكز هذا أسباب، منها: أنه كتب يستأذنه في سفره إلى ناحية ~~جعبر فمنعه السلطان من ذلك لما بتلك البلاد من الغلاء، فألح في الطلب، ~~والجواب يرد عليه بمنعه حتى حنق تنكز وقال، والله لقد تغير عقل أستاذنا ~~وصار يسمع من الصبيان الذين حوله. والله لو سمع مني لكنت أشرت عليه بأن ~~يقيم أحدا من أولاده في السلطنة وأقوم أنا بتدبير ملكه، ويبقى هو مستريحا ~~فكتب بذلك جركتمر إلى السلطان، وكان السلطان يتخيل بدون هذا فأثر هذا في ~~نفسه. ثم اتفق أن أرتنا نائب بلاد الروم بعث رسولا إلى السلطان بكتابه، ولم ~~يكتب معه كتابا لتنكز، فحنق تنكز لعدم مكاتبته ورد رسوله من دمشق. فكتب ~~أرتنا يعرف السلطان بذلك، وسأل ألا يطلع تنكز ms1910 على ما بينه وبين السلطان، ~~ورماه بأمور أوجبت شدة تغير السلطان على تنكز. ثم اتفق أيضا غضب تنكز على ~~جماعة من مماليكه، فضربهم وسجنهم بالكرك والشوبك فكتب منهم جوبان، وكان ~~أكبر مماليكه، إلى الأمير قوصون يتشفع به في الإفراج عنهم من سجن الكرك. ~~فكلم قوصون السلطان في ذلك، فكتب السلطان إلى تنكز يشفع في جوبان فلم يجب ~~عن أمره بشيء، فكتب إليه ثانيا وثالثا فلم يجبه. فاشتد غضب السلطان حتى قال ~~للأمراء: ما تقولون في هذا الرجل؟ هو يشفع عندي في قاتل أخي فقبلت شفاعته، ~~وأخرجته من السجن وسيرته إليه، يعني طشتمر أخا بتخاص، وأنا أشفع في مملوكه ~~ما يقبل شفاعتي وكتب السلطان لنائب الشوبك بالإفراج عن جوبان المذكور فأفرج ~~عنه فكان هذا وما أشبهه الذي غير خاطر السلطان الملك الناصر على مملوكه ~~تنكز. انتهى. ثم اشتغل السلطان بموت أعز أولاده الأمير آنوك في يوم الجمعة ~~العشرين من شهر ربيع الآخر بعد مرض طويل، ودفن بتربة الناصرية ببين ~~القصرين، وكان لموته يوم مهول، نزل في جنازته جميع الأمراء، وفعلت والدته ~~خوند طغاي خيرات كثيرة، وباعت ثيابه، وتصدقت بجميع ما تحصل منها. ~~PageV03P0025 # ثم إن السلطان ركب في هذه السنة، وهي سنة إحدى وأربعين إلى بركة الحبش ~~خارج القاهرة، وصحبته عدة من المهندسين، وأمر أن يحفر خليج من البحر إلى ~~حائط الرصد، ويحفر في وسط الشرف المعروف بالرصد عشر آبار، كلى بئر نحو ~~أربعين ذراعا تركب عليها السواقي، حتى يجري الماء من النيل إلى القناطر ~~التي تحمل الماء إلى القلعة ليكثر بها الماء. وأقام الأمير آقبغا عبد ~~الواحد على هذا العمل، فشق الخليج من بحري رباط الآثار، ومروا به في وسط ~~بستان الصاحب تاج الدين ابن حنا المعروف بالمعشوق، وهدمت عدة بيوت كانت ~~هناك، وجعل عمق الخليج أربع قصبات. وجمعت عدة من الحجارين للعمل، وكان مهما ~~عظيما. ثم أمر السلطان بتجديد جامع راشدة، فجدد، وكان قد تهدم غالب جدره. ~~ثم ابتدأ توعك السلطان ومرض مرض موته، فلما كان يوم الاربعاء سادس ذي ms1911 الحجة ~~سنة إحدى وأربعين وسبعمائة قوي عليه الإسهال، ومنع الأمراء من الدخول عليه، ~~فكانوا إذا طلعوا إلى الخدمة خرج إليهم السلام مع أمير جاندار عن السلطان ~~فانصرفوا، وقد كثر الكلام. ثم في يوم الجمعة ثامنه خف عن السلطان الإسهال، ~~فجلس للخدمة، وطلع الأمراء إلى الخدمة ووجه السلطان متغير، فلما انقضت ~~الخدمة نودي بزينة القاهرة ومصر، وجمعت أصحاب الملاهي بالقلعة، وجمع الخبز ~~الذي بالأسواق، وعمل ألف قميص، وتصدق بذلك كله مع جملة من المال. وقام ~~الأمراء بعمل الولائم والأفراح سرورا بعافية السلطان، وعمل الأمير منكتمر ~~الحجازي نفطا كثيرا بسوق الخيل تحت القلعة والسلطان ينظره، واجتمع الناس، ~~لرؤيته من كل جهة. وقدمت عربان الشرقية بخيولها وقبابها المحمولة على ~~الجمال ولعبوا بالرماح تحت القلم، وخرجت الركابة والكلابزية وطائفة ~~الحجارين والعتالين إلى سوق الخيل للعب واللهو، وداروا على بيوت الأمراء ~~وأخذوا الخلع منهم، وكذلك الطبلكية فحصل لهم شيء كثير جدا، بحيث جاء نصيب ~~مهتار الطبلخاناه ثمانين ألف درهم ولما كان ليلة العيد وهي ليلة الأحد عاشر ~~ذي الحجة، وأصبح نهار الأحد اجتمع الأمراء بالقلعة، وجلسوا ينتظرون السلطان ~~حتى يخرج لصلاة العيد، وقد أجمع رأي السلطان على عدم صلاة العيد لعود ~~الإسهال عليه، فإنه كان انتكس في الليلة المذكورة، فما زال به الأمير قوصون ~~والأمير بشتك حتى ركب ونزل إلى الميدان. وأمر قاضي القضاة عز الدين عبد ~~العزير، بن جماعة أن يوجز في خطبته، فعندما صلى السلطان، وجلس لسماع الخطبة ~~تحرك باطنه، فقام وركب وطلع إلى القصر وأقام يومه به. وبينا هو في ذلك قدم ~~الخبر من حلب بصحة صلح الشيخ حسن صاحب العراق مع أولاد صاحب الروم، فانزعج ~~السلطان لذلك انزعاجا شديدا واضطرب مزاجه، فحصل له إسهال دموي، وأصبح يوم ~~الاثنين وقد منع الناس من الاجتماع به. فأشاع الأمير قوصون والأمير بشتك أن ~~السلطان قد أعفى أجناد الحلقة من التجريد إلى تبريز، ونودي بذلك وفرح الناس ~~بذلك فرحا زائدا، إلا أنه انتشر بين الناس أن السلطان قد انتكس، فساءهم ~~ذلك. ثم أخذ الأمراء في ms1912 إنزال حرمهم وأموالهم من القلعة حيث سكنهم إلى ~~القاهرة، فآرتجت القاهرة ومادت بأهلها. واستعد الأمراء لا سيما قوصون ~~وبشتك، فإن كلا منهما احترز من الآخر وجمع عليه أصحابه. وأكثروا من شراء ~~الأزيار والدنان وملأوها ماء، وأخرجوا القرب والروايا والأحواض وحملوا ~~إليهم البقسماط والرقاق والدقيق والقمح والشعير خوفا من وقوع الفتنة ~~ومحاصرة القلعة. قكان يوما مهولا، ركب فيه الأوجاقية وهجموا الطواحين لأخذ ~~الدقيق، ونهبوا الحوانيت التي تحت القلعة والتي بالصليبة. PageV03P0026 # هذا وقد تنكر ما بين قوصون وبشتك، واختلفا حتى كادت الفتنة تقوم بينهما، ~~وبلغ ذلك السلطان فازداد مرضا على مرضه، وكثر تأوهه وتقلبه من جنب إلى جنب، ~~وتهوس بذكر قوصون وبشتك نهاره. ثم استدعى بهما فتناقشا بين يديه في الكلام ~~فأغمي عليه، وقاما من عنده على ما هما عليه. فاجتمع يوم الاثنين ثامن عشره ~~الأمير جنكلي والأمير آل ملك والأمير سنجر الجاولي وبيبرس الأحمدي، وهم ~~أكابر أمراء المشورة فيما يدبرونه، حتى اجتمعوا على أن يبعث كل منهم مملوكه ~~إلى قوصون وبشتك ليأخذا لهم الإذن في الدخول على السلطان، فأخذا لهم الإذن، ~~فدخلوا وجلسوا عند السلطان. فقال الجاولي وآل ملك للسلطان كلاما حاصله أن ~~يعهد بالملك إلى أحد أولاده فأجاب إلى ذلك وطلب ولده أبا بكر وطلب قوصون ~~وبشتك وأصلح بينهما، ثم جعل ابنه أبا بكر سلطانا بعده، وأوصاه بالأمراء، ~~وأوصى الأمراء به، وعهد إليهم ألا يخرجوا ابنه أحمد من الكرك، وحذرهم من ~~إقامته سلطانا. وجعل قوصون وبشتك وصييه، وإليهما تدبير أمر ابنه أبي بكر ~~وحلفهما. ثم حلف الأمراء والخاصكية وأكد على ولده في الوصية بالأمراء، ~~وأفرج عن الأمراء المسجونين بالشام، وهم: طيبغا حاجي والجيبغا العادلي ~~وصاروجا، ثم قام الأمراء عن السلطان. فبات السلطان ليلة الثلاثاء وقد تخلت ~~عنه قوته، وأخذ في النزع يوم الأربعاء، فاشتد عليه كرب الموت، حتى فارق ~~الدنيا في أول ليلة الخميس حادي عشرين ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ~~وله من العمر سبع وخمسون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام، فإن مولده كان في ~~الساعة السابعة من ms1913 يوم السبت سادس عشر المحرم سنة أربع وثمانين وستمائة. ~~وأمه أشلون بنت سكتاي بن قرا لاجين بن جفتاي التتاري. وكان قدوم سكتاي مع ~~أخيه قرمجي من بلاد التتار إلى مصر في سنة خمس وسبعين وستمائة. ثم حمل ~~السلطان الملك الناصر مئتا في محفة من القلعة بعد أن رسم بغلق الأسواق، ~~ونزلوا، به من وراء السور إلى باب النصر، ومعه من أكابر الأمراء بشتك ~~وملكتمر الحجازي وأيدغمش أمير آخور، ودخلوا به من باب النصر إلى المدرسة ~~المنصورية ببين القصرين، فغسل وحنط وكفن من البيمارستان المنصوري، وقد ~~اجتمع الفقهاء والقراء والأعيان، ودام القراء على قبره أياما. وأما مدة ~~سلطنته على مصر فقد تقدم أنه تسلطن ثلاث مرارث فأول سلطنته كانت بعد قتل ~~أخيه الأشرف خليل بن قلاوون في سنة ثلاث وتسعين وستمائة في المحرم، وعمره ~~تسع سنين، وخلع بالملك العادل كتبغا المنصوري في المحرم سنة أربع وتسعين، ~~فكانت سلطنته هذه المرة دون السنة. ثم توجه إلى الكرك إلى أن أعيد إلى ~~السلطنة بعد قتل المنصور حسام الدين لاجين في سنة ثمان وتسعين وستمائة، ~~فأقام في الملك، والأمر إلى سلار وبيبرس الجاشنكير، إلى سنة ثمان وسبعمائة، ~~وخلع نفسه وتوجه إلى الكرك، وتسلطن بيبرس الجاشنكير وكانت مدته في هذه ~~المرة الثانية نحو التسع سنين. ثم خلع بيبرس وعاد الملك الناصر إلى السلطنة ~~ثالث مرة في شوال سنة تسع وسبعمائة، واستبد من يوم ذاك بالأمر من غير معارض ~~إلى أن مات في التاريخ المذكور، وقد ذكرنا ذلك كله في أصل ترجمته من هذا ~~الكتاب مفصلا، فكانت مدة تحكمه في هذه المرة الثالثة اثنتين وثلاثين سنة ~~وشهرين وخمسة وعشرين يوما. وهو أطول ملوك الترك مدة في السلطنة، فإن أول ~~سلطنته من سنة ثلاث وتسعين وستمائة إلى أن مات نحوا من ثمان وأربعين سنة، ~~بما فيها من أيام خلعه، ولم يقع ذلك لأحد من ملوك الترك بالديار المصرية ~~فهو أطول الملوك زمانا وأعظمهم مهابة وأغزرهم عقلا وأحسنهم سياسة وأكثرهم ~~دهاء وأجودهم تدبيرا وأقواهم بطشا وشجاعة وأحذقهم تنفيذا، ms1914 مرت به التجارب، ~~وقاسى الخطوب، وباشر الحروب، وتقلب مع الدهر ألوانا نشأ في الملك والسعادة، ~~وله في ذلك الفخر والسيادة خليقا للملك والسلطنة، فهو سلطان وابن سلطان ~~وأخو سلطان ووالد ثماني سلاطين من صلبه، والملك في ذريته وأحفاده وعقبه ~~ومماليكه ومماليك مماليكه إلى يومنا هذا، بل إلى أن تنقرض الدولة التركية، ~~فهو أجل ملوك الترك وأعظمها بلا مدافعة، ومن ولي السلطنة من بعده بالنسبة ~~إليه كآحاد أعيان أمرائه. PageV03P0027 # وكان متجملا يقتني من كل شيء أحسنه. أكثر في سلطنته من شراء المماليك ~~والجواري، وطلب التجار وبذل لهم الأموال، ووصف لهم حلي المماليك والجواري. ~~وسيرهم إلى بلاد أزبك خان وبلاد الجاركس والروم. وكان التاجر إذا أتاه ~~بالجلبة من المماليك بذل له أغلى القيم فيهم، فكان يأخذهم ويحسن تربيتهم ~~وينعم عليهم بالملابس الفاخرة والحوائص الذهب والخيول والعطايا حتى يدهشهم، ~~فأكثر التجار من جلب المماليك. وشاع في الأقطار إحسان السلطان إليهم، فأعطى ~~المغل أولادهم وأقاربهم للتجار رغبة في السعادة، فبلغ ثمن المملوك على ~~التاجر أربعين ألف درهم، وهذا المبلغ جملة كثيرة بحساب يومنا هذا. وكان ~~الملك الناصر يدفع للتاجر في المملوك الواحد مائة ألف درهم وما دونها. وكان ~~مشغوفا أيضا بالخيل فجلبت له من البلاد، لا سيما خيول العرب آل مهنا وآل ~~فضل، فإنه كان يقدمها على غيرها، ولهذا كان يكرم العرب ويبذل لهم الرغائب ~~في خيولهم، فكان إذا سمع العربان بفرس عند بدوي أخذوها منه بأغلى القيمة، ~~وأخذوا من السلطان مثلي ما دفعوا فيها. وكان له في كل طائفة من طوائف العرب ~~عين يدله على ما عندهم من الخيل من الفرس السابق أو الأصيل، بل ربما ذكروا ~~له أصل بعضها لعدة جدود، حتى يأخذها بأكثر مما كان في نفس صاحبها من الثمن. ~~فتمكنت منه بذلك العربان، ونالوا المنزلة العظيمة والسعادات الكثيرة. وكان ~~يكره خيول برقة فلا يأخذ منها إلا ما بلغ الغاية في الجودة، وما عدا ذلك ~~إذا جلبت إليه فرقها. وكان له معرفة تامة بالخيل وأنسابها، ويذكر من أحضرها ~~له في وقتها، ms1915 وكان إذا استدعى بفرس يقول لأمير آخور: الفرس الفلانية التي ~~أحضرها فلان واشتريتها منه بكذا وكذا وكان إذا جاءه شيء منها عرضها وقلبها ~~بنفسه، فإن أعجبته دفع فيها من العشرة آلاف، إلى أن اشترى بنت الكرماء، ~~بمائتي ألف درهم، وهذا شيء لم يقع لأحد من قبله ولا من بعده، فإن المائتي ~~ألف درهم كانت يوم ذاك بعشرة آلاف دينار. وأما ما اشتراه بمائة ألف وسبعين ~~ألفا وستين ألفا وما دونها فكثير. وأقطع آل مهنا وآل فضل بسبب ذلك عمة ~~إقطاعات، فكان أحدهم إذا أراد من السلطان شيئا قدم عليه في معنى أنه يدله ~~على فرس عند فلان ويعظم أمره، فيكتب من فوره بطلب تلك الفرس، فيشتد صاحبها ~~ويمتنع من قودها، ثم يقترح ما شاء، ولا يزال حتى يبلغ غرضه من السلطان في ~~ثمن فرسه. وهو أول من اتخذ من ملوك مصر ديوانا للإسطبل السلطاني، وعمل له ~~ناظرا وشهودا وكتابا لضبط أسماء الخيل، وأوقات ورودها وأسماء أربابها، ~~ومبلغ أثمانها ومعرفة سواسها وغير ذلك من أحوالها. وكان لا يزال يتفقد ~~الخيول، فإذا أصيب منها فرس أو كبر سنه بعث به مع أحد الأوجاقية إلى الجشار ~~بعد مايحمل عليها حصانا يختاره، ويأمر بضبط تاريخه فتوالدت عنده خيول ~~كثيرة، حتى أغنته عن جلب ماسواها، ومع هذا كان يرغب في الفرس المجلوب إليه ~~أكثر مما توالد عنده. فعظم العرب في أيامه لجلب الخيل، وشمل الغنى عامتهم، ~~وكانوا إذا دخلوا إلى مشاتيهم أوإلى مصايفهم يخرجون بالحلي والحلل والأموال ~~الكثيرة. ولبسوا في أيامه الحرير الأطلس المعدني بالطرز الزركش والشاشات ~~المرقومة ولبسوا الخلع البابلي والإسكندري المطرز بالذهب، وصاغ السلطان ~~لنسائهم الأطواق الذهب المرصع، وعمل لهم العناتر بالأمر الذهب، والأساور ~~المرصعة بالجوهر واللؤلؤ، وبعث لهن بالقماش السكندري، وعمل لهن البراقع ~~الزركش، ولم يكن لبسهم قبل ذلك إلا الخشن من الثياب على عادة العرب. وأجل ~~ما لبس مهنا أميرهم أيام الملك المنصور لاجين طرد وحش، لمودة كانت بين ~~لاجين وبين مهنا بن عيسى، فأنكر الأمراء ذلك على الملك المنصور لاجين، ms1916 ~~فاعتذر لهم بتقدم صحبته له وأياديه عنده، وأنه أراد أن يكافئه على ذلك. ~~وكان الملك الناصر في جشاره ثلاثة آلاف فرس، يعرض في كل سنة نتاجها عليه ~~فيدمغها، ويسلمها للركابين من العربان لرياضتها، ثم يفرق أكثرها على ~~الأمراء الخاصكية، ويفرح بذلك ويقول: هذه فلانة بنت فلانة أوفلان بن فلان، ~~عمرها كذا، وشراء أمها بكذا وشراء أبيها بكذا. PageV03P0028 # وكان يرسم للامراء في كل سنة أن يضمروا الخيول، ويرتب على كل أمير من ~~أمراء الألوف أربعة أرؤس يضمرها. ثم يرسم لأمير آخور أن يضمر خيلا من غير ~~أن يفهم الأمراء أنها للسلطان، بل يشيع أنها له، ويرسلها للسباق مع خيل ~~الأمراء في كل سنة. وكان للأمير قطلوبغا الأفخري حصان أدهم، سبق خيل مصر ~~كلها ثلاث سنين متوالية، فأرسل السلطان إلى مهنا وأولاده أن يحضروا له ~~الخيل للسباق، فأحضروا له عدة وضمروا، فسبقهم حصان الفخري الأدهم. ثم بعد ~~ذلك ركب السلطان إلى ميدان القبق ظاهر القاهرة فيما بين قلعة الجبل وقبة ~~النصر، وهو أماكن الترب الآن، وأرسل الخيل للسبق، وعدتها دائما في كل سنة ~~ماينيف على مائة وخمسين فرسا. وكان مهنا بعث للسلطان حجرة شهباء للسباق، ~~على أنها إن سبقت كانت للسلطان، وإن سبقت ردت إليه، بشرط ألا يركبها للسباق ~~إلا بدويها الذي قادها إلى مصر. فلما ركب السلطان والأمراء على العادة ~~ووقفوا ومعهم أولاد مهنا بالميدان، وأرسلت الخيول من بركة الحاج كما جرت به ~~العادة، وركب البدوي حجرة مهنا الشهباء عريا بغير سرج، ولبس قميصا ولاطئة ~~فوق رأسه. وأقبلت الخيول يتبع بعضها بعضا والشهباء قدام الجميع، وبعدها على ~~القرب منها حصان الأمير أيدغمش أمير اخور يعرف بهلال، فلما وقف البدوي ~~بالشهباء بين يدي السلطان، صاح بصوت ملأ الخافقين: " السعادة لك اليوم ~~يامهنا، لاشقيت " ، وألقى بنفسه إلى الأرض من شدة التعب، فقدمها مهنا ~~للسلطان، فكان هذا دأب الملك الناصر في كل سنة من هذا الشأن وغيره. قلت: ~~وترك الملك الناصر في جشاره ثلاثة آلاف فرس، وترك بالإسطبلات السلطانية ~~أربعة آلاف فرس وثمانمائة فرس، ms1917 ما بين حجورة ومهارة وفحولة وأكاديش، وترك ~~من الهجن الأصائل والنياق نيفا على خمسة آلاف سوى أتباعها. وأما الجمال ~~النفر والبغال فكثير. وكان الملك الناصر أيضا شغوفا بالصيد، فلم يدع أرضا ~~تعرف بالصيد إلا وأقام بها صيادين مقيمين بالبرية أوان الصيد. وجلب طيور ~~الجوارح من الصقورة والشواهين والسناقر والبزاة، حتى كثرت السناقر في ~~أيامه. وصار كل أمير عنده منها عشرة سناقر وأقل و كثر. وجعل له، البازدارية ~~وحراس الطير، وما هو موجود بعضه الآن، وأقطعهم الإقطاعات الجليلة، وأجرى ~~لهم الرواتب من اللحم والعليق والكساوي وغير ذلك. ولم يكن ذلك قبله لملك، ~~فترك بعد موته مائة وعشرين سنقرا، ولم يعهد بمثل هذا لملك قبله، بل كان ~~لوالده الملك المنصور قلاوون سنقر واحد، وكان المنصور إذا ركب في المركب ~~للصيد كان بازداره أيضا راكبا والسنقر على يده. وترك الملك الناصر من ~~الصقورة والشواهين ونحوها ما لاينحصر كثرة. وترك ثمانين جوقة كلاب ~~بكلابزنتها، وكان أخلى لها موضعاأ بالجبل. وعني أيضا بجمع الأغنام وأقام ~~لها خولة. وكان يبعث في كل سنة الأمير آقبغا عبد الواحد في عدة من المماليك ~~لكشفها، فيكشف المراحات من قوص إلى الجيزة، ويأخذ منها ما يختاره من ~~الأغنام، وجرده مرة إلى عيذاب والنوبة لجلب الأغنام. ثم عمل لها حوشا بقلعة ~~الجبل، وقد ذكرنا ذلك في وقته، وأقام لها خولة نصارى من الأسرى. وعني أيضا ~~بالإوز وأقام لها عدة من الخدام، وجعل لها جانبا بحوش الغنم. PageV03P0029 # ولما مات ترك ثلاثين ألف رأس من الغنم سوى أتباعها. فاقتدى به الأمراء ~~وصارت لهم الأغنام العظيمة في غالب أرض مصر. وكان كثير العناية بأرباب ~~وظائفه وحواشيه من أمراء اخورية والأوجاقية وغلمان الإسطبل والبازداردة ~~والفراشين والخولة والطباخين. فكان إذا جاء أوان تفرقة الخيول على الأمراء ~~بعث إلى الأمير بما جرت به عادته مما رتبه له في كل سنة مع أمير آخور ~~وأوجاقي وسايس وركبدار، ويترقب عودهم حتى يعرف ما أنعم به ذلك الأمير ~~عليهم، فإن شح الأمير في عطاياتهم تنكر عليه وبكته بين الأمراء ووبخه، ms1918 وكان ~~قرر أن يكون الأمير آخور بينهم بقسمين ومن عداه بقسم واحد. وكان أيضا إذا ~~بعث لأمير بطير مع أمير شكار أو واحد من البازدارية يحتاج الأمير أن يلبسه ~~خلعة كاملة بحياصة ذهب وكلفتاه زركش، فيعود بها ويقبل الأرض بين يديه ~~فيستدنيه ويفتش خلعته. وكانت عادته أن يبعث في يوم النحر أغنام الضحايا مع ~~الأبقار والنوق إلى الأمراء، فبعث مرة مع بعض خولة النصارى إلى الأمير ~~يلبغا حارس طيره ثلاثة كباش فأعطاه عشرة دراهم فلوسا وعاد إلى السلطان، ~~فقال له: " وأين خلعتك " . فطرح الفلوس بين يديه وعرفه بقدرها، فغضب وأمر ~~بعض الخدام أن يسير بالخولي إلى عنده ويوبخه ويأمره أن يلبسه خلعة طرد وحش. ~~وكانت حرمته ومهابته وافرة قد تجاوزت الحد، حتى إن الأمراء كانوا إذا وقفوا ~~بالخدمة لا يجسر أحد منهم أن يتحدث مع رفيقه، ولا يلتفت نحوه خوفا من ~~مراقبة السلطان لهم. وكان لا يجسر أحد أن يجتمع مع خشداشه في نزهة ولا ~~غيرها. وكان له المواقف المشهودة، منها لما لقي غازان على فرسخ من حمص، وقد ~~تقدم ذكر ذلك. ثم كانت له الوقعة العظيمة مع التتار أيضا بشقحب، وأعز الله ~~تعالى فيها الإسلام وأهله، ودخلت عساكره بلاد سيس، وقرر على أهلها الخراج ~~أربعمائة ألف درهم في السنة بعد ما غزاها ثلاث مرار. وغزا ملطية وأخذها ~~وجعل عليها الخراج، ومنعوه مرة فبعث العساكر إليها حتى أطاعوه. وأخذ مدينة ~~آياس وخرب البرج الأطلس وسبعة حصون وأقطع أراضيها للأمراء والأجناد. وأخذ ~~جزيرة أرواد من الفرنج. وغزا بلاد اليمن وبلاد عانة وحديثة في طلب مهنا. ~~وجرد إلى مكة والمدينة العساكر لتمهيدها غير مرة، ومنع أهلها من حمل السلاح ~~بها. وعمر قلعة جعبر بعد خرابها، وأجرى نهر حلب إلى المدينة. وخطب له ~~بماردين وجبال الأكراد وحصن كيفا وبغداد وغيرها من بلاد الشرق، وهو بكرسي ~~مصر. وأتته هدية ملوك الغرب والهند والصين والحبشة والتكرور والروم والفرنج ~~والترك. وكان، رحمه الله، على غاية من الحشمة والرياسة وسياسة الأمور، فلم ~~يضبط عليه أحد أنه أطلق ms1919 لسانه بكلام فاحش في شدة غضبه ولا في انبساطه، مع ~~عظيم ملكه وطول مدته في السلطنة وكثرة حواشيه وخدمه. وكان يدعو الأمراء ~~والأعيان وأرباب الوظائف بأحسن أسمائهم وأجل ألقابهم، وكان إذا غضب على أحد ~~لا يظهر له ذلك. وكان مع هذه الشهامة وحب التجمل مقتصدا في ملبسه، يلبس ~~كثيرا البعلبكي والنصافي المتوسط، ويعمل حياصته فضة نحو مائة درهم بغير ذهب ~~ولا جوهر، ويركب بسرج مسقط بفضة التي زنتها دون المائة درهم وعباءة فرسه ~~إما تدمري أوشامي، ليس فيها حرير. وكان مفرط الذكاء، يعرف جميع مماليك أبيه ~~وأولادهم بأسمائهم، ويعرف بهم الأمراء خشداشيتهم فيتعجبون الأمراء من ذلك، ~~وكذلك مماليكه لا يغيب عنه اسم واحد منهم، ولا وظيفته عنده، ولامبلغ ~~جامكيته، هذا مع كثرتهم. وكان أيضا يعرف غلمانه حاشيته على كثرة عددهم، ولا ~~يفوته معرفة أحد من الكتاب، فكان إذا أراد أن يولي أحدا مكانا أو يرتبه في ~~وظيفة استدعى جميع الكتاب بين يديه واختار منهم واحدا أو أكثر من واحد من ~~غير أن يراجع فيهم، ثم يقيمه فيما يريد من الوظائف. وكان إذا تغير على أحد ~~من أمرائه أو كتابه أسر ذلك في نفسه، وتروى في ذلك مدة طويلة وهو ينتظر له ~~ذنبا يأخذه به، كما وقع له في أمر كريم الدين الكبير وأرغون النائب وغيرهم، ~~وهو يتأنى ولا يعجل، حتى لا ينسب إلى ظلم، فإنه كان يعظم عليه أن يذكر عنه ~~أنه ظالم أو جائر، أو وقع في أيامه خراب أوخلل، ويحرص على حسن القالة فيه. ~~PageV03P0030 # وكان يستبد بأمور مملكته وينفرد بالأحكام، حتى إنه أبطل نيابة السلطنة من ~~ديار مصر ليستقل هو بأعباء الدولة وحده. وكان يكره أن يقتدي بمن تقدمه من ~~الملوك، فمن أنشأه من الملوك كائنا من كان، ولايدخلهم المشورة حتى ولا ~~بكتمر الساقي ولا قوصون ولا بشتك وغيرهم، بل كان لا يقتدي إلا بالقدماء من ~~الأمراء. وكان يكره شرب الخمر ويعاقب عليه ويبعد من يشربه من الأمراء عنه. ~~وكان في الجود والكرم والإفضال غاية لاتدرك خارجة عن ms1920 الحد، وهب في يوم واحد ~~ما يزيد على مائة ألف دينار ذهبا، وأعطى في يوم واحد لأربعة من مماليكه، ~~وهم الأمير ألطنبغا المارداني ويلبغا اليحياوي وملكتمر الحجازي وقوصون، ~~مائتي ألف دينار، ولم يزل مستمر العطاء لخاصكيته ومماليكه ما بين عشرة آلاف ~~دينار وأكثر منها وأقل، ونحوها من الجوهر واللآلىء. وبذل في أثمان الخيل ~~والمماليك ما لم يسمع بمثله. وجمع من المال والجوهر والأحجار ما لم يجمعه ~~ملك من ملوك الدولة التركية قبله مع فرط كرمه. قلت: كل ذلك لحسن تدبيره ~~وعظم معرفته فإنه كان يدري مواطن استجناء المال فيستجنيه منها، ويعرف كيف ~~يصرفه في محله وأغراضه فيصرفه. ولم يشهر عنه أنه ولي قاض في أيامه برشوة، ~~ولا محتسب ولا وال، بل كان هو يبذل. لهم الأموال ويحرضهم على عمل الحق، ~~وتعظيم الشرع الشريف، وهذا بخلاف من جاء بعده فإن غالب ملوك مصر ممن ملك ~~مصر بعده يقتدي بشخص من أرباب وظائفه، فيصير ذلك الرجل هو السلطان حقيقة ~~والسلطان من بعض من يتصرف بأوامره، وكل ذلك لقصر الإدراك وعدم المعرفة، ~~فلذلك يتركون الأموال الجليلة والأسباب التي يحصل منها الألوف المؤلفة، ~~ويلتفتون إلى هذا النزر اليسير القبيح الشنيع الذي لا يرتضيه من له أدنى ~~همة ومروءة، وهو الأخذ من قضاة الشرع عند ولايتهم المناصب وولاة الحسبة ~~والشرطة، وذلك كله وإن تكرر في السنة فهو شيء قليل جدا، يتعوض من أدنى ~~الجهات التي لا يؤبه إليها من أعمال مصر، فلو وقع ذلك لكان أحسن في حق ~~الرعية وأبرأ لذمة السلطان والمسلمين من ولاية قضاة الشرع بالرشوة، وما يقع ~~بسبب ذلك في الأنكحة والعقود والأحكام وما أشبه ذلك. انتهى. وكان الملك ~~الناصر يرغب في أصناف الجوهر، فجلبتها إليه التجار من الأقطار. وشغف ~~بالجواري الراري، فحاز منهن كل بديعة الجمال. وجهز إحدى عشرة ابنة له، ~~بالجهاز العظيم، فكان أولهن جهازا بثمانمائة ألف دينار، منها قيمة بشخاناه ~~وداير بيت وما يتعلق به مائة ألف دينار، وبقية ذلك ما بين جواهر ولألىء ~~وأواني ونحو ذلك، وزوجهن لمماليكه ms1921 مثل الأمير قوصون وبشتك وألطنبغا ~~المارداني وطغاي تمر وعمر بن أرغون النائب وغيرهم. وجهز جماعة من سراريه ~~وجواريه ومن تحسن بخاطره، كل واحدة بقريب ذلك وبمثله وأكثر منه. واستجد ~~النساء في زمانه الطرحة، كل طرحة بعشرة آلاف دينار، وبما دون ذلك إلى خمسة ~~آلاف دينار، والفرجيات بمثل ذلك. واستجد النساء في زمانه الخلاخيل الذهب، ~~والأطواق المرصعة بالجواهر الثمينة، والقباقيب الذهب المرضعة، والأزر ~~والحرير وغير ذلك. وكان الملك الناصر كثير الدهاء مع ملوك الأطراف يهاديهم ~~ويستجلبهم إلى طاعته بالهدايا والتحف، حتى يذعنوا له فيستعملهم في حوائجه ~~ويأخذ بعضهم ببعض. وكان يصل إلى قتل من يريد قتله بالفداوية لكثرة بذله لهم ~~الأموال. وكان يحب العمارة، فلم يزل من حين قدم من الكرك إلى أن مات مستمر ~~العمارة، فحسب تقدير مصروفه فجاء في كل يوم مدة هذه السنين ثمانية آلاف ~~درهم، قوم ذلك بطالة على عمل والسفر والحضر والعيد والجمعة. وكان ينفق على ~~العمارة المائة ألف درهم، فإذا رأى منها ما لا يعجبه هدمها كلها وجددها على ~~ما يختاره. ولم يكن من قبله من الملوك في الإنفاق على العمائر كذلك. وقد ~~حكي عن والده الملك المنصور قلاوون أنه أراد أن يبني مصطبة عليها رفرف تقيه ~~حر الشمس إذا جلس عليها، فكتب له الشجاعي تقدير مصروفها أربعة آلاف درهم ~~فتناول المنصور الورقة من يد الشجاعي ومزقها وقال: أقعد في مقعد بأربعة ~~آلاف درهم انصبوا لي صيوانا إذا نزلت على المصطبة. ومع هذا كله خفف الملك ~~الناصر في بيت المال من الذهب والقماش أضعاف ما خلفه المنصور قلاوون. وكانت ~~المظالم أيام الملك المنصور قلاوون أكثر مما كانت في أيام الناصر هذا. ~~PageV03P0031 # قلت: عود وانعطاف إلى ما كنا فيه من أن الأصل في تدبير الملك وتحصيل ~~الأموال المعرفة والذكاء وجودة التنفيذ. انتهى. قلت: والملك المنصور قلاوون ~~كان أسمح من الملك الظاهر بيبرس البندقداري وأقل ظلما. والحق يقال ليس ~~الظاهر والمنصور من خيل هذا الميدان، ولا بينهما وبين الملك الناصر هذا ~~نسبة في أمر من الأمور. انتهى. ms1922 هذا على أن الملك الناصر لما عمل الروك ~~الناصري أبطل مظالم كثيرة من الضمانات والمكوس وغيرها حسب ما ذكرناه في ~~وقته، ومع هذا لم يحسن عليه محسن. وكان الملك الناصر واسع النفس على ~~الطعام، يعمل في سماطه في كل يوم الحلاوات والمآكل المفتخرة وأنواع الطير، ~~وبلغ راتب سماطه في كل يوم وراتب مماليكه من اللحم ستة وثلاثين ألف رطل لحم ~~في اليوم، سوى الدجاج والإوز والرمسان والجدي المشوي والمهارة وأنواع ~~الوحوش كالغزلان والأرانب وغيره. واستجد في أيامه عمائر كثيرة منها: حفر ~~خليج الإسكندرية، حفروه في مدة أربعين يوما. عمل فيه نحو المائة ألف رجل من ~~النواحي. واستجد عليه عدة سواقي وبساتين في أراض كانت سباخا فصارت مزارع ~~قصب سكر وسمسم وغيره. وعمرت هناك الناصرية ، ونقل إليها المقداد بن شماس ~~وأولاده، وعدة أولاده مائة ولد ذكر. واستمر الماء في خليج الإسكندرية طول ~~السنة، وفرح الناس بهذا الخليج فرحا زائدا، وعظمت المنافع به. وأنشأ ~~الميدان تحت قلعة الجبل وأجرى له المياه وغرس فيه النخل والأشجار، ولعب فيه ~~بالكرة في كل يوم ثلاثاء مع الأمراء والخاصكية وأولاد الملوك. وكان الملك ~~الناصر يجيد لعب الكرة إلى الغاية بحيث إنه كان لا يدانيه فيها أحد في ~~زمانه إلا إن كان ابن أرغون النائب. ثم عمر فوق الميدان هذا القصر الأبلق ~~وأخرب البرج الذي كان عمره أخوه الأشرف خليل على الإسطبل وجعل مكانه القصر ~~المذكور، وعمر فوقه رفرفا وعمر بجانبه برجا نقل إليه المماليك. وغير باب ~~النحاس من قلعة الجبل ووسع دهليزه. وغمر في الساحة تجاه الإيوان طباقا ~~للأمراء الخاصكية، وغير عمارة الإيوان مرتين، ثم في الثالثة أقره على ما هو ~~عليه الآن، وحمل إليه الغمد الكبار من بلاد الصعيد، فجاء من أعظم المباني ~~الملوكية، ورتب خدمته بالإيوان بأنواع مهولة عجيبة مزعجة لمن يقدم من رسل ~~الملوك، يطول الشرح في ذكر ترتيب ذلك. ثم رتب خدم القصر ومشديه، وما كان ~~يفرش فيه من أنواع البسط والستائر، وكيفية حركة أرباب الوظائف فيه. ثم عمر ~~بالقلعة أيضا دورا ms1923 للأمراء الذين زوجهم لبناته، وأجرى إليها المياه وعمل ~~بها الحمامات وزاد في باب القلة من القلعة بابا ثانيا. وعمر جامع القلعة ~~والقاعات السبع التي تشرف على الميدان لأجل سراريه. وعمر باب القرافة. وكان ~~غالب عمائره بالحجارة خوفا من الحريق. وعزم على أن يغير باب المدرج ويعمل ~~له دركاه فمات قبل ذلك. وعمر بالقلعة حوش الغنم وحوش البقر وخوش المعزى ~~فأوسع فيها نحو خمسين فدانا. وعمر الخانقاه بناحية سرياقوس ورتب فيها مائة ~~صوفي لكل منهم الخبز واللحم والطعام والحلوى وسائر ما يحتاج إليه. قلت: وقد ~~صارت الخانقاه الآن مدينة عظيمة. انتهى. PageV03P0032 # قال : وعمر القصور بسرياقوس، وعمل لها بستانا حمل إليه الأشجار من دمشق ~~وغيرها، فصار بها عامة فواكه الشام. وحفر الخليج الناصري خارج القاهرة حتى ~~أوصله بسرياقوس، وعمر على هذا الخليج أيضا عدة قناطر ، وصار بجانبي هذا ~~الخليج عدة بساتين وأملاك. وعمرت به أرض الطبالة بعد خرابها من أيام العادل ~~كتبغا. وعمرت جزيرة الفيل وناحية بولاق، بعد ماكانت رمالا يرمي بها ~~المماليك النشاب، وتلعب الأمراء بها الكرة، فصارت كلها دورا وقصورا وجوامع ~~وأسواقا وبساتين، وبلغت البساتين بجزيرة الفيل في أيامه مائة وخمسين بستانا ~~بعد ما كانت نحو العشرين بستانا. واتصلت العمائر من ناحية منية الشيرج على ~~النيل إلى جامع الخطيري إلى حكر بن الأثير وزريبة قوصون وإلى منشأة ~~المهراني إلى بركة الحبش، حتى كان الإنسان يتعجب لذلك، فإنه كان قبل ذلك ~~بمدة يسيرة تلالا ورمالا وحلفاء، فصار لا يرى قدر ذراع إلا وفيه بناء. كل ~~ذلك من محبة السلطان للتعمير. فصار كل أحد في أيامه يفعل ذلك ويتقرب إلى ~~خاطره بهذا الشأن، وصار لهم أيضا غية في ذلك، كما قيل: الناس على دين ~~مليكهم، بل قيل إنه كان إذا سمع بأحد قد أنشأ عمارة بمكان شكره في الملأ ~~وأمده في الباطن بالمال والآلات، وغيرها، فعمرت مصر في أيامه وصارت أضعاف ~~ما كانت، كما سيأتي ذكره من الحارات والحكورة والأماكن. فمما عمر في أيامه ~~أيضا القطعة التي فيما بين قبة الإمام الشافعي، ms1924 رضي الله عنه، إلى باب ~~القرافة طولا وعرضا بعد ما كانت فضاء لسباق خيل الأمراء والأجناد والخدام، ~~فكان يحصل هناك أيام السباق اجتماعات جليلة للتفرج على السباق إلى أن أنشأ ~~الأمير بيبغا التركماني تربته بها، وشكره السلطان. فأنشأ الناس فيه تربا ~~حتى صارت كما ترى. قلت: وكذا وقع أيضا في زماننا هذا بالساحة التي كانت ~~تجاه تربة الملك الظاهر برقوق أعني المدرسة الناصرية بالصحراء فإنها كانت ~~في أوائل الدولة الأشرفية برسباي ساحة كبيرة يلعب فيها المماليك السلطانية ~~بالرمح، وهي الآن كما ترى من العمائر. وكذا وقع أيضا بالساحة التي كانت من ~~جامع أيدمر الخطيري على ساحل بولاق إلى بيت المقر الكمال بن البارزي، فإن ~~الملك المؤيد شيخ جلس في حدود سنة عشرين وثمانمائة ببيت القاضي ناصر الدين ~~ين البارزي والد كمال الدين المذكور بساحة بولاق، وساقت الرماحة المحمل ~~قدامه بالساحة المذكورة، وهي الآن كما هي من الأملاك. وكذلك وقع أيضا ~~بخانقاه سرياقوس وأنها كانت ساحة عظيمة من قدام خانقاه الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون صاحب الترجمة إلى الفضاء، حتى عمر بها الأمير سودون بن عبد ~~الرحمن مدرسته في حدود سنة ست وعشرين وثمانمائة، فكان ما بين المدرسة العبد ~~الرحمانية المذكورة وبين باب الخانقاه الناصرية ميدان كبير. انتهى. وقد ~~خرجنا عن المقصود ولنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر الملك الناصر محمد فنقول ~~أيضا: PageV03P0033 # وعمر أيضا في أيامه الصحراء التي ما بين قلعة الجبل وخارج باب المحروق ~~إلى تربة الظاهر برقوق المقدم ذكرها. وأول من عمر فيها الأمير قراسنقر ~~تربته، وعمر بها حوض السبيل يعلوه مسجد. ثم اقتدى به جماعة من الأمراء ~~والخوندات والأعيان مثل خوند طغاي، عمرت بها تربتها العظيمة، ومثل طشتمر ~~حمص أخضر الناصري، ومثل طشتمر طلليه الناصري وغيرهم. وكان هذا الموضع ساحة ~~عظيمة، وبه ميدان القبة من عهد الملك الظاهر بيبرس برسم ركوب السلطان وعمل ~~الموكب به برسم سباق الخيل، فلما عمر قراسنقر تربته عمر الناس بعده حتى ~~صارت الصحراء مدينة عظيمة. وعمر الملك الناصر أيضا لمماليكه عدة ms1925 قصور خارج ~~القاهرة وبها، منها قصر الأمير طقتمر الدمشقي بحدرة البقر، وبلغ مصروفه ~~ثمانمائة ألف درهم فلما مات طقتمر أنعم به على الأمير طشتمر حمص أخضر فزاد ~~في عمارته. ومنها قصر الأمير بكتمر الساقي على بركة الفيل بالقرب من الكبش، ~~فعمل أساسه أربعين ذراعا وارتفاعه أربعين ذراعا فزاد مصروفه على ألف ألف ~~درهم ومنها الكبش، حيث كان عمارة الملك الصالح نجم الدين أيوب فعمله الملك ~~الناصر سبع قاعات برسم بناته ينزلون فيه للفرجة على ركوب السلطان للميدان ~~الكبير. لم ينحصر ما أنفقه فيها لكثرته. ومنها إسطبل الأمير قوصون بسوق ~~الخيل تحت القلعة تجاه باب السلسلة، وكان أصله إسطبل الأمير سنجر البشمقدار ~~وسنقر الطويل. ومنها قصر بهادر الجوباني بجوار زاوية البرهان الصائغ بالجسر ~~الأعظم تجاه الكبش. ومنها قصر قطلوبغا الفخري، وقصر ألطنبغا المارداني، ~~وقصر يلبغا اليحياوي، و هؤلاء أجل ماعمر من القصور، وهم موضع المدرسة ~~الناصرية الحسنية، أخذهم الملك الناصر حسن وهدمهم وعمر مكان ذلك مدرسته ~~المشهورة به. وعمر في أيامه الأمراء عدة دور وقصور، منها: دار الأمير ~~أيدغمش أمير آخور، وقصر بشتك وغيره. وكان الملك الناصر له عناية كبيرة ~~ببلاد الجيزة، حتى إنه عمل على كل بلد جسرا وقنطرة، وكانت قبل ذلك أكثر ~~بلادها تشرق لعلوها، فعمل جسر أم دينار، في ارتفاع اثنتي عشرة قصبة، أقام ~~العمل فيه مدة شهرين، وهو الذي أقترحه فحبس الماء حتى رده على تلك الأراضي، ~~وعم النفع بها جميع أهل الجيزة. ومن يومئذ قوي بسبب هذا الجسر الماء حتى ~~حفر بحرا يتصل بالجيزة. وخرج في أراضي الجيزة عدة مواضع وزرعت بعد ما كانت ~~شاسعة، وأخذ من هذه الأراضي قوصون وبشتك وغيرهما عدة أراض عمروها ووقفوها. ~~واستجد السلطان على بقية الأراضي ثلاثمائة جندي. قلت: هذا وأبيك العمل وأين ~~هذا من فعل غيره ينظر إلى أحسن البلاد فيأخذها ويوقفها فيخربها النظار بعد ~~سنين، فالفرق واضح لايحتاج إلى بيان. وهذا الذي أشرنا إليه من أن الملك إذا ~~كان له معرفة حصل له أغراضه من جمع المال من هذا ms1926 الوجه وغيره، ولا يحتاج ~~لأخذ الرشوة من الحكام والإفحاش في أخذ المكوس وغيرها ومثل ذلك فكثير. ~~PageV03P0034 # واستجدت في أيام الملك الناصر عدة أراض أيضا بالشرقية ونواحي فوة وغيرها ~~أقطعت للأجناد، وكانت قبل ذلك بسنين كثيرة خرابا لاينتفع بها. وعمل أيضا سد ~~شبين الفصر فزاد بسببه خراج الشرقية زيادة كثيرة. وعمل جسرا خارج القاهرة ~~حتى رد النيل عن منية الشيرج وغيرها، فعمر بذلك عدة بساتين بجزيرة الفيل، ~~وأحكم عامة أراضي مصر قبليها وبحريها بالتراع والجسور حتى أتقن أمرها. ركان ~~يركب إليها برسم الصيد كل قليل، ويتفقد أحوالها بنفسه، وينظر في جسورها ~~وتراعها وقناطرها، بحيث إنه لم يدع في أيامه موضعا منها حتى عمل فيه ما ~~يحتاج إليه. وكان له سعد في جميع أعماله، فكان يقترح المنافع من قبله، بعد ~~أن كان يزهده فيما يأمر به حذاق المهندسين، ويقول بعضهم: يا خوند، الذين ~~جاؤوا من قبلنا لو علموا أن هذا يصح فعلوه، فلا يلتفت إلى قولهم، ويفعل ما ~~بدا له من مصالح البلاد، فتأتيه أغراضه على ما يحدث وزيادة، فزاد في أيامه ~~خراج مصر زيادة هائلة في سائر الأقاليم. وكان إذا سمع بشراقي بلد أو قرية ~~من القرى أهمه ذلك وسأل المقطع بها عن أحوال القرية المذكورة غير مرة، بل ~~كلما وقع بصره عليه، ولا يزال يفحص عن ذلك حتى يتوصل إلى ريها بكل ما تصل ~~قدرته إليه. كل ذلك وصاحبها لايسأله في شيء من أمرها، فيكلمه بعض الأمراء ~~في ذلك فيقول: هذه قريتي، وأنا الملزوم بها والمسؤول عنها فكان هذا دأبه. ~~وكان يفرح إذا سأله بعض الأجناد في عمل مصلحة بلده بسبب عمل جمر أو تقاوي ~~أو غير ذلك، وينبل ذلك الرجل في عينه، ويفعل له ماطلبه من غير توقف ولاملل ~~في إخراج المال، فإن كلمه أحد في ذلك يقول: فلم نجمع المال في بيت مال ~~المسلمين إلا لهذا المعنى وغيره فهذه كانت عوائده. وكذلك فعل بالبلاد ~~الشامية، حتى إن مدينة غزة هو الذي مصرها وجعلها على هذه الهيئة، وكانت قبل ms1927 ~~كآحاد قرى البلاد الشامية، وجعل لها نائبا، وسمي بملك الأمراء، ولم تكن قبل ~~ذلك إلا ضيعة من ضياع الرملة، ومثلها فكثير من قرى الشام وحلب والساحل يطول ~~الشرح في ذكر ذلك. وأنشأ الملك الناصر بالديار المصرية الميدان الكبير على ~~النيل، وخرب ميدان اللوق الذي كان عمره الظاهر بيبرس وعمله بستانا، وقد ~~تقدم ذكره. ثم أنعم السلطان بالبستان المذكرر على الأمير قوصون، فبنى قوصون ~~تجاهه زريبته المعروفة بزريبة قوصون بنيانا ووقفه، واقتدى الأمراء بقوصون ~~في العمارة. ثم أخذ قوصون بستان الأمير بهادر رأس نوبة، وحكره للناس، ~~ومساحته خمسة عشر فدانا، فبنوه دورا على الخليج، فعرف بحكر قوصون. وحكر ~~السلطان حول البركة الناصرية أراضي البستان فعمروها الناس وسكنوا فيه. ثم ~~حكر الأمير طقزدمر الحموي الناصري بستانا بجوار الخليج، مساحته ثلاثون ~~فدانا، وبنى له قنطرة عرفت به، وعمل هناك حماما وحوانيت أيضا، فصار حكرا ~~عظيم المساكن. قلت: وطقزدمر هذا هو الذي جدد الخطبة بالمدرسة المعزية ~~الأيبكية على النيل بمصر القديمة. ثم حكر الأمير آقبغا عبد الواحد بستانا ~~بجوار بركة قارون ظاهر القاهرة، فعمره عمارة كبيرة، وأخذ بقية الأمراء جميع ~~ماكان من البساتين والجنينات ظاهر القاهرة وحكروها، وحكرت دادة السلطان ~~الملك الناصر الست حدق والست مسكة القهرمانة حكرين عرفا بهما. وأنشأت كل ~~واحدة منهما في حكرها جامعا تقام به الجمعة، فزادت الأحكار في أيام الملك ~~الناصر على ستين حكرا، وبهذا اتصلت العمائر من باب زويلة إلى سد مصر، بعد ~~ماكانت ساحة مخيفة. كل ذلك لما علم الناس من حب السلطان للعمر. ~~PageV03P0035 # قلت: وعلى هذا زادت الديار المصرية في أيامه مقدار النصف. قال: وعمرت في ~~أيامه بالديار المصرية عدة جوامع تقام فيها الخطب زيادة على ثلاثين جامعا، ~~منها: الجامع الناصري بقلعة الجبل، جدده وأوسعه، ومنها الجامع الجديد ~~الناصري أيضا على نيل مصر، ومنها جامع الأمير طيبرس الناصري نقيب الجيش على ~~النيل بجوار خانقاته، وقد ذهب أثر هذا الجامع المذكور من سنين، ثم عمر ~~طيبرس المذكور مدرسته المشهورة به بجوار الجامع الأزهر ولما خرب جامعه ~~المذكور ms1928 الذي كان على النيل نقل الصوفية الذين كانوا به إلى المدرسة ~~المذكورة. انتهى. ومنها جامع المشهد النفيسي لا أعلم من بناه، ومنها جامع ~~الأمير بدر الدين محمد الئركماني بالقرب من باب البحر، ثم جامع الأمير كراي ~~المنصوري بآخر الحسينية، وجامع كريم الدين خلف الميدان، وجامع شرف الدين ~~الجاكي بسويقة الريش، وجامع الفخر ناظر الجيش على النيل فيما بين بولاق ~~وجزيرة الفيل، وجامع آخر خلف خص الكيالة ببولاق، وجامع ثالث بالروضة، وجامع ~~أمير حسين بالحكر، وبنى له قنطرة على الخليج بالقرب منه، وجامع الأمير ~~قيدان الرومي بقناطر الإوز، وجامع دولة شاه مملوك العلائي بكوم الريش، ~~وجامع الأمير ناصر الدين الشرابيشي الحزاني بالقرافة، وجامع الأمير آقوش ~~نائب الكرك بطرف الحسينية بالقرب من الخليج، وجامع الأمير آق سنقر شاد ~~العمائر قريبا من الميدان، وجامع خارج باب القرافة، عمرة جماعة من العجم، ~~وجامع التوبة بباب البرقية، عمره مغلطاي أخو الامير ألماس، وجامع بنت الملك ~~الظاهر بالجزيرة المستجدة المعروفة بالوسطانية، وجامع الأمير ألماس الناصري ~~الحاجب بالقرب من حوض ابن هنس بالشارع الأعظم خارج القاهرة، وجامع الأمير ~~قوصون الناصري بالقرب منه أيضا على الشارع خارج القاهرة، وله أيضا جامع ~~وخانقاه خارج باب القرافة، وجامع الأمير عز الدين، أيدمر الخطيري بساحل ~~بولاق، وجامع أخي صاروجا بشون القصب، وجامع الأمير بشتك الناصري على بركة ~~الفيل تجاه خانقاته وجامع الأمير آل ملك بالحسينية، وجامع الست حدق الدادة ~~فيما بين السد وقناطر السباع، وجامع الست مسكة قريبا من قنطرة آق سنقر، ~~وجامع الأمير ألطنبغا المارداني خارج باب زويلة، وجامع المظفر بسويقة ~~الجميزة من الحسينية، وجامع جوهر السحرتي قريبا من باب الشعرية، وجامع فتح ~~الدير محمد بن عبد الظاهر بالقرافة. وغير ذلك من المدارس والمساجد، وهذا ~~كله بديار مصر. وأما ما بني بالبلاد الشامية في أيامه فكثير جدا. وآخر ما ~~بناه الملك الناصر السواقي التي بالرصد، ومات قبل أن يكملها. وكان الملك ~~الناصر في آخر أيامه شغف بحب الجواري المولدات وحملن إليه، فزادت عدتهن ~~عنده على ألف ومائتي وصيفة. وخلف من ms1929 الأولاد الذكور أبا بكر ومحمدا ~~وإبراهيم وعليا وأحمد وكجك ويوسف وشعبان وإسماعيل ورمضان وحاجي وحسينا ~~وحسنا وصالحا. وتسلطن من ولده لصلبه ثمانية: أبو بكر وكجك وأحمد وإسماعيل ~~وشعبان وحاجي وحسن وصالح ثم حسن ثانيا حسب مايأتي ذكر ذلك كله في محله إن ~~شاء الله تعالى. وخلف من البنات سبعا. PageV03P0036 # قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تاريخه: وكان الملك الناصر ملكا عظيما ~~محظوظا مطاعا مهيبا ذا بطش ودهاء وحزم شديد وكيد مديد، قلما حاول أمرا ~~فانخرم عليه فيه شيء يحاوله، إلأ أنه كان يأخذ نفسه فيه بالحزم البعيد ~~والاحتياط. أمسك إلى أن مات مائة وخمسين أميرا. وكان يصبر الدهر الطويل على ~~الإنسان وهو يكرهه. تحدث مع الأمير أرغون الدوادار في إمساك كريم الدين ~~الكبير قبل القبض عليه بأربع سنين، وهم بإمساك تنكز لما ورد من الحجاز في ~~سنة ثلاث وثلاثين بعد موت بكتمر الساقي، ثم إنه أمهله ثماني سنين بعد ذلك. ~~وكان ملوك البلاد الكبار يهابونه ويراسلونه. وكان يتردد إليه رسل صاحب ~~الهند وبلاد أزبك خان وملوك الحبشة وملوك الغرب وملوك الفرنج وبلاد الأشكري ~~وصاحب اليمن. وأما بو سعيد ملك التتار فكانت الرسل لاتنقطع بينهما، ويسمي ~~كل منهما الآخر أخا. وكانت الكلمتان واحدة، ومراسيم الملك الناصر تنفذ في ~~بلاد بوسعيد، ورسله يتوجهون. إليه بأطلابهم وطبلخاناتهم بأعلامهم المنشورة. ~~وكان كلما بعد الإنسان من بلاده وجد مهابته ومكانته في القلوب أعظم. وكان ~~سمحا جوادا على من يقربه، لايبخل عليه بشيء كائنا من كان. سألت القاضي شرف ~~الدين النشو: أأطلق يوما ألف ألف درهم، قال: نعم كي وفي يوم واحد أنعم على ~~الأمير بشتك بألف ألف درهم، في ثمن قرية يبنى التي بها قبر أبي هريرة على ~~ساحل الرملة. وأنعم على موسى بن مهنا بألف ألف درهم، وقال لي يعني عن ~~النشأ: هذه ورقة فيها ما ابتاعه من الرقيق في أيام مباشرتي، وكان ذلك من ~~شعبان سنة اثنتين وثلاثين إلى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، فكان جملته ~~أربعمائة ألف وسبعين ألف دينار مصرية. وكان ينعم ms1930 على الأمير تنكز في كل سنة ~~يتوجه إليه إلى مصر، وهو بالباب، ما يزيد على ألف ألف درهم. ولما تزوج ~~الأمير سيف الدين قوصون بابنة السلطان وعمل عرسه حمل الأمراء إليه شيئا ~~كثيرا، فلما تزوج الأمير سيف الدين طغاي تمر بابنته الأخرى، قال السلطان: ~~ما نعمل له، عرسا، لأن الأمراء يقولون: هذه مصادرة. ونظر إلى طغاي تمر وقد ~~تغير وجهه، فقال للقاضي تاج الدين إسحاق: يا قاضي اعمل ورقة بمكارمة ~~الأمراء لقوصون، فعمل ورقة وأحضرها، فقال السلطان: كم الجملة؟ قال: خمسون ~~ألف دينار، فقال: أعطها لطغاي تمر من الخزانة، وذلك خارج عما دخل مع الزوجة ~~من الجهاز. وأما عطاؤه للعرب فأمر مشهور زائد عن الحد. انتهى كلام الشيخ ~~صلاح الدين الصفدي باختصار. وهو أجدر بأحوال الملك الناصر، لأنه يعاصره وفي ~~أيامه، غير أننا ذكرنا من أحوال الملك الناصر ما خفي عن صلاح الدين المذكور ~~نبذة كبيرة من أقوال جماعة كثيرة من المؤزخين. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الناصر محمد الثالثة # على مصر وهي سنة عشر وسبعمائة، على أنه حكم في السنة الماضية من شهر ~~شوال إلى آخرها. فيها أعني سنة عشر وسبعمائة قبض الملك الناصر على الأمير ~~سلار وقتله في السجن حسب ماتقدم ذكره في أصل الترجمة، ويأتي أيضا ذكر وفاته ~~في هذه السنة. وفيها توفي العلامة قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد ~~بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي قاضي قضاة الديار المصرية في يوم ~~الخميس الثاني والعشرين من شهر ربيع الأخر بالمدرسة السيوفية بالقاهرة. ~~وكان بارعا فى علوم شتى، وله اعتراضات على بن تيمية في علم الكلام، وصنف ~~شرحا على الهداية وسماه الغاية ولم يكمله. وتوفي الشيخ الإمام الغلامة نجم ~~الدين أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع بن حازم بن إبراهيم بن العباس، بن ~~الرفعة الشافعي المصري. كان فقيها مفتنا مفتيا، وكان يلي حسبة مصر القديمة. ~~وشرح التنبيه والوسيط في الفقه في أربعين مجلدا. ومات في ثامن عشر رجب ودفن ~~بالقرافة. رحمه الله. ms1931 وتوفي الشيخ رضي الدين أبو بكر بن محمود بن أبي بكر ~~الرقي الحنفي المعروف بالمقصوص مات بدمشق ودفن بالباب الصغير. وكان فقيها ~~فاضلا عالما بعدة فنون، ودرس وأفتى سنين كثيرة. PageV03P0037 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي، ~~كان عالما بالفلسفة والمنطق والأصول والحكمة، وله فيهم مصنفات تدل على ~~فضله. وتولى قضاء بلاد الروم، ولم يباشر القضاء، ولكن كانت نوابه تحكم في ~~البلاد. وكان معظما عند ملوك التتار وكان من تلامذة النصير الطوسي، وبه ~~تخرج في علم الأوائل. وبنى له تربة بتبريز، وبها دفن. وتوفي الشيخ الأديب ~~الشاعر شهاب الدين أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم بن عبد العزيز العزازي ~~التاجر بقيسارية جهاركس بالقاهرة. مات في هذه السنة ودفن بسفح المقطم. وكان ~~له النظم الرائق، وله ديوان شعر مشهور. ومن شعره في مليح بدوي: الخفيف بدوي ~~كم حدثت مقلتاه ... عاشقا عن مقاتل الفرسان بمحيا يقول يا لهلال ... ولحاظ ~~تقول يا لسنان قلت: ويعجبني في هذا المعنى قول الشيخ علاء الدين الوداعي، ~~وهو: مخلع البسيط أقبل من حيه وحيا ... فأشرقت سائر النواحي فقلت ياوجه من ~~بني من؟ ... فقال لي من بني صباح قلت: والعزازي هذا هو صاحب الموشحات ~~الظريفة المشهورة، ذكرنا منها عدة في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي إذ ~~هو كتاب تراجم. وتوفي الحكيم الأديب البارع شمس الدين محمد بن دانيال بن ~~يوسف، الموصلي، صاحب النكت الغريبة، والنوادر العجيبة، وهو مصنف كتاب طيف ~~الخيال. وكان كثير المجون والدعابة، وكانت دكانه داخل باب الفتوح من ~~القاهرة. ومولده بالموصل سنة ست وأربعين وستمائة. ومات في الثامن والعشرين ~~من جمادى الآخرة. ومن شعره في صنعته: السريع ما عاينت عيناي في عطلتي ... ~~أقل من حظي ولا بختي قد بعت عبدي وحصاني وقد ... أصبحت لا فوقي ولا تحتي ~~وله في المعنى أيضا: السريع يا سائلي عن حرفتي في الورى ... وضيعتي فيهم ~~وإفلاسي ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس ومن نوادره الظريفة ~~أنه كان يلازم خدمة الملك الأشرف ms1932 خليل بن قلاوون قبل سلطنته، فأعطاه الأشرف ~~فرسا ليركبه، فلما كان بعد أيام رآه الأشرف وهو على حمار زمن، فقال له: يا ~~حكيم، ما أعطيناك فرسا لتركبه؟ فقال: نعم يا خوند، بعته وزدت عليه واشتريت ~~هذا الحمار. فضحك الأشرف وأعطاه غيره. وله في أقطع: مجزوء الرجز وأقطع قلت ~~له ... هل أنت لص أوحد فقال هذي صنعة ... لم يبق لي فيها يد وتوفي الأمير ~~سيف الدين الحاج بهادر المنصوري نائب طرابلس بها، وفرح الملك الناصر بموته، ~~فإنه كان من كبار المنصورية. وتوفي الأمير جمال الدين آقوش المنصوري ~~الموصلي المعروف بقتال السبع أمير علم. مات بالديار المصرية، وكان من أكابر ~~أمرائها، في شهر رجب، ودفن بالقرافة. وتوفي الأمير سيف الدين برلغي الأشرفي ~~في ليلة الأربعاء ثاني شهر رجب قتيلا بقلعة الجبل. قيل: إنه منع الطعام ~~والشراب حتى مات، ودفن بالحسينية خارج باب النصر بجوار تربة علاء الدين ~~الساقي الأستادار. وكان برلغي صهر المظفر بيبرس الجاشنكير زوج ابنته ومن ~~ألزامه. وقد تقدم ذكره فيما مضى في أول ترجمة الملك الناصر وفي ترجمة بيبرس ~~أيضا ما فيه كفاية عن ذكره هنا ثانيا. وتوفي الأمير سيف الدين قبجق ~~المنصوري نائب حلب بها في جمادى الأولى، وحمل إلى حماة، ودفن بتربته التي ~~أنشأها بعد مرض طويل. وقد تقدم ذكر قبجق في عدة مواطن، فإنه كان ولي نيابة ~~دمشق، وخرج منها في سلطنة لاجين إلى بلاد التتار، وأقدم غازان إلى دمشق، ثم ~~عاد إلى طاعة الملك الناصر في سلطنته الثانية ثم كان هو القائم في أمر ~~الملك الناصر لما خلع بالجاشنكير حتى رده إلى ملكه. وتوفي الأمير الكبير ~~سلار المنصوري نائب السلطنة بديار مصر في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ~~شهر ربيع الآخر. وقد تقدم ذكره في أول ترجمة الناصر هذه الثالثة، وما وجد ~~له من الأموال وغير ذلك، فلينظر هناك. وتوفي الأمير نوغاي بن عبد الله ~~المنصوري القبجاقي المقدم ذكره في ترجمة الملك المظفر بيبرس لما فارقه ~~وتوجه إلى الكرك إلى عند الملك الناصر محمد. مات ms1933 بقلعة دمشق محبوسا، ودفن ~~بمقابر الباب الصغير، وكان من الشجعان، غير أنه كان يحب الفتن والحروب. ~~PageV03P0038 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يحرر. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ~~ذراعا وثلاث أصابع. وكان الوفاء يوم النوروز. والله أعلم. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الناصر الثالثة # وهي سنة إحد عشرة وسبعمائة. فيها توفي الأمير بكتوت الخازندار، ثم أمير ~~شكار، ثم نائب السلطنة بثغر الإسكندية، ومات بعد عزله عنها في ثامن شهر ~~رجب. وأصله من مماليك بيليك الخازندار نائب السلطنة بمصر في الدولة ~~الظاهرية بيبرس. ثم صار أمير شكار في أيام كتبغا، ثم ولي الإسكندرية، وكثر ~~ماله، واختض عند بيبرس الجاشنكير وسلار. فلما عاد الملك الناصر إلى ملكه ~~حسن له بكتوت هذا حفر خليج الإسكندرية ليستمر الماء فيها صيفا وشتاء فندب ~~السلطان معه محمد بن كندغدي المعروف بابن الوزيري، وفرض العمل على سائر ~~الأمراء فأخرج كل منهم أستاداره ورجاله، وركب ولاة الأقاليم، ووقع العمل ~~فيه من شهر رجب سنة عشر وسبعمائة، وكان فيه نحو الأربعين ألف رجل تعمل. ~~وكان قياس العمل من فم البحر إلى شنبار ثمانية آلاف قصبة، ومثلها إلى ~~الإسكندرية. وكان الخليج الأصلي من حد شنبار يدخل الماء إليه، فجعل فم هذا ~~البحر يرمي إليه، وعمل عمقه ست قصبات في عرض ثماني قصبات. فلما وصل الحفر ~~إلى حد الخليج الأول حفر بمقدار الخليج المستجد وجعلا بحرا واحدا، وركب ~~عليه القناطر. ووجد في الخليج من الرصاص المبني تحت الصهاريج شيء كثير، ~~فأنعم به على الأمير بكتوت. فلما فرغ ابتنى الناس عليه سواقي واستجدت عليه ~~قرية عرفت بالناصرية ، فبلغ ما أنشىء عليه زيادة على مائة ألف فدان ونحو ~~ستمائة ساقية وأربعين قرية، وسارت فيه المراكب الكبار، واستغنى أهل الثغر ~~عن جري الماء في الصهاريج. وعمر عليه نحو الألف غيط، وعمرت به عدة بلاد، ~~وتحولت الناس إلى الأراضي التي عمرت وسكنوها بعدما كانت سباخا. فلما فرغ ~~ذلك ابتنى بكتوت هذا من ماله جسرا أقام فيه ثلاثة أشهر حتى بناه رصيفا، ~~وأحدث عليه نحو ms1934 ثلاثين قنطرة بناها بالحجارة والكلس، وعمل أساسه رصاصا، ~~وأنشأ بجانبه خانا وحانوتا، وعمل فيه خفرا وأجرى لهم الماء، فبلغت النفقة ~~على هذا الجسر ستين ألف دينار. وأعانه على ذلك أنه هدم قصرا قديما خارج ~~الإسكندرية وأخذ حجره، ووجد في أساسه سربا من رصاص مشوا فيه إلى قرب البحر ~~المالح، فحصل منه جملة عظيمة من الرصاص. ثم إنه شجر مابينه وبين صهره، فسعى ~~به إلى السلطان وأغراه بأمواله، وكتب مستوفي الدولة أمين الملك عبد الله بن ~~الغنام عليه أوراقا بمبلغ أربعمائة ألف دينار، فعزل وطلب إلى القاهرة. فلما ~~قرئت عليه الأوراق قال: قبلوا الأرض بين يدي مولانا السلطان، وعرفوه عن ~~مملوكه أنه إن كان راضيا عنه فكل ماكتب كذب، وإن كان غير راض فكل ماكتب ~~صحيح. وكان قد وعك في سفره من الإسكندرية فمات بعد ليال في ثاني عشر شهر ~~رجب فأخذ له مال عظيم جدا وكان من أعيان الأمراء وأجلهم وكرمائهم وشجعانهم ~~مع الذكاء والعقل والمروءة، وله مسجد خارج باب زويلة، وله أيضا عدة أوقاف ~~على جهات البر. وتوفي الشيخ المجود المنشىء الفاضل شرف الدين محمد بن شريف ~~بن يوسف الزرعي المعروف بابن الوحيد. كان حسن الخط فاضلا مقداما شجاعا، ~~يعرف عدة علوم وألسن، وخدم عند جماعة من أعيان الأمراء، وكتب في الإنشاء ~~بالقاهرة، ثم تعطل بعد ذلك، ونزل صوفيا بخانقاه سعيد السعداء. فلما كانت ~~سنة إحدى وسبعمائة قدم رسل التتار إلى مصر ومعهم كتاب غازان، فلم يكن في ~~الموقعين من يحله فطلب فحله، فرتبه السلطان في ديوان الإنشاء إلى أن مات ~~بالبيمارستان المنصوري يوم الثلاثاء سادس عشرين شعبان، وله ثلاث وستون سنة. ~~ومن شعره في تفضيل الحشيش على الخمر: الطويل وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها ~~... لها وثبات في الحشى وثبات تأجج نارا في الحشى وهي جنة ... وتبل مرير ~~الطعم وهي نبات PageV03P0039 # وتوفي الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن ~~الحسن بن الحسين الخليلي التميمي الداري بالقاهرة في يوم عيد الفطر، ودفن ~~بالقرافة الصغرى. وكان ms1935 مولده سنة أربعين وستمائة. وتولى الوزارة في دولة ~~الملك السعيد بن الظاهر بيبرس ثم بعدها غير مرة إلى أن عزله الملك الناصر، ~~ومات معزولا. وكان فاضلا خيرا دينا كثير الصدقات، عفيفا عن أموال الرعية. ~~رحمه الله. وتوفي القاضي العلامة الحافظ سعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود ~~بن زيد الحارثي الحنبلي. مات بالمدرسة الصالحية بالقاهرة ودفن بالقرافة. ~~وكان من أعيان العلماء المحدثين. رحمه الله. وتوفي الشيخ فخر الدين إسماعيل ~~بن نصر الله، بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقي. مات بدمشق ودفن ~~بالباب الصغير. روى عن جماعة من المشايخ، وكانت نفسه قوية. وتوفي الشيخ ~~الإمام العالم الخطيب بجامع أحمد بن طولون شمس الدين محمد بن يوسف بن عبد ~~الله بن الجزري الشافعي. مات بالمدرسة المعزية بمصر في أوائل ذي الحجة ودفن ~~بالقرافة. ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة بالجزيرة، وقدم دمشق وبرع في عدة ~~علوم، وعرض عليه قضاء دمشق فامتنع. وتوفي الشيخ الأديب سراج الدين عمر بن ~~مسعود الحلبي المعروف بالمحار. وكان أولا صانعا يمحر الكتان، ثم اشتغل ~~بالأدب ومهر فيه، واتصل بخدمة الملك المنصور صاحب حماة إلى أن مات بدمشق في ~~هذه السنة. وهو صاحب الموشحات المشهورة. ومن شعره: الكامل لما تألق بارق من ~~ثغره ... جادت جفويي بالسحاب الممطر فكأن عقد الدمع حل قلائد ال ... عقيان ~~منه على صحاح الجوهري وله في مليح نجار: الكامل قالوا المعرة قد غدت من ~~فضلها ... يسعى إلى أبوابها وتزار وجبت زيارتها علينا عندم ... شغف القلوب ~~بحبها النجار ومن موشحاته: ما ناحت الورق في الغصون، إلا ... هاجت على ~~تغريدها لوعة الحزين هل ما مضى لي مع الحبايب ... آيب، بعد الصدود أو هل ~~لأيامنا الذواهب ... واهب، بأن تعود بكل مصقولة الترائب ... كاعب، هيفاء ~~رود تفتر عن جوهر ثمين، جلا ... أن يجتلى، يحمى بقضب من الجفون أحببته ناعم ~~الشمائل ... مائل، في برده في أنفس العاشقين عامل ... عامل، من قده يرنو ~~بطرف إلى المقاتل ... قاتل، في غمده أسطى من الأسد في العرين، فعلا ... ~~وأقتلا، لعاشقيه من ms1936 المنون علقته كامل المعاني ... عاني، قلبي به مبلبل ~~البال مذ جفاني ... فاني، في حبه كم بت من حيث لا يراني ... راني، لقربه ~~وبات من صدغه يربيني، نملا ... يسعى إلى، رضابه العاطر المصون قاسوه بالبدر ~~وهو أحلى ... شكلا، من القمر وراش هدب الجفون نبلا ... أبلى، بها البشر ~~وقال لي وقد تجلى ... جلا، بارىء الصور ينتصف البدر من جبيني، أصلا ... ~~ففلت لا، قال ولا السحر من عيوني أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ذراعان وثلاث أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. والله أعلم. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الناصر محمد الثالثة # على مصر وهي سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. فيها توفي قاضي القضاة شمس الدين ~~أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن إبراهيم، بن داود بن حازم الأذرعي الحنفي ~~بالقاهرة في شهر رجب، ومولده بأذرعات في سنة أربعين وستمائة. وكان إماما ~~بارعا مفتنا عارفا بالفقه واللغة والعربية والأصول، وأفتى ودرس بالشبلية ~~التي على جسر تورا بدمشق، وولي القضاء بها فباشر سنة. وقدم القاهرة فمات ~~بها في التاريخ المذكور. PageV03P0040 # وتوفي الشيخ شرف الدين محمد بن موسى بن محمد بن خليل المقدسي الكاتب ~~المنشىء في خامس عشر شعبان بالقاهرة. وكان فاضلا أديبا شاعرا، إلا أنه كان ~~كثير الهجاء. وكان يعرف بكاتب أمير سلاح. ومن شعره: البسيط اليوم يوم سرور ~~لا شرور به ... فزوج ابن سحاب بابنة العنب ما أنصف الكأس من أبدى القطوب ~~لها ... وثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب وتوفي الشيخ مجد الدين أحمد بن ديلم بن ~~محمد الشيبي المكيئ شيخ الحجبة وفاتح الكعبة بمكة ودفن بالمعلاة. وروى عن ~~ابن مسدي والمرسي وغيرهما. وتوفي الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك ~~الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل ~~أبي بكر محمد، بن أيوب. مات بالقاهرة في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب. ~~ومولده بالكرك في سنة سبع وثلاثين وستمائة. وتوفي الملك المنصور نجم الدين ~~أبو الفتح غازي بن الملك المظفر فخر الدين قرا أرسلان ابن ms1937 الملك السعيد نجم ~~الدين غازي الأرتقي صاحب ماردين وابن صاحبها، وبها كانت وفاته في تاسع شهر ~~ربيع الآخر ودفن بمدرسته تحت قلعة ماردين، وعمره فوق السبعين. وكانت مدته ~~على ماردين نحو العشرين سنة. وكان ملكا مهيبا كامل الخلقة سمينا بدينا ~~عارفا مدبرا. وتولى سلطنة ماردين من بعده ولده الملك العادل علي سبعة عشر ~~يوما ثم خلع وولي أخوه صالح. وتوفي الأمير سيف الدين قطلوبك الشيخي، كان من ~~أعيان أمراء دمشق، وبها كانت وفاته. وتوفي الأمير سيف الدين مغلطاي البهائي ~~بطرابلس. كان قد رسم السلطان بالقبض عليه فوصل البريدي بذلك بعد موته بيوم. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. وكان الوفاء ثالث أيام النسيء. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الناصر محمد الثالثة # وهي سنة ثلاث عشرة وسبعمائة. فيها توفي القاضي عماد الدين أبو الحسن علي ~~بن القاضي فخر الدين عبد العزيز ابن القاضي عماد الدين عبد الرحمن بن ~~السكري في يوم الجمعة السادس والعشرين من صفر. وكان فاضلا فقيها. توجه ~~رسولا من قبل الملك الناصر إلى غازان، وولي تدريس مشهد الحسين بالقاهرة ~~وعدة وظائف دينية، وولي خطابة جامع الحاكم. وتوفي الأمير المسند علاء الدين ~~أبو سعيد بيبرس التركي العديمي الحنفي بحلب، ودفن بتربة ابن العديم، وقد ~~قارب التسعين سنة. وانفرد بالرواية قبل موته، وقصد من الأقطار ورحل إليه من ~~حدث بالكثير. وتوفي صاحب مراكش من بلاد الغرب الأمير سليمان بن عبد الله بن ~~يوسف، بن يعقوب المريني، وولي بعده عمه أبو سعيد عثمان بن يعقوب واستوسق ~~أمره. وتوفي الخان طقطاي بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن جوجي، بن جنكزخان ~~ملك التتار بالبلاد الشمالية بمكان يسمى كرنا على مسافة من مدينة صراي عشرة ~~أيام. وذكره بن كثير في السنة الخالية، والصحيح ما قلناه. وكانت مملكته ~~ثلاثا وعشرين سنة، ومات وله ثلاثون سنة. وكان شهما شجاعا مقداما، وكان على ~~دين التتار في عبادة الأصنام والكواكب، يعظم الحكماء والأطباء والفلاسفة، ~~ويعظم ms1938 المسلمين أكثر من الجميع، غير أنه لم يسلم، وكانت عساكره كثيرة جدا، ~~يقال إنه جرد مرة من كل عشرة واحدا، فبلغت التجريدة مائة ألف وخمسين ألفا. ~~وكانت وفاته في شهر رمضان، ومات ولم يخلف ولدا، فجلس على تخت الملك من بعده ~~أزبك خان بن طغرل بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن جنكزخان. وكان الذي أعان ~~أزبك خان على السلطنة شخص من أمرائهم من المسلمين يقال له قطلقتمر كان على ~~تدبير ممالكهم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وسبع أصابع. ~~مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع أصابع. وكان الوفاء قبل النوروز بيوم واحد. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الناصر محمد الثالثة # وهي سنة أربع عشرة وسبعمائة. PageV03P0041 # فيها توفي الشيخ المعمر بقية السلف محمد بن محمود بن الحسين بن الحسن ~~الموصلي المعروف بحياك الله. مات بزاويته بسويقة الريش خارج القاهرة في يوم ~~الخميس تاسع شهر ربيع الأول ودفن بالقرافة. وكان شيخا صالحا، بلغ عمره نحوا ~~من مائة سنة وستين سنة، وكان حاضر الحس جيد القوة وكان يقصد للزيارة للتبرك ~~به، وكان كثير الذكر والعبادة وله محاضرة حسنة وشعر. ومن شعره من أول ~~قصيدة: الطويل إذا الحب لم يشغلك عن كل شاغل ... فما ظفرت كفاك منه بطائل ~~وتوفي القاضي شرف الدين يعقوب بن مجد الدين مظفر بن شرف الدين أحمد بن مزهر ~~بحلب وهو ناظرها. كان يخدم عند الأكابر وتنقل في خدم كثيرة، حتى إنه لم تبق ~~مملكة بالشام إلا باشرها. وتوفي القاضي بهاء الدين علي بن أبي سوادة الحلبي ~~صاحب ديوان الإنشاء بحلب، وبها كانت وفاته في نصف شهر رجب. وكان من الصدور ~~الأماثل وعنده فضيلة. وله نظم ونثر. ومن شعره: البسيط جد لي بأيسر وصل منك ~~يا أملي ... فالصبر قد عاد عنكم غير محتمل ما لي رميت بأمر لا أطيق له ... ~~حملا وبدلت بعد الأمن بالوجل وتوفي القاضي فخر الدين سليمان بن عثمان بن ~~الشيخ الإمام صفي الدين أبي القاسم محمد بن عثمان البصروي الحنفي محتسب ~~دمشق بها ms1939 في ذي القعدة. وكان فاضلا طيب العشرة. وتوفي الأمير سيف الدين ~~ملكتمر الناصري المعروف بالدم الأسود. كان أمير ستين فارسا بدمشق. وكان من ~~الظلمة المسرفين على أنفسهم. قلت: ولا بأس بهذا اللقب الذي لقب به على هذه ~~الصفات التي هي غير محمودة. وتوفي الأمير فخر الدين آقجبا الظاهري أحد ~~أمراء دمشق، وبها كانت وفاته. وكان خيرا دينا. رحمه الله تعالى. وتوفي ~~الأمير سيف الدين كهرداش بن عبد الله الزراق، مات أيضا بدمشق. وكان بها ~~أمير خمسين فارسا. وكان سافر مع السلطان إلى الحجاز، فلما زار النبي صلى ~~الله عليه وسلم تاب عن شرب الخمر، فلما عاد إلى دمشق شربه فضربه الفالج ~~لوقته، وبطل نصفه وتعطل إلى أن مات. وتوفي الأمير سيف الدين سودي بن عبد ~~الله الناصري نائب حلب. وبها كانت وفاته في نصف شهر رجب. وكان مشكور السيرة ~~في ولايته محمود الطريقة. وهو ممن أنشأه الملك الناصر محمد من مماليكه، ~~وتولى حلب بعده الأمير علاء الدين ألطنبغا الحاجب. وتوفي التاجر عز الدين ~~عبد العزيز بن منصور الكولمي أحد تجار الإسكندرية في شهر رمضان. وكان أبوه ~~يهوديا من أهل حلب يعرف بالحموي، فأسلم وتعلق ابنه هذا على المتجر وفتح ~~الله عليه إلى أن قدم إلى مصر ومعه بضاعة بأربعمائة ألف دينار. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وإحدى وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست ~~عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. وكان الوفاء قبل النوروز بأربعة أيام. والله أعلم. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الناصر محمد الثالثة # وهي سنة خمس عشرة وسبعمائة. فيها توفي الشيخ الامام شهاب الدين أحمد بن ~~الحسين بن عبد الرحمن الأرمنتي المعروف بابن الأسعد في يوم الجمعة رابع ~~عشرين شهر رمضان. وكان فقيها شافعيا وتولى القضاء وحسنت سيرته وتوفي الشيخ ~~الإمام العلامة جلال الدين إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل ابن برتق بن برغش بن ~~هارون أبو طاهر القوصي الفقيه الحنفي. كان فقيها إماما بارعا، تصدر بجامع ~~أحمد بن طولون، وأقرأ الفقه والقراءات والعربية سنين، وانتفع به ms1940 الناس، ~~وصنف وحدث ونظم ونثر. ومن شعره وهو في غاية الحسن: الوافر أقول له ودمعي ~~ليس يرقا ... ولي من عبرتي إحدى الوسائل حرمت الطيف منك بفيض دمعي ... ~~فطرفي فيك محروم وسائل وله أيضا: الوافر أقول ومدمعي قد حال بيني ... وبين ~~أحبتي يوم العتاب رددتم سائل الأجفان نهرا ... تعثر وهو يجري في الثياب ~~وتوفي قاضي القضاة تقي الدين أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن ~~قدامة المقدسي الحنبلي بقاسيون في عشر ذي القعدة، ودفن بتربة جده شيخ ~~الإسلام أبي عمر. وكان إماما عالما جمع بين العلم والعبادة، وسمع لحديث ~~بنفسه وحدث بمسموعاته. PageV03P0042 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة السيد ركن الدين حسن بن محمد بن شرف الدين، ~~شاه الحسيني لإسترابادي. كان إماما مصنفا عالما بالمعقول، اشتغل على النصير ~~الطوسي وحصل منه علوما كثيرة، وصار معيدا في درس أصحابه وقدم الموصل وولي ~~تدريس المدرسة النورية، وبها صنف غالب مصنفاته، مثل: شرح مختصر بن الحاجب، ~~وشرح مقدمة بن الحاجب في النحو وهي التي تسمى بالكافية، وعمل عليها ثلاثة ~~شروح: كبير ومتوسط وصغير، وشرح الحاوي في الفقه، وشرح التصريف لابن الحاجب ~~أيضا، وهو الذي يسمى بالشافية، وشرح المطالع في المنطق وشرح كتاب قواعد ~~العقائد وعدة تصانيف أخر، ذكرناها في غير هذا الكتاب. وكانت وفاته بالموصل ~~في صفر. وتوفي الشيخ أصيل الدين الحسن بن الإمام العلامة نصير الدين محمد ~~بن محمد بن الحسن الطوسي البغدادي. كان عالي الهمة كبير القدر في دولة ~~قازان، وقدم إلى الشام ورجع معه إلى بلاده. ولما تولى خربندا الملك ووزر ~~تاج الدين علي شاه قرب أصيل الدين هذا إلى خربندا، حتى ولاه نيابة السلطنة ~~ببغداد. ثم عزل وصودر. وكان كريما رئيسا عارفا بعلم النجوم، لكنه لم يبلغ ~~فيه رتبة أبيه نصير الدين الطوسي، على أنه كان له نظر في الأدبيات ~~والأشعار، وصنف كتبا كثيرة. وكان فيه خير وشر وعدل وجور. ومات ببغداد. ~~وتوفي الشيخ الصالح القدوة أبو الحسن علي بن الشيخ الكبير علي الحريري شيخ ~~الفقراء الحريرية. كان للناس ms1941 فيه اعتقاد وله حرمة عند أرباب الدولة، وكان ~~فيه تواضع وكرم، وكانت وفاته ببصرى من عمل دمشق في السابع والعشرين من ~~جمادى الأولى، وله اثنتان وسبعون سنة. وتوفي الأمير بدر الدين موسى بن ~~الأمير سيف الدين أبي بكر محمد الأزكشي كان من أكابر الأمراء وشجعانهم. مات ~~بدمشق في ثامن شعبان ودفن عند القبيبات، وكان شهما شجاعا. ظهر في نوبة غزو ~~مرج الصفر مع التتار عن شجاعة عظيمة. وتوفي الأمير حسام الدين قرا لاجين بن ~~عبد الله المنصوري الأستادار في الثامن والعشرين من شعبان، وأنعم الملك ~~الناصر بإقطاعه على الأمير آقوش الأشرفي نائب الكرك لما أفرج عنه، والإقطاع ~~إمرة مائة وعشرين فارسا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. والوفاء تاسع عشرين مسرى. ~~والله أعلم. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الناصر الثالثة # وهي سنة ست عشرة وسبعمائة. فيها حج بالناس من مصر الأمير بهادر ~~الإبراهيمي، وأمير الركب الشامي أرغون السلاح دار. وحج في هذه السنة من ~~أعيان أمراء مصر الأمير أرغون الناصري نائب السلطنة بديار مصر، وعز الدين ~~أيدمر الخطيري، وعز الدين أيدمر أمير جاندار، وسيف الدين أركتمر السلاح ~~دار، وناصر الدين محمد بن طرنطاي. وفيها توفي الشيخ الكاتب المجود نجم ~~الدين موسى بن علي بن محمد الحلبي ثم الدمشقي المعروف بابن بصيص بضم الباء ~~ثانية الحروف شيخ الكتاب بدمشق في زمانه وابتدع صنائع بديعة وكتب في آخر ~~عمره ختمة بالذهب عوضا عن الحبر. وكان مولده سنة إحدى وخمسين وستمائة، ومات ~~ليلة الثلاثاء عاشر ذي القعدة. وله شعر على طريق الصوفية، من ذلك: الطويل ~~وحقك لو خيرت فيما أريده ... من الخير في الدنيا أو الحظ في الأخرى لما ~~اخترت إلا حسن نظم يروقني ... معانيه أبدي فيه أوصافك الكبرى PageV03P0043 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة صدر الدين أبو عبد الله محمد بن زين الدين ~~عمر بن مكي بن عبد الصمد العثماني الشهير بابن المرحل وبابن الوكيل، المصري ~~الأصل الشافعي الفقيه الأديب. كان فريد عصره ms1942 ووحيد دهره، كان أعجوبة في ~~الذكاء والحفظ. ومولده في شوال سنة خمس وستين وستمائة بدمياط، وكان بارعا ~~مدرسا مفتنا. درس بدمشق والقاهرة وأفتى، وعمره اثنتان وعشرون سنة، وكان ~~يشتغل في الفقه والتفسير والأصلين والنحو، واشتغل في آخر عمره في الطب، ~~وسمع الحديث الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، وصنف الأشباه والنظائر قبل أن ~~يسبقه إليها أحد، وكان حسن الشكل، حلو المجالسة، وعنده كرم ففرط، وله الشعر ~~الرائق الفائق في كل فن من ضروب الشعر. وكانت وفاته في رابع عشرين ذي الحجة ~~ودفن بالقرافة في تربة الفخر ناظر الجيش. وهو أحد من قام على الملك الناصر ~~وانضم على المظفر بيبرس الجاشنكير. وقد تقدم ذكر ذلك كله في أوائل ترجمة ~~الملك الناصر. ومن شعره: الكامل أقصى مناي أن أمر على الحمى ... ويلوح نور ~~رياضه فيفوح حتى أري سحب الحمى كيف البكا ... وأعلم الورقاء كيف تنوح وله ~~دوبيت: كم قال: معاطفي حكتها الأسل ... والبيض سرقن ما حوته المقل الآن ~~أوامري عليهم حكمت ... البيض تحد والقنا تعتقل وله: الكامل عيرتني بالسقم ~~طرفك مشبهي ... وكذاك خصرك مثل جسمي ناحلا وأراك تشمت إذ أتيتك سائلا ... ~~لا بد أن يأتي عذارك سائلا قلت: وله ديوان موشحات، وأحسنهم موشحته التي ~~عارض بها السراج المجار التي أولها: ما أخجل قده غصون البان، بين الورق ... ~~إلا سلب المها مع الغزلان، سود الحدق وقد ذكرناها بتمامها في تاريخنا ~~المنهل الصافي وقطعة جيدة من شعره. وتوفي الشيخ الأديب البارع المفتن ~~أعجوبة زمانه علاء الدين علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر الكندي الوداعي ~~المعروف بكاتب ابن وداعة الشاعر المشهور، أحد من اقتدى به الشيخ جمال الدين ~~بن نباتة في ملح أشعاره. مولده سنة أربعين وستمائة، ومات ببستانه في سابع ~~شهر رجب بدمشق ودفن بالمزة. وكان فاضلا أديبا شاعرا عالي الهمة في تحصيل ~~العلوم. سمع الحديث، وكتب الخط المنسوب، ونظم ونثر، وتولى عدة ولايات، وكتب ~~بديوان الإنشاء بدمشق، وتولى مشيخة دار الحديث النفيسية، وجمع التذكرة ~~الكندية تزيد على خمسين مجلدا. وله ديوان شعر في ms1943 ثلاثة مجلدات. ومن شعره: ~~الخفيف قال لي العاذل المفند فيها ... يوم زارت فسلمت مختاله قم بنا ندع ~~النبوة في العش ... ق فقد سلمت علينا الغزاله وله أيضا: الخفيف أثخنت عينها ~~الجراح ولا إث ... م عليها لأنها نعساء زاد في عشقها جنوني فقالوا ... ما ~~بهذا فقلت بي سوداء وله، وهو أحسن ما قيل في نوع التوجيه: البسيط من زار ~~بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن فالعين عن قرة والكف ~~عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن وله أيضا: الخفيف قيل إن شئت أن ~~تكون غنيا ... فتزوج وكن من المحصنينا قلت ما يقطع الإله بحر ... لم يضع ~~بين أظهر المسلمينا وقد ذكرنا من مقطعاتة عدة كثيرة في المنهل الصافي، ~~ولولا خشية الملل لذكرناها هنا. وتوفي الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله ~~المنصوري المعروف بالأفرم الصغير نائب الشام ببلاد مراغة عند ملك التتار. ~~وقد تقدم خروجه مع الأمير قراسنقر المنصوري من البلاد الشامية إلى غازان ~~ملك التتار في أوائل دولة الملك الناصر الثالثة فلا حاجة في ذكرها هنا ~~ثانيا. وكان ملك التتار أقطعه مراغة، وقيل همذان، فأقام بها سنتين، ومات ~~بالفالج في ثالث عشر المحرم. وكان أميرا جليلا عارفا مدبرا عالي الهمة ~~شجاعا مقداما. تقدم من ذكره نبذة كبيرة في ترجمة المظفر بيبرس الجاشنكير. ~~وكانت ولايته على دمشق إحدى عشرة سنة متوالية إلى أن عزله الملك الناصر لما ~~خرج من الكرك. PageV03P0044 # وتوفي الأمير سيف الدين كستاي بن عبد الله نائب طرابلس بها. وتولى نيابة ~~طرابلس من بعده الأمير قرطاي نائب حمص. وولي حمص بعد قرطاي المذكور أرقطاي ~~الجمدار. وتوفي الأمير سيف الدين طقتمر الدمشقي بالقاهرة بمرض السل. وكان ~~من خواص الملك الناصر، وأحد من أنشأه من مماليكه. وتوفي الطواشي ظهير الدين ~~مختار المنصوري المعروف بالبلبيسي الخازندار في عاشر شعبان بدمشق. وكان ~~شهما شجاعا دينا. فرق جميع أمواله قبل موته على عتقائه ووقف أملاكه على ~~تربته. وتوفيت السيدة المعمرة أم محمد ست الوزراء المعروفة بالوزيرة ابنة ~~الشيخ عمر ms1944 بن أسعد بن المنجا التنوخية في ثامن عشر شعبان بدمشق، ومولدها ~~سنة أربع وعشرين وستمائة. روت صحيح البخاري عن أبي عبد الله، الزبيدي، ~~وصارت رحلة زمانها، ورحل إليها من الأقطار. وتوفي ملك التتار خربندا بفتح ~~الخاء المعجمة وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وسكون النون بن أرغون بن ~~أبغا بن هولاكو بن تولو بن جنكزخان السلطان غياث الدين، ومن الناس من يسميه ~~خدابندا بضم الخاء المعجمة والدال المهملة والأصح ما قلناه. وخدابندا: ~~معناه عبد الله بالفارسي، غير أن أباه لم يسمه إلا خربندا، وهو اسم مهمل ~~معناه: عبد الحمار. وسبب تسميته بذلك أن أباه كان مهما ولد له ولد يموت ~~صغيرا، فقال له بعض الأتراك: إذا جاءك ولد سمه اسما قبيحا يعش، فلما ولد له ~~هذا سماه خربندا في الظاهر واسمه الأصلي أبحيتو، فلما كبر خربندا وملك ~~البلاد كره هذا الاسم واستقبحه فجعله خدابندا، ومشى ذلك بمماليكه، وهدد من ~~قال غيره، ولم يفده ذلك إلا من حواشيه خاصة. ولما ملك خربندا أسلم وتسمى ~~بمحمد، واقتدى بالكتاب والسنة، وصار يحب أهل الدين والصلاح. وضرب على ~~الدرهم والدينار اسم الصحابة الأربعة الخلفاء، حتى اجتمع بالسيد تاج الدين ~~الآوي الرافضي، وكان خبيث المذهب، فما زال بخربندا، حتى جعله رافضيا وكتب ~~إلى سائر مماليكه يأمرهم بالسب والرفض، ووقع له بسبب ذلك أمور. قال ~~النويري: كان خربندا قبل موته بسبعة أيام قد أمر بإشهار النداء ألا يذكر ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعزم على تجريد ثلاثة آلاف فارس إلى المدينة ~~النبوية لينقل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما من مدفنهما، فعجل الله بهلاكه ~~إلى جهنم وبئس المصير، هو ومن يعتقد معتقده كائنا من كان. وكان موته في ~~السابع والعشرين من شهر رمضان بمدينته التي أنشأها وسماها السلطانية في أرض ~~قنغرلان بالقرب من قزوين. وتسلطن بعده ولده بوسعيد في الثالث عشر من شهر ~~ربيع الأول من سنة سبع عشرة وسبعمائة، لأنه كان في مدينة أخرى وأحضر منها ~~وتسلطن. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاث ms1945 أذرع وست أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة النار محمد الثالثة # وهي سنة سبع عشرة وسبعمائة. فيها توفي قاضي القضاة جمال الدين أبو عبد ~~الله محمد بن الشيخ أبي الربيع سليمان بن سويد الزواوي المالكي قاضي دمشق ~~بها، في التاسع من جمادى الأولى. وكان فقيها عالما عالي الهمة محدثا بارعا ~~مشكور السيرة في أحكامه. وتوفي القاضي الرئيس شرف الدين أبو محمد عبد ~~الوهاب بن جمال الدين فضل الله بن المجلي القرشي العدوي العمري، كاتب السر ~~الشريف بدمشق في ثالث رمضان ودفن بسفح قاسيون. ومولده سنة ثلاث وعشرين ~~وستمائة. وكان إماما في كتابة الإنشاء، عارفا بتدبير الممالك، مليح الخط، ~~غزير العقل، وخدم عدة سلاطين، وكان كاملا في فنه، لم يكن في عصره من يدانيه ~~ولا يقاربه. ومن شعره ماكتبه للشهاب محمود في صدر كتاب: البسيط، كتبت ~~والقلب يدنيني إلى أمل ... من اللقاء ويقصييني عن الدار والوجد يضرم فيما ~~بين ذاك وذا ... من الجوانح أجزاء من النار وتوفي الأديب الفاضل شمس الدين ~~أبو العباس أحمد بن أبي المحاسن يعقوب بن إبراهيم بن أبي نصر الطيبي الأسدي ~~بطرابلس في سادس رمضان. ومولده في سنة تسع وأربعين وستمائة. وكان كاتب ~~الدرج بطرابلس، وكان فاضلا ناظما ناثرا. ومن شعره: البسيط ما مسني الضيم ~~إلا من أحبائي ... فليتني كنت قد صاحبت أعدائي ظننتهم لي دواء الهم ~~فانقلبوا ... داء يزيد بهم همي وأدوائي PageV03P0045 # من كان يشكو من الأعداء جفوتهم ... فإنني أنا شاك من أودائي وتوفي الأمير ~~أرسلان الناصري الدوادار في الثالث والعشرين من شهر رمضان، وكان هو وعلاء ~~الدين بن عبد الظاهر صديقين، فمرضا في وقت واحد بعلة واحدة، وماتا في شهر ~~واحد. وخلف أرسلان جملة كثيرة من المال استكثرها الملك الناصر على مثله. ~~وكان من جملة أمراء الطبلخاناه، واستقر عوضه دوادارا الأمير ألجاي الدوادار ~~الناصري. وفي أرسلان هذا عمل علاء الدين ابن عبد الظاهر كتابه المسمى ~~بمراتع الغزلان. وتوفي الأمير سيف الدين قلي السلاح دار ms1946 بالقاهرة. وكان من ~~أعيان أمراء الديار المصرية، وأنعم السلطان بإقطاعه ومنزلته على الأمير ~~جنكلي بن البابا. وتوفي الأمير سيف الدين ألدكز بن عبد الله السلاح دار صهر ~~الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، ومات في الحبس. وئوفي الأمير سيف الدين ~~ألكتمر بن عبد الله صهر الأمير بكتمر الجوكندار أيضا في الحبس حتف أنفه. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ~~ثماني عشرة ذراعا سواء. وكان نبيلا عظيما غرقت منه عدة أماكن. والله أعلم. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة ثماني عشرة وسبعمائة. فيها توفي قاضي ~~القضاة زين الدين أبو الحسن علي بن الشيخ رضي الدين أبي القاسم مخلوف بن ~~تاج الدين ناهض المالكي النويري في يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى الآخرة ~~بمصر، ودفن بسفح المقطم. ومولده في سنة عشرين وستمائة. وكان فقيها دينا ~~خيرا حسن الأخلاق. وولي القضاء بديار مصر في سنة خمس وثمانين وستمائة، ~~فكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة تقريبا. وعرضت عليه الوزارة في الدولة ~~المنصورية لاجين فأباها خوفا من علم الدين سنجر الشجاعي، وتولى بعده القضاء ~~نائبه تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران الأخنائي وتوفي الشيخ ~~الإمام الزاهد بقية السلف أبو بكر بن الشيخ المسند المعمر زين الدين أبي ~~العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن ~~أبي بكر المقدسي الحنبلي. سمع الكثير وحدث. وكان شيخا كثير التلاوة والصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وحدث في حياة والده. ومولده سنة ست وعشرين ~~وستمائة، وقيل سنة خمس وعشرين. ومات ليلة الجمعة التاسع والعشرين من رمضان. ~~وتوفي الأمير علاء الدين أقطوان الساقي الظاهري في عاشر شهر رمضان بدمشق، ~~وقد جاوز الثمانين سنة. وكان رجلا صالحا مواظب الجماعات، ويقوم الليل. ~~وتوفي الأمير عز الدين طقطاي الناصري. كان نائب الكرك فتمرض فعزل عن الكرك، ~~وتوجه إلى دمشق ليتداوى بها فمات في رابع عشر شعبان. وتوفي الأمير ms1947 سيف ~~الدين منكبرس نائب عجلون. كان من قدماء المماليك المنصورية، وكان معظما في ~~الدول وله حرمة وافرة. وتوفي الشيخ كمال الدين أحمد بن أبي بكر محمد بن ~~أحمد بن محمد بن عبد الله بن سجمان البكري الوائلي الشريشي الفقيه الشافعي. ~~مات بطريق الحجازة وكان فقيها عالما فاضلا. وتوفي الشيخ جمال الدين أبو بكر ~~إبراهيم بن حيدرة بن علي بن عقيل، الفقيه الشافعي المعروف بابن القماح في ~~سابع عشر ذي الحجة. وكان معدودا من فضلاء الشافعية. وتوفي الشيخ المقرىء ~~مجد الدين أبو بكر بن الشيخ شمس الدين محمد بن قاسم التونسي المقرىء النحوي ~~المالكي في ذي القعدة بدمشق. وكان من فضلاء المالكية. وتوفي الأمير سيف ~~الدين، وقيل شمس الدين، سنقربن عبد الله الكمالي الحاجب في حبس الملك ~~الناصر بقلعة الجبل في شهر ربيع الآخر. وكان أولا معتقلا بالكرك فأحضر هو ~~والأمير كراي إلى القاهرة، فحبسا بقلعة الجبل إلى أن مات بها. وكان من ~~عظماء الدولة ومن أكابر الأمراء. وتولى الحجوبية بالديار المصرية في عدة ~~دول. وكان أحد الأعيان بالديار المصرية إلى أن قبض عليه الملك الناصر وحبسه ~~في سلطنته الثالثة. وتوفي الأمير سيف الدين بهادر الشمسي بقلعة دمشق، وكان ~~أحد من قبض عليه الملك الناصر وحبسه. وكان مشهورا بالشجاعة والإقدام. وتوفي ~~الأمير سيف الدين منكوتمر الطباخي، والأمير سيف الدين أركتمر، كلاهما بالجب ~~من قلعة الجبل. أمر النيل في هذه السنة: PageV03P0046 # الماء القديم ذراعان ونصف. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. ~~وكان الوفاء بعد النوروز بأيام. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة تسع عشرة وسبعمائة. فيها توفي الشيخ ~~الصالح المعتقد أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي الحنفي بزاويته ~~بالقاهرة في جمادى الآخرة، ودفن بجوار الزاوية. ومولده سنة ثمان وثلاثين ~~وستمائة، وكان عالما زاهدا متقشفا. سمع الحديث وبرع في الفقه والتصوف، ~~وأقبا، عليه ملوك عصره. ذكر ابن أخيه الشيخ قطب الدين قال: سألني الشيخ ~~يوما: هل قرب وقت العصر؟ فقلت: لا ms1948 وبقي يسألني عن ذلك ساعة فساعة وهو مسرور ~~مستبشر بوقت العصر، فلما دخل وقت العصر مات. رحمه الله. وتوفي الشيخ الإمام ~~العالم شهاب الدين أبو عبد الله الحسين بن سليمان بن فزارة الكفري بفتح ~~الكاف البصروي الحنفي في ثالث عشر جمادى الأولى ودفن بقاسيون. وكان فقيها ~~محدثا ناب في الحكم، وحمدت سيرته، وسمع الكثير وبرع في الفقه وغيره. وتوفي ~~الأمير سيف الدين كراي المنصوري معتقلا بقلعة الجبل، وكان من أكابر مماليك ~~المنصور قلاوون. وولي نيابة القدس، ثم ولاه الملك الناصر محمد في سلطنته ~~هذه الثالثة نيابة الشام بعد قراسنقر ثم قبض عليه وحبسه بالكرك مدة، ثم ~~نقله إلى القاهرة وحبسه بقلعة الجبل إلى أن مات في هذا التاريخ. وتوفي ~~الأمير سيف الدين إغزلو العادلي بدمشق وكان من أكابر أمرائها. وكان ولي ~~نيابة دمشق في أواخر دولة أستاذه الملك العادل زين الدين كتبغا فعزله الملك ~~المنصور حسام الدين لاجين عن نيابة دمشق، ثم صار بعد ذلك من أمراء دمشق إلى ~~أن مات. وكانت ولايته على نيابة دمشق نحوا من ثلاثة أشهر، وكان موصوفا ~~بالشجاعة والإقدام. وتوفي الأمير سيف الدين قيران الشمسي بدمشق، ودفن ~~بقاسيون بتربة ابن مصعب. وكان من جملة أمراء دمشق، وكان دينا خيرا عفيفا مع ~~كرم وشجاعة. وتوفي الأمير علاء الدين طيبرس بن عبد الله الخازنداري نقيب ~~الجيوش المنصور وأحد أمراء الطبلخاناه في العشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن ~~بقبته التي أنشأها بمدرسته على باب جامع الأزهر. واستقر عوضه في نقابة ~~الجيش الأمير شهاب الدين أحمد بن آقوش العزيزي المهمندار. وطيبرس هذا هو ~~الذي كان أنشأ الجامع والخانقاه على النيل، وعرف ذلك المكان بالطيبرسي، وقد ~~تهدم الجامع والخانقاه، ونقل صوفيتها إلى مدرسته التي أنشأها على باب ~~الجامع الأزهر على يمنة الداخل إلى الجامع. وكان من أجل الأمراء وأقدمهم، ~~وطالت أيامه في وظيفته، أقام فيها أربعا وعشرين سنة، لم يقبل لأحد هدية، ~~وإنما كان شأنه عمارة إقطاعه والزراعة، ومن ذلك نالته السعادة وعمر ~~الأملاك. وكان دينا خيرا بخلاف آقبغا عبد ms1949 الواحد الذي عمر مدرسته أيضا على ~~باب الجامع الأزهر في مقابلة طيبرس هذا. وتوفي الشيخ بدر الدين أبو عبد ~~الله محمد بن منصور بن إبراهيم بن منصور بن رشيد الربعي الحلبي الشافعي ~~المعروف بابن الجوهري. ولد بحلب في ثالث عشر صفر سنة اثنتين وخمسين وستمائة ~~وكان فاضلا دينا أثنى عليه الحافظ البرزالي في معجمه. وكانت وفاته في يوم ~~السبت سابع عشر جمادى الآخرة من السنة. رحمه الله. وتوفي الأمير سيف الدين ~~ملكتمر بن عبد الله السليماني الجمدار فجأة. وكان من أعيان الأمراء ~~وأماثلهم. وتوفي القاضي فخر الدين أبو عمرو عثمان بن علي بن يحيى بن هبة ~~الله، الأنصاري الشافعي المعروف بابن بنت، أبي سعد في جمادى الآخرة من ~~السنة. وتوفي بدمشق الأمير شهاب الدين أحمد بن محمد بن الملك الأمجد مجد ~~الدين، حسن بن الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي ~~بكر بن أيوب أحد أمراء دمشق في شهر رجب. وتوفي الملك المعظم شرف الدين عيسى ~~بن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن ~~الملك القاهر ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه الكبير ~~ابن شادي أحد أمراء دمشق بالقاهرة في ثاني ذي القعدة. كان قدمها في طلب ~~الإمرة فأنعم عليه بإمرة طبلخاناه بدمشق، فأدركته المنية قبل عوده إلى ~~وطنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يحرر. مبلغ الزيادة سبع ~~عشرة ذراعا وإحدى عشرة إصبعا. PageV03P0047 ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة عشرين وسبعمائة. فيها توفي قاضي ~~القضاة كمال الدين أبو حفص عمر ابن قاضي القضاة عز الدين أبي البركات عبد ~~العزيز بن الصاحب محيي الدين أبي عبد الله محمد بن قاضي القضاة نجم الدين ~~أبي الحسن أحمد بن قاضي القضاة جمال الدين أبي الفضل هبة الله بن قاضي ~~القضاة مجد الدين أبي غانم محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن أبي جرادة ~~العقيلي الحلبي الحنفي الشهير ms1950 بابن العديم قاضي قضاة حلب وغيرها. كان فقيها ~~عالما مشكور السيرة. وكمال الدين هذا غير بن العديم المتقدم صاحب تاريخ حلب ~~وغيرها من التصانيف وقد مر ذكره. وتوفي الشيخ الإمام العلامة النحوي اللغوي ~~شمس الدين محمد بن حسن بن سباع بن أبي بكر الجذامي المصري الأصل الدمشقي ~~المولد المعروف بابن الصائغ. مات بدمشق في ثالث شعبان. ومولده سنة خمس ~~وأربعين وستمائة بدمشق. كان أديبا فاضلا في فن الأدب، وله النظم والنثر ~~ومعرفة بالعروض والقوافي والبديع واللغة والنحو وشرح، مقصورة ابن دريد في ~~مجلدين. واختصر صحاح الجوهري وجرده من الشواهد، وصنف قصيدة عدتها ألفا بيت، ~~فيها العلوم والصنائع، وله مقامات وأشياء كثيرة. ومن شعره من قصيدة أولها: ~~الكامل لي نحو ربعك دائما يا جلق ... شوق أكاد به جوى أتمزق وهمول دمع من ~~جوى بأضالعي ... ذا مغرق طرفي وهذا محرق أشتاق منك منازلا لم أنسها ... إني ~~وقلبي في ربوعك موثق ومنها: والريح يكتب في الجداول أسطرا ... خط له نسج ~~النسيم محقق والطير يقرأ والنسيم مردد ... والغصن يرقص والغدير يصفق وتوفي ~~الأديب شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن يوسف بن قاسم الكناني ~~الشارمساحي الشاعر المطبوع صاحب النوادر الظريفة المضحكة. والعامة يسمونه ~~الشارمساحي وكان شاعرا مطبوعا، غير أنه كان مغرى بالهجاء وثلب الأعراض، ~~وكان يحضره الملك الناصر مجلسه في بعض الأحيان. ومات بالقاهرة. ومن شعره من ~~آخر قصيدة: البسيط لا آخذ الله عينيه فقد نشطت ... إلى تلافي وفيها غاية ~~الكسل وقد مر من هجوه في ابن المرحل وابن عدلان في أول ترجمة الناصر في ~~سلطنته الثالثة. وكان عارفا بعلوم. وتوفي الشيخ إسماعيل بن سعيد، الكردي ~~قتيلا على الزندقة في يوم الاثنين ثاني عشرين صفر. وكان عارفا بعلوم كثيرة، ~~حتى إنه كان يحفظ من التوراة والإنجيل، غير أنه حفظت عنه عظائم في حق ~~الأنبياء عليهم السلام. ومع ذلك كان يتجاهر بالمعاصي، فاجتمع القضاة بسببه ~~غير مرة، حتى أفتى بعضهم بضرب عنقه، فضربت عنقه بين القصرين. وتوفي الشيخ ~~المعمر زين الدين أبو القاسم ms1951 محمد بن علم الدين محمد بن الحسين ين عتيق بن ~~رشيق الإسكندري المالكي بمصر في المحرم. وكان ولي قضاء الإسكندرية مدة ~~طويلة. وكان له نظم. وتوفي قتيلا سيف الدين آقجبا مملوك الأمير ركن الدين ~~بيبرس التاجي بدمشق في خامس عشرين شهر ربيع الأول. وكان عنده فضيلة، إلأ ~~أنه لم يقنع بذلك، حتى ادعى النبوة وشاع عنه ذلك حتى قتل. وتوفي السلطان ~~الغالب بالله أبو الوليد إسماعيل بن الفرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر صاحب ~~غرناطة والأندلس من بلاد المغرب في ذي القعدة وأقيم بعده ابنه أبو عبد الله ~~محمد. وكان من أجل ملوك المغرب. وكان مولده سنة ثمانين وستمائة. واستولى ~~على الأندلس ثلاث عشرة سنة، وملك البلاد في حياة أبيه الفرج، وكان أبوه ~~متوليا إذ ذاك لمالقة فلما أراد إسماعيل هذا الخروج لامه أبوه، فقبض ~~إسماعيل على أبيه، وعاش أبوه في سلطنته بعد ذلك عزيزا مبخلا إلى أن مات في ~~ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة، وقد شاخ، ثم قتل ابنه صاحب الترجمة وقتل ~~قاتله. رحمه الله. ### || AUT أمر النيل في هذه السنة # الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان ~~وعشرون إصبعا. وهبط النيل بسرعة فشرقت الأراضي. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. PageV03P0048 # فيها توفي الشيخ الإمام المقرىء عفيف الدين عبد الله بن عبد الحق بن عبد ~~الله بن عبد الأحد القرشي المخزومي الدلاصي المصري. مات بمكة المشرفة في ~~رابع عشر المحرم، ومولده في شهر رجب سنة ثلاثين وستمائة، وكان إماما مقرئا ~~زاهدا، أقام أكثر من ستين سنة يقرىء القرآن تجاه الكعبة. وتوفي الشيخ شمس ~~الدين محمد بن علي بن عمر المازني الأديب المعروف بالدهان بدمشق. وكان ~~شاعرا مجيدا يعرف الأنغام والموسيقى وصناعة الدهان، وكان يعمل الشعر ويلحنه ~~موسيقى ويغني به فيكون من شعره وصناعته. ومن شعره موشحة أولها: بأبي غصن ~~بانة حملا ... بدر دجى بالجمال قد كملا، أهيف فريد حسن ms1952 ما ماس أو سفرا إلا ~~أغار القضيب والقمرا يبدي لنا بابتسامه دررا في شهد لذ طعمه وحلا ... كأن ~~أنفاسه نسيم طلا، قرقف وتوفي الطواشي صفي الدين جوهر مقدم المماليك ~~السلطانية. كان رجلا صالحا دينا خيرا وله حرمة وصولة عظيمة على المماليك ~~وغيرهم. ولي التقدمة في أيام المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما عاد الملك ~~الناصر إلى ملكه عزله بصواب الركني، واستمر بطالا إلى أن مات. وتوفي الشيخ ~~حميد الدين أبو الثناء محمود بن محمد بن محمودب ن نصر النيسابوري شيخ ~~الخانقاه الركنية بيبرس في تاسع عشر جمادى الآخرة. ومولده سنة خمس وأربعين ~~وستمائة. وتوفي الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر يوسف بن عمر ~~بن رسول التركماني الأصل اليمني المولد والمنشأ والوفاة صاحب ممالك اليمن. ~~تسلطن بعد أخيه في المحرم سنة ست وتسعيت وستمائة فملك نيفا وعشرين سنة، ~~وكان قبل سلطنته تفقه وحفظ كفاية المتحفظ، ومقدمة ابن بابشاذ. وبحث التنبيه ~~وطالع وفضل وسمع الحديث، وجمع الكتب النفيسة في سلطنته، حتى قيل إن خزانة ~~كتبه اشتملت على مائة ألف مجلد. وكان مشكور السيرة محبا لأهل الخير. ولما ~~أنشأ قصره بظاهر زبيد قال فيه الأديب تاج الدين عبد البافي بن عبد المجيد ~~اليمني أبياتا، منها: البسيط، أنسى بإيوانه كسرى فلا خبر ... من بعد ذلك عن ~~كسرى لإيوان وفي الملك المؤيد يقول أيضا عبد الباقي المذكور، وقد ركب ~~المؤيد فيلا: البسيط، الله ولاك يا داود مكرمة ... ورتبة ما أتاها قبل ~~سلطان ركبت فيلا وظل الفيل ذا رهج ... مستبشرا وهو بالسلطان فرحان لك الإله ~~أذل الوحش أجمعه ... هل أنت داود فيه أم سليمان وكانت وفاته في ذي الحجة ~~وتولى بعده ابنه الملك المجاهد علي، واضطربت ممالك اليمن بعد موته. وتولى ~~عدة سلاطين يأتي ذكر كل واحد منهم في محله إن شاء الله تعالى. وتوفي مجد ~~الدين أحمد بن معين الدين أبي بكر الهمذاني المالكي خطيب الفيوم، وكان يضرب ~~به المثل في المكارم والسؤود، وكان فصيحا خطيبا بليغا. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاث ms1953 أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وخمس ~~أصابع. وكان الوفاء ثاني أيام النسيء. والله أعلم. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من، سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. فيها توفي ~~قاضي القضاة شمس الدين محمد بن الشيخ أبي البركات محمد بن الشيخ أبي العز ~~بن صالح بن أبي العز بن وهيب بن عطاء الأذرعي الحنفي بدمشق في سابع المحر ~~ثم عقيب قدومه من الحجاز. ومولده سنة ثلاث وستين وستمائة. وكان إماما فاضلا ~~فقيها بصيرا بالأحكام، حكم بدمشق نحو عشرين سنة، وخطب بجامع الأفرم مدة، ~~ودرس بالظاهرية والنجيبية والمعظمية، وأفتى وآنتفع به غالب طلبة دمشق. ~~وتوفي الشيخ الإمام العالم الزاهد الفقيه المفتي الحافظ المسند المعمر بقية ~~السلف رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد ~~بن إبراهيم بن الطبري المكي الشافعي إمام المقام بالحرم الشريف، أم به أكثر ~~من خمسين سنة. وكان فقيها صالحا عابدا. ومولده بمكة في سنة ست وثلاثين ~~وستمائة. ومات في شهر ربيع الأول. PageV03P0049 # وتوفي الشيخ الإمام الفقيه الصوفي علاء الدين أبو الحسن علي بن الحسن، بن ~~محمد الهروي الحنفي. كان فقيها فاضلا وسلك طريق التصوف، وطاف البلاد وأقام ~~بحلب مدة وتصدى للإفتاء والتدريس سنين. ومن إنشاده رحمه الله: مجزوء الرجز، ~~كم حسرات في الحشى ... من ولد قد انتشا كنا نشاء رشده ... فما نشا كما نشا ~~وتوفي الأديب الشاعر جمال الدين أبو الفتح محمد بن يحيى بن محمد الأموي ~~المصري الشاعر المشهور. وكانت لديه فضيلة، وكان رحالا طاف البلاد، ثم رجع ~~إلى العراق فمات به. ومن شعره: البسيط، وافى الربيع ولي سبغ ألازمها ... ~~لزوم مرء له في الدهر تجريب ملك ومال ومملوك ومطربة ... مع المدام ومحبوب ~~ومركوب وتوفي الأديب الشاعر أبو علي الحسن بن محمود بن عبد الكبير اليماني ~~العدني. كان فاضلا ناظما ناثرا، وله ديوان شعر مشهور باليمن وغيره. ومن ~~شعره: البسيط، برق تألق من تلقاء كاظمة ... ما باله خطف الأبصار في إضم قد ms1954 ~~خط منه على آفاقها خطط ... كأنهن ولوع البيض في اللمم وتوفي الشيخ حسن ~~العجمي الجواليقي القلندري بدمشق، وكان أولا يسكن بالقاهرة، وعمر له بها ~~زاوية خارج باب النصر، وهي إلى الآن تعرف بزاوية القلندرية، ثم سافر إلى ~~دمشق فمات بها. قال الشيخ عماد الدين إسماعيل بن كثير في تاريخه: وكان ~~قريبا من خواطر الملوك، لاسيما أهل بيت الملك المنصور قلاوون. وكان كثيرا ~~ما ينشد أبياتا أولها: الطويل، سلام على ربع به نعم البال ... وعيش مضى ما ~~فيه قيل ولا قال لقد كان طيب العيش فيه مجردا ... من الهم والقوم اللوائم ~~غفال وتوفي الأمير عز الدين أيدمر بن عبد الله الساقي المعروف بوجه الخشب ~~بدمشق. وكان من أعيان الأمراء، وفيه شجاعة وإقدام، وهو أحد من أخرجه الملك ~~الناصر من مصر. وتوفي القاضي قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر، ~~السنباطي الشافعي، خليفة الحكم ووكيل بيت المال في ذي الحجة. وكان معدودا ~~من الفقهاء وله وجاهة. وتوفيت المسندة المعمرة أم محمد زينب بنت أحمد بن ~~عمر بن أبي بكر بن شكر في ذي الحجة بالقدس عن أربع وتسعين سنة. وكانت رحلة ~~زمانها، رحل إليها من الأقطار وصارت مسندة عصرها. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى وعشرون ~~إصبعا. وكان الوفاء أول أيام النسيء. ؟ ### || AUT السنة الرابعة عشرة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. فيها توفي ~~قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد بن عماد الدين محمد بن أمين الدين ~~سالم بن الحافظ المحدث بهاء الدين الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صصرى ~~الثعلبي الدمشقي الشافعي في سادس عشر شهر ربيع الأول بدمشق، ودفن بتربتهم ~~بالقرب من الركنية: ومولده سنة خمس وخمسين وستمائة. وكان إماما عالما بارعا ~~مدرسا مفتيا كاتبا مجودا. ولي عدة تداريس، وباشر قضاء الشام استقلالا في ~~سنة اثنتين وسبعمائة مع عدة تداريس. وكان له نظم ونثم وخطب. ومن شعره رحمه ms1955 ~~الله: الكامل، ومهتف بالوصل جاد تكرما ... فأعاد ليل الهجر صبحا أبلجا ما ~~زلت ألثم ما حواه لثامه ... حتى أعدت الورد فيه بنفسجا وتوفي الشيخ الأديب ~~الفاضل صلاح الدين صالح بن أحمد بن عثمان البعلبكي الشاعر المشهور بالقواس. ~~كان رجلا خيرا، صحب الفقراء وسافر البلاد، وكان أصله من مدينة خلاط، وكان ~~يدخل الزوايا ويتواجد في سماعات الفقراء، وله شعر كثير، من ذلك ما قاله في ~~ناعورة حماة: الطويل، وناعورة رقت لعظم خطيئتي ... وقد لمحت شخصي من المنزل ~~القاصي بكت رحمة لي ثم ناحت لشجوها ... ويكفيك أن الخشب تبكي على العاصي ~~وهو صاحب القصيدة ذات الأوزان التي أولها: البسيط داء ثوى بفؤاد شفه سقم ~~... لمحنتي من دواعي الهم والكمد PageV03P0050 # وتوفي الشيخ الأديب الفاضل العدل شهاب الدين محمد بن محمد بن محمود بن ~~مكي المعروف بابن دمرداش الدمشقي، وبها مات ودفن بقاسيون. ومولده سنة ثماني ~~وثلاثين وستمائة، وكان شاعرا مجيدا. وكان في شبابه جنديا، فلما شاخ ترك ذلك ~~وصار شاهدا . وشعره سلك فيه مسلك مجير الدين بن تميم، لأنه صحبه وأقام معه ~~بحماة مدة عشرين سنة. ومن شعره: الطويل، أقول لمسواك الحبيب لك الهنا ... ~~بلثم فم ما ناله ثغر عاشق فقال وفي أحشائه حرق الجوى مقالة صمث للديار ~~مفارق تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى أعفله بين العذيب وبارق قلت: ومثل هذا ~~قول القائل:الكامل، هنئت يا عود الأراك بثغره إذ أنت في الأوطان غير مفارق ~~إن كنت فارقت العذيب وبارقا ... ها أنت ما بين العذيب وبارق ومثله لابن ~~قرناص: الطويل: سألتك يا عود الأراكة أن تعد ... إلى ثغر من أهوى فقبله ~~مشفقا ورد من ثنيات العذيب منيهلا ... يسلسل ما بين الأبيرق والنقا وقد ~~ذكرنا مثل هذا عدة كثيرة في كتابنا حلية الصفات في الأسماء والصناعات. ~~وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ المؤرخ الأخباري الأديب كمال ~~الدين عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الفوطي صاحب ~~التصانيف المفيدة، من جملتها: تاريخ كبير جدا، وآخر دونه وسماه بمجمع ~~الآداب في معجم الأسماء على ms1956 معجم الألقاب في خمسين مجلدا. والتاريخ الكبير ~~على الحوادث من آدم إلى خراب بغداد وغير ذلك. وله شعر كثير ومجموع أدبيات ~~سماه الدرر الناصعة في شعر المائة السابعة. وصنف كتاب درر الأصداف في غرر ~~الأوصاف، مرتبا على وضع الوجود من المبدأ إلى المعاد، يكون عشرين مجلدا. ~~وكتاب لقيح الأفهام في المختلف والمؤتلف، مجدولا وكان له يد طولى في ترصيع ~~التراجم، وذهن سيال وقلم سريع وخط بديع إلى الغاية. قيل: إنه كتب من ذلك ~~الخط الفائق الرائق أربع كراريس في يوم، وكتب وهو نائم على ظهره. وكان له ~~نظر في فنون الحكمة كالمنطق وغيره. وتوفي الملك المجاهد سيف الدين أنص بن ~~السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري، بعد ما كف بصره من سهم ~~أصابه، وكانت وفاته في المحرم. وتوفي الأمير طيدمر سيف الدين الجمدار أحد ~~أعيان الأمراء. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وست أصابع. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة أربع وعشرين وسبعمائة. فيها توفي ~~الشيخ الصالح المعتقد أيوب المسعودي بزاوية الشيخ أبي السعود بالقرافة، وقد ~~قارب المائة سنة، وضعف في آخر عمره، فكان يحمل إلى حضور الجمعة، وكان يذكر ~~أنه رأى الشيخ أبا السعود. وتوفي الشيخ الإمام العالم الزاهد الحافظ المحدث ~~علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان الدمشقي الشافعي ~~الشهير بابن العطار. كان فقيها محدثا، وكانوا يسمونه مختصر النووي. ودرس ~~وأفتى سنين وانتفع به الناس. وتوفي الأمير شمس الدين محمد بن عيسى بن مهنا ~~أمير العرب وملك آل فضل، وكان حسن الهيئة عاقلا حازما عارفا بالأمور. مات ~~بسلمية. وتوفي الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن ظافر في جمادى ~~الآخرة. وكان فقيها شافعيا معدودا من أعيان الشافعية. وتوفي الشيخ تقي ~~الدين محمد بن عبد الرحيم بن عمر، الباجربقي النحوي الشافعي في شهر ربيع ~~الآخر وآتهم بالزندقة في تصانيفه ووقع له بسبب ذلك أمور، ms1957 وهو صاحب الملحمة ~~الباجربقية، وله غيرها عدة تصانيف أخر. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن ~~الأمير بحر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح في جمادى الآخرة. وكان ناصر الدين ~~هذا من جملة مقدمي الألوف بالديار المصرية، وكان معظما في الدولة موصوفا من ~~الشجعان. وتوفي الأمير الطواشي زين الدين عنبر الأكبر زمام الدور السلطانية ~~في جمادى الأولى وكان من أعيان الخدام وأماثلهم. وتوفي الشيخ المعتقد ~~الصالح محمود الحيمري العجمي خارج القاهرة، وكان من محاسن أبناء جنسه. ~~وتوفي خطيب جامع عمرو بن العاص الشيخ نور الدين أبو الحسن علي بن محمد بن ~~حسن بن علي القسطلاني في شهر ربيع الآخر، وكان دينا خيرا. أمر النيل في هذه ~~السنة: PageV03P0051 # الماء القديم خمس أذرع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ~~والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة السادسة عشرة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة علىمصر وهي سنة خمس وعشرين وسبعمائة. فيها توفي ~~الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله المنصوري الدوادار صاحب التاريخ في ~~ليلة الخميس خامس عشرين شهر رمضان. كان أصله من مماليك الملك المنصور ~~قلاوون، أنشأه ورقاه إلى أن ولاه نيابة الكرك إلى أن عزله الملك الأشرف ~~خليل بالأمير آقوش الأشرفي نائب الكرك، ثم صار بعد ذلك دوادارا وناظر ~~الأحباس مدة طويلة ثم ولي نيابة السلطنة في أيام الملك الناصر محمد الثالثة ~~فدام مدة، ثم قبض عليه الملك الناصر وحبسه إلى أن مات. وقيل أطلقه بعد حبسه ~~بمدة. وكان أميرا عاقلا فاضلا معظما في الدول، وكان إذا دخل على الملك ~~الناصر يقوم له إجلالا. وكان له أوقاف على وجوه البر، وهو صاحب المدرسة ~~الدوادارية بخط سويقة العزي خارج القاهرة. وله تاريخ زبدة الفكرة في تاريخ ~~الهجرة، في أحد عشر مجلدا، أعانه على تأليفه كاتبه ابن كبر النصراني. وكان ~~يجلس عند السلطان رأس الميمنة عوضه. قلت: كانت قاعدة قديم، أنه من كان قديم ~~هجرة من الأمراء يجلس فوق الجميع، ولم يكن يوم ذاك أمير كبير أتابك العساكر ~~كما هي عادة أيامنا هذه، ms1958 وإنما استجدت هذه الوظيفة في أيام السلطان حسن، ~~وأول من وليها بخلعة الأمير شيخون، وصارت من يومئذ وظيفة إلى يومنا هذا. ~~وتوفي أمير المدينة النبوية الشريف منصور بن جماز بن شيحة الحسيني في حرب ~~كان بينه وبين حديثة بن أخيه فقتله حديثة المذكور في رابع عشرين شهر رمضان، ~~فكانت مده ولايته على المدينة ثلاثا وعشرين سنة وأياما، واستقر عوضه في ~~إمرة المدينة ابنه كبيش بن منصور. وتوفي الإمام الغلامة البليغ الكاتب ~~المنشىء الأديب شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان بن فهد الحلبي ثم ~~الدمشقي الحنبلي صاحب ديوان الإنشاء بدمشق في ليلة السبت ثاني عشرين شعبان ~~سنة خمس وعشرين وسبعمائة. ومولده سنة أربع وأربعين وستمائة، ونشأ بدمشق ~~وسمع الحديث وكتب المنسوب، ونسخ الكثير، وتفقه على أبي المنجا وغيره، وتأدب ~~بابن مالك ولازم مجد الدين بن الطهير وحذا حذوه وسلك طريقه في النظم ~~والكتابة. وولي كتابة سر دمشق بعد موت القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل ~~الله المعمري إلى أن مات.، وفيه يقول الأديب البليغ ألطنبغا الجاولي: ~~البسيط: قال النحاة بأن الاسم عندهم ... غير المسمى وهذا القول مردود الاسم ~~عين المسمى والدليل ... على ما قلت أن شهاب الدين محمود ومن شعر شهاب الدين ~~المذكور: المتقارب: رأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخذ ~~فيضا فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضا قلت: وقد مر من ~~ذكر الشهاب محمود هذا وشعره قطعة كبيرة في فتوحات الملك المنصور قلاوون ~~وغيره. وتوفي الخطيب جمال الدين محمد بن تقي الدين محمد بن الحسن بن علي بن ~~أحمد بن علي بن محمد القسطلاني في ليلة السبت مستهل شهر ربيع الأول. كان ~~يخطب بجامع القلعة ويصلي بالسلطان الجمعة، واستمر على ذلك سنين. وبعض الناس ~~يحسب أن العادة لا يخطب ويصلي بالسلطان إلا القاضي الشافعي، وليس الأمر ~~كذلك. وما استجد هذا إلا الملك الظاهر برقوق في سلطنته الثانية، وإنما كانت ~~العادة قبل ذلك من ندبه السلطان أن يخطب ويصلي به فعل ذلك كائنا من كان. ms1959 ~~وتوفي الشيخ شرف الدين يونس بن أحمد بن صلاح القلقشندي الفقيه الشافعي في ~~خامس عشرين شهر ربيع الآخر. وكان عالما فاضلا. وتوفي الشيخ المقرىء تقي ~~الدين محمد بن الصفي الشهير بالتقي الصائغ في صفر كان فاضلا مقرئا مجودا. ~~وتوفي الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله التتاري المنصوري في ذي القعدة. ~~وكان من أعيان مماليك المنصور قلاوون، وصار من أعيان أمراء الديار المصرية. ~~وتوفيت الشيخة حجاب شيخة رباط البغدادية في المحرم. وكانت خيرة دينة، ولها ~~قدم في الفقر والتصوف. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وست ~~أصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. وكان الوفاء أول ~~أيام النسيء. والله تعالى أعلم. PageV03P0052 ### || AUT السنة السابعة عشرة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة ست وعشرين وسبعمائة. فيها توفي شيخ ~~الرافضة جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن محمد، بن المطهر الحلي ~~المعتزلي شارح مختصر بن الحاجب، في المحرم. كان عالما بالمعقولات، وكان رضي ~~الخلق حليما، وله وجاهة عند خربندا ملك التتار. وله عدة مصنفات، غير أنه ~~كان رافضيا خبيثا على مذهب القوم، ولابن تيمية عليه رد في أربعة مجلدات، ~~وكان يسميه ابن المنجس، يعني عكس شهرته كونه كان يعرف بابن المطهر. وتوفي ~~الشيخ شرف الدين أبو الفتح أحمد بن عز الدين أبي البركات عيسى بن مظفر بن ~~محمد بن الياس المعروف بابن الشيرجي الأنصاري الدمشقي محتسب دمشق. ومولده ~~سنة سبع وأربعين وستمائة. وتوفي الشيخ الإمام سراج الدين عمر بن أحمد بن ~~خضر بن ظافر بن طراد الخزرجي المصري الأنصاري الشافعي خطيب المدينة ~~النبوية. كان خطيبا فصيحا مفوها دينا. وتوفي الأمير بدر الدين حسن بن الملك ~~الأفضل علي بن محمود، صاحب حماة. كان من أهل العلم، وكان أحد أمراء دمشق ، ~~وهو من بيت سلطنة ورياسة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثماني أذرع ~~وعشر أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وتسع عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة عشرة من سلطنة الناصر محمد # بن ms1960 قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة سبع وعشرين وسبعمائة. فيها توفي ~~السلطان أبو يحيى زكريا بن أحمد بن محمد بن يحيى بن عبد الواحد بن أحمد بن ~~محمد اللحياني المغربي ملك تونس بالإسكندرية بعد أن خرج من بلاده لأمر أوجب ~~ذلك، وترك ملكه ونزل بالإسكندرية وسكنها بعد أن قدم القاهرة، ثم عاد إلى ~~الإسكندرية، فمات بها. وتوفي الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن الغلامة ~~الشهاب محمود المقدم ذكره في عاشر شوال. وكان شمس الدين أيضا كأبيه فاضلا ~~كاتبا بارعا، وتولى كتابة سر دمشق، وهو من بيت رياسة وفضل وكتابة. وتوفي ~~قاضي القضاة صدر الدين أبو الحسن علي بن صفي الدين أبي القاسم بن محمد بن ~~عثمان البصراوي الحنفي قاضي قضاة دمشق في شعبان، بعد ما حكم بدمشق عشرين ~~سنة وحمدت سيرته، وكان إماما عالما دينا عفيفا مشكور السيرة. وتوفي الطواشي ~~ناصرالدين الشمسي شيخ الخدام بالحرم النبوي. وكان خيرا دينا يحفظ القرآن ~~ويكثرمن التلاوة بصوت حسن. وتوفي الأمير سيف الدين كوجري بن عبد الله أمير ~~شكار بالقاهرة في تاسع عشرين في ذي الحجة. وكان أصله من مماليك عز الدين ~~أيدمر نائب الشام في الأيام الظاهرية، وكان هو من أعيان الأمراء بمصر. ~~وتوفي الأمير شمس الدين إبراهيم بن الأمير بدر الدين محمد بن عيسى بن ~~التركماني في ثالث جمادى الآخرة بداره بجوار باب البحر. وكان فيه مكارم وله ~~مروءة وعصبية مع حشمة ورياسة، وهو بن صاحب جامع التركماني المقدم ذكره الذي ~~بالقرب من باب البحر. وتوفي الملك الكامل ناصرالدين محمد بن الملك السعيد ~~فتح الدين عبد الملك بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك ~~العادل سيف الدين أبي بكر أمحمد بن نجم الدين أيوب، بن شادي بدمشق في حادي ~~عشرين جمادى الآخرة عن أربع وسبعين سنة، وكان من جملة أمراء دمشق، معظما في ~~الدول، من بيت سلطنة ورياسة. وتوفي الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله ~~البحري نائب حمص في ليلة عيد الفطر. كان من أكابر الأمراء، وفيه شجاعة ~~وإقدام ms1961 مع كرم وحشمة. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير الكبير ~~أرغون بن عبد الله الدوادار الناصري نائب السلطنة بالديار المصرية، ثم نائب ~~حلب في ثالث عشر شعبان. وكان ناصر الدين هذا من جملة أمراء الديار المصرية ~~معظما في الدولة. وتوفي الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله المغربي ~~الحاجب بالديار المصرية في ثامن شهر رمضان. وكان مقربا عند الملك الناصر، ~~ومن أعيان أمرائه. PageV03P0053 # وتوفي العلامة قاضي القضاة ذو الفنون جمال الإسلام كمال الدين أبو ~~المعالي محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم، الزملكاني الأنصاري ~~السماكي الدمشقي الشافعي قاضي قضاة دمشق بمدينة بلبيس في سادس عشر رمضان. ~~ومولده سنة سبع وستين وستمائة في شوال. وكان إماما علامة بصيرا بمذهبه ~~وأصوله، قوي العربية، صحيح الذهن، فصيحا أديبا ناظما ناثرا. أفتى وله نيف ~~وعشرون سنة، وصنف وكتب ومن مصنفاته رسالة في الرد على الشيخ تقي الدين في ~~مسألة الطلاق، ورسالة في الرد عليه في مسألة الزيارة، وشرح قطعة من المنهاج ~~، ونظم ونثر وتولى قضاء دمشق بعد القاضي جلال الدين القزويني لما نقل إلى ~~قضاء الديار المصرية، فتوخه إلى مصر فمات ببلبيس. ومن شعره قصيدته التي مدح ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم التي أولها: البسيط، أهواك يا ربة الأستار ~~أهواك ... وإن تباعد عن مغناي مغناك وأعمل العيس والأشواق ترشدني ... عسى ~~يشاهد معناك معناك تهوي بها البيد لاتخشى الضلال وقد ... هدت ببرق الثنايا ~~الغر مضناك تشوقها نسمات الصبح سارية ... تسوقها نحو رؤياك برياك ومنها: ~~إني قصدتك لا ألوي على بشر ... ترمي النوى بي سراعا نحو مسراك وقد حططت ~~رحالي في حماك عسى ... تحط أثقال أوزاري بلقياك كما حططت بباب المصطفى أملي ~~... وقلت للنفس بالمأمول بشراك محمد خير خلق الله كلهم ... وفاتح الخير ~~ماحي كل إشراك قلت: وهي أطول من ذلك وكلها على هذا المنوال، وهو نظم فقيه ~~لا بأس به. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وعشرون أصبعا. ~~مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. والله أعلم. ### || AUT ms1962 السنة التاسعة عشرة من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. فيها توفي شيخ ~~الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد ~~الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي بدمشق في ~~ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة في سجنه بقلعة دمشق. ومولده في يوم ~~الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة. وكان سجن بقلعة دمشق ~~لأمور حكيناها في غير هذا المكان. وكان إمام عصره بلا مدافعة في الفقه ~~والحديث والأصول والنحو واللغة وغير ذلك. وله عدة مصنفات مفيدة يضيق هذا ~~المحل عن ذكر شيء منها. أثنى عليه جماعة من العلماء مثل الشيخ تقي الدين بن ~~دقيق العيد والقاضي شهاب الدين الجويني والقاضي شهاب الدين بن النحاس. وقال ~~القاضي كمال الدين بن الزملكاني المقدم ذكره: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على ~~وجهها، ثم جرت له محن في مسألة الطلاق الثلاث، وشد الرحال إلى قبور ~~الأنبياء والصالحين، وحبب للناس القيام عليه. وحبس مرات بالقاهرة ~~والإسكندرية ودمشق، وعقد له مجالس بالقاهرة ودمشق مع أنه حصل له في بعضها ~~تعظيم من الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأطلق وتوجه إلى دمشق وأقام بها إلى ~~أن ورد مرسوم شريف في سنة ست وعشرين وسبعمائة بأن يجعل في قلعة دمشق في ~~قاعة، فجعل في قاعة حسنة وأقام بها مشغولا بالتصنيف والكتابة. ثم بعد مدة ~~منع من الكتابة والمطالعة وأخرجوا ماعنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواة ~~ولا قلما ولا ورقة، ثم ساق بن الزملكاني كلاما طويلا الأليق الإضراب عنه. ~~وتوفي الأمير سيف الدين جوبان بن تلك بن ندوان نائب القان بوسعيد ملك ~~التتار. وكان جوبان هذا قد ثقل على بوسعيد فأسر إلى خاله ايرنجي قتله فلم ~~يمكنه ذلك، فأخذ ابنه دمشق خجا وقتله، ففر جوبان إلى هراة فلم يسلم وقتل ~~بها. وكان شجاعا عالي الهمة حسن الإسلام. أجرى العين إلى مكة في جمادى ~~الأولى سنة ست وعشرين وسبعمائة، وأنشأ مدرسة بالمدينة ms1963 النبوية، ولما مات ~~حمل إلى مكة مع الركب العراقي، وطيف به الكعبة، ووقف به عرفة وهو ميت، ثم ~~مضي به إلى المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فدفن بالبقيع. ~~PageV03P0054 # وتوفي أمير المدينة النبوية الشريف كبيش بن منصور بن جماز الحسيني المدني ~~في أول شعبان قتيلا، وكانت ولايته على المدينة بعد قتل أبيه منصور في رابع ~~عشر رمضان سنة خمس وعشرين وسبعمائة، قتله أولاد ودي ، وكان ودي قد حبس ~~بقلعة الجبل، فولي بعده إمرة المدينة أخوه طفيل. وتوفي الأمير الكبير شمس ~~الدين قراسنقر بن عبد الله المنصوري بمدينة مراغة من عمل أذربيجان في يوم ~~السبت سابع عشرين شوال، وكان من كبار المماليك المنصورية وأجل أمرائهم، وقد ~~ولي نيابة حلب والشام ثم حلب، وهو أحد من كان سببا في قتل الملك الأشرف ~~خليل بن قلاوون، وأحد من كان السبب لعود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى ~~ملكه في هذه المرة الثالثة، وقد مر من ذكره في ترجمة المظفر بيبرس ~~الجاشنكير، وفي أول سلطنة الناصر الثالثة، وحكينا كيفية خروجه من البلاد ~~الحلبية إلى التتار، فلا حاجة إلى ذكر ذلك ثانيا، وما ذكرناه هنا إلا بسبب ~~وفاته والتعريف به. انتهى. وتوفي ببغداد مفتي العراق وعالمه الشيخ جمال ~~الدين عبد الله بن محمد بن علي بن حماد بن ثابت الواسطي مدرس المستنصرية في ~~ذي القعدة. ومولده في سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وتوفي الأمير سيف الدين ~~جوبان بن عبد الله المنصوري أحد أكابر أمراء دمشق بها في العشرين من صفر ~~سنة ثمان وعشرين، وكان شجاعا مقداما. وتوفي الأمير سيف الدين بكتمر ~~البوبكري في سجنه بقلعة الجبل يوم الخميس النصف من شعبان. وكان من أكابر ~~الأمراء من أصحاب بيبرس الجاشنكير وسلار، فلما تسلطن الملك الناصر ثالث مرة ~~قبض عليه في جملة من قبض عليهم وحبسه بقلعة الجبل إلى أن مات. وتوفي الشيخ ~~عفيف الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المحسن الواعظ الشهير بابن الخراط ~~البغدادي الدواليبي الحنبلي في هذه السنة. ومولده في سنة بضع وثلاثين ~~وستمائة. ms1964 وكان إماما واعظا بليغا، ولوعظه موقع في القلوب وعليه قابلية. ~~وتوفي الأمير جمال الدين خضر بن نوكاي التتاري أخوخوند أردوكين الأشرفية ~~المتوفية في سنة أربع وعشرين. وكان خضر هذا من أعيان أمراء الديار المصرية، ~~وله حرمة وثروة وحشم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشر ~~أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وتسع أصابع. ### || AUT السنة عشرين من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة تسع وعشرين وسبعمائة. فيها توفي ~~الأمير غرس الدين خليل بن الإربلي أحد أمراء العشرات بديار مصر في سادس ~~صفر، وأنعم السلطان بإمرته على إياجي الساقي. وكان خليل المذكور شجاعا ~~فاضلا وجيها في الدولة. وتوفي الأمير سعد الدين سعيد بن الأمير الكبير حسام ~~الدين حسين في ثامن عشر المحرم وأنعم بإمرته على تكا الناصري. وتوفي الشيخ ~~الإمام الفقيه جمال الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الواسطي ~~الأشمومي الشافعي المعروف بالوجيزي لكثرة قراءته إكتاب الوجيز، في الفقه في ~~ثامن عشر المحرم. وكان فقيها عالما معدودا من فقهاء الشافعية، وتولى قضاء ~~قليوب والجيزة. PageV03P0055 # وتوفي الأمير الكبير شرف الدين حسين بن أبي بكر بن أسعد بن جندرباك ~~الرومي في سادس المحرم. وكان قدم صحبة أبيه إلى الديار المصرية في سنة خمس ~~وسبعين وستمائة في أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري في جملة من قدم من ~~أهل الروم. وكان أبوه أمير جاندار متملك بلاد الروم معظما في بلاده. وكان ~~أمير حسين هذا رأس مدرج لحسام الدين لاجين لما كان نائب الشام، لأنه كان ~~رأسا في الصيد ولعب الطير، فلما تسلطن لاجين أمره عشرة بمصر، ثم وقع له ~~أمور وصار من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق، ونادم الأفرم نائب الشام إلى أن ~~فر الأفرم إلى بلاد التتار، وتوجه الأمير حسين هذا إلى الملك الناصر محمد ~~إلى الكرك، ثم توجه معه إلى الديار المصرية وصار مقربا عنده. وكان يجيد لعب ~~الصيد والرمي بالنشاب، فأنعم عليه الملك الناصر بتقدمة ألف بالديار ~~المصرية، وأفرد له زاوية من الطيور الخاص، ms1965 وجعله أمير شكار رفيقا للأمير ~~الكوجري، وصار له حرمة وافرة بالقاهرة. ووقع له أمور ذكرناها في ترجمته في ~~المنهل الصافي، مستوفاة. وطالت أيام الأمير حسين هذا في السعادة. وعمر ~~جامعه قريبا من بستان العدة والقنطرة التي على الخليج بحكر جوهر النوبي، ~~ولما فرغ من عمارة الجامع المذكور أحضر إليه المشد والكاتب حساب المصروف ~~فرمى به إلى الخليج، وقال: أنا خرجت عن هذا لله تعالى، فإن خنتما فعليكما، ~~وإن وفيتما فلكما. وكان خفيف الروح دائم البشر لطيف العبارة، وكانت في ~~عبارته عجمة لكنة، كان إذا قال الحكاية أو النادرة يظهر لكلامه حلاوة في ~~القلب والسمع. وتوفي الأمير سيف الدين بكتمر بن عبد الله الحسامي الحاجب في ~~يوم الأربعاء حادي عشرين شهر ربيع الآخر بدار، خارج باب النصر. وأنعم ~~السلطان على ولده ناصر الدين محمد بإمرة عشرة وسنه يومئذ ثلاث عشرة سنة. ~~وفرق الملك الناصر إقطاعه على جماعة، فكمل للأمير طرغاي الجاشنكير تقممة ~~ألف، وأنعم على الأمير قوصون الناصري بمنية زفتة. وكان أصل بكتمر هذا من ~~جملة مماليك الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة للملك المنصور قلاوون، ~~وكان أخذ من بلاد الروم سنة خمس وسبعين وستمائة فيما أخذ من مماليك السلطان ~~غياث الدين كيخسرو متملك بلاد الروم عندما دخل الملك الظاهر بيبرس إلى ~~مدينة قيسرية، وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة الظاهر، فصار بكتمر هذا إلى ~~طرنطاي، وطرنطاي يوم ذاك مملوك الأمير سيف الدين قلاوون الألفي قبل سلطنته ~~فرئاه وأعتقه. فلما قتل طرنطاي صار بكتمر هذا للأشرف خليل، فرتبه في جملة ~~الأوجاقية في الإسطبل السلطاني. ثم نقلها المنصور لاجين وجعله أمير آخور ~~صغيرا، ثم أنعم عليه بإمرة عشرة بعد وفاة الفاخري. وما زال يترقى حتى ولي ~~الوزارة، ثم الحجوبية بدمشق ثم نيابة غزة ثم نيابة صفد ثم حجوبية الحجاب ~~بديار مصر إلى أن مات. وهو صاحب المدرسة والدار خارج باب النصر من القاهرة. ~~وخلف أموالا كثيرة، وكان معروفا بالشح وجمع المال. قلت: وعلى هذا كان غالب ~~أولاده وذريته ممن أدركنا. قال الشيخ ms1966 صلاح الدين الصفدي في تاريخه: وكان له ~~حرص عظيم على جمع المال إلى الغاية، وكان له الأملاك الكثيرة في كل مدينة، ~~وكان له قدور يطبخ فيها الحمص والفول وغير ذلك من الأواني تكرى، وكان بخيلا ~~جدا. حكى لي الشيخ فتح الدين بن سيد الناس قال: كنت عنده يوما وبين يديه ~~صغير من أولاده وهو يبكي ويتعلق في رقبته ويبوس صدره، فلما طال ذلك من ~~الصغير قلت له: يا خوند، ماله؟ قال: شيطان يريد قصب مص. فقلت: يا خوند، إقض ~~شهوته. فقال: يا بخشي، سير إلى السوق أربع فلوس هات له عودا. فلما حضر ~~العود القصب وجدوا الصغير قد نام فما تعنى وتعب في طلب القصب. فقال الأمير ~~بكتمر: هذا قد نام، ردوا العود وهاتوا الفلوس. انتهى كلام الصفدي. قلت: ~~ولأجل هذا كانت له تلك الأملاك الكثيرة والأموال الجمة. وإلا من هو بكتمر ~~بالنسبة إلى غيره من الأتابكية ونواب البلاد الشامية وغيرهم من عظماء ~~الأمراء ولكن هذا من ذاك. انتهى. وتوفي الشيخ الإمام جلال الدين أبو بكر ~~عبد الله بن يوسف بن إسحاق بن يوسف الأنصاري الذلاصي إمام الجامع الأزهر ~~بالقاهرة عن بضع وثمانين سنة. وكان يعتقد فيه الخير، وله شهرة بالدين ~~والصلاح. PageV03P0056 # وتوفي قاضي قضاة دمشق علاء الدين أبو الحسن علي بن إسماعيل بن يوسف ~~القونوي الشافعي في يوم السبت رابع عشر ذي القعدة. وكان عالما مصنفا بارعا ~~في فنون من العلوم. وتوفي الأمير عز الدين أيبك الخطيري أمير آخور في ~~العشرين من ذي القعدة. وتوفي الأمير سيف الدين ساطلمش بن عبد الله الفاخري ~~في ثالث ذي الحجة، وأنعم بإقطاعه على الأمير كوجبا الساقي. وكان قديم هجرة ~~في الأمراء، وله وجاهة عند السلطان وغيره. وتوفي الأمير ناصر الدين نصر ~~الطواشي شيخ الخدام بالحرم النبوي، ومقدم المماليك السلطانية معا في يوم ~~الخميس عاشر شهر رجب. واستقر عوضه في مشيخة الخدام وتقدمة المماليك ~~السلطانية الطواشي عنبر السحرتي. ومات عز الدين، القيمري. وتوفي الأمير ~~علاء الدين علي بن الكافري والي قوص. كان ولى ms1967 عدة أعمال، وكان من الظلمة. ~~وتوفي الأمير علم الدين سنجر بن عبد الله الأيدمري في شهر رجب الأول. وتوفي ~~الشيخ عز الدين أبو يعلى حمزة بن المؤيد أبي المعالي بن المظفر بن أسعد بن ~~حمزة القلانسي الشافعي بدمشق. وتوفي الشيخ الإمام نجم الدين أبو عبد الله ~~محمد بن عقيل بن أبي الحسن بن عقيل البالسي الشافعي بمصر. كان إماما فقيها ~~مدرسا مصنفا، شرح التنبيه في الفقه. وتوفي القاضي معين الدين هبة الله بن ~~علم الدين مسعود بن عبد الله بن حشيش، صاحب ديوان الجيش بمصر، ثم ناظر جيش ~~دمشق في جمادى الآخرة. كان إماما فاضلا نحويا كاتبا، وله فضائل، وتنقل في ~~عدة خدم. وتوفي الأمير حسام الدين لاجين بن عبد الله الصغير بقلعة البيرة. ~~وتوفي شرف الدين يعقوب بن عبد الكريم بن أبي المعالي الحلبي بحماة. كان ~~فاضلا كاتبا تنقل في عدة خدم بالبلاد الشامية وغيرها، وتولى كتابة السر ~~بحلب غير مرة، وكان فيه رياسة وحشمة. وفيه يقول الشيخ جمال الدين بن نباتة: ~~الرمل، قالت العليا لمن حاولها ... سبق الصاحب وآحتل ذراها فدعوا كسب ~~المعالي إنها ... حاجة في نفس يعقوب قضاها وتوفي الأمير سيف الدين أغزلو بن ~~عبد الله الركني منفيا بقوص في ربيع الآخر، وكان من أعيان الأمراء أصحاب ~~بيبرس وسلار. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وأصابع. مبلغ ~~الزيادة ست عشرة ذراعا وخمس أصابع. والله أعلم. ### || AUT السنة إحدى وعشرين من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة ثلاثين وسبعمائة. فيها توفي المسند ~~المعمر الرحلة أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم بن نعمة بن الحسن بن علي ~~المعروف بابن الشحنة وبالحجار الصالحي الدمشقي في خامس عشرين صفر. ومولده ~~سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ومات وهو مسند الدنيا وتفرد بالرواية عن بن ~~الزبيدي وا بن اللتي مدة سنين لا يشاركه فيها أحد، وسمع الناس عليه صحيح ~~البخاري أكثر من سبعين مرة لعلو سنده. وقدم القاهرة مرتين، وحدث بها ورحل ~~إليه من الأقطار. وتوفي ms1968 الأمير سيف الدين بهادر آص المنصوري أحد أمراء ~~الألوف بدمشق في تاسع عشر صفر الخير، وأنعم بإقطاعه على الأمير سنجر ~~البشمقدار. وكان بهادر شجاعا مقداما في الحرب، وتولى نيابة صفد. وكان له ~~أربعة أولاد منهم آثنان أمراء، فكان يضرب على بابه ثلاث طبلخانات. وقد تقدم ~~ذكره في أواخر ترجمة المظفر بيبرس الجاشنكير لما قدم مملوك الملك الناصر ~~على الأفرم نائب الشام ونحوه. وتوفي الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله ~~الدواداري المهمندار بدمشق في نصف جمادى الأولى، وكان من جملة أكابر أمراء ~~دمشق. وتوفي الأمير سيف الدين قلبرس ابن الأمير سيف الدين طيبرس الوزيري ~~بدمشق في ليلة الجمعة ثامن ذي القعدة. وكان من جملة أمراء دمشق، وكان فيه ~~مكارم وحشمة. PageV03P0057 # وتوفي الأمير عز الدين أيدمر بن عبد الله أمير جاندار مقتولا بمكة ~~المشرفة في يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة. وسبب قتله أنه توجه إلى الحج في ~~هذه السنة، فقتله بعض عبيد أمير مكة محمد بن عقبة بن إدريس بن قتادة ~~الحسني. وسببه أن بعض عبيد مكة عبثوا على بعض حجاج العراق وتخطفوا أموالهم، ~~فاستصرخ الناس به، وكان قد تأخر عن الحاج مع أمير الركب لصلاة الجمعة بمكة، ~~فنهض والخطيب على المنبر، فمنعهم من الفساد ومعه ولده، فتقدم الولد فضرب ~~بعض عبيد مكة فضربه العبد بحربة فقتله. فلما رأى أبوه ذلك اشتد حنقه وحمل ~~ليأخذ بثأر ابنه، فرمي الآخر بحربة فمات. وتفرق الناس وركب بعضهم بعضا ~~ونهبت الأسواق، وقتل خلق من الحجاج وغيرهم وصلى بعض الناس والسيوف تعمل، ~~وقتل مع أيدمر مملوكه وأمير عشرة يعرف بابن التاجي. وتراجع الأمراء ~~المصريون إلى مكة لطلب بعض الثأر فلم ينتج أمرهم وعادوا فارين. ثم أمر أمير ~~المصريين بالرحيل، وعادوا إلى القاهرة وأخبروا الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون، فجهز إلى مكة عسكرا كثيفا وعليه عمة من الأمراء، فتوجهوا وأخفوا ~~بثأر أيدمر وابنه، وقتلو جماعة كثيرة من العبيد وغيرهم، وأسرفوا في ذلك ~~وخرجوا عن الحد إلى الغاية. وتشتت أشراف مكة والعبيد عن أوطانهم وأخذت ~~أموالهم، ms1969 وحكمت الترك مكة من تلك السنة إلى يومنا هذا، وزال منها سطوة ~~أشراف مكة الرافضة والعبيد إلى يومنا هذا . وانقمع أهلها وارتدعوا، وكرههم ~~الملك الناصر ومقتهم وأقصاهم، حتى إنه لما حج بعد ذلك كان إذا أتاه صاحب ~~مكة لا يقوم له مع تواضع الملك الناصر للفقهاء والأشراف والصلحاء وغيرهم. ~~وكان أيدمر المذكور معظما عند الناصر وجيها فى دولته، وله الأملاك الكثيرة ~~والأموال الجزيلة، وكان خيرا دينا صالحا. وتوفي القاضي الرئيس علاء الدين ~~أبو الحسن علي بن القاضي تاج الدين أحمد بن سعيد بن محمد بن سعيد المعروف ~~بابن الأثير كاتب سر مصر، في يوم الأربعاء خامس عشر المحرم بعد ماتعطل ~~وأصابه مرض الفالج مدة سنين. وكان ذا سعادات جليلة وحرمة وافرة وجاه عريض، ~~يضرب به المثل في الحشمة والرياسة. وتوفي الأمير سيف الدين قدادار بن عبد ~~الله والي القاهرة وصاحب القنطرة على خليج الناصري خارج القاهرة في سادس ~~عشر صفر. وأنعم بإمرته على الأمير ماجار القبجاقي. وأصل قدادار هذا من ~~مماليك الأمير برلغي الأشرفي المقدم ذكره، وترقى إلى أن ولي كشف الغربية ~~وولاية البحيرة من أعمال الديار المصرية، ثم ولاية القاهرة وتمكن منها ~~تمكنا زائدا، وكان جريئا على الدنيا، ثم صرف عن ولاية القاهرة بناصر الدين ~~محمد بن المحسني، وأقام في داره إلى أن خرج للحج ثم عاد وهو مريض، فلزم ~~الفراش إلى أن مات في التاريخ المذكور. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن محمد ~~الرومي شيخ خانقاه بكتمر الساقي في يوم الأحد ثالث عشرين في الحجة، وولي ~~عوضه الشيخ زاده الدوقاتي. رحمه الله. وتوفي الوزير شمس الدين أبو القاسم ~~محمد بن محمد بن سهل بن أحمد بن سهل الأزدي، الغرناطي الأندلسي بالقاهرة ~~قافلا من الحج. وتوفي الأمير سيف الدين كجكن بن عبد الله الساقي الناصري في ~~سادس صفر. وكان من خواص الملك الناصر محمد وأكبر مماليكه. وتوفي الشيخ ~~الإمام الأديب ناصرالدين شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل بن عساكر الكناني ~~ثم المصري سبط الشيخ محيي الدين بن عبد ms1970 الظاهر. ومولده في سنة تسع وأربعين ~~وستمائة. وكان يباشر الإنشاء بمصر ودام على ذلك سنين إلى أن أصابه سهم في ~~نوبة حمص الكبرى سنة ثمانين وستمائة في صدغه فعمي منه، وبقي ملازما بيته ~~إلى أن مات. وكان إماما أديبا فاضلا ناظما ناثرا جماعا للكتب، خلف ثماني ~~عشرة خزانة كتب نفائس أدبية وغيرها. ومن شعره بعد عماه: البسيط، أضحى وجودي ~~برغمي في الورى عدما ... وليس لي فيهم ورد ولا صدر عدت عيني وما لي فيهم ~~أثر ... فهل وجود ولاعين ولا أثر وله أيضا: الخفيف، قال لي من رأى صباح ~~مشيبي ... عن شمالي ولمتي ويميني أي شيء هذا فقلت مجيبا ... ليل شك محاه ~~صبح يقين وله في شبابة: الخفيف، سلبتنا شبابة بهواها ... كل ما ينسب اللبيب ~~إليه PageV03P0058 # كيف لا والمحسن القول فيها ... تخذ أمرها بكلتا يديه أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمس أذرع وإصبعان. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع. ### || AUT السنة اثنتين وعشرين من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. فيها توفي ~~الأمير شهاب الدين صمغار بن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر في ثالث عشر ~~المحرم، وكان من جملة أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وأنعم الملك ~~الناصر بإقطاعه على بهادر بن أوليا بن قرمان. وكان صمغار المذكور بطلا ~~شجاعا يخافه الملك الناصر، وفرح بموته. وتوفي الأمير علاء الدين علي بن ~~الأمير قطلوبك الفخري أحد أمراء العشرات في سابع عشرين المحرم، وأنعم ~~بإقطاعه على الزيني أمير حاج بن الأمير طقزدمر الحموي. وتوفي الأمير سيف ~~الدين منكلي بغا السلاح دار في يوم الأحد سادس صفر ودفن خارج باب النصر من ~~القاهرة. وكان أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، وأنعم السلطان بإمرته على ~~الأمير تمربغا السعدي، وكان منكلي بغا المذكور كثير الأكل كثير النكاح، وله ~~فيهما حكايات عجيبة مضحكة. وتوفي قاضي القضاة بدمشق عز الدين أبو عبد الله ~~محمد بن تقي الدين سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر محمد بن ~~أحمد ms1971 بن قدامة الحنبلي الدمشقي بها في يوم الأربعاء تاسع صفر. وكان ولي ~~قضاء الحنابلة بدمشق بعد القاضي شرف الدين أبي محمد عبد الله بن الحسن بن ~~عبد الله عبد بن الغني المقدسي إلى أن مات في هذا التاريخ. وكان عالما ~~فاضلا مشكور السيرة. وتوفي الأمير قجليس بن عبد الله أمير سلاح في يوم ~~الثلاثاء خامس عشر صفر، وأنعم السلطان بإقطاعه وهو إمرة مائة على الأمير ~~ساطلمش الجلالي. وكان قجليس المذكور من أعيان أمراء الديار المصرية ~~وأماثلهم. قلت: ولم يكن أمير سلاح تلك الأيام في رتبة أيامنا هذه. وإنما ~~كان أمره أنه يحمل سلاح السلطان ويناوله إياه في يوم الحرب وفي عيد النحر، ~~وكان يجلس حيث كانت منزلته ، واستمر ذلك إلى أوائل سلطنة الملك الظاهر ~~برقوق حسب مايأتي ذكره إن شاء الله تعالى في محله. وتوفي الأمير سيف الدين ~~طرجي بن عبد الله الساقي أمير مجلس في يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الآخر. ~~وكانت وظيفة أمير مجلس يوم ذاك أكبر من وظيفة أمير سلاح، وكان هو الذي يحكم ~~على الجرايحية والحكماء وغيرهم. وتوفي الشيخ المسند المعمر بدر الدين أبو ~~المحاسن يوسف بن عمر بن حسان بن أبي بكر بن علي الحنفي في يوم الثلاثاء ~~خامس عشر صفر بالقاهرة، وهو آخر من حدث عن سبط السلفي، وكان صار رحلة الناس ~~في ذلك. وتوفي الأمير سيف الدين بغجار بن عبد الله الساقي أحد أمراء ~~الطبلخاناه بديار مصر، وأنعم الملك الناصر بإقطاعه على الآمير عمر بن أرغون ~~النائب. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير حسام الدين طرنطاي ~~المنصوري في يوم الأربعاء ثامن شهر رجب، وهو أحد أمراء الألوف بالديار ~~المصرية. وكان أميرا شجاعا كريما وجيها في الدول. وتوفي الأمير الكبير ~~أرغون بن عبد الله الناصري نائب السلطنة الشريفة ثم نائب حلب، وبها مات في ~~ليلة السبت ثامن عشر شهر ربيع الأول وقيل ربيع الآخر. وأصله من مماليك ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب الترجمة. اشتراه ورباه وأدبه وتبنى به ~~وأمره بملازمة الاشتغال، فآشتغل ms1972 ودأب وبرع وكتب الخط المنسوب، وسمع صحيح ~~البخاري بقراءة الشيخ أثير الدين أبي حيان، وكتب بخطه صحيح البخاري، وبرع ~~في الفقه وأصوله، وأذن له في الإفتاء والتدريس. قال الشيخ صلاح الدين ~~الصفدي: قال لي الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: كان أرغون يعرف مذهب أبي ~~حنيفة ودقائقه ويقصر فهمه في الحساب إلى الغاية. PageV03P0059 # قلت: كان قصور فهمه في الحساب إذ ليس هوبصدده، ولوصرف همته إلى ذلك لفهمه ~~وعلمه على أحسن وجه. انتهى. ورقاه أستاذه الملك الناصر لما رأى فيه مخايل ~~النجابة، وجعله دوادارا بعد الأمير بيبرس الدوادار، ثم ولأه نيابة السلطنة ~~بديار مصر وجعل أمورها كلها إليه فدام في نيابة السلطنة نحو ست عشرة سنة، ~~ثم أخرجه لنيابة حلب. وقد ذكرنا سبب إخراجه لحلب في أصل هذه الترجمة. وتولى ~~نيابة حلب بعد عزل الأمير آلطنبغا الصالحي، فباشر نيابتها نحو أربع سنين. ~~وهو الذي أمر بحفر نهر الساجور، وأجراه إلى حلب في سنة إحدى وثلانين. وكان ~~ليوم وصوله يوم مشهود. وفي هذا المعنى يقول الرئيس شرف الدين أبو عبد الله ~~الحسين بن سليمان بن ريان رحمه الله: البسيط، لما أتى نهر الساجور قلت له ~~... ماذا التأخر من حين إلى حين فقال أخرني ربي ليجعلني ... من بعض معروف ~~سيف الدين أرغون وقال الشيخ بدر الدين الحسن بن عمر بن الحسن، بن حبيب في ~~المعنى أيضا: السريع، قدأضحت الشهباء تثني على ... أرغون في صبح وديجور من ~~نهر الساجور أجرى بها ... للناس بحرا غير مسجور وقد استوعبنا أمر أرغون هذا ~~في المنهل الصافي بأكثر من هذا، إذ هو محل الإطناب في التراجم. وتوفي تاج ~~الدين إسحاق بن عبد الكريم، ، وكان أولا يدعى عبد الوهاب، ناظر الخاص ~~الشريف في يوم الاثنين مستهل جمادى الاخرة. وكان أصله من أقباط مصر يخدم في ~~الدواوين، ثم صار ناظر الدولة، ثم باشر نظر الخاص بعد كريم الدين الكبير، ~~فباشر بسكون وحشمة وانجماع عن الناس مع حسن سياسة إلى أن مات. وتولى الخاص ~~بعده ابنه شمس الدين موسى الذي وقع ms1973 له مع النشو ما وقع من العقوبات ~~والمصادرات، ومد الله في عمره إلى أن رأى نكبة النشو وقتله، على ماسيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى في محله من هذا الكتاب على سبيل الاختصار. وقد ~~استوعبنا أمر موسى المذكور في المنهل الصافي بما فيه عجائب وغرائب، فلينظر ~~هناك. وتوفي التاجر تاج الدين أبو بكر بن معين الدين محمد بن الدماميني ~~رئيس تجار الكارم في ثالث عشرين جمادى الآخرة، وقد قارب ثمانين سنة، وترك ~~مائة ألف دينار عينا. قلت: ولعله يكون والد الدمامينية الشاعر والقاضي ~~وغيرهما الآتي ذكرهما. وتوفي ملك الغرب صاحب فاس ومراكش، أبو سعيد عثمان بن ~~يعقوب بن عبد الحق في ذي الحجة، وقام من بعده ابنه السلطان أبو الحسن علي. ~~وكانت مدة عثمان هذا على فاس وغيرها من بلاد الغرب إحدى وعشرين سنة. وتوفي ~~الشيخ المسند شرف الدين أبو الحسين أحمد بن فخر الدين عبد المحسن بن الرفعة ~~بن أبي المجد العدوي. وأبوه عبد المحسن إليه ينسب جامع بن الرفعة بين مصر ~~والقاهرة. وتوفي الشيخ الإمام العلامة فخر الدين أبو عمرو عثمان بن إبراهيم ~~بن مصطفى بن سليمان المارديني الحنفي الشهير بالتركماني فى ليلة السبت حادي ~~عشر رجب. وكان إماما عالما بارعا مفتنا، تصدر للإفتاء والتدريس سنين عديدة، ~~وكان معظما عند الملوك. درس بالمنصورية من القاهرة، وشرح الجامج الكبير، ~~وسمع الكثير، وكان مقدما على أقرانه، فصيح العبارة، عالما باللغة والعربية، ~~والمعاني والبيان، شيخ السادة الحنفية في زمانه. وهو والد قاضي القضاة علاء ~~الدين، والعلامة تاج الدين أحمد، وجد جمال الدين عبد الله بن علي، وعبد ~~العزيز بن علي. وتخرج عليه خلائق كثيرة وانتفع به الناس. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاث أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا واثنتان ~~وعشرون إصبعا. والله أعلم. ### || AUT السنة الثالثة والعشرون من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ~~PageV03P0060 # فيها توفي الأمير الوزير علاء الدين مغلطاي بن عبد الله الجمالي، كان ~~يلقب بخرز، عند نزوله ms1974 من العقبة عائدا إلى الديار المصرية في يوم الأحد ~~سابع عشر المحرم، فحمل ميتا إلى القاهرة، ودفن بخانقاته في يوم الخميس حادي ~~عشرين المحرم. وكان أصله من مماليك الناصر محمد بن قلاوون صاحب الترجمة، ~~وكان من خواصه وخاصكيته، ثم أنعم عليه بإمرة، ثم نقله على إمرة بهادر ~~الإبراهيمي نقيب المماليك، دفعة واحدة، وندبه لمهماته، ثم ولاه أستادارا ~~فعظم أمره، ثم نقله إلى الوزارة وحكمه في جميع المملكة، فحسنت سيرته وساس ~~الناس وأبطل مظالم. وكان جوادا عاقلا عارفا حشما يميل لفعل الخير. انتفع به ~~جماعة كثيرة في ولايته، لأنه كان يأخذ على ولاية المباشرات المال، فقصده ~~الناس لذلك. وكان شأنه إذا ولى أحدا وجاء من يزيد عليه عزله وولى من زاد ~~بعد أن يعلم أن المعزول قد استوفى ما قام له به من المال، ومن لم يستوف ذلك ~~لم يعزله. ولم يصادر أحدا في مدة ولايته، وهذا من العجب ولاظلم أحدا، بل ~~كانت أيامه مشكورة. وكان المستولي عليه مجد الدين إبراهيم بن لفيتة. وخلف ~~الأمير فغلطاي المذكور عدة أولاد من زوجته بنت الأمير أسندمر كرجي نائب ~~طرابلس. وإليه تنسب المدرسة الجمالية بالقرب من درب ملوخيا داخل القاهرة ~~بالقرب من داره. وتوفي الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل صاحب ~~حماة بن الملك الأفضل علي بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن ~~الملك المنصور عمر بن شاهنشاه بن أيوب الأيوبي في ثالث عشرين المحرم. وتولى ~~حماة بعده آبنه الملك الأفضل، وقد تقدم ذكر قدومه على الملك الناصر وولايته ~~لحماة بعد وفاة أبيه المؤيد هذا. انتهى. وكان مولد الملك المؤيد في جمادى ~~الأولى سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وحفظ القرآن العزيز وعدة كتب، وبرع في ~~الفقه والأصول والعربية والتاريخ والأدب والطب والتفسير والميقات والمنطق ~~والفلسفة مع الاعتقاد الصحيح. وكان جامعا للفضائل، وصار من جملة أمراء ~~دمشق، إلى أن خدم الملك الناصر محمدا عند خروجه من الكرك في سلطنته ~~الثالثة. فلما تم أمره أنعم عليه بسلطنة حماه بعد الأمير أسندمر كرجي، وقد ~~تقدم ms1975 ذلك كله في صدر ترجمة الملك الناصر، وجعله صاحب حماة وسلطانها. وقدم ~~على الناصر القاهرة غير مرة، وحج معه، وحظي عنده إلى الغاية، حتى إن الملك ~~الناصر رسم إلى نواب البلاد الشامية بأن يكتبوا له: يقبل الأرض، فصار تنكز ~~مع جلالة قدره يكتب له: يقبل الأرض، و بالمقام الشريف العالي المولوي ~~السلطاني العمادي الملكي المؤيدي. وفي العنوان: صاحب حماة. ويكتب السلطان ~~الملك الناصر له: أخوه محمد بن قلاوون، أعز الله أنصار المقام الشريف ~~العالي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي بلا مولوي. وكان الملك المؤيد مع ~~هذه الفضائل عاقلا متواضعا جوادا. وكان للشعراء به سوق نافق. وهو ممدوح ~~الشيخ جمال الدين بن نباتة، مدحه بغرر القصائد ثم رثاه بعد موته. ومن جملة ~~مدائحه له: الكامل: أقسمت ما الملك المؤيد في الورى ... إلا الحقيقة ~~والكرام مجاز هو كعبة للفضل ما بين الندى ... منها وبين الطالبين حجاز ولما ~~مات رثاه بالقصيدة المشهورة التي أولها: البسيط، ما للندى ما يلبي صوت ~~داعيه ... أظن أن بن شادي، قام ناعيه ما للرجاء قد اشتدت مذاهبه ... ما ~~للزمان قد اسودت نواحيه ما لي أرى الملك قد فضت مواقفه ... ما لي أرى الوفد ~~قد قاضت مآقيه نعى المؤيد ناعيه فوا أسفا ... للغيث كيف غدت عنا غواديه ~~واروعتا لصباح من رزيته ... أظن أن صباح الحشر ثانيه واحسرتاه لنظمي في ~~مدائحه ... كيف استحال لنظمي في مراثيه أبكيه بالدر من دمعي ومن كلمي ... ~~والبحر أحسن ما بالدر أبكيه أروي بدمعي ثرى مللث له شيم ... قد كان يذكرها ~~الصادي فترويه أذيل ماء جفوني بعده أسفا ... لماء وجهي الذي قد كان يحميه ~~جار من الدمع لا ينفك يطلقه ... من كان يطلق بالإنعام جاديه ومهجة كلما ~~فاهت بلوعتها ... قالت رزية مولاها لها: إيه PageV03P0061 # ليت المؤيد لا زادت عوارفه ... فزاد قلبي المعنى من تلظيه ليت الحمام حبا ~~الأيام موهبة ... فكان يفني بني الدنيا ويبقيه ليت الأصاغر يفدى الأكبرون ~~بها ... فكانت الشهب في الآفاق تفديه والقصيد أطول من هذا، تزيد على خمسين ~~بيتا. وله فيه غير ذلك. ms1976 وقد تقدم من ذكره في المنهل الصافي أشياء أخر لم ~~نذكرها هنا، فلتنظر هناك. ومن شعر الملك المؤيد في مليح اسمه حمزة: البسيط، ~~اسم الذي أنا أهواه وأعشقه ... ومن أعوذ قلبي من تجنيه تصحيفه في فؤادي لم ~~يزل أبدا ... وفوق وجنته أيضا وفي فيه وتوفي الشيخ الصالح المعتقد ياقوت بن ~~عبد الله الحبشي الشاذلي، تلميذ الشيخ العارف بالله تعالى أبي العباس ~~المرسي، في ليلة الثامن عشر من جمادى الآخرة بثغر الإسكندرية وبها دفن. ~~وكان شيخا صالحا مباركا ذا هيبة ووقار وسمت وصلاح، وله أحوال وكرامات. ~~وقبره بالإسكندرية يقصد للزيارة. وتوفي الشيخ الصالح عبد العال، خليفة ~~الشيخ أحمد البدوي وخادمه، بقرية طنتتا بالغربية من أعمال القاهرة في ذي ~~الحجة. فكان له شهرة بالصلاح، ويقصد للزيارة والتبرك به، وذفن بالقرب من ~~الشيخ أحمد البدوي، الجميع في موضع واحد، غير أن كل مدفن في محل واحد على ~~حدته. وخلفاء مقام الشيخ أحمد البدوي من ذرية أخيه، لم يبلغنا من كراماته ~~شيء. وتوفي القاضي الرئيس فخر الدين محمد بن فضل الله ناظر الجيوش المنصورة ~~بالديار المصرية في يوم الأحد سادس عشر شهر رجب. قال الشيخ صلاح الدين: كان ~~متأهلا عمره لما كان نصرانيا. ولما أسلم حكى الشيخ فتح الدين بن سيد الناس ~~عن خاله القاضي شرف الدين بن زنبور قال: هذا بن أختي، مضى عمره متعبدا، ~~لأننا لما كنا نجتمع على الشراب في ذلك الدين كان، يتركنا وينصرف، فنتفقده ~~إذا طالت غيبته فنجده واقفا يصلي. ولما ألزموه بالإسلام هم بقتل نفسه ~~بالسيف، وتغيب أياما. ثم أسلم وحن إسلامه إلى الغاية، ولم يقرب نصرانيا بعد ~~ذلك ولا آواه ولا اجتمع به وحج غير مرة، وزار القدس غير مرة. وقيل إنه في ~~آخر عمره كان يتصدق في كل شهر بثلاثة آلاف درهم وبنى مساجد كثيرة بالقاهرة، ~~وعمر أحواضا كثيرة في الطرقات، وبنى بنابلس مدرسة وبالرملة بيمارستانا. ~~قال: وأخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله أنه كان حنفي المذهب، ثم قال: ~~وكان فيه عصبية شديدة لأصحابه وانتفع ms1977 به خلق كثير في الدولة الناصرية ~~لوجاهته عند أستاذه وإقدامه عليه. قال الصلاح: أما أنا فسمعت السلطان الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون يقول يوما في خانقاه سرياقوس لجندي واقف بين يديه ~~يطلب إقطاعا: لا تطول، والله لو أنك بن قلاوون ما أعطاك القاضي فخر الدين ~~خبزا يعمل أكثر من ثلاثة آلاف درهم وقد ذكرنا من أحواله أكثر من هذا في ~~المنهل الصافي. وتوفي الأمير سيف الدين سوتاي صاحب ديار بكر بالموصل في هذه ~~السنة وكان ملكا جليلا ذا رياسة ووقار، وعمر طويلا، وكان من أجل ملوك ديار ~~بكر. وتوفي شيخ القراء في زمانه برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم ~~الربعي الجعبري في شهر رمضان. وكان من أعيان القراء في زمانه. وتوفي شيخ ~~القراءات أيضا صدرالدين أحمد بن محمد بن عبد الله الدندري الشافعي في جمادى ~~الآخرة. وتوفي الأمير سيف الدين ألجاي بن عبد الله الناصري الدوادار. كان ~~من مماليك الملك الناصر محمد، وجعله دوادارا صغيرا جنديا مع الأمير أرسلان ~~الدوادار، فلما توفي أرسلان استقل ألجاي المذكور بالدوادارية الكبرى عوضه ~~على إمرة عشرة مدة سنين، ثم أعطاه إمرة طبلخاناه. قال الإمام خليل بن أيبك ~~في تاريخه: وأما اسمه في العلامة فما كتب أحد أحسن منه. وكان خبيرا عارفا ~~عفيفا خيرا طويل الروح. وكان يحب الفضلاء ويميل إليهم ويقضي حوائجهم ~~وينامون عنده ويبحثون ويسمع كلامهم، ويتعاطى معرفة علوم كثيرة. ومع هذا كان ~~لا بد في خطه أن يؤنث المذكر. وعمر له دارا على الشارع خارج بابي زويلة، ~~غرم على بوابتها مائة ألف درهم فلم تستكمل حتى مرض ونزل إليها من القلعة ~~مريضا، فأقام بها إلى أن مات. وولي الدوادارئة من بعده الأمير صلاح الدين ~~يوسف. أمر النيل في هذه السنة: PageV03P0062 # الماء القديم خمس أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإحدى ~~عشرة إصبعا. والله أعلم. ### || AUT السنة الرابعة والعشرون من سلطنة الناصر محمد # بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. فيها توفي ~~القاضي قطب الدين موسى بن ms1978 أحمد بن الحسين ناظر جيش دمشق ورئيسها، المعروف ~~بابن شيخ السلامية عن اثنتين وتسعين سنة، وكان نبيلا فاضلا وفور الحرمة. ~~وتوفي قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الحموي ~~الشافعي في حادي عشر جمادى الأولى وهو معزول بعد ما عمي. مولده بحماة في ~~سنة تسع وثلاثين وستمائة، وهو والد قاضي قضاة الديار المصرية عز الدين عبد ~~العزيز بن جماعة. وكان إماما عالما مصنفا، أخذ النحو عن ابن مالك، وأفتى ~~قديما، وعرضت فتواه على الشيخ محيي الدين النووي فاستحسن ما أجاب به. وتولى ~~قضاء القدس والخطابة بها. ثم نقل إلى مصر فولي قضاءها بعد عزل تقي الدين بن ~~بنت الأعز في أوائل سنة تسعين وستمائة. ثم وقع له أمور حكيناها في ترجمته ~~في تاريخنا، المنهل الصافي. ومن شعره: مخلع البسيط ارض من الله ما يقدره ~~... أراد منك المقام أو نقلك وحيثما كنت ذا رفاهية ... فاسكن فخير البلاد ~~ما حملك وتمم هذه الأبيات الحافط شهاب الدين أحمد بن حجر، فقال رحمه الله: ~~وحسن الخلق واستقم فمتى ... أسأت أحسن ولا تطل أملك من يتق الله يؤته فرجا ~~... ومن عصاه ولا يتوب هلك قلت: والبيت الثاني من قول ابن جماعة مأخوذ من ~~قول المتنبي، ولكن فاته الشنب، وهو: الطويل وكل امرىء يبدي الجميل محبب ... ~~وكل مكان ينبت العز طيب وتوفي الشيخ الإمام المؤزخ الفقيه شهاب الدين أبو ~~العباس أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكري النويري ~~الشافعي، صاحب التاريخ المعروف بتاريخ النويري في يوم الحادي والعشرين من ~~شهر رمضان. كان فقيها فاضلا مؤرخا بارعا، وله مشاركة جيدة في علوم كثيرة، ~~وكتب الخط المنسوب. قيل إنه كتب صحيح البخاري ثماني مرات، وكان يبيع كل ~~نسخة من البخاري بخطه بألف درهم وكان يكتب في كل يوم ثلاث كراريس، وتاريخه ~~سماه: منتهى الأرب، في علم الأدب في ثلاثين مجلدا. رأيته وانتقيته ونقلت ~~منه بعض شيء في هذا التاريخ وغيره. ومات وهو من أبناء الخمسين. رحمه الله. ~~وتوفي ms1979 الأمير سيف الدين بكتمر بن عبد الله الركني الساقي الناصري بعد ابنه ~~أحمد بثلاثة أيام في عاشر المحرم وحمل إلى نخل فدفن بها، واتهم الملك ~~الناصر أنه اغتالهما بالسم. وقد تقدم ذكر ذلك كله مفصلا في ترجمة الملك ~~الناصر، غير أننا نذكره هنا تنبيها على ما تقدم ذكره. كان أصل بكتمر من ~~مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، ثم انتقل إلى الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون، لعله بالخدم، فإن أستاذه المظفر بيبرس كان أمره عشرة في أواخر ~~دولته، ولولا أنه أعتقه ما أمره، فعلى هذا يكون عتيق المظفر. والله أعلم. ~~ويقوي ما قلته ما سنذكره، وهو أن بكتمر هذا حظي عند الملك الناصر لجمال ~~صورته وجعله ساقيا. وكان غريبا في بيت السلطان: لأنه لم يكن له خشداش، فكان ~~هو وحده، وسائر الخاصكية حربا عليه. وعظمت مكانته عند السلطان حتى تجاوزت ~~الحد. قال الصلاح الصفدي: كان يقال: إن السلطان وبكتمر لا يفترقان، إما أن ~~يكون بكتمر عند السلطان، وإما أن يكون السلطان عند بكتمر. انتهى كلام ~~الصفدي باختصار. قلت: ووقع لبكتمر هذا من العظمة والقرب من السلطان ما لم ~~يقع لغيره من أبناء جنسه. وقد استوعبنا أمره في المنهل الصافي مستوفى، حيث ~~هو كتاب تراجم الأعيان، وليس لذكره هنا إلا الاختصار إذ هذا الكتاب موضوع ~~للإطناب في تراجم ملوك مصر لاغير، ومهما كان غير ذلك يكون على سبيل ~~الاستطراد والضميمة لحوادث الملك المذكور لا غير، فيكون الاختصار فيما عدا ~~ملوك مصر أرشق، وإلا يطل الشرح في ذلك حتى تزيد عدة هذا الكتاب على مائة ~~مجلد وأكثر. وقد سقنا أيضا من ذكر بكتمر في أصل ترجمة الملك الناصر قطعة ~~جيدة فيها كفاية في هذا الكتاب، فلتنظر هناك. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاث أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست ~~عشرة إصبعا. PageV03P0063 ### || AUT السنة الخامسة والعشرون من سلطنة الناصر الثالثة # وهي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين ألماس بن ~~عبد الله الناصري حاجب الحجاب بالديار المصرية ms1980 في محبسه خنقا في ليلة ثاني ~~عشر صفر، وحمل من الغد حتى دفن بجامعه بالشارع خارج بابي زويلة. وكان من ~~مماليك الناصر محمد، اشتراه ورقاه وأمره وجعله جاشنكيره، ثم ولاه الحجوبية، ~~فصار في محل النيابة لشغور منصب النيابة في أيامه، فكان أكابر الأمراء ~~يركبون في خدمته، ويجلس في باب القلعة وتقف الحجاب في خدمته. ولا زال مقربا ~~عند السلطان حتى قبض عليه لأمور بلغته عنه: منها، أنه كان اتفق مع بكتمر ~~الساقي على قتل السلطان، ومنها محبته لصبي من أولاد الحسينية وتهتكه بسببه، ~~وغير ذلك. ولما حبسه السلطان منعه الطعام والشراب ثلاثة أيام ثم خنقه. وقد ~~تقدم ذكره في أصل ترجمة الملك الناصر بعد عوده من الحجاز نبذة أخرى يعرف ~~منها أحواله. وكان ألماس غتميا لا يعرف بالعربية شيئا. وكان كريما ويتباخل ~~خوفا من الملك الناصر. ولما مات وجد له أشياء كثيرة. وتوفي الأمير علم ~~الدين سليمان بن مهنا بن عيسى ملك العرب وأمير آل فضل في خامس عشرين ربيع ~~الأول، وتولى الإمرة بعده سيف بن فضل بن عيسى ابن مهنا. وتوفي السلطان ~~الملك الظاهر أسد الدين عبد الله بن الملك المنصور نجم الدين أيوب ابن ~~الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي، بن رسول ملك اليمن، بعد ما قبض عليه ~~الملك المجاهد بقلعة دملوه ، وصار الظاهر هذا يركب في خدمة المجاهد، ثم ~~سجنه المجاهد مدة شهرين وخنقه بقلعة تعز. وتوفي قاضي حماة نجم الدين عمر بن ~~محمد بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد المعروف بابن ~~العديم الحلبي الأصل الحنفي عن خمس وأربعين سنة، وهو من بيت علم ورياسة ~~وفضل. وتوفي الأمير طغاي تمر بن عبد الله العمري الناصري أحد مماليك الملك ~~الناصر وزوج ابنته في ليلة الثلاثاء ثامن عشرين شهر ربيع الأول. وكان من ~~أجل مماليك الناصر وأمرائه وأحد خواصه. وتوفي الأمير سوسون بن عبد الله ~~الناصري أحد مقدمي الألوف بديار مصر وأخو الأمير قوصون في ليلة الجمعة رابع ~~عشر جمادى ms1981 الأولى. وتوفي الشيخ الإمام العالم الحافظ ذو الفنون فتح الدين ~~أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن ~~سيد الناس اليعمري الإشبيلي في شعبان. كان إماما حافظا مصنفا، صنف السيرة ~~النبوية وسماه كتاب عيون الأثر، في فنون المغازي والشمائل والسير، ومختصر ~~ذلك سماه نور العيون، وكتاب تحصيل الإصابة، في تفضيل الصحابة والنفح الشذي، ~~في شرح جامع الترمذي وكتاب بشرى اللبيب، بذكرى الحبيب. وكان له نظم ونثر ~~علامة فهيما حافظا متقنا. ومن شعره قصيدته التي أولها: الكامل عهدي به ~~والبين ليس يروعه ... صبا براه نحوله ودموعه لا تطلبوا في الحب ثأر متيم ~~... فالموت من شرع الغرام شروعه عن ساكن الوادي، سقته مدامعي ... حدث حديثا ~~طاب لي مسموعه أفدي الذي عنت البدور لوجهه ... إذ حل معنى الحسن فيه جميعه ~~البدر من كلف به كلف به ... والغصن من عطف عليه خضوعه لله حلوي المراشف ~~واللمى ... حلو الحديث ظريفه مطبوعه دارت رحيق لحاظه فلنا بها ... سكر يجل ~~عن المدام صنيعه يجني فأضمر عتبه فإذا بدا ... فجماله مما جناه شفيعه وتوفي ~~الأمير قرطاي بن عبد الله الأشرفي نائب طرابلس، وقد جاوز ستين سنة في ثامن ~~عشرين صفر، وكان معظما عند الملك، أمره وولاه نيابة طرابلس إلى أن مات بها. ~~وتوفي الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله المعروف بطرنا نائب صفد في حادي ~~عشرين ربيع الأول. وكان أميرا شجاعا مقداما. وتوفي قاضي القضاة جمال الدين ~~أبو الربيع سليمان بن الخطيب مجد الدين عمر بن عثمان الأذرعي الشافعي ~~المعروف بالزرعي، في سادس صفر بالقاهرة وهو قاضي العسكر بها. وكان فقيها ~~عالما. وتوفي الأمير سيف الدين خاص ترك بن عبد الله الناصري أحد مقدمي ~~الألوف بالديار المصرية في شهر رجب بدمشق وكان من خواص مليك الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون. PageV03P0064 # وتوفي الشيخ مجد الدين حرمي بن قاسم بن يوسف العامري الفاقوسي الفقيه ~~الشافعي في ذي الحجة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان وثماني ~~أصابع. مبلغ الزيادة ms1982 ست عشرة ذراعا واثنتان وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السادسة والعشرون من سلطنة الناصر الثالثة # وهي سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. فيها توفي الأمير علم الدين سنجر بن عبد ~~الله الخازن والي القاهرة وهو معزول في يوم السبت ثامن جمادى الآخرة عن نحو ~~تسعين سنة. وأصله من مماليك الملك المنصور قلاوون، وترقى حتى صار خازنا ثم ~~شاد الدواوين، ثم ولي الكشف بالبهنسا بالوجه القبلي، ثم ولي القاهرة وشد ~~الجهات وأقام عدة سنين. وكان حسن السيرة، وإليه ينسب حكر الخازن خارج ~~القاهرة على بركة الفيل، وتربته بالقرب من قبة الإمام الشافعي بالقرافة. ~~وتوفي الأمير صلاح الدين طرخان ابن الأمير بدر الدين بيسري بسجن ~~بالإسكندرية في جمادى الأولى بعد ما أقام بالسجن أربع عشرة سنة. وتوفي ~~الشيخ الإمام الحافظ المؤرخ قطب الدين أبوعلي عبد الكريم بن عبد النور بن ~~منير الحلبي ثم المصري الحنفي. ومولده في سنة أربع وستين وستمائة. وكان ~~بارعا في فنون، صاحب مصنفات، منها شرحه لشطر صحيح البخاري، وتاريخ مصر في ~~عدة مجلدات، بيض أوائله ولم أقف عليه إلى الآن، وخرج لنفسه أربعين تساعيات. ~~وهو ابن أخت الشيخ نصر المنبجي، وبخاله كان يعرف وانتفع بصحبته. وتوفي ~~الشيخ الإمام المجود العلامة محمد بن بكتوت الظاهري القلندري الحنفي ~~بطرابلس في خامس عشر ربيع الأول، وكان كاتبا مجودا. ذكر أنه كتب على بن ~~الوحيد وكان يضع المحبرة على يده اليسرى والمجلدة في يده من كتاب الكشاف ~~للزمخشري ويكتب منه ماشاء وهو يغني فلا يغلط وكان أولا خصيصا عند الملك ~~المؤيد صاحب حماة، وأقام عنده مدة ثم طرده عنه. وتوفي الشيخ الواعظ شمس ~~الدين الحسين بن أسد بن المبارك بن الأثير بمصر في جمادى الآخرة. وكان ~~فقيها يعظ الناس وعليه قابلية. وتوفي القاضي زين الدين عبد الكافي بن ضياء ~~الدين علي بن تمام الأنصاري الخزرجي السبكي بالمحلة الكبرى، وهو على ~~قضائها. وكان فقيها بارعا. وتوفي الشيخ بهاء الدين محمود بن الخطيب محيي ~~الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن علي بن أحمد بن ms1983 عقيل السلمي شيخ ~~الكتاب في زمانه، المعروف بابن خطيب بعلبك بدمشق في شهر ربيع الأول. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يحرر. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا ~~وإحدى وعشرون إصبعا. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة السابعة والعشرون من سلطنة الناصر محمد الثالثة # وهي سنة ست وثلاثين وسبعمائة. فيها توفي القان بوسعيد ابن القان محمد ~~خربندا بن القان أرغون بن القان أبغا بن القان الطاغية هولاكو ملك التتار ~~وصاحب العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان والروم وأطراف ممالك ما وراء ~~النهر في شهر ربيع الآخر، وقد أناف على ثلاثين سنة. وكانت دولته عشرين سنة، ~~لأن جلوسه على تخت الملك كان في أول جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة ~~بمدينة السلطانية وعمره إحدى عشرة سنة. وبو سعيد اسم غير كنية بضم الباء ~~ثانية الحروف وسكون الواو. وسعيد معروف لا حاجة لتعريفه، ومن الناس من يقول ~~بو صعيد بالصاد المهملة. وكان بو سعيد المذكور ملكا جليلا مهابا كريما ~~عاقلا، ولديه فضيلة، ويكتب الخط المنسوب، ويجيد ضرب العود والموسيقى، وصنف ~~في ذلك قطعا جيدة، في أنغام غريبة من مذاهب النغم. وكان مشكور السيرة، أبطل ~~في سلطنته عدة مكوس، وأراق الخمور من بلاده ومنع الناس من شربها، وهدم ~~الكنائس، وورث ذوي الأرحام، فإنه كان حنفيا، وهو آخر ملوك التتار من بني ~~جنكزخان، ولم يقم للتتار بعد موته قائمة إلى يومنا هذا. PageV03P0065 # وتوفي الأمير جمال الدين آقوش بن عبد الله الأشرفي المعروف بنائب الكرك ~~محبوسا بثغر الإسكندرية في يوم الأحد سابع جمادى الأولى. وأصله من مماليك ~~الملك المنصور قلاوون، وأضافه قلاوون إلى ولده الأشرف خليل وجعله أستاداره ~~فعرف بالأشرفي، واستمر بخدمة الملك الأشرف إلى أن تسلطن، أمره ثم ولاه ~~نيابة الكرك. قيل: إنه ماولي نيابة الكرك إلا في سلطنة الملك الناصر ~~الثانية، وهو الأقوى. وقد مر من ذكر آقوش هذا أشياء كثيرة في ترجمة المظفر ~~بيبرس، وعند قدوم الملك الناصر إلى الكرك لما خلع نفسه وغير ذلك. وكان آقوش ~~أميرا جليلا معظما، وكان يقوم له الملك ms1984 الناصر لما يدخل عليه وهو جالس على ~~تخت الملك أمام الخدم. وطالت أيامه في السعادة، وله مآثر كثيرة. وهو صاحب ~~الجامع الذي بآخر الحسينية بالقرب من كوم الريش، وهو إلى الآن عامر وما ~~حوله خراب. وتوفي الأمير أيتمش بن عبد الله المحمدي نائب صفد في ليلة ~~الجمعة سادس عشرين ذي الحجة. وكان من مماليك الملك الناصر محمد ومن خواصه، ~~وهو أحد من كان يندبه الناصر وهو بالكرك لمهماته، ولما تسلطن أمره، ثم ولاه ~~نيابة صفد وغيرها إلى أن مات. وكان أميرا عارفا كاتبا فاضلا عاقلا مدبرا ~~متواضعا كريما. وتوفي الأمير سيف الدين إيناق بن عبد الله الناصري أحد ~~مقدمي الألوف في ثامن عشرين شعبان، وكان أيضا من خواص الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون ومن أكابر مماليكه. وتوفي شيخ الكتاب عماد الدين محمد بن العفيف ~~محمدبن الحسن الأنصاري الشافعي المعروف بابن العفيف، صاحب الخط المنسوب. ~~كتب عدة مصاحف بخطه. وكان إماما في معرفة الخط، وعنده فضائل، وله نظم ونثر ~~وخطب تصدى للكتابة مدة طويلة، وانتفع به عامة الناس. وكان صالحا دينا خيرا ~~فقيها حسن الأخلاق. مات بالقاهرة ودفن بالقرافة وله إحدى وثمانون سنة. ~~وتوفي القاضي عماد الدين إسماعيل بن محمد بن الصاحب فتح الدين عبد الله ابن ~~محمد القيسراني كاتب حلب في ذي القعدة. وتوفي الشيخ تقي الدين سليمان بن ~~موسى بن بهرام السمهودي الفقيه الشافعي الفرضي العروضي الأديب. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني ~~عشرة ذراعا. والوفاء يوم النوروز. ### || AUT السنة الثامنة والعشرون من سلطنة الناصر محمد الثالثة # وهي سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. فيها توفي الأمير عز الدين أيدمر الخطيري ~~المنصوري أحد أمراء الألوف بالديار المصرية في يوم الثلاثاء أول شهر رجب ~~بالقاهرة. وأصله من مماليك الخطير الرومي والد أمير مسعود، ثم انتقل إلى ~~ملك المنصور قلاوون، فرقاه حتى صار من أجل الأمراء البرجية. ثم ترقى في ~~الدولة الناصرية وولي الأستادارية. ثم وقع له أمور، وقبض عليه السلطان ~~الملك الناصر محمد ms1985 في سلطنته الثالثة، ثم أطلقه وأنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف، وزيادة إمرة عشرين فارسا وصار معظما عند الناصر، ويجلس رأس ~~الميسرة، وبقي أكبر أمراء المشورة. وكان لا يلبس قباء مطرزا ولا يدع عنده ~~أحدا يلبس ذلك. وكان أحمر الوجه منور الشيبة كريما جدا واسع النفس على ~~الطعام. حكي أن أستاداره قال له يوما: يا خوند، هذا السكر الذي يعمل في ~~الطعام ما يضر أن نعمله غير مكرر؟ فقال:، لا، فإنه يبقى في نفسي أنه غير ~~مكرر فلا تطيب ولما مات خلف ولدين أميرين: أمير علي وأمير محمد. وهو من ~~الأمراء المشهورين بالشجاعة والدين والكرم، وهو الذي عمر الجامع برملة ~~بولاق على شاطىء النيل والربع المشهور، وغرم عليه جملة مستكثرة فلما تم ~~أكله البحر ورماه، فأصلحه وأعاده في حياته. وقد تقدم ذكر بنائه لهذا الجامع ~~في أصل ترجمة الملك الناصر، وسبب مشتراه لموضع الجامع المذكور وتاريخ ~~بنائه. وتوفي الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله الحموي في يوم الأربعاء ~~خامس عشرين شعبان على مدينة آياس، وقد بلغ مائة سنة، فحمل إلى حماة ودفن ~~بها. وكان مهابا كثير العطاء، طالت أيامه في الإمرة والسعادة. وهو ممن تأمر ~~في دولة الملك الظاهر بيبرس البندقداري، رحمه الله. وتوفي الشيخ المعتقد ~~الصالح محمد بن عبد الله بن المجد إبراهيم المرشدي، صاحب الأحوال والكرامات ~~والمكاشفات بناحية منية مرشد في ثامن شهر رمضان. وكان للناس فيه اعتقاد ~~حسن، ويقصد للزيارة. PageV03P0066 # وتوفي الشيخ قطب الدين إبراهيم بن محمد بن علي بن مطهر بن نوفل الثعلبي ~~الأدفوي في يوم عرفة بأدفو. وكان فقيها فاضلا بارعا ناظما ناثرا. وتوفي ~~الشيخ المحدث تقي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن أحمد اليونيني ~~البعلبكي الحنبلي. ومولده سنة سبع وستين وستمائة، ذكره الحافظ أبو عبد الله ~~الذهبي في معجمه وأثنى عليه. وتوفي الشيخ ناصر الدين محمد بن الشيخ المعتقد ~~إبراهيم بن معضاد الجعبري الواعظ بالقاهرة في يوم الاثنين رابع عشرين ~~المحرم. وكان يعظ الناس، وجلس مكان والده الشيخ إبراهيم ms1986 الجعبري، وكان ~~لوعظه رونق، وهو من بيت صلاح ووعظ. وتوفي المسند المعمر مسند الديار ~~المصرية شرف الدين يحيى بن يوسف المقدسي المعروف بابن المصري بالقاهرة عن ~~نيف وتسعين سنة. وتوفي الشيخ كمال الدين أبو الحسن علي بن الحسن بن علي، ~~الحويزاني شيخ خانقاه سعيد السعداء في صفر بالقاهرة. وكانت لديه فضيلة، ~~وعنده صلاح وخير. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثماني ~~عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة التاسعة والعشرون من سلطنة الناصر الثالثة # وهي سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. فيها توفي قاضي قضاة دمشق شهاب الدين ~~محمد بن المجد عبد الله بن الحسين بن علي الإربلي الزرزاري الشافعي، وقع عن ~~بغلته فلزم الفراش أسبوعا ومات في جمادى الأولى بدمشق. ومولده سنة اثنتين ~~وستين وستمائة. وكان بارعا في الفقه والفروع والشروط، وأفتى ودرس وكتب ~~الطباق وسمع الكثير، وولي قضاء دمشق بعد القاضي جمال الدين بن جملة، وعزل ~~بالقاضي جلال الدين القزويني. ولما تولى القاضي شهاب الدين بن القيسراني ~~كتابة سر دمشق توجه القاضي شهاب الدين هذا إليه لتهنئته، فنفرت به البغلة ~~في الطريق فوقع فشج دماغه، فحمل في محفة إلى بيته ومات بعد أسبوع. ولما وقع ~~عن بغلته قال فيه الشيخ شمس الدين محمد بن الخياط الدمشقي رحمه الله: ~~السريع بغلة قاضينا إدا زلزلت ... كانت له من فوقها الواقعه تكاثر ألهاه من ~~عجبه ... حتى غدا ملقى على القارعه فأظهرت زوجته عندها ... تضايقا بالرحمة ~~الواسعه وتوفي الشيخ الإمام العلامة النحوي ركن الدين محمد بن عبد الرحمن ~~بن يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الجليل المعروف بابن القوبع القرشي التونسي ~~المالكي النحوي، صاحب الفنون الكثيرة بالقاهرة عن أربع وسبعين سنة. وتوفي ~~شيخ الإسلام شرف الدين هبة الله بن قاضي حماة نجم الدين عبد الرحيم بن أبي ~~الطاهر إبراهيم بن المسلم بن هبة الله بن حسان بن محمد بن منصور بن أحمد ~~الشافعي الجهني المعروف بابن البارزي قاضي حماة في نصف ذي القعدة. ms1987 ومولده ~~في خامس شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة. وكان إماما علامة في الفقه ~~والأصول والنحو واللغة، وأفتى ودرس سنين، وانتفع الطلبة به، وتخرج به ~~خلائق، وحكم بحماة دهرا، ثم ترك الحكم وذهب بصره. وصنف كتبا كثيرة، وحج ~~مرات، وحدث بأماكن. ولما مات غلقت أبواب، حماة لمشهده. ومن مصنفاته: ~~تفسيران، وكتاب بديع القرآن، ووشرح الشاطبية، والشرعة في القراءات، السبعة ~~و كتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب مختصر جامع الأصول، مجلدين، والوفا في شرح ~~أحاديث، المصطفى، والأحكام على أبواب التنبيه. وغريب الحديث، وشرح الحاوي ~~في الفقه أربع مجلدات، ومختصر التنبيه في الفقه، والزبدة في الفقه، ~~والمناسك، وكتاب في، العروض، وغير ذلك. PageV03P0067 # وتوفي القاضي الرئيس محيي الدين يحيي بن فضل الله بن مجلي العمري القرشي ~~كاتب السر الشريف بالشام أولا ثم بمصر آخرا، وهو أخو القاضي شرف الدين عبد ~~الوهاب، وأخو القاضي بدر الدين محمد، ووالد القاضي العلامة شهاب الدين ~~أحمد، وبدر الدين محمد، وعلاء الدين علي، وجد القاضي بدر الدين محمد بن علي ~~آخر من ولي من بني فضل الله كتابة السر بديار مصر الآتي ذكره في محله إن ~~شاء الله تعالى. قال الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك: لم أر فى عمري من كتب ~~النسخ وخرج التخاريج والحواشي أحلى وأظرف ولا ألطف منه، بل الشيخ فتح الدين ~~بن سيد الناس معه والقاضي جمال الدين إبراهيم ابن شيخنا شهاب الدين محمود، ~~فإن هؤلاء الثلاثة غاية في حسن الكتابة. لكن القاضي محيي الدين هذا رعشت ~~يده وارتجت كتابته أخيرا. قال: ولم أر عمري من نال سعادته في مثل أولاده ~~وأملاكه ووظائفه وعمره. وكان السلطان قد بالغ أخيرا في احترامه وتعظيمه، ~~وكتب له في أيام الأمير سيف الدين ألجاي الداودار توقيعا بالجناب العالي ~~يقبل الأرض، واستعفى من ذلك وكشطها وقال: ما يصلح لمتعمم أن يعدى به المجلس ~~العالي. انتهى كلام الشيخ صلاح الدين. وتوفي قاضي القضاة جمال الدين يوسف ~~بن إبراهيم بن جملة الدمشقي الشافعي قاضي قضاة دمشق بها. وكان فقيها بارعا، ~~ولي قضاء دمشق ms1988 إلى أن عزل بقاضي القضاة شهاب الدين بن المجد. وتوفى الأمير ~~سيف الدين طغجي بن عبد الله المنصوري في الحبس. وكان من أعيان الأمراء ~~البرجية معدودا من الشجعان. وتوفي الأمير سيف الدين صلديه بن عبد الله كاشف ~~الوجه القبلي، وكان من الظلمة، مهد البلاد في ولايته. وتوفي الأمير سيف ~~الدين آقول بن عبد الله المنصوري الناصري الحاجب بديار مصر. وكان من أعيان ~~الأمراء. وتوفي الأديب شهاب الدين أحمد بن يوسف بن هلال الصفدي الطبيب، ~~ومولده في سنة إحدى وستين وستمائة. كان من جملة أطباء السلطان، وكان بارعا ~~في الطب، وله قدرة على وضع المشجرات، ويبرز أمداح الناس في أشكال أطيار ~~وعمائر وأشجار وعقد وأخياط وغير ذلك، وله نظم ونثر. ومن شعره ما يكتب على ~~سيف: الكامل أنا أبيض كم جئت يوما أسودا ... فأعدته بالنصر يوما أبيضا ذكر ~~إذا ما استل يوم كريهة ... جعل الذكور من الأعادي حيضا أختال ما بين ~~المنايا والمنى ... وأجول في وسط القضايا والقضا أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمس أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشرون ~~إصبعا. وكان الوفاء يوم النوروز. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الثلاثون من سلطنة الناصر محمد بن قلاوون الثالثة. # وهي سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. فيها توفي خطيب القدس زين الدين عبد ~~الرحيم بن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة ~~الشافعي الحموي الأصل المعروف بابن جماعة. وتوفي الأمير سيف الدين بهادر بن ~~عبد الله المعزي الناصري أحد أمراء الألوف بالديار المصرية في ليلة الجمعة ~~تاسع شعبان. وكان أميرا جليلا معظما في دولة أستاذه، بلغت تركته مائة ألف ~~دينار، أخذها النشو ناظر الخاص. وتوفي قاضي القضاة العلامة جلال الدين محمد ~~بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم القزويني الشافعي ~~بدمشق في خامس عشر جمادى الأخرة. وكان ولي قضاء مصر والشام، وكان عالما ~~بارعا مفتنا في علوم كثيرة، وله مصنفات في عدة فنون. وكان مولده بالموصل في ~~سنة ms1989 ست وستين وستمائة. وتوفي الشيخ الإمام الحافظ المؤرخ علم الدين القاسم ~~بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الشافعي بخليص، وهو محرم في رابع ذي ~~الحجة عن أربع وسبعين سنة. وبرزالة: قبيلة قليلة جدا. وكان أبوه شهاب الدين ~~محمد من كبار عدول دمشق. وأما جد أبيه محمد بن يوسف فهو الإمام الحافظ زكي ~~الدين الرحال محدث الشام أحد الحفاظ المشهورين. وقد تقدم ذكره. انتهى. وكان ~~الحافظ علم الدين هذا محدثا حافظا فاضلا سمع الكثير ورحل إلى البلاد وحصل ~~ودأب وسمع خلائق كثيرة، تزيد عدتهم على ألفي شيخ، وحدث وخرج وأفاد وأفتى ~~وصنف تاريخا على السنين. PageV03P0068 # وتوفي الشيخ الأديب أبو المعالي زين الدين خضر بن إبراهيم بن عمر بن محمد ~~بن يحيى الرفاء الخفاجي المصري عن تسع وسبعين سنة. ومن شعره في ساق: البسيط ~~لله ساق له ردف فتنت به ... لما تبدى بساق منه براق فلا تسل فيه عن وجدي ~~وعن ولهي ... فأصل ما بي من ردف ومن ساق قلت: وأحسن من هذا قول القيراطي: ~~مجزوء الرجز وأغيد يسقي الطلا ... بديع حسن قد بهر في كفه شمس فما ... له ~~لرائيه قمر وأحسن منهما قول القائل فى هذا المعنى: السريع قد زمزم الساقي ~~الذي لم يزل ... يدير للأحباب كأس المدام وقد فهمناه وهمنا به ... بأحسن ما ~~زمزم وسط المقام وتوفي الشيخ جمال الدين أحمد بن هبة الله بن المكين ~~الإسنائي الفقيه الشافعي بإسنا، وقد جاوز السبعين سنة في شوال. وتوفي ~~الأمير علاء الدين علي بن أمير حاجب والي مصر وأحد الأمراء العشرات وهو ~~معزول، وكان عنده فضيلة وعني بجمع القصائد النبوية، حتى كمل عنده منها خمسة ~~وسبعون مجلدا. وتوفي قاضي القضاة فخر الدين أبو عمرو عثمان بن علي بن عثمان ~~بن علي بن عثمان بن إسماعيل بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن علي بن هبة ~~الله بن ناجية الشافعي المعروف بابن خطيب جبرين بالقاهرة بالمدرسة ~~المنصورية ليلة السبت السابع والعشرين من المحرم ودفن بمقابر الصوفية. ~~ومولده في العشر الأخير من شهر ms1990 ربيع الأول سنة اثنتين وستين وستمائة ~~بالحسنية ظاهر القاهرة. وكان بارعا في الفقه والأصول والنحو والأدب والحديث ~~والقراءات، وتولى قضاء حلب سنة ست وثلاثين وسبعمائة فتكلم فيه، فطلبه الملك ~~الناصر وطلب ولده، فروعهما الحضور قدامه لكلام أغلظه لهما، فنزلا مرعوبين ~~ومرضا بالبيمارستان المنصوري، فمات ولده قبله، وتوفي هو بعده بيوم أو ~~يومين. وكان عالما، وله عدة مصنفات. شرح الشامل الصغير، وشرح التعجيز، وشرح ~~مختصر ابن الحاجب في الأصول، وشرح، البديع لابن الساعاتي في الأصول، وقد ~~استوعبنا ترجمته في المنهل الصافي بأوسع من هذا. وتوفي الأمير الفقيه علاء ~~الدين أبو الحسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الحنفي بمنزله على شاطىء ~~النيل في تاسع شوال. ومولده في سنة خمس وسبعين وستمائة. كان إماما فقيها ~~بارعا محدثا. أفتى ودرس وحصل من الكتب جملة مستكثرة، وصنف عدة مصنفات، ورتب ~~التقاسيم والأنواع في الحديث، لابن حبان، ورتب الطبراني ترتيبا جيدا إلى ~~الغاية، وألف سيرة لطيفة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكتابا في المناسك ~~جامعا لفروع كثيرة في المذهب. وتوفي القاضي فخر الدين محمد بن بهاء الدين ~~عبد الله بن أحمد المعروف بابن الحلي بالقدس الشريف. وكان رئيسا، ولي نظر ~~جيش دمشق عدة سنين. وتوفي علاء الدين علي بن هلال الدولة بقلعة شيزر بعد ~~ماولي بالقاهرة عدة وظائف. وتوفي الأمير سيف الدين بيليك بن عبد الله ~~المحسني بطرابلس. وكان من جملة أمرائها. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربع أذرع وخمس عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وعشر أصابع. ~~والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الحادية والثلاثون من سلطنة الناصر الثالثة # وهي سنة أربعين وسبعمائة. فيها توفي الخليفة أمير المؤمنين المستكفي ~~بالله أبو الربيع سليمان بن الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن ~~الحسن بن أبي بكر الهاشمي العباسي بمدينة قوص في خامس شعبان عن ست وخمسين ~~سنة وستة أشهر وأحد عشر يوما. وكانت خلافته تسعا وثلاثين سنة وشهرين وثلاثة ~~عشر يوما. وكان حشما كريما فاضلا. كان أخرجه الملك الناصر إلى قوص ms1991 لما كان ~~في نفسه منه لما كان منه في القيام بنصرة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، ~~وتولى الخلافة من بعده ولده أبو العباس أحمد ولقب بالحاكم على لقب جده بعهد ~~منه إليه. وكان الناصر منع الحاكم من الخلافة وولى غيره، حسب ما ذكرناه في ~~ترجمة الملك الناصر، فلم يتم له ذلك وولى الحاكم هذا. وتوفي الأمير شمس ~~الدين آق سنقر بن عبد الله شاد العمائر، المنسوبة إليه قنطرة سنقر على ~~الخليج خارج القاهرة، والجامع بسويقة السباعين على البركة الناصرية فيما ~~بين القاهرة ومصر. وكانت وفاته بدمشق. PageV03P0069 # وتوفي الأمير علاء الدين علي بن حسن المرواني والي القاهرة في ثاتي عشرين ~~رجب بعد ما قاسى أمراضا شنيعة مذة سنة. وكان ظالما غشوما سفاكا للدماء، ~~اقترح في أيام ولايته عقوبات مهولة، منها أنه كان ينعل الرجل في رجليه ~~بالحديد كما تنعل الخيل، ومنها تعليق الرجل بيديه وتعلق مقايرات العلاج في ~~رجليه فتنخلع أعضاؤه فيموت. وقتل خلقا كثيرا من الكتاب وغيرهم في أيام ~~النشو. ولما حملت جنازته وقف عالم كثير لرجمه، فركب الوالي وابن صابر ~~المقدم حتى طردوهم ومنعوهم ودفنوه. وتوفي شرف الدين عبد الوهاب بن التاج ~~فضل الله المعروف بالنشو ناظر الخاص الشريف تحت العقوبة في يوم الأربعاء ~~ثاني شهر ربيع الآخر. وقد تقدم التعريف بأحواله وكيفية قتله والقبض عليه في ~~ترجمة الملك الناصر هذه مفصلا مستوفى. كان هو وأبوه وإخوته يخدمون الأمير ~~بكتمر الحاجب، ثم خدم النشو هذا عند الأمير أيدغمش أمير آخور. فلما جمع ~~السلطان في بعض الأيام كتاب الأمراء رأى النشو وهو واقف وراء الجماعة وهو ~~شاب نصراني طويل حلو الوجه، فاستدعاه وقال له: إيش اسمك؟ قال: النشو، فقال ~~السلطان: أنا أجعلك نشوي، ورتبه مستوفيا، وأقبلت سعادته، فأرضاه فيما ندبه ~~إليه وملأ عينه، واستمر على ذلك حتى استسلمه الأمير بكتمر الساقي وسلم إليه ~~ديوان سيدي آنوك بن الملك الناصر إلى أن توفي القاضي فخر الدين ناظر الجيش، ~~فنقل الملك الناصر شمس الدين موسى ناظر الخاص إلى نظر الجيش عوضه، وولى ~~النشو ms1992 هذا نظر الخاص على ما بيده من ديوان ابن السلطان. ووقع له ماحكيناه ~~في ترجمة الملك الناصر كل شيء فى محله. قال الصلاح الصفدي: ولما كان في ~~الاستيفاء، وهو نصراني، كانت أخلاقه حسنة وفيه بشر وطلاقة وجه وتسرع لقضاء ~~حوائج الناس، وكان الناس يحبونه. فلما تولى الخاص وكثر الطلب عليه، وزاد في ~~الإنعامات والعمائر، وبالغ في أثمان المماليك، وزوج بناته واحتاج إلى الكلف ~~العظيمة، ساءت أخلاق النشو وأنكر من يعرفه، وفتح أبواب المصادرات. انتهى ~~كلام الصفدي باختصار. وتوفي الشيخ مجد الدين أبو بكر بن إسماعيل بن عبد ~~العزيز السنكلوني الشافعي في شهر ربيع الأول، وكان فقيها فاضلا. شرح ~~التنبيه في الفقه، وتولى مشيخة خانقاه الملك المظفر بيبرس، ودرس وأفتى. ~~وتوفي الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله الأوحدي المنصوري والي قلعة ~~الجبل في شهر ربيع الأول. وتوفي الأمير سيف الدين أيدمر بن عبد الله ~~الدوادار بدمشق. وكان أميرا جليلا خيرا دينا. وتوفي الأمير سيف الدين بهادر ~~بن عبد الله البدري الناصري نائب الكرك، بعد ما عزل عن الكرك ونفي إلى ~~طرابلس فمات بها. وتوفي شيخ الشيوخ بخانقاه سرياقوس العلامة مجد الدين أبو ~~حامد موسى بن أحمد بن محمود الأقصرائي الحنفي في شهر ربيع الآخر. وكان ~~إماما فقيها بارعا مفتيا. وتوفي الشيخ جمال الدين عبد القاهر بن محمد بن ~~عبد الواحد بن محمد بن إبراهيم التبريزي الحراني الشافعي. كان فقيها عالما ~~أديبا شاعرا. ومن شعره دوبيت: وجدي وتصبري قليل وكثير ... والقلب ومدمعي ~~طليق وأسير والكون وحسنكم جليل وحقير ... والعبد وأنتم غني وفقير وتوفي ~~الأمير ركن الدين بيبرس الركني كاشف الوجه البحري ونائب الإسكندرية. وكان ~~أصله من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير. رحمه الله. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربع أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ثة سبع عشرة ذراعا ~~وثماني أصابع. ### || AUT السنة الثانية والثلاثون من سلطنة الناصر # محمد بن قلاوون الثالثة على مصر وهي سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وهي ~~التي مات فيها الملك الناصر حسب ما تقدم ذكره. فيها ms1993 أعني سنة إحدى وأربعين ~~توفي الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا في يوم ~~الرابع والعشرين من رجب. وكان من أعيان الأمراء، وكان فقيها أديبا شاعرا. ~~PageV03P0070 # وتوفي الوزير الصاحب أمين الدين أمين الملك أبو سعيد عبد الله بن تاج ~~الرياسة بن الغنام تحت العقوبة مخنوقا في يوم الجمعة رابع جمادى الأولى، ~~ووزر ثلاث مرات بالديار المصرية، وباشر نظر الدولة واستيفاء الصحبة، وخدم ~~في بيت السلطان من الأيام الأشرفية، وتنقل في عدة خدم بمصر ودمشق وطرابلس ~~نصرانيا ومسلما. ولما أسلم حسن إسلامه وتجنب النصارى، وكان رضي الخلق. ~~وتوفي الغلامة افتخارالدين جابر بن محمد بن محمد الخوارزمي الحنفي شيخ ~~الجاولية بالكبش خارج القاهرة في يوم الخميس سادس عشر المحرم، وكان إماما ~~عالما بارعا في النحو واللغة شاعرا أديبا مفوها. وتوفي القاضي عز الدين عبد ~~الرحيم بن نور الدين علي بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفرات ~~أحد نواب الحكم الحنفية في ليلة الجمعة ثاني عشرين ذي الحجة، وكان فقيها ~~محدثا. وتوفي الأمير الكبير شمس الدين قراسنقر المنصوري ببلاد مراغة، وقد ~~أقطعه إياها بو سعيد بن خربندا ملك التتار، وكان موته بمرض الإسهال. وقد ~~أعيا الملك الناصر قتله، وبعث إليه كثيرا من الفداوية بحيث قتل بسببه نحو ~~مائة وأربعة وعشرين فداويا ممن كان يتوجه لقتله فيمسك ويقتل. فلما بلغ ~~السلطان موته قال: والله ما كنت أشتهي موته إلا من تحت سيفي، وأكون قد قدرت ~~عليه، ولكن الأجل حصين. قلت: وقد مر ذكر موت قراسنقر قبل هذا التاريخ. ولكن ~~الظاهر لي أن الأصح المذكور هنا الآن من قرائن ظهرت. وتوفي الأمير سيف ~~الدين بن الحاج قطز بن عبد الله الظاهري أحد أمراء الطبلخاناه بالديار ~~المصرية، وهو آخر من بقي من مماليك الظاهر بيبرس البندقداري من الأمراء. ~~وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن يوسف المزي الشافعي أخو ~~الحافظ جمال الدين المزي لأبيه في يوم الثلاثاء ثالث شهر رمضان. وتوفي ~~الشيخ المعتقد عز الدين عبد ms1994 المؤمن بن قطب الدين أبي طالب عبد الرحمن بن ~~محمد بن الكمال أبي القاسم عمر بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن ~~المعروف بابن العجمي الحلبي الشافعي بمصر. كان تزهد بعد الرياسة، وحج ماشيا ~~من دمشق، وجاور بمكة. وكان لا يقبل لأحد شيئا، بل كان يقتات من وقف أبيه ~~بحلب، وكان له مكارم وصدقات وشعر جيد. وتوفي الأمير سيف الدين تنكز بن عبد ~~الله الحسامي الناصري نائب الشام. كان أصله من مماليك الملك المنصور حسام ~~الدين لاجين. فلما قتل لاجين صار من خاضكية الناصر، وشهد معه وقعة وادي ~~الخازندار ثم وقعة شقحب، ثم توجه مع الناصر إلى الكرك. فلما تسلطن الملك ~~الناصر ثالث مرة رقاه حتى ولاه نيابة الشام، فطالت مدته إلى أن قبض عليه ~~السلطان الملك الناصر في هذه السنة، وقتله بثغر الإسكندرية. وقد مر من ذكر ~~تنكز في ترجمة الملك الناصر الثالثة ما فيه كفاية عن الإعادة هنا، لأن غالب ~~ترجمة الملك الناصر وأفعاله كانت مختلفة مع أفعال تنكز لكثرة قدومه إلى ~~القاهرة وخصوصيته عند الناصر من أول ترجمته إلى آخرها إلى حين قبض عليه ~~وحبسه. كل ذلك ذكرناه مفصلا في اليوم والشهر، وما وجد له من الأموال ~~والأملاك. كل ذلك في أواخر ترجمة الملك الناصر. ولما ولي الأمير ألطنبغا ~~الصالحي نيابة الشام بعد تنكز قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تنكز المذكور ~~أبياتا منها: الطويل ألا هل لييلات تقضت على الحمى ... تعود بوعد للسرور ~~منجز ليال إذا رام المبالغ وصفها ... يشبهها حسنا بأيام تنكز أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وإحدى عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ~~ذراعا وتسع عشرة إصبعا. والله تعالى أعلم. /سلطنة المنصور أبي بكر ابن ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون على مصر PageV03P0071 # هو السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو بكر ابن السلطان الملك الناصر ~~أبي المعالي محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون. جلس على تخت ~~الملك بالإيوان من قلعة الجبل بعهد من أبيه إليه صبيحة توفي والده، ms1995 وهو يوم ~~الخميس حادي عشرين ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ولقبه الأمراء ~~الأكابر بالملك المنصور على لقب جده. والمنصور هذا هو الثالث عشر من ملوك ~~الترك بديار مصر، والأول من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون. واتفق ~~الأمراء على إقامة الأمير سيف الدين طقزدمر الحموي، حمو الملك المنصور هذا، ~~في نيابة السلطنة بديار مصر كونه من أكابر الأمراء، وأيضا صهر السلطان، ~~ويكون الأمير قوصون الناصري مدبر المملكة، ورأس المشورة، ويشاركه في الرأي ~~الأمير بشتك الناصري. وتم ذلك ورسم بتجهيز التشاريف والخلع إلى نواب البلاد ~~الشامية على يد الأمير قطلوبغا الفخري، ورسم له بتحليف الأمراء والنواب ~~بالبلاد الشامية على العادة. ونودي بالقاهرة ومصر أن يتعامل الناس بالفضة ~~والذهب بسعر الله تعالى، فسر الناس بذلك، فإنهم كانوا قد امتنعوا من ~~التعامل بالفضة وألا تكون معاملتهم إلا بالذهب. ثم أفرج عن بركة الحبش وقف ~~الأشراف،، وكان النشو قد أخذها من الأشراف، وصار ينفق فيهم من بيت المال. ~~ثم كتب إلى ولاة الأعمال برفع المظالم وألا يرمى على بلاد الأجناد شعير ولا ~~تبن. ثم في يوم الخميس ثامن عشرين ذي الحجة أنعم الملك المنصور على عشرة ~~أمراء بإمرة طبلخاناه. ثم جمع القضاة في يوم السبت سلخه في جامع القلعة ~~للنظر في أمر الخليفة الحاكم بأمر الله أحمد بن أبي الربيع سليمان وإعادته ~~إلى الخلافة، وحضر معهم الأمير طاجار الدوادار. فاتفقوا على إعادته لعهد ~~أبيه إليه بالخلافة بمقتضى مكتوب ثابت على قاضي قوص. ثم في يوم الإثنين ~~ثاني المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة خلع السلطان على جميع الأمراء ~~المقدمين في الموكب بدار العدل وطلع القضاة، وجلس الخليفة الحاكم بأمر الله ~~أبو العباس أحمد على الدرجة الثالثة من تخت السلطان، وعليه خلعة خضراء وفوق ~~عمامته طرحة سوداء مرقومة بالذهب. ثم خرج السلطان من باب السر على العادة ~~إلى الإيوان، فقام له الخليفة والقضاة ومن كان جالسا من الأمراء، وجلس على ~~الدرجة الأولى دون الخليفة. وقام الخليفة وآفتتح الخطبة بقوله عز وجل: " إن ~~آلله يأمر بالعدل ms1996 والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~وآلبغي يعظكم لعلكم تذكرون. وأوفوا بعهد آلله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم آلله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون " ~~. ثم أوصى الأمراء بالرفق بالرعية وإقامة الحق وتعظيم شعائر الإسلام ونصرة ~~الدين، ثم قال: فوضت إليك جميع أحكام المسلمين، وقلدتك ما تقلدته من أمور ~~الدين. ثم تلا قوله تعالى: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله ~~فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما. وجلس فجيء في الحال بخلعة سوداء فألبسها الخليفة ~~السلطان بيده، ثم قلده سيفا عربيا؛ وأخذ القاضي علاء الدين علي بن فضل الله ~~كاتب السر في قراءة عهد الخليفة للسلطان حتى فرغ منه، ثم قدمه إلى الخليفة ~~فكتب عليه، ثم كتب بعده قضاة القضاء بالشهادة عليه، ثم قدم السماط فأكلوا ~~وانقضت الخدمة. ثم قدم الأمير بيغرا في يوم الخميس خامس المحرم من عند ~~الأمير أحمد ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وقد حلفه بمدينة ~~الكرك لأخيه السلطان الملك المنصور هذا، ففرح الناس بذلك. PageV03P0072 # ثم في يوم الأحد ثامن المحرم قبض على الأمير بشتك الناصري؛ وذلك أنه طلب ~~أن يستقر في نيابة الشام، ودخل على الأمير قوصون وسأله في ذلك وأعلمه أن ~~السلطان كان قبل موته وعلى بها وألح في سؤاله، وقوصون يدافعه ويحتج عليه ~~بأنه قد كتب إلى الأمير ألطنبغا الصالحي نائب دمشق تقليدا بآستمراره في ~~نيابة دمشق على عادته ولا يليق عزله سريعا، فقام عنه بشتك وهو غير راض؛ ~~فإنه كان قد توهم من قوصون وخشي منه على نفسه وطلب الخروج من ديار مصر لما ~~كان بينهما قديما من المنافرة، ولأن قوصون صار الآن متحكما في الدولة. فلما ~~خرج بشتك من عند قوصون وهو غير راض سعى بخاصكية السلطان وحمل إليهم مالا ~~كثيرا في السر، وبعث إلى الأمراء الكبار وطلب منهم المساعدة؛ فما زالوا ~~بالسلطان حتى أنعم عليه بنيابة الشام، وطلب الأمير ms1997 قوصون وأعلمه بذلك فلم ~~يوافقه، وقرر مع السلطان أنه يحدث الأمراء في ذلك ويعدهم بأنه يولي بشتك ~~إذا قدم الأمير قطلوبغا الفخري من تحليف نائب الشام وبنسخة اليمين. فلما ~~دخل الأمراء عرفهم السلطان طلب بشتك بنيابة الشام، فأخذوا في الثناء عليه ~~والشكر منه؛ فاستدعاه وطيب خاطره ووعده بها عند قدوم الفخري، ورسم له بأن ~~يتجهز للسمرة فظن بشتك أن ذلك صحيح، وقام مع الأمراء من الخدمة، وأخذ في ~~عرض خيوله، وبعث لكل من أكابر الأمراء المقدمين ما بين ثلاثة أرؤس إلى ~~رأسين بالقماش المذهب الماخر، وبعث معها أيضا الهجن؛ ثم بعث إلى الأمراء ~~الخاصكية مثل ملكتمر الحجازي وألطنبغا المارداني شيئا كثيرا من الذهب ~~والجوهر واللؤلؤ والتحف. وفرق عدة من الجواري في الأمراء بحيث إنه لم يبق ~~أحد من الأمراء إلا وأرسل إليه. ثم فرق على مماليكه وأجناده، وأخرج ثمانين ~~جارية بعد ما شورهن بالأقمشة والزراكش وزوجهن. وفرق من شونته على الأمراء ~~اثني عشر ألف إردب غلة. وزاد بشتك في العطاء حتى وقع الإنكار عليه، واتهمه ~~السلطان والأمير قوصون بأنه يريد الوثوب على السلطان، وعملوا هذا من فعله ~~حجة للقبض عليه. وكان ما خص الأمير قوصون من تفرقة بشتك في هذه النوبة ~~حجرين من حجارة معاصير القصب بما فيهما من القنود والسكر والأعسال والأبقار ~~والغلال والآلات، وخمسمائة فدان من القصب مزروعة في أراض ملك له، وغير ذلك، ~~فأدهش الأمراء كثرة عطائه، وآستغنى منه جماعة من مماليكه وحواشيه. ولما ~~كثرت القالة فيه بأنه يريد إفساد الدولة خلا به بعض خواصه وعرفه ذلك، وأشار ~~عليه بإمساك يده عن العطاء، فقال: " هم إذا قبضوا علي أخذوا مالي وأنا أحق ~~بتفرقته منهم، وإذا سلمت فالمال كثير " . هذا وقد قام قوصون في أمر بشتك ~~المذكور قياما حتى وافقه السلطان على القبض عليه عند قدوم قطلوبغا الفخري. ~~فأشاع قوصون أن بشتك يريد القبض على الفخري إذا حضر، فبلغ ذلك بعض خواص ~~قطلوبغا، فبعث إليه من تلقاه وعرفه بما وقع من تجهيز بشتك وأنه على عزم من ~~أن ms1998 يلقاك في طريقك ويقتلك، فكن على حذر؛ فأخذ قطلوبغا من الصالحية يحترز ~~على نفسه حتى نزل سرياقوس. واتفق من الأمر العجيب أن بشتك خرج إلى حوشه ~~بالريدانية خارج القاهرة ليعرض هجنه وجماله، فطار الخبر إلى قطلوبغا أن ~~بشتك قد خرج إلى الريدانية في انتظارك، فآستعد قطلوبغا ولبس السلاح من تحت ~~ثيابه، وسار حتى تلقاه عدة كثيرة من مماليكه وحواشيه وهو على أهبة الخروج ~~للحرب، وخرج قطلوبغا عن الطريق وسلك من تحت الجبل لينجو من بشتك وقد قوي ~~عنده صحة ما بلغه؛ وكان عند بشتك علم من قدومه؛ فلما قرب قطلوبغا من الموضع ~~الذي فيه بشتك لاحت له غبرة خيل، فحدس بشتك أنه قطلوبغا الفخري، قد قدم، ~~فبعث إليه أحد مماليكه يبلغه سلامه وأنه يقف حتى يأتيه فيجتمع به. فلما بلغ ~~الفخري ذلك زاد خوفه من بشتك، فقال له: " سلم على الأمير وقل له: لا يمكن ~~آجتماعه بي قبل أن أقف قدام السلطان. ثم بعد ذلك اجتمع به وبغيره " فمضى ~~مملوك بشتك وفي ظن قطلوبغا أنه إذا بلغه مملوكه الجواب ركب إليه، فأمر ~~قطلوبغا مماليكه بأن يسيروا قليلا قليلا، وساق هو بمفرده مشوارا واحدا إلى ~~القلعة. ودخل إلى السلطان وبلغه طاعة النواب وفرحهم بأيامه. ثم أخذ يعرف ~~السلطان والأمير قوصون وسائر الأمراء بما اتفق له مع بشتك، وأنه كان يريد ~~معارضته في طريقه وقتله؛ فأعلمه السلطان وقوصون بما اتفقا عليه من القبض ~~على بشتك. PageV03P0073 # فلما كان عصر اليوم المذكور، ودخل الأمراء إلى الخدمة على العادة بالقصر ~~وفيهم الأمير بشتك، وأكلوا السماط، تقدم الأمير قطلوبغا الفخري والأمير ~~طقزدمر الناصري الساقي، إلى بشتك وأخذا سيفه وكتفاه. وقبض معه على أخيه ~~أيوان وعلى طولوتمر ومملوكين من المماليك السلطانية كانا يلوذان ببشتك؛ ~~وقيدوا جميعا، وسمروا إلى الإسكندرية في الليل صحبة الأمير أسندمر العمري. ~~وقبض على جميع مماليكه، ووقعت الحوطة على موجوده ودوره، وتتبعت غلمانه ~~وحواشيه. وأنعم السلطان من إقطاع بشتك على الأمير قوصون بخصوص الشرق زيادة ~~على ما بيده، وأخذ السلطان المطرية ومنية ابن خصيب ms1999 وشبرا، وفرق بقية ~~الإقطاع على ملكتمر الحجازي وغيره من الأمراء. فلما أصبحوا يوم الإثنين ~~تاسع المحرم حملت حواصل بشتك، وهي من الذهب العين مائتا ألف دينار مصرية، ~~ومن اللؤلؤ والجواهر والحوائص الذهب والكلفتاه الزركش شيء كثير جدا؛ هذا ~~بعد أن فرق غالب موجوده حسب ما تقدم ذكره على الأمراء والمماليك. ثم أخرج ~~السلطان الأمير أحمد شاد الشربخاناه منفيا إلى طرابلس لميله مع بشتك. في ~~يوم الخميس أنعم السلطان على أخويه: شعبان ورمضان كل واحد بإمرة. وفيه قبض ~~السلطان على الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بكتمر الحاجب لشيء أوجب ~~ذلك. وفي يوم الإثنين ثالث عشرين المحرم خلع السلطان الملك المنصور أبو بكر ~~على الأمير طقزدمر الحموي بنيابة السلطنة بالديار المصرية، وكان رشح لها ~~قبل تاريخه، فلبس الخلعة، وجلس في دست النيابة، وحكم وصرف الأمور. وفي يوم ~~الإثنين سلخه قبض السلطان على الأمير آقبغا عبد الواحد وعلى أولاده، وخلع ~~على الأمير طقتمر الأحمدي واستقر أستادارا عوضا عن آقبغا المذكور، ورسم ~~للأمير طيبغا المجدي والي القاهرة بإيقاع الحوطة على موجود آقبغا، وسلم ~~ولده الكبير إلى المقدم إبراهيم بن صابر. وأصبح يوم الثلاثاء أول صفر فتحدث ~~الأمراء أن ينزل في ترسيم المجدي ليتصرف في أمره، فنزل في صحبة المجدي وأخذ ~~في بيع موجوده؛ وكان السلطان قد حلف قديما أنه متى تسلطن قبض عليه وصادره ~~وضربه بالمقارع لأمور صدرت منه في حقه أيام والده الملك الناصر. فكان مما ~~أبيع لآقبغا عبد الواحد سراويل لزوجته بمائتي ألف درهم فضة، وقبقاب وخف وسر ~~موجة بخمسة وسبعين ألف درهم. وثار به جماعة كثيرة من الناس ممن كان ظلمهم ~~في أيام تحكمه وطلبوا حقوقهم منه وشكوه، فأقسم السلطان لئن لم يرضهم ~~ليسمرنه على جمل ويشهره بالقاهرة ففرق فيهم مائتي ألف درهم حتى سكتوا؛ ~~وكادت العامة تقتله لولا المجدي لسوء سيرته وكثرة ظلمه أيام ولايته. وفي ~~يوم الأربعاء تاسع صفر قبض السلطان على المقدم إبراهيم بن صابر وسلمه لمحمد ~~بن شمس الدين المقدم وأحيط بأمواله؛ فوجد له نحو سبعين ms2000 حجرة في الجشار، ~~ومائة وعشرين بقرة في الزرايب، ومائتي كبش، وجوقتين كلاب سلوقية، وعدة طيور ~~جوارح مع البازدارية. ووجد له من الغلال وغيرها شيء كثير. ثم قدم الخبر على ~~السلطان من الأمير طشتمر حمص أخضر الساقي نائب حلب بخروج ابن دلغادر عن ~~الطاعة وموافقته لإرتنا متملك الروم على المسير لأخذ حلب، وأنه قد جمع ~~بأبلستين جمعا كثيرا وسأل طشتمر أن ينجده السلطان بعسكر من مصر، فتشوش ~~السلطان لذلك وعوق الجواب. وفيه رسم السلطان بضرب آقبغا عبد الواحد ~~بالمقارع، فلم يمكنه الأمير قوصون من ذلك، فآشتد حنق السلطان وأطلق لسانه ~~بحضرة خاصكيته في حق قوصون وغيره. وفي ذلك اليوم عقد السلطان نكاحه على ~~جاريتين من المولدات اللاتي في بيت السلطان، وكتب القاضي علاء الدين بن فضل ~~الله كاتب السر صداقهما، فخلع عليه السلطان وأعطاه عشرة آلاف درهم. ورسم ~~السلطان لجمال الكفاة ناظر الخاص أن يجهزهما بمائة ألف دينار، فشرع جمال ~~الكفاة في عمل الجهاز. وبينما هو في ذلك ركب الأمير قوصون على السلطان ~~بجماعة من الأمراء في يوم السبت تاسع عشر صفر وخلعوه من الملك في يوم الأحد ~~عشرينه، وأخرج هو وإخوته إلى قوص صحبة الأمير بهادر بن جركتمر. ~~PageV03P0074 # وكان سبب خلع الملك المنصور هذا أن المنصور كان قرب الأمير يلبغا ~~اليحياوي وشغف به شغفا كثيرا، ونادم الأمير ملكتمر الحجازي واختص به ~~وبالأمير طاجار الدوادار وبالأمير قطليجا الحموي وجماعة من الخاصكية؛ وعكف ~~على اللهو وشرب الخمر وسماع الملاهي. فشق ذلك على الأمير قوصون وغيره لأنه ~~لم يعهد من ملك قبله شرب خمر فيما روي؛ فحملوا الأمير طقزدمر النائب على ~~محادثته في ذلك وكفه عنه، فزاده لومه إغراء، وأفحش في التجاهر باللهو، حتى ~~تكلم به كل أحد من الأمراء والأجناد والعامة. فصار في الليل يطلب الغلمان ~~ويبعثهم لإحضار المغاني، فغلب عليه السكر في بعض الليالي، فصاح من الشباك ~~على الأمير أيدغمش أمير آخور: هات لي قطقط فقال أيدغمش: " يا خوند، ما عندي ~~فرس بهذا الاسم " فتكلم بذلك السلاخورية والركابية وتداولته الألسنة. قلت: ms2001 ~~وأظن قطقط كانت آمرأة مغنية. والله أعلم. فلما زاد أمره طلب الأمير قوصون ~~طاجار الدوادار والشهابي شاد العمائر، وعنفهما ووبخهما وقال لهما: " سلطان ~~مصر يليق به أن يعمل مقامات ويحضر إليه البغايا والمغاني! أهكذا كان يفعل ~~والده " ؛ وعرفهم أن الأمراء قد بلغهم ذلك وتشوش خواطرهم؛ فدخلوا وعرفوا ~~السلطان كلامه، وزادوا في القول؛ فأخذ جلساء الملك المنصور في الوقيعة في ~~قوصون والتحدث في القبض عليه وعلى الأمير قطلوبغا الفخري والأمير بيبرس ~~الأحمدي والأمير طقزدمر النائب. فنم عليهم الأمير يلبغا اليحياوي لقوصون - ~~وكان قد استماله قوصون بكثرة العطاء فيمن استمال من المماليك السلطانية - ~~وعرفه أن الاتفاق قد تقرر على القبض عليه في يوم الجمعة وقت الصلاة؛ فانقطع ~~قوصون عن الصلاة وأظهر أن برجله وجعا؛ وبعث في ليلة السبت يعرف بيبرس ~~الأحمدي PageV03P0075 # بالخبر ويحثه على الركوب معه، وطلب المماليك السلطانية وواعدهم على ~~الركوب وملأهم بكثرة المواعيد. ثم بعث إلى الأمير الحاج آل ملك والأمير ~~جنكلي بن البابا - وهؤلاء أكابر الأمراء - فلم يطلع الفجر حتى ركب الأمير ~~قوصون من باب سر القلعة بمماليكه ومماليك السلطان وسار نحو الصحراء؛ وبعث ~~مماليكه في طلب الأمراء فأتاه جركتمر وبهادر وبرسبغا وقطلوبغا الفخري ~~والأحمدي وأخذوا آقبغا عبد الواحد من ترسيم طيبغا المجدي، فسار معه المجدي ~~أيضا. ووقفوا بأجمعهم عند قبة النصر، ودقت طبلخاناتهم، فلم يبق أحد من ~~الأمراء حتى أتى قوصون هذا والسلطان وندماؤه وخاصكيته في غفلة لهوهم وغيبة ~~سكرهم، إلى أن دخل عليهم أرباب الوظائف، وأيقظوهم من نومهم، وعرفوهم ما ~~دهوا به. فبعث السلطان طاجار الدوادار إلى الأمير طقزدمر النائب يسأله عن ~~الخبر ويستدعيه، فوجد عنده جنكلي بن البابا والوزير وعدة من الأمراء ~~المقيمين بالقلعة؛ فآمتنع طقزدمر من الدخول على السلطان، وقال: " أنا مع ~~الأمراء حتى أنظر ما عاقبة هذا الأمر " ، ثم قال لطاجار: " أنت وغيرك سبب ~~هذا، حتى أفسدتم السلطان بفسادكم ولعبكم، قل للسلطان يجمع مماليكه ومماليك ~~أبيه حوله " فرجع طاجار وبلغ السلطان ذلك، فخرج السلطان إلى الإيوان وطلب ~~المماليك، فصارت كل طائفة تخرج على أنها ms2002 تدخل إليه فتخرج إلى باب القلة حتى ~~صاروا نحو الأربعمائة مملوك، وساروا يدا واحدة من باب القلة إلى باب ~~القلعة، فوجدوه مغلقا، فرجعوا إلى النائب طقزدمر بعدما أخرقوا بوالي باب ~~القلعة وأنكروا عليه وعلى من عنده من الأمراء " أعني عن الأمير طقزدمر " ؛ ~~فقال لهم طقزدمر: " السلطان ابن أستاذكم جالس على كرسي الملك، وأنتم تطلبون ~~غيره " ؛ فقالوا: ما لنا ابن أستاذ، وما لنا أستاذ إلا قوصون. ابن أستاذنا ~~مشغول عنا لا يعرفنا ومضوا إلى باب القرافة وهدموا منه جانبا وخرجوا، فإذا ~~خيول بعضهم واقفة فركب بعضهم، وأردف عدة منهم، ومشى باقيهم إلى قبة النصر. ~~ففرح بهم قوصون والأمراء، وأركبوهم الخيول وأعطوهم الأسلحة وأوقفوهم بين ~~أصحابهم. ثم أرسل قوصون الأمير مسعود بن خطير، الحاجب إلى السلطان يطلب منه ~~ملكتمر الحجازي ويلبغا اليحياوي، وهما من أمراء الألوف الخاصكية، وطاجار ~~الدوادار وغيرهم، ويعرفه أنه أستاذه وأستاذ جميع الأمراء وابن أستاذهم ~~وأنهم على طاعته، وإنما يريدون هؤلاء لما صدر منهم من الفساد ورمي الفتن. ~~فطلع الأمير مسعود فوجد السلطان بالإيوان من القلعة، وهم حوله في طائفة من ~~المماليك، فقبل الأرض وبلغه الرسالة، فقال السلطان: لا كيد ولا كرامة لهم، ~~وما أسير مماليكي ومماليك أبي لهم، وقد كذبوا فيما نقلوا عنهم، ومهما قدروا ~~عليه يفعلوه. فما هو إلا أن خرج عنه الأمير مسعود حتى اقتضى رأيه بأن يركب ~~بمن معه وينزل من القلعة ويطلب النائب طقزدمر ومن عنده من الأمراء ~~والمماليك ويدق كوساته. فتوجه إلى الشباك، وأمر أيدغمش أمير آخور أن يشد ~~الخيل للحرب، فأخبره أنه لم يبق في الإسطبل غلام ولا سايس ولا سلاخوري يشد ~~فرسا واحدا، فبعث إلى النائب يستدعيه فامتنع عليه. PageV03P0076 # وبعث الأمير قوصون بلك الجمدار وبرسبغا إلى طقزدمر النائب يعلمانه بأنه ~~متى لم يحضر الغرماء إليه وإلا زحف على القلعة وأخذهم غصبا فبعث طقزدمر إلى ~~السلطان يشير عليه بإرسالهم، فعلم السلطان أن النائب وأمير آخور قد خذلاه، ~~فقام ودخل على أمه. فلم يجد الغرماء بدا من الإذعان، وخرجوا إلى النائب، ~~وهم الأمير ms2003 ملكتمر الحجازي وألطنبغا المارداني ويلبغا اليحياوي، وهؤلاء ~~مقدمو الألوف، وأحد خواص الملك الناصر محمد بن قلاوون - رحمه الله - وطاجار ~~الدوادار والشهابي شاد العمائر وبكلمش المارديني وقطليجا الحموي؛ فبعثهم ~~طقزدمر النائب إلى قوصون صحبة بلك الجمدار وبرسبغا. فلما رآهم قوصون صاح في ~~الحاجب أن يرجلهم عن خيولهم من بعيد، فأنزلوا إنزالا قبيحا، وأخذوا حتى ~~أوقفوا بين يدي قوصون، فعنفهم ووبخهم، وأمر بهم فقيدوا وعملت الزناجير في ~~رقابهم، والخشب في أيديهم؛ ثم تركهم في خيم ضربت لهم عند قبة النصر. ~~واستدعى طقزدمر النائب والأمير جنكلي بن البابا والوزير والأمراء المقيمين ~~بالقلعة والأمير أيدغمش أمير آخور، فنزلوا إليه واتفقوا على خلع الملك ~~المنصور وإخراجه وإخوته من القلعة. فتوجه الأمير برسبغا في جماعة إلى ~~القلعة وأخرج الملك المنصور وإخوته وهم سبعة نفر، ومع كل منهم مملوك صغير ~~وخادم وفرس وبقجة قماش وأركبهم إلى شاطئ النيل وأنزلهم في حراقة وسار ~~جركتمر بن بهادر بهم إلى قوص؛ ولم يترك برسبغا بالقلعة من أولاد الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون إلا كجك. ثم سلم قوصون الأمراء المقيدين إلى والي ~~القاهرة، فمضى بهم إلى خزانة شمائل وسجنهم بها إلا يلبغا اليحياوي، فإنه ~~أفرج عنه. وكان يوما عظيما بالديار المصرية من إخراج أولاد السلطان الملك ~~الناصر على هذه الصورة، وحبس هؤلاء الأمراء الملوك في خزانة شمائل، وتهتك ~~حرم السلطان على إخراج أولاد الناصر؛ وكثر البكاء والعويل بالقاهرة، فكان ~~هذا اليوم من أشنع الأيام. وبات قوصون ومن معه ليلة الأحد بخيامهم في قبة ~~النصر خارج القاهرة، وركبوا بكرة يوم الأحد العشرين من صفر إلى قلعة الجبل ~~واتفقوا على إقامة كجك ابن الملك الناصر محمد في السلطنة، فأقيم وجلس على ~~كرسي الملك حسب ما يأتي ذكره في أول ترجمته. وخلع الملك المنصور في يوم ~~السبت تاسع عشر صفر من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فكانت مدة ملكه على ~~مصر تسعة وخمسين يوما، ومن حين قلده الخليفة ثمانية وأربعين يوما، لأنه لما ~~تسلطن كان الخليفة " الحاكم - لأمر الله أحمد بن أبي الربيع سليمان " ~~المستكفي ms2004 لم يتم أمره في الخلافة، ثم انتظم أمره بعد ذلك فبايع الملك ~~المنصور حسب ما ذكرناه. وخلع الملك المنصور أبو بكر من السلطنة وسلم القلعة ~~بغير قتال مع كثرة من كان معه من خواص أمراء أبيه ومماليكه، خذلان من الله ~~تعالى!. وفي خلعه من السلطنة وإخراجه إلى قوص مع إخوته عبرة لمن اعتبر؛ فإن ~~والده الملك الناصر محمد بن قلاوون كان أخرج الخليفة أبا الربيع سليمان ~~المستكفي بأولاده وحواشيه إلى قوص منفيا مرسما عليه فقوصص الملك الناصر عن ~~قريب في ذريته بمثل ذلك، وأخرج أولاده أعز مماليكه وزوج ابنته، وهو قوصون ~~الناصري؛ فتوجه الملك المنصور مع إخوته إلى قوص وصحبته بهادر بن جركتمر مثل ~~الترسيم عليه وعلى إخوته، وأقام بها نحو الشهرين. ودس عليه قوصون عبد ~~المؤمن متولي قوص فقتله وحمل رأسه إلى قوصون سرا في أواخر شهر ربيع الآخر ~~من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة؛ وكتموا ذلك عن الناس. فلما أمسك قوصون ~~تحقق الناس ذلك. وجاء من حاقق بهادر أنه غرق طاجار الدوادار واستحس على قتل ~~المنصور، فطلب عبد المؤمن وقرر فاعترف، فسمره السلطان الملك الناصر أحمد ~~ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وقد تسلطن بعد أخيه كجك آخذا بدم أخيه ~~الملك المنصور هذا. PageV03P0077 # وكان الملك المنصور سلطانا كريما شابا حمل إليه مال بشتك ومال آقبغا عبد ~~الواحد ومال برسبغا فوهب ذلك جميعه إلى الخاصكية الأمراء من مماليك والده ~~مثل ملكتمر الحجازي وألطنبغا المارداني ويلبغا اليحياوي وطاجار الدوادار، ~~وهؤلاء كانوا عظماء أمراء الألوف من الخاصكية وأعيان مماليك الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون وأصهاره، وأحبهم وأحبوه، فالتهى بهم عن قوصون وقوي بهم ~~بأسه؛ فخاف قوصون عاقبة أمره وتقرب خشداشيته إليه فدبر عليه وعليهم حتى تم ~~له ذلك. وكانت الناس تباشرت بيمن سلطنته؛ فإنه لما تسلطن آنتظمت الأمور على ~~أحسن ما يكون، ولم يقع بين الناس خلاف، ولا وقع سيف حتى خالف قوصون، فرموه ~~بأمور وقبائح ودواهي، وادعوا أنه كان ينزل هو والمذكورون من مماليك أبيه ~~إلى بحر النيل ويركب معهم في ms2005 المراكب وأشياء من ذلك، الله أعلم بصحتها. ولم ~~يكن مسك بشتك بخاطره ولا عن أمره إلا مراعاة لخاطر قوصون لما كان بينهما من ~~أيام أستاذهما الملك الناصر محمد من المنافرة. وكان الملك المنصور شابا حلو ~~الوجه، فيه سمرة وهيف قوام، وكان تقدير عمره ما حول العشرين سنة، وكان أفحل ~~الإخوة وأشجعهم. زوجه أبوه بنت الأمير سيف الدين طقزدمر الحموي. قال الشيخ ~~صلاح الدين الصفدي في تاريخه: وعمل الناس عزاءه ودارت جواريه في الليل ~~بالدرارك في شوارع القاهرة أياما، وأبكين الناس، وتأسفوا عليه لأنه خذل؛ ~~وعمل عليه وأخذ بغتة، وقتل غضا طريا، ولو استمر لجاء منه ملك عظيم. كان في ~~عزمه ألا يغير قاعدة من قواعد جده الملك المنصور قلاوون، ويبطل ما كان ~~أحدثه أبوه من إقطاعات العربان وإنعاماتهم، وغير ذلك. انتهى كلام الصلاح ~~الصفدي بآختصار. PageV03P0078 # وأما أمر بشتك وحبسه فإنه كان من أجل مماليك الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون، وكان ثقل عليه في أواخر أمره؛ فإنه لما مات بكتمر الساقي ورثه في ~~جميع أمواله، في داره وإسطبله، وتزوج بآمرأته أم أحمد بن بكتمر الساقي ~~واشترى جاريته خوبي بستة آلاف دينار، وكان معها من القماش ما قيمته عشرة ~~آلاف دينار، وأخذ ابن بكتمر عنده. وكانت الشرقية تحمى لبكتمر الساقي فحماها ~~هو بعده، فعظم ذلك على قوصون ولم يسعه إلا السكات لميل السلطان إليه. وكان ~~مع هذه الرياسة الضخمة غير عفيف الذيل عن المليح والقبيح، وبالغ في ذلك ~~وأفرط حتى في نساء الفلاحين وغيرهم. وكان سبب قربه من أستاذه الملك الناصر ~~أن الملك الناصر قال يوما في مبدأ أمره لمجد الدين السلامي : أريد أن أشتري ~~لي مملوكا يشبه بوسعيد بن خربندا ملك التتار، فقال مجد الدين: " دع ذلك، ~~فهذا بشتك يشبهه لا فرق بينهما " فحظي عنده لذلك. ولما ندبه السلطان لمسك ~~تنكز وتوجه إلى الشام للحوطة على مال تنكز، ورأى أمر دمشق طمع في نيابتها ~~ولم يجسر يفاتح السلطان في ذلك، وبقي في نفسه منها حزازة؛ فلما مرض السلطان ~~وأشرف على الموت ms2006 ألبس بشتك مماليكه، فإنه كان بلغه عن قوصون أنه ألبس ~~مماليكه، ثم انتظم الأمر على أن السلطان جعل ابنه أبا بكر ولي عهده، وقد ~~قدمنا ذكر ذلك كله مفصلا في أواخر ترجمة الملك الناصر. فلما وقع ذلك قال ~~بشتك: " لا أوافق على سلطنة أبي بكر، ما أريد إلا سيدي أحمد الذي بالكرك. ~~فلما مات السلطان وسجي قام قوصون إلى الشباك وطلب بشتك وقال له: يا أمير ~~تعال، أنا ما يجيء مني سلطان، لأني كنت أبيع الطسما والكشاتوين في البلاد ~~وأنت اشتريت مني، وأهل البلاد يعرفون ذلك مني؛ وأنت ما يجيء منك سلطان، ~~لأنك كنت تبيع البوزا، وأنا اشتريت ذلك منك، وأهل البلاد يعرفون ذلك كله؛ ~~فما يكون سلطانا من عرف ببيع الطسما والبرغالي، ولا من عرف ببيع البوزا. ~~وهذا أستاذنا هو الذي أوصى لمن هو أخبر به من أولاده، وهذا في ذمته وما ~~يسعنا إلا آمتثال أمره حيا وميتا؛ وأنا ما أخالفك إن أردت أحمد أو غيره، ~~ولو أردت أن تعمل كل يوم سلطانا ما خالفتك؛ فقال بشتك: كل هذا صحيح، والأمر ~~أمرك وأحضرا المصحف وحلف كل للآخر وتعانقا؛ ثم قاما إلى رجلي السلطان ~~فقبلاهما وبقيا، ووضعا ابن السلطان على كرسي الملك. وقد تقدم ذكر ذلك كله. ~~وتم الأمر بينهما على ذلك، حتى بدا لبشتك أن يلي نيابة الشام فعاكسه قوصون ~~فثارت الكمائن والضغائن القديمة بينهما حتى وقع ما حكيناه؛ وأمسك بشتك ~~واعتقل بالإسكندرية إلى أن قتل في محبسه بالإسكندرية بعد أيام في سلطنة ~~الملك الأشرف كجك ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون في شهر ربيع الآخر من ~~سنة آثنتين وأربعين المذكورة، حسب ما يأتي ذكره. وبشتك هذا أول من أمسك من ~~أمراء الدولة الناصرية. وكان كريما مهابا: كان يذبح في سماطه في كل يوم ~~خمسين رأسا من الغنم وفرسا لا بد منه، خارجا عن الدجاج والوز والحلوى. ~~انتهى ترجمة الملك المنصور أبي بكر بن محمد بن قلاوون. رحمه الله تعالى. ### | AUT سلطنة الأشرف علاء الدين # كجك على مصر هو ms2007 السلطان الملك الأشرف علاء الدين كجك ابن السلطان الملك ~~الناصر، ناصر الدين أبي المعالي محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين ~~قلاوون الألفي الصالحي النجمي. جلس على تخت الملك باتفاق الأمراء بعد خلع ~~أخيه أبي بكر ابن الملك الناصر محمد في يوم الإثنين حادي عشرين صفر سنة ~~اثنتين وأربعين وسبعمائة؛ وركب بشعار السلطنة ولقب بالملك الأشرف ولم يكمل ~~له من العمر خمس سنين، وقيل كان عمره دون سبع سنين. وأمه أم ولد تسمى أردو ~~تركية الجنس. وهو السلطان الرابع عشر من ملوك الترك بديار مصر، والثاني من ~~أولاد الملك الناصر محمد ابن قلاوون. ولما تم أمره في السلطنة جلس الأمراء ~~وآشتوروا فيمن يقيموه في نيابة السلطنة فرشح الأمير أيدغمش أمير آخور، ~~فامتنع أيدغمش من ذلك، فوقع الاتفاق على الأمير قوصون الناصري، فأجاب وشرط ~~على الأمراء أن يقيم على حاله في الأشرفية من القلعة ولا يخرج منها إلى دار ~~النيابة خارج باب القلة من القلعة، فأجابوه الأمراء إلى ذلك، فآستقر من ~~يومه في النيابة، وتصرف في أمور المملكة، والسلطان آلة في السلطنة، فقال في ~~ذلك بعض شعراء العصر: PageV03P0079 # سلطاننا اليوم طفل والأكابر في خلف ... وبينهم الشيطان قد نزعا فكيف يطمع ~~من تغشيه مظلمة ... أن يبلغ السؤل والسلطان ما بلغا ثم اتفقت الأمراء على ~~إخراج الأمير ألطنبغا المارداني من الحبس فأخرج من يومه. وفي ليلة الأربعاء ~~ثالث عشرين صفر أخرج الأمير قطلوبغا الحموي وطاجار الدوادار وملكتمر ~~الحجازي والشهابي شاد العمائر من حبس خزانة شمائل بالقاهرة، وحملوا إلى ثغر ~~الإسكندرية فسجنوا بها. وتوجه الأمير بلك الجمدار على البريد إلى حلب ~~لتحليف النائب طشتمر الساقي المعروف بحمص أخضر والأمراء. وتوجه الأمير ~~بيغرا إلى دمشق بمثل ذلك إلى نائبها الأمير ألطنبغا الصالحي، وتوجه الأمير ~~جركتمر بن بهادر إلى طرابلس وحماة لتحليف نوابها والأمراء، وكتب إلى ~~الأعمال بإعفاء الجند من المغارم. ثم ركب الأمير قوصون في يوم الخميس رابع ~~عشرينه في دست النيابة، وترجل له الأمراء ومشوا في خدمته، وأخذ وأعطى وأنفق ~~على الأمراء لكل أمير ms2008 مائة ومقدم ألف: ألف دينار، ولكل أمير طبلخاناه ~~خمسمائة دينار؛ ولكل أمير عشرة مائتي دينار، ولكل مقدم حلقة خمسين دينارا، ~~ولكل جندي خمسة عشر دينارا. ثم في يوم السبت سادس عشرينه سمر قوصون ولي ~~الدولة أبا الفرج ابن خطير صهر النشو، وكان قد توصل إلى الملك المنصور ~~بسفارة أستاذه ملكتمر الحجازي، ووقع منه أمور حقدها عليه قوصون لوقتها، ~~ولما سمر بتشهيره على جمل بمصر والقاهرة وقد أشعلت الشموع بالحوانيت ~~والشوارع ودقت الطبول وفرح الناس فرحا زائدا لأنه كان ممن بقي من حواشي ~~النشو وأصهاره، وفيه يقول الأديب جمال الدين إبراهيم المعمار: قد أخلف ~~النشو صهر سوء ... قبيح فعل كما تروه أراد للشر فتح باب ... فأغلقوه وسمروه ~~ولما كان يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول من سنة آثنتين وأربعين وسبعمائة ~~أنعم قوصون على أحد وعشرين مملوكا من المماليك السلطانية بإمريات: منهم ستة ~~طبلخاناه والبقية عشرات. وفي رابع عشر شهر ربيع الأول توخه الأمير طوغان ~~لإحضار الشهابي أحمد ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك ~~محتفظا به لينفى إلى أسوان. وسبب ذلك أنه ورد كتاب ملكتمر السرجواني نائب ~~الكرك يتضمن أن أحمد المذكور خرج عن طوعه وكثر شغفه بشباب أهل الكرك ~~وآنهماكه في معاقرة الخمر، وأنه يخاف على نفسه منه أن يوافق الكركيين على ~~قتله، وطلب الإعفاء من نيابة الكرك. ثم في يوم السبت سابع عشر شهر ربيع ~~الأول المذكور خلع على الأمير طقزدمر الحموي نائب السلطنة بديار مصر بنيابة ~~حماة عوضا عن الملك الأفضل ابن الملك المؤيد الأيوبي، وأنعم على الملك ~~الأفضل بتقدمة ألف بدمشق، وأنعم على الأمير أقبغا عبد الواحد بإمرة بدمشق، ~~ورسم لسمره إليها. وفي يوم الخميس ثاني عشرينه جلس السلطان الملك الأشرف ~~كجك على تخت الملك وخلع على جميع الأمراء وأرباب الدولة بدار العدل، وقبل ~~الأمراء الأرض بين يديه ثم تقدموا إليه على قدر مراتبهم وقبلوا يده، فكان ~~عدة الخلع في هذا اليوم ألما ومائتي خلعة. ثم في تاسع عشرينه ورد كتاب ~~الشهابي أحمد ابن الملك ms2009 الناصر محمد من الكرك بأنه لا يحضر إلى القاهرة حتى ~~يأتيه أكابر الأمراء إلى الكرك ويحلفهم، ثم يحضر إخوته من بلاد الصعيد إلى ~~قلعة الكرك، ويحضر بعد ذلك، وينتصب سلطانا. فأجيب بأنه لم يطلب إلا لشكوى ~~النائب منه، وجهزت له هدية سنية، وأنه يحضر حتى تعمل المصلحة. فلم يكن بعد ~~أيام إلا وحضر الأمير ملكتمر السرجواني نائب الكرك إلى القاهرة في يوم ~~الخميس رابع عشر ربيع الآخر، وأخبر الأمير قوصون وغيره بامتناع الشهابي ~~أحمد من الحضور، وأنه أقام على الخلاف؛ فآجتمع الأمراء بالقصر في يوم ~~الجمعة خامس عشرة للمشورة في أمر أحمد المذكور، حتى تقرر الأمر على تجريد ~~العساكر لأخذه. PageV03P0080 # ثم في يوم السبت سادس عشره ابتدأت الفتنة بين الأمير قوصون وبين المماليك ~~السلطانية؛ وذلك أن قوصون أرسل يطلب من مقدم المماليك مملوكا من طبقة ~~الزمرذية جميل الصورة، فمنعه خشداشيته أن يخرج من عندهم، فتلطف بهم المقدم ~~حتى أخذه ومضى به إلى قوصون فبات عنده. ثم طلب قوصون من الغد نحو أربعة ~~مماليك أخر أو خمسة، منهم شيخون وصرغتمش وأيتمش عبد الغني، فامتنع ~~خشداشيتهم من ذلك، وقام منهم نحو المائة مملوك، وقالوا: " نحن مماليك ~~السلطان، ما نحن مماليك قوصون " ؛ وأخرجوا الطواشي المقدم من عندهم على ~~أقبح وجه. فمضى المقدم إلى قوصون وعرفه الحال، فأخرج إليهم قوصون الأمير ~~برسبغا الحاجب وشاورشي دواداره في عدة من مماليكه ليأتوه بهم، فإذا ~~بالمماليك قد تعصبوا مع كبارهم وخرجوا على حمية يريدون الأمير بيبرس ~~الأحمدي، فإذا به راكب. فمضوا إلى بيت الأمير جنكلي بن البابا فلقوه في ~~طريقهم؛ فقالوا له: نحن مماليك السلطان مشترى ماله، فكيف نترك ابن أستاذنا ~~ونخدم غيره، من هو مملوك مثلنا فينال غرضه منا ويفضحنا بين الناس؟ وجهروا ~~له بالكلام الفاحش فتلطف بهم جنكلي فلم يرجعوا عما هم عليه، فحنق منهم، ~~وقال: أنتم الظالمون بالأمس. ولما خرجتم قلت لكم أنا وطقزدمر نائب السلطنة: ~~ارجعوا إلى خدمة ابن أستاذكم قلتم: ما لنا ابن أستاذ غير قوصون، والآن ~~تشكون منه! فاعتذروا له ومضوا ms2010 به، وقد حضر الأحمدي فآجتمعوا به، وتوجهوا ~~إلى منكلي بغا الفخري فإذا قد وافاه برسبغا من عند قوصون، فأرادوا أن ~~يوقعوا به فكفهم الفخري عنه. هذا وقوصون قد بلغه خبرهم، فأراد أن يخرج ~~ويجمع الأمراء، فما زال به من عنده حتى سكن إلى بكرة النهار، فكانت تلك ~~الليلة ليلة مهولة. ثم طلب الأمير قوصون جنكلي والأحمدي والفخري وبقية ~~الأمراء إليه، وأغراهم بالمماليك السلطانية وخوفهم عاقبة أمرهم من ~~استخفافهم بالأمراء؛ فبعثوا بالأمير مسعود الحاجب إليهم ليحضرهم، فإذا ~~جمعهم قد كثف وكثر، فلم يلتفتوا إليه فعاد. فخرج إليهم ألطنبغا المارداني ~~وقطلوبغا الفخري وهما أكبر الأمراء الخاصكية من خشداشييهم، وما زالا بهم ~~حتى أخذا من وقع عليه الطلب، ودخلا بهم إلى قوصون، فقبلوا يده فقام لهم ~~وقبل رأسهم وطيب خواطرهم ووعدهم بكل خير وانصرفوا، وفي ذهن قوصون أنه قد ~~حصل الصلح، وذلك في يوم السبت. فلما كان ليلة الإثنين وقت الغروب تحالف ~~المماليك الناصرية على قتل قوصون وبعثوا إلى من بالقاهرة منهم؛ فبات قوصون ~~- وقد بلغه ذلك - على حذر. وركب يوم الإثنين ثامن عشر ربيع الآخر الموكب مع ~~الأمراء تحت القلعة، وطلب أيدغمش أمير آخور، وأخذ قوصون يلوم الأمراء في ~~إقامته في نيابة السلطنة، وهم يترضوه ويعدوه بالقيام معه؛ فأدركه الأمير ~~بيبرس الأحمدي وأعلمه بأن المماليك السلطانية قد آتفقوا على قتله، فمضى بهم ~~أعني الأمراء إلى جهة قبة النصر PageV03P0081 # فارتجت القلعة وقفلت أبوابها، ولبست المماليك السلطانية السلاح بالقلعة ~~وكسروا الزردخاناه السلطانية. هذا وقد آمتلأت الرميلة بالعامة، وصاحوا: يا ~~ناصرية! نحن معكم، فأجابوهم من القلعة، فأشاروا لهم بالتوجه إلى بيت قوصون ~~فتوجهوا نحوه وكسروا بابه وهجموا عليه، وكسروا من كان يرمى عليهم من أعلى ~~البيت. وبلغ ذلك قوصون، فعاد بمن كان معه من الأمراء، وأوقعوا بالعامة حتى ~~وصلوا إلى سور القلعة فرماهم المماليك من أعلى القلعة بالنشاب وأحموا ~~العامة. فقتل في المعركة الأمير محمود صهر الأمير جنكلي بن البابا بسهم ~~نشاب من القلعة، وقتل معه آخر. ووصلوا حاشية قوصون إلى إسطبل قوصون، وقد ~~بدأ ms2011 النهب فيه، فقتلوا من العامة جماعة كثيرة وقبضوا على جماعة. فلم تطق ~~المماليك السلطانية مقاومة الأمراء فكفوا عن القتال وفتحوا باب القلعة لهم. ~~فطلع إليهم الأمير برسبغا الحاجب أنزل ثمانية من أعيان المماليك السلطانية ~~إلى قوصون، وقد وقف قوصون بجانب زاوية تقي الدين رجب تحت القلعة. فوسط ~~قوصون منهم واحدا آسمه صربغا، فإنه الذي فتح خزائن السلاح وألبس المماليك، ~~وأمر به قوصون فعلق على باب زويلة. وأراد أن يوسط البقية فشفع فيهم ~~الأمراء، فحبسوا بخزانة شمائل مقيدين. ثم رسم قوصون بتسمير عدة من العوام ~~فسمر منهم تسعة على باب زويلة. ثم أمر بالركوب على العامة وقبضهم ففروا حتى ~~إنهم لم يقدروا منهم على حرفوش واحد. ثم طلع قوصون إلى القلعة قريب العصر، ~~ومد للأمراء سماطا فأكلوا. وبقيت الأطلاب والأجناد واقفة تحت القلعة إلى ~~آخر النهار، فكان ذلك اليوم من الأيام المشهودة؛ وكان جملة من قتل فيه من ~~الفئتين ثمانية وخمسين رجلا وآنصرف الناس. ثم في ليلة الثلاثاء طلع الأمير ~~برسبغا الحاجب إلى طباق المماليك بالقلعة ومعه عدة من المماليك وقبضوا على ~~مائة مملوك منهم، وعملوا في الحديد، وحبسوا بخزانة شمائل، فمنهم من قتل، ~~ومنهم من نفي من مصر. ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الآخر سمر قوصون ~~تسعة من العوام. ثم في يوم الأربعاء عشرينه سمر قوصون أيضا ثلاثة من ~~الطواشية في عدة من الحرافيش على باب زويلة. وسبب ذلك أن قوصون لما نزل من ~~القلعة ومضى إلى قبة النصر وقابلته المماليك السلطانية أخذت الطواشية في ~~الصياح على نسائه وأفحشوا في سبهن؛ واستمر الطواشية في التسمير حتى مات ~~أحدهم وشفع في الاثنين. ثم عرض قوصون مماليك الأطباق، وأنعم على مائتين ~~منهم بإقطاعات كبيرة، وعين جماعة منهم بإمريات. ثم أكثر قوصون من الإحسان ~~إليهم. وبينما قوصون في ذلك قدم عليه كتب نائب الشام وأمراء الشام وفيها ~~كتب أحمد ابن السلطان الملك الناصر لهم مختومة لم تفك؛ ففتحها قوصون فإذا ~~فيها لنائب الشام أنه كاتب لنائب حلب الأمير طشتمر الساقي حمص ms2012 أخضر وغيره، ~~وأنهم آتفقوا معه؛ وأكثر من الشكوى من قوصون. فأوقف قوصون الأمراء عليها، ~~وما زال بهم حتى وافقوه على تجريد العسكر إلى الكرك. وفي هذه الأيام ظهرت ~~المماليك التي كانت الفتنة بسببهم عند خشداشييهم، فسلم صرغتمش إلى الأمير ~~ألطنبغا المارداني، وسلم أيتمش إلى الأمير آخور، وسلم شيخون إلى الأمير ~~أرنبغا السلاح دار، وهؤلاء الأمراء الثلاثة ناصرية. PageV03P0082 # ثم أشيع بالقاهرة أن أحمد ابن الملك الناصر قد تحرك من الكرك في طلب ~~المجيء إلى الديار المصرية، فكثر الاضطراب ووقع الشروع في تجهيز العساكر ~~صحبة الأمير قطلوبغا الفخري، واستحلفه قوصون، وبعث إليه بعشرة آلاف دينار، ~~وعين معه أيضا الأمير قماري أخا بكتمر الساقي ومعهما أربعة وعشرون أميرا، ~~ما بين طبلخانات وعشرات، وأنفق على الجميع. ثم بعث قوصون إلى قطلوبغا ~~الفخري بخمسة آلاف دينار أخرى عند سفره، وركب لوداعه صحبة الأمراء، حتى نزل ~~الريدانية في يوم الثلاثاء خامس عشرين ربيع الآخر، وكل ذلك في سنة آثنتين ~~إربعين وسبعمائة. هذا والأمراء لم يكن منهم أحد راضيا بسفر هذه التجريدة، ~~بل أشار الأمير الحاج آل ملك والأمير جنكلي بن البابا على قوصون بأنه لا ~~يحرك ساكنا لم يقبل قوصون. وكانا أشارا عليه بأنه يكتب إلى أحمد بن الناصر ~~يعتبه على مكاتبته لنائب الشام وغيره، فكتب إليه بذلك؛ فأجاب بأن طوغان ~~أسمعه كلاما فاحشا وأغلظ عليه في القول، فحمله الحنق على مكاتبة نائب ~~الشام، وأن قوصون والده بعد والده ونحو ذلك. فلم يقنع قوصون ذلك، وجهز ~~العساكر لأخذه. وبعد خروج العساكر ركب الأمير قوصون في يوم الثلاثاء ثالث ~~جمادى الأولى إلى سرياقوس وصحبته الأمراء على عادتهم " توجه السلطان ثم عاد ~~" . وبعد مدة يسيرة ظهر للأمير قوصون مخالفة الأمير طشتمر الساقي نائب حلب ~~المعروف بحمص أخضر. وسبب مخالفته أنه شق عليه إخراج أولاد أستاذه الملك ~~الناصر إلى الصعيد، وأيضا تجهيز العساكر لقتال أحمد ابن الملك الناصر ~~بالكرك؛ وكان قد بعث إليه أيضا أحمد ابن الملك الناصر يشكو من قوصون، وأنه ~~يريد القبض عليه يطلب منه النصرة عليه؛ ms2013 فكتب طشتمر إلى أمراء الديار ~~المصرية وإلى قوصون بالعتب، فقبض على قاصده بقطيا وسجن. وكتب قوصون إلى ~~الأمير ألطنبغا الصالحي نائب الشام بأن الأمير طشتمر حمص أخضر نائب حلب شرع ~~يتكلم في إقامة الفتنة وأنه لا يصغي إلى قوله، وبعث إليه بأشياء كثيرة من ~~الهدايا والتحف، فأجاب ألطنبغا نائب الشام بالسمع والطاعة والشكر والثناء. ~~ولما تم لقوصون ذلك وقع بينه وبين الأمير أيدغمش أمير آخور، وكادت الفتنة ~~تقوم بينهما، وأغلظ أيدغمش لقوصون في الكلام. وسببه أن بعض مماليك أمير علي ~~بن أيدغمش وشى إليه بأن قوصون قرر مع برسبغا الحاجب أن يبيت بالقاهرة ويركب ~~في عدة من مماليك قوصون ويكبس على أيدغمش؛ فأخذ أيدغمش في الاحتراز، وآمتنع ~~من طلوع القلعة أياما بحجة أنه متوعك. وكان ذلك بعد أن تصالحا بعد تفاوضهما ~~بمدة يسيرة؛ وصار أيدغمش إذا سير قوصون النائب بالرميلة في أيام المواكب ~~يغلق أيدغمش باب الإسطبل السلطاني، ويوقف طائفة من الأوجاقية عليه، فاشتهر ~~الخبر بين الناس وكثرت القالة. وبلغ قوصون تغير خاطر أيدغمش عليه، فحلف ~~للأمراء أنه ما يعرف لتغيره سببا. فما زالت الأمراء بأيدغمش حتى طلع ~~القلعة، وعرف قوصون بحضرة الأمراء ما بلغه، فحلف قوصون على المصحف أن هذا ~~لم يقع منه، ولا عنده منه خبر، وتصالحا. وبعث إليه أيدغمش بعد نزوله إلى ~~الإسطبل الناقل إليه فرده قوصون إليه ولم يعاقبه. ثم قدم الخبر بوفاة ~~الأمير بشتك الناصري المقدم ذكره بمحبسه بثغر الإسكندرية، فاتهم قوصون ~~بقتله. وكان الأمير قوصون قد أنشأ قاعة لجلوسه مع الأمراء من داخل باب ~~القلعة، وفتح فيها شباكا يطل على الدركاه، وجلس فيه مع الأمراء، ومد سماطا ~~بالقاعة المذكورة وزاد في سماطه من الحلوى والدجاج والإوز ونحو ذلك، وأكثر ~~من الخلع والإنعامات، وصار يجلس مع الأمراء بالقاعة المذكورة. فلما قدم ~~الخبر بموت بشتك تغير خاطر جماعة كثيرة من الأمراء وغيرهم لموته، فمازال ~~بهم قوصون حتى صالحهم وحلف لهم. ثم قدم الخبر من عبد المؤمن والي قوص بأن ~~الملك المنصور أبا بكر وجد في نفسه ms2014 تغيرا، وفي جسمه توعكا لزم الفراش منه ~~أياما ومات؛ وآتهم قوصون أيضا بأنه أمر عبد المؤمن بقتله، فتغير لذلك خاطر ~~الأمراء والمماليك الناصرية قاطبة، وهم يوم ذاك عساكر الإسلام ومن سواهم ~~فقليل. PageV03P0083 # ثم قدم الخبر على قوصون بنزول العسكر الذي صحبة الأمير قطلوبغا الفخري ~~على مدينة الكرك وقد امتنعت منه وآستعد أهلها للقتال. وكان الوقت شتاء، ~~فأقام العسكر نحو عشرين يوما في شدة من البرد والأمطار والثلوج وموت ~~الدواب، وتسلط هل الكرك عليهم بالسب واللعن والتوبيخ، وشنوا الغارات عليهم، ~~وصاروا يقطعون قربهم ورواياهم؛ هذا وقوصون يمد الفخري بالأموال ويحضه على ~~لزوم الحصار. ثم قدم الخبر من دمشق بأن تمر الموسوي قدم من حلب، واستمال ~~جماعة من الأمراء إلى طشتمر الساقي حمص أخضر نائب حلب. فكتب قوصون بالقبض ~~عليه. ثم حمل قوصون تشريفا إلى نائب حلب المذكور، فلم يرض نائب حلب ~~بالتشريف ورده؛ وكتب إلى قوصون يعتبه على إخراج أولاد أستاذه إلى الصعيد، ~~فأجابه قوصون بأعذار غير مقبولة. ثم قدم الخبر على قوصون أيضا من شطي بن ~~عبية أمير العرب بأن قطلوبغا الفخري قد خامر على قوصون، وحلف لأحمد بن ~~الناصر هو ومن معه من الأمراء، وأنهم أقاموا أحمد سلطانا ولقبوه بالملك ~~الناصر؛ وذلك بمكاتبة الأمير طشتمر الساقي نائب حلب له يعتبه على موافقة ~~قوصون، وقد فعل بأولاد أستاذه ما فعل، ويعزم عليه أنه يدخل في طاعة أحمد، ~~ويقوم بنصرته. فصادف ذلك من الفخري ضجره من الإقامة على حصار الكرك وشدة ~~البرد وعظم الغلاء، فجمع من معه وكتب إلى أحمد يخاطبه بالسلطنة وقرر الصلح ~~معه. وكتب لنائب حلب بذلك فأعاد جوابه بالشكر، وأعلمه بأن الأمير طقزدمر ~~نائب حماة وأمراء دمشق قد وافقوه على القيام بنصرة أحمد. وكان الأمير ~~ألطنبغا الصالحي نائب الشام قد أحس بشيء من هذا قآحترس على الطرقات، حتى ~~ظفر بقاصد طشتمر نائب حلب على طريق بعلبك ومعه كتب فأخذها منه، وبعث بها ~~إلى قوصون، فقدمت ثاني يوم ورود كتاب شطي بمخابرة الفخري، فإذا فيها: " ~~الملكي الناصري " فآضطرب قوصون ms2015 وجمع الأمراء وعرفهم ما وقع وأوقفهم على ~~الكتب، وذكر لهم أنه وصل منه إلى قطلوبغا الفخري في هذه السفرة مبلغ أربعين ~~ألف دينار سوى الخيل والقماش والتحف. ورسم قوصون بإيقاع الحوطة على دور ~~الأمراء المجردين مع الفخري إلى الكرك، فمازال به الأمراء حتى كف عن ذلك. ~~وألزم مباشريهم بحمل ما وصل إليهم وبجميع حواصلهم، وصار قوصون في أمر مريج ~~مما بلغه. وكتب إلى الأمير ألطنبغا الصالحي نائب الشام بخروجه لقتال طشتمر ~~الساقي حمص أخضر نائب حلب، ومعه نائب حمص ونائب صفد ونائب طرابلس؛ وكتب ~~إليهم قوصون بالسمع والطاعة إلى طاعة نائب الشام، وحمل إليهم النفقات. فلما ~~بلغ ألطنبغا الصالحي نائب الشام ذلك تجهز وخرج من دمشق بعساكرها في جمادى ~~الآخرة فتلقاه الأمير أرقطاي نائب طرابلس على حمص وصار من جملة عساكره، ~~وأخبره بكتاب نائب حلب إليه يدعوه لموافقته وأنه أبى عليه. ثم بعث ألطنبغا ~~نائب الشام إلى الأمير طقزدمر نائب حماة من آستماله وحلفه على طاعة الملك ~~الأشرف كجك. ولما بلغ طشتمر حمص أخضر مجيء ألطنبغا نائب الشام إليه أرسل ~~آستدعى ابن دلغادر، فقدم عليه، فآتفق معه على المسير إلى أبلستين؛ وسار به، ~~ومعه ما خف من أمواله، وأخذ أولاده ومماليكه فأدركه عسكر حلب، وقد وصل ~~إليهم كتاب نائب الشام بالاحتراس عليه ومنعه من الخروج من حلب فقاتلوه عدة ~~وجوه فلم ينالوا منه غرضا؛ وقتل من الفريقين خمسة نفر وعادوا وأكثرهم جرحى. ~~فلما وصل طشتمر إلى أبلستين كتب إلى إرتنا يستأذنه في العبور إلى الروم، ~~فبعث إليه إرتنا بقاضيه وعدة من ألزامه، وجهز له الإقامات. فمضى طشتمر إلى ~~قيصرية، وقد توجه إرتنا لمحاربة ابن دمرداش بعد أن رتب لطشتمر كل يوم ألفي ~~درهم. وأما ألطنبغا الصالحي نائب الشام فإنه قدم إلى حلب، وكتب إلى قوصون ~~يعلمه بتسحب طشتمر نائب حلب إلى جهة الروم، وأنه استولى على مدينة حلب. ~~فقدم كتابه على قوصون في يوم الأربعاء ثاني شهر رجب. ثم في يوم الإثنين ~~سابع رجب فرق الأمير قوصون إقطاعات الأمراء المجردين ms2016 مع قطلوبغا الفخري ~~الخارجين عن طاعة قوصون، وعدتهم اثنان وثلاثون أميرا، منهم أمراء طبلخانات ~~ستة عشر، وأمراء عشرات ستة عشر، وأميران مقدمان: الفخري وقماري. ~~PageV03P0084 # ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشرين رجب قدم الأمير الشيخ علي بن دلنجي ~~القازاني أحد أمراء العشرات المجردين، وأخبر بمسير قطلوبغا الفخري من الكرك ~~إلى دمشق، وأنه يريد مواقعته مع ألطنبغا الصالحي نائب الشام. وكان من خبره ~~أن الأمير ألطنبغا لما دخل حلب أخذ موجود طشتمر حمص أخضر وباعه؛ وبينما هو ~~في ذلك بلغه دخول قطلوبغا الفخري بمن معه إلى دمشق، وأنه دعا للناصر أحمد، ~~وقد وافقه آق سنقر السلاري نائب غزة وأصلم نائب صفد ومن تأخر من أمراء دمشق ~~بها، مثل سنجر الجمقدار وتمر الساقي، وأن آق سنقر نائب غزة وقف لحفظ ~~الطرقات حتى لا يصل أحد من مصر إلى ألطنبغا الصالحي، وأن قطلوبغا أخذ في ~~تحصيل الأموال من دمشق للنفقة على الأمراء والجند، وأن الأمير طقزدمر نائب ~~حماة قدم عليه في غد دخوله. وركب الفخري وتلقاه وقوي بهم وآستخدم جندا ~~كثيرة ونادى بدمشق: من أراد الإقطاع والنفقة فليحضر. وأخذ مالا كثيرا من ~~التجار، وأكره قاضي القضاة تقي الدين بن السبكي حتى أخذ مال الأيتام، وأخذ ~~أجر الأملاك والأوقاف لثلاث سنين، فجمع مالا عظيما. وأتته جماعات من ~~الأجناد والتركمان، وكتب أوراقا من ديوان الجيش بأسماء الأجناد البطالين، ~~وأنعم على البطالين بالخيل والقماش والسلاح. وحلف قطلوبغا الجميع للسلطان ~~الملك الناصر أحمد بن الناصر محمد بن قلاوون، وعمل برسمه العصائب السلطانية ~~والسناجق الخليفتية والكنابيش والسروج والغاشية والقبة والطير وسائر أبهة ~~السلطنة. وكتب إلى الملك الناصر أحمد يعرفه بذلك فأجابه الناصر بالشكر ~~والثناء. فلما سمع قوصون ذلك جمع الأمراء للمشورة فاتفق الرأي على تجريد ~~أمراء إلى غزة، فتوجه برسبغا الحاجب وأمير محمود الحاجب وعلاء الدين علي بن ~~طغريل في جماعة. ثم كتب قوصون إلى ألطنبغا نائب الشام على يد أطلمش الكريمي ~~بأن يسير من حلب إلى قتال الفخري بدمشق، فتوجه أطلمش الكريمي على البريد من ~~البرية لانقطاع الطريق ms2017 حتى وصل إلى حلب، وعرف ألطنبغا الخبر، فخرج ألطنبغا ~~بمن معه من العساكر وسار حتى قدم حمص، وقد خرج الفخري من دمشق ونزل على خان ~~لاجين وأمسك المضيق، وأقام الجبلية والعشير على الجبلين، ووقف هو بالعسكر ~~في وسط الطريق. وأما ألطنبغا فإنه حلف ومن معه من العساكر وسار من حمص يريد ~~الفخري حتى قرب منه، وعدد الجمعين نحو ثلاثة عشر ألف فارس، فتمهل ألطنبغا ~~كراهية لسفك الدماء، وأرسل إلى الفخري رسلا ودام على ذلك ثلاثة أيام فلم ~~يتم بينهما أمر. وبعث قطلوبغا الفخري إلى جماعة من أصحاب ألطنبغا يعدهم ~~ويستميلهم حتى وافقوه. فلما تعبت الرسل بينهم وملت العسكر من شدة البرد، ~~بعث ألطنبغا في الليل جماعة من أصحابه ليهجموا على الفخري من ورائه، ~~ويلقاهم هو من قدامه؛ وركب من الغد، فمال كل أمير بمن معه من أصحابه إلى ~~جهة الفخري، وصاروا من جملته، فلم يبق معه سوى أرقطاي نائب طرابلس وأسنبغا ~~بن بكتمر البوبكري وأيدمر المرقبي من أمراء دمشق، فانهزموا على طريق صفد ~~إلى جهة غزة، والقوم في أثرهم، بعد أن كانت بينهم وقعة هائلة انهزم فيها ~~ألطنبغا نائب الشام. ثم آلتفت الفخري إلى جهة دمشق، وترك السير خلف ألطنبغا ~~حتى دخل دمشق مؤيدا منصورا. وكتب في الحال مع البريد إلى الأمير طشتمر ~~الساقي حمص أخضر نائب حلب يعرفه بنصرته ويدعوه إلى الحضور من بلاد الروم، ~~وأنه في انتظاره بدمشق. ثم حلف الفخري ومن معه للملك الناصر أحمد، وأمر ~~الخطباء فدعوا له على منابر دمشق وضرب السكة بآسمه. PageV03P0085 # وأما ألطنبغا الصالحي نائب دمشق فإنه وصل إلى غزة بمن معه فتلقاهم الأمير ~~برسبغا الحاجب ورفقته؛ وكتب ألطنبغا إلى قوصون بما وقع، فلما بلغ قوصون ~~الخبر قامت قيامته وقبض على إخوة أحمد شاد الشرابخاناه وعلى قرطاي أستادار ~~الفخري. ثم قدم على قوصون كتاب الفخري يعتبه على إخراج أولاد أستاذه إلى ~~قوص وقتل الملك المنصور أبي بكر، وأن الاتفاق وقع على سلطنة الملك الناصر ~~أحمد، ويشير عليه بأن يختار بلدا يقيم بها حتى ms2018 يسأل له السلطان الملك ~~الناصر أحمد في تقليده نيابتها. فقام قوصون وقعد لما سمع ذلك، وجمع الأمراء ~~فوقع الاتفاق على تجهيز التقادم للأمراء بغزة. فجهز قوصون لكل من ألطنبغا ~~نائب الشام وأرقطاي نائب طرابلس ثلاثين بذلة قماش وثلاثين قباء مسنجبة ~~بطرازات زركش ومائتي خف ومائتي كلفتاه وكسوة لجميع مماليكهما وغلمانهما ~~وحواشيهما. وجهز لكل من الأمراء الذين معهما ثلاث بذلات وأقبية بسنجاب ~~وكسوة لمماليكهم وحواشيهم. وأخذ قوصون في الإنعام على المماليك السلطانية، ~~وأخرج ثلاثمائة ألف دينار من الذخيرة لتجهيز أمره، حتى يخرج بالعساكر إلى ~~الشام. وأخرج أربعمائة قرقل وعدة زرديات وخوذ وغيرها، وأنعم على جماعة من ~~المماليك السلطانية بإمريات، وغير إقطاعات جماعة منهم. ثم كتب قوصون إلى ~~الأمراء بمسيرهم من غزة إلى جهة القاهرة، وهيأ لهم الإقامات والخيول، وبعث ~~إليهم بالحلاوات والفواكه وسائر ما يليق بهم. وبينما قوصون في ذلك إذ ركب ~~الأمراء عليه في ليلة الثلاثاء تاسع عشرين رجب وقت العشاء الآخرة. وسبب ~~ركوبهم عليه تنكر قلوب الأكابر عليه لأمور بدت منه، منها: قتل الأمير بشتك ~~الناصري بغير ذنب، وهو أعز خشداشيته، ولم يكفه ذلك حتى قتل الملك المنصور ~~أبا بكر وهو ابن أستاذه، وكان يكفيه الخلع من الملك. ومنها قوة الوحشة بينه ~~وبين الأمير أيدغمش الناصري أمير آخور، وهو أكبر خشداشيته؛ فأخذ أيدغمش ~~يدبر عليه، وغير خواطر جماعة كثيرة عليه. ثم كان من انتصار قطلوبغا الفخري ~~على ألطنبغا الصالحي نائب الشام ما كان فكتب قطلوبغا إلى أيدغمش سرا بأنه ~~سلطن أحمد، وحرضه على الركوب إلى الكرك بمن قدر على استمالته،. وكان قوصون ~~قد آحتفل لقدوم ألطنبغا نائب الشام ومن معه احتفالا زائدا، وفتح ذخيرة ~~السلطان، وأكثر من النفقات والإنعامات حتى بلغت إنعاماته على الأمراء ~~والخاصكية ستمائة ألف دينار. فشاع بأنه يريد أن يتسلطن، فخاف أيدغمش وغيره ~~من تحكمه في السلطنة، وحرض الأمراء الخاصكية حتى وافقه الأمير علاء الدين ~~ألطنبغا المارداني والأمير يلبغا اليحياوي في عدة من المماليك السلطانية، ~~وجمع كثير من أكابر الأمراء، منهم: الأمير الحاج آل ملك والأمير ms2019 بدر الدين ~~جنكلي بن البابا واتفقوا الجميع أنهم يسيروا جميعا إلى الكرك عند قدوم ~~ألطنبغا نائب الشام وخروجهم إلى لقائه. فلما كان يوم الإثنين ركب الأمير ~~قوصون في الموكب تحت القلعة على العادة وطلب الأمير تلجك ابن أخته وأخرجه ~~إلى لقاء الأمير ألطنبغا الصالحي نائب الشام - وقد ورد الخبر بنزوله على ~~بلبيس - ليأتي به سريعا. فوافاه ومن معه إلى بلبيس، فسأله في القدوم إلى ~~القاهرة بسرعة، فلم يوافقه على السرعة وقصد أن يكون حضوره في يوم الخميس ~~أول شعبان. وبات ألطنبغا ليلة الثلاثاء على بلبيس؛ وركب من الغد ونزل ~~سرياقوس، فبلغه ركوب الأمراء على قوصون، وأنه محصور بالقلعة، فركب بمن معه ~~إلى بركة الحاج، وإذا بطلب قوصون وسنجقه قد وافوه في نحو مائة مملوك، ~~وأعلموه أن في نصف الليل ركبت الأمراء وآحتاطت بإسطبل قوصون، ثم حصروه في ~~قلعة الجبل، فخرجوا هم على حمية حتى وصلوا إليهم؛ هذا ما كان من أمر ~~ألطنبغا نائب الشام. PageV03P0086 # وأما أمر قوصون فإنه لما بعث تلجك ليأتيه بالأمير ألطنبغا نائب الشام ~~سريعا، تحقق أيدغمش وأصحابه أن قوصون فهم عنهم ما دبروه، فتواعد الأمير ~~أيدغمش مع من وافقه على أن يركبوا في الليل إلى الكرك. فجهز كل منهم حاله، ~~حتى كان ثلث الليل فتح الأمراء باب السور من قلعة الجبل ونزلوا إلى الأمير ~~أيدغمش بالإسطبل السلطاني. ثم مضى كل واحد إلى إسطبله، فلم ينتصف الليل إلا ~~وعامة الأمراء بأطلابهم في سوق الخيل تحت القلعة، وهم: الأمير ألطنبغا ~~المارداني ويلبغا اليحياوي وبهادر الدمرداشي والحاج آل ملك والجاولي وقماري ~~الحسني أمير شكار وأرنبغا وآق سنقر السلاري. وبعثوا إلى إسطبلات الأمراء ~~مثل جنكلي بن البابا وبيبرس الأحمدي وطرغاي وقياتمر والوزير ولبست مماليكهم ~~وأخرجت أطلابهم. ثم خرج إليهم الأمير أيدغمش بمماليكه ومن عنده من ~~الأوجاقبة، ووقفوا جميعا ينتظرون نزول قوصون إليهم، فأحس قوصون بهم وقد ~~آنتبه، فطلب الأمراء المقيمين بالقلعة، فأتاه منهم آثنا عشر أميرا، منهم ~~جنكلي بن البابا وقياتمر والوزير. ولبست مماليك قوصون التي كانت عنده ~~بالقلعة وسألته أن ms2020 ينزل ويدرك إسطبله ويجتمع بمن فيه من مماليكه، وكانوا ~~سبعمائة مملوك، وكان قوصون يغتر بهم ويقول: " إيش أبالي بالأمراء وغيرهم! ~~عندي سبعمائة مملوك ألقى بهم كل من في الأرض " فلم يوافقهم قوصون على ~~النزول لما سبق في القدم. وأقام قوصون بالقلعة إلى أن طلع النهار؛ فلما لم ~~يظهر له حركة طمع أيدغمش فيه، وأمر الأوجاقية أن تطلع إلى الطبلخاناه ~~السلطانية وأخرج لهم الكوسات، فدقوا حربيا. ثم نادى أيدغمش: " معاشر أجناد ~~الحلقة ومماليك السلطان والأجناد و البطالين يحضروا، ومن ليس له فرس وليس ~~له سلاح يحضر ويأخذ له الفرس والسلاح ويركب معنا، ويقاتل قوصون " فأتاه ~~جماعة كثيرة من أجناد الحلقة والمماليك ما بين لابس سلاح وراكب وبين ماش ~~وعلى حمار. وأقبلت العامة كالجراد المنتشر لما في نفوسهم من قوصون، فنادى ~~لهم أيدغمش: " يا كسابة، عليكم بإسطبل قوصون، انهبوه " فأحاطوا به، ومماليك ~~قوصون من أعلاه ترميهم بالنشاب حتى أتلفوا منهم عدة كثيرة؛ فركب مماليك ~~يلبغا اليحياوي من أعلى بيت يلبغا - والبيت المذكور هو الآن موضع مدرسة ~~السلطان حسن - وكان بيت يلبغا يشرف على بيت قوصون، فلما طلعوا مماليك يلبغا ~~اليحياوي تسلطوا على مماليك قوصون ورموا عليهم بالنشاب مساعدة للعوام، ~~وجرحوا منهم جماعة كثيرة وحالوا بينهم وبين العامة. فهجمت العامة عند ذلك ~~إسطبل قوصون ونهبوا زردخاناته وحواصله وأمواله وكسروا باب قصره بالفؤوس بعد ~~مكابدة شديدة، وطلعوا إلى القصر ونهبوا ما فيه، وقوصون ينظر ذلك من شباك ~~القلعة ويقول: " يا مسلمين ما تحفظون هذا المال! إما أن يكون لي أو يكون ~~للسلطان " فقال أيدغمش: !هذا شكرانه للناس، والذي عندك فوق من الجوهر ~~والتحف يكفي السلطان " . وصار قوصون كلما هم للركوب بمماليكه كسروا عليه ~~الخاصكية وقالوا له: " يا خوند غدا نركب ونقتل هؤلاء " وصاروا يهونوا عليه ~~أمر أيدغمش وأصحابه لباطن كان لهم مع أيدغمش، حتى كان من أمره ما كان. ولما ~~هجمت العامة بيت قوصون خرجوا مماليكه منه على حمية وشقوا القاهرة، وتوجهوا ~~إلى عند الأمير ألطنبغا الصالحي نائب الشام، فبعث أيدغمش في أثرهم إلى ms2021 ~~ألطنبغا نائب الشام ومن معه بالسلام عليهم، وأن يمنعوا مماليك قوصون من ~~الاختلاط بهم، فإن الأمير يلبغا اليحياوي والأمير آق سنقر قادمان في جمع ~~كبير لأخذ مماليك قوصون وحواشيه. فأمر ألطنبغا نائب الشام مماليك قوصون ~~وتلجك وبرسبغا الحاجب أن يكونوا على حدة؛ ولبسوا الجميع، وأخذ الأمير ~~برسبغا مماليك قوصون وجماعته إلى جهة الجبل، فلقيهم الأمير يلبغا اليحياوي ~~بمن معه على بعد، وكان ذلك بعدما أمسك قوصون، فسار خلفهم إلى قرب إطفيح. ~~وقيل في أمر مماليك قوصون غير ذلك على ما سنذكره بعد القبض على قوصون. ~~PageV03P0087 # وأما قوصون فإنه بقي واقفا بشاك القلعة والعامة تنهب في بيته؛ فلم يمض ~~إلا ساعات من النهار حتى نهب جميع ما في إسطبله، وقوصون يضرب يدا على يد ~~ويقول: " يا أمراء! هذا تصرف جند! ينهب هذا المال جميعه " وكان أيدغمش قصد ~~بذلك أن يقطع قلب قوصون.ثم بعث قوصون إلى أيدغمش يقول : " إن هذا المال ~~عظيم وينفع المسلمين والسلطان، فكيف تفعل هذا وتنادي بنهبه؟ " فرد جوابه: " ~~نحن قصدنا أنت، ولو راح هذا المال وأضعافه " هذا كله والقلعة مغلقة ~~الأبواب، وجماعة قوصون يرمون من الأشرفية بالنشاب إلى أن قرب العصر، ~~والعامة تجمع نشابهم وتعطيه لمن هو من جهة أيدغمش. فلما رأى قوصون أمره في ~~إدبار سلم نفسه؛ ودخل عليه الأمير بلك الجمدار وملكتمر السرجواني يأمراه أن ~~يقيم في موضع حتى يحضر ابن أستاذه من الكرك فيتصرف فيه كما يختار، فلم يجد ~~بدا من الإذعان. وأخذ يوصي الأمير جنكلي بن البابا وأمير مسعود حاجب الحجاب ~~على أولاده؛ فأخذ وقيد، ومضوا به إلى البرج الذي كان بشتك فيه، ورسم عليه ~~جماعة من الأمراء. وكان الذي تولى مسكه وحبسه جنكلي بن البابا وأمير مسعود ~~الحاجب وأرنبغا أمير جاندار. وأما الأمير ألطنبغا الصالحي نائب الشام ومن ~~معه فإن برسبغا وتلجك والقوصونية لما فارقوا ألطنبغا المذكور سار ألطنبغا ~~وأرقطاي والأمراء يريدون القاهرة، وأشار ألطنبغا نائب الشام على أرقطاي ~~نائب طرابلس أن يرد برسبغا وتلجك والقوصونية ويقاتل بهم أيدغمش: فإنه ينضم ~~إليه جميع ms2022 حواشي قوصون، ويأخذوا أيدغمش، ويخرجوا قوصون، ويقيموه كبيرا لهم، ~~أو يخرجوه إلى حيث يختار، ويقيموا سلطانا أو ينتظروا أحمد؛ فلم يوافقه ~~أرقطاي على ذلك لعفته عن سفك الدماء. فلما أعيا ألطنبغا أمره سارا نحو ~~القاهرة حتى وافيا أيدغمش وهو واقف تحت القلعة بأصحابه؛ فأقبل أيدغمش ~~عليهما وعانقهما وأمرهما أن يطلعا إلى القلعة فطلعا. ثم أرسل أيدغمش الأمير ~~قازان والأمير آق سنقر خلف برسبغا وتلجك ومن معهما. وجلس أيدغمش مع ثقاته ~~من الأمراء وقرر معهم تسفير قوصون في الليل إلى الإسكندرية، والقبض على ~~ألطنبغا الصالحي نائب الشام وعلى أرقطاي نائب طرابلس ومن يلوذ بهما من الغد ~~- فكان كذلك وقبض عليهم - وتسفير الأمير بيبرس الأحمدي والأمير جنكلي بن ~~البابا لإحضار السلطان الملك الناصر أحمد من الكرك. ثم أخرج الأمير قوصون ~~من سجنه بقلعة الجبل في ليلة الخميس مع مائة فارس حتى أوصلوه إلى النيل، ~~وركب البحر ومضي به إلى الإسكندرية فسجن بها على ما سيأتي ذكره. ~~PageV03P0088 # وأما ما نهب لقوصون في هذه الحركة فشيء كثير؛ فإنه كان في حواصله من ~~الذهب النقد أربعمائة ألف دينار عين في أكياس، ومن الحوائص الذهب والكلفتات ~~الزركش والأواني فشيء لا ينحصر، وثلاثة أكياس أطلس فيها فصوص وجواهر مثمنة ~~بما ينيف على مائة ألف دينار، ومائة وثمانون زوج بسط، منها ما طوله أربعون ~~ذراعا وثلاثون ذراعا، كلها من عمل الروم وآمد وشيراز، وستة عشر زوجا من عمل ~~الشريف بمصر، وأربعة أزواج بسط حرير لا يقوم عليها لحسنها؛ فآنحط سعر الذهب ~~من كثرة ما نهب لقوصون، حتى صرف بأحد عشر درهما الدينار مما صار، وكثر في ~~أيدي الناس بعدما كان الدينار بعشرين درهما، ولأن أيدغمش نادى بعد ذلك ~~بالقاهرة ومصر أن من أحضر من العامة ذهبا لتاجر أو صيرفي أو متعيش يقبض ~~عليه ويحضر به إلى أيدغمش، فكان من معه منهم ذهب يأخذ فيه ما يدفع إليه من ~~غير توقف، فرخص سعر الذهب لذلك. وكثرت مرافعات الناس بعضهم لبعض فيما نهب، ~~فجمع أيدغمش شيئا كثيرا من ذلك؛ فإن ms2023 العامة يوم نهب إسطبل قوصون أخذوا من ~~قصره حتى سقوفه وأبوابه ورخامه وتركوه خرابا، ثم مضوا إلى خانقاته بباب ~~القرافة فمنعهم صوفيتها من النهب، فما زالت العامة تقاتلهم حتى فتحوها، ~~ونهبوا جميع ما فيها، حتى سلبوا الرجال والنساء ثيابهم، فلم يدعوا لأحد ~~شيئا، وقطعوا بسطها وكسروا رخامها وأخربوا بركتها، وأخذوا الشبابيك وخشب ~~السقوف والمصاحف، وشعثوا الجدر. ثم مضوا إلى بيوت مماليك قوصون، وهم في حشد ~~عظيم، فنهبوها وخربوها وما حولها، وتتبعوا حواشي قوصون بالقاهرة والحكورة ~~وبولاق والزريبة وبركة قرموط، وباعت العامة السقوف والأواني بأخس الأثمان، ~~وصارت العامة إذا أرادوا نهب أحد قالوا: هذا قوصوني، فيذهب في الحال جميع ~~ماله. وزادت الأوباش في ذلك حتى خرجوا عن الحد. وشمل الخوف كل أحد، فقام ~~الأمراء على أيدغمش وأنكروا عليه تمكين العامة من النهب، فأمر لسبعة من ~~الأمراء، فنزلوا إلى القاهرة، والعامة مجتمعة على باب الصالحية في نهب بيت ~~القاضي الغوري الحنفي، فقبضوا على عدة منهم، وضربوهم بالمقارع، وشهروهم، ~~فآنكفوا عن نهب الناس. انتهى. وأما أصل قوصون وآتصاله بالملك الناصر محمد ~~بن قلاوون حتى صار ساقيه أعظم مماليكه هو وبكتمر الساقي، فإن قوصون كان ممن ~~حضر إلى الديار المصرية من بلاد الترك صحبة خوند بنت أزبك خان التي تزوجها ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون وهو غير مملوك. فلما كان في بعض الأيام طلع ~~قوصون إلى القلعة في خدمة بعض التجار، فرآه السلطان الملك الناصر فأعجبه، ~~فقال للتاجر: لأي شيء ما تبيعني هذا المملوك؟ فقال التاجر: هذا ما هو مملوك ~~فقال الملك الناصر: لا بد أن أشتريه، ووزن ثمنه مبلغ ثمانية آلاف درهم، ~~وجهز الثمن إلى أخيه صوصون إلى البلاد. ثم أنشأه الملك الناصر وجعله ساقيا، ~~ثم رقاه حتى جعله أمير مائة ومقدم ألف؛ وعظم عند الملك الناصر وحظي عنده ~~وزوجه بابنته وهي ثانية بنت زوجها الملك الناصر لمماليكه في سنة سبع وعشرين ~~وسبعماية؛ وكان له عرس حفل؛ آحتفل به الملك الناصر، وحمل الأمراء التقادم ~~إليه، فكان جملة التقادم خمسين ألف دينار. ولما كان ms2024 يقع بينه وبين بكتمر ~~الساقي منافسة يقول قوصون: أنا ما تنقلت من الإسطبلات إلى الطباق، بل ~~اشتراني السلطان وجعلني خاصكيا مقربا عنده دفعة واحدة، فكان الملك الناصر ~~يتنوع في الإنعام على قوصون، حتى قيل إنه دفع إليه مرة مفتاح زردخانات ~~الأمير بكتمر الساقي بعد موته، وقيمتها ستمائة ألف دينار، قاله الشيخ صلاح ~~الدين الصفدي في تاريخه. ثم تزايد أمر قوصون حتى وقع له ما حكيناه. واستمر ~~قوصون بسجن الإسكندرية هو وألطنبغا الصالحي نائب الشام وغيرهما حتى حضر ~~الملك الناصر أحمد من الكرك وجلس على كرسي الملك بقلعة الجبل، حسب ما يأتي ~~ذكره. واتفقت آراء الأمراء على قتل قوصون، فجهزوا لقتله شهاب الدين أحمد بن ~~صبح إلى الإسكندرية، فتوجه إليها وخنق قوصون وألطنبغا نائب الشام وغيرهما ~~في شوال سنة اثنتين وأربعين، وقيل في ذي القعدة على ما يأتي بيان ذلك في ~~وقته. PageV03P0089 # وخلف قوصون عدة أولاد من بنت أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون. وكان ~~أميرا جليلا كريما خيرا شجاعا؛ وكان يعطي العطايا الهائلة؛ وكان إذا ركب ~~للصيد في أيام أستاذه يركب في خدمته ثلث عسكر مصر؛ وكان يركب قدامه ~~بالقاهرة مائة نقيب؛ وكان أخوه صوصون أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ~~وقيل أمير طلبخاناه. وكان وقع بين قوصون وبين تنكز نائب الشام، فلما قبض ~~على تنكز وحمل إلى القاهرة ما عامله قوصون إلا بكل خير. ولما أمسك قوصون ~~وقتل قال فيه الصلاح الصفدي: قوصون قد كانت له رتبة ... تسمو على بدر السما ~~الزاهر فحطه في القيد أيدغمش ... من شاهق عال على الطائر ولم يجد من ذله ~~حاجبا ... فأين عين الملك الناصر صار عجيبا أمره كله ... في أول الأمر وفي ~~الآخر وقال في قوصون وفي واقعته عدة من الشعراء من الشعر والبلاليق ~~والأزجال. وعملت الحلوانية مثاله في حلاوة العلاليق، فقال في ذلك جمال ~~الدين إبراهيم الأديب المعمار: شخص قوصون رأينا ... في العلاليق مسمر ~~فعجبنا منه لما ... جاء في التسمير سكر ولبعض عوام مصر قصيدة " كان وكان " ~~أولها: من الكرك جانا الناصر ms2025 ... وجب معه أسد الغابه ووقعتك يا أمير قوصون ~~... ما كانت إلا كدابه وأشياء غير ذلك، وقد خرجنا عن المقصود ولنرجع إلى ~~ذكر أيدغمش وما فعله بمصر. وأما أيدغمش فإنه آستمر مدبر الديار المصرية، ~~وقام بأمر السلطان الملك الناصر أحمد بن محمد بن قلاوون، وجمع الأمراء وخلع ~~الملك الأشرف علاء الدين كجك ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون من الملك في ~~يوم الخميس أول شعبان من سنة آثنتين وأربعين وسبعمائة. فكانت مدة سلطنته ~~على مصر خمسة أشهر وعشرة أيام، ولم يكن له فيها من السلطنة إلا مجرد الاسم ~~فقط، وليس له من الأمر شيء، وذلك لصغر سنه. وكان المتصرف في المملكة في ~~سلطنته الأمير قوصون. وكانت إذا حضرت العلامة أعطى قوصون الأشرف كجك في يده ~~قلما، وجاء الفقيه الذي يقرئه القرآن فيكتب العلامة والقلم في يد الأشرف ~~كجك. واستمر الأشرف كجك بعد خلعه من السلطنة في الدور السلطانية تحت كنف ~~والدته وهو ووالدته في ذل وصغار وهوان مع من تسلطن من إخوته، لا سيما مع أم ~~الملك الصالح إسماعيل؛ فكانت في كل قليل إذا توعك ولدها الملك الصالح ~~إسماعيل، وكان كثير الضعف، تتهم المذكورة أنها تتعمد له بالسحر، وتأخذ ~~جواريها وحواشيها وتعاقبهم؛ وأخذت منها جملة مستكثرة، فدامت على هذا مدة ~~سلطنة الملك الصالح، حتى نزل مرة إلى سرحة سرياقوس وبعث دس عليه أربعة خدام ~~طواشية فقتلوه على فراشه سنة ست وأربعين وسبعمائة، وله اثنتا عشرة سنة. ### | AUT سلطنة الملك الناصر أحمد # السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد ابن السلطان الملك الناصر ناصر ~~الدين محمد ابن. السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون. تسلطن بعد خلع ~~أخيه الأشرف كجك؛ وكان بويع بالسلطنة قبل خلع كجك أيضا وهو بقلعة الكرك حسب ~~ما ذكرناه في واقعة قطلوبغا الفخري مع ألطنبغا الصالحي نائب الشام. وأم ~~الملك الناصر هذا كان آسمها بياض، كانت تجيد الغناء، وكانت من عتقاء الأمير ~~بهادر آص رأس نوبة، وكانت تعرف بقومة، وكان للناس بها اجتماعات في مجالس ~~أنسهم. فلما بلغ السلطان الملك ms2026 الناصر خبرها طلبها، وآختص بها، وحظيت عنده، ~~فولدت أحمد هذا على فراشه. ثم تزوجها بعد ذلك الأمير ملكتمر السرجواني في ~~حياة الملك الناصر محمد. انتهى. قلت: والملك الناصر أحمد هذا هو الخامس عشر ~~من ملوك الترك بالديار المصرية والثالث من أولاد الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون. والآن نذكر ما وقع بالديار المصرية بعد خلع الأشرف كجك إلى حين ~~دخول الملك الناصر هذا إليها من الكرك. ولما قبض أيدغمش على قوصون وخلع ~~الملك الأشرف كجك من السلطنة، حسب ما تقدم ذكره، بعث بالأمير جنكلي بن ~~البابا والأمير بيبرس الأحمدي والأمير قماري أمير شكار إلى الملك الناصر ~~أحمد بالكرك وعلى يدهم كتب الأمراء يخبرونه بما وقع ويستدعونه إلى تخت ~~ملكه. ثم جلس الأمير سيف الدين أيدغمش والأمير ألطنبغا المارداني والأمير ~~بهادر الدمرداشي والأمير يلبغا اليحياوي وآستدعوا PageV03P0090 # الأمراء؛ فلما حضروا أمر أيدغمش بالقبض على ألطنبغا الصالحي الناصري نائب ~~الشام، وعلى الأمير أرقطاي نائب طرابلس وسجنا بقلعة الجبل؛ وأمسكوا بعدهما ~~سبعة أمراء أخر من أمراء الطبلخاناه، والأمير قياتمر أحد مقدمي الألوف، ~~وجركتمر بن بهادر أيضا من مقدمي الألوف وعدة أمراء أخر، حتى كانت عدة من ~~قبض عليه من الأمراء في هذا اليوم خمسة وعشرين أميرا. ثم كتب الأمير أيدغمش ~~إلى الأمير قطلوبغا الفخري يعرفه بما وقع ويحرضه على الحضور صحبة السلطان ~~الملك الناصر أحمد. ثم طلب أيدغمش جمال الدين يوسف والي الجيزة وخلع عليه ~~بولاية القاهرة؛ فنزل إلى القاهرة فإذا بالعامة في نهب بيوت مماليك قوصون، ~~فقبض على عشرين منهم وضربهم بالمقارع وسجنهم بعدما شهرهم؛ فآجتمت الغوغاء ~~ووقفوا لأيدغمش وصاحوا عليه: وليت على الناس واحد قوصوني ما يخلي منا ~~واحدا! وعرفوه ما وقع، فبعث الأوجاقية في طلبه، فوجدوه بالصليبة يريد ~~القلعة، فصاحت عليه الغوغاء: قوصوني! يا غيرية على الملك الناصر، ورجموه من ~~كل جهة. فقامت الجبلية والأوجاقية في ردهم فلم يطيقوا ذلك، وجرت بينهم ~~الدماء، فهرب الوالي إلى إسطبل ألطنبغا المارداني، وحمته مماليك ألطنبغا من ~~العامة، فطلب أيدغمش الغوغاء وخيرهم فيمن يلي فقالوا: نجم ms2027 الدين الذي كان ~~ولي قبل ابن المحسني، فطلبه وخلع عليه، فصاحوا: بحياة الملك الصالح الناصر! ~~اعزل عنا ابن رخيمة المقدم وحمامص رفيقه، فأذن لهم في نهبهما، فتسارع نحو ~~الألف منهم إلى دار ابن رخيمة بجانب بيت الأمير كوكاي فنهبوه ونهبوا بيت ~~رفيقه ثم آنكفوا عن الناس. وفي يوم الجمعة ثاني شعبان دعى على منابر مصر ~~والقاهرة للسلطان الملك الناصر أحمد. وفي يوم الإثنين خامسه تجمعت العامة ~~بسوق الخيل، ومعهم رايات صفر، وتصايحوا بالأمير أيدغمش: " زودنا لنروح إلى ~~أستاذنا الملك الناصر ونجيء صحبته، فكتب لهم مرسوما بالإقامة والرواتب في ~~كل منزلة، وتوجهوا مسافرين من الغد. وفي يوم الأربعاء سابع شعبان وصل ~~الأمراء من سجن الإسكندرية الذين كان سجنهم قوصون حتى أفرج عنهم أيدغمش، ~~وهم الأمير ملكتمر الحجازي وقطليجا الحموي وأربعة وخمسون نفرا من المماليك ~~الناصرية. وكان قوصون لما دخل إلى الإسكندرية مقيدا وافوه هؤلاء بعد أن ~~أطلقوا فسلموا عليه سلام شامت فبكى قوصون وأعتذر لهم بما صدر منه في حقهم. ~~وعندما قدموا إلى ساحل مصر ركب الأمراء إلى لقائهم، وخرجت الناس لرؤيتهم ~~فكان لقدومهم يوم مشهود، حتى طلعوا إلى القلعة فتلقت خوند الحجارية بنت ~~السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون زوجها ملكتمر الحجازي بخدامها ~~وجواريها، ومغانيها تضرب بالدفوف والشبابات فرحا به. ومعها أختها زوجة بشتك ~~تساعدها بالفرح وهي شامتة بقوصون لكونه قتل زوجها بشتك الناصري قبل تاريخه ~~هذا. وأختها بنت الملك الناصر الأخرى زوجة قوصون بجانبها في عويل وبكاء ~~وصياح ولطم على قوصون. وقد آفترق جواري الملك الناصر وأولاده فرقتين، فرقة ~~مع الحجازية وفرقة مع القوصونية؛ والعجب أن هذا الفرح والعزاء كان قبل ذلك ~~بالعكس، فكان العزاء إذ ذاك في بيت الحجازي، والفرح في بيت قوصون، والآن ~~العزاء في بيت قوصون والفرح في بيت الحجازي، وزوجة بشتك، وإن كان فرط في ~~زوجها الفرط، فهي تساعد أختها الحجازية شماتة بقوصون، فحالها كقول من قال: ~~وما من حبه أحنو عليه ... ولكن بغض قوم آخرين فآنظر إلى هذا الدهر وتقلباته ~~بأسرع وقت من حال ms2028 إلى حال، فنعوذ بالله من زوال النعم. PageV03P0091 # ثم قدم بعد ذلك كتب الأمراء المتوجهين إلى الكرك لإحضار الملك الناصر، ~~بأنهم لما قربوا من الكرك بعث كل منهم مملوكه يعرف السلطان الملك الناصر ~~بحضورهم إلى الكرك، فبعث إليهم الملك الناصر رجلا نصرانيا من نصارى الكرك ~~يقول: " يا أمراء، السلطان يقول لكم: إن كان معكم كتب فهاتوها، أو مشافهة ~~فقولوها " فدفعت الكتب إلى النصراني، فمضى بها ثم عاد من آخر النهار بكتاب ~~مختوم وقال عن السلطان: " سلم على الأمراء وعرفهم أن يقيموا بغزة حتى يرد ~~عليهم ما يعتمدوه " . وحضر مملوك من قبله يأمر الأمير قماري بالإقامة على ~~ناحية صافيثا، ثم بعث إلى الأمراء بخاتم وكتاب يتضمن إقامتهم على غزة ~~والاعتذار عن لقائهم فعاد جنكلي والأحمدي إلى غزة، وتوجه قماري إلى ناحية ~~صافيثا. فلما وقف الأمير أيدغمش على ذلك كتب من فوره إلى الأمير قطلوبغا ~~الفخري يسأله أن يصحب السلطان الملك الناصر في قدومه إلى مصر ليجلس على تخت ~~ملكه. ثم كتب أيدغمش للأمراء بغزة بالإقامة بها في آنتظار السلطان، وعرفهم ~~بمكاتبة الفخري. وأخذ أيدغمش في تجهيز أمور السلطنة، وأشاع قدوم السلطان ~~خوفا من إشاعة ما عامل الناصر أحمد به الأمراء فيفسد عليه ما دبره. فلما ~~قدم البريد بكتاب أيدغمش إلى دمشق وافى قدوم كتاب السلطان أيضا من الكرك ~~يتضمن القبض على طرنطاي البجمقدار والأمير طينال، وحمل مالهم إلى الكرك. ~~وكان قطلوبغا الفخري قد ولى طينال نيابة طرابلس، وطرنطاي نيابة حمص، فآعتذر ~~الفخري بأن طينال في شغل بحركة الفرنج، وأشار عليه بألا يحرك ساكنا في هذا ~~الوقت، وسأله سرعة حضور السلطان ليسير بالعساكر في ركابه إلى مصر، وأكثر ~~الفخري من مصادرة الناس بدمشق. ثم قدم الأمير طشتمر الساقي، المعروف بحمص ~~أخضر نائب حلب كان، من بلاد الروم إلى الشام فتلقاه الفخري وأنزله في مكان ~~يليق به؛ وكان في كتاب الناصر أنه لا يخرج من الكرك حتى يحضر الأمير طشتمر ~~من بلاد الروم، فكتب الفخري بحضوره إلى الناصر وأنه يسرع في مجيئه إلى ~~دمشق. ms2029 وأخذ الفخري أيضا في تجهيز ما يحتاج السلطان إليه، وفي ظنه أن ~~السلطان يسير إليه بدمشق فيركب في خدمته بالعساكر إلى مصر؛ فلم يشعر الفخري ~~إلا وكتاب السلطان قد ورد عليه مع بعض الكركيين يتضمن أنه يركب من دمشق ~~ليجتمع مع السلطان على غزة، فشق ذلك عليه، وسار من دمشق بعساكرها وبمن ~~آستخدمه حتى قدم غزة في عدة كبيرة، فتلقاه الأمير جنكلي والأحمدي وقماري ~~أمير شكار. وأما أمر الديار المصرية فإن الأميرين يلبغا اليحياوي وملكتمر ~~الحجازي تفاوضا في الكلام حتى بلغا إلى المخاصمة، وصار لكل منهما طائفة، ~~ولبسوا آلة الحرب. فتجمعت الغوغاء تحت القلعة لنهب بيوت من عساه ينكسر من ~~الأمراء، فلم يزل الأمير أيدغمش بالأمراء حتى انكفوا عن القتال، وبعث إلى ~~العامة عدة من الأوجاقية، فقبضوا على جماعة منهم وأودعهم بالسجن. ثم في يوم ~~الخميس سابع شهر رمضان قدم أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون من قوص إلى ~~القاهرة، وعدتهم ستة، فركب الأمراء إلى لقائهم وهرعت العامة إليهم. فخرجوا ~~من الحراقة وركبوا الخيول إلى القرافة حتى جاؤوا تربة جركتمر، فصاحت ~~العامة: " هذه تربة الذي قتل أستاذنا الملك المنصور " وهجموها وأخذوا ما ~~فيها وأخربوها حتى صارت كوم تراب. فلما وصل أولاد السلطان تحت القلعة ~~وافاهم الأمير جمال الدين يوسف والي القاهرة كان، فنزل وقبل ركبة رمضان ابن ~~الملك الناصر، فرفسه برجله وسبه وقال له: أتنسى ونحن في الحراقة عند توجهنا ~~إلى قوص، وقد طلبنا مأكلا من الجيزة، فقلت خذوهم وروحوا إلى لعنة الله ما ~~عندنا شيء! فصاحت بهم العامة: بالله مكنا من نهبه، هذا قوصوني ! فأشار بيده ~~أن انهبوا بيته، فتسارعوا في الحال إلى بيته المجاور لجامع الظاهر ~~بالحسينية، حتى صاروا منه إلى باب الفتوح، فقامت إخوته ومن يلوذ به في دفع ~~العامة بالسلاح، وبعث الأمير أيدغمش أيضا لجماعة ليردوهم عن النهب، وخرج ~~إليهم نجم الدين والي القاهرة؛ وقد تقاتل القوم حتى كفهم عن القتال، فكان ~~يوما مهولا، قتل فيه من العامة عشرة رجال، وجرح خلق كثير، ولم ينتهب شيء. ms2030 ~~PageV03P0092 # ثم قدم الخبر من غزة بقدوم الفخري وطقزدمر إلى غزة وآجتماعهم مع جنكلي ~~والأحمدي وقماري، وهم في آنتظار السلطان، وأن الأمير أيدغمش يحلف جميع ~~أمراء مصر وعساكرها للملك الناصر على العادة. فجمعوا بالميدان؛ فأخرجت نسخة ~~اليمين المحضرة، فإذا هي تتضمن الحلف للسلطان ثم للأمير قطلوبغا الفخري. ~~فتوقف الأمراء عن الحلف لقطلوبغا الفخري، حتى آبتدأ الأمير أيدغمش فحلف، ~~فتبعه الجميع خوفا من وقوع الفتنة. وأما أمر الفخري والأمراء فإنهم لما ~~وصلوا إلى غزة جمع لهم نائبها آق سنقر الإقامات من الشعير والغنم. ثم كتب ~~الأمراء جميعا إلى الملك الناصر بقدومهم إلى غزة وعرفوه بذلك وآستحثوه على ~~سرعة الحضور صحبة مماليكهم والأمير قماري أمير شكار. فساروا إلى الكرك، ~~وكان قد سبقهم إلى الكرك الأمير يحيي بن طايربغا صهر الأمير أيدغمش يستحذ ~~الملك الناصر أيضا على المسير إلى مصر. فأقاموا جميعا ثلاثة أيام لم يؤذن ~~لهم في دخول المدينة. ثم أتاهم كاتب نصراني وبازدار يقال له أبو بكر ويوسف ~~بن النصال، وهؤلاء الثلاثة هم خاصة الملك الناصر أحمد من أهل الكرك، فسلموا ~~عليهم وطلبوا ما معهم من الكتب. فشق ذلك على الأمير قماري وقال لهم: معنا ~~مشافهات من الأمراء للسلطان، لا بد من الاجتماع به، فقالوا: لا يمكن ~~الاجتماع به. وقد رسم إن كان معكم كتاب أو مشافهة فأعلمونا بها، فلم يجدوا ~~بدا من دفع الكتب إليهم؛ وأقاموا إلى غد؛ فجاءتهم كتب مختومة، وقيل للأمير ~~يحيى بن طايربغا: اذهب إلى عند الأمراء بغزة، فساروا عائدين إلى غزة، فإذا ~~في الكتب الثناء على الأمراء، وأن يتوجهوا إلى مصر، فإن السلطان يقصد مصر ~~بمفرده. فتغيرت خواطر الأمراء وقالوا وطالوا، وخرج الفخري عن الحد وأفرط به ~~الغضب، وعزم على الخلاف. فركب إليه طشتمر حمص أخضر والأمير جنكلي ابن ~~البابا والأمير بيبرس الأحمدي، وما زالوا به حتى كف عما عزم عليه، ووافق ~~على المسير. وكتبوا بما كان من ذلك إلى الأمير أيدغمش، وتوجهوا جميعا من ~~غزة يريدون مصر. وكان أيدغمش قد بعث ابنه بالخيل الخاص إلى السلطان، ms2031 فلما ~~وصل إلى الكرك أرسل السلطان من أخذ منه الخيل، ورسم بعوده إلى أبيه. وأخرج ~~السلطان رجلا من الكرك يعرف بأبي بكر البازدار ومعه رجلان ليبشروا بقدومه، ~~فوصلوا إلى الأمير أيدغمش في يوم الإثنين خامس عشرينه، وبلغوه سلام ~~السلطان، وعرفوه أنه كان قد ركب الهجن وسار على البرية صحبة العرب، وأنه ~~يصابح أو يماسي، فخلع عليهم وبعث بهم إلى الأمراء، فأعطاهم كل أمير من ~~الأمراء المقدمين خمسة آلاف درهم، وأعطاهم بقية الأمراء على قدر حالهم، ~~وخرج العامة إلى لقاء السلطان،. فلما كان يوم الأربعاء سابع عشرين شهر ~~رمضان قدم قاصد السلطان إلى الأمير أيدغمش بأن السلطان يأتي ليلا من باب ~~القرافة، وأمر أن يفتح له باب السر حتى يعبر منه، ففتحه وجلس أيدغمش ~~وألطنبغا المارداني حتى مضى جانب من ليلة الخميس ثامن عشرينه أقبل السلطان ~~في الليل في نحو العشرة رجال من أهل الكرك، وقد تلثم وعليه ثياب مفرجة، ~~فتلقوه وسلموا عليه، فلم يقف معهم، وأخذ جماعته ودخل بهم. ورجع الأمراء وهم ~~يعجبون من أمره، وأصبحوا وقد دقت البشائر بالقلعة وزينت القاهرة ومصر. ~~PageV03P0093 # واستدعى السلطان أيدغمش في بكرة يوم الجمعة، فدخل عليه وقبل له الأرض. ~~فاستدناه وطيب خاطره، وقال له: ما كنت أطلع إلى الملك، وكنت قانعا بذلك ~~المكان؛ فلما سيرتم في طلبي ما أمكنني إلا أن أحضر كما رسمتم، فقام أيدغمش ~~وقبل الأرض ثانيا؛ ثم كتب عن السلطان إلى الأمراء الشاميين يعرفهم بقدومه ~~إلى مصر وأنه في انتظارهم، وكتب علامته بين الأسطر: المملوك أحمد بن محمد. ~~وكتب إليهم أيدغمش كتابا، وخرج مملوكه بذلك على البريد، فلقيهم على ~~الورادة، فلم يعجبهم هيئة عبور السلطان إلى مصر، وكتبوا إلى أيدغمش أن يخرج ~~إليهم هو والأمراء إلى سرياقوس ليتفقوا على ما يفعلوه. فلما كان يوم عيد ~~الفطر منع السلطان الأمراء من طلوع القلعة، ورسم لكل أمير أن يعمل سماطه في ~~داره، ولم ينزل السلطان لصلاة العيد، وأمر الطواشي عنبر السحرتي مقدم ~~المماليك ونائبه الطواشي الإسماعيلي أن يجلسا على باب القلعة ويمنعا من ms2032 ~~يدخل عليه، وخلا بنفسه مع الكركيين: وكان الحاج علي إخوان سلار إذا أتى ~~بطعام للسلطان على عادته خرج إليه يوسف وأبو بكر البازدار وأطعماه ششني ~~الطعام، وتسلما السماط منه، وعبرا به إلى السلطان؛ ويقف الحافي علي إخوان ~~سلار بمن معه حتى يخرج إليهم الماعون. وحكى الرئيس جمال الدين بن المغربي ~~رئيس الأطباء أن السلطان آستدعاه وقد عرض له وجع في رأسه، فوجده جالسا ~~وبجانبه شاب من أهل الكرك جالس، وبقية الكركيين قيام؛ فوصف له ما يلائمه، ~~وتردد إليه يومين وهو على هذه الهيئة. انتهى. ثم في يوم الأحد تاسع شوال ~~قدم الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري والأمير طشتمر الساقي حمص أخضر وجميع ~~أمراء الشام وقضاتها والوزراء ونواب القلاع في عالم كبير حتى سدوا الأفق، ~~ونزل كثير منهم تحت القلعة في الخيم. وكان خرج إلى لقائهم الأمير أيدغمش ~~والحاج آل ملك والجاولي وألطنبغا المارداني وغيرهم. وأخذ الفخري يتحدث مع ~~أيدغمش فيما عمله السلطان من قدومه في زي العربان واختصاصه بالكركيين، ~~وإقامة أبي بكر البازدار حاجبه. وأنكر أيدغمش ذلك على السلطان، غاية ~~الإنكار، وطلب من الأمراء موافقته على خلعه ورده إلى مكانه، فلم يمكنه ~~طشتمر حمص أخضر من ذلك، وساعده الأمراء أيضا، وما زالوا به حتى أعرض عما هم ~~به، ووافق الأمراء على طاعته. فلما كان يوم الإثنين عاشره لبس السلطان شعار ~~السلطنة وجلس على تخت الملك. وحضر الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس ~~أحمد، وقضاة مصر الأربعة، وقضاة دمشق الأربعة، وجميع الأمراء والمقدمين. ~~وبايعه الخليفة بالسلطنة، وقبلوا الأرض بين يديه على العادة. ثم قام ~~السلطان على قدميه، فتقدم الأمراء وباسوا يده واحدا بعد واحد على قدر ~~مراتبهم. وجاء الخليفة بعدهم وقضاة القضاة ما عدا القاضي حسام الدين الغوري ~~الحنفي: فإنه لما طلع مع القضاة وجلسوا بجامع القلعة حتى يؤذن لهم على ~~العادة جمع عليه بعض صبيان المطبخ جمعا من الأوباش لحقد كان في نفسه منه ~~عندما تحاكم هو وزوجته عنده قبل ذلك، فأهانه القاضي المذكور؛ فلما وجد ~~الطباخ الفرصة هجم عليه ms2033 بأوباشه، ومد يده إلى الغوري من بين القضاة، ~~وأقاموه وحرقوا عمامته في حلقه، وقطعوا ثيابه وهم يصيحون: يا قوصوني! ثم ~~ضربوه بالنعال ضربا مبرحا، وقالوا له: يا كافر يا فاسق! فآرتجت القلعة، ~~وأقبل علم دار حتى خلصه منهم وهو يستغيث: يا مسلمين! كيف يجري هذا على قاض ~~من قضاة المسلمين؟. فأخذ المماليك جماعة من تلك الأوباش، وجروهم إلى الأمير ~~أيدغمش فضربهم، وبعث طائفة من الأوجاقية ساروا بالغوري إلى منزله، ولم يحضر ~~الموكب. وثارت العامة على بيته بالمدرسة الصالحية ونهبوه، فكان يوما شنيعا. ~~PageV03P0094 # ثم في يوم الخميس ثالث عشره عمل السلطان موكبا آخر وخلع على سائر الأمراء ~~قاطبة، وأنعم على الأمير طشتمر حمص أخضر بعشرة آلاف دينار، وعلى الأمير ~~قطلوبغا الفخري بما حضر معه من البلاد الشامية وهو أربعة آلاف دينار ومائة ~~ألف درهم فضة. ونزل في موكب عظيم بمن حضر صحبته من أمراء البلاد الشامية ~~وهم الأمير سنجر الجمقدار وتمر الساقي وطرنطاي البجمقدار وآقبغا عبد الواحد ~~وتمر الموسوي وابن قراسنقر وأسنبغا بن البوبكري وبكتمر العلائي وأصلم نائب ~~صفد. ثم طلب السلطان الوزير نجم الدين، ورسم له أن يكون يوسف البازدار ~~رفيقه مقدمي البازدارية، ومقدمي الدولة، وخلع السلطان عليهما كلفتاه زركش ~~وأقبية طردوحش بحوائص ذهب؛ فحكما مصر في الدولة، وتكبرا على الناس، وسارا ~~فيهم، بحمق زائد، أو صارا لا يأتمران بأمر الوزير، ويمضيان ما أحبا. ثم في ~~يوم السبت خامس عشره خلع على الأمير طشتمر الساقي حمص أخضر بآستقراره في ~~نيابة السلطنة بالديار المصرية، فتوجه بخلعته وباشر النيابة، وجلس والحجاب ~~قيام بين يديه والأمراء في خدمته. وفي يوم الإثنين سابع عشره أخرج السلطان ~~عبد المؤمن بن عبد الوهاب السلامي والي قوص من السجن، ورسم بتسميره، فسمر ~~على باب البيمارستان المنصوري بمسامير جافية شنيعة، وطيف به مدة ستة أيام ~~وهو يحادث الناس في الليل بأخباره؛ ومما حدثهم به أنه هو الذي كان وثب على ~~النشو ناظر الخاص وضربه بالسيف، حسب ما ذكرناه في ترجمة الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون من أمر النشو، ms2034 وأنه لما سقطت عمامته عن رأسه ظنها رأسه. وكان إذا ~~قيل له: اصبر يا عبد المؤمن، يقول: " أسأل الله الصبر " وينشد كثيرا قوله: ~~يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل وكان السبب ~~لقتله ومثلته هذه أنه قتل الملك المنصور أبا بكر بن الناصر محمد بقوص بأمر ~~قوصون. ثم شنق عبد المؤمن، بعد ذلك في يوم السبت ثاني عشرين شوال على قنطرة ~~السد ظاهر مدينة مصر عند الكيمان وأكلته الكلاب. ثم قبض السلطان على أحد ~~وعشرين أميرا وأخرجهم إلى الإسكندرية صحبة الأمير طشتمر طلليه. ثم في ~~الخميس سابع عشرينه خلع على الأمير الحاج آل ملك بنيابة حماة عوضا عن ~~طقزدمر لحموي، وعلى بيبرس الأحمدي وآستقر في نيابة صفد عوضا عن أصلم ~~الناصري، وعلى آق سنقر وآستقر نائب غزة على عادته. وفي مستهل ذي القعدة خلع ~~على الأمير قطلوبغا الفخري بنيابة دمشق، وعلى الأمير أيدغمش أمير آخور ~~بنيابة حلب. ثم في يوم الثلاثاء ثانيه آستقر قماري أمير شكار أمير آخور ~~عوضا عن أيدغمش؛ واستقر أحمد شاد الشربخاناه أمير شكار؛ واستقر آقبغا عبد ~~الواحد في نيابة حمص. ثم أنعم السلطان على الأمير زين الدين قراجا بن ~~دلغادر بإنعامات كثيرة، وكتب له بالإمرة على التركمان ونيابة أبلستين. وفي ~~يوم الأحد سابع ذي القعدة خرج الأمير أيدغمش متوجها إلى نيابة حلب. وفي يوم ~~الإثنين خامس عشره خرج الأمير قطلوبغا الفخري متوجها إلى نيابة دمشق، ومعه ~~من تأخر من عساكر الشام. وخرج الأمير طشتمر حمص أخضر نائب السلطنة بالقاهرة ~~لوداعه وجميع الأمراء، ومد له سماطا عظيما. ولما توجه الفخري وأيدغمش ~~وغيرهما من الديار المصرية وبقي الأمير طشتمر الساقي حمص أخضر نائب السلطنة ~~بالقاهرة قبض عليه السلطان بعد خروج الفخري بخمسة أيام، وذلك في يوم السبت ~~العشرين من ذي القعدة. PageV03P0095 # وسبب القبض على طشتمر أنه بقي يعارض السلطان بحيث إنه كان يرد مراسيمه ~~ويتعاظم على الأمراء والأجناد تعاظما زائدا؛ وكان إذا شفع عنده أحد من ~~الأمراء في شفاعة لا يقبلها؛ وكان لا يقف ms2035 لأمير إذا دخل عليه، وإذا أتته ~~قصة عليها علامة السلطان بإقطاع أو غيره أخذ ذلك وطرد من هي بآسمه، وأخرق ~~به. وقرر طشتمر مع السلطان أنه لا يمضي من المراسيم إلا ما يختاره، ورسم ~~للحاجب بألا يقدم أحد قصة للسلطان إلا أن يكون حاضرا، فلم يتجاسر أحد أن ~~يقدم قصة للسلطان في غيبته. وأخذ إقطاع الأمير بيبرس الأحمدي وتقدمته ~~لولده، فكرهته الناس. وصارت أرباب الدولة وأصحاب الأشغال كلها في بابه، ~~وتقربوا إليه بالهدايا والتحف. وانفرد بتدبير الملك، وحط على الكركيين و ~~قصد منعهم من الدخول على السلطان، فلم يتهيأ له ذلك. وكان ناصر الدين ~~المعروف بفار السقوف قد توصل إلى الكركيين حتى استقر إمام السلطان يصلى به ~~الخمس وصار كذلك ناظر المشهد النفيسي عوضا عن تقي الدين علي بن القسطلاني ~~خطيب جامع عمرو وجامع القلعة؛ وخلع عليه السلطان بغير علم طشتمر النائب، ~~فبعث إليه طشتمر عدة نقباء ونزع الخلعة من عليه وسلمه إلى المقدم إبراهيم ~~بن صابر، وأمر بضربه وإلزامه بحمل مائة ألف درهم فضربه ابن صابر ضربا مبرحا ~~واستخرج منه أربعين ألف درهم. ثم أفرج عنه بشفاعة أيدغمش والفخري فيه، ~~بعدما أشهد عليه أنه لا يطلع القلعة. ثم أخذ قصير معين من مباشري قوصون ~~وأحاط بما فيه من القنود والأعسال والسكر وغير ذلك. فعظم ما فعله على ~~السلطان وعلى الأمراء، فإنه خرج عن الحد، إلى أن قرر السلطان مع مقدم ~~المماليك عنبر السحرتي والأمير آق سنقر السلاري في القبض على طشتمر وعلى ~~قطلوبغا الفخري، وأن يستدعي مماليك بشتك وقوصون وينزلهم بالأطباق من القلعة ~~ويعطيهم إقطاعات بالحلقة ليصيروا من جملة مماليك السلطان خوفا من حركة ~~طشتمر النائب. PageV03P0096 # ثم رتب السلطان عنده مماليك بداخل القصر للقبض على طشتمر أيضا. وكان مما ~~جدد طشتمر في نيابته أن منع الأمراء أن تدخل مماليكها إلى القصر، وبسط من ~~باب القصر بساطا إلى داخله كما كان في الأيام الناصرية، فصار الأمير لا ~~يدخل إلى القصر إلا بمفرده، فكان ما دبره عليه. ثم دخل هو أيضا ms2036 بمفرده ومعه ~~ولداه إلى القصر، وجلس على السماط على العادة؛ فعندما رفع السماط قبض كشلي ~~السلاح دار أحد المماليك السلطانية، وكان معروفا بالقوة، على كتفيه من خلف ~~ظهره قبضا عنيفا، ثم بدر إليه جماعة من المماليك وأخذوا سيفه وقيدوه وقيموا ~~ولديه ونزل أمير مسعود الحاجب في عدة من المماليك السلطانية فأوقع الحوطة ~~على بيته وأخذ مماليكه فسجنهم. ثم خرج في الحال ساعة القبض على طشتمر ~~الأمير ألطنبغا المارداني والأمير أرنبغا أمير سلاح ومعهما من أمراء ~~الطبلخاناه والعشرات نحو خمسة عشر أميرا ومعهم أيضا من المماليك السلطانية ~~وغيرهم ألف فارس، وتوجهوا ليقبضوا على الأمير قطلوبغا الفخري. وكتب ~~السلطان، للأمير آق سنقر الناصري نائب غزة بالركوب معهم بعسكره وجميع من ~~عنده ومن هو في معاملته. وكان الفخري قد ركب من الصالحية، فبلغه مسك طشتمر ~~ومسير العسكر إليه من هجان بعث به إليه بعض ثقاته، فساق إلى قطيا وأكل بها ~~شيئا، ثم رحل مسرعا حتى دخل العريش فإذا آق سنقر بعسكره في انتظاره على ~~الزعقة، وكان ذلك وقت الغروب، فوقف كل منهما تجاه صاحبه حتى أظلم الليل، ~~فسار الفخري بمن معه وهم ستون فارسا على البرية. فلما أصبح آق سنقر علم أن ~~الفخري فاته، ومال أصحابه على أثقال الفخري فنهبوها وعادوا إلى غزة. واستمر ~~الفخري سائرا ليلته، ومن الغد حتى آنتصف النهار وهو سائق، فلم يتأخر معه ~~إلا سبعة فرسان، ومبلغ أربعة آلاف وخمسمائة دينار، وقد وصل يبنى وعليها ~~الأمير أيدغمش وهو نازل؛ فترامى عليه الفخري وعرفه بما جرى، وأنه قطع خمسة ~~عشر بريدا في مسير يوم واحد. فطيب أيدغمش خاطره، وأنزله في خيمة وقام له ~~بما يليق به. فلما جنه الليل أمر به فقيد وهو نائم، وكتب بذلك إلى السلطان ~~مع بكا الخضري. وكان السلطان لما بلغه هروب الفخري تنكر على الأمراء ~~وآتهمهم بالمخامرة عليه، وهم في يوم الإثنين أن يمسكهم، فتأخر عن الخدمة ~~الجاولي في يوم الإثنين المذكور، وهو تاسع عشرين ذي القعدة وتأخر معه جماعة ~~كبيرة. فلما كان وقت الظهر ms2037 بعث لكل أمير طائر إوز مشوي وسأل عنهم؛ ثم بعث ~~إليهم آخر النهار أن يطلعوا من الغد. فجاء بكا الخضري عشية يوم الثلاثاء ~~مستهل ذي الحجة، ومعه البشارة بالقبض على سيف الدين قطلوبغا الفخري، فسر ~~السلطان بذلك، وكتب بحمله إلى الكرك. فلما طلع الأمراء إلى الخدمة في يوم ~~الثلاثاء ترضاهم السلطان وبشرهم بمسك الفخري، ثم أخبرهم أنه عزم على التوجه ~~إلى الكرك. وتجهز السلطان وأخذ الأموال صحبته، وأخرج الأمير طشتمر حمص أخضر ~~مقيدا في محارة في ليلة الأربعاء ومعه جماعة من المماليك السلطانية موكلون ~~به. PageV03P0097 # ثم تقدم السلطان إلى الخليفة، بعدما ولاه نظر المشهد النفيسي عوضا عن ابن ~~القسطلاني، أن يسافر معه إلى الكرك. ورسم لجمال الكفاة ناظر الجيش والخاص ~~وللقاضي علاء الدين علي بن فضل الله العمري كاتب السر أن يتوجها معه إلى ~~الكرك. ثم ركب السلطان ومعه الأمراء من قلعة الجبل في يوم الأربعاء ثانيه ~~بعدما أمر ثمانية من المماليك السلطانية وخلع عليهم على باب الخزانة، وخلع ~~على الأمير شمس الدين آق سنقر السلاري وقرره نائب الغيبة، وخلع على شمس ~~الدين محمد بن عدلان باستقراره قاضي العسكر، وخلع على زين الدين عمر بن ~~كمال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر البسطامي واستقر به قاضي قضاة الحنفية ~~بالديار المصرية عوضا عن حسام الدين الغوري. فلما سار السلطان حتى قرب قبة ~~النصر خارج القاهرة وقف حتى قبل الأمراء يده على مراتبهم ورجعوا عنه، فنزل ~~في الحال عن فرسه، ولبس ثياب العربان وهي كاملة مفرجة وعمامة بلثامين، ~~وساير الكركيين في طريقه، وترك الأمراء الذين معه وهم قماري وملكتمر ~~الحجازي وأبو بكر وعمر ابنا أرغون النائب مع المماليك السلطانية والطلب. ~~وتوجه على البرية إلى الكرك وليس معه إلا الكركيون ومملوكان، وهم في أثره، ~~فقاسوا مشقة عظيمة من العطش وغيره حتى وصلوا ظاهر الكرك، وقد سبقهم السلطان ~~إليها، وقدمها في يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة. وكتب السلطان، للأمراء ~~بالديار المصرية يعرفهم بذلك وسلم عليهم، فقدم كتابه القاهرة في يوم الخميس ~~سابع عشر ذي ms2038 الحجة. ولما دخل الملك الناصر أحمد إلى الكرك لم يمكن أحدا من ~~العسكر أن يدخل المدينة سوى علاء الدين علي بن فضل الله، كاتب السر وجمال ~~الكفاة ناظر الجيش والخاصي فقط. ورسم أن يسير الأمير المقدم عنبر السحرتي ~~بالمماليك السلطانية إلى قرية الخليل عليه السلام، وأن يسير قماري وعمر ابن ~~النائب أرغون والخليفة إلى القدس الشريف. ثم رسم السلطان لمقدم المماليك ~~عنبر السحرتي أن ينتقل بالمماليك السلطانية من الخليل إلى غزة لغلاء ~~الأسعار بالخليل. وفي أثناء ذلك وصل أمير علي بن أيدغمش بالفخري مقيدا إلى ~~غزة وبها العساكر، فبعث السلطان إليه من تسلم منه الفخري وأعاد ابن أيدغمش ~~إلى أبيه ولم يجتمع به. فسجن السلطان قطلوبغا الفخري وطشتمر حمص أخضر بقلعة ~~الكرك بعدما نكل بالفخري وأهين من العامة إهانة زائدة. ثم كتب السلطان لآق ~~سنقر السلاري نائب الغيبة بإرسال حريم الفخري إلى الكرك، وكانوا قد ساروا ~~من القاهرة بعد مسير الفخري بيوم، فجهزهن إليه؛ فأخذ أهل الكرك جميع ما ~~معهن حتى ثيابهن، وبالغوا في الفحش بهن والإساءة. ثم كتب السلطان لآق سنقر ~~السلاري نائب الغيبة بالديار المصرية أن يوقع الحوطة على موجود طشتمر حمص ~~أخضر وقطلوبغا الفخري، ويحمل ذلك إليه بالكرك. وكان شأن الملك الناصر أحمد ~~أنه إذا رسم بشيء جاء كاتب كركي لكاتب السر وعرفه عن السلطان بما يريد، ~~فيكتب كاتب السر ذلك ويناوله للكاتب الكركي حتى يأخذ عليه علامة السلطان، ~~ويبعثه حيث يرسم به؛ هذا ما كان من أمر الملك الناصر. أما العسكر المتوجه ~~من القاهرة إلى غزة فإن ابن أيدغمش لما قدم عليهم بمدينة غزة ومعه الفخري ~~أراد الأمير علاء الدين ألطنبغا المارداني أن يؤخره عنده بغزة حتى يراجع ~~فيه السلطان فلم يوافقه ابن أيدغمش، وتوجه به إلى الكرك، فرحل ألطنبغا ~~المارداني وبقية العساكر عند ذلك إلى جهة الديار المصرية، فقدموها يوم ~~السبت سادس عشرين ذي الحجة. وآنعكف السلطان على اللهو وآحتجب عن الناس إلا ~~الكركيين. ثم بلغه تغير خواطر الأمراء فأخذ في تحصين قلعة الكرك ومدينتها ms2039 ~~وأشحنها بالغلال والأقوات والأسلحة. PageV03P0098 # وأما أمر الديار المصرية فإنه شق عليهم غيبة السلطان منها، وآضطربت أحوال ~~القاهرة وصارت غوغاء، وصار عند أكابر الأمراء تشويش كثير لما بلغهم من مصاب ~~حريم الأمير قطلوبغا الفخري. وبقي الأمير آق سنقر السلاري في تخوف عظيم، ~~فإنه بلغه بأن جماعة من المماليك الذين قبض على أستاذينهم قد باطنوا بعض ~~الأمراء على الركوب عليه، فترك آق سنقر الركوب في أيام المواكب أياما حتى ~~آجتمع الأمراء عنده وحلفوا له. ثم اتفق رأي الأمراء على أن كتبوا للسلطان ~~الملك الناصر أحمد كتابا في خامس محرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة بأن ~~الأمور واقفة لغيبة السلطان، وقد نافق غالب عربان الصعيد وغيره وطمع أرباب ~~الفساد، وخيفت السبل وفسدت الأحوال، وسألوا حضوره إلى الديار المصرية، ~~وأرسلوا الكتاب على يد الأمير طقتمر الصلاحي فتوجه طقتمر إليه، ثم عاد إلى ~~الديار المصرية بجوابه في حادي عشره: بأنني قاعد في موضع ما أشتهي، وأي وقت ~~أردت حضرت إليكم، وذكر طقتمر أن السلطان لم يمكنه الاجتماع به، وأنه بعث من ~~أخذ منه الكتاب، ثم أرسل إليه الجواب. وقدم الخبر بأنه قتل الأمير طشتمر ~~الساقي حمص أخضر، والأمير قطلوبغا الفخري، وكان قصد قتلهما بالجوع، فأقاما ~~يومين بلياليهما لا يطعمان طعاما. فكسرا قيدهما - وكان السلطان قد ركب ~~للصيد - وخلعا باب السجن ليلا وخرجا إلى الحارس فأخذا سيفه وهو نائم فأحس ~~بهما، وقام يصيح حتى لحقه أصحابه فأخذوهما؛ وبعثوا إلى السلطان بخبرهما، ~~فقدم في زي العربان ووقف على الخندق وأحضرهما، وقد كثرت بهما الجراحات، ~~فأمر يوسف ابن البصارة، ورفيقه بضرب أعناقهما، وأخذ يسبهما فردا عليه السب ~~ردا قبيحا، وضربت رقابهما. فلما بلغ الأمراء ذلك اشتد قلقهم. ثم قدم كتاب ~~السلطان للأمراء يطيب خواطرهم ويعرفهم أن مصر والشام والكرك له، وأنه حيثما ~~شاء أقام، ورسم أن تجهز له الأغنام من بلاد الصعيد. فتنكرت قلوب الأمراء، ~~ونفرت خواطرهم وتكفلوا فيما بينهم في خلعه، حتى اتفق الأمراء على خلعه من ~~السلطنة، وإقامة أخيه إسماعيل ابن الملك الناصر محمد، فخلع في يوم ms2040 الأربعاء ~~حادي عشرين المحرم من سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، فكانت مدة ولايته ثلاثة ~~أشهر وثلاثة عشر يوما، منها مدة إقامته بمدينة الكرك - ومراسيمه نافذة بمصر ~~- أحد وخمسين يوما. وإقامته بمصر شهران إلا أيام. وكان لما خرج من الديار ~~المصرية متوجها إلى الكرك جمع الأغنام التي كانت لأبيه وأغنام قوصون، ~~وعدتها أربعة آلاف رأس وأربعمائة رأس من البقر التي كان استحسنها أبوه، ~~وأخذ الطيور التي كانت بالأحواش على اختلاف أنواعها، وحملها على رؤوس ~~الحمالين إلى الكرك؛ وساق الأغنام والأبقار إليها، ومعهم عدة سقايين، وعرض ~~الخيول والهجن، وأخذ ما اختاره منها ومن البخاتى وحمر الوحش والزراريف ~~والسباع، وسيرها إلى الكرك. ثم فتح الذخيرة وأخذ منها جميع ما فيها من ~~الذهب والفضة، وهو ستمائة ألف دينار وصندوق فيه الجواهر التي جمعها أبوه في ~~مدة سلطنته. وتتبع جواري أبيه حتى عرف المتمولات منهن، فصار يبعث إلى ~~الواحدة منهن يعرفها أنه يدخل عليها الليلة، فإذا تجملت بحليها وجواهرها ~~أرسل من يحضرها إليه، فإذا خرجت من موضعها ندب من يأخذ جميع ما عندها، ثم ~~يأخذ جميع ما عليها، حتى سلب أكثرهن. ثم عرض الركاب خاناه، وأخذ ما فيها من ~~السروج واللجم والسلاسل الذهب والفضة. وأخذ الطائر الذهب الذي كان على ~~القبة، وأخذ الغاشية الذهب وطلعات السناجق؛ وما ترك بالقلعة مالا إلا أخذه، ~~واستمر بالكرك. PageV03P0099 # فلما تسلطن أخوه الملك الصالح إسماعيل حسب ما يأتي ذكره أرسل إلى الكرك ~~يطلب من أخيه الناصر أحمد هذا شعائر الملك، وما كان أخذه من الخزائن ~~وغيرها، فلم يلتفت الناصر إلى كلامه؛ فندب السلطان الملك الصالح تجريدة ~~لحصاره بالكرك، واستمر يبعث إليه تجريدة بعد أخرى سبع تجاريد، حتى إنه لم ~~يبق بمصر والشام أمير إلا تجرد إلى الكرك مرة ومرتين إلى أن ظفروا به حسب ~~ما يأتي ذكره ذلك كله مفصلا في ترجمة الملك الصالح إسماعيل. ولما ظفروا ~~بالملك الناصر أحمد قيدوه وحبسوه بالكرك بعد أن حاصروه بها مدة سنتين وشهر ~~وثلاثة أيام، حتى قبض عليه، أتلف فيها أموالا كثيرة في النفقات ms2041 على ~~المقاتلة، وأخذ أمره يتلاشى وهلك من عنده بالجوع. وضرب الذهب وخلط به الفضة ~~والنحاس ونفق ذلك في الناس، فكان الدينار الذي ضربه ئساوي خمسة دراهم. وكان ~~القبض على الملك الناصر من الكرك في يوم الإثنين الظهر ثاني عشرين صفر سنة ~~خمس وأربعين وسبعمائة؛ وكتب بذلك إلى السلطان، فأرسل السلطان الملك الصالح ~~الأمير منجك اليوسفي الناصري السلاح دار إلى الكرك فقتله وحز رأسه وتوجه ~~بها إلى القاهرة. وكان الملك الناصر أحمد هذا قد أخرجه أبوه الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون من الديار المصرية إلى الكرك وهو صغير، لعله لم يبلغ العشر ~~سنين، فربي بالكرك وأحب أهلها وصارت له وطنا؛ وكان نائب الكرك إذ ذاك ~~ملكتمر السرجواني زوج أمه. ثم أرسل إليه أبوه أخويه: إبراهيم وأبا بكر ~~المنصور، فأقاموا الجميع بالكرك إلى أن طلبهم والدهم، وأعاد الناصر هذا إلى ~~الكرك ثم طلبه ثانيا وزوجه ببنت الأمير طايربغا من أقارب الملك الناصر، ثم ~~أعاده إلى الكرك. وكان الناصر هذا أحسن إخوته وجها وشكلا، وكان صاحب لحية ~~كبيرة وشعر غزير؛ وكان ضخما شجاعا صاحب بأس وقوة مفرطة، وعنده شهامة مع ظلم ~~وجبروت؛ وهو أسوأ أولاد الملك الناصر سيرة مع خفة وطيش. ### || AUT السنة التي حكم في أولها المنصور أبو بكر # إلى حادي عشرين صفر، على أنه حكم من السنة الماضية تسعة أيام. ثم حكم ~~فيها من صفر إلى يوم الخميس أول شعبان الملك الأشرف كجك. ثم حكم فيما بقي ~~منها الملك الناصر أحمد هذا؛ والثلاثة أولاد الناصر محمد بن قلاوون حسب ما ~~تقدم ذكره والسنة المذكورة سنة آثنتين وأربعين وسبعمائة. فيها وقعت حادثة ~~غريبة، وهي أن رجلا بوارديا يقال له محمد بن خلف، بخط السيوفيين من ~~القاهرة، قبض عليه في يوم السبت سادس عشر رمضان، وأحضر إلى محتسب القاهرة ~~فوجد بمخزنه من فراخ الحمام والزرازير المملوحة عدة أربعة وثلاثين ألف ~~ومائة وستة وتسعين، من ذلك أفراخ حمام عدة، ألف ومائة وستة وتسعين فرخا، ~~وزرازير عدة ثلاثة وثلاثين ألف زرزور، وجميعها قد نتنت وتغيرت ms2042 أحوالها، ~~فأدب وشهر. وفيها توفي الأمير علاء الدين ألطنبغا الصالحي الناصري نائب ~~الشام مقتولا بسجن الإسكندرية. كان أصله من صغار مماليك المنصور قلاوون، ~~وربي عند الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتوجه معه إلى الكرك؛ فلما عاد ~~الملك الناصر إلى ملكه أنعم عليه بإمرة عشرة وجعله جاشنكيره، ثم ولاه ~~حاجبا. ثم نقله من الحجوبية إلى نيابة حلب بعد موت أرغون النائب، فسار فيها ~~سيرة مشكورة وغزا بلاد سيس، حتى أخذها بالأمان؛ وقال في ذلك العلامة زين ~~الدين عمر بن الوردي قصيدة طنانة أولها: جهادك مقبول وعامك قابل ... ألا في ~~سبيل المجد ما أنت فاعل وعمر الأمير ألطنبغا المذكور في نيابته بحلب جامعا ~~في شرقيها، ولم يكن إذ ذاك داخل سور حلب جامع تقام فيه الخطبة سوى الجامع ~~الكبير الأموي. وأقام بحلب حتى وقع بينه وبين تنكز نائب الشام، فشكاه تنكز ~~إلى الملك الناصر، فعزله عن نيابة حلب، وولاه نيابة غزة إلى أن غضب السلطان ~~على تنكز ولاه عوضه نيابة الشام، إلى أن مات الملك الناصر وتسلطن أولاده ~~انضم ألطنبغا هذا إلى قوصون، فكان ذلك سبيلا لهلاكه؛ وقد تقدم ذكر ذلك كله ~~مفصلا. وكان أميرا جليلا شجاعا مشكور السيرة ومات وقد جاوز الخمسين سنة من ~~العمر. PageV03P0100 # وفيها توفي ملك التتار أزبك خان بن طغرلجا بن منكوتمر بن طغان بن باطو بن ~~دوشي خان بن جنكز خان. ومات أزبك خان بعد أن ملك نحوا من ثلاثين سنة؛ وكان ~~أسلم وحسن إسلامه وحرض رعيته على الإسلام فأسلم بعضهم. ولم يلبس أزبك خان ~~بعد أن أسلم السراقوجات، وكان يلبس حياصة من فولاذ ويقول: لبس الذهب حرام ~~على الرجال؛ وكان يميل إلى دين وخير، ويتردد إلى الفقراء، وكان عنده عدل في ~~رعيته، وتزوج الملك الناصر محمد بابنته. وكان أزبك شجاعا كريما مليح الصورة ~~ذا هيبة وحرمة. ومملكته متسعة، وهي من بحر قسطنطيينة إلى نهر إرتش مسيرة ~~ثمانمائة فرسخ، لكن أكثر ذلك قرى ومراع. وولي الملك بعده ابنه، جاني بك ~~خان. وتوفي الأمير سيف الدين بشتك بن ms2043 عبد الله الناصري مقتولا بسجن ~~الإسكندرية في شهر ربيع الآخر. وكان إقطاعه يعمل بمائتي ألف دينار في كل ~~سنة، وأنعم عليه أستاذه الملك الناصر محمد في يوم واحد بألف ألف درهم. وكان ~~راتبه لسماطه في كل يوم خمسين رأسا من الغنم وفرسا، لا بد من ذلك. وكان ~~كثير التيه، لا يحدث مباشريه إلا بترجمان. وهو صاحب القصر ببين القصرين، ~~والحمام بالقرب من سويقة العزي، والجامع عند قنطرة طقزدمر خارج القاهرة. ~~قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: وكان بشتك أهيف القامة، حلو الوجه. قربه ~~السلطان وأدناه، وكان يسميه في غيبته بالأمير، وكان إقطاعه سبعة عشرة إمرة ~~طبلخاناه أكبر من إقطاع قوصون، وما يعلم قوصون بذلك. وتوفي الأمير سيف ~~الدين طاجار بن عبد الله الناصري الدوادار قتيلا بثغر الإسكندرية. وكان من ~~خواص الملك الناصر محمد بن قلاوون ومن أكابر مماليكه، ورقاه حتى ولاه ~~الدوادارية، وكان ممن آنضم إلى الملك المنصور أبي بكر فقبض عليه عند خلعه ~~وقتل. وفيها توفي الأمير سيف الدين جركتمر بن عبد الله الناصري قتيلا. ~~وتوفي الأمير قوصون بن عبد الله الناصري الساقي قتيلا بثغر الإسكندرية في ~~شوال، وقد مر من ذكره ما فيه كفاية عن تكراره ثانيا. وتوفي الملك الأفضل ~~علاء الدين علي ابن الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل ابن الملك الأفضل علي ~~ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين ~~عمر بن شاهنشاه ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان الأيوبي صاحب ~~حماة وابن صاحبها. مات بدمشق، وهو من جملة أمرائها بعد ما باشر سلطنة حماة ~~عشرين سنة إلى أن نقله قوصون إلى إمرة الشام؛ وولي نيابة حماة بعده الأمير ~~طقزدمر الحموي. وكانت وفاته في ليلة الثلاثاء حادي عشر ربيع الآخر عن ~~ثلاثين سنة. وتوفي الأمير شرف الدين، وقيل مظفر الدين موسى بن مهنا بن عيسى ~~بن مهنا بن مانع بن حديثة بن عصية بن فضل بن ربيعة أمير آل فضل بمدينة ~~تدمر. وكان من أجل ملوك العرب، مات فجأة في ms2044 العشر الأخير من جمادى الأولى. ~~وتوفي الحافظ الحجة جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن ~~يوسف بن علي بن عبد الملك ابن أبي الزهر القضاعي الكلبي المزي الحلبي ~~المولد. ولد بظاهر حلب في عاشر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة، ومات ~~بدمشق في ثاني عشر صفر. وكان إمام عصره أحد الحفاظ المشهورين. سمع الكثير ~~ورحل وكتب وصنف. وقد ذكرنا عدة كبيرة من مشايخه وسماعاته في ترجمته في " ~~المنهل الصافي " ونبذة كبيرة من أخباره. ومن مصنفاته؛ كتاب " تهذيب الكمال ~~" وهو في غاية الحسن في معناه. وتوفي الأمير سيف الدين تمر بن عبد الله ~~الساقي الناصري أحد أمراء الألوف في يوم الأحد ثامن عشرين ذي الحجة. وكان ~~من أكابر الأمراء ومن أعيان خاصكية وتوفي القاضي برهان الدين أبو إسحاق ~~إبراهيم بن فخر الدين خليل بن إبراهيم الرسعني الشافعي قاضي حلب بها. وكان ~~فقيها فاضلا، ولي القضاء بحلب وغيرها وأفتى ودرس. وتوفي الأمير علاء الدين ~~علي ابن الأمير الكبير سيف الدين سلار في شهر ربيع الآخر. وكان من أعيان ~~الأمراء بالديار المصرية. وتوفي خطيب جامع دمشق الأموي الشيخ بدر الدين ~~محمد ابن قاضي القضاة جلال الدين محمد القزوين الشافعي. وكان فاضلا خطيبا ~~فصيحا. وتوفي الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله الناصري السلاح دار نائب ~~الفتوحات بآياس وغيرها. وكان من أجل الأمراء الناصرية. كان شجاعا كريما، ~~وله المواقف المشهودة. أمر النيل في هذه السنة: PageV03P0101 # الماء القديم ست أذرع وعشر أصابع. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وتسع ~~أصابع. والله تعالى أعلم. ### | AUT سلطنة الملك الصالح إسماعيل # على مصر السلطان الملك الصالح عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن ~~السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون؛ ~~وهو السلطان السادس عشر من ملوك الترك بالديار المصرية والرابع من بني محمد ~~بن قلاوون. جلس على تخت الملك في يوم الخميس ثاني عشرين المحرم سنة ثلاث ~~وأربعين وسبعمائة بعد خلع أخيه الملك الناصر أحمد باتفاق الأمراء على ذلك ~~لما بلغهم عن حسن ms2045 سيرته؛ فإنه قيل للأمراء، لما أخرج قوصون أولاد الملك ~~الناصر إلى قوص: كان إسماعيل هذا يصوم يومي الإثنين والخميس، ويشغل أوقاته ~~بالصلاة وقراءة القرآن، مع العفة والصيانة عما يرمى به الشباب من اللهو ~~واللعب. فلما بلغهم ذلك آتفقوا على إقامته في الملك، وسلطنوه وحلفوا له ~~الأمراء والعساكر، وحلف لهم أيضا السلطان الملك الصالح إسماعيل المذكور ألا ~~يؤذي أحدا وألا يقبض على أمير بغير ذنب. فتم أمره، ولقب بالملك الصالح، ~~ودقت البشائر، ونودي بزينة القاهرة ومصر. ورسم بالإفراج عن المسجونين بثغر ~~الإسكندرية، وكتب بالإفراج أيضا إلى الوجه القبلي والبحري، وألا يترك ~~بالسجون إلا من استحق عليه القتل. وآستقر الأمير أرغون العلائي زوج أم ~~الملك الصالح رأس نوبة، ويكون رأس المشورة ومدبر السلطنة وكافل السلطان. ~~وآستقر الأمير آق سنقر السلاري نائب السلطنة بالديار المصرية. وكتب السلطان ~~للأمراء ببلاد الشام والنواب بآستمرارهم، وأرسل إليهم الخلع على يد الأمير ~~طقتمر الصلاحي، وكتب بتقليد الأمير أيدغمش نائب حلب بنيابة الشام، وآستقر ~~عوضه في نيابة حلب الأمير طقزدمر الحموي نائب حماة. واستقر في نيابة حماة ~~عوضا عن طقزدمر الأمير علم الدين سنجر الجاولي. ثم كتب السلطان الملك ~~الصالح إسماعيل إلى أخيه الملك الناصر أحمد بالسلام، وإعلامه أن الأمراء ~~أقاموه في السلطنة لما علموا أنه ليس له رغبة في ملك مصر، وأنه يحب بلاد ~~الكرك والشوبك، " وهي بحكمك وملكك " . وسأله أن يرسل القبة والطير والغاشية ~~والنمجاة؛ وتوجه بالكتاب الأمير قبلاي. وخرج الأمير بيغرا ومعه عدة من ~~الأوجاقية لجر الخيول السلطانية من الكرك الذي كان الملك الناصر أخذهم من ~~الإسطبل السلطاني، وتوجه الجميع إلى جهة الكرك. ثم في يوم الأربعاء ثامن ~~عشرين المحرم قدم الأمراء المسجونون بثغر الإسكندرية إلى القاهرة، وعدتهم ~~ستة وعشرون أميرا، منهم الأمير قياتمر وطيبغا المجدي وابن طوغان جق وأسنبغا ~~ابن البوبكري وابن سوسون وناصر الدين محمد بن المحسني والحاج أرقطاي نائب ~~طرابلس في آخرين. وفي يوم الخميس طلعوا إلى القلعة وقبلوا الأرض بين يدي ~~السلطان. ثم رسم السلطان أن يجلس أرقطاي مكان الأمير علم ms2046 الدين سنجر ~~الجاولي المنتقل إلى نيابة حماة، وأن يتوجه البقية على إمريات ببلاد الشام. ~~وفي يوم السبت أول صفر قدم من غزة الأمير قماري أمير شكار والأمير أبو بكر ~~بن أرغون النائب والأمير ملكتمر الحجازي وصحبتهم الخليفة الحاكم بأمر الله ~~أحمد، ومقدم المماليك الطواشي عنبر السحرتي والمماليك السلطانية مفارقين ~~الملك الناصر أحمد. وفيه خرج الأمير طقزدمر الحموي من القاهرة لنيابة حلب. ~~وفي يوم الإثنين ثالثه خلع على الأمير سنجر الجاولي نائب حماة خلعة السفر، ~~وخلع فيه أيضا على الأمير مسعود بن خطير الحاجب خلعة السفر لنيابة غزة، ~~وخلع على القاضي بحر الدين محمد بن محيي الدين يحيى بن فضل الله، وآستقر في ~~كتابة السر بدمشق عوضا عن أخيه شهاب الدين أحمد. ورسم بسفر مماليك قوصون ~~والأمير بشتك إلى البلاد الشامية متفرقين، وكتب إلى النواب بذلك. وفيه ~~آستقر الأمير جنكلي بن البابا في نظر البيمارستان المنصوري ببين القصرين ~~عوضا عن سنجر الجاولي. وجلس الأمير آق سنقر السلاري بدار النيابة بعدما ~~عمرها وفتح بها شباكا، ورسم له أن يعطي الأجناد الإقطاعات من ثلاثمائة ~~دينار إلى أربعمائة دينار ويشاور فيما فوق ذلك واستقر المكين إبراهيم بن ~~قروينة في نظر الجيش. وعين ابن التاج إسحاق لنظر الخاص كلاهما عوضا عن جمال ~~الكفاة بحكم غيبته بالكرك عند الملك الناصر أحمد. وفيه أنعم السلطان على ~~أخيه شعبان بإمرة طبلخاناه. PageV03P0102 # وفي يوم الإثنين رابع عشرين صفر خلع السلطان على جميع الأمراء كبيرهم ~~وصغيرهم الخلع السنية. وفي يوم الثلاثاء خامس عشرينه قدم القاضي علاء الدين ~~علي بن فضل الله كاتب السر وجمال الكفاة ناظر الجيش والخاص من الكرك إلى ~~الديار المصرية مفارقين الملك الناصر بحيلة دبرها جمال الكفاة. وكان قد ~~بلغه عن الناصر أنه يريد قتلهم خوفا من حضورهم إلى مصر ونقلهم لما هو عليه ~~من سوء السيرة؛ فبذل جمال الكفاة ليوسف بن البصارة البازدار مالا جزيلا حتى ~~مكنهم من الخروج، فأقبل عليهم الأمراء والسلطان، وخلع عليهم بآستمرارهم على ~~وظائفهم. ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشرين ربيع الأول ms2047 رسم السلطان للأمير ~~ألطنبغا المارداني الناصري بنيابة حماة عوضا عن الأمير سنجر الجاولي، وكتب ~~بحضور سنجر الجاولي إلى نيابة غزة عوضا عن أمير مسعود، ونقل أمير مسعود إلى ~~إمرة طبلخاناه بدمشق. وقدم الخبر من شطي أمير العرب بأن الملك الناصر أحمد ~~قرر مع بعض الكركيين أنه يدخل إلى مصر ويقتل السلطان، فتشوش الأمراء لذلك، ~~ووقع الاتفاق على تجريد العساكر لقتال الملك الناصر وأخذه من الكرك. وفي ~~يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر توجهت التجريدة إلى الكرك صحبة الأمير ~~بيغرا، وهذه أول التجاريد إلى الكرك لقتال الملك الناصر أحمد. وفي عقيب ذلك ~~حدث للسلطان رعاف مستمر فاتهمت أمه أم السلطان الأشرف كجك خوند أردو بأنها ~~سحرته، وهجمت عليها، وأوقعت الحوطة على موجودها، وضربت عدة من جواريها ~~ليعترفن عليها، فلم يكن غير قليل حتى عوفي السلطان، ورسم بزينة القاهرة؛ ~~وحملت أم السلطان إلى المشهد النفيسي قنديل ذهب، زنته رطلان وسبع أواق ونصف ~~أوقية. ثم قدم الخبر على يد إياز الساقي بموت الأمير أيدغمش نائب الشام ~~فجأة، فوقع الاختيار على استقرار الأمير طقزدمر الحموي نائب حلب مكانه في ~~نيابة الشام، وأستقر الأمير ألطنبغا المارداني عوضا عن طقزدمر في نيابة ~~حلب؛ وآستقر الأمير يلبغا اليحياوي في نيابة حماة عوضا عن المارداني. ثم ~~أنعم السلطان على أرغون العلائي بإقطاع الأمير قماري بعد موته وكتب السلطان ~~لنائب صفد وغزة بالنجدة للأمير بيغرا لحصار الملك الناصر بالكرك. ثم قدم ~~الخبر من أمير العرب شطي بن عبية، إنه ركب مع العسكر على مدينة الكرك ~~وقاتلوا أهل الكرك وهزموهم إلى القلعة، وأن الملك الناصر أذعن وسأل أن يمهل ~~حتى يكتب إلى السلطان ليرسل من يتسلم منه قلعة الكرك، فرجعوا عنه؛ فلم يكن ~~غير قليل حتى استعد الملك الناصر وقاتلهم. PageV03P0103 # وفي يوم الأربعاء رابع شهر رجب كانت فتنة الأمير رمضان أخي السلطان. وسبب ~~ذلك أن السلطان كان أنعم عليه بتقدمة ألف، فلما خرج السلطان إلى سرحة ~~سرياقوس تأخر رمضان عنه بالقلعة، وتحدث مع طائفة من المماليك في إقامته ~~سلطانا واتفقوا ms2048 على ذلك. فلما مرض السلطان الملك الصالح هذا واسترخى قوي ~~أمره، وشاع ذلك بين الناس، وراسل تكا الخضري ومن خرج معه من الأمراء، وواعد ~~من وافقه على الركوب بقبة النصر. فبلغ ذلك السلطان ومدبر دولته الأمير ~~أرغون العلائي، فلم يعبأ بالخبر إلى أن أهل شهر رجب، جهز الأمير رمضان ~~خيوله وهجنه بناحية بركة الحبش، وواعد أصحابه على يوم الأربعاء. فبلغ ~~الأمير آق سنقر أمير آخور عند الغروب بما هو فيه من الحركة، فندب عدة من ~~العربان ليأتوه بخبر القوم. فلما أتاه خبرهم سار إليهم وأخذ جميع الخيل ~~والهجن عن آخرهم من خلف القلعة وساقهم إلى الإسطبل السلطاني وعرف السلطان ~~والعلائي أرغون من باب السر بما فعله فطلباه إليهما فصعد بما ظفر به من ~~أسلحة القوم. فآتفقوا على طلب إخوة السلطان إلى عنده والاحتفاظ بهم. فلما ~~طلع الفجر خرج أرغون العلائي من بين يدي السلطان وطلب إخوة السلطان ووكل ~~بهم ووكل ببيت رمضان جماعة حتى طلعت الشمس. وصعد الأمراء الأكابر إلى ~~القلعة باستدعاء وأعلموا بما وقع، فطلبوا سيدي رمضان إليهم قآمتنع من ~~الحضور وهم يلحون في طلبه إلى أن خرجت أمه وصاحت عليهم، فعادوا عنه إلى ~~أرغون العلائي. فبعث أرغون بعدة من المماليك والخدام لإحضاره، فخرج رمضان ~~في عشرين مملوكا إلى باب القلة وسأل عن النائب، فقيل له إنه عند السلطان مع ~~الأمراء، فمضى إلى باب القلعة وسيوف أصحابه مصلتة، وركب على خيول الأمراء، ~~ومر بمن معه إلى سوق الخيل تحت القلعة فلم يجد أحدا من الأمراء، فتوجه إلى ~~جهة قبة النصر خارج القاهرة ووقف هناك ومعه الأمير تكا الخضري وقد آجتمع ~~الناس عليهم. وبلغ السلطان والأمراء خبره فأخرج السلطان محمولا بين أربعة ~~لما به من الاسترخاء، وركب النائب وآق سنقر أمير آخور وقماري أخو بكتمر ~~الساقي وجماعة أخر. وأقام أكابر الأمراء عند السلطان وصفت أطلابهم تحت ~~القلعة، وضربت الكوسات حربيا، ونزلت النقباء في طلب الأجناد. وتوجه النائب ~~إلى قبة النصر، ووقف بمن معه تجاه رمضان، وقد كثر جمع رمضان من ms2049 أجناد ~~الحسينية ومن مماليك تكا والعامة؛ وبعث النائب يخبر السلطان بذلك؛ فمن شدة ~~ما انزعج نهضت قوته، وقام قائما على قدميه بعد ما كان يئس من نفسه من عظم ~~آسترخاء أعضائه، وأراد الركوب فقام الأمراء وهنوه بالعافية وقبلوا له الأرض ~~وهونوا عليه أمر أخيه رمضان. ولا زالوا به حتى جلس مكانه؛ فأقام إلى بعد ~~الظهر، والنائب يراسل رمضان ويعده بالجميل ويخوفه العاقبة، وهو لا يلتفت ~~إلى قوله. فعزم النائب على الحملة عليه هو ومن معه، ودق طبله، فلم يثبت ~~العامة المجتمعة على رمضان، وآنفلوا عنه، وآنهزم هو وتكا الخضري في عدة من ~~المماليك إلى البرية، والأمراء في طلبه، فعاد النائب إلى السلطان. فلما كان ~~بعد العشاء الآخرة من ليلة الخميس أحضر رمضان وتكا الخضري، وقد أدركوهما ~~بعد المغرب عند البويب، ورموا تكا بالنشاب، حتى ألقوه عن فرسه، وقد وقف فرس ~~رمضان من شدة السوق. فوكل برمضان من يحفظه، وأذن للأمراء بنزولهم إلى ~~بيوتهم، وطلعوا من بكرة يوم الخميس إلى الخدمة على العادة. وجلس السلطان ~~وطلب مماليك رمضان، فأحضروا. فأمر بحبسهم فحبسوا أياما؛ ثم فرقهم السلطان ~~على الأمراء، ثم خلع السلطان على الأمراء وفرق عليهم الأموال. PageV03P0104 # وفي يوم الإثنين سادس عشره وصل قاصد الأمير بيغرا المتوجه إلى الكرك بمن ~~معه من العساكر بعد ما حاربوا الملك الناصر أحمد بالكرك وقاتلوه قتالا ~~شديدا، وجرح منهم جماعة وقلت أزوادهم. فكتب السلطان بإحضارهم إلى الديار ~~المصرية. وفيه خلع السلطان على طرنطاي البشمقدار بنيابة غزة عوضا عن الأمير ~~علم الدين سنجر الجاولي، وكتب بقدوم الجاولي إلى مصر. وفي يوم الثلاثاء ~~رابع عشرينه وسط السلطان تكا الخضري بسوق الخيل تحت القلعة ووسط معه ~~مملوكين من المماليك السلطانية. وفي هذا الشهر وقف السلطان الملك الصالح ~~صاحب الترجمة ثلثي ناحية سندبيس من القليوبية على ستة عشر خادما لخدمة ~~الضريح الشريف النبوي عليه الصلاة والسلام، فتمت عدة خدام الضريح الشريف ~~النبوي بذلك أربعين خادما. قلت لله دره فيما فعل! وعلى هذا تحسد الملوك لا ~~على غيره. ثم اتفق الأمراء ms2050 مع السلطان على إخراج تجريدة ثانية لقتال الملك ~~الناصر بالكرك. فلما كان عاشر شعبان خرج الأمير بيبرس الأحمدي والأمير ~~كوكاي في ألفي فارس تجريدة للكرك. وكتب السلطان أيضا بخروج تجريدة من الشام ~~مضافا إلى من خرج من الأمراء والعساكر من الديار المصرية؛ وتوجه الجميع، ~~ونصبت المناجيق على الكرك وجدوا في حصارها. وأما الملك الصالح فإنه بعد ~~خروج التجريدة خلع على جمال الكفاة، بعدما عزل وصودر، بآستقراره مشير ~~الدولة بسؤال وزير بغداد نجم الدين محمود في ذلك بعد أن أعيد إلى الوزارة، ~~ونزلا معا بتشاريفهما. وفي ذي القعدة رتب السلطان دروسا للمذاهب الأربعة ~~بالقبة المنصورية ووقف عليهم وعلى قراء وخدام وغير ذلك ناحية دهمشا ~~بالشرقية، فاستمر ذلك وعرف بوقف الصالح. ثم في يوم الأربعاء عاشر المحرم ~~سنة أربع وأربعين وسبعمائة قبض السلطان على أربعة أمراء، وهم الأمير آق ~~سنقر السلاري نائب السلطنة والأمير بيغرا أمير جاندار صهر آق سنقر المذكور ~~والأمير قراجا الحاجب وأخيه أولاجا، وقيدوا ورسم بحبسهم في الإسكندرية. ~~وخرج الأمير بلك على البريد إلى المجردين إلى الكرك فأدركهم على السعيدية، ~~وطيب خواطرهم وأعلمهم بالقبض على الأمراء، وعاد سريعا؛ فقدم قلعة الجبل ~~طلوع الشمس من يوم الخميس حادي عشره، وبعد وصوله قبض السلطان على طيبغا ~~الدوادار الصغير. وكان سبب قبض السلطان على هؤلاء الأمراء أن الأمير آق ~~سنقر كان في نيابته لا يرد قاصدا ولا قصة ترفع إليه؛ فقصده الناس من ~~الأقطار وسألوه الرزق والأراضي التي أنهوا أنها لم تكن بيد أحد، وكذلك ~~نيابة القلاع والأعمال والرواتب وإقطاعات الحلقة، فلم يرد أحدا سأله شيئا ~~من ذلك، سواء أكان ما أنهاه صحيحا أم باطلا، فإذا قيل له: هذا الذي سأله ~~يحتاج أن يكشف عنه تغير وجهه وقال: " ليش تقطع رزق الناس " ؛ وكان إذا كتب ~~الإقطاع لأحد فحضر صاحبه من سفره أو تعافى من مرضه وسأله في إعادة إقطاعه ~~قال له: " هذا أخذ إقطاعك ونحن نعوضك " . ففسدت الأحوال لا سيما البلاد ~~الشامية، فكتب النواب بذلك للسلطان، فكلمه السلطان فلم يرجع وقال: كل ms2051 من ~~طلب مني شيئا أعطيته، وما أرد قلمي عن أحد، بحيث إنه كان تقدم إليه القصة ~~وهو يأكل فيترك أكله، ويكتب عليها من غير أن يعلم ما فيها؛ فأغلظ له بسبب ~~ذلك الأمير شمس الدين آق سنقر الناصري أمير آخور؛ واتفق مع ذلك أنه وشي به ~~أنه مباطن مع الملك الناصر أحمد، وأن كتبه تصل إليه، فقرر أرغون العلائي ~~مسكه مع السلطان، فأمسك هو وحاشيته، هذا ما كان من أمره. وفي يوم الجمعة ~~ثاني عشر المحرم من سنة أربع وأربعين المذكورة خلع السلطان على الأمير ~~الحاج آل ملك، واستقر في نيابة السلطنة عوضا عن آق سنقر السلاري المذكور. ~~ثم في ثاني عشر صفر قدم الخبر بوفاة الأمير ألطنبغا المارداني الناصري نائب ~~حلب، فرسم السلطان للأمير يلبغا اليحياوي نائب حماة بآستقراره في نيابه حلب ~~عوضه. واستقر في نيابة حماة الأمير طقتمر الأحمدي نائب صفد، وآستقر بلك ~~الجمدار في نيابة صفد. وتوجه الأمير أرغون شاه بتقليد يلبغا اليحياوي، ~~وتوجه الأمير ألطنبغا البرناق بتقليد نائب حماة. PageV03P0105 # وفي يوم السبت خامس عشرين صفر قدم الأمير بيبرس الأحمدي والأمير كوكاي ~~بمن معهما من المجردين إلى الكرك، فركب الأمراء إلى لقائهم؛ وآستمر الأمير ~~أصلم على حصار الكرك، وهي التجريدة الثانية للكرك. وعرفوا الأمراء السلطان ~~أنه لا بد من خروج تجريدة ثالثة سريعا تقوية لأصلم لئلا يتنفس الناصر وحتى ~~يدوم الحصار عليه. فعين السلطان جماعة من أعيان الأمراء وتجهزوا وخرجوا في ~~يوم الإثنين رابع شهر ربيع الآخر، وهم الأمير جنكلي بن البابا والأمير آق ~~سنقر الناصري الأمير آخور ملكتمر السرجواني والأمير عمر بن أرغون النائب في ~~أربعة آلاف فارس تقوية لأصلم، وهذه التجريدة الثالثة إلى الكرك. وتوجه ~~صحبتهم عدة حجارين ونجارين ونقابين ونفطية، وخرج السلطان أيضا في يوم سفرهم ~~إلى سرياقوس على العادة كالمودع لهم. وفي هذه الأيام آشتد نائب السلطنة ~~الحاج آل ملك على والي القاهرة ومصر في بيع الخمور وغيره من المحرمات، ~~وعاقب جماعة كثيرة على ذلك؛ وكان هذا دأب النائب من يوم أخرب خزانة ms2052 البنود ~~في العام الماضي وأراق خمورها وبناها مسجدا، وحكرها للناس فعمروها دورا. ~~وكان الذي يفعل في خزانة البنود من المعاصي والفسق يستحى من ذكره، فعف ~~الناس في أيام نيابة آل ملك المذكور عن كثير من المعاصي خوفا منه. وآستمر ~~على ما هو عليه من تتبع الفواحش والخواطىء وغير ذلك حتى إنه نادى: من أحضر ~~سكرانا واحدا معه جرة خمر خلع عليه فقعد العامة لشربة الخمر بكل طريق؛ ~~وأتوه مرة بجندي قد سكر فضربه وقطع خبزه وخلع على من قبض عليه. ووقع له ~~أمور مع بيعة الخمر يطول الشرح في ذ كرها. وكان يجلس في شباك النيابة طول ~~النهار لا يمل من الحكم ولا يسأم، وتروح أصحاب الوظائف ولا يبقي عنده إلا ~~النقباء البطالة حتى لا يفوته أحد، وصار له مهابة عظيمة وحرمة كفت الناس عن ~~أشياء كثيرة حتى أعيان الأمراء، حتى قال فيه بعض شعراء عصره: آل ملك الحج ~~غدا سعده ... يملأ ظهر الأرض مهما سلك فالأمرا من دونه سوقة ... والملك ~~الظاهر هو الملك وفي يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى قدم الأمير أصلم و ~~أبو بكر بن أرغون النائب وأرنبغا من تجريدة الكرك بغير إذن، وآعتذروا بضعف ~~أبدانهم وكثرة الجراحات في أصحابهم وقلة الزاد عندهم؛ فقبل السلطان عذرهم، ~~ورسم بسفر طقتمر الصلاحي وتمر الموساوي في عشرين مقدما من الحلقة وألفي ~~فارس نجدة لمن بقي من الأمراء على حصار الكرك، فساروا في سلخه. وهذه ~~التجريدة الرابعة بل الخامسة؛ فإنه تكرر رواح الأمراء في تلك التجريدة ~~مرتين. ثم بعد مدة رسم السلطان بتجهيز الأمير علم الدين سنجر الجاولي ~~والأمير أرقطاي والأمير قماري الأستادار وعشرين أمير طبلخاناه وثلاثين مقدم ~~حلقة، فساروا يوم الثلاثاء خامس عشر شوال في ألفي فارس إلى الكرك، وهي ~~التجريدة السادسة؛ وتوجه معهم أيضا عدة حجارين ونقابين ونفطية وغير ذلك. ~~وفي مستهل شهر رمضان فرغت عمارة السلطان الملك الصالح إسماعيل صاحب الترجمة ~~من القاعة التي أنشأها المعروفة الآن بالدهيشة الملاصقة للدور السلطانية ~~المطلة على الحوش، وفرشت بأنواع البسط والمقاعد ms2053 الزركش. قلت: هي الآن مجاز ~~لأوباش الرعية لمن له حاجة عند السلطان من التركمان والأعراب والأوغاد ~~والأتباع. ولله در القائل: وإذا تأملت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى ~~الرجال وتسعد وجلس السلطان الملك الصالح فيها، وبين يديه جواريه وخدمه ~~وحرمه، وأكثر السلطان في ذلك اليوم من الخلع والعطاء؛ وكان السلطان قد آختص ~~ببيبغا الصالحي وأمره وخوله في النعم وزوجه بابنة الأمير أرغون العلائي ~~مدبر مملكة السلطان وزوج أمه؛ والبنت المذكورة أخت السلطان لأمه. وكثر في ~~هذه الأيام استيلاء الجواري والخدام على الدولة، وعارضوا النائب في أمور ~~كثيرة حتى صار النائب يقول لمن يسأله شيئا: " روح إلى الطواشي فلان فينقضي ~~شغلك " . وآستمر السلطان يكثر من الجلوس في الدهيشة بأبهة عظيمة إلى ~~الغاية. PageV03P0106 # ثم رسم السلطان بإحضار المجردين إلى الكرك وعين عوضهم تجريدة أخرى إلى ~~الكرك، وهي التجريدة السابعة، فيها الأمير بيبرس الأحمدي والأمير كوكاي ~~وعشرون أمير طبلخاناه وستة عشر أمير عشرة؛ وكتب بخروج عسكر أيضا من دمشق ~~ومعهم المنجنيق والزحافات. وحمل إلى الأحمدي مبلغ ألفي دينار، وكذلك ~~لكوكاي، ولكل أمير طبلخاناه خمسمائة دينار، ولكل أمير عشرة مائتي دينار؛ ~~وأرسل أيضا مع الأحمدي أربعة آلاف دينار لمن عساه ينزل إليه من قلعة الكرك ~~طائعا، وجهز معه تشاريف كثيرة، وعينت لهم الإقامات؛ وكان الوقت شتاء، ~~فقاسوا من الأمطار مشقات كثيرة، وأقاموا نحو شهرين، وخرج معهم ستة آلاف رأس ~~من البقر ونحو مائتي رأس جاموس ونحو ألفي راجل؛ فآستعد لهم الملك الناصر، ~~وجمع الرجال وأنفق فيهم مالا كثيرا، وفرق فيهم الأسلحة المرصدة بقلعة ~~الكرك. وركب المنجنيق الذي بها، ووقع بينهم القتال والحصار إلى ما سيأتي ~~ذكره. ثم رسم السلطان بالقبض على الأمير آقبغا عبد الواحد، فقبض عليه بدمشق ~~في عدة من أمرائها وسجنوا بها لميلهم للملك الناصر أحمد. واشتد الحصار على ~~الملك الناصر بالكرك وضاقت عليه هو ومن معه لقلة القوت. وتخلى عنه أهل ~~الكرك، وضجروا من طول الحصار، ووعدوا الأمراء بالمساعدة عليه، فحملت إليهم ~~الخلع ومبلغ ثمانين ألف درهم. هذا وقد استهم السلطان في ms2054 أول سنة خمس ~~وأربعين وسبعمائة بتجريدة ثامنة إلى الكرك، وعين فيها الأمير منكلي بغا ~~الفخري والأمير قماري والأمير طشتمر طلليه؛ ولم يجد السلطان في بيت المال ~~ما ينفقه عليهم، فأخذ مالا من تجار العجم ومن بنت الأمير بكتمر الساقي على ~~سبيل القرض وأنفق فيهم. وخرج المجردون في يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم سنة ~~خمس وأربعين وسبعمائة، وهؤلاء نجدة لمن توجه قبلهم خوفا أن يمل من كان توجه ~~من القتال، فيجد الناصر فرجا بعودهم عنه. وقطعت الميرة عن الملك الناصر، ~~ونفدت أمواله من كثرة نفقاته، فوقع الطمع فيه. وأخذ بالغ - وكان أجل ثقاته ~~- في العمل عليه، وكاتب الأمراء ووعدهم بأنه يسلم إليهم الكرك، وسأل ~~الأمان. فكتب إليه من السلطان أمان وقدم إلى القاهرة ومعه مسعود وابن أبي ~~الليث، وهما أعيان مشايخ الكرك؛ فأكرمهم السلطان وأنعم عليهم، وكتب لهم ~~مناشير بجميع ما طلبوه من الإقطاعات والأراضي؛ وكان من جملة ما طلبه بالغ ~~وحده نحو أربعمائة وخمسين ألف درهم في السنة، وكذلك أصحابه. ثم أعيدوا إلى ~~الكرك بعدما حلفوا ثم ركب العسكر للحرب، وخرج الكركيون فلم يكن غير ساعة ~~حتى آنهزموا منهم إلى داخل المدينة، فدخل العسكر أفواجا واستوطنوها، وجدوا ~~في قتال أهل القلعة عدة أيام، والناس تنزل إليهم منها شيئا بعد شيء حتى لم ~~يبق عند الملك الناصر أحمد بقلعة الكرك سوى عشرة أنفس، فأقام يرمي بهم على ~~العسكر وهو يجد في القتال ويرمي بنفسه، وكان قوي الرمي شجاعا، إلى أن جرح ~~في ثلاثة مواضع. وتمكنت النقابة من البرج وعلقوه وأضرموا النار تحته، حتى ~~وقع. وكان الأمير سنجر الجاولي قد بالغ أشد مبالغة في الحصار وبذل فيه مالا ~~كثيرا. ثم هجم العسكر على القلعة في يوم الإثنين ثاني عشرين صفر سنة خمس ~~وأربعين وسبعمائة فوجدوا الناصر قد خرج من موضع وعليه زردية، وقد تنكب قوسه ~~وشهر سيفه. فوقفوا وسلموا عليه، فرد عليهم وهو متجهم، وفي وجهه جرح وكتفه ~~أيضا يسيل دما. فتقدم إليه الأمير أرقطاي والأمير قماري في آخرين، وأخذوه ~~ومضوا به ms2055 إلى دهليز الموضع الذي كان به وأجلسوه، وطيبوا قلبه وهو ساكت لا ~~يجيبهم، فقيدوه ووكلوا به جماعة، ورتبوا له طعاما، فأقام يومه وليلته. ومن ~~باكر الغد يقدم إليه الطعام فلا يتناول منه شيئا إلى أن سألوه أن يأكل، ~~فأبى أن يأكل حتى يأتوه بشاب يقال له عثمان، كان يهواه، فأتوه به فأكل عند ~~ذلك. وخرج الأمير ابن بيبغا حارس طير بالبشارة إلى السلطان الملك الصالح، ~~وعلى يده كتب الأمراء، فقدم قلعة الجبل في يوم السبت ثامن عشرين صفر، فدقت ~~البشائر سبعة أيام. PageV03P0107 # وأخرج السلطان منجك اليوسفي الناصري السلاح دار ليلا من القاهرة على ~~البخت لقتل الملك الناصر أحمد من غير مشاورة الأمراء في ذلك؛ فوصل إلى ~~الكرك وأدخل على الملك الناصر من أخرج الشاب من عنده، ثم خنقه في ليلة رابع ~~شهر ربيع الأول، وقطع رأسه، وسار من ليلته ولم يعلم الأمراء ولا العسكر ~~بشيء من ذلك، حتى أصبحوا وقد قطع منجك مسافة بعيدة. وقدم منجك بعد ثلاثة ~~أيام قلعة الجبل ليلا، وقدم الرأس بين يدي السلطان - وكان ضخما مهولا، له ~~شعر طويل - فآقشعر السلطان عند رؤيته وبات مرجوفا وطلب الأمير قبلاي ~~الحاجب، ورسم له أن يتوجه لحفظ الكرك إلى أن يأتيه نائب لها. وكتب السلطان ~~بعود الأمراء والعساكر المجردين إلى الكرك، فكانت مدة حصار الملك الناصر ~~بالكرك سنتين وشهرا وثلاثة أيام. ثم قدم الأمراء المجردون إلى الكرك فخلع ~~السلطان على الجميع وشكرهم وأكثر من الثناء عليهم. ثم خلع على الأمير ~~ملكتمر السرجواني باستقراره في نيابة الكرك على ما كان عليه قديما، وجهز ~~معه عدة صناع لعمارة ما تهدم من قلعة الكرك وإعادة البرج على ما كان عليه. ~~ورسم بأن يخرج مائة مملوك معه من مماليك قوصون وبشتك الذين كان الملك ~~الناصر قد أسكنهم بالقلعة، ورتب لهم الرواتب، و أن يخرج منهم مائتان إلى ~~دمشق وحماة وحمص وطرابلس وصفد وحلب. فأخرجوا جميعا في يوم واحد، ونساؤهم ~~وأولادهم في بكاء وعويل؛ وسخروا لهم خيول الطواحين ليركبوا عليها. ثم وقعت ~~الوحشة بين ms2056 الأمير أرغون العلائي والأمير ملكتمر الحجازي وبين الحاج آل ملك ~~نائب السلطنة، وصار الحجازي والعلائي معا على آل ملك النائب. ووقع بين آل ~~ملك والحجازي أمور يطول شرحها؛ وكان الحجازي مولعا بالخمر وآل الملك ينهى ~~عن شربها، فكان كلما ظفر بأحد من حواشي الحجازي مثل به فتقوم قيامة الحجازي ~~لذلك؛ وتفاوضا غير مرة بسبب هذا في مجلس السلطان، وأرغون العلائي يميل مع ~~الحجازي لما في نفسه من آل ملك، وداما على ذلك مدة. وأما السلطان فإنه بعد ~~مدة نزل إلى سرياقوس بتجمل زائد على العادة في كل سنة. ثم عاد إلى القلعة ~~بعد أيام، فورد عليه قصاد صاحب الروم وقصاد صاحب الغرب. ثم بدا للسلطان ~~الحج، فتهيأ لذلك وأرسل يطلب العربان وأعطاهم الأموال بسبب كراء الجمال. ~~فتغير مزاجه في مستهل شهر ربيع الأول ولزم الفراش ولم يخرج إلى الخدمة ~~أياما. وكثرت القالة بسبب ضعفه، وتحسنت الأسعار. ثم أرجف بموت السلطان في ~~بعض الأيام، فأغلقت الأسواق حتى ركب الوالي والمحتسب وضربوا جماعة وشهروهم. ~~ثم آجتمعوا الأمراء ودخلوا على السلطان وتلطفوا به حتى أبطل حركة الحج، ~~وكتب بعود طقتمر من الشام، واستعادة الأموال من العربان. وما زال السلطان ~~يتعلل إلى أن تحرك أخوه شعبان وآتفق مع عدة مماليك، وقد انقطع خبر السلطان ~~عن الأمراء. وكتب السلطان بالإفراج عن المسجونين من الأمراء وغيرهم ~~بالأعمال، وفرقت صدقات كثيرة، ورتبت جماعة لقراءة " صحيح البخاري " . فقوي ~~أمر شعبان، وعزم أن يقبض على النائب فآحترز النائب منه. وأخذ أكابر الأمراء ~~في توزيع أموالهم وحرمهم في الأماكن، ودخلوا على السلطان وسألوه أن يعهد ~~لأحد من إخوته. فطلب السلطان النائب وبقية الأمراء فلم يحضر إليه أحد منهم. ~~وقد آتفق الأمير أرغون العلائي مع جماعة على إقامة شعبان في الملك، وفرق ~~فيهم مالا كبيرا، فإنه كان أيضا ابن زوجته وشقيق الملك الصالح إسماعيل ~~لأبيه وأمه. وقام مع أرغون من الأمراء غرلو وتمر الموساوي؛ وامتنع النائب ~~من إقامته وصاروا حزبين، فقام النائب آل ملك في الإنكار على سلطنة شعبان، ~~وقد آجتمع ms2057 مع الأمراء بباب القلة، وقبض على غرلو وسجنه، وتحالف هو وأرغون ~~العلائي وبقية الأمراء على عمل مصالح المسلمين. PageV03P0108 # ومات السلطان الملك الصالح إسماعيل في ليلة الخميس رابع شهر ربيع الآخر ~~سنة ست وأربعين وسبعمائة، وقد بلغ من العمر نحو عشرين سنة، فكتم موته. وقام ~~شعبان إلى أمه ومنع من إشاعة موت أخيه، وخرج إلى أصحابه وقرر معهم أمره. ~~فخرج طشتمر ورسلان بصل إلى منكلي بغا ليستعطفوا الأمير أرقطاي والأمير ~~أصلم. وكان النائب والأمراء علموا من العصر أن السلطان في النزع، اتفقوا ~~على النزول من القلعة إلى بيوتهم بالقاهرة. فدخل الجماعة على أرقطاي ~~ليستميلوه لشعبان فوعدهم بذلك. ثم دخلوا على أصلم فأجابهم، وعادوا إلى ~~شعبان، وقد ظنوا أن أمرهم تم. فلما أصبحوا نهار الخميس خرج الأمير أرغون ~~العلائي والأمير ملكتمر الحجازي وتمر الموساوي وطشتمر طلليه ومنكلي بغا ~~الفخري وأسندمر وجلسوا بباب القلة، فأتاهم الأمير أرقطاي والأمير أصلم ~~والوزير نجم الدين محمود والأمير قماري الأستادار وطلبوا النائب فلم يحضر ~~إليهم؛ فمضوا كلهم إلى عنده، وآستدعوا الأمير جنكلي بن البابا، وآشتوروا ~~فيمن يولوه السلطنة؛ فأشار جنكلي أن يرسل إلى المماليك السلطانية ويسألهم ~~من يختاروه " فإن من أختاروه رضيناه سلطانا " ، فعاد جوابهم مع الحاجب أنهم ~~رضوا بشعبان سلطانا؛ فقاموا جميعا ومعهم النائب إلى داخل باب القلة. وكان ~~شعبان تخيل من دخولهم عليه وجمع المماليك وقال: " من دخل علي وجلس على ~~الكرسي قتلته بسيفي هذا! وأنا أجلس على الكرسي حتى أبصر من يقيمني عنه " . ~~فسير أرغون العلائي إليه، وبشره وطيب خاطره، ودخل الأمراء إليه وسلطنوه ~~ولقب بالملك الكامل سيف الدين شعبان حسب ما يأتي ذكره في أول ترجمته. ~~ولنرجع إلى بقية ترجمة الملك الصالح إسماعيل. وكان الملك الصالح سلطانا ~~ساكنا عاقلا قليل الشر كثير الخير، هينا لينا بشوشا؛ وكان شكلا حسنا حلو ~~الوجه أبيض بصفرة وعلى خده شامة. ولم يكن في أولاد الملك الناصر خير منه. ~~رتب دروسا بمدرسة جده المنصور قلاوون، وجدد جماعة من الخدام بالحرم النبوي، ~~حسب ما ذكرناه في وقته. وله مآثر ms2058 كثيرة بمكة، واسمه مكتوب على رباط السدرة ~~بحرم مكة. ولم يزل مثابرا على فعل الخير حتى توفي. ولما مات رثاه الشيخ ~~صلاح الدين الصفدي بقوله: مضى الصالح المرجو للبأس والندى ... ومن لم يزل ~~يلقى المنى بالمنائح فيا ملك مصر كيف حالك بعده ... إذا نحن أثنينا عليك ~~بصالح وكان الملك الصالح محببا للرعية على مشقة كانت في أيامه من كثرة ~~التجاريد إلى قتال أخيه الملك الناصر أحمد بالكرك، وكانت السبل مخيفة. وشغف ~~مع ذلك بالجواري السود، وأفرط في محبة " اتفاق " العوادة وفي العطاء لها؛ ~~وقرب أرباب الملاهي، وأعرض عن تدبير الملك بإقباله على النساء والمطربين، ~~حتى كان إذا ركب إلى سرحة سرياقوس أو سرحة الأهرام ركبت أمه في مائتي امرأة ~~الأكاديش، بثياب الأطلس الملون، وعلى رؤوسهن الطراطير الجلد البرغالي ~~المرصعة بالجوهر واللآلىء، وبين أيديهن الخدام الطواشية، من القلعة إلى ~~السرحة. ثم تركب حظاياه الخيول العربية ويتسابقن؛ ويركبن تارة بالكامليات ~~الحرير ويلعبن بالكرة؛ وكانت لهن في المواسم والأعياد وأوقات النزهة أمور ~~من هذا النموذج. وآستولى الخدام والطواشية في أيامه على أحوال الدولة، وعظم ~~أمرهم بتحكم كبيرهم عنبر السحرتي لالاة السلطان؛ وآقتنى عنبر السحرتي ~~البزاة والسناقر، وصار يركب إلى المطعم، ويتصيد بثياب الحرير المزركشة؛ ~~وآتخذ له كفا للصيد مرصعا بالجوهر. وعمل له خاصكية وخداما ومماليك تركب في ~~خدمته، حتى ثقل أمره على أكابر أمراء الدولة، فإنه أكثر من شراء الأملاك ~~والتجارة في البضائع، كل ذلك لكونه لالا السلطان. وأفرد له ميدانا يلعب فيه ~~بالكرة؛ وتصدى لقضاء الأشغال وقصده الناس فصارت الإقطاعات والرزق والوظائف ~~لا تقضى إلا بالخدام والنساء. وكان متحصل الدولة في أيام الملك الصالح ~~قليلا ومصروف العمارة كثيرا. وكان مغرما بالجلوس بقاعة الدهيشة، لا سيما ~~لما ولدت منه " اتفاق " العوادة ولدا ذكرا، عمل لها فيه مهما بلغ الغاية ~~التي لا توصف؛ ومع هذا كانت حياته منغصة وعيشته منكدة لم يتم سروره ~~بالدهيشة سوى ساعة واحدة. PageV03P0109 # ثم قدم عليه منجك السلاح دار برأس أخيه الملك الناصر أحمد من الكرك، فلما ~~قدم بين يديه ms2059 ورآه بعد غسله اهتز وتغير لونه وذعر، حتى إنه بات تلك الليلة ~~يراه في نومه ويفزع فزعا شديدا. وتعلل من رؤيته، وما برح يعتريه الأرق ~~ورؤية الأحلام المزعجة؛ وتمادى مرضه وكثر إرجافه، حتى آعتراه القولنج، وقوي ~~عليه حتى مات منه في يوم الخميس المذكور، ودفن عند أبيه وجده الملك المنصور ~~قلاوون بالقبة المنصورية في ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر، فكانت مدة ~~ملكه بالديار المصرية ثلاث سنين وشهرين وأحد عشر يوما. وقال الصفدي: ثلاث ~~سنين وشهرا وثمانية عشر يوما. وتسلطن من بعده أخوه شقيقه شعبان ولقب ~~بالكامل. وعمل للملك الصالح العزاء بالديار المصرية أياما كثيرة، ودارت ~~الجواري بالملاهي يضربن بالدفوف، والمخدرات حواسر يبكين ويلطمن، وكثر حزن ~~الناس عليه ووجدوا عليه وجدا عظيما. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الصالح إسماعيل # على مصر وهي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة: فيها توفي الشيخ الإمام برهان ~~الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد السفاقسي المالكي في ذي الحجة. وكان إماما ~~فقيها بارعا أفتى ودرس سنين، وله مصنفات مفيدة، منها: " إعراب القرآن " و " ~~شرح ابن الحاجب في الفقه " وغير ذلك. وكان معدودا من علماء المالكية. وتوفي ~~الأمير سيف الدين أرنبغا بن عبد الله الناصري ناظر طرابلس بها. وكان من أجل ~~أمراء الدولة ومن أعيان مماليك الناصر محمد وخاصكيته، وتنقل في عدة ولايات ~~وكان معدودا من الشجعان. وتوفي الأمير الكبير علاء الدين أيدغمش بن عبد ~~الله الناصري الأمير آخور، ثم نائب حلب ثم نائب الشام، فجأة في بكرة يوم ~~الأربعاء رابع جمادى الآخرة، ودفن في آخر ميدان الحصى في تربة عفرت له ~~هناك. وكانت مدة نيابته بحلب والشام نصف سنة؛ وكانت موتته غريبة وهو أنه ~~ركب في بكرة ثالث جمادى الآخرة وخرج ظاهر دمشق وأطعم طيور الصيد وعاد إلى ~~دار السعادة وقرئت عليه قصص يسيرة، ثم أكل السماط. ثم عرض طلبه والمضافين ~~إليه، وقدم جماعة وأخر جماعة، ثم دخل إليه ناظر ديوانه وقرأ عليه مخازيم ~~وحساب ومصروف ديوانه. ثم قال أيدغمش: هؤلاء الذين تزوجوا من مماليكي اقطعوا ~~مرتبهم. ms2060 ثم كل الطاري، وقعد هو وابن جماز يتحدثان فسمع حس جماعة من جواريه ~~يتخاصمن، فقام وأخذ عصاه ودخل إليهن وضرب واحدة منهن ضربتين وسقط ميتا لم ~~يتنفس؛ فتحير الناس في أمره، فأمهلوه إلى بكرة يوم الأربعاء فلم يتحرك، ~~فغسلوه وكفنوه ودفنوه. وكان أصل أيدغمش هذا من مماليك الأمير بلبان ~~الطباخي، ثم آتصل إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون فجعله من جملة خاصكيته. ~~ثم رقاه حتى جعله أمير آخور كبير بعد بيبرس الحاجب، فدام في وظيفة الأمير ~~آخورية نحو عشرين سنة. وقد استوعبنا من حاله مع قوصون وغيره قطعة جيدة في ~~ترجمة الملك الناصر أحمد وغيره. وكان أميرا جليلا عاقلا مهابا شجاعا مدبرا ~~مقداما كريما، قل من دخل إليه للسلام إلا وأعطاه شيئا. وكان مكينا عند ~~أستاذه الملك الناصر، على أنه أنعم على أولاده الثلاثة بإمرة، وهم أمير حاج ~~ملك وأمير أحمد وأمير علي. وكان أيدغمش يميل إلى فعل الخير، وله مآثر ~~حميدة. وهو صاحب الحمام والخوخة خارج بابي زويلة، رحمه الله. وتوفي الأمير ~~ركن الدين بيبرس بن عبد الله الناصري الحاجب بدمشق في شهر رجب؛ وهو أيضا من ~~المماليك الناصرية. رقاه أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون حتى صار أمير ~~مائة ومقدم ألف، ثم ولاه أمير اخور مدة سنتين، ثم عزله بالأمير أيدغمش ~~المقدم ذكره، وولاه الحجوبية. ثم جرده إلى اليمن فبلغه عنه أنه أخذ برطيل ~~صاحب اليمن وتراخى في أمر السلطان، فلما عاد قبض عليه وحبسه تسع سنين ~~وثمانية أشهر إلى أن أفرج عنه في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وأخرجه إلى حلب ~~أميرا بها. ثم نقل إلى إمرة دمشق، فما زال بها حتى مات في التاريخ المذكور. ~~وكان له ثروة كبيرة وأملاك كثيرة وله دار عند باب الزهومة. وتوفي الأمير ~~سيف الدين قماري بن عبد الله الناصري أمير شكار في يوم الأحد خامس جمادى ~~الأولى. وكان خصيصا عند أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون، وهو أحد من ~~زوجه الملك الناصر بإحدى بناته، بعدما أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف ms2061 ~~بالديار المصرية وجعله أمير شكار. PageV03P0110 # وتوفي سيف الدين طشتمر بن عبد الله الساقي الناصري المعروف بحمص أخضر ~~مقتولا بسيف الملك الناصر أحمد بالكرك. وكان أيضا أحد مماليك الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون وخواصه. رقاه وأمره وولاه نيابة صفد، وهو الذي توجه من صفد ~~وقبض على تنكز نائب الشام حسب ما تقدم ذكره. ثم نقله إلى نيابة حلب عوضا عن ~~طوغان الناصري في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فدام بحلب حتى خرج منها إلى ~~الروم - وقد مر ذكر ذلك كله - إلى أن قدم الديار المصرية صحبة الأمراء ~~الشاميين، وولاه الملك الناصر أحمد نيابة السلطنة. ثم قبض عليه بعد أن باشر ~~النيابة خمسة وثلاثين يوما وأخرجه معه إلى الكرك، فقتله هناك وقتل الأمير ~~قطلوبغا الفخري الآتي ذكره. ولما قتل طشتمر قال فيه الصلاح الصفدي: طوى ~~الرش طشتمرا بعدما ... بالغ في دفع الأذى واحترس عهدي به كان شديد القوى ~~... أشجع من يركب ظهر الفرس ألم يقولوا حمصا أخضرا ... فاعجب له يا صاح كيف ~~اندرس قلت: وهو صاحب الدار العظيمة والربع الذي بجانبها بحمرة البقر خارج ~~القاهرة والجامع بالصحراء والمئذنة الحلزون والجامعين بالزريبة والربع الذي ~~بالحريريين داخل القاهرة. وكان شجاعا كريما كثير الإنعام والصدقات. وتوفي ~~الأمير سليمان بن مهنا بن عيسى بن مهنا ملك العرب وأمير آل فضل بظاهر ~~سلمية؛ وكان من أجل ملوك العرب. وتوفي الأمير سيف الدين طينال بن عبد الله ~~الناصري نائب غزة ونائب صفد ثم نائب طرابلس؛ ومات وهو على نيابة صفد في يوم ~~الجمعة رابع شهر ربيع الأول. وكان من أعيان الأمراء الناصرية. وتوفي الأمير ~~سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الفخري الساقي الناصري نائب الشام مقتولا ~~بسيف الملك الناصر أحمد بالكرك. وكان من أكابر مماليك الناصر محمد بن ~~قلاوون من طبقة أرغون الدوادار. قال الصفدي: لم يكن لأحد من الخاصكية ولا ~~غيرهم إدلاله على الملك الناصر محمد ولا من يكلمه بكلامه، وكان يفحش في ~~كلامه له ويرد عليه الأجوبة الحادة المرة وهو يحتمله؛ ولم يزل عند السلطان ~~أثيرا إلى ms2062 أن أمسكه في نوبة إخراج أرغون إلى حلب نائبا؛ فلما دخل تنكز قلت: ~~وقد سقنا من ذكره في ترجمة الملك الناصر أحمد وغيره ما فيه كفاية عن ذكره ~~هنا ثانيا. ولما أمسك وقتل قال الأديب البارع خليل بن أيبك الصفدي شعرا: ~~سمت همة الفخري حتى ترفعت ... على هامة الجوزاء والنسر بالنصر وكان به ~~للملك فخر فخانه الر ... مان فأضحى ملك مصر بلا فخر وتوفي الأمير سيف الدين ~~بهادر بن عبد الله الجوباني رأس نوبة. وتوفي الأمير سيف الدين بكا الخضري ~~الناصري موسطا بسوق الخيل في رابع شهر رجب؛ وقد مر من ذكره نبذة في ترجمة ~~الملك الصالح إسماعيل. وتوفي الشيخ الإمام تاج الدين أبو المحاسن عبد ~~الباقي بن عبد المجيد اليماني المخزومي الشافعي الأديب الكاتب بالقدس ~~الشريف في هذه السنة عن ثلاث وستين سنة. وتوفي الشيخ الإمام الخطيب محيي ~~الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن علي بن أحمد، أبو المعالي ~~السلمي الشافعي خطيب بعلبك في ليلة الأربعاء تاسع شهر رمضان. ومولده في شهر ~~رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة. وكان فاضلا عالما خطيبا فصيحا؛ وكتب الخط ~~المنسوب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وإصبعان. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الصالح إسماعيل # وهي سنة أربع وأربعين وسبعمائة. فيها توفي قاضي القضاة برهان الدين أبو ~~إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن علي بن عبد الحق، قاضي القضاة الحنفية ~~بالديار المصرية وهو مقيم بدمشق. وكان إماما عالما بارعا. أفتى ودرس سنين ~~وناب في الحكم، ثم استقل بقضاء القضاة بالديار المصرية وحسنت سيرته. ~~PageV03P0111 # وتوفي الأمير سيف الدين، وقيل شمس الدين، آق سنقر بن عبد الله السلاري ~~نائب السلطنة بالديار المصرية قتيلا بثغر الإسكندرية في السجن. وكان أصله ~~من مماليك الأمير سلار، واتصل بعده بخدمة الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~فرقاه إلى أن ولاه نيابة غزة ثم صفد. ثم ولي بعد موت الملك الناصر نيابة ~~السلطنة بالديار المصرية. وقد تقدم ms2063 ذكره في ترجمة الملك الصالح هذا ~~والتعريف بأحواله وكرمه إلى أن قبض عليه وسجن، ثم قتل. وكان من الكرماء ~~الشجعان. وتوفي الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله المارداني الناصري ~~الساقي نائب حلب بها. وكان ألطنبغا أحد مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~وخاصكيته وأحد من شغف بمحبته ورقاه في مدة يسيرة، حتى جعله أمير مائة ومقدم ~~ألف، وزوجه بابنته. ثم وقع له أمور بعد موته ذكرناها في تراجم: المنصور ~~والأشرف والناصر والصالح أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى أن ولي ~~نيابة حماة، ثم حلب بعد الأمير طقزدمر، فباشر نيابة حلب نصف سنة. وتوفي ولم ~~يبلغ من العمر خمسا وعشرين سنة. وكان أميرا شابا لطيف الذات، حسن الشكل، ~~كريم الأخلاق مشهورا بالشجاعة والكرم. وهو صاحب الجامع المعروف به خارج باب ~~زويلة. وقد تقدم ذكر بنائه في ترجمة أستاذه الملك الناصر محمد. وتوفي ~~الأمير الأديب علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله الجاولي.أصله من مماليك ابن ~~باخل.ثم صار إلى الأمير علم الدين سنجر الجاولي فجعله دواداره لما كان نائب ~~غزة فعرف به؛ ثم تنقلت به الأحوال حتى صار من جملة أمراء دمشق، إلى أن مات ~~بها في شهر ربيع الأول. قلت: وهو أحد فحول الشعراء من الأتراك لا أعلم أحدا ~~من أبناء جنسه في رتبته في نظم القريض، اللهم إلا إن كان أيدمر المحيوي ~~فيمكن. ومن شعر ألطنبغا المذكور: ردفه زاد في الثقالة حتى ... أقعد الخصر ~~والقوام سويا نهض الخصر والقوام وقاما ... وضعيفان يغلبان قويا وله: وبارد ~~الثغر حلو ... بمرشف فيه حوه وخصره في انتحال ... يبدي من الضعف قوه وله: ~~وصالك والثريا في قران ... وهجرك والجفا فرسا رهان فديتك ما حفظت لشؤم بختي ~~من القرآن إلا لن تراني وله: يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زور وبهتان ~~ما وجه من أحببته قبلة ... قلت ولا قولك قرآن وقد سقنا من شعره قطعة جيدة ~~في تاريخنا " المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي " . وتوفي القاضي شرف ~~الدين أبو بكر بن محمد ابن الشهاب محمود كاتب ms2064 سر مصر ثم دمشق في شهر ربيع ~~الأول. وكان فاضلا بارعا في صناعته، وهو من بيت علم وفضل ورياسة وإنشاء. ~~وكان فاضلا مترسلا رئيسا نبيلا، وله نظم رائق ونثر لائق. ومن شعره: بعثت ~~رسولا للحبيب لعله ... يبرهن عن وجدي له ويترجم فلما رآه حار من فرط حسنه ~~... وما عاد إلا وهو فيه متيم وتوفي الأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير ~~الناصري نائب حلب وطرابلس في شهر رمضان. وكان من أعيان مماليك الملك الناصر ~~وأمرائه. وكان شجاعا مقداما سيوسا. ولي الولايات والأعمال الجليلة. وتوفي ~~الأمير علاء الدين آقبغا عبد الواحد الناصري بحبسه بثغر الإسكندرية، وقد ~~تكرر ذكره في ترجمة أستاذه الملك الناصر في مواطن كثيرة، وفي أول ترجمة ~~الملك المنصور أبي بكر أيضا، وكيف كان القبض عليه، وما وقع له من المصادرة ~~وغير ذلك إلى أن ولي نيابة حمص ثم عزل وقبض عليه وحبس إلى أن مات. وكان ~~أصله من مماليك الناصر محمد وأخا زوجته خوند طغاي؛ وتولى في أيام أستاذه ~~عدة وظائف وولايات، منها أنه كان من جملة مقدمي الألوف ثم أستادارا ثم مقدم ~~المماليك السلطانية، وشاد العمائر. وكان يندبه لكل أمر مهم فيه العجلة ~~لمعرفته بشدة بأسه وقساوة قلبه، وكثرة ظلمه. وكان من أقبح المماليك ~~الناصرية سيرة. وهو صاحب المدرسة على يسار الداخل إلى الجامع الأزهر والدار ~~بالقرب من الجامع المذكور. وتوفي الشيخ حسن بن تمرتاش بن جوبان متملك تبريز ~~والعراق في شهر رجب. وكان من أعظم الملوك، وكان داهية صاحب حيل ومكر ~~وخديعة. وكان كثير العساكر من الترك وغيرها. PageV03P0112 # وتوفي القاضي زين الدين إبراهيم بن عرفات بن صالح ابن أبي المنى القنائي ~~الشافعي قاضي قنا، كان فقيها رئيسا كثير الأموال. كان يتصدق في كل سنة بألف ~~وتوفي الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي. مولده بمصر في ~~ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة، ومات بحلب في الثامن من شهر ربيع الأول. ~~وتوفي المحدث شهاب الدين أحمد ابن أبي الفرج الحلبي بمصر بعد أن حدث عن ~~النجيب ms2065 والأبرقوهي والرشيد بن علان وغيرهم. ومولده في شهر رمضان سنة خمسين ~~وستمائة. وتوفي القاضي علم الدين سليمان بن إبراهيم بن سليمان المعروف بابن ~~المستوفي المصري ناظر الخاص بدمشق في جمادى الآخرة. وله فضيلة وشعر جيد؛ ~~وكان يعرف بكاتب قراسنقر، فإنه كان بخدمته. وباشر عدة وظائف بدمشق: نظر ~~البيوت ثم نظر الخاص ثم صحابة الديوان. وكان بارعا في صناعة الحساب ويكتب ~~الخط المليح. وله يد في النظم وقدرة على الارتجال، وكان يتكلم فصيحا باللغة ~~التركية. ومن شعره: غرامي فيك قد أضحى غريمي ... وهجرك والتجني مستطاب ~~وبلواي ملالك لا لذنب ... وقولك ساعة التسليم طابوا أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمس أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا ~~وسبع عشرة إصبعا. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الصالح إسماعيل # وهي سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فيها توفي قاضي القضاة العلامة جلال ~~الدين أحمد ابن القاضي حسام الدين أبي الفضائل حسن بن أحمد بن الحسن بن ~~أنوشروان الأنكوري الحنفي قاضي قضاة دمشق وعالمها في يوم الجمعة تاسع عشر ~~رجب؛ ومولده بمدينة أنكورية ببلاد الروم في سنة إحدى وخمسين وستمائة. وكان ~~إماما عالما دينا عارفا بالمذهب وأصوله، محققا إماما في العلوم العقلية، ~~وأفتى ودرس وتصدر للإقراء في حياة والده. وولي قضاء خرتبرت وعمره سبع عشرة ~~سنة، وحمدت سيرته. ثم انتقل إلى البلاد الشامية حتى كان من أمره ما كان. ~~وتوفي الأمير علم الدين سنجر الجاولي، أحد أعيان أمراء بالديار المصرية في ~~يوم الخميس ثامن شهر رمضان، ودفن بمدرسته فوق جبل الكبش. وكان أصله من ~~مماليك جاول أحد أمراء الملك الظاهر بيبرس. ثم اتصل بعده إلى بيت السلطان، ~~وأخرج أيام الأشرف خليل بن قلاوون إلى الكرك، واستقر في جملة بحريتها. ثم ~~قدم في أيام العادل كتبغا إلى مصر بحال زري، فقدمه الأمير سلار ونوه بذكره ~~إلى أن ولي نيابة غزة، ثم عدة ولايات بعد ذلك بمصر والبلاد الشامية. وطالت ~~أيامه في السعادة وعمر وقد مر من ذكره أشياء فيما تقدم. وهو صاحب ms2066 الجامع ~~بغزة والخليل عليه السلام وخان بيسان وخان قاقون. وكان فاضلا فقيها، وله ~~مصنفات في الفقه وغيره. وتوفي الأمير سيف الدين طقصبا بن عبد الله الظاهري، ~~وقد أناف على مائة وعشرين سنة. وكان أصله من مماليك الظاهر بيبرس ~~البندقداري. وتوفي جمال الكفاة الرئيس جمال الدين، ناظر الخاص ثم الجيش ثم ~~المشد، تحت العقوبة في ليلة الأحد سادس شهر ربيع الأول. وكان ابن خالة ~~النشو ناظر الخاص؛ وهو الذي استسلمه وآستخدمه مستوفيا في الدولة، ثم عند ~~بشتك، ثم وقع بينهما المعاداة الصعبة على سوء ظن من النشو؛ ولم يزالا على ~~ذلك حتى مات النشو تحت العقوبة، وولي جمال الكفاة هذا مكانه، وطالت أيامه ~~ونالته السعادة. قال الصفدي: وكان شكلا حسنا ظريفا مليحا يكتب خطا قويا ~~جيدا، ويتحدث بالتركي؛ وفيه ذوق للمعاني الأدبية ومحبة للفضلاء ولطف عشرة ~~وكرم أخلاق ومروءة. وكان أولا عند الأمير طيبغا القاسمي. ومدة مباشرته ~~الخاص ست سنين تقريبا. انتهى كلام الصفدي بآختصار. وقال غيره: وكان أولا ~~يباشر في بعض البساتين على بيع ثمرته، وتنقل في خدمة ابن هلال الدولة، ثم ~~خدم بيدمر البحري وهو خاصكي خبزه بمحلة منوف، فكتب على بابه إلى أن تأمر. ~~ثم آنتقل بعد ذلك حتى كان من أمره ما ذكرناه. ولما صودر أخذ منه أموال ~~كثيرة. PageV03P0113 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة فريد عصره أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف ~~ابن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي المغربي المالكي ثم الشافعي. مولده ~~بغرناطة في أخريات شوال سنة أربع وخمسين وستمائة. وقرأ القرآن بالروايات، ~~وآشتغل وسمع الحديث بالأندلس وإفريقية وإسكندرية والقاهرة والحجاز، وحصل ~~الإجازات من الشام والعراق، وآجتهد في طلب العلم، حتى برع في النحو ~~والتصريف وصار فيهما إمام عصره، وشارك في علوم كثيرة. وكان له اليد الطولى ~~في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم خصوصا ~~المغاربة؛ وهو الذي جسر الناس على مصنفات ابن مالك، ورغبهم في قراءتها، ~~وشرح لهم غوامضها؛ وقد سقنا من أخباره وسماعاته ومشايخه ومصنفاته وشعره في ~~ترجمته في تاريخنا " المنهل ms2067 الصافي " ما يطول الشرح في ذكره هنا؛ ومن أراد ~~ذلك فلينظره هناك. ولنذكر هنا من شعره نبذة يسيرة بسندنا إليه: أنشدنا ~~القاضي عبد الرحيم بن الفرات إجازة، أنشدنا الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك ~~الصفدي إجازة، قال: أنشدني العلامة أثير الدين أبو حيان من لفظه لنفسه: سبق ~~الدمع بالمسير المطايا ... إذ نوى من أحب عني نقله وأجاد السطور في صفحة ~~الخ ... د ولم لا يجيد وهو ابن مقله وله بالسند: راض حبيبي عارض قد بدا ... ~~يا حسنه من عارض رائض فظن قوم أن قلبي سلا ... والأصل لا يعتد بالعارض وله ~~موشحة، أولها: إن كان ليل داج، وخاننا الإصباح، فنورها الوهاج، يغني عن ~~الصباح سلافة تبدو ... كالكوكب الأزهر مزاجها شهد ... وعرفها عنبر يا حبذا ~~الورد ... منها وإن أسكر قلبي بها قد هاج، فما تراني صاح، عن ذلك المنهاج، ~~وعن هوى يا صاح وبي رشا أهيف ... قد لج في بعدي بدر فلا يخسف ... منه سنا ~~الخد بلحظه المرهف ... يسطو على الأسد كسطوة الحجاج، في الناس والسفاح، فما ~~ترى من ناج، من لحظه السفاح علل بالمسك ... قلبي رشا أحور منغم المسك ... ~~ذو مبسم أعطر رياه كالمسك ... وريقه كوثر غصن على رجراج، طاعت له الأرواح، ~~فحبذا الآراج، إن هبت الأرواح مهلا أبا القاسم ... على أبي حيان ما إن له ~~عاصم ... من لحظك الفتان وهجرك الدائم ... قد طال بالهيمان فدمعه أمواج، ~~وسره قد لاح، لكنه ما عاج، ولا أطاع اللاح يارب ذي بهتان ... يعذل في الراح ~~وفي هوى الغزلان ... دافعت بالراح وقلت لا سلوان ... عن ذاك يا لاحي سبع ~~الوجوه والتاج، هي منية الأفراح، فآختر لي يا زجاج، قمصال وزوج آقداح. قلت: ~~ومذهبي في أبي حيان أنه عالم لا شاعر. ولم أذكر هذه الموشحة هنا لحسنها؛ بل ~~قصدت التعريف بنظمه بذكر هذه الموشحة، لأنه أفحل شعراء المغاربة في هذا ~~الشأن؛ وأما الشاعر العالم هو الأرجاني وأبو العلاء المعري وابن سناء ~~الملك. انتهى. وكانت وفاته بالقاهرة في ثامن عشرين صفر. وتوفي الأمير صلاح ~~الدين يوسف بن ms2068 أسعد الدوادار الناصري بطرابلس. وكان من أكابر الأمراء. ولي ~~الدوادارية الكبرى في أيام الناصر محمد، ثم ولي نيابة الإسكندرية، ثم أخرج ~~إلى البلاد الشامية إلى أن مات بطرابلس. وكان كاتبا شاعرا. وتوفي الأمير ~~علم الدين سنجر بن عبد الله البشمقدار المنصوري. كان من مماليك المنصور ~~قلاوون. وتوفي الأمير سيف الدين طرنطاي المنصوري المحمدي بدمشق. وكان من ~~جملة من وافق على قتل الأشرف خليل، فسجنه الملك الناصر سبعا وعشرين سنة، ثم ~~أفرج عنه وأخرجه إلى طرابلس أمير عشرة. وتوفي الأمير سيف الدين بلبان ~~المنصوري الشمسي بمدينة حلب. وكان الناصر أيضا حبسه سنين ثم أخرجه إلى حلب. ~~وتوفي سيف الدين كندغدي بن عبد الله المنصوري بحلب أيضا. وهو رأس الميسرة ~~ومقدم العساكر المجردة إلى سيس. وكان من كبار الأمراء بالديار المصرية. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وثماني أصابع. مبلغ الزيادة ~~ثماني عشرة ذراعا وسبع عشرة إصبعا. PageV03P0114 ### | AUT سلطنة الملك الكامل شعبان # السلطان الملك الكامل سيف الدين شعبان ابن السلطان الملك الناصر ناصر ~~الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي ~~النجمي. والكامل هذا هو السابع عشر من ملوك الترك بالديار المصرية والخامس ~~من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون. جلس على تخت الملك بعد موت أخيه ~~وشقيقه الملك الصالح إسماعيل في يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الآخر سنة ~~ست وأربعين وسبعمائة، ولقب بالملك الكامل. وفيه يقول الأديب البارع جمال ~~الدين بن نباتة. رحمه الله تعالى: جبين سلطاننا المرجى ... مبارك الطالع ~~البديع يا بهجة الدهر إذ تبدى ... هلال شعبان في ربيع وكان سبب سلطنة الملك ~~الكامل هذا أنه لما اشتد مرض أخيه الملك الصالح إسماعيل دخل عليه زوج أمه ~~ومدبر مملكته الأمير أرغون العلائي في عدة من الأمراء ليعهد الملك الصالح ~~إسماعيل بالملك لأحد من إخوته - وكان أرغون العلائي المذكور غرضه عند شعبان ~~كونه أيضا ربيبه ابن زوجته - فعارضه في شعبان الأمير آل ملك نائب السلطنة، ~~حسب ما ذكرنا طرفا من ذلك في مرض الملك ms2069 الصالح المذكور. ثم وقع ما ذكرناه ~~إلى أن اتفق المماليك والأمراء على توليته، وحضروا إلى باب القلة واستدعوا ~~شعبان المذكور، وألبسوه أبهة السلطنة وأركبوه بشعار الملك ومشت الأمراء ~~بخدمته، والجاوشية تصيح بين يديه على العامة، حتى قرب من الإيوان لعب الفرس ~~تحته وجفل من صياح الناس، فنزل عنه ومشى خطوات بسرعة إلى أن طلع إلى ~~الإيوان، فتفاءل الناس بنزوله عن فرسه أنه لا يقيم في السلطنة إلا يسيرا. ~~ولما طلع إلى الإيوان وجلس على الكرسي وباسوا الأمراء له الأرض وأحضروا ~~المصحف ليحلفوا له، فحلف هو أولا أنه لا يؤذيهم، ثم حلفوا له بعد ذلك على ~~العادة. ودقت البشائر بسلطنته بمصر والقاهرة، وخطب له من الغد على منابر ~~مصر والقاهرة، وكتب بسلطنته إلى الأقطار. ثم في يوم الإثنين ثامن شهر ربيع ~~الآخر المذكور جلس الملك الكامل بدار العدل، وجدد له العهد من الخليفة ~~بحضرة القضاة والأمراء. وخلع على الخليفة وعلى القضاة والأمراء. وفيه كتب ~~بطلب الأمير آق سنقر الناصري من طرابلس فسأل الأمير قماري الأستادار أن ~~يستقر عوضه في نيابة طرابلس، وتشفع قماري المذكور بأرغون العلائي وملكتمر ~~الحجازي فأجيب إلى ذلك؛ ثم تغير ذلك وخلع عليه في يوم الخميس حادي عشره ~~بنيابة طرابلس، فخرج من فوره على البريد. وفيه خلع على الأمير أرقطاي ~~وآستقر في نيابة حلب عوضا عن يلبغا اليحياوي، وخرج أيضا على البريد؛ وكتب ~~السلطان يطلب اليحياوي ثم طلب الأمير آل ملك نائب السلطنة الإعفاء من ~~النيابة وقبل الأرض، وسأل في نيابة الشام عوضا عن طقزدمر الحموي وأن ينتقل ~~طقزدمر إلى مصر فأجيب إلى ذلك؛ وكتب السلطان بعزل طقزدمر عن نيابة الشام ~~وإحضاره إلى الديار المصرية. وفي يوم السبت ثالث عشره خلع السلطان الملك ~~الكامل على الأمير الحاج آل ملك نائب السلطنة بآستقراره في نيابة الشام ~~عوضا عن طقزدمر، وأخرج من يومه على البريد، فلم يدخل مدينة غزة حتى لحقه ~~البريد بتقليده نيابة صفد، وأن يكون ولده وابن أخيه الفارس بحلب. وسبب ذلك ~~أن أرغون العلائي لما قام في ms2070 أمر الملك الكامل شعبان هذا وفي سلطنته قال له ~~الحاج آل ملك: " بشرط ألا يلعب بالحمام " ، فلما بلغ ذلك شعبان نقم عليه؛ ~~فلما ولي دمشق آستكثرها عليه وحوله إلى نيابة صفد. ورسم للأمير يلبغا ~~اليحياوي نائب حلب كان، بآستقراره في نيابة الشام. ثم أخذ السلطان الملك ~~الكامل في تدبير مملكته والنظر في أمور الدولة فأنعم بإقطاع أرقطاي على ~~الأمير أرغون شاه، وآستقر أستادارا عوضا عن قماري المستقر في نيابة طرابلس. ~~وأخرج السلطان الأمير أحمد شاد الشرابخاناه هو وإخوته إلى صفد من أجل أنهم ~~كانوا ممن قام مع الأمير آل ملك هم وقماري الأستادار في منع سلطنة الملك ~~الكامل هذا. ثم خلع السلطان على علم الدين عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن ~~زنبور باستقراره ناظر الخواص عوضا عن الموفق عبد الله بن إبراهيم، وعني ~~الأمير أرغون العلائي بالموفق حتى نزل إلى داره بغير مصادرة. PageV03P0115 # ثم قدم الأمير آق سنقر الناصري المعزول عن نيابة طرابلس فخلع السلطان ~~عليه؛ وسأله السلطان بنيابة السلطنة بالديار المصرية فامتنع أشد امتناع، ~~وحلف أيمانا مغلظة أنه لا يليها، فأعفاه السلطان في ذلك اليوم. ثم بدا ~~للسلطان أن يخطب بنت بكتمر الساقي فآمتنعت أمها من إجابته وآحتجت عليه بأن ~~ابنتها تحته، ولا يجمع بين أختين، وأنه بتقدير أن يفارق أختها، فإنه أيضا ~~قد شغف باتفاق العوادة جارية أخيه الملك الصالح شغفا زائدا؛ ثم قالت: " ومع ~~ذلك فقد ضعف حال المخطوبة من شدة الحزن؛ فإنه أول من أعرس عليها آنوك ابن ~~السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان لها ذلك المهم العظيم، ومات ~~آنوك عنها وهي بكر؛ فتزوجها من بعده أخوه الملك المنصور أبو بكر، فقتل؛ ~~فتزوجها بعد الملك المنصور أخوه السلطان الملك الصالح إسماعيل ومات عنها ~~أيضا؛ فحصل لها حزن شديد من كونه تغير عليها عدة أزواج في هذه المدة ~~اليسيرة " فلم يلتفت الملك الكامل إلى كلامها وطلق أختها، وأخرج جميع ~~قماشها من عنده في ليلته، ثم عقد عليها ودخل بها. ثم أنعم السلطان على ابن ~~طشتمر ms2071 حمص أخضر بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وعلى ابن أصلم ~~بإمرة طبلخاناه. ثم في مستهل جمادى الأولى خلع السلطان الملك الكامل على ~~جميع الأمراء المقدمين والطبلخانات، وأنعم على ستين مملوكا بستين قباء بطرز ~~زركش وستين حياصة ذهب، وفرق الخيول على الأمراء برسم نزول الميدان. ثم رسم ~~السلطان أن يتوفر إقطاع النيابة للخاص. وخلع على الأمير بيغرا وآستقر حاجبا ~~كبيرا. ثم نزل السلطان إلى الميدان على العادة، فكان لنزوله يوم مشهود. ~~وخلع على الشريف عجلان بن رميثة ابن أبي نمي الحسني باستقراره أمير مكة. ثم ~~عاد السلطان إلى القلعة. وفي يوم السبت خامس عشرين جمادى الأولى قدم الأمير ~~طقزدمر من الشام إلى القاهرة مريضا في محفة بعد أن خرج الأمير أرغون ~~العلائي وصحبته الأمراء إلى لقائه، فوجدوه غير واع؛ ودخل عليه الأمراء وقد ~~أشفى على الموت. ولما دخل طقزدمر إلى القاهرة على تلك الحالة أخذ أولاده في ~~تجهيز تقدمة جليلة للسلطان تشتمل على خيول وتحف وجواهر فقبلها السلطان منهم ~~ووعدهم بكل خير. وفيه أنعم السلطان على الأمير أرغون الصالحي بتقدمة ألف، ~~ورسم أن يقال له: أرغون الكاملي، ووهب له في أسبوع ثلاثمائة ألف درهم وعشرة ~~آلاف إردب من الأهراء؛ ورسم له بدار أحمد شاد الشربخاناه، وأن يعمر له ~~بجواره من مال السلطان قصر على بركة الفيل، ويطل على الشارع فعمل له ذلك. ~~قلت: والبيت المذكور هو الذي كان يسكنه الملك الظاهر جقمق وتسلطن منه، ثم ~~سكنه الملك الأشرف إينال وتسلطن منه وهو تجاه الكبش. انتهى. وفي يوم الخميس ~~مستهل جمادى الآخرة ركب السلطان الملك الكامل لسرحة سرياقوس ومعه عساكره ~~على العادة وأخذ حريمه صحبته، فنصب لهن أحسن الخيم في البساتين. ثم في يوم ~~الجمعة قدم أولاد طقزدمر على السلطان بسرياقوس بخبر وفاة أبيهم طقزدمر، فلم ~~يمكن السلطان الأمراء من العود إلى القاهرة للصلاة عليه، ورسم بإخراجه ~~فأخرج ودفن بخانقاته بالقرافة؛ وأخذت خيله وجماله وهجنه إلى الإسطبل ~~السلطاني. ثم خلع السلطان على الأمير أرسلان بصل، واستقر حاجبا ثانيا مع ~~بيغرا، ورسم ms2072 له أن يحكم بين الناس؛ ولم تكن العادة جرت بذلك أن يحكم الحجاب ~~بين الناس غير حاجب الحجاب. قلت: كان الحجاب يوم ذاك كهيئة رؤوس النوب ~~الصغار الآن. انتهى. وخلع على الأمير ملكتمر السرجواني باستقراره في نيابة ~~الكرك، وأنعم بتقدمته على الأمير طشتمر طلليه، وأنعم بطبلخاناه طشتمر طلليه ~~على الأمير قبلاي. ثم قدم على السلطان الخبر بموت أخيه الملك الأشرف كجك ~~ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون عن آثنتي عشرة سنة. واتهم السلطان أنه بعث ~~من سرياقوس من قتله في مضجعه على يد أربعة خدام طواشية، فعظم ذلك على الناس ~~قاطبة. ثم عاد السلطان من سرياقوس إلى القلعة بعد ما تهتكت المماليك ~~السلطانية من شرب الخمور والإعلان بالفواحش، وركبوا في الليل وقطعوا الطريق ~~على المسافرين، واغتصبوا حريم الناس. ثم أخذ السلطان الملك الكامل في تجديد ~~المظالم والمصادرات. PageV03P0116 # ثم قدم البريد على السلطان بأن الشيخ حسنا صاحب بغداد واقع سلطان شاه ~~وأولاد تمرداش، وآنتصر الشيخ حسن، وحصر سلطان شاه بماردين وأخذ ضياعها. ثم ~~إن السلطان الملك الكامل بدا له أن ينشىء مدرسته موضع خان الزكاة، ونزل ~~الأمير أرغون العلائي والوزير لنظره. وكان أبوه الملك الناصر محمد قد وقفه ~~فلم يوافق القضاة على حله. وفي مستهل شعبان عمل السلطان مهمة على بنت ~~الأمير طقزدمر الحموي سبعة أيام. وفي مستهل شوال رسم السلطان للأمير أرغون ~~الكاملي بزيارة القدس وأنعم عليه بمائة ألف عرهم. وكتب إلى نواب الشام ~~بالركوب لخدمته، وحمل التقادم وتجهيز الإقامات له في المنازل إلى حين عوده. ~~ورسم له أن ينادي بمدينة بلبيس وأعمالها أنه من قال عنه: أرغون الصغير شنق، ~~وألا يقال له إلا أرغون الكاملي، فشهر النداء بذلك في الأعمال. وفي هذه ~~الأيام كثر لعب الناس بالحمام وكثر جري السعاة، وتزايد شلاق الزعر، وتسلط ~~عبيد الطواشية على الناس، وصاروا كل يوم يقفون للضراب فتسفك بينهم دماء ~~كثيرة، وتنهب الحوانيت بالصليبة خارج القاهرة. وإذا ركب إليهم الوالي لا ~~يعبؤون به، وإن قبض على أحد منهم أخذ من يده سريعا، فاشتد ms2073 قلق الناس من ~~ذلك. ثم آخترع السلطان شيئا لم يسبق إليه، وهو أنه أعرس السلطان بعض ~~الطواشية ببعض سراريه بعد عقده عليها، وعمل له السلطان مهما حضره جميع ~~جواري بيت السلطان، وجليت العروس على الطواشي، ونثر السلطان عليها وقت ~~الجلاء الذهب بيده، فكانت هذه الحادثة من أشنع ما يكون، وعظم ذلك على سائر ~~أعيان الدولة. وفي ذي الحجة كثرت الإشاعة باتفاق الأمير آل ملك نائب صفد مع ~~الأمير بلبغا اليحياوي نائب الشام على المخامرة. فجهز آل ملك محضرا ثابتا ~~على قاضي صفد بالبراءة مما رمي به، فأنكر السلطان عليه هذا. واتفق قدوم بعض ~~مماليك آل ملك هاربا منه كونه شرب الخمر وأشاع هذا الخبر، فرسم السلطان ~~بإخراج منجك اليوسفي السلاح دار على البريد لكشف الخبر؛ فلما توجه منجك إلى ~~الشام حلف له نائب الشام أنه بريء مما قيل عنه، وأنعم على منجك بألفي دينار ~~سوى الخيل والقماش. ثم نودي بالقاهرة بألا يعارض أحد من لعاب الحمام وأرباب ~~الملاعيب والسعاة، فتزايد الفساد وشنع الأمر، كل ذلك لمحبة السلطان في هذه ~~الأمور. ثم ندب السلطان الأمير طقتمر الصالحي للتوجه إلى الشام على البريد ~~ليوقع الحوطة على جميع أرباب المعاملات، وأصحاب الرزق والرواتب بالبلاد ~~الشامية من الفرات إلى غزة، وألا يصرف لأحد منهم شيئا، وأن يستخرج منهم ومن ~~الأوقاف وأرباب الجوامك ألف ألف درهم برسم سفر السلطان إلى الحجاز، ويشتري ~~بذلك الجمال ونحوها. فكثر الدعاء على السلطان من أجل ذلك، وتغيرت الخواطر. ~~وفي هذه الأيام كتب السلطان بإحضار الأمير آل ملك نائب صفد إلى القاهرة ~~ليستقر على إقطاع الأمير جنكلي بن البابا بعد موته، وتوجه لإحضاره الأمير ~~منجك السلاح دار. ثم في يوم السبت تاسع عشرين ذي الحجة أمسك أينبك أخو ~~قماري ثم عفي عنه من يومه. ثم كتب باستقرار الأمير أراق الفتاح نائب غزة في ~~نيابة صفد بعد عزل آل ملك. وأما الأمير منجك فإنه وصل إلى صفد في أول ~~المحرم من سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وآستدعى آل ملك فخرج معه إلى ms2074 غزة، ~~فقبض عليه بها في اليوم المذكور، وقيل بل في سادس عشرين ذي الحجة من سنة ست ~~وأربعين. انتهى. ثم في أول المحرم المذكور قدم إلى جهة القاهرة الأمير ~~ملكتمر السرجواني من نيابة الكرك فمات بمسجد التبن خارج القاهرة ودفن ~~بتربته. ثم قدم إلى القاهرة الأمير أحمد بن آل ملك فقبض عليه وسجن من ~~ساعته. وخلع السلطان على الأمير أسندمر العمري باستقراره في نيابة طرابلس ~~عوضا عن الأمير قماري. PageV03P0117 # وفي يوم الإثنين سادس المحرم من سنة سبع وأربعين وسبعمائة قدم الأمير آل ~~ملك والأمير قماري نائب طرابلس مقيدين إلى قليوب، وركبا النيل إلى ~~الإسكندرية فاعتقلا بها. وكان الأمير طقتمر الصلاحي قبض على قماري لما توجه ~~للحوطة على أملاك الشام، وقيده وبعثه على البريد. ثم ندب السلطان الأمير ~~مغلطاي الأستادار لإيقاع الحوطة على موجود آل ملك، وندب الطواشي مقبلا ~~التقوي لإيقاع الحوطة على موجود قماري نائب طرابلس، وألزم مباشريهما بحمل ~~جميع أموالهما، فوجد لآل ملك قريب ثلاثين ألف إردب غلة، وألزم ولده بمائة ~~ألف درهم، وأخذ لزوجته خبية فيها أشياء جليلة، وأخذ أيضا لزوجة قماري ~~صندوقا فيه مال جليل. ثم خلع السلطان على الأمير أرسلان بصل الحاجب الثاني ~~في نيابة حماة عوضا عن أرقطاي، وكتب بقدوم أرقطاي، فقدم أرقطاي إلى القاهرة ~~فأنعم عليه السلطان بإقطاع جنكلي بن البابا بعد وفاته، وآستقر رأس الميمنة ~~مكان جنكلي. ثم خلع السلطان على زوح أمه الأمير أرغون العلائي واستقر في ~~نظر البيمارستان المنصوري عوضا عن الأمير جنكلي بن البابا فنزل إليه أرغون ~~العلائي وأصلح أموره، وأنشأ بجوار باب البيمارستان المذكور سبيل ماء ومكتب ~~سبيل لقراءة الأيتام، ووقف عليه وقفا بناحية من الضواحي. ثم خلع السلطان ~~على الأمير نجم الدين محمود بن شروين وزير بغداد وأعيد إلى الوزارة بالديار ~~المصرية، وكان لها مدة شاغرة. وخلع على علم الدين عبد الله ابن زنبور ~~واستقر ناظر الدولة عوضا عن ابن مراجل. وفي هذه الأيام آنتهت عمارة قصر ~~الأمير أرغون الكاملي وإصطبله بالجسر الأعظم تجاه الكبش، بعد أن صرف ms2075 عليه ~~مالا عظيما، وأخذ فيه من بركة الفيل نحو العشرين ذراعا؛ فلما عزم أرغون على ~~النزول إليه مرض، فقلق السلطان لمرضه، وبعث إليه بفرس وثلاثين ألف درهم ~~تصدق بها عنه. وأفرج عن أهل السجون، وركب السلطان لعيادته بالميدان. ثم ~~أهتم السلطان بسفره إلى الحجاز وأخذ في تجهيز أحواله. وفي يوم الجمعة رابع ~~عشر صفر ولد للسلطان ولد ذكر من بنت الأمير بكتمر الساقي. ثم في يوم السبت ~~ثاني عشرين صفر أفرج السلطان عن الأمير أحمد بن آل ملك وعن أخيه قماري ~~وأمرهما بلزوم بيتهما. وفي أول شهر ربيع الأول توجه السلطان إلى سرياقوس ~~وأحضر الأوباش فلعبوا قدامه باللبخة وهي عصي كبار، حدث اللعب بها في هذه ~~الأيام، ولما لعبوا بها بين يديه قتل رجل رفيقه، فخلع السلطان على بعضهم ~~وأنعم على كبيرهم بخبز في الحلقة. واستمر السلطان يلعب بالكرة في كل يوم ~~وأعرض عن تدبير الأمور. فتمردت المماليك، وأخذوا حرم الناس، وقطعوا الطريق، ~~وفسدت عدة من الجواري. وكثرت الفتن حتى بلغ السلطان فلم يعبأ بما قيل له، ~~بل قال: " خلوا كل أحد يعمل ما يريد " . فلما فحش الأمر قام الأمير أرغون ~~العلائي فيه مع السلطان حتى عاد إلى القلعة. وقد تظاهر الناس بكل قبيح ~~ونصبوا أخصاصا بالجزيرة الوسطانية وجزيرة بولاق التي سموها حليمة، بلغ ~~مصروف كل خص منها من ألفين إلى ثلاثة آلاف درهم، وكان هذا المبلغ يوم ذاك ~~بحق ملك هائل. وعمل في الأخصاص الرخام والدهان البديع، وزرع حوله المقاثىء ~~والرياحين، وأقام بالأخصاص المذكورة معظم الناس من الباعة والتجار وغيرهم، ~~وكشفوا ستر الحياء، وما كفوا في التهتك في حليمة والطمية وتنافسوا في ~~أرضها، حتى كان كل قصبة قياس تؤجر بعشرين درهما، فبلغ أجرة الفدان الواحد ~~ثمانية آلاف درهم؛ فأقاموا على ذلك ستة أشهر، حتى زاد الماء وغرقت الجزيرة. ~~وقبل مجيء الماء بقليل قام الأمير أرغون العلائي في هدمها قياما عظيما، ~~وحرق الأخصاص على حين غفلة، وضرب جماعة وشهرهم، فتلف بها مال عظيم جدا. ~~PageV03P0118 # وفي هذه الأيام قل ماء النيل ms2076 حتى صار ما بين المقياس ومصر يخاض، وصار من ~~بولاق إلى منشأة المهراني طريقا يمشى فيه، ومن بولاق إلى جزيرة الفيل وإلى ~~المنية طريقا واحدا. وبعد الماء على السقايين وصاروا يأخذون الماء من تجاه ~~قرية منبابة، وبلغت راوية الماء إلى درهمين بعدما كانت بنصف درهم وربع ~~درهم. فشكا الناس ذلك إلى أرغون العلائي، فبلغ السلطان غلاء الماء بالمدينة ~~وانكشاف ما تحت بيوت البحر، فركب السلطان ومعه الأمراء وكثير من أرباب ~~الهندسة، حتى كشف ذلك، فوجدوا الوقت فيه قد فات لزيادة النيل، وآقتضى الرأي ~~أن ينقل التراب والشقاف من مطابخ السكر بمدينة مصر وترمى من بر الجيزة إلى ~~المقياس حتى يصير جسرا يعمل عليه العمل، حتى يدفع الماء إلى الجهة التي ~~يحسر عنها. فنقلت الأتربة في المراكب وألقيت هناك إلى أن بقي جسرا ظاهرا، ~~وتراجع الماء قليلا إلى بر مصر؛ فلما قويت الزيادة علا الماء على هذا الجسر ~~وأخذه ومحا أثره. وفي هذه الأيام لعب السلطان الكرة مع الأمراء في الميدان ~~من القلعة فاصطدم الأمير يلبغا الصالحي مع آخر سقطا معا عن فرسيهما إلى ~~الأرض، ووقع فرس يلبغا على صدره فانقطع نخاعه ومات لوقته، فأنعم السلطان ~~بإقطاعه على قطلوبغا الكركي. ثم في هذه الأيام آشتدت المطالبة على أهل ~~النواحي بالجمال والشعير والأعدال والأخراج أو العبي، لسبب سفر السلطان إلى ~~الحجاز؛ وكثرت مغارمهم إلى الولاة، وشكا أرباب الإقطاعات ضررهم للسلطان، ~~فلم يلتفت لهم. فقام في ذلك الأمير أرغون شاه الأستادار مع الأمير أرغون ~~العلائي في التحدث مع السلطان في إبطال حركة السمر فلم يصغ لقولهم، وكتب ~~آستعجال العربان بالجمال، واستحثاث طقتمر الصلاحي فيما هو فيه بصدد السفر. ~~ثم أوقع السلطان الحوطة على أموال الطواشي عرفات، وأخرج عرفات إلى الشام ~~منفيا. ثم قصد السلطان أخذ أموال الطواشي كافور الهندي، فشفعت فيه خوند ~~طغاي زوجة الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ وكان كافور المذكور من خواص خدام ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون فأخرج كافور إلى القدس. وكافور المذكور هو ~~صاحب التربة بقرافة مصر. ثم نفى ms2077 السلطان أيضا ياقوتا الكبير الخادم، ~~وكافورا المحرم، وسرورا الدماميني، ثم نفى دينارا الصواف ومختصا الخطائي. ~~ثم في أول شهر ربيع الآخر مات ولد السلطان من بنت بكتمر الساقي وولد له من ~~اتفاق العوادة حظية أخيه ولد سماه شاهنشاه، وسر به سرورا عظيما زائدا، وعمل ~~مهما عظيما مدة سبعة أيام. ثم مات أخوه يوسف ابن الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون واتهم السلطان أيضا بقتله. PageV03P0119 # ثم قدم طقتمر الصلاحي من الشام بالقماش المستعمل برسم الحجاز. ثم قدم ~~كتاب يلبغا اليحياوي نائب الشام يتضمن خراب بلاد الشام مما اتفق بها من أخذ ~~الأموال وآنقطاع الجالب إليها، وأن الرأي تأخير سمر السلطان إلى الحجاز ~~الشريف في هذه السنة. فقام الأمير أرغون العلائي وملكتمر الحجازي في تصويب ~~رأي نائب الشام، وذكر للسلطان أيضا ما حدث ببلاد مصر من نفاق العربان وضرر ~~الزروع وكثرة مغارم البلاد. وما زالا به حتى رجع عن سمر الحجاز في هذه ~~السنة، وكتب إلى نائب الشام بقبول رأيه في ذلك، وكتب للأعمال باسترجاع ما ~~قبضته العرب من كراء الأحمال وغير ذلك؛ فلم يوافق هذا غرض نساء السلطان ~~ووالدته، وأخذت والدته، في تقوية عزمه على السفر للحجاز حتى مال إليهم؛ ~~وكتب لنائب الشام وحلب وغيرهما أنه لا بد من سفر السلطان إلى الحجاز في هذه ~~السنة، وأمرهم بحمل ما يحتاج إليه. ووقع الاهتمام، وتجدد الطلب على الناس ~~وغلاء الأسعار، ووقفت الأحوال وقل الواصل من كل شيء. وأخذ الأمراء في أهبة ~~السفر صحبة السلطان إلى الحجاز، وقلقوا لذلك، وسألوا أرغون العلائي وملكتمر ~~الحجازي في الكلام مع السلطان في إبطال السفر وتعريفه رقة حالهم من حين ~~تجاريدهم إلى الكرك في نوبة الملك الناصر أحمد. فكلما السلطان في ذلك، ~~فآشتد غضبه، وأطلق لسانه؛ فما زالا به حتى سكن غضبه. ورسم من الغد لجميع ~~الأمراء بالسفر، ومن عجز عن السفر يقيم بالقاهرة. فاشتد الأمر على الناس ~~بمصر والشام من كثرة السخر، وكثر دعاؤهم على السلطان، وتنكرت قلوب الأمراء، ~~وكثرت الإشاعة بتنكر السلطان على نائب الشام، وأنه ms2078 يريد مسكه حتى بلغه ذلك، ~~فاحترز على نفسه. وبلغ الأمير يلبغا اليحياوي قتل يوسف ابن السلطان الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون، وقوة عزم السلطان على سفر الحجاز موافقة لأغراض ~~نسائه؛ فجمع أمراء دمشق، وحلفهم على القيام معه، وبرز إلى ظاهر دمشق في نصف ~~جمادى الأولى وأقام هناك. وحضر إليه الأمير طرنطاي البشمقدار نائب حمص ~~والأمير أراق الفتاح نائب صفد والأمير أسندمر نائب حماة والأمير بيدمر ~~البحري نائب طرابلس، فاجتمعوا جميعا بظاهر دمشق مع عسكر دمشق لخلع الملك ~~الكامل شعبان هذا، وظاهروا بالخروج عن طاعته. وكتب الأمير يلبغا اليحياوي ~~نائب الشام إلى السلطان: إني أحد الأوصياء عليك، وإن مما قاله السلطان ~~السعيد الشهيد، رحمه الله تعالى، يعني عن الملك الناصر لي وللأمراء في ~~وصيته: إذا أقمتم أحدا من أولادي ولم ترضوا بسيرته جروا برجله وأخرجوه ~~وأقيموا غيره. وأنت أفسدت المملكة وأفقرت الأمراء والأجناد، وقتلت أخاك، ~~وقبضت على أكابر أمراء السلطان، وآشتغلت عن الملك وآلتهيت بالنساء وشرب ~~الخمر، وصرت تبيع أخباز الأجناد بالفضة، وذكر له أمورا فاحشة عملها، فقدم ~~كتابه إلى القاهرة في يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى. فلما قرأه ~~السلطان تغير تغيرا كبيرا، وأوقف أرغون العلائي عليه بمفرده، فقال له أرغون ~~العلائي: " والله لقد كنت أحسب هذا! وقلت لك فلم تسمع قولي " وأشار عليه ~~بكتمان هذا. وكتب السلطان الجواب يتضمن التلطف في القول، وأخرج الأمير منجك ~~اليوسفي على البريد إلى الأمير يلبغا اليحياوي في ثاني عشرينه، ليرجعه عما ~~عزم عليه، ويكشف أحوال الأمراء. وكتب السلطان إلى أعمال مصر بإبطال السلطان ~~سفر الحجاز. فكثرت القالة بين الناس بخروج نائب الشام عن الطاعة، حتى بلغ ~~ذلك الأمراء والمماليك، فأشار أرغون العلائي على السلطان بإعلام الأمراء ~~الخبر؛ فطلبوا إلى القلعة، وأخذ رأيهم فوقع الاتفاق على خروج العسكر إلى ~~الشام مع الأمير أرقطاي، ومعه من الأمراء منكلي بغا، الفخري أمير جاندار ~~وآق سنقر الناصري وطيبغا المجدي وأرغون الكاملي وأمير علي بن طغريل ~~الطوغاني وابن طقزدمر وابن طشتمر وأربعون أمير طبلخاناه، وأربعون أمير عشرة ~~وأربعون ms2079 مقدم حلقة. وحملت النفقة إليهم لكل مقدم ألف دينار، ما عدا ثلاثة ~~مقدمين، لكل مقدم ثلاثة آلاف دينار. وكتب بإحضار الأجناد من البلاد. فقدم ~~كتاب منجك من الغور بموافقة النواب لنائب الشام وأن التجريدة إليه لا تفيد، ~~فإنه يقول: إن أمراء مصر معه. PageV03P0120 # ثم قدم كتاب نائب الشام ثانيا، وفيه خط الأمير مسعود بن خطير وأمير علي ~~بن قراسنقر وقلاوون وحسام الدين البشمقدار، يتضمن: " إنك لا تصلح للملك، ~~وإنما أخذته بالغلبة من غير رضا الأمراء - ثم عمد ما فعله - ونحن ما بقينا ~~نصغي لك وأنت ما تصغي لنا، والمصلحة أن تعزل نفسك من الملك ليتولى غيرك " . ~~فلما سمع السلطان ذلك آستدعى الأمراء وحلفهم على طاعته ثم أمرهم بالسفر، ~~فخرجوا من الغد وخرج طلب منكلي بغا وبعده أرغون الكاملي. فعندما وصل طلب ~~أرغون إلى تحت القلعة خرجت ريح شديدة ألقت شاليش أرغون الكاملي على الأرض، ~~فصاحت العامة: " راحت عليكم يا كاملية " وتطيروا بأنهم غير منصورين. ثم أخذ ~~الأمراء المجردون في الخروج شيئا بعد شيء. وقدم حلاوة الأوجاقي يخبر بأن ~~منجك ساعة وصوله إلى دمشق قبض عليه الأمير يلبغا نائب الشام وسجنه بقلعة ~~دمشق. فبعث السلطان بالطواشي سرور الزينبي لإحضار أخوي السلطان، وهما أمير ~~حاج وأمير حسين فاعتذرا بوعكهما، وبعثت أمهاتهما إلى العلائي والحجازي ~~تسألانهما في التلطف مع السلطان في أمرهما. وبلغت العلائي بعض جواري زوجته ~~أم السلطان بأنها سمعت السلطان وقد سكر وكشف رأسه وهو يقول: " يا إلهي ~~أعطيتني الملك وملكتني آل ملك وقماري، وبقي من أعدائي أرغون العلائي ~~وملكتمر الحجازي، فمكني منهما حتى أبلغ غرضي منهما " ، فأقلق أرغون العلائي ~~هذا الكلام. ثم دخل على السلطان في خلوة فإذا هو متغير الوجه ففكر، فبدره ~~السلطان بأن قال له: من جاءك من جهة إخوتي، أنت والحجازي فعرفه أن النساء ~~دخلن عليهما وطلبن أن يكون السلطان طيب الخاطر على أخويه ويؤمنهما فإنهما ~~خائفان. فرد عليه السلطان جوابا جافيا، ووضع يده في السيف ليضربه به، فقام ~~أرغون عنه لينجو بنفسه. وعرف الحجازي ما جرى ms2080 له مع السلطان وشكا من فساد ~~السلطنة. فتوحش خاطرهما، وآنقطع أرغون العلائي عن الخدمة وتعلل. وأخذت ~~المماليك أيضا في التنكر على السلطان، وكاتب بعضهم نائب الشام، وآتفقوا ~~بأجمعهم، حتى آشتهر أمرهم، وتحدث به العامة. وألح السلطان في طلب أخويه، ~~وبعث قطلوبغا الكركي في جماعة حتى هجموا عليهما ليلا، فقامت النساء ومنعنهم ~~منهما؛ فهم أن يقوم بنفسه حتى يأخذهما، فجيء بهما إلى وقت الظهر من يوم ~~السبت تاسع عشرين جمادى الأولى، فأدخلهما إلى موضع ووكل بهما. وقام العزاء ~~في الدور السلطاني عليهما، واجتمعت جواري الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~وأولاده؛ فلما سمع المماليك صياحهن هموا بالثورة والركوب للحرب وتعبوا. ~~PageV03P0121 # فلما كان يوم الإثنين مستهل جمادى الآخرة خرج طلب أرقطاي مقدم العساكر ~~المجردين إلى الشام حتى وصل إلى باب زويلة، ووقف هو مع الأمراء في الموكب ~~تحت القلعة، وإذا بالناس قد اضطربوا. ونزل الحجازي سائقا يريد إسطبله وتبعه ~~الأمير أرغون شاه أيضا إلى جهة إسطبله، وسبب ذلك أن السلطان الملك الكامل ~~جلس بالإيوان على العادة، وقد بيت مع ثقاته القبض على الحجازي وأرغون شاه ~~إذا دخلا، وكانا جالسين ينتظران الإذن على العادة. فخرج طغيتمر الدوادار في ~~الإذن لهما فأشار لهما بعينه أن آذهبا. وكانا قد بلغهما أن السلطان قد تنكر ~~عليهما، فقاما من فورهما ونزلا إلى إسطبلهما، ولبسا بمماليكهما وحواشيهما، ~~وركبا وتوجها إلى قبة النصر. وبعث الحجازي يستدعي آق سنقر من سرياقوس، فما ~~تضحى النهار حتى آجتمعت أطلاب الأمراء بقبة النصر فطلب السلطان عند ذلك ~~أرغون العلائي وآستشاره فيما يعمل، فأشار عليه بأن يركب بنفسه إليهم؛ فركب ~~السلطان بمماليكه وخاصكيته ومعه زوج أمه الأمير أرغون العلائي المذكور وتمر ~~الموساوي وعدة أخر من الأمراء، والقلوب متغيرة. ودقت الكوسات حربيا، ودارت ~~النقباء على أجناد الحلقة والمماليك ليركبوا فركب بعضهم وتخاذل بعضهم؛ وسار ~~السلطان في جمع كبير من العامة وهو يسألهم الدعاء، فأسمعوه ما لا يليق، ~~ودعوا عليه. وسار في نحو ألف فارس لا غير حتى قابل ملكتمر الحجازي وأصحابه ~~من الأمراء والمماليك؛ فعند المواجهة ms2081 آنسل عن السلطان أصحابه، وبقي في ~~أربعمائة فارس. فبرز له آق سنقر، وساق حتى قارب السلطان، وتحدث معه وأشار ~~عليه بأن ينخلع من السلطنة، فأجابه إلى ذلك وبكى. فتركه آق سنقر وعاد إلى ~~الأمراء وعرفهم بأنه أجاب أن يخلع نفسه؛ فلم يرض أرغون شاه، وبدر ومعه ~~الأمير قرابغا والأمير صمغار والأمير بزلار والأمير غرلو في أصحابهم حتى ~~وصلوا إلى السلطان؛ وسيروا إلى أرغون العلائي ليأتيهم ليأخذوه إلى عند ~~الأمراء؛ فلم يوافق العلائي على ذلك، فهجموا عليه ومزقوا من كان معه من ~~مماليكه وأصحابه. ثم ضرب واحد منهم أرغون العلائي بدبوس حتى أرماه عن فرسه ~~إلى الأرض، فضربه الأمير بيبغا أروس بسيف قطع خده، فانهزم عند ذلك عسكر ~~السلطان، وفر الملك الكامل شعبان إلى القلعة وآختفى عند أمه زوجة الأمير ~~أرغون العلائي. فسار الأمراء إلى القلعة في جمع هائل وأخرجوا أمير حاجي ~~وأمير حسين من سجنهما، وقبلوا يد أمير حاجي وخاطبوه بالسلطنة. ثم طلبوا ~~الملك الكامل شعبان من عند أمه فلم يجدوه، فحرضوا في طلبه حتى وجدوه مختفيا ~~بين الأزيار، وقد آتسخت ثيابه من وسخ الأزيار؛ فأخرجوه بهيئته إلى الرحبة ~~ثم أدخلوه إلى الدهيشة فقيدوه وسجنوه حيث كان أخواه مسجونين، ووكل به ~~قرابغا القاسمي والأمير صمغار. ومن غريب الاتفاق أنه كان عمل طعاما لأخويه ~~أمير حاجي وحسين حتى يكون غداءهما في السجن، وعمل سماط السلطان على العادة. ~~فوقعت الضجة، وقد مد السماط، فركب السلطان من غير أكل؛ فلما آنهزم وقبض ~~عليه، وأقيم بدله أخوه أمير حاجي مد السماط بعينه له فأكل منه؛ وأدخل ~~بطعامه وطعام أخيه أمير حسين إلى الملك الكامل فأكله في السجن. وآستمر ~~الملك الكامل المذكور في السجن إلى يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة سبع ~~وأربعين وسبعمائة، قتل وقت الظهر ودفن عند أخيه يوسف ليلة الخميس. فكانت ~~مدة سلطنته على مصر سنة واحدة وثمانية وخمسين يوما؛ وقال الصفدي: سنة وسبعة ~~عشر يوما. PageV03P0122 # وكان من أشر الملوك ظلما وعسفا وفسقا. وفي أيامه - مع قصر مدته - خربت ~~بلاد كثيرة لشغفه ms2082 باللهو وعكوفه على معاقرة الخمور، وسماع الأغاني وبيع ~~الإقطاعات بالبذل، وكذلك الولايات، حتى إن الإقطاع كان يخرج عن صاحبه وهو ~~حي بمال لآخر، فإذا وقف من خرج إقطاعه قيل له: نعوض عليك قد أخرجناه لفلان ~~الفلاني. وكان مع هذا كله سفاكا للدماء، ولو طالت يده لأتلف خلائق كثيرة، ~~وكان سيئ التدبير، يمكن النساء والطواشية من التصرف في المملكة والتهتك في ~~النزه والصيد ولعب الكرة بالهيئات الجميلة وركوب الخيول المسومة، مع عدم ~~الاحتشام من غير حجاب من الأمير آخورية والغلمان، ويعجبه ذلك من تهتكهن على ~~الرجال؛ فشغف لذلك جماعة كثيرة من الجند بحرمه بما يفعلن من ركوب الخيول ~~وغيرها. وكان حريمه إذا نزلن إلى نزهة بلغت الجرة الخمر إلى ثلاثين درهما، ~~وهذا كله مع شرهه وشره حواشيه ونسائه إلى ما في أيدي الناس من البساتين ~~والرزق والدواليب ونحوها؛ فأخذت أمه معصرة وزير بغداد ومنظرته على بركة ~~الفيل، وأشياء غير ذلك. وحدث في أيامه أخذ خراج الرزق، وزيادة القانون، ~~ونقص الأجاير؛ وأعيدت في أيامه ضمان أرباب الملاعيب وعدة مكوس. وكان يحب ~~لعب الحمام، فلما تسلطن تغالى في ذلك وقرب من يكون من أرباب هذا الشأن. ومع ~~هذا الظلم والطمع لم يوجد له من المال سوى مبلغ ثمانين ألف دينار وخمسمائة ~~ألف درهم؛ إلا أنه كان مهابا شجاعا سيوسا متفقدا لأحوال مملكته، لا يشغله ~~لهوه عن الجلوس في المواكب والحكم بين الناس. ولما أمسك وقتل قال فيه ~~الصفدي: بيت قلاوون سعاداته ... في عاجل كانت وفي آجل حل على أملاكه للردى ~~... دين قد استوفاه بالكامل ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الكامل شعبان # وهي سنة ست وأربعين وسبعمائة. على أن أخاه الملك الصالح إسماعيل حكم ~~منها إلى رابع شهر ربيع الآخر، ثم حكم الملك الكامل هذا في باقيها وفي أشهر ~~من سنة سبع كما سيأتي ذكره. فيها أعني سنة ست وأربعين توفي السلطان الملك ~~الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون حسب ما تقدم ذكره في ~~ترجمته. وفيها أيضا توفي السلطان الملك الأشرف كجك ms2083 ابن الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون بعد خلعه من السلطنة بسنين، وقد تقدم ذكر سلطنته أيضا ووفاته في ~~ترجمته. وتوفي الأمير سيف الدين طقزدمر بن عبد الله الحموي الناصري الساقي ~~بالقاهرة في مستهل جمادى الآخرة. وكان أصله من مماليك الملك المؤيد عماد ~~الدين إسماعيل الأيوبي صاحب حماة، ثم انتقل إلى ملك الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون وحظي عنده وجعله ساقيا، ثم رقاه حتى صار أمير مائة ومقدم ألف ~~بالديار المصرية، ثم جعله أمير مجلس وزوجه بإحدى بناته؛ وصار من عظماء ~~أمرائه إلى أن مات. ولما تسلطن ابنه الملك المنصور أبو بكر استقر طقزدمر ~~هذا نائب السلطنة بديار مصر، ووقع له أمور حكيناها في تراجم السلاطين من ~~بني الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى أن أخرج إلى نيابة حماة. ثم نقل إلى ~~نيابة حلب، ثم إلى نيابة الشام، ثم طلب إلى القاهرة في سلطنة الملك الكامل ~~هذا فحضر إليها مريضا في محفة ومات بعد أيام حسب ما تقدم. وكان من أجل ~~الأمراء وأحسنهم سيرة. كان عاقلا دينا سيوسا عارفا. وهو صاحب الخانقاه ~~بالقرافة والقنطرة خارج القاهرة على الخليج وغير ذلك مما هو مشهور به. ~~وتوفي القاضي بدر الدين محمد ابن القاضي محيي الدين يحيى ابن فضل الله ~~العمري الدمشقي، كاتب سر دمشق، في سادس عشرين شهر رجب بدمشق. وكان كاتبا ~~فاضلا من بيت فضل ورياسة، وقد تقدم ذكر جماعة من آبائه وأقاربه، ويأتي ذكر ~~جماعة أخر من أقاربه في محلهم من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ~~PageV03P0123 # وتوفي الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله الأحمدي المنصوري أمير جاندار ~~في يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم، وهو في عشر الثمانين. وكان أصله من ~~مماليك الملك المنصور قلاوون، وأحد أعيان أمراء الديار المصرية. وهو الذي ~~قوى عزم قوصون على سلطنة الملك المنصور أبي بكر. وكان جاركسي الجنس؛ تنقل ~~إلى أن صار من أعيان الأمراء بمصر، ثم ولي نيابة صفد وطرابلس؛ ثم قدم ~~القاهرة وتولى أمير جاندار. وكان كريما شجاعا دينا قوي النفس، لم ms2084 يركب قط ~~إلا فحلا، ولم يركب حجرة ولا إكديشا في عمره. وكان له ثروة كبيرة، وطالت ~~أيامه في السعادة، وخلف أملاكا كثيرة، ذهب غالبها جماعة من أوباش ذريته ~~بالاستبدال والبيع إلى يومنا هذا. وتوفي الأمير بدر الدين جنكلي ابن محمد ~~بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد الله المعروف بابن البابا العجلي أتابك ~~العساكر بالديار المصرية في عصر يوم الإثنين سابع عشر ذي الحجة. وكان أصله ~~من بلاد الروم، طلبه الملك الأشرف خليل بن قلاوون وكتب له منشورا بالإقطاع ~~الذي عينه إليه، فلم يتفق حضوره إلا في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~في سنة أربع وسبعمائة، فأمره وأكرمه؛ ولا زال يرقيه حتى صار يجلس ثاني آقوش ~~نائب الكرك. ثم بعد آقوش جلس جنكلي هذا رأس الميمنة. قال الشيخ صلاح الدين: ~~وهو من الحشمة والدين والوقار وعفة الفرج في المحل الأقصى؛ ولم يزل معظما ~~من حين ورد إلى أن مات. وكان ركنا من أركان المسلمين ينفع العلماء والصلحاء ~~والفقراء بماله وجاهه؛ وكان يتفقه، ويحفظ ربع العبادات. ويقال: إن نسبه ~~يتصل بإبراهيم بن أدهم رضي الله عنه. قال: وقلت فيه ولم أكتب به إليه: لا ~~تنس لي يا قاتلي في الهوى ... حشاشة من حرقي تنسلي لا ترس لي ألقى به في ~~الهوى ... سهام عينيك متى ترسل لا تخت لي يشرف قدري به ... إلا إذا ما كنت ~~بي تختلي لا جنك لي تضرب أوتاره ... إلا ثنا يملى على جنكلي وتوفي رميثة ~~واسمه منجد بن أبي نمي محمد بن أبي سعد حسن بن علي بن قتاعة بن أبي غرير ~~إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد ~~الله بن محمد بن موسى بن عبد الله المحض بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن ~~الحسن بن علي ابن أبي طالب الحسني المكي أمير مكة بها في يوم الجمعة ثامن ~~ذي القعدة. وتوفي الشيخ الإمام فخر الدين أحمد بن الحسن الجاربردي شارح " ~~البيضاوي " . وتوفي الشيخ ms2085 الإمام العلامة تاج الدين أبو الحسن على بن عبد ~~الله ابن أبي الحسن، ابن أبي بكر الأردبيلي الشافعي، مدرس مدرسة الأمير ~~حسام الدين طرنطاي المنصوري بالقاهرة. كان فقيها عالما بارعا أفتى ودرس ~~سنين. وتوفي الشيخ المقرئ تقي الدين محمد بن محمد بن علي بن همام بن راجي ~~الشافعي، إمام جامع الصالح خارج باب زويلة، ومصنف كتاب سلاح المؤمن. رحمه ~~الله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وخمس عشرة إصبعا. ### | AUT سلطنة الملك المظفر حاجي # PageV03P0124 # السلطان الملك المظفر زين الدين حاجي المعروف بأمير حاج ابن السلطان ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ وهو السلطان الثامن عشر من ملوك الترك ~~بالديار المصرية والسادس من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون. جلس على ~~سرير الملك بعد خلع أخيه الملك الكامل شعبان والقبض عليه في يوم الإثنين ~~مستهل جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة. وكان سجنه أخوه الملك الكامل ~~شعبان كما تقدم ذكره. فلما آنهزم الملك الكامل من الأمراء بقبة النصر ساق ~~في أربعة مماليك إلى باب السر من القلعة، فوجده مغلقا والمماليك بأعلاه، ~~فتلطف بهم حتى فتحوه له، ودخل إلى القلعة لقتل أخويه حاجي هذا ومعه حسين، ~~لأنهما كانا حبسا معا؛ فلم يفتح له الخدام الباب، فمضى إلى أمه فاختفى ~~عندها. وصعد الأمراء في أثره إلى القلعة بعد أن قبضوا على الأمير أرغون ~~العلائي وعلى الطواشي جوهر السحرتي اللالا وأسندمر الكاملي وقطلوبغا الكركي ~~وجماعة أخر؛ ودخل بزلار وصمغار راكبين إلى باب الستارة وطلبا أمير حاج ~~المذكور، فأدخلهما الخدام إلى الدهيشة حتى أخرجوه وأخاه من سجنهما، وخاطبا ~~أمير حاج في الوقت بالملك المظفر. ثم دخل إليه الأمير أرغون شاه، وقبل له ~~الأرض وقال له: " بسم الله، اخرج أنت سلطاننا " وسار به وبأخيه حسين إلى ~~الرحبة وأجلسوه على باب الستارة. ثم طلب شعبان حتى وجد بين الأزيار، وحبسوه ~~حيث كان أخواه. وطلبوا الخليفة والقضاة، وخلعوا على حاجي الخلعة الخليفتي؛ ~~وركب من باب الستارة بأبهة السلطنة ms2086 وشعار الملك إلى الإيوان، وجلس على تخت ~~الملك. وحمل المماليك أخاه أمير حسين على أكتافهم إلى الإيوان. ولقب بالملك ~~المظفر؛ وقبل الأمراء الأرض بين يديه، وحلف لهم أولا، أنه لا يؤذي أحدا ~~منهم؛ ثم حلفوا له على طاعته. وركب الأمير بيغرا البريد وخرج إلى الشام ~~ليبشر الأمير يلبغا اليحياوي نائب الشام ويحلفه ويحلف أيضا أمراء الشام ~~للملك المظفر. ثم كتب إلى ولاة الأعمال بإعفاء النواحي من المغارم ورماية ~~الشعير والبرسيم. ثم حمل الأمير أرغون العلائي إلى الإسكندرية. وفي يوم ~~الأربعاء ثالثه قتل الملك الكامل شعبان وقبض على الشيخ في الدوادار وعلى ~~عشرة من الخدام الكاملية، وسلموا إلى شاد الدواوين. وسلم أيضا جوهر السحرتي ~~وقطلوبغا الكركي، وألزموا بحمل الأموال التي أخذوها من الناس؛ فعذبوا ~~بأنواع العذاب، ووقعت الحوطة على موجودهم. ثم قبض على الأمير تمر الموساوي، ~~وأخرج إلى الشام. وأمر بأم الملك الكامل وزوجاته، فأنزلن من القلعة إلى ~~القاهرة. وعرضت جواري دار السلطان فبلغت عدتهن خمسمائة جارية ففرقن على ~~الأمراء. وأحيط بموجود حظية الملك الكامل التي كانت أولا حظية أخيه الملك ~~الصالح إسماعيل المدعوة اتفاق وأنزلت من القلعة. وكانت جارية سوداء حالكة ~~السواد، اشترتها ضامنة المغاني بدون الأربعمائة درهم من ضامنة المغاني ~~بمدينة بلبيس، وعلمتها الضرب بالعود على الأستاذ عبد علي العواد، فمهرت ~~فيه. وكانت حسنة الصوت جيدة الغناء، فقدمتها لبيت السلطان، فاشتهرت فيه حتى ~~شغف بها الملك الصالح إسماعيل فإنه كان يهوى الجواري السودان - وتزوج بها. ~~ثم لما تسلطن أخوه الملك الكامل شعبان باتت عنده من ليلته، لما كان في نفسه ~~منها أيام أخيه. ونالت عندهما من الحظ والسعادة ما لا عرف في زمانها لامرأة ~~غيرها، حتى إن الكامل عمل لها دائر بيت طوله آثنتان وأربعون ذراعا وعرضه ست ~~أذرع، دخل فيه خمسة وتسعون ألف دينار مصرية، وذلك خارج عن البشخاناه ~~والمخاد والمساند. وكان لها أربعون بذلة ثياب مرصعة بالجواهر، وستة عشر ~~مقعد زركش، وثمانون مقنعة، فيها ما قيمته عشرون ألف درهم وأشياء غير ذلك، ~~استولوا على الجميع. ثم آسترجع ms2087 السلطان جميع الأملاك التي أخذتها حريم ~~الكامل لأربابها. ثم نودي بالقاهرة ومصر برفع الظلامات، ومنع أرباب ~~الملاعيب جميعهم. وخلع السلطان على علم الدين عبد الله بن زنبور بآنتقاله ~~من وظيفة نظر الدولة إلى نظر الخاص عوضا عن فخر الدين بن السعيد. وفيه قبض ~~على ابن السعيد وفيه خلع على موفق الدين عبد الله بن إبراهيم بآستقراره ~~ناظر الدولة عوضا عن ابن زنبور. وخلع على سعد الدين حربا، وآستقر في ~~استيفاء الدولة عوضا عن ابن الريشة. PageV03P0125 # ثم قدم الأمير بيغرا من دمشق بعد أن لقي يلبغا اليحياوي نائب الشام، وقد ~~برز إلى ظاهر دمشق يريد السير إلى مصر بالعساكر لقتال الملك الكامل شعبان. ~~فلما بلغه ما وقع سر اليحياوي، سرورا عظيما زائدا بزوال دولة الملك الكامل، ~~وإقامة أخيه المظفر حاجي في الملك. وعاد يلبغا إلى دمشق وحلف للملك المظفر ~~وحلف الأمراء على العادة، وأقام له الخطبة بدمشق، وضرب السكة باسمه، وسير ~~إلى السلطان دنانير ودراهم منها، وكتب يهنئ السلطان بجلوسه على تخت الملك. ~~وشكا الأمير يلبغا اليحياوي، من نائب حلب ونائب غزة ونائب قلعة دمشق مغلطاي ~~المرتيني ومن نائب قلعة صفد قرمجي، من أجل أنهم لم يوافقوه على خروجه عن ~~طاعة الملك الكامل شعبان. فرسم السلطان بعزل الأمير طقتمر الأحمدي نائب ~~حلب. وقدومه إلى مصر، وكتب بآستقرار الأمير بيدمر البدري نائب طرابلس عوضه ~~في نيابة حلب، واستقر الأمير أسندمر العمري نائب حماة في نيابة طرابلس - ~~وهذا أول نائب آنتقل من حماة إلى طرابلس، وكانت قديما حماة أكبر من طرابلس، ~~فلما اتسع أعمالها صارت أكبر من حماة. ثم كتب السلطان بالقبض على الأمير ~~مغلطاي المرتيني، نائب قلعة دمشق وعلى قرمجي نائب قلعة صفد. ثم كتب بعزل ~~نائب غزة. وكان الأمير يلبغا اليحياوي لما عاد إلى دمشق بغير قتال، عمر - ~~موضع كانت خيمته عند مسجد القدم - قبة سماها قبة النصر التي تعرف الآن بقبة ~~يلبغا. ثم خلع السلطان على الطواشي عنبر السحرتي باستقراره مقدم المماليك ~~السلطانية، كما كان أولا في دولة الملك الصالح، ms2088 عوضا عن محسن الشهابي. وخلع ~~على مختص الرسولي باستقراره زمام دار، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه. ثم أنعم ~~السلطان بإقطاع الأمير أرغون العلائي على الأمير أرغون شاه. وأنعم على كل ~~من أصلم وأرقطاي بزيادة على إقطاعه. وأنعم على ابن تنكز بإمرة طبلخاناه، ~~وعلى أخيه الصغير بإمرة عشرة. ثم في يوم الإثنين خامس عشر جمادى الآخرة أمر ~~السلطان ثمانية عشر أميرا ونزلوا إلى قبة المنصورية ولبسوا الخلع، وشقوا ~~القاهرة حتى طلعوا إلى القلعة فكان لهم بالقاهرة يوم مشهود. ثم في يوم ~~الخميس ثالث شهر رجب خلع السلطان على الأمير أرقطاي باستقراره نائب السلطنة ~~بديار مصر بآتفاق الأمراء على ذلك بعد ما آمتنع من ذلك تمنعا زائدا، حتى ~~قام الحجازي بنفسه وأخذ السيف، وأخذ أرغون شاه الخلعة، ودارت الأمراء حوله، ~~وألبسوه الخلعة على كره منه. فخرج في موكب عظيم، حتى جلس في شباك دار ~~النيابة، وحكم بين الناس؛ وأنعم السلطان عليه - بزيادة على إقطاعه - ناحيتي ~~المطرية والخصوص، لأجل سماط النيابة. ثم ركب السلطان بعد ذلك ونزل إلى ~~سرياقوس على العادة كل سنة. وخلع على الأمير تمربغا العقيلي باستقراره في ~~نيابة الكرك عوضا عن الأمير قبلاي. ثم عاد السلطان إلى القلعة. وبعد عوده ~~في أول شهر رمضان مرض السلطان عدة أيام. ثم في يوم الإثنين خامس عشرين شهر ~~رمضان خرج الأمير أرغون شاه الأستادار على البريد إلى نيابة صفد. وسبب ذلك ~~تكبره على السلطان، وتعاظمه عليه وتحكمه في الدولة، ومعارضته السلطان فيما ~~يرسم به، وفحشه في مخاطبة السلطان والأمراء، حتى كرهته النفوس. وعزم ~~السلطان على مسكه، فتلطف به النائب أرقطاي حتى تركه، وخلع عليه بآستقراره ~~في نيابة صفد، وأخرجه وقته خشية من فتنة يثيرها، فإنه كان قد آتفق مع عدة ~~من المماليك على المخامرة. وأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير ملكتمر ~~الحجازي وأعطي ناحية بوتيج زيادة عليه. ثم في يوم الأحد أول شوال تزوج ~~السلطان ببنت الأمير تنكز زوجة أخيه الكامل. وفي آخر شوال طلبت اتفاق ~~العوادة إلى القلعة، فطلعت بجواريها مع الخدام، وتزوجها السلطان ms2089 خفية؛ وعقد ~~له عليها شهاب الدين أحمد بن يحيى الجوجري شاهد الخزانة. وبنى عليها ~~السلطان، من ليلته، بعد ما جليت عليه، وفرش تحت رجليها ستون شقة أطلس، ونثر ~~عليها الذهب. ثم ضربت بعودها وغنت، فأنعم السلطان عليها بأربعة فصوص وست ~~لؤلؤات، ثمنها أربعة آلاف دينار. PageV03P0126 # قلت: وهذا ثالث سلطان من أولاد ابن قلاوون تزوج بهذه الجارية السوداء، ~~وحظيت عنده، فهذا من الغرائب. على أنها كانت سوداء حالكة لا مولدة؛ فإن كان ~~من أجل ضربها بالعود وغنائها فيمكن من تكون أعلى منها رتبة في ذلك وتكون ~~بارعة الجمال بالنسبة إلى هذه. فسبحان المسخر. وفي ثامن شوال أنعم السلطان ~~على الأمير طنيرق مملوك أخيه يوسف بتقدمة ألف بالديار المصرية دفعة واحدة، ~~نقله من الجندية إلى التقدمة لجمال صورته، وكثر كلام المماليك بسبب ذلك. ثم ~~رسم السلطان بإعادة ما كان أخرج عن اتفاق العوادة من خدامها وجواريها، وغير ~~ذلك من الرواتب. وطلب السلطان عبد علي العواد المغني معلم اتفاق إلى ~~القلعة، وغنى للسلطان فأنعم عليه بإقطاع في الحلقة زيادة على ما كان بيده، ~~وأعطاه مائتي دينار وكاملية حرير بفرو سمور. وانهمك أيضا الملك المظفر في ~~اللذات، وشغف باتفاق حتى شغلته عن غيرها وملكت قلبه، وأفرط في حبها. فشق ~~ذلك على الأمراء والمماليك وأكثروا من الكلام، حتى بلغ السلطان، وعزم على ~~مسك جماعة منهم؛ فما زال به النائب حتى رجع عن ذلك. ثم خلع السلطان على ~~قطليجا الحموي واستقر في نيابة حماة عوضا عن طيبغا المجدي. وخلع أيضا على ~~أيتمش عبد الغني واستقر في نيابة غزة، وخرجا من وقتهما على البريد. وكتب ~~بإحضار المجدي، فقدم بعد ذلك إلى القاهرة، وخلع عليه بآستقراره أستادارا ~~عوضا عن أرغون شاه المنتقل إلى نيابة صفد. وفي يوم الثلاثاء أول محرم سنة ~~ثمان وأربعين وسبعمائة ركب السلطان في أمرائه الخاصكية ونزل إلى الميدان ~~ولعب بالكرة فغلب الأمير ملكتمر الحجازي في الكرة، فلزم الحجازي يعمل وليمة ~~فعملها في سرياقوس، ذبح فيها خمسمائة رأس من الغنم وعشرة أفراس، وعمل ~~أحواضا مملوءة ms2090 بالسكر المذاب، وجمع سائر أرباب الملاهي. وحضرها السلطان ~~والأمراء فكان يوما مشهودا. ثم ركب السلطان وعاد؛ وبعد عوده قدم كتاب ~~الأمير أسندمر نائب طرابلس يسأل الإعفاء فأعفي. وخلع على الأمير منكلي بغا ~~أمير جاندار وآستقر في نيابة طرابلس. وفي هذا الشهر شكا الناس للسلطان من ~~بعد الماء عن بر مصر والقاهرة، حتى غلت روايا الماء. فرسم السلطان بنزول ~~المهندسين لكشف ذلك، فكتب - تقدير ما يصرف على الجسر مبلغ مائة وعشرين ألف ~~درهم، جبيت من أرباب الأملاك المطلة على النيل، حسابا عن كل ذراع خمسة عشر ~~درهما، فبلغ قياسها سبعة آلاف ذراع وستمائة ذراع. وقام باستخراج ذلك وقياسه ~~محتسب القاهرة ضياء الدين يوسف ابن أبي بكر محمد الشهير بابن خطيب بيت ~~الآبار. وفي هذه الأيام توقفت أحوال الدولة من كثرة رواتب الخدام والعجائز ~~والجواري، وأخذهم الرزق بأرض بهتيم من الضواحي وبأراضي الجيزة وغيرها، بحيث ~~إنه أخذ مقبل الرومي، عشرة آلاف فدان. وفي هذه الأيام رسم السلطان للطواشي ~~مقبل الرومي أن يخرج اتفاق العوادة وسلمى والكركية حظايا السلطان من القلعة ~~بما عليهن من الثياب، من غير أن يحملن شيئا من الجوهر والزركش، وأن تقلع ~~عصبة إتفاق عن رأسها ويدعها عنده. وكانت هذه العصبة قد آشتهرت عند الأمراء، ~~وشنعت قالتها، فإنه قام بعملها ثلاثة ملوك الإخوة من أولاد الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون: الملك الصالح إسماعيل والملك الكامل شعبان والملك المظفر ~~حاجي هذا، وتنافسوا فيها وآعتنوا بجواهرها حتى بلغت قيمتها زيادة على مائة ~~ألف دينار مصرية. PageV03P0127 # وسبب إخراج اتفاق وهؤلاء من الدور السلطانية أن الأمراء الخاصكية: قرابغا ~~وصمغار وغيرهما بلغهما إنكار الأمراء الكبار والمماليك السلطانية شدة شغف ~~السلطان بالنسوة الثلاث المذكورات وآنهماكه على اللهو بهن، وآنقطاعه إليهن ~~بقاعة الدهيشة عن الأمراء، وإتلافه الأموال العظيمة في العطاء لهن ~~ولأمثالهن، وإعراضه عن تدبير الملك. فعرفا السلطان إنكار الأمراء، وخوفوه ~~عاقبة ذلك، فتلطف بهم وصوب ما أشاروا به عليه من الإقلاع عن اللهو بالنساء. ~~وأخرجهن السلطان وفي نفسه حزازات لفراقهن، تمنعه من الهدوء والصبر عنهن؛ ~~فأحب ms2091 أن يتعوض عنهن بما يلهيه ويسليه، فاختار صنف الحمام، ونشأ حضيرا على ~~الدهيشة ركبه على صواري وأخشاب عالية، وملأه بأنواع الحمام، فبلغ مصروف ~~الحضير خاصة سبعة آلاف درهم، وبينا السلطان في ذلك قدم جماعة من أعيان ~~الحلبيين وشكوا من الأمير بيدمر البدري نائب حلب، فعزله السلطان بأرغون شاه ~~نائب صفد، ورسم ألا يكون لنائب الشام عليه حكم، وأن تكون مكاتباته للسلطان، ~~وحمل إليه التقليد الأمير طنيرق. ثم ورد الخبر باختلال مراكز البريد بطريق ~~الشام، فأخذ من كل أمير مقدم ألف أربعة أفراس، ومن كل طبلخاناه فرسان، ومن ~~كل أمير عشرة فرس واحد، وكشف عن البلاد المرصدة للبريد فوجد ثلاث بلاد منها ~~وقف الملك الصالح إسماعيل، وقف بعضها وأخرج باقيها إقطاعات. فأخرج السلطان ~~عن عيسى بن حسن الهجان بلدا تعمل في كل سنة عشرين ألف درهم، وثلاثة آلاف ~~إردب غلة، وجعلها مرصدة لمراكز البريد. واستمر خاطر السلطان موغرا على ~~الجماعة من الأمراء بسبب اتفاق وغيرها، إلى أن كان يوم الأحد تاسع عشر شهر ~~ربيع الأول من سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، كانت الفتنة العظيمة التي قتل ~~فيها ملكتمر الحجازي وآق سنقر وأمسك بزلار وصمغار وأيتمش عبد الغني؛ وسبب ~~ذلك أن السلطان لما أخرج اتفاق وغيرها، وتشاغل بلعب الحمام، صار يحضر إلى ~~الدهيشة الأوباش، ويلعب بالعصا لعب صباح، ويحضر الشيخ علي بن الكسيح مع ~~حظاياه، يسخر له، وينقل إليه أخبار الناس. فشق ذلك على الأمراء وحدثوا ~~ألجيبغا وطنيرق - وكانا عمدة السلطان وخاصكيته، بأن الحال قد فسد. فعرفا ~~السلطان ذلك، فاشتد حنقه، وأطلق لسانه، وقام إلى السطح وذبح الحمام بيده ~~بحضرتهما، وقال لهما: " والله لأذبحنكم كما ذبحت هذه الطيور " ، وأغلق باب ~~الدهيشة؛ وأقام غضبان يومه وليلته. وكان الأمير غرلو قد تمكن من السلطان ~~فأعلمه السلطان بما وقع، فنال غرلو من الأمراء وهون أمرهم عليه، وجسره على ~~الفتك بهم والقبض على آق سنقر. فأخذ السلطان في تدبير ما يفعله، وقرر ذلك ~~مع غرلو. ثم بعث طنيرق في يوم الأربعاء خامس عشر شهر ربيع الآخر إلى ms2092 النائب ~~يعرفه أن قرابغا القاسمي وصمغار وبزلار وأيتمش عبد الغني قد آتفقوا على عمل ~~فتنة، " وعزمي أن أقبض عليهم قبل ذلك " ، فوعده النائب برد الجواب غدا على ~~السلطان في الخدمة، فلما اجتمع النائب بالسلطان أشار عليه النائب بالتثبت ~~في أمرهم حتى يصح له ما قيل عنهم. ثم أصبح فعرفه السلطان في يوم الجمعة ~~بأنه صح عنده ما قيل بإخبار بيبغا أرس أنهم تحالفوا على قتله؛ فأشار عليه ~~النائب أن يجمع بينهم وبين بيبغا أرس، حتى يحاققهم بحضرة الأمراء يوم ~~الأحد. وكان الأمر على خلاف هذا، فإن السلطان كان اتفق مع غرلو وعنبر ~~السحرتي مقدم المماليك على مسك آق سنقر وملكتمر الحجازي في يوم الأحد. فلما ~~كان يوم الأحد تاسع عشر ربيع الآخر المذكور حضر الأمراء والنائب إلى الخدمة ~~على العادة بعد العصر ومد السماط؛وإذا بالقصر قد ملئ بالسيوف المسللة من ~~خلف آق سنقر والحجازي، وأحيط بهما وبقرابغا، وأخذوا إلى قاعة هناك. فضرب ~~ملكتمر الحجازي بالسيوف وقطع هو وآق سنقر قطعا. وهرب صمغار وأيتمش عبد ~~الغني، فركب صمغار فرسه من باب القلعة، وفر إلى القاهرة، واختفى أيتمش عند ~~زوجته. وخرجت الخيل وراء صمغار حتى أدركوه خارج القاهرة؛ وأخذ أيتمش من ~~داره، فارتجت القاهرة وغلقت الأسواق وأبواب القلعة. وكثر الإرجاف إلى أن ~~خرج النائب أرقطاي، والوزير نجم الدين محمود بن شروين قريب المغرب، وطلبا ~~الوالي ونودي بالقاهرة، فاشتهر ما جرى بين الناس، وخاف كل أحد من الأمراء ~~على نفسه. PageV03P0128 # ثم رسم السلطان بالقبض على مرزة علي، وعلى محمد بن بكتمر الحاجب وأخيه، ~~وعلى أولاد أيدغمش، وأولاد قماري. وأخرجوا الجميع إلى الإسكندرية هم وبزلار ~~وأيتمش وصمغار، لأنهم كانوا من ألزام الحجازي ومعاشريه، فسجنوا بها. وأخرج ~~آق سنقر وملكتمر الحجازي في ليلة الإثنين العشرين من شهر ربيع الآخر على ~~جنويات فدفنا بالقرافة. وأصبح الأمير شجاع الدين غرلو وقد جلس في دست عظيم، ~~ثم ركب وأوقع الحوطة على بيوت الأمراء المقتولين والممسوكين وعلى أموالهم، ~~وطلع بجميع خيولهم إلى الإسطبل السلطاني. وضرب غرلو عبد العزيز الجوهري ms2093 ~~صاحب آق سنقر وعبد المؤمن أستاداره بالمقارع، وأخذ منهما مالا جزيلا؛ فخلع ~~السلطان على الأمير غرلو قباء من ملابسه بطرز زركش عريض، وأركبه فرسا من ~~خاص خيل الحجازي بسرج ذهب وكنبوش زركش. ثم خلا به بأخذ رأيه فيما يفعل، ~~فأشار عليه بأن يكتب إلى نواب الشام بما جرى، ويعد لهم ذنوبا كثيرة، على ~~الأمراء الذين قبض عليهم. فكتب إلى الأمير يلبغا اليحياوي نائب الشام على ~~يد الأمير آق سنقر المظفري أمير جاندار؛ فلما بلغ يلبغا الخبر كتب الجواب ~~يستصوب رأي السلطان في ما فعله في الظاهر، وهو في الباطن غير ذلك. وعظم ~~عليه قتل الحجازي وآق سنقر إلى الغاية. ثم جمع يلبغا أمراء دمشق بعد يومين ~~بدار السعادة وأعلمهم الخبر. وكتب إلى النواب بذلك، وبعث الأمير ملك آص إلى ~~حمص وحماة وحلب، وبعث الأمير طيبغا القاسمي إلى طرابلس. ثم آنتقل في يوم ~~الجمعة مستهل جمادى الأولى إلى القصر بالميدان فنزل به، ونزل ألزامه حوله ~~بالميدان، وشرع في الاستعداد للخروج عن طاعة الملك المظفر هذا. وأما ~~السلطان الملك المظفر فإنه أخذ بعد ذلك يستميل المماليك السلطانية بتفرقة ~~المال فيهم، وأمر منهم جماعة؛ وأنعم على غرلو بإقطاع أيتمش عبد الغني، ~~وأصبح غرلو هو المشار إليه في المملكة، فعظمت نفسه إلى الغاية. ثم أخرج ~~السلطان ابن طقزدمر على إمرة طبلخاناه بحلب، وأنعم بتقدمته على الأمير طاز. ~~وتولى غرلو بيع قماش الأمراء وخيولهم. وصار السلطان يتخوف من النواب ~~بالبلاد الشامية إلى أن حضرت أجوبتهم بتصويب ما فعله، فلم يطمئن بذلك. ورسم ~~بخروج تجريدة إلى البلاد الشامية، فرسم في عاشر جمادى الأولى بسفر سبعة ~~أمراء من المقدمين بالديار المصرية، وهم الأمير طيبغا المجدي وبلك الجمدار ~~والوزير نجم الدين محمود بن شروين وطنغرا وأيتمش الناصري الحاجب وكوكاي ~~والزراق ومعهم مضافوهم من الأجناد، وطلب الأجناد من النواحي، وكان وقت ~~إدراك المغل، فصعب ذلك على الأمراء، وآرتجت القاهرة بأسرها لطلب السلاح ~~وآلات السفر. ثم كتب السلطان إلى أمراء دمشق ملطفات على أيدي النجابة ~~بالتيقظ بحركات الأمير يلبغا اليحياوي ms2094 نائب الشام. ثم أشار النائب على ~~السلطان بطلب يلبغا ليكون بمصر نائبا أو رأس مشورة، فإن أجاب وإلا أعلم ~~بأنه قد عزل عن نيابة الشام بأرغون شاه نائب حلب. فكتب السلطان في الحال ~~يطلبه على يد أراي أمير آخور، وعند سفر أراي قدمت كتب نائب طرابلس ونائب ~~حماة ونائب صفد على السلطان بأن يلبغا دعاهم للقيام معه على السلطان لقتله ~~الأمراء، وبعثوا بكتبه إليه. PageV03P0129 # فكتب السلطان لأرغون شاه نائب حلب أن يتقدم لعرب آل مهنا بمسك الطرقات ~~على يلبغا، وأعلمه أنه ولاه نيابة الشام عوضه؛ فقام أرغون شاه في ذلك أتم ~~قيام، وأظهر ليلبغا أنه معه. ولما وصل إلى يلبغا أراي أمير آخور في يوم ~~الأربعاء سادس جمادى الأولى ودعاه إلى مصر ليكون رأس أمراء المشورة، وأن ~~نيابة الشام أنعم بها السلطان على الأمير أرغون شاه نائب حلب، ظن يلبغا أن ~~استدعاءه حقيقة، وقرأ كتاب السلطان فأجاب بالسمع والطاعة، وأنه إذا وصل ~~أرغون شاه إلى دمشق توجه هو إلى مصر، وكتب الجواب بذلك، وأعاده سريعا. ~~فتحللت عند ذلك عزائم أمراء دمشق وغيرها عن يلبغا، وتجهز يلبغا وخرج إلى ~~الكسوة ظاهر دمشق في خامس عشره. وكانت ملطفات السلطان قد وردت إلى أمراء ~~دمشق بإمساكه، فركبوا على حين غفلة وقصدوه، ففر منهم بمماليكه وأهله وهم في ~~أثره إلى خلف ضمير. ثم سار في البرية يريد أولاد تمرداش ببلاد الشرق، حتى ~~نزل على حماة بعد أربعة أيام وخمس ليال؛ فركب الأمير قطليجا نائب حماة ~~بعسكره فتلقاه ودخل به إلى المدينة، وقبض عليه وعلى من كان معه من الأمراء، ~~وهم الأمير قلاوون والأمير سيفة والأمير محمد بك بن جمق وأعيان مماليكه، ~~وكتب للسلطان بذلك؛ فقدم الخبر بذلك على السلطان في جمادى الأولى أيضا، فسر ~~سرورا زائدا، ورسم في الوقت بإبطال التجريدة. ثم كتب بحمل يلبغا اليحياوي ~~المذكور إلى مصر. ثم بدا للسلطان غير ذلك وهو أنه أخرج الأمير منجك اليوسفي ~~السلاح دار بقتله، فسار منجك حتى لقي آقجبا الحموي ومعه يلبغا اليحياوي ~~وأبوه بقاقون. ms2095 فنزل منجك بقاقون، وصعد بيلبغا اليحياوي إلى قلعة قاقون ~~وقتله بها في يوم الجمعة عشرين جمادى الأولى، وحز رأسه وحمله إلى السلطان. ~~قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: " وكان يلبغا حسن الوجه مليح الثغر أبيض ~~اللون، طويل القامة من أحسن الأشكال، قل أن ترى العيون مثله. كان ساقيا، ~~وكانت الإنعامات . التي تصل إليه من السلطان لم يفرح بها أحد قبله. كان ~~يطلق له الخيل بسروجها وعددها وآلاتها الزركش والذهب المصوغ خمسة عشر فرسا ~~والأكاديش ما بين مائتي رأس فينعم بها عليه، وتجهز إليه الخلع والحوائص ~~وغير ذلك من التشاريف التي يرسم له بها خارجة عن الحد. وبنى له الإسطبل ~~الذي في سوق الخيل تجاه القلعة " . قلت: والإسطبل المذكور كان مكان مدرسة ~~السلطان حسن الآن، اشتراه السلطان حسن وهدمه وبنى مكان مدرسته المعروفة به. ~~وقد سقنا ترجمته أي يلبغا اليحياوي بأوسع من هذا في تاريخنا " المنهل ~~الصافي " إذ هو كتاب تراجم. انتهى. وفي يوم الأحد خامس عشرين جمادى الأولى ~~المذكور أخرج السلطان الوزير نجم الدين محمودا والأمير بيدمر البدري نائب ~~حلب كان، والأمير طغيتمر النجمي الدوادار إلى الشام، وسببه أن الأمير شجاع ~~الدين غرلو لما كان شاد الدواوين قبل تاريخه حقد على الوزير نجم الدين ~~المذكور وعلى طغيتمر الدوادار، فحسن للسلطان أخذ أموالهما. فقال السلطان ~~للنائب أرقطاي عنهما وعن بيدمر أنهم كانوا يكاتبون يلبغا، فأشار عليه ~~النائب بإبعادهم، وأن يكون الوزير نجم الدين نائب غزة وبيدمر نائب حمص ~~وطغيتمر نائب طرابلس؛ فأخرجهم السلطان على البريد، فلم يعجب غرلو ذلك، ~~وأكثر عند السلطان من الوقيعة في الأمير أرقطاي النائب حتى غير السلطان ~~عليه وما زال به حتى بعث السلطان بأرغون الإسماعيلي إلى نائب غزة بقتلهم. ~~فدخل أرغون معهم إلى غزة بعد العصر وعرف النائب ما جاء بسببه، فقبض عليهم ~~نائب غزة وقتلهم في ليلته. وعاد أرغون وعرف السلطان الخبر، فتغير قلب ~~الأمراء ونفر خواطرهم في الباطن من السلطان وميله إلى غرلو. PageV03P0130 # وتمكن غرلو من السلطان، وأخذ أموال من قتل، وتزايد أمره وآشتدت وطأته، ms2096 ~~وكثر إنعام السلطان عليه حتى إنه لم يكن يوم إلا وينعم عليه فيه بشيء. ثم ~~أخذ غرلو في العمل على علم الدين عبد الله بن زنبور ناظر الخاص، وعلى ~~القاضي علاء الدين علي بن فضل الله العمري كاتب السر، وصار يحسن للسلطان ~~القبض عليهما وأخذ أموالهما؛ فتلطف النائب بالسلطان في أمرهما حتى كف ~~عنهما. فلم يبق بعد ذلك أحد من أهل الدولة حتى خاف من غرلو وصار يصانعه ~~بالمال حتى يسترضيه. ثم حسن غرلو للسلطان قتل الأمراء المحبوسين ~~بالإسكندرية فتوجه الطواشي مقبل الرومي بقتلهم، فقتل الأمير أرغون العلائي ~~وقرابغا القاسمي وتمر الموساوي وصمغار وأيتمش عبد الغني، وأفرج عن أولاد ~~قماري وأولاد أيدغمش وأخرجوا إلى الشام. واستمر السلطان على الانهماك في ~~لهوه، فصار يلعب في الميدان تحت القلعة بالكرة في يومي الأحد والثلاثاء، ~~ويركب إلى الميدان الذي على النيل في يوم السبت. فلما كان آخر ركوبه إلى ~~الميدان رسم السلطان بركوب الأمراء المقدمين بمضافيهم، ووقوفهم صفين من ~~الصليبة إلى فوق القلعة ليرى السلطان عسكره. فضاق الموضع، فوقف كل مقدم ~~بخمسة من مضافيه. وجمعت أرباب الملاهي، ورتبت في عدة أماكن من القلعة إلى ~~الميدان. ثم ركبت أم السلطان في جمعها، وأقبل الناس من كل جهة. فبلغ كراء ~~كل طبقة مائة درهم، وكل بيت كبير لنساء الأمراء مائتي درهم، وكل حانوت ~~خمسين درهما، وكل موضع إنسان بدرهمين. فكان يوما لم يعهد في ركوب الميدان ~~مثله. ثم في يوم الخميس خامس عشره قبض السلطان الملك المظفر هذا على أعظم ~~أمرائه ومدبر مملكته الأمير شجاع الدين غرلو وقتله، وسبب ذلك أمور: منها ~~شدة كراهية الأمراء له لسوء سيرته، فإنه كان يخلو بالسلطان، ويشير عليه بما ~~يشتهيه، فما كان السلطان يخالفه في شيء؛ وكان عمله أمير سلاح فخرج عن الحد ~~في التعاظم، وجسر السلطان على قتل الأمراء، وقام في حق النائب أرقطاي يريد ~~القبض عليه وقتله، واستمال المماليك الناصرية والصالحية والمظفرية بكمالهم، ~~وأخذ يقرر مع السلطان، أن يفوض إليه أمور المملكة بأسرها ليقوم عنه ~~بتدبيرها، ويتوفر ms2097 السلطان على لذاته. PageV03P0131 # ثم لم يكفه ذلك، حتى أخذ يغري السلطان بألجيبغا وطنيرق، وكانا أخص الناس ~~بالسلطان، ولا زال يمعن في ذلك حتى تغير السلطان عليهما، وبلغ ذلك ألجيبغا، ~~وتناقلته المماليك، فتعصبوا عليه وأرسلوا إلى الأمراء الكبار حتى حدثوا ~~السلطان في أمره، وخوفوه عاقبته. فلم يعبأ السلطان بقولهم، فتنكروا بأجمعهم ~~على السلطان بسبب غرلو إلى أن بلغه ذلك عنهم من بعض ثقاته، فآستشار النائب ~~في أمر غرلو المذكور، فلم يشر عليه في أمره بشيء، وقال للسلطان: " لعل ~~الرجل قد كثرت حساده على تقريب السلطان له، والمصلحة التثبت في أمره " . ~~وكان أرقطاي النائب عاقلا سيوسا، يخشى من معارضته غرض السلطان فيه. فاجتهد ~~ألجيبغا وعدة من الخاصكية في التدبير على غرلو وتخويف السلطان منه ومن سوء ~~عاقبته، حتى أثر قولهم في نفس السلطان. وأقاموا الأمير أحمد شاد ~~الشرابخاناه، وكان مزاحا، للوقيعة فيه؛ فأخذ أحمد شاد الشرابخاناه في خلوته ~~مع السلطان يذكر كراهية الأمراء لغرلو وموافقة المماليك له، وأنه يريد أن ~~يدبر المملكة ويكون نائب السلطنة ليتوثب بذلك على المملكة ويصير سلطانا، ~~ويخرج له قوله هذا في صورة السخرية والضحك. وصار أحمد المذكور يبالغ في ذلك ~~على عدة فنون من الهزل، إلى أن قال السلطان: " أنا الساعة أخرجه وأعمله ~~أمير آخور " ؛ فمضى أحمد شاد الشربخاناه إلى النائب وعرفه بما وقع في السر، ~~وأنه جسر السلطان على الوقيعة في غرلو. فبعث السلطان وراء النائب أرقطاي ~~وآستشاره في أمر غرلو ثانيا فأثنى عليه النائب وشكره؛ فعرف السلطان كثرة ~~وقيعة الخاصكية فيه، وأنه قصد أن يعمله أمير آخور، فقال النائب: " غرلو رجل ~~شجاع جسور لا يليق أن يعمل أمير آخور " . فكأنه أيقظ السلطان من رقدته بحسن ~~عبارة وألطف إشارة، فأخذ السلطان في الكلام معه بعد ذلك فيما يوليه! فأشار ~~عليه النائب بتوليته نيابة غزة، فقبل السلطان ذلك، وقام عنه النائب. فأصبح ~~السلطان بكرة يوم الجمعة، وبعث الأمير طنيرق إلى النائب أن يخرج غرلو إلى ~~نيابة غزة. فلم يكن غير قليل حتى طلع غرلو على عادته إلى ms2098 القلعة وجلس على ~~باب القلة، فبعث النائب يطلبه، فقال: " مالي عند النائب شغل وما لأحد معي ~~حديث غير أستاذي " . فأرسل النائب يعرف السلطان جواب غرلو فأمر السلطان ~~مغلطاي أمير شكار وجماعة من الأمراء أن يعرفوا غرلو عن السلطان أن يتوجه ~~إلى غزة، وإن امتنع يمسكوه؛ فلما صار غرلو بداخل القصر لم يحدثوه بشيء، ~~وقبضوا عليه وقيدوه وسلموه لألجيبغا فأدخله إلى بيته بالأشرفية. فلما خرج ~~السلطان لصلاة الجمعة على العادة قتلوا غرلو وهو في الصلاة. وأخذ السلطان ~~بعد عوده من الصلاة يسأل عنه، فنقلوا عنه أنه قال: " أنا ما أروح مكانا " ~~وأراد سل سيفه وضرب الأمراء به، فتكاثروا عليه، فما سلم نفسه حتى قتل. فعز ~~قتله على السلطان، وحقد عليهم لأجل قتله، ولم يظهر لهم ذلك. ورسم بإيقاع ~~الحوطة على حواصله. وكان لموته يوم مشهود. ثم أخرج بغرلو المذكور ودفن بباب ~~القرافة، فأصبح وقد خرجت يده من القبر، فأتاه الناس أفواجا ليروه ونبشوا ~~عليه وجروه بحبل في رجله إلى تحت القلعة، وأتوا بنار ليحرقوه، وصار لهم ~~ضجيج عظيم. فبعث السلطان عدة من الأوجاقية قبضوا على كثير من العامة، ~~فضربهم الوالي بالمقارع وأخذ منهم غرلو المذكور ودفنه. ولم يظهر لغرلو ~~المذكور كثير مال. قلت: ومن الناس من يسميه " أغزلو " بألف مهموزة وبعدها ~~غين معجمة مكسورة وزاي ساكنة ولام مضمومة وواو ساكنة. ومعنى أغزلو باللغة ~~التركية: له فم؛ وقد ذكرناه نحن أيضا في المنهل الصافي في حرف الهمزة، غير ~~أن جماعة كثيرة ذكروه " غرلو " فآقتدينا بهم هنا وخالفناهم هناك، وكلاهما ~~آسم باللغة التركية. انتهى. PageV03P0132 # وكان غرلو هذا أصله من مماليك الحاج بهادر العزي، وخدم بعده عند بكتمر ~~الساقي وصار أمير آخوره؛ ثم خدم بعد بكتمر عند بشتك، وصار أمير آخوره أيضا؛ ~~ثم ولي بعد ذلك ناحية أشمون؛ ثم ولي نيابة الشوبك؛ ثم ولي القاهرة، وأظهر ~~العفة والأمانة، وحسنت سيرته؛ ثم تقرب عند الملك الكامل شعبان، وفتح له باب ~~الأخذ في الولايات والإقطاعات، وعمل لذلك ديوانا قائم الذات، سمي ديوان ~~البدل. فلما تولى الصاحب ms2099 تقي الدين بن مراحل الوزرشاححه في الجلوس ~~والعلامة، فترجح الصاحب تقي الدين وغزل غرلو هذا عن شد الدواوين؛ ودام على ~~ذلك إلى أن كانت نوبة السلطان الملك المظفر كان غرلو هذا ممن قام معه، لما ~~كان في نفسه من الكامل من عزله عن شد الدواوين، وضرب في الوقعة أرغون ~~العلائي بالسيف في وجهه، وتقرب من يوم ذاك إلى الملك المظفر، حتى كان من ~~أمره ما حكيناه. ثم خرج السلطان الملك المظفر بعد قتله إلى سرياقوس على ~~العادة وأقام بها أياما. ثم عاد وخلع على الأمير منجك اليوسفي السلاح دار ~~باستقراره حاجبا بدمشق عوضا عن أمير علي بن طغربل. وأنعم السلطان على اثني ~~عشر من المماليك السلطانية بإمريات ما بين طبلخاناه وعشرة، وأنعم بتقدمة ~~الأمير منجك السلاح دار على بعض خواصه. وفي يوم مستهل شعبان خرج الأمير ~~طيبغا المجدي والأمير أسندمر الغمري والأمير بيغرا والأمير أرغون الكاملي ~~والأمير بيبغا أرس والأمير بيبغا ططر إلى الصيد، ثم خرج الأمير أرقطاي ~~النائب بعدهم إلى الوجه القبلي بطيور السلطان. ورسم السلطان لهم ألا يحضروا ~~إلى العشر الأخير من شهر رمضان. فخلا الجو للسلطان، وأعاد حضير الحمام ~~وأعاد أرباب الملاعيب من الصراع، والثقاف، والشباك، وجري السعاة، ونطاح ~~الكباش، ومناقرة الديوك، والقمار، وغير ذلك من أنواع الفساد. ونودي بإطلاق ~~اللعب بذلك بالقاهرة ومصر وصار للسلطان آجتماع بالأوباش وأراذل الطوائف من ~~الفراشين والبابية ومطيري الحمام، فكان السلطان يقف معهم ويراهن على الطير ~~الفلاني والطيرة الفلانية. وبينما هو ذات يوم معهم عند حضير الحمام، وقد ~~سيبها، إذ أذن العصر بالقلعة والقرافة فجفلت الحمام عن مقاصيرها وتطايرت، ~~فغضب وبعث إلى المؤذنين يأمرهم أنهم إذا رأوا الحمام لا يرفعون أصواتهم. ~~وكان السلطان، يلعب مع العوام بالعصي، وكان إذا لعب مع الأوباش يتعرى ويلبس ~~تبان جلد، ويصارع معهم ويلعب بالرمح والكرة فيظل نهاره مع الغلمان والعبيد ~~في الدهيشة، وصار يتجاهر بما لا يليق به أن يفعله. ثم أخذ مع ذلك كله في ~~التدبير على قتل أخيه حسين، وأرصد له عدة خدام ms2100 ليهجموا عليه عند إمكان ~~الفرصة ويغتالوه؛ فبلغ حسينا ذلك، فتمارض واحترس على نفسه، فلم يجدوا منه ~~غفلة. ثم في سابع عشر شعبان توفي الخليفة أبو الربيع سليمان، وبويع ~~بالخلافة ابنه أبو بكر ولقب بالمعتصم بالله أبي الفتح. وفي آخر شعبان قدم ~~الأمراء من الصيد شيئا بعد شيء، وقد بلغهم ما فعله السلطان في غيبتهم. وقدم ~~ابن الحراني من دمشق بمال يلبغا اليحياوي فتسلمه الخدام. وأنعم السلطان من ~~ليلته على حظيته " كيدا " من المال بعشرين ألف دينار، سوى الجواهر واللآلئ، ~~ونثر الذهب على الخدام والجواري، فاختطفوه وهو يضحك. وفرق على لعاب الحمام ~~والفراشين والعبيد الذهب واللؤلؤ، وهو يحذفه عليهم وهم يترامون عليه ~~ويأخذوه بحيث إنه لم يدع من مال يلبغا سوى القماش؛ فكان جملة التي فرقها ~~ثلاثين ألف دينار وثلاثمائة ألف درهم، وجواهر وحليا ولؤلؤا وزركشا ومصاغا، ~~قيمته زيادة على ثمانين ألف دينار. PageV03P0133 # فعظم ذلك على الأمراء، وأخذ ألجيبغا وطنيرق يعرفان السلطان ما ينكره عليه ~~الأمراء من لعب الحمام وتقريب الأوباش، وخوفاه فساد الأمر، فغضب وأمر آقجبا ~~شاد العمائر بخراب حضير الحمام، ثم أحضر الحمام وذبحهم واحدا بعد واحد بيده ~~وقال لألجيبغا وطنيرق: " والله لأذبحنكم كلكم كما ذبحت هذا الحمام " وتركهم ~~وقام. وفرق جماعة من خشداشية ألجيبغا وطنيرق في البلاد الشامية، وآستمر على ~~إعراضه عن الجميع؛ ثم قال لحظاياه وعنده معهن الشيخ علي بن الكسيح: " والله ~~ما بقي يهنأ لي عيش وهذان الكذابان بالحياة يعني بذلك عن ألجيبغا وطنيرق ~~فقد أفسدا علي جميع ما كان لي فيه سرور، واتفقا علي، ولا بد لي من ذبحهما " ~~فنقل ذلك ابن الكسيح لألجيبغا، فإن ألجيبغا هو الذي أوصله إلى السلطان، ~~وقال: " مع ذلك خذ لنفسك، فوالله لا يرجع عنك وعن طنيرق " فطلب ألجيبغا ~~طنيرق وعرفه ذلك، فأخذا في التدبير عليه في الباطن وأخذ في التدبير عليهما. ~~وخرج الأمير بيبغا أرس للصيد بالعباسة، فإنه كان صديقا لألجيبغا، وتنمر ~~السلطان على طنيرق وآشتد عليه وبالغ في تهديده. فبعث طنيرق وألجيبغا إلى ~~الأمير طشتمر طلليه، وما زالا ms2101 به حتى وافقهما. ودارا على الأمراء، وما منهم ~~إلا من نفرت نفسه من السلطان الملك المظفر، وتوقع به أنه يفتك به، فصاروا ~~معهما يدا واحدة لما في نفوسهم. ثم كلموا النائب في موافقتهم وأعلموه أنه ~~يريد القبض عليه، وكان عنده أيضا حس من ذلك، وأكثروا من تشجيعه، حتى وافقهم ~~وأجابهم. وتواعدوا جميعا في يوم الخميس تاسع شهر رمضان على الركوب على ~~السلطان في يوم الأحد ثاني عشر شهر رمضان. فبعث السلطان في يوم السبت يطلب ~~بيبغا أرس من العباسة، وقد قرر مع الطواشي عنبر مقدم المماليك أن يعرف ~~المماليك السلاح دارية أن يقفوا خلفه، فإذا دخل بيبغا أرس، وقبل الأرض، ~~ضربوه بالسيوف وقطعوه قطعا. فعلم بذلك ألجيبغا، وبعث إليه يعلمه بما دبره ~~السلطان عليه من قتله، ويعرفه بما وقع آتفاق الأمراء عليه، وأنه يوافيهم ~~بكرة يوم الأحد على قبة النصر. فآستعدوا ليلتهم، ونزل ألجيبغا من القلعة، ~~وتلاه بقية الأمراء، حتى كان آخرهم ركوبا الأمير أرقطاي نائب السلطنة. ~~وتوافوا بأجمعهم عند مطعم الطير، وإذا ببيبغا أرس قد وصل إليهم، فعبوا ~~أطلابهم ومماليكهم ميمنة وميسرة، وبعثوا في طلب بقية الأمراء، فما ارتفع ~~النهار حتى وقفوا بأجمعهم ملبسين عند قبة النصر. وبلغ السلطان ذلك، فأمر ~~بضرب الكوسات فدقت؛ وبعث الأوجاقية في طلب الأمراء فجاءه طنجرق وشيخون ~~وأرغون الكاملي وطاز ونحوهم من الأمراء الخاصكية. ثم بعث المقدمين في طلب ~~أجناد الحلقة فحضروا. PageV03P0134 # ثم أرسل السلطان يعتب النائب أرقطاي على ركوبه، فرد جوابه بأن مملوكك ~~الذي ربيته ركب عليك يعني عن ألجيبغا وأعلمنا فساد نيتك لنا؛ وقد قتلت ~~مماليك أبيك وأخذت أموالهم، وهتكت حريمهم بغير موجب، وعزمت على الفتك بمن ~~بقي. وأنت أول من حلف أنك لا تخون الأمراء ولا تخرب بيت أحد، فرد السلطان ~~الرسول إليه يستخبره عما يريده الأمراء من السلطان حتى يفعله لهم، فعاد ~~جوابهم أنه لا بد أن يسلطنوا غيره، فقال: " ما أموت إلا على ظهر فرسي " ، ~~فقبضوا على رسوله وهموا بالزحف عليه، فمنعهم النائب أرقطاي من ذلك حتى يكون ~~القتال ms2102 أولا من السلطان. فبادر السلطان بالركوب إليهم، وأقام أرغون الكاملي ~~وشيخون في الميمنة، ثم أقام عدة أمراء أخر في الميسرة، وسار بمماليكه حتى ~~وصل إلى قريب قبة النصر؛ فكان أول من تركه ومضى إلى القوم الأمير طاز ثم ~~الأمير أرغون الكاملي ثم الأمير ملكتمر السعدي ثم الأمير شيخون وانضافوا ~~الجميع إلى النائب أرقطاي والأمراء، وتلاهم بقيتهم حتى جاء الأمير طنرق ~~والأمير لاجين أمير جاندار صهر السلطان آخرهم. وبقي السلطان في نحو عشرين ~~فارسا، فبرز له الأمير بيبغا أرس والأمير ألجيبغا فولى السلطان فرسه وآنهزم ~~عنهم، فتبعوه وأدركوه وأحاطوا به؛ فتقدم إليه بيبغا أرس فضربه السلطان ~~بالطبر، فأخذ بيبغا الضربة بترسه. ثم حمل عليه بالرمح، وتكاثروا عليه حتى ~~قلعوه من سرجه، وضربه طنيرق بالسيف فجرح وجهه وأصابعه. ثم ساروا به على فرس ~~غير فرسه محتفظين به إلى تربة آق سنقر الرومي تحت الجبل وذبحوه من ساعته ~~قبيل عصر يوم الأحد ثاني عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ودفن ~~بتربة أمه. ولما أنزلوه وأرادوا ذبحه قال لهم: " بالله لا تستعجلوا علي، ~~خلوني ساعة " فقالوا: كيف استعجلت أنت على قتل الناس! لو صبرت عليهم صبرنا ~~عليك فذبحوه. وقيل: إنهم لما أنزلوه عن فرسه كتفوه وأحضروه بين يدي النائب ~~أرقطاي ليقتله،فلما رآه النائب نزل عن فرسه وترجل ورمى عليه قباءه وقال: " ~~أعوذ بالله، هذا سلطان ابن سلطان ما أقتله " ! فأخذوه ومضوا إلى الموضع ~~الذي ذبحوه فيه. وفيه يقول الشيخ صلاح الدين الصفدي: أيها العاقل اللبيب ~~تفكر ... في المليك المظفر الضرغام كم تمادى في البغي والغي حتى ... كان ~~لعب الحمام جد الحمام وفيه يقول: حان الردى للمظفر ... وفي التراب تعفر كم ~~قد أباد أميرا ... على المعالي توفر وقاتل النفس ظلما ... ذنوبه ما تكفر ثم ~~صعد الأمراء القلعة من يومهم، ونادوا في القاهرة بالأمان والاطمئنان؛ ~~وباتوا بالقلعة ليلة الإثنين، وقد اتفقوا على مكاتبة نائب الشام الأمير ~~أرغون شاه بما وقع، وأن يأخذوا رأيه فيمن يقيموه سلطانا. فأصبحوا وقد آجتمع ~~المماليك على إقامة حسين ابن الملك ms2103 الناصر محمد عوضا عن أخيه المظفر في ~~السلطنة، ووقعت بين حسين وبينهم مراسلات. فقام المماليك في أمره، فقبضوا ~~الأمراء على عدة منهم ووكلوا الأمير طاز بباب حسين، حتى لا يجتمع به أحد من ~~جهة المماليك، وأغلقوا باب القلعة، واستمروا بآلة الحرب يومهم وليلة ~~الثلاثاء. وقصد المماليك إقامة الفتنة، فخاف الأمراء تأخير السلطنة حتى ~~يستشيروا نائب الشام أن يقع من المماليك ما لا يدرك فارطه، فوقع آتفاقهم ~~عند ذلك على حسن فسلطنوه فتم أمره. وكانت مدة سلطنة الملك المظفر هذا على ~~مصر سنة واحدة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان المظفر أهوج سريع الحركة، ~~عديم المداراة، سيئ التدبير، يؤثر صحبة الأوباش على أرباب الفضائل ~~والأعيان. وكان فيه ظلم وجبروت وسفك للدماء. قتل في مدة سلطنته مع قصرها ~~خلائق كثيرة من الأمراء وغيرهم. وكان مسرفا على نفسه، يحب لعب الحمام ~~وغيره، ويحسن فنونا كثيرة من الملاعيب، كالرمح والكرة والصراع والثقاف وضرب ~~السيف، مع شجاعة وإقدام من غير تثبت في أموره. قلت: وبالجملة هو أسوأ سيرة ~~من جميع إخوته ممن تسلطن قبله من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون، على ~~أن الجميع غير نجباء وحالهم كقول القائل: " عجيب نجيب من نجيب " ؛ اللهم إن ~~كان السلطان حسن الآتي ذكره، فهو لا بأس به.انتهى. ### || AUT السنة التي حكم قي أولها الملك الكامل شعبان # PageV03P0135 # إلى سلخ جمادى الأولى، ثم حكم في باقيها الملك المظفر حاجي صاحب الترجمة ~~وهي سنة سبع وأربعين وسبعمائة. فيها توفي الأمير بهاء الدين أصلم بن عبد ~~الله الناصري أحد أمراء الألوف بالديار المصرية في يوم السبت عاشر شعبان؛ ~~وإليه ينسب جامع أصلم خارج القاهرة بسوق الغنم. وكان أصله من مماليك الملك ~~المنصور قلاوون، وكان من خواص الملك الناصر محمد وقبض عليه وحبسه سنين، ثم ~~أطلقه. وكان من أعيان الأمراء، وتولى عدة ولايات بالبلاد الشامية وغيرها ~~حسب ما تقدم ذكره فيما مضى. طالت أيامه في السعادة والإمرة حتى صار من ~~أمراء المشورة. وتوفي الأمير الكبير سيف الدين الحاج آل ملك الجوكندار، ثم ~~نائب ms2104 السلطنة بالديار المصرية، مقتولا بالإسكندرية في أيام الملك الكامل ~~شعبان. وأحضر ميتا إلى القاهرة في يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة. وأصله ~~من كسب الأبلستين في الأيام الظاهرية بيبرس في سنة ست وسبعين وستمائة، ~~واشتراه قلاوون وهو أمير ومعه سلار النائب، فأنعم بسلار على ولده علي، ~~وأنعم بآل ملك هذا على ولده الآخر. وقيل قدمه لصهره الملك السعيد بركة خان ~~ابن الملك الظاهر بيبرس، فأعطاه الملك السعيد لكوندك وقيل غير ذلك. وترقى ~~آل ملك في الخدم إلى أن صار من جملة أمراء الديار المصرية. وتردد للملك ~~الناصر محمد بن قلاوون في الرسلية لما كان بالكرك من جهة الملك المظفر ~~بيبرس الجاشنكير، فأعجب الملك الناصر عقله وكلامه. فلما أن عاد الملك ~~الناصر إلى ملكه رقاه وولاه الأعمال الجليلة إلى أن ولي نيابة السلطنة ~~بديار مصر في دولة الملك الصالح إسماعيل. فلما ولي الملك الكامل شعبان ~~أخرجه لنيابة صفد، ثم طلبه وقبض عليه وقتله بالإسكندرية؛ وقد ذكرنا من ~~أحواله نبذة كبيرة في عدة تراجم فلا حاجة لتكرار ذلك، إذ ليس هذا المحل محل ~~الإطناب إلا في تراجم ملوك مصر فقط، ومن عداهم يكون على سبيل الاختصار. وآل ~~ملك هذا هو صاحب الدار العظيمة بالقرب من باب مشهد الحسين - رضي الله عنه - ~~وله هناك مدرسة أيضا تعرف به، وهو صاحب الجامع بالحسينية. وكان خيرا دينا ~~عفيفا مثريا. كان يقول: " كل أمير لا يقيم رمحه ويسكب الذهب حتى يساوي ~~السنان ما هو أمير " . وتوفي الأمير سيف الدين قماري بن عبد الله الناصري ~~أخو بكتمر الساقي مقتولا. وقد ولى نيابة طرابلس والأستادارية بديار مصر؛ ~~وكان من أعيان الأمراء الناصرية، مشهورا بالشجاعة والإقدام؛ وهو غير قماري ~~أمير شكار، وكلاهما من المماليك الناصرية. وتوفي الأمير سيف الدين ملكتمر ~~بن عبد الله السرجواني نائب الكرك في يوم الإثنين مستهل المحرم خارج ~~القاهرة، وقد قدمها من الكرك مريضا. وكان من أعيان الأمراء، وتولى عدة ~~ولايات، لا سيما نيابة الكرك، فإنه وليها غير مرة. قلت: وغالب هؤلاء ~~الأمراء ذكرنا من ms2105 أحوالهم في عدة مواطن من تراجم ملوك مصر ما يستغنى عن ~~ذكره ثانيا هنا. وتوفي ملك تونس من بلاد الغرب أبو بكر بن يحيى بن إبراهيم ~~بن يحيي بن عبد الواحد في ليلة الأربعاء ثامن شهر رجب، بعد ما ملك تونس ~~نحوا من ثلاثين سنة. وتولى بعده ابنه أبو حفص عمر. وكان أبو بكر هذا من أجل ~~ملوك الغرب، وطالت أيامه في السلطنة، وله مواقف مع العدو مشهودة. رحمه الله ~~تعالى. وتوفي القاضي تاج الدين محمد بن الخضر بن عبد الرحمن بن سليمان ~~المصري كاتب سر دمشق في ليلة الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر. وكان كاتبا فاضلا ~~باشر عدة وظائف. وتوفي الأمير سيف الدين طقتمر بن عبد الله الصلاحي نائب ~~حمص بها. وكان من أعيان أمراء مصر. وقد مر ذكره أيضا في تراجم أولاد الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن ~~نمير بن السراج بن نمير بن السراج في شعبان؛ وكان كاتبا فاضلا مقرئا، وعنده ~~مشاركة في فنون. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا وخمس أصابع. والله أعلم. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة المظفر حاجي # وهي سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. على أنه قتل في شهر رمضان منها، وحكم في ~~باقيها أخوه السلطان الملك الناصر حسن. PageV03P0136 # فيها توفي الأمير شمس الدين آق سنقر بن عبد الله الناصري مقتولا بقلعة ~~الجبل. وقد تقدم ذكر قتله وهو أن الملك المظفر حاجيا أمر بالقبض على آق ~~سنقر وعلى الحجازي بالقصر، ثم قتلا من ساعتهما تهبيرا بالسيوف في يوم الأحد ~~تاسع عشر شهر ربيع الآخر. وكان آق سنقر هذا اختص به أستاذه الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون وزوجه إحدى بناته وجعله أمير شكار، ثم أمير آخور، ثم نائب ~~غزة؛ وأعيد بعد موت الناصر في أيام الملك الصالح إسماعيل ثانيا واستقر أمير ~~آخور على عادته؛ ثم ولي نيابة طرابلس مدة؛ ثم أحضر إلى مصر في أيام الملك ~~الكامل شعبان، ms2106 وعظم قدره، ودبر الدولة في أيام الملك المظفر حاجي. ثم ثقل ~~عليه وعلى حواشيه فوشوا به وبملكتمر حتى قبض عليهما وقتلهما في يوم واحد. ~~وكان آق سنقر أميرا جليلا كريما شجاعا عارفا مدبرا. وإليه ينسب جامع آق ~~سنقر بخط التبانة خارج القاهرة بالقرب من باب الوزير. وتوفي الأمير سيف ~~الدين بيدمر البدري مقتولا بغزة في أول جمادى الآخرة؛ وهو أيضا أحد ~~المماليك الناصرية، وترقى إلى أن ولي نيابة حلب. وقد تقدم ذكر مقتله في ~~ترجمة الملك المظفر حاجي. وإليه تنسب المدرسة البيدمرية قريبا من مشهد ~~الحسين رضى الله عنه. وتوفي قاضي القضاة عماد الدين علي بن محيي الدين أحمد ~~بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد الطرسوسي الحنفي الدمشقي قاضي ~~قضاة دمشق بها، عن تسع وسبعين سنة تقريبا، بعد ما ترك القضاء لولده وانقطع ~~بداره للعبادة، إلى أن مات في يوم الإثنين ثامن عشرين ذي الحجة. وكان منشؤه ~~بدمشق، وقرأ الخلاف على الشيخ بهاء الدين بن النحاس، والفرائض على أبي ~~العلاء، وتفقه على جماعة من علماء عصره، وبرع في عدة علوم، وأفتى ودرس بعدة ~~مدارس. وكان كثير التلاوة سريع القراءة. قيل إنه كان يقرأ القرآن في ~~التروايح كاملا في أقل من ثلاث ساعات بحضور جماعة من القراء. وتولى قضاء ~~دمشق بعد قاضي القضاة صدر الدين علي الحنفي في سنة سبع وعشرين وسبعمائة ~~وحمدت سيرته. وكان أولا ينوب عنه في الحكم. رحمه الله تعالى. وتوفي قاضي ~~قضاة المالكية وشيخ الشيوخ بدمشق شرف الدين محمد بن أبي بكر ابن ظافر بن ~~عبد الوهاب الهمذاني في ثالث المحرم عن ثلاث وسبعين سنة. وكان فقيها عالما ~~صوفيا. وتوفي الشيخ الإمام الحافظ المؤرخ صاحب التصانيف المفيدة شمس الدين ~~أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الأصل ~~الفارقي الذهبي الشافعي - رحمه الله تعالى - أحد الحفاظ المشهورة في ثالث ~~ذي القعدة. ومولده في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة؛ وسمع الكثير ~~ورحل البلاد، وكتب وألف وصنف وأرخ ms2107 وصحح وبرع في الحديث وعلومه، وحصل الأصول ~~وآنتقى، وقرأ القراءات السبع على جماعة من مشايخ القراءات. استوعبنا مشايخه ~~ومصنفاته في تاريخنا " المنهل الصافي " مستوفاة. ومن مصنفاته: " تاريخ ~~الإسلام " وهو أجل كتاب نقلت عنه في هذا التاريخ. وقال الشيخ صلاح الدين ~~الصفدي - بعد ما أثنى عليه - قال: " وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من ~~تصانيفه، ولم أجد عنده جمودة المحدثين، ولا كودنة النقلة، بل هو فقيه ~~النظر، له دربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات. ~~وأعجبني منه ما يعنيه في تصانيفه؛ ثم إنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما ~~فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في روايته، وهذا لم أر غيره يراعي ~~هذه الفائدة " . وأنشدني من لفظة لنفسه مضمنا، وهو تخيل جيد إلى الغاية: ~~إذا قرأ الحديث علي شخص ... وأخلى موضعا لوفاة مثلي فما جازى بإحسان لأني ~~... أريد حياته ويريد قتلي PageV03P0137 # وتوفي الأمير الوزير نجم الدين محمود بن علي بن شروين المعروف بوزير ~~بغداد مقتولا بغزة مع الأمير بيدمر البدري في جمادى الآخرة. وكان قدم من ~~بغداد إلى القاهرة في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فلما سلم على ~~السلطان وقبل الأرض ثم قبل يده حط في يد السلطان حجر بلخش، زنته أربعون ~~درهما، قوم بمائتي ألف درهم، فاقره السلطان وأعطاه تقدمة ألف بديار مصر. ثم ~~ولي الوزر غير مرة إلى أن أخرجه الملك المظفر حاجي إلى غزة، وقتله بها هو ~~وبيدمر البدري وطغيتمر الدوادار. وكان - رحمه الله - عاقلا سيوسا كريما ~~محسنا مدبرا، محمود الاسم والسيرة في ولاياته؛ وهو ممن ولي الوزر شرقا ~~وغربا؛ وهو صاحب الخانقاه بالقرافة بجوار تربة كافور الهندي. وتوفي الشيخ ~~الإمام البارع المفتن قوام الدين مسعود بن محمد بن محمد بن سهل الكرماني ~~الحنفي بدمشق، وقد جاوز الثمانين سنة. وكان إماما بارعا في الفقه والنحو ~~والأصلين واللغة، وله شعر وتصانيف، وسماه الحافظ عبد القادر في الطبقات ~~مسعود بن إبراهيم. وتوفي الأمير سيف الدين ملكتمر بن عبد الله الحجازي ~~الناصري قتيلا في تاسع ms2108 عشر شهر ربيع الآخر مع الأمير آق سنقر المقدم ذكره. ~~وكان أصل الحجازي من مماليك شمس الدين أحمد بن يحيى بن محمد بن عمر ~~الشهرزوري البغدادي، فبذل فيه الملك الناصر محمد زيادة على مائة ألف درهم ~~حتى ابتاعه له منه المجد السلامي بمكة لما حج الشهرزوري، وقدم به على ~~الناصر؛ فلم ير بمصر أحسن منه ولا أظرف، فعرف بالحجازي. وحظي عند الملك ~~الناصر، حتى جعله من أكابر الأمراء، وزوجه بإحدى بناته. وكان فيه كل الخصال ~~الحسنة، غير أنه كان مسرفا على نفسه، منهمكا في اللذات، مدمنا على شرب ~~الخمر؛ فكان مرتبه منه في كل يوم خمسين رطلا. ولم يسمع منه في سكره وصحوه ~~كلمة فحش، ولا توسط بسوء أبدا، هذا مع سماحة النفس والتواضع والشجاعة ~~والكرم المفرط، والتجمل في ملبسه ومركبه وحواشيه. وقد تقدم كيفية قتله في ~~ترجمة الملك المظفر هذا. وتوفي الأمير طغيتمر بن عبد الله النجمي الدوادار، ~~صاحب الخانقاة النجمية خارج باب المحروق من القاهرة، مقتولا بغزة مع بيدمر ~~البدري ووزير بغداد المقدم ذكرهما. وكان طغيتمر من أجل أمراء مصر، وكان ~~عارفا عاقلا كاتبا، وعنده فضيلة ومشاركة. وكان مليح الشكل. وتوفي الأمير ~~سيف الدين يلبغا اليحياوي الناصري نائب الشام مقتولا بقلعة قاقون. تقدم ذكر ~~قتله في ترجمة الملك المظفر هذا. وكان يلبغا هذا أحد من شغف به أستاذه ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمر له الدار العظيمة التي موضعها الآن ~~مدرسة السلطان حسن تجاه القلعة. ثم جعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار ~~المصرية. ثم ولي بعد موت الملك الناصر حماة وحلب والشام. وعمر بالشام ~~الجامع المعروف بجامع يلبغا بسوق الخيل، ولم يكمله، فكمل بعد موته. وكان ~~حسن الشكالة، شجاعا كريما. بلغ إنعامه في كل سنة على مماليكه فقط مائة ~~وعشرين فرسا وثمانين حياصة ذهب. وعاش أبوه بعده، وكان تركي الجنس، وتقلب في ~~هذه السعادة، ومات وسنه نيف على عشرين سنة. وتوفي الأمير أرغون بن عبد الله ~~العلائي قتيلا بالإسكندرية. وكان أرغون أحد المماليك الناصرية، رقاه الملك ~~الناصر محمد ms2109 في خدمته، وزوجه أم ولديه: إسماعيل الصالح وشعبان الكامل، ~~وعمله لالا لأولاده، فدبر الدولة في أيام ربيبه الملك الصالح إسماعيل أحسن ~~تدبير. ثم قام بتدبير ربيبه أيضا الملك الكامل شعبان حتى قتل شعبان لسوء ~~سيرته وأرغون ملازمه، فقبض على أرغون المذكور بعد الهزيمة، وسجن ~~بالإسكندرية إلى أن قتله الملك المظفر حاجي فيمن قتل؛ وقد تقدم ذكر ذلك كله ~~مفصلا في وقته. وأرغون هذا هو صاحب الخانقاه بالقرافة. وكان عاقلا عارفا ~~مدبرا سيوسا كريما، ينعم في كل سنة بمائتين وثلاثين فرسا، ومبلغ أربعين ألف ~~دينار. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: وعظمت حرمته لما دبر المملكة، وكثرت ~~أرزاقه وأملاكه، وصار أكبر من النواب بالديار المصرية، وهو باق على وظيفته ~~رأس نوبة الجمدارية، وجنديته إلى آخر وقت. قلت: وهذا الذي ذكره صلاح الدين ~~من العجب: كونه يكون مدبر مملكتي الصالح والكامل، وهو غير أمير. انتهى. ~~PageV03P0138 # وتوفي جماعة من الأمراء بسيف السلطان الملك المظفر حاجي، منهم: الأمير ~~أيتمش عبد الغني والأمير تمر الموساوي الساقي والأمير قرابغا والأمير ~~صمغار، الجميع بسجن الإسكندرية؛ وهم من المماليك الناصرية محمد بن قلاوون. ~~وقتل أيضا بقلعة الجبل الأمير غرلو في خامس عشرين جمادى الآخرة، وقد تقدم ~~التعريف بحاله عند قتله في ترجمة الملك المظفر حاجي. وكان جركسي الجنس، ~~ولهذا كان جمع الجراكسة على الملك المظفر حاجي، لأنهم من جنسه. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وست أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ~~ذراعا وثماني أصابع. ### | AUT سلطنة الناصر حسن الأولى # السلطان الملك الناصر بدر الدين، وقيل ناصر الدين، أبو المعالي حسن - ~~واللقب الثاني أصح، لأنه أخذ كنية أبيه، ولقبه وشهرته - ابن السلطان الملك ~~الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون. وأمه أم ولد ماتت عنه وهو ~~صغير، فتولى تربيته خوند أردو، وكان أولا يدعى قماري، واستمر بالدور ~~السلطانية إلى أن كان من أمر أخيه الملك المظفر خاجي ما كان. وطلبت ~~المماليك أخاه حسينا للسلطنة، فقام الأمراء بسلطنة حسن هذا، وأجلسوه على ~~تخت الملك بالإيوان في يوم الثلاثاء، ms2110 رابع عشر شهر رمضان سنة ثماني وأربعين ~~وسبعمائة؛ وركب بشعار السلطنة وأبهة الملك. ولما جلس على تخت الملك لقبوه ~~بالملك الناصر سيف الدين قماري، فقال السلطان حسن للنائب أرقطاي: " يا أبت ~~ما آسمي قماري، إنما اسمي حسن " ؛ فاستلطفه الناس لصغر سنه ولذكائه، فقال ~~له النائب: " يا خوند - والله - إن هذا آسم حسن، على خيرة الله تعالى " . ~~فصاحت الجاووشية في الحال بآسمه وشهرته وتم أمره؛ وحلف له الأمراء على ~~العادة، وعمره يوم سلطنته إحدى عشرة سنة. وهو السلطان التاسع عشر من ملوك ~~الترك بالديار المصرية، والسابع من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون. وفي ~~يوم الأربعاء خامس عشره اجتمع الأمراء بالقلعة، وأخرج لهم الطواشي دينار ~~الشبلي المال من الخزانة. ثم طلب الأمراء خدام الملك المظفر وعبيده، ومن ~~كان يعاشره من الفراشين ولعاب الحمام، وسلموا لشاد الدواوين على حمل ما ~~أخذوه من الملك المظفر من الأموال فأقر الخدام أن الذي خص " كيدا " في مدة ~~شهرين نحو خمسة وثلاثين ألف دينار ومائتين وعشرين ألف درهم؛ وخص عبد علي ~~العواد نحو ستين ألف درهم؛ وخص الإسكندر بن كتيلة الجنكي نحو الأربعين ألف ~~درهم؛ وخص العبيد والفراشين ومطيري الحمام نحو مائة ألف درهم. وأظهر بعض ~~الخدام حاصلا تحت يده من الجوهر واللؤلؤ، ما قيمته زيادة على مائة ألف ~~دينار، وتفاصيل حرير، وبذلات زركش بمائة ألف دينار أخرى. وفي يوم الخميس ~~قبض على الأمير أيدمر الزراق والأمير قطز أمير آخور والأمير بلك الجمدار، ~~وأخرج قطز لنيابة صفد. وقطعت أخباز عشرين خادما وخبز عبد علي العواد المغني ~~وخبز إسكندر بن بدر الدين كتيلة الجنكي. ثم قبض يوم الأحد على الطواشي عنبر ~~السحرتي مقدم المماليك، وعلى الأمير آق سنقر أمير جندار. ثم عرضت المماليك ~~أرباب الوظائف وأخرج منهم جماعة. وأحيط بمال " كيدا " حظية الملك المظفر ~~التي أخذها بعد اتفاق السوداء العواد وأموال بقية الحظايا وأنزلن من ~~القلعة. وفيه كتبت أوراق بمرتبات الخدام والعبيد والجواري فقطعت كلها. وكان ~~أمر المشورة في الدولة والتدبير لتسعة أمراء: بيبغا أرس القاسمي، وألجيبغا ms2111 ~~المظفري، وشيخون العمري، وطاز الناصري، وأحمد شاد الشراب خاناه، وأرغون ~~الإسماعيلي، وثلاثة أخر. واستقر الأمير شيخون رأس نوبة كبيرا وشارك في ~~تدبير المملكة. وآستقر الأمير مغلطاي أمير آخور عوضا عن الأمير قطز. ثم رسم ~~بالإفراج عن الأمير بزلار من سجن الإسكندرية. ثم جهزت التشاريف لنواب ~~البلاد الشامية، وكتب لهم بما وقع من أمر الملك المظفر وقتله، وسلطنة الملك ~~الناصر حسن وجلوسه على تخت الملك. ثم اتفقوا الأمراء على تخفيف الكلف ~~السلطانية، وتقليل المصروف بسائر الجهات، وكتبت أوراق بما على الدولة من ~~الكلف. PageV03P0139 # وأخذ الأمراء في بيع طائفة الجراكسة من المماليك السلطانية، وقد كان ~~الملك المظفر حاجي قربهم إليه بواسطة غرلو وجلبهم من كل مكان، وأراد أن ~~ينشئهم على الآتراك، وأدناهم إليه حتى عرفوا بين الأمراء بكبر عمائمهم، ~~وقوي أمرهم، وعملوا كلفتات خارجة عن الحد في الكبر. فطلبوا الجميع وأخرجوهم ~~منفيين خروجا فاحشا وقالوا: هؤلاء جيعة النفوس كثيرو الفتن. ثم قدم كتاب ~~نائب الشام الأمير أرغون شاه يتضمن موافقته للأمراء ورضاءه بما وقع، وغض من ~~الأمير فخر الدين إياس نائب حلب. وكان الأمير أرقطاي النائب قد طلب من ~~الأمراء أن يعفوه من النيابة ويولوه بلدا من البلاد فلم يوافقوه الأمراء ~~على ذلك؛ فلما ورد كتاب نائب الشام يذكر فيه أن إياس يصغر عن نيابة حلب، ~~فإنه لا يصلح لها إلا رجل شيخ كبير القدر، له ذكر بين الناس وشهرة، فعند ~~ذلك طلب الأمير أرقطاي النائب نيابة حلب، فخلع عليه بنيابة حلب في يوم ~~الخميس خامس شوال، واستقر عوضه في نيابة السلطنة بالديار المصرية الأمير ~~بيبغا أرس أمير مجلس، وخلع عليهما معا. وجلس بيبغا أرس في دست النيابة وجلس ~~أرقطاي دونه بعد ما كان قبل ذلك أرقطاي في دست النيابة وبيبغا دونه. وفي ~~يوم السبت سابعه قدم الأمير منجك اليوسفي السلاح دار حاجب دمشق وأخو بيبغا ~~أرس من الشام، فرسم له بتقدمه ألف بديار مصر، وخلع عليه، واستقر وزيرا ~~وأستادارا؛ وخرج في موكب عظيم والأمراء بين يديه؛ فصار حكم مصر للأخوين: ~~بيبغا ms2112 أرس ومنجك السلاحدار. ثم في يوم الثلاثاء عاشر شوال خرج الأمير ~~أرقطاي إلى نيابة حلب، وصحبته الأمير كشلي الإدريسي مسفرا. ثم إن الأمير ~~منجك اشتد على الدواوين، وتكلم فيهم حتى خافوه بأسرهم، وقاموا له بتقادم ~~هائلة؛ فلم يمض شهر حتى أنس بهم، وآعتمد عليهم في أموره كلها. وتحدث منجك ~~في جميع أقاليم مصر ومهد أمورها. ثم قدم سيف الأمير فخر الدين إياس نائب ~~حلب بعد القبض عليه، فخرج مقيدا، وحبس بالإسكندرية. ثم تراسل المماليك ~~الجراكسة مع الأمير حسين ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على أن يقيموه ~~سلطانا فقبض على أربعين منهم، وأخرجوا على الهجن مفرقين إلى البلاد ~~الشامية. ثم قبض على ستة منهم، وضربوا تجاه الإيوان من القلعة ضربا مبرحا، ~~وقيدوا وحبسوا بخزانة شمائل. ثم عملت الخدمة بالإيوان، واتفقوا على أن ~~الأمراء إذا انفضوا من خدمة الإيوان، دخل أمراء المشورة والتدبير إلى القصر ~~دون غيرهم من بقية الأمراء، ونفذوا الأمور على اختيارهم من غير أن يشاركهم ~~أحد من الأمراء في ذلك. فكانوا إذا حضروا الخدمة بالإيوان خرج الأمير منكلي ~~بغا الفخري والأمير بيغرا والأمير بيبغا ططر والأمير طيبغا المجدي والأمير ~~أرلان وسائر الأمراء، فيمضوا على حالهم، إلا أمراء المشورة وهم: الأمير ~~بيبغا أرس النائب، والأمير شيخون العمري رأس نوبة النوب، والأمير طاز، ~~والأمير الوزير منجك اليوسفي السلاح دار، والأمير ألجيبغا المظفري، والأمير ~~طنيرق، فإنهم يدخلون القصر، وينفذون أحوال المملكة بين يدي السلطان بمقتضى ~~علمهم وحسب اختيارهم. وفي هذه السنة استجد بمدينة حلب قاض مالكي وقاض ~~حنبلي؛ فولي قضاء المالكية بها شهاب الدين أحمد بن ياسين الرباحي، وتولى ~~قضاء الحنابلة بها شرف الدين أبو البركات موسى بن فياض؛ ولم يكن قبل ذلك ~~مالكي ولا حنبلي، وذلك في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. PageV03P0140 # وفي يوم الثلاثاء أول المحرم سنة تسع وأربعين وسبعمائة، قبض على الشيخ ~~علي الكسيح نديم الملك المظفر حاجي، وضرب بالمقارع والكسارات ضربا عظيما، ~~وقلعت أسنانه وأضراسه شيئا بعد شيء في عدة أيام، ونوع له العذاب أنواعا حتى ~~هلك. وكان ms2113 بشع المنظر، له حدبة في ظهره وحدبة في صدره، كسيحا لا يستطيع ~~القيام، وإنما يحمل على ظهر غلامه. وكان يلوذ بألجيبغا المظفري، فعرف به ~~ألجيبغا الملك المظفر حاجيا فصار يضحكه. وأخرج المظفر حرمه عليه، وعاقره ~~الشراب، فوهبته الحظايا شيئا كثيرا. ثم زوجه الملك المظفر بإحدى حظاياه، ~~وصار يسأله عن الناس فينقل له أخبارهم على ما يريد، وداخله في قضاء ~~الأشغال. فخافه الأمراء وغيرهم خشية لسانه، وصانعوه بالمال حتى كثرت ~~أمواله، بحيث إنه كان إذا دخل خزانة الخاص، لا بد أن يعطيه ناظر الخاص منها ~~شيئا له قدر، ويدخل عليه ناظر الخاص حتى يقبله منه. وإنه إذا دخل إلى ~~النائب أرقطاي استعاذ أرقطاي من شره، ثم قام له وترحب به وسقاه مشروبا، ~~وقضى شغله الذي جاء بسببه، وأعطاه ألف درهم من يده وآعتذر له، فيقول ~~النائب: هاأنا داخل إلى ابني السلطان وأعرفه إحسانك إلي. فلما دالت دولة ~~الملك المظفر عني به ألجيبغا، إلى أن شكاه عبد العزيز العجمي - أحد أصحاب ~~الأمير آق سنقر - على مال أخذه منه لما قبض عليه غرلو بعد قتل آق سنقر حتى ~~خلصه منه. فتذكر أهل الدولة وسلموه إلى الوالي، فعاقبه واشتد عليه الوزير ~~منجك حتى أهلكه. وفي المحرم هذا وقعت الوحشة ما بين النائب بيبغا أرس وبين ~~شيخون، ثم دخل بينهما منجك الوزير حتى أصلح ما بينهما. ثم في يوم الإثنين ~~ثالث شهر ربيع الأول عزل الأمير منجك عن الوزارة. وسببه أن علم الدين عبد ~~الله بن زنبور ناظر الخاص قدم من الإسكندرية بالحمل على العادة، فوقع ~~الاتفاق على تفرقته على الأمراء، فحمل إلى النائب منه ثلاثة آلاف ~~دينار،وإلى شيخون ثلاثة آلاف دينار، وللجماعة من الأمراء كل واحد ألفا ~~دينار، وهم بقية أمراء المشورة، ولجماعة الأمراء المقدمين كل واحد ألف ~~دينار. فامتنع شيخون من الأخذ وقال: أنا ما يحل لي أن اخذ من هذا شيئا. ثم ~~قدم حمل قطيا وهو مبلغ سبعين ألف درهم، وكانت قطيا قد أرصدت لنفقة ~~المماليك؛ فأخذ الوزير منجك منها أربعين ألف ms2114 درهم، وزعم أنها كانت له قرضا ~~في نفقة المماليك. فوقفت المماليك إلى الأمير شيخون وشكوا الوزير بسببها؛ ~~فحدث الأمير شيخون الوزير في رد ما أخذه فلم يفعل، وأخذ في الحط على ابن ~~زنبور ناظر الخواص، وأنه يأكل المال جميعه، وطلب إضافة نظر الخاص له مع ~~الوزارة والأستادارية. وألح في ذلك عدة أيام، فمنعه شيخون من ذلك، وشد من ~~أزر ابن زنبور وقام بالمحاققة عنه، وغضب منجك بحضرة الأمراء في الخدمة. ~~فمنع النائب بيبغا أروس الوزير منجك من التحدث في الخاص. وانقض المجلس، وقد ~~تنكر كل منهما على الآخر. وكثرت القالة بالركوب على النائب ومنجك حتى ~~بلغهما ذلك، فطلب النائب الإعفاء من النيابة وإخراج أخيه منجك من الوزارة، ~~وأبدأ وأعاد حتى كثر الكلام. ووقع الاتفاق على عزل منجك من الوزارة، ~~واستقراره أستادارا على حاله وشادا على عمل الجسور في النيل. وطلب أسندمر ~~العمري المعروف برسلان بصل من كشف الجسور ليتولى الوزارة، فحضر وخلع عليه ~~في يوم الإثنين رابع عشرينه. وفيه أخرج الأمير أحمد شاد الشراب خاناه إلى ~~نيابة صفد وسبب ذلك أنه كان كبر في نفسه وقام مع المماليك على الملك المظفر ~~حاجي حتى قتل. ثم أخذ في تحريك الفتنة وآتفق مع ألجيبغا وطنيرق على الركوب. ~~فبلغ بيبغا أرس النائب الخبر، فطلب الإعفاء من النيابة وذكر ما بلغه وقال: ~~" إن أحمد صاحب فتن ولا بد من إخراجه من بيننا " فطلب أحمد وخلع عليه وأخرج ~~من يومه. PageV03P0141 # ثم في يوم الأربعاء سادس عشرين ربيع الأول أنعم على الأمير منجك اليوسفي ~~بتقدمة أحمد شاد الشراب خاناه. ثم في الغد يوم الخميس امتنع النائب من ~~الركوب في الموكب وأجاب بأنه ترك النيابة؛ فطلب إلى الخدمة وسئل عن سبب ~~ذلك، فذكر أن الأمراء المظفرية تريد إقامة الفتنة وتبيت خيولهم في كل ليلة ~~مشدودة، وقد اتفقوا على مسكه، وأشار لألجيبغا وطنيرق. فأنكرا ما ذكر النائب ~~عنهما، فحاققهما الأمير أركون الكاملي أن ألجيبغا واعده بالأمس على الركوب ~~في غد وقت الموكب، ومسك النائب ومنجك. فعتب عليهما الأمراء، ms2115 فاعتذرا بعذر ~~غير مقبول، وظهر صدق ما نقله النائب؛ فخلع على ألجيبغا بنيابة طرابلس وعلى ~~طنيرق بإمرة في دمشق وأخرجا من يومهما. فقام في أمر طنيرق صهره الأمير ~~طشتمر طلليه حتى أعفي من السفرة وتوجه ألجيبغا إلى طرابلس في ثامن شهر ربيع ~~الآخر من السنة بعد ما أمهل أياما. واستمر منجك معزولا إلى أن أعيد إلى ~~الوزر في يوم الإثنين خامس عشر شهر ربيع الآخر باستعفاء أسندمر العمري ~~لتوقف أحوال الوزارة. وفيه أيضا أخرج من الأمراء المظفرية لاجين العلائي ~~وطيبغا المظفري ومنكلي بغا المظفري وفرقوا ببلاد الشام. ثم قدمت تقدمة ~~الأمير أرغون شاه نائب الشام زيادة عما جرت به العادة، وهي مائة وأربعون ~~فرسا بعبي تدمرية فوقها أجلة أطلس، ومقاود سلاسلها فضة، ولواوين بحلق فضة، ~~وأربعة قطر هجن بمقاود حرير، وسلاسل فضة وذهب، وأكوارها مغشاة بذهب، وأربعة ~~كنابيش ذهب عليها ألقاب السلطان، وتعابي قماش مبقجة من كل صنف؛ ولم يدع ~~أحدا من الأمراء المقدمين ولا من أرباب الوظائف، حتى الفراش ومقدم الإسطبل ~~ومقدم الطبلخاناه والطباخ، حتى بعث إليهم هدية. فخلع على مملوكه عدة خلع، ~~وكتب إليه بزيادة على إقطاعه، ورسم له بتفويض حكم الشام جميعه إليه، يعزل ~~ويولي من يختار. وفيه أنعم علي خليل بن قوصون بإمرة طبلخاناه؛ وأنعم أيضا ~~على ابن المجدي بإمرة طبلخاناه؛ وأنعم على أحد أولاد منجك الوزير بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف. ثم في ثالث ذي الحجة أخرج طشبغا الدوادار إلى الشام. ~~وسببه مفاوضة جرت بينه وبين القاضي علاء الدين علي بن فضل الله كاتب السر، ~~أفضت به إلى أن أخذ طشبغا بأطواق كاتب السر ودخلا على الأمير شيخون كذلك؛ ~~فأنكر شيخون على طشبغا، ورسم بإخراجه، وعمل مكانه قطليجا الأرغوني دوادارا. ~~ثم رسم للأمير بيغرا أمير جاندار أن يجلس رأس ميسرة، واستقر الأمير أيتمش ~~الناصري حاجب الحجاب أمير جاندار عوضه، واستقر الأمير قبلاي حاجب الحجاب ~~عوضا عن أيتمش. وكانت هذه السنة أعني سنة تسع وأربعين وسبعمائة كثيرة ~~الوباء والفساد بمصر والشام، من كثرة قطع الطريق، وولاية الأمير ms2116 منجك جميع ~~أعمال المملكة بالمال، وآنفراده وأخيه بيبغا أرس بتدبير المملكة. ومع هذا ~~كان فيها أيضا الوباء لم يقع مثله في سالف الأعصار، فإنه كان ابتدأ بأرض ~~مصر آخر أيام التخضير في فصل الخريف في أثناء سنة ثمان وأربعين. فما أهل ~~المحرم سنة تسع وأربعين حتى اشتهر وآشتد بديار مصر في شعبان ورمضان وشوال، ~~وارتفع في نصف ذي القعدة. فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى ~~خمسة عشر ألف نفس " إلى عشرين ألف نفس " في كل يوم. وعملت الناس التوابيت ~~والدكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجرة، وحمل أكثر الموتى على ألواح الخشب ~~وعلى السلالم والأبواب، وحفرت الحفائر وألقيت فيها الموتى؛ فكانت الحفيرة ~~يدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر. وكان الموت بالطاعون، يبصق الإنسان ~~لحما ثم يصيح ويموت؛ ومع هذا عم الغلاء الدنيا جميعها. ولم يكن هذا الوباء ~~كما عهد في إقليم دون إقليم، بل عم أقاليم الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ~~جميع أجناس بني آدم وغيرهم، حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر. ~~PageV03P0142 # وكان أول آبتدائه من بلاد القان الكبير حيث الإقليم الأول، وبعدها من ~~تبريز إلى آخرها ستة أشهر، وهي بلاد الخطا والمغل وأهلها يعبدون النار ~~والشمس والقمر، وتزيد عدتهم على ثلاثمائة جنس. فهلكوا بأجمعهم من غير علة، ~~في مشاتيهم ومصايفهم وعلى ظهور خيلهم؛ وماتت خيولهم، وصاروا جيفة مرمية فوق ~~الأرض؛ وكان ذلك في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة. ثم حملت الريح نتنهم إلى ~~البلاد، فما مرت على بلد إلا وساعة شمها إنسان أو حيوان مات لوقته؛ فهلك من ~~أجناد القان خلائق لا يحصيها إلا الله تعالى. ثم هلك القان وأولاده الستة ~~ولم يبق بذلك الإقليم من يحكمه. ثم اتصل الوباء ببلاد الشرق جميعها: بلاد ~~أزبك وبلاد إسطنبول وقيصرية الروم؛ ثم دخل أنطاكية حتى أفنى من بها. وخرج ~~جماعة من بلاد أنطاكية فارين من الموت فماتوا بأجمعهم في طريقهم؛ ثم عم ~~الوباء، جبال ابن قرمان وقيصرية، ففني أهلها ودوابهم ومواشيهم. فرحلت ~~الأكراد خوفا من الموت، فلم يجدوا أرضا إلا ms2117 وفيها الموت، فعادوا إلى أرضهم ~~وماتوا جميعا. ثم وقع ذلك ببلاد سيس فمات لصاحبها تكفور في يوم واحد بموضع ~~مائة وثمانون نفسا وخلت سيس. ثم وقع في بلاد الخطا مطر عظيم لم يعهد مثله ~~في غير أوانه، فماتت دوابهم ومواشيهم عقيب ذلك المطر حتى فنيت. ثم مات ~~الناس والوحوش والطيور حتى خلت بلاد الخطا؛ وهلك ستة عشر ملكا في مدة ثلاث ~~أشهر. وأفني أهل الصين حتى لم يبق منهم إلا القليل، وكذلك بالهند. ثم وقع ~~ببغداد أيضا، فكان الإنسان يصبح وقد وجد بوجهه طلوعا، فما هو إلا أن يمد ~~يده على موضع الطلوع فيموت في الوقت. وكان أولاد دمرادش قد حصروا الشيخ ~~حسنا صاحب بغداد، ففجأهم الموت في عسكرهم من وقت المغرب إلى باكر النهار ~~إلى الغد، فمات منهم عدد كثير نحو الألف ومائتي رجل وستة أمراء وحوادث ~~كثيرة؛ فكتب الشيخ حسن صاحب بغداد بذلك إلى سلطان مصر. ثم في أول جمادى ~~الأولى ابتدأ الوباء بمدينة حلب، ثم بالبلاد الشامية كلها، وبلاد ماردين ~~وجبالها، وجميع ديار بكر، وأفنى بلاد صفد والقدس والكرك ونابلس والسواحل ~~وعربان البوادي حتى إنه لم يبق ببلد جينين غير عجوز واحدة خرجت منها فارة. ~~وكذلك وقع بالرملة وغيرها؛ وصارت الخانات ملآنة بجيف الموتى. ولم يدخل ~~الوباء معرة النعمان من بلاد الشام ولا بلد شيزر ولا حارم. وأول ما بدأ ~~بدمشق؛ كان يخرج خلف أذن الإنسان بثرة فيخر صريعا. ثم صار يخرج للإنسان كبة ~~تحت إبطه فيموت أيضا سريعا. ثم خرجت بالناس خيارة فقتلت خلقا كثيرا. ثم صار ~~الآدمي يبصق لحما ويموت من وقته؛ فاشتد الهول من كثرة الموت، حتى إنه أكثر ~~ما كان يعيش من يصيبه ذلك خمسين ساعة. وبلغ عدة من يموت في كل يوم بمدينة ~~حلب خمسمائة إنسان، ومات بمدينة غزة في ثاني المحرم إلى رابع صفر - على ما ~~ورد في كتاب نائبها - زيادة على اثنين وعشرين ألف إنسان، حتى غلقت أسواقها. ~~وشمل الموت أهل الضياع بها، وكان آخر زمان الحرث. فكان الرجل يوجد ms2118 ميتا خلف ~~محراثه، ويوجد آخر قد مات وفي يده ما يبذره. ثم ماتت أبقارهم؛ وخرج رجل ~~بعشرين رأس بقر، لإصلاح أرضه فماتوا واحدا بعد واحد، وهو يراهم يتساقطون ~~قدامه؛ فعاد إلى غزة. ودخل ستة نفر لسرقة دار بغزة فأخذوا ما في الدار ~~ليخرجوا به فماتوا بأجمعهم. وفر نائبها إلى ناحية بدعرش، وترك غزة خالية. ~~ومات أهل قطيا وصارت جثثهم تحت النخل وعلى الحوانيت، حتى لم يبق بها سوى ~~الوالي وغلامين وجارية عجوز. وبعث الوالي يستعفي فولى الوزير عوضه مبارك، ~~أستادار طغجي. PageV03P0143 # ثم عم الوباء بلاد الفرنج، وابتدأ في المواشي ثم في الأطفال والشباب. ~~فلما شنع الموت فيهم جمع أهل قبرس من في أيديهم من أسرى المسلمين وقتلوهم ~~جميعا من بعد العصر إلى المغرب، خوفا من أن تفرغ الفرنج فتملك المسلمون ~~قبرس. فلما كان بعد العشاء الأخير؛ هبت ريح شديدة، وحدثت زلزلة عظيمة، ~~وامتد البحر في المدينة نحو مائة قصبة، فغرق كثير من مراكبهم وتكسرت. فظن ~~أهل قبرس أن الساعة قامت، فخرجوا حيارى لا يدرون ما يصنعون. ثم عادوا إلى ~~منازلهم، فإذا أهاليهم قد ماتوا؛ وهلك لهم في هذا الوباء ثلاثة ملوك. ~~واستمر الوباء فيهم مدة أسبوع، فركب منهم ملكهم الذي ملكوه رابعا، في جماعة ~~في المراكب يريدون جزيرة بالقرب منهم، فلم يمض عليهم في البحر إلا يوم ~~وليلة ومات أكثرهم في المراكب؛ ووصل باقيهم إلى الجزيرة فماتوا بها عن ~~آخرهم. ووافى هذه الجزيرة بعد موتهم مركب فيها تجار، فماتوا كلهم وبخارتهم ~~إلا ثلاثة عشر رجلا، فمروا إلى قبرس فوصلوها، وقد بقوا أربعة نفر، فلم ~~يجدوا بها أحدا؛ فساروا إلى طرابلس وحدثوا بذلك، فلم تطل مدتهم بها وماتوا. ~~وكانت المراكب إذا مرت بجزائر الفرنج لا تجد ركابها بها أحدا، وإن صدفت في ~~بعضها جماعة فإنهم، يدعونهم أن يأخذوا من أصناف البضائع ما أحبوا بغير ثمن. ~~ولكثرة من كان يموت عندهم، صاروا يلقون الأموات في البحر. وكان سبب الموت ~~عندهم ريح تمر على البحر فساعة يشمها الإنسان سقط، ولا يزال يضرب برأسه ms2119 إلى ~~الأرض حتى يموت. وقدمت مراكب إلى الإسكندرية، وكان فيها اثنان وثلاثون ~~تاجرا وثلاثمائة رجل ما بين تجار وعبيد، فماتوا كلهم ولم يصل منهم غير ~~أربعة من التجار وعبد واحد، ونحو أربعين من البحارة. وعم الموت جزيرة ~~الأندلس بكمالها إلا مدينة غرناطة فإنهم نجوا، ومات من عداهم حتى إنه لم ~~يبق للفرنج من يمنع أموالهم؛ فأتتهم العرب من إفريقية تريد أخذ الأموال إلى ~~أن صاروا على نصف يوم منها، فمرت بهم ريح فمات منهم على ظهور الخيل جماعة ~~كثيرة ودخلها باقيهم، فرأوا من الأموات ما هالهم، وأموالهم ليس لها من ~~يحفظها؛ فأخذوا ما قدروا عليه، وهم يتساقطون موتى. فنجا من بقي منهم بنفسه، ~~وعادوا إلى بلادهم وقد هلك أكثرهم، والموت قد فشا بأرضهم أيضا بحيث إنه مات ~~منهم في ليلة واحدة عمد كثير. وعم الموتان أرض إفريقية بأسرها، جبالها ~~وصحاريها ومدنها، وجافت من الموتى، وبقيت أموال العربان سائبة لا تجد من ~~يرعاها. ثم أصاب الغنم داء، فكانت الشاة إذا ذبحت وجد لحمها منتنا قد اسود ~~وتغير، وماتت المواشي بأسرها. ثم وقع الوباء بأرض برقة إلى الإسكندرية، ~~فصار يموت في كل يوم مائة. ثم صار يموت مائتان، وعظم عندهم حتى إنه صلي في ~~اليوم الواحد بالجامع دفعة واحدة على سبعمائة جنازة. وصاروا يحملون الموتى ~~على الجنويات والألواح، وغلقت دار الطراز لعدم الصناع، وغلقت دار الوكالة ~~لعدم الواصل إليها، وغلقت الأسواق وأريق ما بها من الخمور. وقدمها مركب فيه ~~إفرنج فأخبروا أنهم رأوا بجزيرة طرابلس مركبا عليه طير تحوم في غاية ~~الكثرة، فقصدوه فإذا جميع من فيها ميت والطير يأكلهم، وقد مات من الطير ~~أيضا شيء كثيرة فتركوهم ومروا، فما وصلوا إلى الإسكندرية حتى مات منهم ~~زيادة على ثلثهم. ثم وصل إلى مدينة دمنهور وتروجة والبحيرة كلها حتى عم ~~أهلها؛ وماتت دوابهم ومواشيهم. وبطل من البحيرة سائر الضمانات. وشمل الموت ~~أهل البرلس ونستراوة، وتعطل الصيد من البحيرة بموت الصيادين. فكان يخرج في ~~المركب عدة صيادين فيموت أكثرهم، ويعود من بقي منهم فيموت ms2120 بعد عوده من يومه ~~هو وأولاده وأهله. ووجد في حيتان البطارخ شيء منتن، وفيه على رأس البطارخة ~~كبة منتنة قدر البندقة قد آسودت. ووجد في جميع زراعات البرلس وبلحها دود، ~~وتلف أكثر تمر النخل عندهم. وصارت الأموات على الأرض في جميع الوجه البحري ~~لا يوجد من يدفنها. PageV03P0144 # ثم عظم الوباء بالمحلة حتى إن الوالي كان لا يجد من يشكو إليه؛ وكان ~~القاضي إذا أتاه من يريد الإشهاد على شخص لا يجد من العدول أحدا إلا بعد ~~عناء لقلتهم. وصارت الفنادق لا تجد من يحفظها. وماتت الفلاحون بأسرهم إلا ~~القليل، فلم يوجد من يضم الزرع. وزهد أرباب الأموال في أموالهم وبذلوها ~~للفقراء؛ فبعث الوزير منجك إلى الغربية كريم الدين ابن الشيخ مستوفي الدولة ~~ومحمد بن يوسف مقدم الدولة، فدخلوا على سنباط وسمنود وبوصير وسنهور وأبشيه، ~~ونحوها من البلاد، وأخذوا مالا كثيرا، لم يحضروا منه سوى ستين ألف درهم. ~~وعجز أهل بلبيس وسائر الشرقية عن ضم الزرع لكثرة موت الفلاحين. وكان ابتداء ~~الوباء عندهم من أول فصل الصيف الموافق لأثناء شهر ربيع الآخر من سنة تسع ~~وأربعين وسبعمائة. فجافت الطرقات بالموتى، ومات سكان بيوت الشعر ودوابهم ~~ومواشيهم. وامتلأت مساجد بلبيس وفنادقها وحوانيتها بالموتى، ولم يبق مؤذن، ~~وطرحت الموتى بجامعها، وصارت الكلاب فيه تأكل الموتى. ثم قم الخبر من دمشق ~~أن الوباء كان بها أخف مما كان بطرابلس وحماة وحلب، فلما دخل شهر رجب ~~والشمس في برج الميزان أوائل فصل الخريف، هبت في نصف الفيل ريح شديدة جدا، ~~واستمرت حتى مضى من النهار قدر ساعتين، فآشتدت الظلمة حتى كان الرجل لا يرى ~~من بجانبه؛ ثم انجلت وقد علت وجوه الناس صفرة ظاهرة في وادي دمشق كله. وأخذ ~~فيهم الموت مدة شهر رجب فبلغ في اليوم ألفا ومائتي إنسان. وبطل إطلاق ~~الموتى من الديوان، وصارت الأموات مطروحة في البساتين على الطرقات. فقدم ~~على قاضي القضاة تقي الدين السبكي قاضي دمشق رجل من جبال الروم، وأخبر أنه ~~لما وقع الوباء ببلاد الروم رأى في نومه ms2121 رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فشكا إليه ما نزل بالناس من الفناء فأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ~~اقرأوا سورة نوح ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين مرة، واسألوا الله في رفع ما ~~أنتم فيه؛ فعرفهم ذلك فاجتمع الناس في المساجد، وفعلوا ما ذكر لهم، وتضرعوا ~~إلى الله تعالى وتابوا إليه من ذنوبهم، وذبحوا أبقارا وأغناما كثيرة ~~للفقراء مدة سبعة أيام، والفناء يتناقص كل يوم حتى زال. فلما سمع القاضي ~~والنائب ذلك نودي بدمشق باجتماع الناس بالجامع الأموي، فصاروا به جمعا ~~كبيرا وقرأوا " صحيح البخاري " في ثلاثة أيام وثلاث ليال. ثم خرج الناس ~~كافة بصبيانهم إلى المصلى وكشفوا رؤوسهم وضجوا بالدعاء؛ وما زالوا على ذلك ~~ثلاثة أيام فتناقص الوباء حتى ذهب بالجملة. وكان ابتداؤه بالقاهرة ومصر في ~~النساء والأطفال ثم بالباعة حتى كثر عدد الأموات؛ فركب السلطان إلى ~~سرياقوس، وأقام بها من أول شهر رجب إلى العشرين منه، وقصد العود إلى القلعة ~~فأشير عليه بالإقامة في سرياقوس وصوم رمضان بها. ثم قدم كتاب نائب حلب بأن ~~بعض أكابر الصلحاء رأى النبي في نومه، فشكا إليه ما نزل بالناس من الوباء، ~~فأمره صلى الله عليه وسلم بالتوبة، والدعاء بهذا الدعاء المبارك وهو: اللهم ~~سكن هيبة صدمة قهرمان الحروب بألطافك النازلة الواردة من فيضان الملكوت، ~~حتى نتشبث بأذيال لطفك، ونعتصم بك عن إنزال قهرك، يا ذا القوة والعظمة ~~الشاملة، والقدرة الكاملة، يا ذا الجلال والإكرام. وأنه كتب بها عدة نسخ ~~بعث بها إلى حماة وطرابلس ودمشق. وفي شعبان تزايد الوباء بديار مصر، وعظم ~~في شهر رمضان، وقد دخل فصل الشتاء؛ فرسم بالاجتماع في الجوامع للدعاء. وفي ~~يوم الجمعة سادس شهر رمضان، نودي أن يجتمع الناس بالصناجق الخليفتية ~~والمصاحف عند قبة النصر خارج القاهرة، فآجتمع الناس بعامة جوامع مصر ~~والقاهرة، وخرج المصريون إلى مصلى خولان بالقرافة، واستمر قراءة البخاري ~~بالجامع الأزهر وغيره عدة أيام، والناس يدعون إلى الله تعالى ويقنتون في ~~صلواتهم. ثم خرجوا إلى قبة النصر وفيهم الأمير شيخون والوزير منجك ms2122 اليوسفي ~~والأمراء بملابسهم الفاخرة من الذهب وغيره، في يوم الأحد ثامن شهر رمضان. ~~ومات في ذلك اليوم الرجل الصالح سيدي عبد الله المنوفي، تغمده الله برحمته، ~~وأعاد علينا من بركاته، فصلى عليه ذلك الجمع العظيم، وعاد الأمراء إلى ~~سرياقوس وأنفق الجمع. واشتد الوباء بعد ذلك حتى عجز الناس عن حصر الموتى. ~~PageV03P0145 # فلما انقضى شهر رمضان حضر السلطان من سرياقوس. وحدث في الناس في شوال نفث ~~الدم، فكان الإنسان يحس في نفسه بحرارة ويجد غثيانا فيبصق دما ويموت عقيبه، ~~ويتبعه أهل داره واحدا بعد واحد حتى يفنوا جميعا بعد ليلة أو ليلتين؛ فلم ~~يبق أحد إلا وغلب على ظنه أنه يموت بهذا الداء. وآستعد الناس جميعا وأكثروا ~~من الصدقات، وتحاللوا وأقبلوا على العبادة. ولم يحتج أحد في هذا الوباء إلى ~~أشربة ولا أدوية ولا أطباء لسرعة الموت. فما انتصف شوال إلا والطرقات ~~والأسواق قد امتلأت بالأموات، فانتدب جماعة لمواراتهم وانقطع جماعة للصلاة ~~عليهم. وخرج الأمر عن الحد، ووقع العجز عن العدد، وهلك أكثر أجناد الحلقة، ~~وخلت الطباق بالقلعة من المماليك السلطانية لموتهم. فما أهل ذو القعدة إلا ~~والقاهرة خالية مقفرة، لا يوجد بشوارعها مار، بحيث إنه يمر الإنسان من باب ~~زويلة إلى باب النصر فلا يرى من يزاحمه، لاشتغال الناس بالموتى. وعلت ~~الأتربة على الطرقات، وتنكرت وجوه الناس، وامتلأت الأماكن بالصياح؛ فلا تجد ~~بيتا إلا وفيه صيحة، ولا تمر بشارع إلا وترى فيه عدة أموات. وصلي في يوم ~~الجمعة بعد الصلاة على الأموات بالجامع الحاكمي، فصفت التوابيت اثنين اثنين ~~من باب مقصورة الخطابة إلى باب الجامع، ووقف الإمام على العتبة والناس خلفه ~~خارج الجامع. وخلت أزقة كثيرة وحارات عديدة من الناس، وصار بحارة برجوان ~~اثنتان وأربعون دارا خالية. وبقيت الأزقة والحروب المتعددة خالية، وصارت ~~أمتعة أهلها لا تجد من يأخذها، وإذا ورث إنسان شيئا انتقل في يوم واحد عنه، ~~لرابع وخامس. وحصرت عدة من صلي عليه بالمصليات التي خارج باب النصر وباب ~~زويلة وباب المحروق وتحت القلعة، ومصلى قتال السبع تجاه ms2123 باب جامع قوصون، في ~~يومين، فبلغت ثلاث عشرة ألفا وثمانمائة، سوى من مات في الأسواق والأحكار، ~~وخارج باب البحر وعلى الدكاكين وفي الحسينية وجامع ابن طولون، ومن يتأخر ~~دفنه في البيوت. ويقال: بلغت عدة الأموات في يوم واحد عشرين ألفا، وحصرت ~~الجنائز بالقاهرة فقط في مدة شعبان ورمضان فكانت تسعمائة ألف، سوى من مات ~~بالأحكار والحسينية والصليبة وباقي الخطط خارج القاهرة وهم أضعاف ذلك. ~~وعدمت النعوش، وكانت عدتها ألفا وأربعمائة نعش، فحملت الأموات على الأقفاص ~~ودراريب الحوانيت؛ وصار يحمل الاثنان والثلاثة في نعش واحد وعلى لوح واحد. ~~وطلبت القراء على الأموات، فأبطل كثير من الناس صناعاتهم، وانتدبوا للقراءة ~~على الجنائز. وعمل جماعة مدراء وجماعة غسالا وجماعة تصدوا لحمل الأموات، ~~فنالوا بذلك جملا مستكثرة، وصار المقرىء يأخذ عشرة دراهم، وإذا وصل الميت، ~~إلى المصلاة تركه وانحرف لآخر. وصار يأخذ الحمال ستة دراهم بعد الدخلة ~~عليه، وصار الحفار يأخذ أجرة حفر كل قبر خمسين درهما، فلم يمتع أكثرهم بذلك ~~وماتوا. ودخلت امرأة غاسلة لتغسل امرأة، فلما جردتها من ثيابها، ومرت بيدها ~~على موضع الكبة، صاحت الغاسلة وسقطت ميتة؛ فوجدوا في بعض أصابعها التي لمست ~~بها الكبة كبة قدر الفولة. وصار الناس يبيتون بموتاهم في الترب لعجزهم عن ~~تواريهم. وكان أهل البيت يموتون جميعا وهم عشرات، فلا يوجد لهم سوى - نعش ~~واحد ينقلون فيه شيئا بعد شيء. وأخذ كثير من الناس دورا وأموالا بغير ~~استحقاق، لموت مستحقيها، فلم يتمل أكثرهم بما أخذ، حتى مات بعدهم بسرعة، ~~ومن عاش منهم استغنى به، وأخذ كثير من العامة إقطاعات حلقة. وقام الأمير ~~شيخون العمري والأمير مغلطاي أمير آخور بتغسيل الأموات وتكفينهم ودفنهم ~~وبطل الأذان من عدة مواضع، وبقي في المواضع المشهورة يؤذن واحد. وبطلت أكثر ~~طبلخاناة الأمراء، وصار في طبلخانة الأمير شيخون ثلاثة نفر بعد خمسة عشر ~~نفرا. وغلقت أكثر المساجد والزوايا. وقيل إنه ما ولد لأحد في هذا الوباء ~~إلا ومات الولد بعد يوم أو يومين ولحقته أمه. ثم شمل في آخر السنة الوباء ~~بلاد ms2124 الصعيد بأسرها؛ ولم يدخل الوباء ثغر أسوان، ولم يمت به سوى أحد عشر ~~إنسانا. ووجدت طيور كثيرة ميتة في الزروع ما بين غربان وحدأة وغيرها من ~~سائر أصناف الطيور. فكانت إذا نتفت وجد فيها أثر الكبة. وتواترت الأخبار من ~~الغور وبيسان وغير ذلك أنهم كانوا يجدون الأسود والذئاب وحمر الوحش، وغيرها ~~من الوحوش ميتة وفيها أثر الكبة. PageV03P0146 # وكان ابتدأ الوباء أول أيام التخضير، فما جاء أوان الحصاد حتى فنوا ~~الفلاحون ولم يبق منهم إلا القليل؛ فخرج الأجناد بغلمانهم للحصاد ونادوا: ~~من يحصد يأخذ نصف ما حصد. فلم يجدوا واحدا، وغرسوا غلالهم على خيولهم ~~وفزوها بأيديهم، وعجزوا عن غالب الزرع فتركوه. وكان الإقطاع الواحد يصير من ~~واحد إلى واحد حتى إلى السابع والثامن، فأخذ إقطاعات الأجناد أرباب الصنائع ~~من الخياطين والأساكفة، وركبوا الخيول ولبسوا الكلفتاه والقباء. وكثير من ~~الناس لم يتناول في هذه السنة من إقطاعه شيئا. فلما جاء النيل ووقع أوان ~~التخضير، تعذر وجود الرجال فلم يخضر إلا نصف الأراضي، ولم يوجد أحد ليشتري ~~القرط الأخضر ولا من يربط عليه خيوله. وترك ألف وخمسمائة فدان براسيم ~~بناحية ناي وطنان، وآنكسرت البلاد التي بالضواحي وخربت. وخلت بلاد الصعيد ~~مع آتساع أرضها، بحيث كانت مكلفة مساحة أرض أسيوط تشتمل على ستة آلاف نفر ~~يؤخذ منها الخراج، فصارت في سنة الوباء هذه تشتمل على مائة وستة عشر نفرا. ~~ومع ذلك كان الرخاء موجودا وآنحط سعر القماش حتى بيع بخمس ثمنه وأقل، ولم ~~يوجد من يشتريه. وصارت كتب العلم ينادى عليها بالأحمال، فيباع الحمل منها ~~بأرخص ثمن. وانحط قدر الذهب والفضة حتى صار الدينار بخمسة عشر درهما، بعد ~~ما كان بعشرين. وعدمت جميع الصناع، فلم يوجد سقاء ولا بابا ولا غلام. وبلغت ~~جامكية الغلام ثمانين درهما، عنها خمس دنانير وثلث دينار، فنودي بالقاهرة: ~~من كانت له صنعة فليرجع إلى صنعته، وضرب جماعة منهم. وبلغ ثمن راوية الماء ~~ثمانية دراهم لقلة الرجال والجمال؛ وبلغت أجرة طحن الإردب القمح دينارا. ~~ويقال: إن هذا الوباء أقام يحور ms2125 على أهل الأرض مدة خمس عشرة سنة. قلت: ~~ورأيت أنا من رأى هذا الوباء، فكانوا يسمونه الفصل الكبير، ويسمونه أيضا ~~بسنة الفناء، ويتحاكون عنه أضعاف ما حكيناه، يطول الشرح في ذكره. وقد أكثر ~~الناس ذكر هذا الوباء في أشعارهم فمما قاله شاعر ذلك العصر الشيخ جمال ~~الذين محمد بن نباتة: سر بنا عن دمشق يا طالب العي ... ش فما في المقام ~~للمرء رغبه رخصت أنفس الخلائق بالطا ... عون فيها فكل نفس بحبه وقال الشيخ ~~صلاح الدين الصفدي وأكثر في هذا المعنى على عادة إكثاره؛ فمما قاله في ذلك: ~~رعى الرحمن دهرا قد تولى ... يجازي بالسلامة كل شرط وكان الناس في غفلات ~~أمر ... فجا طاعونهم من تحت إبط وقال أيضا: قد قلت للطاعون وهو بغزة ... قد ~~جال من قطيا إلى بيروت أخليت أرض الشام من سكانها ... وأتيت يا طاعون ~~بالطاغوت وقال الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب الحلبي، في المعنى من قصيدة ~~أولها: إن هذا الطاعون يفتك في العا ... لم فتك امرىء ظلوم حسود ويطوف ~~البلاد شرقا وغربا ... ويسوق الخلوق نحو اللحود ولزين الدين عمر بن الوردي ~~في المعنى: قالوا فساد الهواء يردي ... فقلت يردي هوى الفساد كم سيئات وكم ~~خطايا ... نادى عليكم بها المنادي وقال أيضا: حلب والله يكفيشرها أرض مشقه ~~أصبحت حية سوء ... تقتل الناس ببزقه ولابن الوردي أيضا: إن الوبا قد غلبا ~~... وقد بدا في حلبا قالوا له على الورى ... كاف ورا قلت وبا وقال أيضا: ~~سكان سيس يسرهم ما ساءنا ... وكذا العوائد من عدو الدين الله ينفذه إليهم ~~عاجلا ... ليمزق الطاغوت بالطاعون وقال الأديب جمال الدين إبراهيم المعمار ~~في المعنى: قبح الطاعون داء ... فقدت فيه الأحبه بيعت الأنفس فيه ... كل ~~إنسان بحبه وله أيضا في المعنى: يا طالب الموت أفق وانتبه ... هذا أوان ~~الموت ما فاتا قد رخص الموت على أهله ... ومات من لا عمره ماتا ثم أخذ ~~الوباء يتناقص في أول المحرم من سنة خمسين وسبعمائة. PageV03P0147 # ثم في يوم الأربعاء ثاني عشر المحرم المذكور، ورد الخبر ms2126 بقتل الأمير سيف ~~الدين أرغون شاه نائب الشام، وأمره غريب؛ وهو أنه لما كان نصف ليلة الخميس ~~ثالث عشرينه وهو بالقصر الأبلق بالميدان خارج مدينة دمشق ومعه عياله، وإذا ~~بصوت قد وقع في الناس بدخول العسكر، فثاروا بأجمعهم؛ ودارت النقباء على ~~الأمراء بالركوب ليقفوا على مرسوم السلطان. فركبوا جميعا إلى سوق الخيل تحت ~~القلعة، فوجدوا الأمير ألجيبغا المظفري نائب طرابلس، وإذا بالأمير أرغون ~~شاه نائب الشام ماش وعليه بغلوطاق صدر وتخفيفة على رأسه وهو مكتف بين ~~مماليك الأمير إياس؛ وخبر ذلك أن ألجيبغا لما ركب من طرابلس سار حتى طرق ~~دمشق على حين غفلة، وركب معه الأمير فخر الدين إياس السلاح دار. وأحاط إياس ~~بالقصر الأبلق وطرق بابه. وعلم الخدام بأنه قد حدث أمر مهم، فأيقظوا الأمير ~~أرغون شاه؛ وقام من فراشه وخرج إليهم، فقبضوا عليه، وقالوا له: حضر مرسوم ~~السلطان بالقبض عليك والعسكر واقف. فلم يجسر أحد أن يدفع عنه، وأخذه الأمير ~~إياس وأتى به ألجيبغا. فسلم أمراء دمشق على ألجيبغا، وسألوه الخبر، فذكر ~~لهم أن مرسوم السلطان ورد عليه بركوبه إلى دمشق بعسكر طرابلس، والقبض على ~~أرغون شاه المذكور وقتله، والحوطة على ماله وموجوده؛ وأخرج لهم كتاب ~~السلطان بذلك؛ فأجابوا بالسمع والطاعة، وعادوا إلى منازلهم؛ ونزل ألجيبغا ~~إلى الميدان. وأصبح يوم الخميس فأوقع الحوطة على موجود أرغون شاه؛ وأصبح ~~يوم الجمعة رابع عشرين ربيع الأول أرغون شاه المذكور مذبوحا. فكتب ألجيبغا ~~محضرا أنه وجده مذبوحا والسكين في يده، يعني أنه ذبح نفسه فأنكر عليه كونه ~~لما قبض أموال أرغون شاه، لم يرفعها إلى قلعة دمشق على العادة، واتهموه ~~فيما فعل. وركبوا جميعا لقتاله في يوم الثلاثاء ثامن عشرينه، فقاتلهم ~~ألجيبغا المذكور وجرح الأمير مسعود بن خطير، وقطعت يد الأمير ألجيبغا ~~العادلي أحد أمراء دمشق، وقد جاوز تسعين سنة؛ فعند ذلك ولى ألجيبغا المظفري ~~نائب طرابلس، ومعه خيول أرغون شاه وأمواله، وتوجه إلى نحو المزة ومعه ~~الأمير إياس نائب حلب كان، ومضى إلى طرابلس. وسبب هذه الواقعة أن إياسا ms2127 لما ~~عزل عن نيابة حلب وأخذت أمواله وسجن، ثم أفرج عنه واستقر في جملة أمراء ~~دمشق، وعدوه أرغون شاه الذي كان سعى في عزله عن نيابة حمص نائبها، فصار ~~أرغون شاه يهينه ويخرق به. واتفق أيضا إخراج ألجيبغا من الديار المصرية إلى ~~دمشق أميرا بها، فترفع عليه أيضا أرغون شاه المذكور وأذله، فآتفق ألجيبغا ~~وإياس على مكيدة. فأخذ ألجيبغا في السعي على خروجه من دمشق عند أمراء مصر، ~~وبعث إلى الأمير بيبغا أرس نائب السلطنة بالديار المصرية،وإلى أخيه الأمير ~~منجك الوزير هدية سنية،فولاه نيابة طرابلس مقيم بدمشق،وطلب أن نائب الشام ~~يردهم إلى طرابلس، فكتب له بذلك. فشق على أرغون شاه نائب الشام كون ألجيبغا ~~لم يكتب إليه يسأله،، وأرسل كاتب السلطان في ذلك، فكتب إلى ألجيبغا ~~بالإنكار عليه فيما فعل، وأغلظ له في القول، وحمل البريدي إليه مشافهة ~~شنيعة؛ فقامت قيامة ألجيبغا لما سمعها، وفعل ما فعل، بعد أن أوسع الحيلة في ~~ذلك، فآتفق مع إياس فوافقه إياس أيضا، لما كان في نفسه من أرغون شاه حتى ~~وقع ما ذكرناه. PageV03P0148 # وأما أمراء الديار المصرية فإنهم لما سمعوا بقتل الأمير أرغون شاه ~~ارتاعوا، وآتهم بعضهم بعضا؛ فحلف كل من شيخون والنائب بيبغا أرس على ~~البراءة من قتله، وكتبوا إلى ألجيبغا بأنه قتل أرغون - شاه بمرسوم من ~~وإعلامهم بمستنده في ذلك؛ وكتب إلى أمراء دمشق بالفحص عن هذه الواقعة. وكان ~~ألجيبغا وإياس قد وصلا إلى طرابلس، وخيما بظاهرها؛ فقدم في غد وصولهما كتب ~~أمراء دمشق إلى أمراء طرابلس بالاحتراس على ألجيبغا حتى يرد مرسوم السلطان، ~~فإنه فعل فعلته بغير مرسوم السلطان، ومشت حيلته علينا. ثم كتبوا إلى نائب ~~حماة ونائب حلب وإلى العربان بمسك الطرقات عليه، فركب عسكر طرابلس بالسلاح ~~وأحاطوا به. ثم وافاهم كتاب السلطان بمسكه، وقد سار عن طرابلس، وساروا خلفه ~~إلى نهر الكلب عند بيروت فإذا أمراء العربان وأهل بيروت واقفون في وجهه، ~~فوقف قدامهم نهاره، ثم كر راجعا عليهم، فقاتله عسكر طرابلس، حتى قبضوا ~~عليه، وفر إياس. ووقعت ms2128 الحوطة على مماليك ألجيبغا وأمواله، ومسك الذي كتب ~~الكتاب بقتل أرغون شاه، فاعتذر أنه مكره، وأنه غير ألقاب أرغون شاه، وكتب ~~أوصال الكتب مقلوبة حتى يعرف أنه زور. وحمل ألجيبغا المذكور مقيدا إلى ~~دمشق. ثم قبض نائب بعلبك على الأمير إياس، وقد حلق لحيته ورأسه، واختفى عند ~~بعض النصارى، وبعث به إلى دمشق، فحبسا معا بقلعتها، وكتب بذلك إلى السلطان ~~والأمراء؛ فندب الأمير قجا الساقي على البريد إلى دمشق بقتل ألجيبغا وإياس، ~~فأخرجهما من حبس قلعة دمشق ووسطهما بسوق الخيل بدمشق، وعلق إياس على خشب ~~وقدامه ألجيبغا على خشبة أخرى، وذلك في يوم الخميس حادي عشرين شهر ربيع ~~الآخر. وكان عمر ألجيبغا المذكور يوم قتل نحو تسع عشرة سنة وهو ماطر شاربه. ~~ثم كتب السلطان بآستقرار الأمير أرقطاي نائب حلب في نيابة الشام عوضا عن ~~أرغون شاه المذكور. واستقر الأمير قطليجا الحموي نائب حماة في نيابة حلب ~~عوضا عن أرقطاي. واستقر أمير مسعود بن خطير في نيابة طرابلس عوضا عن ~~ألجيبغا المظفري المقدم ذكره. ثم قدم إلى مصر طلب أرغون شاه ومماليكه ~~وأمواله وموجود ألجيبغا أيضا، فتصرف الوزير منجك في الجميع. وبعد مدة يسيرة ~~ورد الخبر أيضا بموت الأمير أرقطاي نائب دمشق، فكتب بآستقرار قطليجا الحموي ~~نائب حلب في نيابة دمشق، وتوجه الأمير تلكتمر المحمدي بتقليده بنيابة ~~الشام؛ وسار حتى وصل إليه فوجده قد أخرج طلبه إلى جهة دمشق وهو ملازم ~~الفراش، فمات قطليجا أيضا بعد أسبوع. ولما وصل الخبر إلى مصر بموت قطليجا، ~~أراد النائب بيبغا أرس والوزير منجك إخراج طاز لنيابة الشام، والأمير ~~مغلطاي أمير آخور إلى نيابة حلب، فلم يوافقاهما على ذلك، وكادت الفتنة أن ~~تقع. فخلع على الأمير أيتمش الناصري بنيابة الشام، واستقر بعد مدة الأمير ~~أرغون الكاملي في نيابة حلب. وفي محرم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، آبتدأت ~~الوحشة بين الأمير مغلطاي أمير آخور وبين الوزير منجك اليوسفي، بسبب الفأر ~~الضامن، وقد شكا منه. فطلبه مغلطاي من الوزير وقد احتمى به، فلم يمكنه منه. ~~وكان منجك ms2129 لما فرغ من بناء صهريجه الذي عمره تجاه القلعة عند باب الوزير، ~~اشترى له من بيت المال ناحية بلقينة بالغربية بخمسة وعشرين ألف دينار، ~~وأنعم عليه بها، فوقفها منجك على صهريجه المذكورة فأخذ مغلطاي يعد لمنجك ~~تصرفه في المملكة، وسكن الأمر فيما بينهما. ثم توجه السلطان إلى سرحة ~~سرياقوس على العادة في كل سنة وأنعم على الأمير قطليجا الذهبي بإقطاع ~~الأمير لاجين أمير آخور بعد موته، وأنعم بإقطاع قطلوبغا وتقدمته على الأمير ~~عمر بن أرغون النائب. ثم استقر بكلمش أمير شكار في نيابة طرابلس، عوضا عن ~~أمير مسعود بن خطير، وكتب بإحضار أمير مسعود إلى القاهرة. ثم عاد السلطان ~~من سرحة سرياقوس، وكتب بعود أمير مسعود إلى دمشق بطالا، حتى ينحل له من ~~الإقطاع ما يليق به. وخلع على الأمير فارس الدين ألبكي بآستقراره في نيابة ~~غزة بعد موت الأمير دلنجي، ودلنجي باللغة التركية هو المكدي وهو بكسر الدال ~~المهملة وفتح اللام وسكون النون وكسر الجيم. وفي هذه الأيام توجه الأمير ~~طاز إلى سرحة البحيرة، وأنعم السلطان عليه بعشرة آلاف إردب شعير وخمسين ألف ~~درهم وناحية طموه من الجيزية زيادة على إقطاعه. PageV03P0149 # وفي خامس عشر شوال خرج أمير حاج المحمل الأمير بزلار أمير سلاح. ثم خرج ~~بعده طلب الأمير بيبغا أرس النائب بتجمل زائد، وفيه مائة وخمسون مملوكا ~~معدة بالسلاح. ثم خرج طلب الأمير طاز وفيه ستون فارسا، فرحل بيبغا أرس قبل ~~طاز بيومين. ثم رحل طاز بعده. ثم رحل بزلار بالحاج ركبا ثالثا في عشرين ~~شوال من البركة. وفي يوم السبت رابع عشرينه عزل الأمير منجك اليوسفي عن ~~الوزر، وقبض عليه، وكان الأمير شيخون خرج إلى العباسة. وسبب عزله أن ~~السلطان بعد توجه شيخون طلب القضاة والأمراء، فلما اجتمعوا بالخدمة، قال ~~لهم: " يا أمراء هل لأحد علي ولاية حجر، أو أنا حاكم نفسي؟ " فقال الجميع: ~~" يا خوند، ما ثم أحد يحكم على مولانا السلطان، وهو مالك رقابنا " فقال: " ~~إذا قلت لكم شيئا ترجعوا إليه؟ " قالوا جميعهم: " نحن تحت طاعة ms2130 السلطان ~~وممتثلون ما يرسم به " . فالتفت إلى الحاجب وقال له: " خذ سيف هذا " ، ~~وأشار إلى منجك الوزير، فأخذ سيفه وأخرج وقيد؛ ونزلت الحوطة على أمواله مع ~~الأمير كشلي السلاح دار، فوجد له خمسون حمل زردخاناه، ولم يوجد له كبير ~~مال، فرسم بعقوبته؛ ثم أخرج إلى الإسكندرية فسجن. وساعة القبض عليه رسم ~~بإحضار الأمير شيخون من العباسة وإعلامه بمسك منجك الوزير. فقام الأمير ~~مغلطاي أمير آخور والأمير منكلي بغا في منعه من الحضور، وما زالا يخيلان ~~السلطان منه حتى كتب له مرسوم بنيابة طرابلس، على يد طينال الجاشنكير. ~~فتوجه إليه أطينال، فلقيه قريب بلبيس، وقد عاد صحبة الجمدار الذي توجه ~~بإحضاره من عند السلطان، وأوقفه على المرسوم، فأجاب بالسمع والطاعة. وبعث ~~شيخون يسأل في الإقامة بدمشق، فكتب له بخبز الأمير تلك بدمشق، وحضور تلك ~~إلى مصر، فتوجه شيخون إليها. ثم قبض السلطان على الأمير عمر شاه الحاجب ~~وأخرج إلى الإسكندرية. واستقر الأمير طنيرق رأس نوبة كبيرا عوضا عن شيخون. ~~ثم قبض على حواشي منجك وعلى عبده عنبر البابا وصودر. وكان عنبر قد أفحش في ~~سيرته مع الناس وشره في قطع المصانعات، وترفع على الناس ترفعا زائدا، فضرب ~~ضربا مبرحا. ثم ضرب بكتمرشاد الأهراء فاعترف للوزير منجك باثني عشر ألف ~~إردب غلة، آشتراها من أرباب الرواتب. وفي مستهل ذي القعدة قبض على ناظر ~~الدول والمستوفين، وألزموا بخمسمائة ألف دينار؛ فترفق في أمرهم الأمير ~~طنيرق، حتى آستقرت خمسمائة ألف درهم، ووزعها الموفق ناظر الدولة على جميع ~~المباشرين من الكتاب أو الشهود والشادين ونحوهم، والتزم علم الدين عبد الله ~~بن زنبور ناظر الخاص والجيش بتكفية جميع الأمراء المقدمين بالخلع من ماله، ~~وقيمتها خمسمائة ألف درهم، وفصلها وعرضها على السلطان؛ فركبوا الأمراء بها ~~الموكب، وقبلوا الأرض، وكان موكبا جليلا. وفي يوم السبت ثامن ذي القعدة خلع ~~السلطان على الأمير بيبغا ططر حارس طير، وآستقر في السلطنة بالديار المصرية ~~عوضا عن بيبغا أرس المتوجه إلى الحجاز، بعد أن عرضت النيابة على أكابر ~~الأمراء فلم يقبلها أحد. ms2131 وتمنع بيبغا ططر أيضا منها تمنعا كبيرا، ثم قبلها. ~~واستقر الأمير مغلطاي أمير آخور رأس نوبة كبيرا، عوضا عن طنيرق، الذي كان ~~وليها عن شيخون. وأطلق له التحدث في أمر الدولة كلها عوضا عن الأمير شيخون، ~~مضافا لما بيده من الأميراخورية. واستقر الأمير منكلي بغا الفخري رأس مشورة ~~وأتابك العساكر، وأنعم على ولده بإمرة ودقت الكوسات وطبلخانات الأمراء ~~بأجمعها، وزينت القاهرة ومصر، في يوم الأحد تاسع ذي القعدة واستمرت ثمانية ~~أيام. وأما شيخون فإنه لما وصل إلى دمشق، قدم بعده الأمير أرغون التاجي ~~بإمساكه، فقبض عليه وقيد وأخرج من دمشق في البحر وتوجه إلى الطينة، ثم ~~أوصله إلى الإسكندرية فسجن بها. وخلع على طشبغا الدوادار على عادته ~~دوادارا، وتصالح هو والقاضي علاء الدين بن فضل الله كاتب السر - فإنه كان ~~نفي بسببه حسب ما تقدم ذكره - وأرسل كل منهما إلى صاحبه هدية. وكان السلطان ~~لما أمسك منجك، كتب إلى الأمير طاز وإلى الأمير بزلار على يد قردم، ~~وأخبرهما بما وقع، وأنهما يحترسان على النائب بيبغا أرس، وقد نزل سطح ~~العقبة. فلما قرأ بيبغا الكتاب وجم وقال: " كلنا مماليك السلطان " ، وخلع ~~عليه، وكتب أنه ماض لقضاء الحج. PageV03P0150 # ثم إن السلطان عزل الأمير صرغتمش والأمير عليا من وظيفتي الجمدارية وكانا ~~من جملة حاشية شيخون، ورسم لصرغتمش أن يدخل الخدمة مع الأمراء؛ ثم أخرج ~~أميرعلي إلى الشام،وأخرج صرغتمش لكشف الجسور بالوجه القبلي وألزم السلطان، ~~أستادار بيبغا أرس بكتب حواصل بيبغا، وندب السلطان الأمير آقجبا الحموي ~~لبيع حواصل منجك. وأخذت جواري بيبغا أرس ومماليكه، وجواري منجك ومماليكه، ~~إلى القلعة؛ فطلع لمنجك خمسة وسبعون مملوكا صغارا، وطلع لبيبغا أرس خمس ~~وأربعون جارية، فلما وصلن تجاه دار النيابة، صحن صيحة واحدة وبكين، فأبكين ~~من كان هناك. ثم قدم الخبر على السلطان بأن الأمير أحمد الساقي نائب صفد، ~~خرج عن طاعة السلطان. وسببه أنه لما قبض على منجك، خرج الأمير قماري الحموي ~~وعلى يدي ملطفات لأمراء صفد بالقبض عليه، فبلغه ذلك من هجان جهزه له أخوه. ~~فندب ms2132 الأمير أحمد، طائفة من مماليكه لتلقي قماري، وطلب نائب قلعة صفد ~~وديوانه، وأمره أن يقرأ عليه كم له بالقلعة من الغلة، فأمر لمماليكه منها ~~بشيء فرقه عليهم إعانة لهم على ما حصل من المحل في البلاد، وبعثهم ليأخذوا ~~ذلك، فعندما طلعوا القلعة شهروا سيوفهم وملكوها من نائب قلعة صفد، وقبضوا ~~على عدة من الأمراء. وطلع الأمير أحمد، بحريمه إلى القلعة وحصنها، وأخذ ~~مماليكه قماري وأتوا به،فأخذ ما معه من الملطفات وحبسه.فلما بلغ السلطان ~~ذلك كتب إلى نائب غزة ونائب الشام بتجريد العسكر إليه.هذا والأراجيف كثيرة ~~بأن طاز تحالف هو وبيبغا أرس بعقبة أيلة؛فخرج الأمير فياض والأمير عيسى بن ~~حسن أمير العائذ،فتفرقا على عقبة أيلة بسبب بيبغا أرس.وكتب لعرب شطي وبني ~~عقبة وبني مهدي،بالقيام مع الأمير فضل،وكتب لنائب غزة بإرسال السوقة إلى ~~العقبة. ثم خلع السلطان على الأمير شهاب الدين أحمد بن قزمان بنيابة ~~الإسكندرية عوضا عن بكتمر المؤمني. ثم في يوم الأربعاء سادس عشرين ذي ~~القعدة قدم سيف الأمير بيبغا أرس،وقد قبض عليه. وسبب ذلك أنه لما ورد عليه ~~كتاب السلطان بمسك أخيه منجك، اشتد خوفه وطلع إلى العقبة ونزل إلى المنزلة؛ ~~فبلغه أن الأمير طاز والأمير بزلار ركبا للقبض عليه. فركب بيبغا أرس بمن ~~معه من الأمراء والمماليك بآلة الحرب. فقام الأمير عز الدين أزدمر الكاشف ~~بملاطفته، وأشار عليه ألا يعجل وأن يكشف الخبر أولا. فبعث نجابا في الليل ~~لذلك، فعاد وأخبر أن الأمير طاز مقيم بركبه؛ وأنه سار بهم وليس فيهم أحد ~~ملبس. فقلع بيبغا السلاح هو ومن معه، وتلقى طاز وسأله عما تخوف منه، فأوقفه ~~على كتاب السلطان إليه، فلم ير فيه ما يكره. ثم رحل كل منهما بركبه من ~~العقبة. وأتت الأخبار للأمراء بمصر باتفاق طاز وبيبغا أرس، فكتب السلطان ~~للأمير طاز وللأمير بزلار عند ذلك القبض على بيبغا أرس قبل دخوله مكة، ~~وتوجه إليهما بذلك طينال الجاشنكير، وقد رسم له أن يتوجه مع بيبغا إلى ~~الكرك. فلما قدم طينال على طاز وبزلار، ركبا إلى أزدمر ms2133 الكاشف فأعلماه بما ~~رسم به إليهما من مسك بيبغا أرس، ووكدا عليه في استمالة الأمير فاضل، ~~والأمير محمد بن بكتمر الحاجب، وبقية من مع بيبغا أرس، فأخذ أزدمر في ذلك. ~~ثم كتب لبيبغا أرس أن يتأخر حتى يسمع مرسوم السلطان، و حتى يكون دخولهم ~~لمكة جميعا؛ فأحس بيبغا بالشر، وهم أن يتوجه إلى الشام، فما زال أزدمر ~~الكاشف به حتى رجعه عن ذلك. وعند نزول بيبغا أرس إلى منزلة المويلحة، قدم ~~طاز وبزلار فتلقاهما، وأسلم نفسه من غير ممانعة فأخذا سيفه، وأرادا تسليمه ~~لطينال حتى يحمله إلى الكرك، فرغب إلى طاز أن يحج معه، فأخذه طاز محتفظا ~~به، وكتب طاز بذلك إلى السلطان؛ فتوهم مغلطاي والسلطان أن طاز وبزلار قد ~~مالا إلى بيبغا أرس، وتشوشا تشويشا زائدا. ثم أكد ذلك ورود الخبر بعصيان ~~أحمد الساقي نائب صفد، وظنوا أنه مباطن لبيبغا أرس؛ وأخرج طينال ليقيم ~~بالصفراء حتى يرد الحاج إليها، فيمضي بيبغا أرس إلى الكرك. ثم في يوم ~~الخميس سابع عشرين ذي القعدة خلع على الأمير علم الدين عبد الله بن زنبور ~~خلعة الوزارة، مضافا لما بيده من نظر الخاص ونظر الجيش، بعد ما امتنع وشرط ~~شروطا كثيرة. PageV03P0151 # وفيه أيضا خلع السلطان على الأمير طنيرق باستقراره في نيابة حماة، عوضا ~~عن أسندمر العمري. ثم كتب القاضي علاء الدين بن فضل الله كاتب السر تقليد ~~ابن زنبور الوزير، ونعته فيه بالجناب العالي - وكان جمال الكفاة سعى أن ~~يكتب له ذلك، فلم يرض كاتب السر، وشح عليه بذلك - فخرج الوزير وتلقى كاتب ~~السر، وبالغ في إكرامه، وبعث إليه بتقدمة سنية. ثم قدم الخبر على السلطان ~~بنزول عسكر الشام وطرابلس، على محاصرة أحمد نائب صفد، وزحفهم على قلعة صفد ~~عدة أيام، جرح فيها كثير من الناس والأجناد، ولم ينالوا من القلعة غرضا، ~~إلى أن بلغهم القبض على بيبغا أرس. وعلم أحمد بذلك وانحل عزمه؛ فبعث إليه ~~الأمير بكلمش نائب طرابلس يرغبه في الطاعة، ودس على من معه بالقلعة، حتى ~~خامروا عليه وهموا بمسكه؛ ms2134 فوافق على الطاعة، وحلف له نائب طرابلس، فنزل ~~إليه بمن معه. فسر السلطان بذلك، وكتب بإهانته وحمله إلى السجن. وفي عاشر ~~ذي الحجة كانت الواقعة بمنى، وقبض على الملك المجاهد صاحب اليمن، وآسمه علي ~~بن داود بن المظفر يوسف بن المنصور عمر بن علي بن رسول. وكان من خبره أن ~~ثقبة لما بلغه آستقرار أخيه عجلان عوضه في إمرة مكة، توجه إلى اليمن، وأغرى ~~صاحب اليمن بأخذ مكة وكسوة الكعبة، فتجهز الملك المجاهد صاحب اليمن، وسار ~~يريد الحج في حفل كبير بأولاده وأمه، حتى قرب من مكة، وقد سبقه حاج مصر. ~~فلبس عجلان آلة الحرب، وعرف أمراء مصر ما عزم عليه صاحب اليمن، وحذرهم ~~غائلته. فبعثوا إليه بأن " من يريد الحج إنما يدخل مكة بذلة ومسكنة، وقد ~~ابتدعت من ركوبك بالسلاح بدعة، لا تمكنك أن تدخل بها، وابعث إلينا ثقبة ~~ليكون عندنا، حتى تنقضي أيام الحج فنرسله إليك " فأجاب لذلك وبعث ثقبة ~~رهينة، فأكرمه الأمراء. وركبوا الأمراء في جماعة إلى لقاء الملك المجاهد، ~~فتوجهوا إليه ومنعوا سلاح داريته بالمشي معه بالسلاح، ولم يمكنوه من حمل ~~الغاشية. ودخلوا به مكة فطاف وسعى، وسلم على الإمراء واعتذر إليهم، ومضى ~~إلى منزله. وصار كل منهم على حفر حتى وقفوا بعرفة، وعادوا إلى الخيم من ~~منى، وقد تقرر الحال بين الأمير ثقبة وبين الملك المجاهد على أن الأمير طاز ~~إذا سار من مكة أوقعا بأمير الحاج ومن معه، وقبضا على عجلان، وتسلم ثقبة ~~مكة. فآتفق أن الأمير بزلار رأى، وقد عاد من مكة إلى منى، خادم الملك ~~المجاهد سائرا، فبعث يستدعيه فلم يأته، وضرب مملوكه، بعد مفاوضة جرت ~~بينهما، وجرحه في كتفه. فماج الحافي، وركب الأمير بزلار وقت الظهر إلى ~~الأمير طاز، فلم يصل إليه حتى أقبلت الناس جافلة، تخبر بركوب الملك المجاهد ~~بعسكره للحرب، وظهرت لوامع أسلحتهم، فركب طاز وبزلار وأكثر العسكر المصري ~~بمكة. فكان أولى من صدم أهل اليمن بزلار وهو في ثلاثين فارسا، فأخذوه في ~~صدرهم إلى أن أرموه قريب خيمته. ms2135 ومضت فرقة إلى جهة طاز، فأوسع لهم طاز، ثم ~~عاد عليهم. وركب الشريف عجلان والناس، فبعث الأمير طاز لعجلان أن آحفظ ~~الحاج ولا تدخل بيننا في حرب، ودعنا مع غريمنا. واستمر القتال بينهم إلى ~~بعد العصر، فركب أهل اليمن مع كثرة عددهم وآستعدادهم الذلة، والتجأ الملك ~~المجاهد إلى دهليزه، وقد أحاط به العسكر وقطعوا أطنابه وألقوه إلى الأرض. ~~فمر الملك المجاهد على وجهه منهزما، ومعه أولاده، فلم يجد طريقا، فسلم ~~المجاهد ولديه لبعض الأعراب، وعاد بمن معه من عسكره، وهم في أقبح حال، ~~يصيحون " الأمان يا مسلمون " ! فأخذوا وزيره، وتمزقت عساكره في تلك الجبال، ~~وقتل منهم خلق كثير، ونهبت أموالهم وخيولهم عن آخرها، وآنفصل الحال عند ~~غروب الشمس. وفر ثقبة بعبيده وعربه، فأخذ عبيد عجلان جماعة من الحاج فيما ~~بين مكة ومنى، وقتلوا جماعة. قلت: هذا شأن عرب مكة وعبيدها، وهذه فروسيتهم ~~لا في لقاء العدو؛ وكان حقهم يوم ذاك خفر الحاج، كون الترك قاموا عنهم بدفع ~~عدوهم، وإلا كان المجاهد يستولي عليهم، وعلى أموالهم وذراريهم في أسرع وقت. ~~انتهى. PageV03P0152 # ولما أراد طاز الرحيل من منى، سلم أمراء المجاهد وحريمه إلى الشريف ~~عجلان، وأوصاه بهم. وركب الأمير طاز ومعه المجاهد محتفظا به، وبالغ في ~~إكرامه يريد الديار المصرية؛ وصحب معه أيضا الأمير بيبغا أرس مقيدا، وبعث ~~بالأمير طقطاي إلى السلطان يبشره بما وقع. ولما قدم الأمير طاز إلى المدينة ~~النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والرحمة، قبض بها على الشريف طفيل. وأما ~~الديار المصرية، فإنه في يوم الجمعة خامس المحرم من سنة آثنتين وخمسين ~~وسبعمائة، قدم الأمير أرغون الكاملي نائب حلب إلى الديار المصرية بغير إذن، ~~فخلع عليه وأنزل بالقلعة؛ وسبب حضوره أنه أشيع عنه بحلب القبض عليه، ثم ~~أشيع في مصر أنه خامر، فكره تمكن موسى حاجب حلب منه، لما كان بينهما من ~~العداوة، ورأى وقوع المكروه به في غير حلب أخص عليه؛ فلما قدم مصر فرح ~~السلطان به، لما كان عنده من إشاعة عصيانه. ثم قدم الخبر على السلطان، ms2136 بأن ~~طيلان تسلم بيبغا أرس من الأمير طاز،وتوجه به إلى الكرك من بدر، فسر ~~السلطان أيضا بذلك. ثم في يوم السبت عشرين المحرم قدم الأمير طاز بمن معه ~~من الحجاز، وصحبته الملك المجاهد، والشريف طفيل أمير المدينة، فخرج الأمير ~~مغلطاي إلى لقائه إلى البركة، ومعه الأمراء، ومد له سماطا جليلا، وقبض على ~~من كان معه من الأمراء من أصحاب بيبغا أرس وقيدهم وهم: الأمير فاضل أخو ~~بيبغا أرس، وناصر الدين محمد بن بكتمر الحاجب. وأما الأمير أزدمر الكاشف ~~فإنه أخرج السلطان إقطاعه ولزم داره. ثم في يوم الإثنين ثاني عشرينه طلع ~~الأمير طاز بالملك المجاهد إلى نحو القلعة، حتى وصل إلى باب القلة قيده؛ ~~ومشى الملك المجاهد بقيده حتى وقف عند العمود - بالدركاه تجاه الإيوان، ~~والأمراء جلوس - وقوفا طويلا، إلى أن خرج بر جاندار يطلب الأمراء على ~~العادة، فدخل المجاهد على تلك الهيئة معهم. وخلع السلطان على الأمير طاز؛ ~~ثم قدم الملك المجاهد وقبل الأرض ثلاث مرات وطلب السلطان الأمير طاز وسأل ~~عنه، فما زال طاز يشفع في المجاهد، إلى أن أمر السلطان بقيده ففك عنه، ~~وأنزل بالأشرفية من القلعة عند الأمير مغلطاي، جرى له الرواتب السنية، ~~وأقيم له من يخدمه. ثم أنعم السلطان على الأمير طاز بمائتي ألف درهم. ثم ~~خلع السلطان أيضا على الأمير أرغون الكاملي بآستمراره على نيابة حلب، ورسم ~~أن يكون موسى حاجب حلب في نيابة قلعة الروم. وفي يوم تاسع عشرين المحرم حضر ~~الملك المجاهد الخدمة، وأجلس تحت الأمراء، بعد أن ألزم بحمل أربعمائة ألف ~~دينار يقترضها من تجار الكارم، حتى ينعم له السلطان بالسفر إلى بلاده. ثم ~~أحضر الأمير أحمد الساقي نائب صفد مقيدا إلى بين يدي السلطان، فأرسل إلى ~~سجن الإسكندرية. ثم في آخر المحرم خلع السلطان على الأمراء المقدمين، وعلى ~~الملك المجاهد صاحب اليمن بالإيوان؛ وقبل المجاهد الأرض غير مرة. وكان ~~الأمير طاز والأمير مغلطاي تلطفا في أمره، حتى أعفي من أجل المال، وقربه ~~السلطان، ووعده بالسفر إلى بلاده مكرما؛ فقبل الأرض ms2137 وسر بذلك، وأذن له أن ~~ينزل من القلعة إلى إسطبل الأمير مغلطاي ويتجهز للسفر. وأفرج عن وزيره ~~وخادمه وحواشيه، وأنعم عليه بمال. وبعث له الأمراء مالا جزيلا، وشرع في ~~القرض من الكارم تجار اليمن ومصر، فبعثوا له عدة هدايا، وصار يركب حيث ~~يشاء. ثم في يوم الخميس ثاني صفر، ركب الملك المجاهد في الموكب بسوق الخيل ~~تحت القلعة، وطلع مع النائب بيبغا ططر إلى القلعة، ودخل إلى الخدمة ~~السلطانية بالإيوان مع الأمراء والنائب. وكان موكبا عظيما، ركب فيه جماعة ~~من أجناد الحلقة مع مقدميهم وخلع على المقدمين وطلعوا إلى القلعة. وآستمر ~~المجاهد يركب في الخدم مع النائب بسوق الخيل، ويطلع إلى القلعة ويحضر ~~الخدمة. ثم خلع السلطان على الأمير صرغتمش، وآستقر رأس نوبة على ما كان ~~عليه أولا، بعناية الأمير طاز والأمير مغلطاي. PageV03P0153 # وفي يوم السبت ثامن عشر من صفر برز المجاهد صاحب اليمن بثقله من القاهرة ~~إلى الريدانية متوجها إلى بلاده، وصحبته الأمير قشتمر شاد الدواوين. وكتب ~~للشريف عجلان أمير مكة بتجهيزه إلى بلاده، وكتب لبني شعبة وغيرهم من ~~العربان بالقيام في خدمته، وخلع عليه. وقرر المجاهد على نفسه مالا يحمله في ~~كل سنة. وأسر السلطان إلى قشتمر أنه إن رأى منه ما يريبه يمنعه من السفر، ~~ويطالع السلطان في أمره. فرحل المجاهد من الريدانية في يوم الخميس ثالث ~~عشرينه، ومعه عدة مماليك آشتراها وكثير من الخيل والجمال. ثم في أوائل ~~جمادى الآخرة توعك السلطان ولزم الفراش أياما؛ فبلغ طاز ومنكلي بغا ومغلطاي ~~أنه أراد بإظهار توعكه القبض عليهم إذا دخلوا عليه، وأنه قد اتفق مع قشتمر ~~وألطنبغا الزامر وملكتمر الماردينى وتنكز بغا على ذلك، وأنه ينعم عليهم ~~بإقطاعاتهم وإمرياتهم. فواعدوا الأمراء أصحابهم، واتفقوا مع الأمير بيبغا ~~ططر النائب والأمير طيبغا المجدي والأمير رسلان بصل، وركبوا يوم الأحد سابع ~~عشرين جمادى الآخرة بأطلابهم، ووقفوا عند قبة النصر خارج القاهرة. فخرج ~~السلطان إلى القصر، وبعث يسألهم عن سبب ركوبهم، فقالوا: " أنت اتفقت مع ~~مماليكك على مسكنا، ولا بد من إرسالهم ms2138 إلينا " فبعث تنكزبغا وقشتمر ~~وألطنبغا الزامر وملكتمر؛ فعندما وصلوا إليهم قيموهم وبعثوهم إلى خزانة ~~شمائل، فسجنوا بها. فشق ذلك على السلطان، وبكى وقال: " قد نزلت عن السلطنة ~~" وسير إليهم النمجاة، فسلموها للأمير طيبغا المجدي. وقام السلطان حسن إلى ~~حريمه، فبعثوا الأمراء الأمير صرغتمش ومعه الأمير قطلوبغا الذهبي، ومعهم ~~جماعة ليأخذوه ويحبسوه؛ فطلعوا إلى القلعة راكبين إلى باب القصر الأبلق، ~~ودخلوا إلى الملك الناصر حسن، وأخذوه من بين حرمه، فصرخ النساء صراخا ~~عظيما، وصاحت الست حدق على صرغتمش صياحا منكرا، وقالت له: " هذا جزاؤه منك ~~" ! وسبته سبا فاحشا. فلم يلتفت صرغتمش إلى كلامها، وأخرجه وقد غطى وجهه ~~إلى الرحبة، فلما رآه الخدام والمماليك تباكوا عليه بكاء كثيرا. وطلع به ~~صرغتمش، إلى رواق فوق الإيوان، ووكل به من يحفظه، وعاد إلى الأمراء. فاتفق ~~الأمراء على خلعه من السلطنة، وسلطنة أخيه الملك الصالح صالح بن محمد بن ~~قلاوون، وتسلطن حسب ما يأتي ذكره. ولما تسلطن الملك الصالح صالح، نقل أخاه ~~الملك الناصر حسنا هذا إلى حيث كان هو ساكنا، ورتب في خدمته جماعة، وأجرى ~~عليه من الرواتب ما يكفيه. ثم طلب الملك الصالح أخاه حسنا، ووعده أيضا ~~بزيادة على إقطاعه، وزاد راتبه. وزالت دولة الملك الناصر حسن. فكانت مدة ~~سلطنته هذه الأولى ثلاث سنين وتسعة أشهر وأربعة عشر يوما،منها مدة الحجر ~~عليه ثلاث سنين، ومدة استبداده بالأمر نحو تسعة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان ~~القائم بدولته في أيام الحجر عليه الأمير شيخون العمري رأس نوبة النوب، ~~وإليه كان أمر خزانة الخاص، ومرجعه لعلم الدين بن زنبور ناظر الخاص. وكان ~~الأمير منجك اليوسفي الوزير والأستادار ومقدم المماليك، إليه التصرف في ~~أموال الدولة. والأمير بيبغا أرس نائب السلطنة وإليه حكم العسكر وتدبيره، ~~والحكم بين الناس. وكان المتولي لتربية السلطان حسن خوند طغاي زوجة أبيه، ~~ربته وتبنت به. وكانت الست حدق الناصرية دادته. وكان الأمراء المذكورون ~~رتبوا له في أيام سلطنته، في كل يوم مائة درهم، يأخذها خادمه من خزانة ~~الخاص وليس ينوبه سواها، وذلك خارج ms2139 عن سماطه وكلفة حريمه؛ فكان ما ينعم به ~~السلطان حسن في أيام سلطنته ويتصدق به من هذه المائة درهم لا غير، إلى أن ~~ضجر من الحجر؛ وسافر النائب بيبغا أرس والأمير طاز إلى الحجاز، وخرج شيخون، ~~إلى العباسة للصيد، واتفق السلطان حسن مع مغلطاي الأمير آخور وغيره على ~~ترشيده، فترشد حسب ما ذكرناه. واستبد بالدار المصرية. ثم قبض على منجك ~~وشيخون وبيبغا أرس، إلى أن كان من أمره ما كان؛ على أنه سار في سلطنته بعد ~~آستبداله بالأمور مع الأمراء أحسن سيرة، فإنه اختص بالأمير طاز بعد حضوره ~~من الحجاز، وبالغ في الإنعام عليه. PageV03P0154 # وكانت أيامه شديدة، كثرت فيها المغارم، بما أحدثه الوزير منجك بالنواحي؛ ~~وخربت عدة أملاك على النيل، واحترقت مواضع كثيرة بالقاهرة ومصر، وخرجت ~~عربان العائد وثعلبة وعرب الشام وعرب الصعيد عن الطاعة، واشتد فسادهم ~~لاختلاف كلمة مدبري المملكة. وكان في أيامه الفناء العظيم المقدم ذكره، ~~الذي لم يعهد في الإسلام مثله. وتوالى في أيامه شراقي البلاد وتلاف الجسور، ~~وقيام ابن واصل الأحدب ببلاد الصعيد، فآختلت أرض مصر وبلاد الشام بسبب ذلك ~~خللا فاحشا، كل ذلك من اضطراب المملكة واختلاف الكلمة، وظلم الأمير منجك ~~وعسفه. وأما الملك الناصر حسن المذكور فإنه كان في نفسه مفرط الذكاء عاقلا، ~~وفيه رفق بالرعية، ضابطا لما يدخل إليه وما يصرفه كل يوم، متدينا شهما، لو ~~وجد ناصرا أو معينا، لكان أجل الملوك. يأتي بيان ذلك في سلطنته الثانية، إن ~~شاء الله تعالى. وأما سلطنته هذه المرة فلم يكن له من السلطنة إلا مجرد ~~الاسم فقط، وذلك لصغر سنه وعدم من يؤيده. انتهى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الناصر حسن # ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون الأولى وهي سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ~~على أنه حكم من الخالية من رابع عشر شهر رمضان. فيها أعني سنة تسع وأربعين ~~كان الوباء العظيم المقدم ذكره في هذه الترجمة، وعم الدنيا حتى دخل إلى مكة ~~المشرفة، ثم عم شرق الأرض وغربها، فمات بهذا الطاعون بمصر والشام وغيرهما ms2140 ~~خلائق لا تحصى. فمن مات فيه من الأعيان الشيخ المحدث برهان الدين بن لاجين ~~بن عبد الله الرشيدي الشافعي في يوم الثلاثاء تاسع عشرين شوال؛ ومولده في ~~سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وكان أخذ القراءات عن التقي الصائغ، وسمع من ~~الأبرقوهي وأخذ الفقه عن العلم العراقي، وبرع في الفقه والأصول والنحو ~~وغيره، ودرس وأقرأ وخطب بجامع أمير حسين خارج القاهرة سنين. وتوفي الشيخ ~~الأديب شهاب الدين أبو العباس أحمد بن مسعد بن أحمد بن ممدود السنهوري ~~المادح الضرير.وكانت له قدرة زائدة على النظم؛ومدح النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعدة قصائد. وشعره كثير إلى الغاية، لا سيما قصائده النبوية وهي ~~مشهورة في حفظ المداح. وتوفي القاضي الإمام البارع الكاتب المؤرخ المفتن ~~شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي محيي الدين يحيى بن فضل الله بن ~~المجلى بن دعجان القرشي العدوي العمري الدمشقي الشافعي في تاسع ذي الحجة ~~بدمشق. ومولده في ثالث شوال سنة سبعمائة. وكان إماما بارعا وكاتبا فقيها. ~~نظم كثيرا من القصائد والأراجيز والمقطعات ودوبيت، وأنشأ كثيرا من التقاليد ~~والمناشير والتواقيع، وكتب فى الإنشاء لما ولي والده كتابة سر دمشق؛ ثم لما ~~ولي والده كتابة السر بمصر أيضا، صار ولده أحمد هذا هو الذي يقرأ البريد ~~على الملك الناصر محمد بن قلاوون، وينفذ المهمات؛ واستمر كذلك في ولاية ~~والده الأولى والثانية، حتى تغير السلطان عليه وصرفه في سنة ثمان وثلاثين، ~~وأقام أخاه علاء الدين عليا، وكلاهما كانا يكتبان بحضرة والدهما ووجوده، ~~نيابة عنه لكبر سنه؛ وتوجه شهاب الدين إلى دمشق، حتى مات بها في التاريخ ~~المذكور. وكان بارعا في فنون، وله مصنفات كثيرة، منها تاريخه " مسالك ~~الأبصار، في ممالك الأمصار " في أكثر من عشرين مجلدا، وكتاب " فواصل السمر، ~~في فضائل آل عمر " في أربع مجلدات، " والدعوة المستجابة " ، " وصبابة ~~المشتاق " في مجلد، في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، " ودمعة الباكي " " ~~ويقظة الساهي " و " نفحة الروض " . قال الشيخ صلاح الدين خليل الصفدي: ~~وأنشدني القاضي شهاب الدين ابن فضل الله لنفسه، ونحن على ms2141 العاصي هذين ~~البيتين: لقد نزلنا على العاصي بمنزلة ... زانت محاسن شطيه حدائقها تبكي ~~نواعيرها العبرى بأدمعها ... لكونه بعد لقياها يفارقها قال: فأنشدته لنفسي: ~~وناعورة في جانب النهر قد غدت ... تعبر عن شوق الشجي وتعرب فيرقص عطف الغصن ~~تيها لأنها ... تغني له طول الزمان ويشرب وتوفي الأمير سيف الدين أطلمش ~~الجمدار؛ كان أولا من أمراء مصر، ثم ولي حجوبية دمشق إلى أن مات، وكان ~~مشكور السيرة. PageV03P0155 # وتوفي الأمير سيف الدين بلك بن عبد الله المظفري الجمدار، أحد أمراء ~~الألوف بالديار المصرية في يوم الخميس رابع عشرين شوال. وكان من أعيان ~~الأمراء، وقد تقدم ذكره فيما مر. وتوفي الأمير سيف الدين برلغي بن عبد الله ~~الصغير، قريب السلطان الملك المنصور قلاوون. قدم إلى القاهرة صحبة ~~القازانية سنة أربع وسبعمائة، فأنعم عليه الملك الناصر بإمرة بديار مصر، ~~وتزوج بابنة الأمير بيبرس الجاشنكير قبل سلطنته، وعمل له مهما عظيما، أشعل ~~فيه ثلاثة آلاف شمعة. ثم قبض عليه الملك الناصر بعد زوال دولة الملك ~~المظفر، وامتحن بسبب صهره؛ وحبسه الملك الناصر عشرين سنة، ثم أفرج عنه ~~وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، فدام على ذلك إلى أن مات. وبرلغي هذا ~~يلتبس ببرلغي الأشرفي، كلاهما كان عضدا للملك المظفر بيبرس الجاشنكير وكانا ~~في عصر واحد. وتوفي الأمير سيف الدين بلبان بن عبد الله الحسني المنصوري ~~أمير جاندار، وقد أناف على ثمانين سنة، فإنه كان من مماليك الملك المنصور ~~قلاوون. وتوفي الأمير سيف الدين بكتوت بن عبد الله القرماني المنصوري، أحد ~~المماليك المنصورية قلاوون أيضا؛ وكان أحد البرجية. ثم ولي شد الدواوين ~~بدمشق وحبسه الملك الناصر محمد بن قلاوون مدة، لأنه كان من أصحاب المظفر ~~بيبرس، ثم أطلقه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه بمصر. وكانت به حدبة فاحشة وولع ~~بتتبع المطالب وعمل الكيمياء، وضاع عمره في البطال. وتوفي الأمير سيف الدين ~~تمربغا بن عبد الله العقيلي نائب الكرك في جمادى الآخرة؛ وكان عاقلا شجاعا ~~مشكور السيرة. وتوفي الشيخ الإمام كمال الدين جعفر ابن ثعلب بن جعفر بن علي ms2142 ~~الأدفوي الفقيه الأديب الشافعي. كان فقيها بارعا أديبا مصنفا؛ ومن مصنفاته ~~تاريخ الصعيد المسمى بالطالع السعيد في تاريخ الصعيد، وله مصنفات أخر وشعر ~~كثير. وتوفي الأمير سيف الدين طشتمر بن عبد الله الناصري، أحد أمراء الألوف ~~بالديار المصرية، المعروف بطلليه في شوال بالقاهرة؛ وقيل له: طلليه، لأنه ~~كان إذا تكلم قال في آخر كلامه: طلليه. وهو من مماليك الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون وخاصكيته، وصار من بعده من أعيان الأمراء بالديار المصرية، وله تربة ~~بالصحراء معروفة به؛ وكان شجاعا مقداما. وتوفيت خوند طغاي أم آنوك زوجة ~~السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتركت مالا كثيرا جدا؛ من ذلك ألف ~~جارية، وثمانون طواشيا أعتقت الجميع. وهي صاحبة التربة بالصحراء معروفة ~~بها. وهي التي تولت تربية السلطان الملك الناصر حسن بعد موت أمه من أيام ~~الملك الناصر محمد. وكانت من أعظم نساء وقتها وأحشمهن وأسعدهن. وتوفي الشيخ ~~الإمام الأديب البارع صفي الدين عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم ~~بن أحمد بن نصر بن أبي العز بن سرايا بن كيافا بن عبد الله السنبسي الحلي ~~الشاعر المشهور في سلخ ذي الحجة. ومولده في خامس شهر ربيع الآخر سنة سبع ~~وسبعين وستمائة؛ وقدم القاهرة مرتين، ومدح الملك المؤيد صاحب حماة، ومدح ~~ملوك ماردين بني أرتق، وله فيهم غرز القصائد، وتقدم في نظم الشعر. ومدح ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالقصيدة المعروفة بالبديعة وله ديوان شعر كبير، ~~وشعره سار شرقا وغربا. وهو أحد فحول الشعراء. وفيه يقول الشيخ جمال الدين ~~محمد بن نباته: يا سائلي عن رتبة الحلي في ... نظم القريض راضيا بي أحكم ~~للشعر حليان ذلك راجح ... ذهب الزمان به وهذا قيم ومن شعر الصفي الحلي: ~~أستطلع الأخبار من نحوكم ... وأسأل الأرواح حمل السلام وكلما جاء غلام لكم ~~... أقول يا بشراي هذا غلام ومن شعره قصيدته التي أولها: كيف الضلال وصبح ~~وجهك مشرق ... وشذاك في الأكوان مسك يعبق يا من إذا سمرت محاسن وجهه ... ~~ظلت به حدق الخلائق تحدق أوضحت عذري ms2143 في هواك بواضح ... ماء الحيا بأديمه ~~يترقرق فإذا العذول رأى جمالك قال لي ... عجبا لقلبك كيف لا يتمزق يا آسرا ~~قلب المحب فدمعه ... والنوم منه مطلق ومطلق أغنيتني بالفكر فيك عن الكرى ~~... يا آسري فأنا الغني المملق ومنها أيضا: PageV03P0156 # لم أنس ليلة زارني ورقيبه ... يبدي الرضا وهو المغيظ المحنق حتى إذا عبث ~~الكرى بجفونه ... كان الوسادة ساعدي والمرفق عانقته وضممته فكأنه ... من ~~ساعدي ممنطق ومطوق حتى بدا فلق الصباح فراعه ... إن الصباح هو العدو الأزرق ~~وقد استوعبنا من شعره وأحواله قطعة جيدة في تاريخنا " المنهل الصافي " . ~~رحمه الله تعالى إن كان مسيئا. وتوفي الشيخ الصالح المعتقد عبد الله ~~المنوفي الفقيه المالكي، في يوم الأحد ثامن شهر رمضان ودفن بالصحراء؛ وقبره ~~بها معروف يقصد للزيارة والتبرك. وتوفي الإمام العلامة شيخ الشيوخ بدمشق ~~علاء الدين علي بن محمود بن حميد القونوي الحنفي في رابع شهر رمضان؛ وكان ~~إماما فقيها بارعا صوفيا صالحا. رحمه الله. وتوفي الشيخ الإمام البارع ~~المفتن الأديب الفقيه، زين الدين عمر بن المظفر بن عمر بن محمد بن أبي ~~الفوارس بن علي المعري الحلبي الشافعي المعروف بابن الوردي، ناظم " الحاوي ~~في الفقه رحمه الله، وقد جاوز الستين سنة بحلب، في سابع عشرين ذي الحجة. ~~وقد آستوعبنا من شعره ومشايخه نبذة كبيرة في " المنهل الصافي " إذ هو كتاب ~~تراجم، محله الإطناب في مثل هؤلاء. ومن شعره ما قاله في مقرىء: ووعدت أمس ~~بأن تزور فلم تزر ... فغدوت مسلوب الفؤاد مشتتا لي مهجة في النازعات وعبرة ~~... في المرسلات وفكرة في هل أتى وله عفا الله عنه: تجادلنا: أماء الزهر ~~أذكى ... أم الخلاف أم ورد القطاف وعقبى ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد حصل ~~الوفاق على الخلاف وتوفي الأمير الطواشي عنبر السحرتي لالاة السلطان الملك ~~الكامل شعبان، ومقدم المماليك السلطانية منفيا في القدس، بعد أن امتحن ~~وصودر. وكان رأى من العز والجاه والحرمة في أيام الكامل شعبان ما لا مزيد ~~عليه، حسب ما ذكرنا منه نبذة في ترجمة الملك الكامل المذكور. وتوفي الأمير ~~سيف ms2144 الدين كوكاي بن عبد الله المنصوري السلاح دار، أحد أعيان أمراء الألوف ~~بالديار المصرية؛ وكان من أجل الأمراء وأسعدهم، خلف أكثر من أربعمائة ألف ~~دينار عينا. وهو صاحب التربة والمئذنة التي بالصحراء، على رأس الهدفة، تجاه ~~تربة الملك الظاهر برقوق. وكان شجاعا مقداما. طالت أيامه في السعادة. وتوفي ~~الأمير سيف الدين قطز بن عبد الله الأمير آخور، ثم نائب صفد بدمشق، وهو أحد ~~أمرائها، في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة. وكان من أعيان أمراء مصر؛ ولي ~~عدة ولايات جليلة. وتوفي الآمير سيف الدين نكباي بن عبد الله البريدي ~~المنصوري. كان أحد مماليك الملك المنصور قلاوون. ولي قطيا والإسكندرية؛ ثم ~~أنعم عليه بإمرة طبلخاناه، واستقر مهمندارا. وإليه تنسب دار نكباي خارج ~~مدينة مصر على النيل، وعني بعمارتها فلم يتمتع بها. وتوفي الأمير شرف الدين ~~محمود بن خطير أخو الأمير مسعود. وأظنه صاحب الجامع بالحسينية خارج ~~القاهرة. وتوفي الشيخ المحدث الواعظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن ميلق ~~الشاذلي. كان يجلس ويذكر الناس ويعظ، وكان لوعظه تأثير في النفوس. وتوفي ~~الشيخ المعتقد زين الدين أبو بكر بن النشاشيبي. كان له قدم وللناس فيه محبة ~~وآعتقاد. رحمه الله. وتوفي الرئيس شمس الدين أبو عبد الله بن إبراهيم بن ~~عمر الأسيوطي ناظر بيت المال. كان معدودا من أعيان الديار المصرية، وله ~~ثروة. وإليه ينسب جامع الأسيوطي بخط جزيرة الفيل. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم أربع أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ست عشرة ذراعا وثلاث ~~وعشرون إصبعا. وحولت هذه السنة إلى سنة خمسين. والله أعلم. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الناصر حسن الأولى # على مصر وهي سنة خمسين وسبعمائة. فيها توفي مكين الدين إبراهيم بن ~~قروينة بطالا، بعدما ولي استيفاء الصحبة، ونظر البيوت، ثم نظر الجيش مرتين، ~~ثم تعطل إلى أن مات. وكان من أعيان الكتاب ورؤسائهم. PageV03P0157 # وتوفي الأمير سيف الدين أرغون شاه بن عبد الله الناصري نائب الشام، ~~مذبوحا، في ليلة الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأول. وكان من أعيان مماليك ~~الملك ms2145 الناصر محمد بن قلاوون وخواصه؛ رباه وجعله أمير طبلخاناه رأس نوبة ~~الجمدارية. ثم استقر بعد وفاته أستادارا أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر، ~~فتحكم على الملك الكامل شعبان، حتى أخرجه لنيابة صفد؛ وولي بعدها نيابة ~~حلب، ثم نيابة الشام. وكان خفيفا قوي النفس شرس الأخلاق، مهابا جبارا في ~~أحكامه، سفاكا للدماء غليظا فاحشا، كثير المال والحشم. وكان أصله من بلاد ~~الصين، حمل إلى بوسعيد بن خربندا ملك التتار، فأخذه دمشق خجا بن جوبان، ثم ~~ارتجعه بوسعيد بعد قتل دمشق خجا بن جوبان، وبعث به إلى الناصر هدية ومعه ~~ملكتمر السعيدي. وقد تقدم من ذكر أرغون شاه هذا نبذة كبيرة في عدة تراجم من ~~هذا الكتاب، من أول آبتداء أمره حتى كيفية قتله، في ترجمة الملك الناصر حسن ~~هذا، فلينظر هناك. وتوفي الأمير الكبير سيف الدين أرقطاي بن عبد الله ~~المنصوري، نائب السلطنة بالديار المصرية، ثم نائب حلب، ثم ولي نيابة دمشق؛ ~~فلما خرج منها متوجها إلى دمشق، مات بظاهرها عن نحو ثمانين سنة، في يوم ~~الأربعاء خامس جمادى الأولى. وأصله من مماليك الملك المنصور قلاوون، رباه ~~الطواشي فاخر أحسن تربية، إلى أن توجه الملك الناصر إلى الكرك توجه معه؛ ~~فلما عاد الملك الناصر إلى ملكه جعله من جملة الأمراء، ثم سيرة صحبة الأمير ~~تنكز إلى الشام، وأوصى تنكز ألا يخرج عن رأيه، فأقام عنده مدة. ثم تنكر ~~عليه الناصر محمد بن قلاوون وولاه نيابة حمص سنتين ونصفا، ثم نقله إلى ~~نيابة صفد، فأقام بها ثماني عشرة سنة. ثم قدم مصر، فأقام بها خمس سنين وجرد ~~إلى إياس. ثم ولي نيابة طرابلس، ومات الملك الناصر محمد، فقدم مصر بعد موته ~~فقبض عليه. ثم أفرج عنه. وبعد مدة ولي نيابة حلب؛ ثم عزل وطلب إلى مصر فصار ~~يجلس رأس الميمنة. ثم ولي نيابة السلطنة بالديار المصرية نحو سنتين. ثم ~~أخرج لنيابة حلب ثانيا، بحسب سؤاله في ذلك. فأقام بها مدة. ثم نقل إلى ~~نيابة الشام بعد قتل أرغون شاه، فمات خارج حلب ms2146 قبل أن يباشر دمشق، ودفن ~~بحلب. وكان أميرا جليلا عظيما مهابا عاقلا سيوسا، مشكور السيرة محببا ~~للرعية. وقد تقدم من أخباره ما يغني عن الإعادة هنا. وتوفي الأمير سيف ~~الدين ألجيبغا بن عبد الله المظفري نائب طرابلس، موسطا بسوق خيل دمشق، في ~~يوم الإثنين ثاني شهر ربيع الآخر، بمقتضى قتله الأمير أرغون شاه نائب ~~الشام؛ وقد تقدم كيفية قتله أرغون شاه في ترجمة السلطان حسن هذا، وأيضا ~~واقعة توسيطه مفصلا هناك. وكان ألجيبغا من مماليك المظفر حاجي ابن الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون ومن خواصه. وقتل ألجيبغا وسنه دون العشرين سنة، بعد ~~أن صار أمير مائة ومقدم ألف بمصر والشام ونائب طرابلس، ووسط معه إياس الآتي ~~ذكره. وتوفي الأمير فخر الدين إياس بن عبد الله الناصري، موسطا أيضا بسوق ~~خيل دمشق لموافقته ألجيبغا المقدم ذكره على قتل أرغون شاه في التاريخ ~~المذكور أعلاه. وكان أصل إياس هذا من الأرمن، وأسلم على يد الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون، فرقاه حتى عمله شاد العمائر. ثم أخرجه إلى الشام شاد ~~الدواوين. ثم صار حاجبا بدمشق، ثم نائبا بصفد، ثم نائبا بحلب. ثم عزل بسعي ~~أرغون شاه به، وقدم دمشق أميرا في نيابة أرغون شاه دمشق، فصار أرغون شاه ~~يهينه، وإياس يومئذ تحت حكمه؛ فحقد عليه، واتفق مع ألجيبغا نائب طرابلس حتى ~~قتلاه ذبحا، حسب ما ذكرناه مفصلا، في ترجمة السلطان الملك الناصر حسن. ~~PageV03P0158 # وتوفي الإمام العلامة قاضي القضاة علاء الدين علي ابن القاضي فخر الدين ~~عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني الحنفي المعروف بالتركماني - رحمه ~~الله تعالى - في يوم الثلاثاء عاشر المحرم بالقاهرة. ومولده في سنة ثلاث ~~وثمانين وستمائة؛ وهو أخو العلامة تاج الدين أحمد، ووالد الإمامين ~~العالمين: عز الدين عبد العزيز وجمال الدين عبد الله، وعم العلامة محمد بن ~~أحمد، يأتي ذكر كل واحد من هؤلاء في محله إن شاء الله تعالى. وكان قاضي ~~القضاة علاء الدين إماما فقيها بارعا نحويا أصوليا لغويا. أفتى ودرس وأشغل ~~وألف وصنف، وكان له معرفة تامة ms2147 بالأدب وأنواعه، وله نظم ونثر. كان إمام ~~عصره بلا مدافعة، لا سيما في العلوم العقلية والفقه أيضا والحديث، وتصدى ~~للإقرار عدة سنين. وتولى قضاء الحنفية بالديار المصرية في شوال سنة ثمان ~~وأربعين وسبعمائة،عوضا عن قاضي القضاة زين الدين البسطامي، وحسنت سيرته، ~~ودام قاضيا إلى أن مات. وتولى عوضه ولده جمال الدين عبد الله. ومن مصنفاته ~~- رحمه الله - كتاب " بهجة الأريب في بيان ما في كتاب الله العزيز من ~~الغريب " و " المنتخب في علوم الحديث " " والمؤتلف والمختلف " و " الضعفاء ~~والمتروكون " و " الدر النقي في الرد على البيهقي " وهو جليل في معناه، يدل ~~على علم غزير، واطلاع كثير، و " مختصر المحصل في الكلام " و " مقدمة في ~~أصول الفقه " و " الكفاية في مختصر الهداية " و " مختصر رسالة القشيري " ~~وغير ذلك. وتوفي قاضي القضاة تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران ~~السعدي الأخنائي المالكي في ليلة الثالث من صفر. ومولده في شهر رجب سنة ~~أربع وستين وستمائة. وكان فقيها فاضلا محدثا بارعا. ولي شهادة الخزانة، ثم ~~تولى قضاء الإسكندرية، ثم نقل لقضاء دمشق بعد علاء الدين القونوي. وحسنت ~~سيرته. وتولى بعده جمال الدين يوسف بن إبراهيم بن جملة. وتوفيت خوند بنت ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون زوجة الأمير طاز. وخلفت أموالا كثيرة. أبيع ~~موجودها بباب القلة من القلعة بخمسمائة ألف درهم، من جملة ذلك قبقاب مرصع ~~بأربعين ألف درهم، ثمنها يوم ذاك ألفا دينار مصرية. وتوفي شيخ القراء شهاب ~~الدين أحمد بن أحمد بن الحسين المعروف بالهكاري، بالقاهرة في جمادى الأولى. ~~وكان إماما في القراءات، تصدى للإقرار عدة سنين وانتفع به الناس. وتوفي ~~الأمير طقتمر بن عبد الله الشريفي، بعد ما عمي ولزم داره؛ وكان من أعيان ~~الأمراء. وتوفي الشيخ الإمام نجم الدين عبد الرحمن بن يوسف بن إبراهيم بن ~~محمد ابن إبراهيم بن علي القرشي الأصفوني الشافعي، بمنى، في ثالث عشر ذي ~~الحجة. وكان فقيها عالما مصنفا، ومن مصنفاته: " مختصر الروضة في الفقه " . ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ms2148 أربع أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وثلاث وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الناصر حسن الأولى # على مصر وهي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين ~~دلنجي بن عبد الله ودلنجي هو المكدي باللغة التركية. كان أصله من الأتراك ~~وقدم إلى الديار المصرية سنة ثلاثين وسبعمائة، فأنعم عليه السلطان الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون بإمرة عشرة، ثم إمرة طبلخاناه. ثم ولي نيابة غزة بعد ~~الأمير تلجك، فأوقع بالمفسدين ببلاد غزة وأبادهم، وقويت حرمته. وكان شجاعا ~~مهابا. وتوفي الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب ~~الزرعي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قيم الجوزية بدمشق، في ثالث عشر شهر ~~رجب. ومولده سنة إحدى وتسعين وستمائة. وكان بارعا في عدة علوم، ما بين ~~تفسير وفقه وعربية ونحو وحديث وأصول وفروع. ولزم شيخ الإسلام تقي الدين ابن ~~تيمية بعد عوده من القاهرة في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وأخذ منه علما ~~كثيرا، حتى صار أحد أفراد زمانه. وتصور للإقراء والإفتاء سنين، وانتفع به ~~الناس قاطبة، وصنف وألف وكتب. وقد استوعبنا أحواله ومصنفاته وبعض مشايخه في ~~ترجمته في " المنهل الصافي " كما ذكرنا أمثاله. PageV03P0159 # وتوفي الأمير حسام الدين لاجين بن عبد الله العلائي الناصري. أصله من ~~مماليك الناصر محمد، ثم صار أمير جاندار في دولة الملك المظفر حاجي، فإنه ~~كان زوج أمه. ثم ولي أمير آخور؛ فلما قتل الملك المظفر في سنة ثمان وأربعين ~~وسبعمائة، عزل وأخرج إلى حلب، على إقطاع الأمير حسام الدين محمود بن داود ~~الشيباني، فدام بحلب إلى أن مات بها، وقيل بغيرها. وتوفي الشيخ فخر الدين ~~أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم بن عبد الكريم المصري، الفقيه الشافعي ~~بدمشق، في سادس عشرين ذي القعدة؛ ومولده سنة إحدى وتسعين وستمائة. وكان ~~فقيها عالما فاضلا بارعا في فنون. وتوفي ابن قرمان صاحب جبال الروم بعد مرض ~~طويل. قلت: وبنو قرمان هؤلاء هم من ذرية السلطان علاء الدين كيقباد ~~السلجوقي، وهم ملوك تلك البلاد إلى ms2149 يومنا هذا، وقد تقدم من ذكرهم جماعة ~~كثيرة في هذا الكتاب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع ~~ونصف، وقيل خمس أذرع وسبع عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا. ونزل ~~في خامس توت، وشرقت البلاد. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الناصر حسن # الأولى على مصر وهي سنة آثنتين وخمسين وسبعمائة؛ وهي التي خلع فيها ~~السلطان حسن المذكور في سابع وعشرين جمادى الآخرة، وحكم في باقيها أخوه ~~الملك الصالح صالح ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون. فيها توفي السيد ~~الشريف أدي أمير المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، في ~~السجن. وتوفي الأمير سيف الدين طشبغا بن عبد الله الناصري الدوادار. كان من ~~أول دولة الملك الناصر حسن، استقر طشبغا هذا دوادارا عوضه، في شهر رمضان ~~سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، واستمر على ذلك إلى أن توفي. وكان خيرا دينا ~~فاضلا عاقلا. وتوفي قاضي القضاة الحنفية بحلب ناصر الدين محمد بن عبد ~~العزيز بن محمد بن أبي الحسن بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله ابن ~~أحمد بن يحيى بن أبي جرادة، المعروف بابن العديم الحلبي بحلب، عن ثلاث ~~وستين سنة. وقد تقدم ذكر جماعة من آبائه وأقاربه في هذا الكتاب، وسيأتي ذكر ~~جماعة أخر من أقاربه، كل واحد في محله. إن شاء الله تعالى. وتوفي ملك الغرب ~~أبو الحسن علي بن أبي سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق بن محيو بن أبي بكر ~~بن حمامة في ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، وقام في ~~الملك من بعده ابنه أبو عنان فارس. وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة. وتوفي ~~القاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الرحيم بن عبد الله بن محمد بن ~~محمد بن خالد بن محمد بن نصر المعروف بابن القيسراني، موقع الدست وصاحب ~~المدرسة بسويقة الصاحب داخل القاهرة، وبها دفن؛ وكان معدودا من الرؤساء ~~الأماثل. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير ركن الدين بيبرس ~~الأحمدي، أحد أمراء الطبلخاناه ms2150 بالديار المصرية، وهو مجرد ببلاد الصعيد، ~~فحمل إلى القاهرة ميتا في يوم الأحد ثاني عشرين شهر رمضان. وتوفي الإمام ~~تاج الدين أبو الفضل محمد بن إبراهيم بن يوسف المراكشي الأصل الشافعي بدمشق ~~في جمادى الآخرة. وكان فقيها فاضلا بارعا معدودا من فقهاء الشافعية. وتوفي ~~القاضي علاء الدين علي بن محمد بن مقاتل الحراني ثم الدمشقي ناظر دمشق ~~بالقدس الشريف، في عاشر شهر رمضان. قلت: لعل علاء الدين هذا غير الأديب ~~علاء الدين بن مقاتل الزجال الحموي، لأني أحفظ وفاة هاذاك، في سنة إحدى ~~وستين وسبعمائة، وهكذا أرخناه في " المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي " . ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ست أذرع وخمس أصابع. مبلغ الزيادة ~~سبع عشرة ذراعا وإصبع واحدة. والله أعلم. ### | AUT سلطنة الملك الصالح صالح # ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون هو ~~العشرون من ملوك الترك بديار مصر، والثامن من أولاد الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون؛ وأمه خوند قطلو ملك بنت الأمير تنكز الناصري نائب الشام. تسلطن بعد ~~خلع أخيه الملك الناصر حسن في يوم الإثنين ثامن عشرين جمادى الآخرة سنة ~~آثنتين وخمسين وسبعمائة، باتفاق الأمراء على ذلك. PageV03P0160 # وأمره أن الأمراء لما حملت لهم نمجاة الملك، وأخبروا بأن الناصر حسنا خلع ~~نفسه، وهم وقوف بقية النصر خارج القاهرة، توجهوا إلى بيوتهم، وباتوا تلك ~~الليلة وهي ليلة الإثنين بإسطبلاتهم، وأصبحوا بكرة يوم الإثنين طلعوا إلى ~~القلعة، واجتمعوا بالرحبة داخل باب النحاس، وطلبوا الخليفة والقضاة وسائر ~~الأمراء وأرباب الدولة، واستدعوا بالصالح هذا من الدور السلطانية؛ فأخرج ~~لهم، فقاموا له وأجلسوه وبايعوه بالسلطنة، وألبسوه شعار الملك وأبهة ~~السلطنة، وأركبوه فرس النوبة، من داخل باب الستارة، ورفعت الغاشية بين يديه ~~ومشت الأمراء والأعيان بين يديه، والأمير طاز والأمير منكلي بغا آخذان ~~بشكيمة فرسه، وسار على ذلك حتى نزل وجلس على تخت الملك بالقصر. وقبلت ~~الأمراء الأرض بين يديه، وحلفوا له وحلفوه، على العادة، ولقبوه بالملك ~~الصالح، ونودي بسلطنته بمصر والقاهرة، ودقت الكوسات، وزينت القاهرة وسائر ~~بيوت الأمراء. ms2151 وقبل سلطنته كان النيل نقص عند ما كسر عليه، فرد نقصه ونودي ~~عليه بزيادة ثلاث أصابع من سبع عشرة ذراعا، فتباشر الناس بسلطنته. ثم توجه ~~الأمير بزلار أمير سلاح إلى الشام، ومعه التشاريف والبشارة بولاية السلطان ~~الملك الصالح، وتحليف العساكر الشامية له على العادة. ثم طلب الأمير طاز ~~والأمير مغلطاي مفاتيح الذخيرة ليعتبرا ما فيها فوجدا شيئا يسيرا. ثم رسم ~~للصاحب علم الدين عبد الله بن زنبور بتجهيز تشاريف الأمراء وأرباب الوظائف ~~على العادة، فجهزها في أسرع وقت. ووقف الأمير طاز وسأل السلطان والأمراء ~~الإفراج عن الأمير شيخون العمري، فرسم بذلك؛ وكتب كل من مغلطاي وطاز كتابا، ~~وبعث مغلطاي أخاه قطليجا رأس نوبة، وبعث طاز الأمير طقطاي صهره، وجهزت له ~~الحراقة لإحضاره من الإسكندرية في يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الآخرة من ~~سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة المذكورة. وكان ذلك بغير اختيار الأمير مغلطاي؛ ~~إلا أن الأمير طاز دخل عليه وألح عليه في ذلك، حتى وافقه على مجيئه، بعد أن ~~قال له: أخشى على نفسي من مجيء شيخون إلى مصر، فحلف له طاز أيمانا مغلظة ~~أنه معه على كل ما يريد، ولا يصيبه من شيخون ما يكره، وأن شيخون إذا حضر لا ~~يعارضه في شيء من أمر المملكة، " وإني ضامن له في هذا " ؛ وما زال به حتى ~~أذعن، وكتب له مع أخيه. فشق ذلك على الأمير منكلي بغا الفخري، وعتب مغلطاي ~~على موافقة طاز، وعرفه أن بحضور شيخون إلى مصر يزول عنهم ما هم فيه، فتقرر ~~في ذهن مغلطاي ذلك، وندم على ما كان منه، إلى أن كان يوم الخميس أول شهر ~~رجب، وركب الأمراء في الموكب على العادة، أخذ منكلي بغا يعرف النائب ~~والأمراء بإنكار ما دار بينه وبين مغلطاي، وحذرهم من حضور شيخون إلى أن ~~وافقوه، وطلعوا إلى القلعة ودخلوا إلى الخدمة. فآبتدأ النائب بحضور شيخون ~~وقال: " إنه رجل كبير ويحتاج إلى إقطاع كبير وكلف كثيرة " . فتكلم مغلطاي ~~ومنكلي بغا والأمراء، وطاز ساكت قد آختبط لتغير مغلطاي ورجوعه على ms2152 ما وافقه ~~عليه. وأخذ طاز يتلطف بهم، فصمم مغلطاي على ما هو عليه وقال: " مالي وجه ~~أنظر به شيخون، وقد أخذت منصبه ووظيفته وسكنت في بيته " ؛ فوافقه النائب، ~~وقال لناظر الجيش: اكتب له مثالا بنيابة حماة، فكتب ناظر الجيش ذلك في ~~الوقت، وتوجه به أيدمر الدوادار في الحال في حراقة، وعين لسفر شيخون عشرون ~~هجينا ليركبها ويسير عليها إلى حماة. وآنفضوا وفي نفس طاز ما لا يعبر عنه ~~من القهر؛ ونزل واتفق هو والأمير صرغتمش وملكتمر وجماعة، واتفقوا جميعا، ~~وبعثوا إلى مغلطاي بأن " منكلي بغا رجل فتني، وما دام بيننا لا نتفق أبدا " ~~فلم يصغ مغلطاي إلى قولهم، واحتج بأنه إن وافقهم لا يأمن على نفسه. فدخل ~~عليه طاز ليلا بالأشرفية من قلعة الجبل، حيث هي مسكن مغلطاي، وخادعه حتى ~~أجابه إلى إخراج منكلي بغا، وتحالفا على ذلك؛ فما هو إلا أن خرج عنه طاز، ~~أخذ دوادار مغلطاي يقبح على مغلطاي ما صدر منه، ويهول عليه الأمر، بأنه متى ~~أبعد منكلي بغا وحضر شيخون أخذ لا محالة، فمال إليه. PageV03P0161 # وبلغ الخبر منكلي بغا بكرة يوم الجمعة ثانيه، فواعد النائب والأمراء على ~~الاجتماع في صلاة الجمعة، ليقع الاتفاق على ما يكون؛ فلم يخف عن طاز ~~وصرغتمش رجوع مغلطاي عما تقرر بينه وبين طاز ليلا، فاستعدا للحرب، وواعدا ~~الأمير ملكتمر المحمدي، والأمير قردم الحموي، ومن يهوى هواهم، واستمالوا ~~مماليك بيبغا أرس ومماليك منجك حتى صاروا معهم رجاء لخلاص أستاذيهم. وشد ~~الجميع خيولهم. فلما دخل الأمراء لصلاة الجمعة، اجتمع منكلي بغا بالنائب ~~وجماعته، وقرر معهم أن يطلبوا طاز وصرغتمش إلى عندهم في دار النيابة، ~~ويقبضوا عليهما. فلما أتاهما الرسول من النائب يطلبهما، أحسا بالشر وقاما ~~ليتهيئا للحضور وصرفا الرسول على أنهما يكونان في أثره، وبادرا إلى باب ~~الدور ونحوه من الأبواب فأغلقاها؛ وآستدعوا من معهم من المماليك السلطانية ~~وغيرها، ولبسوا السلاح. ونزل صرغتمش بمن معه من باب السر، ليمنع من يخرج من ~~إسطبلات الأمراء. ودخل طاز على السلطان الملك الصالح، حتى يركب به ms2153 للحرب؛ ~~فلقي الأمير صرغتمش في نزوله الأمير أيدغدي أمير آخور، فلم يطق منعه، وأخذ ~~بعض الخيول من الاسطبل وخرج منه، فوجد خيله وخيل من معه في انتظارهم. ~~فركبوا إلى الطبلخاناه، فإذا طلب منكلي بغا مع ولده ومماليكه يريدون قبة ~~النصر، فألقوا ابن منكلي بغا عن فرسه، وجرحوه في وجهه، وقتلوا حامل الصنجق ~~وشتتوا شمل الجميع. فما استتم هذا، حتى ظهر طلب مغلطاي مع مماليكه، ولم يكن ~~لهم علم بما وقع على طلب منكلي بغا؛ فصدمهم صرغتمش أيضا بمن معه صدمة ~~بددتهم، وجرح جماعة منهم وهزم بقيتهم. ثم عاد صرغتمش ليدرك الأمراء قبل ~~نزولهم من القلعة، وكانت خيولهم واقفة على باب السلسلة تنتظرهم، فمال عليها ~~صرغتمش ليأخذها. وامتدت أيدي أصحابه إليها وقتلوا الغلمان، فعظم الصياح ~~وانعقد الغبار، وإذا بالنائب ومنكلي بغا ومغلطاي وبيغرا ومن معهم قد نزلوا ~~وركبوا خيولهم، وكانوا لما أبطأ عليهم حضور طاز وصرغتمش بعثوا في ~~استحثاثهم، فإذا الأبواب مغلقة، والضجة داخل باب القلعة، فقاموا من دار ~~النيابة يريدون الركوب؛ فما توسطوا بالقلعة حتى سمعوا ضجة الغلمان وصياحهم، ~~فأسرعوا إليهم وركبوا، فشهر مغلطاي سيفه وهجم بمن معه على صرغتمش؛ ومر ~~النائب وبيغرا ورسلان بصل، يريد كل منهم إسطبله. فلم يكن غير ساعة حتى ~~انكسر مغلطاي من صرغتمش كسرة قبيحة، وجرح كثير من أصحابه، وفر إلى جهة قبة ~~النصر وهم في أثره، وانهزم منكلي بغا أيضا. وكان طاز لما دخل على السلطان ~~عرفه أن النائب والأمراء اتفقوا على إعادة الملك الناصر حسن إلى ~~السلطنة،فمال السلطان الملك الصالح إلى كلامه.وقام معه في مماليكه؛ونزل إلى ~~الإسطبل واستدعى بالخيول ليركب،فقعد به أيدغدي أمير آخور واحتج بقلة ~~السروج،فإنه كان من حزب مغلطاي؛فأخذوا المماليك ما وجدوه من الخيول وركبوا ~~بالسلطان،ودقت الكوسات فاجتمع إليه الأمراء والمماليك والأجناد من كل جهة، ~~حتى عظم جمعه، فلم تغرب الشمس إلا والمدينة قد أغلقت، وآمتلأت الرميلة ~~بالعامة. وسار طاز بالسلطان يريد قبة النصر، حتى يعرف خبر صرغتمش، فوافى ~~قبة النصر بعد المغرب، فوجد صرغتمش قد تمادى في طلب مغلطاي ومنكلي ms2154 بغا حتى ~~أظلم الليل، فلم يشعر إلا بمملوك النائب قد أتاه برسالة النائب أن مغلطاي ~~عنده في بيت آل ملك بالحسينية، فبعث صرغتمش جماعة لأخذه. ومر صرغتمش في طلب ~~منكلي بغا، فلقيه الأمير محمد بن بكتمر الحاجب وعرفه أن منكلي بغا نزل ~~قريبا من قناطر الأميرية، ووقف يصلي، وأن طلب الأمير مجد الدين موسى بن ~~الهذباني قد جاء من جهة كوم الريش. ولحق بالأمير منكلي بغا الأمير أرغون ~~ألبكي في جماعة، فقبض عليه وهو قائم يصلي، وكتفوه بعمامته، وأركبوه بعد ما ~~نكلوا به. فلم يكن غير قليل حتى أتوا به وبمغلطاي فقيدا وحبسا بخزانة ~~شمائل؛ ثم أخرجا إلى الإسكندرية، ومعهما ابنا منكلي بغا فسجنوا بها. وأما ~~صرغتمش فإنه لما فرغ من أمر مغلطاي ومنكلي بغا وقبض عليهما، أقبل على ~~السلطان بمن معه بقبة النصر، وعرفه بمسك الأميرين، فسر السلطان سرورا ~~كبيرا، ونزل هو والأمراء وباتوا بقية النصر. PageV03P0162 # وركب السلطان بكرة يوم السبت ثالث شهر رجب إلى قلعة الجبل، وجلس بالإيوان ~~وهنأوه بالسلامة والظفر. وفي الحال كتب بإحضار الأمير شيخون، وخرج جماعة من ~~الأمراء بمماليكهم إلى لقائه. ونزلت البشائر إلى بيت شيخون، وبيت بيبغا أرس ~~وبيت منجك اليوسفي الوزير، فكان يوما عظيما؛ وبات الأمراء تلك الليلة على ~~تخوف. وأما شيخون، لما ورد عليه الرسول بإطلاقه أولا، فإنه خرج من ~~الإسكندرية وهو ضعيف، وركب الحراقة، وفرح أهل الإسكندرية لخلاصه. وسافر، ~~فوافاه كتاب الأمير صرغتمش بأنه إذا أتاك أيدمر بنيابة حماة، لا ترجع وأقبل ~~إلى القاهرة فأنا وطاز معك؛ فلما قرأ شيخون الكتاب تغير وجهه، وعلم أنه قد ~~حدث في أمره شيء. فلم يكن غير ساعة، حتى لاحت له حراقة أيدمر، فمر شيخون ~~وهو مقلع، وأيدمر منحدر إلى أن تجاوزه، وأيدمر يصيح ويشير بمنديله إليه فلا ~~يلتفتون إليه. فأمر أيدمر بأن تجهز مركبه بالقلع، وترجع خلف شيخون؛ فما ~~تجهز قلع مركب أيدمر حتى قطع شيخون بلادا كثيرة، وصارت حراقته تسير وأيدمر ~~في أثرهم، فلم يدركوه إلا بكرة يوم السبت. فعندما طلع إليه أيدمر ms2155 وعرفه ما ~~رسم به، من عوده إلى حماة، وقرأ المرسوم الذي على يد أيدمر برجوعه إلى ~~نيابة حماة، وإذا بالخيل على البر يتبع بعضها بعضا، والمراكب قد ملأت وجه ~~الماء تبادر لبشارته وإعلامه بما وقع من الركوب ومسك مغلطاي ومنكلي بغا، ~~فسر شيخون بذلك سرورا عظيما، وسار إلى أن أرسى بساحل بولاق في يوم الأحد ~~رابع شهر رجب، بعد أن مشت له الناس إلى منية الشيرج؛ فلما رأوه صاحوا ودعوا ~~له وتلقته المراكب، وخرج الناس إلى الفرجة عليه، حتى بلغ كراء المركب إلى ~~مائة درهم؛ وما وصلت الحراقة إلا وحولها فوق ألف مركب. وركبت الأمراء إلى ~~لقائه، وزينت الصليبة، وأشعلت الشموع، وخرجت مشايخ الصوفية بصوفيتهم إلى ~~لقائه؛ فسار شيخون، في موكب لم ير مثله لأمير قبله. وسار حتى طلع القلعة ~~وقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الصالح، فأقبل عليه السلطان وخلع عليه ~~تشريفا جليلا، وقلع عنه ثياب السجن، وهي ملوطة طرح محرر. ثم نزل إلى منزله ~~والتهاني تتلقاه. ودام الأمر على ذلك إلى يوم الأربعاء سابع شهر رجب حيث ~~رسم بإخراج الأمير بيبغا أرس حارس طير نائب السلطنة بالديار المصرية ~~والأمير بيغرا. فنزل الحاجب إلى بيت آل ملك بالحسينية، وبه كان سكن بيبغا ~~المذكور، وأخرج منه ليسير من مصر إلى نيابة غزة. وأخرج بيغرا من الحمام ~~إخراجا عنيفا ليتوجه إلى حلب، فركبا من فورهما وسارا. ثم رسم بإخراج الأمير ~~أيدغدي الأمير آخور إلى طرابلس بطالا. وكتب بالإفراج عن المسجونين ~~بالإسكندرية والكرك. وفي يوم السبت عاشره ركب السلطان والأمراء إلى الميدان ~~على العادة، ولعب فيه بالكرة، فكان يوما مشهودا. ووقف الناس للسلطان، في ~~المار الضامن، ورفعوا فيه مائة قصة فقبض عليه، وضربه الوزير بالمقارع ضربا ~~مبرحا وصادره، وأخذ منه مالا كثيرا. وفيه قبض على الأمير بيبغا ططر، ~~المعروف بحارس طير، نائب السلطنة المتوجه إلى نيابة غزة في طريقه، وسجن ~~بالإسكندرية. وفي يوم الأحد حادي عشره وصل الأمراء من سجن الإسكندرية وهم ~~سبعة نفر: منجك اليوسفي الوزير، وفاضل أخو بيبغا أرس، وأحمد ms2156 الساقي نائب ~~صفد، وعمر شاه الحاجب، وأمير حسين التتري وولده، والأمير محمد بن بكتمر ~~الحاجب. فركب الأمراء ومقدمهم الأمير طاز، ومعه الخيول المجهزة لركوبهم، ~~حتى لقيهم وطلع بهم إلى القلعة، فقبلوا الأرض وخلع السلطان عليهم. ونزلوا ~~إلى بيوتهم فامتلأت القاهرة بالأفراح والتهاني. ونزل الأمير شيخون والأمير ~~طاز والأمير صرغمتش إلى اسطبلاتهم، وبعثوا إلى الأمراء القاعدين من السجن ~~التقادم السنية من الخيول والتعابي القماش والبسط وغيرهما؛ فكان الذي بعثه ~~شيخون لمنجك خمسة أفراس ومبلغ ألفي دينار، وقس على هذا. ثم في يوم الإثنين ~~ثاني عشر شهر رجب خلع على الأمير قبلاي الحاجب وآستقر في نيابة السلطنة ~~بالديار المصرية، عوضا عن بيبغا ططر حارس طير. وفي يوم الخميس خامس عشر شهر ~~رجب قدم الأمير بيبغا أرس من سجن الكرك، فركب الأمراء إلى لقائه، وطلع إلى ~~السلطان وقبل الأرض وخلع عليه ونزل إلى بيته، فلم يبق أحد من الأمراء حتى ~~قدم له تقدمة تليق به. PageV03P0163 # ثم في يوم الإثنين تاسع عشره خلع على الأمير بيبغا أرس واستقر في نيابة ~~حلب عوضا عن أرغون الكاملي؛ واستقر أرغون الكاملي في نيابة الشام، عوضا عن ~~أيتمش الناصري. وخلع على أحمد الساقي، شاد الشراب خاناه كان، بنيابة حماة ~~عوضا عن طنيرق، ورسم لطنيرق أن يتوجه إلى حلب أمير طبلخاناة بها، ثم رسم ~~بأن يكون بطالا بدمشق. وفي يوم الأحد ثالث شعبان سافر بيبغا أرس وأحمد ~~الساقي بعد أيام إلى محل كفالتهما. وفيه سأل الأمير منجك الإعفاء عن أخذ ~~الإمرة في نيابة صفد، وأن يقعد بطالا بجامعه، فأجيب إلى ذلك بسفارة الأمير ~~شيخون، واسترد أملاكه التي كان أنعم بها السلطان على المماليك والخدام ~~والجواري، ورمم ما تشعث من صهريجه واستجد به خطبة. ثم خلع السلطان على ~~عمرشاه واستقر حاجب الحجاب عوضا عن قبلاي المنتقل إلى نيابة السلطنة بديار ~~مصر، وأنعم على طشتمر القاسمي بتقدمة ألف، واستقر حاجبا ثانيا، وهي تقدمة ~~بيغرا. وفيها أخرج جماعة من الأمراء وفرقوا بالبلاد الشامية، وهم: الأمير ~~طينال الجاشنكير، وآقجبا الحموي الحاجب، وملكتمر السعدي، ms2157 وقطلوبغا أخو ~~مغلطاي، وطشبغا الدوادار. وفي يوم السبت تاسع شعبان وصل الملك المجاهد صاحب ~~اليمن من سجن الكرك، فخلع عليه من الغد ورسم له بالعود إلى بلاده من جهة ~~عيذاب؛ وبعث إليه الأمراء بتقادم كثيرة وتوجه إلى بلاده. وكانت أمه قد رجعت ~~من مكة إلى اليمن بعد مسكه وأقامت في مملكة اليمن ابنة الملك الصالح، وكتبت ~~إلى تجار الكارم توصيهم بابنها المجاهد وأن يقرضوه ما يحتاج إليه، وختمت ~~على أموالهم من صنف المتجر بعدن وتعز وزبيد. فقدم قاصدها، بعد أن قبض على ~~المجاهد ثانيا وسجن بالكرك، بعد أن كان رسم له الملك الناصر حسن بالتوجه ~~إلى بلاده، لأمر بدا منه في حق السلطان في الطريق، فكتب مسفره يعرف السلطان ~~بذلك. انتهى. ثم في يوم الإثنين ثاني عشر شعبان، وصل إلى القاهرة الأمير ~~أيتمش الناصري المعزول عن نيابة الشام، فقبض عليه من الغد. ثم قدم الشريف ~~ثقبة صاحب مكة في مستهل شهر رمضان، بعد ما قدم قوده وقود أخيه عجلان، فخلع ~~السلطان عليه بإمرة مكة بمفرده. واقترض ثقبة من الأمير طاز ألف دينار، ومن ~~الأمير شيخون عشرة آلاف درهم، وآقترض من التجار مالا كثيرا، واشترى الخيل ~~والمماليك والسلاح وآستخدم عدة أجناد. ورسم بسفر الأمير حسام الدين لاجين ~~العلائي مملوك آقبغا الجاشنكير صحبته ليقلده إمرة مكة. ثم سافر الأمير ~~طيبغا المجدي في خامس شوال بالحج والمحمل على العادة، وسار الجميع إلى مكة، ~~ولم يعلم أحد خبر المجاهد صاحب اليمن حتى قدم مبشر الحافي في مستهل المحرم ~~سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وأخبر بوصول الملك المجاهد إلى ممالك اليمن في ~~ثامن عشر ذي الحجة من السنة الماضية، وأنه استولى على ممالكه. PageV03P0164 # وفي شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة شرع الأمير طاز في عمارة ~~قصره وإصطبله، تجاه حمام المارقاني بجوار المدرسة البندقدارية على الشارع؛ ~~وأدخل فيه عدة أملاك، وتولى عمارته الأمير منجك؛ وحمل إليه الأمراء وغيرهم ~~من الرخام وآلات العمارة شيئا كثيرا. وفيه شرع الأمير صرغتمش أيضا في عمارة ~~إسطبل الأمير بدرجك، بجوار ms2158 بئر الوطاويط قريبا من الجامع الطولوني وحمل ~~إليه الناس أيضا شيئا كثيرا من آلات العمارة. ثم خلع السلطان على الأمير ~~صرغتمش المذكور، وآستقر رأس نوبة كبيرا، في رتبة الأمير شيخون باختيار ~~شيخون؛ وجعل إليه التصرف في أمور الدولة كلها من الولاية والعزل والحكم، ما ~~عدا مال الخاص، فإن الأمير شيخون يتحدث فيه. فقصد الناس صرغتمش لقضاء ~~أشغالهم، وكثرت مهابته، وعارض الأمراء في جميع أفعالهم. وأراد صرغتمش ألا ~~يعمل شيء إلا من بابه وبإشارته، فإن تحدث غيره في عزل أو ولاية غضب وأبطل ~~ما تحدث فيه وأخرق بصاحبه. فأجمع الأمراء على استبداد السلطان بالتصرف، وأن ~~يكون ما يرسم به على لسان الأمير صرغتمش رأس نوبة. فطال صرغتمش وآستطال ~~وعظم ترفعه على الناس؛ فتنكرت له الأمراء وكثرت الأراجيف بوقوع فتنة، ~~وإعادة الملك الناصر حسن ومسك شيخون أو طاز، وانفراد صرغتمش بالكلمة وصاروا ~~الأمراء على تحرز وآستعداد؛ فأخذ صرغتمش في التبرؤ مما رمي به، وحلف للأمير ~~شيخون وللأمير طاز، فلم يصدقه طاز وهم به، فقام شيخون بينهما قياما كبيرا، ~~حتى أصلح بينهما، وأشار على طاز بالركوب إلى عمارة صرغتمش فركب إليه ~~وتصافيا. وفي هذه الأيام من سنة ثلاث وخمسين رتب الأمير شيخون في الجامع ~~الذي أنشأه العلامة أكمل الدين محمد الرومي الحنفي مدرسا، وجعل خطيبه جمال ~~الدين خليل بن عثمان الرومي الحنفي، وجعل به درسا للمالكية أيضا وولى ~~تدريسه نور الدين السخاوي المالكي، وقرر له ثلاثمائة درهم كل شهر ورتب به ~~قراء ومؤذنين وغير ذلك من أرباب الوظائف، وقرر لهم معاليم بلغت في الشهر ~~ثلاثة آلاف درهم. قلت: ذلك قبل أن تبنى الخانقاه تجاه الجامع المذكور. وفي ~~عاشر جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير شيخون العمري، واستقر رأس نوبة ~~كبيرا عوضا عن صرغتمش لأمر اقتضى ذلك. وعند لبس شيخون الخلعة قدم عليه ~~الخبر بولادة بعض سراريه ولدا ذكرا، فسر به سرورا زائدا، فإنه لم يكن له ~~ولد ذكر. وفي هذه الأيام ادعى رجل بالقاهرة النبوة، وأن معجزته أن ينكح ~~امرأة فتلد من وقتها ms2159 ولدا ذكرا يخبر بصحة نبوته؛ فقال بعض من حضر: إنك لبئس ~~النبي، فقال:لكونكم بئس الأمة، فضحك الناس من قوله، فحبس وكشف عن أمره، ~~فوجدوا له نحو اثني عشر يوما من حين خرج من عند المجانين. وفي يوم الأربعاء ~~عاشر شهر رجب قدم كتاب الأمير أرغون الكاملي نائب الشام يتضمن أنه قبض على ~~قاصد الأمير منجك الوزير، بكتابه إلى أخيه بيبغا أرس نائب حلب، يحسن له ~~الحركة والعصيان. وأرسل الكتاب، وإذا فيه أنه أتفق مع سائر الأمراء، وما ~~بقي إلا أن يركب ويتحرك. فآقتضى الرأي التأني حتى يحضر الأمراء والنائب إلى ~~الخدمة من الغد ويقرأ الكتاب عليهم ليدبروا الأمر على ما يقع عليه الاتفاق. ~~فلما طلع الجماعة من الغد إلى الخدمة لم يحضر منجك، فطلب فلم يوجد، وذكر ~~حواشيه أنهم من عشاء الآخرة لم يعرفوا خبره. فركب الأمير صرغتمش في عدة من ~~الأمراء وكبس بيوت جماعته فلم يقع له على خبر؛ وتفقدوا مماليكه ففقد منهم ~~آثنان؛ فنودي عليه في القاهرة، وهدد من أخفاه؛ وأخرج عيسى بن حسن الهجان في ~~جماعة من عرب العائذ على النجب لأخذ الطرقات عليه، وكتب إلى العربان ونواب ~~الشام وولاة الأعمال على أجنحة الطيور بتحصيله، فلم يقدروا عليه، وكبست ~~بيوت كثيرة. ثم في يوم الأربعاء رابع عشرين شهر رجب قدم الخبر بعصيان ~~الأمير أحمد الساقي نائب حماة وبعصيان الأمير بكلمش نائب طرابلس. وفي يوم ~~السبت سابع عشرينه، كتب بإحضار الأمير بيبغا أرس نائب حلب إلى الديار ~~المصرية، وكتب ملطفات لأمراء حلب تتضمن أنه: إن آمتنع من الحضور فهو معزول؛ ~~ورسم لحامل الكتاب أن يعلم بيبغا أرس بذلك مشافهة بحضرة أمراء حلب. ~~PageV03P0165 # فقدم البريد من الشام بموافقة ابن دلغادر لبيبغا أرس، وأنه تسلطن بحلب، ~~وتلقب بالملك العادل، وأنه يريد مصر لأخذ غرمائه، وهم طاز وشيخون وصرغتمش ~~وبزلار وأرغون الكاملي نائب الشام. فلما بلغ ذلك السلطان والأمراء، رسم ~~للنائب بيبغا ططر حارس الطير، بعرض أجناد الحلقة، وتعيين مضافيهم من عبرة ~~أربعمائة دينار الإقطاع فما فوقها ليسافروا. ثم قدم البريد ms2160 بأن قراجا بن ~~دلغادر قدم حلب في جمع كبير من التركمان، فركب بيبغا أرس وتلقاه، وقد واعد ~~نائب حماة وطرابلس على مسيره أول شعبان إلى نحو الديار المصرية، وأنهم ~~يلقوه على الرستن. فأمر السلطان الأمير طقطاي الدوادار بالخروج إلى الشام ~~على البريد وعلى يده ملطفات لجميع أمراء حلب وحماة وطرابلس؛ فسار طقطاي حتى ~~وصل دمشق وبعث بالملطفات إلى أصحابها، فوجد أمر بيبغا أرس قد قوي، ووافقه ~~النواب والعساكر وابن دلغادر بتركمانه، وحيار بن مهنا بعربانه. فكتب نائب ~~الشام بأن سفر السلطان لا بد منه، وإلا خرج عنكم الشام جميعه. فآتفق رأي ~~أمراء مصر على ذلك، وطلب السلطان الوزير علم الدين عبد الله بن زنبور، ورسم ~~له بتهيئة بيوت السلطان، وتجهيز الإقامات في المنازل؛ فذكر أنه ما عنده مال ~~لذلك، فرسم له بقرض ما يحتاج إليه من التجار، فطلب تجار الكارم وباعهم ~~غلالا من الأهراء بالسعر الحاضر، وعدة أصناف أخر، وكتب لمغلطاي ~~بالإسكندرية، وأخذ منه أربعمائة ألف درهم، وأخذ من النائب مائة ألف درهم ~~قرضا، ومن الأمير بلبان الأستادار مائة ألف درهم؛ فلم يمض أسبوع حتى جهز ~~الوزير جميع ما يحتاج إليه السلطان. وخرج الأمير طاز في يوم الخميس ثالث ~~شعبان، ومعه الأمير بزلار والأمير كلتاي والأمير فارس الدين ألبكي. ثم خرج ~~الأمير طيبغا المجدي وابن أرغون النائب وكلاهما مقدم ألف في يوم السبت خامس ~~شعبان. وخرج الأمير شيخون العمري في يوم الأحد سادسه بتجمل عظيم. فبينما ~~الناس في التفرج على طلبه إذ قيل قبض على منجك اليوسفي. وهو أن الأمير طاز ~~لما رحل ووصل إلى بلبيس قيل له: إن بعض أصحاب منجك صحبة شاورشي مملوك ~~قوصون، فطلبهما الأمير طاز وفحص عن أمرهما فرابه أمرهما؛ فأمر بالرجل ففتش، ~~فإذا معه كتاب منجك لأخيه بيبغا أرس، يتضمن أنه قد فعل كل ما يختاره، وجهز ~~أمره مع الأمراء كلهم، وأنه أخفى نفسه وأقام عند شاورشي أياما، ثم خرج من ~~عنده إلى بيت الحسام الصقري أستاداره، وهو مقيم حتى يعرف خبره، وهو يستحثه ~~على ms2161 الخروج من حلب. فبعث به طاز إلى الأمير شيخون، فوافى الأطلاب خارجة؛ ~~فطلب شيخون الحسام الصقري وسأله فأنكر، فأخذه الأمير صرغتمش وعاقبه. ثم ركب ~~إلى بيته بجوار الجامع الأزهر وهجمه فإذا منجك ومملوكه، فأخذه صرغتمش ~~وأركبه مكتوف اليدين إلى القلعة، فسير من وقته إلى الإسكندرية فحبس بها. ثم ~~ركب السلطان الملك الصالح من قلعة الجبل في يوم الإثنين سابع شعبان في بقية ~~الأمراء والخاصكية ونزل إلى الريدانية خارج القاهرة وخلع على الأمير قبلاي ~~باستقراره نائب الغيبة ورتب أمير علي المارديني أن يقيم بالقلعة ومعه ~~الأمير كشلي السلاح دار ليقيما داخل باب القلة، ويكون على باب القلعة ~~الأمير أرنان والأمير قطلوبغا الذهبي؛ ورتب الأمير مجد الدين موسى الهذباني ~~مع والي مصر لحفظ مصر. ثم استقل السلطان بالمسير من الريدانية في يوم ~~الثلاثاء بعد الظهر. PageV03P0166 # وقدم البريد بأن الأمير مغلطاي الدوادار خرج من دمشق يريد مصر، وأن ~~الأمير أرغون الكاملي نائب الشام لما بلغه خروج بيبغا أرس بمن اجتمع معه من ~~العساكر، عزم على لقائه؛ فبلغه مخامرة أكثر أمراء دمشق، فاحترس على نفسه، ~~وصار يجلس بالميدان وهو لابس آلة الحرب. ثم اقتضى رأي الأمير مسعود بن خطير ~~أن النائب لا يلقى القوم، وأنه ينادي بالعرض للنفقة في منزلة الكسوة، ويركب ~~إليها، فإذا خرج العسكر إليه بمنزلة الكسوة، منعهم من عبورهم إلى دمشق، ~~وسار بهم إلى الرملة في انتظار قدوم السلطان، وأنه استصوب ذلك وفعله، وأنه ~~مقيم بعسكر دمشق على الرملة، وأن الأمير ألطنبغا برناق نائب صفد سار إلى ~~بيبغا أرس، وأن بيبغا أرس سار من حلب إلى حماة واجتمع مع نائبها أحمد ~~الساقي وبكلمش نائب طرابلس، وسار بهم إلى حمص؛ وعند نزوله على حمص وصل إليه ~~مملوكا الأمير أرقطاي بكتاب السلطان ليحضر، فقبض عليهما وقيدهما وسار يريد ~~دمشق، فبلغه مسير السلطان واشتهر ذلك في عسكره، وأنه عزل عن نيابة حلب، ~~فانحلت عزائم كثير ممن معه من المقاتلة، وأخذ بيبغا أرس في الاحتفاظ بهم ~~والتحرز منهم إلى أن قدم دمشق يوم الخميس خامس ms2162 عشرين شهر رجب، فإذا أبواب ~~المدينة مغلقة والقلعة محصنة. فبعث بيبغا أرس، إلى الأمير إياجي نائب ~~قلعتها يأمره بالإفراج عن قردم وأن يفتح أبواب المدينة؛ ففتح أبواب المدينة ~~ولم يفرج عن قردم. فركب الأمير أحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس ~~من الغد ليغيرا على الضياع، فوافى بعض عسكر بيبغا أرس نجابا يخبر بمسك منجك ~~ومسير السلطان من خارج القاهرة. وعاد أحمد وبكلمش في يوم الإثنين رابع عشر ~~شعبان وقد نزل طاز بمن معه المزيرب؛ فارتج عسكر بيبغا أرس، وتواعد قراجا بن ~~دلغادر وحيار بن مهنا على الرحيل، فما غربت الشمس إلا وقد خرجا بأثقالهما ~~وأصحابهما وسارا. فخرج بيبغا أرس في أثرهما فلم يحركهما؛ وعاد بكرة يوم ~~الثلاثاء، فلم يستقر قراره حتى دقت البشائر بقلعة دمشق بأن الأمير طاز ~~والأمير أرغون الكاملي نائب دمشق وافيا دمشق وأن الأميرشيخون والسلطان ~~ساقة؛فبهت بيبغا أرس وتفرق عنه من كان معه،فركب عائدا إلى حلب في تاسع عشر ~~شعبان؛فكانت إقامته بدمشق أربعة وعشرين يوما أفسد أصحابه بدمشق فيها مفاسد ~~وقبائح من النهب والسبي والحريق والغارات على الضياع من حلب إلى ~~دمشق،وفعلوا كما فعل التتار أصحاب قازان وغيره.فبعث السلطان الأمير أسندمر ~~العلائي إلى القاهرة بالبشارة فقدمها يوم الجمعة خامس عشرين شعبان،ودقت ~~البشائر لذلك وزينت القاهرة. وأما السلطان الملك الصالح فإنه التقى مع ~~الأمير أرغون شاه الكاملي نائب الشام على بدعرش من عمل غزة، وقد تأخر معه ~~الأمير طاز بمن معه فدخلوا غزة، وخلع السلطان على أرغون المذكور باستمراره ~~في نيابة دمشق، وأنعم عليه بأربعمائة ألف درهم، وأنعم على أمير مسعود بن ~~خطير بألف دينار، وعلى كل أمراء دمشق كل واحد قدر رتبته،فكان جملة ما أنفق ~~السلطان فيهم ستمائة ألف درهم. وتقدم الأمير شيخون والأمير طاز والأمير ~~أرغون نائب الشام إلى دمشق،وتأخر الأمير صرغتمش صحبة السلطان ليدبر العسكر. ~~ثم تبعهم السلطان إلى دمشق فدخلها في يوم الخميس مستهل شهر رمضان، وخرج ~~الناس إلى لقائه، وزينت مدينة دمشق، فكان لدخوله يوم مشهود. ونزل السلطان ~~بقلعة دمشق، ثم ركب ms2163 منها في الغد يوم الجمعة ثانيه إلى الجامع الأموي في ~~موكب جليل حتى صلى به الجمعة. وكان الأمراء قد مضوا في طلب بيبغا أرس. ~~PageV03P0167 # وأما بيبغا أرس فانه قدم إلى حلب في تاسع عشرين شعبان، وقد حفرت خنادق ~~تجاه أبواب حلب وغلقت. وامتنعت القلعة عليه ورمته بالحجارة والمجانيق، ~~وتبعهم الرجال من فوق الأسوار بالرمي عليه، وصاحوا عليه؛ فبات تلك الليلة ~~بمن معه وركب في يوم الخميس مستهل شهر رمضان للزحف على مدينة حلب، وإذا ~~بصياح عظيم، والبشائر تحق في القلعة؛ وهم يصيحون يا منافقون، العسكر وصل. ~~فالتفت بمن معه، فإذا صناجق على جبل جوشن، فانهزموا عند ذلك بأجمعهم إلى ~~نحو البرية. ولم يكن ما رأوه على جبل جوشن عسكر السلطان، ولكنه جماعة من ~~جند حلب وعسكر طرابلس كانوا مختفين من عسكر بيبغا أرس عند خروجه من دمشق، ~~فساروا في أعقابه يريدون الكبسة على بيبغا أرس وتعبوا على جبل جوشن، فعندما ~~رآهم بيبغا لم يشك أنهم عسكر السلطان فانهزم. وكان أهل بانقوسا قد وافقوهم ~~وتقدموا عنهم، فمسكوا المضايق على بيبغا، وأدركهم العسكر المذكور من خلفهم، ~~فتمزق عساكر بيبغا أرس، وقد آنعقد عليهم الغبار حتى لم يمكن أحد أن ينظر ~~رفيقه فأخذهم العرب وأهل حلب قبضا باليد، ونهبوا الخزائن والأثقال، وسلبوهم ~~ما عليهم من آلة الحرب وغيره. ونجا بيبغا أرس بنفسه بعد أن امتلأت الأيدي ~~بنهب ما كان معه، وهو شيء يجل عن الوصف. وتتبع أهل حلب أمراءه ومماليكه ~~وأخرجوهم من عدة مواضع، فظفروا بكثير منهم، فيهم أخوه الأمير فاضل، والأمير ~~ألطنبغا العلائي شاد الشراب خاناه، وألطنبغا برناق نائب صفد، وملكتمر ~~السعيدي، وشادي أخو نائب حماة، وطيبغا حلاوة الأوجاقي، وابن أيدغدي الزراق، ~~ومهدي شاد الدواوين بحلب، وأسنباي قريب ابن دلغادر، وبهادر الجاموس، وقليج ~~أرسلان أستادار بيبغا أرس، ومائة مملوك من مماليك الأمراء، فقيدوا الجميع ~~وسجنوا. وتوجه مع الأمير بيبغا أرس أحمد الساقي نائب حماة وبكلمش نائب ~~طرابلس وطشتمر القاسمي نائب الرحبة وآقبغا البالسي وطيدمر وجماعة أخر، تبلغ ~~عدتهم نحو مائة وستة عشر ms2164 نفرا. ثم دخل الأمراء حلب وأخذوا أموال بيبغا أرس؛ ~~وكتبوا إلى قراجا بن دلغادر بالعفو عن أمير أحمد نائب حماة والقبض على ~~بيبغا أرس ومن معه؛ فأجاب بأنه ينتظر في القبض عليه مرسوم السلطان، وقد نزل ~~بيبغا أرس عنده. وسأل إرسال أمان لبيبغا أرس وأنه مستمر على إمرته، فجهز له ~~ذلك فآمتنع من تسليمه؛ فطلب الأمراء رمضان من أمراء التركمان، وخلع عليه ~~بإمرة قراجا بن دلغادر وإقطاعه. وعاد الأمراء من حلب، واستقر بها الأمير ~~أرغون الكاملي نائب الشام؛ وعاد الجميع إلى دمشق ومعهم الأمراء المقبوض ~~عليهم في يوم الجمعة سلخ شهر رمضان. وصفوا العيد بدمشق مع السلطان الملك ~~الصالح صالح. وأقاموا إلى يوم الإثنين ثالث شوال، فجلس السلطان بطارمة قلعة ~~دمشق وأخرج الأمراء المسجونون في الحديد ونودي عليهم: أهذا جزاء من يخامر ~~على السلطان ويخون الأيمان. ووسطوهم واحدا بعد واحد، وقد تقدم ذكر أسمائهم ~~عند القبض عليهم؛ فوسط الجميع، ما خلا ملكتمر السعيدي فإنه أعيد إلى السجن. ~~وخلع السلطان على أيتمش الناصري واستقر في نيابة طرابلس عوضا عن بكلمش ~~السلاح دار. وخلع على طنيرق بنيابة حماة عوضا عن أحمد الساقي، وعلى الأمير ~~شهاب الدين أحمد بن صبيح بنيابة صفد عوضا عن ألطنبغا برناق. ثم صلى السلطان ~~صلاة الجمعة بالجامع الأموي وهو سابع شوال، وخرج من دمشق يريد الديار ~~المصرية بأمرائه وعساكره، فكانت مدة إقامته بدمشق سبعة وثلاثين يوما. وسار ~~حتى وصل القاهرة في يوم الثلاثاء خامس عشرين شوال من سنة ثلاث وخمسين ~~وسبعمائة، ومشى بفرسه على الشقق الحرير التي فرشت له بعد أن خرج الناس إلى ~~لقائه والتفرج عليه، فكان لدخوله القاهرة أمر عظيم لم يتفق ذلك لأحد من ~~إخوته. وعندما طلع إلى القلعة تلقته أمه وجواريه ونثروا على رأسه الذهب ~~والفضة، بعد أن فرشت له طريقه أيضا بالشقاق الأطلس الملونة، والتهاني تزفه؛ ~~ولم يبق بيت من بيوت الأمراء إلا وفيه الأفراح والتهاني. وفي قدوم السلطان ~~الملك الصالح يقول العلامة شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة التلمساني الحنفي، ~~تغمده الله ms2165 برحمته: الصالح الملك المعظم قدره ... تطوى له أرض البعيد ~~النازح لا تعجبوا من طيها في سيره ... فالأرض تطوى دائما للصالح ~~PageV03P0168 # ثم عمل السلطان عدة مهمات بالقلعة والقصر السلطاني، وخلع على جميع ~~الأمراء وأرباب الوظائف. ثم قبض على الوزير علم الدين عبد الله بن أحمد بن ~~زنبور، وهو بخلعته، قريب المغرب. وسبب ذلك أنه لما فرقت التشاريف على ~~الأمراء، غلط الذي أخذ تشريف الأمير صرغتمش، ودخل إليه بتشريف الأمير بلبان ~~السناني الأستادار، فلما رآه صرغتمش تحرك ما عنده من الأحقاد على ابن زنبور ~~المذكور، وتنفر غضبا، وقام من فوره ودخل إلى الأمير شيخون وألقى البقجة ~~قدامه وقال: انظر فعل الوزير معي، وحل الشاش وكشف التشريف. فقال شيخون: هذا ~~وقع فيه الغلط: فقام صرغتمش وقد أخذه من الغضب شبه الجنون، وقال: أنا ما ~~أرضى بالهوان، ولا بد من القبض عليه، ومهما شئت فافعل بي. وخرج فصادف ابن ~~زنبور داخلا إلى شيخون وعليه الخلعة، فصاح في مماليكه خذوه. ففي الحال ~~نزعوا عنه الخلعة، وجروه إلى بيت صرغتمش، فسجنه في موضع مظلم من داره، وعزل ~~عنه ابنه رزق الله في موضع آخر. وكان قبل دخوله إلى شيخون رتب عدة مماليك ~~على باب خزانة الخاص، وباب النحاس، وباب القلعة، وباب القرافة، وغيره من ~~المواضع، وأوصاهم بالقبض على حاشية ابن زنبور وجميع الكتاب، بحيث لا يدعوا ~~أحدا منهم يخرج من القلعة. فعندما قبض على ابن زنبور ارتجت القلعة، وخرجت ~~الكتاب فقبضت مماليك صرغتمش عليهم كلهم، حتى على شهود الخزانة وكتابها، ~~وكتاب الأمراء الذين بالقلعة. واختلطت الطماعة بمماليك صرغتمش، وصاروا ~~يقبضون على الكاتب، ويمضون به إلى مكان ليعروه ثيابه، فإن آحترموه أخذوا ~~مهمازه من رجله، وخاتمه من إصبعه، أو يفتدي نفسه منهم بمال يدفعه لهم، حتى ~~يطلقوه؛ وفيهم من اختفى عند الغلمان، فقرروا عليه مالا، واسترهنوا دواته، ~~بحيث إن بعض غلمان أمير حسين أخي السلطان جمع ست عشرة دواة من ستة عشر ~~كاتبا، وأصبح يجبيهم ويدفع لهم أدويتهم. وذهب من الفرجيات والعمائم ~~والمناديل شيء كثير. وساعة القبض ms2166 على ابن زنبور، بعث الأمير صرغتمش الأمير ~~جرجي والأمير قشتمر في عدة من المماليك إلى دور ابن زنبور بالصناعة بمدينة ~~مصر، وأوقفوا الحوطة على حريمه، وختموا بيوته وبيوت أصهاره؛ وكانت حرمهم في ~~الفرح وعليهن الحلي والحلل، وعندهن معارفهن. فسلب المماليك كثيرا من النساء ~~اللاتي كن في الفرح ووقفوا حتى مكنوهن من الخروج إلى دورهن، فخرج عامة نساء ~~ابن زنبور وبناته، ولم تبق إلا زوجته فوكل بها؛ وكتب إلى ولاة الأعمال ~~بالوجه القبلي والوجه البحري بالحوطة على ماله وزراعته، وماله من القنود ~~والدواليب وغيرها، وخرج لذلك عدة من مقدمي الحلقة؛ وتوجه الحسام العلائي ~~إلى بلاد الشام ليوقع الحوطة على أمواله. وأصبح الأمير صرغتمش يوم السبت ~~ثامن عشرين شوال، فأخرج ابن الوزير ابن زنبور رزق الله بكرة، وهدده، ونزل ~~به من داره من القلعة إلى بيته، وأخذ زوجة ابن زنبور أيضا وهددها، وألقى ~~ابنها رزق الله إلى الأرض ليضربه فلم تصبر، ودلته على موضع المال، فأخذ منه ~~خمسة عشر ألف دينار وخمسين ألف درهم، وأخرج من بئر صندوقا فيه ستة آلاف ~~دينار ومصاغ؛ ووجد له عند الصارم مشد العمائر ستة آلاف دينار ومائة وخمسين ~~ألف درهم، سوى التحف والتفاصيل وثياب الصوف وغير ذلك. وألزم محمد ابن ~~الكوراني والي مصر بتحصيل بنات ابن زنبور، فنودي عليهن؛ ونقل ما في دور ~~صهري ابن زنبور وسلما لشاد الدواوين، وعاد صرغتمش إلى القلعة. فطلب السلطان ~~جميع الكتاب وعرضهم، فعين موفق الدين هبة الله ابن إبراهيم للوزارة وبدر ~~الدين كاتب يلبغا لنظر الخاص، وتاج الدين أحمد بن الصاحب، أمين الملك عبد ~~الله بن الغنام لنظر الجيش، وأخاه كريم الدين لنظر البيوت وابن السعيد لنظر ~~الدولة، وقشتمر مملوك طقزدمر لشد الدواوين. PageV03P0169 # وفي يوم الأحد تاسع عشرين شوال خلع على الجميع، وأقبل الناس إلى باب ~~صرغتمش للسعي في الوظائف، فولى الأسعد حربة آستيفاء الدولة، وولى كريم ~~الدين أكرم ابن شيخ ديوان الجيش. وسلم الأمير صرغتمش المقبوض عليهم لشاد ~~الدواوين وهم: الفخر ابن قروينة ناظر البيوت، والفخر بن مليحة ناظر ms2167 المجيزة ~~والفخر مستوفي الصحبة، والفخر بن الرضي كاتب الإسطبل، وابن معتوق كاتب ~~الجهات، وطلب التاج بن لفيتة ناظر المتجر وناظر المطبخ، وهو خال ابن زنبور، ~~فلم يوجد؛ وكبست بسببه عدة بيوت، حتى أخد. وصار الأمير صرغتمش ينزل، ومعه ~~ناظر الخاص وشهود الخزانة، وينقل حواصل ابن زنبور من مصر إلى حارة زويلة ~~فأعياهم كثرة ما وجدوه له، وتتبعت حواشي ابن زنبور، وهجمت دور كثيرة ~~بسببهم. ثم في مستهل ذي القعدة نزل الأمير صرغتمش إلى بيت ابن زنبور ~~بالصناعة، وهدم منه ركنا فوجد فيه خمسة وستين ألف دينار، حملها إلى القلعة؛ ~~وطلب ابن زنبور وضربه عريانا فلم يعترف بشيء؛ فنزل إلى بيته وضرب ابنه ~~الصغير وأمه تراه في عدة أيام حتى أسمعته كلاما جافيا، فأمر بها فعصرت. ~~وأخذ ناظر الخاص في كشف حواصل ابن زنبور بمصر، فوجد له من الزيت والشيرج ~~والنحاس والرصاص والكبريت والعكر والبقم والقند والعسل وسائر أصناف المتجر ~~ما أذهله، فشرع في بيع ذلك كله. هذا والأمير صرغتمش ينزل بنفسه وينقل قماش ~~ابن زنبور وأثاثه إلى حارة زويلة ليكون ذخيرة للسلطان، فبلغت عدة الحمالين ~~الذين حملوا النصافي والأواني الذهب والفضة والبلور والصيني والكتب ~~والملابس الرجالية والنسائية والزراكش واللآلئ والبسط الحرير والمقاعد ~~ثمانمائة حمال، سوى ما حمل على البغال. وكان ما وجد له من أواني الذهب ~~والفضة ستين قنطارا، ومن الجواهر ستين رطلا، ومن اللؤلؤ الكبار إردبين، ومن ~~الذهب الهرجة مائتي ألف دينار وأربعة آلاف دينار، وقيل ألف ألف دينار، ومن ~~الحوائص الذهب ستة آلاف حياصة، ومن الكلفتاة الزركش ستة آلاف كلفتاه، ومن ~~ملابسه عدة ألفين وستمائة فرجية، ومن البسط ستة آلاف بساط، ومن الشاشات ~~ثلاثمائة شاش؛ ووجد له من الخيل والبغال ألف رأس، ودواب حلابة ستة آلاف ~~رأس، ومن معاصر السكر خمس وعشرون معصرة، ومن الإقطاعات سبعمائة إقطاع، كل ~~إقطاع متحصله خمسة وعشرون ألف درهم في السنة، ووجد له مائة عبد وستون ~~طواشيا وسبعمائة جارية، وسبعمائة مركب في النيل، وأملاك قومت بثلاثمائة ألف ~~دينار، ورخام بمائتي ألف درهم، ونحاس ms2168 بأربعة آلاف دينار، وسروج وبدلات عدة ~~خمسمائة؛ ووجد له آثنان وثلاثون مخزنا، فيها من أصناف المتجر ما قيمته ~~أربعمائة ألف دينار؛ ووجد له سبعة آلاف نطع وخمسمائة حمار ومائتا بستان ~~وألف وأربعمائة ساقية، وذلك سوى ما نهب وما آختلس؛ على أن موجوده بيع بنصف ~~قيمته. ووجد في حاصل بيت المال مبلغ مائة ألف وستون ألف درهم؛ وبالأهراء ~~نحو عشرين ألف إردب: وهذا الذي ذكرناه محرر عن الثقات. وأما غيرنا فذكر له ~~أشياء كثيرة جدا، أضربنا عن ذكرها خوف المجازفة. وكان ابتداء أمر ابن زنبور ~~أنه باشر في آستيفاء الوجه القبلي، فنهض فيه وشكرت سيرته إلى أن عرض الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون الكتاب ليختار منهم من يوليه كاتب الإسطبل، وكان ابن ~~زنبور هذا من جملتهم وهو شاب، فأثنى عليه الفخر ناظر الجيش وساعده الأكوز ~~والنشو، فولي كاتب الإسطبل عوضا عن ابن الجيعان فنالته فيها السعادة. وأعجب ~~به السلطان لفطنته، فدام على ذلك حتى مات الناصر، فآستقر مستوفي الصحبة، ثم ~~آنتقل عنها إلى نظر الدولة. ثم ولي نظر الخاص بعناية الأمير أرغون العلائي، ~~ثم أضيف إليه نظر الجيش؛ وجمع بعد مدة إليهما الوزارة، ولم تتفق لأحد قبله ~~هذه الوظائف. قلت: ولا بعده إلى يومنا هذا، أعني لواحد في وقت واحد. ~~PageV03P0170 # وعظم في الدولة ونالته السعادة، حتى إنه كان يخلع عليه في ساعة واحدة ~~ثلاث خلع، ويخرج له ثلاث أفراس؛ ونفذت كلمته وقويت مهابته، وأتجر في جميع ~~الأصناف حتى في الملح والكبريت. ولما صار في هذه الرتبة كثرت حساده وسعوا ~~فيه عند صرغتمش وأغروه به، حتى كان من أمره ما كان. وكان يقوم بكلف شيخون ~~جميعها من ماله وصار صرغتمش يسمع شيخون بسببه الكلام، ويقول: لو مكنتني منه ~~أخذت منه للسلطان ما هو كيت وكيت، وشيخون يعتذر له ويقول: لا يوجد من يسد ~~مسده، وإن كان ولا بد يقرر عليه مال ويستمر على وظائفه؛ وبينما هم في ذلك ~~قدم الخبر بعصيان بيبغا أرس، فاشتغل صرغتمش عنه حتى سافروا وعادوا إلى ~~القاهرة، ووقع ms2169 من أمر الخلعة ما حكيناه. ثم انتدب جماعة بعد مسكه للسعي في ~~هلاكه وأشاعوا أنه باق على دين النصرانية، وأثبتوا في ذهن صرغتمش ذلك، وأنه ~~لما دخل إلى القدس في سيرته هذه بدأ في زيارته بالقمامة فقبل عتبتها وتعبد ~~فيها ثم خرج إلى المسجد الأقصى فأراق الماء في بابه ولم يصل فيه، وتصدق على ~~النصارى ولم يتصدق على غيرهم، ورتبوا فتاوى أنه آرتد عن دين الإسلام. وكان ~~أجل من قام عليه الشريف شرف الدين نقيب الأشراف والشريف أبو العباس ~~الصفراوي وبدر الدين ناظر الخاص والصواف تاجر الأمير صرغتمش، وأشهد عليه أن ~~جميع ما يملكه إنما هو للسلطان من مال بيت المال دون ماله. ثم حسنوا ~~لصرغتمش ضربه، فأمر به فأخرج وفي عنقه باشة وجنزير، وضرب عريانا قدام باب ~~قاعة الصاحب من القلعة. ثم أعيد إلى موضعه وعصر وسقي الماء والملح. ثم سلم ~~لشاد الدواوين وأمر بقتله، فنوع عليه أنواع العذاب، فتكلم الأمير شيخون في ~~عدم قتله، فأمسك عنه، ورتب له الأكل والشرب، وغيرت عنه ثيابه، ونقل من قاعة ~~الصاحب إلى بيت صرغتمش؛ واستمر على ذلك إلى أن أخرج إلى قوص منفيا، ومات ~~بها بعد أن أخذ سائر موجوده، وأخذ منه ومن حواشيه فوق الألفي ألف دينار. ~~انتهى. وأما أمر الديار المصرية فإنه لما كان يوم الإثنين ثامن عشرين ذي ~~الحجة قدم البريد من حلب بأخذ أحمد الساقي نائب حماة، وبكلمش نائب طرابلس، ~~من عند ابن دلغادر وسجنا بقلعة حلب، فأمر السلطان إلى نائب حلب بخلعه. وفي ~~هذه الأيام توفي الخليفة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد ~~بعد أن عهد لأخيه أبي بكر، فطلب أبو بكر وخلع عليه خلعة الخلافة بحضرة ~~السلطان والأمير شيخون، ولقب بالمعتضد بالله أبي بكر. يأتي ذكره في الوفيات ~~على عادة هذا الكتاب. وقد ذكرناه في المنهل الصافي بأوسع مما يأتي ذكره ~~فيه، وأيضا في مختصرنا المنعوت: " بمورد اللطافة في ذكر من ولي السلطنة ~~والخلافة " . وأما أمر بيبغا أرس فإنه لما أرسل قراجا بن دلغادر ms2170 أحمد ~~الساقي نائب حماة وبكلمش نائب طرابلس إلى حلب في القيود واعتقلا بقلعة حلب ~~حسب ما ذكرناه، فكان ذلك آخر العهد بهما. ثم أرسل قراجا المذكور بيبغا أرس ~~بعد أيام في محرم سنة أربع وخمسين وسبعمائة فاعتقل بقلعة حلب، وكان ذلك آخر ~~العهد به. أيضا. رحمه الله. وقيل: إنه ما حضر إلى حلب إلا رؤوسهم. والله ~~أعلم. وفي بيبغا أرس يقول الأديب زين الدين عبد الرحمن بن الخضر السنجاري ~~الحلبي - رحمه الله - أبياتا منها: بغى بيبغا بغي الممالك عنوة ... وما كان ~~في الأمر المراد موفقا أغار على الشقراء في قيد جهله ... لكي يركب الشهباء ~~في الفلك مطلقا فلما علا في ظهرها كان راكبا ... على أدهم لكنه كان موثقا ~~ثم رسم السلطان الملك الصالح صالح أن يقر أهل الذمة على ما أقرهم أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عليه من ترك تشبههم بالمسلمين في ~~أمر من الأمور، وترك ركوب الخيل وحمل السلاح، ورفع أصواتهم على أصوات ~~المسلمين وأشباه ذلك. PageV03P0171 # ثم رسم بنفي الأمير منجك اليوسفي الوزير كان إلى صفد بطالا. وفي هذه ~~السنة أعني سنة أربع وخمسين وسبعمائة انتهت عمارة الأمير سيف الدين طاز ~~التي تجاه حمام المارقاني، فعمل طاز وليمة وعزم على السلطان والأمراء، ومد ~~سماطا عظيما. ولما انتهى السماط وعزم السلطان على الركوب، قدم له أربعة ~~أرؤس من الخيل بسروج ذهب وكنابيش زركش، وقدم للأمير سيف الدين شيخون فرسين، ~~ولصرغتمش فرسين، ولسائر الأمراء المقدمين كل واحد فرسا، ولم يعهد قبل ذلك ~~أن سلطانا نزل إلى بيت بعض الأمراء بعد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلا ~~هذا. وحج بالناس في هذه السنة الأمير ركن الدين عمرشاه الحاجب، صاحب ~~القنطرة خارج القاهرة. ثم استهلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة، فكان فيها ~~الواقعة والفتنة بين حاشية طاز وبين صرغتمش. والسبب لهذه الحركة أن الأمير ~~صرغتمش كان يخاف من طاز ويغض منه، وكذلك كان طاز يغض من صرغتمش؛ وكان طاز ~~يدخل على شيخون مرارا عديدة بمسك صرغتمش، وكان شيخون يكره الفتن والفساد، ms2171 ~~وقصده الصلاح للأمور بكل ما يمكن، فكان شيخون يعده ويصبره. وكان صرغتمش ~~أيضا يخاف شر طاز ويقول لشيخون: هذا ما يريد إلا هلاكي، فكان شيخون يطمئنه ~~على نفسه ويعده بكل خير. وكان أخوه طاز وحواشيه تحرضه على صرغتمش وعلى ~~إثارة الفتنة. وقوي أمر طاز وإخوته وخرج عن الحد، وهم الأمير جنتمر وكلتاي ~~وصهره طقطاي، فهؤلاء الذين كانوا يحركون طاز على قيام الفتنة، ومسك صرغتمش ~~ليستبد طاز بالأمر وحده، ويكونوا هم عظماء الدولة، وشيخون يعلم بذلك ~~ويسكنهم ويرجعهم عن قصدهم، وطاز يستحي من شيخون. وطال الأمر إلى أن اتفق ~~طاز مع إخوته المذكورين وغيرهم من مماليكه وأصحابه أنه يخرج هو إلى الصيد؛ ~~فإذا غاب عن المدينة، يركب هؤلاء على صرغتمش ومن يلوذ به ويمسكونه في ~~غيبته، فيكون بغيبة طاز له عذر عند شيخون من حيائه منه؛ فلما خرج طاز إلى ~~الصيد بالبحيرة بإذن الأمير شيخون له، وما عند شيخون علم من هذا الاتفاق، ~~رتب حاشية طاز وإخوته ومن يلوذ به أمرهم، واجتمعوا ولبسوا السلاح وركبوا ~~على صرغتمش؛ فلما سمع شيخون بذلك أمر مماليكه أن يركبوا بالسلاح، وكانوا ~~مقدار سبعمائة مملوك، فركبوا. وركب الأمير صرغتمش ومن يلوذ به. ووقع الحرب ~~بينهم وبين إخوة طاز، وتقاتلا فانكسر إخوة طاز وقبض عليهم، وعلى أكابر ~~مماليك طاز وحواشيه، فهربت البقية؛ فدخل صرغتمش هو ومن بقي من أكابر ~~الأمراء إلى شيخون وقالوا: " لا بد من خلع الملك الصالح صالح وإعادة الملك ~~الناصر حسن إلى السلطنة " لكون الصالح كان يميل إلى طاز، فاعتذر شيخون ~~بأعذار غير مقبولة، وأراد إبقاء الصالح، فلم يوافقوه؛ وما زالوا به حتى ~~أذعن، واتفقوا على خلعه فخلع، وأعيد الملك الناصر حسب ما يأتي ذكره في ~~ترجمته. وكان خلع الملك الصالح صالح في يوم الإثنين ثاني شوال سنة خمس ~~وخمسين وسبعمائة، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ثلاث سنين وثلاثة أشهر ~~وأربعة عشر يوما. وحبس بالقلعة في بعض دورها إلى أن توفي بها في ذي الحجة ~~سنة إحدى وستين وسبعمائة، وله نحو سبع وعشرين سنة. ms2172 ودفن بتربة عمه الملك ~~الصالح علي بن قلاوون الخاتونية، بالقرب من المشهد النفيسي خارج القاهرة. ~~وكان - رحمه الله - ملكا جليلا مليح الشكل عاقلا، لم تشكر سيرته ولم تذم، ~~لأنه لم يكن له في سلطنته إلا مجرد الاسم فقط، لغلبة شيخون وطاز وصرغتمش ~~على الأمر، لأنهم كانوا هم حل المملكة وعقدها وإليهم أمورها لا لغيرهم. ~~وأما أمر طاز فإنه يأتي - إن شاء الله تعالى - في أول سلطنة الملك الناصر ~~حسن، بعد ذكر حوادث سني الملك الصالح هذا، كما هي عادة هذا الكتاب. انتهى ~~والله سبحانه أعلم. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الملك الصالح # صالح ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على مصر وهي سنة ثلاث وخمسين ~~وسبعمائة، على أنه حكم من السنة الماضية من سابع عشر جمادى الآخرة إلى ~~آخرها. وفيها أعني سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة: توفي قاضي القضاة نجم الدين ~~محمد الأذرعي الشافعي بدمشق على قضائها، وتولى بعده قضاء دمشق قاضي القضاة ~~كمال الدين المعري قاضي قضاة حلب. PageV03P0172 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة فريد دهره ووحيد عصره، زين الدين المعروف ~~بالعضد العجمي الحنفي رحمه الله تعالى. كان إماما بارعا مفتنا فقيها مصنفا، ~~وله اليد الطولى في علم المعقول والمنقول؛ وتولى قضاء القضاة بممالك القان ~~بوسعيد ملك التتار، بل كان هو المشار إليه بتلك الممالك، والمعول على فتواه ~~وحكمه؛ وتصدى للإقراء والإفتاء والتصنيف عدة سنين. ومن مصنفاته " شرح ~~المختصر لابن الحاجب " و " المواقف " و " الجواهر " وغير ذلك في عدة فنون؛ ~~وكان رحمه الله كريما عفيفا جوادا حسن السيرة مشكور الطريقة. وتوفي الأديب ~~الفاضل الشاعر بدر الدين أبو علي الحسن بن علي المغربي المعروف بالزغاري ~~الشاعر المشهور. مات عن نيف وخمسين سنة. ومن شعره قوله: أعجب ما في مجلس ~~اللهو جرى ... من أدمع الراووق لما انسكبت لم تزل البطة في قهقهة ... ما ~~بيننا تضحك حتى انقلبت قال وله أيضا: قالت وقد أنكرت سقامي ... لم أر ذا ~~السقم يوم بينك لئن أصابتك عين غيري ... فقلت لا عين بعد عينك قال وله ~~أيضا: فتنت بأسمر ms2173 حلو اللمى ... لسلوانه الصب لم يستطع تقطع قلبي ومارق لي ~~... ودمعي يرق ولا ينقطع وتوفي النوين أرتنا، وقيل أرطنا، سلطان بلاد ~~الروم. كان نائبا عن السلطان بوسعيد بن خربندا ملك التتار بجميع ممالك ~~الروم، ودام على ذلك سنين؛ فلما مات بوسعيد كاتب أرتنا هذا السلطان الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون وقال له: أريد أن أكون نائبك بممالك الروم، فأجابه ~~الملك الناصر محمد وكتب له بذلك، وأرسل إليه الخلع السنية وكتب له: نائب ~~السلطنة الشريفة بالبلاد الرومية. ولم تزل رسله تتردد إلى الديار المصرية ~~إلى أن مات في أوائل المحرم من هذه السنة، رحمه الله تعالى. وكان ملكا ~~عارفا عاقلا سيوسا مدبرا، طالت أيامه في السعادة. وتوفي الأمير سيف الدين ~~تلك بن عبد الله الناصري الأمير آخور بغزة في عوده إلى الديار المصرية؛ وقد ~~تقدم ذكره في عدة أماكن من هذا الكتاب. وتوفي الشيخ بهاء الدين محمد بن علي ~~بن سعيد الفقيه الشافعي بدمشق في شهر رمضان.وكان فقيها فاضلا يعرف بابن ~~إمام المشهد. وتوفي القاضي شهاب الدين يحيى بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله ~~بن محمد بن محمد بن خالد بن محمد بن نصر الشافعي الدمشقي،المعروف بابن ~~القيسراني،كاتب سر دمشق،بطالا.كانت له فضيلة،وهو من بيت كتابة وفضل. وتوفي ~~الأمير شهاب الدين أحمد بن بيليك المحسني.كان أميرا فقيها شافعيا أديبا.نظم ~~كتاب " التنبيه في الفقه " وكتب عدة مصنفات؛وكان معدودا من الفضلاء ~~العلماء. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وآثنتا عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الملك الصالح # صالح ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على مصر وهي سنة أربع وخمسين ~~وسبعمائة. فيها توفي الخليفة أمير المؤمنين، الحاكم بأمر الله أبو العباس ~~أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس ~~أحمد الهاشمي العباسي. كان بويع بالخلافة بعد وفاة والده بقوص في العشرين ~~من شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فلم يمض له ما عهده أبوه السلطان ~~الملك الناصر ms2174 محمد بن قلاوون لما كان في نفسه من ووالده المستكفي بالله من ~~ميله للملك المظفر بيبرس الجاشنكير، وأراد أن يولي الخلافة لبعض أقاربه، بل ~~أحضره وخلع عليه. ثم مات الملك الناصر بعد ذلك بمدة يسيرة، فتمت بموته ~~خلافة الحاكم هذا إلى أن مات في هذه السنة. والمتوفي يومئذ لأمور الديار ~~المصرية الأمير شيخون والأمير طاز والأمير صرغتمش ونائب السلطنة الأمير ~~قبلاي، والسلطان الملك الصالح صالح. وكان الحاكم مات ولم يعهد بالخلافة ~~لأحد، فجمع الأمراء القضاة، وطلب جماعة من بني العباس، حتى وقع الاختيار ~~على أبي بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان فبايعوه ولقبوه بالمعتضد. ~~وتوفي قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن علي ابن الشيخ جمال الدين الحنفي ~~المعروف بابن الفويرة في العشر الأوسط من شوال. كان فقيها بارعا. باشر ~~توقيع الدست الشريف، وكتب وصنف، وولي القضاء سنين. PageV03P0173 # وتوفي الشيخ المسند المعمر صدر الدين محمد بن شرف الدين محمد بن إبراهيم ~~الميدومي المصري في شهر رمضان ودفن بالقرافة عن تسعين سنة. وكان مولده سنة ~~أربع وستين وستمائة؛ وهو آخر من حدث عن النجيب عبد اللطيف وابن علان؛ وسمع ~~منه السراجان: البلقيني وابن الملقن. وتوفي القاضي الرئيس زين الدين أبو ~~حفص عمر بن شرف الدين يوسف بن عبد الله بن يوسف بن أبي السفاح الحلبي ~~الشافعي الكاتب. كان كاتب الإنشاء بحلب، ثم ولي صحابة الإنشاء بها ووكالة ~~بيت المال إلى أن مات بحلب عن نيف وستين سنة. وتوفي الأمير سيف الدين ~~ألجيبغا بن عبد الله العادلي. كان من أكابر الأمراء. أقام أميرا نحو ستين ~~سنة؛ وكان قد أصابته ضربة سيف في وقعة أرغون شاه بدمشق بانت منها يده ~~اليمنى. واستمر على إمرته وتقدمته إلى أن مات في السابع من شهر ربيع الآخر، ~~ودفن بترتبه بدمشق خارج باب الجابية وقد أناف على تسعين سنة. وتوفي الأمير ~~الجليل بدر الدين مسعود بن أوحد بن مسعود بن الخطير بدمشق في سابع شوال، ~~بعد ما تنقل في عدة ولايات وأعمال: مثل حجوبية الحجاب بديار مصر، ms2175 ونيابة ~~غزة وغير ذلك. وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة بدمشق، ونشأ بها، وولي ~~الحجوبية بها. وأرسله تنكز إلى مصر صحبة أسندمر رسول خوبان، فلما رآه الملك ~~الناصر أعجبه شكله، فرسم له بإمرة طبلخاناه بمصر وجعله من جملة الحجاب؛ ~~فأقام على ذلك إلى أن قبض السلطان على مملوكه ألماس الحاجب ولاه عوضه حاجب ~~الحجاب؛ ولم يكن بمصر يوم ذلك نائب سلطنة، فعظم أمره، إلى أن مسك تنكز رسم ~~له السلطان بنيابة غزة. ثم بعد موت الملك الناصر أعطي إمرة بدمشق، ثم طلب ~~إلى مصر وأعيد إلى حجوبية الحجاب ثانيا؛ فلم تطل مدته لاختلاف الكلمة، ~~وأخرج إلى نيابة غزة ثانيا، ثم عزل ونقل إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق؛ ~~ثم ولي نيابة غزة ثالث مرة وأقام بها سنين، ثم عزل وتوجه إلى دمشق أميرا ~~بها. ثم ولي نيابة طرابلس، فلم تطل مدته بها وعزل، وتوجه أيضا إلى دمشق ~~فأقام بها إلى أن مات. رحمه الله. وتوفي في هذه السنة جماعة ممن تقدم ذكرهم ~~من الأمراء، قتلوا بقلعة حلب، وهم: الأمير أحمد الساقي نائب حماة، وبكلمش ~~نائب طرابلس، وبيبغا أرس شاف حلب وغيرهم. فأما الأمير بيبغا أرس القاسمي، ~~فإن أصله من مماليك الملك الناصر محمد ابن قلاوون ومن أعيان خاصكيته؛ ثم ~~ولي بعد موته نيابة السلطنة بالديار المصرية في أول سلطنة الملك الناصر ~~حسن؛ ثم قبض عليه بطريق الحجاز وحبس ثم أطلق في أول دولة الملك الصالح ~~صالح، وتولى نيابة حلب بعد أرغون الكاملي، ولما ولي نيابة حلب شدد على من ~~يشرب الخمر بها إلى الغاية، وظلم وحكم في ذلك بغير أحكام الله تعالى، حتى ~~إنه سمر من سكر وطيف به بشوارع حلب، وفي هذا المعنى يقول ابن حبيب: أهل ~~الطلا توبوا وكل منكم ... يعود عن ساق التقى مشمرا فمن يبت راووقه معلقا ~~... أصبح ما بين الورى مسمرا وفيه يقول القاضي شرف الدين حسين بن ريان: تب ~~عن الخمر في حلب ... والزم العقل والأدب حدها عند بيبغا ... بالمسامير ~~والخشب ثم خرج بيبغا ms2176 عن طاعة السلطان، ووقع له ما حكينا في ترجمة الملك ~~الصالح، إلى أن ظفر به وقتل في قلعة حلب؛ وفيه يقول بعض الأدباء: لما آعتدى ~~بيبغا العادي ومن معه ... على الورى فارقوا كرها مواطنهم خوف الهلاك سروا ~~ليلا على عجل ... فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وتوفي الرئيس أمين الدين ~~إبراهيم بن يوسف المعروف بكاتب طشتمر. كان من أعيان الكتاب، وتولى نظر ~~الجيش بالديار المصرية مدة، ثم عزل وأخرج إلى القدس فأقام به مدة، ثم أعيد ~~إلى القاهرة فأقام بها إلى أن مات. وتوفي الأمير سيف الدين بيغرا بن عبد ~~الله الناصري ثم المنصوري، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية وهو بطال ~~بحلب؛ وكان شجاعا مقداما من أعيان أمراء مصر؛ وقد تقدم ذكره في عدة أماكن. ~~وتوفي الأمير زين الدين قراجا بن دلغادر صاحب أبلستين في رابع عشر ذي ~~القعدة؛ وقد تقدم ذكره في واقعة الأمير بيبغا أرس. وتوفي مستوفي الصحبة ~~أسعد حربة أحد الكتاب المسالمة في ذي القعدة من السنة. PageV03P0174 # وتوفي الشيخ جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الإمام شمس الدين أبي محمد ~~عبد الله بن العفيف محمد بن عبد المنعم المقدسي النابلسي ثم الدمشقي ~~الحنبلي في شهر رجب؛ ومولده سنة إحدى وتسعين وستمائة. وتوفي الشيخ إمام ~~الدين محمد بن زين الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن ~~الحسن القيسي القسطلاني الشافعي بالقاهرة في عشرين المحرم؛ ومولده بمكة ~~المشرفة في سنة إحدى وسبعين وستمائة. وتوفي حاكم الموصل وسنجار الأمير بدر ~~الدين حسن بن هندوا. كان من أعيان الملوك يوسف وكان بينه وبين صاحب ماردين ~~عداوة، ووقع بينهما حروب قتل في بعضها حسن هذا بعد القبض عليه. وتوفي ~~القاضي شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب ابن الشهاب أحمد بن محيي الدين يحيى، ~~بن فضل الله بن المجلي بن دعجان بن خلف القرسي العمري. نسبته إلى عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه. مات في شوال من هذه السنة. مولده في ثالث ذي الحجة ~~سنة ثلاث وعشرين وستمائة ms2177 بدمشق، ومات بها في شهر رمضان، وكان إماما بارعا ~~كاتبا بليغا أديبا مترسلا. كتب المنسوب الفائق وتنقل في الخدم حتى ولي ناظر ~~ديوان الإنشاء بالديار المصرية مدة طويلة؛ وهو أول كاتب سر ولي بمصر من بني ~~فضل الله ولاه الأشرف خليل بن قلاوون بعد عزل عماد الدين إسماعيل بن أحمد ~~بن الأثير، فدام في كتابة السر سنين، إلى أن نقله الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون إلى كتابة سر دمشق، عوضا عن أخيه محيي الدين يحيى بن فضل الله، وولي ~~عوضه القاضي علاء الدين بن الأثير. ولما مات رد الشعراء والعلماء، ورثاه ~~العلامة شهاب الدين محمود بقصيدته التي أولها: لتبك المعالي والنهى الشرف ~~الأعلى ... وتبك الورى الإحسان والحلم والفضلا ومن شعر القاضي شرف الدين ~~المذكور يمدح الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي: تهب الألوف ولا تهاب ~~لهم ... ألفا إذا لاقيت في الصف ألف وألف في ندى ووغى ... فلأجل ذا سموك ~~بالألفي وله أيضا لما ختن الملك الناصر محمد بن قلاوون: لم يروع له الختان ~~جنانا ... قد أصاب الحديد منه حديدا مثلما تنقص المصابيح بالقط ... فتزداد ~~في الضياء وقودا أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وست عشرة إصبعا. والله سبحانه أعلم. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الملك الصالح # صالح ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على مصر وهي سنة خمس وخمسين ~~وسبعمائة، وفيها خلع الملك الصالح المذكور في ثاني شوال. وفيها توفي ~~العلامة زين الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن القاسم بن منصور بن علي ~~الموصلي الشافعي، الشهير بابن شيخ العوينة، بالموصل عن أربع وسبعين سنة. ~~وكان إماما فقيها بارعا مصنفا ناظما ناثرا. نظم كتاب " الحاوي " في الفقه، ~~وشرح " المختصر " و " المفتاح " ، وقدم إلى الشام متوجها إلى الحجاز الشريف ~~وهو القائل: وما اخترت بعد الدار عمن أحبه ... صدودا وحاشى أن يقال صدود ~~ولكن أسباب الضرورة لم تزل ... إلى غير ما تهوى النفوس تقود وتوفي القاضي ~~شهاب الدين أحمد ابن القاضي شمس الدين إبراهيم ms2178 بن المسلم بن هبة الله بن ~~حسان بن محمد بن منصور الجهني الشافعي الشهير بابن البارزي، ناظر أوقاف ~~دمشق، وبها مات عن نيف وثمانين سنة. وتوفي الشيخ الإمام سراج الدين أبو حفص ~~عمر ابن القدوة نجم الدين عبد الرحمن بن الحسين بن يحيى بن عبد المحسن ~~القباني الحنبلي. كان إماما زاهدا عابدا. أفتى ودرس وحدث، وباشر مشيخة ~~المالكية بالقدس إلى أن مات. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة فخر الدين ~~أبو طالب أحمد بن علي بن أحمد الكوفي البغدادي الحنفي، الشهير بابن الفصيح. ~~مات بدمشق وقد قارب الثمانين سنة. وكان إماما عالما بارعا في فنون، ناظما ~~ناثرا. نظم " الكنز في الفقه " و " السراجية في الفرائض " . وقدم إلى دمشق ~~وتصدى للافتاء والتدريس والإقراء إلى أن مات بها.ومن شعره، وهو في غاية ~~الحسن: أمر سواكه من فوق در ... وناولنيه وهو أحب عندي فذقت رضابه ما بين ~~ند ... وخمر أمزجا منه بشهد وله أيضا: PageV03P0175 # زار الحبيب فحيا ... يا حسن ذاك المحيا من صده كنت ميتا ... من وصله عدت ~~حيا وتوفي الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الظاهري ~~الدمشقي الشافعي مدرس الفروخشاهية. كان فقيها فاضلا. مات بدمشق عن نيف ~~وثمانين سنة. وكان له نظم وينشىء المقامات؛ وله القصيدة الحجازية التي ~~أولها: سرت نسمة الوادي فأذكرت الصبا ... ليالي منى فانصب مدمعه صبا وتوفي ~~الشيخ الإمام جمال الدين محمد بن علاء الدين على بن الحسن الهروي الحلبي ~~الحنفي، المعروف بالشيخ زادة. كان فقيها متصوفا زاهدا. قال ابن حبيب: ~~أنشدني بيتين بالفارسي، وذكر لي معناهما، وآقترح علي نظمهما بالعربي، فقلت: ~~ألحاظه شهدت بأني مخطىء ... وأتت بخط عذاره تذكارا يا حاكم الحب اتئد في ~~قصتي ... فالخط زور والشهود سكارى ومن إنشاء الشيخ زادة المذكور قوله: وما ~~العيش إلا والشبيبة غضة ... ولا الحب إلا والمحبون أطفال وهم زعموا أن ~~الجنون أخو الصبا ... فليت جنونا دام والناس غفال وكانت وفاته بحلب عن نيف ~~وخمسين سنة. وتوفي الشريف علاء الدين أبو الحسن علي ابن الشريف عز الدين ms2179 ~~حمزة بن علي بن حسن بن زهرة بن الحسن بن زهرة بن الحسين الحلبي، نقيب ~~الأشراف بحلب؛ وبها مات عن نيف وسبعين سنة؛ وكان رئيسا كاتبا مجيدا عارفا ~~مثريا. وتوفي الصاحب الوزير علم الدين عبد الله بن تاج الدين أحمد بن ~~إبراهيم، الشهير بابن زنبور، المصري القبطي المقدم ذكره. ولي الوزارة ونظر ~~الجيش والخاص، ولم تجتمع لأحد قبله. ثم نكب وصودر وأخذت أمواله وذخائره ~~التي وصفناها في ترجمة الملك الصالح، ومات بقوص معتقلا. وتوفي الوزير ~~الصاحب موفق الدين أبو الفضل هبة الله بن سعيد الدولة القبطي المصري. ولي ~~نظر الدولة ثم الخاص ثم الوزارة إلى أن مات. وكان مشكور السيرة حسن ~~الأخلاق، وعنده تواضع وكريم ومعرفة وعقل. وتوفي الأمير سيف الدين أيتمش ~~المحمدي الناصري، نائب طرابلس. مات بها وتولى عوضه منجك اليوسفي الوزير أخو ~~بيبغا أرس. وكان أيتمش وافر الحشمة، لين الجانب، بعيد الشر قريب الخير، ~~وعنده عقل وسكون ووقار. ولي الحجوبية والوزارة بالديار المصرية، ثم ولي ~~نيابة دمشق مدة سنين، إلى أن قبض عليه وسجن بثغر الإسكندرية؛ ثم أطلق وولي ~~نيابة طرابلس بعد بكلمش الناصري، فدام على نيابتها إلى أن مات. وتوفي ~~السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج صاحب الأندلس وما والاها؛ طعن ~~بخنجر في جبينه في يوم عيد الفطر، فمات منه، وتسلطن بعده ابنه أبو عبد الله ~~محمد بن يوسف. وتوفي الأمير سيف الدين إياجي بن عبد الله الناصري، نائب ~~قلعة دمشق. كان شجاعا مقداما، أظهر في فتنة الأمير بيبغا أرس أمرا عظيما من ~~حفظ قلعة دمشق، وقاتل بيبغا أرس قتالا عظيما، وقام في ذلك أتم قيام. وتوفي ~~الأمير سيف الدين مغلطاي بن عبد الله الناصري، بطالا في عاشر شهر رمضان؛ ~~وكان من أعيان مماليك الملك الناصر محمد بن قلاوون وخاصكيته؛ وتولى رأس ~~نوبة، ثم صار أمير شكار، ثم ولي الأمير آخورية الكبرى، ثم أمسك وحبس بعد ~~أمور وقعت له، ثم أطلق وأخرج إلى الشام بطالا، فدام به إلى أن مات رحمه ~~الله تعالى. وتوفي تاج ms2180 الدين أبو الفضائل أحمد بن الصاحب أمين الملك عبد ~~الله بن الغنام القبطي المصري في شوال تحت العقوبة؛ وهو أحد الكتاب ~~المعدودة، وتولى عدة وظائف وباشر عدة مباشرات؛ وكان مشكور السيرة. رحمه ~~الله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثلاث عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة تسع عشرة ذراعا وخمس أصابع. ### | AUT سلطنة الناصر حسن الثانية # قد تقدم ذكره في سلطنته الأولى من هذا الكتاب، وذكرنا أيضا سبب خلعه من ~~السلطنة بأخيه الملك الصالح صالح، ثم ذكرنا في ترجمة أخيه الصالح سبب خلع ~~الصالح وإعادة الناصر هذا فلا حاجة لذكر ذلك ثانيا. والمقصود هنا الآن ذكر ~~عود الملك الناصر حسن إلى ملكه فنقول: PageV03P0176 # ولما قبض على أصحاب الأمير طاز، اتفق صرغتمش مع الأمير شيخون على خلع ~~الملك الصالح من السلطنة وسلطنة الملك الناصر حسن ثانيا، وأبرموا ذلك حتى ~~تم لهم. فقاموا ودخلوا إلى القلعة، وأرسلوا طلبوا الملك الصالح؛ فلما توجه ~~إليهم أخذ من الطريق وحبس في بيت من قلعة الجبل. وأرسلوا أشهدوا عليه بأنه ~~خلع نفسه من السلطنة؛ ثم طلبوا الملك الناصر حسنا من محبسه بالقلعة، وكلموه ~~في عوده، وأشرطوا عليه شروطا قبلها. فأخذوه إلى موضع بالقلعة، فيه الخليفة ~~والقضاة، وبايعوه ثانيا بالسلطنة، ولبسوه تشريف السلطنة وأبهة الملك؛ وركب ~~فرس النوبة ومشت الأمراء بين يديه إلى الإيوان، فنزل وجلس على تخت الملك، ~~وقبلوا الأمراء الأرض بين يديه على العادة؛ وكان ذلك في يوم الإثنين ثاني ~~شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة. ولم يغير لقبه، بل نعت بالناصر كما كان أولا ~~على لقب أبيه. ونوب بآسمه بمصر والقاهرة، ودقت البشائر، وتم أمره. وحالما ~~قلع الملك الناصر خلعة السلطنة عنه، أمر في الحال بمسك الأمير طاز، فشفع ~~فيه الأمير شيخون لأنه كان أمنه وهو نزيله؛ فرسم له السلطان بالتوجه إلى ~~نيابة حلب، فخرج من يومه وأخذ في إصلاح أمره، إلى أن سافر يوم الجمعة سادس ~~شوال؛ وسار حتى وصل حلب، في الخامس من ذي القعدة؛ وكانت ولايته لنيابة حلب ~~عوضا عن الأمير ms2181 أرغون الكاملي. وطلب أرغون إلى مصر، فحضر أرغون إلى ~~القاهرة، وأقام بها مدة يسيرة ثم أمسك. وأقام طاز في نيابة حلب، ومعه أخوه ~~كلتاي وجنتمر وكلاهما مقدمان بها. ودام الملك الناصر حسن في الملك إلى أن ~~دخلت سنة ست وخمسين وسبعمائة، والخليفة يوم ذاك المعتضد بالله أبو بكر، ~~ونائب السلطنة بمصر الأمير آقتمر عبد الغني، وأتابك العساكر الأمير شيخون ~~العمري - وهو أول أتابك سمي بالأمير الكبير، وصارت من بعده الأتابكية وظيفة ~~إلى يومنا هذا؛ ولبسها بخلعة: وإنما كانت العادة في تلك الأيام أنه من كان ~~قديم هجرة من الأمراء سمي بالأمير الكبير، من غير خلعة؛ فكان في عصر واحد ~~جماعة كل واحد منهم يسمى بالأمير الكبير، حتى ولي شيخون هذا أتابكية ~~العساكر - وسمي بالأمير الكبير - بطلب تلك العادة القديمة، وصارت من أجل ~~وظائف الأمراء. تم ذلك. انتهى. وكان نائب الشام يوم ذاك أمير علي ~~المارديني، ونائب حلب طاز، وصاحب بغداد وما والاها الشيخ حسن ابن الشيخ ~~حسين سبط أرغون بن أبغا بن هولاكو. وفي هذه السنة أيضا كملت خانقاة الأمير ~~الكبير شيخون العمري بالصليبة والربع والحمامان؛ وفرغت هذه العمارة ولم ~~يتشوش أحد بسببها. ورتب في مشيختها العلامة أكمل الدين محمد بن محمود، ~~البابرتي الحنفي، وأشركه في النظر. ودام السلطان حسن في السلطنة ولم يحرك ~~ساكنا إلى أن آستهلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة قبض على أربعة من الأمراء ~~وسجنوا بثغر الإسكندرية، وهم: الأمير قجا السلاح دار، وطقطاي الدوادار، ~~وقطلوبغا الذهبي، وخليل بن قوصون. وخلع على الأمير علم دار باستقراره في ~~الدوادارية، وخلع على الأمير قشتمر باستقراره حاجبا ووزيرا؛ وكان القبض على ~~هؤلاء الأمراء بعد أن ضرب الأمير شيخون بالسيف، وحمل إلى داره جريحا ولزم ~~الفراش إلى أن مات، حسب ما يأتي ذكره. وأمر ضرب شيخون كان في يوم الإثنين ~~من شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة؛ وهو أن السلطان الملك الناصر حسنا جلس ~~في اليوم المذكور على كرسي الملك بدار العدل للخدمة، والأمراء جلوس في ~~الخدمة، والقضاة والأعيان وجميع أرباب الدولة. وبينما ms2182 السلطان جالس على ~~كرسي الملك، وثب مملوك من المماليك السلطانية يسمى قطلوخجا السلاح دار على ~~الأمير الكبير شيخون، وضربه بالسيف ثلاث ضربات أصابت وجهه ورأسه وذراعه، ~~فوقع شيخون مغشيا PageV03P0177 # عليه، وأرجف بموته. وقام السلطان من على الكرسي ودخل إلى القصر، ووقعت ~~الهجة. فلما سمعت مماليك شيخون بذلك، طلعوا القلعة راكبين صحبة أمير خليل ~~بن قوصون أحد الأربعة المقبوض عليهم بعد ذلك، فحملوا شيخون على جنوية وبه ~~رمق، ونزلوا به إلى داره؛ وأحضروا الجرائحية فأصلحوا جراحاته. وبات شيخون ~~تلك الليلة في إصطبله؛ وأصبح السلطان الملك الناصر حسن ونزل لعيادته من ~~الغد؛ فدخل عليه وحلف له أن الذي وقع لم يكن بخاطره ولا له علم به، وكان ~~الناس ظنوا أن السلطان هو الذي سلطه على شيخون، فتحقق الناس براءة السلطان. ~~وطلع السلطان إلى القلعة وقد قبض على قطلوخجا المذكور، فرسم السلطان ~~بتسميره فسمر. ثم وسط في اليوم المذكور، بعد أن سأل السلطان قطلوخجا السلاح ~~دار المذكور عن سبب ضرب شيخون بالسيف، فقال: " طلبت منه خبزا فمنعني منه ~~وأعطاه لغيري " . ولزم شيخون الفراش من جراحه إلى أن مات في ذي القعدة من ~~السنة. وبموته خف عن السلطان أشياء كثيرة؛ فإنه كان ثقيل الوطأة على ~~السلطان إلى الغاية، بحيث إن السلطان كان لا يفعل شيئا حتى يشاور، حقيرها ~~وجليلها؛ فلما مات آلتفت السلطان حسن إلى إنشاء مماليكه، فأمر منهم جماعة ~~كثيرة على ما سيأتي ذكره. ثم أخذ السلطان حسن في شراء دار ألطنبغا ~~المارداني ويلبغا اليحياوي بالرميلة، وهدمهما، وأضاف إليهما عدة دور ~~وإسطبلات أخر. وشرع في بناية مدرسته المعروفة به تجاه قلعة الجبل، التي لم ~~يبن في الإسلام نظيرها، ولا حكاها معمار في حسن عملها، وذلك في سنة ثمان ~~وخمسين المذكورة. ولما شرع في عمارتها جعل عليها مشدين ومهندسين وآجتهد في ~~عملها. وأما مصروفها وما آجتمع بها من الصناع والمعلمين فكثير جدا لا يدخل ~~تحت حصر. وقيل: إن إيوانها يعادل إيوان كسرى في الطول. قلت: وفي الجملة ~~إنها أحسن ما بني في الدنيا شرقا ms2183 وغربا في معناها بلا مدافعة. وفي هذه ~~السنة وقع أمر عجيب، قال ابن كثير في تاريخه: وفي هذه السنة حملت جارية من ~~عتقاء الأمير الهيدباني قريبا من تسعين يوما، ثم شرعت تطرح ما في بطنها، ~~فوضعت قريبا من أربعين ولدا، منهم أربع عشرة بنتا. وقد تشكل الجميع، وتميز ~~الذكر من الأنثى، فسبحان القادر على كل شيء. قلت: وابن كثير ثقة حجة فيما ~~يرويه وينقله. انتهى. ولما مات شيخون انفرد صرغتمش بتدبير المملكة. وعظم ~~أمره واستطال في الدولة، وأخذ وأعطى، وزادت حرمته، وأثرى وكثرت أمواله، إلى ~~أن قبض عليه الملك الناصر حسن، حسب ما يأتي ذكره في محله، إن شاء الله ~~تعالى. ثم إن السلطان قبض على الأمير طاز نائب حلب، في أوائل سنة ثمان ~~وخمسين المذكورة بسفارة صرغتمش، وقيده وحمله إلى الإسكندرية فحبسه بها؛ ~~وولى عوضه في نيابة حلب الأمير منجك اليوسفي الوزير، نقل إليها من نيابة ~~طرابلس. ثم عزل السلطان عز الدين بن جماعة عن قضاء الشافعية بديار مصر، ~~وولى عوضه بهاء الدين بن عقيل؛ فأقام ابن عقيل في القضاء ثمانين يوما وعزل، ~~وأعيد ابن جماعة. ثم نقل السلطان منجك اليوسفي المذكور من نيابة حلب إلى ~~الشام عوضا عن أمير على المارديني، ونقل المارديني إلى نيابة حلب، كل ذلك ~~في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة المقدم ذكرها. وخلع السلطان على تاج الدين بن ~~ريشة واستقر في الوزارة. ثم نفى السلطان جماعة من الأمراء، منها الأمير ~~جرجي الإدريسي، وأنعم بإقطاعه، وهو إمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، على ~~مملوكه يلبغا العمري صاحب الكبش، وهو الذي قتل أستاذه الملك الناصر حسنا ~~المذكور، حسب ما يأتي ذكره في وقته من هذا الكتاب في هذه الترجمة. ثم خلع ~~السلطان على يلبغا وجعله أمير مجلس عوضا عن الأمير تنكز بغا المارديني. ~~PageV03P0178 # ثم في يوم الخميس العشرين من شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبعمائة، أمسك ~~السلطان الأمير صرغتمش الناصري، بعد ما أقعد له قواعد مع الأمير طيبغا ~~الطويل ويلبغا العمري وغيرهما، وأمسك معه جماعة من الأمراء، ms2184 وهم طشتمر ~~القاسمي حاجب الحجاب، وطيبغا الماجاري، وأزدمر وقماري وأرغون الطرخاني ~~وآقجبا الحموي، وجماعة أخر من أمراء الطبلخانات والعشرات. وكان سبب مسكه أن ~~صرغتمش كان قد عظم أمره بعد موت شيخون، وآستبد بأمور الدولة وتدبير الملك؛ ~~فلما تم له ذلك، ندب الملك الناصر حسنا لمسك طاز ووغر خاطره عليه، حتى كان ~~من أمره ما كان. فلما صفا له الوقت بغير منازع، لم يقنع بذلك، حتى رام ~~الوثوب على الملك الناصر حسن ومسكه واستقلاله بالملك فبلغ الناصر ذلك فاتفق ~~مع جماعة من الأمراء مسكه عند دخوله على السلطان في خلوة؛ فلما كان وقت ~~دخوله، وقفوا له في مكان رتبهم السلطان فيه فلما دخل صرغتمش احتاطوا به ~~وقبضوا عليه ثم خرجوا لمن عين لهم من الأمراء المقدم ذكرهم، فقبضوا عليهم ~~أيضا في الحال، وحبسوا الجميع بقلعة الجبل. فلما بلغ مماليك صرغتمش وحواشيه ~~من المماليك بالسلاح وطلعوا إلى الرميلة، فنزل إليهم المماليك السلطانية من ~~القلعة، وقاتلوهم من بكرة النهار إلى العصر عدة وجوه، إلى أن كانت الكسرة ~~على مماليك صرغتمش. أخذتهم السيوف السلطانية، ونهبت دار صرغتمش عند بئر ~~الوطاويط، ونهبت دكاكين الصليبة، ومسك من الأعجام صوفية المدرسة الصرغتمشية ~~جماعة لأنهم ساعدوا الصرغتمشية وأحموهم عند كسرتهم؛ وما أذن المغرب حتى سكن ~~الأمر وزالت الفتنة، ونودي بالأمان والبيع والشراء. وأصبح الملك الناصر حسن ~~في بكرة يوم الثلاثاء وهو سلطان مصر بلا منازع. وصفا له الوقت، وأخذ وأعطى، ~~وقرب من اختار وأبعد من أبعد، وخلع على الأمير ألجاي اليوسفي واستقر به ~~حاجب الحجاب عوضا عن طشتمر القاسمي. وخلع على جماعة أخر بعدة وظائف. ثم أخذ ~~في ترقية مماليكه والإنعام عليهم، وأعيان مماليكه: يلبغا العمري وطيبغا ~~الطويل، وجماعة من أولاد الأمراء. وكان يميل لإنشاء أولاد الناس وترقيهم ~~إلى الرتب السنية، لا لحبه لهم، بل كان يقول: هؤلاء مأمونو العاقبة، وهم في ~~طي علمي، وحيث وجهتهم إليه توجهوا، ومتى أحببت عزلهم أمكنني ذلك بسهولة، ~~وفيهم أيضا رفق بالرعية ومعرفة بالأحكام حتى إنه كان في أيامه منهم عدة ~~كثيرة، ms2185 منهم أمراء مقدمون، يأتي ذكر أسمائهم في آخر ترجمته، إن شاء الله ~~تعالى. ثم أخرج السلطان صرغتمش ورفقته في القيود إلى الإسكندرية، فسجن ~~صرغتمش بها إلى أن مات في ذي الحجة من السنة، على ما سيأتي ذكر صرغتمش في ~~الوفيات من حوادث سنين الملك الناصر حسن. ثم إن السلطان عزل الأمير منجك ~~اليوسفي عن نيابة دمشق في سنة ستين وسبعمائة، وطلبه إلى الديار المصرية؛ ~~فلما وصل منجك إلى غزة بلغه أن السلطان يريد القبض عليه، فتسحب ولم يوقف له ~~على خبر. وعظم ذلك على السلطان وأكثر من الفحص عليه، وعاقب بسببه خلائق فلم ~~يفده ذلك. ثم خلع السلطان على الأمير علي المارديني نائب حلب، بإعادته إلى ~~نيابة دمشق كما كان أولا؛ وآستقر بكتمر المؤمني في نيابة حلب عوضا عن علي ~~المارديني، فلم تطل مدته بحلب وعزل عنها بعد أشهر بالأمير أسندمر الزيني، ~~أخي يلبغا اليحياوي نائب الشام كان. ثم خلع السلطان على فخر الدين بن ~~قروينة باستقراره في نظر الجيش والخاص معا. ثم ظهر الأمير منجك اليوسفي من ~~اختفائه في بيت بالشرف الأعلى بدمشق، في سنة إحدى وستين وسبعمائة، بعد أن ~~اختفى به نحو السنة، فأخذ وأحضر إلى القاهرة؛ فلما مثل بين يدي السلطان، ~~وعليه بشت عسلي وعلى رأسه مئزر، صفح عنه لكونه لم يخرج من بلاده، ورسم له ~~بإمرة طبلخاناه بدمشق، وأن يكون طرخانا يقيم حيث شاء؛ وكتب له بذلك توقيع ~~شريف. ثم في هذه السنة وقع الوباء بالديار المصرية، إلى أوائل سنة آثنتين ~~وستين وسبعمائة. ومات في هذا الوباء جماعة كثيرة من الأعيان وغيرهم، ~~وأكثرهم كان لا يتجاوز مرضه أربعة أيام إلى خمسة، ومن جاوز ذلك يطول مرضه؛ ~~وهذا الوباء يقال له: الوباء الوسطي أعني بين وباءين. PageV03P0179 # وفي هذه الأيام عظم يلبغا العمري في الدولة حتى صار هو المشار إليه، ~~وثقلت وطأته على أستاذه الملك الناصر حسن، مع تمكن الملك الناصر في ملكه. ~~وكان يلبغا العمري وطيبغا الطويل وتمان تمرهم أعظم أمرائه وخاصكيته من ~~مماليكه. فلما أن استهلت ms2186 سنة آثنتين وستين وسبعمائة بلغ الملك الناصر أن ~~يلبغا ينكر عليه من كونه يعطي إلى النساء الإقطاعات الهائلة، وكونه يختص ~~بالطواشية ويحكمهم في المملكة وأشياء غير ذلك. وصارت الخاصكية ينقلون ~~للسلطان عن يلبغا أمورا قبيحة في حقه في مثل هذا المعنى وأشباهه؛ فتكلم ~~الملك الناصر حسن مع خواصه بما معناه: إنه قبض على أكابر أمرائه من مماليك ~~أبيه، حتى استبد بالأمر من غير منازع، وأنشأ مماليكه مثل يلبغا المذكور ~~وغيره، حتى يسلم من معارض، فصار يلبغا يعترض عليه فيما يفعله، فعظم عليه ~~ذلك وندم على ترقيه، وأخذ يترقب وقتا يمسك يلبغا فيه. واتفق بعد ذلك أن ~~السلطان حسنا خرج إلى الصيد ببر الجيزة بالقرب من الهرمين، وخرجت معه غالب ~~أمرائه يلبغا وغيره على العادة. فلما كان يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى ~~من سنة اثنتين وستين المذكورة، أراد السلطان القبض على يلبغا لما بلغه عن ~~يلبغا أنه يريد الركوب عليه هناك؛ فصبر السلطان حسن حتى دخل الليل، فركب ~~ببعض خاصكيته من غير استعداد ولا اكتراث بيلبغا، وسار يريد يكبس على يلبغا ~~بمخيمه، فنم بعض خاصكية السلطان بذلك إلى يلبغا. فاستعد يلبغا بمماليكه ~~وحاشيته لقتاله، وطلب خشداشيته وواعدهم بالإمريات والإقطاعات، وخوفهم عاقبة ~~أستاذهم الملك الناصر حسن المذكور، حتى وافقه كثير منهم. كل ذلك والملك ~~الناصر في غفلة استخفافا بمملوكه يلبغا المذكور، حتى قارب السلطان خيمة ~~يلبغا، خرج إليه يلبغا بمن معه وقاتله، فلم يثبت السلطان لقلة من كان معه ~~من مماليكه؛ وانكسر وهرب، وعدى النيل، وطلع إلى قلعة الجبل في الليل - في ~~ليلة الأربعاء التاسع من جمادى الأولى من سنة اثنتين وستين المذكورة - ~~وتبعه يلبغا ومن معه يريد القلعة، فاعترضه ابن المحسني أحد أمراء الألوف ~~بمماليكه، ومعه الأمير قشتمر المنصوري، وواقعا يلبغا ببولاق وقعة هائلة، ~~انكسر فيها يلبغا مرتين، وابن المحسني يتقدم عليه. كل ذلك وابن المحسني ليس ~~له علم من السلطان أين ذهب، بل بلغه أنه توجه إلى جهة القلعة؛ فأخذ ابن ~~المحسني، في قتال يلبغا وتعويقه عن المسير إلى جهة ms2187 القلعة. واشتد القتال ~~بين يلبغا وابن المحسني حتى أردف يلبغا الأمير ألجاي اليوسفي حاجب الحجاب ~~وغيره، فانكسر عند ذلك ابن المحسني وقشتمر، وقيل: إن يلبغا لما رأى شدة ابن ~~المحسني في القتال دس عليه من رجعه عن قتاله وأوعده بأوعاد كثيرة، منها أنه ~~لا يغير عليه ما هو فيه في شيء من الأشياء خوفا من طلوع النهار قبل أن يدرك ~~القلعة، وأخذ السلطان الملك الناصر حسن، لأن الناصر كان طلع إلى قلعة الجبل ~~في الليل، ولم يشعر به أحد من أمرائه ومماليكه وخواصه، وصاروا في حيرة من ~~عدم معرفتهم أين توجه السلطان، حتى يكونوا معه على قتال يلبغا. وعلم يلبغا ~~أنه متى تعوق في قتال ابن المحسني إلى أن يطلع النهار، أتت العساكر الملك ~~الناصر من كل فج، وذهبت روحه؛ فلما ولى ابن المحسني عنه، آنتهز يلبغا ~~الفرصة بمن معه، وحرك فرسه، وصحبته من وافقه، إلى جهة القلعة، حتى وصل ~~إليها في الليل. والله أعلم. وأما أمر السلطان حسن، فإنه لما آنكسر من ~~مملوكه يلبغا، وتوجه إلى قلعة الجبل حتى وصل إليها في الليل، ألبس مماليكه ~~المقيمين بالقلعة، فلم يجد لهم خيلا لأن الخيول كانت في الربيع. وبينما هو ~~في ذلك طرقه يلبغا قبل أن يطلع النهار وتجتمع العساكر عليه، فلم يجد الملك ~~الناصر قوة للقائه، فلبس هو وأيدمر الدواداري زي الأعراب ليتوجها إلى ~~الشام، ونزلا من القلعة وقت التسبيح؛ فلقيهما بعض المماليك فأنكروا عليهما ~~وأمسكوهما في الحال، وأحضروهما إلى بيت الأمير شرف الدين موسى بن الأزكشي ~~أستادار العالية، فحملهما في الوقت إلى يلبغا حال طلوع يلبغا إلى القلعة، ~~فقتلهما يلبغا في الحال قبل طلوع الشمس. PageV03P0180 # وكان عمر السلطان حسن يوم قتل نيفا على ثلاثين سنة تخمينا؛ وكانت مدة ~~ملكه في سلطنته هذه الثانية ست سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. وكان قتله ~~وذهاب ملكه على يد أقرب الناس إليه من مماليكه وخواصه، وهم: يلبغا العمري ~~وطيبغا الطويل وتمان تمر وغيرهم، وهم من مشترواته، اشتراهم، ورباهم، وخولهم ~~في النعم، ورقاهم إلى ms2188 أعلى المراتب، خوفا من أكابر الأمراء من مماليك أبيه؛ ~~فكان ذهاب روحه على أيديهم، وكانوا عليه أشد من تلك الأمراء. فإن أولئك لما ~~خلعوه من السلطنة بأخيه الملك الصالح، حبسوه بالدور من القلعة مكرما مبجلا، ~~وأجروا عليه الرواتب السنية، إلى أن أعادوه إلى ملكه ثانيا، وهم مثل شيخون ~~وصرغتمش وقبلاي النائب وغيرهم؛ فصار يتذكر ما قاساه منهم في خلعه من ~~السلطنة وتحكمهم عليه، فأخذ في التدبير عليهم حتى قبض على جماعة كثيرة منهم ~~وأبادهم. ثم رأى أنه ينشىء مماليكه ليكونوا له حزبا وعضدا؛ فكانوا بعكس ما ~~أمله منهم، ووثبوا عليه، وكبيرهم يلبغا المقدم ذكره. وعندما قبضوا عليه لم ~~يمهلوه ساعة واحدة؛ وعندما وقع نظرهم عليه قتلوه من غير مشاورة بعضهم لبعض، ~~موافاة لحقوق تربيته لهم وإحسانه إليهم؛ فكان بين فعل مماليك أبيه به وبين ~~فعل مماليكه له فرق كبير. ولله در القائل: " معاداة العاقل، ولا مصاحبة ~~الجاهل " . قلت: لا جرم أن الله تعالى عز وجل عامل يلبغا المذكور من ~~مماليكه بجنس ما فعله مع أستاذه، ووثبوا عليه وقتلوه أشر قتله، على ما ~~سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. واستولى يلبغا العمري الخاصكي على القلعة ~~والخزائن والسلاح والخيول والجمال، وعلى جميع ما خلفه أستاذه الملك الناصر ~~حسن، وأقام في المملكة بعده ابن أخيه الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر ~~حاجي ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، كما سيأتي ذكره بعد حوادث سنين ~~الملك الناصر حسن، كما هي عادة هذا الكتاب. وكان الملك الناصر حسن سلطانا ~~شجاعا مقداما كريما عاقلا حازما مدبرا سيوسا، ذا شهامة وصرامة وهيبة ووقار، ~~عالي الهمة كثير الصدقات والبرة ومما يدل على علو همته مدرسته التي أنشأها ~~بالرميلة تجاه قلعة الجبل في مدة يسيرة، مع قصر مدته في السلطنة والحجر ~~عليه في تصرفه في سنين من سلطنته الثانية أيضا. وكان صفته للطول أقرب، أشقر ~~وبوجهه نمش، مع كيس وحلاوة؛ وكان متجملا في ملبسه ومركبه ومماليكه وبركه. ~~اصطنع مرة خيمة عظيمة، فلما نجزت ضربت له بالحوش السلطاني من قلعة ms2189 الجبل، ~~فلم ير مثلها في الكبر والحسن؛ وفيها لقول الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي ~~حجلة التلمساني المغربي، رحمه الله تعالى: حوت خيمة السلطان كل عجيبة ... ~~فأمسيت منها باهتا أتعجب لساني بالتقصير فيها مقصر ... وإن كان في أطنابها ~~بات يطنب وكان السلطان الملك الناصر حسن مغرما بالنساء والخدام، وآقتنى في ~~سلطنته من الخدام ما لم يقتنه غيره من ملوك الترك قبله؛ وكان إذا سافر ~~يستصحب النساء معه في سفره لكونه ما كان له ميل للشباب كعادة الملوك من ~~قبله. كان يعف عن ذلك. وفي محبته إلى النساء وواقعته مع يلبغا يقول بعض ~~أصحاب يلبغا فيه شعرا: لما أتى للعاديات وزلزلت ... حفظ النساء وما قرا ~~للواقعه فلأجل ذاك الملك أضحى لم يكن ... وأتى القتال وفصلت بالقارعه لو ~~عامل الرحمن فاز بكهفه ... وبنصره في عصره في السابعه من كانت القينات من ~~أحزابه ... عطعط به الدخان نار لامعه تبت يدا من لا يخاف من الدعا ... في ~~الليل إذ يغشى يقع في النازعه وخلف السلطان الملك الناصر حسن، تغمده الله ~~برحمته، من الأولاد الذكور عشرة: وهم أحمد وقاسم وعلي وإسكندر وشعبان ~~وإسماعيل ويحيى وموسى ويوسف ومحمد، وستا من البنات. وخلف من الأموال ~~والقماش والذهب العين والسلاح والخيول وغيرها شيئا كثيرا. استولى يلبغا على ~~الجميع، وتصرف فيه حسب ما أراده. PageV03P0181 # وكان السلطان حسن محبا للرعية، وفيه لين جانب. حمدت سائر خصاله، لم يعب ~~عليه في ملكه سوى ترقيه لمماليكه في أسرع وقت، فإنه كان كريما بارا بإخوته ~~وأهله، يميل إلى فعل الخير والصدقات؛ وله مآثر بمكة المشرفة، واسمه مكتوب ~~في الجانب الشرقي من الحرم، وعمل في زمنه باب الكعبة الذي هو بابها الآن، ~~وكسا الكعبة الكسوة التي هي إلى الآن في باطن البيت العتيق. وكان كثير البر ~~لأهل مكة والمدينة، إلى أن كانت الواقعة لعسكره بمكة في أواخر سنة إحدى ~~وستين وسبعمائة التي كان مقدم عسكرها الأمير قندس وابن قراسنقر وحصل لهم ~~الكسرة والنهب والقتل من أهل مكة وإخراجهما من مكة على أقبح وجه. غضب ms2190 ~~السلطان بعد ذلك على أهل مكة، وأمر بتجهيز عسكر كبير إلى الحجاز للانتقام ~~من أهل مكة، وعزم على أنه ينزعها من أيدي الأشراف إلى الأبد. وكاد يتم له ~~ذلك بسهولة وسرعة، وبينما هو في ذلك وقع بينه وبين مملوكه يلبغا وكان من ~~أمره ما كان. وكان السلطان حسن يميل إلى تقدمة أولاد الناس إلى المناصب ~~والولايات، حتى إنه كان غالب نواب القلاع بالبلاد الشامية في زمانه أولاد ~~ناس، ولهذا لم يخرج عليه منذ سلطنته بالبلاد الشامية خارجي. وكان في أيامه ~~من أولاد الناس ثمانية من مقدمي الألوف بالديار المصرية. ثم أنعم على ولديه ~~أحمد وقاسم بتقدمتي ألف فصارت الجملة عشرة؛ فأما الثمانية فهم: الأمير عمر ~~بن أرغون النائب، وأسنبغا بن الأبي بكري، ومحمد بن طوغاي، ومحمد بن بهادر ~~رأس نوبة، ومحمد بن المحسني الذي قاتل يلبغا، وموسى بن أرقطاي، وأحمد بن آل ~~ملك، وشرف الدين موسى بن الازكشي الأستادار، فهؤلاء من مقدمي الألوف. وأما ~~الطبلخانات والعشرات فكثير. وكان بالبلاد الشامية جماعة أخر، فكان ابن ~~القشتمري نائب حلب، وأمير علي المارديني نائب الشام، وابن صبيح نائب صفد. ~~وأما من كان منهم من المقدمين والطبلخانات نواب القلاع فكثير. وقيل: إن سبب ~~تغيير خاطر يلبغا من أستاذه الملك الناصر حسن - على ما قيل - أنه لما عمل ~~ابن مولاهم البليقة التي أولها: من قال أنا، جندي خلق، لقد صدق. عندي قبا، ~~من عهد نوح، على الفتوح. لو صادفوا شمس السطوح، كان آحترق. ورقصوا بها بين ~~يدي السلطان حسن. وأشاروا ب " الجندي خلق " إلى يلبغا، وهو واقف بين يدي ~~السلطان حسن والسلطان حسن يضحك ويستعيدها منهم، فغضب من ذلك يلبغا وحقد على ~~أستاذه السلطان، وهذا يبعد وقوعه لكنه قد قيل. قلت: وقد أثبتنا هذه البليقة ~~- والتي عملها الشيخ زين الدين عبد الرحمن ابن الخراط في الفقيه التي ~~أولها: من قال أنافقيه بشرلقد فشر - في تاريخنا المنهل الصافي في ترجمة ابن ~~الخراط المذكور بتمامها وكمالها وهما من أظرف البلاليق في معناهما. والله ~~أعلم. انتهى. ### || AUT السنة ms2191 الأولى من سلطنة الناصر حسن الثانية # وهي سنة ست وخمسين وسبعمائة. على أنه حكم في السنة الخالية، بعد خلع ~~أخيه الملك الصالح صالح، من شوال إلى آخرها. وفيها أعني سنة ست وخمسين توفي ~~قاضي القضاة شيخ الإسلام تقي الدين أبو الحسن علي بن زين الدين عبد الكافي ~~بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان ~~بن علي بن سوار بن سليم الأنصاري السبكي الشافعي - رحمه الله تعالى - ~~بشاطىء النيل في ليلة الإثنين رابع جمادى الأخرة؛ ومولده في شهر صفر سنة ~~ثلاث وثمانين وستمائة بسبك الثلاث، وهي قرية بالمنوفية من أعمال الديار ~~المصرية بالوجه البحري. وكان - رحمه الله - إماما عالما بالفقه والأصلين ~~والحديث والتفسير والنحو والأدب؛ وفي شهرته ما يغني عن الإطناب في ذكره. ~~وقد استوعبنا ترجمته في تاريخنا " المنهل الصافي " بأوسع من هذا فلينظر ~~هناك لمن أراد ذلك. ومن شعره: الكامل إن الولاية ليس فيها راحة ... إلا ~~ثلاث يتبعها العاقل حكم بحق أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج سواها باطل ~~وتوفي قاضي القضاة نور الدين أبو الحسن علي بن عبد النصير بن علي السخاوي ~~المصري المالكي قاضي قضاة الديار المصرية بها، وقد قارب الثمانين سنة، في ~~ليلة الإثنين ثاني جمادى الأولى، ودفن بالقرافة. وتوفي الشيخ الأديب شمس ~~الدين محمد بن يوسف بن عبد الله الدمشقي الشاعر المشهور المعروف بالخياط ~~بطريق الحجاز. ومن شعره قوله: PageV03P0182 # خلفت بالشام حبيبي وقد ... يممت مصرا لغنى طارق والأرض قد طالت فلا تبعدي ~~... بالله يا مصر على عاشق وتوفي القاضي تاج الدين أبو عبد الله محمد بن ~~محمد بن عبد المنعم بن عبد الرحمن بن عبد الحق السعدي البارنباري المصري ~~كاتب سر طرابلس. وكان فاضلا كاتبا، خدم الملوك وباشر كتابة سر طرابلس. وكان ~~له شعر جيد وكتابة حسنة. رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ الإمام العلامة شهاب ~~الدين أبو العباس أحمد بن يوسف بن عبد الدائم بن محمد الحلبي النحوي ~~المقرىء الفقيه الشافعي المعروف بابن السمين - رحمه ms2192 الله - في جمادى ~~الآخرة. وكان إماما عالما، أفتى ودرس وأقرأ عدة سنين. وتوفي الأمير سيف ~~الدين قبلاي بن عبد الله الناصري في يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الأول. ~~وكان أصله من مماليك الناصر محمد بن قلاوون؛ وولي نيابة الكرك ثم الحجوبية ~~الثانية بمصر، ثم نقل إلى الحجوبية الكبرى بها، ثم ولي نيابة السلطنة ~~بالديار المصرية. وقد تقدم من ذكره نبذة جيدة في عدة تراجم. وتوفي القاضي ~~زين الدين خضر ابن القاضي تاج الدين محمد بن زين الدين خضر بن جمال الدين ~~عبد الرحمن بن علم الدين سليمان بن نور الدين علي كاتب الإنشاء بالديار ~~المصرية. ومولده ليلة الأحد رابع ذي الحجة سنة عشر وسبعمائة. كان فاضلا ~~قادرا على الكتابة سريعها، يكتب من رأس القلم التواقيع والمناشير؛ واعتمد ~~القاضي علاء الدين علي بن فضل الله عليه. وكان له نظم ونثر. رحمه الله ~~تعالى. ومن شعره في مقص قوله: يحركني مولاي في طوع أمره ... ويسكنني شانيه ~~وسط فؤاده ويقطع بي إن رام قطعا وإن يصل ... يشق بحدي الوصل عند اعتماده ~~وتوفي الأمير سيف الدين آص ملك بن عبد الله بطالا بدمشق في شهر رمضان. وكان ~~من أعيان الأمراء، وتنقل في عدة وظائف وأعمال، وكان مشهورا بالشجاعة. رحمه ~~الله. وتوفي الأمير سيف الدين قردم بن عبد الله الناصري الأمير آخور بطالا ~~بدمشق في يوم الأحد تاسع عشر شهر رمضان، وقد تقدم ذكره في عدة أماكن. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربع عشره إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثماني عشرة ذراعا وإحدى وعشرون إصبعا. والله سبحانه وتعالى أعلم. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الناصر حسن الثانية # وهي سنة سبع وخمسين وسبعمائة. فيها توفي السيد الشريف شرف الدين أبو ~~الحسن علي بن الحسين بن محمد الحسيني نقيب الأشراف بالديار المصرية، وقد ~~توفي عن سبعين سنة. وكان رحمه الله إماما عالما فاضلا، درس بالقاهرة بمشهد ~~الحسين والفخرية، وولي حسبة القاهرة ووكالة بيت المال، وكان معدودا من ~~الرؤساء العلماء. وتوفي قاضي القضاة نجم الدين أبو ms2193 عبد الله محمد ابن ~~القاضي فخر الدين عثمان بن أحمد بن عمرو بن محمد الزرعي الشافعي قاضي قضاة ~~حلب في صفر. وكان - رحمه الله - إماما عالما فاضلا. أفتى ودرس وولي الحكم ~~بعدة بلاد. وتوفي صاحب بغداد وما والاها الشيخ حسن بن الحسين بن آقبغا بن ~~أيلكان ببغداد، وملك بعده ابنه الشيخ أويس. والشيخ حسن هذا هو سبط الملك ~~أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طولون بن جنكزخان ملك التتار صاحب " اليسق " ~~والأحكام التركية. وكان في أيام الشيخ حسن الغلاء العظيم ببغداد حتى أبيع ~~بها الخبز بسنج الدراهم وبرح الناس عنها، وكان مشكور السيرة. رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الشيخ الإمام شرف الدين إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم المناوي ~~الشافعي في يوم الثلاثاء خامس شهر رجب وكان - رحمه الله - فقيها عالما. ناب ~~في الحكم بالقاهرة، وأفتى ودرس وشرح الفرائض " من الوسيط " وغيره. وتوفي ~~الشيخ الإمام العالم كمال الدين أحمد بن عمر بن أحمد بن مهدي النشائي ~~الشافعي في يوم الأحد حادي عشر صفر؛ ومولده في أوائل ذي القعدة سنة إحدى ~~وتسعين وستمائة. وكان - رحمه الله - إماما عالما خطيبا فصيحا مصنفا. ولي ~~خطابة جامع الأمير أيدمر الخطيري ببولاق وإمامته ودرس به، وهو أول من ولى ~~خطابته وإمامته. ومن مصنفاته: كتاب " جامع المختصرات " وكتاب " المنتقى " . ~~وعلق على " التنبيه " استدراكات، وله غير ذلك. والله أعلم. أمر النيل في ~~هذه السنة: PageV03P0183 # الماء القديم خمس أذرع وأربع أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وعشرون ~~إصبعا. والله أعلم. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الناصر حسن الثانية # وهي سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. فيها توفي الأمير الكبير أتابك العساكر ~~شيخون بن عبد الله العمري الناصري اللالا مدبر الممالك الإسلامية بالديار ~~المصرية في السابع من ذي الحجة بالقاهرة من جرح أصابه لما ضربه قطلوخجا ~~السلاح دار في موكب السلطان حسن، حسب ما تقدم ذكره في ترجمة السلطان حسن ~~هذه الثانية. وقيل: كانت وفاته في أواخر ذي القعدة وسنه نيف على خمسين سنة. ~~وكان أصله من كتابية الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ ms2194 وكان تركي الجنس، جلبه ~~خواجا عمر من بلاده وباعه للملك الناصر؛ وترقى بعد موت الملك الناصر حتى ~~صار أتابك العساكر بالديار المصرية. وهو أول من سمي بالأمير الكبير؛ وليها ~~بخلعة، وصارت من بعده وظيفة. وهو صاحب الجامع والخانقاه بخط صليبة أحمد بن ~~طولون. وقد تقدم من ذكره في ترجمة الملك الناصر حسن والملك الصالح صالح ~~وغيرهما ما يستغنى عن ذكره هنا ثانيا. ودفن بخانقاته المذكورة. وفي شيخون ~~يقول بعض شعراء عصره مضمنا: شيخو الأمير المفدي كله حسن ... حوى المحاسن ~~والحسنى ولا عجب دع الذين يلوموني عليه سدى ... ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا ~~وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة قوام الدين أبو حنفية أمير كاتب ابن ~~أمير عمر ابن أمير غازي الفارابي الإتقاني الحنفي بالقاهرة، ودفن بالصحراء ~~خارج القاهرة. وكان - رحمه الله - إماما عالما مفتنا بارعا في الفقه واللغة ~~العربية والحديث وأسماء الرجال وغير ذلك من العلوم؛ وله تصانيف كثيرة ~~منهما: " شرح الهداية " في عشرين مجلدا " وشرح الأخسيكثي " و " شرح البزدوي ~~" ولم يكمله. وولي التدريس بمشهد أبي حنيفة ببغداد. ثم قدم دمشق فأفتى بها ~~ودرس واشتغل، وصنف بدمشق كتابا في منع رفع اليدين في الصلاة فاضلا عن ~~تكبيرة الافتتاح. ثم طلب إلى القاهرة مكرما معظما حتى حضرها وصار بها من ~~أعيان العلماء لا سيما عند الأمير صرغتمش الناصري، فإنه لأجله بنى مدرسته ~~بالصليبة حتى ولاه تدريسها. ولما مات - رحمه الله تعالى - ولي تدريس ~~الصرغتمشية العلامة أرشد الدين السرائي الحنفي. وتوفي قاضي القضاة نجم ~~الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن القاضي عماد الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن ~~عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد الطرسوسي ثم الدمشقي الحنفي قاضي ~~قضاة الحنفية بدمشق بها عن نحو أربعين سنة. وكان - رحمه الله - إماما عالما ~~علامة، أفتى ودرس وناب في الحكم عن والده بدمشق، ثم استقل بالوظيفة من بعده ~~عدة سنين، وحمدت سيرته. وله مصنفات كثيرة منها: كتاب " رفع الكلفة عن ~~الإخوان في ذكر ما قدم القياس على الاستحسان " ، وكتاب " مناسك الحج " ~~مطول، وكتاب ms2195 " الاختلافات الواقعة في المصنفات " ، وكتاب " محظورات الإحرام ~~" ، وكتاب " الإرشادات في ضبط المشكلات " عدة مجلدات، وكتاب " الفتاوى في ~~الفقه " ، وكتاب " الإعلام في مصطلح الشهود والأحكام " ، وكتاب " الفوائد ~~المنظومة في الفقه " . وتوفي الأمير سيف الدين أرغون بن عبد الله الكاملي، ~~المعروف بأرغون الصغير، بالقدس بطالا قبل أن يبلغ الثلاثين سنة من العمر. ~~وكان أرغون خصيصا عند الملك الكامل ثم عند أخيه الملك الصالح إسماعيل، ~~وترقى حتى صار أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر. ثم ولي نيابة حلب، ثم نيابة ~~الشام، ثم أعيد إلى نيابة حلب ثانيا إلى أن طلب إلى القاهرة وقبض عليه ~~واعتقل بالإسكندرية مدة، ثم أخرج إلى القدس بطالا، فمات به. وكان أميرا ~~جليلا عارفا شجاعا كريما، وفيه بر ومعروف وله مآثر؛ من ذلك بيمارستان بحلب ~~وغيره. رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد ~~بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد المحسن العسجدي الشافعي. كان معدودا من ~~فقهاء الشافعية. رحمه الله. وتوفي القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد ~~بن الأطروش الحنفي محتسب القاهرة وقاضي العسكر بها. كان من بياض الناس وله ~~وجاهة. رحمه الله تعالى. PageV03P0184 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة محب الدين أبو عبد الله محمود ابن الشيخ ~~الإمام علاء الدين أبي الحسن علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي الشافعي في ~~يوم الأربعاء ثامن عشرين شهر ربيع الآخر؛ وكان فقيها مصنفا؛ ومن مصنفاته: " ~~شرح ابن الحاجب في الأصول " وكتاب " اعتراضات على شرح الحاوي " في الفقه ~~لأبيه. وله غير ذلك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبع أذرع وإصبع. ~~مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وست أصابع. والله أعلم. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الناصر حسن الثانية # وهي سنة تسع وخمسين وسبعمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين صرغتمش بن عبد ~~الله الناصري في سجنه بثغر الإسكندرية في ذي الحجة. وكان أصله من مماليك ~~الناصر محمد بن قلاوون، وترقى حتى صار من أكابر الأمراء ومدبري الديار ~~المصرية مع الأمير شيخون وبعده، وقد تقدم من ذكره في ms2196 ترجمة الملك الصالح ~~والملك الناصر حسن ما يكتفي بذكره هناك. ولما حبسه الملك الناصر حسن بثغر ~~الإسكندرية كتب إليه صرغتمش كتابا يتخضع إليه فيه وفي أوله: قلبي يحدثني ~~بأنك متلفي ... روحي فداك عرفت أم لم تعرف فلم يلتفت الملك الناصر لكتابه، ~~وفعل به ما قدر عليه. وكان صرغتمش عظيما في الدولة، فاضلا، مشاركا في فنون، ~~يذاكر بالفقه والعربية، ويحب العلماء وأرباب الفضائل، ويكثر من الجلوس ~~معهم؛ وهو صاحب المدرسة بخط الصليبة، وله بر وصدقات، إلا أنه كان فيه ظلم ~~وعسف مع جبروت. وتوفي القاضي شرف الدين أبو البقاء خالد بن عماد الدين ~~إسماعيل بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن محمد بن خالد بن محمد بن نصر ~~المخزومي الشافعي المعروف بابن القيسراني الحلبي ثم الدمشقي بدمشق عن نيف ~~وخمسين سنة؛ وكان كاتبا فاضلا مصنفا. باشر كتابة الإنشاء بدمشق، ووكالة بيت ~~المال، وسمع الكثير. وتوفي قاضي الإسكندرية فخر الدين أبو العباس محمد بن ~~أحمد بن عبد الله الشهير بابن المخلطة في يوم الجمعة سابع شهر رجب. ولي ~~قضاء الإسكندرية أشهرا، بعد أن كان درس بالقاهرة بمدرسة الصرغتمشية: درس ~~الحديث. وكان فاضلا عارفا بالأصول، وله سماع. وتولى بعده قضاء الإسكندرية ~~بابن التنسي. وتوفي ملك الغرب أبو عنان فارس ابن السلطان أبي الحسن علي بن ~~السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق بن محيو بن حمامة المريني المغربي ~~بمدينة فاس، بعد أن حكم خمس سنين، وكان مشكور السيرة. رحمه الله. وتوفي ~~الشريف مانع بن علي بن مسعود بن جماز بن شيحة الحسيني، أمير المدينة بها. ~~وتولى المدينة الشريفة بعده ابن عمه فضل بن القاسم في ذي القعدة. وتوفي ~~الأمير سيف بن فضل بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة ابن عصية في ~~ذي القعدة؛ وكان جوادا شجاعا. ولي إمرة آل فضل غير مرة. وقيل إنه قتل سنة ~~ستين وهو الأصح. وتوفي الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن عيسى بن حسن بن كر ~~الحنبلي، إمام أهل الموسيقى؛ وله فيها تآليف ms2197 حسنة، ويتصل نسبه إلى الخليفة ~~مروان بن محمد الحمار. وكان صوفيا فقيها، وله زاوية عند مشهد الحسين ~~بالقاهرة. ومولده في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وستمائة بالقاهرة. ~~وكان فاضلا، قرأ القرآن على الشطنوفي، وحفظ " الأحكام " لعبد الغني و " ~~العمدة في الفقه " للشيخ موفق الدين، " والملحة " للحريري، وسمع على أشياخ ~~عصره مثل الدمياطي والابرقوهي وغيرهما، وصنف كتابا في الموسيقى سماه: " ~~غاية المطلوب، في فن الأنغام والضروب " وقد أوضحنا أمره وما يتعلق بفنه ~~الموسيقي في المنهل الصافي، إذ هو محل الاستيعاب. وتوفي الأمير الطواشي صفي ~~الدين جوهر بن عبد الله الجناحي البتخاصي، مقدم المماليك السلطانية، وقد ~~قارب المائة سنة من العمر. وكان من أعيان الخدام وأماثلهم. وتوفي الأمير ~~سيف الدين تنكزبغا بن عبد الله المارديني أمير مجلس وزوج أخت السلطان حسن. ~~كان من أكابر الأمراء بالديار المصرية، لا سيما في دولة الناصر حسن. وكان ~~عاقلا مدبرا سيوسا. وتوفي الشيخ شمس الدين أبو عبد الله صمد بن إبراهيم بن ~~داود بن الهكاري الكردي الشافعي بدمشق في ذي القعدة. ومولده سنة خمس ~~وثمانين وستمائة. وكان فقيها فاضلا. وتوفي الأمير سيف الدين ملكتمر بن عبد ~~الله السعدي في ذي القعدة بحماة بطالا بعد أن ولي عدة وظائف وتنقل في عدة ~~ولايات. رحمه الله تعالى. PageV03P0185 # أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربع أذرع وثماني أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبع عشرة ذراعا سواء. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الناصر حسن الثانية # وهي سنة ستين وسبعمائة. فيها توفي قاضي القضاة تقي الدين أبو عبد الله ~~محمد بن شهاب الدين أحمد ابن شاش المالكي، قاضي قضاة الديار المصرية، في ~~يوم الأربعاء رابع شوال، ودفن بالقرافة. وكان إماما بارعا في مذهبه، أفتى ~~ودرس وناب في الحكم، ثم آستقل بالقضاء، وكان مشكور السيرة، من علم وفضل. ~~رحمه الله. توفي قاضي قضاة حماة تقي الدين أبو المظفر محمود بن بدر الدين ~~محمد بن عبد السلام بن عثمان القيسي الحنفي الحموي، الشهير بابن الحكيم. ~~باشر قضاء حماة تسع عشرة سنة، وحمدت سيرته؛ ms2198 ومات بمنزلة ذات الحج من ~~الحجاز، وقد جاوز ستين سنة. وكان عالما زاهدا ورعا. وتوفي الشيخ الإمام ~~العالم العلامة شيخ الإسلام وقطب الوجود أبو البقاء، وقيل أبو الوفاء، خليل ~~بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر المالكي المالقي ثم المكي، العالم المشهور، ~~صاحب التصانيف في مذهبه، بمكة المشرفة بعد أن انتهت إليه رياسة مذهبه، ولم ~~يخفف بعده مثله. وتوفي القاضي جمال الدين إبراهيم ابن العلامة شهاب الدين ~~محمود بن سليمان ابن فهد الحلبي الحنبلي بحلب عن أربع وثمانين سنة. وكان ~~فاضلا كاتبا ماهرا في صناعته. كتب في ديوان الإنشاء بمصر، وولي كتابة سر ~~حلب ثلاث مرات نيفا وعشرين سنة، وحدث عن جماعة من حفاظ الديار المصرية ~~والإسكندرية. وكان عارفا بالاصطلاح والكتابة، وله نظم ونثر. ومن شعره ما ~~كتبه لوالده متشوقا بقوله: هل زمن ولى بكم عائد ... أم هل ترى يرجع عيش مضى ~~فارقتكم بالرغم مني ولم ... أختره لكني أطعت القضا قلت: لو كانت وظيفته ~~قضاء حلب كان في قوله: " أطعت القضا " تورية. جوادا ممدحا. وفيه يقول ~~البارع جمال الدين محمد بن نباتة المصري قصيدته المشهورة التي أولها: ~~أجيراننا حيا الربيع دياركم ... أو إن لم يكن فيها لطرفي مربع وتوفي القاضي ~~تاج الدين أحمد بن يحيى بن محمد بن علي أبي القاسم بن علي بن أبي الفضل ~~العذري الدمشقي الحنفي، المعروف بابن السكاكري. كان عارفا بعلل المكاتيب ~~الحكيمة، خبيرا بسلوك طرائفها العلمية والعملية. وكتب الحكم والإنشاء بحلب ~~ومات عن خمس وستين سنة رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير عز الدين طقطاي بن ~~عبد الله الصالحي الدوادار بطرابلس بضع وأربعين سنة معتقلا. وكان أميرا ~~فاضلا جليلا رئيسا. وفيه يقول الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي تغمده ~~الله برحمته: هذا الدوادار الذي أقلامه ... تذر المهارق مثل روض نافح تجري ~~بأرزاق الورى فمدادها ... وبل تحدر من غمام سافح أستغفر الله العظيم غلطت ~~بل ... نهر جرى من لج بحر طافح وإذا تكون كريهة فيمينه ... تسطو بحد أسنة ~~وصفائح يا فخر دهر قد حواه فإنه ... عز ms2199 لمولانا المليك الصالح وتوفي الخان ~~جانبك خان بن أزبك خان صاحب كرسي سراي وبلاد الدشت بها، بعد أن حكم ثماني ~~عشرة سنة. ونسبه يتصل لجنكزخان، وتولى بعده الملك ابنه بردبك خان والله ~~أعلم بالصواب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وثلاث عشرة ~~إصبعا. مبلغ الزيادة تسع عشرة ذراعا وثلاث أصابع. وقيل أربعة أصابع من غير ~~زيادة، والله سبحانه أعلم بالصواب. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الناصر حسن الثانية # وهي سنة إحدى وستين وسبعمائة. فيها توفي الشيخ الإمام العالم العلامة ~~جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاري الحنبلي ~~النحوي في ليلة الخامس من ذي القعدة، ودفن بعد صلاة الجمعة بمقابر الصوفية ~~خارج باب النصر من القاهرة. وكان بارعا في عدة علوم، لا سيما العربية فإنه ~~كان فارسها ومالك زمامها، وهو صاحب الشرح على ألفية ابن مالك في النحو ~~المسمى " بالتوضيح " ، وشرح أيضا " البردة " وشرح " بانت سعاد " وكتاب " ~~المغني " وغير ذلك؛ ومات عن بضع وخمسين سنة. وكان أولا حنفيا ثم استقر ~~حنبليا وتنزل في دروس الحنابلة. PageV03P0186 # وتوفي قاضي القضاة صدر الدين أبو الربيع سليمان بن داود بن سليمان بن ~~محمد بن عبد الحق الدمشقي الحنفي باليمن عن ثلاث وستين سنة. وكان إماما ~~بارعا مفتنا. أفتى ودرس بدمشق، وباشر بها عدة وظائف، منها: كتابة الإنشاء، ~~والنظر في الأحكام؛ ورحل إلى العراق وخراسان ومصر والحجاز واليمن. وكان له ~~شعر جيد، من ذلك قوله: لما بدا في خده عارض ... وشاق قلبي نبته الأخضر أمطر ~~أجفاني مستمطرا ... فقلت هذا عارض ممطر وتوفي الشيخ الإمام الحافظ صلاح ~~الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي الدمشقي الشافعي. كان إماما حافظا ~~رحالا عارفا بمذهبه. سمع بالشام ومصر والحجاز، وتقدم في علم الحديث، وجمع ~~وألف وصنف ودرس بالصلاحية والتنكزية بالقدس، وكانت وفاته في المحرم من هذه ~~السنة. وقال الإسنوي: سنة ستين. ومولده بدمشق في سنة أربع وتسعين وستمائة. ~~وتوفي القاضي ضياء الدين أبو المحاسن يوسف بن أبي بكر بن محمد، الشهير ms2200 بابن ~~خطيب بيت الآبار الدمشقي. مات بالقاهرة عن نيف وسبعين سنة. وكان مقدما في ~~الدولة الناصرية، وباشر الحسبة ونظر الأوقاف وغيرهما. وتوفي الشيخ تقي ~~الدين إبراهيم ابن الشيخ بدر الدين محمد بن ناهض بن سالم بن نصر الله ~~الحلبي، الشهير بابن الضرير، بحلب عن بضع وستين سنة. وكان فقيها بارعا. سمع ~~الحديث وجمع وحصل وكتب كثيرا من الإنشاء والعلم والأدب. وتوفي الشريف زين ~~الدين أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن علي محمد بن علي الحسيني الحلبي، ~~نقيب الأشراف بحلب. كان رئيسا نبيلا من بيت رياسة وشرف. رحمه الله تعالى. ~~وتوفي الشيخ شرف الدين موسى بن كجك الإسرائيلي الطبيب في شوال. وكان بارعا ~~في الطب، مشاركا في غيره. وتوفي الشيخ الإمام الخطيب شهاب الدين أبو العباس ~~أحمد ابن القسطلاني، خطيب جامع عمرو - رحمه الله - بمصر القديمة في ذي ~~الحجة. وكان دينا خيرا، من بيت فضل وخطابة، وقد تقدم ذكر جماعة من آبائه ~~وأقاربه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم اثنتا عشرة ذراعا سواء. ~~مبلغ الزيادة أربع وعشرون ذراعا. قاله غير واحد. وخربت أماكن كثيرة من عظم ~~زيادة النيل. والله أعلم. /سلطنة المنصور محمد السلطان الملك المنصور، أبو ~~المعالي، ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المظفر حاجي ابن السلطان الملك ~~الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون المنصوري، الحادي والعشرون ~~من ملوك الترك بالديار المصرية. جلس على تخت الملك صبيحة قبض على عمه الملك ~~الناصر حسن، وهو يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ~~وسبعمائة، وكان عمره يومئذ نحوا من أربع عشرة سنة، بعد أن اجتمع الخليفة ~~المعتضد بالله والقضاة والأعيان. ثم فوض عليه خلعة السلطنة، وهو التشريف ~~الخليفتي، في يوم الخميس عاشر الشهر المذكور، ولقبوه الملك المنصور، وحلفت ~~له الأمراء على العادة. وركب من باب الستارة من قلعة الجبل إلى الإيوان ~~وعمره ست عشرة سنة. قاله العيني. والأصح ما قلناه. ثم خلع على الأمير يلبغا ~~العمري الناصري الخاصكي وصار مدبر مملكته، ويشاركه في ذلك خشداشه الأمير ~~طيبغا ms2201 الطويل، على أن كلا منهما لا يخالف الآخر في أمر من الأمور. ثم خلع ~~على الأمير قطلوبغا الأحمدي واستقر رأس نوبة الثوب. وخلع على قشتمر ~~المنصوري بنيابة السلطنة بالديار المصرية ونظر البيمارستان المنصوري عوضا ~~عن الأمير اقتمر عبد الغني، وخلع على الشريف عز الدين عجلان بإمرة مكة على ~~عادته. ثم كتب بالإفراج عن جماعة من الأمراء من الحبوس وهم الأمير جركتمر ~~المارديني، وطشتمر القاسمي، وقطلوبغا المنصوري. وخلع على طشتمر القاسمي ~~بنيابة الكرك من يومه، وعلى ملكتمر المحمدي بنيابة صفد، ونفى أطقتمر ~~المؤمني إلى أسوان، وخلع على الأمير ألجاي اليوسفي حاجب الحجاب واستقر أمير ~~جاندار، وأفرج عن الأمير طاز اليوسفي الناصري من اعتقاله بثغر الإسكندرية ~~بعد أن حبس بها ثلاث سنين وزيادة، وكان السلطان الملك الناصر حسن قد أكحله، ~~وأفرج أيضا عن أخوي طاز: الأمير جنتمر وكلتاي، وعن قرابغا وحضروا الجميع ~~إلى بين يدي السلطان، وحضر طاز، وعلى عينيه شعرية، فأخلع عليه، وسأل أن ~~يقيم بالقدس، فأجيب، وسافر إلى القدس وأقام به إلى أن مات، على ما سيأتي ~~ذكره إن شاء الله تعالى. PageV03P0187 # ولما بلغ خبر قتل الملك الناصر حسن إلى الشأم عظم ذلك على بيدمر نائب ~~الشأم وخرج عن الطاعة في شعبان سنة اثنتين وستين وسبعمائة وعصى معه أسندمر ~~الزيني، ومنجك اليوسفي، وحصنوا قلعة دمشق. فلما بلغ ذلك يلبغا العمري ~~استشار الأمراء في أمرهم، فاتفقوا على خروج السلطان إلى البلاد الشامية. ~~وتجهز يلبغا، وجهز السلطان الملك المنصور إلى السفر، وأنفق في الأمراء ~~والعساكر. وخرج السلطان ويلبغا بالعساكر المصرية إلى الريدانية في أواخر ~~شعبان. ثم رحل الأمير يلبغا جاليش العسكر في يوم الاثنين مستهل شهر رمضان. ~~ورحل السلطان الملك المنصور في يوم الثلاثاء، الثاني منه، ببقية العساكر ~~وساروا حتى وصلوا دمشق في السابع والعشرين من شهر رمضان المذكور، فتحصن ~~الأمراء المذكورون بمن معهم في قلعة دمشق، فلم يقاتلهم يلبغا، وسير إليهم ~~في الصلح. وترددت الرسل إليهم، وكان الرسل قضاة الشام، حتى حلف لهم يلبغا ~~أنه لا يؤذيهم وأمنهم، فنزلوا حينئذ إليه، ms2202 فحال وقع بصره عليهم أمر بهم، ~~فقبضوا وقيدوا، وحملهم إلى الإسكندرية إلى الاعتقال بها. وخلع يلبغا على ~~أمير علي المارديني بنيابة دمشق على عادته أولا - وهذه ولاية أمير علي ~~الثالثة على دمشق - وتولى الأمير قطلوبغا الأحمدي رأس نوبة نيابة حلب عوضا ~~عن الأمير شهاب الدين أحمد بن القشتمري. وأقام السلطان ويلبغا مدة أيام، ~~ومهد يلبغا أمور البلاد الشامية حتى استوثق له الأمر. ثم عاد إلى جهة ~~الديار المصرية وصحبته الملك المنصور والعساكر حتى وصل إليها في ذي القعدة ~~من سنة اثنتين وستين وسبعمائة. وصار الأمر جميعه ليلبغا. وأخذ يلبغا في عزل ~~من اختار عزله وتولية من اختاره، فأخلع على الطواشي سابق الدين مثقال ~~الآنوكي زمام الدار، واستقر في تقدمة المماليك السلطانية عوضا عن الطواشي ~~شرف الدين مخلص الموفقي. ثم في شهر رجب استقر الأمير طغيتمر النظامي حاجب ~~الحجاب بالديار المصرية، وكانت شاغرة منذ ولي ألجاي اليوسفي أمير جاندار . ~~ثم في شعبان استقر الأمير قطلقتمر العلائي الجاشنكير أمير مائة ومقدم ألف ~~بديار مصر. ثم في شوال أخلع على الأمير إشقتمر المارديني أمير مجلس بنيابة ~~طرابلس، واستقر طغيتمر النظامي عوضه أمير مجلس، واستقر الأمير أسنبغا الأبو ~~بكري حاجب الحجاب عوضا عن طغيتمر النظامي. ثم أخلع على الأمير عز الدين ~~أيدمر الشيخي بنيابة حماة، ثم استقر الأمير منكلي بغا الشمسي في نيابة حلب ~~عوضا عن قطلوبغا الأحمدي بحكم وفاته. ثم أمسك الأمير. شرف الدين موسى بن ~~الأزكشي الأستادار ونفي إلى حماة واستقر عوضه في الأستادارية أروس ~~المحمودي. ثم تزوج الأمير الكبير يلبغا بطولوبيه زوجة أستاذه الملك الناصر ~~حسن. وفي هذه السنة بويع المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بالخلافة بعد ~~وفاة أبيه المعتضد بالله أبي بكر بعهد من أبيه في يوم الأربعاء ثامن عشر ~~جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة. ثم أشيع في هذه السنة عن السلطان ~~الملك المنصور محمد أمور شنعة نفرت قلوب الأمراء منه. واتفقوا على خلعه من ~~السلطنة، فخلع في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة. ms2203 ~~وتسلطن بعده ابن عمه الملك الأشرف شعبان بن حسين. وحسين المذكور لم يتسلطن، ~~غير أنه كان لقب بالأمجد من غير سلطنة. وأخذوا الملك المنصور محمدا وحبسوه ~~داخل الدور السلطانية بقلعة الجبل. وكانت مدة سلطنته سنتين وثلاثة أشهر ~~وستة أيام، وليس له فيها من السلطنة إلا مجرد الاسم فقط. والأتابك يلبغا هو ~~المتصرف في سائر أمور المملكة. وسبب خلعه - والذي أشيع عنه - أنه بلغ ~~الأتابك يلبغا أنه كان يدخل بين نساء الأمراء ويمزح معهن، وأنه كان يعمل ~~مكاريا للجواري ويركبهن ويجري هو وراء الحمار بالحوش السلطاني، وأنه كان ~~يأخذ زنبيلا فيه كعك ويدخل بين النساء ويبيع ذلك الكعك عليهن على سبيل ~~المماجنة، وأنه يفسق في حريم الناس، ويخل بالصلوات، وأنه يجلس على كرسي ~~الملك جنبا، وأشياء غير ذلك . فاتفق الأمراء عند ذلك على خلعه، فخلعوه، وهم ~~يلبغا العمري الخاصكي وطيبغا الطويل وأرغون الإسعردي وأرغون الأشرفي وطيبغا ~~العلائي وألجاي اليوسفي وأروس المحمودي وطيدمر البالسي وقطلوبغا المنصوري، ~~وغيرهم من المقدمين والطبلخانات والعشروات. PageV03P0188 # واستمر الملك المنصور محبوسا بالحور السلطانية من القلعة إلى أن مات بها ~~في ليلة السبت تاسع المحرم من سنة إحدى وثمانمائة. وزوج الملك الظاهر برقوق ~~الوالد بابنته خوند فاطمة في حياة والدها الملك المنصور المذكور، واستولدها ~~الوالد عدة أولاد، وماتت تحته في سنة أربع وثمانمائة. ولما مات الملك ~~المنصور صلى عليه الملك الظاهر برقوق بالحوش السلطاني من القلعة، ودفن ~~بتربة جدته أم أبيه بالروضة خارج باب المحروق بالقرب من الصحراء. وكان محبا ~~للهو والطرب راضيا بما هو فيه من العيش الطيب. وكان له مغان عدة، جوقة ~~كاملة زيادة على عشر جوار يعرفن بمغاني المنصور، استخدمهن الوالد بعد موته. ~~وكانت العادة تلك الأيام أن كل سلطان أو ملك يكون له خوقة من المغاني عنده ~~في داره. ولم يخلف الملك المنصور مالا له صورة، وخلف عدة أولاد ذكور وإناث. ~~رأيت أنا جماعة منهم. انتهى والله أعلم. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة المنصور محمد # ابن الملك المظفر حاجي على مصر وهي سنة اثنتين وستين ms2204 وسبعمائة، ومدبر ~~الممالك يلبغا العمري. على أن الملك الناصر حسنا حكم منها إلى تاسع جمادى ~~الأولى، ثم حكم في باقيها الملك المنصور هذا. فيها كان خلع الملك الناصر ~~حسن وقتله، حسب ما تقدم، وسلطنة الملك المنصور هذا. وفيها توفي الأديب شمس ~~الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد، المعروف بابن أبي طرطور، الشاعر ~~المشهور، بحماة عن بضع وسبعين سنة. وكان - رحمه الله - شاعرا ماهرا حسن ~~العشرة. مدح الأكابر والأعيان، ورحل إلى الشام، ثم استوطن حماة إلى أن مات. ~~رحمه الله. ومن شعره في مليح اسمه يعقوب، وهو هذا: الرمل، يا مليحا حاز ~~وجها حسنا ... أورث الصب البكا والحزنا غلطوا في اسمك إذ نادوا به ... يوسف ~~أنت ويعقوب أنا وتوفي الحافظ المفتن علاء الدين أبو عبد الله مغلطاي بن ~~قليج بن عبد الله البكجري الحنفي الحافظ المصنف المحدث المشهور في شعبان، ~~ومولده سنة تسعين وستمائة، قاله ابن رافع، وغيره في سنة تسع وثمانين. وسمع ~~من التاج أحمد ابن دقيق العيد وابن الطباخ والحسن بن عمر الكردي، وأكثر عن ~~شيوخ عصره. وتخرج بالحافظ فتح الدين ابن سيد الناس وغيره، ورحل وكتب وصنف، ~~وشرح صحيح البخاري، ورتب صحيح ابن حبان، وشرح سنن أبي داود ولم يكمله، وذيل ~~على المشتبه لابن نقطة، وذيل على كتاب الضعفاء لابن الجوزي وله عدة مصنفات ~~أخر. وكان له اطلاع بر وباع واسع في الحديث وعلومه، وله مشاركة في فنون ~~عديدة. تغمده الله برحمته. وتوفي الشيخ الإمام البارع المحدث العلامة جمال ~~الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي في الحادي والعشرين من المحرم. وكان ~~- رحمه الله - فاضلا بارعا في الفقه والأصول والحديث والنحو والعربية وغير ~~ذلك. وصنف وكتب وأفتى ودرس، وخرج أحاديث الكشاف في جزء، وأحاديث الهداية في ~~الفقه على مذهب أبي حنيفة في أجزاء وأجاد، أظهر فيه على اطلاع كبير وباع ~~واسع. رحمه الله تعالى. وتوفي السيد الشريف شهاب الدين حسين بن محمد بن ~~الحسين بن محمد بن الحسين بن زيد الحسيني المصري الشافعي، الشهير بابن ms2205 قاضي ~~العسكر، نقيب الأشراف بالديار المصرية عن أربع وستين سنة. وكان كاتبا بارعا ~~أديبا بليغا. كتب الإنشاء بمصر، وباشر كتابة السر بحلب، وله ديوان خطب ~~وتعاليق ونظم ونثر. ومن شعره قوله: المتقارب، تلق الأمور بصبر جميل ... ~~وصدر رحيب وخل الحرج وسلم إلى الله في حكمه ... فإما الممات وإما الفرج ~~وتوفي القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الوهاب بن خلف بن بدر، ~~المعروف بابن بنت الأعز العلامي، الفقيه الشافعي في يوم الخميس ثامن عشر ~~شهر ربيع الآخر. وكان فقيها بارعا فاضلا. ولي نظر الأحباس بالقاهرة ووكالة ~~بيت المال وعدة وظائف دينية - رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين ~~بلبان بن عبد الله السناني الناصري الأستادار وأحد أمراء المقدمين ~~بالقاهرة. وكان من أعيان أمراء الديار المصرية، وفيه شجاعة ومروءة وكرم. ~~تغمده الله برحمته. PageV03P0189 # وتوفي القاضي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عيسى بن محمد بن ~~عبد الوهاب بن ذؤيب الآمدي الدمشقي الشافعي، المعروف بابن قاضي شهبة، رحمه ~~الله. كان إماما بارعا أديبا ماهرا. باشر الخطابة بمدينة غزة سنين، ثم كتب ~~الإنشاء بدمشق، وكان له نظم ونثر وخطب. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن مجد ~~الدين عيسى بن محمود بن عبد اللطيف البعلبكي، المعروف بابن المجد الموسوي ~~في سلخ صفر. وكان فقيها فاضلا، إلا أنه كان غلب عليه الوسواس، حتى إنه كان ~~في بعض الأحيان يتوضأ من فسقية الصالحية ببين القصرين، فلا يزال به وسواسه ~~حتى يلقي نفسه في الماء بثيابه. وتوفي الفقيه الكاتب المنشئ كمال الدين أبو ~~عبد الله محمد بن شرف الدين أحمد بن يعقوب بن فضل بن طرخان الزينبي الجعفري ~~العباسي الدمشقي الشافعي بضواحي القاهرة. كان معدودا من الرؤساء الفضلاء ~~الأدباء. وتوفي الشيخ المعمر المعتقد أبو العباس أحمد بن موسى الزرعي ~~الحنبلي، أحد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، في المحرم بمدينة حبراص ~~من الشأم. وكان قويا في ذات الله جريئا على الملوك والسلاطين. أبطل عدة ~~مكوس ومظالم كثيرة، وقدم إلى القاهرة أيام الملك الناصر محمد ms2206 بن قلاوون وله ~~معه أمور يطول شرحها. وكان يخاطب الملوك كما يخاطب بعض الحرافيش، وله على ~~ذلك قوة وشدة بأس. رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين برناق بن عبد ~~الله، نائب قلعة دمشق بها في شعبان. وكان مشكور السيرة في ولايته. وتوفي ~~قاضي الكرك محي الدين أبو زكريا يحيى بن عمر الزكي الشافعي - رحمه الله - ~~في أوائل ذي القعدة وهو معزول. وتوفي قتيلا صاحب فاس من بلاد المغرب ~~السلطان أبو سالم إبراهيم ابن السلطان أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن ~~عبد الحق المريني في ليلة الأربعاء ثامن عشر ذي القعدة - رحمه الله تعالى - ~~وكان من أجل ملوك الغرب. وتوفي الخواجا عز الدين حسين بن داود بن عبد السيد ~~بن علوان السلامي التاجر في شهر رجب بدمشق، وقد حدث، وكان مثريا، وخلف مالا ~~كبيرا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع واثنتا عشرة إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ثماني عشرة ذراعا وعشر أصابع. والله أعلم. ؟ ### || AUT السنة الثانية من سلطنة المنصور محمد # ابن الملك المظفر حاجي على مصر وهي سنة ثلاث وستين وسبعمائة. فيها توفي ~~الشيخ الإمام العالم الخطيب شمس الدين أبو أمامة محمد بن علي بن عبد الواحد ~~بن يحيى بن عبد الرحيم الدكالي المصري الشافعي، الشهير بابن النقاش - رحمه ~~الله تعالى - في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع الأول، ودفن آخر النهار ~~بالقرب من باب البرقية خارج القاهرة عن ثلاث وأربعين سنة. وكان إماما بارعا ~~فصيحا مفوها، وله نظم ونثر ومواعيد. وخطب بجامع أصلم، ودرس به وبالآنوكية ، ~~وعمل عدة مواعيد بالقاهرة والقدس والشام، واتصل بالملك الناصر حسن وحظي ~~عنده. وهو الذي كان سببا لخراب بيت الهرماس الذي كان عمره في زيادة جامع ~~الحاكم وساعده في ذلك العلامة قاضي القضاة سراج الدين الهندي الحنفي. وكان ~~له نظم ونثر وخطب، ومن شعره قصيدته التي أولها: الكامل، طرقت وقد نامت عيون ~~الحسد ... وتوارت الرقباء غير الفرقد وتوفي قاضي القضاة تاج الدين أبو عبد ~~الله محمد ابن القاضي علم الدين ms2207 محمد بن أبي بكر عيسى بن بمران السعدي ~~الإخنائي المالكي - رحمه الله - بالقاهرة. وكان فقيها فاضلا رئيسا ولي نظر ~~الخزانة السلطانية، ثم باشر الأحكام الشرعية إلى أن مات. PageV03P0190 # وتوفي الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله، أبو الفتح ثم أبو بكر، ابن ~~الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان ابن الخليفة الحاكم بأمر الله ~~أبي العباس أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن حسن ابن الخليفة الراشد ~~بالله منصور ابن الخليفة المسترشد بالله الفضل ابن الخليفة المستظهر بالله ~~أحمد ابن الخليفة المقتدي بالله عبيد الله ابن الأمير ذخيرة الدين محمد ابن ~~الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن الخليفة القادر بالله أحمد ابن ~~الأمير إسحاق ابن الخليفة المقتدر بالله جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله ~~أحمد ابن الأمير الموفق طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن ~~الخليفة المعتصم بالله محمد ابن الخليقة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة ~~المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد ~~الله بن عباس العباسي الهاشمي المصري - رحمه الله - بالقاهرة في ليلة ~~الأربعاء ثامن عشر شهر جمادى الأولى، وعهد بالخلافة لولده من بعده المتوكل ~~محمد. وتوفي الأمير سيف الدين طاز بن عبد الله الناصري، المقدم ذكره في عدة ~~أماكن من تراجم أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون، وهو بطال بالقدس. وكان ~~من خواص الملك الناصر محمد، ثم ترقى بعد موته إلى أن صار مدبر الديار ~~المصرية. ثم ولي نيابة حلب بعد أمور وقعت له، ثم قبض عليه وحبس وسمل، إلى ~~أن أطلقه يلبغا في أوائل سلطنة الملك المنصور محمد هذا وأرسله إلى القدس ~~بطالا فمات به. وكان من الشجعان. وتوفي القاضي أمين الدين محمد بن جمال ~~الدين أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله، المعروف بابن القلانسي التميمي ~~الدمشقي بها. كان أحد أعيان دمشق، معدودا من الرؤساء. باشر بها عدة وظائف، ~~ثم ولي كتابة سر دمشق أخيرا. وكان فاضلا كاتبا. وتوفي القاضي ناصر الدين ~~محمد ابن الصاحب شرف الدين ms2208 يعقوب بن عبد الكريم الحلبي الشافعي، كاتب سر ~~حلب ثم دمشق. ولد سنة سبع وسبعمائة بحلب ونشأ بها، وبرع في عدة علوم، وأذن ~~له بالإفتاء والتدريس. وولي كتابة السر والإنشاء بحلب عوضا عن القاضي شهاب ~~الدين ابن القطب، وأضيف إليه قضاء العسكر بها. ثم نقل إلى كتابة سر دمشق ~~بعد وفاة تاج الدين بن الزين خضر. وكان ساكنا محتملا مداريا كثير الإحسان ~~إلى الفقراء. وكان يكتب خطا حسنا، وله نظم ونثر جيد إلى الغاية. وكان ~~مستحضرا للفقه وأصوله وقواعد أصول الدين والمعاني والبيان والهيئة والطب. ~~ومن شعره رحمه الله: الرمل، وكأن القطر في ساجي الدجى ... لؤلؤ رصع ثوبا ~~أسودا فإذا جادت على الأرض غدا ... فضة تشرق مع بعد المدى وتوفي الأمير سيف ~~الدين أينبك بن عبد الله، أخو الأمير بكتمر الساقي. وكان من جملة أمراء ~~الطبلخانات. وتوفي الأمير الطواشي صفي الدين جوهر الزمردي بقوص في شعبان. ~~وكان من أعيان الخدام، وله رياسة ضخمة. وتوفي الشيخ الإمام العالم شمس ~~الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الدمشقي الحنبلي بدمشق في شهر رجب. ~~وكان فقيها بارعا مصنفا. صنف كتاب الفروع وهو مفيد جدا، وغيره. وتوفي الشيخ ~~المعتقد فتح اللين يحيى بن عبد الله بن مروان الفارقي الأصل الدمشقي ~~الشافعي في شهر ربيع الأول بدمشق، ومولده بالقاهرة في سنة اثنتين وسبعين ~~وستمائة. رحمه الله تعالى. وكان صالحا عالما صوفيا. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ست أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة المنصور محمد # على مصر وهي سنة أربع وستين وسبعمائة. وهي التي خلع فيها الملك المنصور ~~المذكور بابن عمه الأشرف شعبان بن حسين في شعبان منها. فيها كان الطاعون ~~بالديار المصرية والبلاد الشامية ومات فيه خلق كثير، لكنه كان على كل حال ~~أخف من الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة المقدم ذكره. ~~وفيها توفي الشيخ عماد الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي بن عمر ~~القرشي الإسنائي الشافعي ms2209 في ثامن عشرين جمادى الآخرة ودفن خارج باب النصر ~~من القاهرة. كان إماما عالما مفتيا مدرسا. وتوفي الشيخ سراج الدين، أبو ~~حفص، عمر بن شرف الدين عيسى بن عمر الباريني الشافعي الحلبي بحلب عن ثلاث ~~وستين سنة. وكان من الفقهاء الأفاضل رحمه الله. PageV03P0191 # وتوفي القاضي كمال الدين، أبو العباس، أحمد ابن القاضي تاج الدين محمد بن ~~أحمد بن محمد بن عبد القادر بن هبة الله بن عبد القادر بن عبد الواحد بن ~~هبة الله بن طاهر بن يوسف الحلبي، الشهير بابن النصيبي، بحلب عن تسع وستين ~~سنة. كان كاتبا بارعا. سمع الحديث وحدث، وعلق بخطه كثيرا، وباشر كتابة ~~الإنشاء بحلب، ثم ترك ذلك كله ولزم العزلة إلى أن مات. وتوفي الصاحب تقي ~~الدين سليمان بن علاء الدين علي بن عبد الرحيم بن أبي سالم بن مراجل ~~الدمشقي بدمشق وهو من أبناء الثمانين. وكان كاتبا رئيسا. ولي نظر الدولة ~~بمصر، ثم ولي وزارة دمشق ونظر قلعتها وغير ذلك من الوظائف، ونقل في عدة ~~خدم، ومن إنشاده لوالده: الطويل، أ أحبابنا شوقي إليكم مضاعف ... وذكركم ~~عندي مع البعد وافر وقلبي لما غبتم طار نحوكم ... وأعجب شيء واقع وهو طائر ~~وتوفي القاضي شمس الدين عبد الله بن شرف الدين يوسف بن عبد الله بن يوسف بن ~~أبي السفاح الحلبي بالقاهرة عن نيف وخمسين سنة، رحمه الله. كان جليلا، باشر ~~كتابة الإنشاء بحلب وعدة من الوظائف الديوانية، وتنقل في الخدم. وقال في ~~مرض موته: مجزوء الخفيف، إن قضى الله موتتي ... وفراقي أحبتي فعليهم تأسفي ~~... وإليهم تلفتي أو يكن حان مصرعي ... وتدانت منيتي رحم الله مسلما ... ~~زار قبري وحفرتي وتوفي الشيخ الإمام البارع الأديب المفتن صلاح الدين، أبو ~~الصفاء، خليل أبن الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الألبكي الصفدي الشاعر ~~المشهور بدمشق في ليلة الأحد عاشر شوال. ومولده سنة ست وتسعين وستمائة. ~~وكان إماما بارعا كاتبا ناظما ناثرا شاعرا. وديوان شعره مشهور بأيدي الناس، ~~وهو من المكثرين. وله مصنفات كثيرة في التاريخ والأدب والبديع ms2210 وغير ذلك ~~وتاريخه المسمى: الوافي بالوفيات، في غاية الحسن، وقفت عليه وانتقيته ونقلت ~~منه أشياء كثيرة في هذا المؤلف وفي غيره. وله تاريخ آخر أصغر من هذا سفاه ~~أعوان النصر في أعيان العصر في عدة مجلدات. وقد استوعبنا من أحواله وشعره ~~ومكاتباته نبذة كبيرة في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد ~~الوافي. وتسميتي للتاريخ المذكور والمستوفى بعد الوافي، إشارة لتاريخ الشيخ ~~صلاح الدين هذا، لأنه سمى تاريخه: الوافي بالوفيات، إشارة على تاريخ ابن ~~خلكان أنه يوفي بما أخل به ابن خلكان، فلم يحصل له ذلك، وسكت هو أيضا عن ~~خلائق، فخشيت أنا أيضا أن أقول: والمستوفى على الوافي، فيقع لي كما وقع له، ~~فقلت: والمستوفى بعد الوافي. انتهى. قلت: وقد خرجنا عن المقصود ولنعد ~~لترجمة الشيخ صلاح الدين ونذكر من مقطعاته ما تعرف به طبقته بين الشعراء ~~على سبيل الاختصار. فمن شعره بسندنا إليه : أنشدنا مسند عصره ابن الفرات ~~الحنفي إجازة، أنشدنا الشيخ صلاح الدين خليل الصفدي إجازة: السريع، المقلة ~~السوداء أجفانها ... ترشق في وسط فؤادي نبال وتقطع الطرق على سلوتي ... حتى ~~حسبنا في السويدا رجال قال - وله أيضا - رحمه الله تعالى: الوافر، محياه له ~~حسن بديع ... غدا روض الخدود به مزهر وعارضه رأى تلك الحواشي ... مذهبة ~~فزمكها وشعر وله عفا الله عنه: خلع البسيط، بسهم ألحاظه رماني ... فذبت من ~~هجره وبينه إن مت ما لي سواه خصم ... فإنه قاتلي بعينه وقال: المتقارب، ~~كؤوس المدام تحب الصفا ... فكن لتصاويرها مبطلا ودعها سواذج من نقشها ... ~~فأحسن ما ذهبت بالطلا وله: الطويل، أقول له ما كان خدك هكذا ... ولا الصدغ ~~حتى سال في الشفق الدجى فمن أين هذا الحسن والظرف قال لي ... تفتح وردي ~~والعذار تخرجا وله: الكامل، أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه كل ~~معنى شارد وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فأبى وراح تغزلي في البارد وله: ~~المنسرح، أفديه ساجي الجفون حين رنا ... أصاب مني الحشا بسهمين أعدمني ~~الرشد في هواه ولا ... أفلح شيء يصاب بالعين PageV03P0192 # وله: مخلع البسيط، ms2211 سألتم عن منام عيني ... وقد براه جفا وبين والنوم قد ~~غاب حين غبتم ... ولم تقع لي عليه عين وتوفي الأمير بدر الدين حسين، ~~المنعوت بالملك الأمجد، ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك ~~المنصور قلاوون بالقلعة في ليلة السبت رابع شهر ربيع الآخر. وهو آخر من بقي ~~من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون من الذكور، وهو والد السلطان الملك ~~الأشرف شعبان بن حسين، وموته قبل سلطنة ولده الأشرف بنحو خمسة شهور وأيام، ~~ولو عاش لما كان يعدل عنه يلبغا إلى غيره. وكان حسين هذا حريصا على السلطنة ~~فلم ينلها دون إخوته، على أنه كان أمثل إخوته. وتوفي الأمير سيف الدين ~~بزدار الخليلي أمير شكار أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية بها، وكان من ~~أعيان الأمراء، عرف بالشجاعة والإقدام. وتوفي شيخ القراءات مجد الدين أبو ~~الفداء إسماعيل بن محمد بن يوسف بن محمد الكفتي في نصف شعبان، رحمه الله. ~~وكان إماما في القراءات، تصدى للإقراء سنين وانتفع الناس به. وتوفي السيد ~~الشريف غياث الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الشريف صدر الدين حمزة العراقي ~~والد الشريف مرتضى، تغمده الله تعالى. وكان رئيسا فاضلا نبيلا. وتوفي ~~الأمير سيف الدين جركس بن عبد الله النوروزي أحد أمراء الطلبخانات ~~بالقاهرة. وكان من أعيان المماليك الناصرية. وتوفي الشيخ المعتقد مسلم ~~السلمي المقيم بجامع الفيلة، رحمه الله. كان صالحا مجاهدا عابدا قائما في ~~ذات الله تعالى. وكان يجاهد الفرنج بطرابلس الغرب ويقيم حاله وفقراءه من ~~الغنائم. وله كرامات ومناقب، فمن ذلك كان عنده سبع رباه حتى صار بين فقرائه ~~كالهر يدور البيوت. فلما مات الشيخ - رحمه الله - أخذه السباعون فتوحش ~~عندهم إلى الغاية، حتى أبادهم وعجزوا عنه. وتوفي الأمير سيف الدين قطلوبغا ~~بن عبد الله الأحمدي الناصري نائب حلب بها. وكان من خواص الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون، وترقى من بعده حتى صار أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر. ثم ولي ~~حجوبية الحجاب بها، ثم أمير مجلس، ثم ولي نيابة حلب في أوائل سلطنة الملك ~~المنصور ms2212 محمد بن المظفر حاجي صاحب الترجمة، فلم تطل مدته بحلب ومات بها. ~~وكان من الأماثل. رحمه الله تعالى. وتوفي الطواشي صفي الدين جوهر بن عبد ~~الله اللالا. وكان من أعيان الخدام، وله عز ووجاهة. وتوفي خطيب دمشق جمال ~~الدين أبو الثناء محمود بن محمد بن إبراهيم بن جملة في يوم الاثنين العشرين ~~من شهر رمضان. وكان فصيحا، مفوها. ولي خطابة دمشق سنين. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم لم يحرر. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعا وأربع أصابع. ~~والله أعلم بالصواب. ### | AUT سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين # السلطان الملك الأشرف أبو المفاخر زين الدين شعبان ابن الملك الأمجد ~~حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون. ~~تسلطن باتفاق الأمير يلبغا العمري وطيبغا الطويل مع الأمراء على سلطنته بعد ~~خلع ابن عمه الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر حاجي. وهو السلطان الثاني ~~والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية. ولما أتفق الأمراء على سلطنته ~~أحضر الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد والقضاة الأربعة، وأفيض ~~عليه الخلعة الخليفتية السوداء بالسلطنة، وجلس على تخت الملك وعمره عشر ~~سنين في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة من غير هرج ~~في المملكة ولا اضطراب في الرعية، بل في أقل من قليل، وقع خلع المنصور ~~وسلطنة الأشرف هذا وانتهى أمرهما. ونزل الخليفة إلى داره وعليه التشريف، ~~ولم يعرف الناس ما وقع إلا بحق البشائر والمناداة باسمه، وزينت القاهرة وتم ~~أمره على أحسن الأحوال. ومولد الأشرف هذا في سنة أربع وخمسين وسبعمائة ~~بقلعة الجبل. واستقر الأتابك يلبغا العمري الخاضكي مدبر الممالك ومعه ~~خجداشه الأمير طيبغا الطويل أمير سلاح على عادتهما. PageV03P0193 # وعندما ثبت قواعد الملك الأشرف أرسل يلبغا بطلب الأمير علي المارديني ~~نائب الشام إلى مصر، فلما حضر أخلع عليه بنيابة السلطنة بديار مصر، وتولى ~~عوضه نيابة دمشق الأمير منكلي بغا الشمسي نائب حلب. وتولى نيابة حلب عوضا ~~عن الشمسي الأمير إشقتمر المارديني. وتولى نيابة طرابلس عوضا عن إشقتمر ~~الأمير ms2213 أزدمر الخازن نائب صفد. وتولى نيابة صفد عوضا عن أزدمر الخازن ~~الأمير قشتمر المنصوري الذي كان نائبا بالديار المصرية لأمر وقع منه في حق ~~يلبغا العمري الأتابكي. واستقر الأمير أرغون الأحمدي الخازندار لالا الملك ~~الأشرف شعبان. واستقر الأمير يعقوب شاه السيفي تابع يلبغا اليحياوي ~~خازندارا عوضا عن أرغون الأحمدي. ثم استقر الأمير أرنبغا الخاصكي في نيابة ~~غزة عوضا عن تمان تمر العمري بحكم وفاته. ثم ولي الأمير عمر شاه حاجب ~~الحجاب نيابة حماة عوضا عن أيدمر الشيخي. واستقر الشريف بكتمر في ولاية ~~القاهرة عوضا عن علاء الدين علي بن الكوراني بحكم استعفائه عنها. ثم استقر ~~الأمير أحمد بن القشتمري في نيابة الكرك. ثم ورد الخبر بوقوع الوباء بمدينة ~~حلب وأعمالها وأنه مات بها خلق كثير، والأكثر في الأطفال والشبان. ثم نزل ~~السلطان الملك الأشرف شعبان إلى سرياقوس بعساكره على عادة الملوك. ثم سمر ~~الأتابك يلبغا خادمين من خدام السلطان الملك المنصور لكلام بلغه عنهما، ~~فشفع فيهما، فخليا ونفيا إلى قوص. ثم في سنة خمس وستين أنعم على الأمير ~~طيدمر البالسي بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية. ثم أخلع على الأمير ~~آسن قجا بنيابة ملطية في ثالث صفر. واستقر الأمير عمر بن أرغون النائب في ~~نيابة صفد عوضا عن قشتمر المنصوري، وحضر قشتمر المذكور إلى مصر على إقطاع ~~عمر بن أرغون المذكور. واستقر الأمير طينال المارديني نائب قلعة الجبل عوضا ~~عن ألطنبغا الشمسي بحكم استعفائه. ثم أنعم السلطان على جماعة بإمرة ~~طبلخاناه وهم: تمربغا العمري، ومحمد بن قماري أمير شكار، وألطنبغا الأحمدي. ~~وآقبغا الصفوي. وأنعم أيضا على جماعة بإمرة عشرات وهم: إبراهيم بن صرغتمش، ~~وأرزمك من مصطفى، ومحمد بن قشتمر، وآقبغا الجوهري، وطشتمر العلائي خازندار ~~طيبغا الطويل، وطاجار من عوض، وآروس بغا الخليلي، ورجب بن كلبك التركماني. ~~ثم وقع الفناء في هذه السنة في البقر حتى هلك منها شيء كثير، وأضر ذلك بحال ~~الزراع. ثم في هذه السنة فتح الأمير منكلي بغا الشمسي نائب الشام باب ~~كيسان، أحد أبواب دمشق بحضور ms2214 أمراء الدولة وأعيان أهل دمشق، وذلك بعد بروز ~~المرسوم الشريف إليه بذلك، وعقد عليه قنطرة كبيرة ومد له إلى الطريق جسرا، ~~وعمر هناك جامعا. وكان هذا الباب مغلقا من مدة تزيد على مائتي سنة، كان سده ~~الملك العادل نور الدين محمود الشهيد لأمر اقتضى ذلك، فيه مصلحة للإسلام. ~~ثم رسم في هذه السنة بإبطال الوكلاء المتصرفين في أبواب القضاة. وفي هذا ~~المعنى يقول الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب، رحمه الله تعالى: السريع، يقول ~~ذو الحق الذي عاله ... خصم ألد ولسان كليل إن صيروا أمر وكيلي سدى ... ~~فحسبي الله ونعم الوكيل ثم استقر الأمير يعقوب شاه أمير آخور عوضا عن ~~الأمير جرجي الإدريسي بحكم انتقال جرجي إلى نيابة حلب عوضا عن إشقتمر ~~المارديني. ثم في سنة ست وستين وسبعمائة استقر الأمير قطلقتمر العلائي أمير ~~جاندار في نيابة صفد عوضا عن الأمير عمر بن أرغون النائب، وحضر عمر بن ~~أرغون إلى مصر على إقطاع قطلقتمر المذكور في سابع شهر رجب. ثم استقر الأمير ~~عبد الله ابن بكتمر الحاجب أمير شكار عوضا عن الأمير ناصر الدين محمد بن ~~ألجيبغا، واستقر أسندمر العلائي الحرفوش حاجبا عوضا عن عبد الله بن بكتمر ~~المذكور. ثم أنعم السلطان على الأمير أسندمر المظفري بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~بالديار المصرية في سلخ شهر رمضان. ثم أنعم على الأمير شعبان ابن الأتابك ~~يلبغا العمري بإمرة مائة وتقدمة ألف. ثم استقر الأمير قشتمر المنصوري في ~~نيابة طرابلس، واستقر الأمير أزدمر الخازن في نيابة صفد عوضا عن الأمير ~~قطلقتمر العلائي. ثم استقر الأمير ألطنبغا البشتكي في نيابة غزة عوضا عن ~~أرنبغا الكاملي بحكم وفاته. PageV03P0194 # ثم أخلع على الأمير منجك اليوسفي باستقراره في نيابة طرسوس بعد تلك الرتب ~~العالية من تحكمه لما ولي الوزر بالديار المصرية ونيابة طرابلس والشام، وقد ~~تقدم ذكر ذلك كله في عدة أماكن، وإنما أردنا التعريف به هنا لما تقدم له ~~ولما هو آت وكانت ولاية منجك اليوسفي لنيابة طرسوس عوضا عن قماري أمير شكار ~~بحكم وفاته في ms2215 سلخ ذي القعدة. ثم أنعم السلطان على جماعة بإمرة طلبخاناه ~~وهم: قطلوبغا البلباني، وكمشبغا الحموي أحد مماليك الأتابك يلبغا العمري، ~~وآقبغا الجوهري أحد اليلبغاوية أيضا، وعلى جماعة بإمرة عشرات وهم: سلجوق ~~الرومي، وأروس السيفي بشتاك، وسنقر السيفي أرقطاي، ثم أنعم السلطان على ~~الأمير ألجاي اليوسفي في حادي عشرين شهر رجب بإمرة جاندار. وفي هذه السنة ~~وهي سنة ست وستين وسبعمائة عزل قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن محمد بن ~~جماعة نفسه من قضاء الديار المصرية في سادس عشر جمادى الأولى، ونزل إليه ~~الأتابك يلبغا بنفسه إلى بيته وسأله بعوده إلى المنصب فلم يقبل ذلك، وأشار ~~على يلبغا بتولية نائبه بهاء الدين أبي البقاء السبكي، فولي بهاء الدين ~~قضاء القضاة الشافعية عوضه. ثم استقر قاضي القضاة جمال الدين محمود بن أحمد ~~بن مسعود القونوي الحنفي قاضي قضاة دمشق بعد موت قاضي القضاة جمال الدين ~~يوسف بن أحمد الكفري بفتح الكاف. وفي هذه السنة أسلم الصاحب شمس الدين ~~المقسي، وكان نصرانيا يباشر في دواوين الأمراء، فلما أسلم استقر مستوفي ~~المماليك السلطانية. وفي سنة سبع وستين وسبعمائة أخذت الفرنج مدينة ~~إسكندرية في يوم الجمعة ثالث عشرين المحرم. وخبر ذلك أنه لما كان يوم ~~الجمعة المذكور طرق الفرنج مدينة الإسكندرية على حين غفلة في سبعين قطعة، ~~ومعهم صاحب قبرس، وعدة الفرنج تزيد على ثلاثين ألفا. وخرجوا من البحر ~~المالح إلى بر الإسكندرية، فخرج أهلها إليهم، فتقاتلوا، فقتل من المسلمين ~~نحو أربعة آلاف نفس، واقتحمت الفرنج الإسكندرية وأخذوها بالسيف، واستمروا ~~بها أربعة أيام وهم يقتلون وينهبون ويأسرون. وجاء الخبر بذلك إلى الأتابك ~~يلبغا، وكان السلطان بسرياقوس، فقام من وقته ورجع إلى القلعة، ورسم للعساكر ~~بالسفر إلى الإسكندرية. وصلى السلطان الظهر وركب من يومه ومعه الأتابك ~~يلبغا والعساكر الإسلامية في الحال، وعدوا النيل، وجدوا في الدير من غير ~~ترتيب ولا تعبية حتى وصلوا إلى الطرانة، والعساكر يتبع بعضها بعضا. فلما ~~وصل السلطان إلى الطرانة أرسل جاليشا من الأمراء أمامه في خفية، وهم ~~قطلوبغا المنصوري، وكوندك، ms2216 وخليل بن قوصون، وجماعة من الطبلخانات والعشرات ~~وغيرهم، وجدوا في السير، وبينما هم في ذلك جاء الخبر بأن العدو المخذول، ~~لما سمعوا بقدوم السلطان، تركوا الإسكندرية وهربوا، ففرح الناس بذلك. ورسم ~~السلطان بعمارة ما تهدم من الإسكندرية وإصلاح أسوارها. وأخلع السلطان على ~~الشريف بكتمر بنيابة الإسكندرية وأعطاه إمرة مائة وتقدمة ألف. وبكتمر هذا ~~هو أول نائب ولي نيابة الإسكندرية من النواب، وما كانت أولا إلا ولاية، فمن ~~يومئذ عظم قدر نوابها وصار نائبها يسمى ملك الأمراء. ثم أمر يلبغا فنودي ~~بمصر والقاهرة بأن البحارة والنفاطة كلهم يحضرون إلى بيت الأتابك يلبغا ~~للعرض والنفقة ليسافروا في المراكب التي تنشأ. وبدأ يلبغا في عمارة ~~المراكب، وبعث مراسيم إلى سائر البلاد الشامية والحلبية بإخراج جميع ~~النجارين وكل من يعرف يمسك منشارا بيده، ولا يترك واحد منهم، وكلهم يخرجون ~~إلى جبل شغلان، وهو جبل عظيم فيه أشجار كثيرة من الصنوبر والقرو ونحو ذلك، ~~وهذا الجبل بالقرب من مدينة أنطاكية، وأنهم يقطعون الألواح وينشرون الأخشاب ~~للمراكب ويحملونها إلى الديار المصرية. فامتثل نائب حلب ذلك، وفعل ما أمر ~~به، ووقع الشروع في عمل المراكب . هذا، وقد ثقل على يلبغا وطأة خشداشه ~~طيبغا الطويل، فأراد أن يستبد بالأمر وحده، وأخذ يلبغا يدبر عليه في ~~الباطن. ولقد حكى لي بعض من رآهما قال: كانا ينزلان من الخدمة السلطانية ~~معا، فتقول العامة: يا طويل! حسك من هذا القصير! فكان طيبغا يلتفت إلى ~~يلبغا ويقول له وهو يضحك: ما يقولون هؤلاء! فيقول يلبغا: هذا شأن العامة ~~يثيرون الفتن. انتهى. PageV03P0195 # واستمر يلبغا على ذلك أن خرج طيبغا الطويل إلى الصيد بالعباسة، فأرسل ~~إليه يلبغا جماعة من مقدمي الألوف وهم: أرغون الإسعردي الدوادار، والأمير ~~آروس المحمودي الأستادار، وأرغون الأزقي، وطيبغا العلائي حاجب الحجاب، ~~ومعهم تشريف له بنيابة دمشق. فساروا حتى قدموا على طيبغا الطويل، وأخبروه ~~بما وقع، فلما سمع طيبغا ذلك غضب، وأبى قبول الخلعة، وخامر. واتفق معه ~~أرغون الإسعردي الموادار، وآروس المحمودي. وهرب طيبغا العلائي وأرغون ~~الأزقي ولحقا بالأتابك يلبغا وأعلماه ms2217 بالخبر، فركب يلبغا في الحال، ومعه ~~السلطان الملك الأشرف شعبان، بالعساكر في صبيحة اليوم المذكور. وقد ساق ~~طيبغا الطويل من العباسية حتى نزل بقبة النصر خارج القاهرة ليأتيه من له ~~عنده غرض، فوافاه يلبغا في حال وصوله بالعساكر، وقاتله، فاقتتلا ساعة، ~~وانكسر طيبغا الطويل بمن معه، وأمسك هو وأصحابه من الأمراء وهم: أرغون ~~الإسعردي، وآروس المحمودي، وكوندك أخو طيبغا الطويل، وجركتمر السيفي منجك، ~~وأرغون من عبد الله، وجمق الشيخوني، وكليم. أخو طيبغا الطويل وتلك أخو ~~بيبغا الصالحي، وآقبغا العمري البالسي، وجرجي بن كوندك، وأرزمك من مصطفى، ~~وطشتمر العلائي، وأرسلوا الجمع إلى سجن الإسكندرية. وأخذ يلبغا إقطاع ولدي ~~طيبغا الطويل، وهما علي وحمزة، وكانا أميري طبلخاناه. ثم في يوم الاثنين ~~خامس عشرين شعبان من سنة سبع وستين وسبعمائة، باست الأمراء الأرض للسلطان، ~~ويلبغا الأتابك معهم، وطلبوا من السلطان الإفراج عن الأمراء المسجونين بثغر ~~الإسكندرية المقدم ذكرهم، فقبل السلطان شفاعتهم، ورسم بالإفراج عن طيبغا ~~الطويل خاصة، فأفرج عنه، ورسم بسفره إلى القدس بطالا، فسافر إلى القدس ~~وأقام به إلى ما يأتي ذكره. ثم بعد ذلك في يوم عيد الفطر رسم السلطان ~~بالإفراج عمن بقي في الإسكندرية من أصحاب طيبغا الطويل، فأفرج عنهم، ~~وحضروا، فأخرجوا إلى الشام متفرقين بطالين. وصفا الوقت ليلبغا العمري، وصار ~~هو المتكلم في الأمور من غير مشارك، والسلطان الملك الأشرف شعبان معه آلة ~~في السلطنة. وأنعم يلبغا بإقطاعات أصحاب طيبغا الطويل على جماعة من أصحابه، ~~فأنعم على الأمير أرغون بن بلبك الأزقي بتقدمة ألف عوضا عن قطلوبغا ~~المنصوري، وأنعم على طيبغا العلائي السيفي بزلار بتقدمة ألف عوضا عن ملكتمر ~~المارديني بحكم وفاته، وأنعم على أينبك البدري أمير آخور يلبغا العمري ~~بإمرة طبلخاناه واستقر أستادار أستاذه يلبغا. ثم استقر الأمير إشقتمر ~~المارديني المعزول عن نيابة حلب قبل تاريخه في نيابة طرابلس، عوضا عن قشتمر ~~المنصوري وطلب قشتمر المذكور إلى مصر. ثم استقر الأمير طيدمر البالسي أمير ~~سلاح عوضا عن طيبغا الطويل في سابع جمادى الأولى. ثم استقر طيبغا الأبو ~~بكري ms2218 دوادارا كبيرا بإمرة طبلخاناه عوضا عن الإسعردي، فأقام دوادارا إلى ~~حادي عشرين شعبان وعزل بأمير بيبغا دوادار أمير علي المارديني بإمرة ~~طبلخاناه أيضا. ثم استقر الأمير أرغون ططر رأس نوبة النوب عوضا عن ملكتمر ~~العمري المارديني في آخر جمادى الآخرة. واستقر أرغون الأزقي أستادارا عوضا ~~عن آروس المحمودي. واستقر يعقوب شاه أمير آخور مقدم ألف وحاجبا ثانيا عوضا ~~عن قطلوبغا المنصوري. واستقر طقتمر الحسني أمير آخور كبيرا عوضا عن يعقوب ~~شاه المنتقل إلى الحجوبية الثانية. واستقر قطلوشاه الشعباني أمير طبلخاناه ~~وشاد الشراب خاناه عوضا عن أرغون بن عبد الملك. واستقر تمرقبا العمري ~~جوكندارا عوضا عن جركتمر السيفي منجك. وأنعم على آقبغا الأحمدي المعروف ~~بالجلب بتقدمة ألف، وعلى أسندمر الناصري بتقدمة ألف أيضا، وكلاهما بالديار ~~المصرية. واستقر حسين بن الكوراني في ولاية القاهرة، وهذه أول ولايته. ~~PageV03P0196 # ثم فرق على جماعة كبيرة بإمرة طبلخانات وهم: طغيتمر العثماني، وآقبغا ~~الجوهري، وقجماس السيفي طاز، وألطنبغا العزي، وأرغون كتك العزي، وقراتمر ~~المحمدي والشهابي هذا قراتمر، رأيته وقد شاخ، وكان بطالا يسكن بالقرب من ~~الكبش بعد سنة عشرين وثمانمائة. انتهى وآروس بغا الكاملي، وطاجار من عوض، ~~وآقبغا اليوسفي، وألطنبغا المارديني - وهو غير صاحب الجامع، ذاك متقدم على ~~هذا - ورسلان الشيخوني واستقر حاجبا بإسكندرية على إمرة طبلخاناه وعلي بن ~~قشتمر المنصوري، وسودون القطلقتمري، وقطلوبغا الشعباني، ومحمد المهندس ~~التركماني. وأنعم على جماعة بعشرات، وهم: تنبك الأزقي، وأرغون الأحمدي، ~~وطيبغا السيفي، يلبغا، وأرغون الأرغوني، وسودون الشيخوني وهو الذي صار نائب ~~السلطنة في دولة الملك الظاهر برقوق كما سيأتي ذكره وأزدمر العزي أبو ذقن، ~~ويونس العمري، ودرت بغا البالسي، وقرابغا الصرغتمشي، وطاز الحسني، وقرقماس ~~الصرغتمشي، وطيبغا العلائي، وقماري الجمالي. ثم في هذه السنة أبطل يلبغا ~~المكوس من مكة والمدينة ورتب عوض ذلك من بيت المال مائتي ألف وستين ألفا. ~~ثم في سنة ثمان وستين طلب السلطان الأمير منكلي بغا الشمسي نائب الشام إلى ~~الديار المصرية، فلما حضره أكرمه وأخلع عليه بنيابة حلب عوضا عن جرجي ~~الإدريسي لعجزه عن القيام بمصالح ms2219 حلب مع التركمان، فامتنع منكلي بغا من ~~نيابة حلب كونه نائب دمشق، ثم ينتقل منها إلى نيابة حلب، فأضيف إليه أربعة ~~آلاف نفر من عسكر دمشق لتكون منزلته أكبر من منزلة نائب دمشق، فأذعن عند ~~ذلك ولبس الخلعة وتوجه إلى حلب. وتولى نيابة دمشق عوضه الأمير آقتمر عبد ~~الغني حاجب الحجاب بالديار المصرية، وتولى عوضه حجوبية الحجاب طيبغا ~~العلائي. وأما جرجي الإدريسي المعزول عن نيابة حلب فإنه ولي نيابة طرابلس ~~بعد عزل منجك اليوسفي عنها. وفي ثامن عشر شهر ربيع الأول من سنة ثمان وستين ~~المذكورة استقر أرغون الأزقي الأستادار في نيابة غزة عوضا عن ألطنبغا ~~البشتكي. وفي الشهر أيضا استقر آقبغا الأحمدي المعروف بالجلب لالا السلطان ~~الملك الأشرف عوضا عن أرغون الأحمدي بحكم نفيه إلى الشام لأمر اقتضى ذلك، ~~ونفي معه تمربغا العمري. ثم في آخر الشهر المذكور أمسك الأتابك الأمير ~~يلبغا الطواشي سابق الدين مثقالا الآنوكي مقدم المماليك السلطانية وضربه ~~داخل القصر بقلعة الجبل ستمائة عصاة ونفاه إلى أسوان - وسببه ظهور كذبه له ~~- وولى مكانه مختار الدمنهوري المعروف بشاذروان، وكان مقدم الأوجاقية بباب ~~السلسلة. كل ذلك والعمل في المراكب مستمر إلى أن كملت عمارة المراكب من ~~الغربان والطرائد لحمل الغزاة والخيول. وكانوا نحو مائة غراب وطريدة، عمرت ~~في أقل من سنة مع عدم الأخشاب والأصناف يوم ذاك . وبينما الناس في ذلك قتل ~~يلبغا العمري بيد مماليكه في واقعة كانت بينهم. وخبر ذلك أنه لما كان في ~~مستهل شهر ربيع الآخر نزل السلطان من قلعة الجبل وعدى إلى بر الجيزة ليتوجه ~~إلى الصيد بالبحيرة، بعد أن ألزم الأمراء أن يجعلوا - في الشواني التي نجز ~~عملها برسم الغزاة - العدد والسلاح والرجال على هيئة القتال لينظر السلطان ~~والناس ذلك. فامتثلوا الأمراء المرسوم الشريف، وأشحنوا المراكب العدد ~~والسلاح والرجال الملبسة، وضربوا الطبلخاناه بها، وصارت في أبهى زي، ولعبوا ~~بها في البحر قدام السلطان والأتابك يلبغا. وخرج الناس للتفرج من كل فج، ~~وكان يوم من الأيام المشهودة الذي لم ير مثله في سالف ms2220 الأعصار. ~~PageV03P0197 # ثم سار السلطان والأتابك يلبغا بالعساكر من بر الجيزة يريدون البحيرة حتى ~~نزلوا في ليلة الأربعاء سادس شهر ربيع الآخر من ستة ثمان وستين وسبعمائة ~~بالطرانة وباتوا بها، وكانت مماليك يلبغا قد نفرت قلوبهم منه لكثرة ظلمه ~~وعسفه وتنوعه في العذاب لهم على أدنى جرم، حتى إنه كان إذا غضب على مملوك ~~ربما قطع لسانه. فاتفق جماعة من مماليك يلبغا تلك الليلة على قتله من غير ~~أن يعلموا الملك الأشرف هذا بشيء من ذلك، وركبوا عليه نصف الليل، ورؤوسهم ~~من الأمراء: آقبغا الأحمدي الجلب، وأسندمر الناصري، وقجماس الطازي، وتغري ~~برمش العلائي، وآقبغا جاركس أمير سلاح، وقرابغا الصرغتمشي، في جماعة من ~~أعيان اليلبغاوية. ولبسوا آلة الحرب وكبسوا في الليل على يلبغا بخيمته بغتة ~~وأرادوا قتله، فأحس بهم قبل وصولهم إليه، فركب فرس النوبة بخواصه من ~~مماليكه، وهرب تحت الليل، وعدى النيل إلى القاهرة، ومنع سائر المراكب أن ~~يعدوا بأحد. واجتمع عنده من الأمراء طيبغا حاجب الحجاب، وأينبك البدري أمير ~~آخور، وجماعة الأمراء المقيمين بالقاهرة. وأما مماليك يلبغا فإنهم لما ~~علموا بأن أستاذهم نجا بنفسه وهرب، اشتد تخوفهم من أنه إذا ظفر بهم بعد ذلك ~~لا يبقي منهم أحدا. فاجتمعوا الجميع بمن انضاف إليهم من الأمراء وغيرهم ~~وجاؤوا إلى الملك الأشرف شعبان - تغمده الله برحمته - وهو بمخيمه أيضا ~~بمنزله بالطرانة وكلموه في موافقتهم على قتال يلبغا فامتنع قليلا ثم أجاب ~~لما في نفسه من الحزازة من حجر يلبغا عليه، وعدم تصرفه في المملكة. وركب ~~السلطان بمماليك يلبغا وخاصكيته، فأخذوه وعادوا به إلى جهة القاهرة، وقد ~~اجتمع عليه خلائق من مماليك يلبغا وعساكر مصر، وساروا حتى وصلوا إلى ساحل ~~النيل ببولاق التكروري تجاه بولاق والجزيرة الوسطى. فأقام الملك الأشرف ~~ببولاق التكروري يوم الأربعاء ويوم الخميس ويوم الجمعة فلم يجدوا مراكب ~~يعدون فيها. وأما يلبغا فإنه لما علم أن الملك الأشرف طاوع مماليكه وقربهم، ~~أنزل من قلعة الجبل سيدي آنوك ابن الملك الأمجد حسين أخي الملك الأشرف ~~شعبان وسلطنه ولقبه بالملك المنصور، وذلك ms2221 بمخيمه بجزيرة أروى المعروفة ~~بالجزيرة الوسطانية، تجاه بولاق التكروري حيث الملك الأشرف نازل بمماليك ~~يلبغا بالبر الشرقي والأشرف بالبر الغربي، فسمته العوام سلطان الجزيرة. ثم ~~في يوم الجمعة حضر عند الأتابك يلبغا الأمير طغيتمر النظامي والأمير أرغون ~~ططر، فإنهما كانا يتصيدان بالعباسة وانضافا بمن معهما إلى يلبغا فقوي أمره ~~بهما. وعدى إليه أيضا جماعة من عند الملك الأشرف، وهم: الأمير قرابغا ~~البدري، والأمير يعقوب شاه، والأمير بيبغا العلائي الدوادار، والأمير خليل ~~بن قوصون، وجماعة من مماليك يلبغا الذين أمرهم مثل: آقبغا الجوهري، وكمشبغا ~~الحموي، ويلبغا شقير، في آخرين. واستمر الأتابك يلبغا وآنوك بجزيرة الوسطى، ~~والملك الأشرف ومماليك يلبغا ببولاق التكروري، إلى أن حضر إلى الأشرف شخص ~~يعرف بمحمد ابن بنت لبطة رئيس شواني السلطان وجهز للسلطان من الغربان التي ~~عمرها برسم الغزاة نحو ثلاثين غرابا برجالها وكسر بروقها، وجعلها مثل ~~الفلاة لأجل التعدية. فنزل فيها جماعة من الأمراء ومن مماليك يلبغا ليعدوا ~~فيها إلى الجزيرة فرمى عليهم يلبغا بمكاحل النفط، وصار هؤلاء يرمون على ~~يلبغا بالسهام فيردونهم على أعقابهم. وأخذ يلبغا ومن معه يرمون أيضا النفط ~~والنشاب، والأشرفية لا يلتفتون إلى ذلك، بل يزيدون في سب يلبغا ولعنه ~~وقتاله. وأقاموا على ذلك إلى عصر يوم السبت، وقد قوي أمر الملك الأشرف وضعف ~~أمر يلبغا. PageV03P0198 # ثم اتفق رأي عساكر الملك الأشرف على تعدية الملك الأشرف من الوراق، فعدى ~~وقت العصر من الوراق إلى جزيرة الفيل وتتابعته عساكره. فلما صاروا الجميع ~~في بر القاهرة، وبلغ ذلك يلبغا، هرب الأمراء الذين كانوا مع يلبغا بأجمعهم ~~وجاؤوا إلى الملك الأشرف وقبلو الأرض بين يديه. فلما رأى يلبغا ذلك رجع إلى ~~جهة القاهرة، ووقف بسوق الخيل من تحت قلعة الجبل، ولم يبق معه غير طيبغا ~~حاجب الحجاب الذي كان أولا أستاداره. فوقف يلبغا ساعة ورأى أمره في إدبار، ~~فنزل عن فرسه بسوق الخيل تجاه باب الميدان، وصلى العصر، وحل سيفه وأعطاه ~~للأمير طيبغا الحاجب. ثم نزل وقصد بيته بالكبش فرجمته العوام من رأس سويقة ~~منعم ms2222 إلى أن وصل حيث اتجه. وسار الملك الأشرف شعبان بعساكره، حتى طلع إلى ~~قلعة الجبل في آخر نهار السبت المذكور. وأرسل جماعة من الأمراء إلى يلبغا، ~~فأخذوه من بيته ومعه طيبغا الحاجب، وطلعوا به إلى القلعة بعد المغرب، فسجن ~~بها إلى بعد عشاء الآخرة من اليوم المذكور. فلما أذن للعشاء جاء جماعة من ~~مماليك يلبغا مع بعض الأمراء، وأخذوا يلبغا من سجنه وأنزلوه من القلعة. ~~فلما صار بحدرة القلعة أحضروا له فرسا ليركبه، فلما أراد الركوب ضربه مملوك ~~من مماليكه يسمى قراتمر فأرمى رأسه، ثم نزلوا عليه بالسيوف حتى هبروه ~~تهبيرا، وأخذوا رأسه وجعلوها في مشعل النار إلى أن انقطع الدم، فلما رآه ~~بعضهم أنكره وقال: أخفيتموه وهذه رأس غيره فرفعوه من المشعل، ومسحوه ~~ليعرفوه أنه رأس يلبغا بسلعة كانت خلف أذنه، فعند ذلك تحقق كل أحد بقتله، ~~وأخذوا جثته فغيبوها بين العروستين. فجاء الأمير طشتمر الدوادار فأخذ الرأس ~~منهم في الليل، واستقصى على الجثة حتى أخذها، وحط الرأس على الجثة، وغسلها ~~وكفنها وصلى عليه في الليل، ودفنه بتربته التي أنشأها بالصحراء بالقرب من ~~تربة خوند طغاى أم آنوك زوجة الناصر محمد ابن قلاوون. وفيه يقول بعض ~~الشعراء مخلع البسيط: بدا شقا يلبغا وعدت ... عداه في سفنه إليه والكبش لم ~~يفده وأضحت ... تنوح غربانه عليه قلت: لا جرم أن الله سبحانه وتعالى عامل ~~يلبغا هذا من جنس فعله بأستاذه الملك الناصر حسن، فسلط عليه مماليكه فقتلوه ~~كما قتل هو أستاذه الناصر حسنا. فالقصاص قريب، والجزاء من جنس العمل. ولما ~~أصبح نهار الأحد عاشر شهر ربيع الأخر، وهو صبيحة ليلة قتل فيها يلبغا ~~العمري الخاصكي المقدم ذكره، وطلع جميع الأمراء إلى القلعة، واستقر الأمير ~~طغيتمر النظامي هو المتحدث في حل المملكة وعقدها، ومعه آقبغا جلب الأحمدي ~~وأسندمر الناصري وقجماس الطازي، وقبضوا من الأمراء على تمربغا البدري ~~ويعقوب شاه وبيبغا العلائي الدوادار، وقيدوا وأرسلوا عشية النهار إلى ~~الإسكندرية. ورسم للأمير خليل بن قوصون أن يلزم بيته بطالا. وفي يوم ~~الاثنين حادي عشرة ms2223 استقر قشتمر المنصوري حاجب الحجاب عوضا عن طيبغا ~~العلائي. واستقر أيدمر الشامي دودارا بإمرة مائة وتقدمة ألف وناظر الأحباس ~~ولم يعلم قبله دوادار أمير مائة ومقدم ألف. ثم قبض على جماعة من الأمراء ~~وهم: أزدمر العزي، وآقبغا الجوهري، وأرغون كتك العزي أيضا، وأرغون ~~الأرغوني، ويونس الرماح العمري، وكمشبغا الحموي، وأرسلوا الجميع في القيود ~~إلى ثغر الإسكندرية فحبسوا بها. ثم استقر طيدمر البالسي أستادار العالية. ~~ثم أخلع على قجماس الطازي واستقر أمير سلاح عوضا عن طيدمر البالسي المنتقل ~~إلى الأستادارية. وأنعم على قرابغا الصرغتمشي بتقدمة ألف دفعة واحدة من ~~إمرة عشرة. ثم في العشرين من الشهر استقر أسنبغا القوصوني لالا السلطان، ~~عرضا عن آقبغا جلب. واستقر قراتمر المحمدي خازندارا، عوضا عن تلكتمر ~~المحمدي. وحضر سابق الدين مثقال الآنوكي من قوص بطلب من السلطان وقبل الأرض ~~ونزل إلى داره. وفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى قبض على فخر الدين ~~ماجد بن قروينة وسلم لقرابغا الصرغتمشي، ليستخلص منه الأموال، واستقر عوضه ~~في الوزارة الصاحب جمال الدين عبد الله بن تاج الدين موسى بن أبي شاكر، ~~وأضيف إليه نظر الخاص أيضا، وكان أولا صاحب ديوان يلبغا. وفي سادس عشر ~~جمادى الأولى أعيد الطواشي سابق الدين مثقال إلى تقدمة المماليك السلطانية ~~وصرف الدمنهوري المعروف بشاذروان. PageV03P0199 # وفي يوم الخميس سادس عشر رجب قبض على قرابغا الصرغتمشي. وعندما قبض على ~~قرابغا المذكور ركب الأمير تغري برمش بالسلاح ومعه عدة من الأمراء ~~والخاصكية. فرسم السلطان بركوب الأمراء والخاصكية، فركبوا في الحال وقبضوا ~~عليه، وأمسكوا معه الأمير أينبك البدري وإسحاق الرجبي وقرابغا العزي ومقبل ~~الرومي، وأرسلوا إلى الإسكندرية. ثم أنعم السلطان على كل من قطلوبغا جركس ~~وأقطاي بتقدمة ألف. ومن هذا الوقت أخذ أسندمر الناصري في التعاظم وانضمام ~~الناس عليه. فاتفق جماعة من الأمراء العزية مع طغيتمر النظامي وآقبغا جلب ~~على قبض أسندمر، ودبروا عليه. إلى أن كانت ليلة الأحد سابع شهر شوال من سنة ~~ثمان وستين المذكورة، ركبوا نصف الليل. وضربوا الكوسات، وأنزلوا الملك ~~الأشرف إلى الإسطبل ms2224 السلطاني، وقصدوا مسك أسندمر الناصري وبعض مماليك يلبغا ~~العمري الأشرار. وبلغ ذلك أسندمر، فمكث في بيته إلى طلوع الشمس. ثم ركب من ~~بيته بالكبش، فإنه كان سكن فيه بعد قتل يلبغا، وتوجه بمن معه إلى قبة النصر ~~ومنها إلى القرافة إلى باب الدرفيل من وراء القلعة، فلم يفطن به الأمراء ~~إلا وهو تحت الطبلخاناه السلطانية من القلعة، وكبس عليهم من الصوة فهرب ~~أكثر الأمراء، وكان غالبهم قد استخدم عنده جماعة من مماليك يلبغا. فلما رأى ~~مماليك يلبغا أسندمر ومن معه من خشداشيتهم توجهوا إليهم وتركوا أمراءهم. ثم ~~خرج إلى أسندمر آقبغا جلب، وطردوا الحاجب ابن اخي آل ملك، فقوي أسندمر بهم ~~على الأمراء وصدمهم صدمة هائلة كسرهم فيها كسرة شنيعة، وهربوا الجميع إلا ~~ألجاي اليوسفي وأرغون ططر فإنهما ثبتا وقاتلا أسندمر، وليس معهما غير سبعين ~~فارسا. فقاتلوا أسندمر وجماعته إلى قريب الظهر، فلم يرجع إليهما أحد من ~~أصحابهما، فانكسرا، وانتصر أسندمر الناصري عليهم، وطلع إلى القلعة، وقبل ~~الأرض بين يدي الملك الأشرف شعبان، فأخلع عليه الأشرف باستقراره أتابكا ~~ومدبر المماليك كما كان يلبغا العمري الخاصكي. ثم قبض أسندمر على جماعة من ~~الأمراء وقيدهم وأرسلوا إلى ثغر الإسكندرية فحبسوا بها وهم: ألجاي اليوسفي، ~~وطغيتمر النظامي وأيدمر الشامي، وآقبغا جلب، وقطلوبغا جركس، وأقطاي، وأرغون ~~ططر، وقجماس الطازي، وجميع هؤلاء مقدمو ألوف. ثم قبض على جماعة من الأمراء ~~الطبلخمانات وهم: طاجار من عوض، ويلبغا شقير، وقرابغا شاد الأحواش، وقرابغا ~~الأحمدي، وقطلوبغا الشعباني، وأيدمر الخطائي، وتمراز الطازي، وآسن الناصري، ~~وقراتمر المحمدي. ثم أصبح أسندمر في يوم حادي عشر شوال أنعم على جماعة من ~~الأمراء واستقروا مقدمي ألوف بالديار المصرية وأصحاب وظائف، فأخلع على ~~أزدمر العزي واستقر أمير مائة ومقدم ألف وأمير سلاح، واستقر جركتمر السيفي ~~منجك أمير مائة ومقدم ألف وأمير مجلس، واستقر ألطنبغا اليلبغاوي رأس نوبة ~~النوب من إمرة عشرة دفعة واحدة، واستقر قطلقتمر العلائي أمير جاندار، ~~واستقر سلطان شاه أمير مائة ومقدم ألف وحاجبا ثانيا. واستقر بيرم العزي ~~دوادارا بتقدمة ألف، وكان ms2225 جنديا قبل ذلك، فأنعم عليه بإقطاع طغيتمر النظامي ~~ووظيفته وجميع موجوده ومماليكه وحواصله. وأنعم على خليل بن قوصون بتقدمة ~~ألف، وعلى قبق العزي بتقدمة ألف، وعلى أرغون القشتمري بتقدمة ألف، وعلى ~~محمد بن طيطق العلائي بتقدمة ألف. ثم أنعم على جماعة بإمرة طبلخاناه وهم: ~~بزلارالعمري، وأرغون المحمدي الآنوكي الخازن، وأرغون الأرغوني، ومحمد بن ~~طقبغا الماجاري، وباكيش السيفي يلبغا، وآقبغا آص الشيخوني، وسودون الشيخوني ~~وجلبان السعدي، وكبك الضرغتمشي، وإينال اليوسفي، وكمشبغا الطازي، وبكتمر ~~العلمي، وقماري الجمالي، وأرسلان خجا، ومبارك الطازي، وتلكتمر الكشلاوي، ~~وأسنبغا العزي، وقطلوبغا الحموي، ومأمور القلمطاوي. ثم أنعم على جماعة ~~بإمرة عشرات وهم: كزك الأرغوني، وألطنبغا المحمودي، وقرابغا الأحمدي - وهذا ~~غير قرابغا الأحمدي الجلب - وحاجى ملك بن شادي، وعلي بن باكيش، ورجب بن ~~خضر، وطيطق الرماح. PageV03P0200 # ثم خلع على جماعة واستقرت جوكندارية وهم: مبارك الطازي المقدم ذكره، ~~وقرمش الصرغتمشي، وإينال اليوسفي. وأخلع على تلكتمر المحمدي واستقر ~~خازندارا على عادته، وبهادر الجمالي شاد الدواوين، عوضا عن خليل بن عرام ~~بحكم انتقال ابن عرام إلى نيابة الإسكندرية. واستقر أسندمر الزيني في نيابة ~~طرابلس، عوضا عن اشقتمر المارديني، وأمسك اشقتمر وحبس بالإسكندرية. واستقر ~~طيبغا الطويل الناصري - رفيق يلبغا العمري الخاصكي المقدم ذكره - في نيابة ~~حماة، وكان بطالا بالقدس، في تاسع صفر، فلم تطل مدته وقبض عليه منها في ذي ~~القعدة واعتقل بالإسكندرية ثانيا. وتولى نيابة حماة عمر شاه على عادته. ~~واستقر بيبغا القوصوني أمير آخور كبيرا، عوضا عن آقبغا الصفوي بحكم وفاته. ~~وأرسل إلى الأمير منكلي بغا الشمسي نائب حلب خلعة الاستمرار. وقد كمل جامع ~~منكلي بغا الذي أنشأه بحلب في هذه السنة بقنسرين. واستهلت سنة تسع وستين ~~والملك الأشرف شعبان كالمحجور عليه مع أسندمر، غير أن اسمه السلطان، وخليفة ~~الوقت المتوكل على الله، وأسندمر الناصري أمير كبير أتابك العساكر ومدبر ~~المملكة ونائب السلطنة مع أمير علي المارديني آلة يتعاطى الأحكام لا غير، ~~ونائب دمشق آقتمر عبد الغني، ونائب حلب منكلي بغا الشمسي وهو يومئذ يخشى ~~شره، ونائب طرابلس منجك اليوسفي، ونائب ms2226 حماة عمر شاه صاحب القنطرة على ~~الخليج خارج القاهرة، ونائب صفد أرغون الأزقي. واستمر الأتابك أسندمر على ~~ما هو عليه إلى يوم الجمعة سادس صفر اتفقت عليه مماليك يلبغا الأجلاب، ~~وركبوا معهم الأمراء وقت صلاة الجمعة، ودخلوا على أسندمر الناصري وسألوه أن ~~يمسك جماعة من الأمراء، فمسك أزدمر العزي أمير سلاح وجركتمر المنجكي أمير ~~مجلس وبيرم العزي الدوادار الكبير وبيبغا القوصوني والأمير آخور كبك ~~الصرغتمشي الجوكندار. واستمرت المماليك لابسين السلاح، وأصبحوا يوم السبت ~~ومسكوا خليل بن قوصون ثم أطلقوه، وانكسرت الفتنة إلى عشية النهار وهي ليلة ~~الأحد وقالوا لأسندمر: نريد عزل الملك الأشرف، وكان أسندمر مقهورا معهم. ~~وبلغ الخبر الملك الأشرف، فأرسل في الحال إلى خليل بن قوصون فحضر، وركب ~~الملك الأشرف وركب ابن قوصون ومماليك الأشرف الجميع مع أستاذهم، وكانوا نحو ~~المائتين لا غير، وكان الذين اجتمعوا من مماليك يلبغا فوق الألف وخمسمائة. ~~وركب مع الملك الأشرف جماعة من الأمراء الكبار مثل أسنبغا ابن الأبو بكري ~~وقشتمر المنصوري في آخرين، وضربت الكوسات، واجتمع على السلطان خلق كثير من ~~العوام. ولما بلغ أسندمر الناصري ركوب الملك الأشرف، أخذ جماعة من مماليك ~~يلبغا، وطلع من خلف القلعة كما فعل أولا في واقعة آقبغا الجلب، وتقدمت ~~مماليك يلبغا وصدموا المماليك الأشرفية وتقاتلوا. وبينما هم في ذلك جاء ~~أسندمر بمن معه من تحت الطبلخاناه كما فعل تلك المرة، فعلم به الأشرفية ~~والأمراء، فمالوا عليه فكسروه أقبح كسرة وقرب أسندمر، ثم أمسك وتمزقت ~~المماليك اليلبغاوية. فلما جيء للأشرف بأسندمر وحضر بين يديه شفعت فيه ~~الأمراء الكبار، فأطلقه السلطان ورسم له أن يكون أتابكا على عادته. ورسم له ~~بالنزول إلى بيته بالكبش، ورسم للأمير خليل بن قوصون أن يكون شريكه في ~~الأتابكية. فنزل أسندمر إلى بيته ليلة الاثنين، وأرسل السلطان معه الأمير ~~خليل بن قوصون صفة الترسيم، وهو شريكه في وظيفة الأتابكية، ليحضره في بكرة ~~نهار الاثنين. فلما نزلا إلى الكبش، تحالفا وخامرا ثانيا على السلطان. ~~وأجتمع عند أسندمر وخليل بن قوصون في تلك الليلة ms2227 جماعة كبيرة من مماليك ~~يلبغا، وصاروا مع أسندمر كما كانوا أولا. وأصبحا يوم الاثنين وركبا إلى سوق ~~الخيل. فركب السلطان بمن معه من الأمراء والمماليك الأشرفية وغيرهم، ~~فالتقوا معهم وقاتلوهم وكسروهم، وقتلوا جماعة كبيرة من مماليك يلبغا. وهرب ~~أسندمر وابن قوصون واشتغل مماليك السلطان والعوام بمسك مماليك يلبغا، ~~يمسكونهم ويحضرونهم عرايا مكشفي الرؤوس. وتوجه فرقة من السلطانية إلى ~~أسندمر وابن قوصون فقبضوا عليهما وعلى ألطنبغا اليلبغاوي وجماعة أخر من ~~الأمراء اليلبغاوية، فقيدوا وأرسلوا إلى سجن الإسكندرية. وفي هذه الوقعة ~~يقول الشيخ شهاب الدين أحمد بن العطار: البسيط PageV03P0201 # هلال شعبان جهرا لاح في صفر ... بالنصر حتى أرى عيدا بشعبان وأهل كبش ~~كأهل الفيل قد أخذوا ... رغما وما انتطحت في الكبش شاتان ثم جلس الملك ~~الأشرف شعبان في الإيوان وبين يديه أكابر الأمراء، ورسم بتسمير جماعة من ~~مماليك يلبغا نحو المائة وتوسيطهم، ونفى جماعة منهم إلى الشام وأخذ مال ~~أسندمر وأنفق على مماليكه لكل واحد مائة دينار، ولكل واحد من غير مماليكه ~~خمسون دينارا. ورسم للأمير يلبغا المنصوري باستقراره أتابك العساكر هو ~~والأمير ملكتمر الخازندار، وأنعم على كل منهما بتقدمة ألف. وأنعم على ~~تلكتمر بن بركة بتقدمة ألف عوضا عن خليل بن قوصون، وكان ذلك في سادس عشر ~~صفر. ثم أصبح السلطان من الغد في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر قبض على يلبغا ~~المنصوري المذكور ورفيقه تلكتمر المحمدي لأنهما أرادا الإفراج عن مماليك ~~يلبغا العمري، وقصد يلبغا المنصوري أن يسكن بالكبش، فمسكهما الملك الأشرف ~~وأرسلهما إلى الإسكندرية. ثم أرسل السلطان بطلب الأمير منكلي بغا الشمسي ~~نائب حلب إلى الديار المصرية، فحضرها بعد مدة وأخلع عليه السلطان خلعة ~~النيابة بديار مصر، فأبى أن يكون نائبا، فأنعم عليه بتقدمة ألف وجعله أتابك ~~العساكر، وتولى نيابة حلب عوضه طيبغا الطويل، وكان أخرجه من سجن الإسكندرية ~~قبل ذلك. ثم زوج السلطان أخته للأمير منكلي بغا الشمسي المذكور، فتزوجها، ~~وأولدها بنتا تزوجها الملك الظاهر برقوق، وعاشت بعد الملك الظاهر إلى أن ~~ماتت في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة ms2228 بقاعتها بخط الكعكين من القاهرة. ثم ~~رسم الملك الأشرف أن يفرج عن طغيتمر النظامي وأيدمر الخطائي وألجاي ~~اليوسفي، وكانوا محبوسين بالإسكندرية، فحضروا إلى بين يدي السلطان، وقبلوا ~~الأرض بين يديه. وخلع السلطان على بكتمر المؤمني واستقر أمير آخور كبيرا ~~بتقدمة ألف، وهو صاحب المصلاة والسبيل بالرميلة. ثم رسم السلطان بإحضار ~~الأمير آقتمر عبد الغني، فلما وصل آقتمر إلى مصر أخلع عليه السلطان ~~باستقراره حاجب الحجاب بالديار المصرية. وكان آقتمر هذا قد ولي نيابة ~~السلطنة بالديار المصرية قبل نيابة الشام، وتولى نيابة دمشق بعده بيدمر ~~الخوارزمي قليلا، ثم عزل واستقر عوضه في نيابة دمشق منجك اليوسفي نائب ~~طرابلس، واستقر في نيابة طرابلس بعد منجك أيدمر الآنوكي. ثم أخلع السلطان ~~على الأمير الأكز الكشلاوي باستقراره شاد الدواوين، عوضا عن بهادر الجمالي. ~~ثم أفرج عن الأمير أرغون ططر وأخلع عليه واستقر أمير شكار بتقدمة ألف. ثم ~~رسم بإحضار قطلوبغا الشعباني من الشام فحضر بعد مدة. ثم في ثامن عشر جمادى ~~الآخرة استقر الأمير آقتمر الصاحبي دوادارا عوضا عن آقبغا بن عبد الله ~~بإمرة طبلخاناه. واستقر طغيتمر العثماني شاد الشراب خاناه. واستقر بشتك ~~العمري رأس نوبة ثانيا. ثم أخلع الملك الأشرف في تاسع عشرين شهر رمضان على ~~الأمير أرغون الأزقي باستقراره رأس نوبة كبيرا عوضا عن تلكتمر بن بركة، ~~واستقر تلكتمر المذكور أمير مجلس عوضا عن طغيتمر النظامي. ثم استقر الأمير ~~ألجاي اليوسفي أمير سلاح برانيا عوضا عن أزدمر العزي. واستقر آقبغا بن عبد ~~الله دوادارا كبيرا بإمرة طبلخاناة. ثم استقر الأكز أستادارا عوضا عن ~~ألطنبغا بحكم وفاته. PageV03P0202 # وفي سابع شوال استقر الأمير عمر بن أرغون النائب في نيابة الكرك، عوضا عن ~~ابن القشمري. واستقر طيدمر البالسي في نيابة الإسكندرية، عوضا عن صلاح ~~الدين خليل بن عرام. واستقر خليل بن عرام حاجبا بثغر الإسكندرية. ثم استقر ~~أيدمر الشيخي في نيابة حماة عوضا عن عمر شاه، وأخلع على شمس الدين ابن ~~المقدسي باستقراره ناظر الخواص الشريفة بالقاهرة عوضا عن ابن أبي شاكر في ~~ثالث عشر ms2229 ذي القعدة. واستقر العلامة سراج الدين عمر بن إسحاق الغزنوي ~~الهندي الحنفي قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية، بعد موت قاضي القضاة ~~جمال الدين التركماني. واستقر الشيخ سراج عمر بن رسلان بن نصير بن صالح ~~الكناني البلقيني الشافعي في قضاء دمشق عوضا عن قاضي القضاة تاج الدين عبد ~~الوهاب السبكي، فلم تطل مدة البلقيني في قضاء دمشق وعزل، وأعيد تاج الدين ~~السبكي. واستقر القاضي بدر الدين محمد ابن القاضي علاء الدين علي ابن ~~القاضي محيي الدين يحيى بن فضل الله العمري في كتابة السر بالديار المصرية ~~بعد وفاة والده. واستقر فتح الدين محمد بن الشهيد في كتابة سر دمشق عوضا عن ~~جمال الدين بن الأثير. ثم وقع الوباء بالديار المصرية حتى بلغت عدة الموتى ~~في اليوم أكثر من ألف نفس، وأقام نحو الأربعة أشهر وارتفع. وفي هذه السنة ~~أيضا وهي سنة تسع وستين وسبعمائة قصدت الفرنج مدينة طرابلس الشام في مائة ~~وثلاثين مركبا من الشواني والقراقير والغربان والطرائد وصحبتهم صاحب قبرس، ~~وهو المقدم ذكره عليهم، وكان نائبها وأكثر عسكرها غائبين عنها. فاغتنمت ~~الفرنج الفرصة وخرجوا من مراكبهم إلى الساحل، فخرج لهم من طرابلس بقية ~~عسكرها بجماعة من المسلمين، فتراموا بالنبال ثم اقتتلوا أشد قتال. وتقهقر ~~المسلمون، ودخل المدينة طائفة من الفرنج، فنهبوا بعض الأسواق. ثم إن ~~المسلمين تلاحقوا، وحصل بينهم وبين الفرنج وقائع عديدة استشهد فيها من ~~المسلمين نحو أربعين نفرا، وقتل من الفرنج نحو الألف، وألقى الله تعالى ~~الرعب في قلوب الفرنج فرجعوا خائبين. وفي هذه السنة قوي أمر الملك الأشرف ~~في السلطنة، وصار تدبير ملكه إليه: يعزل ويولي من غير مشورة الأمراء، وصار ~~في الفلك من غير منازع ولا معاند، وحسنت سيرته، وأحبته الرعية إلى الغاية، ~~وصار يقصد المقاصد الجميلة مما سيأتي ذكره. ثم في أول جمادى الآخرة عزل ~~الأشرف أسنبغا بن الأبو بكري عن نيابة حب بالأمير قشتمر المنصوري. ثم قبض ~~السلطان على أرغون العجمي الساقي أحد المماليك السلطانية بسبب أنه سرق ~~أحجارا مثمنة من الخزانة السلطانية وباعها ms2230 على الفرنج، وفيها حجر يعرف بوجه ~~الفرس، فجاء به الفرنج إلى منجك اليوسفي نائب الشام فعرفه وأرسله إلى ~~السلطان، وأخبره بخبر أرغون العجمي وكيف باعه للفرنج، فصفح السلطان عنه ~~ونفاه إلى الشام. ثم في يوم السبت العشرين من شهر رمضان نفى السلطان الأمير ~~آقتمر الصاحبي الدوادار الكبير إلى الشام لأمر وقع بينه وبين الأمير ألجاي ~~اليوسفي. وفي تاسع عشر ذي القعدة أحضر الأمير بيدمر الخوارزمي المعزول عن ~~نيابة الشام قبل تاريخه وأدخل إلى قاعة الصاحب بقلعة الجبل، وطلب منه ~~ثلاثمائة ألف دينار، وكان متولي أمره علي بن محمد بن كلبك التركماني، فعصر ~~يوم الثلاثاء حادي عشرين ذي القعدة، ثم أفرج عنه ونفي إلى طرابلس بعد أن ~~أخذ منه مائة ألف دينار. ثم قدم الخبر على السلطان بقتل الأمير قشتمر ~~المنصوري نائب حلب. وخبره أنه لما ولي نيابة حلب في جمادى الآخرة من هذه ~~السنة وتوجه إلى حلب، فلم يقم بها إلا يسيرا، وخرج منها وكبس أمير آل فضل ~~بعربه بتل السلطان. فركب العرب وقاتلته، فقتل في المعركة هو وولده محمد بن ~~قشتمر. وكان الذي قتله حيار أمير آل فضل وولده نعير بن حيار، وكان ذلك يوم ~~الجمعة خامس عشر ذي الحجة. ولما بلغ الملك الأشرف ذلك عظم عليه، وأرسل ~~تقليدا للأمير اشقتمر المارديني بنيابة حلب على يد الأمير قطلوبغا ~~الشعباني، وعزل حيارا عن إمرة العرب وولاها لزامل . PageV03P0203 # ثم أنعم الملك الأشرف في هذه السنة على ألوف بتقادم وطبلخانات وعشرات ~~فممن أنعم عليهم بتقدمة ألف: الأمير بهادر الجمالي، وبشتك العمري. وممن ~~أنعم عليه بإمرة طبلخاناه: صراي الإدريسي، وبيبغا القوصوني، وأحمد بن اقتمر ~~عبد الغني، وأحمد بن قنغلي، وخليل بن قماري الحموي، وطغيتمر الحسيني، وحسين ~~بن الكوراني، وأرغون شاه الأشرفي. وكان أمير الحاج في هذه السنة بهادر ~~الجمالي. وحجت في هذه السنة أيضا خوند بركة، والدة السلطان الملك الأشرف ~~صاحب الترجمة، بتجمل زائد ورخت عظيم وبرك هائل، وفي خدمتها من الأمراء ~~الألوف: بشتك العمري وبهادر الجمالي أمير الحاج ومائة مملوك من المماليك ms2231 ~~السلطانية الخاصكية. وكان من جملة ما معها بحرب الحجاز كوسات، وعصائب ~~سلطانية، وعدة محفات بأغطية زركش، وعدة محاير كثيرة بأفخر زينة. وحمل معها ~~أشياء كثيرة يطول الشرح في ذكرها من ذلك: قطر جمال عليها مزروع خضر وغير ~~ذلك. وحجت وعادت إلى الديار المصرية، بعد أن احتفل جميع أمراء الدولة إلى ~~ملاقاتها. ولما وصلت إلى القلعة أثنت على بهادر الجمالي فأخلع السلطان ~~عليه. ثم بعد مدة في يوم حادي عشرين المحرم من سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ~~أخلع السلطان على الأمير بهادر الجمالي واستقر به أمير آخور كبيرا عوضا عن ~~الأمير بكتمر المؤمني بعد موته، واستقر الأمير تلكتمر من بركة أستادارا ~~عوضا عن بهادر الجمالي المذكور، واستقر أرغون شاه الأشرفي أمير مجلس عوضا ~~عن تلكتمر المنتقل إلى الأستادارية، ثم نقل أرغون شاه المذكور بعد مدة ~~يسيرة من وظيفة أمير مجلس إلى وظيفة رأس نوبة النوب، بعد موت بشتك العمري. ~~واستقر أرغون الأحمدي اللالا أمير مجلس عوضا عن أرغون شاه المذكور. ثم أنعم ~~السلطان على الأمير طينال المارديني بتقدمة ألف، وعلى علم دار أيضا بتقدمة ~~ألف واستقر أستادار العالية عوضا عن تلكتمر. ثم في سنة اثنتين وسبعين استقر ~~الأمير طشتمر العلائي دوادارا كبيرا بإمرة طبلخاناة، انتقل إليها من ~~الجندية عوضا عن منكوتمر من عبد الغني. واستقر يلبغا الناصري اليلبغاوي ~~خازندارا كبيرا، عوضا عن يعقوب شاه. قلت: والناصري هذا هو صاحب الوقعة مع ~~الملك الظاهر برقوق الآتي ذكرها في ترجمة الظاهر المذكور. ثم في سنة ثلاث ~~وسبعين عزل السلطان الأمير اشقتمر المارديني عن نيابة حلب بالأمير عز الدين ~~أيدمر الدوادار. قلت: وإشقتمر المارديني هذا ومنجك اليوسفي نائب الشام ~~وبيدمر الخوارزمي هؤلاء الثلاثة لا أعلم أحدا في الدولة التركية ولي ~~ولايتهم من الأعمال والوظائف، ولا طال مكثه في السعادة مثلهم، على ما ~~ذكرناه فيما مضى، وما سنذكره فيما يأتي إن شاء الله تعالى. على أن اشقتمر ~~هذا طال عمره في السعادة حتى ولي نيابة الشام عن الملك الظاهر برقوق، ~~وبرقوق يومئذ في خدمة منجك اليوسفي ms2232 نائب الشام، وإلى الآن لم يتصل بخدمة ~~السلطان ولا صار من جملة المماليك السلطانية. وقد تقدم أن اشقتمر ولي ~~الأعمال الجليلة من سلطنة الملك الناصر حسن الأولى، وكان يلبغا العمري ~~أستاذ برقوق يوم ذاك خاصكيا، فأنظر إلى تقلبات هذا الدهر ونيل كل موعود بما ~~وعد. انتهى. وفي سنة ثلاث وسبعين المذكورة رسم السلطان الملك الأشرف أن ~~الأشراف بالديار المصرية والبلاد الشامية كلهم يسمون عمائمهم بعلامة خضراء ~~بارزة للخاصة والعامة إجلالا لحقهم وتعظيما لقدرهم، ليقابلوا بالقبول ~~والإقبال، ويمتازوا عن غيرهم من المسلمين. فوقع ذلك ولبسوا الأشراف العمائم ~~الخضر، التي هي الآن مستمرة على رؤوسهم. فقال الأديب شمس الدين محمد بن ~~إبراهيم الشهير بالمزين في هذا المعنى: الكامل، أطراف تيجان أتت من سندس ~~... خضر كأعلام على الأشراف والأشرف السلطان خصصهم بها ... شرفا لنعرفهم من ~~الأطراف وقال أيضا في المعنى الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن جابر ~~الأندلسي: الكامل، جعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم ~~يشهر نور النبوة في كريم وجوههم ... يغني الشريف عن الطراز الأخضر وقال ~~أيضا في المعنى الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب الحلبي: الرجز عمائم الأشراف ~~قد تميزت ... بخضرة رقت وراقت منظرا PageV03P0204 # وقال ولده أبو العز طاهر بن حسن بن حبيب في المعنى أيضا: الطويل، ألا قل ~~لمن يبغي ظهور سيادة ... تملكها الزهر الكرام بنو الزهرا لئن نصبوا للفخر ~~أعلام خضرة ... فكم رفعوا للمجد ألوية حمرا وقال الشيخ شهاب الدين بن أبي ~~حجلة التلمساني الحنفي - تغمدة الله تعالى - في المعنى أيضا: الطويل، لآل ~~رسول الله جاه ورفعة ... بها رفعت عنا جميع النوائب وقد أصبحوا مثل الملوك ~~برنكهم ... إذا ما بدوا للناس تحت العصائب قلت: وبهذه الفعلة يدل على حسن ~~اعتقاد الملك الأشرف المذكور في آل بيت النبوة وتعظيمه لهم، ولقد أحدث شيئا ~~كان الدهر محتاجا إليه، ولا ألهم الله تعالى الملوك ذلك من قبله، ولله در ~~القائل: كم ترك الأول للآخر. وفي أول سنة أربع وسبعين وسبعمائة استقر ~~الأمير ألجاي اليوسفي أمير سلاح أتابك العساكر ms2233 بالديار المصرية عوضا عن ~~منكلي بغا الشمسي بحكم وفاته - إلى رحمة الله تعالى - وأخلع عليه أيضا بنظر ~~البيمارستان المنصوري، فعند ذلك عظم قدر ألجاي المذكور من كونه زوج أم ~~السلطان وصار أتابك العساكر، وبهذا استطال ألجاي في المملكة، فإنه قبل ~~زواجه بأم السلطان خوند بركة كان من جملة الأمراء المقدمين لا غير انتهى. ~~ثم أخلع السلطان على الأمير كجك من أرطق شاه باستقراره أمير سلاح برانيا ~~عوضا عن ألجاي اليوسفي المذكور. وأستقر يلبغا الناصري شاد الشراب خاناه ~~عوضا عن كجك. واستقر تلكتمر الجمالي خازندارا عوضا عن يلبغا الناصري. ثم ~~توجه السلطان إلى سرحة الأهرام بالجيزة، وعاد بعد أيام، وعند عوده إلى قلعة ~~الجبل أخلع على الطواشي سابق الدين مثقال مقدم المماليك السلطانية قباء ~~حرير أزرق صاف بطرز زركش عريض أسوة بالأمراء الخاصكية، وهذا شيء لم يلبسه ~~مقدم قبله. وكان السلطان الملك الأشرف قبل ذلك قد استجد في كل سنة عند ~~طلوعه من هذه السرحة، وهي توجه السلطان إلى ربيع الخيل، أن يلبس الأمراء ~~الخاصكية مقدمي الألوف أقبية حرير بفرو سمور بأطواق سمور بطرز زركش، ~~والطبلخانات والعشرات أقبية حرير بطرز زركش منها ما هو بفرو قاقم ومنها ما ~~هو بفرو سنجاب. ثم بعد ذلك نزل السلطان في يوم الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة ~~سنة أربع وسبعين، ووالدته معه وهي متمرضة، إلى الروضة تجاه مصر القديمة ~~بمنظرة الأمير طشتمر الدوادار، فأقام فيها يوم الثلاثاء والأربعاء وصحبته ~~جميع الأمراء، وطلع يوم الخميس إلى القلعة. واستمرت أم السلطان متمرضة إلى ~~أن ماتت في ذي الحجة وهي في عصمة ألجاي اليوسفي، وصلى عليها ابنها السلطان ~~الملك الأشرف، ودفنت بمدرستها التي عمرتها بخط التبانة خارج القاهرة بالقرب ~~من باب الوزير. ووجد عليها ولدها الملك الأشرف وجدا عظيما، لأنها كانت من ~~خيار نساء عصرها دينا وخيرا وصدقة ومعروفا. ومن الاتفاق العجيب بعد موتها ~~البيتان اللذان عملهما الأديب شهاب الدين السعدي الأعرج وتفاءل بهما على ~~ألجاي اليوسفي وهما: الكامل، في مستهل العشر من ذي الحجة ... كانت صبيحة ~~موت ms2234 أم الأشرف فالله يرحمها ويعظم أجرها ... ويكون في عاشور موت اليوسفي ~~فكان الأمر على ما ذكر، وهذا من الاتفاق الغريب، وهو أنه لما ماتت خوند ~~بركة المذكورة، واستهلت سنة خمس وسبعين، وقع بين الملك الأشرف وبين زوج أمه ~~ألجاي اليوسفي كلام من أجل التركة المتعلقة بخوند بركة المذكورة، وكان ذلك ~~يوم الثلاثاء سادس المحرم من السنة المذكورة. وكثر الكلام بين السلطان وبين ~~ألجاي اليوسفي، حتى غضب ألجاي، وخرج عن طاعة الملك الأشرف، ولبس هو ~~ومماليكه آلة الحرب، ولبست مماليلك السلطان أيضا. وركب السلطان بمن معه من ~~أمرائه وخاصكيته، وباتوا الليلة لابسين السلاح إلى الصباح. فما كان نهار ~~الأربعاء سابع المحرم كانت الوقعة بين الملك الأشرف شعبان وبين زوج أمه ~~الأتابك ألجاي اليوسفي، فتواقعوا إحدى عشرة مرة، وعظم القتال بينهما حتى ~~كانت الوقعة الحادية عشرة انكسر فيها ألجاي اليوسفي وانهزم إلى بركة الحبش. ~~PageV03P0205 # ثم تراجع أمره وعاد بمن معه من على الجبل الأحمر إلى قبة النصر، فطلبه ~~السلطان الملك الأشرف، فأبى، فأرسل إليه خلعة بنيابة حماة فقال: أنا أروح، ~~بشرط أن يكون كل ما أملكه وجميع مماليكي معي، فأبى السلطان ذلك، وباتوا تلك ~~الليلة. فهرب جماعة من مماليك ألجاي في الليل وجاؤوا إلى الملك الأشرف. ~~فلما كان صباح يوم الخميس ثامن المحرم أرسل السلطان الأمراء والخاصكية ~~ومماليك أولاده وبعض المماليك السلطانية إلى قبة النصر إلى حيث ألجاي، فلما ~~رآهم ألجاي هرب، فساقوا خلفه إلى الخرقانية. فلما رأى ألجاي أنه مدرك رمى ~~بنفسه وفرسه إلى البحر، ظنا أنه يعدي به إلى ذلك البر، وكان ألجاي عواما، ~~فثقل عليه لبسه وقماشه، فغرق في البحر وخرج فرسه. وبلغ الخبر السلطان الملك ~~الأشرف فشق عليه موته وتأسف عليه. ثم أمر بإخراجه من النيل، فنزل الغواصون ~~وطلعوا به وأحضروه إلى القلعة في يوم الجمعة تاسع المحرم في تابوت وتحته ~~لباد أحمر، فغسل وكفن، وصلى عليه الشيخ جلال الدين التباني، ودفن في القبة ~~التي أنشأها بمدرسته برأس سويقة العزي خارج القاهرة، والمدرسة معروفة وبها ~~خطبة. وكان ألجاي ms2235 من أجل الأمراء وأحسنها سيرة. ثم قبض السلطان على مماليك ~~ألجاي، ونودي بالمدينة أن كل من لقي أحدا منهم يحضره إلى السلطان ويأخذ له ~~خلعة. ثم أخذ السلطان أولاد ألجاي وهم إخوته لأمه ورتب لهم ما يكفيهم، ~~واحتاط على سائر موجود ألجاي، وأخذ جميع مماليكه وصفح عنهم وجعلهم في خدمة ~~ولديه: أمير علي وأمير حاج. ثم قبض السلطان على جماعة من الأمراء ممن كان ~~يلوذ بالأمير ألجاي وهم: صراي العلائي، وسلطان شاه بن قراجا، وطقتمر ~~الحسني، وعلي بن كلبك وصادره. ثم أمسك بيبغا القوصوني وخليل بن قماري ~~الحموي، فشفع فيهما الأمير طشتمر الدوادار. ثم في آخر صفر رسم السلطان بنفي ~~جماعة إلى البلاد الشامية، وهم: محمد شاه دوادار ألجاي، وخليل بن عرام ~~المعزول عن نيابة الإسكندرية، وعلي بن كلبك، وآقبغا البشمقدار خازندار ~~ألجاي. وكان السلطان في تاسع المحرم رسم لبوري الحلبي الخازندار أن يتوجه ~~إلى طرابلس لإحضار نائبها الأمير عز الدين أيدمر الدوادار الناصري إلى مصر، ~~فتوجه بوري إليه وأحضره. فلما مثل بين يدي السلطان أخلع عليه باستقراره ~~أتابك العساكر بالديار المصرية، عوضا عن ألجاي اليوسفي، وتولى عوضه نائب ~~طرابلس الأمير يعقوب شاه. وبعد موت ألجاي أنعم السلطان على جماعة من ~~الأمراء بإقطاعات ووظائف، فأخلع على الأمير صرغتمش الأشرفي باستقراره أمير ~~سلاح خاصكيا يجلس بالإيوان في دار العدل، واستقر أرغون الأحمدي اللالا ~~أميرا كبيرا برانيا وأجلس بالإيوان، قاله العيني في تاريخه ووافقه غيره. ~~قلت: فيكون على هذا الحكم تلك الأيام أمير كبير خاص وأمير كبير براني، ~~وأمير سلاح خاص وأمير سلاح براني، وهذا شيء لم يسمع بمثله. انتهى ثم أنعم ~~السلطان على قطلوبغا الشعباني بتقدمة ألف واستقر رأس نوبة ثانيا. قلت: وهذه ~~الوظيفة الآن هي وظيفة رأس نوبة النوب. ورأس نوبة نوب تلك الأيام قد بطلت ~~من الدولة الناصرية فرج بن برقوق. وكانت تسمى رأس نوبة الأمراء، وآخر من ~~وليها آقباي الطرنطاوي الحاجب. ثم أخلع على جماعة وأنعم عليهم بإمرة ~~طبلخانات وهم: أحمد بن يلبغا العمري الخاصكي، واقتمر الصاحبي، وتمرباي ms2236 ~~الحسني، وإينال اليوسفي وعلي بن بهادر الجمالي، وبلوط الصرغتمشي، ومختار ~~الطواشي الحسامي مقدم الرفرف. قلت: وأيضا هذا شيء لم يسمع بمثله من أن يكون ~~بعض خدام الأطباق أمير طبلخاناه. وأغرب من ذلك أن مقدم المماليك في زماننا ~~هذا إقطاعه إمرة عشرة ضعيفة. انتهى. وخلع على ألجيبغا المحمدي وحاجى بك بن ~~شادي. وأنعم على اثنين بعشرات وهم ألطنبغا من عبد الملك وطشتمر الصالحي. ~~PageV03P0206 # ثم في عاشر شهر ربيع الآخر استقر أحمد بن آل ملك في نيابة غزة عوضا عن ~~طشبغا المظفري. وأنعم على مبارك الطازي بتقدمة ألف، وعلى سودون جركس ~~المنجكي بتقدمة ألف. وارتجع السلطان من طينال المارديني تقدمته وأنعم عليه ~~بإمرة طبلخاناه، ثم استمر منكلي بغا البلدي الأحمدي في نيابة الكرك. واستقر ~~ناصر الدين محمد بن آقبغا آص أستادارا بتقدمة ألف. ثم أنعم السلطان على ~~ألطنبغا ططق العثماني بتقدمة ألف واستقر أمير سلاح برانيا عوضا عن طيدمر ~~البالسي. وأنعم على طغيتمر اليلبغاوي الدوادار الثاني بإمرة طبلخاناه، وهو ~~أول من لبس الدوادارية الثانية. ثم نقل منكلي بغا البلدي من نيابة الكرك ~~إلى نيابة صفد. واستقر آقتمر عبد الغني النائب بديار مصر في نيابة طرابلس، ~~وقد تقدم أن آقتمر هذا كان ولي نيابة الشام سنين. وفي رابع عشرين ذي القعدة ~~استقر يلبغا الناصري اليلبغاوي، صاحب الوقعة مع برقوق الآتي ذكرها، حاجبا ~~ثانيا بإمرة مائة وتقدمة ألف. ثم عزل السلطان سابق الدين مثقالا الآنوكي ~~مقدم المماليك وأمره أن يلزم بيته، واستقر عوضه في تقدمة المماليك الطواشي ~~مختار الحسامي مقدم الرفرف المقدم ذكره. ثم ندب السلطان الأمير يلبغا ~~الناصري للسفر إلى دمشق لإحضار نائبها الأمير منجك اليوسفي، فسار من وقته ~~إلى أن وصل إلى دمشق، وأحضر الأمير منجك المذكور. ووصل منجك إلى الديار ~~المصرية وصحبته أولاده ومملوكه جركتمر وصهره آزوس المحمودي بعد أن احتفل ~~أهل الدولة لملاقاته وخرجت إليه الأمراء إلى بين الحوضين خارج قبة النصر. ~~وطلع إلى القلعة من باب السر، وسائر الأمراء والخاصكية مشاة بين يديه في ~~ركابه، مثل أيدمر الدوادار ومن ms2237 دونه بإشارة السلطان. فلما دخل منجك على ~~السلطان وقبل الأرض، أقبل عليه السلطان إقبالا كليا وخلع عليه باستقراره ~~نائب السلطنة بالديار المصرية خاصكيا عوضا عن آقتمر عبد الغني المنتقل إلى ~~نيابة طرابلس، وفوض إليه السلطان النظر في الأحباس والأوقاف والنظر في ~~الوزارة - فإنه كان وليها بعد موت أستاذه الملك الناصر محمد بن قلاوون كما ~~تقدم ذكره - والنظر على ناظر الخاص، وقرئ تقليده بالإيوان، وأن السلطان ~~أقامه مقام نفسه في كل شيء، وفوض إليه سائر أمور المملكة، وأنه يخرج ~~الإقطاعات التي عبرتها سبعمائة دينار إلى ما دونها، وأنه يعزل من شاء من ~~أرباب الدولة، وأنه يخرج الطبلخانات والعشرات بسائر المماليك الشامية، ورسم ~~للوزير أن يجلس قدامه في الدركاه مع الموقعين. ثم بدأ الغلاء بالديار ~~المصرية في هذه السنة وتزايد سعر القمح إلى أن أبيع بتسعين درهما الإردب، ~~وزاد النيل بعد أن نقص في شهر هاتور، وهذا أيضا من الغرائب. وهذه السنة ~~تسمى سنة الشراقي كما سنبينه في حوادث السنين من سلطنة الملك الأشرف هذا. ~~ثم في أول سنة ست وسبعين عزل السلطان الأمير آقتمر عبد الغني عن نيابة ~~طرابلس بالأمير منكلي بغا البلدي نائب صفد وولاه نيابة صفد. قلت: درجة إلى ~~أسفل. ثم مرض الأمير منجك اليوسفي النائب فنزل السلطان لعيادته، ففرش منجك ~~تحت رجلي فرسه الشقق الحرير، وقدم له عشرة مماليك وعشرة بقج وعدة خيول، ~~فقبلها السلطان ثم أنعم بها عليه. وكان ذلك في يوم الثلاثاء سابع عشرين ذي ~~الحجة. ومات منجك بعد يومين. ثم ورد الخبر على السلطان بأن القان حسين ابن ~~الشيخ أويس ابن الشيخ حسن بن حسين بن آقبغا بن أيلكان، تولى مملكة تبريز ~~وبغداد بعد وفاة أبيه. وفي هذه السنة فتحت سيس - وهي كرسي الأرمن - على يد ~~الأمير اشقتمر المارديني نائب حلب، بعد أن نازلها مدة ثلاثة شهور حتى فتحها ~~وانقرضت منها دولة الأرمن - ولله الحمد - فدقت البشائر لذلك وفرح الملك ~~الأشرف فرحا عظيما بهذا الفتح العظيم. وفي هذه السنة - أيضا وهي سنة ست ~~وسبعين المذكورة ms2238 - وقع الفناء بالديار المصرية من نصف جمادى الآخرة وتزايد ~~في شعبان، ثم في شهر رمضان حتى صار يموت في كل يوم من الحشرية نحو خمسمائة ~~نفس ومن الطرحى نحو الألف. وأبيع كل فروج بخمسة وأربعين درهما، وكل سفرجلة ~~بخمسين درهما، وكل رمانة بعشرة دراهم، والعشرة دراهم يوم ذاك كانت أزيد من ~~نصف دينار وكل رمانة حلوة بستة عشر درهما، وكل بطيخة صيفية بسبعين درهما. ~~PageV03P0207 # ولما توفي منجك شغرت نيابة السلطنة بديار مصر إلى العشرين من شهر ربيع ~~الأول واستقر فيها الأمير آقتمر الصاحبي الحنبلي. وفي محرم سنة سبع وسبعين ~~ختن السلطان أولاده وعمل المهم سبعة أيام. وفي العشر الأوسط من صفر هذه ~~السنة ابتدأ الملك الأشرف بعمارة مدرسته التي أنشأها بالصوة تجاه ~~الطبلخاناه السلطانية التي موضعها الآن بيمارستان الملك المؤيد شيخ، وهو ~~كلا شيء، فاشترى الملك الأشرف بيت الأمير شمس الدين سنقر الجمالي وشرع في ~~هدمه. وفي هذه السنة تزايد الغلاء بالبلاد الشامية، حتى جاوز الحد وجعل ~~الغني فقيرا، وأبيع فيه الرطل الخبز بدرهمين. وفي هذا المعنى يقول بدر ~~الدين بن حبيب: الخفيف، لا تقيمن بي على حلب الشه ... باء وارحل فأخضر ~~العيش أدهم كيف لي بالمقام والخبز فيها ... كل رطل بدرهمين ودرهم وفي سنة ~~ثمان وسبعين عزل السلطان الملك الأشرف آقتمر الصاحبي الحنبلي عن نيابة ~~السلطنة بالديار المصرية واستقر به أتابك العساكر، وعزل الأمير آقتمر عبد ~~الغني عن نيابة صفد واستقر به أمير مائة ومقدم ألف بالقاهرة. ثم في العشرين ~~من شهر ربيع الآخر غرقت الحسينية خارج القاهرة وخرب فيها أزيد من ألف بيت. ~~وكان سبب هذا الغرق أن أحمد بن قايماز أستادار محمد ابن آقبغا آص استأجر ~~مكانا خارج القاهرة بالقرب من آخر الحسينية وجعله بركة ليجتمع فيه السمك ~~وفتح له مجرى من الخليج، فتزايد الماء وغفلوا عنه، فطفح على الحسينية ~~فغرقها. فقبض السلطان بعد ذلك بمدة على محمد بن اقبغا آص وصادره وعزله عن ~~الأستادارية، هذا والسلطان في تأهب سفر الحجاز. فلما كان يوم الأربعاء تاسع ~~عشر ms2239 شهر رمضان سفر السلطان إخوته وأولاد أعمامه إلى الكرك صحبة الأمير ~~سودون الفخري الشيخوني ليقيم عندهم بالكرك مدة غيبة السلطان في الحجاز. كل ~~ذلك والسلطان متضعف، وحركة الحجاز عمالة، وحواشيه وخواصه ينهونه عن السفر ~~في هذه السنة وهولا يلتفت إلى كلامهم. ثم توجه السلطان إلى سرياقوس على ~~عادته في كل سنة، وعاد وقد نصل عن ضعفه إلى يوم السبت الثاني عشر من شوال ~~خرجت أطلاب الأمراء المتوجهين صحبة السلطان إلى الحجاز. وفي الأحد ثالث ~~عشره خرج السلطان بتجمل زائد وطلب عظيم إلى الغاية، جر فيه عشرون قطارا من ~~الهجن الخاص بقماش ذهب، وخمسة عشر قطارا بقماش حرير، وقطار واحد بلبس ~~خليفتي، وقطار آخر بلبس أبيض برسم الإحرام، ومائة فرس ملبسة، وكجاوتان ~~بأغشية زركش وتسع محفات، غشاء خمس منهن زركش، وستة وأربعون زوجا من ~~المحاير، وخزانة عشرون جملا، وقطاران من الجمال محملة خضر مزروعة كالبقل ~~والشمار والنعناع والسلق والكسبرة وغير ذلك. وأما أحمال المطاعم والمشارب ~~والمآكل فلا تدخل تحت حصر كثرة: منها ثلاثون ألف علبة حلاوة في كل علبة ~~خمسة أرطال كلها معمولة من السكر المكرر المصري وطيبت بمائة مثقال مسك، سوى ~~الصندل والعود، هذا خلاف ما كان للأمراء والخاصكية. وإنما كان هذا للسلطان ~~خاصة نفسه، وأشياء من هذا النموذج كثيرة، ومع هذا كله لم يتغير سعر السكر ~~بمصر. وسار السلطان بأمرائه في أبهة عظيمة حتى نزل سرياقوس، فأقام بها ~~يوما. وفي هذا اليوم أخلع السلطان على الشيخ ضياء الدين القرمي الحنفي ~~باستقراره شيخ شيوخ المدرسة التي أنشأها بالصوة وقد أشرفت على الفراغ وجاءت ~~من أحسن البناء. PageV03P0208 # ثم رحل السلطان من سرياقوس حتى نزل بالبركة على عادة الحجاج، فأقام بها ~~إلى يوم الثلاثاء ثاني عشرين شوال. ورحل منها بعساكره وأمرائه إلى جهة ~~الحجاز، وكان الذي صحبه من أمراء الألوف تسعة وهم: الأمير صرغتمش الأشرفي، ~~وأرغون شاه الأشرفي، ويلبغا الشامي - وهؤلاء الثلاثة أشرفية مماليكه - ~~والأمير بهادر الجمالي، وصراي تمر المحمدي، وطشتمر العلائي الدوادار، ~~ومبارك الطازي، وقطلقتمر العلائي الطويل، وبشتك من عبد الكريم ms2240 الأشرفي ~~أيضا. ومن أمراء الطبلخانات خمسة وعشرون أميرا وهم: بوري الأحمدي، وأيدمر ~~الخطائي من صديق، وعبد الله بن بكتمر الحاجب، وبلوط الصرغتمشي، وآروس ~~المحمودي، ويلبغا المحمدي، ويلبغا الناصري - على أنه كان أنعم عليه بتقدمة ~~ألف، غير أنه أضيف إلى الطبلخانات كونه كان حاجبا ثانيا - وأرغون العزي ~~الأفرم، وطغيتمر الأشرفي، ويلبغا المنجكي، وكزل الأرغوني، وقطلوبغا ~~الشعباني، وأمير حاج بن مغلطاي، وعلي بن منجك اليوسفي، ومحمد بن تنكز بغا، ~~وتمرباي الحسني الأشرفي، وأسندمر العثماني، وقرابغا الأحمدي، وإينال ~~اليوسفي، وأحمد بن يلبغا العمري، وموسى بن دندار بن قرمان، ومغلطاي البدري ~~وبكتمر العلمي وآخر. ومن العشرات خمسة عشر أميرا وهم: آقبغا بوز الشيخوني، ~~وأبو بكر بن سنقر الجمالي، وأحمد بن محمد بن بيبرس الأحمدي، وأسنبغا ~~التلكي، وشيخون، ومحمد بن بكتمر الشمسي، ومحمد بن قطلوبغا المحمدي، وخضر بن ~~عمر بن أحمد بن بكتمر الساقي، وجوبان الطيدمري، وألطنبغا من عبد الملك، ~~وقطلوبغا البزلاري، وطوغان العمري الظهيري، وتلكتمر العيسوي، ومحمد بن سنقر ~~المحمدي. وعين الملك الأشرف جماعة من الأمراء ليقيموا بالديار المصرية. عين ~~الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة بالقلعة وأميرين أخر تسكن بالقلعة أيضا، ~~وعين الأمير آقتمر عبد الغني نائب الغيبة وأن يسكن بالقاهرة للحكم بين ~~الناس. وعين أيضا للإقامة بالديار المصرية من الأكابر: الأمير طشتمر ~~اللفاف، وقرطاي الطازي، وأسندمر الصرغتمشي، وأينبك البحري. وسافر السلطان ~~وهو متوعك في بدنه، بعد أن أشار عليه جماعة حمن الصلحاء والأعيان بتأخير ~~الحج في هذه السنة فأبى إلا السفر لأمر يريده الله تعالى. وأمر السلطان ~~لنائب الغيبة وغيره أن يطلعوا القلعة في كل يوم موكب ويدخلوا إلى باب ~~الستارة ويخرج الأسياد أولاد السلطان الملك الأشرف ساعة ثم يعود كل واحد ~~إلى محله فامتثلوا ذلك. فكانوا لما يطلعون إلى القلعة ويخرج عليهم الأسياد ~~وأكبرهم أمير علي، يقوم الأمراء ويبوسون أيديهم ويقعدون ساعة لطيفة، فيقوم ~~أمير علي ويشير بيده أمرا باسم الله فيقوم الأمراء وينصرفون بعد أن يسقون ~~مشروبا. ووقع ذلك في غيبة السلطان مدة يسيرة. PageV03P0209 # فلما كان يوم السبت ثالث ذي القعدة ms2241 أتفق طشتمر اللفاف، وقرطاي الطازي، ~~وأسندمر الصرغتمشي، وأينبك البحري، وجماعة من المماليك السلطانية، وجماعة ~~من مماليك الأسياد أولاد السلطان الملك الأشرف، وجماعة من مماليك الأمراء ~~المسافرين صحبة السلطان الملك الأشرف، ولبسوا السلاح، واتفق معهم من ~~بالأطباق من المماليك السلطانية، وهجموا الجميع القلعة، وقصدوا باب الستارة ~~فغلق سابق الدين مثقال الزمام باب الساعات، ووقف داخل الباب ومعه الأمير ~~جلبان اللالا - لالا أولاد السلطان - وآقبغا جركس اللالا أيضا. فدقت ~~المماليك الباب وقالوا: أعطونا سيدي أمير علي فقال لهم اللالا: من هو ~~كبيركم حتى نسلم لهم سيدي عليا وأبى أن يسلمهم سيدي عليا. وكثر الكلام ~~بينهم ومثقال الزمام يصمم على منع أمير علي فقالوا له: السلطان الملك ~~الأشرف مات، ونريد أن نسلطن ولده أمير علي، فلم يلتفت مثقال إلى كلامهم. ~~فلما علموا المماليك ذلك، طلعوا جميعا وكسروا شباك الزمام المطل على باب ~~الساعات، ودخلوا منه ونهبوا بيت الزمام وقماشه. ثم نزلوا إلى رحبة باب ~~الستارة ومسكوا مثقالا الزمام وجلبان اللالا وفتحوا الباب. فدخلت بقيتهم ~~وقالوا: أخرجوا أمير علي، حتى نسلطنه، فإن أباه توفي إلى رحمة الله تعالى ~~فدخل الزمام على رغم أنفه، وأخرج لهم أمير علي، فأقعد في باب الستارة. ثم ~~أحضر الأمير أيدمر الشمسي فبوسوه الأرض لأمير علي. ثم أركبوا أمير علي على ~~بعض خيولهم وتوجهوا به إلى الإيوان الكبير. وأرسلوا خلف الأمراء الذين ~~بالقاهرة، فركبوا إلى سوق الخيل وأبوا أن يطلعوا إلى القلعة، فأنزلوا أمير ~~علي إلى الإسطبل السلطاني حتى رأوه الأمراء، فلما رأوه طلعوا وقبلوا له ~~الأرض وحلفوا له. غير أن الأمير طشتمر الصالحي وبلاط السيفي ألجاي الكبير ~~وحطط رأس نوبة النوب لم يوافقوا ولا طلعوا فنزلوا إليهم المماليك ومسكوهم ~~وحبسوهم بالقصر، وعقدوا لأمير علي بالسلطنة ولقبوه بالملك المنصور على ما ~~يأتي ذكره في محله، ونسوق الواقعة على جليتها. PageV03P0210 # ثم نادوا بالديار المصرية بالأمان والبيع والشراء، بعد أن أخذوا خطوط ~~سائر الأمراء المقيمين بمصر. فأقاموا ذلك النهار وأصبحوا يوم الأحد رابع ذي ~~القعدة من سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وهم لابسون ms2242 آلة الحرب، واقفون بسوق ~~الخيل، يتكلمون في إتمام أمرهم. وبينما هم في ذلك جاءهم الخير أن شخصا يسمى ~~قازان اليرقشي كان مسافرا صحبة السلطان الملك الأشرف إلى الحجاز الشريف ~~وجدوه متنكرا، فمسكوه وأتوا به إلى الأمراء فسألوه عن خبر قدومه وعن أخبار ~~السلطان، فأبى أن يخبرهم بشيء، وأنكر أنه لم يتوجه إلى الحجاز. فأوهموه ~~بالتوسيط فأقر وأعلمهم الخبر بقدوم السلطان الملك الأشرف شعبان وكسرته من ~~مماليكه بالعقبة فقالوا له: وما سبب هزيمة السلطان من عقبة أيلا، قال: لما ~~نزل السلطان الملك الأشرف بمن معه من أمرائه وعساكره إلى العقبة، وأقام بها ~~يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء سلخ شوال، فطلب المماليك السلطانية العليق، ~~فقيل لهم اصبروا إلى منزلة الأزلم، فغضبوا وامتنعوا من أكل السماط عصر يوم ~~الأربعاء واتفقوا على الركوب. فلما كانت ليلة الخميس المذكورة ركبوا على ~~السلطان ورؤوسهم الأمير طشتمر العلائي ومبارك الطازي وصراي تمر المحمدي ~~وقطلقتمر العلائي الطويل وسائر مماليك الأسياد وأكثر المماليك السلطانية. ~~فلما بلغ السلطان أمرهم ركب بأمرائه وخاصكيته وتواقعوا فانكسر السلطان وهرب ~~هو ومن كان معه من الأمراء وهم: صرغتمش الأشرفي وأرغون شاه الأشرفي وبيبغا ~~الأشرفي وبشتك الأشرفي وأرغون كتك ويلبغا الناصري. وصار السلطان بهؤلاء إلى ~~بركة عجرود، فنزل بها، وهو مقيم بها. فقالوا له: كذبت قل لنا حقيقة أمره، ~~فامتنع وحلف. فأرادوا توسيطه حقيقة، فقال: أطلقوني أنا أدلكم عليهم. ~~فأطلقوه، فأخذهم وتوجه بهم إلى قبة النصر خارج القاهرة إلى محل كان الأشرف ~~نزل فيه بجماعته، فوجدوا بالمكان أرغون شاه وصرغتمش وبيبغا وبشتك وأرغون ~~كتك. وكان الذي توجه مع قازان اليرقشي من القوم أسندمر الصرغتمشي وطولو ~~الصرغتمشي ومعهما جماعة كبيرة من المماليك الذين ثاروا بالقاهرة. فقبضوا ~~على الأمراء المذكورين وسألوهم عن الملك الأشرف، فقالوا: فارقنا وتوجه هو ~~ويلبغا الناصري إلى القاهرة ليختفي بها فقتلوا الأمراء المذكورين في الحال، ~~وحزوا رؤوسهم، وأتوا بها إلى سوق الخيل، ففرح بذلك بقية الأمراء الذين هم ~~أصل الفتنة وعلموا أن الأشرف قد زال ملكه. وأما الملك الأشرف فإنه لما وصلى ~~إلى قبة ms2243 النصر توجه منها نحو القاهرة ومعه يلبغا الناصري، واختفى عند ~~أستادار يلبغا الناصري، فلم يأمن على نفسه، فتوجه تلك الليلة من عند ~~أستادار يلبغا الناصري إلى بيت آمنة زوجة المشتولي فاختفى عندها. فقلق عند ~~ذلك الأمراء الذين أثاروا الفتنة وخافوا عاقبة ظهور الأشرف، وهم: قرطاي ~~الطازي وطشتمر اللفاف وأسندمر الصرغتمشي وقطلوبغا البدري وألطنبغا السلطاني ~~وبلاط الصغير ودمراش اليوسفي وأينبك البدري ويلبغا النظامي وطولو الصرغتمشي ~~- وهؤلاء الأمراء، وأما الأجناد فكثير - فاشتد قلقهم. وبينما هم في ذلك في ~~آخر نهار الأحد يوم قتلوا الأمراء المذكورين بقبة النصر، وقبل أن يمضي ~~النهار، جاءت امرأة إلى الأمراء وذكرت لهم أن السلطان مختف عند آمنة زوجة ~~المشتولي في الجودرية فقام ألطنبغا من فوره ومعه جماعة وكبسوا بيت آمنة ~~المذكورة، فهرب السلطان واختفى في بادهنج البيت فطلعوا فوجدوه في البادهنج ~~وعليه قماش النساء. فمسكوه وألبسوه عدة الحرب، وأحضروه إلى قلعة الجبل، ~~فتسلمه الأمير أينبك البدري وخلا به. وأخذ يقرره على الذخائر، فأخبره الملك ~~الأشرف بها وقيل إن أينبك المذكور ضربه تحت رجليه عدة عصي. ثم أصبحوا في ~~يوم الاثنين خنقوه، وتولى خنقه جاركس شاد عمائر ألجاي اليوسفي، فأعطى جاركس ~~المذكور إمرة عشرة واستقر شاد عمائر السلطان. PageV03P0211 # ثم بعد خنق الملك الأشرف لم يدفنوه، بل أخذوه ووضعوه في قفة وخيطوا عليها ~~ورموه في بئر. فأقام بها أياما إلى أن ظهرت رائحته، فاطلع عليه بعض خدامه ~~من الطواشية، ثم أخرجوه ودفنوه عند كيمان السيدة نفيسة، وذلك الخادم يتبعهم ~~من بعد حتى عرف المكان. فلما دخل الليل أخذ جماعة من إخوته وخدمه ونقلوه في ~~تلك الليلة من موضع دفنوه المماليك ودفنوه بتربة والدته خوند بركة بمدرستها ~~التي بخط التبانة في قبة وحده، بعد أن غسلوه وكفنوه وصلوا عليه. وقيل غير ~~ذلك، وهو في البيت المذكور وعليه قماش النسوة أركبوه على هيئة بازار خلف ~~مملوك، ومشوا خلفه، وطلعوا به من على قنطرة باب الخرق وطلعوا به على معذية ~~فريج، وطلعوا به من على الصليبة وقت الظهر. وكان من رآه يحسبه ms2244 أميرا من ~~الأمراء، وفعلوا ذلك خوفا من العامة، فإنهم لو علموا أنه السلطان خلصوه ~~منهم، ولو ذهبت أرواحهم الجميع، لمحبة الرعية في الأشرف المذكور. ثم دخلوا ~~بالأشرف إلى إسطبل بالقرب من الصليبة، مخافة من العامة لا يعرفون به لما ~~تكاثروا للفرجة عليه، فأقام بالإسطبل ونزل إليه قرطاي وقرره على الذخائر، ~~فقر له. ثم قتله ودفنه بمصطبة بالإسطبل المذكور. فهذه رواية أخرى غير ما ~~ذكرنا أولا، والأول أشهر، وأظنه الأصح والأقوى. وأما الذين تخلفوا بالعقبة ~~من الذين وثبوا على الملك الأشرف وكسروه وهرب الأشرف إلى جهة الديار ~~المصرية ولم يدركوه، فإنهم اتفقوا الجميع - الأمراء وغيرهم - وتوجهوا إلى ~~الخليفة المتوكل على الله، وكان أيضا في صحبة السلطان الملك الأشرف وقالوا ~~له: يا أمير المؤمنين تسلطن ونحن بين يديك، وكانت العصائب السلطانية حاضرة ~~فامتنع الخليفة من ذلك. هذا وهم لا يعلمون بما وقع بالديار المصرية من ركوب ~~هؤلاء وسلطنة أمير علي، فإن كل طائفة وثبت على السلطان، وليس للأخرى بها ~~علم ولا كان بينهم اتفاقية على ذلك، وهذا من غريب الاتفاق، كون الواقعة ~~تكون في العقبة وينكسر السلطان. ثم بعد ثلاثة أيام أو أقل تكون بمصر أيضا ~~ويخلع الملك الأشرف ويتسلطن ولده وكلاهما من غير مواعدة الأخرى، فنعوذ ~~بالله من زوال النعم. ثم إن الأمراء والمماليك أقاموا بالعقبة بعد هروب ~~السلطان يومين، وقد جهزوا للخليفة قماش السلطنة وآلة الموكب، وألحوا عليه ~~بالسلطنة وهو يمتنع. وتوجهت القضاة إلى القدس للزيارة، ورد الحاج بأسره إلى ~~أبيار العلائي، وقد قصدوا العود إلى القاهرة وإبطال الحاج في تلك السنة، ~~فنهض الأمير بهادر الجمالي أمير الحافي وردهم وحج بهم. ولما تحققت الأمراء ~~والمماليك أن الخليفة امتنع من السلطنة، رجعوا نحو الديار المصرية حتى ~~وصلوا إلى جرود، فأتاهم الخبر بما جرى من مسك السلطان الملك الأشرف وقتله، ~~فاطمأنوا. فإنهم كانوا على وجل، ومنهم من ندم على ما فعل، فإنه كان سببا ~~لزوال دولة الملك الأشرف ولم ينله ما أمل، وخرج الأمر لغيره. ثم ساروا ~~الجميع من عجرود إلى أن ms2245 وصلوا إلى بركة الحاج، فسار إليهم جماعة من ~~القائمين بمصر بآلة الحرب فتعبوا لقتالهم. فأرسل طشتمر العلائي الدوادار ~~طليعة عليها قطلقتمر الطويل، فقاتلوه المصريون فكسرهم قطلقتمر، وسار خلفهم ~~إلى قلعة الجبل. فلما قرب إلى القلعة تكاثروا عليه ومسكوه. وفي ذلك الوقت ~~حضر إلى الديار المصرية الأمير آقتمر الصاحبي نائب السلطنة بالديار ~~المصرية، وكان قد توجه إلى بلاد الصعيد قبل توجه السلطان الملك الأشرف إلى ~~الحجاز، فتلقاه أمراء مصر وعظموه وقالوا له: أنت نائب السلطنة على عادتك ~~وأنت المتحدث وكلنا مماليكك، فلم يسعه إلا مطاوعتهم على ما أرادوا. وكان ~~كلام الأمراء لآقتمر الصاحبي بهذا القول، خوفا ممن أتى من الأمراء ~~والخاصكية من العقبة. ثم اتفق المصريون على قتال طشتمر الدوادار ومن أتى ~~معه من العقبة من المماليك الأشرفية وغيرها، فنزلوا إليهم من القلعة بعد ~~المغرب في جمع كبير والتقوا معهم على الصوة من تحت القلعة، تجاه الطبلخاناه ~~السلطانية. وتقاتلوا، فانكسر طشتمر ومن معه من الأمراء والمماليك الأشرفية، ~~وانهزموا بعد المغرب إلى ناحية الكيمان. فلما كان الليل أرسل طشتمر طلب ~~الأمان لنفسه، فأرسلوا له الأمان. فلما حضر مسكوه وقيموه هو وجماعته ~~وحبسوهم بالقلعة. ونجيه يقول الأديب شهاب الدين أحمد بن العطار: مجزوء ~~الكامل PageV03P0212 # إن كان طشتمر طغى ... وأتى بحرب مسرع وبغى سيؤخذ عاجلا ... ولكل باغ مصرع ~~قلت: ما أشقى هؤلاء القوم العصاة بالعقبة، فإنهم كانوا سببا لزوال ملك ~~أستاذهم الملك الأشرف وذهاب مهجته من غير أن يحصل أحدهم على طائل. بل ذهبت ~~عنهم الدنيا والآخرة، فإنهم عصوا على أستاذهم وخلعوا طاعته من غير موجب. ~~وشمل ضررهم على الحجاج وغيرهم، وارتكبوا أمورا قبيحة، فهذا ما حصلوه من ~~الإثم. وأما أمر الدنيا فإنها زالت عنهم بالكلية، وخرج عنهم إقطاعاتهم ~~ووظائفهم وأرزاقهم، ومنهم من قتل أشر قتلة، ولم يقر بهم ملك من الملوك بعد ~~ذلك، بل صاروا مبعودين في الدول وماتوا قهرا مما قاسوه من الذل والهوان، ~~حتى إنني رأيت منهم من كان عمر واحتاج إلى السؤال، وما ربك بظلام للعبيد. ~~وكان السلطان الملك الأشرف ms2246 - رحمه الله تعالى - من أجل الملوك سماحة وشهامة ~~وتجملا وسؤددا. قال قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني - رحمه الله - في ~~تاريخه : كان ملكا جليلا لم ير مثله في الحلم. كان هينا لينا محبا لأهل ~~الخير والعلماء والفقراء، مقتديا بالأمور الشرعية، واقفا عندها، محسنا ~~لإخوته وأقاربه وبني أعمامه أنعم عليهم وأعطاهم الإمريات والإقطاعات، وهذا ~~لم يعهد من ملك قبله في ملوك الترك ولا غيرهم. ولم يكن فيه ما يعاب، سوى ~~كونه كان محبا لجمع المال. وكان كريما يفرق في كل سنة على الأمراء أقبية ~~بطرز زركش، والخيول المسومة بالكنابيش الزركش والسلاسل الذهب والسروج ~~الذهب، وكذلك على جميع أرباب الوظائف، وهذا لم يفعله ملك قبله. انتهى كلام ~~العيني باختصار - رحمه الله تعالى - . وقال غيره رحمه الله: وكان ملكا ~~جليلا شجاعا مهابا كريما هينا لينا محبا للرعية. قيل إنه لم يل الملك في ~~الدولة التركية أحلم منه ولا أحسن خلقا وخلقا. وأبطل عدة مكوس في سلطنته. ~~والله أعلم. قلت حدثني العلامة علاء الدين علي القلقشندي - تغمده الله ~~تعالى - الشافعي، قال: حدثني العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد البساطي ~~المالكي أن الملك الأشرف شعبان هذا كان من فطنته وذكائه يعرف غالب أحوال ~~القلاع الشامية وغيرها، ويعرف كيف تؤخذ ومن أين تحاصر معرفة جيدة. قلت هذا ~~دليل على الذكاء المفرط والتيقظ في أحوال مملكته. انتهى. ورأيت أنا كثيرا ~~من المماليك الأشرفية وبهم رمق وقوة في أوائل الدولة الأشرفية برسباي، منهم ~~الأمير آق سنقر الأشرفي الحاجب وغيره. وكانت أيام الملك الأشرف شعبان ~~المذكور بهجة، وأحوال الناس في أيامه هادئة مطمئنة، والخيرات كثيرة على ~~غلاء وقع في أيامه بالديار المصرية والبلاد الشامية، ومع هذا لم يختل من ~~أحوال مصر شيء لحسن تدبيره، ومشى سوق أرباب الكمالات في زمانه من كل علم ~~وفن. ونفقت في أيامه البضائع الكاسدة من الفنون والملح، وقصدته أربابها من ~~الأقطار، وهو لا يكل من الإحسان إليهم في شيء يريده وشيء لا يريده، حتى ~~كلمه بعض خواصه في ذلك، فقال - رحمه الله - : أفعل هذا ms2247 لئلا تموت الفنون في ~~دولتي وأيامي. قلت: لعمري إنه كان يخشى موت الفنون والفضائل، ولقد جاء من ~~بعده من قتلها صبرا، قبل أوان موتها، ودفنها في القبور وعفى أثرها. وما ~~أحسن قول أبي الطيب المتنبي أحمد بن الحسين حيث يقول: الطويل، على قدر أهل ~~العزم تأتي الغزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وخلف الملك الأشرف ~~رحمه الله من الأولاد ستة بنين، وهم الملك المنصور علي الذي تسلطن من بعده ~~- على ما يأتي ذكره وذكر من قام بسلطنته مفضلا - والملك الصالح أمير حاج، ~~وقاسم، ومحمد، وإسماعيل، وأبو بكر. وولدت بعده خوند سمراء جاريته ولدا سموه ~~أحمد فصاروا سبعة. وخلف سبع بناب رأيت إحداهن بعد سنة عشرين وثمانمائة. ~~وكانت مدة سلطنة الملك الأشرف أربع عشرة سنة وشهرين وعشرين يوما. ومات ~~وعمره أربع وعشرون سنة. وقد تقدم مولده في أول ترجمته. ورثاه الشعراء بعد ~~موته بعدة قصائد، وحزن الناس عليه حزنا عظيما وكثر تأسفهم عليه. وعمل عزاؤه ~~بالقاهرة عدة أيام. وفيه يقول الشيخ شهاب الدين أحمد بن العطار: البسيط، ~~للملك الأشرف المنصور سيدنا ... مناقب بعضها يبدو به العجب له خلائق بيض لا ~~يغيرها ... صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب PageV03P0213 # وقال غيره: زجل، كوكب السعد غاب من القلعه ... وهلالو قد انطفا بأمان ~~وزحل قد قارن المريخ ... لكسوف شمس الضحى شعبان ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الاشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة خمس وستين وسبعمائة. على أنه حكم في السنة ~~الماضية من شعبان إلى آخرها. وفيها أعني سنة خمس وستين توفي الشيخ الإمام ~~العالم ناصر الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز القونوي الحنفي الشهير بابن ~~الربوة، رحمه الله. كان إماما عالما بارعا خطيبا فصيحا فقيها مناظرا. أفتى ~~ودرس وأعاد وشرح الفرائض السراجية وكتاب المنارة وله عدة مصنفات أخر. ومات ~~بدمشق في هذه السنة، وقيل في الخالية. وتوفي قاضي القضاة نجم الدين عبد ~~الرحيم ابن القاضي شمس الدين إبراهيم بن شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم ~~بن إبراهيم بن المسلم بن عبد ms2248 الله بن حسان المعروف بالبارزي الجهني الحموي ~~الشافعي قاضي قضاة حماة بها، بعد أن ولي قضاءها ستا وعشرين سنة. وكان مشكور ~~السيرة في أحكامه - رحمه الله - . وتوفي الأديب عز الدين أبو محمد الحسن بن ~~علي بن الحسن بن علي العباسي الشهير بابن البناء الحلبي الشاعر المشهور. ~~قدم إلى حلب وبها مات، وسنه زيادة على سبعين سنة. ومن شعره قصيدة أولها: ~~الرجز، أنفقت عمري في رجاء ... وصلكم والعصر إني بكم في خسر وتوفي القاضي ~~شهاب الدين أحمد ابن الصاحب جمال الدين محمد ابن الصاحب كمال الدين عمر بن ~~أحمد الحنفي الحلبي الشهير بابن العديم بحلب، عن بضع وسبعين سنة. وكان ~~فقيها عارفا بالتاريخ والأدب. وتوفي الأمير سيف الدين قطفوبغا الأحمدي نائب ~~حلب بها عن نيف وثلاثين سنة - رحمه الله - وكان أميرا جليلا شجاعا كريما. ~~نشأ في السعادة وولي نيابة حلب مرتين. وتوفيت خوند طولوبيه الناصرية ~~التترية، زوجة السلطان الملك الناصر حسن، ثم من بعده زوجة مملوكه يلبغا ~~العمري، في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودفنت بتربتها التي أنشأتها ~~بجوار تربة خوند طغاي الناصرية أم نوك خارج باب البرقية بالصحراء. وكانت من ~~أجمل نساء عصرها. وتوفي القاضي تاج الدين أبو عبد الله محمد بن بهاء الدين ~~إسحاق بن إبراهيم السلمي المناوي الشافعي، خليفة الحكم بالديار المصرية، ~~وقاضي العسكر، ووكيل بيت المال والخاص بها، في يوم الجمعة سادس شهر ربيع ~~الآخر. وتوفي القاضي صلاح الدين عبد الله بن عبد الله بن إبراهيم البرلسي ~~المالكي محتسب القاهرة بها في يوم الخميس خامس عشرين صفر. وهذا المحتسب هو ~~الذي أمر المؤذنين أن يقولوا في ليلة الجمعة بعد أذان العشاء الآخرة، وقبل ~~الفجر: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، فاستمر ذلك إلى سلطنة الملك ~~الظاهر برقوق، حيث أمر محتسب القاهرة نجم الذين الطنبذي أن يقولوا ذلك عقيب ~~كل أذان إلا المغرب. واستمر ذلك أيضا إلى يومنا هذا، على ما سنبينه في وقته ~~- إن شاء الله تعالى - ونذكر سببه، ولم يكن قبل ذلك إلا الأذان فقط. ms2249 وتوفي ~~قاضي مكة تقي الدين محمد بن أحمد بن قاسم العمري الحرازي الشافعي معزولا. ~~وتوفي بالمدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - الحافظ عفيف ~~الدين أبو السيادة عبد الله بن محمد بن أحمد بن خلف في سادس عشرين شهر ربيع ~~الأول، رحمه الله. وكان إماما حافظا متقنا، سمع الكثير ورحل البلاد وكتب ~~وحصل. وتوفي السلطان الملك الصالح شمس الدين صالح ابن الملك المنصور نجم ~~الدين غازي ابن الملك المظفر قرا أرسلان ابن الملك السعيد غازي بن أرتق بن ~~أرسلان بن إيل بن غازي بن ألبي بن تمرداش بن إيل بن غازي بن أرتق الأرتقي ~~صاحب ماردين بها، وقد ناهز السبعين سنة من العمر، بعد أن دام في سلطنة ~~ماردين أربعا وخمسين سنة. وتولى ماردين بعده ابنه الملك المنصور أحمد. وكان ~~الملك الصالح من أجل ملوك بني أرتق حزما وعزما ورأيا وسؤددا وكرما ودهاء ~~وشجاعة وإقداما. وكان يحب الفقهاء والفضلاء وأهل الخير، وكان له فضل وفهم ~~وذوق للشعر والأدب. وكان يحب المديح ويجيز عليه بالجوائز السنية. ولصفي ~~الدين عبد العزيز الحلي فيه مدائح وغرر في مخلص بعض قصائده - رحمه الله - . ~~ومنها الكامل، لم أشك جور الحادثات ولم أقل ... حالت بي الأيام عن حالاتها ~~PageV03P0214 # مالي أعد لها مساوئ جمة ... والصالح السلطان من حسناتها ملك تقر له ~~الملوك بأنه ... إنسان عينيها وعين حياتها أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمسة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا واثنا عشر ~~إصبعا. وكان الوفاء ثاني عشرين توت. والله أعلم. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة ست وستين وسبعمائة فيها توفي العلامة قاضي ~~القضاة جمال الدين يوسف بن أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة الكفري بفتح ~~الكاف، الدمشقي الحنفي قاضي قضاة دمشق بها. وكان - رحمه الله - إماما بارعا ~~في مذهبه، ماهرا في علم العربية، بصيرا بالأحكام. باشر مدة طويلة نيابة عن ~~والده، ثم استقل بها إلى أن مات. وكان مشكور السيرة وأفتى ودرس سنين. وتوفي ~~فاضي ms2250 القضاة زين الدين محمد بن سراج الدين عمر بن محمود الحنفي المعروف ~~بابن السراج بالقاهرة في ذي القعدة عن تسع وستين سنة، ودفن بتربته خارج باب ~~النصر بالقرب من تربة الصوفية رحمه الله. وكان فقيها بارعا عالما مفتيا ~~يحفظ الهداية في الفقه. ودرس بالجامع الحاكمي، وأعاد بجامع أحمد بن طولون ~~والأشرفية وغيرهما، وناب في القضاء عن قاضي القضاة جمال الدين التركماني ~~الحنفي. وكان معدودا من الفقهاء العلماء. وتوفي الخطيب أبو المعالي تقي ~~الدين محمد بن الخطيب محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن ناصح الحموي ثم ~~الحلبي الشافعي الشهير بابن القواس بحلب عن نيف وخمسين سنة، رحمه الله. ~~وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة قطب الدين محمد بن محمد الرازي الشافعي ~~الشهير بالقطب التحتاني رحمه الله بدمشق عن نيف وستين سنة. كان بحرا في ~~جميع العلوم لا سيما في العلوم العقلية وله تصانيف مفيدة، منها: شرح ~~الشمسية وشرح المطالع والحواشي على كشاف الزمخشري. وكانت تصانيفه أحسن من ~~تصانيف شيخه العلامة شمس الدين الأصفهاني رحمه الله. وتوفي الأمير سيف ~~الدين أرنبغا بن عبد الله الكاملي نائب غزة. كان أصله من مماليك الملك ~~الكامل شعبان ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون وكان خصيصا عنده إلى الغاية. ~~وتوفي الأمير الشريف أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن ~~زهرة الحسني الحلبي. ولي نقابة الأشراف بحلب بعد والده - رحمهما الله تعالى ~~- وأستقر أمير طبلخاناه بحلب مدة ثم صرف عن الوظيفتين، ومات بظاهر حلب عن ~~ثلاث وخمسين سنة. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الهادي الفوي الفقيه ~~الشافعي في يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى وقد تصدر للتدريس والإقراء ~~رحمه الله. وتوفي الشيخ شرف الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر المزي الدمشقي ~~الحريري المحدث بمصر في شعبان. رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير آسن قجا بن ~~عبد الله من علي بك الناصري أحد أمراء الطبلخانات، بعد ما تنقل في عدة ~~أعمال مثل البيرة وطرسوس وغيرهما رحمه الله. وتوفي الأمير سيف الدين قماري ms2251 ~~بن عبد الله الحموي الناصري الحاجب، وهو على نيابة طرطوس. وكان من أعيان ~~الأمراء ومن أكابر المماليك الناصرية. وتوفي الشيخ المعمر الرحلة شمس الدين ~~محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن يعقوب الأنصاري الخزرجي ~~المقدسي البياني الشاهد. كان أبوه يعرف بابن إمام الصخرة واشتهر هو ~~بالبياني. ولد سنة ست وثمانين وستمائة فأحضر على زينب بنت مكي في الثانية ~~من عمره، وعلى الفخر ابن البخاري في الثالثة، وأسمع على أبي الفضل بن عساكر ~~وغيره، وأجاز له جماعة، وحدث بالكثير. وعمر وصار مسند عصره ورحلة زمانه. ~~وخرج له الحافظ تقي الدين بن رافع مشيخة وذيل عليها الحافظ زين الدين ~~العراقي. وكانت وفاته يوم الاثنين تاسع عشرين ذي القعدة. وهو آخر من تأخر ~~ممن سمع عليه شيخنا الرحلة زين الدين عبد الرحمن الزركشي الخيلي، رحمه الله ~~تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. والله أعلم. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة سبع وستين وسبعمائة. PageV03P0215 # فيها توفي الشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ~~ابن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني ~~الحموي المصري الشافعي بمكة المشرفة في يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة، ~~ودفن بباب المعلاة بين الفضيل بن عياض وأبي القاسم القشيري ونجم الدين ~~الأصبهاني. ومولده بالعادلية بدمشق في سنة أربع وتسعين وستمائة، رحمه الله. ~~وكان إماما عالما فاضلا دينا صالحا. سمع بمصر والشام والحجاز وأخذ عن ~~الأبرقوهي والدمياطي وغيرهما من الحفاظ. وجمع وكتب وحدث وخطب وأفتى ودرس ~~وتولى القضاء تسعا وعشرين سنة. ثم استعفى وتوجه إلى مكة مجاورا بها إلى أن ~~مات. وتوفي القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم أيوب العينتابي ~~الحنفي قاضي العسكر بدمشق - رحمه الله تعالى - وبها كانت وفاته، وقد جاوز ~~ستين سنة. وكان إماما بارعا في المذهب، وأفتى ودرس وشرح مجمع البحرين في ms2252 ~~الفقه في المذاهب الثلاثة في عشرة مجلدات وسماه المنبع. وتوفي الشيخ الرضى ~~شيخ خانقاه بيبرس الجاشنكير في ليلة الجمعة حادي عشر شهر رجب ودفن بمقابر ~~الصوفية. وتولى مكانه الشيخ ضياء الدين العفيفي المعروف بقاضي قرم. رحمه ~~الله. وتوفي السلطان الملك المجاهد سيف الدين أبو يحيى علي ابن السلطان ~~الملك المؤيد هزبر الدين داود ابن السلطان الملك المظفر يوسف ابن السلطان ~~الملك المنصور عمر بن نور الدين علي بن رسول التركماني الأصل اليمني المولد ~~والمنشأ والوفاة، صاحب اليمن بعدن - رحمه الله - في يوم السبت الخامس ~~والعشرين من شهر جمادى الأولى من هذه السنة، وقيل سنة أربع وستين، وولي ~~بعده ابنه الملك الأفضل عباس. ومولد المجاهد هذا في سنة إحدى وسبعمائة ~~بتعز. ونشأ بها وحفظ التنبيه في الفقه وبحثه وتخرج على المشايخ منهم: الشيخ ~~الإمام العلامة الصاغاني، وتأدب على الشيخ تاج الدين عبد الباقي وغيرهما. ~~وشارك في علوم، وكان جيد الفهم - رحمه الله - وله فوق في الأدب، وله نظم ~~ونثر. وهذا المجاهد الذي ذكرنا في ترجمة الملك الناصر محمد بن قلاوون أنه ~~أرسل إليه نجمة إلى بلاد اليمن، لما خرج عليه ونازعه الملك الناصر بن ~~الأشرف صاحب زبيد، وسقنا حكايته هناك مفصلا. وطالت مدة المجاهد في مملكة ~~اليمن وفعل الخيرات وله مآثر: عمر مدرسة عظيمة بتعز وزيادة أخرى وغير ذلك ~~وعمر مدرسة بمكة المشرفة بالمسجد الحرام بالجانب اليماني مشرفة على الحرم ~~الشريف. وقد استوعبنا ترجمته في المنهل الصافي بأطول من هذا إذ هو كتاب ~~تراجم. والله أعلم. وتوفي الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد ~~الظاهر المعروف بابن الشرف الحنفي الفقيه خطيب جامع شيخون. وكان من أعيان ~~الفقهاء وله مشاركة وفضل. رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين بطا بن ~~عبد الله أحد أمراء الطبلخانات، وقرئ على قبره بعد موته ألف ختمة شريفة ~~بوصيته هكذا نقل الشيخ تقي الدين المقريزي. رحمه الله. وتوفي الشيخ المحدث ~~العالم العلامة شمس الدين أبو الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن خلف ~~المنبجي ms2253 ثم الدمشقي التاجر. ومولده في سنة سبع وثمانين وستمائة ومات في ذي ~~الحجة. رحمه الله. وتوفي الشيخ الإمام، أحد فقهاء المالكية، خليل بن إسحاق ~~المعروف بابن الجندي الفقيه المالكي - رحمه الله - في يوم الخميس ثاني عشر ~~شهر ربيع الأول. وكان فقيها مصنفا. صنف المختصر في فقه المالكية وغيره. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربعة أصابع. ومبلغ الزيادة ~~سبعة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة ثمان وستين وسبعمائة. وفيها كانت وقعة يلبغا ~~العمري الخاصكي صاحب الكبش ومقتلته وسلطنة آنوك بجزيرة الوسطى، ولم يتم ~~أمره ولا غد من السلاطين، وقد تقدم ذكر ذلك كله مفصلا في ترجمة الملك ~~الأشرف هذا فلينظر هناك. وفيها توفي قاضي القضاة أمين الدين أبو محمد عبد ~~الوهاب بن أحمد بن رهبان الدمشقي الحنفي قاضي قضاة حماة، وبها توفي وهو من ~~أبناء الأربعين، رحمه الله. وكان فقيها عالما مشكور السيرة. PageV03P0216 # وتوفي الشيخ الإمام العالم المسلك العارف بالله تعالى عفيف الدين أبو ~~محمد، وقيل أبو السيادة، عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح ~~اليماني اليافعي، نزيل مكة وشيخ الحرم وإمام المسلكين وشيخ الصوفية، في ~~ليلة الأحد العشرين من جمادى الآخرة بمكة المشرفة، ودفن بالمعلاة بجوار ~~الفضيل بن عياض. ومولده سنة ثمان وستين وستمائة تقريبا، وسمع الكثير، وبرع ~~في الفقه والعربية والأصلين واللغة والفرائض والحساب والتصوف والتسليك، ~~وغير ذلك. وكان له نظم جيد كثير، دون منه ديوان. وله تصانيف كثيرة منها: ~~روض الرياحين في حكايات الصالحين، وتاريخ بدأ فيه من أول الهجرة وأشياء غير ~~ذلك ذكرناها مستوفاة في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي وما وقع له مع ~~علماء عصره بسبب قصيدته التي أولها حيث قال في ذلك: الطويل، ويا ليلة فيها ~~السعادة والمنى ... لقد صغرت في جنبها ليلة القدر قال: ومن شعره أيضا ~~قصيدته التي أولها: الطويل، قفا حدثاني فالفؤاد عليل ... عسى منه يشفى ~~بالحديث غليل أحاديث نجد ms2254 عللاني بذكرها ... فقلبي إلى نجد أراه يميل بتذكار ~~سعدى أسعداني فليس لي ... إلى الصبر عنها والسلو سبيل ولا تذكرا لي ~~العامرية إنها ... يوله عقلي ذكرها ويزيل ومنها المخلص: ألا يا رسول الله ~~يا أكرم الورى ... ومن جوده خير النوال ينيل ومن كفه سيحون منها وجيحن ... ~~ودجلة تجري والفرات ونيل مدحتك أرجو منك ما أنت أهله ... وأنت الذي في ~~المكرمات أصيل فيا خير ممدوح أثب شر مادح ... عطا مانح منه الجزاء جزيل ~~وتوفي الشيخ الإمام العالم المسلك الصوفي العارف بالله تعالى المعتقد جمال ~~الدين أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن عمر بن علي بن خضر الكوراني الأصل ~~المصري الدار والوفاة المعروف بالشيخ يوسف العجمي بزاويته بقرافة مصر ~~الصغرى في يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول وقيل: جمادى الأولى وقيل: ~~يوم الأحد النصف من جمادى الأولى، ودفن بزاويته المذكورة، وقبره يقصد ~~للزيارة. وكان - رحمه الله - شيخا حقيقة ومقتدى طريقة. كان إمام المسلكين ~~في عصره، وكان على قدم هائل. كان غالب علماء عصره يقتدون به، وكان له أوراد ~~وأذكار هائلة. انتفع بصحبته جماعة من العلماء والصلحاء والفقهاء، وكان لا ~~يأخذه في الله لومة لائم، مع فضيلة غزيرة، ومعرفة تامة بالتصوف. وله رسالة ~~سماها ريحان القلوب والتوصل إلى المحبوب. وقد شاع ذكر الشيخ يوسف في الدنيا ~~وأثنى عليه العلماء والصلحاء. حكي أن الشيخ يوسف هذا دخل مرة إلى الشيخ ~~يحيى بن علي بن يحيى الصنافيري، فقام إليه الشيخ يحيى، وكان لا يلتفت إلى ~~أحد، وتلفاه وهو ينشد بقوله: الوافر، ألم تعلم بأني صيرفي ... بلوت ~~العالمين على محكي فمنهم زائف لا خير فيه ... ومنهم جائز تجويز شك وأنت ~~الخالص الإبريز منهم ... بتزكيتي وحسبك من أزكي فحصل للشيخ يوسف بهذا ~~الكلام غاية السرور والفرح. وكان مع الشيخ يوسف ولده محمد فأقبل عليه الشيخ ~~يحيى وأنشده فقال: الكامل، إن السري إذا سرى فبنفسه ... وابن السري إذا سرى ~~أسراهما قال: فازداد الشيخ يوسف سرورا على سروره بهذا القول. رحمهما الله ~~تعالى ونفعنا ببركاتهما. PageV03P0217 # وتوفي الشيخ الإمام ms2255 الأديب البارع المفتن جمال الدين أبو بكر محمد بن ~~محمد بن محمد بن الحسن بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر بن محمد بن الخطيب ~~أبي يحيى عبد الرحيم بن نباته بضم النون الفارقي الأصل، الجذامي، المصري، ~~المعروف بابن نباتة، بالقاهرة - رحمه الله تعالى - بالبيمارستان المنصوري ~~في ثامن شهر صفر من السنة المذكورة. ومولده في مصر في شهر ربيع الأول سنة ~~ست وثمانين وستمائة بزقاق القناديل. ونشأ بمصر، وبرع في عدة علوم، وفاق أهل ~~زمانه في نظم القريض. وله الشعر الرائق والنثر الفائق. وهو أحد من حذا حذو ~~القاضي الفاضل، وسلك طريقه، وأجاد فيما سلك. وكان خطه في غاية الحسن، ~~وديوان شعره مشهور. وقد مدح الملوك والأعيان، ورحل إلى البلاد، وانقطع إلى ~~السلطان الملك المؤيد إسماعيل صاحب حماة، وله فيه غرر مدائح. وكان مع ما ~~اشتمل عليه من المحاسن قليل الحظ. ومن شعره في المعنى: الكامل، أسفي لشعر ~~بارع نظمته ... تحتاج بهجته لرفد بارع در يتيم قد تضوع نشره ... يا من يرق ~~على اليتيم الضائع ومن شعره أيضا قوله: السريع، مقبل الخد أدار الطلا ... ~~فقال لي في حبها عائبي عن أحمر المشروب ما تنتهي ... قلت: ولا عن أخضر ~~الشارب وله أيضا: السريع، وتاجر قلت له إذ رنا ... رفقا بقلب صبره خاسر ~~ومقلة تنهب طيب الكرى ... منها على عينك يا تاجر وله أيضا: الكامل، قبلته ~~عند النوى فتمررت ... تلك الحلاوة بالتفرق والجوى ولثمته عند القدوم فحبذا ~~... رطب الشفاه السكري بلا نوى وله أيضا - عفا الله عنه - : البسيط، أهلا ~~بطيف على الجرعاء مختلس ... والفجر في سحر كالثغر في لعس والنجم في الأفق ~~الغربي منحدر ... كشعلة سقطت من كف مقتبس يا حبذا زمن الجرعاء من زمن ... ~~كل الليالي فيه ليلة العرس وحبذا العيش مع هيفاء لو ظهرت ... للبدر لم يزه ~~أو للغصن لم يمس خود لها مثل ما في الظبي من ملح ... وليس للظبي ما فيها من ~~الأنس مدروسة بشعاع البيض ملتمعا ... ونور ذاك المحيا آية الحرس يسعى ورا ~~لحظها قلبي ومن ms2256 عجب ... سعي الطريدة في آثار مفترس ليت العذول على مرأى ~~محاسنها ... لو كان ثنى عمى عينيه بالخرس وقد استوعبنا من شعره وأحواله ~~نبذة كبيرة في المنهل الصافي. انتهى والله أعلم. وتوفي الوزير الصاحب فخر ~~الدين ماجد بن قروينة القبطي المصري تحت العقوبة، بعد أن أحرقت أصابعه ~~بالنار. وكان - رحمه الله - وزيرا عارفا مكينا عفيفا رزينا ذا حرمة ونهضة. ~~لم يل الوزارة في الدولة التركية من يشابهه. عمر في أيام وزارته بيوت ~~الأموال بالذهب والفضة، وترك بالأهراء مغل ثلاث سنين وبعض الرابعة، وذلك ~~فوق ثلاثمائة ألف إردب، وبالبلاد مغل سنتين، بعد ما كان يقوم بالكلف ~~السلطانية وكلفة الأتابك يلبغا العمري الخاصكي. وبعد هذا كله كان يحمل إلى ~~الخزانة الشريفة في كل شهر ستين ألف دينار. وكان فيه محاسن كثيرة غير أنه ~~كانت نفسه نفسا شامخة، وفيه تهكم على الناس مع تكبر، هذا مع الكرم الزائد، ~~والإحسان للناس، وقلة الظلم بالنسبة إلى غيره، رحمه الله تعالى، والله ~~أعلم. وتوفي الأمير سيف الدين دروط ابن أخي الحاج آل ملك. كان أحد أمراء ~~الألوف بالديار المصرية وحاجبا ثانيا بها. وتوفي الأمير علاء الدين آقبغا ~~بن عبد الله الصفوي أحد الأمراء الطبلخانات بالديار المصرية وأمير آخور. ~~وكان - رحمه الله - من أعيان الأمراء. وتوفي الأمير علاء الدين آقبغا بن ~~عبد الله الأحمدي اليلبغاوي المعروف بالجلب في أواخر السنة المذكورة وهو ~~مسجون بثغر الإسكندرية، من جرح أصابه في شهر ذي القعدة، وقد تقدم ذكره في ~~عدة مواطن. والله أعلم. وتوفي الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله العزي ~~أحد أمراء الطبلخانات في يوم الاثنين رابع شهر ربيع الآخر. وكان مثيرا ~~للفتن. PageV03P0218 # وتوفي القاضي بهاء الدين حسن بن سليمان بن أبي الحسن بن سليمان بن ريان ~~ناظر الجيش بحلب في دمشق عن ثمان وستين سنة. وكان رئيسا نبيلا كاتبا بارعا. ~~ولي عدة وظائف، وله نظم ونثر، ومن شعره - رحمه الله تعالى - الرجز، نحن ~~الموقعون في وظائف ... قلوبنا من أجلها حرق قسمتنا في الكتب لا في غيرها ~~... وقطعنا ووصلنا ms2257 في الورق وتوفي القاضي تقي الدين محمد بن محمد بن عيسى ~~بن محمود بن عبد اللطيف البعلبكي الشافعي الشهير بابن المجد، رحمه الله. ~~كان فقيها فاضلا ولي قضاء طرابلس وغيرها. وقد تقدم أن يلبغا العمري قتل في ~~هذه السنة، انتهى، والله أعلم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة ~~أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين صاحب الترجمة على مصر وهي سنة تسع وستين وسبعمائة. فيها كانت ~~الوقعة بين الملك الأشرف صاحب الترجمة وبين الأتابك أسندمر الزيني الناصري، ~~وانتصر الأشرف حسب ما تقدم ذكره. وفيها توفي العلامة قاضي القضاة جمال ~~الدين عبد الله بن قاضي القضاة علاء الدين علي ابن العلامة فخر الدين عثمان ~~بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان الحنفي المارديني، الشهير بابن التركماني ~~بالقاهرة، في ليلة الجمعة حادي عشر شهر شعبان، ودفن بتربة والده خارج باب ~~النصر من القاهرة، وتولى بعده القضاء العلامة سراج الدين عمر الهندي. ~~ومولده في سنة تسع عشرة وسبعمائة وقيل سنة خمس عشرة وسبعمائة وتفقه على ~~والده وغيره، حتى برع في الفقه والأصول والعربية وشارك في فنون كثيرة. وكان ~~من جملة محفوظاته الهداية في الفقه حتى إنه كان يمليها في دروسه من صدره، ~~وكمل شرح أبيه لها، وتولى القضاء بعد وفاة أبيه، وباشر القضاء بعفة وحشمة ~~ورئاسة، وتصدى للإفتاء والتدريس والإقراء سنين في حياة والده إلى أن مات. ~~وكان له عبادة وأوراد هائلة ومحاسن كثيرة. رحمه الله تعالى. وتوفي قاضي ~~القضاة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الملك ابن عبد الباقي ~~الحجازي المقدسي الحنبلي قاضي قضاة الديار المصرية بعد أن حكم بها ثلاثين ~~سنة - رحمه الله تعالى - وتولى بعده القاضي ناصر الدين نصر الله العسقلاني ~~الحنبلي. وكان موفق الدين مشكور السيرة جميل الطريقة. وتوفي قاضي القضاة ~~جمال الدين يوسف بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمود الدرداوي المقدسي ~~الحنبلي قاضي قضاة دمشق بها عن نيف ms2258 وسبعين سنة، مصروفا عن القضاء - رحمه ~~الله تعالى - وتوفي قاضي قضاة طرابلس شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن ~~الشيخ تقي الدين عبد الله الشبلي الدمشقي الحنفي وهو من أبناء السبعين، ~~رحمه الله. وكان عالما دنيا مجاهدا مرابطا، يلبس السلاح في سبيل الله ~~ويغزو. وسمع الكثير وجمع وألف وأفتى ودرس وانتفع الناس به وباشر الحكم خمس ~~عشرة سنة. رحمه الله. وتوفي قاضي قضاة حلب صدر الدين أحمد بن عبد الظاهر بن ~~محمد الدميري المالكي - رحمه الله - عن نيف وسبعين سنة وكان فقيها فاضلا ~~مشكور السيرة. وتوفي الشيخ العلامة قاضي القضاة بهاء الدين أبو محمد عبد ~~الله بن عبد الرحمن بن عقيل المصري الشافعي قاضي قضاة الديار المصرية وفقيه ~~الشافعية - تغمده الله برحمته - بالقاهرة في ليلة الأربعاء الثالث والعشرين ~~من شهر ربيع الأول ودفن بالقرافة بالقرب من قبة الإمام الشافعي، رضي الله ~~عنه. ومولده في المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة. ونسبه يتصل إلى عقيل بن ~~أبي طالب رضي الله عنه. ونشأ بالقاهرة، وقرأ على علماء عصره، وبرع في علوم ~~كثيرة، وصنف التصانيف المفيدة في الفقه والعربية والتفسير، منها شرح ~~الألفية لابن مالك وشرح التسهيل أيضا. وباشر قضاء الديار المصرية مدة ~~يسيرة، وباشر التداريس الجليلة والمناصب الشريفة. وكتب إليه قاضي القضاة ~~بهاء الدين أبو البقاء السبكي من دمشق يقول: الطويل، تقضت شهور بالبعاد ~~وأحوال ... جرت بعدكم فيها أمور وأحوال فإن يسر الله التلاقي ذكرتها ... ~~وإلا فلي في هذه الأرض أمثال PageV03P0219 # وتوفي الشيخ عز الدين أبو يعلى حمزة بن قطب الدين موسى بن ضياء الدين ~~أحمد بن الحسين الدمشقي الحنبلي الشهير بابن شيخ السلامية بدمشق وقد جاوز ~~ستين سنة. وكان - رحمه الله - إماما عالما فاضلا كتب على المنتقى. وتوفي ~~الإمام العالم شهاب الدين أحمد بن لؤلؤ الشهير بابن النقيب المصري الشافعي ~~في يوم الأربعاء رابع عشر شهر رمضان. وكان - رحمه الله - مفتنا في علوم، ~~وله مصنفات ونظم حسن. وتوفي الشيخ الإمام المحدث صلاح الدين عبد الله ابن ~~المحدث شمس الدين محمد بن إبراهيم ms2259 بن غنائم بن أحمد بن سعيد الصالحي الحنفي ~~الشهير بابن المهندس - رحمه الله - بحلب عن نيف وسبعين سنة. وكان محدثا ~~مسندا. سمع الكثير بمصر والشام والحجاز والعراق، وكتب وحدث، وحج غير مرة، ~~وطاف البلاد ثم استوطن حلب إلى أن مات. رحمه الله. وتوفي القاضي علاء الدين ~~علي ابن القاضي محيي الدين يحيي بن فضل الله القرشي العمري كاتب السر ~~الشريف بالديار المصرية بالقاهرة في ليلة الجمعة تاسع عشرين شهر رمضان عن ~~سبع وخمسين سنة. وكان قبل موته نزل عن وظيفة كتابة السر لولده بدر الدين ~~محمد فتم أمره من بعده. وكان القاضي علاء الدين - رحمه الله تعالى - إماما ~~في فنه، كاتبا عاقلا. طالت أيامه في السعادة، حتى إنه باشر وظيفة كتابة ~~السر نيفا وثلاثين سنة لأحد عشر سلطانا من بني قلاوون. استوعبنا ذلك كله في ~~المنهل الصافي. قلت: ولا أعلم أحدا ولي كتابة السر هذه المدة الطويلة من ~~قبله ولا من بعده سوى العلامة القاضي كمال الدين محمد بن البارزي - رحمه ~~الله - فإنه وليها أيضا نحوا من ثلاث وثلاثين سنة، على أنه عزل منها غير ~~مرة وتعطل سنين، كما سيأتي ذكره في ترجمته إذا وصلنا إليه، إن شاء الله ~~تعالى. وكان للقاضي علاء الدين - رحمه الله - نظم ونثر وترسل وإنشاء. ومن ~~شعره: البسيط، بان الحمى لم يمس من بعد بعدكم ... ولا تغنت به ورقاؤه طربا ~~يا جيرة خلفوني في ديارهم ... أجري الدموع على آثارهم سحبا قد كان يحزنني ~~واش يراقبني ... واليوم يحزنني أن ليس لي رقبا وتوفي الأمير علاء الدين ~~طيبغا بن عبد الله الناصري المعروف بالطويل نائب حلب بها في يوم السبت وقت ~~الظهر سلخ شوال ودفن خارج باب المقام، قيل: إنه سم، لأنه كان أراد الخروج ~~عن الطاعة، فعاجلته المنية. وقد تقدم ذكره مع خشداشه يلبغا العمري الخاصكي ~~وما وقع له معه في ترجمة الملك الناصر حسن وكيفية خروجه من الديار المصرية ~~والقبض عليه، فلا حاجة للإعادة ها هنا. وتوفي الأتابك سيف الدين أسندمر بن ~~عبد الله الناصري، ms2260 صاحب الوقعة مع الملك الأشرف شعبان، محبوسا بثغر ~~الإسكندرية في شهر رمضان. وقد تقدم أيضا ذكر واقعته مفصلا في ترجمة الملك ~~الأشرف. وتوفي الأمير سيف الدين قنق بن عبد الله العزي أحد مقدمي الألوف ~~بالديار المصرية على هيئة عجيبة، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة بمحمد وآله. ~~وخبره أنه كان قد عصى مع أسندمر الناصري المقدم ذكره، ركب معه من جملة ~~اليلبغاوية، فلما انكسرت اليلبغاوية ساق قنق هذا فرسه إلى بركة الحبش، ونزل ~~بشاطئ البركة، وبقي يشرب الماء ويستف الرمل إلى أن مات، فانظر إلى هذا ~~الجاهل وما فعل في نفسه. وتوفي السلطان الملك المنصور أحمد ابن الملك ~~الصالح ابن الملك المنصور غازي بن قرا أرسلان بن أرتق الأرتقي، صاحب ماردين ~~بها وقد جاوز الستين سنة من العمر. وكانت مدة ملكه ثلاث سنين، وكان صاحب ~~همة علية وحرمة سنية. رحمه الله تعالى. وتوفي الشاب الفاضل تاج الدين محمد ~~بن السكري، رحمه الله. وكان فاضلا عالما ودرس وبرع، رحمه الله. وفيه يقول ~~ابن نباتة: السريع، سألته في خده قبلة ... فقال قولا ليس بالمنكر عليك ~~بالصبر ومن ذا الذي ... ينفعه الصبر عن السكري وتوفي الأمير علاء الدين ~~ألطنبغا بن عبد الله البشتكي، نائب غزة وأستادار السلطان كان، في رابع عشر ~~شعبان. وتوفي الأمير سيف الدين باكيش بن عبد الله اليلبغاوي الحاجب في صفر ~~وكان من رؤوس الفتن وممن قام على أستاذه يلبغا. PageV03P0220 # وتوفي الأمير سيف الدين بيليك بن عبد الله الفقيه الزراق، أحد مقدمي ~~الألوف بالديار المصرية، رحمه الله تعالى. كان فاضلا فقيها، ويكتب المنسوب ~~، وعنده مشاركة في فنون. وتوفي الأمير سيف الدين تلكتمر بن عبد الله ~~المحمدي الخازندار أحد أمراء الألوف بالديار المصرية مسجونا بثغر ~~الإسكندرية. وكان ممن قام مع أسندمر الناصري. وتوفي الأمير سيف الدين جرجي ~~بن عبد الله الإدريسي الأمير آخور، ثم نائب حلب، وهو بدمشق. وكان من أجل ~~الأمراء، وتنقل في عدة وظائف وولايات، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف ~~الدين جرقطلو بن عبد الله أمير جاندار في صفر، ms2261 وكان من الأشرار. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ~~ثمانية عشر ذراعا سواء. والله أعلم. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة سبعين وسبعمائة. وفيها توفي الشيخ بدر الدين ~~محمد بن جمال الدين محمد بن كمال الدين أحمد بن جمال الدين محمد بن أحمد ~~الشريشي البكري الوائلي الدمشقي الشافعي بدمشق عن ست وأربعين سنة، رحمه ~~الله. وكان عالما فاضلا فقيها. درس بالإقبالية بدمشق إلى أن مات. وفيها ~~توفي قاضي القضاة جمال الدين محمود بن أحمد بن مسعود القونوي الحنفي قاضي ~~قضاة دمشق بها عن ست وسبعين سنة. وكان - رحمه الله - من العلماء الأماثل. ~~كان رأسا في الفقهاء الحنفية، بارعا في الأصول والفروع، ودرس بدمشق بعدة ~~مدارس، وأفتى وجمع وألف، رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن ~~خلف بن كامل الغزي الشافعي بدمشق عن بضع وخمسين سنة. وكان عالما، درس بدمشق ~~وأفتى، وباشر بها نيابة الحكم إلى أن مات، رحمه الله تعالى. وتوفي الطواشي ~~ناصر الدين شفيع بن عبد الله الفوي نائب مقدم المماليك السلطانية في يوم ~~الأحد ثامن شعبان. وكان من أعيان الخدام، وطالت أيامه في السعادة. وتوفي ~~الأمير سيف الدين أرغون بن عبد الله بن غلبك الأزي رأس نوبة النوب بالديار ~~المصرية في العشر الأول من جمادى الآخرة. وكان من أعيان الأمراء، وهو أحد ~~من ثار على يلبغا. وتوفي الأمير صلاح الدين خليل بن أمير علي ابن الأمير ~~الكبير سلار المنصوري. وكان أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وهو أحد ~~من ركب مع الأتابك أسندمر. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن طقبغا الناصري ~~أحد أمراء الطبلخانات أيضا. وتوفي الأمير صارم الدين إبراهيم ابن الأمير ~~سيف الدين صرغتمش الناصري. وكان أيضا من أمراء الطبلخانات، وله وجاهة في ~~الدولة، وفيه شجاعة وإقدام، ودفن بمدرسة أبيه. رحمه الله تعالى. وتوفي ~~الأديب الموال شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بالفار الشطرنجي ~~العالية. وكان بارعا في المواليا، ms2262 وله شعر جيد، وكان ماهرا في الشطرنج. ~~وتوفي الأمير سيف الدين قشتمر بن عبد الله المنصوري نائب حلب بها مقتولا ~~بيد العرب في وقعة كانت بينه وبينهم على تل السلطان، وقتل معه ولده، وقد ~~تقدم أن قشتمر هذا ولي نيابة طرابلس ونيابة دمشق ونيابة السلطنة بالديار ~~المصرية. ثم أخرج من مصر إلى نيابة حلب، فلم تطل مدته على نيابة حلب وقتل، ~~رحمه الله. وكان شجاعا مقداما عارفا مدبرا سيوسا. دبر أمر السلطنة سنين، ~~وحمدت سيرته. وتوفي القاضي عماد الدين محمد بن شرف الدين موسى بن سليمان ~~الشهير بالشيرجي بدمشق. كان ولي حسبة دمشق ونظر خزانتها. وكان له ثروة ~~ولديه فضيلة وعنده سياسة. وتوفي الأمير سيف الدين آقتمر بن عبد الله من عبد ~~الغني الصغير في شهر رمضان. وآقتمر هذا غير الأمير الكبير آقتمر عبد الغني. ~~وكان آقتمر هذا من جملة أمراء الطبلخانات. والله أعلم. وتوفي السلطان، صاحب ~~تونس وما والاها من بلاد الغرب، أبو إسحاق إبراهيم ابن أبي بكر بن يحيى بن ~~إبراهيم بن يحيى في العشرين من شهر رجب بعد ما ملك تسع عشرة سنة، رحمه ~~الله. وكان من أجل ملوك الغرب. كان شجاعا وله مواقف وفتوحات هائلة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ لزيادة ~~سبعة عشر ذراعا وستة أصابع. والله أعلم. ؟ ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. PageV03P0221 # وفيها توفي قاضي القضاة شرف الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ شرف الدين ~~حسن بن الخطيب شرف الدين أبي بكر عبد الله ابن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد ~~بن محمد بن قدامة الشهير بابن قاضي الجبل الحنبلي المقدسي الصالحي قاضي ~~قضاة دمشق بها في ثالث عشر شهر رجب عن ثمان وسبعين سنة، رحمه الله. وكان ~~إماما عظيم القدر انتهت إليه رياسة مذهبه، وكان صحب ابن تيمية وسمع منه ~~وتفقه به وبغيره. وفي هذا المعنى يقول: الوافر، نبيي أحمد وكذا إمامي ... ~~وشيخي أحمد كالبحر طامي ms2263 واسمي أحمد أرجو بهذا ... شفاعة سيد الرسل الكرام ~~وتوفي قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين علي ابن ~~عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الأنصاري السلمي السبكي ~~الشافعي قاضي قضاة دمشق بها، في عصر يوم الثلاثاء سابع شهر ذي الحجة، ودفن ~~بسفح قاسيون، تغمده الله برحمتيما، عن أربع وأربعين سنة. الفقه للنووي وشرح ~~مختصر ابن الحاجب ومنهاج البيضاوي، وغير ذلك. ودرس بالعادلية والغزالية ~~والأمينية والناصرية وأدار الحديث الأشرفية والشامية البرانية. وباشر قضاء ~~دمشق أربع مرات، وخطب بالجامع الأموي. وقدم القاهرة وتولى مكانه أخوه أبو ~~حامد بهاء الدين، واستقر تاج الدين هذا مكان أخيه أبي حامد المذكور في ~~تدريس الشيخونية بمصر. وقيل: إنه كان أفقه من أخيه أبي حامد المذكور. وتوفي ~~قاضي القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ زين الدين عبد الرحيم ~~بن علي بن عبد الملك المسلاتي السلمي قاضي قضاة دمشق بالقاهرة وهو من أبناء ~~السبعين سنة. وكان - رحمه الله - عالما فاضلا. سمع بالإسكندرية ومصر ~~والشام، وأخذ عن القونوي وأبي حيان وغيرهما، وولي نيابة الحكم بدمشق. ثم ~~استقل بالقضاء أكثر من عشرين سنة. وتوفي الأديب شهاب الدين أبو العباس أحمد ~~بن يوسف بن أحمد المارديني الشهير بابن خطيب الموصل، رحمه الله. مات بحماة ~~وهو من أبناء الستين سنة. وكان أديبا فاضلا. كان يتنقل في البلاد، وكان ~~يكتب المنسوب، وله مشاركة. ومن شعره: المتقارب، ليهنك ما نلت من منصب ... ~~شريف له كنت مستوجبا وما حسن أن تهنى به ... ولكن نهني بك المنصبا وتوفي ~~الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير تنكز الحسامي الناصري نائب الشام. كان ~~أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية وله وجاهة في الدولة. رحمه الله. ~~PageV03P0222 # وتوفي الوزير الصاحب شمس الدين موسى بن أبي إسحاق عبد الوهاب بن عبد ~~الكريم القبطي المصري. أسلم أبوه وتولى نظر الجيش والخاص بعد كريم الدين ~~الكبير، واستناب ابنه هذا، وكان يوم ذاك ناظر الخزانة الشريفة. فلما مات ~~أبوه في سنة إحدى وثلاثين ms2264 وسبعمائة، استقر مكانه في نظر الخاص، فباشر فيه ~~مدة، وصرف بالنشو، واستقر في نظر الجيش عوضا عن الفخر، فلم تطل مدته وأمسك ~~بسعي النشو، وسلم هو وأخوه علم الدين ناظر الدولة إلى النشو، فأوقع الحوطة ~~على موجودهما، فوجد لهما ما لا يوصف: من ذلك أربعمائة سراويل لزوجته. ~~واستقر عوضه في نظر الجيش مكين الدين إبراهيم بن قروينة. واستمر موسى في ~~المصادرة، وأجري عليه العذاب ألوانا. وأمره أعجب من العجب، وهو أنه كان قبل ~~مصادرته نحيف البدن قليل الأكل، لا يزال سقيما بالربو وضيق النفس. وكانت ~~تلزمه الحمى الصالبة، فلا يبرح محتميا ويلبس الفراء شتاء وصيفا، فبنى له ~~أبوه بيتا في الروضة ووكل به الأطباء، يدبرون له الأغذية الصالحة ~~ويعالجونه، وهو على ما هو عليه، إلى أن قبض عليه وصودر وسلم لوالي القاهرة ~~ناصر الدين محمد بن المحسني. ثم نقل إلى لؤلؤ شاد الدواوين، وكان النشو ~~يغريهما على قتله، فضمن لؤلؤ للنشو قتله. فضربه أول يوم مائتي شيب. وسعطه ~~بالماء والملح وبالخل والجير حتى قوي عنده أنه مات، فأصبح سويا، فضربه بعد ~~ذلك حتى أعياه أمره، وعقد له المقرعة التي يضربه بها، فكانت إذا نزلت على ~~جنبه لثقبه. فكان يضربه بتلك المقرعة حتى يقولوا مات، فيصبح، فيعيدون ~~العذاب والتسعيط. فصار يقيم اليوم واليومين والثلاثة لا يمكن فيها من أكل ~~ولا شرب. وكانوا إذا عاقبوه وفرغوا رموه عريانا في قوة الشتاء على البلاط، ~~فيتمرغ عليه بجسمه وهو لا يعي من شدة الضرب والعقوبة. كل ذلك والنشو يستحث ~~على قتله. ثم عصروه في كعبيه وصدغيه، حتى لهجوا بموته، وبشروا النشو بموته ~~غير مرة. ثم يتحرك فيجدوه حيا. واستمر على ذلك أشهرا. ثم ترك نحو الشهر لما ~~أعياهم أمره، وأعادوا عليه العقوبة وعلى زوجته بنت الشمس غبريال - وكانت ~~كحاله في ضعف البدن والنحافة - وكانت حاملا، فولدت وهي تعصر، فعاش ولدها ~~حتى كبر. وما زالا في العقوبة حتى هلك النشو وهو يقول: أموت وفي قلبي حسرة ~~من موسى بن التاج. فمات النشو ولم ينل فيه ms2265 غرضه. قيل: إن مجموع ما ضرب موسى ~~هذا ستة عشر ألف شيب، حتى أنه ضرب مرة فوقع من ظهره قطعة لحم بقدر الرغيف. ~~وأعجب من هذا كله أنه لما أطلق تعافى مما كان به من الأمراض المزمنة ~~القديمة، وصار صحيح البدن. ثم أفرج عنه الملك الناصر محمد وأكرمه وأنعم ~~عليه ببغلة النشو، ورد عليه أشياء كثيرة، وولاه نظر جيش دمشق، ثم ولي نظر ~~الخاص ثانيا، وأضيف إليه نظر الخزانة الشريفة. وساءت سيرته واستعفى وأعيد ~~إلى دمشق وزيرا. ولم يزل يتنقل في الوظائف إلى أن مات في هذا التاريخ. وقد ~~أطلنا في ذكره لما أوردناه من الغرائب. انتهى. وتوفي الأمير علاء الدين ~~طيبغا المحمدي في شهر صفر. وكان أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية. وتوفى ~~الأمير سيف الدين بكتمر بن عبد الله المؤمني الأمير آخور الكبير بالديار ~~المصرية، رحمه الله. وكان من أجل الأمراء فضلا ومعرفة ودينا وعفة عن ~~الأموال. وتولى عدة وظائف وتنقل في الولايات، مثل نيابة حلب والإسكندرية، ~~ثم استقر أمير آخور إلى أن مات. وهو صاحب المصلاة بالرميلة، والسبيل ~~المعروف بسبيل المعروف بسبيل المؤمني رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف ~~الدين، أسندمر بن عبد الله الكاملي، زوج خوند القردمية بنت الملك الناصر ~~محمد بن قلاوون. وكان أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، ومات بالقاهرة. ~~وتوفي الأمير سيف الدين آروس بغا بن عبد الله الخليلي أحد أمراء الطبلخانات ~~بالقاهرة في شهر رجب، وهو أحد من قام على يلبغا. وتوفي الأمير سيف الدين ~~أسن بن عبد الله الصرغتمشي أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية بدمشق ~~بعدما نفي إليها، وكان من الأشرار. PageV03P0223 # وتوفي الأمير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله العلائي المعروف: فرفور. ~~كان أحد أمراء الطبلخانات بمصر، وكان خصيصا عند الملك الأشرف. رحمه الله. ~~وتوفي الأمير علاء الدين آقبغا بن عبد الله اليوسفي الناصري الحاجب في ~~شعبان بمدينة منفلوط، وقد توجه إلى لقاء هدية صاحب اليمن إلى السلطان الملك ~~الأشرف. وتوفي الأمير سيف الدين أينبك بن عبد الله الأزقي أحد أمراء ~~الطبلخانات ورأس ms2266 نوية ثاني بها، وكان من الشجعان. وتوفي الأمير الأكز بن ~~عبد الله الكشلاوي وهو منفي بحلب في شهر ربيع الأول. وكان من أعظم الأمراء ~~وأرجههم. ولي الوزر والأستدارية بمصر، ونالته السعادة، وعظم في الدول، إلى ~~أن تغير عليه الملك الأشرف شعبان وعزله، ثم نفاه إلى حلب لأمر اقتضى ذلك. ~~وفيها كان بدمشق طاعون عظيم، وانتشر إلى عدة بلاد، ومات فيه خلائق لا تحصى ~~كثرة. والله أعلم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة ~~وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. وفيها توفي الشيخ ~~العالم المفتن جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر ~~القرشي الأموي الإسنائي الشافعي شيخ الشافعية بالديار المصرية. مات فجأة في ~~ليلة الأحد ثامن عشرين جمادى الأولى عن سبع وستين سنة، رحمه الله تعالى. ~~وكان إماما عالما مصنفا بارعا. درس بالأقبغاوية والفاضلية والفارسية، ودرس ~~التفسير بجامع أحمد بن طولون، وتصدر بالملكية وأعاد بالناصرية والمنصورية ، ~~وغيرهما. وله مصنفات كثيرة مفيدة: منها كتاب المهمات على الرافعي وشرح ~~المنهاج في الفقه وشرح منهاج البيضاوي في الأصول. وله كتاب طبقات الفقهاء ~~الشافعية، وكتاب تخريج الفروع على الأصول، وسماه التمهيد، وكتاب تخريج ~~الفروع على العربية وسماه الكوكب، وشرح عروض ابن الحاجب، ومختصر الإمام ~~الرافعي، وكتاب الجمع والفرق. وكان له نظم ليس بذاك، من ذلك ما قاله يمدح ~~كتاب الرافعي في الفقه: الكامل، يا من سما نفسا إلى نيل العلا ... ونحا إلى ~~العلم الغزير الرافع قلد سمي المصطفى ونسيبه ... والزم مطالعة العزيز ~~الرافعي وتوفي القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ الصالح برهان ~~الدين إبراهيم العمري الصالحي الحنفي، قاضي قضاة الإسكندرية، وبها توفي - ~~رحمه الله - وقد قارب سبعين سنة. وكان فاضلا عالما. أفتى ودرس وخطب وأفاد ~~وأعاد وأقام بحلب مدة يقرئ ويفتي. ثم قدم إلى مصر وأقام بها أيضا إلى أن ~~ولي قضاء الإسكندرية مسؤولا في ms2267 ذلك. وتوفي الأمير الكبير علاء الدين علي ~~المارديني، ثم الناصري، نائب السلطنة بدمشق، ثم بالديار المصرية في العشر ~~الأول من المحرم عن بضع وستين سنة. وكان أميرا جليلا دينا خيرا عفيفا ~~عاقلا. تنقل في الأعمال الجليلة سنين عديدة، وطالت أيامه في السعادة. وكان ~~- رحمه الله - منقادا إلى الشريعة في أحكامه وأفعاله، مشتغلا بالفقه على ~~مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - مستحضرا له. وكان قريبا من ~~الناس محببا للرعية. وأجل أعمال وليها نيابة حلب ثم دمشق ثلاث مرات فيما ~~أظن. والله أعلم. ثم نيابة السلطنة بالديار المصرية. وأما الولايات التي ~~دون هذه فكثير. وتوفي الأمير سيف الدين جرجي بن عبد الله الإدريسي الناصري ~~بدمشق عن بضع وخمسين سنة. وكان أصله من مماليك الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون، وترقى إلى أن ولي نيابة حلب. ثم عزل بعد مدة وأنعم عليه بإمرة ~~بدمشق، فتوجه إليها وأقام بها إلى أن مات، رحمه الله. وكان عالي الهمة، ~~غزير النعمة، وله سعادة وافرة، وقد تقدم وفاته، والأصح أنه توفي في هذه ~~السنة. وتوفي قاضي قضاة المدينة النبوية - على الحال بها أفضل الصلاة ~~والسلام - نور الدين أبو الحسن علي بن عز الدين أبي المحاسن يوسف بن الحسن ~~ابن محمد ابن محمود، الزرندي الحنفي المدني، رحمه الله. كان عالما فاضلا. ~~ولي قضاء المدينة سنين. وتوفي الأمير سيف الدين أرغون بن عبد الله من قيران ~~السلاري، أحد أمراء الطبلخانات ونقيب الجيوش المنصورة، في شهر جمادى ~~الأولى. وكان قديم هجرة، وله كلمة في الدولة وحرمة وقرب من الملوك. ~~PageV03P0224 # وتوفي الأمير سيف الدين أسندمر بن عبد الله العلائي الحاجب المعروف حرفوش ~~بعدما أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق على هيئة النفي، فإنه كان من ~~أكابر أمراء الألوف بالديار المصرية، وكان ممن يخاف شره. وتوفي القاضي بدر ~~الدين أبو علي الحسن بن محمد بن صالح بن محمد بن محمد النابلسي الفقيه ~~الحنبلي - رحمه الله - مفتي دار العدل في شهر جمادى الآخرة. وتوفي الشيخ ~~علاء الدين أبو الحسن علي بن ms2268 عماد الدين إسماعيل بن برهان الدين إبراهيم ~~الفقيه المالكي، المعروف بابن الظريف، في رابع عشر شهر جمادى الأولى. رحمه ~~الله. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي الحنبلي في ~~رابع عشرين جمادى الأولى أيضا، رحمه الله تعالى. وكان من أعيان الفقهاء ~~الحنابلة. وتوفي الأمير سيف الدين منكوتمر بن عبد الله من عبد الغني ~~الأشرفي الدوادار في شهر جمادى الأولى. وكان من خواص السلطان الأشرف شعبان ~~ومن مماليكه. وتوفي القاضي تاج الدين أبو عبد الله محمد بن البهاء المالكي ~~المعروف بابن شاهد الجمالي، تغمده الله تعالى. كان فقيها، وتولى إفتاء دار ~~العدل، وشاهد الجيش، وناظر البيمارستان المنصوري، ووكيل الخاص. وتوجه إلى ~~الحجاز فمات في عوده بمنزلة العقبة. وتوفي الشيخ المعتقد الصالح صاحب ~~الكرامات الخارقة أبو زكرياء يحيى بن علي بن يحيى المغربي الأصل الصنافيري ~~الضرير المجذوب. قدم جده يحيى من الغرب، ونزل عند الشيخ أبي العباس البصير ~~بزاويته بجوار باب الخرق، وولد له علي أبو يحيى هذا، وكانت له أيضا كرامات، ~~وقدم في التجريد، وكان الغالب عليه الوله، وذكر له الموفق كرامات جمة. ثم ~~ولد له يحيى هذا صاحب الترجمة مكفوفا مجذوبا، إلا أنه له كلام خارق وأحوال ~~عجيبة. وكان الغالب عليه الوله، كما كان أبوه، وكان لا يفيق من سكرته. لا ~~يزال مغمورا في نشوته، لا يفرق بين من هو في حضرته من سلطان ولا أمير ولا ~~غني ولا فقير، والناس كلهم عنده سواء. وكان يقيم أولا بالقرافة عند ضريح ~~أبي العباس البصير، وبنى له هناك قبة وجعل لها بابين: بابا ظاهرا وبابا في ~~الأرض نازلا. وكان أذا أحس بالناس هرب من ذلك الباب الذي في الأرض. فلما ~~كثر ترداد الناس إليه للزيارة من كل فج، صار يرجمهم بالحجارة، فلم يردهم ~~ذلك عنه رغبة في التماس بركته. ففر منهم وساح في الجبال مدة طويلة. ثم نزل ~~صنافير بالقليوبية من قرى القاهرة، فكان كل يوم في أيام الشتاء يغطس في ~~الماء البارد صبيحة نهاره، وفي شدة الحر ms2269 يجلس عريانا مكشوف الرأس في الشمس، ~~وليس عليه سوى ما يستر عورته. فكان يقيم على سقيفة طابونة سوداء، أقام على ~~ذلك ثلاث سنين، لا ينزل عنها، وبنى له بعض الأمراء زاوية، فلم يسكنها ولا ~~التفت إليها. وكان الناس يترددون إليه فوجا فوجا، ما بين قاض وعالم وأمير ~~ورئيس، وهو لا يلتفت إلى أحد منهم. ومن كراماته - نفعنا الله به - أنه أتي ~~مرة بمنسف خشب فيه طعام أرز، فقال لهم: سخنوه، فلم يسعهم إلا موافقته، ~~ووضعوا المنسف الخشب على النار، حتى اشتدت سخونة الطعام ولم تؤثر النار في ~~الخشب. ثم عاد إلى القرافة فمات بها في يوم الأحد سابع عشرين شهر شعبان، ~~وصلي عليه بمصلاة خولان، فحزر عدة من صلى عليه من الناس، فكانوا زيادة على ~~خمسين ألفا. والله أعلم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ~~وخمسة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. فيها رسم السلطان الملك ~~الأشرف للأشراف بسائر الأقطار أن يسموا عمائمهم بعلائم خضرة وقد تقدم ذكر ~~ذلك كله في ترجمة الأشرف. والله أعلم. وفيها توفي القاضي كمال الدين أبو ~~الغيث محمد ابن القاضي تقي الدين عبد الله ابن ماضي القضاة نور الدين أبي ~~عبد الله محمد بن محمد بن عبد الخالق بن عبد القادر الأنصاري الدمشقي ~~الشافعي الشهير بابن الصائغ بدمشق عن بضع وأربعين سنة. رحمه الله. وكان ولي ~~قضاء حلب مرتين، ثم ولي قضاء حمص، ثم عاد إلى دمشق، وبها كانت وفاته. ~~PageV03P0225 # وتوفي الشيخ العالم العلامة قاضي القضاة سراج الدين أبو حفص عمر ابن ~~الشيخ نجم الدين إسحاق بن شهاب الدين أحمد الغزنوي الهندي الحنفي قاضي قضاة ~~الديار المصرية بها في ليلة الخميس سابع شهر رجب، بعد أن ولي القضاء نحو ~~خمس عشرة سنة، رحمه الله. وتولى بعده القضاء صدر الدين محمد بن جمال الدين ~~التركماني، ومولد السراج هذا في سنة أربع أو خمس وسبعمائة ms2270 تخمينا. وقدم ~~القاهرة قبل سنة أربعين وسبعمائة، رحمه الله. وكان إماما عالما بارعا مفتنا ~~في الفقه والأصلين والنحو وعلمي المعاني والبيان وغيرهم. وناب في الحكم ~~بالقاهرة، وتصدى للإفتاء والتدريس والإقراء سنين. ثم تولى عمة وظائف دينية، ~~وهو أحد من قام مع ابن النفاش في قضية الهرماس حتى وغرا خاطر السلطان عليه ~~ووقع له معه ما وقع. وكان السراج - رحمه الله تعالى - إماما مصنفا: منها ~~شرح المغنى في مجلدين وشرح البديع لابن الساعاتي وغير ذلك. وقد ذكرنا من ~~علو همته وغزير فضله في المنهل الصافي نبذة كبيرة جيدة تنظر هناك. وتوفي ~~الشيخ الأديب أبو زكرياء يحيى بن محمد بن زكرياء بن محمد بن يحيى العامري ~~الحموي الشهير بالخباز بدمشق وهو من أبناء الثمانين. وكان بارعا في النظم. ~~نظم سائر فنون الأدب، وكان فيه تشيع كبير. ومن شعره: الوافر، بعيشك هاتها ~~صفراء صرفا ... صباحا واطرح قول النصوح فإن الشمس قد بزغت بعين ... تغامزنا ~~على شرب الصبوح وله أيضا: السريع، باكر عروس الروض واستجلها ... وطلق الحزن ~~ثلاثا بتات بقهوة حلت لنا كلما ... حلت لآلي القطر جيد النبات وتوفي ~~العلامة قاضي القضاة بهاء الدين أبو أحمد ابن قاضي القضاة تقي الدين أبي ~~الحسن علي ابن الشيخ زين الدين عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف. ابن ~~موسى بن تمام الأنصاري السبكي الشافعي بمكة المشرفة عن ست وخمسين سنة، رحمه ~~الله. وكان إماما عالما بارعا في عدة من الفنون. وسمع من الحفاظ، وأخذ من ~~والده وعن أبى حيان - وهو أسن من أخيه تاج الدين المقدم ذكره - ودرس بقبة ~~الشافعي والجامع الطولوني والمنصورية والشيخونية. وباشر قضاء - العسكر ~~وإفتاء دار العدل بمصر، وخطب وألف وصنف، وتولى قضاء الشام عوضا عن أخيه تاج ~~الدين، وتولى أخوه تاج الدين وظائفه بمصر، وقد تقدم ذلك. ثم ترك قضاء دمشق ~~عفة ورجع إلى مصر يدرس ويفتي. ثم جاور بمكة وبها مات، رحمه الله. وتوفي ~~الأمير سيف الدين أيدمر بن عبد الله الشيخي أحد أمراء الألوف بالديار ~~المصرية، ثم نائب حماة. ms2271 وكان من أعيان الأمراء، وقد تقدم ذكره في عدة ~~أماكن. وتوفي الشيخ الفقير المعتقد عبد الله درويش - رحمه الله - في سابع ~~عشر شهر رجب. وكان فقيرا مباركا وللناس فيه محبة واعتقاد حسن. وتوفي الأديب ~~الشاعر شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان بن شيخان، المعروف ~~بابن البكري التيمي القرشي البغدادي، في عاشر شهر رمضان بمنية ابن خصيب من ~~صعيد مصر. ومن شعره: الوافر، أتى المحبوب في السنجاب يسعى ... وطلعته ~~لناظره تروق فتبصر طوقه السنجاب سحبا ... وفيها من تبسمه بروق أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ~~ثمانية عشر ذراعا وأربعة أصابع. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة أربع وسبعين وسبعمائة. وفيها استقر الأمير ~~ألجاي اليوسفي أتابك العساكر بديار مصر بعد موت منكلي بغا الشمسي. ~~PageV03P0226 # وفيها توفي الشيخ الإمام الحافظ المؤرخ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ~~أبن الخطيب شهاب الدين أبي حفص عمر بن كثير القرشي الشافعي، صاحب التاريخ ~~والتفسير، في يوم الخميس سادس عشرين شعبان بدمشق. ومولده بقرية شرقي بصرى ~~من أعمال دمشق في سنة إحدى وسبعمائة، رحمه الله تعالى. قال العيني رحمه ~~الله: كان قدوة العلماء والحفاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ. وسمع وجمع ~~وصنف ودرس وحدث وألف. وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ، ~~واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهى إليه علم التاريخ والحديث والتفسير، وله ~~مصنفات عديدة مفيدة. انتهى كلام العيني رحمه الله. قلت: ومن مصنفاته تفسير ~~القرآن الكريم في عشر مجلدات، وكتاب طبقات الفقهاء ومناقب الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه، والتاريخ المسمى بالبداية والنهاية حذا فيه حذو ابن الأثير - ~~رحمه الله - في الكامل والتاريخ أيضا في عشرة مجلدات، وخرج أحاديث مختصر ~~ابن الحاجب وكتب على البخاري ولم يكمله، رحمه الله تعالى. ولما مات رثاه ~~بعض طلبته رحمه الله بقوله: الطويل، لفقدك طلاب العلوم تأسفوا ... وجادوا ~~بدمع لا يبيد غزير ولو مزجوا ماء المدامع بالدما ... لكان قليلا فيك يا ابن ~~كثير وتوفي الشيخ ms2272 الحافظ تقي الدين محمد بن جمال الدين رافع بن هجرس بن ~~محمد بن شافع بن السلامي المصري الشافعي بدمشق عن ستين سنة. وكان - رحمه ~~الله - إماما في الحديث، رحل البلاد، وسمع بمصر والشام وحلب والحجاز، وكتب ~~لنفسه مشيخة، وذيل على تاريخ البخاري، رحمه الله. وتوفي الأديب زين الدين ~~أبو محمد عبد الرحمن بن الخضر بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن يوسف بن عثمان ~~السنجاري. قدم حلب وباشر بها توقيع الدرج إلى أن مات بها عن نيف وخمسين ~~سنة. ومن شعره في مغن، ورأيته لغيره: الكامل، أضحى يخر لوجهه قمر السما ... ~~وغدا يلين لصوته الجلمود فإذا بدا فكأنما هو يوسف ... وإذا شدا فكأنه داوود ~~وتوفي الأمير مظفر الدين موسى ابن الحاج أرقطاي الناصري نائب صفد بها، ~~وتولى عوضه نيابة صفد الأمير علم دار المحمدي. وكان مظفر الدين من الأماثل، ~~وله وجاهة في الدول وثروة. وتوفي الأمير الكبير سيف منكلي بغا بن عبد الله ~~الشمسي أتابك العساكر بالديار المصرية بها في شهر جمادى الأولى عن بضع ~~وخمسين سنة. كان من أجل الأمراء وأعظمهم حرمة وهيبة ووقارا، وكان فيه ~~ديانة، وله معرفة بالأمور، وله اشتغال جيد في علوم متعددة ولي نيابة صفد ~~وطرابلس وحلب ودمشق، ثم أعيد إلى حلب لإصلاح البلاد الحلبية، فعاد إليها ~~ومهد أمورها ثم طلبه الملك الأشرف إلى الديار المصرية وسأله أن يلي النيابة ~~بها فامتنع من ذلك، فأخلع عليه باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية ~~وزوجه الأشرف بأخته خوند سارة، فاستمر على ذلك إلى أن مات في التاريخ ~~المذكور، رحمه الله. وتوفيت خوند بركة خاتون والدة السلطان الملك الأشرف ~~هذا وزوجة الأمير ألجاي اليوسفي في شهر ذي القعدة، ودفنت بمدرستها التي ~~أنشأتها بخط التبانة وبسبب ميراثها كانت الوقعة بين ابنها الملك الأشرف ~~وزوجها ألجاي اليوسفي، وقد تقدم ذكر ذلك كله مفصلا في أوائل هذه الترجمة. ~~وكانت خيرة دينة عفيفة جميلة الصورة. ماتت في أوائل الكهولية. رحمها الله ~~تعالى. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة ولي الدين أبو عبد الله محمد بن ms2273 ~~إبراهيم الملوي الديباجي الشافعي - رحمه الله - ذو الفنون بالقاهرة في ليلة ~~الخميس خامس عشرين شهر ربيع الأول عن بضع وستين سنة. وكان من أعيان فقهاء ~~الديار المصرية. وتوفي الشيخ العارف بالله تعالى المعتقد المسلك بهاء الدين ~~محمد بن الكازروني في ليلة الأحد خامس شهر ذي الحجة بزاويته بالمشتهى ~~بالروضة وكان - رحمه الله تعالى - رجلا صالحا معتقدا، وللناس فيه محبة ~~زائدة واعتقاد حسن. وتوفي القاضي بدر الدين محمد بن محمد بن العلامة شهاب ~~اللين محمود بن سليمان بن فهد الحلبي ثم الدمشقي الحنبلي ناظر جيش حلب بها، ~~رحمه الله. وكان رئيسا كاتبا فاضلا من بيت كتابة وفضل - رحمه الله تعالى - ~~والله أعلم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يحرر لأجل التحويل. ~~حولت هذه السنة إلى سنة خمس وسبعين. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة الأشرف شعبان # PageV03P0227 # بن حسين على مصر وهي سنة خمس وسبعين وسبعمائة. فيها كانت وقعة الملك ~~الأشرف المذكور مع زوج أمه الأتابك ألجاي اليوسفي، وغرق ألجاي في بحر ~~النيل، حسب ما تقدم ذكره. وفيها توفي قاضي القضاة بدر الدين أبو إسحاق ~~إبراهيم بن صدر الدين أحمد بن مجد الدين عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن ~~المخزومي المصري الشافعي الشهير بابن الخشاب وهو في البحر المالح بالقرب من ~~الأزلم عائدا إلى الديار المصرية وهو من أبناء الثمانين سنة، رحمه الله. ~~وكان عالما مفتيا مدرسا شاع ذكره في الأقطار، وانتفع الناس بعلمه، وولي ~~نيابة الحكم بالقاهرة، وباشر قضاء حلب استقلالا. ثم ولي القضاء بالمدينة ~~النبوية، وأراد التوجه إلى نحو مصر فأدركته المنية في طريقه، رحمه الله. ~~وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة أرشد الدين أبو الثناء محمود بن قطلوشاه ~~السرائي الحنفي بالقاهرة في جمادى الآخرة عن نيف وثمانين سنة، رحمه الله ~~تعالى. وكان بحرا في العلوم لا سيما العلوم العقلية والأدبية. وأقام ~~بالقاهرة سنين كثيرة يشتغل ويقرئ، وانتفع به عامة الطلبة من كل مذهب. وتولى ~~مشيخة الصرغتمشية بعد وفاة الشيخ العلامة قوام الذين أمير كاتب الإتقاني، ~~فباشر ms2274 تدريسها إلى أن مات في التاريخ المذكور. وتوفي الأمير سيف الدين ~~طيبغا بن عبد الله الفقيه الحنفي، أحد أمراء العشرات بالديار المصرية، ~~بالقاهرة وقد ناهز الستين سنة. وكان فقيها مستحضرا لفروع مذهبه، ويشارك في ~~فنون كثيرة، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين تمرقيا بن عبد الله ~~العمري الجوكندار، أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وسنه نحو الخمسين ~~سنة، وهو خشداش يلبغا العمري الخاصكي. وتمرقيا باللغة التركية: جبل حديد، ~~فتمر هو الحديد، وقيا بفتح القاف هو الصخر العظيم. وتوفي الأمير سيف الدين ~~تلكتمر بن عبد الله الجمالي، أحد أمراء الطبلخانات بالقاهرة. مات بمنزلة ~~قاقون من طريق الشام في شهر ذي الحجة، وكان الملك الأشرف أرسله في مهم. ~~وتوفي الأمير سيف الدين آل ملك بن عبد الله الصرغتمشي، أحد أمراء ~~الطبلخانات بالقاهرة، وكاشف الوجه البحري، ونقيب الجيوش المنصورة، في شهر ~~شوال. وكان أصله من مماليك الأمير صرغتمش الناصري صاحب المدرسة بالصليبة ~~المقدم ذكره. وكل من نذكره في هذه السنين بالصرغتمشي فهو منسوب إليه، ولا ~~حاجة للتعريف به بعد ذلك. وتوفي الأمير سيف الدين آقبغا بن عبد الله من ~~مصطفى اليلبغاوي، أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وهو مجرد ~~بالإسكندرية، وهو ممن قام على أستاذه يلبغا. وتوفي الأمير سيف الدين أرغون ~~بن عبد الله الأحمدي، أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، ولالا الملك ~~الأشرف شعبان صاحب الترجمة. وكان معظما في الدول، وله همة ومعرفة وشجاعة ~~وحرمة وافرة في الدولة الأشرفية، وقد مر ذكره في عدة حكايات. ولما ثقل على ~~الملك الأشرف، أخرجه إلى نيابة الإسكندرية، فمات بها في خامس عشر ذي ~~القعدة. وتوفي الشيخ نور الدين علي بن الحسن بن علي الإسنائي الشافعي.، أخو ~~الشيخ جمال الدين عبد الرحيم المتقدم ذكره مات في شهر رجب، رحمه الله ~~تعالى. وتوفي القاضي شمس الدين شاكر القبطي المصري، المعروف بابن البقري، ~~ناظر الذخيرة، وصاحب المدرسة البقرية، بالقاهرة في ثالث عشر شوال. وكان ~~معدودا من رؤساء الأقباط. وتوفي الأمير سيف الدين بيبغا بن عبد الله، ~~المعروف بحارس طير، أحد ms2275 أمراء الطبلخانات، وهو غير بيبغا ططر حارس طير الذي ~~ولي نيابة السلطنة في سلطنة الملك حسن. وتوفي الأمير علاء الدين ألطنبغا بن ~~عبد الله المارديني في ثاني جمادى الآخرة، وهو أيضا غير ألطنبغا المارديني ~~صاحب الجامع، وقد تقدم ذكر هذاك في محله. وتوفي الأمير سيف الدين آروس بن ~~عبد الله المحمودي، أحد أمراء الألوف بالقاهرة، وزوج بنت الأمير منجك ~~اليوسفي، في ذي القعدة. وكان أصله من مماليك الناصر محمد، وترقى في الدول ~~إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف. ثم ولي الحجوبية، ثم أمير جاندار، ثم ولي ~~الأستدارية العالية مدة طويلة. ووقع له أمور وحوادث، وأخرج إلى الشام. ثم ~~قدم إلى مصر صحبة حميه منجك اليوسفي، فأقام بها إلى أن مات. PageV03P0228 # وتوفي الأمير الكبير سيف الدين ألجاي اليوسفي، أحد مماليك الملك الناصر ~~حسن، غريقا بالنيل بساحل الخرقانية، بعد وقعة كانت بينه وبين الملك الأشرف ~~شعبان، حسب ما ذكرناه أنه انكسر في الآخر. وتوجه إلى الجهة المذكورة واقتحم ~~البحر بفرسه، فغرق في يوم الجمعة تاسع المحرم، ودفن بمدرسته بسويقة العزي ~~خارج القاهرة. وكان من أجل الأمراء شجاعة وكرما وهمة وسؤددا، وقد تقدم ذكره ~~في عدة تراجم من هذا الكتاب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة ~~أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا، وهي سنة ~~الشراقي العظيم. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة ست وسبعين وسبعمائة. وفيها كان ابتداء الغلاء ~~العظيم بسائر البلاد. وفيها فتحت سيس على يد نائب حلب الأمير إشقتمر ~~المارديني، وقد تقدم ذكر ذلك كله في أصل الترجمة. وفيها توفي العلامة قاضي ~~القضاة صدر الدين أبو عبد الله محمد ابن العلامة قاضي القضاة جمال الدين ~~عبد الله ابن قاضي القضاة علاء الدين علي بن عثمان بن المارديني الحنفي، ~~الشهير بابن التركماني، قاضي قضاة الديار المصرية بها في ليلة الجمعة ثالث ~~ذي القعدة عن نحو أربعين سنة، بعد أن باشر ثلاث سنين وأشهرا. وكان سلك في ms2276 ~~العدل طريقة أبيه وجده. وكان عالما بارعا ذكيا فهما عفيفا. وله نظم ونثر، ~~ومن شعره وقد حصل له رمد: الوافر، أفر إلى الظلام بكل جهدي ... كأن النور ~~يطلبني بدين وما للنور من ظل وإني ... أراه حقيقة مطلوب عيني وقد تقدم ذكر ~~أبيه وجده كل واحد منهما في محله. وتوفي قاضي القضاة شرف الدين أبو العباس ~~أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة الكفري بفتح الكاف الحنفي بدمشق، بعد أن ~~كف بصره، عن خمس وثمانين سنة. وكان من العلماء الأعلام، ماهرا في مذهبه. ~~أفتى ودرس وأفاد وأتقن روايات القراء السبعة، وناب في الحكم بدمشق مدة من ~~الزمان. ثم استقل بالوظيفة مدة طويلة، ثم تركها لولده متنزها عن ذلك، ولزم ~~العبادة إلى أن مات. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة جمال الدين أبو عبد ~~الله محمد بن الحسن بن محمد بن عمار الحارثي الدمشقي الشافعي، الشهير بابن ~~قاضي الزبداني، بدمشق عن سبع وثمانين سنة. وقد انتهت إليه رياسة الفتوى ~~بالشام في زمانه، ودرس بظاهرية دمشق وعادليتها الصغرى، وكتب وصنف. وتوفي ~~الشيخ أمين الدين أبو عبد الله محمد ابن القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي ~~بن أحمد بن علي بن يوسف بن إبراهيم الدمشقي الحنفي، الشهير بابن عبد الحق. ~~درس بدمشق بعدة مدارس، وباشر بها الوظائف الجليلة، وكان معدودا من أعيان ~~أهل دمشق إلى أن مات بها عن بضع وستين سنة. وتوفي الشيخ الإمام العلامة ~~الأديب المفتن شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد ~~الواحد التلمساني المغربي الحنفي، الشهير بابن أبي حجلة، نزيل الديار ~~المصرية بها في يوم الخميس مستهل ذي الحجة عن إحدى وخمسين سنة. ومولده ~~بالمغرب بزاوية جده أبي حجلة عبد الواحد. ثم رحل إلى الشام، ثم استوطن مصر، ~~وولي مشيخة خانقاه منجك اليوسفي إلى أن مات. وكان إماما بارعا فاضلا ناظما ~~ناثرا وله مصنفات كثيرة تبلغ ستين مصنفا، رحمه الله. ومن شعره في مليح له ~~خال على خده: البسيط، تفرد الخال عن شعر بوجنته ... فليس في ms2277 الخد غير الخال ~~والخفر يا حسن ذاك محيا ليس فيه سوى ... خال من المسك في خال من الشعر وله: ~~السريع، وعاذل بالغ في عذله ... وقال لما هاج بلبالي بعارض المحبوب ما ~~تنتهي ... قلت ولا بالسيف والوالي وله مضمنا، وهو أحسن قوله في المعنى: ~~الكامل، يا صاح قد حضر الشراب وبغتني ... وحظيت بعد الهجر بالإيناس وكسا ~~العذار الخد حسنا فاسقني ... واجعل حديثك كله في الكاس PageV03P0229 # وتوفي الصاحب الوزير فخر الدين عبد الله بن تاج الدين موسى بن أبي شاكر ~~بالقاهرة، ودفن بالقرافة بتربته بجوار تربة قاضي القضاة شمس الدين الحريري. ~~وكان في مبادئ أمره صاحب ديوان يلبغا العمري، ثم تولى الوزر بعد موته ثلاث ~~مرات، وجمع في بعض الأحيان بين الوزارة ونظر الخاص معا كما كان ابن قروينة ~~من قبله. وكان حسن السيرة، مليح الشكل بشوشا متواضعا، لين الجانب، قليل ~~الأذى، محببا للناس. وتوفي التاجر ناصر الدين محمد بن مسلم الكارمي المصري ~~في يوم الجمعة ثاني عشر شوال. وقد خلف أموالا كثيرة من المتجر، وعمل ~~الكيميا بحيث إنه لم يكن أحد من أهل عصره أكثر مالا منه. وتوفي القان أويس ~~ابن الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا بن أيلكان صاحب تبريز وبغداد وما والاهما. ~~وفي موتته غريبة وهي أنه رأى في منامه قبل موته أنه يموت في يوم كذا وكذا، ~~فخلع نفسه من الملك وولى عوضه ولده الكبير الشيخ حسين بن أويس، واعتزل هو ~~عن الملك، وصار يتعبد ويكثر من الصلاة والصدقة والبر إلى الوقت الذي عينه ~~لهم أنه يموت فيه فمات فيه. وكان ملكا حازما عادلا، ذا شهامة وصرامة، قليل ~~الشر كثير الخير، محئبا للفقراء والعلماء. وكان مع هذا فيه شجاعة وكرم. ~~ومات في عنفوان شبيبته، وكان تسلطن بعد أبيه، فمكث في الملك تسعة عشر سنة، ~~وماس بتبريز عن نيف وثلاثين سنة. وتوفي الأمير الكبير سيف الدين منجك بن ~~عبد الله اليوسفي الناصري، أتابك العساكر ونائب السلطنة الشريفة بالديار ~~المصرية، بداره من القاهرة بالقرب من سويقة العزي الملاصقة لمدرسة السلطان ms2278 ~~حسن، بعد عصر يوم الخميس تاسع عشرين شهر ذي الحجة، ودفن صبيحة يوم الجمعة ~~بتربته التي أنشأها عند جامعه وخانقاته، خارج باب الوزير بالقرب من قلعة ~~الجبل. وكانت جنازته مشهودة. وكان عمره يوم مات بضعا وستين سنة. وقد مر من ~~ذكره ما يستغنى به عن التكرار هنا. وكان ابتداء أمره وظهور اسمه من سلطنة ~~الملك الناصر أحمد ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون وهلم جرا إلى يومنا ~~هذا، حتى إنه لم يذكر سلطان بعد موت محمد بن قلاوون، إلا ومنجك هذا له فيه ~~أمر وذكر وواقعة. وقد طالت أيامه في السعادة، على أنه قاسى فيها خطوبا ~~وأهوالا، وأمسك وحبس، ثم أطلق، واختفى مدة ثم ظهر. وقد تكرر ذلك مفصلا في ~~عدة تراجم من سلاطين مصر. وأما ما عمره من المساجد والجوامع والمآثر فقد ~~ذكرنا كله في ترجمته في المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي فلينظر هناك. ~~وتوفي الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله الناصري، حاجب الحجاب بالديار ~~المصرية وأحد أمراء الألوف بها. وكان من أماثل الأمراء وأعيان المماليك ~~الناصرية. ترقى بعد موت أستاذه الملك الناصر محمد، وولي عدة وظائف أعظمها ~~حجوبية الحجاب. وتوفي الأمير سيف الدين أيدمر بن عبد الله الناصري الدوادار ~~بالقاهرة عن نيف وستين سنة. وكان أميرا عالي القدر، ظاهر الحشمة، وافر ~~المهابة، حسن السياسة التدبير، يبدأ الناس بالسلام ويكثر منه ذلك، حتى إنه ~~لما ولى نيابة حلب لقبه أهلها بسلام عليكم، وكان أول أمير مائة ومقدم ألف ~~بديار مصر، ثم ولي نيابة طرابلس، ثم نيابة حلب، ثم عزل وطلب إلى ديار مصر، ~~واستقر بها أمير مائة ومقدم ألف أيضا إلى أن مات، وهو أجل أمراء عصره. ~~وتوفي الأمير الطواشي سابق الدين مثقال بن عبد الله الحبشي الآنوكي، مقدم ~~المماليك السلطانية وأحط أمراء الطبلخانات. وكان أصله من خدام سيدي آنوك ~~ابن الملك الناصر محمد، وترقى إلى أن ولي تقدمة المماليك السلطانية، وهو ~~الذي ضربه يلبغا العمري داخل القصر ستمائة عصاة ونفاه إلى أسوان وولي مكانه ~~مختار الدمنهوري شاذروان. ms2279 فلما قتل يلبغا أعاده الملك الأشرف هذا إلى رتبته ~~ووظيفته تقدمة المماليك السلطانية إلى أن مات، وولي التقدمة بعده مختار ~~الدمنهوري شاذروان المقدم ذكره ثانيا. وأظن مثقالا هذا هو صاحب المدرسة ~~السابقية داخل بين القصرين من القاهرة. والله أعلم. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ~~ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة سبع وسبعين وسبعمائة. فيها كان الغلاء المفرط ~~بالبلاد الشامية حتى أكل الناس الميتات والكلاب والقطط. PageV03P0230 # وفيها توفي الشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة برهان الدين أبو ~~إسحاق إبراهيم ابن القاضي علم الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بمران ~~الهيدباني السعدي الإخنائي المالكي قاضي قضاة الديار المصرية بها في يوم ~~الأربعاء ثالث شهر رجب بعد أن مكث في القضاء خمس عشرة سنة. وكان - رحمه ~~الله - من أعيان الفقهاء المالكية. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة قاضي ~~القضاة بهاء الدين أبو البقاء محمد ابن قاضي القضاة سديد الدين عبد البر بن ~~صدر الدين يحيى السبكي الأنصاري الشافعي - رحمه الله تعالى - قاضي القضاة ~~بالديار المصرية ثم بدمشق المحروسة في شهر ربيع الأول. ومولده في سنة سبع ~~وسبعمائة. وكان إمام وقته وعالم زمانه. روى البخاري عن الوزيرة والحجار، ~~وتولى القضاء بدمشق ثم بمصر، ثم عزل وعاد إلى قضاء دمشق إلى أن مات - رحمه ~~الله - بعد أن أفتى ودرس وكتب وألف ونظم ونثر. ومن شعره، رحمه الله تعالى: ~~الكامل، ودعته ولثمت باسم ثغره ... مع خده وضممت مائس قده ثم انتبهت ومقلتي ~~تبكي دما ... يا رب لا تجعله آخر عهده قلت: ويعجبني في هذا المعنى قول ~~الأديب المفتن علاء الدين علي كاتب ابن وداعة: مخلع البسيط، إذا رأيت ~~الوداع فاصبر ... ولا يهمنك البعاد وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب ~~الوداع عادوا وتوفي القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي علاء ~~الدين علي ابن القاضي محيي الدين يحيى بن فضل الله بن المجلى ms2280 بن دعجان. ~~ينتهي نسبة إلى الإمام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. مات بدمشق ودفن بسفح ~~قاسيون عن نيف وثلاثين سنة بعد أن باشر نيابة كتابة سر مصر عن والده. وكان ~~إماما بليغا كاتبا ناظما ناثرا. أخذ العربية عن الشيخ كمال الدين ابن قاضي ~~شهبة ثم عن قاضي القضاة شمس الدين محمد بن مسلم، رحمهم الله تعالى. وتوجه ~~القاضي شهاب الدين المذكور إلى دمشق واستوطنها إلى أن مات. وشهاب الدين هذا ~~سمي على اسم عمه شهاب الدين أحمد صاحب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، وقد ~~مر ذكره وذكر جماعة من آبائه وأقاربه. وتوفي الشيخ المعتقد أحمد بن مسعود ~~المجذوب، ودفن بالقرافة بالقرب من قبة الإمام الشافعي، رضي الله عنه. وكان ~~يجلس في المريس دائما، وللناس فيه اعتقاد. وتوفي الإمام العلامة شمس الدين ~~أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي الشهير بابن الصائغ الحنفي - رحمه ~~الله - في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر شعبان. وكان إماما في القراءات، وسمع ~~الحديث، وأخذ النحو عن أبي حيان، وبرع في الفقه، وأعاد، ودرس، وأفاد، ~~وأفتى، وبرع في النحو والأدب، ودرس بجامع ابن طولون بالقاهرة، وتولى قضاء ~~العسكر بمصر. وكان أديبا لطيفا ظريفا بارعا في النظم. ومن شعره: الطويل، ~~بروحي أفدي خاله فوق خده ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال تبارك من ~~أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخال وله عفا الله عنه: ~~الرجز، قاس الورى وجه حبيبي بالقمر ... الجامع بينهما وهو الخفر قلت القياس ~~باطل بفرقه ... وبعدذا عندي في الوجه نظر وله: السريع، وشادن ظلت عيون ~~الربا ... لما رأته مقبلا ساجده سألته من ريقه شربة ... فقال في مسألة ~~بارده PageV03P0231 # وتوفي السيد الشريف عز الدين عجلان بن رميثة بن أبي نمي محمد بن أبي سعد ~~حسن بن علي بن قتادة بن إدريس المكي الحسني أمير مكة. وكان قبل موته نزل ~~لولده السيد الشريف أحمد بن عجلان عن نصف إمرة مكة التي كانت بيده، فإنه ~~كان قبل ذلك نزل له عن النصف ms2281 الأول قديما. وكان ولي إمرة مكة غير مرة نحو ~~ثلاثين سنة، مستقلا بها مدة، وشريكا لأخيه ثقبة مدة، وشريكا لابنه أحمد هذا ~~مدة. وكانت وفاته في ليلة الاثنين الحادي عشر من شهر جمادى الأولى ودفن ~~بالمعلاة - رحمه الله - وقد قارب السبعين سنة من العمر. وكان ذا عقل ودهاء ~~ومعرفة بالأمور وسياسة حسنة. وكان بخلاف آبائه وأقاربه يحب أهل السنة ~~وينصرهم على الشيعة، وربما كان يذكر أنه شافعي المذهب، وهذا نادرة في ~~الساعة الأشراف، فإن غالبهم زيدية يتجاهرون بذلك. قيل: إنه ذكر عنده مرة ~~معاوية بن أبي سفيان لينظروا رأيه فيه، فقال عجلان: معاوية شيخ من كبار ~~قريش لاح له الملك فتلقفه. قلت: لو لم يكن من محاسنه إلا اتباعه للسنة ~~النبوية لكفاه ذلك شرفا. وكان ممدوحا مدحه النشو أحد شعراء مكة بقصيدة ~~طنانة أولها: الكامل، لولا الغرام ووجده وتحوله ... ما كنت ترحمه وأنت ~~عذوله إن كنت تنكره فسل عن حاله ... فالحب داء لا يفيق عليله يا من يلوم ~~على الهوى أهل الهوى ... دع لومهم فالصبر مات جميله وتوفي الأمير سيف الدين ~~أسنبغا بن بكتمر الأبو بكري في يوم الأربعاء خامس المحرم، وكان من عظماء ~~أمراء الديار المصرية. كان خصيصا عند الملك الناصر محمد بن قلاوون وأنعم ~~عليه بإمرة طبلخاناه، ثم ترقى بعد موته حتى ولي الأمير آخورية الكبرى ~~للسلطان حسن، ثم للأشرف. ثم ولي نيابة الإسكندرية، ثم نيابة حلب، ثم حجوبية ~~الحجاب بديار مصر. وطالت أيامه في السعادة. وأظنه صاحب الأبو بكرية داخل ~~القاهرة. والله أعلم.. وتوفي الشيخ الإمام المعتقد العالم العلامة جمال ~~الدين عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن خليل بن إبراهيم بن يحيى بن أبي عبد ~~الله بن يحيى بن إبراهيم بن سعيد بن طلحة بن موسى بن إسحاق بن عبد الله بن ~~محمد بن أبان بن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في يوم الأحد ثالث شهر ~~جمادى الأولى بخلوته بسطح جامع الحاكم. وكانت جنازته مشهودة جدا، اجتمع ~~فيها خلائق لا تحصى، رحمه الله. ومولده ms2282 في سنة أربع وتسعين وستمائة. وكان ~~فقيها شافعيا صاحب فنون وعلوم. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير ~~قيران الحسامي كان أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، رحمه الله تعالى. ~~وكان كريما شجاعا مقداما، وله وجاهة في الدول وحرمة وافرة. وتوفي تاج الدين ~~أبو غالب الكلبشاوي الأسلمي القبطي ناظر الذخيرة في نصف شهر شوال، وإليه ~~تنسب المدرسة المعروفة بمدرسة أبي غالب تجاه باب الخوخة ظاهر القاهرة. ~~وتوفي شيخ الكتاب غازي بن قطلوبغا التركي في شهر رجب وقد انتهت إليه ~~الرياسة في الخط المنسوب، وتصدر للإفادة سنين عديدة، وانتشر خطه في الآفاق. ~~وتوفي الشيخ نور الدين علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الكناني ~~العسقلاني الشافعي، الشهير بابن حجر، والد الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر، ~~في يوم الأربعاء عاشر شهر رجب. وكان تاجرا بمدينة مصر القديمة، وتفقه على ~~مذهب الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وحفظ الحاوي، وأخذ الفقه عن بهاء ~~الدين محمد بن عقيل - رحمه الله - وقال الشعر. ومن شعره يشير إلى المتجر: ~~المجتث، إسكندرية كم ذا ... يسمو قماشك عزا فطمت نفسي عنها ... فلست أطلب ~~بزا وله أيضا: الكامل، يا رث أعضاء السجود عتقتها ... من فضلك الوافي وأنت ~~الواقي والعتق يشرى بالغنى ياذا الغنى ... فامنن على الفاني بعتق الباقي ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ ~~الزيادة سبعة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. والله أعلم. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من سلطنة الأشرف شعبان # بن حسين على مصر وهي سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وهي التي قتل فيها في ذي ~~القعدة. PageV03P0232 # فيها توفي القاضي محب الدين أبو عبد الله محمد ابن القاضي نجم الدين أبي ~~المحاسن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم التميمي المصري، ناظر الجيوش المنصورة ~~بالديار المصرية بها في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر ذي الحجة عن إحدى ~~وثمانين سنة. وكان فيا أبتداء أمره تولى ديوان جنكلي بن البابا، ثم خدم عند ~~الأمير قنكلي الفخري، فكتب إليه الشيخ صلاح الدين الصفدي يقول: السريع، من ms2283 ~~جنكلي صرت إلى منكلي ... فكل خير أرتجى منك لي وأنت لي كهف وما مقصدي ... ~~من هذه الدنيا سوى أنت لي وكان القاضي محب الدين المذكور رجلا صالحا فاضلا، ~~وله سماع عال، وله مصنفات - رحمه الله - منها شرح التسهيل في أربعة مجلدات ~~وشرح التلخيص في المعاني والبيان وغير ذلك. وتوفي الشيخ الإمام العالم ~~العلامة تقي الدين أبو الفداء إسماعيل بن نور الدين علي بن الحسن القلقشندي ~~الشافعي المصري، مفتي المسلمين بالقدس الشريف، عن نحو سبعين سنة. وكان ~~فقيها برع في عدة علوم وأفتى ودرس واستقل. رحمه الله. وتوفي الشيخ المسند ~~المعمر الرحلة أبو حفص عمر بن الحسن بن مزيد، الشهير بابن أميلة، المراغي ~~الحلبي ثم الدمشقي بها عن ثمان وتسعين سنة، بعد أن صار رحلة زمانه، وقصد من ~~الأقطار للسماع عليه، فسمع منه خلائق كثيرة. وتوفي الشيخ الأديب جمال الدين ~~أبو الربيع سليمان بن داود بن يعقوب المصري ثم الحلبي بحلب، وقد قارب ~~الخمسين سنة. وكان معدودا من الكتاب الأدباء الفضلاء ومن شعره: الطويل، ~~رياض جرت بالظلم عادات ريحها ... وسار بغير العدل في الحكم سيرها ففرقت ~~الاغصان عند اعتناقها ... وسلسلت الانهار إذ جن طيرها وتوفي الأمير سيف ~~الدين يعقوب شاه بن عبد الله، الحاجب الثاني وأحد مقدمي الألوف بالديار ~~المصرية. وكان ممن قام مع الملك الأشرف في واقعة أسندمر وأظهر شجاعة عظيمة، ~~فقربه السلطان الملك الأشرف من ثم ورقاه وأنعم عليه، حتى جعله من جملة ~~الأمراء الألوف بالديار المصرية إلى أن مات، رحمه الله تعالى. وتوفي ~~السلطان الملك الأفضل عباس ابن الملك المجاهد علي ابن الملك المؤيد داود ~~ابن الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول التركماني الأصل اليمني صاحب ~~اليمن وابن صاحبها - رحمه الله تعالى - في شعبان. وتسلطن بعده ولده السلطان ~~الملك الأشرف إسماعيل. وكان الملك الأفضل ولي السلطنة بعد موت أبيه المجاهد ~~في شهر جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبعمائة. ولما ولي اليمن خرج في أيامه ~~ابن ميكائيل فوقع له معه وقائع، حتى أباده الأفضل وزالت دولة ms2284 ابن ميكائيل ~~في أيامه. وكان الأفضل - رحمه الله - شجاعا مهابا كريما، وله إلمام بالعلوم ~~والفضائل، ومشاركة جيدة في عدة علوم وتصانيف منها: كتاب العطايا السنية في ~~ذكر أعيان اليمنية وكتاب نزهة العيون في تاريخ طوائف القرون ومختصر تاريخ ~~ابن خفكان وكتاب بغية ذوي الهمم في أنساب العرب والعجم وكتاب آخر في ~~الألغاز الفقهية وغير ذلك. وكان فيه بر وصدقة وله مآثر حسنة، رحمه الله ~~تعالى. بنى مدرسة عظيمة بتعز، وله أيضا بمكة مدرسة معروفة به بالصفا. وقيل: ~~إن هذه التصانيف المذكورة إنما هي لقاضي تعز رضي الدين أبي بكر بن محمد بن ~~يوسف الجرائي الصبري الناشري، رحمه الله. عمل ذلك على لسان الأفضل، والله ~~أعلم. وتوفي الأمير سيف الدين جركتمر بن عبد الله الخاصكي الأشرفي، أحد ~~مقدمي الألوف، بالقاهرة مقتولا في هذه السنة. وكان من خواص الملك الأشرف ~~هذا ومن أجل مماليكه. وتوفي السلطان الملك المظفر فخر الدين داود ابن الملك ~~الصالح صالح ابن الملك المنصور غازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيل غازي بن أرتق ~~الأرتقي صاحب ماردين وابن صاحبها بماردين في هذه السنة، بعد أن حكمها نحو ~~عشرين سنة. وتولى سلطنة ماردين من بعده ابنه الملك الظاهر مجد الدين عيسى ~~الآتي ذكره في محله، إن شاء الله تعالى. وكان الملك المظفر هذا ولي ملك ~~ماردين بعد ابن أخيه الملك الصالح محمود الذي أقام في سلطنة ماردين أربعة ~~أشهر عوضا عن والده الملك المنصور أحمد ابن الملك الصالح صالح. وخلع الملك ~~الصالح محمود، وتسلطن الملك المظفر هذا، فأظهر العدل، واقتفى أثر والده ~~الملك الصالح في الإحسان إلى الرعية وإصلاح الأمور إلى أن مات، رحمه الله. ~~PageV03P0233 # وتوفي في هذه السنة جماعة كبيرة من الأمراء الأشرفية ممن مر ذكرهم في ~~أواخر ترجمة الملك الأشرف، قتلوا بالسيف عند كسرة الأشرف من العقبة، وهم: ~~الأمير سيف الدين أرغون شاه بن عبد الله الجمالي الأشرفي، أحد مقدمي الألوف ~~بالديار المصرية، وأجل أمراء الأشرف، بعد أن قدم معه من العقبة. والأمير ~~سيف الدين صرغتمش بن ms2285 عبد الله الأشرفي، رأس نوبة في النوب، وأحد مقدمي ~~الألوف أيضا بالديار المصرية. والأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله السابقي ~~الأشرفي، أحد مقدمي الألوف أيضا. والأمير سيف الدين بشتك بن عبد الله ~~الأشرفي، أحد مقدمي الألوف أيضا، وهو غير بشتك الناصري صاحب القصر والحمام. ~~والأمير سيف الدين أرغون بن عبد الله العزي الأشرفي الأفرم، أحد مقدمي ~~الألوف أيضا. وغيرهم من أمراء الطبلخانات والعشرات. وهؤلاء الذين ذكروا هم ~~أعيان الأشرفية القادمون صحبة أستاذهم الملك الأشرف من العقبة إلى مصر. ~~قتلوا الجميع في ساعة واحدة، وأتوا برؤوسهم من قبة النصر إلى الأمراء الذين ~~ثاروا بالقاهرة وهم يقولون: صلوا على محمد ووضعوها بين أيديهم. وقد تقدم ~~ذكر ذلك في أواخر ترجمة الملك الأشرف شعبان، وتأتي بقية ما وقع في ترجمة ~~الملك المنصور علي ابن الملك الأشرف شعبان هذا. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ستة أذرع وأثنتا عشرة إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا ~~وإصبعان. والله أعلم. ### | AUT سلطنة الملك المنصور علي # السلطان الملك المنصور علاء الدين علي ابن السلطان الملك الأشرف زين ~~الذين شعبان ابن الأمير الملك الأمجد حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ~~ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي، وهو السلطان الثالث ~~والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية. تسلطن في حياة والده حسب ما تقدم ~~ذكره وذلك أن الأمير قرطاي وطشتمر اللفاف وأينبك البدري، لما ثاروا بمن ~~معهم بالديار المصرية، وطلعوا إلى القلعة وأخذوا أمير علي هذا من الدور ~~السلطانية وسلطنوه في حياة والده، أرادوا بذلك انضمام الناس عليهم - فإنهم ~~كانوا أشاعوا موت الملك الأشرف شعبان في العقبة - حتى تم لهم ما أرادوه، ~~وسلطنوا أمير علي هذا من غير حضور الخليفة والقضاة، فإنهم كانوا صحبة ~~السلطان الملك الأشرف بالعقبة. فلما زالت دولة الملك الأشرف، وقبض عليه، ~~وقتل، ثم حضر الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد من العقبة، وكان ~~القضاة بالقدس الشريف توجهوا إليه من العقبة بعد واقعة الملك الأشرف وهروبه ~~إلى مصر. فلما كان يوم الخميس ms2286 ثامن شهر ذي القعد سنة ثمان وسبعين وسبعمائة ~~وذلك بعد قتل الملك الأشرف شعبان بثلاثة أيام، اجتمع الأمراء القائمون بهذا ~~الأمر بالقلعة، واستدعوا الخليفة ومن كان بمصر من القضاة ونواب من هو غائب ~~من القضاة بالقدس، وحضر الأمير آقتمر الصاحبي نائب السلطنة بالديار ~~المصرية، وقعدوا الجميع بباب الآدر الشريفة من قلعة الجبل، وجددوا البيعة ~~بالسلطنة للملك المنصور علي هذا بعد وفاة أبيه الملك الأشرف. وقبل له ~~البيعة آقتمر الصاحبي المذكور، ولبسوه السواد، خلعة السلطنة، وكانت فرجية ~~حرير بنفسجي بطرز ذهب، وبدائرها تركيبة زركش بحاشية حرير أزرق خطائي وشاش ~~أسود خليفتي، وقبعا أسود بعذبة خليفتيا زركش. وركب بأبهة السلطنة وشعار ~~الملك من باب الستارة، والأمراء مشاة بين يديه، إلى أن وصل إلى الإيوان ~~وجلس على تخت الملك في يوم الخميس المذكور. وقبلت الأمراء الأرض بين يديه، ~~وحلفوا له على العادة، وأخلع على الخليفة وعلى الأمراء وعلى من له عادة ~~بلبس الخلع، ومد السماط. وكان عمر السلطان الملك المنصور يرم تسلطن نحو سبع ~~سنين تخمينا. PageV03P0234 # ثم قام الملك المنصور من الإيوان، ودخل إلى القصر، وأخلع على الأمير ~~طشتمر اللفاف المحمدي، باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية، وأنعم ~~عليه بكل مال أرغون شاه الأشرفي بعد قتله. وخلع على الأمير قرطاي الطازي، ~~واستقر رأس نوبة كبيرا وأطابكا، وأنعم عليه بكل مال صرغتمش الأشرفي بعد ~~قتله أيضا، ورسم لهما أيضا أن يجلسا بالإيوان في الميمنة. وخلع على أسندمر ~~الصرغتمشي، واستقر أمير سلاح، ورسم له أن يجلس في الميسرة. وخلع على ~~قطلوبغا البدري، واستقر أمير مجلس. وخلع على طشتمر العلائي الدوادار، ~~واستقر في نيابة دمشق، ورسم له أن يخرج من يومه. وخلع على إياس الصرغتمشي، ~~واستقر دويدارا كبيرا عوضا عن طشتمر العلائي بإمرة طبلخاناه. ثم أنعم على ~~أينبك البدري، واستقر أمير آخور كبيرا. وأنعم على بلاط السيفي ألجاي الصغير ~~بتقدمة ألف، وكذلك على دمراش اليوسفي واستقر رأس نوبة ثانيا، وهذه الوظيفة ~~هي الآن وظيفة رأس نوبة النوب في زماننا هذا. وأنعم على يلبغا النظامي ~~وألطنبغا السلطاني بتقدمة ms2287 ألف. وكان الجميع أجنادا ما عدا أينبك البدري ~~فإنه كان أمير طبلخاناه، وطشتمر اللفاف فإنه كان أمير عشرة فانتقل ~~للأتابكية دفعة واحدة. وأنعم على جماعة بإمرة طبلخاناه، وهم: الأمير طغيتمر ~~الناصري، وقطلوبغا البيسري، وبيخجا الكاملي، وصربغا الناصري، وطولو ~~الصرغتمشي، وأطلمش الأرغوني، ومقبل الرومي، وألجيبغا السيفي ألجاي، ~~وقطلوبغا النظامي، وأحمد بن يحمر التركماني، وقطلوخجا أخو أينبك البحري، ~~وتمربغا البدري، وألطنبغا المعلم، وتلكتمر بن عبد الله المنصوري، وأسنبغا ~~الصارمي، وأطلمش الطازي، وإبراهيم بن قطلقتمر العلائي، وأرنبغا السيفي ~~ألجيبغا، وعلي بن آقتمر عبد الغني، وأسنبغا النظامي، ومأمور القلمطاوي. ~~وأنعم على جماعة بإمرة عشرات وهم: تكا الشمسي، ومحمد بن قرطاي الطازي، وخضر ~~بن ألطنبغا السلطاني، ومحمد بن شعبان بن يلبغا العمري، وأسنبغا المحمودي، ~~وطبج المحمدي، وألطنبغا شادي، وسودون العثماني شاد السلاح خاناه، وتلكتمر ~~المنجكي، وآقبغا السيفي ألجاي، وجركس السيفي ألجاي، وطقتمش السيفي يلبغا، ~~وطوغان العمري الظهيري، وبكلمش الإبراهيمي، ويلبغا العلائي دوادار أمير علي ~~النائب، ويوسف بن شادي أخو حاج ملك، وخضر الرسولي، وأسندمر الشرفى، ومغلطاي ~~الشرفى، وخليل بن أسندمر العلائي، ورمضان بن صرغتمش، وحسن أخو قطلوبغا حاجي ~~أمير علم، ومنكلي الشمسي، وألجيبغا السيفي جنقرا. ثم رسم بالإفراج عن جماعة ~~من السجن بقلعة الجبل في يوم السبت عاشر شهر ذي القعدة وهم: الأمير آقتمر ~~عبد الغني نائب السلطنة بديار مصر ونائب الشام كان، والأمير علم المحمدي، ~~وأيدمر الشمسي، وسودون جركس المنجكي، وطيبغا الصفوي ألجاي، ومغلطاي البدري ~~الجمالي، وصربغا السيفي، وطشتمر الصالحي، وبلاط الكبير السيفي ألجاي، وحطط ~~اليلبغاوي، وإياس المارديني، وبلوط الضرغتمشي، ويلبغا المنجكي، وقرابغا أبو ~~جركتمر، وحاجي خطاي والد غريب. ثم من الغد أمر بمسكهم ثانيا وتقييدهم ~~وإرسالهم إلى سجن الإسكندرية، فقبض عليهم وأرسلوا في تلك الليلة ما خلا ~~آقتمر عبد الغني وسودون المنجكي. ثم في يوم الأحد ثامن عشر ذي القعدة قبضوا ~~على جماعة من مباشري الدولة، وطلعوا بهم إلى القلعة وهم: الصاحب الوزير شمس ~~الدين المقسي، وتاج الدين موسى ناظر الخواص الشريفة، وأمين الدين مين، ~~وعلاء الدين بن السائس، وشهاب الدين بن الطولوني، ms2288 وأدخلوا قاعة الصاحب، ~~وصودروا حتى قرر عليهم ما يقومون به من الأموال، ثم أفرج عنهم. ثم أحضر ~~الأمير صلاح الدين خليل بن عرام من الإسكندرية وصودر وقرر عليه ألف درهم، ~~ثم خلع عليه باستقراره في نيابة الإسكندرية على عادته. ثم مسكوا من ~~الطواشية والخدام جماعة كبيرة، وهم: مختص الأشرفي، وجوهر الإسكندري، وسنبل ~~رأس نوبة الجمدارية، وأدخلوا قاعة الصاحب على مال ألزموا به. ثم أصبحوا من ~~الغد قبضوا على جماعة أخر وهم: دينار اللالا، وشاهين دست، وسنبل اللفاف أحد ~~الجمدارية، وأدخلوا أيضا إلى قاعة الصاحب. ثم أصبحوا من الغد ورسموا لمثقال ~~الجمالي الرمام بحمل ثلاثمائة ألف درهم، ثم استقرت مائة ألف درهم. ~~PageV03P0235 # ثم في يوم الاثنين تاسع عشر ذي القعدة خلع على الأمير آقتمر الصاحبي ~~وأستقر على نيابة السلطنة بالديار المصرية، كما كان في أيام الملك الأشرف ~~شعبان، وفوض إليه أن يخرج الإقطاعات للأمراء والأجناد والنواب وألا يكون ~~لأحد معه تحكم، وذلك بعد أن رضيت الأمراء والخاصكية والبرانيون بذلك. ثم ~~أخلع على الأمير أرغون الإسعردي بنيابة طرابلس عوضا عن الأمير منكلي بغا ~~الأحمدي البلدي. ثم أخلع على القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتب السر ~~باستمراره على وظيفته. ثم أخلع على الصاحب تاج الدين المكي بإعادته إلى ~~الوزارة ثانية. وهي وزارته الرابعة. وأخلع على القاضي كريم الدين بن ~~الرويهب باستقراره ناظر الدولة. وأستقر القاضي تقي الدين عبد الرحمن ابن ~~القاضي محب الدين محمد في نظر الجيوش المنصورة عوضا عن والده محب الدين ~~المذكور بحكم وفاته. ثم شرع الأمراء في النفقة على المماليك السلطانية، ~~فأعطوا كل نفر عشرة آلاف درهم. وفي ثاني عشر شهر ذي الحجة قرئ تقليد ~~السلطان الملك المنصور علي بالإيوان من قلعة الجبل، وعلم عليه الخليفة ~~المتوكل على الله، وشهدت عليه القضاة بتفويض السلطنة للملك المنصور. وخلع ~~على الخليفة وأنعم عليه بألف دينار، وهي رسم المبايعة. ثم بعد أيام دخل ~~أسندمر الصرغتمشي ودمرداش اليوسفي إلى الدور السلطانية وفرقوا جواري الملك ~~الأشرف شعبان على الأمراء. ثم أستقر في خامس المحرم ms2289 من سنة تسع وسبعين ~~وسبعمائة الأمير قرطاي الطازي أتابكا بعد موت طشتمر اللفاف، وأخلع عليه بعد ~~أيام بنظر البيمارستان المنصوري. وأخلع على الأمير مبارك الطازي واستقر رأس ~~نوبة كبيرا عوضا عن قرطاي المذكور. ثم بعد ذلك بمدة يسيرة استقر الأمير ~~أينبك البدري الأمير آخور الكبير في نظر البيمارستان، عوضا عن قرطاي، برغبة ~~قرطاي عنه. وأستقر سودون جركس أستادارا. ثم في العشرين من المحرم خلع على ~~الأمير سودون الفخري الشيخوني وبلوط الصرغتمشي واستقرا حاجبين بالديار ~~المصرية. ثم في صفر حضر الأمير يلبغا الناصري إلى القاهرة، وكان قد نفي إلى ~~بلاد الشام بعد قتل السلطان الأشرف، فأنعم عليه بإمرة طبلخاناه. وكانوا ~~أيضا قبل تاريخه قد عزلوا الأمير منكلي بغا الأحمدي عن نيابة طرابلس ~~وتمرباي نائب صفد عن نيابة صفد، فجاء الخبر بأن منكلي بغا حل سيفه وأطاع، ~~وأن تمرباي عصى وامتنع بصفد، فخلع على الأمير أرغون الإسعردي ثانيا بنيابة ~~طرابلس عوضا عن منكلي بغا المذكور، وتولى نيابة حماة تمراز الطازي. ثم في ~~هذه الأيام بدت الوحشة بين قرطاي الطازي الأتابك وبين صهره أينبك البدري ~~الأمير آخور الكبير في الباطن، كل ذلك في هذه المدة اليسيرة، وصار كل واحد ~~يدبر على الأخر مع أصحابه وحواشيه. فلما كان يوم الأحد العشرون من صفر، عمل ~~الأمير الأتابك قرطاي وليمة، فأهدى له أينبك مشروبا يقال له الششش وعمل فيه ~~بنجا، فلما شربه قرطاي تبنج وكان لأينبك عند قرطاي عيون فأخبروه أنه تبنج، ~~فركب أينبك من وقته بالسلاح ومعه جماعة كبيرة ملبسين، وأنزل السلطان الملك ~~المنصور عليا إلى الإسطبل السلطاني، ودقت الكوسات، فجاءت الأمراء إلى ~~السلطان، وأقام أينبك راكبا من عصر يوم الأحد إلى صبيحة يوم الاثنين، وسببه ~~أنه كان عند قرطاي في بيته جماعة من الأمراء من أصحابه: منهم سودون جركس، ~~وأسندمر الصرغتمشي، وقطلوبغا البدري، وقطلوبغا جركس أمير سلاح، ومبارك ~~الطازي رأس نوبة كبير، وجماعة أخر من أمراء الطبلخانات والعشرات، فركبوا ~~الجميع ومنعوا أينبك من الوصول إلى قرطاي، وحموه إلى أن استفاق قرطاي من ~~بنجه، وقد ms2290 ضعف أمر أصحابه وقوي أمر أينبك. فبعث قرطاي يسأل أينبك أن ينعم ~~عليه بنيابة حلب ويرسل إليه منديل الأمان، فأجابه أينبك إلى ذلك. فخرج ~~قرطاي من وقته إلى سرياقوس. وقبض أينبك على من كان عند قرطاي من الأمراء، ~~فإنهم كانوا قاتلوه وأبادوه من أخذ قرطاي، وقيدهم وأرسلهم إلى الإسكندرية ~~فسجنوا بها. ورسم للأمير آقتمر الصاحبي نائب السلطنة بمصر بنيابة دمشق عوضا ~~عن طشتمر العلائي الدوادار، فلبس آقتمر الخلعة وخرج من وقته. ونودي ~~بالقاهرة ومصر في الوقت بالأمان، ومن كان له ظلامة فعليه بباب المقر الأشرف ~~العزي الأتابك أينبك البدري. PageV03P0236 # وسافر قرطاي، فلما وصل إلى غزة نفي إلى طرابلس، ثم حمل منها إلى المرقب ~~فحبس به. ثم خنق بعد مدة يسيرة. وصفا الوقت لأينبك، فأخلع السلطان عليه ~~خلعة سنية في خامس عشرين شهر صفر باستقراره أتابك العساكر ومدبر الممالك. ~~وخلع على الأمير آقتمر عبد الغني واستقر نائب السلطنة بالديار المصرية عوضا ~~عن الأمير آقتمر الصاحبي المنتقل إلى نيابة دمشق. وكلاهما قديم هجرة من ~~أكابر الأمراء المشايخ. واستقر الأمير بهادر الجمالي أستادارا عوضا عن ~~سودون جركس. واستقر بلاط السيفي ألجاي أمير سلاح، عوضا عن قطلوبغا جركس. ~~واستقر ألطنبغا السلطاني أمير مجلس. واستقر دمرداش اليوسفي رأس نوبة كبيرا. ~~وأنعم على يلبغا الناصري بإمرة مائة وتقدمة ألف، واستقر رأس نوبة ثانيا. ~~ويلبغا الناصري هذا هو صاحب الوقعة المشهورة مع السلطان الملك الظاهر ~~برقوق، وإلى الآن برقرق لم يتأمر عشرة. ثم أنعم على أطلمش الأرغوني بإمرة ~~طبلخاناه، واستقر دوادارا كبيرا عوضا عن إياس الصرغتمشي. وأخلع على قطلوخجا ~~واستقر أمير آخور كبيرا عوضا عن أخيه أينبك البدري. وصار الأمر في المملكة ~~لأينبك البدري وحده من غير منازع. وأخذ أينبك في المملكة وأعطى، وحكم بما ~~اختاره وأراده. فمن ذلك أنه في رابع شهر ربيع الأول رسم بنفي الخليفة ~~المتوكل على الله تعالى إلى مدينة قوص، فخرج المتوكل على الله، ثم شفع فيه ~~فعاد إلى بيته. ومن الغد طلب أينبك نجم الدين زكريا بن إبراهيم ابن الخلفية ~~الحاكم ms2291 بأمر الله وخلع عليه واستقر به في الخلافة عوضا عن المتوكل على الله ~~من غير مبايعة ولا خلع المتوكل من الخلافة نفسه، ولقب زكرياء المذكور ~~بالمعتصم بالله. ثم في العشرين من شهر ربيع الأول المذكور تكلم الأمراء مع ~~أينبك فيما فعله مع الخليفة، ورغبوه في إعادته، فطلبه وأخلع عليه على عادته ~~بالخلافة، وعزل زكرياء. ومن الناس من لم يثبت خلافة زكريا المذكور، فإنه لم ~~يخلع المتوكل نفسه من الخلافة حتى يبايع زكريا المذكور. ثم بدا لأينبك أن ~~يسكن جماعة من مماليكه بمدرسة السلطان حسن وبمدرسة الملك الأشرف شعبان، ~~ويجعل في كل مدرسة مائة مملوك. ثم أعطى أينبك لولديه تقدمتي ألف، وهما ~~الأمير أحمد وأبو بكر. ثم نفى أرغون العثماني إلى الشام بطالا. وخلع على ~~فقبل الدوادار الطواشي الرومي واستقر زماما بالآدر الشريفة عوضا عن مثقال ~~الجمالي. ثم خلع على بهادر الجمالي الأستادار واستقر في نظر البيمارستان ~~المنصوري. وبينما أينبك في أمره ونهيه، ورد عليه الخبر بعصيان نواب الشام. ~~ففي الحال علق أينبك جاليش السفر في تاسع عشر شهر ربيع الأول المذكور، ورسم ~~للعساكر بالتجهيز إلى سفر الشام. وأسرع بالنفقة على العساكر وتجهز في أسرع ~~وقت. وخرج الجاليش من القاهرة إلى الريدانية في سادس عشرين شهر ربيع الأول ~~المذكور، وهم خمسة من أمراء الألوف أولهم: قطلوخجا الأمير آخور الكبير أخو ~~أينبك الأتابك، وأحمد ولده، ويلبغا الناصري، والأمير بلاط السيفي ألجاي، ~~وتمر باي الحسني. ومن الطبلخانات: بوري الأحمدي، وآقبغا آص الشيخوني في ~~آخرين، ومائة مملوك من المماليك السلطانية، ومائة مملوك من مماليك الأتابك ~~أينبك. وفي تاسع عشرين شهر ربيع الأول المذكور من سنة تسع وسبعين وسبعمائة ~~خرج طلب السلطان الملك المنصور، وطلب الأتابك أينبك البدري، وأطلاب بقية ~~العساكر من الأمراء وغيرهم إلى الريدانية فأقاموا بالريدانية إلى يوم السبت ~~مستهل شهر ربيع الآخر. ثم استقلوا بالمسير قاصدين البلاد الشامية، وساروا ~~حتى وصلوا بلبيس، ثم رجعوا على أعقابهم بالعساكر إلى جهة الديار المصرية. ~~وخبر ذلك أن قطلوخجا أخا أينبك مقدم الجاليش بلغه أن الجماعة ms2292 الذين معه ~~مخامرون، وأنهم أرادوا أن يكبسوا عليه. فاستقص الخبر حتى تحققه، فركب من ~~وقته وساعته وهرب في الحال، وهو في ثلاثة أنفس، عائدا إلى أخيه أينبك ~~فاجتمع به وعرفه الخبر. ففي الحال أخذ أينبك السلطان ورجع به إلى نحو ~~القاهرة حتى وصلها في يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر، وطلع به إلى قلعة ~~الجبل، وأنزل الأتابك أينبك السلطان الملك المنصور إلى الإسطبل السلطاني، ~~وجاءه بعض أمراء من أصحابه. PageV03P0237 # ثم أخذ أينبك في إصلاح أمره. وبينما هو في فلك بلغه أن الأمير قطلقتمر ~~العلائي الطويل والأمير ألطنبغا السلطاني، وكانا رجعا معه من بلبيس، ركبا ~~بجماعتهما في نصف الليل، ومعهما عدة من الأمراء وسائر المماليك السلطانية، ~~وخرج الجميع إلى قبة النصر موافقة لمن كان من الأمراء بالجاليش المقدم ~~ذكره. فجهز أينبك الأمير قطلوخجا في مائتي مملوك لقتال هؤلاء، فخرج بهم ~~قطلوخجا إلى قبة النصر، فتلقاه القوم وحملوا عليه، فاكسر ومسك فلما بلغ ~~أينبك ذلك، جهز الأمراء الذين كانوا بقلعة الجبل، وأرسلهم إلى قبة النصر ~~وهم: آقتمر من عبد الغني نائب السلطنة، وأيدمر الشمسي، وبهادر الجمالي ~~الأستادار، ومبارك الطازي. هذا وقد ضعف أمر أينبك المذكور وخارت قواه، فإنه ~~بلغه أن جميع العساكر اتفقت على مخالفته، حتى إنه لم يعلم من هو القائم ~~بهذا الأمر لكثرة من خرج عليه. فلما رأى أمره في إدبار، ركب فرسه ونزل من ~~الإسطبل السلطاني من غير قتال، وهرب إلى ناحية كيمان مصر. فتبعه أيدمر ~~الخطائي وجماعة من العسكر فلم يقف له أحد على أثر. كل هذا وإلى الآن لم ~~يجتمع مع بالجاليش مع من هو بقبة النصر من الأمراء، غير أن الفتنة قائمة ~~على ساق، والغوغاء ثائرة، والسعد قد زال عنه من غير تدبير ولا عمل. واختفى ~~أينبك بتلك الجهة، ثم وجدوا فرسه وقباءه ولبسه. ولما استولت الأمراء على ~~القلعة - على ما سنحكيه، إن شاء الله تعالى، بعد أن نذكر قتلة أينبك ~~المذكور - ألزموا والي القاهرة ومصر بإحضاره، فنودي عليه بالقاهرة ومصر، ~~وهدد من أخفاه بأنواع النكال، ms2293 فخاف كل أحد على نفسه من تقريبه. فلم يجد ~~أينبك بدا من طلب الأمان من الأمير يلبغا الناصري الآتي ذكره، فأمنه بعد ~~مدة، فطلع أينبك إليه. فحال وقع بصر القوم عليه، قبضوه، وأرسلوه مقيدا إلى ~~سجن الإسكندرية، وكان ذلك آخر العهد به، كما سيأتي ذكره بعد استيلاء ~~الأمراء على القلعة. قلت: وكما تدين تدان. وما من ظالم إلا سيبلى بظالم. ~~وفي أينبك هذا يقول الأديب شهاب الدين بن العطار: المنسرح، من بعد عز قد ذل ~~أينبكا ... وانحط بعد السمو من فتكا وراح يبكي الدماء منفردا ... والناس لا ~~يعرفون أين بكى وأما الأمراء فإنهم لما بلغهم هروب أينبك من قلعة الجبل ~~ركبوا الجميع من قبة النصر وطلعوا إلى الإسطبل السلطاني من القلعة، وصار ~~المتحدث فيهم قطلقتمر العلائي الطويل، وضرب رنكه على إسطبل شيخون بالرميلة ~~تجاه باب السلسلة، وأقام ذلك اليوم متحدثا فأشار عليه من عنده من أصحابه أن ~~يسلطن سلطانا كبيرا يرجع الناس إلى أمره ونهيه، فلم يفعله وقال: حتى يأتي ~~إخواننا يعني الأمراء الذين كانوا بالجاليش مع قطلوبغا، وهم الذين ذكرناهم ~~فيما تقدم عند خروج الجاليش ومعهم من الأمراء الطبلخانات والعشرات جماعة، ~~منهم: برقوق العثماني اليلبغاوي، وبركة الجوباني اليلبغاوي. وكان أينبك قد ~~أنعم على كل واحد منهما بإمرة طبلخاناه، بعد واقعة قرطاي، دفعة واحدة من ~~الجندية، قبل خروج السفر بأيام قليلة. وهذا أول ظهور برقوق وبركة في الدول. ~~ثم حضرت الأمراء الذين كانوا بالجاليش إلى الإسطبل السلطاني، وهم جمع كبير ~~ممن أنشأه أينبك وغيرهم، وتكلموا فيمن يكون إليه تدبير الملك، واشتوروا في ~~ذلك، فاختلفوا في الكلام. وظهر للقادمين الغدر ممن كان بالإسطبل السلطاني ~~ممن ذكرناه، فقبضوا على جماعة منهم وهم: قطلقتمر العلائي الطويل المذكور ~~الذي كان دبر الأمر لنفسه، وألطنبغا السلطاني، ومبارك الطازي في آخرين، ~~وقيدوا الجميع، وأرسلوا إلى الإسكندرية صحبة جمال الدين عبد الله بن بكتمر ~~الحاجب. واتفقوا على أن يكون المتكلم في المملكة الأمير يلبغا الناصري، ~~فصار هو المتحدث في أحوال الملك، وسكن الإسطبل السلطاني، وأرسل بإحضار ~~الأمير ms2294 طشتمر العلائي الدوادار نائب الشام. ثم في يوم الأحد تاسع شهر ربيع ~~الآخر، لما تزايد الفحص على أينبك، حضر أينبك بنفسه إلى عند الأمير بلاط، ~~فطلع به بلاط إلى يلبغا الناصري بعد أن أخذ له منه الأمان حسب ما تقدم ~~ذكره. PageV03P0238 # ولم تطل أيام يلبغا الناصري في التحدث، وظهر منه لين جنب. فاتفق برقوق ~~وبركة - وهما حينذاك من أمراء الطبلخانات، لهما فيها دون الشهرين - مع ~~جماعة أخر وركبوا في سادس عشر شهر ربيع الآخر المذكور، وركبت معهم ~~خشداشيتهم من المماليك اليلبغاوية، ومسكوا دمرداش اليوسفي، وتمرباي الحسني، ~~وآقبغا آص الشيخوني، وقطلوبغا الشعباني، ودمرداش التمان تمري المعلم، ~~وأسندمر العثماني، وأسنبغا تلكي، وقيدوا وأرسلوا إلى سجن الإسكندرية فسجنوا ~~بها. وقد أضربنا عن أشياء كثيرة من وقائع هذه الأيام لاختلاف نقول الناس ~~فيها، لأن غالب من وثب وأثار الفتنة، من واقعة الملك الأشرف شعبان إلى هذه ~~الأيام، كان فيما قيل في العام الماضي إما جنديا وإما أمير عشرة، لا يعرف ~~من أحواله إلا القليل. وأيضا لم يكن في هذه الواقعة رجل عظيم له شأن قام ~~بأمر وتبعته الناس، بل كل واقعة من هؤلاء تكون فيها جماعة كبيرة، كل منهم ~~يقول: أنا ذاك، ولهذا اختلفت النقول. وقد ذكرنا المقصود من ذلك كله وما فيه ~~كفاية. إن شاء الله تعالى. ولنشرع الآن في سياق ما وقع في أيام الملك ~~المنصور، إلى أن يتوفى إلى رحمة الله تعالى، فنقول: ثم في النهار المذكور - ~~أعني اليوم الذي مسك فيه الأمراء - قبض أيضا على الطواشي مختار الحسامي ~~مقدم المماليك السلطانية وحبس بالبرج من القلعة، ثم أفرج عنه بعد أيام ~~قلائل وأعيد إلى تقدمة المماليك على عادته. ثم بعد مدة يسيرة استقر برقوق ~~العثماني اليلبغاوي أمير آخور كبيرا دفعة واحدة وسكن بالإسطبل السلطاني، ~~وأنزل معه الأمير يلبغا الناصري. واستقر الأمير زين الدين بركة الجوباني ~~اليلبغاوي أمير مجلس. ثم حضر الأمير طشتمر الدوادار نائب الشام إلى الديار ~~المصرية بطلب من يلبغا الناصري، لما كان متحدثا في أمور المملكة، فخرج ~~السلطان الملك ms2295 المنصور وسائر الأمراء لتلقيه إلى الريدانية خارج القاهرة. ~~فلما رأى السلطان نزل عن فرسه وقبل الأرض بين يديه وبكى، وطلع في خدمة ~~السلطان إلى القلعة، وخلع عليه باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية. ~~وحضر مع طشتمر من الشام الأمير تمرباي التمرتاشي، والأمير تغري برمش، ~~وسودون الشيخوني - وكان أينبك قد نقله إلى الشأم - والأمير طقطمش. ونزل ~~طشتمر إلى بيت شيخون بالرميلة وسكن به ليحكم بين الناس. فلما كان في ثالث ~~جمادى الأولى أمر طشتمر أن ينادى بالقاهرة ومصر من كان له ظلامة فعليه بباب ~~المقر الأشرف طشتمر العلائي. ثم في خامس جمادى الأولى المذكور أخلع السلطان ~~على تمر باي التمرداشي باستقراره رأس نوبة كبيرا عوضا عن دمرداش اليوسفي. ~~وخلع على برقوق العثماني باستمراره على وظيفة الأمير آخورية، وعلى بركة ~~الجوباني باستمراره في إمرة مجلس. وأنعم على الأمير أطلمش الأرغوني بتقدمة ~~ألف، واستقر دوادارا كبيرا. واستقر يلبغا المنجكي شادا لشراب خاناه . ورسم ~~للأمير بلاط أمير سلاح أن يجلس بالإيوان. ثم استقر دينار الطواشي الناصري ~~لالا السلطان الملك المنصور عوضا عن مقبل الكلبكي بحكم نفيه. وفي سلخ جمادى ~~الآخرة عزل الأمير آقتمر عبد الغني من نيابة السلطنة بديار مصر. ثم استقر ~~الأمير تغري برمش حاجب الحجاب بالقاهرة. واستقر أمير علي ابن قشتمر حاجبا ~~ثانيا بإمرة مائة وتقدمة ألف ويقال له: حاجب ميسرة. ثم في يوم الأحد ثاني ~~شهر رجب توجه الأمير أيتمش البجاسي إلى الإسكندرية بالإفراج عن جميع من بها ~~من الأمراء المسجونين خلا أربعة أنفس: أينبك وأخوه قطلوخجا وأسندمر ~~الصرغتمشي، وقيل جركس الجاولي الرابع، وأن أينبك كان قتل. فلما أحضروا ~~الأمراء من الإسكندرية أخرجوا إلى بلاد الشام. ثم ولي الأمير بيدمر ~~الخوارزمي نيابة الشام بعد موت الأمير آقتمر الصاحبي الحنبلي. وكان آقتمر ~~أحد من نفي من أكابر الأمراء المشايخ. وأخلع على مبارك شاه المشطوب بنيابة ~~غزة. PageV03P0239 # وفي مستهل شعبان استقر قطلقتمر العلائي نائب ثغر الإسكندرية عوضا عن خليل ~~بن عرام. ثم نفي بيبغا الطويل العلائي أحد أمراء الطبلخانات إلى الشام ~~بطالا. ثم نقل ms2296 الأمير منكلي بغا الأحمدي البلدي من نيابة طرابلس عوضا عن ~~أرغون الإسعردي ونقل أرغون الإسعردي إلى نيابة حماة عوضه لأمر اقتضى ذلك. ~~ونقل الأمير آقبغا الجوهري حاجب حجاب طرابلس إلى نيابة غزة عوضا عن مبارك ~~العلائي. ونقل مبارك العلائي عوضه في حجوبية طرابلس. ثم أخلع على الأمير ~~صلاح الدين خليل بن عرام المعزول عن نيابة إسكندرية باستقراره وزيرا ~~بالديار المصرية عوضا عن القاضي كريم الدين بن الرويهب. وقبض على ابن ~~الرويهب وصودر. وفي شوال توجه بلاط أمير سلاح إلى مرابط خيله بالجيزة ~~ليتنزه هناك فأرسل إليه خلعة بنيابة طرابلس، فأجاب وخرج من القاهرة، فرسم ~~له بأن يتوجه إلى القدس بطالا، واستقر عوضه يلبغا الناصري أمير سلاح. وأخلع ~~على إينال اليوسفي اليلبغاوي واستقر رأس نوبة ثانيا بتقدمة ألف، عوضا عن ~~يلبغا الناصري المذكور. وأخلع على القاضي بدر الدين محمد ابن القاضي بهاء ~~الدين أبى البقاء السبكي الشافعي قاضي قضاة الديار المصرية عوضا عن قاضي ~~القضاة برهان الدين ابن جماعة بحكم توجهه إلى القدس بحسب سؤاله على ذلك. ~~ولما صار الأمر للأتابك طشتمر العلائي الدوادار أخذ في تنفيذ الأمور على ~~القواعد، فعظم ذلك على برقوق واتفق مع بركة الجوباني خجداشه ومع جماعة أخر ~~على الركوب على طشتمر. فلما كان ليلة تاسع ذي الحجة من سنة تسع وسبعين ~~المذكورة ركب برقوق العثماني وخجداشه بركة الجوباني بمن وافقهما من الأمراء ~~وغيرهم، وأنزلوا السلطان الملك المنصور بكرة النهار، وهو يوم عرفة، ودقت ~~الكوسات. وقصد برقوق مسك طشتمر الأتابك، فركبت مماليك طشتمر وخرجوا إليهم، ~~وتقاتلوا معهم قتالا عظيما، حتى تكاثر جمع برقوق وبركة وقوي أمرهم، فحينئذ ~~انكسرت مماليك طشتمر. وأرسل طشتمر يطلب الأمان، فأرسل السلطان إليه منديل ~~الأمان، فطلع إلى القلعة فمسك في الحال هو والأمير أطلمش الأرغوني ~~الدوادار، وأمير حاج بن مغلطاي، ودوادار الأمير طشتمر المذكور، وأرسل ~~الجميع إلى سجن الإسكندرية فاعتقلوا بها. ثم في يوم الاثنين ثالث عشر ذي ~~الحجة استقر برقوق العثماني أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن طشتمر ~~العلائي المقدم ذكره. واستقر ms2297 بركة الجوباني رأس نوبة كبيرا أطابكا - وهذه ~~الوظيفة الآن مفقودة في زماننا - وسكن بركة في بيت قوصون تجاه باب السلسلة. ~~واستقر الأمير أيتمش البجاسي أمير آخور كبيرا بتقدمة ألف عوضا عن برقوق. ~~واستقر برقوق بسكنه بالإسطبل السلطاني. وصار هؤلاء الثلاثة هم نظام الملك، ~~وإليهم العقد والحل، وبرقوق كبيرهم الذي يرجع إليه، والمعول على الاثنين: ~~برقوق وبركة، حتى لهجت الناس بقولهم: برقوق وبركة، نصبا على الدنيا شبكة. ~~ثم بعد يومين مسك الأمير يلبغا الناصري أمير سلاح، وأرسل إلى سجن ~~الإسكندرية ومعه الأمير كشلي أحد أمراء الطبلخانات. ثم أخرج يلبغا الناصري ~~بعد مدة إلى نيابة طرابلس، ويلبغا الناصري هذا هو صاحب الوقعة مع برقوق ~~الآتي ذكرها في سلطنته، إن شاء الله تعالى. ثم في العشرين من ذي الحجة خلع ~~على الأمير إينال اليوسفي واستقر أمير سلاح عوضا عن يلبغا الناصري. ثم في ~~مستهل شهر المحرم سنة ثمانين وسبعمائة أنعم على آقتمر العثماني بتقدمة ألف ~~واستقر دوادارا كبيرا عوضا عن أطلمش الأرغوني. ثم بعد أيام قبض على صراي ~~تمر نائب صفد وسجن بالكرك وأستقر عوضه في نيابة صفد آقبغا الجوهري نائب ~~غزة، واستقر عوضه في نيابة غزة مبارك شاه. ثم في سادس صفر تولى كريم الدين ~~عبد الكريم بن مكانس الوزر والخاص معا ووكالة بيت المال ونظر الدواوين. ثم ~~استقر برقوق بالأمير منكلي بغا الأحمدي البلدي نائب طرابلس في نيابة حلب ~~عوضا عن إشقتمر المارديني بحكم عزله بالقبض عليه بمدينة بلبيس وسجنه ~~بالإسكندرية. وقد قدمنا أن إشقتمر هذا كان ممن ولي الأعمال الجليلة من ~~سلطنة السلطان حسن وبرقوق يوم ذاك من صغار مماليك يلبغا العمري. انتهى. ~~PageV03P0240 # ثم أخرج برقوق يلبغا الناصري وولاه نيابة طرابلس عوضا عن منكلي بغا ~~الأحمدي البلدي المنتقل إلى نيابة حلب. ثم بعد مدة يسيرة قبض على منكلي بغا ~~المذكور واعتقل بقلعة حلب وتولى حلب عوضه الأمير تمرباي الأفضلي التمرداشي. ~~ثم رسم بالإفراج عن إشتقمر المارديني من سجن الإسكندرية وأن يتوجه إلى ~~القدس بطالا. ثم في هذه الأيام رسم بعزل ms2298 الأمير بيدمر الخوارزمي عن نيابة ~~الشام بالأمير كمشبغا الحموي اليلبغاوي. قلت: وبيدمر هذا أيضا ممن ولي ~~نيابة طرابلس في أيام يلبغا العمري وغيرها من الأعمال. وحضر بيدمر إلى ~~القاهرة وقبض عليه واعتقل بسجن الإسكندرية. ثم استقر الأمير قرا دمرداش ~~الجوباني اليلبغاوي رأس نوبة ثانيا بتقدمة ألف، وهذه الوظيفة هي الآن وظيفة ~~رأس نوبة النوب. واستقر الأمير بزلار العمري الناصري نائب إسكندرية عوضا عن ~~الأمير قطلقتمر بتقدمة ألف. واستقر منكلي بغا الطرخاني نائب الكرك، عوضا عن ~~تمراز الطازي. وأستقر خليل بن عرام المعزول عن نيابة إسكندرية وعن الوزر - ~~وهو يومئذ من جملة أمراء الألوف - أستادار بركة الجوباني، وهذا شيء لم يسمع ~~بمثله كون أمير مائة ومقدم ألف يكون أستدارا عند بعض أعيان الأمراء، فهذا ~~شيء عجيب. ثم استقر الأمير بركة الجوباني ناظر الأوقاف الحكمية جميعها وجعل ~~نائبه في النظر جمال الدين محمود العجمي الحنفي. ثم استعفى الأمير تغري ~~برمش من الإمرة والحجوبية الكبرى بديار مصر فأعفي، فاستقر عوضه الأمير ~~مأمور القلمطاوي اليلبغاري أمير مائة ومقدم ألف وحاجب الحجاب. وفي هذه ~~الأيام اتفق جماعة على قتل الأتابك برقوق العثماني، ففطن بهم، فمسك منهم ~~جماعة منهم طشبغا الخاصكي وآقبغا بشمقدار ألجاي وآقبغا أمير آخور الجاي في ~~آخرين تقدير أربعين نفسا، فنفى برقوق بعضهم وحبس البعض. ثم أمسك برقوق ~~ألطنبغا شادي وجماعة من مماليك ألجاي اليوسفي، ثم أمسك بعد ذلك بمدة سبعة ~~عشر أميرا وقيدهم وأرسلهم إلى الإسكندرية. ثم في حادي عشرين شهر ربيع الأول ~~سفر برقوق آقبغا البشمقدار ومعه أحد عشر مملوكا من المماليك السلطانية، ~~وعشرين من مماليك طشتمر الدوادار لكلام صدر منهم في حق برقوق. وفي أول هذه ~~السنة - أعني سنة ثمانين - كان الحريق العظيم بديار مصر بظاهر باب زويلة: ~~احترق فيه الفاكهيون أو النقليون والبراذعيون، وعمل الحريق إلى سور ~~القاهرة. فركب الأمير بركة والأمير أيتمش والأمير قرا دمرداش الأحمدي ~~وجماعة كبيرة من الأمراء والحكام، حتى قدروا على طفيه بعد أيام. واستمر ~~موضع الحريق خرابا من أول هذه السنة إلى آخرها. ثم ms2299 في سادس عشرين ذي القعدة ~~اجتمع الأمراء والقضاة عند الأتابك برقوق وقالوا: إن العساكر قلت في ~~الإسلام ونريد أن نحل الأوقاف المحدثة بعد الملك الناصر محمد بن قلاوون، ~~فمنعهم الشيخ سراج الدين البلقني من ذلك، فلم يسمعوا له، وحلوا أوقاف ~~الناس، وجعلوها إقطاعات وفرقوها. وفي مستهل شهر ربيع الآخر من سنة إحدى ~~وثمانين وسبعمائة طلب اشقتمر المارديني من القدس إلى القاهرة، فحضر في أول ~~جمادى الأولى وتولى نيابة حلب بعد عزل تمرباي الأفضلي التمرداشي. ولما حضر ~~اشقتمر إلى القاهرة تلقاه الأتابك برقوق والأمير بركة إلى الحوض التحتاني ~~من الريدانية وترجلا له عن خيولهما، وأنزله برقوق عنده وخدمه أتم خدمة. ثم ~~عزل الأمير كمشبغا الحموي اليلبغاوي عن نيابة دمشق، وتولى عوضه بيدمر ~~الخوارزمي على عادته، وكان بيدمر معتقلا بالإسكندرية. ثم في أثناء هذه ~~السنة كانت واقعة الأمير إينال اليوسفي اليلبغاوي مع الأتابك برقوق. ~~PageV03P0241 # وخبر هذه الواقعة أنه لما كان في يوم رابع عشرين شعبان ركب الأتابك برقوق ~~من الإسطبل السلطاني في حواشيه ومماليكه للتسيير على عادته، وكان الأمير ~~بركة الجوباني مسافرا بالبحيرة للصيد، فلما بلغ إينال اليوسفي أمير سلاح ~~ركوب برقوق من الإسطبل السلطاني انتهز الفرصة لركوب برقوق وغيبة بركة، وركب ~~بمماليكه وهجم الإسطبل السلطاني وملكه، ومسك الأمير جركس الخليلي. وكان مع ~~إينال المذكور جماعة من الأمراء: منهم سودون جركس المنجكي أمير آخور، ~~والأمير صصلان الجمالي، وسودون النوروزي، وجمق الناصري، وقماري، وجماعة ~~أخر. ولما طلع إينال إلى باب السلسلة وملكها، أرسل الأمير قماري لينزل ~~بالسلطان الملك المنصور إلى الإسطبل، فأبى السلطان من نزوله ومنعه. ثم كبس ~~إينال زردخاناه برقوق وأخرج منها اللبوس وآلة الحرب، وأخذ مماليك برقوق ~~الذين كانوا وافقوه وألبسهم السلاح وأوقفهم معه وأوعدهم بمال كبير وإمريات. ~~وبلغ برقوقا الخبر فعاد مسرعا، وجاء إلى بيت الأمير أيتمش البجاسي بالقرب ~~من باب الوزير وألبس مماليكه هناك، وجاءه جماعة من أصحابه، فطلع بالجميع ~~إلى تحت القلعة وواقعوا إينال اليوسفي. وأرسل برقوق الأمير قرط في جماعة ~~إلى باب السلسلة الذي من جهة باب ms2300 المدرج، فأحرقه، ثم تسلق قرط المذكور من ~~عند باب سر قلعة الجبل، ونزل ففتح لأصحابه الباب المتصل إلى الإسطبل ~~السلطاني، فدخلت أصحاب برقوق منه وقاتلت إينال، وصار برقوق بمن معه يقاتل ~~من الرميلة، فانكسر إينال ونزل إلى بيته جريحا من سهم أصابه في رقبته من ~~بعض مماليك برقوق. وطلع برقوق إلى الإسطبل وملكه وأرسل إلى إينال من أحضره، ~~فلما حضر قبض عليه وحبسه بالزردخاناه، وقرره بالليل فأقر أنه ما كان قصده ~~إلا مسك بركة لا غير. ثم أن برقوق مسك جماعة من الأمراء وغيرهم من أصحاب ~~إينال اليوسفي، ما خلا سودون النوروزي. جمق الناصري وشخصا جنديا يسمى أزبك ~~- كان يدعي أنه من أقارب برقوق. ثم حمل إينال في تلك الليلة إلى سجن ~~الإسكندرية ومعه سودون جركس. ثم أخذ برقوق في القبض على مماليك إينال ~~اليوسفي، ونودي عليهم بالقاهرة ومصر. وفي هذه الواقعة يقول الأديب شهاب ~~الدين أحمد ابن العطار: الرجز، ما بال إينال اتى ... في مثل هذي الحركه مع ~~علمه بأنها ... خالية من بركه وله أيضا - عفا الله عنه: السريع، قد ألبس ~~الله برقوق المهابة في ... نهار الاثنين من نصر وتمكين وراح إينال مع سودون ~~وانكسرا ... وكان يوما عسيرا يوم الاثنين وله - عفا الله عنه: الوافر، بغى ~~إينال واعتقد الأماني ... تساعده فما نال المؤمل ومد لأخذ برقوق يديه ... ~~ولم يعلم بأن الخوخ أسفل ثم في الثامن والعشرين من شعبان حضر الأمير بركة ~~من السرحة، فركب الأتابك برقوق وتلقاه من السحر وأعلمه بما وقع من إينال ~~اليوسفي في حقه. ثم اتفقا على طلب الأمير يلبغا الناصري من نيابة طرابلس، ~~فحضر وأنعم عليه باقطاع إينال اليوسفي ووظيفته إمرة سلاح، وكانت وظيفة ~~يلبغا قبل إينال. وتولى مكانه في نيابة طرابلس منكلي بغا الأحمدي البلدي. ~~ثم استقر بلوط الصرغتمشي في نيابة الإسكندرية، بعد عزل بزلار عنها ونفيه ~~إلى الشام بطالا. ثم نقل حطط من نيابة أبلستين إلى نيابة حماة عوضا عن ~~أرغون الإسعردي. ثم استقر قرط في نيابة الوجه القبلي إلى أسوان. ثم أمسك ms2301 ~~برقوق مثقال الجمالي الزمام ، وسأله عن ذخائر الملك الأشرف شعبان فأنكر، ~~ففرض عليه العقوبة، فأقر بصندوق داخل الدار السلطانية، فأرسله ومعه خادمان ~~فأتى بالصندوق وفيه ثلاثون ألف دينار. ثم قرره فأخرج من قاعة المجدي ذخيرة ~~فيها خمسة عشر ألف دينار وبرنية فيها فصوص، منها فص عين هر، زنته ستة عشر ~~درهما. ثم بعده إلى الأمير بركة فعصره فلم يعترف بشيء. ثم وجدوا عند دادة ~~الملك الأشرف أوراقا فيها دفتر بخط الملك الأشرف، فيه كل شيء ادخره مفصلا، ~~فوجدوا الذخائر كلها قد أخذت، ولم يتأخر إلا عند طشتمر الدوادار ذخيرة فيها ~~خمسة عشر ألف دينار وعلبة فصوص وعلبة لؤلؤ، وما وجدوا في ذلك اسم مثقال ~~المذكور، فأفرج عنه. PageV03P0242 # وفي هذه السنة وجه الأمير بركة دواداره سودون باشا إلى الحجاز الشريف ~~لإجراء الماء إلى عرفة. وكان في أوائل هذه السنة برز المرسوم الشريف بأن ~~يعمل على قنطرة فم الخور التي عند موردة الجبس سلسلة تمنع المراكب من ~~الدخول إلى الخليج وإلى بركة الرطلي، فعمل شعراء العصر في ذلك أبياتا، منها ~~قول بدر الدين ابن الشامية، أحد صوفية الخانقاة الركنية بيبرس: البسيط، يا ~~سادة فعلهم جميل ... وما لهم في الورى وحاشه سلسلتم البحر لا لذنب ... ~~وأرسلتمو للحجاز باشه قلت: لم تصح التورية معه في قوله باشه لعدم معرفته ~~باللغة التركية، لأن اسم باشا بالتفخيم والألف، وباشه مرققة وفي آخرها هاء، ~~وبينهما بون في اللفظ. وكثير مثل هذا يقع للشعراء من أولاد العرب، فيأخذون ~~المعاني الصالحة فيجعلونها هجوا مثل لفظة نكريش وغيرها، لأن نكريش باللغة ~~العجمية معناه: جيد اللحية، فاستعملوها الشعراء في باب الهجو، وكثير مثل ~~هذا. وقد أوضحنا ذلك في مصنف بينا فيه تحاريف أولاد العرب في الأسماء ~~التركية وغيرها. وقال الأديب عبد العال البغدادي في المعنى: مخلع البسيط، ~~أطلقت دمعي على خليج ... مذ سلسلوه فصار يقفل من رام من دهرنا عجيبا ... ~~فلينظر المطلق المسلسل وقال غيره: مخلع البسيط، قد أطلقوا البحر من فسوق ~~... مذ سلسلوا منه خير جدول ورق قلب الهوى عليه ms2302 ... فحبذا نهره المسلسل وفي ~~هذه السنة كانت بالديار المصرية واقعة غريبة من كلام الحائط. وخبره أن في ~~أوائل شهر رجب من هذه السنة ظهر كلام شخص من حائط في بيت العدل شهاب الدين ~~أحمد الفيشي الحنفي بالقرب من الجامع الأزهر، فصار كل من يأتي إلى الحائط ~~المذكور ويسأله عن شيء يرد عليه الجواب ويكلمه بكلام فصيح، فجاءته الناس ~~أفواجا، وترددت إلى الحائط المذكور أكابر الدولة، وتكلموا معه. وافتتن ~~الناس بذلك المكان وتركوا معايشهم وازدحموا على الدار المذكورة. وأكثر ~~أرباب العقول الفحص عن ذلك، فلم يقفوا له على خبر، وتحير الناس في هذا ~~الأمر العجيب، إلى أن حضر إلى البيت المذكور القاضي جمال الدين محمود ~~القيصري العجمي محتسب القاهرة، ويحص عن أمره بكل ما يمكن القدرة إليه، حتى ~~إنه أخرب بعض الحائط، فلم يؤثر ذلك شيئا، واستمر الكلام في كل يوم إلى ثالث ~~شعبان، وقد كادت العامة أن تتعبد بالمكان المذكور. وأكثروا من قولهم: يا ~~سلام سلم، الحيطة بتتكلم. وخاف أهل الدولة من إفساد الحال، وقد أعياهم أمر ~~ذلك، حتى ظهر أن الذي كان يتكلم هي زوجة صاحب المنزل، فأعلم بذلك الأتابك ~~برقوق، فاستدعى بها مع زوجها، فحضرا، فأنكرت المرأة، فضربها، فأقرت. فأمر ~~بتسميرها وتسمير شخص آخر معها يسمى عمر وهو الذي كان يجمع الناس إليها، بعد ~~أن ضرب برقوق الزوج وعمر المذكور بالمقارع وطيف بهما في مصر والقاهرة. ثم ~~أفرج عنهم، بعد أن حبسوا مدة. وفي ذلك يقول الشيخ شهاب الدين بن العطار: ~~البسيط، يا ناطقا من جدار وهو ليس يرى ... اظهر وإلا فهذا الفعل فتان لم ~~تسمع الناس للحيطان ألسنة ... وإنما قيل للحيطان آذان وقال غيره: البسيط، ~~قد حار في منزل الفيشي الورى عجبا ... بناطق من جدار ظل مبديه وكلهم في ~~حديد بارد ضربوا ... وصاحب البيت أثرى بالذي فيه وفي هذه السنة أمر الأمير ~~بركة بنقل الكلاب إلى بر الجيزة، وكانت قد كثرت إلى الغاية في الأزقة ~~والشوارع وقرر على كل أمير شيئا معينا، وعلى أصحاب الدكاكين على كل ms2303 صاحب ~~دكان كلبا. فتتبع الناس الكلاب حتى أبيع كل كلب بدرهم. فأخذ بركة جميع ~~الكلاب ونفاها إلى بر الجيزة. PageV03P0243 # وفي يوم الأربعاء سابع صفر من سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة كان ابتداء ~~الفتنة بين الأتابك برقوق وبين خجداشه بركة الجوباني. وهو أن بركة أرسل ~~يقول إلى برقوق في اليوم المذكور: إن أيتمش البجاسي لابس آلة الحرب هو ~~ومماليكه بإسطبله فأرسل برقوق إلى أيتمش في الحال فلم يجد الأمر صحيحا. ثم ~~طلع أيتمش إلى برقوق وأقام عنده. وترددت الرسل بين برقوق وبركة، والذي كان ~~الرسول بينهما العلامة أكمل الذين محمد الحنفي شيخ الشيوخ بالشيخونية - ~~أراد بذلك إخماد الفتنة - والشيخ أمين الدين الحلواني. ولا زالا بهما حتى ~~أوقعا الصلح بينهما، ورضي بركة على أيتمش البجاسي وخلع عليه قباء نخ عند ~~نزوله إليه بأمر برقوق صحبة الشيخين المذكورين. ثم فسد ما بينهما أيضا بعد ~~اثني عشر يوما في ليلة الجمعة تاسع عشر صفر، وبات تلك الليلة كل أمير من ~~أمراء مصر ملبسا مماليكه في إسطبله. وسببه أن بركة أراد أن يمسك جماعة من ~~الأمراء ممن هو من ألزام برقوق، فأصبح نهار الجمعة والأمراء لابسون السلاح. ~~ولما وقع ذلك، طلب برقوق القضاة إلى القلعة ليرشد السلطان الملك المنصور، ~~وقاد لهم: نرشد السلطان فيتكلم في أمور مملكته، وأنكف أنا وغيري من التكلم. ~~وأنا مملوك من حملة مماليك السلطان فتكلم القضاة بينه وبين الأمير بركة ~~وترددوا في الرسلية غير مرة إلى أن أذعن كل منهما إلى الصلح وتحالفا على ~~ذلك واصطلحا. وأصبحت الأمراء من الغد ركبوا إلى الميدان ولعبوا بالكرة، ~~وخلع بركة على أيتمش ثانيا. واستقر الصلح، وخلع برقوق على القضاة الأربعة، ~~والتزم بركة أنه لا يتحدث في شيء من أمور المملكة البتة. واستمر الأمراء ~~على ذلك إلى يوم الاثنين سابع شهر ربيع الأول ركبت الأمراء وسيروا بناحية ~~قبة النصر. ورجعوا وطلع برقوق إلى الإسطبل السلطاني، حيث سكنه، وذهب بركة ~~إلى بيته. وكان برقوق قد ولد له ولد ذكر، وعمل سماطا للناس. وطلع إليه ~~الأمير صراي الرجبي ms2304 الطويل، وكان من إخوه بركة، وقال لبرقوق: إن بركة ~~وحاشيته قد اتفقوا على قتلك: إذا دخلت يوم الجمعة إلى الصلاة هجموا عليك ~~وقتلوك فبقي برقوق متفكرا في ذلك متحيرا، لا يشك فيما أخبره صراي لصحبته مع ~~بركة. وبينما برقوق في ذلك إذ طلع إليه الأمير قرادمرداش الأحمدي اليلبغاوي ~~أمير مجلس، وطبج المحمدي، واقتمر العثماني الدوادار الكبير - وهم من أعيان ~~أصحاب بركة - وهنؤوه بالولد وأكلوا السماط. فلما فرغوا طلب برقوق الأمير ~~جركس الخليلي ويونس الدوادار وأمرهما بمسك هؤلاء الثلاثة ومن معهم، فمسكوا ~~في الحال. ثم أمر برقوق حواشيه بلبس السلاح فلبسوا. ونزل بزلار الناصري من ~~وقته غارة إلى مدرسة السلطان حسن مع مماليكه، وطلع إليها وأغلق بابها، وصعد ~~إلى سطحها ومآذنها ورمى بالنشاب على بركة في إسطبله الملاصق للمدرسة ~~المذكورة، وهو بيت قوصون تجاه باب السلسلة. فلما رأى بركة ذلك أمر مماليكه ~~وأصحابه بلبس السلاح، فلبسوا. وناس برقوق في الحال للعادة تنهب بيت بركة، ~~فتجمعوا في الحال وأحرقوا بابه. ولم يتمكن بركة من قتالهم من عظم الرمي ~~عليه من أعلى سطوح المدرسة، فخرج من بابه الذي بالشارع الأعظم المتصل إلى ~~صليبة ابن طولون، وخرج معه سائر أصحابه ومماليكه، وترك ماله بالبيت ودخل من ~~باب زويلة، وأخذ والي القاهرة معه إلى باب الفتوح، ففتحه له: فإنه كان أغلق ~~عند قيام الفتنة مع جملة أبواب القاهرة. وسار بركة بمن معه من الأمراء ~~والمماليك إلى قبة النصر، خارج القاهرة، فأقام بها ذلك اليوم في مخيمه، ثم ~~أخرج طائفة من عساكره إلى جهة القلعة، فتوجهوا يريدون القلعة، فندب برقوق ~~لقتالهم جماعة في أصحابه، فنزلوا إليهم وقاتلوهم قتالا شديدا، قتل فيه من ~~كل طائفة جماعة. ثم رجعت كل طائفة إلى أميرها وباتوا تلك الليلة. ~~PageV03P0244 # فلما أصبح نهار الثلاثاء ثامن شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وثمانين ~~وسبعمائة، ندب برقوق لقتال بركة الأمير علان الشعباني وأيتمش البجاسي وقرط ~~الكاشف في جماعة كبيرة من الأمراء والمماليك، وتوجهوا إلى قبة النصر، فبرز ~~لهم من أصحاب بركة الأمير يلبغا الناصري ms2305 أمير سلاح بجماعة كبيرة، والتقوا ~~وتصادموا صدمة هائلة انكسر فيها يلبغا الناصري بمن معه وانهزم إلى جهة قبة ~~النصر. فلما رأى الأمير بركة انهزام عسكره ركب بنفسه وصدمهم صدمة صادقة، ~~وكان من الشجعان، كسرهم فيها أقبح كسرة، وتتبعهم إلى داخل الترب، ثم عاد ~~إلى مخيمه. وطلع أصحاب برقوق إلى باب السلسلة في حالة غير مرضية وباتوا تلك ~~الليلة. فلما أصبح نهار الأربعاء تاسع شهر ربيع الأول المذكور، أنزل برقوق ~~السلطان الملك المنصور إلى عنده بالإسطبل السلطاني، ونادى للمماليك ~~السلطانية بالحضور، فحضروا. فأخرج جماعة كبيرة من الأمراء ومعهم المماليك ~~السلطانية وندبهم لقتال بركة. ودقت الكوسات بقلعة الجبل حربية. هذا وقد جهز ~~بركة أيضا جماعة كبيرة أيضا من أصحابه، لملتقى من ندبه برقوق لقتاله. وسار ~~كل من الفريقين إلى الآخر حتى تواجها على بعد، فلم يتقدم أحد من العسكرين ~~إلى غريمه. فلما كان بعد الظهر بعث الأمير بركة أمير آخوره سيف الدين طغاي ~~يقول لبرقوق: ما هذا العمل هكذا كان الاتفاق بيننا، فقال برقوق: هكذا وقع. ~~قل لأستاذك يتوجه نائبا في أي بلد شاء. فرجع أمير آخور بركة إليه بهذا ~~القول، فلم يوافق بركة على خروجه من مصر أصلا. فلما أيس منه أمير آخوره قال ~~له إن كان ولا بد فهذا الوقت وقت القيلولة، والناس مقيلة، فهذا وقتك فركب ~~بركة بأصحابه ومماليكه من وقته وساقوا فرقتين: فرقة من الطريق المعتادة، ~~وفرقة من طريق الجبل. وكان بركة في الفرقة التي بطريق الجبل، وبلغ برقوقا ~~ذلك فأرسل الأمراء والمماليك في الوقت لملتقاه. فلما أقبل بركة هرب أكثر ~~عساكر برقوق ولم يثبت إلا الأمير علان الشعباني في نحو مائة مملوك، والتقى ~~مع بركة. وكان يلبغا الناصري بمن معه من أصحاب بركة توجه من الطريق ~~المعتادة، فالتقاه أيتمش البجاسي بجماعة وكسره، وضربه بالطبر، وأخذ جاليشه ~~وطبلخاناته، ورجع مكسورا بعد أن وقع بينهم وقعة هائلة جرح فيها من ~~الطائفتين خلائق. وأما بركة فإنه لما التقى مع علان صدمه علان صدمة تقنطر ~~فيها عن فرسه، وركب غيره. فلما ms2306 تقنطر انهزم عنه أصحابه، فصار في قلة، فثبت ~~ساعة جيدة ثم انكسر وانهزم إلى جهة قبة النصر، وأقام به إلى نصف الليل، فلم ~~يجسر أحد من البرقوقية على التوجه إليه وأخذه. فلما كانت نصف ليلة الخميس ~~المذكورة رأى بركة أصحابه في قلة، وقد خل عنه أكثر مماليكه وحواشيه، وهرب ~~من قبة النصر هو والأمير آقبغا صيوان إلى جامع المقسي خارج القاهرة فغمز ~~عليه في مكانه فمسك هو وآقبغا المذكور من هناك وطلع بهما إلى برقوق. وتتبع ~~برقوق أصحاب بركة ومماليكه فمسك منه جماعة كبيرة حسب ما يأتي ذكره مع من ~~مسك مع بركة من الأمراء. وبقيت القاهرة ثلاثة أيام مغلقة والناس في وجل ~~بسبب الفتنة، فنادى برقوق عند ذلك بالأمان والاطمئنان. وفي واقعة بركة يقول ~~طاهر بن حبيب: الرجز، يا لؤمها من حالة ... وشؤمها من حركه وقبحها من فتنة ~~... فيها زوال بركه وعظم كسرة بركة ومسكه على الناس، لأنه كان محببا للرعية ~~وفيه كرم وحشمة وكان أكثر ميل الناس إليه. ولما كان عشية ليلة الخميس ~~المذكورة أخذ برقوق خجداشه بركة وقيده وأرسله إلى سجن الإسكندرية فحبس به ~~صحبة الأمير قردم الحسني ومعه جماعة في القيود من أصحابه الأمراء وهم: ~~الأمير قرادمرداش الأحمدي أمير مجلس المقبوض عليه قبل واقعة بركة، وآقتمر ~~العثماني الدوادار، وأمير آخر. PageV03P0245 # ثم أخذ برقوق في القبض على الأمراء من أصحاب بركة، فمسك جماعة كبيرة وهم: ~~أيدمر الخطائي، وخضر - بضم الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وراء ساكنة - ~~، وقراكسك، وأمير حاج بن مغلطاي، وسودون باشا، ويلبغا المنجكي، وقرابلاط، ~~وقرابغا الأبو بكري، وتمربغا السيفي تمرباي، وإلياس الماجري، وتمربغا ~~الشمسي، ويوسف بن شادي، وقطلبك النظامي، وآقبغا صيوان الصالحي، وكزل ~~القرمي، وطولو تمر الأحمدي، وطوجى الحسيني، وتنكر العثماني، وقطلو بغا ~~السيفي، وغريب الأشرفي، وكمجي، وألطنبغا الأرغوني، ويلبغا الناصري رفيق ~~منطاش الأتي ذكرهما، وأطلمش الطازي، وتمرقيا. فأرسل منهم برقوق في ليلة ~~الأحد ثاني عشر ربيع الأول جماعة إلى الإسكندرية صحبة الأمير سودون ~~الشيخوني وهم: يلبغا الناصري وهو أكبر الجماعة، وطبج المحمدي، ويلبغا ~~المنجكي، ms2307 وأطلمش الطازي، وقرابلاط، وتمرقيا السيفي تمربغا، وإلياس، وقرابغا ~~. ثم عرض برقوق مماليك بركة، فأخذ أكابرهم في خدمته، وكذلك فعل بمماليك ~~يلبغا الناصري. ثم أمسك أرسلان الأشرفي دوادار بركة. ثم أفرج برقوق عن ستة ~~أمراء ممن أمسكهم. ثم أنعم برقوق على جماعة من أصحابه بتقادم ألوف: فأنعم ~~على ولده محمد بن برقوق بإقطاع بركة بتمامه وكماله، ثم أنعم على أربعة أخر ~~بتقادم ألوف وهم: جركس الخليلي، وبزلار العمري الناصري، وألطنبغا المعلم، ~~وألابغا العثماني. وأنعم على أطلمش الطازي أحد أصحاب بركة بإمرة طبلخاناة ~~بالشام. ثم في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول المذكور أنعم على جماعة ~~بإمرة طبلخانات، وهم: آقبغا الناصري، وتنكز بغا السيفي، وطوجي، وفارس ~~الصرغتمشي، وكمشبغا الأشرفي الخاصكي، وقطلوبغا السيفي كوكاي، وتمربغا ~~المنجكي، وسودون باق السيفي تمرباي، وإياس الصرغتمشي وأنعم على جماعة بإمرة ~~عشرات وهم: قوصون الأشرفي، وبيبرس التمان تمري، وطغا الكريمي، وبيرم ~~العلائي، وآقبغا اللاجيني. ثم في حادي عشرين شهر ربيع الأول المذكور أخلع ~~برقوق على جماعة من الأمراء بوظائف، فاستقر أيتمش البجاسي رأس نوبة كبير ~~أطابكا عوضا عن بركة - وهذه الوظيفة بطلت من أيام الملك الناصر فرج - ~~واستقر علان الشعباني أمير سلاح عوضا عن يلبغا الناصري، واستقر ألطنبغا ~~الجوباني أمير مجلس عوضا عن قرادمرداش الأحمدي، واستقر ألابغا العثماني ~~دوادارا عوضا عن آقتمر العثماني، واستقر ألطنبغا المعلم رأس نوبة ثاني ~~بتقدمة ألف - أعني رأس نوبة النوب - ، واستقر جركس الخليلي أمير آخور ~~كبيرا، واستقر قرابغا الأبو بكري حاجبا، واستقر بجمان المحمدي من جملة رؤوس ~~النوب، واستقر كمشبغا الأشرفي الخاصكي شاد الشراب خاناه، فصار أرباب الدولة ~~كلهم جراكسة من أتباع الأمير الكبير برقوق. وفي ثاني عشرينه استقر الأمير ~~صلاح الدين خليل بن عرام نائب إسكندرية عوضا عن بلوط الصرغتمشي، فتوجه ابن ~~عرام إلى الإسكندرية. ثم عاد إلى القاهرة بعد مدة يسيرة وشكا من الأمير ~~بركة، فأوصاه برقوق به في الظاهر، وسيره إلى الإسكندرية ثانيا. ثم أمسك ~~برقوق الأمير بيدمر الخوارزمي نائب الشام، وأمسك معه جماعة من أصحابه من ~~الأمراء. وكان بيدمر ms2308 من حزب بركة، وخرج عن طاعة برقوق، فولى برقوق عوضه ~~الأمير اشقتمر المارديني نائب حلب. وتولى نيابة حلب بعد اشقتمر منكلي بغا ~~الأحمدي البلدي نائب طرابلس. ثم في آخر جمادى الأولى أفرج برقوق عن جماعة ~~الأمراء المسجونين بثغر الإسكندرية ما خلا أربعة أنفس، وهم: بركة ويلبغا ~~الناصري وقرادمرداش الأحمدي وبيدمر الخوارزمي نائب الشام. وحضرت البقية إلى ~~القاهرة، فأخرج بعضهم إلى الشام ونفي بعضهم إلى قوص. ثم في شعبان باست ~~الأمراء الأرض للسلطان الملك المنصور علي وسألوه الإفراج عن المسجونين ~~بالإسكندرية، وذلك بتدبير برقوق، فرسم السلطان بالإفراج عنهم وهم: بيدمر ~~الخوارزمي، ويلبغا الناصري، وقرادمرداش الأحمدي. ولم يبق بسجن الإسكندرية ~~فمن مسك من الأعيان في واقعة بركة غير المذكور، ومات في شهر رجب على ما ~~يأتي ذكره، بعد أن نحكي قدوم آنص والد الأتابك برقوق من بلاد الجركس ولما ~~حضر الأمراء إلى مصر أخرج يلبغا الناصري إلى دمشق على إمرة مائة وتقدمة ألف ~~بها وقرادمرداش إلى حلب على تقدمة ألف أيضا بها، وتوجه بيدمر الخوارزمي إلى ~~ثغر دمياط بطالا. PageV03P0246 # ثم رسم برقوق بالإفراج عن الأمير إينال اليوسفي، صاحب الواقعة مع برقوق ~~المقدم ذكرها، من سجن الإسكندرية واستقر في نيابة طرابلس. ثم استقر كمشبغا ~~الحموي اليلبغاوي في نيابة صفد عوضا عن تمرباي الأفضلي التمرداشي مدة يسيرة ~~ونقل إلى نيابة طرابلس بحكم انتقال إينال اليوسفي إلى نيابة حلب بعد وفاة ~~منكلي بغا الأحمدي البلدي. ثم في ذي الحجة من السنة وصل الخبر بوصول الأمير ~~آنص الجركسي والد الأمير الكبير برقوق العثماني صحبة تاجر برقوق الخواجا ~~عثمان بن مسافر، فخرج برقوق بجميع الأمراء إلى لقائه في يوم الثلاثاء ثامن ~~ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة المذكورة، فسافر برقوق إلى العكرشة. ~~قال قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي: وهو المكان الذي التقى به ~~يوسف الصديق أباه يعقوب عليهما السلام على ما قيل. وكان قد هيأ له ولده ~~الأتابك برقوق الإقامات والخيم والأسمطة. والتقى برقوق مع والده، فحال وقع ~~بصر آنص على ولده برقوق، مد له ms2309 يده، فأخذها برقوق وقبلها ووضعها على رأسه. ~~ثم سلم عليه أكابر أمراء مصر على مراتبهم، وأقعد آنص والد برقوق في صدر ~~المخيم، وقعد الأمير آقتمر عبد الغني النائب من جانب، والأمير أيدمر الشمسي ~~من جانب آخر، وجلس برقوق تحت أيدمر وهو يوم ذاك مرشح للسلطنة، فانظر إلى ~~تلك الآداب والقواعد السالفة. ولما استقر بهم الجلوس أخذ آنص يخاطب برقوقا ~~ولده باسمه من غير تحشم، كما يخاطب الوالد ولده على قاعدة الجراكسة ~~والقاعدة عندهم أن الولد والخديم عندهم سواء وكان الملتقى بالعكرشة والنزول ~~بالمخيم بالخانقاه، فإنهم لما تلاقوا ساروا على ظهر إلى خانقاه سرياقوس، ~~وحضر مع الأمير آنص جماعة كبيرة من أقاربه وأولاده إخوة الأتابك برقوق: ~~خوند الكبرى والصغرى أم بيبرس الأتابك وغيرهما. ثم مدت الأسمطة من المآكل ~~والمشارب والحلاوات وغيرها. ودام برقوق والأمراء بخانقاه سرياقوس إلى ظهر ~~اليوم المذكور، ثم ركبوا الجميع وعادوا إلى جهة الديار المصرية، والموكب ~~لآنص والد برقوق، وأكابر الأمراء عن يمينه وشماله، وتحته فرس بسرج ذهب ~~وكنبوش زركش بذهب هائل قد تناهوا في عملهما. وسار الجميع حتى دخلوا إلى ~~القاهرة، واجتازوا بها، وقد أوقدت لهم الشموع والقناديل، فتخير والد برقوق ~~مما رأى وكان جركسيا جنسه كسا لا يعرف باللغة التركية شيئا، لأن الكسا ~~بالبعد عن بلاد التتار. وطلع برقوق مع ابنه إلى القلعة، وصار هو المشار ~~إليه على ما سنذكره. وأما أمر بركة فإنه لما كان شهر رجب من هذه السنة ورد ~~الخبر من الأمير صلاح الدين خليل بن عرام نائب الإسكندرية بموت الأمير زين ~~الدين بركة الجوباني اليلبغاوي المقدم ذكره بسجن الإسكندرية، فلما بلغ ~~الأتابك برقوقا ذلك عظم عليه في الظاهر - والله سبحانه وتعالى متولي ~~السرائر - وبعث بالأمير يونس النوروزي الدوادار بالإسكندرية لكشف خبر ~~الأمير بركة وكيف كانت وفاته، فتوجه يونس إلى الإسكندرية، ثم عاد إلى مصر ~~ومعه ابن عرام المذكور نائب الإسكندرية، وأخبر برقوقا بأن الأمر صحيح، وأنه ~~كشف عن موته وأخرجه من قبره فوجد به ضربات: إحداها في رأسه، وأنه مدفون ~~بثيابه من ms2310 غير كفن، وأن يونس أخرجه وغسله وكفنه ودفنه وصلى عليه خارج باب ~~رشيد وبنى عليه تربة، وأن الأمير صلاح الدين خليل بن عرام هو الذي قتله. ~~فحبس برقوق ابن عرام بخزانة شمائل. ثم عصره وسأله عن فصوص خلاها بركة عنده، ~~فأنكرها وأنكر أنه ما رآها. PageV03P0247 # فلما كان يوم الخميس خامس عشرين شهر رجب المذكور، طلع الأمراء للخدمة على ~~العادة، وطلب ابن عرام من خزانة شمائل، فطلعوا به إلى القلعة على حمار، ~~فرسم برقوق بتسميره. فخرج الأمير مأمور القلمطاوي حاجب الحجاب، وجلس بباب ~~القلة، هو وأمير جاندار، وطلب ابن عرام بعد خدمة الإيوان، فعري وضرب ~~بالمقارع ستة وثمانين شيبا، ثم سفر على جمل بلعبة تسمير عطب. وأنزل من ~~القلعة إلى سوق الخيل بالرميلة بعد نزول الأمراء، وأوقفوه تجاه الإسطبل ~~السلطاني ساعة، فنزل إليه جماعة من مماليك بركة وضربوه بالسيوف والدبابيس ~~حتى هبروه وقطعوه قطعا عديدة، ثم إن بعضهم قطع أذنه وجعل يعضها صفة الأكل، ~~وأخذ آخر رجله، وآخر قطع رأسه وعلقها بباب زويلة، وبقيت قطع منه مرمية بسوق ~~الخيل. وذكر أن بعض مماليك بركة أخذ من لحمه قطعة شواها. والله أعلم بصحة ~~ذلك. ثم جمع ابن عرام بعد ذلك ودفن بمدرسته خارج القاهرة عند جامع أمير ~~حسين بن جندر بحكر جوهر النوبي. وقد صار أمر ابن عرام المذكور في أفواه ~~العامة مثلا يقولون: خمول ابن عرام. وكان ابن عرام المذكور أميرا جليلا ~~فاصلا، تنقل في الولايات والوظائف، وكان له يد طولى في التاريخ والأدب، وله ~~مصنفات مفيدة، وتاريخ كبير فيه فوائد وملح. وفي هذا المعنى يقول الأديب ~~شهاب الدين أحمد ابن العطار: البسيط، أيابن عرام قد سمرت مشتهرا ... وصار ~~ذلك مكتوبا ومحسوبا ما زلت تجهد في التاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في ~~التاريخ مكتوبا وفيه يقول أيضا: الوافر، بدت أجزا ابن عزام خليل ... مقطعة ~~من الضرب الثقيل وأبدت أبحر الشعر المراثي ... محررة بتقطيع الخليل حدثني ~~الزيني فيروز الطواشي الرومي العرامي - وكان ثقة صاحب فضل ومعرفة ودين - أن ~~أستاذه صلاح الدين خليل بن ms2311 عرام المذكور كان مليح الشكل، فصيح العبارة ~~بلغات عديدة، مع فضيلة تامة، ومعرفة بالأمور، وسياسة حسنة. وتولى نيابة ثغر ~~الإسكندرية غير مرة سنين طويلة، وتولى الوزر بالديار المصرية، وتنقل في عدة ~~وظائف أخر. قال: وكان من رجال الدهر، وكان محببا في الفقهاء والفقراء ~~وأرباب الصلاح. انتهى. وقال غيره: كان بشره الشيخ يحيى الصنافيري والشيخ ~~المعتقد نهار أنه يموت مقتولا بالسيف مسمرا. وفي معنى ما قاله الشيخ نهار ~~المذكور، يقول الشيخ الشهاب ابن العطار المقدم ذكره: السريع، وعد ابن عرام ~~قديم بما ... قد نال من شيخ رفيع المنار يا ليلة بالسجن أبدت له ... ما ~~قاله الشيخ نهار جهار وقال العيني - رحمه الله - : وذكر القاضي تاج الدين ~~بن المليجي شاهد الخاص الشريف أنه طلع إلى القلعة وهم يسمرون ابن عرام، ~~فقعد إلى أن تخف الناس، فلما فرغوا من تسميره، جازوا به عليه، فسمعه وهو ~~يقول في تلك الحالة وينشد أبيات أبي بكر الشبلي، وهي قوله: الخفيف، لك قلبي ~~تعله ... فدمي لم تحله قال إن كنت قاهرا ... فلي الأمر كله انتهى. وقد ~~خرجنا عن المقصود وأطلنا الكلام في قصة بركة وابن عرام على سبيل الاستطراد، ~~ولنرجع لما كنا فيه. وأما برقوق فإنه استمر على حاله كما كان قبل مسك بركة ~~وقتله، وإليه حل المملكة وعقدها، ولم يجسر على السلطنة. وبينما هو في ذلك ~~مرض السلطان الملك المنصور علي ولزم الفراش، حتى مات بين الظهر والعصر من ~~يوم الأحد ثالث عشرين صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، ودفن من ليلته بعد ~~عشاء الآخرة في تربة جدته لأبيه خوند بركة بالقبة التي بمدرستها بالتبانة. ~~وكان الذي تولى تجهيزه وتغسيله ودفنه الأمير قطلوبغا الكوكائي. وكانت مدة ~~سلطنته على ديار مصر خمس سنين وثلاثة أشهر وعشرين يوما. ومات وعمره اثنتا ~~عشرة سنة. ولم يكن في سلطنته سوى مجرد الاسم فقط. وإنما كان أمر المملكة في ~~أيام سلطنته إلى قرطاي أولا ثم إلى برقوق آخرا، وهو كالآلة معهم لصغر سنه ~~ولغلبتهم على الملك. وتسلطن من بعده أخوه أمير حاج ms2312 ابن الملك الأشرف شعبان ~~بن حسين، ولم يقدر برقوق - مع ما كان عليه من العظمة - أن يتسلطن. وكان ~~الملك المنصور علي مليح الشكل حسن الوجه، حشيما، كثير الأدب، واسع النفس، ~~كريما. رحمه الله تعالى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة المنصور علي # PageV03P0248 # ابن الملك الأشرف شعبان على مصر وهي سنة تسع وسبعين وسبعمائة. على أنه ~~تسلطن في الثامن من ذي القعدة من السنة الخالية. فيها - أعني سنة تسع ~~وسبعين وسبعمائة - كانت واقعة قرطاي الطازي مع صهره أينبك البحري، وقتل ~~قرطاي. ثم بعد مدة قتل أينبك أيضا. وفيها كان ظهور برقوق وبركة، وابتداء ~~أمرهما، حسب ما ذكرنا ذلك كله في أصل ترجمة الملك المنصور هذا. وفيها توفي ~~الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الرعيني ~~الغرناطي المالكي بحلب عن سبعين سنة. وكان إليه المنتهى في علم النحو ~~والبديع والتصريف والعروض، وله مشاركة في فنون كثيرة، ومصنفات جيدة، وكان ~~له نظم ونثر. ومن شعره ما كتبه على ألفية الشيخ يحيى : مخلع البسيط، يا ~~طالب النحو ذا اجتهاد ... تسمو به في الورى وتحيا إن شئت نيل المراد فاقصد ~~... أرجوزة للإمام يحيى وتوفي الشيخ الإمام بدر الدين حسن بن زيد الدين عمر ~~بن الحسين بن عمر بن حبيب الحلبي الشافعي بحلب عن سبعين سنة. وكان باشر ~~كتابة الحكم وكتابة الإنشاء وغير ذلك من الوظائف الدينية. وكان إمام عصره ~~في صناعتي الإنشاء والشروط، وله تصانيف مفيدة منها: تاريخ دولة الترك أنهاه ~~إلى سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وذيل عليه ولده أبو العز طاهر وقال: البسيط، ~~ما زلت تولع بالتاريخ تكتبه ... حتى رأيناك في التاريخ مكتوبا قلت: وأكثر ~~الناس من نظم هذا المعنى الركيك البارد في حق عدة كثيرة من المؤرخين، ~~وتزاحموا على هذا المعنى المطروق. انتهى. قلت: وكان له نظم كثير ونثر، ~~وتاريخه مرجز، وهو قليل الفائدة والضبط، ولذلك لم أنقل عنه إلا نادرا: فإنه ~~كان إذا لم تعجبه القافية سكت عن المراد. وليس هذا مذهبي في التاريخ. ومن ~~شعر الشيخ بدر ms2313 الدين حسن هذا - رحمه الله تعالى - : السريع، الورد والنرجس ~~مذعاينا ... نيلوفرا يلزم أنهاره شمرذا للخوض عن ساقه ... وفك ذا للعوم ~~أزراره وله في مليح يدعى موسى: الرجز، لما بدا كالبدر قال عاذلي ... من ذا ~~الذي قد فاق عن شمس الضحى فقلت موسى وأستفق فإنه ... أهون شيء عنده حلق ~~اللحى وله عفا الله تعالى عنه: الرجز، يا أيها الساهون عن أخراكم ... إن ~~الهدايا فيكم لا تعرف المال بالميزان يصرف عندكم ... والعمر بينكم جزافا ~~يصرف وله قصيدة على روي قصيدة كمال الدين علي بن النبيه، قد أثبتناها في ~~ترجمته في المنهل الصافي، أولها: البسيط، جوانحي للقاء الأحباب قد جنحت ... ~~وعاديات كرامي نحوهم جنحت وتوفي الأمير سيف الدين قطلقتمر بن عبد الله ~~العلائي صاحب الواقعة مع الأمير أينبك البدري وغيره، وهو ممن قام على الملك ~~الأشرف شعبان، وأخذ تقدمة ألف بالديار المصرية دفعة فلم يتهنأ بها، وعاجلته ~~المنية ومات، ولحقه من بقي من أصحابه بالسيف. وتوفي الأمير طشتمر اللفاف ~~المحمدي مقتولا في ثالث المحرم. وهو أيضا ممن قام على الملك الأشرف وصار ~~أميرا كبيرا أتابك العساكر دفعة واحدة من الجندية. وقد تقدم ذكر هؤلاء ~~الجميع في أواخر ترجمة الملك الأشرف شعبان وفي أوائل ترجمة ولده الملك ~~المنصور علي هذا. وتوفي الأمير الكبير سيف الدين آقتمر الصاحبي المعروف ~~بالحنبلي نائب السلطنة بديار مصر، ثم بدمشق بها في ليلة الحادي عشر من شهر ~~رجب. وكان من أجل الأمراء وأعظمهم. باشر نيابة دمشق مرتين وتولى قبلها عدة ~~ولايات. ثم بعد النيابة الأولى دمشق ولي نيابة السلطنة بالقاهرة، وساس ~~الناس أحسن سياسة، وشكرت سيرته. وكان وقورا في الدول، مهابا، وفيه عقل ~~وحشمة وديانة. وكان سمي بالحنبلي لكثرة مبالغته في الطهارة والوضوء. وتوفي ~~الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله النظامي الناصري. وكان أولا من خاصكية ~~الملك الناصر حسن ثم ترقى إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف بمصر. ثم ولي ~~نيابة حلب، وبها مات فيما أظن، وكان شجاعا مقداما. PageV03P0249 # وتوفي الأمير سيف الدين قرطاي أتابك العساكر مخنوقا ms2314 بطرابلس وقد تقدم ~~واقعته مع صهره أينبك البدري. وهو أحد رؤوس الفتن وممن ولي أتابكية العساكر ~~من إمرة عشرة، وكان قتله في شهر رمضان. وجميع هؤلاء من أصاغر الأمراء، لم ~~تسبق لهم رياسة ليعرف حالهم، وإنما وثب كل واحد منهم على ما أراد فأخذه، ~~فلم تطل مدتهم، وقتل بعضهم بعضا إلى أن تفانوا. وتوفي القاضي صلاح الدين ~~صالح بن أحمد بن عمر بن السفاح الحلبي الشافعي، وهو عائد من الحج، بمدينة ~~بصرى. وكنيته أبو النسك، ومولده في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة بحلب، وبها ~~نشأ، وولي بها وكالة بيت المال ونظر الأوقاف وعدة وظائف أخر وهو والد شهاب ~~الدين أحمد كاتب سر حلب ثم مصر. وكان كاتبا حسن التصرف، ذكره زين الدين أبو ~~العز طاهر بن الحسن بن عمر بن حبيب في تاريخه وأورد له نظما، من ذلك: ~~دوبيت، لا نلت من الوصال ما أملت ... إن كان متى ما حلت عني حلت أحببتكم ~~طفلا وها قد شبت ... أبغي بدلا ضاق علي الوقت وتوفي الأمير شهاب الدين أحمد ~~ابن الأمير سيف الدين قوصون في ثاني عشر ذي الحجة. وكان من جملة أمراء ~~الطبلخانات بمصر، وله وجاهة في الدول. وتوفي الأمير علاء الدين ألطنبغا بن ~~عبد الله السلاح دار المعروف بأبي درقة. وكان أيضا من جملة أمراء مصر. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ ~~الزيادة ثمانية عشر ذراعا واثنتا عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثائية من سلطنة المنصور علي # بن الأشرف شعبان على مصر وهي سنة ثمانين وسبعمائة فيها كانت وقعة الأمير ~~تمر باي الأفضلي التمرداشي نائب حلب مع التركمان. وتوفي العلامة شمس الدين ~~أبو عبد الله محمد ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي الحسن بن علي بن جابر ~~الأندلسي المالكي الهواري بحلب عن سبعين سنة. وكان عالما بارعا في فنون ~~كثيرة، وله نظم ونثر، وله مصنفات كثيرة. ومن شعره: الخفيف، وقفت للوداع ~~زينب لما ... رحل الركب والمدامع تسكب فالتقت بالبنان دمعي وحلو ... سكب ~~دمعي على ms2315 أصابع زينب وتوفي الشيخ الإمام العلامة ضياء الدين أبو محمد عبد ~~الله ابن الشيخ سعد الدين سعد العفيفي القزويني الشافعي الشهير بابن قاضي ~~القرم بالقاهرة في ثالث عشر ذي الحجة عن نيف وستين سنة. وكان من العلماء، ~~عارفا بعدة علوم. كان يدرس في المذهبين: الحنفية والشافعية. وكتب إليه زين ~~الدين طاهر بن حبيب يقول: الخفيف، قل لرب الندى ومن طلب العلم ... مجدا إلى ~~سبيل السواء إن أردت الخلاص من ظلمة الجهل ... فما تهتدي بغير الضياء ~~فأجابه ضياء الدين: الخفيف، قل لمن يطلب الهداية مني ... خلت لمع السراب ~~بركة ماء ليس عندي من الضياء شعاع ... كيف تبغي الهدى من اسم الضياء وتوفي ~~الشيخ الصالح الزاهد العابد الورع المعتقد شهاب الدين أبو العباس أحمد ~~المعروف ببادار بالقدس عن نيف وسبعين سنة، بعد أن كف بصره. وكان يعرف علم ~~التصوف وعلم الحرف جيدا، وللناس فيه اعتقاد كبير. رحمه الله تعالى ونفعنا ~~ببركته. وتوفي الشيخ الصالح المعتقد أبو النسك صالح بن نجم بن صالح المصري، ~~المقيم بزاويته بمنية الشيرج من ضواحي القاهرة، وبها مات، ودفن في يوم ~~الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان عن نيف وستين سنة. وكان على قدم هائل من ~~العبادة والزهد والورع. وفيه يقول أبو العز الطاهر بن حبيب: الطويل، أذا ~~رمت وجه الخير فالشيخ صالح ... عليك به فالقصد إذ ذاك ناجح وحي هلا وانشده ~~في الحي منشدا ... ألا كل ما قرت به العين صالح PageV03P0250 # وتوفي الشيخ المعتقد الصالح المجذوب صاحب الكرامات الخارقة والأحوال ~~العجيبة نهار المغربي الإسكندري بها في يوم الاثنين سادس عشرين جمادى ~~الأولى - وقيل يوم الثلاثاء - ودفن بتربة الديماس داخل الإسكندرية. ومن ~~كراماته ما اتفق له مع الأمير صلاح الدين خليل بن عرام نائب الإسكندرية - ~~وكان ابن عرام يخدمه كثيرا - فقال له الشيخ نهار: أيابن عرام ما تموت إلا ~~موسطا أو مسمرا، وذلك قبل قتل ابن عرام بسنين، قالها له مرارا عديدة وابن ~~عرام يقول له: في الغزاة إن شاء الله تعالى فكان كما قال. وقد تقدم ذلك. ~~وتوفي ms2316 الشيخ الصالح المعتقد عبد الله الجبرتي الزيلعي الحنفي في ليلة ~~الجمعة سادس عشر المحرم ودفن بالقرافة، وقبره معروف بها يقصد للزيارة. وكان ~~من عباد الله الصالحين، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير شرف الدين موسى بن ~~الأزكشي في سادس عشر ذي القعدة بالمحلة من أعمال مصر، وحمل إلى داره ~~بالحسينية، وهو إذ ذاك من أمراء الطبلخانات. وكان دينا عفيفا. تولى ولايات ~~جليلة منها: الأستادارية العالية، والحجوبية، واستقر في أيام الملك الأشرف ~~شعبان بن حسين مشير الدولة. وكان إذا ركب يحمل مملوكه وراءه دواة ومرملة. ~~وتوفي الأمير سيف الدين أطلمش بن عبد الله الدوادار أحد أمراء الألوف بديار ~~مصر في شهر ربيع الأول بدمشق، وقد أخرج إليها منفيا على إمرة مائة وتقدمة ~~ألف لما ملك برقوق وبركة ديار مصر وصار لهما أمرها ونهيها. وكان من أعيان ~~الأمراء، وهو أيضا أحد من قام على الملك الأشرف شعبان. وتوفي القاضي علاء ~~الدين علي بن عبد الوهاب بن عثمان بن محمد بن هبة الله بن عرب محتسب ~~القاهرة في ثالث عشر ذي الحجة بمكة بعد قضاء الحج. وتوفي الأمير علاء الدين ~~علي بن كلبك شاد الدواوين في جمادى الآخرة. وكان ولي في بعض الأحيان ولاية ~~القاهرة. وتوفي الشيخ المعمر سند الوقت صلاح الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم ~~بن عبد الله ابن الشيخ أبي عمر المقدسي، آخر من بقي من أصحاب ابن البخاري، ~~في شوال بصالحية دمشق. وتوفي الأمير شرف الدين موسى بن محمد بن شهري الكردي ~~نائب سيس. وكان فقيها شافعيا فاضلا كاتبا. قلت: وبنو شهري معروفون، منهم ~~جماعة إلى الآن في قيد الحياة، ويلي بعضهم أعمال البلاد الحلبية في زماننا ~~هذا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. ~~مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وخمسة أصابع، وقيل أربعة عشر. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة المنصور علي # وهي سنة إحدى وثمانين وسبعمائة فيها كان ركوب إينال اليوسفي على الأتابك ~~برقوق، وقد تقدم ذكر الواقعة في أصل هذه الترجمة. وفيها كان ms2317 الكلام من ~~الحائط كما تقدم أيضا. وفيها توفي الشيخ تقي الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن ~~أحمد بن علي، الواسطي الأصل، المصري المولد والوفاة، الشافعي، المقرئ، ~~المحدث، الشهير بابن البغدادي، بعد ما عمي، في يوم الأربعاء سادس عشرين ~~شعبان بالقاهرة. ومولده ببغداد سنة سبع وتسعين وستمائة وكان ولي قضاء ~~المالكية بدمشق مدة ثم صرف. كان فقيها تصدر للإقراء بمدرسة الحاج آل ملك ~~والجامع الطولوني، وتولى مشيخة الحديث بالخانقاة الشيخونية. وتوفي الشيخ ~~الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن ~~مرزوق العجيسي التلمساني المغربي المالكي. كان من ظرفاء عصره. ترقى عند ~~الملك الناصر حسن حتى صار صاحب سره وإمام جمعته ومنبره. ثم توجه في سنة ~~اثنتين وخمسين وسبعمائة إلى الأندلس خوفا من النكبة، ثم عاد إلى مصر وتولى ~~عدة تداريس. وكان له سماع كثير وفضل غزير. PageV03P0251 # وتوفي الشيخ الإمام الأديب البارع المفتن الفقيه برهان الدين أبو إسحاق ~~إبراهيم ابن الشيخ الإمام المفتي شرف الدين عبد الله بن محمد بن عسكر بن ~~مظفر بن نجم بن شادي بن هلال الطائي الطريفي القيراطي الشافعي بمكة المشرفة ~~في ليلة الجمعة العشرين من شهر ربيع الأول، ودفن بالمعلاة بعد صلاة الجمعة. ~~والطريفي نسبة إلى فخد من طيء، والقيراطي نسبة إلى قيراط وهي بلدة بالشرقية ~~من أعمال الديار المصرية. ومولده ليلة الأحد حادي عشرين صفر من سنة ست ~~وعشرين وسبعمائة. ونشأ بالقاهرة، وطلب العلم، ولازم علماء عصره إلى أن برع ~~في الفقه والأصول والعربية، ودرس بعدة مدارس، وسمع الكثير، وبرع في النظم، ~~وقال الشعر الفائق الرائق. وعندي أنه أقرب الناس في شعره لشيخه الشيخ جمال ~~الدين بن نباتة من دون تلامذته ومعاصريه، على ما سنذكره من شعره هنا. وقد ~~استوعبنا نبذة كبيرة في المنهل الصافي ومن شعره: السريع، تنفس الصبح فجاءت ~~لنا ... من نحوه الأنفاس مسكيه وأطربت لي العود قمرية ... وكيف لا تطرب ~~عوديه وله في طباخ: السريع، هويت طباخا له نصبة ... نيرانها للقلب جنات ~~يكسر أجفانا إذا ms2318 ما رنا ... لها على الأرواح نصبات وله أيضا: السريع، جفني ~~وجفن الحب قد أحرزا ... وصفين من نيلك يا مصر جفني له يوم الوداع الوفا ... ~~وجفنه الساجي له الكسر وله أيضا: مخلع البسيط، لو لم يكن كفه غماما ... ما ~~أنبتت في الطروس زهرا نعم ولولاه بحر جود ... ما أبرز اللفظ منه درا ومن ~~شعره - رحمه الله تعالى وعفا عنه - قصيدته التي أولها: الكامل، قسما بروضة ~~خده ونباتها ... وبآسها المخضر في جنباتها وبسورة الحسن التي في خده ... ~~كتب العذار بخطه آياتها وبقامة كالغصن إلا أنني ... لم أجن غير الصد من ~~ثمراتها لأعزرن غصون بان زودت ... أعطافه بالقطع من عذباتها وأباكرن رياض ~~وجنته التي ... ما زهرة الدنيا سوى زهراتها ولأصبحن للذتي متيقظا ... ما ~~دامت الأيام في غفلاتها كم ليلة نادمت بدر سمائها ... والشمس تشرق في أكف ~~سقاتها وجرت بنا دهم الليالي للصبا ... وكؤوسنا غرر على جبهاتها فصرفت ~~ديناري على دينارها ... وقضيت أعوامي على ساعاتها خالفت في الصهباء كل مقلد ~~... وسعيت مجتهدا إلى حاناتها فتحير الخمار أين دنانها ... حتى اهتدى ~~بالطيب من نفحاتها فشممتها ورأيتها ولمستها ... وشربتها وسمعت حسن صفاتها ~~فتبعت كل مطاوع لا يختشي ... عند ارتكاب ذنوبه تبعاتها يأتي إلى اللذات من ~~أبوابها ... ويحج للصهباء من ميقاتها عرف المدام بحسنها وبنوعها ... ~~وبفضلها وصفاتها وذواتها يا صاح قد نطق الهزار مؤذنا ... أيليق بالأوتار ~~طول سكاتها فخذ ارتفاع الشمس من أقداحنا ... وأقم صلاة اللهو في أوقاتها إن ~~كان عندك يا شراب بقية ... مما تزيل بها العقول فهاتها الخمر من أسمائها ~~والدر من ... تيجانها والمسك من نسماتها وإذا العقود من الحباب تنظمت ... ~~إياك والتفريط في حباتها أمحرك الأوتار إن نفوسنا ... سكناتها وقف على ~~حركاتها دار العذار بحسن وجهك منشدا ... لا تخرج الأقمار عن هالاتها كسرات ~~جفنك كلمت قلبي فلم ... يأت الصحاح لنا بمثل لغاتها والبدر يستر بالغيوم ~~وينجلي ... كتنفس الحسناء في مرآتها وتلا نسيم الروض فيها قارئا ... فأمال ~~من أغصانها ألفاتها ومليحة أرغمت فيها عاذلي ... قامت إلى وصلي برغم وشاتها ~~PageV03P0252 # لا مال وجهي عن مطالع حسنها ms2319 ... وحياة طلعة وجهها وحياتها يا خجلة ~~الأغصان من خطراتها ... وفضيحة الغزلان من لفتاتها ما الغصن مياسا سوى ~~أعطافها ... ما الورد محمرا سوى وجناتها وعدت بأوقات الوصال كأنها ... ظنت ~~سلامتنا إلى أوقاتها وتوفي الشيخ المسند المعمر ناصر الدين محمد الكردي ~~الحرازي المعروف بالطبردار في ثامن عشر شهر ربيع الأول. وكان سمع الكثير ~~وتفرد بأشياء كثيرة، منها كتاب فضل الخيل سمعه من مصنفه الحافظ شرف الدين ~~عبد المؤمن الدمياطي وهو آخر من روى عنه. ووقع لنا سماع فضل الخيل المذكور ~~من طريقه عاليا. وتوفي الشيخ المعتقد حسن المغربي الصبان الحاجاوي في ~~العشرين من شهر ربيع الأول بداره بالحسينية ودفن بباب النصر. وتوفي الأمير ~~قارا بن مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة بن غضبة بن فضل بن ربيعة ~~أمير آل فضل وملك العرب. وكان كريما جليلا شجاعا مشكور السيرة. وتولى عوضه ~~إمرة آل فضل زامل بن موسى. وتوفي الشيخ الصالح المعتقد صالح الجزيري ساكن ~~جزيرة أروى - أعني الجزيرة الوسطى - بها في رابع شهر ربيع الأول، ودفن ~~بزاويته بالجزيرة الوسطى. وتوفي الأمير سيف الدين حطط بن عبد الله ~~اليلبغاوي نائب حماة بها. وتولى بعده الأمير طشتمر خازندار يلبغا أيضا. ~~وكان حطط المذكور غير مشكور السيرة، وعنده ظلم وعسف. وهو من الذين قاموا ~~على أستاذهم يلبغا العمري الخاصكي حسب ما تقدم ذكره. وتوفي الأمير سيف ~~الدين ماماق بن عبد الله المنجكي أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية في ~~يوم الخميس ثالث شعبان، ودفن بتربة عند دار الضيافة تجاه قلعة الجبل. وتوفي ~~الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير ألجيبغا العادلي نائب غزة بها، بعدما ~~استعفى في سلخ جمادى الآخرة. وتولى بعده نيابة غزة آقبغا بن عبد الله ~~الدوادار. وكان ابن ألجيبغا هذا شجاعا مقداما، وله حرمة ووقار في الدولة. ~~وتوفي الأمير حاجي بك بن شادي أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية بها، ~~في هذه السنة. وتوفي الطواشي زين الدين ياقوت بن عبد الله الرسولي شيخ ~~الخدام بالمدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - في ليلة ms2320 ~~الجمعة سابع عشرين شهر رمضان. وكان من أعيان الخدام، وله وجاهة في الدول ~~وثروة كبيرة. وتوفي الأمير سيف الدين سطلمش بن عبد الله الجلالي بدمشق في ~~ذي القعدة. وكان أولا من جملة أمراء مصر، ثم نفي منها على إمرة في دمشق. ~~وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن أحمد بن مزهر أحد موقعي دمشق بها في شوال ~~عن نحو الأربعين سنة. وهو أخو القاضي بدر الدين محمد بن مزهر كاتب سر مصر. ~~وفيها كان الطاعون بالديار المصرية وضواحيها ومات فيها عالم كثير جدا. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ~~تسعة عشر ذراعا وإصبعان. والله أعلم. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة المنصور علي # وهي سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة فيها كانت الوقعة بين الأتابك برقوق ~~العثماني اليلبغاوي وبين خشداشه زين الدين بركة الجوباني اليلبغاوي، ومسك ~~بركة وحبس، ثم قتل حسب ما لقدم ذكره وحسب ما يأتي أيضا في الوفيات. وفيها ~~حضر من بلاد الجركس الأمير آنص والد الأتابك برقوق وأخواته النسوة كما تقدم ~~ذكره. وفيها قتل ابن عرام، وقد تقدم ذكره وكيفية تسميره في أواخر ترجمة ~~الملك المنصور هذا، فلا حاجة لذكر ذلك ثانيا. وفيها توفي ماماي ملك التتار ~~وحاكم بلاد الدشت. وكان ولي الملك بعد كلدي بك خان في سنة ثلاث وستين ~~وسبعمائة، وكان من أجل ملوك الترك وأعظمهم، ومات قتيلا. وتوفي الشيخ الإمام ~~العلامة جلال الدين محمد المعروف بجار الله ابن الشيخ قطب الدين محمد بن ~~الشيخ شرف الدين أبي الثناء محمود النيسابوري الحنفي قاضي قضاة الديار ~~المصرية عن نيف وثمانين سنة، بعد أن حكم خمس سنين. وكانت ولايته بعد ابن ~~منصور. وتولى القضاء بعده صدر الدين بن منصور ثانيا. وكان عالما بارعا في ~~فنون من العلوم، وتولى مشيخة الصرغتمشية بعد موت العلامة أرشد الدين ~~السرائي. وفيه يقول الأديب أبو العز زين الدين بن حبيب، رحمه الله: الكامل، ~~لله جار الله حاكمنا الذي ... ما مثله يسعى له ويزار PageV03P0253 # حبا له وكرامة من ماجد ... حسنت ms2321 خلائقه ونعم الجار ورثاه شهاب الدين بن ~~العطار: البسيط، قاضي القضاة جلال الدين مات وقد ... أعطاه ما كان يرجو ~~بارئ النسم حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه ... أو يرجع الجار منه غير محترم ~~وتوفي الأمير الكبير زين الدين بركة بن عبد الله الجوباني اليلبغاوي، رأس ~~نوبة الأمراء، وأطابك الديار المصرية، مقتولا بثغر الإسكندرية بيد صلاح ~~الدين خليل ابن عرام نائب الثغر المذكور في شهر رجب. وقد ذكرنا ما وقع لابن ~~عرام بسببه من الضرب والتسمير والتقطيع بالسيوف في ترجمة الملك المنصور ~~هذا. كان بركة من مماليك يلبغا، وصار من بعده في خدمة أولاد الملك الأشرف ~~شعبان إلى أن كانت قتلة الملك الأشرف شعبان. قام هو وخشداشه برقوق مع ~~أينبك، فأنعم أينبك على كل منهما بإمرة طبلخاناه دفعة واحدة من الجندية، ~~وندبهما بعد شهر للسفر مع الجاليش إلى الشام. فاتفق بركة هذا مع خشداشيته ~~ووثبوا على أخي أينبك حتى كان من أمر أينبك ما ذكرناه، وصار بركة هذا أمير ~~مائة ومقدم ألف هو وبرقوق، وأقام على ذلك مدة. ثم اتفق مع برقوق وخشداشيته ~~على مسك الأمير طشتمر العلائي الدوادار فمسك طشتمر بعد أن قاتلهم. ومن يوم ~~ذاك استبد برقوق بالأمر، وبركة هذا شريكه فيه، وصار برقوق أتابك العساكر ~~وبركة أطابك رأس نوبة الأمراء، وحكما مصر إلى أن وقع الخلف بينهما وتقاتلا، ~~فانتصر برقوق على بركة هذا وأمسكه وحبسه بثغر الإسكندرية إلى أن قتله ابن ~~عرام، حسب ما تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك المنصور. وإنما ذكرناه هنا ~~ثانيا تنبيها لما تقدم. فكان بركة ملكا جليلا شجاعا مهابا، تركي الجنس، ~~وفيه كرم وحشمة، وله المآثر بمكة المشرفة وبطريق الحجاز الشريف وغيره. رحمه ~~الله تعالى. وتوفي قاضي القضاة جلال الدين أبو المعالي محمد ابن قاضي ~~القضاة نجم الدين محمد ابن قاضي القضاة فخر الدين عثمان بن جلال الدين أبي ~~المعالي علي بن شهاب الدين أحمد بن عمر بن محمد الزرعي الشافعي سبط الشيخ ~~جمال الدين الشريشي في هذه السنة وقد قارب الأربعين سنة. ms2322 وكان قد ولي قضاء ~~حلب وحمدت سيرته. وتوفي الوزير الصاحب تاج الدين عبد الوهاب المكي، المعروف ~~بالنشو، في المصادرة تحت العقوبة عن نيف وستين سنة، بعد أن ولي الوزارة ~~أربع مرات. وكان مشكورا في وزارته محسنا لأصحابه. وهذا النشو غير النشو ~~الذي تقدم ذكره في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون. وتوفي الأمير سيف ~~الدين منكلي بغا بن عبد الله الأحمدي البلدي نائب حلب بها، ودفن خلف تربة ~~قطلوبغا الأحمدي بين الجوهري والجمالية. وكان من أجل الأمراء، وممن طالت ~~أيامه في السعادة. ولي نيابة طرابلس وحماة وحلب مرتين - مات في الثانية - ~~وعدة وظائف بالديار المصرية. وكان حازما هيوبا كريما ذا مروءة كاملة وتحشم. ~~وكان يقول: كل أمير لا يكون مصروف سماطه نصف إقطاعه ما هو أمير. وتوفي ~~الأمير الطواشي زين الدين مختار السحرتي الحبشي مقدم المماليك السلطانية. ~~وكان صاحب معروف وصدقة، وفيه كرم مع تحشم. وتوفي قاضي القضاة شرف الدين أبو ~~العباس أحمد بن نور الدين علي بن أبي البركات منصور الدمشقي الحنفي قاضي ~~قضاة الديار المصرية. وليها ثم عزل نفسه. وكان من أعيان العلماء. رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الشيخ الإمام نور الدين أبو الحسن علي بن ألجاوي بالجيم، أحد ~~فقهاء المالكية في رابع عشر ذي الحجة، بعد ما أفتى ودرس وأشتغل. وتوفي ~~الشيخ الإمام المقرئ شمس الدين أبو عبد الله المعروف بالحكري الشافعي في ذي ~~الحجة بالقاهرة. وكان فقيها فاضلا بارعا في القراءات. وتوفي الشيخ الصالح ~~المعتقد زين الدين محمد بن المواز في شهر ربيع الأول. وكان صاحب عبادة، ~~وللناس فيه اعتقاد حسن. وتوفي الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن نجم بن عمر ~~بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب الأسدي الدمشقي المعروف بابن قاضي ~~شهبة أحد أعيان الفقهاء الشافعية في ثامن المحرم. ومولده ليلة الثلاثاء ~~العشرين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وستمائة بدمشق. وكان بارعا ~~فقيها مدرسا مفتنا. PageV03P0254 # وتوفي الشيخ زين الدين أبو محمد حجي بن موسى بن أحمد بن سعد السعدي ~~الحسباني الشافعي ms2323 الدمشقي في ليلة الأربعاء سابع عشر صفر. وكان أحد فقهاء ~~الشافعية بدمشق. وحجي هذا هو والد بني حجي رؤساء دمشق في عصرنا. انتهى. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وستة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة ~~عشر ذراعا وأربعة أصابع. انتهى. ### | AUT سلطنة الملك الصالح حاجي الأولى # السلطان الملك الصالح صلاح الدين أمير حاج ابن السلطان الملك الأشرف ~~شعبان ابن الأمير الملك الأمجد حسن ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن ~~السلطان الملك المنصور قلاوون. وهو الرابع والعشرون من ملوك الترك بالديار ~~المصرية. تسلطن بعد وفاة أخيه الملك المنصور علاء الدين علي في يوم الاثنين ~~رابع عشرين صفر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة. وخبر سلطنته أنه لما مات أخوه ~~الملك المنصور علي تكلم الناس بسلطنة الأتابك برقوق العثماني، وأشيع ذلك، ~~فعظمت هذه المقالة على أكابر أمراء الدولة وقالوا: لا نرضى أن يتسلطن علينا ~~مملوك يلبغا وأشياء من هذا النمط. وبلغ برقوقا ذلك، فخاف ألا يتم له ذلك. ~~فجمع برقوق الأمراء والقضاة والخليفة في اليوم المذكور بباب الستارة بقلعة ~~الجبل وتكلم معهم في سلطنة بعض أولاد الأشرف شعبان، فقالوا له: هذا هو ~~المصلحة وطلبوهم من الدور السلطانية. وحضر أمير حاج هذا من جملة الإخوة ، ~~فوجدوا بعضهم ضعيفا بالجدري، والبعض صغيرا، فوقع الاختيار على سلطنة أمير ~~حاج هذا، لأنه كان أكبرهم. فبايعه الخليفة، وحلف له الأمراء وباسوا يده، ثم ~~قبلوا له الأرض. ولقب بالملك الصالح، وهو الذي غير لقبه في سلطنته الثانية ~~بالملك المنصور، ولا نعرف سلطانا تغير لقبه غيره، وذلك بعد أن خلع برقوق ~~وحبس بالكرك، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى مفصلا في وقته - انتهى. ولما ~~تم أمر الملك الصالح هذا ألبسوه خلعة السلطنة، وركب من باب الستارة بأبهة ~~الملك، وبرقوق والأمراء مشاة بين يديه، إلى أن نزل إلى الإيوان بقلعة ~~الجبل، وجلس على كرسي الملك، وقبلت الأمراء الأرض بين يديه. ثم مد السماط ~~وأكلت الأمراء. ثم قام السلطان الملك الصالح ودخل القصر، وخلع على الخليفة ~~المتوكل على الله خلعة ms2324 جميلة. ونودي بالقاهرة ومصر بالأمان والدعاء للملك ~~الصالح حاجي. وخلع السلطان على الأتابك برقوق واستقر على عادته أتابك ~~العساكر ومدبر الممالك لصغر سن السلطان، وكان سن السلطان يوم تسلطن نحو تسع ~~سنين تخمينا. ثم في سابع عشرين صفر المذكور جلس السلطان الملك الصالح ~~بالإيوان للخدمة على العادة. ثم قام ودخل القصر، بعد أن حضر الخليفة ~~والقضاة والأمراء والعساكر وقرئ تقليد السلطان الملك الصالح عليهم. وعند ~~فراغ القراءة أخذ بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب السر التقليد وقدمه ~~للخليفة، فعلم عليه بخطه. وخلع السلطان على القضاة وعلى كاتب السر المذكور. ~~وانفض الموكب. وأخذ برقوق في التكلم في الدولة على عادته من غير معاند، وفي ~~خدمته بقية الأمراء يركبون في خدمته وينزلون عنده ويأكلون السماط. وأما ~~القضاة والنواب بالبلاد الشامية وأرباب الوظائف بالديار المصرية في هذه ~~الدولة، فكان أتابك العساكر برقوق العثماني اليلبغاوي، ورأس نوبة الأمراء ~~أيتمش البجاسي، وأمير سلاح علان الشعباني، وأمير مجلس ألطنبغا الجوباني ~~اليلبغاوي، والدوادار الكبير آلابغا العثماني، والأمير آخور جركس الخليلي، ~~وحاجب الحجاب مأمور القلمطاوي، اليلبغاوي وأستادار العالية بهادر المنجكي، ~~ورأس نوبة ثاني - أعني رأس نوبة في زماننا - قردم الحسني، وهؤلاء غير نائب ~~السلطنة وهو الأمير آقتمر عبد الغني، وغير أيدمر الشمسي، وهما من أجل ~~الأمراء وأقدمهم هجرة، يجلس الواحد عن يمين السلطان والآخر عن يساره. ~~PageV03P0255 # والقضاة: الشافعي برهان الدين بن جماعة، والحنفي صدر الدين بن منصور، ~~والمالكي علم الدين البساطي، والحنبلي ناصر الدين العسقلاني. وكاتب السر ~~بدر الدين بن فضل الله العمري، والوزير شمس الدين المقسي، وناظر الجيش ~~المحتسب جمال الدين محمود القيصري العجمي، وناظر الخاص هو ابن المقسي أيضا، ~~ونائب دمشق إشقتمر المارديني، ونائب حلب إينال اليوسفي، ونائب طرابلس ~~كمشبغا الحموي، ونائب حماة طشتمر القاسمي، ونائب صفد الأمير الكبير طشتمر ~~العلائي - نقل إليها من القدس - ونائب غزة آقبغا بن عبد الله، ونائب ~~إسكندرية بلوط الصرغتمشي. والذين هم معاصروه من ملوك الأقطار: صاحب بغداد ~~وتبريز وما والاهما الشيخ حسين بن أويس، وصاحب ماردين الملك الظاهر مجد ms2325 ~~الدين عيسى، وصاحب اليمن الملك الأشرف ابن الملك الأفضل، وصاحب مكة الشريف ~~أحمد بن عجلان، وصاحب المدينة الشريفة عطية بن منصور، وصاحب سيواس القاضي ~~برهان الدين أحمد، وصاحب بلاد قرمان الأمير علاء الدين، وصاحب بلاد سمرقند ~~وما والاها تيمورلنك كوركان، وصاحب بلاد الدشت طقتمش خان من ذرية جنجز خان. ~~انتهى. ولما كان يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر أنعم برقوق على الأمير ~~تغري برمش بتقدمة ألف بديار مصر بعد وفاة أمير علي بن قشتمر المنصوري. ثم ~~أنعم على سودون الشيخوني بتقدمة ألف أيضا واستقر حاجبا ثانيا عوضا عن علي ~~بن قشتمر المنصوري. ثم بعد مدة أستقر تغري برمش المقدم ذكره أمير سلاح بعد ~~وفاة علان الشعباني. ثم استقر مأمور القلمطاوي حاجب الحجاب في نيابة حماة ~~بعد وفاة طشتمر خازندار يلبغا العمري. ثم طلب يلبغا الناصري من دمشق - وكان ~~منفيا بها على تقدمة ألف - فحضر في آخر شعبان، فتلقاه الأتابك برقوق ~~والأمراء، وترجل له برقوق وأركبه مركوبا من مراكيبه، وأنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بالقاهرة، وأجلس رأس ميسرة فوق أمير سلاح. فلم تطل مدته بديار ~~مصر وأخلع عليه بنيابة حلب في يوم الخميس ثاني شوال بعد عزل إينال اليوسفي ~~وطلبه إلى مصر. فلما وصل إينال إلى غزة قبض عليه وأرسل إلى سجن الكرك. ثم ~~أنعم الأتابك برقوق على دواداره الأمير يونس النوروزي بتقدمة ألف بمصر عوضا ~~عن يلبغا الناصري، وخلع على الأمير جركس الخليلي الأمير آخور الكبير واستقر ~~مشير الدولة، ورسم للوزير ألا يتكلم في شيء إلا بعد مراجعته. وفي العشر ~~الأخير من شوال أنعم على قطلوبغا الكوكائي بتقدمة ألف، بعد وفاة الأمير آنص ~~والد الأتابك برقوق العثماني الذي قدم قبل تاريخه من بلاد الجركس. يأتي ذكر ~~وفاته في الوفيات. ثم في يوم الاثنين تاسع ذي الحجة من سنة ثلاث وثمانين ~~وسبعمائة تخلى الأمير تغري برمش أمير سلاح عن إمرته ووظيفته وتوجه إلى جامع ~~قوصون ليقيم به بطالا. فأرسل الأتابك إليه الأمير سودون الشيخوني الحاجب ~~الثاني وقردم الحسني رأس نوبة ms2326 وتوجها إليه وسألاه أن يرجع إلى وظيفته ~~وإمرته فلم يرجع لها، فعادا بالجواب إلى برقوق بذلك. ثم إن تغري برمش ~~المذكور ندم من ليلته، وأرسل يسأل الشيخ أكمل الدين شيخ الشيخونية أن يسأل ~~برقوقا أن يعيده إلى إمرته ووظيفته، فأرسل أكمل الدين إلي برقوق بذلك فلم ~~يقبل برقوق ورسم بخروجه إلى القدس ماشيا، فأخرجه النقباء إلى قبة النصر ~~ماشيا، ثم شفع فيه فركب وسار إلى القدس. ثم في العشر الأخير من شعبان أجرى ~~جركس الخليلي الأمير آخور الماء إلى الميدان من تحت القلعة إلى الحوض الذي ~~على بابه. قلت: وإلى الآن الحوض باق على حاله بلا ماء. ثم في التاريخ ~~المذكور أخرج الأمير جركس الخليلي فلوسا جددا من الفلوس العتق، منها فلس ~~زنته أوقية بربع درهم، وفلس زنته نصف أوقية، وفلس بفلسين. فلما فعل ذلك وقف ~~حال الناس وحصل الغلاء وقل الجالب، فلما بلغ الأتابك برقوقا أمر بإبطالها. ~~وفي المعنى يقول الشيخ شهاب الدين أحمد بن العطار، رحمه الله تعالى: ~~البسيط، تغيير عتق فلوس قد أضر فكم ... حوادث جلا جلت من العدد فكيف تمشي ~~علاقات الأنام إذا ... والحال واقفة بالعتق والجدد وقالت العامة - لما فعل ~~الخليلي ذلك ورسم بنقش اسمه على الفلوس - : الخليلي من عكسو، نقش اسمو على ~~فلسو. انتهى. PageV03P0256 # ثم حضر إلى الديار المصرية في ذي الحجة الأمير كمشبغا الحموي نائب طرابلس ~~- وكان السلطان والأتابك برقوق في الصيد بناحية كوم برا - فأخلع السلطان ~~عليه باستمراره على نيابة طرابلس. ثم في يوم الخميس ثالث المحرم سنة أربع ~~وثمانين وسبعمائة استقر سودون الفخري الشيخوني حاجب الحجاب بالديار ~~المصرية، وكانت شاغرة من العام الماضي منذ توجه مأمور القلمطاوي إلى نيابة ~~حماة. ثم أرسل الأتابك برقوق بكلمش الطازي العلائي إلى دمياط لإحضار بيدمر ~~الخوارزمي المعزول عن نيابة دمشق قبل تاريخه، فحضر في العشرين من المحرم ~~وتلقاه الأتابك برقوق من البحر، وخلع عليه باستقراره في نيابة دمشق على ~~عادته عوضا عن إشقتمر المارديني. وفي سلخ صفر تولى القاضي بدر الدين بن أبي ~~البقاء قضاء ms2327 الشافعية بديار مصر عوضا عن قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة، ~~ورسم بانتقال مأمور القلمطاوي من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس عوضا عن ~~كمشبغا الحموي بحكم انتقال كمشبغا إلى دمشق على خبز جنتمر أخي طاز بحكم ~~توجه جنتمر إلى القدس بطالا. ونقل إلى نيابة حماة الأمير الكبير طشتمر ~~العلائي الدوادار الذي كان قبل تاريخه حكم مصر وتولى نيابة صفد بعد طشتمر ~~الدوادار تلو حاجب حجاب دمشق. وفي العشر الأوسط من شعبان نام الأتابك برقوق ~~بمبيته بسكنه بالإسطبل السلطاني وقعد شيخ الصفوي الخاصكي يكبسه. وبينما هو ~~نائم مسكه شيخ المذكور في جنبه قويا خارجا عن الحد، فقعد برقوق من اضطجاعه ~~وقال له: ما الخبر؟ فقال: إن مملوكك أيتمش اتفق مع مماليك الأسياد الذين في ~~خدمتك ومعهم بطا الأشرفي على أنهم الساعة يقتلونك، فسكت برقوق وجلس على ~~حاله، فإذا أيتمش المذكور دخل عليه، فقام برقوق وأخذ بيده قوسا وضربه به ~~ضربة واحدة صفحا أرماه، وأمر بمسكه وقال له: يا متخنث الذي يأخذ الملك ~~ويقتل الملوك يقع من ضربة واحدة. ثم مسك بطا الخاصكي. وخرج برقوق وجلس ~~بالإسطبل، وطلب سائر الأمراء الكبار والصغار. فطلع الجميع إليه في الحال، ~~فكلمهم بما سمع وجرى، ثم أمسك من مماليك الأسياد نحو سبعة عشر نفرا، منهم: ~~كزل الحططي، ويلبغا الخازندار الصغير، وجماعة من رؤوس نوب الجمدارية عنده. ~~ثم في صبيحة نهاره أمسك جماعة من رؤوس نوب الجمدارية وجماعة آخر تتمة خمسة ~~وستين نفرا من مماليك الأسياد وهرب من بقي منهم. فالذين كان قبض عليهم أول ~~يوم حبسهم بالبرج من قلعة الجبل، والذين مسكهم من الغد حبسهم بخزانة شمائل. ~~ثم أنزل بطا الخاصكي الأشرفي وأيتمش إلى خزانة شمائل. ثم أمسك الأتابك ~~برقوق الأمير ألابغا العثماني الدوادار الكبير وأحد مقدمي الألوف بالديار ~~المصرية وسجنه. ثم أخرجه على إمرة طبلخاناه بطرابلس. ثم نقله بعد مدة يسيرة ~~إلى تقدمة ألف بدمشق. ثم في يوم السبت مستهل شهر رمضان أخرج برقوق من خزانة ~~شمائل ثلاثة وأربعين مملوكا من الممسوكين قبل تاريخه، وأمر ms2328 بتخشيبهم ~~وتقييدهم، ومشوا وهم مزنجرين بالحديد، ومعهم سودون الشيخوني حاجب الحجاب ~~ونقيب الجيش إلى أن أوصلوهم إلى مصر القديمة وأنزلوهم إلى المراكب، وصحبتهم ~~جماعة من الجبلية، فتوجهوا بهم إلى قوص. وكان سبب اتفاق هؤلاء المماليك على ~~برقوق وقتله بسكنه بباب السلسلة لفرصة كانت وقعت لهم باشتغال الأمير جركس ~~الخليلي الأمير آخور بجسر كان عمره بين الروضة ومصر في النيل. وخبره أنه ~~لما كان في أوائل شهر ربيع الأول من هذه السنة اهتم الأمير جركس الخليلي ~~المذكور في عمل جسر بين الروضة وبين جزيرة أروى المعروفة بالجزيرة الوسطى، ~~طوله نحو ثلاثمائة قصبة وعرضه عشر قصبات، وأقام هو بنفسه على عمله ~~ومماليكه، وجعل في ظاهر الجسر المذكور خوازيق من سنط وسمر عليها أفلاق نخل، ~~جعلها على الجسر كالستارة تقية من الماء عند زيادته، وانتهى العمل منه في ~~آخر شهر ربيع الأخر. ثم حفر في وسط البحر خليجا من الجسر المذكور إلى زريبة ~~قوصون ليمر الماء فيه عند زيادته، ويصير البحر ممره دائما منه صيفا وشتاء، ~~وغرم على هذا العمل أموالا كثيرة فلم يحصل له ما أراد على ما يأتي ذكره. ~~وفي هذا المعنى يقول الأديب شهاب الدين أحمد بن العطار: الخفيف، شكت النيل ~~أرضه ... للخليلي فأحضره ورأى الماء خائفا ... أن يطاها فجسره PageV03P0257 # وقال في المعنى شرف الدين عيسى بن حجاج العالية رحمه الله تعالى: الكامل، ~~جسر الخليلي المقر لقد رسا ... كالطود وسط النيل كيف يريد فإذا سالتم عنهما ~~قلنا لكم ... ذا ثابت دهرا وذاك يزيد فهذا هو الذي كان أشغل الخليلي عن ~~الإقامة بالإسطبل السلطاني وأيضا لما كان خطر في نفوسهم من الوثوب على ~~الملك، فإنه من يوم قتل الملك الأشرف شعبان وصار طشتمر اللفاف من الجندية ~~أتابك العساكر، ثم من بعده قرطاي الطازي، ثم من بعده أينبك البدري، ثم من ~~بعده قطلقتمر، ثم الأتابك برقوق وبركة - وكل من هؤلاء كان إما جنديا أو ~~أمير عشرة وترقوا إلى هذه المنزلة بالوثوب وإقامة الفتنة - طمع كل أحد أن ~~يكون مثلهم ويفعل ما فعلوه، ms2329 فذهب لهذا المعنى خلائق ولم يصلوا إلى مقصودهم. ~~انتهى. واستمر الأتابك برقوق بعد مسك هؤلاء في تخوف عظيم، واحترز على نفسه ~~من مماليكه وغيرهم غاية الاحتراز. فأشار عليه بعد ذلك أعيان خشداشيته ~~وأصحابه مثل أيتمش البجاسي، وألطنبغا الجوباني أمير مجلس، وقردم الحسني، ~~وجركس الخليلي ويونس النوروزي الدوادار وغيرهم أن يتسلطن ويحتجب عن الناس ~~ويستريح ويريح من هذا الذي هو فيه من الاحتراز من قيامه وقعوده. فجبن عن ~~الوثوب على السلطنة وخاف عاقبة ذلك، فاستحثه من ذكرناه من الأمراء، فاعتذر ~~بأنه يهاب قدماء الأمراء بالديار المصرية والبلاد الشامية. فركب سودون ~~الفخري الشيخوني حاجب الحجاب ودار على الأمراء سرا حتى استرضاهم، ولازال ~~بهم حتى كلموا برقوقا في ذلك وهونوا عليه الأمر وضمنوا له أصحابهم من أعيان ~~النواب والأمراء بالبلاد الشامية، وساعدهم في ذلك موت الأمير آقتمر عبد ~~الغني، فإنه كان من أكابر الأمراء، وكان برقوق يجلس في الموكب تحته لقدم ~~هجرته، وكذلك بموت الأمير أيدمر الشمسي، فإنه كان أيضا من أقران اقتمر عبد ~~الغني فماتا في سنة واحدة على ما يأتي ذكرهما في الوفيات إن شاء الله ~~تعالى. فعند ذلك طابت نفسه وأجاب. وصار يقدم رجلا ويؤخر أخرى، حتى كان يوم ~~الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة طلع الأمير قطلوبغا ~~الكوكائي أمير سلاح وألطنبغا المعلم رأس نوبة إلى السلطان الملك الصالح ~~أمير حاج صاحب الترجمة، فأخذاه من قاعة الدهيشة وأدخلاه إلى أهله بالدور ~~السلطانية، وأخذا منه النمجاة وأحضراها إلى الأتابك برقوق العثماني. وقام ~~بقية الأمراء من أصحابه على الفور وأحضروا الخليفة والقضاة وسلطنوه، على ما ~~سنذكره في أول ترجمته، بعد ذكر حوادث سنين الملك الصالح هذا على عادة هذا ~~الكتاب، إن شاء الله تعالى. وخلع الملك الصالح من السلطنة، فكانت مدة ~~سلطنته على الديار المصرية سنة واحدة وسبعة أشهر تنقص أربعة أيام، على أنه ~~لم يكن له في السلطنة من الأمر والنهي لا كثير ولا قليل. واستمر الملك ~~الصالح عند أهله بقلعة الجبل إلى أن أعيد للسلطنة ثانيا، بعد ms2330 خلع الملك ~~الظاهر برقوق من السلطنة وحبسه بالكرك في واقعة يلبغا الناصري ومنطاش، كما ~~سيأتي ذكر ذلك مفصلا. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الصالح أمير حاج الأولى # وهي سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة. على أن أخاه الملك المنصور عليا حكم ~~فيها من أولها إلى ثالث عشرين صفر، حسب ما تقدم ذكره في وفاته. فيها - أعني ~~سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة - توفي قاضي القضاة عماد الدين أبو الفداء ~~إسماعيل ابن الشيخ شرف الدين أبي البركات محمد بن أبي العز بن صالح الدمشقي ~~الحنفي قاضي قضاة دمشق بها عن نيف وتسعين سنة. وكان فقيها رئيسا من بيت علم ~~ورياسة بدمشق. وهم يعرفون ببني أبي العز وبنى الكشك. وتوفي قاضي القضاة ~~كمال الدين أبو القاسم عمر ابن قاضي القضاة فخر الدين أبي عمر عثمان بن ~~الخطيب هبة الله المعري الشافعي بدمشق عن إحدى وسبعين سنة بعد أن حكم بها ~~خمس سنين. وكان تنقل في البلاد وولي قضاء طرابلس وحلب ودمشق غير مرة ة وكان ~~فقيها عارفا بالأحكام خبيرا بالأمور. وتوفي الشيخ الإمام العالم شهاب الدين ~~أبو العباس أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد الأذرعي الشافعي بحلب عن ~~نيف وسبعين سنة. وكان عديم النظير، فقيها عالما. شرح منهاج النووي. واستوطن ~~حلب وولي بها التدريس ونيابة الحكم إلى أن توفي. رحمه الله. PageV03P0258 # وتوفي الشيخ الإمام العالم الفاضل ركن الدين أحمد القرمي الحنفي الشهير ~~بقاضي قرم ومفتي دار العدل بالديار المصرية بها عن ثمانين سنة. واستقر عوضه ~~في إفتاء دار العدل الشيخ شمس الدين محمد النيسابوري ابن أخي جار الله ~~الحنفي. وكان ركن الدين فاضلا عارفا بمذهبه، ناب في الحكم عن قاضي القضاة ~~جلال الدين جار الله، وكان معدودا من أعيان فقهاء مصر. وتوفي شيخ الشيوخ ~~نظام الدين إسحاق ابن الشيخ مجد الدين عاصم ابن الشيخ سعد الدين محمد ~~الأصبهاني الحنفي في ليلة الأحد ثالث عشر ربيع الآخر، قاله المقريزي، ~~وخالفه العيني بأن قال: في المحرم سنة ثمانين، ولم يوافق لا في الشهر ولا ~~في السنة، ms2331 والصواب المقالة الأولى. وكان قدم إلى القاهرة وتولى مشيخة ~~خانقاه سرياقوس، ثم توجه في الرسلية إلى بلاد الهند وعاد وقد كثر ماله، حتى ~~إنه أهدي الذهب في الأطباق. ومما يدل على اتساع ماله عمارته الخانقاه ~~بالقرب من قلعة الجبل تجاه باب الوزير على بعد متر، شرقي الجبل، وهي في ~~غاية الحسن. وكان له همة ومكارم. حدثني حفيده بأشياء كثيرة من مكارمه وفضله ~~وأفضاله. توفي الشيخ جمال الدين عبد الله بن محمد بن حديدة، الأنصاري أحد ~~الصوفية بالخانقاه الصلاحية سعيد السعداء في سادس عشرين شعبان. وكان يروي ~~الشفاء وثلاثيات البخاري وغير ذلك. وصنف كتاب المصباح المضيء في كتاب النبي ~~عليه السلام ومكاتباته. وتوفي الأمير سيف الدين مازي بن عبد الله اليلبغاوي ~~أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية بها. وتوفي السيد الشريف عطية بن ~~منصور بن جماز بن شيحة الحسني أمير المدينة النبوية بها، وتولى بعده ابن ~~أخيه جماز بن هبة الله. وكان كريما عادلا، رحمه الله. وتوفي الأمير آنص ~~العثماني الجركسي والد الأتابك برقوق العثماني، أحد مقدمي الألوف بالديار ~~المصرية، في العشر الأوسط من شوال وقد جاوز ثمانين سنة من العمر. أقام عمره ~~في بلاد الجركس، حتى هداه الله تعالى للإسلام على يد ولده الأتابك برقوق، ~~وقدم القاهرة كما تقدم ذكره في ترجمة الملك المنصور علي، وأسلم وحسن ~~إسلامه، وأقام بعد ذلك دون السنتين ومات. ومع هذه المدة القصيرة من إسلامه ~~أظهر فيها عن دين كبير وخير وصدقات كثيرة ومحبة لأهل العلم وشفقة على ~~الفقراء وأهل الصلاح. وكان لا يدخر شيئا من المال، بل كان مهما حصل في يده ~~فرقه في الحال على الفقراء والمساكين. أخبرني جماعة من خدمه أنه كان إذا ~~ركب ولقي في طريقه أحدا من المحابيس المكدين يأخذه من جنداره ويطلقه في ~~الحال من زنجيره، ولم يقدر أحد أن يرده عن ذلك، فمنع برقوق من خروج ~~المحابيس للتكدي خوفا من أن يطلقهم، فإنه كان إذا رأى أحدا منهم يسأل من ~~مماليكه: هذا مسلم أم كافر؟ فيقولون له: مسلم، فيقول: ms2332 كيف يفعل بمسلم هكذا ~~في بلاد الإسلام أطلقوه فيطلق في الحال. ومات قبل سلطنة ولده برقوق ودفن ~~بتربة الأمير يونس الدوادار برأس الروضة خارج باب البرقية من القاهرة. ثم ~~نقل بعد فراغ مدرسة ولده البرقوقية ببين القصرين إلى الدفن بها في القبة. ~~وتوفي الأمير الكبير سيف آقتمر بن عبد الله من عبد الغني نائب السلطنة ~~بالديار المصرية بالقاهرة في هذه السنة، بعد أن باشر عدة أعمال ووظائف مثل: ~~نيابة صفد، وطرابلس، ودمشق، وحجوبية الحجاب بديار مصر، وإمرة جاندار، ~~ونيابة السلطنة بها مرتين. وبموته خلا الجو للأتابك برقوق وتسلطن. مع أنه ~~كان عديم الشر، غير أنه كان مطاعا في الدولة يرجع إلى كلامه، فكان برقوق ~~يراعيه ويجلس تحته إلى أن مات في تاسع عشرين جمادى الآخرة. وتوفي الأمير ~~الكبير عز الدين أيدمر بن عبد الله الشمسي أحد أكابر أمراء الألوف بالديار ~~المصرية بها في ثالث عشر صفر وقد جاوز الثمانين سنة، وكان أصله من مماليك ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون. أقام أميرا نحوا من ستين سنة، وهو أيضا ممن ~~كان برقوق يخشاه ويعظمه ويجلس تحته، حتى في يوم حضور والد برقوق بخانقاة ~~سرياقوس، جلس برقوق تحته في الملأ من الناس. فبموت هؤلاء صفا الوقت لبرقوق ~~وإن كان بقي من القدماء إشقتمر المارديني وأيدمر الخوارزمي، فهما ليس ~~كهؤلاء، فإنهما لحبهما لنيابة دمشق وغيرها يتواضعان لأصحاب الشوكة. انتهى. ~~وكان أيدمر الشمسي هذا كونه مملوك ابن قلاوون يجلس عن اليمين وآقتمر عبد ~~الغني عن اليسار. PageV03P0259 # وتوفي الأمير سيف الدين طشتمر بن عبد الله القاسمي المعروف بخازندار ~~يلبغا العمري نائب حماة في هذه السنة في شهر رجب بعين تاب صحبة العساكر ~~الشامية. وكان من أجل مماليك يلبغا العمري وأكابرهم، وتولى بعده نيابة حماة ~~مأمور القلمطاوي اليلبغاوي حاجب الحجاب. وتوفي الأمير علان بن عبد الله ~~الشعباني أمير سلاح في ثماني عشر شهر ربيع الآخرة وهو أحد أعيان مماليك ~~يلبغا. وكان من حزب برقوق، وقام معه في نوبة واقعة بركة أتم قيام، وكان ~~برقوق لا يخرج عن ms2333 رأيه. وتوفي خواجا خر الدين عثمان بن مسافر، جالب الأتابك ~~برقوق من بلاده ثم جالب أبيه وإخوته إلى الديار المصرية، بالقاهرة في سادس ~~عشر شهر رجب. وكان رجلا مقداما عاقلا وقورا. نالته السعادة لجلبه الأتابك ~~برقوق، ومات وهو من أعيان المملكة. وكان برقوق إذا رآه قام له من بعد ~~وأكرمه وقبل شفاعته وأعطاه ما طلب. وتوفي الشيخ الفقير المعتقد علي الشامي ~~بالقاهرة في خامس صفرة وكان يعرف بأبي لحاف. وتوفي الأمير علاء الدين علي ~~بن قشتمر الحاجب الشهير بالوزيري في تاسع عشرين شهر ربيع الآخر. كان أمير ~~مائة ومقدم ألف بديار مصر، وكان من خواص برقوق، وأحد من قام معه في وقائعه ~~وساعده. وتوفي الأستاذ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن السوري ~~العماري الموصلي العواد المغني - نسبته بالعماري إلى عمار بن ياسر الصحابي ~~رضي الله عنه - في يوم العشرين من صفر بالقاهرة. وقد انتهت إليه الرئاسة في ~~ضرب العود والموسيقى ونالته السعادة من أجلها، حتى إنه كان إذا مرض عاده ~~جميع أعيان الدولة. قلت: وهو صاحب التصانيف الهائلة في الموسيقى. وتوفيت ~~المسندة المعمرة جويرية بنت الشهاب أبي الحسن أحمد بن أحمد الهكاري في يوم ~~السبت ثاني عشرين صفر وقد انفردت برواية النسائي وغيرها. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا ~~واثنا عشر إصبعا. ### | AUT سلطنة الملك الظاهر برقوق الأولى # السلطان الملك الظاهر أبو سعيد سيف الدين برقوق بن آنص العثماني ~~اليلبغاوي الجاركسي القائم بدولة الجراكسة بالديار المصرية. وهو السلطان ~~الخامس والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية والثاني من الجراكسة، إن ~~كان الملك المظفر بيبرس الجشنكير جاركسيا، وإن كان بيبرس تركي الجنس فبرقوق ~~هذا هو الأول من ملوك الجراكسة، وهو الأصح وبه نقول. جلس على تخت الملك في ~~وقت الظهر من يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة ~~الموافق له آخر يوم هاتور من الشهور القبطية وسادس تشرين الثاني بعد أن ~~اجتمع الخليفة المتوكل على الله ms2334 أبو عبد الله محمد والقضاة وشيخ الإسلام ~~سراج الذين عمر البلقيني وخطب الخليفة المتوكل على الله خطبة بليغة. ثم ~~بايعه على السلطنة وقلده أمور المملكة، ثم بايعه من بعده القضاة والأمراء. ~~ثم أفيض على برقوق خلعة السلطنة، وهي سوداء خليفتية على العادة. وأشار ~~السراج البلقيني أن يكون لقبه الملك الظاهر فإنه وقت الظهيرة والظهور، وقد ~~ظهر هذا الأمر بعد أن كان خافيا، فتلقب بالملك الظاهر. وركب فرس النوبة من ~~الحراقة من المقعد الذي بالإسطبل السلطاني من باب السلسلة، والقبة والطير ~~على رأسه، وطلع من باب السر إلى القصر الأبلق، وأمطرت السماء عند ركوبه ~~بأبهة السلطنة، فتفاءل الناس بيمن سلطنته، ومشت الأمراء والأعيان بين يديه ~~إلى أن نزل ودخل القصر المذكور وجلس على تخت الملك. وكان طالع جلوسه على ~~تخت الملك برج الحوت، والشمس في القوس متصلة بالقمر تثليثا، والقمر بالأسد ~~متصل بالمشتري تثليثا، وزحل بالثور راجعا، والمشتري بالحمل متصل بعطارد من ~~تسديس، والمريخ بالجوزاء في شرفه، والزهراء بالعقرب، وعطارد بالقوس. ودقت ~~البشائر بقلعة الجبل عند ركوبه ثم زينت القاهرة ومصر، ونولي بالقاهرة ~~بالدعاء للسلطان الملك الظاهر برقوق. ولما جلس على تخت الملك قبلت الأمراء ~~الأرض بين يديه وخلع على الخليفة على العادة. ثم كتب بذلك إلى الأعمال ~~وخرجت الأمراء لتحليف النواب بالبلاد الشامية. ثم أمر الملك الظاهر في ~~السلطنة وثبتت قواعد ملكه. ومدحه جماعة من شعراء عصره منهم الشيخ شهاب ~~الدين أحمد بن العطار فقال: السريع PageV03P0260 # ظهور يوم الأربعاء ابتدا ... بالظاهر المعتز بالقاهر والبشر قد تم وكل ~~امرئ ... منشرح الباطن بالظاهر وقال الشيخ شهاب الدين الأعرج السعدي من ~~قصيدة: الوافر، تولى الملك برقوق المفدي ... بسعد الجد والأقدار حتم نهار ~~الأربعاء بعيد ظهر ... وللتربيع في الأملاك حكم بتاسع عشر رمضان بعام ... ~~لأربع مع ثمانين يتم قلت: ولنذكر أمر الملك الظاهر هذا من أول ابتداء أمره ~~فنقول: أصله من بلاد الجاركس وجنسه كسا، ثم أخذ من بلاده وأبيع بمدينة قرم، ~~فاشتراه خواجا عثمان بن مسافر المقدم ذكره وجلبه إلى مصر فاشتراه منه ms2335 ~~الأتابك يلبغا العمري الخاصكي الناصري في حدود سنة أربع وستين وسبعمائة ~~وقبلها بيسير وأعتقه وجعله من جملة مماليكه. واستمر بخدمته إلى أن ثارت ~~مماليك يلبغا عليه وقتل في سنة ثمان وستين وسبعمائة، فلم أدر هل كان برقوق ~~ممن هو مع أستاذه يلبغا أم كان عليه. ولما قتل يلبغا وتمزقت مماليكه وحبس ~~أكثرهم حبس برقوق هذا مع من حبس مدة طويلة هو ورفيقه بركة الجوباني ومعهم ~~أيضا جاركس الخليلي وهو دونهم في الرتبة. ثم أفرج عنه وخدم عند الأمير منجك ~~اليوسفي نائب الشام سنين إلى أن طلب الملك الأشرف مماليك يلبغا إلى الديار ~~المصرية حضر برقوق هذا من جملتهم وصار بخدمة الأسياد أولاد الملك الأشرف ~~جنديا. ولم يزل على ذلك حتى ثار مع من ثار من مماليك يلبغا على الملك ~~الأشرف شعبان في نوبة قرطاي وأينبك وغيرهما في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة ~~وقتل الأشرف. ثم لما وقع بين أينبك وقرطاي، وانتصر أينبك على قرطاي، أنعم ~~أينبك عليه بإمرة طبلخاناة دفعة واحدة من الجندية، فدام على ذلك نحو الشهر. ~~وخرج أيضا مع من خرج على أينبك من اليلبغاوية فأخذ إمرة مائة وتقدمة ألف، ~~وكذلك وقع لرفيقه بركة. ثم صار بعد أيام قليلة أمير آخور كبيرا، ودام على ~~ذلك دون السنة. واتفق مع الأمير بركة على مسك طشتمر الدوادار، ومسكاه بعد ~~أمور حكيناها في ترجمة الملك المنصور علي، وتقاسما المملكة، وصار برقوق ~~أتابك العساكر، وبركة رأس نوبة الأمراء أطابكا، فدام على ذلك من سنة تسع ~~وسبعين إلى سنة اثنتين وثمانين. ووقع بينه وبين خشداشه بركة، وقبض عليه بعد ~~أمور وحروب، وصفا له الوقت إلى أن تسلطن. وقد تقدم ذكر ذلك كله، غير أننا ~~ذكرناه هنا ثانيا على سبيل الاختصار لينتظم سياق الكلام مع سياقه. انتهى. ~~قال المقريزي رحمه الله: وكان اسمه ألطنبغا فغيره أستاذه يلبغا لما اشتراه ~~وسماه برقوقا لنتوء في عينه وقال القاضي علاء الدين علي ابن خطيب الناصرية: ~~كان اسمه سودون نقلا عن قاضي القضاة ولي الدين أبي زرعة العراقي عن ms2336 التاجر ~~برهان الدين المحلي عن خواجا عثمان بن مسافر. والقولان ليسا بشيء، وإن كان ~~النقلة لهذا الخبر ثقات في أنفسهم فإنهم ضعفاء في الأتراك وأسمائهم وما ~~يتعلق بهم، لا يرجع إلى قولهم فيها. والأصح أنه من يوم ولد اسمه برقوق كما ~~سنبينه في هذا المحل من وجوه عديدة منها: أن الخواجا عثمان كان لا يعرف ~~بالعربية، وكان البرهان المحلي لا يعرف باللغة التركية كلمة واحدة، فكيف ~~دار بينهما الكلام، حتى حكى له ما نقل وإن وقع اجتماعهما في بعض المجالس ~~وتكالما، فالبرهان يفهم عنه بالرمز لا بالتحقيق وليس بهذا نستدل، بل أشياء ~~أخر منها: أن والد الملك الظاهر برقوق لما قدم من بلاد الجاركس إلى الديار ~~المصرية ونزل الملك الظاهر برقوق في وجوه الأمراء إلى ملاقاته بالعكرشة - ~~وقد تقدم ذكر ذلك كله - وكان يوم ذلك برقوق مرشحا للسلطنة، فعندما وقع بصر ~~والده عليه وأخذ برقوق في تقبيل يده ناداه باسمه برقوق من غير تعظيم ولا ~~تحشم. وكان والد برقوق لا يعرف الكلمة الواحدة من اللغة التركية، فلما جلس ~~في صدر المخيم وصار يتكلم مع ولده برقرق بالجاركس تكرر منه لفظ برقوق غير ~~مرة. PageV03P0261 # ثم لما قدم وصار أمير مائة ومقدم ألف استمر على ما ذكرناه من أنه ينادي ~~برقوقا باسمه، ولا يقوم له إذا دخل عليه، فكلمه بعض أمراء الجراكسة أن ~~يخاطبه بالأمير، فلم يفعل، وغضب، وطلب العود إلى بلاد الجاركس، فلو كان ~~لبرقوق اسم غير برقوق ما ناداه إلا به، ولو قيل له في ذلك ما قبله. فهذا من ~~كبر الأدلة على أن اسمه القديم برقوق. وكذلك وقع لبرقوق مع الخوندات، فإن ~~أخته الكبرى كانت أرضعت برقوقا مع ولد لها، وكانت أيضا لا تعرف باللغة ~~التركية، فكان أعظم يمين عندها: وحق رأس برقوق. وقدم مع الخوندات جماعة ~~كبيرة من أقاربهم وحواشيهم، وتداول مجيئهم من بلاد الجاركس إلى القاهرة إلى ~~الدولة الناصرية، ورأيت أنا الخوندات غير مرة. وأما جواريهم وخدمهم فصار ~~غالبهم عندنا بعد موتهم. واستولد الوالد بعض من حضر ms2337 معهم من بلاد الجاركس ~~من الجواري. وكان غالب من حضر معهم من عجائز الجراكسة يعرف مولد برقوق، فلم ~~نسمع من أحد منهم ما نقله من تغيير اسمه ولا من أحد من مماليكه مع كثرة ~~عددهم واختلاف أجناسهم ومنهم من يدعي له بقرابة مثل الأمير قجماس والد ~~إينال الأمير الآخور الكبير وغيره، وقد أثبت فرية قجماس المذكور أنه ابن عم ~~برقوق بسبب ميراث مماليكه بمحضر شهد فيه جماعة من قدماء الجراكسة وسمي فيه ~~برقوقا وسمي قجماس قجماسا. ثم لما وقفت على هذه النقول الغريبة سألت عن ذلك ~~من أكابر مماليك برقوق، فكل من سألت منه يقول: لم يطرق هذا الكلام سمعي إلا ~~في هذا اليوم هذا مع كثرتهم وتعظيمهم لأستاذهم المذكور وحفظهم لأخباره، وما ~~وقع له قديما وحديثا حتى إن بعضهم قال: هذا اسم جاركسي ويلبغا اسم تترى لا ~~يعرف معناه ثم ذكر معناه فقال: هذا الاسم أصله ملي جق ومعناه بالجاركسي ~~غنام، فإن ملي بلغتهم أسم للغنم ثم خفف على جق ببرقوق ثم ذكر أسماء كثيرة، ~~كان أصلها غير ما هي عليه الآن مثل بايزير فسمي بايزيد ومنهم من جعله كنية ~~أبي يزيد، ومثل آل باي فسمي علي باي وأشياء من ذلك يطول شرحها. وقد خرجنا ~~عن المقصود لتأييد قولنا، وقد أوضحنا هذا وغيره في مصنف على حدته في تحريف ~~أولاد العرب للأسماء التركية والعجمية وفي شهرتهم إلى بلادهم في مثل جانبك ~~وتنبك وشيخون، ومثل من نسب إلى فيروز باد واستراباد من زيادة ألفاظ وترقيق ~~ألفاظ يتغير منها معناها، حتى إن بعض الأتراك أو الأعاجم إذا سمعها لا ~~يفهمها إلا بعد جهد كبير. انتهى. وأما الملك الظاهر برقوق فإنه لما تسلطن ~~جلس بالقصر الأبلق ثلاثة أيام، فصارت هذه الإقامة سنة بعده لمن يتسلطن ولم ~~تكن قبل ذلك. فلما كان يوم الاثنين رابع عشرين شهر رمضان قرئ عهد الملك ~~الظاهر برقوق بالسلطنة بحضرة الخليفة والقضاة والأمراء وأعيان الدولة، وخلع ~~السلطان عليهم الخلع السنية. ثم أخلع على الأمير أيتمش البجاسي باستمراره ~~رأس ms2338 نوبة الأمراء وأطابكا، وعلى الأمير ألطنبغا الجوباني أمير مجلس على ~~عادته، وعلى جاركس الخليلي الأمير آخور الكبير على عادته، وعلى الأمير ~~سودون الفخري الشيخوني حاجب الحجاب باستقراره نائب السلطنة بالديار ~~المصرية، وكانت شاغرة من يوم مات الأمير آقتمر عبد الغني. وخلع على الأمير ~~ألطنبغا الكوكائي أمير سلاح، واستقر حاجب الحجاب عوضا عن سودون الشيخوني، ~~وعلى الأمير ألطنبغا المعلم باستقراره أمير سلاح عوضا عن الكوكائي المنتقل ~~إلى الحجوبية. قلت: وهذا مما يدل على أن وظيفة إمرة سلاح كانت إذ ذاك دون ~~الحجوبية انتهى. ثم أخلع السلطان على الأمير يونس النوروزي دواداره قديما ~~باستقراره دوادارا كبيرا بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن ألابغا العثماني ~~المقبوض عليه قبل تاريخه، وعلى الأمير قردم الحسني اليلبغاوي باستقراره على ~~عادته رأس نوبة ثانيا بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن ألابغا. وهذه الوظيفة ~~هي الآن وظيفة رأس نوبة النوب، وقد بينا ذلك في غير موضع. PageV03P0262 # ثم خلع السلطان على القضاة الأربعة، وهم: قاضي القضاة بدر الدين بن أبي ~~البقاء السبكي الشافعي، وقاضي القضاة صدر الدين بن منصور الحنفي، وقاضي ~~القضاة جمال الدين بن خير المالكي، وقاضي القضاة ناصر الدين العسقلاني ~~الحنبلي، وخلع على قضاة العسكر ومفتي دار العدل ، ووكلاء بيت المال، وعلى ~~مباشري الدولة، وعلى القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتب السر، وعلى علم ~~الذين سن إبرة الوزير، وعلى تقي الدين محمد بن محب الذين ناظر الجيش، وعلى ~~سعد الدين بن البقري ناظر الخاص. ثم خلع الملك الظاهر على القاضي أوحد ~~الدين عبد الواحد موقعه في أيام إمرته، وعلى جمال الدين محمود القيصري ~~محتسب القاهرة، وعلى سائر أرباب الدولة وأعيان المملكة فكان يوما مشهودا. ~~ثم في يوم الخميس سابع عشرينه طلب السلطان سائر الأمراء والأعيان، وحلفهم ~~على طاعته. وفيه أيضا خلع على الأمير بهادر المنجكي، واستقر أستدارا بإمرة ~~طبلخاناه، وأضيف إليه أستادارية المقام الناصري محمد ابن السلطان الملك ~~الظاهر برقوق. ثم في يوم الاثنين تاسع شوال أخلع السلطان على العلامة أوحد ~~الدين عبد الواحد بن إسماعيل ms2339 بن ياسين الحنفي باستقراره كاتب السر بالديار ~~المصرية عوضا عن القاضي بدر الدين بن فضل الله بحكم عزله. ثم أخلع السلطان ~~على الأمير جلبان العلائي واستقر حاجبا خامسا، ولم يعهد قبل ذلك بديار مصر ~~خمسة حجاب، وعد ذلك من الأشياء التي استجدها الملك الظاهر برقوق. وأخلع على ~~رجل من صوفية خانقاه شيخون يقال له خير الدين العجمي باستقراره قاضي قضاة ~~الحنفية بالقدس الشريف. ثم أخلع أيضا على رجل آخر من صوفية خانقاه شيخون ~~يقال له موفق الدين العجمي بقضاء غزة، كل ذلك بسفارة الشيخ أكمل الدين شيخ ~~الخانقاه الشيخونية. وهذا أيضا مما استجده الملك الظاهر، فإنه لم يكن قبل ~~ذلك بالقدس ولا بغزة قاض حنفي. ثم في يوم الأربعاء تاسع عشرين شوال ركب ~~السلطان الملك الظاهر من قلعة الجبل وعدى النيل من بربلاق إلى الجيزة وتصيد ~~ثم عاد من آخر النهار، وقد ركب الأمير أيتمش عن يمينه والعلامة أكمل الدين ~~شيخ الشيخونية عن يساره. ثم رسم السلطان بعد عوده من الصيد باستقرار بدر ~~الدين محمد بن أحمد بن إبراهيم بن مزهر في كتابة سر دمشق عوضا عن القاضي ~~فتح الدين محمد بن الشهيد. ثم ورد الخبر على السلطان من الأمير يلبغا ~~الناصري نائب حلب بأن الأمير ألطنبغا السلطاني نائب أبلستين عصي وطلع إلى ~~قلعة دارندة المضافة إليه، أمسك بعض أمرائها وأطلع إلى دارندة ذخائره، فركب ~~العسكر الذين هم بالمدينة عليه وأمسكوا مماليكه وحاصروه فطلب الأمان منهم. ~~ثم فر من القلعة إلى أبلستين ثانيا فكتب إليه الناصري نائب حلب يهدده فلم ~~يرجع إليه وفر هاربا إلى بلاد التتار وقال: لا أكون في دولة حاكمها جاركسي. ~~وفي يوم السبت سابع عشر ذي القعدة ركب السلطان أيضا من القلعة إلى جهة ~~المطرية ومضى إلى قناطر بحر أبي منخا، ثم عاد وشق القاهرة من باب الشعرية، ~~وكان لمروره يوم مشهود، وهو أول ركوبه ومروره من القاهرة في سلطنته. ثم قدم ~~الخبر على السلطان بفرار الأمير آقبغا من عبد الله نائب غزة منها إلى ~~الأمير ms2340 نعير. وفي هذه الأيام أخلع السلطان على الأمير قرقماس الطشتمري ~~باستقراره خازندارا كبيرا. وفي سابع عشر ذي الحجة من سنة أربع وثمانين ~~وسبعمائة ركب السلطان من القلعة وعدى النيل إلى بر الجيزة ثم عاد من بلاق ~~في سابع عشر ذي الحجة المذكور. وفي سابع عشرين ذي الحجة قدم الأمير ألطنبغا ~~الجوباني أمير مجلس من الحجاز، وكان حج مع الركب الشامي وعاد من طريق الحج ~~المصري. وفي يوم السبت أول محرم سنة خمس وثمانين وسبعمائة قم الأمير يلبغا ~~الناصري نائب حلب إلى الديار المصرية، فخرج الأمير سودون الشيخوني النائب ~~إلى لقائه وجماعة من الأمراء، وطلع الجميع في خدمته إلى القلعة، وقبل ~~الناصري الأرض بين يدي السلطان الملك الظاهر. PageV03P0263 # وخلع السلطان عليه بالاستمرار على نيابة حلب، فكان مجيء الناصري إلى مصر ~~أول عظمة نالت الملك الظاهر برقوقا، لأن يلبغا الناصري المذكور كان من كبار ~~مماليك الأتابك يلبغا العمري وممن تأمر في أيام يلبغا، وبرقوق كان من صغار ~~مماليكه. وأيضا فإن الناصري كان في دولة الملك الأشرف شعبان بن حسين أمير ~~مائة ومقدم ألف وبرقوق من جملة الأجناد ممن يتردد إليه ويقوم في مجلسه على ~~قدميه، فلم يمض غير سنيات حتى صار كل منهما في رتبة معروفة. فسبحان مغير ~~حال بعد حال. ويلبغا الناصري هو صاحب الوقعة مع الملك الظاهر برقوق الآتي ~~ذكرها - إن شاء الله تعالى - في هذا المحل. ثم نزل الأمير يلبغا الناصري ~~وعليه خلعة الاستمرار بنيابة حلب وعن يمينه الأمير أيتمش وعن يساره الأمير ~~ألطنبغا الجوباني ومن ورائه سبعة جنائب من خيل السلطان بسروج ذهب وكنابيش ~~زركش أنعم بها عليه. ثم حمل إليه السلطان والأمراء من التقادم مما يجل ~~وصفه. ثم ركب السلطان في يوم السبت ثامن المحرم ومعه الأمير يلبغا الناصري، ~~وعدى النيل من بلاق إلى بر الجيزة، وتصيد، وعاد في آخر النهار. وفي عاشره ~~خلع السلطان على الأمير يلبغا الناصري نائب حلب خلعة السفر، وخرج من يومه ~~إلى محل كفالته بحلب. ثم في يوم الاثنين سابع عشره أخلع ms2341 السلطان على شمس ~~الدين إبراهيم كاتب أرنان واستقر به وزيرا على شروط عديدة، منها: أنه لا ~~يلبس خلعة الوزر، فأجيب ولبس خلعة من صوف كخلعة القضاة وغير ذلك . وفيه وصل ~~الأمير أسد الدين الكردي أحد أمراء حلب في الحديد لشكوى بعض التجار عليه ~~أنه غصبه مملوكا، فحبس أياما، ثم أفرج عنه، وأخرج على تقدمة ألف بطرابلس. ~~ثم عزل السلطان الأمير إينال اليوسفي عن نيابة صفد بالأمير تمرباي ~~التمرداشي، وأنعم على إينال بتقدمة ألف بدمشق. وفيه استعفى الأمير يلو من ~~نيابة حماة فأعفي. وفي تاسع عشرة قدم سالم الدوكاري من حلب فأكرمه السلطان ~~وأخلع عليه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه بحلب. وفي ثامن عشرين جمادى الأولى ~~وهو سادس مسرى أوفى النيل، فنزلا الملك الظاهر من القلعة في موكب عظيم حتى ~~عدى النيل وخلق المقياس، وفتح خليج السد. وهذا أيضا مما استجده الملك ~~الظاهر برقوق، فإنه لم يعهد بعد الملك الظاهر بيبرس البندقداري سلطان نزل ~~من القلعة لتخليق المقياس وفتح الخليج غير الملك الظاهر هذا، فهو أيضا ممن ~~استجده لطول ترك الملوك له. وفي هذا الشهر أخلع السلطان على الأمير صنجق ~~الحسني اليلبغاوي بنيابة حماة عوضا عن يلو بحكم استعفائه عن نيابة حماة. ~~وفيه ورد الخبر بموت الأمير تمرباي التمرداشي نائب صفد بعد أن أقام على ~~نيابة صفد خمسة أيام، فأخلع السلطان بعد مدة على الأمير كمشبغا الحموي ~~بنيابة صفد عوضه. وكمشبغا هذا هو أكبر مماليك يلبغا العمري وممن صار في ~~أيام أستاذه أمير طبلخاناه ولم يخرج عن طاعة أستاذه يلبغا، ولهذا مقته ~~خشداشيته الذين خرجوا على أستاذهم يلبغا، لكونه لم يوافقهم، وقد تقدم أنه ~~ولي نيابة دمشق وصفد. وطرابلس قبل ذلك. PageV03P0264 # وفي أول شهر رجب من سنة خمس وثمانين وسبعمائة طلع الأمير صلاح الدين محمد ~~بن محمد بن تنكز إلى السلطان ونقل له عن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد ~~الله محمد أنه اتفق مع الأمير قرط بن عمر التركماني المعزول عن الكشوفية ~~ومع إبراهيم بن قطلوقتمر العلائي أمير جاندار ومع جماعة ms2342 من الأكراد ~~والتركمان، وهم نحو من ثمانمائة فارس، أنهم يثبون على السلطان إذا نزل من ~~القلعة إلى الميدان في يوم السبت للعب بالكرة يقتلونه ويمكنون الخليفة من ~~الأمر والاستبداد بالملك. فحلف السلطان ابن تنكز على صحة ما نقل، فحلف له، ~~وطلب يحاققهم على ذلك. فبعث السلطان إلى الخليفة وإلى قرط وإلى إبراهيم بن ~~قطلقتمر، فأحضرهم، وطلب سودون النائب وحدثه بما سمع، فأخذ سودون ينكر ذلك ~~ويستبعد وقوعه منهم. فأمر السلطان بالثلاثة فحضروا بين يديه وذكر لهم ما ~~نقل عنهم فأنكروا إلا قرط، فإنه خاف من تهديد السلطان، فقال: الخليفة طلبني ~~وقال: هؤلاء ظلمة وقد استولوا على هذا الملك بغير رضائي، وإني لم أقلد ~~برقوقا السلطنة إلا غصبا وقد أخذ أموال الناس بالباطل. وطلب مني أن أقوم ~~معه وأنصر الحق، فأجبته إلى ذلك ووعدته بالمساعدة، وأن أجمع له ثمانمائة ~~واحد من الأكراد والتركمان وأقوم بأمره فقال السلطان للخليفة: ما قولك في ~~هذا؟ فقال: ليس لما قاله صحة فسأل إبراهيم بن قطلقتمر عن ذلك، فقال: ما كنت ~~حاضرا هذا الاتفاق، لكن الخليفة طلبني إلى بيته بجزيرة الفيل وأعلمني بهذا ~~الكلام وقال لي: إن هذا مصلحة. ورغبني في موافقته والقيام لله تعالى ونصرة ~~الحق. فأنكر الخليفة ما قاله إبراهيم أيضا. وصار إبراهيم يذكر له أمارات ~~والخليفة يحلف أن هذا الكلام ليس له صحة، فاشتد حنق الملك الظاهر وسل السيف ~~ليضرب عنق الخليفة، فقام سودون النائب وحال بينه وبين الخليفة، وما زال به ~~حتى سكن بعض غضبه. فأمر الملك الظاهر بقرط وإبراهيم يسفرا، واستدعى القضاة ~~ليفتوه بقتل الخليفة، فلم يفتوه بقتله، وقاموا عنه فأخذ برقوق الخليفة ~~وسجنه بموضع في قلعة الجبل وهو مقيد، وسمرقرط وإبراهيم وشهرا في القاهرة ~~ومصر. ثم أوقفا تحت القلعة بعد العصر، فنزل الأمير أيدكار الحاجب وسار بهما ~~ليوسطا خارج باب المحروق من القاهرة، فابتدأ بقرط فوسط، وقبل أن يوسط ~~إبراهيم جاءت عدة من المماليك بأن الأمراء شفعوا في إبراهيم، ففكت مساميره ~~وسجن بخزانة شمائل. ثم طلب السلطان زكرياء وعمر ابني ms2343 إبراهيم عم المتوكل، ~~فوقع اختياره على عمر فولاه الخلافة وتلقب بالواثق بالله، كل ذلك في يوم ~~الاثنين أول شهر رجب. ثم في يوم الاثنين ثامن شهر رجب أخلع السلطان على ~~الطواشي بهادر الرومي واستقر مقدم المماليك السلطانية عوضا عن جوهر ~~الصلاحي. ثم في يوم السبت ثالث عشرة ركب السلطان إلى الميدان ثاني مرة للعب ~~الكرة. ثم ركب في يوم السبت عشرينه ثالث مرة. ثم ركب في يوم السبت سابع ~~عشرينه إلى خارج القاهرة وعاد من باب النصر ونزل بالبيمارستان المنصوري. ثم ~~ركب منه إلى القلعة، فلم يتحرك أحد بأمر من الأمور. ثم خرج السلطان إلى ~~سرحة سرياقوس على العادة في كل سنة وأقام بها أياما وعادة وفي عوده قبض على ~~سعد الدين نصر الله بن البقري ناظر الخاص بالخدمة. وخلع السلطان على موفق ~~الدين أبي الفرج عبد الله الأسلمي بنظر الخاص عوضا عن ابن البقري، وأجرى ~~على ابن البقري العقوبة ثم ضربه بالمقارع، بعدما أخذ منه ثلاثمائة ألف ~~دينار. وفيه شفع الأمراء في الخليفة، وتقدم منهم الأمير أيتفش والأمير ~~ألطنبغا الجوباني وقبلا الأرض وسألا السلطان في العفو عنه وترفقا في سؤاله، ~~فعدد لهما السلطان ما أراد أن يفعله بقتله، فما زالا به حتى أمر بفك قيده. ~~PageV03P0265 # وفي هذه السنة توجه السلطان عدة مرار للصيد ببر الجيزة وغيرها، وفي ~~الأخير اجتاز السلطان بخيمة الأمير قطلقتمر العلائي أمير جاندار ووقف ~~عليها، فخرج قطلقتمر إليه وقدم له أربعة أفراس فلم يقبلها، فقبل الأرض ~~ثانيا وسأل السلطان أن يقبلها، فأجاب سؤاله وقبلها وسار حتى نزل بمخيمه. ~~وفي الحال استدعى بإبراهيم ابن قطلقتمر المذكور من خزانة شمائل وأطلقه وخلع ~~عليه وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، وأعطاه ثلاثة أرؤس أخر، وهي التي ~~قدمها أبوه للسلطان، وأذن له أن يمشي في الخدمة، ووعده بإمرة هائلة، وأرسله ~~إلى أبيه قطلقتمر المذكور، فسر به سرورا زائدا. وكان قطلقتمر في مدة حبس ~~ابنه لم يحدث السلطان ولا الأمراء في أمر أبنه بكلمة واحدة، فأتاه الفرج من ~~الله تعالى بغير ms2344 منة أحد. وفي هذه الأيام جمع السلطان القضاة واشترى الأمير ~~أيتمش البجاسي - وهو يوم ذاك رأس نوبة الأمراء وأطابك وأكبر جميع أمراء ~~ديار مصر - من ذرية الأمير جرجي الإدريسي نائب حلب، بحكم أن جرجي لما مات ~~لم يكن أيتمش ممن أعتقه، فأخذه بعد موته الأمير بجاس وأعتقه من غير أن ~~يملكه بطريق شرعي، وأثبتوا ذلك على القضاة، فعند ذلك اشتراه الملك الظاهر ~~من ذزية جرجي بمائة ألف درهم، وأعتقه، وأنعم عليه بأربعمائة آلاف درهم ~~وبناحية سفط رشين ثم خلع السلطان على القضاة والموقعين الذين سجلوا قضية ~~البيع والعتق. وفي يوم الثلاثاء تاسع ذي القعدة أفرج السلطان عن الخليفة ~~المتوكل على الله، ونقل من سجنه بالبرج إلى دار بالقلعة وأحضر إليه عياله. ~~ثم في يوم السبت ثالث صفر من سنة ست وثمانين وسبعمائة قبض السلطان على ~~الأمير يلبغا الصغير الخازندار، وعلى سبعة من المماليك وشي بهم أنهم قصدوا ~~قتل السلطان فضربهم ونفاهم إلى الشام. وفي يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول ~~قدم الأمير بيدمر الخوارزمي نائب الشام، فأجلسه السلطان فوق الأمير سودون ~~النائب بدار العدل. ثم في ثالث عشره خلع عليه السلطان، وقيد له ثمانية ~~جنائب من الخيل بقماش ذهب، جروها الأوجاقية خلفه. وفي يوم الثلاثاء ثامن ~~عشرة نزل السلطان لعيادة الأمير ألطنبغا الجوباني أمير مجلس وقد توعك. وفيه ~~قدم الأمير بيدمر نائب الشام تقدمته للسلطان، وكانت تشتمل على عشرين ~~مملوكا، وثلاثة وثلاثين جملا عليها أنواع الثياب من الحرير والصوف والفرو، ~~وثلاثة وعشرين كلبا سلوقيا، وثمانية عشر فرسا عليها أجلال حرير، وخمسين ~~فحلا، واثنتين وثلاثين حجرة، ومائة إكديش لتتمة مائتي فرس، وثمانية قطر هجن ~~بقماش ذهب، وخمسة وعشرين قطارا من الهجن أيضا بكيران ساذجة، وأربعة قطر ~~جمال بخاتي لكل جمل منها سنامان، وثمانين جملا عرابا قدم. وباسم ولد ~~السلطان سيدي محمد عشرين فرسا وخمسة عشره جملا وثيابا وغيرها. وفي عشرينه ~~خلع عليه السلطان خلعة السفر وتوجه إلى محل ولايته بدمشق. وفي خامس عشرينه ~~نزل السلطان لعيادة ألطنبغا الجوباني ثانيا، ففرش له ms2345 الجوباني شقاق الحرير ~~السكندري وشقاق نخ من باب إسطبله إلى حيث هو مضطجع. فمشى عليها السلطان ~~بفرسه، ثم بقدميه فنثرت عليه الدنانير والدراهم. وقدم له الجوباني جميع ما ~~عنده من المماليك والخيل، فلم يأخذ السلطان شيئا منها، وجلس ساعة عنده ثم ~~عاد إلى القلعة. PageV03P0266 # وفي ثالث عشر جمادى الأولى غضب السلطان على القاضي تقي الدين عبد الرحمن ~~ابن القاضي محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد ناظر الجيوش المنصورة بسبب ~~إقطاع الأمير زامل أمير عرب آل فضل، وضربه بالدواة، ثم أمر به فضرب بين ~~يديه نحو ثلاثمائة عصاة، وكان ترفا، فحمل في محفة إلى داره بالقاهرة، فلزم ~~الفراش إلى أن مات بعد ثلاثة أيام في ليلة الخميس سادس عشر جمادى الأولى. ~~وأخلع السلطان على موفق الذين أبي الفرج الأسلمي ناظر الخاص واستقر به في ~~نظر الجيش مضافا لنظر الخاص والذخيرة ولاستيفاء الصحبة. وفي أثناء شهر رجب ~~المذكور استبدل السلطان خان الزكاة من ذرية الملك الناصر محمد بن قلاوون ~~بقطعة أرض وأمر بهدمه وعمارة مدرسة مكانه، وأقام السلطان على عمارتها ~~الأمير جاركس الخليلي أمير آخور، فابتدأ بهدمه وشرع في عمارة المدرسة ~~المعروفة بالبرقوقية بين القصرين. فلما كان يوم الاثنين ثاني شعبان مات تحت ~~الهدم جماعة من الفعلة. وفي خامسه ركب السلطان إلى رؤية عمارته المذكورة ~~وعاد إلى القلعة، ثم سار إلى سرحة سرياقوس على العادة بحريمه وخواصه في ~~ندمائه وسائر الأمراء والأعيان، ثم عاد بعد أيام. ثم نزل في يوم الثلاثاء ~~سادس عشر شهر رمضان لعيادة الشيخ أكمل الدين الشيخ بالشيخونية. ثم نزل في ~~يوم الخميس ثامن عشره ليصلي عليه فظهر أنه أغمي عليه ولم يمت، فعاد ~~السلطان. ونزل في يوم تاسع عشره حتى صلى عليه بمصلاة المؤمني من تحت ~~القلعة، ومشى على قدميه أمام النعش من المصلى إلى خانقاه شيخون مع الناس في ~~الجنازة بعد ما أراد أن يحمل النعش غير مرة فتحمله الأمراء عنه. وما زال ~~واقفا على قبره حتى دفن وعاد إلى القلعة. كل ذلك لاعتقاده في دينه ms2346 وغزير ~~علمه ولقدم صحبته معه. ومن يوم مات الشيخ أكمل الدين صار الشيخ سراج الدين ~~عمر البلقيني يجلس مكانه عن يمين السلطان. ثم خلع السلطان على الشيخ عز ~~الدين يوسف بن محمود الرازي العجمي باستقراره في مشيخة خانقاه شيخون عوضا ~~عن الشيخ أكمل الدين المذكور. ثم في حادي عشر شوال قدم الأمير يلبغا ~~الناصري نائب حلب إلى القاهرة وعدى إلى السلطان ببر الجيزة، وعاد معه من بر ~~الجيزة، بعد ما غاب عن صحبة السلطان أياما في يوم الخميس أول ذي القعدة. ~~وفي خامسه خلع عليه خلعة السفر وتوجه إلى محل كفالته بحلب، وهذا قدوم يلبغا ~~الناصري ثاني مرة، بعد سلطنة الملك الظاهر برقوق. وفي يوم الخميس ثاني ذي ~~القعدة أسست المدرسة الظاهرية ببين القصرين موضع خان الزكاة. وفي يوم ~~الاثنين رابع ذي الحجة خلع السلطان على القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله ~~باستقراره في وظيفة كتابة السر على عادته بعد وفاة القاضي أوحد الدين. وفي ~~ثامن عشرين ذي الحجة استجد السلطان لقرافة مصر واليا أمير عشرة وهو سليمان ~~الكردي، وأخرجت عن والي مدينة مصر، ولم يعهد هذا فيما مضى. وفيه نقل الأمير ~~كمشبغا الحموي اليلبغاوي من نيابة صفد إلى نيابة طرابلس عوضا عن مأمور ~~القلمطاوي، وهذه ولاية كمشبغا لنيابة طرابلس ثاني مرة. وفي يوم الاثنين ~~ثاني محرم سنة سبع وثمانين وسبعمائة استقر الأمير سودون المظفري حاجب حجاب ~~حلب في نيابة حماة بعد عزل الأمير صنجك، وتوجه إلى طرابلس أميرا بها. وفي ~~يوم الجمعة ثالث شهر رجب توجه الأمير حسن قجا على البريد لإحضار يلبغا ~~الناصري نائب حلب. وفي عشرينه خرج من القاهرة الأمير كمشبغا الخاصكي ~~الأشرفي على البريد لنقل سودون المظفري في نيابة حماة إلى نيابة حلب، عوضا ~~عن الأمير يلبغا الناصري. وأما الناصري فإنه لما وصل إلى مدينة بلبيس قبض ~~عليه وقيد وحمل إلى الإسكندرية، واحتاط محمود شاد الدوارين على أمواله ~~بحلب. ومن يومئذ أخذ أمر الملك الظاهر في إدبار بقبضه على الأمير يلبغا ~~الناصري بغير ذنب. ثم ms2347 في يوم الاثنين ثاني عشرين ذي الحجة قبض السلطان على ~~الأمير ألطنبغا الجوباني أمير مجلس وقيده وحبسه، ثم أفرج عنه بعد أيام، ~~وخلع عليه بنيابة الكرك عوضا عن تمرداش القشتمري. PageV03P0267 # ثم في محرم سنة ثمان وثمانين وسبعمائة قبض الملك الظاهر على جماعة من ~~المماليك السلطانية وضربهم بالمقارع لكلام بلغه عنهم أنهم اتفقوا على الفتك ~~به. ثم قبض سريعا على الأمير تمربغا الحاجب، وكان اتفق مع هؤلاء المذكورين، ~~وسفره ومعه عشرة من المماليك المذكورين: أركب كل مملوكين على جمل، ظهر ~~أحدهما إلى ظهر الأخر، وأفرد تمربغا المذكور على جمل وحده، ثم وسطوا ~~الجميع، فكان هذا اليوم من أشنع الأيام، وكثر الكلام بسببهم في حق الملك ~~الظاهر إلى الغاية. وفي خامس عشرينه قبض السلطان على ستة عشر من مماليك ~~الأمير الكبير أيتمش ونفوا إلى الشام. ثم تتبع السلطان من بقي من المماليك ~~الأشرفية فقبض على كثير منهم، وأخرجوا من القاهرة إلى عدة جهات. وفي يوم ~~الخميس ثاني عشر شهر ربيع الأول رسم السلطان بالإفراج عن الأمير يلبغا ~~الناصري نائب حلب كان، ونقله من سجن الإسكندرية إلى ثغر دمياط، وأذن له أن ~~يركب ويتنزه حيث شاء. وفي شهر ربيع الآخر غضب السلطان على موفق الدين أبي ~~الفرج ناظر الجيش وضربه نحو مائة وأربعين عصاة وأمر بحبسه. وفي يوم الخميس ~~رابع عشر جمادى الآخرة نقلت رمم أولاد السلطان الخمسة من مدافنهم إلى القبة ~~بالمدرسة الظاهرية التي أنشأها الملك الظاهر بين القصرين، ونقلت أيضا رمة ~~والد الملك الظاهر الأمير آنص عشاء، والأمراء مشاة أمام نعشه، حتى دفن أيضا ~~بالقبة المذكورة. ثم في يوم الأربعاء حادي عشر شهر رجب نزل الأمير جاركس ~~الخليلي الأمير آخور إلى المدرسة الظاهرية المقدم ذكرها بعد فراغها وهيأ ~~بها الأطعمة والحلاوات والفواكه. ثم ركب السلطان من الغد في يوم الخميس ~~ونزل من القلعة بأمرائه وخاصكيته إلى المدرسة المذكورة، وقد اجتمع القضاة ~~وأعيان الدولة، فمد بين يديه سماطا جليلا، أوله عند المحراب وآخره عند ~~البحرة التي بوسط المدرسة، وأكل السلطان والقضاة والأمراء ms2348 والمماليك، ثم ~~تناهبت الناس بقيته ثم مد سماط الحلوات والفواكه، وملئت البحرة التي بصحن ~~المدرسة من مشروب السكر ثم بعد رفع السماط أخلع السلطان على الشيخ علاء ~~الدين علي بن أحمد بن محمد السيرامي الحنفي، وقد استدعاه السلطان من بلاد ~~الشرق ، واستقر مدرس الحنفية وشيخ الصوفية، وفرش له الأمير جاركس الخليلي ~~السجادة بيده حتى جلس عليها. ثم خلع السلطان على الأمير جاركس الخليلي شاد ~~عمارة المدرسة المذكورة وعلى المعلم شهاب الدين أحمد بن الطولوني المهندس ~~وركبا فرسين بقماش ذهب. ثم خلع السلطان على خمسة عشر نفرا من مماليك جاركس ~~الخليلي ممن باشروا العمل مع أستاذهم وأنعم على كل منهم بخمسمائة درهم. ثم ~~خلع السلطان على مباشري العمارة. ولما جلس الشيخ علاء الدين السيرامي على ~~السجادة تكلم على قوله تعالى: " قل اللهم مالك الملك " الآية. ثم قرأ ~~القارئ عشرا من القرآن ودعا. وقام السلطان وركب بأمرائه وخاصكيته وعاد إلى ~~القلعة، بعد أن خرج من باب زويلة، فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة. ثم ~~بدا للسلطان بعد ذلك أن يقبض على الأمير بيدمر الخوارزمي نائب الشام، فأرسل ~~طاووسا البريدي للقبض عليه، ورسم للأمير تمربغا المنجكي أن يتوجه على ~~البريد لتقليد الأمير إشقتمر المارديني عوضه بنيابة الشام، وكان إشقتمر ~~بالقدس بطالا. وقد تقدم أن إشقتمر هذا ولي نيابة حلب في أيام السلطان حسن ~~الأولى، ويلبغا أستاذ برقوق يوم ذاك خاصكي، فانظر إلى تقلبات الدهر. وفي ~~يوم الجمعة عاشر شهر رمضان من سنة ثمان وثمانين وسبعمائة أقيمت الجمعة ~~بالمدرسة الظاهرية المذكورة وخطب بها جمال الدين محمود القيصري العجمي ~~المحتسب. وحج في هذه السنة الأمير جاركس الخليلي بتجمل كبير، وحج من ~~الأمراء كمشبغا الخاصكي الأشرفي ومحمد بن تنكز بغا وجاركس المحمودي . وفي ~~يوم الاثنين خامس عشرين شوال استدعى السلطان زكريا ابن الخليفة المعتصم ~~بالله أبي إسحاق إبراهيم - وإبراهيم المذكور لم يل الخلافة - ابن المستمسك ~~بالله أبي عبد الله محمد - وكذلك المستمسك لم يل الخلافة - ابن الخليفة ~~الحاكم بأمر الله أحمد العباسي وأعلمه السلطان أنه يريد ms2349 أن ينصبه في ~~الخلافة بعد وفاة أخيه الواثق بالله عمر. PageV03P0268 # ثم استدعى السلطان القضاة والأمراء والأعيان، فلما اجتمعوا أظهر زكرياء ~~المذكور عهد عمه المعتضد له بالخلافة، فخلع السلطان عليه خلعة غير خلعة ~~الخلافة ونزل إلى داره. فلما كان يوم الخميس ثامن عشرينه طلع الخليفة ~~زكرياء المذكور إلى القلعة وأحضر أعيان الأمراء والقضاة والشيخ سراج الدين ~~عمر البلقيني، فبدأ البلقيني بالكلام مع السلطان في مبايعة زكرياء على ~~الخلافة فبايعه السلطان أولا، ثم بايعه من حضر على مراتبهم، ونعت بالمستعصم ~~بالله، وخلع عليه خلعة الخلافة على العادة، ونزل إلى داره وبين يديه القضاة ~~وأعيان الدولة. ثم طلع زكرياء المذكور في يوم الاثنين ثاني ذي القعدة وخلع ~~عليه السلطان ثانيا بنظر المشهد النفيسي على عادة من كان قبله من الخلفاء، ~~ولم تكن هذه العادة قديما، بل حدثت في هذه السنين. وفي خامس عشرين ذي الحجة ~~قدم مبشر الحافي السيفي بطا الخاصكي وأخبر أن الأمير آقبغا المارديني أمير ~~الحاج لما قدم مكة خرج الشريف محمد بن أحمد بن عجلان أمير مكة لتلقيه على ~~العادة ونزل وقبل الأرض ثم قبل خف جمل المحمل. وعندما انحنى وثب عليه ~~فداويان، ضربه أحدهما بخنجر في عنقه وهما يقولان: غريم السلطان فخر ميتا ~~وتم نهاره ملقى حتى حمله أهله وواروه. وكان كبيش على بعد، فقتل الفداوية ~~رجلا آخر يطنوه كبيشا. وأقام أمير الحافي لابس السلاح سبعة أيام خوفا من ~~الفتنة، فلم يتحرك أحد. ثم خلع أمير الحافي على الشريف عنان باستقراره أمير ~~مكة عوضا عن محمد المذكور وتسلمها. ثم في تاسع عشرين ذي الحجة قدمت رسل ~~الحبشة بكتاب ملكهم الحطي واسمه داود بن سيف أرعد ومعهم هدية على عشرين ~~جملا، فيها من طرائف بلادهم، من جملتها قدور قد ملئت حمصا صنع من ذهب إذا ~~رآه الشخص يظنه حمصا، وغير ذلك. ثم في يوم السبت سابع عشر صفر من سنة تسع ~~وثمانين وسبعمائة قدم الأمير ألطنبغا الجوباني نائب الكرك باستدعاء، فأخلع ~~عليه السلطان باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن إشقتمر ms2350 المارديني، وغزل ~~إشقتمر ولم تكمل ولايته على دمشق عشرة أشهر. وأقام ألطنبغا الجوباني ~~بالقاهرة ثلاثة أيام، وسافر في يوم تاسع عشره بعدما أنعم عليه الملك الظاهر ~~بمبلغ ثلاثمائة ألف درهم فضة وفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش، وأرسل إليه الأمير ~~أيتمش بمائة ألف درهم وعدة بقج ثياب. واستقر مسفره الأمير قرقماس الظاهري، ~~وفرج الجوباني من مصر بتجمل عظيم. ثم رسم باستقرار الأمير ناصر الدين محمد ~~بن مبارك المهمندار في نيابة حماة عوضا عن الأمير سودون العثماني، واستقر ~~سودون العثماني على إقطاع محمد بن المهمندار المذكور بحلب. وفي آخر جمادى ~~الآخرة من السنة وهي سنة تسع وثمانين ورد الخبر على السلطان بأن تيمورلنك ~~صاحب بلاد العجم كبس الأمير قرا محمد صاحب مدينة تبريز وكسره، ففر منه قرا ~~محمد في نحو مائتي فارس وتوجه بهم إلى جهة ملطية ونزل هناك ونزل تيمورلنك ~~على آمد. فاستدعى السلطان القضاة والفقهاء والأمراء وتحدث معهم في أخذ ~~الأوقاف من البلاد بسبب ضعف عسكر مصر، فكثر الكلام في ذلك وآل الأمر إلى ~~أنه يأخذ متحصل الأوقاف لسنة وصمم الملك الظاهر على إخراج الجميع للجند، ثم ~~رجع عن ذلك ورسم بتجهيز أربعة أمراء من أمراء الألوف بالديار المصرية وهم: ~~الأمير ألطنبغا المعلم أمير سلاح، والأمير قردم الحسني رأس نوبة النوب، ~~والأمير يونس النوزوزي الدوادار الكبير، والأمير سودون باق، وسبعة أمراء ~~أخر من أمراء الطبلخانات، وعين معهم من أجناد الحلقة ثلاثمائة فارس. فتجهز ~~الجميع وخرجوا من القاهرة في أول شهر رجب، وساروا إلى حلب ونائبها يوم ذاك ~~سودون المظفري، وقد وصل الخبر بأن قرا محمدا واقع ابن تيمورلنك وكسره ورجع ~~إلى بلاده. PageV03P0269 # وبعد خروج العسكر استدعى السلطان في سادس عشرين شعبان من سنة تسع وثمانين ~~المذكورة الشيخ ناصر الدين ابن بنت الميلق وولاه قضاء الشافعية بالديار ~~المصرية بعد عزل القاضي بدر الدين محمد بن أبي البقاء عنها، بعدما تمنع ابن ~~الميلق المذكور من قبول القضاء تمنعا زائدا وصلى ركعتي الاستخارة حتى أذعن، ~~فألبسه السلطان الملك الظاهر تشريف القضاء بيده، وأخذ ms2351 طيلسانه يتبرك به. ~~ونزل الشيخ ناصر الدين وبين يديه عظماء الدولة إلى المدرسة الصالحية، فداخل ~~أرباب الدولة بولايته خوف ووهم، وظنوا أنه يحمل الناس على محض الحق، وأنه ~~يسير على طريق السلف من القضاة. قال الشيخ تقي الدين المقريزى، رحمه الله: ~~لما ألفوه من تشدقه في وعظه، وتفخمه في منطقه، وإعلانه في التنكير على ~~الكافة، ووقيعته في القضاة، واشتماله على لبس المتوسط من الخشن، ومعيبه على ~~أهل الترف. وكان أول ما بدأ به أن عزل قضاة مصر كلهم من العريش إلى أسوان. ~~وبعد يومين تكلم معه الحاج مفلح مولى القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتب ~~السر في إعادة بعض من عزله من القضاة، فأعاده، فانحل ما كان معقودا بالقلوب ~~من مهابته. ثم قلع زيه الذي كان يلبسه ولبس الشاش الكبير الغالي الثمن ~~ونحوه، وترفع في مقاله وفعاله، حتى كاد يصعد الجو، وشح في العطاء، ولاذ به ~~جماعة غير محببين إلى الناس، فانطلقت ألسنة الكافة بالوقيعة في عرضه، ~~واختلقوا عليه ما ليس فيه. انتهى كلام المقريزي باختصار. قلت: كل ذلك ~~والملك الظاهر لا يسمع فيه قول قائل، حتى كانت وقعة الناصري ومنطاش مع ~~الملك الظاهر برقوق وحبس الملك الظاهر بالكرك، وكان هو قاضيا يومئذ، فوقع ~~في حق الظاهر وأساء القول فيه. فبلغ الظاهر ذلك قبل ذهابه إلى الكرك وهو ~~بسجن القلعة فأسرها في نفسه على ما سنذكره في سلطنة الملك الظاهر الثانية ~~إن شاء الله تعالى. ثم ورد الخبر على السلطان الظاهر بأن العسكر المجرد من ~~الديار المصرية عاد إلى حلب، وكان توجه نحو ديار بكر صحبة نواب البلاد ~~الشامية وعاد، وكان الأمير ألطنبغا الجوباني نائب الشام مقدم العساكر، وخرج ~~بثقل عظيم وزدخاناه هائلة، جددها بدمشق حتى إنه رسم لفضلاء دمشق أن ينظموا ~~له ما ينقش على أسنة الرماح، فنظم له القاضي فتح الدين محمد بن الشهيد كاتب ~~سر دمشق: البسيط، إذا الغبار علا في الجو عثيره ... وأظلم الجو ما للشمس ~~أنوار هذا سناني نجم يستضاء به ... كأنني علم في ms2352 رأسه نار والسيف إن نام ~~ملء الجفن في غلف ... فإنني بارز للحرب خطار إن الرماح لأغصان وليس لها ... ~~سوى النجوم على العيدان أزهار ونظم القاضي صدر الدين علي بن الآدمي الدمشقي ~~الحنفي في المعنى فقال: الكامل، النصر مقرون بضرب أسنة ... لمعانها كوميض ~~برق يشرق سبكت لتسبك كل خصم مارد ... وتطرقت لمعاند يتطرق زرق تفوق البيض ~~في الهيجاء إذ ... يحمر من دمه العدو الأزرق ينسجن يوم الحرب كل كتيبة ... ~~تحت الغبار فنصرهن محقق ونظم الشيخ شمس الدين محمد المزين الدمشقي في ~~المعنى وأجاد إلى الغاية: الكامل، أنا أسمر والراية البيضاء لي ... لا ~~للسيوف وسل من الشجعان لم يحل لي عيش العداة لأنني ... نوديت يوم الجمع ~~بالمران وإذا تغاتمت الكماة بجحفل ... كلمتهم فيه بكل لسان فتخالهم غنما ~~تساق إلى الردى ... قهرا لمعظم سطوة الجوباني ثم في شوال خرج السلطان من ~~القاهرة إلى سر ياقوس على العادة في كل سنة، واستدعى به بالأمير يلبغا ~~الناصري من ثغر دمياط، فوصل إلى سرياقوس في ثالث عشر شوال وقبل الأرض بين ~~يدي السلطان، فأكرمه السلطان وأنعم عليه بمائة فرس ومائة جمل وسلاح كثير ~~ومال وثياب وأشياء غير ذلك، قيمة ذك كله خمسمائة ألف درهم فضة. وأهدى إليه ~~سائر الأمراء على العادة، كل واحد على قدر حاله. PageV03P0270 # ثم عاد السلطان من سرياقوس في أول ذي القعدة، وخلع على الأمير يلبغا ~~الناصري المذكور في خامس ذي القعدة من سنة تسع وثمانين المذكورة باستقراره ~~في نيابة حلب على عادته، عوضا عن سودون المظفري بحكم استقرار سودون المظفري ~~أتابك حلب، وأمره بالتجهيز، وهذه ولاية الناصري الثالثة على حلب. فأصلح ~~الأمير يلبغا الناصري أمره وتهيأ للسفر، وخرج من ثامن ذي القعدة إلى ~~الريدانية، بعد أن أخلع السلطان عليه خلعة السفر. وسافر من الريدانية في ~~تاسعه بتجمل عظيم وبرك هائل، ومسفره الأمير جمق ابن الأمير أيتمش البجاسي. ~~وبعد خروجه بثلاثة أيام قدم البريد من البلاد الشامية بأن تمربغا الأفضلي ~~الأشرفي المدعو منطاش ملطية خرج عن الطاعة، ووافقه القاضي برهان الدين أحمد ~~صاحب ms2353 سيواس، وقرا محمد التركماني، ونائب المجيرة، ويلبغا المنجكي، وعدة ~~كبيرة من خشداشية منطاش من المماليك الأشرفية، وأت انضم عليه جماعة كبيرة ~~من التركمان فتشوش السلطان في الباطن ولم يظهر ذلك وندم على توليته يلبغا ~~الناصري على نيابة حلب، غير أنه لم يسعه إلا السكات. ثم ركب السلطان الملك ~~الظاهر في ثاني يوم جاء الخبر بعصيان منطاش وعدى البحر إلى بر الجيزة، ~~وتصيد وعاد في سادس عشرينه. وبعد عوده بأيام وصل قاصد الأمير تمربغا ~~الأفضلي الأشرفي المدعو منطاش نائب ملطية يخبر أنه ما نافق، وأنه باق على ~~طاعة السلطان. فأخذ السلطان في أخبار القاصد وأعطى، وبينما هو في ذلك قدم ~~البريد من حلب في إثره يخبر السلطان بأن منطاش المذكور عاص، وأنه ما أرسل ~~يقول إنه باق على الطاعة إلا ليدفع عن نفسه حتى يخرج فصل الشتاء ويدخل فصل ~~الربيع وتذوب الثلوج، فسير السلطان السيفي ملكتمر الدوادار بعشرة آلاف ~~دينار إلى الأمراء المجردين قبل تاريخه توسعة لهم، وأمره في الباطن بالفحص ~~عن أخبار منطاش وحقيقة أمره. وبعد خروج ملكتمر فشا الطاعون بالقاهرة ~~ونواحيها في شهر ربيع الأول من سنة تسعين وسبعمائة، واشتغل الناس بمرضاهم ~~وأمواتهم عن غيره. ثم أخلع السلطان على الأمير أيدكار العمري اليلبغاوي، ~~الحاجب الثاني وأحد مقدمي الألوف، باستقراره حاجب الحجاب بالديار المصرية، ~~عوضا عن قطلوبغا الكوكائي بعد شغورها عنه أربع سنين، وأضيف إليه نظر خانقاة ~~شيخون واستقر الأمير زين الدين أبو بكر بن سنقر عوضه حاجبا ثانيا، حاجب ~~ميسرة بتقدمة ألف. ثم في حادي عشرين جمادى الأولى من السنة قدم صراي تمر ~~دوادار الأمير يونس النوروزي الدوادار، ومملوك نائب حلب الأمير يلبغا ~~الناصري يخبران بأن العسكر توجه إلى سيواس وقاتلوا عسكرها، وقد أستنجد أهل ~~سيواس بالتتر، فأتاهم من التتر نحو الستين ألفا فحاربهم العسكر المصري ~~والحلبي يوما كاملا حتى هزموهم وحصروا سيواس بعدما قتل كثير من الفريقين ~~وجرح معظمهم، وأن الأقوات عندهم عزيزة. فجهز السلطان للعسكر المذكور خمسين ~~ألف دينار مصرية وشكرهم. وسار بالذهب ملكتمر الدوادار ثانيا بعد ms2354 قدومه مصر ~~بأيام قليلة. وكان خروج ملكتمر في هذه المرة الثانية بالذهب في سابع عشرين ~~جمادى الآخرة، هذا ما أخبره صراي تمر دوادار ثاني يونس الدوادار. وأما ما ~~وقع من بعده هناك فإن العسكر تحرك إلى الرحيل عن سيواس لطول مكثهم، وعندما ~~ساروا هجم عليهم التتر من خلفهم، فاحترز الأمير يلبغا الناصري نائب حلب إلى ~~جهة حتى صار خلفهم، ثم طوقهم بمن معه ووضع السيف فيهم، فقتل منهم خلائق ~~كثيرة وأسر منهم نحو الألف وأخذ منهم نحو عشرة آلاف فرس وعاد العسكر سالما ~~إلى حلب، فقدم هذا الخبر الثاني أيضا على يد بعض مماليك الأمير يونس ~~الدوادار، فسر السلطان بذلك ودقت البشائر بالديار المصرية. ورسم السلطان ~~بعود العسكر المصري إلى نحو الديار المصرية، فعادوا إليها في ثالث شعبان من ~~سنة تسعين وسبعمائة، فكانت غيبتهم عن القاهرة سنة وعدة أيام. ولما وصلوا ~~وطلعوا إلى القلعة أخلع عليهم السلطان الخلع الهائلة وشكرهم ونزلوا إلى ~~دورهم، وكثرت التهاني لمجيئهم. PageV03P0271 # ثم في خامس عشر شعبان المذكور طلب السلطان الأمير الطواشي بهادر مقدم ~~المماليك السلطانية، فلم يجده بالقلعة ثم أحضر سكرانا من بيت على بحر ~~النيل، فغضب السلطان عليه ونفاه إلى صفد على إمرة عشرة بها وأخلع على ~~الطواشي شمس الدين صواب السعدي المعروف بشنكل الأسود بتقدمة المماليك ~~السلطانية عوضا عن بهادر المذكور، واستقر الطواشي سعد الدين الشرفي في ~~نيابة المقدم عوضا عن شنكل المذكور. وحج في هذه السنة أيضا الأمير جاركس ~~الخليلي الأمير آخور الكبير أمير حاج الأول. وكان أمير حاج المحمل الأمير ~~آقبغا المارديني، وخرج الحج من مصر في عاشر شوال. وفي أثناء ذلك قدم الخبر ~~بعصيان الأمير ألطنبغا الجوباني نائب الشام وأنه ضرب الأمير طرنطاي حاجب ~~حجاب دمشق، واستكثر من استخدام المماليك. وشاع ذلك بالقاهرة وكثرت القالة ~~بين الناس بهذا الخبر. فلفا بلغ الأمير ألطنبغا الجوباني ذلك أرسل استأذن ~~السلطان في الحضور إلى الديار المصرية، فأذن له السلطان في ذلك، وفي ظن كل ~~أحد أنه لم يحضر فعندما جاءه الإذن ركب البريد ms2355 من دمشق في خواصه وسار حتى ~~نزل سرياقوس خارج القاهرة في ليلة الخميس سابع عشرين شوال من سنة تسعين ~~المذكورة وبلغ السلطان ذلك فأرسل إليه الأمير فارسا الصرغتمشي أمير جاندار، ~~فقبض عليه من سرياقوس وقيده وسيره إلى سجن الإسكندرية صحبة الأمير ألجيبغا ~~الجمالي الدوادار. ثم رسم السلطان بأن طرنطاي حاجب حجاب دمشق يستقر في ~~نيابة دمشق عوضا عن الأمير ألطنبغا الجوبانجي المذكور، وحمل إليه التشريف ~~والتقليد الأمير سودون الطرنطائي، فعظم مسك الأمير ألطنبغا الجوباني على ~~الناس كونه ظهر للسلطان براءته مما نقله عنه أعداؤه وكونه من أكابر ~~اليلبغاوية، ولم يسعهم إلا السكات لفوات الأمر. ثم كتب السلطان كتابا ~~لأمراء طرابلس وأرسله على يد بعض خواصه بالقبض على الأمير كمشبغا الحموي ~~اليلبغاوي نائب طرابلس، فقدم سيفه في عاشر ذي القعدة، فتأكد تشويش الناس ~~بمسك كمشبغا أيضا، فإنه أكبر مماليك يلبغا العمري، وممن صار في أيام أستاذه ~~يلبغا أمير طبلخاناه وتوجه الأمير شيخ الصفوي بتقليد الأمير أسندمر المحمدي ~~حاجب حجاب طرابلس بنيابة طرابلس عوضا عن كمشبغا الحموي المقدم ذكره. ثم نفى ~~السلطان الملك الظاهر الأمير كمشبغا الخاصكي الأشرفي، أحد أمراء الطبلخانات ~~ورأس نوبة، إلى طرابلس، فسار من دمياط، لأنه كان في اليزك المذكور. ثم قدم ~~البريد بعشرين سيفا من سيوف الأمراء الذين قبض عليهم من أمراء البلاد ~~الشامية. ثم كتب السلطان بالقبض على الأمراء البطالين ببلاد الشام جميعا ثم ~~أعيد سودون العثماني إلى نيابة حماة بحكم خروج كشلي منها إلى نيابة ملطية، ~~عوضا عن منطاش، وكان كشلي ولي نيابة حماة قبل تاريخه بمدة يسيرة عوضا عن ~~ابن المهمندار. ثم في ثاني ذي القعدة قدمت رسل قرا محمد وأخبروا أنه أخذ ~~مدينة تبريز، وضرب بها السكة باسم السلطان الملك الظاهر برقوق، ودعا له على ~~منابرها وسير دنانير ودراهم، عليها اسم السلطان، وسأل أن يكون نائبا بها عن ~~السلطان، فأجيب بالشكر والثناء. هذا والخواطر قد نفرت من الملك الظاهر ~~لكثرة قبضه على الأمراء من غير موجب وتخوف كل أحد منه على نفسه حتى خواصه، ms2356 ~~وكثر تخيل الأمراء منه. وبينما هم في ذلك أشيع بالديار المصرية بعصيان ~~الأمير يلبغا الناصري نائب حلب، وكثر هذا الخبر في محرم سنة إحدى وتسعين ~~وسبعمائة. وسبب ذلك أنه وقع بين الأمير يلبغا الناصري وبين سودون المظفري ~~أتابك حلب المعزول عن نيابة حلب قبل تاريخه، وكاتب كل منهما في الآخر، ~~فاحتار السلطان بينهما وقد قوي تخوفه من الناصري. قال المقريزي - رحمه الله ~~- : وكان أجرى الله سبحانه وتعالى على ألسنة العافة: من غلب، صاحب حلب، حتى ~~لا يكاد صغير ولا كبير إلا يقول ذلك، حتى كان من أمر الناصري نائب حلب ما ~~كان. انتهى كلام المقريزي. ولما شاع ذلك جمع السلطان الأمراء والخاصكية في ~~يوم الأحد خامس صفر بالميدان من تحت القلعة وشرب معهم القمز، وقرر لشربه ~~معهم يومي الأحد والأربعاء، يروم بذلك أخذ خواطرهم. PageV03P0272 # ثم في عاشره بعث السلطان هدية للأمير يلبغا الناصري نائب حلب فيها عدة ~~خيول بقماش ذهب وقباء، واستدعاه ليحضر ليعمل معه مشورة في أمر منطاش فلما ~~أتاه رسول السلطان بالحضور إلى الديار المصرية، خشي أن يفعل به كما فعل ~~بالأمير ألطنبغا الجوباني نائب الشام من مسكه وحبسه بالإسكندرية، فكتب ~~يعتذر عن الحضور إلى حضرة السلطان بحركة التركمان وعصيان منطاش، وأنه يتخوف ~~على البلاد الحلبية منهم، ومهما كان للسلطان من حاجة يرسل يعرفه ليقوم ~~بقضائها وعاد رسول السلطان إلى مصر بهذا الجواب، فلم يقبل السلطان ذلك منه ~~في الباطن، وقبله في الظاهر، وقد كثر تخيله منه وأخذ في التدبير على الأمير ~~يلبغا الناصري مع خواصه، حتى اقتضى رأي الجميع على إرسال تلكتمر الدوادار ~~إلى حلب بحيلة دبروها، فخرج تلكتمر المحمدي الدوادار المذكور وعلى يده ~~مثالان ليلبغا الناصري نائب حلب ولسودون المظفري أتابك حلب المقدم ذكره أن ~~يصطلحا بحضرة الأمراء والقضاة والأعيان، وسير معه خلعتين يلبسانها بعد ~~صلحهما. وحفل السلطان في الباطن مع تلكتمر عدة مطالعات إلى سودون المظفري ~~وغيره من أمراء حلب وأرباب وظائفها بالقبض على الناصري وقتله إن امتنع من ~~الصلح. وكان مملوك الناصري قد تأخر ms2357 بالقاهرة عن السفر لحلب ليفرق كتبا من ~~أستاذه على أمراء مصر، يدعوهم فيها إلى موافقته على الخروج على السلطان. ~~وأخر السلطان أيضا جواب الناصري الوارد على يد مملوكه المذكور عامدا حتى ~~يسبقه تلكتمر الدوادار إلى حلب. وكان مملوك الناصري المذكور يقظا حاذقا، ~~فبلغه ما على يد تلكتمر الدوادار من المطالعات بالقبض على أستاذه يلبغا ~~الناصري، وعلم أنه عوق حتى سافر تلكتمر. ثم أعطي الجواب، فأخذه وخرج من مصر ~~في يومه، وسار مسرعا، وجد في السوق حتى سبق تلكتمر الدوادار إلى حلب، وعرف ~~أستاذه بخبر تلكتمر كله سرا، فأخذ الناصري في الحذر. ويقال: إن تلكتمر ~~الدوادار كان بينه وبين الشيخ حسن رأس نوبة الناصري مصاهرة، فلما قرب من ~~حلب بعث يخبر الشيخ حسنا المذكور بما أتى فيه، فعلى كل حال احترز الناصري. ~~وهذا الخبر الثاني يبعد، والأول أقرب وأقوى عندي من كل وجه. ثم لما تحقق ~~الناصري ما جاء فيه تلكتمر احترز على نفسه وتعبأ فلما قرب تلكتمر من حلب، ~~خرج الأمير يلبغا الناصري من حلب ولاقاه على العادة مظهرا لطاعة السلطان، ~~وقبل الأرض، وأخذ منه مثاله، وعاد به إلى دار السعادة بحلب، وقد اجتمع ~~الأمراء والقضاة وعيرهم لسماع مرسوم السلطان، وتأخر الأمير سودون المظفري ~~أتابك حلب عن الحضور، ولم يعجبه ما فعله الملك الطاهر برقوق من حضوره عند ~~الناصري لمعرفته بقوة الناصري وكثرة مماليكه فأرسل له الناصري غير قاصد ~~يستعجله للحضور، فلم يجد بدا من الحضور، وحضر وهو لابس آلة الحرب من تحت ~~قماشه خوفا على نفسه من الناصري وحواشيه. فعندما دخل سودون المظفري إلى ~~دهليز دار السعادة، جس قازان اليرقشي أمير آخور الناصري كتفه فوجد السلاح، ~~فقال: يا أمير الذي يجيء للصلح يدخل دار السعادة وعليه السلاح وآلة الحرب ~~فسبه سودون المظفري، فسل قازان سيفه وضربه به، وأخذت سودون المظفري السيوف ~~من كل جانب من مماليك الناصري الذين كان رتبهم لهذا الأمر، فقتل سودون ~~المظفري بعد أن جردت مماليكه أيضا سيوفهم وقاتلوا مماليك الناصري ساعة ~~هينة، وقتل من الفريقين ms2358 أربعة أنفس لا غير، وثارت الفتنة. ففي الحال قبض ~~الناصري على حاجب حجاب حلب وعلى أولاد المهمندار، وكانا مقدمي ألوف بحلب، ~~وعلى عدة أمراء أخر ممن يخشاهم ويخاف عاقبتهم. ثم ركب الناصري إلى القلعة ~~وتسلمها، واستدعى التركمان والعربان، وكتب إلى تمربغا الأفضلي الأشرفي ~~المعروف بمنطاش يدعوه إلى موافقته، فسر منطاش بذلك وقدم عليه بعد أيام ودخل ~~تحت طاعته. وكان الناصري قد أباد منطاش وقاتله، منذ خرج عن طاعته وطاعة ~~السلطان غير مرة. وصار منطاش من جملة أصحابه. وتعاضد الأشرفية واليلبغاوية ~~هم الأكثر، فإن الناصري من كبار اليلبغاوية ومنطاش من كبار الأشرفية، هذا ~~مع ما انضم على الناصري من أكابر الأمراء على ما سيأتي ذكره. PageV03P0273 # وعاد تلكتمر الدوادار بهذا الخبر في خامس عشر صفر، فكان عليه خبر غير ~~صالح. فكتب السلطان في الحال إلى الأمير إينال اليوسفي أتابك دمشق - ~~والمعزول قبل تاريخه عن نيابة حلب - بنيابة حلب ثانيا، وجهز إليه التشريف ~~والتقليد في ثامن عشر صفر المذكور من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. وكان إينال ~~اليوسفي ممن انحرف على السلطان في الباطن من أيام ركوبه عليه، قبل أن ~~يتسلطن، وقبض السلطان عليه وحبسه سنتين، ثم أطلقه على إمرة بدمشق، ثم ولاه ~~بعض البلاد الشامية وهي نيابة طرابلس، ثم نقله إلى نيابة حلب، فدام بها ~~سنين، ثم عزله عنها بالأمير يلبغا الناصري وجعله أتابك دمشق، فصار في نفسه ~~حزازة من هذا كله على ما سيأتي ذكره. ثم إن السلطان في ثامن عشر صفر ~~المذكور طلب الأمراء والقضاة إلى القلعة وكلمهم في أمر الناصري وعصيانه ~~واستشارهم في أمره، فوقع الاتفاق على خروج تجريدة لقتاله. وحلف السلطان ~~الأمراء على طاعته، ثم خرج إلى القصر الأول وحلف أكابر المماليك السلطانية. ~~ثم في تاسع عشره ضربت خيمة كبيرة بالميدان من تحت القلعة، وضرب بجانبها عدة ~~صواوين برسم الأمراء. ونزل السلطان إلى الخيمة المذكورة وحلف بها سائر ~~الأمراء وأعيان المماليك السلطانية بل غالبهم. ثم مد لهم سماطا جليلا ~~فأكلوا وانفضوا. ثم في رابع عشرينه قدم البريد من دمشق ms2359 بأن الأمير قرابغا ~~فرج الله والأمير بزلار العمري الناصري والأمير دمرداش اليوسفي والأمير ~~كمشبغا الخاصكي الأشرفي وآقبغا قبجق اجتمع معهم عدة كثيرة من المماليك ~~المنفيين بطرابلس ووثبوا على نائبها الأمير أسندمر المحمدي وقبضوا عليه، ~~وقتلوا من أمراء طرابلس الأمير صلاح الدين خليل بن سنجر وابنه، وقبضوا على ~~جماعة كبيرة من أمراء طرابلس، ثم دخل الجميع في طاعة الناصري، وكاتبوه بذلك ~~وملكوا مدينة طرابلس. وفي يوم وصول هذا الخبر على السلطان عرض السلطان ~~المماليك السلطانية، وعين منهم أربعمائة وثلاثين مملوكا من المماليك ~~السلطانية للسفر، وعين خمسة من أمراء الألوف بديار مصر وهم: الأمير الكبير ~~أيتمش البجاسي، والأمير جاركس الخليلي الأمير آخور الكبير، والأمير شهاب ~~الدين أحمد بن يلبغا أمير مجلس، والأمير يونس النوروزي الدوادار الكبير، ~~والأمير أيدكار حاجب الحجاب. وعين من أمراء الطبلخاناه سبعة وهم: فارس ~~الصرغتمشي، وبكلمش العلائي رأس نوبة، وجاركس المحمدي، وشاهين الصرغتمشي، ~~وآقبغا الصغير السلطاني، وإينال الجاركسي أمير آخور، وقديد القلمطاوي. وعين ~~من أمراء العشرات جماعة كبيرة. ثم أرسل السلطان للأمير أيتمش برسم النفقة ~~مائتي ألف درهم فضة وعشرة آلاف دينار ذهبا مصريا. ثم أرسل إلى كل من أمراء ~~الألوف ممن عين للسفر مائة ألف درهم وخمسة آلاف دينار، ما خلا أيدكار حاجب ~~الحجاب فإنه حمل إليه مبلغ ستين ألف درهم وألفا وأربعمائة دينار. ثم في ~~سادس عشرين صفر المذكور قدم الخبر من الشام بأن مماليك الأمير سودون ~~العثماني نائب حماة اتفقوا على قتله، ففر منهم إلى دمشق، وأن الأمير بيرم ~~العزي حاجب حجاب حماة سلم حماة إلى الأمير يلبغا الناصري ودخل تحت طاعته ~~فعظم هذا الخبر أيضا على السلطان حتى كاد يهلك، وعرض المماليك ثانيا، وعين ~~منهم أربعة وسبعين نفرا لتتمة خمسمائة مملوك. قلت: ولهذا تعرف هذه الواقعة ~~بوقعة الخمسمائة، وبوقعة شقحب، وبوقعة الناصري ومنطاش، انتهى. وفي يوم ~~الجمعة سابع عشرين صفر رسم السلطان للأمير بجاس نائب قلعة الجبل أن يتوجه ~~إلى الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد بالقلعة وينقله من داره ~~إلى البرج من ms2360 القلعة ويضيق عليه ويمنع الناس من الدخول إليه، ففعل بجاس ~~ذلك، فبات الخليفة ليلته بالبرج، ثم أعيد من الغد إلى مكانه بالقلعة، بعد ~~أن كلم السلطان الأمراء في ذلك. ثم رسم السلطان للطواشي زين الدين مقبل ~~الزمام بالتضييق على الأسياد أولاد السلاطين بالحوش السلطاني من القلعة، ~~ومنع من يتردد إليهم من الناس، والفحص عن أحوالهم، ففعل. مقبل ذلك. ثم في ~~يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الأول خرج البريد من مصر بتقليد الأمير طغاي تمر ~~القبلائي أحد أمراء دمشق بنيابة طرابلس. PageV03P0274 # ثم فرق السلطان في المماليك نفقة ثانية، فكانت الأولى لكل واحد خمسة آلاف ~~درهم فضة والثانية ألف درهم، سوى الخيل والجمال والسلاح، فإنه فرق في أرباب ~~الجوامك لكل واحد جملين، ولكل اثنين من أرباب الأخباز ثلاثة جمال، ورتب لهم ~~اللحم والجرايات والعليق، فرتب لكل من رؤوس النوب في اليوم ستة عشرة عليقة، ~~ولكل من أكابر المماليك عشر علائق، ولكل من أرباب الجوامك خمس علائق. ورسم ~~أيضا لكل مملوك من المماليك السلطانية بخمسمائة درهم بدمشق. ثم في رابع عشر ~~شهر ربيع الأول المذكور جلس السلطان بمسجد الرديني داخل القلعة بالحريم ~~السلطاني، واستدعى الخليفة المتوكل على الله من مكانه بالقلعة، فلما دخل ~~عليه الخليفة قام الملك الظاهر له وتلقاه وأخذ في ملاطفته والاعتذار إليه، ~~واصطلحا وتحالفا، ومضى الخليفة إلى موضعه بالقلعة، فبعث السلطان إليه عشرة ~~آلاف درهم وعدة بقج، فيها أثواب صوف وقماش سكندري. ثم تواترت الأخبار على ~~السلطان بدخول سائر الأمراء بالبلاد الشامية والمماليك الأشرفية ~~واليلبغاوية في طاعة الناصري، وكذلك الأمير سولي بن دلغادر أمير التركمان، ~~ونعير أمير العربان وغيرهما من التركمان والأعراب، دخل الجميع في طاعة ~~الناصري على محاربة السلطان الملك الظاهر، وأن الناصري أقام أعلاما ~~خليفتية، وأخذ جميع القلاع بالبلاد الشامية، واستولى عليها ما خلا قلعة ~~الشام وبعلبك والكرك. فقلق السلطان لذلك، وكثر الاضطراب بالقاهرة، وكثر ~~كلام الناس في هذا الأمر، حتى تجاوز الحد واختلفت الأقاويل، كل ذلك وإلى ~~الآن لم تخرج التجريدة من مصر فلما بلغ السلطان هذه ms2361 الأخبار رسم بخروج ~~التجريدة، فخرجت الأمراء المذكورون قبل تاريخه في يوم السبت رابع عشر ربيع ~~الأول من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة إلى الريدانية بتجمل زائد واحتفال عظيم ~~بالأطلاب من الخيول المزينة بسروج الذهب والكنابيش والسلاح الهائل، لا سيما ~~الأمير أيتمش والأمير أحمد بن يلبغا فإنهما أمعنا في ذلك. وكان للناس مدة ~~طويلة لم يتجرد السلطان إلى البلاد الشامية ولا عسكره، سوى سفر الأمراء في ~~السنة الماضية إلى سيواس، وكانوا بالنسبة إلى هذه التجريدة كلا شيء، ~~وتتابعتهم المماليك شيئا بعد شيء، حتى سافر الجميع من الريدانية في يوم ~~الاثنين سادس عشر شهر ربيع الأول المذكور. ثم أخذ السلطان بعد خروج العسكر ~~في استجلاب خواطر الناس، وأبطل الرمايات والسلف على البرسيم والشعير، ~~وإبطال قياس القصب والقلقاس والإعفاء على ذلك كله. ثم في يوم الثلاثاء أول ~~ربيع الآخر قدم البريد بأن الأمير كمشبغا المنجكي نائب بعلبك دخل تحت طاعة ~~يلبغا الناصري. وكذلك في خامسه قدم البريد بأن ثلاثة عشر أميرا من أمراء ~~دمشق وساروا إلى حلب ودخلوا في طاعة الناصري. وأما العسكر الذي خرج من مصر ~~فإنه لما وصل إلى غزة أحش الأمير جاركس الخليلي بمخامرة نائبها الأمير ~~آقبغا الصفوي فقبض عليه وبعثه إلى الكرك، وأقر في نيابة غزة الأمير حسام ~~الدين بن باكيش. ثم في عشرين شهر ربيع الآخر قدم على السلطان رسول قرا محمد ~~التركماني ورسول الملك الظاهر مجد الدين عيسى صاحب ماردين يخبران بقدومهما ~~إلى خابور ويستأذنان في محاربة الناصري، فأجيبا بالشكر والثناء، وأذن لهما ~~في ذلك. وأما العسكر فإنه سار من غزة حتى دخل دمشق في يوم الاثنين سابع شهر ~~ربيع الآخر المذكور. ودخلوا دمشق بعد أن تلقاهم نائبها الأمير حسام الدين ~~طرنطاي، ودخلوا دمشق قبل وصول الناصري بعساكره إليها بمدة. وأقبل المماليك ~~السلطانية على الفساد بدمشق، واشتغلوا باللهو وأبادوا أهل دمشق شرا، حتى ~~سئمتهم أهل الشام وانطلقت الألسنة بالوقيعة فيهم وفي مرسلهم. قلت: هو مثل ~~سائر: الولد الخبيث يكون سببا لوالده في اللعنة وكذلك وقع، فإن أهل دمشق ms2362 ~~لما نفرت قلوبهم من المماليك الظاهرية، لم يدخلوا بعد ذلك في طاعة الظاهر ~~ألبتة على ما سيأتي ذكره. PageV03P0275 # وبينما هم في ذلك جاءهم الخبر بنزول يلبغا الناصري بعساكره على خان لاجين ~~خارج دمشق في يوم السبت تاسع عشر شهر ربيع الآخر، فعند ذلك تهيأ الأمراء ~~المصريون والشاميون إلى قتالهم، وخرجوا من دمشق في يوم الاثنين حادي عشرينه ~~إلى برزة والتقوا بالناصري على خان لاجين، وتصاففوا ثم اقتتلوا قتالا شديدا ~~ثبت فيه كل من الفريقين ثباتا لم يسمع بمثله، ثم تكاثر العسكر المصري ~~وصدقوا الحملة على الناصري ومن معه فهزموهم وغيروه عن موقفه. ثم تراجع عسكر ~~الناصري وحمل بهم، والتقى العسكر السلطاني ثانيا واصطدما صدمة هائلة ثبت ~~فيها أيضا الطائفتان وتقاتلا قتالا شديدا، قتل فيها جماعة من الطائفتين، ~~حتى انكسر الناصري ثانيا. ثم تراجع عسكره وعاد إليهم والتقاهم ثالث مرة، ~~فعندما تنازلوا في المرة الثالثة والتحم القتال، أقلب الأمير أحمد بن يلبغا ~~أمير مجلس رمحه ولحق بعساكر الناصري بمن معه من مماليكه وحواشيه، ثم تبعه ~~الأمير أيدكار العمري حاجب الحجاب أيضا بطلبه ومماليكه، ثم الأمير فارس ~~الصرغتمشي ثم الأمير شاهين أمير آخور بمن معهم وعادوا قاتلوا العسكر ~~المصري، فعند ذلك ضعف أمر العساكر المصرية وتقهقروا وانهزموا أقبح هزيمة ~~فلما ولوا الأدبار في أوائل الهزيمة، هجم مملوك من عسكر الناصري يقال له ~~يلبغا الزيني الأعور وضرب الأمير جاركس الخليلي الأمير آخور بالسيف فقتله ~~وأخذ سلبه وترك رمته عارية، إلى أن كفنته امرأة بعد أيام ودفنته. ثم مدت ~~التركمان والعرب أيديهم ينهبون من انهزم من العسكر المصري ويقتلون ويأسرون ~~من ظفروا به. وساق الأمير الكبير أيتمش البجاسي حتى لحق بدمشق وتحضن ~~بقلعتها. وتمزق العسكر المصري وذهب كأنه لم يكن، ودخل الناصري من يومه إلى ~~دمشق بعساكره، ونزل بالقصر من الميدان، وتسلم القلعة بغير قتال. وأوقع ~~الحوطة على سائر أما للعسكر وأنزل بالأمير الكبير أيتمش وقيده هو والأمير ~~طرنطاي نائب الشام وسجنهما بقلعة دمشق، وتتبع بقية الأمراء والمماليك حتى ~~قبض من يومه أيضا على ms2363 الأمير بكلمش العلائي في عدة من أعيان المماليك ~~الظاهرية، فاعتقلهم أيضا بقلعة دمشق. ثم مدت التركمان والأجناد أيديهم في ~~النهب، فما عفوا ولا كفوا وتمادوا على هذا عدة أيام. وقدم هذا الخبر على ~~الملك الظاهر من غزة في يوم سابع عشرين شهر ربيع الآخر المذكور، فاضطربت ~~الناس اضطرابا عظيما، لا سيما لما بلغهم قتل الأمير جاركس الخليلي والقبض ~~على الأمير الكبير أيتمش البجاسي، وغلقت الأسواق، وانتهبت الأخباز، وتشغبت ~~الزعر، وطغى أهل الفساد، هذا مع ما للناس فيه من الشغل بدفن موتاهم وعظم ~~الطاعون بمصر. كل ذلك وإلى الآن لم يعرف السلطان بقتل الأمير يونس النوروزي ~~الدوادار على ما سيأتي ذكره. وأما السلطان الملك الظاهر برقوق فإنه لما ~~بلغه ما وقع لعسكره وجم وتحير في أمره، وعظم عليه قتل جاركس الخليلي والقبض ~~على أيتمش أكثر من انهزام عسكره، فإنهما ويونس الدوادار كانوا هم القائمين ~~بتدبير ملكه. وأخذ يفحص عن أخبار يونس الدوادار المذكور، فلم يقف له على ~~خبر، لسرعة مجيء خبر الوقعة له من مدينة غزة، وإلى الآن لم يأته أحد ممن ~~باشر الواقعة، غير أنه صح عنده ما بلغه. ثم خرج السلطان إلى الإيوان ~~بالقلعة، واستدعى الأمراء والمماليك، وتكلم معهم السلطان في أمر الناصري ~~ومنطاش واستشارهم، فوقع الاتفاق على خروج تجريدة ثانية، فانفض الموكب. وخرج ~~السلطان في ثامن عشر شهر ربيع الآخر إلى الإيوان، وعين من المماليك ~~السلطانية ممن اختار سفره خمسمائة مملوك، وأنفق فيهم ذهبا حسابا عن ألف ~~درهم فضة لكل واحد، ليتوجهوا إلى دمشق صحبة الأمير سودون الطرنطائي وقام ~~السلطان، فكلمه بعض خواصه في قلة من عين من المماليك، وأن العسكر الذي كان ~~صحبة أيتمش كان أضعاف ذلك وحصل ما حصل، فعرض السلطان العسكر ثانيا وعين ~~خمسمائة أخرى، ثم عين أربعمائة أخرى لتتمة ألف وأربعمائة مملوك، وأنفق في ~~الجميع ألف درهم فضة، لكل واحد. ثم أنفق السلطان في المماليك الكتابية لكل ~~مملوك مائتي درهم فضة، فإنه بلغه أنهم في قلق لعدم النفقة عليهم. هذا، وقد ~~طمع كل أحد ms2364 من المماليك وغيرهم في جانب الملك الظاهر لما وقع لعسكره بدمشق. ~~PageV03P0276 # ثم عمل السلطان الموكب في يوم الأربعاء أول جمادى الأولى، وأنعم على كل ~~من قرابغا البوبكري، وبجاس النوروزي نائب قلعة الجبل، وشيخ الصفوي، وقرقماس ~~الطشتمري بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، عوضا عمن قتل أو أمسك ~~بالبلاد الشامية. ثم أنعم السلطان أيضا في اليوم المذكور على كل من ألجيبغا ~~الجمالي الخازندار، وألطنبغا العثماني رأس نوبة، ويونس الإسعردي الرماح، ~~وقنق باي الألجاوي اللالا، وأسنبغا الأرغوني شاوي، وبغداد الأحمدي، وأرسلان ~~اللفاف، وأحمد الأرغوني، وجرباش الشيخي، وألطنبغا شادي، وأرنبغا المنجكي، ~~وإبراهيم بن طشتمر العلائي الدوادار، وقراكسك السيفي بإمرة طبلخاناه. وأنعم ~~على كل من السيد الشريف بكتمر الحسيني والي القاهرة كان وقنق باي الأحمدي ~~بإمرة عشرين. وأنعم على كل من بطا الطولوتمري الظاهري، ويلبغا السودوني، ~~وسودون اليحياوي، وتنبك اليحياوي، وأرغون شاه البيدمري، وآقبغا الجمالي ~~الهذباني، وقوزي الشعباني، وتغري بردي البشبغاوي والد كاتبه، وبكبلاط ~~السعدي، وأرنبغا العثماني، وشكر باي العثماني، وأسنبغا السيفي بإمرة عشرة، ~~وكل هؤلاء مماليك الملك الظاهر برقوق وخاصكيته أمرهم في هذه الحركة، وكانوا ~~قبل ذلك من جملة الخاصكية، ومنهم من هو إلى الآن لم يحضر من التجريدة. ثم ~~قدم البريد على السلطان من قطيا بأن الأمير إينال اليوسفي أتابك دمشق ~~المنعم عليه بنيابة حلب بعد عصيان الناصري، والأمير إينال أمير آخور، ~~والأمير إياس أمير آخور دخلوا إلى غزة في عسكر كثيف من عساكر الناصري، وقد ~~صاروا قبل تاريخه من حزب الناصري، واستولوا على مدينة غزة والرملة وتمزقت ~~عساكرها، فعظم لهذا الخبر جزع الملك الظاهر وتحير في أمره. ثم في يومه ~~استدعى السلطان القضاة والأمراء والأعيان، وبعث الأمير سودون الطرنطائي ~~والأمير قرقماس الطشتمري إلى الخليفة المتوكل على الله بمسكنه في قلعة ~~الجبل فأحضراه فلما رآه الملك الظاهر قام له وتلقاه وأجلسه، وأشار إلى ~~القضاة فحلفوا كلا منهما للآخر على الموالاة والمناصحة، وخلع السلطان على ~~الخليفة المتوكل على الله المذكور خلعة الرضا، وقيد إليه حجرة شهباء من ~~خواص خيل السلطان بسرج ذهب وكنبوش ms2365 مزركش وسلسلة ذهب، وأذن له في النزول إلى ~~داره، فركب ونزل من القلعة إلى داره في موكب جليل، وأعيدت إقطاعاته ~~ورواتبه، وأخلي له بيت بقلعة الجبل ليسكن فيه. ثم طلع الخليفة من يومه ونقل ~~حرمه إلى البيت المذكور بالقلعة، وصار يركب في بعض الأحيان وينزل إلى داره ~~بالمدينة ثم يطلع من يومه إلى مسكنه بالقلعة ويبيت فيه مع أهله وحرمه، ~~واستمر على ذلك إلى ما سيأتي ذكره. ثم في يوم الجمعة ثالث جمادى الأولى ~~المذكورة قدم الأمير شهاب الدين أحمد بن بقر أمير عرب الشرقية، ومعه هجان ~~الأمير جاركس الخليلي، فحدث السلطان بتفصيل واقعة العسكر المصري مع ~~الناصري، وأنه فر مع الأمير يونس الدوادار في خمسة نفر طالبين الديار ~~المصرية، فعرض لهم الأمير عنقاء بن شطي أمير آل فضل بالقرب من خربة اللصوص ~~من طريق دمشق، وقبض على الأمير يونس الدوادار ووبخه لما كان في نفسه منه، ~~ثم قتله وحز رأسه وبعث به إلى الناصري فعندما بلغ السلطان قتل يونس ~~الدوادار وتحققه كادت نفسه تزهق، وكان بلغه هذا الخبر، غير أنه لم يتحققه ~~إلا في هذا اليوم. وبقتل يونس الدوادار استشعر كل أحد بذهاب ملك الملك ~~الظاهر. ثم أصبح السلطان أمر بالمناداة بمصر والقاهرة بإبطال سائر المكوس ~~من سائر ديار مصر وأعمالها، فقام جميع كتاب المكوس من مجالسهم. ~~PageV03P0277 # ثم في سادس الشهر ركب الخليفة المتوكل على الله من القلعة بأمر السلطان ~~الملك الظاهر ونزل إلى القاهرة، ومعه الأمير سودون الفخري الشيخوني نائب ~~السلطنة وقضاة القضاة وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني وسائر الحجاب، ~~وداروا في شوارع القاهرة، ورجل أمامهم على فرس يقرأ ورقة فيها: إن السلطان ~~قد أزال المكوس والمظالم، وهو يأمر الناس بتقوى الله وطاعته، وإنا قد سألنا ~~العدو الباغي في الصلح فأبى، وقد قوي أمره، فأغلقوا دوركم وأقيموا الدروب ~~على الحارات وقاتلوا عن أنفسكم وحريمكم. فلما سمع الناس ذلك تزايد خوفهم ~~وقلقهم، ويئس كل واحد من الملك الظاهر، وأخذ الناس في العمل للتوصل إلى ~~الناصري، حتى حواشي برقوق ms2366 لما سمعوا هذه المقالة، وقد تحققوا بسماعها بأن ~~الملك الظاهر لم يبق فيه بقية يلقى بها الناصري وعساكره، وقول الملك ~~الظاهر: وإنا قد سألنا العدو في الصلح فأبى وقوي فإنه كان لما توجه العسكر ~~من مصر لقتال الناصري أمرهم برقوق أن يرسلوا له في طلب الصلح مع الناصري ~~ففعلوا، فلم ينتظم صلح ووقع ما حكيناه من القتال وغيره. ثم إن الناس لما ~~سمعوا هذه المناداة شرعوا في عمل الدروب، فجدد بالقاهرة دروب كثيرة. وأخذوا ~~في جمع الأقوات والاستعداد للقتال والحصار، وكثر كلام العامة فيما وقع، ~~وهان الملك الظاهر وعساكره في أعين الناس، وقفت الحرمة، وتجمع الزعر ~~ينتظرون قيام الفتنة لينهبوا الناس، وتخوف كل أحد على ماله وقماشه، كل ذلك ~~والناصري إلى الآن بدمشق. ثم انقطع أخبار الناصري عن مصر لدخول الأمير حسام ~~الدين بن باكيش نائب غزة في طاعة الناصري. ثم قدم الخبر بدخول الأمير مأمور ~~القلمطاوي نائب الكرك في طاعة الناصري، وأنه سلم له الكرك بما فيها من ~~الأموال والسلاح، فتيقن كل أحد عند سماع هذا الخبر أيضا بزوال ملك الملك ~~الظاهر. هذا والأمراء والعساكر المعينة للسفر في اهتمام، غير أن عزائم ~~السلطان فاترة، وقد علاه وله وداخله الخوف من غير أمر يوجب ذلك. وكان ~~السلطان لما عين هذه التجريدة الثانية أرسل إلى بلاد الصعيد يطلب نجدة، ~~فقدم إلى القاهرة في هذا اليوم طوائف من عرب هوارة نجدة للسلطان ونزلوا تحت ~~القلعة. ثم أمر السلطان بحفر خندق القلعة وتوعير طريق باب القلعة المعروف ~~بباب القرافة وباب الحرس وباب الدرفيل . ثم أمر السلطان بسد خوخة الأمير ~~أيدغمش خارج بابي زويلة، فسدت حتى صار لا يدخل منها راكب. ثم أمر السلطان ~~فنودي بالقاهرة بإبطال مكس النشا والجلود. وفي يوم الجمعة عاشر جمادى ~~الأولى من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة خطب للخليفة المتوكل على الله أبي عبد ~~الله محمد، فإنه أعيد إلى الخلافة من يوم خلع عليه السلطان خلعة الرضا، ثم ~~قرئ تقليده في ثاني عشره بالمشهد النفيسي وحضره القضاة ونائب السلطنة. ولما ms2367 ~~انقضى مجلس قراءة التقليد توجهوا الجميع إلى رباط الآثار النبوية وقرأوا به ~~صحيح البخاري، ودعوا الله تعالى للسلطان الملك الظاهر برقوق بالنصر وإخماد ~~الفتنة بين الفريقين. ثم في يوم ثالث عشرة أخلع السلطان على الأمير قرا ~~دمرداش الأحمدي اليلبغاوي باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن ~~الأمير أيتمش البجاسي بحكم حبسه بقلعة دمشق، وعلى الأمير سودون باق ~~باستقراره أمير سلاح عوضا عن قرا دمرداش المذكور، وعلى الأمير قرقماس ~~الطشتمري باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن يونس النوروزي المقتول بيد عنقاء ~~أمير آل فضل، وعلى الأمير تمربغا المنجكي أمير آخور كبيرا عوضا عن الأمير ~~جاركس الخليلي المقتول في واقعة الناصري بدمشق، وعلى قرابغا البوبكري ~~باستقراره أمير مجلس عوضا عن أحمد بن يلبغا بحكم عصيانه ودخوله في طاعة ~~الناصري، وعلى آقبغا المارديني باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن أيدكار ~~العمري الداخل أيضا في طاعة الناصري، ونزل الجميع بالخلع والتشاريف. ثم ~~أنعم السلطان على الأمير صلاح الدين محمد بن محمد بن تنكز الناصري نائب ~~الشام كان بإمرة طبلخاناه، وعلى جلبان الكمشبغاوي الخاصكي الظاهري بإمرة ~~طبلخاناه. وكثر في هذه الأيام تحصين السلطان لقلعة الجبل، فعلم بذلك كل أحد ~~أنه لم تخرج تجريدة من مصر، ولم يثبت الملك الظاهر لقتال الناصري، بما ~~أفرزوا من أحوال السلطان خذلان من الله تعالى. PageV03P0278 # ثم أخذ السلطان ينقل إلى قلعة الجبل المناجيق والمكاحل والعدد، وأمر ~~السلطان لسكان قلعة الجبل من الناس بادخار القوت بها لشهرين. ثم رسم ~~السلطان للمعلم أحمد بن الطولوني بجمع الحجارين لسد فم وادي السحرة بجوار ~~الجبل الأحمر، وأن يبنى حائط من جوار باب الدرفيل إلى الجبل. ثم نودي ~~بالقاهرة بأن من له فرس من أجناد الحلقة يركب للحرب ويخرج مع العسكر، فكثر ~~الهرج، وتزايد قلق الناس وخوفهم، وصارت الشوارع كلها ملآنة بالخيول ~~الملبسة. هذا وإلى الآن لم يعرف السلطان ما الناصري فيه. وطلبت آلات الحرب ~~من الخوذ والقرقلات والسيوف والأرماح بكل ثمن غال. ثم رسم السلطان للأمير ~~حسام الدين حسين ابن علي بن الكوراني والي القاهرة بسد ms2368 باب المحروق أحد ~~أبواب القاهرة، فكلمه الوالي في عدم سده، فنهره وأمره بسده وسد الباب ~~الجديد أيضا أحد أبواب القاهرة، ففعل. ثم سد باب الدرفيل المعروف قديما ~~بباب سارية، ويعرف في يومنا هذا بباب المدرج. ثم أمر السلطان بسد جميع ~~الخوخ، فسد عدة خوخ، وركب عند قناطر السباع ثلاثة دروب: أحدها من جهة مصر ~~والآخر من جهة قبو الكرماني والآخر بالقرب من الميدان. ثم بنى بالقاهرة عدة ~~دروب أخر وحفر خنادق كثيرة. هذا والموت بالطاعون عمال بالديار المصرية، في ~~كل يوم يموت عدة كبيرة. وأما الأمير يلبغا الناصري نائب حلب وصاحبه منطاش ~~نائب ملطية بمن معهما، فإن الناصري لما استقر بدمشق وملكها بعد الوقعة، ~~نادى في جميع بلاد الشام وقلاعها بألا يتأخر أحد عن الحضور إلى دمشق من ~~النواب والأمراء والأجناد، ومن تأخر - سوى من عين لحفظ البلاد - قطع خبزه ~~وسلبت نعمته. فاجتمع الناس بأسرهم في دمشق من سائر البلاد، وأنفق الناصري ~~فيهم، وتجهز وتهيأ للخروج من دمشق. وبرز منها بعساكره وأمرائه من الأمراء ~~والأكراد والتركمان والعربان - وكان اجتمع إليه خلائق كثيرة جدا - في يوم ~~السبت حادي عشر جمادى الأولى من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة المقدم ذكرها، ~~بعد أن أقر في نيابة دمشق الأمير جنتمر المعروف بأخي طاز. وسار الناصري بمن ~~معه من العساكر يريد الديار المصرية، وهو يظن أنه يلقى العساكر المصرية ~~بالقرب من الشام. واستمر في سيره على هينة إلى أن وصل إلى غزة، فتلقاه ~~نائبها حسام الدين بن باكيش بالتقادم والإقامات، فسأله الناصري عن أخبار ~~عسكر مصر، فقال: لم يرد خبر بخروج عسكر من مصر، وقد أرسلت جماعة كبيرة غير ~~مرة لكشف هذا الخبر، ولم يكن مني تهاود في ذلك، فلم يبلغني عن الديار ~~المصرية إلا أن برقوقا في تخوف كبير، وقد استعد للحصار، فلم يلتفت الناصري ~~إلى كلامه، غير أنه صار متعجبا على عدم خروج العساكر المصرية لقتاله. ثم ~~قال في نفسه: لعله يريد قتالنا في فم الرمل بمدينة قطيا، ليكون عسكره في ~~راحة من جواز ms2369 الرمل. وأقام الناصري بغزة يومه. ثم سار الناصري من الغد يريد ~~ديار مصر، وأرسل أمامه جماعة كبيرة من أمرائه ومماليكه كشافة. واستمر في ~~السير إلى أن نزل مدينة قطيا. وجاء الخبر بنزول الناصري بعساكره على قطيا ~~فلم يتحرك السلطان بحركة. وفي ليلة وصول الخبر فر من أمراء مصر جماعة كبيرة ~~إلى الناصري، وهي ليلة الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الأولى المذكورة، وهم: ~~الأمير طغيتمر الجركتمري، وأرسلان اللفاف، وأرنبغا العثماني في عدة كبيرة ~~من المماليك، ولحقوا بالناصري ودخلوا تحت طاعته، بعدما صرفوا في طريقهم ~~الأمير عز الدين أيحفر أبا درقة كاشف الوجه البحري وقد سار من عند الملك ~~الظاهر لكشف الأخبار، فضربوه وأخذوا جميع ما كان معه وساقوه معهم إلى ~~الناصري فلما وصلوا إلى الناصري حرضوه على سرعة الحركة وعرفوه ما الظاهر ~~فيه من الخوف والجبن عن ملاقاته، فقوي بذلك قلب الناصري، وهو إلى الآن يأخذ ~~في أمر الملك الظاهر ويعطي. ثم جلس الملك الظاهر صبيحة هرب الأمراء ~~بالإيوان من قلعة الجبل، وهو يوم الثلاثاء ثامن عشرينه، وأنفق على المماليك ~~جميعها، لكل مملوك من مماليك السلطان ومماليك الأمراء، لكل واحد خمسمائة ~~درهم فضة، واستدعاهم طائفة بعد طائفة، وأعطى كل واحد بيده، وصار يحرضهم على ~~القتال معه، وبكى بكاء شديدا في الملأ. PageV03P0279 # ثم فرق جميع الخيول حتى خيل الخاص في الأمراء والأجناد، وأعطى الأمير ~~أقبغا المارديني حاجب الحجاب جملة كبيرة من المال ليفرقه على الزعر. وعظم ~~أمر الزعر، وبطل الحكم من القاهرة، وصار الأمر فيها لمن غلب، وتعطلت ~~الأسواق، وأكثر الناس من شراء البقسماط والدقيق والدهن ونحو ذلك. ثم وصل ~~الخبر على السلطان بنزول الناصري على الصالحية بمن معه، وقد وقف لهم عدة ~~خيول في الرمل، وأنه لما وجد الصالحية خالية من العسكر سجد لله تعالى شكرا، ~~فإنه كان يخاف أن يتلقاه عسكر السلطان بها، ولو تلقاه عسكر السلطان لما وجد ~~لعسكره منعة للقتال، لضعف خيولهم وشدة تعبهم، فلهذا كان حمده لله تعالى. ~~وأخبر السلطان أيضا أن الناصري لما نزل الصالحية تلقاه عرب ms2370 العائد مع ~~كبيرهم الأمير شمس الدين محمد بن عيسى، وخدموه بالإقامات والشعير وغيرها، ~~فرد بذلك رمقهم. فلما سمع السلطان ذلك رسم للأتابك الأمير قرا دمرداش ~~الأحمدي أن يتوجه لكشف الأخبار من جهة بركة الحبش مخافة أن يأتي أحد من قبل ~~إطفيح، فسار لذلك. ثم رتب السلطان العسكر نوبتين: نوبة لحفظ النهار ونوبة ~~لحفظ الليل، وسير ابن عمه الأمير قجماس في عدة أمراء إلى المرج والزيات ~~طليعة للكشف. ثم في يوم الأربعاء تاسع عشرين جمادى الأولى المذكور أنفق ~~السلطان في مماليك أمراء الطبلخانات والعشرات، فأعطى كل واحد أربعمائة درهم ~~فضة. وأنفق السلطان أيضا في الطبردارية والبزدارية والأوجاقية وأعطاهم ~~القسي والنشاب. ثم رتب من الأجناد البطالين جماعة بين شرفات القلعة ليرموا ~~على من لعله يحاصر القلعة، وأنفق فيهم أيضا. ثم استدعى السلطان رماة قسي ~~الرجل من ثغر الإسكندرية فحضر منهم جماعة كبيرة وأنفق فيهم الأموال. ثم عاد ~~الأمير قجماس بمن معه من المرج والزيات وأخبر السلطان أنه لم يقف للقوم على ~~خبر. ثم خرج الأمير سودون الطرنطائي في ليلة الخميس في عدة من الأمراء ~~والمماليك إلى قبة النصر للحرس، وسارت طائفة أخرى إلى بركة الحبش. وبات ~~السلطان بالإسطبل السلطاني ساهرا لم ينم، ومعه الأمير سودون الشيخوني ~~النائب، والأتابك قرا دمرداش الأحمدي، بعد أن عاد من بركة الحبش، وعدة ~~كبيرة من المماليك والأمراء. ثم توجه الأمير قرابغا الأبوبكري أمير مجلس في ~~يوم الخميس أول جمادى الآخرة إلى قبة النصر، ثم عاد ولم يقف على خبرة كل ~~ذلك لضعف خيول عساكر الناصري وكلهم من السفر، فلم يجد الناصري لهم منعة، ~~فأقام بهم على الصالحية ليتراجع أمرهم وتعود قواهم هذا والأمراء بالديار ~~المصرية لابسون آلة الحرب وهم على ظهور خيولهم بسوق الخيل تحت القلعة. وفي ~~ليلة الخميس المذكورة هرب من المماليك السلطانية اثنان ومن مماليك الأمراء ~~جماعة كبيرة، بعد أخذهم نفقة السلطان، وساروا الجميع إلى الناصري. ثم طلب ~~السلطان أجناد الحلقة، فدارت النقباء عليهم فأحضروا منهم جماعة كبيرة فرقوا ~~على أبواب القاهرة ورتبوا بها لحفظها. ms2371 ثم ندب السلطان الأمير ناصر الدين ~~محمد ابن الدواداري أحد أمراء الطبلخانات ومعه جماعة لحفظ قياسر القاهرة، ~~وأغلق والي القاهرة باب البرقية. ثم رتب السلطان النفطية على برج ~~الطبلخاناه السلطانية وغيره بقلعة الجبل. ثم قدم الخبر على السلطان بنزول ~~طليعة الناصري بمدينة بلبيس ومقدمها الطواشي طقطاي الرومي الطشتمري. ثم في ~~يوم الجمعة نزلت عساكر الناصري بالبئر البيضاء ، فأخذ عند ذلك عسكر السلطان ~~يتسلل إلى الناصري شيئا بعد شيء. وكان أول من خرج إليه من القاهرة الأمير ~~جبريل الخوارزمي، ومحمد بن بيدمر نائب الشام، وبجمان المحمدي نائب ~~الإسكندرية، وغريب الخاصكي، والأمير أحمد بن أرغون الأحمدي اللالا. ثم نصب ~~السلطان السناجق السلطانية على أبراج القلعة، ودقت الكوسات الحربية، ~~فاجتمعت العساكر جميعها، وعليهم آلة الحرب والسلاح. ثم ركب السلطان ~~والخليفة المتوكل على الله معه من قلعة الجبل بعد العصر، وسار السلطان بمن ~~معه حتى وقفا خلف دار الضيافة، وقد اجتمع حول السلطان من العامة خلائق لا ~~تحصى كثرة، فوقف هناك ساعة، ثم عاد وطلع إلى الإسطبل السلطاني، وجلس فيه من ~~غير أن يلقى حربا، وصعد الخليفة إلى منزله بقلعة الجبل، وقد نزلت الذلة على ~~الدولة الظاهرية، وظهر من خوف السلطان وبكائه ما أبكى الناس شفقة له ورحمة ~~عليه. PageV03P0280 # فلما غربت الشمس صعد السلطان إلى القلعة، وبات بالقصر السلطاني ومعه عامة ~~مماليكه وخاصكيته وهم عدة كبيرة إلى الغاية. ثم في يوم السبت ثالث جمادى ~~الآخرة نزل الناصري بعساكره بركة الجب ظاهر القاهرة، ومعه من أكابر الأمراء ~~الأمير تمربغا الأفضلي الأشرفي المدعو منطاش، والأمير بزلار العمري الناصري ~~حسن، والأمير كمشبغا الحموي اليلبغاوي نائب طرابلس كان، والأمير أحمد بن ~~يلبغا العمري أمير مجلس، والأمير أيدكار حاجب الحجاب، وجماعة أخر من أمراء ~~الشام ومصر وغيرها. ثم تقدمت عساكر الناصري إلى المرج وإلى مسجد التبن، ~~فعند ذلك غلقت أبواب القاهرة كلها إلا باب زويلة، وأغلقت جميع الدروب ~~والخوخ، وسد باب القرافة، وانتشرت الزعر في أقطار المدينة تأخذ ما ظفرت به ~~ممن يستضعفونه. ثم ركب السلطان ثانيا من القلعة ms2372 ومعه الخليفة المتوكل على ~~الله، ونزل إلى دار الضيافة، فقدم عليه الخبر بأن طليعة الناصري وصلت إلى ~~الخراب طرف الحسينية فلقيتهم كشافة السلطان فكسرتهم. ثم ندب السلطان ~~الأمراء فتوجهوا بالعساكر إلى جهة قبة النصر، ونزل السلطان ببعض الزوايا ~~عند دار الضيافة إلى آخر النهار. ثم عاد إلى الإسطبل السلطاني وصحبته ~~الأمراء الذين توجهوا لقبة النصر، والكوسات تدق، وهم على أهبة اللقاء ~~وملاقاة العدو، وخاصكية السلطان حوله، والنفوط لا تفتر، والرميلة قد امتلأت ~~بالزعر والعامة ومماليك الأمراء، ولم يزالوا على ذلك حتى أصبحوا يوم ~~الاثنين، وإذا بالأمير آقبغا المارديني حاجب الحجاب والأمير جمق ابن أيتمشر ~~البجاسي والأمير إبراهيم بن طشتمر العلائي الدوادار قد خرجوا في الليل ~~ومعهم نحو خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية ولحقوا بالناصري. ثم أصبح ~~السلطان من الغد، وهو يوم خامس جمادى الآخرة، فر الأمير قرقماس الطشتمري ~~الدوادار الكبير وقرا دمرداش الأحمدي أتابك العساكر بالديار المصرية ~~والأمير سودون باق أمير مجلس ولحقوا بالناصري وكانوا في عدة وافرة من ~~المماليك والخدم والأطلاب الهائلة ولم يتأخر عند السلطان من أعيان الأمراء ~~إلا ابن عمه الأمير قجماس وسودون الشيخوني النائب وسودون طرنطاي وتمربغا ~~المنجكي وأبوبكر بن سنقر وبيبرس التمان تمري الصفوي ومقدم المماليك شنكل ~~وطائفة من أمرائه مشترواته وخاصكيته. والعجب أن السلطان كان أنعم في أمسه ~~على الأمراء الذين توجهوا لكل أمير من أمراء الألوف عشرة آلاف دينار، ولكل ~~أمير طبلخاناه خمسة آلاف دينار، وحلفهم على طاعته ونصرته، وأعطى في ليلة ~~واحدة للأمير الكبير قرا دمرداش الأحمدي ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة ~~وخاتما مثمنا، قيمته آلاف عديدة، حتى قال له قرا دمرداش المذكور: يا مولانا ~~السلطان، روحي فداؤك، لا تخف، ما دمت أنا واقف في خدمتك أنت آمن. فشكره ~~السلطان، فنزل من عنده، وفي الحال ركب وخرج من باب القرافة وقطع الماء الذي ~~يجري إلى القلعة وتوجه مع من ذكرنا من الأمراء إلى الناصري، فليم يلتفت ~~الناصري لهم ذاك الالتفات الكلي، بل فعل مع غيرهم ممن توجه إليه من أمراء ~~مصر. انتهى. ms2373 ولما بلغ السلطان نفاق هؤلاء الأمراء عليه بعد أن أنعم عليهم ~~بهذه الأشياء، علم أن دولته قد زالت، فأغلق في الحال باب زويلة وجميع ~~الدروب، وتعطلت الأسواق، وامتلأت القاهرة بالزعر، واشتد فسادهم، وتلاشت ~~الدولة الظاهرية وانحل أمرها. وخاف والي القاهرة حسام الدين بن الكوراني ~~على نفسه، فقام من خلف باب زويلة وتوجه إلى بيته واختفى. وبقي الناس غوغاء، ~~وقطع المسجونون قيودهم بخزانة شمائل، وكسروا باب الحبس وخرجوا على حمية ~~جملة واحدة، فلم يردهم أحد بشغل كل واحد بنفسه، وكذلك فعل أهل حبس الديلم، ~~وأهل سجن الرحبة هذا والسلطان إلى الآن بقلعة الجبل، والنفوط عمالة، ~~والكوسات تدق حربيا ثم أمر السلطان مماليكه فنزلوا ومنعوا العامة من التوجه ~~إلى يلبغا الناصري، فرجمهم العامة بالحجارة، فرماهم المماليك بالنشاب، ~~وقتلوا منهم جماعة تزيد عدتهم على عشر أنفس. ثم أقبلت طليعة الناصري مع عدة ~~من أعيان الأمراء من أصحابه، فبرز لهم الأمير قجماس ابن عم السلطان في ~~جماعة كبيرة وقاتلهم وأكثر الرمي عليهم من فوق القلعة بالسهام والنفوط ~~والحجارة بالمقاليع وهم يوالون الكر والفر غير مرة. وثبتت المماليك ~~السلطانية ثباتا جيدا غير أنهم في علم بزوال دولتهم. PageV03P0281 # هذا وأصحاب السلطان تتفرق عنه شيئا بعد شيء، فمنهم من يتوجه إلى الناصري ~~ومنهم من يختفي خوفا على نفسه، حتى لم يبق عند السلطان إلا جماعة يسيرة ممن ~~ذكرنا من الأمراء فلما كان آخر النهار المذكور أراد السلطان أن يسلم نفسه، ~~فمنعه من بقي عنده من الأمراء وخاصكيته وقالت مماليكه: نحن نقاتل بين يديك ~~حتى نموت، ثم سلم بعد ذلك نفسك فلم يثق بذلك منهم، لكنه شكرهم على هذا ~~الكلام، والسعد مدبر والدولة زائلة. ثم بعد العصر من اليوم المذكور قدم ~~جماعة من عسكر الناصري عليهم الطواشي طقطاي الرومي الطشتمري، والأمير بزلار ~~العمري الناصري وكان من الشجعان، والأمير ألطنبغا الأشربي، في نحو الألف ~~وخمسمائة مقاتل يريدون القلعة، فبرز لهم الأمير بطا الطولوتمري الظاهري ~~الخاصكي والأمير شكر باي العثماني الظاهري وسودون شقراق والوالد في نحو ~~عشرين مملوكا من الخاصكية ms2374 الظاهرية، وتلاقوا مع العسكر المذكور: صدموهم ~~صدمة واحدة كسروهم فيها وهزموهم إلى قبة النصر، ولم يقتل منهم غير سودون ~~شقراق، فإنه أمسك وأتي به إلى الناصري فوسطه. ولم يقتل الناصري في هذه ~~الوقعة أحدا غيره، لا قبله ولا بعده، أعني صبرا، غير أن جماعة كبيرة قتلوا ~~في المعركة. وورد الخبر بنصرتهم على الملك الظاهر، فلم يغتر بذلك، وعلم أن ~~أمره قد زال، فأخذ في تدبير أمره مع خواصه، فأشار عليه من عنده أن يستأمن ~~من الناصري فعند ذلك أرسل الملك الظاهر الأمير أبا بكر بن سنقر الحاجب ~~والأمير بيدمر المنجكي شاد القصر بالنمجاة إلى الأمير يلبغا الناصري أن ~~يأخذا له أمانا على نفسه ويترققا له فسارا من وقتهما إلى قبة النصر، ودخلا ~~على الناصري وهو بمخيمه، واجتمعا به في خلوة، فآمنة على نفسه، وأخذ منهما ~~منجاة الملك وقال: الملك الظاهر أخونا وخشداشنا، ولكنه يختفي بمكان إلى أن ~~تخمد الفتنة، فإن الآن كل واحد له رأي وكلام، حتى ندبر له أمرا يكون فيه ~~نجاته فعادا بهذا الجواب إلى الملك الظاهر برقوق. وأقام السلطان بعد ذلك في ~~مكانه مع خواصه إلى أن صلى عشاء الآخرة، وقام الخليفة المتوكل على الله إلى ~~منزله بالقلعة على العادة في كل ليلة. وبقي الملك الظاهر في قليل من ~~أصحابه، وأذن لسودون النائب في التوجه إلى حال سبيله والنظر في مصلحة نفسه، ~~فودعه وقام ونزل من وقته. ثم فرق الملك الظاهر بقية أصحابه، فمضى كل واحد ~~إلى حال سبيله. ثم استتر الملك الظاهر وغير صفته، حتى نزل من الإسطبل إلى ~~حيث شاء ماشيا على قدميه، فلم يعرف له أحد خبرا. وانفض ذلك الجمع كله في ~~أسرع ما يكون، وسكن في الحال دق الكوسات ورمي مدافع النفط، ووقع النهب في ~~حواصل الإسطبل حتى أخذوا سائر ما كان فيه من السروج واللجم وغيرها والعبي، ~~ونهبوا أيضا ما كان بالميدان من الغنم الضأن، وكان عدتها نحو الألفي رأس، ~~ونهبت طباق المماليك بالقلعة. وطار الخبر في الوقت إلى الناصري، فلم يتحرك ms2375 ~~من مكانه، ودام بمخيمه. وأرسل جماعة من الأمراء من أصحابه، فسار من عسكره ~~عدة كبيرة واحتاطوا بالقلعة. وأصبح الأمير يلبغا الناصري بمكانه، وهو يوم ~~الاثنين خامس جمادى الآخرة من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وندب الأمير منطاش ~~في جماعة كبيرة إلى القلعة فسار منطاش إلى قلعة الجبل في جموعه، وطلع إلى ~~الإسطبل السلطاني، فنزل إليه الخليفة المتوكل على الله أبو عبد الله محمد ~~وسار مع منطاش إلى الناصري بقية النصر، حتى نزل بمخيمه، فقام الناصري إليه ~~وتلقاه وأجلسه بجانبه ووانسه بالحديث. PageV03P0282 # هذا وقد انضمت العامة والزعر والتركمان من أصحاب الناصري، وتفرقوا على ~~بيوت الأمراء وحواصلهم، فنهبوا ما وجموا حتى أخربوا الدور وأخذوا أبوابها ~~وخشبها، وهجموا منازل الناس خارج القاهرة ونهبوها، واستمروا على ذلك، وقد ~~صارت مصر غوغاء وأهلها رعية بلا راع، حتى أرسل الناصري الأمير ناصر الدين ~~محمد بن الحسام، وقد ولاه ولاية القاهرة، فسار ابن الحسام إلى القاهرة فوجد ~~باب النصر مغلوقا، فدخل بفرسه راكبا من جامع الحاكم إلى القاهرة وفتح باب ~~النصر وباب الفتوح. وعند فتح الأبواب طرق جماعة كبيرة من عسكر الناصري ~~القاهرة ونهبوا منها جانبا كبيرا، فقاتلهم الناس وقتلوا منهم أربعة نفر. ~~ومر بالناس في هذه الأيام شدائد وأهوال. وبلغ الناصري الخبر فبعث أبا بكر ~~بن سنقر الحاجب وتنكزبغا رأس نوبة إلى حفظ القاهرة فدخلاها. ثم نودي بها من ~~قبل الناصري بالأمان ومنع النهب، فنزل تنكزبغا المذكور عند الجملون وسط ~~القاهرة، ونزل سيدي أبو بكر بن سنقر عند باب زويلة، وسكن الحال، وهدأ ما ~~بالناس، وأمنوا على أموالهم. وأما الناصري فإنه لما نزل إليه الخليفة ~~وأكرمه، كما تقدم، وحضر قضاة القضاة والأعيان للهناء، أمرهم الناصري ~~بالإقامة عنده، وأنزل الخليفة بمخيم، وأنزل القضاة بخيمة أخرى ثم طلب ~~الناصري من عنده من الأمراء والأعيان وتكلم معهم فيما يكون، وسألهم فيمن ~~ينصب في السلطنة بعد الملك الظاهر برقوق، فأشار أكابرهم بسلطنة الناصري، ~~فامتنع الناصري من ذلك أشد امتناع، وهم يلحون عليه ويقولون له: ما المصلحة ~~إلا ما ذكرنا، وهو يأبى ms2376 وانفض المجلس من غير طائل فعند ذلك تقدم الناصري ~~بكتابة مرسوم عن الخليفة، وعن الأمير الكبير يلبغا الناصري بالإفراج عن ~~الأمراء المعتقلين بثغر الإسكندرية وهم: ألطنبغا الجوباني نائب الشام، ~~وقردم الحسني، وألطنبغا المعلم أمير سلاح، وإحضارهم إلى قلعة الجبل، ~~والجميع يلبغاويه، فسار البريد بذلك. ثم أمر الناصري بالرحيل من قبة النصر ~~إلى نحو الديار المصرية، وركب في عالم كبير من العساكر نحو الستين ألفا، ~~حتى إنه كان عليق جمالهم في كل ليلة ألفا وثلاثمائة إردب فول. وسار الناصري ~~بخيوله وبجيوشه حتى طلع إلى القلعة ونزل بالإسطبل السلطاني، وطلع الخليفة ~~إلى منزله بقلعة الجبل، ونزل كل أمير في بيت من بيوت الأمراء بديار مصر. ~~وجلس الناصري في مجلس عظيم، وحضر إلى خدمته الوزير كريم الدين عبد الكريم ~~بن الغنام وموفق الدين أبو الفرج ناظر الخاص والقاضي جمال الدين محمود ناظر ~~الجيش والقاضي بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب السر الشريف وغيرهم من ~~أرباب الوظائف، فأمرهم الأمير الكبير بتحصيل الأغنام إلى مطابخ الأمراء، ~~ونودي في القاهرة ثانيا بالأمان. ثم رسم للأمير تنكزبغا رأس نوبة بتحصيل ~~مماليك الملك الظاهر برقوق، فأخذ تنكزبغا يتتبع أثرهم. وأصبح الناس في يوم ~~الثلاثاء سادس جمادى الآخرة في هرج كبير ومقالات كثيرة مختلفة في أمر الملك ~~الظاهر برقوق. ثم استدعى الأمير الكبير يلبغا الناصري الأمراء واستشارهم ~~فيمن ينصبه في سلطنة مصر، فكثر الكلام بينهم، وكان غرض غالب الأمراء سلطنة ~~الناصري ما خلا منطاش وجماعة من الأشرفية، حتى استقر الرأي على إقامة الملك ~~الصالح أمير حاج ابن الملك الأشرف شعبان في السلطنة ثانيا، بعد أن أعيا ~~الأمراء أمر الناصري في عدم قبوله السلطنة وهو يقول: المصلحة سلطنة الملك ~~الصالح أمير حاج، فإن الملك الظاهر برقوقا خلعه من غير موجب فطلعوا في ~~الحال من الإسطبل إلى القلعة، واستدعوا الملك الصالح وسلطنوه، وغيروا لقبه ~~بالملك المنصور، على ما سنذكره في أول ترجمته الثانية - إن شاء الله تعالى ~~- بعد أن نذكر حوادث سنين الملك الظاهر برقوق كما هي عادة كتابنا هذا ms2377 من ~~أوله إلى آخره. وأما الملك الظاهر برقوق فإنه دام في اختفائه إلى أن قبض ~~عليه بعد أيام على ما سنحكيه في سلطنة الملك الصالح مفصلا إلى أن يسجن ~~بالكرك ويعود إلى ملكه ثانيا. PageV03P0283 # قلت: وزالت دولة الملك الظاهر برقوق كأن لم تكن - فسبحان من لا يزول ملكه ~~- بعد أن حكم مصر أميرا كبيرا وسلطانا إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة ~~وعشرين يوما تفصيله: مدة تحكمه أميرا قبض على الأمير طشتمر العلائي ~~الدوادار في تاسع ذي الحجة سنة تسع وسبعين وسبعمائة إلى أن جلس على تخت ~~الملك وتلقب بالملك الظاهر في يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان سنة أربع ~~وثمانين وسبعمائة أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام. وكان يقال في هذه المدة ~~الأمير الكبير أتابك العساكر. ومن حين تسلطن في سنة أربع وثمانين المذكورة ~~إلى يوم ترك واختفى في ليلة الاثنين خامس جمادى الآخرة من سنة إحدى وتسعين ~~وسبعمائة ست سنين وثمانية أشهر وسبعة عشر يوما، فهذا تفصيل تحكمه على مصر ~~أميرا أو سلطانا إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وسبعة وعشرين يوما. وذهب ملكه من ~~الديار المصرية على أسرع وجه، مع عظمة في النفوس وكثرة مماليكه وحواشيه، ~~فإنه خلع من السلطنة وله نحو الألفي مملوك مشترى، غير من أنشأه من أكابر ~~الأمراء والخاصكية من خشداشيته وغيرهم هذا مع ما كان فيه من القوة والشجاعة ~~والإقدام، فإنه قام في هذا الأمر بالقوة في ابتداء أمره وتوثب على الرئاسة ~~والإمرة بيده دفعة واحدة حسب ما تقدم ذكره، ولم يكن له يوم ذاك عشرة مماليك ~~مشتراة وأعجب من هذا ما سيكون من أمره في سلطنته الثانية عند خروجه من حبس ~~الكرك، وهو في غاية ما يكون من الفقر وقلة الحاشية، ومع هذا يملك مصر ~~ثانيا، كما سيأتي ذكر ذلك مفصلا. وما أرى هذا الذي وقع للملك الظاهر في ~~خلعه من الملك مع ما ذكرنا إلا خذلانا من الله تعالى ولته الأمر. وقال ~~المقريزي - رحمه الله - : وكان في سلطنته مخلطا يخلط الصالح بالطالح. ومما ~~حكاه ms2378 المقريزي قال: وكان له في مدته أشياء مليحة، منها: إبطاله ما كان يؤخذ ~~من أهل البرلس وشورى وبلطيم من أعمال مصر شبه الجالية في كل سنة. قلت: وقد ~~تجدد ذلك في دولة الملك الظاهر جقمق ثانيا في سنة سبع وأربعين وثمانمائة. ~~قال: وهو مبلغ ستين ألف درهم فضة. يعني عن الذي كان يؤخذ من هذه الجهات ~~المذكورة، قال: وأبطل ما كان يؤخذ على القمح بثغر دمياط من المكوس، وما كان ~~يؤخذ من معمل الفراريج بالجيزية وأعمالها والغربية وغيرها، وما كان يؤخذ ~~على الملح من المكس بعينتاب وما كان يؤخذ عل الدقيق بالبيرة من المكس. ~~وأبطل أيضا ما كان يؤخذ في طرابلس عند قدوم النائب إليها - من قضاة البر ~~وولاة الأعمال - عن كل واحد خمسمائة درهم . وأبطل أيضا ما كان يؤخذ في كل ~~سنة من الخيل والجمال والبقر والغنم من أهل الشرقية من أعمال مصر. وأبطل ما ~~كان يؤخذ من المكس بديار مصر على الدريس والحلفاء خارج باب النصر. وأبطل ~~ضمان المغاني بالكرك والشوبك ومن منية أبن خصيب وزفتى من أعمال مصر. وأبطل ~~رمي الأبقار بعد فراغ عمل الجسور على أهل النواحي. وأنشأ من العمائر في هذه ~~السلطنة الأولى المدرسة بخط بين القصرين من القاهرة، ولم يعمر داخل القاهرة ~~مثلها بعد مدرسة السلطان حسن ولا أكثر معلوما منها بعد خانقاه شيخو. وله ~~أيضا الصهريج والسبيل بقلعة الجبل تجاه الإيوان. وعمر الطاحون أيضا ~~بالقلعة، وأنشأ جسر الشريعة على نهر الأردن بطريق الشام وطوله مائة وعشرون ~~ذراعا في عرض عشرين ذراعا. وجدد خزائن السلاح بثغر الاسكندرية. وعمر سور ~~دمنهور بالبحيرة. وعمر الجبال الشرقية بالفيوم وزاوية البرزخ بدمياط وبنى ~~قناطر بالقدس. وبنى بحيرة برأس وادي بني سالم قريبا من المدينة النبوية على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام. قال: وكان حازما، مهابا، محبا لأهل الخير ~~والعلم، إذا أتاه أحد منهم قام إليه، ولم يعرف أحد قبله من الملوك الترك ~~يقوم لفقيه، وقلما كان يمكن أحدا منهم من تقبيل يده، إلا أنه كان محبا لجمع ~~المال. وحدث ms2379 في أيامه تجاهر الناس بالبراطيل، فكان لا يكاد يولى أحد وظيفة ~~ولا عملا إلا بمال، وفسد بذلك كثير من الأحوال. وكان مولعا بتقديم الأسافل ~~وحط ذوي البيوتات. قلت: وهذا البلاء قد تضاعف الآن حتى خرج عن الحد، وصار ~~ذوو البيوت معيرة في زماننا هذا. انتهى. PageV03P0284 # قال: وغير ما كان للناس من الترتيب. واشتهر في أيامه ثلاثة أشياء قبيحة: ~~إتيان الذكران حتى تشبه البغايا لبوارهن بالغلمان، وذلك لاشتهاره بتقريب ~~المماليك الحسان. والتظاهر بالبراطيل، وكان لا يكاد يولي أحدا وظيفة إلا ~~بمال، واقتدى بهذا الملوك من بعده. وكساد الأسواق لشحه وقلة عطائه، فمساوئه ~~أضعاف حسناته. انتهى كلام المقريزي من هذا المعنى. قلت: ونحن نشاحح الشيخ ~~تقي الدين المقريزي في كلامه حيث يقول: وحدث في أيامه ثلاثة أشياء قبيحة ~~فأما إتيان الذكران، فأقول: البلاء قديم، وقد نسب اشتهار ذلك من يوم دخول ~~الخراسانية إلى العراق في نوبة أبي مسلم الخراساني في سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة من الهجرة. وأما اقتناؤه المماليك الحسان، فأين الشيخ تقي الدين من ~~مشترى الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى حسان المماليك بأغلى الأثمان الذي ~~لم يقع للملك الظاهر في مثلها، حتى إن الملك الناصر محمد قدم جماعة من ~~مماليكه ممن شغف بمحبتهم وأنعم عليهم بتقادم ألوف بمصر، ولم يطر شارب واحد ~~منهم، مثل بكتمر الساقي ويلبغا اليحياوي وألطنبغا المارديني وقوصون وملكتمر ~~الحجازي وطقزدمر الحموي وبشتك وطغاي الكبير وزوجهم بأولاده، فحينئذ الفرق ~~بينهما في هذا الشأن ظاهر. وأما قوله: أخذ البراطيل، فهذا أيضا قديم جدا من ~~القرن الثالث وإلى الآن، حتى إنه كان في دولة الملك الصالح إسماعيل ابن ~~الملك الناصر محمد بن قلاوون ديوان يعرف بديوان البذل - أعني بديوان ~~البرطيل - وشاع ذلك في الأقطار وصار من له حاجة يأتي إلى صاحب الديوان ~~المذكور ويبذل فيما يرومه من الوظائف، وهذا شيء لم يصل الملك الظاهر برقوق ~~إليه. وأما شحه فهو بالنسبة لمن تقدمه من الملوك شحيح، وإلى من جاء بعده ~~كريم. والشيخ تقي الدين - رحمه الله - كان له انحرافات معروفة ms2380 تارة وتارة، ~~ولولا ذاك ما كان يحكي عنه في تاريخه السلوك قوله: ولقد سمعت العبد الصالح ~~جمال الدين عبد الله السكسري المغربي يخبرني - رحمه الله - أنه رأى قردا في ~~منامه صعد المنبر بجامع الحاكم فخطب ثم نزل ودخل المحراب ليصلي بالناس ~~الجمعة، فثار الناس عليه في أثناء صلاته بهم، فأخرجوه من المحراب، وكانت ~~هذه الرؤيا في أواخر سلطنة الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة ثمان وسبعين ~~وسبعمائة، فكان تقدم الملك الظاهر برقوق على الناس وسلطنته تأويل هذه ~~الرؤيا، فإنه كان متخلقا بكثير من أخلاق القردة شحا وطمعا، وفسادا، ولكن ~~الله يفعل ما يريد، ولله الأمر من قبل ومن بعد. انتهى كلام المقريزي. قلت: ~~وتعبير الشيخ تقي الدين لهذه الرؤيا أن القرد هو الملك الظاهر فليس بشيء من ~~وجوه عديدة، منها: أن برقوقا لم يتسلطن بعد قتل الملك الأشرف إلا بعد أن ~~تسلطن ولد الملك الأشرف الملك المنصور علي وولده الملك الصالح أمير حاج. ثم ~~تسلطن برقوق بعد ست سنين من وفاة الأشرف. ومنها أن الناس لما أخرجوا القرد ~~في أثناء الصلاة كان ينبغي أن يعود ويصلي بالناس بعد إخراجه ثانيا صلاة ~~أطول من الصلاة الأولى، فإن برقوقا لما خلع عاد إلى السلطنة ثانيا ومكث ~~فيها أكثر من سلطنته الأولى حتى كانت تطابق ما وقع لبرقوق. وقولنا: إن ~~الشيخ تقي الدين كان له تارات يشكر فيها وتارات يذم فيها، فإنه لما صحب ~~الملك الظاهر المذكور في سلطنته الثانية وأحسن إليه الظاهر أمعن في الثناء ~~عليه في عدة أماكن من مصنفاته، ونسي مقالته هذه وغيرها، وفاته أن يغير ~~مقالته هذه، فإنه أمعن، ويقال في المثل: من شكر وذم، فكأنما كذب نفسه ~~مرتين. وبإجماع الناس أن الملك الظاهر برقوقا كان في سلطنته الأولى أحسن ~~حالا من سلطنته الثانية، فإنه ارتكب في الثانية أمورا شنيعة: مثل قتل ~~العلماء وإبعادهم والغض منهم، لما أفتوا بقتاله عند خروجه من الكرك. ونحن ~~أعرف بأحوال الملك الظاهر وابنه الناصر من الشيخ تقي الدين وغيره، وإن كان ~~هو ms2381 الأسن ولم أرد بذلك الحط على الشيخ تقي الدين ولا التعصب للملك الظاهر، ~~غير أن الحق يقال. والحق المحض فيه أنه كان له محاسن ومساوئ، وليس للإمعان ~~محل، كما هي عادة الملوك والحكام. وبالجملة فهو أحسن حالا ممن جاء بعده من ~~الملوك بلا مدافعة. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الظاهر برقوق الأولى # PageV03P0285 # وهي سنة أربع وثمانين وسبعمائة على أن الملك الصالح حاجيا حكم منها إلى ~~تاسع عشر شهر رمضان ثم حكم الملك الظاهر في باقيها. وفيها توفي قاضي قضاة ~~الحنفية بدمشق همام الدين أمير غالب ابن العلامة قاضي القضاة قوام الدين ~~أمير كاتب الإتقاني الفارابي الأنزاري الحنفي ولي أولا حسبة دمشق ثم القضاء ~~بها وكان قليل العلم بالنسبة إلى أبيه، إلا أنه كان رئيسا حسن الأخلاق كريم ~~النفس، عادلا في أحكامه. وكان في ولايته يعتمد على العلماء من نوابه، فمشى ~~حاله وشكرت سيرته إلى أن مات في جمادى الأولى. وتوفي قاضي القضاة بدر الدين ~~عبد الوهاب ابن الشيخ كمال الدين أحمد ابن قاضي القضاة علم الدين محمود بن ~~أبي بكر بن عيسى بن بدران السعدي الإخنائي المالكي. ولد في حدود العشرين ~~وسبعمائة وتولى القضاء بعد موت القاضي برهان الدين إبراهيم الإخنائي. وكان ~~ضعيفا، فجاءه التشريف من الملك الأشرف شعبان وألقي عليه على لحافه، فلما ~~عوفي لبسه. وباشر القضاء وحسنت سيرته، إلى أن صرف بعلم الدين سليمان بن ~~خالد بن نعيم البساطي في ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، ثم أعيد في ~~صفر سنة تسع وسبعين وعزل في السنة بالبساطي ثانيا ولزم داره إلى أن مات. ~~وكان خيرا دينا مشكور السيرة. وتوفي الوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم ~~بن الرويهب في سابع عشر شهر رمضان، وقد اتضع حاله وافتقر. وكان من أعيان ~~الأقباط، وباشر عدة مباشرات، منها الوزر ونظر الدولة والاستيفاء وغير ذلك. ~~وتوفي الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي بن عمر بن محمد ابن قاضي القضاة تقي ~~الدين محمد ابن دقيق العيد، موقع الحكم في خامس عشر ms2382 صفر. وتوفي الشيخ جمال ~~الدين محمد بن محمد بن علي بن يوسف الأسواني في يوم الأحد عاشر شهر ربيع ~~الأول. وكان معدودا من الفضلاء. وتوفي الأمير فخر الدين إياس بن عبد الله ~~الصرغتمشي الحاجب أحد أمراء الطبلخانات في ثالث شهر ربيع الأخر. وكان فيه ~~شجاعة وعنده كرم وتعصب لمن يلوذ به. وتوفي الشيخ الإمام عز الدين عبد ~~العزيز بن عبد الحق الأسيوطي الشافعي في يوم الأحد عاشر ذي القعدة بعدما ~~تصدر للاشتغال والإفتاء عدة سنين، ودرس بعدة مدارس، وكان من أعيان ~~الشافعية. وتوفي الأمير زين الدين زبالة الفارقاني نائب قلعة دمشق بها في ~~شعبان. وتوفي السلطان الملك المعز حسين بن أويس ابن الشيخ حسن بن حسين بن ~~آقبغا بن أيلكان، المنعوت بالشيخ حسين، سلطان بغداد وتبريزوما والاهما. ~~وكان سبط القان أرغون بن بوسعيد ملك التتار. ولي سلطنة بغداد في حياة أبيه، ~~لأن والده أويسا، كان رأى مناما يدل على موته في يوم معين، فاعتزل الملك ~~وسلطن ولده هذا، وقد تقدم ذكره في ترجمة والده المذكور في سنة ست وسبعين ~~وسبعمائة. ودام الشيخ حسين هذا في الملك إلى أن قتله أخوه السلطان أحمد بن ~~أويس وملك بغداد بإشارة خجا شيخ الكجحاني في هذه السنة. وكان الشيخ حسين ~~هذا ملكا شابا جميلا جليلا شجاعا مقداما كريما محببا للرعية كثير البر قليل ~~الطمع، ولقد كانت العراق في أيامه مطمئنة معمورة إلى أن ملكها أخوه أحمد ~~بعده فاضطربت أحوالها إلى أن قتل ثم ملكها قرا يوسف وأولاده، فكان خراب ~~العراق على أيديهم. وبالجملة فكان الشيخ حسين هذا هو آخر ملوك بغداد ~~والعراق. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع ونصف. مبلغ ~~الزيادة عشرون ذراعا وثلاثة أصابع. وهي سنة الغرقى لعظم زيادة النيل. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الظاهر برقوق الأولى # وهي سنة خمس وثمانين وسبعمائة. وفيها توفي الأديب المقرئ الفاضل شهاب ~~الدين أبو العباس أحمد بن يحيى ابن مخلوف بن مر بن فضل الله بن سعد بن ساعد ~~السعدي الأعرج الشاعر المشهور. ms2383 كان لديه فضيلة، وعلا قدره على نظم الشعر، ~~وكان عارفا بالقراءات، وقال الشعر وسنه دون العشرين سنة. ومن شعره رحمه ~~الله: الكامل، إن الكريم إذا تنجس عرضه ... لو طهروه بزمزم لم يطهر مما ~~اعتراه من القذارة والقذى ... لم ينق من نجس بسبعة أبحر PageV03P0286 # وتوفي الأمير عز الدين أيدمر بن عبد الله من صديق المعروف بالخطائي، وهو ~~مجرد بالإسكندرية. كان أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية ورأس نوبة ~~وكان ممن انضم على الأمير بركة الجوباني، فقبض عليه برقوق وحبسه مدة ثم ~~أفرج عنه وأعاده على إمرته إلى أن مات. وخلف موجودا كبيرا استولى عليه ناظر ~~الخاص. وتوفي الأمير سيف الدين بلاط بن عبد الله السيفي المعروف بالصغير ~~أمير سلاح وهو بطرابلس في جمادى الأولى. وكان حشما وقورا مشكور السيرة. ~~وتوفي الأمير سيف الدين تمرباي بن عبد الله الأفضلي الأشرفي نائب صفد بها ~~في جمادى الأولى وكان من أعيان المماليك الأشرفية. وقد تقدم أنه ولي نيابة ~~حلب وغيرها، ثم عزله الملك الظاهر فنقله في عدة بلاد إلى أن ولاه نيابة ~~صفد، فمات بها. وتوفي الشيخ الإمام علم الدين سليمان بن شهاب الدين أحمد بن ~~سليمان بن عبد الرحمن بن أبي الفتح بن هاشم العسقلاني الحنبلي، أحد فقهاء ~~الحنابلة في ثالث عشرين جمادى الآخرة. وتوفي قاضي قضاة الشافعية بدمشق ولي ~~الدين عبد الله ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء محمد بن عبد البر بن ~~يحيى بن علي بن تمام السبكي الشافعي بها في هذه السنة. وتوفي الأمير سيف ~~الدين قطلوبغا بن عبد الله الكوكائي حاجب حجاب دمشق في سادس المحرم. وكان ~~أصله من مماليك الأمير كوكاي، وترقى إلى أن صار من جملة أمراء الألوف ~~بالديار المصرية، ثم ولي إمرة سلاح، ثم نقل إلى حجوبية الحجاب في أول سلطنة ~~الظاهر برقوق عوضا عن سودون الفخري الشيخوني بحكم انتقال سودون إلى نيابة ~~السلطنة بالديار المصرية، فدام قطلوبغا هذا في وظيفة الحجوبية إلى أن مات، ~~وشغرت الوظيفة وهي الحجوبية من بعده أربع سنين إلى أن وليها ms2384 أيدكار العمري. ~~وتوفي الأمير سيف الدين أرغون بن عبد الله دوادار الأمير الكبير طشمتمر ~~العلائي في هذه السنة. وكان من جملة أمراء الطبلخانات بديار مصر وكان عارفا ~~عاقلا مدبرا، وله وجاهة في الدول. وتوفي الأمير شرف الدين موسى بن دندار بن ~~قرمان أحد أمراء الطبلخانات في ليلة الأربعاء العشرين من جمادى الأولى. ~~وتوفي مستوفي ديوان المرتجع أمين الدين عبد الله المعروف بجعيص الأسلمي في ~~ثالث عشر المحرم. كان من أعيان الكتاب القبطية. وتوفي القاضي شرف الدين ~~موسى ابن القاضي بدر الدين محمد بن محمد ابن العلامة شهاب الدين محمود ~~الحلبي الحنبلي، أحد موقعي الدست، بمدينة الرملة عائدا من القاهرة إلى دمشق ~~في رابع عشرين صفر، وكان من بيت كتابة وفضل. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثمانية أذرع سواء. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ~~والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الظاهر برقوق الأولى # وهي سنة ست وثمانين وسبعمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين بهادر بن عبد ~~اله الجمالي المعروف بالمشرف، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية وأمير حاج ~~المحمل في ذي القعدة بعيون القصب من طريق الحجاز وبها دفن وقبره معروف ~~هناك. وكان مشكور السيرة، ولي إمرة الحاج غير مرة. رحمه الله تعالى. وتوفي ~~قاضي القضاة علم الدين أبو الربيع سليمان بن خالد بن نعيم بن مقدم ابن محمد ~~بن حسن بن غانم بن محمد الطائي البساطي المالكي قاضي قضاة المالكية بالديار ~~المصرية وهو معزول في يوم الجمعة سادس عشر صفر وقد أناف على الستين سنة ~~وأصل آبائه من قرية شبرا بسيون بالغربية من أعمال القاهرة، وولد هو ببساط . ~~وكان فقيها فاضلا بارعا. ولي قضاء مصر في الدولة الأشرفية شعبان عوضا عن ~~بدر الدين الإخنائي بعد عزله، وباشر بعفة وتقشف واطراح التكلف، حتى عزل في ~~سنة ثلاث وثمانين ولزم داره حتى مات. PageV03P0287 # وتوفي الأمير سيف الدين طنج المحمدي أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، ~~بعد أن أخرج منفيا إلى دمشق، فمات بها وكان من أعيان الأمراء. ms2385 وتوفي ~~العلامة أوحد الدين عبد الواحد بن إسماعيل بن ياسين الحنفي المصري المولد ~~والدار والوفاة، كاتب السر الشريف بالديار المصرية في يوم السبت ثاني ذي ~~الحجة. وكان فقيها فاضلا مفتنا مشاركا في عدة علوم مع رياسة وحشمة خدم عند ~~الملك الظاهر برقوق موقعا، فلما تسلطن ولاه كتابة السر بالديار المصرية، في ~~شوال سنة أربع وثمانين وسبعمائة، بعد عزل القاضي بدر الدين محمد بن فضل ~~الله، فباشر الوظيفة بحرمة وافرة، وحسنت سيرته وعظم في الدولة، فعاجلته ~~المنية وعمره سبع وثلاثون سنة في عنفوان شبيبته، وأعيد بدر الدين بن فضل ~~الله من بعده إلى كتابة السر. وتوفي القاضي تقي الدين عبد الرحمن ابن ~~القاضي محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد بن عبد الدائم التيمي الحلبي الأصل ~~المصري الشافعي ناظر الجيوش المنصورة في ليلة الخميس سادس عشر جمادى ~~الأولى. وسبب موته أن الملك الظاهر برقوقا غضب عليه بسبب إقطاع زامل أمير ~~العرب، وضربه بالدواة، ثم مده وضربه نحو ثلاثمائة عصاة، فحمل إلى داره في ~~محفة ومات بعد ثلاثة أيام أو أكثر. وتوفي الأمير جمال الدين عبد الله ابن ~~الأمير بكتمر الحسامي الحاجب أحد أمراء الطبلخاناه في يوم الأربعاء خامس ~~عشر جمادى الأولى بداره خارج باب النصر. وتوفي الأمير علاء الدين علي بن ~~أحمد بن السائس الطيبرسي أستادار خوند بركة أم الملك الأشرف شعبان في سادس ~~شوال. وكان من أعيان رؤساء الديار المصرية، وله ثروة. وتوفي العلامة قاضي ~~القضاة صدر الدين محمد ابن قاضي القضاة علاء الدين علي بن منصور الحنفي ~~قاضي قضاة الديار المصرية، وهو قاض، في يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول، ~~وقد أناف على ثمانين سنة في ولايته الثانية، وتولى القضاء عوضه قاضي القضاة ~~شمس الدين الطرابلسي، وتولى مشيخة الصرغتمشية من بعده العلامة جلال الدين ~~التباني. قال العيني - رحمه الله - : كان إماما عالما فاضلا كاملا بحرا في ~~فروع أبي حنيفة، مستحضرا قويا وكان ريض الخلق، كثير التواضع والحلم، لين ~~الجانب، جميل المعاشرة، حسن المحاضرة والمذاكرة، معتمدا على جانب الصدق في ms2386 ~~أقواله وأفعاله، سعيدا في حركاته وسكناته. رحمه الله تعالى. وتوفي العلامة ~~إمام عصره ووحيد دهره وأعجوبة زمانه أكمل الدين محمد بن محمد بن محمود ~~الرومي البابرتي الحنفي شيخ خانقاة شيخون في يوم الجمعة تاسع عشر شهر ~~رمضان، وحضر السلطان الملك الظاهر الصلاة عليه، ومشى أمام نعشه من مصلاة ~~المؤمني إلى أن وقف على دفنه بقبة الشيخونية، بعد أن هم على أن يحمل نعشه ~~غير مرة، فتحمله أكابر الأمراء عنه. كان واحد زمانه في المنقول والمعقول، ~~ونالته السعادة والجاه العريض، حتى إن الملك الظاهر برقوقا مع عظمته كان ~~ينزل في موكبه ويقف على باب خانقاه شيخون، حتى يتهيأ الشيخ أكمل الدين ~~للركوب، ويركب ويسير مع الملك الظاهر وقع له ذلك معه غير مرة، وهو الذي كان ~~سببا لقيام الملك الظاهر برقوق للقضاة، فإنه كان يقوم له إذا دخل عليه ولا ~~يقوم للقضاة، لما كانت عادة الملوك من قبله، فكلمه الشيخ أكمل الدين هذا في ~~القيام للقضاة، حتى قام لهم وصارت عادة إلى يومنا هذا. وبعد موته جلس الشيخ ~~سراج الدين البلقيني عن يمين السلطان، وقد استوعبنا أحواله في المنهل ~~الصافي بأطول من هذا. وتوفي قاضي مكة وخطيبها كمال الدين أبو الفضل محمد بن ~~أحمد بن علي العقيلي النويري الشافعي بمكة في يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ~~رجب. وتوفي عالم بغداد شمس الدين محمد بن يوسف بن علي بن الكرماني البغدادي ~~الشافعي شارح البخاري في المحرم بطريق الحجاز، وحمل إلى بغداد ودفن بها. ~~ومولده في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة. وكان قدم مصر والشام. رحمه ~~الله. وتوفي صائم الدهر الشيخ محمد بن صديق التبريزي الصوفي في ليلة ~~الاثنين خامس عشر شهر رمضان بالقاهرة. أقام أربعين سنة يصوم ويفطر على حمص ~~بفلس لا يخلطه إلا بالملح فقط. وكان على قدم هائل من العبادة. وتوفي الأمير ~~الطواشي شبل الدولة كافور بن عبد الله الهندي الزمردي الناصري حسن في ثامن ~~شهر ربيع الأول وقد عمر طويلا. وهو صاحب التربة بالقرافة. PageV03P0288 # وتوفي الأمير الكبير سيف ms2387 الدين طشتمر بن عبد الله العلائي الدوادار. كان ~~من أجل الأمراء، وهو أول دوادار وليها بتقدمة ألف، ثم ولي نيابة الشام، ثم ~~أتابك العساكر بالديار المصرية إلى أن ركب عليه الملك الظاهر برقوق قبل ~~سلطنته وقبض عليه وحبسه مدة، وولى الأتابكية من بعده، ثم أخرجه إلى القدس ~~بطالا، ثم ولاه نيابة صفد ثم حماة إلى أن مات. وكان دينا خيرا، وله مشاركة ~~في فنون، وفيه محبة لأهل العلم والفضل. وكان يكتب الخط المنسوب ويحب الأدب ~~والشعر. وتوفي تاج الدين موسى بن سعد الله بن أبي الفرج ناظر الخاص وهو ~~معزول. وكان يعرف بابن كاتب السعدي. وكان من أعيان الأقباط. وتوفي تاج ~~الدين بن وزير بيته الأسلمي ناظر الإسكندرية بها في شهر ربيع الآخر. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ~~تسعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الظاهر برقوق الأولى # وهي سنة سبع وثمانين وسبعمائة. وفيها توفي قاضي قضاة الحنفية بحلب تاج ~~الدين أحمد بن شمس الدين محمد بن محمد بدمشق في هذه السنة وكان فقيها فاضلا ~~محدثا أديبا شاعرا. ومات عن سن عالية. وتوفي القاضي جمال الدين إبراهيم ابن ~~قاضي قضاة حلب ناصر الدين محمد ابن قاضي قضاة حلب كمال الدين عمر ابن قاضي ~~قضاة حلب عز الدين عبد العزيز ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن قاضي القضاة ~~نجم الدين أحمد ابن قاضي القضاة جمال الدين هبة الله ابن قاضي قضاة حلب محب ~~الدين محمد ابن قاضي قضاة حلب جمال الدين هبة الله ابن قاضي قضاة حلب نجم ~~الدين أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد ~~بن عامر بن أبي جرادة بن ربيعة الحنفي المعروف بابن العديم. مات عن نيف ~~وسبعين سنة. قلت: هو من بيت علم ورياسة، وقد تقدم ذكر جماعة من أقاربه، ~~ويأتي أيضا ذكر جماعة منهم، كل واحد في محله، إن شاء الله تعالى. وتوفي ~~رئيس التجار زكي ms2388 الدين أبو بكر بن علي الخروبي المصري بمصر القديمة في يوم ~~الخميس تاسع عشر المحرم، وخلف مالا كبيرا. وتوفي الأمير فخر الدين عثمان بن ~~قارا بن مهنا بن عيسى بن مهنا أمير آل فضل بالبلاد الشامية في شهر ربيع ~~الأول. وكان من أجل ملوك العرب. وتوفي الأمير سيف الدين قرا بلاط بن عبد ~~الله الأحمدي اليلبغاوي نائب الإسكندرية بها في شهر ربيع الأخر. وكان من ~~أكابر مماليك الأتابك يلبغا العمري الخاصكي. وتوفني الشيخ الإمام العالم ~~نجم الدين أحمد بن عثمان بن عيسى بن حسن بن حسين بن عبد المحسن الراسوفي ~~الدمشقي الشافعي المعروف بابن الحبال في جمادى الآخرة - بعد عوده من مصر - ~~بدمشق. وكان فقيها عالما متبحرا في مذهبه انتهت إليه رياسة مذهب الشافعي ~~بدمشق في زمانه، وتصدى للإفتاء والتدريس والاشتغال سنين عديدة. وتوفي السيد ~~الشريف شمس الدين أبو المجد محمد ابن النقيب جمال الدين أحمد ابن النقيب ~~شمس الدين محمد بن أحمد الحراني الحلبي الحنفي عن سبع وأربعين سنة، ولم يل ~~نقابة الأشراف. وتوفي الشيخ الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد الهادي بن أحمد، ~~المعروف بالشاطر الدمنهوري الشاعر المشهور، بعقبة أيلا متوجها إلى الحجاز ~~الشريف، في العشر الأول من ذي القعدة. ومولده في سنة ثلاث وأربعين ~~وسبعمائة. وكان أديبا بارعا فاضلا، بارعا في فنون لا سيما في حل المترجم ~~ونظم القريض. ومن شعره في مروحة: الطويل، ومخطوبة في الحر من كل هاجر ... ~~ومهجورة في البرد من كل خاطب إذا ما الهوى المقصور هيج عاشقا ... أتت ~~بالهوى الممدود من كل جانب وتوفي الأمير سيف الدين آقبغا بن عبد الله ~~الدوادار في شهر ربيع الآخر وكان من المماليك اليلبغاوية من حزب خشداشية ~~الملك الظاهر برقوق. وتوفي الرئيس شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن ~~سبع العبسي مستوفي ديوان الأحباس في ثامن عشر شعبان. وكان معدودا من أعيان ~~الديار المصرية. وتوفي قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن بن رشد المالكي، ~~قاضي قضاة حلب بها. وكان معدودا من فقهاء المالكية. أمر النيل ms2389 في هذه ~~السنة: الماء القديم ستة أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا ~~وخمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الظاهر برقوق الأولى # PageV03P0289 # وهي سنة ثمان وثمانين وسبعمائة فيها توفي القاضي بدر الدين أحمد بن شرف ~~الدين محمد ابن الوزير الصاحب فخر الدين محمد ابن الوزير الصاحب بهاء الدين ~~علي بن محمد بن سليم المعروف بابن حناء في يوم الجمعة تاسع عشرين جمادى ~~الآخرة بمدينة مصر عن نيف وسبعين سنة. وكان فقيها عالما مفتنا أديبا معدودا ~~من فقهاء الشافعية. ومن شعره: الكامل، هنئت يا عود الأراك بثغره ... إذ أنت ~~للأوطان غير مفارق إن كنت فارقت العقيق وبارقا ... ها أنت ما بين العذيب ~~وبارق قلت: وأحسن من هذا قول ابن دمرداش الدمشقي في المعنى: الطويل، أقول ~~لمسواك الحبيب لك الهنا ... بلثم فم ما ناله ثغر عاشق فقال وفي أحشائه حرق ~~الجوى ... مقالة صب للديار مفارق تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى ... أعلله بين ~~العذيب وبارق ولابن قرناص في هذا المعنى، وهو أيضا في غاية الحسن: الطويل، ~~سألتك يا عود الأراك بأن تعد ... إلى ثغر من أهوى فقبله مشفقا ورد من ثنيات ~~العذيب منيهلا ... تسلسل ما بين الأبيرق والنقا وتوفي السيد الشريف شهاب ~~الدين أحمد بن عجلان بن رميثة، واسم رميثة منجد ابن أبي نمي سعد الحسني ~~المكي أمير مكة في حادي عشرين شعبان عن نيف وستين سنة بمكة ودفن بالمعلاة. ~~وكان حسن السيرة مشكور الطريقة. وولي إمرة مكة بعده ابنه محمد بن أحمد بأمر ~~كبيش بن عجلان. وتوفي الشيخ عماد الدين إسماعيل بن عبد الله أحد الأفراد في ~~الخط المنسوب المعروف بابن الزمكحل كان رئيسا في كتابة المنسوب كان يكتب ~~سورة الإخلاص على حبة أرز كتابة بينة تقرأ بتمامها وكمالها لا ينطمس منها ~~حرف واحد وكان له بدائع في فن الكتابة وكتب عدة مصاحف إلى أن مات والزمكحل: ~~بزاي مضمومة، وميم مضمومة أيضا، وكاف ساكنة، وحاء مضمومة مهملة وبعدها لام ~~ساكنة. وتوفي الأمير سيف الدين جلبان بن عبد الله الحاجب ms2390 أحد أمراء ~~الطبلخانات في شهر رمضان. وكان عاقلا ساكنا مشكور السيرة. وتوفي الأمير غرس ~~الدين خليل بن قراجا بن دلغاعر أمير التركمان اليروقية وصاحب أبلستين قتيلا ~~في الحرب مع الأمير صارم الدين إبراهيم بن همر التركماني، قريبا من مدينة ~~مرعش عن نيف وستين سنة. وتوفي الأمير سودون العلائي نائب حماة قتيلا في ~~محاربة التركمان أيضا. وكان ممن أنشأه الملك الظاهر برقوق، وأظنه من ~~خشداشيته. وتوفي الشريف بدر الدين محمد بن عطيفة بن منصور بن جماز بن شيحة ~~أمير المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وتوفي الشيخ الزاهد ~~العابد الصالح شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان القرمي الحنفي بالقدس ~~الشريف في صفر. ومولده في ذي الحجة سنة ستة وعشرين وسبعمائة. وكان كثير ~~العبادة والتلاوة للقرآن حتى قيل: إنه قرأ في اليوم والليلة ثماني ختمات. ~~قلت: هذا شيء من وراء العقل فسبحان المانح. وتوفي الشيخ الإمام العابد ~~الصالح الورع شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن إلياس القونوي الحنفي ~~بدمشق عن نيف وسبعين سنة. وكان إماما عالما زاهدا شديدا في الله. وقدم ~~القاهرة غير مرة وتصدى للإقراء والتصنيف سنين عديدة وانتفع الناس به. ومن ~~مصنفاته المفيدة أشرح تلخيص المفتاح وكتاب درر البحار ونظم فيه فقه الأربعة ~~وشرح مجمع البحرين في الفقة في عشر مجلدات، وشرح آخر في ستة أجزاء، وله: ~~رسالة في الحديث وغير ذلك. رحمه الله تعالى. وتوفي شيخ أهل الميقات ناصر ~~الدين محمد بن الخطائي في يوم الأربعاء ثالث عشرين شعبان. وكان إماما في ~~وقته. وتوفي أيضا قرينه في علم الميقات شمس الدين محمد بن الغزولي في رابع ~~شهر رجب. وكان أيضا من علماء هذا الشأن. وتوفي ملك الغرب صاحب مدينة فاس ~~وما والاها السلطان موسى ابن السلطان أبي عنان فارس بن أبي الحسن المريني ~~في جمادى الآخرة. وأقيم بعده المستنصر محمد بن أبي العباس أحمد المخلوع، ~~ابن أبي سالم فلم يتم أمره وخلع بعد قليل. وأقيم الواثق محمد بن السلطان ~~أبي الحسن، كل ذلك بتدبير ms2391 الوزير ابن مسعود وهو يوم ذاك صاحب أمر فاس. ~~PageV03P0290 # وتوفي القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن الزركشى أمين الحكم فجأة ~~بالقاهرة في ليلة الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الأول، واتهم أنه سم نفسه، حتى ~~مات لمال بقي عليه فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة. وتوفي الأمير أحمد ابن ~~السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون في جمادى الآخرة بمجلسه في ~~قلعة الجبل بالحوش السلطاني. وتوفي قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله ~~محمد بن التقي الحنبلي قاضي قضاة الحنابلة بدمشق بها في هذه السنة. وتوفي ~~الأمير شرف الدين موسى، المعروف بابن الفافا، أستدار الأمير أيتمش البجاسي، ~~في تاسع شوال. وكانت لديه فضيلة وله ثروة عظيمة وحشم. وكان من رؤوس ~~الظاهرية مذهبا. وأثنى عليه الشيخ تقي الدين المقريزي. رحمه الله. وتوفي ~~السيد الشريف هيازع بن هبة الله الحسني المدني أمير المدينة النبوية. مات ~~وهو في السجن بثغر الإسكندرية في شهر ربيع الأول. وتوفي الشيخ شرف الدين ~~صدقة - ويدعى محمد - بن عمر بن محمد بن محمد العادلي، شيخ الفقراء القادرية ~~بالفيوم في جمادى الآخرة. وكان دينا صالحا. أحرم مرة من القاهرة. وتوفي علم ~~الدين يحيى القبطي الأسلمي، ناظر الدولة، المعروف بكاتب ابن الديناري، في ~~شهر ربيع الآخر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة عشرون ذراعا، وقيل: تسعة عشرة ذراعا وسبعة عشرة إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الظاهر برقوق الأولى # وهي سنة تسع وثمانين وسبعمائة. وفيها توفي الأمير سيف الدين طينال بن ~~عبد الله المارديني الناصري. كان أصله من مماليك الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون، وصار في أيام الملك الناصر حسن أمير مائة ومقدم ألف بالديار ~~المصرية. ثم نفاه الناصر حسن إلى الشام، فأقام بها إلى أن طلبه الملك ~~الأشرف شعبان وأعاده إلى تقدمة ألف بديار مصر مدة. ثم انتزعه منه وأنعم ~~عليه بإمرة طبلخاناه وجعله نائب قلعة الجبل، فدام على ذلك مدة سنين. ثم ~~عزله وأخذ الطبلخاناه منه وأنعم عليه بإمرة عشرة، وترك طرخانا ms2392 إلى أن مات ~~في شهر رمضان وقد عمر. وتوفي الأمير تاج الدين إسماعيل بن مازن الهواري ~~أمير عرب هوارة ببلاد الصعيد في هذه السنة وترك أموالا جمة. وتوفي الوزير ~~الصاحب شمس الدين إبراهيم المعروف بكاتب أرنان. كان أصله من نصارى مصر، ~~وأسلم وخدم في ديوان الملك الظاهر برقوق في أيام إمرته، بعد أن باشر عند ~~جماعة كبيرة من الأمراء. ولما تسلطن ولاه الوزارة على كره منه، وأحوال ~~الدولة غير مستقيمة فلما وزر نفذ الأمور ومشى الأحوال، مع وفور الحرمة ~~ونفوذ الكلمة، والتقلل في الملبس، بحيث إنه كان مثل أوساط الكتاب. ودخل ~~الوزارة وليس للدولة حاصل من عين ولا غلة، وقد استأجر الأمراء النواحي ~~بأجرة قليلة وكف أيدي الأمراء عن النواحي، وضبط المتحصل، وجدد مطابخ السكر، ~~ومات والحاصل ألف ألف درهم فضة، وثلاثمائة وستون ألف إردب غلة، وستة ~~وثلاثون ألف رأس من الغنم، ومائة ألف طائر من الإوز والدجاج، وألف قنطار من ~~الزيت، وأربعمائة قنطار ماء ورد، قيمة ذلك كله يوم ذاك خمسمائة ألف دينار ~~هذا بعد قيامه بكلف الديوان تلك الأيام أحسن قيام. وتوفي الحافظ صدر الدين ~~سليمان بن يوسف بن مفلح الياسوفي الطوسي الحنفي الشافعي بقلعة دمشق قتيلا ~~بها، بعد أن اعتقل بها مدة في محنة رمي بها. وكان من الفضلاء العلماء، ~~عارفا بالفقه، إماما في الحديث والتفسير عفيفا عن أمور الدنيا. وتوفي ~~الأمير سيف الدين طقتمش بن عبد الله الحسني اليلبغاوي أحد أمراء الطبلخاناه ~~في سابع شهر رجب. كان من أعيان مماليك الأتابك يلبغا العمري، وممن قام مع ~~الملك الظاهر برقوق. وتوفي الشيخ الزاهد الورع أمين الدين محمد بن محمد بن ~~محمد الخوارزمي النسفي اليلبغاوي الحنفي المعروف بالخلواتي في سابع عشرين ~~شعبان، خارج القاهرة. وكان ممن جمع بين العلم والعمل. PageV03P0291 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد القرمي الحنفي قاضي العسكر ~~بالديار المصرية في سابع عشرين شهر ربيع الآخر. وكان فاضلا بارعا في فنون ~~من العلوم. وكان خصيصا عند السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين. وتوفي قاضي ~~قضاة ms2393 المالكية بحلب زين الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ~~الجعيد الشهير بابن رشد المالكي المغربي السجلماسي كان من فضلاء الساعة ~~المالكية، وله مشاركة في سائر العلوم. وأفتى، ودرس، وتولى قضاء حلب، وحسنت ~~سيرته. وتوفي التاجر نور الدين علي بن عنان في شوال. وكان من أعيان تجار ~~الكارم بمصر، وخلف مالا كبيرا. وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن علي بن ~~الخشاب الشافعي في شعبان. وكان فاضلا عالما محدثا حدث عن وزيرة والحجار. ~~وتوفي الخطيب البليغ ناصر الدين محمد بن علي بن محمد بن محمد بن هاشم بن ~~عبد الواحد بن عشائر الحلبي الشافعي بالقاهرة في ليلة الأربعاء سادس عشرين ~~شهر ربيع الآخر. وكان فقيها عالما عارفا بالفقه والحديث والنحو والشعر ~~وغيره. وولي هو وأبوه خطابة جامع حلب، وقدم إلى القاهرة فلم تطل مدته حتى ~~مات. وتوفي القاضي فتح الدين محمد ابن قاضي القضاة بهاء الدين عبد الله بن ~~عبد الرحمن بن عقيل الشافعي موقع الدرج بالديار المصرية في حادي عشرين صفر. ~~وكان معدودا من فضلاء الشافعية. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة ~~أذرع وأربعة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الظاهر برقوق الأولى # وهي سنة تسعين وسبعمائة. وفيها توفي قاضي القضاة برهان الدين أبو إسحاق ~~إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني ~~الشافعي قاضي قضاة مصر ثم دمشق بها وهو على قضائها في ليلة الجمعة ثامن عشر ~~شعبان. ومولده في سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وسمع الكثير بمصر والشام، وبرع ~~في الفقه والعربية، وولي خطابة المسجد الأقصى. ثم ولي القضاء بديار مصر ثم ~~بالشام. قلت: وهو خلاف قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن ~~جماعة وهو جد عبد الرحمن والد صاحب الترجمة. وتوفي الشيخ جمال الدين ~~إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الأميوطي الشافعي بمكة المشرفة في ثاني شهر ~~رجب بعد أن عمر وأسمع صحيح مسلم وغيره. وكان ms2394 فقيها بارعا أفتى ودرس واشتغل ~~سنين. وتوفي الشيخ المعتقد إسماعيل بن يوسف الإنبابي بزاويته بناحية منبابة ~~في سلخ شعبان. وكان شيخا معتقدا وله كرامات. وللناس فيه اعتقاد وظنون حسنة. ~~ترجمه الشيخ تقي الدين المقريزي، وقد رآه وحضر عنده وذكر عن الوقت الذي كان ~~يعمله بزاويته - أعني المولد وهو قبائح كان الإضراب عن ذكرها أليق - وإن ~~كان هو كما قال: مما يقع به من الفساد من المتفرجين والمترددين، غير أن ~~السكات في مثل هذا أحسن، كونه رجلا منسوبا إلى الصلاح ومن ذرية الصالحين ~~على أنني أيضا أنكر هذا الوقت الذي يعمل بالزاوية المذكورة إلى الآن، ~~وإبطاله من أعظم معروف يعمل، لما ترتكب العامة فيه من الفسق، وصار عندهم ~~هذا الوقت من جملة النزه، ويتواعدون عليه من قبل عمله بأيام، ويتوجهون إليه ~~أفواجا. ومنهم من له سنين على ذلك وهو لا يعرف باب الزاوية، غير أنه صار ~~ذلك عنده عادة، يتنزه بها هو ومن يريد هو وأمثاله ممن لا خلاق لهم، فلا قوة ~~إلا بالله ما شاء الله كان. وتوفي الأمير سيف الدين بهادر بن عبد الله ~~المنجكي الأستادار وأحد أمراء الألوف بالديار المصرية في أول جمادى الآخرة. ~~وأصله من مماليك الأمير منجك اليوسفي الناصري. وكان الملك الظاهر برقوق لما ~~صار بخدمة منجك المذكور بقي بينهما أنسة وصحبة، فلما تسلطن برقوق عرف له ~~ذلك ورقاه حتى ولاه الأستدارية العالية إلى أن مات وتولى محمود بن علي ~~الاستدارية بعده. وكان بهادر عنده معرفة وعقل وسياسة وتدبير ومات ولم ينتكب ~~كونه كان فيه إحسان للفقراء والصلحاء والغرباء، وكان له صدقات كثيرة وبر ~~وافر. وكان أصله روميا - وقيل إفرنجيا - وأخذه الأمير منجك. قلت: وهو أعظم ~~أستدار ولي الاستدارية في دولة الملك الظاهر برقوق إلى يومنا هذا وأوفرهم ~~حرمة وأوقرهم في الدول. رحمه الله. PageV03P0292 # وتوفي الوزير الصاحب علم الدين بن القسيس الأسلمي القبطي المعروف بكاتب ~~سيدي في آخر ذي الحجة، بعد أن باشر عدة وظائف أعظمها الوزر. وتوفي الرئيس ~~أمين الدين عبد الله بن المجد فضل ms2395 الله بن أمين الدين عبد الله بن ريشة ~~القبطي الأسلمي ناظر الدولة في ليلة الأربعاء سادس جمادى الأولى. وكان ~~معدودا من أعيان الأقباط بالديار المصرية. وتوفي الأمير سيف الدين سيرج بن ~~عبد الله الكمشبغاوي نائب قلعة الجبل، في تاسع عشرين شهر ربيع الآخر. وكان ~~من جملة أمراء الطبلخانات. وكان وقورا وله وجاهة. وتوفي الشيخ الإمام ~~العالم العلامة علاء الدين أحمد بن محمد المعروف بالعلاء السيرامي العجمي ~~الحنفي شيخ الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقية في ثالث جمادى الأولى. وكان ~~إماما عالما مقدما مفتنا أعجوبة زمانه في الفقه وفروعه وعلمي المعاني ~~والبيان والأصول، وكان أدرك المشايخ وأخذ عنهم العلوم العقلية والنقلية، ~~وبرع، ودرس، وأفتى في بلاد العجم بمدينة هراة وخوارزم وسراي وقرم وببريز، ~~حتى شاع ذكره وبعد صيته. ولما بنى الملك الظاهر مدرسته ببين القصرين أرسل ~~يطلبه على البريد حتى قدم فولاه شيخ شيوخ مدرسته، فدام بها إلى أن أدركته ~~المنية، ودفن بتربة الملك الظاهر برقوق بالصحراء. وهو أحد من أوصى الملك ~~الظاهر أن يدفن تحت رجليه ويبنى عليه مدرسة ففعل ذلك. وكان دينا خيرا عابدا ~~صالحا. ولما مات طلب السلطان الشيخ سيف الدين السيرامي من حلب وولاه عوضه ~~شيخ الظاهرية، وهو والد الشيخ نظام الدين يحيى وجد الشيخ عضد الدين عبد ~~الرحمن شيخ الظاهرية المذكورة الآن. وتوفي القاضي تقي الدين محمد بن محمد ~~بن أحمد بن شاس المالكي أحد أعيان موقعي الدست بالديار المصرية في سابع عشر ~~شعبان. وكان كاتبا فاضلا. عين لكتابة السر بديار مصر غير مرة. وتوفي الأمير ~~شهاب الدين أحمد بن عمر بن قليج والي الفيوم في هذه السنة. كان أبوه من ~~أمراء الألوف بالديار المصرية، وكذلك جده، وكان هو من جملة أمراء ~~الطبلخانات. رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير ~~قطلوبغا المحمدي المعروف بقشقلندق أحد أمراء العشرات في ثاني جمادى الآخرة. ~~وكان له وجاهة وعنده فروسية. وتوفي القاضي عز الدين أبو اليمن محمد بن عبد ~~اللطيف بن الكويك الربعي الشافعي في ثالث عشر جمادى الأولى ms2396 عن خمس وستين ~~سنة. وكان له سماع ورواية ولديه فضيلة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ستة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذرعا وأربعة أصابع. ~~وكان الوفاء سابع عشر مسري أحد شهور القبط. ### | AUT سلطنة المنصور حاجي الثانية # السلطان الملك الصالح ثم المنصور حاجي ابن السلطان الملك الأشرف شعبان ~~ابن الأمير الملك الأمجد حسين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان ~~الملك المنصور قلاوون. وقد تقدم ذكر نسبه أيضا في سلطنته الأولى. ~~PageV03P0293 # وكان سبب عوده للملك أنه لما وقع ما حكيناه من خروج الأمير يلبغا الناصري ~~وتمربغا الأفضلي المدعو منطاش بمن معهما على الملك الظاهر برقوق، ووقع ما ~~حكيناه من الحروب بينهم، إلى أن ضعف أمر الملك الظاهر، واختفى، وترك ملك ~~مصر، واستولى الأمير الكبير يلبغا الناصري على قلعة الجبل، وكلمه أصحابه ~~على أنه يتسلطن، فلم يفعل، وأشار بعود الملك الصالح هذا وقال: إن الملك ~~الظاهر برقوقا خلعه بغير سبب، وطلب أكابر الأمراء من أصحابه مثل الأمير ~~منطاش المقدم ذكره والأمير بزلار العمري الناصري والأمير قرادمرداش الأحمدي ~~وغيرهم، وكلمهم في عود الملك الصالح إلى السلطنة ثانيا. فأجاب الجميع ~~وطلعوا من الإسطبل السلطاني إلى الحوش من قلعة الجبل، وجلس الأتابك يلبغا ~~الناصري به، وطلب الملك الصالح هذا من عند أهله وقد حضر الخليفة والقضاة ~~وبايعوه بالسلطنة، وألبسوه خلعتها. وركب من الحوش بأبهة الملك وشعار ~~السلطنة إلى الإيوان بقلعة الجبل، والأمراء المذكورون مشاة بين يديه. ~~وأجلسوه على تخت الملك وغيروا لقبه بالملك المنصور، ولم نعلم بسلطان تغير ~~لقبه قبله ولا بعده، فإنه كان لقبه أولا الصالح وصار الآن في سلطنته ~~الثانية المنصور. وقلده الخليفة أمور الرعية على العادة، وقبل الأمراء ~~الأرض بين يديه، ودقت النواقيس والكوسات، ونودي باسمه بالقاهرة ومصر ~~وبالأمان والدعاء للملك المنصور، ثم للأتابك يلبغا، وتهديد من نهب، فاطمأنت ~~الناس. ثم قام الملك المنصور إلى القصر، وسائر أرباب الدولة بين يديه. ~~واستقر الأمير الكبير يلبغا الناصري أتابك العساكر بالديار المصرية ومدبر ~~المملكة وصاحب حلها وعقدها ففي الحال ms2397 أمر الناصري للأمير ألطنبغا الأشرفي ~~والأمير أرسلان اللفاف وقراكسك والأمير أردبغا العثماني أن يكونوا عند ~~السلطان الملك المنصور بالقصر، وأن يمنعوا من يدخل عليه من التركمان ~~وغيرهم. ونزل الأتابك يلبغا الناصري إلى الإسطبل السلطاني حيث هو سكنه وخلع ~~على الأمير حسام الدين حسين بن علي بن الكوراني بولاية القاهرة على عادته ~~أولا، فسر الناس بولايته. وتعين الصاحب كريم الدين بن عبد الكريم بن عبد ~~الرزاق بن إبراهيم بن مكانس مشير الدولة، وأخوه فخر الدين عبد الرحمن لنظر ~~الدولة على عادته، وأخوهما زين الدين لنظر الجهات وأعاد جميع المكوس التي ~~أبطلها الملك الظاهر برقوق. ثم نودي بالأمان للمماليك الجراكسة، وأن جميع ~~المماليك والأجناد على حالهم، وأن الأمير الكبير لا يغير على أحد منهم شيئا ~~مما كان فيه ولا يخرج عنه إقطاعه. ثم في يوم الأربعاء سادس الشهر قمم ~~الأمير ألطنبغا الجوباني نائب الشام كان، والأمير ألطنبغا المعلم أمير سلاح ~~كان، والأمير قردم الحسني رأس نوبه النوب كان، من سجن الإسكندرية وطلعوا ~~إلى السلطان وترحب بهم الأمير الكبير يلبغا الناصري. ثم نودي ثانيا ~~بالقاهرة بأن من ظهر من المماليك الظاهرية فهو على حاله باق على إقطاعه، ~~ومن اختفى منهم بعد النداء حل ماله ودمه للسلطان. PageV03P0294 # ثم رسم الأمير الكبير للأمير سودون الفخري الشيخوني نائب السلطان للديار ~~المصرية بلزوم بيته وأما محمود الأستادار فإنه توجه إلى كريم الدين بن ~~مكانس وترامى عليه، فتكلم ابن مكانس في أمره مع الأمير الكبير وأصلح شأنه ~~معه على مال يحمله للأمير الكبير يلبغا الناصري، وجمع بينهما، فأمنه ~~الناصري، ونزل إلى داره. ثم في ثامن جمادى الآخرة المذكورة اجتمع الأمراء ~~في الخدمة السلطانية على العادة، فأغلق باب القلعة وقبض على تسعة من ~~الأمراء المقدمين وهم: الأمير سودون الفخري الشيخوني النائب المقدم ذكره، ~~وسودون باق، وسودون طرنطاي، وشيخ الصفوي، وقجماس الصالحي ابن عم الملك ~~الظاهر برقوق، وأبو بكر بن سنقر، وآقبغا المارديني حاجب الحجاب، وبجاس ~~النوروزي، ومحمود بن علي الأستدار المقدم ذكره أيضا. وقبض أيضا على جماعة ~~من أمراء ms2398 الطبلخانات وهم: عبد الرحمن بن منكلي بغا الشمسي، وبوري الأحمدي، ~~وتمربغا المنجكي، ومنكلي الشمسي الطرخاني، ومحمد بن جمق بن أيتمش البجاسي، ~~وجرجي، وقرمان المنجكي، وحسن خجا، وبيبرس التمان تمري، وأحمد الأرغوني، ~~وأسنبغا الأرغون شاهي وقنق باي اللالا السيفي ألجاي، وجرباش الشيخي ~~الظاهري، وبغداد الأحمدي، ويونس الرماح، وبرسبغا الخليلي، وبطا الطولوتمري ~~الظاهري، ونوص المحمدي، وتنكز العثماني، وأرسلان اللفاف، وتنكز بغا السيفي، ~~وألطنبغا شادي، وآقبغا اللاجيني، وبلاط المنجكي، وبجمان المحمدي، وألطنبغا ~~العثماني، وعلي بن آقتمر من عبد الغني، وإبراهيم بن طشتمر الدوادار، وخليل ~~بن تنكز بغا، ومحمد بن الدواداري، وحسام الدين حسين بن علي الكوراني والي ~~القاهرة، وبلبل الرومي الطويل، والطواشي صواب السعدي المعروف بشنكل مقدم ~~المماليك، والطواشي مقبل الزمام الرومي الدواداري. ثم قبض على نيف وثلاثين ~~أمير عشرة وهم: أزدمر الجوكاني، وقماري الجمالي، وجلبان أخو مامق، وقرطاي ~~السيفي من ألجاي اليوسفي، وآقبغا بوري الشيخوني، وصلاح الدين محمد بن تنكز ~~بغا، وعبدوق العلائي، وطولو بغا الأحمدي، ومحمد بن أرغون شاه الأحمدي، ~~وإبراهيم ابن الشيخ علي بن قرا، وغريب بن حاجي، وأسنبغا السيفي، وأحمد بن ~~حاجي بك بن شادي، وآقبغا الجمالي الهيدباني الظاهري، وأمير زاده بن ملك ~~الكرج، وجلبان الكمشبغاوي الظاهري قراسقل، وموسى بن أبي بكر بن رسلان أمير ~~طبر، وقنق باي الأحمدي، وأمير حاج بن أيتمش، وكمشبغا اليوسفي، ومحمد بن ~~اقتمر الصاحبي الحنبلي النائب، وآقبغا الناصري حطب، ومحمد بن سنقر المحمدي، ~~وبهادر الفخري، ومحمد بن طغاي تمر النظامي، ويونس العثماني، وعمر بن يعقوب ~~شاه، وعلي بن بلاط الكبير، ومحمد بن أحمد بن أرغون النائب، ومحمد بن بكتمر ~~الشمسي، وألجيبغا الدوادار، ومحمد بن يونس الدوادار، وخليل بن قرطاي شاد ~~العمائر، ومحمد بن قرطاي نقيب الجيش، وقطلوبك أمير جاندار، وعلى جماعة ~~كبيرة من المماليك الظاهرية. ثم شفع بجماعة من الأمراء فأفرج عنهم، منهم: ~~صواب مقدم المماليك المعروف بشنكل، والطواشي مقبل الدواداري الزمام، وحسين ~~بن الكوراني الوالي، وجماعة أخر وأخرج قجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق على ~~البريد إلى طرابلس. وفيه نودي بالقاهرة ومصر: للأمن ms2399 أحضر السلطان الملك ~~الظاهر برقوق إلى الأمير الكبير يلبغا الناصري، إن كان عاميا خلع عليه ~~وأعطي ألف دينار، وإن كان جنديا أعطي إمرة عشرة بالديار المصرية، وإن كان ~~أمير عشرة أعطي طبلخاناه، وإن كان طبلخاناه أعطي تقدمة ألف. ومن أخفاه بعد ~~ذلك شنق وحل ماله ودمه للسلطان. ثم في ليلة الجمعة حملوا الأمراء المسجونون ~~بقلعة الجبل إلى ثغر الإسكندرية ما خلا الأمير محمود الأستدار، وبقيت ~~المماليك الظاهرية في الأبراج متفرقة بقلعة الجبل. ثم أطلق الأمير آقبغا ~~المارديني حاجب الحجاب، وأخرج من سجنه ونقل في الحراقة لشفاعة صهره الأمير ~~أحمد بن يلبغا العمري أمير مجلس فيه، فرد معه أرسلان اللفاف ومحمد بن تنكر ~~إذ شفع فيهما أيضا بعض الأمراء. وفيه أيضا نودي على الملك الظاهر برقوق، ~~وهدد من أخفاه، فكثر الدعاء من العامة للملك الظاهر برقوق، وكثر الأسف على ~~فقده وثقلت أصحاب الناصري على الناس ونفروا منهم، فصارت العامة تقول: راح ~~برقوق وغزلانه، وجاء الناصري وتيرانه. PageV03P0295 # ثم قبض الناصري على الطواشي بهادر الشهابي مقدم المماليك كان الذي كان ~~الملك الظاهر عزله من التقدمة ونفاه إلى طرابلس، فحضر مع الناصري من جملة ~~أصحابه، فاتهم أنه أخفى الملك الظاهر برقوقا، فنفي إلى المرقب وختم على ~~حواصله، ونفي معه أسنبغا المجنون. وفي ثاني عشرة سجن محمود الأستدار وهو ~~مقيد بالزردخاناه. وفيه ألزم الأمير الكبير يلبغا الناصري حسين بن الكوراني ~~الوالي بطلب الملك الظاهر برقوق، وخشن عليه في الكلام بسببه، فنزل ابن ~~الكوراني من وقته وكرر النداء عليه بالقاهرة ومصر، وهدد من أخفاه بأنواع ~~العذاب والنكال. هذا وقد كثر فساد التركمان أصحاب الناصري بالقاهرة، وأخذوا ~~النساء من الطرقات ومن الحمامات، ولم يتجاسر أحد على منعهم. وفيه قلع ~~العسكر السلاح من عليهم ومن على خيولهم، وكانوا منذ دخولهم وهم بالسلاح إلى ~~هذا اليوم. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة غمز على الملك الظاهر ~~برقوق من بيت أبي يزيد. وأمره أنه لما نزل بالإسطبل بالليل سار على قدميه ~~حتى وصل إلى بيت أبي يزيد أحد أمراء ms2400 العشرات واختفى بداره ولم يعرف له خبر، ~~وكثر الفحص عليه من قبل الناصري وغيره وهجم في مدة اختفائه على بيوت كثيرة ~~فلم يقف له أحد على خبر. وتكرر النداء عليه والتهديد على من أخفاه، فخاف ~~الملك الظاهر من أن يدل عليه فيؤخذ غصبا باليد فلا يبقى عليه، فأرسل أعلم ~~الأمير ألطنبغا الجوباني بمكانه، فتوجه إليه الجولاني واجتمع به وأخذه وطلع ~~به إلى الناصري على ما سنذكره. وقيل غير ذلك، وهو أنه لما نزل الملك من ~~الإسطبل السلطاني ومعه أبو يزيد المذكور لا غير، تبعه نعمان مهتار ~~الطشتخاناه إلى الرميلة، فرده الملك الظاهر، ومضى هو وأبو يزيد حتى قربا من ~~دار أبي يزيد، فتوجه أبو يزيد قبله، وأخلى له دارا، ثم عاد إليه وأخفاه ~~فيها. ثم أخذ الناصري يتتبع أثر الملك الظاهر برقوق حتى سأل المهتار نعمان ~~عنه، فأخبره أنه نزل ومعه أبو يزيد، وأنه لما تبعه رده الملك الظاهر فعند ~~ذلك أمر الناصري حسين بن الكوراني بإحضار أبي يزيد المذكور، فشدد في طلبه، ~~وهجم بيوتا كثيرة، فلم يقف له على خبر، فقبض على جماعة من أصحاب أبي يزيد ~~وغلمانه وقررهم فلم يجد عندهم علما به ومازال يفحص على ذلك حتى دله بعض ~~الناس على مملوك أبي يزيد، فقبض عليه وقبض ابن الكوراني على امرأة المملوك ~~وعاقبها فدلته على موضع أبي يزيد وعلى الملك الظاهر، وأنهما في بيت رجل ~~خياط بجوار بيت أبي يزيد فمضى ابن الكوراني إلى البيت، وبعث إلى الناصري ~~يعلمه، فأرسل إليه الأمراء. وقيل غير ذلك، وجه آخر، وهو أن السلطان الملك ~~الظاهر لما نزل من الإسطبل كان ذلك وقت نصف الليل من ليلة الاثنين المقدم ~~ذكرها، فسار إلى بحر النيل، وعدى إلى بر الجيزة ونزل عند الأهرام، وأقام ~~هناك ثلاثة أيام ثم عاد إلى بيت أبي يزيد المذكور، فأقام عنده إلى يوم ~~الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة فحضر مملوك أبي يزيد إلى الناصري وأعلمه أن ~~الملك الظاهر في بيت أستاذه، فأحضر الناصري في الحال أبا يزيد، وسأله ms2401 عن ~~الملك الظاهر فاعترف أنه عنده فأخذه ألطنبغا الجوباني وسار به إلى البيت ~~الذي فيه الملك الظاهر برقوق، فأوقف أبو يزيد الجوباني بمن معه، وطلع هو ~~وحده إلى الملك الظاهر وحدثه الخبر ثم أذن أبو يزيد للجوباني، فطلع، فلما ~~رآه الملك الظاهر برقوق قام له وهم بتقبيل يديه، فاستعاذ بالله الجوباني من ~~ذلك، وقال له: يا خوند، أنت أستاذنا ونحن مماليكك، وأخذ يسكن روعه، حتى سكن ~~ما به. ثم ألبسه عمامة وطيلسانا وأنزله من الدار المذكورة، وأركبه، وأخذه. ~~وسار من صليبة ابن طولون نهارا، وشق به بين الملأ من الناس إلى أن طلع به ~~إلى الإسطبل السلطاني بباب السلسلة حيث هو سكن الأمير الكبير يلبغا ~~الناصري، فأجلس بقاعة الفضة من القلعة. وألزم أبو يزيد بمال الملك الظاهر ~~الذي كان معه، فأحضر كيسا وفيه ألف دينار، فأنعم به الناصري عليه، وأخلع ~~عليه ورتب الناصري في خدمة الملك الظاهر مملوكين وغلامه المهتار نعمان، ~~وقيد بقيد ثقيل، وأجرى عليه من سماطه طعاما بكرة وعشيا ثم خلع الناصري على ~~الأمير حسام الدين حسن الكجكني باستقراره في نيابة الكرك عوضا عن مأمور ~~القلمطاوي. ورسم بعزل مأمور، وقدومه إلى مصر أمير مائة ومقدم ألف بها. ~~PageV03P0296 # هذا بعد أن جمع الناصري الأمراء من أصحابه وشاورهم في أمر الملك الظاهر ~~برقوق بعد القبض عليه، فاختلفت آراء الأمراء فيه، فمنهم من صوب قتله، وهم ~~الأكثر، وكبيرهم منطاش، ومنهم من أشار بحبسه وهم الأقل، وأكبرهم الجوباني ~~فيما قيل فمال الناصري إلى حبسه لأمر يريده الله تعالى. وأوصى حسام الذين ~~الكجكني به وصايا كثيرة حسب ما يأتي ذكره في محله فأقام الكجكني بالقاهرة ~~في عمل مصالحه إلى يوم تاسع عشر جمادى الآخرة، وسافر إلى محل كفالته بمدينة ~~الكرك. وعند خروجه قدم الخبر على الناصري بأن الأمير آقبغا الصغير وآقبغا ~~أستدار آقتمر، اجتمع عليهما نحو أربعمائة مملوك من المماليك الظاهرية ~~ليركبوا على جنتمر نائب الشام ويملكوا منه البلد، فلما بلغ جنتمر ذلك ركب ~~بمماليكه وكبسهم على حين غفلة، فلم يفلت منهم إلا ms2402 اليسير، وفيهم آقبغا ~~الصغير المذكور فسر الناصري بذلك، وخلع على القاصد. ولما وصل هذا الخبر إلى ~~مصر، ركب منطاش وجماعة من أصحابه إلى الناصري وكلموه بسبب إبقاء الملك ~~الظاهر، وخوفوه عاقبة ذلك ولا زالوا به حتى وافقهم على قتله، بعد أن يصل ~~إلى الكرك ويحبس بها واعتذر إليهم بأنه إلى الآن لم يفرق الاقطاعات ~~والوظائف لاضطراب المملكة، وأنه ثم من له ميل للظاهر في الباطن، وربما يثور ~~بعضهم عند قتله، وهذا شيء يحرك في أي وقت كان، حتى قاموا عنه ونزلوا إلى ~~دورهم. ثم أخذ الناصري في اليوم المذكور يخلع على الأمراء باستقرارهم في ~~الإمريات والإقطاعيات فاستقر بالأمير بزلار العمري الناصري حسن في نيابة ~~دمشق، والأمير كمشبغا الحموي اليلبغاوي في نيابة حلب، وبالأمير صنجق الحسني ~~في نيابة طرابلس، وبالأمير شهاب الدين أحمد بن محمد الهيدباني في حجوبية ~~طرابلس الكبرى. ثم في حادي عشرينه عرض الأمير الكبير يلبغا الناصري ~~المماليك الظاهرية، وأفرد من المستجدين مائتين وثلاثين مملوكا لخدمة ~~السلطان الملك المنصور حاجي صاحب الترجمة، وسبعين من المشتروات أنزلهم ~~بالأطباق، وفرق من بقي على الأمراء، وكان العرض بالإسطبل وأنعم على كل من ~~آقبغا الجمالي الهيدباني أمير آخور ويلبغا السودوني وتنبك اليحياوي وسودون ~~اليحياوي بإمرة عشرة في حلب - وهؤلاء الأربعة ظاهرية من خواص مماليك الملك ~~الظاهر برقوق - ورسم بسفرهم مع الأمير كمشبغا الحموي نائب حلب. ثم في ليلة ~~الخميس ثاني عشرين جمادى الآخرة رسم الناصري بسفر الملك الظاهر برقوق إلى ~~الكرك، فأخرج من قاعة الفضة في ثلث الليل من باب القرافة، أحد أبواب ~~القلعة، ومعه الأمير ألطنبغا الجوياني، فأركبوه هجينا ومعه من مماليكه ~~أربعة مماليك صغار على هجن، وهم قطلوبغا الكركي وبيغان الكركي وآقباي ~~الكركي وسودون الكركي، والجميع صاروا في سلطنة الملك الظاهر الثانية بعد ~~خروجه من الكرك أمراء، وسافر معه أيضا مهتاره نعمان وسار به الجوباني إلى ~~قبة النصر خارج القاهرة، وأسلمه إلى الأمير سيف الدين محمد بن عيسى ~~العائدي، فتوجه به إلى الكرك من على عجرود حتى وصل به إلى الكرك، ms2403 وسلمه إلى ~~نائبها الأمير حسام الدين الكجكني وعاد بالجواب، فأنزل الكجكني الملك ~~الظاهر بقاعة النحاس من قلعة الكرك، وكانت ابنة الأتابك يلبغا العمري ~~الخاصكي أستاذ الملك الظاهر برقوق زوجة مأمور المعزول عن نيابة الكرك هناك، ~~فقامت للملك الظاهر برقوق بكل ما يحتاج، كونه مملوك أبيها يلبغا، مع أن ~~الناصري أيضا مملوك أبيها، غير أنها حبب إليها خدمة الملك الظاهر، ومدت له ~~سماطا يليق به، واستمرت على ذلك أياما كثيرة، وفعلت معه أفعالا، كان ~~اعتادها أيام سلطنته. ثم إن الكجكني أيضا اعتنى بخدمته، لما كان أوصاه ~~الناصري به قبل خروجه من مصر، ومن جملة ما كان أوصاه الناصري وقرره معه أنه ~~متى حصل له أمر من منطاش أو غيره فليفرج عن الملك الظاهر برقوق من حبس ~~الكرك فاعتمد الكجكني على ذلك، وصار يدخل إليه في كل يوم، ويتلطف به، ويعده ~~أنه يتوجه معه إلى التركمان، فإنه له فيهم معارف، وحصن قلعة الكرك، وصار لا ~~يبرح من عنده نهاره كله، ويأكل معه طرفي النهار سماطه ولا زال على ذلك حتى ~~أنس به الملك الظاهر وركن له حسب ما يأتي ذكره. PageV03P0297 # وأما الناصري فإنه بعد ذلك خلع على جماعة من الأمراء، فاستقر بالأمير ~~قطلوبغا الصفوي في نيابة صفد، وبالأمير بغاجق في نيابة ملطية ثم رسم فنودي ~~بالقاهرة بأن المماليك الظاهرية يخدمون مع نواب البلاد الشامية، ولا يقيم ~~أحد منهم بالقاهرة، ومن تأخر بعد النداء حل ماله ودمه للسلطان، ثم نودي ~~بذلك من الغد ثانيا. وفي رابع عشرينه برز النواب إلى الريدانية للسفر بعد ~~أن أخلع الناصري على الجميع خلع السفر. ثم في سادس عشرينه خلع السلطان ~~الملك المنصور على الأمير يلبغا الناصري باستقراره أتابك العساكر بالديار ~~المصرية وأن يكون مدبر المملكة، وعلى الأمير ألطنبغا الجوباني باستقراره ~~رأس نوية الأمراء وظيفة بركة الجوباني، وعلى الأمير قرادمرداش الأحمدي ~~وأستقر أمير سلاح، وعلى الأمير أحمد بن يلبغا واستقر أمير مجلس على عادته ~~أولا، وعلى الأمير تمرباي الحسني واستقر حاجب الحجاب، وخلع على القضاة ~~الثلاثة باستمرارهم، وهم: ms2404 القاضي شمس الدين محمد الطرابلسي والقاضي جمال ~~الدين عبد الرحمن بن خير المالكي والقاضي ناصر الدين نصر الله الحنبلي، ولم ~~يخلع على قاضي القضاة ناصر الدين ابن بنت ميلق الشافعي، لتوعكه ثم خلع على ~~القاضي صدر الدين المناوي مفتي دار العدل، وعلى القاضي بدر الدين محمد بن ~~فضل الله كاتب السر، الجميع باستمرارهم. وفي هذا اليوم سافر نواب البلاد ~~الشامية، وسافر معهم كثير من التركمان وأجناد الشام وأمرائها، وفيه نودي ~~أيضا بألا يتأخر أحد من مماليك الملك الظاهر برقوق إلا من يكون بخدمة ~~السلطان ممن عين، ومن تأخر بعد ذلك شنق، ثم نودي على التركمان والشاميين ~~والغرباء بخروجهم من الديار المصرية إلى بلادهم. وفي يوم الخميس خلع ~~الناصري على الأمير آقبغا الجوهري باستقراره أستادارا، وعلى الأمير آلابغا ~~العثماني دوادارا كبيرا، وعلى الأمير آلطنبغا الأشرفي رأس نوبة ثانيا، وهي ~~الآن وظيفة رأس نوبة النوب، وعلى الأمير خلبان العلائي حاجبا، وعلى الأمير ~~بلاط العلائي أمير جاندار، وعلى شهري نائب دوركي باستمراره. ثم في سلخ ~~جمادى الآخرة فرق الناصري المثالات على الأمراء المقدمين وجعلهم أربعة ~~وعشرين تقدمة على العادة القديمة: أراد بذلك أن يظهر للناس ما أفسده الملك ~~الظاهر برقوق في أيام سلطنته من قوانين مصر، فشكره الناس على ذلك. ثم نودي ~~بالقاهرة بالأمان: ومن ظلم من مدة عشرين سنة فعليه بباب الأمير الكبير ~~يلبغا الناصري، ليأخذ حقه. ثم في يوم السبت أول شهر رجب وقف أول النهار ~~زامر على باب السلسلة تحت الإسطبل السلطاني، حيث هو سكن الناصري، وزعق في ~~زمره، فلما سمعه الناس اجتمع الأمراء والمماليك في الحال، وطلعوا إلى خدمة ~~الناصري ولم يعهد هذا الزمر بمصر قبل ذلك على هذه الصورة وذكروا أنها عادة ~~ملوك التتار إذا ركبوا يزعق هذا الزامر بين يديه، وهو عادة أيضا في بلاد ~~حلب فاستغرب أهل مصر ذلك، واستمر في كل يوم موكب. وفيه أيضا رسم الناصري أن ~~يكون رؤوس نوب السلاحدارية والسقاة والجمدارية ستة لكل طائفة على ما كانوا ~~أولا قبل سلطنة الملك الأشرف ms2405 شعبان بن حسين، فإن الأشرف هو الذي استقر بهم ~~ثمانية. وخلع الناصري على قطلوبغا الفخري باستقراره نائب قلعة الجبل عوضا ~~عن الأمير بجاس. وفي خامسه قدم الأمير نعير بن حيار بن مهنأ ملك العرب إلى ~~الديار المصرية، ولم يحضر قط في أيام الملك الظاهر برقوق، وقصد بحضوره رؤية ~~الملك المنصور وتقبيل الأرض بين يديه، فخلع السلطان عليه، ونزل بالميدان ~~الكبير من تحت القلعة، وأجرى عليه الرواتب. وفيه خلع على الأمير آلابغا ~~العثماني الدوادار الكبير باستقراره في نظر الأحباس مضافا لوظيفته وخلع ~~أيضا على قرقماس الطشتمري واستمر خازندارا. وفي ثامنه خلع على الأمير نعير ~~خلعة السفر. وأنعم على الطواشي صواب السعدي شنكل بإمرة عشرة، واسترجعت منه ~~إمرة طبلخاناه، ولم يقع مثل ذلك أن يكون مقدم المماليك أمير عشرة. وفيه خلع ~~السلطان الملك المنصور على شخص وعمله خياط السلطان، فطلبه الناصري وأخذ منه ~~الخلعة، وضربه ضربا مبرحا، وأسلمه لشاد الدواوين، ثم أفرج عنه بشفاعة ~~الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، فشق ذلك على الملك المنصور، وقال: إذا لم ~~ينفذ مرسومي في خياط فما هذه السلطنة. ثم سكت على مضض. PageV03P0298 # وفي أول شعبان أمر المؤذنون بالقاهرة ومصر أن يزيدوا في الأذان، إلا أذان ~~المغرب: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله عدة مرات. وسبب ذلك أن رجلا من ~~الفقراء المعتقدين سمع في ليلة الجمعة بعد أذان العشاء: الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكان العادة في ليلة الجمعة بعد أذان العشاء يصلي ~~المؤذنون على النبي صلى الله عليه وسلم مرارا على المئذنة، فلما سمع الفقير ~~ذلك قال لأصحابه الفقراء: أتحبون أن تسمعوا هذا في كل أذان؟ قالوا: نعم، ~~فبات تلك الليلة، وأصبح وقد زعم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~منامه يأمره أن يقول لمحتسب القاهرة نجم الدين الطنبدي أن يأمر المؤذنين أن ~~يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم عقيب كل أذان، فمشى الشيخ إلى المحتسب ~~المذكور وقص عليه ما رآه، فسره ذلك، وأمر به فبقي إلى يومنا هذا. ms2406 ثم إن ~~الناصري أنزل السبعين الذين قررهم بالأطباق من مماليك برقوق وفرقهم على ~~الأمراء ورسم أيضا بإبطال المقدمين والسواقين من الطواشية، ونحوهم، وأنزلهم ~~من عند الملك المنصور، فاتضح أمر السلطان الملك المنصور، وعرف كل أحد أنه ~~ليس له أمر ولا نهي في المملكة. ### || AUT الفتنة بين الأمير الكبير يلبغا والأمير تمربغا # الأفضلي المدعو منطاش: ولما كان سادس عشر شعبان أشيع في القاهرة بتنكر ~~منطاش على الناصري وانقطع منطاش عن الخدمة، وأظهر أنه مريض، ففطن الناصري ~~بأنه يريد أن يعمل مكيدة، فلم ينزل لعيادته وبعث إليه الأمير ألطنبغا ~~الجوباني رأس نوبة كبيرا في يوم الاثنين سادس عشر شعبان المذكور ليعوده في ~~مرضه، فدخل عليه، وسلم عليه، وقضى حق العيادة وهم بالقيام، فقبض عليه منطاش ~~وعلى عشرين من مماليكه، وضرب قرقماس دوادار الجوباني ضربا مبرحا، مات منه ~~بعد أيام. ثم ركب منطاش حال مسكه للجوباني في أصحابه إلى باب السلسلة، وأخذ ~~جميع الخيول التي كانت واقفة على باب السلسلة. وأراد اقتحام الباب ليأخذ ~~الناصري على حين غفلة، فلم يتمكن من ذلك وأغلق الباب، ورمى عليه مماليك ~~الناصري من أعلى السور بالنشاب والحجارة، فعاد إلى بيته ومعه الخيول، وكانت ~~داره دار منجك اليوسفي التي اشتراها تمربغا الظاهري الدوادار وجددها بالقرب ~~من مدرسة السلطان حسن، ونهب منطاش في عوده بيت الأمير آقبغا الجوهري ~~الأستدار وأخذ خيوله وقماشه. ثم رسم منطاش في الوقت لمماليكه وأصحابه ~~بالطلوع إلى مدرسة السلطان حسن، فطلعوا إليها وملكوها، وكان الذي طلع إليها ~~الأمير تنكزبغا رأس نوبة والأمير أزدمر الجو كندار دوادار الملك الظاهر ~~برقوق في عدة من المماليك وحمل إليها منطاش النشاب والحجارة، ورموا على من ~~كان بالرميلة من أصحاب الناصري من أعلى المئذنتين ومن حول القبة، فعند ذلك ~~أمر الناصري مماليكه وأصحابه بلبس السلاح، وهو يتعجب من أمر منطاش كيف يقع ~~منه ذلك وهو في غاية من قلة المماليك وأصحابه. وبلغ الأمراء ذلك، فطلع كل ~~واحد بمماليكه وطلبه إلى الناصري. وأما منطاش فإنه أيضا تلاحقت به المماليك ~~الأشرفية خشداشيته ms2407 والمماليك الظاهرية، فعظم بهم أمره، وقوي جأشه. فأما ~~مجيء الظاهرية إليه فرجاء لخلاص أستاذهم الملك الظاهر برقوق، وأما الأشرفية ~~فهم خشداشيته، لأن منطاش كان أشرفيا ويلبغا الناصري يلبغاويا خشداشا ~~لبرقوق. وانضمت اليلبغاوية على الناصري، وهم يوم ذاك أكابر الأمراء وغالب ~~العسكر المصري وتجمعت المماليك على منطاش حتى صار في نحو خمسمائة فارس معه، ~~بعدما كان في سبعين فارسا في أول ركوبه، ثم أتاه من العامة عالم كبير، ~~فترامى الفريقان واقتتلا. PageV03P0299 # ونزل الأمير حسام الذين حسين بن الكوراني والي القاهرة والأمير مأمور ~~حاجب الحجاب من عند الناصري، ونودي في الناس بنهب مماليك منطاش، والقبض على ~~من قدروا عليه منهم، وإحضاره إلى الناصري، فخرج عليهما طائفة من المنطاشية ~~فضربوهما وهزموهما، فعادوا إلى الناصري وسار الوالي إلى القاهرة، وأغلق ~~أبوابها. واشتد الحرب، وخرج منطاش في أصحابه، وتقرب من العامة، ولاطفهم ~~وأعطاهم الذهب، فتعصبوا له وتزاحموا على التقاط النشاب الذي يرمى به من ~~أصحاب الناصري على منطاش وأتوه به وبالغوا في الخدمة لمنطاش، حتى خرجوا عن ~~الحد، فكان الواحد منهم يثب في الهواء حتى يخطف السهم قبل أن يأخذه غيره، ~~ويأتي به منطاش، وطائفة منهم تنقل الحجارة إلى أعلى المدرسة الحسنية ~~واستمروا على ذلك إلى الليل، فبات منطاش ليلة الثلاثاء سابع عشر شعبان على ~~باب مدرسة السلطان حسن المذكورة والرمي يأتيه من القلعة من أعوان الناصري. ~~هذا والمماليك الظاهرية تأتيه من كل فج، وهو يعدهم ويمنيهم، حتى أصبح يوم ~~الثلاثاء وقد زادت أصحابه على ألف فارس كل ذلك والناصري لا يكترث بأمر ~~منطاش، ولا يصلح أمره وإنما يقبل على التراخي استخفافا بمنطاش، وحواشيه ~~يحرضونه على سرعة قتال منطاش ويحذرونه التهاون في أمره. ثم أتى منطاش طوائف ~~من مماليك الأمراء والبطالة وغيرهم شيئا بعد شيء، فحسن حاله بهم، واشتد ~~بأسه، وعظمت شوكته بالنسبة لما كان فيه أولا، لا بالنسبة لحواشي الناصري ~~ومماليكه، فعند ذلك ندب الناصري الأمير بجمان والأمير قرابغا الأبو بكري في ~~طائفة كبيرة ومعهم المعلم شهاب الدين أحمد بن الطولوني المهندس وجماعة ~~كبيرة ms2408 من الحجارين والنقابين لينقبوا بيت منطاش من ظهره حتى يدخلوا منه إلى ~~منطاش ويقاتلوه من خلفه والناصري من أمامه ففطن منطاش بهم، فأرسل إليهم في ~~الحال عدة من جماعته قاتلوهم حتى هزموهم، وأخذوا قرابغا وأتوا به إلى منطاش ~~فرتب الناصري عدة رماة على الطبلخاناه السلطانية، وعلى المدرسة الأشرفية ~~التي هدمها الملك الناصر فرج، وجعل الملك المؤيد مكانها بيمارستانا في ~~الصوة، فرموا على منطاش بالمدافع والنشاب، فقتل عدة من العوام، وجرح كثير ~~من المنطاشية. هذا وقد انزعج الناصري وقام بنفسه وهيأ أصحابه لقتال منطاش، ~~وندب من أصحابه من أكابر الأمراء جماعة لقتاله، وهم الأمير أحمد بن يلبغا ~~أمير مجلس، والأمير جمق ابن الأتابك أيتمش البجاسي في جمع كبير من ~~المماليك، فنزلوا وطردوا العامة من الرميلة، فحملت العامة من أصحاب منطاش ~~عليهم حملة واحدة هزموهم فيها أقبح هزيمة. ثم عاد أحمد بن يلبغا المذكور ~~غير مرة، واستمر القتال بينهما إلى آخر النهار، والرمي والقتال عمال من ~~القلعة على المدرسة الحسنية ومن المدرسة على القلعة. وبينما هم في ذلك خرج ~~من عسكر الناصري الأمير آقبغا المارديني بطلبه وصار إلى منطاش، فتسلل ~~الأمراء عند ذلك واحدا بعد واحد، وكل من يأتي منطاش من الأمراء يوكل به ~~واحد يحفظه، ويبعث به إلى داره، ويأخذ مماليكه فيقاتل الناصري بهم. فلما ~~رأى حسين بن الكوراني الوالي جانب الناصري قد اتضع، خاف على نفسه من منطاش ~~واختفى، فطلب منطاش ناصر الدين محمد بن ليلى نائب حسين ابن الكوراني وولاه ~~ولاية القاهرة، وألزمه بتحصيل النشاب، فنزد في الحال إلى القاهرة، وحمل ~~إليه كثيرا من النشاب. ثم أمره منطاش فنادى بالقاهرة بالأمان والاطمئنان ~~وإبطال المكس والدعاء للأمير الكبير منطاش بالنصر. PageV03P0300 # هذا وقد أخذ أمر الناصري في إدبار، وتوجه جماعة كبيرة من أصحابه إلى ~~منطاش فلما رأى الناصري عسكره في قلة، وقد نفر عنه غالب أصحابه، بعث ~~بالخليفة المتوكل على الله إلى منطاش يسأله في الصلح وإخماد الفتنة فنزل ~~الخليفة إليه وكلمه في ذلك، فقال له منطاش: أنا في طاعة السلطان، ms2409 وهو ~~أستاذي وابن أستاذي، والأمراء إخوتي، وما غريمي إلا الناصري، لأنه حلف لي ~~وأنا بسيواس ثم بحلب ودمشق أيضا بأننا نكون شيئا واحدا، وأن السلطان يحكم ~~في مملكته بما شاء، فلما حصل لنا النصر وصار هو أتابك العساكر، استبد ~~بالأمر، ومنع السلطان من التحكم، وحجر عليه، وقرب خشداشيته اليلبغاوية، ~~وأبعدني أنا وخشداشيتي الأشرفية ثم ما كفاه ذلك حتى بعثني لقتال الفلاحين. ~~وكان الناصري أرسله من جملة الأمراء إلى جهة الشرقية لقتال العربان، لما ~~عظم فساد فلاحيها. ثم قال منطاش: ولم يعطني الناصري شيئا من المال سوى مائة ~~ألف درهم، وأخذ لنفسه أحسن الإقطاعات وأعطاني أضعفها، والإقطاع الذي قرره ~~لي يعمل في السنة ستمائة ألف درهم، والله ما أرجع عنه حتى أقتله أو يقتلني، ~~ويتسلطن ويستبد بالأمر وحلى من غير شريك. فأخذ الخليفة يلاطفه فلم يرجع له ~~وقام الخليفة من عنده وهو مصمم على مقالته، وطلع إلى الناصري وأعاد عليه ~~الجواب. فعند ذلك ركب الناصري بسائر مماليكه وأصحابه، ونزل بجمع كبير لقتال ~~منطاش، وصف عساكره تجاه باب السلسلة وبرز إليه منطاش أيضا بأصحابه، وتصادما ~~واقتتلا قتالا شديدا، وثبت كل من الطائفتين ثباتا عظيما فخرج من عسكر ~~الناصري الأمير عبد الرحمن ابن الأتابك منكلي بغا الشمسي صهر الملك الظاهر ~~برقوق بمماليكه، والأمير صلاح الدين محمد بن تنكر نائب الشام، وكان أيضا من ~~خواص الملك الظاهر برقوق، وسار صلاح الدين المذكور إلى منطاش ومعه خمسة ~~أحمال نشاب وثمانون حمل مأكل وعشرة آلاف درهم. وانكسر الناصري وأصحابه، ~~وطلع إلى باب السلسلة، فمراجع أمره وانضم عليه من بقي من خشداشيته ~~اليلبغاوية، وندب لقتال منطاش الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس ثانيا، ~~والأمير قرادمرداش الأحمدي أمير سلاح، والأمير ألطنبغا المعلم، والأمر ~~مأمور القلمطاوي حاجب الحجاب، والجميع يلبغاوية ونزلوا في جمع موفور من ~~العسكر، وصدموا منطاش صدمة هائلة، وأحمى أظهرهم من في القلعة بالرمي على ~~منطاش وأصحابه، فأخذ أصحاب منطاش عند ذلك في الرمي من أعلى المدرسة بالنشاب ~~والنفط، والتحم القتال، من فوق ومن أسفل، فانكسر عسكر ms2410 الناصري ثانيا، ~~وانهزموا إلى باب السلسلة. هذا والعامة لأخذ النشاب من على الأرض وتأتي به ~~منطاش، وهو يتقرب منهم ويترفق لهم، ويقول لهم: أنا واحد منكم وأنتم إخواننا ~~وأصحابنا وأشياء كثيرة من هذه المقولة هذا وهم يبذلون نفوسهم في خدمته، ~~ويتلاقطون النشاب من الرميلة، مع شدة رمي الناصري عليهم من القلعة. ثم ظفر ~~منطاش بحاصل للأمير جركس الخليلي الأمير آخور وفيه سلاح كثير ومال، وبحاصل ~~آخر لبكلمش العلائي، فأخذ منطاش منهما شيئا كثيرا، فقوي به، فإنه كان أمره ~~قد ضعف من قلة السلاح لا من قلة المقاتلة، لأن غالب من أتاه بغير سلاح. ~~PageV03P0301 # ثم ندب الناصري لقتاله الأمير مأمورا حاجب الحجاب والأمير جمق بن أيتمش ~~والأمير قراكسك في عدة كبيرة من اليلبغاوية، وقد لاح لهم زوال دولة ~~اليلبغاوية بحبس الملك الظاهر برقوق، ثم بكسرة الناصري من منطاش إن تم ذلك، ~~فنزلوا إلى منطاش وقد بذلوا أرواحهم، فبرز لهم العامة أمام المنطاشية، ~~وأكثروا من رميهم بالحجارة في وجوههم ووجوه خيولهم حتى كسروهم، وعادوا إلى ~~باب السلسلة. كل ذلك والرمي من القلعة بالنشاب والنفوط والمدافع متواصل على ~~المنطاشية، وعلى من بأعلى المدرسة الحسنية، حتى أصاب حجر من حجارة المدفع ~~القبة الحسنية فخرقها، وقتل مملوكا من المنطاشية فلما رأى منطاش شدة الرمي ~~عليه من القلعة، أرسل أحضر المعلم ناصر الدين محمد بن الطرابلسي - وكان ~~أستاذا في الرمي بمدافع النفط - فلما حضر عنده جرده من ثيابه ليوسطه من ~~تأخره عنه، فاعتذر إليه بأعذار مقبولة ومضى ناصر الدين في طائفة من ~~الفرسان، وأحضر آلات النفط، وطلع على المدرسة ورمى على الإسطبل السلطاني، ~~حيث هو سكن الناصري، حتى أحرق جانبا من خيمة الناصري وفرق جمعهم. وقام ~~الناصري والسلطان الملك المنصور من مجلسهما ومضيا إلى موضع آخر امتنعا فيه ~~ولم يمض النهار حتى بلغت عدة فرسان منطاش نحو الألفي مقاتل. وبات الفريقان ~~في تلك الليلة لا يبطلان الرمي حتى أصبحا يوم الأربعاء وقد جاء كثير من ~~مماليك الأمراء إلى منطاش ثم خرج من عسكر الناصري الأمير تمرباي ms2411 الحسني ~~حاجب الحجاب، والأمير قردم الحسني رأس نوبة النوب في جماعة كبيرة من ~~الأمراء، وصاروا إلى منطاش من جملة عسكره، وغالب هؤلاء الأمراء من ~~اليلبغاوية. ثم ندب الناصري لقتال منطاش الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، ~~والأمير قرا دمرداش الأحمدي أمير سلاح، وعين منهم جماعة كبيرة، فنزلوا ~~وصدموا المنطاشية صدمة هائلة انكسروا فيها غير مرة، وابن يلبغا يعود بهم، ~~إلى أن ضعف أمره، وانهزم وطلع إلى باب السلسلة، هذا والقوم يتسللون من ~~الناصري إلى منطاش، والعامة تمسك من وجدوه من الترك ويقولون له: ناصري أم ~~منطاشي، فإن قال: ناصري أنزلوه من على فرسه وأخذوا جميع ما عليه وأتوا به ~~إلى منطاش. ثم تكاثرت العامة على بيت الأمير أيدكار حتى أخذوه بعد قتال ~~كبير وأتوا به إلى منطاش، فأكرمه منطاش وبينما هو في ذلك جاءه الأمير ~~ألطنبغا المعلم بطلبه ومماليكه، وكان من أجل خشداشية الناصري وأصحابه، وصار ~~من جملة المنطاشية، فسر به منطاش. ثم عين له ولأيدكار موضعا يقفان فيه ~~ويقاتلان الناصري منه. وبينما منطاش في ذلك أرسل إليه الأمير قرا دمرداش ~~الأحمدي أمير سلاح يسأله في الحضور إليه طائعا فلم يأذن له، ثم أتاه الأمير ~~بلوط الصرغتمشي بعد ما قاتله عدة مرار، وكان من أعظم أصحاب الناصري. ثم حضر ~~إلى منطاش جمق بن أيتمش واعتذر إليه، فقبل عذره وعظم أمر منطاش، وضعف أمر ~~الناصري، واخل أمره، وصار في باب السلسلة بعدد يسير من مماليكه وأصحابه ~~وندم الناصري على خلع الملك الظاهر برقوق وحبسه لما علم أن الأمر خرج من ~~اليلبغاوية وصار في الأشرفية حيث لا ينفعه الندم. فلما أذن العصر قام ~~الناصري هو وقرا دمرداش الأحمدي أمير سلاح وأحمد ابن يلبغا أمير مجلس ~~وآقبغا الجوهري الأستادار والآبغا العثماني الدوادار والأمير قراكسك في عدة ~~من المماليك، وصعد إلى قلعة الجبل ونزل من باب القرافة وعندما قام الناصري ~~من باب السلسلة وطلع القلعة ونزل من باب القرافة، أعلم أهل القلعة منطاش، ~~فركب في الحال بمن معه، وطلع إلى الإسطبل السلطاني وملكه، ووقع ms2412 النهب فيه، ~~فأخذوا من الخيل والقماش شيئا كثيرا. وتفرق الزعر والعامة إلى بيوت ~~المنهزمين، فنهبوا وأخذوا ما قدروا عليه، ومنعهم الناس من عدة مواضع، وبات ~~منطاش بالإسطبل . وأصبح من الغد، وهو يوم الخميس تاسع عشر شعبان، وطلع إلى ~~السلطان الملك المنصور حاجي، وأعلمه بأنه في طاعته، وأنه هو أحق بخدمته ~~لكونه من جملة المماليك الذين لأبيه الأشرف شعبان، وأنه يمتثل مرسومه فيما ~~يأمره به، وأنه يريد بما فعله عمارة بيت الملك الأشرف - رحمه الله - فسر ~~المنصور بذلك هو وجماعة الأشرفية، فإنهم كانوا في غاية ما يكون من الضيق مع ~~اليلبغاوية من مدة سنين. PageV03P0302 # ثم تقدم الأمير منطاش إلى رؤوس النوب بجمع المماليك وإنزالهم بالأطباق من ~~قلعة الجبل على العادة ثم قام من عند السلطان ونزل إلى الإسطبل بباب ~~السلسلة وكان ندب جماعة للفحص على الناصري ورفقته، ففي حال نزوله أحضر إليه ~~الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس، والأمير مأمور القلمطاوي، فأمر بحبسهما ~~بقاعة الفضة من القلعة، وحبس معهما أيضا الأمير بجمان المحمدي وكتب منطاش ~~بإحضار الأمير سودون الفخري الشيخوني النائب من ثغر الإسكندرية ثم قدم عليه ~~الخبر بأن الأمراء الذين توجهوا في أثر الناصري أدركوه بسرياقوس وقبضوا ~~عليه وبعد ساعة أحضر الأمير يلبغا الناصري بين يديه، فأمر به، فقيد وحبس ~~أيضا بقاعة الفضة، ثم حمل هو والجوباني في آخرين إلى سجن الإسكندرية ~~فحبسوهم وأخذ الأمير منطاش يتتبع أصحاب الناصري وحواشيه من الأمراء ~~والمماليك. فلما كان يوم عشرين شعبان قبض على الأمير قرا دمرداش الأحمدي ~~أمير سلاح، فأمر به منطاش، فقيد وحبس. ثم قبض منطاش على جماعة كبيرة من ~~الأمراء، وهم: الأمير ألطنبغا المعلم، والأمير كشلي القلمطاوي، وآقبغا ~~الجوهري، وألطنبغا الأشرفي، وآقبغا العثماني، وفارس الصرغتمشي، وكمشبغا، ~~وشيخ اليوسفي، وعبدوق العلائي، وقيد الجميع وبعث بهم إلى ثغر الإسكندرية، ~~فحبسوا بها. ثم في حادي عشرينه أنعم منطاش على الأمير إبراهيم بن قطلقتمر ~~الخازندار بإمرة مائة وتقدمة ألف، واستقر أمير مجلس عوضا عن أحمد بن يلبغا ~~دفعة واحدة من إمرة عشرة ثم أخلع السلطان ms2413 الملك المنصور على الأمير منطاش ~~باستقراره أتابك العسكر ومدبر الممالك عوضا عن يلبغا الناصري المقبوض عليه. ~~ثم كتب منطاش أيضا بإحضار قطلوبغا الصفوي نائب صفد، والأمير أسندمرالشرفي، ~~ويعقوب شاه، وتمان تمر الأشرفي، وعين لكل منهم إمرة مائة وتقدمة ألف ~~بالديار المصرية. ثم في ثاني عشرينه قبض على الأمير تمرباي الحسني حاجب ~~الحجاب بديار مصر، وعلى الأمير يلبغا المنجكي، وعلى إبراهيم بن قطلقتمر ~~أمير مجلس الذي ولاه في أمسه، ثم أطلقه وأخرجه على إمرة مائة وتقدمة ألف ~~بحلب لأمر اقتضى ذلك. ثم في ثالث عشرين شعبان المذكور قبض منطاش على أرسلان ~~اللفاف، وعلى قراكسك السيفي، وأيدكار العمري حاجب الحجاب، وقردم الحسني، ~~وآقبغا المارديني وعدة من أعيان المماليك اليلبغاوية وغيرهم. ثم قبض على ~~الطواشي مقبل الرومي الدواداري الزمام، وجوهر اليلبغاوي لالا السلطان الملك ~~المنصور ثم قبض منطاش على الطواشي صندل الرومي المنجكي خازندار الملك ~~الظاهر برقوق وعذبه على ذخائر برقوق وعصره مرارا حتى دل على شيء كثير، ~~فأخذها منطاش وتقوى بها. وفي ثامن عشرينه وصل سودون الشيخوني النائب من سجن ~~الإسكندرية فأمره منطاش بلزوم بيته بطالا. ثم أنفق منطاش على من قاتل معه ~~من الأمراء والمماليك بالتدريج، فأعطى لمائة واحد منهم لكل واحد ألف دينار، ~~وأعطى لجماعة أخر لكل واحد عشرة الآف درهم، ودونهم لكل واحد خمسة آلاف ~~درهم، ودونهم لكل واحد ألف درهم، ودونهم لكل واحد خمسمائة درهم. وظهر على ~~منطاش الملل من المماليك الظاهرية والتخوف منهم، فإنه كان قد وعدهم بأنه ~~يخرج أستاذهم الملك الظاهر برقرق من سجن الكرك إذا انتصر على الناصري، فلم ~~يفعل ذلك، ولا أنعم على واحد منهم بإمرة ولا إقطاع، وإنما أخذ يقرب ~~خشداشيته ومماليكه وأولاد الناس، فعز عليهم ذلك في الباطن، وفطن منطاش ~~بذلك، فعاجلهم بأن عمل عليهم مكيدة، وهي أنه لما كان يوم الثلاثاء ثاني شهر ~~رمضان من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة المذكورة طلب سائر المماليك الظاهرية ~~على أنه ينظر في أمرهم وينفق عليهم ويترضاهم، فلما طلعوا إلى القلعة أمر ~~منطاش فأغلق عليهم باب ms2414 القلعة، وقبض على نحو المائتين منهم. حدثني السيفي ~~إينال المحمودي الظاهري قال: كنت من جملتهم، فلما وقفنا بين يدي منطاش، ~~ونحن في طمعة النفقة والإقطاعات، ظهر لي من وجه منطاش الغدر، فتأخرت خلف ~~خشداشيتي، فلما وقع القبض عليهم رميت بنفسي إلى الميدان، ثم منه إلى جهة ~~باب القرافة، واختفيت بالقاهرة. انتهى. ثم بعث منطاش بالأمير جلبان الحاجب، ~~وبلاط الحاجب، فقبض على كثير من المماليك الظاهرية، وسجنوا بالأبراج من ~~قلعة الجبل. PageV03P0303 # قلت: لا جرم، فإنه من أعان ظالما سلط عليه وفي الجملة فإن الناصري كان ~~لحواشي برقوق خيرا من منطاش. غير أنه لكل شيء سبب: وكانت حركة منطاش سببا ~~لخلاص الملك الظاهر برقوق، وعوده إلى ملكه على ما سيأتي ذكره. ثم أمر منطاش ~~فنودي بالقاهرة أن من أحضر مملوكا من مماليك برقوق فله كذا وكذا، وهدد من ~~أخفى واحدا منهم. قلت: وما فعله منطاش هو الحزم، فإنه أزال من يخشاه، وقرب ~~مماليكه وأصحابه، وكاد أمره أن يتم بذلك لو ساعدته المقادير وكيف تساعده ~~المقادير وقد قدر بعود برقوق إلى ملكه بحركة منطاش وبركوبه على الناصري. ثم ~~في ثالث شهر رمضان قبض منطاش على سودون النائب وألزمه بمال يحمله إلى ~~خزانته. وفيه شدد الطلب على المماليك الظاهرية، وألزم سودون النائب المتقدم ~~ذكره بحمل ستمائة ألف درهم كان أنعم عليه بها الملك الظاهر برقوق في أيام ~~سلطنته. ثم خلع على حسين بن الكوراني بعوده إلى ولاية القاهرة، وحرضه منطاش ~~على المماليك الظاهرية. ثم قدمت الأمراء المطلوبون من البلاد الشامية، وخلع ~~منطاش عليهم، وأنعم على كل منهم بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية ~~دفعة، ولم يسبق لهم قبل ذلك أخذ إمرة عشرة بديار مصر. وفيه ظفر منطاش ~~بذخيرة كانت للملك الظاهر برقوق بجوار جامع الأزهر. وفيه أفرج منطاش عن ~~الأمير محمود بن علي الأستادار بعد ما أخذ منه جملة كبيرة من المال ثم أمسك ~~منطاش جماعة من أعيان المماليك الظاهرية ممن كانوا ركبوا معه في أوائل ~~أمره، وبهم كان استفحل أمره، وأضافهم إلى من ms2415 تقدم من خشداشيتهم، وحبس ~~الجميع بأبراج قلعة الجبل، ولم يرق لأحد منهم. قلت: لعله لمثل بأبيات ~~المتنبي: الكامل، لا يخدعنك من عدوك دمعه ... وارحم شبابك من عدو ترحم لا ~~يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم وبينما منطاش في ~~ذلك ورد عليه البريد بخروج الأمير نعير بن حيار بن مهنا أمير العربان، عن ~~الطاعة غضبا للناصري، وأنه اتفق هو وسولي بن دلغادر ونهبا بلادا كثيرة من ~~الأعمال الحلبية، فلم يلتفت منطاش إلى ذلك وكتب لهما يستعطفهما على دخولهما ~~تحت الطاعة. ثم بعد أيام ورد البريد أيضا بخروج الأمير بزلار العمري ~~الناصري حسن نائب الشام عن طاعة منطاش غضبا للأمير يلبغا الناصري، فكتب ~~إليه أيضا مكاتبة خشن له فيها. ثم أخذ منطاش فيما يفعله في أمر دمشق وغيرها ~~- على ما سيأتي ذكره - بعد أن يقعد له قواعد بمصر فبدأ منطاش في اليوم ~~المذكور بالقبض على الطواشي صواب السعدي المعروف بشنكل مقدم المماليك ~~السلطانية. وخلع على الطواشي جوهر وأعاده لتقدمة المماليك. ثم أنعم على ~~جماعة من حواشيه ومماليكه بإقطاعات كثيرة، وأنعم على جماعة منهم بتقدمة ~~ألف، وهم: ولده الأمير ناصر الدين محمد بن منطاش، وهي أحسن التقدم، والأمير ~~قطلويغا الصفوي، وأسندمر بن يعقوب شاه، وتمان تمر الأشرفي، وأيدكار العمري، ~~وأسندمر الشرفي رأس نوبة منطاش، وجنتمر الأشرفي، ومنكلي باي الأشرفي، وتكا ~~الأشرفي، ومنكلي بغا خازندار منطاش، وصراي تمر دوادار منطاش، وتمربغا ~~الكريمي، وألطنبغا الحلبي، ومبارك شاه. ثم أنعم على جماعة كبيرة بإمرة ~~طبلخاناه، وعشرينات وعشرات، فممن أنعم عليه بإمرة طبلخاناه: الشريف بكتمر ~~الحسني، وأبو بكر بن سنقر الجمالي، ودمرداش القشتمري، وعبد الرحمن بن منكلي ~~بغا الشمسي على عادته أولا، وجلبان السعدي، وآروس بغا صلغيه، وإبراهيم بن ~~طشتمر الدوادار، وسربغا الناصري، وتنكز الأعور الأشرفي، وصراي تمر الأشرفي، ~~وآقبغا المنجكي، وملكتمر المحمدي، وقرابغا السيفي، وقطلوبغا الزيني، ~~وتمربغا المنجكي، وأرغون شاه السيفي، ومقبل السيفي منطاش أمير سلاح، وطيبرس ~~السيفي رأس نوية، وبيرم خجا الأشرفي، وألطنبغا الجربغاوي، ومنجك الزيني، ~~وبزلار الخليلي، ومحمد بن أسندمر ms2416 العلائي، وطشبغا السيفي منطاش، وإلياس ~~الأشرفي، وقطلوبغا السيفي، وشيخون الصرغتمشي، وجلبان السيفي، وألطنبغا ~~الطازي، وإسماعيل السيفي، وحسين بن الكوراني. وأنعم على كل ممن يذكر بإمرة ~~عشرين، وهم: كريب الخطائي، وبايجي الأشرفي، ومنكلي بغا الجوباني، وقرابغا ~~الأحمدي، وآق كبك السيفي، وفرج شاد الدواوين، ورمضان السيفي، ومحمد بن ~~مغلطاي المسعودي والي مصر. PageV03P0304 # وأنعم على كل ممن يذكر بإمرة عشرة وهم: صلاح الدين محمد بن تنكز زيادة ~~على ما بيده، وخضر بن عمر بن بكتمر الساقي، ومحمد بن يونس الدوادار، وعلي ~~الجركتمري، ومحمد بن رجب بن محمد التركماني، ومحمد بن رجب بن جنتمر بن عبد ~~الغني، وجوهر الصلاحي، وإبراهيم بن يوسف برلغي، ولؤلؤ العلائي الطواشي، ~~وتنكز العثماني، وصراي تمر الشرفي الصغير، ومنكلي بغا المنجكي، وآق سنقر ~~الأشرفي - رأيت أنا المذكور في دولة الملك الأشرف برسباي في حدود سنة ~~ثلاثين وثمانمائة وقد شاخ - وجاركس القرابغاوي، وأسنبغا التاجي، وسنقر ~~السيفي، وكزل الجوباني، وقرابغا الشهابي، وبك بلاط الأشرفي، ويلبغا ~~التركماني، وأرنبغا الأشرفي، وحاجي اليلبغاوي، وأرغون الزيني، ويلبغا ~~الزيني، وتمر الأشرفي، وجنبغا الشرفي، وجقمق السيفي، وأرغون شاه البكلمشي، ~~وألطنبغا الأشقر، وصواي السيفي، وألطنبغا الإبراهيمي، وآقبغا الأشرفي، ~~وألجيبغا السيفي. انتهى. ثم في خامس عشر شهر رمضان نودي على الزعر بالقاهرة ~~ومصر: من حمل منهم سيفا أو سكينا أو شالق بحجر وسط. وحرض الوالي عليهم، ~~فقطع أيدي ستة منهم في يوم واحد. وفي يوم عشرين شهر رمضان ورد البريد بأن ~~بزلار نائب الشام مسكه الأمير جنتمر أخوطاز، فكاد منطاش أن يطير من الفرح ~~بذلك، لأن بزلار كان من عظماء الملوك ممن كان الملك الظاهر برقوق يخافه، ~~ونفاه إلى الشام، فوافق الناصري، فولاه الناصري نيابة الشام دفعة واحدة ~~مخافة من شره، وكان من الشجعان حسب ما يأتي ذكره في الوفيات. ولما أن بلغ ~~منطاش هذا الخبر قلع السلاح عنه وأمر أمراءه ومماليكه بقلع السلاح، فإنهم ~~كانوا في هذه المدة الطويلة لابسين السلاح في كل يوم. ثم في الحال قبض ~~منطاش على جمق بن أيتمش البجاسي وعلى بيرم العلائي رأس نوبة ms2417 أيتمش. وفيه ~~قدم سيف الأمير بزلار المقدم ذكره. وكان من خبره أن منطاش لما انتصر على ~~الناصري وملك مصر أرسل إلى الأمير بزلار المذكور بحضوره إلى مصر في ثلاثة ~~سروج لا غير على البريد، فأجابه بزلار: لا أحضر إلا في ثلاثين ألف مقاتل، ~~وخاشنه في رد الجواب، وخرج عن طاعته، فخادعه منطاش حسب ما تقدم ذكره، وكتب ~~في الباطن للأمير جنتمر أخي طاز أتابك دمشق بنيابة دمشق إلى أن قبض على ~~بزلار المذكور، ثم سير إليه التشريف بذلك. وكتب إليه أن محمد ابن بيدمر ~~يكون أتابك دمشق عوضه، وجبريل حاجب دمشق فلما بلغ جنتمر ذلك عرف الأمراء ~~المذكورين الخبر، واتفق مع جماعة أخر من أكابر أمراء دمشق وركبوا على بزلار ~~المذكور على حين غفلة وواقعوه، فلم يثبت لهم، وانكسر ومسك وحبس بقلعة دمشق. ~~وأرسل جنتمر سيفه إلى منطاش، واستقر عوضه في نيابة دمشق، فسر منطاش بذلك ~~غايرة السرور. ولم يتم سروره، وقدم عليه الخبر بما هو أهدى وأمر، وهو خروج ~~الملك الظاهر برقوق من سجن الكرك، وأنه استولى على مدينتها ووافقه نائبها ~~الأمير حسام الدين حسن الكجكني، وقام بخدمته، وأنه قد حضر إلى الملك الظاهر ~~برقوق ابن خاطر أمير بني عقبة من عرب الكرك ودخل في طاعته، وقدم هذا الخبر ~~من ابن بأكيش نائب غزة. فلما سمع منطاش ذلك كاد يهلك، واضطربت الديار ~~المصرية، وكثرت القالة بين الناس، واختلفت الأقاويل، وتشغب الزعر. وكان من ~~خبر الملك الظاهر برقوق أن منطاش لما وثب على الأمر وأقهر الأتابك يلبغا ~~الناصري وحبسه وحبس عدة من أكابر الأمراء، عاجل في أمر الملك الظاهر برقوق ~~بأن بعث إليه شخصا يعرف بالشهاب البريدي ومعه كتب للأمير حسام الدين ~~الكجكني نائب الكرك وغيره بقتل الملك الظاهر برقوق من غير مراجعة، ووعده ~~بأشياء غير نيابة الكرك. وكان الشهاب البريدي أصله من الكرك، وتزوج ببنت ~~قاضي الكرك القاضي عماد الدين أحمد بن عيسى المقيري الكركي. ثم وقع بين ~~الشهاب المذكور وبين زوجته، فقام أبوها عليه حتى طلقها منه، وزوجها ms2418 بغيره. ~~وكان الشهاب مغرما بها، فشق ذلك عليه، وخرج من الكرك، وقدم مصر، وصار ~~بريديا. وضرب الدهر ضرباته حتى كان من أمر منطاش ما كان، فاتصل به الشهاب ~~المذكور ووعده أنه يتوجه لقتل الملك الظاهر برقوق، فجهزه منطاش لذلك سرا، ~~وكتب على يده إلى الأمير حسام الدين الكجكني نائب الكرك كتبا بذلك، وحثه ~~على القيام مع الشهاب المذكور على قتل برقوق، وأنه ينزله بقلعة الكرك ~~ويسكنه بها حتى يتوصل لقتل الملك الظاهر برقوق. PageV03P0305 # وخرج الشهاب من مصر، ومضى إلى نحو الكرك على البريد حتى وصل قرية المقير ~~بلد صهره القاضي عماد الدين قاضي الكرك الذي أصله منها، فنزل بها الشهاب، ~~ولم يكتم ما في نفسه من الحقد على القاضي عماد الدين، وقال: والله لأخربن ~~دياره وأزيد في أحكار أملاكه وأملاك أقاربه بهذه القرية وغيرها. فاستوحش ~~قلوب الناس وأقارب عماد الدين من هذه الكلام، وأرسلوا عرفوه بقصد الشهاب ~~وما جاء بسببه قبل أن يصل الشهاب إلى الكرك ثم ركب الشهاب من المقير وسار ~~إلى الكرك حتى وصلها في الليل وبعث للنائب من يصيح به من تحت السور، فمنعوه ~~من ذلك. وأحس الكجكني بالأمر، فلما أصبح أحضره إلى دار السعادة، وقرأ كتاب ~~السلطان الذي على يده، وكتاب منطاش، ومضمونهما أمور أخر غير قتل الظاهر ~~برقوق، فامتثل النائب ذلك بالسمع والطاعة. لما انفض الناس أخرج الشهاب إليه ~~كتاب منطاش الذي بقتل برقوق، فأخذه الكجكني منه ليكون له حجة عند قتله ~~السلطان برقوق، ووعده بقضاء الشغل وأنزل الشهاب بمكان قلعة الكرك قريبا من ~~الموضع الذي فيه الملك الظاهر برقوق، بعد أن استأنس به ثم قام الكجكني من ~~فوره ودخل إلى الملك الظاهر برقوق ومعه كتاب منطاش الذي بقتله، فأوقفه على ~~الكتاب، فلما سمعه الملك الظاهر كاد أن يهلك من الجزع، فحلف له الكجكني بكل ~~يمين أنه لا يسلمه لأحد ولو مات، وأنه يطلقه ويقوم معه، وما زال به حتى هدأ ~~ما به، وطابت نفسه، واطمأن خاطره. هذا وقد اشتهر في مدينة الكرك مجيء ~~الشهاب ms2419 بقتل الملك الظاهر برقوق، لخفة كانت في الشهاب المذكور وأخذ القاضي ~~عماد الدين يخوف أهل الكرك عاقبة قتل الملك الظاهر برقوق وينفرهم عن الشهاب ~~حتى خافوه وأبغضوه وكان عماد الدين مطاعا في أهل بلده، مسموع الكلمة عندهم، ~~لما كانوا يعهدون من عقله وحسن رأيه. وثقل الشهاب على أهل الكرك إلى ~~الغاية، وأخذ الشهاب يلح على الأمير حسام الدين نائب الكرك في قتل الملك ~~الظاهر برقوق، وبقي النائب يسوف به من وقت إلى وقت، ويدافعه عن ذلك بكل حجة ~~وعذر، فزاد الشهاب في القول حتى خاشنه في اللفظ، فعند ذلك قال له الكجكني: ~~هذا شيء لا أفعله بوجه من الوجوه حتى أكتب إلى مصر بما أعرفه وأسأل عن ذلك ~~ممن أثق به من أصحابي من الأمراء. ثم أرسل البريد إلى مصر بأنه لا يدخل في ~~هذا الأمر، ولكن يحضر إليه من يتسلمه منه ويفعل فيه ما يرسم له به. وكان في ~~خدمة الملك الظاهر غلام من أهل الكرك يقال له عبد الرحمن، فنزل إلى جماعة ~~في المدينة وأعلمهم أن الشهاب قد حضر لقتل أستاذه الملك الظاهر. فلما سمعوا ~~ذلك اجتمعوا في الحال، وقصدوا القلعة وهجموها حتى دخلوا إلى الشهاب المذكور ~~وهو بسكنه من قلعة الكرك، ووثبوا عليه وقتلوه، ثم جروه برجله إلى الباب ~~الذي فيه الملك الظاهر برقوق. وكان نائب الكرك الكجكني عند الملك الظاهر، ~~وقد ابتدأوا في الإفطار بعد أذان المغرب، وهي ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان ~~من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة المقدم ذكرها، فلم يشعر الملك الظاهر والكجكني ~~إلا وجماعة قد هجموا عليهم وهم يدعون للملك الظاهر بالنصر، وأخذوا الملك ~~الظاهر بيده حتى أخرجوه من البرج الذي هو فيه، وقالوا له: دس بقدمك عند رأس ~~عدوك، وأروه الشهاب مقتولا ثم نزلوا به إلى المدينة فدهش النائب مما رأى، ~~ولم يجد بدا من القيام في خدمة الملك الظاهر وتجهيزه وانضم على الملك ~~الظاهر أقوام الكرك وأجنادها، وتسامع به أهل البلاد، فأتوه من كل فج ~~بالتقادم والخيول، كل واحد بحسب حاله ms2420 وأخذ أمر الملك الظاهر برقوق من يوم ~~ذلك في استظهار على ما سيأتي ذكره وأما أمر منطاش فإنه لما سمع هذا الخبر ~~وتحققه علم أنه وقع في أمر عظيم، فأخذ في تدبير أحواله فأول ما أبتدأ بمسك ~~الأمير قرقماس الطشتمري الخازندار وأحد أمراء الألوف بديار مصر، وبمسك ~~الأمير شاهين الصرغتمشي أمير آخور، وبمسك قطلوبك أستادار الأتابك أيتمش ~~البجاسي، وعلى جماعة كبيرة من المماليك الظاهرية، وتداول ذلك منه أياما. ~~PageV03P0306 # ثم أنعم منطاش على جماعة من الأمراء بأموال كثيرة، ورسم بسفر أربعة آلاف ~~فارس إلى مدينة غزة صحبة أربعة أمراء من مقدمي الألوف بالديار المصرية، ~~وهم: أسندمر اليوسفي، وقطلوبغا الصفوي، ومنكلي باي الأشرفي، وتمربغا ~~الكريمي، وأنفق في كل أمير منهم مائة ألف درهم فضة ثم عين منطاش مائة مملوك ~~للسفر صحبة أمير الركب إلى الحجاز وأستمر منطاش في عمل مصالحه، إلى أن كان ~~يوم سابع شوال خلع السلطان الملك المنصور على الأمير منطاش المذكور، وفوض ~~إليه تدبير الأمور، وصار أتابك العساكر كما كان يلبغا. أراد منطاش بذلك ~~إعلام الناس أنه ليس له غرض في السلطنة، وأنه في طاعة الملك المنصور ابن ~~أستاذه. ثم خلع الملك المنصور أيضا على الأمير قطلوبغا الصفوي المقدم ذكره ~~في الأربعة أمراء المعينين للسفر باستقراره أمير سلاح، وعلى تمان تمر ~~الأشرفي باستقراره رأس نوبة النوب، وعلى أسندمر بن يعقوب شاه أمير مجلس، ~~وعلى ألطنبغا الحلبي دوادارا كبيرا، وعلى تكا الأشرفي رأس نوبة ثانيا ~~بتقدمة ألف، وعلى إلياس الأشرفي أمير آخور بإمرة طبلخاناه، وعلى أرغون شاه ~~السيفي رأس نوبة ثالثا بإمرة طبلخاناه، وعلى تمربغا المنجكي رأس نوبة رابعا ~~بإمرة طبلخاناه، وعلى قطلوبغا الأرغوني أستادارا، وعلى جقمق شاد الشراب ~~خاناه ثم خلع على تمان تمر رأس نوبة بنظر البيمارستان المنصوري، وعلى ~~ألطنبغا الحلبي الدوادار الكبير بنظر الأحباس. ثم بطل أمر التجريدة المعينة ~~إلى غزة خوفا من المماليك لئلا يذهبوا للملك الظاهر برقوق. ثم في تاسع شمال ~~خلع على الأمير أيدكار باستقراره حاجب الحجاب، وعلى أمير حاج بن مغلطاي ~~حاجبا ثانيا ms2421 بتقدمة ألف. وفيه سمر منطاشر، أربعة من الأمراء، وهم: سودون ~~الرماح أمير عشرة ورأس نوبة، وألطنبغا أمير عشرة أيضا، وأميران من الشام، ~~ووسطوا بسوق الخيل في عاشره لميلهم إلى الملك الظاهر برقوق. ثم أخلع منطاش ~~على تنكز الأعور باستقراره في نيابة حماة عوضا عن طغاي تمر القبلاوي. وفيه ~~حمل جهاز خوند بنت الملك الأشرف شعبان أخت الملك المنصور هذا لتزف على ~~الأمير الكبير منطاش، وكان الجهاز على خمسمائة جمل وعشرة قطر بغال ومشى ~~الحجاب وغالب الأمراء أمام الجهاز، فخلع عليهم منطاش الخلع السنية وبنى بها ~~من ليلته، بعد أن اهتم بالعرس اهتماما زائدا وعندما زفت إليه علق منطاش على ~~شربوشها دينارا زنته مائتا مثقال، ثم ثاني مرة دينارا زنته مائة مثقال، ~~وفتح للقصر بابا من الإسطبل بسبب ذلك بجوار باب السر، هذا مع ما كان منطاش ~~فيه من شغل السر من اضطراب المملكة بعد مسكه الناصري وغيره. وفيه أخرج ~~منطاش عدة من المماليك الظاهرية إلى قوص وبينما منطاش في ذلك قدم عليه ~~الخبر بأن الأمراء المقيمين بمدينة قوص من المنفيين قبل تاريخه خرجوا عن ~~الطاعة، وقبضوا على والي قوص وحبسوه، واستولوا على مدينة قوص، وانضم عليهم ~~جماعة كبيرة من عصاة العربان، فندب منطاش لقتالهم تمربغا الناصري، وبيرم ~~خجا، وآروس بغا من أمراء الطبلخاناة في عدة مماليك. ثم قدم الخبر بأن ~~الأمير كمشبغا الحموي اليلبغاوي نائب حلب خرج عن الطاعة، وأنه قبض على ~~جماعة من أمراء حلب بعد أن حارب إبراهيم بن قطلقتمر الخازندار، وقبض عليه ~~ووسطه هو وشهاب الدين أحمد بن أبي الرضا قاضي قضاة حلب الشافعي، بعد أن ~~قاتلوه ومعهم أهل بانقوسا، فلما ظفر بهم كمشبغا المذكور قتل منهم عدة ~~كبيرة. قلت: وإبراهيم بن قطلقتمر هذا هو صاحب الواقعة مع الملك الظاهر ~~برقوق لما اتفق مع الخليفة هو وقرط الكاشف على قتل الملك الظاهر، وقبض ~~عليهما الظاهر، وعزل الخليفة وحبسه سنين، وقد تقدم ذكر ذلك كله، وهو الذي ~~أنعم عليه منطاش في أوائل أمره بإمرة مائة وتقدمة ألف بمصر، ms2422 وجعله أمير ~~مجلس عوضا عن أحمد بن يلبغا، ثم أخرجه بعد أيام من مصر خوفا من شره إلى حلب ~~على إمرة مائة وتقدمة ألف، فدام بها إلى أن كانت منيته على يد كمشبغا هذا. ~~ثم قدم الخبر على منطاش بأن الأمير حسام الدين حسن بن باكيش نائب غزة جمع ~~العشران وسار لمحاربة الملك الظاهر برقوق، فسر منطاش بذلك. PageV03P0307 # وفي اليوم ورد عليه الخبر أيضا بقوة شوكة الأمراء الخارجين عن طاعته ~~ببلاد الصعيد، فأخرج منطاش في الحال الأمير أسندمر بن يعقوب شاه أمير مجلس ~~في نحو خمسمائة فارس نجدة لمن تقدمه من الأمراء إلى بلاد الصعيد فسار ~~أسندمر بمن معه في ثالث عشرينه، وفي يوم مسيره ورد البريد من بلاد الصعيد ~~باتفاق ولاة الصعيد مع الأمراء المذكورين. وكان من خبرهم أنه لما استقر أبو ~~درقة في ولاية أسوان سار إلى ابن قرط، واتفق معه على المخامرة، وسار معه ~~إلى قوص، وأفرج عمن بها من الأمراء المقدم ذكرهم. وكان عدة الأمراء الذين ~~بقوص زيادة على ثلاثين أميرا، وعدة كبيرة من المماليك السلطانية الظاهرية ~~فلما بلغ خبرهم الأمير مبارك شاه نائب الوجه القبلي اجتمع معه أيضا نحو ~~ثلاثمائة مملوك من الظاهرية واتفقوا على المخامرة أيضا واستمال مبارك شاه ~~عرب هوارة وعرب ابن الأحدب، فرافقوه، واستولوا على البلاد فلما خرجت تجريدة ~~منطاش الأولى لهم انتهت إلى أسيوط، فقبض عليهم مبارك شاه المذكور، وأفرج ~~عمن كان معهم من المماليك الظاهرية فلما بلغ منطاش ذلك أخرج أسندمر بن ~~يعقوب شاه كما تقدم ذكره، وسار إليهم من الشرق، وتوجه إلى جهة الصعيد بمن ~~معه، فلقيه الخارجون عن الطاعة، فواقعهم أسندمر بمن معه، فكسروه، فرسم ~~منطاش بخروج نجدة لهم من الأمراء والمماليك وأجناد الحلقة وبينما هو في ~~تجهيز أمرهم جاء الخبر أن أسندمر واقع مبارك شاه ثانيا وكسره، وقبض عليه، ~~وأرسله إلى منطاش، فقدم مقيدا، فرسم منطاش بحبسه في خزانة شمائل. ثم في يوم ~~سابع عشرينه عين منطاش تجريدة إلى جهة الكرك، فيها أربعة وقيل خمسة أمراء ~~من ms2423 مقدمي الألوف، وثلاثمائة مملوك ثم أخرج منطاش الأمير بفوط الصرغتمشي ~~والأمير غريب لكشف أخبار الملك الظاهر برقوق بالكرك. وأما الملك الظاهر ~~برقوق فإنه لما أنزله عوام الكرك من قلعتها إلى المدينة وقاموا في خدمته، ~~وأتته العربان، وصار في طائفة كبيرة، ووافقه أيضا أكابر أهل الكرك، قويت ~~شوكته بهم، وعزم على الخروج من الكرك، وبرز أثقاله إلى ظاهر الكرك فاجتمع ~~عند ذلك أعيان الكرك عند القاضي عماد الدين أحمد بن عيسى المقيري قاضي ~~الكرك وكلموه في القيام على الملك الظاهر برقوق مراعاة للملك المنصور حاجي، ~~وللأمير منطاش، واتفقوا على قبضه وإعلام أهل مصر بذلك، وأنهم يعتذرون ~~لمنطاش أنه لم يخرج من حبسه بالكرك إلا باجتماع السفهاء من أهل الكرك، ~~ليكون ذلك عذرا لهم عند السلطان وبعثوا ناصر الدين محمدا أخا القاضي عماد ~~الدين المذكور، فأغلق باب المدينة، وبقي الملك الظاهر برقوق داخل المدينة، ~~وحيل بينه وبين أثقاله ومعظم أصحابه. فلما قام الملك الظاهر برقوق ليركب ~~فرسه بلغه ذلك وكان القاضي علاء الدين علي كاتب سر الكرك، وهو أخو القاضي ~~عماد الدين، يكتب للملك الظاهر في مدة خروجه من حبس الكرك، وبالغ في خدمته، ~~وانضم عليه، فلما رأى ما نزل بالملك الظاهر، وبلغه اتفاق أهل المدينة مع ~~أخيه القاضي عماد الدين على القبض على الملك الظاهر برقوق، أعلم الملك ~~الظاهر بذلك، وقوى قلبه، وحرضه على السير إلى باب المدينة فركب معه برقوق، ~~وسار حتى وصل إلى الباب، فوجده مغلقا وأخوه ناصر الدين قائم عند الباب، كما ~~أمره أخوه عماد الدين قاضي الكرك، فما زال علاء الدين بأخيه ناصر الدين ~~المذكور حتى فتح له الباب، وخرج بالملك الظاهر منه ولحق ببقية أصحابه ~~ومماليكه الذين كانوا حضروا إليه من البلاد الشامية فأقام الملك الظاهر ~~بالثنية خارج الكرك يوما واحدا، وسار من الغد في يوم ثاني عشرين شوال إلى ~~نحو دمشق، ونائبها يوم ذاك جنتمر أخو طاز، وقد وصل إليه الأمير الطنبغا ~~الحلبي من مصر نائبا بحلب عوضا عن الأمير كمشبغا الحموي، فاستعدوا لقتال ~~الملك ms2424 الظاهر، ومعهما أيضا حسام الدين حسن بن باكيش نائب غزة بعساكرها. ثم ~~أقبل الملك الظاهر برقوق بمن معه، فالتقوا على شقحب قريبا من دمشق، ~~واقتتلوا قتالا شديدا، كسروا فيه الملك الظاهر غير مرة، وهو يعود إليهم ~~ويقاتلهم إلى أن كسرهم، وانهزموا إلى دمشق، وقتل منهم ما يزيد على الألف - ~~قاله المقريزي - فيهم خمسة عشر أميرا وقتل من أصحاب الملك الظاهر ستون ~~نفسا، ومن أمرائه سبعة نفر، فهي أعظم وقعة كانت للملك الظاهر برقوق في ~~عمره. PageV03P0308 # وركب الملك الظاهر أقفية الشاميين إلى دمشق، فامتنع جنتمر بقلعة دمشق ~~وتوجه من أمراء دمشق ستة وثلاثون أميرا، ونحو ثلاثمائة وخمسين فارسا، وقد ~~أثخنوا بالجراحات، ومعهم نائب صفد، وقصدوا الديار المصرية. فلم يمض غير يوم ~~واحد حتى عاد ابن باكيش نائب غزة بجماعة كبيرة من العربان والعشير لقتال ~~الملك الظاهر وبلغ الملك الظاهر ذلك فأرسل الوالد وقلمطاي لكشف الخبر، ~~فعادا إليه بسرعة بحضور ابن باكيش، فركب الملك الظاهر في الحال وخرج إليه ~~والتقى معه وقاتله حتى كسره، وأخذ جميع ما كان معه من الأثقال والخيول ~~والسلاح، فتقوى الملك الظاهر بذلك وأتاه عدة كبيرة من مماليكه الذين كانوا ~~بالبلاد الشامية في خدمة أمراء الشام، ثم دخل في طاعته الأمير جبريل حاجب ~~حجاب دمشق، وأمير على بن أسندمر الزيني، وجقمق الصفوي، ومقبل الرومي، ~~وصاروا من جملة عسكره فعند ذلك ركب الملك الظاهر إلى دمشق، وحصرها وأحرق ~~القبيبات وأخربها، فهلك في الحريق خلق كبير. وأخذ أهل دمشق في قتال الملك ~~الظاهر برقوق، وأفحشوا في أمره بالسب والتوبيخ، وهو لا يفتر عن قتالهم، ~~وبينما هو في ذلك أتاه المدد من الأمير كمشبغا الحموي نائب حلب، ومن جملة ~~المدد ثمانون مملوكا من المماليك الظاهرية البرقوقية فلما بلغ جنتمر مجيئهم ~~أخرج إليهم من دمشق خمسمائة فارس ليحولوا بينهم وبين الملك الظاهر فقاتلتهم ~~المماليك الظاهرية وكسرتهم، وأخذوا جميع ما كان معهم، وأتوا بهم إلى ~~أستاذهم الملك الظاهر، ففرح بهم غاية الفرح. قال الوالد: فعند ذلك قوي ~~أمرنا واستفحل. واستمروا على حصار دمشق، ms2425 وبينما هم في ذلك، وإذا بنعير قد ~~أقبل في عربانه يريد قتال الملك الظاهر برقوق، فخرج الملك الظاهر وقاتله ~~فكسره، واستولى على جميع ما كان معه. فقوي الملك الظاهر بما صار إليه من ~~هذه الوقائع من الخيل والسلاح، وصار له برك كبير بعد مما كان معه خيمة ~~صغيرة لا غير، وكانت مماليكه في أخصاص، وكل منهم هو الذي يخدم فرسه بنفسه، ~~والآن فقد صاروا بالخيم والسلاح والغلمان هذا ومماليك الملك الظاهر يتداول ~~مجيئهم إليه شيئا بعد شيء ممن كان نفاهم الناصري ومنطاش إلى البلاد ~~الشامية. ووصل الخبر بهذه الوقائع كلها إلى منطاش في خامس عشر ذي القعدة، ~~فقامت قيامة منطاش لما سمع هذه الأخبار. وأخذ منطاش في تجهيز الملك المنصور ~~حاجي للسفر لبلاد الشام لقتال الملك الظاهر برقوق، وأمر الوزير موفق الدين ~~بتجهيز ما يحتاج إليه السلطان، فلم يجد في الخزانة ما يجهز به السلطان، ~~واعتذر بأن المال انتهب وتفرق في هذه الوقائع، فقبل عذره. وسأل منطاش قاضي ~~القضاة صدر الدين المناوي الشافعي، وكان ولاه قضاء القضاة قبل تاريخه بمدة ~~يسيرة بعد عزل ناصر الدين ابن بنت الميلق، وقال له: أقرضني مال الأيتام، ~~وكانت إذ ذاك أموالا كثيرة، فامتنع المناوي من ذلك، ووعظه، فلم يؤثر فيه ~~الوعظ، وختم على جميع مال الأيتام. ثم رسم منطاش لحاجب الحجاب ولناصر الدين ~~محمد بن قرطاي نقيب الجيش بتفرقة النقباء على أجناد الحلقة، وحثهم على ~~التجهيز للسفر وبينما هم في ذلك قدم عليه الخبر بكسرة ابن باكيش نائب غزة ~~ثانيا من الملك الظاهر برقوق، وأخذ الملك الظاهر ما كان معه، فاشتد عند ذلك ~~الاضطراب وكثر الإرجاف ووقع الاهتمام بالسفر، وأزعج أجناد الحلقة. واستدعى ~~منطاش الخليفة المتوكل على الله والقضاة، والشيخ سراج الدين عمر البلقيني، ~~وأعيان الفقهاء، ورتبوا صورة فتيا في أمر الملك الظاهر برقوق، وانفضوا من ~~غير شيء. PageV03P0309 # وفي اليوم ورد على منطاش خبر واقعة صفد وكان من خبرها أن مملوكا من ~~مماليك الملك الظاهر برقوق يقال له يلبغا السالمي كان أسلمه الظاهر إلى ms2426 ~~الطواشي بهادر الشهابي مقدم المماليك، فرباه بهادر ورتبه خازنداره. واستمر ~~على ذلك إلى أن نفى الملك الظاهر بهادر إلى البلاد الشامية، فصار يلبغا ~~السالمي المذكور عند صواب السعدي شنكل، لما استقر مقدم المماليك بعد بهادر ~~المذكور، وصار دواداره الصغير فلما قبض الناصري على شنكل المذكور، خدم ~~يلبغا السالمي هذا عند الأمير قطلوبك النظامي نائب صفد، وصار دواداره وسار ~~مع أهل صفد سيرة حميدة، إلى أن قدم إلى صفد خبر الملك الظاهر برقوق، وخروجه ~~من حبس الكرك، جمع النظامي عسكر صفد ليتوجه بهم إلى نائب دمشق نجدة على ~~الظاهر وأبقى يلبغا السالمي بالمدينة، فقام يلبغا السالمي في طائفة من ~~المماليك الذين استمالهم، وأفرج عن الأمير إينال اليوسفي نائب حلب كان، وعن ~~الأمير قجماس ابن عم السلطان الملك الظاهر برقوق، ونحو المائتين من ~~المماليك الظاهرية من سجن صفد، ونادى بشعار الملك الظاهر برقوق، وأراد ~~القبض على الأمير قطلوبك النظامي فلم يثبت النظامي، وفر في مملوكين، ~~فاستولى السالمي ومن معه على مدينة صفد وقلعتها، وصار الأمير إينال اليوسفي ~~هو القائم بمدينة صفد، والسالمي في خدمته، وأرسلوا إلى الملك الظاهر بذلك. ~~وكان هذا الخبر من أعظم الأمور على منطاش، وزاد قلقه، وكثرت مقالة الناس في ~~أمر الملك الظاهر، ثم تواترت الأخبار بأمر الملك الظاهر. وفي حادي عشرينه ~~ورد الخبر على منطاش بوصول نائب غزة حسام الدين بن باكيش، وصحبته الأمير ~~قطلوبك النظامي نائب صفد المقدم ذكره، والأمير محمد ابن بيدمر أتابك دمشق، ~~وخمسة وثلاثون أميرا من أمراء دمشق، وجمع كبير من الأجناد هزموا الجميع من ~~الملك الظاهر برقوق، وقدموا إلى القاهرة وهم الذين قاتلوا برقوقا مع جنتمر ~~نائب الشام، وقد تقدم ذكر الواقعة فرسم منطاش بدخولهم القاهرة. وفي هذا ~~اليوم استدعى منطاش الخليفة المتوكل على الله والقضاة والعلماء بسبب الفتيا ~~في الملك الظاهر برقوق وقي قتاله، فكتب ناصر الدين الصالحي موقع الحكم فتيا ~~في الملك الظاهر برقوق تتضمن السؤال عن رجل خلع الخليفة والسلطان، وقتل ~~شريفا في الشهر الحرام والبلد الحرام وهو محرم، يعني ms2427 عن أحمد بن عجلان صاحب ~~مكة، واستحل أخذ أموال الناس وقتل الأنفس، وأشياء غير ذلك ثم جعل الفتيا ~~عشر نسخ، فكتب جماعة من الأعيان والقضاة. ثم رسم منطاش بفتح سجن قديم بقلعة ~~الجبل كان قد ارتدم وسجن فيه عدة من المماليك الظاهرية المقبوض عليهم قبل ~~تاريخه. ثم وجد منطاش ذخيرة بالقاهرة للأمير جركس الخليلي في بيت جمال ~~الدين أستاداره، فيها خمسمائة ألف درهم، ونحو خمسين ألف دينار، فأخذها ~~منطاش، ثم أخذ أيضا من مال ابن جركس الخليلي نحو ثلاثمائة ألف دينار مصرية. ~~وفيه دخل الأمراء المنهزمون من الشام إلى القاهرة، وهم: قطلوبك النظامي ~~نائب صفد، وتنكز الأعور نائب حماة، ومحمد بن أيدمر أتابك دمشق، ويلبغا ~~العلائي أحد مقدمي دمشق، وآقباي الأشرفي نائب قلعة الروم. ومن الطبلخانات: ~~دمرداش الأطروش والي الولاة، وأحمد بن تنكز، وجوبان الخاصكي الأشرفي، ~~وقطلوبك جنجق، وخيربك. ومن العشرينات آقبغا الوزيري، وأزمدمر القشتمري، ~~وقنق الزيني، ومنكلي بغا الناصري، وآقبغا الإينالي، وأحمد بن ياقوت ومن ~~العشرات: أسنبغا العلائي، وطغاي تمر الأشرفي، ومصطفى البيدمري، وقرابغا ~~السيفي من أمراء صفد، وتغري برمش الأشرفي، ومنجك الخاصكي، وقجقار السيفي . ~~ومن أمراء حماة: جنتمر الإسعردي، وألطنبغا المارديني، وبكلمش الأرغوني ~~القرمي، وأسنبغا الأشرفي، وحسين الأيتمشي ومن المماليك عدة مائتين وعشرين ~~نفرا. وفي يوم قدم هؤلاء أفرج منطاش عن الأمير قرقماس الطشتمري، واستقر ~~خازندارا على عادته، وعن شيخ الصفوي الخاصكي، وعن أرغون السلامي، ويلبغا ~~اليوسفي، ونزلوا إلى دورهم. ثم نودي بأمر منطاش أن الفقهاء والكتاب لا يركب ~~أحد منهم فرسا، وأن الكتاب الكبار يركبون البغال. ثم رسم بأخذ أكاديش ~~الحمالين وخيل الطواحين الجياد، ورسم بتتبع المماليك الجراكسة، فطلبهم حسين ~~بن الكوراني وأخذهم من كل موضع. PageV03P0310 # ثم رسم منطاش بتخشيب المماليك الظاهرية المسجونين بقلعة الجبل في أيديهم ~~وأرجلهم. ثم في حادي عشرينه اجتمع الأمراء وأهل الدولة مع الأمير منطاش ~~واتفقوا على استبداد السلطان الملك المنصور حاجي بالأمر، وأثبتوا رشده ~~بحضرة القضاة والخليفة، فرسم السلطان بتعليق الجاليش على الطبلخاناه ليعلم ~~الناس بسفر السلطان إلى الشام لقتال الملك الظاهر ms2428 برقوق. ثم أحضر منطاش نسخ ~~الفتوى في الملك الظاهر برقوق، وقد أزيد فيها: واستعان على قتال المسلمين ~~بالكفار، وحضر الخليفة المتوكل على الله، والقضاة الأربعة، والشيخ سراج ~~الدين عمر البلقيني، وولده جلال الدين عبد الرحمن قاضي العسكر، وابن خلدون ~~المالكي، وابن الملقن، وقاضي القضاة بدر الدين محمد بن أبي البقاء، وجماعة ~~أخر، فحضر الجميع بحضرة السلطان الملك المنصور بالقصر الأبلق وقدمت إليهم ~~الفتوى فكتبوا عليها بأجمعهم كتابة شنيعة على قدر النهي، وانصرفوا إلى ~~منازلهم. ثم نودي على أجناد الحلقة للعرض، وهدد من تأخر منهم. وكتب لعرب ~~البحيرة بالحضور للسفر مع السلطان إلى الشام. ثم خلع منطاش على أمير حاج بن ~~مغلطاي الحاجب باستقراره أستادارا. ثم أنعم السلطان على الأمراء القادمين ~~من الشام لكل أمير مائة ومقدم ألف بفرس بقماش ذهب، ولمن عداهم بأقبية، ورتب ~~لهم اللحم والجامكيات والعليق، وأخذ منطاش يستعطفهم بكل ما تصل إليه ~~القدرة. وفي سابع عشرينه أخليت خزانة الخاص بالقلعة وسدت شبابيكها وبابها ~~وفتح من سقفها طاقة، وعملت سجنا للمماليك الظاهرية. ثم في يوم السبت أول ذي ~~الحجة من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة قدم الخبر على منطاش من الصعيد بأن ~~العسكر الذي مع أسندمر بن يعقوب شاه واقع الأمراء الظاهرية بمدينة قوص ~~وكسرهم وقبض عليهم، فسر منطاش بذلك، وخص عنه بعض الأمر، ودقت البشائر لذلك ~~ثلاثة أيام. وفيه أنفق منطاش على الأمراء نفقة السفر، فأعطى لكل أمير من ~~أمراء الألوف مائة ألف درهم فضة، وأعطى لكل أمير من أمراء الطبلخانات خمسين ~~ألف درهم فضة. ثم أمر منطاش بسد باب الفرج أحد أبواب القاهرة وخوخة أيدغمش. ~~ثم قبض منطاش على متى بطرك النصاري وألزمه بمال، وعلى رئيس اليهود وألزمه ~~أيضا بمال. فقرر على البطرك مائة ألف درهم، وعلى رئيس اليهود خمسين ألف ~~درهم. ثم طلب منطاش الشيخ شمس الدين محمد الركراكي المالكي وألزمه بالكتابة ~~على الفتوى في أمر الملك الظاهر برقوق، فامتنع من الكتابة غاية الامتناع، ~~فضربه منطاش مائة عصاة وسجنه بالإسطبل. ثم في خامس عشر ذي الحجة ms2429 برز ~~الأمراء الشاميون من القاهرة إلى ظاهرها للتوجه إلى الشام أمام العسكر ~~السلطاني. وفيه قبض منطاش على الخليفة المخلوع من الخلافة زكريا، وأخذ منه ~~العهد الذي عهده إليه أبوه بالخلافة، وأشهد عليه أنه لا حق له في الخلافة. ~~ثم قدمت الأمراء ما خلا أسندمر بن يعقوب شاه من تجريدة الصعيد ومعهم ~~المماليك الظاهرية الذين كانوا خرجوا عن الطاعة بقوص مقيدين، فخلع منطاش ~~على الأمراء، وأخذ المماليك وغرق منهم جماعة في النيل ليلا، وأخرج بستة من ~~الجب بالقلعة موتى خنقا. ثم قدم الأمير أسندمر بن يعقوب شاه من بلاد الصعيد ~~ومعه الأمراء الخارجون عن الطاعة وهم: الأمير تمرباي الحسني، وقرابغا ~~الأبوبكري، وبجمان المحمدي، ومنكلي الشمسي، وفارس الصرغتمشي، وتمربغا ~~المنجكي، وطوجي الحسني، وقرمان المنجكي، وبيبرس التمان تمري، وقراكسك ~~السيفي، وأرسلان اللفاف، ومقبل الرومي، وطغاي تمر الجركتمري، وجرباش التمان ~~تمري الشيخي، وبغداد الأحمدي، ويونس الإسعردي، وأردبغا العثماني، وتنكز ~~العثماني، وبلاط المنجكي، وقرابغا المحمدي، وعيسى التركماني، وقراجا ~~السيفي، وكمشبغا اليوسفي، وآقبغا حطب، وبك بلاط، فأوقفوا الجميع بين يدي ~~السلطان ومنطاش زمانا، ثم أمر بهم فحبسوا. وأفرج عن جماعة: منهم الأمير قنق ~~باي الألجائي اللالا، وآقبغا السيفي، وتمرباي الأشرفي، وفارس الصرغتمشي ~~وخلع عليه، ثم سجن منطاوش بخزانة شمائل وخزانة الخاص التي سد بابها قبل ~~تاريخه الأمير محمود بن على الاستادار، وآقبغا المارديني، وآيدمر أبو زلطة، ~~وشاهين الصرغتمشي أمير آخور، وجمق بن أيتمش البجاسي، وبطا الطولو تمري ~~الظاهري، وبهادر الأعسر، وعدة كبيرة من الأمراء والمماليك الظاهرية. ~~PageV03P0311 # وفيه ألزم منطاش سائر مباشري الديوان السلطاني وجميع الدواوين بأن يحمل ~~كل واحد خمسمائة درهم وفرسا، وقرر ذلك على الوظائف لا على الأشخاص، حتى من ~~كان له عشرة وظائف في عدة دواوين يحمل عن كل وظيفة خمسمائة درهم وفرسا، ~~فنزل بالناس ما لم يعهدوه، فتوزعوا ذلك فجاء جملة الخيل التي أخذت من ~~المباشرين خيلا وعينا ألف فرس. ثم أحضر منطاش من ألزم من أجناد الحلقة ~~للسفر فأعفاهم، على أن يحضر كل منهم فرسا جيدا، فأحضروا خيولهم، فأخذ ~~جيادها، ورد ما ms2430 عداها. ثم ألزم منطاش رؤوس نوب الحجاب وغيرها بحمل كل واحد ~~منهم خمسة آلاف درهم وعدتهم أربعة. وفي يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة من ~~سنة إحدى وتسعين وسبعمائة نزل السلطان الملك المنصور حاجي من قلعة الجبل ~~ومعه الأمير الكبير منطاش وتوجها بالعساكر إلى الريدانية خارج القاهرة ~~بتجمل عظيم إلى الغاية. فلما نزلا بالمخيم استدعى منطاش قاضي القضاة صدر ~~الدين محمد المناوي الشافعي إلى الريدانية وألزمه بالسفر معه إلى الشام، ~~فامتنع من ذلك وسأل الأعفاء فأعفي. وخلع على قاضي القضاة بدر الدين محمد بن ~~أبي البقاء باستقراره عوضه في قضاء ديار مصر على أن يعطي مال الأيتام ويعطي ~~من ماله مائة ألف درهم أخرى فضة، وخلع عليه، ودخل القاهرة من باب النصر ~~بالتشريف. قلت: هذا هو الكريم الذي تكرم بماله ودينه. ثم رسم منطاش بحبس ~~الخليفة زكرياء والأمير سودون الشيخوني النائب بقاعة الفضة من القلعة. ثم ~~نزل الوزير موفق الدين أبو الفرج وناصر الدين محمد بن الحسام شاد الدواوين ~~إلى خان مسرور بالقاهرة حيث هو مودع مال الأيتام، وأخذ منه بأمر منطاش ~~ثلاثمائة ألف درهم، وألزما أمين الحكم بالقاهرة أن يحصل تتمة خمسمائة ألف ~~درهم. وألزم أمين الحكم بمصر أن يحمل مائة ألف درهم، وألزم أمين الحكم ~~بالحسينية أن يحمل مائة ألف درهم قرضا، كل ذلك حسب إذن قاضي القضاة بدر ~~الدين محمد بن أبي البقاء. وفيه استدعى منطاش القضاة إلى الريدانية بكرة، ~~فأجلسوا بغير أكل إلى قريب العصر، ثم طلبوا إلى عند السلطان، فعقدوا عقده ~~على بنت الأمير أحمد ابن السلطان حسن بصداق مبلغه ألف دينار وعشرون ألف ~~درهم. وعقدوا أيضا عقد الأمير قطلوبغا الصفوي على ابنة الأمير أيدمر ~~الدوادار. وفي ثاني عشرينه رحل الأمير الكبير منطاش في عدة الأمراء جاليشا ~~للسلطان، ثم رحل السلطان الملك المنصور والخليفة والقضاة وبقية العساكر، ~~بعد أن أقيم نائب الغيبة بالقلعة الأمير تكا الأشرفي ومعه الأمير دمرداش ~~القشتمري، وأقيم بالإسطبل السلطاني الأمير صراي تمر، وبالقاهرة الأمير ~~قطلوبغا الحاجب، وجعل منطاش أمر الولاية والعزل ms2431 إلى صراي تمر. ثم رحل ~~السلطان من العكرشة إلى جهة بلبيس، فتقنطر عن فرسه، فتطير الناس من ذلك ~~بأنه يرجع مقهورا، وكذلك كان. ثم سار السلطان وسائر العساكر إلى غزة في ~~ثامن المحرم من سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة وعليهم آلة الحرب والسلاح. وأما ~~أمراء الديار المصرية فإن منطاش أمر قبل خروجه حسين بن الكوراني بالاحتفاظ ~~على حواشي الملك الظاهر برقوق، فأخذ ابن الكوراني يتقرب إلى منطاش بكل ما ~~تصل قدرته إليه: من ذلك أنه توجه إلى قاعة البيسرية بين القصرين حيث هو سكن ~~الخوندات إخوة الملك الظاهر برقوق الكبرى والصغرى أم الأتابك بيبرس، وهجم ~~عليهن بالقاعة المذكورة، وأخذ بيبرس من أمه أخذا عنيفا، بعد أن أفحش في ~~سبهن، وبالغ في ذم الملك الظاهر والحط منه، وأخذ الخوندات حاسرات هن ~~وجواريهن مسبيات يسحبهن بشوارع القاهرة وهن في بكاء وعويل حتى أبكين كل ~~أحد، وحصل بذلك عبرة لمن اعتبر، ولا زال يسحبهن على هذه الصورة إلى باب ~~زويلة، فصادف مرورهن بباب زويلة دخول مقبل نائب الغيبة من باب زويلة، فلما ~~رأى مقبل ذلك أنكره غاية الإنكار، ونهر حسين بن الكوراني على فعله ذلك، ~~وردهن من باب زويلة، بعد أن أركب الخوندات وسترهن إلى أن عدن إلى قاعة ~~البيسرية، فكان هذا من أعظم الأسباب في هلاك حسين بن الكوراني على ما يأتي ~~ذكره في سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية إن شاء الله تعالى. ثم نادى حسين ~~بن الكوراني على المماليك الظاهرية أن من أحضر مملوكا منهم كان له ألفا ~~درهم. PageV03P0312 # وأما السلطان الملك المنصور ومنطاش فإن الأخبار أتتهما بأن الأمير كمشبغا ~~الحموي نائب حلب لم يزل يبعث يمد الملك الظاهر من حلب بالعساكر والأزواد ~~والآلات والخيول وغير ذلك، حتى صار لبرقوق برك عظيم، ثم خرج من بعد ذلك من ~~حلب بعساكرها وقدم على الملك الظاهر لنصرته، فعظم أمر الملك الظاهر به إلى ~~الغاية، وكثرت عساكره، وجاءته التركمان والعربان والعشير من كل فج فلما بلغ ~~ذلك منطاش جد في السير هو والسلطان والعساكر إلى ms2432 نحو الملك الظاهر برقوق. ~~وبلغ الملك الظاهر مجيء الملك المنصور ومنطاش لقتاله، فترك حصار دمشق وأقبل ~~نحوهم بعساكره ومماليكه حتى نزل على شقحب، ونزل العسكر المصري على قرية ~~المليحة، وهي عن شقحب بنحو البريد، وأقاموا بها يومهم وبعثوا كشافتهم، ~~فوجدوا الملك الظاهر برقوقا على شقحب، فتقدم منطاش بالسلطان والعساكر إلى ~~نحوه، بعد أن صف منطاش عساكر السلطان ميمنة وميسرة، وقلبا وجناحين، وجعل ~~للميمنة رديفا، وكذلك للميسرة، هذا بعد أن رتب الملك الظاهر برقوق أيضا ~~عساكره، غير أنه لم يتصرف في التعبية كتصرف منطاش لقلة جنده. ووقف منطاش في ~~الميمنة على ميسرة الظاهر برقوق، والتقى الفريقان في يوم الأحد رابع عشر ~~للمحرم في سنة اثنتين وتسعين وتصادما، واقتتل الفريقان قتالا عظيما لم يقع ~~مثله في سالف الأعصار. وحمل منطاش من الميمنة على ميسرة الظاهر، وحمل أصحاب ~~ميمنة الظاهر على ميسرة الملك المنصور، وبذل كل من الفريقين جهده، وثبتت كل ~~طائفة للأخرى، فكانت بينهما حروب شديدة انهزم فيها ميمنة الملك الظاهر ~~وميسرته، وتبعهم منطاش بمن معه، وثبت الملك الظاهر في القلب، وقد انقطع عنه ~~خبر أصحابه، وأيقن بالهلاك وبينما هو في ذلك لاح له طلائع السلطان الملك ~~المنصور، وقد انكشف الغبار عنه، فحمل الملك الظاهر بمن بقي معه على الملك ~~المنصور، فأخذه وأخذ الخليفة المتوكل على الله والقضاة والخزائن، ومالت ~~الطائفة التي ثبتت معه على أثقال المصريين، فأخذوها على آخرها، وكانت شيئا ~~يخرج عن الحد في الكثرة. ووقع الأمير قجماس ابن عم الملك الظاهر في قبضة ~~منطاش ولم يتعوق منطاش واستمر في أثر المنهزمين وهو يظن أن الملك الظاهر ~~أمامه إلى أن وصل إلى دمشق وبها نائبها الأمير جنتمر أخو طاز فقال له ~~منطاش: قد كسرنا الظاهر برقوقا، وفي الغد يقدم السلطان الملك المنصور، ~~فاخرج إلى لقائه، فمشى ذلك على جنتمر. وأحتار منطاش فيما يفعل في الباطن، ~~ولم يعرف ما حصل بعده للملك المنصور، ومع هذا كله في نفسه أن الملك الظاهر ~~برقوق قد انكسر. وأما أمر السلطان الملك الظاهر برقوق وأصحابه ms2433 فإن الأمير ~~كمشبغا نائب حلب كان على ميمنة الملك الظاهر برقوق، فلما أنهزم من منطاش تم ~~في هزيمته إلى حلب وتبعه خلائق من عساكر حلب وغيرها، وفي ظن كمشبغا أن ~~الملك الظاهر قد انكسر وتبعه في الهزيمة الأمير حسام الدين حسن الكجكني، ~~نائب الكرك، ومعه أيضا عدة كبيرة من عساكر حلب والكرك، فسار بهم إلى الكرك، ~~كما سار كمشبغا إلى حلب، فلم يصل كل واحد من كمشبغا والكجكني حتى قاسى ~~شدائد ومحنا. هذا مع أنهم قطعوا رجاءهم من نصرة الملك الظاهر برقوق، غير أن ~~كل واحد ينظر في مصلحة نفسه فيما يأتي. وأما الملك الظاهر فإنه لم يتأخر ~~عند إلا نحو من ثلاثين نفرا، أعني من المماليك الظاهرية الذين كانوا معه ~~عند أخذه الملك المنصور. وأما من بقي من التركمان والغوغاء فأزيد من مائتي ~~نفر. ولما قصد الملك الظاهر السلطان الملك المنصور حاجيا والخليفة والقضاة ~~وأخذهم وملك العصائب السلطانية، وقف تحت العصائب، فلما رآه المنصور ارتاع، ~~فسكن الملك الظاهر روعه، وآنسه بالكلام، وسلم على الخليفة والقضاة، وبش في ~~وجوههم وتلطف بهم، فإنه لما رآه الخليفة كاد يهلك من هيبته، وكذلك القضاة، ~~فما زال بهم حتى طمأن خواطرهم. هذا بعد أن سلبت النهابة القضاة الثلاثة ~~جميع ما عليهم، قبل أن يقع بصر الملك الظاهر عليهم، ما خلا القاضي الحنبلي ~~ناصر الدين نصر الله، فإنه سلم من النهب، لعدم ركوبه وقت الحرب، ولم يركب ~~حتى تحقق نصرة الملك الظاهر برقوق، فعند ذلك ركب وجاء إليه مع جملة رفقته ~~وأما مباشرو الدولة فإنهم كانوا توجهوا الجميع إلى دمشق، هذا بعد أن قتل من ~~الطائفتين خلائق كثيرة جدا يطول الشرح في ذكرها. PageV03P0313 # واستمر الملك الظاهر واقفا تحت العصائب السلطانية، والملك المنصور ~~والخليفة بجانبه وتلاحق به أصحابه شيئا بعد شيء، وتداول مجيئهم إليه، وجاءه ~~جمع كبير من العساكر المصرية طوعا وكرها: فإنه صار الرجل منهم، بعد فراغ ~~المعركة، يقصد العصائب السلطانية، فيجد الملك الظاهر تحتها، فلا يجد بدا من ~~النزول إليه وتقبيل الأرض له، فإن ms2434 خافه الملك الظاهر قبض عليه، وإلا تركه ~~من جملة عسكره. واستمر الملك الظاهر برقوق يومه وليلته على ظهر فرسه ~~بسلاحه، وحوله مماليكه وخواصه. قال الوالد فيما حكاه بعد ذلك لمماليكه ~~وحواشيه: وبات كل منا على فرسه، على أن غالبنا به الجراح الفاشية المنكية، ~~وهو مع ذلك بسلاحه على فرسه ولم يغف أحد منا تلك الليلة، من السرور الذي ~~طرقنا، وأيضا من الفكر فيما يصير أمرنا بعد ذلك إليه، غير أننا حصل لنا ~~ولخيولنا راحة عظيمة، ببياتنا تلك الليلة في مكان واحد. وتشاورنا فيما نفعل ~~من الغد، وكذلك السلطان الملك الظاهر، فإنه أخذ يتكلم معنا فيما يرتبه من ~~الغد، في قتال منطاش ونائب الشام، فما أصبح باكر نهار الاثنين إلا وقد ~~رتبنا جميع أحوالنا، وصار الملك الظاهر في عسكر كثيف، وتهيأنا لقتال منطاش ~~وغيره. وبعد ساعة إذا بمنطاش قد أقبل من الشام في عالم كبير، من عسكر دمشق ~~وعوائها وممن تراجع إليه من عسكره بعد الهزيمة، فتواقعنا، فحصل بيننا وقعة ~~من شروق الشمس إلى غروبها، ووقع بيننا وبينهم قتال لم يعهد مثله في هذا ~~العصر. وبذل كل منا ومنهم نفسه، فقاتلنا عن أرواحنا لا عن أستاذنا، لأننا ~~تحقق كل منا أنه إن انهزم بعد ذلك لا بقاء له في الدنيا، والمنطاشية أيضا ~~قالوا كذلك. وانكسر كل منا ومنهم غير مرة وتراجع. هذا والملك الظاهر يكر ~~فينا بفرسه كالأسد ويشجع القوم ويعدهم ويمنيهم ثم قصدني شخص من الأمراء ~~يقال له آقبغا الفيل، وحمل علي، فحملت عليه وطعنته برمحي ألقيته عن فرسه، ~~فرآه الملك الظاهر، فسأل عني، فقيل له: تغري بردي، فتفاءل باسمي. وقال ما ~~معناه: الله لا ينولني ما في خاطري إن كنت ما أرقيك إلى الرتب العالية. ~~انتهى. قلت: ومعنى اسم تغري بردي باللغة التركية: الله أعطى، فلهذا تفاءل ~~الملك الظاهر به، لما قيل له تغري بردي. واستمر كل من الطائفتين تبذل نفسها ~~لنصرة سلطانها إلى أن أرسل الله سبحانه وتعالى في آخر النهار ريحا ومطرا في ~~وجه منطاش ومن معه، ms2435 فكانت من أكبر الأسباب في هزيمته وخذلانه. ولم تغرب ~~الشمس حتى قتل من الفريقين خلائق لا يحصيها إلا الله تعالى: من الجند ~~والتركمان والعربان والعامة. وولى منطاش هو وأصحابه منهزما إلى دمشق، على ~~أقبح وجه. وعاد الملك الظاهر برقوق بمماليكه إلى مخيمه بالمنزلة المذكورة، ~~ولم يكن في أحد من عسكره منعة أن يتبع منطاش ولا عسكره. واستمر الملك ~~الظاهر بمزلة شقحب سبعة أيام، حتى عزت عنده الأقوات، وأبيعت البقسماطة ~~بخمسة دراهم فضة، وأبيع الفرس بعشرين درهما، والجمل بعشرة دراهم، وذلك ~~لكثرة الدواب وقلة العلف. وغنم أصحاب الملك الظاهر أموالا جزيلة. وفي مدة ~~إقامة الملك الظاهر بشقحب، قدم عليه جماعة كبيرة من الأمراء والتركمان ~~والعربان والمماليك. ثم جمع الملك الظاهر من معه من الأمراء والأعيان بحضرة ~~الخليفة والقضاة، وأشهد على الملك المنصور حاجى بخلع نفسه من السلطنة، وحكم ~~بذلك القضاة. ثم بويع الملك الظاهر برقوق بالسلطنة وأثبت القضاة بيعته وخلع ~~على الخليفة والقضاة. ثم ولي الأمير إياس الجرجاوي نيابة صفد، والأمير قديد ~~القلمطاوي نيابة الكرك، والأمير آقبغا الصغير نيابة غزة. ثم تهيأ الملك ~~الظاهر للعود إلى الديار المصرية، ورحل من شقحب، فأتاه عند رحيله منطاش ~~بعسكر الشام ووقف على بعد، فاستعد الملك الظاهر للقائه فلم يتقدم منطاش. ثم ~~ولى منطاش إلى ناحية دمشق، فأراد الملك الظاهر أن يتبعه، فمنعه من ذلك ~~أعيان دولته وقالوا له: أنت سلطان مصر أم سلطان الشام امض إلى مصر واجلس ~~على تخت الملك، فتصير الشام وغيرها في قبضتك. فصوب الملك الظاهر هذا الرأي، ~~وسار من وقته بمن معه من الملك المنصور والخليفة والقضاة إلى جهة الديار ~~المصرية. PageV03P0314 # ثم أرسل الملك الظاهر يأمر منصور حاجب غزة بالقبض على حسام الدين حسن بن ~~باكيش نائب غزة، فقبض عليه واستولى على مدينة غزة وقيد ابن باكيش المذكور ~~وبعث به إلى الملك الظاهر، فوافاه بمدينة الرملة فأوقفه بين يديه ووبخه، ثم ~~ضربه بالمقارع، ثم حمله معه إلى غزة فضربه بها أيضا ضربا مبرحا. وكان يوم ~~دخول السلطان الملك الظاهر إلى ms2436 غزة يوم مستهل صفر من سنة اثنتين وتسعين ~~وسبعمائة. وأما الديار المصرية، فإنه أشيع بكسرة الملك الظاهر لمنطاش، يوم ~~رابع عشر المحرم، وهو يوم الوقعة، قاله الشيخ تقي الدين المقريزي - رحمه ~~الله - وهذا شيء من العجائب. وفي هذه الأيام ورد من الفيوم محضر على نائب ~~الغيبة مفتعل بأن حائطا سقط على الأمراء المسجونين بالفيوم، ماتوا تحته، ~~وهم: الأمير تمرباي الحسني حاجب الحجاب، وقرابغا الأبو بكري أحد مقدمي ~~الألوف، وطوغاي تمر الجركتمري أحد أمراء الألوف أيضا، ويونس الإسعردي ~~الرماح الظاهري، وقازان السيفي، وتنكز العثماني، وأردبغا العثماني، وعيسى ~~التركماني. قال المقريزي: هذا والكتب المزورة ترد على أهل مصر في كل قليل، ~~بأن السلطان الملك المنصور انتصر على الملك الظاهر برقوق، وملك الشام، وأن ~~الظاهر هرب، فدقت البشائر لذلك أياما، ولم يمش ذلك على أعيان الناس، مع أن ~~الفتنة لم تزل قائمة في هذه المدة بين الأمير صراي تمر نائب الغيبة وبين ~~الأمير تكا الأشرفي المقيم بقلعة الجبل، وكل منهما يحترز من الآخر. وأتفق ~~مع ذلك أن الأمراء والمماليك الظاهرية الذين سجنوا بخزانة الخاص من القلعة ~~زرعوا بصلا في قصريتين فخار وسقوهما، فنجب بصل إحدى القصريتين ولم ينجب ~~الآخر، فرفعوا القصرية التي لم ينجب بصلها، فإذا هي مثقوبة من أسفلها ~~وتحتها خلو، فما زالوا به حتى اتسع وأفضى بهم إلى سرداب مشوا فيه حتى صعد ~~بهم إلى طبقة الأشرفية من قصور القلعة القديمة، وكان منطاش سد بابها الذي ~~ينزل منه إلى الإسطبل السلطاني فعاد الذين مشوا وأعلموا أصحابهم، فقاموا ~~بأجمعهم وهم نحو الخمسمائة رجل ومشوا فيه ليلة الخميس ثاني صفر، وقد عملوا ~~عليهم الأمير بطا الطولوتمري الظاهري رأسا، وحاولوا باب الأشرفية حتى ~~فتحوه، فثار بهم الحراس الموكلون بحفظ الباب، وضربوا مملوكا يقال له تمربغا ~~فقتلوه، وكان ابتدأ بالخروج، فبادر بطا بعده ليخرج فضربه الحارس ضربة كما ~~ضرب تمربغا قبله، سقط منها بطا إلى الأرض، ثم قام وضرب بقيده الرجل الحارس ~~ضربة كما ضربه فصرعه، وخرج البقية. وصرخوا المماليك: ياتكا يا منصورا ~~وجعلوا قيودهم ms2437 سلاحهم، يقاتلون بها. وقصدوا الإسطبل السلطاني، فانتبه صراي ~~تمر، فسمع صياحهم تكا يا منصور، فلم يشك أن تكا ركب عليه ليأخذه بغتة، لما ~~كان بينهما من التخاصم. وقوي خوفه، فنهض في الحال ونزل من الإسطبل من باب ~~السلسلة، وتوجه إلى بيت الأمير قطلوبغا الحاجب، وكان قريبا من الإسطبل ~~بالرميلة وملك بطا ورفقته الإسطبل، واحتوى على جميع ما كان فيه من قماش ~~صراي تمر وخيله وسلاحه، وقبض على المنطاشية، وأفرج عن المحبوسين من ~~الظاهرية، وأخذ الخيول التي كانت هناك. وأمر في الوقت بحق الكوسات، فدقت في ~~الوقت نحو ثلث الليل الأول فاستمروا على ذلك إلى أن أصبحوا يوم الخميس. ~~وندم صراي تمر على نزوله من الإسطبل، ولبس هو وقطلوبغا الحاجب آلة الحرب، ~~وأرسلوا إلى تكا بأن يقاتل المماليك الظاهرية من أعلى القلعة، وهم ~~يقاتلونهم من تحت، فرمى تكا عليهم من الرفرف والقصر، وساعده الأمير مقبل ~~أمير سلاح ودمرداش القشتمري بمن معه من مماليكهم والمماليك المقيمين ~~بالقلعة، فقاتلهم المماليك الظاهرية. وتسامعت المماليك الظاهرية البطالة ~~ومن كان مختفيا منهم، فجاؤوهم من كل مكان، وكذلك المماليك اليلبغاوية، ~~وغيرهم من حواشي الملك الظاهر برقوق، ومن حواشي يلبغا الناصري وغيره من ~~الأمراء الممسوكين، وكبسوا سجن الديلم، وأخرجوا من كان به محبوسا من ~~المماليك وغيرهم. ثم بعثوا إلى خزانة شمائل فكسروا بابها وأخرجوا من كان ~~بها أيضا من المماليك اليلبغاوية والظاهرية وغيرهم، ثم فعلوا ذلك بحبس ~~الرحبة، فقوي أمر بطا ورفقته وكثر جمعهم، فخاف حسين بن الكوراني وهرب ~~واختفى. PageV03P0315 # ثم ركب الأمير صراي تمر والأمير قطلوبغا حاجب الحجاب في جمع كبير من ~~مماليكهم وغيرها وخرجا لقتال بطا وأصحابه فنزل بطا بمن معه، وقد تهيأ ~~للقتال، وقد صار في جمع كبير، واجتمعت عليه العوام لمعاونته فلما تصاففا ~~خامر جماعة من المنطاشية وجاؤوا إلى بطا وصدم بطا المنطاشية فكسرهم، ~~فانحازوا إلى مدرسة السلطان حسن فلما رأى تكا ذلك خرج إلى الطبلخاناه ورمى ~~على بطا وأصحابه بالنشاب ومدافع النفط، فنزل طائفة من الظاهرية إلى بيت ~~قطلوبغا وملكوه، ونقبوا منه نقبا ms2438 طلعوا منه إلى المدرسة الأشرفية بالصوه، ~~وصعدوا إلى سطحها تجاه الطبلخاناه السلطانية ورموا على من بالطبلخاناه من ~~أعوان تكا فانهزموا. فملك الظاهرية الطبلخاناه وحاصروا من هو بمدرسة ~~السلطان حسن وكان بها طائفة من التركمان قد أعدهم منطاش لحفظها فصاحوا ~~وسألوا الأمان لشدة الرمي عليهم بمكاحل النفط، فانهزم عند ذلك أيضا من كان ~~من الرماة على باب المدرج أحد أبواب القلعة، وسارت الظاهرية واليلبغاوية ~~إلى بيوت الأمراء فنهبوها. كل ذلك والقاهرة في أمن مع عدم وجود من يحفظها. ~~ولم يمض النهار حتى وصل عدد الظاهرية إلى ألف، وأمدهم ناصر الدين أستادار ~~منطاش بمائة ألف درهم. ثم طلب بطا ناصر الدين محمد بن العادلي، وأمره أن ~~يتحدث في ولاية القاهرة عوضا عن ابن الكوراني، فدخلها ابن العادلي ونادى ~~فيها بالأمان والدعاء للملك الظاهر برقوق فسر الناس سرورا زائدا. ثم في يوم ~~الجمعة ثالث صفر سلم الأمير تكا قلعة الجبل إلى الأمير سودون الشيخوني ~~النائب. ثم أقام بطا في ولاية القاهرة. منجك المنجكي، عوضا عن ابن العادلي، ~~فركب ودخل القاهرة ونادى أيضا بالأمان والدعاء للسلطان الملك الظاهر برقوق. ~~وفيه نزل الأمير سودون النائب من القلعة ومعه تكا الأشرفي ودمرداش القشتمري ~~ومقبل السيفي أمير سلاح إلى عند الأمير بطا، فقبض بطا عليهم وقيدهم، وبالغ ~~في إكرام الأمير سودون النائب، وبعثه إلى الأمير صراي تمر، فنزل سودون إلى ~~صراي تمر، وما زال به حتى كفه عن الرمي وأخذه هو وقطلوبغا وسار، فتكاثر ~~العامة عليهما يريدون قتلهما، والأمير سودون النائب يمنعهم من ذلك أشد ~~المنع، فلم يلتفتوا إليه، ورجموهما رجما متتابعا كاد يهلك الجميع، فاحتاجوا ~~إلى الرمي بالنشاب عليهم وضربهم بالسيوف، فقتل منهم جماعة كبيرة، فطلع ~~سودون النائب بهما وبمن كان معهما إلى الإسطبل، فقيدهم بطا أيضا وسجنهم، ~~وأمر بمن في المدرسة من المقاتلة فنزلوا كلهم. وأذهب الله تعالى الدولة ~~المنطاشية من مصر في نحو ثلاثة أيام كأنها لم تكن وركب الأمير سودون ~~الشيخوني النائب وعبر إلى القاهرة، والمنادي ينادي بين يديه بالأمان ~~والدعاء للملك الظاهر ms2439 برقوق. وأرسل إلى خطباء الجوامع فدعوا له في خطبة ~~الجمعة. وأطلق بطا زكرياء المخلوع عن الخلافة والشيخ شمس الدين صور ~~الركراكي المالكي وسائر من كان بالقلعة من المسجونين. وصار بطا يتتبع ~~المنطاشية ويقبض عليهم كما كان منطاش يتتبع الظاهرية ويقبض عليهم. وفي ~~أثناء ذلك قدم أحمد بن شكر الدليل وأشاع الخبر بالقاهرة بأن الملك الظاهر ~~برقوقا قادم إلى الديار المصرية ثم قدم خلبان العيسوي الخاصكي وأخبر برحيل ~~الملك الظاهر برقوق من مدينة غزة في يوم الخميس ثاني صفر، فدقت البشائر، ~~وتخلق الظاهرية بالزعفران. وكتب بطا للسلطان يخبره بما اتفق، وأنهم ملكوا ~~ديار مصر، وأقاموا الخطبة باسمه، وبجميع ما وقع لهم مفصلا، وبعثوا بهذا ~~الخبر الشريف عنان بن مغامس، ومعه آقبغا الطولوتمري المعروف باللكاش أحد ~~المماليك الظاهرية، في يوم السبت رابع صفر ثم كتب بطا إلى سائر الأعمال ~~بالقبض على المنطاشية والإفراج عن الظاهرية وإرسالهم إلى الديار المصرية. ~~ثم طلب بطا حسين بن الكوراني في الإسطبل، فلما طلع أراد المماليك الظاهرية ~~قتله لقبح ما فعل فيهم، فشفع فيه سودون النائب. PageV03P0316 # ثم خلع عليه بطا وأعاده إلى ولاية القاهرة وأمره بتحصيل المنطاشية، فنزل ~~في الحال ونادى: من قبض على مملوك منطاشي أو أشرفي فله كذا وكذا. ثم قبض ~~بطا على الأمير قطلوبغا، والأمير بوري صهر منطاش، والأمير بيدمرشاد القصر، ~~والأمير صلاح الدين محمد بن تنكز وحبسهم بالقلعة ثم حصن بطا القلعة تحصينا ~~زائدا ورتب الرماة والنفطية والرجال حتى ظن كل أحد أنه يمنع الملك الظاهر ~~من طلوع القلعة. قلت: وكان الأمر كما ظنه الناس، حسب ما حكاه الوالد بعد ~~ذلك، كما سنذكره الآن في محله. قال: وكثر الكلام في أمر بطا ثم أمر الفخري ~~بن مكانس بعمل سماط في الإسطبل السلطاني، فصار الأمراء والمماليك بأجمعهم ~~يأكلون منه في كل يوم عند الأمير بطا. ثم قدم كتاب الملك الظاهر إلى بطا ~~على يد سيف الدين محمد بن عيسى العائدي يأمره بتجهيز الإقامات إليه. ثم قدم ~~كتاب الملك الظاهر بتفصيل الوقعة بينه وبين منطاش، ms2440 ثم قدم كتاب آخر عقيبه ~~كل ذلك ولم تطمئن النفوس بعود الملك الظاهر إلى ملكه ولا ارتفع الشك، بل ~~كان بطا يخشى أن يكون ذلك مكيدة من مكايد منطاش، وهو ينتظر جواب كتابه ~~للملك الظاهر، حتى قدم آقبغا الطولوبمري اللكاش، وقد ألبسه الملك الظاهر ~~خلعة سنية شق بها القاهرة، فعند ذلك تحقق كل أحد بنصرة الملك الظاهر برقوق ~~ونودي بالأمان والاطمئنان، ومن ظلم أو قهر فعليه بباب الأمير بطا. ثم قبض ~~بطا على حسين بن الكوراني وقيده بقيد ثقيل جدا ونهبت داره، وصار الصارم ~~يأخذ ابن الكوراني في الحديد، كما يؤخذ اللصوص، ويضربه ويعصره. ثم نقل من ~~عند الصارم الوالي إلى الأمير ناصر الدين محمد بن آقبغا آص شاد الدواوين، ~~فعاقبه أشد عقوبة. وفي تاسعه قدم تغري بردي البشبغاوي الظاهري، وهو والد ~~كاتبه، إلى القاهرة بكتاب السلطان يتضمن السلام على الأمراء وغيرهم وبأمور ~~أخر. وأما ما وعدنا بذكره من أمر بطا، وأنه كان حدثته نفسه بملك مصر في ~~الباطن أفقد،، حكى لي الوالد - رحمه الله - قال: لما قدمت إلى مصر، تلقاني ~~بطا وسلم علي وعانقني، وأخذ يسألني عن أستاذنا الملك الظاهر برقوق، وكيف ~~كانت الوقعة بينه وبين منطاش، وصار يفحص عن أمره حتى رابني أمره، فكان من ~~جملة ما سألني عنه بأن قال: يا أخي تغري بردي، مع أستاذنا صبيان ملاح شجعان ~~أم مماليك ملفقة؟ فقلت: مع أستاذنا جماعة إذا أجروا خيولهم هدموا باب ~~السلسلة أنقابها، وأقلهم أنت وأنا. إيش هذا السؤال؟ أما تعرف أغواتك ~~وخشداشيتك؟ فقال: صدقت، وكم مثلثا في خجداشيتنا عند أستاذنا! وأخذ ينتقل بي ~~إلى كلام آخر بما هو في مصالح السلطان الملك الظاهر. انتهى. وعند قدوم ~~الوالد إلى الديار المصرية تزايد سرور الناس وفرحهم، وتحققوا عود الملك ~~الظاهر إلى ملكه. ثم قدم تنبك الحسني الظاهري المعروف بتنم من الإسكندرية، ~~وكان أرسله بطا لنائب الإسكندرية وقد امتنع من الإفراج عن الأمراء ~~المسجونين إلا بكتاب السلطان. ثم ألزم بطا الفخر بن مكانس بتجهيز الإقامات ~~والشقق الحرير للفرش في ms2441 طريق الملك الظاهر حتى يمشي عليها بفرسه عند قدومه ~~إلى القاهرة. ثم قدم من ثغر دمياط الأمير شيخ الصفوي، وقبق باي السيفي، ~~ومقبل الرومي الطويل، وألطنبغا العثماني، وعبدوق العلائي، وجرجي الحسني، ~~وأربعة أمراء أخر. وفي عاشره شدد العذاب على ابن الكوراني وألزم بحمل مائة ~~ألف درهم فضة ومائة فرس ومائة لبس حربي. وفي حادي عشر صفر قدم البريد بنزول ~~السلطان الملك الظاهر إلى منزلة الصالحية، فخرج الناس أفواجا إلى لقائه، ~~ونودي بزينة القاهرة ومصر، فتفاخر الناس في الزينة، ونزل السلطان بعساكره ~~إلى العكرشة في ثالث عشر صفر. PageV03P0317 # وأما أمر منطاش وما وقع له بعد ذلك، وبقية سياق أمر الملك الظاهر برقوق، ~~ودخوله إلى القاهرة، وطلوعه إلى قلعة الجبل، وجلوسه على تخت الملك، يأتي ~~ذكر ذلك كله مفضلا في ذكر سلطنته الثانية من هذا الكتاب، بعد أن نذكر من ~~توفي من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة التي حكم في غالبها على مصر الملك ~~المنصور حاجي، ثم نعود إلى ذكر الملك الظاهر وسلطنته الثانية - إن شاء الله ~~تعالى - . وأما الملك المنصور حاجي فإنه عاد إلى ديار مصر صحبة الملك ~~الظاهر برقوق محتفظا به وهو في غاية ما يكون من الإكرام، وطلع إلى القلعة ~~وسكن بها بالحوش السلطاني على عادة أولاد الأسياد، ودام عند أهله وعياله ~~إلى أن مات بها في ليلة الأربعاء تاسع عشر شوال سنة أربع عشرة وثمانمائة، ~~ودفن بتربة جدته لأبيه خوند بركة بخط التبانة بالقرب من باب الوزير خارج ~~القاهرة، بعد أن تسلطن مرتين. وكان لقب في أول سلطنته بالملك الصالح وفي ~~الثانية بالملك المنصور، ولا نعلم سلطانا غير لقبه غيره. ومات الملك ~~المنصور هذا عن بضع وأربعين سنة، وقد تعطلت حركته وبطلت يداه ورجلاه مدة ~~سنين قبل موته. وكان ما حصل له من الاسترخاء من جهة جواريه على ما قيل: ~~إنهن أطعمنه شيئا بطلت حركته منه، وذلك لسوء خلقه وظلمه . حدثني غير واحد ~~من حواشي الملك الظاهر برقوق ممن كان يباشر أمر الملك المنصور المذكور قال: ~~كان إذا ضرب ms2442 أحدا من جواريه يتجاوز ضربه لهن الخمسمائة عصاة، فكان الملك ~~الظاهر لما يسمع صياحهن يرسل يشفع فيهن، فلا يمكنه المخالفة فيطلق ~~المضروبة، وعنده في نفسه منها كمين، كونه ما اشتفى فيها. وكان له جوقة مغان ~~كاملة من الجواري، كما كانت عادة الملوك والأمراء تلك الأيام، نحو خمس عشرة ~~واحدة، يعرفن من بعده بمغاني المنصور وكن خدمن عند الوالد بعد موته فلما ~~صار الملك الظاهر برقوق يشفع في الجواري لما يسمع صياحهن، بقي المنصور إذا ~~ضرب واحدة من جواريه يأمر مغانيه أن يزفوا بالدفوف وتزعق المواصيل، فتصيح ~~الجارية المضروبة فلا يسمعها الملك الظاهر ولا غيره، ففطن بذلك حريم الملك ~~الظاهر وأعلموه الخبر، وقلن له: إذا سمع زف المغاني في غير وقت المغنى، ~~فيعلم أن السلطان يضرب جواريه وخدمه فعلم الظاهر ذلك، فصار كلما سمع ~~المغاني تزف، أرسل إليه في الحال بالشفاعة وله من ذلك أشياء كثيرة. وكان ~~الملك الظاهر - قبل أن يتكسح - يرسل خلفه في مجلس أنسه وينادمه في غالب ~~الأوقات، وتكرر ذلك منه سنين. وكان إذا غلب عليه السكر تسفه على الملك ~~الظاهر، ويخاطبه باسمه من غير تحشم، فيبتسم الملك الظاهر ويقول لحواشي ~~الملك المنصور: خذوا سيدي أمير حاج وردوه إلى بيته، فيقوم على حاله، وهو ~~مستمر في السب واللعن، فيعظم ذلك على حواشي الملك الظاهر، ويكلمون الملك ~~الظاهر في عدم الاجتماع به، فلا يلتفت إلى كلامهم، فيصبح المنصور يعتذر ~~للسلطان فيما وقع منه في أمسه فلما تكرر منه ذلك غير مرة، تركه وصار لا ~~يجتمع به إلا في الأعياد والمواسم، فلما بطلت حركته انقطع عنه بالكلية. ### || AUT السنة التي حكم في أولها الملك الظاهر برقوق # إلى ليلة الاثنين خامس جمادى الآخرة، وحكم في باقيها الملك المنصور ~~حاجي، ولم يكن له في سلطنته إلا مجرد الاسم فقط والمتحدث في المملكة ~~الأتابك يلبغا الناصري ثم تمربغا الأفضلي الأشرفي المدعو منطاش. وهي سنة ~~إحدى وتسعين وسبعمائة. وفيها كان خلع الملك الظاهر برقوق من السلطنة وسلطنة ~~الملك المنصور هذا كما تقدم ذكره. وفيها ms2443 في ذي الحجة كانت وقائع بين الملك ~~الظاهر برقوق وبين جنتمر نائب الشام بعد خروجه من سجن الكرك. PageV03P0318 # وفيها توفي خلائق كثيرة بالطاعون والسيف. وكان الطاعون وقع بالديار ~~المصرية في أيام الفتنة، فكان من أجل ذلك أشد الطواعين وأعظمها خطبا لما ~~دها الناس من شدة الطاعون وأهوال الوقائع. فممن قتل من الأعيان: القاضي ~~شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن أبي الرضا قاضي قضاة الشافعية بحلب. ~~وخبره أن الملك الظاهر برقوقا لما خرج من سجن الكرك ووافقه الأمير كمشبغا ~~الحموي نائب حلب، ثار عليه شهاب الدين هذا محاماة لمنطاش، وجمع أهل بانقوسا ~~وحرضهم على قتال كمشبغا المذكور، وأفتى بجواز قتال برقوق فركب كمشبغا، ~~وقاتلهم، فكسرهم، وقتل كثيرا من البانقوسية ممن ظفر به، ففر شهاب الدين هذا ~~إلى ظاهر حلب، فأخذ قريبا من حلب، وأتي به إلى كمشبغا فقتله صبرا، وعمره ~~زيادة على أربعين سنة. أثنى على علمه القاضي علاء الدين بن خطيب الناصرية ~~والشيخ تقي الدين المقريزي رحمهما الله. وذكر عنه قاضي القضاة بدر الدين ~~محمود العيني - رحمه الله - مساوئ وقبائح، نسأل الله تعالى السلامة في ~~الدين، ذكرناها في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي. قلت: والجمع بين هذه ~~الأقوال هو أنه كان عالما. غير أنه كان خبيث اللسان، يرتكب أمورا شنيعة ~~مشهورة عنه عند الحلبيين. وتوفي قتيلا الأمير صارم الدين إبراهيم ابن ~~الأمير قطلقتمر الخازندار بحلب: قتله أيضا الأمير كمشبغا الحموي بحلب، وقد ~~قام بنصرة منطاش وقاتل كمشبغا، فلما ظفر به كمشبغا وسطه في شوال. وإبراهيم ~~هذا هو الذي كان وقع له مع الملك الظاهر برقوق ما وقع، لما اتفق مع الخليفة ~~المتوكل على الله، ووافقهما الأمير قرط الكاشف على قتل الملك الظاهر برقوق، ~~ونم عليهم وظفر بهم برقوق، وخلع الخليفة، وحبسه، ووسط قرط الكاشف، وحبس ~~إبراهيم هذا مدة، ثم أطلقه لأجل أبيه قطلقتمر، ثم أنعم عليه بإمرة. فلما ~~خلع الملك الظاهر وحبس، قام عليه إبراهيم هذا وانضم مع الناصري ومنطاش، ~~وصار من جملة أمراء الطبلخاناة ثم كان مع ms2444 منطاش على الناصري فلما ملك منطاش ~~الديار المصرية أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، واستقر أمير ~~مجلس عوضا عن الأمير أحمد بن يلبغا، فلم يقنع بذلك، وبدا منه أمور، فأخرجه ~~منطاش بعد أخذه الإمرة بدون السبعة أيام إلى حلب أمير مائة ومقدم ألف بها، ~~فدام بها حتى ثار أهل بانقوسا على كمشبغا نائب حلب ووافقهم إبراهيم هذا، ~~فظفر به كمشبغا ووسطه. قلت: ما كان جزاؤه إلا ما فعله به كمشبغا. وكان ~~شجاعا، غير أنه كان يحب الفتن ويثير الشرور - عفا الله تعالى عنه - . وتوفي ~~الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن أبي يزيد بن محمد المعروف بمولانا زادة ~~السيرامي العجمي الحنفي والد العلامة محب الدين محمد ابن مولانا زادة في ~~يوم الأربعاء حادي عشر المحرم بالقاهرة. وكان إماما مفتنا في علوم كثيرة، ~~وهو أول من ولي درس الحديث بالمدرسة الظاهرية البرقوقية، ودام على ذلك إلى ~~أن مات في التاريخ المقدم ذكره. وتوفي الأمير سيف الدين تلكتمر بن عبد الله ~~أحد أمراء الطبلخانات بالطاعون في جمادى الأول. وكان من خواص الملك الظاهر ~~برقوق. وتوفي قتيلا الأمير سيف الدين جاركس بن عبد الله الخليلي اليلبغاوي ~~الأمير آخور الكبير وعظيم دولة الملك الظاهر برقوق: قتل في محاربة الناصري ~~خارج دمشق، في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الأول، وبقتله تخلخلت أركان ~~دولة الملك الظاهر برقوق. وكان أميرا مهابا عاقلا عارفا خبيرا سيوسا. وله ~~بالقاهرة خان يعرف بخان الخليلي ، ومآثر بمكة وغيرها. وخلف أموالا كثيرة ~~أخذها منطاش وفرقها في أصحابه. وتوفي الأمير يونس بن عبد الله النوروزي ~~اليلبغاوي الدوادار الكبير: قتله الأمير عنقاء بن شطي أمير آل مرا بخربة ~~اللصوص وهو عائد إلى الديار المصرية، بعد انهزامه من الناصري. وكان أيضا ~~أحد أركان الملك الظاهر برقوق، وإليه كان تدبير المملكة. وكان خدمه وباشر ~~دواداريته من أيام إمرته. وكان عاقلا مدبرا حازما. وهو صاحب الخان خارج ~~مدينة غزة، وغيره، معروفة عمائره باسمه، ولا يحتاج ذلك إلى التعريف به، ~~فإننا لا نعلم أحدا في الدولة ms2445 التركية سمي بيونس الدوادار غيره، ثم دوادار ~~زماننا هذا الأمير يونس الدوادار السيفي آقباي، انتهى. PageV03P0319 # وتوفي الأمير سيف الدين بزلار بن عبد الله العمري ثم الناصري نائب الشام ~~قتيلا بها. وكان أصله من مماليك الملك الناصر حسن: اشتراه، ورباه مع ~~أولاده، وقرأ القرآن، وتأدب، ومهر في الخط المنسوب، وبرع في عدة علوم لا ~~سيما علم الفلك والنجوم، مع تقدمه في أنواع الفروسية، والشجاعة المفرطة، ~~وأنواع الملاعيب، مع ذكاء وفطنة، وفوق وعقل، ومحاضرة حسنة، وحسن شكالة ولاه ~~الملك الظاهر برقوق نيابة الإسكندرية، ثم عزله وجعله من جملة أمراء الألوف ~~بالديار المصرية، ثم خافه، فقبض عليه ونفاه إلى طرابلس. فلما كانت نوبة ~~الناصرية، اتفق مع جماعة قليلة من أصحابه وملك طرابلس من ناشها أسندمر، ~~ووافق الناصري على قتال الملك الظاهر برقوق فلما ملك الناصري مصر خلع عليه ~~بنيابة دمشق، فولى دمشق، ودام بها إلى أن قبض منطاش على الناصري، فغضب ~~بزلار المذكور للناصري، وخرج عن الطاعة. فخادعه منطاش، وأرسل ملطفات إلى ~~جنتمر بنيابة دمشق، فاتفق أمراء دمشق مع جنتمر ووثبوا عليه على حين غفلة، ~~فركب وقاتلهم، وكاد يهزمهم لولا تكاثروا عليه ومسكوه وحبسوه بقلعة دمشق، ~~حتى أرسل منطاش بقتله فقتل، وسنه نيف على خمسين سنة وكان من محاسن الدنيا. ~~حدثني الشيخ موسى الطرابلسي قال: لما نفاه الملك الظاهر برقوق إلى طرابلس، ~~صحبته، أقعد لتكبيسه، فأجد أضلاعه صفيحة واحدة. انتهى. وتوفي الشيخ المعتقد ~~حسن الخباز الواعظ. كان صاحب الشيخ ياقوت الشاذلي، وتلقن منه، وتزوج ~~بابنته، وترك بيع الخبز، وانقطع بزاويته خارج القاهرة، وجلس للوعظ حتى مات ~~في حادي عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة. وكان للناس فيه اعتقاد حسن، ~~ولوعظه تأثير في القلوب. وتوفي الأمير سيف الدين سودون المظفري أتابك حلب ~~قتيلا بها بيد مماليك الأمير يلبغا الناصري، حسب ما تقدم ذكره في ترجمة ~~الملك الظاهر برقوق. وكان أصله من مماليك قطلوبغا المظفري أحد أمراء حلب، ~~وبها نشأ، وخدم الأمير جرجي الإدريسي نائب حلب وصار خازنداره، ثم صار من ~~جملة أمراء حلب ثم ms2446 ولاه برقوق حجوبية حلب ثم أتابكا بها، ثم نقله إلى نيابة ~~حماة، ثم إلى نيابة حلب بعد القبض على يلبغا الناصري، ثم عزله الظاهر عن ~~نيابة حلب بالأمير يلبغا الناصري المذكور وجعله أتابك حلب، فكان بينهما ~~مباينة كبيرة. وكان الناصري يزدريه، ودام على ذلك حتى بلغ الظاهر خروج ~~الناصري عن الطاعة، وكتب ملطفا لسودون المظفري هذا بنيابة حلب على عادته، ~~وأرسل الملك الظاهر بصلحهم، فلما دخل سودون المذكور إلى دهليز دار السعادة ~~أخذته سيوف مماليك الناصري حتى قتل. وتوفي الأمير سيف الدين صراي الطويل، ~~أحد أعيان المماليك اليلبغاوية، خارج القاهرة في شهر ربيع الأول. وكان أحد ~~أمراء الطبلخاناة بالديار المصرية. وتوفي قاضي القضاة جمال الدين عبد ~~الرحمن بن محمد بن محمد بن سليمان بن خير السكندري المالكي في يوم الأربعاء ~~رابع عشر شهر رمضان، وكنيته أبو القاسم. مولده بالإسكندرية في يوم الأحد ~~سابع جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وبها نشأ، وطلب العلم، وسمع ~~الحديث، وتفقه بأبيه وغيره، وبرع في الفقه والأصول، وشارك في غيره، وجلس مع ~~الشهود بالثغر، ثم ولي به نيابة الحكم، ثم نقل إلى قضاء الديار المصرية، ~~عوضا عن قاضي القضاة علم الدين سليمان بن خالد البساطي بعد عزله في سنة ~~ثلاث وثمانين وسبعمائة. وحمدت سيرته إلى الغاية، ودام مدة سنين إلى أن عزل ~~بالقاضي ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون، ثم أعيد بعد ذلك إلى أن مات قاضيا، ~~وتولى بعده تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز الدميري. ~~PageV03P0320 # وتوفي إمام السلطان الملك الظاهر برقوق الشيخ شرف الدين عثمان بن سليمان ~~بن رسول بن يوسف بن خليل بن نوح الكرادي - بتخفيف الراء المهملة - الحنفي ~~المعروف بالأشقر، في يوم الخميس رابع عشرين ربيع الآخر. كان أصله من تركمان ~~البلاد الشمالية، وأشتغل بها. ثم قدم القاهرة في عنفوان شبابه في الدولة ~~الأشرفية شعبان بن حسين، واشتغل بها على علماء عصره، حتى شارك في عدة فنون. ~~وصحب الملك الظاهر في أيام إمرته، فلما تسلطن الملك الظاهر قرره إمامه، ms2447 ~~وتقدم في دولته، ثم ولي قضاء العسكر، ثم مشيخة الخانقاه البيبرسية، إلى أن ~~مات. وكان حسن الهيئة جميل الطريقة، وهو والد القاضي محب الدين محمد بن ~~الأشقر كاتب سر الديار المصرية الآن. وقد سألت من ولده المذكور عن أصل ~~آبائه فقال: أصلنا من بلاد القرم، وكان جدي عالما مفتنا، وكان والد جدي ~~ملكا بتلك البلاد، انتهى. وتوفي الأمير سيف الدين إشقتمر بن عبد الله ~~المارديني الناصري، نائب حلب والشام غير مرة، بطالا بحلب في شوال كان أصله ~~من مماليك صاحب ماردين، وبعثه إلى الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد ~~بن قلاوون، فرباه الناصر وأدبه. وكان يعرف ضرب العود، ويحسن الموسيقى، وكان ~~ماهرا في عدة فنون، فقربه أستاذه الملك الناصر حسن، وجعله من أعيان ~~خاصكيته، ثم أمره. ثم تنقل بعد موت أستاذه في عدة وظائف إلى أن ولاه الملك ~~الأشرف شعبان نيابة حلب بعد وفاة قطلوبغا الأحمدي، فباشرها نحو سنة ونصف، ~~وعزل بالأمير جرجي الناصري الإدريسي ثم ولي نيابة طرابلس عوضا عن قشتمر ~~المنصوري ثم أعيد بعد مدة إلى نيابة حلب عوضا عن قشتمر المنصوري المذكور، ~~في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة بعد قتل يلبغا أستاذ الملك الظاهر برقوق - ~~وكان إشقتمر خجداش يلبغا وصاحبه ومن أقرانه - فباشر نيابة حلب مدة، ثم عزل ~~وأعيد إلى نيابة طرابلس والسواحل عوضا عن أيدمر الدوادار ثم أعيد إلى نيابة ~~حلب مرة ثالثة في سنة أربع وسبعين وسبعمائة فباشر نيابة حلب إلى أن عزل في ~~سنة خمس وسبعين بالأمير بيدمر الخوارزمي. وتولى نيابة دمشق، فباشر نيابة ~~دمشق أربعة أشهر، وعزل وأعيد إلى نيابة حلب رابع مرة، فطالت مدته في هذه ~~الولاية. وغزا سيس وفتحها في سنة ست وسبعين، وكان فتحا عظيما، وسر الملك ~~الأشرف شعبان بفتحه، وفيه يقول الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب: السريع، الملك ~~الأشرف إقباله ... يهدي له كل عزيز نفيس لفا رأى الخضراء في شامة ... تختال ~~والشقراء عجبا تميس وعاين الشهباء في ملكه ... تجري وتبدي ما يسر الجليس ~~ساق إلى سوق العدى أدهما ms2448 ... وساعد الجيش على أخذ سيس واستمر على نيابتها ~~إلى أن عزل بالأمير منكلي بغا الأحمدي البلدي، وقبض عليه وحبس بالإسكندرية، ~~ثم أطلق وتوجه إلى القدس بطالا، كل ذلك وإلى الآن لم يكن برقوق من جملة ~~المماليك السلطانية، بل كان في خدمة منجك، ثم من بعده في خدمة الأسياد ~~أولاد الملك الأشرف شعبان. ثم أعيد إلى نيابة حلب خامس مرة عوضا عن تمرباي ~~الأفضلي الأشرفي في سنة إحدى وثمانين، ثم نقل إشقتمر بعد عشره أشهر إلى ~~نيابة دمشق، عوضا عن بيدمر الخوارزمي في سنة اثنتين وثمانين، فدام بدمشق ~~إلى أن عزل في محرم سنة أربع وثمانين، وتوجه إلى القدس بطالا، فدام بالقدس ~~إلى أن أعيد إلى نيابة دمشق ثالث مرة، من قبل الملك الظاهر برقوق في سنة ~~ثمان وثمانين، ثم عزل بعد أربعة أشهر ورسم له أن يتوجه إلى حلب بطالا، فدام ~~بحلب إلى أن مات. وكان فيه كل الخصال الحسنة لولا حبه لجمع المال. وتوفي ~~الشيخ الإمام العلامة بدر الدين محمد ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر ~~البلقيني الشافعي، قاضي العساكر، في يوم الجمعة سابع عشر شعبان، ودفن ~~بمدرسة أبيه بحارة بهاء الدين قراقوش. وكان أعجوبة في الذكاء والحفظ، مفتنا ~~في عدة علوم. وهو أسن من أخيه قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني. ~~وكان له نظم ونثر، ومما ينسب إليه من الشعر: الرمل، كسروا الجرة عمدا ... ~~وسقوا الأرض شرابا قلت والإسلام ديني ... ليتني كنت ترابا PageV03P0321 # وتوفي العلامة شمس الدين محمود بن عبد الله النيسابوري الحنفي المعروف ~~بابن أخي جار الله، في سابع جمادى الأولى. وكان عالما مفتنا في علوم كثيرة. ~~وتوفي تاج الدين عبد الله - وقيل: أمين الدين - بن مجد الدين فضل الله بن ~~أمين الدين عبد الله بن ريشة القبطي المصري ناظر الدولة، في سادس جمادى ~~الأولى. وتوفي الأمير قرا محمد التركماني صاحب الموصل، قتيلا، في هذه السنة ~~وهو والد قرا يوسف صاحب تبريز، وجد بني قرا يوسف ملوك العراق، الذين خربت ~~بغداد وغيرها في دولتهم وأيامهم. وتوفي ms2449 الأمير الطواشي سابق الدين مثقال بن ~~عبد الله الجمالي الحبشي الزمام، وأصله من خدام الملك الأمجد والد الأشرف ~~شعبان. تنقل في عدة وظائف إلى أن صار زماما للدور السلطانية، فلما أن قتل ~~الملك الأشرف عزله أينبك البدري وولى عوضه مقبلا الرومي الطواشي اليلبغاوي. ~~ودام مثقال بطالا سنين، وصادره برقوق وحصل له محن، ثم أفرج عنه فصار يتردد ~~إلى مكة والمدينة إلى أن مات ببدر من طريق الحجاز في ذي القعدة، ودفن عند ~~الشهداء في ليلة الجمعة تاسع عشرينه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~خمسة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، والله ~~تعالى أعلم. /سلطنة الظاهر برقوق الثانية تقدم ذكر الملك الظاهر برقوق ~~وأصله وخبر قدومه من بلاد الجراكس إلى الديار المصرية وما وقع له بها إلى ~~أن ملكها وتسلطن، كل ذلك في ترجمته الأولى من هذا الكتاب. وذكرنا أيضا ما ~~وقع له من يوم خلع نفسه وسجن بالكرك إلى أن خرج من الحبس وقاتل منطاشا ~~وانتصر عليه وعاد إلى الديار المصرية بعد أن أعيد إلى السلطنة بمنزلة شقحب، ~~وأشهد على الملك المنصور بخلع نفسه، ثم سار حتى نزل بالصالحية، كل ذلك في ~~ترجمة السلطان الملك المنصور حاجي مفصلا؛ فمن أراد شيئا من ذلك فلينظره في ~~محله ومن يومئذ نذكر رحيله من منزلة الصالحية إلى نحو الديار المصرية ~~فنقول: ولما نزل الملك الظاهر برقوق على منزلة الصالحية في يوم عاشر صفر ~~سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة أقام بها نهاره، وأعيان الدولة تأتيه فوجا بعد ~~فوج، مثل أكابر الأمراء الذين كانوا بالحبوس وأعيان العلماء ومباشري الدولة ~~وغيرهم. ثم رحل من الغد بعساكره وصحبته الخليفة والملك المنصور حاجي ~~والقضاة، وسار بهم يريد الديار المصرية إلى أن نزل بالريدانية خارج القاهرة ~~في بكرة يوم الثلاثاء رابع عشر صفر؛ فخرج الأعيان من العلماء والأمراء إلى ~~لقائه: فخرجت الأشراف مع السيد الشريف علي، نقيب الأشراف، وخرجت طوائف ~~الفقراء بأعلامها أذكارها، ومشايخ الخوانق بصوفيتها، وخرجت العساكر المصرية ~~بلبوسها الحربية - لأن العسكر المصري ms2450 كان من يوم خروج بطا وأصحابه من السجن ~~وملكوا الديار المصرية عليهم آلة الحرب - وخرجت اليهود بالتوراة والنصارى ~~بالإنجيل، ومعهم الشموع المشعولة. وخرج من الناس ما لا يحصيه إلا الله ~~تعالى، وعندهم من الفرح السرور ما لا يوصف، وهم يصيحون بالدعاء له حتى لقوه ~~وخاطبوه. فشرع الملك الظاهر يكلم الناس ويدنيهم ويرجع رؤوس النوب عن منعهم ~~من السلام عليه، وكلما دعا له شخص منهم رحب به. هذا وقد فرشت له الشقق حرير ~~خارج الترب إلى باب السلسلة فلما وصل الملك الظاهر إلى الشقق المفروشة له، ~~تنحى بفرسه عنها وقدم الملك المنصور حاجي، حتى مشى بفرسه عليها، ومشى الملك ~~الظاهر برقوق بجانبه خارجا عن الشقق، فصار الموكب كأنه للملك المنصور لا ~~للظاهر؛ فوقع هذا من الناس موقعا عظيما، ورفعوا أصواتهم له الدعاء ~~والابتهال لتواضعه في حال غلبته وقهره له، وكون المنصور معه كالأمير، صارت ~~القبة والطير على رأس الملك المنصور أيضا، والخليفة أمامهما، وقضاة القضاة ~~بين يدي الخليفة. وتناهبت العامة الشقق الحرير بعد دوس فرس السلطان عليها، ~~من غير أن يمنعهم أحد، وكذلك لما نثر عليه الذهب والفضة تناهبته العامة. ~~وكانت عادة ذلك كله للجمدارية، فقصد الظاهر بذلك زيادة التحبب للعامة، ~~كونهم أظهروا المحبة له في غيبته، وقاموا مع المماليك، وصاروا مع مماليكه. ~~وصار الملك الظاهر يعظم الملك المنصور في مشيه وخطابه، ويعامله كما يعامل ~~الأمير سلطانه، إلى أن أدخله داره بالقلعة. PageV03P0322 # ثم عاد الملك الظاهر إلى حيث نزل من القلعة، وتفرغ عند ذلك لشأنه، ~~واستدعى الخليفة وقضاة القضاة والشيخ سراج الدين عمر البلقيني والأمراء ~~وأعيان الدولة، فجمد عقد السلطنة له وتجديد التفويض الخليفتي، فشهد بذلك ~~القضاة على الخليفة ثانيا، وأفيضت التشاريف الخليفتية على السلطان بسلطنته، ~~ثم أفيضت التشاريف السلطانية على الخليفة وركب السلطان الملك الظاهر من ~~الإسطبل السلطاني من باب السلسلة بأبهة السلطنة وشعار الملك، وطلع إلى ~~القلعة ونزل إلى القصر، وجلس على تخت الملك، ودقت البشائر وعملت التهاني ~~والأفراح بالقلعة وفي دور الأمراء وأهل الدولة، وكان هذا اليوم من ms2451 الأيام ~~التي لم يقع مثلها إلا نادرا. ثم قام السلطان ودخل إلى حرمه وإخوته، ففرشت ~~له أيضا الشقق الحرير والشقق المذهبة تحت رجليه، ونثر عليه الذهب والفضة، ~~ولاقته التهاني من خارج باب الستارة. ثم أصبح السلطان في يوم الأربعاء؛ ~~فأمر أن يكتب إلى ثغر الإسكندرية بالإفراج عن الأمراء المسجونين بها، ~~وإحضارهم إلى الديار المصرية. ثم خلع السلطان على فخر الدين بن مكانس صاحب ~~ديوان الجيش باستقراره في وظيفته نظر الجيش عوضا عن القاضي جمال الدين ~~محمود القيصري العجمي بحكم توجهه مع منطاش إلى دمشق، وخلع على الوزير موفق ~~الدين أبي الفرج واستقر به في الوزارة ونظر الخاص، وعلى ناصر الدين محمد بن ~~آقبغا آص شاد الدواوين باستمراره. وأنعم على الأمير بطا الطولوتمري الظاهري ~~بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وعين للدوادرية الكبرى، وأخلع على ~~الأمر قرقماس الطشتمري أستادارا. ثم في سابع عشر صفر قدم الأمراء من ~~الإسكندرية إلى بر الجيزة، فباتوا به، وعدوا في ثامن عشره وطلعوا إلى ~~القلعة، وهم سبعة عشر أميرا: أعظمهم الأتابك يلبغا الناصري، الذي كان خرج ~~على الملك الظاهر، وقبض عليه وحبسه بالكرك؛ ثم الأمير ألطنبغا الجوباني ~~نائب الشام الذي كان قبض على الملك الظاهر برقوق من بيت أبي يزيد، وطلع به ~~إلى القلعة نهارا؛ ثم الأمير الكبير قرادمرداش الأحمدي الذي كان الظاهر ~~جعله أتابك العساكر بديار مصر، وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار، فتركه وتوجه ~~إلى يلبغا الناصري المقدم ذكره؛ والأمير ألطنبغا المعلم أمير سلاح - وهؤلاء ~~الأربعة من أعيان اليلبغاوية خشداشية الملك الظاهر برقوق - ثم الأمير أحمد ~~بن يلبغا أمير مجلس الذي كان سببا لكسرة عسكر الملك الظاهر بدمشق بهروبه ~~إلى الناصري، والأمير قردم الحسني اليلبغاوي رأس نوبة النوب، والأمير سودون ~~باق أحد أمراء الألوف اليلبغاوية، والأمير سودون طرنطاي أحد الألوف أيضا، ~~والأمير آقبغا المارديني الأستادار أحد الألوف، وكشلي القلمطاوى وبجاس ~~النوروزي - كلاهما أيضا مقدم ألف - ومأمور القلمطاوي نائب حماة والكرك؛ ~~وألطنبغا الأشرفي أحد الألوف أيضا، ويلبغا المنجكي، ويونس العثماني، فوقف ~~الجميع بين يدى الملك الظاهر ms2452 برقوق وقبلوا الأرض له، وهم في غاية ما يكون ~~من الخجل والحياء منه، بما تقدم منهم في حقه؛ فرحب بهم الملك الظاهر، وطيب ~~خواطرهم، ولم يذكر لهم ما فعلوه به، ولا عتبهم عن شيء مما وقع منهم في حقه، ~~بل أكرمهم غاية الإكرام بكل ما يمكن القدرة إليه؛ ثم أمرهم بالنزول إلى ~~بيوتهم؛ فنزل الجميع وهم في غاية السرور. ثم في يوم الإثنين العشرين من صفر ~~جلس السلطان بالإيوان من القلعة المعروف بدار العدل، وأخلع على الأمير ~~سودون الفخري الشيخوني، بنيابة السلطنة بالديار المصرية على عادته أولا، ~~وعلى الأمير إينال اليوسفي اليلبغاوي باستقراره أتابك العساكر بالديار ~~المصرية، وعلى الأمير الكبير يلبغا الناصري صاحب الوقعة باستقراره أمير ~~سلاح، وعلى الأمير ألطنبغا الجرباني باستقراره رأس نوبة الأمراء وأطابكا، ~~وعلى الأمير كمشبغا الأشرفي الخاصكي باستقراره أمير مجلس، وعلى الأمير بطا ~~الطولوتمري الظاهري باستقراره دوادارا كبيرا - وهو الذي كان خرج من حبس ~~القلعة وملك باب السلسلة في فتنة الملك الظاهر - وعلى الأمير طوغان العمري ~~باستقراره أمير جاندار، وعلى سودون النظامي باستقراره نائب قلعة الجبل؛ ~~ونزل الجميع بالخلع وتحتهم الخيول بالسروج الذهب والكنابيش الزركش إلى ~~دورهم، بعد أن خرجت الناس للفرجة عليهم، فكان يوما من الأيام المشهودة. ~~PageV03P0323 # ثم في يوم حادي عشرين صفر أخلع السلطان على الأمير بكلمش العلائي ~~باستقراره أمير آخور كبيرا، وسكن بالإصطبل السلطاني. ثم في يوم الخميس ثالث ~~عشرين صفر قرء عهد السلطان الملك الظاهر برقوق بدار العدل، وخلع السلطان ~~على الخليفة المتوكل على الله، وأخلع على القاضي علاء الدين علي بن عيسى ~~المقيري الكركي كاتب سر الكرك في كتابة سر مصر، لما تقدم له من الأيادي على ~~الظاهر في القيام معه بالكرك، عوضا عن القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله ~~بحكم توجهه أيضا مع منطاش إلى دمشق. ثم أخلع السلطان على بيجاس السودوني ~~باستقراره في نيابة صفد. وفي سادس عشرينه قبض السلطان على حسين بن الكوراني ~~وأمر به فعذب بأنواع العذاب. وفيه قدم البريد على السلطان من صفد بفرار ~~الأمير ms2453 طغاي تمر القبلاوي من دمشق إلى حلب في مائتين وواحد من المنطاشية. ~~وفي سابع عشرين صفر استقر الأمير محمود بن علي الأستادار كان باستقراره ~~مشير الدولة. وفي يوم الأربعاء تاسع عشرينه جلس السلطان الملك الظاهر ~~بالميدان من تحت القلعة للنظر في أحوال الرعية والحكم بين الناس على ~~العادة، واستمر على ذلك في كل يوم أحد وأربعاء. وفي ثامن عشر شهر ربيع ~~الأول أخلع السلطان على الشيخ محمد الركراكي المالكي باستقراره في قضاء ~~المالكية بالديار المصرية عوضا عن تاج الدين بهرام الدميري. والركراكي هذا ~~هو الذي كان امتنع من الكتابة على الفتيا في أمر الملك الظاهر برقوق لما ~~كتب عليها البلقيني وغيره من القضاة والعلماء، وضربه منطاش بسبب عدم ~~كتابته، وحبسه إلى أن أطلقه بطا فيمن أطلق من سجن منطاش، فعرف له الظاهر ~~ذلك وولاه قضاء المالكية. وفيه استقر سعد الدين أبو الفرج بن تاج الدين ~~مرسي المعروف بابن كاتب السعدي باستقراره في نظر الخاص عوضا عن الصاحب موفق ~~الدين، وانفرد موفق الدين بالوزر. وفي خامس عشرين شهر ربيع الأول استقر ~~الأمير ألطنبغا الجوباني رأس نوبة الأمراء في نيابة الشام عوضا عن جنتمر ~~أخي طاز بحكم انضمامه مع منطاش، واستقر الأمير قرا قرادمرداش الأحمدي في ~~نيابة طرابلس، ورسم لهما الملك الظاهر في محاربة الأمير منطاش. وفي يوم ~~السبت أول شهر ربيع الآخر استقر الأمير مأمور القلمطاوي في نيابة حماة، ~~واستقر أرغون العثماني في نيابة الإسكندرية، وآلابغا العثماني حاجب - حجاب ~~دمشق، وأسندمر السيفي حاجب - حجاب طرابلس. وفيه أيضا أنعم السلطان على كل ~~من ألطنبغا الأشرفي وسودون باق وبجمان المحمدي بإمرة مائة بدمشق، ورسم لهم ~~أن يخرجوا نواب البلاد الشامية. وفي سابع عشر شهر ربيع الآخر المذكور استقر ~~سعد الدين نصر الله بن البقري في الوزارة عوضا عن موفق الدين أبي الفرج، ~~واستقر الصاحب علم الدين سن إبرة في نظر الدولة. وفي رابع عشرينه قبض ~~السلطان على الأمير سربغا الظاهري وعلى الأمير أيدكار العمري وعلى بكتمر ~~الدوادار وعلى طشبغا الحسني وقرابغا وأرغون الزييني. ms2454 وفيه أيضا خلع السلطان ~~على الأمير جلبان الكمشبغاوي الظاهري المعروف بقراسقل باستقراره رأس نوبة ~~النوب بعد وفاة الأمير حسين قجا. كل ذلك والأخبار ترد على السلطان بأن ~~المنطاشية تدخل في الطاعة شيئا بعد شيء وأن منطاشا في إدبار. وفيه أخلع ~~السلطان على الأمير يلبغا الناصري واستقر به مقدم العساكر المتوجهة لقتال ~~منطاش، وندبه للتوجه صحبة النواب، وقال له: هو غريمك، اعرف كيف تقاتله؛ ~~وجعل إليه مرجع العسكر جميعه. وفيه أيضا خلع على نواب الشام خلع السفر. ~~وأنعم السلطان على جماعة كبيرة من مماليكه وغيرهم بإمريات بالبلاد الشامية، ~~ورسم أيضا لجماعة من أمراء مصر بالسفر صحبة الأمير يلبغا الناصري لقتال ~~منطاش. وفي عاشر جمادى الأولى برزت أطلاب النواب والأمراء إلى الريدانية ~~خارج القاهرة، هذا بعد دخول الأمير قطلوبغا الصفوي في طاعة السلطان وحضوره ~~إلى الديار المصرية بمن معه، كما سيأتي ذكره. وكان من خبر قطلوبغا الصفوي ~~أن منطاشا جهزه على تجريدة من دمشق لمحاصرة مدينة صفد، فلما قارب قطلوبغا ~~صفد، دخل هو وجميع من معه في طاعة السلطان. PageV03P0324 # ثم قدم قطلوبغا المذكور بمن معه في ثالث عشر جمادى المذكورة، وكان لقدومه ~~يوم مشهود. وعند دخوله إلى القاهرة قدم البريد في إثره بأن منطاشا لما بلغه ~~مخامرة الصفوي بمن معه، قبض على الأمير جنتمر أخي طاز نائب الشام، وهو أعظم ~~أصحابه، وعلى ولده وعلى أستاداره ألطنبغا وعلى الأمير أحمد بن خوجي وعلى ~~الأمير أحمد بن قجق وعلى كمشبغا المنجكي نائب بعلبك وعلى القاضي شهاب الدين ~~أحمد بن عمر القرشي الشافعي قاضي دمشق وعلى عدة من الأمراء والأعيان؛ هذا ~~ومجيء المنطاشية يتداول إلى مصر شيئا بعد شيء. وفي تاسع عشرينه استقر ~~الأمير محمود بن علي الأستادار أستادارا على عادته عوضا عن الأمير قرقماس ~~الطشتمري بعد وفاته. هذا والقتال عمال بالبلاد الشامية في كل قليل بين عسكر ~~منطاش وعساكر السلطان. ثم قدم البريد بأن منطاشا أخذ بعلبك بعدما حاصرها ~~محمد بن بيدمر نحو أربعة أشهر وأنه وسط ابن الحنش وأربعة نفر معه. وفي سابع ms2455 ~~عشر جمادى الآخرة قدم البريد بأن منطاشا لما بلغه قدوم العساكر لقتاله برز ~~من دمشق وأقام بقبة يلبغا أياما، ثم رحل نصف ليلة الأحد ثالث عشر جمادى ~~الآخرة بخواصة، وهم نحو ستمائة فارس، ومعه نحو سبعين حملا ما بين ذهب وفضة، ~~وتوجه نحو قارا والنبك بعد أن قتل جماعة من المماليك الظاهرية وقتل الأمير ~~ناصر الدين محمد بن المهمندار نائب حماة كان، وأن الأمير الكبير أيتمش خرج ~~من سجنه بقلعة دمشق، وأفرج عمن كان محبوسا بها، وملك القلعة وأرسل إلى ~~النواب يعلمهم بذلك، فلما سمع النواب ذلك ساروا إلى دمشق وملكوها من غير ~~قتال، فسر السلطان بذلك سرورا عظيما، ودقت البشائر، ونودي بالقاهرة ومصر ~~بالزينة. وفي سابع عشر جمادى الآخرة المذكور، قدم البريد من دمشق بثلاثة ~~عشر سيفا من سيوف الأمراء المنطاشية الذين قبض عليهم بدمشق. ثم في حادي ~~عشرينه قدم البريد أيضا بثمانية سيوف أيضا من المنطاشية، ثم قدم البريد ~~بسبعة سيوف أخر، منهم سيف الأمير ألطنبغا الحلبي وسيف دمرداش اليوسفي. وفي ~~ثالث عشرينه قدم البريد بأن الأمير نعير بن حيار قبض على الأمير منطاش فدقت ~~البشائر لذلك، ثم تبين كذب الخبر. وفي سابع عشرينه حضر الأمراء المقبوض ~~عليهم من المنطاشية بدمشق. وفي يوم الخميس ثاني شهر رجب قدم القاضي عماد ~~الدين أحمد بن عيسى المقيري قاضي الكرك إلى القاهرة، بعد أن خرج الأعيان ~~إلى لقائه، وطلع إلى القلعة؛ فلما وقع بصر السلطان عليه قام له، ومشى ~~لتلقيه خطوات، وعانقه وأجلسه بجانبه، وحادثه ساعة، ثم قام ونزل إلى داره؛ ~~كل ذلك لما كان له على السلطان أيام حبسه بالكرك من الخدم. وفي ثاني عشر ~~شهر رجب حضر من دمشق القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب السر والقاضي ~~جمال الدين محمود العجمي ناظر الجيش ونزلا في بيوتهما من غير أن يجتمعا ~~بالسلطان لتوغر خاطر السلطان عليهما لكونهما توجها إلى دمشق صحبة منطاش. ~~وفي ثالث عشره أخلع السلطان على القاضي عماد الدين الكركي المقدم ذكره ~~باستقراره قاضي قضاة الديار ms2456 المصرية عوضا عن القاضي بحر الدين محمد بن أبي ~~البقاء، فصار عماد الدين هذا قاضي قضاة مصر وأخوه علاء الدين المقدم ذكره ~~كاتب سر مصر. PageV03P0325 # ثم قدم الخبر على السلطان من حلب بأن الأمير كمشبغا الحموي نائب حلب لما ~~انهزم من شقحب، وتوجه إلى حلب جهز إليه منطاش من دمشق بعد عود الملك الظاهر ~~إلى مصر عسكرا عليه الأمير تمان تمر الأشرفي، فوصل تمان تمر المذكور إلى ~~حلب واجتمع به أهل بانقوسا، وقاتلوا كمشبغا المذكور وحصروه بقلعة حلب نحو ~~أربعة أشهر ونصف، وأحرقوا الباب والجسر، ونقبوا القلعة من ثلاثة مواضع، ~~فنقب كمشبغا على أحد النقوب من أعلاه، ورمى على من به من فوق بالمكاحل ~~واختطفهم بكلاليب الحديد، وصار يقاتلهم من النقب فوق السبعين يوما، وهو في ~~ضوء الشموع بحيث إنه لا ينظر شمسا ولا قمرا ولا يعرف الليل من النهار، ~~وقاسى شدائد ومحنا. ودام ذلك عليه إلى أن بلغ تمان تمر المذكور فرار منطاش ~~من دمشق، فضعف أمره، فثار عليه أهل بانقوسا ونهبوه فحضر حاجب حجاب حلب إلى ~~الأمير كمشبغا وأعلمه بذلك، فعبر كمشبغا الجسر في يوم واحد، ونزل وقاتل أهل ~~بانقوسا يومين، وقد أقاموا عليهم رجلا يعرف بأحمد بن الحرامي. فلما كان ~~اليوم الثالث وقت العصر انكسر أحمد بن الحرامي المذكور وقبض كمشبغا عليه ~~وعلى أخيه على نحو الثمانمائة من الأتراك والأمراء والبانقوسية، فوسطهم ~~كمشبغا بأجمعهم، وضرب بانقوسا حتى صارت دكا، ونهب جميع ما فيها. ثم إن ~~الكتاب يتضمن أيضا أن كمشبغا بالغ في تحصين قلعة حلب وعمارتها وأعد بها ~~مؤونة عشر سنين، وأنه جمع من أهل حلب مبلغ ألف ألف درهم، وعمر سور مدينة ~~حلب وكان منذ خربه هولاكو خرابا، فجاء في غاية الحسن، وعمل له بابين، وفرغه ~~في نحو الشهرين ونصف، وكان أكثر أهل حلب يعمل فيه، وأن الأمير شهاب الدين ~~أحمد بن المهمندار والأمير طغجي نائب دوركي كان لهما قيام تام مع الأمير ~~كمشبغا في هذه الوقعة. انتهى. قلت: يقال إنه قتل في واقعة كمشبغا مع ms2457 ~~الحلبيين بحلب نحو العشرين ألفا من الفريقين. ثم أشيع بالقاهرة أن الأمير ~~بطا الطولوتمري الدوادار يريد إثارة فتنة، فتحرز الأمراء واعتدوا للحرب، ~~إلى أن كان يوم الاثنين عشرينه جلس السلطان بدار العدل على العادة، ثم توجه ~~إلى القصر ومعه الأمراء، فتقدم الأمير بطا إلى السلطان وقال للسلطان: قد ~~سمعت ما قيل عني وها أنا، وحل سيفه وعمل في عنقه منديلا كالمستسلم للموت،، ~~فسأل السلطان الأمراء عما ذكره الأمير بطا وأظهر أنه لم يسمع شيئا من ذلك، ~~فذكر الأمراء أن الأمير كمشبغا رأس نوبة تنافس مع الأمير بكلمش العلائي ~~أمير آخور، ثم وقع بين الأمير بطا ومحمود الأستادار مخاشنة في اللفظ، فأشاع ~~الناس ما أشاعوه، فجمعهم السلطان وأصلح بينهم، ثم حثهم على طاعته وحث ~~المماليك أيضا، وطيب خواطر الجميع بلين كلامه ودهائه؛ وفي النفس من ذلك ~~شيء. ثم أحضر السلطان مملوكا اتهم أنه هو الذي أشاع الفتنة، فضرب ضربا ~~مبرحا وسمر على جمل وشهر، ثم سجن بخزانة شمائل، فلم يعرف له خبر بعد ذلك، ~~وهو من المماليك الظاهرية. ثم قبض السلطان على الأمير يلبغا أحد أمراء ~~العشرات، وسفر ونودي عليه: " هذا جزاء من يرمي الفتن بين الأمراء. وسكنت ~~الفتنة بعد أن كادت أن تثور. وبينما السلطان في ذلك وصل إليه الخبر من ~~الشام بأن منطاشا ونعير بن حيار جمعوا جمعا كبيرا من المماليك الأشرفية ~~والتركمان والعربان وقصدوا النواب، والأمير يلبغا الناصري مقدم العساكر ~~فلما بلغ الناصري ذلك خرج بالعساكر هو والأمير ألطنبغا الجوباني نائب الشام ~~وغيره من دمشق ونزل بسلمية، وخلفوا الأمير الكبير أيتمش البجاسي بدمشق ~~لحفظها؛ فثار على أيتمش المذكور بدمشق بعد خروج العسكر منها جماعة من ~~المماليك البيدمرية والطازية والجنتمرية في طوائف من العادة يريمون أخذ ~~مدينة دمشق من أيتمش، فأرسل أيتمش بطاقة من قلعة دمشق إلى سلمية، يعلم ~~الأمراء والنواب بذلك. فحالما سمع الناصري الخبر ركب ليلا في طائفة من ~~عسكره وقدم دمشق ومعه الأمير ألابغا العثماني حاجب حجاب دمشق، وقاتل ~~المذكورين قتالا شديدا، قتل بينهما خلائق كثيرة ms2458 من العامة والأتراك، حتى ~~انتصر الناصري وقبض على جماعة منهم ووسطهم تحت قلعة دمشق، وقبض أيضا على ~~جماعة كثيرة فقطع أيديهم وهم نحو سبعمائة رجل - قاله الشيخ تقي الدين ~~المقريزي - سامحه الله - وحبس جماعة أخر. PageV03P0326 # ثم عاد الناصري إلى سلمية بعد أن مهد أمر الشام واجتمع مع أصحابه النواب، ~~فذكروا له أن منطاشا فرق أصحابه ثلاث فرق، فأشار عليهم الناصري بأنه أيضا ~~يفرق أصحابه وعساكره، فتفرقوا هم أيضا ثلاث فرق: الناصري فرقة، والجوباني ~~فرقة، وقرادمرداش نائب طرابلس فرقة. فأما الناصري، فإنه تولى قتال نعير بن ~~حيار، فحاربه وكسره أقبح كسرة، وقتل جمعا كبيرا من عربانه - على أن نعيرا ~~كان من أصحاب الناصري قبل ذلك، وممن خرج على منطاش غضبا للناصري - وركب ~~الناصري قفا زهير إلى منازله. وأما الأمير قرادمرداش الأحمدي نائب طرابلس ~~فانتحب لقتال منطاش، فإنه كان من بينهما عداوة قديمة، فتواقعا وتقاتلا ~~قتالا شديدا، برز فيه كل من منطاش وقرادمرداش صاحبه، وضرب كل منهما الآخر ~~بسيفه، فجاءت ضربة منطاش في يد قرادمرداش، فقلعت عدة أصابع من أصابعه، ~~وجاءت ضربة قرادمرداش في كتف منطاش فحلته. هذا والجوباني في القلب واقف ~~بعساكره، فخامرت جماعة من الأشرفية من خجداشية منطاش وجاءت إليه، وصارت من ~~عساكره. وكان حضر إلى الجوباني قبل ذلك جماعة أخر من المماليك الأشرفية، ~~فأحسن إليهم ألطنبغا الجوباني وقربهم وجعلهم من خواص عسكره، فاتفقوا مع بعض ~~مماليك الجوباني على قتل الجوباني؛ فلما كان وقت الوقعة، وقد التحم القتال ~~بين الناصري وزهير وبين قرادمرداش ومنطاش، وثبوا عليه من خلقه وقتلوه ~~بالسيوف، ثم قبضوا على الأمير مأمور القلمطاوي نائب حماة ووسطوه، ثم قتلوا ~~الأمير آقبغا الجوهري، والثلاثة من عظماء المماليك اليلبغاوية خجداشية ~~الملك الظاهر برقوق وأكابر أمرائه، ثم قتلوا عدة أمراء أخر من اليلبغاوية، ~~وكانت هذه الوقعة من أعظم الملاحم، قتل فيها من الفريقين عالم لا يحصى كثرة ~~وآنتهبت العربان والتركمان والعشير ما كان مع العسكرين وقدم البريد بذلك ~~على السلطان، فشق عليه قتل الأمراء إلى الغاية وأخبر البريد أيضا أن منطاش ms2459 ~~لما انكسر من قرادمرداش وهو مجروح أشيع موته، فأقام الأشرفية عوضه عليهم ~~خجداشهم الأمير ألطنبغا الأشرفي؛ فلما حضر منطاش من الغضب من فلك وأراد قتل ~~ألطنبغا الأشرفي فلم تمكنه الأشرفية من ذلك. وأما يلبغا الناصري فإنه لما ~~رجع من محاربة نعير ووجد الأمير ألطنبغا الجوباني قد قتل، جمع العساكر وعاد ~~إلى دمشق وأقام به يومين حتى أصلح أمره ثم خرج من دمشق بجميع العساكر وأغار ~~على آل علي، فوسط منهم جماعة كبيرة نحو مائتي نفس ونهب بيوتهم وكثيرا من ~~جمالهم، وعاد إلى دمشق وكتب للسلطان أيضا بذلك. فكتب السلطان للناصري ~~الجواب بالشكر والثناء والتأسف على الأمير ألطنبغا الجوباني وغيره، وأرسل ~~إليه الأمير أبا يزيد بن مراد بالتقليد والتشريف بنيابة الشام عوضا عن ~~ألطنبغا الجوباني ومبلغ عشرين ألف دينار برسم النفقة في العساكر. قلت: وأبو ~~يزيد هذا هو الذي كان اختفى عنده الملك الظاهر برقوق لما خلع نفسه عند حضور ~~الناصري ومنطاش إلى الديار المصرية. ثم في يوم الخميس أول ذي الحجة من سنة ~~اثنتين وتسعين المذكورة، رسم السلطان للأمير قرادمرداش الأحمدي نائب طرابلس ~~باستقراره في نيابة حلب؛ عوضا عن الأمير كمشبغا الحموي بحكم عزله وقدومه ~~إلى القاهرة، وجهز إليه التقليد والتشريف على يد الأمير تنبك المعروف بتنم ~~الحسني الظاهري. ثم في خامس ذي الحجة استقر السلطان بالأمير إينال من خجا ~~أتابك حلب باستقراره في نيابة طرابلس عوضا عن الأمير قرادمرداش المنتقل ~~لنيابة حلب، واستقر الأمير آقبغا الجمالي الظاهري أتابك حلب عوضا عن إينال ~~المذكور، واستقر الأمير محمد بن سلار حاجب حجاب حلب، وكتب لسولي بن دلغادر ~~بنيابة أبلستين. ثم في يوم عيد النحر خرج الأمير بيليك المحمدي لإحضار ~~الأمير كمشبغا الحموي اليلبغاوي نائب حلب، ثم أرسل السلطان الملك الظاهر ~~الأمير تمربغا المنجكي بمال كبير ينفقه في العساكر الشامية ويجهزهم إلى ~~عينتاب لقتال منطاش. PageV03P0327 # ثم في سادس محرم سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة ورد الخبر من دمشق بأن الأمير ~~يلبغا الناصري تنافس هو والأمير الكبير أيتمش البجاسي فأضمر الناصري الخروج ~~عن الطاعة ms2460 ولبس السلاح وألبس حاشيته ونادى بدمشق: " من كان من جهة منطاش ~~فليحضر " ، فصار إليه نحو ألف ومائتي فارس من المنطاشية، فقبض على الجميع ~~وسجنهم ثم قلع السلاح وكتب بذلك إلى السلطان يعرفه، فأجابه السلطان بالشكر ~~والثناء. ثم في ثاني صفر رسم السلطان بهدم سلالم مدرسة السلطان حسن فهدمت، ~~وفتح بابها من شباك بالرميلة تجاه باب السلسلة. ثم قدم الأمير كمشبغا ~~الحموي نائب حلب إلى القاهرة في سابع صفر، بعد أن خرج الأمير سودون النائب ~~مع أعيان الأمراء والحجاب إلى لقائه، وطلع إلى القلعة، وقبل الأرض، فقام له ~~السلطان واعتنقه وأجلسه في الميمنة فوق الأمير الكبير إينال اليوسفي، ونزل ~~إلى دار أعدت له، وبعث له السلطان ثلاثة أرؤس من الخيل بقماش ذهب. وحضر مع ~~كمشبغا أيضا الأمير. حسام الدين حسن الكجكني نائب الكرك، وكان قد انهزم مع ~~كمشبغا نائب حلب من يوم وقعة شقحب، فرحب السلطان به أيضا وأكرمه وأرسل إليه ~~فرسا بقماش مذهب؛ وقدم معهما أيضا عدة أمراء أخر. ثم قدم البريد في أثناء ~~ذلك بأن العساكر الشامية وصلت إلى مدينة عينتاب ففر منطاش إلى جهة مرعش وفر ~~من عنده جماعة كبيرة ودخلوا تحت طاعة لسلطان. ثم أحضر السلطان الأمير حسام ~~الدين حسن بن باكيش نائب غزة من السجن ضربه بالمقارع، وأحضر أيضا اقبغا ~~المارديني نائب الوجه القبلي وضربه على أكتافه، وأمر والي القاهرة بتخليص ~~حقوق الناس منه، واستقر عوضه في كشف الوجه القبلي الأمير يلبغا الأحمدي ~~المجنون أحد المماليك الظاهرية. ثم في تاسع عشرينه أحضر السلطان القاضي ~~شهاب الدين أحمد بن الحبال الحنبلي قاضي طرابلس فضرب بين يديه عدة عصي بسبب ~~قيامه مع منطاش. ثم أنعم السلطان على الأمير حسام الدين الكجكني نائب الكرك ~~كان بإقطاع أرغون العثماني البجمقدار نائب الإسكندرية، والإقطاع تقدمة ألف ~~بالقاهرة. ثم خرج البريد من مصر بإحضار الأمير أيتمش البجاسي من دمشق - ~~وكان بها من يوم قبض عليه الناصري في واقعة الناصري ومنطاش مع الملك الظاهر ~~برقوق وحبس بقلعة إلى أن أطلق بعد خروج منطاش ms2461 من دمشق واستمر بدمشق لمصالح ~~الملك الظاهر حتى طلب في هذا التاريخ - وخرج بطلبه الأمير قنق باي الأحمدي ~~رأس نوبة، فقدم في يوم الاثنين رابع جمادى الأولى على البريد، فتلقاه ~~الأمير سودون النائب والحجاب. وقدم مع أيتمش المذكور عدة أمراء، منهم: ~~آلابغا العثماني حاجب حجاب دمشق، والأمير أيتمش المذكور، والأمير جنتمر أخو ~~طاز نائب دمشق كان، وأمير ملك ابن أخت جنتمر، ودمرداش اليوسفي، وألطنبغا ~~الحلبي، وكثير من المماليك السلطانية، وجماعة أخر، والجميع في الحديد على ~~ما يأتي ذكرهم، ما خلا المماليك الظاهرية. وطلع الأمير أيتمش إلى السلطان ~~وقبل الأرض، فأكرمه السلطان وأجلسه في الميسرة تحت الأمير سودون النائب، ~~وكانت منزلته في الميمنة، فإنه كان أتابك العساكر بالديار المصرية قبل ~~توجهه إلى قتال الناصري، لكنه لما حضر الآن كان بطالا وكان الأتابك يومئذ ~~الأمير إينال اليوسفي اليلبغاوي، على أنه يجلس تحت الأمير الكبير كمشبغا ~~الحموي نائب حلب كان، فلو جلس الأمير أيتمش الآن في الميمنة لجلس ثالثا، ~~فإنه لا يمكنه الجلوس فوق إينال كونه متوليا أتابك العساكر وأيتمش الآن ~~منفصل، فرسم له السلطان أن يجلس في الميسرة، ولم يجسر أن يأمره بالجلوس ~~فوقه لكبر سنه وقدمته، فجلس تحته. قلت: وهذا شأن الدنيا، الرفع والخفض. ~~PageV03P0328 # ثم أحضر السلطان الأمراء القادمين صحبة الأمير الكبير أيتمش، وعدتهم ستة ~~وثلاثون أميرا ومعهم أيضا قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن عمر القرشي ~~الشافعي قاضي قضاة دمشق والقاضي فتح الدين محمد بن محمد بن أبي بكر بن ~~إبراهيم بن الشهيد كاتب سر دمشق وابن شكر ناظر جيش دمشق والجميع في القيود، ~~فوبخ السلطان ألطنبغا الحلبي وجنتمر نائب الشام وابن القرشي وأطال الحديث ~~معهم، وكانوا قابلوه في محاربته دمشق بأشياء قبيحة إلى الغاية وأفحشوا في ~~أمره إفحاشا زائدا، بحيث إن القاضي شهاب الدين القرشي المذكور كان يقف على ~~سور دمشق وينادي: إن قتال برقوق أوجب من صلاة الجمعة، وكان يجمع عوام دمشق ~~ويحرضهم على قتاله، ويرمي الملك الظاهر بعظائم في دينه، ويختلق عليه ما ليس ~~هو فيه. ثم ms2462 أمر بهم الملك الظاهر فسجنوا، وأسلم ابن شكر لشاد الدواوين، ~~فعصره وألزمه بحمل ستة آلاف دينار ثم أفرج عنه. ولما نزل الأمير أيتمش إلى ~~داره بعث إليه السلطان بأشياء كثيرة نق الخيل والجمال والقماش والمماليك؛ ~~ثم قبض السلطان على أسندمر وإسماعيل التركماني وكزل القرمي وآقبغا البجاسي ~~وسربغا وسلمهم إلى والي القاهرة. ثم قبض السلطان أيضا على أحد عشر أميرا ~~وهم: قطلوبغا الطشتمري الحاجب، وطقطاي الطشتمري الطواشي الرومي، وآلابغا ~~الطشتمري، وقرابغا السيفي، وآقبغا السيفي، وبيبغا السيفي، وطيبغا السيفي، ~~ومحمد بن بيدمر أتابك دمشق، وخير بك الخوارزمي، ومنجك الزيني، وأرغون شاه ~~السيفي، وحبسهم؛ رسم بتسمير أسندمر الشرفي رأس نوبة، واقبغا الظريف ~~البجاسي، وإسماعيل التركماني، وكزل القرمي، وسربغا، فسمروا وشهروا ~~بالقاهرة. ثم وسطوا بالكوم، هذا شيء لم يفعله ملك قبله بأمير، ففعل ذلك لما ~~كان في نفسه منهم. ثم أحضر السلطان الأمير ألطنبغا الحلبي وألطنبغا أستادار ~~جنتمر إلى مجلس تاضي القضاة شمس الدين الركراكي المالكي وادعى عليهما بما ~~يقتضي القتل، فسجنهما القاضي بخزانة شمائل مقيدين. ثم قبض السلطان على ~~الأمير سنجق الحسني نائب طرابلس كان ثم شكا رجل القاضي شهاب الدين القرشي ~~إلى السلطان فأحضره السلطان من السجن وادعى عليه غريمه بمال له في قبله ~~وبدعاوى شنيعة، فأمر به السلطان فضرب بالمقارع وسلم إلى والي القاهرة ليخلص ~~منه مال المدعي عليه، فضربه الوالي وأهانه وعصره مرارا ثم سجنه بخزانة ~~شمائل. ثم وقف شخص وادعى أن أمير ملك ابن أخت جنتمر أخذ له ستمائة ألف درهم ~~وأغرى به منطاش، حتى ضربه بالمقارع، فأحضره السلطان حتى سمع الدعوى. ثم أمر ~~به فضرب بالمقارع ضربا مبرحا وسلمه إلى والي القاهرة، فمات بعد ثلاثة أيام ~~تحت العقوبة. ثم قبض السلطان على مماليك الأمير بركة الجوباني والمماليك ~~الذين خدموا عند منطاش وتتبعوا من الأماكن، ثم ضرب والي القاهرة القاضي ~~شهاب الدين أحمد القرشي نحو مائتي شيب. ثم قدم البريد من الشام بأن منطاشا ~~في أول شهر رجب قدم دمشق. وكان من خبر منطاش أن الناصري لما كان بدمشق ms2463 ورد ~~عليه الخبر بمجيء منطاش إليه، فخرج من وقته بعساكره يريد لقاءه على حين ~~غفلة، ومر من طريق الزبداني، فبادر أحمد بن شكر بجماعة البيدمرية ودخل دمشق ~~من باب كيسان ونهب إسطبل الناصري وإسطبلات أمراء دمشق، وخرج يوم الأحد تاسع ~~عشرين جمادى الآخرة من دمشق ليلحق منطاش، فدخل منطاش من صبيحة اليوم وهوى ~~يوم الاثنين أول رجب إلى دمشق من طريق آخر ونزل بالقصر الأبلق ونزل جماعته ~~حوله؛ فعاد ابن شكر في إثره إلى دمشق وأحضر إليه الخيول التي أخذها وهي نحو ~~ثمانمائة فرس. وكان منطاش لما خرج من عند نعير يريد دمشق، سار إلى مرعش على ~~العمق حتى قدم على حماة، فطرق نائبها بغتة، فانهزم نائب حماة إلى نحو ~~طرابلس من غير قتال، فدخل منطاش حماة ولم تحدث بها مظلمة. ثم توجه منها إلى ~~حمص، ففر منها أيضا نائبها إلى دمشق ومعه نائب بعلبك واجتمعا بالناصري ~~وعرفاه الخبر، فخرج الناصري على الفور - كما قدمنا ذكره - من طريق، وجاء ~~منطاش من طريق آخر. انتهى. PageV03P0329 # ثم إن منطاشا لما أقام بالقصر الأبلق ندب أحمد بن شكر المذكور ليدخل إلى ~~مدينة دمشق ويأخذ من أسواقها المال، فبينما هو في ذلك إذ قدم الناصري ~~بعساكره فاقتتلا قتالا عظيما دام بينهم أياما إلى أواخر الشهر، وقتل كثير ~~من الفريقين والأكثر ممن كان مع منطاش، وفر عن منطاش معظم التركمان الذين ~~قدموا معه شيئا بعد شيء، وصار منطاش محصورا بالقصر الأبلق، والقتال عمال ~~بينهم في كل يوم، حتى وجد منطاش له فرصة، ففر إلى جهة التركمان؛ وتبعه ~~عساكر دمشق فلم يحركه أحد، فعظم هذا الخبر على الملك الطاهر برقوق إلى ~~الغاية واتهم الناس الناصري بالتراخي في قتال منطاش. ثم إن الملك الظاهر ~~خلع على الأمير قطلوبغا الصفوي باستقراره حاجب الحجاب بديار مصر، وعلى ~~الأمير بتخاص باستقراره حاجب ميسرة، وعلى الأمير قديد باستقراره حاجبا ~~ثالثا بإمرة طبلخاناه، وعلى الأمير علي باشاه باستقراره حاجبا رابعا، وخلع ~~على الأمير يلبغا الأشقر الأمير آخور باستقراره في نيابة غزة عوضا ms2464 عن اتحا ~~الصغير بحكم طلبه إلى القاهرة، وعلى ناصر الدين محمد بن شهري في نيابة ~~ملطية. ثم خلع السلطان على الأمير أرغون شاه الإبراهيمي الظاهري الخازندار ~~باستقراره حاجب حجاب دمشق عوضا عن آلابغا العثماني، واستقر آلابغا العثماني ~~المذكور في نيابة حماة. قلت: وكل من نذكره من هذا الوقت وننعته بالظاهري ~~فهو منسوب إلى الملك الظاهر برقوق ولا حاجة للتعريف بعد ذلك. ثم أنعم ~~السلطان على كل من قاسم ابن الأمير الكبير كمشبغا الحموي ولاجين الناصري ~~وسودون العثماني النظامي وأرغون شاه الأقبغاوي وسودون من باشاه الطغاي تمري ~~وشكر باي العثماني الظاهري وقجق القرمشي الظاهري بإمرة طبلخاناه، وعلى كل ~~من قطلوبغا الطقتمشي وعبد الله أمير زاه ابن ملك الكرج وكزل الناصري وعلان ~~اليحياوي الظاهري وكمشبغا الإسماعيلي الظاهري وقلمطاي العثماني الظاهري ~~بإمرة عشرة. ثم في تاسع شهر رجب ضرب القاضي شهاب الدين القرشي قاضي قضاة ~~دمشق بخزانة شمائل، حتى مات تحت العقوبة من ليلته وأخرج على وقف الطرحى. ثم ~~في خامس عشر رجب اجتمع القضاة والأمير بتخاص الحاجب بالمدرسة الصالحية بين ~~القصرين وأحضر الأمير ألطنبغا دوادار جنتمر وأوقف تحت الشباك عند خيمة ~~الغلمان على الطريق وادعي عليه بما اقتضى إراقة دمه وشهد عليه وضربت رقبته، ~~ثم فعل بالأمير ألطنبغا الحلبي مثله وحملت رؤوسهما على رمحين، ونودي عليهما ~~بشوارع القاهرة. ثم رسم السلطان في أول شعبان بخروج تجريدة من الأمراء إلى ~~الشام لتكون معاونة للناصري على قتال منطاش، فأخذ من عين للسفر في التجهيز ~~ثم أشيع سفر السلطان بنفسه، وأخذ أرباب الدولة في إصلاح أمر السفر. ثم في ~~خامس شعبان قتل السلطان الأمير حسام الدين حسن بن باكيش نائب غزة كان. ~~وسببه أنه لما عوقب واستمر محبوسا بخزانة شمائل، جمع ولده كثيرا من العشير ~~ونهب الرملة وقتل كثيرا من الناس؛ فلما بلغ السلطان ذلك أمر بقتله، فقتل. ~~ثم ضرب السلطان الأمير حسام الدين حسين بن علي الكوراني في سجنه بخزانة ~~شمائل بالمقارع ضربا مبرحا. ثم في عاشر شعبان علق السلطان جاليش السفر إلى ~~بلاد ms2465 الشام فتحقق كل أحد عند ذلك بسفر السلطان. وأصبح من الغد وهو يوم حادي ~~عشر شعبان تسلم الأمير علاء الدين علي بن الطبلاوي والي القاهرة الأمير ~~صراي تمر دوادار منطاش الذي كان والي الغيبة بديار مصر وكان سكن بباب ~~السلسلة والأمير تكا الأشرفي ودمرداش القشتمري ودمرداش اليوسفي وعليا ~~الجركتمري، فقتلوا جميعا إلا عليا الجركتمري فإنه عصر وعوقب، ثم قتل - بعد ~~ذلك مع الأمير قطلوبغا النظامي نائب صفد. ثم في ثاني عشره عرض السلطان ~~المحابيس من المنطاشية فأفرد منهم جماعة كبيرة للقتل فقتلوا في ليلة الأحد ~~ثالث عشرة، منهم الأمير جنتمر أخو طاز نائب الشام والأمير ألطنبغا ~~الجربغاوي والطواشي طقطاي الطشتمري الرومي القاضي فتح الدين محمد بن الشهيد ~~كاتب سر دمشق، ضربت أعناقهم بالصحراء. PageV03P0330 # ثم خلع السلطان في يوم خامس عشر شعبان على القاضي جمال الدين حمود ~~القيصري العجمي وأعيد إلى قضاء القضاة الحنفية بالديار المصرية، وصرف قاضي ~~القضاة مجد الدين إسماعيل ونزل في موكب جليل وكتب له في توقيعه الجناب ~~العالي، كما كتب للقاضي عماد الدين أحمد الكركي. وكان سبب كتابة ذلك لعماد ~~الدين أيادي سلفت له على الملك الظاهر برقوق في أيام حبسه في الكرك وأيضا ~~اعتنى به أخوه القاضي علاء الدين الكركي كاتب السر الشريف، وهو أول من كتب ~~له: الجناب العالي من المتعممين، وما كان يكتب ذلك لا للوزير بديار مصر ~~فقط، وكان يكتب للقضاة بالمجلس العالي. ثم في ثامن عشر شعبان المذكور قبض ~~السلطان على عدة من الأمراء فسجنوا بالقلعة، فكان ذلك آخر العهد بهم. وفيه ~~عين السلطان لنيابة الغيبة الأمير كمشبغا الحموي اليلبغاوي، ورسم لأمير ~~سودون الفخري الشيخوني النائب أن يتحول إلى قلعة الجبل، فتحول إليها هو ~~والأمير بجاس النوروزي. ورسم السلطان بأن يقيم بالقلعة أيضا ستمائة مملوك ~~أميرهم تغري بردي اليشبغاوي الظاهري رأس نوبة - أعني الوالد - والأمير ~~الطواشي صواب السعدي شنكل مقدم المماليك السلطانية؛ وتعين للإقامة بالقاهرة ~~من الأمراء الأمير قطلوبغا الصفوي حاجب الحجاب، والأمير بتخاص السودوني ~~الحاجب الثاني، والأمير قديد القلمطاوي الحاجب الثالث ms2466 وأحد أمراء ~~الطبلخاناه، االأمير طغاي تمر باشاه الحاجب، وقرابغا الحاجب، في عدة من ~~الأمراء العشرات. ورسم للشيخ سراج الدين عمر البلقيني، وقاضي القضاة بدر ~~الدين بن أبي البقاء وهو غير قاض، والقاضي بحر الدين محمد بن فضل الله ~~العمري، المعزول عن كتابة السر، وقضاة العسكر، ومفتي دار العدل، بالسفر ~~صحبة السلطان من جملة القضاة الأربعة فتجهزوا لذلك. ونزل السلطان بعد صلاة ~~الظهر في يوم الثلاثاء ثاني عشرين شعبان المذكور من قلعة الجبل وتوجه حتى ~~نزل بالريدانية خارج القاهرة وأقام به. ثم طلب من الغد سائر المسجونين ~~بخزانة شمائل إلى الريدانية، فحضروا وعرضوا على السلطان، فأفرد منهم سبعة ~~وثلاثين رجلا فأمر بثلاثة منهم فغرقوا في النيل: وهم محمد بن الحسام ~~أستادار أرغون أسكي وأحمد بن النقوعي ومقبل الصفوي؛ وسمر منهم سبعة وهم: ~~شيخ الكريمي وأسندمر نائب قلعة الجبل وثلاثة من أمراء الشام واثنان من ~~التركمان، ثم وسطوا، ثم قتل من بقي منهم في السجن. ثم في رابع عشرينه استقر ~~ناصر الدين محمد بن كلبك شاد الدواوين، وأنعم على الأمير أبي بكر بن سنقر ~~الجمالي بإمرة طبلخاناه ورسم له بإمرة الحاج. ثم رحل السلطان الملك الظاهر ~~بعساكره من الريدانية في سادس عشرين شعبان سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. بعد ~~سفر السلطان من الريدانية قتل والي القاهرة اثني عشر أميرا من الأمراء ~~المسجونين بالقاهرة في ليلة الثلاثاء، وهم: أرغون شاه السيفي، وآلابغا ~~الطشتمري، وآقبغا السيفي، وبزلار الخليلي وآخرون. ثم في ليلة الأربعاء سلخه ~~قتل الأمير سنجق الحسني نائب حماة ثم طرابلس، وقرابغا السيفي، ومنصور حاجب ~~غزة. وأظن هؤلاء هم تمام السبعة والثلاثين نفرا الذين عرضهم السلطان ~~بالريدانية. والله أعلم. ثم استقل السلطان بالمسير إلى نحو البلاد الشامية ~~حتى دخل دمشق في يوم خميس ثاني عشرين شهر رمضان، وقد زينت له دمشق، وخرج ~~الأمير يلبغا ناصري نائب الشام إلى لقائه بمنزلة اللجون، فكان لدخوله إلى ~~دمشق يوم مشهود. وحمل الناصري على رأسه القبة والطير. وعند دخول السلطان ~~إلى دمشق نادى فيها بالأمان لأهل دمشق، فإنهم ms2467 كانوا قاموا مع منطاش قياما ~~عظيما فحشوا في أمر الملك الظاهر وقتاله. ثم في يوم ثالث عشرين شهر رمضان ~~صلى السلطان صلاة الجمعة بجامع دمشق وعندما فرغ السلطان من الصلاة نادى ~~الجاويش في الناس بالأمان، " والماضي لا يعاد، ونحن من اليوم تعارفنا " ، ~~فضج الناس بالدعاء للسلطان، خرجوا من بيوتهم إلى معايشهم وحوانيتهم، وأمنوا ~~بعد أن كانوا في وجل وخوف، هم مترقبون ما يحل بهم منه، لما وقع منهم في حقه ~~في السنة الماضية لما حضر منطاش ومبالغتهم في سبه ولعنه واستمرارهم على ~~قتاله. PageV03P0331 # وأما الأمير كمشبغا نائب الغيبة فإنه عمل النيابة على أعظم حرمة، حتى إنه ~~نادى في تاسع عشرين شهر رمضان بمنع النساء في يوم العيد من الخروج، إلى ~~ترب، ومن خرجت وسطت هي والمكاري، وألا يركب أحد في مركب للتفرج على النيل، ~~وأشياء كثيرة من هذا النموذج، فلم يجسر أحد على مخالفته. ثم نادى ألا تلبس ~~امرأة قميصا واسع الأكمام ولا يزيد تفصيل القميص على أكثر من أربعة عشر ~~ذراعا؛ وكان النساء بالغن في سعة القمصان حتى كان يفصل قميص الواحد من ~~اثنين وسبعين ذراعا من القماش، فمشى ذلك وفصلوا قمصانا سموها كمشبغاوية. ~~ورأيت أنا القمصان الكمشبغاوية المذكورة، وكان أكمامها مثل أكمام قمصان ~~العربان. وأما السلطان الملك الظاهر برقوق فإنه أقام بدمشق إلى ثاني شوال ~~وخرج منه يريد مدينة حلب؛ فسار بعساكره حتى وصلها في ثاني عشرين شوال، بعد ~~أن أقام بمدينة حمص وحماة أياما كثيرة وأعاد السلطان القاضي بدر الدين محمد ~~بن فضل الله إلى كتابة السر لضعف القاضي علاء الدين الكركي. وعندما دخل ~~السلطان إلى حلب ورد عليه الخبر أن سالما الدوكاري قبض على الأمير منطاش ~~وأن صاحب ماردين قبض أيضا على جماعة من المنطاشية، فسر السلطان بذلك وبعث ~~بالأمير قرا الأحمدي نائب حلب في عساكر حلب لإحضار منطاش من عند سالم ~~الدوكاري؛ فسار قرادمرداش حتى وصل إلى سالم الدوكاري وأقام عنده أربعة أيام ~~يطالبه بتسليم منطاش وهو يماطله، فحنق منه قرادمرداش وركب بمن معه من ms2468 ~~العساكر ونهب بيوته وقتل عدة من أصحابه؛ وفر سالم بمنطاش إلى سنجار، وامتنع ~~بها. وفي عقب ذلك وصل الأمير يلبغا الناصري نائب الشام إلى بيوت سالم ~~الدوكاري، فأنكر على قرادمرداش ما وقع منه في حق سالم، وأغلظ له في القول، ~~وهم أن يضربه بالسيف، فدخل بعض الأمراء بينهما حتى سكن ما به، وكادت الفتنة ~~أن تقوم بينهما ويعود الأمر على ما كان عليه أولا. وأما الأمير الكبير ~~إينال اليوسفي فإنه وجهه السلطان إلى صاحب ماردين، فسار إلى رأس عين وتسلم ~~منه الجماعة المقبوض عليهم من المنطاشية، وعاد بهم إلى السلطان، وكبيرهم ~~الأمير قشتمر الأشرفي، وبكتاب صاحب ماردين وهو يعتذر فيه ويعد بتحصيل غريم ~~السلطان، فكتب له الجواب بالشكر والثناء. وأما السلطان لما بلغه ما جرى بين ~~يلبغا الناصري نائب الشام وبين قرادمرداش الأحمدي نائب حلب وعودهما من غير ~~طائل، غلب على ظنه صحة ما نقل عن يلبغا الناصري قبل تاريخه أن قصده مطاولة ~~الأمر بين الملك الظاهر وبين منطاش، وأن منطاش لم يحضر إلى دمشق فيما مضى ~~إلا بمكاتبته له بقدومه، وأنه طاوله في القتال، أعني: لما كان نزل منطاش ~~بالقصر الأبلق بميدان دمشق ولو شاء الناصري لكان أخذه في أقل من ذلك، وأن ~~رسل الناصري كانت ترد على منطاش في كل ليلة بما يأمره به، وأن سالما ~~الدوكاري لم يدخل بمنطاش إلى سنجار إلا بمكاتبته. وقوي الشك، عند الملك ~~الظاهر برقوق، وتحركت عنده تلك الكمائن القديمة من خروجه عليه وخلعه من ~~الملك وحبسه بالكرك، وكل ما هو فيه إلى الآن من الشرور والفتن، فالناصري هو ~~السبب فيها. وسكت السلطان، حتى قدم الناصري إلى حلب، فقبض عليه وعلى الأمير ~~شهاب الدين أحمد بن المهمندار نائب حماة وعلى الأمير كشلي أمير آخور ~~الناصري والشيخ حسن رأس نوبته وسجن الجميع بقلعة حلب، ثم قتلهم من ليلته ~~بقلعة حلب. وكان الناصري من أجل الأمراء ومن أكابر مماليك الأتابك يلبغا ~~العمري، وقد تقدم من أمره في ترجمة الملك الظاهر برقوق الأولى وفي ترجمة ~~الملك ms2469 المنصور حاجي وما وقع له مع منطاش وغيره ما يغني عن التعريف به هنا ~~ثانيا. قال قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي في تاريخه في حق ~~يلبغا الناصري المذكور: وكان من ابتداء إنشائه من أيام الملك الناصر حسن ~~إلى آخر عمره على فتنة وسوء رأي وتدبير وشؤم؛ حتى قيل: إنه ما كان مع قوم ~~في أمر من الأمور إلا وقد حصل لهم العكس، وشوهد ذلك منه؛ كان مع أستاذه ~~يلبغا الخاصكي العمري فانكسر، ثم أسندمر الناصري فغلب وانقهر، ثم مع الأشرف ~~شعبان بن حسين فقتل، ثم مع الأمير بركة فخذل، انتهى كلام العيني. ~~PageV03P0332 # قلت: نصرته على الملك الظاهر برقوق وأخذه مملكة الديار المصرية وحبسه ~~للملك الظاهر برقوق بالكرك بكل ما قاله العيني؛ وقد فات العيني أيضا كسرة ~~الناصري من منطاش بباب السلسلة وحبس منطاش له، لأن قضيته مع منطاش كانت ~~أعظم شاهد للعيني فيما رماه به من الشؤم. انتهى. ثم عزل الملك الظاهر ~~الأمير قرادمرداش عن نيابة حلب، وأنعم عليه بتقدمة ألف بالديار المصرية، ~~عوضا عن الأمير بطا الطولوتمري الظاهري الدوادار الكبير بحكم انتقال بطا ~~إلى نيابة الشام عوضا عن الأمير الكبير يلبغا الناصري المقدم ذكره وخلع ~~السلطان على بطا المذكور، وعلى جلبان الكمشبغاوي الظاهري رأس نوبة النوب ~~المعروف بقراسقل باستقراره في نيابة حلب عوضا عن قرادمرداش الأحمدي في يوم ~~واحد، وهما أول من ترقى من مماليك الملك الظاهر إلى الرتب وولي الأعمال ~~الجليلة. ثم خلع الملك الظاهر على الأمير فخر الدين إياس الجرجاوي ~~باستقراره في نيابة طرابلس، وأخلع على الأمير دمرداش المحمدي الظاهري ~~بنيابة حماة، وخلع على الأمير أبي يزيد بن مراد الخازن باستقراره دوادارا ~~كبيرا عوضا عن بطا المنتقل إلى نيابة الشام، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه، ~~لما لأبي يزيد المذكور على السلطان من الأيادي عندما اختفى عنده في محنة ~~الناصري ومنطاش. ثم أنعم السلطان على الأمير تنبك اليحياوي الظاهري بإقطاع ~~جلبان قراسقل المنتقل إلى نيابة حلب. ثم خرج السلطان من حلب في يوم الاثنين ~~أول ذي الحجة ms2470 عائدا إلى دمشق، فدخلها في ثالث عشرين ذي الحجة، وقتل بها يوم ~~دخوله الأمير ألابغا العثماني الدوادار الكبير كان، والأمير سودون باق أحد ~~مقدمي الألوف أيضا، وسمر ثلاثة عشر أميرا منهم الأمير أحمد بن بيدمر أتابك ~~دمشق، وأحمد بن أمير علي المارديني أحد مقدمي الألوف بدمشق، ويلبغا ~~العلائي، وقنق باي السيفي، نائب ملطية، وكمشبغا السيفي نائب بعلبك، وغريب ~~الخاصكي أحد أمراء الطبلخاناه بمصر، وقرا بغا العمري، وجماعة أخر، ووسطوا ~~الجميع. وأقام السلطان بدمشق، وأهلها على تخوف عظيم منه، إلى أن خرج منها ~~في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة عائدا إلى الديار ~~المصرية فسار بعساكره حتى دخل مدينة غزة في يوم الجمعة ثالث محرم سنة أربع ~~وتسعين وسبعمائة، فعند ذلك نودي بالقاهرة، بالزينة لقدومه، فزينت أعظم زينة ~~إلى يوم ثالث عشر المحرم، فقدم البريد من السلطان إلى مصر بالخروج إلى ~~ملاقاته إلى بلبيس، فخرج الأمير كمشبغا الحموي نائب الغيبة، ومعه الأمير ~~سودون الشيخوني النائب، وبقية الأمراء، وساروا حتى وافوا السلطان بمدينة ~~بلبيس، فقبلوا الأرض بين يديه، وعادوا في ركابه حتى نزل السلطان العكرشة، ~~وأقام بها إلى ليلة الجمعة ثم رحل في صبيحة الجمعة سابع عشر المحرم، فخرج ~~من القاهرة سائر الطوائف إلى لقائه ومشوا في خدمته، وقد اصطفت لناس لرؤيته ~~إلى أن طلع إلى القلعة يوم الجمعة المذكور في موكب جليل إلى الغاية، وكان ~~لطلوعه يوم مشهود. ولما طلع إلى القلعة جلس بالقصر وخلع على الأمراء وأرباب ~~الوظائف. ثم قام ودخل إلى الدور السلطانية، فاستقبله المغاني والتهاني ~~وفرشت الشقق الحرير تحت أقدامه، ونثر على رأسه الذهب والفضة، هذا وقد تخلق ~~غالب أهل القلعة بالزعفران. فلم يمض بعد ذلك إلا أيام يسيرة، وقدم البريد ~~من دمشق في يوم خامس عشرينه بسيف الأمير بطا الطولوتمري الظاهري نائب الشام ~~- وبطا هذا هو خرج من سجن القلعة وملك باب السلسلة في غيبة الملك الظاهر ~~برقوق حسب ما ذكرناه في وقته من هذا الكتاب، واتهم الملك الظاهر في موته - ~~فخلع السلطان في ms2471 يوم سابع عشرينه على الأمير سودون طرنطاي بنيابة دمشق، ~~عوضا عن بطا المذكور. ثم في يوم الإثنين ثاني عشر صفر قبض السلطان على ~~الأمير قرادمرداش الأحمدي اليلبغاوي المعزول قبل تاريخه عن نيابة حلب وعلى ~~الأمير ألطنبغا المعلم نائب الإسكندرية وهو أيضا يلبغاوي، وسجنا بالبرج من ~~القلعة. وقرادمرداش هذا هو الذي كان الملك الظاهر خلع عليه باستقراره أتابك ~~العساكر بالديار المصرية، وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار، فأخذها قرادمرداش ~~وخامر عليه وتوجه إلى الناصري ومنطاش، فأسر له السلطان ذلك إلى يوم قبض ~~عليه، فذكرها للأمراء، وقد ذكرنا ذلك كله مفصلا في ترجمة الملك الظاهر ~~الأولى. PageV03P0333 # ثم في خامس عشرين صفر أيضا مسك السلطان الأمير قردم الحسني اليلبغاوي رأس ~~نوبة النوب كان، وأخرج بعد أيام على إمرة عشرة بغزة ثم خلع السلطان على ~~الأمير قلمطاي العثماني الظاهري باستقراره أمير جاندار بعد موت قطلوبغا ~~القشتمري، وخلع على ناصر الدين محمد ابن الأمير محمود الأستادار بنيابة ~~الإسكندرية عوضا عن ألطنبغا المعلم المقبوض عليه. ثم قدم البريد من دمشق ~~بأن خمسة من المماليك أتوا إلى نائب قلعة دمشق مشاة، وشهروا سيوفهم وهاجموا ~~القلعة وملكوها وأغلقوا بابها، وأخرجوا من بها من المنطاشية والناصرية وهم ~~نحو مائة رجل، وقتلوا نائب القلعة ومن معه، وأن حاجب حجاب دمشق ركب بعسكر ~~دمشق وقاتلهم ثلاثة أيام حتى أخذ القلعة منهم، وقبض على الجميع إلا ~~خمسة،منهم فروا، فوسط الحاجب الجميع. ثم في ثالث عشرين شهر ربيع الآخر رسم ~~السلطان بقتل الأمير أيدكار العمري حاجب الحجاب كان، والأمير قراكسك، ~~والأمير أرسلان اللفاف، والأمير أرغون شاه. ثم في أول جمادى الأولى أحضرت ~~إلى القاهرة من الإسكندرية عدة رؤوس من الأمراء المسجونين بها وغيرهم. وفي ~~تاسع عشر شهر جمادى الأولى المذكور خلع السلطان على الأمير كمشبغا الحموي ~~باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد موت الأمير إينال اليوسفي ~~اليلبغاوي، على أن كمشبغا كان يجلس فوق إينال المذكور. ثم خلع السلطان على ~~الأمير أيتمش البجاسي باستقراره رأس نوبة الأمراء وأطابكا، وأنعم عليه ~~بزيادة على إقطاعه حتى صار ms2472 إقطاعه يضاهي إقطاع الأمير الكبير، لأن أيتمش ~~المذكور كان ولي الأتابكة بديار مصر في سلطنة الملك الظاهر وفي يوم الاثنين ~~أول شهر رمضان خلع السلطان على الأمير كمشبغا الأشرفي الخاصكي أمير مجلس ~~باستقراره في نيابة دمشق بعد موت سودون طرنطاي. قلت: هذا رابع نائب ولي ~~دمشق في أقل من سنة: الأول الناصري، والثاني بطا، والثالث سودون طرنطاي، ~~والرابع كمشبغا هذا؛ فلعمري! هل هذه آجال متقاربة لديهم، أم كؤوس منايا ~~تدور عليهم. ثم قدم البريد على السلطان بقتال عسكر حلب لمنطاش وفرار منطاش ~~وانهزامه أمامهم حتى على الفرات. ثم أنعم السلطان في اليوم المذكور على ~~الوالد بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وأنعم بطبلخاناه الوالد على ~~الأمير قلمطاي العثماني الظاهري، وكان الإقطاع المنعم به على الوالد عوضا ~~عن كمشبغا الخاصكي المنتقل إلى نيابة الشام. وأنعم السلطان بإقطاع قلمطاي ~~على الأمير شادي خجا الظاهري، والإقطاع إمرة عشرة. ثم أمسك السلطان شيخ ~~الشيوخ المعروف بالشيخ أصلم بن نظام الدين الأصبهاني صاحب الزاوية على ~~الجبل تجاه باب الوزير وسلمه لشاد الدواوين على حمل مائتي ألف درهم؛ وسببه ~~أن السلطان لما اختل أمره في حركة الناصري ومنطاش وهم بالهرب طلب أصلم ~~المذكور، وأعطاه خمسة آلاف دينار، وواعده أنه ينزل إليه ويختفي عنده، فلم ~~يف له أصلم بذلك، وأخذ الذهب وغيب، فاختفى السلطان في بيت أبي يزيد من غير ~~ميعاد واعده. وفي سابع عشرين شوال استقر الأمير بكلمش العلائي الأمير آخور ~~أمير سلاح، واستقر الأمير تنبك اليحياوي الظاهري أمير آخور كبيرا عوضه. وفي ~~ثاني عشر ذي القعدة قتل الأمير قرادمرداش الأحمدي اليلبغاوي نائب حلب كان، ~~والأمير تغاي تمر نائب سيس في عدة أمراء أخر. وفي ثالث محرم سنة خمس وتسعين ~~وسبعمائة قدم البريد على السلطان من الشام بموت الأمير كمشبغا الخاصكي ~~الأشرفي نائب دمشق، فاستقر السلطان بالأمير تنبك الحسني الظاهري المعروف ~~بتنم أتابك دمشق في نيابتها عوضا عن كمشبغا المذكور. قلت: الآن طاب خاطر ~~السلطان الملك الظاهر برقوق بنيابة تنم المذكور، فإن الشام صار الآن بيد ms2473 ~~مملوكه، كما نيابة حلب وحماة مع جلبان ودمرداش. ولما استقر تنم في نيابة ~~دمشق، رسم السلطان بنقل الأمير إياس الجرجاوي نائب طرابلس إلى أتابكية ~~دمشق، عوضا عن تنم المذكور، ونقل الأمير دمرداش المحمدي الظاهري من نيابة ~~حماة إلى نيابة طرابلس عوضه، واستقر الأمير آقبغا الصغير في نيابة حماة ~~عوضا عن دمرداش المذكور. PageV03P0334 # وفي أثناء ذلك قدم البريد على السلطان، يخبر بأن منطاشا ونعيرا أمير ~~العرب وابن بزدغان التركماني وابن إينال التركماني صاروا في عسكر كثيف ~~وحضروا به إلى سلمية فلقيهم محمد بن قارا أمير العرب على شيزر بتراكمين ~~الطاعة، فقاتلهم وقتل ابن بزدغان وابن إينال، وجرح منطاش وسقط عن فرسه، فلم ~~يعرف لأنه كان حلق شاربه ورمى شعره حتى أدركه ابن نعير وأردفه خلفه وانهزم ~~به، بعد أن قتل من الفريقين عالم كبير وحملت رأس ابن بزدغان وابن إينال إلى ~~دمشق، فعلقتا على قلعتها، ففرح السلطان بذلك، وكتب لمحمد بن قارا بالشكر ~~والثناء وأرسل إليه خلعة هائلة. ثم بعد أيام يسيرة ورد الخبر بأن نعيرا ~~والأمير منطاشا كبسا حماة في عسكر كبير، فقاتلهم الأمير آقبغا الصغير نائب ~~حماة فيما بين حماة وطرابلس وكسرهما فلما بلغ الأمير جلبان الكمشبغاوي ~~قراسقل نائب حلب ذلك ركب بعسكره وسار إلى أبيات نعير ونهبها وأخذ ما قدر ~~عليه من المال والخيل والجمال والأغنام والنساء والأطفال، وأضرم النيران ~~فيما بقي عندهم ثم أكمن كمينا. فلما سمع نعير بما وقع عليه رجع إلى نحو ~~بيوته بجماعته، فخرج الكمين عليه وقتل من عربانه جماعة كبيرة وأسر مثلها، ~~وقتل في هذه الوقعة من عسكر حلب نحو المائة فارس، وعدة من الأمراء، فأعجب ~~السلطان ما فعله نائب حلب، وكتب إليه بالشكر والثناء، وأرسل إليه خلعة ~~عظيمة وفرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش. ثم أخرج السلطان الأمير ألطنبغا المعلم ~~أمير سلاح كان، من السجن وأرسله إلى ثغر دمياط بطالا وأفرج السلطان أيضا عن ~~الأمير قطلوبغا السيفي حاجب الحجاب كان في أيام منطاش وأرسله إلى الثغر ~~المذكور. ثم في رابع عشر جمادى الآخرة ms2474 من سنة خمس وتسعين وسبعمائة قدم ~~البريد بموت الأمير يلبغا الإشقتمري نائب غزة وفي تاسع عشرين جمادى ~~المذكورة خلع السلطان على الأمير قلمطاي العثماني الظاهري باستقراره ~~دوادارا كبيرا بعد موت الأمير أبي يزيد بن مراد الخازن، وخلع السلطان على ~~الأمير ألطنبغا العثماني الظاهري باستقراره في نيابة غزة عوضا عن يلبغا ~~الأقشتمري. قلت: أدركت أنا ألطنبغا العثماني الظاهري هذا في نيابته على ~~دمشق في دولة الملك المؤيد شيخ. انتهى. وأنعم السلطان بإقطاع ألطنبغا ~~العثماني على الأمير تمراز الناصري الظاهري رأس نوبة - والإقطاع إمرة ~~طبلخاناه - وأنعم السلطان بإمرة تمراز المذكور على الأمير شرف الدين موسى ~~بن قماري أمير شكار، والإقطاع إمرة عشرة. وفي يوم الاثنين ثالث شهر رمضان ~~من سنة خمس وتسعين المذكورة قدم البريد من حلب بالقبض على الأمير منطاش. ~~وكان من خبره أن الأمير جلبان نائب حلب لم يزل في مدة ولايته على حلب يبذل ~~جهده في أمر منطاش، حتى وافقه الأمير نعير على ذلك بعد أمور صدرت بينهما. ~~وكان منطاش في طول هذه المدة مقيما عند نعير، فبعث جلبان شاذ شراب خاناته ~~السيفي كمشبغا في خمسة عشر مملوكا إلى نعير، بعد أن التزم الأمير جلبان ~~لنعير بإعادة إمرة العرب عليه، فسار كمشبغا المذكور حتى قارب أبيات نعير، ~~فنزل في موضع، وبعث يأمر نعيرا بالقبض على منطاش ويعلمه بحضوره؛ فندب نعير ~~أحد عبيده إليه يستدعيه، فأحس منطاش بالشر وفطن بالقصد، فهم بالفرار، فركب ~~فرسه وأراد التوجه إلى حال سبيله، فقبض العبد على عنان فرسه، فهم منطاش ~~بضربه، فأدركه عبد آخر وأنزلاه عن فرسه وأخذا سيفه، فتكاثروا عليه فلما ~~تحقق منطاش أنه أخذ ومسك أخذ سكينا كانت معه وضرب نفسه بها أربع ضربات أغشي ~~عليه، وحمل وأتي به إلى عند كمشبغا المذكور ومعه فرسه وأربعة جمال، فتسلمه ~~كمشبغا وسار به إلى حلب، فدخلها في أربعمائة فارس من عرب نعير، فكان لدخوله ~~حلب يوم عظيم مشهود، وحمل منطاش إلى قلعة حلب وسجن بها. ثم كتب إلى السلطان ~~بمسكه، فلما بلغ السلطان ذلك ms2475 سر سرورا عظيما، أم الهمة اضمحلت؟! وما الشيء ~~إلا كما كان وزيادة، غير أن قلة العرفان تمنع السيادة.انتهى. PageV03P0335 # وفي يوم ثاني شعبان خلع السلطان على الشيخ بحر الدين محمود الكلستاني ~~المقدم ذكره باستقراره في كتابة سر مصر، بعد موت القاضي بدر الدين محمد بن ~~فضل الله؛ وكانت تولية الكلستاني هذه الوظيفة كتابة السر من غريب الإتفاق، ~~كونه كان فقيرا مملقا خائفا من السلطان، وعند طلب السلطان له من خانقاه ~~شيخون لقراءة الكتاب الوارد عليه من العجم لم يخرج من الخانقاه حتى أوصى. ~~ثم إنه بعد قراءة الكتاب سافر صحبة السلطان إلى دمشق، واشتغل السلطان بما ~~هو فيه عنده، فضاق عيشه إلى الغاية وبقي في أعوز حال، وبات ليلته يتفكر في ~~عمل أبيات يمدح بها قاضي دمشق، لعله ينعم عليه بشيء يرد به رمقه، فنظم ~~قصيدة هائلة، وكان بارعا في فنون عديدة وأصبح من الغد ليتوجه بالقصيدة إلى ~~القاضي، فجاءه قاصد السلطان بولاية كتابة سر مصر، فجاءته السعادة فجأة. ~~وكان من أمر السلطان أنه لما مات كاتب السر طلب من يوليه كتابة السر، فذكر ~~له جماعة وبذلوا له مالا له صورة، فلم يلتفت السلطان إلى ذلك، وأراد من ~~يكون كفؤا لهذه الوظيفة التي يكون متوليها صاحب لسان وقلم فلم يجد غير ~~الكلستاني المذكور، وكان أهلا لها، فطلبه وولاه كتابة السر، فباشرها على ~~أجمل وجه. انتهى. ثم قدم على السلطان رسل طقتمش خان صاحب كرسي بلاد القفجاق ~~بأنه يكون عونا مع السلطان على تيمورلنك، فأجابه السلطان لذلك. ثم قدمت رسل ~~خوندكار يلدرم بايزيد بن عثمان متملك بلاد الروم بأنه جهز لنصرة السلطان ~~مائتي ألف درهم، وأنه ينتظر ما يرد عليه من جواب السلطان ليعتمده. ثم قدم ~~رسول القاضي برهان الدين أحمد صاحب سيواس بأنه في طاعة السلطان ويترقب ورود ~~المراسيم السلطانية الشريفة عليه بالمسير إلى جهة يعينه السلطان إليها، عند ~~قدوم تيمور، فكتب جواب الجميع بالشكر والثناء وبما اختاره السلطان. ثم في ~~أول ذي القعدة خرج السلطان من دمشق يريد البلاد الحلبية ms2476 وسار حتى دخلها في ~~العشر الأوسط من ذي القعدة. وبعد دخوله حلب بأيام قليلة، عزل نائبها الأمير ~~جلبان من كمشبغا الظاهري المعروف بقراسقل، وخلع على الوالد باستقراره عوضه ~~في نيابة حلب، وأنعم على الأمير جلبان المذكور بإقطاع الوالد وإمرته، وهي ~~إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ولم يستقر به في وظيفته؛ وكانت ~~وظيفة الوالد قبل نيابة حلب رأس نوبة النوب. ثم أمسك السلطان الأمير دمرداش ~~المحمدي نائب طرابلس وحبسه، وخلع على الأمير أرغون شاه الإبراهيمي الظاهري ~~نائب صفد باستقراره عوضه في نيابة طرابلس وخلع على الأمير آقبغا الجمالي ~~الظاهري أتابك حلب باستقراره في نيابة صفد، عوضا عن أرغون شاه الإبراهيمي؛ ~~وخلع على الأمير دقماق المحفلي الظاهري باستقراره في نيابة ملطية، وعلى ~~الأمير كور مقبل باستقراره في نيابة طرسوس. ثم قبض السلطان على عدة أمراء ~~من أمراء حلب: منهم الأمير ألطنبغا وأنعم على كمشبغا المذكور بخمسة آلاف ~~درهم وخلع عليه فوقانيا بطرز ذهب مزركش، ورسم السلطان إلى سائر الأمراء أن ~~يوافوه بالخلع، ودقت البشائر لهذا الخبر بالديار المصرية، وزينت القاهرة من ~~الغد زينة عظيمة. ثم خلع السلطان على الأمير طولو من علي باشاه الظاهري أحد ~~أمراء العشرات وندبه للتوجه إلى حلب على البريد لإحضار رأس منطاش، بعد أن ~~يعذبه بأنواع العذاب ليقر على أمواله فسار طولو في خامسه إلى حلب وأحضر ~~منطاشا وعصره، وأجرى عليه أنواع العذاب ليقر بالمال، فلم يعترف بشيء، فذبحه ~~بعد عذاب شديد. قيل: إنه عذب بأنواع العذاب والكسارات والنار في أطرافه، ~~حتى لم يبق فيه عضو إلا وتكسر، وهو مصمم على أنه لا يملك شيئا؛ ثم قطع رأسه ~~وحملت على رمح وطيف بها بمدينة حلب، ثم أخذها طولو وعاد يريد الديار ~~المصرية، فصار كلما دخل إلى مدينة طاف بها على رمح، وعمل بها كذلك في سائر ~~من الشام، حتى وصلت إلى الديار المصرية صحبة طولو المذكور في يوم الجمعة ~~حادي عشرين رمضان، فعلقت على باب قلعة الجبل، ثم طيف بها القاهرة على رمح، ~~ثم علقت على باب ms2477 زويلة أياما، ثم سلمت إلى زوجته أم ولده، فدفنتها في سادس ~~عشرينه. ثم ندب السلطان يلبغا السالمي الظاهري إلى نعير بالخلع. ~~PageV03P0336 # ثم في سادس عشرينه قدمت رسل الملك الظاهر مجد الدين عيسى صاحب ماردين على ~~السلطان تخبر بأن تيمورلنك أخذ مدينة تبريز وأرسل يستدعيه إلى عنده، فاعتذر ~~لمشاورة سلطان مصر، فلم يقبل منه تيمور ذلك وقال له: " ليس لصاحب مصر بملكك ~~حكم " وأرسل إليه خلعة وسكة ينقش بها الذهب والدنانير. وقدم مع القاصد أيضا ~~رسول صاحب بسطام، يذكر بأن تيمور قتل شاه منصور متملك شيراز وبعث برأسه إلى ~~بغداد، وبعث بالخلع والسكة إلى السلطان أحمد بن أويس صاحب العراق، فلبس ~~السلطان أحمد الخلعة وطاف بها في شوارع بغداد وضرب باسمه السكة. وكان ذلك ~~خديعة من تيمور، حتى ملك منه بغداد في يوم السبت حادي عشرين شوال من سنة ~~خمس وتسعين المذكورة. وكان سبب أخذ تيمور بغداد أن ابن أويس المذكور كان ~~أسرف في قتل أمرائه وبالغ في ظلم رعيته وانهمك في الفجور والفساد. قلت ~~فائدة: حكى بعض الحكماء أن الرجل إذا كان فيه خصلة من سبع خصال تمنعه ~~السيادة على قومه، ونظم السبعة بعضهم فقال: منع الناس أن يسود عليهم ... ~~سبعة قاله ذوو التبيان أحمق كاذب صغير فقير ... ظالم النفس ممسك الكف زان ~~ولما وقع من السلطان أحمد ذلك كاتب أهل بغداد تيمور بعد استيلائه على مدينة ~~تبريز يحثونه على المسير إلى بغداد، فتوجه إليها بعساكرها حتى بلغ الدربند ~~وهو من بغداد مسيرة يومين، فبعث إليه أحمد بن أويس بالشيخ نور الدين ~~الخراساني يسأله في الكف عنهم، وأن ابن أويس نائبه ويجهز له ما اختار من ~~الأموال، فأكرمه تيمور وقال له: " أنا أترك بغداد لأجلك " ورحل يريد ~~السلطانية، فبعث نور الدين كتبه بالبشارة إلى بغداد. ثم قدم في إثرها ~~فاطمأن أهلها. وكان تيمور قد سار يريد بغداد من طريق أخرى، فلم يشعر أحمد ~~بن أويس، وقد اطمأن، إلا وتيمور نزل غربي بغداد قبل أن يصل الشيخ نور ~~الدين، فدهش عند ms2478 ذلك ابن أويس وأمر بقطع الجسر ورحل من بغداد بأمواله ~~وأولاده وقت السحر من ليلته، وهي ليلة السبت المذكورة، وترك بغداد، فدخلها ~~تيمورلنك، وأرسل ابنه في إثر ابن أويس فأدركه بالحفة، ونهب ماله وسبى حريمه ~~وأسر وقتل كثيرا من أصحابه، فنجا السلطان أحمد بن أويس بنفسه في طائفة وهم ~~عراة، فقصد حلب، وتلاحق به من بقي من أصحابه. ثم بعد ذلك قدم البريد على ~~السلطان الملك الظاهر برقوق بأن ابن أويس المذكور نزل بالرحبة في نحو ~~ثلاثمائة فارس. وقدم كتاب ابن أويس وكتاب نعير، فأجيب أحسن جواب وكتب ~~بإكرامه والقيام بما يليق به، فلما وصل كتاب السلطان إلى نعير توجه إليه، ~~وعندما عاين ابن أويس نزل عن فرسه وقبل الأرض بين يديه وسار به إلى بيوته ~~وأضافه. ثم سيره إلى حلب، فقدمها ومعه أحمد بن شكر ونحو الألفي فارس، ~~فأنزله الأمير جلبان قراسقل نائب حلب بالميدان وقام له بما يليق به، وكتب ~~مع البريد إلى السلطان بذلك، وعلى يد القادم أيضا كتاب السلطان أحمد بن ~~أويس يستأذن في القدوم إلى مصر، فجمع السلطان الأمراء للمشورة في أمر ابن ~~أويس، فاتفقوا على إحضاره وأن يخرج إلى مجيئه الأمير عز الدين أزدمر ومعه ~~نحو ثلاثمائة ألف درهم فضة وألف دينار برسم النفقة على ابن أويس في طريقه ~~إلى مصر. وتوجه أزدمر المذكور في سادس عشرينه، وسار أزدمر إلى حلب، وأحضر ~~السلطان أحمد ابن أويس المذكور إلى نحو الديار المصرية ث فلما قرب ابن أويس ~~من ديار مصر أخرج السلطان عدة من الأمراء إلى لقائه. فلما كان يوم الثلاثاء ~~سابع عشرين شهر ربيع الأول من سنة ست وتسعين وسبعمائة، نزل السلطان الملك ~~الظاهر من قلعة الجبل بأمرائه وعساكره إلى لقاء أحمد بن أويس، وجلس بمسطبة ~~مطعم الطير من الريدانية خارج القاهرة إلى أن، قرب السلطان أحمد بن أويس ~~ووقع بصره على المسطبة التي جلس عليها السلطان، فنزل عن فرسه ومشى عدة ~~خطوات، فتوجه إليه الأمير بتخاص حاجب الحجاب بالديار المصرية ومن بعده ~~الأمراء ms2479 للسلام على ابن أويس، فتقدم بتخاص المذكور وسلم عليه ووقف بإزائه ~~وصار كلما تقدم إليه أمير ليسلم عليه يعرفه بتخاص باسمه ووظيفته وهم يقبلون ~~يده واحدا بعد واحد، حتى أقبل الأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس فقال له ~~الأمير بتخاص: هذا أمير مجلس وابن أستاذ السلطان، فعانقه ابن أويس ولم يدعه ~~يقبل يده. PageV03P0337 # ثم جاء بعده الأمير بكلمش العلائي أمير سلاح فعانقه أيضا، ثم من بعده ~~الأمير أيتمش البجاسي رأس نوبة الأمراء وأطابك فعانقه، ثم من بعده الأمير ~~سودون الفخري الشيخوني نائب السلطنة فعانقه، ثم الأمير الكبير كمشبغا ~~الحموي أتابك العساكر فعانقه، وانقضى سلام الأمراء فقام عند ذلك السلطان ~~ونزل من على المسطبة ومشى نحو العشرين خطوة، فلما رأى ابن أويس مشي السلطان ~~له هرول حتى التقيا، فأومأ أحمد بن أويس ليقبل يد السلطان فمنعه السلطان من ~~ذلك وعانقه. ثم بكيا ساعة، ثم مشيا إلى نحو المسطبة، والسلطان يطيب خاطره ~~ويعده بكل جميل وبالعود إلى ملكه، ويده في يده، حتى طلعا على المسطبة وجلسا ~~معا على البساط من غير أن يقعد السلطان على مرتبته، وتحادثا طويلا ثم طلب ~~السلطان له خلعة، فقدم قباء حرير بنفسجي بفرو قاقم بطرز زركش هائلة، فألبسه ~~الخلعة المذكورة وقدم له فرسا من خاص مراكيب السلطان بسرج ذهب وكنبوش زركش ~~وسلسلة ذهب، فركبه ابن أويس من حيث يركب السلطان، ثم ركب السلطان بعده ~~وسارا يتحادثان، والأمراء والعساكر سائرة على منازلهم ميمنة وميسرة، حتى ~~قربا من القلعة. هذا والناس قد خرجت إلى قريب الريدانية وامتلأت الصحراء ~~منهم للفرجة على موكب السلطان، حتى أدهش كثرتهم السلطان أحمد بن أويس، فكان ~~هذا اليوم من الأيام المشهودة. ولما وصلا إلى قريب القلعة، وأخذت العساكر ~~تترجل عن خيولهم على العادة، صار ابن أويس مواكبا للسلطان حتى بلغا تحت ~~الطبلخاناه من قلعة الجبل، فأومأ إليه السلطان بالتوجه إلى المنزل الذي أعد ~~له على بركة الفيل، وقد جددت عمارته وزخرفت بالفرش والآلات والأواني، فسلم ~~ابن أويس على السلطان، وسار إليه، وجميع الأمراء في ms2480 خدمته، وطلع السلطان ~~إلى القلعة. فلما دخل ابن أويس إلى المنزل المذكور ومعه الأمراء، مد الأمير ~~جمال الدين محمود الأستادار بين يديه سماطا جليلا إلى الغاية في الحسن ~~والكثرة، فأكل السلطان أحمد وأكل الأمراء معه، ثم انصرفوا إلى منازلهم. وفي ~~اليوم جهز السلطان إليه مائتي ألف درهم فضة، ومائتي قطعة قماش سكندري، ~~وثلاثة أفراس بقماش ذهب، وعشرين مملوكا وعشرين جارية؛ فلما كان الليل قدم ~~حريم ابن أويس وثقله. ثم في يوم الخميس عمل السلطان الخدمة بدار العدل ~~المعروفة بالإيوان وطلع القان أحمد بن أويس المذكور، وعبر من باب الجسر ~~الذي يقال له باب السر، وجلس تجاه الإيوان حتى خرج إليه رأس نوبة ومضى به ~~إلى القصر، فأخذه السلطان، وخرج به إلى الإيوان، وأقعده رأس الميمنة فوق ~~الأمير كمشبغا الحموي أتابك العساكر. فلما قام القضاة ومد السماط، قام ~~الأمراء على العادة، فقام ابن أويس أيضا معهم ووقف، فأشار إليه السلطان ~~بالجلوس فجلس، حتى فرغ الموكب. ولما انقضت خدمة الإيوان دخل مع السلطان إلى ~~القصر، وحضر خدمة القصر أيضا، ثم خرج الأمراء بين يديه، حتى ركب وقدامه ~~جاويشه ونقيب جيشه، فسار الأمراء في خدمته إلى منزله. ثم علق السلطان جاليش ~~السفر إلى البلاد الشامية على الطبلخاناه، فشرع الأمراء والمماليك وغيرهما ~~في تجهيز أحوالهم إلى السفر صحبة السلطان ثم في حادي عشرين شهر ربيع الأول ~~المذكور، ركب السلطان من القلعة ومعه السلطان أحمد بن أويس إلى مدينة مصر ~~وعدى النيل إلى بر الجيزة، ونزل بالخيام ليتصيد، فأقام هناك ثلاثة أيام ~~وعاد وقد أذهل ابن أويس ما رأى من تجفل المملكة وعظمتها من ندماء السلطان ~~ومغانيه وترتيبه في مجلس موكبه وأنسه. ثم في سلخه قدم البريد من حلب بتوجه ~~الأمير ألطنبغا الأشرفي نائب الرها كان، وهو يوم ذلك أتابك حلب، والأمير ~~دقماق المحمدي نائب ملطية بعسكريهما وموافقتهما لطلائع تيمورلنك وهزيمتهما ~~له، بعد أن قتلا من اللنكية خلقا كثيرا، وأسرا أيضا جماعة كبيرة، وعاد إلى ~~حلب بمائة رأس من التمرية. وفي يوم الخميس ثالث شهر ms2481 ربيع الآخر ابتدأ ~~السلطان بنفقة المماليك، لكل مملوك مبلغ ألفي درهم، وعدتهم خمسة آلاف ~~مملوك، فبلغت النفقة في المماليك خاصة عشرة آلاف درهم فضة، سوى نفقة ~~الأمراء وسوى ما حمل في الخزائن وسوى ما تكلفه للقان أحمد بن أويس فيما ~~مضى، وفيما يأتي ذكره. وبينما السلطان في ذلك قدم عليه كتاب تيمور يتضمن ~~الإرداع والتخويف، ونصه: PageV03P0338 # " قل اللهم مالك الملك، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون " . اعلموا أنا جند الله مخلوقون من ~~سخطه، ومسلطون على من حل عليه غضبه، لا نرق لشاك، ولا نرحم عبرة باك، قد ~~نزع الله الرحمة من قلوبنا، فالويل ثم الويل لمن لم يكن من حزبنا ومن ~~جهتنا! قد خربنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، وذلت ~~لنا أعزتها، وملكنا بالشوكة أزفتها فإن خيل ذلك على السامع وأشكل، وقال: إن ~~فيه عليه مشكلا، فقل: " إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة ~~أهلها أذلة " ، وذلك لكثرة عددنا، وشدة بأسنا؛ فخيولنا سوابق، ورماحنا ~~خوارق، وأسنتها بوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجياد، وجيوشنا كعدد ~~الرمال، ونحن أبطال وأقيال، وملكنا لا يرام، وجارنا لا يضام، وعزنا أبدا ~~لسؤدد منقام. فمن سالمنا سلم، ومن حاربنا ندم، ومن تكلم فينا بما لا يعلم ~~جهل. وأنتم فإن أطعتم أمرنا وقبلتم شرطنا، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، ~~وإن خالفتم وعلى بغيكم تماديتم، فلا تلوموا إلا أنفسكم فالحصون منا مع ~~تشييدها لا تمنع، والمدائن بشدتها لقتالنا لا ترد ولا تنفع، ودعاؤكم علينا ~~لا يستجاب فينا فلا يسمع، فكيف يسمع الله دعاءكم وقد أكلتم الحرام، وطغيتم ~~جميع الأنام، وأخذتم أموال الأيتام، وقبلتم الرشوة من الحكام، وأعدتم لكم ~~النار وبئس المصير: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " . فبما فعلتم ذلك أوردتم أنفسكم موارد ~~المهالك، وقد قتلتم العلماء، وعصيتم رب الأرض والسماء، وأرقتم دم الأشراف، ~~وهذا والله هو البغي والإسراف، فأنتم بذلك في النار خالدون، وفى غد ينادى ~~عليكم: فاليوم تجزون ms2482 عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما ~~كنتم تفسقون " ، فأبشروا بالمذلة والهوان، يا أهل البغي والعدوان وقد غلب ~~عندكم أننا كفرة، وثبت عندنا والله أنكم الكفرة الفجرة، وقد سلطنا عليكم ~~الإله، له أمور مقدرة، وأحكام محررة؛ فعزيزكم عندنا ذليل، وكثيركم لدينا ~~قليل، لأننا ملكنا الأرض شرقا وغربا، وأخذنا منكم كل سفينة غصبا وقد أوضحنا ~~لكم الخطاب، فأسرعوا برد الجواب، قبل أن ينكشف الغطاء، وتضرم الحرب نارها، ~~وتضع أوزارها، وتصير كل عين عليكم باكية، وينادي منادي الفراق: " هل ترى ~~لهم من باقية " ويسمعكم صارخ الفناء بعد أن يهزكم هزا، " هل تحس منهم من ~~أحد أو تسمع لهم ركزا " ، وقد أنصفناكم إذ راسلناكم، فلا تقتلوا المرسلين، ~~كما فعلتم بالأولين، فتخالفوا كعادتكم سنن الماضين، وتعصوا رب العالمين، " ~~فما على الرسول إلا البلاغ المبين " ، وقد أوضحنا لكم الكلام، فأرسلوا برد ~~الجواب والسلام. فكتب جوابه بعد البسملة الشريفة: " قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء " . ~~PageV03P0339 # وحصل الوقوف على ألفاظكم الكفرية، ونزعاتكم الشيطانية، وكتابكم يخبرنا عن ~~الحضرة الخانية، وسيرة الكفرة الملائكية، وأنكم مخلوقون من سخط الله ~~ومسلطون على من حل عليه غضب الله، وأنكم لا ترقون لشاك، ولا ترحمون عبرة ~~باك، وقد نزع الله الرحمة من قلوبكم، فذاك أكبر عيوبكم، وهذه من صفات ~~الشياطين، لا من شيم السلاطين، وتكفيكم هذه الشهادة الكافية، وبما وصفتم به ~~أنفسكم ناهية، " قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي ~~دين " ، ففي كل كتاب لعنتم، وعلى لسان كل مرسل نعتم، وبكل قبيح وصفتم، ~~وعندنا خبركم من حين خرجتم، أنكم كفرة، ألا لعنة الله على الكافرين من تمسك ~~بالأصول فلا يبالي بالفروع، نحن المؤمنون حقا، لا يدخل علينا عيب، ولا ~~يضرنا ريب، القرآن علينا نزل، وهو سبحانه رحيم لم يزل، فتحققنا نزوله، ~~وعلمنا ببركته تأويله، فالنار لكم خلقت، ولجلودكم أضرمت، ms2483 " إذا السماء ~~انفطرت " . ومن أعجب العجب تهديد الرتوت بالتوت، والسباع بالضباع، والكماة ~~بالكراع نحن خيولنا برقية وسهامنا عربية، وسيوفنا يمانية، ولبوسنا مصرية، ~~وأكفنا شديدة المضارب، وصفتنا مذكورة في المشارق والمغارب، إن قتلناكم فنعم ~~البضاعة، وإن قتل منا أحد فبينه وبين الجنة ساعة، " ولا تحسبن الذين قتلوا ~~في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من ~~فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " . ~~وأما قولكم: قلوبنا كالجبال، وعمدنا كالرمال، فالقصاب لا يبالي بكثرة ~~الغنم، وكثير الحطب يغنيه الضرم " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله والله مع الصابرين " الفرار الفرار من الزوايا، وطول البلايا، واعلموا ~~أن هجوم المنية، عندنا غاية الأمنية إن عشنا عشنا سعداء، وإن قتلنا قتلنا ~~شهداء. ألا إن حزب الله هم الغالبون. أبعد أمير المؤمنين، وخليفة رب ~~العالمين، تطلبون منا طاعة؛ لا سمع لكم ولا طاعة وطلبتم أن نوضح لكم أمرنا، ~~قبل أن ينكشف الغطاء، ففي نظمه تركيك، وفي سلكه تلبيك، لو كشف الغطاء لبان ~~القصد بعد بيان، أكفرتم بعد إيمان؛ أم اتخذتم إلها ثان؟ وطلبتم من معلوم ~~رأيكم، أن نتبع دينكم، " لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا " . قل لكاتبك الذي وضع رسالته، ووصف مقالته: وصل ~~كتابك كضرب رباب، أو كطنين ذباب، " كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب ~~مدا، ونرثه ما يقول ويأتينا فردا إن شاء الله تعالى. لقد لبكتم، في الذي ~~أرسلتم، والسلام. انتهى. فعرض هذا الجواب على السلطان ثم ختم وأرسل إليه. ~~ثم في سادس شهر ربيع الأخر المذكور عرض السلطان أجناد الحلقة الذين عينوا ~~للسفر، وعين منهم أربعمائة فارس للسفر صحبة السلطان وترك الباقي بالديار ~~المصرية. ثم في سابعه خرجت مدورة السلطان من القاهرة ونصبت بالريدانية خارج ~~القاهرة. ثم في يوم الأربعاء تاسعه عقد السلطان عقده على الخاتون تندي بنت ~~حسين ms2484 ابن أويس، وكانت قدمت مع عمها السلطان أحمد بن أويس، ومبلغ الصداق ~~ثلاثة آلاف دينار، وكان صرف الدينار إذ ذاك ستة وعشرين درهما ونصف درهم، ~~وبنى عليها ليلة الخميس عاشره وهو يوم سفره إلى الشام. وأصبح من الغد في ~~يوم الخميس المذكور نزل السلطان من قلعة الجبل إلى الإسطبل السلطاني، ثم ~~خرج من باب السلسلة إلى الرميلة، وقد وقف القان أحمد ابن أويس وجميع ~~الأمراء وسائر العسكر ملبسين آلة الحرب ومعهم أطلابهم فسار السلطان وعليه ~~قرقل بلا أكمام وعلى رأسه كلفتة وتحته فرس بعرقية من صوف سميك إلى باب ~~القرافة والعساكر قد ملأت الرميلة، فرتب هو بنفسه أطلاب الأمراء، ومر في ~~صفوفها ذهابا وإيابا غير مرة، حتى رتبها أحسن ترتيب، وصاحبها ينظر، وأخذ ~~يخالف في تعبئة الأطلاب، كل تعبئة بخلاف الذي يتقدمها، حفظت أنا غالبها عن ~~الأستاذ الأتابك آقبغا التمرازي عن أستاذه تمراز الناصري النائب، ولولا ~~الإطالة والخروج عن المقصود لرسمتها هنا بالنقط. انتهى. PageV03P0340 # فلما فرغ السلطان الملك الظاهر برقوق من تعبئة أطلاب أمرائه، أخذ في ~~ترتيب طلب نفسه، وجعله أمام أطلاب الأمراء كالجاليش لكثرة من كان به، وعبأه ~~قلبا وجناح يمين وجناح شمال ورديفا وكمينا، وأمر الكوسات والطبول فدقت ~~حربيا. ثم ترك جميع الأطلاب ومضى في خواصه إلى قبة الإمام الشافعي رضي الله ~~عنه وزاره وتصدق على الفقراء بمال كثير خارج عن الحد. ثم سار إلى المشهد ~~النفيسي وزاره وتصدق به أيضا، وفي طول طريقه بجملة مستكثرة، ثم عاد إلى ~~الرميلة. وأشار إلى طلب السلطان فسار إلى نحو الريدانية في أعظم قوة وأبهج ~~زي وأفخر هيئة وأحسن ملبس، جر فيه من خواص الخيل مائتا جنيب ملبسة آلة ~~الحرب التي عظمت من الآلات المذهبة والمفضضة والمزركشة على اختلاف أنواعها ~~وصفاتها التي تحير العقول عند رؤيتها. ثم أشار لأطلاب الأمراء فسارت أيضا ~~بأعظم هيئة، وقد تفاخر الأمراء أيضا في أطلابهم، وخرج كل طلب أحسن من ~~الآخر، حتى حاذوا القلعة، فوقفوا يمينا وشمالا حتى سار السلطان في موكبه في ~~غاية العظمة والأبهة، ms2485 وإلى جانبه القان أحمد بن أويس على فرس بقماش ذهب، ~~وبجانب ابن أويس الأمير الكبير كمشبغا الحموي، ثم الأمراء ميمنة وميسرة، كل ~~واحد في رتبته، حتى انقضى ممر السلطان وأمامه العساكر وخلفه ثم سارت أطلاب ~~الأمراء تريد الريدانية شيئا بعد شيء، وسار السلطان حتى نزل بمخيمه ~~بالريدانية وأقام بها أياما. ثم في رابع عشره خلع على القاضي بدر الدين ~~محمد بن أبي البقاء باستقراره قاضي قضاة الشافعية بديار مصر، بعد عزل ~~القاضي صدر الدين المناوي. ودخل السلطان من الريدانية إلى القاهرة ومعه ~~تغري بردي من يشبغا رأس نوبة النوب أعني الوالد، والأمير قلمطاي من عثمان ~~الدوادار الكبير وآقبغا اللكاش رأس نوبة ثان وجماعة أخر. ثم قدم على ~~السلطان بالريدانية ولد الأمير نعير ومعه محضر أن أباه أخذ مدينة بغداد ~~وخطب بها للسلطان الملك الظاهر برقوق، فخلع السلطان عليه ووعده بكل خير. ثم ~~كتب السلطان بإحضار الأمير ألطنبغا المعلم من ثغر دمياط. ثم خلع السلطان ~~على الأمير سودون النائب ليقيم بالقاهرة في مدة غيبة السلطان، وعلى الأمير ~~بجاس ليقيم بالقلعة، وعلى الأمير محمود الأستادار، وعلى ولده؛ وخلع على ~~التاجر برهان الدين المحلي، وعلى التاجر شهاب الدين أحمد بن مسلم، وعلى ~~التاجر نور الدين على الخروبي لكون السلطان اقترض منهم مبلغ ألف ألف درهم. ~~ثم في ثالث عشرينه رحل السلطان بعساكره وأمرائه من الريدانية، بعد أن أقام ~~بها نحو ثلاث عشر يوما، وفرق من الجمال في المماليك نحو أربعة آلاف جمل، ~~ومن الخيل ألفي فرس وخمسمائة فرس، وحمل معه أشياء كثيرة مما يحتاج السلطان ~~إليه، منها خمسة قناطير من العاج والآبنوس برسم الشطرنج الذي يلعب به ~~السلطان، وسببه أنه كان إذا لعب بشطرنج وفرغ من لعبه أخذه صاحب النوبة وجدد ~~غيره، وأشياء كثيرة أخر من هذه المقولة. ثم في ثامن عشرينه أرسل السلطان ~~يطلب بدر الدين محمود الكلستاني، فأخذ محمود المذكور من خانقاه شيخون فإنه ~~كان من بعض صوفيتها، وسار وهو خائف وجل، لأنه كان من ألزام ألطنبغا ~~الجوباني إلى أن وصل ms2486 إلى السلطان. وخبره أن السلطان كان ورد عليه كتاب من ~~بعض الملوك بالعجمي، فلم يعرف القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله كاتب السر ~~يقرؤه، فطلب السلطان من يقرؤه، فنوه بعض من حضر من الأمراء بذكر الكلستاني ~~هذا، فطلب لذلك وحضر وقرأه فأعجب السلطان قراءته، فأمره بالسفر معه، فسافر ~~صحبة السلطان وصار ينزل مع الأمير قلمطاي الدوادار كأنه من بعض حواشيه، ~~فإنه كان في غاية من الفقر إلى أن وصل إلى دمشق كما سنذكره. وأما السلطان ~~فإنه دخل دمشق في عشرين جمادى الأولى وأقام بها إلى أن أخرج عسكرا إلى ~~البلاد الحلبية في سابع عشر شهر رجب، وعليهم الأمير الكبير كمشبغا الحموي ~~والأمير بكلمش أمير سلاح والأمير أحمد بن يلبغا أمير مجلس وبيبرس ابن أخت ~~السلطان الملك الظاهر برقوق، ونائب صفد ونائب غزة، كل ذلك والسلطان مقيم ~~بدمشق في انتظار قدوم تيمورلنك. PageV03P0341 # ثم أمر السلطان للقان غياث الدين أحمد بن أويس بالتوجه إلى محل مملكته ~~ببغداد، فخرج من دمشق في يوم الاثنين أول شعبان من سنة ست وتسعين المذكورة، ~~بعد ما قام له السلطان بجميع ما يحتاج إليه؛ وعند وداعه خلع عليه الملك ~~الظاهر خلعة أطلسين متمرا وقلده بسيف مسقط بذهب، وكتب له تقليدا بسلطنة ~~بغداد، وناوله إياه، فأراد أحمد بن أويس أن يقبل الأرض فلم يمكنه السلطان ~~من ذلك، إجلالا له وتعظيما في حقه، وقام له وعانقه وودعه، ثم افترقا وكان ~~ما أنعم به السلطان الملك الظاهر على القان غياث الدين أحمد بن أويس عند ~~سفره خاصة من النقد خمسمائة ألف درهم، سوى الخيل والجمال والسلاح والمماليك ~~والقماش السكندري وغير ذلك. واستمر ابن أويس بمخيمه خارج دمشق إلى يوم ثالث ~~عشر شعبان، فسافر إلى جهة بغداد، بعد أن أظهر الملك الظاهر من علو همته ~~ومكارمه وإنعامه لابن أويس المذكور ما أدهشه. قلت: هكذا تكون الشيم ~~الملوكية، وإظهار الناموس، وبذل الأموال في إقامة الحرمة، مع أن الملك ~~الظاهر لم يخرج من الديار المصرية، حتى تحمل جملة كبيرة من الديون؛ فإنه ms2487 من ~~يوم حبس بالكرك وملك الناصري ومنطاش ديار مصر فرقا جميع ما كان في الخزائن ~~السلطانية، وحضر الملك الظاهر من الكرك فلم يجد في الخزائن ما قل ولا كثر، ~~وصار مهما حصله أنفقه في التجاريد والكلف، فلله دره من ملك! على أنه كان ~~غير مشكور في قومه. حدثني غير واحد من حواشي الأسياد أولاد السلاطين، ~~قالوا: " كنا نقول من يوم تسلطن هذا المملوك هذه الكعب الشؤم نشفت القلعة ~~من الرزق وخربت الدنيا " . هذا وكان الذي يصرف يوم ذلك على نزول السلطان ~~إلى سرحة سرياقوس بكلفة ملوك زماننا هذا من أول السنة إلى آخرها! فلعمري، ~~هل الأرزاق قلت الأشرفي، والأمير تمرباي الأشرفي، وقطلوشاه المارديني، وحبس ~~الجميع بقلعة حلب. وانفض الموكب، والوالد واقف لم يتوجه، فقال له السلطان: ~~لم لا تتوجه فقال: يا مولانا السلطان أستحي أنزل من الناس. يمسك أخي دمرداش ~~نائب طرابلس وأتوق أنا نيابة حلب؛ وما يقبل السلطان شفاعتي فيه، فقال له ~~السلطان: قبلت شفاعتك فيه؛ غير أنه يمكث في السجن أياما، ثم أفرج عنه ~~لأجلك، لئلا يقال: يمسك السلطان نائب طرابلس ويطلقه من يومه! فيصير ذلك ~~وهنا في المملكة، فقال الوالد رحمه الله: السلطان يتصرف في مماليكه كيف ~~يشاء، ما علينا من قول القائل ثم قبل الأرض ويد السلطان، فتبسم السلطان، ~~وأمر بإطلاق دمرداش وحضوره؛ فحضر من وقته، فخلع عليه بأتابكية حلب عوضا عن ~~آقبغا الجمالي المستقر في نيابة صفد، ثم قال له السلطان: خذ أخاك وانزل، ~~فكانت هذه الواقعة أول عظمة نالت الوالد من أستاذه الملك الظاهر برقوق ~~انتهى هذا الخبر. والأخبار ترد على السلطان شيئا بعد شيء من بلاد الشمال ~~بعود تيمورلنك إلى بلاده والسلطان لا يصدق ذلك، ويتقدم على لقاء تيمورلنك، ~~فلم يجسر تيمور على القدوم إلى البلاد الشامية مخافة من الملك الظاهر ~~برقوق، وتوجه إلى بلاده فلما تحقق السلطان عوده تأسف على عدم لقائه. وخرج ~~السلطان، من حلب بعساكره في سابع محرم سنة سبع وتسعين وسبعمائة يريد دمشق، ~~فوصلها ولم يقم بها إلا أياما ms2488 قليلة لطول إقامته بها في ذهابه وخرج منها ~~بعساكره في سابع عشر المحرم المذكور، يريد الديار المصرية، بعد أن خلع على ~~الأمير بتخاص السودوني حاجب حجاب الديار المصرية باستقراره في نيابة الكرك، ~~عوضا عن الأمير شهاب الدين أحمد ابن الشيخ علي، ونقل الشهابي المذكور إلى ~~حجوبية دمشق الكبرى، عوضا عن الأمير تمربغا المنجكي بحكم قدوم تمربغا ~~المنجكي إلى مصر صحبة السلطان. وسار السلطان إلى أن وصل مدينة قطيا، فأمسك ~~مملوكه الأمير جلبان الكمشبغاوي قراسقل المعزول عن نيابة حلب وبعثه من قطيا ~~في البحر إلى ثغر دمياط. وسار السلطان من قطيا حتى وصل إلى ديار مصر في ~~ثامن عشر صفر؛ وطلع إلى القلعة من يومه، بعد أن احتفل الناس لطلوعه، وزينت ~~القاهرة أياما، غير أن الغلاء كان حصل قبل قدوم السلطان، فتزايد بعد حضوره ~~لكثرة العساكر. PageV03P0342 # ومن يومئذ صفا الوقت للملك الظاهر، وصارت مماليكه نواب البلاد الشامية من ~~أبواب الروم إلى مصر وأخذ السلطان يكثر من الركوب والتوجه إلى الصيد، وعمل ~~له الأمير تمربغا المنجكي شرابا من زبيب، يسمى التمربغاوي، وأقبل السلطان ~~على الشرب منه مع الأمراء، ولم يكن يعرف منه السكر قبل ذلك. ثم أنعم ~~السلطان على الأمير فارس من قطلوجا الظاهري الأعرج بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~وولاه حجوبية الحجاب عوضا عن بتخاص السودوني المستقر في نيابة الكرك، وأنعم ~~على الأمير نوروز الحافظي الظاهري بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ~~عوضا عن الوالد، وهو الإقطاع الذي كان أنعم به السلطان على جلبان نائب حلب. ~~ثم أنعم السلطان على الأمير أرغون شاه البيدمري بإمرة مائة وتقدمة ألف. ~~وأنعم السلطان أيضا على كل من تمربغا المنجكي، وصلاح الدين محمد بن محمد بن ~~تنكز، وصرغتمش المحمدي الظاهري بإمرة طبلخاناه وأنعم أيضا على كل من مقبل ~~الرومي، وآقباي من حسين شاه الظاهري، وآق بلاط الأحمدي، ومنكلي بغا الناصري ~~بإمرة عشرة. ثم بعد أشهر خلع السلطان على الأمير نوروز الحافظي الظاهري ~~باستقراره رأس نوبة النوب، عوضا عن الوالد بحكم انتقاله إلى نيابة حلب، ~~وكانت شاغرة ms2489 من تلك الأيام. ثم قبض السلطان على الأمير محمود بن علي ~~الأستادار المعروف بابن أصفر - عينه في صفر سنة ثمان وتسعين - وعلى ولده ~~وعلى كاتبه سعد الدين إبراهيم بن غراب. وخلع السلطان على قطلوبك العلائي ~~أستادار الأمير أيتمش باستقراره في الأستادارية، عوضا عن محمود المذكور، ~~وأنعم السلطان عليه بإمرة عشرين، واستمر محمود على إمرته وهو مريض محتفظ ~~به. وخلع السلطان أيضا على سعد الدين إبراهيم بن غراب كاتب محمود باستقراره ~~ناظر ديوان المفرد وهذا أول ظهور ابن غراب في الدولة الظاهرية. واستمال ~~السلطان ابن غراب، فأخذ يدل على ذخائر أستاذه محمود، ومحمود في المصادرة، ~~إلى أن أظهر شيئا كثيرا من المال. ثم أنعم السلطان على جماعة من مماليكه ~~بإمرة طبلخاناه وهم: طولو من علي باشاه الظاهري، ويلبغا الناصري الظاهري، ~~وشافي خجا الظاهري العثماني، وقينار العلائي وأنعم أيضا على جماعة بإمرة ~~عشرة وهم: طيبغا الحلبي الظاهري، وسودون من علي باشاه الظاهري المعروف ~~بسودون طاز، وشقوب شاه الخازندار الظاهري، ويشبك الشعباني الخازندار، وتمان ~~تمر الإشقتمري رأس نوبة الجمدارية. ثم خلع السلطان على الأمير فارس الحاجب ~~باستقراره في نظر الشيخونية، وخلع على الأمير تمربغا المنجكي حاجبا ثانيا ~~بتقدمة ألف. وفي هذه الأيام عظم الغلاء وفقد الخبز من الدكاكين. وفي آخر ذي ~~العقدة استقر سعد الدين إبراهيم بن غراب كاتب محمود في وظيفة نظر الخاص بعد ~~القبض على سعد الدين بن أبي الفرج بن تاج الدين موسى. ثم رسم السلطان ~~بإحضار الأمير محمود فحمل إلى بين يدي السلطان، وهو في ألم عظيم من العصر ~~والضرب والعقوبة، فانتصب إليه كاتبه سعد الدين إبراهيم بن غراب في محاققته ~~والفحش له في الكلام، حتى امتلأ السلطان غضبا على محمود وأمر بعقوبته حتى ~~يموت من عظم ما أغراه سعد الدين المذكور به. ثم ورد الخبر بقدوم الأمير تنم ~~الحسني نائب الشام، وكان خرج بطلبه الأمير سودون طاز؛ وقدم من الغد في يوم ~~الاثنين ثالث صفر سنة تسع وتسعين وسبعمائة، بعد أن خرج السلطان إلى لقائه ~~بالريدانية، وجلس له ms2490 على مطعم الطير، وبعث الأمراء والقضاة إليه فسلموا ~~عليه، ثم أتوا به، فقبل الأرض، فخلع عليه خلعة باستمراره على نيابة دمشق ثم ~~قدم من الغد تقدمته، وكانت تقدمة جليلة، وهي عشرة كواهي، وعشرة مماليك صغار ~~في غاية الحسن، وعشرة آلاف دينار، وثلاثمائة ألف درهم فضة، ومصحف عليه ~~قراءات، وسيف مسقط ذهب مرضع، وعصابته منسبكة من ذهب مرضع، بجوهر نفيس وبدلة ~~فرس من ذهب، فيها أربعمائة مثقال ذهب، وكان أجرة صائغها ثلاثة آلاف درهم ~~فضة، ومائة وخمسين بقجة فيها أنواع الفرو، ومائة وخمسين فرسا، وخمسين جملا، ~~وخمسة وعشرين حملا من نصافي ونحوه، وثلاثين حملا فاكهة وحلوى، فخلع السلطان ~~على أرباب الوظائف. ثم نزل السلطان بعد أيام إلى بر الجيزة، ومعه الأمير ~~تنم وغيره، وتصيد بئر الجيزة، ثم عاد. PageV03P0343 # وعمل السلطان الموكب بدار العدل في يوم سابع عشر صفر من سنة تسع وتسعين ~~المذكورة، وخلع على الأمير تنم خلعة الاستمرار ثانيا، وجرت له من الإسطبل ~~ثماني جنائب بكنابيش وسروج ذهب؛ فتقدم تنم، وشفع في الأمير جلبان ~~الكمشبغاوي المعزول عن نيابة حلب، فقبل السلطان شفاعته، وخرج البريد بطلبه ~~من ثغر دمياط، فقدم بعد أيام، وقبل الأرض بين يدي السلطان، فأنعم عليه ~~السلطان بإقطاع الأمير إياس الجرجاوي وخلع عليه بأتابكية دمشق عوضا عن إياس ~~المذكور بحكم القبض عليه وحضوره إلى الديار المصرية، وبعث إليه ثمانية ~~أفراس بقماش ذهب - أعني عن جلبان. ثم أمر السلطان أن يسلم الأمير أياس ~~الجرجاوي إلى ابن الطبلاوي ليخلص منه الأموال، فأخذه ابن الطبلاوي فالتزم ~~بحمل خمسمائة ألف درهم، وبعث مملوكه لإحضار ماله وهو مريض، فمات إياس بعد ~~يومين؛ واختلف الناس في موته، فمنهم من قال: إنه كان معه خاتم فيه سم فشربه ~~فمات منه قهرا مما فعله معه الملك الظاهر، ومنهم من قال: إنه مات من مرضه. ~~والله أعلم بحاله. ثم في يوم الخميس رابع شهر ربيع الأول أمسك السلطان ~~الوزير سعد الدين نصر الله بن البقري وولده تاج الدين وسائر حواشيه، وخلع ~~على بدر الدين محمد بن حمد ms2491 بن الطوخي واستقر عوضه في الوزارة، واستقر في ~~نظر الدولة سعد الدين ابن الهيصم. ثم خلع السلطان على شرف الدين محمد بن ~~الدماميني باستقراره في وظيفة ناظر الجيش بديار مصر بعد موت القاضي جمال ~~الدين محمود القيصري العجمي، قل إليها من حسبة القاهرة. ثم من الغد في يوم ~~الثلاثاء تاسع شهر ربيع الأول المذكور استقر القاضي شمس الدين محمد بن أبي ~~بكر الطرابلسي قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية عوضا عن جمال الدين محمود ~~القيصري المقدم ذكره. ثم في خامس عشرينه قدمت هدية ممهد الدين إسماعيل ابن ~~الملك الأفضل عباس بن المجاهد على بن داود بن يوسف بن عمر بن رسول ملك ~~اليمن صحبة التاجر برهان الدين إبراهيم المحلي والطواشي افتخار الدين فاخر، ~~وهي عشرة خدام طواشية، وبعض عبيد حبوش، وست جوار، وسيف بحلية ذهب مرصع ~~بعقيق، وحياصة بعواميد عقيق مكللة بلؤلؤ كبار، ووجه فرس عقيق، ومرآة هندية ~~محلاة بفضة قد رصعت بعقيق، وبراشم برسم الخيول عشرة، ورماح عدة مائتين، ~~وشطرنج عقيق أبيض وأحمر، وأربع مراوح مصفحة بذهب، ومسك ألف مثقال، وسبعون ~~أوقية زباد، ومائة مضرب غالية، ومائتان وستة عشر رطلا من العود، وثلاثمائة ~~وأربعون رطلا من اللبان، وثلاثمائة وأربعة وستون رطلا من الصندل، وأربعة ~~براني من الشند، وسبعمائة رطل من الحرير الخام ومن البهار والأنطاع والصيني ~~وغير ذلك من تحف اليمن فشيء كثير. ثم في يوم الخميس ثاني جمادى الأولى نقل ~~الأمير جمال الدين محمود الأستادار إلى خزانة شمائل وهو مريض. وفي سادس عشر ~~جمادى الآخرة أنعم على الأمير بيسق الشيخي بإمرة طبلخاناه. ثم خلع السلطان ~~على الأمير صرغتمش القزويني باستقراره في نيابة الإسكندرية بعد عزل الأمير ~~قديد عنها ونفيه إلى القدس بطالا وأنعم السلطان على الأمير شيخ المحمودي ~~الساقي الظاهري عني عن الملك المؤيد بإمرة طبلخاناه، عوضا عن صرغتمش ~~القزويني المتولي نيابة الإسكندرية، وأنعم بإقطاع شيخ المحمودي وهو إمرة ~~عشرة على الأمير تغنجي نائب البيرة. والعم السلطان أيضا على يشبك العثماني ~~الظاهري بإقطاع الأمير صلاح الدين محمد بن محمد ms2492 بن تنكز. ثم في سادس عشرينه ~~استقر الأمير يلبغا الأحمدي الظاهري المعروف بالمجنون أستادار السلطان، ~~عوضا عن قطلوبك العلائي، واستقر قطلوبك على إمرة عشرين. ثم في يوم الاثنين ~~ثامن محرم سنة ثمانمائة توجه السلطان إلى سرحة سرياقوس بعساكره وحريمه على ~~العادة في كل سنة، فأقام به أياما على ما يأتي ذكره. PageV03P0344 # وفي ثاني عشر المحرم المذكور خرج الأمير بكتمر جلق الظاهري على البريد ~~إلى حلب لإحضار الوالد - رحمه الله وعفا عنه - بعد عزله عن نيابة حلب، وكتب ~~بانتقال الأمير أرغون شاه الإبراهيمي الظاهري نائب طرابلس إلى نيابة حلب ~~عوضا عن الوالد، وخرج الأمير يشبك العثماني بتقليد أرغون شاه المذكور. ورسم ~~بانتقال الأمير آقبغا الجمالي الظاهري من نيابة صفد إلى نيابة طرابلس عوضا ~~عن أرغون شاه المذكور، وتوجه بتقليده الأمير أزدمر أخو إينال ومعه أيضا ~~خلعة للأمير تنم الحسني باستمراره في نيابة الشام. ورسم بانتقال الأمير ~~شهاب الدين أحمد ابن الشيخ على حاجب حجاب دمشق إلى نيابة صفد عوضا عن آقبغا ~~الجمالي المذكور، وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير يلبغا الناصري الظاهري ~~رأس نوبة. ثم قدم في هذه الأيام جماعة من سوابق الحاج وأخبروا أنه هلك ~~بالسبع وعرات من شدة الحر نحو ستمائة إنسان. ثم عاد السلطان من سرحة ~~سرياقوس في خامس عشرينه ولم يخرج إليها بعد ذلك، ولا أحد من السلاطين، ~~وبطلت عوائدها وخربت تلك القصور، وكانت من أجمل عوائد الملوك وأحسنها. وكان ~~النزول إلى سرياقوس يضاهي نزول السلطان إلى الميدان؛ فالميادين أبطلها ~~الملك الظاهر، وسرياقوس أبطله الملك الناصر. ثم صار كل ملك يأتي بعد ذلك ~~يبطل نوعا من تراتيب مصر، حتى ذهب الآن جميع شعار الملوك السالفة، وصار ~~الفرق بين سلطنة مصر ونيابة الأبلستين اسم السلطنة ولبس الكلفتاة في ~~المواكب لا غير. قلت: والفرق بين براعة الاستهلال وبين براعة المقطع واضح. ~~ثم في يوم الاثنين تاسع عشرين المحرم من سنة ثمانمائة المذكورة قبض السلطان ~~في وقت الخدمة بالقصر على الأمير الكبير كمشبغا الحموي أتابك العساكر ~~بالديار المصرية وعلى الأمير بكلمش ms2493 العلائي أمير سلاح، وقيدا وحبسا بقلعة ~~الجبل يأتي ذكر السبب على قبضهما في الوفيات، وفي هذه الترجمة - إن شاء ~~الله تعالى - . ثم نزل في الحال الأمير قلمطاي الدوادار، والأمير نوزوز ~~الحافظي رأس نوبة النوب، والأمير فارس حاجب الحجاب إلى الأمير شيخ الصفوي ~~أمير مجلس ومعهم خلعة له بنيابة غزة، فلبسها شيخ المذكور وخرج من وقته ونزل ~~بخانقاه سرياقوس. ثم في ليلة الثلاثاء سلخه توجه الأمير سودون الطيار ~~الظاهري بالأتابك كمشبغا وبكلمش في الحديد إلى سجن الإسكندرية فسجنا بها ~~وفي الغد استعفى الأمير شيخ الصفوي من نيابة غزة وسأل الإقامة بالقدس فرسم ~~له بذلك. وفي يوم الخميس ثاني صفر استقر الأمير أيتمش البجاسي أتابك ~~العساكر بالديار المصرية عوضا عن كمشبغا الحموي؛ وأنعم السلطان على أيتمش ~~المذكور، وعلى قلمطاي الدوادار، وعلى الأمير تنبك اليحياوي الأمير آخور ~~بعدة بلاد من إقطاع كمشبغا المذكور زيادة على ما بأيديهم، وأنعم ببقية ~~إقطاع كمشبغا على الأمير سودون المعروف بسيدي سودون ابن أخت الملك الظاهر ~~وجعله من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية، وأنعم بإقطاع سيدي سودون ~~المذكور على ولد السلطان الأمير عبد العزيز ابن الملك الظاهر برقوق. ثم ~~أنعم السلطان بإقطاع بكلمش العلائي على الأمير نوروز الحافظي رأس نوبة ~~النوب. وأنعم بإقطاع نوروز المذكور على الأمير أرغون شاه البيدمري الظاهري، ~~وأنعم بإقطاع أرغون شاه على الأمير يلبغا المجنون الأستادار، والجميع تقادم ~~ألوف، لكن التفاوت بينهم في زيادة المغل والخراج. ثم عين السلطان الأمير ~~شيخ الصفوي أمير مجلس للوالد قبل قدومه إلى القاهرة من نيابة حلب. ثم في ~~رابعه استقر الأمير باي خجا الشرفي الأمير آخور المعروف بطيفور في نيابة ~~غزة. ثم في تاسع صفر استقر الأمير بيبرس ابن أخت السلطان أمير مجلس عوضا عن ~~شيخ الصفوي المقدم ذكره. ثم في سابع عشرين صفر أنعم السلطان على الأمير ~~بهادر فطيس بإمرة طبلخاناه، عوضا عن طيفور بحكم انتقاله إلى نيابة غزة، ~~واستقر عوضه أيضا في الأمير آخورية الثانية، وأنعم بإقطاع بهادر فطيس ~~المذكور، وهو إمرة عشرة، على يلبغا السالمي ms2494 الظاهري. وفي ليلة الجمعة ثاني ~~شهر ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوي على العادة في كل سنة. ~~PageV03P0345 # قلت: نذكر صفة ما كان يعمل بالمولد قديما ليقتدي به من أراد تجديده فلما ~~كان يوم الخميس المذكور، جلس السلطان بمخيمه بالحوش السلطاني، وحضر القضاة ~~والأمراء ومشايخ العلم والفقراء، فجلس الشيخ سراج الدين عمر البلقيني عن ~~يمين السلطان وتحته الشيخ برهان الدين إبراهيم بن زقاعة، وجلس على يسار ~~السلطان الشيخ المعتقد أبو عبد الله المغربي، ثم جلس القضاة يمينا وشمالا ~~على مراتبهم ثم حضر الأمراء فجلسوا على بعد من السلطان، والعساكر ميمنة ~~وميسرة، فقرأت الفقهاء فلما فرغ القراء، وكانوا عدة جوق كثيرة، قام الوعاظ ~~واحدا بعد واحد، وهو يدفع لكل منهم صرة فيها أربعمائة درهم فضة، ومن كل ~~أمير شقة حرير خاص، وعدتهم عشرون واحدا. وأنعم أيضا على القراء لكل جوقة ~~بخمسمائة درهم فضة، وكانوا أكثر من الوعاظ ثم مد سماط جليل يكون مقداره قدر ~~عشرة أسمطة من الأسمطة الهائلة، فيه من الأطعمة الفاخرة ما يستحى من ذكره ~~كثرة، بحيث إن بعض الفقراء أخذ صحنا فيه من خاص الأطعمة الفاخرة فوز الصحن ~~المذكور فزاد على ربع قنطار. ولما انتهى السماط مدت أسمطة الحلوى من صدر ~~المخيم إلى آخره. وعند فراغ ذلك مضى القضاة والأعيان وبقي السلطان في خواصه ~~وعنده فقراء الزوايا والصوفية؛ فعند ذلك أقيم السماع من بعد ثلث الليل إلى ~~قريب الفجر، وهو جالس عندهم، ويده تملأ من الذهب، وتفرغ لمن له رزق فيه، ~~والخازندار يأتيه بكيس بعد كيس، حتى قيل: إنه فرق في الفقراء ومشايخ ~~الزوايا والصوفية في تلك الليلة أكثر من أربعة آلاف دينار. هذا، والسماط من ~~الحلوى والفاكهة يتداول مدة بين يديه، فتأكله المماليك والفقراء، وتكرر ذلك ~~أكثر من عشرين مرة. ثم أصبح السلطان ففرق في مشايخ الزوايا القمح من ~~الأهراء لكل واحد بحسب حاله وقدر فقرائه، كل ذلك خارج عما كان لهم من ~~الرواتب عليه في كل سنة حسب ما يأتي ذكر ذلك في آخر ترجمة الملك الظاهر ms2495 بعد ~~وفاته. ثم في خامس عشر شهر ربيع الأول المذكور قدم الوالد إلى القاهرة ~~معزولا عن نيابة حلب، فنزل السلطان الملك الظاهر إلى لقائه. قال الشيخ تقي ~~الدين المقريزي - رحمه الله - : وفي خامس عشر شهر ربيع الأول قدم الأمير ~~تغري بردي اليشبغاوي من حلب بتجمل زائد عظيم إلى الغاية، فخرج السلطان ~~وتلقاه بالمطعم من الريدانية خارج القاهرة،وسار معه من غير خلعة؛فلما قارب ~~القلعة أمره بالتوجه إلى حيث أنزله، وبعث إليه بخمسة أفراس بقماش ذهب، وخمس ~~بقج فيها قماش مفصل له مفرى. انتهى كلام المقريزي. قلت: وقوله " وعاد معه ~~بغير خلعة " هي العادة؛ فإنه منفصل عن نيابة حلب ولم يعط إلى الآن وظيفة ~~حتى يلبس خلعتها. وفي سابع عشرة قدم الوالد تقدمته إلى السلطان، وكانت نيفا ~~وعشرين مملوكا وخمسة طواشية بيض من أجمل الناس - من جملتهم خشقدم اليشبكي ~~مقدم المماليك السلطانية في دولة الملك الأشرف برسباي: أنعم به الملك ~~الظاهر على فارس الحاجب، ثم ملكه يشبك الشعباني بعده وأعتقه - وثلاثين ألف ~~دينار مصرية، ومائة وخمسة وعشرين فرسا، وعدة جمال بخاتي تزيد على الثمانين، ~~وأحمالا من البقج، فيها من أنواع الفرو والشقق الحرير وأثواب الصوف والمخمل ~~زيادة على مائة بقجة؛ فابتهج السلطان بذلك وقبله، وخلع على أصحاب وظائف ~~الوالد، ونزلوا في غاية الجبر. حكى لي بعض أعيان الظاهرية، قال: لما رأى ~~الملك الظاهر تقدمة والدك تعجب غاية العجب من حسن سيرته وقلة ظلمه بحلب، ~~ومع هذا كيف قام بهذه التقدمة الهائلة مع كثرة مماليكه وخدمه. PageV03P0346 # وكان سبب عزل الوالد - رحمه الله - عن نيابة حلب، شكوى الأمير تنم الحسني ~~نائب الشام منه للملك الظاهر، ورماه بالعصيان والخروج عن الطاعة. وخبر ذلك ~~أن الوالد وتنم لما توجها في السنة الماضية إلى سيواس وغيرها بأمر الملك ~~الظاهر، وتلاقى الوالد مع تنم بظاهر حلب، وعادا جميعا إلى حلب، وكل منهما ~~سنجقه منتصب على رأسه، فعظم ذلك على تنم، كون العادة إذا حضر نائب الشام ~~يصير هو رأس العساكر وينزل نائب حلب سنجقه؛ فلما سارا وكل منهما ms2496 سنجقه على ~~رأسه، تكلم سلحدارية تنم مع سلحدارية الوالد في نزول السنجق، فلم يفعل حامل ~~السنجق، فخرجا من القول إلى الفعل، وتقاتل الفريقان بالدبابيس بسبب ذلك، ~~وكادت الفتنة تقع بينهما، والوالد يتجاهل عما هم فيه، حتى التفت تنم ونهى ~~مماليكه عن القتال، وسار كل واحد وسنجقه على رأسه، حتى نزلا بمخيمهما، ~~فاستشهد تنم أمراء دمشق بما وقع من الوالد ومماليكه، وكتب للسلطان بذلك فلم ~~يشك السلطان في عصيانه، وكتب بعزله وطلبه إلى القاهرة. وأما الوالد لما نزل ~~بمخيمه كلمه بعض أعيان مماليكه فيما وقع، فقال الوالد: " أنا خرجت من مصر ~~جنديا حتى أنزل سنجقي! " أشار بذلك أنه ولي نيابة حلب وهو رأس نوبة النوب، ~~وأن تنم ولي أتابكة دمشق، وهو أمير عشرة بمصر قبل ولايته نيابة دمشق، ثم ~~نقل من أتابكية دمشق إلى نيابتها - يعني بذلك أن تنم لم تسبق له رياسة بمصر ~~قبل ولايته نيابة دمشق فلما بلغ تنم ذلك قامت قيامته. انتهى. ثم أنعم ~~السلطان على سودون بن زادة بإمرة عشرة، بعد موت الأمير طوغان الشاطر. ثم ~~نزل السلطان وعاد الأمير قلمطاي الدوادار، ففرش قلمطاي تحت حوافر فرسه ~~الشقق الحرير، مشى عليها السلطان من باب داره حتى نزل بالقصر، فمشى من باب ~~القصر على الشقق النخ المذهب حتى جلس؛ فقدم إليه طبقا فيه عشرة آلاف دينار، ~~وخمسا وعشرين بقجة قماش، وتسعة وعشرين فرسا، ومملوكا تركيا بديع الحسن؛ ~~فقبل الملك الظاهر ذلك كله، ورجع إلى القلعة وفي حال رجوعه قدم عليه الخبر ~~بأن تيمورلنك سار من سمرقند إلى بلاد الهند وأنه ملك مدينة دلي. ثم في يوم ~~الخميس العشرين من شهر جمادى الأولى خلع السلطان على قاضي القضاة جمال ~~الدين يوسف بن موسى بن محمد الملطي باستقراره قاضي قضاة الحنفية بالديار ~~المصرية، بعد موت شمس الدين محمد الطرابلسي، بعد ما شغر قضاء الحنفية بمصر ~~مائة يوم وأحد عشر يوما، حتى طلب جمال الدين المذكور لها من حلب وقدم على ~~البريد. قلت: هكذا تكون ولاية القضاء. ثم أنعم السلطان على ms2497 الأمير علي باي ~~بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن الأمير تنبك الأمير آخور بعد موته. ثم بعد ~~أيام أنعم على الأمير يشبك العثماني بإمرة مائة وتقدمة ألف بعد موت الأمير ~~قلمطاي العثماني الدوادار، وأنعم على الأمير أسنبغا العلائي الدوادار ~~الثاني بطبلخاناه الأمير بكتمر الركني، وكان بكتمر المذكور أخذ طبلخاناه ~~الأمير علي باي المنتقل إلى تقدمة تنبك الأمير آخور. ثم أنعم السلطان على ~~آقباي الطرنطائي بإمرة طبلخاناه، وعلى تنكزبغا الحططي بإمرة عشرين. وفي يوم ~~تاسع عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على جماعة من الأمراء بعدة وظائف، ~~فخلع على الوالد باستقراره أمير سلاح عوضا عن بكلمش العلائي، بعدما شغرت ~~أشهرا، وعلى الأمير اقبغا الطولوتمري الظاهري المعروف باللكاش بآستقراره ~~أمير مجلس عوضا عن بيبرس ابن أخت السلطان، وعلى نوروز الحافظي رأس نوبة ~~النوب باستقراره أمير آخورا كبيرا، بعد موت الأمير تنبك، وعلى الأمير بيبرس ~~ابن أخت السلطان باستقراره دوادارا كبيرا، عوضا عن الأمير قلمطاي بعد موته، ~~وعلى الأمير علي باي الخازندار باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن نوروز ~~الحافظي، وعلى يشبك الشعباني باستقراره خازندارا عوضا عن علي باي المذكور. ~~PageV03P0347 # ثم في ليلة الجمعة ثامن شعبان أمسك السلطان الأمير علاء الدين علي بن ~~الطبلاوي وأمسك أخاه ناصر الدين محمدا والي القاهرة وجماعة من ألزامه وأوقع ~~الحوطة على دورهم، وتسلمه الأمير يلبغا الأحمدي المجنون الأستادار ليخلص ~~منه الأموال، فأخذه يلبغا وتوجه به إلى دار ابن الطبلاوي وأخذ منها مالا ~~وقماشا بنحو مائة وستين ألف دينار. ثم أخذ منها أيضا بعد أيام ألفا ومائة ~~قفة فلوسا، وصرفها ستمائة ألف درهم، ومن الدراهم الفضة خمسة وثمانين ألف ~~درهم فضة. واستمر علاء الدين في المصادرة. وخلع السلطان على الأمير الكبير ~~أيتمش البجاسي باستقراره في نظر البيمارستان المنصوري عوضا عن ابن الطبلاوي ~~المذكور، ومن يومئذ استمر نظر البيمارستان مع كل من يلي الأتابكية بمصر. ثم ~~بعد أيام طلب ابن الطبلاوي الحضور بين يدي السلطان، فأذن له السلطان في ~~ذلك، فحضر في الحديد، بعد أن عوقب أياما كثيرة؛ وطلب من ms2498 السلطان أن يدنيه ~~منه، فاستدناه، حتى بقي من السلطان على قدر ثلاثة أذرع، فقال له: " تكلم " ~~، قال: أريد أن أسار السلطان في أذنه، فلم يمكنه من ذلك فألح عليه ابن ~~الطبلاوي في مسارة السلطان في أذنه، حتى استراب منه وأمر بإبعاده واستخلاص ~~المال منه، فأخذه يلبغا وأخرجه من مجلس السلطان إلى باب النجاس من القلعة ~~حيث يجلس خواص الخدام الطواشية، فجلس ابن الطبلاوي هناك ليستريح، فضرب نفسه ~~بسكين كانت معه ليقتل نفسه، وجرح في موضعين من بدنه، فمسكوه ومنعوه من قتل ~~نفسه، وأخفوا السكين منه. وبلغ السلطان ذلك، فلم يشك أنه أراد الدنو من ~~السلطان حتى يقتله بتلك السكين التي كانت معه، فلما فاته السلطان ضرب نفسه ~~فعند ذلك أمر السلطان بتشديد عقوبته، فعاقبه يلبغا المجنون، فدل على خبيئة ~~فيها ثلاثون ألف دينار، ثم أخرى فيها تسعون ألف دينار، ثم أخرى فيها عشرون ~~ألف دينار. ودام في العقوبة، ثم نقله يلبغا المجنون إلى خزانة شمائل. ثم في ~~خامس عشر شوال ختن السلطان الملك الظاهر ولديه، الأمير فرجا والأمير عبد ~~العزيز، وختن معهما عدة من أولاد الأمراء المقتولين، منهم: ابن الأمير ~~منطاش وغيره، وأنعم عليهم بقماش وذهب. وعمل السلطان مهما عظيما بالقلعة ~~للنساء فقط، ولم يعمل للرجال، مخافة على الأمراء من الكلف. وفي يوم السبت ~~ثاني عشر ذي القعدة عمل السلطان مهما عظيما بالميدان تحت القلعة، سببه أنه ~~لعب بالكرة مع الأمراء على العادة، فغلب السلطان الأمير الكبير أيتمش ~~البجاسي، فلزم أيتمش عمل مهم بمائتي ألف درهم فضة، كونه غلب، فقام عنه ~~السلطان بذلك، وألزم السلطان به الوزير بدر الدين محمد بن الطوخي والأمير ~~يلبغا الأستادار. ونصبت الخيم بالميدان وعمل المهم، وكان فيه من اللحم ~~عشرون ألف رطل، ومائتا زوج إوز، وألف طائر من الدجاج، وعشرون فرسا ذبحت، ~~وثلاثون قنطارا من السكر عملت حلوى ومشروبا، وثلاثون قنطارا من الزبيب عملت ~~أقسما، وستون إردبا دقيقا لعمل البوزا، وعملت المسكرات في دنان من الفخار. ~~ونزل السلطان سحر يوم السبت المذكور، وفي عزمه أن ms2499 يقيم نهاره مع الأمراء ~~والمماليك، يعاقرهم الشراب، فأشار عليه بعض ثقاته بترك ذلك وخوفه العاقبة، ~~فمد السماط وعاد إلى القصر قبل طلوع الشمس. وأنعم على كل من الأمراء ~~المقدمين بفرس بقماش ذهب. وأذن السلطان للعامة في انتهاب ما بقي من الأكل ~~والشراب. قال المقريزي: فكان يوما في غاية القبح والشناعة، أبيحت فيه ~~المسكرات، وتجاهر الناس فيه بالفواحش، بما لم يعهد مثله، وفطن أهل المعرفة ~~بزوال الأمر، فكان كذلك. ومن يومئذ انتهكت الحرمات بديار مصر وقل الاحتشام. ~~انتهى كلام المقريزي. ### || AUT وقعة علي باي مع السلطان الملك الظاهر برقوق # PageV03P0348 # لما كان يوم السبت تاسع عشر ذي القعدة من سنة ثمانمائة أوفى النيل، وقدم ~~أيضا البريد بقتل سولي بن دلغادر أمير التركمان، فركب السلطان بعد صلاة ~~الظهر يريد المقياس ليخفقه ويفتح خليج السد على العادة، ومعه جميع الأمراء ~~إلا الأمير عليا باي الخازندار، فإنه كان انقطع بداره أياما وتمارض، وفي ~~باطن أمره أنه قصد الفتك بالسلطان؛ فإنه علم أنه إذا نزل لفتح الخليج يدخل ~~إليه ويعوده كما جرت به عادته مع الأمراء فدبر علي باي على السلطان، وأخلى ~~إسطبله من الخيل وداره من حريمه، وأعد قوما آختارهم من مماليكه. فتهيؤوا ~~لذلك، فرآهم شخص كان يسكن بأعلى الكبش من المماليك اليلبغاوية يسمى سودون ~~الأعور، فركب إلى الملك الظاهر في أثناء طريقه بعد تخليق المقياس وفتح خليج ~~السد، وأسر إليه أنه شاهد من سكنه مماليك علي باي، وقد لبسوا آلة الحرب ~~ووقفوا عند بوائك الخيل من إسطبله، وستروا البوائك بالأنخاخ ليخفى أمرهم، ~~فقال السلطان: " اكتم ما معك " ، فلم يبد السلطان ذلك إلا لأكابر أمرائه. ~~ثم أمر السلطان الأمير أرسطاي رأس نوبة أن يتوجه إلى دار علي باي ويعلمه أن ~~السلطان يدخل إليه لعيادته، فتوجه أرسطاي عادة وأعلم عليا باي بذلك. فلما ~~بلغ عليا باي أن السلطان يعوده اطمأن وظن أن حيلته تمت. ووقف أرسطاي على ~~باب علي باي ينتظر قدوم السلطان. وعندما بعث السلطان أرسطاي إلى علي باي ~~أمر الجاويشية بالسكوت فسكتوا عن الصياح ms2500 أمام السلطان. ثم أبعد السلطان ~~العصائب السلطانية عنه وأيضا السنجق الذي يحمل على رأس السلطان، وتقدم عنهم ~~حتى صار بينه وبين العصائب مدى بعيد من خلفه. وسار السلطان كآحاد الأمراء ~~وسار حتى وافى الكبش، وهو تجاه دار علي باي، والناس قد اجتمعوا للفرجة على ~~موكب السلطان، فصاحت امرأة من أعلى الكبش على السلطان: لا تدخل، فإنهم قد ~~لبسوا لقتالك، فحرك السلطان فرسه وأسرع في المشي ومعه الأمراء ومن ورائه ~~المماليك الخاصكية يريد القلعة. وكان باب علي باي مردود الدرفتين، وضبته ~~مطرقة ليمنع الناس من الدخول إليه، حتى يأتي السلطان؛ فلما مر السلطان ولم ~~يعلم به من ندبه علي باي لرؤية السلطان وإعلامه به، حتى جاوزهم السلطان بما ~~دبره السلطان من المكيدة بتأخير العصائب السلطانية والسنجق والجاويشية ~~وتقدمه عنهم. ثم بلغ عليا باي أن السلطان فاته، فركب وبادر أحد أصحابه يريد ~~فتح الضبة فأغلقها، وإلى أن يحضر مفتاح الضبة ويفتحونها فاتهم السلطان، ~~وصار بينه وبينهم سد عظيم من الجمدارية والغلمان وغيرهم. فخرج علي باي ومن ~~معه من أصحابه لابسين السلاح، وعدتهم نحو الأربعين فارسا، يريدون السلطان، ~~وقد ساق السلطان ومعه الأمراء، حتى دخل باب السلسلة وامتنع به. فوقف علي ~~باي من معه تجاه باب السلسلة، فنزل إليه في الحال طائفة من المماليك ~~السلطانية لقتاله، فقاتلهم، وثبت لهم ساعة حتى جرح من الفريقين جماعة وقتل ~~من المماليك السلطانية بيسق المصارع. ثم انهزم علي باي وتفرق عنه أصحابه، ~~وقد ارتجت مصر والقاهرة، وركب يلبغا المجنون الأستادار ومعه مماليك لابسين ~~يريد القلعة. وأرجف بقتل السلطان، واشتد خوف الرعية، وتشعب الذعر. ثم لبست ~~المماليك السلطانية السلاح، وأتى السلطان من كان غائبا عنه من الأمراء ~~والخاصكية وتحلقوه. فعندما طلع يلبغا الأحمدي المجنون الاستادار إلى ~~السلطان وثب عليه الخاصكية، واتهموه بموافقة علي باي لكونه جاء هو ومماليكه ~~في أسرع وقت بآلة الحرب؛ فأخذه اللكم من الخاصكية من كل جهة، ونزعوا ما ~~عليه من السلاح، وألقوه إلى الأرض ليذبحوه، لولا أن السلطان منعهم من ذلك. ~~فلما كفوا عن ms2501 ذبحه سجنوه بالزردخاناه السلطانية مقيدا. ثم قبض على نكباي ~~شاد شرا بخاناه علي باي، وقطع قطعا بالسيوف، فإنه أصل هذه الفتنة. وسبب ~~ركوب علي باي على السلطان وخبره أن نكباي هذا كان تعرض لجارية من جواري ~~الأمير آقباي الطرنطائي، وصار بينهما مشاكلة، فبلغ ذلك آقباي، فمسك نكباي ~~المذكور وضربه ضربا مبرحا، ثم أطلقه. فحنق علي باي من ذلك، وشكا آقباي ~~للسلطان، فلم يلتفت السلطان إليه، وأعرض عنه - وكان في زعمه أن السلطان ~~يغضب على آقباي بسبب مملوكه - فغضب علي باي من ذلك، ودبر هذه الحيلة ~~الباردة، فكان في تدبيره تدميره. PageV03P0349 # وبات السلطان تلك الليلة بالإسطبل السلطاني، ونهبت العامة بيت علي باي، ~~حتى إنهم لم يبقوا به شيئا. وأما علي باي فإنه لما رأى أمره تلاشى ذهب ~~واختفى في مستوقد حمام، فقبض عليه وحمل إلى السلطان، فقيده وسجنه بقاعة ~~الفضة من القلعة. فلما أصبح النهار وهو نهار الأحد والعشرين من ذي القعدة ~~نزع العسكر السلاح وتفرقوا. وطلع السلطان إلى القلعة من الإسطبل، وأخذ على ~~باي وعصره، فلم يقر على أحد. وأحضر يلبغا المجنون، فحلف علي باي أنه لم ~~يوافقه ولا علم بشيء من خبره، وحلف يلبغا أنه لم يعلم بما وقع، وأنه كان مع ~~الوزير بمصر. فلما أشيع بركوب علي باي لحق يلبغا المجنون، بداره، ولبس ~~السلاح ليقاتل عليا باي، فأفرج عنه السلطان وخلع عليه باستمراره على ~~الأستادارية، ونزل إلى داره، فلم يجد بها شيئا، وجميع ما كان فيها نهبته ~~العامة، حتى سلبت جواريه، وفرت امرأته خوند بنت الملك الأشرف شعبان بن ~~حسين، وأخذوا حتى رخام بيته وأبوابه، وتشعثت داره وصارت خرابا؛ والدار هي ~~التي على بركة الناصري بيت سونجبغا الناصري الآن. ثم قدم البريد على ~~السلطان من حلب بأن أولاد ابن بزدغان من التركمان والأمير عثمان بن طرعلي ~~المدعو قرايلك تقاتلوا مع القاضي برهان الدين أحمد صاحب سيواس، فقتل برهان ~~الدين في المعركة وقام من بعده ابنه. ثم في يوم الاثنين حادي عشرين ذي ~~القعدة جلس السلطان بدار العدل، وعصر ms2502 عليا باي المذكور فلم يقر على أحد. ~~وبينما السلطان في ذلك إذا بهجة عظيمة قامت في الناس، فلبس العسكر ووقفوا ~~تحت القلعة، وقد غلقت أبواب القلعة. وأشيع أن يلبغا المجنون، والأمير آقبغا ~~الطولوتمري المعروف باللكاش أمير مجلس خامرا على السلطان، ولم يكن الأمر ~~كذلك. وبلغ اللكاش ذلك، فركب من وقته فطلع إلى القلعة. وأما يلبغا المجنون ~~فإنه كان في بيت الأمير فرج، فركب فرج المذكور ليعلم السلطان بأنه كان في ~~داره بالقاهرة حتى يبرأ مما رمي به. وطلع في الحال جميع الأمراء، فأمر ~~السلطان بقلع السلاح ونزول كل أحد إلى داره، وسكن الأمر، ونودي بالأمان ~~والاطمئنان. ثم في ليلة الثلاثاء عذب علي باي أيضا بين يدي السلطان عذابا ~~شديدا، كسرت فيه رجلاه وركبتاه وخسف صدره، فلم يقر على أحد. ثم أخذ إلى ~~خارج وخنق. فتنكرت الأمراء وكثر خوفهم من السلطان، خشية أن يكون علي باي ~~ذكر أحدا منهم من حرارة العقوبة. ومن يومئذ فسد أمر السلطان مع مماليكه ~~الجراكسة. ودخل السلطان إلى زوجته خوند الكبرى أرد وكانت تركية الجنس، ~~وكانت تحذره عن اقتناء المماليك الجراكسة وتقول له: " اجعل عسكرك أبلق من ~~أربعة أجناس: تتر وجاركس وروم وتركمان، تستريح أنت وذريتك " ، فقال لها: " ~~الذي كنت أشرت به علي هو الصواب، ولكن هذا كان مقدرا، ونرجو الله تعالى ~~إصلاح الأمر من اليوم " . ثم في يوم الثلاثاء أمر السلطان الأمير يلبغا ~~المجنون أن ينفق على المماليك السلطانية، فأعطى الأعيان منهم خمسمائة درهم، ~~فلم يرضهم ذلك. وكثرت الإشاعات الردية والإرجاف بوقوع فتنة، وباتوا ليلة ~~الخميس على تخوف، ولم تفتح الأسواق في يوم الخميس، فنودي بالأمان والبيع ~~والشراء، ولا يتحدث أحد فيما لا يعنيه. ثم أنعم السلطان على الأمير أرسطاي ~~بتقدمة علي باي، ووظيفته رأس نوبة النوب، وأنعم على الأمير تمان تمر ~~الناصري بإقطاع أرسطاي، والإقطاع: إمرة طبلخاناه. ثم في سادس عشرينه نزل ~~الأمير فارس حاجب الحجاب، والأمير تمربغا المنجكي أحد أمراء الألوف، وحاجب ~~ثاني، وقبضا على الأمير يلبغا الأحمدي الظاهري المعروف بالمجنون الأستادار ~~من ms2503 داره، وبعثاه في النيل إلى ثغر دمياط، واستقر عوضه أستادارا الأمير ناصر ~~الدين محمد بن سنقر بإمرة خمسين فارسا. وأنعم السلطان على الأمير بكتمر جلق ~~الظاهري رأس نوبة بتقدمة ألف عوضا عن يلبغا المجنون. وفي يوم السبت ثالث ذي ~~الحجة خلع السلطان على أميرين باستقرارهما رؤوس نوب صغارا وهما: طولو بن ~~علي باشا الظاهري وسودون الظريف الظاهري. وفي يوم الأحد رابع ذي الحجة سمر ~~السلطان أربعة نفر من مماليك علي باي ثم وسطوا. ثم رسم السلطان بإحضار ~~الأمير بكلمش العلائي أمير سلاح كان من سجنه بالإسكندرية وتوجه إلى القدس ~~بطالا على ما كان للأمير شيخ الصفوي من المرتب. PageV03P0350 # ثم استهل القرن التاسع - أعني سنة إحدى وثمانمائة - والخليفة المتوكل على ~~الله أبو عبد الله محمد العباسي، والسلطان الملك الظاهر أبو سعيد برقوق بن ~~أنص الجاركسي اليلبغاوي، والقاضي الشافعي تقي الدين عبد الرحمن الزبيري، ~~والقاضي الحنفي حمال الدين يوسف الملطي، والقاضى المالكي ناصر الدين أحمد ~~التنسي، والحنبلي برهان الدين إبراهيم بن نصر الله، والأمير الكبير أيتمش ~~البجاسي، وأمير سلاح تغري بردي بن يشبغا الظاهري أعني عن الوالد، وأمير ~~مجلس آقبغا اللكاش الظاهري، والأمير آخور نوروز الحافظي الظاهري، وحاجب ~~الحجاب فارس الظاهري، والدوادار بيبرس ابن أخت الملك الظاهر برقوق، ورأس ~~نوبة النوب أرسطاي. ونواب البلاد: صاحب مكة المشرفة الشريف حسن بن عجلان ~~الحسني المكي، وأمير المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - ~~الشريف ثابت بن نعير الحسيني، ونائب الشام الأمير تنبك الحسني المعروف بتنم ~~الظاهري، ونائب حلب أرغون شاه الإبراهيمي الظاهري، ونائب طرابلس يونس ~~الظاهري المعروف بيونس بلطا، ونائب حماة آقبغا الجمالي، ونائب صفد شهاب ~~الدين أحمد ابن الشيخ علي، ونائب غزة بيخجا المعروف بطيفور الظاهري، ونائب ~~الإسكندرية صرغتمش القزويني. وجميع من ذكرنا من النواب بالبلاد الشامية ~~وأصحاب الوظائف بالديار المصرية هم مماليك الظاهر برقوق ومشترواته، ما خلا ~~نائب صفد وهو أيضا نشؤه، والأتابك أيتمش وقد اشتراه بعد سلطنته، حسبما تقدم ~~ذكره أنه اشتراه من أولاد معتق أستاذه. ثم في يوم سابع عشر ms2504 المحرم المذكور ~~سمر السلطان سبعة نفر من المماليك يقال لأحدهم آقبغا الفيل الظاهري، وآخر ~~من إخوة علي باي ظاهري أيضا، الباقي من مماليك علي باي، وشهروا بالقاهرة، ~~ثم وسطوا. وفيه أيضا تنكر السلطان على سودون الحمزاوي الخاصكي الظاهري ~~وضربه ضربا مبرحا وسجنه بخزانة شمائل مدة، ثم أخرجه منها إلى بلاد الشام ~~لأمر اقتضى ذلك. وفي هذا الشهر توغل السلطان وحدث له إسهال مفرط لزم منه ~~الفراش مدة تزيد على عشرين يوما. ورسم السلطان بتفرقة مال على الفقراء، ~~ففرق فيهم، فاجتمع تحت القلعة منهم عالم كثير وازدحموا لأخذ الذهب، فمات في ~~الزحام منهم سبعة وخمسون شخصا، ما بين رجل وامرأة وصغير وكبير، قاله ~~المقريزي. وفي يوم ثاني عشره رسم السلطان بجمع أهل الإسطبل السلطاني من ~~الأمير آخورية والسلاخورية ونحوهم، فاجتمعوا، ونزل السلطان من القصر إلى ~~مقعده بالإصطبل السلطاني وهو متوعك البدن لعرضهم، وعرضهم حتى انقضى العرض. ~~فأمسك السلطان جرباش الظاهري أحد الأمير آخورية الأجناد وقال له بعد ذلك: " ~~على ماذا تريد قتلي وأنا أستاذك! " فلم ينزعج جرباش المذكور وقال، بعد أن ~~أشار بيده إلى حياصته: " أكون أنا لابس حياصة وهؤلاء أمراء! " وأشار لمن ~~حول السلطان من الأمراء من مماليكه، " وهم الجميع أقل مني وبعدي شريتهم! " ~~فأشار السلطان بأخذه، فأخذ وسجن، فكان ذلك آخر العهد به. ثم عرض السلطان ~~الخيل وفرق خيل السباق على الأمراء، كما كانت العادة يوم ذلك. ثم عرض ~~الجمال البخاتي، كل ذلك تشاغلا، والمقصود القبض على الأمير نوروز، الحافظي ~~الظاهري الأمير آخور الكبير. ثم أظهر السلطان أنه تعب، واتكأ على الأمير ~~نوزوز، ومشى من الإسطبل متكئا عليه، حتى وصل إلى الباب الذي يطلع منه إلى ~~القصر، فأدار السلطان يده على عنق نوروز المذكور، فبادر الخاصكية إليه ~~باللكم حتى سقط إلى الأرض، ثم قبضوا عليه وحملوه مقيدا إلى السجن. ودخل ~~السلطان من الباب وطلع إلى القلعة. وكان للأمير نوروز ذنوب كثيرة، منها ~~الممالأة لعلي باي، ومعه أيضا الأمير آقبغا اللكاش، ثم تخاذل نوروز في فتح ~~باب السلسلة للسلطان يوم ms2505 وقعة علي باي. PageV03P0351 # ثم بعد ذلك بلغ السلطان أن نوروز المذكور قصد الركوب عليه، فمنعته ~~أصحابه، وأشاروا عليه أن يصير حتى ينتظر ما يصير من أمر السلطان في مرضه، ~~فإن مات فقد حصل له القصد من غير تعب ولا شنعة، وإن تعافى من مرضه فليفعل ~~عند ذلك ما شاء. وكان ممن حضر هذه المشورة مملوك من خاصكية الملك الظاهر، ~~فلم يعجب نوروز ذلك، وقرر مع أصحابه من الخاصكية الذين وافقوه أنه إذا كان ~~ليلة نوبتهم في خدمة القصر ودخلوا مع السلطان في القصر الصغير المعروف ~~بالخرجة المطل على الإسطبل السلطاني يثبون عليه بمن اتفق معهم ويقتلون ~~السلطان على فراشه، ثم يكسرون الثرية المعلقة بقناديلها الموقدة - يكون ذلك ~~إشارة بينهم وبين نوروز، بعد قتل السلطان - فيركب نوروز عند ذلك ويملك ~~القلعة من غير قتال. فأخذ الخاصكية يستميلون جماعة أخر من الخاصكية ليكثر ~~جمعهم، وكان من جملة من استمالوه قاني باي الصغير الخاصكي - وأظنه الذي ولي ~~نيابة الشام في دولة الملك المؤيد شيخ، والله أعلم - فأجابهما قاني باي ~~بالسمع والطاعة وحلف لهم على الموافاة. ثم فارقهم ودخل إلى السلطان من فوره ~~وقعد لتكبيسه، فحكى له القصة بتمامها وكمالها، فاحترز الملك الظاهر على ~~نفسه، ودبر على نوروز حتى قبض عليه. ثم بعد مدة في يوم السبت رابع صفر خلع ~~السلطان على الأمير آقبغا اللكاش الظاهري بنيابة الكرك وأخرج من ساعته وأذن ~~له بالإقامة بخانقاه سرياقوس حتى يجهز أمره، ووكل به الأمير تنبك الكركي ~~الخاصكي وهو مسفره. ثم في ليلة الأحد أنزل الأمير نوروز الحافظي من القلعة ~~مقيدا إلى سجن الإسكندرية، ومسفره الأمير أردبغا الظاهري أحد أمراء ~~العشرات. ثم قبض السلطان على قوزي الخاصكي أحد من كان اتفق مع نوروز، وسلم ~~إلى والي القاهرة. ثم أنعم السلطان بإقطاع الأمير نوروز الحافظي على تمراز ~~الناصري، وصار من جملة مقدمي الألوف بالديار المصرية. وأنعم على سودون ~~المارديني بإقطاع آقبغا اللكاش، وهو تقدمة ألف أيضا. وخلع على الأمير أرغون ~~شاه البيدمري الظاهري باستقراره أمير مجلس، عوضا عن ms2506 آقبغا اللكاش المذكور. ~~وخلع على سودون المعروف بسيدي سودون قريب الملك الظاهر برقوق باستقراره ~~أمير آخور عوضا عن نوروز الحافظي. وفي ثالث عشرين صفر أيضا أملى بعض ~~المماليك السلطانية سكان الأطباق بالقلعة على بعض فقهاء الأطباق أسماء ~~جماعة من الأمراء والمماليك أنهم اتفقوا على إقامة فتنة والقيام على ~~السلطان، وكتبها ودخل بها المملوك على السلطان، فلما قرئت الورقة على ~~السلطان، آستدعى المذكورين وأخبرهم بما قيل عنهم، فحلفوا أن هذا شيء لم ~~يسمعوه إلا الآن، وحقوا أوساطهم ورموا سيوفهم، وقالوا: يوسطنا السلطان أو ~~يخبرنا بمن قال هذا عنا، فأحضر السلطان المملوك وسلمه إليهم وضربوه نحو ~~الألف عصا، حتى أقر أنه اختلق هذا الكلام عليهم حنقا من واحد منهم، وسمى ~~شخصا كان خاصمه قبل ذلك. ثم أحضر السلطان الفقيه الذي كتب الورقة وضربه ~~بالمقارع وسمر، ثم شفع فيه من القتل وحبس بخزانة شمائل. ولما وصل الأمير ~~آقبغا اللكاش إلى غزة متوجها إلى محل كفالته بمدينة الكرك، قبض عليه بها ~~وأحيط على سائر ما كان معه، وحمل إلى قلعة الصبيبة فسجن بها. ثم ورد الخبر ~~على السلطان في صفر المذكور أن السكة ضربت باسمه بمدينة ماردين، وخطب له ~~بها وحملت له الدنانير والدراهم وعليها اسم السلطان. ثم في شهر ربيع الأول ~~في رابعه ورد الخبر على السلطان بموت الأمير أرغون الإبراهيمي الظاهري نائب ~~حلب، فرسم السلطان أن ينقل الأمير آقبغا الجمالي الظاهري المعروف بالأطروش ~~من نيابة طرابلس إلى نيابة حلب، وحمل إليه التقليد والتشريف إينال باي بن ~~قجماس، ورسم أيضا باستقرار يونس بلطا نائب حماة في نيابة طرابلس عوضا عن ~~آقبغا المذكور، وتوجه بتقليده وتشريفه الأمير يلبغا الناصري الظاهري. ورسم ~~أن يستقر دمرداش المحمدي أتابك حلب في نيابة حماة، وتوجه بتقليده الأمير ~~شيخ المحمودي الساقي رأس نوبة وهو الذي تسلطن فيما بعد. ثم خلع السلطان على ~~الأمير سودون الظاهري المعروف بالظريف في نيابة الكرك. وفي خامس عشر شهر ~~ربيع الأول أنعم السلطان على الوالد بجميع سرحة البحيره وداخلها مدينة ~~الإسكندرية. PageV03P0352 # ثم في سلخ ms2507 ربيع الأول المذكور أمسك السلطان الأمير عز الدين أزدمر أخا ~~إينال اليوسفي وأمسك معه ناصر الدين محمد بن إينال اليوسفي ونفيا إلى ~~الشام. ثم في يوم الأربعاء أول شهر ربيع الآخر خلع السلطان على الأمير سراي ~~تمرشلق الناصري أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة بديار مصر باستقراره أتابك ~~العساكر بحلب عوضا عن دمرداش المحمدي المنتقل إلى نيابة حماة. ثم في عشرينه ~~أنعم السلطان على الأمير علي بن إينال اليوسفي بخبز أخيه محمد، وأمير علي ~~هذا هو أستاذ الملك الظاهر جقمق الأتي ذكره، وبه عرف بالعلائي. وفيه أنعم ~~السلطان على كل من سودون بن زادة الظاهري، وتغري بردي الجلباني، ومنكلي بغا ~~الناصري، وبكتمر الظاهري، وأحمد بن عمر الحسني بإمرة طبلخاناة بالديار ~~المصرية. وأنعم أيضا على كل من بشباي الظاهري، وتمربغا من باشاه، وشاهين من ~~إسلام الأفرم الظاهري، وجوبان العثماني الظاهري، وحكم من عوض الظاهري بإمرة ~~عشرة. ثم في خامس عشرينه طلع إلى السلطان رجل عجمي، وهو جالس للحكم بين ~~الناس، هيئته كهيئة الصوفية، وجلس بجانب السلطان، ومد يده إلى لحيته ليقبض ~~عليها وسبه سبا قبيحا. فبادر إليه رؤوس النوب وأقاموه، ومروا به، وهو مستمر ~~في السب، فأمر به السلطان، فسلم لوالي القاهرة، فأخذه الوالي ونزل به ~~وعاقبه حتى مات تحت العقوبة. ثم في يوم الخميس سلخه خلع السلطان على تاج ~~الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج بن نقولا الأرمني الأسلمي والي قطيا ~~باستقراره وزيرا عوضا عن الوزير بدر الدين محمد بن الطوخي. وفي رابع جمادى ~~الأولى رسم السلطان بإحضار الأمير يلبغا الأحمدي المجنون من ثغر دمياط. ثم ~~في يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى المذكور رسم السلطان باستدعاء رئيس ~~الأطباء فتح الدين فتح الله بن معتصم بن نفيس الداودي التبريزي وخلع عليه ~~باستقراره في كتابة السر، بعد موت القاضي بدر الدين محمود الكلستاني. وكان ~~نفيس جد فتح الله هذا يهوديا من أولاد نبي الله داود عليه السلام. وفي رابع ~~عشرينه خلع السلطان على الأمير فرج الحلبي أستدار الذخيرة والأملاك ~~باستقراره في نيابة ms2508 الإسكندرية. ثم في يوم الاثنين ثامن شهر رجب رسم ~~السلطان بانتقال الأمير جقمق الصفوي حاجب حجاب حلب إلى نيابة ملطية بعد عزل ~~دقماق المحمدي الظاهري، وجهز تقليده على يد مقبل الخازندار الظاهري. ثم في ~~حادي عشرين شهر رجب المذكور خلع السلطان على الشيخ تقي الدين المقريزي ~~المؤرخ باستقراره في الحسبة بالقاهرة، عوضا عن شمس الدين البجاسي. ثم في ~~خامس عشرينه أعيد قاضي القضاة صدر الدين محمد بن إبراهيم المناوي إلى قضاء ~~الشافعية بالديار المصرية، بعد عزل قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ~~الزبيري. وفي هذه الأيام أعيد أيضا يلبغا المجنون إلى وظيفة الأستدارية، ~~بعد عزل ناصر الدين محمد بن سنقر واستقر ابن سنقر أستادار الذخيرة والأملاك ~~عوضا عن فرج المنتقل إلى نيابة الإسكندرية. ثم كتب السلطان للأمير تنم ~~الحسني نائب الشام بالقبض على الأمير شهاب الدين أحمد ابن الشيخ على نائب ~~صفد، وعلى الأمير جلبان الكمشبغاوي الظاهري المعروف بقراسقل أتابك دمشق؛ ~~فورد مرسوم السلطان على تنم وهو بالغور، فاستدعى نائب صفد المذكور وقبض ~~عليه، ثم قبض على الأمير جلبان المذكور وبعث بهما إلى قلعة دمشق فسجنا بها. ~~ورسم السلطان بنقل الأمير ألطنبغا العثماني الظاهري من حجوبية دمشق إلى ~~نيابة صفد، ونقل الأمير بيخجا الشرقي المعروف بطيفور نائب غزة منها إلى ~~حجوبية دمشق، ونقل ألطنبغا الظاهري نائب الكرك كان إلى نيابة غزة. ثم في ~~تاسع شعبان خلع السلطان على كمال الدين عمر بن العديم باستقراره قاضي قضاة ~~حلب بسفارة الوالد. ثم في رابع عشرين شهر رمضان كتب السلطان بالإفراج عن ~~الأمير شهاب الدين أحمد ابن الشيخ علي من محبسه بقلعة دمشق واستقراره أتابك ~~العساكر بها، عوضا عن الأمير جلبان قراسقل. ثم في سابع عشرينه أخرج الأمير ~~علاء الدين علي بن الطبلاوي من خزانة شمائل وسلم للأمير يلبغا المجنون ~~الأستادار. ثم قدم الخبر على السلطان بموت الأمير الكبير كمشبغا الحموي ~~بسجن الإسكندرية، فابتهج السلطان بموته، ورأى أنه قد تم له أمره، فإنه آخر ~~من بقي من اليلبغاوية الأمراء. PageV03P0353 # وأصبح من الغد في ms2509 يوم الجمعة وهو أول شوال، صلى صلاة العيد بالميدان على ~~العادة، ثم صلى الجمعة بجامع القلعة فتفاءل الناس بزوال السلطان، كونه خطب ~~بمصر في يوم واحد مرتين. قلت: وهذه القاعدة غير صحيحة، فإن ذلك وقع للملك ~~الظاهر جقمق في أول سنين سلطنته، ثم وقع ذلك في سلطنة الملك الأشرف إينال. ~~ثم في سادس شوال أخرج ابن الطبلاوي علاء الدين منفيا إلى الكرك ومعه نقيب ~~واحد. وفى يوم الثلاثاء خامس شوال من سنة إحدى وثمانمائة، فيه كان ابتداء ~~مرض السلطان الملك الظاهر برقوق. وسببه أنه ركب للعب الكرة بالميدان، فلما ~~فرغ منه قدم عليه عسل نحل ورد من كختا، فأكل منه ومن لحم بلشون مشوي. ثم ~~دخل إلى مجلس أنسه وشرب مع ندمائه، فاستحال ذلك خلطا رديئا لزم منه الفراش ~~من ليلته. ثم أصبح وعليه حمى شديدة الحرارة. ثم تنوع مرضه، وأخذ في الزيادة ~~من اليوم الثالث وليلة الرابع، وهو البحران الأول، فأنذر - عن السابع ~~إنذارا رديئا لشدة الحمى وضعف القوة، حتى أيس منه. وأرجف بموته في يوم ~~السبت تاسعه، واستمر أمره في الزيادة إلى يوم الأربعاء ثالث عشره، فقوي ~~الإرجاف بموته، وغلقت الأسواق، فركب الوالي ونادى بالأمان. فلما أصبح يوم ~~الخميس استدعى السلطان الخليفة المتوكل على الله وقضاة القضاة وسائر ~~الأمراء وجميع أرباب الدولة، فحضر الجميع في مجلس السلطان، فحدثهم السلطان ~~في العهد لأولاده. وابتدأ الخليفة بالحلف للأمير فرج ابن السلطان، وأنه هو ~~السلطان بعد وفاة أبيه. ثم حلف القضاة والأمراء وجميع أرباب الدولة، وتولى ~~تحليفهم كاتب السر فتح الله، فلما تم الحلف للأمير فرج، حلفوا أن يكون ~~القائم بعد فرج أخوه عبد العزيز، وبعد عبد العزيز أخوهما إبراهيم. ثم كتبت ~~وصية السلطان، فأوصى لزوجاته وسراريه وخدامه بمائتي ألف دينار وعشرين ألف ~~دينار، وأن يعفر له تربة بالصحراء خارج باب النصر تجاه تربة الأمير يونس ~~الدوادار بثمانين ألف دينار، ويشترى بما فضل عن عمارة التربة المذكورة عقار ~~ليوقف عليها، وأن يدفن السلطان الملك الظاهر برقوق بها في لحد تحت أرجل ms2510 ~~الفقراء: وهم الشيخ علاء الدين السيرامي الحنفي، والشيخ أمين الدين ~~الخلواتي الحنفي، والمعتقد عبد الله الجبرتي، والمعتقد طلحة، والشيخ ~~المعتقد أبو بكر البجائي، والمجذوب أحمد الزهوري. وقرر أن يكون الأمير ~~الكبير أيتمش هو القائم بعده بتدبير ابنه فرج، وأن يكون وصيا على تركته ~~ومعه تغري بردي من بشبغا أمير السلاح، أعني عن الوالد، والأمير بيبرس ~~الدوادار ابن أخت السلطان بعدهما، ثم الأمير قطلوبغا الكركي أحد أمراء ~~العشرات، ثم الأمير يلبغا السالمي أحد أمراء العشرات أيضا، ثم سعد الدين ~~إبراهيم بن غراب، وجعل الخليفة ناظرا على الجميع. ثم انفض المجلس، ونظر ~~الأمراء بأسرهم في خدمة الأمير الكبير أيتمش البجاسي إلى منزله، فوعد الناس ~~أنه يبطل المظالم وأخذ البراطيل على المناصب والولايات. وأكثر السلطان في ~~مرضه من الصدقات، فبلغ ما تصدق به في هذا المرض أربع عشرة ألف دينار ~~وتسعمائة دينار وتسعة وتسعين دينارا. وأخذ في النزع من بعد الظهر إلى أن ~~مات السلطان الملك الظاهر برقوق من ليلته بعد نصف الليل، وهي ليلة الجمعة ~~خامس عشر شوال، وقد تجاوز ستين سنة من العمر، بعد أن حكم على الديار ~~المصرية والممالك الشامية أميرا كبيرا مدبرا وسلطانا إحدى وعشرين سنة وسبعة ~~وخمسين يوما، منها تحكمه بديار مصر، بعد مسك الأمير الكبير طشتمر العلائي ~~الدوادار أربع سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام، وكان يسمى إذ ذاك بالأمير ~~الكبير نظام الملك، ومنذ تسلطن سلطنته الأولى في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ~~رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة إلى أن خلع واختفى في واقعة الناصري ~~ومنطاش في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ست سنين وثمانية أشهر وسبعة عشر يوما. ~~وتسلطن عوضه الملك المنصور حاجي ابن الملك الأشرف شعبان بن حسين، ودام ~~مخلوعا محبوسا، ثم خارجا بالبلاد الشامية، ثمانية أشهر وستة عشر يوما. ~~وأعيد إلى السلطنة ثانيا. فمن يوم أعيد إلى سلطنته ثانية إلى أن مات في ~~ليلة الجمعة المذكورة تسع سنين وثمانية أشهر. وتسلطن من بعده ابنه الملك ~~الناصر فرج وجلس على تخت الملك حسبما يأتي ذكره في سلطنته. ms2511 PageV03P0354 # ثم أخذ الأمراء في تجهيز السلطان الظاهر برقوق - رحمه الله - وغسل وكفن. ~~وصلى عليه بالقلعة قاضي القضاة صدر الدين المناوي الشافعي،، وحمل نعشه سائر ~~الأمراء على أعناقهم إلى تربته، فدفن بها - حيث أوصى - على قارعة ~~الطريق،ولم يكن بذلك المكان يوم ذاك حائط،ودفن قبل صلاة الجمعة.ونزل أمام ~~نعشه سائر الأمراء وأرباب الدولة مشاة يصيحون ويصرخون بالبكاء والعويل، وقد ~~امتلأت طرق الصحراء بالجواري والنساء السبيات الحاسرات منشرات الشعور من ~~حرم مماليكه وحواشيه، فكان يوما فيه عبرة لمن اعتبر. ولم يعهد قبله أحد من ~~ملوك مصر دفن نهارا غيره وضربت الخيام على قبره، وقرىء القرآن أياما، ومدت ~~الأسمطة العامة الهائلة، وترددت أكابر الدول في كل ليلة إلى قبره عدة أيام، ~~وكثر أسف الناس عليه. قلت: وهو أول من ولي السلطنة من الجراكسة بالديار ~~المصرية بعد الملك المظفر بيبرس الجاشنكيز، على خلاف في بيبرس، وهو القائم ~~بدولة الجراكسة، وقد تقدم ذكر ذلك كله في أول ترجمته. وخلف من الأولاد ~~ثلاثة ذكور: الملك الناصر فرجا؛ وأمه أم ولد رومية تسمى شيرين، وهي بنت عم ~~الوالد، وقيل أخته، وماتت في سلطنة ابنها الملك الناصر فرج، وعبد العزيز؛ ~~وأمه أم ولد أيضا تركية الجنس، تسمى قنق باي، ماتت في سنة خمس وثلاثين ~~وثمانمائة، وإبراهيم؛ وأمه خوند بركة، ماتت في أواخر دولة الملك الأشرف ~~برسباي. وخلف أيضا ثلاث بنات: خوند سارة: وأمها أم ولد، تزوجها الأمير ~~نوروز الحافظي، ثم مقبل الرومي، وماتت في سنة ست عشر وثمانمائة بطريق دمشق، ~~وخوند بيرم: وأمها خوند هاجر بنت منكلي بغا الشمسي، تزوجها إينال باي بن ~~قجماس، وماتت بالطاعون في سنة تسع عشرة وثمانمائة، وخوند زينب: وأمها أم ~~ولد، تزوجها الملك المؤيد شيخ، ثم من بعده الأتابك قجق، وماتت في حدود سنة ~~ثلاثين وثمانمائة. وخلف في الخزانة وغيرها من الذهب العين ألف ألف دينار ~~وأربعمائة ألف دينار، ومن الغلال والقنود والأعسال والسكر والثياب وأنواع ~~الفرو ما قيمته أيضا ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار. وخلف من الخيل نحو ~~ستة آلاف فرس، ومن ms2512 الجمال نحو خمسة آلاف جمل، ومن البغال وحمير التراب عدة ~~كبيرة. وبلغت عدة مماليكه المشتروات خمسة آلاف مملوك، وبلغت جوامك مماليكه ~~في كل شهر نحو أربعمائة ألف درهم فضة، وعليق خيولهم في الشهر ثلاثة عشر ألف ~~إردب شعير، وعليق خيوله بالإسطبل السلطاني وغيره، وجمال النفر وأبقار ~~السواقي وحمير التراب في كل شهر أحد عشر ألف إردب من الشعير والفول. وكان ~~ملكا جليلا حازما شهما شجاعا مقداما صارما فطنا عارفا بالأمور والوقائع ~~والحروب. ومما يدل على فرط شجاعته وثوبه على الملك وهو من جملة أمراء ~~الطبلخانات، وتملكه الديار المصرية من تلك الشجعان. وما وقع له مع الناصري ~~ومنطاش عند خلعه من السلطنة كان خذلانا من الله تعالى " ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا " . وما وقع له بعد خروجه من حبس الكرك، فهومن أكبر الأدلة على ~~شجاعته وإقدامه وكان - رحمه الله - سيوسا عاقلا ثبتا، وعنده شهامة عظيمة ~~ورأي جيد ومكر شديد وحدس صائب. وكان يتروى في الشيء المدة الطويلة حتى ~~يفعله، ويتأنى في أموره، مع طمع كان فيه وشر؛ في جمع المال. وكان يحب ~~الاستكثار من المماليك، ويقدم جنس المماليك الجراكسة على غيره، ثم ندم على ~~ذلك في أواخر عمره، بعد فتنة علي باي. وكان يحب اقتناء الخيول والجمال. ~~وكان يتصدى للأحكام بنفسه ويباشر أحكام المملكة برأيه وتدبيره، فيصيب في ~~غالب أموره. على أنه كان كثير المشورة لأرباب التجارب، يأخذ رأيهم فيما ~~يفعله، ثم يقيس رأيهم على حدسه، فيظهر له ما يفعله. وكان يحب أهل الخير ~~والصلاح، وله اعتقاد جيد في الفقراء والصلحاء. وكان يقوم للفقهاء والصلحاء ~~إذا دخل عليه أحد منهم، ولم يكن يعهد هذا من ملك كان قبله من ملوك مصر. على ~~أنه صار يغض من الفقهاء في سلطنته الثانية، من أجل أنهم أفتوا في قتاله ~~وقتله، لا سيما القاضي ناصر الدين ابن بنت ميلق، فإنه كان كثير الاعتقاد ~~فيه، ومع شدة حنقه عليهم كان لا يترك إكرامهم. PageV03P0355 # وكان كثير الصدقات والمعروف، أوقف ناحية بهتيت على سحابة تسير مع الحاج ~~إلى ms2513 مكة في كل سنة، ومعها جمال تحمل المشاة من الحاج وتصرف لهم ما يحتاجون ~~إليه من الماء والزاد ذهابا وإيابا. ووقف أيضا أرضا على قبور إخوة يوسف ~~عليه السلام بالقرافة. وكان يذبح دائما في طول أيام إمارته وسلطنته في كل ~~يوم من أيام شهر رمضان خمسا وعشرين بقرة، يتصدق بها بعد أن تطبخ، ومعها ~~آلاف من أرغفة الخبز النقي، تفرق على أهل الجوامع والمساجد والربط وأهل ~~السجون، لكل إنسان رطل لحم مطبوخ، وثلاثة أرغفة، وهذا غير ما كان يفرق في ~~الزوايا من اللحم أيضا؛ فإنه كان يعطي لكل زاوية خمسين رطلا من اللحم ~~الضأن، وعدة أرغفة في كل يوم، وفيهم من يعطى أكثر من ذلك بحسب حالهم. وكان ~~يفرق في كل سنة في أهل العلم والصلاح مائتي ألف درهم، الواحد إلى مائة ~~دينار. وكان يفرق في فقراء القرافتين لكل فقير من دينار إلى أكثر وأقل، ~~ويفرق في كل سنة ثمانية آلاف إردب قمحا على أهل الخير وأرباب الصلاح. وكان ~~يبعث في كل سنة إلى بلاد الحجاز ثلاثة آلاف إردب قمحا، تفرق في الحرمين ~~وفرق في مدة الغلاء كل يوم أربعين إردبا، عنها ثمانية آلاف رغيف، فلم يمت ~~فيه أحد من الجوع. وكان غير هذا كفه، يبعث في كل قليل بجملة من الذهب تفرق ~~في الفقهاء والفقراء، حتى إنه تصدق مرة بخمسين ألف دينار مصرية على يد ~~خازنداره العبد الصالح الطواشي صندل المنجكي الرومي. وأبطل عدة مكوس: منها ~~ما كان يؤخذ من أهل شورى وبلطيم من البرلس، وكانت شبه الجالية في كل سنة ~~مبلغ ستين ألف درهم. قلت: أعيد ذلك في سلطنة الملك الظاهر جقمق. وأبطل ما ~~كان يؤخذ على القمح بثغر دمياط عما تبتاعه الفقراء وغيرهم. وأبطل مكس معمل ~~الفراريج بالنحريرية وما معها من بلاد الغربية، وأبطل مكس الملح بعينتاب، ~~ومكس الدقيق بالبيرة، وأبطل من طرابلس ما كان مقررا على قضاة البر ولاة ~~الأعمال عند قدوم النائب إليها، وهو مبلغ خمسمائة درهم على كل منهم، أو ~~بغلة بدل ذلك. وأبطل ms2514 ما كان يؤخذ على الدريس والحلفاء بباب النصر خارج ~~القاهرة. وأبطل ضمان المغاني بمدينة الكرك والشوبك، وبمنية ابن خصيب، ~~وأعمال الأشمونين وزفتة ومنية غمر. وأبطل رمي الأبقار، بعد الفراغ من عمل ~~الجسور بأراضي مصر، على البطالين بالوجه البحري. وأنشأ بالقاهرة مدرسته ~~التي لم يعمر مثلها بين القصرين، ورتب لها صوفية بعد العصر كل يوم، وجعل ~~بها سبعة دروس لأهل العلم على المذاهب الأربعة، أعظمهم بالإيوان القبلي ~~الحنفي، ثم درسا للتفسير، ودرسا للحديث، ودرسا للقراءات، وأجرى على الجميع ~~في كل يوم الخبز ولحم الضأن المطبوخ، وفي الشهر الحلوى والزيت والصابون ~~والدراهم، ووقف على ذلك الأوقاف الجليلة من الأراضي والحور ونحوها. وعمر ~~جسرا على نهر الأرون بالغور في طريق دمشق، طوله مائة وعشرون ذراعا في عرض ~~عشرين ذراعا. وجمد خزائن السلاح بثغر الإسكندرية، وسور دمنهور، وعمر جبال ~~الشرقية بالفيوم وكانت منذ عشرين سنة خرابا، وزاوية البرزخ بدمياط، وقناة ~~العروب بالقدس، وبنى أيضا بركة بطريق الحجاز، وبركة أخرى برأس وادي بني ~~سالم بطريق الحجاز،، وجدد عمارة القناة التي تحمل ماء النيل إلى قلعة ~~الجبل، وجدد عمارة الميدان من تحت القلعة، بعد ما كان خرب، وسقاه وزرع به ~~القرط، وغرس فيه النخل. وعمر صهريجا ومكتبا يقرأ فيه أيتام المسلمين القرآن ~~الكريم بقلعة الجبل، وجعل عليه وقفا. وعمر أيضا بالقلعة طاحونا. وعمر أيضا ~~سبيلا تجاه باب دار الضيافة تجاه القلعة. وخطب له على منابر تبريز، عندما ~~أخذها قرا محمد التركماني، وضربت الدنانير والدراهم فيها باسمه. وخطب له ~~على منابر الموصل من العراق، وعلى منابر ماردين بديار بكر، ومنابر سنجار. ~~وخرب عساكره مدينة دوركي وأرزنكان من أرض الروم. وكان نائبه بالديار ~~المصرية الأمير سودون الفخري الشيخوني إلى أن مات سودون المذكور، فلم يستنب ~~الملك الظاهر أحدا بعده. PageV03P0356 # وكانت نوابه بدمشق أعني الذين تولوا في أيام سلطنته: الأمير بيدمر ~~الخوارزمي، وإشقتمر المارديني، وألطنبغا الجوباني غير مرة، وطرنطاي السيفي، ~~ويلبغا الناصري صاحب الوقعة معه، وبطا الطولوتمري الظاهري وسودون الطرنطاي، ~~وكمشبغا الأشرفي، وتاني بك، المعروف بتنم الحسني، ومات الملك ms2515 الظاهر وهو ~~على نيابتها. ونوابه بحلب: يلبغا الناصري غير مرة، وسودون المظفري، وكمشبغا ~~الحموي، وقرادمرداش الأحمدي، وجلبان الكمشبغاوي الظاهري قرسقل، وتغري بردي ~~عن بشبغا الظاهري أعني عن الوالد، وأرغون شاه الإبراهيمي الظاهري، وآقبغا ~~الجمالي الظاهري الأطروش، ومات السلطان وهو على نيابتها. ونوابه بطرابلس: ~~مأمور القلمطاوي، وكمشبغا الحموي اليلبغاوي، وأسندمر السيفي، قرادمرداش ~~الأحمدي اليلبغاوي، وإينال بن خجا على، وإياس الجرجاوي، ودمرداش المحمدي ~~الظاهري، وأرغون شاه الإبراهيمي الظاهري، وآقبغا الجمالي الظاهري الأطروش، ~~ويونس بلطا الظاهري، ومات الملك الظاهر وهو على نيابتها. ونوابه بحماة: ~~صنجق الحسني، وسودون المظفري، وسودون العلائي، وسودون العثماني، وناصر ~~الدين محمد بن المهمندار، ومأمور القلمطاوي اليلبغاوي، ودمرداش المحمدي ~~الظاهري وليها مرتين، وآقبغا السلطاني، ويونس بلطا الظاهري، ثم دمرداش ~~المحمدي، ومات برقوق وهو على نيابتها ونوابه بصفد: أركماس السيفي، وبتحاص ~~السودوني، وأرغون شاه الإبراهيمي الظاهري، وآقبغا الجمالي الأطروش الظاهري، ~~وأحمد ابن الشيخ علي، وألطنبغا العثماني الظاهري، ومات الملك الظاهر وهو ~~على نيابتها. ونوابه بالكرك: طغاي تمر القبلائي، ومأمور القلمطاوي ~~اليلبغاوي، وقديد القلمطاوي اليلبغاوي، ويونس القشتمري، وأحمد ابن الشيخ ~~علي، وبتخاص السودني، ومحمد بن مبارك شاه المهمندار، وألطنبغا الحاجب، ~~وسودون الظريف الظاهري الشمسي، ومات السلطان وهو على نيابتها. ونوابه بغزة: ~~قطلوبغا الضفوي، وآقبغا الصغير، ويلبغا القشتمري، وألطنبغا العثماني ~~الظاهري، وبيخجا الشرفي المدعو طيفور، وألطنبغا الحاجب، ومات الملك الظاهر ~~وهو على نيابتها. ؟ ### || AUT قضاته بالديار المصرية # فالشافعية: برهان الدين إبراهيم بن جماعة، وبدر الدين محمد بن أبي ~~البقاء، وناصر الدين محمد ابن بنت ميلق، وعماد الدين أحمد المقيري الكركي، ~~وصدر الدين محمد المناوي، وتقي الدين عبد الرحمن الزبيري، ثم المناوي ثالث ~~مرة، ومات السلطان وهو قاض. والحنفية: صدر الدين محمد بن منصور الدمشقي، ~~وشمس الدين محمد الطرابلسي ومجد الدين إسماعيل بن إبراهيم، وجمال الدين ~~محمود القيصري العجمي، وجمال الدين يوسف الملطي، ومات الملك الظاهر وهو ~~قاض. والمالكية: جمال الدين عبد الرحمن بن خير السكندري، ثم ولي الدين عبد ~~الرحمن بن خلدون، وشمس الدين محمد الركراكي المغربي، وشهاب الدين أحمد ~~النحريري، وناصر الدين ms2516 أحمد بن التنسي، ثم ابن خلدون ثانيا، ومات الملك ~~الظاهر وهو قاض. والحنابلة: نصر الدين نصر الله العسقلاني، ثم ابنه برهان ~~الدين إبراهيم، ومات السلطان وهو قاض. وأما أصحاب وظائفه من أكابر أمراء ~~مصر فلم يضبطهم أحد من مؤرخي تلك العصر، واكتفوا بذكرهم عند ولاية أحدهم أو ~~عزله أو موته، إن كانوا فعلوا ذلك. ذكر مباشري دولته. أستاداريته: بهادر ~~المنجكي، ثم محمود بن علي بن أصفر عينه، ثم قرقماس الطشتمري، ثم عمربن محمد ~~بن قايماز، ثم قطلوبك العلائي، ثم يلبغا الأحمدي المجنون، ثم محمد بن سنقر، ~~ثم يلبغا المجنون، ومات السلطان وهو على وظيفته. ووزراؤه بديار مصر: علم ~~الدين عبد الوهاب المعروف بسن إبرة، وشمس الدين إبراهيم بن كاتب أرنان، ~~وعلم الدين عبد الوهاب بن كاتب سيدي، وكريم الدين عبد الكريم بن الغنام، ~~وموفق الدين أبو الفرج، وسعد الدين نصر الله بن البقري، وناصر الدين محمد ~~بن الحسام، وركن الدين عمر بن قايماز، وتاج الدين عبد الرحيم بن أبي شاكر، ~~وناصر الدين محمد بن رجب بن كلبك، ومبارك شاه، وبدر الدين محمد بن الطوخي، ~~وتاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج، ومات السلطان وهو وزير. PageV03P0357 # وكتاب سره: القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله، وأوحد الذين عبد الواحد ~~بن ياسين، وعلاء الدين علي المقيري الكركي، ثم ابن فضل الله ثانيا، ثم بدر ~~الدين محمود الكلستاني، وفتح الدين فتح الله، ومات السلطان وهو كاتب سره. ~~ونظار جيشه: تقي الدين عبد الرحمن بن محب الدين، وموفق الدين أبو الفرج، ~~وجمال الدين محمود القيصري العجمي، وكريم الدين عبد الكريم بن عبد العزيز، ~~وشرف الدين محمد الدماميني، وسعد الدين إبراهيم بن غراب، ومات السلطان وهو ~~ناظر الجيش. ونظار خاصه: سعد الدين نصر الله بن البقري، وموفق الدين أبو ~~الفرج، وسعد الدين أبو الفرج بن تاج الدين موسى كاتب السعدي، وسعد الدين بن ~~غراب، ومات السلطان وهو ناظر الجيش والخاص معا، والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الظاهر برقوق الثانية # وهي سنة اثنتين ms2517 وتسعين وسبعمائة. على أن الملك المنصور حاجي ابن الملك ~~الأشرف شعبان حكم منها ثمانية أشهر وسبعة أيام من يوم سلطنته إلى يوم طلوع ~~الملك الظاهر برقوق إلى قلعة الجبل. فيها توفي الأمير سيف الدين آقبغا بن ~~عبد الله الجوهري اليلبغاوي. كان من أكابر اليلبغاوية، وتولى الأستادارية ~~وحجوبية الحجاب كليهما بديار مصر، ووقع له أمور، وهو أحد من أخرجه الملك ~~الظاهر من حبس منطاش بالإسكندرية، وندبه فيمن ندب من الأمراء لقتال منطاش، ~~فقتل في وقعة حمص عن بضع وخمسين سنة. وكان أميرا جليلا عارفا يذاكر بمسائل ~~جيدة فقهية وغيرها في عدة فنون، مع حدة مزاج. وتوفي الأمير سيف الدين ~~أردبغا بن عبد الله العثماني اليلبغاوي أحد أمراء الطبلخانات قتيلا أيضا في ~~وقعة منطاش، وكان من كبار اليلبغاوية. وتوفي الأمير علاء الدين ألطنبغا بن ~~عبد الله الجوباني اليلبغاوي نائب الشام قتيلا في واقعة منطاش؛ وقد تقدم ~~ذكر موته وكيفية قتله في أوائل سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية. وكان من ~~عظماء المماليك اليلبغاوية. ولاه الملك الظاهر في سلطنته الأولى أمير مجلس، ~~ثم ولاه نيابة الكرك، ثم نقله إلى نيابة الشام، ثم قبض عليه وحبسه إلى أن ~~أخرجه الناصري بعد خلع الملك الظاهر برقوق وحبسه، فولاه الناصري رأس نوبة ~~الأمراء إلى أن أمسكه منطاش وحبسه بالإسكندرية ثانيا، حتى أخرجه الملك ~~الظاهر برقوق فيمن أخرجه بعد عوده إلى سلطنة مصر، وولاه نيابة الشام، وندبه ~~لقتال منطاش فتوجه وقاتله، وقتل في الواقعة، وتولى الناصري نيابة الشام ~~بعده. ومات الجوباني وقد قارب الخمسين سنة من العمر. وكان حشما فخورا معظما ~~في الدول متجفلا في مركبه ومماليكه ولبسه، وعنده سياسة وأدب ومعرفة، رحمه ~~الله تعالى. PageV03P0358 # وتوفي الأمير سيف الدين قازان اليرقشي أحد أمراء الطبلخانات بالديار ~~المصرية؛ وكان من حواشي الناصري. قتل في واقعة منطاش على حمص. وقبل أن يخرج ~~منطاش بالملك المنصور من مصر لقتال الملك الظاهر برقوق لما خرج من سجن ~~الكرك، أمر والي الفيوم في الباطن بقتل جماعة كبيرة من الأمراء ممن كان ~~بحبس الفيوم. ثم ms2518 سافر منطاش، وبعد سفره بأيام قدم محضر مفتعل من كاشف ~~الفيوم: أنه لما كان يوم الجمعة حادي عشرين جمادى الآخرة سقط على الأمراء ~~المسجونين حائط سجنهم فماتوا جميعا. فعظم ذلك على الناس إلى الغاية، كونهم ~~من أكابر الأمراء وأعيان الدولة، وهم: الأمير تنكز العثماني اليلبغاوي أحد ~~أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وكان من الشجعان، وتمان تمر الأشرفي ~~نائب بهنسا وكان من أكابر المماليك الأشرفية، وهو من خشداشية منطاش، لكنه ~~كان من حزب الناصري، وتمرباي الحسني الأشرفي حاجب الحجاب بالديار المصرية ~~ومن أجل المماليك الأشرفية، وهو حمو الوالد وكان من الشجعان، وجمق ~~الكمشبغاوي أحد أعيان مراء مصر والشام، وكان من حزب الناصري، وتمر ~~الجركتمري أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، وكان من حزب الملك الظاهر ~~برقوق، وقطلوبغا الأحمدي اليلبغاوي أحد أمراء الطبلخانات بمصر، وقد ولي عدة ~~أعمال، وقرابغا البوبكري أمير مجلس وأحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، ~~وقرقماس الطشتمري أستادار العالية والخازندار، والدوادار الكبير بالديار ~~المصرية، تنقل في جميع هذه الوظائف وغيرها، وكان أولا من حزب الظاهر، ثم ~~صار من بعد خلعه من حزب يلبغا الناصري، ويونس الإسعردي الرماح الظاهري أحد ~~أمراء الطبلخانات: لم يكن في المماليك الظاهرية من يضاهيه في حسن الشكالة ~~ولا في لعب الرمح، قتل الجميع في يوم واحد حسب ما ذكرناه. وتوفي الأمير سيف ~~الدين مأمور بن عبد الله القلمطاوي اليلبغاوي في واقعة حمص أيضا. وكان ولي ~~نيابة الكرك، وتقدمة ألف بديار مصر، وحجوبية الحجاب بها، ثم ولاه الملك ~~الظاهر في سلطنته الثانية نيابة حماة، فقتل وهو على نيابة حماة. وكان من ~~أجل المماليك اليلبغاوية وأعيان أمراء مصر، وهو زوج بنت أستاذه الأتابك ~~يلبغا التي خدمت الملك الظاهر برقوقا لما حبس بالكرك. وتوفي الشيخ المعتقد ~~الصالح علي المغربل في خامس جمادى الأولى، ودفن بزاويته خارج القاهرة بحكر ~~الزراق. وكان للناس فيه اعتقاد حسن ويقصد للزيارة. وتوفي الشيخ المعتقد ~~الصالح محمد الفاوي في ثامن جمادى الأولى ودفن خارج باب النصر. وكان خيرا ~~معتقدا. وتوفي الشيخ المقرىء شمس الدين محمد المعروف بالرفاء ms2519 في سابع جمادى ~~الأولى. وتوفي الأديب الشاعر شمس الدين محمد بن إسماعيل الإفلاتي في سادس ~~جمادى الأولى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع ونصف. مبلغ ~~الزيادة ثمانية عشر ذراعا وإصبعان. والوفاء حادي عشر مسرى. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الظاهر برقوق الثانية # وهي سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. فيها توفي الأمير شهاب الدين أحمد ابن ~~الأمير الكبير آل ملك الجوكندار في وتوقي قاضي القضاة شهاب الدين أبو ~~العباس أحمد بن عمر بن مسلم بن سعيد بن بحر القرشي الدمشقي الشافعي قاضي ~~قضاة دمشق بخزانة شمائل، بعد عقوبات شديدة، في ليلة الأحد تاسع شهر رجب. ~~وكان غير مشكور السيرة، مسرفا على نفسه. وهو ممن قام على الملك الظاهر ~~برقوق بدمشق، وحرض العامة على قتاله وقد مر من ذكره ما فيه غنية عن ذكره ~~ثانيا. وتوفي الأمير حسام الدين بن علي بن الكوراني أحد أمراء الطبلخانات ~~ووالي القاهرة مخنوقا بخزانة شمائل بعد عقوبات كثيرة، في عاشر شعبان. وكان ~~غير مشكور السيرة وفيه ظلم وجبروت. قتل من الزعر في أيام ولايته خلائق لا ~~تدخل تحت حصر. PageV03P0359 # وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة جلال الدين جلال بن رسول بن أحمد بن ~~يوسف العجمي الثيري التباني الحنفي خارج القاهرة في يوم الجمعة ثالث عشر ~~شهر رجب. والتباني نسبة إلى سكنه، موضع خارج القاهرة بالقرب من باب الوزير، ~~يقال له: التبانة، وكان إماما عالما بفنون كثيرة. أفتى وأقرأ ودرس عدة ~~سنين، وعرض عليه قضاء مصر فامتنع عفة منه. وله مصنفات كثيرة: منها " شرح ~~المنار " في أصول الفقه، و " شرح مختصر ابن الحاجب " وخرج أيضا " مختصر ~~التلويح في شرح الجامع الصحيح " للحافظ مغلطاي، وله " منظومة في الفقه " ، ~~وشرحها في أربع مجلدات، وله " مختصر في ترجيح الإمام أبي حنيفة " ، وله ~~تعليق على البزدوي ولم يكمله، وشرح كتبا كثيرة غير ذلك. وأصله من بلدة ~~بالروم يقال لها: ثيرة بكسر الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف. وتوفي ~~الشيخ المعتقد الصالح علي الروبي في رابع ذي الحجة. ms2520 وكان للناس فيه اعتقاد ~~ويقصد للزيارة للتبرك به. وتوفي قاضي القضاة شمس الدين محمد بن يوسف ~~الركراكي المالكي قاضي قضاة الديار المصرية وهو قاض بحمص، في رابع عشر ~~شوال، وقد تجرد صحبة السلطان. وكان عالما دينا مشكور السيرة. وتوفي شيخ ~~الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء شهاب الدين أحمد بن الأنصاري الشافعي في ~~عاشر ذي القعدة. وتوفي قاضي قضاة الحنابلة بدمشق الشيخ شرف الدين عبد ~~القادر بن شمس الدين محمد بن عبد القادر الحنبلي النابلسي الدمشقي في عيد ~~الأضحى بدمشق، وكان فقيها فاضلا، أفتى ودرس. وتوفي القاضي فتح الدين أبو ~~بكر محمد ابن القاضي عماد الدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن إسحاق بن أبي ~~الكرم محمد الدمشقي الشافعي المعروف بابن الشهيد كاتب سر دمشق قتيلا بخزانة ~~شمائل، في ليلة الثلاثاء تاسع عشرين شعبان. وكان ممن خرج على الملك الظاهر ~~برقوق ووافق منطاشا، وحرض على قتال برقوق. وقد مر من ذكره نبذة كبيرة عند ~~حضوره إلى القاهرة مع جنتمر نائب دمشق وابن القرشي قاضي دمشق وغيرهما. وكان ~~فتح الدين رئيسا فاضلا بارعا في الأدب والترسل، مشاركا في فنون كثيرة، ~~ماهرا في التفسير، مليح الخط. وله مصنفات، منها أنه نظم السيرة النبوية ~~لابن هشام، في مسطور مرجز، وجملتها خمسون ألف بيت، ولما ولي كتابة سر دمشق، ~~قال فيه بدر الدين بن حبيب: كتابة السر علا قدرها ... بابن الشهيد الألمعي ~~الأديب وكيف لا تعلو وقد جاءها ... " نصر من الله وفتح قريب " ومن شعر ~~القاضي فتح الدين هذا - رحمه الله - قوله: مدير الكأس حدثنا ودعنا ... ~~بعيشك عن كؤوسك والحثيث حديثك عن قديم الراح يغني ... فلا تسق الأنام سوى ~~الحديث وله: قاسوا حماة بجلق فأجبتهم ... هذا قياس باطل وحياتكم فعروس جامع ~~بجلق ما مثلها ... شتان بين عروسنا وحماتكم وله في عين بعلبك - رحمه الله - ~~: ولقد أتيت لبعلبك فشاقني ... عين بها روض النعيم منعم فلأهلها من أجلها ~~أنا مكرم ... ولأجل عين ألف عين تكرم وتوفي الأمير الكبير يلبغا بن عبد ~~الله الناصري اليلبغاوي قتيلا بقلعة حلب. PageV03P0360 # وهو ms2521 صاحب الوقعة مع الملك الظاهر برقوق التي خلع الملك الظاهر فيها من ~~الملك وحبس بالكرك. وكان أصله من أكابر مماليك يلبغا العمري أستاذ برقوق. ~~وتولى في أيام أستاذه يلبغا إمرة طبلخاناه، ثم صار أمير مائة ومقدم ألف ~~بالقاهرة في دولة الملك الأشرف شعبان، وكان معه في العقبة، ثم ملك باب ~~السلسلة من الإسطبل السلطاني، كل ذلك وبرقوق لم يتأمر إلا من نحو شهر واحد. ~~ثموقع له أمور وحبس ونفي إلى البلاد الشامية على إمرة مائة وتقدمة ألف ~~بدمشق حتى ولي نيابة حلب عن المنصور علي، ثم عن أخيه، ثم عن الملك الظاهر ~~برقوق. ثم أطلقه برقوق، وولاه نيابة حلب ثانيا. فعصى بعد مدة ووافق منطاش، ~~وقهر الظاهر برقوقا، وخلعه من السلطنة، وحبسه بالكرك. ورشح إلى سلطنة مصر، ~~فامتنع غاية الامتناع، وسلطن الملك الصالح حاجيا ثانيا ولقيه بالمنصور، ~~وصار هو مدبر مملكته. وحكم مصر إلى أن خرج عليه منطاش وكسره وقبض عليه ~~وحبسه بسجن الإسكندرية، إلى أن أفرج عنه الملك الظاهر برقوق لما خرج من حبس ~~الكرك وكسر منطاش وتسلطن ثانيا، فأخرجه ولم يؤاخذه. وندبه برقوق لقتال ~~منطاش، ثم ولاه نيابة الشام بعد قتل الجوباني، ثم قبض عليه في هذه السنة، ~~وقتله بقلعة حلب ليلته هو وكشلي أمير آخوره والأمير محمد بن المهمندار نائب ~~حماة. وقد تقدم ذلك كله مفصلا في ترجمة الملك الظاهر برقوق الأولى ~~والثانية، وترجمة المنصور حاجي، فإنه كان في الحقيقة هو السلطان، وحاجي له ~~الاسم لا غير، فيكتفى بما وقع من ذكره هناك، ولا حاجة للإعادة هنا. وكان ~~يلبغا الناصري من أجل الملوك عفة وصيانة. ولي مصر وخلع الملك الظاهر، وولى ~~الملك المنصور. ولم يقتل أحدا صبرا غير واحد يسمى سودون من مماليك الظاهر. ~~ويكفيه من عفته عن سفك الدماء عدم قتله للملك الظاهر برقوق بعد أن أشار ~~عليه جميع أصحابه بقتله. وكان مذهبي فيه أن الملك الظاهر برقوقا لا يقتله ~~أبدا، بل إذا ظهر منه ما يخيفه يحبسه إلى أن يموت مراعاة لما سبق له من ms2522 ~~المن عليه لما خلعه من الملك والسلطنة وحبسه ولم يقتله. انتهى. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الظاهر برقوق الثانية # وهي سنة أربع وتسعين وسبعمائة. وفيها توفي الشيخ الأديب شهاب الدين أبو ~~العباس أحمد بن محمد بن علي الدنيسري المعروف بابن العطار الشاعر المشهور ~~في سادس عشر شهر ربيع الآخر. وقد مر من شعره نبذة كثيرة في عدة مواطن. ومن ~~نظمه المشهور في الأقباط قوله: قالوا ترى الأقباط قد رزقوا ... حظا واضحوا ~~كالسلاطين وتملكوا الأتراك قلت لهم: ... رزق الكلاب على المجانين وتوفي ~~الأمير الكبير إينال بن عبد الله اليوسفي اليلبغاوي أتابك العساكر بالديار ~~المصرية بها في رابع عشرين جمادى الآخرة. وتولى الأتابكية من بعده الأمير ~~كمشبغا الحموي اليلبغاوي. على أن كمشبغا كان يجلس في الخدمة تحت إينال ~~المذكور. وكان إينال شجاعا مقداما، وقد تقدم ركوبه على الملك الظاهر برقوق ~~قبل سلطنته والقبض عليه وحبسه مدة إلى أن أخرجه برقوق إلى بلاد الشام وصار ~~بها أميرا، ثم نقله إلى عدة ولايات إلى أن ولاه نيابة حلب، ثم عزله في ~~سلطنته الأولى عن نيابة حلب، وجعله أتابك دمشق، ثم ولاه نيابة حلب بعد ~~عصيان الناصري، فلم يتم له ذلك. وخرج إينال أيضا على الظاهر، ووافق ~~الناصري. فلما ملك الناصري مصر ولاه نيابة صفد، ووقع له أمور حتى ولاه ~~الملك الظاهر برقوق أتابكية العساكر بالديار المصرية في سلطنته الثانية، ~~فدام على ذلك إلى أن مات في التاريخ المذكور. وقد تقدم ذكر إينال هذا في ~~عدة تراجم من هذا الكتاب، فيها كفاية عن التعريف بحاله. PageV03P0361 # وتوفي الأمير سيف الدين بطا بن عبد الله الطولوتمري الظاهري نائب الشام ~~بها، بعد أن ولي نيابة الشام أياما قليلة، في حادي عشرين المحرم. وقد ذكرنا ~~أمر بطا هذا في أواخر ترجمة الملك المنصور، وكيفية خروجه من سجن القلعة، ~~وكيف ملك باب السلسلة من صراي تمر نائب غيبة منطاش، وإقامته بباب السلسلة ~~إلى أن قدم أستاذه الملك الظاهر برقوق إلى الديار المصرية. وولاه برقوق ~~الدوادارية الكبرى، ثم ولاه نيابة دمشق ms2523 بعد القبض على الأتابك يلبغا ~~الناصري، فلم تطل أيامه، ومات. وكان من أعيان المماليك الظاهرية. واتهم ~~الملك الظاهر في أمره أنه اغتاله بالسم، والله أعلم. وتوفي الأمير سيف ~~الدين ملكتمر بن عبد الله الناصري بطالا ملازما لبيته في حادي عشرين شهر ~~ربيع الأول. وكان قديم هجرة في الأمراء. تأمر في دولة الناصر حسن، ثم أنعم ~~عليه الملك الأشرف شعبان بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ثم جعله ~~نوبة النوب، بعد واقعة أسندمر الناصري، ثم نقل إلى إمرة مجلس، ثم صار ~~أستادارا كبيرا في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة عوضا عن علم دار المحمدي. ثم ~~أخرج إلى نيابة صفد في السنة المذكورة، ثم عزل وأحضر إلى القاهرة وأنعم ~~عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بها. ثم ولي حجوبية الحجاب بالديار المصرية مدة ~~سنين، ثم تعطل ولزم داره إلى أن مات. وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد ~~الله الطرنطائي نائب دمشق بها في شعبان. وكان ولي نيابة دمشق بعد موت ~~الأمير بطا المقدم ذكره، فحكم بدمشق ومات.وتولى نيابة دمشق الخاصكي أمير ~~مجلس. وتوفي الشيخ المعتقد المجذوب طلحة المغربي في رابع عشر شوال بمدينة ~~مصر، وكانت جنازته مشهودة، ودفن خارج باب النصر من القاهرة. وهو أحد من ~~أوصى الملك الظاهر برقوق أن يدفن تحت أرجلهم من الصالحين والعلماء، فدفن ~~هناك، ثم عمرت التربة الناصرية الموجودة الآن. وكان للناس فيه اعتقاد كبير، ~~لا سيما الملك الظاهر برقوق. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة عز الدين ~~يوسف بن محمود بن محمد الرازي الحنفي العجمي، المعروف بالأصم، شيخ خانقاه ~~الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ثم شيخ الخانقاه الشيخونية في ~~ثالث عشرين المحرم، وقد أناف على السبعين سنة، وكان من العلماء. وتوفي ~~الأديب الوزير فخر الدين أبو الفرج عبد الرحمن، وقيل عبد الوهاب، ابن عبد ~~الرزاق بن إبراهيم القبطي الحنفي الشهير بابن مكانس وزير دمشق، وناظر ~~الدولة بالديار المصرية، والشاعر المشهور، بالقاهرة في خامس ذي الحجة. وكان ~~أديبا فاضلا شاعرا فصيحا بليغا لا يعرف في أبناء جنسه الأقباط ms2524 من يقاربه ~~ولا يدانيه، وهو أحد فحول الشعراء بالديار المصرية في عصره، وشعره في غاية ~~الحسن والرقة والانسجام. وديوان شعره مشهور كثير الوقوع بأيدي الناس. وقد ~~استوعبنا من شعره أشياء كثيرة في كتابنا المنهل الصافي، إذ هو كتاب تراجم، ~~نذكر هنا بعضها. ومن شعره وقد صادره الملك الظاهر برقوق، فقال: رب خذ ~~بالعدل قوما ... أهل ظلم متوالي كلفوني بيع خيلي ... برخيص وبغالي ولما ~~علقه الملك الظاهر برقوق في مصادرته منكسا على رأسه قال: وما تعلقت ~~بالسرياق منتكسا ... لجرمة أوجبت تعذيب ناسوتي لكنني مذ نفثت السحر من أدبي ~~... علقت تعليق هاروت وماروت وله - عفا الله عنه - : زارت معطرة الشذا ~~ملفوفة ... كي تختفي فأبى شذا العطر يا معشر الأدباء هذا وقتكم ... ~~فتناظموا في اللف والنشر وله - سامحه الله تعالى - : يقول معذبي إذ همت ~~وجدا ... بخد خلت فيه الشعر نملا أتعرف خده للعشق أهلا ... فقلت لهم نعم ~~أهلا وسهلا PageV03P0362 # وتوفي القاضي علاء الدين كلي بن عيسى بن موسى بن عيسى بن سليم بن حميد ~~الأزرقي المقيري الكركي الشافعي، كاتب سر الكرك ثم الديار المصرية، في أول ~~شهر ربيع الأول، ودفن خارج باب النصر. وهو أحد من قام بنصرة الملك الظاهر ~~عند خروجه من حبس الكرك، وقد تقدم ذكر ذلك في ترجمة الملك الظاهر برقوق، ~~فعرف له برقوق ذلك، وولاه كتابة سر مصر، وولى أخاه القاضي عماد الدين قضاء ~~الديار المصرية. واستمر علاء الدين هذا في وظيفته كتابة السر إلى أن مرض ~~ومات، وأعيد بدر الدين بن فضل الله من بعده في وظيفته كتابة السر. وتوفي ~~القاضي علاء الدين علي بن عبد الله بن يوسف البيري الحلبي الشاعر الكاتب ~~المنشئ في رابع عشر شهر ربيع الأول مخنوقا بأمر الملك برقوق. وكان بارعا في ~~الإنشاء والأدب. وخدم جماعة من الملوك إلى أن اتصل بخدمة الأتابك يلبغا ~~الناصري، وسار صحبته إلى الديار المصرية لقتال الملك الظاهر برقوق. ولما ~~ملك الناصري ديار مصر صار علاء الدين هذا من عظماء مصر؛ ولا زال على ذلك ~~حتى قبض على ms2525 الناصري وحبس بالإسكندرية، فاستمر علاء الدين بمصر. فلما عاد ~~الظاهر إلى ملكه وأخرج الناصري، عاد علاء الدين هذا إلى خدمته، إلى أن قبض ~~عليه الملك الظاهر وقتله، وأمسك علاء الدين هذا وحمل إلى القاهرة في ~~الحديد، ثم قتل. وكان بارعا أديبا شاعرا. ومن شعره: أرى البدر لما أن دنا ~~لغروبه ... وألبس منه أزرق الماء أبيضا توهم أن البحر رام التقامه ... فسل ~~له سيفا عليه مفضضا وتوفي الأمير عنقاء بن شطي ملك العرب وأمير آل مرا. كان ~~قد خرج عن طاعة الملك الظاهر، وقتل الأمير يونس الدوادار، ووافق الناصري ~~ومنطاشا. فلما عاد الملك الظاهر إلى ملكه لم يزل يرسل إليه الفداوية ويعد ~~الناس في قتله حتى قتلته الفداوية في هذه السنة في رابع المحرم. وتوفي ~~الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الصفوي. كان أحد أمراء الألوف ~~بالديار المصرية، وحاجب الحجاب بها في أول شهر ربيع الآخرة. وتوفي الأمير ~~سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله السيفي طشتمر الدوادار. كان أحد أمراء ~~العشرات مات في عاشر صفر. وتوفي الشيخ بدر الدين محمد بن عبد الله المنهاجي ~~الفقيه الشافعي المعروف بابن الزركشي المصنف المشهور في ثالث رجب. وكان ~~فقيها مصنفا. وتوفي الشيخ الصالح المعتقد أبو عبد الله محمد الركراكي ~~المغربي المالكي في ثالث عشر جمادى الأولى، وقد قارب مائة سنة. وتوفي ~~الأمير الوزير ناصر الدين محمد بن الأمير حسام الدين لاجين الصقري المنجكي ~~المعروف بابن الحسام في ثاني عشر صفر، بعد مرض طويل، بعد أن ولي الوظائف ~~الجليلة مثل وزر مصر والأستادارية وغيرهما. وتوفي القاضي جمال الدين محمود ~~ابن القاضي حافظ الدين محمد بن تاج الدين إبراهيم القيصري الحنفي قاضي قضاة ~~الحنفية بحلب. وتوفي الأمير سيف الدين قرادمرداش بن عبد الله الأحمدي ~~اليلبغاوي مقتولا في محبسه بقلعة الجبل في ذي الحجة. وهو أيضا من أعيان ~~المماليك اليلبغاوية. وكان من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية، وأمير ~~سلاح في سلطنة الظاهر الأولى. فلما انتصر الناصري على عسكر الملك الظاهر ~~برقوق بدمشق، وقبض الناصري على الأتابك ms2526 أيتمش البجاسي، خلع الملك الظاهر ~~على قرادمرداش هذا باستقراره عوضه أتابك العساكر بالديار المصرية، وأنعم ~~عليه بثلاثين ألف دينار، فأخذها وعصى من ليلته، وتوجه إلى الناصري، وصار من ~~جملة عساكره. فلما ملك الناصري الديار المصرية استقر به أمير مجلس إلى أن ~~أمسك منطاشا مع من أمسك من حواشي الناصري، وحبسه إلى أن أطلقه الملك الظاهر ~~برقوق، وولاه نيابة طرابلس، ثم نقله إلى نيابة حلب وندبه لقتال منطاش فدام ~~على نيابة حلب إلى أن عزله عنها الملك الظاهر، بعد أن أمسك الناصري وأنعم ~~عليه بتقدمة ألف بديار مصر، ثم قبض عليه بمصر وحبسه ثم قتله. وتوفي الشيخ ~~المحدث المسند بدر الدين محمد بن محمد بن مجير المعروف بابن الصائغ وابن ~~المشارف في ثالث شهر ربيع الآخر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبعة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنتا عشرة إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الظاهر برقوق الثانية # وهي سنة خمس وتسعين وسبعمائة. PageV03P0363 # وفيها توفي الأديب الشاعر زين الدين أبو بكر بن عثمان بن العجمي في سادس ~~عشر ذي الحجة. وكان عنده فضيلة، وله شعر جيد. من ذلك قوله: قد عاود الحب ~~قلبي بعد سلوته ... واستعذب الضيم والتعذيب والنصبا وكان أقسم لا يصبو لظبي ~~نقا ... فما رأى في هوى غزلانه وصبا وتوفي الأمير زين الدين أبو يزيد بن ~~مراد الخازن، دوادار السلطان الملك الظاهر برقوق وأحد أمراء الطبلخاناه، في ~~رابع جمادى الآخرة، وحضر السلطان الصلاة عليه. وأبو يزيد هذا هو الذي كان ~~أخفى الملك الظاهر برقوقا عنده في نوبه الناصري ومنطاش، وأخذ من داره. وكان ~~الظاهر توجه إليه واختفى عنده من غير مواعدة، فعرف له الملك الظاهر ذلك. ~~فلما عاد الملك الظاهر إلى ملكه ثانيا أنعم عليه بإمرة طبلخاناه، ثم استقر ~~به دوادارا كبيرا بعد توجه بطا لنيابة الشام، فدام على ذلك حتى مات في ~~التاريخ المذكور. ودفن بتربته التي أنشأها عند دار الضيافة بالقرب من قلعة ~~الجبل. وكان أميرا فاضلا عارفا ذكيا له يد في ms2527 فنون، وكان يعرف بالتركي ~~والعجمي والأرمني، على أنه كان فصيحا باللغة العربية. قلت: هكذا يكون ~~الدوادار، لا كمن لا يعرف اسمه من اسم الحمار. وكان يميل إلى مذهب الصوفية. ~~وكان الملك الظاهر يثق إليه، ويشاوره في أموره. وتولي الوزير الصاحب شمس ~~الدين أبو الفرج عبد الله المقسي، في رابع شعبان، ودفن بجامعه الذي جدده ~~على الخليج الناصري بالقرب من باب البحر. وكان معدودا من رؤساء الأقباط. ~~وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير علاء الدين آقبغا آص. قال المقريزي ~~رحمه الله: كان أولا من جملة أمراء الملك الأشرف شعبان الطبلخانات، ثم ~~نزعها منه لما سخط على والده، وتعطل مدة وعق أباه. وحكي عنه أمور شنيعة في ~~عقوقه لوالده. وسافر إلى اليمن وعاد إلى القاهرة، وتنقلت به الأيام إلى أن ~~ولي شد الدواوين بإمرة عشرة مدة. ثم أمسك وصودر وعوقب عقوبة شديدة. وكان ~~سيء السيرة، من أشر خلق الله المتجاهرين بالمعاصي، إلى أن توفى في يوم ~~الأربعاء ثامن عشرين شوال. انتهى كلام المقريزي. وتوفي الأمير الطواشي مقبل ~~بن عبد الله الشهابي شيخ الخدام بالحرم النبوي. وكان أصله من خدام الملك ~~الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون. وتنقل في الخدم إلى أن ~~اختص بالأمير شيخون العمري، ثم خدم السلطان حسن بن محمد،. ثم ولي مشيخة ~~الخدام بالحرم النبوي بعد وفاة الطواشي افتخار الدين ياقوت الرسولي ~~الخازندار الناصري؛ وكان مقبل ينوب عنه في الحرم، فلما مات ولي مكانه. ~~وتوفي قاضي القضاة ناصر الدين أبو الفتح نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي ~~الفتح بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم الكناني العسقلاني الحنبلي، قاضي قضاة ~~الديار المصرية بها في ليلة الأربعاء حادي عشرين شعبان. وكان مشكور السيرة ~~محبا للناس. وتوفي الشيخ نجم الدين محمد بن جماعة الشافعي خطيب القدس في ~~يوم الأربعاء تاسع ذي القعدة بالقاهرة ودفن خارج باب النصر،. وتوفي الأمير ~~صارم الدين إبراهيم ابن الأمير الكبير طشتمر الدوادار في شهر رمضان بثغر ~~الإسكندرية. وكان من جملة أمراء الطبلخاناه بالديار ms2528 المصرية. وتوفي الشيخ ~~علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد الأقفهسي الفقيه الشافعي في ثامن عشرين ~~شوال. وكان معدودا من فقهاء الشافعية. وتوفي علاء الدين قطلوبغا بن عبد ~~الله الأسنقجاري، والمعروف بأبي درقة الكاشف. ولي الكشف بجهات كثيرة، ووقع ~~له أمور مع العربان، وقتل منهم جماعة كبيرة حتى مهد البلاد القبلية. وتوفي ~~الشيخ صلاح الدين محمد بن الأعمى الحنبلي، مدرس مدرسة الملك الظاهر برقوق ~~في شهر ربيع الآخر. وتوفي القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الضياء ~~المناوي الشافعي، شيخ المدرسة الجاولية بالكبش، وأحد نواب الحكم بالقاهرة ~~في شهر ربيع الآخر. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وأربعة ~~عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وعشرون إصبعا. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الظاهر برقوق الثانية # وهي سنة ست وتسعين وسبعمائة. PageV03P0364 # وفيها توفي الأمير سيف الدين أبرك بن عبد الله المحمودي الظاهري شاد ~~الشراب خاناه السلطانية، وهو مجرد بدمشق، وبها دفن. وكان خصيصا عند أستاذه ~~الملك الظاهر برقوق. وفيها توفي الصاحب الوزير موفق الدين أبو الفرج ~~الأسلمي القبطي تحت العقوبة في يوم الاثنين حادي عشرين شهر ربيع الآخر. ~~وكان أسوأ الوزراء سيرة، لأنه كان أكره على الإسلام حتى قال كلمة الإيمان ~~غصبا، ولبس العمامة البيضاء وهو باق على دين النصرانية، فكان على الناس ~~بذنوبهم. ولما كان على دين النصرانية وهو يباشر الحوائج خاناه كان مشكور ~~السيرة، حتى أكره على الإسلام، فبلغ من المسلمين مبلغا عظيما من الظلم ~~والجور. وولي في بعض الأحيان نظر الجيش بديار مصر أيضا. قلت: لا ألومه على ~~ما فعله وما الذنب إلا لموليه. لم لا أقتدي بمن كان قبله من الملوك السالفة ~~ووزرائهم. مثل القاضي الفاضل عبد الرحيم، وابن بنت الأعز وبني حناء وغيرهم ~~- رحمهم الله تعالى. وتوفي الشيخ المعتقد الصالح رشيد التكروري الأسود في ~~البيمارستان المنصوري في يوم السبت ثالث عشرين جمادى الآخرة. وكان يقيم ~~بجامع راشدة خارج مدينة مصر القديمة، وهو آخر من سكنه، وهو يقصد للزيارة، ~~وللناس فيه ms2529 اعتقاد حسن. وتوفي الأمير سلام بتشديد اللام ابن محمد بن سليمان ~~بن فايد، المعروف بابن التركية، أمير خفاجة من الصعيد في سابع شهر ربيع ~~الآخر، وكان من أجل أمراء العرب. وتوفي الرئيس علاء الدين علي بن عبد ~~الواحد بن صغير رئيس الأطباء، وهو بمدينة حلب في التجريدة صحبة السلطان في ~~يوم الجمعة عاشر ذي الحجة ودفن بها، ثم نقل بعد مدة إلى القاهرة. وكان من ~~الأفراد في علم الطب والملاطفة، ماهرا في صناعته. كان من عظم اطلاعه في علم ~~الطب يصف الدواء للموسر بأربعين ألفا ويصف الدواء في ذلك الداء بعينه ~~للمعسر بفلس واحد قال المقريزي: " وكنت عنده فدخل عليه شيخ وشكا شحة المال، ~~فقال له: إياك تنام بغير سراويل، فقال الشيخ: أي والله، فقال له: فلا تفعل، ~~نم بسراويلك! قال: فصدفت ذلك الشيخ بعد أيام فسألته، فقال لي: عملت ما قال ~~فبرئت. قال: وكان لنا جار حدث لابنه رعاف حتى أفرط فانحلت قوى الصغير، فجاء ~~به إلى ابن صغير هذا وشكا من كثرة الرعاف، فقال له: شرط أذنه، فتعجب وتوقف ~~فقال له ثانيا: توكل على الله وافعل، ففعل ذلك فبريء الصغير. وذكر له أشياء ~~كثيرة من هذا النموذج يطول شرحها. وتوفي القاضي بدر الدين محمد ابن القاضي ~~علاء الدين علي ابن القاضي محيي الدين يحيى بن فضل الله بن مجلى بن دعجان ~~بن خلف بن نصر بن منصور بن عبد الله بن علي بن محمد بن أبي بكر عبد الله بن ~~عمر بن الخطاب العدوي القرشي العمري المصري الشافعي كاتب سر الديار المصرية ~~ورئيسها بدمشق في يوم الثلاثاء العشرين من شوال مجردا صحبة السلطان الملك ~~الظاهر برقوق ودفن بتربتهم بدمشق. وولي كتابة السر من بعده القاضي بدر ~~الدين محمود الكلستاني. وتوفي أخوه حمزة بن علي بن فضل الله بعده بشهر، ~~فقال في موتهما بعض شعراء العصر: قضى البدر بن فضل الله نحبا ... ومات أخوه ~~حمزة بعد شهر فلا تعجب لذي الأجلين يوما ... فحمزة مات حقا بعد بدر وكان ~~القاضي ms2530 بدر الدين المذكور إماما رئيسا فاضلا في الإنشاء والأدب وله مشاركة ~~جيدة في الفقه وغيره. وكان محمود السيرة مشكور الطريقة. باشر كتابة سر مصر ~~نحو سبع وعشرين سنة، على أنه انفصل فيها أولى وثانية؛ فالأولى بأوحد الدين ~~عبد الواحد، الثانية بعلاء الدين الكركي، وهو ثالث واحد سمي بدر الدين من ~~بني فضل الله كتاب سر دمشق، وآخر من ولي كتابة سر مصر وغيرها من بني فضل ~~الله، وبموته خرجت كتابة السر عن بني فضل الله - رحمه الله تعالى - . وتوفي ~~القاضي تاج الدين محمد بن محمد بن محمد المليجي المعروف بصائم الدهر، محتسب ~~القاهرة، وناظر الأحباس، وخطيب مدرسة السلطان حسن، في تاسع عشر صفر عن ~~سبعين سنة. وكان خيرا دينا مشكور السيرة - رحمه الله - . وتوفي الأمير ~~منكاي بغا بن عبد الله الشمسي الطرخاني، أحد الأمراء بديار مصر ثم نائب ~~الكرك، في ليلة عاشوراء. وكان من أكابر أمراء مصر، ولديه حشمة ورياسة. ~~PageV03P0365 # وتوفي الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الأتابك منكلي بغا الشمسي وابن أخت ~~الملك الأشرف شعبان بن حسين، وصهر الملك الظاهر برقوق، وأحد أمراء ~~الطبلخانات بديار مصر بها في عاشر شعبان. وتوفي الشيخ ناصر الدين محمد بن ~~مقبل الجندي الفقيه الظاهري المذهب في يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة. ~~وكان فاضلا وله مشاركة جيدة في فنون، وكان لا يتكتم الاقتداء بمذهب أهل ~~الظاهر، ويحف شاربه، ويرفع يديه في كل خفض ورفع في الصلاة. وتوفي الأمير ~~ناصر الدين محمد بن الأمير شرف الدين موسى بن سيف الدين أرقطاي بن، الأمير ~~جمال الدين يوسف أحد أمراء العشرات بالديار المصرية في ليلة الأربعاء سادس ~~عشرين ذي القعدة. وكان أبوه وجده من أمراء الألوف بالقاهرة. وكان يحب علم ~~الحديث، ويواظب سماعه، وله مشاركة في المذهب. وتوفيت الشيخة الصالحة ~~المعتقدة المعروفة بالبغدادية، صاحبة الرباط بالقاهرة في يوم السبت ثاني ~~عشرين جمادى الآخرة. وكانت على قدم هائل من الصلاة والعبادة. وللناس فيها ~~اعتقاد، وتقصد للزيارة. وتوفي السلطان أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر ~~بن ms2531 يحيى بن إبراهيم في ليلة الخميس رابع شعبان بمحل ملكه مدينة تونس من ~~بلاد المغرب، بعد أن حكمها أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر ونصفا، وقام من ~~بعده على ملك تونس ابنه السلطان أبو فارس عبد العزيز. وكان من أجل ملوك ~~الغرب، وطالت أيام ولده عبد العزيز في الملك حسب ما يأتي ذكره في محله، إن ~~شاء الله تعالى. وتوفي أيضا صاحب مملكة فاس من بلاد الغرب - السلطان أبو ~~العباس أحمد بن أبي سالم بن إبراهيم بن أبي الحسن المريني ملك الغرب في ~~المحرم، وأقيم بعده ابنه أبو فارس عبد العزيز. قلت: وهو يشارك المقدم ذكره ~~في الاسم والكنية واسم الأب والجد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ستة أذرع سواء. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الظاهر برقوق الثانية # وهي سنة سبع وتسعين وسبعمائة. فيها توفي الشيخ برهان الدين أبو إسحاق ~~إبراهيم الآمدي الدمشقي الفقيه الحنبلي أحد أصحاب ابن تيمية. وتوفي الأمير ~~علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله الحلبي الأشرفي، وهو مسجون بقلعة حلب. وكان ~~من أعيان المماليك الأشرفية، وأحد أكابر الأمراء بديار مصر. وتوفي الشيخ ~~المعتقد المجذوب أبو بكر البجائي المغربي، أحد من أوصى السلطان الملك ~~الظاهر برقوقا أن يدفن تحت رجليه، في يوم السبت خامس جمادى الآخرة، ودفن ~~خارج باب النصر حيث هي التربة الظاهرية الآن. وكانت جنازته مشهودة،وأخرجه ~~السلطان وجهزه على يد الأمير يلبغا السالمي وكان للناس فيه اعتقاد لا سيما ~~الظاهر برقوق فإنه كان له فيه اعتقاد. وتوفي العلامة صدر الدين بديع بن ~~نفيس التبريزي رئيس الأطباء بالديار المصرية في سادس عشر شهر ربيع الأول؛ ~~وهو عم القاضي فتح الدين فتح الله كاتب السر الآتي ذكره، وهو الذي كفله بعد ~~موت جده نفيس. وكان مات والد فتح الدين معتصم بن نفيس، وفتح الله طفل صغير. ~~وكان بديعا ماهرا في علم الطب كثير الحفظ لمتونه. وهو صاحب التصانيف ~~المشهورة. PageV03P0366 # وتوفي الشريف أبو الحسن علي بن عجلان ms2532 بن رميثة، واسم رميثة منجد بن أبي ~~نمي بن أبي سعد حسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن ~~عيسى بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد ~~الله المحض بن موسى بن الحسن السبط بن الحسن بن علي بن أبي طالب المكي ~~الحسني، أمير مكة المشرفة. وليها ثماني سنين ونحو ثلاثة أشهر مستقلا ~~بالإمارة، غير سنتين أو نحوهما، فإنه كان فيهما شريكا لعنان بن مغامس بن ~~رميثة، ووقع له أمور بمكة مع الأشراف ووقائع؛ وآخر الأمر توجه أخوه الشريف ~~حسن بن عجلان إلى القاهرة يريد إمرة مكة، فقبض عليه السلطان وحبسه؛ وبعث ~~إلى علي هذا باستمراره على إمرة مكة، فاستمر على إمرتها إلى أن وقع بينه ~~وبين بعض القواد، وخرج إليهم علي هذا، فبدره بعضهم وسايره، وهو راكب على ~~راحلته، والشريف علي هذا على فرس، فرمى القائد بنفسه على الشريف علي ~~المذكور وضربه بجنبية كانت معه، فوقعا جميعا على الأرض، فوثب عليه علي ~~وضربه بالسيف ضربة كاد منها يهلك. وولى علي راجعا إلى الحلة، فأغرى به شخص ~~يقال له أبو نمي غلام لصهره حازم بن عبد الكريم جنديا، وعتبة وحمزة وقاسما، ~~فوثبوا عليه وقتلوه وقطعوه وبعثوا به إلى مكة، فدفن بالمعلاة على أبيه ~~عجلان. وكان قتله في يوم الأربعاء سابع شوال، وولي إمرة مكة بعده أخوه حسن ~~بن عجلان. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك الظاهر برقوق في ~~يوم السبت ثالث عشرين ذي الحجة. ومولده في مستهل شهر ربيع الأول سنة اثنتين ~~وثمانين وسبعمائة، وأمه خوند الكبرى أرد، صاحبة قاعة العواميد، ومات بعد أن ~~أعيا الأطباء فى داؤه الذي كان برجليه من أرياح الشوكة، وبه مات. وكان ~~إقطاعه الديوان المفرد الآن، فإنه لما مات جعله السلطان إقطاعه لمماليكه ~~المشتروات وأفرده فسمي المفرد من يومئذ، وجعل كاتبه الهيصم. وكان محمد هذا ~~أكبر أولاد السلطان وأعظمهم، ووجد السلطان عليه وجدا عظيما. وتوفي قاضي ~~القضاة ناصر ms2533 الدين محمد بن عبد الرحمن بن عبد الدائم بن محمد المعروف بابن ~~بنت ميلق الشاذلي الصوفي، قاضي قضاة الديار المصرية، وهو معزول، في ليلة ~~الاثنين تاسع عشرين شهر ربيع الأول. وكان أصله من أشموم الرمان. ولد قبل ~~سنة ثلاثين وسبعمائة، وسمع الحديث وطلب العلم وتفقه ووعظ دهرا، وقال الشعر، ~~وأنشأ عدة خطب بليغة، وجمع عدة أجزاء في عدة فنون. كان يتزيا بزي الفقراء ~~ويتصدى لعمل المواعيد، واعتقده الناس وتبركوا به، وخطب بعدة جوامع وصار له ~~أتباع وشهرة كبيرة، إلى أن طلبه الملك الظاهر برقوق للقضاء بعد عزل القاضي ~~بدر الدين محمد بن أبي البقاء، فامتنع، ثم أجاب فألبسه الملك الظاهر تشريف ~~القضاء بيده، وأخذ طيلسانه يتبرك به. PageV03P0367 # قال المقريزي: فداخل الناس بولايته خوف ووهم، وظنوا أنه يحمل الناس على ~~محض الحق، وأنه يسير على طريق السلف من القضاة، لما ألفوه من تشدقه في ~~وعظه، وتفخمه في منطقة، وإعلانه بالنكير على الكافة، ووقيعته في القضاة، ~~واشتماله على لبس الخشن المتوسط من الثياب، ومعيبه على أهل الترف. فكان أول ~~ما بدأ به أن عزل قضاة مصر جميعهم من العريش إلى أسوان. وبعد يومين تكلم ~~معه الحاج مفلح مولى القاضي بدر الدين بن فضل الله كاتم السر في إعادة بعض ~~من عزله من القضاة فأعاده، فانحل ما كان معقودا بالقلوب من مهابته. ثم قلع ~~زيه الذي كان يلبسه، ولبس الشاش الكبير الغالي الثمن ونحوه من الثياب، ~~وترفع في مقاله وفعاله، حتى كاد يصعد الجو، وشح في العطاء، ولاذ به جماعة ~~غير محبين إلى الناس. فانطلقت ألسنة الكافة بالوقيعة في عرضه، واختلقوا ~~عليه ما ليس فيه. فلما قدم الأمير يلبغا الناصري إلى الديار المصرية، وغلب ~~برقوقا على المملكة وبعثه إلى سجن الكرك، كان هو قاضيا يومئذ فوقع في حق ~~الظاهر، وأساء القول فيه، فبلغه ذلك قبل ذهابه إلى الكرك فأسرها في نفسه. ~~فلما ثار منطاش على الناصري صرف ابن ميلق هذا عن القضاء بالصدر المناوي، ~~بعد ما كان أخذ خاله في الفتاوى المكتتبة في ms2534 حق برقوق. فلما عاد برقوق إلى ~~الملك لهج بدمه، فتنبهت أعين العدا لابن ميلق هذا وحسنوا للبيدفي أحمد أمين ~~الحكم أن يقف للسلطان ويشكو ابن ميلق المذكور بسبب ما أخذه من أموال ~~الأيتام، وكان نحو الثلاثين ألف درهم فضة، عنها قريب من ألف وخمسمائة مثقال ~~من الذهب، فرفع فيه قصة إلى السلطان، فطلبه، فجاؤوا به، وقد حضر القضاة، ~~فأوقف مع النقباء تحت مقعد السلطان في الميدان، فحالما مثل قائما سقط مغشيا ~~عليه، وصار على التراب بحضرة ذلك الجمع العظيم. فتقدم بعض من كان يلوذ به ~~ليصلح من شأنه، فصرخ فيه السلطان وترك طويلا حتى أفاق. وادعى عليه البيدفي ~~فلم يلحن بحجة، وألزمه القضاة بغرامة ذلك، والقيام به للأيتام من ماله، ولم ~~يكن المال المذكور في ذمته، وإنما كان اقترضه وصره للحرمين، فلزمه غصبا. ~~ورسم عليه وسجن بالمدرسة الشريفية ليدفع المال؛ وما زال يورده حتى أتى ذلك ~~على غالب موجوده. ثم لزم داره وذهبت عينه، وتخلى عنه أحبابه إلى أن مات، ~~ودفن خارج باب النصر بتربة الصوفية. فلقد كان قبل ولايته حسنة من حسنات ~~الدهر، ما رأيت قبله أحسن صلاة منه ولا أكثر خشوعا، مع حسن منطق، وفصاحة ~~ألفاظ، وعفوية كلام، وبهجة زي، وصدع في وعظه إذا قص أو خطب، إلا أنه امتحن ~~بالقضاء، وإبتلي بما أرجو أن يكون كفارة له. انتهى كلام المقريزي باختصار. ~~وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن صلاح الحريري، أحد نواب القضاة ~~الحنفية ومشايخ القراء بالديار المصرية، ففي يوم الجمعة رابع عشرين شهر ~~رجب. وكان فقيها مقرئا، أقرأ ودرس وناب في الحكم سنين. وتوفي القاضي شمس ~~الدين محمد بن عمر القليجي الحنفي مفتي دار العدل، وأحد نواب القضاة ~~بالديار المصرية، في ليلة الثلاثاء العشرين من شهر رجب. وقد بلغ من الرياسة ~~مبلغا عظيما، وكانت لديه فضيلة تامة. وتوفي العلامة شمس الدين محمد ~~الأقصرائي الحنفي شيخ المدرسة الأيتمشية بباب الوزير، في سابع عشر جمادى ~~الأولى. وكان إماما عالما مدرسا فقيها ذكيا حافظا. كان يلقي الدرس عند ms2535 ~~الملك الظاهر أيام إمرته، وصدرا من سلطنته. وكان خصيصا عند السلطان وله ~~وجاهة في الدولة. وتولى بعد موته مشيخة الأيتمشية الشيخ سراج الدين عمر ~~القومي. وتوفي القاضي برهان الدين إبراهيم القلقشندي الشافعي موقع الحكم، ~~وأحد الفقهاء الشافعية في ثالث عشرين شعبان. وتوفي الأمير سيف الدين طرغان ~~بن عبد الله الظاهري أمير جاندار، في سادس عشر صفر. وكان أحد أعيان ~~المماليك الظاهرية برقوق خصيصا عند أستاذه. وتوفي الشيخ نور الدين أبو ~~الحسن علي الهوريني الفقيه الشافعي شيخ القوصونية في شهر رجب وكان فقيها ~~فاضلا بارعا. (نقص116 - 117) قال قاضي القضاه العيني - رحمه الله - : وكان ~~حصل له شيء من التغفل والتساهي. قلت: كان فيه سلامة باطن مع دين وشفقة ولين ~~جانب، حتى صار يحكى عنه أشياء في حكوماته مختلقة عليه، كما يذكر الناس ذلك ~~عن الخادم بهاء الدين قراقوش الصلاحي الخصي، وليس لذلك صحة. انتهى. ~~PageV03P0368 # وتوفي الأمير سيف الدين قطلوبك بن عبد الله الطشتمري، أحد أمراء الألوف ~~بالديار المصرية. وكان جليل القدر وقورا من الأمراء المشايخ. وتوفي الأمير ~~الوزير ناصر الدين محمد بن رجب بن كلبك التركماني الأصل المصري، في يوم ~~الجمعة سادس عشرين صفر. كان شابا جميلا حسن الهيئة. وهو ممن توفي من ~~الوزراء، بغير نكبة. ولاه الملك الظاهر برقوق أولا شاد الدواوين بعد ابن ~~آقبغا آص، ثم عزل بابن آقبغا آص، وعوض عن شد الدواوين بشد الدواليب الخاص، ~~عوضا عن خاله محمد بن الحسام، بحكم انتقال خاله إلى الوزارة. ثم بعد مدة ~~صودر، وحمل مائة وسبعين ألف درهم، وقبل أن يغلقها أفرج عنه. ثم ولاه الملك ~~الظاهر الوزارة عوضا عن الوزير موفق الدين، في يوم الاثنين رابع عشر شهر ~~ربيع الآخر سنة ست وتسعين وسبعمائة، وأنعم السلطان عليه في يوم ولايته ~~للوزارة بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر. ثم خلع السلطان على جماعة من ~~الوزراء البطالين بوظائف تحت يده تعظيما له، وصار الجميع في خدمته؛ فاستقر ~~الوزير سعد الدين نصر الله بن البقري ناظر الدولة، واستقر الوزير كريم ~~الدين بن الغنام ms2536 في نظر البيوت، واستقر الوزير علم الدين سن إبرة في ~~استيفاء الدولة، شريكا للوزير تاج الدين عبد الرحيم ابن أبي شاكر، ونزل ~~الجميع في خدمته، وباشروا بين يديه، كما كانوا بين يدي خاله الأمير الوزير ~~ناصر الدين محمد بن الحسام الصفوي، فسمي بوزير الوزراء، وباشر بحرمة وافرة ~~إلى أن مات. وتوفي السيد الشريف صدر الدين مرتضى بن الشريف غياث الدين ~~إبراهيم بن حمزة الحسني العراقي، نقيب الأشراف، في ليلة السبت ثالث شهر ~~ربيع الآخر، ودفن على أبيه بتربة الأتابك يلبغا العمري بالصحراء خارج ~~القاهرة. وكان ولي نظر وقف الأشراف مع نقابة الأشراف، ونظر القدس والخليل. ~~وكان شكلا جميلا مهيبا فصيحا بالألسن الثلاثة: العربية والعجمية والتركية. ~~وكان دينا خيرا، صاحب عبادة ونسك. وكان له نظم على طريق البغاددة - رحمه ~~الله تعالى - وهو قوله: بحقي عليكم بشوقي إليكم ... إذا اشتقت ليكم تعالوا ~~ابصروني وتوفي ملك الغرب وصاحب فاس السلطان أبو فارس عبد العزيز بن السلطان ~~أبي العباس أحمد بن أبي سالم بن إبراهيم بن أبي الحسن المريني، وأقيم بعده ~~على سلطنة فاس أخوه أبو عامر عبد الله. وتوفي الشيخ صلاح الدين محمد ~~الشطنوفي موقع الحكم في شهر رمضان وكان إماما في صناعته. وتوفي الشيخ نور ~~الدين علي بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عوض، الدميري المالكي شيخ ~~القراء بخانقاه شيخون، وأخو القاضي تاج الدين بهرام، في ثاني عشرين شهر ~~رمضان. وكان إماما في القراءات مشاركا في عدة فنون. وتوفي الأمير ناصر ~~الدين محمد بن جمق بن الأمير الكبير أيتمش البجاسي في يوم الجمعة خامس صفر، ~~وحضر السلطان الصلاة عليه. وكان أحد أمراء الطبلخانات. وتوفي الأمير ناصر ~~الدين محمد بن الأمير جاركس الخليلي في يوم الثلاثاء تاسع صفر. وكان محمد ~~المذكور أيضا من أمراء الطبلخانات بالديار المصرية. وتوفي القاضي شمس الدين ~~محمد بن محمد بن موسى الشنشي الحنفى المعروف بالرخ، أحد نواب القضاة ~~الحنفية بمصر في يوم الخميس سادس جمادى الأولى. وتوفي الشيخ زين الدين مقبل ~~بن عبد الله الصرغتمشي ms2537 الفقيه الحنفي في أول شهر رمضان بالقاهرة. وكان ~~فقيها فاضلا مستحضرا لفروع مذهبه، وله مشاركة في عدة فنون. وتوفي الأمير ~~سيف الدين تغري برلي بن عبد الله القردمي قتيلا في محبسه. وكان من أعيان ~~الأمراء، ووقع له أمور في واقعة الناصري ومنطاش مع الملك الظاهر برقوق ~~أولا، ثم كان من حزب الملك الظاهر على منطاش آخرا، ودام على ذلك إلى أن قبض ~~عليه وحبس، ثم قتل في التاريخ المذكور - رحمه الله - وكان شجاعا مقداما. ~~وتوفي الشيخ الخطيب برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ المعتقد الصالح ~~عبد الله المنوفي الفقيه المالكي في شهر رجب. وكان أحد الفقهاء المالكية. ~~قرأ ودرس وخطب بجامع الأمير شرف الدين أمير حسين بن جندر سنين، وهو ابن ~~العبد الصالح المشهور عبد الله المنوفي. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ستة أذرع واثنا عشر إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وإصبعان. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الظاهر برقوق الثانية # PageV03P0369 # وهي سنة تسع وتسعين وسبعمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين إياس بن عبد ~~الله الجرجاوي نائب طرابلس بالقاهرة بعد أن قبض عليه وألزم بحمل مال كبير، ~~فأرسل خازنداره إلى حضور المال، فمات بعد يومين، في يوم الجمعة ثامن عشرين ~~صفر. وكان أولا من أمراء الألوف بالديار المصرية، ثم تنقل في عدة أعمال ~~بالبلاد الشامية، حتى إنه ولي نيابة طرابلس ثلاث مرات، آخرها في سلطنة ~~الملك الظاهر برقوق الثانية، إلى أن عزله بالأمير دمرداش المحمدي الظاهري، ~~نائب حماة. وتوجه إياس أتابكا بدمشق، فأقام بها يسيرا. وطلب إلى القاهرة ~~وصودر وأهين إلى أن مات بعد يومين حسب ما تقدم ذكره. وقيل إنه لما أهين كان ~~في يده خاتم سم فمصه فمات من وقته، وقيل غير ذلك. وكان بشع المنظر ظالما ~~غشوما حد المزاج كريه المعاشرة، يرمى بعظائم. قيل إنه قال له رجل مرة: يا ~~وجه القمر، بعد أن دعا له كما هي عادة العوام، فضرب الرجل ضربا مؤلما، ~~وقال: أنا أعرف بنفسي منك. وكانت بعض حظاياه ملكها الوالد ms2538 من بعده ~~واستولدها، فكانت تحكي عنه عظائم من سوء خلقه وخلقه. وتوفي الأمير أبو بكر ~~بن محمد بن واصل، المعروف بابن الأحدب أمير العربان ببلاد الصعيد قتيلا. ~~وتوفي الأمير ركن الدين بيبرس بن عبد الله التمان تمري الأمير آخور الثاني، ~~وأحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية، في رابع عشر جمادى الآخرة. وكان من ~~قدماء الأمراء، وهو من أول الأمر إلى آخره كان من حزب الملك الظاهر برقوق. ~~وكان الملك الظاهر ينادمه ويمازحه ويعجبه كلامه. وأنا أتعجب غاية العجب من ~~الملك الظاهر برقوق في عدم ترقيه؛ ولعله كان راضيا بما هو فيه، والله أعلم. ~~وهو والد صاحبنا الناصري محمد بن بيبرس - رحمهما الله تعالى - . وتوفي ~~الأمير عمر بن عبد العزيز أمير عرب هوارة ببلاد الصعيد. قلت: وعمر هذا هو ~~والد بني عمر أمراء العربان ببلاد الصعيد في زماننا هذا، ولعله يكون أول من ~~ولي منهم الإمرة. وتوفي الشيخ المسند المعمر المعتقد زين الدين أبو الفرج ~~عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك بن حماد المغربي المعروف بابن الشيخة. ~~ومولده في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ومات في تاسع عشرين شهر ربيع الآخر، ~~ودفن خارج القاهرة بعد أن حدث سنين، وصار رحلة في زمانه. وتوفي الشيخ نور ~~الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد العزيز العقيلي بفتح العين المهملة ~~المالكي إمام المالكية بالمسجد الحرام بمكة المشرفة، وأخو القاضي أبي الفضل ~~- وكان يعرف بالفقيه علي النويري - في ثاني جمادى الأولى بمكة المشرفة. ~~وكان سمع الكثير وحدث سنين. وتوفي الشيخ الإمام محب الدين محمد بن الشيخ ~~الإمام العلامة جمال الدين عبد الله بن يوسف بن هشام النحوي، في ليلة ~~الاثنين رابع عشرين شهر رجب بعد أن تصدى لإقراء النحو سنين، وانتفع به ~~جماعة الطلبة. وكان له مشاركة جيدة في الفقه وغيره، وكان خيرا دينا. وتوفي ~~قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الطرابلسي ~~الحنفي، قاضي قضاة. الديار المصرية، في يوم السبت ثامن عشرين ذي الحجة. ~~وكان عفيفا دينا مشكور السيرة. ms2539 وتولى القضاء من بعده قاضي القضاة جمال ~~الدين يوسف بن موسى بن محمد الملطي، بعد أن خرج البريد بطلبه، وشغر منصب ~~القضاء بالقاهرة مائة يوم وأحد عشر يوما، حتى حضر وولي قضاء الحنفية بديار ~~مصر. قلت: هكذا تكون ولاية قضاة الشرع الشريف بعزة وطلب واحترام، لا كمن ~~يسعى فيها من بيت المال والأمير الكبير إلى بيت والي القاهرة، حتى يلي ~~بالمال والبذل من غير تستر في ذلك، حتى إنه يعرف ولايته بالبرطيل كل أحد من ~~المسلمين حتى النصارى واليهود، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ~~وتوفي الشيخ الإمام العالم زين الدين ميكائيل بن حسن بن إسرائيل التركماني، ~~الفقيه الحنفي في ذي الحجة عن نيف وسبعين سنة. كان فقيها فاضلا بارعا ~~مشاركا في فنون كثيرة من العلوم، وكان مستحضرا لمذهبه، مناظرا، طلق اللسان ~~فصيحا. وأقرأ ودرس سنين. PageV03P0370 # وتوفي القاضي جمال الدين محمود بن أحمد، وسماه بعضهم محمودا بن محمد بن ~~علي بن عبد الله القيصري العجمي الحنفي، قاضي قضاة الحنفية بالديار ~~المصرية، وناظر الجيوش المنصورة بها، وشيخ شيوخ خانقاه شيخون، في ليلة ~~الأحد سابع شهر ربيع الأول، بعد أن جمع بين هذه الوظائف الثلاث التي لم ~~تجمع لغيره. وكان من رجال الدهر حزما وعزما، ومعرفة وعقلا وفضلا. وكان قدم ~~إلى القاهرة في عنفوان شبيبته فقيرا مملقا، وترك بالمدرسة الصرغتمشية مدة ~~يخدم الفقهاء، فرأى في منامه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول له: " أنت ~~شاهنشاه " ، ففسر المنام على الشنشي. وكان من جملة الصوفية بالصرغتمشية، ~~وتنقلت به الأحوال إلى أن صار يقرىء المماليك بالأطباق من القلعة. وقتل ~~الملك الأشرف شعبان وصار مخدومه طشتمر اللفاف أتابك العساكر، فتكلم له في ~~حسبة القاهرة دفعة واحدة، فوليها، ونزل عند شخص في داره حتى تعين له دار ~~يسكنها. وبعث له قاضي القضاة صدر الدين المناوي بثوب حتى لبسه، لعجزه عن ~~شراء ثوب، وهذا كان أول مبدأ أمره. ثم تنقل في الوظائف حتى كان من أمره ما ~~كان. ولما مات خلف موجودا كبيرا وكتبا ms2540 حسنة، خلف ثمانية أولاد من الذكور ~~والإناث، منهم العلامة صدر الدين أحمد بن العجمي الآتي ذكره في وفيات ثلاث ~~وثلاثين وثمانمائة. وتولى قضاء الحنفية من بعده القاضي شمس الدين محمد ~~الطرابلسي، ومات في السنة حسب ما تقدم، وولي الجيش بعده شرف الدين بن ~~الدماميني. وتوفي الأمير جمال الدين محمود بن علي بن أصفر عينه، الأستادار، ~~في يوم الأحد تاسع شهر رجب بخزانة شمائل، بعدما نكب وعوقب وصودر، ودفن ~~بمدرسته خارج بابي زويلة المعروفة به. وجملة ما أخذه الملك الظاهر منه من ~~المال في أيام مصادرته ألف ألف دينار، وأربعمائة ألف دينار، وألف ألف درهم ~~فضة، وبضائع وغلال، وغير ذلك بما ينيف على ألف ألف درهم فضة. وتلف له بأيدي ~~من عاقبه وحواشيه جملة كبيرة. أخفى هو أيضا أشياء كثيرة يترجى البقاء. ومن ~~عظم ما ظهر له من المال، قالت العامة: " ألان الله الحديد لداود، والذهب ~~لمحمود " . وكان أصل محمود هذا أنه كان في مبدأ أمره فقيرا يتعانى الشد في ~~إقطاعات الجند، ثم خدم عند بعض الأمراء، فصلحت حاله، وحصل وسعى، حتى ولي شد ~~الدواوين بالقاهرة، فظهر منه نجابة ويقظة. وترقى حتى ولي الأستادارية في ~~دولة الملك الظاهر برقوق الأولى، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف. ونكبه ~~الناصري لما ملك مصر، وحبسه إلى أن خرج من السجن في توبة بطا وأصحابه من ~~الجب. وأعاده الملك الظاهر إلى وظيفة الأستادارية بعد مدة، فإنه كان أولا ~~لما قدم إلى مصر ولاه مشيرا، ثم أعاده إلى الأستادارية، ودام بها إلى أن ~~قبض عليه الظاهر بسعي كاتبه سعد الدين إبراهيم بن غراب، وأجرى عليه العقوبة ~~إلى أن مات. وتوفي الوزير الصاحب سعد الدين نصر الله القبطي الأسلمي، ~~المعروف بابن البقري، في ليلة الاثنين رابع جمادى الآخرة مخنوقا، بعدعقوبة ~~شديدة ومصادرة. وتوفي قاضي القضاة سري الدين أبو الخطاب محمد، بن محمد قاضي ~~قضاة الشافعية بدمشق، المعروف بابن المسلاتي الشافعي، بالقاهرة في يوم ~~الخميس سابع عشرين شهر رجب. وكان فقيها عالما. أفتى ودرس وولي قضاء دمشق. ~~وكان ms2541 معدودا من علماء الشافعية. وتوفي قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس ~~أحمد بن قاضي القضاة عماد الدين إسماعيل بن محمد بن عبد العزيز بن صالح بن ~~أبي العز وهيب بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهيب الحنفي الدمشقي، المعروف ~~بابن أبي العز وبابن الكشك، قتيلا بدمشق، في مستهل ذي الحجة بعد أن لزم ~~داره مدة وكان إماما فقيها بارعا عالما مفتنا ولي قضاء دمشق استقلالا غير ~~مرة، وحسنت سيرته. وأشخص في سنة سبع وسبعين وسبعمائة إلى الديار المصرية، ~~وولي بها قضاء الحنفية بعد قاضي القضاة صدر الدين محمد بن عبد الله ~~التركماني بعد موته، فلم تطل مدته واستعفى، وألح في ذلك حتى أعفاه السلطان، ~~وولاه قضاء الحنفية بدمشق على عادته، فدام بها سنين، ثم صرف عنها، ولزم ~~داره حتى مات قتيلا بدمشق - رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمسة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنا ~~عشر إصبعا. والله أعلم. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الظاهر برقوق الثانية # PageV03P0371 # وهي سنة ثمانمائة. وفيها توفي الأمير سيف الدين تنبك بن عبد الله ~~اليحياوي الظاهري، الأمير آخور الكبير، في ليلة الخميس رابع عشر شهر ربيع ~~الآخر، ونزل السلطان إلى الإسطبل ومشى في جنازته حتى حضر الصلاة عليه ~~بمصلاة المؤمني، ثم ركب وتوجه أمام جنازته حتى شاهد دفنه. وأقام القراء على ~~قبره أسبوعا ووجد السلطان عليه كثيرا وبكى عند دفنه. وكان من عظماء ~~المماليك الظاهرية، أنعم عليه السلطان بإمرة عشرة في أوائل واقعة الناصري ~~ومنطاش، ثم رقاه حتى ولاه الأمير آخورية بعد الأمير بكلمش العلائي، لما نقل ~~إلى إمرة سلاح، فدام في وظيفة الأمير آخورية إلى أن توفي وتولى الأمير ~~آخورية بعد موته الأمير نوروز الحافظي الظاهري رأس نوبة النوب. وتوفي السيد ~~الشريف جمال الدين عبد الله بن عبد الكافي بن علي بن عبد الله الطباطبي ~~نقيب الأشراف في ليلة رابع عشرين ذي القعدة. وتوفي القاضي العلامة تاج ~~الدين أبو محمد عبد الله بن علي بن عمر ms2542 السنجاري الحنفي المعروف بقاضي صور ~~بفتح الصاد المهملة. وصور: بليدة بين حصن كيفا، وبين ماردين من ديار بكر بن ~~وائل. وكان إماما عالما مفتنا بارعا في الفقه والأصلين، والعربية واللغة ~~وأفتى ودرس سنين بدمشق ومصر. وكان في ابتداء أمره لما قدم القاهرة اجتاز ~~بدمشق واستوطنها مدة، وأخذ بها عن العلامة علاء الدين القونوي الحنفي؛ ثم ~~قدم إلى القاهرة فأخذ عن العلامة شمس الدين محمد الأصبهاني وغيره، حتى برع ~~في عدة فنون، وأفتى ودرس وصنف وأشغل ومن تآليفه كتاب " البحر الحاوي في ~~الفتاوى " ونظم كتاب " المختار في الفقه " ونظم " السراجية في الفرائض " ، ~~ونظم كتاب " سلوان المطاع لابن ظفر " . وناب في الحكم بالقاهرة، وولي وكالة ~~بيت المال بدمشق وكان من محاسن الدنيا دينا وعلما وخيرا وكرما. وتوفي ~~الأمير سيف الدين قلمطاي بن عبد الله العثماني الظاهري الدوادار الكبير ~~بالديار المصرية في ليلة السبت ثالث عشر جمادى الأولى، وحضر السلطان الملك ~~الظاهر الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، وحضر دفنه أيضا بتربته التي أنشأها عند ~~الصوة بالقرب من باب الوزير، وبكى السلطان عليه بكاء كثيرا، وأقام القراء ~~على قبره أسبوعا. وتولى الدوادارية من بعده الأمير بيبرس ابن أخت السلطان. ~~وكان قلمطاي من أجل المماليك الظاهرية. باشر الدوادارية بحرمة وافرة، ~~ونالته السعادة وعظم في الدولة، وهو صاحب الحاصل بالقرب من البندقيين ~~بالقاهرة، وخلف مالا كثيرا وهو أيضا ممن نشأه أستاذه الملك الظاهر برقوق في ~~سلطنته الثانية، رحمه الله تعالى. وتوفي أمين الدين أبو عبد الله محمد بن ~~محمد بن علي الأنصاري الحمصي الحنفي كاتب سر دمشق بها في ثاني عشر ذي ~~الحجة. ومولده في يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين ~~وسبعمائة وتفقه بدمشق، وبرع في الفقه والعربية، وشارك في عدة فنون مشاركة ~~جيدة، ومهر في الأدب والترسل والنظم، وتولى كتابة سر دمشق وباشرها بحرمة ~~وافرة، ونالته السعادة في مباشرته. وكان ذا شكالة حسنة، وعبارة نصيحة، وفضل ~~وإفضال وكان له يد في علم الموسيقى وتأديته، وعنده ميل إلى اللهو والطرب مع ~~حشمة ودين ms2543 وكرم. ومن شعره لما عاد من تجريدة أرزنكان صحبة الأمير تنم ~~الحسني نائب الشام، وقد ضل غالب العسكر في بعض الليالي عن الماء، فنزل هو ~~على ماء في بعض الطريق، وقال في ذلك: ضلوا عن الماء لما أن سروا سحرا ... ~~قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما والله أكرمني بالورد دونهم ... فقلت " يا ليت ~~قومي يعلمون بما " وله أيضا - سامحه الله تعالى - : جفون من تأرقها دوامي ~~... مدامعها تفيض على الدوام فديت عيون من حرمت عيوني ... مناها من لقا طيب ~~المنام وراشت من لواحظها نبالا ... مراشقها شفين من السقام إذا لاحظنني ~~فتصيب قلبي ... على اللحظات موفور السهام لها شفتان قد شفتا فؤادي ... ولا ~~شفتاه إلا للغرام وثغر من يعيش به ارتواء ... يموت من الصبابة وهو ظام ~~أدامت لي مدامته ارتشافا ... فوا سكراه من ذاك المدام ولما رام بدر الأفق ~~فخرا ... وتشبيها بما تحت اللثام PageV03P0372 # بدت تختال عجبا عن عقود ... وتبسم عن جمان بانتظام فأزرى ثغرها بالبدر ~~نقصا ... وأخجل وجهها بدر التمام بعيشك يا كريم الخيم كن لي ... معينا إن ~~مررت على الخيام وقل صب توصل في أوان ... له قلب تقطع بالأوام ولب هام ~~بالذكرى ودمع ... كوبل عطاء فخر الدين هامي وتوفي القاضي نجم الدين محمد بن ~~عمر الطمبدي وكيل بيت المال ومحتسب القاهرة في رابع عشرين شهر ربيع الأول. ~~قال المقريزي: " وكان غاية في الجهل " . وتوفي الشيخ الصالح المعتقد أبو ~~عبد الله محمد بن سلامة النويري المغربي، المعروف بالكركي لطول إقامته ~~بمدينة الكرك، في خامس عشرين شهر ربيع الأول. وكان عند الملك الظاهر برقوق ~~بمنزلة مكينة جدا كان مجلسه فوق قضاة القضاة، ولم يغير لبس العباءة، ولا ~~أخذ من الملك الظاهر شيئا من المال وكان الناس فيه على قسمين ما بين مفرط ~~في مدحه، وما بين مفرط في الحط عليه. وتولى الأمير يلبغا السالمي تجهيزه، ~~وبعث السلطان مائتي دينار للقراءة على قبره مدة أسبوع. وتوفي الأمير سيف ~~الدين آق بلاط بن عبد الله الأحمدي الظاهري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة في ~~شهر ربيع ms2544 الآخر وكان تركي الجنس شجاعا. وتوفي الأمير سيف الدين طوغاي بن ~~عبد الله العمري، أحد أمراء العشرات بالديار المصرية، ونقيب الفقراء ~~السطوحية في أول شهر ربيع الأول. وكان دينا خيرا يحب الفقراء، ويتردد ~~لزيارة الصالحين. وتوفي الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن ~~عبد الواحد البعلبكي الدمشقي الضرير، المعروف بالبرهان الشامي، في ثامن ~~جمادى الأولى وكان فاضلا أديبا فقيها. وتوفي الأمير سولي بن قراجا بن ~~دلغادر التركماني، صاحب أبلستين. قتل غيلة على فراشه، وكان غير مشكور ~~السيرة، كثير الشرور والفتن. وتوفي الأمير شرف الدين موسى بن قماري أمير ~~شكار في ثاني عشر شهر رجب. وكان من جملة أمراء العشرات. وتوفي الشيخ الأديب ~~المادح أبو الفتح محمد بن الشيخ العارف على البديوي في ثامن عشر جمادى ~~الآخرة بالنحريرية وكان أكثر شعره مدائح. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمسة أذرع واثنا عشر إصبعا مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وسبعة ~~أصابع، والله تعالى أعلم. ### | AUT سلطنة الناصر فرج بن برقوق الأولى # السلطان الملك الناصر زين الدين أبو السعادات فرج ابن السلطان الملك ~~الظاهر أبي سعيد برقوق ابن الأمير آنص، الجاركسي الأصل، المصري المولد ~~والمنشأ، سلطان الديار المصرية، والبلاد الشامية، والأقطار الحجازية؛ وهو ~~السلطان السادس والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، والثاني من ~~الجراكسة، وأمه أم ولد رومية تسمى شيرين، ماتت في سلطنته. مولده في سنة ~~إحدى وتسعين وسبعمائة، قبل خلع أبيه الملك الظاهر برقوق من السلطنة، وحبسه ~~بالكرك، فأراد أن يسميه " بلغاك " يعني " تخبيط " باللغة التركية، فسمي " ~~فرجا " جلس على تخت الملك بقلعة الجبل صبيحة موت أبيه يوم الجمعة النصف من ~~شوال سنة إحدى وثمانمائة بعهد من أبيه إليه حسب ما تقدم ذكره، في أواخر ~~ترجمة أبيه، وحسب ما نذكره أيضا. وفي سلطنته يقول الأديب المقرىء شهاب ~~الدين أحمد بن عبد الله بن حسن الأوحدي : مضى الظاهر السلطان أكرم مالك ... ~~إلى ربه يرقى إلى الخلد في الدرج وقالوا ستأتي شدة بعد موته ... فأكرمهم ~~ربي وماجا سوى فرج ### || AUT جلوسه ms2545 على تخت الملك # قال الشيخ تقي الدين المقريزي - رحمه الله تعالى: ولما كان صبيحة يوم ~~الجمعة اجتمع بالقلعة الأمير الكبير أيتمش، والأمير تغري بردي أمير سلاح، ~~وسائر أمراء الدولة، واستدعي الخليفة وقضاة القضاة، وشيخ الإسلام البلقيني ~~فلما تكاملوا بالإسطبل السلطاني، أحضر فرج بن السلطان الملك الظاهر برقوق، ~~وخطب الخليفة، وبايعه بالسلطنة، وقلده أمور المسلمين وأحضرت خلعة سوداء ~~فأفيضت على فرج المذكور، ونعت بالملك الناصر وركب بشعار السلطنة، وطلع حتى ~~جلس على تخت الملك بالقصر السلطاني، وقبل الأمراء كلهم الأرض بين يديه على ~~العادة، ولبس الخليفة تشريفا جليلا ثم أخذ الأمراء في تجهيز السلطان الملك ~~الظاهر برقوق. انتهى كلام المقريزي. PageV03P0373 # قلت: ونذكر الآن في ابتداء دولة الملك الناصر فرج اسم خليفة الوقت ولقبه، ~~وقضاة القضاة، وأرباب الوظائف من الأمراء وغيرهم من النواب، بالبلاد ~~الشامية، ليكون ذلك مقدمة لما يأتي من تغيير الوظائف وتقلبات الدول. انتهى. ~~فخليفة الوقت: أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عبد الله محمد العباسي، ~~والقاضي الشافعي صدر الدين محمد المناوي، والقاضي الحنفي جمال الدين يوسف ~~الملطي، والقاضي المالكي ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون، والقاضي الحنبلي ~~برهان الدين إبراهيم بن نصر الله العسقلاني، والأمير الكبير أتابك العساكر ~~أيتمش البجاسي، وأمير سلاح تغري بردي من يشبغا الظاهري أعني الوالد وأمير ~~مجلس أرغون شاه البيدمري الظاهري، والأمير آخور الكبير سيدي سودون قريب ~~الملك الظاهر برقوق، وحاجب الحجاب فارس الأعرج الظاهري، ورأس نوبة النوب ~~أرسطاي، والدوادار الكبير بيبرس ابن أخت السلطان الملك الظاهر، والخازندار ~~يشبك الشعباني الظاهري، وهو أمير مائة ومقدم ألف، وشاد الشراب خاناه سودون ~~المارداني، والأستادار الأمير يلبغا الأحمدي الظاهري المجنون، وكاتب السر ~~فتح الدين فتح الله التبريزي، والوزير تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج، ~~وناظر الجيش والخاص معا سعد الدين إبراهيم بن غراب، ومحتسب القاهرة الشيخ ~~تقي الدين أحمد المقريزي، ووالي القاهرة شهاب الدين أحمد بن الزين. ~~وبالبلاد الحجازية والشامية: أمير مكة الشريف حسن بن عجلان الحسني، وأمير ~~المدينة النبوية الشريف ثابت بن نعير الحسني. ونائب الشام ms2546 الأمير تنبك ~~الحسني المعروف بتنم الظاهري، ونائب حلب آقبغا الجمالي الظاهري، المعروف ~~بالأطروش، ونائب طرابلس يونس بلطا الظاهري، ونائب حماة دمرداش المحمدي ~~الظاهري، ونائب صفد ألطنبغا العثماني الظاهري، ونائب غزة ألطنبغا الحاجب ~~الظاهري، ونائب الكرك سودون الشمسي الظاهري المعروف بالظريف، وعدة نواب أخر ~~بقلاع الساحل وغيرها يطول الشرح في ذكرهم. ولما تم أمر الملك الناصر فرج في ~~الملك، بعد أن دفن والده، وصار الأتابك أيتمش مدبر ملكه، أراد أيتمش أن ~~يطلع إلى باب السلسلة ويسكن بالإسطبل السلطاني، فمنعه من ذلك الأمير سودون ~~الأمير آخور الكبير، قريب الملك الظاهر، ورد ما بعثه الأمير الكبير أيتمش ~~من القماش، فاستدعي سودون إلى حضرة السلطان فامتنع. فأمسك أيتمش عن الكلام ~~في ذلك، وتكلم فيما يعي نفعه. فأمر فكتب إلى سائر الأقطار بالعزاء في الملك ~~الظاهر برقوق، والهناء بسلطنة ولده الملك الناصر فرج. وكتب تقليد الشريف ~~حسن بن عجلان بإمرة مكة، وكان بالقاهرة. وكتب إلى مكة وبها الأمير بيسق ~~الشيخي والي المدينة النبوية، وتوجه بذلك بعض الخاصكية. وكتب إلى الأمير ~~نعير بن حيار بإمرة آل فضل على عادته. وعزل الأمير شمس الدين محمد بن عنقاء ~~بن مهنا، وعرف بموت الملك الظاهر، وبسلطنة الملك الناصر فرج، وحمل إليه ~~التشريف والتقليد على يد الأمير أسنبغا الدوادار. وعين الأمير سودون الطيار ~~الأمير آخور بالكتب والخلع إلى نائب الشام الأمير تنم الحسني. وعين يلبغا ~~الناصري رأس نوبة إلى الأمير آقبغا الجمالي نائب حلب وعين الأمير تغري بردي ~~قرا إلى الأمير يونس بلطا نائب طرابلس. وعين الأمير يشبك إلى الأمير ~~ألطنبغا العثماني نائب صفد. وعين الأمير شاهين كتك إلى الأمير سودون الظريف ~~نائب الكرك، وعلى يد كل من هؤلاء كتاب يتضمن العزاء والهناء، وأن يحلف كل ~~نائب أمراء بلده للملك الناصر فرج على العادة. وقرر الأمير الكبير أيتمش مع ~~أرباب الدولة إبقاء الأمور على ما هي عليه. ثم كلم الوزير والأستادار في ~~الكف عن الظلم وتجهيز الجامكية والعليق برسم المماليك السلطانية. وفي يوم ~~الاثنين ثامن عشر شوال خرج ركب المحمل ms2547 إلى البركة صحبة أمير الحج الأمير ~~شيخ المحمودي الظاهري - أعني الملك المؤيد - وأمير الركب الأول الأمير ~~الطواشي بهادر مقدم المماليك السلطانية. PageV03P0374 # وفي اليوم المذكور اجتمع الأمراء بالقلعة في الخدمة السلطانية على ~~عادتهم، وطلبوا الأمير سودون أمير آخور، فامتنع عن الحضور، فبعث الأمراء ~~إليه ثانيا فامتنع، فكرروا الإرسال إليه ثلاث مرات إلى أن حضر، فكلموه في ~~النزول من الإسطبل فلم يجبهم إلى ذلك. فتخيلوا منه واتهموه بأنه يريد إثارة ~~فتنة، فقبضوا عليه وعلى الأمير علي بن إينال اليوسفي، وأخرجوا ما كان له ~~بالإسطبل من خيول وقماش ونحو ذلك، وسكن الأتابك أيتمش مكانه بالإسطبل من ~~باب السلسلة، وأنزل سودون وعلي بن إينال في الحديد إلى الحراقة وجهزا إلى ~~حبس الإسكندرية. ثم نودي بالقاهرة ومصر بخروج طائفة العجم من الديار ~~المصرية، وهدد من تأخر بعد ثلاثة أيام بالقتل. ثم خلع على الأمير يشبك ~~الشعباني الخازندار باستقراره " لا لا " السلطان الملك الناصر فرج، ومعه ~~الأمير قطلوبغا الكركي " لا لا " أيضا. ولما كان يوم حادي عشرين شوال جلس ~~السلطان الملك الناصر فرج بدار العدل - أعني بالإيوان من قلعة الجبل - على ~~عادة الملوك، وخلع على الأمير الكبير أيتمش، وعلى الوالد الأمير تغري بردي ~~وهو أمير سلاح، وعلى أرغون شاه البيدمري أمير مجلس، وعلى بيبرس الدوادار، ~~وأرسطاي رأس نوبة النوب، وفارس حاجب الحجاب، وتمربغا المنجكي الحاجب ~~الثاني، وأحد مقدمي الألوف، وعلى يلبغا المجنون الأستادار، وعلى جميع أرباب ~~الدولة. ثم قام السلطان من دار العدل ودخل إلى القصر، وجلس القضاة بجامع ~~القلعة حتى يخلع عليهم؛ فعندما تكامل الأمراء وأرباب الدولة بالقصر، أغلق ~~الأمراء الخاصكية باب القصر - وكان رأسهم يوم ذاك سودون طاز، وسودون من ~~زادة، وآقبغا رأس نوبة، وجركس القاسمي المصارع - ثم سلوا سيوفهم بمن معهم، ~~وهجموا على الأمراء، وقبضوا على أرسطاي رأس نوبة النوب، وتمراز وتمربغا ~~المنجكي، وطغنجي وبلاط السعدي، وطولو رأس نوبة، وفارس الحاجب. وفر مبارك ~~شاه وطبج، فأدركا، وقبض عليهما أيضا. وبلغ ذلك يلبغا المجنون الأستادار، ~~وكان خارج القصر، فخلع خلعته وسل سيفه، ونزل من ms2548 القلعة إلى داره. ثم أحضر ~~الخاصكية الأمراء المقبوض عليهم إلى عند الأمير الكبير أيتمش، وقد بهت ~~وأسكت، وقيدوا أرسطاي رأس نوبة النوب، وتمراز وتمربغا المنجكي، وطغنجي أحد ~~أمراء الطبلخانات، وبلاط السعدي، وطولو، وهما أيضا من أمراء الطبلخانات، ~~وأطلقوا من عداهم. واستدعوا يلبغا المجنون الأستادار، فلما حضر قبض عليه ~~أيضا وقيد وأضيف إلى الأمراء المقبوض عليهم. وأنزل الجميع من يومهم إلى ~~الحراقة، وتوجهوا إلى سجن الإسكندرية، ما خلا يلبغا المجنون فإنه في يوم ~~السبت ثالث عشرينه عصر يلبغا المجنون ليحضر بالمال، ثم أسلموه لسعد الدين ~~إبراهيم بن غراب ناظر الجيش والخاص ليحاسبه، فنزل به إلى داره. وسألوا ~~يلبغا السالمي بوظيفة الأستادارية فامتنع، فعرضوها على ناصر الدين محمد بن ~~سنقر وابن قطينة فلم يوافقا، فخلع على الأمير مبارك شاه باستقراره أستادارا ~~عوضا عن يلبغا المجنون. وفيه أنفق على المماليك السلطانية نفقة سلطنة الملك ~~الناصر فرج، وتولى الإنفاق عليهم يلبغا السالمي، وفرقت بحضرة السلطان ~~والأمراء، فأعطي كل مملوك من أرباب الخدم الجوانية والمشتروات ستين دينارا، ~~صرف كل دينار ثلاثون درهما. وفي يوم الاثنين خامس عشرينه، تأخر سائر أمراء ~~الألوف عن طلوع الخدمة السلطانية خوفا من الخاصكية، فإن الأمور صارت معذوقة ~~بهم. فبعث الخاصكية إلى الأمراء بالحضور فأبوا ذلك فنزل الخاصكية إلى ~~الإسطبل في خدمة الأمير الكبير أيتمش، واستدعوا الأمراء من منازلهم فحضروا. ~~وكثر الكلام بينهم حتى آتفقوا جميعا، وتحالفوا على طاعة الأمير الكبير ~~أيتمش، والملك الناصر، وحلف لهم أيضا أيتمش، ثم حلف سائر المماليك ~~والخاصكية، وتولى تحليفهم يلبغا السالمي. وخلع على سودون المارداني ~~باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن أرسطاي المقبوض عليه قبل تاريخه، وعلى ~~قطلوبغا الحسني الكركي باستقراره شاد الشراب خاناه، عوضا عن سودون ~~المارداني، وأنعم على الأمير قراكسك بإمرة مائة وتقدمة ألف كانت مؤخرة. ثم ~~في يوم الثلاثاء سادس عشرين شوال خلع على الوزير تاج الدين عبد الرزاق ابن ~~أبي الفرج باستقراره في وظيفة الأستادارية مضافا للوزر عوضا عن مبارك شاه ~~بحكم أن آستعفى مبارك شاه. PageV03P0375 # وفيه كتب مرسوم سلطانى باستقرار ms2549 قرا يوسف بن قرا محمد صاحب تبريز في ~~نيابة الرهاء على عادته، وباستقرار دمشق خجا في نيابة جعبر. وفيه ورد الخبر ~~بأن أبا يزيد بن عثمان ملك الروم تحرك للمشي على البلاد الشامية. وفي ثامن ~~عشرين شوال، ورد الخبر بأن الأمير تنم الحسني نائب الشام أخذ قلعة دمشق. ~~وكان خبر أخذه لقلعة دمشق أن تنم كان بالمرج من غوطة دمشق، فقدم عليه الخبر ~~بموت الملك الظاهر برقوق، فركب وقصد دمشق، ولم يشعر به الناس، في ليلة ~~الأربعاء العشرين من شوال، حتى حضر إلى دار السعادة ثلث الليل؛ فلما أصبح ~~استدعى الأمير جمال الدين يوسف الهيدباني نائب قلعة دمشق، بحجة أن الملك ~~الظاهر برقوقا طلبه إلى الديار المصرية، فعندما نزل إليه أمسكه وبعث من ~~تسلم قلعة دمشق. فلم يعلم أحد ما قصده تنم المذكور إلى أذان الظهر، فوصل ~~فارس دوادار تنم من مصر، وأخبر بموت الملك الظاهر، وسلطنة ولده الملك ~~الناصر فرج، وأخبر أيضا بأن سودون الطيار قدم بالخلعة إلى الأمير تنم. فخرج ~~الأمير تنم إلى لقائه، ولبس الخلعة، وباس الأرض خارج مدينة دمشق. ثم عاد ~~إلى دار السعادة، وقد اجتمع بها القضاة والأعيان، وقرىء عليهم كتاب السلطان ~~الملك الناصر فرج، فأجابوا بالسمع والطاعة ونودي بدمشق بالأمان والزينة، ~~فزينت البلد، ودقت البشائر، وسر الناس بذلك. وأخذ الأمير تنم يقول بأن ~~السلطان صغير، وكل ما يصدر ليس هو عنه، وإنما هو عن الأمراء، وأنا وصي ~~السلطان، لا يعمل أحد شيئا إلا بمراجعتي، ونحو هذا؛ فاضطرب الناس بدمشق، ~~وبلغ ذلك نائب حمص، فأخذ قلعتها، وأخذ أيضا نائب حماة قلعة حماة، كل ذلك ~~قبل تكملة خمسة عشر يوما من سلطنة الملك الناصر فرج. ثم في أول ذي القعدة ~~ركب الأمير طغاي تمر مقدم البريدية من مصر على البريد إلى البلاد الشامية، ~~ومعه ملطفات لأمراء الورسق والأمراء الأوجقية، ومطلق لنواب الممالك ~~والقلاع، ومثال لأحمد بن رمضان نائب أذنة، ولأمراء التركمان، ولنائب حلب، ~~ولنائب سيس وصحبته أقبية مطرزة بفرو، خمس عشرة قطعة، وفوقانيات حرير بطرز ~~زركش، ms2550 أربع وعشرون قطعة، وتشاريف عدة كبيرة. وفي ثالث ذي القعدة فرغ تحليف ~~المماليك السلطانية للملك الناصر فرجم. وفيه أنعم على الأمير إينال باي بن ~~قجماس بإمرة مائة وتقدمة ألف، وهو خبز أرسطاي رأس نوبة النوب، وعلى سودون ~~من علي بك المعروف بطاز بتقدمة الأمير سودون أمير آخور المقبوض عليه، وعلى ~~آقباي من حسين شاه بتقدمة ألف أيضا عوضا عن تمربغا المنجكي، وأنعم على ~~الأمير يعقوب شاه الخازندار بإمرة طبلخاناه زيادة على طبلخاناته، ~~فصارتتقدمته بثمانين فارسا - أعني إمرة ثمانين - وأنعم على كل من قرابغا ~~الأسنبغاوي وينتمر المحمدي وآقباي الإينالي بإمرة طبلخاناه، وعلى جرباش ~~الشيخي بإقطاع يلبغا المجنون، إمرة خمسين فارسا، وعلى آقبغا المحمودي بإمرة ~~طبلخاناه أيضا، وعلى كل من تمر الساقي وجركس القاسمي المصارع، وإينال حطب، ~~وكمشبغا الجمالي، وألطنبغا الخليلي، وكزل العجمي البجمقدار، وقاني باي ~~العلائي، وجكم من عوض، وصوماي الحسني بإمرة عشرة. وفي سابعه خلع على سودون ~~المارداني باستقراره رأس نوبة النوب - وكانت عينت له قبل ذلك، غير أنه كان ~~متوعكا - وعلى يعقوب شاه الظاهري باستقراره حاجبا ثانيا، عوضا عن تمربغا ~~المنجكي بإمرة ثمانين، وعل كل من سودون من زاده، وتنكزبغا الحططي، وبشباي ~~وجكم من عوض، وآقبغا المحمودي الأشقر واستقروا رؤوس نوب صغارا. وفي تاسعه ~~خلع على قرابغا الأسنبغاوي ومقبل الظاهري، واستقروا حجابا، فصارت الحجاب ~~ستة بالديار المصرية، ورؤوس نوب نحو العشرة، وهذا شيء لم يكن قبل ذلك. ثم ~~حضر الأمير دقماق المحمدي معزولا عن نيابة ملطية بتقادم كثيرة. وفي ثاني ~~عشرة خلع على الأمير جرباش الشيخي وتمان تمر باستقرارهما رؤوس نوب أيضا، ~~فزادت عدة رؤوس النوب على العشرة. وخلع على كزل المحمدي العجمي البجمقدار ~~باستقراره أستادار الصحبة، عوضا عن قرابغا الأسنبغاوي، المنتقل إلى ~~الحجوبية. وخلع على كل من الطواشيين: شاهين الحسني الأشرفي، وعبد اللطيف ~~الأشرفي باستقرارهما " لا لا " السلطان. PageV03P0376 # وفي سابع عشرة استدعي الأمير الكبير الشيخ سراج الدين عمر البلقيني ~~والقضاة وأعيان الفقهاء من كل مذهب، فحضر الجميع عند الأمير الكبير ~~بالإسطبل، وقد حضر الأمراء والخاصكية بسبب الأموال التي ms2551 خلفها السلطان ~~الملك الظاهر برقوق؛ هل تقسم في ورثته. أو يكون ذلك في بيت مال المسلمين؛ ~~فوقع كلام كثير آخره أن تفرق في ورثته من السدس، وما بقي فلبيت المال. وفيه ~~استقر الأمير أرغون شاه البيدمري أمير مجلس في نظر خانقاه شيخون عوضا عن ~~يلبغا السالمي. وفي حادي عشرين ذي القعدة، استقر الأمير سودون الطيار أمير ~~آخورا كبيرا، عوضا عن سودون قريب السلطان، بعد أن شغرت عدة أيام. وفي ثالث ~~عشرينه خلع على أستادار الوالد، شهاب الدين أحمد بن عمر المعروف بابن ~~قطينة، باستقراره وزيرا، عوضا عن تاج الدين بن أبي الفرج. أو خلع أيضا على ~~يلبغا السالمي الظاهري باستقراره أستادارا عوضا عن ابن أبي الفرج المذكور، ~~وقبض على تاج الدين بن أبي الفرج وصودر، فلم تطل مدة ابن قطينة في الوزر، ~~وعزل بفخر الدين ماجد بن غراب في رابع ذي الحجة، وعاد إلى أستادارية الوالد ~~على عادته. ثم قدم الخبر في ثامن عشر ذي الحجة، بأن ابن عثمان أخذ ~~الأبلستين وملطية، وعزم على المسير إلى البلاد الشامية. فعمل الأمراء مشورة ~~في أمره، واتفق الحال على المسير إلى قتاله، وتفرقوا. فأنكر المماليك ~~السلطانية ذلك، وقالوا: هذه حيلة علينا حتى نخرج من القاهرة، وعينوا سودون ~~الطيار الأمير آخور لكشف هذا الخبر. وحضر البريد من دمشق بأن علاء الدين بن ~~الطبلاوي ترك لبس الأمراء، وتزيا بزي الفقراء، وامتنع من الحضور إلى مصر، ~~وكان طلب إليها، وأن تنم نائب الشام قال: هذا رجل فقير قد قنع بالفقر، ~~اتركوه. وفي يوم ثامن عشر المذكور خرج سودون الطيار لكشف الأخبار، فدخل ~~دمشق في العشرين منه، وهذا شيء من وراء العقل، كونه يصل من مصر إلى الشام ~~في يومين. وفي أواخر ذي الحجة قدم الخبر بأن تنم نائب الشام خرج عن الطاعة، ~~وقبض على جانبك اليحياوي الظاهري، الذي كان ولي نيابة قلعة دمشق، ولم تسلم ~~له قلعة دمشق، وأنه أرسل إلى نائب الصبيبة، فأفرج عن اقبغا اللكاش، ~~وألجيبغا الحاجب، وخضر الكريمي، واستدعاهم إلى دمشق، فقدموا عليه، ms2552 فلم ~~يتحرك بسبب ذلك ساكن بمصر لاختلاف الكلمة. ثم في يوم الثلاثاء حادي عشرين ~~المحرم سنة اثنتين وثمانمائة، ركب السلطان الملك الناصر من قلعة الجبل، ~~ومعه الأمير أيتمش البجاسي، والوالد أمير سلاح، وسائر الأمراء، ونزل إلى ~~تربة أبيه بالصحراء وزاره، ثم عاد بعد أن شق القاهرة، وطلع إلى القلعة، ~~وهذا أول ركوب الملك الناصر. ثم في هذه الأيام تزايد الاختلاف بين أكابر ~~الأمراء وبين الأمراء الخاصكية، واشتدت الوحشة بين الطائفتين. واتفق سودون ~~طاز، وسودون من زاده، وجركس القاسمي المصارع، وآقباي من حسين شاه، وبشباي ~~وغيرهم، وانضموا على الأمير يشبك الشعباني الخازندار، وصاروا في عصبة قوية ~~وشوكة شديدة، وآستمالوا جماعة كبيرة من خجداشيتهم الظاهرية، الذين بالأطباق ~~من القلعة. وتأكدت الفتنة، وشرعت كل من الطائفتين تدبر على الأخرى. فأخذ ~~الأمراء - الخاصكية يتخوفون من تنم نائب الشام، فأرسلوا بتفويض أمور البلاد ~~الشامية إليه. فلما وصل ذلك إلى تنم على يد مملوكه سونجبغا، في ثالث عشر ~~المحرم، وقرىء المرسوم الشريف الذي على يده بدار السعادة، وفيه أنه يعزل من ~~شاء، ويولي من شاء، ويطلق من شاء من المسجونين، فأرسل أطلق الأمير جلبان ~~الكمشبغاوى الظاهري المعروف بقراسقل، المعزول عن نيابة حلب ثم عن أتابكية ~~دمشق، من سجن قلعة دمشق في ليلة الجمعة رابع عشرين المحرم. وأطلق أيضا ~~الأمير أزدمر أخا إينال اليوسفي، ومحمد بن إينال اليوسفي، من سجن طرابلس ~~وأحضرهما إلى دمشق. ثم بعث إلى نواب البلاد الشامية يدعوهم إلى طاعته، وإلى ~~القيام معه، فأجابه الأمير آقبغا الجمالي الأطروش نائب حلب، والأمير يونس ~~بلطا نائب طرابلس، والأمير ألطنبغا العثماني الظاهري نائب صفد، وآمتنع من ~~إجابته الأمير دمرداش المحمدي الظاهري نائب حماة. PageV03P0377 # ثم بعث تنم إلى طرابلس بتجهيز شيني في البحر إلى ثغر دمياط، ليحمل فيه ~~الأمير نوروز الحافظي وغيره من الأمراء الذين بثغر دمياط. فبادر ناصر الدين ~~محمد بن بهادر المؤمني، فتسلم برج الأمير أيتمش بطرابلس، وركب البحر إلى ~~دمياط، وقدم إلى القاهرة، وأعلم القوم بما قصده تنم؛ فكتب على يده عدة ~~ملطفات إلى الأمير ms2553 قرمش حاجب حجاب طرابلس وإلي عدة من أمراء طرابلس وإلى ~~القضاة والأعيان بأن قرمش يركب على يونس بلطا نائب طرابلس ويقتله، ويلي ~~نيابة طرابلس عوضه، فاتفق أن يونس المذكور قبض على قرمش الحاجب وقتله قبل ~~وصول ابن بهادر إلى طرابلس. ثم إن تنم استدعى الأمير علاء الدين علي بن ~~الطبلاوي المقدم ذكره في ترجمة الملك الظاهر برقوق لما صودر وحبس بخزانة ~~شمائل ثم نفي وخلع عليه، وأقامه متحدثا في أمور الدولة كما كان في ديار ~~مصر. فأخذ ابن الطبلاوي هذا في الإفحاش في أمر الشاميين، وطرح عليهم السكر ~~الواصل من الغور، بحيث إنه طرح ذلك على الناس، وحتى على الفقهاء ونقباء ~~القضاة، فتنكرت القلوب عليه. وقدم الخبر بهذا كله إلى الديار المصرية، ~~فتحقق عند ذلك أعيان الدولة عصيان تنم، وصرح الأمراء الخاصكية بأن الأمير ~~الكبير أيتمش والوالد وجماعة من أكابر الأمراء بالديار المصرية قد وافقوا ~~تنم على ذلك، وكاتبوه بالخروج؛ ولم يكن لذلك صحة. فأخذ الأمراء الخاصكية، ~~وكبيرهم يشبك الشعباني الخازندار، في التدبير على أيتمش ورفقته، وآتفقوا ~~على أمر يكون فيه زوال أيتمش وأصحابه، وعلموا السلطان الملك الناصر فرجا ~~بقول يقوله إلى أيتمش. فلما كان يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول من سنة ~~اثنتين وثمانمائة، وجميع الأمراء بالخدمة السلطانية، ابتدأ السلطان الملك ~~الناصر بالكلام مع الأمير الكبير أيتمش، وقال له: " يا عم، أنا قد أدركت ~~وبلغت الحلم، وأريد أن أترشد " ، فقال له أيتمش: " السمع والطاعة " ، واتفق ~~مع الأمراء الخاصكية على ترشيد السلطان، وصوب ذلك جميع الأمراء، إلا الوالد ~~وفارس الحاجب، وخالفا الجميع. فأخذ الأتابك أيتمش يحسن ذلك للوالد ولفارس، ~~حتى أذعنا على رغمها لترشيد السلطان، وأنهم يمتثلون بعد ترشيده سائر ما ~~يرسم به. وطلب في الحال الخليفة والقضاة والسراج البلقيني ومفتي دار العدل ~~فحضروا. وقام سعد الدين إبراهيم بن غراب ناظر الجيش والخاص، وادعى على ~~الأمير الكبير أيتمش بأن السلطان قد بلغ رشده. وشهد عدة من الأمراء ~~الخاصكية بذلك، ولم يكن لذلك صحة، فحكم القضاة بعد إقامة البينة برشد ~~السلطان ms2554 وخلع السلطان، على الخليفة وقضاة القضاة وعلى الأمير الكبير أيتمش، ~~وانفض الموكب. PageV03P0378 # ونزل الأمير الكبير إلى داره التي كان يسكن بها بالقرب من باب الوزير ~~ومعه جميع الأمراء. فلما سار أيتمش حتى صار تحت الطبلخاناه السلطانية، وطلب ~~أن يسلم على الأمراء، والتفت برأس فرسه، وقد وقف له جميع الأمراء لرد ~~سلامه، وقبل أن يسلم عليهم، قال له الوالد: " إلى أين يتوجه الأمير الكبير ~~من هنا " قال الأمير أيتمش: " إلى بيتي! أو ما علمت بما وقع عليه الاتفاق ~~من ترشيد السلطان، وأنه يستبد بالأمور، وأنزل أنا من باب السلسلة إلى داري ~~" فقال الوالد: " نعم، وقع ذلك، غير أنه بنزولك لا تسكن الفتنة! إطلع إلى ~~باب السلسلة، وامكث به اليوم، وخذ في نقل قماشك شيئا بعد شيء إلى آخر الليل ~~حتى نبرم أمرا نفعله في هذه الليلة؛ فإذا أصبحت فانزل إلى دارك " . فقال ~~أيتمش: " يا والدي! ليس ذلك مصلحة، ويقيم من له غرض في إثارة الفتنة الحجة ~~علينا " . فألح عليه الوالد حتى سمع كلامه كل أحد، وأيتمش لا يذعن إليه، ~~وأبى إلا النزول إلى داره، ثم سلم عليهم، والتفت برأس فرسه، فقال الوالد: " ~~أخربت بيتك وبيوتنا بسوء تدبيرك " ، وعاد الوالد إلى جهة داره بخط الصليبة ~~عند حمام الفارقاني، ومعه سائر الأمراء، فكلمهم في الطريق وقال: " هؤلاء ~~الأجلاب لا بد لهم معنا من رأس، فإن كان ولابد يكون ذلك في الإسطبل ~~السلطاني معنا " وندب الأمراء إلى أن يتوجهوا إلى أيتمش في ذلك، فقالوا: " ~~قد فات الأمر، ونزل إلى داره " ثم توجه كل واحد إلى منزله. وفي الحال دقت ~~البشائر لترشيد السلطان، وزينت القاهرة، وافترق العسكر فرقتين: فرقة مع ~~الأمير الكبير أيتمش البجاسي، وهم جميع أكابر الأمراء والمماليك القرانيص، ~~وفرقة مع الأمير يشبك الشعباني الخازندار، وهم الأمراء الخاصكية ومماليك ~~الأطباق. وقويت شوكة الأمير يشبك بعجز أيتمش وعدم أهليته في القيام بتدبير ~~الأمور من يوم مات الملك الظاهر برقوق. وآستمر ذلك إلى ليلة عاشر شهر ربيع ~~الأولالمذكور، وقد ندم الأمير الكبير أيتمش على نزوله من ms2555 باب السلسلة، حيث ~~لا ينفعه الندم، ولم يجد بدا من الركوب، واتفق مع الأمراء على الركوب. ### || AUT الواقعة بين الأتابك أيتمش وبين يشبك وغيره # ولما كان ليلة الاثنين عاشر شهر ربيع الأول، اتفق الأمراء الأكابر مع ~~الأمير الكبير أيتمش، ولبسوا الجميع آلة الحرب، واجتمعوا على الأتابك أيتمش ~~بداره بخط باب الوزير، بعد نزول أيتمش من باب السلسلة بثلاثة أيام. وأخذ ~~بعض رفقته من أكابر الأمراء يلومه على نزوله من الإسطبل السلطاني، وعلى عدم ~~ميله لكلام الأمير تغري بردي أعني الوالد في النزول، فقال: " هكذا قدر " . ~~وكان سبب ركوب أيتمش بعد نزوله من الإسطبل أنه لما وقع ترشيد السلطان، ~~واتفقوا معه على أن ينزل إلى داره، ظن أيتمش أن بنزوله تسكن الفتنة، وتطمئن ~~الخواطر، ويصير هو على عادته رأس مشورة، ولا يعمل شىء إلا بعد مشاورته، ~~فتمشي الأحوال بذلك على أحسن وجه. ولم يدر أن القصد كان بنزوله من باب ~~السلسلة حتى يضعف أمره، وتصير القلعة بأسرها في أيدي الجماعة، ويستبدوا ~~بالأمر من غير مشارك، ثم يقبضوا على واحد بعد واحد حتى يصفو لهم الوقت. ~~وفطن الوالد لذلك فعرف أيتمش بالمقصود وقال له: " إنه لا بد لهؤلاء الجماعة ~~من إثارة فتنة. فإن كان ولابد فيكون ذلك ونحن ملاك باب السلسلة " وهي شطر ~~القلعة؛ فأبى إلا ما أراد الله تعالى، ونزل إلى داره وأقام يومه، ثم أصبح ~~وقد تحقق ما قاله الوالد وغيره، وعلم أنه متى ظفروا به والأمراء رفقته ~~قبضوا عليهم؛ فلم يجد بدا من الركوب، وركب إلى الوالد في ظهر نهاره وترضاه، ~~حتى وافقه. فعند ذلك وافقه الجميع، واتفق رأيهم على الركوب في ليلة الاثنين ~~المذكورة؛ فركبوا بعد صلاة العشاء الأخيرة، وهم جماعة كثيرة من أمراء ~~الألوف والطبلخانات والعشرات والمماليك السلطانية القرانيص. فالذي كان معه ~~من مقدمي الألوف: PageV03P0379 # بيدمري أمير مجلس، وفارس حاجب الحجاب، ويعقوب شاه الحاجب الثاني، من ~~أمراء الطبلخانات: ألطنبغا شادي، وشادي خجا العثماني، وتغري بردي الجلباني، ~~وبكتمر الناصري المعروف بجلق، وتنكزبغا الحططي، وآقبا محمودي الأشقر، وعيسى ~~فلان ms2556 والي القاهرة، ومن العشرينات: أسندمر الإسعردي، ومنكلي العثماني، ~~ويلبغا من خجا الظريف، ومن العشرات: خضر بن عمر بن بكتمر الساقي، وخليل بن ~~قرطاي شاد العمائر، وعلي بن بلاط الفخري، بيرم العلائي، وأسنبغا المحمودي، ~~ومحمد بن يونس النوروزي، وألجيبغا سلطاني، وتمان تمر الإشقتمري، وتغري بردي ~~البيدمري، وأرغون السيفي، يلبغا المحمودي، وباي خجا الحسني، وأحمد بن أرغون ~~شاه الأشرفي، ومقبل حاجب، ومحمد بن علي بن كلبك نقيب الجيش، وخير بك من حسن ~~شاه، جلبان العثماني، وكزل العلائي، ويدي شاه العثماني، وكمشبغا الجمالي، ~~وألطنبغا الخليلي، وألطنبغا الحسني، ونحو الألف مملوك من أعيان المماليك ~~سلطانية. وخرج أيتمش إلى داره ملبسا هو ومماليكه، وكانوا نحو الألف مملوك، ~~وصحبته الأمراء المذكورون، وعبأ عساكره، وأوقف طلبه ومماليكه بمن انضاف يهم ~~من أمراء الطبلخانات والعشرات، والمماليك السلطانية بالصوة، تجاه باب ~~المدرج أحد أبواب قلعة الجبل، وأصعد جماعة أخر من حواشيه إلى سطح مدرسة ~~الأشرفية التي مكانها الآن بيمارستان الملك المؤيد شيخ، ليرموا على من ~~بالطبلخاناة السلطانية ويحموا ظهور مماليكه؛ ولم يخرج هو من بيته. وكان هو ~~الذي رتب العساكر ووقف الأمير فارس حاجب الحجاب ومعه جماعة كثيرة أمراء ~~الطبلخانات والعشرات في رأس الشارع الملاصق لمدرسة السلطان حسن، المتوصل ~~منه إلى سوق القبو، ليقاتل من يخرج من باب السلسلة من سلطانية. ووقف ~~الوالد، ومعه الأمير أرغون شاه أمير مجلس، برأس سويقة منعم من خط الصليبة، ~~تجاه القصر السلطاني. وتفرقت الأمراء والمماليك ثلاث فرق، فرقة إلى جهة من ~~الأمراء المذكورين، مع من انضاف إليهم من المماليك البطالة والزعر وغيرهم. ~~وأخذ كل واحد من هؤلاء الأمراء يعبىء طلبه وعساكره، على حسب ما اختار، كل ~~ذلك في الليل. وأما أهل القلعة فإن الأمير يشبك الشعباني الخازندار لما سمع ~~بذلك ركب إلى القلعة هو وبيبرس الدوادر وطلعا إلى السلطان، وقد اجتمع غالب ~~الأمراء والخاصكية من الظاهرية عند السلطان. وطلب يشبك في الحال مماليك ~~الأطباق، وأمرهم بلبس السلاح، ولبس هو وجميع الأمراء، وحرضهم على قتال ~~أيتمش ورفقته، وخوفهم عاقبة الأمر، وقال لهم: " هؤلاء، وإن ms2557 كانوا ~~خشداشيتنا، فقد صاروا الآن أجانب، وتركوا خبز الملك الظاهر برقوق، وخرجوا ~~على ولده، وأرادوا يسلطنون أيتمش، ونحن نقاتل مع ابن أستاذنا حتى نموت " ~~فأجابه جميع المماليك الجلبان، وظنوا أن مقالته حقيقية. وفي الحال دقت ~~الكوسات الحربية بالقلعة، ولبس سائر الأمراء الذين بالقلعة، وهم: بيبرس ~~الدوادار ابن أخت الملك الظاهر برقوق، ويشبك الشعباني الخازندار المقدم ~~ذكره، وسودون الماردانى رأس نوبة النوب، وسودون من علي بك طاز، وإينال باي ~~بن قجماس، ويلبغا الناصري، وبكتمر الركني، ودقماق المحمدي المعزول عن نيابة ~~ملطية، وشيخ المحمودي أعني المؤيد، وآقبغا الطرنطائي، والجميع مقدمو ألوف، ~~وجماعة أخر من الطبلخانات والعشرات. وأما المماليك السلطانية فمعظمهم. ونزل ~~السلطان الملك الناصر فرج من القصر إلى الإسطبل السلطاني؛ ووقع القتال بين ~~الطائفتين من وقت عشاء الآخرة إلى باكر النهار، ومعظم قتال أهل القلعة مع ~~الذين كانوا برأس سويقة منعم، وتصالحوا غير مرة. وبينما القتال يشتد أمر ~~الأتابك أيتمش البجاسي فنودي: " من قبض مملوكا جركسيا وأحضره إلى الأمير ~~الكبير أيتمش فله كيت وكيت " . فلما سمعت الجراكسة الذين كانوا من حزب ~~أيتمش ذلك حنقوا منه، وتوجه أكثرهم إلى السلطان. على أن أيتمش كان من أعظم ~~الجراكسة، غير أن زوال النعم شيء آخر؛ فعند ذلك كثر جمع السلطانية وقوي ~~أمرهم، وحملوا على الوالد ومن معه، وهو برأس سويقة منعم، فكسروه، فمر بمن ~~معه من الأمراء ومماليكه حتى اجتاز بداره، وهي دار طاز بالشارع الأعظم تجاه ~~حمام الفارقاني، والقوم في أثره، فحمى ظهره مماليكه الجلبان الذين بالأطباق ~~بالرمي على السلطانية، حتى تركوه وعادوا، ومر الوالد حتى لحق بالأمير أيتمش ~~بالصوة. PageV03P0380 # وأما السلطانية فإنهم لما كسروا الوالد، وكان الأهم، عادوا لقتال فارس ~~الحاجب، وكان فارس من الفرسان المعدودة الأقشية، فثبت لهم فارس المذكور ~~ثباتا عظيما، لولا ما كادوه من أخذ مدرسة السلطان حسن، والرمي عليه من ~~أعلاها إلى أن هزموه أيضا؛ وانحاز بطائفته إلى أيتمش بالصوة، فكرر أيتمش ~~المناداة على المماليك الجراكسة - خذلان من الله - ، فذهب من كان بقي عنده ~~منهم وعند ذلك صدمته السلطانية ms2558 صدمة هائلة كسروه فيها، وانهزم من بقي معه ~~من الأمراء المذكورين والمماليك وقت الظهر من يوم الاثنين عاشر شهر ربيع ~~الأول من سنة اثنتين وثمانمائة، ومروا قاصدين إلى جهة الشام حتى نزلوا ~~بسرياقوس، فأخذوا من الخيول السلطانية التي كانت بها من جيادها نحو المائة ~~فرس، ثم ساروا إلى نحو البلاد الشامية. وندب السلطان خلف أيتمش ورفقته من ~~المنهزمين جماعة من أمراء الألوف وغيرهم فالذي كان منهم من أمراء الألوف: ~~بكتمر الركني المعروف ببكتمر باطيا، ويلبغا الناصري، وآقبغا الطرنطائي، ومن ~~أمراء الطبلخانات: أسنبغا الدوادار، وبشباي من باكي، وصوماي الحسني في ~~جماعة كثيرة من أمراء العشرات والمماليك السلطانية، وهم نحو خمسمائة مملوك، ~~فلم يقفوا لهم على خبر، وعادوا من قريب. وامتدت الأيدي إلى بيوت الأمراء ~~المنهزمين بالنهب، فنهبوا جميع ما كان فيها، حتى نهبت الزعر مدرسة أيتمش، ~~وأخفوا جميع ما كان فيها، حتى حفروا قبر ولده الذي كان بها، وأحرقوا الربع ~~المجاور لها من خارج باب الوزير، ونهبوا جامع آق سنقر المجاور لدار أيتمش، ~~واستهانوا حرمة المصاحف بها، ثم نهبوا مدرسة السلطان حسن، وانتهبوا بيوتا ~~كثيرة من بيوت المنهزمين، فكان الذي أخذ من بيت الوالد فقط من الخيل ~~والقماش والسلاح وغير ذلك ما تزيد قيمته على عشرين ألف دينار. ثم كسرت ~~الزعر حبس الديلم وحبس الرحبة، وأخرجوا من كان بهما من أرباب الجرائم وصارت ~~القاهرة في ذلك اليوم غوغاء، من غلب على شيء صار له وقتل في هذه الواقعة من ~~الطائفتين جماعة كبيرة من المماليك وغيرهم؛ فكان الذي قتل من الأمراء: ~~قجماس المحمدي شاد السلاح خاناه، وقرابغا الأسنبغاوي، وينتمر المحمدي ~~واختفى بالقاهرة ممن كان مع الأتابك أيتمش: مقبل الرومي الطويل أمير جاندار ~~وكمشبغا الخضري وجماعة أخر يأتي ذكرهم وتوجه بقية أصحابه الجميع صحبته إلى ~~دمشق، وقصد أيتمش الأمير تنم الحسني نائب الشام. وأما تنم نائب الشام فإنه ~~لما عظم أمره بدمشق وتم له ما قصده، وجه الأمير آقبغا الطولوتمري اللكاش في ~~عدة من الأمراء والعساكر إلى غزة، فساروا من دمشق في أول ms2559 شهر ربيع الأول ~~المذكور. ثم ندب جماعة أخر من كبار الأمراء إلى البلاد الحلبية، وخرجوا من ~~دمشق في ثالث شهر ربيع الأول، وعليهم الأمير جلبان الكمشبغاوي الظاهري، ~~المعروف بقراسقل، المعزول عن نيابة حلب قديما، ومعه الأمير أحمد بن الشيخ ~~على نائب صفد كان، والأمير بي خجاه المعروف بطيفور نائب غزة كان، وهو يومئذ ~~حاجب دمشق، والأمير يلبغا الإشقتمري، والأمير صرق الظاهرى، وساروا إلى حلب ~~لتمهيد أمورها. ثم قبض الأمير تنم على الأمير بتخاص وعيسى التركماني ~~وحبسهما بالبرج من قلعة دمشق ثم خرج تنم فيمن بقي معه من عساكره في سادسه ~~يريد حلب، وجعل الأمير أزدمر أخا إينال اليوسفي نائب الغيبة بدمشق، وسار ~~حتى قدم حمص وآستولى عليها، وولى عليها من يثق به من أصحابه، ثم توجه إلى ~~حماة، فوافاه الأمير يونس بلطا نائب طرابلس ومعه عساكر طرابلس، ونزلوا على ~~مدينة حماة، فامتنع نائبها الأمير دمرداش المحمدي بها، وقاتل تنم قتالا ~~شديدا، وقتل من أصحاب تنم نحو الأربعة أنفس، ولم يقدر عليه تنم. ~~PageV03P0381 # وبينما تنم في ذلك ورد عليه الخبر بقيام أهل طرابلس على من بها من ~~أصحابه. وخبر ذلك أنه لما قرب محمد بن بهادر المؤمني من طرابلس، بعث ما كان ~~معه من الملطفات من الديار المصرية لأهل طرابلس، فوصلت إليهم قبل قدومه، ثم ~~وصل هو بمن معهفي البحر، فظنه نائب غيبة يونس بلطا، من الفرنج، فخرج إليه ~~في نحو ثلاثمائة فارس من أجناد طرابلس، فتبين له أنه من المسلمين، فطلبه ~~نائب الغيبة بمن معه فلم يأته، وقاتلهم على ساحل البحر، فانهزم إلى برج ~~أيتمش، وكان تحت حكم ابن المؤمني المذكور. وأصبح الذين أتتهم الملطفات من ~~مصر، ونادوا في العامة بجهاد نائب الغيبة، وخطب خطيب البلد بذلك؛ فشرعت ~~العامة في قتال نائب الغيبة حتى هزموه ونهبوا ما كان معه. وتوجه إلى حماة، ~~فأرسل تنم الأمير الأمير صرق على عسسكر كبير لقتال أهل طرابلس، فتوجه صرق ~~إليهم، وقاتلهم قتالا شديدا مدة تسعة أيام. وبينما تنم في ذلك ورد عليه ~~الخبر بواقعة ms2560 الأمير أيتمش مع المصريين، وأنه نزل بمن معه في دار النيابة ~~بغزة، وأنه سار بمن معه يريد دمشق، فسر تنم بذلك وأذن لنائب غيبته بدمشق ~~وهو الأمير أزدمر بدخول أيتمش ومن معه إلى دمشق وبالقيام في خدمتهم حتى ~~يحضر إليهم. ثم لما بلغه عجز صرق عن أهل طرابلس، جهز إليها نائبها الأمير ~~يونس بلطا في طائفة كبيرة من العساكر، فسار إليها يونس ودخلها بعد أن هزم ~~ابن المؤمني، وركب البحر ومعه القاضي شرف الدين مسعود قاضي القضاة الشافعية ~~بطرابلس، يريدان القاهرة بمن معهما ونهب يونس أموال الناس كافة بطرابلس، ~~وفعل في طرابلس وأهلها ما لا تفعله الكفرة، وقتل نحو العشرين رجلا من أعيان ~~طرابلس وقضاتها وعلمائها منهم: الشيخ العالم المفتي جمال الدين بن النابلسي ~~الشافعي، والخطيب شرف الدين محمود، والقاضي المحدث شهاب الدين أحمد الأذرعي ~~المالكي، وقاضي القضاة شهاب الدين الحنفي، والقاضي موفق الدين الحنبلي، ~~وقتل من عامة طرابلس ما يقارب الألف، وصادر الناس مصادرات كثيرة، وأخذ ~~أموالهم وسبى حريمهم، فكانت هذه الكائنة من أقبح الحوادث، وكالت في الخامس ~~عشر من شهر ربيع الأول المذكور. وأما أمر الديار المصرية فإنه لما كان بعد ~~الواقعة من الغد خلع السلطان علي الأمير قرابغا مغرق الظاهري باستقراره في ~~ولاية القاهرة عوضا عن عيسى فلان بحكم عصيانه مع أيتمش، فمات من الغد من ~~جرح كان أصابه في الواقعة، واستقر في ولاية القاهرة عوضه بلبان أحد ~~المماليك الظاهرية، فنزل بلبان المذكور بالخلعة إلى القاهرة، فمر من باب ~~زويلة يريد باب الفتوح، وعبر راكبا من باب الجامع الحاكمي وهو ينادي ~~بالأمان، وإذا بالأمير شهاب الدين أحمد بن عمر بن الزين قد جاء من جهة باب ~~النصر، وهو أيضا ينادي بين يديه بآستقراره في ولاية القاهرة، فتحيرت ~~المقدمون والجبلية بينهما، وبينما هم في ذلك، وقد التقى بمبان مع ابن ~~الزين، فقال بلبان: أنا ولاني فلان، وقال ابن الزين: أنا ولاني فلان، وإذا ~~بالطواشي شاهين الحسني قدم ومعه خلعة ابن الزين بولايته القاهرة، فبطل أمر ~~بلبان. وتصرف ابن ms2561 الزين في أمور الولاية، ونادى بالكف عن النهب، وهمد من ~~ظفر به من النهابة. ثم في سادس عشره عرض السلطان المماليك السلطانية، ففقد ~~منهم مائة وثلاثون نفرا قد انهزموا مع الأتابك أيتمش. ثم قبض السلطان على ~~الأمير بكتمر جلق أحد أمراء الطبلخانات، وتنكزبغا الحططي أحد أمراء ~~الطبلخانات أيضا ورأس نوبة، وقرمان المنجكي، وكمشبغا الخضري، وخضر بن عمر ~~بن بكتمر الساقي، وعلي بن بلاط الفخري، ومحمد بن يونس النوروزي، وألجيبغا ~~السلطاني، وأرغون السيفي، وأحمد بن أرغون شاه، والجميع من أصحاب أيتمش. ثم ~~رسم السلطان فكتب بإحضار الأمير سودون أمير آخور المعروف بسيدي سودون، ~~والأمير تمراز الناصري من سجن الإسكندرية، والأمير نوروز الحافظي الأمير ~~آخور الكبير كان من ثغر دمياط، وسارت القضاة لإحضارهم، فوصلوا في العشرين ~~منه وقبلوا الأرض بين يدي السلطان ونزلوا إلى دورهم. وفي أول شهر ربيع ~~الآخر استقر الأمير آقباي من حسين شاه الطرنطائي حاجب الحجاب عوضا عن ~~الأمير فارس الأعرج، وآستقر الأمير دقماق المحمدي المعزول عن نيابة ملطية ~~باستقراره حاجبا ثانيا عوضا عن يعقوب شاه بحكم عصيانهما مع أيتمش. ~~PageV03P0382 # ثم في ثالثه خلع السلطان على كل من الأمير أسنبغا العلائي الدوادار ~~والأمير قماري الأسنبغاوي والي باب القلة ومنكلي بغا الصلاحي الدوادار ~~وسودون المأموري باستقرارهم حجابا، واستقر تمربغا المحمدي نائب القلعة. ~~وأما الأمير تنم فإنه لما جاءه خبر أيتمش ترك حصار حماة وعاد إلى دمشق؛ ثم ~~خرج إلى لقاء أيتمش وأصحابه في خامس شهر ربيع الأخر إلى ظاهر دمشق. فلما ~~عاينهم ترجل عن فرسه وسلم عليهم وبالغ في إكرامهم، وعاد بهم إلى دمشق وقدم ~~إليهم تقادم جليلة، لا سيما الوالد، فإن تنم قام بخدمته زيادة عن الجميع، ~~حتى يزول ما كان عنده حسب ما تقدم ذكره: وسببه أنه كان وغر خاطر أستاذه ~~الملك الظاهر برقوق عليه حتى عزله عن نيابة حلب، فأخذ تنم يعتذر إليه، ~~ويتلطف به حتى زال ما كان عنده من الكمائن القديمة، وصار من أعظم أصحابه، ~~وحلفه على موافقته وحلف له، ووعده بأمور كثيرة يستحيا من ms2562 ذكرها. ثم كتب ~~الوالد إلى الأمير دمرداش المحمدي نائب حماة بالدخول في طاعة تنم حسب ما ~~يأتي ذكره. ثم قدم على الأمير تنم كتاب الملك الناصر فرج يأمره بمسك ~~الأتابك أيتمش وبمسك الوالد ومن قدم معهما، فأخذ تنم الكتاب وأتى به إلى ~~أيتمش ورفقته، وقرأه عليهم بالقصر الأبلق من الميدان، فضحك الوالد وقال له: ~~امتثل مرسوم السلطان، وافعل ما أمرك به فتبسم تنم وقال له: " بالله عليك ~~زول ما عندك وطيب قلبك " ، وقام وعانقه ثم تكلم تنم مع الأمراء فيما يفعله ~~في أمر دمرداش نائب حماة، فأشار الوالد بأنه يتوجه إليه صحبة الأمير الكبير ~~أيتمش، ثم يتوجهان أيضا إلى نائب حلب يدعوانه إلى طاعة تنم وموافقته، فقال: ~~" هذا الذي كان في خاطري؛ فإن دمرداش لا يسمع لأحد غيرك " ، وخرجا بعد أيام ~~إلى جهة حماة، فأجاب دمرداش بالسمع والطاعة، ودخل تحت طاعة تنم ووعد ~~بالقيام بنصرته؛ ثم عاد الوالد وأيتمش إلى دمشق، فسر تنم بذلك غاية السرور. ~~ثم قدم دمرداش بعد ذلك بأيام إلى دمشق، فخلع عليه تنم باستمراره على نيابة ~~حماة، وأنعم عليه بأشياء كثيرة وتوجه إلى حماة. ثم أخذ الجميع في التأهب ~~إلى قتال المصريين. وأما ما وقع بالديار المصرية من الولايات والعزل، فإنه ~~لما كان العشر الأخير من شهر ربيع الآخر، خلع السلطان على الأمير بيبرس ~~الدوادار باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن الأمير أيتمش ~~البجاسي، وأنعم عليه بإقطاعه إلا النحريرية ومنية بدران وطوخ الجبل، فغضب ~~بيبرس بسبب ذلك، فلم يلتفت إلى غضبه، وأنعم بإقطاع الوالد ووظيفته على ~~نوروز الحافظي، وأنعم على تمراز الناصري بإقطاع أرغون شاه أمير مجلس، وأنعم ~~على سودون أمير آخور بإقطاع يعقوب شاه الحاجب، وأنعم بإقطاع بيبرس على ~~بكتمر الركني، وبإقطاع بكتمر على دقماق المحمدي نائب ملطية كان، وبإقطاع ~~دقماق على جركس القاسمي المصارع، واستقر أمير طبلخاناه وأنعم على كل من كزل ~~الناصري، وقماري الاسنبغاوي، وشاهين من شيخ الإسلام، وشيخ السليماني، ~~وبشباي من باكي، وتمربغا الظاهري، وجكم من عوض، وصوماي، وتمر الساقي، ~~وإينال ms2563 حطب، وقاني باي العلائي، وسودون المأموري، وألطنبغا الخليلي، ومجترك ~~القاسمي، وكزل المحمدي، وبيغان الإينالي بإمرة عشرين وأنعم على كل من أزبك ~~الرمضاني وأسندمر العمري وقرقماس السيفي ومنكلي بغا الصلاحي وآقبغا الجرجوي ~~وطيبغا الطولوتمري وقاني باي من باشاه ودمرداش الأحمدي وآقباي السلطاني ~~وأرغون شاه الصلاحي ويونس العلائي وجمق ونكباي الأزدمري وقاني بك الحسامي ~~وبايزير من بابا وآقبغا المحمدي وسودون الشمسي وسودون البجاسي وتمراز من ~~باكي وسودون النوروزي وأسنبغا المسافري وقطلوبغا الحسني وقطلقتمر المحمدي ~~وسودون الحمصي وسودون القاسمي وأرزمك وأسنباي بإمرة عشرة، وحلفوا الجميع ~~على طاعة السلطان، والسفر معه لقتال تنم. PageV03P0383 # ولما بلغ المماليك السلطانية سفر السلطان إلى الشام امتنعوا وهددوا ~~الأمراء وأكثروا من الوعيد، فخاف سودون طاز وتأخر عن الخدمة السلطانية ثم ~~آتفقت المماليك المذكورة، وتوجهوا إلى الأمير يشبك وهو متوعك وحدثوه في أمر ~~السفر، فاعتذر لهم بما هو فيه من الضعف ثم وقع الخلف بين الأمير سودون قريب ~~الملك الظاهر المعروف بسيدي سودون وبين الأمير سودون طاز، وتسابا بسبب سكنى ~~الإسطبل السلطاني بالحراقة، وعلى وظيفة الأمير آخورية، وكادا يقتتلان، لولا ~~فرق بينهما الأمير نوروز الحافظي. ثم وقع أيضا بين الأمير سودون طاز ~~المذكور وبين الأمير جركس القاسمي المصارع تنافس، وتقابضا بالأطواق، ولم ~~يبق إلا أن تثور الفتنة، حتى فرق الأمراء بينهما وصارت المملكة بأيدي هؤلاء ~~الأمراء، وكل من أراد شيئا فعله؛ فصار الرجل يلي الوظيفة من سعي فلان، ~~وينزل إلى داره فيعزل في الحال بأمر غيره، وكل أحد يتعصب لواحد، وكل منهم ~~يروم الرتب العلية. هذا ومثل تنم وأيتمش ورفقتهما في طلبهم وفي القصد إلى ~~الديار المصرية. ثم أخذ نوروز يسكنهم عن إثارة الفتنة، ويخوفهم عاقبة تنم، ~~حتى عملوا مشورة بين يدي السلطان بسبب قتال تنم وغيره، فحضر جميع الأمراء ~~ورتبوا أمورا، منها إقامة نائب بالديار المصرية، وعينوا عدة تشاريف. فلما ~~كان يوم الخميس ثاني عشر شهر ربيع الآخر خلع السلطان على الأمير سودون طاز ~~باستقراره أمير أخورا كبيرا، عوضا عن سودون الطيار، لتأخره بدمشق عند تنم، ~~وخلع على الأمير ms2564 مبارك شاه باستقراره حاجبا ثالثا بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~بالديار المصرية، وهذا بخلاف العادة. ثم خلع على بعض الأمراء واستقر حاجبا ~~ثامنا، وهذا أيضا بخلاف العادة، لأن في القديم كان بمصر ثلاثة حجاب - أعني ~~بالقديم في دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون - ثم لا زال الملك الظاهر ~~برقوق يزيد الحجاب حتى صار عدتهم ستة، وذلك في أواخر دولته، والآن صاروا ~~ثمانية؛ وكان هذا أيضا مما عابه الأمير تنم على أمراء مصر فيما فعلوه. قلت: ~~والسكات أجمل، فإن تلك الحجاب الثمانية كان فيهم ثلاثة أمراء ألوف وثلاثة ~~طبلخاناه؛ وأما يومنا هذا ففيه بمصر أزيد من عشرين حاجبا، ما فيهم أمير ~~خمسة، بل الجميع أجناد، وفيهم من جنديته غير كاملة، والحاجب الثاني أمير ~~عشرة، فسبحان الحليم الستار. ثم بعد أيام خلع السلطان على الأمير نوروز ~~الحافظي باستقراره رأس نوبة الأمراء، وعلى الأمير تمراز باستقراره أمير ~~مجلس، وعلى الأمير سيدي سودون باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن بيبرس، ~~وكانت شاغرة منذ انتقل بيبرس عنها إلى الأتا بكية. وهذا كله بعد أن ورد ~~الخبر على الملك الناصر بخروج الأمير تنم من دمشق يريد القاهرة، فعندئذ أمر ~~السلطان بأن يخرج ثمانية أمراء من مقدمي الألوف بألف وخمسمائة مملوك من ~~المشتروات، وخمسمائة مملوك من مماليك الخدمة، وأن يخرجوا في أول جمادى ~~الآخرة؛ فمنهم من أجاب، ومنهم من قال: " لابد من سفر السلطان " . واختلف ~~الرأي وانفضوا على غير شيء، ونفوسهم متغيرة من بعضهم على بعض كل ذلك ~~والأمراء تكذب خروج تنم من دمشق حتى علق جاليش السفر على الطبلخاناه ~~السلطانية، ووقع الشروع في النفقة للأمراء، فحمل إلى كل من ثلاثة آلاف ~~مملوك وستمائة مملوك لكل واحد مائة دينار، فبلغت جميع النفقة نحو خمسمائة ~~ألف دينار. ثم خرجت مدورة السلطان وخيامه، ونصبوا خارج القاهرة تجاه مسجد ~~التبن. ثم خلع السلطان على الأمير بكتمر الركني باستقراره أمير سلاح عوضا ~~عن الوالد، وكانت شاغرة عنه منذ توجه مع أيتمش إلى الشام. وبينما السلطان ~~في ذلك قدم علاء الدين علي بن المكللة ms2565 والي منفلوط، وأخبر أن ألطنبغا نائب ~~الوجه القبلي خرج هو ومحمد بن عمر بن عبد العزيز الهواري عن الطاعة، وكبسا ~~عثمان بن الأحدب، ففر ابن الأحدب إلى جهة منفلوط وتبعاه إليها وأخرباها ~~فرسم السلطان لكل من الأمير بيبرس، والأمير إينال باي من قجماس، وآقباي بن ~~حسين شاه حاجب الحجاب، وسودون من زادة، وإينال حطب رأس نوبة، وبيسق الشيخي ~~الأمير أخور الثاني، وبهادر فطيس الأمير أخور الثالث أن يتوجهوا إلى بلاد ~~الصعيد لقتال ألطنبغا وابن عمر الهواري فلم يوافقوا على ذلك ولا سار أحد. ~~PageV03P0384 # ثم قدم الخبر على السلطان بأن الأمير دمرداش المحمدي نائب حماة قدم على ~~الأمير تنم بدمشق بعساكر حماة، وأن الأمير آقبغا الجمالي الأطروش نائب حلب ~~لما برز هو أيضا من حلب يريد المسير إلى دمشق ثار عليه جماعة من أمراء حلب ~~وقاتلوه فكسرهم، وقبض على جماعة منهم، ثم سار إلى دمشق فسر بقدومه تنم ~~وأكرمه غاية الإكرام، وإنه قد خرج من دمشق من أصحاب تنم الأمير أرغون شاه ~~البيدمري أمير مجلس، والأمير يعقوب شاه، وفارس حاجب الحجاب، وصرق وفرج بن ~~منجك إلى غزة؛ فعند ذلك خلع السلطان على الأمير عمر بن الطحان حاجب غزة ~~باستقراره في نيابة غزة، وعلى سودون حاجبها الصغير باستقراره حاجب حجاب غزة ~~عوضا عن ابن الطحان المذكور. ثم قدم الخبر على السلطان بأن عساكر تنم خرجوا ~~من دمشق في يوم خامس عشرين جمادى الآخرة، فأمر السلطان الأمير سودون ~~المأموري الحاجب بالتوجه إلى دمياط لينقل منها الأمير يلبغا الأحمدي ~~المجنون الأستادار كان، والأمير تمربغا المنجكي، وطغنجي وبلاط السعدي، ~~وقراكسك إلى سجن الإسكندرية. هذا وقد تجهزت العساكر المصرية للسفر صحبة ~~السلطان لقتال تنم وتهيأ الجميع. فلما كان يوم الاثنين رابع شهر رجب نزل ~~السلطان الملك الناصر من القلعة إلى الريدانية خارج القاهرة وأصبح من الغد ~~خلع على الأمير الكبير بيبرس باستقراره في نظر البيمارستان المنصوري، ~~وبنيابة الغيبة بالديار المصرية، وخلع على الأمير نوروز الحافظي رأس نوبة ~~الأمراء باستقراره في نظر الخانقاه الشيخونية ثم أصبح من ms2566 الغد سادس الشهر ~~خلع السلطان على الأمير نوروز المذكور بتقدمة العساكر، ثم أنفق السلطان على ~~جماعة من المماليك السلطانية بنحو خمسة وعشرين ألف دينار إنعاما. وفي اليوم ~~المذكور رحل جاليش السلطان من الريدانية، وفيه من الأمراء نوروز الحافظي ~~مقدم العساكر، وبكتمر الركني المعروف بباطيا أمير سلاح، وتمراز الناصري ~~أمير مجلس، ويلبغا الناصري، وسودون الدوادار المعروف بسيدي سودون، وشيخ ~~المحمودي هو المؤيد، ودقماق المحمدي الحاجب الثاني، والجميع مقدمو ألوف. ثم ~~رحل السلطان بعدهم في يوم الجمعة ثامنه ببقية العساكر وعدة ما سار أولا ~~وثانيا سبعة آلاف فارس وهذا سوى من أقام بالقاهرة، وهم أيضا عدة كبيرة من ~~الأمراء والمماليك.فأما الأمراء فكان بالقاهرة الأتابك بيبرس،وآقباي حاجب ~~الحجاب، وأقام بقلعة الجبل الأمير إينال باي بن قجماس أحد مقدمي الألوف، ~~وإينال حطب رأس نوبة، وأقام بالإسطبل السلطاني سودون من زادة، وبهادر فطيس، ~~وبيسق الشيخي أمير أخور ثاني، وأقام عند هؤلاء جماعة كبيرة من المماليك ~~السلطانية. PageV03P0385 # وأما تنم فكان من خبره أنه قدم جماعة من أمرائه وعساكره إلى مدينة غزة ~~حسب ما ذكرناه، وهم: الأمير أرغون شاه البيدمري أمير مجلس، وفارس حاجب ~~الحجاب، ويعقوب شاه وصرق، والأمير فرج بن منجك فتوجهوا أمامه بعساكر كثيرة. ~~ثم قدم على تنم الأمير يونس بلطا نائب طرابلس بعساكرها وغيرهم، ومعه الأمير ~~أحمد بن يلبغا أمير مجلس. وكان قدم على تنم قبله نائب حلب الأمير آقبغا ~~الجمالي الأطروش، ونائب حماة الأمير دمرداش المحمدي، فخرج هؤلاء النواب ~~أيضا أمام تنم إلى جهة غزة، ثم تبعهم الأمير تنم ومعه الأتابك أيتمش ~~والوالد وبقية عساكره، بعد أن جعل الأمير جركس المعروف بأبي تنم نائب ~~الغيبة بدمشق، وعنده جماعة أخر من أعيان الأمراء ثم خرج بعد الأمير تنم ~~الأمير يونس بلطا نائب طرابلس وسار تنم في عساكر عظيمة إلى الغاية وكان قبل ~~سفره بدمشق، منذ قدم عليه أمراء مصر، يعمل كل يوم موكبا أعظم من الآخر، حتى ~~قيل إن موكبه كان يضاهي موكب أستاذه الملك الظاهر برقوق بل أعظم، وكان يركب ~~بالدف والشبابة والشعراء ms2567 الجاووشية، ويركب في خدمته من الأتابك أيتمش إلى ~~من دونه من أمراء الألوف، وهم نحو خمسة وعشرين أميرا من أمراء الألوف، سوى ~~أمراء الطبلخانات والعشرات، وذلك خارج عن التركمان والأعراب والعشير، ~~وكانوا أيضا جمعا كبيرا إلى الغاية؛ وآخر موكب عمله بدمشق كان فيه عساكر ~~دمشق بتمامها وكمالها، وعساكر حلب وطرابلس وحماة، وجماعة كبيرة من عظماء ~~أمراء الديار المصرية أعني أيتمش ورفقته، وكان الجميع قد أذعنوا لتنم ~~بالطاعة، حتى إنه لم يشك أحد في سلطنته، حتى ولا أمراء مصر أخصامه، فإنهم ~~كتبوا له في الصلح غير مرة، وفي المستقبل أيضا حسب ما يأتي ذكره. وأنفق تنم ~~في العساكر من الأموال ما لا يحصى. وأما أمراء الديار المصرية فإنه لما ~~سافر السلطان إلى جهة تنم بعساكره في ثامن الشهر، قدم الخبر في صبيحته على ~~الأمير بيبرس، وهو يوم السبت، من البحيرة، بأن الأمير سودون المأموري ~~الحاجب أخذ الأمراء من ثغر دمياط، وسار بهم نحو الإسكندرية، فلما وصل بهم ~~إلى ديروط لقيه الشيخ المعتقد عبد الرحمن ابن نفيس الديروطي وأضافه؛ فعندما ~~قعد الأمير سودون المأموري هو والأمراء للأكل قام يلبغا المجنون ووثب هو ~~ورفقته من الأمراء على سودون المأموري، وقبضوا عليه وعلى مماليكه وقيدوهم ~~بقيودهم، وبينما هم في ذلك قدمت حراقة من القاهرة فيها الأمير كمشبغا ~~الحضري وإياس الكمشبغاوي وجقمق البجمقدار، وأمير آخر، والأربعة في القيود، ~~فدخلت الحراقة بهم إلى شاطىء ديروط ليقضوا حاجة لهم، فأحاط بهم يلبغا ~~المجنون، وخلص منهم الأربعة المقيدين، وأخذهم إلى أصحابه. ثم كتب يلبغا إلى ~~نائب البحيرة بالحضور إليه، وأخذ خيول الطواحين، وركب هو ورفقته من الأمراء ~~وسار بهم إلى مدينة دمنهور، وطرقها بغتة، وقبض على متوليها، وأتته العربان ~~من كل فج حتى صار في عدد كبير. ثم نادى بإقليم البحيرة بحط الخراج عن أهلها ~~عدة سنين، وأخذ مال السلطان الذي استخرج من تروجة وغيرها، وبعث يستدعي ~~بالمال من النواحي، فراعاه الناس، فقد كان ولي وظيفة الأستادارية سنين ~~كثيرة، فكتب بيبرس بذلك يعرف السلطان والأمراء، فوردت كتبهم إلى ms2568 نائب ~~الإسكندرية بالاحتراز على مدينة إسكندرية وعلى من عنده من الأمراء ~~المسجونين وكتب السلطان أيضا إلى أكابر العربان بالبحيرة بالإنكار عليهم، ~~وبإمساك يلبغا المجنون ورفقته وكتب السلطان أيضا للأمير بيبرس أن يتجرد هو ~~وآقباي الحاجب وإينال باي بن قجماس وبيسق أمير آخور، وإينال حطب رأس نوبة، ~~وأربعمائة مملوك من المماليك السلطانية لقتال يلبغا المجنون وكتب السلطان ~~مثالا إلى عربان البحيرة بحط الخراج عنهم مدة ثلاث سنين. PageV03P0386 # وأما يلبغا المجنون فإنه عدى من البحيرة إلى الغربية خوفا من عرب ~~البحيرة، ودخل المحلة ونهب دار الكاشف، ودار إبراهيم بن بدوي كبيرها، وقبض ~~عليه وأخذ منه ثلاثمائة قفة فلوس. ثم عدى بعد أيام من سمنود إلى بر أشموم ~~طناح، وسار إلى الشرقية ونزل على مشتول الطواحين، وسار منها إلى العباسة، ~~فارتخت القاهرة وبعث الأمير بيبرس إلى بر الجيزة حيث الخيول مربوطة به على ~~الربيع، فأحضروها إلى القاهرة خوفا من يلبغا، لئلا يطرقها على حين غفلة. ~~وبينما بيبرس في ذلك ورد عليه الخبر بمخامرة كاشف الوجه القبلي مع العرب، ~~فاضطرب بيبرس وخاف على القاهرة، وكان فيه لين جانب وانعكاف على اللهو ~~والطرب، فشرع بيبرس في استخدام الأجناد وأراد بيبرس الخروج إلى يلبغا ~~المجنون، فمنع، وخرج إليه الأمير آقباي الحاجب، ويلبغا السالمي، وبيسق أمير ~~آخور، ومحمد بن سنقر في ثلاثمائة مملوك من المماليك السلطانية كما سنذكره. ~~وأما السلطان الملك الناصر فإنه لما سار بعساكره من الريدانية، استقل ~~بالمسير من يومه حتى نزل على منزلة تل العجول خارج مدينة غزة في ثامن عشر ~~رجب، وأقام به يومه، فلم يلبث إلا وجاليش الأمير تنم طرقه، ومقدم العسكر ~~المذكور الوالد، وصحبته من أكابر الأمراء والنواب: آقبغا الجمالي نائب حلب، ~~ودمرداش المحمدي نائب حماة، وألطنبغا العثماني نائب صفد، وجقمق الصفوي نائب ~~ملطية، وجماعة أخر. ومن أكابر الأمراء: أرغون شاه أمير مجلس، وفارس الحاجب، ~~وآقبغا الطولوتمري اللكاش، ويعقوب شاه، وجماعة كبيرة من الأمراء والعساكر، ~~فركبت العساكر المصرية في الحال، وقاتلوهم من بكرة النهار إلى قريب الظهر، ~~وكل من الفريقين يبذل ms2569 جهده في القتال، والحرب تشتد بينهم، إلى أن خرج من ~~جاليش عسكر تنم دمرداش المحمدي نائب حماة بمماليكه وطلبه، ثم تبعه ألطنبغا ~~العثماني نائب صفد بطلبه وعساكره، ثم صراي تمر الناصري أتابك حلب بمماليكه، ~~ثم جقمق الصفوي نائب ملطية بطلبه ومماليكه، ثم فرج بن منجك أحد أمراء ~~الألوف بطلبه ومماليكه، ثم تبعهم عدة أمراء أخر فعند ذلك انهزم الوالد بمن ~~بقي معه إلى نحو الأمير تنم، وملك السلطان الملك الناصر مدينة غزة، ونزل ~~على مصطبة السلطان. وأما تنم فإنه نزل بعساكره على مدينة الرملة، واجتمع ~~عليه الوالد بها بمن بقي معه في العساكر الشامية، وقص عليه ما وقع من أمر ~~القتال وهروب الأمراء من عسكره، فتأثر تنم قليلا. ثم أراد القبض على الأمير ~~بتخاص، فمنعه بعض أصحابه من ذلك، ثم أخذ يتهيأ لقتال المصريين، ولم يكترث ~~بما وقع لجاليشه لكثرة عساكره، وقوته بمن بقي معه من أكابر الأمراء وغيرهم. ~~وأما العسكر السلطاني المصري فإنهم لما دخلوا إلى غزة بلغهم أن تنم إلى ~~الآن لم يصل إلى الرملة بعساكره، وإنما الذي قاتلهم هو جاليش عسكره، فكثر ~~عند ذلك تخوفهم منه، وداخلهم الرعب، وعملوا بسبب ذلك مشورة، فاتفق الرأي أن ~~يتكلموا معه في الصلح، وأرسلوا إليه من غزة قاضي القضاة صدر الدين المناوي ~~الشافعي، ومعه المعلم نصر الدين محمد الرماح أمير آخور، وطغاي تمر مقدم ~~البريدية، فخرجوا الجميع من غزة في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رجب، وكتب ~~لتنم صحبتهم أمان من السلطان، وأنه باق على كفالته بدمشق إن أراد ذلك، وإلا ~~فيكون أتابك العساكر بمصر، وإليه تدبير ملك ابن أستاذه الملك الناصر فرج، ~~لا يشاركه في ذلك أحد. PageV03P0387 # ثم كتب إليه أعيان الأمراء يقولون: " أنت أبونا وأخونا وأستاذنا؛ فإن ~~أردت الشام فهي لك، وإن أردت مصر كنا مماليكك، وفي خدمتك؛ فصن دماء ~~المسلمين ودع عساكر مصر في قوتها، فإن خلفنا مثل تيمورلنك " ، وأشياء كثيرة ~~من أنواع التضرع إليه فسار إليه قاضي القضاة المذكور برفيقيه حتى وافاه ~~بمدينة الرملة وهو بمخيمه على ms2570 هيئة السلطان، والأتابك أيتمش عن يمينه ~~والوالد عن يساره، وبقية الأمراء على منازلهم ميمنة وميسرة فلما عاين تنم ~~قاضي القضاة المذكور، قام له واعتنقه، وأجلسه بجانبه؛ فحدثه قاضي القضاة ~~المذكور في الصلح، وأدى له الأمان ووعظه، وحفره الشقاق والخروج عن الطاعة؛ ~~ثم كلمه ناصر الدين الرماح وطغاي تمر بمثل ذلك، وترققا له عن لسان الأمراء، ~~وأن السلطان هو ابن الملك الظاهر برقوق، " ليس له من يقوم بنصرته غيرك " ، ~~فقال تنم: أنا مالي مع السلطان كلام، ولكن يرسل إلي يشبك الشعباني، وسودون ~~طاز وجركس المصارع،، وعدد جماعة أخر كثيرة، " ويعود الأمير الكبير أيتمش ~~وجميع رفقته على ما كانوا عليه أولا، فإن فعلوا ذلك وإلا فما بيني وبينهم ~~إلا السيف " . وصمم على ذلك، فراجعه قاضي القضاة غير مرة فيما يريده غير ~~ذلك، فأبى إلا ما قاله؛ فعند ذلك قام القاضي من عنده، فخرج معه تنم إلى ~~ظاهر مخيمه يوادعه فلما قدم صدر الدين المناوي على الملك الناصر وأعاد عليه ~~الجواب قال السلطان: " أنا ما أسلم لا لاتي لأحد " - يعني عن يشبك ~~الشعباني. وانفض الأمراء، وقد أجمعوا على قتاله. وركب تنم بعساكره من مدينة ~~الرملة يريد جهة غزة، وركب السلطان بعساكره من غزة يريد الرملة، إلى أن ~~أشرف على الجيتين قريب الظهر،فعاين تنم وقد عبأ عساكره، وهم نحو الخمسة ~~آلاف فارس، ونحو ستة آلاف راجل، وصف الأطلاب، فعبى أيضا الأمراء عسكر ~~السلطان ميمنة وميسرة، وقلبا في قلب في قلب، ولكل جملة رديف؛ وكان ذلك ~~تعبئة ناصر الدين المعلم، أخذت أنا هذه التعبئة عن الأتابك آقبغا التمرازي ~~عنه، انتهى. ثم تقدم العسكران وتصادما فلم يكن إلا أسرع وقت، وكانت الكسرة ~~على تنم وانهزم غالب عسكره من غير قتال، خذلانا من الله تعالى، لأنه تقنطر ~~عن فرسه في أوائل الحرب، فانكسرت عساكره لتقنطره في الحال ولوقوعه في ~~الأسر، وقبض عليه وعلى جماعة كبيرة من أعيان أصحابه من أكابر الأمراء ~~والنواب. ولقد سألت جماعة من أعيان مماليك تنم ممن كان في الوقعة المذكورة ~~عن سبب تقنطره، ms2571 فإنه لم يطعنه أحد من العسكر السلطاني، فقالوا: " كان في ~~فرسه الذي ركبه شؤم: إما شعر رسل أو تحجيل - منتهى الوهم مني - قالوا: ~~فكلمناه في ذلك ونهيناه عن ركوبه، فأبى إلا ركوبه، وقال: ما خبأته إلا لهذا ~~اليوم. فحال ما علا ظهره وحركه لينظر حال عسكره، ووغل في القوم، تقنطر به؛ ~~وقد كرت عساكره إلى نحوه، ولم يلحقه أحد من مماليكه، فظفر به ولما قبض على ~~تنم قبض معه بعد هزيمة عسكره على الأمير آقبغا الجمالي نائب حلب، ويونس ~~بلطا نائب طرابلس، وأحمد بن الشيخ علي نائب صفد كان، وجلبان قراسقل نائب ~~حلب كان، وفارس حاجب الحجاب، وبيغوت وبيرم رأس نوبة أيتمش، وشادي خجا، ومن ~~الطبلخانات والعشرات من أمراء مصر والشام ما ينيف على مائة أمير؛ وفر ~~الأتابك أيتمش والوالد، وأحمد بن يلبغا أمير مجلس كان، وأرغون شاه أمير ~~مجلس، ويعقوب شاه، وآقبغا اللكاش، وبي خجا طيفور نائب غزة كان، وجماعة أخر ~~في نحو ثلاثة آلاف مملوك، وتوجهوا إلى دمشق. ولما قبض على تنم أنزل في خيمة ~~وقيد؛ ثم شكا العطش وطلب ماء ليشربه، فقام الأمير قطلوبغا الحسني الكركي، ~~وهو يوم ذلك أحد أمراء الطبلخانات وشاد الشراب خاناه السلطانية، وتناول ~~الكوز وأخذ ششنة على عادة الملوك، ثم سقاه لتنم. وكان لما أمسك ادعى مملوك ~~من الظاهرية أنه قنطر تنم عن فرسه، وطلب إمرة عشرة، فلما بلغ ذلك تنم قال: ~~" اطلبوه إلى عندي " فأحضروه، فنظر إليه طويلا ثم قال له: " أنت تستأهل ~~إمرة عشرة وغيرها بدون ذلك، إلا أن الكذب قبيح هذا قرقلي إلى الآن علي أين ~~المكان الذي طعنتني فيه برمحك. أنا ما رماني إلا الله تعالى، ثم فرسي ~~الأشقر " . PageV03P0388 # وعندما أمسك تنم كتبت البشائر إلى الديار المصرية والبلاد الشامية بذلك، ~~ودقت البشائر وسار أيتمش ورفقته إلى نحو دمشق حتى وصلوها، فأراد الوالد ~~ويعقوب شاه وجماعة أن يتوجهوا إلى بلاد التركمان، حتى يأتيهم أمان من ~~السلطان، وأشاروا على أيتمش بذلك، فآمتنع أيتمش من ذلك، وأبى إلا دخول ~~دمشق؛ فحال دخولهم ms2572 إليها، وهم في أشد ما يكون من التعب، وقد كفت خيولهم، ~~ثار عليهم أمراء دمشق، وقبضوا على أيتمش والوالد، وآقبغا اللكاش وأحمد بن ~~يلبغا النابلسي، وحبسوا بدار السعادة. وفر من بقي ثم أمسك بعد يومين أرغون ~~شاه ويعقوب شاه وتتبع أمراء دمشق بقية أصحاب تنم من كل مكان حتى قبضوا على ~~جماعة كبيرة منهم. وأما يلبغا المجنون فإنه لما خرج إليه العسكر من مصر مع ~~آقباي الحاجب، سار آقباي إلى العباسية فلم يقف ليلبغا المجنون على خبر، ~~فقيل له إنه سار إلى قطيا، فنزل آقباي بالعساكر على الصالحية فلم يروا له ~~أثرا، فعادوا إلى القاهرة من غير حرب وسار ابن سنقر وبيسق نحو بلاد السباخ ~~فلم يجدا أحدا، فعادا إلى غيتا في يوم الجمعة وأقاما بها، فلم يشعرا إلا ~~ويلبغا المجنون قد طرقهما وقبض عليهما، وأخذ خطهما بجملة من المال، فارتخت ~~القاهرة لذلك ثم سار يلبغا بعد أيام، حتى نزل البئر البيضاء، فبعث له بيبرس ~~أمانا، فقبض على من حضر من عند بيبرس وطوقه بالحديد، فاستعد الناس تلك ~~الليلة بالقاهرة لقتاله، وباتوا على أهبة اللقاء وركب الأمراء بأسرهم من ~~الغد إلى قبة النصر خارج القاهرة، وصفوا عسكرهم من الغد. وبعد ساعة أقبل ~~يلبغا المجنون بجموعه، فواقعهم عند بساتين المطرية، ومعه نحو ثلاثمائة ~~فارس، فيهم واحد من مماليك الوالد يسمى كزل بغا، وصدمهم بمن معه، وقصد ~~القلب، وكان فيه سودون من زادة، وإينال حطب، ونحو ثلاثمائة مملوك من ~~المماليك السلطانية، فأطبق عليه الأمير بيبرس من الميمنة، ومعه يلبغا ~~السالمي الأستادار، وساعدهما إينال باي بن قجماس بمن معه من الميسرة، ~~فتقنطر سودون من زادة، وخرق يلبغا المجنون القلب في عشرين فارسا، وسار إلى ~~جهة الجبل الأحمر، وانكسر سائر من كان معه من الأمراء وغيرهم، فتبعهم ~~العسكر وفي ظنهم أن يلبغا المجنون فيهم، فأدركوا الأمير تمربغا المنجكي ~~بالزيات، وقبضوا عليه وأخذ طلب يلبغا المجنون من عند خليج الزعفران فوجدوا ~~فيه ابن سنقر وبيسق الشيخي أمير آخور اللذين كان قبض عليهما يلبغا المجنون ~~بالبئر ms2573 البيضاء، فأطلقوهما، وعاد العسكر إلى تحت قلعة الجبل وسار يلبغا ~~المجنون في عشرين فارسا مع ذيل الجبل إلى تجاه دار الضيافة؛ فلما رأى كثرة ~~من اجتمع من العامة خاف منهم أن يرجموه، فقال لهم: " أنتم ترجموني بالحجارة ~~وأنا أرجمكم بالذهب " ، فدعوا له وتركوه. فسار من خلف القلعة ومضى إلى جهة ~~الصعيد من غير أن يعرف الأمراء، وتوجه في نحو المائة فارس، وأخذ خيل والي ~~الفيوم، وانضم عليه جماعة من العربان. وأما السلطان الملك الناصر فإنه لما ~~كسر تنم وقبض عليه وعلى جماعة من أصحابه وقيدهم، أرسل في الحال سعد الدين ~~إبراهيم بن غراب إلى الشام لتحصيل الإقامات ثم ندب السلطان الأمير جكم من ~~عوض رأس نوبة للتوجه إلى دمشق لتقييد الأمير أيتمش ورفقته وإيداعهم بسجن ~~قلعة دمشق ثم خلع السلطان على الأمير سودون الدوادار المعروف بسيدي سودون ~~باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن الأمير تنم الحسني. وسار جكم وفعل ما أمر ~~به، ثم دخل بعده سودون نائب الشام إليها في ليلة الاثنين ثاني شعبان ومعه ~~الأمير تنم نائب الشام وعشرة أمراء في القيود، فحبس الجميع بقلعة دمشق. ثم ~~دخل السلطان الملك الناصر بعساكره وأمرائه إلى دمشق من الغد في يوم الاثنين ~~ثاني شعبان المذكور، فكان لدخوله يوم مشهود وأوقع ابن غراب الحوطة على ~~حواشي تنم، وعلى الأمير علاء الدين ابن الطبلاوي. PageV03P0389 # ثم أصبح السلطان من الغد وخلع على سيدي سودون بنيابة الشام ثانيا، وعلى ~~الأمير دمرداش المحمدي نائب حماة باستقراره في نيابة حلب عوضا عن آقبغا ~~الجمالي الأطروش، وعلى الأمير شيخ المحمودي المؤيد باستقراره في نيابة ~~طرابلس عوضا عن سودون بلطا، وعلى الأمير دقماق المحمدي باستقراره في نيابة ~~حماة عوضا عن دمرداش المحمدي، وعلى الأمير ألطنبغا العثماني باستمراره على ~~نيابة صفد، وعلى الأمير جنتمر التركماني نائب حمص بنيابة بعلبك، وعلى ~~الأمير بشباي من باكي باستقراره حاجب حجاب دمشق عوضا عن بي خجا المدعو ~~طيفور. واستمر السلطان بعساكره في دمشق إلى ليلة الأحد رابع عشر شعبان، ~~فاتفقت الأمراء المصريون على قتل ms2574 جماعة من المقبوض عليهم، فذبح في الليلة ~~المذكورة الأمير الكبير أيتمش البجاسي، وجلبان الكمشبغاوي المعروف بقراسقل ~~نائب حلب كان في دولة أستاذه الملك الظاهر برقوق، وأرغون شاه البيدمري ~~الظاهري أمير مجلس كان، وأحمد بن يلبغا العمري أمير مجلس كان وابن أستاذ ~~الملك الظاهر برقوق، وآقبغا الطولوتمري الظاهري اللكاش أحد أمراء الألوف ~~بالديار المصرية وأمير مجلس، وفارس الأعرج حاجب الحجاب بالديار المصرية، ~~وكان من الشجعان، وفيه يقول الشيخ المقرئ الأديب شهاب الدين أحمد الأوحدي: ~~يا دهر كم تفني الكرام عامدا ... هل أنت سبع للورى ممارس أيتمش رب العلا ~~صرعته ... ورحت للندب الهمام فارس والأمير يعقوب شاه الظاهري الحاجب الثاني ~~وأحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، وبي خجا المدعو طيفور نائب غزة كان ثم ~~حاجب حجاب دمشق، والأمير بيغوت اليحياوي الظاهري أحد أمراء الطبلخانات، ~~والأمير مبارك المجنون، والأمير بهادر العثماني الظاهري نائب البيرة وجميع ~~من قتل من هؤلاء المذكورين هم من عظماء مماليك الملك الظاهر برقوق، قتلتهم ~~خجداشيتهم بذنب واحد لأجل الرئاسة، ولم يكن فيهم غير ظاهري إلا الأتابك ~~أيتمش، وهو أيضا ممن أقامه الملك الظاهر برقوق وأنشأه، بل كان اشتراه أيضا ~~في سلطنته الأولى حسب ما ذكرناه وكان أيتمش عند الظاهر بمنزلة عظيمة لسلامة ~~باطنه، ولين جانبه وشيخوخته؛ فإنه كان بمعزل عن إثارة الفتن؛ ويكفيك أن ~~منطاشا لما ملك الديار المصرية، بعد خلع الظاهر برقوق والقبض على الناصري، ~~قتل غالب حواشي الملك الظاهر برقوق، وكان أيتمش في حبسه بقلعة دمشق وهو ~~أتابك العساكر وعظيم دولة برقوق، فلم يتعرض إليه بسوء، لكونه كان مكفوفا عن ~~الشرور والفتن، إلا هؤلاء القوم، فإنهم لما ظفروا بتنم وأصحابه لم يرحموا ~~كبيرا لكبره ولا صغيرا لصغره، ولهذا سلط الله تعالى بعضهم على بعض، إلى أن ~~تفانوا جميعا. ثم جهزوا رأس الأتابك أيتمش المذكور، ورأس فارس الحاجب لا ~~غير إلى الديار المصرية، فعلقتا بباب قلعة الجبل، ثم بباب زويلة أياما، ثم ~~سلمتا إلى أهلهما. ثم خلع السلطان الملك الناصر على الأمير يشبك الشعباني ~~الخازندار باستقراره دوادارا كبيرا عوضا ms2575 عن سيدي سودون المنتقل إلى نيابة ~~الشام واستمر السلطان بدمشق إلى ليلة الخميس رابع شهر رمضان، فقتل في ~~الليلة المذكورة الأمير تنم الحسني نائب الشام بمحبسه بقلعة دمشق، وقتل معه ~~الأمير سودون بلطا نائب طرابلس أيضا، خنقا بعد أن استصفيت أموالهما ~~بالعقوبة، ثم سلما إلى أهلهما، فدفن تنم بتربته التي أنشأها عند ميدان ~~الحصى خارج دمشق. وكان تنم المذكور - رحمه الله - من محاسن الدنيا، وكانت ~~مدة ولايته على دمشق سبع سنين وستة أشهر ونصفا. ولقد أخبرني بعض مماليك ~~الوالد - رحمه الله - قال: لما حضر تيمورلنك العساكر المصرية بدمشق، كان ~~الوالد يوم ذلك متولي نيابة دمشق، وكان مقيما على بعض أبواب دمشق لحفظها، ~~وكان نوروز الحافظي على باب آخر؛ فركب نوروز الحافظي في بعض الأيام، وأتى ~~الوالد ووقف يحدثه، فكان من جملة كلامه للوالد: يا فلان، انظر عساكر هذا ~~اللعين ما أكثرها! والله لو عاش أستاذنا لما قدر عليه لكثرة عساكره فتبسم ~~الوالد وخاشنه في اللفظ يمازحه، وقال له: والله لو كان تنم حيا للقيه من ~~الفرات وهزمه أقبح هزيمة؛ وإنما عساكرنا الآن مفلولة، وآراؤهم مختلفة، وليس ~~فيهم من يرجع إلى كلامه، فلهذا كان ما ترى. انتهى. PageV03P0390 # ثم دفن سودون بلطا بصالحية دمشق، وكان أيضا ولي نيابة طرابلس نحو بست ~~سنين. ثم قتل جميع من كان من أصحاب أيتمش وتنم، ولم يبق منهم إلا آقبغا ~~الجمالي الأطروش نائب حلب، والوالد أبقي لشفاعة أخته خوند شيرين. أم ~~السلطان الملك الناصر فرج فيه، فإنها كانت ألزمت الأمير نوروز الحافظي ~~والأمير يشبك الشعباني بالوالد وحرضتهما على بقائه، وكان لها يوم ذلك جاه ~~كبير لسلطنة ولدها الملك الناصر، ثم أوصت ولدها الملك الناصر أيضا به، فزاد ~~ذلك فسحة الأجل فأبقي وأما آقبغا الأطروش فإنه بذل في إبقائه مالا كبيرا ~~للأمراء فأبقي. ثم خلع السلطان على الأمير بتخاص السودوني باستقراره في ~~نيابة الكرك عوضا عن سودون الظريف. ثم خرج السلطان بعساكره وأمرائه من ~~مدينة دمشق في يوم رابع شهر رمضان صبيحة قتل تنم وسودون يريد الديار ms2576 ~~المصريه. وسار حتى نزل غزة في ثاني عشر شهر رمضان المذكور وقتل بغزة علاء ~~الدين على ابن الطبلاوي أحد أصحاب تنم ثم خرج من غزة وسار يريد القاهرة حتى ~~وصلها في سادس عشرين رمضان من سنة اثنتين وثمانمائة، بعد أن زينت القاهرة، ~~وفرشت له الشقاق الحرير من تربة الأمير يونس الدوادار بالصحراء إلى قلعة ~~الجبل، وكان يوم دخوله إلى مصر من الأيام المشهودة، وطلع إلى القلعة وكثرت ~~التهاني بها لمجيئه. ثم في ثامن عشرينه أنعم السلطان على الأمير قطلوبغا ~~الكركي الحسني الظاهري بإقطاع سيدي سودون نائب الشام، وأنعم على الأمير ~~آقباي الكركي الخازندار بإقطاع شيخ المحمودي المنتقل إلى نيابة طرابلس، ~~وأنعم على الأمير جركس القاسمي المصارع بإقطاع مبارك شاه، وأنعم على الأمير ~~جكم من عوض بإقطاع دقماق المحمدي نائب حماة، والجميع تقادم ألوف، وأنعم على ~~الأمير الطواشي مقبل الزمام بإقطاع الطواشي بهادر الشهباني مقدم المماليك ~~بعد موته، وأنعم بإقطاع مقبل على الطواشي صواب السعدي المعروف بشنكل، وقد ~~استقر مقدم المماليك بعد موت بهادر المذكور، وأنعم بإقطاع صواب المذكور على ~~الطواشي شاهين الألجائي نائب مقدم المماليك. ثم قدم على السلطان مملوك ~~الأمير يلبغا المجنون من بلاد الصعيد بكتاب يلبغا المجنون يسأل في نيابة ~~الوجه القبلي، فرسم السلطان أن يخرج إليه تجريدة من الأمراء وهم: الأمير ~~نوروز الحافظي وهو مقدم العسكر المذكور، وبكتمر أمير سلاح، وآقباي الحاجب، ~~وتمراز أمير مجلس، ويلبغا الناصري، وإينال باي بن قجماس، وأسنبغا الدوادار، ~~وتتمة ثمانية عشر أميرا؛ وخرجوا من القاهرة في ثالث عشر شوال، ومعهم نحو ~~خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية. وفي صبيحة يوم خروج العسكر، ورد ~~الخبر على السلطان بأن الأمير محمد بن عمر بن عبد العزيز الهواري حارب ~~يلبغا المجنون، وأنه قبض على أمير علي دواداره، وعلى نائب الوجه البحري، ~~وعلى الأمير إياس الكمشبغاوي الخاصكي، وعلى جماعة من أصحابه، وأن يلبغا ~~المجنون فر بعد أن انهزم ونزل إلى البحر بفرسه فغرق، وأنه أخرج من النيل ~~ميتا، فوجدوه قد أكل السمك لحم وجهه، فسر السلطان والأمراء ms2577 بذلك، وخرج ~~البريد في الوقت بعود الأمراء المجردين إلى القاهرة. ثم في ثامن عشره خرج ~~أمير حاج المحمل بيسق الشيخي أمير آخور الثاني بالمحمل، وكان تكلم الناس ~~بعدم سفر الحاج في هذه السنة ولم يكن لذلك أصل. ثم ابتدأت الفتنة بين ~~الأمير يشبك الشعباني الدوادار وبين الأمير سودون من علي بك المعروف بطاز ~~الأمير آخور الكبير؛ ووقع بينهما أمور. فلما كان يوم ثامن عشرين شوال ~~المذكور منع جميع مباشري الدولة بديار مصر من النزول إلى بيت الأمير يشبك ~~الدوادار؛ وذلك أن المباشرين بأجمعهم الكبير منهم والصغير كانوا ينزلون في ~~خدمة يشبك منذ قدم السلطان من دمشق، فعظم ذلك على سودون طاز، وتفاوض معه في ~~مجلس السلطان في كفه عن ذلك، حتى أذعن يشبك، فمنعوا؛ ثم نزلوا إليه على ~~عادتهم، وصاروا جميعا يجلسون عنده من غير أن يقفوا، وكانوا من قبل يقفون ~~على أقدامهم. PageV03P0391 # ثم في ثاني ذي القعدة ورد الخبر على السلطان من حلب بواقعة الأمير دمرداش ~~المحمدي نائب حلب مع السلطان أحمد بن أويس صاحب بغداد والعراق. وخبره أن ~~القان غياث الدين أحمد بن أويس المذكور لما ملك بغداد بعد حضوره إلى الديار ~~المصرية حسب ما تقدم ذكره في ترجمة الملك الظاهر برقوق الثانية، فأخذ ~~السلطان أحمد المذكور يسير مع أمرائه ورعيته سيرة سيئة، فركبوا عليه ~~وقاتلوه، وكاتبوا صاحب شيراز في القدوم عليهم لأخذ بغداد. وخرج ابن أويس ~~منهزما إلى الأمير قرايوسف يستنجده، فركب معه قرايوسف وسار إلى بغداد، فخرج ~~إليهما أهل بغداد، وقاتلوهما وكسروهما بعد حروب طويلة فانهزما إلى شاطىء ~~الفرات، وبعثا يسألان الأمير دمرداش نائب حلب في نزولهما ببلاد الشام؛ ففي ~~الحال استدعى دمرداش دقماق نائب حماة بعساكره إلى حلب فقدم عليه، وخرجا معا ~~في عسكر كبير وكبسا ابن أويس وقرايوسف، وهما في نحو سبعة آلاف فارس، ~~فاقتتلا قتالا شديدا في يوم الجمعة رابع عشرين شوال، قتل فيه الأمير جانبك ~~اليحيائي أتابك حلب، وأسر دقماق المحمدي نائب حماة، وانهزم دمرداش المحمدي ~~نائب حلب، وفر فيمن بقي من ms2578 عسكره إلى حلب، ثم لحقه دقماق بعد أن فدى نفسه ~~بمائة ألف درهم وحضر الوقعة الأمير سودون من زادة المتوجه بالبشارة إلى ~~البلاد الشامية بسلامة السلطان، وقدم مع ذلك كتب ابن أويس وقرايوسف على ~~السلطان تتضمن: " إنا لم نجىء محاربين، وإنما جئنا مستجيرين مستنجيدين ~~بسلطان مصر، على عوائد فضل أبيه الملك الظاهر - رحمه الله - فحاربنا هؤلاء ~~بغتة، فدافعنا عن أنفسنا وإلا كنا هلكنا، فلم يلتفت أهل الدولة إلى كتبهما، ~~وكتبوا إلى نائب الشام بمسيره بعساكر الشام وقتال بن أويس وقرايوسف والقبض ~~عليهما وإرسالهما إلى مصر. هذا وخوند شيرين والدة الملك الناصر فرج مستمرة ~~السعي في الإفراج عن الوالد من سجنه بقلعة دمشق، إلى أن أجاب الأمراء إلى ~~ذلك، وكتب بالإفراج عنه وعن الأمير آقبغا الجمالي الأطروش نائب حلب في يوم ~~عرفة من محبسهما بقلعة دمشق، وحملا إلى القدس بطالين بها. وبينما القوم في ~~انتظار ما يرد عليهم من أمر السلطان أحمد بن أويس وقرايوسف، قدم عليهم ~~الخبر من حلب بنزول تيمورلنك على مدينة سيواس وأنه حارب سليمان بن أبي يزيد ~~بن عثمان، فانهزم سليمان المذكور إلى أبيه بمدينة برصا، ومعه قرايوسف، وأخذ ~~تيمور سيواس وقتل من أهلها مقتلة عظيمة. ثم وصلت بعد قليل رسل ابن عثمان ~~إلى الديار المصرية وكتابه يتضمن اجتماع الكلمة، وأن يكون مع السلطان عونا ~~على قتال هذا الطاغية تيمورلنك، ليستريح الإسلام والمسلمون منه، وأخذ يتخضع ~~ويلح في كتابه على اجتماع الكلمة، فلم يلتفت أحد إلى كلامه، وقال أمراء مصر ~~يوم ذاك: " الآن صار صاحبنا وعندما مات أستاذنا الملك الظاهر برقوق مشى على ~~بلادنا، وأخذ ملطية من عملنا، فليس هو لنا بصاحب: يقاتل هو عن بلاده، ونحن ~~نقاتل عن بلادنا ورعيتنا " وكتب له عن السلطان بمعنى هذا اللفظ. وكان ما ~~قاله أبو يزيد بن عثمان من أكبر المصالح، فإنه حدثني فيما بعد الأمير ~~أسنباي الظاهري الزردكاش، وكان أسره تيمور وحظي عنده وجعله زردكاشه، قال: ~~قال لي تيمورلنك ما معناه أنه لقي في عمره عساكر كثيرة وحاربها، لم ms2579 ينظر ~~فيها مثل عسكرين: عسكر مصر وعسكر ابن عثمان المذكور. غير أن عسكر مصر كان ~~عسكرا عظيما ليس له من يقوم بتدبيره لصغر سن الملك الناصر فرج، وعدم معرفة ~~من كان حوله من الأمراء بالحروب، وعسكر ابن عثمان المذكور، غير أنه كان أبو ~~يزيد صاحب رأي وتدبير وإقدام، لكنه لم يكن من العساكر من يقوم بنصرته. ~~PageV03P0392 # قلت: ولهذا قلت إن المصلحة كانت تقتضي الصلح مع سليمان بن أبي يزيد ابن ~~عثمان المذكور فإنه كان يصير للعساكر المصرية من يدبرها، ويصير لابن عثمان ~~المذكور عساكر مصر مع عساكره عونا، فكان تيمور لا يقوى على مدافعتهم، فإن ~~كلا من العسكرين كان يقوى على دفعه لولا ما ذكرناه، فما شاء الله كان. وبعد ~~أن كتب لابن عثمان بذلك لم يتأهب أحد من المصريين لقتال تيمور، ولا التفت ~~إلى ذلك، بل كان جل قصد كل أحد منهم ما يوصله إلى سلطنة مصر وإبعاد غيره ~~عنها، ويدع الدنيا تنقلب ظهرا لبطن؛ فإنه مع ورود هذا الخبر المزعج بلغ ~~السلطان والأمراء أن الأمير قاني باي العلائي الظاهري أحد أمراء الطبلخانات ~~ورأس نوبة يريد إثارة فتنة، فطلبه السلطان وأمره بلبس التشريف بنيابة غزة، ~~فامتنع من لبسه، فأمر السلطان به فقبض عليه وسلم للأمير آقباي الحاجب، ~~فأخذه ونزل إلى داره وأقام عنده إلى آخر النهار؛ فاجتمع عليه طائفة من ~~المماليك السلطانية يريدون أخذه من آقباي الحاجب غصبا، فخاف آقباي وطلع به ~~إلى القلعة، فطلب السلطان الأمراء وتشاوروا في أمره، فاتفقوا على إبقائه في ~~إمرته ووظيفته. ثم في خامس عشرين المحرم من سنة ثلاث وثمانمائة ورد البريد ~~على السلطان من حلب بأخذ تيمور ملطية، ثم وصل من الغد البريد أيضا بوصول ~~أوائل عسكر تيمورلنك إلى مدينة عينتاب، وفي الكتاب: أدركوا المسلمين وإلا ~~هلكوا. فاستدعى السلطان بعد يومين الخليفة والقضاة والأمراء وأعيان الدولة، ~~وأعلموا أن تيمورلنك وصلت مقدمته إلى مرعش وعينتاب وكان القصد بهذا الجمع ~~أخذ مال التجار إعانة على النفقة في العساكر، فقال القضاة: " أنتم أصحاب ~~الأمر والنهي، وليس ms2580 لكم فيه معارض وإن كان القصد الفتوى في ذلك فلا يجوز ~~أخذ مال أحد يخاف على العساكر من الدعاء " فقيل لهم نأخذ نصف الأوقاف من ~~البلاد، نقطعها للأجناد البطالين، فإن الأجناد قلت لكثرة الأوقاف، فقال ~~القضاة: وما قدر ذلك؛ ومتى اعتمدتم على البطالين في الحرب خيف أن يؤخذ ~~الإسلام. وطال الكلام في ذلك حتى استقر الرأي على إرسال الأمير أسنبغا ~~الدوادار لكشف الأخبار، وتجهيز عساكر الشام إلى جهة تيمورلنك. وسار أسنبغا ~~في خامس صفر من سنة ثلاث المذكورة على البريد، ووقع التخذيل والتقاعد ~~لاختلاف الكلمة وكثرة الآراء. هذا وأهل البلاد الشامية في أمر لا يعلمه إلا ~~الله تعالى، مما داخلهم من الرعب والخوف وقصد كل واحد أن يرحل من بلده، ~~فمنعه من ذلك حاكم بلده، ووعده بحضور العساكر المصرية والدفع عنهم. ثم بعد ~~أيام قدم البريد بكتاب نائب حلب الأمير دمرداش المحمدي، وصحبته أيضا كتاب ~~أسنبغا الدوادار بأن تيمور نزل على قلعة بهسنا، بعد ما ملك مدينتها، وأنه ~~مستمر على حصارها، وقد وصلت عساكره إلى عينتاب ووصل هذا الخبر إلى مصر في ~~يوم رابع عشرين صفر المذكور، فوقع الشروع عند ذلك في حركة سفر السلطان ثم ~~علق جاليش السفر في يوم ثالث شهر ربيع الأول. وكان من خبر أسنبغا الدوادار ~~أنه وصل إلى دمشق في سابع صفر، فقرأ كتاب السلطان في الجامع الأموي، وهو ~~يتضمن تجهيز العساكر الشامية وخروجهم لقتال تيمور وقدم في تاسعه رسول تيمور ~~إلى الشام وعلى يده مطالعات تيمور للمشايخ والقضاة والأمراء، بأنه قدم في ~~عام أول إلى العراق، يريد أخذ القصاص ممن قتل رسله بالرحبة، ثم عاد إلى ~~الهند، فبلغه موت الملك الظاهر، فعاد وأوقع بالكرج، ثم قصد الروم لما بلغه ~~قلة أدب هذا الصبي سليمان بن أبي يزيد بن عثمان أن يعرك أذنه، فتوجه إليه ~~وفعل بسيواس وغيرها من بلاد الروم ما بلغكم، ثم قصد بلاد مصر ليضرب بها ~~السكة، ويذكر اسمه في الخطبة، ثم يرجع، وطلب في الكتاب أن يرسل إليه أطلمش ~~المقبوض عليه ms2581 من أمرائه قبل تاريخه، في دولة الملك الظاهر برقوق، " وإن لم ~~ترسلوه يصير دماء المسلمين في ذمتكم " ، فلم يلتفت سودون نائب الشام إلى ~~كلامه، وأمر بالرسول فوسط. PageV03P0393 # وتوجه أسنبغا إلى حلب فوجد الأخبار صحيحة؛ فكتب بما رآه وعلمه إلى الديار ~~المصرية صحبة كتاب نائب حلب، فوصلت الكتب المذكورة إلى مصر في ثالث شهر ~~ربيع الأول. وكان ما تضمنته الكتب أن تيمور نزل على بزاعة ظاهر حلب، وقد ~~اجتمع بحلب سائر نواب البلاد الشامية، واستحث في خروج السلطان بالعساكر من ~~مصر إلى البلاد الشامية، وأن تيمور لما نزل على بزاعة خرج الأمير شيخ ~~المحمودي نائب طرابلس هو الملك المؤيد وبرز إلى جاليش تيمورلنك في سبعمائة ~~فارس، والتتار في نحو ثلاثة آلاف فارس، وترامى الجمعان بالنشاب، ثم اقتتلوا ~~ساعة، وأخذ شيخ من التتار أربعة، وعاد كل من الفريقين إلى موضعه، فوسط ~~الأربعة على أبواب مدينة حلب بحضرة من اجتمع بحلب من النواب، وكان الذي ~~اجتمع بها: الأمير سودون نائب الشام بعساكر دمشق وأجنادها وعشيرها، ونائب ~~طرابلس شيخ المحمودي المذكور بعساكر طرابلس وأجنادها ورجالتها، ونائب حماة ~~دقماق المحمدي بعساكر حماة وعربانها، ونائب صفد ألطنبغا العثماني بعساكر ~~صفد وعشيرها، ونائب غزة عمر بن الطحان بعساكرها، فاجتمع منهم بحلب عساكر ~~عظيمة، غير أن الكلمة متفرقة، والعزائم محلولة لعدم وجود السلطان انتهى. ~~وكان تيمور لما نزل على عينتاب أرسل رسوله إلى الأمير دمرداش المحمدي نائب ~~حلب يعده باستمراره على نيابة حلب، ويأمره بمسك سودون نائب الشام، فإنه كان ~~قتل رسوله الذي وجهه إلى دمشق قبل تاريخه فأخذ دمرداش الرسول وأحضره إلى ~~النواب، فأنكر الرسول مسك سودون نائب الشام، وقال لدمرداش: " إن الأمير - ~~يعني تيمور - لم يأت البلاد بمكاتباتك إليه، وأنت تستدعيه أن ينزل على حلب، ~~وأعلمته أن البلاد ليس بها أحد يدفع عنها فحنق منه دمرداش لما سمع منه هذا ~~الكلام، وقام إليه وضربه، ثم أمر به، فضربت رقبته. ويقال إن كلام هذا ~~الرسول كان من تنميق تيمورلنك وعدائه ومكره ليفرق بذلك بين العساكر، فعلم ~~الأمراء ms2582 ذلك، ولم يقع ما قصده - ومن الحلبيين جماعة يقولون إلى الآن إنه ~~كاتب تيمور وتقاعد عن القتال. والله أعلم بصحة ذلك. ثم اجتمع الأمراء ~~والنواب على قتال تيمور، وتهيأ كل منهم للقائه بعد أن يئسوا من مجيء ~~السلطان وعساكره، لعلمهم بعدم رأي مدبري مملكة مصر من الأمراء، ولصغر سن ~~السلطان، وقد فات الأمر، وهم في قلة إلى الغاية بالنسبة إلى عساكر تيمور ~~وجنوده وجموعه؛ وكان الأليق خروج السلطان من مصر بعساكره ووصوله إلى حلب ~~قبل رحيل تيمور من سيواس، كما فعل الملك الظاهر برقوق - رحمه الله - فيما ~~تقدم ذكره. PageV03P0394 # وبينما النواب في إصلاح شأنهم للقتال، نزل تيمور بعساكره على قرية حيلان، ~~خارج حلب في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الأول وأحاط بمدينة حلب وأصبح من ~~الغد في يوم الجمعة، زحف على مدينة حلب وأحاط بسورها، فكانت بين أهل حلب ~~وبينه في هذين اليومين حروب كثيرة، ومناوشات بالنشاب والنفوط والمكاحل. ~~وركب أهل حلب أسوار المدينة وقاتلوه أشد قتال فلما أشرقت الشمس يوم السبت ~~حادي عشره خرج نواب الشام بجميع عساكرها وعامة أهل حلب إلى ظاهر مدينة حلب، ~~وعبأوا الأطلاب والعساكر لقتال تيمور، ووقف سيدي سودون نائب دمشق بمماليكه، ~~وعساكر دمشق في الميمنة، ووقف دمرداش نائب حلب بمماليكه، وعساكر حلب في ~~الميسرة، ووقف بقية النواب في القلب، وقدموا أمامهم أهل حلب المشاة، فكانت ~~هذه التعبية من أيشم التعابي، هذا مع ادعاء دمرداش بالمعرفة لتعبية ~~العساكر. وحال وقوف الجميع في منازلهم، زحف تيمور بجيوش قد سدت الفضاء، ~~وصدم عساكر حلب صدمة هائلة؛ فالتقاه النواب وثبتوا لصدمته أولا، ثم انكسرت ~~الميسرة، وثبت سودون نائب الشام في الميمنة، وأردفه شيخ نائب طرابلس ~~وقاتلاه قتالا عظيما وبرز الأمير عز الدين أزدمر أخو الأتابك إينال اليوسفي ~~وولده يشبك بن أزدمر في عدة من الفرسان، وقد بذلوا نفوسهم في سبيل الله، ~~وقاتلوا قتالا شديدا، وأبلوا بلاء عظيما، وظهر عن أزدمر وولده يشبك من ~~الشجاعة والإقدام ما لعله يذكر إلى يوم القيامة. ولم يزل أزدمر يقتحم القوم ~~يكر فيهم ms2583 إلى أن قتل وفقد خبره، فإنه لم يقتل إلا وهو في قلب العدو، وسقط ~~ولده يشبك بين القتلى وقد أثخنت جراحاته، وصار في رأسه فقط زيادة على ~~ثلاثين ضربة بالسيف وغيره، سوى ما في بدنه. ثم أخذ يشبك، وحمل إلى بين يدي ~~تيمور، فلما رأى تيمور ما به من الجراح تعجب من إقدامه وثباته غاية العجب، ~~وأمر بمداواته، فيما قيل ولم تمض غير ساعة حتى ولت العساكر الشامية منهزمة ~~يريدون مدينة حلب، وركب أصحاب تيمور أقفيتهم، فهلك تحت حوافر الخيل من ~~البشر ومن أهل حلب وغيرها من المشاة ما لا يدخل تحت حصر، فإن أهل حلب خرجوا ~~منها لقتال تيمور، حتى النساء والصبيان، وازدحم الناس مع ذلك في دخولهم إلى ~~أبواب المدينة، وداس بعضهم بعضا، حتى صارت الرمم طول قامة، والناس تمشي من ~~فوقها. وقصد نواب المماليك الشامية قلعة حلب وطلعوا إليها، فدخلها معهم ~~خلائق من الحلبيين وكانوا قبل ذلك قد نقلوا إليها سائر أموال الناس بحلب. ~~هذا وقد اقتحم عساكر تيمور مدينة حلب في الحال، وأشعلوا فيها النيران ~~وأخذوا في الأسر والنهب والقتل، فهرب سائر نساء البلد والأطفال إلى جامع ~~حلب وبقية المساجد، فمال أصحاب تيمور عليهن، وربطوهن بالحبال أسرى ثم وضعوا ~~السيف في الأطفال، فقتلوهم بأسرهم وشرعوا في تلك الأفعال القبيحة على ~~عادتهم، وصارت الأبكار تفتض من غير تستر، والمخدرات يفسق فيهن من غير ~~احتشام، بل يأخذ التتري الواحدة ويعلوها في المسجد والجامع بحضرة الجم ~~الغفير من أصحابه ومن أهل حلب، فيراها أبوها وأخوها وزوجها وولدها ولا يقدر ~~أن يدفع عنها لقلة مقدرته، ولشغله بنفسه بما هو فيه من العقوبة والعذاب، ثم ~~ينزل عنها الواحد فيقوم لها آخر وهي مكشوفة العورة. ثم بذلوا السيف في عامة ~~حلب وأجنادها حتى امتلأت الجوامع والطرقات بالقتلى، وجافت حلب، واستمر هذا ~~من ضحوة نهار السبت إلى أثناء يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الأول. هذا ~~والقلعة في أشد ما يكون من الحصار والقتال، وقد نقبها عسكر تيمور من عدة ~~أماكن، وردم خندقها ولم ms2584 يبق إلا أن تؤخذ. فتشاور النواب والأعيان الذين ~~بالقلعة، فأجمعوا على طلب الأمان؛ فأرسلوا لتيمور بذلك، فطلب تيمور نزول ~~بعض النواب إليه فنزل إليه دمرداش نائب حلب، فخلع عليه، ودفع إليه أمانا ~~وخلعا إلى النواب، وأرسل معه عدة وافرة من أصحابه إلى قلعة حلب، فطلعوا ~~إليها وأخرجوا النواب منها بمن معهم من الأمراء والأعيان، وجعلوا كل اثنين ~~في قيد، وأحضروا الجميع إلى تيمور وأوقفوا بين يديه فنظر إليهم طويلا وهم ~~وقوف بين يديه ورئيسهم سودون نائب الشام. ثم أخذ يقرعهم ويوبخهم ويلوم ~~سودون نائب الشام في قتله لرسوله، ويكثر له من الوعيد. ثم دفع كل واحد منهم ~~إلى من يحتفظ به. PageV03P0395 # ثم سيقت إليه نساء حلب سبايا وأحضرت إليه الأموال والجواهر والآلات ~~الفاخرة، ففرقها على أمرائه وأخصائه. واستمر النهب والسبي والقتل بحلب في ~~كل يوم، مع قطع الأشجار وهدم البيوت وإحراق المساجد وجافت حلب وظواهرها من ~~القتلى، بحيث صارت الأرض منهم فراشا، لا يجد الشخص مكانا يمشي عليه إلا ~~وتحت رجليه رمة قتيل. وعمل تيمور من رؤوس المسلمين منابر عدة مرتفعة من ~~الأرض نحو عشرة أذرع في دور عشرين ذراعا، حسب ما فيها من رؤوس بني آدم فكان ~~زيادة على عشرين ألف رأس، ولما بنيت جعلت الوجوه بارزة يراها من يمر بها. ~~ثم رحل تيمور من حلب بعد أن أقام بها شهرا، وتركها خاوية على عروشها، خالية ~~من سكانها وأنيسها، قد خربت وتعطلت من الأذان والصلوات، وأصبحت خرابا يبابا ~~مظلمة بالحريق موحشة قفرا، لا يأويها إلا البوم والرخم. وسار تيمور قاصدا ~~جهة دمشق، فمر بمدينة حماة، وكان أخذها ابنه ميران شاه. وكان من خبرها أن ~~ميران شاه بن تيمور نزل عليها بكرة يوم الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول ~~المذكور، وأحاط بها بعساكره، بعد أن نهب خارج مدينة حماة، وسبى النساء ~~والأطفال، وأسر الرجال، واستمرت أيدي أصحابه يفعلون في النساء والأبكار تلك ~~الأفعال القبيحة، وخربوا جميع ما هو خارج عن سور المدينة. هذا وقد استعد ~~أهل حماة للقتال، وركب الناس ms2585 سور المدينة، وامتنعوا من تسليم المدينة، ~~وباتوا على ذلك فلما أصبحوا خادعهم ابن تيمور، ففتحوا له بابا من أبواب ~~المدينة، ودخل ابن تيمور المذكور مدينة حماة ونادى بالأمان؛ فقدم الناس ~~عليه، وقدموا له أنواع المطاعم، فقبلها منهم، وعزم أن يقيم رجلا من أصحابه ~~عليها، فقيل له: إن الأعيان قد خرجوا منها، فخرج إلى مخيمه وبات به. ثم رحل ~~يوم الخميس عنها ووعد الناس بخير؛ ومع ذلك فإن قلعة حماة لم يتسلمها، بل ~~كانت امتنعت عليه. فلما كان ليلة الجمعة نزل أهل القلعة وقتلوا من أصحاب ~~ابن تيمور رجلين كان أقرهما بالمدينة، فلما بلغ ذلك ابن تيمور رجع إليها ~~وآقتحم البلد، وأشعل النار بها، وأخذ أصحابه يقتلون ويأسرون وينهبون حتى ~~صارت كمدينة حلب غير أنه كان رفق بأهل حلب، فإنه كان سأل قضاة حلب لما ~~صاروا في أسره عن قتاله، ومن الشهيد. فأجاب محب الدين محمد بن محمد بن ~~الشحنة الحنفي بأن قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا، ~~فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد، فأعجبه ذلك، وحادثهم، ~~فطلبوا منه أن يعفو عن أهل حلب، ولا يقتل أحدا؛ فأمنهم جميعا وحلف لهم، ~~فحصل بذلك بعض رفق بالنسبة إلى غيرهم. وأما أهل دمشق، فإنه لما قدم عليهم ~~الخبر بأخذ حلب، نودي في الناس بالرحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة، ~~والاستعداد لقتال العدو المخذول، فأخذوا في ذلك؛ فقدم عليهم المنهزمون من ~~حماة، فعظم خوف أهلها، وهموا بالجلاء، فمنعوا من ذلك، ونودي: من سافر نهب، ~~فعاد إليها من كان خرج منها وحصنت دمشق، ونصبت المجانيق على قلعة دمشق، ~~ونصبت المكاحل على أسوار المدينة، واستعدوا للقتال استعدادا جيدا إلى ~~الغاية. ثم وصلت رسل تيمور إلى نائب الغيبة بدمشق ليتسلموا منه دمشق، فهم ~~نائب الغيبة بالفرار، فرده العامة ردا قبيحا وصاح الناس وأجمعوا على الرحيل ~~عنها، واستغاث النساء والصبيان، وخرجت النساء حاسرات لا يعرفن أين يذهبن، ~~حتى نادى نائب الغيبة بالاستعداد. وقدم الخبر في أثناء ذلك بمجيء السلطان ~~إلى ms2586 البلاد الشامية، ففتر عزم الناس عن الخروج من دمشق ما لم يحضر السلطان. ~~وأما أمراء الديار المصرية فإنه لما كان ثامن عشر ضهر ربيع الأول، وهو بعد ~~أخذ تيمور لمدينة حلب بسبعة أيام، فرقت الجماكي على المماليك السلطانية ~~بسبب السفر. ثم في عشرينه نودي على أجناد الحلقة بالقاهرة أن يكونوا في يوم ~~الأربعاء ثاني عشرينه في بيت الأمير يشبك الشعباني الدوادار للعرض عليه. ثم ~~في خامس عشرينه ورد عليهم الخبر بأخذ تيمور مدينة حلب، وأنه يحاصر قلعتها، ~~فكذبوا ذلك؛ وأمسك المخبر وحبس حتى يعاقب بعد ذلك على افترائه ووقع الشروع ~~في النفقة، فأخذ كل مملوك ثلاثة آلاف وأربعمائة درهم. ثم خرج الأمير سودون ~~من زادة والأمير إينال حطب على الهجن في ليلة الأربعاء تاسع عشرينه لكشف ~~هذا الخبر. PageV03P0396 # ثم ركب الشيخ سراج الدين عمر البلقيني وقضاة القضاة والأمير آقباي ~~الحاجب، ونودي بين أيديهم: الجهاد في سبيل الله تعالى لعدوكم الأكبر ~~تيمورلنك، فإنه أخذ البلاد ووصل إلى حلب، وقتل الأطفال على صدور الأمهات، ~~وأخرب الدور والجوامع والمساجد، وجعلها إسطبلات للمواشي؛ وإنه قاصدكم، يخرب ~~بلادكم، ويقتل رجالكم؛ فاضطربت القاهرة لذلك، واشتد جزع الناس، وكثر بكاؤهم ~~وصراخهم، وانطلقت الألسنة بالوقيعة في أعيان الدولة. وأهل شهر ربيع الآخر، ~~فلما كان ثالثه قدم الأمير أسنبغا الدوادار وأخبر بأخذ تيمور مدينة حلب ~~وقلعتها بآتفاق دمرداش، وحكى ما نزل بأهل حلب من البلاء، وأنه قال لنائب ~~الغيبة بدمشق يخفي بين الناس وبين الخروج من دمشق، فإن الأمر صعب، أو أن ~~النائب لم يمكن أحدا من السير،. فخرج السلطان الملك الناصر من يومه من ~~القاهرة ونزل بالريدانية بأمرائه وعساكره أو الخليفة، والقضاة، وتعين ~~الأمير تمراز الناصري أمير مجلس في نيابة الغيبة بالديار المصرية وأقام ~~بمصر من الأمراء الأمير جكم من عوض في عدة أخر، وأقام الأمير تمراز يعرض ~~أجناد الحلقة، وفي تحصيل ألف فرس وألف جمل، وإرسال ذلك مع من يقع عليه ~~الاختيار من أجناد الحلقة للسفر. ثم رسم باستقرار الأمير أرسطاي من خجا على ~~رأس نوبة النوب ms2587 كان في نيابة الإسكندرية بعد موت نائبها فرج الحلبي. وكان ~~أرسطاي منذ أفرج عنه بطالا بالإسكندرية، فوردت عليه الولاية وهو بها. وأخذ ~~الأمير تمراز في عرض أجناد الحلقة، وتحصيل الخيول والجمال وطلب العربان من ~~الوجه القبلي والبحري لقتال تيمور، كل ذلك والسلطان بالريدانية. ثم خرج ~~الجاليش في بكرة يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الآخر، وفيه من أكابر الأمراء ~~مقدمي الألوف: الأتابك بيبرس، والأمير نوروز الحافظي رأس نوبة الأمراء، ~~والأمير بكتمر الركني أمير سلاح، وآقباي حاجب الحجاب، ويلبغا الناصري، ~~وإينال باي بن قجماس، وعدة أخر من أمراء الطبلخانات والعشرات. ثم رحل ~~السلطان ببقية الأمراء والعساكر من الريدانية يريد جهة الشام لقتال ~~تيمورلنك، وسار حتى نزل بغزة في يوم عشرين من الشهر، واستدعى بالوالد ~~وآقبغا الجمالي الأطروش نائب حلب كان من القدس، وأخلع على الوالد باستقراره ~~في نيابة دمشق عوضا عن سودون قريب الملك الظاهر برقوق بحكم أسره مع تيمور، ~~وهذه ولاية الوالد على دمشق الأولى. وخلع على الأمير آقبغا الجمالي الأطروش ~~باستقراره في نيابة طرابلس عوضا عن شيخ المحمودي بحكم أسره مع تيمور أيضا، ~~وعلى الأمير تمربغا المنجكي استقراره في نيابة صفد عوضا عن ألطنبغا ~~العثماني بحكم أسره، وعلى طولو من علي باشاه باستقراره في نيابة غزة عوضا ~~عن عمر بن الطحان، وعلى صدقة بن طويل باستقراره في نيابة القدس، وبعث ~~الجميع إلى ممالكهم. PageV03P0397 # وأما الوالد فإنه قال للسلطان وللأمراء: عندي رأي أقوله، وفيه مصلحة ~~للمسلمين وللسلطان، فقيل له: وما هو! فقال: الرأي أن السلطان لا يتحرك هو ~~ولا عساكره من مدينة غزة، وأنا أتوجه إلى دمشق وأحرض أهلها على القتال، ~~وأحصنها - وهي بلدة عظيمة لم تنكب من قديم الزمان، وبها ما يكفي أهلها من ~~المؤونة سنين، وقد داخل أهلها أيضا من الخوف ما لا مزيد عليه، فهم يقاتلون ~~قتال الموت، وتيمور لا يقدر على أخذها مني بسرعة، وهو في عسكر كبير إلى ~~الغاية لا يطيق المكث بهم بمكان واحد مدة طويلة، فإما أنه يدع دمشق ويتوجه ~~نحو السلطان إلى غزة، ms2588 فيتوغل في البلاد ويصير بين عسكرين، وأظنه لا يفعل ~~ذلك، وإما أنه يعود إلى جهة بلاده كالمنهزم من عدم معرفة عساكره بالبلاد ~~الشامية، وقلة ما في طريقه من الميرة لخراب البلاد، فيركب السلطان بعساكره ~~المصرية والشامية أفقية التمرية إلى الفرات، فيظفر منهم بالغرض وزيادة؛ ~~فاستصوب ذلك جميع الناس - حتى تيمور عندما بلغه ذلك بعد أخذه دمشق - وما ~~بقي إلا أن يرسم بذلك، تكلم بعض جهال الأمراء مع بعض في السر ممن عنده كمين ~~من الوالد من واقعة أيتمش وتنم، وقال: أتقتلون رفقته وتسلمونه الشام! والله ~~ما قصده إلا أن يتوجه إلى دمشق، ويتفق مع تيمور ويعود يقاتلنا، حتى يأخذ ~~منا ثأر رفقته. وكان نوروز الحافظي بإزاء الوالد، فلما سمع ذلك استحيا أن ~~يبديه للوالد، فأشار إليه بالسكات والكف عن ذلك. وانفض المجلس، وخرج الوالد ~~من الخدمة وأصلح شأنه، وتوجه إلى دمشق، فوجد الأمير دمرداش نائب حلب قد هرب ~~من تيمور وقدم إلى دمشق، وقد جفل أهل دمشق لما بلغهم قرب تيمور إلى دمشق، ~~فأخذ الوالد في إصلاح أهل دمشق، فوجد أهلها في غاية الاستعداد، وعزمهم قتال ~~تيمور إلى أن يفنوا جميعا، فتأسف عند ذلك على عدم قبول السلطان لرأيه، ولم ~~يسعه إلا السكات. ثم رحل جاليش السلطان من غزة في رابع عشرين شهر ربيع ~~الآخر، ثم رحل السلطان ببقية عسكره من غزة في سادس عشرينه، وسار الجميع حتى ~~وافوا دمشق. وكان دخول السلطان دمشق في يوم الخميس سادس جمادى الأولى؛ وكان ~~لدخوله يوم مهول من كثرة صراخ الناس وبكائهم والابتهال إلى الله بنصرته. ~~وطلع السلطان إلى قلعة دمشق وأقام بها إلى يوم السبت ثامنه، فنزل من قلعة ~~دمشق وخرج بعساكره إلى مخيمه عند قبة يلبغا ظاهر دمشق، وتهيأ للقاء تيمور ~~هو بعساكره، وقد قصرت المماليك الظاهرية أرماحهم حتى يتمكنوا من طعن ~~التمرية أولا بأول لازدرائهم عساكر تيمور. فلما كان وقت الظهر من اليوم ~~المذكور وصل جاليش تيمور من جهة جبل الثلج في نحو الألف فارس، فبرز إليهم ~~مائة فارس من ms2589 عسكر السلطان وصدموهم صدمة واحدة، بددوا شملهم وكسروهم أقبح ~~كسرة، وقتلوا منهم جماعة كبيرة وعادوا. ثم حضر إلى طاعة السلطان جماعة من ~~التمرية وأخبروا بنزول تيمور على البقاع العزيزي " فلتكونوا على حذر، فإن ~~تيمور كثير الحيل والمكر " فاحترز القوم منه غاية الاحتراز. ثم قدم على ~~السلطان خمسة أمراء من أمراء طرابلس بكتاب أسندمر نائب الغيبة بطرابلس ~~يتضمن أن الأمير أحمد بن رمضان أمير التركمان هو وابن صاحب الباز وأولاد ~~شهري آتفقوا وساروا إلى حلب وأخذوها من التمرية، وقتلوا من أصحاب تيمور ~~زيادة على ثلاثة آلاف فارس، وأن تيمور بعث عسكرا إلى طرابلس، فثار بهم أهل ~~القرى وقتلوهم عن آخرهم بالحجارة لدخولهم بين جبلين، وأنه قد حضر من عسكر ~~تيمور خمسة نفر، وأخبروا بأن نصف عسكر تيمور على نية المسير إلى طاعة ~~السلطان - وكان ذلك من مكايد تيمور - ثم قال: وإن صاحب قبرص وصاحب الماغوصة ~~وغيرهم وردت كتبهم بآنتظار الإذن لهم في تجهيز المراكب في البحر لقتال ~~تيمور معاونة للسلطان، فلم يلتفت أحد لهذا الكتاب، وداموا على ما هم فيه من ~~اختلاف الكلمة. PageV03P0398 # ثم في يوم السبت نزل تيمور بعساكره على قطنا، فملأت عساكره الأرض كثرة ~~وركب طائفة منهم لكشف الخبر، فوجدوا السلطان والأمراء قد تهيأوا للقتال. ~~وصفت العساكر السلطانية، فبرز إليهم التمرية وصدموهم صدمة هائلة، وثبت كل ~~من العسكرين ساعة، فكانت بينهم وقعة آنكسر فيها ميسرة السلطان، وآنهزم ~~العسكر الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران، وجرح جماعة. وحمل تيمور بنفسه حملة ~~عظيمة شديدة ليأخذ فيها دمشق، فدفعته ميمنة السلطان بأسنان الرماح حتى ~~أعادوه إلى موقفه. ونزل كل من العسكرين بمعسكره وبعث تيمور إلى السلطان في ~~طلب الصلح وإرسال أطلمش أحد أصحابه إليه، وأنه هو أيضا يبعث من عنده من ~~الأمراء المقبوض عليهم في وقعة حلب فأشار الوالد ودمرداش وقطلوبغا الكركي ~~في قبول ذلك لما يعرفوا من اختلاف كلمتهم، لا لضعف عسكرهم، فلم يقبلوا ~~وأبوا إلا القتال. ثم أرسل تيمور رسولا آخر في طلب الصلح، وكرر القول ~~ثانيا، وظهر للأمراء ولجميع العساكر ms2590 صحة مقالته، وأن ذلك على حقيقته، فأبى ~~الأمراء ذلك،هذا والقتال مستمر بين الفريقين في كل يوم. فلما كان ثاني عشر ~~جمادى الآخرة آختفى من أمراء مصر والمماليك السلطانية جماعة، منهم الأمير ~~سودون الطيار، وقاني باي العلائي رأس نوبة، وجمق، ومن الخاصكية يشبك ~~العثماني وقمش الحافظي وبرسبغا الدوادار وطرباي في جماعة أخر، فوقع ~~الاختلاف عند ذلك بين الأمراء، وعادوا إلى ما كانوا عليه من التشاحن في ~~الوظائف والإقطاعات والتحكم في الدولة، وتركوا أمر تيمور كأنه لم يكن، ~~وأخذوا في الكلام فيما بينهم بسبب من اختفى من الأمراء وغيرهم. هذا وتيمور ~~في غاية الاجتهاد في أخذ دمشق وفي عمل الحيلة في ذلك. ثم أعلم بما الأمراء ~~فيه، فقوي أمره واجتهاده، بعد أن كان عزم على الرحيل، واستعد لذلك. ثم أشيع ~~بدمشق أن الأمراء الذين اختفوا توجهوا جميعا إلى مصر ليسلطنوا الشيخ لاجين ~~الجركسي أحد الأجناد البرانية، فعظم ذلك على مدبري المملكة لعدم رأيهم، ~~وكان ذلك عندهم أهم من أمر تيمور، واتفقوا فيما بينهم على أخذ السلطان ~~الملك الناصر جريدة، وعوده إلى الديار المصرية في الليل، ولم يعلموا بذلك ~~إلا جماعة يسيرة ولم يكن أمر لاجين يستحق ذلك، بل كان تمراز نائب الغيبة ~~بمصر يكفي السلطان أمرهم، " ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا " فلما كان ~~آخر ليلة الجمعة حادي عشرين جمادى الأولى ركب الأمراء وأخذوا السلطان الملك ~~الناصر فرج على حين غفلة، وساروا به من غير أن يعلم العسكر به من على عقبة ~~عمر يريدون الديار المصرية، وتركوا العساكر والرعية من المسلمين غنما بلا ~~راع وجدوا في السير ليلا ونهارا حتى وصلوا إلى مدينة صفد، فاستدعوا نائبها ~~الأمير تمربغا المنجكي وأخذوه معهم، وتلاحق بهم كثير من أرباب الدولة ~~وأمرائها، وسار الجميع حتى أدركوا الأمراء الذين ساروا إلى مصر - عليهم من ~~الله ما يستحقوه - بمدينة غزة؛ فكلموهم فيما فعلوه، فاعتذروا بعذر غير ~~مقبول في الدنيا والآخرة؛ فندم عند ذلك الأمراء على الخروج من دمشق حيث لا ~~ينفع الندم، وقد تركوا دمشق أكلة لتيمور، وكانت ms2591 يوم ذاك أحسن مدن الدنيا ~~وأعمرها. وأما بقية أمراء مصر وأعيانها من القضاة وغيرهم لما علموا بخروج ~~السلطان من دمشق خرجوا في الحال في إثره طوائف طوائف يريدون اللحاق ~~بالسلطان، فأخذ غالبهم العشير، وسلبوهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا. أخبرني ~~غير واحد من أعيان المماليك الظاهرية قالوا: لما بلغنا خروج السلطان ركبنا ~~في الحال، غير أننا لم يعوقنا عن اللحاق به إلا كثرة السلاح الملقى على ~~الأرض بالطريق مما رمتها المماليك السلطانية ليخص ذلك عن خيولهم، فمن كان ~~فرسه ناهضا خرج، وإلا لحقه أصحاب تيمور وأسروه؛ فمن أسروه قاضي القضاة صدر ~~الدين المناوي، ومات في الأسر حسبما يأتي ذكره في الوفيات. وتتابع دخول ~~المنقطعين من المماليك السلطانية وغيرهم إلى القاهرة في أسوأ حال من المشي ~~والعري والجوع، فرسم السلطان لكل من المماليك السلطانية ألف درهم وجامكية ~~شهرين. وأما الأمراء فإنهم أيضا دخلوا إلى مصر وليس مع كل أمير سوى مملوك ~~أو مملوكين، وقد تركوا أموالهم وخيولهم وأطلابهم وسائر ما معهم بدمشق، ~~فإنهم خرجوا من دمشق بغتة بغير مواعدة لما بلغهم توجه السلطان من دمشق، ~~وأخذ كل واحد ينجو بنفسه. PageV03P0399 # وأما العساكر الذين خلفوا بدمشق من أهل دمشق وغيرها، فإنه كان آجتمع بها ~~خلائق كثيرة من الحلبيين والحمويين والحمصيين وأهل القرى ممن خرج جافلا من ~~تيمور. ولما أصبحوا يوم الجمعة، وقد فقدوا السلطان والأمراء والنائب، غلقوا ~~أبواب دمشق، وركبوا أسوار البلد، ونادوا بالجهاد، فتهيأ أهل دمشق للقتال ~~وزحف عليهم تيمور بعساكره، فقاتله الدمشقيون من أعلى السور أشد قتال، ~~وردوهم عن السور والخندق، وأسروا منهم جماعة ممن كان آقتحم باب دمشق، ~~وأخذوا من خيولهم عدة كبيرة، وقتلوا منهم نحو الألف، وأدخلوا رؤوسهم إلى ~~المدينة، وصار أمرهم في زيادة فأعيا تيمور أمرهم، وعلم أن الأمر يطول عليه، ~~فأخذ في مخادعتهم، وعمل الحيلة في أخذ دمشق منهم. وبينما أهل دمشق في أشد ~~ما يكون من القتال والاجتهاد في تحصين بلدهم، قدم عليهم رجلان من أصحاب ~~تيمور من تحت السور وصاحا من بعد: الأمير يريد الصلح، ms2592 فابعثوا رجلا عاقلا ~~حتى يحدثه الأمير في ذلك. قلت: هذا الذي كان أشار إليه الوالد عند استقراره ~~بغزة في نيابة دمشق، وقوله: إن أهل دمشق عندهم قوة لدفع تيمور عن دمشق، وأن ~~دمشق بلد كثيرة الميرة والرزق، وهي في الغاية من التحصين، وأنه يتوجه إليها ~~ويقاتل بها تيمور، فلم يسمع له أحد في ذلك؛ فلعمري لو رأى من لا أعجبه كلام ~~الوالد قتال أهل دمشق الآن وشدة بأسهم، وهم بغير نائب ولا مدبر لأمرهم، ~~فكيف ذاك لو كان عندهم متولي أمرهم بمماليكه وأمراء دمشق وعساكرها بمن ~~انضاف إليهم، لكان يحق له الندم والاعتراف بالتقصير. انتهى. ولما سمع أهل ~~دمشق كلام أصحاب تيمور في الصلح وقع آختيارهم في إرسال قاضي القضاة تقي ~~الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي، فأرخي من سور دمشق إلى الأرض، وتوجه إلى ~~تيمور وآجتمع به وعاد إلى دمشق وقد خدعه تيمور بتنميق كلامه، وتلطف معه في ~~القول، وترفق له في الكلام، وقال له: هذه بلدة الأنبياء والصحابة وقد ~~أعتقتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة عني وعن أولادي، ولولا حنقي من ~~سودون نائب دمشق عند قتله لرسولي ما أتيتها وقد صار سودون المذكور في قبضتي ~~وفي أسري؛ وقد كان الغرض في مجيئي إلى هنا، ولم يبق لي الآن غرض إلا العود، ~~ولكن لا بد من أخذ عادتي من التقدمة من الطقزات. وكانت هذه عادته إذا أخذ ~~مدينة صلحا يخرج إليه أهلها من كل نوع من أنواع المأكول والمشروب والدواب ~~والملابس والتحف تسعة؛ يسمون ذلك طقزات؛ والطقز باللغة التركية: تسعة، وهذه ~~عادة ملوك التتار إلى يومنا هذا. PageV03P0400 # فلما صار ابن مفلح بدمشق شرع يخذل الناس عن القتال ويثني على تيمور ودينه ~~وحسن اعتقاده ثناء عظيما، ويكف أهل دمشق عن قتاله فمال معه طائفة من الناس، ~~وخالفه طائفة أخرى وأبوا إلا قتاله، وباتوا ليلة السبت على ذلك وأصبحوا ~~نهار السبت وقد غلب رأي ابن مفلح على من خالفه، وعزم على إتمام الصلح، ~~ونادى في الناس: إنه من خالف ذلك ms2593 قتل وهدر دمه؛ فكف الناس عن القتال. وفي ~~الحال قدم رسول تيمور إلى مدينة دمشق في طلب الطقزات المذكورة، فبادر ابن ~~مفلح، وآستدعى من القضاة والفقهاء والأعيان والتجار حمل ذلك كل أحد بحسب ~~حاله؛ فشرعوا في ذلك حتى كمل، وساروا به إلى باب النصر ليخرجوا به إلى ~~تيمور، فمنعهم نائب قلعة دمشق من ذلك، وهددهم بحريق المدينة عليهم إن فعلوا ~~ذلك، فلم يلتفتوا إلى قوله، وقالوا له: " أنت احكم على قلعتك، ونحن نحكم ~~على بلدنا " ، وتركوا باب النصر وتوجهوا، وأخرجوا الطقزات المذكورة من ~~السور، وتدلى ابن مفلح من السور أيضا ومعه كثير من أعيان دمشق وغيرهم ~~وساروا إلى مخيم تيمور، وباتوا به ليلة الأحد وعادوا بكرة الأحد، وقد استقر ~~تيمور بجماعة منهم في عدة وظائف ما بين قضاة القضاة، والوزير، ومستخرج ~~الأموال، ونحو ذلك، معهم فرمان من تيمور لهم، وهو ورقة فيها تسعة أسطر ~~يتضمن أمان أهل دمشق على أنفسهم وأهليهم خاصة؛ فقرىء الفرمان المذكور على ~~منبر جامع بني أمية بدمشق وفتح من أبواب دمشق باب الصغير فقط، وقدم أميرمن ~~أمراء تيمور، جلس فيه ليحفظ البلد ممن يعبر إليها من عساكر تيمور فمشى ذلك ~~على الشاميين وفرحوا به، وأكثر ابن مفلح ومن كان توجه معه من أعيان دمشق ~~الثناء على تيمور، وبث محاسنه وفضائله، ودعا العامة لطاعته وموالاته، وحثهم ~~بأسرهم على جمع المال الذي تقرر لتيمور عليهم، وهو ألف ألف دينار، وفرض ذلك ~~على الناس كلهم، فقاموا به من غير مشقة لكثرة أموالهم. فلما كمل المال حمله ~~ابن مفلح إلى تيمور ووضعه بين يديه فلما عاينه غضب غضبا شديدا، ولم يرض به، ~~وأمر ابن مفلح ومن معه أن يخرجوا عنه، فأخرجوا من وجهه ووكل بهم جماعة حتى ~~التزموا بحمل ألف تومان - والتومان عبارة عن عشرة آلاف دينار من الذهب إلا ~~أن سعر الذهب عندهم يختلف وعلى كل حال فيكون جملة ذلك عشرة آلاف ألف دينار ~~- فالتزموا بها وعادوا إلى البلد، وفرضوها ثانيا على الناس كلها عن أجرة ~~أملاكهم ثلاثة أشهر ms2594 وألزموا كل إنسان من ذكر وأنثى حر وعبد بعشرة دراهم ~~وألزم مباشر كل وقف بحمل مال له جرم، فنزل بالناس بآستخراج هذا منهم ثانيا ~~بلاء عظيم وعوقب كثير منهم بالضرب، فغلت الأسعار، وعز وجود الأقوات، وبلغ ~~المد القمح - وهو أربعة أقداح - إلى أربعين درهما فضة، وتعطلت صلاة الجمعة ~~من دمشق فلم تقم بها جمعة إلا مرتين حتى دعي بها على منابر دمشق للسلطان ~~محمود ولولي عهده ابن الأمير تيمورلنك وكان السلطان محمود مع تيمور آلة، ~~كون عادتهم لا يتسلطن عليهم إلا من يكون من ذرية الملوك. انتهى. ثم قدم شاه ~~ملك أحد أمراء تيمور إلى مدينة دمشق على أنه نائبها من قبل تيمور. ثم بعد ~~جمعتين منعوا من إقامة الجمعة بدمشق لكثرة غلبة أصحاب تيمور بدمشق كل ذلك ~~ونائب القلعة ممتنع بقلعة دمشق، وأعوان تيمور تحاصره أشد حصار، حتى سلمها ~~بعد تسعة وعشرين يوما وقد رمي عليها بمدافع ومكاحل لا تدخل تحت حصر. يكفيك ~~أن التمرية من عظم ما أعياهم أمر قلعة دمشق بنوا تجاه القلعة قلعة من خشب؛ ~~فعند فراغهم من بنائها وأرادوا طلوعها ليقاتلوا من أعلاها من هو بالقلعة، ~~رمى أهل قلعة دمشق نفطا فأحرقوها عن آخرها، فأنشأوا قلعة ثانية أعظم من ~~الأولى وطلعوا عليها وقاتلوا أهل القلعة. هذا وليس بالقلعة المذكورة من ~~المقاتلة إلا نفر قليل دون الأربعين نفرا، وطال عليهم الأمر، ويئسوا من ~~النجمة، وطلبوا الأمان، وسلموها بالأمان. قلت: لا شلت يدهم! هؤلاء هم ~~الرجال الشجعان. رحمهم الله تعالى. ولما تكامل حصول المال الذي هو ألف ~~تومان، أخذه ابن مفلح وحمله إلى تيمور؛ فقال تيمور لابن مفلح وأصحابه: " ~~هذا المال بحسابنا إنما هو ثلاثة آلاف ألف دينار وقد بقي عليكم سبعة آلاف ~~ألف دينار، وظهر لي أنكم عجزتم " . PageV03P0401 # وكان تيمور لما اتفق أولا مع ابن مفلح على ألف ألف دينار يكون ذلك على ~~أهل دمشق خاصة، والذي تركته العساكر المصرية من السلاح والأموال يكون ~~لتيمور فخرج إليه آبن مفلح بأموال أهل مصر جميعها فلما صارت كلها ms2595 إليه وعلم ~~أنه آستولى على أموال المصريين ألزمهم بإخراج أموال الذين فروا من دمشق، ~~فسارعوا أيضا إلى حمل ذلك كله، وتدافعوا عنده حتى خلص المال جميعه فلما كمل ~~ذلك ألزمهم أن يخرجوا إليه جميع ما في البلد من السلاح جليلها وحقيرها، ~~فتتبعوا ذلك وأخرجوه له حتى لم يبق بها من السلاح شيء فلما فرغ ذلك كله قبض ~~على ابن مفلح ورفقته، وألزمهم أن يكتبوا له جميع خطط دمشق وحاراتها وسككها، ~~فكتبوا فلك ودفعوه إليه، ففرقه على أمرائه، وقسم البلد بينهم، فساروا إليها ~~بمماليكهم وحواشيهم ونزل كل أمير في قسمه، وطلب من فيه، وطالبهم بالأموال، ~~فحينئذ حل بأهل دمشق من البلاء مالا يوصف وأجرى عليهم أنواع العذاب من ~~الضرب والعصر والإحراق بالنار، والتعليق منكوسا، وغم الأنف بخرقة فيها تراب ~~ناعم، كلما تنفس دخل في أنفه حتى تكاد نفسه تزهق؛ فكان الرجل إذا أشرف على ~~الهلاك يخلى عنه حتى يستريح، ثم تعاد عليه العقوبة أنواعا، فكان المعاقب ~~يحسد رفيقه الذي هلك تحت العقوبة على الموت، ويقول: ليتني أموت وأستريح مما ~~أنا فيه، ومع هذا تؤخذ نساؤه وبناته وأولاده الذكور، وتقسم جميعهم على ~~أصحاب ذلك الأمير، فيشاهد الرجل المعذب امرأته أو بنته وهي توطأ، وولده وهو ~~يلاط به، فيصرخ هو من ألم العذاب، والبنت والولد يصرخان من إزالة البكارة ~~واللواط، وكل ذلك من غير تستر في النهار بحضرة الملأ من الناس. ورأى أهل ~~دمشق أنواعا من العذاب لم يسمع بمثلها؛ منها أنهم كانوا يأخذون الرجل فتشد ~~رأسه بحبل ويلوونه حتى يغوص في رأسه ومنهم من كان يضع الحبل بكتفي الرجل ~~ويلويه بعصاه حتى تنخلع الكتفان ومنهم من كان يربط إبهام يدي المعذب من ~~وراء ظهره ثم يلقيه على ظهره ويفر في منخريه الرماد مسحوقا، فيقر على ما ~~عنده شيئا بعد شيء، حتى إذا فرغ ما عنده لا يصدقه صاحبه على ذلك، فلا يزال ~~يكرر عليه العذاب حتى يموت، ويعاقب ميتا مخافة أن يتماوت. ومنهم من كان ~~يعلق المعذب بإبهام يديه في سقف الدار ms2596 ويشعل النار تحته، ويطول تعليقه، ~~فربما يسقط فيها، فيسحب من النار ويلقوه على الأرض حتى يفيق، ثم يعلقه ~~ثانيا. وآستمر هذا البلاء والعذاب بأهل دمشق تسعة عشر يوما، آخرها يوم ~~الثلاثاء ثامن عشرين شهر رجب من سنة ثلاث وثمانمائة، فهلك في هذه المدة ~~بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددهم إلا الله تعالى. فلما علمت أمراء ~~تيمور أنه لم يبق بالمدينة شيء خرجوا إلى تيمور، فسألهم:هل بقي لكم تعلق في ~~دمشق؟ فقالوا: لا؛فأنعم عند ذلك بمدينة دمشق أتباع الأمراء، فدخلوها يوم ~~الأربعاء آخر رجب، ومعهم سيوف مسلولة مشهورة وهم مشاة، فنهبوا ما قدروا ~~عليه من آلات الحور وغيرها، وسبوا نساء دمشق بأجمعهن، وساقوا الأولاد ~~والرجال، وتركوا من الصغار من عمره خمس سنين فما دونها، وساقوا الجميع ~~مربوطين في الحبال. ثم طرحوا النار في المنازل والدور والمساجد، وكان يوم ~~عاصف الريح، فعم الحريق جميع البلد حتى صار لهيب النار يكاد أن يرتفع إلى ~~السحاب، وعملت النار في البلد ثلاثة أيام بلياليها آخرها يوم الجمعة. وكان ~~تيمور - لعنه الله - سار من دمشق في يوم السبت ثالث شهر شعبان بعد ما أقام ~~على دمشق ثمانين يوما، وقد آحترقت كلها وسقطت سقوف جامع بني أمية من ~~الحريق، وزالت أبوابه وتفطر رخامه، ولم يبق غير جدره قائمة. وذهبت مساجد ~~دمشق ودورها وقياسرها وحماماتها وصارت أطلالا بالية ورسوما خالية، ولم يبق ~~بها دابة تدب، إلا أطفال يتجاوز عددهم آلاف، فيهم من مات، وفيهم من سيموت ~~من الجوع. وأما السلطان الملك الناصر فرج فإنه أقام بغزة ثلاثة أيام، وتوجه ~~إلى الديار المصرية بعد ما قدم بين يديه آقبغا الفقيه أحد الدوادارية فقدم ~~آقبغا، إلى القاهرة في يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة، وأعلم الأمير تمراز ~~نائب الغيبة بوصول السلطان إلى غزة، فآرتخت القاهرة، وكادت عقول الناس ~~تزهق، وظن كل أحد أن السلطان قد انكسر من تيمور، وأن تيمور في أثره وأخذ كل ~~أحد يبيع ما عنده ويستعد للهروب من مصر، وغلا أثمان ذوات الأربع حتى جاوز ~~المثل أمثالا. ms2597 PageV03P0402 # فلما كان يوم الخميس خامس جمادى الآخرة المذكور قدم السلطان إلى قلعة ~~الجبل ومعه الخليفة وأمراء الدولة ونواب البلاد الشامية، ونحو ألف مملوك من ~~المماليك السلطانية، وقيل نحو الخمسمائة. ثم في يوم السبت سابع جمادى ~~الآخرة المذكور أنعم السلطان على الوالد بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار ~~المصرية كانت موفرة في الديوان السلطاني، بعد استعفائه من نيابة دمشق، وعين ~~السلطان لنيابة دمشق آقبغا الجمالي الأطروش، ورسم للوالد أن يجلس رأس ~~ميسرة. ثم أذن السلطان للأمير يلبغا السالمي الأستادار أن يتحدث في جميع ما ~~يتعلق بالمملكة، وأن يجهز العسكر إلى دمشق لقتال تيمور؛ فشرع يلبغا السالمي ~~المذكور في تحصيل الأموال، وفرض على سائر أراضي مصر فرائض من إقطاعات ~~الأمراء، وبلاد السلطان، وأخباز الأجناد، وبلاد الأوقاف عن عبرة كل ألف ~~دينار خمسمائة درهم فضة وفرس. ثم جبى من سائر أملاك القاهرة ومصر وظواهرهما ~~أجرة شهر، حتى إنه كان يقوم على الإنسان داره التي يسكنها، ويؤخذ منه ~~أجرتها، وأخذ من الرزق، وهي الأراضي التي يأخذ مغلها قوم على سبيل البر ~~والصدقة، عن كل فدان عشرة دراهم، وكان يوم ذاك أجرة الفدان من ثلاثين درهما ~~إلى ما دونها. قلت: أخذ نصف خراجها بدورة دارها وأخذ من الفدان القصب أو ~~القلقاس أو النيلة من القنطار مائة درهم، وهي نحو أربعة دنانير، وجبى من ~~البساتين عن كل فدان مائة درهم. ثم استدعى أمناء الحكم والتجار وطلب منهم ~~المال على سبيل القرض، وصار يكبس الفنادق والحواصل في الليل، فمن وجده ~~حاضرا فتح مخزنه وأخذ نصف ما يجده فيه من النقد، وهي الذهب والفضة والفلوس، ~~وإذا لم يجد صاحب المال أخذ جميع ما يجده من النقود وهي الذهب والفضة ~~والفلوس، وأخذ جميع ما وجد من حواصل الأوقاف ومع ذلك فإن الصيرفي يأخذ عن ~~كل مائة درهم تستخرج مما تقدم ذكره، ثلاثة دراهم، ويأخذ الرسول الذي يحضر ~~المطلوب ستة دراهم، وإن كان نقيبا أخذ عشرة دراهم - قاله الشيخ تقي الدين ~~المقريزي رحمه الله - قال: فاشتد ما بالناس، وكثر دعاء الناس ms2598 على السالمي. ~~قلت: وبالجملة فهم أحسن حالا من أهل دمشق، وإن أخذ منهم نصف مالهم، وأيش ~~يعمل السالمي؟ مسكين! وقد ندبه السلطان لإخراج عسكر ثان من الديار المصرية ~~لقتال تيمور. انتهى. ثم خلع السلطان على الأمير نوروز الحافظي وعلى الأمير ~~يشبك الشعباني، واستقرا مشيري الدولة ومدبري أمورها. ثم في ثالث عشره خلع ~~على القاضي أمين الدين عبد الوهاب بن قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسي ~~قاضي العسكر بآستقراره قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية بعد موت قاضي ~~القضاة جمال الدين يوسف الملطي، وعلى القاضي جمال الدين عبد الله الأقفهسي ~~بآستقراره قاضي قضاة المالكية بالديار المصرية عوضا عن القاضي نور الدين ~~علي بن الجلال بحكم وفاته. وفيه قدم من الشام من المماليك المنقطعين ~~ثلاثمائة مملوك بأسوأ حال: من المشي والعري والجوع. ثم في حادي عشرينه حضر ~~إلى القاهرة قاضي القضاة موفق الدين أحمد بن نصر الله الحنبلي من دمشق ~~بأسوأ حال، وقدم أيضا قاضي قضاة دمشق علاء الدين علي بن البقاء الشافعيوحضر ~~كتاب تيمورلنك للسلطان على يد بعض المماليك السلطانية يتضمن طلب أطلمش ~~أطلندي، وأنه إذا قدم عليه أرسل من عنده من الأمراء والنواب وغيرهم، وقاضي ~~القضاة صدر الدين المناوي الشافعي، ويرحل عن دمشق، فطلب أطلمش من البرج ~~بالقلعة، وأطلق، وأنعم عليه بخمسة آلاف درهم، وأنزل عند الأمير سودون طاز ~~الأمير آخور الكبير، وعين للسفر معه قطلوبغا العلائي، والأمير محمد بن ~~سنقر. ثم خرج إلى تيمور الأمير بيسق الشيخي الأمير آخور رسولا من السلطان ~~بالإفراج عن أطلمش وأشياء أخر. هذا ويلبغا السالمي يجد في تحصيل الأموال ~~وأخذ في عرض أجناد الحلقة، وألزم من كان منهم قادرا على السفر بالخروج إلى ~~الشام لقتال تيمور، وألزم العاجز عن السفر بحضور بديل، أو تحصيل نصف مغله ~~في السنة، وألزم أرباب الغلال المحضرة للبيع في المراكب بسواحل القاهرة أن ~~يؤخذ منهم عن كل إردب درهم أو أن يؤخذ من كل مركب من المراكب التي تتنزه ~~فيها الناس مائة درهم. PageV03P0403 # ثم في يوم الثلاثاء أول شهر رجب ms2599 أمر السالمي أن تضرب دنانير فيها ما زنة ~~الدينار مائة مثقال ومثقال، وفيها ما زنته تسعون مثقالا ومثقال، ثم ما دون ~~ذلك، إلى أن وصل منها دينار زنته عشرة مثاقيل، فضرب من ذلك جملة دنانير. ثم ~~في ثالثه خلع السلطان على علم الدين يحيى بن أسعد المعروف بأبي كم ~~بآستقراره وزيرا بديار مصر عوضا عن فخر الدين ماجد بن غراب. ثم ورد الخبر ~~أن دمرداش المحمدي نائب حلب تخلص من تيمور، وجمع جموعا من التركمان، وأخذ ~~حلب وقلعتها من التمرية، وقتل منهم جماعة كبيرة. ثم خلع السلطان على شاهين ~~الحلبي نائب مقدم المماليك باستقراره في تقدمة المماليك السلطانية عوضا عن ~~صواب المعروف بجنكل، واستقر الطواشي فيروز من جرجي مقدم الرفرف نائب ~~المقدم. ثم حضر في سابع شهر رجب من عربان البحيرة إلى خارج القاهرة ستة ~~آلاف فارس، وحضر من عربان الشرقية من عرب ابن بقر ألفان وخمسمائة فارس، ومن ~~العيساوية وبني وائل ألف وخمسمائة فارس، فأنفق فيهم يلبغا السالمي الأموال ~~ليتجهزوا لحرب تيمور. ثم حضر في ثامنه قاصد الأمير نعير، وذكر أنه جمع ~~عربانا كثيرة ونزل بهم على تدمر، وأن تمرلنك رحل من ظاهر دمشق إلى القطيفة. ~~هذا وقد التفت أهل الدولة إلى يلبغا السالمي والعمل في زواله حتى تم لهم ~~ذلك. فلما كان رابع عشر شهر رجب المذكور قبض على يلبغا السالمي وعلى شهاب ~~الدين أحمد بن عمر بن قطينة أستادار الوالد الذي كان ولي الوزر قبل تاريخه، ~~وسلما لسعد الدين إبراهيم بن غراب ليحاسبهما على الأموال المأخوذة من الناس ~~في الجبايات. قلت: فصار حاله كالمثل السائر " أفقرني فيما أحب ولا استغنى " ~~. ثم في ثامن عشره استقر سعد الدين إبراهيم بن غراب المذكور أستادارا عوضا ~~عن السالمي مضافا لما بيده من وظيفتي نظر الجيش والخاص. ثم في خامس شعبان ~~برز الأمراء المعينون للسفر لقتال تيمور بمن عين معهم من المماليك ~~السلطانية وأجناد الحلقة إلى ظاهر القاهرة، وهم الذين كانوا بالقاهرة في ~~غيبة السلطان بدمشق، وتقدم الجميع الأمير تمراز الناصري ms2600 الظاهري أمير مجلس، ~~والأمير آقباي من حسن شاه الظاهري حاجب الحجاب، ومن أمراء الطبلخانات: ~~الأمير جرباش الشيخي، والأمير تمان تمر والأمير صوماي الحسني، وامتنع ~~الأمير جكم من السفر. وفي اليوم قدم الأمير شيخ المحمودي نائب طرابلس فارا ~~من أسر تيمور إلى الديار المصرية، وأخبر برحيل تيمور إلى بلاده، فرسم ~~السلطان بإبطال السفر، ورجع كل أمير إلى داره من خارج القاهرة. ثم في الغد ~~قدم دقماق المحمدي نائب حماة فارا أيضا من تيمور. وفيه طلب الوالد وخلع ~~عليه باستقراره في نيابة دمشق ثانيا على كره منه، وكانت شاغرة في يوم قدوم ~~تيمور دمشق. ثم أخلع على الأمير شيخ المحمودي بآستقراره في نيابة طرابلس ~~على عادته، وعلى الأمير دقماق المحمدي باستقراره في نيابة حماة على عادته. ~~ثم أخلع السلطان على الأمير تمربغا المنجكي باستقراره في نيابة صفد، وعلى ~~الأمير تنكز بغا الحططي بنيابة بعلبك. ثم نودي بالقاهرة ألا يقيم بها أحد ~~من الأعاجم، وأمهلوا ثلاثة أيام، وهدد من تخلف منهم بالقاهرة، فلم يخرج ~~أحد؛ وأكثر الناس من الكتابة في الحيطان: لا من نصرة الإسلام، قتل الأعجام، ~~كل ذلك وأحوال مصر غير مستقيمة. وأما البلاد الشامية فحصل بها جراد عظيم ~~بعد خروج تمرلنك منها، فزادت خرابا على خراب. قلت: ولنذكر هنا نبذة يسيرة ~~من أخبار تيمورلنك ونسبه وكثرة عساكره وعظم دهائه ومكره، ليكون ناظر هذا ~~الكتاب على علم من أخباره وأحواله، وإن كان في ذلك نوع تطويل وخروج عن ~~المقصود، فهو لا يخلو من فائدة. فنقول: هو تمرلنك وقيل تيمور - كلاهما ~~بمعنى واحد، والثاني أفصح، وهو باللغة التركية الحديد - بن أيتمش قنلغ بن ~~زنكي بن سنيا بن طارم بن طغريل بن قليج بن سنقور بن كنجك بن طغر سبوقا بن ~~التاخان، المغلي الأصل، من طائفة جغتاي، الطاغية تيمور كوركان، أعني باللغة ~~العجمية صهر الملوك. PageV03P0404 # مولده سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقرية تسمى خواجا أبغار من عمل كش أحد ~~مدائن ما وراء النهر، وبعد هذه البلدة عن مدينة سمرقند يوم واحد، ويقال: ~~إنه رئي ليلة ms2601 ولد كأن شيئا يشبه الخوفة تراءى طائرا في جو السماء، ثم وقع ~~إلى الأرض في فضاء كبير، فتطاير منه جمر وشرر حتى ملأ الأرض. وقيل: إنه لما ~~خرج من بطن أمه وجدت كفاه مملوءتين دما، فوجدوا أنه تسفك على يديه الدماء. ~~قلت: وكذا وقع. وقيل: إن والده كان إسكافا. وقيل: بل كان أميرا عند السلطان ~~حسين صاحب مدينة بلخ، وكان أحد أركان دولته، وإن أمه من ذرية جنكزخان. ~~وقيل: كان للسلطان حسين المذكور أربعة وزراء، فكان أبو تيمور أحدهم، وولي ~~تيمور بعد موته مكانه عند السلطان حسين. وأصل تيمور من قبيلة برلاص. وقيل: ~~إن أول ما عرف من حال تيمور أنه كان يتحرم، فسرق في بعض الليالي غنمة ~~وحملها ليهرب بها، فآنتبه الراعي وضربه بسهم فأصاب كتفه، ثم ردفه بآخر فلم ~~يصبه، ثم بآخر فأصاب فخذه وعمل فيه الجرح الثاني الذي في فخذه حتى عرج منه؛ ~~ولهذا سمي تمرلنك، لأن " لنك " باللغة العجمية أعرج؛ وأما اسمه الحقيقي " ~~فتمر " بلا " لنك " ، فلما أعرج أضيف إليه " لنك " . ولما تعافى أخذ في ~~التحرم على عادته وقطع الطريق، وصحبه في تحرمه جماعة عدتهم أربعون رجلا. ~~وكان تيمور لنك يقول لهم في تلك الأيام: لا بد أن أملك الأرض وأقتل ملوك ~~الدنيا، فيسخر منه بعضهم، ويصدقه البعض، لما يرونه من شدة حزمه وشجاعته. ~~وقيل إنه تاه في بعض تحرماته مدة أيام إلى أن وقع على خيل السلطان حسين ~~المقدم ذكره، فأنزله الجشاري الخيل عنده، وعطف عليه وآواه، وأتى إليه بما ~~يحتاجه من طعام وشراب. وكان لتيمور معرفة تامة في جياد الخيل، فأعجب ~~الجشاري منه ذلك، فاستمر به عنده إلى أن أرسل معه بخيول إلى السلطان حسين ~~وعرفه به، فأنعم عليه وأعاده إلى الجشاري، فلم يزل عنده حتى مات، فولاه ~~السلطان حسين عوضه على جشاره. ولا زال يترقى بعد ذلك من وظيفة إلى أخرى حتى ~~عظم وصار من جملة الأمراء. وتزوج بأخت السلطان حسين، وأقام معها مدة إلى أن ~~وقع بينهما في بعض الأيام كلام، فعايرته ms2602 بما كان عليه من سوء الحال، فقتلها ~~وخرج هاربا وأظهر العصيان على السلطان حسين، واستفحل أمره، واستولى على ما ~~وراء النهر، وتزوج ببنات ملوكها، فعند ذلك لقب " بكور كان " ، وقد تقدم ~~الكلام على اسم كور كان. ولا زال أمره ينمو وأعماله تتسع إلى أن. خافه ~~السلطان حسين، وعزم على قتاله، وبلغه ذلك فخرج هاربا. ثم قوي أمره بعد سنة ~~ستين وسبعمائة. فلما كثر عسكره بعث إلى ولاة بلخشان، وكانا أخوين قد ملكا ~~بعد موت أبيهما، يدعوهما إلى طاعته، فأجاباه وكانت المغل قد نهضت من جهة ~~الشرق على السلطان حسين، وكان كبيرهم الخان قمر الدين، فتوجه السلطان حسين ~~إليهم وقاتلهم، فأرسل تيمور يدعوهم إليه، فأجابوه ودخلوا تحت طاعته، فقويت ~~بهم شوكته. ثم قصده السلطان حسين ثانيا في عسكر عظيم حتى وصل إلى ضاغلغا، ~~وهو موضع ضيق يسير الراكب فيه ساعة، وفي وسطه باب إذا أغلق وأحمي لا يقدر ~~عليه أحد، وحوله جبال عالية، فملك العسكر فم هذا الدربند من جهة سمرقند، ~~ووقف تيمور بمن معه على الطريق الآخر، وفي ظن العسكر أنهم حصروه وضيقوا ~~عليه، فتركهم ومضى في طريق مجهولة. فسار ليلة في أوعار مشقة حتى أدركهم في ~~السحر، وقد شرعوا في تحميل أثقالهم أبناء، على أن تيمور قد انهزم وهرب خوفا ~~منهم. فأخذ تيمور يكيدهم بأن نزل هو ومن معه عن خيولهم أو تركوها ترعى في ~~تلك المروج، وناموا كأنهم من جملة العسكر، فمرت بهم خيولهم، وهم يظنون أنهم ~~منهم وقد قصدوا الراحة. فلما تكامل مرور العسكر ركب تيمور بمن معه أقفيتهم، ~~وهم يصيحون وأيديهم تدقهم دقا بالسيوف، فاختبط الناس وانهزم السلطان حسين ~~بمن معه لا يلوي أحد على أحد، حتى وصل إلى بلخ فاحتاط تمرلنك على ما كان ~~معه، ولم من بقي من العسكر عليه، فعظم جمعه، وكثر ماله، واستولى على ~~الممالك، ولا زال حتى قبض على السلطان حسين بعد أن أمنه وقتله، فهذا أول ~~عظمته. PageV03P0405 # والثانية واقعته مع تقتمش خان ملك التتار، فإنه لما واقعه بأطراف تركستان ~~قريبا ms2603 من نهر خجند، واشتد الحرب بينهما وكثرت القتلى في عسكر تيمور حتى ~~كادت تفنى، وعزم تيمور على الهزيمة، فإذا هو بالمعتقد السيد الشريف بركة قد ~~أقبل على تيمور، فقال له تيمور وقد جهده البلاء: " يا سيدي جيشي انكسر " ، ~~فقال له السيد الشريف بركة المذكور: " لا تخف " ؛ ثم نزل عن فرسه وتناول ~~كفا من الحصى، ثم ركب فرسه ورمى بها في وجوه جيش تقتمش وصرخ قائلا بأعلى ~~صوته " ياغي قجتي " - يعني باللغة التركية: العدو هرب - فصرخ بها أيضا ~~تيمور كمقالة الشريف بركة، فامتلأت آذان التمرية بصرختهما وأتوه بأجمعهم ~~بعدما كانوا ولوا هاربين. فكربهم تيمور ثانيا في عسكر تقتمش، وما منهم أحد ~~إلا وهو يصرخ " ياغي قجتي " ، فانهزم عند ذلك عسكر تقتمش خان، وركبت ~~التمرية أقفيتهم، وغنموا منهم من الأموال ما لا يدخل تحت حصر، فاستولى على ~~غالب بلاد تقتمش خان. والثالثة واقعته مع شيرة علي صاحب مازندران وكيلان ~~وبلاد الري والعراق وكسره وقبض عليه وقتله وملك جميع بلاده. ثم قصته مع شاه ~~شجاع صاحب شيراز وتزوج بنت شاه شجاع لابن تيمور، ومهادنة شاه شجاع له إلى ~~أن مات شاه شجاع، واختلفت أولاده وقوي شاه منصور على اخوته فمشى عليه تيمور ~~هذا، فلقيه شاه منصور في ألفي فارس لا غير. وشاه منصور هذا هو أفرس من قاتل ~~تيمور من الملوك بلا مدافعة، فإنه برز إليه في ألفي فارس وعساكر تيمور نحو ~~المائة ألف. وعندما برز له شاه منصور فر من عسكره أمير يقال له محمد بن ~~أمين الدين إلى تيمور بأكثر العساكر، فبقي شاه منصور في أقل من ألف فارس، ~~فقاتل بهم تيمور يومه إلى الليل. ثم مضى كل من الفريقين إلى معسكره، فركب ~~شاه منصور في الليل وبيت التمرية، فقتل منهم نحو العشرة آلاف فارس. ثم ~~انتخب شاه منصور من فرسانه خمسمائة فارس، فأصبح وقاتل بهم من الغد، وقصد ~~بهم تيمور حتى أزاله عن موقفه، وهرب تيمور واختفى بين حرمه، فأحاط بهم ~~التمرية مع كثرة عددهم وهو يقاتلهم حتى كلت يداه ms2604 وقتلت أبطاله، فانفرد عن ~~أصحابه وألقى نفسه بين القتلى، فضربه بعض التمرية فقتله، وأتى برأسه إلى ~~تيمور، فقتل تيمور قاتله أسفا عليه. واستولى تيمور أيضا على جميع ممالك ~~العجم بأسرها بعد شاه منصور. هذا وقد استوعبنا واقعة شاه منصور بأوسع من ~~ذلك في تاريخنا المنهل الصافي إذ هو كتاب تراجم. ثم أخذ تيمور في الاستيلاء ~~على مملكة بعد مملكة حتى ملك العراقين، وهرب منه السلطان أحمد بن أويس، ~~وأخرب غالب العراق: مثل بغداد والبصرة والكوفة وأعمالهم، ثم ملك غالب ~~أقاليم ديار بكر، وأخرب بها أيضا عدة بلاد. ثم قصد البلاد الشامية في سنة ~~ثمان وتسعين وسبعمائة، ثم رجع خائفا من الملك الظاهر برقوق إلى بلاده، ~~فبلغه موت فيروز شاه ملك الهند عن غير ولد، و أن أمر الناس بمدينة دلي في ~~اختلاف، وأنه جلس على تخت الملك بدلي وزير يقال له ملو، فخالف عليه أخو ~~فيروز شاه، واسمه سارنك خان متولي مدينة مولتان، فلما سمع تيمور هذا الخبر ~~اغتنم الفرصة وسار من سمرقند في ذي الحجة سنة ثمانمائة إلى مولتان وحاصر ~~ملكها سارنك خان ستة أشهر، وكان في عسكر سارنك خان ثمانمائة فيل حتى ملكها. ~~ثم سار تيمور إلى مدينة دلي وهي تخت الملك، فخرج لقتاله صاحبها ملو المذكور ~~وبين يديه عساكره ومعهم الفيلة، وقد جعل على كل فيل برجا فيه عدة من ~~المقاتلة، وقد ألبست تلك الفيلة العدد والبركستوانات، وعلق عليها من ~~الأجراس والقلاقل ما يهول صوته ليجفل بذلك خيول الجغتاي، وشدوا في خراطيمها ~~عدة من السيوف المرهفة، وسارت عساكر الهند من وراء الفيلة لتنفر هذه الفيلة ~~خيول التمرية بما عليها، فكادهم تيمور وحسب حسابهم بأن عمل آلافا من ~~الشوكات الحديد مثلثة الأطراف، ونثرها في مجالات الفيلة، وجعل على خمسمائة ~~جمل أحمال قصب محشوة بالفتائل المغموسة بالدهن، وقدمها أمام عسكره، فلما ~~تراءى الجمعان وزحف الفريقان للحرب، أضرم تيمور في تلك الأحمال النار ~~وساقها على الفيلة. فركضت تلك الأباعر من شدة حرارة النار، ثم نخسها ~~سواقوها من خلف. هذا وقد ms2605 أكمن تيمور كمينا من عسكره. PageV03P0406 # ثم زحف بعسكره قليلا وقت السحر. فعندما تناوش القوم القتال لوى تيمور رأس ~~فرسه راجعا، يوهم القوم أنه قد انهزم منهم ويكف عن طريق الفيلة كأن خيوله ~~قد جفلت منها، وقصد المواضع التي نثر فيها تلك الشوكات الحديد التي صنعها، ~~فمشت حيلته على الهنود، ومشوا بالفيلة وهم يسوقونها خلفه أشد السوق حتى ~~داست على تلك الشوكات الحديد، فلما وطئتها نكصت على أعقابها. ثم التف تيمور ~~بعساكره عليها بتلك الجمال، وقد عظم لهيبها على ظهورها، وتطاير شررها في ~~تلك الآفاق، وشنع زعاقها من شدة النخس في أدبارها. فلما رأت الفيلة ذلك ~~جفلت وكرت راجعة على العسكر الهندي، فأحست بخشونة الشوكات التي طرحها تيمور ~~في طريقها، فبركت وصارت في الطريق كالجبال مطروحة على الأرض لا تستطيع ~~الحركة، وسالت أنهار من دمائها؛ فخرج عند ذلك الكمين من عسكر تيمور من جنبي ~~عسكر الهنود، ثم حطم تيمور بمن معه، فتراجعت الهنود وتراموا بالسهام. ثم ~~إنهم تضايقوا وتقاتلوا بالرماح ثم بالسيوف والأطبار. وصبر كل من الفريقين ~~زمانا طويلا إلى أن كانت الكسرة على الهنود، بعد ما قتل أعيانهم وأبطالهم، ~~وانهزم باقيهم بعد أن ملوا من القتال. فركب تيمور أقفيتهم حتى نزل مدينة ~~دلي وحصرها وأخذها بعد مدة عنوة. وآستولى على تخت ملكها واستصفى ذخائرها، ~~وفعلت عساكره فيها على عادتهم القبيحة من الأسر والسبي والقتل والنهب ~~والتخريب. وبينما هم في ذلك بلغ تيمور موت الملك الظاهر برقوق صاحب مصر، ~~وموت القاضي برهان الدين أحمد صاحب سيواس من بلاد الروم، فرأى تيمور أنه ~~بعد موتهما ظفر بمملكتيهما، وكاد أن يطير بموتهما فرحا، فنجز أمره وولى ~~مسرعا بعد أن استناب بالهند من يثق به من أمرائه، وسار حتى وصل سمرقند، ثم ~~خرج منها عجلا في أوائل سنة اثنتين وثمانمائة، فنزل خراسان. ثم مضى منها ~~إلى تبريز فاستخلف بها آبنه ميران شاه. ثم سار حتى نزل قراباغ في شهر ربيع ~~الأول، فقتل وسبى. ثم رحل منها ونزل تفليس في جمادى الآخرة وعبر بلاد ~~الكرج، ms2606 وأسرف فيها أيضا في القتل والسبي. ثم قصد بغداد ففر منه السلطان ~~أحمد بن أويس إلى قرا يوسف، فعاد تيمور من بغداد وصيف ببلاد التركمان. ثم ~~سار إلى سيواس وقد أخذها الأمير سليمان بن أبي يزيد بن عثمان، فحصرها تيمور ~~ثمانية عشر يوما حتى أخذها في خامس المحرم من سنة ثلاث وثمانمائة، وقبض على ~~مقاتلتها وهم ثلاثة آلاف نفر، فحفر لهم سردابا وألقاهم فيه وطمهم بالتراب ~~بعد ما كان حلف لهم ألا يريق لهم دما وقال: أنا على يميني، ما أرقت لهم ~~دما. ثم وضع السيف في أهل البلد وأخربها حتى محا رسومها. ثم سار إلى بهسنا ~~فنهب ضواحيها وحصر قلعتها ثلاثة وعشرين يوما حتى أخذها. ومضى إلى ملطية ~~فدكها دكا. وسار حتى نزل قلعة الروم فلم يقدر عليها، فتركها وقصد عين تاب، ~~ففر منه نائبها الأمير أركماس الظاهري، وهو غير أركماس الدوادار في الدولة ~~الأشرفية. ثم قصد حلب ووقع له بها وبدمشق ما تقدم ذكره إلى أن خرج من ~~البلاد الشامية. وكان رحيله عن دمشق في يوم السبت ثالث شعبان من سنة ثلاث ~~وثمانمائة المذكورة، واجتاز على حلب وفعل بها ما قدر عليه ثانيا، ثم سار ~~منها حتى نزل على ماردين يوم الاثنين عاشر شهر رمضان من السنة، ووقع له بها ~~أمور، ثم رحل عنها. وأوهم أنه يريد سمرقند، يوري بذلك عن بغداد، وكان ~~السلطان أحمد بن أويس قد استناب ببغداد أميرا يقال له فرج، وتوجه هو وقرا ~~يوسف نحو بلاد الروم، فندب تيمور على حين غفلة أمير زاده رستم ومعه عشرون ~~ألفا لأخذ بغداد. ثم تبعه بمن بقي معه ونزل على بغداد، وحصرها حتى أخذها ~~عنوة في يوم عيد النحر من السنة، ووضع السيف في أهل بغداد. PageV03P0407 # حدثني الأمير أسنباي الزردكاش الظاهري برقوق - وكان أسر عند تيمور وحظي ~~عنده، وجعله زردكاشه عند أخذ بغداد وحصارها - بأشياء مهولة، منها أنه لما ~~آستولى على بغداد ألزم جميع من معه أن يأتيه كل واحد منهم برأسين من رؤوس ~~أهل بغداد؛ فوقع ms2607 القتل في أهل بغداد وأعمالها، حتى سالت الدماء أنهارا، حتى ~~أتوه بما أراد، فبنى من هذه الرؤوس مائة وعشرين مئذنة. فكانت عدة من قتل في ~~هذا اليوم من أهل بغداد تقريبا مائة ألف إنسان - وقال المقريزي: تسعين ألف ~~إنسان - وهذا سوى من قتل في أيام الحصار، وسوى من قتل في يوم دخول تيمور ~~إلى بغداد، وسوى من ألقى نفسه في الدجلة فغرق، وهو أكثر من ذلك. قال: وكان ~~الرجل المرسوم له بإحضار رأسين إذا عجز عن رأس رجل قطع رأس امرأة من النساء ~~وأزال شعرها وأحضرها، قال: وكان بعضهم يقف بالطرقات ويصطاد من مر به ويقطع ~~رأسه. ثم رحل تيمور عن بغداد وسار حتى نزل قراباغ بعد أن جعلها دكا خرابا، ~~ثم كتب إلى أبي يزيد بن عثمان صاحب الروم أن يخرج السلطان أحمد بن أويس ~~وقرا يوسف من ممالك الروم وإلا قصده وأنزل به ما نزل بغيره. فرد أبو يزيد ~~جوابه بلفظ خشن إلى الغاية؛ فسار تيمور إلى نحوه. فجمع أبو يزيد بن عثمان ~~عساكره من المسلمين والنصارى وطوائف التتر. فلما تكامل جيشه سار لحربه، ~~فأرسل تيمور قبل وصوله إلى التتار الذين مع أبي يزيد بن عثمان يقول لهم: ~~نحن جنس واحد، وهؤلاء تركمان ندفعهم من بيننا،ويكون لكم الروم ~~عوضهم.فانخدعوا له وواعدوه أنهم عند اللقاء يكونون معه. وسار أبو يزيد بن ~~عثمان بعساكره على أنه يلقى تيمور خارج سيواس، ويرده عن عبور أرض الروم. ~~فسلك تيمور غير الطريق، ومشى في أرض غير مسلوكة، ودخل بلاد ابن عثمان، ونزل ~~بأرض مخصبة وسيعة. فلم يشعر ابن عثمان إلا وقد نهبت بلاده، فقامت قيامته ~~وكر راجعا، وقد بلغ منه ومن عسكره التعب مبلغا أوهن قواهم، وكلت خيولهم، ~~ونزل على غير ماء، فكادت عساكره أن تهلك، فلما تدانوا للحرب كان أول بلاء ~~نزل بابن عثمان مخامرة التتار بأسرها عليه، فضعف بذلك عسكره، لأنهم كانوا ~~معظم عسكره، ثم تلاهم ولده سليمان ورجع عن أبيه عائدا إلى مدينة برصا بباقي ~~عسكره، فلم يبق مع أبي ms2608 يزيد إلا نحو خمسة آلاف فارس، فثبت بهم حتى أحاطت به ~~عساكر تيمور، وصدمهم صدمة هائلة بالسيوف والأطبار حتى أفنوا من التمرية ~~أضعافهم. وآستمر القتال بينهم من ضحى يوم الأربعاء إلى العصر، فكفت عساكر ~~آبن عثمان، وتكاثروا التمرية عليهم يضربونهم بالسيوف لقلتهم وكثرة التمرية، ~~فكان الواحد من العثمانية يقاتله العشرة من التمرية، إلى أن صرع منهم أكثر ~~أبطالهم، وأخذ أبو يزيد بن عثمان أسيرا قبضا باليد على نحو ميل من مدينة ~~أنقرة، في يوم الأربعاء سابع عشرين ذي الحجة سنة أربع وثمانمائة بعد أن قتل ~~غالب عسكره بالعطش، فإن الوقت كان ثامن عشرين أبيب بالقبطي وهو تموز ~~بالرومي. وصار تيمور يوقف بين يديه في كل يوم ابن عثمان طلبا ويسخر منه ~~وينكيه بالكلام. وجلس تيمور مرة لمعاقرة الخمر مع أصحابه وطلب ابن عثمان ~~طلبا مزعجا، فحضر وهو يرسف في قيوده وهو يرجف، فأجلسه بين يديه وأخذ ~~يحادثه، ثم وقف تيمور وسقاه من يد جواريه اللاتي أسرهن تيمور، ثم أعاده إلى ~~محبسه. ثم قدم على تيمور إسبندار أحد ملوك الروم بتقادم جليلة، فقبلها ~~وأكرمه ورده إلى مملكته. هذا وعساكر تيمور تفعل في بلاد الروم وأهلها تلك ~~الأفعال المقدم ذكرها. وأما أمر سليمان بن أبي يزيد بن عثمان، فإنه جمع ~~المال الذي كان بمدينة برصا، وجميع ما كان فيها ورحل إلى أدرنة وتلاحق به ~~الناس، وصالح أهل إستانبول. فبعث تيمور فرقة كبيرة من عساكره صحبة الأمير ~~شيخ نور الدين إلى برصا فأخذوا ما وجدوا بها، ثم تبعهم هو أيضا بعساكره. ثم ~~أفرج تيمور عن محمد وعلي أولاد ابن قرمان من حبس أبي يزيد بن عثمان، وخلع ~~عليهما وولاهما بلادهما، وألزم كل واحد منهما بإقامة الخطبة، وضرب السكة ~~باسمه واسم السلطان محمود خان المدعو صرغتمش. ثم شتا في معاملة منتشا وعمل ~~الحيلة في قتل التتار الذين أتوه من عسكر ابن عثمان حتى أفناهم عن آخرهم. ~~PageV03P0408 # وأما أبو يزيد بن عثمان، فإنه استمر في أسر تيمور من ذي الحجة سنة أربع، ~~إلى أن مات ms2609 بكربته وقيوده، في أيام من ذي القعدة سنة خمس وثمانمائة، بعد أن ~~حكم ممالك الروم نحو تسع سنين. وكان من أجل الملوك حزما وعزما وشجاعة، رحمه ~~الله تعالى. وهو المعروف بيلدرم بايزيد. ثم رجع تيمور من بلاد الروم وقد ~~تعلقت آماله بأخذ بلاد الصين، فأخذه الله قبل أن يصل، ولولا خشية الإطالة ~~لذكرنا أمره وما وقع له بطريق الصين، إلى أن توفي لعنه الله، ولكن أضربنا ~~عن ذلك خشية الإطالة، وأيضا قد ذكرناه في تاريخنا " المنهل الصافي " ~~مستوفاة، فلينظر هناك. وكانت وفاة تيمور في ليلة الأربعاء سابع عشر شعبان ~~سنة سبع وثمانماثة وهو نازل بالقرب من أترار، وأترار بالقرب من آهنكران، ~~ومعنى آهنكران باللغة العربية الحدادون. ولما مات لبسوا عليه المسوح، ولم ~~يكن معه أحد من أولاده سوى حفيده سلطان خليل بن ميران شاه بن تيمور، فتسلطن ~~موضع جده تيمور في حياة والده ميران شاه المذكور. فاستولى خليل المذكور على ~~خزائن جده وبذل الأموال، وتم أمره. انتهى ما أوردناه من قصة تيمورلنك على ~~سبيل الاختصار. ولنعد إلى ما نحن بصدده من ترجمة السلطان الملك الناصر فرج ~~بن برقوق رحمه الله. ولما كان يوم الأحد أول شوال أفرج السلطان عن الأمير ~~يلبغا السالمي وهو متضغف بعد ما عصر وأهين إهانة بالغة. وفي هذه الأيام كثر ~~آحتراز الأمراء بعضهم من بعض، وتحدث الناس بإثارة فتنة. ثم في سابع شوال ~~المذكور استقر الأمير طولو من على باشاه الظاهري في نيابة إسكندرية عوضا عن ~~الأمير أرسطاي، واستقر الأمير بشباي من باكي الظاهري حاجبا ثانيا على خبز ~~سودون الطيار، إمرة طبلخاناه، واستقر كل من سودون الطيار وألطنبغا من سيدي ~~حجابا بحلب لأمر اقتضى ذلك. ثم استدعى السلطان الأمراء بقلعة الجبل، وقال ~~لهم: " قد كتبنا مناشير جماعة من الخاصكية بأمريات ببلاد الشام من أول شهر ~~رمضان، فلم لا يسافرون؟ " وكل ذلك بتعليم يشبك الدوادار. فقال الأمير نوروز ~~الحافظي: " ما في هذا مصلحة! إذا أرسل السلطان هؤلاء من يبقى عنده من ~~مماليك أبيه الأعيان؟ " ووافق نوروزا سودون ms2610 المارداني. فقال السلطان: " من ~~رد مرسومي فهو عدوي " ، فسكت الأمراء. وأمر السلطان بالمناشير أن تبعث إلى ~~أربابها. فلما نزلت إليهم امتنعوا من السفر، ومنهم من رد منشوره، فغضب ~~السلطان. وأصبح الجماعة يوم الأحد، وقد اتفقوا مع لأمراء وساروا للأمير ~~نوروز الحافظي وتحدثوا معه في عدم سفرهم، فاعتذر إليهم، وبعثهم لسودون ~~المارداني رأس نوبة النوب فحدثوه في ذلك، وما زالوا به حتى ركب للأمير يشبك ~~الشعباني الدوادار وحدثه في ألا يسافروا، فأغلظ يشبك في رد الجواب عليه، ~~وهددهم بالتوسيط إن امتنعوا من السفر. ثم أمره أن يطلع إلى السلطان ويسأله ~~في ذلك، فطلع سودون المارداني إلى السلطان، وسأله في إعفائهم من السفر، ~~وأعلمه أنه قد آتفق منهم نحو الألف تحت القلعة، وهم مجتمعون، فبعث السلطان ~~إليهم بعض الخاصكية يقول لهم: " نحن ما خليناكم بلا رزق، بل عملناكم أمراء ~~" . فما هو إلا أن نزل إليهم وكلمهم في ذلك، ثاروا عليه وسبوه ثم ضربوه حتى ~~كاد يهلك. وبينما هم في ضربه، وإذا بالأمير قطلوبغا الحسني الكركي والأمير ~~آقباي الكركي الخازندار نزلا من القلعة، فمال عليهم المماليك يضربونهم ~~بالدبابيس إلى أن سقط قطفوبغا الكركي، وتكاثر عليه مماليكه وحملوه إلى ~~بيته، ونجا آقباي الكركي الخازندار والتجأ إلى بيت الأمير يشبك الدوادار. ~~وماجت البلد وغلقت الأسواق، فنودي بعد العصر من اليوم المذكور بطلوع ~~الأمراء والمماليك السلطانية في الغد إلى القلعة، ومن لم يطلع حل ماله ودمه ~~للسلطان. ثم طلع الآمير يشبك، ونوروز الحافظي، وآقباي الكركي الخازندار، ~~وقطلوبغا الكركي إلى القلعة بعد عشاء الآخرة، وباتوا بالقلعة، إلا نوروزا ~~فإنه أقام معهم ساعة عند السلطان، ثم نزل إلى داره. وطلع أيضا في الليل ~~غالب المماليك السلطانية. PageV03P0409 # وأصبحوا يوم الاثنين تاسع شوال، فطلع جميع الأمراء والمماليك إلا الأمير ~~جكم من عوض، وسودون الطيار، وقاني باي العلائي، وقرقماس الأينالي، وجمق ~~وتمربغا المشطوب، في عدة من المماليك السلطانية الأعيان، منهم يشبك ~~العثماني، وقمج وبرسبغا وطرباي وبقية خمسمائة مملوك، والجميع لبسوا السلاح ~~وآلة الحرب ووقفوا تحت القلعة حتى تضحى النهار. ثم مضوا ms2611 إلى بركة الحبش ~~ونزلوا عليها. وأما أهل القلعة، فإن يشبك بعث في الحال نقيب الجيش إلى ~~الشيخ لاجين الجركسي أحد الأجناد، فقبض عليه وحمله إلى بيت آقباي حاجب ~~الحجاب، فوكل به آقباي من أخرجه من القاهرة إلى بلبيس ليسافر إلى الشام. ثم ~~قبض على سودون الفقيه، أحد دعاة الشيخ لاجين، وأخرج إلى الإسكندرية فسجن ~~بها. واستمر الأمير جكم ورفقته ببركة الحبش إلى ليلة الأربعاء، فاستدعى ~~الأمير يشبك سائر الأمراء، فلما صاروا بالقلعة وكل بهم من يحفظهم، فآستمروا ~~على ذلك حتى مضى جانب من الليل. ثم نزل الطلب إلى الأمير سودون طاز الأمير ~~آخور الكبير من السلطان ليطلع إلى عند الأمراء، وفي عزمهم أنه إذا طلع ~~قبضوا عليه، فنم لسودون طاز بعض الخاصكية يسمى قاني باي، وقال له: " فز ~~بنفسك " فلم يكذب سودون طاز الخبر، وأخذ الخيول السلطانية التي بالإسطبل ~~السلطاني، وركب بمماليكه، وسار حتى لحق بالأمير جكم ببركة الحبش. وبلغ ~~السلطان ذلك، فارتج القصر السلطاني، وقام كل أمير ونزل إلى داره ولبس آلة ~~الحرب بمماليكه، ودقت الكوسات وطلعوا إلى القلعة. فلما أصبح نهار الأربعاء ~~نزل السلطان من القصر إلى الإسطبل، وبعث إلى الأمير جكم من عوض بأن يتوجه ~~إلى صفد نائبا بها، فرد جكم الجواب: " نحن مماليك السلطان، وهو أستاذنا ~~وابن أستاذنا، ولو أراد قتلنا ما خالفناه، غير أننا لنا غرماء يدعنا نحن ~~وإياهم، ثم بعد ذلك مهما أراد السلطان يفعل فينا، فنحن بين يديه " . فلما ~~عاد الرسول بذلك بكى الأمير يشبك الدوادار، وتكلم هو والأمير آقباي الكركي ~~الخازندار وقطلوبغا الكركي مع السلطان، ودار بينهم الكلام الكثير، حتى بعث ~~السلطان بالأمير نوروز الحافظي والقاضي الشافعي وناصر الدين المعلم الرماح ~~أمير آخور إلى الأمير جكم في طلب الصلح. فنزلوا إليه وكلموه في ذلك، فامتنع ~~جكم من الصلح هو ومن معه وقالوا: " لا بد لنا من غرمائنا " وأخذوا عندهم ~~الأمير نوروز الحافظي، وعاد القاضي الشافعي وناصر الدين الرماح بالجواب، ~~فعند ذلك قال السلطان ليشبك: " دونك وغرماءك " فطلب يشبك المساعدة من ~~السلطان عليهم، ms2612 فلم يفعل، فنزل يشبك إلى داره وقد اختل أمره. ثم عاد إلى ~~القلعة ليطلع إلى السلطان فلم يمكن منها، وتخلى عنه المماليك السلطانية؛ ~~فلم تكن إلا ساعة حتى أقبل جكم وسودون طاز ونوروز في عددهم وأصحابهم، وصاحب ~~الموكب نوروز وجكم عن يساره، وسودون طاز عن يمينه، وساروا نحو يشبك، فنادى ~~يشبك: من قاتل معي من المماليك السلطانية فله عشرة آلاف درهم فأتاه طائفة. ~~وخرج من بيته وصف عساكره. فحمل عليه نوروز بمن معه، وصدمه صدمة واحدة كسره ~~فيها؛ فانهزم إلى داره وقاتل بها ساعة، ثم هرب منها، فنهبت داره ودار ~~قطلوبغا الكركي. وكان بيت يشبك دار منجك اليوسفي الملاصقة لمدرسة السلطان ~~حسن، وهي الآن على ملك تمربغا الظاهري الدوادار، ودار قطلوبغا الكركي البيت ~~الذي تجاهه، وقبض على آقباي الكركي الخازندار، فشفع فيه السلطان، فترك في ~~داره إلى يوم الخميس ثاني عشره، فركب الأمير جكم إليه، وأخذه وطلع به إلى ~~الإسطبل السلطاني وقيده. ثم قبض على الأمير قطلوبغا الكركي الحسني من بيت ~~الأمير يلبغا الناصري وقيده. PageV03P0410 # ثم قبض على جركس القاسمي المصارع من عند سودون الجلب، وقيده وبعث الثلاثة ~~إلى الإسكندرية، والثلاثة أمراء ألوف من أصحاب يشبك. وسافروا إلى ~~الإسكندرية في ليلة السبت رابع عشر شوال المذكور من سنة ثلاث وثمانمائة، ~~وكتب جكم بإحضار سودون الفقيه من الإسكندرية - وسودون الفقيه هذا حمو الملك ~~الظاهر ططر، وجد الملك الصالح محمد بن ططر الآتي ذكرهما. وطلب جكم الأمير ~~يشبك الشعباني الدوادار فلم يقدر عليه إلى ليلة الاثنين سادس عشره، دل عليه ~~أنه في تربة بالقرافة، فنزل إليه جكم؛ فلما أحيط بيشبك، وهو في التربة ~~المذكورة، ألقى نفسه من مكان مرتفع، فشج جبينه، وقبض عليه الأمير جكم، ~~وأحضره إلى بيت الأمير نوروز الحافظي، فقيد وسير من ليلته إلى الإسكندرية ~~فسجن بها. وفي يوم الاثنين خلع على سعد الدين إبراهيم بن غراب باستمراره في ~~وظائفه، وهو أحد أصحاب يشبك، بعد أن اجتهد غاية الاجتهاد في رضا جكم عليه ~~فلم يقدر. ثم في ثامن عشره أخلع ms2613 السلطان على الأمير شيخ المحمودي نائب ~~طرابلس باستمراره على نيابته، وهي خلعة السفر، وكان له من يوم قدم من أسر ~~تيمور بالقاهرة في عمل مصالحه، وكذلك الأمير دقماق نائب صفد خلع عليه خلعة ~~السفر - وكان دقماق أولا نائب حماة، ثم صار الآن في نيابة صفد - وأذن لهما ~~بالسفر إلى محل كفالتهما. وفي تاسع عشره خلع السلطان الملك الناصر على ~~الأمير جكم باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن يشبك الشعباني، بحكم حبسه ~~بالإسكندرية، وعلى سودون من زاده باستقراره خازندارا، عوضا عن آقباي ~~الكركي، وعلى أرغون من يشبغا باستقراره شاد الشراب خاناه، عوضا عن قطلوبغا ~~الكركي، وأخلع على بيسق الشيخي خلعة إمرة الحاج على العادة، ورسم له أن ~~يقيم بعد انقضاء الحج بمكة لعمارة ما بقي من المسجد الحرام. ثم في سادس ~~عشرين شوال أخلع السلطان على الأمير يونس الحافظي باستقراره في نيابة حماة ~~بعد عزل الأمير عمر بن الهيدباني. وفي هذا اليوم أنعم على الأمير جكم من ~~عوض الدوادار بإقطاع يشبك الشعباني الدوادار، وعلى سودون الطيار بإقطاع ~~الأمير جكم، وأنعم لإقطاع آقباي الكركي على قاني باي العلائي، وبإقطاع ~~قطلوبغا الكركي على تمربغا من باشاه المعروف بالمشطوب، وبإقطاع جركس ~~القاسمي المصارع على سودون من زاده بستين فارسا. ثم في أول ذي القعدة ألزم ~~سعد الدين بن غراب بتجهيز نفقة المماليك السلطانية، فالتزم أن يحمل منها ~~مائة ألف دينار، وألزم الوزير ناصر الدين محمد بن سنقر، وتاج الدين عبد ~~الرزاق بن أبي الفرج، ويلبغا السالمي بمائة ألف دينار، فشرع الجميع في ~~تجهيزها. ثم قبض على السالمي وصودر، وعذب بأنواع العذاب، ثم أفرج عنه بعد ~~مدة، واستمر الحال على أن جكم صار متحدثا في المملكة. ثم في رابع ذي الحجة ~~اختفى سعد الدين بن غراب، وأخوه فخر الدين ماجد، ولم يعرف خبرهما. فاستقر ~~ناصر الدين محمد بن سنقر في الأستدارية، عوضا عن سعد الدين بن غراب، مضافا ~~لما معه من الذخيرة والأملاك. ثم استعفى سودون من زاده من وظيفة ~~الخازندارية، وخلع على الوزير علم الدين ms2614 أبي كم باستقراره في نظر الخاص ~~مضافا على الوزر عوضا عن سعد الدين بن غراب، وخلع على سعد الدين بن أبي ~~الفرج ابن بنت الملكي، صاحب ديوان الجيش، واستقر في نظر الجيش عوضا عن آبن ~~غراب. PageV03P0411 # ثم في تاسع في الحجة ورد كتاب مشايخ تروجة يتضمن قدوم سعد الدين بن غراب ~~إليهم، ومعه مثال سلطاني باستخراج الأموال، ومسيرهم معه إلى الإسكندرية ~~لإخراج يشبك والأمراء من سجن الإسكندرية، وإحضارهم إلى القاهرة. فخلع ~~السلطان على رسولهم، وكتب على يده مثالا سلطانيا بالقبض على ابن غراب ومن ~~معه، وإرسالهم إلى القاهرة. ثم قدم كتاب نائب الإسكندرية بأن سعد الدين بن ~~غراب طلب زعران الإسكندرية، فخرج إليه أبو بكر المعروف بعلام الخدام بالزعر ~~إلى تروجة، فأعطى لكل واحد منهم مبلغ خمسمائة درهم، وقرر معهم قتل النائب، ~~فبلغ ذلك النائب، فلما قدموا إلى الإسكندرية قبض على جماعة منهم وقتل بعضهم ~~وقطع أيدي بعضهم، وضرب علام الخدام بالمقارع، وأنه أيضا ظفر بكتاب ابن غراب ~~لبعض تجار الإسكندرية، وفيه أن يجتمع بالنائب ويؤكد عليه ألا يقبل ما يرد ~~عليه من أمراء مصر في أمر يشبك الدوادار ومن معه من الأمراء، وأن يجعل باله ~~لا يجري عليه مثل ما جرى على ابن عرام في قتله الأمير بركة. ثم وردت كتب ~~مشايخ تروجة بسؤال الأمان لابن غراب، فكتب له السلطان أمانا، وكتب له ~~الأمراء ما خلا الأمير جكم، فإنه كتب إليه كتابا ولم يكتب إليه أمانا، فقدم ~~إلى القاهرة في حادي عشرينه في الليل، ونزل عند صديقه جمال الدين يوسف ~~أستادار بجاس، وهو يومئذ أستادار الأمير سودون طاز أمير آخور، فتحدث له مع ~~سودون طاز وأوصله إليه، فأكرمه وأنزله عنده يومي الثلاثاء والأربعاء، حتى ~~استرضى له الأمراء. وأحضره في يوم الخميس ثالث عشرينه إلى مجلس السلطان، ~~وخلع عليه باستقراره في وظائفه القديمة: الأستادارية، ونظر الجيش، والخاص. ~~ونزل إلى بيت الأمير جكم الدوادار، فمنعه جكم من الدخول إليه ورده. ومما ~~زال يسعى آبن غراب حتى دخل إليه مع الأمير سودون ms2615 من زادة، وقبل يده فلم ~~يكلمه كلمة، وأعرض عنه. فلم يزل حتى أرضاه بعد ذلك. ثم وفي يوم الخميس سلخ ~~ذي الحجة أنفق آبن غراب تتمة النفقة على المماليك السلطانية، فأعطى كل واحد ~~ألف درهم. وعندما نزل من القلعة أدركه عدة من المماليك السلطانية ورجموه ~~بالحجارة يريدون قتله، فبادر إلى بيت الأمير نوروز واستجار به حتى أجاره. ~~ثم في محرم سنة أربع وثمانمائة، كتب الأمراء بمصر لأمراء دمشق بالقبض على ~~الأمير تغري بردي - أعني الوالد - ، فكتب للوالد بذلك بعض أعيان أمراء مصر، ~~فسبق ذلك المثال السلطاني. فركب الوالد من دار السعادة بدمشق في نفر من ~~مماليكه في ليلة الجمعة ثاني عشرين المحرم وخرج إلى حلب، فتعين لنيابة ~~دمشق، عوضا عن الوالد، الأمير آقبغا الجمالي الأطروش أتابك دمشق، وكتب ~~بانتقال دقماق نائب صفد إلى نيابة حلب، عوضا عن دمرداش المحمدي بحكم عصيانه ~~وانضمامه على الوالد لما قدم عليه من دمشق، واستقر الأمير تمربغا المنجكي ~~في نيابة صفد عوضا عن دقماق. وأما الوالد رحمه الله فإنه لما سار إلى حلب ~~وجد الأمير دمرداش نائب حلب قد قبض على الأمير خليل بن قراجا بن دلغادر ~~أمير التركمان، فأمره الوالد بإطلاقه، فأطلقه، واتفق الجميع على الخروج عن ~~طاعة السلطان بسبب من حوله من الأمراء. واجتمع عليهم خلائق من التركمان ~~وغيرهم على ما سيأتي ذكره. ثم وقع بين أمراء مصر وهو أن سودون الحمزاوي وقع ~~بينه وبين أكابر الأمراء، مثل نوروز، وجكم، وسودون طاز، وتمربغا المشطوب، ~~وقاني باي العلائي، فانقطعوا الجميع عن الخدمة السلطانية من أول صفر، ~~وعزموا على إثارة فتنة؛ فلبس سودون الحمزاوي آلة الحرب في داره، واجتمع ~~عليه من يلوذ به. وكان الأمراء المذكورون، قد عينوا قبل ذلك للخروج من ديار ~~مصر ثمانية أنفس، وهم سودون الحمزاوي المذكور، وسودون بقجة وهما من أمراء ~~الطبلخانات ورؤوس نوب، وأزبك الدوادار، وسودون بشتو وهما من أمراء العشرات، ~~وقاني باي الخازندار، وبردبك وهما من الخاصكية، وآخران. ولما لبس الحمزاوي ~~مشت الرسل بينهم في الصلح على أن وقع ms2616 الاتفاق على خروج سودون الحمزاوي إلى ~~نيابة صفد، وإقامة الباقين بمصر من غير حضورهم إلى الخدمة السلطانية. ثم في ~~سابع عشرين صفر المذكور، خلع على سودون الحمزاوي بنيابة صفد وبطل ولاية ~~تمربغا المنجكي من صفد. PageV03P0412 # وفي هذا الشهر، حضر الأمير ألطنبغا العثماني نائب صفد كان، والأمير عمر ~~ابن الطحان نائب غزة كان من أسر تيمورلنك، وذكرا أنهما فارقاه من أطراف ~~بغداد. ثم في يوم الاثنين نصف شهر ربيع الأول من سنة أربع وثمانمائة، طلع ~~الأمير نوروز الخدمة السلطانية، بعد ما انقطع عنها زيادة على شهر، فخلع ~~عليه خلعة الرضا. ثم في ثامن عشره، طلع الأمير جكم من عوض الدوادار الخدمة ~~بعد ما انقطع عنها مدة شهرين وخلع عليه أيضا. هذا ودقماق نائب حلب، وأقبغا ~~الأطروش نائب الشام في الاستعداد وجمع التركمان والعشير لقتال الوالد ~~ودمرداش. ثم خرج الوالد ودمرداش من حلب إلى ظاهرها لانتظار دقماق وقتاله. ~~ثم إن السلطان في شهر ربيع الآخر أخلع علي جمق رأس نوبة باستقراره دوادارا ~~ثانيا عوضا عن جركس المصارع، وكانت شاغرة من يوم مسك جركس المذكور، وآستقر ~~مبارك شاه الحاجب وزيرا عوضا عن علم الدين يحيى المعروف بأبي كم، وقبض على ~~أبي كم وسلم لشاد الدواوين للمصادرة. وفي العشر الأخير من هذا الشهر آستقر ~~جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني قاضي قضاة ~~الديار المصرية بعد عزل القاضي ناصر الدين الصالحي؛ وهذه أول ولاية جلال ~~الدين البلقيني. ثم في ثامن جمادى الأولى آستقر الأمير ألطنبغا العثماني ~~نائب صفد كان، في نيابة غزة عوضا عن الأمير صرق بعد عزله. ثم ابتدأت الفتنة ~~بين الأمراء، وطال الأمر، وانقطع جكم ونوروز عن الخدمة السلطانية أياما ~~كثيرة. ودخل شهر رمضان وانقضى، ولم يحضروا الهناء بالعيد، ولا صلوا صلاة ~~العيد مع السلطان. واستهل شوال فقويت فيه القالة بين الأمراء، وأرجف بوقوع ~~الحرب غير مرة. فلما كان يوم الجمعة ثاني شوال ركب الأمراء للحرب بالسلاح، ~~ونزل الملك الناصر إلى الإسطبل السلطاني عند سودون طاز الأمير آخور، ms2617 وركب ~~الأمير نوروز وجكم وخصمهما سودون طاز، ووقع الحرب بينهم من بكرة النهار إلى ~~العصر. فلما كان آخر النهار بعث السلطان بالخليفة المتوكل على الله والقضاة ~~الأربعة إلى الأمير نوروز في طلب الصلح فلم يجد نوروز بدا من الصلح وترك ~~القتال، وخلع عنه آلة الحرب، فكف الأمير جكم أيضا عن القتال. وكان ذلك ~~مكيدة من سودون طاز، فإنه خاف أن يغلب ويسلمه السلطان إلى أخصامه، فتمت ~~مكيدته بعد ما كاد أن يؤخذ، لقوة نوروز وجكم بمن معهما من الأمراء ~~والخاصكية. وسكنت الفتنة، وبات الناس في أمن وسكون. فلما كان يوم السبت ركب ~~الخليفة والقضاة، وحلفوا الأمراء بالسمع ولطاعة للسلطان، فطلع الأمير نوروز ~~إلى الخدمة في يوم الاثنين خامس شوال، وخلع عليه السلطان، وأركبه فرسا بسرج ~~ذهب وكنبوش زركش. ثم طلع الأمير جكم في ثامنه وهو خائف، ولم يطلع قاني باي ~~ولا قرقماس؛ وطلبا فلم يوجدا. فجهز إليهما خلعتان، على أن يكون قاني باي ~~نائبا بحماة، وقرقماس حاجبا بدمشق. ونزل بغير خلعة، فكاد أن يهلك لكونه لم ~~يخلع عليه. وعندما جلس بداره نزل إليه جرباش الشيخي رأس نوبة، وبشباي ~~الحاجب الثاني ملفق. ثم ركب من ليلته بمن معه من الأمراء والمماليك، ~~وأعيانهم: قمش الخاصكي الخازندار، ويشبك الساقي - وهو الذي صار أتابكا في ~~دولة الأشرف برسباي - ويشبك العثماني، وألطنبغا جاموس، وجانيباي الطيبي، ~~وبرسبغا الدوادار، وطرباي الدوادار، وساروا الجميع إلى بركة الحبش خارج ~~القاهرة، ولحق بهم في الحال قاني باي، وقرقماس الرماح، وأرغز، وقبجق، ونحو ~~الخمسمائة مملوك من المماليك السلطانية، وغيرهم، وأقاموا جميعا ببركة الحبش ~~إلى ليلة السبت عاشر شوال، فأتاهم الأمير نوروز، وسودون من زادة رأس نوبة، ~~وتمربغا المشطوب، في نحو الألفين من المماليك السلطانية وغيرهم، وأقاموا ~~جميعا ببركة الحبش إلى ليلة الأربعاء رابع عشر شوال، وأمرهم في زيادة وقوة، ~~بمن يأتيهم أولا بأول من الأمراء والمماليك السلطانية. وفي الليلة ~~المذكورة، دبر سودون طاز أمره وطلع إلى السلطان، وأنزله إلى الإسطبل ~~السلطاني وبات به. PageV03P0413 # فلما أصبح بكرة يوم الأربعاء المذكور، ركب السلطان ms2618 فيمن معه من الأمراء ~~والخاصكية ونزل من القلعة، وسار نحو بركة الحبش من باب القرافة، بعد ما ~~نادى في أمسه بالعرض. واجتمع إليه جميع عساكره، وقد صف سودون طاز عساكر ~~السلطان، فلما قارب بركة الحبش، ركب نوروز وجكم بمن معهما أيضا من الأمراء ~~وأسر الأمير تمربغا المشطوب، وسودون من زاده، وعلي بن إينال، وأرغز، وهرب ~~نوروز وجكم في عدة كثيرة من الأمراء والمماليك يريدون بلاد الصعيد، وعاد ~~السلطان ومعه الأمراء وسودون طاز مظفرا منصورا. وقيد سودون طاز الأمراء ~~المأسورين، وبعثهم إلى الإسكندرية في ليلة السبت سابع عشره. وسار نوروز ~~وجكم إلى أن وصلا إلى منيه القائد، ثم عادوا إلى طموه ونزلوا على ناحية ~~منبابة، من بر الجيزة تجاه بولاق. وطلب الأمير يشبك الشعباني الدوادار من ~~سجن الإسكندرية، فقدم يوم الاثنين تاسع عشره إلى قلعة الجبل، ومعه خلائق ~~ممن خرج إلى لقائه، فقبل الأرض ونزل إلى داره، كل ذلك والأمراء بالجيزة. ~~فلما كان ليلة الثلاثاء عشرين شوال ركب الأمير نوروز نصف الليل وعدى النيل، ~~وحضر إلى بيت الأمير الكبير بيبرس. وكان بيبرس، قد تحدث هو وإينال باي من ~~قجماس مع السلطان في أمر نوروز حتى أمنه ووعده بنيابة دمشق، وكان ذلك أيضا ~~من مكر سودون طاز، فمشى ذلك على نوروز وحضر. فاختل عند ذلك أمر جكم، وتفرق ~~منه من كان معه، وصار فريدا، فكتب إلى الأمير بيبرس الأتابك يستأذنه في ~~الحضور، فبعث إليه الأمير أزبك الأشقر رأس نوبة، والأمير بشباي الحاجب، ~~وقدما به ليلة الأربعاء حادي عشرين شوال إلى باب السلسلة من الإسطبل ~~السلطاني، فتسلمه عدوه الأمير سودون طاز. وأصبح وقد حضر الأمير يشبك وسائر ~~الأمراء للسلام عليه. فلما كانت ليلة الخميس ثاني عشرينه، قيد وحمل إلى ~~الإسكندرية، فسجن بها في البرج الذي كان سجن يشبك الدوادار فيه، وسكن يشبك ~~مكانه وعلى إقطاعه بعدما حبس بالإسكندرية نحوا من سنة، واستقر دوادارا على ~~عادته عوضا عن جكم المذكور، على ما سيأتي ذكره. وأما أمر البلاد الشامية ~~فإن دقماق جمع جموعه من العساكر ms2619 والتركمان لقتال الوالد ودمرداش نائب حلب، ~~وسار إلى جهة حلب، فخرج إليه الوالد وعلى مقدمته دمرداش، وصدموه صدمة واحدة ~~انكسر فيها بجموعه وولوا الأدبار، ونهب ما معهم. وعاد دقماق منهزما إلى ~~دمشق، واستنجد بنائبها الأمير آقبغا الجمالي الأطروش. وكتب أيضا دقماق ~~لجميع نواب البلاد الشامية بالحضور والقيام بنصرة السلطان، وجمع من ~~التركمان والعربان جمعا كبيرا، وخرج معه غالب العساكر الشامية، وعاد إلى ~~جهة حلب بعساكر عظيمة، والوالد ودمرداش في مماليكهم لا غير، مع جدب البلاد ~~الحلبية، وخراب قراها، فإنه كان، عقيب توجه تيمور بسنة واحدة وأشهر. فلما ~~قارب دقماق بعساكره حلب أشار دمرداش على الوالد بالتوجه إلى بلاد التركمان ~~من غير قتال، فقال الوالد: لا بد من قتالنا معه، فإن انتصرنا وإلا توجهنا ~~إلى بلاد التركمان بحق، فبرزا لدقماق بمماليكهما، وقد صف دقماق عساكره، ~~واقتتلا قتالا شديدا، وثبت كل من الفريقين، وقد أشرف دقماق على الهزيمة. ~~وبينما هو في ذلك خرج من عسكر الوالد ودمرداش جماعة إلى دقماق، فانكسرت عند ~~ذلك الميمنة. ثم انهزم الجميع إلى نحو بلاد التركمان، فلم يتبعهم أحد من ~~عساكر دقماق. وملك دقماق حلب، واستمر الوالد ودمرداش ببلاد التركمان، على ~~ما سيأتي ذكره. وأما ما وقع بمصر فإنه لما حبس جكم من عوض بالإسكندرية، خلع ~~على نوروز الحافظي في بيت بيبرس في يوم الأربعاء بنياية دمشق، وتوجه إلى ~~داره. فلما كان من الغد في يوم الخميس قبض عليه وحمل إلى باب السلسلة فقيد ~~به وحمل من ليلته، وهي ليلة الجمعة ثالث عشرين شوال، إلى الإسكندرية، فسجن ~~بها. وغضب لذلك الأميران بيبرس الأتابك، وإينال باي بن قجماس، وتركا طلوع ~~الخدمة السلطانية أياما. ثم أرضيا وطلعا إلى الخدمة. وراحت على نوروز. ~~واختفى الأمير قاني باي العلائي وقرقماس الرماح، فلم يعرف خبرهما. ~~PageV03P0414 # فلما كان يوم الاثنين ثالث ذي القعدة، أنعم السلطان بإقطاع الأمير نوروز ~~على الأمير إينال العلائي المعروف بحطب رأس نوبة بعد أن أخرجوا منه ~~النحريرية. وأنعم السلطان بإقطاع قاني باي العلائي على الأمير علان جلق، ~~وبإقطاع تمربغا ms2620 المشطوب على الأمير بشباي الحاجب الثاني، فلم يرض به، ~~فاستقر باسم قطلوبغا الكركي، وكان إقطاعه قبل حبسه بالإسكندرية، وهو إلى ~~الآن لم يحضر من سجن الإسكندرية. وبقي بشباي على طبلخانته. وأنعم بإقطاع ~~جكم من عوض على الأمير يشبك الشعباني الدوادار، وهو إقطاعه أيضا قبل حبسه ~~بالإسكندرية. وأنعم على الأمير بيغوت بإمرة طبلخاناة، وعلى أسنبغا المصارع ~~بإمرة طبلخاناة وعلى سودون بشتا بإمرة طبلخاناة. ثم في سادس ذي القعدة، قدم ~~الأمراء من سجن الإسكندرية من أصحاب يشبك، وهم الأمير آقباي طاز الكركي ~~الخازندار، وقطلوبغا الحسني الكركي، وجركس القاسمي المصارع، وصعدوا إلى ~~القلعة، وقبلوا الأرض بين يدي السلطان ثم نزلوا إلى بيوتهم. ثم رسم السلطان ~~بانتقال الأمير شيخ المحمودي الساقي من نيابة طرابلس إلى نيابة دمشق بعد ~~عزل الأمير آقبغا الجمالي الأطروش، وتوجهه إلى القدس بطالا. ولما كان يوم ~~الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة لعب الأمراء الكرة في بيت الأتابك بيبرس، ~~فاجتمع على باب بيبرس من المماليك السلطانية نحو الألف مملوك يريدون الفتك ~~بسودون طاز. وعندما خرج سودون طاز من بيت بيبرس هموا به، فتحاوطته أصحابه ~~ومماليكه. وساق سودون حتى لحق بباب السلسلة، وامتنع بالإسطبل السلطاني حيث ~~هو سكنه. ووقع كلام كثير، ثم خمدت الفتنة. فلما كان رابع عشرينه، خلع ~~السلطان على الأمير يشبك الشعباني باستقراره دوادارا على عادته، عوضا عن ~~الأمير جكم من عوض بحكم حبسه. ثم في يوم السبت رابع عشر ذي الحجة خلع ~~السلطان على الأمير آقباي الكركي باستقراره خازندارا على عادته. ثم في سلخ ~~ذي الحجة استقر الأمير جمق الدوادار الثاني في نيابة الكرك، واستقر الأمير ~~علان جلق أحد مقدمي الألوف بديار مصر في نيابة حماة، بعد عزل يونس الحافظي، ~~فشق ذلك على سودون طاز. ثم كتب السلطان، للأمير دمرداش أمانا، وأنه يستقر ~~في نيابة طرابلس عوضا عن الأمير شيخ المحمودي المنتقل إلى نيابة دمشق، وكتب ~~للأمير علي بك بن دلغادر بنيابة عين تاب، وللأمير عمر بن الطحان بنيابة ~~ملطية. وكانت الأخبار وردت بجمع التركمان ونزولهم مع دمرداش إلى ms2621 حلب، وأن ~~دقماق نائب حلب اجتمع معه نائب حماة والأمير نعير، وأن تيمورلنك نازل على ~~مدينة سيواس. ولم يحج أحد في هذه السنة من الشام ولا من العراق. وفي ثالث ~~المحرم من سنة خمس وثمانمائة أنعم السلطان بإقطاع علان جلق المستقر في ~~نيابة حماة على الأمير جركس القاسمي المصارع، وبإقطاع جلق المستقر في نيابة ~~الكرك على آقباي الكركي الخازندار، وزيد عليه قرية سمسطا. هذا والكلام يكثر ~~بين الأمراء والمماليك، والناس في تخوف من وقوع فتنة. فلما كان سابع المحرم ~~نزل الأمير سودون طاز الأمير آخور الكبير من الإسطبل السلطاني بأهله ~~ومماليكه إلى داره، وعزل نفسه عن الأمير آخورية، وصار من جملة الأمراء. ثم ~~في هذا الشهر قدم الوالد إلى دمشق بأمان كان كتب له من قبل السلطان مع كتب ~~جميع الأمراء. فلما وصل إلى دمشق خرج الأمير شيخ المحمودي إلى تلقيه، حتى ~~عاد معه إلى دمشق وأنزله بالقرمانية، وأكرمه غاية الإكرام بحيث إنه جاءه في ~~يوم واحد ثلاث مرات. ثم خرج الوالد بعد أيام من دمشق يريد الديار المصرية، ~~فخرج الأمير شيخ أيضا لوداعه، وسار حتى وصل إلى مصر في سلخ المحرم، بعد ما ~~خرج الأمراء إلى لقائه. وطلع إلى القلعة، وقبل الأرضي بين يدي السلطان، ~~فخلع السلطان عليه كاملية بمقلب سمور، وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش. ~~ثم نزل إلى داره ومعه سائر الأمراء. وظهر الأمير قرقماس الرماح، فشفع فيه ~~الوالد، فإنه كان إنيه، فقبل السلطان شفاعته. وأما أمر سودون طاز، فإنه ~~أقام بداره إلى ليلة الاثنين ثالث عشر صفر من سنة خمس وثمانمائة المذكورة، ~~فخرج من القاهرة بمماليكه وحواشيه إلى المرج والزيات بالقرب من خانقاه ~~سرياقوس ليقيم هناك حتى يأتيه من وافقه ويركب على أخصامه ويقهرهم ويعود إلى ~~وظيفته. PageV03P0415 # وكان من خبر سودون طاز أنه لما وقع بينه وبين يشبك أولا، وصار من حزب ~~نوروز وجكم، وقبضوا على يشبك وأصحابه من الأمراء وسجنوا بثغر الإسكندرية ~~حسبما تقدم ذكره، صار تحكم مصر له، ويشاركه في ذلك نوروز وجكم فثقلا ms2622 عليه. ~~وأراد أن يستبد بالأمر والنهي وحده، فدبر في إخراجهما حتى تم له ذلك، ظنا ~~منه أنه ينفرد بالأمر بعدهما. فانتدب إليه يشبك الشعباني الدوادار وأصحابه ~~لما كان في نفوسهم منه قديما بعد مجيئهم من حبس الإسكندرية، لأنه كان انحصر ~~لخروجهم من الحبس. وكان الملك الناصر يميل إلى يشبك وقطلوبغا الكركي، لأن ~~كل واحد منهما كان لالته. وكان الأمير آقباي طاز الكركي الخازندار يعادي ~~سودون طاز قديما ويقول طاز واحد يكفي بمصر، فأنا طاز وهو طاز ما تحملنا ~~مصر. واتفقوا الجميع عليه، وظاهرهم السلطان في الباطن، فتلاشى أمر سودون ~~طاز لذلك. وما زالوا في التدبير عليه حتى نزل من الإسطبل السلطاني، خوفا ~~على نفسه من كثرة جموع يشبك الدوادار، وجرأة آقباي الخازندار الكركي؛ ~~فعندما نزل ظن أن السلطان يقوم بناصره، فلم يلتفت السلطان إليه، وأقام هذه ~~المدة من جملة الأمراء، فشق عليه عدم تحكمه في الدولة، وكفه عن الأمر ~~والنهي، وكان اعتاد ذلك، فخرج لتأتيه المماليك السلطانية وغيرهم، فإنه كان ~~له عليهم أياد وإحسان زائد عن الوصف - ليحارب بهم يشبك وطائفته، ويخرجهم من ~~الديار المصرية أو يقبض عليهم كما فعل أولا ويستبد بعدهم بالأمر، فجاء حساب ~~الدهر غير حسابه، ولم يخرج إليه أحد غير أصحابه الذين خرجوا معه. وأخلع ~~السلطان على الأمير إينال باي من قجماس بآستقراره عوضه أمير اخورا كبيرا في ~~يوم الاثنين عشرين صفر، وبعث السلطان إلى سودون طاز بالأمير قطلوبغا الكركي ~~يأمره بالعود على إقطاعه وإمرته من غير إقامة فتنة، وإن أراد البلاد ~~الشامية فله ما يختاره من النيابات بها، فآمتنع من ذلك وقال: لا بد من ~~إخراج آقباي طاز الكركي الخازندار أولا إلى بلاد الشام، فلم يوافق السلطان ~~على إخراج آقباي، وبعث إليه ثانيا بالأمير بشباي الحاجب الثاني فلم يوافق، ~~فبعث إليه مرة ثالثة فلم يرض، وأبى إلا ما قاله أولا من إخراج آقباي. فلما ~~يئس السلطان منه ركب بالعساكر من قلعة الجبل، ونزل جميع عساكره بالسلاح ~~وآلة الحرب في يوم الأربعاء سادس شهر ربيع الأول، ms2623 فلم يثبت سودون طاز، ورحل ~~بمن معه وهم نحو الخمسمائة من المماليك السلطانية ومماليكه، وقد ظهر الأمير ~~قاني باي العلائي ولحق به من نحو عشرة أيام، وصار من حزبه، فتبعه السلطان ~~بعساكره وهو يظن أنه توجه إلى بلبيس. وكان سودون عندما وصل إلى سرياقوس نزل ~~من الخليج ومضى إلى جهة القاهرة وعبر من باب البحر بالمقس، وتوجه إلى ~~الميدان. وهجم قاني باي العلائي في عدة كبيرة على الرميلة تحت القلعة ليأخذ ~~باب السلسلة، فلم يقدر على ذلك. ومر السلطان الملك الناصر وهو سائق على ~~طريق بلبيس، وتفرقت عنه - العساكر وتاهوا في عدة طرق. وبينما السلطان في ~~ذلك بلغه أن سودون طاز توجه إلى نحو القاهرة وهو يحاصر قلعة الجبل، فرجع ~~بأمرائه مسرعا يريد القلعة حتى وصل إليها بعد العصر، وقد بلغ منه ومن ~~عساكره التعب مبلغا عظيما. ونزل السلطان بالمقعد المطل على الرميلة من ~~الإسطبل بباب السلسلة، وندب الأمراء والمماليك لقتال سودون طاز، فقاتلوه في ~~الأزقة طعنا بالرماح ساعة فلم يثبت، وانهزم بمن معه، وقد جرح من الفريقين ~~جماعة كثيرة، وحال الليل بينهم. وتفرق أصحاب سودون طاز عنه، وتوجه كل واحد ~~إلى داره، وبات السلطان ومن معه على تخوف. وأصبح من الغد فلم يظهر لسودون ~~طاز ولا قاني باي خبر، ودام ذلك إلى الليل. فلم يشعر الأمير يشبك وهو جالس ~~بداره بعد عشاء الآخرة إلا وسودون طاز دخل عليه في ثلاثة أنفس، وترامى ~~عليه، فقبله وبالغ في إكرامه وأنزله عنده. وأصبح يوم الجمعة كتب سودون طاز ~~وصيته وأقام بدار يشبك إلى ليلة الأحد عاشره، فأنزل في حراقة وتوجه إلى ثغر ~~دمياط بطالا بغير قيد، ورتب له بها ما يكفيه، بعد أن أنعم عليه الأمير يشبك ~~بألف دينار مكافأه له على ما كان سعى في أمره حتى أخرجه من حبس الإسكندرية ~~وعوده إلى وظيفته وإبقائه في قيد الحياة، فإن جكم الدوادار كان أراد قتله ~~عند ما ظفر به، وحبسه بالإسكندرية لولا سودون طاز هذا. PageV03P0416 # وأما قاني باي العلائي فإنه اختفى ثانيا ms2624 فلم يعرف له خبر، وسكنت الفتنة. ~~فلما كان خامس عشرين شهر ربيع الأول قدم الأمير سودون الحمزاوي نائب صفد ~~إلى القاهرة باستدعاء من السلطان صحبة الطواشي عبد اللطيف اللالا بسعي ~~الأمير آقباي طاز الكرير الخازندار في ذلك لصداقة كانت بينهما. وخلع ~~السلطان على الأمير شيخ السليماني شاد الشراب خاناه، واستقر في نيابة صفد ~~عوضا عن سودون الحمزاوي، وأنعم السلطان على سودون الحمزاوي بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بالقاهرة. ثم أنعم السلطان على الوالد بإمرة مائة وتقدمة ألف، ~~وأزيد مدينة أبيار من الديوان المفرد، ورسم له أن يجلس رأس ميسرة. ثم أخرج ~~الأمير قرقماس الرماح إلى دمشق على إقطاع الأمير صرق. وخلع السلطان على ~~سودون الحمزاوي المعزول عن نيابة صفد باستقراره شاد الشراب خاناه عوضا عن ~~شيخ السليماني المسرطن المنتقل إلى نيابة صفد، فلم يقم سودون الحمزاوي في ~~المشدية إلا أياما؛ ومرض صديقه الأمير آقباي الكركى الخازندار ومات، فولي ~~الخازندارية عوضه في يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة. ثم في ليلة الأربعاء ~~ثالث عشرين جمادى الآخرة غمز على قاني باي العلائي في دار فكبس عليه بها، ~~وأخذ منها، وقيد وحمل إلى الإسكندرية. وفي هذه الأيام ورد الخبر أن سودون ~~طاز خرج من ثغر دمياط يوم الخميس رابع عشرين جمادى الآخرة في طائفة، وأنه ~~اجتمع عليه جماعة كبيرة من العربان والمماليك، فندب السلطان لقتاله الوالد ~~والأمير تمراز الناصري أمير مجلس وسودون الحمزاوي في عدة أمراء أخر. وخرجوا ~~من القاهرة، فبلغهم أنه عند الأمير علم الدين سليمان بن بقر بالشرقية جاءه ~~ليساعده على غرضه، فعندما أتاه أرسل ابن بقر إلى الأمراء يعلمهم بأن سودون ~~طاز عنده، فطرقه الأمراء وقبضوا عليه وأحضروه إلى القلعة في يوم الأربعاء ~~سلخ جمادى الآخرة. ثم أصبح السلطان في يوم الخميس أول شهر رجب، سفر خمسة من ~~المماليك السلطانية ممن كان مع الأمير سودون طاز، أحدهم سودون الجلب الآتي ~~ذكره في عدة أماكن، ثم جانبك القرماني حاجب حجاب زماننا هذا، فاجتمع ~~المماليك السلطانية لإقامة الفتنة بسببهم. وتكلم الأمراء مع السلطان في ms2625 ~~ذلك، فخلى عنهم، وقيدوا وسجنوا بخزانة شمائل، ونفي سودون الجلب إلى قبرس ~~بلاد الفرنج من الإسكندرية. ثم في ثالث شهر رجب حمل سودون طاز مقيدا إلى ~~الإسكندرية، وسجن بها عند غريمه الأمير جكم من عوض الدوادار. وفي هذا الشهر ~~ورد الخبر من دمشق أنه أقيمت الجمعة بالجامع الأموي وهو خراب، وكان بطل منه ~~صلاة الجمعة من بعد كائنة تيمور، وأن الأمير شيخا المحمودي نائب دمشق سكن ~~بدار السعادة بعد أن عمرت، وكانت حرقت أيضا في نوبة تيمور، وأن سعر الذهب ~~زاد عن الحد، فأجيب بأن الذهب قد زاد سعره بمصر أيضا، حتى صار سعر المثقال ~~الهرجة بخمسة وستين درهما، والدينار المشخص بستين درهما. ثم عقد السلطان ~~عقد الأمير سودون الحمزاوي على أخته خوند زينب بنت الملك الظاهر برقوق، ~~وعمرها نحو الثمان سنين، فصارت أخوات السلطان الثلاث كل واحدة منها مع أمير ~~من أمرائه؛ فخوند سارة زوجة الأمير نوروز الحافظي، وخوند بيرم زوجة الأمير ~~إينال باي بن قجماس، وخوند زينب وهي أصغرهن مع سودون الحمزاوي هذا. ثم في ~~يوم الاثنين سادس عشرين شهر رجب خلع السلطان على قاضي القضاة كمال الدين ~~عمر بن العديم باستقراره في قضاء الحنفية بالديار المصرية بعد أن عزل ~~القاضي أمين الدين عبد الوهاب الطرابلسي بسفارة الوالد لصحبة كانت بينهما ~~من حلب. ثم في ليلة الثلاثاء سابع عشرين شهر رجب المذكور أرسل السلطان إلى ~~الإسكندرية الأمير آقبردي والأمير تنبك من الأمراء العشرات في ثلاثين ~~مملوكا من المماليك السلطانية، فوصلوها في تاسع شعبان، وأخرجوا الأمير ~~نوروز الحافظي، وجكم من عوض، وسودون طاز، وقاني باي العلائي من سجن ~~الإسكندرية وأنزلوهم في البحر المالح، وساروا بهم إلى البلاد الشامية، فحبس ~~نوروز وقاني باي في قلعة الصبيبة من عمل دمشق، وحبس جكم في حصن الأكراد من ~~عمل طرابلس، وحبس سودون طاز في قلعة المرقب، ولم يبق بسجن الإسكندرية من ~~الأمراء غير سودون من زاده، وتمربغا المشطوب. ثم حول جكم بعد مدة إلى قلعة ~~المرقب عند غريمه سودون طاز. PageV03P0417 # ثم في ثامن ms2626 عشر شوال خلع السلطان على الأمير بكتمر الركني أمير سلاح ~~باستقراره رأس نوبة الأمراء عوضا عن نوروز الحافظي، واستقر الأمير تمراز ~~الناصري أمير مجلس عوضه أمير سلاح، واستقر سودون المارداني رأس نوبة النوب ~~أمير مجلس عوضا عن تمراز، واستقر سودون الحمزاوي رأس نوبة النوب عوضا عن ~~سودون المارداني، وأخلع السلطان على الأمير طوخ باستقراره خازندارا عوضا عن ~~سودون الحمزاوي. ثم في خامس عشرين ذي القعدة أفرج عن سعد الدين إبراهيم بن ~~غراب وأخيه فخر الدين ماجد، وكان السلطان قبض عليهما من شهر رمضان، وولى ~~وظائفهما جماعة، واستمرا في المصادرة إلى يومنا هذا. وكان الإفراج عنهما ~~بعد ما التزم سعد الدين بن غراب بحمل ألف ألف درهم فضة، وفخر الدين ~~بثلاثمائة ألف درهم، ونقلا إلى السالمي ليستخرج الأموال منهما ثم يقتلهما. ~~وكان ابن قايماز أهانهما وضرب فخر الدين وأهانه، فلم يعاملهما السالمي ~~بمكروه ولم ينتقم منهما، وخاف سوء العاقبة، فعاملهما من الإحسان والإكرام ~~بما لم يكن يبال أحد. وما زال يسعى في أمرهما حتى نقلا من عنده لبيت شاد ~~الدواوين ناصر الدين محمد بن جلبان الحاجب، وهذا بخلاف ما كانا فعلا مع ~~السالمي، فكان هو المحسن وهم المسيئون. ثم خلع السلطان على يلبغا السالمي ~~بآستقراره أستادارا، وعزل ابن قايماز؛ وهذه ولاية يلبغا السالمي الثانية. ~~ثم في سابع ذي الحجة من سنة خمس وثمانمائة أخرج السلطان الأمير أسنبغا ~~المصارع، والأمير نكباي الأزدمري، وهما من أمراء الطبلخاناه بمصر، إلى ~~دمشق، وإينال المظفري وآخر، وهما من الأمراء العشرات، ورسم للأربعة ~~بإقطاعات هناك، لأمر اقتضى ذلك، فساروا من القاهرة. فلما كان يوم تاسع ~~عشرين الحجة أغلق المماليك السلطانية باب القصر من قلعة الجبل على من حضر ~~من الأمراء، وعوقوهم بسبب تأخر جوامكهم، فنزل الأمراء من باب السر، ولم يقع ~~كبير أمر. وأمر السلطان ليلبغا السالمي أن ينفق عليهم فنفق عليهم. ثم في ~~يوم الثلاثاء رابع المحرم من سنة ست وثمانمائة عزل يلبغا السالمي عن ~~الأستادارية، وأعيد إليها ركن الدين عمر بن قايماز، وقبض على السالمي ms2627 وسلم ~~إليه. ثم في ثامنه خلع السلطان على الصاحب علم الدين يحيى أبي كم وآستقر في ~~الوزارة ونظر الخاص معا عوضا عن تاج الدين بن البقري، واستقر ابن البقري ~~على ما بيده من وظيفتي نظر الجيش ونظر ديوان المفرد، فلم يباشر أبو كم ~~الوزر غير ثمانية أيام وهرب واختفى، فأعيد تاج الدين بن البقري إليها. هذا ~~والسالمي في المصادرة. وفي هذه السنة كان الشراقي العظيم بمصر، وعقبه ~~الغلاء المفرط ثم الوباء، وهذه السنة هي أول سنين الحوادث والمحن التي خرب ~~فيها معظم الديار المصرية وأعمالها، من الشراقي، واختلاف الكلمة، وتغيير ~~الولاة بالأعمال وغيرها. ثم في شهر ربيع الأول كتب بإحضار دقماق نائب حلب. ~~وفيه اختفى الوزير تاج الدين بن البقري، فخلع على سعد الدين بن غراب وآستقر ~~في وظيقتي الأستادارية ونظر الجيش. وصرف ابن قايماز، وخلع على تاج الدين ~~رزق الله وأعيد إلى الوزارة. وفي خامس صفر كتب باستقرار الأمير آقبغا ~~الجمالي الأطروش في نيابة حلب عوضا عن دقماق، فلما بلغ دقماق أنه طلب إلى ~~مصر هرب من حلب. ثم قدم الخبر على السلطان بأن قرايوسف بن قرامحمد قدم إلى ~~دمشق، فأنزله الأمير شيخ المحمودي بدار السعادة وأكرمه. وكان من خبر ~~قرايوسف أنه حارب السلطان غياث الدين أحمد بن أويس وأخذ منه بغداد. فلما ~~بلغ تيمور ذلك بعث إليه عسكرا، فكسرهم قرايوسف. فجهز إليه تيمور جيشا ثانيا ~~فهزموه، ففر بأهله وخاصته إلى الرحبة، فلم يمكن منها ونهبته العرب، فسار ~~إلى دمشق، فوافى بها السلطان أحمد بن أويس وقد قدمها أيضا قبل تاريخه. ~~وأخبر الرسول أيضا أن قاني باي العلائي هرب من سجن الصبيبة، فتأخر نوروز ~~بالسجن ولم يعرف أين ذهب. ثم في يوم الثلاثاء خلع السلطان على بدر الدين ~~حسن بن نصر الله الفوي وآستقر في نظر الخاص عوضا عن ابن البقري، وهذه أول ~~ولاية الصاحب بدر الدين ابن نصر الله للوظائف الجليلة. ثم في عاشره اختفى ~~الوزير تاج الدين، وفي ثالث عشره أعيد آبنالبقري للوزر على عادته ونظر ~~الخاص، ms2628 وصرف آبن نصر الله، هذا والموت فاش بين الناس وأكثر من كان يموت ~~الفقراء من الجوع. PageV03P0418 # ثم في آخر جمادى الآخرة رسم بالقبض على السلطان أحمد بن أويس، وقرايوسف ~~بدمشق، فقبض عليهما الأمير شيخ وسجنهما. ثم في يوم الاثنين ثامن عشر شهر ~~رجب قدم إلى القاهرة سيف الأمير آقبغا الجمالي الأطروش نائب حلب بعد موته، ~~فرسم السلطان بانتقال الأمير دمرداش المحمدي نائب طرابلس إلى نيابة حلب، ~~وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير سودون المحمدي المعروف بتلي. وفي أثناء ~~ذلك ورد الخبر بأن الآمير دقماق نزل على حلب ومعه جماعة من التركمان، فيهم ~~الأمير علي بك بن دلغادر، وفر منه أمراء حلب، فملك دقماق حلب. ورسم السلطان ~~بانتقال الأمير شيخ السليماني المسرطن نائب صفد إلى نيابة طرابلس، وحمل ~~إليه التقليد والتشريف الأمير آقبردي، ورسم باستقرار الأمير بكتمر جلق أحد ~~أمراء دمشق في نيابة صفد عوضا عن شيخ السليماني المسرطن. وخرج الأمير إينال ~~المأمور بقتل الأمراء المسجونين بالبلاد الشامية، وقبل وصول إينال المذكور ~~أفرج الأمير دمرداش نائب طرابلس عن الأمير جكم وعن سودون طاز، وكانا ببعض ~~حصون طرابلس وسار بهما إلى حلب؛ وهذا أول أمر جكم وظهوره بالبلاد الشامية ~~على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ثم في يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة قبض ~~السلطان على الأمير بيبرس الدوادار الثاني، وعلى الأمير جانم من حسن شاه، ~~وعلى الأمير سودون المحمدي تلي، وحملوا إلى سجن الإسكندرية، واستقر الأمير ~~قرقماس أحد أمراء الطبلخانات دوادارا ثانيا عوضا عن بيبرس المذكور. ثم في ~~صفر من سنة سبع وثمانمائة، وقع بين الأمير يشبك الشعباني وبين الأمير إينال ~~باي بن قجماس الأمير آخور كبير. وسبب ذلك أن الأمير يشبك الشعباني الدوادار ~~صار هو مدبر الدولة وبيده جميع أمورها من الولاية والعزل، فصار له بذلك ~~عصبة كبيرة؛ فأحبوا عصبته عزل إينال باي من الأميراخورية، لاختصاصه ~~بالسلطان الملك الناصر لقرابته منه ثم لمصاهرته، فإنه كان تزوج بخوند بيرم ~~بنت الملك الظاهر برقوق، وسكن بالإسطبل السلطاني على عادة الأميراخورية، ~~فصار السلطان ms2629 ينزل عنده ويقيم ببيت أخته ويعاقره الشراب، فعظم أمر إينال ~~باي لذلك، فخافه حواشي يشبك وأحبوا أن يكون جركس القاسمي المصارع عوضه ~~أميراخورا واتفقوا مع يشبك على ذلك، فانقطعوا عن حضور الخدمة السلطانية من ~~جمادى الأولى، فاستوحش السلطان منهم وتمادى الحال إلى يوم الجمعة، فأمر ~~السلطان لإينال باي أن ينزل للأمراء المذكورين ويصالحهم، فمنع جماعة من ~~المماليك السلطانية إينال باي أن ينزل. واشتد ما بينهم من الشر حتى خاف ~~السلطان عاقبة ذلك؛ وباتوا مترقبين وقوع الحرب بينهما. وكان السلطان رسم ~~للأمير يشبك أن يتحول من داره قبل تاريخه، فإنها مجاورة لمدرسة السلطان ~~حسن، فامتنع يشبك من ذلك، فساء ظن السلطان به. ثم استدعى السلطان القضاة في ~~يوم السبت ثاني صفر إلى بيت الأمير الكبير بيبرس ليصلحوا بين إينال باي ~~وبين يشبك ورفقته، فلم يقع صلح بين الطائفتين. وتسور بعض أصحاب يشبك على ~~مدرسة السلطان حسن، فتحقق السلطان عند ذلك ما كان يظنه بيشبك، ويحذره منه ~~إينال باي وغيره. وأخذ كل أحد من الطائفتين في أهبة الحرب، والسلطان من جهة ~~إينال باي. وأصبحوا جميعا يوم الأحد لابسين السلاح. وطلع أعيان الأمراء إلى ~~السلطان، وهم الأتابك بيبرس، والوالد، وبكتمر رأس نوبة الأمراء، وسودون ~~المارداني أمير مجلس، وآقباي حاجب الحجاب، وطوخ الخازندار، في آخرين من ~~مقدمي الألوف والطبلخانات والعشرات والمماليك السلطانية. وكان مع يشبك من ~~أمراء الألوف سبعة، وهم الأمير تمراز الناصري أمير سلاح، ويلبغا الناصري، ~~وإينال حطب العلائي، وقطلوبغا الكركي، وسودون الحمزاوي رأس نوبة النوب، ~~وطولو، وجركس المصارع. وانضم معهم سعد الدين إبراهيم بن غراب الأستادار، ~~ومحمد بن سنقر البكجري، وناصر الدين محمد بن علي بن كلبك، في جماعة من ~~الأمراء والمماليك السلطانية. PageV03P0419 # وتجهز يشبك للحرب، وأعد بأعلى مدرسة السلطان حسن مدافع النفط والمكاحل ~~والأسهم للرمي على الإسطبل السلطاني وعلى من يقف تحته من الرميلة. واجتمع ~~عليه خلائق. ونزل السلطان أيضا من القصر إلى الإسطبل السلطاني، وجلس ~~بالمقعد، واجتمع عليه أكابر أمرائه وخاصكيته. ووقع القتال بين الطائفتين ~~والحصار والرمي بالمدافع من بكرة ms2630 يوم الأحد إلى ليلة الخميس سابعه. وقد ظهر ~~أصحاب السلطان على اليشبكية، وحصروهم، والقتال مستمر بينهم، وأمر يشبك في ~~إدبار، وحال السلطان في استظهار، إلى أن كانت ليلة الخميس المذكورة، فاتفق ~~الأمير يشبك مع أصحابه، وركب نصف الليل، وخرج بمن معه من الأمراء من ~~الرميلة على حمية، ومروا من تحت الطبلخاناه إلى جهة الشام، فلم يتبعهم أحد ~~من السلطانية. ونودي بالقاهرة في آخر الليلة المذكورة بالأمان، ومنع أهل ~~الفساد والزعر من النهب. ومر يشبك بمن معه من الأمراء والمماليك إلى قطيا، ~~فتلقاه مشايخ عربان العائذ بالتقادم. وسار إلى العريش، وقد بلغ خبره إلى ~~غزة، فتلقاه نائب غزة الأمير خير بك بعساكر غزة، فدخلها يوم الأربعاء ثالث ~~عشر صفر ونزل بها. ثم بعث الأمير طولو إلى الأمير شيخ المحمودي نائب الشام ~~يعلمه الخبر. وسار طولو يريد دمشق حتى قدم دمشق يوم الأحد ثامن عشره، فخرج ~~الأمير شيخ إليه، وتلقاه، وأعلمه طولو الخبر، فشق ذلك عليه، ووعده بالقيام ~~بنصرة يشبك. وكان في ثامن عشر الشهر الخارج قدم الأمير دقماق المحمدي دمشق ~~فأكرمه الأمير شيخ. وخبر دقماق وسبب قدومه إلى دمشق، أنه لما فر من حلب، ~~وجمع التركمان وأخذ حلب، وقدم الأمير دمرداش المحمدي نائب طرابلس عليه وقد ~~ولي نيابة حلب بعد أن أطلق دمرداش وسودون طاز وجكم، وسار بهما من طرابلس ~~إلى حلب لقتال التركمان، وواقع التركمان بعد أن قتل سودون طاز، فانكسر ~~دمرداش، وملك جكم حلب منه بعد أمور صدرت يطول شرحها، فكتب السلطان إلى ~~دقماق يخبره في أي بلد يقيم، فآختار الشام، فقدمها. ولما بلغ الأمير شيخ ما ~~وقع ليشبك بعث بالأمير ألطنبغا حاجب الحجاب بدمشق والأمير شهاب الدين أحمد ~~بن اليغموري، وجماعة أخر من الأعيان إلى الأمير يشبك، ومعهم أربعة أحمال ~~قماش ومال، وكتب شيخ على أيديهم مطالعات للأمير يشبك يرغبه في القدوم عليه، ~~وأنه يقوم بنصرته ويوافقه على غرضه. فلما بلغ يشبك ذلك رحل من غزة في ليلة ~~الاثنين خامس عشرينه، بعد ما أقام بها ثلاثة عشر يوما، ms2631 وأخذ ما كان بها من ~~حواصل الأمراء وعدة خيول، وبعث إليه أهل الكرك والشوبك بعدة تقادم، بعد ما ~~كان عرض من معه من المقاتلة فكانوا ألفا وثلاثمائة وخمسة وعشرين فارسا، ~~وتلقاه بعد مسيره من غزة مشايخ بلاد الساحل أو الجبل، وحمل إليه الأمير ~~بكتمر جلق نائب صفد عدة تقادم، وقدم عليه ابن بشارة في عدة من مشايخ ~~العشير. ثم جهز إليه الأمير شيخ نائب الشام جماعة لملاقاته طائفة بعد أخرى. ~~ثم خرج إليه شيخ المذكور من دمشق حتى وافاه، فلما تقاربا ترجل الأمير شيخ ~~عن فرسه، فلما عاينه يشبك ترجل هو وأصحابه وسلم عليه، ثم سلم على الأمراء ~~وجلسا قليلا. ثم ركبا، وسار يشبك المذكور، وقد ألبسه شيخ هو وجميع من معه ~~من الأمراء الخلع بالطرز العريضة، وعدتهم أحد وثلاثون أميرا من الطبلخانات ~~والعشرات سوى من تقدم ذكرهم من أمراء الألوف، ودخلوا دمشق يوم الثلاثاء ~~رابع شهر رجب. ولما طال جلوسهم بدمشق سألهم الأمير شيخ عن خبرهم، فأعلموه ~~بما كان، وذكروا له أنهم مماليك السلطان وفي طاعته، لا يخرجون عنها أبدا، ~~غير أن إينال باي نقل عنهم للسلطان ما لا يقع منهم، فتغير خاطر السلطان ~~عليهم حتى وقع ما وقع، وأنهم ما لم ينصفوا منه ويعودوا لما كانوا عليه وإلا ~~فأرض الله واسعة. فوعدهم بخير، وقام لهم بما يليق بهم، حتى قيل إنه بلغت ~~نفقته عليهم نحو مائتي ألف دينار مصرية. ثم كتب شيخ إلى السلطان يسأله في ~~أمرهم. وأما أمر السلطان الملك الناصر، فإنه لما أصبح، وقد انهزم يشبك بمن ~~معه إلى جهة الشام، كتب بالإفراج عن الأمير سودون من زاده، وتمربغا ~~المشطوب، وصرق، وكتب إلى الأمير نوروز بالحضور إلى الديار المصرية ليستقر ~~على عادته، وكتب للأمير جكم أمانا توجه به طغاي تمر مقدم البريدية. ~~PageV03P0420 # ثم في ثامن عشره خلع على عدة من الأمراء بعدة وظائف، فخلع على سودون ~~المارداني أمير مجلس باستقراره دوادارا عوضا عن يشبك الشعباني المقدم ذكره، ~~وعلى الأمير سودون الطيار الأمير آخور الثاني، وآستقر أمير ms2632 مجلس عوضا عن ~~سودون المارداني، وعلى آقباي حاجب الحجاب باستقراره أمير سلاح عوضا عن ~~تمراز الناصري، وخلع على أبي كم، واستقر في وظيفة نظر الجيش عوضا عن آبن ~~غراب، وعلى ركن الدين عمر بن قايماز باستقراره أستادارا عوضا عن آبن غراب ~~أيضا. ثم في تاسع عشره، قدم سودون من زاور وتمربغا المشطوب وصرق من سجن ~~الإسكندرية وقبلوا الأرض بين يدي السلطان ونزلوا إلى دورهم. وفي حادي ~~عشرينه خلع السلطان على الأمير يشبك بن أزدمر باستقراره رأس نوبة النوب ~~عوضا عن سودون الحمزاوي. ثم ألزم السلطان مباشري الأمراء المتوجهين إلى ~~الشام بمال، فقرر على موجود الأمير يشبك مائة ألف دينار، وعلى موجود تمراز ~~مائة ألف دينار، وعلى موجود سودون الحمزاوي ثلاثين ألف دينار، وعلى موجود ~~قطلوبغا الكركي عشرين ألف دينار، ورسم السلطان أن يكون الدينار بمائة درهم، ~~ثم افتقد السلطان المماليك السلطانية ممن توجه مع الأمير يشبك فكانوا مائتي ~~مملوك. ثم قدم الخبر على السلطان أن الأمير نوروز قدم إلى دمشق من قلعة ~~الصبيبة، فتلقاه الأمير شيخ وأكرمه، وضربت البشائر لقدومه بدمشق، فعظم ذلك ~~على السلطان. ثم في يوم الثلاثاء رابع شهر رجب طلب السلطان جمال الدين يوسف ~~البيري أستادار بجاس وخلع عليه باستقراره أستادارا عوضا عن آبن قايماز، بعد ~~ما رسم على جمال الدين المذكور في بيت شاد الدواوين محمد بن الطبلاوي يوما ~~وليلة. واستمر يتحدث في استادارية الأتابك بيبرس، فإنه كان خدم عنده، ~~ليحميه من الوزر والأستادارية، فلم ينهض بيبرس بذلك. ثم قدم الخبر بأن ~~الأمير شيخا أفرج عن قرايوسف. وأما خبر جكم مع دمرداش وكيف ملك منه حلب، ~~وقد قدمنا ذكر ذلك مجملا من غير تفصيل، فإن جكم لما أطلقه دمرداش وأخذه ~~صحبته إلى حلب، وقاتل معه التركمان، ووقع لهما أمور حاصلها أن جكم تخوف من ~~دمرداش وفر منه إلى جهة التركمان، وانضم عليه سودون الجلب بعد مجيئه من ~~بلاد الإفرنج، والأمير جمق نائب الكرك كان، وغيره من المخامرين. ثم وافقه ~~ابن صاحب الباز أمير التركمان بتركمانه، فعاد ms2633 جكم وقاتل دمرداش، ووقع ~~بينهما أمور وحروب إلى أن ملك جكم طرابلس. وأرسل إليه الأمير شيخ نائب ~~الشام والأمير يشبك ورفقته يستميلونه ليقدم عليهم دمشق ويوافقهم على قتال ~~المصريين، فأجابهم إلى ذلك، وخرج من طرابلس كأنه يريد التوجه إلى دمشق. ~~فلما وصل حماة أخذ نائبها الأمير علان بمن انضم عليه وتوجه بهم إلى دمرداش ~~وقاتله حتى هزمه وأخذ منه مدينة حلب. وفر دمرداش بجماعة من أمراء حلب إلى ~~بلاد التركمان. ولما ملك جكم حلب أنعم بموجود دمرداش على علان نائب حماة، ~~وأقره على نيابة حماة على عادته، فصار مع جكم حلب وطرابلس وحماة. وأخذ يسير ~~مع الرعية أحسن سيرة، فأحبه الناس وجرى على ألسنتهم: " جكم حكم، وما ظلم " ~~. واستمر جكم بحلب إلى أن أرسل إليه الأمير شيخ نائب الشام الأمير سودون ~~الحمزاوي، والأمير سودون الظريف، فتوجها إلى جكم على أنه بطرابلس. ثم أرسل ~~الأمير شيخ الأمير شرف الدين موسى الهيدباني حاجب دمشق إلى حلب رسولا إلى ~~دمرداش يستدعيه إلى موافقته هو ومن عنده من الأمراء. وكان قد ورد كتاب ~~دمرداش على شيخ ويشبك أنه معهما، ومتى دعواه حضر إليهما. فهذا ما كان من ~~أمر جكم، وبقية خبر قدومه يأتي إن شاء الله تعالى فيما بعد. PageV03P0421 # ثم إن الأمير شيخا نائب الشام عين جماعة من الأمراء ليتوجهوا لأخذ صفد، ~~فخرج الأمير تمراز الناصري أمير سلاح، والأمير جاركس القاسمي المصارع، ~~والأمير سودون الظريف بعد عوده من طرابلس، وساروا بعساكرهم لأخذ صفد من ~~بكتمر جلق، بحيلة أنهم يسيرون إلى جشار الأمير بكتمر جلق كأنهم يأخذوه، ~~فإذا أقبل إليهم بكتمر ليدفعهم عن جشاره، قاطعوا عليه وأخفوا مدينة صفد ~~منه، فتيقظ بكتمر لذلك وترك لهم الجشار، فساقوه من غير أن يتحرك بكتمر من ~~المدينة، وعادوا إلى دمشق وأخبروا الأمراء بذلك. فاستعد شيخ لأخذ صفد، وعمل ~~ثلاثين مدفعا وعدة مكاحل ومنجنيقين، وجمع الحجارين والنقابين وآلات الحصار. ~~وخرج من دمشق يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان ومعه جمع كبير من عسكر مصر ~~والشام من جملتهم قرايوسف بجماعته، وجماعة ms2634 السلطان أحمد بن أويس متملك ~~بغداد،، وجماعة من التركمان الجشارية، وأحمد بن بشارة بعشرانة وعيسى بن ~~الكابولي بعشرانه. ونادى شيخ بدمشق قبل خروجه منها: " من أراد النهب والكسب ~~فعليه بمصر " فاجتمع عليه خلائق، وسار معه مائه جمل تحمل مكاحل ومدافع ~~وآلات الحصار. وولي الأمير ألطنبغا العثماني نيابة صفد كما كان أولا، وسار ~~شيخ بمن معه من العساكر حتى وافى مدينة صفد، فأرسل شيخ بالأمير علان إلى ~~بكتمر جلق يكلمه في تسليم مدينة صفد، فلم يذعن إليه بكتمر وأبى إلا قتاله، ~~وقال: " ما له عندي إلا السيف " ؛ فحينئذ ركب شيخ ويشبك بمن معهما وأحاطا ~~بقلعة صفد، وحصراها من جميع جهاتها، وقد حصنها بكتمر وشحنها بالرجال، وقام ~~يقاتل شيخا أتم قتال. فاستمر الحرب بينهم أياما كثيرة جرح فيها من أصحاب ~~شيخ نحو ثلاثمائة رجل، وقتل أزيد من خمسين نفسا. وبينما هم في قتال صفد إذ ~~ورد عليهم الخبر بقدوم جكم إلى دمشق، ففرحوا بذلك، ولم يمكنهم العود إلى ~~دمشق إلا عن فيصل من أمر صفد. وكان خروج جكم من حلب في حادي عشر شهر رمضان، ~~وسار حتى قدم دمشق، وقد حضر إليه شاهين دوادار الأمير شيخ يستدعيه، فإن ~~شيخا كان أرسله إليه قبل خروجه إلى صفد بعد عود سودون الحمزاوي وسودون ~~الظريف من طرابلس. وقبل خروج جكم من حلب سلم قلعتها إلى الأمير شرف الدين ~~موسى بن يلدق، وعمل حجابا وأرباب وظائف، وعزم على أنه يتسلطن ويتلقب بالملك ~~العادل. ثم بدا له تأخير ذلك، وقدم دمشق لمرافقة شيخ ويشبك ومن معهما. ووصل ~~إلى دمشق ومعه الأمير قاني باي وتغري بردي القجقاري وجماعة كبيرة، فخرج من ~~بدمشق من أمراء مصر والشام جميعهم إلى لقائه، وأنزل بالميدان، فسلم جكم على ~~الأمراء سلام السلاطين على الأمراء، وأخذ يترفع عليهم ترفعا زائدا أوجب ~~تنكرهم عليه في الباطن، إلا أن الضرورة قادتهم إلى الانقياد إليه، فأكرموه ~~على رغمهم، وأنزلوه وكلموه في القيام معهم، فأجاب. وأمرهم أن يكتبوا ليشبك ~~وشيخ بقدومه إلى دمشق، فكتبوا إلى يشبك وشيخ بذلك. ms2635 وأخذ جكم في إظهار شعار ~~السلطنة مع خدمه وأصحابه، فشق على الأمراء ذلك، وما زالوا به بالملاطفة حتى ~~ترك ذلك إلى وقته. وأقام معهم بدمشق إلى ليلة الأحد سابع عشرين شهر رمضان ~~من سنة سبع وثمانمائة المذكورة، فخرج من دمشق وتوجه مخفا إلى طرابلس ليجمع ~~عساكر طرابلس، وترك ثقله بدمشق. وورد عليه الخبر أن دمرداش لما فر منه ركب ~~البحر وتوجه إلى دمياط. ثم قدم إلى مصر في رابع عشرين شهر رمضان المذكور ~~فهدأ سر جكم بذلك عن أمر حلب. وأما يشبك وشيخ بمن معهما من الأمراء ~~والعساكر لما طال عليهم القتال على مدينة صفد، وعجزوا عن أخذها، تكلموا في ~~الصلح مع بكتمر حتى تم لهم ذلك. واصطلحوا وتحالفوا، ونزل إليهم بكتمر جلق ~~في يوم الاثنين حادي عشرين شهر رمضان، بعد أن كانت مدة القتال بينهم على ~~صفد اثنين وعشرين يوما. PageV03P0422 # وعاد شيخ إلى دمشق وهو مجروح، ويشبك الشعباني وهو مجروح أيضا، وجاركس ~~المصارع وهو مجروح. وأما عساكرهم فغالبهم أثخنته الجراح. فعندما أقاموا ~~بدمشق قدم عليهم الأمير جكم من طرابلس، بعد أن أرسلوا يستحثونه على سرعة ~~المجيء إليهم غير مرة، فخرجوا لتلقيه، وسلموا عليه، وعادوا به إلى دمشق ~~وهما في غاية الحنق من جكم؛ وهو أنه لما وافاهما جكم ترجل إليه الأمير يشبك ~~عن فرسه إلى الأرض، وسلم عليه، فلم يعبأ به جكم، ولا التفت إليه، لأنه كان ~~غريمه فيما تقدم ذكره، فشق ذلك على الأمير شيخ، ولام يشبك على ترجله. ثم ~~عتب شيخ جكم على ما وقع منه في عدم إنصاف يشبك. ثم نزل جكم بالميدان، وجلس ~~في صدر المجلس، وجلس يشبك عن يمينه، وشيخ عن يساره، فكاد شيخ ويشبك أن ~~يهلكا في الباطن، ولم يسعهما إلا الإذعان لتمام أمرهما. ثم أمرهم جكم ألا ~~يفعلوا شيئا إلا بمشاورته، فاتفقوا على منع الدعاء للسلطان الملك الناصري ~~بمنابر دمشق، فوقع ذلك، وذكر الخطباء اسم الخليفة في الخطبة فقط. وكان ~~الأمير شيخ قبل قدوم جكم إلى دمشق أفرج عن السلطان أحمد بن ms2636 أويس صاحب بغداد ~~من سجن دمشق، وأنعم عليه بمائة ألف درهم فضة وثلاثمائة فرس. وأنعم أيضا على ~~قرايوسف بمائة ألف درهم وثلاثمائة فرس، وأخرج عدة كبيرة من أمراء مصر إلى ~~جهة غزة بعد أن حمل إلى كل منهم مائة ألف درهم فضة، وهم: الأمير تمراز ~~الناصري، وابنه الأمير سودون بقجة، وسودون الحمزاوي، ويلبغا الناصري، ~~وإينال حطب، وجاركس المصارع، بعد أن حمل شيخ أيضا إلى كل منهم مائة ألف ~~درهم فضة. ولم يتأخر بدمشق من أعيان الأمراء إلا الأمير يشبك الدوادار ~~والأمير شيخ نائب الشام، وأقاما في انتظار الأمير جكم حتى قدم عليهما جكم ~~حسبما تقدم ذكره. وبعد قدوم جكم أجمعوا على المسير إلى جهة مصر، وبرزوا ~~بالخيام إلى قبة يلبغا في يوم رابع عشر ذي القعدة. ثم خرج الأمير شيخ ~~والأمير يشبك وقرايوسف من دمشق في يوم عشرين ذي القعدة وساروا إلى الخربة ~~فافترقوا منها. فتوجه يشبك وقرايوسف إلى صفد لقتال نائبها بكتمر جلق ثانيا، ~~فإنه بلغهم أنه مستمر على طاعة السلطان. وتوجه شيخ إلى قلعة الصبيبة وبها ~~ذخائره وحريمه. فلما بلغ بكتمر جلق مجيء العسكر لقتاله استعد هو أيضا ~~لقتالهم، وقد قوي قلبه، فإنه بلغه أن علان نائب حماة دخل في طاعة السلطان ~~وخالف الأمراء، وكذلك شيخ السليماني المسرطن نائب طرابلس، فإنه دخل في طاعة ~~السلطان، واستولى على طرابلس واستفحل أمره، وأن الأمير شيخا السليماني نائب ~~طرابلس بعد أخذ طرابلس قدم عليه البريد بنيابة قاني باي على طرابلس، فخرج ~~منها شيخ السليماني إلى حماة، فأشار عليه علان نائب حماة أنه لا يسلم ~~طرابلس لقاني باي حتى يراجح السلطان ويعلمه بما يترتب على عزله من الفساد، ~~فعاد شيخ إلى طرابلس. فبهذه الأخبار ثبت بكتمر جلق على طاعة السلطان وقتال ~~الأمراء. ولما قارب يشبك وقرايوسف صفد أخرج بكتمر كشافته بين يديه، ونزل ~~جسر يعقوب، فالتقى كشافته بأصحاب يشبك وقرايوسف، فاقتتلوا قتالا شديدا ظهر ~~فيه كشافة صفد، وأخذوا من الشاميين عشرة أفراس، فعاد يشبك وقرايوسف إلى ~~طبرية، ونزلوا بها حتى قدم عليهم ms2637 الأمير شيخ نائب الشام. ثم ساروا جميعا ~~إلى غزة، وقد تقدمهم الأمير جكم ونزل على الرملة. وأما أمراء الديار ~~المصرية فإن السلطان الملك الناصر لما تحقق اتفاق الأمير شيخ المحمودي نائب ~~الشام مع يشبك ورفقته، وبلغه أخبارهم مفصلا، استشار الأمراء في أمرهم، ~~فأجمعوا على خروج السلطان لقتالهم. فتجهز السلطان، وعلق جاليش السفر في ~~ثاني ذي القعدة بالطبلخاناه السلطانية على العادة. PageV03P0423 # ثم أنفق في رابعه على المماليك السلطانية، على كل مملوك خمسة آلاف درهم. ~~وكان صرف الذهب يوم ذاك مائة درهم المثقال، فصرف لكل واحد منهم خمسة ~~وأربعين مثقالا. واحتاج السلطان في النفقة المذكورة حتى اقترض من مال أيتام ~~الأمير قلمطاي الدوادار عشرة آلاف مثقال، ورهن عندهم جوهرا، وجعل كسب ذلك ~~ألف دينار ومائتي دينار وأخذ منهم أيضا نحو ستة عشر ألف مثقال، وباعهم بها ~~بلدة من أعمال الجيزة تسمى البراجيل، وأخذ من " تركة " التاجر برهان الدين ~~المحلى وغيره مالا كثيرا، ووزع له قاضي القضاة شمس الدين الأخنائي الشافعي ~~خمسمائة ألف درهم على تركات خارجة عن المودع. وكانت نفقة السلطان على نحو ~~خمسة آلاف مملوك، بلغت مائتي ألف دينار وخمسين ألف دينار. ثم عزل السلطان ~~الأخنائي عن قضاء الشافعية بقاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني، ~~وعزل ابن خلدون بقاضي القضاة جمال الدين يوسف البساطي المالكي. ثم قدم ~~الخبر على السلطان بنزول الأمراء على مدينة غزة، وأخذهم الإقامات المجهزة ~~للعساكر السلطانية. وكانت غزة قد غلا بها الأسعار لقلة الأمطار، ~~وبلغتالويبة القمح مائة وعشرين درهما. فعند ذلك جد السلطان الملك الناصر في ~~حركة السفر، والاستعداد للحرب. وأما أمر الأمراء فإنه خرج جاليشهم من مدينة ~~غزة إلى جهة الديار المصرية في يوم الأحد ثاني ذي الحجة. ثم سار من الغد ~~الأمير شيخ ويشبك وجكم ببقية عساكرهم، واستنابوا به الأمير ألطنبغا ~~العثماني. ثم في سادسه، قدم الخبر على جناح الطير من بلبيس بنزول الأمراء ~~على قطيا، فكثرت حركات العسكر بالقاهرة، وخرجت مدورة السلطان إلى الريدا ~~خارج القاهرة، واختبط العسكر واضطرب لسرعة السفر. ثم ركب ms2638 السلطان من قلعة ~~الجبل بأمرائه وعساكره في يوم السبت ثامن ذي الحجة من سنة سبع وثمانمائة، ~~وسار حتى نزل بالريدانية خارج القاهرة، وبات بها، وقد أقام من الأمراء بباب ~~السلسلة بكتمر الركني رأس نوبة الأمراء وجماعة بالقاهرة. وبينما السلطان ~~بالريدانية ورد عليه الخبر بنزول الأمراء بالصالحية في يوم التروية، وأخذوا ~~ما كان بها من الإقامات السلطانية، فرحل السلطان من الريدانية في يوم الأحد ~~تاسعه، ونزل العكرشة، ثم سار منها ليلا، وأصبح ببلبيس وضحى بها، وأقام ~~عليها يومي الاثنين والثلاثاء. ورحل من مدينة بلبيس بكرة نهار الأربعاء ~~ونزل على منزلة السعيدية، فأتاه كتب الأمراء الثلاثة، وهم: جكم، وشيخ ويشبك ~~بأن سبب حركتهم ما جرى بين الأمير يشبك وبين إينال باي بن قجماس وطلبوا منه ~~أن يخرج إينال باي المذكور ودمرداش المحمدي نائب حلب من مصر وأن يعطي لكل ~~من يشبك وجكم وشيخ ومن معهم بمصر والشام ما يليق بهم النيابات والإقطاعات ~~لتخمد هذه الفتنة باستمرارهم على الطاعة، وتحقن الدماء ويعمر بذلك ملك ~~السلطان، وإن لم يكن ذلك تلفت أرواح كثيرة، وخربت بيوت عديدة. وكانوا ~~أرادوا هذه المكاتبة من الشام، ولكن خشوا أن يظن بهم العجز، فإنه ما منهم ~~إلا من جعل الموت نصب عينيه، فلم يلتفت السلطان إلى ذلك، ولم يأمر بكتابة ~~جواب لهم. وكان ذلك مكيدة من الأمراء حتى كبسوا على السلطان في ليلة الخميس ~~وهم في نحو ثلاثة آلاف فارس وأربعمائة تركماني من أصحاب قرايوسف. وبينما ~~السلطان على منزلة السعيدية ورد الخبر على الوالد من بعض أصحابه ممن هو ~~صحبة الأمراء، أن الأمراء اتفقوا على تبييت السلطان والكبس عليه في هذه ~~الليلة؛ فأعلم الوالد السلطان، وحرضه على الركوب بعساكره من وقته، فمال ~~إليه السلطان. فأخذ الأمير بيغوت وغيره يستبعد ذلك؛ ولا زالوا بالسلطان حتى ~~فتر عزمه عن الركوب، فعاد الوالد إلى وطاقه، وأمر جميع مماليكه بالركوب ~~بآلة الحرب. PageV03P0424 # وبينما هو في ذلك إذ ثارت غبرة عظيمة وهجة في الناس. وقبل أن يسأل ~~السلطان عن الخبر طرقه الأمراء على حين ms2639 غفلة، فركب السلطان في الليل بمن ~~معه، واقتتل الفريقان قتالا شديدا من بعد عشاء الآخرة إلى بعد نصف الليل، ~~جرح فيه جماعة كثيرة من الطائفتين، وقتل الأمير صرق الظاهري صبرا بين يدي ~~الأمير شيخ المحمودي نائب الشام، لأن السلطان كان ولاه عوضه نائب الشام، ~~وانهزم السلطان وركب وساق عائدا على الهجن إلى جهة الديار المصرية، ومعه ~~سودون الطيار وسودون الأشقر، وساقوا إلى أن وصلوا إلى القلعة. وتفرقت ~~العساكر السلطانية، وانهزموا، وتركوا أثقالهم وخيامهم، وسائر أموالهم غنمها ~~الشاميون. ووقع في قبضة الأمراء من المصريين الخليفة والقضاة، والأمير ~~شاهين الأفرم، والأمير خير بك نائب غزة، ونحو ثلاثمائة مملوك من المماليك ~~السلطانية وغيرهم. وقدم المنهزمون من السلطانية إلى القاهرة في يوم الخميس ~~ثالث عشر ذي الحجة. ولم يحضر السلطان ولا الأمراء الكبار. فكثر الإرجاف ~~وماج الناس، وانتهبت عدة حوانيت، حتى قدم السلطان قريب العصر ومعه الأمراء، ~~وقد قاسى من العطش والتعب ما لا يوصف. فسر الناس بقدومه، وطلع إليه الأمراء ~~والعساكر وباتوا تلك الليلة. وأصبح السلطان يتهيأ للقاء الأمراء، وقبض على ~~يلبغا السالمي وسلمه لجمال الدين البيري الأستادار، فعاقبه وصادره. وشرع ~~أمر السلطان كل يوم في زيادة لعدم قدوم العسكر الشامي إلى القاهرة. فلما ~~كان آخر نهار الأحد نزلت الأمراء بالريدانية خارج القاهرة. ثم أصبحوا في ~~بكرة نهار الاثنين ركبوا وزحفوا على القاهرة، فأغلقت أبواب المدينة وتعطلت ~~الأسواق عن المعايش. ومشوا حتى وصلوا قريبا من دار الضيافة بالقرب من قلعة ~~الجبل، فقاتلهم المماليك السلطانية من بكرة نهار الاثنين المذكور إلى بعد ~~الظهر. فلما أذن الظهر أقبل جماعة كثيرة من الأمراء إلى جهة السلطان ~~طائعين: منهم الأمير يلبغا الناصري، وآسنباي أمير ميسرة الشام المعروف ~~بالتركماني، وسودون اليوسفي، وإينال حطب، وجمق، فلما وقع ذلك اختل أمر ~~الأمراء، وعزم جماعة منهم على العود إلى البلاد الشامية فحمل ما خف من ~~أثقاله وعاد وفعل ذلك جماعة كبيرة بعد أن أفرج شيخ عن الخليفة والقضاة ~~وغيرهم. فتسلل عند ذلك الأمير يشبك الشعباني الدوادار، والأمير تمراز ~~الناصري أمير سلاح، ms2640 والأمير جاركس القاسمي المصارع، والأمير قطلوبغا الكركي ~~في جماعة أخر، واختفوا بالقاهرة وظواهرها. فلما وقع ذلك ولى الأمير جكم ~~والأمير شيخ والأمير طولو وقرايوسف في طائفة يسيرة، وقصدوا البلاد الشامية، ~~فلم يتبعهم أحد من عسكر السلطان. ثم نادى السلطان بالأمان لكل أحد، فطلع ~~إليه جماعة، فقبض عليهم وقيدهم وبعث بهم إلى سجن الإسكندرية، وخمدت الفتنة. ~~وأجلت هذه الواقعة عن إتلاف مال كثير من العسكرين، ذهب فيها من الخيل ~~والبغال والجمال والسلاح والثياب ما لا يدخل تحت حصر من غير فائدة. ثم أخذ ~~الملك الناصر في تمهيد أمور دولته وإصلاح الدولة والمفرد. وقبض على الصاحب ~~تاج الدين بن البقري، وسلمه لجمال الدين الأستادار، واستقر عوضه في الوزارة ~~فخر الدين ماجد بن غراب. وكان أخوه سعد الدين إبراهيم بن غراب مع العسكر ~~الشامي، فلما قدم معهم اختفى بالقاهرة، ثم ترامى على الأمير إينال باي بن ~~قجماس، فجمع بينه وبين السلطان ليلا، ووعده بستين ألف دينار. وأصبح يوم ~~الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة طلع سعد الدين بن غراب إلى القلعة فخلع عليه ~~السلطان وجعله مشيرا. ثم في ثالث عشرينه خلع السلطان على الأمير نوروز ~~الحافظي، وكان ممن قدم مع العسكر، باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن الأمير ~~شيخ المحمودي، وعلى بكتمر جلق باستقراره على نيابة صفد، وعلى سلامش حاجب ~~غزة بنيابة غزة. PageV03P0425 # وأما جكم وشيخ فإنهما قدما غزة في نحو خمسمائة فارس أكثرهم من التركمان ~~أصحاب قرايوسف، وقد غنموا شيئا كثيرا، وتفرقت عساكر شيخ، وتلفت أمواله ~~وخيوله. ومضى إلى دمشق، فخرج إليه الأمير بكتمر جلق والأمير شيخ السليماني ~~المسرطن نائب طرابلس، فهرب منهما، فتتبعاه إلى عقبة فيق، فنجا بنفسه فلم ~~يحركاه. ودخل دمشق وهو في أسوأ حال، فوجد السلطان أحمد بن أويس صاحب بغداد ~~قد فر من دمشق إلى جهة بلاده في ليلة الأحد سادس عشر ذي الحجة، وكان قد ~~تأخر بدمشق ولم يتوجه إلى نحو الديار المصرية صحبة الأمراء. ثم إن شيخا ~~أوقع الحوطة على بيوت الأمراء الذين خامروا عليه وتوجهوا إلى ms2641 مصر، وأخذ في ~~إصلاح أمره ولم شعثه. وأما جكم فإنه لما فارق حلب ثار بها عدة من أمرائها، ~~ورفعوا سنجق السلطان بقلعة حلب، فاجتمع إليهم العسكر، فحلفوا بعضهم لبعض ~~على طاعة السلطان. وقدم ابنا شهري الحاجب ونائب القلعة من عند التركمان ~~البياضية إلى حلب، وقام بتدبير أمور حلب الأمير يونس الحافظي. وامتدت أيدي ~~عرب العجل ابن نعير وتراكمين ابن صاحب الباز إلى معاملة حلب، فقسموها، ولم ~~يدعوا لأحد من الأمراء والأجناد شيئا، كل ذلك قبل قدوم جكم إليها من مصر. ~~وأما السلطان فإنه رسم في أواخر ذي الحجة بانتقال الأمير علان اليحياوي ~~نائب حماة إلى نيابة حلب عوضا عن جكم، وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير ~~إينال الخازندار، واستقر الأمير دقماق المحمدي في نيابة حماة عوضا عن علان ~~المذكور، واستقر الأمير بكتمر جلق نائب صفد في نيابة طرابلس عوضا عن شيخ ~~السليماني المسرطن وتوجه بتقليده الأمير جرباش العمري، واستقر عوضه في ~~نيابة صفد الأمير بكتمر الركني رأس نوبة الأمراء درجة إلى أسفل. ثم في ثالث ~~المحرم سنة ثمان وثمانمائة قدم مبشر الحاج وأخبر بأنه كان أشيع بمكة ~~المشرفة قدوم تيمورلنك إليها، فاستعد صاحب مكة لذلك، فلم يصح ما أشيع. ثم ~~قدم رسل الأمير شيخ نائب الشام إلى السلطان بديار مصر، وهم شهاب الدين أحمد ~~بن حجي أحد خلفاء الحكم بدمشق، والشريف ناصر الدين محمد بن علي نقيب ~~الأشراف، والشيخ المعتقد محمد بن قديدار، والأمير يلبغا المنجكي، ومعهم ~~كتبه تتضمن الترقق والاعتذار عما وقع منه، وتسأل استقراره على عادته في ~~نيابة دمشق. فلم يلتفت السلطان إلى قوله، ومنع رسله من الاجتماع بأحد. ثم ~~في رابع عشرين المحرم سار الأمير نوروز الحافظي إلى نيابة دمشق، وخرج ~~الأمراء لوداعه، ونزل بالريدانية ومعه مسفره الأمير برد بك الخازندار. ثم ~~وقعت الوحشة بين السلطان وبين الأمير إينال باي بن قجماس الأمير آخور، فقبض ~~السلطان في يوم الاثنين سادس صفر على الأمير يشبك بن أزدمر رأس نوبة النوب، ~~وعلى الأمير تمر، وعلى الأمير سودون، وهما من إخوة ms2642 سودون طاز، فاختفى ~~الأمير إينال باي أمير آخور ومعه الأمير سودون الجلب، وأحاط السلطان ~~بدورهم، ثم قيد الأمراء وأرسلهم إلى سجن الإسكندرية. وأما إينال باي فإنه ~~دار على جماعة من الأمراء ليركبوا معه، فلم يؤهله أحد لذلك، فاختفى إلى يوم ~~الجمعة عاشره، فظهر، وطلع به الأتابك بيبرس إلى القلعة، فكثر الكلام بين ~~الأمراء حتى آل الأمر إلى مسك إينال باي وإرساله إلى ثغر دمياط بطالا. ثم ~~في خامس عشرين صفر فرق السلطان إقطاعات الأمراء الممسوكين، فأنعم بإقطاع ~~إينال باي على الوالد، وزاده إمرة طبلخاناه، وأنعم بإقطاع الوالد على ~~الأمير دمرداش المحمدي نائب حلب كان، وبإقطاع دمرداش على الأمير أزبك ~~الإبراهيمي؛ وجميع هذه الإقطاعات تقادم ألوف، لكن شيئا أحسن من شيء في كثرة ~~المغل. وأنعم السلطان على الأمير بيبرس الصغير الدوادار بتقدمة ألف قبل أن ~~تكمل لحيته، وعلى الأمير بشباي الحاجب بتقدمة ألف، وعلى الأمير علان بتقدمة ~~ألف، وعلى الأمير قراجا بإمرة عشرين، وأنعم بطبلخانات سودون الجلب على ~~الأمير إيتمش الشعباني. ثم خلع على الأمير جرباش الشيخي رأس نوبة ثاني ~~بآستقراره أمير آخورا كبيرا عوضا عن إينال باي. PageV03P0426 # وأما الأمير شيخ فإنه توجه صحبة الأمير جكم وقرايوسف لحرب نعير. ثم ~~اختلفوا، فمضى جكم إلى طرابلس، وتوجه قرايوسف إلى جهة الشرق عائدا إلى ~~بلاده. وعاد الأمير شيخ من البقاع ونزل سطح المزة ومعه خواصه فقط. ثم توجه ~~إلى الصبيبة هاربا من نوروز الحافظي، فدخل نوروز إلى دمشق في يوم الثلاثاء ~~ثاني عشرين صفر من غير مدافع لضعف الأمير شيخ عن مقاومته وقتاله. وأما ~~السلطان، فإنه خلع على الأمير بشباي الحاجب بآستقراره رأس نوبة النوب عوضا ~~عن يشبك بن أزدمر، وخلع على الأمير أرسطاي باستقراره حاجب الحجاب بعد ~~بشباي. ثم في يوم الثلاثاء وقع بالديار المصرية فتنة، وكثر الكلام بين ~~الأمراء إلى أن اتفق جماعة من المماليك الجركسية وسألوا السلطان القبض على ~~الوالد وعلى الأمير دمرداش المحمدي، وعلى الأمير أرغون من بشبغا وجماعة أخر ~~من كون السلطان اختص بهم، وتزوج بكريمتي على كره ms2643 من الوالد، وكونه أيضا ~~أعرض عن الجراكسة وأمسك إينال باي، فخافوا أن تقوى شوكة هؤلاء عليهم، ~~واتفقوا واجتمعوا على الأتابك بيبرس، وتأخروا عن الخدمة السلطانية. وكثر ~~كلام القوم في ذلك، إلى أن طلب السلطان الأمراء واستشارهم فيما يفعل، فقال ~~له دمرداش: " المصلحة قتالهم، وأنا كفء هؤلاء الجراكسة، والسلطان لا يتحرك ~~من مجلسه " فنهره الوالد وقال له ما معناه: " تقاتل خشداشيتك! كلنا مماليك ~~السلطان ومماليك أبيه مهما شاء السلطان يفعل فينا وفيهم " . هذا وقد ظهر ~~الملل على السلطان من كثرة الفتن، ولحظ الوالد منه ذلك، فإنه قال فيما بعد: ~~" سمعته يقول في ذلك اليوم: وددت لو كنت ما كنت ولا أكون سلطانا. ثم أمر ~~السلطان الوالد أن يختفي حتى ينظر السلطان في مصلحته، وأمر دمرداش أيضا ~~بذلك، وانفض المجلس من غير إبرام أمر. ثم أصبح الناس يوم الأربعاء سابع شهر ~~ربيع الأول من سنة ثمان المذكورة، وقد ظهر الأمير يشبك الشعباني الدوادار، ~~والأمير تمراز الناصري أمير سلاح، والأمير جاركس القاسمي المصارع، والأمير ~~قاني باي العلائي، وكانوا مختفين بالقاهرة من يوم واقعة السعيدية. وخبر ~~ظهورهم أن الأتابك بيبرس ركب إلى السلطان، وأخبره بمواضع الأمراء ~~المذكورين، ووافقه على مصالحة الجراكسة وإحضار الأمراء من اختفائهم، ~~والإفراج عن إينال باي وغيره، فرضي السلطان بذلك، وتقرر الحال على ذلك. ~~وطلع الأمراء المذكورون من الغد في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول ~~المذكور، فخلع السلطان على الأمير سودون تلي المحمدي باستقراره أمير اخورا ~~كبيرا بعد عزل الأمير جرباش الشيخي، وعوده إلى إقطاعه إمرة طبلخاناه، ~~ووظيفته ثاني رأس نوبة. ثم في عاشره طلع الأمير يشبك الدوادار والأمير ~~تمراز الناصري أمير سلاح والأمير جاركس القاسمي المصارع وجماعة أخر إلى ~~القلعة، وقبلوا الأرض بين يدي السلطان، فخلع عليهم خلع الرضا، ونزل كل واحد ~~إلى داره. ثم في خامس عشرة قدم الأمير قطلوبغا الكركي، وإينال حطب، وسودون ~~الحمزاوي، ويلبغا الناصري، وأسندمر الناصري، وتمر من سجن الإسكندرية، ~~وهؤلاء الذين كان السلطان نادى لهم بالأمان بعد وقعة السعيدية، فلما طلعوا ~~له قبض عليهم ms2644 وسجنهم بالإسكندرية وهم رفقة يشبك وشيخ وجكم. ثم قدم الأمير ~~إينال باي بن قجماس من ثغر دمياط ومعه تمان تمر الناصري. ثم قدم الأمير ~~يشبك بن أزدمر أيضا من سجن الإسكندرية. ثم أمسك السلطان القاضي فتح الدين ~~فتح الله كاتب السر، وولى عوضه سعد الدين إبراهيم بن غراب، وألزم فتح الدين ~~بحمل ألف ألف درهم. ثم ظهر الأمير دمرداش نائب حلب، من اختفائه، فخلع ~~السلطان عليه بنيابة غزة، فسار في يوم السبت رابع عشرينه. وخلع السلطان ~~أيضا على يشبك بن أزدمر بنيابة ملطية، فامتنع من ذلك، فأكره حتى لبس الخلع، ~~ووكل به الأمير أرسطاي الحاجب والأمير محمد بن جلبان الحاجب حتى أخرجاه من ~~فوره إلى ظاهر القاهرة. PageV03P0427 # ثم بعث السلطان إلى الأمير أزبك الإبراهيمي الظاهري المعروف بخاص خرجي - ~~وكان تأخر عن طلوع الخدمة - بأن يستقر في نيابة طرسوس، فأبى أن يقبل والتجأ ~~إلى بيت الأمير إينال باي، فاجتمع طائفة من المماليك ومضوا إلى يشبك بن ~~أزدمر، ورثوه في ليلة الجمعة ثالث عشرين شهر ربيع الأول، وقد وصل قريبا من ~~سرياقوس، وضربوا الحاجب المرسم عليه، وصار العسكر فرقتين. وأظهر المماليك ~~الجراكسة الخلاف، ووقفوا تحت القلعة يمنعون من يقصد الطلوع إلى السلطان، ~~وجلس الأتابك بيبرس بجماعة من الأمراء في بيته. وصار السلطان بالقلعة وعنده ~~عدة أمراء، وتمادى الحال على ذلك يوم الخميس والجمعة والسبت والناس في قلق، ~~والقالة بينهم. فلما كان يوم السبت نزل السلطان من القلعة إلى باب السلسلة، ~~وآجتمع عنده بعض الأمراء لإصلاح الأمر، فلم يفد ذلك، وباتوا على ما هم ~~عليه، وأصبحوا يوم الأحد خامس عشرينه وقد كثروا وطلبوا من السلطان الوالد ~~وأرغون من بشبغا. وكان الوالد قد ظهر من يوم أخرج دمرداش إلى نيابة غزة، ~~فلم يستجرىء أحد يتكلم في خروجه من القاهرة، واستمر على إمرته، فأبى الملك ~~الناصر أن يرسله إليهم، فقال الوالد: " هذا أمر يطول، ولا بد من النزول " ، ~~فنزل إليهم ومعه أرغون، وكلم الأمراء في سبب طلبهم إياه، وخشن للأتابك ~~بيبرس في القول، فإنه كان ms2645 مسفر الوالد لما ولي نيابة حلب في أيام الملك ~~الظاهر برقوق، فلم يتكلم بيبرس ولا غيره بكلمة واحدة، وسكت الجميع. فلما ~~طال المجلس قال الوالد: " ما تتكلمون! " فعند ذلك تكلم شخص من الخاصكية ~~الظاهرية يقال له قرمش الأعور - وهو الذي قطع رأسه في دولة الملك الأشرف ~~برسباي من أجل جاني بك الصوفي حسبما يأتي ذكره - وقال قرمش: " يا خوند، ~~المقصود أنك تخرج من الديار المصرية حتى تسكن هذه الفتنة، ثم تعود بعد ~~أيام، أو يعطيك السلطان ما تختار من البلاد " . فقال الوالد: " بسم الله ~~حتى أشاور السلطان ثم أسافر " وخرج فلم يجرؤ أحد أن يقبضه ولا يرسم عليه، ~~وعاد إلى بيته ولم يطلع إلى السلطان. وكان سكنه بالبيت الذي بباب الرميلة ~~تجاه مصلاة المؤمني، وأقام به يومه. وتجهز وخرج في الليل في نحو مائة مملوك ~~من خواصه، فلم يقف له أحد على خبر، وسار من البرية إلى القدس الشريف في دون ~~الخمسة أيام، ولم يجتز بقطيا خوفا من تسليط العربان عليه. وكان لما خرج من ~~بيت بيبرس أرسل إليه السلطان يعلمه أنه أيضا يريد يختفي ويترك السلطنة، ~~فلهذا جد الوالد في السير لئلا يخرج القوم في أثره ويقبضون عليه. فلما كان ~~وقت الظهر من يوم خروج الوالد من مصر وهو يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع ~~الأول فقد السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق من قلعة الجبل ولم يعرف له ~~خبر. وسبب تركه السلطنة أنه كان في يوم النوروز جلس السلطان مع جماعة من ~~الأمراء والخاصكية من مماليك أبيه، وشرب معهم حتى سكر، ثم ألقى بنفسه إلى ~~فسقية هناك، فألقى الجماعة أنفسهم معه، وقد غلب على السلطان السكر، وصار ~~يسبح معهم في الماء ويمازحهم، وترك الوقار، فجاء من خلفه الأمير أزبك ~~الإبراهيمي المعروف بخاص خرجي، وقيل غيره، وأزبك الأشهر، وأغمه في الماء ~~مرارا وهو يمرق من تحته كأنه يمازحه حتى قبض عليه وغرقه في الماء حتى كادت ~~نفسه تزهق، ففطن به بعض مماليك أبيه من الأروام ممن كان معهم أيضا ms2646 في ~~الفسقية، وخلصه منه، وأفحش في سب أزبك المذكور، وأراد قتله، فمنعه السلطان ~~من ذلك، وقال: " كان يلعب معي " وأسرها في نفسه. ثم طلع السلطان من ~~الفسقية، وذهب كل واحد إلى حال سبيله. فذكر السلطان بعد ذلك للوالد ما وقع ~~له مع أزبك المذكور، وأمره أن يكتم ذلك لوقته، فأخذ الوالد يزول عنه ويهونه ~~عليه. ثم عرف السلطان جماعة من أكابر أمراء الجراكسة بذلك، فلم يلتفتوا ~~لقوله وقالوا: لم يرد بذلك إلا مباسطة السلطان، فعند ذلك تحقق السلطان أنهم ~~يريدون قتله، وكان ذلك بعد خروج الأمراء من السجن وظهور يشبك ورفقته، وقد ~~كثروا وعظم جمعهم، فلم يجد الملك الناصر بدا من أن يفوز بنفسه ويترك لهم ~~ملك مصر. PageV03P0428 # ولما أراد النزول من القلعة ليختفي بالقاهرة قام ومعه بكتمر مملوك القاضي ~~سعد الدين بن غراب، ويوسف بن قطلوبك صهر ابن غراب، ونزلوا من باب السر الذي ~~يلي القرافة، وساروا على بركة الحبش، ونزلوا منها في مركب، وتركوا الخيل، ~~وتغيبوا نهارهم كله في البحر حتى دخل الليل، فساروا بالمركب إلى بيت سعد ~~الدين بن غراب، وهو فيما بين الخليج وبركة الفيل بالقرب من قنطرة طقزدمر، ~~فلم يجدوه في داره، فمروا على أقدامهم حتى باتوا في بيت بالقاهرة لبعض ~~معارف بكتمر. ثم بعثوا لابن غراب بمجيء السلطان إلى عنده، فهيأ له سعد ~~الدين مكانا من داره، وأنزله فيه من غير أن يعلم أحد به. وأما الأمراء، ~~فإنه لما بلغهم ذهاب السلطان الملك الناصر في يوم الأحد خامس عشرين شهر ~~ربيع الأول من سنة ثمان وثمانمائة، بادروا بالطلوع إلى القلعة، وهم ~~طائفتان: الطائفة التي كانت خالفت السلطان الملك الناصر، وركبوا عليه ~~وقاتلوه أياما، ثم توجهوا إلى الشام وعادوا إلى الديار المصرية وصحبتهم جكم ~~وشيخ وقرايوسف وواقعوه بالسعيدية، وكسروه، ثم اختفوا، ورأسهم يشبك الشعباني ~~الدوادار بمن كان معه من الأمراء، وقد مر ذكرهم في عدة مواضع. والطائفة ~~الأخرى كبيرهم بيبرس الأتابك، وسودون المارداني الدوادار الكبير، وإينال ~~باي وغيرهم. فلما طلع الجميع إلى القلعة، منعهم الأمير ms2647 سودون تلي المحمدي ~~الأمير آخور الكبير من الطلوع إلى القلعة، فصاروا يتضرعون إليه من نصف ~~النهار إلى بعد غروب الشمس، حتى مكنهم من العبور من باب السلسلة، فطلعوا ~~ومعهم الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة، وتكلموا فيمن ينصبوه ~~سلطانا، حتى اتفقوا على سلطنة الأمير عبد العزيز بن الملك الظاهر برقوق، ~~فإنه ولي عهد أخيه في السلطنة حسبما قرره والده الملك الظاهر برقوق قبل ~~وفاته. فطلبوه من الدور السلطانية، فمنعته أمه خوند قنق باي أولا، ثم دفعته ~~لهم فأحضروه، وتم أمره، وتسلطن حسبما نذكره في محله من ترجمته. وخلع الملك ~~الناصر فرج من السلطنة وسنه نحو سبع عشرة سنة تخمينا، فكانت مدة تحكم الملك ~~الناصر على مصر من يوم مات أبوهالملك الظاهر برقوق إلى يوم خلع ست سنين ~~وخمسة أشهر وأحد عشر يوما، والله أعلم. انتهت ترجمة الملك الناصر الأولى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الناصر فرج # ابن الظاهر برقوق - الأولى على مصر وهي سنة إحدى وثمانمائة على أن والده ~~الملك الظاهر برقوق حكم منها إلى نصف شوال، ثم حكم في باقيها الملك الناصر ~~هذا. فيها توفي قاضي القضاة عماد الدين أحمد بن عيسى بن سليم بن جميل ~~الأزرقي العامري الكركي الشافعي، قاضي قضاة الكرك ثم الديار المصرية، ~~بالقدس في سادس شهر ربيع الأول وكان فاضلا رئيسا نبيلا وهو أحد من قام مع ~~الملك الظاهر برقوق عند خروجه من سجن الكرك، وخدمه في أيام حبسه بها - وقد ~~تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك الظاهر برقوق ولما عاد الملك الظاهر إلى ~~ملكه عرف له ذلك، وطلبه إلى الديار المصرية، وولاه قضاء الشافعية بالديار ~~المصرية، وولى أخاه علاء الدين كاتب سر الكرك كتابة سر مصر ثم صرف القاضي ~~عماد الدين هذا عن القضاء برغبة منه، وولي مشيخة الصلاحية بالقدس الشريف ~~إلى أن مات به. وتوفي الأمير سيف الدين أرغون شاه بن عبد الله الإبراهيمي ~~الظاهري - برقوق - نائب حلب بها، في ليلة خامس عشرين صفر، وكان من أخصاء ~~مماليك الملك الظاهر برقوق؛ رقاه ms2648 إلى أن ولاه نيابة صفد، ثم طرابلس، ثم ~~نقله إلى نيابة حلب بعد عزل الوالد عنها في سنة ئمانمائة، فدام بها إلى أن ~~مات. وكان أميرا عاقلا ساكتا، مشكور السيرة وتولى بعده نيابة حلب الأمير ~~آقبغا الجمالي الأطروش. وتوفي الأمير زين الدين أمير حاج بن مغلطاي، أحد ~~الأمراء بالديار المصرية، في شهر ربيع الأول وكان له رياسة ووجاهة. ~~PageV03P0429 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة قنبر بن محمد العجمي السيرامي الشافعي، ~~العالم المشهور، بالقاهرة، في شعبان؛ وكان قدومه إليها من بلاد العجم في ~~حدود سنة سبع وثمانين وسبعمائة، ونزل بجامع الأزهر. وكان متفننا في عدة ~~فنون من العلوم درس، واشتغل، وانتفع به الطلبة، وكان تاركا للدنيا، متقشفا ~~في ملبسه، قد قنع بجبة من لبد، وطاقية من لبد، صيفا وشتاء وقال العيني، ~~بعدما أثنى على علمه: وكان يميل إلى سماع المغاني واللهو والرقص، وكان يتهم ~~بالمسح على رجليه من غير خف - انتهى. وتوفي الأمير سيف الدين بكلمش بن عبد ~~الله العلائي، أمير سلاح كان، بطالا بالقدس في صفر وأصله من مماليك الأمير ~~طيبغا الحسني الناصري، المعروف بالطويل، وترقى بعده حتى صار من جملة ~~الأمراء، ثم أنعم عليه الملك الظاهر برقوق بإمرة طبلخاناة قبل - خلعه من ~~الملك، ثم جعله في سلطنته الثانية أمير آخورا كبيرا مدة سنين، ثم نقله - ~~بعد أن أمسكه وحبسه - إلى إمرة سلاح، فدام على ذلك سنين إلى أن قبض عليه في ~~تاسع عشرين المحرم من سنة ثمانمائة، وقبض معه أيضا على الأمير الكبير ~~كمشبغا الحموي، وحملا إلى سجن الإسكندرية وتولى الأمير آخورية بعده الأمير ~~تنبك الظاهري، فدام بكلمش هذا في السجن إلى أن أفرج عنه، وبعثه إلى القدس ~~بطالا، فدام به إلى أن مات وكان أميرا شجاعا مقداما، ذا كلمة نافذة في ~~الدولة، إلا أنه كان فيه كبر وجبروت، وخلق سيىء مع كرم وإنعام. وكان سبب ~~القبض عليه أنه ضرب موقعه القاضي صفي الدين الدميري وصادره، فشكا صفي الدين ~~حاله إلى السلطان في أبيات مدح السلطان فيها، وذم بكلمش المذكور، من ms2649 جملتها ~~قوله: يأكلني ذئب وأنت ليث فسمع بذلك بكلمش، فطلبه وضربه ثانيا بالمقارع، ~~وكلما ضربه رش عليه الملح؛ فكان كلما صاح يقول له بكلمش: قل لليث يخلصك من ~~الذئب. فأقام بعد ذلك مدة، ومات من تلك العقوبة. وبلغ السلطان ذلك فأمهله ~~مدة ثم قبض عليه. وفيها توفي الأمير حسام الدين حسن الكجكني نائب الكرك، ثم ~~أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية. وهو الذي أخرج الملك الظاهر برقوق من ~~سجن الكرك، ولما أرسل إليه منطاش الشهاب البريدي بقتله فقام حسام الدين هذا ~~بنصرته، فلما عاد الملك الظاهر إلى ملكه كافأه وأنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بديار مصر، وصار من أعظم أمرائه إلى أن مات، رحمه الله. وكان ~~عارفا، عاقلا، سيوسا، وعنده فضيلة وفهم جيد ومذاكرة. وتوفي الشيخ المعتقد ~~خلف بن حسن بن حسين الطوخي، في ثاني عشرين شهر ربيع الأول وكان للناس فيه ~~اعتقاد ومحبة. وتوفي الشيخ المعتقد الصالح خليل بن عثمان بن عبد الرحمن بن ~~عبد الجليل المغربي، ويعرف بابن المشيب، في سادس عشرين شهر ربيع الأول. ~~وتوفي الشيخ الإمام العامل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر ابن محمد ~~العبادي الحنفي الفقيه المشهور، في ليلة الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر ~~وكان من فضلاء الحنفية أفتى ودرس في عدة فنون. وتوفي الشيخ الإمام الأديب ~~البليغ علاء الدين أبو الحسن علي بن أيبك الدمشقي، الشاعر المشهور، في ثالث ~~عشر ربيع الأول بدمشق. وكان بارعا في النظم، وله شعر رائق، ذكرنا منه قطعة ~~جيدة في ترجمته في تاريخنا " المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي " . ~~ومولده في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بدمشق. ومن شعره - رحمه الله - قوله: ~~قم زف بنت الكرم ثم استجلها ... بكرا لها في الكأس رأس أشمط فالطير شاد ~~والنسيم مشبب ... والغصن يرقص والغمام ينقط وله أيضا: كأن الراح لما راح ~~يسعى ... بها في الراح مياس القوام سنا المريخ في كف الثريا ... يحايدنا به ~~بدر التمام وله الموشح المشهور الذي أوله: يا من حكى خده شقائق ... وماله ~~في البهاء شقيق ms2650 تركتني بالدموع شارق ... لما بدا خدك الشريق سللت من ناظريك ~~صارم ... للفتك يا شادن الصريم وسرت يوم الفراق سالم ... وقد تركت الحشا ~~سليم متى أراك الغداة قادم ... يا من حديثي به قديم شيبت من أجلك المفارق ~~... وسرت مع جملة الفريق ما بين حاد حدا وسائق ... حملي بمن ساقه وسيق وهو ~~أطول من ذلك. PageV03P0430 # وتوفي العارف بالله شمس الدين محمد بن أحمد بن علي، المعروف بابن نجم ~~الصوفي، بمكة المشرفة، في صفر بعد أن جاور بها عدة سنين. وتوفي الخليفة ~~أمير المؤمنين المعتصم بالله زكرياء بن إبراهيم بن محمد بن أحمد - وهو ~~مخلوع من الخلافة - في رابع عشرين جمادى الأولى وقد ذكر ولايته للخلافة في ~~أيام أينبك البدري، بعد قتل الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة ثمان وسبعين ~~وسبعمائة. ثم خلع حتى ولاه الملك الظاهر برقوق ثانيا بعد موت أخيه الواثق، ~~فلم تطل مدته أيضا، وخلعه الملك الظاهر من الخلافة في أول جمادى الأولى من ~~سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وأعاد المتوكل على الله، فاستمر المعتصم هذا ~~معزولا طول عمره إلى أن مات في هذه السنة وخلافته الأولى والثانية لم تطل ~~مدته فيهما - انتهى. وتوفي الأمير سيف الدين شيخ بن عبد الله الصفوي ~~الخاصكي، أمير مجلس، وهو مسجون بسجن المرقب وكان ممن رقاه الملك الظاهر ~~برقوق إلى أن جعله أمير مائة ومقدم ألف في سلطنته الثانية، وجعله أمير مجلس ~~ثم قبض عليه في سنة ثمانمائة، وأنعم بإقطاعه على الوالد بعد عزله عن نيابة ~~حلب وأخرجه الملك الظاهر إلى القدس بطالا، فساءت سيرته بها وكان مسرفا على ~~نفسه، منغمسا في اللذات، فأمر الملك الظاهر به فنقل من القدس إلى حبس ~~المرقب إلى أن مات به. قلت: وشيخ هذا هو أول أمير عظيم في دولة الملك ~~الظاهر برقوق ممن سمي بهذا الاسم، ثم بعده شيخ المحمودي الساقي، أعني الملك ~~المؤيد، ثم بعده شيخ السليماني المسرطن نائب طرابلس، فهؤلاء الثلاثة هم ~~أعظم من سمي بهذا الاسم، ثم جاء بعدهم في الدولة الأشرفية - برسباي - ~~اثنان: ms2651 شيخ الأمير آخور الثاني مملوك بيبرس الأتابك، وشيخ الحسني الظاهري ~~أمير عشرة ورأس نوبة، وهما كلا شيء بالنسبة إلى هؤلاء الثلاثة - انتهى. ~~وتوفي العبد الصالح الأمير الطواشي الرومي صندل بن عبد الله المنجكي، ~~خازندار الملك الظاهر برقوق، وعظيم دولته، وصاحب الطبقة - بالقلعة - ~~المعروفة بالصندلية، في ثالث شهر رمضان، ووجد الملك الظاهر عليه وجدا عظيما ~~ومات ولم يخفف من المال إلا النزر اليسير إلى الغاية، هذا مع تمكنه في ~~الدولة، وطول مدته في وظيفة الخازندارية في تلك الأيام، وإنياته جماعة ~~كبيرة من المماليك الظاهرية، ومنهم جماعة في قيد الحياة يحكون عن زهده ~~وصلاحه وعبادته أشياء عظيمة إلى الغاية وكان الشيخ تقي الدين المقريزي إذا ~~حدث عنه يقول: حدثني من لا أتهمه العبد الصالح المنجكي - انتهى. وتوفي ~~الأمير الكبير - أتابك العساكر بالديار المصرية، وعظيم المماليك ~~اليلبغاوية، كمشبغا بن عبد الله الحموي اليلبغاوي، بسجن الإسكندرية، في ~~العشرين من شهر رمضان؛ وهو أحد من قام بنصرة الملك الظاهر برقوق عند خروجه ~~من سجن الكرك، وكان كمشبغا يوم ذلك يلي نيابة حلب، وقد تقدم ذكر كمشبغا هذا ~~في مواطن كثيرة من أواخر دولة الملك الأشرف شعبان بن حسين إلى أن أمسك ~~وحبس، ومات وكان من أجل الملوك وأعظمها قدرا. قيل للوالد لما ولي الأتابكية ~~بالديار المصرية: يا خوند امش على قاعدة الأمير كمشبغا، فقال الوالد: " أيش ~~أنا حتى أمشي على طريق كمشبغا! كمشبغا في مقام أستاذي " . وكان بخدمة ~~الوالد يومئذ أزيد من ثلاثمائة مملوك ورأيت سماطه ومرتباته تسعمائة رطل من ~~اللحم في كل يوم، وفي هذا كفاية في التعريف بحال كمشبغا - رحمه الله. وتوفي ~~قاضي القضاة ناصر الدين أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله بن عوض ~~بن نجا بن أبي الثناء محمود بن نهار بن مؤنس بن حاتم بن نيلي ابن جابر بن ~~هشام بن عروة بن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - المعروف بابن التنسي ~~المالكي، قاضي قضاة الإسكندرية، ثم الديار المصرية - بها - وهو قاض، في أول ~~شهر رمضان وكان ms2652 مشكور السيرة، رحمه الله؛ وهو والد القاضي بدر الدين محمد ~~بن التنسي الآتي ذكره. وتوفي الأمير سيف الدين قديد بن عبد الله القلمطاوي، ~~أحد أمراء الطبلخانات - بطالا - بالقدس، في شهر ربيع الأول. وكان من قدماء ~~الأمراء، وولي نيابة الكرك في بعض الأحيان. وتوفي الشيخ المعتقد المجذوب ~~العجمي، المعروف بالزهوري في أول صفر وكان شيخا عجميا، وللناس فيه اعتقاد ~~كبير لا سيما الملك الظاهر برقوق؛ فإنه كان له فيه اعتقاد كبير إلى الغاية. ~~PageV03P0431 # أخبرني بعض حواشي الملك الظاهر أن الزهوري هذا كان إذا جلس عند الملك ~~الظاهر برقوق وكلمه يأخذ الملك الظاهر كلامه على سبيل المكاشفة وكان يقيم ~~عنده غالبا في الدور السلطانية عند الخوندات. ووقع له مع الظاهر خوارق ~~ومكاشفات، منها أنه قال له يوما - وقد حان أجلهما: " يا برقوق أنا آكل ~~فراريج وأنت تأكل بعدي دجاجا ثم تروح " ففطن برقوق أنه يقيم بعد موت ~~الزهوري بمقدار ما يكبر فيه الفروج. ومرض الزهوري ومات، وضاق صدر برقوق حتى ~~كلمه جماعة في عدم ما ظنه، فلم يقم بعده الظاهر إلا ثمانية أشهر ومات. ~~وتوفي العلامة القاضي بدر الدين محمود بن عبد الله الكلستاني السرائي ~~الحنفي، كاتب السر الشريف بالديار المصرية، وأحد العلماء الأعيان، في عاشر ~~جمادى الأولى بالقاهرة وولي بعده كتابة السر فتح الدين فتح الله رئيس ~~الأطباء، وقد تقدم ذكر ولاية الكلستاني هذا لوظيفة كتابة السر بعد موت بحر ~~الدين بن فضل الله بدمشق في ترجمة الملك الظاهر برقوق الثانية. وكان إماما ~~بارعا مفتنا في علوم كثيرة، عارفا باللغة العربية والعجمية والتركية وسمي ~~بالكلستاني لكثرة قراءته كتاب السعدي العجمي الشاعر، وكان الكتاب المذكور ~~يسمى كلستان. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وأربعة عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وخمسة أصابع - والله أعلم. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الناصر فرج # ابن الظاهر برقوق - الأولى على مصر وهي سنة اثنتين وثمانمائة: فيها كانت ~~وقعة أيتمش مع الملك الناصر، ثم وقعة تنم نائب الشام؛ وقد تقدم ذكرهما في ~~أول ms2653 ترجمة الملك الناصر. وفيها توفي خلائق من أعيان الأمراء بالسيف في ~~واقعة تنم: منهم الأمير الكبير أيتمش بن عبد الله الأسندمري البجاسي ~~الجرجاوي ثم الظاهري، أتابك العساكر بالديار المصرية ذبح في سجنه بقلعة ~~دمشق، في ليلة رابع عشر شعبان وكان أصله من مماليك أسندمر البجاسي ~~الجرجاوي، وترقى إلى أن صار من جملة أمراء الألوف بديار مصر، بسفارة ~~الأتابك برقوق في دولة الملك الصالح حاجي، وأمير آخورا؛ ولما تسلطن الملك ~~الظاهر برقوق جعله رأس نوبة كبيرا، ثم اشتراه من ورثة الأمير جرجي لما بلغه ~~أنه إلى الآن في الرق - وقد مر ذلك كله - ثم جعله أتابك العساكر بالديار ~~المصرية ثم ندبه فيمن ندب من الأمراء لقتال الناصري ومنطاش، فقبض عليه ~~هناك، وحبس بقلعة دمشق مدة طويلة إلى أن أطلق بعد عود الملك الظاهر للملك، ~~وقدم القاهرة، وكان الأمير إينال اليوسفي يوم ذاك أتابك العساكر بالديار ~~المصرية فأنعم الملك الظاهر على أيتمش بإقطاع يضاهي إقطاع الأتابكية، وولاه ~~رأس نوبة الأمراء وجعله أتابكا؛ فدام على ذلك سنين إلى أن قبض الملك الظاهر ~~على الأتابك كمشبغا الحموي، وأعاده إلى الأتابكية من بعده على عادته أولا ~~ثم جعله في مرض موته وصيه المتحدث في تدبير مملكة ولده الملك الناصر فرج؛ ~~فأخذ أيتمش يدبر ملك الناصر بعد موت برقوق أحسن تدبير فثار عليه الأمراء ~~الأجلاب من مماليك برقوق، وقاتلوه وكسروه، وأخرجوه من مصر إلى الشام فسار ~~إلى دمشق. ووافق تنم نائبها على قتالهم هو ورفقته، مثل: الوالد، وأرغون شاه ~~أمير مجلس، وغيرهم، فواقعوا الأمراء المذكورين بغزة، وانكسروا ثانيا، وقبض ~~على الجميع، وحبسوا بقلعة دمشق، ثم قتلوا عن آخرهم. وكان كسر تنم وأيتمش ~~هذا وقتلهما وتحكم الأمراء الأجلاب أول وهن وقع بالديار المصرية. وكان ~~أيتمش معظما في الدول، قليل الشر، كثير الخير، متجملا في ملبسه ومركبه ~~ومماليكه هو وكمشبغا الحموي، كانا من عظماء الأتابكية في الدولة التركية ~~بعد يلبغا العمري الخاصكي، وشيخون العمري. وتوفي أيضا - قتيلا بقلعة دمشق ~~في التاريخ المذكور مع الأتابك أيتمش - الأمير سيف الدين ms2654 أرغون شاه ~~البيدمري الظاهري، أمير مجلس. وكان من خواص مماليك الملك الظاهر برقوق، ~~وأكابر مماليكه وخيارهم. PageV03P0432 # وتوفي قتيلا - أيضا - الأمير سيف الدين فارس بن عبد الله القطلقجاوي، ثم ~~الظاهري، حاجب الحجاب بالديار المصرية، ذبحا بقلعة دمشق، في رابع عشر ~~شعبان. وكان أصله من مماليك الأمير خليل بن عرام نائب الإسكندرية؛ اشتراه ~~من شخص خباز بالإسكندرية، وكان فارس هذا يبيع الخبز على حانوت أستاذه، فرآه ~~ابن عرام فأعجبه وابتاعه منه. ثم ملكه الملك الظاهر برقوق بعد ابن عرام. ~~وما أعلم نسبته بالقطلقجاوي لأي قطلقجا، ولعله تاجره الني جلبه من بلاده ~~أولا - والله أعلم. وكان فارس يعرف أيضا بالأعرج، وكان من الشجعان الفرسان ~~الأقشية المعدودة، الذين يضرب برميهم المثل. وقد تقدم من ذكره في واقعة ~~أيتمش ما يكتفى بذكره. وتوفي - قتيلا أيضا في رابع عشر شعبان بقلعة دمشق - ~~الأمير شهاب الدين أحمد - أمير مجلس - ابن الأتابك يلبغا العمري الخاصكي ~~صاحب الكبش، وأستاذ برقوق وغيره من اليلبغاوية. ولد بالكبش، في حياة والده ~~الأتابك يلبغا، ثم نشأ بمصر، وصار من جملة الأمراء، فلما تسلطن الملك ~~الظاهر برقوق ولاه أمير مجلس، ثم ندبه لقتال الناصري ومنطاش فيمن ندب من ~~الأمراء فلما وصل إلى دمشق عصى على برقوق، وانضم على الناصري، وهو أيضا ~~مملوك أبيه، فأقره الناصري على إمرته ووظيفته، إلى أن قبض عليه منطاش وحبسه ~~مع الناصري، إلى أن أخرجهما الملك الظاهر برقوق في سلطنته الثانية، وخلع ~~عليه على عادته أمير مجلس، فدام على ذلك سنين عديدة إلى أن تنكر عليه برقوق ~~وحبسه، ثم أطلقه - بطالا - بالبلاد الشامية إلى أن ثار الأمير تنم الحسني ~~نائب الشام، فقدم عليه أحمد هذا ووافقه، فقبض عليه مع من قبض عليه من ~~الأمراء، وقتل وكان مشهورا بالشجاعة والإقدام. وتوفي - قتيلا أيضا بقلعة ~~دمشق في رابع عشر شعبان - الأمير سيف الدين جلبان الكمشبغاوي الظاهري، ~~المعروف بقرا سقل نائب حلب، ثم أتابك دمشق. كان من أكابر مماليك الملك ~~الظاهر برقوق، وأول من نال منهم الرتب السنية صار أمير مائة ومقدم ألف ms2655 في ~~أوائل سلطنة الملك الظاهر برقوق الثانية، ثم رأس نوبة النوب، ثم ولي نيابة ~~حلب بعد الأتابك قرا دمرداش الأحمدي؛ وهو الذي قام في أمر منطاش حتى أخذه ~~وتسلمه من نعير، ثم أمسكه الظاهر وحبسه، وولى الوالد عوضه نيابة حلب، فحبس ~~مدة ثم أطلق. واستقر أتابك دمشق، فدام على ذلك مدة، ثم قبض عليه برقوق ~~ثانيا، وحبسه بقلعة دمشق إلى أن أطلقه الأمير تنم بعد موت الظاهر برقوق، ~~فدام من حزبه إلى أن أمسك وقتل مع من قتل. وكان جليل المقدار، عاقلا شجاعا، ~~معدودا من رؤساء المماليك الظاهرية. وتوفي - قتيلا أيضا بقلعة دمشق في ~~التاريخ المذكور - سيف الدين يعقوب شاه الظاهري الخازندار، ثم الحاجب ~~الثاني، وأحد مقدمي الألوف بالديار المصرية وكان أيضا من خواص الملك الظاهر ~~برقوق، وأجل مماليكه، وهو أيضا ممن انضم على أيتمش وتنم. وتوفي - قتيلا ~~أيضا بقلعة دمشق - الأمير سيف الدين آقبغا الطولوتمري الظاهري، المعروف ~~باللكاش، أمير مجلس؛ وكان من جملة أمراء الألوف في دولة أستاذه الملك ~~الظاهر برقوق، ثم صار أمير مجلس، فلما ركب علي باي على الملك الظاهر أتهم ~~آقبغا هذا بممالأة علي باي في الباطن، فأخرج إلى الشام، ودام به حتى وافق ~~تنم، وقتل مع من قتل من الأمراء. وكان شجاعا مقداما، من وجوه المماليك ~~الظاهرية. وتوفي - قتيلا أيضا بقلعة دمشق - الأمير بي خجا الشرفي، المدعو ~~طيفور، نائب غزة، ثم حاجب حجاب دمشق. وهو أيضا من مماليك الظاهر برقوق، ~~وممن صار في أيامه أمير طبلخاناه، وأمير آخور ثانيا. فهؤلاء قتلوا جميعا في ~~ليلة واحدة، ومعهم جماعة أخر مثل الأمير بيغوت اليحياوي الظاهري، والأمير ~~مبارك المجنون، والأمير بهادر العثماني نائب البيرة ولم يبق من أعيان من ~~قتل في هذه الواقعة - صبرا - إلا تنم الحسني، ويونس بلطا، أخروهما حتى ~~استصفوا أموالهما، ثم قتلوهما حسبما يأتي ذكره الآن. PageV03P0433 # وتوفي - أيضا قتيلا - الأمير تنبك الحسني الظاهري، المدعو تنم، نائب ~~الشام، وقد مر من ذكره في واقعته مع الملك الناصر فرج ما فيه غنية من ~~التكرار غير أننا نذكر ms2656 مبادئ أمره وترقيه إلى انتهائه على سبيل الاختصار، ~~فنقول: هو من أعيان خاصكية أستاذه الظاهر برقوق، ثم أمره إمرة عشرة في ~~سلطنته الثانية، ثم أخرجه إلى دمشق، وجعله أتابكا بها بعد إياس الجرجاوي ثم ~~نقله بعد مدة يسيرة إلى نيابة دمشق، بعد موت الأمير كمشبغا الأشرفي ~~الخاصكي، فدام على نيابة دمشق نحو سبع سنين، إلى أن مات الظاهر. وخرج عن ~~الطاعة، وانضم عليه سائر نواب البلاد الشامية. ثم جاءه أيتمش والوالد، ~~وغيرهما من أمراء مصر، وواقع الملك الناصر على غزة، وانكسر مع كثرة عساكره ~~- خذلانا من الله - وأمسك، وحبس بقلعة دمشق، وعوقب على المال، ثم خنق في ~~ليلة الخميس رابع شهر رمضان، وخنق معه الأمير يونس الظاهري المعروف ببلطا ~~نائب طرابلس. وكان يونس أيضا من كبار المماليك الظاهرية وأمرائها. وقد ولي ~~نيابة صفد وحماة وطرابلس. إلا أنه كان ظالما جبارا متكبرا، سفاكا للدماء؛ ~~قتل بطرابلس من القضاة والعلماء والأعيان خلائق لا تدخل تحت حصر؛ وقد مر ~~ذكر هذه الوقائع كلها في أوائل ترجمة الملك الناصر فرح الأولى، فلينظر ~~هناك. وتوفي قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن علي قاضي ~~قضاة الحنفية بالديار المصرية - وهو معزول - في خامس جمادى الأولى. وكان ~~فقيها مفتنا فاضلا أفتى ودرس سنين بحلب وغيرها، إلى أن طلب إلى مصر، وولى ~~القضاء بها، إلى أن عزل لثقل بدنه من السمن، وقلة حركته؛ فإنه كان إذا طلع ~~للسلام على السلطان وجلس عنده لا يستطيع القيام إلا بعد جهد من السمن. ~~وتوفي قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم ابن قاضي القضاة ناصر الدين نصر ~~الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح الحنبلي، قاضي قضاة الديار المصرية بها ~~- وهو قاض - في ثامن شهر ربيع الأول، وتولى القضاء بعده أخوه موفق الدين ~~احمد. وتوفي المعلم شهاب الدين أحمد بن محمد الطولوني المهندس، بطريق مكة ~~في صفر، وقد توجه لعمارة المناهل بطريق الحجاز. وتوفي شيخ شيوخ خانقاة ~~سرياقوس جلال الدين أبو العباس أحمد ابن شيخ الشيوخ نظام الدين إسحاق ms2657 بن ~~عامر الأصبهاني الحنفي، بخانقاة سرياقوس، في خامس عشر شهر ربيع الآخر. ~~وتوفي الأمير الطواشي زين الدين بهادر الشهابي، مقدم المماليك السلطانية، ~~في سابع عشر شهر رجب. وكان من عظماء الخدام، وغالب أعيان مماليك الظاهر ~~برقوق من إنياته. وتوفي الشيخ المعتقد المجذوب سليم السواق القرافي ~~بالقرافة، في تاسع عشر شهر ربيع الأول. وكان للناس فيه اعتقاد، ويقصد ~~للزيارة. وتوفي الأمير سيف الدين قجماس بن عبد الله المحمدي الظاهري، شاد ~~السلاح خاناه - قتيلا - في الواقعة التي كانت بين الأتابك أيتمش وبين ~~الأمراء الذين كانوا بالقلعة. وتوفي أيضا الأمير سيف الدين قشتمر بن قجماس ~~أخو إينال باي، الأمير آخور، في ثامن شهر ربيع الأول - قتيلا - في الواقعة. ~~وتوفي الأمير سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الحسامي المنجكي بالينبع بطريق ~~الحجاز. وتوفي الأمير سيف الدين قرابغا بن عبد الله الأسنبغاوي أحد أمراء ~~الطبلخانات. كان من قدماء الأمراء بديار مصر. وتوفي الأمير جمال الدين عبد ~~الله ابن الأمير بكتمر الحاجب، في خامس عشرين شهر ربيع الآخر، بداره خارج ~~باب النصر من القاهرة. وتوفيت خوند شيرين والدة الملك الناصر فرج بن برقوق، ~~بعد مرض طويل، في ليلة السبت أول ذي الحجة، ودفنت بالمدرسة الظاهرية ~~البرقوقية بين القصرين وحضر ولدها الملك الناصر الصلاة عليها، بباب القلة ~~من القلعة، ومشى سائر أمراء الدولة وأعيانها أمام نعشها من القلعة إلى بين ~~القصرين. وكانت أم ولد للملك الظاهر برقوق، رومية الجنس، وهي بنت عم الوالد ~~وكانت من خيار نساء عصرها حشمة ورياسة وعقلا. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ثلاثة أذرع سواء. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأربعة عشر ~~إصبعا. ؟؟؟؟؟ ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الناصر فرج # ابن الظاهر برقوق - الأولى على مصر وهي سنة ثلاث وثمانمائة: ~~PageV03P0434 # فيها كان ورود تيمورلنك إلى البلاد الشامية، ومات بسيفه ولقدومه خلائق لا ~~يعلمها إلا الله تعالى كثرة، حسبما ذكرناه مفصلا. وفيها تجرد السلطان الملك ~~الناصر فرج إلى البلاد الشامية بسبب تيمورلنك - وقد مر ذلك أيضا - وهي ~~تجريدته الثانية إلى البلاد الشامية. ms2658 وفيها قتل الأمير سيف الدين سودون بن ~~عبد الله الظاهري، قريب الملك الظاهر برقوق، المعروف بسيدي سودون، نائب ~~الشام، في أسر تيمور بظاهر دمشق، ودفن بقيوعه من غير أن يتولاه. واختلفت ~~الأقوال في موتته، فمن الناس من قال: ذبحا، ومنهم من قال: ألقاه تيمور إلى ~~فيل كان معه فداسه برجله حتى مات، وكان ذلك في أواخر شهر رجب، وتولى نيابة ~~دمشق بعده الوالد، وهي نيابته الأولى على دمشق. وكان سودون المذكور قدم من ~~بلاد الجركس صغيرا مع جدته لأمه أخت الملك الظاهر برقوق، ومع خالة أمه أم ~~الأتابك بيبرس، والجميع صحبة الأمير أنص والد الملك الظاهر برقوق، فرباه ~~الظاهر ورقاه إلى أن جعله أمير آخور كبيرا بعد القبض على الأمير نوروز ~~الحافظي. ثم وقع له أمور، وقبض عليه بعد موت الملك الظاهر برقوق، وسجن ~~بالإسكندرية إلى أن أخرج بعد واقعة الأتابك أيتمش. ثم ولي نيابة دمشق بعد ~~مسك الأمير تنم الحسني نائب الشام ودام بدمشق إلى أن ورد عليه قاصد ~~تيمورلنك فوسطه، فكان ذلك أكبر الأسباب في قتله، فإن تيمور لم يقتل أحدا من ~~نواب البلاد الشامية سواه. وتوفي قاضي القضاة موفق الدين أحمد ابن قاضي ~~القضاة ناصر الدين نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح العسقلاني ~~الحنبلي، في ثامن عشر شهر رمضان وكان مشكور السيرة. ولم تطل مدته في ~~القضاء، فإنه ولى القضاء بعد أخيه برهان الدين إبراهيم في السنة الماضية. ~~وتوفي قاضي القضاة تقي الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن الحسين بن سليمان ~~بن فزارة بن بدر بن محمد بن يوسف الكفري - بفتح الكاف - الحنفي الدمشقي، ~~قاضي قضاة دمشق، في العشرين من ذي القعدة في أسر تيمور. وتوفي قاضي القضاة ~~شهاب الدين أحمد بن عبد الله النحريري المالكي، قاضي قضاة الديار المصرية، ~~وهو معزول في ثاني شهر رجب. وتوفي الأمير شهاب الدين أحمد بن عمر بن الزين، ~~والي القاهرة، في ثاني عشر شهر ربيع الأول، بعد أن ولي شد الدواوين، وولاية ~~القاهرة غير مرة. ms2659 وكان من الظلمة. وتوفي الأمير سيف الدين أسنبغا بن عبد ~~الله العلائي الدوادار الظاهري، في سادس عشر جمادى الأولى، وكان من جملة ~~الدوادارية الصغار في دولة الملك الظاهر برقوق. وتوفي الأمير زين الدين فرج ~~الحلبي نائب الإسكندرية بها، في آخر شهر ربيع الأول، وقد ولي شد الدواوين ~~بالقاهرة، ثم صار من جملة الحجاب، ثم ولي أستادارية الذخيرة والأملاك، ثم ~~ولي نيابة الإسكندرية، فدام بها إلى أن مات. وتوفي الأمير زين الدين أبو ~~بكر بن سنقر ابن أخي بهادر الجمالي، في ثالث عشر جمادى الآخرة. وكان ولي ~~الحجوبية الثانية بالديار المصرية بتقدمة ألف، وتوجه أمير حاج المحمل، ~~وتنقل في عدة وظائف، وطالت أيامه في السعادة، وهو من بيت رئاسة وإمرة. ~~وتوفي الأمير سيف الدين بجاس بن عبد الله النوروزي أحد مقدمي الألوف ~~بالديار المصرية بها - بطالا - بعد ما كبرت سنه، في ثاني عشر شهر رجب. وكان ~~لما استعفى من الإمرة بعد موت الملك الظاهر برقوق، أنعم بإقطاعه على الأمير ~~شيخ المحمودي - أعني الملك المؤيد - فرعاه أستاداره جمال الدين يوسف البيري ~~البجاسي، فعرف له ذلك الملك المؤيد شيخ لما تسلطن، وأحسن لذريته. وتوفي ~~الوزير كريم الدين عبد الكريم بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس القبطي ~~المصري، أخو الشاعر فخر الدين، في خامس عشر جمادى الآخرة، وهو معزول عن ~~الوزر. وقد ولي الوزر بالديار المصرية، ونكب وصودر غير مرة، وجمع في بعض ~~الأحيان بين وظيفتي الوزر ونظر الخاص معا. وكان سيىء السيرة، كثير الظلم ~~والرمايات. وولي مشيرا في سلطنة الملك الظاهر برقوق، ثم نكب هو وإخوته ومات ~~- بعد خطوب قاساها - يوم الثلاثاء رابع عشرين جمادى الآخرة وكان من أعاجيب ~~الزمان من الخفة، والطيش، وسرعة الحركة. يقال إنه قال لبعض حواشيه - وهو ~~نازل في موكبه بخلعة الوزارة، لما أعيد إليها، والناس بين يديه: يا فلان، ~~ما هذه الركبة غالية بعلقة مقارع. PageV03P0435 # وتوفي قاضي قضاة الديار المصرية نور الدين علي بن يوسف بن مكي الدميري ~~المالكي المعروف بابن الجلال، باللجون من طريق دمشق في ms2660 جمادى الأولى، وهو ~~مجرد صحبة السلطان. وتوفي الشيخ الإمام الفقيه سيف الدين قطلوبغا بن عبد ~~الله الحنفي، في نصف جمادى الأولى. وكان فقيها فاضلا مستحضرا لمذهبه، ~~معدودا من فقهاء الحنفية. وتوفي قاضي القضاة بحر الدين محمد بن أبي البقاء ~~الشافعي قاضي قضاة الديار المصرية، وهو معزول عن القضاء، في سابع عشرين شهر ~~ربيع الآخر. وتوفي قاضي القضاة شرف الدين محمد بن محمد الدماميني المالكي ~~الإسكندري، قاضي الإسكندرية، ثم ناظر الجيش والخاص بالديار المصرية، في ~~سابع عشرين المحرم. كان رئيسا فاضلا، ولي قضاء الإسكندرية ثم وكالة بيت ~~المال، ونظر الكسوة، ثم نظر ديوان المفرد، ثم نظر الأسواق. وولي حسبة ~~القاهرة غير مرة، ثم ولي نظر الجيش بالديار المصرية بعد موت القاضي جمال ~~الدين محمود العجمي - مضافا إلى وكالة بيت المال في سنة تسع وتسعين إلى أن ~~صرف بسعد الدين بن إبراهيم بن غراب واستمر على وكالة بيت المال - ثم أعيد ~~إلى نظر الجيش والخاص معا، فلم تطل مدته فيهما، وعزل وأعيد إليهما ابن ~~غراب، وتولى قضاء الإسكندرية، فدام بها إلى أن مات في التاريخ المذكور. ~~وتوفي قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن موسى بن محمد الملطي الحنفي، قاضي ~~قضاة الديار المصرية - وهو قاض - في تاسع عشر شهر ربيع الآخر. وكان بارعا ~~في الفقه والأصول، والعربية، وعلمي المعاني والبيان. وكان تفقه في مبادئ ~~أمره على العلامة الشيخ قوام الدين الأتراري الحنفي شارح الهداية، ثم على ~~العلامة أرشد الدين السرائي، وغيرهما بالديار المصرية ثم انتقل إلى حلب، ~~واشتغل بها أيضا إلى أن برع وأفتى ودرس، وتفقه به جماعة كبيرة من العلماء ~~إلى أن طلب إلى قضاء الديار المصرية بعد وفاة القاضي شمس الدين الطرابلسي ~~سنة ثمانمائة، فدام قاضيا إلى أن مات، وقد ناهز الثمانين سنة. وتوفي قاضي ~~قضاة الحنابلة - بدمشق - تقي الدين إبراهيم ابن العلامة شمس الدين محمد بن ~~مفلح، الحنبلي الدمشقي بها، في شعبان. وتوفي قاضي القضاة صدر الدين أبو ~~المعالي محمد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن السلمي ms2661 المناوي ~~الشافعي، قاضي قضاة الديار المصرية، وهو في أسر تيمور غريقا بنهر الزاب، ~~بعد ما مرت به محن وشدائد، بعد أن ولي قضاء الديار المصرية غير مرة. وتوفي ~~قاضي القضاة الحنفية - بدمشق - بدر الدين محمد بن محمد بن مقلد القدسي ~~الحنفي، بمدينة غزة، في شهر ربيع الأول، فارا من تيمورلنك إلى الديار ~~المصرية. وكان فاضلا بارعا، أفتى ودرس وناب في الحكم، ثم استقل بالقضاء ~~مدة. وتوفي السلطان الملك الأشرف إسماعيل ابن الملك الأفضل عباس ابن الملك ~~المجاهد علي ابن الملك المؤيد داود ابن الملك المظفر يوسف ابن الملك ~~المنصور عمر بن علي بن رسول، صاحب اليمن، في ليلة السبت ثامن عشر شهر ربيع ~~الأول، بمدينة تعز من بلاد اليمن، عن سبع وثلاثين سنة. وكان ولي سلطنة ~~اليمن بعد موت أبيه في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فدام في الملك إلى أن مات ~~في التاريخ المذكور في هذه السنة. وكان ملكا جليلا سخيا، مقبلا على أهل ~~العلم، وصنف تاريخا حسنا، وجمع كتبا كثيرة، وتولى مملكة اليمن من بعده ابنه ~~الملك الناصر أحمد. وتوفي السلطان الأعظم ملك دلي من بلاد الهند فيروز شاه ~~بن نصرة شاه وكان من أجل الملوك، ومملكته متسعة جدا، ذكر عنها القاضي شهاب ~~الدين أحمد بن فضل الله العمري، أشياء عظيمة في كتابه " مسالك الأبصار في ~~ممالك الأمصار " ، من ذلك أن له ألف مغن، وألف نديم، وذكر عن سماطه أشياء ~~خارجة عن الحد وأظن أن فيروز شاه هو حفيد الملك الذي ترجمه القاضي شهاب ~~الدين أحمد بن فضل الله. قلت: ولما سمع تيمورلنك بموت فيروز شاه بادر وتوجه ~~إلى الهند، واستولى على ممالكه حسبما تقدم ذكره في ترجمة الملك الناصر فرج ~~هذا، وقام بممالك الهند بعده ابنه محمد شاه وجميع مملكته حنفية، بل غالب ~~ممالك الهند. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا، وهي سنة تحويل. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الناصر فرج # بن برقوق - الأولى على مصر ms2662 PageV03P0436 # وهي سنة أربع وثمانمائة: فيها توفي الأمير سيف الدين جنتمر بن عبد الله ~~التركماني الطرخاني، كاشف الوجه القبلي، في صفر. كان له مع الأعراب أمور ~~ووقائع، وكان شجاعا، أبادهم وأفنى منهم خلائق إلى أن مهد بلاد الصعيد ~~وقراها. وتوفي الشيخ الإمام المقرىء فخر الدين عثمان بن عبد الرحمن بن ~~عثمان البلبيسي الشافعي، الضرير، إمام جامع الأزهر، وشيخ القراءات، في ثاني ~~ذي القعدة. وتوفي الشيخ سيف الدين لاجين بن عبد الله الجركسي، في شهر ربيع ~~الآخر، عن ثمانين سنة. وكان معظما عند طائفة الجراكسة يزعمون أنه يملك ~~الديار المصرية، ويشيعون ذلك، ولأجله هرب جماعة من الأمراء من دمشق في ~~واقعة تيمور، وعادوا إلى الديار المصرية ليسلطنوه، فكان ما حصل على أهل ~~الشام من تيمور بسبب هذا المشؤوم الطلعة. وكان لاجين المذكور لا يكتم ذلك، ~~بل كان يعد الناس أنه إذا ملك مصر يبطل الأوقاف التي على المساجد والجوامع، ~~ويحرق كتب الفقه، ويعاقب الفقهاء، ويولى بمصر قاضيا واحدا من الحنفية. وهو ~~من الأتراك لا من الفقهاء، فسلبه الله ما أمله قبل أن يتأمر عشرة، بل مات ~~وهو على جنديته. وكان يتمعقل ويدعي العرفان، مع جهل مفرط، وخفة عقل، وهو مع ~~ذلك مقبول الكلام عند الطائفة إلى الغاية، وببعض كلامه يتمثل بعضهم إلى ~~يومنا هذا. وممن أدركناه من أتباعه سودون الفقيه حمو الملك الظاهر ططر، ~~وسودون الأعرج الظاهري، وطرباي الأتابك نائب طرابلس، وكانوا يحكون عنه ~~أمورا يقصدون بذلك تعظيمه، لو تأملوها لعلموا أنه رفع عنه وعنهم القلم. ~~وتوفي الشيخ المعتقد الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن الناصح في ~~سابع عشر شهر رمضان، ودفن بالقرافة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع وأربعة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الناصر فرج # بن برقوق - الأولى على مصر وهي سنة خمس وثمانمائة: فيها كانت وقعة ~~تيمورلنك مع أبي يزيد بن عثمان متملك بلاد الروم - وقد مر ذكر ذلك - وأسره ~~تيمور ومات في ms2663 أسره. وفيها توفي قاضي القضاة تاج الدين بهرام بن عبد الله ~~بن عبد العزيز الدميري المالكي، في يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة، عن ~~سبعين سنة، وقد انتهت إليه رئاسة السادة المالكية في زمانه. وتوفي شيخ ~~الإسلام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح - وصالح أول من ~~سكن بلقينة - ابن شهاب بن عبد الخالق بن مسافر بن محمد البلقيني الشافعي، ~~في يوم الجمعة، عاشر ذي القعدة، وصفي عليه بجامع الحاكم، ثم دفن بمدرسته ~~التي أنشأها تجاه داره بحارة بهاء الدين قراقوش من القاهرة. ومولده ~~ببلقينة، في ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة. وأجاز ~~له من دمشق الحافظ أبو الحجاج المزي، والحافظ الذهبي، والمسند أحمد بن ~~الجزري - في آخرين - ثم حفظ المحرر في الفقه، والكافية لابن مالك في النحو، ~~ومختصر ابن الحاجب في الأصول، والشاطبية في القراءات وأقدمه أبوه إلى ~~القاهرة، وله اثنتا عشرة سنة، وطلب العلم واشتغل على علماء عصره، مثل: أثير ~~الدين أبي حيان، وأبي الثناء محمود الأصبهاني، وتفقه بجماعة كثيرة، وبرع في ~~الفقه وأصوله، والعربية والتفسير، وغير ذلك، وأفتى ودرس سنين، وانفرد في ~~أواخر عمره برئاسة مذهبه. وولي إفتاء دار العدل، ودرس بزاوية الشافعي ~~المعروفة بالخشابية من جامع عمرو بن العاص، وولى قضاء دمشق في سنة سبع ~~وتسعين وسبعمائة عوضا عن تاج الدين عبد الوهاب السبكي، فباشر مدة يسيرة، ثم ~~تركه وعاد إلى مصر واستمر بمصر يقرىء ويشتغل ويفتي بقية عمره، وانتفع به ~~عامة الطلبة إلى أن مات. وقد استوعبنا ترجمته في المنهل الصافي بأوسع من ~~هذا - فلينظر هناك. وتوفي شيخ الشيوخ بدر الدين حسن بن علي بن الأمدي خارج ~~القاهرة، في أول شعبان. وكان يعتقد فيه الخير، ويقصد للزيارة. وتوفي السيد ~~الشريف عنان بن مغامس بن رميثة المكي الحسني بالقاهرة، في أول شهر ربيع ~~الأول. PageV03P0437 # وتوفي الأمير سيف الدين آقباي بن عبد الله الكركي الظاهري، ~~الخازندار،وأحد مقدمي الألوف، المعروف بالطاز، في ليلة السبت رابع عشر ~~جمادى الأولى بعد مرض طويل، ودفن ms2664 بالحوش الظاهري بالصحراء. وهو أحد ~~المماليك الصغار الأربعة الذين توجهوا صحبة الملك الظاهر برقوق إلى سجن ~~الكرك، ولذلك سمي بالكركي. وكان من الأشرار، كثير الفتن، وقد مر من ذكره ~~نبذة كبيرة في ترجمة الملك الناصر فرج. هذا وكان بينه وبين سودون طاز ~~الأمير آخور الكبير عداوة، فكان يقول له: أنت طاز وأنا طاز ما تسعنا مصر، ~~فأراح الله الناس منهما في مدة يسيرة. وتوفي الأمير سيف الدين يلبغا ~~السودوني حاجب حجاب دمشق، وتولى الحجوبية من بعده الأمير جركس المعروف ~~بوالد تنم الحسني: نقل إليها من حجوبية طرابلس. وتوفي الأمير سيف الدين ~~قرقماس الإينالي الرماح - قتيلا بدمشق - في أواخر شهر رمضان، بأمر السلطان. ~~وكان أصله من مماليك الأتابك إينال اليوسفي، وصار من بعده أميرا بديار مصر ~~من جملة الطبلخانات، وكان رأسا في لعب الرمح ووقع له أمور بديار مصر حتى ~~أخرجه السلطان الملك الناصر منها إلى دمشق، على إقطاع الأمير صرق، فثار ~~بدمشق أيضا وهرب منها، فقبض عليه عند مدينة بعلبك فقتل بها في عدة مماليك ~~أخر. وتوفي خوند كار أبو يزيد بن مراد بك بن أورخان بن عثمان ملك الروم ~~وصاحب برصا، في أسر تيمور - بعد أن واقعه - ومات في ذي القعدة وكان من أجل ~~ملوك بني عثمان حزما وعزما وجلالة وشجاعة وإقداما. وقد تقدم ذكر واقعته مع ~~تيمور في ضمن ترجمة الملك الناصر. هذا وكان أبو يزيد هذا يعرف بيلدرم ~~بايزيد، ويلدرم هو باللغة التركية اسم للبرق، وهو بكسر الياء آخر الحروف، ~~وسكون اللام، وكسر الدال المهملة، والراء المهملة، وسكون الميم - انتهى. ~~وتوفي قاضي قضاة المالكية - بدمشق - علم الدين محمد القفصي المالكي، في ~~حادي عشر المحرم. وكان من فضلاء المالكية. وتوفي السلطان محمود خان، وكان ~~يعرف بصرغتمش، الذي كان تيمورلنك يدير مملكته، وليس له من الأمر مع تيمور ~~إلا مجرد الاسم فقط. وهو من ذرية جنكز خان، ولهذا كان سلطنه تمر وصار مدبر ~~مملكته، لكون القاعدة عند التتار لا يتسلطن إلا من يكون من ذرية الملوك. ~~وتوفي الأمير شهاب ms2665 الدين أحمد ابن الوزير ناصر الدين محمد بن رجب، أحد ~~أمراء العشرات بديار مصر. وتوفي سيف الدين سودون بن عبد الله بن علي بك ~~الظاهري، الأمير آخور الكبير، المعروف بسودون طاز، أحد أعيان المماليك ~~الذين مر ذكرهم في عدة مواضع، لا سيما واقعته مع يشبك، ففيها ذكرنا أحواله ~~مفصلا قتل في سجن المرقب بالبلاد الشامية بعد ما نقل إليها من سجن ~~الإسكندرية. وكان سودون طاز رأسا في لعب الرمح، يضرب بقوة طعنه، وشدة ثباته ~~على فرسه المثل. وأما سرعة حركته، وحسن تسريحه لفرسه في ميادين اللعب ~~بالرمح، فإليه المنتهى في ذلك. وكان أحد الأشرار الذين يثيرون الفتن ~~والوقائع وقد مر من ذكره ما فيه كفاية عن ذكره هنا ثانيا. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ذراعان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا سواء. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الناصر فرج # بن برقوق - الأولى على مصر وهي سنة ست وثمانمائة: فيها توفي قاضي القضاة ~~ناصر الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الصالحي الشافعي، قاضي قضاة ~~الشافعية بالديار المصرية - وهو قاض - في يوم الأربعاء ثاني عشر المحرم ~~بالقاهرة. وكان رئيسا نبيلا كريما كثير البر والإحسان، إلا أنه كانت بضاعته ~~مزجاة من العلم. وتوفي شمس الدين محمد بن البخانسي الصعيدي، محتسب القاهرة، ~~في يوم الثلاثاء رابع جمادى الأولى، بعد أن ولي حسبة القاهرة غير مرة ~~بالسعي والبذل. PageV03P0438 # وتوفي الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن أبي بكر العراقي ~~الشافعي، شيخ الحديث بالديار المصرية، في يوم الأربعاء ثامن شعبان بها ~~ومولده في سنة خمس وعشرين وسبعمائة وسمع الكثير ورحل في البلاد، وألف وصنف ~~وأملى سنين كثيرة وكان ولي قضاء المدينة النبوية، وعدة تداريس، وانتهت إليه ~~رئاسة علم الحديث في زمانه. ومن شعره فيمن كان يشبه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنشدنا حافظ العصر شهاب الدين أحمد بن حجر - إجازة - أنشدنا الحافظ ~~زين الدين عبد الرحيم العراقي رحمه الله تعالى - إجازة إن لم يكن سماعا: ~~وسبعة شبهوا بالمصطفى قسما ... لهم بذلك ms2666 قدر قد زكا ونما سبط النبي، أبو ~~سفيان، سائبهم ... وجعفر وابنه، ذو الجود، والقثما وله بالسند في الصحابة ~~العشرة المشهود لهم بالجنة فقال: وأفضل أصحاب النبي مكانة ... ومنزلة من ~~بشروا بجنان سعيد، زبير، سعد، عثمان، عامر ... علي، ابن عوف، طلحة، العمران ~~وقد استوعبنا مسموعه ومصنفاته في المنهل الصافي، حيث هو محل الإطناب.س ~~وتوفي الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله الرمضاني الظاهري، أحد أمراء ~~الطبلخانات بديار مصر، في ليلة الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول. وكان من ~~أعيان المماليك الظاهرية. وتوفي الأمير سيف الدين قطلوبك بن عبد الله، ~~أستادار الأمير الكبير أيتمش البجاسي، في يوم الأربعاء سابع شهر ربيع ~~الآخر. كان ولي أستادارية السلطان في بعض الأحيان مدة يسيرة، فلم ينجح ~~أمره، وعزل وعاد إلى حاله أولا. وكان له ثروة ومال، غير أنه لم يعظم إلا ~~بصهارته لسعد الدين بن غراب. وتوفي التاجر برهان الدين إبراهيم بن عمر بن ~~علي المحلي المصري، التاجر المشهور بكثرة المال، في يوم الأربعاء ثاني ~~عشرين شهر ربيع الأول. وتوفي الأمير شهاب الدين أحمد ابن الأمير شيخ علي، ~~في ذي القعدة بدمشق، بعد ما ولى نيابة صفد وغيرها، ثم صار أمير مائة، ومقدم ~~ألف بدمشق حتى مات وكان من أعيان الأمراء. وتوفي القاضي علاء الدين علي بن ~~خليل الحكري الحنبلي، في يوم السبت ثامن المحرم. وتوفي الأمير سيف الدين ~~آقبغا الجمالي الظاهري، المعروف بالأطروش والهيدباني، نائب حلب بها، في ~~ليلة الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة وكان من أعيان المماليك الظاهرية - ~~برقوق - وممن صار في دولة أستاذه حاجب حجاب حلب، ثم ولي نيابة صفد، ثم ولي ~~نيابة طرابلس بعد الأمير دمرداش المحمدي، بحكم توجه دمرداش أتابكا بحلب،ثم ~~نقله الملك الظاهر إلى نيابة حلب بعد موت أرغون شاه الإبراهيمي، في سنة ~~إحدى وثمانمائة ودام على نيابة حلب إلى أن خرج تنم نائب الشام عن طاعة ~~الملك الناصر، فوافقه آقبغا هذا، وصار من حزبه، إلى أن قبض عليه مع من قبض ~~عليه من الأمراء وحبس مدة ثم أطلق ms2667 ولي نيابة طرابلس ثانيا بعد الأمير شيخ ~~المحمودي، بحكم أسره مع تيمور، فلم يتم أمره، وأعيد شيخ إلى نيابة طرابلس ~~واستقر آقبغا هذا أتابكا بدمشق مدة، ثم ولي نيابة دمشق بعد الوالد، بحكم ~~خروجه من دمشق إلى حلب، فلم تطل أيامه بدمشق، وعزل بالأمير شيخ المحمودي ~~وتوجه - بطالا - إلى القدس، إلى أن أعيد إلى نيابة حلب بعد دقماق المحمدي، ~~فتوجه إليها، وأقام بها إلى أن مات في التاريخ المذكور. وتوفي الأمير سيف ~~الدين دمشق خجا بن سالم الدوكاري التركماني نائب قلعة جعبر - قتيلا بيد ~~الأمير نعير بن حيار - في سابع عشر شهر رمضان. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد ~~بن مبارك شيخ الرباط النبوي - المعروف بالآثار - في المحرم. وتوفي الشيخ ~~محمد بن علي بن عبد الله الشمسي المعروف بالحرفي في شوال من السنة وكان ~~عالما بعلم الحرف، وله مشاركة في غيره. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وثلاثة عشر ~~إصبعا، والوفاء خامس توت. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الناصر فرج # بن برقوق - الأولى على مصر وهى سنة سبع وثمانمائة: فيها كان الشراقي ~~العظيم بالديار المصرية. وفيها كانت واقعة السعيدية بين الملك الناصر فرج ~~صاحب الترجمة، وبين يشبك، وشيخ، وجكم، وقرا يوسف، حسبما تقدم ذكره. ~~PageV03P0439 # وفيها توفي الشيخ الإمام العالم عبيد الله الأردبيلي الحنفي، في آخر شهر ~~رمضان وكان من الفضلاء، معدودا من فقهاء الحنفية. وتوفي الوزير الصاحب بدر ~~الدين محمد بن محمد الطوخي، وزير الديار المصرية. تنقل في الخدم الديوانية ~~حتى ولي ناظر الدولة ثم نقل إلى الوزر سنة تسع وتسعين بعد مسك ابن البقري، ~~وتولى بعده نظر الدولة سعد الدين الهيصم ثم باشر الوزر بعد ذلك غير مرة ~~ووقع له أمور ومحن إلى أن مات - بطالا - في هذه السنة. وتوفي الأمير سيف ~~الدين قاني باي بن عبد الله الظاهري، رأس نوبة، وأحد أمراء العشرات بديار ~~مصر، في يوم الخميس أول جمادى الآخرة. وكان من خاصكية الملك الظاهر برقوق ~~الصغار. وتوفي ms2668 الشيخ الإمام العالم الفقيه عبد المنعم بن محمد بن داود ~~البغدادي الحنبلي ثم المصري بها، في يوم السبت ثامن عشر شوال وقد انتهت ~~إليه رئاسة مذهب الإمام أحمد بن حنبل، بعدما كتب على الفتوى، ودرس عدة سنين ~~وكان لما قدم من بغداد إلى الديار المصرية تفقه بقاضي القضاة موفق الدين ~~الحنبلي، وهو جد صاحبنا قاضي القضاة بدر الدين محمد بن محمد بن عبد المنعم ~~- رحمه الله. وتوفي القاضي ناصر الدين محمد بن صلاح الدين صالح الحلبي، ~~الموقع الشافعي، المعروف بابن السفاح، موقع الأمير يشبك الشعباني الدوادار، ~~في يوم الثلاثاء ثاني عشرين المحرم. وتوفي الشيخ نور الدين علي ابن الشيخ ~~الإمام سراج الدين عمر البلقيني، في يوم الاثنين سلخ شعبان فجاءة بمدينة ~~بلبيس، وحمل منها إلى القاهرة، ودفن بتربة الصوفية، خارج باب النصر عند ~~أبيه وكان مولده في شوال سنة ثمان وستين وسبعمائة وكان بارعا في الفقه ~~والعربية، ودرس بعد موت أبيه بعدة مدارس. وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن ~~عباس بن محمد بن حسين بن محمود بن عباس الصلتي، في مستهل جمادى الأولى، ~~بعدما ولي القضاء بعدة بلاد من معاملة دمشق وغيرها: ولي قضاء بعلبك، وحمص، ~~وغزة، وحماة، ثم عمل مالكيا وولي قضاء المالكية بدمشق، ثم ترك ذلك بعد مدة ~~وولي قضاء الشافعية بدمشق ولم تحمد سيرته في مباشرته القضاء؛ وكيف تحمد ~~سيرته وهو ينتقل في كل قليل إلى مذهب لأجل المناصب! فلو كان يرجع إلى دين ~~ما فعل ذلك، ومن لم يحترز على دينه يفعل ما يشاء. قلت - والشيء بالشيء يذكر ~~- وهو أنني اجتمعت مرة بالقاضي كمال الدين بن البارزي، كاتب السر الشريف ~~بالديار المصرية - رحمه الله تعالى - فدفع إلي كتابا من بعض أهل غزة، ممن ~~هو في هذه المقولة، فوجدت الكتاب يتضمن السعي في بعض وظائف غزة، وهو يقول ~~فيه: " يا مولانا، المملوك منذ عزل من الوظيفة الفلانية بغزة خاطره مكسور، ~~والمسؤول من صدقات المخدوم أن يوليه قضاء الشافعية بغزة، فإن لم يكن فقضاء ~~الحنفية، فإن لم يكن ms2669 فقضاء المالكية، وإلا فقضاء الحنابلة " . فكتبت على ~~حاشية الكتاب بخطي: فإن لم يكن، فمشا علي ملك الأمراء - انتهى. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ذراع واحد وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشر ~~ذراعا وثلاثة أصابع. /سلطنة المنصور عبد العزيز السلطان الملك المنصور عز ~~الدين عبد العزيز ابن السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبي سعيد برقوق ابن ~~الأمير أنص العثماني، سلطان الديار المصرية وهو السلطان السابع والعشرون من ~~ملوك الترك بالديار المصرية، والثالث من الجراكسة تسلطن بعهد من أبيه له ~~بعد أخيه الملك الناصر فرج، وباتفاق الأمراء من أعيان مماليك أبيه، بعد ما ~~اختفى أخوه الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق، بعد عشاء الآخرة من ~~ليلة الاثنين سادس عشرين شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة، وقد ناهز ~~الاحتلام، بعد أن حضر الخليفة والقضاة والأعيان من الأمراء وطلب عبد العزيز ~~من الدور السلطانية إلى الإسطبل السلطاني، وبويع بالسلطنة، وفوض عليه ~~الخلعة الخليفتية، وركب فرس النوبة في الفوانيس والشموع، والأمراء مشاة بين ~~يديه حتى طلع إلى القصر وجلس على تخت الملك، وقبلت الأمراء الأرض بين يديه، ~~ولقب بالملك المنصور أبي العز عبد العزيز ودقت البشائر على العادة. وأصبح ~~نودي من الغد بالأمان والدعاء للسلطان الملك المنصور عبد العزيز. وأم الملك ~~المنصور هذا أم ولد تترية، تسمى قنق باي، صارت خوند بسلطنة ولدها هذا، ~~وعاشت إلى حدود سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. PageV03P0440 # ولما تسلطن الملك المنصور هذا في الليلة المذكورة، أصبح الناس في هدوء ~~وأمان وتحيرت الناس في أمر السلطان الملك الناصر فرج، ولم يشك أحد من أن ~~الوالد أخذه ومضى إلى البلاد الشامية، لأنه كان عقد على الأخت قبل تاريخه ~~بمدة يسيرة ولم يدخل بها، فاطمأن بذلك قلب من هو من أصحاب الملك الناصر. ~~وكان ممن اختفى بعد خروج الوالد من مصر من أعيان الأمراء، دمرداش المحمدي ~~نائب حلب، والأمير بيغوت ، وهم كثير من حواشي الملك الناصر فرج باللحاق ~~بهما إلى البلاد الشامية، لولا أن أشاع آخرون قتل الملك الناصر المذكور ثم ms2670 ~~أشيع بعد ذلك أنه اختفى بالقاهرة وأعرض أكابر الأمراء عن الفحص في أخبار ~~الملك الناصر، والتفتيش عليه. وقام بتدبير مملكة الملك المنصور، القاضي سعد ~~الدين إبراهيم بن غراب، وهو يوم ذاك كاتب سر مصر، وصار الملك المنصور تحت ~~كنف أمه، ليس له من السلطنة سوى مجرد الاسم فقط، وهي كثيرة التخوف عليه من ~~أخيه الملك الناصر فرج وكانت امتنعت عن سلطنته، وحجبته عن الأمراء حين ~~طلبوه للسلطنة، حتى أخذ منها بحيلة، دبروها عليها واستقر الأمير بيبرس ~~الصغير لالا السلطان الملك المنصور. ثم في يوم الخميس تاسع عشرين ربيع ~~الأول المذكور، عملت الخدمة بالإيوان من قلعة الجبل على العادة، وجلس الملك ~~المنصور على تخت الملك، وحضر الأمراء، والقضاة، وسائر أعيان الدولة. وخلع ~~الملك المنصور على جماعة كبيرة من الأمراء باستمرارهم على وظائفهم، وبتجديد ~~وظائف أخر فخلع على بيبرس الكبير، باستقراره أتابك العساكر على عادته، وعلى ~~الأمير آقباي باستقراره أمير سلاح على عادته، وعلى سودون الطيار باستقراره ~~على عادته أمير مجلس وعلى سودون تلي المحمدي الأمير آخور باستمراره على ~~عادته، وعلى بشباي رأس نوبة النوب على عادته، وعلى الأمير أرسطاي حاجب ~~الحجاب على عادته، وعلى سودون المارداني الدوادار الكبير على عادته، وعلى ~~سعد الدين بن غراب على عادته كاتب السر، وعلى أخيه فخر الدين ماجد وزيرا ~~على عادته، وعلى فخر الدين ماجد بن المزوق ناظر الجيش على عادته، وعلى جمال ~~الدين يوسف البيري الأستادار على عادته وأنعم بإقطاعات الأمراء المنهزمين، ~~مثل الوالد وغيره، على الأمير إينال باي بن قجماس، ومن كان قدم من الحبوس. ~~وأخذ من هذا اليوم أمر يشبك الشعباني الدوادار كان ورفقته يضعف،وأمر ~~الأتابك بيبرس ورفقته يقوى، حتى صار يشبك والأمراء يطلعون إلى بيبرس ~~ويأكلون على سماطه، وإذا كان لهم حاجة سألوا بيبرس فيها، ولم يعهدوا قبل ~~ذلك لبيبرس في الدولة كلاما فعز ذلك على يشبك وحاشيته إلى الغاية، وندموا ~~على ما وقع منهم في حق الملك الناصر فرج، وتساعوا في عوده، ولم يعرفوا ~~للناصر خبرا. كل ذلك وسعد الدين ms2671 بن غراب لا يعرف أحدا بأمر الملك الناصر ~~فرج، لكنه يدبر في إخراجه، وعوده إلى ملكه من حيث لا يعلم بذلك أحد وأخذ ~~يدبر أيضا على قبض إينال باي بن قجماس في الباطن، فلم يتم له ذلك، لكثرة ~~حاشيته وعصبته، واضطراب الدولة، وعدم اجتماع الكلمة في واحد بعينه. ثم في ~~يوم الأربعاء ثامن عشر شهر ربيع الآخر، أفرج عن فتح الدين فتح الله كاتب ~~السر كان على أنه يحمل خمسمائة ألف درهم، ثمنها يوم ذاك ثلاثة الأف وثلاثة ~~وثلاثون مثقالا ذهبا وثلث مثقال. كل ذلك والدولة غير مستقيمة، وأحوال الناس ~~متوقفة، لترقبهم وقوع فتنة غير أن أخبار الناصر لا تظهر، مع علمهم أنه مختف ~~بالقاهرة، لما يظهر من أمر بيبرس ورفقته من الاحتراز من الناصر، وإصلاح أمر ~~الملك المنصور عبد العزيز فيما يثئت به ملكه. PageV03P0441 # ثم في حادي عشر جمادى الأولى، توجه الطواشي شاهين الحسني، رأس نوبة ~~الجمدارية، ولالا السلطان الملك المنصور، ومعه نحو عشرة أنفس، إلى البلاد ~~الشامية لإحضار الأمير شيخا المحمودي الساقي نائب الشام كان إلى الديار ~~المصرية وكان يوم ذاك الأمير نوروز الحافظي ولي نيابة الشام عوضا عن شيخ ~~المذكور، وخرج لقتال شيخ وكسره، وحصره بقلعة الصبيبة ولإحضار الأمير جكم من ~~عوض نائب حلب. ثم ورد كتاب الأمير شيخ المذكور، وكتاب جكم أيضا إلى الديار ~~المصرية بعد ذلك بعشرة أيام، يخبران بأنهما حاربا الأمير نوزوزا الحافظي ~~وهزماه، وأنه لحق بطرابلس، وأنهما دخلا دمشق وأقاما بها أياما. ثم إن جكم ~~خرج من دمشق لقتال نوروز الحافظي بطرابلس، وتبعه شيخ فلما بلغ نوروزا ذلك ~~خرج من طرابلس إلى حماة ونزل جكم وشيخ على حمص ثم سارا إلى طرابلس، ففر ~~منها نائبها الأمير بكتمر جلق، فوصل جكم وشيخ إلى طرابلس، وبلغ الأمير علان ~~جلق نائب حلب نزول نوروز وبكتمر جلق إلى حماة، فخرج بعساكره من حلب، وقدم ~~عليهما ووافقهما على قتال جكم وشيخ. ولما وصل هذا الخبر إلى الديار ~~المصرية، عظم على الأتابك بيبرس وحاشيته انهزام نوروز من جكم وشيخ ms2672 إلى ~~الغاية، وسر بذلك يشبك وحاشيته في الباطن وكثر قلق يشبك وأصحابه من الأمراء ~~على الملك الناصر فرج، لاسيما لما مرض الملك المنصور عبد العزيز في يوم ~~الثلاثاء أول جمادى الآخرة. فلما رأى سعد الدين إبراهيم بن غراب أمر يشبك ~~الشعباني في إدبار عز عليه ذلك، لأن يشبك المذكور كان هو الذي أقامه بعد ~~موت الملك الظاهر برقوق، وقام بمساعدته أعظم قيام، حتى كان من أمر ابن غراب ~~ما كان. فعند ذلك أعلمه ابن غراب بأمر الملك الناصر مفضلا، وأنه عنده مقيم ~~من يوم تسحب من قلعة الجبل، وقال له: أي وقت تشتهي الاجتماع به فعلت لك ذلك ~~فسر يشبك بذلك غاية السرور، وأعلم إخوته وحواشيه بما وقع، وأخذ من يومه في ~~تدبير أمر الملك الناصر فرج، وظهوره وعوده إلى ملكه في الباطن، حتى استحكم ~~أمرهم. ووافق ذلك مرض الملك المنصور عبد العزيز، فقويت حركتهم، وكثرت ~~القالة بين الناس في أمر الملك الناصر وعوده إلى الملك، وتحقق كل أحد أنه ~~مقيم بالديار المصرية، وصارت أخباره تأتي يشبك وأصحابه مياومة ومساعاة، هذا ~~بعد أن اجتمع عليه يشبك وغيره من الأمراء في الليل غير مرة، وواعدوه، ~~وترددوا إليه في أماكن عديدة كل ذلك وبيبرس ورفقته لا يعرفون ما الخبر، بل ~~يتحققون أنه مقيم بالقاهرة لا غير، وأن له عصبية كبيرة من الأمراء، ومع ذلك ~~قلوبهم مطمئنة أن القلعة بيدهم والسلطان عندهم، وأن الناصر أمره تلاشي ~~واضمحل. فلما كان يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة من سنة ثمان وثمانمائة ~~المذكورة، سعى المماليك بعضهم إلى بعض، وكثر هرجهم، وعادت خيول كثيرة من ~~الربيع، وصاروا يركبون جمعا كبيرا ويتسارون بالكلام. وبلغ ذلك بيبرس ~~ورفقته، فأمرهم بيبرس وإينال باي بن قجماس بالفحص عن أخبارهم فخرج جماعة ~~كبيرة منهم وداخلوا المماليك المذكورة في كلام الناصر، فلم يقفوا له على ~~خبر، وعفي عليهم جميع أحوال الملك الناصر غير أنهم علموا أن الملك الناصر ~~يريد الظهور والعود إلى الملك، فاضطرب أمرهم، وحرضوا بعضهم بعضا على قتاله ~~إن خرج وتهيأوا لذلك، ms2673 وحصنوا القلعة، وطلبوا جماعة كبيرة من المماليك ~~السلطانية، ووعدوهم بالأمريات والإقطاعات والوظائف، وحذروهم من عود الملك ~~الناصر إلى الملك، أنه لا يبقي على أحد منهم، وتواصوا على القيام مع الملك ~~المنصور عبد العزيز وإتمام أمره، كل ذلك وأحوالهم مفلولة، لعدم أهلية بيبرس ~~بتنفيذ الأمور، ومعرفة الحروب، والقيام بأعباء الملك، لانهماكه في اللذات، ~~لانعكافه على اللهو والطرب عمره كله، لا يميل لغير ذلك ومنذ مات خاله الملك ~~الظاهر برقوق لم يدخل بنفسه في أمر غير هذا المعنى المذكور، ولسان حاله ~~ينشد ويقول: موشح،. خلي الملوك تسطو بالملك والسلاح ... إني قنعت منهم ~~بالراح والملاح PageV03P0442 # قلت: وليته دام على ما كان عليه من لهوه وطربه، ولم يدخل بنفسه في هذه ~~المضايق التي ذهبت فيها روحه، وأما رفيقه إينال باي فإنه كان فيه طيش وخفة ~~مع عدم تدبير ومعرفة وأيضا لو علم ذلك كله، لم يكن أهلا إلى القيام بمثل ~~هذا لأمر، مع وجود من هو أعظم منه في النفوس، وأكبر منه قدرا، وهم جماعة ~~كبيرة لهذا كله لم ينتج أمرهم، وزال ملك الملك المنصور عبد العزيز بعد ما ~~كان تم أمره، وقطع الناصر آماله من الملك. واستمر الأمر على ذلك، وباتوا ~~ليلة السبت المذكورة، والحال على ما هو عليه، إلى أن كان نصف الليل، فخرج ~~الملك الناصر فرج بن برقوق من بيت القاضي سعد الدين إبراهيم بن غراب، كاتب ~~السر، في جماعة كبيرة، من غير تستر، بل في موكب عظيم سلطاني، ومضى بعساكره ~~إلى بيت الأمير سودون الحمزاوي ونزل به، وأرسل استدعى الأمراء والمماليك ~~السلطانية وتسامعت به الناس، فأتوه من كل فج بالسلاح وآلة الحرب ثم لبس ~~الملك الناصر سلاحه ركب في أمرائه وعساكره، وقصد قلعة الجبل، وقد استعد ~~بيبرس وإينال وغيرهما من الأمراء الذين بالقلعة لقتاله، وحصنوا القلعة. ~~فلما حضر إليها الملك الناصر في بعساكره ناوشوه بالقتال، ورموا عليه، ~~وتقاتل الفريقان قتالا ليس بذاك فلما رأى الملك الناصر أمر أهل القلعة ~~مفلولا، توجه إلى نحو باب القلعة، وكان به الأمير صوماي الحسني ms2674 الظاهري رأس ~~نوبة قد وكل بباب المدرج. فعندما رأى صوماي الملك الناصر فتح له باب ~~القلعة، فطلع منه الملك الناصر بأمرائه، وملك القلعة، وجلس بالقصر ~~السلطاني. هذا وبيبرس وإينال باي يقاتلان أمراء السلطان من باب السلسلة من ~~الإسطبل السلطاني. فبينما هم في ذلك، وإذا بالرمي عليهم من القصر، فالتفتوا ~~وإذا بالناصر جالس بالقصر السلطاني، فلم يثبت بيبرس عند ذلك ساعة واحدة، ~~وانهزم من وقته، ونزل بمن معه فارا إلى خارج القاهرة. فأرسل السلطان في ~~أثره الأمير سودون الطيار أمير مجلس في جماعة، فأدركه خارج القاهرة، فلم ~~يدفع عن نفسه، فقبض عليه سودون الطيار، وأتى به إلى الملك الناصر، فقيد في ~~الحال، وأرسل إلى الإسكندرية، فسجن بها واختفى إينال باي، وسودون ~~المارداني. وطلب السلطان الملك الناصر فرج أخاه السلطان الملك المنصور عبد ~~العزيز، وطيب خاطره، وأرسله إلى أمه بالدور السلطانية. وتم أمر الملك ~~الناصر، وأعيد إلى ملكه بعد أن خلع من الملك هذه المدة وزال ملك الملك ~~المنصور كأنه لم يكن فكانت مدة سلطنة الملك المنصور عبد العزيز المذكور على ~~مصر شهرين وعشرة أيام، ليس له فيها إلا مجرد الاسم لا غير، وأقام المنصور، ~~عند أمه بالدور السلطانية من قلعة الجبل إلى أن أخرجه أخوه الملك الناصر ~~فرج إلى ثغر الإسكندرية، ومعه أخوه إبراهيم ابن الملك الظاهر برقوق، صحبة ~~الأمير قطلوبغا الحسني الكركي، والأمير إينال حطب العلائي، في حادي عشرين ~~صفر من سنة تسع وثمانمائة المذكورة فأقام الملك المنصور عبد العزيز المذكور ~~وأخوه إبراهيم بالإسكندرية مدة يسيرة، ومرضا معا، فمات الملك المنصور هذا ~~في ليلة الاثنين سابع شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثمانمائة المذكورة بعد أن ~~لزم الفراش واحدا وعشرين يوما، ومات أخوه إبراهيم بعده في ليلته، فاتهم ~~الملك الناصر أنه أمر باغتيالهما بالسم قبل سفره إلى الشام حسبما يأتي ~~ذكره. قلت: لا يبعد ذلك من وجوه عديدة ليس لإبدائها محل - والله أعلم. ### | AUT سلطنة الناصر فرج الثانية # ولما كان صبيحة يوم السبت خامس جمادى الآخرة، طلع الملك الناصر فرج ms2675 إلى ~~قلعة الجبل وملكها، وقبض على الأتابك بيبرس، ثم على من يأتي ذكره ثم طلب ~~الخليفة والقضاة فحضروا وجددت له بيعة السلطنة ثانيا، وثبت خلع الملك ~~المنصور عبد العزيز، وتسلطن وعاد إلى ملك مصر وخلع على الخليفة والقضاة، ~~وتم أمره، وانفض الموكب، ونزل الجميع إلى دورهم، وسكن أمر الناس. ~~PageV03P0443 # فلما كان يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة المذكورة، خلع السلطان على ~~الأمير يشبك الشعباني الظاهري الدوادار كان باستقراره أتابك العساكر ~~بالديار المصرية، عوضا عن بيبرس ابن أخت السلطان الملك الظاهر برقوق، وخلع ~~على الأمير سودون الحمزاوي الظاهري باستقراره دوادارا كبيرا، عوضا عن سودون ~~المارداني وعلى الأمير جركس القاسمي المصارع باستقراره أمير آخور كبيرا، ~~عوضا عن سودون تلي المحمدي ثم أمسك السلطان الأمير جارقطلو رأس نوبة وقاني ~~باي أمير آخور وآقبغا رأس نوبة والثلاثة أمراء عشروات، وأمسك بردبك وصمغار ~~رأس نوبة أحد أمراء الطبلخانات ثم خلع على القاضي سعد الدين إبراهيم ابن ~~غراب، واستقر رأس مشورة، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار ~~المصرية، وصار أميرا بعدما كان مباشرا، ولبس الكلفتاه، وتقلد بالسيف وكان ~~في أمسه قد ركب مع السلطان الملك الناصر بقرقل وعليه آلة الحرب كاملا، وصار ~~بعد من جملة المقاتلين، وتزيا بزي الأتراك وطلع إلى الخدمة من جملة ~~الأمراء، ثم نزل إلى داره بقماش الموكب على عادة الأمراء فلم يركب بعدها، ~~ولزم الفراش حتى مات، حسبما يأتي ذكره في محله. وخلع السلطان على فخر الدين ~~ماجد بن المزوق ناظر الجيش باستقراره في كتابة السر، عوضا عن سعد الدين بن ~~غراب المذكور، بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية ثم ~~أمر السلطان فكتب بتقليد الأمير شيخ المحمودي باستقراره في نيابة دمشق على ~~عادته، عوضا عن الأمير نوروز الحافظي، وأن يتوجه نوروز المذكور إلى القدس ~~بطالا، وحمل التقليد والتشريف إلى الأمير شيخ الأمير إينال المنقار شاد ~~الشراب خاناه وكتب بتقليد الأمير جكم بنيابة حلب عوضا عن علان، وحمل إليه ~~التقليد والتشريف سودون الساقي وكتب الأمير دمرداش المحمدي نائب حلب كان ms2676 ~~بالحضور إلى مصر ثم قبض السلطان الملك الناصر على سودون المحمدي المعروف ~~بتلي الأمير آخور الكبير، وأخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير سودون اليوسفي ~~ثم خلع السلطان على الأمير سودون من زادة باستقراره في نيابة غزة عوضا عن ~~سلامش. ثم في حادي عشرين جمادى الآخرة المذكورة، خلع السلطان على الأمير ~~تمراز الناصري باستقراره نائب السلطنة الشريفة بالديار المصرية، وكانت ~~شاغرة سنين عديدة، من يوم تركها سودون الفخري الشيخوني، في دولة الملك ~~الظاهر برقوق، وخلع على الأمير آقباي أمير سلاح، واستقر رأس نوبة الأمراء، ~~واستقر سودون الطيار أمير سلاح عوضا عن آقباي المذكور، واستقر يلبغا ~~الناصري أمير مجلس عوضا عن سودون الطيار. وأما البلاد الشامية، فإنه لما ~~بلغ أعيان الأمراء بها عود الملك الناصر فرج إلى ملكه، وتولية شيخ ثانيا ~~نيابة دمشق عوضا عن نوروز، فرحوا بذلك فرحا عظيما، ودقت البشائر لذلك أياما ~~وخرج نوروز الحافظي، وعلان جلق من حماة وتوجها إلى حلب بمن معهما. وكان ~~الأمير دمرداش المحمدي قد فر منها، وتوجه إلى بلاد التركمان، فمضيا إليه، ~~ثم فارقاه وعادا إلى جهة أخرى حسبما يأتي ذكره وأقام بحلب الأمير دقماق ~~المحمدي فلما قدم جكم إلى حلب امتنع دقماق بحلب، وقاتله وانكسر، وأخذ دقماق ~~وقتل بين يدي جكم صبرا على ما يأتي ذكره في محله. وأما السلطان الملك ~~الناصر فرج، فإنه لما كان يوم الخميس رابع شهر رجب، قبض على الأمير أربك ~~الرمضاني، وقيده وبعثه إلى الإسكندرية فسجن ثم ورد عليه الخبر بأن الأمير ~~جكم سار إلى حلب ومعه الأمير شيخ نائب الشام ونوروز بحلب، فلما وصلا إلى ~~المعرة كتب إليهما نوروز يعتذر بأنه لم يعلم بولاية الأمير جكم لحلب، وخرج ~~بمن معه منها إلى البرية، فدخل جكم حلب من قتال، وعاد شيخ إلى الشام فلما ~~بلغ السلطان ذلك كتب إلى الأمير جكم بنيابة طرابلس مضافا على ما بيده من ~~نيابة حلب بمثال سلطاني من غير تقليد، وتوجه بالمثال الأمير مغلباي وكتب ~~إلى نوروز بالحضور إلى القدس بطالا كما كتب له ms2677 أولا وكتب إلى الأمير بكتمر ~~جلق نائب طرابلس بأن يكون أميرا كبيرا بدمشق. وأما جكم فإنه لما استقر بحلب ~~ما زال يكاتب نوروزا وعلان جلق،.حتى قدما عليه، فأكرمهما وصارا من جملة ~~أصحابه ثم وقع له مع شيخ وغيره أمور نذكرها في محلها. PageV03P0444 # وفي يوم الاثنين أول شعبان، استدعى السلطان الملك الناصر أبا الفضل ~~العباس ولد الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله محمد، وبايعه بالخلافة ~~بعد موت أبيه المذكور ولبس العباس، التشريف، ولقب بالمستعين بالله، ونزل ~~إلى داره. وكانت وفاة المتوكل على الله في سابع عشرين شهر رجب. ثم كتب ~~السلطان باستقرار الأمير طولو من علي باشاه في نيابة صفد عوضا عن بكتمر ~~الركني، المعروف بكتمر باطيا، وجهز تشريف طولو على يد الأمير آقبردي رأس ~~نوية. وكتب باستقرار الأمير دمرداش المحمدي في نيابة حماة. ثم ورد الخبر ~~بوصول الأمير علان جلق إلى دمشق مفارقا لجكم نائب حلب. ومات سعد الدين ~~إبراهيم بن غراب في يوم الخميس تاسع عشر شهر رمضان كما سيأتي ذكره في ~~الوفيات. ثم أمسك السلطان الأمير إينال الأشقر وأرسله إلى سجن الإسكندرية ~~لأمر بلغه عنه ثم في أواخر شهر رمضان قبض على الأمير سودون المارداني من ~~بيت بالقاهرة، فقيد وحمل إلى سجن الإسكندرية. ثم كتب السلطان أمانا لكل من ~~جمق، وأسنباي، وأرغز، وسودون اليوسفي، وبرسباي الدقماقي، أعني الملك ~~الأشرف، وجهزه إليهم بالشام. ثم قبض السلطان على الوزير فخر الدين ماجد بن ~~غراب في سابع في القعدة، وسلمه إلى جمال الدين يوسف البيري الأستادار. ثم ~~كتب السلطان إلى الأمير نوروز الحافظي وهو عند جكم بحلب أنه قد قدمت مكاتبة ~~السلطان له أنه يتوجه إلى القدس بطالا، وأنه أيضا ساعة وصول هذا المرسوم ~~إليه يحضر إلى الديار المصرية، فلم يلتفت جكم إلى مرسوم السلطان، ونهر ~~القاصد، وخشن له في الكلام. ثم في سابع من ذي الحجة، خلع السلطان على ~~القاضي فتح الدين فتح الله بإعادته إلى وظيفة كتابة السر، بعد عزل فخر ~~الدين بن المزوق عنها ثم أفرج السلطان ms2678 عن فخر الدين بن غراب، وخلع عليه، ~~واستقر وزيرا ومشيرا وناظر الخاص وعلى عادته أولا بعد أن حمل عشرين ألف ~~دينار. وكان في هذه السنة أعني سنة ثمان أو ثمانمائة، الطاعون العظيم بصعيد ~~مصر، حتى شمل الخراب غالب بلاد الصعيد. ثم بلغ السلطان أن جكم من عوض نائب ~~حلب قد عظم أمره، وأنه قد بدا منه أمور تدل على المخالفة، فكتب السلطان ~~بعزله عن نيابة حلب وطرابلس، وولاية الأمير دمرداش نيابة حلب عوضه، وتولية ~~الأمير علان اليحياوي أجلق، نيابة طرابلس عوضه، وتولية الأمير عمر ~~الهيدباني نيابة حماة، وتوجه بتقاليدهم ألطنبغا شقل مملوك الأمير شيخ ~~المحمودي نائب الشام، ولم يرسل السلطان إليهم أحدا من أمراء مصر لضعف حالهم ~~وعدم موجودهم وقبل أن يصل إليهم الخبر بذلك اقتتل الأمير شيخ مع الأمير جكم ~~بأرض الرستن فيما بين حماة وحمص في خامس من ذي الحجة قتالا عظيما، قتل فيه ~~الأمير علان اليحياوي جلق، والأمير طولو من علي باشاه نائب صفد، وجماعة ~~كبيرة في الواقعة. وأما علان وطولو فإنه قبض عليهما فقدما بين يدي الأمير ~~جكم، فأمر بضرب رقابهما، فضربت أعناقهما بين يديه، وضرب عنق طواشي كان في ~~خدمة الأمير شيخ معهما. قلت: وهذا ثالث أمير قتله الأمير جكم من أعيان ~~الملوك من خشداشيته في هذه السنة - أعني: دقماق المحمدي نائب حلب، وعلان ~~هذا نائب حلب أيضا، وطولو نائب صفد انتهى. وانهزم الأمير شيخ المحمودي نائب ~~الشام ومعه الأمير دمرداش نائب حلب إلى دمشق، فلم يقدر شيخ على الإقامة ~~بدمشق خوفا من نوروز الحافظي، وخرج من دمشق ومضى إلى الرملة يريد القدوم ~~إلى القاهرة ودخل نوروز إلى دمشق، وملك المدينة من جهة جكم بعساكره في يوم ~~الاثنين سابع عشرين في الحجة المذكورة ثم دخل جكم دمشق بعده في يوم الخميس ~~سلخ ذي الحجة وناس جكم في دمشق بالأمان، وأنه لا يشوش أحد على أحد وكان جكم ~~قد شنق رجلا من عسكره بحلب، كونه رعى فرسه زرعا، وشنق آخر على شيء وقع منه ~~في حق ms2679 بعض الرعية، ثم لما قدم دمشق شنق بها أيضا جنديا بعد المناداة على ~~شيء من ذلك، فخافته عساكره وانكفوا عن مظالم الناس، وعن شرب الخمر، حتى ~~لهجت الناس بقولهم: جكم حكم وما ظلم،. وعظم أمر جكم بالبلاد الشامية إلى ~~الغاية. ولما بلغ خبر هذه الواقعة المصريين خارت قواهم وتخوفوا من جكم وخرج ~~البريد من يومه يطلب الأمير تغري بردي أعني الوالد من برية القدس، فحضر إلى ~~القاهرة، وجلس رأس الميسرة، بعد أن بنى السلطان على ابنته كريمة مؤلف هذا ~~الكتاب. PageV03P0445 # ثم جهز السلطان تشريفا للأمير شيخ في حادي عشر المحرم من سنة تسع ~~وثمانمائة بنيابة الشام على عادته، وأمده بمال وسلاح، وقبل خروج القاصد ~~إليه قدم الخبر بوصول شيخ المذكور إلى مدينة بلبيس، فخرج إليه المطبخ ~~السلطاني وتلقته الأمراء. ثم قبض السلطان على الأمير كزل العجمي حاجب ~~الحجاب وكان أمير حاج المحمل لما فعله مع الحجاج في هذه السنة، فإنه أخذ من ~~الحاج على كل جمل دينارا، وباعهم الماء الذي يردونه، فصادره السلطان وأخذ ~~منه نحو المائتي ألف درهم، ففر في سلخه، فأخذ له حاصل كبير أيضا. وأما جكم، ~~فإنه أقام بدمشق مدة وقرر أمورها، وجعل على نيابتها الأمير نوروزا الحافظي، ~~وكان الأمير سودون تلي المحمدي الأمير آخور كان في سجن الأمير شيخ، ففر منه ~~ولحق بالأمير نوروز الحافظي. ثم ورد الخبر من قضاة حماة أنه سمع طائر يقول: ~~" اللهم انصر جكم " وهذا من غريب الاتفاق. هذا والناس في جهد وبلاء من غلو ~~الأسعار بالديار المصرية، لا سيما لحم الضأن والبقر وغيره، فإنه عز وجوده ~~البتة. ثم خرج الأمير الكبير يشبك الشعباني وغالب الأمراء إلى ملاقاة شيخ ~~ودمرداش، ومعهما خير بك نائب غزة، وألطنبغا العثماني حاجب حجاب دمشق، ويونس ~~الحافظي نائب حماة - كان - وسودون الظريف نائب الكرك - كان - وتنكزبغا ~~الحططي في آخرين وطلع الجميع إلى القلعة، وقبلوا الأرض بين يدي السلطان، ~~فأكرمهم السلطان غاية الإكرام، ثم نزلوا إلى القاهرة وعقيب ذلك ورد الخبر ~~بأخذ عسكر جكم مدينة صفد، والكرك، والصبيبة ms2680 وغيرها. ثم في سادس صفر من سنة ~~تسع وثمانمائة المذكورة، خلع السلطان على الأمير شيخ المحمودي بنيابة الشام ~~على عادته، وعلى الأمير دمرداش بنيابة حلب على عادته وأخذ السلطان في تجهيز ~~أمر السفر إلى البلاد الشامية. ثم في حادي عشرين صفر من سنة تسع المذكورة، ~~حمل السلطان الملك الناصر أخاه الملك المنصور عبد العزيز، وأخاه إبراهيم - ~~ابني الملك الظاهر برقوق - إلى سجن الإسكندرية صحبة الأمير قطلوبغا الكركي، ~~والأمير إينال حطب العلائي، ورسم لهما أن يقيما بإسكندرية عندهما؟ وقد تقدم ~~ذكر ذلك في أواخر ترجمة الملك المنصور عبد العزيز. ثم أنعم السلطان على ~~الأمير شيخ بأشياء كثيرة، فتجهز شيخ المذكور وخرج من الديار المصرية في يوم ~~الإثنين أول شهر ربيع الأول وخلع السلطان على الأمير دمرداش المحمدي نائب ~~حلب أيضا خلعة السفر، وخرج صحبة الأمير شيخ، وتوجها بجماعتهما ونزلا ~~بالريدانية ثم لحق بهما الأمير سودون الحمزاوي، الدوادار الكبير، والأمير ~~سودون الطيار أمير سلاح بطلبهما ومماليكهما وهؤلاء كالجاليش. وأقام الجميع ~~بالريدانية إلى أن رحلوا منها وبعد رحيلهم نزل السلطان بعساكره وأمرائه من ~~قلعة الجبل، ونزل بمخيمه من الريدانية خارج القاهرة، في ثامن شهر ربيع ~~الأولى المذكور من سنة تسع وثمانمائة. وهذه تجريدة الملك الناصر الثالثة ~~إلى البلاد الشامية، فإن الأولى كانت في سنة اثنتين لقتال تنم، والثانية في ~~سنة ثلاث لقتال تيمورلنك، وهذه الثالثة. وأقام السلطان بالريدانية إلى يوم ~~ثاني عشر شهر ربيع الأول، فرحل منها بعساكره إلى جهة الشام، بعد أن خلع على ~~الأمير تمراز الناصري نائب السلطنة الشريفة بالديار المصرية باستقراره أيضا ~~في نيابة الغيبة بالقاهرة، وأنزل السلطان بقلعة الجبل جماعة أخرى من ~~الأمراء ممن يثق بهم، وكذلك بالقاهرة. قال المقريزي - رحمه الله: ولم يحمد ~~رحيل السلطان الملك الناصر من الريدانية في يوم الجمعة، فقد نقل عن الإمام ~~أحمد بن حنبل - رحمه الله - أنه قال: " ما سافر أحد يوم الجمعة إلا رأى ما ~~يكره " . وسار السلطان بعساكره حتى دخل دمشق في يوم الإثنين سابع شهر ربيع ~~الآخر من السنة بتجمل ms2681 عظيم، ونزل بدار السعادة بعد أن زينت له دمشق فأقام ~~بدمشق إلى يوم سابع عشره، فرحل من دمشق بعساكره يريد حلب، وسار حتى دخل حلب ~~في يوم سادس عشرينه، وقد فر منها جكم وعدى الفرات خوفا من الملك الناصر ~~فرج، ومعه الأمير نوروز الحافظي وتمربغا المشطوب، في جماعة أخر. فنزل ~~السلطان بالقلعة من حلب، وبعث بجماعة في طلب جكم ورفقته، فتوجهوا في أثره، ~~ثم عادوا بعد أيام بغير طائل. PageV03P0446 # وخرج السلطان من حلب عائدا إلى الديار المصرية يريد الشام في أول جمادى ~~الآخرة، بعد ما ولى الأمير جركس القاسمي المصارع الأمير آخور الكبير نيابة ~~حلب عوضا عن جكم من عوض، وولى الأمير سودون بقجة نيابة طرابلس. وجد السلطان ~~في سيره بعد خروجه من حلب حتى قدم دمشق في خامس جمادى الآخرة. وبعد خروج ~~السلطان من حلب بيوم ثارت طائفة من المماليك ومعهم عامة حلب على جركس ~~المصارع ثم قدم الأمير نوروز الحافظي إلى نحو حلب، ففر منها جركس المصارع ~~يريد دمشق، ونوروز في أثره، فعثر نوروز بخام الملك الناصر - وكان تخلف عن ~~السلطان لسرعة سير السلطان - فقطعه نوروز ووقع النهب فيه ولحق الأمير جركس ~~السلطان ودخل معه دمشق، فنزل السلطان في.دار السعادة، ونادى بالإقامة في ~~دمشق شهرين. وكان الأتابك يشبك الشعباني قدم دمشق، وهو متمرض في أمسه، ومعه ~~الأمير دمرداش المحمدي، وبشباي رأس نوبة النوب وورد الخبر على السلطان ~~بنزول نوروز على حماة، وبقدوم جكم إلى حلب. فلما بلغ السلطان ذلك خرج من ~~دمشق في يوم الأحد سادس عشر جمادى، بعد ما أمر العسكر أن من كان فرسه عاجزا ~~فليتوجه إلى القاهرة، وألا يتبع السلطان إلا من كان قويا. فتسارع أكثر ~~العسكر إلى العود لجهة الديار المصرية، ولم يتبع السلطان من عسكره إلا ~~القليل. وسار الملك الناصر حتى وصل إلى منزلة قارا ثم عاد مجدا فدخل دمشق، ~~وقد تمزق عسكره. وتأخر جماعة من الأمراء مع شيخ نائب الشام، ثم قدموا دمشق. ~~ثم خرج الأمير شيخ في ثالث عشرينه من دمشق ms2682 ومعه دمرداش المحمدي، وألطنبغا ~~العثماني في عدة من الأمراء إلى جهة صفد وسار السلطان ويشبك، ومعهما جميع ~~الأمراء إلى جهة مصر، فدخل السلطان إلى القدس، وقد تخفف الأمير سودون ~~الحمزاوي الدوادار الكبير بدمشق، ومعه عدة من الأمراء مغاضبين للسلطان لأمر ~~اقتضى ذلك. ثم خرج الحمزاوي من دمشق يريد صفد،وأخذ كثيرا من الأثقال ~~السلطانية واستولى على صفد. وأما نوروز فإنه جهز عسكرا عليهم الأمير سودون ~~تلي المحمدي، وأزبك الدوادار في آخرين، فساروا إلى جهة الرملة. ثم قدم على ~~الأمير نوروز الحافظي إينال باي بن قجماس والأمير يشبك بن أزدمر - وكانا ~~مختفيين بالقاهرة من خروج الملك الناصر فرج وعوده إلى ملكه، واختفيا حتى ~~خرجا صحبة السلطان إلى البلاد الشامية، فلما عاد السلطان إلى نحو الديار ~~المصرية توجها إلى نوروز بدمشق، وتوجه معهما الأمير سودون المحمدي لضعف ~~أصابه - فأكرمهما الأمير نوروز غاية الإكرام، وأنعم عليهما بأشياء كثيرة، ~~وكتب للأمير جكم بقدومهما. وأما السلطان الملك الناصر، فإنه سار من القدس ~~حتى دخل إلى القاهرة في حادي عشر شهر رجب بغير طائل، وقد تلف له ولعساكره ~~مال كبير وزينت القاهرة لقدومه، وخرج أعيان المصريين لتلقيه. ثم بعد قدومه ~~بسبعة أيام وصل دمرداش نائب حلب، وسودون من زادة نائب غزة إلى القاهرة، ~~واستمر سودون الحمزاوي وشيخ نائب الشام بصفد وأخذ سودون، الحمزاوي يسعى في ~~الصلح بين شيخ ونوروز، ولازال في ذلك حتى أجاب نوروز، وكتب في هذا المعنى ~~إلى جكم. فبينما هم في ذلك خرج سودون الحمزاوي يوما من صفد ليسير في برها ~~فقام شيخ وركب واستولى على قلعة صفد، وأخذ جميع مال الحمزاوي وبلغ ذلك ~~الحمزاوي فهرب ونجا بنفسه في قليل من أصحابه، وتوجه إلى دمشق فرحب به ~~نوروز، غير أن نوروزا كان مشغولا بعمارة قلعة دمشق، فلم ينهض بالخروج معه ~~لقتال شيخ. وأما الملك الناصر، فإنه في يوم الجمعة رابع شعبان، مسك الوزير ~~فخر الدين ماجد بن غراب وسلمه لجمال الدين الأستادار، ليصادره ويعاقبه وفي ~~سابعه، استقر جمال الدين في وظيفتي الوزير وناظر الخاص ms2683 مضافا إلى ~~الأستادارية، وهذا أول ابتداء تحكم جمال الدين في الناس. ثم قبض على الأمير ~~خير بك نائب غزة، وقدم به إلى القاهرة مقيدا. ثم عين السلطان جماعة من ~~الأمراء للتجريدة بالبلاد الشامية، ومقدمهم الأمير تمراز الناصري النائب، ~~وآقباي، وغيرهما. وخرجوا من القاهرة في عاشر شهر رمضان، فورد الخبر بأن ~~عسكرا من الشام أخذ غزة، وأن يشبك بن أزدمر أخذ قطيا، وأخربها وعاد إلى ~~غزة. فأقام تمراز بمن معه على مدينة بلبيس أياما، ثم عاد هو وآقباي بمن ~~معهما إلى القاهرة في سابع شوال. PageV03P0447 # ثم قدم الخبر على الملك الناصر بأن الأمير جكم من عوض نائب حلب تسلطن ~~بقلعة حلب في يوم حادي عشر شوال من سنة تسع وثمانمائة المذكورة، وتلقب ~~بالملك العادل أبي الفتح عبد الله جكم، وخطب باسمه من الفرات إلى غزة، عدا ~~صفد، فإن بها الأمير شيخا المحمدي، وقد استولى عليها من الحمزاوي حسبما ~~تقدم ذكره، وأنه لم يخطب باسم جكم، وأنه مستمر على طاعة السلطان، وأن ~~الأمير نوروزا نائب الشام باس الأرض لجكم، وخلع على جلق بنيابة صفد بأمر ~~الملك العادل جكم. ثم قدم بعد ذلك عدة كتب من أمراء الشام على السلطان ~~يرغبون السلطان في الخروج إلى البلاد الشامية. ثم قدمت.عدة كتب من جكم إلى ~~عربان مصر وفلاحيها بمنعهم من دفع إلى السلطان أمرائه وأجناده، وتحذيرهم من ~~ذلك حتى يقدم جكم إلى مصر. ثم ورد البلاد الشامية أنه في ثامن عشر شوال وصل ~~إلى دمشق قاصد الملك العادل جكم، وعلى يده مرسوم جكم بأن الأمير سودون ~~الحمزاوي يكون دوادارا بالديار المصرية على عادته، وأن الأمير إينال باي بن ~~قجماس يكون أمير آخور كبيرا على عادته، وأن الأمير يشبك بن أزدمر يكون رأس ~~نوبة النوب على عادته، وأن الأمير نوروزا مستمر على نيابة دمشق، وجيء له ~~بالخلعة فلبسها نوروز، وقبل الأرض، ودقت البشائر لذلك - بدمشق - أياما، ~~وزينت المدينة. فلما بلغ السلطان ذلك أراد الخروج إلى البلاد الشامية، ~~فكلمه أمراؤه في تأخير السفر حتى يخف الطاعون من ms2684 الديار المصرية فإنه كان ~~فشا بها وكثر فلم يلتفت السلطان لذلك. وشرع في أول ذي الحجة في الاهتمام ~~إلى سفر الشام هو وعساكره. ثم في خامس عشرين ذي الحجة المذكورة علق السلطان ~~جاليش السفر، وصرفت النفقة للمماليك السلطانية في تاسع عشرينه، لكل مملوك ~~ثلاثون مثقالا وألف درهم فلوسا، فتجمع المماليك تحت الطلبلخاناه السلطانية ~~وامتنعوا من أخذها، فكلمهم بعض الأمراء على لسان السلطان في ذلك، فرضوا. ~~وبينما السلطان في ذلك ورد عليه الخبر بقتل الأمير جكم بآمد، من ديار بكر ~~بن وائل، في سابع عشر ذي القعدة من سنة تسع وثمانمائة المذكورة. ~~PageV03P0448 # وسبب قتلة جكم المذكور أنه لما تسلطن بمدينة حلب، ووافقه وأطاعه غالب ~~نواب البلاد الشامية، وعظم أمره، وكثرت عساكره، وخافه كل أحد حتى أهل مصر، ~~وتهيأ الملك الناصر إلى الخروج من مصر لقتاله، ابتدأ جكم بالبلاد الشامية ~~واستعد لأخذها، على أن الديار المصرية صارت في قبضته، وأعرض عنها حتى ينتهي ~~من بلاد الشرق، وجعل تلك الناحية هي الأهم. وخرج من مدينة حلب بعساكره إلى ~~نحو الأمير عثمان بن طر علي المعروف بقرايلك، صاحب آمد، وغيرها من ديار ~~بكر. وكان قرايلك المذكور يومئذ نازلا بآمد، فسار جكم حتى نزل على البيرة، ~~وحصرها وأخذها، وقتل نائبها الأمير كزل، فأتته بها رسل قرايلك رغب إليه في ~~الطاعة، ويسأله الرجوع عنه إلى حلب، وأنه يحمل إليه من الجمال الأغنام عدة ~~كبيرة، ويخطب له بديار بكر، فلم يقبل جكم ذلك، وسار حتى نزل قرب ماردين، ~~فأقام هناك أياما حتى قدم الملك الظاهر مجد الدين عيسى الأرتقي ساحب ~~ماردين، ومعه حاجبه فياض بعساكره، فاستصحبه جكم معه إلى نحو مدينة آمد، وقد ~~تهيأ قرايلك لقتال جكم المذكور، فعبأ جكم عساكره، ومشى على آمد، فالتقاه ~~قرايلك بظاهرها، وتقاتلا قتالا شديدا قاتل فيه جكم بنفسه، وقتل بيده ~~إبراهيم بن قرايلك، ثم حمل على قرايلك بنفسه، فانهزم قرايلك بمن معه إلى ~~مدينة آمد وامتنعوا بها، وغلقوا أبوابها. فاقتحم جكم في طائفة من عسكره ~~القرايلكية، وساق خلفهم حتى صار في ms2685 وسط بساتين آمد. وكان قرايلك قد أرسل ~~المياه على أراضي آمد حتى صارت ربوا، يدخل فيها الفارس بفرسه فلا يقدر على ~~خلاص. فلما وصل جكم إلى ذلك الموضع المذكور أخذه الرجم هو ومن معه من كل ~~جهة، وقد انحصروا من الماء الذي فاض على الأرض، وجعلها ربوا، فصاروا لا ~~يمكنهم فيه الكر والفر. فصوب عند ذلك بعض التراكمين من القرايلكية على جكم، ~~وهو لا يعرفه، ورماه بحجر في مقلاع أصاب جبهته وشجه، وسال الدم على ذقنه ~~ووجهه، وجكم يتجلد ويمسح الدم عن وجهه، فلم يتمالك نفسه وسقط عن فرسه مغشيا ~~عليه. وتكاثر التركمان على رفقته فهزموهم بعد أن قتلوا منهم عدة كبيرة، ~~فنزل بعض التراكمين وقطع رأس جكم. وجال العسكر واضطرب أمر جيش جكم ساعة، ثم ~~انكسروا لفقد جكم. وقد عاينت أنا موضع قتل جكم بظاهر مدينة آمد لما نزل ~~السلطان الملك الأشرف برسباي عليها في سنة ست وثلاثين وثمانمائة - عرفني ~~ذلك الأمير السيفي صربغا أمير آخور الوالد، فإنه كان يوم ذاك صحبة جكم في ~~الواقعة المذكورة - انتهى. ثم أخذ التركمان في الأسر والقتل والنهب في ~~عساكر جكم وعساكر ماردين، حتى إنه لم ينج منهم إلا القليل. فلما ذهب القوم ~~نزل قرايلك وتطلب جكم بين القتلى حتى ظفر به، فقطع رأسه، وبعث به إلى ~~السلطان الملك الناصر إلى الديار المصرية. وقتل في هذه الواقعة مع الأمير ~~جكم من الأعيان: الملك الظاهر عيسى صاحب ماردين، وكان من أجل الملوك، ~~والأمير ناصر الدين محمد بن شهري حاجب حجاب حلب، والأمير قمول نائب عين ~~تاب، وصارو سيدي. وفر الأمير تمربغا المشطوب، وكمشبغا العيساوي، حتى لحقا ~~بحلب في عدة يسيرة من المماليك. وكانت هذه الواقعة في سابع عشر ذي القعدة ~~من سنة تسع وثمانمائة - انتهى أمر جكم وقتلته. وأما أمر الأمير شيخ ~~المحمودي نائب الشام - كان - فإنه في ذي القعدة أيضا ركب من صفد يريد ~~الأمراء الذين من جهة نوروز وجكم - وقد وصلوا من دمشق إلى غزة - وهم: إينال ~~باي بن قجماس، وسودون الحمزاوي، ms2686 ويشبك ابن أزدمر، ويونس الحافظي نائب حماة ~~- كان - وسودون قرناص في آخرين. فسار شيخ بمن معه وطرقهم بغزة على حين غفلة ~~في يوم الخميس رابع ذي الحجة، فركبوا وقاتلوه قتالا شديدا، قتل فيه إينال ~~باي بن قجماس، ويونس الحافظي، وسودون قرناص. وقبض شيخ على سودون الحمزاوي، ~~بعد ما قلعت عينه، وهرب يشبك بن أزدمر إلى دمشق. وقبض شيخ على عدة مماليك ~~من السلطانية، فوسط منهم تسعة، وغرق أحد عشر، وأفرج عن مماليك ولم يتعرض ~~لهم بسوء، وبعث بطائفة أخرى من المماليك السلطانية إلى الملك الناصر فرج، ~~ثم عاد شيخ إلى صفد. PageV03P0449 # ثم ورد الخبر بأن الأمير نوروزأ نائب الشام عاد إلى طاعة السلطان بعد قتل ~~جكم وأن تمربغا المشطوب تغلب على حلب، وقاتلته التراكمين حتى ملك قلعة حلب ~~بعد أمور، وأنه أخذ ما كان لجكم بحلب واستخدم مماليك جكم، فعظم أمره لذلك ~~فأمر السلطان بتجهيز أموره للسفر إلى البلاد الشامية، وتجهزت فلما كان يوم ~~الاثنين سادس المحرم من سنة عشرة وثمانمائة فرق السلطان الجمال على ~~المماليك السلطانية، برسم السفر إلى الشام صحبة السلطان ثم في يوم الجمعة ~~عاشر المحرم قدم إلى القاهرة حاجب الأمير نعير برأس الأميرجكم، ورأس ابن ~~شهري، فخلع السلطان عليه، وطيف بالرأسين على رمحين ونودي عليهما بالقاهرة، ~~ثم علقا على باب زويلة، ودقت البشائر، وزينت لذلك. في تاسع عشر المحرم، ~~خرجت مدورة السلطان إلى الريدانية خارج القاهرة في يوم حادي عشرينه، برز ~~الجاليش السلطاني من الأمراء إلى الريدانية،وهم الأتابك يشبك، والوالد وهو ~~تغري بردي البشبغاوي، والأمير بيغوت في آخرين من الأمراء. ورحلوا في خامس ~~عشرينه من الريدانية. ونزل السلطان من قلعة الجبل يوم الإثنين ثامن عشرينه ~~إلى الريدانية ببقية أمرائه وعساكره. وهذه تجريدة الملك الناصر الرابعة إلى ~~البلاد الشامية، غير واقعة السعيدية. ثم رحل السلطان من الريدانية في يوم ~~ثاني صفر من سنة عشرة وثمانمائة، يريد البلاد الشامية. وأما البلاد الشامية ~~- فإن نوروزا الحافظي خرج من دمشق في أول محرم من هذه السنة لقتال شيخ فضعف ~~شيخ ms2687 عن مقاومته، ولم يخرج من صفد. وأرسل شيخ يستحث السلطان على سرعة المجيء ~~إلى البلاد الشامية. فعاد نوروز إلى دمشق بعد أن حاصر شيخا أياما، وأرسل ~~إلى السلطان يطلب أمانا، وأنه يمتثل ما يرسم به السلطان، وأنه يوافق شيخا، ~~ويرضى بما يوليه السلطان من البلاد. ثم أرسل نوروز إلى شيخ بأن يكاتب ~~السلطان بأن يكون نائب حلب، ويكون شيخ نائب الشام على عادته، فلم يلتفت شيخ ~~إلى كلامه، وانتهز شيخ الفرصة، وقد قوي أمره، بعد ما كان خائفا من نوروصز، ~~لقدوم السلطان الملك الناصر إلى البلاد الشامية، وسار بمماليكه وحواشيه حتى ~~نزل بالقرب من دمشق. ففر في تلك الليلة من نوروز إلى شيخ جماعة من الأمراء، ~~منهم: قمش، وجمق. ثم تحول نوروز من المزة إلى قبئة يلبغا، فوصل إليه قاصد ~~الأمير شيخ بأن السلطان أرسل إليه تشريفا بنيابة دمشق، وأنه طلب من السلطان ~~لنوروز نيابة حلب، فأبى السلطان ذلك، وأن عسكر السلطان وصل إلى مدينة غزة. ~~فتحول عند ذلك نوروز إلى برزة، ودخلت مماليك الأمير شيخ إلى الشام من غير ~~قتال. وأما السلطان الملك الناصر فإنه لما رحل من الريدانية بعد أن عمل ~~الأمير تمراز نائب السلطنة نائب غيبته بديار مصر، وأنزله بباب السلسلة، ~~وأنزل الأمير آقباي بقلعة الجبل، وسكن سودون الطيار أمير سلاح بالرميلة ~~تجاه باب السلسلة. وسار السلطان حتى وصل إلى غزة في ثاني عشر صفر، فورد ~~عليه الخبر بفرار نوروز، فلم يلتفت إلى ذلك، وسار حتى دخل إلى دمشق في يوم ~~ثاني عشرين صفر، بعدما خرج الأمير شيخ إلى لقائه، وقبل الأرض بين يديه، ~~وسار معه حتى دخل دمشق في خدمته من جملة الأمراء. ونزل السلطان بدار ~~السعادة من دمشق وصلى الجمعة بجامع بني أمية. ثم قبض على قضاة دمشق ~~ووزيرها، وكاتب سرها، وأهانهم السلطان وألزمهم بحمل مال كبير. ثم في يوم ~~الأحد خامس عشرين صفر، أمسك السلطان الأمير شيخا المحمودي نائب دمشق، ~~والأمير الكبير يشبك الشعباني الأتابكي، واعتقلهما بقلعة دمشق وكان الأمير ~~جركس القاسمي المصارع الأمير ms2688 آخور قد تأخر في هذا اليوم عن الخدمة ~~السلطانية بداره، فلما بلغه الخبر فر من وقته، فلم يدرك. وهرب جماعة كبيرة ~~من الشيخية واليشبكية. PageV03P0450 # ثم في سادس عشرين صفر خلع السلطان على الأمير بيغوت باستقراره في نيابة ~~دمشق عوضا عن شيخ المحمودي، بحكم حبسه بقلعة دمشق، وخلع على الأمير فارس ~~دوادار تنم باستقراره حاجب حجاب دمشق، وخلع على الأمير عمر الهيدباني ~~بنيابة حماة، وعلى صدر الدين علي بن الأدمي باستقراره قاضي قضاة الحنفية ~~بدمشق. ودام يشبك وشيخ بقلعة دمشق إلى أن استمالا نائب قلعتها الأمير ~~منطوقا، حتى أفرج عنهما في ليلة الاثنين ثالث شهر ربيع الأول من سنة عشرة ~~وثمانمائة. وهو أن منطوقا تحيل على من عنده من المماليك بأن السلطان رسم له ~~بأن ينقل الأميرين شيخا ويشبك، من حبس إلى آخر فصدقوه، فأخرجهما على أنه، ~~وفر بهما، ونزل من القلعة، فلم يبلغ السلطان الخبر حتى ذهبوا حيث شاؤوا. ~~وأصبح السلطان يوم الإثنين ندب الأمير بيغوت لطلبهم، فركب بيغوت من وقته ~~بمماليكه، وسار في طلبهم - غارة - وقد اختفى الأمير شيخ بدمشق ولم يخرج ~~منها، وتوجه يشبك، فلم يدرك بيغوت سوى منطوق نائب قلعة دمشق الذي أطلقهما - ~~.لثقل جثته، فإنه كان في غاية من السمن. ففز يشبك، وقاتل منطوق بيغوت ساعة ~~ثم انهزم، وقبض عليه بيغوت، وقطع رأسه، وحملها إلى الملك الناصر، ورفعت على ~~رمح وطيف بها دمشق، ثم علقت على سور دمشق. ثم قدم الخبر باجتماع الأتابك ~~يشبك وشيخ وجركس، وأنهم في دون الألف فارس، وهم على حمص، وأنهم اشتدوا على ~~الناس في طلب المال. فكتب السلطان في الحال للأمير نوروز الحافظي، وهو ~~بمدينة حلب عند تمربغا المشطوب، يستدعيه لمحاربة يشبك وشيخ، وأنه ولاه ~~نيابة الشام، وأمره أن يحمل إليه جماعة من الأمراء، ويبعث السلطان إليه ~~التقليد والتشريف مع الأمير سلامش. ثم جهز السلطان سلامش إلى نوروز، وعلى ~~يده خلعته بنيابة دمشق، فلبس نوروز الخلعة، وقبل الأرض، وامتثل ما أمره ~~السلطان به من قتال الأمراء وغيره، وكتب يعتذر من عدم ms2689 الحضور بما عنده من ~~الحياء من السلطان، والخوف لما وقع منه قبل تاريخه، وأنه إذا سار السلطان ~~من دمشق نحو الديار المصرية قدمها وكفاه أمر هؤلاء. ثم أرسل نوروز بعد ذلك ~~بأنه قبض على جماعة من الأمراء الذين فروا من السلطان من دمشق، وهم: الأمير ~~علان، والأمير جانم من حسن شاه، والأمير إينال الجلالي المنقار، والأمير ~~جقمق العلائي أخو جركس المصارع - أعني الملك الظاهر جقمق - والأمير أسنباي ~~التركماني، أحد أمراء الألوف بدمشق، والأمير أسنباي أمير آخور، والأمير ~~جمق، نائب الكرك - كان - وبعث بهم الجميع ما خلا جانم. ثم في تاسع ربيع ~~الأول، أرسل السلطان، إلى الديار المصرية بالقبض على الأمير تمراز الناصر ~~في نائب السلطنة بالديار المصرية، ثم نائب الغيبة، فأذعن تمراز وسلم نفسه، ~~فمسك وقيد وحبس بالبرج من قلعة الجبل، وسكن سودون الطيار عوضه بباب السلسلة ~~من الإسطبل السلطاني. ثم ركب السلطان الملك الناصر في يوم الأربعاء رابع ~~شهر ربيع الآخر من دار سعادة دمشق، وتوجه إلى الربوة فتنزه بها ثم عاد إلى ~~دار السعادة. ثم أصبح لعب الكرة بالميدان، وقدم عليه الأمير بكتمر جلق ~~بالأمراء الذين قبض عليهم الأمير نوروز، وهم المقدم ذكرهم، فرسم السلطان ~~بحبسهم. ثم في اليوم المذكور خرج حريم السلطان من دمشق إلى جهة الديار ~~المصرية. ثم خرج السلطان من دمشق في يوم السبت سابع شهر ربيع الآخر يريد ~~الديار المصرية ومعه الأمراء المقبوض عليهم، وفيهم: الأمير سودون الحمزاوي ~~وقد أحضر من سجن صفد، والأمير آقبردي رأس نوبة أحد أمراء الطبلخانات، ~~وسودون الشمسي أمير عشرة، وسودون البجاسي أمير عشرة. وسار السلطان إلى مصر، ~~وجعل بكتمر جلق نائب الغيبة بدمشق حتى يحضر إليها نائبها الأمير نوروز. ~~بكتمر جلق المذكور قد خلع عليه السلطان باستقراره في نيابة طرابلس قبل ~~تاريخه. وأصبح شيخ، لما بلغه خروج السلطان من دمشق، فطرق دمشق ومعه يشبك ~~وجركس، وأخذها من بكتمر، وملكها بعد أن فر بكتمر منها. وقبض شيخ على جماعة ~~من أمراء دمشق، وولى وعزل، وأخذ خيول الناس، وصادر جماعة. PageV03P0451 # ثم ms2690 ورد الخبر على يشبك وشيخ بنزول بكتمر جلق على بعلبك بأناس قليلة، فخرج ~~إليه يشبك الشعباني وجركس في عسكر، ومضى بكتمر جلق إلى حمص. وسار يشبك ~~وجركس حتى وصلا إلى بعلبك، فوافاهما الأمير نوروز بعساكره على كروم بعلبك، ~~فبرز إليه يشبك وجركس بمن معهما، فقاتلهم نوروز حتى هزمهم، وقتل الأتابك ~~يشبك الشعباني وجركس القاسمي المصارع في ليلة الجمعة ثالث عشر شهر ربيع ~~المذكور، وقتل جماعة أخر، وقبض نوروز على جماعة، وفر من بقي. فلما بلغ ذلك ~~شيخا خرج من وقته من دمشق على طريق جرود. ودخل الأمير نوروز في يوم رابع ~~عشره إلى دمشق وملكها من غير قتال وبعث نوروز بهذا الخبر إلى السلطان، ~~فوافاه المخبر بذلك على العريش، فسر السلطان بذلك سرورا كبيرا، وهان عليه ~~أمر شيخ بعد ذلك. ثم سار السلطان الملك الناصر مجدا حتى دخل إلى الديار ~~المصرية ضحى نهار الثلاثاء، رابع عشرين شهر ربيع الآخر، وبين يديه ثمانية ~~عشر أميرا في الحديد، ورمة الأمير إينال باي بن قجماس، وقد حملها الملك ~~الناصر من غزة لأنه كان خصيصا عند الملك الناصر، وقتل بغرة في واقعة شيخ ~~بغير اختيار السلطان. وطلع السلطان إلى قلعة الجبل، وحبس الأمراء المذكورين ~~بالبرج من قلعة الجبل إلى أن كان يوم سادس عشرينه، فاستدعى السلطان القضاة ~~إلى بين يديه، وأثبت عندهم إراقة دم الأمير سودون الحمزاوي لقتله إنسانا ~~ظلما، فحكموا بقتله، فقتل، وقتل معه تمربغا دواداره، والأمير آقبردي، وجمق، ~~وأسنباي التركماني، وأسنباي أمير آخور. وتأخر الأمير إينال المنقار، وسودون ~~الشمسي، وجقمق العلائي، وجماعة أخر، وسودون البجاسي في البرج من قلعة ~~الجبل. ثم في يوم سابع عشرين شهر ربيع الآخر، أنعم السلطان على الوالد ~~بإقطاع الأتابك يشبك الشعباني، وأنعم بإقطاع الوالد على الأمير قردم ~~الحسني، الخازندار. وأنعم على الأمير قراجا بإقطاع تمراز الناصري المقبوض ~~عليه في غيبة السلطان بالقاهرة، واستقر قراجا المذكور شاد الشراب خاناه، ~~وأنعم بإقطاع قراجا على الأمير أرغون من بشبغا، وأنعم بإقطاع أرغون المذكور ~~على الأمير شاهين قصقا، وأنعم بإقطاع شاهين ms2691 على الأمير طوغان الحسني. ثم في ~~يوم الخميس ثالث جمادى الأولى خلع السلطان على الوالد باستقراره أتابك ~~العساكر بالديار المصرية عوضا عن يشبك الشعباني، وخلع على الأمير كمشبغا ~~المزوق الفيسي باستقراره أمير آخور كبيرا، عوضا عن جركس القاسمي المصارع. ~~وفي اليوم المذكور قدم إلى القاهرة قاصد الأمير نوروز الحافظي برأس الأتابك ~~يشبك، ورأس جركس المصارع، ورأس الأمير فارس التنمي حاجب حجاب دمشق. وفيه ~~شاور جمال الدين الأستادار السلطان أنه يعمر للسلطان مدرسة بخط رحبة باب ~~العيد، فأذن له السلطان في ذلك، فشق جمال الدين أساسها في هذا اليوم، وبدأ ~~بعمارتها. ثم أرسل السلطان إينال المنقار، وعلان، ويلبغا الناصري إلى سجن ~~الإسكندرية. ثم ركب الملك الناصر متخففا بثياب جلوسه ونزل إلى عيادة الأمير ~~قراجا، فعاده. ثم سار إلى بيت جمال الدين الأستادار وأخذ تقدمته .ثم ركب ~~وسار حتى نزل بالمدرسة الظاهرية ببين القصرين، وزار قبر أمه وجده لأبيه ~~الأمير أنص وإخوته، وجعل ناحية منبابة بالجيزة وقفا عليها زيادة على وقف ~~أبيه. ثم ركب منها إلى دار الأمير بشباي - رأس نوبة النوب - ونزل عنده. ثم ~~ركب من عنده، وتوجه إلى بيت الأمير كزل العجمي حاجب الحجاب. ثم سار من عنده ~~إلى قلعة الجبل. قال المقريزي: ولم نعهد ملكا من ملوك مصر ركب من القلعة ~~بقماش جلوسه غيره. قلت: لعل المقريزي أراد بقماش جلوسه عدم لبس السلطان ~~الكلفتاة، وقماش الخدمة، وهذا كان مقصوده - والله أعلم. ثم في تاسع عشر ~~جمادى الأولى المذكور، خلع السلطان على الأمير طوخ الخازندار باستقراره ~~أمير مجلس عوضا عن يلبغا الناصري بحكم القبض عليه. والعامة تسمي طوخ هذا ~~طوق الخازندار، والصواب ما قلناه. وخلع على الأمير قردم باستقراره خازندارا ~~عوضا عن طوخ المذكور. ثم في سادس عشر جمادى الآخرة قبض السلطان على الأمير ~~سودون من زادة، وقيده وحمله إلى الإسكندرية، فسجن بها مع من بها من ~~الأمراء. PageV03P0452 # وأما الأمير نوروز الحافظي فإنه منذ دخل دمشق كانت مكاتبات الأمير شيخ ~~ترد عليه بطلب الصلح، ويترقق شيخ لنوروز، ويتخضع إليه، إلى ms2692 أن أجاب نوروز ~~إلى ذلك، وخرج من دمشق في سادس عشرين شهر رجب، إلى جهة حلب، ليصالح الأمير ~~شيخا. فتقدم الأمير شيخ إليه والتقاه واصطلحا. ومسك نوروز بكتمر جلق، بعدما ~~كان أعز أصحاب نوروز، مراعاة لخاطر شيخ. وحكى لي من أثق به من أعيان ~~المماليك الظاهرية ممن كان في صحبتهم يوم ذاك قال: لما أراد شيخ الصلح مع ~~نوروز، طلب منه القبض على بكتمر، فبلغ بكتمر ذلك، فلم يصدق أن نورزا يقع في ~~مثل هذا لما كان بينهما من تأكد الصحبة. فلما اجتمع شيخ مع نوروز وأراد ~~نوروز القبض على بكتمر، قال بلسان الجركسي: وبط،. قال بكتمر: ياجنس النحس، ~~بلغني ذلك من مدة، ولكنني ما ظننت أنها تخرج من فمك في حقي أبدا. ومسك ~~بكتمر جلق، وسجن بقلعة دمشق. ثم دخل الأمير شيخ ونوروز إلى دمشق، وقد ~~استقرت طرابلس للأمير شيخ، ودمشق للأمير نوروز، فأقام شيخ بدمشق عشرة أيام، ~~ثم خرج منها وسار إلى طرابلس. وكثرت المصادرات بدمشق وغيرها في أيام هذه ~~الفتن، وأخرجت الأوقاف عن أربابها، وخربت بلاد كثيرة بمصر والشام، لكثرة ~~التجاريد، وسرعة انتقال الأمراء من إقطاع إلى إقطاع. ولما بلغ الملك الناصر ~~ذلك، وما وقع من نوروز في حق شيخ من الإكرام شق عليه ذلك، لأن شيخا كان قد ~~تلاشى أمره، ونفر عنه مماليكه وأصحابه، من كثرة الأسفار والانتقال من بلد ~~إلى بلد، وافتقر وصار لا يجد بلدا يأوي إليه، حتى صالحه نوروز، وأعطاه ~~طرابلس، فعاد إليه مماليكه، ودار فيه الرمق - انتهى. ثم في حادي عشر شعبان ~~أفرج السلطان عن الأمير تمراز الناصري نائب السلطنة - كان - من حبسه بالبرج ~~من قلعة الجبل، ونزل إلى داره. ثم ورد الخبر على الملك الناصر بأن بكتمر ~~جلق فر من سجن قلعة دمشق في ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان من سنة عشر ~~وثمانمائة، وأنه توجه إلى صفد، ثم نزل غزة. ثم ورد على السلطان كتاب الأمير ~~شيخ يسأل السلطان الملك الناصر الرضى عنه، وعن جماعته، فلم يقبل السلطان ~~ذلك. فلم تزل ms2693 مكاتبات شيخ ترد على السلطان في ذلك حتى رضي عنه. وكتب له ~~بنيابة الشام على عادته، وحمل إليه التقليد الأمير ألطنبغا بشلاق صحبة ~~مملوك شيخ ألطنبغا شقل، وقاضي القضاة نجم الدين عمر بن حجي الشافعي، وقاضي ~~القضاة صدر الدين بن الآدمي الحنفي، وقد تولى كل منهما قاضيا بدمشق على ~~مذهبه. وكانا هما وألطنبغا شقل قدموا في إصلاح أمر شيخ مع أستاذه الملك ~~الناصر فرج. ثم كتب السلطان أيضا باستقرار بكتمر جلق في نيابة طرابلس على ~~عادته.وكتب السلطان أيضا باستقرار يشبك بن أزدمر في نيابة حماة. ووصلت رسل ~~السلطان إلى الأمير شيخ وغيره من الأمراء المذكورين من البحر المالح من ~~عكا، وساروا حتى لقوا شيخا على المرقب، وقد تغير عن حاله، وأوصلوه التقليد ~~بنيابة الشام، فقال: أنا لا أعادي نوروزا، وقد أحسن إلي، وأقامني ثانيا. ~~وأيضا لم يكن لي قدرة على قتاله وأخذ الخلعة منهم، وبعثها إلى الأمير ~~نوروز، وأعلمه أنه باق على طاعته، فدقت البشائر لذلك، وزينت دمشق. ثم في ~~أول المحرم من سنة إحدى عشرة وثمانمائة برز الأمير نوروز من دمشق، يريد ~~قتال الأمير بكتمر جلق، فتهيأ بكتمر أيضا لقتاله، وتصاففا، واقتتلا قتالا ~~شديدا، قتل بينهما أناس، وحرقت الزروع، وخربت البلاد. ثم عاد نوروز إلى جهة ~~الرملة لحفظ مدينة غزة. PageV03P0453 # وكان الملك الناصر لما بلغه أن سودون تلي المحمدي صار نائب غزة، من قبل ~~نوروز، ولى الأمير ألطنبغا العثماني نيابة غزة وندبه لقتال سودون المحمدي. ~~وأرسل معه من الأمراء بشباي رأس نوبة النوب، وسودون بقجة، وطوغان الحسني، ~~والجميع يتوجهون لقتال سودون المحمدي، ثم يمضون إلى صفد، نجدة لمن بها من ~~السلطانية. وخرجوا من القاهرة، وساروا حتى وصلوا إلى العريش، فبلغهم أن ~~الأمير بكتمر جلق، والأمير جانم من حسن شاه، خرجا من صفد إلى غزة، وملكاها ~~من سودون المحمدي، وفر سودون المحمدي، ولحق بالأمير نوروز، فجهزه نوروز في ~~الحال بعدة مقاتلة لقتالهم، وأن نوروزا يكون في أثره إلى غزة. فلما بلغ ~~بكتمر جلق وجانم مجيء سودون المحمدي ونوروز إلى غزة، ms2694 خرجا من غزة وعادا إلى ~~صفد. وبلغ هذا الخبر بشباي وهو بالعريش، فعاد هو وأصحابه إلى الديار ~~المصرية، من كونه لا يقاوم نوروزا، لكثرة جموعه، فسكت السلطان عن نوروز لما ~~يأتي ذكره. ثم أفرج السلطان عن الأمير إينال المنقار، والأمير علان، من سجن ~~الإسكندرية.وقدم الخبر على السلطان في أثناء ذلك بوقوع الفتنة بين شيخ ~~ونوروز، وأن شيخا نزل القريتين، ونوروزا بالقرب منه. وتراسلا في الكف عن ~~القتال، فامتنع شيخ وقال: السلطان ولاني نيابة دمشق، وباتا على القتال. ~~فلما كان الليل سار شيخ بمن معه يريد دمشق، وأكثر في منزلته من إشعال ~~النيران، يخدع بذلك نوروزا ويوهم أنه يقيم، فلم يفطن نوروز برحيله، حتى مضى ~~أكثر الليل. فركب في الحال نوروز في إثر شيخ حتى سبقه إلى دمشق. ودخلها ولم ~~يقدر شيخ على دخول دمشق. وكان مع نوروز يشبك بن أزدمر نائب حماة. ووقع أمور ~~إلى أن واقع نوروز شيخا بعساكره، وكان مع شيخ نفر يسير، وقد تعوق عنه ~~أصحابه، لكنه كان متولي دمشق من قبل السلطان، ومعه سنجق الملك الناصر، ~~وأردفه بكتمر جلق، وسيدي الكبير الأمير قرقماس، وغيرهما من الأمراء، ~~فتواقعا بسعسع، فانهزم نوروز بمن معه، وقصد حلب. وركب شيخ أقفيتهم، فدخل ~~نوروز دمشق، في عدة يسيرة من الأمراء من أصحابه، وبات بها ليلة واحدة، ثم ~~خرج منها على وجهه إلى حلب. وبعد خروج نوروز من دمشق، دخل إليها الأمير ~~بكتمر جلق، والأمير قرقماس ابن أخي دمرداش، المعروف بسيدي الكبير، ونودي في ~~دمشق بالأمان، وأن شيخا نائب دمشق. ثم دخل شيخ بعدهم إلى دمشق، ونزل بدار ~~السعادة. ثم خرج شيخ من دار السعادة ونزل بقبة يلبغا، ولبس التشريف ~~السلطاني المجهز إليه من مصر بنيابة الشام قبل تاريخه، وعاد إلى دار ~~السعادة في موكب جليل. وقبض شيخ، على الأمير نكباي حاجب دمشق، وعلى الأمير ~~أرغز، وهما من أصحاب نوروز، وعلى جماعة أخر من النوروزية. ثم قدم عليه ~~الأمير دمرداش المحمدي، فأكرمه شيخ وأنزله بدمشق مدة أيام. ثم ندبه هو ~~والأمير بكتمر ms2695 جلق لقتال نوروز ومعهما عساكر دمشق. وورد الخبر على السلطان ~~بذلك، فسر سرورا عظيما، وكتب للأمير شيخ بالشكر والثناء على ما فعله مع ~~نوروز لأن الملك الناصر كان حصل له من نوروز قهر عظيم، كونه كان ولاه نيابة ~~دمشق، ولم يلتفت إلى شيخ، فتركه نوروز، ووافق شيخا، فلم يقدم شيخ على صلحه ~~مع نوروز إلا أياما يسيرة، وتركه وعاد إلى طاعة السلطان، وحارب نوروزا، ~~فعرف له السلطان ذلك وولاه نيابة دمشق عوضا عن نوروز، وسلط بعضهم على بعض. ~~ثم إن الملك الناصر في يوم الجمعة سابع جمادى الأولى من سنة إحدى عشرة ~~وثمانمائة أمسك أعز أمرائه الأمير بيغوت، وأمسك معه الأمير سودون بقجة، ~~والأمير أرنبغا أحد أمراء الطبلخانات، والأمير قرا يشبك، أحد أمراء ~~العشرات، وقيد الجميع وأرسلوهم إلى سجن الإسكندرية. وخلع على إينال ~~المنقار، وعلان، ويشبك الموساوي، وجعل كلا منهم أمير مائة ومقدم ألف ~~بالديار المصرية. ثم خلع السلطان على الأمير أرغون من بشبغا، واستقر به ~~أمير آخور كبيرا، عوضا عن كمشبغا الفيسي. PageV03P0454 # وأما أمراء الشام فإن الأمير نوروزا الحافظي لما خرج من دمشق لم يأمن على ~~نفسه أن يكون بحلب عند تمربغا المشطوب، وكان أول ما قدمها قابله تمربغا ~~المذكور ووافقه، ثم بدا له أن يكون على طاعة السلطان، ففطن نوروز بذلك، ~~فخرج من حلب بعد أمور، وسار إلى ملطية واستقر بها، وآواه ابن صاحب الباز ~~التركماني. ثم سلم تمربغا المشطوب حلب للأمير قرقماس ابن أخي دمرداش ~~المعروف بسيدي الكبير، ونزل من قلعتها. ثم فر جماعة من الأمراء أصحاب نوروز ~~إلى شيخ، وهم: الأمير سودون تلي المحمدي، وسودون اليوسفي، وأخبروه أن ~~نوروزا عزم على الفرار من أنطاكية، فسار شيخ بجموعه من العمق يريد نوروزا ~~بغتة، فأدرك أعقابه، وقبض على عدة من أصحابه وعاد إلى العمق. وبعث العسكر ~~في طلبه، فقدم عليه الخبر أنه أمسك هو ويشبك بن أزدمر في جماعة أخر، فكتب ~~شيخ في الحال يعرف السلطان بذلك كله، فشكره السلطان على ذلك وأرسل إليه ~~بالخلع. ثم إن السلطان ms2696 في هذه السنة أضاف إمرة المدينة النبوية، وإمرة ~~الينبع، وخليص، والصفراء، وأعمالهم، إلى الشريف حسن بن عجلان أمير مكة، ~~وكتب له بذلك توقيعا، وهذا شيء لم ينله أمير مكة قبله في هذا الزمان. ثم في ~~خامس عشرين جمادى الأخرة، أنعم السلطان بإقطاع بشباي رأس نوبة النوب - بعد ~~وفاته - على الأمير إينال المحمدي الساقي المعروف إينال ضضع، وأنعم بإقطاع ~~إينال المذكور على الأمير أرغون من بشبغا الأمير آخور الكبير، وأنعم بإقطاع ~~أرغون المذكور على الأمير مقبل الرومي، والجميع تقادم ألوف، لكن بينهم ~~التفاوت في كثرة المغل والخراج. وأنعم بإقطاع مقبل الرومي - وهو إمرة ~~طبلخاناه - على الأمير بردبك. ثم خلع السلطان على الأمير إينال الساقي ~~المذكور باستقراره رأس نوبة النوب، عوضا عن بشباي المذكور بحكم موته. ثم ~~قدم الخبر على السلطان من شيخ بأن التركمان الذين كانوا قبضوا على نوروز ~~أطلقوه، وأن تمربغا المشطوب هرب من الأمير شيخ، وأن نوروزا توجه بعد خلاصه ~~من يد التركمان إلى قلعة الروم، وأنه خرج من دمشق جماعة كبيرة من عند شيخ ~~إلى نوروز، فركب شيخ في أثرهم فلم يحركهم، فعاد إلى دمشق وقبض على الأمير ~~يشبك العثماني. ثم بعد مدة يسيرة بلغ الأمير شيخا أنه قيل للسلطان عنه إنه ~~عاص. فطلب الأمير شيخ القضاة وأعيان أهل دمشق، وكتب محضرا بأنه باق على ~~طاعة السلطان الملك الناصر، وبعث به مع القاضي نجم الدين عمر بن حجي. وقدم ~~ابن حجي بالمحضر، ومع المحضر المذكور كتاب الأمير شيخ يستعطف خاطر السلطان ~~عليه، ويعتذر عن تأخره بإرسال من طلبه السلطان من الأمراء النوروزية. وكان ~~السلطان قد بعث إليه قبل ذلك يشبك الموساوي بطلب جماعة من الأمراء، فلم ~~يرسلهم شيخ إليه، فلم يقبل السلطان عذره، واشتد غضبه، وأظهر الاهتمام ~~بالسفر إلى الشام. ثم كتب السلطان، الجواب بتجهيز أمراء عينهم، وواعدهم على ~~مدة ستة وعشرين يوما، ومتى مضت هذه المدة ولم يجهزهم الشيخ، سار السلطان ~~لقتاله، وبعث السلطان بذلك على يد قاصد شيخ نجم الدين بن حجي، فعاد ابن حجي ~~إلى ms2697 الأمير شيخ وأدى الرسالة، فأخذ شيخ في تجهيز الأمراء الذين طلبهم ~~السلطان، وامتثل مرسومه بالسمع والطاعة. PageV03P0455 # بينما هو في ذلك، بلغه أن تغرى برمش كاشف الرملة فر منها لقدوم كاشف ~~ونائب القدس من قبل السلطان، وأن السلطان قد عزم على المسير إلى الشام، ~~وأخرج الروايا والقرب على الجمال ومعهم الطبول، نحو مائتي جمل إلى البركة. ~~فعند ذلك رجع شيخ عن إرسال الأمراء، وعول على مصالحة نوروز، وبعث إليه ~~الأمير جانم ليصلح بينهما، وجهز له شيخ ستة آلاف دينار، فمال نوروز ~~لمصالحته. فلما بلغ دمرداش نائب حلب الخبر اهتم لقتال نوروز، وجمع طوائف ~~التركمان والعربان، وسار إليه بكتمر جلق نائب طرابلس، وحضر إليه أيضا نائب ~~أنطاكية. وبعث دمراش ابن أخيه تغري بردي المعروف بسيدي الصغير - وهو يومئذ ~~أتابك حلب - إلى مرج دابق ومعه جماعة كبيرة من التركمان. ثم أتاه بكتمر ~~جلق، فرحلا من حلب بعساكرهما وقصدا نوروزا، وقد نزل نوروز بمجموعه على عين ~~تاب. فتقدم إليه تغري بردي سيدي الصغير بالتركمان الكبكية جاليش عمه ~~دمرداش، فرحل نوروز إلى مرعش، وتحاربت كشافته لأكشافة دمرداش محاربة قوية، ~~أسر فيها عدة من النوروزية، وانهزم نوروز، واستولى عسكر دمرداش على عين ~~تاب، وعاد دمرداش إلى حلب، وكتب بذلك السلطان، فسر السلطان بذلك، وكتب ~~الجواب: إني واصل عقيب ذلك إلى البلاد الشامية وعظم اهتمام السلطان وعساكره ~~للسفر، إلى أن خرج جاليشه من الأمراء الريدانية، في يوم الأربعاء سابع ~~المحرم من سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، وهم الوالد - وهو يومئذ أتابك العساكر ~~بالديار المصرية - وآقباي الطرنطائي رأس نوبة الأمراء، وطوخ أمير مجلس، ~~وطوغان الحسني، وإينال المنقار، وكمشبغا الفيسي المعزول عن الأمير آخورية، ~~ويشبك الموساوي الأفقم، وعدة أمراء أخر من الطبلخانات والعشرات، ونزل ~~الجميع بالريدانية. ثم في يوم الاثنين حادي عشر المحرم المذكور، ركب ~~السلطان الملك الناصر ببقية أمرائه وعساكره من قلعة الجبل، ونزل بمخيمه ~~بالريدانية. وفي اليوم المذكور، رحل الوالد بمن معه من الأمراء وهو جاليش ~~السلطان، وسار بهم يريد دمشق. ثم خلع السلطان على الأمير أرغون من ms2698 بشبغا ~~الأمير آخور الكبير باستقراره في نيابة الغيبة، وأنه يقيم بسكنه بالإسطبل ~~السلطاني. وخلع على مقبل الرومي، ورسم له أن يقيم بقلعة الجبل. وخلع على ~~الأمير يلبغا الناصري باستقراره في نيابة الغيبة، ويقيم بالقاهرة للحكم بين ~~الناس، وكذلك الأمير كزل العجمي حاجب الحجاب ثم رحل السلطان في رابع عشر ~~المحرم من الريدانية، يريد البلاد الشامية. وأما الأمير شيخ نائب الشام، ~~فإنه لما سمع بخروج السلطان من مصر، أفرج عن الأمير سودون تلي المحمدي، وعن ~~سودون اليوسفي، وعن الأمير طوخ، وهم الذين كان السلطان أرسل إلى شيخ ~~بطلبهم. وأظهر شيخ العصيان، وأخذ في مصادرات أهل دمشق، وأفحش في ذلك إلى ~~الغاية. ثم سار الملك الناصر إلى أن وصل إلى غزة، وعزل عنها الأمير ألطنبغا ~~العثماني وولاه نيابة صفد، وخلع على الأمير إينال الصصلاني الأمير آخور ~~الثاني باستقراره عوضه في نيابة غزة. وكان الأمير شيخ قد أرسل قبل ذلك ~~الأمير سودون المحمدي ودواداره شاهين إلى غزة، فلما وصل جاليش السلطان ~~إليها انهزما من الرملة إلى شيخ، وأخبراه بنزول السلطان على غزة. وكان ~~استعد شيخ في هذه المرة لقتال السلطان، فلما تحقق قدومه، خارت طباعه، وتحول ~~في الوقت إلى داريا فقدم عليه الأمير قرقماس ابن أخي دمرداش فارا من صفد، ~~وشجع الأمير شيخا على ملاقاة السلطان وقتاله، وعرفه أن غالب عساكره قد تغير ~~خاطرهم على السلطان، فلم يلتفت شيخ لذلك، وأبى إلا الهروب، ثم قدم عليه ~~الأمير جانم نائب حماة بعسكره، وعرفه قدوم نوروز عليه، وهو مع ذلك في تجهيز ~~الرحيل من دمشق. PageV03P0456 # وسار السلطان من غزة حتى نزل اللجون في يوم السبت أول صفر من سنة اثنتي ~~عشرة وثمانمائة، فكثر الكلام في وطاق السلطان بتنكر قلوب المماليك الظاهرية ~~على السلطان، وتحدثوا في بعضهم بإثارة فتنة، لتقديمه مماليكه الجلب عليهم، ~~وكثرة عطاياه لهم. فلما أصبح السلطان رحل من اللجون ونزل بيسان وأقام بها ~~نهاره إلى أن غربت الشمس، فماج العسكر، وهدت الخيم، واشتد اضطراب الناس. ~~وكثر قلق السلطان طول ليلته إلى أن أصبح ms2699 وجد الأمير تمراز الناصري النائب، ~~وإنيه وزوج بنته سودون بقجة، والأمير إينال المنقار، والأمير قرا يشبك، ~~والأمير سودون الحمصي، وعدة كبيرة من المماليك السلطانية قد فروا إلى ~~الأمير شيخ. وكان سبب فرارهم في هذه الليلة أن آقبغا الدوادار اليشبكي عرف ~~السلطان بأن هؤلاء الجماعة يريدن إثارة فتنة، فطلب السلطان كاتب سره فتح ~~الله، وجمال الدين الأستادار، وعرفهما ما بلغه عن الجماعة، فدار الأمر ~~بينهم على أن السلطان في وقت المغرب يرسل خلفهم ويقبض عليهم. وخرجوا على ~~ذلك من عند السلطان، فغدر جمال الدين الأستادار وأرسل - بعد خروجه من عند ~~السلطان - عرف الأمراء بالأمر. وكان تمراز قدم من مصر في محفة، لرمد كان ~~اعتراه، فأعلمهم جمال الدين بالخبر. وبعث إليهم بمال كبير لهم وللأمير شيخ ~~نائب الشام، فأخذوا حذرهم، وركبوا قبل أن يرسل السلطان خلفهم، ولحقوا ~~بالأمير شيخ. ولما خرجوا من الوطاق وساروا لم يكن حينئذ عند السلطان أحذ من ~~أكابر الأمراء، لتوجههم في الجاليش أمام السلطان فبعث السلطان خلف فتح الله ~~وجمال الدين الأستادار، ولا علم للسلطان بما فعله جمال الدين المذكور، ~~وكلمهما فيما يفعل، واستشارهما، فأشار عليه فتح الله بالثبات، وأشار عليه ~~جمال الدين بالركوب ليلا وعوده إلى مصر - يريد بذلك إفساد حاله - فمال ~~السلطان إلى كلام فتح الله، وأقام بوطاقه، فلما طلع الفجر ركب وسار بعساكره ~~نحو دمشق، فقدم عليه الخبر برحيل شيخ من دمشق إلى بصرى، فنزل السلطان على ~~الكسوة، ففر في تلك الليلة الأمير علان وجماعة من المماليك لشيخ. فركب ~~السلطان بكرة يوم الخميس سادس صفر، ودخل دمشق، ونزل بدار السعادة. ثم قبض ~~على شهاب الدين أحمد الحسباني وسلمه إلى الأمير ألطنبغا شقل، من أجل أنه ~~أفتى بقتاله، وطلب ابن التباني فإذا هو سار مع شيخ. وكتب السلطان بالإفراج ~~عن الأمير أرغز، وسودون الظريف، وسلمان، من قلعة الصبيبة وخلع على الأمير ~~زين الدين عمر الهيدباني باستقراره حاجب حجاب دمشق، وعلى ألطنبغا شقل حاجبا ~~ثانيا، وخلع على الأمير بردبك باستقراره في نيابة حماة عوضا عن جانم. ثم ms2700 ~~كتب السلطان للأمير نوروز تقليدا بنيابة حلب عوضا عن الأمير دمرداش ~~المحمدي. ثم قدم الأمير بكتمر جلق نائب طرابلس إلى دمشق، وأخبر أن الطاعون ~~فشا ببلاد حمص وطرابلس. ثم في عشرينه قدم الأمير دمرداش المحمدي نائب حلب ~~فأكرمه السلطان وخلع عليه. ثم خلع السلطان على الأمير بكتمر جلق باستقراره ~~في نيابة دمشق عوضا عن شيخ المحمودي، وخلع على دمرداش المحمدي باستقراره في ~~نيابة طرابلس عوضا عن بكتمر جلق - مضافا لنيابة حلب. ثم وقع من جمال الدين ~~الأستادار نكبة في حق بعض أصحاب الأمير شيخ، وهو أنه أمسك جمال الدين ~~القاضي ناصر الدين ابن البارزي وضربه ضربا مبرحا، لأجل معلوم تناوله لشمس ~~الدين أخي جمال الدين الأستادار. ثم في ليلة السبت أيضا قتل جمال الدين ~~الأستادار القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود الحلبي كاتب سر دمشق، لحقد كان ~~في نفس جمال الدين منه أيام خموله بحلب، وكان شرف الدين أيضا من أصحاب ~~الأمير شيخ، وكان عبد الباسط بن خليل في خدمة شرف الدين هذا، ومنه تعرف ~~بالأمير شيخ، وكان عبد الباسط في أيام سعادته بمصر ينقل في غالب أفعاله عن ~~أستاذه شرف الدين هذا. PageV03P0457 # ثم في يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الأول، خرج أطلاب السلطان والأمراء من ~~دمشق، وتبعهم السلطان بعساكره وهم بآلة الحرب والسلاح، ونزل بالكسوة. وأصبح ~~راحلا إلى جهة الأمير شيخ ورفقته، فالتقى كشافة السلطان مع كشافة شيخ، ~~واقتتلوا، وأسر من الشيخية رجل، ثم انهزمت الشيخية. ثم سار السلطان بكرة ~~يوم الأربعاء فنزل قرية الحراك نصف النهار، وأقام بها قدر ما أكل السماط. ~~ثم ركب منها بعساكره وسار سيرا مزعجا، ونزل عند الغروب بكرك البثنية من ~~حوران، وبات. وأصبح وسار حتى نزل مدينة بصرى، فتحقق هناك خبر شيخ بأنه في ~~عصر يوم الأربعاء الماضي بلغه أن السلطان خرج من دمشق في أثره، فرحل من ~~بصرى بعساكره فزعا يريد صرخد بعد ما كلمه الأمراء في الثبات، وقتال الملك ~~الناصر، فلم يقبل، وركب من وقته، وترك غالب أصحابه بمدينة بصرى، ثم ms2701 تبعته ~~أصحابه مع كثرة عددهم إلى صرخد. ولما بلغ الملك الناصر فرار شيخ وأصحابه، ~~تأوه لذلك وقال لكاتب سره فتح الله ولجمال الدين الأستادار: ألم أقل لكما ~~إن شيخا فظيع، ليس له قلب، ولو كان معه مائة ألف مقاتل لا يقدر أن يقابلني ~~بهم، لرعب سكن في قلبه مني؟. ثم أقام السلطان على بصرى إلى بكرة يوم السبت، ~~فقدم عليه وهو ببصرى الأمير برسباي الدقماقي الساقي - أعني الملك الأشرف - ~~والأمير سكب اليوسفي، فأكرمهما السلطان ووعدهما بكل خير، ثم ركب وسار - وهو ~~ثمل - حتى نزل بقرية عيون تجاه صرخد، فتناوش العسكران بالقتال، فقتل من ~~جماعة شيخ فارسان، وجرح جماعة من السلطانية، ثم فر جماعة أخر من السلطان ~~إلى الأمير شيخ. وبات السلطان وأصبح في وقت الفجر نادى أن لا يهد أحد ~~خيمته، ولا يحمل جمل، وأن يركب العسكر خيولهم، ويجر كل فارس جنيبه مع غلامه ~~من غير أن يأخذوا أثقالهم. فركبوا، وسار بهم على هذه الحالة حتى طرق شيخا ~~وأصحابه على حين غفلة، بعد أن كان سار هو بنفسه أمام عسكره مسرعا، وأمراؤه ~~يخذلونه من انقطاع عساكره عنه، ويقولون له: بمن تلقى شيخا، وقد عظم جمعه ~~وتخلفت عساكر السلطان منقطعة؟، والملك الناصر لا يلتفت إلى قولهم ويقول: لو ~~بقي معي عشرة مماليك لقيت بهم شيخا ومن معه أنا، أعرفهم حق المعرفة. ودام ~~على سيره حتى طرق شيخا على حين غفلة، وقد عبأ شيخ عساكره،فأوقف المصريين ~~ناحية - أعني الذين فروا إليه من الملك الناصر - وجعل عليهم الأمير تمراز ~~النائب، ووقف هو في ثقاته وخواصه، وهم نحو خمسمائة نفر، فتقدم السلطان وصدم ~~بعساكره الأمير تمراز بمن معه - وكانوا جمعا كبيرا - فانكسروا من أول وهلة. ~~ثم مال على الأمير شيخ وأصحابه، وقد تقهقر شيخ وأصحابه إلى جهة القلعة، ~~فكان بينهم معركة صدرا من النهار، وهو يتأخر إلى المدينة،وأصحابه تتسلل ~~منه، وصار القتال بجدران مدينة صرخد. ولازال شيخ يتأخر بمن معه، والملك ~~الناصر يتقدم بمن معه، حتى ملك وطاق شيخ وانتهب جميع ما كان فيه ms2702 من خيل ~~وقماش وغيرها. ثم هرب شيخ إلى داخل جدران المدينة. واستولى السلطان على ~~جامع صرخد، وأصعد أصحابه فرموا من أعلى المنارة بمكاحل النفط والمدافع ~~والأسهم الخطائية على شيخ، وشيخ يلوم أصحابه ويوبخهم على ما أشاروا عليه من ~~قتال الملك الناصر. ثم حمل السلطان عليه حملة منكرة بنفسه، فلم يثبت شيخ ~~وانهزم والتجأ في نحو العشرين من أصحابه إلى قلعة صرخد، وكانت خلف ظهره وقد ~~أسند عليها، فتسارع إليه عدة من أصحابه، وتمزق باقيهم وطلع شيخ إلى قلعة ~~صرخد في أسوإ حال، وأحاط السلطان على المدينة، ونزل حول القلعة، وأتاه ~~الأمراء فقبلوا الأرض بين يديه، وهنؤوه بالظفر والنصر. وامتدت أيدي ~~السلطانية إلى مدينة صرخد، فما تركوا بها لأهلها جليلا ولا حقيرا. وانطلقت ~~ألسنة أهل صرخد بالوقيعة في شيخ وأصحابه، وأكثروا له التوبيخ بكلام معناه ~~أنه إذا لم يكن له قوة ما باله يقاتل من لم يطق دفعه وقتاله. PageV03P0458 # وسار الأمير تمراز، وسودون بقجة، وسودون الجلب، وسودون المحمدي، وتمربغا ~~المشطوب، وعلان في عدة كبيرة إلى دمشق، فقدموها يوم الاثنين تاسعه، ~~فقاتلتهم العامة ودفعوهم عنها، وأسمعوهم من المكروه أضعاف ما سمعه شيخ ~~بصرخد، فولوا يريدون جهة الكرك، وهم في أحقر ما يكون من الأحوال. وساروا عن ~~دمشق بعد ما قتل منهم جماعة، وجرح جماعة، وتأخر كثير منهم بظواهر دمشق، ~~ومضى منهم جماعة إلى حماة، والجميع في أنحس حال، وأخذ منهم جماعة كثيرة ~~بدمشق وغيرها. ولما دخلت الأمراء على السلطان الملك الناصر للتهنئة حسبما ~~ذكرناه التفت السلطان للوالد، وكان يسميه أطا: أعني أب، وقال له: يا أطا، ~~أنا ما قلت لك أنا أعرف شيخا إذا كان معي عشرة مماليك قاتلته بهم. ثم تكلم ~~في حق شيخ بما لا يليق ذكره، فقال له الوالد: يا مولانا السلطان، هذا كله ~~بسعد مولانا السلطان، وعظم مهابته. وأما شيخ فإنه إذا كان من حزب السلطان ~~وشمله نظر مولانا السلطان من ذا يضاهيه في الفروسية؟ غير أنه، للرعب الذي ~~في قلبه من حرمة مولانا السلطان وغضبه عليه يقع ms2703 في مثل هذا أو أكثر. قلت: ~~وأظهر الملك الناصر من الشجاعة والإقدام ما سيذكر عنه إلى يوم القيامة. على ~~أن غالب أمرائه ومماليكه الأكابر كانوا اتفقوا مع جمال الدين الأستادار ~~أنهم يكبسون عليه ويقتلونه في الليل. وبلغ الملك الناصر ذلك من يوم خروجه ~~من غزة، فاحترز على نفسه. وأشار عليه كل من خواصه أن يرجع عن قتال شيخ ~~وأصحابه بحيلة يدبرها، ويرجع إلى نحو الديار المصرية، مخافة أن تخذله ~~عساكره، فلم يلتفت إلى كلام أحد، وأبى إلا قتال شيخ - وهذا شيء مهول عظيم ~~إلى الغاية، وإن كان هو يهول في السماع، فإذا تحققه الشخص يهوله إلى ~~الغاية، من كون عسكر الملك يكون مختلفا عليه وهو يريد يقاتل ملوكا عديدة، ~~كل واحد منهم مرشح للسلطنة. وما أظن أن بعد الملك الأشرف خليل بن قلاوون ~~ولي على مصر سلطان أشجع من الملك الناصر هذا في ملوك الترك جميعها. ولقد ~~أخبرني جماعة كبيرة من أعيان المماليك الظاهرية الذين كانوا يوم ذاك مع ~~الأمير شيخ المذكور، قالوا: لما قيل للأمير شيخ: إن السلطان الملك الناصر ~~قدم إلى جهة صرخد، تغير لونه واختلط في كلامه، وأراد طلوع قلعة صرخد قبل أن ~~يقاتل الملك الناصر، فلامه على ذلك بعض خواصه، وقالوا له: قد انضم عليك في ~~هذه المرة من الأمراء والعساكر ما لم جتمع مثله لأحد قبلك، فإن كنت بهم لا ~~تقاتل الملك الناصر في هذه النوبة فمتى تقاتله؟ وبعد هذا فلا ينضم عليك ~~أحد. فقال شيخ: صدقت فيما قلت غير أن جميع من تنظره الآن، وهو يتنمر على ~~فرسه، إذا وقع بصره على الملك الناصر صار لا يستطيع الهروب، فكيف القتال؟! ~~فقال له القائل: فإن! يعلم هذا لا يصلح له أن يعصي ويتطلب السلطنة. فقال ~~شيخ: والله ما أريد السلطنة وإنما غالب ما أفعله خوفا من شر هذا الرجل، وقد ~~بذلت له الطاعة غير مرة، وتوجهت إلى خدمته بمصر والشام، وقاتلت أعداءه! ~~والله أنا أهابه أكثر من أستاذي الملك الظاهر برقوق! غير أنه لا يريد ms2704 إلا ~~أخذ روحي، والروح والله لا تهون، فأيش يكون العمل؟. وشرع يتكلم في هذا ~~المعنى ويكثر، حتى أمره تمراز النائب بالكف عن هذا الكلام في مثل هذا ~~الوقت، والعمل فيما يعود نفعه عليه وعلى رفقته. فكف شيخ عن ذلك، وأخذ في ~~تدبير أمره وتعبية عساكره، حتى وقع ما حكيناه - انتهى. ولما نزل السلطان ~~الملك الناصر على قلعة صرخد، أصر النواب أن يتوجه كل واحد منهم إلى محل ~~كفالته، فسار الجميع إلا الأمير دمرداش المحمدي، فإنه أرسل ابن أخيه تغري ~~بردي المدعو سيدي الصغير إلى حلب، ليكون نائبا عنه بها، وأقام هو عند ~~السلطان على صرخد، وكذلك الأمير بكتمر جلق نائب الشام، فإنه أيضا أقام عند ~~السلطان. وأخذ السلطان في حصار قلعة صرخد، وعزم على أنه لا يبرح عن قتالها ~~حتى يأخذها. PageV03P0459 # ثم قدم الخبر على السلطان أن تركمان الطاعة قاتلوا نوروزا وكسروه كسرة ~~قبيحة، فدقت البشائر بصرخد لذلك. ثم أمر السلطان دمرداش المحمدي بالتوجه ~~إلى محل كفالته بحلب. هذا ونواب الغيبة بدمشق في أمر كبير من مصادرات ~~الشيخية، وقبضوا على جماعة كبيرة من حواشيه، منهم: علم الدين داود، وصلاح ~~الدين أخوه ابنا الكويز - قبض عليهما من بيت نصراني بدمشق، فأهينا - وقبض ~~أيضا على شهاب الدين أحمد الصفدي موقع الأمير شيخ، وتوجه الطواشي فيروز ~~الخازندار فتسلمهم من دمشق. هذا والملك الناصر مستمر على حصار قلعة صرخد، ~~وأحرق جسر القلعة، فامتنع شيخ بمن معه داخلها. فأنزل السلطان الأمراء حول ~~القلعة، وألزم كل أمير أن يقاتل من جهته، والسلطان في لهوه وطربه لا يركب ~~إلى جهة القلعة إلا ثملا. ثم طلب السلطان مكاحل النفط، والمدافع من قلعة ~~الصبيبة وصفد ودمشق، ونصبها حول القلعة - وكان فيها ما يرمي بحجر زنته ستون ~~رطلا دمشقيا. وتمادى الحصار ليلا ونهارا، حتى قدم المنجنيق من دمشق على ~~مائتي جمل، فلما تكامل نصبه ولم يبق إلا أن يرمى بحجره، وزنة حجره تسعون ~~رطلا بالدمشقي. فلما رأى شيخ ذلك خاف خوفا عظيما، وتحقق أنه متى ظفر به ~~الملك الناصر على ms2705 هذه الصورة لا يبقيه، فترامى على الوالد، وعلى بقية ~~الأمراء، وألقى إليهم الأوراق في السهام. وأخذ شيخ لا يقطع كتبه عن الوالد ~~في كل يوم وساعة، وهو يقول له في الكتب: صن دماء المسلمين واجعلنا عتقاءك، ~~وما لك فينا جميلة، فإننا إنياتك، وخشداشيتك، ولم يكن في القوم من له علي ~~أنا خاصة شفقة وإحسان غيرك وأنت أتابك العساكر وحمو السلطان، وأعظم مماليك ~~أبيه، فأنت عنده في مقام برقوق، وكلمتك لا ترد عنده، وشفاعتك مقبولة وأشياء ~~كثيرة من هذا الكلام وأشباهه. وكان الوالد يميل إلى الأمير شيخ لما كان ~~لشيخ عليه من الخدم بالقصر السلطاني أيام أستاذهما الملك الظاهر برقوق من ~~تلبيسه القماش، والقيام في خدمه. ثم كاتب شيخ أيضا الأمير جمال الدين ~~الأستادار، وفتح الله كاتب السر، وكان جمال الدين قد انحط قدره عند الملك ~~الناصر في الباطن، واتفق السلطان مع الوالد على مسكه بدمشق، فمنعه الوالد ~~من ذلك، ووعده أنه يكفيه أمره ويمسكه بالقرب من القاهرة، حتى لا يفر أحد من ~~أقاربه وحواشيه. ثم أخذ الوالد مع السلطان في أمر شيخ ورفقته في كل يوم ~~وساعة، ولا زال يخذل الملك الناصر عن قتالهم، ويحسن له الرضى عنهم حتى أذعن ~~السلطان، وشرط عليه شروطا، فعند ذلك ركب الوالد ومعه الخليفة المستعين ~~بالله العباس، وفتح الله كاتب السر، في يوم السبت ثاني عشرين شهر ربيع ~~الأول من سنة اثنتي عشرة وثمانمائة المذكورة، وساروا حتى نزلوا على جانب ~~الخندق، وخرج شيخ وجلس بداخل باب القلعة، فأخذ الوالد يوبخه على أفعاله، ~~وما وقع للناس والبلاد بسببه، وهو ساكت لا يتكلم - وقيل إن شيخا أراد ~~الخروج إليهم فغمزه الوالد ألا يخرج، ففطن شيخ بها، وجلس بداخل باب القلعة. ~~ثم أخذ فتح الله أيضا يحذره مخالفة السلطان، ويخوفه عواقب البغي، وفي كل ~~ذلك يعتذر شيخ للوالد بأعذار مقبولة، ويستعفي من مقابلة السلطان، خوفا من ~~سوء ما اجترمه، والوالد يشتد عليه، ويلزمه بالخروج معه إلى السلطان في ~~الظاهر، وفي الباطن يشير عليه بعدم الخروج - هكذا حكى ms2706 الملك المؤيد شيخ بعد ~~سلطنته. وطال الكلام حتى قام الوالد، والخليفة، وفتح الله، وأعادوا بالجواب ~~على السلطان، فأبى السلطان الرضى عنه إلا أن ينزل إليه. فكلم الوالد ~~السلطان في العفو عن ذلك، فلم يقبل، فكرر عليه السؤال مرات، وقبل يده ~~والأرض غير مرة، واعتذر عن عدم حضوره بأعذار مقبولة. PageV03P0460 # ثم عاد الوالد وفتح الله فقط إلى شيخ. فخرج شيخ حينئذ للوالد فعانقه ~~الوالد، فبكى شيخ، فقال له الوالد على سبيل المداعبة والمماجنة: ما مت يا ~~شيخ حتى مشينا في خدمتك. فقال شيخ: لم تزل الأكابر تمشي في مصالح الأصاغر. ~~كل ذلك في حال الوقوف للسلام. ثم جلسا، وعرفه الوالد رضى السلطان عليه، ~~وعرفه الشروط، فقبلها، وقام قائما وقبل الأرض غير مرة. وتقدم فتح الله ~~وحلفه على طاعة السلطان، وأخذ منه الأمير كمشبغا الجمالي، وأسنبغا - وكانا ~~في حبس الأمير شيخ - بعدما خلع عليهما شيخ وأدلاهما من سور قلعة صرخد. ثم ~~أدلى الأمير شيخ ابنه إبراهيم ليتوجه مع الوالد ويقتل يد السلطان، فلما ~~تعلق الصغير من أعلى السور بالسرياقات، صاح وبكى من خوفه أن يقع، فرحمه ~~الوالد وأمره برده إلى القلعة، فنشلوه ثانيا، وقال الوالد: أنا أكفيك هذا ~~الأمر ولا يحتاج إلى نزول الصغير. ثم تصايح الفريقان من أعلى السور ومن ~~جميع خيم العسكر: الله ينصر السلطان،، فرحا بوقوع الصلح. وفرح أهل القلعة ~~من أصحاب شيخ فرحا عظيما، لأنهم كانوا قد أشرفوا على الهلاك. وأما فرح ~~العسكر فإن غالب أمراء الملك الناصر كانوا غير نصحاء له، ولم يرد أحد منهم ~~أن يظفر بشيخ، حتى ولا الوالد، خشية أن يتفرغ السلطان من شيخ لهم. ثم ~~أصبحوا يوم الأحد، ركب الوالد وكاتب السر وجماعة من الأمراء، وطلعوا إلى ~~قلعة صرخد، وجلسوا على عادتهم، وخرج شيخ وجلس على باب القلعة. وأحلف فتح ~~الله من بقي مع شيخ من الأمراء للسلطان، وهم جانم من حسن شاه نائب حماة، ~~وقرقماس ابن أخي دمرداش - وقد فارق عمه دمرداش، وصار من حزب شيخ - وتمراز ~~الأعور. وأفرج شيخ عن تجار ms2707 دمشق، الذين كان قبض عليهم لما خرج عن الطاعة ~~وصادرهم. ثم بعث شيخ بتقدمة إلى السلطان فيها عدة مماليك. وتقرر الحال على ~~أن شيخا المذكور يكون نائب طرابلس، وأن يلبس التشريف السلطاني إذا رحل ~~السلطان. ثم قام الوالد ومن معه وسلم على شيخ، وعاد إلى السلطان. فرحل ~~السلطان من وقته، وسار حتى نزل زرع وبات بها. ثم سار حتى قدم دمشق يوم ~~الثلاثاء أول شهر ربيع الآخر، بعد أن جد في السير، فنزل بدار السعادة على ~~عادته. وأما شيخ فإنه نزل من قلعة صرخد بعد رحيل السلطان، ولبس التشريف ~~السلطاني بنيابة طرابلس، وقبل الأرض على العادة، ثم قبل يد الوالد غير مرة. ~~ثم جهز شيخ ولده إبراهيم صحبة الوالد إلى السلطان الملك الناصر. ورحل ~~الوالد، ورحل معه سائر من تخلف عنده من الأمراء، منهم: بكتمر جلق نائب ~~الشام - وهو أعدى عدو للأمير شيخ - وساروا حتى وصلوا الجميع دمشق في سابع ~~شهر ربيع الآخر المذكور. وأحضر الوالد إبراهيم ابن الأمير شيخ إلى السلطان، ~~فأكرمه السلطان وخلع عليه، وأعاده إلى أبيه، ومعه خيول، وجمال،وثياب، ومال ~~كبير. ثم خلع السلطان على الشريف جماز بن هبة الله بإمرة المدينة النبوية - ~~على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وشرط عليه إعادة ما أخذه من الحاصل ~~بالمدينة. ثم في رابع عشر شهر ربيع الآخر المذكور، خرج قضاة مصر الذين ~~كانوا في صحبة الملك الناصر من دمشق عائدين إلى الديار المصرية، وهم وكثير ~~من الأثقال، ونزلوا بداريا خارج دمشق. ثم طلبت القضاة من يومهم فعادوا إلى ~~مدينة دمشق، لعقد قران، ابنة السلطان على الأمير بكتمر جلق نائب الشام. ثم ~~في يوم الخميس سابع عشره، حمل بكتمر جلق المهر، وزفته المغاني حتى دخل دار ~~السعادة إلى السلطان، ثم عقد العقد بحضرة السلطان والأمراء والقضاة، فتولى ~~العقد السلطان بنفسه، وقبله عن الأمير بكتمر جلق الوالد. ثم خرجت القضاة من ~~الغد في يوم الجمعة سائرين إلى مصر، ثم صلى السلطان صلاة الجمعة بالجامع ~~الأموي، وخرج منه وسار من دمشق بعساكره يريد القاهرة، ms2708 ونزل بالكسوة. وخلع ~~على الأمير نكباي باستقراره حاجب حجاب دمشق، عوضا عن عمر بن الهيدباني. ثم ~~في تاسع عشره أخلع السلطان على الأمير سودون الجلب باستقراره في نيابة ~~الكرك. PageV03P0461 # ثم سار السلطان في ليلة الأحد من الكسوة. واستولى بكتمر جلق على دمشق، ~~ونزل بدار السعادة. وسار السلطان حتى نزل الرملة في رابع عشرينه، وركب منها ~~وسار مخفا يريد زيارة القدس، وبعث الأثقال إلى غزة، ودخل القدس وزاره، ~~وتصدق بخمسة آلاف دينار، وعشرين ألف درهم فضة، وبات ليلته في القدس. وسار ~~من الغد إلى الخليل عليه السلام فبات به، ثم توجه إلى غزة، فدخلها في، سابر ~~عشرينه، وأقام بها إلى ثاني جمادى الأولى، فرحل منها. وأما دمشق، فإنه قدم ~~إليها في ثالث جمادى الأولى كتاب السلطان إلى أعيان أهل دمشق بأنه قد ولى ~~الأمير شيخا نيابة طرابلس، فإن قصد دمشق فدافعوه عنها وقاتلوه. وسببه أن ~~الأمير شيخا كان قصد دخول دمشق، وكتب إلى الأمير بكتمر جلق يستأذنه في ~~الحضور إليها ليقضي بها أشغاله ثم يرحل إلى طرابلس. وكان الذي قصده الأمير ~~شيخ على حقيقته، وليس له غرض في أخذ دمشق، فلم يأذن له بكتمر في الحضور ~~إليها وخاشنه بالكلام. فقال شيخ: أنا أسير إلى جهة دمشق ولا أدخلها. وسار ~~حتى نزل شيخ في ليلة الجمعة عاشر جمادى الأولى على شقحب وكان الأمير بكتمر ~~قد خرج بعساكر دمشق إلى لقائه، ونزل بقبة يلبغا، ثم ركب ليلا يريد كبس ~~الأمير شيخ، فصدف كشافته عند خان ابن ذي النون فواقعهم. فبلغ ذلك شيخا، ~~فركب وأتى بكتمر وصدمه بمن معه صدمة كسره فيها، وانهزم بكتمر بمن معه إلى ~~جهة صفد، ومعه قريب من مائة فارس، وعدة من الأمراء، وتخلف عنه جميع عساكر ~~دمشق. وسار شيخ حتى أتى دمشق بكرة يوم الجمعة، ونزل بدار السعادة من غير ~~ممانع، وقد تلقاه أعيان الدماشقة، فاعتذر إليهم، وحلف لهم أنه لم يقصد سوى ~~النزول بالميدان خارج دمشق ليقضي أشغاله، وأنه لم يكن له استعداد لقتال، ~~وأنه كتب يستأذن الأمير ms2709 بكتمر في ذلك، فأبى ثم خرج وقاتله فانهزم. وسأل ~~شيخ، جماعة من أعيان دمشق أن يكتبوا للسلطان بذلك، بعد أن كتب بهذا جميعه ~~محضرا، وأراد إرساله إلى السلطان، فلم يجسر أحد من الشاميين أن يمضي به إلى ~~السلطان الملك الناصر، خوفا من سطوته. ثم في ثالث عشره ولى الأمير شيخ شهاب ~~الدين أحمد بن الشهيد نظر جيش دمشق، وولى شمس الدين محمد بن التباني نظر ~~الجامع الأموي، وولى تغري برمش أستاداره نيابة بعلبك، وولى إياسا الكركي ~~نيابة القدس، وولى منكلي بغا كاشف القبلية، وولى الشريف محمد بن دغا، محتسب ~~دمشق وأما السلطان فإنه لما خرج من مدينة غزة سار منها حتى نزل قرية غيتا ~~خارج مدينة بلبيس في يوم الخميس تاسع جمادى الأولى. ولما استقر السلطان في ~~المنزلة المذكورة، وقد خرج الناس لتلقي العسكر، وخرج غالب أقارب جمال الدين ~~الأستادار إلى تلقيه، وفرشت له الدور بالقاهرة، فركب الوالد بقماش جلوسه من ~~مخيمه من غير أن يجتمع بالسلطان، لاتفاق كان بينهما من دمشق في القبض على ~~جمال الدين المذكور لأسباب نذكرها. وكان الوالد يكره جمال الدين بالطبع، ~~على أنه باشر أيام عظمته أستادارية الوالد، مضافا إلى أستادارية السلطان، ~~وصار يجلس مع مباشريه وينفذ الأمور، ومع ذلك لم يقبل عليه الوالد، لقلة ~~دينه وسفكه الدماء، وعظم ظلمه. وسار الوالد من مخيمه، ومماليكه مشاة حوله، ~~يقصد وطاق جمال الدين. حدثني القاضي شرف الدين أبو بكر بن العجمي، موقع ~~جمال الدين، وزوج بنت أخيه، قال: كنت جالسا بين يدي الأمير جمال الدين ~~الأستادار في وطاقه، وقد حضر إلى تلقيه غالب أقاربه، فقيل له: إن الأمير ~~الكبير تغري بردي قادم إلى جهتك. فلما سمع جمال الدين ذلك تغير لونه وقال: ~~هذا من دون عسكر السلطان لا يعودني في مرضي! فما مجيئه في هذا الوقت لخير. ~~ونهض من وقته قبل أن نرد عليه الجواب، وخرج من خامه ماشيا إلى جهة الوالد ~~خطوات كثيرة غالبها هرولة حتى لقي الوالد - وهو راكب - فقبل رجله في ~~الركاب، فمسكه الوالد ms2710 من رأسه ثم أمر به فقيد في الحال، وقال لمن تولى ~~تقييده: هذا الأمير جمال الدين عظيم الدولة! أبصر له قيدا ثقيلا يصلح له،، ~~فبكى جمال الدين ودخل تحت ذيله. PageV03P0462 # ثم أمر الوالد بالقبض على جميع أقاربه وحواشيه، فقبض على ابنه أحمد، وعلى ~~ابني أخته أحمد وحمزة. وكان الوالد ندب جماعة من مماليكه إلى القاهرة ~~للحوطة على دور جمال الدين وأقاربه، ثم أخذهم الوالد، وأركبهم بالقيود، ~~وسار بهم إلى جهة الديار المصرية. كل ذلك والسلطان لا يعلم بما وقع إلا بعد ~~سير الوالد إلى جهة القاهرة. وأخذ جمال الدين في طريقه يترفق للوالد ويعده ~~ويسأله القيام في أمره، كل ذلك والوالد لا يعتبه إلا على قتل أستاداره عماد ~~الدين إسماعيل وأخذ ماله. وكان خبر إسماعيل مع جمال الدين المذكور أن ~~إسماعيل كان أستادار الوالد، وكان له عز وثروة ومعرفة ورئاسة قبل أن يترأس ~~جمال الدين، فكان يستخف بجمال الدين، ويطلق لسانه في حقه، وجمال الدين لا ~~يصل إليه من انتمائه للوالد. فأخذ جمال الدين يسعى في أستادارية الوالد مدة ~~طويلة حتى ولاه الوالد أستاداريته، بعد أن بذل جمال الدين مالا كثيرا ~~للوالد ولحواشيه. واستأذن الوالد أن يقبض على عماد الدين، إسماعيل ويؤدبه، ~~ويظهر للوالد في جهته جملة كبيرة من الأموال، وفي ظن الوالد أنه يوبخه ~~بالكلام، أو يهينه ببعض الضرب ثم يطلقه، فأذن له الوالد في ذلك. وكان عماد ~~الدين، إسماعيل المذكور مسافرا، فلما قدم من السفر ركب وأتى إلى الوالد - ~~وكان الوالد تغير عليه قبل ذلك لسبب من الأسباب - فقبل يد الوالد، وخرج من ~~عنده، فصدف جمال الدين عند مدرسة سودون من زادة، فقال له الأمير جمال ~~الدين: بسم الله يا أمير عماد الدين، أين الهدية؟ فعاد معه عماد الدين، ~~وحال وصوله إلى بيته أجرى عليه العقوية، وأخذ منه أربعين ألف دينار، ثم ~~ذبحه من ليلته. فلما سمع الوالد بقتلته من الغد كاد عقله أن يذهب، وأراد ~~الركوب في الحال والطلوع إلى السلطان، فقال له حواشيه وخواصه: يا خوند ms2711 قد ~~فات الأمر، وما عسى أن يصنع فيه الملك الناصر مع حصوصيته عنده .فسكت الوالد ~~على دغل، وأخذ في توغير خاطر السلطان عليه، ويعرف السلطان بأفعال جمال ~~الدين. ولا زال به حتى تغير عليه السلطان، مع أمور أخر وقعت من جمال الدين، ~~فكان ذلك أكبر أسباب ذهاب جمال الدين،وأراح الله المسلمين منه. ثم ركب ~~السلطان من غيتا وسار حتى نزل بالخانقاه، ثم سار حتى طلع إلى قلعة الجبل في ~~يوم السبت حادى عشر جمادى الأولى المذكور، بعد أن زينت له القاهرة ومصر، ~~وخرج الناس لتلقيه، فكان لدخوله يوم عظيم، وحمل الوالد على رأسه القبة ~~والطير. ولما استقر السلطان بقلعة الجبل - وقد حبس بها جمال الدين - ثم رسم ~~السلطان للوالد أن يتسلم جمال الدين ويعاقبه، فقال الوالد: يا مولانا ~~السلطان! جمال الدين كلب لا يتسلمه إلا كلب مثله، فقال تاج الدين عبد ~~الرزاق بن الهيصم: يا خوند! أنا ذلك الكلب،، فسلمه السلطان له. وأما أسباب ~~القبض على جمال الدين فكثيرة، منها: ما فعله ليلة بيسان لما استشاره ~~السلطان هو وفتح الله، وفر الأمراء. وكان جمال الدين لما خرج من عند ~~السلطان أرسل إلى الأمراء بذلك، وطلب جمال الدين صيرفيه عبد الرحمن وأمره ~~فصر للأمير شيخ المحمودي نائب الشام بخمسة آلاف دينار يرسلها له صحبة ~~الأمراء المتوجهين في الليل إليه، وإلى تمراز بثلاثة آلاف دينار، وهو رأس ~~الأمراء الذين عزموا على الفرار، وعلى رفقته: سودون بقجة، وعلان، وإينال، ~~لكل واحد بألفي دينار، وبعث بالمبلغ إليهم، وأعلمهم بما عزم عليه السلطان ~~من القبض عليهم، فكان هذا من أكبر الأسباب في هلاك جمال الدين، ولم يعلم ~~السلطان ذلك إلا بعد أيام. PageV03P0463 # ومنها أن السلطان الملك الناصر لم يكن معه في هذه السفرة من الذهب إلا ~~النزر اليسير، فسأل جمال الدين في مبلغ فقال جمال الدين: ما معي إلا مبلغ ~~هين. فندب السلطان فتح الله كاتب السر في الفحص عن ذلك، فقال له فتح الله: ~~قد رافق جمال الدين في هذه السفرة تاج الدين عبد ms2712 الرزاق بن الهيصم كاتب ~~المماليك، وأخوه مجد الدين عبد الغني مستوفي الديوان المفرد، فاسألهما ~~وتلطف بهما تعلم ما مع جمال الدين من الذهب. فطلبهما السلطان، وفعل ذلك، ~~فأعلماه بليلة بيسان، وما فعله جمال الدين من إرسال الذهب، وإعلام الأمراء ~~بقصد السلطان، حتى فروا ولحقوا بالأمير شيخ، فقال السلطان: أمن أين لكم هذا ~~الخبر؟ فقالا: صيرفيه عبد الرحمن ينزل عندنا وعند تقي الدين عبد الوهاب بن ~~أبي شاكر ناظر ديوان المفرد، وهو الحاكي، فصدق السلطان مقالتهما وأسرها في ~~نفسه، واستشار الوالد في القبض على جمال الدين، فقال له الوالد: المصلحة ~~تركه حتى يعود إلى جهة القاهرة، ويقبض عليه وعلى جميع أقاربه، حتى لا يفوت ~~السلطان منهم أحد، وتكون الحوطة على الجميع معا، فأعجب السلطان ذلك، وسكت ~~عن قبضه بالديار الشامية. ثم إن تاج الدين عبد الرزاق، بن الهيصم لا زال ~~حتى أوصل عبد الرحمن الصيرفي إلى السلطان، وحكى له الواقعة من لفظه في مجلس ~~شرابه، وشرب معه عبد الرحمن في تلك الليلة. ومنها أن القاضي محيي الدين ~~أحمد المدني كاتب سر دمشق لقي ابن هيازع عند باب الفراديس بدمشق، فأعلمه ~~ابن هيازع أن أصحابه وجدوا عند مدينة زرع ساعيا معه كتب، فقبضوا عليه ~~وأخذوا منه الكتب وجاؤوا بها إليه. وكان محيي الدين المذكور معزولا عن ~~كتابة سر دمشق من مدة، فأخذ الكتب ولم يدر ما فيها وسلمها لفتح الله، فأخذ ~~فتح الله الكتب ومحيي الدين إلى السلطان. وفتحت الكتب، وقرئت بحضرة ~~السلطان، فإذا هي من جمال الدين إلى الأمير شيخ، فزاد السلطان غضبا على ~~غضبه، وأخفى ذلك كفه عن جمال الدين لأمر سبق. وأخذ السلطان يغالط جمال ~~الدين، والتغيير يظهر من وجهه، لشبيبته وشدة حقده عليه، فتقهقر جمال الدين ~~قليلا، وأخذ يغالط السلطان، ويسأله يسلم له ابن الهيصم وابن أبي شاكر، وألح ~~في ذلك، والسلطان لا يوافقه ويعده ويمنيه، إلى أن نزل السلطان بمدينة غزة، ~~وأظهر لجمال الدين الجفاء، وأراد القبض عليه، فلم يمكنه الوالد، فتركه ~~السلطان إلى أن نزل بلبيس ms2713 ووقع ما حكيناه. وأما أصل جمال الدين ونسبه فإنه ~~يوسف بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن قاسم البيري الحلبي البجاسي. كان ~~أبوه يتزيا بزي الفقهاء، وكان يخطب بالبيرة، فتزوج بأخت شمس الدين عبد الله ~~بن سهلول، وقيل سحلول المعروف بوزير حلب، فولدت له يوسف هذا، ولقب بجمال ~~الدين، وكنى بأبي المحاسن هو وأخوته. ونشأ جمال الدين يوسف المذكور ~~بالبيرة. ثم قدم البلاد الشامية على فاقة عظيمة، وتزيا بزي الجند، وخدم ~~بلاصيا عند الشب علي كاشف بر دمشق، ثم عند غيره من الكشاف. وطال خموله، ~~وخالط الفقر ألوانا إلى أن خدم عند الأمير بجاس - وهو أمير طب لخاناه - بعد ~~أمور يطول شرحها. ثم جعله بجاس أستاداره، وتمول وعرف عند الناس بجمال الدين ~~أستادار بجاس، وكثر ماله، وسكن بالقصر بين القصرين، واتهم أنه وجد به من ~~خبايا الفاطميين خبيئة. ثم خدم بعد بجاس عند جماعة من الأمراء إلى أن عد من ~~الأعيان. وصحب سعد الدين إبراهيم بن غراب، فنوه ابن غراب بذكره إلى، أن طلب ~~أن يلي الوزر فامتنع من ذلك، وطلب الأستادارية، فخلع السلطان عليه ~~باستقراره أستادارا عوضا عن سعد الدين بن غراب المذكور، بحكم توجه ابن غراب ~~مع يشبك الدوادار إلى البلاد الشامية، وذلك في رابع شهر رجب سنة سبع ~~وثمانمائة، ومن يومئذ أخذ أمره يظهر حتى صار حاكم الدولة ومدبرها، بعد أن ~~قتل خلائق من الأعيان لا تدخل تحت حصر من كل طائفة، بالعقوبة والذبح والخنق ~~وأنواع ذلك. قلت: لاجرم أن الله تعالى قاصصه في الدنيا ببعض ما فعله، فعوقب ~~أياما بالكسارات وأنواع العذاب، ثم ذبح في ليلة الثلاثاء حادي عشر جمادى ~~الآخرة، وأراح الله الناس من سوء فعله وقبح منظره - انتهى. PageV03P0464 # ثم في يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى المذكور خلع السلطان على تاج ~~الدين عبد الرزاق بن الهيصم ناظر الإسطبل، وكاتب المماليك السلطانية، ~~باستقراره أستادارا عوضا عن جمال الدين يوسف البيري - بحكم القبض عليه - ~~وترك لبس المباشرين ولبس الكلفتاة، وتقلد بالسيف وتزيا بزي الأمراء، ms2714 وخلع ~~على أخيه مجد الدين عبد الغني بن الهيصم مستوفي ديوان المفرد، واستقر في ~~نظر الخاص، وخلع على سعد الدين إبراهيم بن البشيري ناظر الدولة، واستقر في ~~الوزارة - وكل هذه الوظائف كانت مع جمال الدين الأستادار - وخلع على تقي ~~الدين عبد الوهاب بن أبي شاكر واستقر ناظر ديوان المفرد، وأضيف إليه ~~أستادارية الأملاك والأوقاف السلطانية، عوضا عن أحمد ابن أخت جمال الدين، ~~وخلع على تاج الدين فضل الله بن الرملي واستقر ناظر الدولة، وخلع على حسام ~~الدين حسين الأحول - عدو جمال الدين - واستقر أمير جاندار. ثم قدم الخبر ~~بأخذ شيخ دمشق، وفرار بكتمر جلق إلى صفد. وأرسل الأمير شيخ محضرا يتضمن أنه ~~كان يريد التوجه إلى طرابلس، فلما وصل شقحب قصده بكتمر جلق وقاتله، فركب ~~ودفع عن نفسه، وشهد له في المحضر جماعة كبيرة من أهل دمشق وغيرها. وكان ~~الأمر كما قاله شيخ - حسبما ذكرناه قبل تاريخه وسكت الوالد، واحتار في نفسه ~~بين بكتمر وشيخ، فإنه كان يميل إلى كل منهما. ثم قدم في أثناء ذلك الأمير ~~بكتمر جلق إلى القاهرة في سابع عشرين جمادى الأولى، بعد دخول السلطان إلى ~~القاهرة بنحو ستة عشر يوما، وقدم صحبة بكتمر المذكور الأمير بردبك نائب ~~حماة، والأمير نكباي حاجب دمشق، والأمير ألطنبغا العثماني، والأمير يشبك ~~الموساوي الأفقم نائب غزة، فخرج السلطان إلى لقائهم، ودخل بهم من باب ~~النصر، وشق القاهرة وخرج من باب زويلة، ونزل بدار الأمير طوخ - أمير مجلس - ~~يعوده في مرضه، ثم طلع إلى القلعة. ولم يعتب السلطان على الوالد في أمر ~~شيخ، ولا فاتحه الوالد في أمره، حتى قال الوالد لبعض مماليكه: كأن السلطان ~~عذر الأمير شيخا فيما وقع منه - والله أعلم. وفي هذه الأيام، تناولت جمال ~~الدين وحواشيه العقوبات، وأخذوا له عدة ذخائر من الأموال، وما استهل جمادى ~~الآخرة حتى كان مجموع ما أخذ منه من الذهب العين المصرفي تسعمائة ألف دينار ~~وأربعة وستين ألف دينار، وهو إلى الآن تحت العقوبة والمصادرة. ثم ورد الخبر ~~على السلطان من البلاد ms2715 الشامية، من دمرداش نائب حلب، بأن الأمير نوروزا ~~الحافظي قدم إلى حلب، ومعه يشبك بن أزدمر وغيره، وأن الأمير دمرداش المحمدي ~~نائب حلب تلقاه وأكرمه وحلفه للسلطان، ثم كتب يعلم السلطان بذلك ويسأله أن ~~يعيده إلى نيابة دمشق وأن يولي ابن أزدمر نيابة طرابلس وأن يولي ابن أخيه ~~تغري بردي، المعروف بسيدي الصغير نيابة حماة فأجاب السلطان إلى ذلك، وأرسل ~~الأمير مقبلا الرومي في البحر إلى نوروز المذكور وعلى يده التقليد والتشريف ~~بنيابة الشام. فوصل إليه مقبل الرومي المذكور في رابع شعبان، فلبس نوروز ~~التشريف، وقبل الأرض، وجدد اليمين للسلطان بالطاعة على كل حال، وعدم ~~المخالفة. ولما بلغ شيخا ذلك فر منه جماعة من الأمراء وأتوا إلى الأمير ~~نوروز، منهم: تمربغا العلائي المشطوب، وجانم من حسن شاه نائب حماة، وسودون ~~الجلب، وجانبك القرمي، وبردبك حاجب حلب. فلما وقع ذلك أرسل الأمير شيخ إلى ~~السلطان الملك الناصر إمام مسجد، الصخرة بالقدس وجنديا آخر بكتابه، فقدما ~~إلى القاهرة في ثاني جمادى الآخرة المذكور وعلى يدهما أيضا محضر مكتوب، ~~فغضب السلطان غضبا عظيما، ووسط الجندي، وضرب إمام الصخرة ضربا مبرحا وسجنه ~~بخزانة شمائل. ثم من الغد أنزل جمال الدين وابنه أحمد على قفصي حمال إلى ~~بيت تاج الدين بن الهيصم. ثم قبض السلطان على الأمير بلاط أحد مقدمي ~~الألوف، وعلى الأمير كزل العجمي حاجب الحجاب، وقيدهما وأرسلهما إلى سجن ~~الإسكندرية. PageV03P0465 # ثم في حادي عشر جمادى الآخرة نقل جمال الدين الأستادار - في قفص حمال ~~أيضا - من بيت ابن الهيصم، بعد ما قاسى محنا وشدائد، إلى بيت حسام الدين ~~الأحول، فتنوع حسام الدين في عقوبته أنواعا، لما كان في نفسه منه، وأخذ في ~~استصفاء أمواله، فاستحثه القوم في قتله خشية أن يحدث في أمره حادث، فقتله ~~خنقا، ثم حز رأسه من الغد وحمله إلى السلطان حتى رآه، ثم أعاده فدفن مع ~~جثته بتربته بالصحراء. وقد ذكرنا تاريخ موته عند القبض عليه. ثم أصبح ~~السلطان خلع على الأمير يلبغا الناصري باستقراره حاجب الحجاب - بالديار ~~المصرية - بعد ms2716 مسك كزل العجمي. ثم ورد الخبر بأن الأمير شيخا توجه لقتال ~~نوروز بحماة، فتوجه وحصره بها، وأن الأمير يشبك الموساوي نائب غزة كان بينه ~~وبين سودون المحمدي وعلان واقعة قتل فيها جماعة، وفر يشبك الموساوي إلى جهة ~~الديار المصرية، وأن علان جرح في وجهه فحمل إلى الرملة فمات بها. قلت: ~~وعلان هذا هو خلاف علان جلق نائب حماة وحلب - الذي قتله جكم مع طولو نائب ~~صفد في سنة ثمان ثمانمائة - حسبما تقدم ذكره، وأن سودون المحمدي بعث يسأل ~~شيخا في نيابة صفد فأجابه إلى ذلك، كل هذا ورد على السلطان في يوم واحد. ~~ولما طال حصار شيخ لنوروز على حماة، خرج دمرداش نائب حلب وقدم إلى حماة - ~~نجدة لنوروز - ومعه عساكر حلب. فلما بلغ شيخا قدوم دمرداش، بادر بأن ركب ~~وترك وطاقه وأثقاله وتوجه إلى ناحية العربان، فركب دمرداش بكرة يوم الأحد، ~~وأخذ وطاق شيخ واستولى عليه، فعاد شيخ وتقاتلا بمن معهما قتالا شديدا قتل ~~فيه جماعة كبيرة، منهم: بايزيد - من إخوة نوروز الحافظي - وأسر عدة كبيرة ~~من أصحاب دمرداش، منهم: الأمير محمد بن قطبكي كبير التركمان الأوشرية، ~~وفارس أمير آخور دمرداش، واستولى الأمير شيخ على طبلخاناة الأمير دمرداش، ~~وكسر أعلامه، ثم ركب شيخ وسار يريد حمص. ثم إن الأمير شيخا بعد مدة أرسل ~~يخادع السلطان بكتاب يسترضيه ويقول فيه: إنه باق على طاعة السلطان، وحكى ما ~~وقع له مع الأمير بكتمر جلق نائب الشام، ثم ما وقع له مع الأمير نوروز، ثم ~~مع الأمير دمرداش، وأن كل ذلك ليس بإرادته ولا عن قصده، غير أنه يدافع عن ~~نفسه خوفا من الهلاك، وأنه تاب وأناب ورجع إلى طاعة السلطان. وأرسل أيضا ~~للوالد بكتاب مثل ذلك، فلم يتكلم الوالد في حقه بكلمة. ثم أخذ شيخ يقول عن ~~نوروز أشياء ويغري السلطان به، من ذلك أنه يقول: إن نوروزا يريد الملك ~~لنفسه، وهو حريص على ذلك من أيام السلطان السعيد الشهيد الملك الظاهر ~~برقوق، وأنه لا يطيع أبدا، وأنه هو لا يريد ms2717 إلا الانتماء إلى السلطان فقط، ~~ورغبتة في عمل مصالح العباد والبلاد. ثم كرر السؤال في العفو والصفح عنه في ~~هذه المرة، فلم يمش ذلك على الملك الناصر ولم يلتفت إلى كتابه. وشرع ~~السلطان في التنزه، وأكثر من الركوب إلى بر الجيزة للصيد في كل قليل، ووقع ~~منه ذلك في الشهر غير مرة. ولما عاد في بعض ركوبه في يوم الخميس ثالث عشرين ~~شوال من سنة اثنتي عشرة وثمانمائة المذكورة، ووصل قريبا من قناطر السباع ~~عند الميدان الكبير، أمر السلطان بالقبض على الأمير قردم الخازندار، وعلى ~~الأمير إينال المحمدي الساقي - المعروف بضضع - أمير سلاح، فقبض في الحال ~~على قردم، وأما إينال ضضع المذكور فإنه شهر سيفه وساق فرسه ومضى، فلم يلحقه ~~غير الأمير قجق الشعباني، فأدركه وضربه بالسيف على يده ضربة جرحته جرحا ~~بالغا، ثم فاته ولم يقدر عليه. وطلع السلطان القلعة، كل ذلك وهو لا يملك ~~نفسه على فرسه من شدة السكر. ونودي في الحال بالقاهرة على الأمير إينال ~~المحمدي المذكور، فلم يظهر له خبر وقيد قردم وحمل إلى الإسكندرية من يومه. ~~PageV03P0466 # وأما الأمير شيخ، فإنه كمل في هذا الشهر - وهو ذو الحجة من سنة اثنتي ~~عشرة وثمانمائة - سبعة أشهر وهو يقاتل نوروزا ودمرداش، ويحاصرهما بحماة، ~~ووقع بينهم في هذه المدة المذكورة حروب وخطوب يطول شرحها، وقتل بينهم خلائق ~~لا تحصى. واشتد الأمر على نوروز وأصحابه بحماة، وقلت عندهم الأزواد وقاسوا ~~شدائد حتى وقع الصلح بينه وبين الأمير شيخ، وذلك عندما سمعوا بخروج الملك ~~الناصر فرج إلى البلاد الشامية، وخاف نوروز إن ظفر به الملك الناصر لا ~~يبقيه، فاحتاج إلى الصلح. وحلف كل من نوروز وشيخ لصاحبه، واتفقا على أن ~~نوروزا يمسك دمرداش نائب حلب، وأن شيخا يمسك ابن أخيه قرقماس - المدعو سيدي ~~الكبير - ففطن دمرداش بذلك، وأرسل أعلم ابن أخيه قرقماس المذكور مع بعض ~~الأعوان، وهرب دمرداش من نوروز إلى العجل ابن نعير، وفر ابن أخيه قرقماس من ~~عند شيخ إلى أنطاكية. والعجب أن قرقماس المذكور كان قد صار ms2718 من حزب شيخ، ~~وترك عمه دمرداش وخالفه وصار يقاتل نوروزا وعمه هذه المدة الطويلة، وعمه ~~دمرداش يرسل إليه في الكف عن قتالهم يدعوه إلى طاعة نوروز ويويخه بالكلام ~~وهو لا يلتفت، ولا يبرح عن الأمير شيخ. حتى بلغه من عمه أن شيخا يريد القبض ~~عليه، فعند ذلك تركه وهرب. ثم إن - الأمير نوروزا قصد حلب وأخذها واستولى ~~عليها. وهرب مقبل الرومي، الذي كان حمل للأمير نوروز التقليد بنيابة الشام، ~~ولحق بالسلطان على غزة. وأما السلطان الملك الناصر، فإنه أخذ في التجهيز ~~إلى السفر نحو البلاد الشامية، وعظم الاهتمام في أول محرم سنة ثلاث عشرة ~~وثمانمائة. وخلع في عاشر المحرم على الأمير قراجا شاد الشراب خاناه ~~باستقراره دوادارا كبيرا - دفعة واحدة - بعد موت الأمير قجاجق، وخلع على ~~سودون الأشقر باستقراره شاد الشراب خاناه عوضا عن قراجا المذكور. ثم عمل ~~السلطان في هذا اليوم عرس الأمير بكتمر جلق، وزفت عليه ابنة السلطان الملك ~~الناصر - التي كان عقد عليه عقدها بدمشق - وعمرها يوم ذلك نحو سبع سنين أو ~~أقل، وبنى عليها بكتمر في ليلة الجمعة حادي عشر المحرم المذكور. وأخذ ~~السلطان في أسباب السفر، وتهيأ وأنفق على المماليك السلطانية وغيرهم من ~~الأمراء، ومن له عادة بالنفقة، فأعطى لكل مملوك من المماليك السلطانية ~~عشرين ألف درهم، وحمل إلى الأمراء مقدمي الألوف لكل واحد ألفي دينار، ما ~~خلا الوالد وبكتمر فإنه حمل لكل منهما ثلاثة آلاف دينار، وأعطى لكل أمير من ~~أمراء الطبلخانات خمسمائة دينار، ولأمراء العشرات ثلاثمائة دينار. ثم خرج ~~الأمير بكتمر جلق جاليشا من القاهرة إلى الريدانية، وصحبته عدة من أمراء ~~الألوف وغيرهم، في يوم الخميس ثالث عشرين صفر. فالذي كان معه من أمراء ~~الألوف هم: يلبغا الناصري حاجب الحجاب، وألطنبغا العثماني، وطوغان الحسني، ~~رأس نوبة النوب، وسنقر الرومي، وخيربك، وشاهين الأفرم، وعدة كبيرة من أمراء ~~الطبلخانات والعشرات، وسار بكتمر بعد أيام قبل خروج السلطان. ثم ركب ~~السلطان من قلعة الجبل ببقية أمرائه وعساكره في يوم الاثنين رابع شهر ربيع ~~الأول من سنة ms2719 ثلاث عشرة المذكورة، ونزل بالريدانية - وهذه تجريدة الملك ~~الناصر السادسة إلى البلاد الشامية، غير سفرة السعيدية - وخلع على أرغون من ~~بشبغا الأمير آخور الكبير بنيابة الغيبة على عادته، وأنه يستمر بسكنه بباب ~~السلسلة، وأنزل الأمير كمشبغا الجمالي بقلعة الجبل، وجعل بظاهر القاهرة ~~الأمير إينال الصصلاني الحاجب الثاني أحد مقدمي الألوف، ومعه عدة أمراء ~~أخر. والذي كان بقي مع السلطان - من أمراء الألوف وخرجوا صحبته - الوالد ~~رحمه الله، وهو أتابك العساكر، وقجق الشعباني، وسودون الأسندمري، وسودون من ~~عبد الرحمن، وسودون الأشقر شاد الشراب خاناه، وكمشبغا الفيسي المعزول عن ~~الأمير آخورية، وبردبك الخازندار. ثم ركب الملك الناصر من الغد في يوم ~~الثلاثاء خامس شهر ربيع الأول من الريدانية إلى التربة التي أنشأها على قبر ~~أبيه بالصحراء. قلت: وجماعة كبيرة من الناس يظنون أن هذه التربة العظيمة ~~أنشأها الملك الظاهر برقوق قبل موته، ويسمونها الظاهرية، وليس هو كذلك، وما ~~عمرها إلا الملك الناصر فرج بعد موت أبيه بسنين، وهي أحسن تربة بنيت ~~بالصحراء - انتهى. PageV03P0467 # وصار الملك الناصر حتى نزل بالتربة المذكورة، وقرر في مشيختها صدر الدين ~~أحمد بن محمود العجمي، ورتب عنده أربعين صوفيا، وأجرى عليهم الخبز واللحم ~~الضأن للطبوخ في كل يوم، وفرشت السجادة لصدر الدين المذكور بالمحراب، وجلس ~~عليها. أخبرني العلامة علاء الدين علي القلقشندي قال: حضرت جلوس صدر الدين ~~المذكور في ذلك اليوم مع من حضر من الفقهاء، وقد جلس السلطان بجانب صدر ~~الدين في المحراب، وعن يمينه الأمير تغري بردي من بشبغا الأتابك - يعني ~~الوالد - وتحته بقية الأمراء، وجلس على يسار السلطان الشيخ برهان الدين ~~إبراهيم بن زقاعة، وتحته المعتقد الكركي، فجاء القضاة، فلم يجسر قاضي ~~القضاة جلال الدين البلقيني الشافعي أن يجلس عن يمين السلطان فوق الأمير ~~الكبير، وتوجه وجلس عن ميسرة السلطان تحت ابن زقاعة والكركي، فإنهما كان ~~لهما عادة بالجلوس فوق القضاة من أيام الملك الظاهر برقوق - انتهى. قلت: ~~والعادة القديمة من أيام شيخون العمري إلى ذلك اليوم، أنه لا يجلس أحد فوق ~~الأمير الكبير من ms2720 القضاة ولا غيرهم، حتى ولا ابن السلطان، غير صاحب مكة ~~المشرفة مراعاة لسلفه الطاهر - انتهى. ثم ركب السلطان بأمرائه وخواصه وعاد ~~إلى مخيمه بالريدانية، وأقام به إلى أن رحل منه في يوم السبت تاسع شهر ربيع ~~الأول المذكور، يريد البلاد الشامية. وأما الأمير شيخ، فإنه لما بلغه خروج ~~السلطان من الديار المصرية، لم يثبت، وداخله الخوف. وخرج من دمشق في يوم ~~الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الأول المذكور بعساكره ومماليكه، وتبعه ~~الأمير جانم نائب حماة. فدخل بكتمر جلق إلى الشام من الغد في يوم سابع ~~عشرينه - على حين غفلة - حتى يطرق شيخا، نفاته شيخ بيوم واحد، لكنه أدرك ~~أعقابه وأخذ منهم جماعة، ونهب بعض أثقال شيخ. ثم دخل السلطان الملك الناصر ~~إلى دمشق بعد عشاء الآخرة من ليلة الخميس ثامن عشرينه، وقد ركب من بحيرة ~~طبرية في عصر يوم الأربعاء على جرائد الخيل ليكبس شيخا، ففاته بيسير. وكان ~~شيخ قد أتاه الخبر وهو جالس بدار السعادة من دمشق، فركب من وقته وترك ~~أصحابه، ونجا بنفسه بقماش جلوسه، فما وصل إلى سطح المزة إلا وبكتمر جلق ~~داخل دمشق؟ ومر شيخ على وجهه منفردا عن أصحابه، ومماليكه وحواشيه في أثره، ~~والجميع في أسوإ ما يكون من الأحوال. ولما دخل السلطان إلى دمشق، أصبح نادى ~~بدمشق بالأمان والاطمئنان لأهل الشام، وألا ينزل أحد من العسكر في بيت أحد ~~من الشاميين، ولا يشوش أحد منهم على أحد في بيع ولا شراء، ونودي أن الأمير ~~نوزوزا الحافظي هو نائب الشام PageV03P0468 # ثم في ثاني ربيع الآخرة قدم الأمير شاهين الزردكاش نائب صفد على السلطان ~~بدمشق ثم في ثالثه خلع السلطان على الأمير يشبك الموساوي الأفقم باستقراره ~~في نيابة طرابلس، واستقر أبو بكر بن اليغموري في نيابة بعلبك وأخوه شعبان ~~في نيابة القدس. ثم في سادس شهر ربيع الآخر المذكور، خرج أطلاب السلطان ~~والأمراء من دمشق إلى برزة، وصلى السلطان الجمعة بجامع بني أمية، ثم ركب ~~وتوجه بأمرائه وعساكره جميعا إلى أن نزل بمخيمه ببرزة وخلع السلطان ms2721 على ~~شاهين الزردكاش نائب صفد باستقراره نائب الغيبة بدمشق، وسكن شاهين بدار ~~السعادة. وتأخر بدمشق من أمراء السلطان الأمير قاني باي المحمدي، لضعف كان ~~اعتراه، وتخلف بدمشق أيضا القضاة الأربعة، والوزير سعد الدين بن البشيري ~~وناظر الخاص مجد الدين بن الهيصم. وسار السلطان بعساكره إلى جهة حلب حتى ~~وصلها، في قصد شيخ ونوروز بمن معهما من الأمراء، ثم كتب السلطان لنوروز ~~وشيخ يخيرهما، إما الخروج من مملكته، أو الوقوف لمحاربته، أو الرجوع إلى ~~طاعته: يريد - بذلك - الملك الناصر الشفقة على الرعية من أهل البلاد ~~الشامية، لكثرة ما صار يحصل لهم من الغرامة والمصادرة، وخراب بلادهم من ~~كثرة النهابة من جهة العصاة. ثم أخبرهما الملك الناصر أنه عزم على الإقامة ~~بالبلاد الشامية السنتين والثلاثة حتى ينال غرضه، فأجابه الأمير شيخ بأنه ~~ليس بخارج عن طاعته، ويعتذر عن حضوره بما خامر قلبه من شدة الخوف والهيبة ~~عندما قبض عليه السلطان مع الأتابك يشبك الشعباني في سنة عشر وثمانمائة، ~~وأنه قد حلف لا يحارب السلطان ما عاش، من. يوم حلفه الأمير الكبير تغري ~~بردي - أعني الوالد - في نوبة صرخد، وكرر الإعتذار عن محاربته لبكتمر جلق، ~~حتى قال: وإن كان السلطان ما يسمح له بنيابة الشام على عادته، فينعم عليه ~~بنيابة أبلستين، وعلى الأمير نوروز بنيابة ملطية، وعلى يشبك بن أزدمر ~~بنيابة عين تاب، وعلى غيرهم من الأمراء ببقية القلاع، فإنهم أحق من ~~التركمان المفسدين في الأرض - وكان ما ذكروه على حقيقته - فلم يرض السلطان ~~بذلك، وصمم على الإقامة ببلاد الشام، وكتب يستدعي التركمان وغيرهم، كل ذلك ~~والسلطان بأبلستين. وبيناهم في ذلك فارق الأمير سودون الجلب شيخا ونوروزا، ~~وتوجه إلى الكرك واستولى عليها بحيلة تحيلها. ثم عاد السلطان إلى حلب في ~~أول جمادى الآخرة، ولم يلق حربا، فقدم عليه بها قرقماس ابن أخي دمرداش - ~~المدعو سيدي الكبير - والأمير جانم من حسن شاه نائب حماة - كان - فأكرمهما ~~السلطان، وأنعم على قرقماس بنيابة صفد، وعلى جانم بنيابة طرابلس، واستقر ~~الأمير جركس والد تنم حاجب حجاب دمشق، ms2722 ثم خلع على الأمير بكتمر جلق ~~باستقراره في نيابة الشام ثانيا، وأنعم بإقطاعه على الأمير دمرداش المحمدي ~~نائب حلب، ثم بعد مدة غير السلطان قرقماس - سيدي الكبير - من نيابة صفد إلى ~~نيابة حلب، عوضا عن عمه أمير دمرداش المحمدي، وأخلع على أخيه تغري بردي - ~~المدعو سيدي الصغير - باستقراره في نيابة صفد. وبينما السلطان في ذلك بحلب، ~~ورد عليه الخبر بأن شيخا ونوروزا وصلا عين تاب، وسارا على البرية إلى جهة ~~الشام، فركب السلطان مسرعا من حلب على حين غفلة في ثالث عشرين شهر رجب ببعض ~~عساكره، وسار حتى دخل دمشق في أربعة أيام، ثم قدم في أثره الوالد بغالب ~~العساكر، ثم الأمير بكتمر جلق نائب الشام، ثم بقية الأمراء والعساكر. ثم في ~~ثالث شعبان قدم الأمير تمراز الناصري نائب السلطنة - كان - إلى دمشق في ~~خمسين فارسا، داخلا في طاعة السلطان بعدما فارق شيخا ونوروزا، فركب السلطان ~~وتلقاه وبالغ في إكرامه. قلت: وتمراز هذا هو الذي كان فر من السلطان في ~~ليلة بيسان ومعه عدة أمراء - وقد تقدم ذكر ذلك في وقته. ثم في الغد سمر ~~السلطان ستة نفر من أصحاب شيخ ووسطهم. PageV03P0469 # وأما شيخ ونوزوز، فإنهما لما سار السلطان عن أبلستين خرجا من قيسارية بمن ~~معهم، وجاؤوا إلى أبلستين فمنعهم أبناء دلغادر وقاتلوهم، فانكسروا منهم ~~وفروا إلى عين تاب، فلما قربوا من تل باشر تمزقوا، وأخذت كل طائفة جهة من ~~الجهات، فلحق بحلب ودمشق منهم عدة وافرة، واختفى منهم جماعة. ومر شيخ ~~ونوروز بحواشيهما على البرية إلى تدمر فامتاروا منها، ومضوا مسرعين إلى ~~صرخد وتوجهوا إلى البلقاء ودخلوا بيت المقدس، ثم توجهوا إلى غزة بعد أن مات ~~من أصحابهم الأمير تمربغا المشطوب نائب حلب - كان - والأمير إينال المنقار، ~~كلاهما بالطاعون بمدينة حسبان ثم قدم عليهم سودون الجلب من الكرك، فتتبعوا ~~ما بغزة من الخيول فأخذوها، وأقاموا بها حتى أخرج السلطان إليهم بكتمر جلق ~~على عسكر كبير، فسار إلى زرع، ثم كتب للسلطان يطلب نجدة، فأخرج إليه ~~السلطان من دمشق بعسكر ms2723 هائل من الأمراء والمماليك السلطانية، ورأس الأمراء ~~الأمير تمراز الناصري خر، - الذي قدم على السلطان طائعا بدمشق - ويشبك ~~الموساوي الأفقم، وألطنبغا العثماني، وأسنبغا الزردكاش وسودون الظريف نائب ~~الكرك - كان - والأمير طوغان الحسني رأس نوبة النوب، فخرجوا من دمشق مجدين ~~في السير إلى قاقون - وبها الأمير بكتمر جلق - فساروا جميعا إلى غزة، ~~فقدموها في عصر يوم الثلاثاء من ثالث شهر رمضان، وقد رحل شيخ ونوروز بمن ~~معهما بكرة النهار عندما قدم عليهم سودون بقجة وشاهين الدوادار من الرملة، ~~وأخبراهم بقدوم عسكر السلطان إليهم، فنهبوا غزة وأخذوا منها خيولا كثيرة ~~وغلالا، فتبعهم الأمير خير بك نائب غزة إلى الزعقة، وسارت كشافته في أثرهم ~~إلى العريش، ثم عادوا إلى غزة. فلما وصل بكتمر جلق بمن معه من الأمراء إلى ~~غزة، وبلغه توجه شيخ ونوروز إلى جهة مصر، أرسل بكتمر الأمير شاهين الزردكاش ~~والأمير أسنبغا الزردكاش على البرية إلى مصر ليخبرا من بقلعة الجبل بقدوم ~~شيخ ونوروز إلى مصر، فسارا وسبقا شيخا ونوروزا، وعرفا الأمير أرغون الأمير ~~آخور وغيره ممن هو من الأمراء بمصر، ورد جواب أرغون على بكتمر بأنه حضن ~~قلعة الجبل، والأسطبل السلطاني، ومدرسة السلطان حسن، ومدرسة الملك الأشرف ~~شعبان بن حسين - التي كانت تجاه الطبلخاناه عند الصوة - وأنه هو ومن معه قد ~~استعدوا للقاء شيخ ونوروز. وأما شيخ ونوروز ومن معهم فإنهم ساروا من مدينة ~~غزة إلى جهة الديار المصرية، فمات بالعريش شاهين دوادار الأمير شيخ - وكان ~~عضد الأمير شيخ وأعظم مماليكه. ثم ساروا إلى قطيا ونهبوها. ثم ساروا من ~~قطيا إلى أن وصلوا إلى مصر في يوم الأحد ثامن شهر رمضان من سنه ثلاث عشرة ~~وثمانمائة المذكورة. ودخل شيخ ونوروز بمن معهما من أمراء الألوف، وهم: ~~الأمير يشبك بن أزدمر، والأمير سودون بقجة، والأمير سودون المحمدي تلي، ~~والأمير يشبك العثماني، وغيرهم من أمراء الطبلخانات مثل قمش وقوزي وغيرهما، ~~ودخل معهم إلى القاهرة خلائق من الزعر، وبني وائل - من عرب الشرقية - ~~والأمير سعيد الكاشف - هو معزول - فبلغهم تحصين القلعة والمدرستين، وأن ms2724 ~~الأمير أرغون ومن معه من الأمراء PageV03P0470 # قبضوا على أربعين مملوكا من النوروزية - أعني ممن كان له ميل إلى نوروز ~~من المماليك السلطانية - وسجنوهم بالبرج من قلعة الجبل خوفا من غدرهم، ~~فسارا من جهة المطرية خارج القاهرة إلى بولاق، ومضوا إلى الميدان الكبير ~~إلى الصليبة، وخرجوا إلى الرميلة تحت قلعة الجبل، فرماهم المماليك ~~السلطانية بالمدافع والنشاب، وبرز لهم الأمير إينال الصصلاني الحاجب الثاني ~~بمن معه ووقف تجاه باب السلسلة، وقاتل الشيخية والنوروزية ساعة، فتقنطر من ~~القوم فارسان، ثم انهزم، إينال الصصلاني وعاد إلى بيته تجاه سبيل المؤمني - ~~المعروف ببيت نوروز - وبات الأمراء تلك الليلة بالقاهرة. وأصبح الأمير شيخ ~~أقام رجلا في ولاية القاهرة فنادى بالأمان، ووعد الناس بترخيص الأسعار، ~~وبإزالة المظالم، فمال إليه جمع من العامة. وأقاموا ذلك اليوم، وملكوا ~~مدرسة الملك الأشرف شعبان التي كانت بالصوة تجاه الطبلخاناة السلطانية، هذا ~~والقتال مستمر بينهم وبين أهل القلعة. ثم ملك الأمراء مدرسة السلطان حسن، ~~وهزموا من كان فيها من المقاتلة، بعد قتال شديد، وأقاموا بها جماعة رماة من ~~أصحابهم، ورموا على قلعة الجبل يومهم وليلتهم، وطلع الأمير أرغون من بشبغا ~~- الأمير آخور - من الإسطبل السلطاني إلى أعلى القلعة عند الأمير جرباش ~~وكمشبغا الجمالي، فأدخلاه القلعة بمفرده من غير أصحابه. فلما كانت ليلة ~~الاثنين، كسرت خوخة أيدغمش، ودخلت طائفة من الشاميين إلى القاهرة، ومعهم ~~طوائف من العامة، ففتحوا باب زويلة - وكان والي القاهرة حسام الدين الأحول، ~~وقد اجتهد في تحصين المدينة - ثم كسروا باب خزانة شمائل، وأخرجوا من كان ~~بها، وكسروا سجن الديلم أيضا، وسجن رحبة باب العيد، وانتشروا في حارات ~~القاهرة، ونهبوا بيت كمشبغا الجمالي، وتتبعوا الخيول والبغال من الإسطبلات ~~التي للناس، وغيرها، وأخذوا منها شيئا كثيرا. ثم فتحوا حاصل الديوان المفرد ~~ببين القصرين وأخذوا منه مالا كثيرا. ثم ملك شيخ باب السلسلة، وجلس ~~بالحراقة هو ورفقته. ثم طلبوا من الأمراء الذين بالقلعة فتح باب القلعة لهم ~~في بكرة يوم الثلاثاء، فاعتذر الأمراء لهم بأن المفاتيح عند الزمام كافور، ~~فاستدعوه فأتاهم، وكلمهم ms2725 من وراء الباب، فسلموا عليه من عند الأمير شيخ ومن ~~عند أنفسهم، وكان الأمير نوروز من جملة من كان واقفا على الباب، وسألوه ~~الفتح لهم، فقال: ما يمكن ذلك، فإن حريم السلطان بالقلعة، فقالوا: مالنا ~~غرض في النهب وإنما نريد أن نأخذ ابن أستاذنا - يعنون بابن أستاذنا: الأمير ~~فرج ابن السلطان الملك الناصر فرج، وكان هذا الصبي سمي على اسم أبيه، وهو ~~أكبر أولاد الملك الناصر - فقال كافور الزمام: وأيش صاب السلطان حتى تأخذوا ~~ولده؟ فقالوا: لو كان السلطان حيا ما كنا هاهنا - يعنون أنهم قتلوا ~~السلطان، وساروا إلى الديار المصرية ليسلطنوا ولده - فلم يمش ذلك على كافور ~~ولا على غيره. وطال الكلام بينهم في ذلك، فلم يلتفت كافور إلى كلامهم، ~~فهددوه بإحراق الباب، فخاف وقال: " إن كنتم ما تريدون إلا ابن أستاذكم ~~فليحضر إلى باب السر اثنان منكم أو ثلاثة، وتحضر القضاة، ثم احلفوا أنكم لا ~~تغدرون به ولا تمسونه بسوء. وكان كافور يقصد بذلك التطويل، فإنه كان بلغه ~~هو والأمراء الذين بالقلعة قرب مجيء العسكر السلطاني إلى القاهرة، فبعثوا ~~لهم البطاقة من القلعة باستعجالهم، وأنهم في أقوى ما يكون من الحصار،ومتى ~~ما لم يدركوا أخذوا. وأخذ كافور في مدافعة الجماعة والتمويه عليهم - قلت: ~~وعلى كل حال فهو أرجل من أرغون الأمير آخور، فإن أرغون مع كثرة من كان عنده ~~من المماليك السلطانية ومماليكه لم يقدر على منع باب السلسلة، وتركها وفر ~~في أقل من يومين، وكان يمكنه. مدافعة القوم أشهرا - انتهى. PageV03P0471 # وبينما كافور الزمام في مدافعتهم لاحت طلائع العسكر السلطاني لمن كان شيخ ~~أوقفه من أصحابه يرقبهم بالمآذن بقلعة الجبل، وقد ارتفع العجاج، واقبلوا ~~سائقين سوقا عظيما جهدهم. فلما بلغ شيخا وأصحابه ذلك لم يثبتوا ساعة واحدة، ~~وركبوا من فورهم ووقفوا قريبا من باب السلسلة، فدهمهم العسكر السلطاني ~~فولوا هاربين نحو باب القرافة، والعسكر في أثرهم، فكبا بالأمير شيخ فرسه ~~عند سوق الخيم بالقرب من باب القرافة، فتقنطر من عليه، فلم يستطع النهوض ~~ثانيا، لعظم روعه وسرعة حركته، ms2726 فأركبه بعض أمراء آخوريته - يقال إنه الأمير ~~جلبان الأمير آخور، الذي كان ولي نيابة الشام في دولة الملك الظاهر جقمق ~~إلى أن مات في دولة الملك الأشرف إينال في سنة ثمان وخمسين وثمانمائة - ~~وركب شيخ ولحق بأصحابه، فمروا على وجوههم على جرائد الخيل، وتركوا ما أخذوه ~~من القاهرة، وأيضا ما كان معهم، وساروا على أقبح وجه بعد أن قبض عسكر ~~السلطان على جماعة من أصحاب شيخ، مثل الأمير قرا يشبك - قرب - نوروز - ~~وبردبك رأس نوبة نوروز - لأن نوروزا ثبت قليلا بالرميلة بعد فرار الأمير ~~شيخ - وعلى برسباي الطقطائي أمير جاندار، وثمانية وعشرين فارسا، وجرح جماعة ~~كبيرة، منهم السيفي يشبك الساقي الظاهر - الذي ولي في الدولة الأشرفية ~~برسباي، الأتابكية - ومن هذا الجرح صار أعرج بعد أن أشرف على الموت. ودخل ~~الأمير بكتمر جلق بعساكره، وأرسل الأمير سودون الحمصي فأعتقل جميع من أمسك ~~من الشاميين، وأخذ يتتبع من بقي من الشامية بالقاهرة. ثم نادى في الوقت ~~بالأمان. ثم أخذت عساكره يقتلون في الشاميين، ويأسرون وينهبون إلى طموه ~~وألزم بكتمر جلق والي القاهرة بمسك الزعر الذين قاموا مع الشاميين، فأبادهم ~~الوالي، وقطع أيدي جماعة كبيرة، وحبس جماعة أخر بعد ضربهم بالمقارع. وأخذ ~~الأمير بكتمر جلق في تمهيد أحوال الديار المصرية. وقدم عليه الخبر في ليلة ~~الأربعاء حادي عشر من شهر رمضان المذكور بأن شيخا نزل إطفيح ، وأن شعبان بن ~~محمد بن عيسى العائذي توجه بهم إلى نحو الطور، فنودي بالقاهرة ومصر بتحصيل ~~من اختفى من الشاميين بها. ثم قدم الخبر بوصولهم إلى السويس، وأنهم أخذوا ~~علفا كان هناك للتجار، وزادا وجمالا، وسار بهم شعبان بن عيسى في درب الحاج ~~إلى نخل ، فأخذوا عدة جمال للعربان، وأن شعبان المذكور أمدهم بالشعير ~~والزاد، وأنهم افترقوا فرقتين، فرقة رأسها الأمير نوروز الحافظي ويشبك بن ~~أزدمر وسودون بقجة، وفرقة رأسها الأمير شيخ المحمودي وسودون تلي المحمدي ~~وسودون قراصقل، وكل فرقة منهما معها طائفة كبيرة من الأمراء والمماليك، ~~وأنهم لما وصلوا إلى الشوبك دفعهم أهلها عنها، فساروا إلى ms2727 جهة الكرك وبها ~~سودون الجلب، فتضرعوا له حتى نزل إليهم من قلعة الكرك، وتلقاهم وادخلهم ~~مدينة الكرك، وأنهم استقروا بالكرك. وأما الأمير بكتمر جلق بمن معه من ~~الأمراء والعساكر السلطانية، فإنهم أقاموا !لقاهرة نحو ستة أيام حتى تحققوا ~~توجه القوم إلى جهة البلاد الشامية، فخرجوا من القاهرة في يوم سادس عشر من ~~رمضان يريدون البلاد الشامية إلى الملك الناصر وهو بدمشق، وتأخر بالقاهرة ~~من الأمراء من أصحاب بكتمر جلق: طوغان الحسني رأس نوبة النوب - وقد استقر ~~قبل تاريخه دوادارا كبيرا بعد موت الأمير قراجا بطريق دمشق، في ذهاب الملك ~~الناصر إلى الشام - ويشبك الموساوي الأفقم، وشاهين الزردكاش، وأسنبغا ~~الزردكاش. وسار بكتمر جلق بمن بقي حتى وصل دمشق. وأما السلطان الملك ~~الناصر، فإنه كان في هذه الأيام بدمشق، وبلغه ما وقع بالديار المصرية ~~مفصلا، لكن نقل إليه أن بكتمر جلق وطوغان الحسني قصرا في أخذ شيخ ونوروز، ~~ولو قصدا أخذهما لأمكنهم ذلك، فأسرها الملك الناصر في نفسه. قلت: ولا يبعد ~~ذلك، لما حكى لي غير واحد - ممن حضر هذه الواقعة - من ضعف شيخ ونوروز، ~~وتقاعد الأمراء عن المسير في أثرهم. ولما بلغ الملك الناصر ذلك لم يسعه إلا ~~السكات، وعدم معاتبة الأمراء على ذلك. PageV03P0472 # ثم إن السلطان أمسك الأمير جانبك القرمي بدمشق في يوم الاثنين أول شوال، ~~وضربه ضربا مبرحا، وسجنه بقلعة دمشق. ثم أمر السلطان الأمير قرقماس ابن أخي ~~دمرداش - المعروف بسيدي الكبير - بالمضي إلى محل كفالته بحلب، فسار من دمشق ~~عائدا إلى حلب. واستمر السلطان بدمشق إلى يوم سابع عشر ذي القعدة، وخرج ~~منها إلى قبة يلبغا، ورحل من الغد بأمرائه وعساكره يريد الكرك بعد ما تحقق ~~نزول الأمراء بالكرك. وخلع على بكتمر جلق بنيابة الشام على عادته، وعاد ~~بكتمر إلى دمشق. وأما شيخ ونوروز وجماعتهما، فإنهم أقاموا بالكرك أياما، ~~واطمأنوا بها، ثم أخذوا في تحصينها. فلما كان بعض الأيام نزل الأمير شيخ ~~ومعه الأمير سودون بقجة، وقاني باي المحمدي في طائفة يسيرة من قلعة الكرك ~~إلى حمام الكرك،فدخل ms2728 جميع هؤلاء الحمام .وبلغ ذلك الأمير شهاب الدين أحمد ~~حاجب الكرك، فبادر بأصحابه ومعه جمع كبير من أهل البلد، واقتحموا الحمام ~~المذكور ليقتلوا بها الأمير شيخا وأصحابه، فسبقهم بعض المماليك وأعلم ~~الأمير شيخا، فخرج من وقته من الحمام ولبس ثيابه ووقف في مسلخ الحمام عند ~~الباب، ومعه أصحابه الذين كانوا معه في الحمام، فطرقهم القوم بالسلاح، ~~فدافع كل واحد منهم عن نفسه، وقاتلوا قتال الموت، حتى أدركهم الأمير نوروز ~~بجماعته، فقاتلوهم حتى هزموهم بعد ما قتل الأمير سودون بقجة، وأصاب الأمير ~~شيخا سهم غار في بدنه، فنزف منه دم كثير حتى أشرف على الموت، وحمل إلى قلعة ~~الكرك فأقام ثلاثة أيام لا يعقل، ثم أفاق. ومن هذه الرجفة حصل له مرض ~~المفاصل الذي تكسح منه بعد سلطنته، هكذا ذكر المؤيد لبعض أصحابه. وأما ~~الأمير نوروز لما بلغه قتل سودون بقجة وهو يعارك القوم جد في قتالهم حتى ~~كسرهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم عاد إلى الكرك وقد جرح من أصحابه جماعة. ~~وبلغ هذا الخبر السلطان الملك الناصر فسر بقتل سودون بقجة سرورا عظيما، ~~لكثرة ما كان أحسن إليه ورقاه حتى ولاة نيابة طرابلس، فتركه وتوجه إلى ~~الأمير شيخ ونوروز من غير أمر أوجب تسحبه، بل لأجل خاطر أغاته وحميه الأمير ~~تمراز النائب. ثم وقع بين الأمراء وبين سودون الجلب بالكرك، فنزل سودون ~~الجلب من الكرك وتركها لهم، ومضى حتى عدى الفرات. وأما السلطان الملك ~~الناصر، فإنه سار من مدينة دمشق حتى نزل على مدينة الكرك في يوم الجمعة ~~رابع عشرين ذي القعدة، وأحاط بها ونصب عليها الآلات، وجد في قتالها، وحصرها ~~وبها شيخ ونوروز وأصحابهما، واشتد الحصار عليهم بالكرك. وأخذ الملك الناصر ~~يلازم قتالهم حتى أشرفوا على الهلاك والتسليم. ثم أخذ شيخ ونوروز والأمراء ~~يكاتبون الوالد ويتضرعون إليه، وهو يتبرم من أمرهم والكلام في حقهم، ~~ويوبخهم بما فعله الأمير شيخ مع بكتمر جلق بعد حلفه في واقعة صرخد، فأخذ ~~شيخ يعتذر ويحلف بالأيمان المغلظة أن بكتمر جلق كان الباغي عليه ms2729 والبادئ ~~بالشر، وأنه هو دفع عن نفسه لا غير، وأنه ما قصده في الدنيا سوى طاعة ~~السلطان، وأنت الأمير الكبير، وأكبر خشداشيتنا، إن لم تتكلم بيننا في الصلح ~~وإلا فمن يتكلم؟ ثم كاتبوا أيضا جماعة من الأمراء في طلب العفو والصلح. ~~ولازالوا حتى تكلم الوالد مع السلطان في أمرهم، فأبى السلطان إلا قتالهم ~~وأخذهم، والوالد يمعن في ذلك حتى ابترم الصلح غير مرة والسلطان يرجع عن ~~ذلك. ثم ترددت الرسل بينهم وبين السلطان أياما حتى انعقد الصلح، على أن ~~يكون الوالد نائب الشام، وأن يكون الأمير شيخ نائب حلب، وأن يكون الأمير ~~نوزوز نائب طرابلس، وكان ذلك بإرادة شيخ ونوروز، فإنهما قالا: لا نرضى أن ~~يكون بكتمر جلق أعلى منا رتبة بأن يكون نائب الشام، ونحن أقدم منه عند ~~السلطان، فإن كان ولا بد، فيكون الأمير الكبير تغري بردي في نيابة الشام، ~~ونكون نحن تحت أوامره، ونسير في المهمات السلطانية تحت سنجقه، وأما بكتمر ~~ودمرداش فلا. وإن فعل السلطان ذلك لا يقع منا بعدها مخالفة أبدا ~~PageV03P0473 # ولما بلغ الأمراء والعساكر هذا القول أعجبهم غاية الاعجاب، وقد ضجر القوم ~~من الحصار، وملوا من القتال، فلا زالوا بالسلطان حتى أذعن ومال إلى تولية ~~الوالد نيابة الشام، وكلم الوالد في ذلك، فأبى وامتنع غاية الامتناع. وكان ~~السلطان قد شرط على الأمراء شروطا كثيرة فقبلوها، على أن يكون الوالد نائب ~~دمشق. وأخذ الملك الناصر يكلم الوالد في ذلك والوالد مصمم على عدم القبول، ~~وأرمى سيفه غير مرة بحصرة السلطان، وأراد التوجه إلى القدس بطالا. وصار ~~الوالد كلما امتنع من الاستقرار وحنق يكف عنه السلطان، فإذا رضي كلمه. ثم ~~سلط عليه الأمراء فكلموه من كل جهة حتى قبل. ثم قام إليه السلطان واعتنقه، ~~وطلب الخلعة فجيء بها في الحال، وألبسها للوالد باستقراره في نيابة دمشق ~~عوضا عن بكتمر جلق. واستقر الأمير شيخ في نيابة حلب عوضا عن قرقماس سيدي ~~الكبير، والأمير نوروز في نيابة طرابلس عوضا عن جانم من حسن شاه. واستقر ~~جانم المذكور أمير ms2730 مجلس بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية. واستقر ~~تغري بردي سيدي الصغير في نيابة حماة على عادته. ورسم للأمير سودون من عبد ~~الرحمن نائب صفد أن ينتقل من نيابة صفد إلى تقدمة ألف بالديار المصرية، وأن ~~يكون الأمير يشبك بن أزدمر أتابك دمشق عند الوالد، فإنه كان من ألزامه، ~~وعقد عقده بعد ذلك على إحدى بناته - ولها من العمر نحو ثلاث سنين - ويكون ~~قاني باي المحمدي أميرا بحلب عند الأمير شيخ. ثم شرط السلطان على شيخ ~~ونوروز ألا يخرجا إقطاعا، ولا إمرة، ولا وظيفة لأحد في الناس إلا بمرسوم ~~السلطان، وأن يسلما قلعة الكرك إلى السلطان، ويسلم شيخ قلعة صهيون وصرخد ~~أيضا، فرضوا بذلك جميعه، وحلفوا على طاعة السلطان. وخلع السلطان عليهم خلعا ~~جليلة، ومد لهم سماطا أكلوا منه. ثم رحل السلطان من الكرك بعساكره يريد ~~القدس، فوصله وأقام به خمسة أيام، ثم خرج منه وسار يريد القاهرة. وأما ~~الوالد فإنه سار من الكرك إلى نحو دمشق حتى دخلها في يوم سادس المحرم من ~~سنة أربع عشرة وثمانماثة، ونزل بدار السعادة، وقد خمدت الفتنة، وسكن هرج ~~الناس. ثم خرج الأمير شيخ والأمير نوروز من الكرك إلى محل كفالتهما، وقدما ~~إلى دمشق بمن معهما من الأمراء والمماليك لعمل مصالحهما بدمشق، فلما بلغ ~~الوالد قدومهما خرج لتلقيهما بقماش جلوسه في خواصه لا غير، فلما وقع بصرهما ~~على الوالد نزلا عن خيولهما، فأقسم عليهما الوالد في عدم النزول، فنزلوا ~~قبل أن يسمعوا القسم، فعند ذلك نزل لهم الوالد أيضا عن فرسه وسلموا عليه، ~~فحلف عليهم الوالد بالنزول في دار السعادة، فامتنعوا من ذلك، فأنزلهم ~~بالمزة، ثم ركب إليهم الوالد وأخذهم.من.وطاقهم غصبا وأنزل الأمير شيخا ~~بالقرمانية، ونوروزا بدار الأمير فرج بن منجك، ونزل كل واحد من أصحابهما ~~بمكان حتى عملت مصالحهم. وكثر تردادهم إلى الوالد بدار السعادة في تلك ~~الأيام، فسر أهل الشام بذلك غاية السرور، وصار الأمير شيخ يتنزه بدمشق، ~~ويتوجه إلى الأماكن ومعه قليل من مماليكه. حدثني بعض مماليك الوالد أن ~~الأمير ms2731 شيخا كان يجيء في تلك المدة إلى الوالد في دار السعادة ومعه شخص ~~واحد من مماليكه، وينزل ويقيل بالبحرة، وينام بها نومة كبيرة إلى أن يطبخ ~~له ما اقترحه من المآكل. ثم خرج الأمير شيخ والأمير نوروز كل منهما إلى محل ~~كفالته بعد أن أنعم الوالد في يوم سفرهما على كل واحد بألف دينار، وقيد له ~~فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، وأشياء غير ذلك كثيرة. وأما أمر السلطان الملك ~~الناصر، فإنه سار من القدس حتى نزل بتربة والده بالصحراء خارج القاهرة في ~~يوم الأربعاء ثاني عشر المحرم من سنة أربع عشرة وثمانمائة، وخلع على ~~الخليفة المستعين بالله العباس، وعلى القضاة والأمراء، وسائر أرباب الدولة، ~~وخلع على الأمير دمرداش المحمدي باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية، ~~عوضا عن الوالد، بحكم انتقاله إلى نيابة دمشق حسبما تقدم ذكره. ثم ركب ~~السلطان من التربة المذكورة وطلع إلى القلعة، بعد ما خرج الناس للفرجة ~~عليه، فكان لطلوعه يوم مشهود. وزينت القاهرة أياما لقدومه. ثم بعد قدوم ~~السلطان باثني عشر يوما قدم الأمير بكتمر جلق المعزول عن نيابة دمشق ~~PageV03P0474 # فركب السلطان وتلقاه وألبسه تشريفا، وخلع على الأمير الكبير بنظر ~~البيمارستان المنصوري ودخل السلطان من باب النصر وشق القاهرة، ونزل بمدرسته ~~التي أنشأها جمال الدين الأستادار له برحبة باب العيد المعروفة بالجمالية، ~~وقد أثبت القضاة أنها له وسميت بالناصرية. ثم ركب السلطان من المدرسة ~~المذكورة، ونزل بمدرسة والده المعروفة بالبرقوقية ببين القصرين، ثم ركب ~~منها وأمر الأتابك دمرداش بعبور البيمارستان المنصوري، وتوجه السلطان إلى ~~جهة القلعة. ثم في ثاني عشر صفر من سنة أربع عشرة وثمانمائة عين السلطان ~~اثنين وعشرين أميرا من الأمراء البطالين ليتوجهوا إلى الشام على إقطاعات ~~عينها السلطان لهم، منهم: الأمير حرمان الحسني، وتمان تمر الناصري، ~~وسونجبغا، وشادي خجا، وألطنبغا، وقاني باي الأشقر، ومعهم مائتا مملوك، ~~ليكونوا أعوانا للوالد بدمشق، وفي خدمته. وكان الوالد شفع في هؤلاء ~~المذكورين حتى أطلقهم السلطان - على عادتهم - من السجن، ثم أمر السلطان ~~بقتل جانبك القرمي، وأسندمر الحاجب، وسودون ms2732 البجاسي، وقاني باي أخي بلاط، ~~والجميع كانوا بسجن الإسكندرية. ثم في حادي عشرين صفر خلع السلطان على تقي ~~الدين عبد الوهاب ابن الوزير فخر الدين ماجد بن أبي شاكر باستقراره في ~~وظيفة نظر الخاص، وكانت شاغرة منذ توفي مجد الدين عبد الغني بن الهيصم في ~~ليلة الأربعاء العشرين من شعبان من سنه ثلاث عشرة وثمانمائة. ثم أمسك ~~السلطان بثلاثة أمراء من أمراء الألوف، وهم: قاني باي المحمدي، ويشبك ~~الموساوي الأفقم، وكمشبغا الفيسي، وقبض على جماعة أخر من الطبلخانات ~~والعشرات، وهم: الأمير منجك، والأمير قاني باي الصغير العمري ابن بنت أخت ~~الملك الظاهر برقوق - وقاني باي هذا جد خوند بنت جرباش الكريمي وزوجة ~~السلطان الملك الظاهر جقمق لأمها - وكان أمير عشرة، وعلى الأمير شاهين، ~~وخير بك، ومأمور، وخشكلدي، وحملوا الجميع إلى سجن الإسكندرية فسجنوا بها. ~~ثم رسم السلطان للأمير تمراز الناصري أن يكون طرخانا لا يمشي في الخدمة، ~~ويقيم بداره أو يتوجه إلى دمياط ة وتمراز هذا هو الذي كان فر من السلطان ~~وصحبته الأمراء من بيسان إلى الأمير شيخ. ثم خلع السلطان على الأمير سنقر ~~الرومي باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن قاني باي المحمدي المقبوض عليه ~~قبل تاريخه. ثم أرسل الوالد إلى السلطان يعلمه برفع الطاعون من دمشق ~~وغيرها، وأنه أحصي من مات من أهل دمشق فقط فكانوا خمسين ألفا سوى من لم ~~يعرف. وفي أول شهر ربيع الأول، قدم الأمير إينال المحمدي الساقي المعروف ~~بضضع من سجن الإسكندرية - بطلب من السلطان - ورسم له أن يكون بطالا ~~بالقاهرة. ثم أخرج السلطان إقطاع الأمير جرباش كباشة، ورسم له بأن يتوجه ~~إلى دمياط بطالا. ثم بعده توجه تمراز الناصري المقدم ذكره إلى دمياط أيضا ~~بطالا. ثم قبض السلطان على جماعة من كبار المماليك الظاهرية - برقوق - ~~وحبسهم بالبرج من القلعة. ثم قدم الخبر على السلطان بأن شيخا ونوروزا لم ~~يمضيا حكم المناشير السلطانية ، وأنهما أخرجا إقطاعات حلب وطرابلس ~~لجماعتهما، وأن الأمير شيخا سير يشبك العثماني لمحاصرة قلعة البيرة وقلعة ~~الروم، وأن عزمهما ms2733 العود لما كانا عليه من الخروج عن الطاعة. فعلم السلطان ~~عند ذلك أن الذي يحرك هؤلاء على الخروج عن الطاعة والعصيان إنما هم ~~المماليك الظاهرية برقوق، الذين هم في خدمة السلطان، ووافقه على ذلك أكابر ~~أمرائه، وحسنوا له القبض عليهم، وكان الوالد ينهاه عن مسكهم، ويحذره من ~~الوقوع في ذلك. فلما استقر الوالد في نيابة دمشق خلا له الجو، وفعل ما ~~حدثته نفسه مما كان فيه ذهاب روحه، فقبض الملك الناصر على جماعة كبيرة ~~منهم، وحبسهم بالبرج من القلعة، ثم قتلهم بعد شهر، وكانوا جمعا كبيرا. ثم ~~أمسك السلطان الأمير خير بك نائب غزة، وهو يومئذ من أمراء الألوف بالديار ~~المصرية. ثم ورد الخبر على السلطان بحصار عسكر نوروز لحصن الأكراد، فاختبط ~~السلطان وكتب إلى شيخ ونوروز بالتهديد والوعيد. ثم في أول شهر ربيع الآخر ~~خلع السلطان على الأمير أسنبغا الزردكاش - أحد أمراء الألوف وزوج أخته خوند ~~بيرم بنت الملك الظاهر برقوق - باستقراره شاد الشراب خاناه عوضا عن الأمير ~~سودون الأشقر. PageV03P0475 # ثم في ثالث عشره خلع السلطان على فخر الدين عبد الغني بن أبي الفرج كاشف ~~الوجه البحري باستقراره أستادارا عوضا عن تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم، ~~بحكم القبض عليه، وتسليمه وحواشيه إلى فخر الدين المذكور. ثم في أول جمادى ~~الأولى رسم السلطان بهدم مدرسة الملك الأشرف شعبان بن حسين، التي كانت ~~بالصوة تجاه الطبلخاناه السلطانية، ومكانها اليوم بيمارستان الملك المؤيد ~~شيخ، فوقع الهدم فيها، وكانت من محاسن الدنيا ضاهى بها الملك الأشرف مدرسة ~~عمه السلطان الملك الناصر حسن التي بالرميلة تجاه قلعة الجبل. ثم رسم ~~السلطان بهدم البيوت التي هي ملاصقة للميدان من مصلاة المؤمني إلى باب ~~القرافة، فهدمت بأجمعها وصارت خرابا. ثم أمر السلطان بالقبض على أقارب جمال ~~الدين يوسف الأستادار وعقوبتهم، فأمسكوا وعوقبوا عقوبات كثيرة. ثم خنق أحمد ~~ابنه، وأحمد ابن أخته، وحمزة أخاه في ليلة الأحد سادس عشر جمادى الأولى. ثم ~~كتب السلطان ثانيا إلى الأمير شيخ يخوفه ويحذره، ويأمره أن يجهز الأمير ~~يشبك العثماني ms2734 وبرد بك، وقاني باي الخازندار، ويرسل سودون الجلب، إلى دمشق، ~~ليكون من جملة أمرائها. ثم بعد إرسال الكتاب تواترت الأخبار باتفاق شيخ ~~ونوروز على الخروج عن الطاعة، وعزما على أخذ حماة، فوقع الشروع والاهتمام ~~لسفر السلطان إلى البلاد الشامية، وكتب إليها بتجهيز الإقامات. ثم تكلم ~~الأستادار فخر الدين بن أبي الفرج مع السلطان وحسن له القبض على الوزير ابن ~~البشيري، وعلى ناظر الحاضر ابن أبي شاكر، فلما بلغهما ذلك بادرا واتفقا مع ~~السلطان على مال يقومان به للسلطان إن قبض على فخر الديم ابن أبي الفرج ~~المذكور، فمال السلطان إلى كلامهما، وأمسك فخر الدين المذكور في سلخ جمادى ~~الآخرة، وسلمه للوزير ابن البشيري، فلم يدع ابن البشيري نوعا من العقوبات ~~حتى عاقب ابن أبي الفرج المذكور بها، فلم يعترف بشيء غير أنه وجد له ستة ~~آلاف دينار، وجرار كثيرة قد ملئت خمرا، واستمر ابن أبي الفرج في العقوبة ~~أياما كثيرة. ثم في شهر رجب نزل السلطان من القلعة إلى الصيد، فبات ليلة ~~وعزم على مبيت ليلة أخرى سرياقوس، فبلغه أن طائفة من الأمراء والمماليك ~~اتفقوا على قتله، فعاد إلى القاهرة مسرعا، وأخذ يتتبع ما قيل حتى ظفر ~~بمملوكين عندهما الخبر، فعاقبهما في ثامن عشر شهر رجب المذكور، فأظهرا ورقة ~~فيها خطوط جماعة كبيرة، كبيرهم الأمير جانم من حسن شاه نائب طرابلس - كان - ~~وهو يوم ذاك أمير مجلس. وكان جانم المذكور قد سافر قبل تاريخه إلى منية ابن ~~سلسيل، وهي من جملة إقطاعه، فندب السلطان الأمير بكتمر جلق، والأمير طوغان ~~الحسني الدوادار، لإحضار جانم المذكور. وخرجا في يوم السبت عشرين شهر رجب، ~~على أن بكتمر جلق يسير في البر ويمسك عليه الطريق، وطوغان يتوجه إليه في ~~البحر، ويمسكه ويحضره إلى السلطان، فساروا. ومسك السلطان بعد خروجهما جماعة ~~كبيرة من الأمراء والمماليك الظاهرية، منهم: الأمير عاقل، والأمير سودون ~~الأبايزيدي. وأما طوغان الدوادار فإنه سار في البحر حتى وافى الأمير جانم، ~~واقتتلا في البر، ثم في المراكب حتى تعين طوغان على جانم، فألقى ms2735 جانم نفسه ~~في الماء لينجو، فرماه أصحاب طوغان بالنشاب حتى هلك، وأخذ وقطع رأسه في ~~ثاني عشرينه. وقدم طوغان على السلطان في رابع عشرينه. وكان السلطان قد مسك ~~في يوم ثاني عشرينه في القاهرة الأمير إينال الصصلاني الحاجب، والأمير ~~أرغز، والأمير سودون الظريف، وجماعة من المماليك الظاهرية. ثم قبض السلطان ~~في يوم ثالث عشرينه أيضا على الأمير سودون الأسندمري أحد أمراء الألوف ~~وأمير آخور ثاني، وعلى الأمير جرباش العمري رأس نوبة، وأحد أمراء الألوف ~~أيضا. ثم خامس عشرينه قبض السلطان على جماعة من أكابر المماليك الظاهرية، ~~ووسط منهم خمسة، فنفرت القلوب منه، ووجد شيخ ونوروز للوثوب عليه سبيلا ~~لكمين كان في نفسهما منه. ثم خلع السلطان على منكلي أستادار الخليلي ~~باستقراره أستادارا عوضا عن فخر الدين بن أبي الفرج. PageV03P0476 # ثم كتب السلطان للوالد بالقبض على الأمير يشبك بن أزدمر أتابك دمشق، وعلى ~~إينال الخازندار، وعلى برد بك الخازندار، وعلى برد بك أخي طولو، وعلى سودون ~~من إخوة الأتابك يشبك، وعلى تنبك من إخوة يشبك أيضا، والفحص عن نكباي ~~الحاجب، فإن وجده من جملة المنافقين فليقبض عليه، ويعتقلهم. وسار البريد ~~للوالد بذلك. وبعد خروج البريد بذلك، ذبح السلطان في ليلة الأربعاء - مستهل ~~شعبان - عشرين مملوكا ممن قبض عليهم. ثم وسط من الأمراء في يوم الأربعاء ~~ثامنه عشرة أخر تحت القلعة، منهم: الأمير حرمان نائب القدس، والأمير عاقل، ~~وأرغز أحد أمراء الألوف بدمشق، والأمير سودون الظريف، والأمير مغلباي، ~~والأمير محمد بن قجماس. وفي ليلة الأربعاء المذكورة قتل السلطان أيضا ~~بالقلعة من المماليك الظاهرية زيادة على مائة مملوك من الجراكسة من مماليك ~~أبيه. ثم ركب سحر يوم الخميس إلى الصيد بناحية بهتيت - من ضواحي القاهرة - ~~وأمر والي القاهرة أن يقتل عشرة من المماليك الظاهرية لتخلفهم عن الركوب ~~معه، فقتلوا. وعاد السلطان من الصيد بثياب جلوسه، وشق القاهرة وهو سكران لا ~~يكاد يثبت على فرسه من شدة سكره، ومر في أقل من مائة فارس، وسار على ذلك ~~حتى طلع القلعة نصف النهار. وفي شعبان ms2736 هذا، ابتدأ بالوالد مرض موته، ولزم ~~الفراش بدار السعادة، وقد لهجت الناس أن الملك الناصر قد اغتاله بالسم، فإن ~~كان ما قيل حقيقة فقد التقيا بين يدي حاكم لا يحتاج إلى بينة. وسبب ذلك - ~~على ما قيل - عم مسك الوالد للأمير شيخ ونوروز لما دخلا عليه بدار السعادة ~~بدمشق، وأيضا أنه لما أمره بمسك من تقدم ذكرهم فأمسك منهم جماعة، وأعلم ~~يشبك بن أزدمر بالخبر ففر إلى جهة شيخ ونوروز، وأشياء غير ذلك. ولكن حدثتني ~~كريمتي خوند فاطمة زوجة الملك الناصر المذكور بخلاف ذلك، وهو أنه لما قدم ~~عليه الخبر بمرضه صار يتأسف ويقول: إن مات أبوك تخربت مملكتي. وبقي كلما ~~ورد عليه الخبر بعافيته يظهر السرور، وكلما بلغه أنه انتكس يظهر الكآبة، ~~وأنه ما أخذها صحبته في التجريدة إلى الشام إلا حتى تعوده في مرضه، وأشياء ~~من ذلك. ثم إن السلطان نادى في أول شهر رمضان من سنة أربع عشرة وثمانمائة ~~بالقلعة بالأمان، وأنهم عتقاء شهر رمضان. ثم تتبعهم بعد الأمان وأمسك منهم ~~جماعة كبيرة، حتى إنه لم يخرج شهر رمضان حتى أمسك منهم أزيد من أربعمائة ~~نفر وسجنهم بالبرج من القلعة. وفي رابع شهر رمضان المذكور أفاق الوالد من ~~مرضه، وزينت دمشق ودقت البشائر بسائر البلاد الشامية حتى حلب وطرابلس، ~~وأرسل الأمير شيخ ونوروز إليه بالتهنئة، فعظم ذلك أيضا على الملك الناصر. ~~وفي هذا الشهر تأكد عند السلطان خروج شيخ ونوروز عن طاعته، وبلغه أن نوروزا ~~قتل آق سنقر الحاجب، فتحقق السلطان عصيان المذكورين. ثم ذبح السلطان في ~~ليلة ثالث شوال أزيد من مائة نفس من المماليك السلطانية الظاهرية المحبوسين ~~بالبرج، ثم ألقوا من سور القلعة إلى الأرض، ورموا في جب مما يلي القرافة، ~~واستمر الذبح فيهم. ثم في يوم الاثنين عاشر شوال عدى السلطان النيل إلى ~~ناحية وسيم للربيع وبات به. ورحل في السحر بعساكره يريد مدينة إسكندرية، ~~بعد ما نودي في القاهرة بألا يتأخر أحد من المماليك السلطانية بالقاهرة، ~~وأن يعدوا إلى بر الجيزة، فعدوا بأجمعهم، ms2737 فمنهم من أمره السلطان بالسفر، ~~ومنهم من أمره بالإقامة. ثم بعث السلطان الأمير طوغان الحسني الدوادار، ~~والأمير جانبك الصوفي، وسودون الأشقر، ويلبغا الناصري، وجماعة من المماليك ~~إلى عدة جهات من أراضي مصر، لأخذ الأغنام والخيول والجمال حيث وجدت لكائن ~~من كان فسار الأمراء وشنوا الغارات فما عفوا ولا كفوا. ثم سار السلطان ~~ببقية أمرائه وعساكره إلى الإسكندرية، فدخلها في يوم الثلاثاء ثامن عشر ~~شوال من سنة أربع عشرة المذكورة، فقدم بها على السلطان مشايخ البحيرة ~~بتقادمهم، فخلع عليهم، ثم أمسكهم وساقهم في الحديد، واحتاط على أموالهم، ~~ففر باقيهم إلى جهة برقاء. ثم قدم الأمراء وقد ساقوا ألوفا من الأغنام التي ~~انتهبوها من النواحي، وقد مات كثرها، فسيقت إلى القاهرة مع الأموال ~~والجاموس والخيول. ثم رسم السلطان أن يؤخذ من تجار المغاربة العشر، وكان ~~يؤخذ منهم قبل ذلك الثلث، فشكر الناس له ذلك. PageV03P0477 # ثم خرج من الإسكندرية عائدا إلى القاهرة، وسار حتى نزل على وسيم في يوم ~~السبت تاسع عشرينه. وقد مات بسجن الإسكندرية الأمير خير بك نائب غزة، فاتهم ~~السلطان أنه اغتاله بالسم، والصحيح أنه مات حتف أنفه. ثم قدم كتاب الأمير ~~نوروز الحافظي على السلطان على يد فقيه يقال له سعد الدين، ومملوك آخر، ~~ومعهما محضر شهد فيه ثلاثة وثلاثون رجلا من أهل طرابلس - ما بين قاض وفقيه ~~وتاجر - بأنه لم يظهر منه بطرابلس منذ قدم إليها إلا الإحسان للرعية، ~~والتمسك بطاعة السلطان، وامتثال مراسيمه، وأن أهل طرابلس كانوا قد خرجوا ~~منها في أيام جانم لما نزل بهم من الضرر والظلم، فعادوا إليها أيام نوروز ~~المذكور، وأنه كلما ورد عليه مثال سلطاني يتكرر منه تقبيل الأرض، وأنه حلف ~~- بحضرة من وضع خطه - بالأيمان المغلظة الجامعة لمعاني الحلف أنه مقيم على ~~طاعة السلطان، متمسك بالعهد واليمين، فلم يغتر السلطان بالمحضر ولا التفت ~~إليه، لما ثبت عنده من عصيانهما قلت: ولهذه الأيمان الحانثة ذهب الجميع على ~~السيف في أسرع مدة، حتى إنني لا أعلم أن أحدا من هؤلاء الأمراء مات على ms2738 ~~فراشه، بل غالبهم تفانوا قتلا على أنواع مختلفة لتجرئهم على الله تعالى. ~~وكان يمكنهم الخروج على الملك الناصر المذكور لسوء سيرته فيهم ثم يعودون ~~إلى طاعته من غير أن يتعرضوا للأيمان والعهود، والتلاعب بذلك في كل قليل، ~~وصار ذلك دأبا لهم إلى أن سلط الله بعضهم على بعض، فذهبوا كأنهم لم يكونوا ~~- مع قوتهم، وشدة بأسهم، وفرط شجاعتهم - وملك بعدهم من لم يكن في رتبتهم ~~ولا يدانيهم في معنى من المعاني، ودانت له البلاد، وأطاعته العباد، وصفا له ~~الوقت من غير معاند ولا مدافع. " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب " ثم إن السلطان الملك الناصر بعد حضور هذا المحضر أخذ في ~~الاهتمام للسفر. ثم نزل من القلعة وعلى النيل في يوم الاثنين ثاني ذي ~~القعدة، وتوجه إلى الربيع، وعاد من يومه إلى القلعة وهو في أناس قليلة. ثم ~~بعد عوده رسم بقتل الأمير جرباش العمري، والأمير خشكلدي بثغر الإسكندرية، ~~فقتلا بها ودفنا بالثغر المذكور. ثم في رابع عشر من ذي القعدة، أنفق ~~السلطان على المماليك السلطانية نفقة السفر، فأعطى لكل نفر سبعين دينارا ~~ناصريا، وبعث للأمير الكبير دمرداش المحمدي ثلاثة الآف دينار، ولكل من ~~أمراء الألوف بألفي دينار، ولأمراء الطبلخانات ما بين سبعمائة دينار إلى ~~خمسمائة دينار. ثم في ليلة الخميس رابع عشرين ذي القعدة، طلب السلطان ~~الأمير شهاب الدين أحمد بن محمد بن الطبلاوي، فلما حضر إلى عنده ضرب عنقه ~~بيده، بعد أن قتل مطلقته بنت صرق بيده تهبيرا بالسيف عند كريمتي بقاعة ~~العواميد، فإنها كانت يوم ذاك صاحبة القاعة. وخبر ذلك: أن السلطان الملك ~~الناصر كان قد طلق خوند بنت صرق المذكورة، ونزلت إلى دارها، وكان له إليها ~~ميل، فوشى بها أن ابن الطبلاوي المذكور وقع بينه وبينها اجتماع، وظهر له ~~قرائن تدل على ذلك، منها أنه وجد لها خاتم عنده. فأرسل السلطان خلفها، ~~فلبست أفخر ثيابها ظنا منها أن السلطان يريد يعيدها لعصمته. قالت أختي خوند ~~فاطمة: وكان السلطان جالسا عندي بالقاعة، ms2739 فلما قيل له جاءت خوند بنت صرق، ~~نهض من وقته وخرج إلى الدهليز، وجلس به على مسطبة قالت: فخرجت خلفه ولا علم ~~لي بقصده، فجاءت بنت صرق وقبلت يده، فقال لها: يا قحبة، مراكيب الملوك ~~تركبها البلاصية؟! وقبل أن تتكلم ضربها بالنمجاة قطع أصابعها - وكانت مقمعة ~~بالحناء - فصاحت وهربت، فقام خلفها وضربها ضربة ثانية قطع من كتفها قطعة. ~~وصارت تجري وهو خلفها - وقد اجتمع جميع الخوندات عندي بالقاعة للسلام على ~~بنت صرق المذكورة - ولا زال يضربها بالنمجاة وهي تجري إلى أن دخلت المستراح ~~، فتمم قتلها في صحن المستراح، ثم قطع رأسها وأخذها بدبوقتها - وفي آذانها ~~الحلق البلخش الهائلة - وخرج إلى قاعة الدهيشة، ووضعها بين يديه وغطاها ~~بفوطة. ثم طلب ابن الطبلاوي المقدم ذكره وأجلسه وكشف له عن الفوطة، وقال ~~له: تعرف هذه الرأس؟ فأطرق، فضربة بالنمجاة طير رقبته، ولفهما معا في لحاف، ~~وأمر بدفنهما في قبر واحد. قالت أختي خوند فاطمة،: وصار دم بنت صرق في ~~حيطان القاعة ودهليزها . PageV03P0478 # وقالت: فو الله لما دخل الفداوية بقلعة دمشق على الملك الناصر ليقتلوه - ~~وكان استصحبني معه لأعود الوالد في مرضه - فصارت الفداوية تضربه ~~باالسكاكين، وهو يفر من بين أيديهم كما كانت تفر بنت صرق أمامه وهو يضربها ~~بالنمجاة. وبقي دمه بحيطان البرج شبه دم بنت صرق بحيطان القاعة. قلت: ~~فانظروا إلى هذا الجزاء الذي من جنس العمل - انتهى. ثم أصبح السلطان أمر ~~بخروج الجاليش من الأمراء إلى البلاد الشامية، فخرجوا بتجمل عظيم - وعليهم ~~آلة الحرب هم ومماليكهم - وعرضوا على السلطان وهم مارون من تحت القلعة ~~والسلطان ينظر إليهم من أعلى القصر السلطاني، وساروا حتى نزلوا بالريدانية ~~خارج القاهرة في يوم الخميس رابع عشرين ذي القعدة من سنة أربع عشرة ~~وثمانمائة، وهم: الأمير بكتمر جلق رأس نوبة الأمراء وصهر السلطان زوج ~~ابنته، وشاهين الأفرم أمير سلاح، وطوغان الحسني الدوادار الكبير، وشاهين ~~الزردكاش، بمضافيهم. وكان السلطان قبل خروج الأمراء المذكورين - من عظم ~~غضبه وحنقه على الأمير نوزوز الحافظي - جمع القضاة، وطلق أخته خوند سارة ms2740 ~~بنت الملك الظاهر برقوق من زوجها الأمير نوزوز، وزوجها للأمير مقبل الرومي ~~- على كره منها، بعد أن هددها بالقتل - بعقد ملفق من قضاة الجاه والشوكة. ~~فعظم ذلك على الأمير نوروز إلى الغاية، ولم يحسن ذلك ببال أحد - انتهى. ~~ودام الأمراء بالريدانية إلى يوم السبت خامس ذي الحجة، فرحلوا منها يريدون ~~الشام. ثم ركب السلطان في يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة ونزل من قلعة الجبل ~~ببقية أمرائه وعساكره - والجميع عليهم آلة السلاح - بزي لم ير أحسن منه، ~~بطلب هائل جر فيه ثلاثمائة جنيب من خواص الخيل بالسروج الذهب التي بعضها ~~مرصع بالفصوص المجوهرة المثمنه، ومياثرها المخمل المطرز بالزركش، وعلى ~~أكفالها العبي الحرير المثمنة، وفيها العبي المزركشة بالذهب، وفيها ~~بالكنابيش الزركش، والكنابيش المثلثة بالزركش والريش واللؤلؤ، وكلها باللجم ~~المسقطة بالذهب والفضة، والبذلات المينة والبذلات الذهب الثقيلة، ومن وراء ~~الجنائب المذكورة ثلاثة الآف فرس ساقها جشارا، ثم عدد كبير من العجل التي ~~تجرها الأبقار وعليها الآت الحصار، من مكاحل النفط الكبار ومدافع النفط ~~المهولة، والمناجيق العظيمة ونحو ذلك. ثم خرجت خرانة السلاح - أعني ~~الزردخاناه - على أكثر من ألف جمل تحمل القرقلات، والخوذ، والزرديات، ~~والجواشن، والنشاب، والرماح، والسيوف وغير ذلك. ثم خرجت خزانة المال في ~~الصناديق المغطاة بالحرير الملون، وفيها زيادة على أربعمائة ألف دينار، ~~وجميع الطبال والزمار - مماليكه مشتراواته - بالكلفتات، وعليهم ططريات صفر، ~~وغالبهم قد ناهز الحلم، بأشكال بديعة من الحسن، وقد تعلموا صناعة ضرب الطبل ~~والزمر وأتقنوه إلى الغاية، وهذا شىء لم يفعله ملك قبله. ثم خرج حريم ~~السلطان في سبع محفات قد غشيت بالحرير المخمل الملون، ما خلا محفة الأخت ~~فإنها غشيت بالزركش، كونها كانت خوند الكبرى صاحبة القاعة، ومن ورائهم نحو ~~الثلاثين حملا من المحاير المغشاة بالحرير والجوخ. ثم خرج المطبخ السلطاني، ~~وقد ساق الرعيان برسمه ثمانية وعشرين ألف رأس من الغنم الضأن، وكثيرا من ~~البقر والجاموس لحلب ألبانها، فبلغت عدة الجمال التي صحبت السلطان إلى ~~ثلاثة وعشرين ألف جمل، وهذا شيء كثير إلى الغاية. ثم سار السلطان من ~~القاهرة ms2741 حتى نزل بمخيمه من الريدانية تجاه مسجد التبن. وهذه تجريدة السلطان ~~الملك الناصر السابعة إلى البلاد الشامية، وهي التي قتل فيها حسبما يأتي ~~ذكره. وهذه التجاريد خلاف تجريدة السعيدية التي انكسر فيها الملك الناصر من ~~الأمراء وعاد إلى الديار المصرية، ولم يصل إلى قطيا، على أنه تكلف فيها إلى ~~جمل مستكثرة، وذهب له من الأثقال والقماش والسلاح أضعاف ما تكلفه في النفقة ~~وغيرها. وكانت تجريدته الأولى إلى قتال الأمير تنم الحسني الظاهري نائب ~~الشام في سنة اثنتين وثمانمائة. وتجريدته الثانية لقتال تيمورلنك في سنة ~~ثلاث وثمانمائة. والثالثة لقتال جكم من عوض في سنة تسع وثمانمائة بعد واقعة ~~السعيدية. والرابعة في سنة عشر وثمانمائة، التي مسك فيها الأمير شيخا ~~المحمودي نائب الشام والأتابك يشبك الشعباني، وحبسهما بقلعة دمشق، وأطلقهما ~~منطوق نائب قلعة دمشق. PageV03P0479 # والخامسة في محرم سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، وهي التي حصر فيها شيخا ~~ونوروزا بصرخد. والسادسة سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وهي التي حصر فيها أيضا ~~شيخا ونوروزا بقلعة الكرك. والتجريدة السابعة هذه. فجملة تجاريده ثماني ~~سفرات بواقعة السعيدية - انتهى. ثم خرج الخليفة المستعين بالله أبو الفضل ~~العباس، والقضاة الأربعة، وهم: قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني ~~الشافعي، وقاضي القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي، وقاضي القضاة ~~المالكي، وقاضي القضاة الحنبلي، ونزل الجميع بالريدانية. وتردد السلطان في ~~مدة إقامته بالريدانية إلى التربة التي أنشأها على قبر أبيه بالصحراء خارج ~~باب النصر، وبات بها ليالي، ونحر بها ضحاياه. وجعل الأمير يلبغا الناصري ~~نائب الغيبة بالقاهرة، وجعل في باب السلسلة الأمير ألطنبغا العثماني، ~~وبقلعة الجبل الأمير أسنبغا الزردكاش شاد الشراب خاناه، وزوج أخته خوند ~~بيرم، وولى نيابة القلعة للأمير شاهين الرومي عوضا عن كمشبغا الجمالي، وبعث ~~كمشبغا الجمالي صحبة حريمه، وقدمهم بين يديه بمرحلة. ثم رحل السلطان من ~~تربة أبيه قبيل الغروب من يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة من سنة أربع عشرة ~~وثمانمائة، لطالع اختاره له الشيخ برهان الدين إبراهيم بن زقاعة. وقد حزر ~~ابن زقاعة وقت ركوبه، وعوق ms2742 السلطان عن الركوب - والعساكر واقفة - حتى دخل ~~الوقت الذي اختاره له، فأمره فيه بالركوب، فركب السلطان وسار يريد البلاد ~~الشامية، ونزل بمخيمه من الريدانية، وفي ظنه أنه منصور على أعدائه، لعظم ~~عساكره، ولطالع اختاره له ابن زقاعة، فكانت عليه أيشم السفرات، فلعمري هل ~~رجع الشيخ برهان الدين بن زقاعة المذكور بعد ذلك عن معرفة هذا العلم أم ~~استمر على دعواه؟!. وأنا أتعجب من وقاحة أرباب هذا الشأن حيث يقع لهم مثل ~~هذا الغلط الفاحش وأمثاله، ثم يعودون إلى الكلام فيه والعمل به - انتهى. ثم ~~استقل السلطان بالمسير في سحر يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة. وفي هذا الشهر ~~انتكس الوالد ثالث مرة، ولزم الفراش إلى أن مات حسبما يأتي ذكره. وأما ~~السلطان الملك الناصر فإنه قبل المسير حذر عسكره من الرحيل قبل النفير، ~~فبلغه وهو بالريدانية أن طائفة رحلت، فركب بنفسه وقبض على واحد ووسطه، ونصب ~~مشنقة، فما وصل إلى غزة حتى قتل عدة من الغلمان، من أجل الرحيل قبل النفير، ~~فتشاءم الناس بهذه السفرة. ثم سار حتى نزل مدينة غزة، فوسط بها تسعة عشر ~~نفرا من المماليك الظاهرية، وهو لا يعقل من شدة السكر. وعقيب ذلك بلغه أن ~~الأمراء الذين بالجاليش توجهوا بأجمعهم إلى شيخ ونوروز. وكان من خبرهم أنهم ~~لما وصلوا إلى دمشق، دخلوا إلى الوالد، وقد ثقل في الضعف، وسلموا عليه، ~~وأخبره بكتمر جلق وطوغان أنهما بمن معهما يريدون التوجه إلى شيخ ونوروز، ~~فرجعهم الوالد عن ذلك، فذكروا له أعذارا فسكت عنهم. فقاموا عنه وخرجوا ~~بأجمعهم وتوجهوا إلى شيخ ونوروز - ما خلا شاهين الزردكاش - فإنه لم يوافقهم ~~على الذهاب، فمسكوه وذهبوا به إلى شيخ ونوروز. ولما بلغ الملك الناصر ذلك، ~~ركب وسار من غزة مجدا في طلبهم، وقد نفرت منه القلوب، حتى نزل بالكسوة في ~~يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجة، فألبس من معه من العساكر السلاح ورتبهم بنفسه ~~ثم سار بهم قاصدا دمشق حتى دخلها من يومه وقت الزوال، وقد خرج أعيان دمشق ~~وعوامها لتلقيه وللفرجة عليه، ms2743 وزينت لقدومه دمشق. ونزل بالقلعة بعد أن نزل ~~عند الوالد بدار السعادة وسلم عليه، وأمر زوجته خوند فاطمة، بالإقامة عند ~~الوالد. ثم أصبح يوم الأربعاء أول محرم سنة خمس عشرة وثمانمائة خلع على ~~القاضي شهاب الدين أحمد بن الكشك وأعاده إلى قضاء الحنفية بدمشق. ثم شفع ~~الوالد في القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي، فطلبه السلطان بدار السعادة ~~وأطلقه من سجنه بقلعة دمشق. ثم أفرج السلطان أيضا عن الأمير نكباي الحاجب، ~~وكان الوالد قبض عليه وحبسه. PageV03P0480 # ثم دخل السلطان للوالد واستشاره في الملأ من الناس فيما يفعل مع هؤلاء ~~الأمراء العصاة، فقال له الوالد: ياخوند تذبح في سنتك خمسمائة نفس، وتتجرد ~~في سنتك؟! فرسك الذي تحتك عاص عليك، فقال له الملك الناصر: الكلام في ~~الفائت فائت، أيش تشير علي الآن؟ فقال: عندي رأي أقوله، إن فعله السلطان ~~انصلح به حاله، قال: وما هو؟ قال: ترجع من هنا إلى مصر، فمن كان له إليك ~~ميل عاد صحبتك، ومن كان قد داخله الرعب منك فهو يفارقك من هنا ويتوجه إلى ~~القوم، فإذا دخلت إلى مصر ناد بالأمان، وكف عن قتل مماليك أبيك وغيرهم، ~~وأغدق عليهم بالإحسان، وأكثر إليهم من الاعتذار فيما وقع منك في حق غيرهم، ~~واسلك معهم قرائن تدل على صفو النية، فبهذا تطمئن قلوب رعيتك، ويعودون ~~لطاعتك. فإذا صار معك منهم ألف مملوك قهرت بهم جميع أعدائك، لما شاع من ~~إقدامك وشجاعتك، ولعظم ما في قلب أعدائك من الرعب منك. وأيضا فإن هؤلاء ~~الأمراء العصاة قد كثروا إلى الغاية، فالبلاد الشامية لا تقوم بأمرهم، فإما ~~أن يقع بينهم الخلف على البلاد فيفترقوا، وإما أن يتفقوا ويتجتمعوا على ~~قتالك ويأتوك إلى مصر، فاخرج إليهم والقهم برأس الرمل، فإن انتصرت عليهم ~~فافعل ما بدا لك، وإن كانت الأخرى فاخرج إلى البلاد، فمن قرا يوسف صاحب ~~العراق إلى والي قطيا في طاعتك، فما عندي غير هذا فاستحسن جميع عسكره هذا ~~الرأي إلا هو، فإنه لم يعجبه، وسكت طويلا، ثم رفع رأسه وقال: يا ms2744 أطا، أنا ~~قتلت هذه الخلائق لتعظم حرمتي، فإذا رجعت من هنا أيش يبقى لي حرمة، وأنا ~~أعرف بحال هؤلاء من غيري. والله ما صفتهم قدامي إلا كالصيد المجروح، والله ~~إذا بقي معي عشرة مماليك قاتلتهم بهم ولا أطلب إلا أن يثبتوا ويقفوا، ~~ويقاتلوني حتى أنتصف منهم. فقال له الوالد: اعلم أنهم الآن يقاتلونك . ثم ~~طلبنا الملك الناصر أنا وإخوتي فأحضرونا بين يديه، وكنا ستة ذكور، فقبلنا ~~يده - وأنا أصغر الجميع - فسأل عن أسمائنا، فقيل له ذلك. ثم تكلم الأتابك ~~دمرداش المحمدي عن لسان الوالد بالوصية علينا، فقال السلطان: هؤلاء أولادي ~~وأصهاري وإخوتي، ما هذه الوصية في حقهم! كل ذلك والوالد ساكت قد أسنده ~~مماليكه لا يتكلم. فلما قام الملك الناصر قال الوالد: أودعت أولادي إلى ~~الله تعالى، واستعنت به في أمرتهم، فنفعنا ذلك غاية النفع - ولله الحمد - ~~مع ما أخذ لنا من الأموال التي لا تدخل تحت حصر عند هزيمة الملك الناصر من ~~الأمراء، ودخوله إلى دمشق. ثم خرج السلطان الملك الناصر من دمشق بعساكره في ~~يوم الاثنين سادس المحرم، ونزل برزة. ثم رحل منها يريد محاربة الأمراء، ~~ونزل حسيا بالقرب من حمص، فبلغه رحيل القوم من قارا إلى جهة بعلبك، فترك ~~أثقاله بحسيا وساق أثرهم إلى بعلبك، فوجدهم قد توجهوا إلى البقاع، فقصدهم، ~~فمضوا نحو الصبيبة، فتبعهم حتى نزلوا باللجون، فساق خلفهم وهو سكران لا ~~يعقل، فما وصل إلى اللجون حتى تقطعت عساكره عنه من شدة السوق، ولم يبق معه ~~غير من ثبت على سوقه، وهم أقل ممن تأخر. وكان قد وصل وقت العصر من يوم ~~الاثنين ثالث عشر المحرم من سنة خمس عشرة وثمانمائة، فوجد الأمراء قد نزلوا ~~باللجون وأراحوا، وفي ظنهم أنه يتمهل ليلته ويلقاهم من الغد، فإذا جنهم ~~الليل ساروا بأجمعهم من وادي عارة إلى جهة الرملة، وسلكوا البرية عائدين ~~إلى حلب، وليس في عزمهم أن يقاتلوه أبدا، لا سيما الأمير شيخ فإنه لا يريد ~~ملاقاته بوجه من الوجوه. فحال وصول الملك الناصر إلى اللجون أشار ms2745 عليه ~~الأتابك دمرداش المحمدي أن يريح خيله وعساكره تلك الليلة، ويقاتلهم من ~~الغد، فأجابه السلطان بأنهم يفرون الليلة، فقال له دمرداش المذكور: إلى أين ~~بقوا يتوجهوا يا مولانا السلطان بعد وقوع العين في العين؟ يا مولانا ~~السلطان مماليكك في جهد وتعب من السوق، والخيول كلت، والعساكر منقطعة، فلم ~~يلتفت إلى كلامه، وحرك فرسه ودق بزخمته على طبله، وسار نحو القوم، وحمل ~~عليهم بنفسه من فوره حال وصوله، فارتضمت طائفة من مماليكه في وحل كان هناك. ~~PageV03P0481 # ثم قبل اللقاء خرج الأمير قجق أحد أمراء الألوف بطلبه من مماليكه وعسكره، ~~وذهب إلى الأمراء، وتداول ذلك من المماليك الظاهرية واحدا بعد واحد، والملك ~~الناصر لا يلتفت إليهم، ويشجع من بقي معه حتى التقاهم وصدمهم صدمة هائلة، ~~قتل فيها من عسكره الأمير مقبل الرومي أحد أمراء الألوف، الذي زوجه الملك ~~الناصر بأخته - زوجة الأمير نوروز - ثم قتل أحد خواصه من الأمراء وهو ~~الأمير ألطنبغا شقل. وتقهقر عسكره مع قلتهم، فانهزم السلطان عند ذلك، بعد ~~أن قاتل بنفسه، وساق يريد دمشق - وكان الرأي توجهه إلى مصر - وتبعه سودون ~~الجلب، وقرقماس ابن أخي دمرداش، ففاتهما الملك الناصر ومضى إلى دمشق. وأحاط ~~القوم بالخليفة المستعين بالله، وفتح الدين فتح الله كاتب السر، وناظر ~~الجيش بدر الدين حسن بن نصر الله، وناظر الخاص أبن أبي شاكر، واستولوا على ~~جميع أثقال الملك الناصر وأمرائه. وامتدت أيدي أصحاب الأمراء إلى النهب ~~والأسر في أصحاب الملك الناصر، وما غربت الشمس حتى انتصر الأمراء وقوي ~~أمرهم. وأذن المغرب، فتقدم إمام الأمير شيخ، شهاب الدين أحمد بن حسن بن، ~~الأذرعي وصلى بهم المغرب، وقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: " واذكروا إذ ~~أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ~~ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون " . فوقعت هذه الآية الموقع الحسن، كونهم ~~كانوا في خوف وجزع، وصاروا إلى الأمن والتحكم. وباتوا تلك الليلة ~~بمخيماتهم، وهي ليلة الثلاثاء. وأصبح الأمراء وليس فيهم من يرجع إليه، بل ~~كل واحد منهم يقول: أنا رئيس ms2746 القوم وكبيرهم، فنادى شيخ بأنه الأمير الكبير، ~~ورسم بما شاء، وناس نوروز أيضا بأنه الأمير الكبير، ورسم بما أراد، ونادى ~~سودون المحمدي بأنه الأمير الكبير، وقد استولى على الإسطبل السلطاني بما ~~فيه لنفسه، ونادى بكتمر جلق بأنه الأمير الكبير. قال الشيخ تقي الدين ~~المقريزي - رحمه الله: حدثني فتح الله كاتب السر قال: بعث إلي الأمير شيخ ~~ونوروز، قالا لي: كتب بما جرى إلى الديار المصرية، وأعلم الأمراء به، فقال ~~لهما: من السلطان الذي أكتب عنه؟...فأطرق كل منهما ساعة ثم قالا: ابن ~~أستاذنا ما هو هنا حتى نسلطنه - يريدان الأمير فرج ابن الملك الناصر فرج. ~~فلما رأى انقطاعهما قال: الرأي أن يتقدم كل منكما إلى موقعه بأن يكتب عنه ~~إلى الأمراء بمصر كتابا بصورة الحال، ويأمرهم بحفظ القلعة والمدينة،ويعدهم ~~بالخير، ثم يكتب الخليفة كذلك. فوقع هذا منهما الموقع الحسن، وكتب كل منهما ~~كتابا، وندب قجقار القردمي لحمل الكتب، وجهز إلى مصر، فمضى من يومه. ونودي ~~بالرحيل في يوم الأربعاء خامس عشره، وليس عندهم خبر عن الملك الناصر ولا ~~أين ذهب - انتهى. قلت: وأما الملك الناصر، فإنه لما انكسر سار نحو دمشق حتى ~~دخلها ليلة الأربعاء في ثلاثة نفر، ونزل بالقلعة وسأل عن الوالد فقيل له ~~محتضر. ومات الوالد في يوم الخميس سادس عشر المحرم، ودفن من يومه بتربة ~~الأمير تنم الحسني نائب الشام، خارج دمشق بميدان الحصى. وأما الملك الناصر ~~فإنه أصبح يوم الأربعاء استدعى القضاة والأعيان ووعدهم بكل خير، وحثهم على ~~نصرته والقيام معه، فانقادوا له، فأخذ في تدبير أموره، وتلاحقت به عساكره ~~شيئا بعد شيء. ثم قدم عليه الأتابك دمرداش، فأصبح خلع عليه في عصر يوم ~~الخميس سادس عشر المحرم بولايته نيابة دمشق - بعد موت الوالد - رحمه الله. ~~وأخذ السلطان في الاستعداد، وأخرج الأموال، ثم استولى على جميع ما للوالد ~~من خيل وجمال وقماش وزردخاناه ومال، من كونه وصيا، وأيضا وكيل زوجته، فكان ~~من جملة ما أخذه نحو الألف فرس ما بين مراكيب وجشار، واستخدم جميع مماليك ~~الوالد المشتروات ms2747 ومماليك الخدمة، وكانوا أيضا نحو الألف مملوك، وخلع على ~~طوغان دوادار الوالد باستقراره على تقدمة ألف بدمشق على عادته، وعلى أرغون ~~شاه شاد شراب خاناته باستقراره على إمرة طبلخاناه وكذلك رأس نوية، فكلموه ~~فيما أخذ للوالد من الخيول والقماش، فوعدهم برد ما أخذ وأضعافه. ~~PageV03P0482 # ثم أحضر السلطان الأموال وصبها.بين يديه، فأشار عليه دمرداش بالخروح إلى ~~حلب فلم يوافقه، وأبى إلا الإقامة في دمشق، فأشار عليه ثانيا بالعود إلى ~~الديار المصرية فلم يرض، وأقام بدمشق، وكان رأي دمرداش فيه غاية الجودة، ~~فإن جميع أمراء التركمان كانت مع الملك الناصر مثل قرايلك، وابن قرمان، ~~وبني دلغادر وغيرهم، فحبب إليه الإقامة بدمشق لأمر سبق في القدم. ولما أخرج ~~السلطان الأموال أتاه الناس من كل فج من التركمان والعربان والعشير وغيرهم، ~~فكتب أسماءهم وأنفق عليهم وقواهم بالسلاح، وأنزل كل طائفة منهم بموضع يحفظه ~~فكان عدة من استخدمه من المشاة زيادة على ألف رجل. وحصن القلعة ،بالمناجيق ~~والمدافع الكبار، وجعل بين كل شرفتين من شرفات سور المدينة جنوية، ومن ~~ورائها الرماة بالسهام الخلنج، والأسهم الخطائية، ونصب على كل برج من أبراج ~~السور شيطانيا يرمى به الحجارة. وأتقن تحصين القلعة بحيث إنه لم يبق سبيل ~~للتوصل إليها بوجه من الوجوه. ثم خلع على نكباي الحاجب بنيابة حماة. ثم ركب ~~قاضي القضاة جلال الدين البلقيني، ومعه بقية قضاة مصر ودمشق، وجماعة من ~~أرباب الدولة، ونودي بين أيديهم عن لسان السلطان أنه قد أبطل المكوس، وأزال ~~المظالم فادعوا له ، فعظم ميل الشاميين إليه، وتعصبوا له، وصار غالبهم من ~~حزبه، وغنوا عن لسانه: أنا سلطان ابن سلطان وأنت يا شيخ أمير وأكثروا من ~~الدعاء له والوقيعة في شيخ ونوروز، ووعدوه القتال معه حتى الممات. واستمر ~~ذلك إلى بكرة يوم السبت ثامن عشر المحرم، فنزل الأمراء على قبة يلبغا خارج ~~دمشق، فندب السلطان عسكرا فتوجهوا إلى القبيبات، فبرز لهم سودون المحمدي، ~~وسودون الجلب، واقتتلوا حتى تقهقر السلطانية منهم مرتين، ثم انصرف ~~الفريقان. وفي يوم الأحد تاسع عشر المحرم ارتحل الأمراء ms2748 عن قبة يلبغا، ~~ونزلوا غربي دمشق من جهة الميدان، ووقفوا من جهة القلعة إلى خارج البلد، ~~فتراموا بالنشاب نهارهم وبالنفط، فاحترق ما عند باب الفراديس من الأسواق. ~~فلما كان الغد من يوم الاثنين عشرين المحرم اجتمع الأمراء للحصار، فوقفوا ~~شرقي البلد وقبليه، ثم كروا راجعين ونزلوا ناحية القنوات إلى يوم الأربعاء ~~ثاني عشرينه. ووقع القتال من شرقي البلد، ونزل الأمير نوروز بدار الطعم، ~~وامتدت أصحابه إلى العقيبة، ونزل طائفة بالصالحية والمزة، ونزل شيخ بدار ~~غرس الدين خليل أستادار الوالد تجاه جامع كريم الدين الذي بطرف القبيبات ~~ومعه الخليفة وكاتب فتح الله، ونزل بكتمر جلق وقرقماس - سيدي الكبير - في ~~جماعة من جهة بساتين معين الدين ومنعوا الميرة عن الملك الناصر، وقطعوا نهر ~~دمشق، ففقد الماء من البلد، وتعطلت الحمامات، وغلقت الأسواق. واشتد الأمر ~~على أهل دمشق، واقتتلوا قتالا شديدا، وتراموا بالسهام والنفوط، فاحترق عدة ~~حوانيت بدمشق. وكثرت الجراحات في أصحاب الأمراء من الشاميين، وأنكاهم ~~السلطانية بالرمي من أعلى السور، وعظم الأمر، وكلوا من القتال. تم إن ~~الأمير شيخا أرسل إلى شهاب الدين الحسباني، والباعوني، وقاضي القضاة ناصر ~~الدين بن العديم الحنفي قاضي قضاة الديار المصرية - وكان قد انقطع بالشلبية ~~لمرض به - فأحضر شيخ الثلاثة وأنزلهم عنده. ثم لحق ناصر الدين بن البارزي، ~~وصدر الدين الأدمي الحنفي قاضي قضاة دمشق بالأمير شيخ. ولما بلغ الملك ~~الناصر توجه ابن العديم إلى شيخ أرسل خلف محب الذين بن الشحنة قاضي حلب ~~وولاه قضاء الحنفية بالديار المصرية عوضه. ثم في يوم الجمعة رابع عشرينه ~~أحضر الأمير شيخ الأمير بلاط الأعرج شاد الشراب خاناه - وكان ممن قبض عليه ~~بعد انهزام الملك الناصر - ووسطه. ثم أحضر أيضا الأمير بلاط أمير علم - ~~وكان ممن قبض عليه أيضا يوم الواقعة، من أجل أنه كان يتولى ذبح خشداشيته من ~~المماليك الظاهرية - فلما حمل للتوسيط صاح: يا ظاهرية! الجيرة! أنا ~~خشداشكم! قالوا له: الآن أنت خشداشنا، وأيام الذبح كنت عدونا!! فلم يقم ~~إليه أحد. PageV03P0483 # وفي يوم السبت خامس عشرين المحرم، خلع ms2749 الخليفة المستعين بالله الملك ~~الناصر فرج من السلطنة، واتفق الأمراء على إقامة الخليفة المستعين بالله ~~المذكور في السلطنة لتستقيم بسلطنته الأحوال، وتنفذ الكلمة، وتجتمع الناس ~~على سلطان. وثبت خلع الملك الناصر على القضاة، وأجمعوا على إقامة الخليفة ~~سلطانا، فامتنع الخليفة من ذلك غاية الامتناع، وخاف ألا يتم له ذلك فيهلك، ~~وصمم على الامتناع، وخاف من الملك الناصر خوفا شديدا. فلما عجز عنه الأمراء ~~دبروا عليه حيلة، وطلبوا الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي - وهو ~~أخو الخليفة المستعين بالله لأمه - وندبوه بأن يركب ومعه ورقة تتضمن مثالب ~~الملك الناصر ومعايبه، وأن الخليفة قد خلعه من الملك وعزله من السلطنة، ولا ~~يحل لأحد معاونته ولا مساعدته. فلما بلغ الخليفة ذلك لام أخاه ناصر الدين ~~بن مبارك شاه المذكور على ذلك، وأيس الخليفة عند ذلك من انصلاح الملك ~~الناصر له، فأذعن لهم حينئذ بأن يتسلطن؟ فبايعوه بأجمعهم، وحلفوا له ~~بالأيمان المغلظة والعهود على الوفاء له وعلى القيام بنصرته ولزوم طاعته. ~~وتم أمره على ما يأتي ذكره في أوائل ترجمته من هذا الكتاب إن شاء الله ~~تعالى. وأما الملك الناصر، فإنه لما تسلطن الخليفة، وخلع هو من الملك، نفر ~~الناس عنه، وصاروا حزبين: حزبا يرى أن مخالفة الخليفة كفر، والناصر قد عزل ~~من الملك، فمن قاتل معه فقد عصي الله ورسوله، وحزبا يرى أن القتال مع الملك ~~الناصر واجب، وأنه باق على سلطنته، ومن قاتله إنما هو باغ عليه وخارج عن ~~طاعته. ومن حينئذ أخذ أمر الملك الناصر في إدبار، إلى أن قتل في ليلة السبت ~~سادس عشر صفر من سنة خمس عشرة وثمانمائة بالبرج من قلعة دمشق بعدما حوصر ~~أياما، كما سيأتي ذكره مفصلا في ترجمة المستعين بالله، إلى أن حبس بقلعة ~~دمشق. وخبره: أنه لما حبس بقلعة دمشق - بعد أمور يأتي ذكرها في سلطنة ~~المستعين وأقام محبوسا بالبرج إلى ليلة السبت سادس عشر صفر المذكور - دخل ~~عليه ثلاثة نفر هم،: الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي أخو ~~الخليفة ms2750 المستعين بالله لأمه، وآخر من ثقات شيخ، وآخر من أصحاب نوروز، ~~ومعهم رجلان من المشاعلية، فعندما رآهم الملك الناصر فرج قام إليهم فزعا، ~~وعرف فيما جاؤوا، ودافع عن نفسه، وضرب أحد الرجلين بالمدورة صرعه. ثم قام ~~الرجل هو ورفيقه ومشوا عليه وبأيديهم السكاكين، ولا زالوا يضربونه ~~بالسكاكين المذكورة وهو يعاركهم بيديه، وليس عنده ما يدفع عن نفسه به، حتى ~~صرعاه، بعد ما أثخنا جراحه في خمسة مواضع من بدنه. وتقدم إليه بعض صبيان ~~المشاعلية فخنقه وقام عنه، فتحرك الملك الناصر، فعاد إليه وخنقه ثانيا حتى ~~قوي عنده أنه مات، فتحرك، فعاد إليه ثالثا وخنقه، وفرى أوداجه بخنجر كان ~~معه، وسلبه ما عليه من الثياب، ثم سحب برجليه حتى ألقي على مزبلة مرتفعة من ~~الأرض تحت السماء، وهو عاري البدن، يستر عورته وبعض فخذيه سراويله، وعيناه ~~مفتوحتان، والناس تمر به ما بين أمير وفقير ومملوك وحر قد صرف الله قلوبهم ~~عن دفنه ومواراته. وبقيت الغلمان والعبيد والأوباش تعبث بلحيته وبدنه. ~~واستمر على المزبلة المذكورة طول نهار السبت المذكور. فلما كان الليل من ~~ليلة الأحد حمله بعض أهل دمشق وغسله وكفنه، ودفنه بمقبرة باب الفراديس ~~احتسابا لله تعالى، بموضع يعرف بمرج الدحداح، ولم تكن جنازته مشهودة، ولا ~~عرف من تولى غسله ومواراته. PageV03P0484 # قلت: وما وقع للملك الناصر من قتله وإلقائه على المزبلة مما يدل على قلة ~~مروءة القوم، وعدم حفظهم ومراعاتهم لسوابق نعمه عليهم، ولحقوق تربية والده ~~الملك الظاهر برقوق عليهم. ونفرض أنه أساء لهم وأراد قتلهم، وكان مجازاته ~~عن ذلك بالقتل، وهو غاية المجازاة، فكان الأليق بعد قتله إخفاء أمره ~~ومواراته، كما فعل غيرهم بمن تقدم من الملوك، فإنه قد حصل مقصودهم بقتله ~~وزيادة. حتى إن الذي - والعياذ بالله تعالى - يقع في الكفر تضرب عنقه ثم ~~يؤخذ ويدفن، وأيضا فمراعاة السلطنة وناموس الملك مطلوب من كل واحد، والملوك ~~لهم غيرة على الملوك، ولو كان بينهم العداوة والخصومة. وقد رأيت في تاريخ ~~الإسلام في ترجمة الخليفة محمد المهدي بن الرشيد هارون العباسي ms2751 أنه سأل بعض ~~جلسائه عن أحوال الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي، ~~فقال له بعض من حضر: وما السؤال عنه يا أمير المؤمنين؟! كان رجلا فاسقا ~~زنديقا. فلما سمع الخليفة المهدي كلامه نهره وقال له: صه، خلافة الله أجل ~~أن جعلها في زنديق، وأقامه من مجلسه. وكان الوليد كما قال الرجل، غير أن ~~المهدي غار على منصب الخلافة، فقال ذلك مع علمه بحال الوليد. فلعمري أين ~~فعل هؤلاء من قول المهدي؟! مع أن خلفاء بني العباس كانوا أشد بغضا لخلفاء ~~بني أمية من بغض هؤلاء للملك الناصر، غير أن العقول تتفاوت وتتفاضل، ~~والأفعال تدل على شيم الفاعل - انتهى. ومات الملك الناصر وله من العمر أربع ~~وعشرون سنة وثمانية أشهر وأيام، فكانت مدة ملكه من يوم مات أبوه الملك ~~الظاهر برقوق إلى أن خلع لأخيه الملك المنصور عبد العزيز - حسبما تقدم ذكره ~~- ست سنين وخمسة أشهر وأحد عشر يوما، وخلع من السلطنة بأخيه المذكور سبعين ~~يوما، ومن يوم أعيد إلى السلطنة بعد خلع أخيه المذكور في يوم السبت خامس ~~جمادى الآخرة من سنة ثمان وثمانمائة إلى يوم خلعه المستعين بالله من ~~السلطنة في يوم السبت خامس وعشرين المحرم من سنة خمس عشرة وثمانمائة ست ~~سنين وعشرة أشهر سواء. فجميع مدة سلطنته الأولى والثانية - سوى أيام خلعه - ~~ثلاث عشرة سنة : وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما. وكان الملك الناصر من أشجع ~~الملوك وأفرسها وأكرمها، وأكثرها احتمالا، وأصبرها على العصاة من أمرائه. ~~حدثني بعض أعيان المماليك الظاهرية أن الملك الناصر ما قتل أحدا من ~~الظاهرية ولا غيرهم حتى ركب عليه وآذاه غير مرة وهو يعفو عنه، وتصديق ذلك ~~أنه لما قبض على الأمير شيخ والأتابك يشبك الشعباني بدمشق في سنة عشر ~~وثمانمائة، وحبسهما بقلعة دمشق كان يمكنه قتلهما، فإن ذلك كان بعد ما ~~حارباه في واقعة السعيدية وكسراه أقبح كسرة، وأما شيخ فإنه كان تكرر عصيانه ~~عليه قبل ذلك غير مرة. وقد رأينا من جاء بعده من الملوك إذا ركب ms2752 عليه أحد ~~مرة واحدة وظفر به لم يبقه، والكلام في بيان ذلك من وجوه عديدة يطول الشرح ~~فيه، وليس تحت ذلك فائدة. ولم أرد بما قلته التعصب للملك الناصر المذكور، ~~فإنه أخذ مالنا وجميع موجود الوالد وتركنا فقراء - يعلم ذلك كل أحد - غير ~~أن الحق يقال على أي وجه كان. وكان صفته شابا معتدل القامة، أشقر، له لثغة ~~في لسانه بالسين، غير أنه كان أفرس ملوك الترك بعد الملك الأشرف خليل بن ~~قلاون بلا مدافعة. قلت: ولنذكر هنا من مقالة الشيخ تقي الدين المقريزي في ~~حقه من المساوىء نبذة برمتها، وللناظر فيها التأمل قال: PageV03P0485 # وكان الناصر أشأم ملوك الإسلام، فإنه خرب بسوء تدبيره جميع أراضي مصر ~~وبلاد الشام من حيث يصب النيل إلى مجرى الفرات، وطرق الطاغية تيمور بلاد ~~الشام في سنة ثلاث وثمانمائة، وخرب حلب وحماة وبعلبك ودمشق، حتى صارت دمشق ~~كوما ليس بها دار. وقتل من أهل الشام مالا يحصى عدده... وطرق ديار مصر ~~الغلاء من سنة ست وثمانمائة، فبذل أمراء دولته جهدهم في ارتفاع الأسعار، ~~بخزنهم الغلال وبيعهم لها بالسعر الكثير. ثم زيادة أطيان أراضي مصر حتى ~~عظمت كلفة ما تخرجه الأرض. وأفسدوا مع ذلك النقود بإبطال السكة الإسلامية ~~من الذهب، والمعاملة بالدنانير المشخصة التي هي ضرب النصارى. ورفعوا سعر ~~الذهب حتى بلغ إلى مائتين وأربعين درهما، كل مثقال، بعد ما كان بعشرين ~~درهما، ومكسوا كل شيء. وأهمل عمل الجسور بأراضي مصر، وألزم الناس أن يقوموا ~~عنها بالأموال التي تجبى منهم. وأكثر وزراؤه من رمي البضائع على التجار ~~ونحوهم بأغلى الأثمان، وكل ذلك من سعد الدين بن غراب، وجمال الدين يوسف ~~الأستادار وغيرهما، فكانا يأخذان الحق والباطل ويأتيان له به لئلا يعزلهم ~~من وظائفهم. ثم ماتوا، فتم هو على ذلك يطلب المال من المباشرين فيسدون ~~بالظلم، فخربت البلاد لذلك، وفشا أخذ أموال الناس. هذا مع تواتر الفتن ~~واستمرارها بالشام ومصر، وتكرار سفره إلى البلاد الشامية،فما من سفرة سافر ~~إليها إلا وينفق فيها أموالا عظيمة، زيادة على ألف ms2753 ألف دينار، يجبيها من ~~دماء أهل مصر ومهجهم. ثم يتقدم إلى الشام فيخرب الديار ويستأصل الأموال ~~ويدمر القرى. ثم يعود وقد تأكدت أسباب الفتنة، وعادت أعظم ما كانت، فخربت ~~الإسكندرية، وبلاد البحيرة، وأكثر الشرقية، ومعظم الغربية، والجيزية، ~~وتدمرت بلاد الفيوم، وعم الخراب بلاد الصعيد، بحيث بطل منها زيادة على ~~أربعين خطبة كانت تقام في يوم الجمعة، ودثر ثغر أسوان، وكان من أعظم ثغور ~~المسلمين، وخرب من القاهرة وأملاكها وظواهرها زيادة عن نصفها. ومات من أهل ~~مصر في الغلاء والوباء نحو ثلثي الناس. وقتل في الفتن بمصر مدة أيامه خلائق ~~لا تدخل تحت حصر، مع مجاهرته بالفسوق، من شرب الخمر، وإتيان الفواحش، ~~والتجرؤ العظيم على الله جلت قدرته. ومن العجيب أنه لما ولد كان قد أقبل ~~يلبغا الناصري بعساكر الشام لينزع أباه الملك الظاهر برقوق من الملك - وهو ~~في غاية الاضطراب من ذلك - فعندما بشر به قيل له: ما تسميه؟،... قال: ~~بلغاق، - يعني فتنة - وهي كلمة تركية. فقبض على أبيه الملك الظاهر وسجن ~~بالكرك - كما تقدم ذكره أو هو لم يسم فلما عاد برقوق، إلى الملك عرض عليه ~~فسماه فرجا، ولم يسمه أحد لذلك اليوم إلا بلغاق، وهو في الحقيقة ما كان إلا ~~فتنة، أقامه الله - سبحانه وتعالى - نقمة على الناس ليذيقهم بعض الذي ~~عملوا. ومن عجيب الاتفاق أن حروف اسمه " ف رج " عددها ثلاثة وثمانون ~~ومائتان وهي عدد جركس وكان فناء طائفة الجركس على يديه. فإن حروفها تفنى ~~إذا أسقطت بحروف اسمه. قلت: كيف كان فناء الجركس على يديه، وهم إلى الآن ~~ملوك زماننا وسلاطينها؟!. فهذا هو الخباط بعينه!. وإن كان يعني الذين ~~قتلهم، فهو قتل من كل طائفة - انتهى. قال: وكانت وفاته عن أربع وعشرين سنة ~~وثمانية أشهر وأيام. وكل هذه الأمور من سوء تدبير مماليك أبيه معه والفتنة ~~في بعضهم البعض، وهم الذين جسروه على المظالم، وعلى قتل بعضهم، فاستمر على ~~الظلم والقتل إلى أن كان من أمره ما كان - انتهى كلام المقريزي بتمامه ~~وكماله. قلت: وكان يمكنني ms2754 أن أجيب عن كل ما ذكره المقريزي - غير إسرافه على ~~نفسه - غير أني أضربت عن ذلك خشية الإطالة والملل. على أني موافقه على أن ~~الزمان يصلح ويفسد بسلطانه وأرباب دولته، ولكن البلاء قديم، حديث - انتهى. ~~وخلف الملك الناصر عشرة أولاد - فيما أظن - ثلاثة ذكور وسبع إناث. فالذكور: ~~فرج، ومحمد، وخليل، والإناث: ستيته التي زوجها لبكتمر جلق، وعائشة، وآسية، ~~وزينب، وشقراء، وهاجر، ورحب، والجميع أمهاتهم أم أولاد مولدات، ما عدا ~~عائشة وشقراء - والله أعلم. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الناصر فرج الثانية # وهي سنة ثمان وثمانمائة. على أن أخاه الملك المنصور عبد العزيز حكم منها ~~سبعين يوما. PageV03P0486 # فيها أمسك السلطان الملك الناصر الأتابك بيبرس ابن عمته، والأمير سودون ~~المارداني الدوادار الكبير بعد عوده إلى الملك - حسبما تقدم ذكره. وفيها ~~توفي الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن علي بن عصفور المالكي، شيخ الكتاب ~~بالديار المصرية في يوم الاثنين رابع عشرين شهر رجب. كان أحد موقعي الدست ~~بالقاهرة وكان يجيد الخط المنسوب بسائر الأقلام وكان ابن عصفور هذا هو الذي ~~كتب عهد الملك المنصور عبد العزيز بالسلطنة، ومات بعد مدة يسيرة، فقال فيه ~~بعض الأدباء. السريع قد نسخ الكتاب من بعده ... عصفور لما طار للخلد مذ كتب ~~العهد قضى نحبه ... وكان منه آخر العهد وتوفي الخليفة أمير المؤمنين ~~المتوكل على الله أبو عبد الله محمد ابن الخليفة المعتصم بالله أبي بكر ابن ~~الخليفة المستكفي بالله سليمان بن الحاكم بأمر الله أحمد بن الحسن بن أبي ~~بكر بن علي بن الحسين ابن الخليفة الراشد بالله منصور بن المسترشد بالله ~~الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله ابن الأمير ذخيرة ~~الدين محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أحمد بن ~~المقتفي بالله إبراهيم بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد ابن ~~الأمير الموفق طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله ~~محمد بن الرشيد بالله هارون بن المهدي محمد ابن الخليفة أبي جعفر عبد ms2755 الله ~~المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي المصري، يوم ~~الثلاثاء ثامن شهر رجب، ودفن بالمشهد النفيسي خارج القاهرة. بويع المتوكل ~~بالخلافة بعد موت أبيه بعهد منه إليه، في يوم سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث ~~وستين وسبعمائة، وتم أمره، إلى أن خلعه أينبك البدري في ثالث صفر سنة تسع ~~وسبعين وسبعمائة بزكرياء بن إبراهيم. ثم أعيد في عشرين شهر ربيع الأول ~~منها، فاستمر إلى أن خلعه الملك الظاهر برقوق في أول شهر رجب سنة خمس ~~وثمانين وسبعمائة بعمر بن إبراهيم، ولقب بالواثق. ثم أعاده في عشرين شهر ~~ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، فاستمر في الخلافة إلى أن مات. وتولى ~~الخلافة بعده ابنه المستعين بالله العباس. قلت: ولا نعلم خليفة تخلف من ~~أولاده لصلبه خمسة غير المتوكل هذا، وهم: المستعين العباس، ثم المعتضد ~~داود، ثم المستكفي سليمان - وهما أشقاء - ثم القائم بأمر الله حمزة - وهو ~~شقيق المستعين بالله المتقدم ذكره - ثم المستنجد بالله يوسف، خليفة زماننا ~~هذا، عامله الله باللطف. وتوفي قاضي القضاة ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن ~~بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن ~~محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن خلدون الحضرمي الإشبيلي المالكي قاضي قضاة ~~الديار المصرية بها، في يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان فجاءة. وقد ولي ~~القضاء غير مرة. ومولده في يوم الأربعاء أول شهر رمضان سنة إثنتين وثلاثين ~~وسبعمائة، بمدينة تونس. وكان إماما عالما بارعا في فنون من العلوم، وله نظم ~~ونثر، وقد استوعبنا ترجمته في المنهل الصافي، وذكرنا قدومه إلى القاهرة، ~~ومشايخه وغير ذلك. ومن شعره من قصيدة: الكامل أسرفن في هجري أو في، تعذيبي ~~... وأطلن موقف عبرتي ونحيبي وأبين يوم البين وقفة ساعة ... لوداع مشغوف ~~الفؤاد كئيب وتوفي القاضي الأمير سعد الدين إبراهيم بن عبد الرزاق بن غراب ~~في ليلة الخميس تاسع عشر شهر رمضان - ولم يبلغ من العمر ثلاثين سنة - بعد ~~مرض طويل. وكان ولي نظر ms2756 الخاص في دولة الملك الظاهر برقوق، ثم الوزر، ونظر ~~الجيش، وكتابة السر، والاستادارية في دولة الملك الناصر فرج الأولى. ثم صار ~~في سلطنته الثانية أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، وأمير مجلس، ولبس ~~الكلفتاة وتقلد بالسيف، وحضر الخدمة السلطانية مرة واحدة، ونزل إلى داره ~~فلزم الفراش إلى أن مات. وكان له مكارم وأفضال وهمة عالية، لم يسمع بمثلها ~~في عصره، مع عدم ظلمه بالنسبة إلى غيره من أبناء جنسه PageV03P0487 # وأما سفك الدماء فلم يدخل فيه البتة، وقد اقتدى جمال الدين يوسف البيري ~~طريقه في المكارم والتحشم، غير أنه أمعن في سفك الدماء حتى تجاوز الحد - ~~عليه من الله ما يستحقه - وكان أصل سعد الدين هذا من أولاد الكتبة الأقباط ~~بالإسكندرية، ثم اتصل بخدمة الأمير محمود بن علي الأستادار، واختص به حتى ~~صار عارفا بجميع أحواله، ثم بسفارته ولي نظر الخاص عوضا عن سعد الدين بن ~~أبي الفرج بن تاج الدين موسى، في يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة سنة ثمان ~~وتسعين وسبعمائة، وعمره إذ ذاك دون العشرين سنة. ولما استفحل أمره أخذ في ~~المرافعة في أستاذه محمود المذكور في الباطن، ولا زال يسعى في ذلك حتى كان ~~زوال نعمة محمود المذكور على يديه. ثم ترقى بعد ذلك حتى كان من أمره ما ~~كان، فلم يعد له من المساوىء غير مرافعته في محمود المذكور لا غير. وتوفي ~~الشيخ الإمام الأديب زين الدين طاهر بن الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب الحلبي ~~الموقع الكاتب، في ليلة سادس عشر ذي القعدة. وكان أديبا شاعرا مكثرا، ومن ~~شعره: أفدى رشا ما مر بي أو خطرا ... كالغصن رشيق إلا لقيت في هواه خطرا ~~... باللحظ رشيق والسالف والوجيه عقلي قمرا ... آس وشقيق مذ أسفر وجهه ~~يحاكى قمرا ... للبدر شقيق وله أيضا في الملك الظاهر لما أمسك منطاشا ~~السريع، الملك الظاهر في عزه ... أذل من ضل ومن طاشا ورد في قبضته طائعا ~~... نعيرا العاصي ومنطاشا وتوفي الوزير الصاحب تاج الدين عبد الله ابن ~~الوزير الصاحب سعد الدين ms2757 ابن البقري القبطي المصري تحت العقوبة، في ليلة ~~الإثنين ثامن عشرين ذي القعدة. وتوفي الأمير سيف الدين قاني باي بن عبد ~~الله العلائي الظاهري، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية بها، في ليلة ~~الأحد حادي عشرين شوال، بعد مرض طويل. وكان يعرف بالغطاس لكثرة هروبه ~~واختفائه. وكان من شرار القوم، كثير الفتن. وهو أحد من كان سببا لأخذ ~~تيمورلنك مدينة دمشق، لأنه اتفق مع جماعة من الأمراء والخاصكية، وعاد ~~الجميع إلى مصر ليسلطنوا الشيخ لاجين الجندي الجركسي، فخاف من بقي من ~~الأمراء أن يتم لهم ذلك، وأخذوا السلطان الملك الناصر فرجا وخرجوا من دمشق ~~على حين غفلة، وساروا في أثرهم حتى أدركوهم بمدينة غزة، وتركوا دمشق مأكلة ~~لتيمور. قلت: الدال على الخير كفاعله فهو شريك لتيمور فيما اقتحمه من سفك ~~الدماء وغيره. وتوفي الأمير سيف الدين بلاط بن عبد الله السعدي، أحد أمراء ~~الطبلخانات بالديار المصرية - بطالا بها - في رابع عشرين جمادى الأولى. ~~وكان ساكنا عاقلا. وتوفي الأمير سيف الدين جقمق بن عبد الله الصفوي، حاجب ~~حجاب دمشق - قتيلا - في حادي عشر شهر ربيع الآخر، ضرب الأمير شيخ المحمودي ~~عنقه، وكان من قدماء الأمراء. ولي حجوبية حلب في دولة الملك الظاهر ~~برقوق،ثم ولي نيابة ملطية، ثم تنقل في عدة ولايات، إلى أن ولي حجوبيه دمشق. ~~ووقع بينه وبين الأمير شيخ وحشة، حتى كان من أمره ما كان. وتوفي الأمير سيف ~~الدين شيخ بن عبد الله السليماني الظاهري المعروف بالمسرطن، في حادي عشر ~~شهر ربيع الآخر خارج دمشق، بعد أن صار أمير مائة ومقدم ألف بديار مصر، ثم ~~نائب صفد، ثم نائب طرابلس، ووقع له أمور. وشيخ هذا، هو ثاني من سمي بهذا ~~الاسم واشتهر، والأول شيخ الصفوي الخاصكي المقدم ذكره، والثالث هو شيخ ~~المحمودي الملك المؤيد - انتهى. وتوفي الوزير الصاحب تاج الدين عبد الرزاق ~~بن أبي الفرج بن نقولا الأزمني الملكي في رابع شهر ربيع الآخر، بعدما ولي ~~عدة وظائف. كان أولا صيرفيا بقطيا، ثم صار كاتبا بها، ثم ولي نظرها، ms2758 ثم ~~استقر وزيرا بالديار المصرية، أستادارا، ثم ولي كشف الوجه البحري. قال ~~المقريزي: كان أولا يسمى بالمعلم، ثم سمي بالقاضي، ثم نعت بالصاحب،ثم ~~بالأمير، ثم بملك الأمراء، كل ذلك في مدة يسيرة من السنين - انتهى. وتوفي ~~الطاغية تيمورلنك كوركان، وقد تقدم نسبة في ترجمة الملك الناصر فرج الأولى، ~~على اختلاف كبير في نسبه. PageV03P0488 # مات في ليلة الأربعاء تاسع عشر شعبان في هذه السنة - وقيل في الماضيه - ~~وهو نازل بضواحي أترار بالقرب من آهنكران، ومعنى آهنكران باللغة العربية ~~الحدادون، وآهنكر الحداد، وكوركان معناه صهر الملوك،ولذلك، هو الأعرج ~~باللغة العجمية. انتهى. وكان سبب موته أنه خرج من بلاعه لأخذ بلاد الصين - ~~وقد انقضى فصل الصيف ودخل الخريف - وكتب إلى عساكره أن يأخذوا الأهبة لمدة ~~أربع سنين، فاستعدوا لذلك، وأتوه من كل جهة، وصنع له خمسمائة عجلة لحمل ~~أثقاله. ثم خرج من سمرقند في شهر رجب، وقد اشتد البرد، ونزل على سيحون وهو ~~جامد، فعبره ومر سائرا، فأرسل الله عليه من عذابه جبالا من الثلج التي لم ~~يعهد بمثلها مع قوة البرد الشديد، فلم يبق أحد من عساكره حتى امتلأت آذانهم ~~وعيونهم وخياشيمهم، وآذان دوابهم وأعينها من الثلج، إلى أن كادت أرواحهم ~~تذهب. ثم اشتدت تلك الرياح، وملأ الثلج جميع الأرض - مع سعتها - فهلكت ~~بهائمهم. وجمد كثير من الناس، وتساقطوا عن خيولهم موتا. وجاء بعقب هذا ~~الثلج والريح أمطار كالبحار، وتيمور مع ذلك لا يرق لأحد، ولا يبالي بما نزل ~~بالناس، بل يجد في السير، فما أن وصل تيمور إلى مدينة أترار حتى هلك خلق ~~كثير من قوة سيره. ثم أمر تيمور أن يستقطر له الخمر حتى يستعمله بأدوية ~~حارة وأفاويه لدفع البرد وتقوية الحرارة، فعمل له ما أراد من ذلك. فشرع ~~تيمور يستعمله ولا يسأل عن أخبار عساكره وما هم فيه، إلى أن أثرت حرارة ذلك ~~وأخذت في كبده وأمعائه فالتهب مزاجه حتى ضعف بدنه، وهو يتجلد ويسير السير ~~السريع، وأطباؤه يعالجونه بتدبير مزاجه إلى أن صاروا يضعون الثلج على بطنه، ~~لعظم ms2759 ما به من التلهب، وهو مطروح مدة ثلاثة أيام. فتلفت كبده، وصار يضطرب، ~~ولونه يحمر ونساؤه وخواصه في صراخ، إلى أن هلك إلى لعنة الله وسخطه، فلبسوا ~~عليه المسوح. ومات ولم يكن معه أحد من أولاده سوى حفيده سلطان خليل ابن ~~ميران شاه بن تيمور، وسلطان حسين ابن أخته، فأرادا كتمان موته، فلم يخف ذلك ~~على الناس، فتسلطن خليل المذكور بعد جده تيمور، وبذل الأموال، وعاد إلى ~~سمرقند برمة جده تيمور. فخرج الناس إلى لقائه لابسين المسوح بأسرهم، وهم ~~يبكون ويصرخون. ودخل ورمة تيمور بين يديه في تابوت أبنوس، والملوك والأمراء ~~وكافة الناس مشاة بين يديه، وقد كشفوا رؤوسهم وعليهم المسوح، إلى أن دفنوه ~~على حفيده محمد سلطان بمدرسته، وأقيم عليه العزاء أياما، وقرئت عنده ~~الختمات وفرقت الصدقات، ومدت الحلاوات والأسمطة بتلك الهمم العظيمة، ونشر ~~أقمشته على قبره، وعلقوا سلاحه وأمتعته على الحيطان حوالي قبره، وكلها ما ~~بين مرصع ومكلل ومزركش، في تلك القبة العظيمة، وعلقت بالقبة المذكورة ~~قناديل من ذهب والفضة، من جملتها قنديل من ذهب زنته أربعة الآف مثقال - وهو ~~رطل بالسمرقندي، وعشرة أرطال بالدمشقي، وأربعون رطلا بالمصري - وفرشت ~~المدرسة بالبسط الحرير والديباج. ثم نقلت رمته إلى تابوت من فولاذ عمل ~~بشيراز، وهو على قبره إلى الآن وتحمل إليه النذورة من الأعمال البعيدة، ~~ويقصد قبره للزيارة والتبرك به، ويأتي قبره من له حاجة ويدعو عنده. وإذا مر ~~على هذه المدرسة أمير أو جليل خضع ونزل عن فرسه إجلالا لقبره، لما له في ~~صدورهم من الهيبة. وكان تيمور طويل القامة، كبير الجبهة، عظيم الهامة، شديد ~~القوة، أبيض اللون مشربا بحمرة، عريض الأكتاف، غليظ الأصابع، مسترسل ~~اللحية، أشل اليد، أعرج اليمنى، تتوقد عيناه، جهير الصوت، لا يهاب الموت، ~~قد بلغ الثمانين، وهو متمتع بحواسه وقوته. PageV03P0489 # وكان يكره المزاح ويبغض الكذاب، قليل الميل إلى اللهو، على أنه كان يعجبه ~~الصوت الحسن. وكان نقش خاتمه رستي. رستي ومعناه: صدقت. نجوت .وكان له ~~فراسات عجيبة، وسعد عظيم، وحظ زائد في رعيته. وكان له ms2760 عزم ثابت، وفهم دقيق، ~~محجاجا سريع الإدراك، متيقظا يفهم الرمز ويدرك اللمحة، ولا يخفى عليه تلبيس ~~ملبس. وكان إذا عزم على شيء لا ينثني عنه، لئلا ينسب إلى قلة الثبات. وكان ~~يقال له صاحب قران الأقاليم السبعة، وقهرمان الماء والطين، وقاهر الملوك ~~والسلاطين. وكان مغرما بسماع التاريخ وقصص الأنبياء عليهم السلام ليلا ~~ونهارا، حتى صار - لكثرة سماعه للتاريخ - يرد على القارىء إذا غلط فيها. ~~وكان يحب العلم والعلماء، ويقرب السادة الأشراف، ويدنى أرباب الفنون ~~والصنائع. وكان انبساطه بهيبة ووقار، وكان يباحث أهل العلم وينصف في بحثه، ~~ويبغض الشعراء والمضحكين، ويعتمد على أقوال الأطباء والمنجمين، حتى إنه كان ~~لا يتحرك بحركة إلا باختيار فلكي. وكان يلازم لعب الشطرنج - وقد خرجنا عن ~~المقصود في التطويل في ترجمة تيمور المذكور، استطرادا لكثيرة الفائدة، وقد ~~استوعبنا أحواله مستوفاة في المنهل الصافي فلينظر هناك - انتهى. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ذراعان سواء. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا ~~وثلاثة وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الناصر فرج # وهي سنة تسع وثمانمائة. فيها توفي الشريف بدر الدين حسن بن محمد بن حسن ~~الحسني العلوي النسابة، شيخ خانقاة بيبرس، في ليلة السبت سادس عشر شوال عن ~~سبع وثمانين سنة. وتوفي الشيخ الإمام العالم بدر الدين أحمد بن محمد ~~الطنبذي الشافعي، في حادي عشرين شهر ربيع الأول. وكان من أعيان الفقهاء ~~الشافعية، معدودا من العلماء الأذكياء، غير أنه كان مسرفا على نفسه، يميل ~~إلى اللذات التي تهواها النفوس، والتهتكات. قلت: وهو من النوادر على قول ~~الحافظ الذهبي، فإنه قال: النوادر ثلاثة: شريف سني، ومحدث صوفي، وعالم ~~متهتك. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة زادة الخرزباني العجمي الحنفي، ~~شيخ الشيوخ بخانقاة شيخون، في يوم الأحد آخر ذي القعدة، ودفن من يومه ~~بخانقاة شيخون، وكان من أعيان السادة الحنفية، وله اليد الطولى في العلوم ~~العقلية والأدبيات، علامة زمانه في ذلك. استدعاه الملك الظاهر برقوق من ~~بغداد إلى الديار المصرية لعظم صيته. وقدم القاهرة وتصدى للإقراء والتدريس ~~سنين عديدة، وانتفع ms2761 به عامة الطلبة من كل مذهب - رحمه الله تعالى. وهو غير ~~زادة والد الشيخ محب الدين الإمام ابن مولانا زادة، وقد تقدم ذكر ذلك في ~~حدود سنة تسعين وسبعمائة، واسمه أحمد، وشهرته زادة. أما زادة هذا فإن اسمه ~~زادة لا غير. وتوفي الأمير ركن الدين عمر بن قايماز الأستادار، في يوم ~~الاثنين أول شهر رجب. وقد تنقل في عدة وظائف هي، شد الدواوين، والوزر، ~~والأستادارية - غير مرة. وهو صاحب السبيل خارج الحسينية، الذي جدده زين ~~الدين يحيى الأستادار في زماننا هذا. وتوفي ملك العرب سيف الدين نعير بن ~~حيار بن مهنا. قتله الأمير جكم من عوض نائب حلب بقلعة حلب، بعد أن أمسكه ~~وسجنه. وكان من أجل ملوك العرب وقد تقدم ذكره في عدة مواضع من هذا التاريخ. ~~وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن سنقر البكجري، أستادار السلطان، في جمادى ~~الآخرة بحلب. وبيت ابن سنقر بيت معروف بالرياسة والتحشم. وتوفي قاضي القضاة ~~علاء الدين علي ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء محمد بن عبد البر ~~السبكي الشافعي، قاضي قضاة دمشق، في ليلة الأحد ثاني عشر شهر ربيع الآخر ~~بدمشق. وتوفي الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن الجواشني الحنفي ~~بدمشق، في ليلة الأحد سادس عشر جمادى الآخرة. وتوفي الشيخ محمد بن أحمد بن ~~محمد المعروف بابن فهيد المغربي، في يوم الإثنين رابع عشرين جمادى الآخرة. ~~وكان للناس فيه اعتقاد، وكان له تنسك وعبادة. وصحب الشيخ عبد الله اليافعي ~~وخدمه مدة بمكة. ثم قدم القاهرة، وصحب الأمير طشتمر العلائي الدوادار في ~~أيام الأشرف شعبان، فنوه طشتمر بذكره حتى صار يعد من الأعيان الأغنياء إلى ~~أن مات. PageV03P0490 # وتوفي قاضي القضاة زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن ~~الحسن بن سليمان بن فزارة بن بحر بن محمد بن يوسف الكفري - بفتح الكاف - ~~الحنفي قاضي قضاة دمشق ثم الديار المصرية، في ثالث شهر ربيع الآخر. ومولده ~~في سنة خمسين وسبعمائة. وأحضر على محمد بن إسماعيل بن الخباز، ms2762 وسمع على بشر ~~بن إبراهيم بن محمود البعلبكي، وتفقه بعلماء عصره حتى برع في الفقه ~~والأصلين والعربية، وشارك في عدة فنون، وأفتى ودرس، وتولى قضاء دمشق هو ~~وأبوه وأخوه وجده. ثم قدم القاهرة في سنة ثلاث وثمانمائة أو بعدها بيسير، ~~وولي قضاء الديار المصرية، وحمدت سيرته إلى أن مات - رحمه الله تعالى. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ذراعان ونصف. مبلغ الزيادة تسعة عشر ~~ذراعا ونصف. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الناصر فرج # وهي سنة عشر وثمانمائة. فيها تجرد السلطان إلى البلاد الشامية سفرته ~~الرابعة التي أمسك فيها الأمير شيخا المحمودي، والأتابك يشبك الشعباني، ثم ~~فرا من سجن قلعة دمشق حسبما تقدم. وفيها توفي الأمير سيف الدين سودون بن ~~عبد الله الظاهري المعروف بالطيار،أمير سلاح، في ليلة الثلاثاء ثامن عشرين ~~شوال، وحضر السلطان الملك الناصر الصلاة عليه بمصلاة المؤمني. وكان مشكور ~~السيرة، شجاعا يندب للمهمات، وله محبة في أهل العلم والصلاح. وسمي بالطيار ~~لأنه خرج من ديار مصر في ليلة موكب ووصل إلى دمشق، ثم عاد إلى مصر في ليلة ~~موكب آخر على خيل البريد، ومعه دواداره الأمير أسنبغا الطياري، وهذا السير ~~لم يسمع بمثله فيما مضى من الأعصار من أنه يقطع ثمانين بريدا في نحو أربعة ~~أيام. وهذا الخبر مستفاض بين الناس يعرفه كل أحد؟ غير أنني لم أسأل عن ذلك ~~من الأمير أسنبغا الطياري المذكور تهاونا حتى مات، غير أن ولده الشهابي ~~أحمد أخبرني بذلك هو وغيره - انتهى. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة ~~فريد عصره سيف الدين يوسف ابن محمد بن عيسى السيرامي العجمي الحنفي شيخ ~~الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقية ببين القصرين، في ليلة السبت حادي ~~عشرين شهر ربيع الأول بالقاهرة. وكان منشؤه بتبريز، وأقام بها حتى طرقها ~~تيمورلنك، فخرج منها وسار إلى حلب وأقام بها إلى أن استدعاه الملك الطاهر ~~برقوق، وقرره في مشيخة مدرسة البرقوقية ببين القصرين بعد وفاة العلامة علاء ~~الدين السيرامي في سنة تسعين وسبعمائة، فدام بها إلى أن مات في هذه السنة. ms2763 ~~وتولى المشيخة بعده ولده العلامة نظام الدين يحيى، الآتي ذكر وفاته في سنة ~~ثلاث وثلاثين وثمانمائة. وتوفي الأمير سيف الدين شاهين بن عبد الله الظاهر ~~في، أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية - المعروف بقصقا بن قصير - في ليلة ~~الجمعة ثامن ذي القعدة. وكان من أشرار القوم القائمين في الفتن، وفرح ~~السلطان بموته. وتوفي الأمير الطواشي زين الدين مقبل بن عبد الله الظاهري ~~المعروف بالرومي، زمام الدار السلطاني، في يوم السبت أول ذي الحجة، وترك ~~مالا كثيرا. وهو صاحب المدرسة بخط البندقيين من القاهرة، ويقام بها خطبة ~~وجمعة. وتوفي شمس الدين محمد الشاذلي الإسكندري محتسب القاهرة ومصر في بوم ~~الجمعة ثاني صفر. قال الشيخ تقي الدين المقريزي: وكان عاريا من العلوم، كان ~~خردفوشيا بالإسكندرية فترقى بالبذل والبرطيل - انتهى. وتوفي الأمير ناصر ~~الدين محمد ابن الأمير جمال الدين محمود الأستادار - قتيلا - بالقاهرة. ~~وكان من جملة أمراء الطبلخانات في حياة والده، وولي نيابة الإسكندرية، ثم ~~نكب مع والده، وصودر، وأطلق بعد مدة إلى أن اختفى بعد وقعة علي باي لأمر ~~أوجب ذلك. وهرب إلى الشام، وأقام به مدة. ثم قدم إلى القاهرة متنكرا، فدل ~~عليه، فأخذ وقتل وكان غير مشكور السيرة. PageV03P0491 # وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الحمزاوي الظاهري الدوادار ~~الكبير بسيف الشرع بالقاهرة. وكان أصله من مماليك الملك الطاهر برقوق ~~وخاصكيته، ثم ترقى بعد موته إلى أن ولي نيابة صفد بعد أمور وقعت له بمصر، ~~فدام بصفد مدة إلى أن طلب إلى مصر. واستقر خازندارا، ثم شاد الشراب خاناة، ~~ثم صار دوادارا كبيرا بعد خروج الملك الناصر فرج من بيته وعوده إلى الملك، ~~عوضا عن سودون المارداني، ودام على ذلك إلى أن خرج الملك الناصر إلى البلاد ~~الشامية وعاد، فتخلف عنه سودون الحمزاوي هذا مغاضبا له. ودام بالبلاد ~~الشامية إلى أن قدم غزة هو وجماعة من الأمراء. وطرقهم الأمير شيخ المحمودي، ~~فواقعوه، فقتل إينال باي بن قجماس وغيره من الأمراء، وقبض على سودون هذا ~~بعد أن قلعت عينه. وسجنه شيخ، إلى ms2764 أن تجرد الملك الناصر إلى الشام أخذه ~~وعاد به إلى مصر، وطلب القضاة وأثبت عندهم إراقة دمه لقتله إنسانا ظلما، ~~فقتل في شهر ربيع الأخر، وقتل معه دواداره بربغا. وسودون الحمزاوي هذا هو ~~أستاذ الأمير قاني باي الحمزاوي نائب دمشق الآن. ثم قتل السلطان جماعة من ~~الأمراء ممن كان قبض عليهم وهم: الأمير آقبردي، والأمير جمق، والأمير ~~أسنباي التركماني، والأمير أسنباي أمير آخور، وقد تقدم ذكر قتل الجميع في ~~ترجمة الملك الناصر، غير أننا نذكرهم هنا ثانيا كون هذا المحل مظنة الكشف ~~عن ذلك. وتوفي الأمير سيف الدين منطوق نائب قلعة دمشق، قتيلا. وسبب قتله أن ~~الملك الناصر لما أمسك شيخا ويشبك وحبسهما عنده بقلعة دمشق، أطلقهما منطوق، ~~ونزل الجميع إلى مدينة دمشق، فاختفى شيخ بالمدينة وخرج منطوق هذا ويشبك. ~~فندب إليهم الملك الناصر الأمير بيغوت، فلحق بيغوت منطوقا هذا لثقل بدنه، ~~وفر يشبك، فقطع بيغوت رأسه وحمله إلى الملك الناصر. وفيها أيضا قتل الأتابك ~~يشبك الشعباني، والأمير جركس القاسمي المصارع، قتلهما الأمير نوروز الحافظي ~~على بعلبك في شهر ربيع الآخر. وقد مرت كيفية قتلهما مفصلة في ترجمة الملك ~~الناصر فلا حاجة للتكرار هنا ثانيا وكل منهما قد مر ذكره في ترجمة الملك ~~الناصر في غير موضع، وأيضا ففي شهرتهما ما يغني عن ذكرهما. انتهى. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع ونصف. مبلغ الزيادة تسعة عشر ~~ذراعا وعشرة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الناصر فرج # وهي سنة إحدى عشرة وثمانمائة. فيها توفي قاضي القضاة كمال الدين أبو حفص ~~عمر بن إبراهيم بن محمد الحلبي الحنفي ابن أبي جرادة، المعروف بابن العديم، ~~قاضي قضاة حلب ثم الديار المصرية بها - وهو قاض - في ليلة السبت ثاني عشر ~~جمادى الآخرة. ومولده بحلب في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة. ودفن بالحوش ~~المجاور لتربة طشتمر حمص أخضر بالصحراء. وتولى القضاء من بعده ابنه قاضي ~~القضاة ناصر الدين محمد بسفارة الوالد، لكونه كان متزوجا بإحدى أخواتي. ~~وكان القاضي كمال الدين المذكور رئيسا عالما ms2765 فاضلا حشما، وجيها عند الملوك ~~وقورا، وله مكارم وأفضال. وقد ثلبه الشيخ تقي الدين المقريزي بأمور هو بري ~~عنها، لأمر كان بينهما - عفى الله عنهما. وتوفي الأمير سيف الدين يلبغا بن ~~عبد الله السالمي الظاهري الأستادار - خنقا - بعد عصر يوم الجمعة بسجن ~~الإسكندرية. قال المقريزي: وكان مخلطا، خلط العمل الصالح بالعمل السيىء ~~وساق حكاياته في عده أسطر، وقد ذكرنا معنى كلامه وأزيد في حق السالمي في ~~ترجمة الملك الظاهر برقوق، ثم في ترجمة الملك الناصر مفصلا إلى يوم وفاته، ~~وفي ذلك كفاية عن الإعادة. وهو ممن قتله جمال الدين الأستادار. وكان يلبغا ~~المذكور له همة عالية، ومعرفة تامة، وعقل وتدبير، مع دين وعبادة هائلة، ~~وعفة عن المنكرات والفروج. وقد ولي الأستادارية غير مرة، ونفذ الأمور على ~~أعظم وجه وأتم حرمة، حسبما تقدم ذكره. PageV03P0492 # وتوفي الأمير سيف الدين بشباي بن عبد الله من باكي الظاهري رأس نوبة ~~النوب في ليلة الأربعاء رابع عشرين جمادى الآخرة، ودفن بالقرافة. وهو أحد ~~أعيان المماليك الظاهرية الخاصكية، وترقى من بعده إلى أن صار حاجبا بدمشق، ~~ثم حاجبا ثانيا بمصر، ثم ولي حجوبية الحجاب بها، ثم نقل إلى رأس نوبة ~~النوب. وكان من أعيان الأمراء وأكابر المماليك الظاهرية، غير أن المقريزي ~~لما ذكر وفاته قال: وكان ظالما غشوما غير مشكور السيرة - انتهى. وتوفي ~~الأمير سيف الدين أرسطاى بن عبد الله الظاهري، رأس نوبة النوب - كان - ثم ~~نائب إسكندرية بها، في نصف شهر ربيع الآخر. وكان جليل القدر، عاقلا سيوسا. ~~طالت أيامه في السعادة، إلا أنه كان يرتفع ثم ينحط، وقع له ذلك غير مرة. ~~وتوفي الأمير الكبير ركن الدين بيبرس بن عبد الله، وابن أخت الملك الظاهر ~~برقوق - قتيلا - بسجن الإسكندرية، وقتل معه الأمير سودون المارداني ~~الدوادار الكبير، والأمير بيغوت نائب الشام - كان. وقد مر من ذكر هؤلاء ~~الثلاثة نبذة كبيرة تعرف منها أحوالهم لاسيما عند خلع الملك الناصر فرج ~~وسلطنة أخيه المنصور عبد العزيز. وتوفي الشريف ثابت بن نعير بن منصور بن ~~جماز بن شيحة ms2766 الحسيني، أمير المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة ~~والسلام - في صفر. وتولى إمرة المدينة من بعده أخوه عجلان بن نعير. وتوفي ~~الوزير الصاحب فخر الدين ماجد - ويسمى أيضا محمد - بن عبد الرزاق بن غراب ~~في عشر ذي الحجة - مقتولا - بيد جمال الدين الأستادار. وكان فخر الدين هذا ~~أسن من سعد الدين أخيه، غير أن سعد الدين كان نوعا وهذا نوع آخر: كان فيه ~~حدة مزاج، وشراسة خلق، بضد ما كان في أخيه سعد الدين. وكان يلثغ بالجيم، ~~يجعلها زايا، فكان إذا طلب أحدا يقول: جبوا إلي ويكررها، وهو يبدل الجيم ~~بالزاي، فتضحك الناس من ذلك أوقاتا. وقد تنقل في عدة وظائف كالوزر، ونظر ~~الجيش، والخاص فيما أظن. وتوفي الأديب شمس الدين محمد بن إبراهيم بن بركة ~~العبدلي الدمشقي الشهير بالمزين، الشاعر المشهور، في شعبان. ومولده في سنة ~~إحدى وثلاثين وسبعمائة بدمشق. قال لي غير واحد من أصحابه: كان شيخا ظريفا ~~فاضلا أديبا، معاشرا للأكابر والأعيان، ورأى الشيخ جمال الدين ين محمد بن ~~نباتة، وابن الوردي، والصفدي وغيرهم. وكان له شعر رائق، من ذلك: أنشدنا ~~الشيخ جمال الدين عبد الله الدمشقي قال: أنشدني الأديب شمس الدين المزين من ~~لفظه لنفسه: تقول مخدتي لما اضطجعنا ... ووسدني حبيب القلب زنده قصدتم عند ~~طيب الوصل هجري ... خذوني تحت رأسكم مخده وله في دواة: السريع أنا دواة ~~يضحك الجود من ... بكا يراعي جل من قد براه دلوا على جودي من مسه ... داء ~~من الفقر فإني دواه قلت: وهذا يشبه قول القائل، ولم أدر من السابق لهذا ~~المعنى: السريع هذي دواة للعطا والسخا ... ومنبع الخير وبحر الحياه قد فتحت ~~فاها وقالت لنا ... من مسه الفقر فإني دواه أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم أربعة أذرع سواء مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وإصبع واحد. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الناصر فرج # وهي سنة اثنتي عشرة وثمانمائة. فيها تجرد الملك الناصر إلى البلاد ~~الشامية تجريدته الخامسة التي حصر فيها الأمير شيخا ورفقته بصرخد. وفيها ~~كانت قتلة جمال ms2767 الدين يوسف بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن قاسم البيري ~~البجاسي الأستادار، في ليلة الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة، بعدما أخذ منه ~~نيف على ألف ألف دينار في أيام مصادرته، وهو تحت العقوبة على نفذات متفرقة. ~~وقد تقدم ذكر مسكه في ترجمة الملك الناصر فرج - عند قدومه من الشام بمدينة ~~بلبيس. وكان ظالما جبارا سفاكا للدماء مقداما. وكان أعور قصيرا دميما كره ~~المنظر. وكان أولا يتزيا بزي الفقهاء، ثم تزيا بزي الجند، وخدم بلاصيا عند ~~الشيخ علي كاشف، ثم عند غيره، ولازال يترقى حتى - كان من أمره ما كان. وهو ~~أحد من كان سببا لخراب البلاد، من كثرة ما قتل من مشايخ العربان وأرباب ~~الأدراك، واستولى على أموالهم. وأما من قتله من الكتاب والأعيان فلا يحصى ~~ذلك كثرة، وحسابه على الله تعالى. PageV03P0493 # وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر ~~الششتري البغدادي الحنبلي مدرس المدرسة الظاهرية - برقوق - بالقاهرة في ~~حادي عشرين صفر. وكان إماما عالما فقيها محدثا. أفتى ودرس سنين ببغداد، ثم ~~بالقاهرة. وهو والد قاضي القضاة عالم زماننا محب الدين أحمد بن نصر الله ~~الآتي زكره في محله إن شاء الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين آقباي بن ~~عبد الله الطرنطائي الظاهري رأس نوبه الأمراء، المعروف بآقباي الحاجب - ~~لطول مكثه في الحجوبية - في ليلة الأربعاء سابع عشر جمادى الآخرة. ونزل ~~السلطان الملك الناصر إلى داره، ثم تقدم راكبا إلى مصلاة المؤمني فصلى ~~عليه، ثم شهد دفنه. وترك آقباي مالا كثيرا، أخذ الملك الناصر غالبه. وكان ~~آقباي المذكور عاقلا، سيوسا عفيفا عن المنكرات، إلا أنه كان بخيلا شرها في ~~جمع المال. وتوفي الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الظاهري، الخازندار، ~~وهو أمير مجلس، في آخر جمادى الأخرة بالقاهرة - والعامة تسمي طوخ هذا طوق ~~الخازندار. وكان من أعيان الأمراء، وله الكلمة في الدولة. وتوفي الأمير سيف ~~الدين بلاط بن عبد الله، أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، مقتولا ~~بالإسكندرية. لم أقف له على ms2768 ترجمة ولم أعرف من حاله شيئا غير ما ذكرت. ~~وتوفي السيد الشريف جماز بن هبة الله بن جماز بن منصور الحسيني أمير ~~المدينة النبوية - مقتولا - في جمادى الآخرة بالفلاة، وهو في عشر الستين. ~~وكان ولي إمرة المدينة ثلاث مرار، آخرها في سنة خمس وثمانمائة. وتوفي الشيخ ~~شمس الدين محمد بن عبد الله بن أبي بكر القليوبي الشافعي شيخ شيوخ خانقاة ~~سرياقوس - بها - في يوم الخميس ثاني عشرين جمادى الأولى. وكان فقيها فاضلا، ~~وله مشاركة في فنون. وتوفي السيد الشريف أحمد بن ثقبة بن رميثة بن أبي نمي ~~الحسني المكي بمكة في المحرم. وكان الشريف عنان بن مغامس في ولايته الأولى ~~على مكة أشركه معه، ثم وقع له أمور حتى مات وهو مكحول. وكان ابن أخته ~~الشريف محمد عجلان، وكبيش بن عجلان قد خافا منه فأكحلاه، وقتل ابن أخته ~~المذكور ثلاثة أشهر، وكبيش المذكور بعد ستة أشهر. وتوفي أمير زة محمد بن ~~أمير زة عمر شيخ ابن الطاغية تيمورلنك في المحرم - مقتولا - على يد بعض ~~وزرائه. وكان مشكور السيرة، وقام من بعده بمملكة جغتاي أخوه أمير زة إسكندر ~~شاه بن عمر شيخ بن تيمورلنك. ومن غريب الاتفاق أن إسكندر شاه المذكور، لما ~~ملك بعد قتل أخيه محمد المقدم ذكره أحضر من كان عمل على قتله، ووبخه في ~~الملأ، فأجابه الرجل بأن قال وما عملت معك إلا خيرا لولا قتلته ما نابك ~~الملك فأسرع إسكندر شاه خوفا من أن يتهمه أحد بقتل أخيه المذكور في الباطن. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع سواء، مبلغ الزيادة عشرون ~~ذراعا سواء. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الناصر فرج # بن برقوق الثانية على كل مصر وهي سنة ثلاثة عشرة وثمانمائة. فيها كان ~~الطاعون بالديار المصرية، ومات منه عدة كبيرة من الناس. وفيها تجرد السلطان ~~الملك الناصر إلى البلاد الشامية تجريدته السادسة وحاصر شيخا ونوروزا ~~بالكرك بعد أن وصل فيها إلى أبلستين وعاد. وفيها استقر الوالد في نيابة ~~الشام ثالث مرة، واستقر شيخ في ms2769 نيابة حلب ونوروز في نيابة طرابلس. وفيها ~~توفي الرئيس مجد الدين عبد الغني بن الهيصم، ناظر الخواص الشريفة بالديار ~~المصرية في ليلة الأربعاء العشرين من شعبان بعد قدومه من دمشق بأيام وهو ~~والد الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم وأخو الصاحب تاج الدين عبد ~~الرزاق الآتي ذكرهما في محلهما. PageV03P0494 # وتوفي الأمير سيف الدين قجاجق بن عبد الله الظاهري، الدوادار الكبير، في ~~سادس المحرم، ودفن بتربته التي أنشأها بالصحراء. وكان من أصاغر خاصكية ~~الملك الظاهر برقوق ومماليكه، وترقى في الدولة الناصرية حتى ولي الدوادارية ~~الكبرى بعد الأمير سودون الحمزاوي. وكان مليح الشكل، لم يشهر بشجاعة ولا ~~إقدام. ولهذا المعنى، ولعدم شره رقاه الملك الناصر واختص به. حضر مرة عند ~~جمال الدين البيري الأستادار، وكان بينهما صحبة أكيدة، وكان بإحدى عيني ~~جمال الدين خلل، فجلس قجاجق بعد أن سلم على جمال الدين من جهة عينه ~~الذاهبة، واشتغل.جمال الدين بمباشرته بسرعة لأجل قجاجق المذكور، وأخذ يكتب ~~على القصص ويرميها لينهي أمره، فأخذ قجاجق قصة منها ورمل عليها، فعرف أصحاب ~~جمال الدين ما فعله قجاجق المذكور، فقام إليه وأهوى على يده ليقبلها ثم قدم ~~له تقدمة هائلة. وتكلم الناس بهذه الحكاية، فصار من هو أجنبي عن الرياسة ~~ومداخلة الملوك، وعديم المعرفة برتب أرباب الوظائف يقول: أكان قجاجق يرمل ~~علم على جمال الدين، وكيف ذلك والدوادار الكبير لا يرمل على السلطان، وإنما ~~يرمل على كتابة السلطان رأس نوبة النوب؟! وفي هذا كفاية. وبالجملة فإن هذه ~~الحكاية تدل على أن قجاجق كان ساقط المروءة، لأن قردم الخازندار كان أنزل ~~رتبة من قجاجق ولم يدخل إلى جمال الدين ولم يسأله حاجة في عمره، وعجز جمال ~~الدين في ترضيه، فلم يرض ولم يدخل إليه، فأين هذا من ذاك؟! - انتهى. وتوفي ~~قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن بن تاج الرياسة محمد بن عبد الناصر ~~المحلي الدميري الزبيري الشافعي في يوم الأحد أول شهر رمضان. ومولده في سنة ~~أربع وثلاثين وسبعمائة. ولي قضاء الديار المصرية بعد الصدر المناوي نحو ~~ثلاث ms2770 سنين، وحسنت سيرته لمعرفته بالشروط والأحكام، ولعفته أيضا عن كل قبيح. ~~وكان نشأ ببلده بالزبيريات من قرى الغربية من أعمال القاهرة وسلك النواحي، ~~وطلب العلم، وسمع على أبي الفتح الميدومي وغيره، وقرأ على أبيه القراءات ~~وغيره، وتفقه بجماعة. ثم قدم القاهرة، وتزوج بابنة قاضي القضاة موفق الدين ~~عبد الله الحنبلي، وباشر توقيع الحكم مدة طويلة. ثم ناب في الحكم عن القضاة ~~بالقاهرة دهرا، وعلا سنه، وعرف بالديانة والصيانة، إلى أن طلبه الملك ~~الظاهر برقوق في يوم الخميس ثالث عشرين جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ~~وسبعمائة على حين غفلة، وفوض إليه قضاء القضاة الشافعية عوضا عن المناوي ~~بحكم عزله. ودام في القضاء حتى صرف أيضا بالمناوي في شهر رجب سنة إحدى ~~وثمانمائة، فلزم المذكور داره، وترك ركوب البغلة وصار يمشي في الطرقات، ~~وطرح الاحتشام إلى أن مات - رحمه الله - ودفن بتربة الصوفية خارج القاهرة. ~~وتوفي ملك الروم سليمان بن أبي يزيد بن عثمان مقتولا. وملك بعده أخوه موسى ~~الجزيرة الرومية وأعمالها، وملك محمد بن عثمان العرنة الخضراء وأعمالها، ~~ويقال لها بالرومية برصا. وتوفي الأمير زين الدين قراجا بن عبد الله ~~الظاهري الدوادار الكبير بمنزلة الصالحية - متوجها مع السلطان الملك الناصر ~~إلى دمشق - في يوم الأربعاء: ثالث عشر شهر ربيع الآخر، ودفن بها. وكان أصله ~~من خاصكية الملك الظاهر برقوق، ثم صار بجمقدارا، وعرف بقراجا البجمقدار. ثم ~~تأمر في الدولة الناصرية - فرج - وترقى حتى صار شاد الشراب خاناه. ثم ولي ~~الدوادارية الكبرى بعد موت قجاجق، فلم تطل مدته فيها، ولزم الفراش إلى أن ~~خرج صحبة السلطان في محفة ومات بالصالحية. وكان أميرا عاقلا ساكنا مشكور ~~السيرة. وتوفي شمس الدين محمد بن عبد الخالق المناوي، المعروف ببدنة ~~وبالطويل أيضا، في شهر رجب، بعدما ولي حسبة القاهرة، ووكالة بيت المال، ~~ونظر الكسوة، ونظر الأوقاف - الجميع بالسعي والبذل. وكان عاريا من العلم. ~~وتوفي الأمير سيف الدين قراتنبك بن عبد الله الظاهري الحاجب، أحد أمراء ~~الطبلخانات بالديار المصرية - بها - في أول شوال. وكان ممن ترقى في ms2771 الدولة ~~الناصرية في أيام الفتن. PageV03P0495 # وتوفي القان غياث الدين أحمد ابن الشيخ أويس ابن الشيخ حسن ابن الشيخ ~~حسين بن آقبغا بن إيلكان، صاحب بغداد والعراق - مقتولا - في ليلة الأحد آخر ~~شهر ربيع الآخر. وكان أول سلطنته بعد وفاة أبيه في صفر سنة أربع وثمانين ~~وسبعمائة. وقد نكب في ملكه غير مرة، وقدم القاهرة في دولة الملك الظاهر ~~برقوق. وقد تقدم ذكر قدومه إلى القاهرة، وتلقي الملك الظاهر له، وأيضا ذكر ~~خروجه وسفر السلطان معه إلى البلاد الشامية، كل ذلك في ترجمة الملك الظاهر ~~برقوق الثانية، فلينظر هناك فإن فيه ملحا. ثم إن السلطان أحمد هذا قدم إلى ~~دمشق ثانيا في الدولة الناصرية - فرج - فقبض عليه الأمير شيخ المحمودي نائب ~~الشام وحبسه بقلعة دمشق مدة إلى أن أطلقه وعاد إلى بلاده. ووقع له أمور ~~حكيناها في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي مفصلا ~~إلى أن مات. وكان القان أحمد هذا ملكا جليلا شجاعا كريما، فصيحا باللغات ~~الثلاث: العربية والعجمية والتركية، وينظم فيها الشعر الحسن. وكان يحب ~~اللهو والطرب، ويحسن تأدي الموسيقى إلى الغاية، وله فيه أيضا التصانيف ~~اللطيفة. غير أنه كان مسرفا على نفسه جدا، سفاكا للدماء، منعكفا على ~~المعاصي - سامحه الله تعالى. ومما ينسب إليه من الشعر باللغة العربية قوله ~~- رحمه الله - في محموم: الكامل حماك ما قربت حماك لعلة ... إلا تروم ~~وتشتهي ما أشتهي لو لم تكن مشغوفة بك في الهوى ... ما عانقتك وقبلت فاك ~~الشهي أمر النيل في هذه السنة: أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة ~~أذرع سواء. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأحد وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الناصر فرج # وهي سنة أربع عشرة وثمانمائة. فيها تجرد السلطان إلى البلاد الشامية ~~تجريدته السابعة، وهي التي قتل فيها في أوائل سنة خمس عشرة وثمانمائة - ~~حسبما تقدم ذكره. وفيها قتل الأمير سيف الدين تمراز بن عبد الله الناصري ~~الظاهري نائب السلطنة بالديار المصرية بسجنه بثغر الإسكندرية. وكان من أجل ~~الأمراء. كان تركي ms2772 الجنس، اشتراه الملك الظاهر برقوق وهو أتابك، ورقاه بعد ~~سلطنته حتى جعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية. ثم حبس بعد عزله ~~بثغر الإسكندرية مدة، ثم أطلق، وصار على عادته أمير مائة ومقدم ألف. وولي ~~نيابة الغيبة لما خرج السلطان لقتال تيمور. ثم استقر بعد ذلك أمير مجلس. ~~وانضم على الأتابك يشبك الشعباني، وحبس معه ثانيا. ثم أطلق واستقر أمير ~~سلاح. ثم خرج مع يشبك أيضا إلى البلاد الشامية وواقع السلطان بالسعيدية. ثم ~~أعيد إلى رتبته أيضا بمصر مدة. ثم استقر في نيابة السلطنة بالديار المصرية، ~~مدة طويلة. ثم فر من السلطان في ليلة بيسان وتوجه إلى الأمير شيخ ونوروز ~~فدام عندهما مدة. ثم عاد إلى طاعة الملك الناصر، بعد أمور حكيناها في ترجمة ~~الملك الناصر، فأكرمه الملك الناصر وأعاده إلى رتبته مدة. ثم قبض عليه ~~وحبسه بثغر الإسكندرية إلى أن أراد السلطان السفر إلى البلاد الشامية فأمر ~~بقتله، فقتل بالإسكندرية. وكان تمراز رأسا في لعب الرمح. ونسبته بالناصري ~~لتاجره الذي جلبه الخواجا ناصر الدين. وقيل إن الملك المؤيد شيخا قال يوما: ~~إن كان الملك الناصر فرج يدخل الجنة فيدخلها بقتل تمراز، فقيل له: وكيف ~~ذلك؟ قال: لأن تمراز عصي على الملك الناصر غير مرة وهو يقابله بالإحسان ~~ويترضاه بكل ما يمكن حتى خلع عليه باستقراره في نيابة السلطنة بالديار ~~المصرية، كل ذلك حتى يثبت على طاعته، فلم يثبت تمراز بعد ذلك إلا نحو السنة ~~أو أكثر، وفر من الملك الناصر في ليلة بيسان، وقدم علينا ووافقنا على ~~الخروج على السلطان، فقلت في نفسي: وما عسى أن أفعل معه وقد ترك نيابة ~~السلطنة لأجلي؟ فلم أجد بدا من أن أجلسه مكاني وأكون في خدمته، ففعلت ذلك، ~~فأبى وأقسم إلا أن يكون من جملة أصحابي. ودام معنا مدة طويلة، ثم تركنا ~~وعاد إلى طاعة الملك الناصر، فتلقاه الملك الناصر وأنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف. وقد تفكر في نفسه أنه كان ولاه نيابة السلطنة فما قنع بذلك، ~~فبماذا يرضيه الآن؟ فلم ms2773 يجد بدا من القبض عليه وقتله، فكان هذا جزاءه - ~~انتهى. PageV03P0496 # وفيها قتل أيضا الأمير سيف الدين خير بك بن عبد الله الظاهري نائب غزة، ~~ثم أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، بثغر الإسكندرية في تاسع شوال. وقد ~~مر من ذكره ما يعرف به أحواله. على أنه كان من أوساط الأمراء الظاهرية. ~~وفيها أيضا قتل الأمير سيف الدين جانم بن عبد الله، من حسن شاه الظاهري ~~نائب طرابلس، ثم أمير مجلس - على سنود، قتله الأمير طوغان الحسني الدوادار ~~بأمر الملك الناصر حسبما تقدم ذكره مفصلا في ترجمة الملك الناصر. وكان ~~شجاعا مقداما كريما، معدودا من أعيان الأمراء - رحمه الله تعالى. وفيها قتل ~~الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله الموساوي الظاهري، المعروف ب الأفقم، ~~أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، بعد أن ولي عدة أعمال. وكان كثير ~~الشرور، محبا لإثارة الفتن، لا يثبت على حالة مع الظلم والعسف. وفيها قتل ~~الأمير سيف الدين قردم بن عبد الله الخازندار الظاهري، أحد مقدمي الألوف ~~بالديار المصرية، والخازندار الكبير بثغر الإسكندرية، وهو صاحب التربة بباب ~~القرافة. وفيها قتل الأمير سيف الدين قاني بك بن عبد الله الظاهري، رأس ~~نوبة النوب بثغر الإسكندرية. وكان من أصاغر المماليك الظاهرية، رقاه الملك ~~الناصر، فلم يسلم من شره، فقبض عليه وحبسه مدة ثم قتله. وكان من سيئات ~~الزمان جهلا وظلما وفسقا. وفيها قتل أيضا بسيف الملك الناصر فرج بن برقوق - ~~صاحب الترجمة - المماليك الظاهرية وغيرهم ستمائة وثلاثون رجلا - قاله ~~المقريزي . وفيها توفي الأمير علاء الدين آقبغا بن عبد الله القديدي، ~~دوادار الأتابك يشبك، ثم دوادار السلطان، في ليلة ثالث عشر شوال. وكان ~~خصيصا عند السلطان الملك الناصر، وتزوج الملك الناصر بابنته. وكان لديه ~~معرفة وعقل بحسب الحال. وتوفي الأمير الشريف علاء الدين علي محمد البغدادي، ~~ثم الإخميمي ولي نيابة ثغر دمياط، ثم الوزر بالديار المصرية. وتوفي الطواشي ~~زين الدين فيروز بن عبد الله الرومي في يوم الأربعاء تاسع شهر رجب. وكان ~~فيروز المذكور خصيصا عند أستاذه الملك الناصر. وكان شرع ms2774 فيروز قبل موته في ~~بناء مدرسته بخط الغرابليين داخل بابي زويلة، ووقف عليها عدة أوقاف، فمات ~~قبل فراغها، فدفنه السلطان بحوش التربة الظاهرية. وأخذ الملك الناصر ما ~~وقفه من المصارف على الفقهاء والأيتام وغيرهم، وأقره على التربة الظاهرية ~~المذكورة بالصحراء. ثم أنعم السلطان بالمدرسة المذكورة على الأمير الكبير ~~دمرداش المحمدي فهدمها دمرداش وشرع في بنائها قيسارية. وقبل أن تكمل خرج ~~دمرداش في صحبة السلطان إلى التجريدة، فقتل الملك الناصر، ثم قتل دمرداش ~~المذكور أيضا بعد مدة، فاستولى عبد الباسط بن خليل الدمشقي ناظر الخزانة ~~على القيسارية المذكورة وكملها وجعل بأعلاها ربعا، وهي سوق الباسطية الآن. ~~قلت: وهي إلى الآن مدرسة على نية فيروز وله أجرها، وقيسارية على زعم من ~~جعلها قيسارية وعليه وزرها. وتوفي الأديب الفاضل البارع المفتن أبو الفضل ~~عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الوفاء الشاذلي المالكي - غريقا ببحر النيل بين ~~الروضة ومصر - في يوم تاسوعاء، وغرق معه جمال الدين ابن قاضي القضاة ناصر ~~الدين أحمد، بن التنسي المالكي. ومات أبو الفضل المذكور وهو في عنفوان ~~شبيبته، وكان شاعرا بارعا بليغا. وهو أشعر بني الوفاء بلا مدافعة، وله ~~ديوان شعر، وشعره في غاية الحسن. ومن شعره، وهو من اختراعاته البديعة - ~~رحمه الله تعالى وعفا عنه: الطويل على وجنتيه جنة ذات بهجة ... ترى لعيون ~~الناس فيها تزاحما حمى ورد خديه حماة عذاره ... فيا حسن ريحان الخدود حمى ~~حمى وله مضمنا: الوافر وخل سمته صفعا بمال ... فقال توازعوه يا صحابي إذا ~~الحمل الثقيل توازعته ... أكف القوم هان على الرقاب وله في مزين: المجتث ~~حبي المزين وافى ... بعد البعاد بنشطه وفش دمل قلبي ... بكاس راح وبطه وله، ~~وهو في غاية الحسن والظرف: الرمل عبدك الصب المعنى ... عرف الفقر وذاقه ~~فلكم فاخر محتا ... جا شكى فقرا وفاقه وله أيضا: الكامل في ليل شعر أو بصبح ~~جبين ... ما زال حين يضلني يهديني PageV03P0497 # هو بي خبير مثل ما أني به ... فسلوه عني أو فعنه سلوني لا تملك العذال ~~مني في الهوى ... من سلوة عنه ms2775 ولا تلويني يا دولة الأشواق خلي دينهم ... ~~وفي حكم الهوى لي ديني أشكو فيشكو ما شكاه حنينه ... فيفي حنينهما ببعض ~~حنيني لما جننت عليه سلسلني الهوى ... لا تعجبوا لتسلسل المجنون بحواجب ~~وسوالف وضفائر ... كالياء أو كالواو أو كالسين طالبت مرشفه الملي فقال قم ~~... واستوف ذا المكتوب فوق جبيني حاربت يا جيش المحاسن مهجتي ... وكسرت ~~قلبي عنوة بكمين وقد ذكرنا من مقطعاته نبذة غير ذلك في ترجمته في المنهل ~~الصافي - رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع ~~وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا واثنان وعشرون إصبعا - والله أعلم ### | AUT سلطنة الخليفة المستعين بالله العباس # السلطان أمير المؤمنين المستعين بالله أبو الفضل العباس ابن الخليفة ~~المتوكل على الله أبي عبد الله محمد ابن الخليفة المعتصم بالله أبي بكر ابن ~~الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان ابن الخليفة الحاكم بأمر الله ~~أبي العباس أحمد بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن الحسين - وهؤلاء غير خلفاء ~~- ابن الخليفة الراشد بالله منصور ابن الخليفة المسترشد بالله الفضل ابن ~~الخليفة المستظهر بالله أحمد ابن الخليفة المقتدي بالله عبد الله ابن ~~الأمير ذخيرة الدين محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله ابن ~~الخليفة القادر بالله أحمد ابن الخليفة المقتفي بالله إبراهيم ابن الخليفة ~~المقتدر بالله جعفر ابن الخليفة المعتضد بالله أبي العباس أحمد ابن الأمير ~~الموفق طلحة ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر ابن الخليفة المعتصم بالله ~~محمد ابن الخليفة الرشيد بالله هارون ابن الخليفة المهدي بالله محمد ابن ~~الخليفة أبي جعفر عبد الله المنصور ابن الإمام محمد ابن الإمام علي بن عبد ~~الله بن عباس بن عبد المطلب، العباسي الهاشمي المصري، الخليفة، ثم سلطان ~~الديار المصرية. ولي الخلافة بعد موت أبيه في يوم الإثنين مستهل شعبان سنة ~~ثمان وثمانمائة، وذلك بعد وفاة أبيه المتوكل بأربعة أيام. واستمر في ~~الخلافة إلى أن تجرد صحبة الملك الناصر فرج إلى البلاد الشامية في أواخر ~~سنة أربع عشرة وثمانمائة. ووقع المصاف بين ms2776 الملك الناصر المذكور وبين ~~الأمراء: الأمير شيخ المحمودي، والأمير نوروز الحافظي بمن معهم، وانكسر ~~الناصر وانحاز إلى دمشق. واستولى الأمراء على الخليفة هذا، واستفحل أمرهم، ~~وقدموا إلى دمشق وحصروا الناصر بها، بعد أمور ذكرناها مفصلة في أواخر ترجمة ~~الملك الناصر المذكور. ثم اتفق الأمراء على إقامة الخليفة هذا في السلطنة، ~~عوضا عن الملك الناصر فرج المذكور، لتجتمع الكلمة في رجل واحد، ويجموا بذلك ~~سبيلا لقتال الملك الناصر وانفلال الناس عنه. وأرسلوا إليه فتح الله كاتب ~~السر، فكلمه في ذلك وهو على ظاهر دمشق، والملك الناصر داخلها، فأبى الخليفة ~~المذكور أن يقبل ذلك، وصمم على عدم القبول. فألح عليه فتح الله في ذلك ~~وتلطف به، فلم يزدد إلا تمنعا، كل ذلك خوفا من الملك الناصر. فلما رأى فتح ~~الله شدة تمنعه، وعدم موافقته، رجع إلى الأمراء وأعلمهم بذلك وقال لهم: ألا ~~يمكن قبوله أبدا مما رأيت من تمنعه، فاعملوا عليه حيلة حتى يقبل. فدبروا ~~عليه حيلة من أنهم أرسلوا خلف أخيه لأمه الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك ~~شاه الطازي، وأعطوه ورقة تتضمن القدح في الملك الناصر، وفي تعداد أفعاله ~~ومساوئه، وندبوا ناصر الدين المذكور بعد أن أو عدوه بإمرة طبلخاناه، ~~ودوادارية السلطان، حتى ركب فرسا من غير علم الخليفة، ونودي أمامه: إن ~~الخليفة قد خلع السلطان الملك الناصر من السلطنة، ولا يحل لأحد متابعته ولا ~~القيام بنصرته، وقرئت الورقة على الناس. PageV03P0498 # وبلغ الخليفة المستعين بالله ذلك، فقامت قيامته، وعظم عليه ذلك إلى ~~الغاية، وتحقق عند ذلك أن الملك الناصر إذا ظفر به لا يبقيه. ودخل عليه فتح ~~الله بعد ذلك ثانيا وكلمه في السلطنة، فقبل على شروط عديدة شرطها على ~~الأمراء، فقبلوا جميع الشروط. وفرح الأمراء بذلك وبايعوه بأجمعهم، وقبلوا ~~يده، وحلفوا له على، الطاعة والوفاء بالأيمان المغلظة التي لا يمكن التورية ~~فيها. ثم نصبوا له كرسيا خارج باب الدار تجاه جامع كريم الدين، وجلس فوقه ~~وعليه خلعة سوداء خليفتية، أخذوها من الجامع المذكور من ثياب الخطيب، ~~ووقفوا بين يديه ms2777 على مراتبهم، الجميع ما عدا الأمير نوروز الحافظي، فإنه لم ~~يقدر على الحضور لاشتغاله بحفظ الجهة التي هو فيها لحصار الملك الناصر فرج، ~~غير أنه يعلم بالخبر، وعنده من السرور لذلك ما لا مزيد عليه. ثم قبلت ~~الأمراء الأرض بين يديه على العادة، وكان ذلك في آخر الساعة الخامسة من ~~نهار السبت الخامس والعشرين من محرم سنة خمس عشرة وثمانمائة، والطالع برج ~~الأسد. وفي الحال عند تمام أمره تقدم الأمير بكتمر جلق خلع عليه بنيابة ~~دمشق عوضا عن دمرداش المحمدي، فإنه كان الملك الناصر قد ولاه نيابة دمشق - ~~بعد كسرته - عوضا عن الوالد - رحمه الله - بحكم وفاته. وخلع على سيدي ~~الكبير قرقماس - ابن أخي دمرداش المذكور - باستقراره في نيابة حلب، عوضا عن ~~الأمير شيخ المحمودي. وخلع على سودون الجلب باستقراره في نيابة طرابلس عوضا ~~عن الأمير نوروز الحافظي. ثم ركب أمير المؤمنين، وهو السلطان، وبين يديه ~~جميع الأمراء، ونادى مناد: إن الملك الناصر فرج بن برقوق خلع من السلطنة ~~بالخليفة أمير المؤمنين المستعين بالله، ولا يحل لأحد بعد ذلك مساعدته ولا ~~القيام بنصرته، ومن حضر إلى الخليفة من جماعته فهو آمن على نفسه وماله. وقد ~~أمهلكم أمير المؤمنين في المجيء إليه إلى يوم الخميس . وسار أمير المؤمنين ~~بعساكره إلى قريب المصلي، ثم عاد ونزل بمكانه. ثم أمر فنودي بذلك أيضا في ~~الناحية الشرقية من دمشق، وعند سماع هذه المناداة انحلت أهل دمشق عن الملك ~~الناصر، وخافوا عاقبة مخالفة أمير المؤمنين في الدنيا والآخرة. ثم كتب أمير ~~المؤمنين إلى أمراء مصر باجتماع الكلمة على طاعته، وأنه خلع الملك الناصر ~~من الملك وتسلطن عوضه، وأنه أبطل المكوس والمظالم من سائر أعماله، وبعث ~~بذلك على يد الأمير كزل العجمي. ثم مات الأمير سكب، الدوادار الثاني، من ~~سهم أصابه، وكان ممن خامر على الملك الناصر وأتى الأمراء في واقعة اللجون. ~~ثم خلع أمير المؤمنين على القاضي شهاب الدين أحمد الباعوني، واستقر به قاضي ~~قضاة الشافعية بالديار المصرية عوضا عن قاضي القضاة جلال الدين عبد ms2778 الرحمن ~~البلقيني، بحكم تخلفه بمدينة دمشق عند الملك الناصر فرج. هذا كله والقتال ~~عمال في كل يوم، والجراحات فاشية في عسكر الأمراء من عظم الرمي عليهم من ~~أسوار المدينة من الناصرية. ومات الأمير يشبك بن عبد الله، العثماني ~~الظاهري، أيضا خارج دمشق من سهم أصابه في يوم الجمعة أول صفر، وصلى عليه ~~الأمير شيخ المحمودي. وأما الملك الناصر، فهو مع هذا كله يفرق الأموال، ~~ويستدعي المقاتلة ويستحثهم على نصرته. وخلع الناصر على فخر الدين ماجد بن ~~المزوق ناظر الإسطبل باستقراره في كتابة سر مصر عوضا عن فتح الله. ثم ولى ~~الوزير سعد الدين إبراهيم بن البشيري نظر الخاص عوضا عن بدر الدين حسن بن ~~نصر الله الفوي. وبينما هو في ذلك وصلت إلى الملك الناصر أمراء التركمان: ~~قرايلك وغيره من نواب القلاع بسبب النجدة، فنودي بعسكر أمير المؤمنين ~~باستعداد العوام لقتال المذكورين، " فإنهم مقدمة تيمورلنك وجاليشه. واجتمع ~~الأمراء والمماليك، وحلفوا بأجمعهم يمينا مغلظا لأمير المؤمنين بأنهم ~~يلزمون طاعته، ويأتمرون بأمره، وأنهم رضوا بأنه الحاكم عليهم، وأنه يستبد ~~بالأمور من غير مراجعة أحد، وأنهم لا يسلطنون أحدا غيره طول حياته. ثم قبل ~~الجميع الأرض بين يديه، وصار الجميع طوعا لأمير المؤمنين المستعين بالله، ~~فمشى بذلك حالهم على قتال الملك الناصر. ولولا الخليفة ما انتظم لهم أمر، ~~لعظم ميل التركمان والعامة للملك الناصر. PageV03P0499 # ثم توجه فتح الله للأمير نوروز بدار الطعم - حيث هو نازل - فحلفه على ~~ذلك، وقبل الأرض لأمير المؤمنين، وأظهر من الفرح والسرور ما لا مزيد عليه ~~باستبداد الخليفة بالأمر، وقال: حينئذ استقام لنا، الأمر. وسأل نوروز فتح ~~الله المذكور أن يقبل الأرض بين يدي أمير المؤمنين نيابة عنه، وسأله في أن ~~ينفرد بالتدبير ولا يشاركه فيه الأمير شيخ، ولا هو ولا غيره، يريد بذلك كف ~~الأمير شيخ عن التحكم. هذا والقتال عمال في كل يوم، وقراءة المحضر الذي ~~أثبتوه على الملك الناصر على الشاميين، وفيه قوادح في الدين توجب إراقة ~~دمه، وشهد في المحضر نحو خمسمائة نفس، وثبت ذلك ms2779 على قاضي القضاة ناصر الدين ~~بن العديم الحنفي، وحكم بإراقة دمه. ثم بلغ شيخا أن الملك الناصر عزم على ~~إحراق ناحية قصر حجاج حتى يصير فضاء ثم يركب بنفسه ويواقع القوم هناك بمن ~~يأتيه من التركمان وبمن عنده. فبادر شيخ وركب بعد صلاة الجمعة بأمير ~~المؤمنين ومعه العساكر، وسار من طريق القبيبات ونزل بأرض الثابتية. وقاتل ~~الملك الناصر في ذلك اليوم أشد قتال إلى أن مضى من الليل جانب. وكثر من ~~الشاميين الرمي بالنفط عليهم، فاحترق سوق خان السلطان وما حوله. وحملت ~~السلطانية على الشيخية حملة عظيمة هزموهم فيها، وتفرقوا فرقا، وثبت شيخ في ~~جماعة قليلة بعد ما كان انهزم هو أيضا إلى قريب الشويكة. ثم تكاثر الشيخية ~~وانضم عليهم جماعة من الأمراء، فحمل شيخ بنفسه بهم حملة واحدة أخذ فيها ~~القنوات، ففر من كان هناك من التركمان والرماة وغيرهم. وكان الأتابك دمرداش ~~المحمدي نازلا عند باب الميدان تجاه القلعة، فلما بلغه ذلك ركب وتوجه إلى ~~الملك الناصر وهو جالس تحت القبة فوق باب النصر، وسأله أن يندب معه طائفة ~~كبيرة من المماليك السلطانية، ليتوجه بهم إلى قتال شيخ، فإنه قد وصل إلى ~~طرف القنوات، وسهل أخذه على السلطان، فنادى الملك الناصر لمن هناك من ~~المماليك وغيرهم بالتوجه مع دمرداش، فلم يجبه منهم أحد. ثم كرر السلطان ~~عليهم الأمر غير مرة حتى أجابه بعضهم جوابا فيه جفاء وخشونة ألفاظ، معناه ~~أنهم ملوا من طول القتال، وضجروا من شدة الحصار. وبينما هم في ذلك، إذ ~~اختبط العسكر السلطاني وكثر الصراخ فيهم بأن الأمير نوروزا قد كبسهم، ~~فسارعوا بأجمعهم وعبروا من باب النصر إلى داخل مدينة دمشق، وتفرقوا في ~~خرائبها بحيث إنه لم يبق بين يدي السلطان أحد، فولى دمرداش عائدا إلى ~~موضعه، وقد ملك شيخ وأصحابه الميدان والإسطبل. فبعث دمرداش إلى السلطان مع ~~بعض ثقاته بأن الأمر قد فات، وأن أمر العدو قوي، وأمر السلطان أخذ في ~~إدبار، والرأي أن يلحق السلطان بحلب ما دام في الأمر نفس. فلما سمع الملك ms2780 ~~الناصر ذلك قام من مجلسه وترك الشمعة تقد حتى لا يقع الطمع فيه بأنه ولى، ~~ويوهم الناس أنه ثابت مقيم على القتال. ثم دخل إلى حرمه وجهز ماله، وأطال ~~في تعبئة ماله وقماشه، فلم يخرج حتى مضى أكثر الليل، والأتابك دمرداش واقف ~~ينتظره. فلما رأى دمرداش أن الملك الناصر لا يوافقه على الخروج إلى حلب، ~~خرج هو بخواصه ونجا بنفسه، وسار إلى حلب وترك السلطان. ثم خامر الأمير سنقر ~~الرومي على الملك الناصر، وأتى أمير المؤمنين وبطل طبول السلطان والرماة. ~~PageV03P0500 # ثم خرج الملك الناصر من حرمه بماله، وأمر غلمانه فحملت الأموال على ~~البغال ليسير بهم إلى حلب، فعارضه الأمير أرغون من بشبغا الأمير آخور ~~الكبير وغيره، ورغبوه في الإقامة بدمشق، وقالوا له: الجماعة مماليك أبيك لا ~~يوصلون إليك سوءا أبدا. ولا زالوا به حتى طلع الفجر، فعند ذلك ركب الملك ~~الناصر بهم، ودار على سور المدينة فلم يجد أحدا ممن كان أعده للرمي، فعاد ~~ووقف على فرسه ساعة، ثم طلع إلى القلعة والتجأ بها بمن معه - وقد أشحنها - ~~وترك مدينة دمشق. وبلغ أمير المؤمنين والأمراء ذلك، فركب شيخ بمن معه إلى ~~باب النصر، وركب نوروز بمن معه إلى نحو باب توما، ونصب شيخ السلالم حتى طلع ~~بعض أصحابه، ونزل إلى مدينة دمشق وفتح باب النصر، وأحرق باب الجابية. ودخل ~~شيخ من باب النصر، وأخذ مدينة دمشق، ونزل بدار السعادة، وذلك في يوم السبت ~~تاسع صفر، بعد ما قاتل الملك الناصر نحو العشرين يوما، قتل فيها من ~~الطائفتين خلائق لا تحصى، ووقع النهب في أموال السلطان وعساكره، وامتدت ~~أيدي الشيخية وغيرهم إلى النهب، فما عفوا ولا كفوا. وركب أمير المؤمنين ~~ونزل بدار في طرف ظواهر دمشق، وتحول شيخ إلى الإسطبل، وأنزل الأمير بكتمر ~~جلق بدار السعادة، كونه قد ولي نيابة دمشق قبل تاريخه. هذا والسلطانية ترمي ~~عليهم من أعلى القلعة بالسهام والنفوط يومهم كله،وباتوا ليلة الأحد على ~~ذلك. فلما كان يوم الأحد عاشر صفر المذكور بعث الملك الناصر بالأمير أسندمر ~~أمير ms2781 آخور في الصلح، وتردد بينهم غير مرة حتى انعقد الصلح بينهم. وحلف ~~الأمراء جميعهم وكتبت نسخة اليمين، ووضعوا خطوطهم في النسخة المذكورة، وكتب ~~أمير المؤمنين أيضا خطه فيها. وصعد بها أسندمر المذكور إلى القلعة ومعه ~~الأمير ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي - أخو الخليفة المستعين بالله ~~لأمه - ودخلا على الملك الناصر وكلماه في ذلك، وطال الكلام بينهم فلم يعجب ~~الملك الناصر ذلك. وترددت الرسل بينهم غير مرة بغير طائل. وأمر الملك ~~الناصر أصحابه بالرمي عليهم، فعاد الرمي من أعلى القلعة بالمدافع والسهام. ~~وركب الأمراء واحتاطوا بالقلعة، فأرسل الملك الناصر يسأل بالكف عنه، ~~فضايقوا القلعة خشية أن يفر السلطان منها إلى جهة حلب. ومشت الرسل أيضا ~~بينهم ثانيا. وأضر الملك الناصر التضييق والغلبة إلى أن أذعن إلى الصلح، ~~وحلفوا له ألا يوصلوا إليه مكروها، ويؤمنوه على نفسه، وأن يستمر الخليفة ~~سلطانا. وقيل غير ذلك وهو أنه ينزل إليهم، ويتشاور الأمراء فيمن يكون ~~سلطانا، فإن طلبه المماليك فهو سلطان على حاله، وإن لم يطلبوه فيكون ~~الخليفة، ويكون هو مخلوعا يسكن بعض الثغور محتفظا به. ومحصول الحكاية أنه ~~نزل إليهم في ليلة الإثنين حادي عشر صفر، ومعه أولاده يحملهم ويحملون معه، ~~وهو ماش من باب القلعة إلى الإسطبل والناس تنظره. وكان الأمير شيخ نازلا ~~بالإسطبل المذكور، فعندما عاينه شيخ قام إليه وتلقاه وقبل الأرض بين يديه، ~~وأجلسه بصدر المجلس، وجلس بالبعد عنه وسكن روعه، ثم تركه بعد ساعة وانصرف ~~عنه، فأقام الملك الناصر بمكانه إلى يوم الثلاثاء ثاني صفر. فجمع الأمراء ~~والفقهاء والعلماء المصريون والشاميون بدار السعادة بين يدي أمير المؤمنين ~~- وقد تحول إليها وسكنها - وتكلموا في أمر الملك الناصر والمحضر المكتب في ~~حقه، فأفتوا بإراقة دمه شرعا. فأخذ في ليلة الأربعاء من الإسطبل، وطلع به ~~إلى قلعة دمشق، وحبسوه بها في موضع وحده، وقد ضيق عليه وأفرد من خدمه، ~~فأقام على ذلك إلى ليلة السبت سادس عشر صفر، وقتل حسبما ذكرناه في أواخر ~~ترجمته مفصلا، بعد اختلاف كبير وقع في أمره ms2782 بين الأمراء: فكان رأي شيخ ~~إبقاءه محبوسا بثغر الإسكندرية، وإرساله إليها مع الأمير طوغان الحسني ~~الدوادار. وكان رأي نوروز قتله، وقام نوروز وبكتمر جلق في قتله قياما بذلا ~~فيه جهدهما. وكان الأمير يشبك بن أزدمر أيضا ممن امتنع من قتله، وشنع ذلك ~~على نوروز، وأشار عليه ببقائه، واحتج بالأيمان التي حلفت له. PageV04P0001 # واختلف القوم في ذلك، فقوي أمر نوروز وبكتمر بالخليفة المستعين بالله، ~~فإنه كان أيضا اجتهد هو وفتح الله كاتب السر في قتله، وحملا القضاة ~~والفقهاء على الكتابة بإراقة دمه بعد أن توقفوا عن ذلك، حتى تجرد قاضي ~~القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي لذلك، وكافح من خالفه من الفقهاء ~~بعدم قتله بقوة الخليفة ونوروز وبكتمر وفتح الله، ثم أشهد على نفسه أنه حكم ~~بقتله شرعا، فأمضي قوله وقتل الناصر. وكان قصد شيخ إبقاعه، يخوف به نوروزا ~~إن حصل مخالفة، وأيضا وقف على يمينه وخاف سوء عاقبة الأيمان والعهود، وأيضا ~~لما سبق لوالده عليه من الحقوق السالفة، وقال: هو - يعني الملك الناصر - قد ~~ظفر بنا وأبقانا غير مرة، ونحن مماليكه، فكيف نحن نظفر به مرة واحدة نقتله ~~فيها، ويشاع ذلك عند ملوك الأقطار، فيقبح ذلك علينا إلى الغاية! قلت: ولذلك ~~ملكه الله على المسلمين، وحكمة فيمن خالفه في ذلك حتى أفناهم على السيف في ~~أسرع وقت وأقل مدة " وما ربك بظلام للعبيد " - انتهى. وبعد أن قتل الملك ~~الناصر، مشت الأحوال، وأمن الناس، ونودي فيهم بالأمان. واتفق الحال على أن ~~الأمير شيخا ونوروزا يسيران إلى مصر صحبة أمير المؤمنين المستعين بالله، ~~ويكونان في خدمته، وأن يكون الأمير شيخ أميرا كبيرا أتابك العساكر بالديار ~~المصرية، ويكون نوزوز أتابك رأس نوبة الأمراء، ويكون إقطاعهم بالسوية، وأن ~~يسكن شيخ باب السلسلة، ويسكن نوروز بيت قوصون تجاه باب السلسلة بالرميلة. ~~وكتب نوروز إلى القاهرة بتجديد عمارة البيت المذكور، وأن يضرب عليه رنك ~~نوروز. وصار نوروز يركب من داره إلى تحت قلعة دمشق، فيركب شيخ أيضا من ~~الإسطبل حيث هو نازل ويخرج إليه، ويسيران ms2783 تحت قلعة دمشق بموكبهما ومعهما ~~سائر الأمراء، ثم يدخلان إلى دار السعادة إلى خدمة أمير المؤمنين، فيجلس ~~شيخ عن يمينه، ويجلس نوروز عن يساره، ويقف طوغان الحسني الدوادار على ~~عادته، ويقعد الأمراء بمنازلهم يمينا وشمالا على عادة الموكب السلطاني، ~~ويقرأ ناظر، الجيش، ما يتعلق بالإقطاعات، ثم يقرأ كاتب السر القصص، ويمد ~~السماط، ثم ينفض الموكب كل ذلك وشيخ ونوروز قلوبهما متنافرة بعضها من بعض، ~~والناس يترقبون وقوع فتنة بينهما، إلى أن خدع شيخ نوروزا بأن قال له: " أنا ~~قصدي أن أكون بدمشق، ويضاف إلي من العريش إلى الفرات، وأنت تتوجه مع ~~الخليفة أتابكا بالديار المصرية ومعك الأمير بكتمر جلق وغيره من الأمراء. ~~ولم يكن لقوله حقيقة، غير أنه قصد بذلك حيلة على نوروز، فيقول نوروز: أنت ~~تتوجه إلى مصر، وأنا أكون نائب الشام، وكان ذلك على ما سنذكره. فاستشار ~~نوروز أصحابه في ذلك فقالوا له بأجمعهم: الرأي والمصلحة توجهك إلى الديار ~~المصرية، ولو كنت من جملة مقدمي الألوف بها، لا سيما تكون أتابك العساكر ~~ومالك زمام مصر، فقال لهم: إن أقام شيخ بالبلاد الشامية - مع سعة تحكمه في ~~البلاد - يصير له شوكة عظيمة ويتعبني فيما بعد، ولو كان في مصر خير ما ~~تركها هو وأراد نيابة الشام، والمصلحة توجهه إلى مصر، وأكون أنا حاكم ~~البلاد الشامية من العريش إلى الفرات، فراجعوه في ذلك فأبى إلا ما أراد. ~~وأصبح لما حضر الخدمة بين يدي الخليفة على العادة في يوم الإثنين خامس ~~عشرين صفر من سنة خمس عشرة وثمانمائة فاتحه الأمير شيخ في ذلك، فبادره ~~الأمير نوروز: أنت تتوجه إلى مصر، وأنا أكون نائبا بدمشق. فخلع عليه أمير ~~المؤمنين في الحال باستقراره في نيابة الشام كله، وأن يولي بجميع البلاد من ~~شاء من أصحابه. وانفض الموكب وقد نال الأمير شيخ غرضه، وانفرد بتدبير ~~المملكة وحده من غير شريك. وكان ظن الأمير نوروز أن شيخا لا يستقيم له أمر ~~مع بكتمر جلق، ويلبغا الناصري نائب الغيبة بمصر، وطوغان الحسني الدوادار، ~~وسيدي الكبير قرقماس، ms2784 وأن الذي يبقى معه من الأمراء بالبلاد الشامية جميعهم ~~في طاعته، مثل يشبك بن أزدمر، وطوخ، وقمش وغيرهم، فجاء حساب الدهر بخلاف ما ~~ظن. PageV04P0002 # ثم فوض أمير المؤمنين إلى الأمير نوروز كفالة الشام جميعه: دمشق، وحلب، ~~وطرابلس، وحماة، وصفد، وغزة، وجعل له أن يعين الأمريات والإقطاعات لمن ~~يريده ويختاره، وأن يولي نواب القلاع الشامية والسواحل وغيرها لمن أراد من ~~غير مراجعة في ذلك، غير أنه يطالع الخليفة بمن يستقر به في شيء من ذلك ~~ليجهز إليه تشريفا. وعزل بكتمر جلق عن نيابة دمشق بعد أن حكمها نحو الشهرين ~~عن الخليفة، ورسم له أن يتوجه أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية على ~~أحسن الإقطاعات. ثم خلع الخليفة على موقع الأمير نوروز ناصر الدين محمد بن ~~محمد البصروي باستقراره كاتب سر دمشق، عوضا عن صدر الدين علي بن الآدمي. ثم ~~خلع الخليفة على قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني بإعادته إلى ~~قضاء الشافعية بالديار المصرية، عوضا عن الباعوني الذي كان ولاه الملك ~~الناصر، فكانت ولاية الباعوني نحو الشهرين، ولم يدخل فيها القاهرة. ثم كتب ~~الخليفة إلى من في، البلاد الشامية وغيرها من التركمان والعربان والعشير، ~~وجعل افتتاح الكتب: من عبد الله وولده، الإمام المستعين بالله، وخليفة رب ~~العالمين، وابن عم سيد المرسلين، المفترض طاعته على الخلق أجمعين، أعز الله ~~ببقائه الدين ثم كتب الخليفة إلى الديار المصرية بإطلاق الأمراء المسجونين ~~بالإسكندرية، وأن الأمير أسنبغا الزردكاش يسلم قلعة الجبل إلى الأمير يلبغا ~~الناصري، ففعل أسنبغا الزردكاش ذلك. وقدم الأمراء من سجن الإسكندرية إلى ~~القاهرة وهم: إينال الصصلاني، وسودون الأسندمري الأمير آخور الثاني، ~~وكمشبغا الفيسي، وجانبك الصوفي، وتاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم ~~الأستادار. ثم تهيأ أمير المؤمنين وخرج معه الأمير شيخ وجميع العساكر من ~~دمشق، في يوم السبت ثامن شهر ربيع الأول، نحو الديار المصرية. ثم خرج بعدهم ~~نوروز في سادس عشره إلى حلب ليمهد أمورها. ثم رسم الأمير نوزوز أن يضرب ~~بدمشق دراهم نصفها فضة ونصفها نحاس، فضربت وتعامل الناس بها. ms2785 وسار أمير ~~المؤمنين بعساكره حتى دخل إلى الديار المصرية في يوم الثلاثاء ثاني شهر ~~ربيع الآخر، وطلع إلى القلعة بعدما شق القاهرة، وخرج من باب زويلة إلى ~~الصليبة إلى القلعة، وقد زينت القاهرة أحسن زينة. فنزل الخليفة بالقصر من ~~قلعة الجبل على عادة السلاطين، ونزل الأمير شيخ بباب السلسلة من الإسطبل ~~السلطاني. ولم يخلع الخليفة على أحد على جاري العوائد. وكان الأمير شيخ يظن ~~أن الخليفة يتوجه إلى داره بالقرب من المشهد النفيسي على عادتة أولا، فلما ~~طلع إلى القلعة، تحقق الأمير شيخ منه أنه يريد أن يسير على طريق السلاطين ~~ويترك طريق الخلفاء، فأخذ شيخ يكيده بأشياء، منها أنه صار يبطل المواكب ~~السلطانية ويعمل الموكب عنده، ويعتذر عن ذلك بأن القوم عقيب سفر وتعب ليس ~~لهم طاقة على لزوم المواكب الآن إلى أن يجدوا في نفوسهم قوة ونشاطا. وصار ~~ترداد جميع أرباب الدولة إلى باب الأمير شيخ، فاتضع أمر الخليفة. ثم أمسك ~~الأمير شيخ الأمير أسنبغا الزردكاش، واستفتى في قتله - لقتله الأمير قاني ~~باي في غيبة الملك الناصر - فأفتوا بقتله وحكموا به. ثم أمسك الأمير شيخ ~~حطط البكلمشي، وصرغتمش القلمطاوي، وهما من أمراء العشرات من خواص الملك ~~الناصر. ثم قبض على الأمير أرغون من بشبغا الأمير آخور الكبير، وعلى الأمير ~~سودون الأسندمري، وعلى كمشبغا الفيسي، وكانا قدما من سجن الإسكندرية بمدة ~~أيام - حسبما تقدم ذكره - ونفى كمشبغا الفيسي إلى دمياط. ثم خلع الأمير شيخ ~~على الأمير خليل التبريزي الدشاري باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضا عن ~~قطلوبغا الخليلي بعد موته. ثم في ثامن شهر ربيع الآخر، عمل الأمير شيخ ~~الموكب عند الخليفة بالقصر السلطاني على العادة، وحضر شيخ هو وسائر الأمراء ~~الموكب. وخلع الخليفة على الأمير شيخ باستقراره أتابك العساكر بالديار ~~المصرية - وكانت شاغرة منذ قبض على الملك الناصر وفر الأتابك دمرداش ~~المحمدي إلى حلب. ثم فوض الخليفة إلى شيخ جميع الأمور، وأنه يولي ويعزل من ~~غير مراجعة، وأشهد عليه بذلك بعد أن توقف الخليفة عن ذلك أياما حتى أذعن ms2786 ~~على رغمه. PageV04P0003 # ثم خلع الخليفة على الأمير شاهين الأفرم على عادته أمير سلاح، وعلى يلبغا ~~الناصري باستقراره أمير مجلس، وعلى الأمير إينال الصصلاني باستقراره حاجب ~~الحجاب عوضا عن يلبغا الناصري، وعلى سودون الأشقر باستقراره رأس نوبة النوب ~~عوضا عن سنقر الرومي، وعلى الأمير ألطنبغا العثماني بنيابة غزة عوضا عن ~~سودون من عبد الرحمن، ونزل الجميع في خدمة الأمير شيخ، ثم توجهوا إلى ~~دورهم. ثم في تاسعه عرض الأمير شيخ المماليك السلطانية، وفرق عليهم ~~الإقطاعات الشاغرة عن الناصرية بحسب ما يختاره، وأنعم على جماعة من مماليكه ~~بإمريات، ما بين طبلخانات وعشرات. ثم خلع الأمير شيخ على دواداره جقمق ~~الأرغون شاوي واستقر به دوادار الخليفة، حتى لا يتمكن الخليفة من شيء ~~يعمله، وكان دواداره قبل ذلك أخوه ناصر الدين محمد بن مبارك شاه الطازي ~~بإمرة طبلخاناه، فصار جقمق كالدوادار الثاني له، وفي الحقيقة ترسيما عليه. ~~فعند ذلك صار للخليفة الاسم في السلطنة لا غير، وما عدا ذلك متعلق بالأمير ~~شيخ. وصار الخليفة مستوحشا بعياله في تلك القصور الواسعة بقلعة الجبل، وضاق ~~صدره من عدم ترداد الناس إليه، وندم على دخوله في هذا الأمر حيث لا ينفعه ~~الندم، وصار لا يمكنه الكلام لعدم من يقوم بنصرته من الأمراء وغيرهم، فسكت ~~على مضض. ثم إن الأمير شيخا خلع على الأمير قاني باي المحمدي، وعلى الأمير ~~سودون من عبد الرحمن - المعزول عن نيابة غزة - خلع الرضى من غير وظيفة. ثم ~~خلع على سعد الدين إبراهيم بن البشيري باستقراره وزيرا على عادته، وخلع على ~~بدر الدين حسن بن نصر الله الفوي باستقراره في نظر الجيش على عادته، وخلع ~~على تقي الدين عبد الوهاب بن أبي شاكر باستقراره ناظر الخاص على عادته، ثم ~~خلع على التاج بن سيفا الشوبكي القازاني باستقراره والي القاهرة عوضا عن ~~أرسلان، فعد ذلك من أول سيئات الأمير شيخ، وعظم ذلك على أعيان الدولة لعدم ~~أهلية التاج المذكور لذلك. ثم في ثامن شهر ربيع الآخر المذكور أخرج الأمير ~~شيخ عدة بلاد من أوقاف ms2787 الملك الناصر فرج الموقوفة المحبسة، منها قرية ~~منبابة بالجيزة تجاه بولاق، وكان أوقفها الملك الناصر على التربة الطاهرية، ~~وناحية دنديل، وكانت أيضا موقوفة على التربة المذكورة، وأخرج عدة رزق ~~كثيرة، وهي، التي كان الناصر أخرجها وأوقفها في سلطنته. ثم تاسع عشره خلع ~~الأتابك شيخ على القضاة الأربعة وباستمرارهم، وخلع على بدر الدين حسن بن ~~محب الدين الطرابلسي أستادار الأمير شيخ باستقراره أستادار العالية، فنزل ~~ابن محب الدين إلى داره وجميع أرباب الدولة في خدمته. ثم في ثاني عشرينه ~~استقر شهاب الدين أحمد الصفدي موقع الأمير شيخ في نظر البيمارستان المنصوري ~~عوضا عن كاتب السر فتح الله، ومعها نظر الأحباس عوضا عن تاج الدين عبد ~~الوهاب بن نصر الله، وخلع على القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي باستقراره ~~موقع الأمير الكبير شيخ عوضا عن الشهاب الصفدي المقدم ذكره. وأما الأمير ~~نوروز الحافظي، فإنه استولى على حلب، وهرب منها الأمير دمرداش المحمدي، ~~وخلع على يشبك بن أزدمر بنيابتها، وخلع على الأمير طوخ بنيابة طرابلس، وفرق ~~الإقطاعات والإمريات على أصحابه ومماليكه كيف يختار من غير معاند، غير أنه ~~ندم على قعاده بالبلاد الشامية غاية الندم في الباطن لا سيما لما بلغه من ~~أمر شيخ وعظمته بمصر ما بلغه. ثم في يوم الخميس سادس عشر جمادى الأولى، ~~قرىء تقليد الأمير الكبير شيخ نظام الملك بأن الخليفة فوض إليه ما وراء ~~سرير الخلافة، فعند ذلك جلس الأتابك شيخ بالحراقة من الإسطبل السلطاني، ~~وبين يديه القضاة وأرباب الدولة من أعيان الأمراء والمباشرين وغيرهم، وقرأ ~~كاتب السر عليه القصص كما يقرؤها بين يدي السلطان. وتلاشى أمر الخليفة حتى ~~صار كعادته أيام خلافته، غير أنه في الترسيم محجوب عما يريده. ثم في رابع ~~عشرين جمادى الأولى المذكورة استقر القاضي صدر الدين علي بن الأدمي قاضي ~~قضاة الحنفية بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة ناصر الدين محمد بن ~~العديم عنها. ثم أرسل الأتابك شيخ دواداره الأمير جقمق الأرغون شاوي إلى ~~البلاد الشامية ومعه تقاليد النواب الخليفتية باستمرارهم على عادتهم ms2788 بما ~~قرر الأمير نوروز برضاه. PageV04P0004 # ثم في يوم الخميس ثامن جمادى الآخره، مات الأمير بكتمر جلق من مرض تمادى ~~به نحو الشهرين، أصله من عقرب لسعته وهو قادم صحبة الخليفة والعساكر إلى ~~الديار المصرية بالرمل، فاشتد ألمه منها وأخذته الحمى، ثم خرج من سيء إلى ~~سيء إلى أن مات. فنزل الأتابك شيخ راكبا وجميع الأمراء الخاصكية مشاة حتى ~~صلى عليه بمصلاة المؤمني من تحت القلعة، وعاد إلى باب السلسلة من غير أن ~~يشهد دفنه، وهو في غاية السرور، وقد صفا له الوقت بمرت بكتمر المذكور، فإنه ~~كان عليه أشد من نوروز. وصرح شيخ بعد موته بما كان يستكتمه من الوثوب على ~~الأمراء، وخلا له الجو. ولما بلغ نوروزا موته كاد أن يهلك، وعلم بما سيكون ~~من أمر شيخ. ثم استقر القاضي ناصر الدين بن البارزي موقع الأتابك شيخ ~~بقراءة القصص على مخدومه الأتابك شيخ، فانحط بذلك قدر فتح الدين فتح الله ~~كاتب السر، وصار في وظيفته كالمعزول عنها، وقل ترداد الناس إليه، وكثر ~~تردادهم إلى باب القاضي ناصر الدين بن البارزي لقضاء حوائجهم. ولما عظم أمر ~~الأتابك شيخ بعد موت بكتمر، ورأى أن الجو قد خلا له ثم مانع من سلطنته، طلب ~~الأمراء وكلمهم في ذلك، فأجاب الجميع بالسمع والطاعة - طوعا وكرها - ~~واتفقوا على سلطنته. فلما كان يوم الاثنين مستهل شعبان، وعمل الموكب عنده ~~على عادته بالإسطبل السلطاني، واجتمع القضاة الأربعة، قام فتح الله كاتب ~~السر على قدميه في الملأ وقال لمن حضر: إن الأحوال ضائقة، ولم يعهد أهل ~~نواحي مصر اسم خليفة، ولا تستقيم الأمور إلا بأن يقوم سلطان على العادة، ~~ودعاهم إلى الأتابك شيخ المحمودي. فقال شيخ المذكور: هذا لا يتم إلا برضاء ~~الجماعة، فقال من حضر بلسان واحد: نحن راضون بالأمير الكبير. فمد قاضي ~~القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني يده وبايعه، فلم يختلف عليه اثنان. ~~وخلع الخليفة المستعين بالله العباس من السلطنة بغير رضاه. وبعد سلطنة ~~الملك المؤيد شيخ وجلوسه على كرسي الملك - حسبما يأتي ذكره ms2789 بعد أن نذكر ~~بقية ترجمة العباس هذا - بعث إليه القضاة ليسلموا عليه، ويشهدوا عليه أنه ~~فوض إلى الأمير شيخ السلطنة على العادة، فدخلوا إليه وكلموه في ذلك، فتوقف ~~في الإشهاد عليه بتفويض السلطنة توقفا كبيرا، ثم اشترط في أن يؤذن له في ~~النزول من القلعة إلى داره، وأن يحلف له السلطان بأنه يناصحه سرا وجهرا، ~~ويكون سلما لمن سالمه وحربا لمن حاربه. فعاد القضاة إلى السلطان وردوا ~~الخبر عليه، وحسنوا له العبارة في القول، فأجاب: يمهل علينا أياما في ~~النزول إلى داره، ثم يرسم له بالنزول. فأعادوا عليه الجواب بذلك وشهدوا ~~عليه، وتوجهوا إلى حال سبيلهم. وأقام الخليفة بقلعة الجبل محتفظا به على ~~عادته أولا خليفة إلى ما يأتي ذكره. فكانت مدة سلطنته من يوم جلس سلطانا ~~خارج دمشق إلى يوم خلعه يوم الاثنين أول شعبان، سبعة أشهر وخمسة أيام. ~~وأقام المستعين بقلعة الجبل إلى أن خلع من الخلافة أيضا بأخيه المعتضد داود ~~بغير رضاه، كما وقع في خلعه من السلطنة، وكان ذلك في ذي الحجة سنة ست عشرة ~~وثمانمائة. ودام مخلوعا بقلعة الجبل في دار بالقلعة مدة، ثم نقل إلى برج ~~بالقلعة إلى يوم عيد النحر من سنة تسع عشرة وثمانمائة، فأنزل من القلعة ~~نهارا إلى ساحل النيل على فرس، وصحبته أولاد الملك الناصر فرج وهم: فرج، ~~ومحمد، وخليل، وتوجه معهم الأمير كزل الأرغون شاوي إلى الإسكندرية. فدام ~~الخليفة المستعين هذا مسجونا بإسكندرية إلى أن نقله الملك الأشرف برسباي ~~إلى قاعة بثغر الإسكندرية، فدام بها إلى أن توفي بالطاعون في يوم الأربعاء ~~لعشرين بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاتين وثمانمائة، ولم يبلغ ~~الأربعين سنة من العمر.ومات وهو في زعمه أنه مستمر على الخلافة، وأنه لم ~~يخلع بطريق شرعي، وعهد بالخلافة لولده يحيى. فلما مات المعتضد داود في يوم ~~الأحد رابع شهر الأول من سنة خمس وأربعين وثمانمائة، تكلم يحيى المذكور في ~~الخلافة، وسعى سعيا عظيما، فلم يتم له ذلك، والله أعلم، والحمد لله على كل حال. ### | AUT سلطنة ms2790 الملك المؤيد شيخ المحمودي # السلطان الملك المؤيد أبو النصر سيف الدين شيخ بن عبد الله المحمودي ~~الظاهري، وهو السلطان الثامن والعشرون من ملوك الترك بالديار المصرية، ~~والرابع من الجراكسة وأولادهم. PageV04P0005 # أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق، اشتراه من أستاذه الخواجا محمود شاه ~~البرزي في سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، وبرقوق يوم ذاك أتابك العساكر ~~بالديار المصرية قبل سلطنته بنحو السنتين، وكان عمر شيخ المذكور يوم اشتراه ~~الملك الظاهر نحو اثنتي عشرة سنة تخمينا. وجعله برقوق من جملة مماليكه، ثم ~~أعتقه بعد سلطنته، ورقاه إلى أن جعله خاصكيا ثم ساقيا في سلطنته الثانية. ~~وغضب عليه الملك الظاهر برقوق غير مرة، وضربه ضربا مبرحا، لانهماكه في ~~السكر، وعزره وهو لا يرجع عما هو فيه. كل ذلك وهو في رتبته وخصوصيته عند ~~أستاذه، إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر بإمرة عشرة، ثم نقله إلى طبلخاناه، ~~ثم خلع عليه باستقراره أمير حاج المحمل في سنة إحدى وثمانمائة، فسار بالحج، ~~وعاد، وقد مات أستاذه الملك الظاهر برقوق، فأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ~~ألف بالديار المصرية عوضا عن الأمير بجاس النوروزي بحكم لزوم بجاس داره ~~لكبر سنه. ثم استقر بعد وقعة تنم الحسني في سنة اثنتين وثمانمائة في نيابة ~~طرابلس عوضا عن يونس بلطا بحكم القبض عليه، فدام على نيابة طرابلس إلى أن ~~أسر في واقعة تيمور مع من أسر من النواب. ثم أطلق وعاد إلى الديار المصرية، ~~وأقام بها مدة، ثم أعيد إلى نيابة طرابلس ثانيا، ثم نقل بعد مدة إلى نيابة ~~دمشق. ثم وقعت تلك الفتن وثارت الحروب بين الأمراء الظاهرية، ثم بينهم وبين ~~ابن أستاذهم الملك الناصر فرج، وقد مر ذكر ذلك كله مستوفيا في ترجمة الملك ~~الناصر وليس لذكره ههنا ثانيا محل. ولازال شيخ المذكور يدبر والأقدار ~~تساعده إلى أن استولى على الملك بعد القبض على الملك الناصر فرج وقتله. ~~وقدم إلى الديار المصرية وسكن الحراقة من باب السلسلة، وصار الخليفة ~~المستعين بالله في قبضته وتحت أوامره حتى أجمع الناس قاطبة على سلطنته، ms2791 ~~وأجمعوا على توليته. فلما حان يوم الاثنين مستهل شعبان حضر القضاة وأعيان ~~الأمراء وجميع العساكر وطلعوا إلى باب السلسلة. وتقدم قاضي القضاة جلال ~~الدين البلقيني وبايعه بالسلطنة. ثم قام الأمير شيخ من مجلسه ودخل مبيت ~~الحراقة بباب السلسلة، وخرج وعليه خلعة السلطنة السوداء الخليفتي على ~~العادة، وركب فرس النوبة بشعار السلطنة، والأمراء وأرباب الدولة مشاة بين ~~يديه، والقبة والطير على رأسه حتى طلع إلى القلعة ونزل ودخل إلى القصر ~~السلطاني، وجلس على تخت الملك، وقبلت الأمراء الأرض بين يديه، ودقت ~~البشائر. ثم نودي بالقاهرة ومصر باسمه وسلطنته. وخلع على القضاة والأمراء ~~ومن له عادة في ذلك اليوم. PageV04P0006 # وتم أمره إلى يوم الاثنين ثامن شعبان جلس السلطان الملك المؤيد بدار ~~العدل، وعمل الموكب على العادة. وخلع على الأمير يلبغا الناصري أمير مجلس ~~باستقراره أتابك العساكر بديار مصر عوضا عن الملك المؤيد شيخ المذكور. ثم ~~خلع على الأمير شاهين الأفرم باستمراره أمير سلاح على عادته، وعلى الأمير ~~قاني باي المحمدي باستقراره أمير آخور كبيرا - وكانت شاغرة من يوم أمسك ~~الأمير أرغون من بشبغا - وعلى الأمير طوغان الحسني الدوادار الكبير ~~باستمراره على عادته، وعلى الأمير سودون الأشقر رأس نوبة النوب باستمراره ~~على عادته، وعلى الأمير إينال الصصلاني حاجب الحجاب باستمراره على وظيفته. ~~ثم خلع على القضاة وعلى جميع أرباب الوظائف بأسرها. ثم خلع على الأمير ~~طرباي الظاهري بتوجهه إلى البلاد الشامية مبشرا بسلطنته، فتوجه إلى دمشق، ~~وقبل وصوله إليها كان بلغ الأمير نوروز الحافظي الخبر، وأمسك جقمق الأرغون ~~شاوي الدوادار بعد قدومه من طرابلس إلى دمشق، فلما قدم طرباي على نوروز ~~المذكور، وعرفه بسلطنة الملك المؤيد، أنكر ذلك ولم يقبله ولا تحرك من مجلسه ~~ولامس المرسوم الشريف بيده، وأطلق لسانه في حق الملك المؤيد، ورد الأمير ~~طرباي إلى الديار المصرية بجواب خشن إلى الغاية، خاطب فيه الملك المؤيد كما ~~كان يخاطبه أولا قبل سلطنته من غير أن يعترف له بالسلطنة. وكان حضور طرباي ~~إلى القاهرة عائدا إليها من دمشق في يوم الثلاثاء أول ms2792 شهر رمضان من سنة خمس ~~عشرة وثمانمائة، وكان الذي قدم صحبة طرباي من عند الأمير نوروز إلى القاهرة ~~الأمير بكتمر السيفي تغري بردي، أعني أحد مماليك الوالد، وكان من جملة ~~أمراء الطبلخانات بدمشق، وكان قبل خروجه من دمشق أوصاه الأمير نوروز أنه لا ~~يقبل الأرض بين يدي الملك المؤيد، فلما وصل إلى الديار المصرية وحضر بين ~~يدي السلطان أمره أرباب الدولة بتقبيل الأرض فأبى وقال: مرسلي أمرني بعدم ~~تقبيل الأرض، فاستشاط الملك المؤيد غضبا وكاد أن يأمر بضرب رقبته حتى شفع ~~فيه من حضر من الأمراء، ثم قبل الأرض. ثم في سابع عشر شهر رمضان المذكور ~~أرسل الملك المؤيد الشيخ شرف الدين بن التباني الحنفي رسولا إلى الأمير ~~نوروز ليترضاه، ويكلمه في الطاعة له وعدم المخالفة، وسافر ابن التباني إلى ~~جهة الشام. ثم في تاسع شوال أمسك السلطان الملك المؤيد شيخ الأمير سودون ~~المحمدي المعروف بتلي أي مجنون، وقيده وأرسله إلى سجن الإسكندرية. ثم أمسك ~~فتح الله كاتب السر، واحتاط على موجوده وصادره، فضرب فتح الله المذكور ~~وعوقب أشد عقوبة حتى تقرر عليه خمسون ألف دينار. ثم في ثالث عشر شوال استقر ~~القاضي ناصر الدين بن البارزي في كتابه السر الشريف بالديار المصرية عوضا ~~عن فتح الله المذكور. هذا، والأمير نوروز قد استدعى جميع النواب بالبلاد ~~الشامية، فحضر إليه الأمير يشبك بن أزدمر نائب حلب، والأمير طوخ نائب ~~طرابلس، والأمير قمش نائب حماة، وابن دلغادر، وتغري بردى ابن أخي دمرداش ~~المدعو سيدي الصغير، فخرج الأمير نوروز إلى ملاقاتهم، والتقاهم وأكرمهم، ~~وعاد بهم إلى دمشق. وجمع القضاة والأعيان، واستفتاهم في سلطنة الملك المؤيد ~~وحبسه للخليفة وما أشبه ذلك، فلم يتكلم أحد بشيء، وانفض المجلس، بغير طائل. ~~وأنعم نوروز على النواب المذكورين في يوم واحد بأربعين ألف دينار، ثم رسم ~~لهم بالتوجه إلى محل ولاياتهم إلى أن يبعث يطلبهم. وقدم عليه ابن التباني ~~فمنعه من الاجتماع مع الناس، واحتفظ به بعد أن كلمه فلم يؤثر فيه الكلام. ~~وأخذ الأمير نوروز في تقوية ms2793 أموره واستعداده لقتال الملك المؤيد شيخ، وطلب ~~التركمان، وأكثر من استخدام المماليك وما أشبه ذلك. وبلغ الملك المؤيد شيخا ~~ذلك فخلع في ثالث ذي الحجة من السنة على الأمير قرقماس ابن أخي دمرداش ~~المدعو سيدي الكبير باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن الأمير نوروز الحافظي. ~~وعند خروجه قدم الخبر بمفارقة أخيه الأمير تغري بردي سيدي الصغير لنوروز ~~وقدومه إلى صفد داخلا في طاعة الملك المؤيد شيخ، وكانت صفد في حكم الملك ~~المؤيد، فدقت البشائر بالديار المصرية لذلك. وبينما الملك المؤيد في ~~الاستعداد لقتال نوروز ثار عليه مرض المفاصل حتى لزم الفراش منه عدة أيام ~~وتعطل فيها عن المواكب السلطانية. PageV04P0007 # وأما قرقماس سيدي الكبير فانه وصل إلى غزة، وسار منها في تاسع صفر وتوجه ~~إلى صفد واجتمع بأخيه تغري بردي سيدي الصغير، وخرج في أثرهما الأمير ~~ألطنبغا العثماني نائب غزة، والجميع متوجهون لقتال الأمير نوروز - وقد خرج ~~نوروز إلى جهة حلب - ليأخذوا دمشق في غيبة الأمير نوروز، فبلغهم عود نوزوز ~~من حلب إلى دمشق، فأقاموا بالرملة. ثم قدم على السلطان آقبغا بجواب الأمير ~~دمرداش المحمدي ونواب القلاع بطاعتهم أجمعين للسلطان الملك المؤيد، وصحبته ~~أيضا قاصد الأمير عثمان بن طر علي المعروف بقرايلك، فخلع السلطان عليهما، ~~وكتب جوابهما بالشكر والثناء. ثم في أول شهر ربيع الآخر قبض السلطان على ~~الأمير قصروه من تمراز الظاهري، وقيده وأرسله إلى سجن الإسكندرية. وشرع ~~الأمير نوروز كلما أرسل إلى الملك المؤيد كتابا يخاطبه فيه بمولانا، ~~ويفتتحه بالإمامي المستعيني، فيعظم ذلك على الملك المؤيد إلى الغاية. ولما ~~بلغ نوروز قدوم قرقماس بمن معه إلى الرملة سار لحربه، وخرج من دمشق ~~بعساكره. فلما بلغ قرقماس وأخاه ذلك عادا بمن معهما إلى جهة الديار المصرية ~~عجزا عن مقاومته حتى نزلا بالصالحية. وأما الملك المؤيد فإنه لما كان رابع ~~جمادى الأولى أوفى النيل ستة عشر ذراعا، فركب الملك المؤيد في قلعة الجبل، ~~ونزل في موكب عظيم حتى عدى النيل وخلق المقياس على العادة، وركب الحراقة ~~لفتح خليج السد، فأنشده شاعره ms2794 وأحد ندمائه الشيخ تقي الدين أبو بكر بن حجة ~~الحموي الحنفي يخاطبه: أيا ملكا بالله أضحى مؤيدا ... ومنتصبا في ملكه نصب ~~تمييز كسرت بمسرى نيل مصر وتنقضي وحقك بعد الكسر أيام نوروز فحسن ذلك ببال ~~السلطان الملك المؤيد إلى الغاية. ثم ركب الملك المؤيد وعاد إلى القلعة. ~~وأصبح أمسك الوزير ابن البشيري، وناظر الخاص ابن أبي شاكر، وخلع على الصاحب ~~تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم باستقراره وزيرا عوضا عن ابن البشيري، فعاد ~~تاج الدين إلى لبس الكتاب - فإنه كان تزيا بزي الجند لما استقر أستادارا ~~بعد مسك جمال الدين في الدولة الناصرية - وتسلم ابن البشيري. وخلع السلطان ~~على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الجيش باستقراره في نظر الخاص ~~عوضا عن ابن أبي شاكر، وخلع على علم الدين داود بن الكويز باستقراره ناظر ~~الجيش عوضا عن ابن نصر الله المذكور. ثم خلع السلطان على الأمير سودون ~~الأشقر رأس نوبة النوب باستقراره أمير مجلس - وكانت شاغرة عن الأمير يلبغا ~~الناصري - وخلع على الأمير جاني بك الصوفي باستقراره رأس نوبة النوب عوضا ~~عن سودون الأشقر. وكان جاني بك الصوفي قدم هو والأمير ألطنبغا العثماني ~~نائب غزة، وتغري بردي سيدي الصغير، وأخوه قرقماس سيدي الكبير المتولي نيابة ~~دمشق، فأقام الأخوان - أعني قرقماس وتغري بردي - على قطيا، ودخل جاني بك ~~الصوفي وألطنبغا، العثماني إلى القاهرة. ثم في سادس عشر جمادى الأولى ~~المذكور أشيع بالقاهرة ركوب الأمير طوغان الحسني الدوادار على السلطان ومعه ~~عدة من الأمراء والمماليك السلطانية وكان طوغان قد اتفق مع جماعة على ذلك، ~~ولما كان الليل انتظر طوغان أن أحدا يأتيه ممن اتفق معه فلم يأته أحد، حتى ~~قرب الفجر، وقد لبس السلاح وألبس مماليكه، فعند ذلك قام وتسحب في مملوكين ~~واختفى. وأصبح الناس يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى والأسواق مغلقة ~~والناس تترقب وقوع فتنة فنادى السلطان بالأمان، وأن من أحضر طوغان المذكور ~~فله ما عليه مع خبز في الحلقة. ودام ذلك إلى ليلة الجمعة عشرينه، فوجد ~~طوغان ms2795 بمدينة مصر، فأخذ وحمل إلى القلعة، وقيد وأرسل إلى الإسكندرية صحبة ~~الأمير طوغان أمير آخور الملك المؤيد. ثم أصبح السلطان من الغد أمسك الأمير ~~سودون الأشقر أمير مجلس والأمير كمشبغا العيساوي أمير شكار، وأحد مقدمي ~~الألوف، وقيدا وحملا إلى الإسكندرية صحبة الأمير برسباي الدقماقي، أعني ~~الملك الأشرف الأتي ذكره في محله إن شاء الله تعالى. ثم بعد يومين وسط ~~السلطان أربعة، أحدهم الأمير تغلباي نائب القدس من جهة الأمير نوروز، وكان ~~قرقماس سيدي الكبير قد قبض عليه وأرسله مع اثنين أخر إلى السلطان، فوسط ~~السلطان الثلاثة وآخر من جهة طوغان الدوادار. PageV04P0008 # ثم في يوم الاثنين ثامن عشرينه أنعم السلطان بإقطاع طوغان على الأمير ~~إينال الصصلاني، وأنعم بإقطاع سودون الأشقر على الأمير تنبك البجاسي نائب ~~الكرك - كان - ثم خلع على الصصلاني باستقراره أمير مجلس عوضا عن سودون ~~الأشقر أيضا، وخلع على الأمير قجق أيضا باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن ~~الصصلاني، وخلع على شاهين الأفرم أمير سلاح خلعة الرضى، لأنه كان اتهم ~~بممالأة طوغان، ثم خلع السلطان على مملوكه الأمير جانبك الدوادار الثاني ~~وأحد أمراء الطبلخانات باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن طوغان الحسني، وخلع ~~على الأمير جرباش كباشة باستقراره أمير جاندار. ثم في يوم الاثنين سلخ ~~جمادى الأولى خلع السلطان على فخر الدين عبد الغني ابن الوزير تاج الدين ~~عبد الرزاق بن أبي الفرج كاشف الشرقية والغربية باستقراره أستادارا عوضا عن ~~بدر الدين بن محب الدين، وخلع على بدر الدين المذكور باستقراره مشير ~~الدولة. ثم في يوم الأربعاء سادس شهر رجب قدم الأمير جار قطلو أتابك دمشق ~~إلى الديار المصرية فارا من نوروز وداخلا في طاعة الملك المؤيد، فخلع عليه ~~السلطان وأكرمه. وفي ثامن شهر رجب كان مهم الأمير صارم الدين إبراهيم ابن ~~السلطان الملك المؤيد على بنت السلطان الملك الناصر فرج، وهي التي كان ~~تزوجها بكتمر جلق في حياة والدها. ثم قدم الأمير ألطنبغا القرمشي الظاهري ~~نائب صفد إلى القاهرة في ثامن عشر شهر رجب باستدعاء، وقد استقر عوضه في ~~نيابة ms2796 صفد الأمير قرقماس ابن أخي دمرداش، وعزل عن نيابة الشام، كونه لم ~~يتمكن من دخول دمشق لأجل الأمير نوروز الحافظي. وكان قرقماس المذكور من يوم ~~ولي نيابة دمشق، وخرج من القاهرة ليتوجه إلى الشام، صار يتردد بين غزة ~~والرملة، فلما طال عليه الأمر ولاه،الملك المؤيد نيابة صفد، واستقر أخوه ~~تغري بردي سيدي الصغير في نيابة غزة عوضا عن ألطنبغا العثماني، وعندما دخل ~~قرقماس إلى صفد قصده الأمير نوروز، فأراد قرقماس أن يطلع إلى قلعة صفد مع ~~أخيه تغري بردي فلم يتمكن منها هو ولا أخوه، فعاد إلى الرملة. ولا زال ~~قرقماس بالرملة إلى أن طال عليه الأمر، قصد القاهرة حتى دخلها في يوم ثامن ~~عشر شعبان، فأكرمه السلطان وأنعم عليه، وأقام أخوه تغري بردي على قطيا. ~~وهذا كان دأبهم أنهم الثلاثة لا يجتمعون عند ملك: أعني دمرداش وأولاد أخيه ~~قرقماس وتغري بردي، فدام قرقماس بديار مصر وهو آمن على نفسه كون عمه الأمير ~~دمرداش المحمدي في البلاد الحلبية. وأما أمر دمرداش المذكور فإنه لما أخذ ~~حلب قصده الأمير نوروز في أول صفر وسار من دمشق بعساكره حتى نزل حماة في ~~تاسع صفر. فلما بلغ دمرداش ذلك خرج من حلب في حادي عشر صفر ومعه الأمير برد ~~بك أتابك حلب والأمير شاهين الأيدكارى حاجب حجاب حلب، والأمير أردبغا ~~الرشيدي، والأمير جربغا، وغيرهم من عساكر حلب، ونزل دمرداش بهم على العمق، ~~فحضر إليه الأمير كردي بن كندر وأخوه عمر وأولاده أوزر، ودخل الأمير نوزوز ~~إلى حلب في ثالث عشر صفر بعدما تلقاه الأمير آقبغا جركس نائب القلعة ~~بالمفاتيح. فولى نوروز الأمير طوخا نيابة حلب عوضا عن يشبك بن أزدمر برغبة ~~يشبك عنها لأمر اقتضى ذلك، وولى الأمير يشبك الساقي الأعرج نيابة قلعة حلب، ~~وولى عمر بن الهيدباني حجوبية حلب، وولى الأمير قمش نيابة طرابلس. ثم خرج ~~نوروز من حلب في تاسع عشر صفر عائدا إلى نحو دمشق، ومعه الأمير يشبك بن ~~أزدمر، فقدم دمشق في سادس عشرين صفر المذكور. وبعد خروج نوروز ms2797 من حلب قصدها ~~الأمير دمرداش المقدم ذكره حتى نزل على بانقوسا في يوم سادس عشرين صفر ~~أيضا، فخرج إليه طوخ بمن معه من أصحاب نوروز وقاتلوه قتالا شديدا إلى ليلة ~~ثامن عشرين صفر فقدم عليه الخبر بأن الأمير عجل بن نعير قد أقبل لمحاربته ~~نصرة للأمير نوروز، فلم يثبت دمرداش لعجزه عن مقاومته، ورحل بمن معه من ~~ليلته إلى العمق، ثم سار إلى أعزاز فأقام بها. فلما كان عاشر شهر ربيع ~~الأول بعث طوخ نائب حلب عسكرا إلى سرمين وبها آق بلاط دوادار دمرداش ~~المذكور فكبسوه، فثار عليهم هو وشاهين الأيدكاري ومن معهما من التراكمين ~~وقاتلوهم وأسروا منهم جماعة كثيرة وبعثوا بهم إلى الأمير دمرداش، فسجن ~~دمرداش أعيانهم في قلعة بغراص وجاع أناني أكثرهم، وأطلقهم عراة، وقتل ~~بعضهم. PageV04P0009 # فلما بلغ طوخ الخبر ركب من حلب ومعه الأمير قمش نائب طرابلس، وسار إلى تل ~~باشر، وقد نزل عليه العجل بن نعير، فسأله طوخ أن يسير معهما لحرب دمرداش، ~~فأنعم بذلك ثم تأخر عنهما قليلا، فبلغهما أنه اتفق مع دمرداش على مسكهما، ~~فاستعدا له وترقباه حتى ركب إليهما في نفر قليل ونزل عندهما ودعاهما إلى ~~ضيافته وألح عليهما في ذلك، فثارا به ومعهم جماعة من أصحابهما فقتلوه ~~بسيوفهم في رابع عشرين شهر ربيع الأول، ودخلا من فورهما عائدين إلى حلب. ~~وكتبا بالخبر إلى نوروز وطلبا منه نجدة، فإن حسين بن نعير قد جمع العرب ~~ونزل على دمرداش فسار به دمرداش إلى حلب وحصرها. وصعد طوخ وقمش إلى قلعة ~~حلب واشتد القتال بينهم إلى أن انهزم دمرداش وعاد إلى جهة العمق. وشاور ~~دمرداش، أصحابه فيما يفعل، وتحير في أمره بين أن ينتمي إلى نوزوز ويصير معه ~~على رأيه - وكان قد بعث إليه بألف دينار ودعاه إليه - وبين أن يقدم على ~~السلطان الملك المؤيد شيخ، فأشار عليه جل أصحابه بالانتماء إلى نوروز إلا ~~آق بلاط دواداره فإنه أشار عليه بالقدوم على السلطان، فسأله دمرداش عن ابن ~~أخيه قرقماس وعن تغري بردي فقال: قرقماس في ms2798 صفد وتغري بردي في غزة، وكان ~~ذلك بدسيسة دسها الملك المؤيد لآق بلاط المذكور، فمال عند ذلك دمرداش إلى ~~كلامه، وركب البحر حتى خرج من الطينة وقدم إلى القاهرة في أول شهر رمضان، ~~فأكرمه السلطان وخلع عليه. ولما قدم دمرداش إلى القاهرة وجد قرقماس بها ~~وتغري بردي بالصالحية، فندم على قدومه وقال لابن أخيه قرقماس: ما هذه ~~العملة؟ أنت تقول إنك بصفد فألقاك بمصر، فقال قرقماس: ومن أي شيء تخاف يا ~~عم؟ هذا يمكنه القبض علينا ومثل نوروز يخاصمه؟! إذا أمسكنا بمن يلقي نوروز ~~ويقاتله؟ والله ما أظنك إلا قد كبرت ولم يبق فيك بقية إلا لتعبئة العساكر ~~لا غير، فقال له دمرداش: سوف تنظر. واستمر دمرداش وقرقماس بالقاهرة إلى يوم ~~سابع شهر رمضان المذكور عين السلطان جماعة من الأمراء لكبس عربان الشرقية، ~~وهم: سودون القاضي، وقجقار القردمي، وآقبردي المنقار المؤيدي رأس نوبة، ~~ويشبك المؤيدي شاد الشراب خاناه، وأسر إليهم السلطان في الباطن بالتوجه إلى ~~تغري بردي المدعو سيدي الصغير ابن أخي دمرداش، والقبض عليه، وحمله مقيدا ~~إلى القاهرة، وكان تغري بردي المذكور نازلا بالصالحية، فساروا في ليلة ~~السبت ثامنه. وأصبح السلطان في آخر يوم السبت المذكور استدعى الأمراء للفطر ~~عنده، ومد لهم سماطا عظيما، فأكلوا معه وتبسطوا. فلما رفع السماط قام ~~السلطان من مجلسه إلى داخل، وأمر بالقبض على دمرداش المحمدي وعلى ابن أخيه ~~قرقماس وقيدهما وبعثهما من ليلته إلى الإسكندرية فسجنا بها. وبعد يوم حضر ~~الأمراء ومعهم تغري بردي سيدي الصغير مقيدا - وكان الملك يكرهه، فإنه لم ~~يزل في أيام عصيانه مباينا له - فحبسه بالبرج بقلعة الجبل، ثم سجد المؤيد ~~شكرا لله الذي ظفره بهؤلاء الثلاثة الذين كان. الملك الناصر فرج، عجز عنهم، ~~ثم قال: الآن بقيت سلطانا. وبقي تغري بردي المذكور مسجونا بالبرج إلى أن ~~قتل ذبحا في ليلة عيد الفطر، وقطعت رأسه وعلقت على الميدان. ثم خلع السلطان ~~على الأمير قاني باي المحمدي الأمير آخور باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن ~~نوروز الحافظي، وخلع على الأمير ms2799 ألطنبغا القرمشي المعزول عن نيابة صفد ~~باستقراره أمير آخور كبيرا عوضا عن قاني باي المذكور، وخلع على الأمير ~~إينال الصصلاني أمير مجلس باستقراره في نيابة حلب، وخلع على الأمير سودون ~~قراصقل باستقراره في نيابة غزة عوضا عن تغري بردي سيدي الصغير. ثم خلع ~~السلطان على قاضي القضاة ناصر الدين بن العديم الحنفي بعوده إلى قضاء ~~القضاة بالديار المصرية بعد موت قاضي القضاة صدر الدين علي بن الأدمي ~~الدمشقي. ثم في ثامن شوال خلع السلطان علي بدر الدين بن محب الدين المشير ~~باستقراره في نيابة الإسكندرية بعد عزل خليل التبريزي الدشاري. ~~PageV04P0010 # ثم عدى السلطان - في يوم الخميس ثالث ذي القعدة - إلى بر الجيزة إلى وسيم ~~حيث مربط خيوله، وأقام به إلى يوم الاثنين حادي عشرينه. وطلع إلى القلعة ~~ونصب جاليش السفر عن الطبلخاناه السلطانية، ليتوجه السلطان لقتال نوروز. ~~وأخذ السلطان في الاستعداد هو وأمراؤه وعساكره حتى خرج في آخر ذي القعدة ~~الأمير إينال الصصلاني نائب حلب وسودون قراصقل نائب غزة إلى الريدانية خارج ~~القاهرة، ثم خرج الأمير قاني باي المحمدي نائب الشام في يوم الخميس سادس ~~عشر ذي الحجة ونزل أيضا بالريدانية. وفي يوم الخميس المذكور خلع المستعين ~~بالله العباس من الخلافة واستقر فيها أخوه المعتضد داود، وقد تقدم ذكر ذلك ~~في ترجمة المستعين المذكور. ثم شرع السلطان في النفقة على المماليك ~~السلطانية لكل واحد مائة دينار ناصرية. ثم رحل قاني باي نائب الشام من ~~الريدانية. وفي ثامن عشرينه غضب السلطان على الوزير تاج الدين عبد الرزاق ~~بن الهيصم، وضربه وبالغ في إهانته، ثم رضي عنه وخلع عليه خلعة الرضى. ثم في ~~سابع عشرينه نصب خام السلطان بالريدانية. قال المقريزي رحمه الله: وفي هذا ~~الشهر قدم الأمير فخر الدين ابن أبي الفرج من بلاد الصعيد، في ثالث عشرينه، ~~بخيل وجمال وأبقار وأغنام كثيرة جدا، وقد جمع المال من الذهب وحلي النساء ~~مع السلاح والغلال، وغير ذلك من العبيد والإماء والحرائر اللاتي استرقهن. ~~ثم وهب منهن وباع باقيهن، وذلك أنه عمل في ms2800 بلاد الصعيد كما يعمل رؤوس ~~المناسر إذا هم هجموا ليلا على القرية وتمكنوا بها، فإنه كان ينزل ليلا ~~بالبلد فينهب جميع مافيها من غلال وحيوان، وسلب النساء حليهن وكسوتهن بحيث ~~لا يسير عنها لغيرها حتى يتركها عريانة، فخربت - بهذا الفعل - بلاد الصعيد ~~تخريبا يخشى من سوء عاقبته. فلما قدم إلى القاهرة شرع في رمي الأصناف ~~المذكورة على الناس من أهل المدينة وسكان الريف وذلك بأغلى الأثمان، ويحتاج ~~من ابتلي بشيء من ذلك أن يتكلف لأعوانه من الرسل ونحوهم شيئا كثيرا سوى ما ~~عليه من ثمن ما رمي عليه - انتهى كلام المقريزي. ثم إن السلطان الملك ~~المؤيد لما كان يوم الاثنين رابع محرم سنة سبع عشرة وثمانمائة ركب من قلعة ~~الجبل بأمرائه وعساكره بعد طلوع الفجر، وسار حتى نزل بمخيمه من الريدانية ~~خارج القاهرة من غير تطليب. ثم خرجت الأطلاب والعساكر في أثناء النهار بعد ~~أن خلع على الأمير ألطنبغا العثماني بنيابة الغيبة، وأنزله بباب السلسلة، ~~وجعل بقلعة الجبل برد بك قصقا، وجعل بباب الستارة من قلعة الجبل صوماي ~~الحسني، وجعل الحكم بين الناس للأمير قجق الشعباني حاجب الحجاب. ثم رحل ~~الأمير يلبغا الناصري أتابك العساكر جاليشا بمن معه من الأمراء في يوم ~~الجمعة ثامنه. ثم استقل السلطان ببقية عساكره من الريدانية في يوم السبت ~~تاسعه، وسار حتى نزل بغزة في يوم الثلاثاء تاسع عشر المحرم، وأقام بها ~~أياما إلى أن رحل منها في تاسع عشرينه. وسار على هينته حتى نزل على قبة ~~يلبغا خارج دمشق في يوم الأحد ثامن صفر من سنة سبع عشرة المذكورة. ولم يخرج ~~نوروز لقتاله، فحمد الله - المؤيد - على ذلك، وعلم ضعف أمره، فإنه لو كان ~~فيه قوة كان التقاه من أثناء طريقه. وكان سير الملك المؤيد على هينته حتى ~~يبلغ نوروز خبره ويطلع إليه فيلقاه في الفلا، فلما تأخر نوروز عن الطلوع ~~اطمأن الملك المؤيد لذلك وقوي بأسه. غير أن نوروز حصن مدينة دمشق وقلعتها ~~وتهيأ لقتاله، فأقام السلطان بقية يلبغا أياما، ثم رحل منها ms2801 ونزل بطرف ~~القبيبات. وكان السلطان في طول طريقه إلى دمشق يطلب موقعي أكابر أمرائه ~~خفية ويأمرهم أن يكتبوا على لسان مخاديمهم إلى نوروز أننا بأجمعنا معك، ~~وغرضنا كله عندك، ويكثر واحدهم، من الوقيعة في الملك المؤيد، ثم يقول في ~~الكتاب: وإنك لا تخرج من دمشق، وأقم مكانك، فإننا جميعا نفر من المؤيد ~~ونأتيك، ثم يضع من نفسه ويرفع أمر نوروز ويعد محاسنه ويذكر مساويء نفسه، ~~فمشى ذلك على نوروز وانخدع له، مع ما كان حسن له أيضا بعض أصحابه في عدم ~~الخروج والقتال، أرادوا بذلك ضجر الملك المؤيد وعوده إلى الديار المصرية ~~بغير طائل حتى يستفحل أمرهم بعوده، فكان مراد الله غير ما أرادوا. ~~PageV04P0011 # ثم أرسل السلطان الملك المؤيد قاضي القضاة مجد الدين سالم الحنبلي إلى ~~الأمير نوروز في طلب الصلح، فامتنع نوروز من ذلك وأبى إلا الحرب والقتال، ~~وكان ذلك أيضا خديعة من الملك المؤيد. وعندما نزل الملك المؤيد بطرف ~~القبيبات خرج إليه عساكر نوروز، فندب إليهم السلطان جماعة كبيرة من عسكره، ~~فخرجوا إليهم وقاتلوهم قتالا شديدا، فانكسر عسكر نوروز وعاد إلى دمشق. فركب ~~نوروز في الحال وطلع إلى قلعة دمشق وامتنع بها. فركب الملك المؤيد في سادس ~~عشرينه ونزل بالميدان يحاصر قلعة دمشق. ولما قيل للمؤيد إن نوروز طلع إلى ~~قلعة دمشق لم يحمل الناقل له على الصدق، وأرسل من يثق به، فعاد عليه الخبر ~~بطلوعه إليها. فعند ذلك تعجب غاية العجب، فسأله بعض خواصه عن ذلك فقال: ~~ماكنت أظن أن نوروز يطلع القلعة وينحصر فيها أبدا، لما سمعته منه لما دخل ~~الملك الناصر إلى قلعة دمشق، وهو أنه لما بلغنا أن الناصر دخل إلى قلعة ~~دمشق قال نوروز: ظفرنا به وعزة الله! فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: الشخص لا يدخل ~~القلعة ويمتنع بها إلا إذا كان خلفه نجدة، أو أخصامه لا يمكنهم محاصرته إلا ~~مدة يسيرة ثم يرحلون عنه، وهذا ليس له نجدة، ونحن لو أقمنا على حصاره سنين ~~لا نذهب إلا به فهو مأخوذ لا محالة. فبقي ms2802 هذا الكلام في ذهني، وتحققت أنه ~~متى حصل له خلل توجه إلى بلاد التركمان. ويتعبني أمره لعلمي به أنه لا يدخل ~~إلى القلعة - بعد ما سمعت منه ذلك - أبدا فأنساه الله ما قاله في حق ~~الناصر، وحسن بباله الامتناع بالقلعة حتى طلعها، فلهذا تعجبت. وأخذ المؤيد ~~في محاصرته، واستدام الحرب بينهم أياما كثيرة في كل يوم حتى قتل من ~~الطائفتين خلائق. فلما طال الأمر في القتال، أخذ أمر الأمير نوروز في ~~إدبار، وصار أمر الملك المؤيد في استظهار. فلما وقع ذلك وطال القتال على ~~النوروزية سئموا من القتال، وشرعوا يسمعون نوروز الكلام الخشن،.وهدمت ~~المؤيدية طارمة دمشق،.كل ذلك والقتال عمال في كل يوم ليلا ونهارا والرمي ~~مستدام من القلعة بالمناجيق ومكاحل النفط. وطال الأمر على الأمير نوروز حتى ~~أرسل الأمير قمش إلى الملك المؤيد في طلب الصلح، وترددت الرسل بينهم غير ~~مرة حتى انبرم الصلح بينهم بعد أن حلف الملك المؤيد لنوروز بالأيمان ~~المغلظة. وكان الذي تولى تحليف الملك المؤيد كاتب سره القاضي ناصر الدين ~~محمد بن البارزي. حكى لي القاضي كمال الدين ابن القاضي ناصر الدين محمد بن ~~البارزي كاتب السر الشريف من لفظه - رحمه الله - قال: قال لي الوالد: أخذت ~~في تحليف الملك المؤيد بحضرة رسل الأمير نوروز، والقضاة قد حضروا أيضا، ~~فشرعت ألحن في اليمين عامدا في عدة كلمات حتى خرج معنى اليمين عن مقصود ~~نوروز، فالتفت القاضي ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي - وكان فيه خفة - ~~وقال للقاضي الشافعي: كأن القاضي ناصر الدين بن البارزي ليس له ممارسة ~~بالعربية والنحو، فإنه يلحن لحنا فاحشا، فسكته البلقيني لوقته. قلت: وكان ~~هذا اليمين بحضرة جماعة من فقهاء الترك من أصحاب نوروز، فلم يفطن أحد منهم ~~لذلك لعدم ممارستهم لهذه العلوم، وإنما جل مقصود الواحد منهم أن، يقرأ ~~مقدمة في الفقه ويحلها على شيخ من الفقهاء أهل الفروع، فعند ذلك يقول: أنا ~~صرت فقيها! وليته يسكت بعد ذلك، ولكنه يعيب أيضا على ما عدا الفقه من ~~العلوم، فهذا هو الجهل ms2803 بعينه - انتهى. PageV04P0012 # ثم عادت رسل نوروز إليه بصورة الحلف، فقرأه عليه بعض من عنده من الفقهاء ~~من تلك المقولة، وعرفه أن هذا اليمين ما بعده شيء، فاطمأن لذلك. ونزل من ~~قلعة دمشق بمن معه من الأمراء والأعيان في يوم حادي عشرين ربيع الآخر بعد ~~ما قاتل الملك المؤيد نحوا من خمسة وعشرين يوما أو أزيد، ومشى حتى دخل على ~~الملك المؤيد. فلما رآه الملك المؤيد قام له، فعند ذلك قبل نوروز الأرض، ~~وأراد أن يقبل يده فمنعه الملك المؤيد من ذلك. وقعد الأمير نوروز بإزائه، ~~وتحته أصحابه من الأمراء، وهم: الأمير يشبك بن أزدمر، وطوخ، وقمش، وبرسبغا، ~~وإينال الرجبي وغيرهم، والمجلس مشحون بالأمراء والقضاة والعساكر السلطانية. ~~فقال القضاة: والله هذا يوم مبارك بالصلح وبحقن الدماء بين المسلمين، فقال ~~القاضي ناصر الدين بن البارزي كاتب السر: نهار مبارك لو تم ذلك، فقال الملك ~~المؤيد: ولم لا يتم وقد حلفنا له وحلف لنا؟ فقال القاضي ناصر الدين للقضاة: ~~يا قضاة، هل صح يمين السلطان؟ فقال قاضي القضاة جلال الدين البلقيني: لا ~~والله لم يصادف غرض المحلف. فعند ذلك أمر الملك المؤيد بالقبض على الأمير ~~نوروز ورفقته، فقبض في الحال على الجميع، وقيدوا وسجنوا بمكان من الإسطبل ~~إلى أن قتل الأمير نوروز من ليلته، وحملت رأسه إلى الديار المصرية على يد ~~الأمير جرباش، فوصلت القاهرة في يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، وعلقت على ~~باب زويلة، ودقت البشائر، وزينت القاهرة لذلك. ثم أخذ الملك المؤيد في ~~إصلاح أمر مدينة دمشق، ومهد أحوالها. ثم خرج منها في ثامن جمادى الأولى ~~يريد حلب حتى قدمها بعساكره، وأقام بها إلى آخر الشهر المذكور. ثم سار منها ~~في أول جمادى الأخرة إلى أبلستين، ودخل إلى ملطية واستناب بها الأمير كزل. ~~ثم عاد إلى حلب، وخلع على نائبها الأمير إينال الصصلاني باستمراره. ثم خلع ~~على الأمير تنبك البجاسي باستقراره في نيابة حماة، وعلى الأمير سودون من ~~عبد الرحمن باستقراره في نيابة طرابلس، وعلى الأمير جانبك الحمزاوي بنيابة ~~قلعة الروم ms2804 بعد ما قتل نائبها الأمير طوغان. ثم خرج السلطان من حلب، وعاد ~~إلى دمشق، فقدمها في ثالث شهر رجب، وخلع على نائبها الأمير قاني باي ~~المحمدي باستمراره. ثم خرج السلطان من دمشق بأمرائه وعساكره في أول شعبان ~~بعد ما مهد أمور البلاد الشامية، ووطن التركمان والعربان وخلع عليهم، وسار ~~حتى دخل القدس في ثاني عشر شعبان فزاره. ثم خرج منه وتوجه إلى غزة حتى ~~قدمها، وخلع على الأمير طرباي الطاهري بنيابة غزة. ثم خرج منها عائدا إلى ~~الديار المصرية حتى نزل على خانقاه سرياقوس يوم الخميس رابع عشرين شعبان، ~~فأقام هناك بقية الشهر، وعمل بها أوقاتا طيبة، وأنعم فيها على الفقهاء ~~والصوفية بمال جزيل؟ وكان يحضر السماع بنفسه، وتقوم الصوفية تتراقص وتتواجد ~~بين يديه، والقوال يقول وهو يسمعه ويكرر منه ما يعجبه من الأشعار الرقيقة. ~~ودخل حمام الخانقاه المذكورة غير مرة. وخرج الناس لتلقيه إلى خانقاه ~~سرياقوس المذكورة حتى صار طريقها في تلك الأيام كالشارع الأعظم، لممر الناس ~~فيه ليلا ونهارا. ودام السلطان هناك إلى يوم سلخ شعبان: ركب من الخانقاه ~~بخواصه، وسار حتى نزل بالريدانية تجاه مسجد التبن، وبات حتى أصبح في يوم ~~الخميس أول شهر رمضان: ركب وسار إلى القلعة حتى طلع إليها، فكان لقدومه ~~القاهرة يوم مشهود، ودقت البشائر لوصوله. وعندما استقر به الجلوس انتقض ~~عليه ألم رجليه من ضربان المفاصل، ولزم الفراش، وانقطع بداخل الدور ~~السلطانية من القلعة. ثم أخرج السلطان في ثامن شهر رمضان الأمير جرباش ~~كباشة بطالا إلى القدس الشريف، ورسم أيضا بإخراج الأمير أرغون من بشبغا ~~أمير آخور - كان - في الدولة الناصرية إلى القدس بطالا. ثم خلع السلطان على ~~الأمير ألطنبغا العثماني باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد موت ~~الأمير يلبغا الناصري. ثم نصل السلطان من مرضه، وركب من قلعة الجبل يوم ~~عاشر شهر رمضان، وشق القاهرة، ثم عاد إلى القلعة، ورسم بهدم الزينة - وكان ~~ركوبه لرؤيتها - فهدمت. PageV04P0013 # ثم في ثاني عشره أمسك الأمير قجق الشعباني حاجب الحجاب، والأمير بيبغا ~~المظفري، والأمير تمان ms2805 تمر أرق، وقيدوا وحملوا إلى ثغر الإسكندرية فحبسوا ~~بها، والثلاثة جنسهم تتر، وسفرهم الأمير صوماي الحسني. وبعد أن توجه بهم ~~صوماي المذكور إلى الإسكندرية كتب باستقراره في نيابتها، وعزل بدر الدين بن ~~محب الدين عنها. ثم خلع السلطان على سودون القاضي باستقراره حاجب الحجاب ~~بديار مصر عوضا عن قجق الشعباني، وعلى الأمير قجقار القردمي باستقراره أمير ~~مجلس عوضا عن بيبغا المظفري، وعلى الأمير جاني بك الصوفي رأس نوبة النوب ~~استقراره أمير سلاح بعد موت شاهين الأفرم، وخلع على الأمير كزل العجمي حاجب ~~الحجاب - كان - في دولة الملك الناصر باستقراره أمير جاندار عوضا عن الأمير ~~جرباش كباشة، ثم خلع على الأمير تنبك العلائي الظاهري المعروف بميق ~~استقراره رأس نوبة النوب عوضا عن جانبك الصوفي، وخلع على الأمير آقباي ~~المؤيدي الخازندار باستقراره دوادارا كبيرا بعد موت الأمير جانبك المؤيدي. ~~ثم أعيد ابن محب الدين المعزول عن نيابة الإسكندرية إلى وظيفة الأستادارية ~~في يوم الاثنين سادس عشرين شهر رمضان بعد فرار فخر الدين عبد الغني بن أبي ~~الفرج إلى بغداد. وخبر فخر الدين المذكور أنه لما خرج من الديار المصرية ~~إلى البلاد الشامية صحبة السلطان، ووصل إلى حماة، داخله الخوف من السلطان، ~~فهرب في أوائل شهر رجب إلى جهة بغداد، فسد ناظر ديوان المفرد تقي الدين عبد ~~الوهاب بن أبي شاكر الأستادارية في هذه المدة إلى أن ولي ابن محب الدين. ~~وفي شهر رمضان المذكور أفرج السلطان عن الأمير كمشبغا العيساوي من سجن ~~الإسكندرية، وقدم القاهرة، ونقل الأمير سودون الأسندمري، والأمير قصروه من ~~تمراز، والأمير شاهين الزردكاش، والأمير كمشبغا الفيسي إلى ثغر دمياط. وفي ~~أواخر ذي الحجة قدم مبشر الحاج وأخبر بأن الأمير جقمق الأرغون شاوي ~~الدوادار الثاني أمير الحاج وقع بينه وبين أشراف مكة وقعة في خامس ذي ~~الحجة. وخبر ذلك أن جقمق المذكور ضرب أحد عبيد مكة وحبسه، لكونه يحمل ~~السلاح في الحرم الشريف، وكان قد منع من ذلك، فثارت بسبب ذلك فتنة انتهك ~~فيها حرمة المسجد الحرام، ودخلت الخيل إليه ms2806 عليها المقاتلة من قواد مكة ~~لحرب الأمير جقمق وأدخل جقمق أيضا خيله إلى المسجد الحرام، فباتت به تروث، ~~وأوقد مشاعله بالحرم، وأمر بتسمير أبواب الحرم فسمرت كلها إلا ثلاثة أبواب ~~ليمتنع من يأتيه. فمشت الناس بينهم في الصلح، وأطلق جقمق المضروب، فسكتت ~~الفتنة من الغد بعدما قتل جماعة، ولم يحج أكثر أهل مكة في هذه السنة من ~~الخوف. ثم قدم الخبر أيضا على الملك المؤيد في هذا الشهر بأن الأمير يغمور ~~بن بهادر الدكري من أمراء التركمان، مات هو وولده في يوم واحد بالطاعون في ~~أول ذي القعدة، وأن قرا يوسف بن قرا محمد صاحب العراق انعقد بينه وبين ~~القان شاه رخ بن تيمورلنك صلح، وتصاهرا، فشق ذلك على الملك المؤيد. وفي ~~أثناء ذلك قدم عليه الخبر بأن الأمير محمد بن عثمان صاحب الروم كانت بينه ~~وبين محمد بك بن قرمان وقعة عظيمة انهزم فيها ابن قرمان ونجا بنفسه. كل ذلك ~~والسلطان في سرحة البحيرة بتروجة إلى أن قدم إلى الديار المصرية في يوم ~~الخميس ثاني المحرم من سنة ثماني عشره وثمانمائة بعدما قرر على من قابله من ~~مشايخ البحيرة أربعين ألف دينار، وكانت مدة غيبة السلطان بالبحيرة ستين ~~يوما. ثم في عاشر المحرم أفرج السلطان عن الأمير بيبغا المظفري أمير مجلس، ~~وتمان تمر أرق اليوسفي من سجن الإسكندرية. ثم قد كتاب فخر الدين بن أبي ~~الفرج من بغداد أنه مقيم من بالمدرسة المستنصرية، وسأل العفو عنه فأجيب إلى ~~ذلك، وكتب له أمان. ثم أمر السلطان بقتل الأمراء الذين بسجن الإسكندرية، ~~فقتلوا بأجمعهم في يوم السبت ، عشر المحرم، وهم: الأتابك دمرداش المحمدي ~~بعد أن قتل ابن أخيه، قرقماس بمدة، والأمير طوغان الحسني الدوادار، والأمير ~~سودون تلي المحمدي، والأمير أسنبغا الزردكاش والجميع معدودون من الملوك، ~~وأقيم عزاؤهم بالقاهرة يوم خامس عشرينه، فكان ذلك اليوم من الأيام المهولة ~~من مرور الجواري المسبيات الحاسرات بشوارع القاهرة، ومعهم الملاهي والدفوف. ~~هذا وقد ابتدأ الطاعون بالقاهرة. PageV04P0014 # ثم في ثامن صفر ركب السلطان من قلعة الجبل ms2807 وسار إلى نحو منية مطر، ~~المعروفة الآن بالمطرية خارج القاهرة، وعاد إلى القاهرة من باب النصر، ونزل ~~بالمدرسة الناصرية المعروفة الآن بالجمالية برحبة باب العيد، ثم ركب منها ~~وعبر إلى بيت الأستادار بدر الدين بن محب الدين فأكل عنده السماط، ومضى إلى ~~قلعة الجبل. وفي ثامن عشر صفر خلع على القاضي علاء الدين علي بن محمود بن ~~أبي بكر بن مغلي الحنبلي الحموي باستقراره قاضي قضاة الحنابلة بالديار ~~المصرية، بعد عزل قاضي القضاة مجد الدين سالم. وفي يوم السبت عاشر صفر ~~المذكور ابتدأ السلطان بعمل السد بين الجامع الجديد الناصري وبين جزيرة ~~الروضة، وندب لحفره الأمير كزل العجمي الأجرود أمير جاندار، فنزل كزل ~~المذكور وعلق مائة وخمسين رأسا من البقر لتجرف الرمال، وعملت أياما. ثم ندب ~~السلطان الأمير سودون القاضي حاجب الحجاب لهذا العمل، فنزل هو أيضا واهتم ~~غاية الاهتمام، ودام العمل بقية صفر وشهر ربيع الأول. وفيه أمر السلطان ~~بمسك شاهين الأيد كاري حاجب حلب، فأمسك وسجن بقلعة حلب. وفيه خلع السلطان ~~على الأمير طوغان أمير آخور الملك المؤيد أيام إمرته باستقراره في نيابة ~~صفد، وحمل له التشريف بنيابة صفد يشبك الخاصكي. وفيه قدم كتاب الأمير إينال ~~الصصلاني نائب حلب يخبر أن أحمد بن رمضان أخذ مدينة طرطوس عنوة في ثالث عشر ~~المحرم من هذه السنة بعد أن حاصرها سبعة أشهر، وأنه سلمها إلى ابنه إبراهيم ~~بعد ما نهبها وسبى أهلها. وقد كانت طرسوس من نحو اثنتي عشرة سنة يخطب بها ~~لتيمور، فأعاد ابن رمضان الخطبة بها باسم السلطان. وأما الحفير فإنه مستمر، ~~وسودون القاضي يستحث. العمال فيه، إلى أن كان أول شهر ربيع الآخر فركب ~~السلطان الملك المؤيد من قلعة الجبل في أمرائه وسائر خواصه، وسار إلى حيث ~~العمل، فنزل هناك في خيمة نصبت له بين الروضة ومصر. ونودي بخروج الناس ~~للعمل في الحفير المذكور، وكتبت حوانيت الأسواق، فخرج الناس طوائف طوائف مع ~~كل طائفة الطبول والزمور، وأقبلوا إلى العمل، ونقلوا التراب والرمل من غير ~~أن يكلف أحد ms2808 منهم فوق طاقته. ثم رسم السلطان لجميع العساكر من الأمراء ~~والخاصكية ولجميع أرباب الدولة وأتباعهم فعملوا. ثم ركب السلطان بعد عصر ~~اليوم المذكور ووقف حتى فرض على كل من الأمراء حفر قطعة عينها له، ثم عاد ~~إلى القلعة بعد أن مد هناك أسمطة جليلة وحلوات وفواكه كثيرة. واستمر العمل ~~والنداء في كل يوم لأهل الأسواق وغيرهم للعمل في الحفر. ثم ركب الأمير ~~ألطنبغا القرمشي الأمير آخور الكبير ومعه جميع مماليكه وعامة أهل الإسطبل ~~السلطاني وصوفية المدرسة الظاهرية البرقوقية وأرباب وظائفها، لكونهم تحت ~~نظره، ومضوا بأجمعهم إلى العمل في الحفر المذكور فعملوا فيه، وقد اجتمع ~~هناك خلائق لا تحصى، للفرجة، من الرجال والنساء والصبيان. وتولى ألطنبغا ~~القرمشي القيام بما فرض عليه حفره بنفسه، فدام في العمل طول نهاره. ثم في ~~عاشره جمع الأمير الكبير ألطنبغا العثماني جميع مماليكه ومن يلوذ به وألزم ~~كل من هو ساكن في البيوت والدكاكين الجارية في وقف البيمارستان المنصوري ~~بأن يخرجوا معه - من أنهم تحت نظره - وأخرج معه أيضا جميع أرباب وظائف ~~البيمارستان المذكور، ثم أخرج سكان جزيرة الفيل - فإنها في وقف البيمارستان ~~- وتوجه بهم الجميع إلى العمل في الحفير، وعمل نهاره فيما فرض عليه حفره. ~~ثم وقع ذلك لجميع الأمراء واحدا بعد واحد، وتتابعوا في العمل وكل أمير يأخذ ~~معه جميع جيرانه ومن يقرب سكنه من داره، فلم يبق أحد من العوام إلا وخرج ~~لهذا العمل. PageV04P0015 # ثم خرج علم الدين داود بن الكويز ناظر الجيش، والصاحب بحر الدين حسن بن ~~نصر الله ناظر الخاص، وبدر الدين حسن بن محب الدين الأستادار، ومع كل منهم ~~طائفة من أهل القاهرة وجميع غلمانه وأتباعه ومن يلوذ به وينتسب إليه. ثم ~~أخرج والي القاهرة جميع اليهود والنصارى. وكثر النداء في كل يوم بالقاهرة ~~على أصناف الناس بخروجهم للعمل. ثم خرج القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي ~~كاتب السر الشريف ومعه جميع مماليكه وحواشيه وغلمانه، وأخرج معه البريدية ~~والموقعين بأتباعهم، فعملوا نهارهم. هذا والمنادي ينادي في كل يوم على ~~العامة ms2809 بالعمل، فخرجوا وخلت أسواق القاهرة وظواهرها من الباعة، وغلقت ~~القياسر، والمنادي ينادي في كل يوم بالتهديد لمن تأخر عن الحفر، حتى إنه ~~نودي في بعض الأيام: من فتح دكانا شنق، فتوقفت أحوال الناس. وفي هذه الأيام ~~خلع السلطان على الأمير بيبغا المظفري باستقراره أتابك دمشق، وخلع على ~~جرباش كباشة باستقراره حاجب حجاب حلب، وكلاهما كان قدم من سجن الإسكندرية ~~قبل تاريخه. وفيه أيضا نقل الأمير طوغان أمير آخور المؤيد من نيابة صفد إلى ~~حجوبية دمشق عوضا عن الأمير خليل التبريزي الدشاري، ونقل خليل المذكور إلى ~~نيابة صفد عوضا عن طوغان المذكور، وحمل له التقليد والتشريف الأمير إينال ~~الشيخي الأرغزي. واستهل جمادى الأولى والناس في جهد وبلاء من العمل في ~~الحفر، حتى إن المقام الصارمي إبراهيم ابن السلطان الملك المؤيد نزل من ~~القلعة في يوم سابعه ومعه جميع مماليكه وحواشيه وأتباعه، وتوجه حتى عمل في ~~الحفر بنفسه، وصنفت العامة في هذا الحفير غناء كثيرا وعدق بلاليق وبينما ~~الناس في العمل أدركتهم زيادة النيل. وكان هذا الحفير وعمل الجسم ليمنع ~~الماء من المرور تحت الجزيرة الوسطى، ويجري من تحت المنشية من على موردة ~~الجبس بحري جزيرة الوسطى كما كان قديما في الزمان الماضي، فأبى الله سبحانه ~~وتعالى إلا ما أراده على ما سنذكره في محله. ثم في اليوم المذكور، أعنى ~~سابع جمادى الأولى، خلع السلطان على الأمير الكبير ألطنبغا العثماني ~~باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن قاني باي المحمدي - وكان بلغ السلطان عن ~~جميع النواب بالبلاد الشامية أنهم في عزم الخروج عن الطاعة فلم يظهر لذلك ~~أثر - وأرسل الأمير جلبان أمير آخور بطلب قاني باي المذكور من دمشق ليستقر ~~أتابكا بالديار المصرية عوضا عن ألطنبغا العثماني، وانتظر السلطان ما يأتي ~~به الجواب. ثم خلع السلطان على الأمير آقبردي المؤيدي المنقار باستقراره في ~~نيابة الإسكندرية عوضا عن صوماي الحسني. ثم في جمادى الآخرة من هذه السنة ~~حفر أساس الجامع المؤيدي داخل باب زويلة. وكان أصل موضع الجامع المذكور - ~~أعني موضع باب الجامع والشبابيك ms2810 وموضع المحراب - قيسارية الأمير سنقر ~~الأشقر المقدم ذكره في ترجمة الملك المنصور قلاوون، وكانت مقابلة لقيسارية ~~الفاضل وحمامه، فاستبدلها الملك المؤيد وأخذ، ثم أخذ خزانة شمائل ودورا ~~وحارات وقاعات. كثيرة تخرج عن الحد، حتى أضر ذلك بحال جماعة كثيرة، وشرع في ~~هدم الجميع من شهر ربيع الأول إلى يوم تاريخه حتى رمي الأساس، وشرعوا في ~~بنائها. وتهيأ الأمير ألطنبغا العثماني حتى خرج من القاهرة قاصدا محل ~~كفالته بدمشق في سادس جمادى الآخرة، ونزل بالريدانية خارج القاهرة، فقدم ~~الخبر على السلطان بخروج قاني باي نائب الشام عن الطاعة، وأنه سوف برسول ~~السلطان من يوم إلى يوم إلى أن تهيأ وركب وقاتل أمراء دمشق وهزمهم إلى صفد، ~~وملك دمشق - حسبما نذكره بعد ذكر عصيان النواب - فعظم ذلك على الملك ~~المؤيد. ثم في أثناء ذلك ورد الخبر بخروج الأمير طرباي نائب غزة عن الطاعة ~~وتوجهه إلى الأمير قاني باي المحمدي نائب دمشق، فعند ذلك ندب السلطان ~~الأمير يشبك المؤيدي المشد ومعه مائة مملوك من المماليك السلطانية، وبعثه ~~نجدة للأمير ألطنبغا العثماني. ثم ورد الخبر ثالثا بعصيان الأمير تنبك ~~البجاسي نائب حماة وموافقته لقاني باي المذكور، وكذلك الأمير إينال ~~الصصلاني نائب حلب ومعه جماعة من أعيان أمراء حلب. ثم ورد الخبر أيضا ~~بعصيان الأمير سودون من عبد الرحمن نائب طرابلس والأمير جانبك الحمزاوي ~~نائب قلعة الروم. ولما بلغ الملك المؤيد هذا الخبر استعد للخروج إلى قتالهم ~~بنفسه. PageV04P0016 # وأما أمر الحفر والجسر الذي عمل فإنه لما قويت زيادة النيل وتراكمت عليه ~~الأمواج خرق منه جانبا ثم أتى على جميعه وأخذه كأنه لم يكن، وراح تعب الناس ~~وما فعلوه من غير طائل. وأما ما وعدنا بذكره من أمر قاني باي المحمدي نائب ~~دمشق: فإنه لما توجه إليه الأمير جلبان أمير آخور بطلبه أظهر الامتثال وأخذ ~~ينقل حريمه إلى بيت أستاداره غرس الدين خليل، ثم طلع بنفسه إلى البيت ~~المذكور وهو بطرف القبيبات على أنه متوجه إلى مصر. فلما كان في سادس جمادى ~~الآخرة ركب الأمير بيبغا ms2811 المظفري أتابك دمشق، وناصر الدين محمد بن إبراهيم ~~بن منجك، وجلبان الأمير آخور المقدم ذكره وأرغون شاه، ويشبك الأيتمشي في ~~جماعة أخر من أمراء دمشق يسيرون بسوق خيل دمشق، فبلغهم أن يلبغا كماج كاشف ~~القبلية حضر في عسكر إلى قريب داريا ، وأن خلفه من جماعته طائفة كبيرة، وأن ~~قاني باي خرج إليه وتحالفا على العصيان، ثم عاد قاني باي إلى بيت غرس الدين ~~المذكور. فاستعد مذكورون ولبسوا آلة الحرب، ونادوا لأجناد دمشق وأمرائها ~~بالحضور، وزحفوا إلى نحو - قاني باي. فخرج إليهم قاني باي بمماليكه وبمن ~~انضم معه من أصاغر الأمراء وقاتلهم من بكرة النهار إلى العصر حتى هزمهم، ~~ومروا على وجوههم إلى جهة صفد. ودخل قاني باي وملك مدينة دمشق، ونزل بدار ~~العدل من باب جابية، ورمى على القلعة بالمدافع، وأحرق جملون دار السعادة، ~~فرماه أيضا من القلعة بالمناجيق والمدافع، فانتقل إلى خان السلطان وبات ~~بمخيمه وهو يحاصر القلعة. ثم أتاه النواب المقدم ذكرهم، فنزل تنبك البجاسي ~~نائب حماة على باب الفرج، ونزل طرباي نائب غزة على باب آخر، ونزل على باب ~~جديد تنبك دوادار قاني باي، وداموا على ذلك مدة، وهم يستعدون. وقد ترك قاني ~~باي، أمر القلعة إلى أن بلغه وصول العسكر وسار هو والأمراء من دمشق. وكان ~~الأمير ألطنبغا العثماني بمن معه من أمراء دمشق والعشير والعربان نائب صفد ~~قد توجه من بلاد المرج إلى جرود ، فجد العسكر في السير حتى وافوا الأمير ~~قاني باي قد رحل من برزة ، فنزلوا هم على برزة، وتقدم منهم طائفة فأخذوا من ~~ساقته أغناما وغيرها، وتقاتلوا مع أطراف قاني باي، فجرح الأمير أحمد بن تنم ~~صهر الملك المؤيد في يده بنشابة أصابته، وجرح معه جماعة أخر، ثم عادوا إلى ~~ألطنبغا العثماني. وسار قاني باي حتى نزل بسلمية في سلخه، ثم رحل إلى حماة، ~~ثم رحل منها واجتمع بالأمير إينال الصصلاني نائب حلب، واتفقوا جميعا على ~~التوجه إلى جهة العمق لما بلغهم قدوم السلطان الملك المؤيد لقتالهم. وسيروا ~~أثقالهم، فنادى نائب قلعة ms2812 حلب بالنفير العام، فأتاه جل أهل حلب، ونزل هو ~~بمن عنده من العسكر الحلبي وقاتل إينال وعساكره فلم يثبتوا، وخرج قاني باي ~~وإينال إلى خان طومان، وتخطف العامة بعض أثقالهم، وأقاموا هناك إلى أن ~~قاتلوا الملك المؤيد حسبما يأتي ذكره. وأما السلطان الملك المؤيد فإنه لما ~~كان ثاني عشرين جمادى الآخرة خلع على الأمير مشترك القاسمي الظاهري ~~باستقراره في نيابة غزة عوضا عن طرباي. ثم في سابع عشرينه خلع على الأمير ~~ألطنبغا القرمشي الأمير آخور باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا ~~عن ألطنبغا العثماني نائب دمشق. ثم في سلخه خلع على الأمير تنبك العلائي ~~الظاهري المعروف بميق رأس نوبة النوب باستقراره أمير آخور عوضا عن ألطنبغا ~~القرمشي. ثم في رابع شهر رجب خلع السلطان على سودون القاضي حاجب الحجاب ~~باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن تنبك ميق، وخلع على سودون قراصقل واستقر ~~حاجب الحجاب عوضا عن سودون القاضي. وفي حادي عشرة سار الأمير آقباي المؤيدي ~~الدوادار على مائتي مملوك نجدة ثانية لنائب الشام ألطنبغا العثماني. وفي ~~ذلك اليوم دار المحمل على العادة في كل سنة. ثم في يوم ثاني عشر شهر رجب ~~المذكور قدم الأمير ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن منجك من دمشق فارا من ~~قاني باي نائب الشام، فارتجت القاهرة بسفر السلطان إلى البلاد الشامية، ~~وعظم الاهتمام للسفر. PageV04P0017 # ثم في رابع عشرة أمسك السلطان الأمير جانبك الصوفي أمير سلاح وقيده وسجنه ~~بالبرج بقلعة الجبل. ثم رسم السلطان للأمراء بالتأهب للسفر، وأخذ في عرض ~~المماليك السلطانية وتعيين من يختاره للسفر، فعين من المماليك السلطانية ~~مقدار النصف منهم، فإنه أراد السفر مخفا لأن الوقت كان فصل الشتاء والديار ~~المصرية مغلية الأسعار إلى الغاية. ثم في ثامن عشره أنفق السلطان نفقات ~~السفر، وأعطى كل مملوك ثلاثين دينارا إفرنتية، وتسعين نصفا فضة مؤيدية ، ~~وفرق عليهم الجمال. ثم في تاسع عشره أمسك السلطان، الوزير تاج الدين عبد ~~الرزاق بن الهيصم وضربه بالمقارع، وأحيط بحاشيته وأتباعه وألزمه بحمل مال ~~كثير. ثم في حادي عشرينه ms2813 خلع السلطان على علم الدين أبي كم باستقراره في ~~وظيفة نظر الدولة ليسد مهمات الدولة مدة غيبة السلطان ثم في يوم الجمعة ~~ثاني عشرين شهر رجب المذكور ركب السلطان بعد صلاة الجمعة من قلعة الجبل ~~بأمرائه وعساكره المعينين صحبته للسفر حتى نزل بمخيمه بالريدانية خارج ~~القاهرة، وخلع على الأمير ططر واستقر به نائب الغيبة بديار مصر وأنزله بباب ~~السلسلة، وخلع على الأمير سودون قراصقل حاجب الحجاب وجعله مقيما بالقاهرة ~~للحكم بين الناس، وخلع على الأمير قطلوبغا التنمي وأنزله بقلعة الجبل. وبات ~~السلطان تلك الليلة بالريدانية، وسافر من الغد يريد البلاد الشامية، ومعه ~~الخليفة وقاضي القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي لا غير. وسار ~~السلطان حتى وصل إلى غزة في تاسع عشرين شهر رجب المذكور،وسار منها في ~~نهاره. وكان قد خرج الأمير قاني باي من دمشق في سابع عشرينه حسبما ذكرناه، ~~ودخل الأمير ألطنبغا العثماني إلى دمشق في ثاني شعبان، وقرئ تقليده، وكان ~~لدخوله دمشق يوما مشهودا. وسار السلطان مجدا من غزة حتى دخل دمشق في يوم ~~الجمعة سادس شعبان ثم خرج من دمشق بعد يومين في أثر القوم، وقدم بين يديه ~~الأمير آقباي الدوادار في عسكر من الأمراء وغيرهم كالجاليش، فسار آقباي ~~المذكور أمام السلطان والسلطان خلفه إلى أن وصل آقباي قريبا من تل السلطان، ~~ونزل السلطان على سرمين، وقد أجهدهم التعب من قوة السير وشدة البرد. فلما ~~بلغ قاني باي وإينال الصصلاني وغيرهما من الأمراء مجيء آقباي، خرجوا إليه ~~بمن معهم من العساكر، ولقوا آقباي بمن معه من الأمراء والعساكر وقاتلوه، ~~فثبت لهم ساعة ثم انهزم أقبح هزيمة، وقبضوا عليه وعلى الأمير برسباي ~~الدقماقي - أعني الملك الأشرف الآتي ذكره - وعلى الأمير طوغان دوادار ~~الوالد، وهو أحد مقدمي الألوف بدمشق، وعلى جماعة كبيرة، وتمزقت عساكرهم ~~وانتهبت. وأتى خبر كسرة الأمير آقباي للسلطان فتخوف وهم بالرجوع إلى دمشق ~~وجبن عن ملاقاتهم، لقلة عساكره، حتى شجعه بعض الأمراء أرباب الدولة، وهونوا ~~عليه أمر القوم، فركب بعساكره من سرمين، وأدركهم وقد استفحل ms2814 أمرهم، فعندما ~~سمعوا بمجيء السلطان انهزموا ولم يثبتوا، وولوا الأدبار غير قتال، خذلانا ~~من الله تعالى لأمر سبق. فعند ذلك اقتحم السلطانية عساكر قاني باي، وقبض ~~على الأمير إينال الصصلاني نائب حلب، وعلى الأمير تمان تمر اليوسفي المعروف ~~بأرق أتابك حلب، وعلى الأمير جرباش كباشة حاجب حجاب حلب، وفر قاني باي ~~واختفى. أما سودون من عبد الرحمن نائب طرابلس، وتنبك البجاسي نائب حماة، ~~طرباي نائب غزة، وجانبك الحمزاوي نائب قلعة الروم، والأمير موسى الكركري ~~أتابك طرابلس وغيرهم فقد، ساروا على حمية إلى جهة الشرق قاصدين قرا يوسف ~~صاحب بغداد وتبريز. PageV04P0018 # ثم ركب الملك المؤيد ودخل إلى حلب في يوم الخميس رابع عشر شهر رجب وظفر ~~بقاني باي في اليوم الثالث من الوقعة، فقيده ثم طلبهم الجميع، فلما مثلوا ~~بين يدي السلطان قال لهم السلطان: قد وقع ما وقع! فالآن أصدقوني: من كان ~~اتفق معكم من الأمراء؟ فشرع قاني باي يعد جماعة، فنهره إينال الصصلاني ~~وقال: يكذب يا مولانا السلطان! أنا أكبر أصحابه فلم يذكر لي واحدا من هؤلاء ~~في مدة هذه الأيام وكان يمكنه أنه يكذب علي وعلى غيري بأن له جماعة من ~~المصريين ليقوي بذلك قلوب أصحابه، فلم يذكر لنا شيئا من ذلك، فكل ما قاله ~~في حق الأمراء زور وبهتان،. ثم التفت إينال إلى قاني باي وقال له: بتنميق ~~كذبك تريد تخلص من سيف هذا! هيهات! ليس هذا ممن يعفو عن الذنب،. ثم تكلم ~~إينال المذكور بكلام طويل مع السلطان معناه أننا خرجنا عليك نريد قتلك، ~~فافعل الآن ما بدا لك. فعند ذلك أمر بهم الملك المؤيد، فردوا إلى أماكنهم ~~وقتلوا - من يومهم - الأربعة: قاني باي، وإينال، وتمان تمر أرق، وجرباش ~~كباشه، وحملت رؤوسهم إلى الديار المصرية على يد الأمير يشبك شاد ~~الشرابخاناه، فرفعوا على الرماح ونودي عليهم بالقاهرة: هذا جزاء من خامر ~~على السلطان، وأطاع الشيطان، وعصى الرحمن. ثم علقوا على باب زويلة أياما، ~~ثم حملوا إلى الإسكندرية فطيف بهم أيضا هناك، ثم أعيدت الرؤوس إلى القاهرة ms2815 ~~وسلمت إلى أهاليها. ثم خلع السلطان على الأمير آقباي المؤيدي الدوادار ~~بنيابة حلب عوضا عن إينال الصصلاني، وعلى الأمير يشبك شاد الشرابخاناه ~~بنيابة طرابلس عوضا عن سودون من عبد الرحمن، وعلى الأمير جارقطلو بنيابة ~~حماة عوضا عن إنيه تنبك البجاسي. وأخذ السلطان في تمهيد أمور حلب مدة، ثم ~~خرج منها عائدا إلى جهة الشام حتى نزل بحماة، وعزم على الإقامة بها حتى ~~ينفصل فصل الشتاء. فأقام بها أياما حتى بلغه عن القاهرة غلو الأسعار ~~واضطراب الناس بالديار المصرية لغيبة السلطان، وفتنة العربان، فخرج من حماة ~~وعاد وحتى قدم إلى دمشق وأمسك بها سودون القاضي رأس نوبة النوب، وخلع على ~~الأمير برد بك قصقا واستقر به عوضه رأس نوبة النوب، وسجن سودون القاضي ~~بدمشق. ثم خرج السلطان منها يريد الديار المصرية إلى أن قاربها فنزل المقام ~~الصارمي إبراهيم ابن السلطان من قلعة الجبل، وسار إلى لقاء والده ومعه ~~الأمير كزل العجمي أمير جاندار، وسودون قراصقل حاجب الحجاب في عدة من ~~المماليك السلطانية حتى التقاه، وعاد صحبته حتى نزل السلطان على السماسم ~~شمالي خانقاه سرياقوس في يوم الخميس رابع عشر ذي الحجة من سنة ثماني عشرة ~~وثمانمائة. وركب في الليلة المذكورة إلى أن نزل بخانقاه سرياقوس، وعمل بها ~~مجتمعا بالقراء والصوفية، وجمع فيه نحو عشر جوق من أعيان القراء، وعدة من ~~المنشدين أصحاب الأصوات الطيبة، ومد لهم أسمطة جليلة. ثم بعد فراغ القراء ~~والمنشدين أقيم السماع في طول الليل، ورقصت أكابر الفقراء الظرفاء وجماعة ~~من أعيان ندمائه بين يديه الليل كله نوبة، وهو جالس معهم كأحدهم، هذا ~~وأنواع الأطعمة والحلاوات تمد شيئا بعد شيء بكثرة، والسقاة تطوف على ~~الحاضرين بالمشروب من السكر المذاب، فكانت ليلة تعد من الليالي الملوكية لم ~~يعمل بعدها مثلها. ثم أنعم على القراء والمنشدين بمائة ألف درهم. وركب بكرة ~~يوم السبت سادس عشر ذي الحجة المذكورة من الخانقاه حتى نزل بطرف الريدانية، ~~فأقام بها ساعة، ثم ركب وشق القاهرة حتى طلع إلى القلعة من يومه، وقد زينت ~~له ms2816 لقاهرة أحسن زينة، فكان لقدومه إلى الديار المصرية يوما من الأيام ~~المشهودة. وبعد طلوعه إلى القلعة أصبح من الغد نادى بالقاهرة بالأمان، وأن ~~الأسعار بيد الله تعالى، فلا يتزاحم أحد على الأفران. ثم تصدى السلطان ~~بنفسه للنظر في الأسعار. وعمل معدل القمح، وقد بلغ سعر الإردب منه أزيد من ~~ستمائة درهم إن وجد، والإردب الشعير إلى أربعمائة درهم، فانحط السعر لذلك ~~قليلا، وسكن روع الناس، لكون السلطان ينظر في مصالحهم. قلت: هذا من واجبات ~~العمل، ولعل الله سبحانه وتعالى أن يغفر للمؤيد ذنوبه بهذه الفعلة، فإن ذلك ~~هو المطلوب من الملوك، وهو حسن النظر في أحوال رعيتهم - انتهى. ~~PageV04P0019 # ثم في يوم الاثنين خامس عشرينه خلع السلطان على الأمير جقمق الأرغون شاوي ~~الدوادار الثاني باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن الأمير آقباي المؤيدي ~~المنقول إلى نيابة حلب، وخلع على الأمير يشبك الجكمي باستقرارة دوادارا ~~ثانيا عوضا عن جقمق. قلت: وكان الدوادار الثاني يوم ذاك لا يحكم بين الناس، ~~وليس على بابه نقباء، وكذلك الرأس نوبة الثاني، وأول من حكم ممن ولي هذه ~~الوظيفة قرقماس الشعباني، وممن ولي رأس نوبة ثاني آقبردي المنقار - انتهى. ~~ثم أمر السلطان الملك المؤيد بالنداء بمنع المعاملة بالدنانير الناصرية، ~~وقد تزايد سعر الذهب حتى بلغ المثقال الذهب إلى مائتين وستين درهما ~~والناصري إلى مائتين وعشرة، فرسم السلطان بأن يكون سعر المثقال الذهب ~~بمائتين وخمسين والإفرنتي بمائتين وثلاثين، وأن تنقص الناصرية ويدفع فيها ~~من حساب مائة وثمانين درهما الدينار. ثم في أول محرم سنة تسع عشرة ~~وثمانمائة دفع السلطان للطواشي فارس الخازندار مبلغا كبيرا وأمره أن ينزل ~~إلى القاهرة ويفرقه في الجوامع والمدارس والخوانق، فتوسع الناس بذلك، وكثر ~~الدعاء له. ثم فرق مبلغا كبيرا أيضا على الفقراء والمساكين، فأقل ما ناب ~~الواحد من المساكين خمسة مؤيدية فضة عنها خمسة وأربعون درهما، فشمل بره عدة ~~طوائف من الفقراء والضعفاء والأرامل وغيرهم، فكان جملة ما فرقه في هذه ~~النوبة الأخيرة أربعة الآف دينار، فوقع تفرقة هذا المال من الفقراء موقعا ~~عظيما. ms2817 هذا والغلاء يتزايد بالقاهرة وضواحيها، والسلطان مجتهد في إصلاح ~~الأمر لا يفتر عن ذلك، وأرسل الطواشي مرجان الهندي الخازندار إلى الوجه ~~القبلي بمال كثير ليشتري منه القمح ويرسله إلى القاهرة توسعة على الناس. ثم ~~أخذ السلطان في النظر في أحوال الرعية بنفسه وماله، حتى إنه لم يدع لمحتسب ~~القاهرة في ذلك أمرا، فمشى الحال بذلك، ورد رمق الناس - سامحه الله تعالى ~~وأسكنه الجنة. ثم في أول صفر من سنة تسع عشرة المذكورة أمر السلطان بعزل ~~جميع نواب القضاة الأربعة، وكان عدتهم يومئذ مائة وستة وثمانين قاضيا ~~بالقاهرة سوى من النواحي، وصمم السلطان على أن كل قاض يكون له ثلاثة نواب ~~لا غير، هؤلاء كفاية للقاهرة وزيادة. قلت: وما كان أحسن هذا لو دام أو ~~استمر، وقد تضاعف هذا البلاء في زماننا حتى خرج عن الحد، وصار لكل قاض عدة ~~كبيرة من النواب - انتهى. ثم فشا الطاعون في هذا الشهر بالقاهرة. ووقع ~~الاهتمام في عمارة الجامع المؤيدي بالقرب من باب زويلة، وكان قبل ذلك عمله ~~على التراخي. ثم تكلم أرباب الدولة مع السلطان في عود نواب القضاة، وأمعنوا ~~في ذلك، ووعدوا بمال كبير، فرسم السلطان بجمع القضاة الثلاثة، وكان قاضي ~~القضاة علاء الدين بن مغلي الحنبلي مسافرا بحماة، وتكلم معهم فيما رسم به، ~~وصمم على ذلك - رحمه الله. أهذا، وأرباب وظائفه الظلمة البلاصية تمعن في ~~الكلام معه في ذلك، ولازالوا به بعد أن خوفوه بوقوف حال الناس من قلة ~~النواب، وأشياء غير ذلك، إلى أن استقر الحال على أن يكون نواب القاضي ~~الشافعي عشرة، ونواب القاضي الحنفي خمسة، ونواب القاضي المالكي أربعة، ~~وانفض المجلس على هذا بعد أن عجز مباشرو الدولة في أن يسمح بأكثر من ذلك. ~~وبعد خروج القضاة من المجلس ضمن لهم بعض أعيان الدولة من ، المباشرين ~~الظلمة العواتية - عليه من الله ما يستحقه - برد جماعة أخر بعد حين.هذا ~~والناس في غاية السرور بما حصل من منع القضاة للحكم بين الناس. ثم خلع ~~السلطان على الأمير قطلوبغا باستقراره في ms2818 نيابة الإسكندرية عوضا آقبردي ~~المنقار بحكم عزله، وكان قطلوبغا هذا ممن أنعم عليه الأمير تمربغا الأفضلي ~~المدعو منطاش بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ثم أخرج الملك الظاهر ~~برقوق إقطاعه وجعله بطالا سنين طويلة حتى افتقر وطال خموله، واحتاج إلى ~~السؤال، إلى أن طلبه الملك المؤيد من داره وولاه نيابة الإسكندرية من غير ~~سؤال. قلت: وهذه كانت عادة ملوك السلف أن يقيموا من حطه الدهر، وينتشلوا ~~ذوي البيوتات من الرؤساء وأرباب الكمالات. وقد ذهب ذلك كله وصار لا يترقى ~~في الدول إلا من يبذل المال، ولو كان من أوباش السوقة لشره الملوك في جمع ~~الأموال - ولله در المتنبي حيث يقول: الطويل. PageV04P0020 # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر حدثني بعض ~~من حضر قطلوبغا المذكور لما طلبه المؤيد ليستقر به في نيابة الإسكندرية، ~~قال،: فعند حضوره قال له السلطان: أوليك نيابة الإسكندرية. فمسك قطلوبغا ~~المذكور لحيته البيضاء وقال: يا مولانا السلطان أنا لا أصلح لذلك، وإنما ~~أريد شبع بطني وبطن عيالي - يظن أن السلطان يهزأ به - فقال له السلطان: لا ~~والله إنما كلامي على حقيقته. ثم طلب له التشريف وأفاضه عليه، وأمده بالخيل ~~والقماش - انتهى. ثم في ثاني عشر شهر ربيع الأول أمسك السلطان الأستادار ~~بدر الدين حسن بن محب الدين بعد أن أوسعه سبا، وعوقه نهاره بقلعة الجبل حتى ~~شفع فيه الأمير جقمق الدوادار على أن يحمل ثلاثمائة ألف دينار، فأخذه جقمق ~~ونزل به إلى داره. ثم أرسل السلطان تشريفا إلى فخر الدين عبد الغني بن أبي ~~الفرج وهو كاشف الوجه البحري باستقراره أستادارا عوضا عن ابن محب الدين ~~المقدم ذكره، ثم تقرر الحال على ابن محب الدين أنه يحمل مائة ألف دينار ~~وخمسين ألف دينار بعد ما عوقب وعصر في بيت الأمير جقمق عصرا شديدا، ثم نقل ~~من بيت جقمق إلى بيت فخر الدين بن أبي الفرج، فتسلمه فخر الدين المذكور ~~عندما حضر إلى القاهرة. هذا وقد ارتفع الطاعون بالديار المصرية، وظهر ~~بالبلاد الشامية. ثم ms2819 في سابع جمادى الآخرة من سنة تسع عشرة المقدم ذكرها ~~أمر السلطان أن الخطباء إذا أرادوا الدعاء للسلطان على المنبر في يوم ~~الجمعة أن، ينزلوا درجة ثم يدعوا للسلطان حتى لا يكون ذكر السلطان في ~~الموضع الذي يذكر فيه اسم الله عز وجل واسم نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~تواضعا لله تعالى، ففعل الخطباء ذلك، وحسن هذا ببال الناس إلى الغاية، وعدت ~~هذه الفعلة من حسناته رحمه الله. ثم تكررت صدقات السلطان في هذه السنة ~~مرارا عديدة على نقدات متفرقة. هذا وقد ألزم السلطان مباشري الدولة بالرخام ~~الجيد لأجل جامعه، فطلب الرخام من كل جهة، حتى أخذ من البيوت والقاعات ~~والأماكن التي بالمفترجات. ومن يومئذ عز الرخام بالديار المصرية لكثرة ما ~~احتاجه الجامع المذكور من الرخام، لكبره وسعته، وهو أحسن جامع بني بالقاهرة ~~في الزخرفة والرخام لا في خشونة العمل والإمكان، وقد اشتمل ذلك جميعه في ~~مدرسة السلطان حسن بالرميلة، ثم في مدرسة الملك الظاهر برقوق ببين القصرين. ~~ولم يعب على الملك المؤيد في شيء من بناء هذا الجامع إلا أخذه باب مدرسة ~~السلطان حسن والتنور الذي كان به - وكان اشتراهما السلطان حسن بخمسمائة ~~دينار، وكان يمكن الملك المؤيد أن يصنع أحسن منهما لعلو همته - فإن في ذلك ~~نقص مروءة وقلة أدب من جهات عديدة. وكان وعدني بعض أعيان المماليك المؤيدية ~~أنه إن طالت يده في التحكم أن يصنع بابا وتنورا للجامع المؤيدي المذكور ~~أحسن منهما، ثم يردهما إلى مكانهما من مدرسة السلطان حسن، فقبضه الله قبل ~~ذلك - رحمه الله تعالى. وكان نقل هذا الباب والتنور من مدرسة السلطان حسن ~~إلى مدرسة الملك المؤيد في يوم الخميس سابع عشرين شوال من السنة المذكورة. ~~ثم بدا للسلطان الملك المؤيد السفر إلى البلاد الشامية، لما اقتضاه رأيه، ~~وعلق جاليش السفر في يوم الاثنين خامس المحرم من سنة عشرين وثمانمائة، وهذه ~~سفرة الملك المؤيد شيخ الثالثة إلى البلاد الشامية من يوم تسلطن: فالأولى ~~في سنة سبع عشرة وثمانمائة لقتال الأمير نوروز الحافظي نائب ms2820 الشام، ~~والثانية في سنة ثماني عشرة وثمانمائة، لقتال الأمير قاني باي المحمدي نائب ~~الشام، وهذه سفرته الثالثة. وتجهز السلطان للسفر، وأمر أمراءه وعساكره ~~بالتجهيز. فلما كان خامس عشر المحرم جلس السلطان لتفرقة النفقات، فحمل إلى ~~كل من أمراء الألوف ألفي دينار، وأعطى لكل مملوك من المماليك السلطانية ~~ثمانية وأربعين دينارا صرفها يوم ذاك عشرة الآف درهم. PageV04P0021 # وبينما السلطان يتهيأ للسفر قدم عليه الخبر في ثالث عشرين المحرم بوصول ~~الأمير آقباي المؤيدي نائب حلب إلى قطيا في ثماني هجن فكثرت الأقوال في ~~مجيئه على هذه الهيئة. ورسم السلطان بتلقيه، فسار إليه الأمراء وأرباب ~~الدولة إلى خانقاه سرياقوس، وجهز له السلطان فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، ~~وكاملية مخمل بفرو سمور بمقلب سمور. وقدم آقباي المذكور من الغد في يوم ~~السبت رابع عشرين المحرم، فلامه السلطان ووبخه وعنفة على حضوره إلى القاهرة ~~في هذه المدة اليسيرة على هذا الوجه من غير أمر يستحق ذلك، فإنه سار من حلب ~~إلى مصر في أقل من عشرة أيام ة فاعتذر آقباي أن ما أحوجه لذلك ما أشيع عنه ~~في عزم الخروج عن الطاعة، ثم استغفر مما وقع منه، فخلع عليه السلطان ~~باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن الأمير ألطنبغا العثماني. ورسم السلطان ~~للأمير آقبغا التمرازي أمير آخور ثاني بالتوجه إلى الشام ليقبض على ألطنبغا ~~العثماني ويودعه بسجن قلعة دمشق، والحوطة على موجوده. ثم خلع السلطان على ~~الأمير قجقار القردامي أمير سلاح باستقراره في نيابة حلب عوضا عن آقباي ~~المذكور، وأنعم السلطان بإقطاع قجقار على الأمير بيبغا المظفري أمير مجلس. ~~ثم خرجت مدورة السلطان إلى الريدانية خارج القاهرة، ودخل المحمل في ذلك ~~اليوم إلى القاهرة صحبة أمير حاج المحمل الأمير أزدمر من على جان المعروف ~~بأزدمر شايا. ثم في خامس عشرين المحرم المذكور ركب السلطان من قلعة الجبل ~~بأمرائه وعساكره ونزل بمخيمه بالريدانية خارج القاهرة تجاه مسجد التبن، ~~وخلع على الشيخ شمس الدين محمد بن يعقوب التباني باستقراره في حسبة ~~القاهرة، وعزل عنها منكلي بغا العجمي الحاجب. ms2821 ثم في سابع عشرينه خلع ~~السلطان على الأمير آقباي نائب الشام خلعة السفر، وسافر من يومه جريدة على ~~الخيل. ثم خلع السلطان على الأمير طوغان أمير آخور السلطان قديما باستقراره ~~في نيابة الغيبة، وعلى الأمير أزدمر من على جان المعروف شايا المقدم ذكره ~~بنيابة قلعة الجبل، وأقر عدة أمراء أخر بالديار المصرية. ثم خلع السلطان ~~على الأمير قجقار القردمي نائب حلب خلعة السفر، وسار أيضا من يومه. ثم تقدم ~~جاليش السلطان أمامه فيه جماعة من الأمراء، ومقدم الجميع ولده المقام ~~الصارمي إبراهيم. ثم سار السلطان ببقية عساكره من الريدانية في يوم ~~الثلاثاء رابع صفر يريد البلاد الشامية، وصحبته الخليفة والقضاة الأربعة، ~~ومعه أيضا من ورد عليه من القصاد في السنة الخالية، وهم جماعة: قاصد قرا ~~يوسف صاحب بغداد وغيرها من العراق، وقاصد سليمان بن عثمان صاحب الروم، ~~وقاصد بير عمر صاحب أرزنكان، وقاصد ابن رمضان. وتأخر بالقاهرة الأستادار ~~فخر الدين بن أبي الفرج، والصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الخواص. ~~ورسم طوغان نائب الغيبة بأمر السلطان بهدم البيوت التي فوق البرج المجاورة ~~لباب الفتوح من القاهرة ليعمل ذلك سجنا لأرباب الجرائم عوضا عن خزانة شمائل ~~التي كانت موضع المدرسة المؤيدية، وسمي هذا السجن بالمقشرة. وأما السلطان ~~فإنه سار حتى دخل دمشق في أول شهر ربيع الأول بعد أن مات الأمير آقبردي ~~المؤيدي المنقار أحد مقدمي الألوف بطريق دمشق، وكان خرج من القاهرة مريضا ~~في محفة، وأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير سودون القاضي بعد أن أخرجه من ~~السجن. ثم كتب الأمير طوغان نائب الغيبة يعزف السلطان بموت فرج ابن الملك ~~الناصر فرج في يوم الجمعة سادس عشرين شهر ربيع الأول مسجونا بثغر ~~الإسكندرية، وقد ناهز الاحتلام. وبموته انكسرت حدة المماليك الظاهرية ~~والناصرية، وكان في كل قليل يكثر الكلام بأن المماليك الظاهرية يثورون ~~وينصبونه في السلطنة، وكانوا لا يزالون يتربصون الدوائر لأجل ذلك، فبطل ~~عزمهم بموته. وأقام السلطان بدمشق أياما، ثم خرج منها يريد حلب، وسار حتى ~~وصل تل السلطان، ms2822 فتقدم وصف الأطلاب بنفسه - وكان إماما في هذا الشأن، ~~ومعرفة تعبئة للعساكر - فرتب أطلاب الأمراء أولا كل واحد في منزلته، وليس ~~ذلك بمنزلته في الجلوس بين يدي السلطان، وإنما بحسب وظيفته، فإن لكل صاحب ~~وظيفة منزلة يمشي طلبه فيها أمام طلب السلطان - أخذت أنا هذا العلم عن ~~آقبغا التمرازي وعن السيفي طرنطاي الظاهري شاد القصر السلطاني - انتهى. ~~PageV04P0022 # ثم سار السلطان أمام طلبه في يوم السبت حادي عشرين شهر ربيع الأول عند ~~انشقاق الفجر، ومر بطلبه من ظاهر حلب ومعه جميع الأمراء بأطلابهم حتى نزل ~~بالمسطبة الظاهرية في المخيم. ومر من داخل مدينة حلب نائب الشام، ونائب ~~طرابلس، ونائب حماة، ونائب صفد، ونائب غزة، وعدة كبيرة من التركمان ~~والعربان حتى خرجوا من الباب الآخر، فهال الناس هذه الرؤية الغريبة، من ~~كثرة العساكر التي قدمت حلب من ظاهرها وباطنها، وأقام السلطان بمخيمه ~~بالمسطبة أياما ينتظر عود القصاد الذين وجههم للأطراف. ثم في يوم الاثنين ~~ثالث عشرين شهر ربيع الأول جلس السلطان بالميدان وعمل به الموكب السلطاني، ~~وحضره نواب البلاد الشامية والعساكر المصرية، فجلس عن يمين السلطان الأتابك ~~ألطنبغا القرمشي، وتحته آقباي المؤيدي نائب الشام، ثم بيبغا المظفري أمير ~~مجلس، ثم يشبك المؤيدي نائب طرابلس، ثم جماعة كل واحد في رتبته، وجلس عن ~~يسار السلطان ولده المقام الصارمي إبراهيم، ثم قجقار القردمي نائب حلب، ثم ~~تنبك العلائي ميق الأمير آخور الكبير، ثم جارقطلو نائب حماة، ثم برد بك ~~قصقا رأس نوبة النوب، ثم الأمير ططر، ثم جماعة أخر كل واحد في منزلته. ثم ~~عين السلطان الأمير آقباي نائب الشام والأمير جارقطلو نائب حماة ومعهما ~~خمسمائة ماش من التركمان الأوشرية والإينالية وفرقة من عرب آل موسى ليتوجه ~~الجميع إلى جهة ملطية لإخراج حسين بن كبك منها، ثم إلى كختا وكركر. ثم قدم ~~السلطان الجاليش بين يديه، وفيه الأتابك ألطنبغا القرمشي، ويشبك اليوسفي ~~المؤيدي نائب طرابلس، وخليل الدشاري التبريزي نائب صفد في عدة أخر من أمراء ~~مصر، فساروا إلى جهة العمق. ثم ركب السلطان ودخل ms2823 مدينة حلب وأقام بها إلى ~~أن ركب منها في بكرة يوم الاثنين ثاني شهر ربيع الآخر وسار إلى جهة العمق ~~على درب الأتارب ، فقدم عليه بالمنزلة المذكورة قاصد الأمير ناصر الدين بك ~~بن قرمان بهدية وكتاب يتضمن أنه ضرب السكة المؤيدية ودعا للسلطان في الخطبة ~~بجميع معاملته، وبعث من جملة الهدية طبقا فيه جملة دراهم بالسكة المؤيدية، ~~فعنف السلطان رسوله ووبخه وعدد له خطأ مرسله من تقصيره في الخدمة، وذكر له ~~ذنوبا كثيرة، فاعتذر الرسول عن ذلك كله، وسأل السلطان الصفح عنه، فقال ~~السلطان: إني ما سرت وتكلفت هذه الكلفة العظيمة إلا لأجل طرسوس لا غير، ثم ~~فرق الدراهم على الحاضرين، وصرف الرسول إلى جهة نزل فيها. وعمل السلطان ~~الخدمة في يوم السبت سابع شهر ربيع الآخر بالعمق، وحلف التركمان على طاعته، ~~وأنفق فيهم الأموال، وخلع عليهم نحو مائتي خلعة، وألبس إبراهيم بن رمضان ~~الكلفتة ، وخلع عليه. PageV04P0023 # ثم تقرر الحال على أن قجقار القردمي نائب حلب يتوجه بمن معه إلى مدينة ~~طرسوس، ويسير السلطان على مدينة مرعش إلى أبلستين، ويتوجه رسول ابن قرمان ~~بجوابه ويعود إلى السلطان في مستهل جمادى الأولى بتسليم طرسوس، فإن لم يحضر ~~مشى السلطان على بلاده، فسار الرسول صحبة نائب حلب إلى طرسوس. وسار السلطان ~~إلى أبلستين، فنزل بالنهر الأبيض في حادي عشرة، فقدم عليه كتاب قجقار ~~القردمي نائب حلب بأنه لما نزل بغراس قدم عليه خليفة الأرمن وأكابر الأرمن ~~وعلى يدهم مفاتيح قلعة سيس ، وأنه جهزهم إلى السلطان. فلما مثلوا بين يدي ~~السلطان خلع عليهم وأعادهم إلى القلعة بعد أن ولى نيابة سيس للشيخ أحمد أحد ~~أمراء العشرات بحلب. ثم رحل السلطان حتى نزل بمنزلة كونيك ، فقدم عليه بها ~~كتاب آقباي نائب الشام بأن حسين بن كبك أحرق ملطية، وأخذ أهلها وفر منها في ~~سابع عشر شهر ربيع الأول، وأنه نزل بملطية وشاهد ما بها من الحريق، وأنه لم ~~يتأخر بها إلا الضعيف العاجز، وأن فلاحي بلادها نزحوا بأجمعهم عنها، وأن ~~ابن كبك نزل عند ms2824 مدينة دوركي، فندبه السلطان أن يسير خلفه حيث سار. ثم أمر ~~السلطان ولده المقام الصارمي إبراهيم ليتوجه إلى أبلستين ومعه الأمير جقمق ~~الأرغون شاوي الدوادار، وجماعة من الأمراء لكبس الأمير ناصر الدين محمد بن ~~دلغادرة فساروا مجدين، فصابحوا أبلستين وقد فر منها ابن دلغادر، وأجلى ~~البلاد من سكانها، فجدوا في السير خلفه ليلا ونهارا حتى نزلوا بمكان يقال ~~له كل دلي في يوم خامس عشرة وأوقعوا بمن فيه من التركمان، وأخذوا بيوتهم ~~وأحرقوها. ثم مضوا إلى خان السلطان. فأوقعوا أيضا بمن كان هناك وأحرقوا ~~بيوتهم وأخذوا من مواشيهم شيئا كثيرا. ثم ساروا إلى مكان يقال له صاروس ~~ففعلوا بهم كذلك، وباتوا هناك. ثم توجهوا يوم سادس عشرة فأدركوا ناصر الدين ~~بك بن دلغادر وهو سائر بأثقاله وحريمه، فتتبعوه وأخذوا أثقاله وجميع ما كان ~~معه، ونجا ابن دلغادر بنفسه على جرائد الخيل، ووقع في قبضتهم عدة من ~~أصحابه، ثم عادوا إلى السلطان بالغنائم، ومن جملتها مائة جمل بختي وخمسمائة ~~جمل نفر، ومائة فرس، هذا سوى ما نهب وأخذه العسكر من الأقمشة الحرير، ~~والأواني الفضية ما بين بلور وفضيات وبسط وفرش، وأشياء كثيرة لا تدخل تحت ~~حصر، فسر السلطان بذلك وصار السلطان يتنقل في مراعي الجستين حتى قدم عليه ~~آقباس نائب الشام بعد أن سار في أثر حسين بن كبك إلى أن بلغه أنه دخل إلى ~~بلاد الروم، وبعد أن قرر أمر ملطية بعود أهلها إليها، وبعد أن جهز الأمير ~~جارقطلو نائب حماة، ومعه نائب البيرة، ونائب قلعة الروم، ونائب عين تاب في ~~عدة من الأمراء إلى كختا وكركر، فنازلوا القلعتين، وقد أحرق نائب كختا ~~أسواقها وتحصن بقلعتها، فبعث السلطان إليهم نجدة فيها ألف ومائتا ماش. ثم ~~قدم كتاب ناصر الدين بك بن دلغادر على السلطان يسأل العفو عنه على أن يسلم ~~قلعة درندة فأجيب إلى ذلك. وأما قجقار القردمي نائب حلب فإنه لما توجه إلى ~~طرسوس قدم بين يديه إليها الأمير شاهين الايدكاري متوليها من قبل السلطان، ~~فوجد ابن قرمان قد ms2825 بعث نجمة إلى نائبه بها، وهو الأمير مقبل. فلما بلغ ~~مقبلا المذكور مجيء العساكر السلطانية إليه امتنع بقلعتها، فنزل شاهين ~~الأيدكاري وقجقار القردمي عليها. وكتب قجقار إلى السلطان بذلك، فأجابهم ~~السلطان بالاهتمام في حصارها، وحرضهم على ذلك، فلا زالوا على حصارها حتى ~~أخذوها بالأمان في يوم الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الأول، وسجنوا مقبلا ~~وأصحابه. ثم انتقل السلطان إلى منزلة سلطان قشي، فقدم عليه بها قاصد الأمير ~~علي بك بن دلغادر بهدية. ثم قدم ناصر الدين بك بن دلغادر مع ولده وصحبته ~~كواهي ومفاتيح قلعة درندة، فأضاف السلطان نيابة أبلستين إلى علي بك بن ~~دلغادر مع ما بيده من نيابة مرعش. PageV04P0024 # ثم ركب السلطان ليرى درندة، وسار إليها على جرائد الخيل حتى نزل عليها ~~وبات بظاهرها فامتنعت عليه. وأصبح فرتب الأمير آقباي نائب الشام في إقامته ~~عليها، وأردفه بآلات الحصار والصناع من الزردخاناه السلطانية. وعاد السلطان ~~إلى مخيمه، فوصل إليه في تلك الليلة مفاتيح قلعة خندروس من مضافات درندة. ~~ثم ركب السلطان من الغد وبات على سطح العقبة المطلة على درندة. فلما أصبح ~~ركب بعساكره وعليهم السلاح، ونزل بمخيمه على قلعة درندة وهي في شدة من قوة ~~الحصار. فلما رأى من بها أن السلطان نزل عليهم طلبوا الأمان، فأمنهم، ~~ونزلوا بكرة يوم الجمعة، وفيهم داود ابن الأمير محمد بن قرمان، فألبسه ~~السلطان تشريفا، وأركبه فرسا بقماش ذهب، وخلع على جماعته. واستولى السلطان ~~على القلعة، وخلع على الأمير ألطنبغا الجكمي أحد رؤوس النوب باستقراره في ~~نيابة درندة، وأنعم عليه بأربعة آلاف دينار غير السلاح. وخلع على الأمير ~~منكلي بغا الأرغون شاوي أحد أمراء الطبلخانات بالديار المصرية بنيابة ملطية ~~ودوركي، وأنعم عليه بخمسة الآف دينار. ثم طلع السلطان إلى قلعة درندة وأحاط ~~بها علما. ثم ارتحل عنها بعد أن مهد البلاد التي استولى عليها، وعمل ~~مصالحها، وسار حتى نزل على النهر من غربي أبلستين بنحو مرحلة، فأقام هناك ~~أربعة أيام ليمكن كل من ولي نيابة على عمله ورجوع أهل بلده إليه. ثم ms2826 رحل ~~ونزل على أبلستين يريد التوجه إلى بهسنا وكختا وكركر، وأعاد من هناك حمزة ~~بن علي بك بن دلغادر إلى أبيه، وجهز له راية حمراء من الكمخا الإسكندراني، ~~ونفقة وطبلخاناه . وكان الأمير آقباي سار إلى بهسنا، فقدم الخبر على ~~السلطان من الأمير آقباي بأنه كتب إلى الأمير طغرق بن داود بن إبراهيم بن ~~دلغادر المقيم بقلعة بهسنا يرغبه في الطاعة، ويدعوه إلى الحضور إلى الحضرة ~~الشريفة، فاعتذر من حضوره بخوفه على نفسه. فما زال به حتى سلم القلعة وحضر ~~إليه. فلما كان سادس عشر جمادى الأخرة قدم الأمير آقباي ومعه الأمير طغرق ~~ومن كان معه بالقلعة، وقد قارب السلطان في مسيره حصن منصور، فخلع السلطان ~~على طغرق ومن معه، وأنعم عليهم، وأنزل طغرق بخام ضرب له. ونزل السلطان بحصن ~~منصور، فورد عليه الخبر بنزول قجقار القردمي على كركر وكختا، وقدم أيضا ~~قاصد قرايلك صاحب آمد من ديار بكر بهدية فقبلها السلطان، وخلع عليه. ثم قدم ~~أيضا رسول الملك العادل سليمان صاحب حصن كيفا بهدية فقبلها السلطان أيضا ~~فلما كان الغد رحل السلطان ونزل شمالي حصن منصور قريبا من كختا وكركر، ~~وأردف نائب حلب بالأمير جارقطلو نائب حماة وبجماعة من أمراء مصر والشام. ~~وبعث الأمير يشبك اليوسفي نائب طرابلس لمنازلة كختا، وخلع على الأمير منكلي ~~خجا الأرغون شاوي بنيابة قلعة الروم عوضا عن الأمير أبي بكر بن بهادر ~~البابيري الجعبري، وخلع على الأمير كمشبغا الركني بنيابة بهسنا عوضا عن ~~الأمير طغرق بن دلغادر. ثم قدم جواب الأمير قرا يوسف، وقرا محمد صحبة ~~القاضي حميد الدين قاضي عسكره، وكتاب شاه أحمد بن قرا يوسف صاحب بغداد من ~~قبل أبيه، وكتاب بير عمر صاحب أرزنكان بهدية جليلة من قرا يوسف، فأنزل حميد ~~الدين المذكور بمخيمه، وأجرى عليه ما يليق به. ثم رحل السلطان حتى نزل على ~~كختا وحصر قلعتها، وقد نزح أهل كختا ومعامليها عنها، فنصب المدافع للرمي ~~على القلعة ورمى عليها. وبينما هو في ذلك ورد الخبر على السلطان بقرب قرا ~~يوسف ms2827 قاصدا قرايلك، فبادر قرايلك وجهز ابنه حمزة صحبة نائبه شمس الدين ~~أميرزه بهدية من خيل وشعير وسأل الاعتناء به، فأكرم السلطان ولده ونائبه. ~~وقدم أيضا قاصد طر علي نائب الرها، وقاصد الأمير محمد بن دولة شاه صاحب أكل ~~من ديار بكر ومعه مفاتيح قلعتها، فقبلها السلطان، ثم أعادها إليه ومعها ~~تشريف له بنيابتها. PageV04P0025 # ولما اشتد الحصار على قلعة كختا وفرغ النقابون من النقب ولم يبق إلا ~~إلقاء النار فيها، طلب قرقماس نائبها شمس الدين أميرزه نائب قرايلك فبعثه ~~السلطان إليه، وتردد المذكور بينه وبين السلطان غير مرة إلى أن بعث قرقماس ~~ولده رهنا على أنه بعد رحيل السلطان عنه ينزل ويسلمها لمن يأمره السلطان ~~بتسليمها. ورحل السلطان إلى جهة كركر، وترك الأمير جقمق الدوادار على كختا، ~~وسارت أثقال السلطان إلى عين تاب، فنازل السلطان كركر، ونصب عليها منجنيقا ~~يرمي بحجر زنته ما بين الستين والسبعين رطلا بالدمشقي، وكان ذلك في يوم ~~الجمعة تاسع عشرين من جمادى الآخرة. فلما كان أول شهر رجب قدم الخبر على ~~السلطان من الأمير جقمق بنزول قرقماس من قلعة كختا ومعه حريمه وتسلمها نواب ~~السلطان، وأنه توجه معه قرقماس المذكور إلى حلب. ثم قدم الخبر على السلطان ~~من الأمير منكلي بغا نائب ملطية بأن طائفة من عسكر قرا يوسف نزلوا تحت قلعة ~~منشار، ونهبوا بيوت الأكراد، وعدى الفرات منهم نحو ثلاثمائة فارس، وأنه ركب ~~عليهم وقاتلهم وقتل منهم نحو العشرين وغرق في الفرات نحو ذلك، وأسر اثني ~~عشر نفرا، فكتب له السلطان بالشكر والثناء. ثم خلع السلطان على الأمير ~~شاهين حاجب صفد باستقراره في نيابة كركر، وعلى الأمير كزل بغا أحد أمراء ~~حماة بنيابة كختا، فمضى كزل بغا المذكور إليها من يومه. ورحل السلطان من ~~الغد وهو يوم الثلاثاء رابع شهر رجب، وقد عاوده ألم رجله الذي يعتريه في ~~بعض الأحيان، فركب المحفة عجزا عن ركوب الفرس، وعاد إلى جهة البلاد ~~الحلبية، إلى أن وصل إلى بلد يقال له كيلك ، فنزل في الفرات في زوارق ~~وصحبته ms2828 جماعة، وسار إلى أن وصل قلعة الروم في عشية يوم الخميس سادسه، وبات ~~بها. ونزل من الغد بعدما رتب أحوال القلعة، وأنعم على نائبها بخمسمائة ~~دينار، فقدم عليه في يوم الجمعة سابعه الخبر بأن الأمير قجقار القردمي نائب ~~حلب يخبر بهزيمة قرايلك من قرا يوسف وأن الذين معه من العسكر المقيم على ~~كركر خافوا من قرا يوسف وعزموا على الرحيل. وبينما كتاب قجقار يقرأ قدم ~~كتاب آقباي نائب الشام بأن الأمير قجقار نائب حلب رحل عن كركر بمن معه من ~~غير أن يعلمه، وأنه عزم على محاصرتها، فكتب إليه السلطان بأن يستمر على ~~حصارها. ثم في بكرة يوم السبت ثامن شهر رجب انحدر السلطان من قلعة الروم، ~~ونزل على البيرة، فطلع من المراكب إليها وقرر أمورها. فقدم عليه الخبر من ~~الغد بقرب قرا يوسف، وأن الأمير آقباي نائب الشام صالح الأمير خليلا نائب ~~كركر ورحل عنها بمن معه، فحنق السلطان من ذلك واشتد غضبة على الأمير قجقار ~~القردمي. ثم رحل من البيرة يريد حلب حتى دخلها بكرة يوم الخميس ثالث عشر ~~شهر رجب بأبهة الملك، وقد تلقاه أهل حلب وفرحوا بقدومه، لكثرة إرجافهم ~~بقدوم قرا يوسف إليها، فاطمأنوا. وطلع السلطان إلى قلعة حلب، ونادى ~~بالأمان، وفرق على الفقراء والفقهاء مالا جزيلا، وأمر ببناء القصر الذي كان ~~الأمير جكم شرع في عمارته. ثم في سابع عشرة قدم الأمير آقباي والأمير قجقار ~~القردمي والأمير جارقطلو، فأغلظ السلطان على الأمير قجقار القردمي ووبخه، ~~فأجابه قجقار بدالة ولم يراع الأدب معه، فأمر به فقبض عليه، وحبسه بقلعة ~~حلب، ثم أفرج عنه في يومه بشفاعة الأمراء، وبعثه إلى دمشق بطالا، وخلع على ~~الأمير يشبك المؤيدي اليوسفي نائب طرابلس باستقراره عوضه بنيابة حلب، وخلع ~~على الأمير برد بك رأس نوبة النوب باستقراره في نيابة طرابلس عوضا عن يشبك ~~المذكور. ثم في يوم الخميس العشرين من شهر رجب خلع على الأمير ططر ~~باستقراره رأس نوبة كبيرا عوضا عن برد بك المذكور، وخلع على الأمير نكباي ~~باستقراره في ms2829 نيابة حماة عوضا عن جارقطلو بحكم عزله، وخلع على جارقطلو ~~المذكور باستقراره نائب صفد عوضا عن خليل التبريزي الدشاري، واستقر خليل ~~المذكور حاجب الحجاب بطرابلس فاستعفى خليل من حجوبية طرابلس فأعفي. وخلع ~~السلطان على الأمير سودون قراسقل حاجب الحجاب بالديار المصرية باستقراره في ~~حجوبية طرابلس. قلت: درجات إلى أسفل. وخلع على الأمير شاهين الأرغون شاوي ~~باستقراره في نيابة قلعة دمشق عوضا عن ألطنبغا المؤيدي المرقبي، بحكم ~~انتقال المرقبي إلى تقدمة ألف بالديار المصرية. PageV04P0026 # ثم في رابع عشرينه رسم السلطان للنواب بالتوجه إلى محل كفالتهم بعد أن ~~خلع عليهم خلع السفر. ثم في سادس عشرينه استدعى السلطان مقبلا القرماني ~~ورفاقه، فضربه ضربا مبرحا، ثم صلبه هو ومن معه. ثم في يوم الاثنين أول ~~شعبان قدم قاصد كردي بك ومعه الأمير سودون اليوسفي أحد الأمراء المتسحبين ~~من وقعة قاني باي نائب الشام وقد قبض عليه، فسمره الملك المؤيد من الغد تحت ~~قلعة حلب، ثم وسطه، فعيب ذلك على السلطان كون سودون المذكور كان من جملة ~~أمراء الألوف ثم من أعيان المماليك الظاهرية ووسط مثل قطاع الطريق. ثم خلع ~~السلطان على تمراز باستقراره في حجوبية حلب عوضا عن آقبلاط الدمرداشي. وكان ~~السلطان خلع على الأمير يشبك الجكمي الدوادار الثاني باستقراره أمير حاج ~~المحمل، وسيره إلى القاهرة، فوصلها في شعبان المذكور فوجد القاهرة مضطربة ~~والناس في هرج كونهم أمسكوا بالقاهرة نصرانيا وقد خلا بامرأة مسلمة فاعترفا ~~بالزنا فرجما خارج باب الشعرية ظاهر القاهرة عند قنطرة الحاجب، وأحرق ~~العامة النصراني، ودفنت المرأة، فكان يوما عظيما. ثم عزل السلطان تمراز ~~المذكور عن حجوبية حلب واستقر عوضه بالأمير عمر سبط ابن شهري. ثم خرج ~~السلطان في ثامن عشر شعبان المذكور من حلب ونزل بعين مباركة. واستقل ~~بالمسير منها في عشرينه يريد جهة دمشق، ونزل قنسرين وأعاد منها الأمير يشبك ~~نائب حلب إليها. وسار عشية يوم الجمعة سادس عشرينه حتى قدم دمشق في بكرة ~~يوم الخميس ثالث شهر رمضان ونزل بقلعتها، فكان قدومه دمشق يوما مشهودا. ~~وأخذ في ms2830 إصلاح أمر البلاد الشامية إلى يوم الاثنين سابع شهر رمضان فأمسك ~~الأمير آقباي المؤيدي نائب الشام، وقيده وسجنه بقلعة دمشق. وسبب القبض على ~~آقباي المذكور أن السلطان الملك المؤيد كان اشتراه في أيام إمرته صغيرا ~~بألفي درهم من دراهم لعب الكنجفة، وهو أن الملك المؤيد كان قاعدا يلاعب بعض ~~أصحابه بالكنجفة، وقد قمر ذلك الرجل بدراهم كبيرة، فأدخل عليه آقباي ~~المذكور مع تاجره فأعجبه واشتراه، وطلب خازنداره ليقبض التاجر ثمن آقباي ~~المذكور فلم يجده، فوزن له المؤيد ثمنه من تلك الدراهم التي قمرها. ثم رباه ~~وأعتقه وجعله خازنداره، ثم رقاه أيام سلطنته إلى أن جعله من جملة أمراء ~~الألوف، ثم دوادارا كبيرا بعد موت جاني بك المؤيدي، ثم ولاه نيابة حلب. ~~PageV04P0027 # وكان آقباي شجاعا مقداما مجبولا على طبيعة الكبر، تحدثه نفسه كلما انتهى ~~إلى منزلة علية إلى أعلى منها. فلما ولى نيابة حلب استخدام جماعة من مماليك ~~قاني باي المحمدي نائب الشام بعد قتله، وأنعم عليهم بالعطايا هم وغيرهم. ~~وبلغ ذلك المؤيد فلم يحرك ساكنا حتى أشيع عنه الخروج عن الطاعة، وتواترت ~~على المؤيد الأخبار بذلك لا سيما الأمير ألطنبغا المرقبي نائب قلعة حلب ~~فإنه بالغ إلى الغاية. فلما تحقق الملك المؤيد أمره بادر إلى السفر إلى جهة ~~بلاد الشام، واحتج بأمر من الأمور. وبلغ آقباي أن السلطان بلغه أمره وعزم ~~على السفر إلى البلاد الشامية لأجله، ورأى أن أمره لم يستقم إلى الآن مع ~~معرفته بصولة أستاذه الملك المؤيد، فخاف أن يقع له كما وقع لقاني باي ~~ونوروز وغيرهم، وهم هم، فركب من حلب على حين غفلة في ثماني هجن، كما تقدم ~~ذكره، وقدم القاهرة بغتة يخادع بذلك السلطان. فانخدع له الملك المؤيد في ~~الظاهر، وفي الباطن غير ذلك، وقد تجهز للسفر، فلم يمكنه الرجوع عن السفر ~~لما أشيع بسفره في الأقطار، ويقال في الأمثال: الشروع ملزم، فخلع عليه ~~بنيابة الشام عوضا عن ألطنبغا العثماني وفي النفس ما فيها. ووقع ما حكيناه ~~من أمر سفر السلطان ورجوعه إلى دمشق. ms2831 فلما قدم إلى دمشق، وشى بآقباي إلى ~~السلطان دواداره الأمير شاهين الأرغون شاوي في جماعة من أمراء دمشق أن ~~آقباي المذكور يترقب مرض السلطان إذا عاوده ألم رجله، وأنه استخدم جماعة من ~~أعداء السلطان، وأن حركاته كلها تدل على الوثوب. فعند ذلك تحرك ما عند ~~السلطان من الكوامن وقبض عليه، وولى مكانه نائب دمشق الأمير تنبك العلائي ~~ميق الأمير آخور الكبير بعد تمنع كبير من تنبك إلى أن أذعن ولبس التشريف، ~~فطلب السلطان الأمير قجقار القردمي نائب حلب - كان - وهو بطال بدمشق، وأنعم ~~عليه بإقطاع الأمير تنبك ميق المذكور، ثم أفرج السلطان عن الأمير ألطنبغا ~~العثماني نائب الشام - كان - ورسم له بالتوجه إلى القدس بطالا. وأقام ~~السلطان بدمشق إلى يوم الاثنين رابع عشر شهر رمضان من سنة عشرين وثمانمائة، ~~فخرج من دمشق يريد الديار المصرية، ونزل بقية يلبغا. ثم سار من قبة يلبغا، ~~وأعاد الأمير تنبك ميق إلى محل كفالته بدمشق. وسار إلى أن قدم القدس في ~~بكرة يوم الجمعة خامس عشرينه، فزاره، وفرق به أموالا جزيلة، وصلى الجمعة، ~~وجلس بالمسجد الأقصى، وقريء صحيح البخاري من ربعة فرقت بين يديه على ~~الفقهاء القادمين إلى لقائه من القاهرة، ومن كان بالقدس من أهله. ثم قام ~~المداح بعد فراغهم، وخلع السلطان عليهم، فكان يوما مشهودا. ثم سار السلطان ~~من الغد إلى الخليل - عليه السلام - فزاره وتصدق فيه أيضا بجملة. وخرج منه ~~وسار يريد غزة، فلقيه أستاداره فخر الدين عبد الغني بن أبي الفرج في قرية ~~السكرية، وقبل الأرض بين يديه، وناوله قائمة فيها ما أعده له من الخيول ~~والأموال وغيرها، فسر السلطان بذلك على ما سنذكره فيما بعد. وسار السلطان، ~~حتى نزل مدينة غزة في يوم الاثنين ثامن عشرين شهر رمضان، وأقام بها إلى أن ~~خرج منها في آخر يوم السبت أول شوال بعدما صلى صلاة العيد على المصطبة ~~المستجدة ظاهر غزة، وصلى به وخطب شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد ~~الرحمن البلقيني. PageV04P0028 # وسار السلطان حتى نزل بخانقاه سرياقوس في يوم ms2832 الجمعة تاسع شوال، فأقام ~~بالخانقاه المذكورة من يوم الجمعة إلى يوم الأربعاء رابع عشرة. وركب منها ~~بعد أن عمل بها أوقاتا طيبة ودخل حمامها غير مرة، وسار حتى نزل خارج ~~القاهرة عند مسجد التبن، وبات هناك. ثم ركب من الغد في يوم الخميس خامس عشر ~~شوال من الريدانية بأبهة السلطنة وشعار الملك، وعساكره وأمراؤه بين يديه، ~~ودخل القاهرة من باب النصر، وولده المقام الصارمي إبراهيم يحمل القبة ~~والطير على رأسه. وترجل المماليك من داخل باب النصر ومشوا بين يديه، وسارت ~~الأمراء على بعد ركابا وعليهم وعلى القضاة والخليفة التشاريف، وكذلك سائر ~~أرباب الدولة. ومر السلطان على ذلك إلى أن نزل بجامعه الذي أنشأه بالقرب من ~~باب زويلة، وقد زينت القاهرة لقدومه، وأشعلت حوانيتها الشموع والقناديل، ~~وقعدت المغاني صفوفا على الدكاكين تدق بالدفوف. ولما نزل بالجامع المذكور ~~مد له الأستادار سماطا عظيما به، فأكل السلطان هو وعساكره. ثم ركب من باب ~~المؤيدية، وخرج من باب زويلة بتلك الهيئة المذكورة، وسار إلى أن طلع إلى ~~قلعة الجبل من باب السر راكبا بشعار الملك حتى دخل من باب الستارة وهو على ~~فرسه إلى قاعة العواميد من الدور السلطانية، فنزل عن فرسه على فراشه بحافة ~~الإيوان، وقد تلقاه حرمه بالتهاني والزعفران، فكان لقدومه يوما مشهودا لم ~~يسمع بمثله إلا نادرا. ثم في يوم الاثنين تاسع عشر شوال خلع السلطان على ~~الأمير قجقار القردمي المعزول عن نيابة حلب باستقراره أمير سلاح على عادته ~~قبل نيابة حلب، وخلع على الأمير طوغان أمير آخور باستقراره أمير آخور كبيرا ~~عوضا عن تنبك ميق بحكم توليته نيابة دمشق، وخلع على الأمير ألطنبغا المرقبي ~~المعزول عن نيابة حلب باستقراره حاجب الحجاب بالديار المصرية عوضا عن سودون ~~قراسقل كم استقرار سودون المذكور في حجوبية طرابلس، وخلع على فخر الدين بن ~~أبي الفرج خلعة الاستمرار على وظيفة الأستادارية. ثم في يوم الثلاثاء ~~عشرينه خرج محمل الحاج إلى الريدانية خارج القاهرة، وأمير حاج المحمل ~~الأمير يشبك الجكمي المقدم ذكره. ثم في يوم الخميس ms2833 ثاني عشرينه ركب السلطان ~~ونزل من القلعة بأمرائه وخاصكييه وسرح إلى بر الجيزة لصيد الكراكي وغيرها، ~~وعاد في آخره من باب القنطرة ومر من بين السورين ، ونزل في بيت فخر الدين ~~بن أبي الفرج الأستادار فقدم له فخر الدين المذكور عشرة الآف دينار. ثم ركب ~~السلطان من بيت فخر الدين وسار حتى شاهد الميضأة التي بنيت للجامع المؤيدي، ~~ثم صعد إلى القلعة. ثم ركب من الغد وسرح أيضا وعاد في يوم الأحد خامس ~~عشرينه. وفي يوم الاثنين سادس عشرينه خلع على أرغون شاه النوروزي الأعور ~~باستقراره وزيرا عوضا عن فخر الدين بن أبي الفرج، وخلع على فخر الدين ~~المذكور خلعة الاستمرار على وظيفة الأستادارية فقط، وأن يكون مشير الدولة. ~~وأما تقدمة فخر الدين بن أبي الفرج المذكور التي وعدنا بذكرها عندما قدم ~~السلطان إلى الديار المصرية فبلغت أربعمائة ألف دينار عينا، وثمانية عشر ~~ألف أردب غلة، من ذلك ما وفره من ديوان الوزارة مبلغ أربعين ألف دينار ~~وثمانية عشر ألف أردب غلة، وما وفره من ديوان المفرد ثمانين ألف دينار، وما ~~جباه من النواحي - قبليا وبحريا - مائتي ألف دينار، ومن إقطاعه ثلاثين ألف ~~دينار، وذلك سوى مائتي ألف دينار حملها إلى السلطان وهو بالبلاد الشامية. ~~PageV04P0029 # ولما كان يوم الأربعاء سادس ذي القعدة قدم على السلطان الخبر من الأمير ~~تنبك العلائي ميق نائب الشام بأنه في ليلة السبت رابع عشرين شوال خرج ~~الأمير آقباي نائب الشام - كان - من سجنه بقلعة دمشق وأفرج عمن كان بها من ~~المسجونين، وهجم بهم آقباي على نائب قلعة دمشق فهرب نائب القلعة، ونزل إلى ~~المدينة، وخرج آقباي في أثره إلى باب الجديد بمن معه، فسمع الأمير تنبك ~~الضجة فركب بمماليكه، وأدرك نائب القلعة، وركبت عساكر دمشق في الحال، فأغلق ~~آقباي باب قلعة دمشق، وامتنع بها بمن معه، وأن تنبك مقيم على حصار القلعة. ~~فتشوش السلطان لذلك، وكتب إلى تنبك المذكور بالجد في أخذه. فقدم من الغد ~~أيضا كتاب الأمير تنبك ميق بأن آقباي استمر بالقلعة إلى ms2834 ليلة الاثنين سادس ~~عشرين شوال، ثم نزل منها بقرب باب الجديد ومشى في نهر برس إلى طاحون بباب ~~الفرج فاختفى به، فقبض عليه هناك وعلى طائفة معه، وتسحب طائفة. فكتب جواب ~~تنبك بأن يعاقب آقباي حتى يقر على الأموال ثم يقتل. ورسم بأن يستقر الأمير ~~شاهين مقدم التركمان والحاجب الثاني بدمشق في نيابة قلعة دمشق، ويستقر عوضه ~~حاجبا ثانيا كمشبغا طولو، وفي تقدمة التركمان الأمير شعبان بن اليغموري ~~أستادار السلطان بدمشق. ثم في يوم الجمعة ثامن ذي القعدة خرج المقام ~~الصارمي إبراهيم ابن السلطان في عدة من الأمراء إلى الوجه القبلي لأخذ ~~تقادم العربان وولاة الأعمال. وفي يوم الاثنين حادي عشر ذي القعدة على ~~السلطان النيل إلى البر الغربي، وسرح إلى الطرانة بالبحيرة، وعاد في يوم ~~الاثنين حادي عشر منه بعد أن وصل إلى الغطامي ولم يعد النيل بل نزل بالقصر ~~الذي أنشأه القاضي ناصر الدين بن البارزي كاتب السر ببر منبابة تجاه بولاق، ~~وكان قد شرع في أساسه قبل سرحة السلطان، ففرغ منه بعد أربعة أيام. واستمر ~~به السلطان ثلاثة أيام، ثم ركب البحر وتصيد بناحية سرياقوس وركب وعاد إلى ~~القلعة. ثم في سادس عشر ذي الحجة ركب السلطان من القلعة ونزل بالجامع ~~المؤيدي ومعه خواصه لا غير، ثم توجه منه إلى بيت ناصر الدين بن البارزي ~~كاتب السر بسويقة المسعودي، فقدم له كاتب السر تقدمة فأخذها، ثم ركب إلى ~~القلعة. ثم في يوم السبت عشرين ذي الحجة قدم الصارمي إبراهيم من سفره بعد ~~أن وصل إلى جرجا .ثم في سادس عشر المحرم من سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ورد ~~الخبر على السلطان من الحجاز بأن الأمير يشبك الجكمي الدوادار الثاني أمير ~~حاج المحمل لما قدم المدينة النبوية بعد انقضاء الحج أظهر أنه يسير إلى ~~الركب العراقي يبتاع منه جمالا، ومضى في نفر يسير وتسحب صحبة الركب العراقي ~~خوفا أن يصيبه من السلطان ما أصاب الأمير آقباي نائب الشام، وكان يشبك ~~المذكور صديقا لآقباي، وأشيع أنه كان اتفق معه في ms2835 الباطن في الوثوب على ~~السلطان. وسار يشبك المذكور حتى دخل العراق، وقدم على الأمير قرا يوسف، ~~فأكرمه قرا يوسف وأجرى عليه الرواتب، ودام عنده إلى أن مات قرا يوسف. ثم ~~مات الملك المؤيد، وقدم يشبك، على الأمير ططر بدمشق فولاه الأمير آخورية ~~الكبرى حسبما يأتي ذكر ذلك كله في محله. وفي ليلة الخميس رابع عشرين المحرم ~~كان الوقيد ببر منبابة بين يدي السلطان بعد أن عاد السلطان من وسيم حيث ~~مربط خيوله على الربيع، ونزل بالقصر المذكور بحري منبابة. وألزم السلطان ~~الأمراء بحمل الزيت والنفط، فجمع من ذلك شيء كثير، وأخذ من قشر البيض وقشر ~~النارنج ومن المسارج الفخار وجعل فيها الفتايل والزيت، ثم أرسلت في النيل ~~بعد غروب الشمس بنحو ساعة، وأطلقت النفوط، وقد امتلأ البران بالخلائق ~~للفرجة على ذلك، فكان لهذا الوقيد منظر بهج، وانحدر في النيل إلى أن فرغ ~~زيت بعضها وأطفأ الهواء البعض. ثم في يوم السبت سادس عشرين المحرم أمسك ~~السلطان الأمير بيبغا المظفري الظاهري أمير مجلس، وحمل مقيدا إلى ~~الإسكندرية .ثم نودي بالقاهرة وظواهرها أن كل غريب يخرج من القاهرة ويعود ~~إلى وطنه . ثم في يوم السبت رابع صفر وسط السلطان قرقماس الذي كان متولي ~~كختا، ووسط معه أيضا خمسة عشر رجلا من أصحابه خارج باب النصر، وكانوا فيمن ~~أحضرهم السلطان معه من البلاد الشامية - لما قدم من السفر - في الحديد. ~~PageV04P0030 # ثم في سادس صفر المذكور ركب السلطان متخففا ومعه ولده الصارمي إبراهيم في ~~نفر يسير ونزل بجامعه عند باب زويلة، ثم توجه منه إلى بيت فخر الدين بن أبي ~~الفرج الأستادار فأكل عنده السماط، ثم قدم له فخر الدين خمسة آلاف دينار، ~~ثم ركب من بيت فخر الدين المذكور وتوجه إلى بيت الصاحب بدر الدين حسن بن ~~نصر الله ناظر الخاص ونزل عنده، فقدم له ثلاثة آلاف دينار ، وعرض عليه ~~خزانة الخاص، فأنعم منها السلطان على ولده إبراهيم وعلى من معه من الأمراء ~~بعدة ثياب حرير وفرو سمور، ثم ركب السلطان وعاد إلى ms2836 القلعة. ثم في ثاني ~~عشرينه ركب السلطان ونزل من القلعة لعيادة الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي ~~من وعك كان حصل له، ثم ركب من عنده وتوجه إلى بيت الأمير جقمق الدوادار، ~~فنزل عنده وأقام يومه كله، وعاد من آخر النهار إلى القلعة على هيئة غير ~~مرضية من شدة السكر. ثم في ثامن عشرين شهر ربيع الأول قدم الأمير برد بك ~~الخليلي نائب طرابلس إلى القاهرة بطلب لشكوى أهل طرابلس عليه لسوء سيرته. ~~وعاود السلطان ألم رجله، وانقطع عن الخدمة ولزم الفراش. وقبض على الأمير ~~الوزير أرغون شاه النوروزي الأعور، وعلى الأمير آقبغا شيطان والي القاهرة ~~وسلمها إلى فخر الدين بن أبي الفرج ليصادرهما. ثم خلع السلطان على الأمير ~~برد بك نائب طرابلس باستقراره في نيابة صفد، واستقر عوضه في نيابة طرابلس ~~الأمير برسباي الدقماقي أحد أمراء الألوف بالديار المصرية بعد أن طلب من ~~الغربية، وكان توجه برسباي لعمل جسورها كاشف الوجه الغربي، وبرسباي هذا هو ~~الملك الأشرف الآتي ذكره في محله. ثم خلع السلطان على الوزير أرغون شاه ~~باستقراره أمير التركمان بثلاثين ألف دينار، ونقل الأمير سنقر نائب المرقب ~~إلى نيابة قلعة دمشق عوضا عن شاهين، واستقر ألطنبغا الجاموس في نيابة ~~المرقب، واستقر سودون الأسندمري الأمير آخور الثاني - كان - في دولة الملك ~~الناصر فرج في أتابكية طرابلس، وكان الملك المؤيد أفرج عنه من سجن ~~الإسكندرية قبل ذلك بمدة يسيرة، وأنعم السلطان بإقطاع الأمير برسباي ~~الدقماقي المنتقل إلى نيابة طرابلس على الأمير فخر الدين بن أبي الفرج ~~الأستادار، وبإقطاع فخر الدين على بدر الدين بن محب الدين، وقد استقر وزيرا ~~عوضا عن أرغون شاه. ثم في أول جمادى الأولى تحرك عزم السلطان إلى سفر ~~الحجاز، وكتب إلى أمراء الحجاز بذلك. وعرض السلطان المماليك وعين عدة منهم ~~للسفر معه إلى الحجاز وأخرج الهجن وجهز الغلال في البحر. ثم رسم السلطان ~~باستقرار شاهين الزردكاش حاجب حجاب دمشق في نيابة حماة عوضا عن الأمير ~~نكباي، وأن يستقر نكباي في حجوبية دمشق. ثم في ثامن عشرين ms2837 جمادى الأولى ~~المذكور عزل السلطان جلال الدين البلقيني عن القضاء، وخلع على شمس الدين ~~محمد الهروي باستقراره قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية عوضا عن ~~البلقيني. ثم في ثامن عشر شهر رجب خلع السلطان على الأمير قرا مراد خجا أحد ~~مقدمي الآلاف بالديار المصرية باستقراره في نيابة صفد، وأنعم بإقطاعه على ~~الأمير جلبان رأس نوبة ابن السلطان. ثم في يوم الاثنين خامس عشرين شهر رجب ~~المذكور ركب السلطان من قلعة الجبل إلى ظاهر القاهرة، وعبر من باب النصر، ~~ومر في شوارع المدينة إلى القلعة، وبين يديه الهجن التي عينت للسفر معه إلى ~~الحجاز، وعليها الأكوار الذهب والفضة والكنابيش الزركش، فكان يوما عظيما، ~~فتحقق كل أحد سفر السلطان إلى الحجاز. وسار السلطان حتى طلع إلى القلعة، ~~فما هو أن استقر به الجلوس إلا ووصل الأمير برد بك الحمزاوي أحد أمراء ~~الألوف بحلب ومعه نائب كختا الأمير منكلي بغا بكتاب نائب حلب وكتاب الأمير ~~عثمان بن طر علي المدعو قرا يلك بأن قرا يلك صاحب العراق قصده ليكبس عليه، ~~وقبل أن يركب قرا يلك هجمت عليه فرقة من عسكر قرا يوسف فركب وسار منهزما ~~إلى أن وصل إلى مرج دابق، ثم دخل حلب في نحو ألف فارس بإذن الأمير يشبك ~~اليوسفي نائب حلب له، فجفل من كان خارج مدينة حلب بأجمعهم، واضطرب من بداخل ~~سور حلب وألقوا أنفسهم من السور، ورحل أجناد الحلقة ومماليك النائب ~~المستخدمين بحريمهم وأولادهم حتى ركب نائب حلب وسكن روع الناس، وعرفهم أن ~~قرا يلك لم يقدم إلى حلب إلا بإذنه، وأنه مستجير بالسلطان. PageV04P0031 # وبينما هو في ذلك رحل قرا يلك من ليلته وعاد إلى جهة الشرق خوفا من يشبك ~~نائب حلب أن يقبض عليه. فلما بلغ السلطان قرب قرا يوسف من بلاده انثنى عزمه ~~عن السفر للحجاز في هذه السنة، وكتب في الحال إلى العساكر الشامية بالمسير ~~إلى حلب والأخذ في تهيئة الإقامات السلطانية. وأصبح السلطان في يوم ~~الثلاثاء سادس عشرين شعبان جمع القضاة والخليفة وطلب شيخ الإسلام ms2838 جلال ~~الدين البلقيني، وقص عليهم خبر قرا يوسف وما حصل لأهل حلب من الخوف والفزع ~~وجفلتهم هم وأهل حماة، وأن الحمار بلغ ثمنه عندهم خمسمائة درهم فضة، ~~والإكديش إلى خمسين دينارا، وأن قرا يوسف في عصمته أربعون امرأة، وأنه لا ~~يدين بدين الإسلام، وكتبت صورة فتوى في المجلس فيها كثير من قبائحه، وأنه ~~قد هجم على ثغور المسلمين، ونحو هذا من الكلام. فكتب البلقيني والقضاة ~~بجواز قتله، وكتب الخليفة خطه بها أيضا، وانصرفوا ومعهم الأمير مقبل ~~الدوادار، فنادوا في الناس بالقاهرة بين يدي الخليفة والقضاة بأن قرا يوسف ~~يستحل الدماء ويسبي الحريم، فعليكم بجهاده كلكم بأموالكم وأنفسكم،، فدهي ~~الناس عند سماعهم ذلك واشتد قلقهم. ثم كتب إلى ممالك الشام أن ينادى بمثل ~~ذلك في كل مدينة، وأن السلطان واصل إليهم بنفسه. ثم في يوم الأربعاء سابع ~~عشرين شعبان المذكور نودي بالقاهرة في أجناد الحلقة بتجهيز أمرهم بالسفر ~~إلى الشام، ومن تأخر منهم حل به كذا وكذا من الوعيد. ثم في أول شهر رمضان ~~قدم الخبر من حلب برحيل قرا يلك منها كما تقدم ذكره، وأن يشبك نائب حلب ~~مقيم بالميدان وعنده نحو مائة وأربعين فارسا، وقد خلت حلب من أهلها إلا من ~~التجأ لقلعتها، وأن يشبك بينما هو في الميدان جاءه الخبر أن عسكر قرا يوسف ~~قد أدركه، فركب قبيل الفجر من الميدان، وإذا بمقدمتهم على وطاة بابلة، ~~فواقعهم يشبك بمن معه حتى هزمهم وقتل وأسر جماعة، فأخبروه أنهم جاؤوا للكشف ~~لخبر قرا يلك، وأن قرا يوسف بعين تاب، فعاد يشبك وتوجه إلى سرمين. فلما بلغ ~~قرا يوسف هزيمة عسكره كتب إلى يشبك نائب حلب يعتذر عن نزوله بعين تاب، وأنه ~~ما قصد إلا قرا يلك، فبعث إليه يشبك صاروخان مهمندار حلب، فلقيه على جانب ~~الفرات وقد جازت عساكره الفرات، وهو على نية الجواز، فأكرمه قرا يوسف ~~واعتذر إليه ثانيا عن وصوله إلى عين تاب، وحلف له أنه لم يقصد دخول الشام، ~~وأعاده بهدية للنائب، فهدأ ما بالناس بحلب، وسر ms2839 السلطان أيضا بهذا الخبر. ~~وكان سبب حركة قرا يوسف أن قرا يلك المذكور في أوائل شعبان هذا نزل على ~~مدينة ماردين - وهي داخلة في حكم قرا يوسف - فأوقع بأهلها وأسرف في قتلهم ~~وسبى أولادهم ونسائهم، وباع الأولاد كل صغير بدرهمين، وحرق المدينة ونهبها، ~~ثم رجع إلى آمد. فلما بلغ قرا يوسف الخبر غضب من ذلك وسار ومعه الأمراء ~~الذين تسحبوا من واقعة قاني باي مثل الأمير سودون من عبد الرحمن، وطرباي، ~~وتنبك البجاسي، ويشبك الجكمي وغيرهم، يريدون أخذ الثأر من قرا يلك حتى نزل ~~آمد ثم رحل عنها يريد قرا يلك. فسار قرا يلك إلى جهة البلاد الحلبية، فسار ~~خلفه قرا يوسف حتى قطع الفرات ووقع ما حكيناه. ثم في خامس شهر رمضان ~~المذكور نودي في أجناد الحلقة بالعرض على السلطان فعرضوا عليه في يوم ~~الجمعة سادسه، وابتدأ بعرض من هو في خدمة الأمراء، فخيرهم بين الاستمرار في ~~جملة جناد الحلقة وترك خدمة الأمراء أو الإقامة في خدمه الأمراء وترك أخبار ~~الحلقة، فاختار بعضهم خدمة الأمراء وترك خبزه الذي بالحلقة، واختار بعضهم ~~ضد ذلك، فأخرج السلطان إقطاع من اختار خدمة الأمراء، وصرف من خدمة الأمراء ~~من أراد الإقامة على إقطاعه بالحلقة، وشكا إليه بعضهم قلة متحصل إقطاعه ~~فزاده، وعد هذا من جودة تدبير الملك المؤيد وسيره على القاعدة القديمة، فإن ~~العادة كانت في هذه الدولة التركية أن يكون عسكر مصر على ثلاثة أقسام: ~~PageV04P0032 # قسم يقال لهم أجناد الحلقة، وموضوعهم أن يكونوا في خدمة السلطان، ولكل ~~منهم إقطاع في أعمال مصر، وكل ألف منهم مضافة إلى أمير مائة ومقدم ألف، ~~ولهذا المعنى سمي الأمير بمصر أمير مائة، أعني صاحب مائة مملوك في خدمته ~~ومقدم ألف من هؤلاء أجناد الحلقة. ويضاف أيضا لكل مقدم ألف أمير طبلخاناه ~~وأمير عشرين وأمير عشرة ومقدم الحلقة. فإذا عين السلطان أميرا إلى جهة من ~~الجهات نزل ذلك الأمير في الوقت وتهيأ بعد أن أعلم مضافيه، فيخرج الجميع في ~~الحال - انتهى. وكان نظير هؤلاء أيام الخلفاء أهل ms2840 العطاء وأهل الديوان. ~~والقسم الثاني يقال لهم مماليك السلطان، ولهم جوامك ورواتب مقررة على ديوان ~~السلطان في كل شهر وكسوة في السنة. والقسم الثالث يقال لهم مماليك الأمراء ~~يخدمون الأمراء. وكل من هؤلاء لا يدخل مع آخر فيما هو فيه، فلذلك كانت عدة ~~عساكر مصر أضعاف ما هي الآن، وهؤلاء غير الأمراء. ثم تغير ذلك كله في أيام ~~الملك الظاهر برقوق لما وثب على الملك، فصارت الأمراء يشترون إقطاعات ~~الحلقة أو يأخذونها من السلطان باسم مماليكهم أو طواشيتهم، ثم لا يكفيهم ~~ذلك حتى ينزلوهم أيضا في بيت السلطان بجامكية، فيصير الواحد من مماليك ~~الأمراء جندي حلقة ومملوك سلطان وفي خدمة أمير، فيصير رزق ثلاثة أنفس إلى ~~رجل واحد، فكثر متحصل قوم وقل متحصل آخرين، فضعف عسكر مصر لذلك. فعلى هذا ~~الحساب يكون العسكر الآن بثلث ما كان أولا، هذا غير ما خرج من الإقطاعات في ~~وجه الرزق والأملاك وغير ذلك، وهو شيء كثير جدا يخرج عن الحد. فمن تأمل ما ~~ذكرناه علم ما كان عدة عسكر مصر أولا، وما عدته الآن. هذا مع ما خرب من ~~النواحي من كثرة المغارم والظلم المترادف، وقلة نظر الحكام في أحوال ~~البلاد، ولولا ذلك لكان عسكر مصر لا يقاومه عدو ولا يدانيه عسكر - انتهى. ~~ثم في سابع شهر رمضان هذا أفرج السلطان عن الأمير كمشبغا الفيسي أمير آخور ~~- كان - في الدولة الناصرية، وعن الأمير قصروه من تمراز، وكانا بسجن ~~الإسكندرية، وعن الأمير كزل العجمي الأجرود حاجب الحجاب - كان - في الدولة ~~الناصرية من حبس صفد، وعن الأمير شاهين نائب الكرك، وكان بقلعة دمشق. ثم في ~~تاسعه ورد الخبر من حلب بأن قرا يوسف أحرق أسواق عين تاب ونهبها، فصالحه ~~أهلها على مائة ألف درهم وأربعين فرسا، فرحل عنها بعد أربعة أيام إلى جهة ~~البيرة. وعدى معظم جيشه إلى البر الشرقي في يوم الاثنين سابع عشر شعبان، ~~وعدى قرا يوسف من الغد ونزل ببساتين البيرة وحصرها، فقاتله أهلها يومين ~~وقتلوا منه جماعة، فدخل البلد ونهبها وأحرق ms2841 أسواقها، وقد امتنع الناس منها ~~ومعهم حريمهم بالقلعة، ثم رحل في تاسع عشر شعبان إلى بلاده بعد ما أحرق ~~ونهب نواحي البيرة ومعاملتها. ولما بلغ السلطان رجوع قرا يوسف إلى بلاده ~~فرح بذلك وسكت عن السفر إلى البلاد الشامية. وبينما السلطان في ذلك قدم ~~عليه الخبر أن ابن قرمان مشى على طرسوس وحارب أهلها فقتل من الفريقين خلق ~~كثير، ودام القتاد بينهم إلى أن رحل عنها في سابع شعبان من ألم اشتد ~~بباطنه. وجلس السلطان في ثالث عشر شهر رمضان لعرض أجناد الحلقة، فعرض عليه ~~منهم زيادة على أربعمائة نفس ما بين كبير وصغير وسعيد وفقير، فمن كان قطاعه ~~قليل المتحصل أشرك معه غيره. ومثال ذلك أن جنديا يكون متحصل قطاعه في السنة ~~سبعة آلاف درهم فلوسا وآخر متحصله ثلاثة آلاف، فألزم الذي قطاعه يعمل ثلاثة ~~آلاف أن يعطي الذي إقطاعه يعمل سبعة آلاف مبلغ ثلاثة آلاف ليسافر صاحب ~~السبعة آلاف، ويقيم صاحب الثلاثة آلاف، فهذا نوع. ثم أفرد السلطان جماعة ~~ممن متحصل إقطاعاتهم قليلة، وجعل كل أربعة منهم مقام رجل واحد يختارون منهم ~~واحدا يسافر ويقوم الثلاثة الأخر بكلفه. ورسم السلطان أن المال المجتمع من ~~أجناد الحلقة يكون تحت يد قاضي القضاة شمس الدين الهروي الشافعي. واستمر ~~العرض بعد ذلك في كل يوم سبت وثلاثاء إلى ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ~~PageV04P0033 # وفي الغد وهو يوم رابع عشر شهر رمضان ورد الخبر على السلطان من طرابلس ~~بنزول التركمان الإينالية والأوشرية على صافيتا من عمل طرابلس جافلين من ~~قرا يوسف، وأنهم نهبوا بلادها وأحرقوا منها جانبا، وأن الأمير برسباي ~~الدقماقي نائب طرابلس رجعهم عن ذلك فلم يرجعوا، وأمرهم بالعود إلى بلادهم ~~بعد رجوع قرا يوسف فأجابوا بالسمع والطاعة. وقبل رحيلهم ركب عليهم الأمير ~~برسباي الدقماقي المذكور بعسكر طرابلس وقاتلهم في يوم الثلاثاء سادس عشرين ~~شعبان، فقتل بين الطائفتين خلق كثير منهم الأمير سودون الأسندمري أتابك ~~طرابلس وثلاثة عشرة نفسا من عسكر طرابلس، ثم انهزم الأمير برسباي المذكور ~~بمن بقي ms2842 معه من عسكر طرابلس عراة على أقبح وجه إلى طرابلس وحصل عليهم من ~~الخوف ما لا مزيد عليه. فلما بلغ الملك المؤيد هذا الخبر غضب غضبا شديدا ~~ورسم في الحال بعزل برسباي المذكور عن نيابة طرابلس واعتقاله بقلعة المرقب، ~~وكتب بإحضار الأمير سودون القاضي نائب الوجه القبلي من أعمال مصر ليستقر في ~~نيابة طرابلس عوضا عن برسباي هذا، وبرسباي المذكور هو الملك الأشرف الأتي ~~ذكره في محله، وخلع على الملطي واستقر في نيابة الوجه القبلي عوضا عن سودون ~~القاضي. وقدم سودون القاضي من الوجه القبلي في يوم الاثنين ثامن شوال وقبل ~~الأرض بين يدي السلطان وهو بمخيمه بصرخة سري أقوس. وبعد عوده من سرح سري ~~أقوس وغيرها خلع على أتودون القاضي بنيابة طرابلس في خامس عشر شوال، وخلع ~~على الأمير كمشبغا الفيسي أحد الأمراء البطالين بالقاهرة باستقراره أتابك ~~طرابلس بعد قتل سودون الأسندمري. ثم ركب السلطان أيضا إلى الصيد وعاد وقد ~~عاوده ألم رجله ولزم الفراش. وخلع في سادس عشره على سيف الدين أبي بكر بن ~~قطلوبك المعروف بابن المزوق دوادار ابن أبي الفرج باستقراره أستادارا عوضا ~~عن فخر الدين بن أبي الفرج بعد موته، ورسم السلطان بالحوطة على موجود ابن ~~أبي الفرج وضبطها، فاشتملت تركته على ثلاثمائة ألف دينار، وثلاثة مساطير ~~بسبعين ألف دينار، وغلال وفرو وقماش بنحو مائة ألف دينار، وأخذ السلطان ~~جميع ذلك. ثم في حادي عشرينه خرج محمل الحاج صحبة أمير الحاج الأمير جلبان ~~أمير آخور ثان، وقد صار أمير مائة ومقدم ألف، ورحل من البركة في يوم رابع ~~عشرينه. ثم في يوم الخميس ثالث ذي القعدة أمسك السلطان الوزير بدر الدين بن ~~محب الدين الطرابلسي وسلمه إلى الأمير أبي بكر الأستادار بعد إخراق السلطان ~~به ومبالغته في سبه لسوء سيرته، وتتبعت حواشيه. وخلع السلطان على بدر الدين ~~حسن بن نصر الله الفوي ناظر الخاص باستقراره وزيرا، مضافا إلى نظر الخاص، ~~وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف. ثم كتب السلطان بالقبض على قرمش الأعور ~~أتابك حلب ms2843 وحبسه بقلعتها. وفي خامس ذي القعدة ركب السلطان من قلعة الجبل في ~~محفة من ألم رجله ونزل إلى السرحة وعاد في يومه. ثم في عاشره ركب السلطان ~~أيضا ونزل إلى بيت كاتب السر ناصر الدين بن البارزي ببولاق المطل على ~~النيل، وعدت العساكر إلى بر الجيزة، وبات السلطان هناك ليلته. ثم ركب من ~~الغد في يوم الجمعة إلى سرحة بركة الحاج، وعاد من يومه وغالب عساكره ~~بالجيزة. ثم ركب من الغد في النيل يريد سرحة البحيرة، ونزل بالبر الغربي، ~~ثم سار إلى أن انتهى إلى مريوط فأقام بها أربعة أيام، ورسم بعمارة بستان ~~السلطان بها، وكان تهدم. ثم استأجر السلطان مريوط من مباشري وقف الملك ~~المظفر بيبرس الجاشنكير على الجامع الحاكمي، ورسم بعمارة سواقيه، ومعاهد ~~الملك الظاهر بيبرس البندقداري به، وعاد ولم يدخل إلى الإسكندرية إلى أن ~~نزل وردان في يوم عيد الأضحى وصلى به صلاة العيد، وخطب القاضي ناصر الدين ~~بن البارزي كاتب السر، ثم ركب من الغد وسار حتى قدم بر منبابة وعدى النيل، ~~ونزل في بيت كاتب السر ببولاق، وأقام به إلى الغد وهو يوم الثلاثاء ثالث ~~عشر ذي الحجة، وركب وطلع إلى القلعة، كل ذلك وألم رجله يلازمه. وبعد طلوعه ~~إلى القلعة رسم للأمراء بالتجهيز إلى سفر الشام صحبة ولده المقام الصارمي ~~إبراهيم، كل ذلك والعرض لأجناد الحلقة مستمر، وعين منهم للسفر جماعة كبيرة، ~~وألزم من يقيم منهم بالمال. PageV04P0034 # ثم قدمت إلى الديار المصرية الخاتون أم إبراهيم بن رمضان التركماني من ~~بلاد الشرق، وقبلت الأرض بين يدي السلطان فرسم بتعويقها فعوقت. ثم تكرر من ~~الملك المؤيد التوجه إلى الصيد في هذا الشهر غير مرة. وهذه السنة هدمت ~~المئذنة المؤيدية، وغلق باب زويلة ثلاثين يوما، وعظم ذلك على السلطان إلى ~~الغاية. وكانت المئذنة المذكورة عمرت على أساس البرج الذي كان على باب ~~زويلة، وعملت الشعراء في ذلك أبياتا كثيرة. وكان القاضي بهاء الدين محمد بن ~~البرجي محتسب القاهرة متولي نظر عمارة الجامع المذكور، فقال بعض الشعراء في ms2844 ~~ذلك: الطويل. عتبنا على ميل المنار زويلة ... وقلنا تركت الناس بالميل في ~~هرج فقالت قريني برج نحس أمالها ... فلا بارك الرحمن في ذلك البرج قلت صح ~~للشاعر ما قصده من التورية في البرج الذي عمرت عليه، وفي بهاء الدين ~~البرجي. وقال الحافظ شهاب الدين بن حجر وقصد بالتورية بدر الدين محمود ~~العيني: بجامع مولانا المؤيد رونق ... منارته تزهو من الحسن والزين تقول ~~وقد مالت عن الموضع امهلوا ... فليس على حسني أضر من العين فأجاب العيني: ~~البسيط. منارة كعروس الحسن إذ جليت ... وهدمها بقضاء الله والقدر قالوا ~~أصيبت بعين قلت ذا خطأ ... ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر قلت: ساعده قوله ~~خسة الحجر ما كان وقع بسبب هم المنارة المذكورة، فإنه كان بني أساسها بحجر ~~صغير، ثم عمروا أعلاها بالحجر الكبير فأوجب ذلك ميلها وهدمها بعد فراغها. ~~وقال الشيخ تقي الدين أبو بكر بن حجة في المعنى: الطويل. على البرج من بابي ~~زويلة أنشئت ... منارة بيت الله والمنهل المنجي فأخلى بها البرج اللعين ~~أمالها ... ألا صرحوا يا قوم باللعن للبرجي وقيل إن ذلك كان في السنة ~~الماضية - انتهى. وأخذ السلطان في تجهيز ولده الصارمي إبراهيم إلى أن تهيأ ~~أمره، وأنفق على الأمراء المتوجهين صحبته. فلما كان بكرة يوم الاثنين ثامن ~~عشر المحرم من سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة ركب المقام الصارمي إبراهيم ابن ~~السلطان من قلعة الجبل في أمراء الدولة، ومعه عدة من أمراء الألوف المعينة ~~صحبته إلى السفر، ونزل بمخيمه من الريدانية خارج القاهرة. ثم خرجت أطلاب ~~الأمراء المتوجهة صحبته وهم: الأمير قجقار القردمي أمير سلاح، والأمير ططر ~~أمير مجلس، وجقمق الأرغون شاوي الدوادار الكبير، وإينال الأرغزي، وجلبان ~~أمير آخور، وأركماس الجلباني، وهؤلاء من أمراء الألوف، وثلاثة من أمراء ~~الطبلخانات، وخمسة عشر أمير من العشرات، ومائتا مملوك من المماليك ~~السلطانية. وأقام الصارمي إبراهيم بمخيمه إلى أن ركب السلطان من قلعة الجبل ~~ونزل إليه بالريدانية في عشرينه وبات عنده بالريدانية، ثم ودعه من الغد ~~وركب إلى القلعة. ثم رحل المقام الصارمي إبراهيم ms2845 من الريدانية بمن معه من ~~العساكر في يوم الجمعة ثاني عشرينه وسار إلى البلاد الشامية. ثم شرع ~~السلطان في بناء القبة بالحوش السلطاني من قلعة الجبل المعروفة الآن ~~بالبحرة المطلة على القرافة، وجاءت في غاية الحسن. وأما الصارمي إبراهيم ~~فإنه صار إلى أن وصل دمشق في يوم الاثنين سادس عشر صفر، بعد أن خرج إلى ~~تلقيه النواب والعساكر. وأقام بدمشق أياما وخرج منها يريد البلاد الحلبية ~~إلى أن نزل على تل السلطان في يوم الثلاثاء أول شهر ربيع الأول، فخرج إليه ~~نائب حلب الأمير يشبك اليوسفي المؤيدي بعساكر حلب، وتلقاه ونزل بظاهر حلب. ~~ثم بدأ الطاعون بالديار المصرية. هذا والعرض لأجناد الحلقة مستمر، فتارة ~~يعرضهم السلطان، وتارة الأمير مقبل الحسامي الدوادار الثاني، وناظر الجيش ~~علم الدين داود بن الكويز. ثم في يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول نزل ~~السلطان من القلعة إلى جامعه بالقرب من باب زويلة، واستدعى به قاضي القضاة ~~جلال الدين عبد الرحمن البلقيني وخلع عليه خلعة القضاء بعد عزل القاضي شمس ~~الدين الهروي. ونزل البلقيني بالخلعة من باب الجامع الذي من تحت الربع ، ~~وشق القاهرة، وكان له مشهد عظيم. هذا والطاعون قد فشا بالديار وتزايد بها ~~وبأعمالها PageV04P0035 # فلما كان يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأخر من سنة اثنتين وعشرين المذكورة ~~نودي في الناس من قبل المحتسب الشيخ صدر الدين بن العجمي أن يحوموا ثلاثة ~~أيام آخرها يوم الخميس خامس عشره ليخرجوا في ذلك اليوم مع السلطان الملك ~~المؤيد إلى الصحراء فيدعو الله في رفع الطاعون عنهم. ثم أعيد النداء في ~~ثاني عشره أن يصوموا من الغد، فتناقص عدد الأموات فيه، فأصبح كثير من الناس ~~صياما، فصاموا يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس. فلما كان يوم ~~الخميس المذكور نودي في الناس بالخروج إلى الصحراء من الغد، وأن يخرج ~~العلماء والفقهاء ومشايخ الخوانق وصوفيتها وعامة الناس. ونزل الوزير بدر ~~الدين حسن بن نصر الله، والتاج الشوبكي أستادار الصحبة إلى تربة الملك ~~الظاهر برقوق فنصبوا المطابخ بالحوش القبلي منها وأحضروا ms2846 الأغنام والأبقار، ~~وباتوا هناك في تهيئة الأطعمة والأخباز. ثم ركب السلطان بعد صلاة الصبح ~~ونزل من قلعة الجبل بغير أبهة الملك بل عليه ملوطة صوف أبيض بغير شد في ~~وسطه، وعلى كتفيه مئزر صوف مسدل كهيئة الصوفية، وعلى رأسه عمامة صغيرة ولها ~~عذبة مرخاة من بين لحيته وكتفه الأيسر، وهو بتخشع وانكسار، ويكثر من ~~التلاوة والتسبيح، وهو راكب فرسا بقماش ساذج ليس فيه ذهب ولا فضة ولا حرير. ~~هذا وقد أقبل الناس إلى الصحراء أفواجا، وسار شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال ~~الدين عبد الرحمن البلقيني الشافعي من منزله بحارة بهاء الدين ماشيا إلى ~~الصحراء في عالم كثير. ثم سار غالب أعيان مصر إلى الصحراء ما بين راكب وماش ~~حتى وافوا السلطان بالصحراء قريبا من قبة النصر، ومعهم الأعلام والمصاحف، ~~ولهم بذكر الله تعالى أصوات مرتفعة من التهليل والتكبير. فلما وصل السلطان ~~إلى مكان الجمع بالصحراء ونزل عن فرسه وقام على قدميه، وعن يمينه وشماله ~~الخليفة والقضاة وأهل العلم، ومن بين يديه وخلفه طوائف من الصوفية ومشايخ ~~الزوايا وغيرهم لا يحصيهم إلا الله تبارك تعالى، فبسط السلطان يديه ودعا ~~الله سبحانه وتعالى وهو يبكي وينتحب، والجم الغفير يراه ويؤمن على دعائه. ~~وطال قيامه في الدعاء، وكل أحد يدعو الله تعالى ويتضرع، إلى أن استتم ~~الدعاء، وركب يريد الحوش السلطاني الظاهري حيث مد الطعام، والناس في ركابه ~~وبين يديه من غير أن يمنعهم من ذلك مانع، وسار حتى نزل بالحوش المذكور من ~~التربة الظاهرية، وقدم له الأسمطة فأكل منها وأكل الناس معه. ثم ذبح بيده، ~~قربانا - قربه إلى الله تعالى - نحو مائة وخمسين كبشا سمينا من أثمان خمسة ~~دنانير الواحد. ثم ذبح عشر بقرات سمان وجاموستين وجملين، كل ذلك وهو يبكي، ~~ودموعه تنحدر على لحيته بحضرة الملأ من الناس. ثم ترك القرابين على مضاجعها ~~كما هي للناس وركب إلى القلعة، فتولى الوزير التاج تفرقتها صحاحا على أهل ~~الجوامع المشهورة والخوانق وقبة الإمام الشافعي والإمام الليث بن سعد ~~والمشهد النفيسي وعدة أخر من ms2847 الزوايا حملت إليها صحاحا. وقطع منها عدة ~~بالحوش فرقت لحما على الفقراء. وفرق من الخبز النقي في اليوم المذكور عدة ~~ثمانية وعشرين ألف رغيف، وعدة قدور كبار مملوءة بالطعام الكثير، وأخذ ~~الطعام الكثير. وأخذ الطاعون من يومئذ في النقص بالتدريج. ثم قدم على ~~السلطان الخبر في ثاني عشرين شهر ربيع الآخر برحيل المقام الصارمي إبراهيم ~~من مدينة حلب بعساكره والعساكر الشامية وأنه دخل إلى مدينة قيسارية، فحضر ~~إليه أكابر البلد من القضاه والمشايخ والصوفية فتلقوه فألبسهم الخلع، وطلع ~~قلعتها يوم الجمعة، وخطب في جوامعها للسلطان، وضربت السكة باسمه، وأن شيخ ~~جلبي نائب قيسارية تسحب منها قبل وصول العساكر إليها، وأن ابن السلطان خلع ~~على محمد بك بن قرمان وأقره في نيابه السلطنة قيسارية. فدقت البشائر بقلعة ~~الجبل لذلك، وفرح السلطان بأخذ قيسارية فرحا عظيما، فإن هذا شيء لم يتفق ~~لملك من ملوك الترك بالديار المصرية سوى الملك الظاهر بيبرس، ثم انتقض ~~الصلح بينه وبين أهلها حسبما ذكرناه في ترجمته من هذا الكتاب - انتهى. ولما ~~استهل جمادى الأولى تناقص فيه الطاعون حتى كان الذي ورد اسمه في أوله من ~~الأموات سبعة وسبعين نفرا. PageV04P0036 # قال الشيخ تقي الدين المقريزي: وكان عدة من مات بالقاهرة وورد اسمه ~~الديوان - من العشرين من صفر وإلى سلخ شهر ربيع الآخر - سبعة آلاف وستمائة ~~واثنتين وخمسين نفسا: الرجال ألف وخمسة وستون رجلا، والنساء ستمائة وتسع ~~وستون امرأة، والصغار ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسعة وستون، والعبيد خمسمائة ~~وأربعة وأربعون، والإماء ألف وثلاثمائة وتسع وستون، والنصارى تسعة ستون، ~~واليهود اثنان وثلاثون، وذلك سوى البيمارستان، وسوى ديوان مصر، سوى من لا ~~يرد اسمه الدواوين، ولا يقصر ذلك عن تتمة عشرة آلاف. ومات بقرى الشرقية ~~والغربية مثل ذلك وأزيد . قلت: وقول الشيخ تقي الدين ولا يقصر ذلك عن تتمة ~~عشرة الآف فقد مات في طاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة في يوم واحد ~~بالقاهرة وظواهرها نحو عشرة آلاف إنسان، واستمر ذلك أياما ما بين ثمانية ~~آلاف وتسعة آلاف وعشرة آلاف حسبما يأتي ذكره ms2848 إن شاء الله في محله في ترجمة ~~الملك الأشرف برسباي الدقماقي - انتهى. وفي يوم الأحد ثاني جمادى الأولى ~~المذكور ولد للسلطان الملك المؤيد ولده الملك المظفر أحمد من زوجته خوند ~~سعادات بنت الأمير درغتمش. ثم في سابع جمادى الأولى استدعى السلطان بطرك ~~النصاري، وقد اجتمع القضاة ومشايخ العلم عند السلطان، فأوقف البطرك على ~~قدميه ووبخ وقرع، وأنكر عليه السلطان ما بالمسلمين من الذل في بلاد الحبشة ~~تحت حكم الحطي متملكها، وهدد بالقتل، فانتدب له الشيخ صدر الدين أحمد بن ~~العجمي محتسب القاهرة فأسمعه المكروه من أجل تهاون النصارى فيما أمروا به ~~في ملبسهم وهيئاتهم، وطال كلام العلماء مع السلطان في ذلك إلى أن استقر ~~الحال بأن لا يباشر أحد منهم في ديوان السلطان ولا عند أحد من الأمراء، ولا ~~يخرج أحد منهم عما ألزموا به من الصغار. ثم طلب السلطان الأكرم فضائل ~~النصراني كاتب الوزير - وكان قد سجن من أيام - فضربه السلطان بالمقارع ~~وشهره بالقاهرة عريانا بين يدي المحتسب وهو ينادي عليه: هذا جزاء من يباشر ~~من النصارى في ديوان السلطان، ثم سجن أيضا بعد إشهاره. وصمم السلطان في ذلك ~~حتى انكف النصارى عن المباشرة في سائر دواوين الديار المصرية، ولزموا ~~بيوتهم، وصغروا عمائمهم وضيقوا أكمامهم، والتزم اليهود مثل ذلك، وامتنعوا ~~جميعهم من ركوب الحمير، بحيث إن العامة صارت إذا رأوا نصرانيا على حمار ~~ضربوه وأخذوا حماره وما عليه، فصاروا لا يركبون الحمار إلا بخارج القاهرة. ~~وبذل النصارى جهدهم في السعي إلى عودهم إلى المباشرة وأوعدوا بمال كبير، ~~وساعدتهم كتاب الأقباط، فلم يلتفت السلطان إلى قولهم، وأبى إلا ما رسم به ~~من المنع. قلت: ولعل الله أن يسامح الملك المؤيد بهذه الفعلة عن جميع ~~ذنوبه، فإنها من أعظم الأمور في نصرة الإسلام، ومباشرة هؤلاء النصارى في ~~دواوين الديار المصرية من أعظم المساوئ التي يؤول منها تعظيم دين ~~النصرانية، لأن غالب الناس من المسلمين تحتاج إلى التردد إلى أبواب أرباب ~~الدولة لقضاء حوائجهم، فمهما كان لهم من الحوائج المتعلقة بديوان ذلك ms2849 ~~الرئيس فقد احتاجوا إلى التواضع والترفق إلى من بيده أمر الديوان المذكور، ~~نصرانيا كان أو يهوديا أو سامريا، وقد قيل في الأمثال صاحب الحاجة أعمى لا ~~يريد إلا قضاءها. فمنهم من يقوم بين يدي ذلك النصراني على قدميه والنصراني ~~جالس ساعات كثيرة حتى يقضي حاجته، بعد أن يدعو له ويتأدب معه تأدبا لا ~~يفعله مع مشايخ العلم، ومنهم من يقبل كتفه ويمشي في ركابه إلى بيته إلى أن ~~تقضى حاجته. وأما فلاحو القرى فإنه ربما النصراني المباشر يضرب الرجل منهم ~~ويهينه ويجعله في الزنجير، ويزعم بذلك خلاص مال أستاذه، وليس الأمر كذلك، ~~وإنما يقصد التحكم في المسلمين لا غير، فهذا هو الذي يقع للأسير من ~~المسلمين في بلاد الفرنج بعينه لا زيادة على ذلك غير أنه يملك رقه. ~~PageV04P0037 # وقد حدثني بعض الثقات من أهل صعيد مصر قال: كان غالب مزارعي بلدنا أشرافا ~~علوية، والعامل بالبلد نصرانيا، فإذا قدم العامل إلى البلد خرج الفلاحون ~~لتلقيه، فمنهم من يسلم عليه السلام المعتاد، ومنهم من يفشي السلام عليه ~~ويمعن في ذلك، ومنهم من يمشي في ركابه إلى حيث ينزل من البلد، ومنهم من ~~يقبل يده - وهو الفقير المحتاج أو الخائف من صاحب البلد - ويسأله إصلاح ~~شأنه فيما هو مقرر عليه من وزن الخراج حتى يسمح له بذلك، فلما منع الملك ~~المؤيد هؤلاء النصارى عن المباشرة بطل ذلك كله؟ فيكون الملك المؤيد على هذا ~~الحكم فتح مصر فتحا ثانيا، وأعلى كلمة الإسلام وأخذل كلمة الكفر، ولا شيء ~~عند الله أفضل من ذلك. ولما لم يجب النصارى إلى عودهم إلى ما كانوا عليه من ~~المباشرات بالديار المصرية، وأعياهم أمر السلطان وثباته، وانقطع عنهم ما ~~ألفوه من التحكم في المسلمين - ويقال: إن العادة طبع خامس - شق عليهم ذلك، ~~فتتابع عدة منهم في إظهار دين الإسلام، وتلفظوا بالشهادتين في الظاهر، ~~والله سبحانه وتعالى متولي السرائر. قال المقريزي - بعد أن ذكر نوعا مما ~~قلناه بغير هذه العبارة - قال: فصاروا من ركوب الحمير إلى ركوب الخيل ~~والتعاظم على أعيان ms2850 أهل الإسلام والانتقام منهم بإذلالهم وتعويق معاليمهم ~~ورواتبهم حتى يخضعوا لهم ويترددوا إلى دورهم ويلحوا في السؤال - فلا قوة ~~إلا بالله. انتهى كلام المقريزي باختصار. قلت: ويمكن إصلاح هذا الشأن ~~الثاني أيضا - إن صلح الراعي ونظر في أحوال الرعية وانتصر لدينه - بسهولة، ~~هو أنه يكف من كان قريب عهد منهم من دين النصرانية عن المباشرة - انتهى. ثم ~~قدم الخبر على السلطان بتوجه ابن السلطان من مدينة قيسارية إلى مدينة قونية ~~في خامس عشر شهر ربيع الآخر، بعد ما مهد أمور قيسارية ونقش اسم السلطان على ~~بابها، وأن الأمير تنبك ميق نائب الشام لما وصل إلى العمق حضر إليه الأمير ~~حمزة بن رمضان بجماعة من التركمان وتوجه معه هو وابن أوزر إلى قريب مصيصة ~~وأخذ أذنة وطرسوس فسر السلطان بذلك سرورا عظيما. ثم نادى محتسب القاهرة على ~~النصارى واليهود بتشديد ما أمرهم به من الملبس والعمائم وشدد عليهم في ذلك، ~~فلما اشتد الأمر عليهم سعوا في إبطال ذلك سعيا كبيرا فلم ينالوا غرضا . ثم ~~قدم الخبر على السلطان بأن ابن السلطان وصل إلى نكدة في ثامن عشر شهر ربيع ~~الآخر فتلقاه أهلها وقد عصت عليه قلعتها، فنزل عليها وحاصرها وركب عليها ~~المنجنيق، وعمل النقابون فيها، وأن محمد بن قرمان تسحب من نكدة في مائة ~~وعشرين فارسا هو وولده مصطفى. كل ذلك والسلطان ملازم الفراش من ألم رجله، ~~والأسعار مرتفعة. ثم في ثاني عشر جمادى الآخرة ورد الخبر بأن ابن السلطان ~~حاصر قلعة نكدة سبعة وعشرين يوما إلى أن أخذها عنوة في رابع عشر جمادى ~~الأولى، وقبض على من كان فيها وقيدهم، وهم مائة وثلاثة عشر رجلا. ثم توجه ~~في سادس عشر جمادى الأولى إلى مدينة لارندة . ثم في سابع عشرين جمادى ~~الأولى ركب السلطان من القلعة وأراد النزول بدار ابن البارزي على النيل ~~ببولاق فلم يطق ركوب الفرس وحركته، لما به من ألم رجله، فركب في محفة إلى ~~البحر، وحمل منها إلى الدار المذكورة، وصارت الطبلخاناه تدق هناك، وتمد ~~الأسمطة وتعمل ms2851 الخدمة على ما جرت به العادة بقلعة الجبل. ونزل الأمراء في ~~الدور التي حول بيت ابن البارزي وغيرها. واستمر السلطان في بولاق إلى أن ~~استهل شهر رجب الفرد في بيت ابن البارزي وهو يتنقل منه - وهو محمول على ~~الأعناق - تارة إلى الحمام التي بالحكر وتارة يوضع في الحراقة وتسير به على ~~ظهر النيل، فيسير فيها إلى رباط الآثار، ثم يحمل من الحراقة إلى رباط ~~الآثار المذكور، ثم يعود إلى بيت ابن البارزي، وتارة يسير فيها إلى القصر ~~ببر الجيزة بحري منبابة، وتارة يقيم بالحراقة وهو بوسط النيل نهاره كله. ~~PageV04P0038 # وقدم عليه الخبر في ثاني عشر شهر رجب المذكور أن ابن السلطان لما تسلم ~~نكدة استناب بها علي بك بن قرمان، ثم توجه بالعساكر إلى مدينة أركلي ~~فوصلها، ثم رحل منها إلى مدينة لارندة فقدمها في ثاني عشرين جمادى الآخرة، ~~وبعث بالأمير يشبك اليوسفي نائب حلب فأوقع بطائفة من التركمان، وأخذ ~~أغنامهم وجمالهم وخيولهم وموجودهم، وعاد فبعث الأمير ططر والأمير سودون ~~القاضي نائب طرابلس، والأمير شاهين الزردكاش نائب حماة، والأمير مراد خجا ~~نائب صفد، والأمير إينال الأرغزي، والأمير جلبان رأس نوبة سيدي المقام ~~الصارمي إبراهيم، وجماعته من التركمان، فكبسوا على محمد بن قرمان بجبال ~~لارندة في ليلة الجمعة سادس جمادى الآخرة، ففر محمد بن قرمان منهم فأخذ ~~جميع ما كان في وطاقه من خيل وجمال وأغنام وأثقال وقماش وأواني فضة وبلور، ~~وعاد الأمراء بتلك الغنائم. فاقتضى عند ذلك رأي ابن السلطان ومن معه الرجوع ~~إلى حلب، فعادوا في تاسع شهر رجب، فجهز السلطان إلى ولده بحلب ستة آلاف ~~دينار ليفرقها على الأمراء، ورسم له بأن يقيم بحلب لعمارة سورها، وسار ~~البريد بذلك. ثم ركب السلطان في رابع عشر شهر رجب من بيت ابن البارز ببولاق ~~بالحراقة إلى بيت التاجر نور الدين الخروبى ببر الجيزة تجاه المقياس، وكان ~~في مدة إقامته في بيت ابن البارزي قد أحضر الحراريق من ساحل مصر إلى ساحل ~~بولاق وزينت بأفخر زينة وأحسنها، وصار السلطان يركب في ms2852 الحراقة الذهبية ~~وبقية الحراريق سائرة معه مقلعة ومنحدرة، وتلعب بين يديه، كما كانت العادة ~~في تلك الأيام عند وفاء النيل ودوران المحمل في نصف شهر رجب. ولما كان أيام ~~دوران المحمل على العادة في كل سنة رسم السلطان لمعلم الرمح أن يعلم ~~الرماحة أن يسوقوا المحمل بساحل بولاق - وكان ساحل بولاق يوم ذاك برا وسيعا ~~ينظر الجالس في بيت ابن البارزي مدد عينه من جهة فم الخور - فتوجه المعلم ~~بالرماحة هناك في يوم المحمل، وساقوا بين يديه كما يسوقون في بركة الحبش ~~أيام أزمانهم وبالرميلة في يوم المحمل، وتفرجت الناس على المحمل في بولاق، ~~ولم يقع مثل ذلك في سالف الأعصار، فصار الشخص يجلس بطاقته فيتفرج على ~~المحمل وعلى البحر معا. فلما كان قريب الوفاء ركب السلطان، في الحراقة ~~الذهبية، والحراريق بين يديه بعد أن أقاموا بالزينة أياما والناس تتفرج ~~عليهم، وسار حتى نزل بالخروبية، فأرست الحراريق المزينة على ساحل مصر بدار ~~النحاس ، كما هي عادتها في السنين الماضية، إلى أن كان يوم الوفاء وهو يوم ~~سادس عشر رجب فركب السلطان من الخروبية في الحراقة، وسار إلى المقياس ومعه ~~الأمراء وأرباب الدولة حتى خلق المقياس على العادة. ثم سار في خليج السد ~~حتى فتحه، وركب فرسه في عساكره وعاد إلى القلعة، فكانت غيبته عن القلعة في ~~نزهته ثلاثين يوما بعدما انقضى للناس بساحل بولاق في تلك الأيام من ~~الاجتماعات والفرج أوقات طيبة إلى الغاية لم يسمع بمثلها، ولم يكن فيها - ~~بحمد الله - شيء مما ينكر كالخمور وغيرها، وذلك لإعراض السلطان عنها منذ ~~لازمه ألم رجله. ثم قم الخبر على السلطان بوصول ولده المقام الصارمي ~~بعساكره إلى حلب في ثالث شهر رجب، وأن الأمير تنبك العلائي ميق نائب الشام ~~واقع مصطفى وأباه محمد بن قرمان وإبراهيم بن رمضان على أدنة فانهزموا منه ~~أقبح هزيمة. ثم في عشرين شعبان تزايد ألم السلطان ولم يحمل إلى القصر ~~السلطاني، ولزم الفراش، واشتد به المرض. وخلع على التاج ابن سيفة باستقراره ~~أمير حاج المحمل. ثم ms2853 نصل السلطان من مرضه قليلا فركب في يوم سابع عشرين ~~شعبان من القلعة ونزل للفرجة على سباق الخيل. فسار بعساكره سحرا ووقف بهم ~~تحت قبة النصر وقد أعد للسباق أربعين فرسا فأطلق أعنتها من بركة الحاج ~~فأجرب منها حتى أتته ضحى النهار، فحصل له برؤيتها النشاط. ورجع من موقفه ~~إلى تربة الملك الظاهر برقوق، ووقف قريبا منها دون الساعة، ثم بعث المماليك ~~والجنائب والشطفة إلى القلعة، وتوجه إلى خليج الزعفران، فنزل بخاصته وأقام ~~به إلى آخر النهار، وركب إلى القلعة. ثم في.سلخ شعبان ركب السلطان أيضا من ~~قلعة الجبل إلى بركة الحبش وسابق بالهجن، ثم عاد إلى القلعة. PageV04P0039 # ثم في يوم الخميس أول شهر رمضان قدم الخبر أن ابن السلطان رحل من حلب في ~~رابع عشر شعبان، وأن محمد بن قرمان وولده مصطفى وإبراهيم بن رمضان وصلوا ~~إلى قيسارية في سادس عشر شعبان وحصروا بها الأمير ناصر الدين محمد بن ~~دلغادر نائبها فقاتلهم حتى كسرهم ونهب ما كان معهم، وقتل مصطفى وحملت رأسه، ~~وقبض على أبيه محمد بن قرمان - فسجن بها. ثم قدم رأس مصطفى بن محمد بن علي ~~بك بن قرمان إلى القاهرة في يوم الجمعة سادس عشر شهر رمضان، فطيف به بشوارع ~~القاهرة على رمح ثم غلق على باب النصر أحد أبواب القاهرة. وقدم الخبر أيضا ~~بمسير ابن السلطان من حلب وقدومه إلى دمشق في خامس شهر رمضان، فأرسل ~~السلطان الإقامات إلى ولده، إلى أن كان يوم سابع عشرين شهر رمضان المذكور ~~من سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة فركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى لقاء ~~ولده المقام الصارمي إبراهيم، وقد وصل إلى قطيا، فسار السلطان إلى بركة ~~الحاج، واصطاد بها. ثم ركب ومضى إلى جهة بلبيس، فقدم عليه الخبر بنزول ابن ~~السلطان الصالحية، فتقدم الأمراء عند ذلك وأرباب الدولة حتى وافوه بمنزلة ~~الخطارة. فلما عاينته الأمراء ترجلوا عن خيولهم، وسلموا عليه واحدا بعد ~~واحد، حتى قدم عليه القاضي ناصر الدين بن البارزي كاتب السر فنزل له المقام ~~الصارمي ms2854 عن فرسه - ولم ينزل لأحد قبله، لما يعلمه من تمكنه وخصوصيته عند ~~أبيه الملك المؤيد - وركب الجميع في خدمته، وعادوا بين يديه إلى العكرشة، ~~والسلطان واقف بها على فرسه. فنزل الأمراء المسافرون وقبلوا الأرض بين يدي ~~السلطان، ثم قبلوا يده واحدا بعد واحد إلى أن انتهى سلامهم، فنزل المقام ~~الصارمي عن فرسه وقبل الأرض، ثم قام ومشى حتى قبل الركاب السلطاني، فبكى ~~السلطان من فرحه بسلامة ولده، وبكى الناس لبكائه، فكانت ساعة عظيمة. ثم ~~سارا بموكبيهما الشامي والمصري إلى سرياقوس وباتا بها ليلة الخميس تاسع ~~عشرين شهر رمضان المذكور. وتقدمت الأثقال والأطلاب ودخلوا القاهرة. وركب ~~السلطان آخر الليل ورمى الطير بالبركة. ثم قدم عليه الخبر بكرة يوم الخميس ~~بوصول الأمير تنبك ميق نائب الشام، وكالت قد طلب، فوافى ضحى، وركب في ~~الموكب السلطاني. ودخل السلطان من باب النصر، فشق القاهرة - وقد زينت لقدوم ~~ولده - والأمراء عليها التشاريف، وعلى المقام الصارمي أيضا تشريف عظيم إلى ~~الغاية، وخلفه الأسراء الذين أخذوا من قلعة نكدة وغيرها في، الأغلال ~~والقيود، وهم نحو المائتين كلهم مشاة إلا أربعة فإنهم على خيول، منهم نائب ~~نكدة وثلاثة من أمراء ابن قرمان، وكلهم في الحديد. فسار الموكب إلى أن وصل ~~السلطان وولده إلى القلعة، فكان يوما مشهودا إلى الغاية لم ينله أحد من ~~ملوك مصر، فلهجت الناس بأن الملك المؤيد قد تم سعده. كل ذلك والسلطان لا ~~يستطيع المشي من ألم رجله. وأصبح يوم السبت أول شوال فصلى صلاة العيد ~~بالقصر لعجزه عن المضي إلى الجامع، لشدة ألم رجله وامتناعه من النهوض على ~~قدميه. ثم في ثالث شوال خلع على الأمير جقمق الأرغون شاوي الدوادار الكبير ~~باستقراره في نيابة الشام عوضا عن تنبك العلائي ميق بحكم عزله، وخلع على ~~الأمير مقبل الحسامي الدوادار الثاني باستقراره دوادارا كبيرا على إمرة ~~طبلخاناه، وأنعم السلطان بإقطاع جقمق الدوادار على الأمير تنبك ميق. ثم في ~~رابع شوال المذكور خلع السلطان أيضا على الأمير قطلوبغا التنمي أحد مقدمي ~~الألوف بالديار المصرية واستقر في ms2855 نيابة صفد عوضا عن الأمير قرامراد خجا، ~~ورسم بتوجه قرامراد خجا إلى القدس بطالا، وأنعم بإقطاع قطلوبغا التنمي على ~~الأمير جلبان الأمير آخور الثاني، وأنعم بإقطاع جلبان ووظيفته على الأمير ~~آقبغا التمرازي، فتجهز جقمق بسرعة وخرج في يوم سابع عشرة من القاهرة متوجها ~~إلى محل كفالته بدمشق. PageV04P0040 # ثم في يوم الجمعة حادي عشرينه نزل السلطان إلى جامعه بالقرب من باب ~~زويلة، وقد هيئت به المطاعم والمشارب، فمد بين يديه سماط عظيم، فأكل ~~السلطان منه والأمراء والقضاة والعسكر، وملئت،الفسقية التي.بصحن الجامع ~~سكرا مذابا، فشرب الناس منه، ثم أحضر الحلاوات، كل ذلك لفراغ الجامع ~~المذكور ولإجلاس قاضي القضاة شمس الدين محمد بن الديري الحنفي في مشيخة ~~الصوفية وتدريس الحنفية، وفرشت السجادة لابن الديري في المحراب، وقرر خطابة ~~الجامع المذكور للقاضي ناصر الدين محمد بن البارزي كاتب السر. ثم عرض ~~السلطان الفقهاء وقرر منهم من اختاره في الوظائف والتصوف. ثم استدعى قاضي ~~القضاة شمس الدين بن الديري وألبسه خلعة باستقراره في المشيخة، وجلس ~~بالمحراب والسلطان وولده الصارمي إبراهيم عن يساره، والقضاة عن يمينه، ~~ويليهم مشايخ العلم وأمراء الدولة، فألقى ابن الديري درسا عظيما وقع فيه ~~أبحاث ومناظرات بين الفقهاء، والملك المؤيد يصغي لهم ويعجبه الصواب من ~~قولهم، ويسأل عما لا يفهمه حتى يفهمه. قلت: هذا هو المطلوب من الملوك، ~~الفهم والذوق، لينال كل ذي رتبة رتبته، وينصف أرباب الكمالات - بين يديه - ~~من كل فن، فوا أسفاه على ذلك الزمان وأهله! واستمر البحث بين الفقهاء إلى ~~أن قرب وقت الصلاة ثم انفضوا. واستمر السلطان جالسا بمكانه إلى أن حان وقت ~~الصلاة. وتهيأ السلطان وكل أحد للصلاة، فخرج القاضي ناصر الدين بن البارزي ~~من بيت الخطابة وصعد المنبر، وخطب خطبة بليغة فصيحة من إنشائه، ثم نزل وصلى ~~بالناس صلاة الجمعة. فلما انقضت الصلاة خلع السلطان عليه باستقراره في ~~خطابة الجامع المذكور ووظيفة خازن الكتب. ثم ركب السلطان من الجامع المذكور ~~وعدى النيل إلى بر الجيزة فأقام به إلى يوم الأحد ثالث عشرينه، وعاد إلى ~~القلعة. ms2856 ثم ركب من القلعة في يوم الأحد أول ذي القعدة للصيد وعاد من يومه. ~~وفي يوم ثالثه سار الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي والأمير طوغان الأمير ~~آخور الكبير للحج على الرواحل من غير ثقل. ثم في يوم الجمعة سادس ذي القعدة ~~خلع السلطان على القاضي زين الدين عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن التفهني ~~الحنفي باستقراره قاضي قضاة الحنفية عوضا عن قاضي القضاة شمس الدين محمد بن ~~الديري المستقر في مشيخة الجامع المؤيدي برغبة ابن الديري، فإنه كان من ~~حادي عشرين شوال قد انجمع عن الحكم بين الناس ونوابه تقضي. وفيه أيضا عدى ~~السلطان النيل يريد سرحة البحيرة، وجعل نائب الغيبة الأمير إينال الأرغزي، ~~وسار السلطان حتى وصل مريوط. وعاد، فأدركه عيد الأضحى بمنزلة الطرانة، فصلى ~~بها العيد، وخطب كاتب سره القاضي ناصر الدين ابن البارزي. قلت: هكذا يكون ~~كتاب سر الملوك أصحاب علم وفضل ونظم ونثر وخطب وإنشاء، لا مثل جمال الدين ~~الكركي وشهاب الدين بن السفاح. ثم ارتحل السلطان من الغد وسار حتى نزل ببر ~~منبابة بكرة يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة. وعدى النيل من الغد ونزل ببيت ~~كاتب السر ابن البارزي، وبات به، ودخل الحمام التي أنشأها كاتب السر بجانب ~~داره. ثم عاد السلطان في يوم الاثنين رابع عشر ذي الحجة إلى القلعة، وخلع ~~على الأمراء والمباشرين على العادة. ثم نزل السلطان في يوم الجمعة ثامن ~~عشره إلى الجامع المؤيدي، وصلى به الجمعة، وخطب به كاتب السر ابن البارزي. ~~ثم حضر من الغد الأمير محمد بك بن علي بك بن قرمان صاحب قيسارية وقونية ~~ونكدة ولارندة وغيرها من البلاد وهو مقيد محتفظ به، فأنزل في دار الأمير ~~مقبل الدوادار ووكل به إلى ما سيأتي ذكره. PageV04P0041 # ثم في يوم الجمعة ثالث المحرم وصل الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي والأمير ~~طوغان أمير آخور من الحجاز، فكانت غيبتهما عن مصر تسعة وخمسين يوما. وفيه ~~استقر الأمير شاهين الزردكاش نائب حماة في نيابة طرابلس عوضا عن سودون ~~القاضي، واستقر في نيابة ms2857 حماة عوضا عن شاهين المذكور الأمير إينال الأرغزي ~~النوروزي نائب غزة، واستقر عوضه في نيابة غزة الأمير أركماس الجلباني أحد ~~مقدمي الألوف بالديار المصرية. ثم أفرج السلطان عن الأمير نكباي حاجب دمشق ~~من سجنه بقلعة دمشق واستقر في نيابة طرسوس، وأحضر نائبها الأمير تنبك أميرا ~~إلى حلب. واستقر الأمير خليل الدشاري أحد أمراء الألوف بدمشق في حجوبية ~~الحجاب بدمشق، وكانت شاغرة منذ أمسك نكباي. واستقر الأمير سنقر نائب قلعة ~~دمشق. واستقر الأمير آقبغا الأسندمري الذي كان ولي نيابة سيس ثم حمص حاجبا ~~بحماة عوضا عن الأمير سودون السيفي علان بحكم عزله واعتقاله، وكان بطالا ~~بالقدس. ثم في سادس عشر المحرم نقل الشيخ عز الدين عبد العزيز البغدادي من ~~تدريس الحنابلة بالجامع المؤيدي إلى قضاء الحنابلة بدمشق، واستقر عوضه في ~~التدريس بالجامع المذكور العلامة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي. ثم ~~في يوم الاثنين خامس صفر ركب السلطان من القلعة وعدى النيل ونزل بناحية ~~وسيم على العادة في كل سنة، وأقام بها إلى عشرين صفر، فركب وعاد من وسيم ~~إلى أن عدى النيل ونزل ببيت كاتب السر وبات به. وعمل الوقيد في ثاني ~~عشرينه، ثم ركب من الغد إلى القلعة. ثم في سادس عشرينه نزل السلطان من ~~القلعة إلى بيت الأمير أبي بكر الأستادار وعاده في مرضه، فقدم له أبو بكر ~~تقدمة هائلة. واستمر أبو بكر مريضا إلى أن مات، وتولى الأستادارية بعده ~~الأمير يشبك المؤيدي المعروف بأنالي - أي له أم - في يوم الخميس ثالث عشر ~~شهر ربيع الأول. ثم في هذا الشهر تحرك عزم السلطان على السفر إلى بلاد ~~الشرق لقتال قرا يوسف، وأخذ في الأهبة لذلك وأمر الأمراء بعمل مصالح السفر، ~~فشرعوا في ذلك. هذا وهو لا يستطيع الركوب ولا النهوض من شدة ما به من الألم ~~الذي تمادى برجله وكسحه، ولا ينتقل من مكان إلى آخر إلا على أعناق ~~المماليك، وهو مع ذلك له حرمة ومهابة في القلوب لا يستطيع أخصاؤه النظر إلى ~~وجهه إلا بعد أن ms2858 يتلطف بهم ويباسطهم حتى يسكن روعهم منه. ثم في أول شهر ~~ربيع الآخر وقع الشروع في بناء منظرة على الخمس وجوه بجوار التاج الخراب ~~خارج القاهرة بالقرب من كوم الريش لينشىء السلطان حوله بستانا جليلا ودورا، ~~ويجعل ذلك عوضا عن قصور سرياقوس، ويسرح إليها كما كانت الملوك تسرح إلى ~~سرياقوس منذ أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون. ثم في ثالث عشر شهر ربيع ~~الأخر المذكور ابتدأ بالسلطان ألم تجدد عليه من حبسة الإراقة ، مع ما ~~يعتريه من ألم رجله، واشتد به وتزايد ألم رجله. فلما كان يوم الأربعاء رابع ~~عشرين الشهر المذكور نادى السلطان بإبطال مكس الفاكهة البلدية والمجلوبة، ~~وهو في كل سنة نحو ستة الأف دينار سوى ما يأخذه الكتبة والأعوان، فبطل ونقش ~~ذلك على باب الجامع المؤيدي. ثم في يوم الخميس ثاني جمادى الأولى ابتدأ ~~بالمقام الصارمي إبراهيم ابن السلطان الملك المؤيد مرض موته، ولزم الفراش ~~بالقلعة إلى يوم الثلاثاء رابع عشره، فركب من القلعة في محفة لعجزه عن ركوب ~~الفرس ونزل إلى بيت القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل ناظر الخزانة ~~ببولاق، وأقام به، ثم ركب من الغد في النيل وعدى إلى الخروبية ببر، الجيزة، ~~وأقام بها وقد تزايد مرضه. وأما السلطان فإنه ركب من القلعة في يوم ثاني ~~عشر جمادى الأولى المذكور وتوجه إلى منظرة الخمس وجوه وشاهد ما عمل هناك، ~~ورتب ما اقتضاه نظره من ترتيب البناء، وعاد إلى بيت صلاح الدين خليل بن ~~الكويز ناظر الديوان المفرد المطل على بركة الرطلي، فأقام فيه نهاره وعاد ~~من آخره إلى القلعة. ثم في يوم السبت خامس عشرينه خلع السلطان على الشيخ ~~شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان البساطي المالكي شيخ الخانقاه الناصرية ~~فرج باستقراره قاضي قضاة المالكية بعد وفاة القاضي جمال الدين عبد الله بن ~~مقداد الأقفهسي. PageV04P0042 # ثم في يوم الأربعاء تاسع عشرينه نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى الميدان ~~الكبير الناصري بموردة الجبس، وكان قد خرب وأهمل أمره منذ أبطل الملك ~~الظاهر برقوق ms2859 الركوب إليه ولعب الكرة فيه، وتشعثت قصوره وجدرانه، وصار ~~منزلا لركب الحاج من المغاربة. فرسم السلطان في أول هذا الشهر للصاحب بدر ~~الدين حسن بن نصر الله بعمارته، فلما انتهى نزل السلطان إليه في هذا اليوم ~~وشاهد ما عمر به فأعجبه، ومضى إلى بيت ابن البارزي ببولاق وقد تحول المقام ~~الصارمي إبراهيم من الخروبية إلى قاعة الحجازية ، فزاره السلطان غير مرة ~~بالحجازية، وأنزل بالحريم السلطاني إلى بيت ابن البارزي فأقاموا عنده. فلما ~~كان يوم الجمعة أول جمادى الآخرة صلى السلطان صلاة الجمعة بالجامع الذي ~~جدده ابن البارزي تجاه بيته، وكان هذا الجامع يعرف قديما بجامع الأسيوطي ، ~~وخطب به وصلى قاضي القضاة جلال الدين البلقيني. ثم ركب السلطان من الغد في ~~يوم السبت ثاني جمادى الآخرة إلى الميدان المقدم ذكره وعمل به الخدمة ~~السلطانية، ثم توجه إلى القلعة وأقام بها إلى يوم الأربعاء سادسه فركب منها ~~ونزل إلى بيت ابن البارزي وأقام به أياما، ثم عاد إلى القلعة. ثم في يوم ~~الأربعاء ثالث عشره حمل المقام الصارمي إبراهيم من الحجازية إلى القلعة على ~~الأكتاف لعجزه عن ركوب المحفة، فمات ليلة الجمعة خامس عشره فارتجت القاهرة ~~لموته. فجهز من الغد وصلي عليه ودفن بالجامع المؤيدي، وشهد السلطان الصلاة ~~عليه ودفنه، مع عدم نهضته للقيام من شدة مرضه وللوجد الذي حصل له على ولده. ~~وأقام السلطان بالجامع المؤيدي إلى أن صلى به الجمعة. وخطب القاضي ناصر ~~الدين بن البارزي على العادة، وخطب خطبة بليغة من إنشائه، وشبك في الخطبة ~~الحديث الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - عند موت ولده إبراهيم " إن ~~العين لتدمع وإن القلب ليخشع وإنا لمحزنون على فراقك يا إبراهيم.. إلخ " . ~~فلما ذكر ذلك ابن البارزي على المنبر بكى السلطان وبكى الناس لبكائه فكانت ~~ساعة عظيمة. ثم ركب السلطان بعد الصلاة من الجامع المؤيدي وعاد إلى القلعة، ~~وأقام القراء يقرؤون القرآن على قبره سبع ليال . وفي هذه الأيام توقف النيل ~~عن الزيادة، وغلا سعر الغلال، ونودي بالقاهرة بالصيام ثلاثة أيام، ms2860 ثم ~~بالخروج إلى الصحراء للاستسقاء، فصام أكثر الناس وصام السلطان، فنودي ~~بزيادة إصبع عما نقصه. ثم نودي في يوم الأحد رابع عشرينه بالخروج من الغد ~~للصحراء خارج القاهرة. فلما كان الغد يوم الاثنين خرج شيخ الإسلام قاضي ~~القضاة جلال الدين البلقيني وسار حتى جلس في فم الوادي قريبا من قبة النصر ~~- وقد نصب هناك منبر - فقرأ سورة الأنعام، وأقبل الناس أفواجا من كل جهة ~~حتى كثر الجمع ومضى من شروق الشمس نحو الساعتين أقبل السلطان بمفرده على ~~فرس وقد تزيا بزي أهل الصوفية، واعتم على رأسه بمئزر صوف لطيف، ولبس على ~~بدنه ثوب صوف أبيض، وعلى عنقه مئزر صوف بعذبة مرخاة على بعض ظهره، وليس في ~~سرجه ولا شيء من قماش فرسه ذهب ولا حرير، فأنزل عن الفرس وجلس على الأرض من ~~غير بساط ولا سجادة مما يلي يسار المنبر، فصلى قاضي القضاة ركعتين كهيئة ~~صلاة العيد والناس وراءه يصلون بصلاته ثم رقى المنبر فخطب خطبتين حث الناس ~~فيهما على التوبة والاستغفار وأعمال البر وحذرهم ونهاهم، وتحول فوق المنبر ~~واستقبل القبلة ودعا فأطال الدعاء، والسلطان في ذلك كفه يبكي وينتحب وقد ~~باشر في سجوده التراب بجبهته. فلما انقضت الخطبة ركب السلطان فرسه مع عدم ~~قدرته على القيام، وإنما يحمل على الأكتاف حتى يركب، ثم يحمل حتى ينزل، ~~وسار إلى جهة القلعة والعامة محيطة به يدعون له، فكان هذا اليوم من الأيام ~~المشهودة. ومن أحسن ما نقل عنه في هذه الركبة أن بعض العامة دعا له حالة ~~الاستسقاء أن الله ينصره، فقال لهم الملك المؤيد: اسألوا الله فيما نحن ~~بصدده، وإنما أنا واحد منكم - فلله دره فيما قال. ثم في غده نودي على النيل ~~بزيادة اثني عشر إصبعا بعدما رد النقص، وهو قريب سبعة وعشرين إصبعا، فتباشر ~~الناس باستجابة دعائهم. PageV04P0043 # ثم قدم الخبر على السلطان بنزول قرا يوسف على بغداد وقد عصاه ولده شاه ~~محمد بها، فحاصروه ثلاثة أيام حتى خرج إليه، فأمسكه أبوه قرا يوسف واستصفى ~~أمواله، وولى عوضه على ms2861 بغداد ابنه أميرزه أصبهان، ثم عاد قرا يوسف إلى ~~مدينة تبريز لحركة شاه رخ بن تيمورلنك عليه. ثم في يوم الاثنين سابع عشر ~~شهر رجب ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى بيت كاتب السر ابن البارزي على ~~عادته ليقيم به ونزل الأمراء بالدور من حوله، وصارت الخدمة تعمل هناك، وكان ~~السلطان قد انقطع عن النزول إليه من يوم مات ابنه. ثم في يوم الأربعاء تاسع ~~عشره جمع السلطان خاصته ونزل إلى البحر وسبح فيه، وعام من بيت كاتب السر ~~إلى منية الشيرج ثم عاد في الحراقة، وكثر تعجب الناس من قوة سبحه مع زمانة ~~رجله وعجزه عن الحركة والقيام. ولما أراد أن ينزل للسباحة أقعد في تخت من ~~خشب كهيئة مقعد المحفة، وأرخي من أعلى الدار بحبال وبكر إلى الماء، فلما ~~عاد في الحراقة رفع في التخت المذكور من الحراقة إلى أعلى الدار حتى جلس ~~على مرتبته. فنودي من الغد على النيل بزيادة ثلاثين إصبعا، ولم يزد في هذه ~~السنة مثلها، فتيامن الناس بعوم السلطان في النيل، وعدوا ذلك من جملة ~~سعادته، وقالت العامة: الزيادة ببركته. ثم في يوم الجمعة حادي عشرين شهر ~~رجب المذكور ركب السلطان من بيت ابن البارزي في. الحراقة وتنزه على ظهر ~~النيل، وتوجه إلى رباط الآثار النبوية فزاره، وبر من هناك من الفقراء ~~والخدام وغيرهم، ثم عاد إلى المقياس بجزيرة الروضة فصلى الجمعة بجامع ~~المقياس، ورسم بهدمه وبنائه ثانيا وتوسعته، ففعل ذلك. ورسم أيضا بترميم ~~بلاط رباط، الآثار النبوية، ثم عاد إلى الجزيرة الوسطى وركب منها إلى ~~الميدان الناصري وبات به، وركب من الغد في يوم السبت إلى القلعة. ثم في ~~سابع عشرين شهر رجب المذكور من سنة ثلاث وعشرين قدم الخبر على السلطان من ~~الأمير عثمان بن طر علي المدعو قرا يلك صاحب آمد أنه كبس على بير عمر حاكم ~~أرزنكان من قبل قرا يوسف وأمسكه وقيده هو وأربعة وعشرين نفسا من أهله ~~ولاده، وأنه قتل من أعوانه ستين رجلا وغنم شيئا كثيرا،فسر ms2862 السلطان بذلك، ثم ~~إنه قتل بير عمر المذكور، وأرسل برأسه إلى السلطان، فوصل الرأس إلى القاهرة ~~في يوم الاثنين أول شعبان. وكان السلطان قد كتب محاضر بكفر قرا يوسف وولده ~~حاكم بغداد، فأفتى مشايخ العلم بجواز قتاله. ورسم السلطان للأمراء بالتجهيز ~~للسفر، وحملت إليهم النفقات، فوقع التجهيز في أمور السفر ونودي في رابع ~~شعبان المذكور بالقاهرة بين يدي الخليفة والقضاة الأربعة جميع نوابهم وبين ~~يديهم القاضي بدر الدين حسن البرديني أحد نواب الحكم الشافعية، وهو راكب ~~على بغلته وبيده ورقة يقرأ منها استنفار الناس لقتال قرا يوسف وتعداد ~~قبائحه ومساوئه. قلت: هو كما قالوه وزيادة، عليه وعلى ذريته اللعنة، فإنهم ~~كانوا سببا لخراب بغداد وأعمالها. وكانت بغداد منبع العلم ومأوى الصالحين ~~حتى ملكها هؤلاء التركمان رعاة الأغنام فساؤوا السيرة، وسلبوا الناس ~~أموالهم، وأخرب البلاد، وأبادوا العباد من الظلم والجور والعسف - ألا لعنة ~~الله على الظالمين. ثم في يوم الاثنين ثامن شعبان - ويوافقه خامس عشرين ~~مسرى أحد شهور القبط - أوفي النيل، فركب السلطان إلى المقياس حتى خلفه على ~~العادة، ركب الحراقة حتى فتح خليج السد على العادة. ثم في يوم الجمعة عقد ~~السلطان عقد الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي على ابنته بصداق جملته خمسة عشر ~~ألف دينار هرجه بالجامع المؤيدي بحضرة القضاة والأمراء والأعيان. هذا وقد ~~تهيأ القرمشي للسفر إلى البلاد الشامية مقدم العساكر، وأصبح من الغد في يوم ~~السبت ثالث عشر شعبان المذكور برز الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي طلبه من ~~القاهرة إلى الريدانية خارج القاهرة، ومعه من الأمراء مقدمي الألوف جماعة: ~~الأمير ألطنبغا من عبد الواحد المعروف بالصغير رأس نوبة النوب، والأمير ~~طوغان الأمير آخور الكبير، والأمير ألطنبغا المرقبي حاجب الحجاب، والأمير ~~جلبان أمير آخور - كان - والأمير جرباش الكريمي قاشق، والأمير آقبلاط ~~السيفي دمرداش، والأمير أزدمر الناصري، وندبهم السلطان للتوجه إلى حلب خشية ~~من حركة قرا يوسف. PageV04P0044 # وفيه نزل السلطان من القلعة إلى بيت ابن البارزي وأقام به إلى يوم ~~الثلاثاء سادس عشر شعبان، فتوجه إلى الميدان لعرض المماليك الرماحة، فتوجه ms2863 ~~إليه وجلس به، ولعبت مماليك السلطان بالرمح بين يديه مخاصمة، ولعب حتى ~~المعلمين، جعل لكل معلم خصما مثله ولعبهما بين يديه، فوقع بين الرماحة أمور ~~ومخاصمات، وأبدوا غرائب في فنونهم، كل ذلك لمعرفة الملك بهذا الشأن ومحبته ~~لأرباب الكمالات من كل فن. فلما انتهى لعبهم والإنعام عليهم - كل واحد بحسب ~~ما يليق به - وركب آخر النهار من الميدان المذكور على ظهر النيل في الحراقة ~~إلى بيت ابن البارزي ببولاق، وأقام به وعمل الخدمة به إلى أن ركب منه إلى ~~الميدان ثانيا في نهار السبت العشرين من شعبان، ولعبت الرماحة بين يديه، ~~وهم غير من تقدم ذكرهم، فإنه رسم أن في كل يوم من يومي السبت والثلاثاء ~~يلعب معلمان هما وصبيانهما - لا غير - مخاصمة. قلت: وهذه عادة الملوك، لما ~~تعرض المماليك بين أيديهم، لا يخاصم في كل يوم غير صبيان معلم مع صبيان ~~معلم آخر، لكن زاد الملك المؤيد بأن لعب المعلمين أيضا، فصار المعلم يقف ~~يمينا وصبيانه صف واحد تحته، ويقف تجاهه معلم آخر وصبيانه تحته، فيخرج ~~المعلم للمعلم ويتخاصمان إلى أن ينجزا أمرهما، ثم يخرج النائب للنائب الذي ~~يقابله من ذلك المعلم، ثم يخرج كل واحد لمن هو مقابله إلى أن يستتم العرض ~~بين الظهر والعصر أو قبل الظهر أو بعده بحسب قلة الصبيان وكثرتهم. ولما تم ~~العرض في نهار السبت المذكور بالميدان لم يتحرك السلطان من الميدان وبات ~~به. وأصبح يوم الأحد ركب الحراقة وتوجه في النيل إلى رباط الآثار النبوية ~~وزاره وتصدق به، ثم عاد إلى المقياس بالروضة وكشف عمارة جامعه، ثم عاد في ~~الحراقة إلى الميدان، فبات به. وعرض في يوم الاثنين أيضا، أراد بذلك إنجاز ~~أمرهم في العرض. ولما انتهى العرض في ذلك اليوم ركب الحراقة وتوجه إلى رباط ~~الآثار ثانيا وزاره، ثم عاد إلى جزيرة أروى المعروفة بالجزيرة الوسطانية، ~~ونزل بها في مخيمه، فأقام بها يومه وعاد إلى الميدان وبات به ليلتين. ثم ~~رجع في النيل إلى بيت كاتب السر ببولاق في يوم الخميس، ms2864 فبات به، وصلى ~~الجمعة بجامع كاتب السر، وخطب وصلى به قاضي القضاة جلال الدين البلقيني. ثم ~~ركب الحراقة بعد الصلاة وتوجه إلى الميدان وبات به. وركب إلى القلعة بكرة ~~يوم السبت سابع عشرين شعبان. كل ذلك والسلطان صائم في شهر رجب وشعبان لم ~~يفطر فيهما إلا نحو عشرة أيام عندما يتناول الأدوية بسبب ألم رجله، هذا مع ~~شدة الحر، فإن الوقت كان في فصل الصيف وزيادة النيل. ولما استهل شهر رمضان ~~بيوم الثلاثاء انتقض على السلطان ألم رجله ولزم الفراش. وصارت الخدمة ~~السلطانية تعمل بالدور السلطانية من قلعة الجبل لقلة حركة السلطان مما به ~~من الألم، وهو مع ذلك صائم لا يفطر إلا يوم يتناول فيه الدواء. ثم في رابع ~~عشر شهر رمضان المذكور خلع السلطان على الصاحب تاج الدين عبد الرزاق بن ~~الهيصم باستقراره ناظر ديوان المفرد بعد موت صلاح الدين خليل بن الكويز. ثم ~~في هذا الشهر أيضا ابتدأ مرض القاضي ناصر الدين بن البارزي كاتب السر الذي ~~مات به. واستمر السلطان ضعيفا شهر رمضان كله. فلما كان يوم الأربعاء أول ~~شوال صلى السلطان صلاة العيد بالقصر الكبير من قلعة الجبل عجزا عن المضي ~~إلى الجامع. ثم في رابعه ركب السلطان المحفة من قلعة الجبل ونزل إلى جهة ~~منظرة الخمس وجوه، التي استجدها بالقرب من التاج وقد كملت، والعامة تسميها ~~التاج والسبع وجوه وليس هو كذلك، وإنما هي ذات خمس وجوه، وأما التاج فإنه ~~خراب، وقد أنشأ به عظيم الدولة الصاحب جمال الدين بن يوسف ناظر الجيش ~~والخاص عمائر هائلة وسبيلا ومكتبا وبستانا وغير ذلك - انتهى. ولما توجه ~~السلطان إلى الخمس وجوه أقام به نهاره ثم عاد إلى القلعة، وأقام بها إلى ~~يوم الأربعاء خامس عشر شوال فغضب على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ~~ناظر الخواص وضربه بين يديه ضربا مبرحا، ثم أمر به فنزل إلى داره على ~~وظائفه من غير عزل. كل ذلك والسلطان مريض ملازم للفراش، غير أنه يتنقل من ~~مكان إلى مكان محمولا ms2865 على الأكتاف. PageV04P0045 # فلما كان يوم الاثنين عشرين شوال أشيع بالقاهرة موت السلطان، فاضطرب ~~الناس. ثم أفاق السلطان فسكنوا، فطلع أمير حاج المحمل الأمير تمرباي المشد ~~وقبل الأرض وخرج بالمحمل إلى بركة الحاج من يومه. وسافر الحاج وهو على تخوف ~~من النهب بسبب الاشاعات بموت السلطان. ثم في يوم الاثنين المذكور طلب ~~السلطان الخليفة والقضاة الأربعة والأمراء والأعيان وعهد إلى ولده الأمير ~~أحمد بالسلطنة من بعده، وعمره سنة واحدة ونحو خمسة أشهر وخمسة عشر يوما، ~~فإن مولده في جمادى الأولى من السنة الخالية، وجعل الأمير الكبير ألطنبغا ~~القرمشي القائم بتدبير ملكه إلى أن يبلغ الحلم، وأن يقوم بتدبير الدولة مدة ~~غيبة الأتابك ألطنبغا القرمشي إلى أن يحضر الأمراء الثلاثة وهم: قجقار ~~القردمي أمير سلاح، وتنبك العلائي ميق المعزول عن نيابة الشام، والأمير ططر ~~أمير مجلس. وحلف السلطان الأمراء على العادة، وأخذ عليهم الأيمان والعهود ~~بالقيام في طاعة ولده وطاعة مدبر مملكته، ثم حلف المماليك من الغد. ثم أفاق ~~السلطان وحضرت الأمراء الخدمة على العادة. وخلع في يوم السبت خامس عشرينه ~~على القاضي كمال الدين محمد بن البارزي باستقراره كاتب السر الشريف بالديار ~~المصرية بعد وفاة والده القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي، ونزل إلى بيته ~~في موكب جليل. وبعد يومين خلع السلطان على القاضي بدر الدين محمد بن محمد ~~بن أحمد الدمشقي المعروف بابن مزهر ناظر الإسطبل باستقراره في نيابة كتابة ~~السر عوضا عن كمال الدين بن البارزي المذكور. ثم في تاسع عشرين شوال ~~المذكور نصل السلطان من مرضه، ونقص ما كان به من الألم، ودخل الحمام، وتخلق ~~الناس بالزعفران وتداولت التهاني بالقلعة وغيرها، ونودي بزينة القاهرة ~~ومصر، وفرق السلطان مالا كثيرا في الفقراء والفقهاء والناس، وخلع على ~~الأطباء وأصحاب الوظائف. وكان السلطان لما مات القاضي ناصر الدين بن ~~البارزي طلب الذي خلفه من المال فلم يجد ولده شيئا، فظن السلطان أنه أخفى ~~ذلك، فحلفه ثم خلع عليه، ونزل على أن يقوم للسلطان من ماله بأربعين ألف ~~دينار. فلما كان يوم ms2866 الخميس سلخ شوال حضر إلى القاضي كمال الدين المذكور ~~شخص من الموقعين يعرف بشهاب الدين أبي درابة وقال له: " أنا أعرف لوالدك ~~ذخيرة في المكان الفلاني " ، فلما سمع القاضي كمال الدين كلامه أخذه في ~~الحال وطلع به إلى السلطان وعرفه مقالة شهاب الدين المذكور، فأرسل السلطان ~~في الحال الطواشي مرجان الهندي الخازندار وصحبته جماعة، ومعهم شهاب الدين ~~المذكور إلى بيت القاضي كمال الدين المذكور، فدخلوا إلى المكان وفتحوه ~~فوجدوا فيه سبعين ألف دينار، فأخذوها وطلعوا إلى السلطان. وقد سألت أنا ~~القاضي كمال الدين المذكور عن هذه الذخيرة، وقلت له: كان لك بها علم؟ فقال: ~~لا والله، ولا أعرف مكانها، فإني لم أحضرها حين جعلها الوالد بهذا المكان، ~~ولا عند أخذها أيضا، ولا عرفني بها قبل موته. غير أنه أوصى شهاب الدين ~~المذكور وشخصا آخر سماه أنه إذا مات يعرفاني بها. فلما عرفني شهاب الدين ~~بها لم أجد بدا من إعلام السلطان بها للأيمان التي كان حلفني أنني مهما ~~وجدته من مال الوالد أعرفه به. قلت: لله دره من كمال الدين! ما كان أعلى ~~همته وأحشمه وأسمحه!. ثم في يوم الاثنين رابع ذي القعدة ركب السلطان من ~~قلعة الجبل وشق القاهرة من باب زويلة وخرج من باب القنطرة، وتوجه إلى الخمس ~~وجوه وأقام بها إلى يوم الأربعاء سابع ذي القعدة، فركب منها وشق القاهرة من ~~باب القنطرة إلى أن خرج من باب زويلة وطلع إلى القلعة بعدما انقضى له ب ~~الخمس وجوه أوقات طيبة، وعمل بها الخدمة، وترددت الناس إليه بها لقضاء ~~حوائجهم وللفرجة أيضا. ولما طلع السلطان إلى القلعة أقام بها يوم الأربعاء ~~والخميس والجمعة، ثم نزل إليها ثانيا في يوم السبت تاسع ذي القعدة بخواصه ~~وبات بها. PageV04P0046 # ثم ركب من الغد في يوم الأحد، وتصيد ببر الجيزة وأقام هناك. وأمر بأخذ ~~خزانة الخاص من عند ناظر الخاص الصاحب بدر الدين بن نصر الله، فنزل إليه ~~زين الدين عبد الباسط بن خليل الدمشقي ناظر الخزانة والطواشي مرجان الهندي ~~الخازندار، وأخذا ms2867 منه خزانة الخاص وهو ملازم للفراش من يوم ضرب، وسلمت ~~للطواشي مرجان المذكور، فتحدث مرجان في وظيفة نظر الخاص عن السلطان من غير ~~أن تخلع عليه، وأنفق كسوة المماليك السلطانية نحو ثمانية آلاف دينار. وأقام ~~السلطان بمنظرة الخمس وجوه إلى يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي القعدة، فعاد إلى ~~القلعة في محفة، فأقام بالقلعة إلى يوم الجمعة خامس عشره فركب أيضا وتوجه ~~إلى منظرة الخمس وجوه وأقام بها إلى سابع عشره، وعاد إلى القلعة بعد أن ~~ألزم أعيان الدولة أن يعمروا لهم بيوتا بالقرب من الخمس وجوه المذكورة ~~لينزلوا فيها إذا توجهوا في ركاب السلطان، فشرع بعضهم في رمي الأساس، واختط ~~بعضهم أرضا. ثم ركب السلطان من القلعة بثياب جلوسه وشق القاهرة، وعبر من ~~باب زويلة، وخرج من باب القنطرة، وتوجه إلى منظرة الخمس وجوه وأقام بها ~~بخواصه إلى يوم الجمعة ثاني عشرين ذي القعدة فركب منها وعدى النيل إلى ~~الجيزة، يريد سرحة البحيرة على العادة في كل سنة، وقد تهيأ الناس لذلك ~~وخرجوا على عادتهم. وقبل أن يعدي السلطان النيل نزل بدار على شاطىء نيل ~~مصر، ودخل الحمام التي بجوار الجامع الجديد، واغتسل ظهر الجمعة، ثم خرج إلى ~~الجامع الجديد وصلى به الجمعة، ثم عدى النيل، وهو في كل ذلك يحمل على ~~الأكتاف، والذي يتولى حمله من خاصكيته جماعة منهم: خجا سودون السيفي بلاط ~~الأعرج، وتنبك من سيدي بك الناصري البجمقدار المصارع، ثم جاني بك من سيدي ~~بك المؤيدي. وأقام السلطان يومه بالجيزة، ثم ركب المحفة وسار بأمرائه ~~وعساكره إلى أن وصل إلى الطرانة فاشتد به المرض، فتجلد اليوم الأول ~~والثاني، فأفرط به الإسهال حتى أرجف بموته، وكادت تكون فتنة من كثرة كلام ~~الناس واختلاف أقوالهم، إلى أن ركب السلطان من الطرانة في النيل عجزا عن ~~المحفة، وعاد إلى جهة القاهرة حتى نزل بر منبابة، فأقام بها حتى نحر قليلا ~~من ضحاياه. ثم ركب النيل في الحراقة وعدى إلى بولاق في آخر نهار العيد، ~~ونزل في بيت كاتب السر ابن ms2868 البارزي على عادته، وبات به تلك الليلة. وأصبح ~~من الغد ركب في المحفة وطلع إلى قلعة الجبل في يوم الثلاثاء حادي عشر ذي ~~الحجة، وهو شديد المرض من الإسهال والزحير والحصاة والحمى والصداع ~~والمفاصل. وهذه آخر ركبة ركبها الملك المؤيد، ثم لزم الفراش إلى أن مات ~~حسبما نذكره. ولما كان ثامن عشر ذي الحجة قدم كتاب الملك العادل سليمان ~~الأيوبي صاحب حصن كيفا من ديار بكر على السلطان يتضمن موت الأمير قرا يوسف ~~بن قرا محمد صاحب تبريز والعراق في رابع عشر ذي القعدة مسموما فيما بين ~~السلطانية وتبريز، وهو متوجه لقتال القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك، ~~فلم يتم سرور السلطان بموته لشغله بنفسه. ثم في ثامن عشرين ذي الحجة وصل ~~مبشر الحاج، فطلبه السلطان وسأله عن أمور الحجاز. كل ذلك والسلطان صحيح ~~العقل، بل ربما دبر أمور مملكته في بعض الأحيان. ثم في يوم السبت تاسع ~~عشرينه أرجف في باكر النهار بموت السلطان،وكان أغمى عليه، فلما أفاق قيل له ~~إن بعض الناس يقول: سيدي أحمد ولد السلطان صغير صغرا لا تصح سلطنته. ~~وشاوروه في إثبات عهده فرسم لهم بذلك، فأثبت عهده على قاضي القضاة زين ~~الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي بالسلطنة، ثم نفذ العهد على بقية القضاة. ~~فكثر عند ذلك اضطراب الناس بالقاهرة واختلفت الأقوال في ضعف السلطان وأمره، ~~وتوقعوا فتنة، واشتد خوف خواص السلطان، ونقلوا ما في دورهم من القماش ~~المثمن وغير ذلك. واستهل المحرم من سنة أربع وعشرين وثمانمائة والسلطان ~~ملازم للفراش، وقد أفرط به الإسهال الدموي مع تنوع الأسقام وتزايد الآلام، ~~بحيث إنه لم يبق مرض من الأمراض حتى اعتراه في هذه الضعفة، غير أنه صحيح ~~العقل والفهم طلق اللسان. PageV04P0047 # فلما كان يوم الخميس خامس المحرم سنة أربع وعشرين المذكورة طلع الأمراء ~~والأعيان إلى قلعة الجبل وجلسوا على باب الستارة، فخرج إليهم بعض الخدام ~~واعتذر لهم عن دخولهم بشدة ضعف السلطان، فانصرفوا، وكانوا على هذا مدة ~~أيام، يطلعون في كل يوم موكب، ويجلسون بباب ms2869 الدور، ثم ينزلون من غير أن ~~يجتمعوا بالسلطان. هذا وقد افترقت الأمراء والعساكر فرقا: فرقة من أعيان ~~المؤيدية وكبيرهم الأمير ططر وقد خدعهم بتنميق كلامه وكثرة دهائه من أنه ~~يقوم بنصرة ابن أستاذهم، ويكون مدبر ملكه، وهو كواحد منهم والأمر كله ~~إليهم، وهو معهم كيف ما شاؤوا، ثم خوفهم من وثوب قجقار القردمي وركوبه لما ~~في نفسه من الملك، فمالوا إليه وانخدعوا له، وصاروا من حزبه لا يخفون عنه ~~أمرا من الأمور، هذا مع ما استمال ططر أيضا جماعة كبيرة من خشداشيته ~~الظاهرية في الباطن. وفرقة من أعيان الأمراء والمماليك السلطانية من جنس ~~التتر والسيفية وكبيرهم قجقار القردمي، وهو ظنين بنفسه مع ما اشتمل عليه من ~~سلامة الباطن - كما هي عادة جنس التتر - والجهل المفرط، مع انهماكه في ~~اللذات ليلا ونهارا. وفرقة صارت بمعزل عن الفريقين لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء، وهم الظاهرية مماليك برقوق وكبيرهم الأمير تنبك ميق، على أن ميلهم ~~في الباطن مع خشداشهم ططر، غير أنهم يخافون عواقب الأمور - لعدم أهلية ططر ~~لذلك - لكونه خلقه مثل الأتابك ألطنبغا القرمشي مع من معه من الأمراء ~~وعظمته في النفوس، ومثل جقمق الأرغون شاوي الدوادار نائب الشام، ومثل يشبك ~~اليوسفي المؤيدي نائب حلب، وأيضا مثل قجقار القردمي أمير سلاح. هذا مع كثرة ~~المماليك المؤيدية وشدة بأسهم، حتى لو أن ططر كفي هم الجميع من الأمراء لا ~~يستطيع الوثوب على الأمر من هؤلاء المؤيدية، فلذلك كف عن موافقته كثير من ~~خشداشيته في مبادىء الأمر، فلم يلتفت ططر إلى كلام متكلم، وأخذ فيما هو فيه ~~من إبرام أمره، ولسان حاله يقول: إما إكديش أو نشابة للريش، فإنه كان في ~~بحبوحة من الفقر والإفلاس والخوف من الملك المؤيد، فلما وجد المقال قال، ~~وانتهز الفرصة إما بها أو عليها. ولما عظم اضطراب الناس بالقاهرة أجمع ~~الأمراء على تولية التاج بن سيفة الشوبكي أستادار الصحبة ولاية القاهرة على ~~عادته أولا، كخلع عليه بحضرة الأمراء في بعض دور القلعة باستقراره في ولاية ~~القاهرة بعد عزل ms2870 ابن فري، فنزل التاج إلى القاهرة بخلعته، وشق الشوارع ~~وأبرق وأرعد، وكثر من الوعيد لأرباب الفساد، فلم يلتفت أحد إلى كلامه، ومضى ~~إلى بيته. هذا وقد اشتد الأمر بالسلطان الملك المؤيد من الآلام والأرجاف ~~تتواتر بموته، والناس في هرج إلى أن توفي قبيل الظهر من يوم الاثنين تاسع ~~المحرم من سنة أربع المقدم ذكرها، فارتج الناس لموته ساعة ثم سكنوا. وطلع ~~الأمراء القلعة وطلبوا الخليفة المعتضد بالله داود والقضاة والأعيان لإقامة ~~الأمير أحمد بن السلطان في السلطنة، فخلع عليه فتسلطن، وتم أمره حسبما ~~سنذكره في محله من هذا الكتاب في حينه إن شاء الله تعالى. ثم أخذوا في ~~تجهيز السلطان الملك المؤيد وتغسيله وتكفينه. PageV04P0048 # قال الشيخ تقي الدين المقريزي: وأخذ في جهاز المؤيد وصلي عليه خارج باب ~~القلعة، وحمل إلى الجامع المؤيدي فدفن بالقبة قبيل العصر، ولم يشهد دفنه ~~كثير أحد من الأمراء والمماليك لتأخرهم بالقلعة. واتفق في أمر المؤيد موعظة ~~فيها أعظم عبرة، وهو أنه لما غسل لم توجد له منشفة ينشف فيها، فنشف بمنديل ~~بعض من حضر غسله، ولا وجد له مئزر تستر به عورته حتى أخذ له مئزر صوف صعيدي ~~من فوق رأس بعض جواريه فستر به، ولا وجد له طاسة يصب بها عليه الماء وهو ~~يغسل مع كثرة ما خلفه من الأموال، ومات وقد أناف على الخمسين. وكانت مدة ~~ملكه ثماني سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام. وكان شجاعا مقداما، يحب أهل ~~العلم ويجالسهم، ويجل الشرع النبوي ويذعن له، ولا ينكر على طلب من إذا ~~تحاكم إليه أن يمضي من بين يديه إلى قضاة الشرع، بل يعجبه ذلك، وينكر على ~~أمرائه معارضة القضاة في أحكامهم. وكان غير مائل إلى شيء من البدع. وله ~~قيام في الليل إلى التجهد أحيانا. إلا أنه كان بخيلا مسيكا يشح حتى بالأكل، ~~لجوجا غضوبا نكدا حسودا معيانا، يتظاهر بأنواع المنكرات، فحاشا سبابا، شديد ~~المهابة، حافظا لأصحابه غير مفرط فيهم ولا مطيع لهم. وهو أكبر أسباب خراب ~~مصر والشام، لكثرة ما كان يثيره ms2871 من الشرور والفتن أيام نيابته بطرابلس ~~ودمشق، ثم ما أفسده في أيام ملكه من كثرة المظالم ونهب البلاد وتسليط ~~أتباعه على الناس يسومونهم الذلة، ويأخذون ما قدروا عليه بغير وازع من عقل ~~ولا ناه من دين، - انتهى كلام المقريزي برمته بعد تخبيط عظيم. قلت: وكان ~~يمكنني الرد عليه في جميع ما قاله بحق، غير أنني لست مندوبا إلى ذلك، فلهذا ~~أضربت عن تسويد الورق وتضييع الزمان. والذي أعرفه أنا من حاله أنه كان ~~سلطانا جليلا مهابا شجاعا مقداما عاقلا نقادا. حدثني الأمير أرنبغا اليوسفي ~~الناصري - رحمه الله - قال: كان المؤيد ينظر إلى الرجل وينقده بعينيه فيعرف ~~من حاله ما يكتفي به عن السؤال عنه، ثم يعطيه من الرزق والاقطاعات ما يليق ~~بشأنه كما يصف الطبيب الحاذق إلى المريض من الدواء، فإن كان الرجل أعجبه ~~رقاه في أقل مدة إلى أعلى المراتب، وإن كان غير ذلك شح عليه حتى بالاقطاع ~~الذي يعمل عشرة آلاف درهم في السنة - انتهى كلام أرنبغا. قلت: هذا هو ~~المطلوب من الملوك وإلا يضيع الصالح بالطالح. وكان المؤيد عالي الهمة، كثير ~~الحركات والأسفار، جيد التدبير، حسن السياسة، يباشر الأحكام بنفسه، مع ~~معرفة تامة وحذق وفطنة وجودة حدس في أموره، عظيم السطوة على مماليكه ~~وأمرائه، هينا مع جلسائه وندمائه، طروبا يميل إلى سماع الشعر والأصوات ~~الطيبة، على أنه كان يحسن أيضا أداء الموسيقى ويقوله في مجالس أنسه. وكان ~~يميل إلى الدقة الأدبية ويفهمها بسرعة: قيل. نظر مرة إلى اسمه وهو مكتوب ~~على بعض الحيطان، وقد كتب الدهان الشين من اسم شيخ بجرة واحدة، فلما نظر ~~المؤيد قال: مسكين شيخ بلا سنينات، وله أشياء كثيرة من ذلك وكان يشارك ~~الفقهاء في أبحاثهم ويتصور أقوالهم ويطرح عليهم المسائل المشكلة، هذا مع ~~ميله لأرباب الكمالات من كل علم وفن، وتعجبه المداعبة اللطيفة. حدثني ~~القاضي كمال الدين بن البارزي كاتب السر الشريف بالديار المصرية - رحمه ~~الله - قال: كان المؤيد جالسا بالبارزية على المقعد المطل على النيل، ~~ومحمود بن الأمير قلمطاي الدوادار واقفا ms2872 بجانبه، ووالدي من جهة أخرى وهو ~~يقرأ القصص على السلطان، وكان في جملة القصص قصة الشيخ عاشق محمود العجمي ~~أحد ندماء السلطان، فلما قرأ الوالد قصة عاشق محمود قال: المملوك وأشار ~~بيده إلى نفسه ثم قال: عاشق محمود وأشار بإصبعه إلى محمود بن قلمطاي - وكان ~~من أجمل الناس صورة - فلم يفطن لذلك أحد غير السلطان، فضحك وقال: تموت بهذه ~~الحسرة. PageV04P0049 # وحدثني بعض أعيان المؤيدية قال: كان الأمير طوغان الأمير آخور أرسل إلى ~~جاني بك الساقي أحد خواص الملك المؤيد ألف دينار ليزوره، فعرف جاني بك ~~المذكور السلطان بذلك، فاشتد غضب السلطان وأرسل في الحال خلف طوغان ~~المذكور. فلما تمثل بين يديه سأله السلطان بذلك، فقال طوغان: نعم أرسلت ~~إليه ألف دينار ووالله العظيم لو لم يكن مملوكك لكنت ترسل أنت إليه عشرة ~~آلاف دينار، فتلومني أن أرسلت إليه ألف دينار؟! - يقول ذلك وهو في غاية ~~الحنق - فزال غضب الملك المؤيد وضحك حتى استلقى على قفاه . كل ذلك وهو ~~محتفظ على ناموس الملك والسير على ترتيب من تقدمه من الملوك في سائر أموره ~~وحركاته. وقد تسلطن وأحوال المملكة غير مستقيمة مما جدده الملك الناصر فرج ~~من الوظائف والاستكثار من الخاصكية، حتى إن خاصكيته زادت عدتهم على ألف ~~نفر، فلا زال المؤيد بهم حتى جعلهم ثمانين خاصكيا كما كانت أيام أستاذه ~~الملك الظاهر برقوق، وكانت الدوادارية نحو ثمانين دوادارا، فلا زال حتى ~~جعلهم ستة، وكذلك الخازندارية والبجمقدارية والحجاب. وكان يتأمر الشخص في ~~أيامه ويقيم سنين ولم يسمح له بلبس تخفيفة على رأسه، كل ذلك مراعاة لأفعال ~~السلف. وكان عارفا بأنواع الملاعيب، رأسا في لعب الرمح وسوق البرجاس، قويا ~~في ضرب السيف والرمي بالنشاب، ماهرا في فنون كثيرة جد وهزل، لا يعجبه إلا ~~الكامل في فنه. دخلت إليه مرة وأنا في الخامسة، فعلمني - قبل دخولي إليه - ~~بعض من كان معي أن أطلب منه خبزا. فلما جلست عنده وكلمني سألته في ذلك، ~~فغمز من كان واقفا بين يديه وأنا لا أدري، فأتاه برغيف كبير ms2873 من الخبز ~~السلطاني، فأخذه بيده وناولنيه وقال: خذ هذا خبز كبير مليح، فأخذته من يده ~~وألقيته إلى الأرض، وقلت: أعط هذا للفقراء، أنا ما أريد إلا خبزا بفلاحين ~~يأتونني بالغنم والأوز والدجاج، فضحك حتى كاد أن يغشى عليه، وأعجبه مني ذلك ~~إلى الغاية، وأمر لي بثلاثمائة دينار، ووعدني بما طلبته وزيادة - انتهى. ~~وكان يحسن تربية مماليكه إلى الغاية، ولا يرقيهم إلا بعد مدة طويلة، ولذلك ~~لم يخمل منهم أحد. بعد موته - فيما أعلم. وكان يميل إلى جنس الترك ويقدمهم، ~~حتى إن غالب أمرائه كانوا أتراكا.وكان يكثر من استخدام السيفية ويقول: ~~هؤلاء قاسوا خطوب الدهر، وتأدبوا، ومارسوا الأمور والوقائع. وكان عارفا ~~بتعبئة العساكر في القتال، ثباتا في الحروب، محجاجا في الأجوبة. قيل له: إن ~~الناس تقول عنك إنك قتلت من أعيان الملوك نحو ثمانين نفسا، فقال: ما قتلت ~~واحدا منهم إلا وقد استحق القتل قبل ذلك، والسلطان له أن يقتل من اختار ~~قتله، وشنع عنه هذه المقالة من لا يعرف معناها من الأتراك الذين يقصر فهمهم ~~عن إدراك المعاني. وأما فعله من وجوه البر فكثير، وله مآثر مشهورة به، ~~وعمائر كثيرة، أعظمها: الجامع المؤيدي الذي لم يبن في الإسلام أكثر زخرفة ~~منه بعد الجامع الأموي بدمشق، ثم تجديده لجامع المقياس، ثم لمدرسة الخروبية ~~بالجيزة، وأشياء غير ذلك كثيرة. وأما ما خلفه من الأموال والخيول والجمال ~~والسلاح فكثير جدا لم أقف على تحرير قدره. وخلف من الأولاد ستة - فيما أعلم ~~- ذكرين أحدهما الملك المظفر أحمد، وأربع بنات، الجميع دون البلوغ - انتهى ~~والله سبحانه أعلم. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة المؤيد شيخ # وهي سنة خمس عشرة وثمانمائة. على أن السلطان الملك الناصر فرجا حكم منها ~~إلى يوم السبت خامس عشرين المحرم، ثم حكم من يومئذ الخليفة المستعين العباس ~~إلى أن خلع من السلطنة بالملك المؤيد هذا في يوم الإثنين مستهل شعبان، فحكم ~~المؤيد من مستهل شعبان إلى آخرها، فهي على هذا التقدير أول سنة حكمها من ~~سلطنته. فيها - أعني سنة خمس عشرة وثمانمائة ms2874 - توفي قاضي قضاة دمشق شهاب ~~الدين أبو العباس أحمد بن إسماعيل بن خليفة الدمشقي الشافعي، المعروف بابن ~~الحسباني، في يوم الأربعاء عاشر شهر ربيع الأول بها، عن خمس وسبعين سنة ~~وأشهر. وكان معدودا من فقهاء الشافعية. أفتى ودرس سنين، وتولى قضاء دمشق، ~~وقدم القاهرة غير مرة. PageV04P0050 # وتوفي قاضي القضاة محب الدين محمد بن محمد بن محمد الحلبي الحنفي، ~~المعروف بابن الشحنة، في يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر بحلب عن ست ~~وستين سنة. وكان إماما عالما بارعا، أفتى ودرس بحلب ودمشق والقاهرة، وولي ~~القضاء بحلب ثم بدمشق، ثم ولاه الملك الناصر فرج، قضاء الديار المصرية لما ~~حوصر بدمشق، في يوم الخميس ثالث عشرين المحرم من هذه السنة، عوضا عن ناصر ~~الدين بن العديم، بحكم توجهه إلى شيخ ونوروز، فلم تطل مدته وعزل من قبل ~~المستعين، وأعيد ابن العديم. وتوفي الوالد - وهو على نيابة دمشق بها - في ~~يوم الخميس سادس عشر المحرم. ونذكر التعريف به: فهو تغري بردي بن عبد الله ~~من خواجا بشبغا. كان رومي الجنس. اشتراه الملك الظاهر برقوق في أوائل ~~سلطنته، وأعتقه، وجعله في يوم عتقه خاصكيا، ثم جعله ساقيا، وأنعم عليه بحصة ~~من شبين القصر، ثم جعله رأس نوبة الجمدارية إلى أن نكب الملك الظاهر برقوق ~~وخلع وحبس بسجن الكرك، فحبس الوالد بدمشق، فإنه كان قد توجه مع من توجه من ~~عسكر السلطان لقتال الناصري ومنطاش، فقبض عليه هناك، وسجن. ودام في سجن ~~دمشق إلى أن أخرجه الأمير بزلار العمري نائب دمشق، وجعله بخدمته هو ودمرداش ~~المحمدي ودقماق المحمدي. واستمر الوالد بدمشق إلى أن خرج الملك الظاهر ~~برقوق من سجن الكرك، فبادر الوالد بالتوجه إليه قبل أن يستفحل أمره، وحضر ~~معه الوقعة المشهورة التي كانت بينه وبين منطاش. وحمل الوالد في الوقعة ~~المذكورة على شخص من أمراء منطاش يسمى آقبغا اليلبغاوي، فقنطره عن فرسه، ~~فسأل برقوق عنه، فقيل له تغري بردي، فتفاءل برقوق باسمه، لأن معناه: الله ~~أعطى، وأنعم عليه بإقطاع إمرة طبلخاناه دفعة واحدة، مع ms2875 أنه كان أنعم عليه ~~قبل خروجه للسفر بإمرة عشرة، غير أنه لم يباشر ذلك. ثم أرسله الملك الظاهر ~~برقوق، إلى مصر يبشر من بها بسلطنته ونصرته على منطاش، ودخل الظاهر في أثره ~~إلى مصر. وبعد قليل أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ثم ~~جعله رأس نوبة النوب، ثم ولاه نيابة حلب بعد جلبان قراسقل. ثم عزله، وأنعم ~~عليه بتقدمة ألف بمصر على خبز شيخ الصفوي الخاصكي أمير مجلس. وقبل أن يخلع ~~عليه بإمرة مجلس نقله إلى إمرة سلاخ عوضا عن بكلمش العلائي بحكم مسكه. ~~واستمر على ذلك إلى أن كانت وقعة الأتابك أيتمش مع الملك الناصر فرج في سنة ~~اثنتين وثمانمائة. وكان الوالد قد انضم على أيتمش هو وجماعة من الأمراء - ~~حسبما ذكرناه في ترجمة الملك الناصر فرج - وانهزم الجميع بعد الوقعة، ~~وخرجوا من مصر إلى الأمير تنم نائب الشام، وعادوا صحبته، فانكسر تنم أيضا، ~~وقبض على الجميع، وقتلوا بقلعة دمشق إلا الوالد لشفاعة أم الملك الناصر فيه ~~وآقبغا الأطروش، وقتل من عداهما. ودام الوالد بسجن قلعة دمشق إلى أن أطلق، ~~وتوجه إلى القدس بطالا بسفارة أم الملك الناصر أيضا، فدام بالقدس إلى أن ~~طلبه الملك الناصر بغزة وخلع عليه بنيابة دمشق، عوضا عن سودون قريب الملك ~~الظاهر برقوق، بحكم أسره مع تيمور. فحكم الوالد دمشق مدة، ثم انهزم مع ~~الملك الناصر فرج، إلى الديار المصرية، واستولى تيمور على دمشق. وأنعم ~~الملك الناصر فرج، على الوالد بتقدمة ألف بالقاهرة، فدام مدة يسيرة، وخلع ~~عليه أيضا بإعادته لنيابة دمشق، بعد خروج تيمور منها، كل ذلك في سنة ثلاث ~~وثمانمائة. فتوجه الوالد إليها، وأقام بها إلى أن بلغه نية الملك الناصر ~~بالقبض عليه، ففر منها وتوجه إلى دمرداش نائب حلب، وعصيا معا، ووقع لهما ~~أمور وحروب إلى أن انهزما. وتوجه الوالد إلى بلاد التركمان، فأقام بها مدة ~~إلى أن طلب إلى الديار المصرية، وأنعم عليه بتقدمة ألف، وأجلس رأس الميسرة ~~أتابكا. واستمر على ذلك إلى أن اختفى الملك الناصر فرج، ms2876 وخلع بأخيه المنصور ~~عبد العزيز، فخرج الوالد من الديار المصرية على البرية بجماعة من مماليكه ~~إلى أن توجه إلى القدس، فدام في برية القدس إلى أن عاد الملك الناصر أفرج، ~~إلى السلطنة ودخل على الأخت، وكان الناصر عقد عقده عليها قبل خلعه بحضرة ~~الوالد PageV04P0051 # فلما تسلطن ثانيا دخل بها في غيبة الوالد. ثم أرسل الناصر فرج بطلب ~~الوالد فحضر الوالد على حاله أولا إلى أن خلع عليه الملك الناصر باستقراره ~~أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن يشبك الشعباني في سنة عشر ~~وثمانمائة، فدام على ذلك إلى أن نقل إلى نيابة دمشق في أواخر سنة ثلاث عشرة ~~وثمانمائة، على كره منه بعد واقعة الكرك - وقد ذكرنا سبب ولايته في ترجمة ~~الملك الناصر، لما كان على حصار الكرك - فدام على نيابة دمشق إلى أن مات في ~~ولايته هذه، وهي الثالثة لنيابة دمشق، ودفن بتربة الأمير تنم معه في فسقية ~~واحدة. ولا أعلم من أخباره شيئا لصغر سني في حياته، فإن كان مشكور السيرة ~~فالله تعالى ينفعه بفعله، وإن كان غير ذلك فالله تعالى يرحمه بفضله. وخلف ~~الوالد عشرة أولاد، ستة ذكور وأربع إناث، أسن الجميع خوند فاطمة توفيت سنة ~~ست وأربعين، ثم الزيني قاسم في قيد الحياة، ومولده قبل القرن، ثم الشرفي ~~حمزة توفي سنة تسع وأربعين بالطاعون، ثم بيرم ماتت في سنة ست وعشرين، ثم ~~هاجر توفيت سنة خمس وأربعين، ثم إبراهيم توفي سنة ست وعشرين، ثم محمد مات ~~سنة تسع عشرة وثمانمائة، ثم إسماعيل مات سنة ثلاث وثلاثين بالطاعون، ثم ~~شقراء في قيد الحياة، ثم كاتبه عفا الله تعالى عنه، وأنا أصغر الجميع ~~ومولدي بعد سنة إحدى عشرة وثمانمائة تخمينا. وخلف الوالد من الأموال ~~والسلاح والخيول والجمال شيئا كثيرا إلى الغاية، استولى على ذلك كله الملك ~~الناصر فرج لما عاد إلى دمشق منهزما من الأمير شيخ ونوروز، ثم قتل الملك ~~الناصر بعد أيام، وتركنا فقراء من فقراء المسلمين، فلم يضيعنا الله سبحانه ~~وتعالى، وأنشأنا على أجمل وجه من غير مال ms2877 ولا عقار، ولله الحمد. وتوفي ~~الأمير سيف الدين بكتمر بن عبد الله الظاهري المعروف بجلق بالقاهرة في ثامن ~~جمادى الآخرة من مرض تمادى به نحو الشهرين. وأصل ضعفه أن عقربا لسعته بطريق ~~دمشق في عوده إلى القاهرة صحبة الخليفة المستعين بالله. وبموته خلا الجو ~~للملك المؤيد شيخ، حتى تسلطن، فإنه كان أمر عليه من نوروز الحافظي. وكان ~~بكتمر أميرا جليلا شجاعا مهابا كريما متجملا في مماليكه ومركبه ومأكله، وقد ~~ولي نيابة صفد ثم نيابة طرابلس ثم نيابة دمشق غير مرة، ووقع له حروب مع ~~الملك المؤيد شيخ أيام إمرته حسبما ذكرنا ذلك كله مفصلا في ترجمة الملك ~~الناصر فرج - رحمه الله. وقتل في هذه السنة جماعة كبيرة في واقعة الملك ~~الناصر مع الأمراء في اللجون وغيره. وممن قتل في هذه الوقعة الأمير سيف ~~الدين مقبل بن عبد الله الرومي الظاهري أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية - ~~وهو الذي كان زوجه السلطان الملك الناصر بأخته خوند سارة زوجة الأمير نوروز ~~الحافظي - والأمير سيف الدين ألطنبغا بن عبد الله المعروف بسقل، والأمير ~~سيف الدين بلاط بن عبد الله الناصري الأعرج شاد الشراب خاناه - وكان ممن ~~قبض عليه في وقعة اللجون - ووسطه الأمير شيخ المحمودي بعد أيام، وكان بلاط ~~المذكور من مساوىء الدهر، فاسقا متهتكا زنديقا يرمى بعظائم في دينه. قيل ~~إنه كان يقول للملك الناصر فرج: أنت أستاذي وأبي وربي ونبي، أنا لا أعرف ~~أحدا غيرك، وكان يسخر ممن يصلي، ويضحك عليه، وعد قتله من حسنات الملك ~~المؤيد شيخ، - انتهى. وقتل، الأمير بلاط الظاهري أمير علم، وكان أيضا ممن ~~يباشر قتل خشداشيته المماليك الظاهرية، فوسطه أيضا المؤيد، كل ذلك قبل ~~سلطنته والملك الناصر محصور بدمشق. وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد ~~الله الظاهري المعروف بسودون الجلب، بعد أن ولي نيابة طرابلس ولم يدخلها، ~~ثم ولي نيابة حلب، فتوجه إليها وهو مريض من جرح أصابه في حصار الملك الناصر ~~فرج، فمات منه في شهر ربيع الآخر. وكان من الشجعان، يحكى عنه أعاجيب من ms2878 ~~خفته وشجاعته وسرعة حركته، وقد تقدم ذكره في عدة مواطن، وهو أستاذ الأمير ~~الكبير يشبك السودوني المشد أتابك العساكر بديار مصر في دولة الملك الظاهر ~~جقمق. وتوفي الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله العثماني الظاهري، أحد ~~مقدمي الألوف بالديار المصرية في يوم الجمعة أول صفر، من جرح أصابه في رأسه ~~عند حصار دمشق. وكان من أعيان المماليك الظاهرية، وممن انضم مع الملك ~~المؤيد شيخ أيام تلك الفتن. PageV04P0052 # وتوفي السلطان ملك الهند صاحب بنجالة، غياث الدين أبو المظفر ابن السلطان ~~إسكندر شاه. وكان من أجل ملوك الهند، وممالكه متسعة جدا. وتوفي الأمير سيف ~~الدين قطلوبغا بن عبد الله الخليلي، نائب إسكندرية بها في هذه السنة. وتوفي ~~الشيخ جمال الدين عبد الله بن محمد بن طيمان، المعروف بالطيماني الشافعي. ~~قتل بدمشق في الفتنة ليلة الجمعة ثامن صفر، وكان من الفضلاء. انتقل من ~~القاهرة إلى دمشق وسكنها. وتوفي الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد ~~بن عماد بن علي بن الهائم المصري الشافعي بالقدس. وكان فقيها بارعا في ~~الحساب والفرائض، وله مشاركة في فنون. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثلاثة أذرع سواء. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة المؤيد شيخ # وهي سنة ست عشرة وثمانمائة. فيها توفي الشيخ الإمام فخر الدين عثمان بن ~~إبراهيم بن أحمد البرماوي الشافعي، شيخ القراء بمدرسة الملك الظاهر برقوق، ~~في يوم الاثنين تاسع عشر شعبان فجأة بعد خروجه من الحمام. وكان بارعا في ~~الفقه والحديث والقراءات والعربية وغير ذلك، وتصدى للإقراء سنين. وتوفي ~~قاضي القضاة صدر الدين علي بن أمين الدين محمد بن محمد الدمشقي الحنفي ~~المعروف بابن الأدمي، قاضي قضاة دمشق، وكاتب سرها، ثم قاضي القضاة بالديار ~~المصرية، في يوم السبت ثامن شهر رمضان بالقاهرة وهو قاض. ومولده بدمشق في ~~سنة سبع وستين وسبعمائة. وكان إماما بارعا أديبا فصيحا ذكيا. ولي نظر جيش ~~دمشق، ثم كتابة سرها، ثم قضاءها، ثم نقله الملك المؤيد إلى الديار المصرية، ms2879 ~~وولاه قضاءها بعد عزل قاضي القضاة ناصر الدين بن العديم، ثم جمع له بين ~~القضاء وحسبة القاهرة، إلى أن مات. ولما ولي كتابة السر بدمشق بعد عزل ~~الشريف علاء الدين قال فيه العلامة شهاب الدين أحمد بن حجي: الطويل تهن ~~بصدر الدين يا منصبا سما ... وقل لعلاء الدين أن يتأدبا له شرف عال وبيت ~~ومنصب ... ولكن رأينا السر للصدر أنسبا وفيه يقول الشيخ شمس الدين محمد بن ~~إبراهيم المزين الدمشقي: الطويل ولاية صدر الدين للسر كاتبا ... لها في ~~النفوس المطمئنة موقع فإن يضعوا الأشيا إذا في محلها ... فلم يك غير السر ~~للصدر موضع قلت: وهجاه أيضا بعضهم فقال: الرجز كتابة السر غدت ... وجودها ~~كالعدم وأصبحت بين الورى ... مصفوعة بالأدم ومن شعر قاضي القضاة صدر الدين ~~المذكور: أنشدني الشيخ شمس الدين محمد النفيسي قال: أنشدني قاضي القضاة صدر ~~الدين بن الأدمي من لفظه لنفسه، وهو مما يقرأ على قافيتين: السريع يامتهمي ~~بالسقم كن مسعفي ... ولا تطل رفضي فإني علي ل أنت خليلي فبحق الهوى ... كن ~~لشجوني راحما يا خلي ل وله: السريع قد نمق العاذل يا منيتي ... كلامه ~~بالزور عند الملام وما درى جهلا بأني فتى ... لم يرع سمعي عاذلا فيك لام ~~وله القصيدة الطنانة التي أولها:. عدمت غداة البين قلبي وناظري ... فيا ~~مقلتي حاكي السحاب وناظري - انتهى. وتوفي الشيخ الإمام العالم شهاب الدين ~~أحمد بن علاء الدين حجي بن موسى السعدي، الحسباني الأصل، الدمشقي الشافعي ~~بدمشق. وكان فقيها بارعا. أفتى ودرس سنين، وخطب بجامع دمشق، وقدم القاهرة ~~في دولة الملك الناصر فرج، في الرسلية عن الأمير شيخ، أعني الملك المؤيد. ~~وكان معدودا من فقهاء دمشق وأعيانها. وتوفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن ~~ناصر بن خليفة الباعوني، الشافعي الدمشقي، بدمشق في رابع المحرم. ومولده ~~بقرية باعونة من قرى عجلون في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة تخمينا. ونشأ بدمشق ~~وطلب العلم، وتولى قضاء دمشق وخطابة بيت المقدس، ودرس وأفتى، وقال الشعر. ~~ولما ولي قضاء دمشق هجاه بعضهم بقوله: مجزوء الوافر قضاء الشام ms2880 أنشدنا ... ~~بديني لا تبيعوني صفعت بكل مصفعة ... وبعد الكل باعويي وهجاه آخر عند ~~توليته خطابة القدس بكلام مزعج، الإضراب عنه أليق. PageV04P0053 # وتوفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد الحمصي الشافعي، المعروف بابن الشنبلي ~~، في هذه السنة. وكان فقيها بارعا عالما. إلا أنه لما ولي قضاء دمشق لم ~~تحمد سيرته. وتوفي قاضي القضاة شمس الدين محمد بن محمد بن عثمان الدمشقي، ~~الشافعي المعروف بابن الإخنائي، بدمشق في نصف شهر رجب عن نحو ستين سنة، بعد ~~أن أفتى ودرس، وولي قضاء غزة وحلب ودمشق وديار مصر عدة سنين. وكان معدودا ~~من رؤساء دمشق وأعيانها، وله مكارم وأفضال - رحمه الله. وتوفي الأمير ~~الوزير سيف الدين مبارك شاه بن عبد الله المظفري الظاهري، في شهر رمضان. ~~كان يخدم الملك الظاهر برقوق، أيام جنديته تبعا، فلما تسلطن رقاه وأمره، ثم ~~جعله من جملة الحجاب، ثم ولي الوزارة، ثم الأستادارية، وأقام بعد عزله سنين ~~إلى أن مات. وتوفي قاضي المدينة النبوية زين الدين أبو بكر بن حسين بن عمر ~~بن عبد الرحمن العثماني المراغي الشافعي المعروف بابن الحسين في سادس عشر ~~ذي الحجة. وكان من الفقهاء الفضلاء. وتوفي الشيخ الإمام المفنن العلامة، ~~برهان الدين إبراهيم بن محمد بن بهادر بن أحمد القرشي الغزي النوفلي ~~الشافعي، المعروف بابن زقاعة، في ثاني عشر ذي الحجة بالقاهرة، عن اثنتين ~~وتسعين سنة. وزقاعه: بضم الزاي المعجمة وفتح القاف وتشديدها وبعد الألف عين ~~مهملة مفتوحة وهاء ساكنة. وكان إماما عارفا بفنون كثيرة، لا سيما علم ~~النجوم، والأعشاب، وله نظم كثير. وكانت له وجاهة عند الملوك، بحيث إنه كان ~~يجلس فوق القضاة. ومن شعره: أنشدنا قاضي القضاة جمال الدين محمد أبو ~~السعادات بن ظهيرة قاضي مكة من لفظه قال: أنشدني الإمام العلامة برهان ~~الدين إبراهيم بن زقاعة من لفظه لنفسه: رأى عقلي ولبي فيه حارا ... فأضرم ~~في صميم القلب نارا وخلاني أبيت الليل ملقى ... على الأعتاب أحسبه نهارا ~~إذا لام العواذل فيه جهلا ... أصفه لهم فينقلبوا حيارى وإن ذكروا السلو ~~يقول قلبي ... تصادم ms2881 عن أباطيل النصارى وما علم العواذل أن صبري ... ~~وسلواني قد ارتحلا وسارا فيا لله من وجد تولى ... على قلبي فأعدمه القرارا ~~ومن خب تقادم فيه عهدي ... فأورثني عناء وانكسارا قضيت هواكمو عشرين عاما ~~... وعشرينا ترادفها استتارا فنم الدمع من عيني فأبدى ... سرائر سر ما أخفي ~~جهارا إذا ما نسمة البانات مرت ... على نجد وصافحت العرارا وصافحت الخزام ~~وعنظوانا ... وشيحا ثم قبلت الجدارا جدار ديار من أهوى قديما ... رعى ~~الرحمن هاتيك الديارا ألا يا لائمي دعني فإني ... رأيت الموت حجا واعتمارا ~~فأهل الحب قد سكروا ولكن ... صحا كل وفرقتنا سكارى ومن شعره أيضا في فن ~~التصوف: سألتك بالحواميم العظيمه ... وبالسبع المطولة القديمه وباللامين ~~والفرض المبدا ... به قبل الحروف المستقيمه وبالقطب الكبير وصاحبيه ... ~~وبالأرض المقدسة الكريمه وبالغصن الذي عكفت عليه ... طيور قلوب أصحاب ~~العزيمه وبالمسطور في رق المعاني ... وبالمنشور في يوم الوليمه بالكهف الذي ~~قد حل فيه ... أبو فتيانها ورأى رقيمه وبالمعمور من زمن النصارى ... بأحجار ~~بحجرتها مقيمه ففجر في فؤادي عين حب ... تروي من مشاربها صميمه قلت: وبعض ~~تلامذته من الصوفية يزعمون أن هذه الأبيات فيها الاسم الأعظم. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع سواء. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة المؤيد شيخ # وهي سنة سبع عشرة وثمانمائة. في محرمها تجرد الملك المؤيد شيخ، إلى ~~البلاد الشامية، لقتال الأمير نوروز الحافظي ومن معه من الأمراء وظفر به، ~~وقتله حسبما نذكره. PageV04P0054 # وفيها قتل الأمير سيف الدين نوروز بن عبد الله الحافظي بدمشق، في ليلة ~~ثامن عشرين شهر ربيع الآخر، وحملت رأسه إلى الديار المصرية، وطيف بها، ثم ~~علقت على باب زويلة. وكان أصل نوروز المذكور من مماليك الملك الظاهر برقوق، ~~ومن أعيان خاصكيته، ثم رقاه إلى أن جعله أمير مائة ومقدم ألف بالقاهرة، ثم ~~ولاه رأس نوبة النوب بعد الوالد لما ولي نيابة حلب، ثم جعله أمير آخور ~~كبيرا بعد الأمير تنبك اليحياوي في سنة ثمانمائة، ثم أمسكه بعد فتنة علي ~~باي لأمر ms2882 حكيناه في وقته في ترجمة الملك الظاهر برقوق، وحبسه بالإسكندرية، ~~إلى أن أطلقه الملك الناصر فرج، وولاه رأس نوبة الأمراء. وصار نوروز هو ~~المشار إليه في المملكة، وذلك بعد خروج أيتمش والأمراء من مصر وقع له أمور ~~إلى أن ولي نيابة الشام، ومن حينئذ ظهر أمر نوروز وانضم عليه شيخ، فصار ~~تارة يقاتل شيخا، وتارة يصطلحان - وقد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك ~~الناصر فرج - إلى أن واقعا الملك الناصر بمن معهما في أوائل المحرم سنة خمس ~~عشرة، وانكسر الناصر، وحوصر بدمشق إلى أن أخذ وقتل. وتقاسم شيخ ونوروز ~~الممالك، والخليفة المستعين هو السلطان. فأخذ شيخ الديار المصرية وصار ~~أتابكا بها، وأخذ نوروز البلاد الشامية، وصار نائب الشام. فلما تسلطن الملك ~~المؤيد شيخ، خرج نوروز عن طاعته، ووقعت أمور حكيت من أول ترجمة الملك ~~المؤيد، إلى أن خرج الملك المؤيد لقتاله، فظفر به وقتله. وكان نوروز ملكا ~~جليلا، كريما شجاعا، مقداما عارفا عاقلا مدبرا، وجيها في الدول، وهو أحد ~~أعيان مماليك الظاهر برقوق، معدودا من الملوك. طالت أيامه في الرياسة، ~~وعظمت شهرته، وبعد صيته في الأقطار. وكان متجملا فى مماليكه وحشمه. بلغت ~~عدة مماليكه زيادة على ألف مملوك، وكانت جامكية مماليكه بالشام من مائة ~~دينار إلى عشرة دنانير. ومات عن مماليك كثيرة، وترقوا بعده إلى المراتب ~~السنية، حتى إن كل من ذكرناه من بعده ونسبناه بالنورزي فهو مملوكه وعتيقه، ~~وفي هذا كفاية. وقتل معه جماعة من أعيان الأمراء حسبما نذكرهم أولا بأول. ~~وفيها قتل من أصحاب نوروز الأمير سيف الدين يشبك بن أزدمر الظاهري، رأس ~~نوبة النوب، ثم نائب حلب، وكان ممن انضم مع نوروز بعد وفاة الوالد، فإن ~~الوالد كان أخذه عنده بدمشق لما ولي نيابتها، وجعله الملك الناصر أتابكا ~~بها، وعقد الوالد عقده على ابنته، وسنها نحو أربع سنين لئلا يصل إليه من ~~الملك الناصر سوء. ودام يشبك، مع نوروز إلى أن قبض عليه وقتل بدمشق حسبما ~~تقدم ذكره. وكان رأسا في الشجاعة والإقدام، شديد القوة في ms2883 الرمي بالنشاب، ~~إليه المنتهى فيه. وفيها قتل الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الظاهري ~~المعروف بطوخ بطيخ نائب حماة، وهو أحد أصحاب نوروز. ذبح بدمشق مع نوروز ~~وغيره. وفيها قتل الأمير سيف الدين قمش بن عبد الله الظاهري نائب طرابلس، ~~وهو أيضا من أصحاب نوروز. والجميع قتلوا في ليلة ثاني عشرين شهر ربيع ~~الأخر، حسبما تقدم ذكره. وفيها توفي الأمير الكبير سيف الدين يلبغا الناصري ~~الظاهري أتابك العساكر بالديار المصرية، في ليلة الجمعة ثاني شهر رمضان ~~بالقاهرة، بعد عوده من الشام صحبة السلطان. وهو أيضا من أصحاب نوروز، ومن ~~أعيان خاصكية الملك الظاهر برقوق، وأحد مماليكه، وترقى في الدولة الناصرية ~~إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، وقد مر من ذكره نبذة ~~كبيرة في دولة الناصر، ثم المؤيد وهو ثالث من ولي الأتابكية بديار مصر، ~~وثالث من، نعت بيلبغا الناصري في الدولة التركية، فالأول منهم يلبغا العمري ~~الناصري صاحب الكبش، وأستاذ برقوق. والثاني الأتابك يلبغا الناصري ~~اليلبغاوي صاحب الوقعة مع الملك الظاهر برقوق، ونسبته بالناصري إلى تاجره ~~خواجا ناصر الدين، وهو مملوك يلبغا السابق ذكره - انتهى. والثالث يلبغا ~~الناصري هذا، وهو من مماليك برقوق، ونسبته بالناصري إلى تاجره خواجا ناصر ~~الدين. وقد ذكرنا هؤلاء الثلاثة في تاريخنا المنهل الصافي، في محل واحد في ~~حرف الياء، كون الاسم والشهرة واحدة. PageV04P0055 # وتوفي الأمير سيف الدين شاهين بن عبد الله الظاهري الأفرم أمير سلاح، ~~برملة لد، وهو عائد إلى مصر صحبة السلطان إلى حلب من جرح أصابه. وكان أميرا ~~شهما شجاعا، رأسا في ركوب الخيل وفن الفروسية. وقد تقدم أن الفروسية نوع ~~آخر غير الشجاعة والإقدام، فالشجاع هو الذي يلقي غريمه بقوة جنان، وفارس ~~الخيل هو الرجل الذي يحسن تسريح الفرس في كرة وفره، ويدري ما يلزمه من أمور ~~فرسه وسلاحه، وتدبير ذلك كله، بحيث إنه يسير في ذلك على القوانين المقررة ~~المعروفة بين أرباب هذا الشأن. قلت: نادرة أخرى، وشاهين هذا هو أيضا ثالث ~~أفرم من أعيان الملوك في ms2884 دولة التركية. فالأول منهم: الأفرم الكبير، صاحب ~~الرباط في بركة الحبش والأملاك الكثيرة، وهو الأمير عز الدين أيبك أمير ~~جاندار الظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون. والثاني آقوش الدواداري المنصوري ~~الأمير جمال الدين نائب الشام. والثالث شاهين هذا. فهؤلاء من الملوك، وأما ~~غير الملوك فكثير لا يعتد بذكرهم. وتوفي الأمير سيف الدين جاني بك بن عبد ~~الله المؤيدي الدوادار بمدينة حمص، وهو متوجه صحبة السلطان إلى حلب من جرح ~~أصابه في محاربة نوروز. وكان من أعيان مماليك المؤيد أيام إمرته، فلما ~~تسلطن رقاه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه، وجعله دوادارا ثانيا، ثم ولاه ~~الدوادارية الكبرى بعد مسك طوغان الحسني، فلم تطل مدته، وخرج إلى التجريدة ~~وجرح ومات. وكان عنده شجاعة وإقدام مع تيه وشمم وتكبر. وتولى خشداشه الأمير ~~آقباي المؤيدي الخازندار عوضه الدوادارية الكبرى. وتوفي قاضي مكة، ومفتيها، ~~وخطيبها، جمال الدين أبو حامد محمد بن عفيف الدين عبد الله بن ظهيرة القرشي ~~المخزومي المكي الشافعي بمكة في ليلة سابع عشرين شهر رمضان عن نحو سبع ~~وستين سنة. ومات ولم يخلف بعده بالحجاز مثله. وتوفي قاضي الحنفية بالمدينة ~~النبوية الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن نور الدين علي المدني الحنفي بها، ~~وقد أناف على سبعين سنة، بعد أن ولي قضاء المدينة ثلاثا وثلاثين سنة مع ~~حسبتها، وشكرت سيرته. وتوفي بالقاهرة الشريف سليمان بن هبة الله بن جماز بن ~~منصور الحسيني المدني، أمير المدينة النبوية، وهو معزول بسجن قلعة الجبل، ~~وقد ناهز الأربعين سنة من العمر. وتوفي العلامة فريد عصره قاضي قضاة زبيد، ~~مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الفيروزابادي ~~الشيرازي الشافعي، اللغوي النحوي، صاحب كتاب القاموس في اللغة، في ليلة ~~العشرين من شوال عن ثمان وثمانين سنة وأشهر، وهو متمتع بحواسه. وكان إماما ~~بارعا نحويا لغويا مصنفا. طاف البلاد، ورأى المشايخ، وأخذ عن العلماء، وقدم ~~مصر وأقرأ بها، ثم توجه إلى اليمن، وولى قضاء زبيد نحو عشرين سنة حتى مات. ~~أنشدنا الشيخ أبو الخير المكي من لفظه ms2885 قال: أنشدني الأديب الفاضل علي بن ~~محمد بن حسين بن عليف المكي العكي العدناني من لفظه لنفسه في كتاب الشيخ ~~مجد الدين المسمى بالقاموس: الكامل لو مد مجد الدين في أيامه ... من بعض ~~أبحر علمه القاموسا ذهبت صحاح الجوهري كأنها ... سحر المدائن يوم ألقى موسى ~~وقد استوعبنا مصنفاته في تاريخنا المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، إذ ~~هو محل الإطناب في التراجم. وأما ما أثبت له من الشعر: أنشدنا الحافظ شهاب ~~الدين أحمد بن حجر إجازة، قال: أنشدنا العلامة مجد الدين الفيروزابادي ~~لنفسه إجازة إن لم يكن سماعا: الوافر أحبتنا الأماجد إن رحلتم ... ولم ~~ترعوا لنا عهدا وإلا نودعكم ونودعكم قلوبا ... لعل الله يجمعنا وإلا أعترض ~~عليه في وإلا الثانية فإنها من غير توطئة - انتهى. PageV04P0056 # أخبرني الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله قال: أخبرني الشيخ الإمام مجد ~~الدين محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروزابادي من لفظه بمكة في ذي الحجة سنة ~~تسعين وسبعمائة أنه حضر بستانا بدمشق، وقد جمع فيه الإمام العلامة جمال ~~الدين أحمد بن محمد الشريشي الشافعي وجماعة من أعيان دمشق لمأدبة في يوم ~~الثلاثاء العشرين من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان ممن حضر المجلس ~~العلامة بدر الدين محمد ابن الشيخ جمال الدين الشريشي المذكور، ومعه ما ~~ينيف على أربعين سفرا من كتب اللغة منها صحاح الجوهري، فأخذ كل من الحاضرين ~~- وهم: الشيخ عماد الدين بن كثير، والشيخ صلاح الدين الصفدي، وشمس الدين ~~الموصلي، وصدر الدين بن العز، وجماعة أخر - في يده سفرا من تلك الأسفار، ~~وامتحن البدر بن الشريشي في السؤال عن الأبيات المستشهد بها، فأنشد كل ما ~~وقع في تلك الكتب، وتكلم على المواد اللغوية من غير أن يشذ عنة شيء منها، ~~وتكلم عليها بكلام مفيد متقن، فجزم الحاضرون أنه يحفظ جميع شواهد اللغة، ~~وكتبوا له أجائز بذلك، ومن جملة من كتب له الشيخ مجد الدين هذا - انتهى. ~~أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة تسعة ~~عشر ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة ms2886 الرابعة من سلطنة المؤيد شيخ # وهي سنة ثماني عشرة وثمانمائة. فيها في شهر رجب تجرد السلطان الملك ~~المؤيد شيخ، إلى البلاد الشامية لقتال الأمير قاني باي نائب الشام ومن معه ~~حسبما تقدم ذكره من قتاله لهم، وقتله إياهم - يأتي ذكر الجميع في هذه ~~السنة. وأول من قتله منهم الأمير قاني باي المحمدي الظاهري نائب الشام في ~~العشر الأوسط من شعبان بحلب، وحملت رأسه إلى القاهرة، وطيف بها ثم علقت ~~أياما. وكان أصل قاني باي هذا من مماليك الملك الظاهر برقوق وأعيان ~~خاصكيته، ثم تأمر في الدولة الناصرية فرج، إمرة مائة وتقدمة ألف، ثم صار في ~~دولة الملك المؤيد شيخ رأس نوبة النوب، ثم أمير آخور كبيرا، وسكن باب ~~السلسلة على العادة، وعمر مدرسته برأس سويقة منعم من الصليبة بالشارع ~~الأعظم. ثم ولي نيابة دمشق بعد الأمير نوروز الحافظي بعد خروجه عن الطاعة، ~~فباشر نيابة دمشق إلى أن أشيع عنه الخروج عن الطاعة. وطلبه الملك المؤيد ~~شيخ إلى القاهرة ليستقر أتابكا بها وولى عوضه نيابة دمشق الأتابك ألطنبغا ~~العثماني، فلما بلغ قاني باي ذلك خرج عن الطاعة بعد أيام، وقاتل أمراء ~~دمشق، وملك دمشق، ووافقه الأمير إينال الصصلاني نائب حلب، والأمير سودون من ~~عبد الرحمن نائب طرابلس، والأمير تنبك البجاسي نائب حماة، والأمير طرباي ~~نائب غزة. وخرج إليه الملك المؤيد مخفا، وقاتله بظواهر حلب، حسبما ذكرنا ~~ذلك كله في أصل ترجمة الملك المؤيد من هذا الكتاب، فظفر به بعد أيام وقتله. ~~وكان قاني باي، من أجل خاصكية الملك الظاهر برقوق، وعنده رياسة وحشمة ~~وتجمل، ومات وسنه دون الأربعين. وفيها قتل الأمير صيف الدين إينال بن عبد ~~الله الصصلاني الظاهري، نائب حلب وأحد أصحاب قاني باي المقدم ذكره، في ~~العشر الأوسط من شعبان. وكان اصله أيضا من أعيان خاصكية الملك الظاهر برقوق ~~ومماليكه. وتأمر أيضا في دولة الملك الناصر فرج إلى أن صار أمير مائة ومقدم ~~ألف، وحاجب الحجاب، ثم صار في دولة المؤيد أمير مجلس، ثم نقل إلى نيابة حلب ~~بعد ms2887 قتل نوروز الحافظي، إلى أن خرج قاني باي نائب الشام عن الطاعة، ووافقه ~~إينال هذا إلى أن كان من أمرهم ما كان. وقتل وحملت رأسه أيضا إلى القاهرة ~~مع رأس قاني باي. وكان إينال المذكور أميرا شجاعا، مقداما كريما، عاقلا ~~سيوسا، معدودا من الفرسان - رحمه الله تعالى. وفيها قتل الأمير سيف الدين ~~تمان تمر اليوسفي الظاهري، أتابك حلب - المعروف بأرق - معهما في التاريخ ~~المقدم ذكره، وحملت رأسه أيضا إلى مصر. وكان تمان تمر أيضا من أعيان ~~المماليك الظاهرية، وترقى بعد موت الملك الظاهر حتى ولي إمرة مائة وتقدمة ~~ألف بديار مصر، ثم صار أمير جاندار، إلى أن قبض عليه الملك المؤيد شيخ ~~وحبسه مدة، ثم أطلقه وولاه أتابكية حلب، فلما خرج قاني باي وإينال نائب حلب ~~وافقهما مع من وافقهما من الأمراء والنواب، حتى قبض عليهم، ووقع من أمرهم ~~ما وقع. وكان أيضا من الشجعان، وكان تركي الجنس. PageV04P0057 # وفيها قتل أيضا الأمير سيف الدين جرباش بن عبد الله الظاهري المعروف ~~بكباشة، حاجب حجاب حلب، وصلت رأسه إلى القاهرة. وكان أيضا من المماليك ~~الظاهرية برقوق،، وتأمر في الدولة الناصرية فرج،، والمؤيدية شيخ، إلى أن ~~أخرجه الملك المؤيد منفيا إلى القدس، ثم استقر به في حجوبية حلب، إلى أن ~~كان من أمر قاني باي وإينال ما كان، فقتل معهما، وقتل غير هؤلاء أيضا خلائق ~~في الوقعة وغيرها. وفيها توفي قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن العلامة جلال ~~الدين رسولا بن يوسف التركماني الحنفي، المعروف بابن التباني، قاضي قضاة ~~دمشق بها، في يوم الأحد ثامن عشرين شهر رمضان. وكان إماما عالما فاضلا، ~~معدودا من فقهاء الحنفية. وتوفي الوزير الصاحب سعد الدين إبراهيم بن بركة ~~المعروف بابن البشيري بالقاهرة في يوم الأربعاء رابع عشر صفر. ومولده في ~~ليلة السبت سابع ذي القعدة سنة ست وستين وسبعمائة بالقاهرة. وكان معدودا من ~~رؤساء الأقباط. تنقل في عدة وظائف إلى أن ولي الوزر غير مرة، ونظر الخاص. ~~وتوفي الشيخ زين الدين حاجي بن عبد الله الرومي الحنفي ms2888 شيخ التربة الناصرية ~~التي أنشأها الملك الناصر فرج، على قبر أبيه الملك الطاهر برقوق بالصحراء، ~~في ليلة الخميس رابع شوال، واستقر عوضه في مشيختها الشيخ شمس الدين محمد بن ~~أحمد البساطي المالكي، بعناية الأمير ططر نائب الغيبة. وتوفي الشيخ المعتقد ~~الصالح محمد الديلمي في رابع ذي الحجة، ودفن بالقرافة. وكان للناس فيه ~~اعتقاد، ويقصد للزيارة للتبرك به. وتوفي الملك أميرزه إسكندر بن أميرزه عمر ~~شيخ بن تيمورلنك، صاحب بلاد فارس. وكان ملكها بعد قتل أخيه أميرزه محمد، ~~ودام إسكندر على ملك فارس سنين إلى أن بدا له مخالفة عمه شاه رخ بن ~~تيمورلنك، فسار إليه شاه رخ المذكور، وقاتله وأسره وسمل عينيه بعد أمور ~~وحروب، وأقام شاه رخ عوضه أخاه رستم بن أميرزه عمر شيخ، فجمع إسكندر ~~المذكور جمعا ليس بذلك، وقدم عليهم ابنه، وجهزهم إلى أخيه رستم، فخرج إليهم ~~رستم المذكور وقاتلهم وهزمهم، وأخذ إسكندر هذا أسيرا، ثم قتله بأمر عمه شاه ~~رخ. وكان إسكندر المذكور ملكا فاضلا ذكيا فطنا يكتب المنسوب إلى الغاية في ~~الحسن، وبخطه ربعة عظيمة بمكة المشرفة. وكان حافظا للشعر، ويقوله باللغة ~~العجمية والتركية، وكانت لديه فضيلة ومشاركة في فنون. وفيها قتل الأمير ~~الكبير سيف الدين دمرداش بن عبد الله المحمدي الظاهري بسجن الإسكندرية في ~~يوم السبت ثامن عشر المحرم. وكان دمرداش هذا من أعيان مماليك الظاهر برقوق، ~~وترفق في أيام أستاذه إلى أن ولي أتابكية دمشق، ثم نيابة حماة، ثم نيابة ~~طرابلس. ثم أمسكه برقوق، وحبسه ساعة، وأطلقه بسفارة الوالد لما ولي نيابة ~~حلب، فجعله الظاهر أتابك العساكر بحلب، ثم نقله ثانيا إلى نيابة حماة، ثم ~~نقله إلى نيابة حلب بعد واقعة تنم الحسني نائب الشام. وقدم تيمورلنك البلاد ~~الشامية في نيابته، ثم خرج عن الطاعة مع الوالد، ووقع له بعد ذلك أمور ~~وحروب وخطوب - تقدم ذكرها في ترجمة الملك الناصر فرج، ثم في ترجمة الملك ~~المؤيد شيخ. ومحصول هذا كله، أنه ولي أتابكية العساكر بالديار المصرية بعد ~~الوالد، ثم ولي نيابة الشام بعدها ms2889 أيضا بحكم وفاته. ثم فر من الملك الناصر ~~فرج، لما حوصر بدمشق إلى البلاد الحلبية، ودام بها، إلى أن كانت فتنة ~~نوروز، وتولى ابن أخيه قرقماس سيدي الكبير نيابة الشام عوضا عن نوروز، ~~وطلبه الملك المؤيد فقدم عليه من البحر، وقد عاد قرقماس إلى مصر، فقبض ~~الملك المؤيد عليهما، وأرسل قبض على ابن أخيه تغري بردي سيدي الصغير من ~~صالحية بلبيس، وقال: هؤلاء أهم من الأمير نوروز، وقتل تغري بردي سيدي ~~الصغير في يوم عيد الفطر سنة ست عشرة، ثم قتل أخاه قرقماس سيدي الكبير بسجن ~~الإسكندرية، وأبقى عمهما دمرداش هذا إلى هذا اليوم فقتله. وقد تقدم من ذكر ~~دمرداش ما فيه غنية عن ذكره هنا ثانيا. PageV04P0058 # وفيها قتل الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله المحمدي الظاهري المعروف ~~بسودون تلي - أي مجنون - في يوم السبت ثامن عشر المحرم بسجن الإسكندرية، مع ~~الأمير دمرداش المقدم ذكره. وكان سودون أيضا من أعيان المماليك الظاهرية ~~برقوق، وترقى في دولة الملك الناصر فرج إلى أن صار أمير آخور كبيرا. ثم خرج ~~عن طاعة الملك الناصر، ووقع له أمور، وانضم على الأميرين شيخ ونوروز، ودام ~~معهما سنين إلى أن انكسر الملك الناصر وقتل، فقدم القاهرة - صحبة الأمير ~~الكبير شيخ في خدمة الخليفة - على أعظم إقطاعات مصر. وكان سودون، يميل إلى ~~نوروز أكثر من شيخ، غير أن نوروز أرسله مع الأمير شيخ هو والأمير بكتمر جلق ~~صفة الترسيم ليمنعاه من الوثوب على السلطنة، فمات بكتمر بعد أشهر، فتلاشى ~~أمر سودون المذكور، فأخذ الملك المؤيد يخادعه إلى أن استفحل أمره، فقبض ~~عليه وحبسه بالإسكندرية إلى أن قتله في التاريخ المذكور. وفيها أيضا قتل ~~الأمير سيف الدين أسنبغا الزردكاش أحد المماليك الظاهرية برقوق، أيضا، بسجن ~~الإسكندرية مع دمرداش وسودون المحمدي. وكان أسنبغا، ممن صار أمير مائة ~~ومقدم ألف بالديار المصرية في دولة الملك الناصر فرج، وجعله بديار مصر في ~~سفرته التي قتل فيها، ودام بمصر إلى أن قبض عليه الملك المؤيد وحبسه ~~بالإسكندرية ثم قتله في التاريخ ms2890 المقدم ذكره. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ستة أذرع ونصف. ومبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة المؤيد # وهي سنة تسع عشرة وثمانمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين تنبك بن عبد ~~الله المؤيدي، شاد الشراب خاناه، وأحد أمراء الطبلخانات، في سادس عشرين ~~صفر، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني. وكان من أكابر المماليك ~~المؤيدية، خصيصا عند السلطان، مشكور السيرة. وتوفي أستادار الوالد الأمير ~~الوزير شهاب الدين أحمد ابن الحاج عمر بن قطينة، في يوم الأحد ثاني عشرين ~~المحرم. وكان يباشر في بيوت الأمراء، واتصل بخدمة الوالد سنين، ثم ولي ~~الوزارة في الدولة الناصرية دون الأسبوع في سنة اثنتين وثمانمائة، وعزل ~~وعاد إلى أستادارية الوالد، وتصرف مع ذلك في عدة أعمال، وكان معدودا من ~~أعيان المصريين. وتوفي الشيخ الإمام نجم الدين بن فتح الدين، أبو الفتح ~~محمد بن محمد بن محمد، بن عبد الدايم الحنبلي، في هذه السنة. وكان من أعيان ~~فقهاء الحنابلة. وتوفي الشيخ الإمام العلامة همام الدين محمد بن محمد ~~الخوارزمي، الشافعي، شيخ المدرسة الناصرية المعروفة بالجمالية، برحبة باب ~~العيد بالقاهرة. وكان عالما في عدة فنون. وتوفي القاضي شهاب الدين أحمد بن ~~أبي أحمد الصفدي ناظر البيمارستان المنصوري بالقاهرة وناظر الأحباس، في ~~ثاني عشر شهر ربيع الأول. وكان أولا يباشر التوقيع بخدمة الملك المؤيد شيخ ~~في أيام إمرته، فلما رشح للسلطنة خلع عليه بنظر البيمارستان، واستقر القاضي ~~ناصر الدين بن البارزي عوضه في توقيع الأمير شيخ، فوصل بذلك إلى وظيفة ~~كتابة السر. وتوفي قاضي القضاة أمين الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة شمس ~~الدين محمد بن أبي بكر الطرابلسي الحنفي، قاضي قضاة الديار المصرية، في ~~ليلة السبت سادس عشرين شهر ربيع الأول، وقد تجاوز أربعين سنة. وكان مشكور ~~السيرة قليل البضاعة. وتوفي الأمير سيف الدين قماري بن عبد الله، شاد ~~السلاح خاناه، وأمير الركب الأول من الحاج، في رابع عشرين شوال، في وادي ~~القباب، وهو متوجه إلى الحج. وتوفي الشيخ الإمام المحدث تقي الدين ms2891 أبو بكر ~~بن عثمان بن محمد الجيتي، الحنفي، قاضي العسكر بالديار المصرية بها. وكان ~~من الفضلاء، معدودا من فقهاء الحنفية ونحاتهم، وكان وجيها في الدولة ~~المؤيدية شيخ، إلى الغاية. وتوفي الأمير سيف الدين أرغون بن عبد الله من ~~بشبغا الظاهري، الأمير آخور - كان - في الدولة الناصرية فرج، بالقدس بطالا ~~في يوم الجمعة ثالث ذي القعدة. وكان دينا خيرا، عفيفا عن المنكرات والفروج. ~~وهو أحد أعيان المماليك الظاهرية وخشداش الوالد، كلاهما جلبه خواجا بشبغا. ~~وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة في ترجمة الملك الناصر فرج. PageV04P0059 # وتوفي الطواشي زين الدين مقبل بن عبد الله الأشقتدري رأس نوبة الجمدارية، ~~في ليلة الاثنين رابع عشر شهر ربيع الآخر، ودفن بمدرسته التي بخط التبانة. ~~وكان رومي الجنس، ولديه فضيلة. وتوفي قاضي القضاة ناصر الدين محمد ابن قاضي ~~القضاة كمال الدين عمر بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن أبي جرادة، وابن ~~العديم الحلبي الحنفي قاضي قضاة الديار المصرية بها، بعد مرض طويل، في ليلة ~~السبت تاسع شهر ربيع الآخر، عن سبع وعشرين سنة، بعد ما ولي القضاء نحو ~~ثماني سنين، على أنه صرف منها مدة. وكان عالما ذكيا فطنا، مع طيش وخفة، ~~ومهابة وحرمة، وثروة وحشم. وقد ثلمه الشيخ تقي الدين المقريزي بقوادح ليست ~~فيه، والإنصاف في ترجمته ما ذكرناه، وأنا أعرف بحاله من الشيخ تقي الدين ~~وغيره، لكونه كان زوج كريمتي، ومات عنها. وتولى القضاء بعده الشيخ شمس ~~الدين محمد الديري الحنفي القدسي بعد أشهر. وتوفي الشيخ الإمام العالم ~~العلامة عز الدين محمد بن شرف الدين أبي بكر ابن قاضي القضاة عز الدين عبد ~~العزيز ابن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة، مطعونا، في ~~يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع الأول. ومولده بمدينة الينبع بأرض الحجاز ~~سنة تسع وخمسين وسبعمائة. وكان بارعا، مفننا، إماما في العلوم العقلية، ~~مشاركا في عدة فنون، وبه تخرج غالب علماء عصرنا. وكان احترز على نفسه من ~~الطاعون، واحتمى عن المغلظات، وسلك طريق الحكماء، واستعمل الأشياء الدافعة ~~للطاعون ms2892 والخم، وأكثر من ذلك إلى أن طعن وهو أعظم ما يكون من الاحتراز، فما ~~شاء الله كان. وتوفي الصاحب الوزير تقي الدين عبد الوهاب ابن الوزير الصاحب ~~فخر الدين عبد الله ابن الوزير الصاحب تاج الدين موسى بن علم الدين أبي ~~شاكر ابن تاج الدين أحمد بن شرف الدولة إبراهيم ابن الشيخ سعيد الدولة ~~بالقاهرة في يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة. وكان مشكور السيرة، يتنصل من ~~صحبة الأقباط أبناء جنسه، ويتدين، ويصحب الصلحاء من المسلمين، ولا يدخل في ~~بيته أحدا من نسوة النصارى البتة - رحمه الله تعالى. وتوفيت خوند عائشة أخت ~~الملك الظاهر برقوق، بنت الأمير آنص الجاركسية، أم الأتابك بيبرس، في ليلة ~~الأحد رابع عشر ذي القعدة، بعد سن عال، وهي الصغرى من أخوة برقوق. وتوفي ~~الشيخ زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن ابن الشيخ شمس الدين أبي أمامة محمد ~~بن علي بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم الدكالي الشافعي، المعروف بابن ~~النقاش، خطيب جامع أحمد بن طولون، في يوم عيد النحر. وكان يعظ، ولكلامه ~~موقع في القلوب، مع فضيلة تامة، ودين متين، وقيام في ذات الله تعالى. وتوفي ~~قاضي القضاة شمس الدين محمد بن علي بن معبد المقدسي، المعروف بالمدني ~~المالكي، في يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الأول عن سبعين سنة. وكان مشكور ~~السيرة في ولايته بالعفة، على أن بضاعته من العلم كانت مزجاة. وتوفيت خوند ~~ستيتة بنت الملك الناصر فرج، زوجة المقام الصارمي إبراهيم ابن الملك المؤيد ~~شيخ، في شهر ربيع الأول وهي كبر أولاد الناصر، وهي التي كان تزوجها بكتمر ~~جلق في حياة والدها، وسنها دون عشر سنين. وفيها كان الطاعون والغلاء ~~بالديار المصرية حسبما تقدم ذكره. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبعة أذرع ونصف. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء كالعام الماضي. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة المؤيد شيخ # وهي سنة عشرين وثمانمائة. فيها تجرد السلطان الملك المؤيد المذكور إلى ~~البلاد الشامية، وفتح عدة قلاع ببلاد الروم مثل كختا وكركر وبهسنا ms2893 وغيرها، ~~وهي تجريدته الثالثة، وأيضا آخر سفراته إلى الشام. وفيها توفي الأمير زين ~~الدين فرج ابن السلطان الملك الناصر فرج ابن السلطان الملك الظاهر برقوق ~~ابن الأمير آنص الجاركسي بسجن الإسكندرية في ليلة الجمعة سادس عشرين شهر ~~ربيع الأول، ودفن بالإسكندرية، ثم نقلت جثته إلى القاهرة، ودفنت بتربة ~~والده التي بناها الملك الناصر على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق بالصحراء ~~خارج القاهرة - ومات ولم يبلغ الحلم. وهو أكبر أولاد الملك الناصر فرج من ~~الذكور، وبموته خدمت نفوس الظاهرية. PageV04P0060 # وتوفي الأمير سيف الدين آقبردي بن عبد الله المؤيدي المنقار، أحد أمراء ~~الألوف بالديار المصرية، في ليلة الخميس سابع عشرين صفر بدمشق. وكان توجه ~~إليها صحبة أستاذه الملك المؤيد. وهو أحد أعيان مماليك الملك المؤيد شيخ: ~~اشتراه أيام إمرته وقاسى معه تلك الحروب والفتن والتشتت في البلاد، فلما ~~تسلطن أمره عشرة، ثم نقله إلى إمرة طبلخاناه، وجعله رأس نوبة ثانيا - وهو ~~أول من حكم ممن ولي هذه الوظيفة - وقعدت النقباء على بابه، ثم أنعم عليه ~~بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، ثم ولي نيابة إسكندرية مدة، ثم عزله ~~وأقره على إقطاعه، وأخذه بصحبته إلى التجريدة وهو مريض في محفة فمات ~~بالبلاد الشامية. وكان شجاعا مقداما كريما، مع جهل وظلم وجبروت، وخلق سيء، ~~وبطش وحدة مزاج، وقبح منظر. قلت: وعلى كل حال مساوئه أكثر من محاسنه. وتوفي ~~القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله بن حسن الفوي الحنفي، أخو الصاحب ~~بدر الدين بن نصر الله - كان وكيل بيت المال، وناظر الكسوة، وأحد نواب ~~الحكم الحنفية، وهو والد صاحبنا القاضي تقي الدين بن نصر الله - في ليلة ~~السبت ثالث عشر جمادى الآخرة بالقاهرة. وكان مولده في سنة ستين وسبعمائة، ~~ومات في حياة والده، وكان من أعيان الديار المصرية ورؤسائها. وتوفي الشيخ ~~الإمام العالم الزاهد الورع شرف الدين موسى بن علي المناوي المالكي، الفقيه ~~العابد، بمكة المشرفة في ثاني شهر رمضان، وكان من الأبدال. جاور بمكة ~~والمدينة سنين، وكان أولا بالقاهرة في طلب العلم، ms2894 وحفظ الموطأ حفظا جيدا، ~~وبرع في الفقه والعربية، وشارك في فنون، ثم تزهد في الدنيا، وترك ما كان ~~بيده من الوظائف من غير عوض يعوضه في ذلك، وانفرد بالصحراء مدة، ثم خرج إلى ~~مكة في سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وأقبل على العبادة متخليا من كل شيء من ~~أمور الدنيا، معرضا عن جميع الناس، حتى صار أكثر إقامته بمكة في الجبال، لا ~~يدخلها إلا في يوم الجمعة، أو في النادر، وكان يقصد للزيارة والتبرك به، ~~وكان ممن لا يريد الشهرة. وتوفي الأمير سيف الدين آقباي بن عبد الله ~~المؤيدي، نائب الشام بها في قلعة دمشق في ذي القعدة، وقد مر من ذكره ما فيه ~~كفاية عن ذكره ثانيا عند خروجه من قلعة دمشق والقبض عليه، كل ذلك في ترجمة ~~أستاذه الملك المؤيد شيخ. وهو أحد أعيان مماليك المؤيد، وأحد الأربعة ~~المعدودة بالشهامة والشجاعة، وهم: الأمير جاني بك المؤيدي الدوادار، ~~والأمير آقباي الخازندار ثم الدوادار هذا، والأمير يشبك اليوسفي المشد ثم ~~نائب حلب الآتي ذكره، والأمير آقبردي المؤيدي المنقار المقدم ذكره في هذه ~~السنة، فهؤلاء الأربعة كانوا من الشجعان ضاهوا أعيان مماليك الملك الظاهر ~~برقوق، بل بالغ بعض خشداشيتهم بأنهم أعظم وأشهم، وفي ذلك نظر. وتوفي الشيخ ~~شمس الدين محمد بن علي بن جعفر البلالي الشافعي، شيخ خانقاه سعيد السعداء ~~بها، في يوم الجمعة رابع عشر شهر رمضان. وكان فقيها فاضلا معتقدا، وله شهرة ~~كبيرة. وكان الوالد يحبه، ويبره بالأموال والغلال، وغير ذلك. وتوفي الأمير ~~ناصر الدين محمد السلاخوري، نائب دمياط، قتيلا في رابع عشر ذي الحجة، بعد ~~ما ولي عدة وظائف بالبذل والسعي. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة ~~أذرع سواء، مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة المؤيد شيخ # وهي سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. فيها كان الطاعون بالديار المصرية، ومات ~~جماعة من الأعيان وغيرهم ووقع الطاعون بها أيضا في التي تليها حسبما يأتي ~~ذكره. وفيها توفي الأمير سيف الدين مشترك بن عبد الله ms2895 القاسمي الظاهري نائب ~~غزة - كان - ثم أحد مقدمي الألوف بدمشق بها، في سادس عشر جمادى الأولى. وهو ~~أحد المماليك الظاهرية برقوق، وتأمر في دولة الملك الناصر فرج، ثم ولاه ~~الملك المؤيد نيابة غزة، ثم نقله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، إلى أن ~~مات. PageV04P0061 # وتوفي الشريف النقيب شرف الدين أبو الحسن علي بن الشريف النقيب فخر الدين ~~أحمد ابن الشريف النقيب شرف الدين محمد بن علي بن الحسين بن محمد بن الحسين ~~بن محمد بن الحسين بن محمد بن زيد بن الحسين بن مظفر بن علي بن محمد بن ~~إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - الأرموي الحسيني، نقيب الأشراف بالديار ~~المصرية، في يوم الاثنين تاسع عشر شهر ربيع الأول. وكان رئيسا نبيلا، عاريا ~~عن العلوم والفضائل، منهمكا في اللذات، وله مكارم وأفضال - عفا الله تعالى ~~عنه. وتوفي الأمير سيف الدين حسين بن كبك التركماني أحد أمراء التركمان ~~قتيلا في ثالث جمادى الأولى . وتوفي القاضي شهاب الدين أحمد بن عبد الله ~~القلقشندي الشافعي في ليلة السبت عاشر جمادى الآخرة عن خمس وستين سنة، بعد ~~أن كتب في الإنشاء سنين، وبرع في العربية، وشارك في الفقه، وناب في الحكم ~~بالقاهرة، وعرف الفرائض، ونظم ونثر، وصنف كتاب صبح الأعشى في صناعة ~~الإنشاء، جمع فيه جمعا كبيرا مفيدا، وكتب في الفقه وغيره. وتوفي الأمير سيف ~~الدين بيسق بن عبد الله الشيخي الظاهري، أحد أمراء الطبلخانات، وأمير آخور ~~ثاني، في جمادى الآخرة بالقدس بطالا، بعد أن ولي إمرة الحاج في أيام أستاذه ~~الملك الظاهر برقوق، وأيام ابن أستاذه الملك الناصر فرج غير مرة، وولي ~~عمارة المسجد الحرام بمكة لما احترق في سنة ثلاث وثمانمائة. ثم تنكر عليه ~~الملك الناصر، وأخرجه منفيا إلى صهره الأمير إسفنديار ملك الروم، فأقام بها ~~حتى تسلطن الملك المؤيد شيخ، فقدم عليه، فلم يقبل عليه الملك المؤيد شيخ ~~لأنه كان من حواشي الأمير ms2896 نوروز الحافظي. وأقام بداره مدة، ثم أخرجه المؤيد ~~إلى القدس بطالا، فمات به. وكان أميرا عاقلا، عارفا بالأمور، متعصبا ~~للفقهاء الحنفية، وفيه بر وصدقة، مع شراسة خلق وحدة مزاج. وقد ترجمه الشيخ ~~تقي الدين الفاسي قاضي مكة ومؤرخها، ونعته بالأمير الكبير. على أن بيسق لم ~~يعط إمرة مائة ولا تقدمة ألف البتة، وإنما أعظم ما وصل إليه الأمير آخورية ~~الثانية، وإمرة طبلخاناه لا غير، فبينه وبين المقدم درجات، وبين المقدم ~~والأمير الكبير درجات، فترجمه الفاسي بالأمير الكبير دفعة واحدة، وكذا وقع ~~له في جماعة كبيرة من أعيان المصريين، فكل ذلك لعدم ممارسته لهذا الشأن، ~~وإن كان الرجل حافظا ثقة، عارفا بفن الحديث ورجاله، إماما في معرفة أهل ~~بلده، وأحوال المسجد الحرام. وقد أجاد فيما صنفه من تاريخ مكة المشرفة إلى ~~الغاية بخلاف تأريخه التراجم، فإنه قصر فيه إلى الغاية، وأقلب ملوك الأقطار ~~وأعيانها - ماعدا أهل مكة - ظهرا لبطن. وأعظم من رأيناه في هذا الشأن الشيخ ~~تقي الدين المقريزي وقاضي القضاة بدر الدين العيني وماعداهما فمن مقولة ~~الشيخ تقي الدين الفاسي. ولم أرد بذلك الحط على أحد، وإنما الحق يقال على ~~أي وجه كان، وها هي مصنفات الجميع باقية، فمن لم يرض بحكمي فليتأملها، ~~ويقتدي بنفسه. انتهى. وتوفي الأمير علم الدين آقبقا بن عبد الله المعروف ~~بالشيطان - مقتولا - في ليلة الخميس سادس شعبان. وأصله من صغار مماليك ~~الملك الظاهر برقوق، وعظم في الدولة المؤيدية، حتى إنه جمع بين ولاية ~~القاهرة وحسبتها وشد الدواوين بها في وقت واحد. وكان عارفا حاذقا فطنا، ~~عفيفا عن المنكرات، مع معرفة بالمباشرة، غير أنه كان فيه ظلم وعسف. وتوفي ~~الأمير سيف الدين برد بك بن عبد الله الخليلي الظاهري، المعروف بقصقا، نائب ~~صفد بها، في ليلة الخميس نصف شهر رجب. وكان أصله من خاصكية الملك الظاهر ~~برقوق ومماليكه، وترقى بعد موته إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف، ثم رأس ~~نوبة النوب في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم نقل إلى نيابة طرابلس، فساءت ~~سيرته بها، فعزل ms2897 عنها ونقل إلى نيابة صفد فدام بها إلى أن توفي. وكان غير ~~مشكور السيرة. PageV04P0062 # وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الأسندمري الظاهري، أتابك ~~طرابلس قتيلا - في الوقعة التي كانت بين الأمير برسباي الدقماقي نائب ~~طرابلس وبين التركمان خارج طرابلس - في يوم الأربعاء سابع عشرين شعبان. ~~وكان ولي الأمير آخورية الثانية في الدولة الناصرية، ثم أمسكه الملك الناصر ~~وحبسه بسجن الإسكندرية، إلى أن أطلقه الملك المؤيد، وأنعم عليه بعد مدة ~~بأتابكية طرابلس، فدام بها إلى أن قتل. وتوفي الأستاذ إبراهيم بن باباي ~~الرومي العواد، أحد ندماء الملك الناصر فرج، ثم الملك المؤيد شيخ، ببستانه ~~بجزيرة الفيل المعروف ببستان الحلي في ليلة الجمعة مستهل شهر ربيع الأول. ~~وقد انتهت إليه الرياسة في الضرب بالعود، وخلف مالا جزيلا، وكان فيه تكبر ~~وشمم، وكان حظيا عند الملوك، نالته السعادة بسبب آلته وغنائه، ومات وهو في ~~عشر السبعين، ولم يخلف بعده مثله إلى يومنا هذا. ومع قوته في العود ومعرفته ~~بالموسيقى لم يصنف شيئا في الموسيقى، كما كانت عادة من قبله من الأستاذين - ~~انتهى. وتوفي الأمير الوزوير فخر الدين عبد الغني ابن الوزير تاج الدين عبد ~~الرزاق بن أبي الفرج بن نقولا الأرمني المالكي، أستادار العالية، في يوم ~~الاثنين النصف من شوال، بداره بين السورين من القاهرة، ودفن بجامعه الذي ~~أنشأه تجاه داره المذكورة، وتولى الأستادارية من بعده الزيني أبو بكر بن ~~قطلو بك، المعروف بابن المزوق. وكان مولد فخر الدين المذكور في شوال سنة ~~أربع وثمانين وسبعمائة، ونشأ في كنف والده. ولما ولي أبوه الوزارة من ولاية ~~قطيا في الأيام الظاهرية برقو، ولاه موضعه بقطيا، ثم ولي كشف الوجه الشرقي ~~في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، ووضع السيف في العرب الصالح والطالح، وأسرف في ~~سفك الدماء وأخذ الأموال، حتى تجاوز عن الحد في الظلم والعسف. ثم طلب ~~الزيادة في الظلم والفساد، وبذل للملك الناصر أربعين ألف دينار، وولي ~~الأستادارية عوضا عن تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم في سنة أربع عشرة ~~المذكورة. قال ms2898 المقريزي: فوضع يده في الناس يأخذ أموالهم بغير شبهة من شبه ~~الظلمة، حتى داخل الرعب كل بريء، وكثرت الشناعة عليه، وساءت القالة فيه، ~~فصرف في ذي الحجة من السنة، وسر الناس بعزله سرورا كبيرا، وعوقب عقوبة لم ~~يعهد مثلها في الكثرة، حتى أيس منه كل أحد، ورق له أعداؤه، وهو في ذلك يظهر ~~قوة النفس، وشدة الجلد، ما لا يوصف. ثم خلي عنه، وعاد إلى ولاية قطيا، ثم ~~صرف عنها، وخرج مع الناصر إلى دمشق من غير وظيفة. فلما قتل الناصر تعلق ~~بحواشي الأمير شيخ، وأعيد إلى كشف الوجه البحري - انتهى كلام المقريزي ~~باختصار. قلت: ثم ولي الأستادارية ثانيا بعد ابن محب الدين في سنة تسع عشرة ~~وثمانمائة، وسلم إليه ابن محب الدين، فعاقبه وأخذ منه أموالا كثيرة. ثم ~~أضيف إليه الوزر، وتقدم عند الملك المؤيد. ثم تغير عليه المؤيد، ففر منه ~~فخر الدين المذكور من على حماة إلى بغداد، وغاب هناك إلى أن قدم بأمان من ~~الملك المؤيد وعاد إلى وظيفة الأستادارية، واستمر على وظيفته إلى أن مات في ~~التاريخ المقدم ذكره. قال المقريزي رحمه الله: وكان جبارا قاسيا شديدا، ~~جلدا عبوسا بعيدا عن الترف. قتل من عباد الله ما لا يحصى، وخرب إقليم مصر ~~بكماله، وأفقر أهله ظلما وعتوا وفسادا في الأرض، ليرضي سلطانه، فأخذه الله ~~أخذا وبيلا، - انتهى كلام المقريزي باختصار. قلت: لا ينكر عليه ما كان ~~يفعله من الظلم والجور، فإنه كان من بيت ظلم وعسف، كان عنده جبروت الأرمن، ~~ودهاء النصارى، وشيطنة الأقباط، وظلم المكسة، فإن أصله من الأرمن، وربي مع ~~النصارى، وتدرب بالأقباط، ونشأ مع المكسة بقطيا، فاجتمع فيه من قلة الدين ~~وخصائل السوء ما لم يجتمع في غيره.ولعمري لهو أحق بقول القائل: الوافر مساو ~~لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق PageV04P0063 # قيل إنه لما دفن بقبره بالقبة من مدرسته سمعه جماعة من الصوفية وغيرهم ~~وهو يصيح في قبره، وتداول هذا الخبر على أفواه الناس. قلت: وما خفاهم أعظم. ~~غير أني أحمد الله ms2899 تعالى على هلاك هذا الظالم في عنفوان شبيبته، ولو طال ~~عمره لملأ ظلمه وجوره الأرض. وقد استوعبنا ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي ~~بأطول من هذا، وذكرنا من أقاربه في الظلم والجور وسوء السيرة، ألا لعنة ~~الله على الظالمين. قلت: وأعجب من ظلمهم إنشاؤهم المدارس والربط، من هذا ~~المال القبيح، الذي هو من دماء المسلمين وأموالهم. وأما مدرسة فخر الدين ~~هذا، ومدرسة جمال الدين البيري الأستادار، ومدرسة أخرى بالقرب من باب ~~سعادة، فهذه المدارس الثلاث في غاية ما يكون من الحسن، والعمل المتقن من ~~الزخرفة، والرخام الهائل. ومع هذا أرى أن القلوب ترتاح إلى بلاط دهليز ~~خانقاه سعيد السعداء وبياضها الشعث كثر من زخرفة هؤلاء ورخامهم، وليس يخفى ~~هذا على أرباب القلوب النيرة، والأفكار الجليلة - انتهى. وتوفي الأمير ~~الطواشي بدر الدين لؤلؤ العزي الرومي، كاشف الوجه القبلي، في يوم الأربعاء ~~رابع عشرين شوال. وكان يلي الأعمال، فصودر وعوقب غير مرة وكان من الظلمة ~~الفتاكين، وكانت أعيان الخدام تكره منه دخوله في هذا الباب، وتلومه على ~~ذلك. وتوفي الأمير الكبير علاء الدين ألطنبغا بن عبد الله العثماني ~~الظاهري، أتابك العساكر بالديار المصرية، ثم نائب الشام، بطالا بالقدس، في ~~يوم الاثنين ثاني عشرين شوال. وكان أعظم مماليك الملك الظاهر برقوق في ~~زمانه، وأجلهم قدرأ، وأرفعهم منزلة، فإنه ولي نيابة صفد في دولة أستاذه ~~الملك الظاهر برقوق، والملك المؤيد يوم ذاك من جملة أمراء العشرات. ثم لا ~~زال ينتقل في الأعمال والوظائف إلى أن ولاه الملك المؤيد شيخ أتابك العساكر ~~بالديار المصرية، بعد وفاة الأتابك يلبغا الناصري، ثم نقله إلى نيابة دمشق ~~بعد خروج قاني باي المحمدي، ثم أمسكه وسجنه بقلعة دمشق مدة أيام ثم أطلقه ~~ورسم له بالتوجه إلى القدس بطالا، فتوجه إليه ودام به إلى أن مات. وكان ~~أميرا جليلا عاقلا ساكنا متواضعا وقورا وجيها في الدولة، طالت أيامه في ~~السعادة - رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير علاء الدين قطلوبغا نائب ~~الإسكندرية بها في يوم الخميس خامس عشر ذي الحجة. وكان ولي الحجوبية ms2900 في ~~دولة الملك المنصور حاجي بتقدمة ألف بالقاهرة، فلما عاد الظاهر برقوق إلى ~~الملك أخرج عنه إقطاعه. وطال خموله، وحطه الدهر وافتقر، إلى أن طلبه المؤيد ~~وولاه نيابة الإسكندرية، وهو لا يملك القوت اليومي. وقد تقدم ذكر ذلك في ~~أصل ترجمة الملك المؤيد من هذا الكتاب. وتوفي المسند المعمر المحدث شرف ~~الدين محمد بن عز الدين أبي اليمن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمود بن ~~أبي الفتح، الشهير بابن الكويك الربعي الإسكندري الشافعي، في يوم السبت ~~سادس عشرين ذي القعدة. ومولده في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة ~~بالقاهرة. وكان تفرد بأشياء عالية، وتصدى للإسماع عدة سنين، وأخر قبل موته. ~~وكان خيرا ساكنا، كافا عن الشر، من بيت رياسة وفضل. وأول سماعه - حضورا - ~~سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ولم يشتهر بعلم. وتوفي الأمير أبو الفتح موسى ~~ابن السلطان الملك المؤيد شيخ، في يوم الأحد تاسع عشرين شهر رمضان، وهو في ~~الشهر الخامس من العمر. ودفن بالجامع المؤيدي. وأمه أم ولد جاركسية تسمى ~~قطلباي، تزوجها الأمير إينال الجكمي بعد موت الملك المؤيد. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية ~~عشر ذراعا وعشرة أصابع. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة المؤيد شيخ # وهي سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة. فيها توجه المقام الصارمي إبراهيم ابن ~~السلطان الملك المؤيد شيخ إلى البلاد الشامية، وسار إلى الروم ومعه عدة من ~~أعيان الأمراء والعساكر، وسلك بلاد ابن قرمان وأباده، وقد تقدم ذكر ذلك كله ~~في أصل ترجمة الملك المؤيد من هذا الكتاب. وفيها كان الطاعون أيضا بالديار ~~المصرية، ولكنه كان أخف من السنة الخالية. PageV04P0064 # وفيها توفي الأمير شرف الدين يحيى بن بركة بن محمد بن لاقي، أحد ندماء ~~السلطان الملك المؤيد، في يوم الأربعاء حادي عشر صفر، قريبا من غزة، فحمل ~~ودفن بغزة في يوم الجمعة. وكان أولا من أمراء دمشق، ثم قدم مع المؤيد شيخ ~~إلى مصر، وصار من أعيان الدولة، واستقر مهمندارا وأستادار الجلال، ثم انحط ~~قدره، ونفي ms2901 إلى البلاد الشامية، فمات في الطريق. وكان سبب نفيه تنكر الأمير ~~جقمق الأرغون شاوي الدوادار عليه، بسبب كلام نقله عنه للسلطان، فتبين الأمر ~~بخلاف ما نقله، فرسم السلطان بنفيه من القاهرة على حمار. وتوفي الأمير سيف ~~الدين كزل بن عبد الله الأرغون شاوي، أحد أمراء الطبلخانات بديار مصر، ثم ~~نائب الكرك، بعد عزله عن نيابة الكرك، وتوجهه إلى الشام على إمرة طبلخاناه، ~~بحكم طول مرضه، فمات بعد أيام في خامس عشرين المحرم. وكان أصله من مماليك ~~الأمير أرغون شاه، أمير مجلس أيام الملك الظاهر برقوق، وترقى إلى أن كان من ~~أمره ما ذكرناه. وكان عاقلا ساكنا. وتوفي الأديب الفاضل مجد الدين فضل الله ~~ابن الوزير الأديب فخر الدين عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس ~~المصري القبطي الحنفي، الشاعر المشهور، في يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع ~~الآخر. ومولده في شعبان سنة تسع وستين وسبعمائة. ونشأ تحت كنف والده، وعنه ~~أخذ الأدب، وتفقه على مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - وقرأ النحو واللغة، ~~وبرع في الأدب، وكتب في الإنشاء مدة، وكانت له ترسلات بديعة ونظم رائق. ~~وفيه يقول أبوه فخر الدين رحمه الله تعالى: الطويل أرى ولدي قد زاده الله ~~بهجة ... وكمله في الخلق والخلق مذ نشا سأشكر ربي حيث أوتيت مثله ... وذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشا ومن شعر مجد الدين صاحب الترجمة قوله: الوافر بحق ~~الله دع ظلم المعنى ... ومتعة كما يهوى بأنسك وكيف الصد يا مولاي عمن ... ~~بيومك رحت تهجره وأمسك " وله أيضا: الطويل جزى الله شيبي كل خير فإنه ... ~~دعاني لما يرضي الإله وحرضا فأقلعت عن ذنبي وأخلصت تائبا ... وأمسكت لما ~~لاح لي الخيط أبيضا وله أيضا: الوافر تساومنا شذا أزهار روض ... تحير ناظري ~~فيه وفكري فقلت نبيعك الأرواح حقا ... بعرف طيب منه ونشري وتوفي الأمير سيف ~~الدين سودون بن عبد الله القاضي الظاهري، نائب طرابلس بها، في رابع عشر ذي ~~القعدة. وكان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق، وترقى بعد موته إلى أن ms2902 ~~ولي في الدولة المؤيدية حجوبية الحجاب، ثم رأس نوبة النوب، ثم قبض عليه، ~~وحبس مدة، ثم أطلقه الملك المؤيد، وولاه كشف الوجه القبلي، ثم نقله إلى ~~نيابة طرابلس بعد مسك الأمير برسباي الدقماقي، أعني الأشرف، فدام على نيابة ~~طرابلس إلى أن مات. وكان سبب تسميته بالقاضي لأنه كان إنيا للأمير تنبك ~~القاضي، فسمي على اسم أغاته. والعجب أنه صار رأس نوبة النوب، وأغاته تنبك ~~المذكور من جملة رؤوس النوب العشرات يمشي في خدمة إنيه. وتوفي القاضي عز ~~الدين عبد العزيز بن أبي بكر بن مظفر بن نصير البلقيني الشافعي، أحد فقهاء ~~الشافعية وخلفاء الحكم بالديار المصرية، في يوم الجمعة ثالث عشر جمادى ~~الأولى. وكان فقيها شافعيا، عارفا بالفقه والأصول والعربية، رضي الخلق. ناب ~~في الحكم من سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. وتوفي الأمير شهاب الدين أحمد ابن ~~القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي الجهني الحموي - في حياة والده - بداره ~~على النيل بساحل بولاق، في يوم الاثنين تاسع عشر شهر ربيع الآخر. وحضر ~~السلطان الملك المؤيد الصلاة، ووجد عليه أبوه كثيرا. وتوفي الأمير أبو ~~المعالي محمد ابن السلطان الملك المؤيد شيخ في عاشر ذي الحجة، ودفن بالجامع ~~المؤيدي وعمره أيضا دون السنة. وتوفي الشيخ برهان الدين إبراهيم بن غرس ~~الدين خليل بن علوة الإسكندري، رئيس الأطباء، وابن رئيسها، في يوم الاثنين ~~آخر صفر، وكان حاذقا في صناعته، عارفا بالطب والعلاج. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع وستة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية ~~عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة المؤيد شيخ # وهي سنة ثلاث وعشرين وثمانماثة. PageV04P0065 # فيها جرد السلطان الملك المؤيد الأتابك ألطنبغا القرمشي إلى البلاد ~~الشامية، وصحبته عدة من أمراء الألوف قد ذكرنا أسماءهم في أصل الترجمة عند ~~خروجهم من القاهرة. وفيها توفي قاضي القضاة جمال الدين عبد الله بن مقداد ~~بن إسماعيل الأقفهسي المالكي، قاضي قضاة الديار المصرية، في رابع عشر جمادى ~~الأولى عن نحو ثمانين سنة، وهو قاض في ولايته الثانية. وكان إماما ms2903 بارعا ~~مفتنا مدرسا. ومات والمعول على فتواه بمصر. وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن ~~محمد بن حسين البرقي الحنفي، أحد نواب الحكم الحنفية في سابع جمادى الآخرة. ~~وتوفي الشيخ علي كهنبوش، صاحب الزاوية التي عمرها له سودون الفخري الشيخوني ~~النائب، خارج قبة النصر، بالقرب من الجبل الأحمر، والزاوية معروفة به إلى ~~يومنا هذا. وكان مشكور السيرة، محمود الطريقة، يشهر بصلاح ودين. وقيل إنه ~~جاركسي الجنس، هكذا ذكر لي بعض المماليك الجاركسية، والمشهور أنه كان من ~~فقراء الروم - انتهى. وتوفي الرئيس صلاح الدين خليل بن زين الدين عبد ~~الرحمن بن الكويز ناظر ديوان المفرد، في عاشر شهر رمضان. وكان ممن قدم إلى ~~مصر صحبة الأمير شيخ، وتولى نظر ديوان المفرد، وعظم في الدولة. وأظنه كان ~~أسن من أخيه علم الدين داود ناظر الجيش، والله أعلم. وتوفي العلامة القاضي ~~ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن القاضي كمال الدين محمد بن عز الدين بن ~~عثمان بن كمال الدين محمد بن عبد الرحيم بن هبة الله الجهني الحموي ~~الشافعي، المعروف بابن البارزي، كاتب السر الشريف بالديار المصرية، وعظيم ~~الدولة المؤيدية، في يوم الأربعاء ثامن شوال، دفن على ولده الشهابي أحمد، ~~المقدم ذكره في السنة الخالية، تجاه شباك الإمام الشافعي، رضي الله عنه. ~~ومولده بحماة في يوم الاثنين رابع شوال سنة تسع وستين وسبعمائة. ومات أبوه ~~في سنة ست وسبعين، ونشأ تحت كنف أخواله، وحفظ القرآن الكريم، وكتاب الحاوي ~~في الفقه، وطلب العلم، وتفقه بجماعة، وبرع في الفقه والعربية والأدب ~~والإنشاء، وتولى قضاء حماة، ثم ولي كتابة سرها، ثم صحب الملك المؤيد في ~~أيام نيابته بدمشق، ولازم خدمته، وتولى قضاء حلب في نيابة المؤيد عليها. ثم ~~قبض عليه الملك الناصر، وحبسه ببرج الخيالة بقلعة دمشق. ونظم وهو في السجن ~~المذكور قصيدته المشهورة التي أولها: البسيط هو الزمان فلا تلقاه بالرهب ~~... سلامة المرء فيه غاية العجب أنشدني القصيدة المذكورة ولده العلامة كمال ~~الدين بن البارزي من لفظه، وقد سمعها من لفظ أبيه غير مرة، وأثبت القصيدة ms2904 ~~بتمامها في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي إذ هو محل التطويل في التراجم. ~~ومن شعره أيضا - وهو مما أنشدني ولده القاضي كمال الدين المقدم ذكره عن ~~أبيه: الكامل طاب افتضاحي في هواه محاربا ... فلهوت عن علمي وعن آدابي ~~وبذكره عند الصلاة وباسمه ... أشدو فواطرباه في المحراب ولا زال بالحبس ~~بقلعة دمشق إلى أن قدمها الملك الناصر فرج، وأراد قتله، فشفع فيه الوالد ~~وأطلقه والسلطان عنده على باب دار السعادة بدمشق. وتوجه إلى حماة، ثم عاد ~~إلى الملك المؤيد ثانيا. ولا زال معه حتى قتل الملك الناصر، وقدم صحبته إلى ~~مصر، وتولى توقيعه عوضا عن شهاب الدين الصفدي وهو أتابك. فلما تسلطن ~~المؤيد، خلع عليه في شوال من سنة خمس عشرة وثمانمائة باستقراره كاتب السر ~~الشريف بالديار المصرية، عوضا عن فتح الدين فتح الله بعد عزله ومصادرته، ~~فباشر الوظيفة بحرمة وافرة، ومهابة زائدة، وعظم وضخم، ونالته السعادة، وصار ~~هو صاحب الحل والعقد في المملكة. وكان يبيت عند الملك المؤيد في ليالي ~~البطالة، وينادمه ويجاريه في كل فن من الجد والهزل، لا يدانيه أحد من جلساء ~~الملك المؤيد في ذلك. هذا مع الفضل العزيز، وطلاقة اللسان، وحفظ الشعر، ~~وحسن المحاضرة، والإقدام والتجري على الملوك، والمراجعة لهم فيما لا يعجبه، ~~وهو مع ذلك قريب من خواطرهم لحسن تأديه ما يختاره. وبالجملة فهو أعظم من ~~رأيناه ممن ولي هذه الوظيفة، ثم بعده ابنه القاضي كمال الدين الآتي ذكره في ~~محله، بل كان ولده المذكور أرجح في أمور يأتي بيانها في محلها. ~~PageV04P0066 # وتوفي الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن أبي شاكر بن عبد الله بن الغنام ~~في سابع عشرين شوال، وقد أناف على المائة سنة وحواسه سليمة، بعد أن وزر ~~مرتين، وأنشأ مدرسة بالقرب من الجامع الأزهر معروفة به. وكان من بيت رياسة ~~وكتابة. وتوفي ملك الغرب وصاحب فاس - قتيلا - السلطان أبو سعيد عثمان بن ~~السلطان أبي العباس أحمد ابن السلطان أبي سالم إبراهيم ابن السلطان أبي ~~الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد ms2905 الحق المريني الفاسي، في ليلة ثالث عشر ~~شوال. قتله وزيره عبد العزيز اللباني، وأقام عوضه ابنه أبا عبد الله محمدا، ~~وكانت مدته ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أشهر - رحمه الله. وتوفي متملك بغداد ~~وتبريز والعراق الأمير قرا يوسف ابن الأمير قرا محمد بن بيرم خجا ~~التركماني، في رابع عشر ذي القعدة، وملك بعده ابنه شاه محمد بن قرا يوسف. ~~وأول من ظهر من آبائه بيرم خجا بعد سنة ستين وسبعمائة، وتغلب بيرم خجا على ~~الموصل حتى أخذها، ثم أخذها منه أويس ثانيا، وصار بيرم خجا له كالعامل إلى ~~أن مات، فملك بعده ابنه محمد، حتى مات في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة فملك ~~بعده ابنه قرا يوسف فحاربه القآن غياث الدين أحمد بن أويس صاحب بغداد على ~~الموصل، ووقع لهما بسبب ذلك حروب إلى أن اصطلحا، وانتمى قرا يوسف إلى ~~السلطان أحمد، وصار ينجده في حروبه - وقد مر دخول قرا يوسف إلى الشام ~~وقدومه صحبة الأمير شيخ المحمودي إلى جهة القاهرة في وقعة السعيدية مع ~~الملك الناصر وعوده إلى بلاده، وفي عدة مواضع أخر. وآخر الحال أنه وقع بين ~~قرا يوسف وبين السلطان أحمد وتحاربا وغلب قرا يوسف السلطان أحمد وأخذ بغداد ~~منه، ودام بها إلى أن أخرجه منها حفيد تيمورلنك أميرزه أبو بكر بن ميران ~~شاه بن تيمور، وفر قرا يوسف إلى دمشق، وقدمها في شهر ربيع الآخر سنة ست ~~وثمانمائة، فقبض عليه الأمير شيخ المحمودي نائب دمشق - أعني المؤيد - وأمسك ~~معه أيضا السلطان أحمد، وحبسهما بقلعة دمشق، وهذه أول عداوة بين المؤيد ~~وقرا يوسف. وداما في السجن إلى أن أفرج عنهما في سابع شهر رجب سنة سبع ~~وثمانمائة، وخلع على قرا يوسف هذا، وأنعم عليه، وأخذه معه إلى جهة مصر، ~~وحضر وقعة السعيدية المقدم ذكرها. ووصل قرا يوسف في هذه الحركة إلى دار ~~الضيافة بالقرب من قلعة الجبل، ولم يدخل القاهرة، ثم عاد إلى بلاده. ثم وقع ~~بينه وبين السلطان أحمد أيضا حروب إلى أن ظفر قرا يوسف بالسلطان أحمد ms2906 ~~المذكور وقتله في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة واستولى من حينئذ على العراقين، ~~وبعث ابنه شاه محمد إلى بغداد، فحصل بين شاه محمد المذكور وبين أهل بغداد ~~حروب، ووقع لهم معه أمور يطول شرحها. ومن يوم قدمها هذا الكعب الشؤم نمت ~~الحروب ببغداد إلى أن خربت بغداد والعراق بأجمعه من كثرة الفتن التي كانت ~~في أيام قرا يوسف هذا، ثم في أيام أولاده من بعده. واستمر قرايوسف بتلك ~~الممالك إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. وملك بعده بغداد ابنه شاه ~~محمد، وتنصر، ودعا الناس إلى دين النصرانية، وأباد العلماء والمسلمين، ثم ~~ملك بعده إسكندر، وكان على ما كان عليه شاه محمد وزيادة، ثم أخوهما أصبهان، ~~فكان زنديقا لا يتدين بدين، فقرا يوسف وذريته هم كانوا سببا لخراب بغداد ~~التي كانت كرسي الإسلام، ومنبع العلوم، ومدفن الأئمة الأعلام. وقد بقي الآن ~~من أولاده لصلبه جهان شاه متملك العراقين وأذربيجان وإلى أطراف العجم، ~~والناس منه على وجل، لعلمهم أنه من هذه السلالة الخبيثة النجسة. فالله ~~تعالى يلحقه بمن سلف من آبائه وإخوته الكفرة الزنادقة - فإنهم شر عصابة ~~وأقبح سيرة - قريبا غير بعيد. وتوفي شرف الدين محمد بن علي بن الحيري، ~~محتسب القاهرة، في ثاني عشر شهر ربيع الأول. قال المقريزي: وقد ولي حسبة ~~القاهرة ومصر غير مرة، بعد ما كان من شرار العامة، ويشهر بقبائح من السخف ~~والمجون وسوء السيرة. PageV04P0067 # وتوفي الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير مبارك شاه الطازي، أخو الخليفة ~~المستعين بالله، في هذه السنة - وقد تقدم من ذكره نبذة يعرف منها حاله عند ~~خلع الملك الناصر فرج من الملك، وتولية الخليفة المستعين بالله السلطنة. ~~ولما تولى أخوه المستعين بالله العباس السلطنة أنعم على ابن الطازي هذا ~~بإمرة طبلخاناه وصار دوادار المستعين، إلى أن خلع من السلطنة، ثم من ~~الخلافة، فأخرج الملك المؤيد إقطاع ابن الطازي هذا، وأبعده ومقته إلى أن ~~مات. وكان ابن الطازي هذا رأسا في لعب الرمح، أستاذا في فن الفروسية. أخذ ~~عنه فن الرمح وغيره الأمير ms2907 آقبغا التمرازي، والأمير كزل السودوني المعلم، ~~وبه تخرج كزل المذكور، والأمير قجق المعلم رأس نوبة، وغيرهم. وكان من عجائب ~~الله تعالى في فنه. نظرته، غير أني لم آخذ عنه شيئا لصغر سني يوم ذاك. وأنا ~~أتعجب من أمر ابن الطازي هذا مع الملك المؤيد، فإن المؤيد كان صاحب فنون ~~ويقرب أرباب الكمالات من كل فن ويجل مقدارهم، كيف حط قدر ابن الطازي هذا؟! ~~ولعل ابن الطازي أطلق لسانه في حق الملك المؤيد لما أراد خلع الخليفة من ~~السلطنة، فأثر ذلك عند المؤيد، وكان ذلك سببا لإبعاده، والله تعالى أعلم. ~~وتوفي المقام الصارمي إبراهيم ابن السلطان الملك المؤيد شيخ في ليلة الجمعة ~~خامس عشر جمادى الأخرة بقلعة الجبل، وحضر الصلاة عليه السلطان، ودفنه ~~بالجامع المؤيدي في صبيحة يوم الجمعة. وكثر أسف الناس عليه، وكان لموته يوم ~~عظيم بالقاهرة، ومات وسنه زيادة على عشرين سنة، وأمه أم ولد، وكان مولده ~~بالبلاد الشامية في أوائل القرن تخمينا، فإنه لما تسلطن والده كان سنه يوم ~~ذاك دون البلوغ. وكان نبيلا حاذقا، فأنعم عليه أبوه بإمرة مائة. وتقدمة ~~ألف. وتجرد صحبة والده إلى البلاد الشامية، ثم عاد معه. ثم لما كبر وترعرع ~~سفره أبوه إلى البلاد الشامية مقدم العساكر، فسار إلى، بلاد ابن قرمان ~~وغيره، وأظهر في هذه السفرة من الشجاعة والإقدام والكرم والحشمة ما أذهل ~~الناس، هذا مع حسن الشكالة، وطلاقة المحيا، والإحسان الزائد لمن يقصده ~~ويتردد إليه، ولعمري إنه كان خليقا للسلطنة، لائقا للملك - فما شاء الله ~~كان، ومالم يشأ لم يكن، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع سواء. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ~~ذراعا وثلاثة أصابع. انتهى. /سلطنة الملك المظفر أحمد ابن الملك المؤيد شيخ ~~السلطان الملك المظفر أبو السعادات أحمد ابن السلطان الملك المؤيد أبي ~~النضر شيخ المحمودي الظاهري الجاركسي الجنس. تسلطن يوم مات أبوه الملك ~~المؤيد شيخ، على مضي خمس درج من نصف نهار الاثنين تاسع المحرم سنة أربع ~~وعشرين وثمانمائة، وعمره ms2908 يوم بويع بالملك وجلس على سرير السلطنة سنة واحدة ~~وثمانية أشهر وسبعة أيام. وهو السلطان التاسع والعشرون من ملوك الترك ~~وأولادهم، والخامس من الجراكسة، وأمه خوند سعادات بنت الأمير صرغتمش ~~الناصري، أحد أمراء دمشق، وهي إلى الآن في قيد الحياة. ولما مات أبوه ~~السلطان الملك المؤيد طلب الملك المظفر هذا من الحريم بالدور السلطانية، ~~فأخرج إليهم، فبايعوه بالسلطنة بعهد من أبيه إليه بالملك قبل تاريخه، ~~وألبسوه خلعة السلطنة، وركب فرس النوبة بأبهة السلطنة وشعار الملك من باب ~~الستارة بقلعة الجبل، ومشت الأمراء بين يديه وهو يبكي من صغر سنه، مما ~~أذهله من عظم الغوغاء، وقوة الحركة. وصار من حوله من الأمراء وغيرهم يشغله ~~بالكلام، ويتلطف به، ويسكن روعه، ويناوله من التحف ما يشغله به عن البكاء، ~~حتى وصل إلى القصر السلطاني من القلعة، فأنزل من على فرسه، وحمل حتى أجلس ~~على سرير الملك وهو يبكي. وقبل الأمراء الأرض بين يديه بسرعة، ولقبوه ~~بالملك المظفر بحضرة الخليفة المعتضد بالله أبي الفتح داود، والقضاة ~~الأربعة، ونودي في الحال بالقاهرة ومصر باسمه وسلطنته. ثم أخذ الأمراء في ~~تجهيز السلطان الملك المؤيد، وتغسيله ودفنه، حسبما تقدم ذكره في ترجمته. ~~PageV04P0068 # وقبل أن يدفن الملك المؤيد أبرم الأمير ططر أمير مجلس أمره مع الأمراء، ~~وقبض على الأمير قجقار القردمي أمير سلاح، وأمسكه بمعاونة أكابر المماليك ~~المؤيدية، وأيضا بمعاونة خشداشيته من المماليك الظاهرية برقوق، فارتجت ~~القاهرة وماجت الناس ساعة، وتخوفوا من وقوع فتنة، فلم يقع شيء وذلك لعدم ~~حاشية قجقار القردمي، فإنه أحد مماليك الأمراء ليس له شوكة ولا خشداشين. ~~وسكن الأمر، ونبل ططر في أعين الناس من يومئذ، وتفتحت العيون إليه. ثم لما ~~كان يوم الثلاثاء عاشر المحرم - وهو صبيحة يوم وفاة الملك المؤيد - عملت ~~الخدمة بالقصر السلطاني من القلعة، وأجلس الملك المظفر أحمد على مرتبة ~~السلطنة. وكانت وظيفة ططر أمير مجلس، ومنزلة جلوسه في الميمنة تحت الأمير ~~الكبير، وكان الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي قد توجه إلى البلاد الشامية ~~قبل ذلك بأشهر، فصار ططر يجلس رأس ms2909 الميمنة لغيبة الأمير الكبير، ومنزلة ~~جلوس الأمير تنبك العلائي ميق المعزول عن نياية الشام رأس الميسرة فوق أمير ~~سلاح كل ذلك في حياة الملك المؤيد. فلما تسلطن الملك المظفر هذا، وعملت ~~الخدمة بعد مسك قجقار القردمي، وكان الملك المؤيد جعل التحدث في تدبير ~~مملكة ولده الملك المظفر لهؤلاء الثلاثة، أعني تنبك ميق، وقجقار القردمي ~~أمير سلاح، وططر أمير مجلس، فصار التحدث الآن إلى تنبك ميق وإلى ططر فقط. ~~فلما دخل الأمراء الخدمة على العادة، وقبل الجلوس، أومأ الأمير ططر إلى ~~الأمير تنبك ميق أن يتوجه إلى ميمنة السلطان ويجلس بها على أنه يكون مكان ~~الأمير الكبير، ويجلس هو رأس ميسرة السلطان، فامتنع تنبك من ذلك فألح عليه ~~ططر في ذلك واحتشم معه، وتأدب إلى الغاية، فحلف تنبك بالأيمان المغلظة أنه ~~لا يفعل، وأنه لا يجلس إلا مكانه أولا في الميسرة، وأن ططر يجلس في ~~الميمنة، وإن لم يفعل ططر ذلك ترك تنبك الإمرة وتوجه إلى الجامع الأزهر ~~بطالا. فجلس عند ذلك ططر على الميمنة. وعندما استقر بهم الجلوس، وقرىء ~~الجيش على السلطان، فلم يتكلم أحد من الأمراء في أمر الذي قرأه ناظر الجيش، ~~فسكت ناظر الجيش عن قراءة القصص لعدم من يجيبه. فعند ذلك عرض الأمير ططر ~~أيضا التكلم على الأمير تنبك ميق، وقال له: أنت أغاتنا، وأكبر منا سنا ~~وقدرا، والأليق أن تكون أنت مدبر المملكة ونحن في طاعتك، نمتثل أوامرك، وما ~~ترسم به فامتنع الأمير تنبك أيضا من التكلم وتدبير المملكة أشد امتناع ~~وأشار إلى الأمير ططر بأن يكون هو مدبر المملكة، والقائم بأمورها، وأنه ~~يكون هو تحت طاعته فاستصوب من حضر من الأمراء هذا القول، فامتنع ططر من ذلك ~~قليلا حتى ألح عليه الأمراء، وكلمه أكابر الأمراء المؤيدية في القبول، فعند ~~ذلك قبل وتكلم في المملكة، وقرىء الجيش، وحضرت العلامة، ثم مد السماط على ~~العادة. فعندما نجز السماط أحضرت خلعة جليلة للأمير ططر، فلبسها باستقراره ~~لالا السلطان الملك المظفر أحمد، وكافل المملكة ومدبرها. ثم أحضرت خلعة ~~أخرى ms2910 للأمير تنبك ميق فلبسها، وهي خلعة الرضى والاستمرار على حاله. وانفضت ~~الخدمة بعد أن أوصل الأمراء السلطان إلى الدور السلطانية، وأعيد الملك ~~المظفر إلى أمه بالحريم السلطاني. هذا وقد استقر سكن الأمير ططر بطبقة ~~الأشرفية من قلعة الجبل، فجلس ططر بطبقة الأشرفية، بعد أن فرشت له، ووقف ~~الأمراء ومباشرو الدولة والأعيان بين يديه، فأخذ وأعطى، ونفذ الأمور على ~~أحسن وجه، وأجمل صورة، فهابته الناس، وعلموا أنه سيكون من أمره ما يكون من ~~أول جلوسه في هذا اليوم. ثم رسم بكتابة الخبر بموت الملك المؤيد، وسلطنة ~~ولده الملك المظفر إلى الأقطار، وأوعد المماليك السلطانية بالنفقة فيهم على ~~العادة، فكثر الدعاء له، والفرح بتكلمه في السلطنة. ثم في يوم الأربعاء ~~حادي عشر المحرم رسم الأمير ططر نظام الملك بالقبض على الأمير جلبان رأس ~~نوبة. سيدي إبراهيم بن المؤيد، وعلى الأمير شاهين الفارسي، وهما من مقدمي ~~الألوف بالديار المصرية، فمسكا وقيدا وحبسا. ثم طلب الأمير ططر القضاة ودخل ~~معهم إلى الخزانة السلطانية، وختم بحضورهم على خزانة المال بعد أن أخرج ~~منها أربعمائة ألف دينار برسم نفقة المماليك السلطانية، ثم نزل القضاة. ~~PageV04P0069 # فلما كان الليل اضطرب الناس، ووقعت هجة بالقاهرة، ولم يدر أحد ما الخبر ~~حتى طلع الفجر فأسفرت القضية على أن الأمير مقبلا الحسامي الدوادار لكبير ~~ركب بمماليكه وعليهم السلاح في الليل، وخرج من القاهرة ومعه السيفي يلخجا ~~من مامش الساقي الناصري، وسار إلى جهة الشام خوفا من القبض عليه. فلما كان ~~الغد من يوم الخميس، اجتمع الأمراء عند الأمير ططر بالقلعة وعرفوه أمر مقبل ~~المذكور، وسألوه أن يرسل أحدا منهم في أثره فلم يلتفت إلى ذلك. وأخذ فيما ~~هو فيه من أمر نفقة المماليك السلطانية، ونفق فيهم لكل واحد منهم مائة ~~دينار مصرية، فشكر المماليك له ذلك. ثم أمر فنودي بالقاهرة بإبطال المغارم ~~التي جددت على الجراريف في عمل الجسور بأعمال مصر، فوقع ذلك من الناس ~~الموقع الحسن. وأما أمر مقبل الدوادار، فإنه لما خرج من بيته بمن معه اجتاز ~~بظاهر خانقاه ms2911 سرقوياس، وقصد الطينة بمن معه، ففطن بهم العربان أرباب ~~الأدراك، فاجتمعوا وقصدوه وحاربوه، هو ومن معه فلا زال يقاتلهم وهو سائر ~~إلى أن وصل إلى الطينة، فوجد بها غرابا مهيئا للسفر فركب فيه بمن معه. ~~ونهبت الأعراب جميع خيولهم وأثقالهم وما كان معهم. وسافر مقبل في الغراب ~~المذكور إلى الشام، ولحق بالأمير جقمق الأرغون شاوي الدوادار نائب الشام، ~~وانضم عليه وصار من حزبه، ودام معه إلى أن انهزم جقمق من القرمشي إلى ~~الصبيبة وقبض عليه، فأمسك مقبل هذا أيضا، وحبس، كما سيأتي ذكره في محله إن ~~شاء الله تعالى اننهى. ثم أمر الأمير ططر فنودي بالقاهرة لأجناد الحلقة ~~بالحضور إليه ليرد إليهم ما كان أخذه منهم الملك المؤيد في سنة اثنتين ~~وعشرين وثمانمائة من المال برسم السفر وكان الذي تحصل منهم تحت يد السيفي ~~أقطوه الموساوي الدوادار. فلما حضروا أمر ططر أقطوه أن يدفع لكل واحد منهم ~~ما أخذ منه، فضج الناس له بالدعاء، وصاحت الألسن بالشكر له والثناء عليه. ~~ثم أخذ الأمير ططر، وهو جالس في الموكب بإزاء السلطان، بيد السلطان الملك ~~المظفر، وفيها قلم العلامة، حتى علم على المناشير ونحوها، بحضور الأمراء ~~وأرباب الدولة واستمر ذلك في بعض المواكب، والغالب لا يعلم إلا الأمير ططر. ~~ثم في يوم الجمعة ثالث عشر المحرم حمل الأمير قجقار القردمي، والأمير ~~جلبان، والأمير شاهين الفارسي في القيود إلى سجن الإسكندرية. ثم في يوم ~~السبت رابع عشرة خلع الأمير ططر على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ~~وأعيد إلى نظر الخاص، ومنع الطواشي مرجان الخازندار من التكلم فيها. وفيه ~~أيضا خلع على القاضي صدر الدين أحمد بن العجمي وأعيد إلى حسبة القاهرة عوضا ~~عن صارم الدين إبراهيم بن الحسام، وأنعم عليه الأمير ططر بثمانين دينارا، ~~ورتب له على ديوان الجوالي بالقاهرة في كل يوم دينارا. وفي هذا اليوم ~~استتمت نفقة المماليك السلطانية. PageV04P0070 # ثم في يوم الاثنين سادس عشر المحرم خلع السلطان على الأمير ططر باستقراره ~~نظام الملك. وخلع على الأمير تنبك ميق ms2912 باستقراره أمير مجلس عوضا عن الأمير ~~ططر. وخلع على الأمير جاني بك الصوفي باستقراره أمير سلاح عوضا عن قجقار ~~القردمي، وأنعم عليه بخبز آق بلاط الدمرداش أحد الأمراء المجردين صحبة ~~الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي. وخلع على الأمير تغري بردي المؤيدي المعروف ~~بأخي قصروه أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة باستقراره أمير مائة ومقدم ألف ~~وأمير آخور كبيرا دفعة واحدة عوضا عن الأمير طوغان الأمير آخور بحكم سفره ~~صحبة الأتابك ألطنبغا القرمشي. وخلع على الأمير إينال الجكمي أحد أمراء ~~الطبلخانات وشاد الشراب خاناه واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن الأمير ~~ألطنبغا من عبد الواحد المعروف بالصغير، بحكم سفره أيضا مع القرمشيء وخلع ~~على الأمير علي باي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة باستقراره ~~داوادارا كبيرا عوضا عن مقبل الحسامي المتوجه إلى البلاد الشامية. وأنعم ~~على الأمير آق خجا الأحمدي أحد أمراء الطبلخانات واستقر أمير مائة ومقدم ~~ألف. وخلع على الأمير قشتم المؤيدي أحد أمراء العشرات باستقراره أمير مائة ~~ومقدم ألف ونائب الإسكندرية عوضا عن الأمير ناصر الدين محمد بن العطار. ~~وخلع على الأمير يشبك أتالي المؤيدي الأستادار خلعة الاستمرار على وظيفته. ~~وخلع على التاج بن سيفة الشوبكي خلعة الاستمرار بولاية القاهرة، وأن يكون ~~حاجبا، فاستغرب الناس ذلك، من أن الحجوبية تضاف إلى ولاية القاهرة. ثم في ~~يوم الثلاثاء سابع عشرة توجهت القصاد بتشاريف نواب البلاد الشامية ~~وتقاليدهم المظفرية باستمرارهم على عادتهم في كفالاتهم، وكتب الأمير ططر ~~نظام الملك العلامة على الأمثلة ونحوها كما يكتب السلطان. ثم في يوم ~~الأربعاء ثامن عشر المحرم ابتدأ الآمير أقطوه برد مال أجناد الحلقة إليهم، ~~وتولى ذلك في أول يوم الأمير ططر بنفسه. ثم في يوم الخميس تاسع عشره خلع ~~نظام الملك على الفضاة الأربعة وبقية أرباب الدولة من المتعممين على ~~عادتهم، وخلع على القاضي شرف الدين محمد بن تاج الدين عبد الوهاب بن ~~نصرالله موقع الأمير ططر باستقراره في نظر أوقاف الأشراف، وكان يليه الأمير ~~ططر من يوم مات القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي ms2913 كاتب السر. وفيه استعفى ~~القاضي علم الدين داود بن الكويز من وظيفة نظر الجيش، فأعفي وخلع عليه ~~كاملية بسمور، ونزل إلى داره كل ذلك حيلة لتوصله لوظيفة كتابة السر وهي بيد ~~صهره القاضي كمال الدين ابن البارزي حتى وليها حسبما يأتي ذكره. ثم في يوم ~~الجمعة نودي بأن الأمير الكبير ططر يجلس للحكم بين الناس فلما انقضت الصلاة ~~توجه الأمير الكبير ططر فجلس بالمقعد من الإسطبل السلطاني، كما كان الملك ~~المؤيد يجلس للحكم به، إلا أنه قعد على يسار الكرسي ولم يجلس فوقه. وحضر ~~أمراء الدولة على العادة، وقعد كاتب السر القاضي كمال الدين بن البارزي على ~~الدكة وقرأ عليه القصص، ووقف نقيب الجيش ووالي القاهرة والحجاب بين يديه، ~~وحكم بين الرعية، ورد المظالم، وساس الناس أحسن سياسة فإنه كانت لديه فضيلة ~~وعنده يقظة وفطنة ومشاركة جيدة في الفقه وغيره، وله محبة في طلب العلم لا ~~سيما مذهب السادة الحنفية، فإنهم كانوا عنده في محل عظيم من الإكرام. ثم ~~انفض الموكب، وطلع إلى طبقة الأشرفية، وجميع الأمراء بين يديه في خدمته إلى ~~أن أكل السماط، ونفذ الأمور، ونزل كل أحد إلى منزله. وأصبح يوم السبت حادي ~~عشرين المحرم غضب على الصاحب تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم، وعزله عن نظر ~~ديوان المفرد. ثم في يوم الاثنين ثالث عشرينه قدم أمير حاج المحمل بالمحمل. ~~PageV04P0071 # وفيه طلب الأمير ططر تاج الدين عبد الرزاق بن شمس الدين عبد الوهاب، ~~المعروف بابن كاتب المناخ، مستوفي ديوان المفرد، وخلع عليه باستقراره ناظر ~~ديوان المفرد، عوضا عن الصاحب تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم، وخرج من بين ~~يدي الأمير الكبير وعليه الخلعة حتى جاوز دهليز القصر، فطلبه الأمير ططر ~~ثانيا، ونزع الخلعة من عليه، وخلع عليه تشريف الوزاره، فلبسها على كره منه، ~~عوضا عن الصاحب بدر الدين بن نصر الله برغبته عنها، وطلب الصاحب تاج الدين ~~عبد الرزاق بن الهيصم، وخلع عليه بإعادته إلى نظر الديوان المفرد، وخلع على ~~الصاحب بدر الدين بن نصر الله باستمراره ms2914 في وظيفته نظر الخاص، وخلع على ~~الأمير يشبك أنا لي المؤيدي الأستادار باستقراره كاشف الكشاف بالوجه القبلي ~~والبحري. ثم في يوم الخميس سادس عشرينه خلع على القاضي كمال الدين محمد ابن ~~البارزي كاتب السر باستقراره في وظيفة نظر الجيش عوضاعن علم الدين بن ~~الكويز. ثم حكم الأمير ططر في يوم الجمعة أيضا بعد الصلاة بالإسطبل ~~السلطاني كما حكم به أولا ثم في يوم الاثنين سلبخ المحرم خلع الأمير الكبير ~~ططر على علم الدين بن الكويز باستقراره في وظيفة كاتب السر، عوضاعن صهره ~~القاضي كمال الدين ابن البارزي. قال المقريزي: فتسلم القوس غير باريها، ~~ووسدت الأمور إلى غير أهليها. قلت: ومعنى قول المقريزي لهذا الكلام لم يرد ~~الحط على ابن الكويز، غير أن وظيفة كتابة السر وظيفة جليلة، يكون متوليها ~~له اليد الطولى في الفقه والنحو، والنظم والنثر والترسل والمكاتبات، والباع ~~الواسع في التاريخ وأيام الناس وأفعال السلف كما وقع للملك الظاهر برقوق ~~لما ورد عليه كتاب من بعض ملوك العجم فلم يقدر القاضي بدر الدين بن فضل ~~الله على حله - وهو كاتب سر فاحتاج السلطان إلى أن طلب من أثناء طريق دمشق ~~الشيخ بدر الدين محمود الكلستاني، وهو من جملة صوفية خانقاه شيخون، حتى حل ~~له ألفاظه. وصادف ذلك قرب أجل ابن فضل الله فسعى في وظيفة كتابة السر جماعة ~~كبيرة من الأعيان بمال له صورة، فلم يلتفت برقوق إليهم، وأرسل أحضر ~~الكلستاني، ولم يكن عليه ملوطة يتجمل بها، وخلع عليه باستقراره في كتابة ~~السر وقد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك الظاهر برقوق الثانية - فصار ~~الكلستاني على طريق أذهل فيها الملك الظاهر برقوق ونبهه على أشياء لم يكن ~~سمعها من غيره. ثم لم يل هذه الوظيفة بعد الكلستاني أمثل من القاضي ناصر ~~الدين ابن البارزي، ثم ولده كمال الدين هذا، فإنهما كانا أهلا لها وزيادة. ~~فعندما عزل ابن البارزي واستقر عوضه علم ا الدين هذا شق ذلك على أهل العلم ~~والذوق. وصادف ذلك بأنه لما جلس علم الدين ms2915 على الدكة، وقرأ القصص على ~~الأمير الكبير ططر، صحف اسم ابن جماز بابن الحمار، وقال: ابن الحمار، فرد ~~عليه نقيب الجيش في الملأ: " ابن جماز ابن جماز وكرر ذلك حتى ضحك الناس. ~~وطلع الأمير ططر إلى الأشرفية، ووعد في تلك الليلة الشيخ بدر الدين بن ~~الأقصرائي سرا بوظيفة كتابة السر إن تم أمره، وأمره أن يكتم ذلك إلى وقته. ~~ثم قدم الخبر من الشام بأن الأمير جقمق الأرغون شاوي نائب الشام امتنع من ~~الدخول في طاعة الأمير ططر، وأنه أخذ قلعة دمشق واستولى عليها، وعلى ما ~~فيها من الأموال والسلاح وغير ذلك، وكان بها نحو المائة ألف دينار، فاضطرب ~~أهل الدولة إلا الأمير ططر فإنه لم يتحرك لذلك. وطلع إليه حمفوه الأمير ~~سودون الفقيه الظاهري، وكان له عنده مكانة عظيمة، فجاراه سودون في أمر ~~جقمق، فقال له ططر: يا أبي الأهم ألطنبغا القرمشي الظاهري، وأما جقمق فإنه ~~رجل غريب مملوك، أمير ليس له من يقوم بنصرته، ولا من يعينه على ما يرومه، ~~غير أنه يلعب في ذهاب مهجته، فقال له سودون الفقيه: وإن يكن فافعل الأحوط ~~وأشار عليه بما يفعله. PageV04P0072 # فلما كان يوم الخميس عاشر صفر جمع الأمير الكبير ططر القضاة عنده بطبقة ~~الأشرفية من القلعة، وسائر أمراء الدولة ومباشريها وكثيرا من المماليك ~~السلطانية، وأعلمهم بأن نواب الشام والأمير الكبير ألطنبغا القرمشي ومن معه ~~من الأمراء المجردين لم يرضوا بما عمله الأمير ططر بعد موت السلطان الملك ~~المؤيد، ثم قال: ولا بد للناس من حاكم يتولى أمر تدبير أمورهم، وأن يعينوا ~~رجلا يرضونه ليقوم بأعباء المملكة، ويستبد بالأمور،، فقال جميع من حضر ~~بلسان واحد: قد رضينا بك، وكان الخليفة حاضرا فيهم، فأشهد الأمير ططر عليه ~~أنه فوض جميع أمور الرعية إلى الأمير الكبير ططر، وجعل إليه عزل من يريد ~~عزله، وولاية من يريد ولايته من سائر الناس، وأن يعطي من يختار، ويمنع من ~~شاء من العطايا، ما عدا اللقب السلطاني، والدعاء على المنابر وضرب الاسم ~~على الدينار والدرهم، فإن هذه ms2916 الثلاثة باقية على ما هي باسم السلطان الملك ~~المظفر أحمد. وأثبت قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي هذا ~~الإشهاد، وحكم بصحته، ونفذ حكمه قضاة القضاة الثلاثة. ثم حلف الأمراء ~~جميعهم للأمير الكبير ططر يمينهم المعهود بالطاعة له في كل قليل. وكان سبب ~~هذا أن بعض أعيان الفقهاء الحنفية ذكر للأمير ططر نقلا أخرجه إليه من فروع ~~المذهب أن السلطان إذا كان صغيرا، وأجمع أهل الشوكة على إقامة رجل للتحدث ~~عنه في أمور الرعية حتى يبلغ رشده، نفذت أحكامه فوقع هذا القول في محله، ~~وقويت قلوب حواشي الأمير ططر بذلك، وقالوا: نحن على الحق، ومن خالفنا على ~~الباطل. وبينما الأمير ططر في ذلك، ورد عليه الحنبر بسيف الأمير يشبك ~~اليوسفي نائب حلب، وقد قتل في وقعة كانت بينه وبين الأمير الكبير ألطنبغا ~~القرمشي فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين المحرم. قال المقريزي: وكان يشبك من ~~شرار خلق الله تعالى، لما هو عليه من الفجور، والجرأة على الفسوق، والتهون ~~في سفك الدماء، وأخذ الأموال. وكان الملك المؤيد قد استوحش منه لما يبلغه ~~من أخذه في أسباب الخروج عليه، وأسر للأمير ألطنبغا القرمشي في إعمال ~~الحيلة في القبض عليه، فأتاه الله من حيث لم يحتسب، وأخذه أخذا وبيلا، ولله ~~الحمد انتهى كلام المقريزي. قلت: وكان من خبر يشبك هذا مع الأمير الكبير ~~ألطنبغا القرمشي، أنه لما خرج القرمشي، من الديار المصرية إلى البلاد ~~الشامية وصحبته الأمراء، وهم: الأمير طوغان أمير آخور، وألطنبغا من عبد ~~الواحد الصغير رأس نوبة النوب، وأزدمر الناصري، وآق بلاط الدمرداش، وسودون ~~اللكاش، وجلبان أمير آخور الذي تولى نيابة دمشق في دولة الملك الظاهر جقمق، ~~وقبل خروج القرمشي من القاهرة أسر إليه الملك المؤيد بالقبض على الأمير ~~الكبير يشبك اليوسفي نائب حلب إن أمكنه ذلك، فسار القرمشي إلى البلاد ~~الشامية مقدما للعساكر، ثم توجه إلى البلاد الحلبية، ثم ساروا من حلب هو ~~ورفقته إلى حيث ندبهم إليه الملك المؤيد، وعادوا إلى حلب في أول سنة أربع ~~وعشرين وأقاموا بها، ms2917 فاستوحش الأمير يشبك نائب حلب منهم، ولم يجسر القرمشي ~~على مسكه. وبينما هم في ذلك طرقهم الخبر بموت السلطان الملك المؤيد، فاضطرب ~~الأمراء المجردون، وعزم الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي على العود إلى ~~الديار المصرية، ووافقه على ذلك رفقته من الأمراء. وبرز بمن معه إلى ظاهر ~~حلب، وخرجوا من باب المقام. وبلغ ذلك الأمير يشبك نائب حلب، وكان لم يخرج ~~لتوديعهم، فعزم على أن يركب ويقاتلهم. وبلغ ذلك القرمشي في الحال، فأرسل ~~إليه دواداره السيفي خشكلدي القرمشي. PageV04P0073 # حدثني خشكلدي المذكور من لفظه قال: ندبني أستاذي الأمير ألطنبغا القرمشي ~~أن أتوجه إلى أمير يشبك، وأذكر له مقالة القرمشي له فتوجهت إليه، فإذا به ~~قد طلع إلى منارة جامع حلب، فطلعت إليه بها، وسلمت عليه، فرد علي السلام، ~~وقال: هات مامعك. فقلت: قد تعبت من طلوع السلم، أمهل علي ساعة، فإني جئت من ~~ملك إلى ملك، فأمهلني ساعة، فبدأته بأن قلت: الأمير الكبير يسلم عليك، ~~ويقول لك بلغة أنك تريد قتاله بمن معه من الأمراء، وهو يسألك ما القصد في ~~قتاله، وقد استولى ططر على الديار المصرية، وجقمق على البلاد الشامية ~~فاقصدهما فإنهما هما الأهم، فإن أجليتهما عما ملكاه فنحن في قبضتك، وإن ~~كانت الأخرى فما بالك بالتشويش علينا لغيرك، ونحن ناس سفار غرباء البلاد، ~~قال: فلما سمع كلامي سكت ساعة، وقال: يسافروا، من وقف في طريقهم؟ ومن هو ~~الذي يقاتلهم؟ أو معنى هذا الكلام، قال: فبست يده وعدت بالجواب إلى الأمير ~~الكبير؟ وقبل أن أبلغه الرسالة إذا يشبك المذكور نزل من المنارة، ولبس آلة ~~الحرب هو ومماليكه في الحال، وقصد الأمراء وهم بالسعدي. فلما رآه الأمراء ~~المصريون ركبوا، ورجعوا إليه، وحملوا عليه حملة واحدة انكسر فيها، وتقنطر ~~عن فرسه، وقطعت رأسه في الوقت. فعاد الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي بمن معه ~~من الأمراء إلى حلب، ونزل بدار السعادة. ومن غريب ما اتفق ان الأمير يشبك ~~المذكور كان قد استوى سماطه، فأخره إلى أن يقبض على الأمراء، ويعود يأكله، ~~فقتل في الحال. ودخل القرمشي ms2918 بمن معه، ومد السماط بين أيديهم فأكلوه، ~~وكانوا في حاجة إلى الأكل. واستمر القرمشي بحلب مدة إلى أن ولى نيابة حلب ~~الأمير ألطنبغا من عبد الواحد الصغير رأس نوبة، وعاد إلى دمشق. واتفق ~~القرمشي، مع الأمير جقمق نائب الشام على قتال المصريين لمخالفتهم لما أوصى ~~به الملك المؤيد شيخ، قبل موته. وكانت وصية الملك المؤيد أن يكون ابنه ~~سطانا، وأن يكون ألطنبغا القرمشي هو المتحدث في تدبير مملكته، فخالف ذلك ~~الأمير ططر، وصار هو المتحدث، وأخرج إقطاعات الأمراء المجردين صحبته. ~~وبينما هم في ذلك بلغهم أن الأمير ططر عزم على الخروج من الديار المصرية ~~ومعه السلطان الملك المظفر أحمد، إلى البلاد الشامية، فتهيئوا لقتاله. ثم ~~بعد مدة يسيرة وقع بينهما وحشة وتقاتلا، فانهزم جقمق إلى الصبيبة، وملك ~~القرمشي دمشق حسبما يأتي ذكره. هذا ما كان من أمر القرمشي مع يشبك. وأما ~~الأمير ططر فإنه لما بلغه قتل يشبك سر بذلك سرورا عظيما، وقال في نفسه: قد ~~كفيت أمر بعض أعدائي، بل كان يشبك أشد عليه من جميع من خالفه. انتهى. ثم في ~~يوم الخميس سابع عشر صفر قدم الأمير قجق العيساوي حاجب الحجاب - كان - في ~~الدولة الناصرية، والأمير بيبغا المظفري أمير مجلس - كان - من سجن ~~الإسكندرية بأمر الأمير ططر، وقبلا الأرض بين يدي السلطان، ثم يد الأمير ~~ططر. ثم قدم الأمير يشبك الساقي الظاهري الأعرج وكان الملك المؤيد قد نفاه ~~من دمشق إلى مكة، لما حضر إليه من قلعة حلب في حصاره الأمير نوروز الحافظي ~~بدمشق، بحيلة دبرها الملك المؤيد على يشبك المذكور حتى استنزله من قلعة ~~حلب، فإنه كان نائبها من قبل الأمير نوروز. ولما ظفر به المؤيد شيخ، أراد ~~قتله فيمن قتله من أصحاب نوروز من الأمراء الظاهرية برقوق، فشفع فيه الأمير ~~ططر، فأخرجه الملك المؤيد شيخ، إلى مكة فأقام بها سنين، ثم نقله إلى القدس، ~~فلم تطل مدته به حتى مات الملك المؤيد، وتحكم ططر، فكتب بحضوره إلى ~~القاهرة. وكان له منذ خرح من الديار المصرية نحو ms2919 العشرين سنة فإنه جرح في ~~نوبة بركة الحبش من سنة أربع وثمانمائة الجرح الذي كان سببا لعرجه، وخرج من ~~القاهرة، ودام بالبلاد الشامية إلى يوم تاريخه. قلت: ويشبك هذا هو الذي صار ~~أتابكا بالديار المصرية في دولة الملك الأشرف برسباي، وهو الذي حسن للملك ~~الأشرف برسباي، الاستيلاء على بندر جدة حتى وقع ذلك. وكان يشبك من رجال ~~الدهر عقلا وحزما ورأيا وتدبيرا، لم تر عيني مثله في أبناء جنسه، ويأتي ~~ذكره في محله إن شاء الله تعالى - انتهى. PageV04P0074 # ثم قدم أيضا سودون الأعرج الظاهري من قوص وكان الملك المؤيد أيضا قد نفاه ~~إليها من سنين عديدة. وكان سودون أيضا من أعيان المماليك الظاهرية برقوق، ~~وفي ظنه أنه من مقولة الأمير يشبك الأعرج، والأمر بخلاف ذلك، والفرق بينهما ~~ظاهر. ثم أفرج الأمير ططر نظام الملك عن الأمير ناصر الدين محمد بك بن علي ~~بك بن قرمان. وخلع عليه، ورسم بتجهيزه ليعود إلى مملكته، فتجهز وسار في ~~النيل يوم السبت سادس عشرين صفر إلى ناحية رشيد ليركب منها إلى البحر الملح ~~ويتوجه إلى جهة بلاده. ثم في يوم الأربعاء أول شهر ربيع الأول قدم الخبر ~~على الأمير ططر على يد بعض الشاميين ومعه كتاب الأمير الكبير ألطنبغا ~~القرمشي من حلب، وهو يتضمن: أنه لما قتل الأمير يشبك نائب حلب ولى عوضه ~~الأمير ألطنبغا من عبد الواحد الضغير رأس نوبة النوب، فإنه عندما ورد عليه ~~الخبر بموت السلطان الملك المؤيد شيخ بعدما عهد بالسلطنة من بعده لابنه ~~الملك المظفر أحمد، وأن يكون القائم بتدبير الدولة ألطنبغا القرمشي، وأنه ~~قد أقيم في السلطنة الملك المظفر كما عهد الملك المؤيد، أخذ هو ومن معه من ~~الأمراء في الرحيل من حلب إلى جهة الديار المصرية كما رسم له به. وكان من ~~أمر يشبك ما كان فاشتغل بذلك عن المسير. ثم ورد عليه الخبر باستقرار نواب ~~الممالك الشامية على عوائدهم، وتحليفهم للسلطان الملك المظفر أحمد، وللأمير ~~الكبير ططر، فحمل الأمر في ذلك على أنه غلط من الكاتب، ms2920 وسأل أن يفصح له عن ~~ذلك، وأبرق وأرعد. ولم يعلم بأن الأمر انقضى وفاته ما أراد. وقد انتهز ~~الأمير ططر الفرصة، وتمثل لسان حاله بقول القائل: الوافر إذا هبت رياحك ~~فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكونا ثم أمر الأمير ططر بكتابة جوابه، فأجيب ~~بكلام متحصله: أنه لما عهد الملك المؤيد شيخ لابنه بالملك، وأقيم في ~~السلطنة، طلب الأمراء والخاصكية والمماليك السلطانية أن يكون المتحدث في ~~أمور الدولة الأمير ططر، ورغبوا إليه في ذلك، ففوض إليه الخليفة جميع أمور ~~المملكة بأسرها، فليحضر الأمير بمن معه إلى الديار المصرية ليكونوا على ~~إمرياتهم وإقطاعاتهم على عادتهم، ثم أنكر عليه استقرار ألطنبغا الصغير في ~~نيابة حلب من غير استئذانه. ثم قدم الخبر أيضا على الأمير ططر بأن علي بن ~~بشارة قاتل الأمير قطلوبغا التنمي نائب صفد وكسره، فانحصر بمدينة صفد إلى ~~أن فر منها إلى دمشق، وإنضم على نائبها الأمير جقمق، وأن جقمق قد استعد ~~بدمشق، واستخدم جماعة كبيرة من المماليك، وسكن قلعة دمشق. فتحقق الأمير ططر ~~عند ذلك خروج جقمق عن طاعته، وكذلك الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي وأخذ في ~~إبرام أمره. فلما كان يوم الخميس تاسع شهر ربيع الأول المذكور خلع على ~~الأمير تنبك ميق العلائي باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن ~~ألطنبغا القرمشي وأنعم عليه بإقطاعه، وأنعم بإقطاع تنبك ميق على الأمير ~~إينال السيفي شيخ الصفوي المعروف بالأرغزي، وأنعم بإقطاع إينال الأرغزي ~~المذكور على الأمير قجق العيساوي القادم من سجن الإسكندرية قبل تاريخه، ~~وأنعم بإقطاع ألامير طوغان أمير آخور أحد الأمراء المجردين على الأمير تغري ~~بردي من آقبغا المؤيدي المعروف بأخي قصروه المقدم ذكره، وأنعم بإقطاع ~~الأمير ألطنبغا الصغير رأس نوبة النوب المستقر في نيابة حلب على سودون ~~العلائي، وأنعم بإقطاع سودون العلائي على الأمير قطج من تمراز الظاهري، ~~وأنعم بإقطاع الأمير أزدمر الناصري أحد مقدمي الألوف المجردين على الأمير ~~بيبغا المظفري الظاهري الذي قدم قبل تاريخه من سجن الإسكندرية. وأنعم ~~بإقطاع الأمير جرباش الكريمي المعروف بقاشق أحد المقدمين المجردين على ~~الأمير ms2921 تمرباي من قرمش المؤيدي شاد الشراب خاناه، وأنعم بإقطاع الأمير ~~تمرباي المذكور وهو إمرة طبلخاناه على الآمير أركماس اليوسفي، وبإقطاع ~~الأمير أركماس المذكور على سودون النوروزي الحموي، وبإقطاع سودون الحموي ~~على شاهين الحسني وتغري بردي المحمدي قسم بينهما وأنعم بإقطاع الأمير جلبان ~~الأمير آخور كان أحد المقدمين المتجردين على الأمير علي باي من علم شيخ ~~المؤيدي الدوادار الكبير، وأنعم بإقطاع علي باي المذكور على الديوان ~~المفرد. PageV04P0075 # وأنعم بإقطاع الأمير مقبل الحسامي الدوادار الكبير الذي تسحب قبل تاريخه ~~من القاهرة إلى الشام على الأمير جقمق العلائي الخازندار، وهو الملك الظاهر ~~جقمق، وأنعم بإقطاع الأمير ألطنبغا المرقبي حاجب الحجاب أحد المجردين على ~~الأمير قصروه من تمراز الظاهري، وأنعم بإقطاع قصروه على مغلباي البوبكري ~~المؤيدي الساقي، ثم أنعم على الأمير قانباي الحمزاوي ثاني رأس نوبة بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية. ثم في يوم الأربعاء ثاني عشرين شهر ربيع ~~الأول المذكور فرق الأمير ططر على الأمراء والمماليك في دفعة واحدة ~~أربعمائة فرس برسم السفر إلى الشام، وقد عزم على المسير إلى البلاد الشامية ~~صحبة السلطان الملك المظفر أحمد، بعد أن رسم للأمراء والمماليك بالتجهيز ~~إلى السفر. ثم قدم قصاد الأمراء المجردين إلى مصر بطلب جمالهم وأموالهم، ~~فمنعوا من ذلك، وكتب للأمير ألطنبغا القرمشي بأن الجمال فرقها السلطان، وقد ~~عزم على السفر، وأنت مخير بين أن تحضر على ما كنت عليه، وبين أن تستقر في ~~نيابة الشام عوضا عن جقمق الأرغون شاوي. ثم أخذ الأمير ططر في التهيؤ ~~والاهتمام إلى السفر. ثم في يوم الاثنين سابع عشرينه خلع الأمير ططر على ~~الأمير صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الخواص ~~باستقراره أستادار العالية عوضا عن الأمير يشبك المؤيدي المعروف بأتالي بعد ~~عزله وأنعم على صلاح الدين المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف. وفي هذا اليوم ~~والذي قبله نودي بالقاهرة وظواهرها بأن لا يسافر أحد إلى البلاد الشامية، ~~وهدد من وجد مسافرا إليها بالقتل. وكان القصد بهذه القضية تعمية أخبار مصر ms2922 ~~وأحوالها عن الأمراء بالبلاد الشامية والمخالفين عليه. قلت: ولهذه الفعلة ~~وأشباهها كان يعجبني أفعال الأمير ططر فإنه كان يسير على طريق ملوك السلف ~~في غالب حركاته، لكثرة اطلاعه لأخبارهم وأمورهم ومن تعمية الأخبار على ~~العدو، والتوري في الأسفار من أن يقصد مكانا فيور بآخر. ومن مخادعة أعدائه ~~والترقق لهم فإنه بلغه - لما استفحل أمره عن الأكل علي باي المؤيدي ~~الدوادار، أنه يقول لخجداشيته المؤيدية: لا تكترثوا بأمره كفاية له - إن ~~استقام فهو على حاله، وإن تعوج أخذته بيدي وألقيته من أعلى القصر إلى ~~الأرض، وأيش هو ططر؟. فلما سمع ذلك أمر القائل له بالكتمان - وأخذ في ~~الإلمام على علي باي المذكور وإظهاره على سره، وهو مع ذلك في قلبه منه أمور ~~وحزازات، وأيضا لما وصل إلى الشام حسبما نذكره. وقدم عليه خجداشيته من عند ~~قرا يوسف على أقبح حال من الفقر أعني عن الأمراء الذين هربوا من الملك ~~المؤيد في وقعة قاني باي نائب الشام وهم سودون من عبد الرحمن نائب طرابلس، ~~وتنبك البجاسي نائب حماة، وطرباي نائب غزه، وجاني بك الحمزاوي، ويشبك ~~الجكمي الدوادار الثاني الذي كان فر من الحجاز إلى العراق، وغيرهم فلما ~~وصلوا إلى دمشق وتمثلوا بين يدي ططر ورآهم علي باي الدوادار المذكور، وتغري ~~بردي المؤيدي أمير آخور كبير قالا للأمير ططر - لما أتوا - : هؤلاء يريدون ~~العود إلى ماكانوا عليه، وهم أعداء أستاذنا، فقال لهما ططر: أعوذ بالله، ~~هؤلاء ما بقي فيهم بقية لطلب ما ذكرتموه مما قاسوه من الغربة والتشتت، ~~وإنما قصد كل واحد منهم ما يقوم بأوده، مثل إقطاع حلقة ويقيم بالقدس، أو ~~مرتب ويقيم بدمياط، أو شيء على الجوالي، وأنتم تعرفون أنهم خشداشيتنا لا ~~يمكننا إلا النظر في أحوالهم بنحو ما ذكرناه، فلما سمع المؤيدية ذلك قالوا: ~~" هذا ما نقول فيه شيئا، وأما غير ذلك فلا، فقال لهم ططر: وما تم غير ما ~~قلته، فانخدعوا وسكتوا، على ما سنذكره من أمرهم عند قدومهم على الأمير ططر ~~بدمشق. انتهى. ثم أخذ الأمير ططر - بعد ms2923 المناداة - في تجهيز أمره وأمر ~~السلطان الى السفر. فلما كان يوم الاثنين رابم شهر ربيع الآخر ركب الأمير ~~ططر نظام الملك من قلعة الجبل، ومعه الأمراء والخاصكية والمماليك ~~السلطانية، وسار إلى جهة قبة النصر، ثم عاد ودخل القاهرة من باب النصر، ~~وخرج من باب زويلة إلى أن طلع إلى القلعة في موكب سلطاني لم يفقد فيه إلا ~~الجاوشية والعصابة السلطانية وهذا أول موكب ركبه الأمير ططر من يوم تحكمه ~~في الديار المصرية، وهو من يوم موت الملك المؤيد شيخ. PageV04P0076 # ثم في سادسه نودي فى المماليك السلطانية بالطلوع إلى القلعة لأخذ نفقة ~~سفر في يوم الخميس. فلما كان يوم الخميس المذكور جلس الأمير ططر نظام الملك ~~بقلعة الجبل، وأنفق في المماليك السلطانية نفقة السفر، لكل واحد مائة دينار ~~إفرنتية. ثم في تاسعه أنفق على الأمراء والمماليك أيضا، فحمل للأمير الكبير ~~تنبك ميق خمسة آلاف دينار، ولمن عداه أربعة آلاف دينار وثلاثة آلاف دينار. ~~وفي عاشره أخرج الأمير ططر ولدي الملك الناصر فرج من قلعة الجبل، ووجههما ~~إلى سجن الإسكندية كما كانا أولا به. وكان سبب قدومهما من الإسكندرية إلى ~~مصر أن عمتهما خوند زينب بنت السلطان الملك الظاهر برقوق وزوجة الملك ~~المؤيد شيخ كانت سألت زوجها الملك المؤيد في قدومهما بسبب ختانهما، فقدما ~~إلى القلعة وختنا، وهما محمد وخليل، فأقاما عند عمتهما إلى أن مات الملك ~~المؤيد. فلما عزم ططر على التوجه إلى البلاد الشامية أمر بعودتهما إلى ~~الإسكندرية وسجنهما بها كما كانا أولا. ثم في رابع شهر ربيع الآخر خرجت ~~مدورة السلطان إلى الريدانية خارج القاهرة، فقدم الخبر على الأمير ططر بأن ~~عساكر دمشق برزت منها إلى اللجون، فركب الأمير ططر في يوم الثلاثاء تاسع ~~عشرة من قلعة الجبل ومعه السلطان الملك المظفر أحمد والأمراء وسائر أرباب ~~الدولة، ونزل من قلعة الجبل إلى الريدانية بمخيمه، وسافرت أم السلطان الملك ~~المظفر أحمد خوند سعادات في محفة صحبة ولدها. وأصبح من الغد في يوم ~~الأربعاء رحل الأمير الكبير تنبك ميق من الريدانية ms2924 ومعه عدة أمراء جاليشا. ~~ثم استقل الأمير ططر بالسفر ومعه السلطان والخليفة والقضاة الأربعة وبقية ~~العساكر في يوم الجمعة ثاني عشرين شهر ربيع الآخر المذكور، والموكب جميعه ~~لططر، بعد أن جعل الأمير قاني باي الحمزاوي نائب الغيبة بالديار المصرية، ~~وهو يومئذ غائب ببلاد الصعيد، وأن ينوب عنه في نيابة الغيبة الأمير جقمق ~~العلائي جاركس المصارع إلى أن يحضر قاني باي، وجعل معهما أيضا في القاهرة ~~لأمراء المقدمين الأمير آقبغا التمرازي، والأمير قرا مراد خجا الشعباني. ~~سار الأمير ططر من الريدانية بالسلطان إلى أن وصل مدينة غزة في يوم الاثنين ~~جمادى الأولى. وفي مدة إقامته بغزة قدم عليه جماعة من الأمراء ممن خرج من ~~عسكر دمشق، منهم الأمير جلبان أمير آخور، وكان أحد الأمراء المجردين إلى ~~حلب في أيا الملك المؤيد، والأمير إينال النوروزي نائب حماة، وغيرهما، فسر ~~الأمير ططر وفر منهم - ممن كان خرج معهم من دمشق - الأمير مقبل الحسامي ~~الدوادار كان - في طائفة يريد دمشق إلى الأمير جقمق. ثم سار الأمير ططر من ~~غزة بالسلطان والعساكر يريد دمشق حتى وصل إلى بيسان في يوم الثلاثاء عاشر ~~جمادى الأولى، فورد عليه الخبر من دمشق بأن الآمير الدوادار لما وصل إلى ~~دمشق، وأخبر الأمراء بدخول الأمير جلبان والأمير إينال النورزوي في طاعة ~~الأمير ططر، شق ذلك على الأمير جقمق الأرغون شاوي نائب الشام، وعلى الأمير ~~الكبير ألطنبغا القرمشي ومن معه من الأمراء المصريين، واضطرب أمرهم وتكلموا ~~في المصلحة، فلم ينتظر لهم أمر واختلفا - أعني القرمشي وجقمق نائب الشام - ~~فاقتضى رأي ألطنبغا القرمشي ومن معه الدخول في طاعة الأمير ططر، والتسليم ~~له فيما يفعل، وامتنع جقمق نائب الشام من ذلك وأبى قتال ططر. وافترقا من ~~يومئذ، وصارا في تباين، إلى أن كان يوم الثلاثاء ثالث جمادى الأولى ~~المذكورة بلغ الأمير ألطنبغا القرمشي عن جقمق أنه يريد عليه، وعلى من معه ~~من الأمراء، فطلب أصحابه وشاورهم فيما يفعل، فاقتضى رأيهم محاربته. فبادر ~~القرمشي إلى محاربة جقمق، وركب بمماليكه وأصحابه بآلة الحرب وعليهم السلاح، ms2925 ~~ووقف بهم تجاه قلعة دمشق، وقد رفع الصنجق السلطاني، وأعلن بطاعة السلطان، ~~فأتاه جماعه كبيرة من أمراء دمشق وغيرها راغبين في الطاعة. PageV04P0077 # وبلغ جقمق ذلك، فتهيأ لقتاله، ولبس السلاح، ونزل بمماليكه وأصحابه، وصدم ~~بهم الأمير ألطنبغا القرمشي ومن معه، وقاتلهم، فكان بينه وبينهم وقعة هائلة ~~طول النهار، إلى أن انكسر الأمير جقمق، وتوجه هو والأمير طوغان أمير آخور، ~~والأمير مقبل الحسامي الدوادار في نحو الخمسين فارسا إلى جهة صرخد، وأن ~~الأمير ألطنبغا القرمشي استولى على مدينة دمشق، وتقدم إلى القضاة والأعيان ~~أن يتوجهوا إلى ملاقاة السلطان والأمير ططر. فسر الأمير ططر بذلك غاية ~~السرور، وعلم أن الأمر قد هان، وتحقق كل أحد ثبات أمره، وأنه سيصير أمره ~~إلى ما سنذكره. وكان الذي قدم عليه بهذا الخبر الأمير أزدمر الناصري، أحد ~~مقدمي الألوف بالديار المصرية، ممن كان صحبة القرمشي بالبلاد الحلبية. ثم ~~قدم على الأمير ططر أيضا الأمير قطلوبغا التنمي نائب صفد، وخلع عليه الأمير ~~ططر باستقراره على نيابة صفد. ثم ركب الأمير ططر ومعه السلطان والعساكر إلى ~~نحو دمشق حتى دخلها من غير ممانع بكرة الأحد خامس عشر جمادى الأولى ~~المذكورة، بعد أن تلقاه الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي ومعه الأمير ألطنبغا ~~المرقبي حاجب الحجاب بالديار المصرية، والأمير جرباش الكريمي المعروف بقاشق ~~أحد مقدمي الألوف بديار مصر، والأمير سودون اللكاشي أحد مقدمي الألوف أيضا، ~~والأمير آق بلاط الدمرداش أحد مقدمي الألوف أيضا. ولما دخل القرمشي على ~~السلطان الملك المظفر أحمد، نزل وقبل الأرض له بمن معه، وسلم على الأمير ~~ططر، ثم ركب وسار في خدمة السلطان، فتأدب معه الأمير ططر نظام الملك بأن ~~يسير في ميمنة السلطان الملك المظفر، فامتنع من ذلك، وألح عليه فأبى إلا ~~سيره في ميسرة السلطان، كل ذلك بعد أن خلع السلطان علي القرمشي، وسار ~~السلطان إلى أن طلع إلى قلعة دمشق ومعه الأمير ططر. فأؤل ما بدأ به الأمير ~~ططر أن قبض على الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي، وعلى الأمير جرباش الكريمي، ~~وعلى الأمير ألطنبغا المرقبي، وعلى ms2926 الأمير أردبغا من أمراء الألوف بدمشق، ~~وعلى الأمير بدر الدين حسن بن محب الدين الطرابلسي أستادار المؤيد شيخ، ~~وعلى جماعة أخر. وأصبح يوم الاثنين سادس عشرة جلس للخدمة بقلعة دمشق، وخلع ~~على الأمير تنبك ميق العلائي باستقراره في نيابة دمشق عوضا عن جقمق الأرغون ~~شاوي الدوادار، وخلع على الأمير إينال الجكمي رأس نوية النوب واستقر به في ~~نيابة حلب، عوضا عن الأمير ألطنبغا من عبد الواحد المعروف بالصغير، وعلى ~~الأمير يونس الركني الأعور أتابك دمشق باستقراره في نيابة غزة عوضا عن ~~أركماس الجلباني. ثم خلع على الأمير جاني بك الصوفي أمير سلاح باستقراره ~~أتابك العساكر لديار المصرية عوضا عن تنبك ميق. ثم أخذ الأمير ططر في العمل ~~على مسك جقمق الدوادار، فبعث إليه الأمير بيبغا المظفري أمير مجلس، والأمير ~~إينال الشيخي الأرغزي، والأمير يشبك أنالي المعزول عن الأستادارية، والأمير ~~سودون اللكاشي، ومعهم مائتا مملوك من المماليك السلطانية، فساروا إلى صرخد. ~~وأرسل الأمير ططر المبشر إلى الديار المصرية بقدوم السلطان إلى دمشق ~~وبالقبض على الأمير ألطنبغا القرمشي، فدقت البشائر بقلعة الجبل لذلك ثلاثة ~~أيام وزينت القاهرة عشرة أيام. ثم تزوج الأمير الكبير ططر بأم السلطان ~~الملك المظفر أحمد، صاحب الترجمة، وهي خوند سعادات بنت الأمير صرغتمش، وبنى ~~بها، فصار عم السلطان زوج أمه ونظام ملكه، مع ما تمهد له من الأمر من مسك ~~الأمير ألطنبغا القرمشي ورفقته، ومن ورودود الخبر عليه بمجيء خجداشيته ~~الأمراء الذين كانوا فروا من الملك المؤيد في وقعة الأمير قاني باي المحمدي ~~نائب الشام المقدم ذكرهم. PageV04P0078 # فلما كان يوم الثلاثاء ثامن جمادى الآخرة، قدم الأمراء المقدم ذكرهم من ~~عند قرا يوسف بعد موته، وكانوا عند قرا يوسف من يوم فروا من وقعة الآمير ~~قاني باي، وهم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب طرابلس كان، والأمير تنبك ~~البجاسي نائب حماة كان، والأمير طرباي الظاهري نائب غزة كان، والأمير يشبك ~~الجكمي الدوادار الثاني كان، وهو الذي فر من المدينة الشريفة لما كان أمير ~~الحاج وتوجه إلى العراق في سنة ms2927 إحدى وعشرين وثمانمائة والأمير جاني بك ~~الحمزاوي، والأمير موسى الكركري بمن كان معهم، فخلع عليهم الأمير ططر وأنعم ~~عليهم بالمال والخيل والسلاح، غير أنه لم يعط أحدا منهم إقطاعا ولا إمرة ~~خوفا من المماليك المؤيدية، وكذلك الأمير برسباي الدقماقي نائب طرابلس كان، ~~أعني الملك الأشرف لما أطلقه من سجن قلعة دمشق، لم ينعم عليه بإقطاع، وكان ~~من خبره أن الملك المؤيد جعله بعد إطلاقه من سجن المرقب أمير مائة ومقدم ~~ألف بدمشق، فقبض عليه الأمير جقمق وحبسه إلى أن أطلقه ططر انتهى. ثم أمر ~~الأمير ططر بابن محب الدين الأستادار - كان - فصودر وعوقب أشد عقوبة، وأجرى ~~عليه العذاب، وأخذ منه جملا مستكثرة، ولا زال في العقوبة إلى أن مات في ~~سابع عشرين جمادى الآخرة، كل ذلك بعد قتل الأمير ألطنبغا القرمشي. وخبره أن ~~الأمير ططر لما طلع إلى قلعة دمشق وقبض عليه في الحال ارتج العسكر لمسكه، ~~وعظم ذلك على جماعة كبيرة من المماليك السلطانية الظاهرية، وطلبوا من ~~الأمير ططر إبقاءه، فرأى ططر لأنه لا يتم له أمر مع بقائه وأرسل القرمشي ~~أيضا يترقق له، فلم يلتفت ططر إلى هذا كله، وتمثل لسان حاله بقول المتنبي: ~~الكامل لا يخدعنك من عدوك دمعه ... وارحم شبابك من عدو ترحم لا يسلم الشرف ~~الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم وجسر عليه وقتله بعد أيام، ~~فلم ينتطح في ذلك عنزان. وكان الأمير ألطنبغا القرمشي حسنة من حسنات الدهر ~~عقلا وحشمة ورياسة وسؤددا وكرما، مع اللين والأدب والتواضع، كما سيأتي ذكره ~~في حوادث سنة أربع وعشرين وثمانمائة إن شاء الله تعالى. ولما أن مهد الأمير ~~ططر أمور دمشق، وقوي جانبه بخشداشيته وأصحابه، عزم على التوجه إلى حلب. ~~فلما كان يوم الجمعة خامس عشرين جمادى الآخرة المذكور ركب الأمير ططر من ~~قلعة دمشق ومعه السلطان الملك المظفر وجميع عساكره، وتوجه إلى جهة البلاد ~~الحلبية، وسار حتى وصلها في العشر الأول من شهر رجب، بعد أن فر منها الأمير ~~ألطنبغا الصغير قبل قدومه بمدة، وملكها ms2928 الأمير إينال الجكمي، وسكن بدار ~~السعادة على عادة النواب. وأقام الأمير ططر بحلب، وأخذ في إصلاح أمرها، ~~وخلع على أمراء التركمان والعربان، وبعث رسله إلى البلاد. وبينما هو في ذلك ~~قدم عليه الأمير مقبل الحسامي الدوادار كان أحد أصحاب جقمق طائعا، وقد فارق ~~الأمير جقمق من صرخد بعد أن حوصر جقمق من الأمير بيبغا المظفري المقدم ذكره ~~ورفقته أياما، فخلع الأمير ططر على الأمير مقبل المذكور وعفا عنه، وفي ~~النفس من ذلك شيء. ثم خلع الأمير ططر على الأمير تغري بردي من آقبغا ~~المؤيدي، الأمير آخور الكبير المعروف بأخي قصروه، باستقراره في نيابة حلب ~~عوضا عن الأمير إينال الجكمي، وخلع على الأمير إينال الجكمي باستقراره أمير ~~سلاح عوضا عن جاني بك الصوفي بحكم انتقاله إلى أتابكية العساكر بديار مصر، ~~وخلع على الأمير تمرباي اليوسفي المؤيدي المشد باستقراره أمير حاج المحمل، ~~فخرج من حلب وسار إلى الديار المصرية ليتجهز إلى سفر الحجاز. PageV04P0079 # ثم أبطأ على الأمير ططر أمر جقمق بصرخد، فندب له الأمير برسباي الدقماقي ~~نائب طرابلس كان ومعه القاضي بدر الدين محمد بن مزهر ناظر الإسطبل ونائب ~~كاتب السر، وأرسل معه أمانا لجقمق المذكور ولمن معه، وحلف له أنه لا يمسه ~~بسوء إن سلم إليه صرخد وقدم إلى طاعته. فركب برسباي وتوجه إلى صرخد. وما ~~زال برسباي، بالأمير جقمق ومن عنده حتى أذعنوا لطاعة الأمير ططر، ونزلوا من ~~قلعة صرخد، وتوجهوا صحبة الأمير برسباي الدقماقي إلى دمشق، وهم: الأمير ~~جقمق نائب الشام، والأمير طوغان أمير آخور الملك المؤيد وغيرهم. فلما قدموا ~~إلى دمشق قبض عليهم الأمير تنبك ميق نائب الشام، ولم يلتفت إلى كلام الأمير ~~برسباي الدقماقي، وحبس الأمير جقمق والأمير طوغان أمير آخور بقلعة دمشق، ~~وقال: " إذا جاء الأمير الكبير ططر إن شاء يطلقهما وإن شاء يقتلهما، فاحتد ~~الأمير برسباي لذلك قليلا ثم سكن ما به لما علم المصلحة في قبضهما. وقيل إن ~~الأمير برسباي لما قدم بهما إلى دمشق قال للأمير تنبك ميق: أنا قد حلفت ~~لهما فاقبض ms2929 عليهما أنت، ففعل تنبك ذلك؟ والصواب عندي هو القول الثاني. وأما ~~الأمير ططر فإنه أقام بحلب هو والسلطان والعساكر إلى يوم الاثنين حادي عشر ~~شعبان، فبرز فيه من مدينة حلب يريد مدينة دمشق، بعد أن مهد أمور البلاد ~~الحلبية، وخلع على مملوكه - ورأس نوبة - الأمير باك، باستقراره في نيابة ~~قلعة حلب وكان الأمير باك من أخصاء الأمير ططر وأعيان مماليكه. وسار الأمير ~~ططر إلى أن دخل دمشق هو والسلطان الملك المظفر أحمد في يوم السبت ثالث ~~عشرين شعبان، فارتجت دمشق لدخوله، وعبر دمشق وجميع الأمراء بين يديه، ~~والسلطان معه كالآلة على عادته، وطلع إلى قلعة دمشق، وشكر الأمير تنبك ميق ~~على قبضه على جقمق، ثم أمر بجقمق فعؤيب على المال، ثم قتل بقلعة دمشق. ثم ~~أخرج الأمير طوغان الأمير آخور من حبس قلعة دمشق، وأرسله إلى القدس بطالا، ~~فخف الأمر كثيرا على الأمير ططر بقتل الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي، ثم ~~بقتل الأمير جقمق نائب الشام. ولم يبق عليه إلا الأمراء المؤيدي، وكانت لهم ~~شوكة وسطوة بخشداشيتهم المماليك المؤيدية، فأخذ الأمير ططر عند ذلك يدبر ~~على قبضهم وجبن عن ذلك. وتكلم مع خشداشيته المماليك الظاهرية برقوق، في ~~ذلك، فاختلفت آراؤهم في القبض عليهم، فمنهم من رأى أن القبض عليهم بالبلاد ~~الشامية أصلح، ومنهم من قال المصلحة أن الأمير الكبير ططر يعود إلى مصر، ثم ~~يفعل ما بدا له بعد أن يصير بقلعة الجبل، فمال ططر إلى القول الثاني من أنه ~~يعود إلى مصر، ثم يقبض عليهم، ثم يتسلطن. فلم يرض الأمير قصروه من تمراز ~~بذلك، وقام في القبض عليهم، وبالغ في ذلك، وهون أمر المؤيدية شيخ، على ~~الأمير ططر إلى الغاية، حتى قال له: لا تتكلم أنث في أمرهم، وأنا والأمير ~~بيبغا المظفري نكفيك أمر هؤلاء الأجلاب، كل ذلك لما كان فى نفس قصروه من ~~أستاذهم الملك المؤيد، فإنه حدثني بعض أعيان المماليك الظاهرية قال: لما ~~أخرج الملك المؤيد قصروه من السجن وأنعم عليه بإمرة عشرة، صادفته في بعض ~~الأيام عند ms2930 باب زويلة، فسلمت عليه ورجعت معه، فقال لي: يا أخي فلان، فقلت ~~له: نعم، قال: تنظر ما يفعل بنا هذا الرجل وبخشداشيتنا؟ قلت: نعم نظرت، ~~قال: الله لا يميتني حتى أفعل بمماليكه، ما فعل بخشداشيتنا من الحبس والقتل ~~والتشتت. فقلت له: هل قلت هذا الكلام لأحد غيري؟ قال: لا. فقلت له عند ذلك: ~~أمسك ما معك، لأن غريمك صعب، ومتى ما سمع بعض هذا الكلام عنك لا يبقيك ساعة ~~واحدة. فقال:. أعرف هذا، فاكتم أنت أيضا ما سمعته مني. وتفارقنا، فلم يكن ~~إلا بعد مدة يسيرة ومات الملك المؤيد، ووقع ما وقع من أمر الأمير ططر، إلى ~~أن قام قصروه في مسك المؤئدية، ومسكوا عن آخرهم، فلما كان بعد أيام رآني ~~وقال: أخي فلان، فقلت: نعم، قال: هل وفيت بما قلت أم لا؟ فقلت: نعم وفيت ~~وزيادة. انتهى. وقد خرجنا عن المقصود، ولنعد لما كنا فيه. PageV04P0080 # ولما سمع الأمير ططر كلام قصروه، هان عليه أمر المؤيدية، ووافق قصروه ~~الأمير تغري بردي المحمودي الناصردي، والأمير بيبغا المظفري أمير مجلس ~~والأمير يشبك الجكمي، القادم من عند قرا يوسف، والأمير أزدمر شايا، ~~ووالأمير أيتمش الخضري؟ ولا زالوا بالأمير ططر حتى وافقهم على القبض عليهم، ~~بعد أن قال لهم: اصبروا حتى نكتب بقتل الأمير قجقار القردمي أمير سلاح،. ~~وكتب إلى مصر، ثم إلى نائب إسكندرية الأمير قشتم المؤيدي بقتله، فقتل في ~~شعبان المذكور. وصار ططر يتردد في القبض على المؤيدية، إلى أن كان يوم ~~الخميس ثامن عشرين شعبان من سنة أربع وعشرين المذكورة، وحضر الآمراء الخدمة ~~على العادة، وقرىء الجيش، وفرغت العلامة، وقبل أن يحضر السماط مدت الأمراء ~~الظاهرية أيديهم فقبضوا على الأمراء المؤيدية في الحال، الذين حضروا الخدمة ~~والذين تأخروا عن الخدمة، فكان ممن قبض عليه منهم سبعة من مقدمي الألوف من ~~مشتروات الملك المؤيد، وممن أنشأه، وهم: الأمير إينال الجكمي أمير سلاح. ~~أصله من مماليك جكم من عوض نائب حلب، إلا أن المؤبد هو الذي أنشأه ورقاه. ~~والأمير إينال الشيخي الأرغزي حاجب ms2931 الحجاب، وكان أصله من مماليك الأمير شيخ ~~الصفوي، أمير مجلس في دولة الملك الظاهر برقوق، غير أنه جدم للملك المؤيد ~~قديما، واختص به أيام تلك الفتن، فلما تسلطن رقاه وقربه إلى الغاية. ~~والأمير سودون اللكاش الظاهري أحد الأمراء المجردين إلى حلب صحبة الأمير ~~ألطنبغا القرمشي. وكان أصله من مماليك الأمير آقبغا اللكاش الظاهري، وخدم ~~الملك المؤيد قديما، فلما ملك مصر أنعم عليه ورقاه حتى جعله أمير مائة ~~ومقدم ألف بديار مصر. والأمير جلبان أمير آخور كان. وهو أيضا من جملة من ~~كان مجردا صحبة القرمشي. وفي معتقه أقوال كثيرة. وأصله من مماليك الأمير ~~تنبك أمير آخور اليحياوي الظاهري، ثم أخذه بعده إينال حطب، ثم جاركس ~~المصارع، ثم اتصل بخدمة الملك المؤيد شيخ، وصار أمير آخور قبل سلطنته، فلما ~~تسلطن رقاه حتى صار من جملة الألوف بالقاهرة. ثم على الأمير أزدمر الناصري. ~~وكان من جملة الأمراء المجردين مع ألطنبغا القرمشي. وأصله من مماليك الملك ~~الظاهر برقوق، ونسبته بالناصري إلى تاجره خواجا ناصر الدين. وهو ممن أنشأه ~~الملك المؤيد من خشداشيته ورقاه، وكان رأسا في لعب الرمح. وعلى الأمير يشبك ~~أنالي المؤيدي رأس نوبة النواب، الذي كان ولي الأستادارية في دولة أستاذه ~~المؤيد كان من أكابر المماليك المؤيدية، ونسبته أنالي أي له أم. وعلى ~~الأمير علي باي من علم شيخ المؤيدي الدوادار، وهو أعظم مماليك المؤيد يوم ~~ذاك. وهؤلاء من أمراء الألوف. وأما الذين قبض عليهم من أمراء الطبلخانات ~~والعشرات فكثير، منهم: الأمير مغلباي الأبو بكري الساقي، وعلى الأمير مبارك ~~شاه الرماح، وعلى الأمير مامش المؤيدي رأس نوبة، وعلى جماعة أخر. ثم قبض ~~على الطواشي مرجان المسلمي الهندي الخازندار، ثم أطلقه. وبعد مسك هؤلاء ~~الأمراء خلا الجو للأمير ططر، وعلم أنه لم يبق له منازع فيما يرومه؟ فإنه ~~كان في قلق كبير من علي باي الدوادار وخشداشيته، وفي تخوف عظيم، بحيث إنه ~~كان في غالب سفره منذ خرج من الديار المصرية لا يفارق لبس الزردية من تحت ~~ثيابه حتى أورث له ذلك ms2932 مرضا في باطنه من شدة برد الزردية، وتسلسل فيه ذلك ~~من شيء إلى شيء حتى مات حسبما نذكره. فلما قبض الأمير ططر، على هؤلاء عزم ~~على خلع السلطان الملك المظفر أحمد من السلطنة، ووافقه على ذلك جميع ~~الأمراء والخاصكية. هذا وقد صار ططر يأخذ بخاطر من بقي من صغار المماليك ~~المؤيدية ويقربهم ويدنيهم، ويسكن روعهم. على أن كل واحد منهم انتمى لشخص من ~~حواشي ططر، كما هي عادة العساكر المفلولة ممن زالت دولتهم، وذهبت شوكتهم. ~~وتخفف منهم جماعة بالبلاد الشامية، وانحط قدرهم، وخدموا الأمراء سنين إلى ~~أن أعيدوا في دولة الملك الظاهر جقمق إلى بيت السلطان. ولما كان يوم تاسع ~~عشرين شعبان من سنة أربع وعشرين وثمانمائة خيم السلطان الملك المظفر أحمد ~~بن المؤيد بالسلطان الملك الظاهر ططر، وأدخل المظفر إلى أمه خوند سعادات، ~~وكان ططر قد تزوجها حسبما ذكرناه، فمن يوم خلع ابنها المظفر لم يدخل إليها ~~ططر، ثم طلقها بعد ذلك. PageV04P0081 # وكان مدة سلطنة الملك المظفر من يوم جلوسه على تخت الملك، وهو يوم موت ~~أبيه الملك المؤيد شيخ، إلى أن خلع في هذا اليوم، سبعة أشهر وعشرين يوما. ~~وعاد المظفر صحبة الملك الظاهر ططر إلى الديار المصرية، وأقام بقلعة الجبل ~~مدة، ثم أخرج هو وأخوه إبراهيم ابن الملك المؤيد إلى سجن الإسكندرية، فسجنا ~~بها إلى أن مات الملك المظفر أحمد هذا في الثغر المذكور بالطاعون في ليلة ~~الخميس آخر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، في سلطنة الملك ~~الأشرف برسباي، ومات أخوه إبراهيم بعده بمدة يسيرة بالطاعون أيضا ، ودفنا ~~بالإسكندرية، ثم نقلا إلى القاهرة وذفنا بالقبة من الجامع المؤيدي داخل باب ~~زويلة. ولم يكن للملك المظفر أمر في السلطنة لتشكر أفعاله أو تذم لعدم ~~تحكمه في الدولة، وأيضا لصغر سنه، فإنه مات بعد خلعه بسنين وهو لم يبلغ ~~الحلم. وأما أخوه إبراهيم فإنه كان أصغر منه، وكانت أمه أم ولد جركسية تسمى ~~قطلباي، تزوجها الأمير إينال الجكمي بعد موت الملك المؤيد وماتت عنده. ~~انتهى والله أعلم. ### | AUT ms2933 سلطنة الملك الظاهر ططر # السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو الفتح ططر. تسلطن بعد خلع السلطان ~~الملك المظفر أحمد ابن الملك المؤيد شيخ في يوم الجمعة تاسع عشرين شعبان ~~سنة أربع وعشرين وثمانمائة، بقلعة دمشق، وكان الموافق لهذا اليوم يوم نوروز ~~القبط بمصر ولبس خلعة السلطنة من قصر قلعة دمشق، وركب بشعار السلطنة وأبهة ~~الملك، ولقب بالملك الظاهر ططر، وذلك بعد أن ثبت خلع الملك المظفر. وحضر ~~الخليفة المعتضد بالله داود والقضاة بقلعة دمشق، وبايعوه بالسلطنة بحضرة ~~الملأ من الأمراء والخاصكية، بعد أن سألهم الخليفة في قيامه في السلطنة، ~~فقالوا الجميع: نحن راضون بالأمير القبير ططر. وتم أمره في السلطنة، وقبلت ~~الأمراء الأرض بين يديه، وحملت القبة والطير على رأسه، وخطب له على منابر ~~دمشق من يومه. والملك الظاهر هذا هو السلطان الثلاثون من ملوك الترك ~~بالديار المصرية، والسادس من الجراكسة وأولادهم. قال المقريزي رحمه الله: ~~كان جاركسي الجنس، يعني عن الملك الظاهر ططر، رباه بعض التجار، وعلمه شيئا ~~من القرآن وفقه الحنفية، وقدم به إلى القاهرة في سنة إحدى وثمانمائة وهو ~~صبي، فدل عليه الأمير قاني باي، لقرابته به، وسأل السلطان الملك الظاهر ~~برقوق، فيه، حتى أخذه من تاجره. ومات السلطان قبل أن يصرف ثمنه، فوزن ~~الأمير الكبير أيتمس ثمنه اثني عشر ألف درهم، ونزله في جملة مماليك الملك ~~الظاهر في الطباق ونشأ بينهم. وكان الملك الناصر أعتقه، فلم يزل في جملة ~~مماليك الطباق حتى عاد السلطان الملك الناصر فرج إلى الملك بعد أخيه ~~المنصور عبد العزيز، فأخرج له الخيل وأعطاه إقطاعا في الحلقة، فانضم على ~~الأمير نوروز الحافظي، وتقلب معه في تلك الفتن، انتهى كلام المقريزي ~~باختصار. قلت: هذا هو الخباط بعينه، ولم أقف على هذا النقل إلا من خطه بعد ~~موته، ولم أسمعه من لفظه، فإن هذا القول يستحيا من ذكره، فأما قوله اشتراه ~~الملك الظاهر برقوق من تاجره فمسلم، غير أنه قبل سنة إحدى وثمانمائة، وأنه ~~لم يعط ثمنه، فيمكن. وأما قوله وأعتقه الملك الناصر فرج، ms2934 فهذا القول لم ~~يقله أحد غيره، وبإجماع المماليك الظاهرية أن الملك الظاهر برقوق أعتقه، ~~وأخرج له الخيل والقماش في عدة كبيرة من المماليك، منهم جماعة كبرة في قيد ~~الحياة إلى يومنا هذا. ثم أخرج الملك الظاهر خرجا آخر من المماليك بعد ذلك ~~قبل موته، من جملتهم الملك الأشرف برسباي الدقماقي، والملك الظاهر جقمق ~~العلائي وغيره. وكانت عادة برقوق أنه لا يخرج لمماليكه الجلبان خيلا، إلا ~~بعد إقامتهم في الأطباق مدة سنين، وأنه لا يخرج في سنة واحدة خرجين، وإنما ~~كان يجرج في كل مدة طويلة خرجا من مماليكه، ثم يتبعه بعد ذلك بمدة طويلة ~~آخر، وهذه كانت عادة ملوك السلف، فعلى هذا يكون مشترى ططرهذا قبل سنة إحدى ~~وثمانماثة بسنين. PageV04P0082 # ولما أراد الملك الظاهر عتق ططر المذكور، عرضه قي جملة من عرض من مماليك ~~الطباق الكتابية، وكان ططر قصير القامة، فاعتقد الظاهر أنه صغير، فرده إلى ~~الطبقة فيمن رد من صغارالمماليك، وكان الأمير جرباش الشيخي الظاهري رأس ~~نوبة واقفا، فمسك ططر من كتفه وقال: يا مولانا السلطان، هذا، فقيه طالب ~~علم، قرناص يستأهل الخير، فأمر له الملك الظاهر بالخيل وكتب عتاقته أمام ~~السلطان الملك الظاهر سويدان المقري، فكان ططر في أيام إمرته، وبعد سلطنته، ~~كلما رأى الناصر محمد ابن جرباش الشيخي يترحم على والده ويقول: لم يعتقني ~~الملك الظاهر برقوق إلا بسفارة الأمير جرباش الشيخي، رحمه الله وأحسن إلى ~~ولد المذكور. وأما، قوله وأقام ططر في الطبقة حتى عاد الملك الناصر إلى ~~ملكه بعد أخيه المنصور عبد العزيز، فهذا يكون فى سنة ثمان وثمانمائة، وهذه ~~مجازفة لا يدري معناها، فإن ططر كان يوم ذاك من رؤوس الفتن، مرشحا للإمرة ~~وولاية الأعمال، بل كان قبل ذلك في واقعة تيمورلنك في سنة ثلاث وثمانمائة ~~من أعيان القوم الذين أرادوا سلطنة الشيخ لاجين الجاركسي بالقاهرة، وعادوا ~~إلى مصر، وهو يوم ذاك يخشى شره. وأيضا إنه في سنة ثمان المذكورة كان برسباي ~~الدقماقي، أعني الملك الأشرف، صار من جملة الخاصكية السقاة الخاص الأعيان، ~~وكان ms2935 من جملة أصحاب ططر الصغار ممن ينتمي إليه، وبسفارته آتصل إلى ما ~~ذكرناه من الوظيفة وغيرها، ولا زال على ذلك إلى أن شفع فيه ططر، بعد أن ~~حبسه الملك المؤيد بالمرقب، وأخرجه إلى دمشق، كل ذلك وططر مقدم عليه وعلى ~~غيره من أعيان الظاهرية، ويسمونه أغاة من تلك الأيام، فلو كان كما قاله ~~المقريزي من، أن الملك الناصر فرج أعتقه في سنة ثمان لكان ططر من أصاغر ~~المماليك الناصرية، فإن الذين أعتقهم الملك الناصر ممن ورثهم من أبيه، وهم ~~أول خرج أخرجه، جماعة كبيرة مثل الملك الأشرف إينال العلائي سلطان زماننا، ~~والأمير طوخ من تمراز أمير مجلس زماننا، والآمير يونس العلائي أحد مقدمي ~~الألوف في زماننا، فيكون هؤلاء بالنسبة إلى ططر قرانيص وأكابر، وقدماء ~~هجرة، فهذا القول لا يقوله إلا من ليس له خبرة بقواعد السلاطين، ولا يعرف ~~ما الملوك عليه بالكلية. ولولا أن المقريزي ذكر هذه المقالة في عدة كتب من ~~مصنفاته ما كنت أتعرض إلى جواب ذلك، فإن هذا شيء لا يشك فيه أحد، ولم يختلف ~~فيه اثنان. غير أني أعذره فيما نقل، فإنه كان بمعزل عن الدولة، وينقل أخبار ~~الأتراك عن الآحاد، فكان يقع له من هذا وأشباهه أوهام كثيرة نبهته على كثير ~~منها فأصلحها معتمدا على قولي، وها هي مصلوحة بخطه في مظنات الأتراك ~~وأسمائهم ووقائعهم. انتهى. PageV04P0083 # واستمر الملك الظاهر ططر بقلعة دمشق، وعمل الخدمة السلطانية بها في يوم ~~الاثنين ثالث شهر رمضان، وخلع على الخليفة والقضاة باستمرارهم، وعلى أعيان ~~الأمراء على عادتهم. ثم خلع على الأمير طرباي الظاهري، نائب غزة كان، في ~~دولة الملك المؤيد، بعد قدومه من عند قرا يوسف باستقراره حاجب الحجاب ~~بالديار المصرية عوضا عن إينال الآرغزي المقدم ذكره، وعلى الأمير برسباي ~~الدقماقي نائب طرابلس كان، وكان بطالا بدمشق، باستقراره دوادارا كبيرا، ~~عوضا عن الأمير علي باي المؤيدي بحكم القبض عليه. وأنعم الأمير يشبك الجكمي ~~الدوادار الثاني كان، وهو أيضا ممن قدم من بلاد الشرق، بآستقراره أمير آخور ~~كبيرا، عوضا عن تغري ms2936 بردي المؤيدي المنتقل إلى نيابة حلب. ثم خلع بعد ذلك ~~على الأمير بيبغا المظفري الظاهري أمير مجلس باستقراره أمير سلاح، عوضا عن ~~الأمير إينال الجكمي بحكم القبض عليه. وأنعم، على الأمير قجق العيساوي ~~الظاهري، حاجب الحجاب كان في الدولة المؤيدية، باستقراره أمير مجلس، عوضا ~~عن بيبغا المظفري. وخلع على الأمير قصروه من تمراز الظاهري باستقراره رأس ~~نوبة النوب، عوضا عن يشبك أنالي المؤيدي بحكم القبض عليه أيضا ثم أنعم على ~~جماعة كبيرة بتقادم ألوف بالديار المصرية، مثل الأمير أزبك المحمدي الظاهري ~~إني برسبغا الدوادار، ومثل الأمير تغري بردي المحمودي الناصري، ومثل الأمير ~~قرمش الأعور الظاهري، وغيرهم. وأنعم على جماعة من مماليكه وحواشيه بإمرة ~~طبلخانات وعشرات، منهم: صهره البدري حسن بن سودون الفقيه، أنعم عليه بأمرة ~~طبلخاناه عوضا عن مغلباي الساقي المؤيدي بحكم القبض عليه، وأنعم، على ~~الأمير قرقماس الشعباني الناصري بإمرة طبلخاناه، واستقر به دوادارا ثانيا، ~~وعلى الأمير قانصوه النوروزي أيضا بإمرة طبلخاناه، وجعله من جملة رؤوس ~~النوب، وعلى رأس نوبته الثاني قاني باي الأبو بكري الناصري البهلوان بإمرة ~~طبلخاناه، وجعله أيضا من جملة رؤوس النوب، وعلى فارس دواداره الثاني بإمرة ~~طبلخاناه. وأنعم على مشده يشبك السودوني باستقراره شاد الشراب خاناه، وعلى ~~أمير آخورة بردبك السيفي يشبك بن أزدمر باستقراره أمير آخور ثانيا، وعلى ~~جماعة أخر من حواشيه ومماليكه. وجعل جميع مماليكه الذين كانوا بخدمته قبل ~~سلطنته خاصكية، وأنعم، على بعضهم بعدة وظائف. ثم أمر السلطان الملك الظاهر ~~فكتب بسلطنته إلى مصر وأعمالها، وإلى البلاد الحلبية والسواحل والثغور، ~~وإلى نواب الأقطار، وحملت إليهم التشاريف والتقاليد بولايتهم على عادتهم، ~~وهم: الأمير تغري بردي المؤيدي المعروف بأخي قصروه نائب حلب، والأمير تنبك ~~البجاسي نائب طرابلس، والأمير جارقطلو الظاهري نائب حماة، والأمير قطلوبغا ~~التنمي نائب صفد، والأمير يونس الركني نائب غزة. ثم خلع على الأمير تنبك ~~ميق نائب الشام باستمراره على كفالته، وعلى الأمير برسباي الحمزاوي الناصري ~~باستقراره حاجب حجاب دمشق، وعلى الأمير أركماس الظاهري باستقراره نائب قلعة ~~دمشق، وعلى الأمير كمشبغا طولو ms2937 باستقراره حاجبا ثانيا. ثم أخذ الملك الظاهر ~~في تمهيد أمور دمشق والبلاد الشامية إلى أن تم له ذلك، فبرز من دمشق ~~بأمرائه وعساكره في يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان من سنة أربع وعشرين ~~وثمانمائة يريد الديار المصرية. هذا ما كان من أمر الملك الظاهر ططر ~~بالبلاد الشامية. وأما أخبار الديار المصرية في غيبته، فإنه لما سافر ~~الأمير ططر بالسلطان الملك المظفر وعساكره من الريدانية استقل بالحكم بين ~~الناس الأمير جقمق العلائي إلى أن حضر الأمير قاني باي الحمزاوي من بلاد ~~الصعيد في يوم السبت حادي عشرين جمادى الأولى، وحكم في نيابة الغيبة، وأرسل ~~إلى الأمير جقمق بالكف عن الحكم بين الناس وخاشنه في الكلام، فانكفت يد ~~الأمير جقمق أخي جاركس المصارع عن الحكم، وكانت سيرته جيدة في أحكامه. ثم ~~قدم الخبر على الأمير قاني باي الحمزاوي بدخول السلطان الملك المظفر إلى ~~دمشق وقبضه على القرمشي وغيره، فدقت البشائر لذلك بالقاهرة ثلاثة أيام ~~وزينت عشرة أيام. PageV04P0084 # ثم في يوم الأربعاء خامس شهر رمضان خلع الأمير قاني باي الحمزاوي على ~~القاضي جمال الدين يوسف البساطى باستقراره في حسبة القاهرة عوضا عن القاضي ~~صدر الدين بن العجمي. وكان سبب ولايته أنه طالت عطلته سنين، فتذكر الأمير ~~ططر صحبته، فكتب لقاني باي الحمزاوي بولايته. ثم في ثامن شهر رمضان قدم ~~الخبر إلى الديار المصرية بخلع الملك المظفر وسلطنة الملك الظاهر ططر. وأما ~~السلطان الملك الظاهر ططر فإنه سار بعساكره إلى جهة الديار المصرية إلى أن ~~نزل بمنزلة الصالحية في يوم الاثنين أول شوال، فخرج الناس إلى لقائه، وقد ~~تزايد سرور الناس بقدومه. ثم ركب من الصالحية وسار إلى أن طلع إلى قلعة ~~الجبل في يوم الخميس رابع شوال، وحملت القبة والطير على رأسه. حملها الأمير ~~جاني بك، الصوفي أتابك العساكر. ولما طلع إلى القلعة أنزل الملك الظاهر ~~ططر، الملك المظفر أحمد، وأمه بالقاعة المعلقة من دور القلعة. ثم في يوم ~~خامس شوال، خلع السلطان الملك الظاهر ططر على الطواشي مرجان الهندي ~~الخازندار باستقراره ms2938 زماما، عوضا عن الطواشي كافور الرومي الشبلي الصرغتمشي ~~بحكم عزله. ثم في يوم الاثنين ثامن شوال ابتدأ السلطان بعرض مماليك الطباق، ~~وأنزل منهم جماعة كثيرة إلى إصطبلاتهم من القاهرة. ثم في يوم الاثنين خامس ~~عشره، استدعى السلطان الشيخ ولي الدين أحمد ابن الحافظ زين الدين عبد ~~الرحيم العراقي الشافعي وخلع عليه باستقراره قاضي قضاة الشافعية بالديار ~~المصرية، بعد موت قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني، فنزل ~~العراقي إلى داره في موكب جليل، بعد أن اشترط على السلطان أنه لا يقبل ~~شفاعة أمير في حكم، فسر الناس بولايته. وفي يوم الاثنين ثاني عشرين شوال ~~ابتدأ بالسلطان الملك الظاهر ططر مرض موته، وأصبح ملازما للفراش. واستمر في ~~مرضه، والخدمة تعمل بالدور السلطانية، ويجلس السلطان وينفذ الأمور ويعلم ~~على المناشير وغيرها. وأنعم في هذه الأيام على الأمير كزل العجمي الأجرود، ~~الذي كان ولي حجوبية الحجاب في الدولة الناصرية، وعلى الأمير سودون الأشقر ~~الذي كان ولي في دولة المؤيد رأس نوبة النوب ثم أمير مجلس، كانا منفيين ~~بقرية الميمون من الوجه القبلي، بحكم أنه يكون كل واحد منهم أمير عشرين ~~فارسا، فدخلا إلى الخدمة السلطانية بعد ذلك فى كل يوم، وصارا يقفان من جملة ~~أمراء الطبلخانات والعشرات، ومقدمو الألوف جلوس بين يدي السلطان. واستمر ~~السلطان على فراشه إلى يوم الثلاثاء أول ذي القعدة، فنصل السلطان من مرضه ~~ودخل الحمام، وخلع على الأطباء وأنعم عليهم، ودقت البشائر لذلك، وتخلقت ~~الناس بالزعفران. ثم في ثالث ذي القعدة خلع السلطان على دواداره الأمير ~~فارس باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضا عن الأمير قشتم المؤيدي بحكم ~~عزله، وقد حضر قشتم المذكور إلى القاهرة، وطلع إلى الخدمة، ثم أمر السلطان ~~فقبض على الأمير قشتم المذكور، وعلى الأمير قاني باي الحمزاوي نائب الغيبة، ~~وقيدا في الحال، وحملا إلى ثغر الإسكندرية فسجنا بها. ثم في يوم الاثنين ~~سابع ذي القعدة خلع السلطان على عبد الباسط بن خليل بن إبراهيم الدمشقي ~~ناظر الخزانة باستقراره ناظر الجيوش المنصورة بعد عزل القاضي كمال الدين ms2939 بن ~~البارزي ولزومه داره. وخلع السلطان أيضا على موقعه القاضي شرف الدين محمد ~~ابن القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله باستقراره في نظر أوقاف ~~الأشراف ونظر الكسوة ونظر الخزانة عوضا عن عبد الباسط المذكور. وكان الملك ~~الظاهر أراد تولية شرف الدين المذكور وظيفة نظر الجيش فسعى عبد الباسط فيها ~~سعيا زائدا حتى وليها. ودخل السلطان في هذه الأيام إلى القصر السلطاني وعمل ~~الخدمة به. ثم انتكس السلطان في يوم الخميس عاشر ذي القعدة ولزم الفراش ~~ثانيا، وانقطع بالدور السلطانية، وعملت الخدمة غير مرة. فلما كان يوم ~~الجمعة خامس عشرينه عزل، القاضي ولي الدين العراقي نفسه عن القضاء لمعارضة ~~بعض الأمراء له في ولاية القضاء بالأعمال. PageV04P0085 # ثم في سادس عشرين ذي القعدة رسم السلطان بالإفراج عن أمير المؤمنين ~~المستعين بالله العباس من سجنه بثغر الإسكندرية، وأن يسكن بقاعة في الثغر ~~المذكور، ويخرج لصلاة الجمعة بالجامع الذي بالثغر، ويركب حيث يشاء، وأرسل ~~إليه فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش وبقجة قماش، ورتب له على الثغر في كل يوم ~~ثمانمائة درهم لمصارف نفقته، فوقع ذلك من الناس الموقع الحسن. واستهل ذو ~~الحجة يوم الخميس والسلطان في زيادة ألم من مرضه ونموه، والأقوال مختلفة في ~~أمره، والإرجاف بمرضه يقوى. فلما كان يوم الجمعة ثاني ذي الحجة استدعى ~~السلطان الخليفة والقضاة والأمراء وأعيان الدولة إلى القلعة، وقد اجتمع بها ~~غالب المماليك السلطانية فلما اجتمعوا عند السلطان كلم الخليفة والأمراء في ~~إقامة ابنه في السلطنة بعده فأجابوه إلى ذلك، فعهد إلى ابنه محمد بالملك، ~~وأن يكون الأمير جاني بك الصوفي هو القائم بأمره ومدبر مملكته، وأن يكون ~~الأمير برسباي الدقماقي لالا الملطان والمتكفل بتربيته، وحلف الأمراء على ~~ذلك كما حلفوا لابن الملك المؤيد شيخ. ثم أذن السلطان لقاضي القضاة ولي ~~الدين العراقي أن يحكم، وأعيد إلى القضاء. وانفض الموكب ونزل الناس إلى ~~دورهم، وقد كثر الكلام بسبب ضعف السلطان، وأخذ الناس وأعيان الدولة في ~~توزيع أمتعتهم وقماشهم من دورهم، خوفا من وقوع فتنة. وثقل السلطان ms2940 في ~~الضعف، وأخذ من أواخر يوم السبت ثالثه في بوادر النزع، إلى أن توفي ضحوة ~~نهار الأحد رابع ذي الحجة من سنة أربع وعشرين وثمانمائة، فاضطرب الناس ~~ساعة، ثم سكنوا عندما تسلطن ولده الملك الصالح محمد حسبما يأتي ذكرة. ثم ~~أخذ الأمراء في تجهيز الملك الطاهر ططر، فغسل وكفن وصلي عليه، وأخرج من باب ~~السلسلة، وليس معه إلا نحو عشرين رجلا لشغل الناس بسلطنة ولده. وساروا به ~~حتى دفن بالقرافة من يومه بجوار الإمام الليث بن سعد رضي الله عنه. ومات ~~وهو في مبادئ الكهولية. وكانت مدة تحكمه منذ مات الملك المؤيد شيخ إلى أن ~~مات أحد عشر شهرا تنقص خمسة أيام، منها مدة سلطنته أربعة وتسعون يوما، ~~وباقي ذلك أيام أتابكيته. قال المقريزي في تاريخه عن الملك الظاهر ططر: ~~وكان يميل إلى تدين وفيه لين وإغضاء وكرم، مع طيش وخفة. وكان شديد التعصب ~~لمذهب الحنفية، يريد أن لا يدع من الفقهاء غير الحنفية. وأتلف في مدته، مع ~~قلتها، أموالا عظيمة، وحمل الدولة كلفا كثيرة، أتعب بها من بعده. ولم تطل ~~أيامه لتشكر أفعاله أو تذم. انتهى كلام المقريزي. قلت ولعل الصواب في حق ~~الملك الظاهر ططر بخلاف ما قاله المقريزي مما سنذكره مع عدم التعصب له، ~~فإنه كان يغض من الوالد كونه قبض على بعض أقاربه وخشداشيته بأمر الملك ~~الناصر فرج في ولايته على دمشق الثالثة، غير أن الحق يقال على أي وجه كان. ~~PageV04P0086 # كان ططر ملكا عظيما جليلا عالي كريما، عالي الهمة، جيد الحدس، حسن ~~التدبير، سيوسا. توثب على الأمور مع من كان أكبر منه قدرا وسنا، ومع عظم ~~شوكة المماليك المؤيدية شيخ، وقوة بأسهم، مع فقر كان به وإملاق. فلا زال ~~يحسن سياسته، ويدبر أموره، ويخادع أعداءه إلى أن استفحل أمره، وثبت قدمه، ~~وأقلب دولة بدولة غيرها في أيسر مدة وأهون طريقة. كان تارة يملق هذا، وتارة ~~يغدق على هذا، وتارة يقرب هذا ويظهره على أسراره الخفية، كل ذلك وهو في ~~إصلاح شأنه في الباطن مع من ms2941 لا يقربه في الظاهرة فكان حاله مع من يخافه ~~كالطبيب الحافق الذي يلاطف عدة مرضى قد اختلف داؤهم، فينظر كل واحد ممن ~~يخشى شره، فإن كان شهما رقاه إلى المراتب العلية وأوعده بأضعاف ذلك، وإن ~~كان طماعا أبذل إليه الأموال وأشبعه، حتى إنه دفع لبعض المماليك المؤيدية ~~الأجناد في دفعات متفرقة في مدة يسيرة نحو عشرة آلاف دينار، وإن كان شهما ~~رغبته الأمر والنهي ولاه أعظم الوظائف، كما فعل بالأمير علي باي المؤيدي ~~والأمير تغري بردي المؤيدي المعروف بأخي قصروه ولى كلا منهما أجل وظيفة ~~بديار مصر، فأقر علي باي في الدوادارية الكبرى دفعة واحدة من إمرة عشرة، ~~وأقر تغري بردي في الأمير آخورية الكبرى دفعة واحدة، ومع هذا لم يتجن ~~عليهما أبدا بل صار معهما فيما أراداه، يعطي من أحبا ويمنع من أبغضا، حتى ~~إن تغري بردي المذكور وسط الأمير راشد بن أحمد ابن بقر خارج باب النصر ظلما ~~لما كان في نفسه منه، فلم يسأله ططر عن ذنبه كل ذلك لكثرة دهائه وعظيم ~~احتماله، ولم يكن فعله هذا مع علي باي وتغري بردي فقط، بل مع غالب أشرار ~~المؤيدية. هذا وهو يقرب خشداشيته الظاهرية برقوق، واحدا بعد واحد، يقصد ~~بذلك تقوية أمره في الباطن، فأطلق مثل جانبك الصوفي، ومثل بيبغا المظفري، ~~ومثل قجق العيساوي. كل ذلك وهو مستمر في بذل الأموال والإقطاعات لمن تقدم ~~ذكرهم، حتى إنه كلمه بعض أصحابه سرا بعد عوده من دمشق فيما أتلفه من ~~الأموال، فقال: يا فلان أتظن أن الذي فرقته راح من حاصلي؟ جميعه في قبضتي ~~أسترجعه في أيسر مدة إلا ما أعطيته للفقهاء والصلحاء فمن يكن فيه طيش وخفة ~~لا يطيق هذا الصبر ولو تلفت روحه. وكان مقداما جريئا على الأمور بعدما يحسب ~~عواقبها، شهما يحب التجمل، كانت مماليكه أيام إمرته مع فاقته أجل من جميع ~~مماليك رفقته من الأمراء، فيهم الناصرية والجمكية والنوروزية وغيرهم. ولما ~~حصل له ما أراد وصفا له الوقت ووثب على ملك مصر، أقام له شوكة وحاشية ms2942 من ~~خشداشيته ومماليكه في هذه الأيام القليلة، لم ينهض بمثلها من جاء قبله ولا ~~بعده أن ينشىء مثلها في طول مملكته وهو أنه أعطى لصهره البدري حسن بن سودون ~~الفقيه إمرة طبلخاناه، ثم نقله إلى تقدمة ألف بالديار المصرية، ولم يكن ~~قبلها من جملة مماليك السلطان ولا من أولاد الملوك، فإن والده سودون الفقيه ~~مات بعد سنة ثلاثين جنديا، وكذا فعل مع فارس داواداره أنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف ونيابة الإسكندرية، ومع جماعة أخر قد تقدم ذكرهم، فهذا مما يدل ~~على قوة جنانه وإقدامه وشجاعته، فإنه أنشأ هذا كله في مدة سلطنته، وهي ~~ثلاثة أشهر وأربعة أيام. وأنا أقول: إن مدة سلطنته كانت ثمانية عشر يوما، ~~وهي مدة إقامته بمصر، وباقي ذلك مضى في سفره ومرض موته. وكان يحب مجالسة ~~العلماء والفقهاء وأرباب الفضائل من كل فن، وله اطلاع جيد ونظر في فروع ~~مذهبه، ويسأل في مجالسه الأسئلة المفحمة المشكلة، مع الإنصاف والتواضع ولين ~~الجانب مع جلسائه وأعوانه وخدمه. وكان يحب إنشاد الشعر بين يديه لا سيما ~~الشعر الذي باللغة التركية، فإنه كان حافظا له ولنظامه، ويميل إلى الصوت ~~الحسن، ولسماع الوتر، مع عفته عن سائر المنكرات، قديما وحديثا، من المشارب. ~~وأما الفروج فإنه كان يرمى بمحبة الشباب على ما قيل. والله أعلم بحاله. ~~PageV04P0087 # ومع قصر مدته انتفع بسلطنته سائر أصحابه وحواشيه ومماليكه، فإن أول ما ~~طالت يده رقاهم وأنعم عليهم بالأموال والإقطاعات والوظائف والرواتب. قيل ~~إنه أعطى الشيخ شمس الدين محمدا الحنفي في دفعة واحدة عشرة آلاف دينار، ~~وأوقف على زاويته إقطاعا هائلا. وتنوعت عطاياه لأصحابه على أنواع كثيرة، ~~وأحبه غالب الناس لبشاشته وكرمه. وأظنه لو طالت مدته أظهر في أيامه محاسن، ~~ودام ملكه سنين كثيرة لكثرة عطائه. فإنه يقال في الأمثال، وهو من الجناس ~~الملفق: المتقارب إذا ملك لم يكن ذاهبة ... فدعه فدولته ذاهبة قلت: وهو ~~ثاني سلطان ملك الديار المصرية ممن له ذوق في العلوم والفنون والآداب ~~ومعاشرة الفضلاء والأدباء والظرفاء من المماليك الذين مسهم الرق: ms2943 الأول ~~الملك المؤيد شيخ، والثاني ططر هذا. غير أن الملك المؤيد طالت مدته فعلم ~~حاله الناس أجمعون، والملك الظاهر هذا قصرت مدته فخفي أمره على آخرين. ~~انتهت ترجمة الظاهر رحمه الله. ### | AUT سلطنة الملك الصالح محمد ابن ططر # السلطان الملك الصالح ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك الظاهر سيف ~~الدين أبي الفتح ططر بن عبد الله الظاهري. تسلطن بعد موت أبيه، بعهد منه ~~إليه، في يوم الأحد رابع ذي الحجة سنة أربع وعشرين وثمانمائة. وهو أنه لما ~~مات أبوه حضر الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح داود والقضاة والأمراء ~~وجلسوا بباب الستارة من القلعة، وطلبوا محمدا هذا من الدور السلطانية، فحضر ~~إليهم، فلما رآه الخليفة قام له وأجلسه بجانبه، وبايعه بالسلطنة. ثم ألبسوه ~~خلعة السلطنة الجبة السوداء الخليفية من مجلسه بباب الستارة، وركب فرس ~~النوبة بشعار الملك وأبهة السلطنة، وسار إلى القصر السلطاني، والأمراء ~~وجميع أرباب الدولة مشاة بين يديه، حتى دخل إلى القصر السلطاني بقلعة ~~الجبل، وجلس على تخت الملك، وقبل الأمراء الأرض بين يديه على العادة، وخلع ~~على الخليفة وعلى الأمير الكبير جاني بك الصوفي، كونه حمل القبة والطير على ~~رأسه، ولقب بالملك الصالح. وفي الحال دقت البشائر، ونودي بالقاهرة ومصر ~~بسلطنته، وسنه يوم تسلطن نحو العشر سنين تخمينا. وأمه خوند بنت سودون ~~الفقيه الظاهري، وهي إلى الآن في قيد الحياة، وهي من الصالحات الخيرات، لم ~~تتزوج بعد الملك الظاهر ططر. والملك الصالح محمد، هذا هو السلطان الحادي ~~والثلاثون من ملوك الترك، والسابع من الجراكسة وأولادهم. وتم أمر الملك ~~الصالح في السلطنة. واستقر الأتابك جاني بك الصوفي مدبر مملكته، وسكن ~~بالحراقة من الإسطبل السلطاني بباب السلسلة، وانضم عليه معظم الأمراء ~~والمماليك السلطانية. وأقام الأمير برسباي الدقماقي الدوادار واللالا أيضا ~~بطبقة الأشرفية بالقلعة، في عدة أيضا من الأمراء المقدمين، أعظمهم الأمير ~~طرباي حاجب الحجاب، والأمير قصروه من تمراز رأس نوبة النوب، والأمير جقمق ~~العلائي نائب قلعة الجبل وأحد مقدمي الألوف المعروفة بأخي جركس المصارع، ~~والأمير تغري بردي المحمودي. وأما الأمير ms2944 بيبغا المظفري أمير سلاح، والأمير ~~قجق أمير مجلس، والأمير سودون من عبد الرحمن وغيرهم من الأمراء فقد صاروا ~~حزبا وتشاوروا إلى من يذهبون، إلى أن تكلم الأمير سودون من عبد الرحمن مع ~~الأتابك جاني بك الصوفي، فرد عليه الجواب بما لا يرضى، فعند ذلك تحول سودون ~~من عبد الرحمن ورفقته وصاروا من حزب برسباي وطرباي على ما سنذكر مقالتهما ~~فيما بعد. وباتوا الجميع بالقلعة وباب السلسلة مستعدين للقتال، فلم يتحرك ~~ساكن. وأصبحوا يوم الاثنين خامس ذي الحجة وقد تجمع المماليك بسوق الخيل ~~يطلبون النفقة عليهم، على العادة، والأضحية، وأغلظوا في القول، وأفحشوا في ~~الكلام حتى كادت الفتنة أن تقوم، فلا زال الأمراء بهم يترضونهم، وقد اجتمع ~~الجميع عند السلطان الملك الصالح، حتى رضوا، وتفرق جمعهم. ولما كانت الخدمة ~~بت الأتابك الصوفي بعض الأمور، وقرىء الجيش، وخلع على جماعة، وهو كالخائف ~~الوجل من رفقته الأمير برسباي والأمير طرباي وغيرهما. PageV04P0088 # وظهر في اليوم المذكور أن الأمر لا يسكن إلا بوقوع فتنة، وبذهاب بعض ~~الطائفتين، لاختلاف الأراء واضطراب الدولة، وعدم اجتماع الناس على واحد ~~بعينه، يكون الأمر متوقفا على ما يرسم به، وعلى ما يفعله. على أن الأمير ~~برسباي جلس في اليوم المذكور بين يدي جاني بك الصوفي وامتثل أوامره في وقت ~~قراءة الجيش. ثم بعد انتهاء قراءة الجيش والعلامة قام بين يديه على قدميه ~~وشاوره في قضاء أشغال الناس على عادة ما يفعله الدوادار مع السلطان، غير أن ~~القلوب متنافرة، والبواطن مشغولة لما سيكون. ثم اثفض الموكب وبات كل أحد ~~على أهبة القتال. وأصبحوا يوم الثلاثاء سادسه في تفرقة الأضاحي، فأخذ كل ~~مملوك رأسين من الضأن. ثم تجمعوا أيضا تحت القلعة لطلب النفقة، وأفحشوا في ~~الكلام على عادتهم، وترددت الرسل بينهم وبين الأتابك جاني بك الصوفي، وطال ~~النزاع بينهم، حتى تراضوا على أن ينفق فيهم بعد عشرة أيام من غير أن يعين ~~لهم مقدار ما ينفقه فيهم، فانفضوا على ذلك، وسكن الأمر من جهة المماليك ~~السلطانية. وانفض، الموكب من عند الأتابك جاني ms2945 بك الصوفي، وطلع الأمير ~~برسباي الدقماقي الدودار واللالا إلى طبقة الأشرفية هو والأمير طرباي ~~والأمير قصروه. وبعد طلوعهم تكلم بعض أصحاب جاني بك الصوفي معه، لما رأوا ~~أمره قد عظم، في نزول الأمراء من القلعة إلى دورهم حتى يتم أمره، وتنفذ ~~كلمته، وحسنوا له ذلك، وقالوا له: إن لم يقع ذلك وإلا فأمرك غير منتظم فمال ~~الأتابك جاني بك الصوفي إلى كلامهم، وكان فيه طيش وخفة، فبعث في الحال إلى ~~الأمير برسباي الدقماقي أن ينزل من القلعة هو والأمير طرباي حاجب الحجاب ~~والأمير قصروه رأس نوبة النوب، وأن يسكنوا بدورهم من القاهرة، ويقيم الأمير ~~جقمق العلائي عند السلطان لا غير. فلما بلغ الأمراء ذلك أراد الأمير برسباي ~~الإفحاش في الجواب، فنهره الآمير طرباي وأسكته. وأجاب برسباي، بالسمع ~~والطاعة، وأنهم ينزلون بعد ثلاثة أيام. وعاد الرسول إلى الأتابك جاني بك ~~الصوفي بذلك، فسكت، ولم تسكت حواشيه عن ذلك، وهم الأمير يشبك الجكمي الأمير ~~آخور الكبير، والأمير قرمش الأعور الظاهري وغيرهما، وعرفوه أنهم يريدون ~~بذلك إبرام أمرهم، وألحوا عليه في أن يرسل إليهم بنزولهم في اليوم المذكور ~~قبل أن يستفحل أمرهم، فلم يسمع لكون أن الأمير طرباي نزل في الحال من ~~القلعة مظهرا أنه في طاعة الأمير الكبير جاني بك الصوفي، وأن برسباي وقصروه ~~وغيرهما في تجهيز أمرهم بعده إلى النزول، فمشى عليه ذلك. وكان أمر الأمير ~~طرباي في الباطن بخلاف ما ظنه جاني بك الصوفي، فإنه أخذ في تدبير أمره، ~~وإحكام الأمر للأمير برسباي الدقماقي ولنفسه. واستمال طرباي في ذلك اليوم ~~كثيرا من الأمراء والمماليك السلطانية، وساعده في ذلك قلة سعد جاني بك ~~الصوفي من نفور الأمراء عنه، وهو ما وعدنا بذكره من أمر سودون من عبد ~~الرحمن مع جاني بك الصوفي. وقد تقدم أن سودون من عبد الرحمن وغيره ممن تقدم ~~ذكرهم صاروا حزبا يحضر كل واحد منهم الخدمة، ثم ينزل إلى داره ليرى ما يكون ~~بعد ذلك. ثم بدا لهم أن يكونوا من حزب جاني بك الصوفي، كونه أتابك ms2946 العساكر ~~ومرشحا إلى السلطنة، بعد أن يكلموه في أمر فإن قبله كانوا من حزبه، وإن لم ~~يفعل مالوا إلى برسباي وطرباي، والذي يكلموه بسببه هو الأمير يشبك الجكمي ~~الأمير آخور، فإنهم لما كانوا عند قرا يوسف بالشرق ثم جاءهم أمير يشبك ~~المذكور أيضا فارا من الحجاز خوفا من الملك المؤيد، أكرمه قرا يوسف زيادة ~~على هؤلاء، وتعطفا من الله، والذين كانوا قبله عند قرا يوسف، هم سودون من ~~عبد الرحمن وطرباي وتنبك البجاسي وجاني بك الحمزاوي، وموسى الكركري وغيرهم، ~~وكل منهم ينظر يشبك المذكور في مقام مملوكه، كونه مملوك خشداشهم جكم، فشق ~~عليهم خصوصيته عند قرا يوسف وانفراده عنهم، ووقعت المباينة بينهم، ولم ~~يسعهم يوم ذاك إلا السكات لوقته. PageV04P0089 # فلما مات قرا يوسف، وبعده بقليل توفي الملك المؤيد، قدموا الجميع على ~~ططروهم في أسوأ حال، فقربهم ططر وأكرمهم، واختص أيضا بيشبك المذكور اختصاصا ~~عظيما بحيث إنه ولاه الأمير آخورية الكبرى، وعقد عقده على ابنته خوند فاطمة ~~التي تزوجها الملك الأشرف برسباي، فلم يسعهم أيضا إلا السكات، لعظم ميل ططر ~~إليه. فلما مات ططر انضم يشبك المذكور على جاني بك الصوفي وصار له كالعضد، ~~فعند ذلك وجد الأمراء المقال فقالوا. وركب الأمير سودون من عبد الرحمن ~~والأمير قرمش الأعور، وهو من أصحاب جاني بك الصوفي، وشخص آخر وأظنه بيبغا ~~المظفري، ودخلوا على جاني بك الصوفي بالحراقة من باب السلسلة، ومروا، في ~~دخولهم على يشبك الأمير آخور وهو في أمره ونهيه بباب السلسلة، فقام إليهم ~~فلم يسلم عليه سودون من عبد الرحمن، وسلم عليه قرمش والآخر. وعندما دخلوا ~~على الأتابك جاني بك الصوفي وسلموا عليه وجلسوا كان متكلم القوم سودون من ~~عبد الرحمن، فبدأ بأن قال: أنا والأمراء نسلم عليك، ونقول لك أنت كبيرنا ~~ورأسنا وأغاتنا، ونحن راضون بك فيما تفعل وتريد، غير أن هذا الصبي يشبك ~~مملوك خشداشنا جكم ليس هو منا، وقد وقع عنه قلة أدب في حقنا ببلاد الشرق ~~عند قرا يوسف، ثم هو الآن أمير آخور كبير منزلته ms2947 أكبر من منازلنا، ونحن لا ~~نرضى بذلك. ثم إننا لا نريد من الأمير الكبير مسكه ولا حبسه لكونه انتمى ~~إليه، غير أننا نريد إبعاده عنا فيوليه الأمير الكبير بعض الأعمال بالبلاد ~~الشامية، ثم نكون بعد ذلك جميعا تحت طاعة الأمير الكبير، ونقول قد عاش ~~الملك الظاهر ططر ونحن في خدمته، لأننا قد مللنا من الشتات والغربة ~~والحروب، فيطمئن كل أحد على نفسه وماله ووطنه فلما سمع جاني بك الصوفي كلام ~~سودون من عبد الرحمن وفهمه، حنق منه واشتد غضبه، وأغلظ في الجواب بكلام ~~متحصله: رجل ملك ركن إلي وانضم علي كيف يمكنني إبعاده لأجل خواطركم؟. ثم ~~أخذ في الحط على خشداشيته الظاهرية برقوق، ومجيئهم لإثارة الفتن والشرور، ~~فسكت عند ذلك سودون. وأخذ قرمش يراجعه في ذلك ويحذره المخالفة غير مرة، ~~مدلا عليه كونه من حواشيه، وهو لا يلتفت إلى كلامه. فلما أعياه أمره سكت، ~~فأراد الآخر أن يتكلم فأشار عليه سودون من عبد الرحمن بالسكات، فأمسك عن ~~الكلام. فتكلم سودون عند ذلك بباطن بأن قال: يا خوند نحن ما قلنا هذا ~~الكلام إلا نظن أن الأمير الكبير ليس له ميل إليه، فلما تحققنا أنه من ~~ألزام الأمير الكبير وأخصائه فنسكت عن ذلك ونأخذ في إصلاح الأمر بينه وبين ~~الأمراء لتكون الكلمة واحدة، بحيث إننا نصير في خدمته كما نكون في خدمة ~~الأمير الكبير فانخدع جاني بك لكلامه وظنه على جليته، وقال: نعم، أما هذا ~~فيكون. وقاموا عنه، ورجع قرمش إلى حال سبيله، وعاد سودون من عبد الرحمن إلى ~~رفقته الأمراء، وذكر لهم الحكاية برمتها، وعظم عليهم الأمر إلى أن قال لهم: ~~تيقنوا جميعكم بأنكم تكونون في خدمة يشبك الجكمي إن أطعتم جاني بك الصوفي، ~~فإن يشبك عنده مقام روحه، وربما إن تم له الأمر يعهد بالملك إليه من بعده. ~~فلما سمع الأمراء ذلك قامت قيامتهم، ومالوا بأجمعهم إلى الأمير برسباي ~~الدقماقي الدوادار الكبير والأمير طرباي حاجب الحجاب، وقالوا: هذا تركنا ~~ونحن خشداشيته لأجل يشبك، فما عساه يفعل معنا إن صار ms2948 الأمر إليه، لا والله ~~لا نطيعه ولو ذهبت أرواحنا. وأخذ الجميع في التدبير عليه في الباطن. ولقد ~~سمعت هذا القول من الأمير سودون من عبد الرحمن وهو يقول لي في ضمنه: كان ~~جاني بك الصوفي مجنونا، أقول له: نحن بأجمعنا في طاعتك، وقد مات الملك ~~المؤيد بحسرة أن نكون في طاعته، فيتركنا ويميل إلى يشبك الجكمي، وهو رجل ~~غريب ليس له شوكة ولا حاشية " . انتهى. ولما خرج سودون من عبد الرحمن من ~~عند جاني بك الصوفي طلب جاني بك الصوفي يشبك الأمير آخور المذكور، وعرفه ~~قول سودون من عبد الرحمن، واستشاره فيما يفعل معهم، وقد بلغه أن الأمراء ~~تغيروا عليه، فاتفق رأيهما على أنه يتمارض، فإذا نزل الأمراء لعيادته قبض ~~عليهم، وافترقوا على ذلك. وباتوا تلك الليلة وقد عظم جمع طرباي وبرسباي من ~~الأمراء والمماليك السلطانية، ولم ينضم على جانبي بك الصوفي غير جماعة من ~~المماليك المؤيدية الصغار أعظمهم دولات باي المحمودي الساقي. PageV04P0090 # ولما أصبح يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة أشيع أن الأمير الكبير جاني بك ~~الصوفي متوعك، فتكلم الناس في الحال بأنها مكيدة حتى ينزل إليه الأمير ~~برسباي فيقبض عليه، فلم ينزل إليه برسباي، وتمادى الحال إلى يوم الجمعة ~~عاشره وهو يوم عيد النحر. فلما أصبح نهار الجمعة انتظر الأمير برسباي طلوع ~~الأمير الكبير لصلاة العيد، فلم يحضر ولم يطلع، فتقدم الأمير برسباي وأخرج ~~السلطان من الحريم وتوجه به إلى الجامع، ومعه سائر الأمراء والمماليك، فصلى ~~بهم قاضي القضاة الشافعي صلاة العيد، وخطب على العادة. ثم مضى الأميران ~~برسباي وطرباي بالسلطان إلى باب الستارة، فنحر السلطان هناك ضحاياه من ~~الغنم، وذبح الأمير برسباي ما هناك من البقر نيابة عن السلطان. ثم انفض ~~الموكب، ونزل الأمير طرباي إلى بيته هو وجميع الأمراء وذبحوا ضحاياهم، ~~وتوجه الأمير برسباي إلى طبقة الأشرفية. وبينما هو ينحر ضحاياه بلغه أن ~~الأمير الكبير جاني بك الصوفي لبس السلاح وألبس مماليكه، ولبس معه جماعة ~~كبيرة من المؤيدية، وغيرهم، فاضطرب الناس، وأغلق باب القلعة، ودقت الكؤوسات ~~حربيا. ms2949 وكان من خبر جاني بك الصوفي أنه لما تمارض لم يأت إليه أحد ممن كان ~~أراد مسكه، فأجمع رأيه حينئذ على الركوب، وجمع له الأمير يشبك جماعة من ~~إنياته من المماليك المؤيدية ومن أصحابهم. حدثني السيفي جاني بك من سيدي بك ~~البجمقدار المؤيدي، وهو أعظم إنيات يشبك الجكمي المذكور، قال: لبسنا ودخلنا ~~على الأتابك جاني بك الصوفي وعنده الأمير يشبك أمير آخور وكلمناه في أنه ~~يقوم يصلي العيد، ثم يلبس السلاح بعد الصلاة، فقال: صلاة العيد ما هي فرض ~~علينا. نتركها ونركب الآن قبل أن يبدأونا بالقتال. قال: قلت في نفسي: بعيد ~~أن ينجح أمر هذا.، قلت: وقد وافق رأي جاني بك البجمقدار في هذا القول قول ~~من قال: صل واركب ما تنكب على أنه كان غتيما لا يعرف ما قلته، فوقع لجاني ~~بك الصوفي أنه لم يصل وركب فنكب. ولما بلغ الأمير برسباي ركوب جاني بك ~~الصوفي لبس الأمير برسباي وحاشيته آلة الحرب، وتوجه إلى القصر السلطاني. ~~وترامت الطائفتان بالنشاب ساعة، فلم يكن غير قليل حتى خرج الأمير طرباي من ~~داره في عسكر كبير من الأمراء، وعليهم السلاح، ووقفوا تجاه باب السلسلة، ~~فلم يجدوا بباب السلسلة ما يهولهم من كثرة العساكر. فأوقف الأمير طرباي ~~بقية الأمراء، وسار هو والأمير قجق أمير مجلس، وطلعوا إلى باب السلسلة إلى ~~الأمير الكبير جاني بك الصوفي، على أن طرباي في طاعته، ودخلا عليه وهو ~~لابس، وعنده الأمير يشبك الأمير آخور. فأخذ طرباي يلومه على تأخره عن صلاة ~~العيد مع السلطان، وما فعله من لبس السلاح، وأنه يقاتل من، فإن الجميع في ~~طاعة السلطان وطاعة الأمير الكبير. فشكا الأمير الكبير جاني بك من الأمير ~~برسباي الدقماقي من عدم تأدبه معه في أمور المملكة، وأنه لا يمكن اجتماعنا ~~أبدا في بلد واحد. فقال له طرباي: السمع والطاعة. كلم الأمراء في ذلك فإنهم ~~في طاعتك. فقال: وأين الأمراء؟ فقال: ها هم وقوف تجاه باب السلسلة، انزل ~~أنت والأمير يشبك إلى بيت الأمير بيبغا المظفري أمير السلاح، ms2950 واجلس به، ~~واطلب الأمراء إلى عندك وكلمهم فيما تختار. فأخذ يشبك يقول له: كيف تنزل من ~~باب السلسلة إلى بيت من ليس هو معنا، فنهره الأمير طرباي فانقمع. ولا زال ~~يخادع الأمير جاني بك الصوفي حتى انخدع له وقام معه هو والأمير يشبك ~~المذكور، وركبا ونزلا من باب السلسلة، وسارا إلى بيت الأمير بيبغا المظفري، ~~وهو تجاه مصلاة المؤمني المعرف ببيت الأمير نوروز، وبه الآن جكم خال الملك ~~العزيز، فمشى وقد تحاوطه القوم. قلت: ما يفعل الأعداء في جاهل ما يفعل ~~الجاهل في نفسه. PageV04P0091 # فلما وصل الأمير جاني بك الصوفي إلى باب الدار المذكورة ودخله بفرسه، صاح ~~الأمير أزبك المحمدي الظاهري: هذا غريم السلطان قد دخل إلى عندكم احترصوا ~~عليه. وقبل أن يتكامل دخولهم أغلق الباب على جاني بك الصوفي ومن معه. فعند ~~ذلك زاغ بصر جاني بك الصوفي، وشرع يترقق لهم، ويقول: المروءة، افعلوا معنا ~~ما أنتم أهله. ودخلوا إلى الدار المذكورة، وإذا بالأمير بيبغا المظفري عليه ~~قميص أبيض ورأسه مكشوف، وقد أخرج يده اليمنى من طوق قميصه، وهو جالس على ~~دكة صغيرة عند بوائك الخيل، وبين يديه منقل نار عليه أسياخ من الفحم تشوى، ~~وبكل فيها بوزا، وعلى ركبته قوس تتري وعدة سهام. فعندما رأى الأمراء قام ~~إليهم على هيئته، وقبل أن يصلوا إلى عنده ركس الأمير أزدمر شايا ثاني رأس ~~نوبة، وأخذ خوذة الأمير يشبك الأمير آخور من على رأسه، فدمعت عينا يشبك. ~~فشق ذلك على الأمير بيبغا وأخذ قوسه بيده، واستوفى عليه بفردة نشاب ليقتله، ~~فهرب أزدمر ودخل إلى بوائك الخيل، بعد أن أوسعه بيبغا المذكور من السب ~~والتوبيخ، وهو يقول: الملك إذا نكب تروح حرمته، ولو مات حرمته باقية، حتى ~~سكن غضبه. وأنزل جاني بك الصوفي ويشبك الأمير آخور، فتقدم الأمراء وقيدوهما ~~في الحال وأخذا أسيرين إلى القلعة. وملك الأمير برسباي باب السلسلة من غير ~~قتال ولا مانع، فإن الأمير الكبير جاني بك الصوفي تركه ونزل من غير أمر ~~أوجب نزوله، على أنه لما ركب ms2951 وأراد النزول مع طرباي قال له بعض مماليكه أو ~~حواشيه: يا خوند، هذا باب السلسلة الذي تروح عليه الأرواح، أين تنزل ~~وتخليه؟ فقال له: لمصلحة نراها " ، فقال له: فاتتك المصلحة بنزولك، والله ~~لا تعود إليه أبدا فلم يلتفت إليه جاني بك وتمادى في غيه لقلة سعادته، ~~ولأمر سبق، ولمقاساة نالته بعد هروبه من سجن الإسكندرية ونالت أيضا خلائق ~~بسبب هروبه من سجن الإسكندرية على ما يأتي ذكر ذلك في ترجمة الملك الأشرف ~~برسباي، إن شاء الله تعالى. ولما ملك الأمير برسباي والأمير طرباي باب ~~السلسلة في الحال، نودي بالقاهرة بنفقة المماليك السلطانية. فلما سمع ~~المماليك هذه المناداة سكنوا بإذن الله، وذهب كل واحد إلى داره. وفتحت ~~الأسواق، وشرع الناس في بيعهم وشرائهم، بعدما كان في ظن الناس أن الفتنة ~~تطول بين هؤلاء أياما كثيرة، لأن كل واحد منهم مالك جهة من جهات القلعة، ~~ومع كل طائفة خلائق لا تحصى، فجاء الأمر بخلاف ما كان في ظنهم، ويأبى الله ~~إلا ما أراد. واستبد من يومئذ الأمير برسباي بالأمر، وبتدبير المملكة مع ~~مشاركة الأمير طرباي له في ذلك. فلما كان يوم السبت حادي عشر ذي الحجة ~~استدعى برسباي الأمير أرغون شاه النوروزي الأعور وخلع عليه باستقراره ~~استادارا بعد عزل الأمير صلاح الدين محمد بن نصر الله. وكان أرغون شاه ~~المذكور قد قدم إلى القاهرة صحبة الملك الظاهر ططر من دمشق. وفيه رسم يحمل ~~الأميرين جاني بك الصوفي ويشبك الجكمي الأمير آخور إلى ثغر الإسكندرية، ~~وسجنا بها. ثم في يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة خلع على الأمير آق خجا ~~الحاجب الثاني باستقراره في كشف الوجه القبلي. ثم عملت الخدمة السلطانية في ~~يوم الخميس سادس عشرة بالقصر السلطاني، وحضر الخليفة والقضاة الموكب، فخلع ~~على الأمير برسباي الدقماقي الدوادار الكبير واللالا باستقراره نظام المللك ~~ومدبر المملكة، كما كان المالك الظاهر ططر في دولة الملك المظفر أحمد بن ~~المؤيد شيخ، عوضا عن جاني بك الصوفي، وخلع على الأمير سودون من عبد الرحمن ~~باستقراره دوادارا كبيرا ms2952 عوضا عن برسباي الدقماقي، وخلع على الأمير قصروه ~~من تمراز رأس نوبة النوب باستقراره أمير آخور كبيرا عوضا عن يشبك الجكمي، ~~وخلع على الأمير جقمق العلائي نائب القلعة باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن ~~طرباي، وعلى الأمير أزبك المحمدي باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن قصروه. ~~PageV04P0092 # ثم فوض الخليفة المعتضد بالله للأمير برسباي الدقماقي نظام الملك أمور ~~الدولة بأسرها، ليقوم بتدبير ذلك عن السلطان الصالح محمد إلى أن يبلغ رشده، ~~وحكم بصحة ذلك قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي، ومع هذا ~~كله تقرر الحال على أن يكون تدبير الدولة وسائر أمور المملكة بين الأمير ~~برسباي وبين الأمير طرباي، وأن يسكن الأمير برسباي بطبقة الأشرفية على ~~عادته، ويسكن الأمير طرباي الأتابك بداره تجاه باب السلسلة، وهو بيت قوصون، ~~وأن طرباي يحضر الخدمة عند الأمير برسباي بالأشرفية. وانفض الموكب، وخرج ~~جميع الأمراء وسائر أرباب الدولة من الخدمة السلطانية بالقصر مشاة في خدمة ~~الأمير برسباي نظام الملك حتى دخل الأشرفية التي صارت سكنه من يوم مات ~~الملك الظاهر ططر، وعملت بها الخدمة ثانيا بين يديه. وصرف برسباي أمور ~~الدولة على حسب اختياره ومقتضى رأيه، واستمر على هذا، فعند ذلك كثر تردد ~~الناس إلى بابه لقضاء حوائجهم، وعظم وضخم. ولما كان يوم ثامن عشر ذي الحجة ~~المذكورة ورد الخبر بأن الأمير تغري بردي المؤيدي نائب حلب خرج عن طاعة ~~السلطان، وقبض على الأمراء الحلبيين، واستدعى التركمان والعربان، وأكثر من ~~استخدام المماليك. وسبب خروجه عن الطاعة أنه بلغه أن الملك الطاهر ططر ~~عزله، وأقر عوضه في نيابة حلب الأمير تنبك البجاسي نائب طرابلس، فلما تحقق ~~ذلك خرج عن الطاعة وفعل ما فعل. فشاور الأمير برسباي الأمراء في أمره، فوقع ~~الاتفاق على أن يكتب الأمير تنبك البجاسي بالتوجه إليه وصحبته لعساكر ~~وقتاله، وأخذ مدينة حلب عنه، وباستقراره في نيابتها كما كان الملك الظاهر ~~ططر أقرة، وكتب له بذلك. ثم في يوم ثالث عشرين ذي الحجة، خلع الأمير برسباي ~~على القاضي صدر الدين أحمد بن العجمي ms2953 باستقراره في حسبة القاهرة على عادته، ~~بعد عزل قاضي القضاة جمال الدين يوسف البساطي. ثم في يوم سابع عشرينه ابتدأ ~~الأمير برسباي نظام الملك في نفقة المماليك السلطانية، وهو والأمراء على ~~تخوف من المماليك السلطانية أن يمتنعوا من أخذها، وذلك أنهم وعدوا المماليك ~~في نوبة الأمير الكبير جاني بك الصوفي لكل واحد بمائة دينار، فلم يصر لكل ~~واحد سوى خمسين دينارا من أجل قلة المال، فإن الملك الظاهر ططر فرق الأموال ~~التي خلفها الملك المؤيد شيخ جميعها، حتى إنه لم يبق منها بالخزانة ~~السلطانية غير ستين ألف دينار، ومع ما فررقه من الأموال زاد في جوامك ~~المماليك بالديوان المفرد في كل شهر ما ينيف على عشرة آلاف دينإر، ولذلك ~~استعفى صلاح الدين بن نصر الله من وظيفة الأستدارية، بعد أن قام هو وأبوه ~~الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر الخواص الشريفة بعشرة آلاف دينار في ~~ثمن الأضحية، وبعشرين ألف دينار مساعدة في نفقة المماليك السلطانية ثم تقرر ~~على كل من مباشري الدولة شيء من الذهب حتى جمع من ذلك كله من نفقة ~~المماليك. ولما جلس السلطان والأمراء لنفقة المماليك أخذ الأمير برسباي ~~نظام الملك الصرة من النفقة بيده، وكلم المماليك السلطانية بما معناه أن ~~الملك الظاهر ططر لم يدع في بيت المال من الذهب سوى ما هوت وكيت، وأنهم ~~عجزوا في تحصيل المال لتكملة النفقة، ولم يقدروا إلا على هذا الذي تحصل ~~معهم ثم وعدهم بكل خير. وأمر كاتب المماليك فاستدعى اسم أول من هو بطبقة ~~الرفرف وكانت المماليك قبل أن يدخلوا الحوش السلطاني اتفقوا على أنه إذا ~~استدعى كاتب المماليك اسم أحد فلا يخرج إليه يأخذ النفقة إلا إن كانت مائة ~~دينار، وتوعدوا من أخذ ذلك بالقتل والإخراق فلما استدعى كاتب المماليك اسم ~~ذلك الرجل خرج. أن سمع كلام الأمير برسباي نظام الملك من العذر الذي أبداه، ~~وقال: إن أعطانا السلطان كف تراب أخذناه فشكره نظام الملك على ذلك، ورمى له ~~الصرة فأخذها، وقبل الأرض وخرج، ولم ms2954 يجسر أحد على أن يكلمه الكلمة الواحدة ~~بعد ذلك التهديد والوعيد. ثم صاح كاتب المماليك باسم غيره فخرج وأخذ، ~~وتداول ذلك منه، وكل من استدعي اسمه خرج وأخذ إلى آخرهم، فأخذ الجميع ~~النفقة، انفضوا بغير شر. قلت: وهذه عادة المماليك، يطلعون من ألف ويزلون ~~إلى درهم وكان الذي أخذ النفقة في هذه النوبة ثلاثة آلاف ومائتي مملوك، ~~والمبلغ مائة وستين ألف دينار. PageV04P0093 # ثم في يوم الخميس تاسع عشرين ذي الحجة قدم مبشر الحاج، وأخبر بسلامة ~~الحاج، وأن الوقفة كانت يوم الجمعة. ثم في يوم الأحد ثالث المحرم من سنة ~~خمس وعشرين وثمانمائة ورد الخبر إلى الديار المصرية بفرار الأمير تغري بردي ~~المؤيدي المعروف بأخي قصروه نائب حلب منها، بعد وقعة كانت بينه وبين تنبك ~~البجاسي المنتقل عوضه إلى نيابة حلب، فدقت البشائر لذلك. وكان من خبر تنبك ~~البجاسي المذكور أنه لما قدم على الملك الظاهر ططر من بلاد الشرق مع من قدم ~~من الأمراء، وقد تقدم ذكرهم في عدة مواضع، ولاه نيابة حماة كما كان أولا في ~~دولة المؤيد شيخ ثم خرج الملك الظاهر ططر من دمشق يريد الديار المصرية، ~~بعدما رسم بانتقاله من نيابة حماة إلى نيابة طرابلس. فلما بلغ تنبك البجاسي ~~ذلك وهو بحماة ركب الهجن من وقته، وساق خلف الملك الظاهر ططر إلى أن أدركه ~~بالغور، فنزل وقبل الأرض بين يديه، ولبس التشريف بنيابة طرابلس عوضا عن ~~الأمير أركماس الجلباني، ثم خرج وسار إلى جهة ولايته. وقبل أن يسافر الأمير ~~تنبك المذكور أسر له الأمير برسباي الدقماقي الدوادار الكبير بأن الملك ~~الظاهر ططر يريد توليته نيابة حلب عوضا عن تغري بردي المؤيدي وكان بينهما ~~صداقة، أعني بين برسباي الدقماقي وبين تنبك البجاسي ثم أمره برسباي أن يكتم ~~ذلك لوقته، وكان ذلك في شهر رمضان. فاستمر تنبك في نيابة طرابلس إلى يوم ~~عرفة من السنة فورد عليه مرسوم شريف من الملك الظاهر ططر بنيابة حلب عوضا ~~عن تغري بردي المؤيدي المعروف بأخي قصروه بحكم عصيانه، وبالتوجه لقتال تغري ms2955 ~~بردي المذكور. فخرج تنبك من طرابلس بالعساكر في رابع عشر ذي الحجة من سنة ~~أربع وعشرين وثمانمائة إلى ظاهر طرابلس، وأقام يتجهز بالمكان المذكور إلى ~~سادس عشر ذي الحجة. وبينما هو في ذلك ورد عليه الخبر بموت الملك الظاهر ~~ططر، فأمسك عند ذلك الأمير تنبك البجاسي عن المسير إلى حلب حتى ورد عليه ~~مرسوم الملك، الصالح محمد ابن الله الملك الظاهر ططر باستمراره على نيابة ~~حلب، وصحبة المرسوم الخلعة والتشريف بنيابة حلب، وبالمسير إلى حلب، فسار ~~إليها لإخراج تغري بردي منها. وعند مسيره إلى جهة حلب وافاه الأمير إينال ~~النوروزي نائب صفد بعسكرها، وتوجه الجميع إلى حلب. فلما سمع تغري بردي ~~بقدومهم فر من حلب قبل أن يقاتلهم، وتوجه نحو بلاد الروم، وقيل قاتلهم ~~وانكسر. وسار الأمير تنبك البجاسي خلفه من ظاهر حلب إلى الباب فلم يدركه، ~~ورجع إلى حلب وأقام بها إلى ما يأتي ذكره. وفي رابع عشرين المحرم قدم أمير ~~حاج المحمل بالمحمل، وهو الأمير تمرباي اليوسفي المؤيدي المشد كان، وهو ~~يومئذ من جملة أمراء الألوف بالديار المصرية، وقد كثر ثناء الناس عليه بحسن ~~سيرته فيهم، فخلع عليه ونزل إلى داره. فلما كان يوم الخميس ثامن عشرين ~~المحرم طلع المذكور إلى الخدمة السلطانية، فقبض عليه وعلى الأمير قرمش ~~الأعور الظاهري برقوق أحد مقدمي الألوف، وكان قرمش أحد أعيان أصحاب جاني بك ~~الصوفي وأخرج هو وتمرباي إلى ثغر دمياط، وأنعم على الأمير يشبك الساقي ~~الظاهري الأعرج بإمرته دفعة واحدة من الجندية. وكان من خبر قرمش هذا مع ~~الأمير برسباي الدقماقي أن الأمير الكبير جاني بك الصوفي، لما صار أمر ~~المملكة إليه بعد موت الملك الظاهر ططر، أمره بالجلوس بباب الستارة ليكون ~~عينا على الأمير برسباي الدقماقي فأخذ الأمير برسباي الدقماقي يستميله بكل ~~ما وصلت القدرة إليه، فلم يقدر يحوله عن جاني بك الصوفي، واعتذر بأنه رباه ~~في بلاد الجركس، وأنه كان يحمل جاني بك الصوفي على كتفه، فكيف يمكنه ~~مفارقته، فلما وقع من أمر جاني بك الصوفي ما وقع، ms2956 وتم أمر الأمير برسباي ~~الدقماقي، التفت إلى قرمش، وأخرج إقطاعه، ونفاه إلى دمياط لما كان في نفسه ~~منه. ثم في يوم الاثنين ثاني صفر أمسك الأمير الكبير برسباي الأمير أيتمش ~~الخضري الظاهري أحد أمراء العشرات، ونفاه إلى القدس بطالا. PageV04P0094 # ثم في يوم الأربعاء ثامن عشر صفر جمع الأمير الكبير برسباي الدقماقي ~~الصيارف بالإصطبل السلطاني للنظر في الدراهم المؤيدية، فإنه كثر هرش ~~الدراهم منها، ومعنى الهرش أن يبرد من الدرهم الذي زنته نصف حتى يخص ويصير ~~وزنه ربع درهم، فأضر ذلك بحال الناس، فأمر الأمير الكبير بإبطال المعاملة ~~بالعدد، واستقرت المعاملة بها وزنا لا عددا، ورسم بأن يكون وزن الدرهم منها ~~بعشرين درهما فلوسا، وأن يكون الدينار الإفرنتي بمائتين وعشرين درهما ~~فلوسا، وبأحد عشر درهما من الفضة الموازنة، فشق ذلك على الناس كونهم كانوا ~~يتعاملون بالفضة معاددة فصارت الآن بالميزان، واحتاج كل بائع أن يأخذ عنده ~~ميزانا. وتشكوا من ذلك، فلم يلتفت الأمير برسباي إلى كلامهم وهددهم، فمشى ~~الحال. وفي هذا الشهر ابتدأت الوحشة بين الأمير برسباي الدقماقي نظام الملك ~~وبين الأمير الكبير طرباي أتابك العساكر، وتنكر الحال بينهما في الباطن. ~~وسببه أن الأمير طرباي شق عليه استبداد الأمير برسباي الدقماقي بأمور ~~المملكة وحده، وتردد الناس إلى بابه، وخاف إن دام ذلك ربما يصير من أمر ~~برسباي ما أشاعه الناس. وكان طرباي يقول في نفسه: إنه هو الذي مهد الديار ~~المصرية، ودبر على قبض جاني بك الصوفي حتى كان من أمره ما كان، ولولاه لم ~~يقدر برسباي على جاني بك الصوفي ولا غيره. وكان الاتفاق بينهما أن يكون أمر ~~المملكة بينهما نصفين بالسوية، لا يختص أحدهما عن الآخر بأمر من الأمور. ~~وكان الأمير طرباي في الأصل من يوم مات الملك الظاهر ططر متميزا على ~~برسباي، ويرى أنه هو الأكبر والأعظم في النفوس، وأنه هو الذي أقام برسباي ~~في هذه، المنزلة من كونه استمال المماليك السلطانية إليه، ونفرهم عن الأمير ~~الكبير جاني بك الصوفي حتى تم له ذلك، وأنه هو الذي خدع ms2957 جاني بك الصوفي حتى ~~أنزله من باب السلسلة، وقام مع الأمير برسباي إلى أن رضيه الناس بأن يكون ~~مدبر المملكة، كل ذلك ليكون برسباي تحت أوامره، ولا يفعل شيئا إلا ~~بمشاورته. فلما رأى طرباي أن الأمر بخلاف ما أمله، ندم على ما كان من أمره ~~في حق جاني بك الصوفي حيث لا ينفعه الندم، وتكلم مع حواشيه فيما يفعله مع ~~الأمير برسباي، وكان له شوكة كبيرة من خشداشيته المماليك الظاهرية برقوق ~~وغيرهم، فأشاروا عليه أن ينقطع عن طلوع الخدمة أياما لينظروا فيما يفعلونه. ~~وكان طرباي مطاعا في خشداشيته ولهم فيه محبة زائدة، وتعصب عظيم له على ~~برسباي، فاغتر طرباي بكلامهم، وعدى بمماليكه إلى بر الجيزة حيث هو مربط ~~خيوله على الربيع كالمتنزه، وأقام به بقية صفر. وأما الأمير برسباي لما علم ~~أن الأمير طرباي توغر خاطره منه، وعلم أنه لا يتم له أمر مع وجوده، أخذ ~~يدبرعليه فيما يفعله معه حتى يمكنه القبض عليه، ثم يفعل ما بدا له. هذا وقد ~~انضم عليه جماعة كبيرة من أمراء الألوف، أعظمهم الأمير سودون من عبد الرحمن ~~الدوادار الكبير، والأمير قصروه من تمراز رأس نوبة النوب، والأمير يشبك ~~الساقي الأعرج، وكان أعظمهم دهاء ومعرفة، وله دربة بالأمور، والأمير تغري ~~بردي المحمودي الناصري وغيرهم. وباقي الأمراء هم أيضا في خدمة الأمير ~~برسباي في الظاهر، غير أنهم في الباطن جميعهم مع طرباي، ولكنهم حيثما ما ~~أمكنهم الكلام مع برسباي أو طرباي قالوا له: أنت خشداشنا وأغاتنا، لأن ~~كليهما من مماليك برقوق. بهذا المقتضى صار الأمير برسباي لايعرف من هو معه ~~من خشداشيته الظاهرية، ولا من هو عليه غير من ذكرنا من الأمراء، فإنهم ~~باينوا طرباي، وانضموا على برسباي ظاهرا وباطنا. فلما علم برسباي أن هؤلاء ~~الأمراء معه حقيقة قوي قلبه بهم، وألقى مقاليد أمر طرباي في رقبة الأمير ~~يشبك الساقي الأعرج أن ينزل إليه، ويعمل جهده في طلوعه إلى الخدمة ~~السلطانية. ثم سلط أيضا جماعة أخر على الأمير طرباي يحسنون له الحضور من ~~الربيع. هذا ms2958 مع ما يقوي جأشه الأمير تغري بردي يجبن عن ذلك حتى استهل شهر ~~ربيع الأول. PageV04P0095 # فلما كان يوم الثلاثاء ثانيه قدم الأمير الكبير طرباي من الربيع، ونزل ~~بداره تجاه باب السلسلة. وتردد إليه الأمير يشبك الساقي الأعرج، وحسن له ~~الطلوع بأن قال له: إن كل خشداشيته من الظاهرية برقوق معه، وأنهم لا يؤثرون ~~عليه أحدا، وأنه بطلوعه يستفحل أمره، وبعدم طلوعه ربما يجبن ويضمحل أمره، ~~فإن الناس مع القائم، أو إذا حضرت أنت تلاشى أمر برسباي، وهون كليه أمر ~~برسباي. ولا زال به حتى انخدع له وأذعن بالطلوع. فلما أصبح يوم الأربعاء ~~ثالثه أمسك الأمير برسباي الأمير سودون الحموي أحد أمراء الطلبخانات، ~~والأمير قانصوه النوروزي أحد أمراء الطبلخانات أيضا، وكانا من جملة أصحاب ~~طرباي، فعظم ذلك على طرباي، وقامت قيامة أصحابه وحذروه عن الطلوع في غده، ~~فإنه كان قرر مع الأمير يشبك الأعرج الطلوع إلى الخدمة في يوم الخميس ~~رابعه. فلما وقع مسك هؤلاء نهاه أصحابه عن الطلوع، فأبى إلا الطلوع ليتكلم ~~مع الأمير برسباي بسبب مسكه لهؤلاء ويطلقهما منه. فألحوا عليه في عدم ~~الطلوع، وأكثروا من ذلك، وهو لا يصغي إلى قولهم، وفي ظنه أن الأمير برسباي ~~لاينهض بأمر يفعله في حقه، وأيضا لا يقابله بسوء لماله عليه من الأيادي ~~قديما وحديثا. فلما أصبح نهار الخميس رابع شهر ربيع الأول ركب الأمير ~~الكبير طرباي من داره ومعه جماعة كبيرة من حواشيه، وطلع إلى القلعة، وكان ~~لقلة سعده غالب من هو معه من خشداشيته رؤوس نوب، ليس في أوساطهم سيوف. فما ~~هو إلا أن دخل إلى الخدمة، واستقر به الجلوس في منزلته، وقرىء الجيش على ~~السلطان، وانتهت العلامة، وأحضر السماط، وقام الجميع على أقدامهم، ابتدأ ~~الأمير الكبير برسباي الدقماقي نظام الملك بأن قال: الحال ضائع والكلمة ~~متفرقة، وأحوال الناس متوقفة لعدم اجتماع الناس على كبير يرجع إليه فيما ~~يرسم به، ولا بد للناس من كبير يرجع إليه في أمور الرعية فأجابه في الحال، ~~قبل أن يتكلم طرباي، الأمير قصروه رأس ms2959 نوبة النوب، وقال: أنت كبيرنا ومع ~~وجودك من يكون خلافك؟ افعل ما شئت. فقال الأمير برسباي عند ذلك: اقبضوا على ~~هذا وعنى الأمير الكبير طرباي. فلما سمع طرباي ذلك جذب سيفه ليدفع عن نفسه، ~~وأراد القيام، فسبقه الأمير برسباي نظام الملك، وضربه بالسيف ضربة جاءت في ~~يده كادت تبينها، وهي على ظاهر كله حيث كان قابضا بها على سيفه، ثم بادره ~~الأمير قصروه وأعاقه عن تمام القيام، وتقدم إليه الأمير تغري بردي المحمودي ~~وقبض عليه من خلفه كالمعانق له، وحمل من وقته إلى أعلى القصر، وقيد في ~~الحال، وقد تضمخ بدمه. ووقعت الهجة بالقصر، وتسللت السيوف من حواشي طرباي ~~بعد أن فات الأمر، وقد خطف الأمير برسباي الترس الفولاذ من يد السلطان ~~الملك الصالح محمد وتترس به، وأعطى ظهره إلى الشباك، وسيفه مسلول بيده، فلم ~~يجسر أحد على التقدم إليه لكثرة حاشيته، ولقوة شوكته. ثم سكتت الهجة في ~~الحال، ورد كل واحد من أصحاب طرباي سيفه إلى غمده عندما رأوا أن الأمر ~~فاتهم، وقالوا: نحن من أصحاب برسباي فعرف برسباي الجميع ولم يؤاخذ أحدا ~~منهم بعد ذلك. وتكسر بعض صيني مما كان فيه الطعام للسماط السلطاني لضيق ~~المكان، فإن الحركة المذكورة كانت بالقصر الصغير الوسطاني حيث فيه ~~الشرابخاناه. وطلب الأمير برسباي في الحال المزين وأرسله إلى طرباي فخاط ~~جراحه بعدما قيده ثم أصبح من الغد حمله إلى الاسكندرية فسجن بها، إلى أن ~~أطلقه في أيام سلطنته، حسبما نذكره في محله في ترجمة الملك الأشرف برسباي ~~إن شاء الله تعالى. وخلا الجو للأمير برسباي بمسك الأمير طرباي هذا. قلت: ~~وكان في أمر الأمير طرباي هذا عبرة لمن اعتبر، وهو أن طرباي لازال بجاني بك ~~الصوفي حتى خدعه وغدر به عندما أنزله من الحراقة بباب السلسلة، وتحيل عليه ~~حتى قبضه وحملة مقيدا إلى سجن الإسكندرية وسجن بها، وقد ظن أن الأمر صفا له ~~وأنه لا يعدل عنه إلى غيره لاستخفافه بالأمير برسباي، فأتاه الله من حيث لم ~~يحتسب، وعمل عليه الأمير برسباي ms2960 حتى خدعه وأطلعه إلى القلعة، وصار في يده ~~بعدما امتنع ببر الجيزة أياما، والناس تترقب حركته ليكونوا في خدمته، وفي ~~قتال عدوه، إلى أن عدى من بر الجيزة ومشى لحتفه بقدميه، فكان حاله في ذلك ~~كقول الإمام أبي الفتح البستي حيث قال رحمه الله تعالى: أرى قدمي أراق دمي. ~~PageV04P0096 # وإن كان طرباي لم يهلك، في هذه الموتة المكتوبة، فقد مات معنى، وحمل إلى ~~الإسكندرية، فأدخل به عند أخصامه الأمير الكبير جاني بك الصوفي وغيره. قلت: ~~لتجزى كل نفس بما كسبت. ولما تم أمر الأمير برسباي فيما أراد من القبض على ~~الأمير طرباي والاستبداد بالأمر، أخرج الأمير سودون الحموي منفيا إلى ثغر ~~دمياط. ثم أخذ في إبرام أمره ليترقى إلى أعلى المراتب، فلم يلق في طريقه من ~~يمنعه من ذلك، وساعده في ذلك موت الأمير حسن بن سودون الفقيه خال الملك ~~الصالح محمد هذا في يوم الجمعة ثالث عشر صفر، فإنه كان أحد مقدمي الألوف ~~وخال السلطان الملك الصالح وسكناه بقلعة الجبل، وكان جميع حواشي الملك ~~الظاهر ططر يميلون إليه، فكفي الأمير برسباي همه أيضا بموته. فلما رأى ~~برسباي أنه ما ثم عنده مانع يمنعه من بلوغ غرضه بالديار المصرية، خشي عاقبة ~~الأمير تنبك ميق نائب الشام، وقال: إلا بد من حضوره ومشورته فيما نريد ~~نفعله، فندب لإحضاره الأمير ناصر الدين محمدا ابن الأمير إبراهيم ابن ~~الأمير منجك اليوسفي، فحضر، وخرج المذكور مسرعا من الديار المصرية إلى دمشق ~~لإحضار الأمير تنبك المذكور. وأخذ الأمير برسباي فيما هو فيه من عمل مصالح ~~الناس وتنفيذ الأمور، فرسم بإحضار الأمير أيتمش الخضري من القدس. ثم في يوم ~~الاثنين ثاني عشرين شهر ربيع الأول أمسك الأمير الطواشي مرجان الهندي ~~الزمام المعروف بالخازندار، وسلمه للأمير أرغون شاه النوروزي الأعور ~~الأستادار ليصادره، ويستخلص منه الأموال. وطلب الأمير الطواشي كافور الرومي ~~الصرغتمشي وخلع عليه باستقراره زماما على عادته أولا. ثم قدم أيتمش الخضري ~~إلى القاهرة، فرسم له الأمير برسباي بلزوم داره بطالا. واستمر مرجان عند ~~الأمير أرغون شاه ms2961 المذكور إلى أن قرر عليه حمل عشرين ألف دينار فحملها، ~~وضمنه جماعة أخر في حمل عشرة آلاف دينار أخرى، وأطلق في يوم الأربعاء ثامن ~~عشر شهر ربيع الآخر. ثم في سادس عشر شهر ربيع الآخر المذكور قدم الأمير ~~تنبك ميق نائب الشام إلى الديار المصرية، بعد أن تلقاه جميع أعيان الدولة، ~~وطلع إلى القلعة، فخرج الأمير الكبير برسباي لتلقيه خارج باب القصر ~~السلطاني، ونثر على رأسه خفايف الذهب والفضة، وعاد معه إلى داخل القصر بعد ~~أن اعتذر له عن عدم نزوله إلى تلقيه مخافة من المماليك الأجلاب، فقبل ~~الأمير تنبك عذره. ثم قدمت خلعة جليلة فلبسها الأمير تنبك نائب الشام ~~المذكور، وهي خلعة الاستمرار له على نيابة دمشق على عادته. ثم خلا به ~~الأمير برسباي وتكلم معه واستشاره فيمن يكون سلطانا، لأن الديار المصرية لا ~~بد لها من سلطان تجتمع الناس على طاعته، ثم قال له: وإن كان ولا بد فيكون ~~أنت، فإنك أغاتنا وكبيرنا وأقدمنا هجرة، فاستعاذ الأمير تنبك من ذلك وقام ~~في الحال، وقبل الأرض بين يديه وقال: ليس لها غيرك، فشكر له الأمير برسباي ~~على ذلك. ثم اتفق جميع الأمراء على سلطنته، وخلع الملك الصالح محمد من ~~السلطنة، فوقع ذلك في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين ~~وثمانمائة، حسبما يأتي ذكره في أول ترجمة الملك الأشرف برسباي. قلت: وكما ~~تدين تدان جوزي الملك الظاهر ططر في ولده كما فعل هو بابن الملك المؤيد شيخ ~~الملك المظفر أحمد غير أن الأمير ططر كانت له مندوحة بصغر ابن الملك المؤيد ~~شيخ من أنه كان بقي لبلوغه الحلم سنين طويلة، وأما الملك الصالح هذا فكان ~~مراهقا، غير أنهم احتجوا أيضا بأنه كان في عقله شيء شبه الخلل. قلت: وإن ~~توقف الأمر على أن كل واحد من هؤلاء يخلع بأمر من الأمور، ويكون ذلك حجة ~~لمن خلعه، فيلزم الخالع من ذلك أمور كثيرة لا يطيق التخلص منها أبدا، ليس ~~لإبدائها هنا محل. وقد دار هذا الدور على ms2962 أناس أخر بعدهما، والكأس ممزوج ~~لمن يشربه من يد ساقيه، كما جرت به العادة، والعادة لها حكم، وهي تثبت عند ~~الشافعية بمرة واحدة. انتهى. PageV04P0097 # ولما خلع الملك الصالح من السلطنة أدخل إلى أمه خوند بنت سودون الفقيه ~~ببعض الدور السلطانية، ودام بها سنين عديدة من غير ترسيم ولا حرج، حتى إنه ~~بعد سنين صار يركب وينزل صحبة الناصري محمد ابن السلطان الملك الأشرف ~~برسباي إلى القاهرة من غير أن يحتفظ به أحد، وحضر معه مرة مأتم والدته خوند ~~زوجة الملك الأشرف بالمدرسة الأشرفية بخط العنبريين، وجلسا في الملأ بصدر ~~المدرسة، فتعجب الناس من ذلك غاية العجب، كون الملك الصالح المذكور كان ~~سلطانا ثم خلع من الملك وبعد مدة يسيرة صار يركب وينزل إلى القاهرة. ودام ~~الملك الصالح محمد بقلعة الجبل سنين حتى بلغ الحلم، وزوجه الملك الأشرف ~~برسباي بابنة الأتابك يشبك الساقي الأعرج، ودامت معه حتى مات عنها في ~~الطاعون بقلعة الجبل في ليلة الخميس ثان عشرين جمادى الآخرة من سنة ثلاث ~~وثلاثين وثمانمائة، وهو في حدود العشرين سنة من العمر تخمينا. وكان أهوج ~~وعنده بعض بله وسذاجة، مع خفة وسرعة حركة، وسلامة باطن، وعدم تجمل في ~~ملبسه. ولم يكن عنده شيء من الكبر والترفع، ولم يتأسف س الملك أبدا. وكان ~~غالب حواشي الملك الأشرف برسباي يسمونه في وجهه سيدي محمد، ويصيحون له ~~بذلك. ومما ينسب إليه من السذاجة أنه ركب مرة فرسا ثم طلبه ثانيا فقال: ~~هاتوا فرسي الأبيض فنهره بعض حواشيه وقال له: لم لا تقول فرسي البوز، ثم ~~أتي بعد ذلك بمشروب من السكر فقال: ما أشرب إلا في سلطانيتي البوز، فنهره ~~ذلك الرجل بعينه وقال له:، لم لا تقول سلطانيتي البيضاء، فقال: والله تحيرت ~~بينكم، تارة تقولون لا تقل أبيض وقل بوز، وتارة تقولون بالعكس، كيف يكون ~~عملي معكم. وله أشياء من ذلك كثيرة، على أنه كان يحفظ القرآن، ويعرف بلسان ~~الجاركسي، ولبلوهيته حلاوة وطلاوة مع خفة روح، انتهى والله تعالى أعلم. ### || AUT السنة التي حكم ms2963 فيها أربعة سلاطين # وهي سنة أربع وعشرين وثمانمائة. حكم في أولها إلى يوم الاثنين ثامن ~~المحرم الملك المؤيد شيخ، ثم ابنه ،الملك المظفر أحمد إلى تاسع عشرين ~~شعبان، ثم الملك الظاهر ططر إلى رابع ذي الحجة، ثم ابنه الملك الصالح محمد ~~إلى آخرها وإلى شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين وثمانمائة. وفيها، أعني ~~سنة أربع وعشرين وثمانمائة، توفي الأمير زين الدين فرج ابن الأمير سكزباي ~~الظاهري، أحد أمراء العشرات وخواص الملك المؤيد شيخ، في رابع صفر بعد مرض ~~طويل. وكان شابا مليح الشكل، بهي المنظر، متجملا في ملبسه ومركبه، ولم يبلغ ~~من العمر خمسا وعشرين سنة، فيما أظن. وكان الملك المؤيد شيخ رباه واختص به، ~~فلما تسلطن رقاه وأمره. وتوفي القاضي بهاء الدين محمد بن بدر الدين حسن بن ~~عبد الله المعروف بالبرجي في يوم الخميس عاشر صفر عن ثلاث وسبعين سنة، بعد ~~أن ولي حسبة القاهرة غير مرة، ووكالة بيت المال ونظر الكسوة، وباشر عمارة ~~الجامع المؤيدي. وكان من أصحاب الملك الظاهر ططر. وتوفي علم الدين سليمان ~~بن جنيبة رئيس الأطباء في سادس عشرين صفر، وقد أناف على ثمانين سنة. وكان ~~أبوه يهوديا ثم أسلم، ونشأ سليمان هذا مسلما. وفيها قتل الأمير يشبك بن عبد ~~الله اليوسفي المؤيدي نائب حلب في واقعة كانت بينه وبين الأمير ألطنبغا ~~القرمشي الأتابك بظاهر حلب في يوم الثلاثاء ثالث عشرين المحرم. قال ~~المقريزي: وكان غير مشكور السيرة ظالما عسوفا مع كبر وجبروت، فأراح الله ~~منه. PageV04P0098 # وفيها قتل الأمير الكبير سيف الدين ألطنبغا بن عبد الله القرمشي الظاهري ~~أتابك العساكر بالديار المصرية في خامس عشرين جمادى الأولى بقلعة دمشق بسيف ~~الأمير ططر حسبما تقدم ذكر القبض عليه. وكان القرمشي من محاسن الدنيا لما ~~اشتمل عليه من السؤدد. وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق، وترقى في الدولة ~~الناصرية أفرج، إلى أن صار من جملة أمراء البلاد الشامية، ثم انضم على ~~الأمير شيخ ولم يبرح عنه في السراء والضراء إلى أن ملك الديار المصرية، ~~فولاه ms2964 نيابة صفد، ثم الأمير آخورية الكبرى، ثم نقله إلى الأتابكية بديار ~~مصر بعد انتقال ألطنبغا العثماني إلى نيابة دمشق بعد خروج قاني باي المحمدي ~~عن الطاعة، فدام على ذلك إلى أن جرده الملك المؤيد شيخ إلى البلاد الشامية ~~وصحبته جماعة من مقدمي الألوف تقدم ذكرهم في عدة مواضع من ترجمة الملك ~~المظفر أحمد والملك الظاهر ططر. ولما أشرف الملك المؤيد شيخ على الموت عهد ~~لولده أحمد بالملك، وجعل القرمشي هذا أتابكه، لثقته به من أنه يفعل مع ولده ~~كما كان فعل الأتابك يلبغا العمري مع أولاد السلاطين ولم يتسلطن أبدا، فإنه ~~كا من جنس يلبغا، أعني أنه كان تركي الجنس، فوثب الأمير ططر على الأمر ~~حسبما حكيناه، وخرج بالملك المظفر أحمد إلى دمشق، فأطاعه القرمشي المذكور، ~~وقد قنع بأن يكون في نيابة دمشق، فلم يكذب ططر الخبر وقبض عليه من وقته ~~وحبسه بقلعة دمشق ثم قتله. قلت: أما القبض عليه فيمكن ططر الاعتذار عنه، ~~وأما قتله فلا أقبل له في عذرا، فإنه كان يمكنه حبسه إلى الأبد كما فعل ذلك ~~بعدة من الملوك، فإنه كان عاقلا ساكنا عديم الشر لين الجانب متواضعا كريما ~~حشيما، ولم يكن فيه ما يعاب غير أنه كان من غير جنس القوم لا غير. وتوفي ~~الأمير الوزير المشير بدر الدين حسن بن محب الدين عبد الله الطرابلسي تحت ~~العقوبة، في سابع عشر جماد الآخر بدمشق، بأمر الأمير الكبير ططر. وكان أبو ~~بدر الدين هذا من مسالمة نصارى طرابلس، وبها ولد بدر الدين هذا ونشأ، ~~وتعاني قلم الديونة، وتولى شد الدواوين بها، ثم غير زيه، وولي كابة سر ~~طرابلس، ثم تعلق بخدمة الملك المؤيد شيخ المحودي لما ولي نيابة طرابلس وعمل ~~أستاداره، وغير زيه ولبس زي الأمراء، ودام في خدمته إلى تسلطن وولاه ~~الأستادارية ثم الوزر، ثم نيابة الإسكندرية، ثم الكشف بالوجه القبلي، ثم ~~أعيد إلى الأستادارية، ثم أمسكه وصادره وعاقبه. قال المقريزي: وكان يكتب ~~الخط المنسوب، ويتظاهر بالمعاصي، وينوع الظلم في أخذ الأموال، فعاقبه الله ~~بيد ms2965 ناصره الملك المؤيد شيخ أشد عقوبة، ثم قبض عليه ططر وصادره وعاقبه حتى ~~هلك تحت الضرب، وعاقبه ميتا، فأراح الله منه عباده. PageV04P0099 # وتوفي قاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن ابن شيخ ~~الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقني الشافعي قاضي ~~الديار المصرية وعالمها، في ليله الخميس حادي عشر شوال عن ثلاث وستين سنة، ~~بعد مرض طويل تمادى به، في دمشق لما كان مسافرا صحبة السلطان إلى مصر، وصلي ~~عليه بالجامع الحاكمي، وأعيد إلى حارة بهاء الدين، ودفن على أبيه بمدرسته ~~التي أنشأها تجاه داره، وهو صهري زوج كريمتي والذي تولى تربيتي، رحمه الله ~~تعالى. ومات ولم يخلف بعده مثله في كثرة علومه وعفته عما يرمى به قضاة ~~السوء. وكان مولده بالقاهرة في جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، ~~وهكذا سمعته من لفظه غير مرة وأمه بنت قاضي القضاة بهاء الدين بن عقيل ~~الشافعي النحوي. ونشأ بالقاهرة، وحفظ القرآن العزيز وعدة متون، وتفقه ~~بوالده وبغيره إلى أن برع في الفقه والأصول والعربية والتفسير وعلمي ~~المعاني والبيان، وأفتى ودرس في حياة والده، وولي قضاء العسكر بالديار ~~المصرية، ثم ولي قضاء القضاة بها في إحدى الجمادتين من سنة أربع وثمانمائة ~~في حياة والده عوضا عن قاضي القضاة ناصر الدين محمد الصالحي، وذلك أول ~~ولايته، وعزل ثم ولي غير مرة، حررنا ذلك في تاريخنا المنهل الصافي ~~والمستوفى بعد الوافي. وكانت جنازته مشهورة إلى الغاية، وحمل نعشه على رؤوس ~~الأصابع، وكان ذكيا مستحضرا، عارفا بالفقه ودقائقه، مستقيم الذهن، جيد ~~التصور، حافظا فصيحا بليغا، جهوري الصوت، مليح الشكل، للطول أقرب، أبيض ~~مشربا بحمرة، صغير اللحية مدورها، منور الشيبة، جميلا وسيما، دينا عفيفا ~~مهابا جليلا، معظما عند الملوك والسلاطين، حلو المحاضرة، رقيق القلب سريع ~~الدمعة. على أنه كان فيه بادرة وحدة مزاج، غير أنها كانت تزول عنه بسرعة، ~~ويأتي بعد ذلك من محاسنه ماينسى معه كل شيء. وكان محببا للرعية، متجملا في ~~ملبسه ومركبه. ومدحه خلائق من العلماء والشعراء. ms2966 أنشدني قاضي القضاة جلال ~~الدين أبو السعادات محمد بن ظهيرة، قاضي مكة وعالمها من لفظه لنفسه، بمكة ~~المشرفة، مديحا في قاضي القضاة جلال الدين المذكور في سنة اثنتين وخمسين ~~وثمانمائة، قال رحمه الله: الطويل هنيئا لكم يا أهل مصر جلالكم ... عزيز ~~فكم من شبهة قد جلا لكم ولولا اتقاء الله جل جلاله ... لقلت لفرط الحب جل ~~جلالكم وتوفي السلطان غياث الدين محمد المعروف بكرشجي بن يزيد بن مراد بن ~~أرخان بن عثمان متملك بلاد الروم في شهر رجب، وملك بعده ابنه مراد بك صاحب ~~الفتوحات والغزوات المشهورة الآتي ذكره في محله. وتفسير كرشجي أي صاحب ~~الوترة لأن كرش باللغة التركية هو الوتر الذي يوتر به القوس، وكان قبل ~~سلطنته خنق بوتر ثم أطلق فسمي بذلك. وهو بكسر الكاف والراء المهملة وسكون ~~الشين المعجمة وكسر الجيم. وفيها قتل الأمير علاء الدين ألطنبغا من عبد ~~الواحد الظاهري المعروف بالصغير رأس نوبة النوب، ثم نائب حلب بعد انهزامه ~~من حلب في واقعة كانت بينه وبين التركمان في تاسع شعبان. وكان أصله من ~~مماليك الطاهر برقوق، وصار خاصكيا في دولة الناصر فرج، ثم ترقى في الدولة ~~المؤيدية شيخ إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف، ثم رأس نوبة النوب، ثم أخرجه ~~الملك المؤيد شيخ، إلى البلاد الشامية مجردا لصحبة الأمير الكبير ألطنبغا ~~القرمشي، فلما قتل يشبك نائب حلب المقدم ذكره ولاه القرمشي نيابة حلب، فدام ~~بها إلى أن قبض الأمير ططر على القرمشي فخرج هو عن الطاعة، ووقع له ما ~~حكيناه إلى أن قتل. وكان أميرا جليلا، مليح الشكل لين الجانب، كريما شجاعا ~~محببا للناس. رحمه الله تعالى. وفيها قتل الأمير سيف الدين قجقار بن عبد ~~الله القردمي أمير سلاح بثغر الإسكندرية في سادس عشرين شعبان بأمر الأمير ~~ططر وكان أصله من مماليك PageV04P0100 # الأمير قردم الحسني رأس نوبة النوب في دولة الملك الظاهر برقوق، ثم انضم ~~على الملك المؤيد شيخ وهو من جملة أمراء العشرات، ولا زال معه إلى أن ~~تسلطن، فعند ذلك رقاه ms2967 الملك المؤيد إلى أن ولاه إمرة سلاح، ثم نيابة حلب ~~مدة يسيرة، ثم عزله وأعاده إلى وظيفته إلى أن مات المؤيد وجعله من جملة ~~أوصيائه على ولده، فقبض عليه الأمير ططر وحبسه بثغر الإسكندرية إلى أن قتله ~~بها. وكان في الجنس، قصيرا بطينا، له شعرات بحنكه، كبير الوجه، مشهورا ~~بالشجاعة والإقدام مع الكرم والتجمل في مركبه ومماليكه وسماطه. وكان منهمكا ~~في اللذات مسرفا على نفسه، فكان في غالب الليالي يسكر إلى الصباح ويغلب ~~عليه النوم فينام عن الخدمة السلطانية، فلما يقوم من نومه يتأسف على عدم ~~طلوعه إلى الخدمة، فيجعل نفسه متوعكا، فينزل إليه وجوه الدولة لعيادته، ~~فيجدونه مخمورا لا يكاد يتكلم. فلما تكرر منه ذلك علم السلطان والناس حاله، ~~فصار أمره مثلأ يقول بعضهم للآخر: كيف حال فلان. فيقول: مريض، فيقول: لا ~~يكون مثل مرض قجقار القردمي. وتداول ذلك بين الناس. وفيها قتل الأمير سيف ~~الدين جقمق بن عبد الله الأرغون شاوي الدوادار ثم نائب الشام بعد عقوبة ~~شديدة لأجل المال في ليلة الأربعاء سادس عشرين شعبان بعد عود الأمير ططر من ~~حلب. وكان أصل جقمق هذا جاركسيأ، أخذ من بلاده والدته وهو ابن ثلاث سنين، ~~وجلبا إلى مصر فاشتراهما بعض أمراء مصر، فأقاما عنده مدة يسيرة وقبض على ~~الأمير المذكور، فاشتراهما أمير آخر، ثم انتقلا من ملكه إلى ملك الأمير ~~ألطنبغا الرجبي، ثم ابتاعهما من ألطنبئغا الرحبي المذكور الأمير قردم ~~الحسني رأس نوبة النوب، وأنعم بوالدته على زوجته وأنعم بولدها جقمق هذا على ~~ابنه صاحبنا العلائي علي بن قردم، فاستمرا عندهما إلى أن توفي الأمير قردم ~~وبعده بمدة انتقل جقمق هذا إلى ملك الأمير أرغون شاه الظاهري أمير مجلس، ~~فأعتقه أرغون شاه وجعله بخدمته إلى أن قتل في سنة اثنتين وثمانمائة، فاتصل ~~بعده بخدمة الملك المؤيد شيخ، وهو من جملة الآمراء، وصار عنده رأس نوبة ~~الجمدارية، ثم جعله دوادارا ثانيا، إلى أن تسلطن الملك المؤيد شيخ فأنعم ~~عليه بإمرة عشرة، وأرسله إلى الأمير نوروز الحافظي في الرسلية، فقبض ms2968 عليه ~~نوروز وحبسه، إلى أن ظفر المؤيد بنوروز، وأطلق جقمق هذا من قلعة دمشق وأنعم ~~عليه بإمرة طبلخاناه، وجعله دوادارا ثانيا، ثم نقله إلى الدوادارية الكبرى ~~بعد سنين بحكم انتقال آقباي المؤيدي إلى نيابة حلب، فباشر الدوادارية بحرمة ~~وافرة، ونالته السعادة، إلى أن ولي نيابة دمشق بعد عزل الأمير تنبك ميق في ~~سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، فدام بدمشق إلى أن مات الملك المؤيد شيخ فخرج ~~عن طاعة الأمير ططر واتفق مع الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي، ثم وقع بينهما ~~خلاف وتحاربا فهزم جقمق وتوجه إلى صرخد، ولا زال به حتى استقدمه ططر منها ~~بالأمان، وقبض عليه وقتله، ودفن بمدرسته التي بنها بدمشق. وكان أميرا عارفا ~~بأمور دنياه، عاريا عن العلوم والفضيلة وفنون الفروسية. وكان فصيحا باللغة ~~العربية، وعنده مكر وشيطنة وخديعة، وانهماك في اللذات، وإسراف على نفسه، مع ~~بادرة وحدة وسفه ووقاحة. ورأيته غير مرة: كان للقصر أقرب، وعنده سمن، مدور ~~اللحية أسودها، وعنده فصاحة في حديثه على طريق عوام مصر لا على طريق ~~الفقهاء. انتهى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وعشرون ~~إصبعا. مبلغ الزيادة تسع عشر ذراعا وإصبع واحد والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ### | AUT سلطنة الملك الأشرف برسباي # PageV04P0101 # السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر برسباي الدقماقي الظاهري سلطان ~~الديار المصرية. جلس على تخت الملك يوم خلع الملك الصالح محمد ابن الملك ~~الظاهر ططر في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة، ~~بعد أن حضر الخليفة والقضاة وجميع الأمراء والأمير تنبك ميق نائب الشام. ~~وبويع بالسلطنة، ولبس الخلعة الخليفتية السوداء وركب من طبقة الأشرفية ~~بقلعة الجبل والأمراء مشاة بين يديه إلى أن نزل على باب القصر، ودخل وجلس ~~على تخت الملك، وقبلت الأمراء الأرض بين يديه، وخلع على الخليفة المعتضد ~~بالله داود، وعلى من له عادة بالخلع في مثل هذا اليوم. وتم أمره، ونودي ~~باسمه وسلطنته بالقاهرة ومصر، من غير أن يأمر للمماليك السلطانية بنفقة كما ~~هي عادة الملوك، وهذا كان من ms2969 أوائل سعد ناله فإننا لم نعلم أحدا من الملوك ~~التركية تسلطن ولم ينفق إلا برسباي هذا. انتهى. قلت: والأشرف هذا هو ~~السلطان الثاني والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، والثامن ~~من الجراكسة وأولادهم. وأصل الملك الأشرف هذا جاركسي الجنس، وجلب من البلاد ~~فاشتراه الأمير دقماق المحمدي الظاهري نائب ملطية، وأقام عنده مدة، ثم قدمه ~~إلى الملك الظاهر برقوق في عدة مماليك أخر، ولتقدمته سبب، وهو أن الأمير ~~تنبك اليحياوي الأمير آخور الكبير بلغه أن الأمير دقماق آشترى أخاه من بعض ~~التجار، وكان أخوه يسمى طيبرس، فوقف الأمير تيبك إلى الملك الظاهر برقوق ~~وطلب منه أن يرسل يطلب أخاه من دقماق، فرسم السلطان بذلك، وكتب لدقماق ~~مرسوما شريفا بإحضار طيبرس المذكور. وقبل أن يخرج القاصد إلى دقماق وقف ~~الأمير علي باي الظاهري الخازندار، صاحب الوقعة أيضا، إلى السلطان وذكر له ~~أن أخته أيضا عند الأمير دقماق، فكتب السلطان بإحضارها أيضا. وسار البريدي ~~من مصر إلى دقماق بذلك، فامتثل دقماق المرسوم الشريف، وأراد إرسال طيبرس ~~المذكور، فقال لى دواداره: ما تريد تفعل، فقال: أرسل المملوك الذي طلبه ~~أستاذي إليه، فقال دوداره: لا يمكن إرساله وحده، جهز معه عدة مماليك وتقدمة ~~هائلة، وابعث بالمطلوب في ضمنها، فأعجب دقماق ذلك، وجهز نحو ثمانية عشر ~~مملوكا صحبة طيبرس المذكور من جملتهم برسباي هذا وتمراز القرمشي أمير سلاح، ~~وأشياء أخر من أنواع الفرو والقماش والخيل والجمال، ثم اعتذر دقماق عن ~~إرسال الجارية أنها حامل منه، والجارية هي الست أردباي أم ولد دقماق، وزوجة ~~الأمير تمراز القرمشي أمير سلاح في دولة الملك الظاهر جقمق المتوفى سنة ~~ثلاث وخمسين وثمانمائة، وتوفيت هي أيضا بعده بأيام، وكلاهما بالطاعون. فسار ~~البريدي بالمماليك والتقدمة من ملطية إلى الديار المصرية، فوصلها بعد موت ~~الأمير تنبك اليحياوي المذكور، وقد استقر عوضه في الأمير آخورية الأمير ~~نوروز الحافظي، فقبل الملك الظاهر برقوق، التقدمة وفرق المماليك على ~~الأطباق، فوقع برسباي هذا بطبقة الزمامية إنيا للأمير جاركس القاسمي ~~المصارع، وتمراز القرمشي إنيا ليلبغا الناصري، فدام ms2970 برسباي بالطبقة مدة ~~يسيرة وأعتقه السلطان، وأخرج له خيلا في عدة كبيرة من المماليك السلطانية. ~~PageV04P0102 # وسبب سياقنا لهذه الحكاية أن قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر رحمه الله ~~نسبه أنه عتيق دقماق، وليس الأمر على ما نقله، وهو معذور فيما نقله لبعده ~~عن معرفة اللغة التركية ومداخلة الأتراك، وقد اشتهر أيضا بالدقماقي فظن أنه ~~عتيق دقماق، ولم يعلم أن نسبته بالدقماقي، كما أن نسبة الوالد رحمه الله ~~بالبشبغاوي، والملك المؤيد شيخ بالمحمودي، ونوروز بالحافظي، وجكم نائب حلب ~~بالعوضي، ودمرداش بالمحمدي وغيرهم إنما هي من باب نسبتهم إلى مالكيهم وليس ~~إلى معتقيهم. وقد وقفت على هذه المقالة في حياته على خطه، ولم أعلم أن الخط ~~خطه، فإنه كان رحمه الله يكتب ألوانا، وكتبت على حاشية الكتاب وبينت خطأه، ~~وأنا أظن أن الخط خط ابن قاضي شهبة. وعاد الكتاب إلى أن وقع في يد قاضي ~~القضاة ابن حجر، فنظر إلى خطي وعرفه، واعترف بأنه وهم في ذلك. وكان صاحبنا ~~الحافظ قطب الدين محمد الخيضري حاضرا، فذكر لي ما وقع، فركبت في الحال، وهو ~~معي، وتوجهنا إلى السيفي طوغان الدقماقي، وهو من أكابر مماليك دقماق، ~~وسألته عن الملك الأشرف سؤال استفهام، فقال: هو عتيق الملك الظاهر برقوق ~~وقدمه أستاذنا إليه، ثم حكى له ما حكيته من سبب إرساله. ثم عدنا، وأرسلت ~~أيضا خلف جماعة من مماليك دقماق، لأن أغلبهم كان خدم عند الوالد بعد موت ~~دقماق، فالجميع قالوا مثل قول طوغان الدقماقي. فتوجه قطب الدين المذكور، ~~وعرفه هذا كله، فأنصف غاية الإنصاف، وأصلح ما عنده. ثم ذاكرت أنا قاضي ~~القضاة المذكور فيما بعد، وعرفته أن دقماق قدمه في أوائل أمره، وأن برسباي ~~صار ساقيا في دولة الملك المنصور عبد العزيز، معدودا من أعيان الدولة، ~~يتقاضى حوائج دقماق بالديار المصرية، ثم خرج برسباي عن طاعة الملك الناصر ~~فرج، مع الأمير إينال باي بن قجماس إلى البلاد الشامية وبقي من أعيان ~~القوم، كل ذلك ودقماق في قيد الحياة بعد سنة ثمان وثمانمائة. وكان لما قدم ms2971 ~~دقماق إلى مصر نزل عند برسباي هذا، وبرسباي المذكور يخاطبه تارة يا خوند ~~وتارة يا أغاة. ثم عرفته بأن ولد دقماق الناصري محمدا من جملة أصحابي، وأن ~~والدته الست أردباي زوجة الأمير تمراز القرمشي أمير سلاح. قلت: وعلى كل حال ~~إن هذا الوهم هو أقرب للعقل من مقالة المقريزي في الملك الظاهر ططر إن ~~الملك الناصر فرجا أعتقه بعد سنة ثمان في سلطنته الثانية وأيضا أحسن مما ~~قاله المقريزي في حق الملك الأشرف برسباي، هذا بعد وفاته في تاريخه السلوك، ~~في وفيات سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وقد رأيت أن السكات عن ذكر ما قاله ~~في حقه أليق، والإضراب عنه أجمل لما وصفه به من الألفاظ الشنيعة القبيحة ~~التي يستحى من ذكرها في حق كائن من كان. انتهى. وقد خرجنا عن المقصود، ~~ولنعد إلى ما نحن بصدده من ذكر الملك الأشرف برسباي فنقول: واستمر الملك ~~الأشرف من جملة المماليك السلطانية إلى أن صار خاصكيا، ثم صار ساقيا في ~~سلطنة الملك المنصور عبد العزيز ابن الملك الظاهر برقوق ثم خرج مع الأمير ~~إينال باي بن قجماس من الديار المصرية، مباينا للملك الناصر فرج، إلى ~~البلاد الشامية ثم انضم مع الأميرين شيخ ونوروز وتقلب معهما في أيام تلك ~~الفتن، ولا زال معهما إلى أن قتل الملك الناصر فرج، وقدم إلى القاهرة صحبة ~~الأمير الكبير شيخ المحمودي، فأنعم عليه الأمير شيخ المذكور بإمرة عشرة، ثم ~~نقله إلى إمرة طبلخاناه بعد سلطنته، فدام على ذلك سنين إلى أن نقله إلى ~~إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ثم ولاه كشف التراب بالغربية من ~~أعمال القاهرة، إلى أن طلبه الملك المؤيد شيخ وولاه نيابة طرابلس بعد عزل ~~الأمير بردبك قصقا الخليلي عنها، وذلك في يوم الاثنين ثالث عشرين شهر ربيع ~~الآخر سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. ولما ولي نيابة طرابلس كان في خدمته ~~جماعة من مماليك الوالد رحمه الله من جملتهم شخص يسمى سودون، فطلبه أن ~~يتوجه معه إلى طرابلس، فقال سودون: أنا ما أخلي جامع طولون وأتوجه ms2972 إلى ~~طرابلس فتوجه معه خشداشاه أزدمر وجرباش. فلما تسلطن الأشرف، بعد أمور ~~نذكرها، جعل أزدمر المذكور ساقيا، وندم سودون على مفارقته. انتهى. ~~PageV04P0103 # وتوجه برسباي المذكور إلى نيابة طرابلس، ومعه سودون الأسندمري، وقد استقر ~~أتابك طرابلس. وأقام بطرابلس مدة إلى أن واقع التركمان الإينالية والبياضية ~~والأوشرية على صافيتا من عمل طرابلس، وكانوا حضروا إلى الناحية المذكورة ~~جافلين من قرا يوسف، وأفسدوا بالبلاد، فنهاهم الأمير برسباي المذكور فلم ~~ينتهوا، فركب عليهم وقاتلهم في يوم الثلاثاء سادس عشرين شعبان من سنة إحدى ~~وعشرين المذكورة، فقتل بينهم خلق كبير، منهم: الأمير سودون الأسندمري أتابك ~~طرابلس، وانهزم باقيهم عراة، فغضب الملك المؤيد، ورسم بعزله عن نيابة ~~طرإبلس واعتقاله بقلعة المرقب، وولى سودون القاضي نيابة طرابلس عوضه. فدام ~~برسباي، في سجن المرقب مدة إلى أن كتب الملك المؤيد بالإفراج عنه في ~~العشرين من المحرم سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، وأنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بدمشق، كل ذلك بسعي الأمير ططر في أمره، فاستمر بدمشق إلى أن ~~مات الملك المؤيد. وخرج جقمق عن طاعة ططر، وقبض على برسباي المذكور، وسجنه ~~بقلعة دمشق إلى أن أطلقه الأتابك ألطنبغا القرمشي. وخرج إلى ملاقاة الأمير ~~ططر لما قدم دمشق، وانضم عليه إلى أن خلع عليه ططر باستقراره دوادارا كبيرا ~~بعد الأمير على باي المؤيدي، فلم تطل أيامه في الدوادارية. ومات ططر بعد أن ~~جعله لالا لولده الملك الصالح محمد، وجعل جاني بك الصوفي الآتابك مدبر ~~مملكة ولده الصالح المذكور، ووقع ما حكيناه في ترجمة الملك الصالح من ~~واقعته مع جاني بك الصوفي، ثم مع طرباي، ثم من خلعه الملك الصالح وسلطنته. ~~ولما تم أمر الملك الأشرف برسباي هذا في السلطنة، وأصبح يوم الخميس تاسع ~~شهر ربيع الآخر خلع على الأمير بيبغا المظفري أمير سلاح باستقراره أتابك ~~العساكر بالديار المصرية عوضا عن الأمير طرباي، وكانت شاغرة من يوم أمسك ~~طرباي، وخلع على الأمير قجق العيساوي أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا ~~عن بيبغا المظفري، وخلع على الأمير آقبغا التمرازي باستقراره أمير ms2973 مجلس ~~عوضا عن الأمير قجق. وأول ما بدأ به الأشرف في سلطنته أنه منع الناس كافة ~~من تقبيل الأرض بين يديه، فامتنعوا من ذلك. وكانت هذه العادة، أعني عن ~~تقبيل الأرض، جرت بالديار المصرية من أيام المعز معد أول خلفاء بني عبيد ~~بمصر المقدم ذكره في هذا الكتاب، وبقيت إلى يوم تاريخه، وكان لا يعفي أحدا ~~عن تقبيل الأرض، والكل يقبل الأرض: الوزير والأمير والمملوك وصاحب القلم ~~ورسل ملوك الأقطار، إلا قضاة الشرع وأهل العلم وأشراف الحجاز، حتى لو ورد ~~مرسوم السلطان على ملك من نواب السلطان قام على قدميه وخر إلى الأرض وقبلها ~~قبل أن يقرأ المرسوم، فأبطل الملك الأشرف ذلك وجعل بدله تقبيل اليد. فمشى ~~ذلك أياما بطل، وعاد تقبيل الأرض لكن بطريق أحسن من الأولى فإن الأولى كان ~~الشخص يخر إلى الأرض حتى يقبلها كالساجد، والآن صار الرجل ينحني كالراكع ~~ويضع أطراف أصابع يده على الأرض كالمقبل، ثم يقوم ولا يقبل الأرض بفمه أبدا ~~بل ولا يصل بوجهه إلى قريب الأرض، فهذا على كل حال أحسن مما كان أولا بلا ~~مدافعة، فعد ذلك من حسنات الملك الأشرف برسباي. ثم في يوم الثلاثاء رابع ~~عشر شهر ربيع الآخر المذكور خلع السلطان الملك الأشرف على الأمير تنبك ~~العلائي ميق نائب الشام خلعة السفر، وتوجه إلى محل كفالته. ومن خرق العادات ~~أيضا في سلطنة الملك الأشرف أنه لما تسلطن لم ينفق على المماليك السلطانية، ~~وأعجب من ذلك أنه ما طولب بها، وهذا أغرب وأعجب. ثم رسم السلطان الملك ~~الأشرف، في يوم الخميس ثامن جمادى الأولى، ونودي بذلك في القاهرة، بأن لا ~~يستخدم أحد من اليهود ولا من النصارى في ديوان من دواوين السلطان والأمراء، ~~وصمم الأشرف على ذلك، فلم يسلم من بعض عظماء الأقباط من مباشري الدولة، ولم ~~يتم ذلك. ثم قدم الخبر على السلطان بكثرة الوباء ببلاد حلب وحماة وحمص في ~~عشر جمادى الآخرة. ورسم السلطان فنودي بسفر الناس إلى مكة في شهر رجب، ~~فكثرت المسرات بذلك لبعد العهد ms2974 بسفر الرجبية. ثم جلس السلطان للحكم بين ~~الناس كما كان الملك المؤيد ومن قبله، وصار يحكم في يومي السبت والثلاثاء ~~بالمقعد من الإسطبل السلطاني. ثم كتب السلطان إلى الأمير تنبك البجاسي نائب ~~حلب أن يتوجه إلى بهسنا لحصار تغري بردي المؤيدي المعزول عن نيابة حلب. ~~PageV04P0104 # ثم في شهر رجب، ورد الخبر على السلطان بخروج الأمير إينال نائب صفد عن ~~الطاعة. وكان سبب خروجه عن الطاعة أنه كان من جملة مماليك الملك الظاهر ~~ططر، رباه صغير، ثم ولاه نيابة قلعة صفد بعد سلطنته، فلما قام الملك الأشرف ~~بعد الملك الظاهر ططر بالأمر ولى إينال المذكور نيابة صفد، وبلغه خلع ابن ~~أستاذه الملك الصالح محمد من السلطنة، فشق عليه ذلك، وأخذ في تدبير أمره، ~~واتفق مع جماعة على العصيان، وخرج عن الطاعة، وأفرج عمن كان محبوسا بقلعة ~~صفد، وهم: الأمير يشبك أنالي المؤيدي الأستادار ثم رأس نوبة النوب، والأمير ~~إينال الجكمي أمير سلاح ثم نائب حلب، والأمير جلبان أمير آخور أحد مقدمي ~~الألوف، وقبض على من خالفه من أمراء صفد وأعيانها. ففي الحال كتب السلطان ~~الملك الأشرف للأمير مقبل الحسامي الدوادار حاجب حجاب دمشق باستقراره في ~~نيابة صفد، وأن يستمر إقطاع الحجوبية بيده حتى يتسلم صفد، ثم كتب إلى ~~الأمير تنبك ميق نائب الشام أن يخرج بعسكر دمشق لقتال إينال المذكور. ~~وبينما السلطان في ذلك ورد عليه الخبر بوقعة كانت بين الأمير يونس الركني ~~نائب غزة وبين عرب جرم، وأن يونس المذكور انهزم وقتل عدة من عسكره. ثم وردت ~~الأخبار بكثرة الفتن في بلاد الصعيد. ثم ورد على السلطان كتاب الأمير تنبك ~~ميق نائب الشام بمجيء الأمير إينال الجكمي، ويشبك أنالي، وجلبان أمير آخور ~~إليه من صفد طائعين للسلطان، فدقت البشائر لذلك. وفي سابع عشرين شهر رجب ~~قدم الأمير فارس نائب الإسكندرية إلى القاهرة بطلب، وخلع عليه باستمراره ~~على إمرته وإقطاعه بمصر، وهي تقدمه ألف بالديار المصرية. وخلع على الأمير ~~أسندمر النوري الظاهري برقوق أحد أمراء الألوف باستقراره في نيابة ~~الإسكندرية عوضا ms2975 عن فارس المذكور. ولما كان يوم الخميس رابع شعبان، الموافق ~~لتاسع عشرين أبيب، أوفى النيل ستة عشر ذراعا، وهذا من النوادر من الوفاء ~~قبل مسرى بيومين، فتباشر الناس بكعب الملك الأشرف برسباي. ثم في يوم ~~الثلاثاء سادس عشر شعبان المذكور أخرج الملك المظفر أحمد الملك المؤيد شيخ ~~وأخوه من قلعة الجبل نهارا وحملا في النيل إلى الإسكندرية. وفي هذا الشهر ~~كثر عبث الإفرنج بسواحل المسلمين، وأخذوا مركبا للتجار ميناء الإسكندرية ~~فيها بضائع بنحو مائة ألف دينار، فشق ذلك على الملك الأشرف إلى الغاية مع ~~شغله بنائب صفد. ثم في حادي عشرين شهر رمضان خلع السلطان على الأمير أيتمش ~~الحضري الظاهري باستقراره أستادارا عوضا عن أرغون شاه النورزي الأعور. وقدم ~~عليه الخبير بتوجه عسكر الشام مع الأمير مقبل إلى جهة صفد، وأنه مستمر على ~~حصار صفد فسر السلطان بذلك. وكتب إلى نائب الشام بالقبض على الأمير إينال ~~الجكمي ويشبك أنالي وجلبان وحبسهم بقلعة دمشق. ثم في سابع عشرين شوال قدم ~~الخبر على السلطان بأخذ صفد. وقدم من صفد ثلاثون رجلا في الحديد ممن أسر من ~~أصحاب إينال نائب صفد، فرسم السلطان بقطع أيديهم فقطعوا الجميع إلا واحدا ~~منهم فإنه وسط. وأخرج الذين قطعت أيديهم من القاهرة من يومهم إلى البلاد ~~الشامية، فمات عدة منهم بالرمل، ولم يشكر الملك الأشرف على ما فعله من قطع ~~أيدي هؤلاء. وكان من خبر هؤلاء وإينال نائب صفد أنه لما قدم عليه الأمير ~~مقبل الدوادار بعساكر دمشق انهزم إلى قلعة صفد إلى يوم الاثنين رابع شوال، ~~فنزل إليه إينال بمن معه، بعد أن ترددت الرسل بينهم أياما كثيرة، فتسلم ~~أعوان السلطان قلعة صفد في الحال. وعندما نزل إينال أمر الأمير مقبل أن ~~تفاض عليه خلعة السلطان ليتوجه أميرا بطرابلس، وكان قد وعد ذلك لما ترددت ~~الرسل بينهم وبينه مرارا حتى استقر الأمر على أن يكون إينال المذكور من ~~جملة أمراء طرابلس، وكتب له السلطان أمانا ونسخة يمين فانخدع الخمول ونزل ~~من القلعة، فما هو إلا أن ms2976 قام بلبس الخلعة وإذا هم أحاطوا به وقيدوه ~~وعاقبوه أشد عقوبة على إظهار المال، ثم قتلوه وقتلوا معه مائة رجل ممن كان ~~معه بالقلعة، وعلقوهم بأعلاها، ثم أرسلوا بهذه الثلاثين الذين قطعت أيديهم. ~~ثم بعد ذلك بأيام ورد الخبر بأن الأمير تغري بردي المؤيدي سلم قلعة بهسنا ~~ونزل بالأمان فأخذه تنبك البجاسي، وقيده وحمله إلى قلعة حلب فسجنه بها. ~~وزال ماكان بالملك الأشرف من جهة صفد وبهسنا، وهدأ سره واطمأن خاطره. ~~PageV04P0105 # ثم في يوم الاثنين ثاني ذي القعدة ركب السلطان من قلعة الجبل إلى مطعم ~~الطيور بالريدانية خارج القاهرة ولبس به قماش الصوف برسم الشتاء على عادة ~~الملوك. ثم عاد إلى القاهرة من باب النصر، ورأى عمارته بالركن المخلق، وخرج ~~من باب زويلة إلى القلعة، ونثر عليه الدنانير والدراهم وهذه أول ركبة ركبها ~~من يوم تسلطن. ثم في يوم الخميس خامس ذي القعدة عزل السلطان أيتمش الخضري ~~عن الأستادارية وأعيد إليها أرغون شاه النوروزي ولم تشكر سيرة أيتمش لشدة ~~ظلمه، مع عجزه عن القيام بالكلف السلطانية. ثم في يوم الخميس رابع ذي الحجة ~~اختفى الوزير تاج الدين عبد الرزاق ابن كاتب المناخ فخلع السلطان على أرغون ~~شاه الأستادار وأضيف إليه الوزر في يوم الاثنين ثامن ذي الحجة. ثم خلع ~~السلطان على القاضي علم الدين صالح ابن الشيخ سراج الدين عمر البلقيني ~~باستقراره قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية عوضا عن ولي الدين أبو زرعة ~~العراقي بحكم عزله. ثم في المحرم أنعم السطان على مملوكه جانبك الخازندار ~~بإمرة طبلخاناه من جملة إقطاع الأمير فارس المعزول عن نيابة الإسكندرية بعد ~~موته. ثم رسم السلطان بطلب الأمير إينال النوروزي نائب طرابس، فحضر إلى ~~القاهرة في يوم الاثنين سادس عشرين صفر من سنة ست وعشرين وثمانمائة، وطلع ~~إلى القلعة فأكرمه السلطان. وخلع على الأمير قصروه من تمراز الأمير آخور ~~الكبير باستقراره في نيابة طرابلس عوضا عن إينال النوروزي المقدم ذكره، ~~وأنعم على الأمير إينال المذكور بإقطاع الأمير قصروه، وإينال المذكور هو ~~صهري زوج كريمتي. وأخذ ms2977 الأمير قصروه في إصلاح شأنه إلى أن خلع السلطان عليه ~~خلعة السفر في يوم ثاني عشر صفر، وخرج من يومه، ولم يستقر أحد في الأمير ~~آخورية الكبرى. ثم في يوم الثلاثاء خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة ست ~~وعشرين ثارت ريح مريسية طول النهار، فلما كان قبل الغروب بنحو ساعة ظهر في ~~السماء صفرة من عند غروب الشمس كست الجو والجدران والأرض بالصفرة، ثم أظلم ~~الجو حتى صار النهار مثل وقت العتمة، فما بقي أحد إلا واشتد فزعه، ولهجت ~~العامة بأن القيامة تقوم. فلما كان بعد ساعة وهو وقت الغروب أخذ الظلام ~~ينجلي قليلا قليلا ويعقبه ريح عاصف حتى كادت المباني تتساقط منه. وتمادى ~~ذلك طول ليلة الأربعاء، فرأى الناس أمرا مهولا مزعجا من شدة هبوب الرياح ~~والظلمة التي كانت في النهار. وعمت هذه الظلمة أرض مصر حتى وصلت دمياط ~~والإسكندرية وجميع الوجه البحري وبعض بلاد الصعيد، ورأى بعض من يظن به ~~الخير والصلاح في منامه كأن قائلا يقول له: لولا شفاعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأهل مصر لأهلكت هذه الريح الناس، ولكنه شفع فيهم فحصل اللطف. ~~قلت: لم أر قبلها مثلها ولا بعدها مثلها. وكان هذا اليوم من الأيام المهولة ~~التي لم يدركها أحد من الطاعنين في السن انتهى. ثم في يوم الاثنين ثاني شهر ~~ربيع الآخر ركب السلطان من قلعة الجبل وعدى النيل إلى بر الجيزة، وأقام ~~بناحية وسيم، حيث مربط الخيول على الربيع، بأمرائه ومماليكه يتنزه، وأقام ~~به سبعة أيام والخدمة تعمل هناك إلى أن عاد في تاسعه، وأقام بالقلعة إلى ~~يوم الخميس سادس عشرين شهر ربيع الآخر المذكور فوصل فيه الأمير تنبك ~~البجاسي نائب حلب إلى القاهرة وطلع إلى السلطان، وقبل الأرض بين يديه على ~~ما قرره الملك الأشرف في أول سلطنته، ثم خلع السلطان عليه خلعة الاستمرار ~~وأنزله بمكان ورتب له ما يليق به. وأقام تنبك إلى يوم الخميس ثالث جمادى ~~الأولى، وخلع السلطان عليه خلعة السفر، وخرج من يومه إلى محل كفالته ms2978 بحلب. ~~ثم في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الأولى المذكورة خلع السلطان على الأمير ~~جقمق العلائي حاجب الحجاب باستقراره أمير آخور كبيرا عوضا عن قصروه المنتقل ~~إلى نيابة طرابلس، وكانت شاغرة من يوم ولي قصروه نيابة طرابلس إلى يومنا ~~هذا. ثم ورد الخبر في جمادى الآخرة بعظم الوباء بدمشق، وأنه وصل إلى غزة. ~~PageV04P0106 # واستمر السلطان ولم يكن عنده ما يشوش عليه في جميع أشيائه إلى أن كان يوم ~~الجمعة سابع شعبان ورد الخبر على السلطان بأن الأمير الكبير جاني بك الصوفي ~~فر من الإسكندرية من البرج الذي كان مسجونا به، وخرج من الثغر المذكور ولم ~~يفطن به أحد. فلما سمع السلطان هذا الخبر كادت نفسه أن تزهق، وقامت قيامته، ~~ومن يومئذ حل بالناس من البلاء والعقوبات والهجم على البيوت ماسنذكره في ~~طول سلطنته. وتنغص عيش الأشرف من يوم بلغه الخبر، واستوحش من جماعة كبيرة ~~من أمرائه، وأمسكهم ونفى منهم آخرين، حسبما نذكر ذلك كله في وقته. ثم في ~~يوم الخميس العشرين من شعبان خلع السلطان على الأمير جرباش الكريمي المعروف ~~بقاشق باستقراره حاجب الحجاب بالديار المصرية عوضا عن جقمق العلائي بحكم ~~انتقال جقمق أمير آخور كبيرا، وكانت الحجوبية شاغرة عن جقمق من يوم ولي ~~الأمير آخورية. وفيه رسم السلطان بانتقال الأمير تنبك البجاسي نائب حلب إلى ~~نيابة دمشق عوضا عن الأمير تنبك ميق بحكم وفاته، واستقر الأمير جارقطلو ~~الظاهري نائب حماة في نيابة حلب عوضا عن تنبك البجاسي. وكان جارقطلو أيضا ~~ولي نيابة حماة عن تنبك البجاسي كما تقدم ذكره وكذا وقع أيضا في الدولة ~~المؤيدية أنه بعد عصيان تنبك البجاسي مع قاني باي نائب الشام وتوجهه إلى ~~بلاد الشرق ولي جارقطلو نيابة حماة بعده أيضا. والعجب أن جارقطلو كان أغاة ~~تنبك البجاسي، فكانا إذا اجتمعا في مهم سلطاني لا يجلس تنبك البجاسي من ~~ناحية جارقطلو لئلا يجلس فوقه حياء منه. انتهى. وتولى الأمير جلبان أمير ~~آخور المؤيد، وهو يوم ذاك أحد مقدمي الألوف بدمشق، نيابة حماة عوضا عن ~~جارقطلو. ms2979 وتوجه الأمير جاني بك الخازندار الأشرفي في ثامن عشرين شعبان ~~المذكور بتقاليد المذكورين وتشاريفهم الجميع. وكان هذا الأمر يتوجه فيه ~~ثلاثة من أعيان الأمراء، فأضاف الأشرف جميع ذلك لجاني بك، كونه كان خصيصا ~~عنده رباه من أيام إمرته، فعاد إلى مصر ومعه من الأموال جملة مستكثرة. ثم ~~في يوم الاثنين ثاني شهر رمضان، الموافق لسادس عشر مسري، أوفى النيل ستة ~~عشرة ذراعا، فنزل المقام الناصري محمد ابن السلطان برسباي في وجوه الأمراء ~~وأعيان الدولة حتى خلق المقياس، وفتح خليج السد على العادة وهو أول نزوله ~~إلى ذلك. وكان في العام الماضي توئى ذلك الأمير الكبير بيبغا المظفري. وفيه ~~أخرج السلطان الأمير سودون الأشقر الظاهري رأس نوبة النوب، كان في دولة ~~الملك الناصر، ثم أمير مجلس فى دولة الملك المؤيد، وهو يومئذ أمير عشرين ~~بمصر، منفيا إلى القدس، ثم شفع فيه فأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~بدمشق، وأنعم بإمرته على شريكه الأمير كزل العجمي الأجرود الذي كان حاجب ~~الحجاب في الدولة الناصرية فرج، فصار من جملة الطبلخانات، والإقطاع المذكور ~~هو ناحية ميمون بالوجه القبلي. وفيه ندب السلطان عدة أمراء إلى السواحل ~~لورود الخبر بحركة الفرنج، فتكامل خروجهم في ثامن عشرين شهر رمضان المذكور. ~~وكان الذي توجه منهم من مقدمي الألوف إلى ثغر الإسكندرية الأمير آقبغا ~~التمرازي أمير مجلس. ثم في يوم الخميس عاشر شوال خلع السلطان علي جمال ~~الدين يوسف بن الصفي الكركي، واستقر كاتب السر الشريف بالديار المصرية بعد ~~موت علم الدين داود بن الكويز. قال الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله ~~تعالى: فأذكرتني ولايته بعد ابن الكويز قول أبي القاسم خلف الألبيري ~~المعروف بالسميسر، وقد هلك وزير يهودي لباديس بن حبوس الحميري أمير غرناطة ~~من بلاد الأندلس فاستوزر بعد اليهودي وزيرا نصرانيا، فقال: الخفيف، كل يوم ~~إلى ورا ... بدل البول بالخرا فزمانا تهودا ... وزمانا تنصرا وسيصبو إلى ~~المجو ... س إذا الشيخ عمرا PageV04P0107 # قال: وقد كان أبو الجمال هذا من نصارى الكرك، وتظاهر بالإسلام في واقعة ~~كانت للنصارى، هو ms2980 وأبو علم الدين داود بن الكويز، وخدم كاتبا عند قاضي ~~الكرك عماد الدين أحمد المقيري، فلما قدم عماد الدين إلى القاهرة وصل أبو ~~جمال الدين هذا في خدمته، وأقام ببابه حتى مات وهو بائس فقير، لم يزل دنس ~~الثياب مغتم الشكل، وابنه جمال الدين هذا معه في مثل حاله. ثم خدم جمال ~~الدين هذا بعد موت القاضي عماد الدين عند التاجر برهان الدين إبراهيم ~~المحلي كاتبا لدخله وخرجه، فحسنت حاله وركب الحمار. ثم سار بعد المحلي إلى ~~بلاد الشام وخدم بالكتابة هناك، حتى كانت أيام الملك المؤيد شيخ، فولاه علم ~~الدين بن الكويز نظر الجيش بطرابلس، فكثر ماله بها. ثم قدم في آخر أيام ابن ~~الكويز إلى القاهرة، فلما مات ابن الكويز وعد بمال كبير حتى ولي كتابة السر ~~بالديار المصرية، فكانت ولايته من أقبح حادثة رأيناها، انتهى كلام المقريزي ~~برمته. قلت: وعد ولاية هذا الجاهل لمثل هذه الوظيفة العظيمة من غلطات الملك ~~الأشرف وقبح جهله، فإنه لو كان عند الملك الأشرف معرفة وفضيلة لانتظر حتى ~~يرد عليه كتاب من بعض ملوك الأقطار يشتمل على نثر ونظم وفصاحة وبلاغة، ~~وأراد الأشرف من كاتب سره أن يجيب عن ذلك بأحسن منه أو بمثله، كما كان ~~يفعله الملك الناصر محمد بن قلاوون وغيره من عظماء الملوك، لعلم تقصير من ~~ولاه لهذه الوظيفة، ولاحتاج لعزله في الحال ولولاية غيره ممن يصلح، لئلا ~~يظهر في ملكه بعض تقصير ووهن لأنه يقال في الأمثال تعرف شهامة الملك وعظمته ~~من ثلاث: كتابه، ورسله، وهديته، فهذا شأن من يكون له شهامة وعلو همة من ~~الملوك. وأما الذي بخلاف ذلك فسد بمن شئت وول من كان بالبذل، ولو كان حارس ~~مقات. ولهذا المقتضى ذهبت الفنون، واضمحلت الفضائل، وسعى الناس في جمع ~~المال حيث علموا أن الرتب صارت معذوقة بالباذل لا بالفاضل، وهذا على مذهب ~~من قال: الكامل، المال يستر كل عيب في الفتى ... والمال يرفع كل وغد ساقط ~~فعليك بالأموال فاقصد جمعها ... واضرب بكتب الفضل بطن الحائط انتهى. ms2981 ثم كتب ~~السلطان باستقرار الأمير آقبغا التمرازي أمير مجلس في نيابة الإسكندرية ~~عوضا عن الأمير أسندمر النوري الظاهري برقوق، وقدم أسندمر المذكور من ~~الإسكندرية إلى القاهرة في رابع عشر شوال وقبل الأرض، ونزل إلى داره، وكان ~~بيده إمرة مائة وتقدمة ألف زيادة على نيابة الإسكندرية. وبعد نزوله أرسل ~~السلطان خلف السيفي يلخجا من مامش الساقي الناصري وأمره أن يأخذ الأمير ~~أسندمر هذا ويتوجه به إلى ثغر دمياط بطالا، وكان ذنب أسندمر المذكور تفريطه ~~في أمر جاني بك الصوفي حتى فر من سجنه، ولولا أن أسندمر المذكور كان من ~~أغوات الملك الأشرف المذكور ومن أكابر إنيات الأمير جاركس القاسمي المصارع ~~لكان له معه شأن آخر. ثم في تاسع عشر شوال خرج محمل الحاج صحبة أمير الحاج ~~الطواشي إفتخار الدين ياقوت الأرغون شاوي الحبشي مقدم المماليك السلطانية، ~~وهذه ثاني سفرة سافرها بالمحمل، وكان أمير حاج الأول الأمير إينال الششماني ~~الناصري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وحججت أنا أيضا في هذه السنة. ثم في ~~سابع عشرين شوال أمسك السلطان الأمير أرغون شاه النوروزي الأستادار والوزير ~~لعجزه عن القيام بجوامك المماليك السلطانية مع ظلمه وعسفه. ثم أصبح السلطان ~~في يوم الاثنين ثامن عشرينه خلع على ناصر الدين محمد بن شمس الدين محمد بن ~~موسى المعروف بابن المرداوي والمعروف بابن بولي، والعامة تسميه ابن أبي ~~والي، باستقراره أستادارا عوضا عن أرغون شاه المذكور، وعوقب أرغون شاه بين ~~يدي السلطان. PageV04P0108 # وخبر ابن بولي هذا وأصله أنه كان أبوه من حجة ومردة من أعمال الشام، وسكن ~~القدس، وصار من جملة التجار، وولد له ابنه هذا فتزيا بزي الجند وخدم من ~~جملة الأجناد البلاصية عند الأمير أرغون شاه المذكور أيام أستاداريته ~~لنوروز، ثم تنقل إلى أن صار أستادار الأمير جقمق الدوادار، وصادره جقمق ~~وصرفه بعد أن كثر ماله. ثم خدم بعد ذلك في عدة جهات إلى أن طلب إلى مصر، ~~وألزم بحمل عشرين ألف دينار، فوعد أنه يحمل منها ثلاثة آلاف دينار ويمهل ~~فيما بقي عدة أيام. فلما ms2982 قبض السلطان على أرغون شاه المذكور سولت له نفسه ~~وزين له شيطانه أن يكون أستادارا ويسد المبلغ الذي ألزم بحمله من وظيفة ~~الأستادارية، فكان خلاف ما أمل، ونزل بالخلعة إلى بيت أرغون شاه المذكور ~~وعليه قماشه، ثم تسلم أرغون شاه وأدخله إلى داره المذكورة وهو في الحديد، ~~فرأى أرغون شاه من كان من جملة غلمانه قد جلس على مقعده وفي بيته، وتحكم ~~فيه وأخذ يعاقبه بحضرة من كان يخدمه بها فلما رأى ما حل به دمعت عيناه ~~وبكى، فكان في هذا الأمر عبرة لمن اعتبر. وفي هذا اليوم المذكور خلع ~~السلطان على الأمير إينال النوروزي المعزول عن نيابة طرابلس قبل تاريخه ~~باستقراره أمير مجلس عوضا عن آقبغا التمرازي، وكلاهما صهري وزوج إحدى ~~أخواتي. وفيه أيضا خلع السلطان على كريم الدين عبد الكريم ابن الوزير تاج ~~الدين عبد الرزاق بن كاتب المناخ باستقراره وزيرا وذلك في حياة والده. حكى ~~الصاحب كريم الدين قال: دخلت بخلعة الوزارة على والدي فقال لي: يا عبد ~~الكريم أنا وليت هذه الوظيفة ومعي خمسون ألف دينار ذهبت فيها ولم أسد، تسد ~~أنت من أين؟ قال فقلت: من أضلاع المسلمين، فضحك وحول وجهه عني. ثم في يوم ~~الخميس أول ذي القعدة قدم إلى القاهرة جماعة من إخوة السلطان وأقاربه من ~~بلاد الجاركس بعد أن خرج الأمراء إلى لقائهم، وكبير القوم يشبك أخو السلطان ~~الملك الأشرف. وفيه خرج من القاهرة الأمير قجق العيساوي أمير سلاح، والأمير ~~أركماس الظاهري أحد مقدمي الألوف، وزين الدين عبد الباسط بن خليل ناظر ~~الجيش إلى مكة على الرواحل حاجين. ثم في سادس عشر ذي القعدة المذكورة قدم ~~الأمير جاني بك الأشرفي الخازندار من الشام، بعد تقليد نائبها الأمير تنبك ~~البجاسي، فخلع السلطان عليه باستقراره دوادارا ثانيا عوضا عن الأمير قرقماس ~~الشعباني الناصري فرج بحكم استقراره أمير مائة ومقدم ألف وتوجهه أمير مكة. ~~ومن يومئذ عظم أمر جاني بك المذكور في الدولة حتى صار هو صاحب عقدها وحلها، ~~ونال من السعادة والوجاهة والحرمة في ms2983 الدولة ما لم ينله دوادار في عصره ولا ~~من بعده إلى يومنا هذا. وفي هذه الأيام اشتد طلب السلطان على جاني بك ~~الصوفي وقبض على بعض المماليك بسببه، وعوقب بعضهم حتى هلك. ثم أمسك السلطان ~~أصهار جاني بك الصوفي أولاد قطلوبك الأستادار، وعاقب بعض حواشيهم، هذا بعد ~~الهجم على بيوت جماعة كبيرة ممن يغمز عليهم بعض أعدائهم، فيحل على صاحب ~~البيت المذكور من البلاء والرجيف ما لا مزيد عليه، وتداول ذلك سنين، وهذا ~~أوله حسبما يأتي ذكره. ثم في ثامن عشرين ذي الحجة قدم مبشر الحاج وأخبر ~~بالأمن والرخاء وكثرة الأمطار، غير أن الشريف حسن بن عجلان لم يقابل أمير ~~الحاج، ونزح عن مكة لما أشيع أن السلطان يريد القبض عليه، فغضب السلطان ~~لذلك ورسم فنودي على المماليك البطالين ليجهزوا إلى التجريدة لقتال أشراف ~~مكة. ثم اشتغل السلطان عن ذلك بأمر جاني بك الصوفي، وأخذ فيما هو فيه من ~~كبس البيوت وإرداع الناس، وأيضا لما ورد عليه أن متملك الحبشة، وهو أبرم، ~~ويقال إسحاق بن داود بن سيف أرعد، قد غضب بسبب غلق كنيسة قمامة بالقدس، ~~وقتل عامة من كان في بلاده من رجال المسلمين، واسترق نساءهم وأولادهم، ~~وعذبهم عذابا شديدا، وهم ما في مملكته من المساجد، وركب إلى بلاد جبرت، ~~فقاتلهم حتى هزمهم، وقتل عامة من كان بها، وسبى نساءهم، وهم مساجدهم، فكانت ~~في المسلمين ملحمة عظيمة في هذه السنة لا يحصى فيها من قتل من المسلمين، ~~فاشتاط السلطان غضبا، وأراد قتل بطرك النصارى وجميع ما في مملكته من ~~النصارى ثم رجع عن ذلك. PageV04P0109 # ثم في يوم الاثنين ثاني المحرم من سنة سبع وعشرين وثمانمائة قدم الأمير ~~مقبل الحسامي الدوادار نائب صفد إلى القاهرة، وقبل الأرض بين يدي السلطان، ~~فخلع عليه باستقرار على عادته. وفي ثامن المحرم قدم الأمير قجق، وأركماس ~~الظاهري وعبد الباسط من الحج، وتأخر الأمير قرقماش الشعباني بالينبع، وأرسل ~~يطلب عسكرا ليقاتل به الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة ويستقر عوضه في إمرة ~~مكة، فنودي على ms2984 المماليك البطالة، وعين منهم جماعة مع حسين الكردي الكاشف ~~ليتوجه بهم إلى مكة. هذا وقد اشتغل سر السلطان بما أشيع من عصيان الأمير ~~تنبك البجاسي نائب دمشق، وصار خبر الإشاعة عنده هو الأهم، وأخذ يدبر في ~~القبض عليه قبل أن يستفحل أمره، وكتب عدة ملطفات لأمراء دمشق بالقبض عليه ~~هذا وقد قوي عند الملك الأشرف خروجه عن الطاعة، وبادر وخلع على الأمير ~~سودون من عبد الرحمن الدوادار في يوم الاثنين ثالث عشرين المحرم باستقراره ~~في نيابة دمشق عوضا عن تنبك البجاسي، فلبس سودون من عبد الرحمن الخلعة ونزل ~~من القلعة سائرا إلى دمشق على جرائد الخيل ولم يدخل إلى داره. وسار سودون ~~من عبد الرحمن إلى جهة دمشق، وقد تقدمته الملطفات بمسك تنبك المذكور. فلما ~~وقف أمراء دمشق على الملطفات، اتفق الجميع وركبوا بمن معهم وأتوا دار ~~السعادة في ليلة الجمعة رابع صفر، واستدعوا الأمير تنبك البجاسي المذكور ~~ليقرأ كتاب السلطان، فعلم بما هو القصد، وخرج من باب السر، وعليه السلاح، ~~في جميع مماليكه وحواشيه. فأقبل عليه الأمراء وقاتلوه حتى مضى صدر من نهار ~~الجمعة المذكور، ثم انهزموا منه أقبح هزيمة وتشتت شملهم، فتحصن منهم طائفة ~~بقلعة دمشق، ومضى منهم إلى الأمير سودون من عبد الرحمن، فوافوه وهو نازل ~~على صفد. واستولى تنبك المذكور على دمشق وقوي بأسه. وكان انضم عليه من ~~أمراء دمشق الأمير قرمش الأعور المقدم ذكره من أصحاب جاني بك الصوفي، ~~والأمير تمراز المؤيدي الخازندار وغيرهما من أمراء دمشق. ثم تجهز تنبك ~~البجاسي هو وأصحابه لما بلغهم قدوم سودون من عبد الرحمن، وخرج من دمشق ~~بجموعه في أسرع وقت، وسار حتى وافى الأمير سودون من عبد الرحمن وهو نازل ~~على جسر يعقوب في يوم الجمعة حادي عشر صفر، وقد قطع سودون من عبد الرحمن ~~الجسر لئلا يصل إليه تنبك المذكور. وكان سودون لما خرج من مصر بمماليكه ~~وسار إلى جهة دمشق حتى نزل على صفد وافاه الأمير مقبل الحسامي نائب صفد ~~وسارا معا حتى نزلا جسر يعقوب. ms2985 فلما بلغ سودون مجيء تنبك إليه جبن عن قتاله ~~وقطع الجسر، فقدم تنبك فلم يجد سبيلا لقتال سودون، فبات كل منهما من جهة، ~~وكلاهما لا يصل إلى الآخر بسوء، فباتوا يتحارسون إلى الصباح. فلما أصبح يوم ~~السبت ثاني عشر ضفر شرعوا يترامون بالنشاب نهارهم كله حتى حجز الليل بينهم، ~~فباتوا ليلة الأحد على تعبئتهم، وقد قوي أمر تنبك. وأصبح الأمير تنبك في ~~يوم الأحد ثالث عشرة راحلا إلى جهة الصبيبة في انتظار ابن بشارة ن يأتيه ~~بجموعه، وقد أرصد جماعة لسودون من عبد الرحمن بوطاقه، فكتب سودون من عبد ~~الرحمن بذلك إلى السلطان. ثم ركب سودون، بمن معه على جرائد الخيل وقصد ~~مدينة دمشق، وترك الأثقال في مواضعها مع نائب القدس، يوهم عسكر تنبك ~~البجاسي أنه مقيم بمكانه، وساق حتى دخل دمشق في يوم الأربعاء سادس عشر صفر ~~المذكور، وملك المدينة، وتمكن من قلعة دمشق. وبلغ الأمير تنبك البجاسي ذلك ~~فركب من وقته وساق حتى وافى سودون من عبد الرحمن بدمشق من يومه. وبلغ سودون ~~قدومه فخرج إليه وتلقاه بمن معه من عساكر دمشق بباب الجابية، وقاتلوه، فثبت ~~لهم تنبك البجاسي مع قلة عسكره وكثرة عساكرهم، وقاتلهم أشد قتال، والرمي ~~ينزل عليه من قلعة دمشق، وهو مع ذلك يظهر التجلد، إلى أن حرك فرسه في غرض ~~له فأصابته ضربة على كتفه حلته، فتقنطر عند ذلك عن فرسه، فتكاثروا عليه ~~وأخذوه أسييرا إلى قلعة دمشق ومعه نحو عشرين من أصحابه، وفر من كان معه من ~~الأمراء إلى حال سبيلهم، وكتب الأمير سودون من عبد الرحمن في الحال بجميع ~~ذلك إلى السلطان. PageV04P0110 # وأما الملك الأشرف فإنه بعد خروج سودون من عبد الرحمن أخذ ينتظر ما يرد ~~عليه من الأخبار في أمر تنبك، فقدم عليه كتاب سودون من عبد الرحمن من جسر ~~يعقوب أولا في يوم الأحد عشرين صفر، فعظم عليه هذا الخبر، وعزم على سفر ~~الشام. واضطرب الناس، ووقع الشروع في حركة السفر، وأحضرت خيول كثيرة من ~~مرابطها من الربيع. وبينما الناس ms2986 في ذلك قدم كتاب سودون من عبد الرحمن ~~الثاني من دمشق يتضمن النصر على تنبك البجاسي والقبض عليه وحبسه بقلعة ~~دمشق، فسر السلطان بذلك غاية السرور، ودقت البشائر، وكتب بقتل تيبك البجاسي ~~وحمل رأسه إلى مصر، وبالحوطة على موجوده، وتتبع حواشيه ومن كان معه من ~~أمراء دمشق. وهدأ سر السلطان من جهة دمشق، وبطلت حركة السفر، والتفت إلى ما ~~كان عليه أولا من الفحص على جاني بك الصوفي. فلما كان سابع عشرين صفر ~~المذكور نودي بالقاهرة ومصر على جاني بك الصوفي، ووعد من أحضره إلى السلطان ~~بألف دينار، وإن كان جنديا بإمرة عشرة، وهدد من أخفاه وظهر عنده بعد ذلك ~~بإحراق الحارة التي هو ساكن بها، وحلف المنادي على كل واحدة مما ذكرنا ~~يمينا عن السلطان. هذا بعد أن قوي عند السلطان الملك الأشرف أن جاني بك ~~الصوفي مختف بالقاهرة، ولو كان بالبلاد الشامية لظهر وانضم مع تنبك ~~البجاسي، وهو قياس صحيح. ثم التفت السلطان أيضا إلى أمر مكة. فلما كان يوم ~~الجمعة ثاني شهر ربيع الأول نودي بالقاهرة بالخروج إلى حرب مكة المشرفة ~~فاستشنع الناس هذه العبارة. ثم عين السلطان، جماعة من المماليك السلطانية، ~~وأنفق على كل واحد منهم أربعين دينارا. ثم في حادي عشرين شهر ربيع الأول ~~قدم رأس الأمير تنبك البجاسي إلى القاهرة فطيف بها على رمح، ثم علقت على ~~باب النصر أياما. وفي سابع عشري، شهر ربيع الأول خلع السلطان على الأمير ~~أزبك المحمدي الظاهري رأس نوبة النوب باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن ~~سودون من عبد الرحمن المنتقل إلى نيابة الشام. وخلع على الأمير تغري بردي ~~المحمودي الناصري باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن أزبك المذكور. ثم في ~~يوم السبت تاسع شهر ربيع الآخر خلع السلطان على القاضي شمس الدين محمد ~~الهروي باستقراره كاتب السر الشريف بالديار المصرية عوضا عن جمال الدين ~~يوسف بن الصفي الكركي، ونزل في موكب جليل، وكان الهروي علامة في فنون كثيرة ~~من العلوم. ثم في يوم الجمعة سابع جمادى الأولى أقيمت ms2987 الخطبة بالمدرسة ~~الأشرفية بخط العنبريين من القاهرة، ولم يكمل منها سوى الإيوان القبلي. وفي ~~يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير صلاح الدين محمد ابن ~~الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله باستقراره أستادارا بعد عزل ناصر الدين ~~محمد بن بولي والقبض عليه، وهذه ولاية صلاح الدين الثانية للأستادارية. ثم ~~في ثاني عشرة خلع السلطان على الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ واستقر ~~ناظر ديوان المفرد مضافا على الوزر عوضا عن القاضي كريم الدين بن كاتب جكم. ~~وفي يوم الأحد خامس عشر جمادى المذكور توفيت زوجة السلطان الملك الأشرف ~~ودفنت بالقبة بالمدرسة الأشرفية. قال المقريزي: واتفق في موتها نادرة، وهي ~~أنها لما ماتت عمل لها ختم عند قبرها في الجامع الأشرفي ونزل ابنها الأمير ~~ناصر الدين محمد من القلعة لحضور الختم وقد ركب في خدمته الملك الصالح محمد ~~بن ططر، فشق القاهرة من باب زويلة وهو في خدمة ابن السلطان بعدما كالن ~~بالأمس سلطانا، وصار جالسا بجانبه في ذلك الجمع، وقائما بخدمته إذا قام، ~~فكان في ذلك موعظة لمن اتعظ. انتهى. قلت: حضرت أنا هذه الختم المذكورة ~~وشاهدت ما نقله المقريزي بعيني، فهو كما قال، غير أنه لم يكن في خدمته ~~وإنما جلسا في الصدر معا، بل كان الصالح متميزا عليه في الجلوس، وكذلك في ~~مسيره من القلعة إلى الجامع المذكور. وقد ذكرنا طرفا من هذه المقالة في ~~أواخر ترجمة الملك الصالح المذكور، غير أنه كما قاله المقريزي: إنه من ~~النوادر. ثم في يوم السبت حادي عشرين جمادى الأخرة خلع السلطان على قاضي ~~القضاة نجم الدين عمر بن حجي باستقراره كاتب السر الشريف بالديار المصريه ~~بعد عزل قاضي القضاة شمس الدين الهروي، ونزل ابن حجي على فرس بسرج ذهب ~~وكنبوش زركش في موكب جليل إلى الغاية. PageV04P0111 # قال المقريزي: وقد ظهر نقص الهروي وعجزه، فقد باشر بتعاظم زائد، مع طمع ~~شديد وجهل بما وسد إليه، بحيث كان لا يحسن قراءة القصص ولا الكتب الواردة، ~~فتولى قراءة ذلك بدر الدين ms2988 محمد بن مزهر نائب كاتب السر، وصار يحضر الخدمة ~~ويقف على قدميه وابن مزهر هو الذي يتولى القراءة على السلطان. انتهى كلام ~~المقريزي برمته. قلت لا يسمع قول المقريزي في الهروي فأما قوله باشر بتعاظم ~~زائدا فكان أهلا لذلك لغزير علمه ولما تقدم له من الولايات الجليلة بممالك ~~العجم، ثم بالديار المصرية. وقوله وعجزه بما وسد إليه يعني عن وظيفة كتابة ~~السر، نعم كان لا يدري الاصطلاح المصري، ولم يكن فيه طلاقة لسان بالكلام ~~العربي كما هي عادة الأعاجم. وأما علمه وفضله وتبحره في العلوم العقلية فلا ~~يشك فيه إلا جاهل، وهو أهل لهذه الرتبة وزيادة غير أنه صرف عن الوظيفة بمن ~~هو أهل لها أيضا وهو القاضي نجم الدين بن حجي قاضي قضاة دمشق ورئيسهم، ~~وكلاهما أعني المتولي والمعزول من أعيان العلماء وقدماء الرؤساء، والتعصب ~~في غير محله مردود من كل أحد على كائن من كان. انتهى. ثم فى سلخ الشهر ~~المذكور خلع السلطان على القاضي الشريف شهاب الدين نقيب الأشراف بدمشق ~~باستقراره قاضي قضاة دمشق عوضا عن القاضي نجم الدين بن حجي المقدم ذكره. ثم ~~في يوم الخميس رابع شهر رجب خلع السلطان على العلامة علاء الدين علي الرومي ~~الحنفي باستقراره شيخ الصوفية، ومدرس الحنفية بالمدرسة الأشرفية بخط ~~العنبريين بالقاهرة، وكان له مدة يسيرة من يوم قدم من بلاد الروم. ثم قدم ~~الخبر على السلطان بأخذ الفرنج مركبين من مراكب المسلمين قريبا من ثغر ~~دمياط، فيهما بضائع كثيرة وعدة أناس يزيدون على مائة رجل، فكتب السلطان ~~بإيقاع الحوطة على أموال تجار الفرنج التي ببلاد الشام والإسكندرية ودمياط ~~والختم عليها، وتعويقهم عن السفر إلى بلادهم حتى ترد الفرنج ما أخذوه من ~~المسلمين، فكلمه أهل الدولة في إطلاقهم فلم يقبل، وأخذ في تجهيز غزوهم. ثم ~~ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى جامعه الذي أنشأه بخط العنبريين المقدم ~~ذكره، وجلس به ساعة، ثم عاد إلى القلعة بغير قماش الموكب. ثم في يوم ~~الأربعاء أول شعبان ابتدىء بقراءة صحيح البخاري بين ms2989 يدي السلطان. قال ~~المقريزي: وحضر القضاة ومشايخ العلم، والهروي، والشيخ شمس الدين محمد بن ~~الجزري بعد قدومه بأيام، وكاتب السر نجم الدين بن حجي، ونائبه بدر الدين ~~ابن مزهر، وزين الدين عبد الباسط ناظر الجيش، والفقهاء الذين رتبهم المؤيد، ~~فاستجد في هذه السنة حضور المباشرين. وكانت العادة من أيام الأشرف شعبان بن ~~حسين أن تبدأ قراءة البخاري في أول يوم من شهر رمضان، ويحضر قاضي القضاة ~~الشافعي، والشيخ سراج الدين عمر البلقيني وطائفة قليلة العدد لسماع ~~البخاري، ويختم في سابع عشرينه، ويخلع على قاضي القضاة، ويركب بغلة بزناري ~~تخرج له من الإسطبل السلطاني. ولم يزل الأمر على هذا حتى تسلطن المؤيد شيخ ~~فابتدأ بالقراءة من أول شعبان إلى سابع عشرين شهر رمضان، وطلب قضاة القضاة ~~الأربعة ومشايخ العلم، وقرر عدة من الطلبة يحضرون أيضا ، فكانت تقع بينهم ~~أبحاث يسيء بعضهم على بعض فيها إساءات منكرة، فجرى السلطان برسباي، على هذا ~~واستجد، كما ذكرنا حضور المباشرين، وكثر الجمع، وصار المجلس جميعه صياحا. ~~انتهى. قلت: ليس في هذا شيء منكر، وكما جدد الأشرف شعبان قراءة البخاري في ~~شهر رمضان، جعله غيره من أول شعبان، وكل ممن فعل ذلك سلطان يتصرف كيف شاء. ~~ولا يشد أحد أن التأني في القراءة أفضل من الإدراج، لاسيما كتب الحديث ~~ليفهمه كل أحد من مبتدىء أو منته، وأيضا كلما كثر الجمع عظم الأجر والثواب. ~~وأما الصياح فلم تبرح مجالس العلم فيها البحوث والمشاحنة، ولو وقع منهم ما ~~عسى أن يقع فهم في أجر وثواب، وليس للاعتراض هنا محل بالجمة. انتهى. ثم في ~~يوم الأحد رابع شهر رمضان أخرج السلطان الأمير أرغون شاه النوروزي، والأمير ~~ناصر الدين محمد بن بولي من القاهرة إلى دمشق بطالين، وقد تقدم أن كليهما ~~قد ولي الأستادارية بالديار المصرية. وفي هذه الأيام ندب السلطان جماعة من ~~المماليك السلطانية للغزاة. PageV04P0112 # ولما كان يوم الجمعة تاسع شهر رمضان سار غرابان من ساحل بولاق ظاهر ~~القاهرة في بحر النيل، بعد أن أشحنا بالمقاتلة والأسلحة، وكان فيهما ms2990 من ~~المماليك السلطانية ثمانون نفرا غير المطوعة، ورسم السلطان لهم أن يسيروا ~~في البحر إلى طرابلس، ويأخذوا أيضا من سواحل الشام عدة أغربة أخر فيها ~~المقاتلة، ويسيروا في البحر المالح لعلهم يجدون من يتجرم في البحر من ~~الفر،ج، وهذه أول غزوة جهزها السلطان الملك الأشرف برسباي رحمه الله. ثم في ~~يوم الثلاثاء رابع شوال أمر السلطان بحفر صهريج بوسط صحن جامع الأزهر، ~~فابتدأوا فيه من هذا اليوم وحفروا بوسط صحن الجامع المذكور فوجدوا فيه آثار ~~فسقية قديمة وبها عدة أموات، ثم شرعوا في بنائها حتى كملت وعمر فوقها مقعد ~~لطيف على صفة السبيل، وانتفع أهل الجامع به، ودام سنين إلى أن أمر السلطان ~~الملك الظاهر جقمق بهدمه، فهدم وردم. ثم في يوم السبت تاسع عشرين شوال ~~المذكور حضر الأمراء الخدمة السلطانية على العادة، ونزلوا إلى دورهم، ~~فاستدعى السلطان بعد نزولهم الأمير بيبغا المظفري أتابك العساكر إلى ~~القلعة، فلما صار إليها قبض عليه وقيد وحمل، إلى الإسكندرية من يومه. ثم في ~~يوم الخميس رابع ذي القعدة خلع السلطان على الأمير قجق العيساوي أمير سلاح ~~باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن بيبغا المظفري بحكم القبض ~~عليه، وخلع على إينال النوروزي أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن قجق ~~المذكور، وأنعم السلطان بإقطاع بيبغا المذكور على الأمير إينال الجكمي أحد ~~الأمراء البطالين بالقدس وكتب بإحضاره، وعلى الأمير حسين بن أحمد المدعو ~~تغري برمش البهنسي التركماني نائب قلعة الجبل نصفين بالسوية بعد أن أخرج ~~منه بلدة القليوبية. ثم في يوم الاثنين ثامن ذي القعدة خلع السلطان على ~~قاضي القضاة شمس الدين محمد الهروي المعزول عن وظيفة كتابة السر قبل تاريخه ~~باستقراره قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، عوضا عن قاضي القضاة شهاب ~~الدين أحمد بن حجر بحكم عزله، وهذه ولاية القاضي الهروي الثانية للقضاء. ~~وقدم الأمير إينال الجكمي من القدس في يوم الاثنين خامس عشرة، وخلع السلطان ~~عليه باستقراره أمير مجلس عوضا عن إينال النوروزي. وفي هذه الأيام أنعم ~~السلطان على الأمير تنبك من ms2991 بردبك الظاهري، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، ~~بإمرة طبلخاناه عوضا عن تغري برمش البهنسي، واستقر أيضا عوضه في نيابة قلعة ~~الجبل. وتنبك المذكور هو أتابك العساكر بديار مصر في زماننا هذا. ثم في يوم ~~السبت العشرين من ذي القعدة وصلت الغزاة المقدم ذكرهم بالغنائم والأسرى. ~~وكان من خبرهم أنهم لما خرجوا من ثغر دمياط تبعهم خلائق من المطوعة في ~~سلورة وساروا إلى طرابلس وسار معهم أيضا غرابان، وتوجهوا الجميع إلى ~~الماغوصة فأضافهم متملكها وأكرمهم، فلم يتعرضوا لبلاده ومضوا عنه إلى بلد ~~يقال لها اللمسون من جزيرة قبرص فوجدوا أهلها قد استعدوا لقتالهم وأخرجوا ~~أهاليهم وعيالهم، وخرجوا في سبعين فارسا تقريبا وثلاثين راجلا، فقاتلهم ~~مسلمون حتى هزموهم، وقتلوا منهم فارسا واحدا وعدة رجال، وغرقوا بعض أغربة ~~وأحرقوا بعضها، ونهبوا ما وجدوه من ظروف السمن والعسل وغير ذلك، وأسروا ~~ثلاثة وعشرين رجلا، وأخذوا قطع جوخ كثيرة، فسر الناس بعودهم وسلامتهم وتشوق ~~كل أحد للجهاد. انتهى. ثم في ثامن عشرين ذي الحجة خلع السلطان على الشيخ ~~سعد الدين سعد ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام شمس الدين محمد الديري الحنفي ~~باستقراره في مشيخة صوفية الجامع المؤيدي ومدرس الحنفية به بعد موت أبيه ~~بالقدس. ثم في تاسع عشرين المحرم من سنة ثمان وعشرين وثمانمائة ركب السلطان ~~مخفا من قلعة الجبل، ونزل إلى جامعه بخط العنبريين وكشف عمائره. ثم ركب ~~وسار إلى جامع الأزهر لرؤية الصهريج الذي عمره. ثم تقدم وزار الشيخ خليفة ~~والشيخ سعيدا، وهما من المغاربة لهما بالجامع الأزهر مدة سنين وشهرا بالخير ~~والصلاح. ثم خرج من الجامع إلى دار الشيخ محمد بن سلطان، وهو أيضا أحد من ~~يظن فيه الخير والصلاح، فزاره أيضا وعاد إلى القلعة. PageV04P0113 # ثم في هذا الشهر أيضا وقع الشروع في عمل عدة مراكب لغزو بلاد الفرنج، ~~واستمر العمل فيهم كل يوم إلى أن نزل السلطان في يوم الثلاثاء حادي عشر صفر ~~من سنة ثمان وعشرين المذكورة وكشف عمل المراكب المذكورة، ثم عاد من على ~~جزيرة الفيل إلى جهة مناظر ms2992 الخمس وجوه المعروفة بالتاج التي كان الملك ~~المؤيد جددها، فأقام بها ساعة هينة، وعاد من على الخندق من جهة خليج ~~الزعفران إلى أن طلع إلى القلعة. هذا كله والسلطان لا يفتر عن الفحص على ~~أخبار جاني بك الصوفي ولا يكذب في أمره خبر مخبر. ثم في يوم الاثنين رابع ~~عشرين صفر خلع السلطان على الشيخ محب الدين أحمد بن نصر الله بن أحمد بن ~~محمد بن عمر الششتري البغدادي الحنبلي باستقراره قاضي قضاة الحنابلة ~~بالديار المصرية بعد موت قاضي القضاة علاء الدين علي بن محمود بن مغلي، وكل ~~منهما كان أعجوبة زمانه في الحفظ وسعة العلم. ثم في ليلة الجمعة خامس شهر ~~ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوي بالحوش السلطاني من قلعة الجبل كعادة ~~عمله في كل سنة. ثم فى يوم الأحد سابعه سار الأمير أرنبغا اليونسي الناصري ~~أحد أمراء العشرات ورأس نوبة تجريدة إلى مكة ومعه مائة مملوك من المماليك ~~السلطانية، وتوجه معه سعد الدين إبراهيم المعروف بابن المرة أحد الكتاب ~~لأخذ مكس المراكب الواردة ببندر جدة من بلاد الهند، وهذا أول ظهور أمر جدة. ~~وكان ذلك بتدبير الأمير يشبك الساقي الأعرج، فإنه نفاه الملك المؤيد شيخ ~~إلى مكة، فأقام بها سنين وعلم أحوال أشراف مكة وما هم عليه، فحسن للسلطان ~~الاستيلاء على بندر جدة، ولا زال به حتى وقع ذلك وصار أمر جدة كما هي عليه ~~الآن. ثم في يوم الخميس سابع عشر شهر ربيع الآخر قدم الأمير سودون من عبد ~~الرحمن نائب الشام إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة، بعد أن تلقاه أكابر ~~الدولة، وقبل الأرض، وخلع عليه باستمراره، وأنزل بمكان يليق به إلى أن خلع ~~السلطان عليه خلعة السفر، وعاد إلى محل ولايته في سادس عشر شهر ربيع الآخر ~~المذكور. وفي هذا الشهر كمل عمارة البرج الذي عمر بالقرب من الطينة على بحر ~~الملح، وجاء مربع الشكل، مساحة كل ربع منه ثلاثون ذراعا، وشحن بالأسلحة، ~~وأقيم فيه خمسة وعشرون مقاتلا، فيهم عشرة فرسان، وأنزل حوله جماعة من ms2993 عرب ~~الطينة، فانتفع به المسلمون غاية النفع. وذلك أن الفرنج كانت تقبل في ~~مراكبها نهارا إلى بر الطينة وتنزل بها وتتخطف الناس من المسلمين من هناك ~~في مرورهم من قطيا إلى جهة العريش من غير أن يمنعهم من ذلك أحد، لخلو هذا ~~المحل من الناس. وتولى عمارة هذا البرج المذكور الزيني عبد القادر بن فخر ~~الدين بن عبد الغني بن أبي الفرج، وأخذ الأجر والحجر الذي بني هذا البرج به ~~من خراب مدينة الفرما، وأحرق أيضا الجير من حجارتها. وقد تقدم ذكر غزو ~~الفرما في مجيء عمرو بن العاص إلى مصر في أول هذا الكتاب. ثم في يوم، السبت ~~عاشر جمادى الأولى خلع السلطان على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ناظر ~~الخواص الشريفة باستقراره أستادارا عوضا عن ولده صلاح الدين محمد. ثم في ~~يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى المذكورة خلع السلطان على القاضي كريم ~~الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم باستقراره في ~~وظيفته نظر الخاص الشريف عوضا عن بدر الدين بن نصر الله المذكور. وخلع على ~~أمين الدين إبراهيم بن مجد الدين عبد الغني بن الهيصم باستقراره ناظر ~~الدولة عوضا عن كريم الدين بن كاتب جكم المذكور. وفي هذه الأيام كثرت ~~الأخبار بحركة الفرنج، فخرج عدة من الأمراء والمماليك لحراسة الثغور. ~~PageV04P0114 # ثم في عاشر جمادى الآخرة أمسك السلطان القاضي نجم الدين عمر بن حجي كاتب ~~السر، وسلم إلى الأمير جاني بك الأشرفي الدوادار الثاني فسجنه بالبرج من ~~قلعة الجبل، وأحيط بداره، وكان سبب مسك ابن حجي أنه التزم عن ولايته كتابة ~~السر بعشرة آلاف دينار، ثم تسلم ما كان جاريا في إقطاع ابن السلطان من ~~حمايات علم الدين داود بن الكويز ومستأجراته، على أن يقوم لديوان ابن ~~السلطان في كل سنة بألف وخمسمائة دينار، فحمل في مدة ولايته لكتابة السر ~~إلى الخزانة الشريفة خمسة آلاف دينار في دفعات متفرقة، فلما كان هذه الأيام ~~طلب السلطان منه حمل ما تأخر وهو ستة آلاف ms2994 دينار أو خمسمائة دينار، فسأل ~~السلطان مشافهة أن ينعم عليه بالألف وخمسمائة دينار المقررة من الحمايات ~~والمستأجرات، وتشكى من قلة متحصلها معه، فلم يجب السلطان سؤاله. فنزل إلى ~~داره وكتب ورقة إلى السلطان تتضمن أنه غرم من حين ولي كتابة السر إلى يوم ~~تاريخه اثني عشر ألف دينار، منها الحمل إلى الخزانة خمسة آلاف دينار، ولمن ~~لا يسمى مبلغ الذي دينار، وللأمراء أربعة الاف دينار، وذكر تفصيل الأربعة ~~آلاف دينار. فلما قرئت على السلطان فهم أنه أراد بمن لا يذكر أنه الأمير ~~جاني بك الدوادار. وأخذ السلطان يسأل من جاني بك عندما حضر هو والأمراء عما ~~وصل إليهم وإليه من ابن حجي، فأجابوه بما لا يليق في حق ابن حجي، فما هو ~~إلا أن طلع ابن حجي إلى القلعة حصل بينهما مفاحشات ومقابحات آلت إلى غضب ~~السلطان والنصرة لمملوكه جاني بك فقبض عليه. وله سبب آخر خفي، وهو أن ~~السلطان استدعى الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بكتاب عبد الباسط، ~~فلما وقعت بطاقة سودون من عبد الرحمن سأل ابن حجي: لم جاء نائب الشام؟ فقيل ~~له: بطلب من السلطان، فقال: أنا لم أكتب له عن السلطان بالمجيء، فقال عبد ~~الباسط: أنا كتبت له. فحنق نجم الدين لما سمع هذا الكلام، وخاشن عبد الباسط ~~باللفظ، وقال له: اعمل أنت كاتب السر ونظر الجيش معا. ثم أخذ يخاشنه ~~بالكلام استخفافا به لمعرفته به قديما، لأن ابن حجي كان معدودا من أعيان ~~دمشق وعبد الباسط يوم ذاك بخدمة ابن الشهاب محمود. فأسرها عبد الباسط في ~~نفسه، وعلم أنه متى طالت يده ربما يقع منه في حقه ما يكره فأخذ يدبر عليه ~~حتى غير خاطر الأمير جاني بك عليه وتأكدت العداوة بينهما، ووقع ما حكيناه. ~~واستمر ابن حجي في البرج من قلعة الجبل إلى ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادى ~~الآخرة من سنة ثمان وعشرين المذكورة، وأخرج من البرج في الحديد وحمل إلى ~~دمشق حتى يكشف بها عن سيرته، ويأخذ ابن حجي في تجهيزما ms2995 بقي عليه من المال، ~~وكتب في حقه لنائب الشام، ولقضاة دمشق بعظائم مستشنعة هو بريء عن غالبها. ~~ثم في يوم الاثنين ثامن عشرة خلع السلطان على القاضي بدر الدين محمد ابن ~~مزهر نائب كاتب السر باستقراره في كتابة السر عوضا عن نجم الدين ابن حجي ~~المذكور. وخلع السلطان أيضا على تاج الدين عبد الوهاب الأسلمي المعروف ~~بالخطير باستقراره في نظر الإسطبل السلطاني عوضا عن ابن مزهر. وكان الخطير ~~المذكور قريب عهد بالإسلام، وله قدم في دين النصرانية، وكان يباشر عند ~~الملك الأشرف في أيام إمرته فرقاه إلى هذه الوظيفة، وبعد أن كان يخاطب ~~بالشيخ الخطير صار ينعت بالقاضي، فيشترك هو وقضاة الشرع الشريف في هذا ~~الاسم، وقد تداول هذا البلاء بالمملكة قديما وحديثا. وأنا لا ألوم الملوك ~~في تقديم هؤلاء لأنهم محتاجون إليهم لمعرفتهم لأنواع المباشرة، غير أنني ~~أقول: كان يمكن الملك أنه إذا رقى واحدا من هؤلاء إلى رتبة من الرتب لا ~~ينعته بالقاضي، وينعته بالرئيس أو بالكاتب أو مثل ولي الدولة وسعد الدولة ~~وما أشبه ذلك، ويدع لفظة قاض لقضاة الشرع ولكاتب السر وناظر الجيش ولفضلاء ~~المسلمين، ليعطي كل واحد حقه في شهرته والتعريف به. وقد عيب هذا على مصر ~~قديما وحديثا فقال بعضهم: قاضيها مسلماني، وشيخها نصراني، وحجها غواني. ~~قلت: فإن كانت ألفاظ هذه الحكاية خالية من البلاغة فهي قريبة مما نحن فيه. ~~PageV04P0115 # والخطير هذا إلى الآن في قيد الحياة، وقد كبر سنه وهرم، بعدما ولي الوزر ~~بديار مصر ثم نظر الدولة، وهو مع ذلك عليه من الغلاسة، وعدم النورانية، ~~وفقد الحشمة، وقلة الطلاوة ما لايعبر عنه. وقد تخومل ولزم داره سنين طويلة ~~من يوم صادره الملك الظاهر جقمق وحط قدره، فعد ذلك من حسنات الملك الظاهر، ~~رحمه الله تعالى. وفي هذا الشهر أخذ السلطان في تجهيز الغزاة، وعين جماعة ~~كبيرة من المماليك السلطانية والأمراء، وألزم كل أمير أيضا أن يجهز عشرة ~~مماليك من مماليكه، ونجز عمل الطرائد والأغربة. ثم في يوم الاثنين ثالث شهر ~~رجب خلع ms2996 السلطان على قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر وأعيد إلى قضاء ~~الديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة شمس الدين الهروي. ثم في يوم الثلاثاء ~~رابع شهر رجب المذكور حمل الشريف مقبل أمير الينبغ، والشريف رميثة بن عجلان ~~إلى الإسكندرية وسجنا بها. ثم في ثالث عشرة أنفق السلطان في ستمائة رجل من ~~الغزاة مبلغ عشرين دينارا لكل واحد منهم، وجهز الأمراء أيضا ثلاثمائة رجل، ~~ثم نودي: من أراد الجهاد فليحضر لأخذ النفقة. وقام السلطان في الجهاد أتم ~~قيام، وقد شرح الله صدره له. ثم في عشرينه سارت خيول الأمراء والأعيان من ~~المجاهدين في البر إلى طرابلس، وعدتها نحو ثلاثمائة فرس، لتحمل من طرابلس ~~صحبة غزاتها في البحر لحيث هو القصد. ثم ركب السلطان في يوم الجمعة من ~~القلعة بغير قماش الخدمة بعد صلاة الجمعة، ونزل إلى ساحل بولاق حتى شاهد ~~الأغربة والطرائد التي عملت برسم الجهاد، وقد أشحنوا بالسلاح والرجال، ثم ~~عاد إلى القلعة. ثم ركب من الغد المقام الناصري محمد ابن السلطان الملك ~~الأشرف من القلعة، ونزل ومعه لالاته الأمير جاني بك الأشرفي الدوادار ~~الثاني، وتوجه إلى بيت زين الدين عبد الباسط المطل على النيل ببولاق حتى ~~شاهد الأغربة عند سفرهم، فانحدر أربعة أغربة، بكل غراب أمير وتقدم الأربعة ~~الأمير جرباش الكريمي الظاهري حاجب الحجاب المعروف بقاشق، فكان لسفر هذه ~~المراكب ببولاق يوم مشهود. ثم انحدر بعد هذه الأغربة الأربعة أربعة أغربة ~~أخر، في كل واحد منهم مقدم من أعيان المماليك السلطانية، وكان آخرهم سفرا ~~الغراب الثامن في يوم الأربعاء ثالث شعبان، وهذه الغزوة الثانية من غزوات ~~الملك الأشرف برسباي. ثم في هذا الشهر أفرج السلطان عن الأمير الكبير طرباي ~~من سجنه بالإسكندرية، ونقل إلى القدس الشريف بطالا ليقيم به غير مضيق عليه ~~بعد أن أنعم عليه بألف دينار. وكان الإفراج عن طرباي بخلاف ما كان في ظن ~~الناس، وعد ذلك من محاسن الملك الأشرف، كون طرباي المذكور كان عانده في ~~الملك، وكونه أيضا من عظماء الملوك وأكابر المماليك ms2997 الظاهرية برقوق، ممن ~~يخاف منه، فلم يلتفت الأشرف إلى هذا كله وأفرج عنه لما كان بينهما من الود ~~القديم والصحبة من مبدئ أمرهما. ثم في يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان المذكور ~~أمسك السلطان الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله الأستادار، وأمسك معه ولده ~~الأمير صلاح الدين محمد المعزول عن الأستادارية بأبيه المذكور، وعوقا ~~بالقلعة أربعة أيام، ثم نزلا على أنهما يقومان بنفقة الجامكية شهرا وعليقه، ~~وكانت الجامكية يوم ذاك كل شهر ثلاثين ألف دينار. ثم في يوم الخميس عاشره ~~خلع السلطان على زين الدين عبد القادر بن فخر الدين حسن بن نصر الله. ثم في ~~رابع عشرة خلع السلطان على جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي المعزول عن ~~كتابة سر دمشق عوضا عن بدر الدين حسين. وفي يوم الثلاثاء ثاني عشرين شهر ~~رمضان، الموافق لرابع عشر مسرى، أو في النيل ستة عشر ذراعا، ونزل المقام ~~الناصري محمد ابن السلطان لتخليق المقياس وفتح خليج السد على العادة، ونزل ~~معه الملك الصالح محمد ابن الملك الظاهر ططر، وحضر تخليق المقياس، وفتح ~~الخليج فتعجب الناس لنزوله مع ابن السلطان بعد خلعه من ملك مصر حسبما تقدم. ~~PageV04P0116 # قلت: وكان قصد الأشرف برسباي بركوب الملك الصالح محمد هذا مع ولده انبساط ~~الصالح، كونه كان كالمحجور عليه بقلعة الجبل، وتنزهه، لا كما زعم بعض الناس ~~أنه يريد بذلك مشيه في خدمة ولده وازدراءه. كل ذلك وخاطر السلطان مشغول ~~بأمر جاني بك الصوفي، والفحص عنه مستمر، غير أن السلطان يتشاغل بشيء بعد ~~شيء، وهو الآن مشغول الفكرة في أمر المجاهدين، لايبرح يترقب أخبارهم إلى أن ~~كان يوم الخميس تاسع شوال ورد عليه الخبر من طرابلس بنصرة المسلمين على ~~الفرنج، فدقت البشائر لذلك بقلعة الجبل وغيرها، وجمع القضاة وأعيان الديار ~~المصرية بالجامع الأشرفي بخط العنبريين وقرىء عليهم الكتاب الوارد من ~~طرابلس بنصرة المسلمين، فضج الناس وأعلنوا بالتكبير والتهليل، ونودي بزينة ~~القاهرة ومصر. ثم قرئ الكتاب المذكور من الغد بجامع عمرو بن العاص بمصر. ~~وبينما الناس مستبشرون في ms2998 غاية ما يكون من السرور والفرح بنصر الله قدم ~~الخبر في يوم الاثنين ثالث عشر شوال المذكور بوصول الغزاة المذكورين إلى ~~الطينة فقلق السلطان من ذلك وتنغص فرح الناس وكثر الكلام في أمر عودهم. ~~وكان من خبرهم: أنهم لما توجهوا من ساحل بولاق إلى دمياط ساروا منه في ~~البحر المالح إلى مدينة طرابلس فطلعوا إليها، فانضم عليهم بها خلائق من ~~المماليك والعساكر الشامية وجماعة كبيرة من المطوعة إلى أن رحلوا عن طرابلس ~~في بضع وأربعين مركبا، وساروا إلى جهة الماغوصة، فنزلوا عليها بأجمعهم ~~،وخيموا في برها الغربي، وقد أظهر متملك الماغوصة طاعة السلطان وعرفهم تهيؤ ~~صاحب قبرس واستعداده، لقتالهم وحربهم، فاستعدوا وأخذوا حذرهم وباتوا ~~بمخيمهم على الماغوصة، وهي ليلة الأحد العشرين من شهر رمضان. وأصبحوا يوم ~~الاثنين شنوا الغارات على ما بغربي قبرس من الضياع، ونهبوا وأسروا وقتلوا ~~وأحرقوا وعادوا بغنائم كثيرة، وأقاموا على الماغوصة ثلاثة أيام يفعلون ما ~~تقدم ذكره من النهب والأسر وغيره. ثم ساروا ليله الاربعاء يريدون الملاحة، ~~وتركوا في البر أربعمائة من الرجالة يسيرون بالقرب منهم إلى أن وصلوا إليها ~~ونهبوها وأسروا وأحرقوا يضا. ثم ركبوا البحر جميعا وأصبحوا باكر النهار ~~فوافاهم الفرنج في عشرة أغربة وقرقورة كبيرة، فلم يثبتوا للمسلمين وانهزموا ~~من غير حرب، واستمر المسلمون بساحل الملاحة وقد أرست مراكبهم عليها. وبينما ~~هم فيما هم فيه كرت أغربة الفرنج راجعة إليهم، وكان قصد الفرنج بعودهم أن ~~يخرج المسلمون إليهم فيقاتلوهم في وسط البحر. فلما أرست المسلمون على ساحل ~~الملاحة، كرت الفرنج عليهم فبرزت إليهم المسلمون وقاتلوهم قتالا شديدا إلى ~~أن هزمهم الله تعالى، وعادوا بالخزي، وبات المسلمون ليلة الجمعة خامس عشرين ~~شهر رمضان. فلما كان بكرة نهار الجمعة أقبل عسكر قبرس وعليهم أخو الملك، ~~ومشى على المسلمين، فقاتله مقدار نصف العسكر الإسلامي أشد قتال حتى كسروهم، ~~وانهزم أخو الملك بمن كان معه من العساكر بعد أن كان المسلمون أشرفوا على ~~الهلاك، ولله الحمد والمنة، وقتل المسلمون من الفرنج مقتلة عظيمة. ثم أمر ~~الأمير جرباش ms2999 بإخراج الخيول إلى البر، فأخرجوا الخيول من المراكب إلى البر ~~في ليلة السبت، وتجهزوا للمسير ليغيروا على نواحي قبرس من الغد. ~~PageV04P0117 # فلما كان بكرة يوم السبت المذكور ركبوا وساروا إلى المغارات حتر وافوها، ~~فأخذوا يقتلون ويأسرون ويحرقون وينهبون القرى حتى ضاقت مراكبها عن حمل ~~الأسرى، وامتلأت أيديهم بالغنائم، وألقى كثير منهم ما أخذه إلى الأرض. فعند ~~ذلك كتب الأمير جرباش مقدم العساكر المجاهدة كتابا إلى الأمير قصروه من ~~تمراز نائب طرابلس بهذا الفتح العظيم والنصر المبين صحبة قاصد بعثه الأمير ~~قصروه مع المجاهدين ليأتيه بأخبارهم. فعندما وصل الخبر للأمير قصروه كتب في ~~الحال إلى السلطان بذلك، وفي طي كتابه كتاب الأمير جرباش المذكور، وهو ~~الكتاب الذي قرىء بالأشرفية بالقاهرة، ثم بجامع عمرو بن العاص. ثم إن ~~الأمير جرباش لما رأى أن الأمر أخذ حده، وأن السلامة غنيمة، ثم ظهر له بعض ~~تخوف عسكره، فإنه بلغهم أن صاحب قبرس قد جمع عساكر كثيرة واستعد لقتال ~~المسلمين، فشاور من كان معه من الأمراء والأعيان، فأجمع رأي الجميع على ~~العود إلى جهة الديار المصرية مخافة من ضجر العسكر الإسلامي إن طال القتال ~~بينهم وبين أهل قبرس إذا صاروا في مقابله. فعند ذلك أجمع رأي الأمير جرباش ~~المذكور أن يعود بالعساكر الإسلامية على أجمل وجه، فحل القلاع بعد أن تهيأ ~~للسفر، وسار عائدا حتى أرسى على الطينة قريبا من قطيا وثغر دمياط، ثم ~~توجهوا إلى الديار المصرية. ولما بلغ الناس ذلك، وتحقق كل أحد ما حصل ~~للمسلمين من النصر والظفر، عاد سرورهم لأن السلطان كان لما بلغه عودهم نادى ~~في الناس: من أراد الجهاد فليحضر لأخذ النفقة، فكثر قلق الناس لذلك، وظنوا ~~كل ظن حتى علموا من أمرهم ما حكيناه. هذا ما كان من أمر الغزاة. وأما ~~السلطان فإنه أفرج في يوم الاثنين ثالث عشر شوال عن الأمير الكبير بيبغا ~~المظفري من سجن الإسكندرية ونقله إلى ثغر دمياط، وأنعم عليه بفرس بقماش ذهب ~~ليركبه بدمياط إلى حيث يشاء. ثم أخذ السلطان ينتظر الغزاة إلى ms3000 أن قدموا ~~عليه يوم السبت خامس عشرين شوال المقدم ذكره، ومعهم ألف وستون أسيرا ممن ~~أسروا في هذه الغزوة. وباتوا تلك الليلة بساحل بولاق، وصعدوا في بكرة يوم ~~الأحد سادس عشرينه إلى القلعة، وبين أيديهم الأسرى والغنائم، وهي على مائة ~~وسبعين حمالا وأربعين بغلا وعشرة جمال، ما بين جوخ، وصوف، وصناديق، وحديد، ~~وآلات حربية، وأوان، وسار الجميم من شارع القاهرة، وقد جلس الناس بالحوانيت ~~والبيوت والأسطحة والشوارع بحيث إن الشخص كان لا يكاد أن يمر إلى طريقه إلا ~~بعد مشقة كبيرة، وربما لا يستطيع السير ويرجع إلى حيث أتى. وبالجملة فإنه ~~كان يوما مشهودا لم يعهد مثله في الدولة التركية. ولما طلع ذلك كله إلى ~~القلعة وعرض على السلطان رسم السلطان ببيع الأسرى وتقويم الأصناف، فقومت ~~الأصناف. ثم بتددىء بالبيع في يوم الاثنين سابع عشرين شوال بالحراقة من باب ~~السلسلة بحضرة الأمير جقمق العلائي أمير آخور الكبير، وتولى البيع عن ~~السلطان الأمير إينال الششماني الناصري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، ~~فاشتراهم الناس على اختلاف طبقاتهم من أمير وجندي وقاض وفقيه، وتاجر وعامي. ~~ورسم السلطان أن لا يفرق بين الآباء وأولادهم، ولا بين قريب وقريبه، فكانوا ~~يشترونهم جميعا، والذي كان وحده أبيع وحده. واستمر البيع فيهم أياما، وجمع ~~ما تحصل من أثمانهم فأنفق السلطان من ذلك على المجاهدين، فأعطى لطائفة سبعة ~~دنانير ونصفا، ولطائفة ثلاثة دنانير ونصفا، وانقضى أمر المجاهدين في هذه ~~السنة. PageV04P0118 # قال المقريزي: في يوم الجمعة سابع ذي الحجة اتفقت حادثة شنيعة، وهي أن ~~الخبز قل وجوده في الأسواق، فعندما خرج بدر الدين محمود العيني محتسب ~~القاهرة من داره سائرا إلى القلعة صاحت عليه العامة واستغاثوا بالأمراء ~~وشكوا إليهم المحتسب، فعرج عن الشارع وطلع إلى القلعة وهو خائف من رجم ~~العامة له، وشكاهم إلى السلطان، وكان يختص به ويقرأ له في الليل تواريخ ~~الملوك ويترجمها له بالتركية، فحنق السلطان وبعث طائفة من الأمراء إلى باب ~~زويلة، فأخذوا أفواه السكك ليقبضوا على الناس، فرجم بعض العبيد بعض الأمراء ~~بحجر أصابه ms3001 فقبض عليه وضرب، ثم قبض على جماعة كبيرة من الناس وأحضروا بين ~~يدي السلطان، فرسم بتوسيطهم، ثم أسلمهم إلى الوالي فضربهم وقطع آنافهم ~~وآذانهم وسجنهم ليلة السبت. ثم عرضوا من الغد على السلطان فأفرج عنهم، ~~وعدتهم اثنان وعشرون رجلا من المستورين ما بين شريف وتاجر، فتنكرت القلوب ~~من أجل ذلك، وانطلقت الألسنة بالدعاء وغيره. انتهى كلام المقريزي برمته. ~~وهو كما قال، غير أنه سكت عن رجم العامة للعينتابي المذكور يريد بذلك تقوية ~~الشناعة على العيني لبغض كان بينهما قديما وحديثا. ثم قدم كتاب الأمير تغري ~~بردي المحمودي رأس نوبة النوب وأمير حاج المحمل من مكة في يوم الجمعة حادي ~~عشرين ذي الحجة، يتضمن أنه لما نزل عقبة أيلة بعث قاصدا إلى الشريف حسن بن ~~عجلان أمير مكة يرغبه في الطاعة ويحذره عاقبة المخالفة، فقدم عليه ابنه ~~بركات بن حسن بن عجلان وقد نزل بطن مر في ثامن عشرين ذي القعدة، فسر بقدومه ~~ودخل معه مكة في أول ذي الحجة، وحلف له بين الحجر الأسود والملتزم أن أباه ~~لا يناله مكروه من قبله ولا من قبل السلطان، فعاد إلى أبيه وقدم به مكة في ~~يوم الاثنين ثالث ذي الحجة، وأنه حلف له ثانيا وألبسه التشريف السلطاني ~~وقرره في إمرة مكة على عادته، وأنه عزم على حضوره إلى السلطان صحبة الركب ~~واستخلاف ولده بركات على مكة. انتهى. ثم في يوم الاثنين خامس عشرين المحرم ~~سنة تسع وعشرين وثمانمائة خلع السلطان على الأمير إينال الششماني أحد أمراء ~~العشرات ورأس نوبة باستقراره في حسبة القاهرة عوضا عن قاضي القضاة بدر ~~الدين محمود العيني الحنفي. ثم في رابع عشرين المحرم قدم الأمير تغري بردي ~~المحمودي رأس نوبة النوب وأمير حاج المحمل بالمحمل، وقدم معه الأمير الشريف ~~حسن بن عجلان، فأكرمه السلطان وأنزله بمكان يليق به. ثم خلع عليه في يوم ~~سابع عشرينه باستقراره في إمرة مكة على عادته، بعد أن ألتزم بحمل ثلانين ~~ألف دينار، وأرسل قاصده إلى مكة ليحضر المبلغ المذكور، وأقام هو بالقاهرة ms3002 ~~رهينة. وقدم أيضا مع الحاج الأمير قرقماش الشعباني الناصري أحد مقدمي ~~الألوف، بعد أن أقام بمكة نحو السنتين شريكا لأمير مكة في هذه المدة ومهد ~~أمورها وأقمع عبيد مكة ومفسديها وأبادهم. ثم في يوم الأربعاء نصف صفر جمع ~~السلطان الأمراء والقضاة كثيرا من أكابر التجار وتحدث معهم في إبطال ~~المعاملة بالذهب المشخص الذي يقال له الإفرنتي، وهو من ضرب الفرنج، وعليه ~~شعار كفرهم الذي لا تجيزه الشريعة المحمدية، وأن يضرب عوضه ذهبا عليه السكة ~~الإسلامية، فصوب من حضر رأي السلطان في إبطاله. وهذا الإفرنتي المذكور قد ~~كثرت المعاملة به في زماننا من حمود سنة ثمانمائة في أكثر مدائن الدنيا ~~مثل: القاهرة ومصر، والبلاد الشامية وكثر بلاد الروم، وبلاد الشرق، ~~والحجاز، واليمن، حتى صار هو النقد الرائج والمطلوب في المعاملات. وانفض ~~المجلس على ذلك، وقد كثر ثناء الناس على السلطان بسبب إبطال ذلك. ولما كان ~~الغد طلب السلطان صناع دار الضرب وشرع في ضرب الذهب الأشرفي، وتطلب من كان ~~عنده من الذهب الإفرنتي. ثم في سادس عشرينه نودي بالقاهرة بإبطال المعاملة ~~بالذهب الإفرنتي، وأن يتعامل الناس بالدنانير الأشرفية زنة الدينار منها ~~زنة الإفرنتي، ثم ألزم السلطان الناس بحمل ما عندهم من الإفرنتية إلى دار ~~الضرب. ثم في يوم الخميس رابع عشر شهر ربيع الأول قدم الأمير قصروه من ~~تمراز نائب طرابلس، وطلع إلى القلعة وقبل الأرض، وخلع السلطان عليه خلعة ~~الاستمرار بولايته على عادته. ثم في يوم السبت قدم هديته إلى السلطان، ~~وكانت تشتمل على شيء كثير. PageV04P0119 # وفي يوم الخميس المذكور وصل إلى القاهرة الأمير يربغا التنمي أحد أمراء ~~العشرات عائدا من بلاد اليمن بغير طائل. وسببه أن السلطان كان أطمعه بعض ~~الناس في أخد اليمن وهون عليه أمرها، وهو كما قيل، غير أن الملك الأشرف لم ~~يلتفت إلى ذلك بالكلية تكذيبا للقائل له، فأرسل الأمير يربغا هذا بهدية ~~لصاحب اليمن وصحبته السيفي ألطنبغا فرنج الدمرداشي والي دمياط، كان، ومعهما ~~أيضا خمسون مملوكا من المماليك السلطانية، فساروا إلى جدة، ثم ركبوا ms3003 منها ~~البحر وتوجهوا إلى جهة اليمن، إلى أن وصلوا حلي بني يعقوب، فسار منه يربغا ~~التنمي ومعه من المماليك خمسة نفر لا غير، ومعه الهدية والكتاب لصاحب ~~اليمن، وهو يتضمن طلب مال للإعانة على الجهاد. وأقام ألطنبغا فرنج ببقية ~~المماليك في المراكب، فأكرم صاحب اليمن يربغا المذكور وأخذ تجهيز هدية ~~عظيمة. وبينما هو في ذلك قدم عليه الخبر بأن ألطنبغا فرنج نهب بعض الضياع ~~وقتل أربعة رجال، فأنكر صاحب اليمن أمرهم وتنبه لهم، وقال للأمير يربغا: ما ~~هذا خبر خير، فإن العادة لا يحضر إلينا في الرسالة إلا واحد، وأنتم حضرتم ~~في خمسين رجلا، ولم يحضر إلي منكم إلا أنت في خمسة نفر، وتأخر باقيكم ~~وقتلوا من رجالي أربعة، ثم طرده عنه من غير أن يجهز هدية ولا وصله بشيء، ~~ولولا خشية العاقبة لقتله، فنجا يربغا بمن معه بأنفسهم، وعادوا إلى مكة، ~~وقدم يربغا إلى القاهرة مخفا. فلما بلغ السلطان ذلك أراد أن يجهز إلى اليمن ~~عسكرا فمنعه من ذلك شغله بغزو الفرنج. ثم في يوم السبت أول شهر ربيع الآخر ~~خلع السلطان على الأمير قصروه خلعة السفر، وخرج من يومه إلى محل كفالته ~~بطرابلس. ئم في يوم السبت ثامنه خلع السلطان على الأمير يشبك الساقي الأعرج ~~واستقر أمير سلاح عوضا عن إينال النوروزي بحكم موته. ثم في خامس عشرين شهر ~~ربيع الآخر المذكور استقر العلامة كمال الدين محمد ابن همام الدين محمد ~~السيواسي الأصل الحنفي في مشيخة التصوف بالمدرسة الأشرفية وتدريسها عوضا عن ~~العلامة علاء الدين علي الرومي بحكم رغبته وعوده إلى بلاده. ثم في يوم ~~الخميس سابع عشرينه خلع السلطان على القاضي بدر الدين محمود العينتابي ~~باستقراره قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية عوضا عن زين الدين عبد الرحمن ~~التفهني، واستقر التفهني المذكور في مشيخة صوفية خانقاه شيخون بعد موت شيخ ~~الإسلام سراج الدين عمر قارىء الهداية. وفي يوم الجمعة ثامن عشرين شهر ربيع ~~الآخر المذكور نزل من القلعة جماعة كبيرة من الأمراء والمماليك وهم متقلدون ~~بسيوفهم حتى طرقوا ms3004 الجودرية إحدى حارات القاهرة، فأحاطوا بها مع جميع ~~جهاتها، وكبسوا على دورها وفتشوها تفتيشا عظيما، وقد وشى بعض الناس إلى ~~السلطان بأن جاني بك الصوفي في دار بها، فلم يقعوا له على خبر. وقبضوا على ~~القاضي فخر الدين ماجد بن المزوق الذي كان ولي كتابة السر ونظر الجيش في ~~دولة الملك الناصر فرج وأحضروه بين يدي السلطان، فسأله عن الأمير جاني بك ~~الصوفي، وحلف له إن دله على مكانه لا يمسه بسوء. فحلف فخر الدين المذكور ~~أنه لا يعرف مكانه ولا وقع بصره عليه من يوم أمسك وحبس، فلم يحمله السلطان ~~على الصدق لمصاهرة كانت بينه وبين جاني بك الصوفي وصحبة قديمة، وأمر به ~~فضرب بين يديه بالمقارع، وأمر بنفيه. ثم نودي من الغد أن لايسكن أحذ ~~بالجودرية، لما ثبت عند السلطان أن جاني بك الصوفي مختف بها. والظاهر أن ~~الذي كان ثبت عند الأشرف أن جاني بك الصوفي كان مختفيا بها كان على حقيقته، ~~فيما بلغنا بعد موت الملك الأشرف، غير أن الستار ستره وحماه، فلم يعثروا ~~عليه، حتى قيل إنه كان بالدار المهجوم عليها، ولم ينهض للهروب، فالتف ~~بحصيرة بها، وكل من دخل الدار رأى الحصيرة المذكورة فلم يجدها أحد بيده، ~~لتعلم أن الله على كل شيء قدير. ولما نودي أن لا يسكن أحد بالجودرية، انتقل ~~منها جماعة كبيرة واستمرت خالية زمانا طويلا، هذا والسلطان في كل قليل يقبض ~~على جماعة من المماليك السلطانية ويعاقبهم ليقروا على جاني بك الصوفي، فلم ~~يقع له عبر خبر. كل ذلك والسلطان في شغل بتجهيز المجاهدين لغزو قبرس. ~~PageV04P0120 # وورد عليه، في يوم السبت سابع عشرين جمادى الأولى، رسول صاحب إستانبول، ~~وهي القسطنطينية، بهدية وشفع في أهل قبرس أن لا يغزوا، فلم يلتفت السلطان ~~إلى شفاعته، وأخذ فيما هو فيه من تجهيز العساكر. ثم في يوم الاثنين ثالث ~~عشر جمادى الآخرة من سنة تسع وعشرين المذكورة قدم من عساكر البلاد الشامية ~~عدة كبيرة من الأمراء والمماليك والعشير وطائفة كبيرة من المطوعة ليسيروا ~~إلى ms3005 الجهاد، فأنزلوا بالميدان الكبير. وفيه خلع السلطان على قاضي القضاة عز ~~الدين عبد العزيز بن علي بن العز قاضي قضاة الحنابلة بدمشق زمن المؤيد شيخ ~~باستقراره قاضي قضاة الحنابلة بديار مصر، عوضا عن قاضي القضاة محب الدين ~~أحمد بن نصر الله البغدادي بحكم صرفه عنها. وكان عزل قاضي القضاة محب الدين ~~لسوء سيرة أخيه وابنه. ثم في ثالث عشرين جمادى الآخرة جلس السلطان بالحوش ~~من قلعة الجبل لعرض المجاهدين، وأنفق فيهم مالا كبيرا، فكان يوما من أجل ~~الأيام وأحسنها، لما وقع فيه من بذل السطان الأموال على من تعين للجهاد، ~~وعلى عدم التفات المجاهدين لأخذ المال، بل كان الشخص إذا وقف في مجلس ~~السلطان ينظر رؤوس النوب تتهارب من المماليك السلطانية الذين يريدون أخذ ~~الدستور من السلطان للتوجه إلى الجهاد، والسلطان يأمرهم بعدم السفر، ويعتذر ~~أنه لم تبق مراكب تحملهم، وهم يتساعون في ذلك مرة بعد أخرى، وربما تكرر ~~وقوف بعضهم الأربع مرات والخمسة، وأيضا من عظم ازدحام الناس على كتاب ~~المماليك ليكتبوهم في جملة المجاهدين في المراكب المعينة، حتى إنه سافر في ~~هذه الغزوة عدة من أعيان الفقهاء. ولما أن صار السلطان لا ينعم لأحد ~~بالتوجه، بعد أن استكفت العساكر، سافر جماعة من غير دستور، وأعجب من هذا ~~أنه كان الرجل ينظر في وجه المسافر للجهاد يعرفه قبل أن يسأله، لما بوجهه ~~من السرور والبشر الظاهر بفرحه للسفر، وبعكس ذلك فيمن لم يعين للجهاد، هذا ~~مع كثرة من تعين للسفر من المماليك السلطانية وغيرهم. وما أرى هذا إلا أن ~~الله تعالى قد شرح صدورهم للجهاد وحببهم في الغزو وقتال العدو، ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا، ولم أنظر ذلك في غزوة من الغزوات قبلها ولا بعدها. انتهى. ~~ثم في يوم الخميس أول شهر رجب أدير المحمل بالقاهرة ومصر على العادة في كل ~~سنة، وعجل عن وقته لسفر المجاهدين للغزاة. ثم في يوم الجمعة ثاني شهر رجب ~~من سنة تسع وعشرين المذكورة خرجت المجاهدون من القاهرة، وسافروا من ساحل ~~بولاق إلى ms3006 جهة الإسكندرية ودمياط، ومقدمو العساكر جماعة كبيرة من أمراء ~~الألوف وأمراء الطبلخانات وأمراء العشرات وأعيان الخاصكية، وجماعة كبيرة من ~~أعيان أمراء دمشق وغيرها، فالذي كان من مقدمي الألوف: الأمير إينال الجكمي ~~أمير مجلس، وهو مقدم العساكر في المراكب بالبحر، ومعه الأمير قرامراد خجا ~~الشعباني أمير جاندار وأحد مقدمي الألوف، وعدة من الأمراء والمماليك ~~السلطانية وغيرهم، والذي كان مقدم العساكر في البر الأمير تغري بردي ~~المحمودي الناصري رأس نوبة النوب، ومعه الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري ~~برمش نائب القلعة، كان، وهو يوم ذاك أحد مقدمي الألوف، فهؤلاء الأربعة من ~~أمراء الألوف. والذي كان من أمراء الطبلخانات الأمير قانصوه النوروزي، ~~والأمير يشبك السودوني المشد الذي صار أتابك في دولة الملك الظاهر جقمق، ~~والأمير إينال العلائي ثالث رأس نوبة، أعني عن السلطان الملك الأشرف إينال ~~سلطان زماننا، وأمير آخر لا يحضرني الأن اسمه. والذي توجه من أمراء العشرات ~~فعدة كبيرة. والذي كان من أمراء دمشق: الأمير طوغان السيفي تغري بردي أحد ~~مقدمي الألوف بدمشق، وهو دوادار الوالد رحمه الله ومملوكه، وجماعة كبيرة ~~أخر دونه في الرتبة من أمراء دمشق وخرجت الأمراء في هذا اليوم، وتبعهم ~~المجاهدون في السفر في النيل أرسالا حتى كان آخرهم سفرا في يوم السبت حادي ~~عشر شهر رجب المذكور. PageV04P0121 # وكان ليوم خروج المجاهدين بساحل بولاق نهار يجل عن الوصف، تجمع الناس فيه ~~للفرجة على المسافرين من الأقطار والبلاد والنواحي، حتى صار ساحل بولاق ~~لايستطيع الرجل أن يمر فيه لحاجته إلا بعد تعب ومشقة زائدة. وعدى الناس إلى ~~البر الغربي ببر منبابة وبولاق التكرور، ونصبوا بها الخيم والأخصاص. هذا ~~وقد انتشر البحر بالمراكب التي فيها المتنزهون، وأما بيوت بولاق فلم يقدر ~~على بيت منها إلا من يكون له جاه عريض أو مال كبير، وتقضى للناس بها أيام ~~سرور وفرح وابتهال إلى الله تعالى بنصر المسلمين وعودهم بالسلامة والغنيمة. ~~وسار الجميع إلى ثغر دمياط، وثغر الإسكندرية، وتهيأوا لسفر، والسلطان متشوف ~~لما يرد عليه من أخبار سفرهم. وبينما هم في ذلك ms3007 ورد عليه الخبر في يوم ~~الثلاثاء ثامن عشرين شهر رجب المذكور بأن الغزاة مروا في طريقهم إلى رشيد، ~~وأقلعوا من هناك يوم رابع عشرينه، وساروا إلى أن كان يوم الاثنين انكسر ~~منهم نحو أربعة مراكب غرق فيها نحو العشرة أنفس، وكانوا بالقرب من ساحل ~~الإسلام بثغور أعمال مصر. ولما بلغ السلطان ذلك انزعج غاية الانزعاج حتى ~~إنه كاد يهلك، وبكى بكاء كثيرا، وصار في قلق عظيم، بحيث إن القلعة ضاقت ~~عليه، وعزم على عدم سفر الغزاة المذكورين. ثم قوي عنده أنه يرسل الأمير ~~جرباش الكريمي قاشق حاجب الحجاب لكشف خبرهم ولعمل مصالحهم وللمشورة مع ~~الأمراء في أمر السفر. وخرج الأمير جرباش المذكور مسافرا إليهم وترك ~~السلطان في أمر مريج وكذلك جميع الناس، إلا أنا تباشرت بالنصر من يومئذ، ~~وقلت: ما بعد الكسر إلا الجبر وكذا وقع فيما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ~~وسار الأمير جرباش إلى العسكر فوجد الذي حصل بالمراكب المذكورة ترميمه سهل، ~~وقد شرعت الصناع في إصلاحه، فتشاور مع الأمراء فأجمع الجميع على السفر، ~~فعند ذلك جمع الأمير جرباش الصناع وأصلح جميع ما كان بالمراكب من الخلل إلى ~~أن أمرهم، فركبوا وساروا على بركة الله وعونه، وعاد الأمير جرباش وأخبر ~~السلطان بذلك فسكن ما كان به. وكان قبل قدوم خرباش أو بعد قدومه في يوم ~~الثلاثاء خامس شعبان ورد الخبر على السلطان بأن طائفة من غزاة المسلمين من ~~العسكر السلطاني لما ساروا من رشيد إلى الإسكندرية صدفوا في مسيرهم أربع ~~قطع من مراكب الفرنج وهي قاصدة ثغر الإسكندرية، فكتب المسلمون لمن في رشيد ~~من بقية الغزاة بسرعة إلحاقهم ليكونوا يدا واحدة على قتال الفرنج ~~المذكورين. وتقاربوا من مراكب الفرنج وتراموا معهم يومهم كله بالنشاب إلى ~~الليل، وباتوا يتمارسون إلى الصباح، فاقتتلوا أيضا باكر النهار، وبينما هم ~~في القتال وصل بقية الغزاة من رشيد، فلما رآهم الفرنج ولوا الأدبار، بعدما ~~استشهد من المسلمين عشر نفر. وساروا حتى اجتمعوا بمن تقدمهم من الغزاة من ~~ثغر الإسكندرية، وسافر الجميع معا ms3008 يريدون قبرس في يوم الأربعاء العشرين من ~~شعبان، إلى أن وصلوا إلى قلعة اللمسون في أخريات شعبان المقدم ذكره، فبلغهم ~~أن صاحب جزيرة قبرس قد استعد لقتالهم، وجمع جموعا كثيرة، وأنه أقام بمدينة ~~الأفقسية، وهي مدينة قبرس، وعزم على لقاء المسلمين، فأرسلوا بهذا الخبر إلى ~~السلطان، ثم انقطعت أخبارهم عن السلطان إلى مايأتي ذكره. وفي يوم السبت ~~رابع عشر شهر رمضان خلع السلطان على الأمير يشبك الساقي الأعرج أمير سلاح ~~باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن الأمير قجق العيساوي بحكم ~~وفاته، وأنعم بإقطاع يشبك الأعرج المذكور على الأمير قرقماس الشعباني ~~الناصري القادم من مكة قبل تاريخه، وأنعم بإقطاع قرقماس المذكور على الأمير ~~بردبك السيفي يشبك بن أزدمر الأمير آخور الثاني، وصار من جملة مقدمي ~~الألوف، وأنعم بإقطاع بردبك على الأمير يشبك أخي السلطان الملك الأشرف ~~برسباي القادم قبل تاريخه بمدة يسيرة من بلاد الجاركس، والإقطاع إمرة ~~طبلخاناه، وخلع على سودون ميق رأس نوبة باستقراره أمير آخور ثانيا عوضا عن ~~بردبك المقدم ذكره. ### || AUT غزوة قبرس على حدتها # PageV04P0122 # ولما كان يوم الاثنين ثالث عشرين شهر رمضان ورد الخبر على السلطان بأخذ ~~مدينة قبرس وأسر ملكها جينوس بن جاك، فدقت البشائر بالقلعة لهذا الفتح ~~ثلاثة أيام. وكان من خبر ذلك أن الغزاة لما ساروا من الثغور المذكورة إلى ~~جهة قبرس وصلوا إلى مدينة اللمسون مجتمعين ومتفرقين، فبلغهم من أهل اللمسون ~~أن متملك قبرس جاءه نجدة كبيرة من ملوك الفرنج، وأنه استعد لقتالهم كما ~~تقدم ذكره. ولما وصلوا إلى اللمسون نازلوا قلعتها وقاتلوا من بها حتى ~~أخذوها عنوة في يوم الأربعاء سادس عشرين شعبان، ونهبوها وسبوا أهلها، ~~وقتلوا جماعة كبيرة ممن كان بها من الفرنج، ثم هدموها عن آخرها، وساروا ~~منها في يوم الأحد أول شهر رمضان من سنة تسع وعشرين المقدم ذكرها بعد أن ~~أقاموا عليها نحو ستة أيام، وساروا فرقتين: فرقة في البر وعليهم الأمير ~~تغري بردي المحمودي والأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش أحد مقدمي ~~الألوف ومن انضاف ms3009 إليهم من أمراء الطبلخانات والعشرات والعساكر المصرية ~~والشامية من الخيالة والرجالة، وفرقة في البحر ومقدمهم الأمير إينال الجكمي ~~أمير مجلس، والأمير قرامراد خجا الشعباني أحد مقدمي الألوف بمن انضاف إليهم ~~من العساكر المصرية والشامية. وكان سبب مسير هؤلاء في البحر مخافة أن يطرق ~~الفرنج المراكب من البحر ويأخذوها ويصير المسلمون ببلادهم يقاتلونهم على ~~هيئتهم، وكان ذلك من أكبر المصالح. ثم سار الذين فى البر متفرقين حتى صاروا ~~بين اللمسون والملاحة، وهم من غير تعبئة لقتال بل على صفة السفار، غير أن ~~على بعضهم السلاح، وأكثرهم بلا سلاح لشدة الحر، وصار كل واحد من القوم يطلب ~~قداما من غير أن يتربص أحدهم لآخر، وفي ظنهم أن صاحب قبرس لا يلقاهم إلا ~~خارج قبرس. وتأخر الأمراء ساقة العسكر، كما هي عادة مقدمي العساكر، والناس ~~تجد في السير إلى أن يقاربوا قبرس ثم يقفوا هناك يريدون خيلهم إلى أن تكتمل ~~العساكر وتتهيأ الأطلاب للقتال ثم يسيرون جملة واحدة بعد التعبئة ~~والمصاففة. وبينما هم في السير إذا هم بمتملك قبرس بجيوشه وعساكره ومن ~~انضاف إليه من ملوك الفرنج وغيرها وقد ملأت الفضاء وكان الذين وافاهم صاحب ~~قبرس من المسلمين الذين سبقوا طائفة قليلة جدا وأكثرهم خيالة من أعيان ~~المماليك السلطانية. فعندما وقع العين على العين، لم يتمالك المسلمون أن ~~يصبروا لمن خلفهم حتى يصيروا جملة واحدة، بل انتهزوا الفرصة وتعرضوا ~~للشهادة، وقال بعضهم لبعض: هذه الغنيمة. ثم حركوا خيولهم وقصدوا القوم بقلب ~~صادق، وقد احتسبوا نفوسهم في سبيل الله، وحملوا على الفرنج حملة عظيمة، ~~وصاحوا: الله أكبر، وقاتلوهم أشد قتال، وأردفهم بعض جماعة وتخلف عنهم أخر، ~~منهم رجل من أكابر الخاصكية أقام يستظل تحت شجرة كانت هناك. وتقاتل ~~المسلمون مع الفرنج قتالا شديدا، قتل فيه السيفي تغري بردي المؤيدي ~~الخازندار، وكان من محاسن الدنيا، لم تر عيني أكمل منه في أبناء جنسه، ~~والسيفي قطلوبغا المؤيدي البهلوان، وكان رأسا في الصراع، ومن مقولة تغري ~~بردي المقدم ذكره في الشجاعة والفروسية، والسيفي إينال طاز البهلوان، ~~والسيفي ms3010 نانق اليشبكي، وهؤلاء الأربعة من الأعيان والأبطال المعدودة، عوض ~~الله شبابهم الجنة بمنه وكرمه، ثم قتل من المسلمين جماعة أخر، وهم مع قلتهم ~~ويسير عددهم في ثبات إلى أن نصر الله الإسلام، ووقع على الكفرة الخذلان ~~وانكسروا، وأسر متملك قبرس مع كثرة جموعه وعظم عساكره التي لا تحصر، وقلة ~~عسكر المسلمين، حتى إن الذي كان حضر أوائل الوقعة أقل من سبعين نفسا قبل أن ~~يصل إليهم الأمير إينال العلائي الناصري أحد أمراء الطبلخانات ورأسه، نوبة ~~ثالث، وهو الملك الأشرف إينال، والأمير تغري برمش، ثم تتابع القوم طائفة ~~بعد طائفة، كل ذلك بعد أن انكسرت الفرنج وأسر صاحب قبرس، وقتل من قتل من ~~المسلمين. ولما ترادفت عساكر الإسلام ركبوا أقفية الفرنج ووضعوا في السيف، ~~وأكثروا من القتل والأسر، وانهزم من بقي من الفرنج إلى مدينة قبر الأفقسية. ~~ثم وجد المسلمون مع الفرنج طائفة من التركمان. المسلمين قد أمد الفرنج بهم ~~علي بك بن قرمان، عليه من الله ما يستحقه، فقتل المسلمون كثيرا منهم. ~~PageV04P0123 # واجتمع عساكر البر والبحر من المسلمين في الملاحة يوم الاثنين ثاني شهر ~~رمضان، وتسلم الأمير تغري بردي المحمودي صاحب قبرس، كل ذلك والمسلمون ~~يقتلون ويأسرون وينبهون حتى امتلأت أيديهم وتغلبوا عن حمل الغنائم. وأما ~~القتلى من الفرنج فلا تحصر ويستحى من ذكرها كثرة. حدثني بعض مماليك الوالد ~~ممن باشر الواقعة من أولها إلى آخرها، وجماعة كبيرة من الأصحاب الثقات ~~قالوا: كان موضع الواقعة أزيد من الفي قتيل من قتلى الفرنج، هذا الموضع ~~الذي كان فيه القتال، وأما الذي قتل من الفرنج بالضياع والأماكن وبطريق ~~قبرس فلا حد له ولا حساب، فإنه استمر القتل فيهم أياما. واستمروا الملاحة ~~إلى يوم الخميس خامس شهر رمضان، فساروا منها يريدون الأفقسية مدينة قبرس. ~~ولما ساروا وافاهم الخبر، بعد أن تقدم منهم جماعة كبيرة من المطوعة ~~والمماليك السلطانية إلى مدينة قبرس، بأن أربعة عشر مركبا من مراكب الفرنج ~~مشحونة بالسلاح والمقاتلة أتت المراكب لقتال المسلمين، منها سبعة أغربة ~~وسبعة مربعة القلاع، فلاقاهم الأمير ms3011 إينال الجكمي أمير مجلس، والأمير ~~قرامرادخجا الشعباني، والأمير طوغان السيفي تغري بردي أحد مقدمي دمشق ~~والأمير جاني بك رأس نوبة السيفي يلبغا الناصري المعروف بالثور وبمن انضاف ~~إليهم من المطوعة وغيرهم، وهؤلاء الأمراء الذين كانوا مقدمي العساكر في ~~البحر بالمراكب، واقتتلوا مع الفرنج المذكورين أشد قتال حتى هزموهم وأخذوا ~~منهم مركبا مربعا من مراكب الفرنج، بعد أن قتلوا منهم عدة كبيرة تقارب ما ~~ذكرنا ممن قتل بمكان الوقعة الأولى، وولت الفرنج الأدبار. واستمر الذي توجه ~~من الغزاة إلى الأفقسية من المماليك السلطانية وغيرهم يقتلون في طريقهم ~~ويأسرون إلى أن وصلوا إلى المدينة ودخلوا قصر الملك ونهبوه. ثم عادوا ولم ~~يحرقوا بمدينة قبرس إلا مواضع يسيرة، ولم يدخل المدينة أحد من أعيان ~~العسكر، وغالب الذي دخلها من المماليك السلطانية والمطوعة، وكان دخولهم ~~وإقامتهم بها وعودهم منها في يومين وليلة واحدة. ثم أقام جميع الغزاة ~~بالملاحة وأراحوا بها أبدانهم سبعة أيام، وهم يقيمون فيها شعائر الإسلام من ~~الأذان والصلاة والتسبيح، ولله الحمد على هذه المنة بهذا الفتح العظيم الذي ~~لم يقع مثله في الإسلام من يوم غزاهم معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، ~~في سنة نيف وعشرين من الهجرة. ثم ركبت الغزاة المراكب عائدين إلى جهة ~~الديار المصرية، ومعهم الأسرى والغنائم، ومن جملتها متملك قبرس، في يوم ~~الخميس ثاني عشر رمضان، بعد أن بعث أهل الماغوصة يطلبون الأمان. هذا ما كان ~~من أمرهم. انتهى. وجزيرة قبرس تسمى باللغة الرومية شبرا، والبحر يحيط بها ~~مائتي ميل، والميل أربعة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، والإصبع ~~ست شعيرات مضموم بعضها إلى بعض، والفرسخ بهذا الميل ثلاثة أميال، والبريد ~~بهذا الفرسخ أربعة فراسخ. وجزيرة قبرس من الإقليم الرابع من الأقاليم ~~السبعة، وسلطانها يقال له أراد شبرا: أي سلطان الجزيرة، وقبرس مدينة ~~بالجزيرة تسمى الأفقسية. ومسيرة جزيرة قبرس سبعة أيام. وبالجزيرة المذكورة ~~اثنا عشر ألف قرية كبارا وصغارا، وبمدنها وقراها من الكنائس والديارات ~~والقلالي والصوامع كثير. وبها البساتين المشتملة على الفواكه المختلفة، ~~وبها الرياحين العطرة ms3012 كالخزام والياسمين والورد والسوسن والنرجس والريحان ~~والنسرين والأقحوان وشقائق النعمان وغير ذلك. وبمدن الجزيرة المذكورة ~~الأسواق والخانات والحمامات والمباني العظيمة. انتهى. PageV04P0124 # وأما أمر السلطان الملك الأشرف برسباي، فإنه لما بلغه خبر أخذ قبرس في ~~يوم الاثنين ثالث عشرين رمضان حسبما تقدم ذكره كاد أن يطير فرحا. ولقد ~~رأيته وهو يبكي من شدة الفرح، وبكى الناس لبكائه، وصار يكثر من الحمد ~~والشكر لله. ودقت البشائر بقلعة الجبل وبسائر مدن الإسلام لما بلغهم ذلك، ~~وارتخت القاهرة وماجت الناس من كثرة السرور الذي هجم عليهم، وقرىء الكتاب ~~الوارد بهذا النصر على الناس بالمدرسة الأشرفية بخط العنبريين بالقاهرة حتى ~~سمعه كل من قصد سماعه وحضر. وقالت الشعراء في هذا الفتح عدة قصائد، من ذلك ~~القصيدة العظيمة التي نظمها الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن الخراط أحد ~~أعيان موقعي الدست بالديار المصرية، وأنشدها بين يدي السلطان بحضرة أرباب ~~الدولة، والقصيدة ثلاثة وسبعون بيتا، أولها: الكامل بشراك يا ملك المليك ~~الأشرفي ... بفتوح قبرس بالحسام المشرفي فتح بشهر الصوم تم له فيا ... لك ~~أشرف في أشرف في أشرف فتح تفتحت السموات العلى ... من أجله بالنصر واللطف ~~الخفي والله حف جنوده بملائك ... عاداتها التأييد وهو بها حفي ومنها: ~~الأشرف السلطان أشرف مالك ... لولاه أنفس ملكه لم تشرف هو مكتف بالله أحلم ~~قادر ... راض لآثار النبوة مقتفي حامي حمى الحرمين بيت الله وال ... قبر ~~الشريف لزائر ومطوف وكلها على هذا النسق. انتهى. قلت: وكل ذلك والنصارى ~~تكذب هذا الخبر وتستغربه من أسر متملك قبرس وهزيمته على هذا الوجه، لأن أمر ~~هذا النصر في غاية من العجب من وجوه عديدة: أولها: قلة من قاتل الفرنج من ~~المسلمين، فإنهم كانوا في غاية من القلة، بحيث إن العقل لا يقبل ذلك إلا ~~بعد وقوعه في هذه المرة. وثانيهما: أنه لم تتعب عساكر الإسلام ولا وقع ~~مصاف. وثالثها: أنه كان يمكن هزيمة صاحب قبرس من المسلمين بعد أيام كثيرة ~~من وجوه عديدة يطول الشرح في ذكرها لا تخفى على من له ذوق. ورابعها: ms3013 أنه ~~كان يمكن هزيمة الفرنج ولا يمكن مسك الملك وأسره أيضا من وجوه عديدة. ~~وخامسها: أن غالب العسكر إذا حصل لهم هزيمة يتحابون ويرجعون غير مرة على من ~~هزمهم، لا سيما كثرة عساكر الفرنج وقلة من حضر الوقعة من عساكر المسلمين في ~~هذه المرة، فكان على هذا يمكنهم الكر على المسلمين بعد هزيمتهم غير مرة. ~~وسادسها: أن الوقعة والقتال والهزيمة والقبض على الملك وتشتت شمل الفرنج ~~والاستيلاء على ممالكهم كل ذلك في أقل من نصف يوم، فهذا أعجب من العجب. وما ~~أرى إلا أن الله سبحانه وتعالى أعز الإسلام وأهله، وخذل الكفر وأهله بهذا ~~النصر العظيم الذي لم يسمع بمثله في سالف الأعصار، ولا فرح بمثله ملك من ~~ملوك الترك. ولقد صار للملك الأشرف برسباي بهذا الفتح ميزة على جميع ملوك ~~الترك إلى يوم القيامه. اللهم لا مانع لما أعطيت. ولما بلغ الملك ،عود ~~الغزاة المذكورين إلى جهة الديار المصرية، رسم فنودي بالقاهرة ومصر ~~بالزينة، ثم ندب السلطان جماعة كبيرة عن المماليك السلطانية بالتوجه إلى ~~الثغور لحفظ مراكب الغزاة بعد خروجهم منها خوفا من أن يطرقهم طارق من ~~الفرنج مما يأتي صاحب قبرس من نجدات الفرنج، وكان هذا من أكبر المصالح. ثم ~~رسم السلطان لهم أن يأخذوا جميع المراكب من ثغر دمياط ويأتوا بها إلى ثغر ~~الإسكندرية لتحفظ بها، وسبب ذلك أن الغزلة المذكورين كان منهم من وصل إلى ~~ثغر الإسكندرية، ومنهم من وصل الى ثغر دمياط، ومنهم من وصل إلى الطينة، ~~لكثرة المراكب ولاختلاف الأرياح. وبينما السلطان في انتظار المجاهدين قدم ~~عليه السيد الشريف بركات بن حسن بن عجلان أمير مكة منها، وقد استدير بعد ~~موت أبيه، فأكرمه السلطان وخلع عليه بإمرة مكة على أنه يقوم بما تأخر على ~~أبيه من الذهب، وهو مبلغ خمسة وعشرين ألف دينار، فإن أباه الشريف حسن بن ~~عجلان كان قد حمل من الثلاثين ألف دينار، التي التزم بها قبل موته خمسة ~~آلاف دينار. ثم التزم بركات أيضا بحمل عشرة آلاف دينار في كل ms3014 سنة، وأن لا ~~يتعرض السلطان لما يؤخذ من بندر جدة من عشور بضائع التجار الواصلة من الهند ~~وغيره، وأن يكون ذلك جميعه لبركات المذكور. انتهى. PageV04P0125 # ولما كان يوم عيد الفطر ابتدأ دخول الغزاة إلى ساحل بولاق أرسالا كما ~~خرجوا منها. ووافق في هذه الأيام وفاء النيل ستة عشر ذراعا، فتضاعف مسرات ~~الناس من كل جهة. واستمر دخولهم في كل يوم إلى ساحل بولاق إلى أن تكامل في ~~يوم الأحد سابع شوال، ونزلوا بالميدان الكبير بالقرب من موردة الجبس. ~~وأصبحوا من الغد في يوم الاثنين ثامن شوال، وهو يوم فطر السلطان فإنه كان ~~يصوم الستة أيام من شوال، طلعوا إلى القلعة على كيفية ما يذكر، وهم جميع ~~الأمراء والأعيان من المجاهدين والأسرى، والغنائم بين أيديهم، ومتملك قبرس ~~الملك جينوس بن جاك أمامهم وهو منكس الأعلام، وقد اجتمع لرؤيتهم خلائق لا ~~يعلم عدتهم إلا الله تعالى، حتى أتت أهل القرى والبلدان من الأرياف للفرجة. ~~وركبت الأمراء من الميدان ومعهم غالب الغزاة، وساروا من أرض اللوق حتى ~~خرجوا من المقس ودخلوا من باب القنطرة، وشقوا القاهرة إلى باب زويلة، ~~وتوجهوا من الصليبة من تحت الخانقاه الشيخونية من سويقة منعم إلى الرميلة، ~~والخلق في طول هذه المواضع تزدحم بحيث إن الرجل لا يسمع كلام رفيقه من كثرة ~~زغاريد النساء، التي صفت على حوانيت القاهرة بالشوارع من غير أن يندبهم أحد ~~لذلك، والإعلان بالتكبير والتهليل، ومن عظم التهاني. هذا مع تخليق الزعفران ~~والزينة المخترعة بسائر شوارع القاهرة حتى في الأزقة. وفي الجملة كان هذا ~~اليوم من الأيام التي لم نرها قبلها ولا سمعنا بمثلها. وساروا على هذه ~~الصفة إلى أن طلعوا إلى القلعة من باب المدرج، وهم مع ذلك في ترتيب في ~~مشيهم يذهب العقل وهو أنهم قدموا أولا الفرسان من الغزاة أمام الجميع، ومن ~~خلف الفرسان طوائف الرجالة من المطوعة وعشران البلاد الشامية وعربان البلاد ~~وزعر القاهرة، ومن خلف هؤلاء الجميع الغنائم محمولة على رؤوس الحمالين، ~~وعلى ظهور الجمال والخيول والبغال والحمير، والتي كانت ms3015 على الرؤوس فيها تاج ~~الملك وأعلامه منكسة وخيله تقاد من وراء الغنائم، ثم من بعدهم الأسرى من ~~رجال الفرنج، ثم من بعدهم السبي من النساء والصغار، وهم أزيد من ألف أسير ~~تقريبا سوى ما ذهب في البلاد والقرى مع المطوعة وغيرهم من غير إذن مقدم ~~العساكر، وهو أيضا يقارب ما ذكر، ومن وراء الأسرى جينوس ملك قبرس وهو راكب ~~على بغل بقيد حديد، وأركب معه اثنان من خواصه، وعن يمينه الأمير إينال ~~الجكمي أمير مجلس، وأمامه قرا مراد خجا الشعباني أحد مقدمي الألوف أيضا، ~~وعن يسار، الأمير تغري بردي المحمودي رأس نوبة النوب، وأمامه الأمير حسين ~~المدعو تغري برمش المحمودي رأس نوبة ترب، وأمامه الأمير حسين المدعو تغري ~~برمش أحد مقدمي الآلوف أيضا، وأمامهم أمراء الطبلخانات والعشرات على ~~مراتبهم، وأمراء البلاد الشامية. وساروا على هذه الصفة حتى طلعوا إلى ~~القلعة، فأنزل جينوس عن البغل وكشف رأسه عند باب المدرج، وقد احتاطه الحجاب ~~وأمراء جاندار، وقد صفت العساكر الإسلامية من باب المدرج إلى داخل الحوش ~~السلطاني. فلما دخل جينوس من باب المدرج قبل الأرض، ثم قام ومشى ومعه ~~الأمراء من الغزاة والحجاب ورؤوس النوب وهو يرسف في قيوده على مهل لكثرة ~~الزحام. PageV04P0126 # هذا وقد جلس الملك الأشرف بالمقعد الذي على باب البحرة المقابل لباب ~~الحوش السلطاني في موكب عظيم من الأمراء والخاصكية، وعنده الشريف بركات بن ~~حسن بن عجلان أمير مكة، وهو جالس فوق الأمراء، ورسل خوند كار مراد بن عثمان ~~متملك بلاد الروم، ورسل صاحب تويس من بلاد المغرب، ورسول الأمير عذرا أمير ~~العرب بالبلاد الشامية وقد طال جلوس الجميع عند السلطان إلى قريب الظهر، ~~والسلطان يرسل إلى الغزاة رسولا بعد رسول باستعجالهم حتى اجتازوا بتلك ~~الأماكن المذكورة، فإنها مسافة طويلة، وأيضا لا يقدرون على سرعة المشي من ~~كثرة ازدحام الناس بالطرقات. ثم ساروا من باب المدرج إلى أن دخلوا باب ~~الحوش، فلما رأى متملك قبرس السلطان وهو جالس على المقعد المذكور في موكبه، ~~وأمره من معه بتقبيل الأرض، غشي ms3016 عليه وسقط إلى الأرض. ثم أفاق وقبل الأرض، ~~وقام على قدميه عند باب الحوش تجاه السلطان على بعد. وسارت الغنائم بين يدي ~~السلطان حتى عرضت عليه بتمامها وكمالها، ثم الأسرى بأجمعهم حتى انتهى ذلك ~~كله، فتقدمت الأمراء الغزاة وقبلوا الأرض على مراتبهم إلى أن كان آخرهم ~~الأمير إينال الجكمي مقدم العساكر. ثم أمر السلطان بإحضار متملك قبرس، ~~فتقدم ومشى وهو بقيوده، ورأسه مكشوفة، وبعد أن مشى خطوات أمر فقبل الأرض، ~~ثم قام، ثم قبل الأرض ثانيا بعد خطوات، وأخذ يعفر وجهه في التراب، ثم قام ~~فلم يتمالك نفسه، وقد أذهله ما رأى من هيبة الملك وعز الإسلام، فسقط ثانيا ~~مغشيا عليه. ثم أفاق من غشوته وقبل الأرض، وأوقف ساعة بالقرب من السلطان ~~بحيث إنه يتحقق شكله. هذا والجاويشية تصيح، والشبابة السلطانية تزعق، ~~والأزان يضرب على آلته، ورؤوس النوب والحجاب تهول الناس بالعصي من كثرة ~~العساكر، والناس بالحوش المذكور، هذا مع ما الناس فيه من التهليل والتكبير ~~بزقاقات القلعة، وأطباق المماليك السلطانية وغيرها. ثم أمر السلطان بجينوس ~~المذكور أن، يتوجه إلى مكان بالحوش السلطاني، فمروا به في الحال إلى المكان ~~المذكور. ثم طلب السلطان مقدمي عساكر الغزاة من أمراء مصر والشام والخاصكية ~~المقدم كل واحد منهم على مركب، وكانوا كثيرا جدا، لأن عدة مراكب الغزاة ~~المصريين والشاميين زادت على مائة قطعة، وقيل مائتان، وقيل أكثر أو أقل ما ~~بين أغربة، وقراقير، وزوارق وغير ذلك. فأول من بدأ بهم السلطان وخلع عليهم ~~أمراء الألوف بمصر والشام، وخلع على كل واحد منهم أطلسين متمرا، وقيد له ~~فرسا بقماش ذهب، وهم الأمير إينال الجكمي أمير مجلس، والأمير تغري بردي ~~المحمودي الناصري رأس نوية النوب، والأمير قرامرادخجا الشعباني الظاهري ~~برقوق أمير جاندار، والأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش البهسني ~~التركماني أحد مقدمي الألوف، والأمير طوغان السيفي تغري بردي أحد مقدمي ~~الألوف بدمشق، ثم أمراء الطبلخانات والعشرات من أمراء مصر والشام على كل ~~واحد فوقاني كمخا أحمر وأخضر وبنفسجي بطرز زركش على قدر مراتبهم، وكذلك ms3017 كل ~~مقدم مركب من الخاصكية والأجناد وغيرهم، فكان هذا اليوم يوما عظيما جليلا ~~لم يقع مثله في سالف الأعصار، أعز الله تعالى فيه دين الإسلام وأيده وخذل ~~فيه الكفر وبدده. ثم انفض الموكب ونزل كل واحد إلى داره. وقد كثرت التهاني ~~بحارات القاهرة وظواهرها لقدوم المجاهدين حتى إن الرجل كان لا يجتاز بدرب ~~ولا حارة إلا وجد فيها التخليق بالزعفران والتهاني. ثم أمر السلطان بهدم ~~الزينة فهدمت، وكان لها مدة طويلة. ثم أصبح السلطان من الغد وهو يوم ~~الثلاثاء تاسع شوال جمع التجار لبيع الغنائم من القماش والأواني والأسرى. ~~PageV04P0127 # ثم أرسل السلطان يطلب من متملك قبرس المال، فقال: مالي إلا روحي، وهي ~~بيدكم، وأنا رجل أسير لا أملك الدرهم الفرد، من أين تصل يدي إلى مال أعطيه ~~لكم؟. وتكرر الكلام معه بسبب ذلك وهو يجيب بمعنى ما أجاب به أولا، حتى طلبه ~~السلطان بالحوش، وكان به أسارى الفرنج، فلما حضر بين يدي السلطان وقبل ~~الأرض وأوقف، وشاهده الأسرى من الفرنج في تلك الحالة صرخوا بأجمعهم صرخة ~~واحدة، وحثوا التراب على رؤوسهم، والسلطان ينظر إليهم من مجلسه بالمقعد ~~الذي كان جلس به من أمسه. وسبب صراخ الأسرى وعظيم بكائهم أنه كان فيهم من ~~لا يصدق أن ملكهم قد أسر لكثرتهم وتفرقهم في المراكب، والاحتفاظ بهم، وعدم ~~اجتماع بعضهم على بعض، فكان إذا قيل لبعضهم: إن ملككم معنا أسير، يضحك، ثم ~~يقول: أين هو؟ فإذا قيل له: بهذه المركب، ويشار إلى مركب الأمير تغري بردي ~~المحمودي يهزأ بذلك ويبتسم. فلما عاينوه تحققوا أسره وهالهم ذلك، وقيل إن ~~بعض سبي الفرنج سألت من رجل من المسلمين، لما كسروا الصليب الكبير الذي ~~يعرف به جبل الصليب ببلادهم، وكان هذا الصليب معظما عندهم إلى الغاية، ~~وقالت: نحن إذا حلف منا رجل أو امرأة على هذا الصليب باطلا أوذي في الوقت، ~~وأنتم قد كسرتموه وأحرقتموه ولم يصبكم بأس ما سبب ذلك؟ فقال لها الرجل: ~~أنتم أطعتم الشيطان فصار يغويكم ويستخف بعقولكم، ونحن قد هدانا الله ~~للإسلام ms3018 وأنزل علينا القرآن فلا سبيل له علينا، فعندما كسرناه بعد أن ذكرنا ~~اسم الله تعالى عليه فر منه الشيطان وذهب إلى لعنة الله، فقالت المرأة: هو ~~ما قلته، وأسلمت هي وجماعة معها. انتهى. ولما أوقف جينوس المذكور بالحوش ~~بين يدي السلطان، وأوقف معه جماعة من قناصلة الفرنج ممن كان بمصر وأعمالها، ~~وتكلم الترجمان معه فيما يفدي به نفسه من المال وإلا يقتله السلطان، صمم هو ~~على مقالته الأولى، فالتزم القناصلة عنه بالمال لفدائه من غير تعيين قدر ~~بعينه، ولكنهم أجابوا السلطان بالسمع والطاعة فيما طلبه، وعادوا بجينوس إلى ~~مكانه من الحوش والترسيم عليه، وكان الذي رسم عليه السيفي أركماس المؤيدي ~~الخاصكي المعروف بأركماس فرعون. وأقام جينوس بمكانه إلى يوم الأربعاء، فرسم ~~له السلطان ببدلتين من قماشه، وأمر له بعشرين رطل لحم في كل يوم، وستة ~~أطيار دجاج، وخمسمائة درهم فلوسا برسم حوائج الطعام، وفسح له في الاجتماع ~~بمن يختاره من الفرنج وغيرهم، وأدخل إليه جماعة من حواشيه لخدمته. كل ذلك ~~والسلطان مصمم على طلب خمسمائة ألف دينار منه يفدي بها نفسه وإلا يقتله، ~~والرسل تتردد بينهم من التراجمين والقناصلة إلى أن تقرر الصلح بعد أيام على ~~أنه يحمل مائتي ألف دينار يقوم منها بمائة ألف دينار عاجلة، وإذا عاد إلى ~~بلاده أرسل بالمائة ألف دينار الأخرى، وضمنه جماعة في ذلك، وأنه يقوم في كل ~~سنة بعشرين ألف دينار جزية. واشترط جينوس مع السلطان أن يكف عنه طائفة ~~البنادقة وطائفة الكيتلان من الفرنج، فضمن له السلطان ذلك، وانعقد الصلح، ~~ثم أطلقه من السجن بعد أيام كما سنذكره في يومه. هذا ما كان من أمر صاحب ~~قبرس وغزوه. انتهى. وأما أمور المملكة فإنه لما كان يوم الخميس حادي عشر ~~شوال المذكور سافر الشريف بركات بن حسن من القاهرة إلى مكة المشرفة أميرا ~~بها مكان والده حسن. ثم في يوم الاثنين خامس عشر شوال خلع السلطان على ~~الأمير، الجكمي أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن الأتابك يشبك الأعرج ~~وكانت شاغرة عنه من ms3019 يوم صار أتابك العساكر لغيبة إينال هذا في الجهاد، وخلع ~~على الأمير جرباش الكريمي قاشق حاجب الحجاب باستقراره أمير مجلس عوضا عن ~~إينال الجمكي، وخلع على الأمير قرقماش الشعباني الناصري باستقراره حاجب ~~الحجاب بالديار المصرية عوضا عن جرباش المذكور. PageV04P0128 # ثم في ثامن عشرة خلع السلطان على الشريف خشرم بن دوغان بن جعفر الحسيني ~~باستقراره أمير المدينة النبوية عوضا عن الشريف عجلان بن نعير منصور بن ~~جماز على أنه يقوم بخمسة آلاف دينار. ووقع بسبب ولاية خشرم هذا بالمدينة ~~حادثة قبيحة، وهي أن خشرما المذكور لما قدم المدينة، وقد رحل عنها المعزول ~~عنها وهو الشريف عجلان بن نعير لما بلغه عزله، فلم يلبث خى بالمدينة غير ~~ليلة واحدة وصبحه عجلان بجموعه، وقد حشد العربان، وقاتل الشريف خشرما وحصره ~~ثلاثة أيام حتى كسروه، ودخل العرب المدينة ونهبوا دورها، وشعثوا أسوارها، ~~وأخذوا ما كان للحجاج الشاميين من ودائع وغيرها وقبضوا على خشرم المذكور ثم ~~أطلقوه بسبب من الأسباب، واستهانوا بحرمة المسجد، وارتكبوا عظائم. كل ذلك ~~في أواخر ذي القعدة. ثم في يوم الخميس ثاني عشرين ذي الحجة قدم الأمير ~~جارقطلو الظاهري برقوق نائب حلب، فطلع إلى القلعة وقبل الأرض وخلع السلطان ~~عليه خلعة الاستمرار على نيابته، واستمر بالقاهرة إلى يوم السبت أول محرم ~~سنة ثلاثين وثمانمائة خلع السلطان عليه خلعة السفر وخرج من يومه إلى محل ~~كفالته. ثم في يوم الخميس سادس المحرم خلع السلطان على الأمير أزدمر علي ~~خان الظاهري أحد مقدمي الألوف بديار مصر المعروف بشايا باستقراره في حجوبية ~~حلب قلت: درجة إلى أسفل فإنه يستحق ذلك وزيادة لما كان يشتمل عليه من ~~المساوىء والقبائح، لا أعرف في أبناء جنسه أقذر منه، كان دميم الخلق مذموم ~~الخلق، بشع المنظر، كريه المعاشرة، بخيلا متكبرا، ظالما جبارا، هذا مع ~~الجبن والجهل المفرط وعدم التفات الملوك إليه في كل دولة من الدول، وعد ~~إخراجه من مصر من حسنات الملك الأشرف، وأنا أقول لو كان الرجل يرزق على قدر ~~معرفته، وما يحسنه من الفضائل والفنون، ms3020 لكانت رتبة أزدمر هذا أن يكون صبيا ~~لبعض أوباش السراباتية. وقد استوعبنا مساوئه في ترجمته في تاريخنا المنهل ~~الصافي والمستوفي بعد الوافي. انتهى. ثم أخذ السلطان في الفحص على جاني بك ~~الصوفي على عادته. وأهل شهر ربيع الأول، ففي ليلة الجمعة رابعه عمل السلطان ~~المولد النبوي بالحوش من قلعة الجبل. ثم في يوم السبت حادي عشرينه أفرج ~~السلطان عن جينوس متملك قبرس من سجنه بقلعة الجبل، وخلع عليه، وأركبه فرسا ~~بسرج ذهب وكنبوش زركش، ونزل إلى القاهرة في موكب، وأقام بدار أعدت له، وقد ~~استقر أركماس المؤيدي المعروف بفرعون مسفره، وصار يركب من منزله المذكور ~~ويمر بشوارع القاهرة ويزور كنائس النصارى ومعابدهم، ويتوجه إلى حيث اختار ~~من غير حجر عليه، بعد أن أجرى السلطان عليه من الرواتب ما يقوم به وبمن في ~~خدمته. هذا والخدم تأتيه من النصارى والكتاب والقناصلة. وحضرت أنا معه في ~~مجلس فرأيت له فوقا ومعرفة، عرفت منه بالحدس، كونه لا يعرف باللغة العربية. ~~ولما كان يوم الخميس سابع جمادى الأولى خلع السلطان على الأمير جرباش ~~الكريمي قاشق أمير مجلس باستقراره في نيابة طرابلس عوضا عن الأمير قصروه من ~~تمراز، بحكم انتقال قصروه إلى نيابة حلب عوضا عن جارقطلو بحكم عزل جارقطلو ~~وقدومه إلى القاهرة. وفيه قدم رسول صاحب رودس الفرنجي، فأركب فرسا، وفي ~~صدره صليب، وأطلع إلى القلعة، وقبل الأرض بين يدي السلطان، وسأل عن مرسله ~~صاحب رودس أنه طلب الأمان، وأنه يسأل أن يعفى من تجهيز العساكر الإسلامية ~~إليه، وأن يقوم للسلطان بما يطلبه منه وكان السلطان تكلم قبل تاريخه في ~~غزوة رودس المذكورة. ثم في يوم الخميس خامس جمادى الآخرة خلع السلطان على ~~جينوس بن جاك متملك قبرس خلعة السفر. ثم في يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة ~~المذكورة أمسك السلطان الأمير تغري بردي المحمودي رأس نوبة النوب، بعد ~~فراغه من لعب الكرة بالحوش السلطاني، فقبض على تغري بردي المذكور وهو بقماش ~~لعب الكرة، وقيد وأخرج من يومه إلى سجن الإسكندرية، ولم يعلم أحد ذنبه ms3021 عند ~~السلطان حتى ولا تغري بردي المذكور، فإني سألته فيما بعد فقال: لا أعلم على ~~ماذا أمسكت. غير أن المقريزي ذكر أنه له ذنوب وأسباب في مسكه نذكرها بعد أن ~~نذكر قصة مباشره. PageV04P0129 # واتفق في مسكه حادثة غريبة، وهو أن رجلا من مباشريه س يقال له ابن ~~الشامية كان بخدمته، فلما بلغه القبض عليه شق عليه ذلك، وخرج إلى جهة ~~القلعة ليسلم عليه، فوافى نزوله من القلعة مقيدا إلى الإسكندرية، فصار يصيح ~~ويبكي ويستغيث وهو ماش معه حتى وصل إلى ساحل النيل، ووقف حتى أحدر أستاذه ~~تغري بردي المحمودي في الحراقة إلى جهة الإسكندرية، فلما عاين سفره اشتد ~~صراخه إلى أن سقط ميتا، فحمل إلى داره وغسل وكفن ودفن. ثم خلع السلطان على ~~الأمير أركماس الظاهري باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن تغري بردي ~~المذكور، وأنعم عليه بإقطاعه أيضا، وأنعم بإقطاع أركماس المذكور وتقدمته ~~على الأمير قاني باي الأبوبكري الناصري المعروف بالبهلوان ثاني رأس نوبة، ~~وأنعم بطبلخاناه قاني باي على سودون ميق الأمير آخور الثاني، وخلع على ~~الأمير إينال العلائي الناصري باستقراره رأس نوبة ثانيا عوضا عن قاني باي ~~البهلوان المذكورة وإينال هذا هو الملك الأشرف إينال سلطان زماننا. وأما ما ~~وعدنا بذكره من قول المقريزي في سبب مسك تغري بردي المذكور قال: وهذا ~~المحمودي من جملة مماليك الملك الناصر فرج. فلما قتل فرج خدم عند الأمير ~~نوروز الحافظي بدمشق، وصار له ميزة عنده، فلما قتل نوروز سجنه الملك المؤيد ~~شيخ بقلعة فما زال محبوسا بها حتى تنكر المؤيد على الأمير برسباي الأمير ~~الدقماقي نائب طرابلس وسجنه بالمرقب مع المحمودي، وإينال الششماني، فرأى ~~تغري بردي المحمودي في ليلة من الليالي مناما يدل على أن برسباي يتسلطن، ~~فأعلمه به، فعاهده على أن يقدمه إذا تسلطن ولا يعترضه بمكروه. فلما كان من ~~سلطنة الملك الأشرف برسباي ما كان، وتقدمته للمحمودي فيما مضى، وتمادى ~~الحال إلى أن بات بالقصر على عادته، فقال لبعض من يثق به من المماليك ما ~~تقدم من منامه بالمرقب ms3022 وأنه وقع كما رأى، وأنه أيضا رأى مناما يدل على أنه ~~يتسلطن ولا بد، فوشى ذلك المملوك به للسلطان فحرك منه كوامن، منها أنه صار ~~يقول: لما حججنا أحضرت ابن عجلان، ولما مضيت إلى قبرس أسرت ملكها، أين كان ~~الأشرف حتى يقال هذا بسعده؟ والله ما كان هذا إلا بسعدي، وتنقل كل ذلك إلى ~~السلطان. انتهى كلام المقريزي بتمامه. ثم في يوم الاثنين أول شهر رجب قدم ~~الخبر على السلطان بموت المنصور عبد الله ابن الملك الناصر أحمد صاحب ~~اليمن، وأن أخاه ملك وبعده ولقب بالأشرف إسماعيل. ثم في يوم الاثنين ثامن ~~شهر رجب قدم الأمير جارقطلو المعزول عن نيابة حلب إلى القاهرة، وطلع إلى ~~القلعة، وقبل الأرض، فخلع عليه السلطان باستقراره أمير مجلس عوضا عن جرباش ~~قاشق بحكم انتقال جرباش إلى طرابلس حسبما تقدم ذكره. ثم في تاسع عشر رجب ~~المذكور توجه الزيني عبد الباسط ناظر على الهجن إلى حلب لعمارة سورها ولغير ~~ذلك من المهمات السلطانية بعده عدة خيول قبل ذلك بأيام. ثم في يوم الخميس ~~أول شهر رمضان فتح الجامع الذي أنشأه جاني بك الأشرفي الدوادار الثاني ~~بالشارع الاعظم خارج باب زويلة القربيين، وأقيم به الجمعة في يوم الجمعة ~~ثانيه. ثم في سابع عشر شهر رمضان المذكور قدم عبد الباسط إلى القاهرة حلب ~~وطلع إلى القلعة، وخلع السلطان عليه. ثم في ثالث عشرينه طلع زين الدين عبد ~~الباسط بهدية إلى السلطان فيها مائتا فرس، وحلي كثير ما بين زركش ولؤلؤ ~~وقماش مذهب برسم السلطان صوف وفرو وغيره. ثم في عاشر ذي القعدة قدم الخبر ~~على السلطان بأن قاضي قضاة دمشق نجم الدين عمر بن حجي وجد مذبوحا على فراشه ~~ببستانه بالنيرب خارج دمشق ولم يعرف قاتله، واتهم الناس الشريف كاتب سر ~~دمشق ابن الكشك وعبد الباسط بالممالأة على قتله، وراحت على من راحت. وكان ~~ابن حجي المذكور من أهل دمشق وفضلائهم، وقد تقدم من ذكره نبذة في ولايته ~~كتابة سر مصر قبل تاريخه. ثم في رابع عشر ms3023 ذي القعدة، خلع السلطان على ~~الأمير قاني باي البهلوان أحد مقدمي الألوف يمصر باستقراره في نيابة ملطية ~~زيادة على ما بيده من إقطاع تقدمة ألف بديار مصر عوضا عن أزدمر شايا المقئم ~~ذكره لعجزه عن القيام بقتال التركمان، وأعيد أزدمر شايا إلى إقطاعه بحلب ~~كما كان أولا. PageV04P0130 # ثم في يوم الاثنين سلخ ذي القعدة خلع السلطان على بهاء الدين محمد ابن ~~الفاضي نجم الدين عمر بن حجي باستقراره قاضي قضاة دمشق عوضا عن والده بحكم ~~وفاته، وولي بهاء الدين هذا القضاء قبل أن يستكمل عذاره. ثم في سابع عشرين ~~ذي الحجة قدم مبشر الحاج وأخبر بسلامة الحاج ورخاء الأسعار بمكة، وأنه قرىء ~~مرسوم السلطان بمكة المشرفة في الملأ بمنع الباعة من بسط البضائع أيام ~~الموسم في المسجد الحرام، ومن ضرب الناس الخيام بللمسجد المذكور على مصاطبه ~~وأمامها ومن تحويل المنبر في يوم الجمعة والعيدين من مكانه إلى جانب الكعبة ~~حتى يسند إليها، فأمر أن يترك مكانه مسامتا لمقام إبراهيم الخليل عليه ~~السلام، ويخطب الخطيب عليه هناك: وأن تسد أبواب المسجد بعد انقضاء الموسم ~~إلا أربعة أبواب من كل جهة باب واحد، وأن تسد الأبواب الشارعة من البيوت ~~إلى سطح المسجد، فامتثل جميع ذلك. قال المقريزي: وأشبه هذا قول عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنه، وقد سأله رجل عن دم البراغيث، فقال: عجبا لكم يا أهل ~~العراق، تقتلون الحسين بن علي وتسألون عن البراغيث، وذلك أن مكة استقرت دار ~~مكس، حتى إنه يوم عرفة قام المشاعلي، والناس بذلك الموقف العظيم يسألون ~~الله مغفرة ذنوبهم، فنادى معاشر الناس كافة: من اشترى بضاعة وسافر بها إلى ~~غير القاهرة حل دمه وماله للسلطان، فأخر التجار القادمون من الأقطار حتى ~~ساروا مع الركب المصري على ما جرت به هذه العادة المستجدة منذ سنين لتؤخذ ~~منهم مكوس بضائعهم، ثم إذا ساروا من القاهرة إلى بلادهم من البصرة والكوفة ~~والعراق أخذ منهم المكس ببلاد الشام وغيرها، فهذا لا ينكر وتلك الأمور ~~بعثنا بإنكارها. انتهى كلام المقريزي. ms3024 قلت: أنا لا أتابعه على ما أعاب، ~~وأبلق خير من أسود. وكونه رسم برد التجار إلى الديار المصرية لتؤخذ منهم ~~المكوس لايلزم أنه لايفعل معروفا آخر. وأما جميع ما أبطله ورسم بمنعه ففيه ~~غاية الصلاح والتعظيم للبيت العتيق. أما منع الباعة بالحرم فكان من أكبر ~~المصالح والمعروف، فإنه كان يقوم الشخص في طوافه وعبادته وأذنه ملأى من ~~صياح الباعة والغوغاء من كثرة ازدحام الشراة. وأما نصب الخيام فكان من أكبر ~~القبائح، ولعل الله تعالى يغفر للملك الأشرف جميع ذنوبه بإبطال ذلك من ~~الحرم الشريف، فإنه قيل إن بعض الناس كان إذا نصب خيامه بالمسجد الحرام نصب ~~به أيضا بيت الراحة وحفر له حفرة بالحرم، وفي هذا كفاية. وأما تحويل المنبر ~~فإنه قيل للسلطان إن المنبر في غاية ما يكون من الثقل، وأنه كلما ألصق ~~بالبيت الشريف انزعج منه وتصدع، فمنع بسبب ذلك، وقد صار الآن يحول إلى ~~القرب من البيت، غير أنه لا يلصق به، فحصلت المصلحة من الجهتين. وأما غلق ~~أبواب المسجد في غير أيام الموسم إلا أربعة فيعرف فائدة ذلك من جاوره بمكة، ~~ويطول الشرح في ذكر ما يتأتى من ذلك من المفاسد، وإن كان فيه بعض مصلحة ~~لسكان مكة. انتهى. ثم في رابع عشرين ذي الحجة قبض بالمدينة على أميرها ~~الشريف خشرم بن دوغان بن جعفر بن هبة الله بن جماز بن منصور بن جماز، فإنه ~~لم يقم بالمبلغ الذي وعد به، واستقر عوضه في إمرة المدينة الشريفة مانع بن ~~علي بن عطية بن منصور بن جماز بن شيحة بن هاشم بن قاسم بن مهنا بن داود بن ~~قاسم بن عبد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسين بن جعفر بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجهه. ثم في يوم الجمعة ثالث المحرم سنة إحدى وثلاثين ~~وثمانمائة قدم الحمل من جزيرة قبرس، ومبلغه خمسون ألف دينار مشخصة، فرسم ~~السلطان بضربها دنانير أشرفية، فضربت بقلعة الجبل والسلطان ينظر إليها إلى ~~أن تمت. ثم في يوم ms3025 السبت حادي عشر المحرم المذكور ركب السلطان من قلعة ~~الجبل بغير قماش الخدمة ونزل إلى دار الأمير جاني بك الأشرفي الدوادار ~~الثاني بحدرة البقر ليعوده في مرضه. ثم في يوم الأربعاء ثاني عشرينه قدم ~~الركب الأول من الحاج، وقدم المحمل من الغد ببقية الحاج، ومعهم الشريف خشرم ~~في الحديد، وقدم معهم أيضا الأمير بكتمر السعدي من المدينة، وكان له بها من ~~العام الماضي. PageV04P0131 # ثم في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من سنة إحدى وثلاثين خلع السلطان على ~~قاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي، وأعيد إلى قضاء ~~الحنابلة بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ~~الحنبلي. ولم يكن عزل عز الدين المذكور لسوء سيرته، بل إنه سار في القضاء ~~،على طريق غير معتادة، وهو أنه صار يمشي في الأسواق ويشتري ما يحتاجه بيده ~~من الأسواق، وإذا ركب أردف خلفه على بغلته عبده، ويمر على هذه الهيئة بجميع ~~شوارع القاهرة. وكان كثير التردد إلي في كل وقت، لأنه كان من جمله أصحاب ~~الوالد، فكان يأتي من المدرسة الصالحية ماشيا، ويجلس حيث انتهى به المجلس، ~~فلم يحسن ذلك ببال أعيان الدولة، وحملوه على أنه يفعل ذلك تعمدا، ليقال، ~~وقالوا للسلطان، وكان له إليه ميل زائد: هذا مجنون. ولا زالوا به حتى عزله ~~وأعاد القاضي محب الدين. ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشر صفر المذكور ركب ~~السلطان من القلعة بغير قماش الخدمة، وقد صار ركوب السلطان بغير قماش ~~الخدمة عادة، وكان يقبح ذلك في سالف الأعصار، وأول من فعل ذلك الملك الناصر ~~فرج، ثم المؤيد، ثم الأشرف هذا. انتهى. وسار حتى شق القاهرة ودخل من باب ~~زويلة وخرج من باب النصر إلى خليج الزعفران، فرأى البستان الذي أنشأه هناك، ~~وعاد من خارج القاهرة على تربته التي عمرها بجوار تربة الملك الظاهر برقوق ~~بالصحراء، ثم سار حتى طلع إلى القلعة. ثم في ليلة الجمعة. سابع شهر ربيع ~~الأول قرىء المولد النبوي بالحوش السلطاني من قلعة الجبل على العادة. ms3026 ثم في ~~يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول المذكور أنعم السلطان بإقطاع الأمير ~~بكتمر السعدي على الأمير قجقار السيفي بكتمر جفق الزردكاش المعروف بجغتاي، ~~والإقطاع إمرة طبلخاناه، بعد موت بكتمر السعدي. وكان بكتمر من محاسن الدهمر ~~معدودا من أرباب الكمالات. كان فقيها جنديا شجاعا عالما، هنيا قويا عاقلا، ~~مقداما عفيفا لطيفا، لا أعلم في أبناء جنسه من يدانيه أو يقاريه في كثرة ~~محاسنه. صحبته سنين، وانتفعت بفضله ومعرفته وأدبه. وقد استوعبنا ترجمته في ~~تاريخنا المنهل الصافي، ويأتي ذكره أيضا في الحوادث من هذا الكتاب في محله ~~إن شاء الله تعالى، ولهو أحق بقول القائل: الكامل عقم النساء فما يلدن ~~شبيهه ... إن النساء بمثله عقم ثم في آخر شهر ربيع الأول استقر تمرباي ~~التمربغاوي الدوادار الثالث دوادارا ثانيا بعد موت الأمير جاني بك الأشرفي ~~الدوادار، ولم ينعم عليه بإمرة إلا بعد مدة طويلة، أنعم عليه بإمرة عشرة. ~~وأما جاني بك فيأتي ذكره في الوفيات مطولا إن شاء الله تعالى. ثم في شهر ~~ربيع الآخر من هذه السنة تشكى التجار الشاميون من حملهم البضائع التي ~~يشترونها من بندر جدة إلى القاهرة، فوقع الاتفاق على أن يؤخذ منهم بمكة عن ~~كل حمل، قل ثمنه أو كثر، ثلاثة دنانير ونصف، وأن يعفوا عن حمل ما يقبضونه ~~من جدة إلى مصر، فإذا حملوا ذلك إلى دمشق أخذ مكسها هناك على ما جرت به ~~العادة، وتم ذلك. PageV04P0132 # قال المقريزي: وفي هذا الشهر، يعني عن جمادى الأولى من سنة إحدى وثلاثين ~~وثمانمائة، كانت الفتنة الكبيره بمدينة تعز من اليمن، وذلك أن الملك الأشرف ~~إسماعيل ابن الملك الأفضل عباس بن المجاهد علي بن المؤيد داود المظفر يوسف ~~بن المنصور عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن لما مات قام بعده ابنه الملك ~~الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل، وقام بعد الناصر أحمد الملك المنصور عبد ~~الله في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانماثة، وفي جمادى الآخرة سنة ~~ثلاثين وثمانمائة، فأقيم بعده أخوه الملك الأشرف إسماعيل بن أحمد الناصر ms3027 ~~فتغيرت عليه نيات الجند كافة من أجل وزيره شرف الدين إسماعيل بن عبد الله ~~بن عبد الرحمن بن عمر العلوي، فإنه أخر صرف جوامكهم ومرتباتهم، فتغيرت منه ~~القلوب، وكثرت حساده لاستبداده على السلطان وانفراده بالتصرف دونهم، وكان ~~يليه في الرتبة الأمير شمس الدين علي بن الحسام ثم القاضي نور الدين علي ~~المحالبي مشد الاستيفاء. فلما اشتد الأمر على العسكر وكثرت إهانة الوزير ~~لهم وإطراحه جانبهم ضاقت عليهم الأحوال حتى كادوا يموتوا جزعا، فائفق تجهيز ~~خزانة من عدن وبرز الأمر بتوجه طائفة من العبيد والأتراك إليها لتلفيها، ~~فسألوا أن ينفق فيهم أربعة دراهم لكل واحد منهم يرتفق بها، فامتنع الوزير ~~ابن العلوي من ذلك، وقال: ليمضوا غصبا إن كان غرض في الخدمة، وحين وصول ~~الخزانة يكون خيرا، وإلا ففسح الله لهم، للدهر بهم حاجة، والسلطان غني ~~عنهم، فهيج هذا القول خفاء بواطنهم وتحالف العبيد والترك على الفتك ~~بالوزير، وإثارة فتنة فبلغ الخبر السلطان، فأعلم به الوزير، فقال: ما يسووا ~~شيئا، بل نشق كل عشرة في موضع، وهم أعجز من ذلك. فلما كان يوم الخميس تاسع ~~جمادى الأولى هذه قبيل المغرب هجم جماعة من العبيد والترك دار العدل بتعز، ~~وافترقوا أربع فرق: فرقة دخلت من باب الدار، وفرقة دخلت من باب السر، وفرقة ~~وقفت تحت الدار، وفرقة أخذت بجانب آخر. فخرج إليهم الأمير سنقر أمير ~~جاندار، فهبروه بالسيوف حتى هلك، وقتلوا معه عليا المحالبي مشد الدواوين ~~وعدة رجال، ثم طلعوا إلى الأشرف، وقد اختفى بين نسائه وتزيا بزيهن، فأخذوه، ~~ومضوا إلى الوزير العلوي فقال لهم: ما لكم في قتلي فائدة، أنا أنفق على ~~العسكر نفقة شهرين، فمضوا إلى الأمير شمس الدين علي بن الحسام فقبضوا عليه ~~وقد اختفى، وسجنوا الأشرف في طبقة المماليك ووكلوا به، وسجنوا ابن العلوي ~~الوزير وابن الحسام قريبا من الأشرف ووكلوا بهما، وقد قيدوا الجميع. وصار ~~كبير هذه الفتنة برقوق من جماعة الأتراك، فصعد هو وجماعة ليخرج الملك ~~الظاهر يحيى ابن الأشرف إسماعيل بن عباس من ثعبات، فامتنع ms3028 أمير البلد من ~~الفتح ليلا، وبعث الظاهر إلى برقوق أن يمهل إلى الصبح، فنزل برقوق ونادى في ~~البلد بالأمان والاطمئنان والبيع والشراء، وأن السلطان هو الملك الظاهر ~~يحيى بن الأشرف. هذا وقد نهب العسكر عند دخولهم دار العدل جميع ما في دار ~~السطنة، وأفحشوا في نهبهم، فسلبوا الحريم ما عليهن، وانتهكوا منهن ما حرم ~~الله، ولم يدع في الدار ما قيمته الدرهم الواحد. PageV04P0133 # فلما أصبح يوم الجمعة عاشره اجتمع بدار العدل الترك والعبيد وطلبوا بني ~~زياد وبني السنبلي والخدام وسائر أمراء الدولة والأعيان. فلما تكامل جمعهم ~~وقع بينهم الكلام فيمن يقيمونه، فقال بنو زياد: وما ثم غير يحيى فاطلعوا له ~~هذه الساعة. فقام الأمير زين الدين جياش الكاملي والأمير برقوق وطلعا إلى ~~ثعبات في جماعة من الخدام والأجناد، فإذا الأبواب مغلقة، فصاحوا بصاحب ~~البلد حتى فتح لهم، ودخلوا إلى القصر، وسلموا على الظاهر يحيى بالسلطنة، ~~وسألوه أن ينزل معهم إلى دار العدل، فقال: حتى يصل العسكر أجمع،. ففكوا ~~القيد من رجليه، وطلبوا العسكر بأسرهم، فطلعوا بأجمعهم وأطلعوا معهم بعشرة ~~جنائب، فتقدم الترك والعبيد وقالوا للظاهر: لا نبايعك حتى تحلف لنا أنك لا ~~يحدث علينا منك شيء بسبب هذه الفعلة ولا ما سبق قبلها، فحلف لهم وهم يرددون ~~عليه الأيمان، وذلك بحضرة قاضي القضاة موفق الدين علي بن الناشري، ثم حلفوا ~~له على ما يحب ويختار. فلما انقضى الحلف وتكامل العسكر، ركب ونزل إلى دار ~~العدل بأبهة السلطنة، ودخلها بعد صلاة الجمعة، فكان يوما مشهودا. وعندما ~~استقر بالدار أمر بإرسال ابن أخيه الأشرف إسماعيل إلى ثعبات، فطلعوا به، ~~وقيدوه بالقيد الذي كان الطاهر يحيى مقيدا به، وسجنوه بالدار التي كان ~~الظاهر مسجونا بها. ثم حمل بعد أيام إلى الدملوة ومعه أمه وجاريته، وأنعم ~~السلطان على أخيه الملك الأفضل عباس بما كان له، وخلع عليه وجعله نائب ~~السلطنة كما كان أول دولة الناصر وخمدت الفتنة. وكان الذي حرك هذه الفتنة ~~بنو زياد، فقام أحمد بن محمد بن زياد الكاملي بأعباء هذه الفتنة ms3029 لحنقه من ~~الوزير ابن العلوي، فإنه كان قد مالأ على قتل أخيه جياش، وخذل عن الأخذ ~~بثأره، وصار يمتهن بني زياد. ثم ألزم الوزير ابن العلوي وابن الحسام بحمل ~~المال، وعصرا على كعابهما وأصداغهما، وربطا من تحت أبطيهما، وعلقا منكسين، ~~وضربا بالشيب والعصي وهما يوردان المال، فأخذ من ابن العلوي، مابين نقد ~~وعروض، ثمانون ألف دينار، ومن ابن الحسام مبلغ ثلاثين ألف دينار. واستقر ~~الأمير برقوق أمير جاندار. واستقر الأمير بدر الدين محمد الشمسي أتابك ~~العساكر. واستقر ابنه العفيف أمير آخور. ثم استقر الأمير بدر الدين المذكور ~~أستادارا، وشرع في النفقة على العسكر. وظهر من السلطان نبل وكرم وشهامة ~~بحيث أطاعته العساكر بأجمعهم، فإن له قوة وشجاعة حتى قيل إن قوسه يعجز من ~~عندهم من الترك عن جره. ومدحه الفقيه يحيى بن رويك بقصيدة أولها: الوافر ~~بدولة ملكنا يحيى اليماني ... بلغنا ما نريد من الأماني وعدة القصيدة واحد ~~وأربعون بيتا، وأجيز عليها بألف دينار. وبهذه الكائنة اختل ملك بني رسول من ~~اليمن. انتهى كلام المقريزي. قلت: وقد خرجنا عن المقصود بطول هذه الحكاية، ~~غير أن في ذكرها نوعا من الأخبار والتعريف بالممالك. ولنرجع الى ما نحن ~~بصدده من أحوال الملك الأشرف برسباي صاحب الترجمة. ولما كان يوم الاثنين ~~خامس جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير جارقطلو أمير مجلس باستقراره ~~أتابك العساكر بالديار المصرية بعد موت الأمير الكبير يشبك الساقي الأعرج. ~~وكان يشبك الساقي المذكور من أفراد العالم، وهو أحد من أدركناه من الملوك ~~من أهل المعرفة والذوق والفضل والرأي والتدبير، كما سنبينه في ترجمة وفاته ~~من هذا الكتاب إن شاء الله. ثم في يوم السبت عاشر جمادى الآخرة المذكورة ~~كتب السلطان بإحضار جرباش الكريمي المعروف بقاشق نائب طرابلس ليستقر أمير ~~مجلس على عادته أولا عوضا عن الأمير الكبير جارقطلو، وكتب إلى الأمير ~~الكبير طرباي الظاهري المقيم بالقدس بطالا باستقراره في نيابة طرابلس. ثم ~~في يوم السبت أول شهر رجب عمل السلطان الخدمة بالإيوان بدار العدل من ~~القلعة، وأحضرت رسل مراد ms3030 بك بن عثمان متملك برصا وأدرنابولي وغيرهما من ~~ممالك الروم، فكان موكبا جليلا أركب فيه الأمراء والمماليك السلطانية ~~وأجناد الحلقة وغيرهم على عادة هيئة خدمة الإيوان من تلك الأشياء المهولة. ~~وقد بطل خدم الإيوان من أيام الملك الظاهر جقمق، وذهب من كان يعرف ترتيبه، ~~حتى لو أراد أحد من الملوك أن يفعله لا يمكنه ذلك. PageV04P0134 # ثم في سابع شهر رجب المذكور خلع السلطان على القاضي الدين بن البارزي، ~~المعزول قبل تاريخه عن كتابة السر ثم عن نظر السر بالديار المصرية، ~~باستقراره في كتابة سر دمشق عوضا عن بدر الدين حسين بحكم وفاته، من غير سعي ~~في ذلك، بل طلبه السلطان وولاه. وكان القاضي كمال الدين المذكور من يوم عزل ~~من وظيفة نظر الجيش بعد كتابة السر ملازما على أجمل حالة وأحسن طريقة من ~~الاشتغال بالعلم والوقار والسكينة، وهو هيئة عمله من الحشم والخدم، وبسط ~~يديه بالإحسان لكل أحد، وترداد الأكابر والأعيان والفضلاء إلى بابه. وسافر ~~في ثاني عشرينه. ثم في حادي عشره أدير محمل الحاج على العادة في كل سنة. ثم ~~في ثالث عشرينه قدم الأمير جرباش الكريمي معزولا عن نيابة طرابلس فخلع ~~السلطان عليه باستقراره أمير مجلس على عادته أولا. كل ذلك والسلطان في قلق ~~من جهة جاني بك الصوفي. ثم في عشرين شعبان خلع السلطان على الأمير قانصوه ~~النوروزي أمراء الطبلخانات باستقراره في نيابة طرسوس وأضيف إقطاعه إلى ~~الديوان المفرد ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرين شوال أمسك السلطان الأمير ~~قطج من تمراز أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، ثم الأمير جرباش الكريمي ~~قاشق أمير مجلس، فحمل قطج في الحديد إلى الإسكندرية فسجن بها، وأخرج جرباش ~~الكريمي بغير قيد إلى ثغر دمياط بطالا. كل ذلك بسبب جاني بك الصوفي، ولما ~~تحدث السلطان نفسه بما يفعله من كثرة قلقه منه، ولهذا السبب أيضا أخرج ~~قانصوه وغيره، ويأتي ذكر آخرين. ثم خلع السلطان على الأمير إينال العلائي ~~الناصري رأس نوبة ثاني باستقراره في نيابة غزة عوضا عن تمراز القرمشي بحكم ~~قدوم ms3031 تمراز للديار المصرية. وأنعم السلطان بإقطاع إينال المذكور على الأمير ~~تمرباي التمر بغاوي الدوادار الثاني. ثم كتب بإحضار الأمير بيبغا المظفري ~~من القدس، وكان نقل إلى القدس من دمياط من نحو شهر واحد، فقدم من القدس إلى ~~القاهرة في يوم الخميس حادي عشرين ذي القعدة وطلع إلى القلعة، وخلع السلطان ~~عليه باستقراره أمير مجلس عوضا عن جرباش الكريمي قاشق. ومنزلة أمير مجلس في ~~الجلوس عند السلطان يكون ثاني الميمنة تحت الأمير الكبير، فلما ولي بيبغا ~~هذا إمرة مجلس أجلسه السلطان على الميسرة فوق الأمير إينال الجكمي أمير ~~سلاح لما سبق له من ولايته أتابكية العساكر بالديار المصرية قبل تاريخه، ~~فصار في الحقيقة رتبته أعظم من رتبة الأمير الكبير جارقطلو بجلوسه فوق أمير ~~سلاح، لأن الأمير الكبير لا يمكنه الجلوس فوق أمير سلاح إلا لضرورة. وصار ~~بيبغا هذا دائما جلوسه فوقه، غير أن إقطاع الأمير الكبير أكثر متحصلا من ~~إقطاعه، وأيضا لالتفات السلطان إليه فإنه كان أكثر كلامه في الموكب ~~السلطاني معه في كل تعلقات المملكة، وليس ذلك لمحبته فيه، غير أنه كان ~~يداريه بذلك اتقاء فحشه. وكان سبب القبض عليه أولا أن السلطان شكا له بعض ~~الأجناد من ظلم كاشف التراب، فقال الملك الأشرف: الكاشف ماله منفعة، فبادره ~~بيبغا هذا في الملأ وقال له: أنت ما عملت كاشف ما تعرف فعظم ذلك على الأشرف ~~وأسرها في نفسه، ثم قبض عليه، وكذا كان وقع لبيبغا المذكور مع الملك ~~المؤيد، حتى قبض عليه أيضا وحبسه. وكان هذا شأنه المغالظة مع الملوك في ~~الكلام، غير أنه كان مناصحا للملوك ظاهرا وباطنا، ولهذا كانت الملوك لاتبرح ~~تغضب عليه ثم ترضى، لعلمهم بسلامة باطنه. وكان الملك الأشرف يمازحه في بعض ~~الأحيان، ويسلط عليه بعض الجراكسة بأن يزدري جنس التتار ويعظم الجراكسة، ~~فإذا سمع بيبغا ذلك سب القائل وهجر عليه، وأخذ في تفضيل الأتراك على طائفة ~~الجراكسة في الشجاعة والكرم والعظمة، فيشير عليه بعض أمراء الأتراك بالكف ~~عن ذلك، فلا يلتفت ويمعن، والملك الأشرف يضحك من ms3032 ذلك ويساعده على غرضه حتى ~~يسكت. وقيل إنه جلس مرة في مجلس أنس مع جماعة من الأمراء، فأخذ بيبغا في ~~تعظيم ملك التتار جنكزخان، وزاد وأمعن واخترق اختراقات عجيبة، فقال له ~~الأمير طقز الظاهري الجركسي: وأيش هو جنكزخان، فلما سمع بيبغا ذلك أخذ ~~الطبر وأراد قتل طقز حقيقة، وقال له: كفرت، فأعاقه الأمراء عنه حتى قام طقز ~~من المجلس وراح إلى حال سبيله. وقيل إنه لم يجتمع به بعد ذلك. ومع هذا كله ~~كان لجنونه طلاوة ولانحرافه حلاوة، على أنه كان من عظماء الملوك وأحسنها ~~طريقة. PageV04P0135 # ثم في يوم الخميس سادس ذي الحجة من سنة إحدى وثلاثين المذكورة أمسك ~~السلطان الأمير أزبك المحمدي الدوادار الكبير، وأخرجه من ليلته بطالا إلى ~~القدس بعد أن قبض السلطان على عدة من خاصكيته. ولذلك أسباب أعظمها أمر جاني ~~بك الصوفي وأشياء أخر، منها: أن في أواخر ذي القعدة بلغ السلطان أن جماعة ~~من مماليكه وخاصكيته يريدون الفتك به وقتله ليلا، فقبض على جماعة منهم ~~السيفي سنطباي الأشرفي وغيره في أيام متفرقة، ونفى جماعة منهم إلى الشام ~~وقوص بعد أن عاقب جماعة منهم، فكثرت القالة في ذلك. قيل إنه سأل بعضهم بأن ~~قال: لو قتلتموني من الذي تنصبونه بعدي في السلطنة؟ فقالوا: الأمير أزبك، ~~وقيل غير ذلك. وأخذ السلطان في الاستعداد والحذر، وسقط عليه أيضا مرارا ~~سهام نشاب من أطباق المماليك السلطانية، فهذا كان السبب لقبض أزبك وغيره. ~~وأنا أقول: إن جميع ماوقع من مسك الأمراء، وضرب جماعة من الخاصكية ~~بالمقارع، ونفي بعضهم إنما هو لسبب جاني بك الصوفي لاغير. ثم في يوم السبت ~~ثامنه خلع السلطان على الأمير أركماس الظاهري رأس نوبة النوب باستقراره ~~دوادارا كبيرا عوضا عن أزبك المذكور. وخلع على الأمير تمراز القرمشي ~~المعزول عن نيابة غزة باستقراره رأس نوبة، وأنعم عليه بإقطاع أركماس ~~المذكور. وأنعم بإقطاع تمراز الذي كان السلطان أنعم عليه به بعد مجيئه من ~~غرة وهو تقدمة ألف أيضا على الأمير يشبك السودوني شاد الشراب خاناه. وأنعم ~~بطبلخاناه يشبك ms3033 السودوني على الأمير قرانجا الأشرفي الخازندار. وخلع ~~السلطان في هذه الأيام على صفي الدين جوهر السيفي قنقباي اللالا باستقراره ~~خازندارا عوضا عن الأمير خشقدم الظاهري الرومي بحكم انتقاله زماما عوضا عن ~~الأمير كافور الشبلي الصرغتمشي الرومي بعد وفاته في السنة الماضية. وكانت ~~وظيفة الخازندارية شاغرة في يوم تاريخه، والسلطان ينظر فيمن يوليه من ~~الخدام من قدماء خدام الملوك، فرشح مرجان خادم الوالد، فخافه الخدام من شدة ~~بأسه وحولوا الأشرف عنه. وكان الطواشي جوهر الجلباني الحبشي لالا ابن ~~السلطان له حنو وصحبة قديمة بجوهر هذا، فكلم السلطان بسببه ونعته بالدين ~~والعفة والعقل والتدبير، ولا زال بالسلطان حتى طلبه وولاه الخازندارية دفعة ~~واحدة، فإنه كان من أصاغر الخدام لم تسبق له رئاسة قبل ذلك، وإنما كان يعرف ~~بين الخدام بأخي اللالا، فنال جوهر هذا من الحرمة والوجاهة والاختصاص ~~بالملك الأشرف ما لم ينله خادم قبله. انتهى. ثم في سابع عشرين ذي الحجة من ~~سنة إحدى وثلاثين المذكورة قدم مبشر الحاج العراقي وأخبر بسلامة الحاج، ~~وأنه قدم محمل العراق في أربعمائة جمل جهزه السلطان حسين بن علي ابن ~~السلطان أحمد بن أويس من الحلة. وكان السلطان حسين هذا قد استولى على ششتر ~~والحلة، وصاهر العرب، فقوي بأسه بهم، وقاتل شاه محمد بن قرا يوسف صاحب ~~بغداد وتم أسره بهذه البلاد المذكورة، وجهز الحاج وكان له سنين قد انقطع ~~لاستيلاء هذا الزنديق شاه محمد بن قرا يوسف على العراق، فإنه كان محلول ~~العقيمة لا يتدين بدين، وقتل العلماء وأباد الناس، وهو أحد أسباب خراب ~~بغداد والعراق هو وأخوته كما سيأتي ذكره، وذكر أقاربه في وفيات هذا الكتاب ~~عند وفاتهم، وذهاب روحهم الخبيثة اللعينة إلى جهنم وبئس المصير. ثم في يوم ~~الاثنين خامس عشر المحرم سنة اثنتين وثلانين وثمانمائة حدث مع غروب الشمس ~~برق ورعد شديد متوال، ثم مطر غزير خارج عن الحد، وكان الوقت في أثناء فصل الخريف. ### || AUT قتلة الخواجا نور الدين # علي التبريزي العجمي المتوجه برسالة الحطي ملك الحبشة إلى ملوك الفرنج ms3034 ~~PageV04P0136 # ولما كان يوم الثلاثاء رابع عشرين جمادى الأولى من سنة اثنتين وثلاثين ~~وثمانمائة استدعى السلطان قضاة الشرع الشريف إلى بين يديه فاجتمعوا. وندب ~~السلطان قاضي القضاة شمس الدين محمدا البساطي المالكي للكشف عن أمره وإمضاء ~~حكم الله فيه، وكان التبريزي مسجونا فى سجن السلطان، فنقله القاضي من سجن ~~السلطان إلى سجنه، وادعى عليه بالكفر وبأمور شنيعة، وقامت عليه بينة معتبرة ~~بذلك، فحكم بإراقة دمه. فشهر في يوم الأربعاء خامس عشرين جمادى الأولى ~~المذكورة على جمل بالقاهرة ومصر وبولاق، ونودي عليه: هذا جزاء من يجلب ~~السلاح إلى بلاد العدو، ويلعب بالدينين وصار وهو راكب الجمل يتشاهد، ويقرأ ~~القرآن ويشهد الناس أنه باق على دين الإسلام، والخلق صحبته أفواجا، ومن ~~الناس من يبكي لبكائه، وهم العامة الجهلة. والذي أقوله في حقه: إنه كان ~~زنديقا ضالا مستخفا بدين الإسلام. ولا زالوا به إلى أن وصلوا إلى بين ~~القصرين، فأنزل عن الجمل، وأقعد تحت شباك المدرسة الصالحية، وضربت عنقه في ~~الملأ من الخلائق التي لا يعلم عددها إلا الله تعالى. فنسأل الله السلامة ~~في الدين، والموت على الإسلام. وكان خبر هذا التبريزي أنه كان أولا من جملة ~~تجار الأعاجم بمصر وغيرها، وكان يجول في البلاد بسبب المتجر على عادة ~~التجار، فاتفق أنه توجه إلى بلاد الحبشة فحصل له بها الربح الهائل ~~المتضاعف. وكان في نفسه قليل الدين، مع جهل وإسراف، فطلب الزيادة في المال، ~~فلم يرم بوصله إلى مراده إلا أن يتقرب إلى الحطي ملك الحبشة بالتحف. فصار ~~يأتيه بأشياء نادرة لطيفة، من ذلك أنه صار يصنع له الصلبان من الذهب المرضع ~~بالفصوص الثمينة، ويحملها إليه غاية الاحترام والتعظيم كما هي عادة النصارى ~~في تعظيمهم للصليب، وأشياء هذه المقولة. ثم ما كفاه ذلك حتى إنه صار يبتاع ~~السلاح المثمن من الخوذ والسيوف الهائلة والزرديات والبكاتر بأغلى الأثمان ~~ويتوجه بها إلى بلاد الحبشة وصار يهون عليهم أمر المسلمين، ويعرفهم ما ~~المسلمون فيه بكل ما تصل القدرة إليه، فتقرب بذلك من الحطي حتى صار عنده ~~بمنزلة ms3035 عظيمة. فعند ذلك ندبه الحطي بكتابه إلى ملوك الفرنج، عندما بلغه أخذ ~~قبرس وأسر ملكها جينوس يحثهم فيه على القيام معه لإزالة دين الإسلام، وغزو ~~المسلمين، وإقامة الملة العيسوية ونصرتها، وأنه يسير في بلاد الحبشة. في ~~البر بعساكره، وأن الفرنج تسير في البحر بعساكرها في وقت معين إلى سواحل ~~الإسلام، وحمله مع ذلك مشافهات. فخرج التبريزي هذا من بلاد الحطي بكتابه ~~وبما حمله من المشافهات لموك الفرنج بعزم واجتهاد، وسلك في مسيره من بلاد ~~الحبشة البرية حتى صار من وراء الواحات، ثم سلك من وراء الواحات إلى بلاد ~~المغرب، وركب منها البحر إلى بلاد الفرنج، وأوصل إليهم كتاب الحطي وما معه ~~من المشافهات ودعاهم للقيام مع الحطي في إزالة الإسلام وأهله، واستحثهم في ~~ذلك، فأجابه غالبهم، وأنعموا عليه بأشياء كثيرة، فاستعمل بتلك البلاد عدة ~~ثياب مخمل مذهبة باسم الحطي، ورقمها بالصلبان، فإنه شعارهم. قلت: لولا أنه ~~داخلهم في كفرهم، وشاركهم في مأكلهم ومشربهم، طابت نفوسهم لإظهار أسرارهم ~~عليه، وكانوا يقولون: هذا رجل مسلم يمكن أنه يتجسس أخبارنا وينقلها ~~للمسلمين ليكونوا منا على حذر، وربما أمسكوه بل وقتلوه بالكلية. انتهى. ثم ~~خرج من بلاد الفرنج وسار في البحر حتى قدم الإسكندرية ومعه الثياب المذكورة ~~ورهبان من رهبان الحبشة. وكان له عدة عبيد، فيهم رجل دين، فنم عليه بما ~~فعله، ودلهم على ما معه من القماش وغيره، فأحيط بمركبه وبجميع ما فيها، ~~فوجدوا بها ما قاله العبد المذكور، فحمل هو والرهبان وجميع ما معه من ~~القاهرة. فسعى بمال كبير في إبقاء مهجته، وساعده في ذلك ممن يتهم في دينه، ~~فلم يقبل السلطان ذلك، وأمر به فحبس ثم قتل حسبما ذكرناه، عليه من الله ما ~~يستحقه انتهى. PageV04P0137 # ثم في يوم الخميس تاسع شهر رجب خلع السلطان على جلال الدين محمد ابن ~~القاضي بدر الدين محمد بن مزهر باستقراره في وظيفة كتابة السر بالديار ~~المصرية عوضا عن والده بحكم وفاته، وله من العمر دون العشرين سنة، ولم يطر ~~شاربه. وخلع السلطان على القاضي شرف ms3036 الدين أبي بكر بن سليمان سبط ابن ~~العجمي المعروف بالأشقر أحد أعيان موقعي الدست باستقراره نائب كاتب السر، ~~ليقوم بأعباء الديوان عن هذا الشاب لعدم معرفته وقلة دربته بهذه الوظيفة. ~~وكانت ولاية جلال الدين المذكور لكتابة السر على حمل تسعين ألف دينار من ~~تركة أبيه. ثم في يوم الخميس ثالث عشرين شهر رجب المذكور قدم الأمير سودون ~~من عبد الرحمن نائب الشام إلى القاهرة وصحبته القاضي كمال الدين محمد بن ~~البارزي كاتب سر دمشق، وطلعا إلى القلعة، فخلع السلطان عليهما خلع ~~الاستمرار. واجتمع السلطان به غير مرة، أعني بسودون من عبد الرحمن، فكلمه ~~سودون فيما يفعله مماليكه الجلبان بالمباشرين وغيرهم، وخوفه عاقبة المماليك ~~القرانيص من ذلك، فقال له الملك الأشرف: قد عجزت عن إصلاحهم ثم كشف رأسه ~~ودعا عليهم بالفناء والموت غير مرة، فقال له الأتابك جارقطلو: " ضع فيهم ~~السيف وأقم عوضهم، وما دام رأسك تعيش فالمماليك كثير، ومائة من القرانيص ~~خير من ألف من هؤلاء الأجلاب، ولولا حرمة السلطان لكان صغار عبيد القاهرة ~~كفؤا لهم. وكان سبب ذلك أنهم صاروا يضربون مباشري الدولة وينهبون بيوتهم، ~~ووقع منهم في دوران المحمل في هذه السنة أمور شنيعة إلى الغاية، وتقاتلوا ~~مع العبيد حتى قتل بينهما جماعة وأشياء غير ذلك. فمال السلطان إلى كلام ~~تجار قطلو، وأراد مسك جماعة كبيرة منهم، ونفي آخرين، وتفرقة جماعة أخر على ~~الأمراء، وقال: أحسب أن مائة ألف دينار ما كانت، ومتى حصل نفع المماليك ~~المشتروات لأستاذهم أو لذريته. فلما رأى الأمير بيبغا المظفري ميل السلطان ~~لكلام جارقطلو، أخذ في معارضته ورد كلامه، فكان من جملة ما قاله: والله ~~لولا المماليك المشتروات ما أطاعك واحد منا، وأشار بخروج جاني بك الصوفي من ~~السجن واختفائه بالقاهرة، وخل عنك كلام هذا وأمثاله وكان عبد الباسط مساعدا ~~لجارقطلو، ثم التفت بيبغا وقال لعبد الباسط: أنت تكون سببا لزوال ملك هذا ~~فعند ذلك أمسك الأشرف عما كان عزم عليه لعلمه بنصيحة بيبغا المظفري له. ~~وانفض المجلس بعد أن أمرهم السلطان بكتمان ms3037 ما وقع عند السلطان من الكلام. ~~فلم يخف ذلك عن أحد، وبلغ المماليك الأشرفية، فتحلفوا لجارقطلو ولعبد ~~الباسط ولسودون من عبد الرحمن. فلما كان يوم الجمعة ثاني شعبان نزل ~~المماليك الأشرفية من الأطباق إلى بيت الوزير كريم الدين بن كاتب المناخ ~~ونهبوه لتأخر رواتبهم. وسافر فيه الآمير سودون من عبد الرحمن إلى محل ~~كفالته، وكان السلطان أراد عزله وإبقاعه بمصر فوعد بخمسين ألف دينار حتى ~~خلع عليه باستمراره، فكلمه بعض أصحابه في ذلك فقال: أحمل مائة ألف دينار ~~ولا أقعد بمصر في تهديد الأجلاب. PageV04P0138 # ثم لما كان يوم الثلاثاء سادس شعبان ثارت الفتنة بين المماليك الجلبان ~~وبين الأمير الكبير جارقطلو. وكان ابتداء الفتنة أنه وقع بين بعض المماليك ~~السلطانية وبين مماليك الأمير الكبير جارقطلو، وضربت الجلبان بعض مماليك ~~جارقطلو، فأخذ المملوك يدافع عن نفسه ورد على بعضهم، وكان شج بعض المماليك ~~السلطانية. فعند ذلك قامت قيامتهم، وحرك ذلك ما كان عندهم من الكمين من ~~أستاذهم جارقطلو، فتجمعوا على المملوك المذكور وضربوه، فهرب إلى بيت أستاذه ~~واحتمى به. فعادت المماليك إلى إخوتهم واتفقوا على جارقطلوا، وترددوا إلى ~~بابه غير مرة. وباتت الناس على تخوف من وقوع الفتنة لوقوع هذه القضية. ~~وأصبحوا من الغد في جمع كثير من تحت القلعة، وقد اتفقوا على قتل جارقطلو ~~ومماليكه، فماج الناس لذلك وأغلقوا الأسواق خشية من وقوع النهب، وتزاحم ~~الناس على شراء الخبز، وأغلقت الدروب، وانتشرت الزعر وأهل الفساد، وتعوق ~~مباشرو الدولة من النزول من القلعة إلى دورهم. وأرسل السلطان إليهم جماعة ~~بالكف عن ماهم فيه، وهددهم إن لم يرجعوا، فلم يلتفتوا إلى كلامه. وساروا ~~بأجمعهم إلى بيت الأمير الكبير جارقطلو، وكان سكنه ببيت الأمير طاز بالشارع ~~الأعظم عند حمام الفارقاني، فأغلق جارقطلو بابه، وأصعد مماليكه على ~~طبلخاناته فوق باب داره ليمنعوا المماليك السلطانية من كسر الباب المذكور ~~وإحراقه. وتراموا بالنشاب، وأقام الأجلاب يومهم كله مع كثرتهم لا يقدرون ~~على الأمير الكبير جارقطلو ولا على مماليكه، ،مع كثرة عددهم، لعدم معرفتهم ~~بالحروب ولقلة دربتهم وسلاحهم. ms3038 هذا والسلطان يرسل إليهم بالكف عما هم فيه، ~~وهم مصممون على ما هم فيه يومهم كله. ووقع منهم أمور قبيحة في حق أستاذهم ~~وغيره. فلما وقع ذلك غضب السلطان غضبا عظيما. وأراد أن يوسع الأمراء في حق ~~مماليكه، فخوفه الأمراء سوء عاقبة ذلك، فأخذ يكثر من الدعاء عليهم سرا ~~وجهرا، وباتوا على ذلك. فلما أصبحوا يوم الخميس ثامن شعبان استشار الملك ~~الأشرف الأمراء في أمر مماليكه، فأشاروا عليه بأن يرسل يطلب من الأمير ~~الكبير جارقطلو المماليك الذين كانوا سببا لقيام هذه الفتنة. وكانت ~~المماليك الجلبان لما رأوا في الأمس حالهم في إدبار، أرسلوا يطلبون غرماءهم ~~من مماليك جارقطلو من السلطان فلم يجبهم السلطان إلى ذلك. فأرسل السلطان ~~بعد ذلك للأمير الكبير يطلب مماليكه الذين كانوا في أول هذه الفتنة، فأرسل ~~إليه بجماعة منهم، فأخذهم السلطان وضربهم ضربا ليس بذاك، ثم أمر بحبسهم. ~~ووافق ذلك عجز المماليك الجلبان عن قتال الأمير الكبير لعدم اجتماع كلمتهم ~~ولفرار أكثرهم وطلوعهم إلى الطبقة، فأذعنوا بالصلح وخمدت الفتنة، ولله ~~الحمد، بعد أن كاد أمر هذه الوقعة أن يتسع إلى الغاية، لأن غالب الأمراء شق ~~عليهم ما وقع للأمير الكبير، وقالوا: إذا كان هذا يقع للأمير الكبير، فنحن ~~من باب أولى وأحق لأعظم من هذا. وتنبه من كان عنده كمين من الملك الأشرف من ~~المماليك المؤيدية شيخ وغيرهم، وظهر للسطان لوايح من ذلك، فاحتار بين ~~مماليكه وأمرائه إلى أن وقع الصلح. ومن يومئذ تغير خاطر جارقطلو من الملك ~~الأشرف في الباطن، مع خصوصيته بالأشرف، حتى أبدى بعض ما كان عنده في سفرة ~~آمد حسبما يأتي ذكره. ثم ورد الخبر على السلطان بأن في خامس شعبان هذا ورد ~~إلى ميناء الإسكندرية خمسة أغربة فيها مقاتلة الفرنج مشحونة بالسلاح، ~~وباتوا بها، وقد استعد لهم المسلمون. فلما أصبح النهار واقعوهم، وقد أدركهم ~~الزيني عبد القادر بن أبي الفرج الأستادار، وكان مسافرا بتروجة، ومعه غالب ~~عرب البحيرة نجدة للمسلمين. فلما كثر جمع المسلمين انهزم الفرنج وردوا من ~~حيث أتوا في ms3039 يوم الأحد حادي عشرة، ولم يقتل من المسلمين سوى فارس واحد من ~~جماعة ابن أبي الفرج. قلت قوله تعالى: " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال " . PageV04P0139 # كل ذلك والسلطان مشغول بتجهيز تجريدة إلى بلاد الشرق. فلما كان ثاني عشر ~~شعبان المذكور أنفق السلطان في ثلاثمائة وتسعين مملوكا من المماليك ~~السلطانية، لكل مملوك خمسين دينارا، وفي أربعة من أمراء الألوف، وهم: ~~أركماس الظاهري الدوادار الكبير، وقرقماس حاجب الحجاب، وحسين بن أحمد ~~المدعو تغري برمش البهسني، ويشبك السودوني المعروف بالمشد، لكل واحد الفي ~~دينار. وأنفق أيضا في عدة من أمراء الطبلخانات والعشرات، فبلغت نفقة الجميع ~~نحو ثلاثين ألف دينار، ورسم بسفرهم إلى الشام، فسافروا في سابع عشرين شعبان ~~المذكور. ثم في يوم الجمعة رابع عشر شهر رمضان حملت جامكية المماليك ~~السلطانية إلى القلعة لتنفق فيهم على العادة، فامتنعوا من قبضها، وطلبوا ~~زيادة لكل واحد ستمائة درهم، وصمموا على ذلك. وترددت الرسل بينهم وبين ~~السلطان إلى أن زيد في جوامك عدة منهم، وسكن شرهم، وأخذوا الجامكية في يوم ~~الاثنين ثامن عشره. ثم بعد ذلك وقع بين المماليك الجلبان وبين العبيد، ~~فتجمع السودان وقاتلوهم، فقتل بينهم عدة، وصاروا جمعين لكل جمع عصبية. ثم ~~في يوم الأربعاء تاسع ذي القعدة ورد الخبر على السلطان بأخذ الأمراء ~~المتوجهين إلى جهة بلاد الشرق مدينة الرها من نواب قرايلك. وكان من خبر ذلك ~~أن العساكر المصرية لما سارت من القاهرة إلى جهة الشام لأخذ خرتبرت، وقد ~~مات متوليها، ونازلها عسكر قرايلك صاحب آمد، فلما وصلوا إلى مدينة حلب ورد ~~عليهم الخبر بأخذ قرايلك قلعة خرتبرت وتحصينها وتسليمها لولده فأقاموا بحلب ~~إلى أن ورد عليهم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بعساكر دمشق، ثم ~~جميع نواب البلاد الشامية بعساكرها، وتشاوروا في السير لها، فأجمع رأيهم ~~على المسير. فمضوا بأجمعهم: العسكر المصري والعسكر الشامي إلى جهة الرها، ~~فأتاهم بالبيرة كتاب أهل الرها بطلب الأمان، وقد رغبوا في الطاعة، فأمنوهم ~~وكتبوا لهم كتابا. وساروا من ms3040 البيرة وبين أيديهم مائتا فارس من عرب الطاعة ~~كشافة، فوصلت الكشافة المذكورون إلى الرها في شوال، فوجدوا الأمير هابيل بن ~~الأمير عثمان بن طرعلي المدعو قرايلك صاحب آمد قد وصل إليها ودخلها وحصنها ~~وجمع فيها خلائق من أهل الضياع بمواشيهم وعيالهم وأموالهم، فنزلوا عليها، ~~فرموهم بالنشاب من فوق أسوار المدينة. PageV04P0140 # فلما رأى هابيل قلة العرب برز إليهم في نحو ثلاثمائة رجل من عسكره ~~وقاتلهم، فثبتوا له وقاتلوه، فقتل بين الفريقين جماعة والأكثر من العرب، ~~فأخذ هابيل رؤوسهم وعلقها على أسوار المدينة. وبينما هم في ذلك أدركهم ~~العسكر المصري والشامي ونزلوا على ظاهر الرها يوم الجمعة العشرين من شوال، ~~فوجدوا هابيل قد حصن المدينة، وجعل جماعة من عساكره على أسوارها، فلما قرب ~~العسكر من سور مدينة الرها رماهم الرجال من أعلى السور بالنشاب والحجارة، ~~فتراجع العسكر عنهم ونزلوا بخيامهم إلى بعد الظهر. فركبوا الجميع وأرسلوا ~~إلى أهل الرها بالأمان، وأنهم إن لم يكفوا عن القتال أخربوا المدينة، فلم ~~يلتفتوا إلى كلامهم ورموهم بالنشاب. فاتفق العسكر حينئذ على الزحف، وركبوا ~~بأجمعهم وزحفوا على المدينة، وجدوا في قتالها. فلم يكن غير ساعة إلا وأخذوا ~~المدينة وأستولوا عليها. وتعلق أعيان البلد ومقاتلتها بالقلعة، فانتشر ~~العسكر وأتباعهم بالمدينة ينهبون ويأخذون ما وجدوا ويأسرون من ظفروا به، ~~وأمعنوا في ذلك حتى خرجوا عن الحد. وأصبحوا يوم السبت جدوا في حصار القلعة، ~~وأرسلوا إلى من بها بالأمان، فلم يقبلوا واستمروا بالرمي بالنشاب والحجارة ~~وغير ذلك. ونصبوا على القلعة المكاحل والمدافع، وأخذوا في النقوب، وباتوا ~~ليلة الأحد على ذلك. وأصبحوا يوم الأحد على ما هم عليه من القتال والحصار ~~إلى وقت الضحى، فضعف أمر من بالقلعة بعد قتال شديد وطلبوا الأمان، فكفوا ~~عند ذلك عن قتالهم. ونزلت رسلهم إلى الأمير سودون من عبد الرحمن نائب ~~الشام، وهو مقدم العساكر، وكلموهم في نزولهم وتسليمهم القلعة، وحلفوه هو ~~والأمير قصروه نائب حلب على أنهم لا يؤذونهم ولا يقتلون أحدا منهم، فركنوا ~~إلى أيمانهم. ونزل الأمير هابيل بن قرايلك ومعه تسعة ms3041 من أعيان أمراء أبيه ~~في وقت الظهر من يوم الأحد ثاني عشرين شوال المذكور، فتسلمه الأمير أركماس ~~الظاهري الدوادار الكبير. وركب الأمير سودون من عبد الرحمن ومعه بقية ~~النواب إلى القلعة ليتسلموها، فوجدوا المماليك السلطانية قد وقفوا على باب ~~القلعة ليدخلوا إليها، فكلمهم النواب في عدم دخولهم وقالوا لهم: نحن ~~أعطيناهم أمانا ومنعوهم من الدخول إليها، فأفحشوا في الرد على النواب ~~فراجعوهم في ذلك، فهم المماليك بقتالهم، وهاجموا القلعة بغير رضا النواب، ~~والأمراء ودخلوها. فشق ذلك على النواب وعادوا إلى مخيمهم. فمد المماليك ~~أيديهم هم والتركمان والأعراب والغلمان في النهب والسبي حتى نهبوا جميع ما ~~كان بالقلعة، وأسروا النساء والصبيان وأفحشوا بها إلى الغاية. ثم ألقوا ~~النار فيها فأحرقوها بعدما أخلوها من جميع ما كان فيها، وقتلوا من كان بها ~~وبالمدينة من الرجال والمقاتلة، حتى جاوز فعلهم الحد. ثم أخربوا المدينة ~~وألقوا النار فيها فاحترقت، واحترق في الحريق جماعة من النسوة، فإنهن ~~اختفين في الأماكن من البلد خوفا من العسكر، فلما احترقت المدينة احترقن ~~الجميع في النار التي أضرمت بسكك المدينة وخباياها، واحترق أيضا معهن عدة ~~كبيرة من أولادهن. هذا بعد أن أسرفوا في القتل بحيث إنه كان الطريق قد ضاق ~~من كثرة القتلى. وفي الجملة فقد فعلوا بمدينة الرها فعل التمرلنكيين وزيادة ~~من القتل والأسر والإحراق والفجور بالنساء فما شاء الله كان. ثم رحلوا من ~~الغد في يوم الاثنين ثالث عشرينه وأيديهم قد امتلأت من النهب والسبي، فقطعت ~~منهم عدة نساء من التعب فمتن عطشا، وبيعت منهن بحلب وغيرها عدة كبيرة. قال ~~المقريزي: وكانت هذه الكائنة من مصيبات الدهر: الوافر وكنا نستطب إذا مرضنا ~~... فجاء الداء من قبل الطبيب أفأما بالعهد من قدم لقد عهدنا ملك مصر إذا ~~بلغه عن أحد من ملوك الأقطار قد فعل ما لا يجوز أو فعل ذلك رعيته بعث ينكر ~~عليه ويهدمه، فصرنا نحن نأتي من الحرام بأشنعه ومن القبيح بأفظعه، وإلى ~~الله المشتكى، انتهى كلام المقريزي. PageV04P0141 # قلت: لم يكن ما وقع من هؤلاء ms3042 الغوغاء بإرادة الملك الأشرف، ولا عن أمره ~~ولا عن حضوره. وقد تقدم أن نواب البلاد الشامية وأكابر الأمراء منعوهم من ~~دخول القلعة بالجملة فلم يقدروا على ذلك لكثرة من كان اجتمع بالعسكر من ~~التركمان والعرب النهابة، كما هي عادة العساكر. وإن كان كون الأشرف جهز ~~العسكر إلى جهة الرها، فهذا أمر وقع فيه كل أحد من ملوك الأقطار قديما ~~وحديثا، ولا زالت الملوك على ذلك من مبدأ الزمان إلى آخره، معروف ذلك عند ~~كل أحد. انتهى. ثم في ليلة الخميس ثامن ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ~~المذكورة قدم السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان ~~الحسيني، من دمشق بطلب من السلطان بعد أن خرج أكابر الدولة إلى لقائه، ~~واستمر بالقاهرة إلى يوم الخميس خامس عشر ذي الحجة فخلع السلطان عليه ~~باستقراره كاتب السر الشريف بالديار المصرية، عوضا عن جلال الدين محمد بن ~~مزهر بحكم عزله، وعملت الطرحة خضراء برقمات ذهب، فكان له موكب جليل إلى ~~الغاية. ثم في يوم الجمعة سادس عشره خلع السلطان على جلال الدين محمد بن ~~مزهر المقدم ذكره واستقر في توقيع المقام الناصري محمد ابن السلطان. ثم في ~~يوم السبت رابع عشرينه قدم القاهرة الأمير هابيل بن قرايلك المقبوض عليه من ~~الرها ومعه جماعة في الحديد، فشهروا بالقاهرة إلى القلعة، وسجنوا بها. وقد ~~تخلف العسكر المصري بحلب مخافة أن يهجم قرايلك على البلاد الحلبية. وفي هذه ~~السنة كان خراب مدينة تبريز وسبب ذلك أن صاحبها إسكندر بن قرا يوسف بن قرا ~~محمد بن بيرم خجا التركماني زحف على مدينة السلطانية وقتل متملكها من جهة ~~القان شاه رخ بن تيمورلنك في عدة من أعيان المدينة، ونهب السلطانية وأفسد ~~بها غاية الإفساد. فسار إليه شاه رخ في جموع كثيرة، فخرج إسكندر من تبريز ~~وجمع لحربه، ولقيه وقد نزل خارج تبريز. فانتدب شاه رخ لمحاربة إسكندر ~~المذكور الأمير عثمان بن طر علي المدعو قرايلك صاحب آمد، وقد أمده شاه رخ ~~بعسكر كثيف، وقاتله خارج تبريز ms3043 في الجمعة سادس عشر ذي الحجة قتالا شديدا ~~قتل فيه كثير من الفئتين إلى أن كانت الكسرة على إسكندر وجماعته، وانهزم ~~وهم في أثره يطلبونه ثلاثة أيام، ففاتهم إسكندر. فنهبت الجغتاي عامة بلاد ~~أذربيجان وكرسي أذربيجان تبريز، وقتلوا وسبوا وأسروا وفعلوا أفاعيل أصحابهم ~~من أعوان تيمور حتى لم يدعوا بها ما تراه العين. ثم ألزم شاه رخ أهل تبريز ~~بمال كبير، ثم جلاهم بأجمعهم إلى سمرقند فما ترك في تبريز إلا ضعيفا أو ~~عاجزا لا خير فيه. ثم بعد مدة طويلة رحل جهة بلاده. وبعد رحيله انتشرت ~~الأكراد بتلك النواحي تعبث وتفسد حتى فقدت الأقوات وبيع لحم الكلب الرطل ~~بعدة دنانير. قلت: وقد تكرر قتال إسكندر هذا لشاه رخ المذكور غير مرة، وهو ~~في وقعة تكون الكسرة والذلة عليه، وهو لا يرعوي ولا يستحي ولا يرجع عن جهله ~~وغيه. وقد نسبه بعض الناس للشجاعة لكثرة مواقعته مع شاه رخ المذكور، أقول: ~~ليس ذلك من الشجاعة إنما هو من قلة مروءته، وإفراط جهله، وسخفه وجنونه، ~~وعدم إشفاقه على رعيته وبلاده، حيث يقاتل من لا قبل له به ولا طاقة بدفعه، ~~فهذا هو الجنون بعينه، وإن طاب له، من هذا الكحل فليكتحل. إسكندر فإنه بعد ~~هزيمته جال في البلاد وتشتت شمله وتبددت عساكره، وسار بلاد الأكراد وقد وقع ~~بها الثلوج، ثم سار إلى قلعة سلماس فحصره الأكراد، وقاسى شدائد إلى أن نجا ~~منها بنفسه وسار إلى جهة من الجهات انتهى. ثم في يوم الأحد رابع عشرين ~~المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة قدم إلى القاهرة رسول ملك الشرق شاه رخ ~~بن تيمورلنك بكتابه يطلب فيه شرح البخاري للحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر، ~~وتاريخ الشيخ تقي الدين المقريزي المسمى بالسلوك لدول الملوك، ويعرض أيضا ~~في كتابه بأنه يريد أن يكسو الكعبة، ويجري العيش بمكة، فلم يلتفت السلطان ~~إلى كتابه ولا إلى رسوله، وكتب له بالمنع في كل ما طلبه. PageV04P0142 # ثم في يوم الخميس سادس عشرين صفر خلع السلطان على قاضي القضاة علم الدين ms3044 ~~صالح البلقييي وأعيد إلى قضاء الشافعية بعد عزل الحافظ شهاب الدين بن حجر. ~~وخلع أيضا على القاضي زين الدين عبد الرحمن التفهني وأعيد أيضا إلى قضاء ~~الحنفية بعد عزل قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني. واستقر القاضي صدر ~~الدين أحمد بن العجمي في مشيخة خانقاه شيخون عوضا عن التفهني، وخلع عليه في ~~يوم الاثنين أول شهر ربيع الأول. ثم في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول ~~المذكور خلع السلطان على القاضي سعد الدين إبراهيم ابن القاضي كريم الدين ~~عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم باستقراره ناظر الخواص ~~الشريفة بعد موت والده. ثم في يوم السبت رابع شهر ربيع الآخر خلع السلطان ~~على قاضي القضاة بدر الدين محمود العييي المقذم ذكره باستقراره في حسبة ~~القاهرة عوضا عن الأمير إينال الششماني، مضافا لما معه من نظر الأحباس. ثم ~~في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر المذكور خلع السلطان على الأمير شهاب ~~الدين أحمد الدوادار المعروف بابن الأقطع، وقد صار قبل تاريخه زردكاشا، ~~باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضا عن آقبغا التمرازي بحكم عزله وقدومه ~~إلى القاهرة على إمرته، فإنه كان ولي نيابه إسكندرية على إقطاعه: تقدمة ألف ~~بالديار المصرية. ثم في خامس عشرينه خلع السلطان على آقبغا الجمالي الكاشف ~~باستقراره أستادارا بعد عزل الزيني عبد القادر بن أبي الفرج، على أن آقبغا ~~يحمل مائة ألف دينار بعد تكفية الديوان، فكذب وتخومل وعزل بعد مدة يسيرة ~~حسبما نذكر وكان أصل آقبغا هذا من الأوباش من مماليك الأمير كمشبغا الجمالي ~~أحد أمراء الطبلخانات، وصار يتردد إلى إقطاع أستاذه كمشبغا المذكور، ثم خدم ~~بلاصيا عند الكشاف، ثم ترقى حتى ولي الكشف في دولة الملك الأشرف هذا، وأثرى ~~وكثر ماله، فحسن له شيطانه أن يكون أستادارا، وأخذ يسعى في ذلك سنين إلى أن ~~سمح له الملك الأشرف بذلك، وتولى الأستادارية، وأستاذه الأمير كمشبغا ~~الجمالي في قيد الحياة من جملة أمراء الطبلخانات، فلم تحسن سيرته وعزل بعد ~~مدة. وفي هذا الشهر وقع الطاعون بإقليم ms3045 البحيرة والغربية بحيث إنه أحصي من ~~مات من أهل المحلة زيادة على خمسة آلاف إنسان. وكان الطاعون أيضا قد وقع ~~بغزة والقدس وصفد ودمشق من شعبان في السنة الخالية، واستمر إلى هذا الوقت، ~~وعد ذلك من النوادر لأن الوقت كان شتاء، ولم يعهد وقوع الطاعون في فصل ~~الربيع. ويعلل الحكماء ذلك بأنه سيلان الأخلاط في فصل الربيع وجمودها في ~~الشتاء، فوقع في هذه السنة بخلاف ذلك. وكان قدم الخبر بوقوع الطاعون بمدينة ~~برصا من بلاد الروم، وأنه زاد عدة من يموت بها في يوم على ألف وخمسمائة ~~إنسان. ثم بدأ الطاعون بالديار المصرية في أوائل ربيع الأخر. قلت: وهذا ~~الطاعون هو الفناء العظيم الذي حصل بالديار المصرية وأعمالها في سنة ثلاث ~~وثلاثين المذكورة. ثم في يوم الخميس أول جمادى الأولى نودي بالقاهرة بصيام ~~ثلاثة أيام وأن يتوبوا إلى الله تعالى من معاصيهم، وأن يخرجوا من المظالم، ~~ثم إنهم يخرجون في يوم الأحد رابع جمادى الأولى المذكور إلى الصحراء. فلما ~~كان يوم الأحد رابعه خرج قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني في جمع موفور ~~إلى الصحراء خارج القاهرة، وجلس بجانب تربة الملك الظاهر برقوق، ووعظ ~~الناس، فكثر ضجيج الناس وبكاؤهم في دعائهم وتضرعهم، ثم انفضوا. فتزايدت عدة ~~الأموات في هذا اليوم عما كانت في أمسه. ثم في ثامن جمادى الأول هذا قدم ~~كتاب إسكندر بن قرا يوسف صاحب تبريز أنه قدم إلى بلاده، وقصده أن يمشي بعد ~~انقضاء الشتاء لمحاربة قرايلك، فلم يلتفت السلطان إلى كتابه لشغله بموت ~~مماليكه وغيرهم بالطاعون. ثم ورد كتاب قرايلك أيضا على السلطان يسأل فيه ~~العفو عن ولده هابيل وإطلاقه، فلم يسمح له السلطان بذلك. ثم عظم الوباء في ~~هذا الشهر، وأخذ يتزايد في كل يوم. ثم ورد الخبر أيضا أنه ضبط من مات من ~~النحريرية بالوجه البحري إلى يوم تاريخه تسعة آلاف سوى من لم يعرف وهم كثير ~~جدا، وأنه بلغ عدة الأموات في الإسكندرية في كل يوم نحو المائة، وأنه شمل ~~الوباء غالب الأقاليم ms3046 بالوجه البحري. PageV04P0143 # ثم وجد في هذا الشهر بنيل مصر والبرك كثير من السمك والتماسيح قد طفت على ~~وجه الماء ميتة، واصطيدت سمكة تسمى بنية كبيرة، فإذا هي كأنما صبغت بدم من ~~شدة ما بها من الاحمرار. ثم وجد في البرية مابين السويس والقاهرة عدة كبيرة ~~من الظباء والذئاب موتى. ثم قدم الخبر بوقوع الوباء أيضا ببلاد الفرنج. ثم ~~في يوم الخميس سلخه ضبطت عدة الأموات التي صلي عليها بمصليات القاهرة ~~وظواهرها فبلغت ألفين ومائة، ولم يرد منها في أوراق الديوان غير أربعمائة ~~ونيف، وببولاق سبعين. وفشا الطاعون في الناس، وكثر بحيث إن ثمانية عشر ~~إنسانا من صيادي السمك كانوا في موضع واحد فمات منهم في يوم واحد أربعة ~~عشر، ومضى الأربعة ليجهزوهم إلى القبور، فمات منهم وهم مشاة ثلاثة، فقام ~~الواحد بشأن الجميع حتى أوصلهم إلى القبور فمات هو أيضا قاله الشيخ تقي ~~الدين المقريزي في تاريخه، ثم قال أيضا: وركب أربعون رجلا في مركب وساروا ~~من مدينة مصر نحو بلاد الصعيد، فماتوا بأجمعهم قبل وصولهم إلى الميمون. ~~ومرت امرأة من مصر تريد القاهرة وهي راكبة على حمار مكاري فماتت وهي راكبة، ~~وصارت ملقاة بالطريق يومها كله حتى بدأ يتغير ريحها، فدفنت ولم يعرف لها ~~أهل. وكان الإنسان إذا مات تغير ريحه سريعا مع شدة البرد. وشنع الموت ~~بخانقاه سرياقوس حتى بلغت العدة في كل يوم نحو المائتين. وكثر أيضا ~~بالمنوقية والقليوبية حتى كان يموت في الكفر الواحد ستمائة إنسان. قلت: ~~والذي رأيته أنا في هذا الوباء أن بيوتا كثيرة خلت من سكانها مع كثرة ~~عددهم، وأن الإقطاع الواحد كان ينتقل في مدة قليلة عن ثلاثة أجناد وأربعة ~~وخمسة. ومات من مماليك الوالد رحمه الله في يوم واحد أربعة من أعيان ~~الخاصكية، وهم: أزدمر الساقي، وملج السلاح دار، وبيبرس الخاصكي، ويوسف ~~الرماح، ماتوا الجميع في يوم واحد، فتحيرنا بمن نبدأ بتجهيزه ودفنه على ~~اختلاف سكناهم وقلة التوابيت والدكك، وبالله لم أشهد منهم غير يوسف الرماح، ~~وأرسلت لمن بقي غيري، مع ms3047 أن كل واحد منهم أهل لنزول السلطان للصلاة عليه. ~~ثم أصبح من الغد مات سنقر دوادار الوالد الثاني، وكان من أكابر الخاصكية من ~~الدولة المؤيدية. هذا خلاف من مات منهم من الجمدارية ومن مماليك الأمراء. ~~وأما من مات من عندنا من المماليك والعبيد والجواري والخدم فلا يدخل تحت ~~حصر. ومات من إخوتي وأولادهم سبعة أنفس ما بين ذكور وإناث، وأعظمهم أخي ~~إسماعيل، فإنه مات وسنه نحو العشرين سنة، وكان من محاسن الدهر. قال ~~المقريزي: ثم تزايدت عدة الأموات عما كانت فأحصي في يوم الاثنين رابع جمادى ~~الآخرة من خرج عن أبواب القاهرة فبلغت عدتهم ألفا ومائتي ميت سوى من خرج عن ~~القاهرة من أهل الحكور والحسينية وبولاق والصليبة ومدينة مصر والقرافتين ~~والصحراء، وهم أكثر من ذلك. ولم يورد بديوان المواريث بالقاهرة سوى ~~ثلاثمائة وتسعين، وذلك أن أناسا عملوا التوابيت للسبيل، فصار أكثر الناس ~~يحملون موتاهم عليها ولا يوردون الديون أسماءهم. قال: وفي هذه الأيام ~~ارتفعت أسعار الثياب التي يكفن بها الأموات، وارتفع سعر سائر ما يحتاج إليه ~~المرضى كالسكر وبزر الرجلة والكمثرى على أن القليل من المرضى هو الذي يعالج ~~بالأدوية، بل بعضهم يموت موتا سريعا في ساعة وأقل منها. وعظم الوباء في ~~المماليك السلطانية سكان الطباق بالقلعة الذين كثر فسادهم وشرهم وعظم عتوهم ~~وضرهم، بحيث إنه كان يصبح منهم أربعمائة وخمسون مملوكا مرضى فيموت منهم في ~~اليوم زيادة على الخمسين مملوكا. انتهى كلام المقريزي. قلت: والذي رأيته ~~أنا أنه مات بعض أعيان الأمراء مقدمي الألوف، فلم يقدروا له على تابوت حتى ~~أخذ له تابوت من السبيل. وأما الأخ رحمه الله فإنه لما توفي إلى رحمة الله ~~تعالى وجدنا له تابوتا، غير أنه لا عدة فيه، فلما وضع الأخ فيه طرح عليه ~~سلاري سمور من قماشه، على أن الغاسل أخذ من عليه قماشا يساوي عشرة آلاف ~~درهم، ومع هذا لم ينهض أهل الحانوت بكسوة تابوته. PageV04P0144 # وبلغ عدة من صلي عليه من الأموات بمصلى باب النصر في يوم الأحد عاشر ~~جمادى ms3048 الآخرة خمسمائة وخمسة، وقد أقام هناك جماعة كبيرة بأدويه وأقلام لضبط ~~ذلك. وبطلت الصلاة بالمصلاة، وإنما صار الناس يصلون على أمواتهم صفا واحدا ~~من باب االمصلى إلى تجاه باب دار الحاجب، فكان يصلى على الأربعين والخمسين ~~معا دفعة واحدة. ومات لشخص بخدمتنا يسمى شمس الدين الذهبي ولد فخرجنا معه ~~إلى المصلى، وكان سن الميت دون سبع سنين، فلما أن وضعناه للصلاة عليه بين ~~الأموات جيء بعدة كبيرة أخرى إلى أن تجاوز عددهم الحد، ثم صلي على الجميع. ~~وتقدمنا لأخذ الميت المذكور فوجدنا غيرنا أخذه وتبرك لنا غيره في مقدار ~~عمره، فأخذه أهله ولم يفطنوا به ففهمت أنا ذلك، وعرفت جماعة أخر، ولم نعلم ~~أباه بذلك، وقلنا لعل الذي أخذه يواريه أحسن مواراة، وليس للكلام في ذلك ~~فائدة غير زيادة في الحزن. فلما دفن الصبي وأخذ أهل الحانوت التابوت صاحوا ~~وقالوا: ليس هذا تابوتنا، هذا عتيق وقماشه أيضا خلق،. فأشرت إليهم بالسكات، ~~وهددهم بعض المماليك بالضرب، فأخذوه ومضوا، فكانت هذه الواقعة من الغرائب ~~المهولة. كل ذلك والطاعون في زيادة ونمو حتى أيقن كل أحد أنه هالك لا ~~محالة. وكنا نخرج من صلاة الجمعة إلى بيتنا، وقد وقف جماعة من الأصحاب ~~والخدم، فنتعادد إلى الجمعة الثانية، فينقص منا عدة كبيرة ما بين ميت ~~ومريض. واستسلم كل أحد للموت، وطابت نفسه لذلك، وقد أوصى وتاب وأناب ورجع ~~عن أشياء كثيرة. وصار غالب الشباب في يد كل واحد منهم سبحة، وليس له دأب ~~إلا التوجه للمصلاة للصلاة على الأموات وأداء الخمس والبكاء والتوجه إلى ~~الله تعالى والتخشع وماتت عندنا وصيفة مولدة بعد أن مرضت من ضحى النهار إلى ~~أن ماتت قبل المغرب، فأصبحنا وقد عجز الخدم عن تحصيل تابوت لها، فتولت ~~تغسيلها أمها وجماعة من العجائز، وكفنوها في أفخر ثيابها على أحسن وجه، غير ~~أننا لم نلق لها نعشا. وقد ألزمني التوجه للصلاة على الأمير الكبير بيبغا ~~المظفري، وعلى الشهابي أحمد بن الأمير تمراز النائب، فوقفت على الباب ~~والميتة محمولة على أيدي بعض الخدم ms3049 إلى أن اجتازت بنا جنازة امرأة، فأنزلت ~~التابوت غصبا ووضعتها عند الميتة واشتالتا على أعناق الرجال، وسارت أمها ~~وبعض الخدم معها إلى أن قاربت التربة فأخذوها من التابوت ودفنوها. ثم بلغ ~~في جمادى الأخرة المذكورة عدة من صلي عليه بمصلاة باب النصر فقط في يوم ~~واحد زيادة على ثمانمائة ميت. ثم في اليوم المذكور بلغ عدة من خرج من ~~الأموات من سائر أبواب القاهرة اثني عشر ألفا وثلاثمائة ميت محرره من ~~الكتبة الحسبة بأمر شخص من أكابر الدولة، وقيل بأمر السلطان. ثم بلغ عدة من ~~صلي عليه بمصلاه باب النصر من الأموات في العشر الأوسط من جمادى الأخرة ~~المذكورة ألفا ونيفا وثلاثين إنسانا، ويقارب ذلك مصلاة المؤمني بالرميلة، ~~فيكون على هذا الحساب مات في هذا اليوم نحو خمسة عشر ألف إنسان. قال ~~المقريزي: واتفق في هذا الوباء غرائب، منها: أنه كان بالقرافة الكبرى ~~والقرافة الصغرى من السودان نحو ثلاثة آلاف إنسان ما بين رجل وامرأة وصغير ~~وكبير، ففنوا بالطاعون حتى لم يبق منهم إلا القليل، ففروا إلى أعلى الجبل ~~وباتوا ليلتهم سهارا لا يأخذهم نوم لشدة ما نزل بهم من فقد أهليهم، وظلوا ~~يومهم من الغد بالجبل، فلما كانت الليلة الثانية مات منهم ثلاثون إنسانا، ~~وأصبحوا فإلى أن يأخذوا في دفنهم مات منهم ثمانية عشر. قال: واتفق أن ~~إقطاعا بالحلقة تنقل في أيام قليلة إلى تسعة نفر، وكل منهم يموت. ومن كثرة ~~الشغل بالمرضى رالأموات تعطلت الأسواق من البيع والشراء وتزايد ازدحام ~~الناس في طلب الأكفان والنعوش فحملت الأموات على الألواح وعلى الأقفاص، ~~وعلى الأيدي. وعجز الناس عن دفن أمواتهم، فصاروا يبيتون، بها في المقابر ~~والحفارون طول ليلتهم يحفرون. وعملوا حفائر كبيرة بلغ في الحفرة منها عدة ~~أموات. وأكلت الكلاب كثيرا من أطراف الأموات. وصار الناس ليلهم كله يسعون ~~في طلب الغسال والحمالين والأكفان، وترى النعوش في الشوارع كأنها قطارات ~~جمال لكثرتها، متواصلة بعضها في إثر بعض. انتهى كلام المقريزي. ~~PageV04P0145 # ثم في يوم الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة المذكورة جمع ms3050 الشريف شهاب الدين ~~أحمد كاتب السر بالديار المصرية بأمر السلطان أربعين شريفا، اسم كل شريف ~~منهم محمد، وفرق فيهم من ماله خمسة آلاف درهم، وأجلسهم بالجامع الأزهر، ~~فقرأوا ما تيسر من القرآن الكريم بعد صلاة الجمعة، ثم قاموا هم والناس على ~~أرجلهم ودعوا الله تعالى، وقد غص الجامع بالناس، فلم يزالوا يدعون الله حتى ~~دخل وقت العصر، فصعد الأربعون شريفا إلى سطح الجامع وأذنوا جميعا، ثم نزلوا ~~وصلوا مع الناس صلاة العصر وانفضوا. وكان هذا بإشارة بعض الأعاجم، وأنه عمل ~~ذلك ببلاد الشرق في وباء حدث عندهم فارتفع عقيب ذلك. ولما أصبح الناس في ~~يوم السبت أخذ الوباء يتناقص في كل يوم بالتدريج حتى انقطع. غير أنه لما ~~نقلت الشمس إلى برج الحمل في يوم ثامن عشر جمادى الآخرة المذكورة ودخل فصل ~~الربيع، وأخذ الطاعون يتناقص، غير أنه فشا الموت من يومئذ في أعيان الناس ~~وأكابرهم ومن له شهرة، بعدما كان أولا في الأطفال والموالي والغرباء ~~والخدم، وفشا أيضا ببلاد الصعيد، وبغالب الدواب والطير، وبدأ التطويل في ~~الأمراض، ومشت الأطباء والجرائحية للمرضى. والعجب أن الشريف كاتب السر الذي ~~جمع الأشراف بجامع الأزهر مات بعد ذلك باثني عشر يوما، وولي أخوه كتابة ~~السر عوضه، وقبل أن يلبس الخلعة وأما من مات في هذا الوباء من الأعيان ~~فجماعة كبيرة، يأتي ذكر بعضهم في وفيات هذه السنة من هذا الكتاب. ثم في يوم ~~الاثنين تاسع شهر رجب خلع السلطان على الأمير الطواشي زين الدين خشقدم ~~الرومي اليشبكي، نائب مقدم المماليك، باستقراره مقدم المماليك السلطانية ~~بعد موت الأمير فخر الدين ياقوت الأرغون شاوي الحبشي. وخلع السلطان على ~~الطوشي فيروز الركني الرومي باستقراره في نيابة مقدم المماليك عوضا عن ~~خشقدم المذكور. ثم في سادس عشر شهر رجب المذكور قدم الأمير تغري بردي ~~المحمودي من ثغر دمياط، وكان قد نقل إليه من سجن الإسكندرية قبل تاريخه ~~بمدة فرسم السلطان أن يتوجه من قليوب إلى دمشق ليكون أتابكا بها عوضا عن ~~الأمير قاني باي الحمزاوي بحكم حضور ms3051 قاني باي المذكور إلى القاهرة ليكون ~~بها من جملة مقدمي الألوف. ثم في ثالث عشرينه خلع السلطان على الشيخ بدر ~~الدين حسن بن القدسي الحنفي باستقراره في مشيخة الشيوخ بالشيخونية بعد موت ~~القاضي صدر الدين أحمد بن العجمي. ثم ورد الخبر على السلطان بحركة قرايلك ~~على البلاد الحلبية، وأن شاخ رخ بن تيمورلنك قد شتى بقراباغ، فأخذ السلطان ~~في تجهيز عسكر للسفر. هذا وقد أشيع بالقاهرة بأن الأمير جاني بك الصوفي مات ~~بالطاعون ودفن ولم يعرف به أحد، فلم تطب نفس السلطان لهذا الخبر، واستمر ~~على ما هو عليه من القلق بسببه. ثم في يوم الأربعاء ثالث شعبان منع السلطان ~~نواب القضاة من الحكم، ورسم أن يقتصر القاضي الشافعي على أربعة نواب، ~~والحنفي على ثلاثة، والمالكي والحنبلي كل منهما على اثنين. قلت: نعمة ~~طائلة، خمسة عشر قاضيا بمصر، بل ونصف هذا فيه كفاية. ثم في يوم الاثنين ~~ثامن شعبان أدير محمل الحاج على العادة في كل سنة، ولم يعهد دورانه في ~~شعبان قبل ذلك غير أن الضرورة بموت المماليك الرماحة اقتضت تأخير ذلك، وكان ~~الجمع فيه من الناس دون العادة لكثرة وجد الناس على موتاهم. ثم في يوم ~~السبت ثامن عشر شهر رمضان قدم شهاب الدين أحمد بن صالح بن السفاح كاتب سر ~~حلب باستدعاء ليستقر في كتابة السر بالديار المصرية، ويستقر عوضه في كتابه ~~سر حلب ابنه زين الدين عمر، على أن يحمل شهاب الدين المذكور عشرة آلاف ~~دينار. وكانت كتابة السر شغرت من يوم مات الشريف شهاب الدين أحمد الدمشقي، ~~وباشر أخوه عماد الدين أبو بكر أياما قليلة ومات أيضا بالطاعون، فباشر ~~القاضي شرف الدين أبو بكر الأشقر نائب كاتب السر إلى يوم تاريخه، بعد أن ~~سعى في كتابة السر جماعة كبيرة بالقاهرة، فاختار السلطان ابن السفاح هذا، ~~وبعث بطلبه، وخلع عليه في عشرينه باستقراره في كتابة السر، فباشر الوظيفة ~~بقلة حرمة وعدم أبهة مع حدة مزاج وخفة وجهل بصناعة الإنشاء. على أنه باشر ~~كتابة السر بحلب سنين ms3052 قبل ذلك، ومع هذا كله لم ينتج أمره لعدم فضيلته، فإنه ~~كان يظهر من قراءته للقصص ألفاظا عامية وبالجملة فإنه كان غير أهل لهذه ~~الوظيفة. انتهى. PageV04P0146 # ثم في يوم السبت رابع عشرين شوال قدم المماليك السلطانية من تجريدة الرها ~~إلى القاهرة، وكانوا من يوم ذاك بمدينة حلب، وتخلفت الأمراء بها. ثم في يوم ~~الاثنين ثالث ذي القعدة خلع السلطان على الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن ~~كاتب المناخ باستقراره أستادارا، مضافا إلى الوزر، عوضا عن آقبغا الجمالي ~~بحكم عجز آقبغا عن القيام بالكلف السلطانية. ثم في سادس ذي القعدة أمسك ~~السلطان آقبغا المذكور وأهين وعوقب على المال فحمل جملة ثم أفرج عنه واستقر ~~كاشفا للجسور بعد أيام. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة أيضا، ويوافقه ~~خامس عشر مسرى، أو في النيل ستة عشر ذراعا، فركب السلطان الملك الأشرف من ~~قلعة الجبل ونزل حتى خلق المقياس، وعاد ففتح خليج السد على العادة ولم يركب ~~لذلك منذ تسلطن إلا في هذه السنة. ثم في ليلة السبت خامس عشر ذي القعدة ظهر ~~للحاج المصري وهم سائرون من جهة البحر المالح كوكب يرتفع ويعظم، ثم تفرق ~~منه شرر كبار، ثم اجتمع. لما أصبحوا اشتد عليهم الحر، فهلك من مشاة الحاج ~~ثم من الركبان عالم كبير، وهلك أيضا من جمالهم وحميرهم عدة كبيرة، كل ذلك ~~من شدة الحر والعطش، وهلك أيضا في بعض أودية الينبع جميع ما كان فيه من ~~الإبل والغنم. ثم في يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة ركب السلطان من قلعة الجبل ~~ونزل إلى بيت ابن البارزي المطل على النيل بساحل بولاق، وسار بين يديه ~~غرابان في النيل حربية، فلعبا كما لو حاربا الفرنج، ثم ركب السلطان من وقته ~~سريعا وسار إلى القلعة. ثم في عاشر ذي الحجة توجه زين الدين عبد الباسط ~~ناظر الجيش إلى زيارة القدس الشريف، وعاد في يوم تاسع عشرينه. ثم ورد الخبر ~~على السلطان في هذا الشهر بتوجه الأمير قصروه نائب حلب منها والأمراء ~~المجردون معه لمحاربة ms3053 قرقماس بن حسين بن نعير، فلقوا جمائعه تجاه قلعة ~~جعبر، فانهزم قرقماس عن بيوته، فأخذ العسكر في نهب ماله، فرد عليهم العرب ~~وهزموهم وقتلوا كثيرا من العساكر، وممن قتل الأمير قشتم المؤيدي أتابك حلب ~~وغيره، وعاد العسكر إلى حلب بأسوء حال، فعظم ذلك على الملك الأشرف إلى ~~الغاية. قال المقريزي: وكان في هذه السنة حوادث شنيعة وحروب وفتن، فكان ~~بأرض مصر بحريها وقبليها وبالقاهرة ومصر وظواهرها وباء عظيم مات فيه على ~~أقل ما قيل مائة ألف إنسان، والمجازف يقول هذه المائة ألف من القاهرة ومصر ~~فقط سوى من مات بالوجه القبلي والبحري وهم مثل ذلك. قلت: وليس في قول ~~القائل إن هذه المائة ألف من القاهرة ومصر فقط مجازفة أبدا، فإن الوباء ~~أقام أزيد من ثلاثة أشهر ابتداء وانتهاء وانحطاطا، وأقل من مات فيه دون ~~العشرين كل يوم، وأزيد من مات فيه نحو خمسة عشر ألف إنسان، وبهذا المقتضى ~~ما ثم مجازفة، ومتحصل ذلك يكون بالقياس أزيد مما قيل انتهى. قال، أعني ~~المقريزي: وغرق ببحر القلزم مركب فيه حجاج وتجار تزيد عدتهم على ثمانمائة ~~إنسان، لم ينج منهم سوى ثلاثة رجال وهلك باقيهم. وهلك في ذي القعدة أيضا ~~بطريق مكة فيما بين الأزلم والينبع بالحر والعطش ثلاثة آلاف إنسان، ويقول ~~المكثر خمسة آلاف. وغرق في نيل مصر في مدة يسيرة اثنتا عشرة سفينة، تلف ~~فيها من البضائع والغلال ما قيمته مال عظيم. وكان بغزة والرملة والقدس وصفد ~~ودمشق وحمص وحماة وحلب وأعمالها وباء عظيم، هلك فيه خلائق لا يحصي عددهم ~~إلا الله تعالى. وكان ببلاد المشرق بلاء عظيم، وهو آن شاه رخ بن تيمور ملك ~~الشرق قدم إلى تبريز في عسكر يقول المجازف عدتهم سبعمائة ألف. قلت: يغفر ~~الله لقائل هذا اللفظ، فإنه تجاوز حد المجازفة في قوله انتهى. قال: فأقام ~~شاه رخ على خوي نحو شهرين، وقد فر منه إسكندر بن قرا يوسف، فقدم عليه ~~الأمير عثمان بن طرعلي المدعو قرايلك التركماني صاحب آمد في ألف فارس، ~~فبعثه على ms3054 عسكر لمحاربة إسكندر، وسار في أثره، وقد جمع إسكندر جمعا يقول ~~المجازف إنهم سبعون ألفا، فاقتتل الفريقان خارج تبريز فقتل بينهما آلاف من ~~الناس، وانهزم إسكندر، وهم في أثره يقتلون ويأسرون وينهبون، فأقام إسكندر ~~ببلاد الكرج ثم بقلعة سلماس، وحصرته العساكر مدة، فنجا وجمع نحو الأربعة ~~آلاف، فبعث إليه شاه رخ عسكرا أوقعوا به وقتلوا من معه، فنجا بنفسه جريحا. ~~PageV04P0147 # وفي مدة هذه الحروب ثار أصبهان بن قرا يوسف، ونزل على الموصل ونهب تلك ~~الأعمال، وقتل وأفسد فسادا كبيرا. وكانت بعراقي العرب والعجم نهوب ومقاتل، ~~حيث إن شاه محمد بن قرا يوسف متملك بغداد من عجزه لا يتجاسر على أن يتجاوز ~~سور بغداد. وخلا أحد جانبي بغداد من السكان، وزال عن بغداد اسم التمدن، ~~ورحل منها حتى الحياك، وجف أكثر النخل من أعمالها. ومع هذا كله وضع شاه رخ ~~على أهل تبريز مالا ذهبت في جباياته نعمهم ثم جلاهم بأجمعهم إلى بلاده، ~~وكثر الإرجاف بقدومه إلى الشام، فأوقع الله في عسكره البلاء والوباء حتى ~~عاد إلى جهة بلاده. وعاد قرايلك إلى ماردين فنهبها، ثم عاد ونهب ملطية وما ~~حولها. وكان أيضا ببلاد الحبشة بلاء لا يمكن وصفه. وذلك أنا أدركنا ملكها ~~داود بن سيف أرعد، ويقال له الحطي ملك أمحرة، وهم نصارى يعقوبية، فلما مات ~~في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة قام من بعده ابنه تدرس بن داود، فلم تطل مدته ~~ومات، فملك بعده أخوه أبرم، ويقال إسحاق بن داود، وفخم أمره، وذلك أن بعض ~~مماليك الأمير بزلار نائب الشام ترقى في الخدم، وعرف بألطنبغا مغرق، حتى ~~باشر ولاية قوص من بلاد الصعيد. ففر إلى الحبشة واتصل بالحطي هذا، وعلم ~~أتباعه لعب الرمح ورمي النشاب وغير ذلك من أدوات الحرب. ثم لحق بالحطي أيضا ~~بعض المماليك الجراكسة، وكان زردكاشا، فعمل له زردخاناه، ملوكية. وتوجه ~~إليه مع ذلك رجل من كتاب مصر الأقباط النصارى يقال له فخر الدولة، فرتب له ~~ملكه، وجبى له الأموال وجند له الجنود، حتى كثر ترفهه، بحيث أخبرني ms3055 من ~~شاهده وقد ركب في موكب جليل وبيده صليب من ياقوت أحمر قد قبض عليه، ووضع ~~يده على فخذه فصار يبين ويظهر لهذا الصليب الياقوت طرفان كبيران من قبضته، ~~فشرهت نفسه إلى أخذ ممالك الإسلام لكثرة ما وصف له هؤلاء من حسنها. فبعث ~~بالتبريزي التاجر ليدعو الفرنج للقيام معه، وأوقع بمن في مملكته من ~~المسلمين، فقتل منهم وأسر وسبى عالما عظيما. وكان ممن أسر منصور ومحمد ولدا ~~سعد الدين محمد بن أحمد بن علي بن ولصمع المجبرتي ملك المسلمين بالحبشة، ~~فعاجله الله بنقمته، وهلك في ذي القعدة وأقيم ابنه إندراس بن إسحاق، فهلك ~~أيضا لأربعة أشهر، فأقيم بعده عمه حزبناي ابن داود بن سيف أرعد، فهلك في ~~شهر رمضان سنة أربع وثلاثين فأقيم بعده ابن أخيه سلمون بن إسحاق بن داود بن ~~سيف أرعد، فكانت على أمحرة أربعة ملوك في أقل من سنة. انتهى كلام المقريزي ~~برمته. وقد خرجنا عن المقصود، على أنه فيما ذكرنا فوائد يحتمل التطويل ~~بسببها. انتهى. PageV04P0148 # ثم إن السلطان أخذ في تجهيز عسكر إلى البلاد الحلبية إلى أن انتهى أمرهم. ~~فلما كان يوم الاثنين سابع عشرين محرم سنة أربع وثلاثين وثمانمائة برز ~~الأمراء المجردون من القاهرة إلى الريدانية خارج القاهرة، وهم الأمير ~~الكبير جارقطلو أتابك العساكر، والأمير إينال الجكمي أمير سلاح، والأمير ~~آقبغا التمرازي أمير مجلس، والأمير تمراز القرمشي رأس نوبة النوب والأمير ~~قرا مرادخجا الشعباني الظاهري برقوق أمير جاندار، وعدة من أمراء الطبلخانات ~~والعشرات، وخمسمائة مملوك من المماليك السلطانية. وكان سبب تجردهم ورود ~~الخبر على السلطان بنزول قرايلك في أول هذا الشهر على معاملة ملطية، وأنه ~~نهبها وأحرقها، وحصر ملطية، فخرج إليه الأمير قصروه نائب حلب، وقد أردفه ~~الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام بعساكر الشام، فأردفهم السلطان أيضا ~~بالعسكر المذكور. فلما أن رحلوا من الريدانية ورد الخبر ثانيا من قبل نواب ~~البلاد الشامية بعود قرايلك إلى بلاده، وأن المصلحة تقتضي عدم خروج العسكر ~~من مصر في هذه السنة، فرسم السلطان بعودهم من خانقاه ms3056 سرياقوس في يوم الجمعة ~~أول صفر، فرجعوا من وقتهم. واستعيدت منهم النفقة السلطانية التي أنفقت فيهم ~~عند سفرهم، فاحتاجوا إلى رد ما اشتروه من الأمتعة بعدما استعملوها، ~~والأزواد على من ابتاعوها منهم غصبا، ثم احتاجوا إلى استعادة ما أنفقوه على ~~غلمانهم وخدمهم، وقد تصرفت الغلمان فيها، واشتروا منها احتياجهم، ودفعوا ~~منها إلى أهليهم ما ينفقونه في غيبتهم، فكل واحد من هؤلاء استعيد منه ما ~~تصرف فيه. فنزل من أجل هذا بالناس ضرر عظيم، وكثرت القالة في السلطان، ~~ونفرت القلوب منه، وتحدث الناس بذلك أياما وسنين، ولعله صار مثلا يضرب به ~~إلى يوم القيامة. ثم في يوم الاثنين حادي عشر صفر المذكور ركب السلطان من ~~قلعة الجبل في موكب جليل ملوكي احتفل له، ولبس قماش الموكب الكلفتاه ~~والفوقاني الصوف الذي بوجهين أحمر وأخضر، كما كان يلبس الملك الظاهر برقوق ~~وغيره من الملوك، وجر الجنائب بين يديه، والجاويشية تصيح أمامه، وسار وحوله ~~الطبردارية، وعلى رأسه السنجق السلطاني، حتى عبر من باب زويلة، فشق القاهرة ~~وخرج من باب الشعرية يريد الصيد بالدير والمنزلة، فتوجه إلى الصيد فبات ~~هناك ليلة الثلاثاء، وأصبح اصطاد الكراكي، وعاد إلى مخيمه وأكل السماط. ثم ~~ركب وعاد في آخر يوم الثلاثاء إلى القلعة بعدما شق القاهرة في عوده أيضا ~~على تلك الهيئة، وهذا أول ركوبه إلى الصيد منذ تسلطن. ثم في خامس عشرينه ~~ركب للصيد ثانيا وعاد من الغد. وتكرر ركوبه لذلك غير مرة، وأنا ملازمه في ~~جميع ركويه للصيد وغيره. وفي هذا الشهر توقف الناس والتجار في أخذ الذهب من ~~كثرة الإشاعة بأنه ينادى عليه، فنودي في يوم السبت سلخ صفر المقدم ذكره أن ~~يكون سعر الدينار الأشرفي بمائتين وخمسة وثلاثين، والدينار الإفرنتي ~~بمائتين وثلاثين، وهدد من زاد على ذلك بأنه يسبك في يده، فعاد الضرر على ~~الناس في الخسارة لانحطاط سعر الدينار خمسين درهما، فإنه كان يتعامل به ~~الناس بمائتين وخمسة وثمانين. ثم في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الأول رسم ~~السلطان بجمع الصيارف وللتجار فجمعوا، وأشهد ms3057 عليهم أن لا يتعاملوا بالدراهم ~~القرمانية ولا الدراهم اللنكية ولا القبرسية، وأن هذه الثلاثة أنواع تباع ~~بسوق الصاغة على حساب وزن كل درهم منها بستة عشر درهما من الفلوس حتى يدخل ~~بها إلى دار الضرب وتضرب دراهم أشرفية خالصة من الغش، ونودي بذلك، وأن تكون ~~المعاملة بالدراهم الأشرفية والدراهم البندقية والمؤيدية، فإن هذه الثلاثة ~~فضة خالصة ليس فيها نحاس بخلاف الدراهم التي منع من معاملتها، فإن عشرتها ~~إذا سبكت تجيء ستة لما فيها من النحاس. ثم نودي بعد ذلك بأن يكون سعر ~~الأشرفي بمائتين وثمانين والإفرنتي بمائتين وسبعين، واستمر ذلك جميعه لا ~~يقدر أحد على مخالفة شيء منه. PageV04P0149 # قلت: وهذا بخلاف ما نحن فيه الآن، فإن لنا نحو ستة أشهر والناس فيه بحسب ~~اختيارهم في المعاملة بعد أن نودي على الذهب والفضة بعدة أسعار غير مرة، ~~فلم يلتفت أحد للمناداة، وأخذوا فيما هم فيه من المعاملة بالدراهم التي لا ~~يحل المعاملة بها لما فيها من الغش والنحاس. وقد استوعبنا ذلك كله مفصلا ~~باليوم في تاريخنا،حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور إذ هو ضابط لهذا ~~الشأن مشحون بما يقع في الزمان من ولاية وعزل وغريبة وعجيبة. ثم تكرر ركوب ~~السلطان في شهر ربيع الأول هذا للصيد غير مرة بعدة نواح. كل ذلك والخواطر ~~مشغولة بأمر جاني بك الصوفي والفحص عنه مستمر، والناس بسبب ذلك في جهد ~~وبلاء، فما هو إلا أن يكون الرجل له عدو، وأراد هلاكه، أشاع بأن جاني بك ~~الصوفي مختف عنده، فعند ذلك حل به بلاء الله المنزل من كبس داره، ونهب ~~قماشه، وهتك حريمه، وسجنه في أيدي العواتية، ثم بعد ذلك يصير حاله إلى أحد ~~أمرين: إما أن يضرب ويقرر بالعقوبة، وإما أن تبرأ ساحته ويطلق بعد أن يقاسي ~~من الأهوال ما سيذكره إلى أن يموت. ولقد رأيت من هذا النوع أعاجيب، منها أن ~~بعض أصحابنا الخاصكية ضرب بعض السقايين على ظهره ضربة واحدة، فرمى السقاء ~~المذكور قربته وترك حمله وصاح: هذا الوقت أعرف السلطان بمن هو ms3058 مختف عندك، ~~ومشى مسرعا خطوات إلى جهة القلعة، فذهب خلفه حواشي الخاصكي المذكور ~~ليرجعوه، فلم يلتفت، فنزل إليه الخاصكي بنفسه حافيا، وتبعه إلى الشارع ~~الأعظم حتى لحقه، وقد أعاقه الناس له، فأخذ الخاصكي يتلطف به ويترضاه،ويبوس ~~صدره غير مرة، ويترقق له، وقد علاه اصفرار ورعدة، والناس تسخر من حاله ~~لكونه ما يعرف باللغة العربية إلا كلمات هينة، فصار مع عدم معرفته يريد ~~ملاطفة السقاء المذكور فيتكلم بكلام إذا سمعه الشخص لا يكاد يتمالك نفسه، ~~وسخر الناس وأهل حارته بكلامه أشهرا وسنين. فلما انتهى أمره، وبلغني ما وقع ~~له، كلمته فيما فعله ولمته في ذلك، فقال: خل عنك هذا الكلام، والله إن ~~إينال السلحدار وأخاه يشبك ،الصوفي ضربا بالمقارع وعصرا أياما ولم يصرخ أحد ~~في حقهما بما أراد هذا السقاء أن يقوله عني. واستمر الخاصكي في قلبه حزارة ~~من السقاء المذكور إلى أن تأمر عشرة فيأول دولة الملك الظاهر جقمق، فطلب ~~السقاء المذكور فوجده قد مات في شعبان من السنة الحالية، فهذا ما كان من ~~أمره، ومثل هذا فكثير. ثم في أواخر شهر ربيع الأول المذكور لهج السلطان ~~بسفره إلى البلاد الشامية لمحاربة قرايلك. واستهل شهر ربيع الأخر، أوله ~~الأحد، والسلطان والأمراء في الاهتمام بحركة السفر. ثم في يوم الخميس رابع ~~عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر، ~~وأعيد إلى قضاء الشافعية بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة علم الدين ~~صالح البلقيني. ثم في جمادى الآخرة خلع السلطان على الأمير جاني بك السيفي ~~يلبغا الناصري نائب رأس نوبة النوب المعروف بجانبك الثور، باستقراره في ~~نيابة الإسكندرية بعد موت أحمد بن الأقطع. ثم في يوم الاثنين حادي عشرين ~~شوال خرج محمل الحاج إلى الريدانية خارج القاهرة صحبة الأمير قراسنقر ~~الظاهري. وحجت في هذه السنة زوجة السلطان الملك الأشرف وأم ولده الملك ~~العزيز يوسف خوند جلبان الجاركسية بتجمل كبير إلى الغاية، وفي خدمتها ~~الزيني خشقدم الظاهري الزمام، وهو أمير الركب الأول، والزيني عبد الباسط ~~ناظر الجيش. PageV04P0150 # قال ms3059 المقريزي: وحججت أنا في هذه السنة رجبية، وقد استجد بعيون القصب من ~~طريق الحجاز بئر احتفرت، فعظم النفع بها وذلك أني أدركت، بعيون القصب أنه ~~كان، يخرج من بين الجبلين ماء يسيح على الأرض فينبت فيه من القصب الفارسي ~~وغيره شيء كثير، ويرتفع في الماء حتى يتجاوز قامة الرجل في عرض كبير، فإذا ~~نزل الحاج عيون القصب أقاموا يومهم على هذا الماء بغتسلون منه ويبتردون به. ~~ثم انقطع هذا الماء وجفت تلك الأعشاب، فصار الحاج إذا نزل هناك احتفر حفائر ~~يخرج منها ماء رديء، إذا بات ليلة واحدة في القرب نتن، فأغاث الله العباد ~~بهذا البئر، وخرج ماؤها عذبا. وكان قبل ذلك بشهرين قد حفر الأمير شاهين ~~الطويل بئرين بموضع يقال له زعم وقيقاب، وذلك أن الحاج كان إذا ورد الوجه ~~تارة يجد فيه الماء وتارة لا يجد فيه، فلما هلك الناس من العطش في السنة ~~الماضية بعث السلطان بشاهين هذا، كما تقدم ذكره، فحفر البئرين بناحية زعم ~~حتى لا يحتاج الحاج إلى ورود الوجه، فتروى الحاج منهما وعدم الانتفاع بهما، ~~وبطل سلوك الحاج على طريق الوجه من هذه السنة. انتهى كلام المقريزي. قلت: ~~وفرغت سنة أربع وثلانين ولم يسافر السلطان ولا أحد من أمرائه إلى البلاد ~~الشامية. ثم في يوم الاثنين ثالث عشرين محرم سنة خمس وثلاثين وثمانمائة ~~وصلت زوجة السلطان خوند جلبان بعد أن حجت وقضت المناسك، وقدم محمل الحاج ~~صحبة الأمير قراسنقر. ثم في يوم الخميس سابع شهر ربيع الآخر من سنة خمس ~~وثلاثين وثمانمائة المذكورة نزل عدة من المماليك الجلبان من الأطباق إلى ~~بيت الصاحب كريم الدين بن كاتب المناخ، وهو يومئذ، وزير وأستادار، يريدون ~~الفتك به، وكان علم من الليل، فتغيب واستعد وهرب من بيته، فلم يظفروا به ~~ولا بشيء في داره، فعادوا بعد أن أفسدوا فيما حوله من بيوت جيرانه. وكان ~~لهم من أيام الطاعون قد كفوا عن هذه الفعلة، فبلغ السلطان نزولهم فغضب وأخذ ~~في الدعاء عليهم أيضا بالفناء والوباء، حتى قال له ms3060 التاج الوالي بعد أن زال ~~ما عنده: وسط هؤلاء المعرصين ولا تدع بعود الطاعون على المسلمين، فقال له ~~السلطان: يجوز قتل المسلم بغير استحقاق، فقال التاج: وهؤلاء مسلمون، فقال ~~السلطان: نعم، فقال التاج: والله ما هو صحيح، فضحك السلطان، وأمر به، فلكمه ~~الخاصكية لكما مزعجا، فقال: انظر صدق مقالتي، هذا فعل مسلم بمسلم، انتهى. ~~ثم أصبح الصاحب كريم الدين استعفى من وظيفة الأستادارية فأعفاه السلطان، ~~واستدعى الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله في يوم السبت ثالث عشرين شهر ~~ربيع الآخر المذكور وأخلع عليه باستقراره أستادارا عوضا عن الصاحب كريم ~~الدين بعد انقطاع ابن نصر الله في بيته عدة سنين، وهذه ولاية ابن نصر الله ~~الثانية لوظيفة الأستادارية. ثم في يوم الثلاثاء خامس عشرين جمادى الأولى ~~ركب السلطان من القلعة بغير قماش الموكب، ونزل إلى بيت زين الدين عبد ~~الباسط ناظر الجيش، ثم ركب من بيت عبد الباسط إلى بيت القاضي سعد الدين ~~إبراهيم بن كاتب جكم ناظر الخواص فجلس عنده أيضا قليلا، ثم ركب وعاد إلى ~~القلعة. فلما كان يوم سادس عشرينه حمل عبد الباسط وسعد الدين ناظر الخاص ~~تقادم جليلة إلى السلطان، بسبب نزوله إليهما. وفي هذه السنة تكرر ركوب ~~السلطان ونزوله إلى الصيد وعبوره إلى القاهرة وتوجهه إلى النزه، بخلاف ما ~~كان عليه أولا، غير مرة. ثم في يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة عزل السلطان ~~الصاحب بدر الدين بن نصر الله عن الأستادارية، وخلع من الغد على آقبغا ~~الجمالي باستقراره استادارا عوضا عن ابن نصرالله المذكور، وهذه ولاية آقبغا ~~الثانية، ولزم ابن نصر الله داره على عادته، وكان سبب عزل الصاحب بدر الدين ~~عن الأستادارية أنه لما بلغ آقبغا الجمالي عزل الصاحب كريم الدين بن كاتب ~~المناخ عن الأستادارية سأل في الحضور، وكان متولى كشف البحيرة، فأجيب، فحضر ~~وسعى في الوظيفة على أنه يحمل عشرة آلاف دينار، وإن سافر السلطان إلى الشام ~~حمل معه نفقة شهرين. مبلغ أربعين ألف دينار، فأجيب وأبقي الكشف أيضا معه، ~~وأضيف إليه ms3061 كشف الوجه البحري. PageV04P0151 # ثم في يوم السبت سابع عشرينه خلع السلطان على قاضي القضاة بدر الدين ~~محمود العيني وأعيد إلى قضاء الحنفية بالديار المصرية، عوضا عن زين الدين ~~عبدالرحمن التفهني الحنفي بحكم طول مرضه، فباشر العيني القضاء والحسبة ونظر ~~الأحباس معا لخصوصيته عند الملك الأشرف، فإنه كان يقرأ له تواريخ الملوك ~~وينادمه. ثم في يوم الثلاثاء أول شهر رجب خلع السلطان على الأمير صلاح ~~الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين بن نصرالله باستقراره محتسب القاهرة عوضا ~~عن العيني بحكم عزله برغبته عنها، وكان صلاح الدين هذا منذ عزل عن ~~الأستادارية وعزل أبوه عن نظر الخاص وصودرا ملازمين لدارهما. ثم في يوم ~~الخميس ثالث شهر رجب أدير المحمل على العادة في كل سنة، إلا أنه عجل به في ~~هذا اليوم لأجل حركة السلطان إلى السفر إلى البلاد الشامية. وكان السلطان ~~أيضا في هذه السنة أشاع سفره كما قال في العام الماضي، وتجهز لذلك هو ~~وأمراؤه. ثم في عشرينه قدم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام ~~باستدعاء، وصحبته القاضي كمال الدين محمد بن البارزي السر بدمشق، فباتا ~~بتربة الملك الظاهر برقوق بالصحراء، ثم صعدا من الغد في يوم الاثنين حادي ~~عشرينه إلى القلعة وقبلا الأرض، ولما انفضت الخدمة نزل الأمير سودون من عبد ~~الرحمن إلى مكان بغير خلعة، فعلم كل أحد أنه معزول عن نيابة الشام. فلما ~~كان الغد وهو يوم الثلاثاء ثاني عشرين شهر رجب عملت الخدمة بالقصر السلطاني ~~على العادة وحضر الأمراء الخدمة على العادة، فقدم سودون من عبد الرحمن قدام ~~جارقطلو وحجبه في دخولهما على السلطان، وجلس جارقطلو على ميمنة السلطان، ~~وجلس سودون من عبد الرحمن على ميسرة السلطان إلى أن قرىء الجيش ونجزت ~~العلامة. ودخل السلطان من الخرجة إلى داخل القصر الأبلق، وجلس به، واستدعى ~~الخلع، وخلع على الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام باستقراره أتابك ~~العساكر بالديار المصرية عوضا عن جارقطلو، وخلع على جارقطلو باستقراره في ~~نيابة الشام عوضا عن سودون من عبد الرحمن، وقبلا ms3062 الأرض. وفي الوقت تحول ~~سودون من عبد الرحمن إلى ميمنة السلطان وذهب جارقطلو إلى ميسرة السلطان ~~وذهب جارقطلو إلى ميسرة السلطان بعكس ما كان أولا ولما خرجا من لخدمة ~~السلطانية حجب جارقطلو سودون من عبد الرحمن. كل ذلك لما ثبت عند السلطان من ~~القواعد القديمة الكائنة إلى يومنا هذا. وفي هذا اليوم رسم السلطان بإبطال ~~حركة سفر السلطان إلى البلاد الشامية، فتكلم الناس أن سبب حركة السلطان ~~للسفر إنما كانت بسبب سودون من عبد الرحمن لما أشاعه عنه المتغرضون من أنه ~~يريد الوثوب على السلطان، وليس الأمر كذلك، وإنما كان لعزل سودون من عبد ~~الرحمن أسباب: أحدها: أنه طالت أيامه في نيابة الشام، وزادت عظمته، وكثرت ~~مماليكه، وحواشيه، فخاف الملك الأشرف عاقبته فعزله. وثانيها: وهو الأقوى ~~عندي: أن السلطان لما استدعاه بكتاب على يد الأمير ناصر الدين محمد بن ~~إبراهيم بن منجك وعاد معه ابن منجك، فلما كان في بعض الطريق تحادثا، فكان ~~من جملة كلام سودون من عبد الرحمن لابن منجك: أنا أدخل أيضا إلى مصر أميرا ~~بعد طول مدتي في نيابة دمشق، فنقلها ابن منجك برمتها إلى الملك الأشرف، ~~فتحقق الملك الأشرف عند ذلك ما كان أشيع عنه، فبادر وعزله. وكان مراد سودون ~~من عبد الرحمن بقوله: أدخل مصر أميرا، غير ما حمله عليه ابن منجك، وهو أن ~~مراد سودون من عبد الرحمن أنه اعتاد بنيابة الشام، وأنه يكره الإقامة بمصر، ~~وأن بعض نيابات البلاد الشامية أحب إليه من أن يكون أتابكا بمصر، وأشياء ~~غير ذلك. ثم في يوم الخميس ثاني شعبان خلع السلطان على الأمير جارقطلو خلعة ~~السفر، وخرج من يومه إلي مخيمه بالريدانية خارج القاهرة. وقد استقر الأمير ~~قراجا الخازندار الأشرفي مسفره. ثم خلع السلطان من الغد في يوم الجمعة ~~ثالثه على القاضي كمال الدين محمد بن البارزي كاتب سر دمشق باستقراره في ~~قضاء دمشق مضافا لكتابة سرها عوضا عن شهاب الدين أحمد بن المحمرة، ولم ~~يجتمع ذلك لأحد قبله في الجمع بين قضاء دمشق وكتابة ms3063 سرها. PageV04P0152 # ثم في يوم الاثنين سادس عشرين شهر رمضان خلع السلطان على دولات خجا ~~الظاهري باستقراره والي القاهرة عوضا عن التاج الشوبكي وأخيه عمر. ودولات ~~خجا هو أحد أصاغر المماليك الظاهرية برقوق ومن شرارهم، وكان وضيعا تركي ~~الجنس، كثير الشر، يمشي على قدميه بالأسواق في بعض الأحيان. وكان الملك ~~الأشرف يعرفه أيام جنديته ويتوقى شره، فلما تسلطن ولاه الكشوفية ببعض ~~النواحي، فأباد أهل تلك الناحية، ثم ولاه الكشف بالوجه القبلي فتنوع في ~~عذاب أهل الفساد وقطاع الطريق أنواعا كثيرة، منها: أنه كان إذا قبض على ~~الحرامي أمسكه ونفخ بالكير في دبره حتى تندر عيناه وينفلق دماغه. ومنها أنه ~~كان يعلق الرجل منكسا، ولا يزال يرمي عليه بالنشاب إلى أن يموت، وأشياء ~~كثيرة من ذلك. فلما ولي الولاية بالقاهرة كان أول ما بدأ به أنه أفرج عن ~~جميع أهل الجرائم من الحبوس، وحلف لهم أنه متى ظفر بأحد منهم وقد سرق ~~ليوسطنه. وأرهب إرهابا عظيما، وصار يركب في الليل ويطوف بحرمة زائدة عن ~~الحد وصدق في يمينه في السراق، فما وقع له سارق ممن أطلقه، وقد كتب أسماءهم ~~عنده، إلا وسطه، فذعر أهل الفساد منه، وانكفوا عن السرقة. ثم أخذ في ~~التضييق على الناس وإلزامهم بإلزامات منها: أنه أمرهم بكنس الشوارع ثم رشها ~~بالماء، وبتعليق كل سوقي قنديلا على دكانه، وعاقب على ذلك خلائق. ثم منع ~~النساء من الخروج إلى الئرب في أيام الجمع، وأشياء كثيرة، إلى أن سئمه ~~الناس وعزله الأشرف عنهم حسبما يأتي ذكره. ثم أرسل السلطان يطلب قاضي ~~القضاة شهاب الدين أحمد بن الكشك ليستقر في كتابة سر مصر بعد موت شهاب ~~الدين أحمد بن السفاح، على أنه يحمل بسبب ذلك عشرة آلاف دينار، فقدم جوابه ~~في يوم الاثنين ثالث شوال كتاب الأمير جارقطلو نائب الشام على يد نجاب، وهو ~~يعتذر لعدم حضوره بضعف بصره وألام تعتريه، وأرسل بمبلغ من الذهب له صورة، ~~فأعفاه السلطان عن ذلك. واستدعى السلطان الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن ~~كاتب المناخ وخل ms3064 عليه في يوم الثلاثاء رابعه باستقراره كاتب السر الشريف ~~مضافا إلى الوزر، ولم يقع ذلك في الدولة التركية لأحد أن الوزر وكتابة السر ~~اجتمعا لواحد معا. ونزل الصاحب كريم الدين في موكب جليل، وباشر وظيفة كتابة ~~السر والوزر، مع بعده عن صناعة الإنشاء، وعن كل فضيلة، وقلة دربته بقراءة ~~القصص والمطالعات من الأعمال والأقطار. وكان مع ما هو فيه من الجهل أجهر ~~العينين، لا ينظر في الكتابة إلا من قريب، وفي صوته خشونة، فكان إذا أمسك ~~الكتاب في يده ليقرأه على السلطان تنظر أعاجيب من تبحره في الكتاب بعينه، ~~ثم من توقفه في القراءة، ثم من اللحن الفاحش الخارج عن الحد، مع أن قراءته ~~للكتب ما كانت إلا نادرا، وفي الغالب لا يقرؤها على السلطان إلا القاضي شرف ~~الدين الأشقر نائب كاتب السر. وكنت أظن أن الأشرف إنما ولى كريم الدين هذا ~~لكتابة السر ليطيب خاطره ويقويه حتى يعيده إلى وظيفة الأستادارية، فإنه كان ~~ماهرا بتدبير أمور الوزر والأستادارية، جيد التنفيذ فيها إلى الغاية، لم تر ~~عيني بعده أحسن تدبيرا وتصرفا منه في فنه، غير أنه ليس من خيل هذا الميدان، ~~وبين معرفته بفنه والدربة بصناعة الإنشاء زحام، إلى أن كان بعض الأيام ~~والأشرف جالس، وقدم الصاحب كريم الدين هذا، فلما رآه الأشرف من بعيد قال ~~لمن حوله: هل رأيتم كاتب سر أحشم من هذا ولا أمثل؟ فقال له من حضر: لا ~~والله يا خوند، فعند ذلك تحققت خلاف ما كنت أظن وعلمت أن القوم في واد ~~والأمم السالفة في واد . ثم في يوم الخميس ثالث عشر شوال المذكور ابتدأ ~~السلطان بالجلوس في الإيوان بدار العمل من قلعة الجبل، وكان قد ترك الملوك ~~الجلوس به بعد الملك الظاهر برقوق في يومي الاثنين والخميس إلا في النادر ~~أيام خدمة الإيوان عند قدوم قصاد ملوك الأقطار، فتشعث الإيوان ونسيت عوائده ~~ورسومه إلى أن اقتضى رأي السلطان في هذه الأيام بعمارته وتجديد عهده، فأزيل ~~شعثه وتتبعت رسومه، وجلس الملك الأشرف به، وعمل الخدمة ms3065 السلطانية فيه، وعزم ~~على ملازمته في يومي الخدمة، ورسم بحضور القضاة وغيرهم ممن كان له عادة ~~بحضور خدمة دار العدل، فلم يتم ذلك وتركه كأنه لم يكن. PageV04P0153 # ثم في ثاني عشرين شوال هذا قدم الخبر من مكة المشرفة بأن عدة زنوك قدمت ~~من الصين إلى سواحل الهند، وأرسى منها اثنان بساحل عدن فلم تنفق بها ~~بضائعهم من الصيني والحرير والمسك وغير ذلك لاختلال حال اليمن. فكتب كبير ~~هذين المركبين الزنكيين إلى الشريف تركات بن حسن بن عجلان أمير مكة وإلى ~~سعد الدين إبراهيم بن المرة ناظر جدة يستأذن في قدومهم إلى جدة، فكتبا الى ~~السلطان في ذلك، ورغباه في كثرة ما يتحصل في قدومهم من المال، فكتب لهم ~~السلطان بالقدوم إلى جدة وإكرامهم. ثم في يوم الاثنين أول ذي القعدة استدعى ~~السلطان القضاة الأربعة جميع نوابهم في الحكم بالقاهرة ومصر إلى القلعة ~~لتعرض نوابهم على السلطان، وقد ساءت القالة فيهم عند السلطان، فدخل القضاة ~~الأربعة إلى مجلس السلطان، وعوق نوابهم عن العبور إلى السلطان، فلما جلسوا ~~خاشنهم السلطان في اللفظ بسبب كثرة نوابهم، وانفض المجلس على أن يقتصر ~~الشافعي على خمسة عشر نائبا بمصر والقاهرة، والحنفي على عشرة نواب، ~~والمالكي على سبعة، والحنبلي على خمسة، ونزلوا على ذلك. فلم يزل عبد الباسط ~~وغيره بالسلطان حتى زادهم شيئا بعد شيء إلى أن عادت عدتهم إلى ما كانت ~~عليه، والسلطان لا يعلم بذلك. ثم في سابعه خلع السلطان على التاج الشوبكي ~~باستقراره والي القاهرة بعد عزل دولات خجا المقدم ذكره، وقد أقمع دولات خجا ~~المفسدين وأبادهم. ثم في يوم الأحد ثامن عشرين ذي القعدة أيضا ورد الخبر ~~على السلطان بموت جينوس بن جاك متملك قبرس، فعين السلطان شخصا من الأعيان ~~ومعه ستون مملوكا للتوجه إلى قبرس، فخرجوا في يوم الجمعة خامس عشرين ذي ~~الحجة من سنة خمس وثلاثين وثمانمائة ومعهم خلعة لجوان بن جينوس باستقراره ~~في مملكة جزيرة قبرس عوضا عن والده جينوس نيابة عن السلطان، ومطالبته بما ~~تأخر على أبيه وهو ms3066 أربعة وعشرون ألف دينار وبما التزم في كل سنة وهو خمسة ~~آلاف دينار، وساروا على ذلك إلى ما يأتي ذكره. وانسلخت هذه السنة بيوم ~~الأربعاء الموافق لرابع أيام النسيء، وهي سنة تحويل تحول الخراج فيها من ~~أجل أنه لم يقع فيها نوروز، فحولت سنة ست إلى سنة سبع وثلاثين. قال ~~المقريزي رحمه الله: واتفق في سنة ست وثلاثين هذه غرائب منها: أن يوم ~~الخميس كان أول المحرم ووافقه أول يوم من تشرين وهو رأس سنة اليهود، فاتفق ~~أول سنة اليهود مع أول سنة المسلمين، ويوم الجمعة وافقه أول توت وهو أول ~~سنة النصارى القبط، فتوالت أوائل سني الملل الثلاث في يومين متوالين، واتفق ~~مع ذلك أن طائفة اليهود الربانيين يعملون رؤوس سنيهم وشهورهم بالحساب، ~~وطائفة القرائين يعملون رؤوس سنيهم وشهورهم برؤية الأهلة كما هي عند أهل ~~الإسلام، فيقع بين طائفتي اليهود في رؤوس السنين والشهور اختلاف كبير، ~~فاتفق في هذه السنة مطابقة حساب الربانئي والقرائين، فعمل الطائفتان جميعا ~~رأس سنتهم يوم الخميس، وهذا من النوادر التي لا تقع إلا في الأعوام ~~المتطاولة انتهى. ثم في يوم الاثنين سادس عشرين المحرم من سنة ست وثلاثين ~~المذكورة عزل السلطان آقبغا الجمالي عن الأستادارية، وجعل الزنجير الحديد ~~في رقبته، وأنزله على حمار من القلعة إلى بيت التاج الوالي بسويقة الصاحب ~~ليعاقبه على استخراج المال. وأصبح السلطان من الغد خلع على الصاحب كريم ~~الدين عبد الكريم بن كاتب المناخ بإعادته إلى وظيفة الأستادارية عوضا عن ~~آقبغا المذكور مضافا إلى الوزر، وعزله عن وظيفة كتابة السر. ورسم السلطان ~~للقاضي شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر أن يباشر الوظيفة إلى أن يستقر ~~فيها أحد، وعين جماعة كبيرة للوظيفة المذكورة فلم يقع اختيار السلطان على ~~أحد منهم. ورسم السلطان بطلب القاضي كمال الدين ابن البارزي قاضي قضاة دمشق ~~وكاتب سرها ليستقر في كتابة سر مصر. وخرج القاصد بطلبه من القاهرة في يوم ~~الأحد ثاني صفر من سنة ست وثلانين وثمانمائة ليستقر في كتابة سر مصر، وأن ~~بركز ms3067 عوضه في قضاء القضاة بدمشق بهاء الدين محمد ابن القاضي نجم الدين عمر ~~بن حجي، وأن يستقر عوضه في كتابة سر دمشق قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن ~~الكشك الحنفي ويستقر ولد ابن الكشك شمس الدين محمد في قضاء الحنفية بدمشق ~~عوضا عن أبيه، ويستقر جمال الدين يوسف بن الصفي في نظر جيش دمثسق عوضا عن ~~بهاء الدين بن حجي. PageV04P0154 # ثم في سابع صفر قدمت الرسل المتوجهة إلى قبرس. وكان من خبرهم أنهم لما ~~توجهوا إلى دمياط ركبوا منها البحر المالح في شينيين، وساروا حتى وصلوا إلى ~~الملاحة في يوم السبت عاشر المحرم من سنة ست وثلاثين المذكورة. فلما وصلوا ~~إلى الملاحة سار أعيانهم في البر إلى الأفقسية وهي مدينة قبرس ودار ملكها. ~~وبلع متملك قبرس مجيئهم، فخرج إلى لقائهم وزير الملك في أكابر أهل قبرس، ~~فأنزلوهم هناك وباتوا ليلتهم بالمكان المذكور. وأصبحوا من الغد، وهو يوم ~~الاثنين ثاني عشر المحرم عبروا المدينة ودخلوا على الملك جوان بن جينوس بن ~~جاك في قصره، فإذا هو قائم على قدميه، فسلموا عليه وبلغوه الرسالة ،وأوصلوه ~~كتاب السلطان كل ذلك وهو قائم على قدميه فأذعن بالسمع والطاعة وقال أنا ~~مملوك السلطان ونائبه وقد كنت على عزم أن أرسل التقدمة فبلغني قدومكم ~~فأمسكت عن ذلك،. فكلموه أن يحلف على طاعة السلطان، فأجابهم إلى ذلك، ~~واستدعى القسيسين وحلف على الوفاء وعلى الاستمرار على الطاعة والقيام بما ~~يجب عليه من ذلك. فعند ذلك أفيض عليه التشريف السلطاني المجهز له على يد ~~كبير القوم، فلبسه وقد أظهر السرور والبشر بذلك. ثم خرجت الرسل من عنده، ~~فداروا بالمدينة وهم ينادى بين أيديهم باستقرار الملك جوان في نيابة ~~السلطنة بمدينة الأفقسية وسائر ممالكها، وأن لأهل قبرس الأمان والاطمئنان، ~~ومروهم بطاعته وطاعة السلطان إلى أن داروا البلد. ثم أنزلوهم في بيت قد أعد ~~لهم، وأجري عليهم من الرواتب مايليق بهم من كل ما عندهم. ثم حمل إليهم فيما ~~بعد سبعمائة ثوب صوف قيمتها عشرة آلاف دينار، وذلك مما تأخر على ms3068 أبيه، ثم ~~أظهر خصم أربعة آلاف دينار أخرى، ووعد بحمل العشرة آلاف دينار الباقية بعد ~~سنة. ثم بعث إليهم أيضا بأربعين ثوبا صوفا برسم الهدية للسلطان، ثم أرسل ~~لكل من الرسل شيئا بحسب مقامه وعلى قدره. ثم أخذ في تجهيزهم وتسفيرهم حتى ~~كان سفرهم من قبرس بعد عشرة أيام من قدومهم إلى اللمسون، فأقاموا بها إلى ~~أن تهيأوا وركبوا البحر وساروا فيه ستة أيام ووصلوا إلى ثغر دمياط. ثم ~~خرجوا من مراكبهم وركبوا المراكب في بحر النيل إلى أن قدموا القاهرة، ~~وطلعوا إلى السلطان وعرفوه ما وقع لهم مفصلا وما معهم من الصوف وغيره، فقبل ~~السلطان ذلك. وقرأ السلطان كتاب متملك قبرص فإذا هو يتضمن السمع والطاعة، ~~وأنه نائب السلطان فيما تحت يده من البلاد والمملكة، وأنه في طي علمه ومن ~~جملة مماليكه، فسر السلطان بذلك غاية السرور، فإنه كان أشيع بمصر أنه لما ~~ملك بعد أبيه خرج عن طاعة السلطان، ومنع الجزية، فوقع خلاف ذلك. انتهى. ثم ~~في يوم السبت ثامن صفر خلع السلطان على حسن بك بن سالم الدوكري أحد أمراء ~~التركمان، وهو ابن أخت قرايلك، باستقراره في نيابة البحيرة عوضا عن أمير ~~علي، وأنعم عليه بمائة قرقل، ومائة قوس، ومائة تركاش، وثلاثين فرسا، ووجهه ~~إلى محل تحكمه بمدينة دمنهور، فأقام بها سنين عديدة وإلى الآن متوليها هو ~~ولده، وهو يومئذ متولي جعبر. ثم ورد الخبر على السلطان بامتناع ابن الكشك ~~من ولاية كتابة سر دمشق، وأنه استعفى من ذلك، فأعفاه السلطان، ورسم ~~باستقرار القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن أفتكين أحد موقعي الدست بدمشق في ~~كتابة سر دمشق. وكتب أيضا باستقرار محيي الدين يحيى بن حسن بن عبد الوسع ~~الحبحابي المغربي المالكي في قضاء المالكية بدمشق عوضا عن القاضي شهاب ~~الدين أحمد بن محمدد الأموي بعد موته. ثم في يوم الاثنين أول شهر ربيع ~~الأول قدم إلى القاهرة رسول ملك الفطلان من الفرنج بكتابه، وقد نزل على ~~جزيرة صقلية في ثاني عشرين رمضان بما ينيف على مائة ms3069 قطعة حربية، وتضمن ~~كتابه الإنكار على الدولة ما تعتمده من التجارة في البضائع، وأن رعيته ~~الفرنج لا يشترون من السلطان ولا من أهل دولته بضاعة، وأنهم لا يشترون إلا ~~من التجار، ثم أعاب على السطنة صناعة المتجر، فرد السلطان رسوله ردا قبيحا، ~~وكتب له جرابا بمثل ذلك. ثم في هذا الشهر تكرر توجه السلطان إلى الصيد غير ~~مرة قبليا وبحريا، فأبعد ما وصل قبليا إلى إطفيح، وبحريا إلى شبين القصر ~~بالشرقية. PageV04P0155 # ثم في تاسع عشر شهر ربيع الأول قدم القاضي كمال الدين محمد بن البارزي من ~~دمشق، بعد أن خرج أكابر الدولة إلى لقائه، وطلع إلى السلطان وقبل الأرض، ثم ~~نزل إلى داره. وطلع من الغد إلى القلعة في يوم السبت العشرين من شهر ربيع ~~الأول المذكور، وخلع السلطان عليه باستقراره في كتابة السر بالديار المصرية ~~عوضا عن شهاب الدين أحمد بن السفاح، بعد شغور الوظيفة مدة طويلة، وهذه ~~ولاية كمال الدين المذكور لكتابة السر ثاني مرة، ونزل في موكب جليل. قال ~~المقريزي: وسر الناس به سرورا كبيرا، لحسن سيرته وكفايته، وجميل طريقته، ~~وكرمه وكثرة حيائه، فالله يؤيده بمنه، انتهى كلام المقريزي. قلت: هو كما ~~قاله المقريزي وزيادة، حتى إنني لا أعلم في عصرنا هذامن يدانيه في غزير ~~محاسنه. رحمه الله تعالى. ثم في يوم الخميس أول جمادى الأولى قدم الأمير ~~مقبل الحسامي الدوادار، كان نائب صفد، وكان السلطان قد ركب من القلعة إلى ~~خارج القاهرة، فلقيه السلطان وخلع عليه، وعاد مقبل المذكور في خدمة السلطان ~~إلى القلعة. ثم نزل مقبل في دار أعدت له، فأقام بالقاهرة إلى يوم حادي ~~عاشره، وخلع عليه خلعة السفر، وتوجه إلى محل كفالته بصفد. ثم في يوم الخميس ~~ثامنه خلغ السلطان على الأمير أسنبغا الطياري أحد أمراء العشرات، واستقر في ~~نظر جدة عوضا عن سعد الدين إبراهيم بن المرة، وأذن لابن المرة المذكور أن ~~يتوجه إلى خدمته. فلما كان يوم حادي عشر جمادى الأولى المذكورة نودي في ~~الناس بالإذن في السفر إلى الحجاز، رجبية، ms3070 صحبة الأمير أسنبغا الطياري ~~المذكور، فسر الناس بذلك سرورا زائدا، لأن ابن المرة كان لا يدع أحدا أن ~~يسافر معه خوفا عليهم من قطاع الطريق. ثم في سابع عشرين جمادى الأولى ~~المذكورة سافر الوزير كريم الدين بن كاتب المناخ إلى جهة الوجه القبلي، وهو ~~يوم ذاك يباشر الوزارة والأستادارية معا، وكان سفره إلى الوجه القبلي ~~لتحصيل ما يقدر عليه من الجمال والخيل والبغال والغنم والمال لأجل سفر ~~السلطان إلى جهة البلاد الشامية. كل ذلك والناس يأخذون ويعطون في سفر ~~السلطان، فإنه وقع منه التجهيز للسفر غير مرة ثم تغيرعزمه عن ذلك. ثم في ~~تاسع عشرينه قدم إلى القاهرة كتاب القان شاه رخ بن تيمورلنك صاحب ممالك ~~العجم وجغتاي على يد بعض تجار العجم يتضمن أنه يريد كسوة الكعبة، وأرعد فيه ~~وأبرق، ولم يخاطب السلطان فيه إلا بالأمير برسباي. وقد تكررت مكاتبته ~~للسلطان بسبب كسوة الكعبة غير مرة، وهو لا يلتفت إليه ولا يسمح له بذلك، بل ~~يكتب له بأجوبة خشنة محشونة بالتوبيخ والوعيد والبهدلة، حتى إنه كلما ورد ~~منه كتاب وأجابه السلطان بتلك الأجوية الخشنة لا يشك الناس أن شاه رخ يرد ~~إلى البلاد الشامية عقيب ذلك، فلم يظهر له خبر ولا نظر له أثر. وقد استخف ~~الملك الأشرف بشأنه، حتى إنه صار إذا أتاه قاصده لا يلتفت إليه ولا إلى ما ~~في يده، من الكتب بالكلية. ويأتي إن شاء الله تعالى ذكر ما فعله، ببعض ~~قصاده من الضرب والبهدلة في محله من هذا الكتاب. قلت: لا أعرف للملك الأشرف ~~في سلطنته حركة بعد افتتاحه لقبرس أحسن من ثباته مع شاه رخ المذكور في أمر ~~الكسوة، وعدم اكتراثه به، فإنه أقام بفعلته هذه حرمة للديار المصرية ~~ولحكامها إلى يوم القيامة. انتهى. ثم في يوم الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة ~~أنفق السلطان في المماليك المجردين إلى مكة، وهم خمسون مملوكا، لكل واحد ~~منهم مبلغ ثلاثين دينارا، وتجهزوا للسفر إلى مكة صحبة الأمير أسنبغا ~~الطياري فلما كان يوم الإثنين ثامن عشر جمادى ms3071 الآخرة المذكورة برز فيه ~~الأمير أسنبغا الطياري بمن معه من المماليك ،السلطانية والحجاج. وفيه خلع ~~السلطان على سعد الدين إبراهيم بن المرة ليكون رفيقا للأمير أسنبغا الطياري ~~في التكلم على بندر جدة. وفي هذه الأيام قوي عزم السلطان على السفر، وظهر ~~للناس حقيقة ذلك من تجهيز أمور السلطان وتعلقاته للسفر. وأيضا فإنه رسم في ~~هذه الأيام بصرف نفقة المماليك السطانية بسبب السفر. PageV04P0156 # ثم في يوم الخميس حادي عشرين جمادى الآخرة المذكورة أنفق السلطان في ~~الأمراء نفقة السفر. فعند ذلك اضطرب الناس، وأخذوا في تجهيز أمورهم، ~~وتيقنوا صدق القالة. فحمل السلطان إلى الأمير الكبير أتابك العساكر سودون ~~من عبد الرحمن أكياس فضة حسابا عن ثلائة آلاف دينار، وإلى كل من أمراء ~~لألوف، وهم عشرة أنفس، لكل واحد الذي دينار، وإلى كل من أمراء الطلبخانات ~~خمسمائة دينار، وإلى كل من أمراء العشرات مائتي دينار، وكل ذلك فضة حسابا ~~عن الذهب من سعر الدينار بمائتين وعشرين درهما، والدينار يومئذ بمائتين ~~وثمانين، فالنفقة على هذا الحكم تنقص مبلغا كبيرا، غير أنه من هو المشاحح ~~لذلك، ولسان الحال يقول: يد الخلافة لا تطاولها يد. وكان هذا أيضا بخلاف ~~القاعدة، فإن الملوك أن تنفق أولا على المماليك السلطانية، ثم تنفق على ~~الأمراء، فكان ذلك بخلاف ما كان. وكان له سبب فيما قيل، وهو أن الملك ~~الأشرف كان عنده بخل وعدم محبة للسفر من مبدأ أمره إلى أيام سلطنته، وكان ~~أشاع في السنين الماضية أنه يريد السفر لقتال قرايلك: يوهم قرايلك بذلك ~~ليرسل إليه بالدخول في طاعته، وكان قرايلك أرسل إلى السلطان في ذلك لما كان ~~ولده هابيل في حبس الملك الأشرف، فلما مات هابيل بالطاعون في سنة ثلاث ~~وثلاثين في محبسه أمسك قرايلك عن مكاتبات السلطان، وأخذ في ضرب معاملاته، ~~وصار السلطان في كل سنة يتجهز للسفر ويشيع ذلك إرداعا لقرايلك، فلم يلتفت ~~قرايلك لذلك. فلما طال الأمر على السلطان حقق ما كان أشاعه من السفر مخافة ~~العار والقالة في حقه. وتأييد ما قيل أنني سمعته ms3072 يقول في بعض منازله في ~~سفره إلى آمد، وأظنه في العودة: لو سألني قرايلك في الصلح والدخول في طاعتي ~~بمقدار ما سأله للأمير جكم من عوض نائب حلب، لما مشيت لقتاله، أو أقل من ~~ذلك لرضيت، فهذا الخبر يقوي القول المقدم ذكره. واستمر السلطان في انتظار ~~قدوم رسل قرايلك بالصلح في كل يوم وساعة، وهو يترجى أنه إذا بلغه صحة سفر ~~السلطان إلى قتاله يرسل قضاعه في السؤال بالصلح، وأرباب دولته تشير عليه ~~بالتربص والتأني في أمر السفر مخافة من وقوعهم في الكلف الكثيرة، فأشاروا ~~عليه بأن ينفق في الأمراء أولا، فربما يأتي رسول قرايلك في السؤال ويبرم ~~الصلح، فيكون استعادة المال منهم أهون من استعادته من المماليك السلطانية. ~~فحسن ذلك ببال السلطان، وهو كما قيل في الأمثال إن كلمة الشح مطاعة، وأنفق ~~في الأمراء، وعوق نفقة المماليك إلى أن كان يوم سلخ جمادى الآخرة. فلما يئس ~~من قرايلك أخذ في نفقة المماليك السلطانية في سلخ الشهر المذكور، فأنفق على ~~عدة كبيره من المماليك السلطانية لا يحضرني عدتهم. قال المقريزى: وهم ألفان ~~وسبعمائة. وفي ظني أنهم كانوا أكئر من ذلك، غير أني لم أحرر عدتهم. فجلس ~~السلطان بالمقعد الذي على باب البحرة من الحوش السلطاني بقلعة الجبل، وأعطى ~~لكل مملوك صرة فيها ألف درهم ،وخمسون درهما فضة أشرفية، عنها من الفلوس ~~اثنان وعشرون ألف درهم، وهي ،مصارفة مائة دينار من حساب صرف كل دينار ~~بمائتين وعشرين درهما فلوسا، وكان صرف الدينار يوم ذاك بمائتين وثمانين ~~درهما. كما حملت النفقة أيضا للأمراء على هذا الحساب. وكانت المماليك ~~السلطانية اتفقوا على أنهم لا يأخذون إلا مائة دينار ذهبا، ودخلوا على ذلك. ~~فلما استدعى الديوان أول اسم من طبقة الرفرف، خرج صاحبه وأخذ وباس الأرض ~~وعاد إلى حال سبيله. واستدعى الديوان من هو بعده، فخرج واحد بعد واحد إلى ~~أن تمت الطبقة، ولم يتفوه أحد منهم بكلمة في معنى ما اتفقوا عليه. ولما ~~نزلوا بعد القبض للنفقة صار بعضهم يوبخ البعض خفية على ms3073 ترك ما اتفقوا عليه، ~~إلى أن قال لهم بعض المماليك المئيدية: احمدوا الله على هذا العطاء، فوالله ~~لو لم ينفق السلطان فيكم، وأمركم بالسفر معه من غير نفقة، لخرجتم معه ~~صاغرين، وأولهم أنا. فضحك القوم من كلامه وانصرفوا. PageV04P0157 # قلت: تلك أمة قد خلت. وهؤلاء القوم يأكلون الأرزاق صدقة عن تلك الأمم ~~السالفة، فإننا لا نعلم بقتال وقع في هذا القرن، أعني عن قرن التسعمائة، ~~غير وقعة تيمورلنك مع نواب البلاد الشامية على ظاهر حلب، لا مع العساكر ~~المصرية. وأما ما وقع بعد ذلك من الوقائع في الدولة الناصرية فرج، والدولة ~~المؤيدية شيخ والدولة الظاهرية ططر، والدولة المنصورية محمد بن ططر فهو فرع ~~من القتال لا القتال المعهود بعينه. وتصديق ذلك أنه لم تكن وقعة وقعت في ~~هذه الدول أعظم من وقعة شقحب، ومع ذلك لم يقتل في المصاف خمسون رجلا من ~~الطائفتين. وما وقع بعد ذلك من الوقائع فتنجلي الوقعة ولم يقتل فيها رجل ~~واحد. وقد ثبت عند المؤرخين أنه قتل في الوقعة التي كانت بين تيمورلنك وبين ~~ملك دلي أحد ملوك الهند في المصاف زيادة على عشرة آلاف نفس في أقل من يوم، ~~ونحن لا نطالب أحدا بذلك، غير أن الازدراء بالغير على ماذا؟ انتهى. ثم في ~~يوم الثلاثاء ثالث شهر رجب قدم الصاحب كريم الدين عبد الكريم من الوجه ~~البحري بعد أن أخذ خيول أهله وجمالهم وأغنامهم وأموالهم، هو وأتباعه، فما ~~عفوا ولا كفوا. ثم في يوم الخميس ثاني عشر شهر رجب المذكور أدير محمل ~~الحاج، ولم يعمل فيه ما جرت به العادة من التجمل، ولعب الرماحة، بل أوقف ~~المحمل تحت القلعة وأعيد، ولم يتوجه إلى مصر، وهذا شيء لم يعهد بمثله، وكان ~~سبب ذلك اشتغال الرماحة بالتجهيز للسفر صحبة السلطان. ثم في يوم السبت رابع ~~عشر شهر رجب المذكور خرجت مدورة السلطان وخيام الأمراء من القاهرة، ونصبت ~~بالريدانية لأجل سفر السلطان. ثم في يوم الاثنين سادس عشره خرج أمراء ~~الجاليش مقدمة لعسكر السلطان، وهم الأمير سودون من ms3074 عبد الرحمن أتابك ~~العساكر، والأمير إينال الجكمي أمير سلاح، والأمير قرقماس الشعباني الناصري ~~حاجب الحجاب، والأمير قاني باي الحمزاوي، والأمير سودون ميق، والجميع مقدمو ~~ألوف، ونزلوا بخيمهم بطرف الريدانية تجاه مسجد التبن. ثم رسم السلطان ~~بإخراج البطالين من الأمراء من الديار المصرية، فرسم للأمير ألطنبغا ~~المرقبي حاجب الحجاب، كان في الدولة المؤيدية شيخ بالتوجه إلى القدس، ثم ~~رسم له أن يتوجه صحبة السلطان إلى السفر فسافر في ركاب السلطان، وهو يوم ~~ذاك من جملة أمراء العشرات، ثم رسم السلطان بإخراج الأمير أيتمش، الخضري ~~الظاهري المعزول عن الأستادارية قبل تاريخه إلى القدس، فخرج إليه، ومنع ~~السلطان من بقي من أولاد الملوك من الأسياد من ذرية الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون وغيره من سكنى القلعة وطلوعها في غيبة السلطان، وأخرجوا من دورهم ~~فيها. وكانوا لما منعوا من سنين من سكن القلعة، ورسم لها الملك الأشرف ~~بالنزول منها والركوب حيث شاءوا، سكن أكثرهم بالقاهرة وظواهرها، فذلوا بعد ~~عزهم، وتهتكوا بعد تحجبهم، وبقي من أعيانهم طائفة مقيمة بالقلعة، وتنزل إلى ~~القاهرة في حاجاتهم ثم تعود إلى دورهم، فلما كان سفر السلطان في هذه السنة ~~أخرجوا الجميع منها ومنعوا من سكنى القلعة، فنزلوا وتفرقوا بالأماكن ~~بالقاهرة. والعجب أن الملك الناصر محمد بن قلاوون كان فعل ذلك بأولاد ~~الملوك من بني أيوب، فجوزي في ذريته، وكان الملك الكامل محمد ابن الملك ~~العادل أبي بكر بن أيوب فعل ذلك بأولاد الخلفاء الفاطميين، فكل واحد من ~~هؤلاء جوزي في أولاده بمثل فعله، ووقع ذلك لابن الملك الأشرف ولغيره، ولا ~~يظلم ربك أحدا. ثم في يوم سابع عشره خلع السلطان على دولات خجا الظاهري ~~بإعادته إلى ولاية القاهرة عوضا عن التاج بن سيفة الشوبكي بحكم سفره مع ~~السلطان مهمندارا وأستادار الصحبة،. هذا وقد ترشح الأمير آقبغا التمرازي ~~أمير مجلس لإقامته بالقاهرة في غيبة السلطان، وترشح الأمير حسين بن أحمد ~~المدعو تغري برمش البهنسي للإقامة بباب السلسلة في غيبة السلطان حسبما يأتي ذكره. ### || AUT سفر السلطان الأشرف برسباي إلى آمد ms3075 # PageV04P0158 # لما كان يوم الخميس تاسع عشر شهر رجب من سنة ست وثلاثين وثمانمائة، ~~الموافق لأول فصل الربيع، وانتقال الشمس إلى برج الحمل، ركب السلطان الملك ~~الأشرف برسباي من قلعة الجبل ببقية أمرائه ومماليكه، وعبى أطلابه، وتوجه في ~~الساعة الثالثة من النهار المذكور إلى مخيمه بالريدانية، خارج القاهرة، ~~تجاه مسجد التبن، فسار في موكب جليل إلى الغاية، وقد خرج الناس لرؤيته، إلى ~~أن وصل إلى مخيمه، وصحبته من الأمراء المقدمين: الأمير جقمق العلائي أمير ~~آخور، والأمير أركماس الظاهري الدوادار، والأمير تمراز القرمشي رأس النوب، ~~والأمير يشبك السودوني المعروف بالمشد، والأمير جانم ابن أخي الملك الأشرف، ~~والأمير جاني بك الحمزاوي، فهؤلاء من مقدمي الألوف، وسافر معه جماعة كثيرة ~~من أمراء الطبلخاناه، مثل الأمير قراخجا الشعباني الظاهري برقوق، ثاني رأس ~~نوبة، والأمير قراسنقر من عبد الرحمن الظاهري برقوق، والأمير قراجا الأشرفي ~~شاد الشرابخاناه، والأمير تمرباي التمربغاوي الحوادار الثاني، والأمير شيخ ~~الركني الأمير آخور الثاني، والأمير خجا سودون السيفي بلاط الأعرج، أحد ~~رؤوس النوب، والأمير تغري بردي البكلمشي المؤذي، أحد رؤوس النوب، فهؤلاء ~~الذين يحضرني الآن أسماؤهم. وسافر معه عدة كبيرة من الأمراء العشرات، وخلع ~~على الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش، باستقراره في نيابة الغيبة، ~~ورسم له بسكنى باب ، ألمجسلة والحكم بين الناس. ورسم باستقرار الأمير آقبغا ~~التمرازي، أمير مجلس، بإقامته بالقاهرة، وبسكنه بقصر بكتمر عند الكبش، ~~والأمير برد بك الإسماعيلي قصقا الحاجب الثاني. وعين أيضا عدة من أمراء ~~العشرات والحجاب بالإقامة بالقاهرة. واستقر بالقلعة المقام الجمالي يوسف ~~ابن السلطان الملك الأشرف، وهو أعظم مقدمي الألوف، والأمير خشقدم الظاهري ~~الزمام الرومي، والأمير تنبك البردبكي نائب قلعة الجبل، والأمير إينال ~~الظاهري أحد رؤوس النوب المعروف بأبزى. وخلع على الأمير إينال الششماني أحد ~~أمراء العشرات ورأس نوبة باستقراره أمير حاج الموسم، وخلع على الوزير ~~الأستادار الصاحب كريم الدين بإقامته بالقاهرة، وأن يتوجه أمين الدين ~~إبراهيم بن الهيصم ناظر الدولة صحبة السلطان. وبات السلطان ليلة الجمعة ~~بالريدانية، واشتغل بالمسير من الغد، في يوم الجمعة، بعد ms3076 الظهر إلى البلاد ~~الشامية، ومعه من ذكرنا من الأمراء والخليفة المعتضد بالله داود والقضاة ~~الأربعة، وهم: قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي، وقاضي القضاة ~~بدر الدين محمود العينتابي الحنفي، وقاضي القضاة شمس الدين محمد البساطي ~~المالكي، وقاضي القضاة محب الدين أحمد البغدادي الحنبلي. ومن مباشري ~~الدولة: القاضي كمال الدين محمد بن البارزي كاتب السر، وزين الدين إبراهيم ~~ابن كاتب جكم ناظر الخواص، والقاضي شرف الدين أبو بكر الأشقر نائب كاتب ~~السر، وأئمة السلطان الذين يصلون به الخمس، ونديمه ولي الدين بن قاسم ~~الشيشيني، فهؤلاء الذين سمحت القريحة بذكرهم. وكان سفر السلطان في الغد من ~~يوم خروجه من القاهرة، بخلاف عادة الملوك، انتهى. وسار السلطان بعساكره، لا ~~يتجاوز في سيره المنازل، إلى أن وصل إلى مدينة غزة، في أول شعبان، بعد أن ~~خرج نائبها الأمير إينال العلائي الناصري، أعني الملك الأشرف إينال، إلى ~~ملاقاته هو وأعيان غزة، ودخل السلطان إليها في موكب عظيم سلطاني، وأقام ~~بها، إلى أن رحل منها في يوم الخميس رابعه، بعد أن نزل بالمسطبة خارج غزة ~~ثلاثة أيام، وسار إلى جهة دمشق ونحن في خدمته، إلى أن وصل إلى مدينة دمشق ~~في يوم الاثنين خامس عشر شعبان. واجتاز بمدينة دمشق بأبهة السلطنة وشعار ~~الملك في موكب جليل، وحمل الأمير جارقطلو نائب الشام القبة والطير على ~~رأسه، إلى أن نزل بالذهليز السلطاني بمنزلة برزة خارج دمشق وكذلك جميع ~~أمرائه وعساكره نزلوا بخيامهم بالمنزلة المذكورة، ولم ينزلوا بمدينة دمشق ~~شفقة على أهل دمشق. PageV04P0159 # وأقام السلطان بمخيمه خمسة أيام، وركب فيها غير مرة، ودخل دمشق، وطلع إلى ~~قلعتها مرارا. ثم رحل السلطان من دمشق بأمرائه وعساكره، في يوم السبت ~~عشرينه، يريد البلاد الحلبية، فحصل للعسكر بعيض مشقة لعدم إقامته بدمشق، من ~~أجل راحة البهائم، ولم يعلم أحد قصد السلطان في سرعة السير لماذا؟ وسار ~~السلطان، حتى وصل إلى حمص ثم إلى حماة، فخرج الأمير جلبان نائب حماة إلى ~~ملاقاة السلطان بعساكر حماه، فأقام السلطان بظاهر حماة المذكورة ثلاثة ms3077 ~~أيام، ثم رحل منها يريد حلب. ولم يدخل السلطان حماة بأبهة السلطنة كما دخل ~~دمشق لما سبق ذلك من قواعد الملوك السالفة: أن السلطان لا يدخل أبدا من مدن ~~البلاد الشامية بأبهة السلطنة إلا دمشق وحلب ثم مصر، وباقي البلاد يدخلها ~~على عادة سفره إلا الملك المؤيد شيخ، فإنه لما سافر إلى البلاد الشامية في ~~واقعة نوروز الحافظي، عمل بحماة الموكب السلطاني ودخلها بأبهة السلطنة، ~~وحمل على رأسه القبة والطير الأمير الكبير، استقلالا بنائبها، فإنه لا يحمل ~~القبة والطير على رأس السلطان إلا أحد هؤلاء الأربعة: الأمير الكبير، أو ~~ابن السلطان، أو نائب الشام، أو نائب حلب. وكان لعمل الملك المؤيد الموكب ~~بحماه سبب، وهو أنه كان في أيام إمرته، في الدولة الناصرية فرج، لما حاصر ~~الأمير نوروز الحافظي بها تلك المدة الطويلة،. وقع من حقه من أهل حماة أمور ~~شنيعة، صار في نفسه من ذلك حزازة، فلما ملك البلاد وتسلطن، أراد أن ينكيهم ~~بما هو فيه من العظمة، ويريهم ما آل أمره إليه، انتهى. وسار السلطان الملك ~~الأشرف من حماة إلى أن وصل إلى حلب في يوم الثلاثاء، خامس شهر رمضان، ~~ودخلها على هيئة دخوله إلى دمشق بأبهة السلطنة، وحمل القبة والطير على رأسه ~~الأمير قوروه من تمراز نائب حلب، وشق السلطان مدينة حلب في موكب عظيم، إلى ~~أن خرج منها على هيئته، ونزل بمخيمه بظاهر حلب برأس العين، ونزل مبه جميع ~~عساكره بخيلهم، ولم ينزل أحد منهم بمدينة حب، فأقام السلطان بمكانه المذكور ~~خمسة عشر يوما، يركب فيها، ويدخل إلى حلب ويطلع على قلعتها. وكانت إقامة ~~السلطان بحلب هذه المدة، ليرد عليه بها قصاد الأمير عثمان بن طرعلي، المدعو ~~قرايلك، في طلب الصلح، فلم يرد عليه أحد ممن يعتمد السلطان على كلامه، فعند ~~ذلك تهيأ السلطان للخروج إلى جهة آمد. وسار من حلب في يوم الاثنين، حادي ~~عشرين شهر رمضان، مخففا من الأثقال والخيام الهائلة، ونزل القضاة بمدينة ~~حلب، وصحب الخليفة أمير المؤمنين المعتضد داود، وهو في ترسيم ms3078 الأمير ~~قراسنقر العبد رحماني، أحد أمراء الطبلخاناه، كما هي العادة في مشي بعض ~~الأمراء مع الخلفاء في الأسفار، كالترسيم عليه، وهذا أيضا من القواعد ~~القديمة. واستمر السلطان في سيره بجميع عساكره، غير أنهم في خفة من ~~أثقالهم، إلى أن وصل البيرة، وقد نصب جسر المراكب على بحر الفرات لتعدية ~~العساكر السلطانية عليه إلى جهة الشرق، فنزل السلطان في البر الغربي الذي ~~جهة حلب، وأقام بمخيمه، وأمر الأمراء أن تعدي إلى تلك الجهة بأطلابها قبله، ~~ثم يسير السلطان بالعساكر بعدهم لئلا تروح العساكر على الجسر المذكور، لأن ~~الجسر، وإن كان محكما، فهو موضوع على المراكب، والمراكب مربوطة موثوقة ~~بالسلاسل، فهو على كل حال، ليس بالثابت تحت الأقدام، ولا بد أن يرتج عند ~~المرور عليه، وكانت سعة الجسر بنحو أن يمر عليه قطاران من الجمال المحملة، ~~انتهى. PageV04P0160 # فأخذت الأمراء في التعدية إلى جهة البيرة، والسلطان بعساكره في خيامهم، ~~إلى أن انتهى حال الأمراء، فأذن السلطان عند ذلك للعساكر بالمرور على الجسر ~~المذكور إلى البيرة من غير عجلة، فكأنه استحثهم على السرعة، فحملوا جمالهم ~~للتعدية، ووقع بينهم أمور وضراب ومخاصمة بسبب التعدية، يطول شرحها، إلى أن ~~عدى غالبهم. فعند ذلك ركب السلطان بخواصه ومر على الجسر المذكور إلى أن ~~عداه. ونزل بقلعة البيرة في يوم السبت سادس عشرين شهر رمضان، ونزلت العساكر ~~المصرية والشامية على شاطىء بدر الفرات وغيره، فأقام السلطان بالبيرة إلى ~~أن رتب أمورها وترك بها أشياء كثيرة من الأثقال السلطانية، ورحل منها في ~~أواخر شهر رمضان المذكور إلى جهة آمد حتى نزل على مدينة الرها في ليلة عيد ~~الفطر، فوجدناها خرابا خالية من أهاليها وأصحابها لم يسكنها إلا من عجز عن ~~الحركة من ضعف بدنه أو لقلة ماله. ونزل السلطان على ظاهرها من جهة الشرق ~~وعيد بها عيد الفطر، ودخلت أنا إلى مدينة الرها وطلعت إلى قلعتها، فإذا هي ~~مدينة لطيفة، وقلعتها في غاية الحسن، على أنها صغيرة جدا. ثم أصبح السلطان ~~يوم عيد الفطر، وقد اشتغل بالمسير إلى جهة ms3079 آمد، وإلى الآن لم يعرف لقرايلك ~~خبر، والأقوال فيه مختلفة، فمن الناس من يقول إنه، تهيأ ويريد قتال العساكر ~~السلطانية، ومن الناس من يقول إنه دخل إلى آمد وحصنها، ومن الناس من يقول ~~إنه ترك بمدينة آمد ابنه بعد أن حصنها، وتوجه إلى قلعة أرقنين، وأرقنين على ~~يسار المتوجه إلى آمد. وسار السلطان بعساكره من الرها وعليهم الأسلحة وآلة ~~الحرب، إلى أن نزل إلى آمد في يوم الخميس ثامن شوال، وقبل نزول السلطان ~~عليها صف عساكره عدة صفوف، ووراءهم الثقل والخدم، حتى ملؤوا الفضاء طولا ~~وعرضا. ومشى السلطان هو والخليفة، ومباشرو الدولة حولهما بغير سلاح، يوهم ~~أن المباشرين المذكورين هم قضاة الشرع، لكون لبسهم على هيئة لبس الفقهاء، ~~وليس بينهم وبين القضاة فرق، بل كان فيهم مثل القاضي كمال الدين بن البارزي ~~كاتب السر، وهو أفضل من قضاة كثيرة، وسار السلطان بهم أمام عسكره. وقد هال ~~أهل آمد ما رأوه من كثرة العساكر وتلك الهيئة المزعجة التي قل أن يجتمع في ~~عساكر الإسلام مثلها، من ترادف العساكر بعضها على بعض، حتى ضاق عليهم اتساع ~~تلك البراري، وخلف العساكر المذكورة الأطلاب الهائلة، والكوسات تدق، ~~والبوقات تزعق، وقد تجاوز عدد أطلاب الأمراء، لكثرة ما اجتمع على السلطان ~~من العساكر المصرية والنواب بالبلاد الشامية وأمراء التركمان والعربان، ~~فكانت عدة الأطلاب التي بها الطبول والزمور تزيد على مائة طلب، ما بين ~~أمراء مصر المقدمين وبعض الطبلخانات ونائب دمشق وأمرائها، وهم عدة كثيرة، ~~ونائب حلب وأمرائها وطرابلس وأمرائها، وكذلك حماة وصفد وغزة ونواب القلاع ~~وأمراء التركمان الذين تضرب على بابهم الطبول، فدقت عند قدوم السلطان جميع ~~طبول هؤلاء وزعقت الزمور يدا واحدة، فانطبق الفضاء طبلا وزمرا حربية، هذا ~~مع كثرة البراشم والأجراس المعلقة على خيول الحرب الملبسة بالعدد الكاملة ~~وقلاقل الجمال. وعند القرب من مدينة آمد، أخذت العساكر تلتم حتى شرف أجناد ~~كثيرة على الهلاك من عظم ازدحام بعضهم على بعض، ومع هذا أعرض العساكر مدد ~~العين، وصار الرجل من العسكر إذا تكلم مع رفيقه ms3080 لا يسمع رفيقه كلامه إلا ~~بعد جهد كبير لعظيم الغوغاء، فانذهل أهل آمد مما عاينوا من كثرة هذه ~~العساكر وشدة بأسها وحسن زيهم، ومن التجمل الزائد في العدد والألات والخيول ~~والأسلحة، والكثرة الخارجة عن الحد في العدد. وكان قرايلك قبل أن يخرج من ~~مدينة آمد، أمر أن يطلق الماء على أراضي آمد من خارج البلد من دجلة، ففعلوا ~~ذلك فارتطمت خيول كثير من العسكر بالماء والطين، فلم يكترث أحد بذلك، ومشى ~~العسكر صفا واحدا، وخلف كل صف صفوف لا تعد، واستمروا في سيرهم المذكور إلى ~~أن حاذوا خندق آمد، وقد بهت أهلها لما داخلهم من الرعب والخوف مما طرقهم من ~~العساكر، ولم يرم منهم أحد بسهم في اليوم المذكور إلا نادرا، ولا علا أحد ~~منهم على شرفات البلد إلا في النادر أيضا، وصاروا ينظرون العساكر من الفروج ~~التي بين الشرفات. PageV04P0161 # ولم يكن لآمد المذكورة قلعة بل سور المدينة لاغير، إلا أنه في غاية الحسن ~~من إحكام بنيانه، وكل بدنة بالسور المذكور تحمى البدنة الأخرى، فلهذا يصعب ~~حصارها ويبعد أخذها عنوة، فوقف العسكر حول آمد ساعة. ثم مال السلطان بفرسه ~~إلى جهة بالقرب من مدينة آمد، ونزل به في مخيمه، وأمر الناس بالنزول في ~~منازلهم، وأمرهم بعدم قتال أهل آمد، على أن أوباش القوم تراموا بالسهام ~~قليلا، فتوجه كل واحد إلى مخيمه، ونزل الجميع بالقرب من آمد، كالحلقة ~~عليها، غير أنهم على بعد منها، بحيث إنه لا يلحقهم الرمي من السور، وأحدقت ~~العساكر بالمدينة من جهتها الغربية، وكان الموضع الذي نزلنا به هو أقرب ~~الأماكن للمدينة المذكورة. ونزل السلطان بمخيمه وقد ثبت عنده رحيل قرايلك ~~من آمد، وأنه ترك أحد أولاده بها، فأقام بمخيمه إلى صبيحة يوم السبت عاشر ~~شوال، فركب وزحف بعساكره على مدينة آمد بعد أن كلمهم السلطان في تسليمها ~~قبل ذلك، وترددت الرسل بينه وبينهم، فأبى من بها من الإذعان لطاعة السلطان ~~وتسليم المدينة إلا يإذن قرايلك. ولما زحف السلطان على المدينة اقتحمت ~~عساكر السلطالط خندق آمد، وقاتلوا ms3081 من بها قتالا شديدا، حتى أشرف القوم على ~~الظفر وأخذ المدينة، وردم غالب خندق مدينة آمد بالحجارة والأخشاب. وبينما ~~الناس في أشد ما هم فيه من القتال، أخذ السلطان في مقت المماليك وتوبيخهم، ~~وصار كلما جرح واحد من عساكره وأتي له به يزدريه ويهزأ به، وينسب القوم ~~للتراخي في القتال. ثم لبس هو سلاحه بالكامل، وأراد أن يقتحم المدينة بنفسه ~~حتى أعاقه عن ذلك أعيان أمرائه، وهو راكب على فرسه، وعليه السلاح الكامل من ~~الخوف، إلى الركب، واقف على فرسه بمخيمه حيث يجلس، والناس وقوف وركبان بين ~~يديه، تعده بالنصر والظفر في اليوم المذكور، وإن لم يكن في هذا اليوم فيكون ~~في الغد، وتذكر له أن القلاع لا تؤخذ في يوم ولا يومين، وهو يتكلم بكلام ~~معناه أن عساكره تتهاون في قتال أهل آمدة فلا زالت الأمراء به، حتى خلع عن ~~رأسه خوذته ولبس تخفيفة على العادة، واستمر القرقل عليه، إلى أن ترضاه ~~الأمراء، وخلع قرقله، فحمي الحر، واشتدت القائلة، وسئمت الناس من القتال، ~~هذا مع ما بلغهم من غضب السلطان، بعد أن لم يبقوا ممكنا في القتال، وقد ~~أثخنت جراحات الأمراء والمماليك من عظم القتال. كل ذلك والسلطان ساخط عليهم ~~بغير حق، فعند ذلك فتر عزم القوم عن القتال من يومئذ، وما أرى هذا الذي وقع ~~إلا خذلانا من الله تعالى لأمر سبق، وإلا فالعساكر الذين اجتمعوا على آمد ~~كان يمكنهم أخذ عدة مدن، مثل آمد وغيرها. ولما انقضى القتال، وتوجه كل واحد ~~إلى مخيمه، وهو غير راض في الباطن، وجد أهل آمد راحة كبيرة بعودة القوم ~~عنهم، وبلعوا ريقهم، وأخذوا في تقوية أبراج المدينة وسورها، بعد أن كان ~~أمرهم قد تلاشى، مما دهمهم من شدة قتال من لا قبل لهم بقتاله. ونزل السلطان ~~بمخيمه، وندب الأمراء والعساكر للزحف، على هيئة ركوبهم يوم السبت، في يوم ~~الثلاثاء، وهو أيضا في حال غضبه، فابتدأ الأمير قوروه نائب حلب، والأمير ~~مقبل نائب صفد، والأمير جقمق العلائي الأمير آخور، في الكلام مع ms3082 السلطان في ~~تسكين غضبه، وقالوا: يا مولانا السلطان، القلاع كما في علم السلطان، ما ~~تؤخذ في يوم واحد، ولا في شهر، وثم من القلاع ما حاوره تيمورلنك، مع كثرة ~~عساكره، عشر سنين. يا مولانا السلطان، الحصون ما تبنى إلا للمنع، ولولا ذاك ~~ما بنى أحد حصنا. وقد اجتهد مماليك السلطان وأمراؤه في القتال، وجرح الغالب ~~منهم، وكان ممن خرح من الأعيان: الأمير تغري بردي المحمودي، رأس نوبة ~~النوب، وهو كان يوم ذاك أتابك العساكع بدمشق، والأمير سودون ميق، أحد مقدمي ~~الألوف بديار مصر، والأمير تنبك من سيدي بك الناصري المعروف بالبهلوان، أحد ~~امراء العشرات ورأس نوبة، وأما من المماليك والخاصكية فكثير. فكان آخر كلام ~~السلطان للأمراء: إن العساكر تركب صحبة الأمراء في يوم الثلاثاء، وتزحف على ~~المدينة، ويكون الذي يركب مع الأمراء للزحف، المماليك القرانيص، وأنا ~~ومماليكي الأجلاب نكون خلفهم، أراد بذلك عدم معرفة مماليكه بطرق الحرب، ~~فحمل الناس كلامه على أنه يفعل ذلك شفقة على مماليكه، وأنه يريد هلاك من ~~سواهم. PageV04P0162 # وقامت قيامة القوم، وتنكرت القلوب على السلطان في الباطن، وتطاولت أعناق ~~أمرائه إلى الوثوب عليه، واتفق كثير منهم على ذلك لولا أن بعضهم مات من ~~جراحه، وتخوف بعضهم أيضا من بعض، وعدم موافقة جماعة أخر من أعيان الأمراء ~~لذلك. وكان ممن اتهم بالوثوب، على ما قيل، الأتابك جارقطلو نائب الشام، ~~وطرباي نائب طرابلس، ومقبل نائب صفد، وتغري بردي المحمودي، مات بعد أيام من ~~جرح أصابه، وسودون ميق، مات أيضا، من جرح أصابه، والأمير جانبك الحمزاوي، ~~مات في عود الملك الأشرف إلى مصر بعد أن ولاه نيابة غزة على كره منه، ~~وجماعة كثيرة غير هؤلاء، على ما قيل. وكان الذي لم يوافقهم على الوثوب، ~~الأمير قوروه، والأمير إينال الجكمي أمير سلاح، والأمير جقمق الأمير آخور، ~~وأما الأمير سودون من عبد الرحمن ألابك العساكر، فلم يكن من هؤلاء ولامن ~~هؤلاء، لطول مرضه، من يوم خرج من مصر وهو في محفة، وكل ذلك لم يتحققه أحد، ~~غير أن القرائن الواقعة بعد ms3083 ذلك تدل على صدق هذه، المقالة، انتهى. ولما خرج ~~الأمراء من عند السلطان، بعد أن امتثلوا ما رسم به من الزحف في يوم ~~الثلاثاء، بلغ السلطان عن الأمراء والمماليك نوع مما ذكرناه، فاضطرب أمره ~~وصار يحاور المدينة وهو في الحقيقة محصور من احتراسه من أمرائه ومماليكه، ~~وأخذ في الندم على سفره، وفتر عزمه عن أخذ المدينة في الباطن، وضعف عن ~~تدبير القتال. كل ذلك والموكب السلطاني يعمل في كل يوم، والأمراء تحضره، ~~ويركب السلطان ويسير إلى حيث شاء، ومعه الأمراء والنؤاب، غير أن البواطن ~~معمورة بالغش، ويمنعهم من إظهار ما في ضمائرهم موانع، هذا والقتال مستمر في ~~كل يوم، بل في كل ساعة، بين العسكر السلطاني وبين أهل آمد، غير أنه لم يقع ~~يوم مثل يوم السبت المذكور، وقتل خلائق من الطائفتين كثيرة، وصار السلطان ~~يضايق أهل آمد بكل ما وصلت قدرته إليه، هذا وقد قوي أمرهم واشتد بأسهم لما ~~بلغهم من اختلاف عساكر السلطان، وصاروا يصيحون من أعلى السور: الله ينور ~~جارقطلو، وانطلقت ألسنتهم بالوقيعة والسب والتوبيخ، من السلطان إلى من ~~دونه. وبينما السلطان فيما هو فيه، قدم عليه الأمير دولات شاه الكردي صاحب ~~أكل من ديار بكر، فأكرمه السلطان وخلع عليه. ثم لما بلغ الأشرف أحمد ابن ~~الملك العادل سليمان ابن المجاهد غازي ابن الكامل محمد بن العادل أبي بكر ~~ابن الأوحد عبد الله ابن المعظم توران شاه ابن السلطان الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل أبي ~~بكر بن أيوب بن شاذي الأيوبي، صاحب حصن كيفا، قدوم السلطان الملك الأشرف ~~إلى آمد، خرج من الحصن في قليل من عسكره في أوائل في القعدة، يريد القدوم ~~أعلى السلطان، فاعترضه في مسيره جماعة من أعوان قرايلك على حين غفلة، وقد ~~نزل عن فرسه لصلاة العصر، وقاتلوه إلى أن قتل الملك الأشرف المذكور من سهم ~~أصابه، وانهزم بقية من كان معه وانتهبوا، فقدم جماعة منهم على الملك ~~الأشرف، وعرفوه بقتل الملك الأشرف صاحب ms3084 الحصن، فعظم عليه ذلك إلى الغاية. ~~ومن هذا اليوم أخذ السلطان في أسباب الرحيل عن آمد، غير أنه صار، يترقب ~~حركة يرحل بها لتكون لرحيله مندوحة . ثم ندب السلطان جماعة كبيرة من ~~التركمان والحربان من عسكره لسع قتلة الملك الأشرف صاحب الحصن. وكان منذ ~~نزل السلطان على آمد وأتباع العسكر السلطاني من التركمان والعربان تعيث ~~وتنهب في قرى آمد وغيرها ويأتون بما يأخذونه للعساكر المذكورة، وصارت ~~الغلمان تخرج من الوطاق إلى جهات آمد وتحصد الزروع وتأتي بها الأجناد، حتى ~~صار أمام خيمة كل جندي جرن كبير من الزرع، وهو الذي قام بعلوفه خيول العسكر ~~في طول مدة الإقامة على آمد، ولولا ذلك لكان لهم شأن آخر. ولما ندب السلطان ~~الجماعة المذكورة لتتبع قتلة الملك الأشرف وغيره، خرجوا إلى جهة من الجهات ~~فوافوا جماعة كبيرة من أمراء قرايلك وقاتلوهم حتى هزموهم، وأسروا منهم ~~جماعة كبيرة من أمراء قرايلك وفرسانه وأتوا بهم إلى السلطان، وهم نيف على ~~عشرين نفسا، فأمر السلطان بقيدهم فقيدوا. PageV04P0163 # ثم توجهوا ثانيا فوافقوا جماعة أخر، فقاتلوهم أيضا وأسروا منهم نحو ~~الثلاثين، ومن جملتهم قرا محمد أحد أعيان أمراء قرايلك، فأحضر السلطان قرا ~~محمد وهدده بالتوسيط إن لم يسلم له آمد، فأخذوا قرا محمد المذكور ومروا إلى ~~تحت سور المدينة، فكلمهم قرا محمد المذكور في تسليم المدينة، فلم يلتفتوا ~~إليه، فأخذوه وعادوا. وأصبح السلطان فوسط منهم تحت سور آمد عشرين رجلا، من ~~جملتهم قرا محمد المذكور. واتفق في توسيط هؤلاء غريبة، وهو أن بعضهم حمل ~~للتوسيط فاضطرب من أيدي حملته فوقع منهم إلى الأرض، فقام بسرعة وهرب إلى أن ~~ألقى بنفسه إلى الخندق، بعد أن تبعه جماعة، فلم يقدروا على تحصيله، ثم خرج ~~من الخندق ،وقد أرخي إليه من سور آمد حبل، وتشبث به إلى قريب الشرفة، ~~فانقطع الحبل فوقع إلى الأرض، ثم جر ثانيا إلى أعلى المدينة ونجا، وقيل إنه ~~مات بعد ثلاثة أيام من طلوعه، والله أعلم. ثم بلغ السلطان أن قرايلك نزل من ~~قلعة أرقنين بجماعة ms3085 من عساكره، يريد أن يكبس على السلطان في الليل أو يتوجه ~~بهم إلى حلب، فندب السلطان جماعة من الأمراء والمماليك في عمل اليزك ~~بالنوبة، في كل ليلة لحفظ العساكر، ثم رسم السلطان للأمير جارقطلو نائب ~~الشام بالتوجه لقرايلك بقلعة أرقنين، وندب معه جماعة من النواب والأمراء ~~والعساكر المصرية، وكنت أنا معهم، فخرجنا من الوطاق السلطاني في الليل ~~بجموع كثيرة، وجددنا في السير حتى وافينا قرايلك وهو بمخيمه تحت قلعة ~~أرقنين بمن الظهر والعصر، وكان غالب العسكر قد تخلف بعدنا. فتقدم بعض ~~العسكر السلطاني من التركمان والعربان، ومثل الأمير مقبل الحسامي نائب صفد ~~وآقبغا الجمالي المعزول عن الأستادارية وجماعة أخر جمن الأعيان من أمراء ~~مصر والشام، واقتتلوا مع القرايلكية قتالا جيدا إلى أن كانت الكسرة فينا، ~~وقتل منا جماعة كثيرة من التركمان والعربان وأمراء دمشق وغيرهم، مثل الأمير ~~تمرباي الجقمقي أحد أمراء دمشق والأمير بخت خجا أيضا من أمراء دمشق، وجرح ~~أكثر من كان معنا من الخاصكية والمماليك، كل ذلك وسنجق السلطان إلى الآن لم ~~يصل إلينا. وأما جارقطلو، فإنه لما قوي الحر عليه نزل على نهر بالقرب من ~~أرقنين ليروي خيوله منه، وصار الرائد يرد عليه بأن القوم قد التقوا مع ~~عساكر قرايلك، وهم في قلة وقد عزموا على القتال، ،فلم يلتفت إلى ذلك وسار ~~على هينته، فتركه بعض عساكره وساروا حتى لحقوا بمن تقدمهم وقاتلوا ~~القرايلكية، وهم من تقدم ذكرهم ممن قتل من أمراء دمشق. ولما أن بلغ من معنا ~~من الأمراء المصريين ما وقع لجماعتنا، ساقوا أيضا حتى وافي جماعة منهم ~~العسكر السلطاني، فعند ذلك تراجع القوم وكروا القرايلكية وهزموهم أقبح ~~هزيمة، وتعلق قرايلك بقلعة أرقنين وتحصن بها، ونهبت عساكره وتمزقوا كل ~~ممزق. ثم عدنا إلى جهة الوطاق بآمد في آخر النهار اله على أقبح وجه ممن ~~باشر القتال، وهم القليل، وأما غالب العسكر فلم ير القتال بعينه. وصار ~~الأمير أزبك جحا بين يدي السلطان يثني على التركمان والعربان، ويقول: يا ~~مولانا هولاء هم العسكر الذي ينتصر الملوك ms3086 بهم لا غيرهم ، ذلك على طائفة من ~~المماليك إلى الغاية، وشنعوا القاله فيه لكونه تكلم ومن يومئذ تحقق السلطان ~~ما قيل عن جارقطلو من تقاعده عن قتال قرايلك، وأكثر أهل آمد من هذا اليوم ~~الدعاء للأمير جارقطلو المذكور من أعلى السور، خرجوا عن الحد، فلم يدر ~~الناس هل كان ذلك مكيدة من مكايد قرايلك الخلف بين العسكر بسبب ذلك، أم كان ~~ذلك عن حقيقة، والله أعلم. PageV04P0164 # هذا والسلطان مجتهد في عماره قلعة من الخشب تجاه أبراج ومكاحل النفط ترمى ~~في كل يوم بالمدافع، والمناجنيق منصوبة، يرمى بها، وأيضا على الأبراج، وأهل ~~آمد في أسوأ ما يكون من الحال، هذا مع عدم التفات السلطان لحصار آمد ~~الالتفات الكلي، لشغل خاطره من جهة اختلاف عساكره، وهو بتلك البلاد بين يدي ~~عدوه، وقد تورط في الإقامة على حصار آمد، والشروع ملزم. وطالت إقامته على ~~آمد بعساكره نحو خمسة وثلاثين يوما، وقد ضاق الحال أيضا على أهل آمد، فعند ~~ذلك ترددت الرسل بين السلطان وبين قرايلك في الصلح، وكان قرايلك هو البادىء ~~في ذلك، حتى تم وانتظم الصلح بينهما على أن قرايلك يقبل الأرض للسلطان، ~~ويخطب باسمه في بلاده ويضرب السكة على الدينار والدرهم باسمه، فأجاب إلى ~~ذلك، فأرسل إليه السلطان حمي القاضي شرف الدين الأشقر نائب كاتب السر، ~~وأرسلت أنا معه بعض أعيان مماليك الوالد ممن كان في صحبتي من المماليك ~~السلطانية، فتوجه إليه القاضي شرف الدين المذكور بالخلع والفرس الذي جهزه ~~السلطان إليه بقماش ذهب، ونحو ثلاثين قطعة من القماش السكندري. ولما بلغ ~~قرايلك مجيء القاضي شرف الدين، نزل من قلعة أرقنين بمخيمه، ولقي القاضي شرف ~~الدين المذكور، وسلم عليه، ثم قام وقبل الأرض فألبسه القاضي شرف الدين ~~الخلعة، وكانت كاملية مخمل كفوي بمقلب سمور، وفوقانيا بوجهين أحمر وأخضر، ~~بطراز عريض إلى الغاية. ثم قدم له الفرس صحبة الأوجاقي، فقام إليه، فأمره ~~القاضي شرف الدين بتقبيل حافر الفرس، فامتنع من ذلك قليلا، ثم أجاب بعد أن ~~قال: والله إن هذه عادة تعيسة، ms3087 أو معنى ذلك. ثم أخذ في الكلام مع القاضي ~~شرف الدين، فأخذ القاضي شرف الدين يعظه ويحذره مخالفة السلطان وسوء عاقبة ~~ذلك، فقال: وأنا من أين، والسلطان من أين، أنا رجل تركماني في جهة من ~~الجهات، ثم شرع يذكر قلة رأي السلطان في مجيئه إلى بلاده، وقال: أنا يكفيني ~~نائب حلب، وهو بعض نواب السلطان، وما عسى كان يفعل السلطان لو أخذ آمد، وكل ~~شيء في آمد ما يساوي بعض ما تكلفه، ثم قال: والله لو أعطاني السلطان نصف ما ~~ذهب من الكلف في نعل خيوله وخيول عساكره، لرضيت ودخلت في طاعته، ثم قال: لو ~~كان مع السلطان أمير من جنس هذا، وأشار إلى مملوك الوالد الذي توجه مع ~~القاضي شرف الدين، مما خلاه يجيء إلى هنا، وكان المملوك المذكور تتريا، ~~فقال شرف الدين: بلى، مع السلطان جماعة من جنسه، فقال: لا والله، كان عندكم ~~واحد نفيتموه إلى القدس بطالا، يعني بذلك الأمير قرامراد خجا الشعباني، ~~أمير جاندار، وأحد مقدمي الألوف. ثم قام قرايلك وقلع الخلعة من عليه ~~وألبسها بعض حواشيه، ثم فعل بالكاملية أيضا كذلك، وانفض المجلس، وبات شرف ~~الدين تلك الليلة عنده، ولم يجتمع به غير المرة الأولى. وعند السفر دخل ~~إليه من الغد وسلم عليه، فأنعم على قرايلك بأربعة أكاديش يساوي ثمنها أربعة ~~آلاف درهم فلوسا عند صاحب الغرض. وعاد القاضي شرف الدين إلى السلطان، ~~فاجتمعت به قبل السلطان، وعرفني جميع ما حكيته، فاتفقنا على جواب نمقناه ~~يحسن ببال السلطان، من جنس كلام قرايلك، لا يخفى على الذوق السليم معناه. ~~فلما دخل إلى السلطان وأعاد عليه الجواب المذكور سر السلطان قليلا بذلك، ~~وعظم سرور من حضر من القوم، ومعظم سرورهم بعودهم إلى بلادهم وأوطانهم ~~سالمين مما هالهم مما كانوا فيه من المشقة، وقد اعتادوا بالترف والأمن وقلة ~~القتال. وفي الحال أخذ السلطان في أسباب الرحيل، ورحل في ليلة الخميس ثالث ~~عشر ذي القعدة في النصف الثاني من الليل من غير ترتيب ولا تطليب، ولا ~~تعبية، ورحلت العساكر ms3088 من آمد كالمنهزمين لا يلوي أحد على أحد، بل صار كل ~~واحد يسير على رأيه. وعند رحيل القوم أطلق الغلمان النيران في الزروع ~~المحصودة برسم عليق خيول الأجناد، فإنه كان كل جندي من الأجناد صار أمام ~~خيمته جرن كبير مما يحصده غلامه ويأتيه به من زروع آمد، فلما انطلق النار ~~في هذه الأجران، انطبق الوطاق بالدخان إلى الجو، حتى صار الرجل لا ينظر إلى ~~الرجل الذي بجانبه. PageV04P0165 # ورحل الناس على هذه الهيئة مسرعين، مخافة أن يسير السلطان ويتركهم غنيمة ~~لأهل آمد. وبالله لو نزلوا في ذلك الوقت لأمسكوا من اختاروا مسكه، قبضا ~~باليد، ولو أرادوا النهب لغنموا وسعموا إلى الأبد، لأن السلطان سار قبل ~~رحيل نصف عسكره. وسار القوم من آمد إلى جهات متفرقة، إلى أن طلع النهار، ~~وقد تمزقت العساكر في طرقات متعددة، لا تعرف طائفة خبر طائفة أخرى، لبعد ما ~~بينهم من المسافة. فتوجه أتابك العساكر سودون من عبد الرحمن، وهو مريض ~~ملازم ركوب المحفة، من طريق ماردين السالكة إلى مدينة الرها، ومعه طائفة ~~كبيرة ممن تبعه من العسكر السلطاني، وتوجهت طائفة أخرى من العسكر من الطريق ~~التي سلكناها في الذهاب إلى آمد من جهة قلعة أرقنين التي بها قرايلك، ~~وتبعهم خلائق وعدة أطلاب، فافترق الأمراء من مماليكهم وأطلابهم، وتشتت ~~شملهم. وسار السلطان من الطريق الوسطى من على الجبل المعروف قراضاغ، وهذا ~~الطريق أقرب الطرق كالمفازة، غير أنه عسر المسلك إلى الغاية من الطلوع ~~والنزول وضيق الطرقات. وكنت أنا معه بهذا الطريق المذكور، وأكل السبع رجلا ~~من غلماننا، ووقع ذلك لجماعة أخر، واصطادت الناس السباع من الأوكار، وسرنا ~~حتى نزلنا عن الجبل إلى فضاء غربي الجبل المذكور، ومسافة الموضع الذي نزل ~~السلطان به عن أرقنين التي بها قرايلك مقدار نصف بريد تخمينا. وعند نزول ~~السلطان بالمنزلة المذكورة، علم بمن فقده من عساكره، وتأمل من معه منهم، ~~فإذا هم على النصف من عسكره، وأيضا فيهم الذي تاه عن جماله، ومنهم من لا ~~يعرف طلبه أين ذهب، وهو الأمير قرقماس ms3089 الشعباني حاجب الحجاب، نزل بالمنزلة ~~المذكورة وليس معه غير أصحابه وطائفة نحو خمسة أنفس وهجان وغلام، فنصب ~~السيبة واستظل تحتها من الشمس، وقد سار طلبه بجميع مماليكه ورخته من جهة لا ~~يعرف متى تعود إليه، ومثله فكثيرمن الأجناد والأمراء. فلما رأى الملك ~~الأشرف نفسه في قلة من عساكره، ولم يبق معه إلا شرذمة قليلة، ولم يعلم أين ~~ذهب الباقون، شق عليه ذلك وتخؤف من كبس قرايلك في الليل، ولم يجد بدا من ~~المبيت في المكان المذكور، لتمزق عساكره. فلما دخل الليل، ندب السلطان ~~الأمير جقمق العلائي الأمير آخور الكبير ومعه جماعة لحفظ العسكر في الليل، ~~فركب الأمير جقمق بمماليكه ومن انضاف إليه وضرب اليزك على العسكر، وقام ~~بحفظه أحسن قيام إلى الصباح. قلت: ومن تلك الليلة المذكورة علمت حال قرايلك ~~وهمته، فإنه لو كان بقية ما ترك عساكرنا في تلك الليلة بخير، لأن الصلح ~~الذي كان وقع بينه السلطان الملك الأشرف كلا شيء: كان فسخ مجلس لا غير، وقد ~~بلغه ما لعسكرنا من الشتات والتفرق، وعلم بجميع ما نحن فيه، لقرب المسافة ~~بينا ترك الإيقاع بنا إلا عجزا وجبنا وضعفا. وأيضا من كان بمدينة آمد، لو ~~كان فيهم منعة وقوة بعد ما عاينوا ما وقع لعسكرنا عند الرحيل من التمزق ~~وعظم الاضطراب، لنزلوا واستولوا على جماعة من العسكر، وباقي العسكر لا ~~يعرفون بذلك، من عظم الغوغاء وشغل كل واحد بنفسه، مع شدة سواد الليل ~~وظلمته، انتهى. ولما أصبح السلطان بكرة يوم الجمعة بهذه، المنزلة المذكورة، ~~سار كل منها ما يريد مدينة الرها، حتى وصلها بمن معه من العسكر، وأقام بها، ~~حتى اجتمع به من كان ذهب من عساكره في الطرقات. وأخذ السلطان في إصلاح أمر ~~مدينة وطلب الأمير إينال العلائي الناوري نائب غزة، وأراد أن يخلع عليه ~~بنيابة فامتنع من ذلك أشد امتناع وأفحش في الرد وخاشن السلطان في اللفظ، ~~وصمم على عدم القبول لذلك، فغضب السلطان منه، واشتد حنقه وهم بالإيقاع به، ~~فخشي عاقبة ذلك من عظم شوكة إينال ms3090 المذكور، وأخذ يثني على نفسه من كونه ~~يحكم على أمرائه ومماليكه وأشياء من هذا المعنى، إلى أن قال: أنا حكمي ما ~~يسمعه إلا مماليكي، وطلب الأمير قراجا الأشرفي شاد الشراب خاناه وخلع عليه ~~باستقراره في نيابة الرها، وخلع على القاضي شرف الدين نائب كاتب السر ~~باستقراره كاتب سر الرها، وخرجا من بين يدي السلطان بالخلع على كره. ~~PageV04P0166 # ثم لما توجه الأمير إينال العلائي نائب غزة إلى مخيمه، كلمه الناس من ~~أصحابه فيما وقع منه من تمنعه ومخاشنته في الكلام مع السلطان، أو كأنه خشي ~~عواقب ما وقع منه، فاعتذر من خراب مدينة الرها، وأنه ليس بها ما يقوم ~~بأوده، وبلغ السلطان ذلك فضمن له ما طلبه، وخلع عليه من يومه المذكور ~~باستقراره في نيابة الرها، ثم استعفى شرف الدين من كتابة سر الرها، فأعفي ~~بعد أن حمل خمسمائة. دينار للخزانة الشريفة. ثم أمر السلطان المماليك ~~السلطانية بدفع ما معهم من الشعير للأمير إينال المذكور ليكون له حاصل ~~بالرها، فبعث كل واحد منهم بشيء من عليق خيوله، فاجتمع من ذلك شونة كبيرة ~~ثم أنعم السلطان على الأمير إينال المذكور بأشياء كثيرة، وأصلح أمره، وسار ~~بعساكره عن الرها، إلى أن نزل البيرة. قلت: وإينال هذا هو الملك الأشرف، ~~سلطان زماننا. ولما نزل السلطان بالبيرة أقام بها إلى أن عدت عساكره الجسر ~~الذي نصب على بحر الفرات إلى البر الغربي، ثم عدى السلطان إلى البر الغربي ~~المذكور وأقام به يومه، ورحل من آخر النهار المذكور بعساكره، حتى وصل إلى ~~حلب في خامس عشر ذي القعدة، ونزل بظاهرها بالمنزلة التي نزل بها في ذهابه ~~إلى آمد، ونزل حوله جميع عساكره، بعد أن أجهدهم التعب، وماتت خيولهم، وتلفت ~~أموالهم من غير فائدة ولا قيام حرمة، غير أن لسان الحال ينشد قول القائل: ~~الوافر: مشيناها خطى كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطى مشاها وأقام السلطان ~~بحلب نحو العشرة أيام، وأمر النواب بالبلاد الشامية بالمسير إلى محل ~~كفالتهم، وخلع على الأمير جانبك الحمزاوي، أحد مقدمي الألوف باستقراره ms3091 في ~~نيابة غزة، عوضا عن إينال العلائي، المنتقل إلى نيابة الرها، فامتنع جانبك ~~الحمزاوي من ذلك امتناعا كليا، فألبسه الخلعة كرها. قيل: إن جانبك المذكور، ~~لما لبس الخلعة وخرج هز رأسه وأمسك لحية نفسه كالمتوعد، وبلغ الأشرف ذلك، ~~فقال: حتى يصل إلى غزة، فمات بالقرب من بعلبك. وكان جانبك ممن اتهم ~~بالممالأة من الأمراء في آمد، وتكلم الناس في موت نجانبك المذكور: أنه ~~اغتيل بالسم لقول الملك الأشرف في حقه: حتى يصل إلى غزة، فقلت لبعض ~~الإخوان: يمكن أن يكون ذلك من طريق الكشف والكرامة، فضحك الحاضرون، وانفض ~~المجلس. ثم خلع السلطان على الأمير قاني باي الأبو بكري الناصري، المعروف ~~بالبهلوان، أتابك حلب، بانتقاله إلى أتابكية دمشق بعد مرت الأمير تغري بردي ~~المحمودي بآمد، من جرح أصابه في حصار آمد، وكان المحمودي أيضا ممن اتهم ~~بالوثوب على الملك الأشرف. وخلع على الأمير قطج من تمراز، أحد مقدمي ألوف ~~حلب، باستقراره أتابك حلب، عوضا عن قاني باي المذكور، وخلع السلطان على ~~الأمير كمشبغا الأحمدي الظاهري، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بتوجهه إلى ~~الديار المصرية، مبشرا بعود السلطان إلى الديار المصرية. وصار السلطان يركب ~~ويسير بحلب، وطلع إلى قلعتها غير مرة، إلى أن خرج منها في يوم الخميس خامس ~~في ذي الحجة من سنة ست وثلاثين المقدم ذكرها، يريد جهة دمشق. وسار حتى نزل ~~بحماة، وأقام بها أياما، ثم رحل منها بعساكره إلى جهة دمشق حتى دخلها في ~~يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة، ونزل بقلعتها، ونزلت عساكره بمدينة دمشق. ~~ودام بدمشق إلى أن برز منها يوم السبت ثامن عشرين ذي الحجة، يريد الديار ~~المصرية، بعد أن خلع على جميع نواب البلاد الشامية باستمرارهم، ولم يحرك ~~ساكن في الظاهر والله متولي السرائر. ثم سار السلطان حتى وصل غزة، وقد ~~استقر في نيابتها من دمشق الأمير يونس الركني، أحد مقدمي الألوف بدمشق، ~~وكان يونس المذكور وليها مرة أخرى قبل ذلك. PageV04P0167 # وأقام السلطان بغزة ثلاة أيام، ثم رحل منها يريد القاهرة، حتى وصلها في ms3092 ~~يوم الأحد العشرين من محرم سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، ودخل في موكب جليل ~~من باب النور بأبهة الملك وشعار السلطنة، وعلى رأسه القبة والطير، تولى ~~حملها الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن وهو مريض، وقد ساعده، جماعة من ~~حواشيه في حملها. وشق السلطان القاهرة وقد زينت لقدومه أحسن زينة، وسار حتى ~~نزل بمدرسته التي أنشأها بخط العنبريين من القاهرة، وصلى بها ركعتين، ثم ~~ركب منها وسار حتى خرج من باب زويلة، وطلع إلى القلعة بعد أن خرج المقام ~~الجمالي يوسف ولده إلى ملاقاته بالخانقاه، وعاد معه. وكان لقدومه يوم ~~مشهود، وسر الناس بسلامته، وعاد السلطان إلى مصر بعد أن أتلف في هذه السفره ~~نحو الخمسمائة ألف دينار من النقد، وتلف له من السلاح والمتاع والخيل ~~والجمال والبغال مثل ذلك، وأنفق الأمراء بمصر والشام والعساكر المصرية ~~والشامية مثل ذلك، وتلف لأهل آمد وما حولها من الغلال والزراعات والمواشي ~~شيء كثير إلى الغاية، وقتل أيضا خلائق، ومع هذا كله كانت سفرة كثيرة الضرر ~~قليلة النفع. ولم ينل أحد في هذه السفرة غرضا من الأغراض، ولا سكنت فتنة ~~ولا قامت حرمة، ولا ارتدع عدو. ولهج غالب الناس بأن السلطان سعده لا يعمل ~~إلا وهو بقلعته، وحيثما تحرك بنفسه بطل سعده، وعدوا حركته مع التركمان في ~~نيابته بطرابلس، ثم واقعته مع الأمير جقمق نائب الشام لما أمسكه جقمق ~~وحبسه، ثم سفرته هذه إلى آمد. قلت: الحركات والسكون بيد الله، والحرب سجال: ~~يوم لك ويوم عليك، والدهر تارة وتارة، والغيب مستر ما هو مخبر، انتهى. ولما ~~طلع السلطان إلى القلعة خلع على الأمراء، وأخذ في إصلاح أمره، وخلع على ~~التاج بإعادته إلى ولاية القاهرة، بعد عزل دولات خجا الظاهري. ثم خلع ~~السلطان على الأمير آقبغا الجمالي المعزول عن الأستادارية قبل تاريخه، ~~باستقرارا في ولاية الوجه القبلي، عوضا عن داؤد التركماني، وكان السلطان ~~أنعم على آقبف المذكور بإمرة عشرة بعد موت الأمير تنبك من سيدي بك المعروف ~~بالبهلوان بآمد. ثم في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر ms3093 ربيع الأول من سنة سبع ~~وثلانين المذكورة، رسم السلطان بإخراج الأمير الكبير سودون من عبد الرحمن ~~إلى القدس بطالا، فاستعفى من السفر، وسأل أن يقيم بداره بطالا، فأجيب إلى ~~ذلك، ولزم داره إلى ما يأتي ذكره. وأنعم السلطان بأقطاعه على الديوان ~~المفرد، ولم يقرر أحدا غيره في أتابكية العساكر بالديار المصرية، وهذا شيء ~~لم نعهد بمثله. وضرب رنك السلطان على البيمارستان المنصوري بالقاهرة. وكانت ~~العادة جرت من مدة سنين، أن كل من يلي الإمرة الكبرى، يكون هو الناظر على ~~البيمارستان المذكور، فلما نفدت هذه الوظيفة، تكلم السلطان على نظرها، وضرب ~~اسمه على بابها. ثم في يوم السبت أول شهر ربيع الآخر، خلع السلطان على ~~دولات خجا المعزول عن ولاية القاهرة، باستقراره في ولاية المنوفية ~~والقليوبية. ثم في يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الآخر المذكور ركب السلطان من ~~قلعة الجبل ونزل إلى الصيد، وعاد في خامسه. ثم في يوم الاثنين عاشره خلع ~~السلطان على الأمير إينال الششماني الناصري، ثاني رأس نوبة، باستقراره في ~~نيابة صفد، بعد موت الأمير مقبل الحسامي الدوادار، ومقبل أيضا هو أحد من ~~اتهم بالوثوب على السلطان في آمد. ثم في حادي عشره خلع السلطان على آقبغا ~~الجمالي المقدم ذكره باستقراره كاشف الوجه البحري عوضا عن حسن بك ابن سالم ~~الدوكري، وأضيف إليه كشف الجسور أيضا . ثم في ثالث عشره، ركب السلطاني ونزل ~~إلى البيمارستان المنصوري للنظر في أحواله، فنزل، به وأقام ساعة ثم ركب ~~وعاد إلى القلعة. PageV04P0168 # ثم في يوم الأحد ثامن عشرين جمادى الأولى خلع السلطان على حسين الكردي، ~~باستقراره كاشف الوجه القبلي، بعد قتل آقبغا الجمالي في خامس عشرينه في حرب ~~كان بينه وبين عرب البحيرة، وقتل معه جماعة من مماليكه ومن العربان. ثم خلع ~~السلطان على الوزير الأستادار كريم الدين ابن كاتب المناخ، كاملية بفرو ~~وسمور بمقلب سمور لتوجهه إلى البحيرة، وصحبته حسين الكردي المقدم ذكره، ~~لعمل مصالحها واسترجاع ما نهبه أهل البحيرة من متاع آقبغا الجمالي بعد ~~قتله، وكتب إليهم السلطان بالعفو عنهم، ms3094 وأن آقبغا تعدى عليهم في تحريق ~~بيوتهم وسبي أولادهم ونحو ذلك، قصد السلطان تطمينهم، عسى أن يؤخذوا من غير ~~قتال ولا فتنة. ثم في أول جمادى الآخرة أمر السلطان بعد من بالإسكندرية من ~~القزازين وهم الحياك، فأحصي في يوم الثلاثاء أول جمادى الآخرة المذكورون، ~~فبلغت عدتهم ثمانمائة نول، بعد ما بلغت عدتهم في أيام نيابة ابن محمود ~~الأستادار في سنة بضع وتسعين وسبعمائة أربعة عشر ألف نول ونيفا، فانظر إلى ~~هذا التفاوت في هذه السنين القليلة، وذلك لظلم ولاة الأمور، وسوء سيرتهم، ~~وعدم معرفتهم، لكونهم يطمعون في النزر اليسير بالظلم، فيفوتهم أموال كثيرة ~~مع العدل، والفرق بين العامر والخراب ظاهر. ثم في يوم الاثنين ثاني عشر شهر ~~رجب، أدير محمل الحاج على العادة في كل سنة. ثم في سابع عشرين شهر رجب ~~المذكور، قدم الأمير بربغا التنمي الحاجب الثالث بدمشق إلى القاهرة بسيف ~~الأمير جارقطلو نائب دمشق وقد مات بعد مرضه بخمسة وأربعين يوما، في يوم ~~تاسع عشره، فعين السلطان عوضه لنيابة دمشق الأمير قصروه من تمراز نائب حلب، ~~وكتب له بذلك. ثم في يوم تاسع عشرينه، عين السلطان الأمير خجا سودون السيفي ~~بلاط الأعرج، أحد أمراء الطبلخاناه، ورأس نوبة، أن يتوجه إلى قصروه ~~بالتقليد والتشريف. وفي اليوم خلع السلطان على الأمير قرقماس الشعباني ~~الناصري، المعروف أهرام ضاغ، حاجب الحجاب، باستقراره في نيابة حلب عوضا عن ~~قصروه، وأن يكون مسفره الأمير شاد بك الجكمي أحد أمراء الطبلخانات ورأس ~~نوبة. وخلع السلطان على الأمير يشبك السودوني ثم الظاهري ططر المعروف ~~بالمشد باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن قرقماس المذكور، وأنعم بإقطاع قرقماس ~~على الأمير آقبغا التمرازي أمير مجلس، وخلع عليه باستقراره أمير سلاح، ~~وبإقطاع آقبغا على الأمير يشبك المذكور. وخلع السلطان على الأمير إينال ~~الجكمي أمير سلاح، باستقراره أتابك العساكر، وكانت شاغرة من يوم لزم سودون ~~من عبد الرحمن بيته، واستقر عوضه في إمرة سلاح آقبغا التمرازي المقدم ذكره. ~~وخلع السلطان على الأمير جقمق العلاني الأمير آخور باستقرار، أمير مجلس، ~~عوضا عن ms3095 آقبغا التمرازي، المقدم ذكره. وخلع على الأمير حسين بن أحمد المدعو ~~تغري برمش باستقراره أمير آخور، عوضا عن جقمق العلائي. فخرج الجميع، وعليهم ~~الخلع والتشاريف، وجلسوا على المسطبة التي يجلس عليها مقدم المماليك عند ~~باب السر، في انتظار الخيول التي أخرجها السلطان لهم، بسروج الذهب ~~والكنابيش ما خلا تغري برمش، فإنه فارقهم من داخل القصر، ونزل إلى باب ~~السلسلة وتسلمه من وقته. فقعدوا الجميع على المسطبة صفا واحدا، وجلس فوق ~~الجميع إينال الجكمي، ثم تحته قرقماس نائب حلب، ثم آقبغا التمرازي، الذي ~~استقر أمير سلاح، ثم الأمير جقمق الذي استقر أمير مجلس، ثم الأمير يشبك ~~المولى حاجب الحجاب، إلى أن حضرت الخيول وركبوا، ونزل كل واحد إلى داره. ~~فلما نزل جقمق العلائي إلى داره، عرفه أصحابه وحواشيه أن وظيفة الأمير ~~آخورية كانت خيرا له من وظيفة أمير مجلس، وإن كان ولا بد فيولى أمير سلاح، ~~فيكون ما فاته من منفوع الأمير آخورية، يتعوضه من قيام الحرمة بوظيفة أمير ~~سلاح. وبلغ السلطان ذلك، فرسم في الحال إلى آقبغا التمرازي أن يكون أمير ~~مجلس على عادته، وتكون الخلعة التي لبسها خلعة الرضى والاستمرار، وأن يكون ~~جقمق أمير سلاح، ونزل الأمر إلى كل منهما بذلك، فامتثلا المرسوم الشريف، ~~واستمر كل منهما على ما قرره السلطان ثانيا. PageV04P0169 # وفي اليوم المذكور رسم السلطان بإخراج الأمير سودون من عبد الرحمن إلى ~~ثغر دمياط، وسببه أن السلطان لما بلغه موت جارقطلو، استشار بعض خواصه فيمن ~~يوئيه نيابة الشام، فذكروا له سودون من عبد الرحمن، وأنه يقوم للسلطان ~~بمبلغ كبير من ذهب في نظير ذلك. وكان في ظن السلطان أن سودون من عبد الرحمن ~~قد استرخت أعضاؤه، وتعطلت حركته من طول تمادي المرض به، وقد أمن من جهته ما ~~يختشيه، فقال السلطان: سودون من عبد الرحمن تلف، ولم يبق فيه بقية لذلك، ~~فقالوا: يا مولانا السلطان، هو المتكلم في ذلك فلم يحملهم السلطان على ~~الصدق، وأرسل إليه في الحال يعرض عليه نيابة الشام، فقبل، وقال: مهما أراد ~~السلطان ms3096 مني فعلته له فلما عاد الجواب على السلطان بذلك علم أن غالب ما به ~~تضاعف، وأن فيه بقية لكل شيء، فأمر في الحال بإخراجه إلى ثغر دمياط. ثم خلع ~~السلطان على الأمير بربغا التنمي، أحد حجاب دمشق وأعاده إلى دمشق. ثم في ~~يوم الخميس سابع شعبان من سنة سبع وثلاثين المذكورة، خلع السلطان على ~~الأمير الكبير إينال الجكمي باستقراره في نظر البيمارستان المنصوري على ~~العادة. وكان تولية إينال المذكور للإمرة الكبرى بغير إقطاع الأتابكية، بل ~~باستمراره على إقطاعه القديم، غير أنه أنعم السلطان عليه بقرية حجة ومردة ~~من أعمال نابلس، وكانت من جملة إقطاع الأمير الكبير، ثم خلع عليه بنظر ~~البيمارستان المذكور فهذا الذي حصل له من جهة الأتابكية، ولم ينله منها إلا ~~مجرد الاسم فقط. وفي شهر رجب وشعبان، قرر السلطان على جميع بلاد الشرقية ~~والغربية والمنوفية والبحيرة وسائر الوجه القبلي، خيولا تؤخذ من أهل ~~النواحي، فكان يؤخذ من كل قرية خمسة آلاف درهم فلوسا، عن ثمن الفرس المقرر ~~عليها، ويؤخذ من بعض النواحي عشرة آلاف عن ثمن فرسين، ويحتاج أهل الناحية ~~إلى مغرم آخر لمن يتولى أخذ ذلك منهم، فنزل بسبب ذلك على فلاحي القرى بلاء ~~الله المنزل. وأحصى كتاب ديوان الجيش قرى أرض مصر العامرة كلها قبليها ~~وبحريها، فكانت ألفين ومائة وسبعيبن قرية وقد ذكر المسبحي في تاريخه أنها ~~كانت في القرن الرابع عشرة آلاف قرية عامرة فانظر إلى تفاوت ما بين ~~الزمنين، مع أمن هذا الزمان وكثرة فتن ذلك الزمان، غير أن السبب معروف ~~والسكات أجمل. ثم في يوم الخميس رابع عشر شعبان، برز قرقماس نائب حلب إلى ~~محل كفالته وعليه جمل كبيرة من الديوان. ثم في تاسع عشر شعبان ختن السلطان ~~ولده المقام الجمالي يوسف، وختن معه نحو الأربعين صبيا، بعدما كساهم، وعمل ~~لذلك مهما هائلا، للرجال بالحوش السلطاني، وللنساء بالدور من القلعة. ثم في ~~يوم السبت ثالث عشرينه، فقد الوزير كريم الدين ابن كاتب المناخ، بعد أن كان ~~استعفى غير مرة من إحدى الوظيفتين: ms3097 إما الوز أو الأستادارية، فلم يعفه ~~السلطان، فلما تسحب في هذا اليوم، طلب السلطان أمين الدين إبراهيم بن ~~الهيصم، ناظر الدولة، وخلع عليه باستقراره وزيرا عوضا عن الصاحب كريم الدين ~~المذكور. ثم في يوم الأربعاء سابع عشرين شعبان المذكور، ظهر الصاحب كريم ~~الدين المقدم ذكره، وطلع إلى القلعة، فخلع عليه السلطان سلاريا من قماشه. ~~ثم طلع كريم الدين من الغد، فخلع عليه السلطان ثانيا خلعة جليلة، باستمراره ~~على وظيفة الأستادارية، ونزل إلى داره في موكب جليل، وقد سر به غالب أعيان ~~الدولة ، فإن السلطان كان ألزم زين الدين عبد الباسط بوظيفة الأستادارية، ~~فقال له: يا مولانا السلطان، ما يليق بي هذه الوظيفة، فقال: يليها دوادارك ~~جانبك، فتبرم أيضا من ذلك، فخاشنه السلطان في الكلام وأهانه، فأوعد بحمل ~~مبلغ كبير من المال مساعدة للأستادار، ثم حسن للسلطان في الباطن ولاية ~~القاضي سعد الدين إبراهيم ناظر الخاص، أستاذارا، وكلمه السلطان في ذلك، ~~فأبى سعد الدين إبراهيم أيضا، وأخذ يستعفي، وبينما هم في ذلك، ظهر كريم ~~الدين، فتنفس خناق عبد الباسط وغيره بظهور كريم الدين واستمراره على ~~وظيفته. PageV04P0170 # وقدم الخبر في هذا الشهر من مكة المشرفة بأن الوباء قد اشتد بها ~~وبأوديتها حتى بلغ عدة من يموت بمكة، في اليوم، خمسين نفسا، ما بين رجل ~~وامرأة. وفي شهر رمضان المذكور تحرك عزم السلطان على السفر إلى جهة آمد، ~~لقتال قرايلك، وكتب إلى بلاد الشام بتعبئة الإقامات من الشعير وغيره على ~~العادة. وكان سبب حركة السلطان لذلك، لما ورد عليه الخبر في يوم ثامن عشره، ~~أن الأمير إينار العلائي نائب الرها، كان بينه وبين أعوان قرايلك وقعة ~~هائلة. وسببه أن بعض عساكر حلب أو عساكر الرها خرج يسير فرسه، فلما كان بين ~~بساتين الرها، صادف طائفة من التركمان، فقاتلهم وهزمهم، وبلغ ذلك الأمير ~~إينال، فخرج مسرعا من مدينة الرها، نجدة لمن تقدم ذكره، فخرجت عليه ثلاثة ~~كمائن من القرايلكية، فقاتلهم، فكانت بينهم وقعة هائلة، قتل فيها من ~~الفريقين عدة. فلما بلغ السلطان ذلك، شق ms3098 عليه، وعزم على السفر، ثم كتب ~~السلطان إلى سائر البلاد الشامية بخروج نواب الممالك للحاق الأمير قرقماس ~~نائب حلب بالرها ثم بطل ذلك، وكتب بمنعهم من المسير، حتى يصح عندهم نزول ~~قرايلك على الرها بعساكره وجموعه، فإذا صح لهم ذلك، ساروا لقتاله. وفي يوم ~~الثلاثاء عشرين شوال، كتب السلطان باستقرار خليل بن شاهين الشيخي، ناظر ~~الإسكندرية وحاجبها، في نيابة الإسكندرية، مضافا على النظر والحجوبية، عوضا ~~عن الأمير جانبك السيفي يلبغا، الناصري فرج المعروف بالثور. وفي شوال هذا، ~~قدم على السلطان الخبر من بغداد، على يد قاصد كان السلطان وجهه قبل ذلك ~~لكشف أخبار الشرق، وأخبر: أن أصبهان بن قرا يوسف، لما ملك بغداد من أخيه ~~شاه محمد بن قرا يوسف، أساء السيرة، بحيث إنه أخرج جميع أهل بغداد منها ~~بعيالهم، بعد أن أخذ جميع أموالهم، من جليل وحقير، فتشتتوا بنسائهم ~~وأولادهم في نواحي الأقطار، وصارت بغداد ليس بها سوى نحو ألف رجل من جند ~~أصبهان المذكور لا غير، وأنه لم يبق بها سوى ثلاثة أفران تخبز الخبز فقط، ~~ولم يبق بها سكان، ولا بيعة، ولا أسواق. فكان فعل أصبهان هذا أقبح من فعل ~~أخيه شاه محمد، فإن شاه محمد لما تنصر ومال إلى دين النورانية، قتل العلماء ~~وأباد الفقهاء والصلحاء لا غير، وترك من دونهم. فجاء هذا الزنديق الفاسق، ~~تجاوز فعل شاه محمد من أنه أخرج جميع أهل بغداد وكان غرض أصبهان بذلك أن ~~يخرب بغداد، حتى لا يبقى لأخيه إسكندر ولا غيره طمع فيها، فمد يده في ذلك، ~~حتى صارت بغداد خرابا يبابا لا يأويها إلا البوم، انتهى. قال: وإنه أخرب ~~أيضا الموصل، حتى صارت مثل بغداد وأعظم، من أنه سلب نعم أهلها وأمر بهم ~~فأخرجوا منها وتمزقوا في البلاد، واستولت عليها العربان، فصارت الموصل ~~منزلة من منازل العرب، بعد أن كانت تضاهي دار السلام. قال، أعني القاصد: ~~وان أصبهان أيضا أخذ أموال أهل المشهد، وأزال نعمهم وتشتتوا في البلاد. ~~قلت: لا أعلم في طوائف التركمان ولا في أوباش ms3099 عساكر جغتاي، ولا في جهال ~~التتار، أوحش سريرة، ولا أقبح طريقة ولا أسوأ سيرة، ولا أضعف دينا ولا أعدم ~~مروءة، ولا أقل نخوة ولا أبشع خبرا من هؤلاء الزنادقة الكفرة الفسقة، أولاد ~~قرا يوسف. وعندي أن النصارى أمثل من هؤلاء، فإنهم متمسكون بدين على زعمهم، ~~وهؤلاء زنادقة لا يتدينون بدين، كفرة ملحدون. حدثني الأمير علي باي المؤيدي ~~العجمي رحمه الله، بعد عوده من عند أصبهان المذكور، لما أرسله السلطان ~~الملك الظاهر جقمق، في الرسلية إليه، بأشياء: منها أنه كان يمد السماط بين ~~يديه في بكرة أيام شهر رمضان، وأنه سأل علي باي في الأكل معه من جملة ~~عساكره، فامتنع، فقال له: أمير علي باي، بتتعب نفسك سخرة، بني آدم هو مثاله ~~مثال الزرع: يطلع ويكبر، ثم يحصد ويزول إلى الأبد، وما ثم شيء ذلك، فخل عنك ~~ما أنت فيه، وكل واشرب. قال: ثم سألت عن أصبهان من بعض خواصه، عن أحواله، ~~فكان من جملة ما قاله إنه لا يتعبد على ملة من الملل منذ بلغ الحلم إلى ~~يومنا، بخلاف أخيه شاه محمد فإنه كان أولا أيام أبيه قرا يوسف يصوم ويصلي ~~ويظهر التنسك إلى أن مات أبوه فأظهر الميل إلى دين النصرانية، وصار يتعبد ~~على ملتهم. PageV04P0171 # فهذا الخبر عن شاه محمد وأصبهان، وأضف إليهما إسكندر أيضا، فإنه كان أيضا ~~من هذه المقولة في الباطن، ثم من بعدهم أخوهم جهان شاه بن قرا يوسف ملك في ~~زماننا هذا فإنه أيضا على طريقهم من الفسق والفجور والانهماك في المسكرات ~~وجميع أفعاله في الباطن تقارب أفعال إخوته، غير أنه يظهر خلاف ذلك، لئلا ~~ينفر الناس عنه وتسوء القالة فيه، وقد استوعبنا أحوال هؤلاء الفسقة في ~~تاريخنا الصافي والمستوفى بعد الوافي، بأوسع من هذا، فلينظر هناك. ثم في ~~يوم الأربعاء أول ذي القعدة، توجه الأمير جقمق العلائي أمير سلاح إلى مكة ~~المشرفة حاجا، وسار معه كثير ممن قدم من المغاربة وغيرهم، وبسط بالإحسان ~~إليه ذهابا وإيابا. قال المقريزي: وفي هذه السنة، يعني عن سنة ms3100 سبع وثلاثين، ~~طلق رجل من بني مهدي من أرض البلقاء امراته وهي حامل فنكحها رجل غيره، ثم ~~فارقها، فنكحها رجل ثالث، فولدت عنده ضفدعا في قدر الطفل، فأخذوه ودفنوه ~~خوف العار. ثم في يوم الاثنين ثالث محرم سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، قدم ~~قاصد قرايلك صاحب آمد، بكتاب قرايلك ومعه تسعة أكاديش، تقدمة للسلطان، ~~ودراهم قليلة عليها اسم السلطان لا غير، فلم يحسن ذلك ببال أحد. ثم في يوم ~~الاثنين حادي عشر المحرم سنة ثمان وثلاثين المذكورة، أمسك السلطان الأمير ~~بردبك الإسماعيلي، أحد امراء الطبلخانات، وحاجب ثاني، وأخرجه إلى دمياط، ~~وأنعم بإقطاعه على الأمير تغري بردي البكلمشي المعروف بالمؤذي، أحد رؤوس ~~النوب، وخلع على الأمير جانبك السيفي يلبغا الناصري المعروف بالثور، ~~المعزول قبل تاريخه عن نيابة الإسكندرية، باستقراره حاجبا ثانيا عوضا عن ~~بردلك الإسماعيلي المقدم ذكره. وفي هذا الشهر أيضا خلع السلطان على دولات ~~خجا وأعيد إلى ولاية القاهرة عوضا عن التاج بن سيفة الشوبكي. ثم قي يوم ~~الخميس سابع عشرين المحرم، عملت الخدمة السلطانية بالإيوان المسمى دار ~~العدل من قلعة الجبل، بعد ما هجرت مدة، لقدوم رسول القان معين الدين شاه رخ ~~بن تيمور ملك المشرق. وأحضر الرسول المذكور إلى الموكب بدار العمل وقد هاله ~~ما رآه من حسن زي هذا الموكب. وكان الرسول المذكور من أشراف شيراز يقال له ~~السيد تاج الدين علي فحضر تاج الدين المذكور إلى بين يدي السلطان، ولم يقبل ~~الأرض لكونه من السادة الأشراف. ودفع ما على يده من الكتاب، ثم قدم ما معه ~~من الهدية، فتضمن كتابه وصول هدية السلطان المجهزة إليه، وأنه نذر أن يكسو ~~الكعبة البيت الحرام، وطلب أن يبعث إليه من يتسلمها ويعلقها من داخل البيت. ~~وتاريخ الكتاب، في ذي الحجة سنة ست وثلاثين. وكان قدوم القاصد من هراة إلى ~~هرمز ومن هرمز إلى مكة، ثم قدم صحبة ركب الحاج، فأنزله السلطان بمكان، ~~وأجرى عليه ما يليق به من الرواتب. واشتملت هدية شاه رخ المذكور على ثمانين ~~ثوب حرير أطلس، وألف ms3101 قطعة فيروزج، ليست بذاك، مبلغ قيمة الجميع ثلاثة آلاف ~~دينار لا غير. ثم في يوم السبت سادس صفر، عقد السلطان مجلسا بين يديه، ~~بالقضاة الأربعة، بسبب نذر شاه رخ بن تيمور أن يكسو الكعبة، فلما جلسوا ~~للكلام، بعد أن سألهم السلطان في معنى ذلك، أجاب قاضي القضاة بدر الدين ~~محمود العيني الحنفي، بأن نذره لا ينعقد، فلم يتكلم أحد، وانفض المجلس على ~~ذلك. وصار السلطان يقول: للعيني مندوحة في منع شاه رخ من الكسوة. ثم عين ~~السلطان الأمير أقطوه الموساوي الظاهري برقوق للتوجه إلى شاه رخ برد الجواب ~~صحبة قاصده. انتهى. ثم في يوم الاثنين خامس عشر المذكور، ثارت مماليك ~~السلطان الجلبان سكان الطباق بقلعة الجبل، وطلبوا القبض على مباشري الدولة ~~، بسبب تأخر جوامكهم، ففر المباشرون منهم، ونزلوا إلى بيوتهم، فنزل في ~~أثرهم جمع كبير. منهم، ومضوا إلى بيت عبد الباسط ناظر الجيش ونهبوه، وأخذوا ~~ما قدروا عليه. ثم خجوا وقصدوا بيت الوزير أمين الدين بن الهيصم، وبيت ~~الأستادار كريم الدين ابن كاتب المناخ، ونهبوهما أيضا، ولم يقدروا على قبض ~~أحد من هؤلاء الثلاثة لفرارهم منهم، وغلقت الأسواق وخاف كل أحد على بيته. ~~PageV04P0172 # هذا وقد صمم المماليك على الفتك بعبد الباسط. والعجب أن السلطان يغضب ~~لعبد الباسط بل انحرف عليه، وأمر بنفيه إلى الإسكندرية لكسر الشر، ولم يقع ~~منه في حق مماليكه المذكورين أمر من الأمور، إما لمحبته فيهم، أو لبغضه في ~~عبد الباسط. ولزم عبد الباسط داره، وتردد الناس للسلام عليه، والسلطان مصمم ~~على سفره إلى ثغر الإسكندرية. وأصبح الناس يوم الثلاثاء سادس عشره، وإذا ~~بهجة عظيمة، فغلقت جميع شوارع المدينة لإشاعة كاذبة بأن المماليك قد نزلوا ~~ثانيا لنهب بيت عبد الباسط فاضطرب الناس، وهرب عبد الباسط من داره، وانزعج ~~إلى الغاية، فكان هذا أعظم وأشنع من يوم النهب. ثم ظهر للناس أن المماليك ~~لم يتحركوا ولا نزل منهم. وأما عبد الباسط، فإنه لا زال يسعى ويتكلم له ~~خواص السلطان في. خروجه إلى الإسكندرية حتى تم له ذلك، وطلع ms3102 إلى القلعة في ~~يوم سابع عشره بعد أن التزم عبد الباسط بأن يقوم للوزير من ماله بخمسمائة ~~ألف درهم مصرية تقوية له، وأن السلطان يساعد أستاداره كريم الدين بعليق ~~المماليك شهرا، هذا بعد أن قدم عبد الباسط للأشرف تقدمة من المال في خفية ~~من الناس لإقامة حرمته، ولم يخف ذلك عن أحد. وأخذ أمر عبد الباسط في ~~انحطاط، وصار السلطان يهدده إن لم يل الأستادارية هو أو مملوكه جانبك، وهو ~~يتبرم من ذلك كله. ثم استعفى الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم من ~~الوزارة، فعين السلطان شمس الدين بن سعد الدين بن قطارة القبطي لنظر ~~الدولة، وألزمه بتكفية يومه. ورسم السلطان بطلب أرغون شاه النوروزي من ~~دمشق، وهو يومذاك أستادار السلطان بدمشق، ليستقر في الوزارة، عوضا عن ابن ~~الهيصم على عادته قديما، بعدما عرض السلطان الوزارة على الأستادار كريم ~~الدين ابن كاتب المناخ، فأبى كريم الدين قبول ذلك، وقال: يا مولانا ~~السلطان، يختار السلطان إما أكون وزيرا أو أستادارا. وأما جمعهما معا فلا ~~أقدر على ذلك. فغضب السلطان عليه وهم بضربه ومسكه، فضمنه القاضي سعد الدين ~~ابن كاتب جكم، ناظر الخاص، ونزل الجميع إلى دورهم، إلى أن عملت مصالح ~~الجماعة. فلما كان يوم السبت عشرين صفر خلع السلطان على أستاداره الصاحب ~~كريم الدين باستمراره، وخلع على الصاحب أمين الدين بن الهيصم باستقراره في ~~نظر الدولة على عادته قديما كما كان قبل الوزارة، وألزمه بتكفية الدولة إلى ~~حين قدوم أرغون شاه من الشام، وانفض الموكب. فلما نزل الصاحب أمين الدين ~~بالخلعة إلى داره، اختفى في ليلة الاثنين ولم يعلم له خبر. فأصبح السلطان ~~في يوم الاثنين ثاني عشرينه، أمسك الصاحب كريم الدين الأستادار، وخلع في ~~الحال على جانبك دوادار عبد الباسط باستقراره أستادارا عوضا عن صاحب كريم ~~الدين بن كاتب المناخ، فلبس جانبك الخلعة، ولم يقدر عبد الباسط أن يتكلم في ~~حقه كلمة واحدة. وكان قصد الملك الأشرف أنه متى تكلم أو تمنع عبد الباسط من ~~ذلك، قبض عليه، فأحس عبد ms3103 الباسط بالشر، فكف عن الكلام. ثم ألزم السلطان ~~القاضي سعد الدين إبراهيم ابن كاتب جكم ناظر الخواص بوظيفة الوزارة، فلم ~~يوافق على ذلك، وانفض المجلس على ذلك. وفي هذا اليوم خرج قاصد شاه رخ، ~~الشريف تاج الدين، من الديار المصرية إلى جهة مرسله، وصحبته الأمير أقطوه ~~الموساوي، وعلى يده هدية من السلطان إلى شاه رخ المذكور، وكتاب جواب كتابه ~~يتضمن منعه من كسوة الكعبة، بأن العادة قد جرت قديما وحديثا أن لا يكسو ~~الكعبة إلا ملوك مصر، والعادة اعتبرت في الشرع في مواضع، وأن للكسوة أوقافا ~~تقوم بعملها، لا يحتاج، إلى مساعدة في ذلك، وإن أراد الملك وفاء نذره، ~~فليبع الكسوة ويتصدق بثمنها في فقراء مكة، فهو أكثر ثوابا، حيث يتعدى نفع ~~ذلك إلى جماعة كبيرة، وأشياء من هذه المقولة. PageV04P0173 # ثم في يوم الخميس خامس عشرينه، بعد انقضاء الموكب من القصر، وتوجه ~~السلطان إلى الحوش على العادة غضب على القاضي سعد الدين إبراهيم، ناظر ~~الخواص، بسبب تمنعه من ولاية الوزارة، وأمر به فضرب بين يديه ضربا مبرحا ثم ~~أقيم، ونزل إلى داره. ثم طلب السلطان الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ من ~~محبسه بالقلعة، وأمر به، فعري من ثيابه، وضربه بالمقارع زيادة على مائة ~~شيب، ثم ضربه على أكتافه بالعصي ضربا مبرحا، وعصرت رجلاه بالمعاصير، ثم ~~أعيد إلى محبسه يومه، وأنزل من الغد في يوم الجمعة على بغل في أسوإ حال، ~~ومضي به إلى بيت التاج وإلى القاهرة كان، وهو يومذاك شاد الدواوين، ليورد ~~ما ألزم به، بعد أن حوسب، فوقف عليه خمسة وخمسون دينار ذهبا، صولح عنها ~~بعشرين ألف دينار، فنزل إلى بيت التاج وأخذ في بيع موجوده وإيراد المال ~~المقرر عليه، إلى أن أفرج عنه في ثامن عشر ربيع الأول بعدما حمل نحو ~~العشرين ألف دينار، وضمنه فيما بقي أعيان الدولة. ثم في يوم الثلاثاء أول ~~شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وثلاثين المذكورة خلع السلطان على القاضي سعد ~~الدين ناظر الخواص خلفة الرضى والاستمرار على وظيفته نظر ms3104 الخواص، وخلع على ~~أخيه القاضي جمال الدين يوسف ابن القاضي كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب ~~جكم باستقراره وزيرا، على كره منه، بعد تمنع زائد، وكان منذ تغيب ابن ~~الهيصم، لا يلي الوزارة أحد، والقاضي سعد الدين ناظر الخاص يباشرها، ويسدد ~~أمورها من غير لبس تشريف، فغرم فيها جملة كبيرة، لعجز جهاتها عن مصارفها. ~~والقاضي جمال الدين يوسف المذكور هو عظيم الدولة في زماننا هذا، وناظر ~~جيشها وخاصها كان، وهي أول ولاياته للمناصب الجليلة على ما يأتي ذكر ~~ولاياته لغيرها مفصلا، في هذا الكتاب وغيره. وخلع السلطان على شمس الدين بن ~~قطارة باستقراره ناظر الدولة، فكان الوزير وناظر الدولة في طرفي نقيض، ~~فالوزير في الغاية من حسن الشكالة والزي البهيج، وسنه دون العشرين سنة ~~وناظر الدولة في الغاية من قبح الشكالة والزي الرديء، وسنه نحو السبعين ~~سنة، انتهى. ثم في يوم الأحد رابع شهر ربيع الأخر، قدم الأمير أرغون شاه ~~النوروزي الأعور، أستادار السلطان بدمشق إلى مصر بطلب حسبما تقدم ذكره، ~~ليلي الوزارة. وطلع إلى القلعة من الغد بتقادم جليلة، وخلع عليه باستمراره ~~على أستادارية السلطان بدمشق، على عادته. وفي هذا الشهر تكرر ركوب السلطان ~~إلى الصيد غير مرة. ثم في جمادى الأولى وقع الشروع في حركة السلطان إلى ~~السفر، لقتال قرائلك والفحص أيضا عن جانبك الصوفي. وفي خامس عشره خلع على ~~دولات خجا والي القاهرة باستقراره في ولاية منفلوط، وشغرت الولاية إلى يوم ~~الأحد سابع عشره، فاستقر فيها علاء الدين علي بن الطبلاوي. ثم في يوم السبت ~~أول جمادى الآخرة، خلع السلطان على الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب ~~المناخ باستقراره كاشف الوجه القبلي، ورسم السلطان أن يستقر محمد الصغير ~~المعزول عن الكشف قبل تاريخه دوادار الصاحب كريم الدين، وأمير علي الذي كان ~~كاشفا بالوجه القبلي والوجه البحري رأس نوبته ونزل إلى داره من القلعة في ~~موكب جليل، كل ذلك والصاحب كريم الدين لم يتغير زيه من لبس الكتبة، ولم ~~يلبس الكلفتاه، ولا تقلد بسيف. وكان الصاحب أمين ms3105 الدين إبراهيم بن الهيصم ~~قد خرج من اختفائه، وطلع إلى السلطان بشفاعة الأمير إينال الأبو بكري ~~الأشرفي الخازندار، فطلبه السلطان هذا اليوم وخلع عليه باستقراره شريكا ~~لعبد العظيم بن صدقة الأسلمي في نظر ديوان المفرد. PageV04P0174 # ثم في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة المذكورة أمسك السلطان القاضي سعد ~~الدين إبراهيم ناظر الخاص، وأخاه الصاحب، جمال الدين يوسف ،رسم عليهما، ثم ~~أفرج عنهما من الغد، وخلع على سعد الدين المذكور باستمراره، وأعفي الصاحب ~~جمال الدين من الوزارة، بعد أن ألزمهما بحمل ثلاثين ألف دينار. وألزم ~~السلطان تاج الدين عبد الوهاب بن الشمس نصر الله الخطير لبن الوجيه توما ~~ناظر الإسطبل بولاية الوزارة، وخلع عليه من الغد في يوم الثلاثاء ثامن ~~عشره، فباشر ابن الخطير، هذه الوزارة أقبح مباشرة من العجز والتشكي والقلق ~~وعدم القيام بالكلف السلطانية، مع قيام السلطان معه وإقامه حرمته، وهو مع ~~ذلك يزداد في أعين الناس إلا بهدلة. وظهر منه في أيام مباشرته الوزارة حدة ~~زائدة وطيش وخفة، بحيث إنه جلس مرة للمباشرة، فكثر الناس عنده لقضاء ~~حوائجهم فضاق خلقه منهم، فقام إلى باب الدخول، وضم جميع سراميج الناس الذين ~~كانوا في مجلسه في ذيله، وخرج حافيا إلى خارج داره وألقاهم إلى الأرض ودخل ~~بسرعة وقال: اخرجوا إلى سراميجكم لا يأخدوها، فقال له بعضهم: تعيش رأس ~~مولانا الصاحب. وسخر الناس من ذلك مدة طويلة، وهو إلى الآن في قيد الحياة، ~~يتشحط في أذيال الخمول، انتهى. ثم في يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الآخرة ~~المذكورة، أنعم السلطان على تمراز المؤيدي الخازندار بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~بدمشق، بعد موت الأمير أركماس الجلباني، وأنعم بطبلخانة تمراز المذكور على ~~الأمير سنقر العزي الناصري نائب حمص، بعد عزله عن نيابة حمص بالأمير طغرق ~~أحد أمراء دمشق. ثم في يوم الأحد ثالث عشرينه خرجت تجريدة من القاهرة إلى ~~البحيرة، ومقدم العساكر الأمير الكبير إينال الجكمي، والأمير جقمق أمير ~~سلاح، والأمير يشبك حاجب الحجاب، والأمير قاني باي الحمزاوي، في عدة من ~~الأمراء. وسبب ذلك أن ms3106 لبيدا قدم منهم طائفة إلى السلطان بهدية، وسألوا أن ~~ينزلوا البحيرة، فلم يجابوا إلى ذلك، ولكن خلع عليهم وتوجهوا، فعارضهم أهل ~~البحيرة في طريقهم، وأخذوا منهم خلعهم. وكان السلطان يلهج كثيرا بإخراج ~~تجريدة إلى البحيرة، فبلغهم ذلك فأخذوا حذرهم. واتفق مع ذلك أن شتاء هذه ~~السنة لم يقع فيه المطر المعتاد بأراضي مصر، فقدمت طائفة من لبيد إلى ~~البحيرة لمحل بلادهم، وصالحوا أهل البحيرة، وساروا إلى محارب وغيرها بالوجه ~~القبلي لرعي الكشيح من أراضي البور من أعمال الصعيد، وكان السلطان قد كتب ~~إلى كاشف الصعيد بأن لا يمكنهم من المراعي حتى يأخذ منهم مالا، فغضبوا من ~~ذلك وأظهروا الخلاف، فخرجت إليهم هذه التجريدة المقدم ذكرها. وفي هذا الشهر ~~ندب السلطان قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر أن يكشف عن شروط واقفي المدارس ~~والخوانك، ويعمل بها، فسر الناس بذلك غاية السرور، وكثر الدعاء للسلطان ~~بسبب ذلك، فبدأ أولا بمدرسة الأمير صرغتمش بخط الصليبة، وقرأ كتاب وقفها، ~~وقد حضر معه القضاة الثلاثة، فأجمل ابن حجر في الأمر، فلم يعجب الناس ذلك، ~~لاستيلاء المباشرين على الأوقاف، والتصرف فيها بعدم شرط الواقف، وضياع ~~مصالحها، فشد في ذلك وأراد عزل جماعة من أرباب وظائفها، فروجع في ذلك، ~~وانفض المجلس، وقد اجتهد الأكلة في السعي بإبطال ذلك، حتى أبطله السلطان. ~~قلت: ولو ندب السلطان لهذا الأمر أحد فقهاء الأمراء والأجناد الذين هم أهل ~~الدين والصلاح، لينظر في ذلك بالمعروف، لكانت هذه الفعلة تقاوم فتحه لقبرس، ~~لضياع مصالح أوقاف الجوامع والمساجد بالديار المصرية والبلاد الشامية، ~~لاستيلاء الطمعة عليها، وتقريرمن لا يستحق في كثير من وظائفها، بغير شرط ~~الواقف، ومنع من يستحق العطاء بشرط الواقف، ولهذا قررت الملوك السالفة ~~وظيفة نظر الأوقاف لهذا المعنى وغيره، فترك ذلك، وصار الذي يلي نظر الأوقاف ~~شريكا لمن تقدم ذكره، فيما يتناولونه من ريع الأوقاف، والكلام فيما يعود ~~نفعه عليه من جهة حل وقف وبيعه أو لواحد استولى على جهة وقف، وأكله بتمامه، ~~فيبعث خلفه ويبلصه في شيء له ولأعوانه، ويترك الذي ms3107 قررت هذه الوظيفة بسببه، ~~من قديم الزمان، وهو ما تقدم ذكره، من النظر في أمر الأوقاف والعمل فيما ~~يعود نفعه على الوقف وعلى أرباب وظائفه من الفقهاء والفقراء والأيتام وغير ~~ذلك، فلا قوة إلا بالله. PageV04P0175 # ثم في يوم الاثنين ثامن شهر رجب، أدير المحمل على العادة في كل سنة. ثم ~~في يوم الأربعاء خامس عشر شعبان، وصل سيف الأمير طرباي نائب طرابلس، فرسم ~~السلطان بنقل الأمير. جلبان، نائب حماه، إلى نيابة طرابلس، عوضا عن طرباي. ~~وأصبح من الغد في يوم الخميس سادس عشر شعبان، خلع السلطان على الأمير قاني ~~باي الحمزاوي أحد مقدمي الألوف باستقراره في نيابة حماه، ونعم بإقطاع قاني ~~باي الحمزاوي وتقدمته على الأمير خجا سودون السيفي بلاط الأعرج، وأضاف، ~~طبلخانة خجا سودون المذكور إلى الدولة، تقوية للوزير التاج الخطير. وفي هذا ~~الشهر خرج الأمير قرقماس الشعباني نائب حلب منها بالعساكر، ونزل العمق، على ~~ما سنحكيه بعد عوده إلى حلب مفصلا. ثم في يوم الثلاثاء رابع شوال قدم على ~~السلطان كتاب القان شاه رخ ملك الشرق، يتضمن الوعيد، وأنه عازم على زيارة ~~القدس الشريف، وأرعد في كتابه وأبرق، وأنكر على السلطان أخذ الرشوة من ~~القضاة، وأخذ المكوس من التجار ببندر جدة، وتعاطيه نوع المتجر، فلم يلتفت ~~السلطان إلى كلامه ولا استوعب الكتاب لآخره، بل طلب التاج ابن سيفة وخلع ~~عليه بإعادته إلى ولاية القاهرة، عوضا عن علاء الدين علي بن الطبلاوي بحكم ~~عزله ولزومه داره، بعدما غرم جملة مستكثرة، فكان حاله كقول القائل: الرمل ~~ركب الأهوال في زورته ... ثم ماسلم حتى ودعا ثم في ثامن عشره، خرج محمل ~~الحاج صحبة أمير الحاج الأمير تمرباي التمربغاوي الدوادار الثاني، وأمير ~~الركب الأول الأمير صلاح الدين محمد بن نصر الله محتسب القاهرة. وحجت في ~~هذه السنة خوند فاطمة بنت الملك الظاهر ططر، زوجة السلطان الملك. وفي هذا ~~الشهر ظهر الأمير جانبك الصوفي ببلاد الروم، وكان السلطان، من يوم فر من ~~سجن الإسكندرية إلى يومنا هذا، لم يقف له على خبر، بعد ms3108 أن اجتهد في تحصيله ~~غاية الاجتهاد، وأوذي بسببه خلائق لا تدخل تحت حصر، فأخذ السلطان في خبره ~~وأعطى، إلى أن قدم عليه في أواخر هذا الشهر كتاب الأمير قرقماس نائب حلب ~~بذلك. وكان خبر معرفة قرقماس بظهوره، أنه وصل معه إلى حلب في يوم الثلاثاء ~~حادي عشر شوال رجل تركماني يقال محمد، كان قبض عليه قرقماس بالعمق، ومعه ~~كتاب جانبك المذكور، في سابع شوال، إليه وإلى غيره، فسجنه قرقماس بقلعة ~~حلب، وجهز الكتب في ضمن كتابه إلى السلطان، فلما بلغ السلطان ذلك وتحققه ~~انزعج غاية الانزعاخ. ثم قدم كتاب الأمير بلبان نائب درندة أنه ورد عليه ~~كتاب الأمير جانبك الصوفي يدعوه إلى طاعته، فقبض على قاصده وحبسه، وأرسل ~~بكتابه إلى السلطان. ثم في يوم السبت سابع عشرين ذي القعدة، عاد الأمير ~~قرقماس نائب حلب إليها، بعد ما كانت غيبته عنها بالعمق ومرج دابق وعينتاب ~~خمسة وسبعين يوما، وقد فاته أخذ قيصرية لاستيلاء إبراهيم بن قرمان عليها، ~~وكان قصد السلطان أخذها واستنابة أحد من أمراء السلطان بها. قلت: ولنذكر ما ~~وعدنا بذكره لسبب سفر قرقماس نائب حلب منها، وسببه أن الأمير صارم الدين ~~إبراهيم بن قرمان صاحب لارندة وقونية من بلاد الروم، أراد أخذ مدينة قيصرية ~~من الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر، وقد تغلب عليها ناصر الدين المذكور، ~~وأخذها من بني قرمان وولى عليها ابنه سليمان، فترامى ابن قرمان في هذه ~~الأيام على السلطان بأن يملكه قيصرية، ووعد بعشرة آلاف دينار في كل سنة، ~~وثلاثين بختيا وثلاثين فرسا، سوى خدمة أركان الدولة . فكتب السلطان إلى ~~نائب حلب أن يخرج إلى العمق ويجمع العساكر لأخذ قيصيرية، فخرج قرقماس إلى ~~العمق، وجمع تركمان الطاعة وكتب إلى ابن قرمان أن يسير بعسكره إلى قيصرية. ~~فلما بلغ ابن دلغادر خروج عسكر حلب لأخذ قيصرية منه، بعث في الحال بامرأته ~~خديجة خاتون بتقدمة للسلطان ومعها مفاتيح قيصرية، وأن يكون زوجها المذكور ~~نائب السلطنة بها، وأن يفرج عن ولدها فياض المقبوض عليه قبل تاريخه من سجنه ms3109 ~~بقلعة الجبل، ووعد لذلك أيضا بمال. فقدمت خديجة خاتون المذكورة في أواخر ~~شوال إلى مصر، وقدمت ما معها من الهدية، وتكلمت بما هو غرض زوجها، فقبل ~~هديتها وأفرج لها عن ولدها فياض، وخلع عليه بنيابة مرعش. PageV04P0176 # وبينما السلطان في ذلك، كان نزول قرقماس نائب حلب فى يوم الاثنين أول ذي ~~القعدة من العساكر على عينتاب، فأتاه الخبر بأن حمزة بن دلغادر خرج عن طاعة ~~السلطان بمن معه وتوجه إلى ابن عمه سليمان بن ناصر الدين بك ابن دلغادر، ~~بعدما بعث إليه وحلفه، وأن دوادار جانبك الصوفي ومحمد بن كندغدي بن رمضان ~~التركماني وصلا إلى الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر بأبلستين، وحلفاه أنه ~~إذا قدم عليه الأمير جانبك الصوفي لا يسلمه إلى أحد ولا يخذله، وأن جانبك ~~كان عند الأمير إسفنديار أحد ملوك الروم، فسار من عنده يريد سليمان بن ~~دلغادر، فخرج إليه سليمان، وتلقاه هو وأمراء التركمان. وقبل أن يصل هذا ~~الخبر إلى السلطان، جهز خديجة خاتون إلى العود إلى زوجها ناصر الدين بك، ~~فخرجت خديجة ومعها ولدها فياض، وسارت والسلطان ليس له علم بما وقع لابن ~~دلغادر مع جانبك الصوفي. واستمر قرقماس على عينتاب، إلى أن بلغه أن الأمير ~~صارم الدين إبراهيم بن قرمان جمع عساكره ونزل على قيصرية، فوافقه أهلها ~~وسلموها له، وفر سليمان بن ناصر الدين بك منها، فبلغه ظهور جانبك الصوفي، ~~وأنه اجتمع عليه الأمير أسلماس بن كبك، ومحمد بن قطبكي، وهما من أمراء ~~التركمان، ونزلوا على ملطية. فقدم سليمان على أبيه ناصرالدين بأبلستين، ولم ~~يبلغهما إلى الآن خبر الإفراج عن ولده فياض، وخروجه من مصر مع أمه خديجة، ~~وأخذ ناصر الدين بك يداري السلطنة ليفرج عن ابنه فياض، وندب ابنه سليمان ~~لقتال أعوان جانبك الصوفي، كل ذلك قبل أن يرد عليه جانبك الصوفي بمدة، وقيل ~~إنه كان أتاه خفية. وبينما هم في ذلك وصلت خديجة خاتون وولدها فياض إلى ~~زوجها ناصر الدين محمد بن دلغادر، فبلغ ناصر الدين مراده بالإفراج عن ولده، ~~وترك مداراة ms3110 السلطان. وانضم إلى جايبك الصوفي حسبما نذكره في مواضعه من هذه ~~الترجمة إن شاء الله تعالى. وبلغ ذلك قرقماس نائب حلب، فعاد من سفرته بغير ~~طائل. ومن يومئذ اشتغل فكر السلطان الملك الأشرف بأمر جانبك الصوفي، وتحقق ~~أمره بعدما كان يظنه، وأخذ في عزل جماعة من النواب ممن يخشى شرهم، وتخوف من ~~قرقماس تخوفا عظيما في الباطن، لئلا يميل إلى جانبك الصوفي. فأول ما بدأ به ~~السلطان أن عزل الأمير قانصوه النوروزي عن نيابة طرسوس، ونقله إلى حجوبية ~~الحجاب بحلب عوضا عن الأمير طوغان السيفي تغري بردي أحد مماليك الوالد، ~~ونقل طوغان المذكور إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، واستقر الأمير جمال ~~الدين يوسف ابن قلدر في نيابة طرسوس عوضا عن قانصوه. ثم في صفر من سنة تسع ~~وثلاثين وثمانمائة، ورد الخبر على السلطان أن شاه رخ بن تيمورلنك أرسل إلى ~~السلطان مراد بك ابن عثمان، متملك الروم، وإلى الأمير صارم الدين إبراهيم ~~بن قرمان المقدم ذكره، وإلى قرايلك وأولاده، وإلى ناصر الدين بك بن دلغادر، ~~بخلع، على أنهم نوابه في ممالكهم، فلبس الجميع خلعه، فشق ذلك على السلطان ~~من كون ابن عثمان لبس خلعته، حتى قيل له إنه فعل ذلك في مجلس أنسه استهزاء ~~به. قلت: لبس الخلعة والفشارما إليه. ثم في يوم الاثنين ثاني شهر ربيع ~~الأول من سنة تسع وثلاثين المذكورة، خلع السلطان على القاضي شرف الدين أبي ~~بكر نائب كاتب السر باستقراره في كتابة سر حلب، عوضا عن زين الدين عمر بن ~~السفاح، بعد امتناع شرف الدين من ذلك أشد امتناع. وسبب ذلك أن ابن السفاح ~~المذكور كتب إلى السلطان مرارا عديدة بالحط على قرقماس نائب حلب، وأنه يريد ~~الوثوب على السلطان والخروج عن الطاعة، وآخر ما ورد كتابه بذلك في نصف صفر ~~من هذه السنة، أعني سنة تسع وثلاثين. فلما وقع ذلك كتب السلطان إلى الأمير ~~قرقماس المذكور بالحضور، وقد يئس السلطان من حضوره لما قوي عنده من خروجه ~~عن الطاعة، وقلق السلطان قلقا زائدا ms3111 بعدما طلبه خوفا من عدم حضوره، فلم يكن ~~بأسرع من مجيء نجاب قرقماس نائب حلب المقدم ذكره، في خامس عشرين صفر، ~~يستأذن في قدوم قرقماس إلى الديار المصرية، وقد بلغه شيء مما رمي به. فغضب ~~السلطان عند ذلك على زين الدين عمر بن السفاح، ورسم بعزله واستقرار شرف ~~الدين المذكور عوضه، وتحقق السلطان أنه لو كان قرقماس مخامرا، لما استأذن ~~في الحضور، فسر السلطان بذلك، وكتب له الجواب بأنه تقدم الطلب له. ~~PageV04P0177 # وأما قرقماس فإنه لما ورد عليه الطلب من السلطان، خرج على الفور من حلب ~~على الهجن في خواصه، وسار حتى قدم إلى خارج القاهرة في يوم الجمعة سادس شهر ~~ربيع الأول المذكور، وطلع من الغد إلى القلعة، فلم يخلع السلطان عليه خلعة ~~الاستمرار لكونه استعفى عن نيابة حلب، فما صدق السلطان بأنه تلفظ بذلك. ~~ولما كان يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الأول، خلع السلطان على الأمير الكبير ~~إينال الجكمي أتابك العساكر بالديار المصرية باستقراره في نيابة حلب عوضا ~~عن الأمير قرقماس الشعباني المقدم ذكره وخلع على الأمير جقمق العلائي أمير ~~سلاح باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن إينال الجكمي، وخلع ~~على قرقماس نائب حلب باستقراره أمير سلاح عوضا عن الأمير جقمق العلائي. ~~وكان استقرار إينال الجكمي بعد الأتابكية في نيابة حلب، بخلاف القاعدة، غير ~~أن السلطان أكرمه غاية الإكرام، ووعده بنيابة دمشق لطول مرض الأمير قصروه ~~نائب الشأم. وبالغ حتى إنه أسر له إن مات قصروه قبل وصول إينال إلى حلب ~~فليقم بدمشق، حتى يرسل إليه السلطان بنيابتها. وظهر أيضا للناس أنه لم يوله ~~نيابة حلب إلا لثقته به. ثم خرج الأمير إينال إلى محل كفالته في ثالث عشره. ~~ثم في سابع عشره خلع السلطان على الأمير الكبير جقمق العلائي بنظر ~~البيمارستان المنصوري على العادة. وورد الخبر على السلطان: أن بمدينة ~~بروسا، التي يقال لها برصا من بلاد الروم، وباء عظيما دام بممالك الروم نحو ~~أربعة أشهر. ثم ورد الخبر على السلطان بأن الأمير ناصر الدين بك ms3112 ابن دلغادر ~~قبض على الأمير جانبك الصوفي في سابع عشر شهر ربيع الأول، وكان السلطان قدم ~~عليه من البلاد الشامية كتاب، وفي ضمنه كتاب من عند شاه رخ بن تيمورلنك، ~~يتضمن تحريض جانبك الصوفي على أخذ البلاد الشامية، وأنه سيقدم عليه ابنه ~~أحمد جوكي وبابا حاجي نجدة له على قتال سلطان مصر، فقبض على حامل هذا ~~الكتاب وحبس، فلما بلغ السلطان ذلك كتب إلى نواب البلاد الشامية بالتأهب ~~والاستعداد لنجدة نائب حلب الأمير إينال الجكمي إذا استدعاهم، ولم يكترث ~~السلطان بقبض جانبك الصوفي وقال: هذه حيلة. وكان من خبر جانبك الصوفي ~~والقبض عليه، وهو خلاف ما نقل عنه قبل ذلك لاختلاف الأقوال في أمره، فخبره ~~من هذا الوجه: أنه لما فر من الإسكندرية، دخل القاهرة بعد أمور، ودام بها ~~سنين مختفيا في حاراتها وظواهرها، إلى أن خرج منها متنكرا وسار إلى البلاد ~~الشامية، ثم إلى بلاد الروم، فظهر بتوقات في شوال من السنة الماضية، أعني ~~سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، فقام متوليها الأمير أركج باشا بمعاونته وأنعم ~~عليه، وكتب إلى ناصر الدين محمد بن دلغادر نائب أبلستين، وإلى أسلماس بن ~~كبك، وإلى محمد بن قطبكي، وإلى قرايلك ونحوهم من أمراء التركمان بالقيام ~~معه والاستعداد لنصرته. فانضم إلى جانبك الصوفي عند ذلك جماعة كبيرة، فتهيأ ~~وخرج بهم من توقات، فوافاه الأمير قرمش الأعور أحد مقدمي الألوف بالديار ~~المصرية المقدم ذكره في واقعة جانبك الصوفي لما قبض عليه بالقاهرة. وكان من ~~خبر قرمش المذكور، أن الملك الأشرف أمسكه بعد أن قبض على الأمير جانبك ~~الصوفي بمدة يسيرة، وحبسه بثغر الإسكندرية، ثم أطلقه وأنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بدمشق، فلما خرج الأمير تنبك البجاسي عن طاعة الملك الأشرف ~~وافقه قرمش هذا وبقي من حزبه، إلى أن انكسر البجاسي وقبض عليه، فاختفى قرمش ~~المذكور ولم يظهر له خبر إلى هذا اليوم، فكأنه كان مختفيا بتلك البلاد، ~~فلما ظهر أمر جانبك الصوفي توجه إليه، انتهى. وسار الأمير جانبك الصوفي بمن ~~انضم عليه، ومعه الأمير قرمش، ms3113 من توقات إلى الأمير محمد بن ترايلك صاحب ~~قلعة جمركشك فأكرمهم محمد المذكور وقواهم، فشنوا منها الغارات على مدينة ~~دوركي وضايقوا أهلها ونهبوا نواحيها، فاتفق ورود كتاب شاه رخ ملك الشرق على ~~قرايلك يأمره بالمسير بأولاده وعساكره لقتال إسكندر بن قرا يوسف سريعا ~~عاجلا، فكتب قرايلك إلى ولده محمد بالقدوم عليه لذلك، فترك محمد جانبك ~~الصوفي ومن معه على دوركي وتوجه إلى أبيه. PageV04P0178 # فسار جانبك إلى أسلماس وابن قطبكي، واجتمعوا ونزلوا على ملطية وحصروها، ~~وكادهم سليمان بن ناصر الدين بك ابن دلغادر، وكتب إلى جانبك أنه معه: فكتب ~~إليه أنه يقدم عليه، وكان تقدم بينهما مكاتبات حسبما تقدم ذكره ومواعدات ~~بمجيء جانبك إلى أبلستين، فلم يقع ذلك، وأرسل جانبك إليه بالقدوم عليه مع ~~الأمير قرمش الأعور، فأكرمه سليمان، وركب وسار مع الأمير قرمش في وخمسين ~~فرسا إلى جهة جانبك الصوفي، حتى قدم عليه. فتلقاه جانبك وعانقه وعادا بمن ~~معهما على حصار ملطية، فأظهر سليمان من النصاحة ما أوجب ركون جانبك إليه. ~~فأخذ سليمان في الحيلة على جانبك المذكور بكل ما تصل قدرته إليه، ولازال به ~~حتى خرج جانبك معه في عدة من أصحابه ليستريحا بمكان للنزهة فيه، ورتبا قرمش ~~وبقية العسكر على حصار ملطية، فلما نزل سليمان وجانبك للنزهة ورأى أن حيلته ~~تمت، وثب جماعة سليمان على جانبك الصوفي وقيدوه وأركبوه على أكديش وسار به ~~ليلته ومن الغد حتى وصل إلى بيوته بأبلستين وحبسه عنده، فلم يفطن قرمش ~~وأصحابه بمسك جانبك، حتى جاوز جانبك بلادا سعيدة. ولما قبض سليمان على ~~جانبك الصوفي أرسل يعرف السلطان بذلك ويطلب من يأتيه من قبل السلطان ~~ويتسلمه، انتهى. وأما السلطان لما بلغه خبر القبض على جانبك الصوفي، لم ~~يحمل ذلك على الصدق، وأخذ فيما هو فيه. فورد عليه في يوم الخميس حادي عشر ~~شهر ربيع الآخر سيف الأمير قصروه نائب الشأم، على يد الأمير علي بن إينال ~~باي بن قجماس، فعين السلطان الأمير إينال الجكمي نائب حلب إلى نيابة دمشق ~~عوضا عن قصروه، ورسم ms3114 لتغري برمش الأمير آخور الكبير بنيابة حلب عوضا عن ~~إينال الجكمي، غير أنه لم يخلع على تغري برمش المذكور إلا بعد أيام حسبما ~~يأتي ذكره. ثم في ثالث عشره نودي بعرض أجناد الحلقة ليستعدوا للسفر إلى ~~الشام ولا يعفى أحد منهم وجمع السلطان قضاة القضاة بين يديه وسألهم في أخذ ~~أموال الناس للنفقة المتحوجة لقتال شاه رخ بن تيمور، فكثر الكلام وانفضوا ~~من غير أن يفتوه بذلك. فقيل إن بعض الفقهاء قال: كيف نفتيه بأخذ أموال ~~المسلمين، وكان لبس زوجته يوم طهور ولدها، يعني الملك العزيز يوسف، ما ~~قيمته ثلاثون ألف دينار، وهي بدلة واحدة، وإحدى نسائه، ولم يعرف القائل ~~لذلك من هو من الفقهاء، غير أنه أشيع ذلك في أفواه الناس. ولما بلغ الناس ~~ذلك كثر قلقهم من هذا الخبر. ثم في يوم الاثنين خامس عشر شهر ربيع الآخر ~~المذكور ابتدأ السلطان بعرض أجناد الحلقة، فتجمع بالحوش السلطاني منهم عدة ~~مشايخ وأطفال وعميان، وعرضوا على السلطان فقال لهم: لا أنا ما أعمل كل عمل ~~الملك المؤيد شيخ عن أخذ المال منكم، ولكن اخرجوا جميعكم، فمن قدر منكم على ~~فرس ركب فرسا، ومن قدر على حمار ركب حمارا، فنزلوا على ذلك إلى بيت الأمير ~~أركماس الظاهري الدوادار الكبير، فحل بهم عند ذلك بلاء الله المنزل، وتحكم ~~فيهم الأكلة، وصاروا في أيديهم كالفريسة في يد فارسها، و ذلك لعدم معرفة ~~أركماس المذكور بالأحكام، وقلة دربته بالأمور، فإنه كان رجلا غتميا لا يعرف ~~باللغة التركية فكيف اللغة العربية، ففاز المتمولون وتورط المفلسون. قلت: ~~وعدت هذه الفعلة من غلطات الملك الأشرف، كونه يندب لهذا الأمر المهم مثل ~~أركماس هذا وقد تقدم أن الملوك السالفة كانت تندب لهذا الأمر، مثل الأمير ~~طشتمر الدوادار، ومثل سودون الشيخوني، ومثل يونس الدوادار، وآخرهم جقمق ~~دوادار المؤيد، وكل واحد من هؤلاء كان شأنه مع من يعرضه كالطبيب الحاذق ~~العارف بمرض من يعالجه: ينظر إلى وجه المعروض عليه، ويسأله عن إقطاعه وعن ~~متحصله، سؤالاص لا يخفاه بعد ذلك شيء ms3115 من حاله، فعند ذلك ينظر في أمره ~~بفراسته، إن كان إقطاعه يقوم بسفره ألزمه بالسفر غصبا على رغم أنفه، لا ~~يسمع في أمره رسالة ولا شفاعة، وإن كان لا يقوم بسفره ألزمه بالإقامة، ~~وندبه لحفظ جهة من الجهات، ومشى في جميع عرضه على ذلك، وقد انتصف الناس من ~~كونه ألزم كل واحد بما هو في قدرته. فكان هذا العرض بخلاف هذا جميعه: ترك ~~فيه من إقطاعه يعمل في السنة مائة ألف، حيث هو من جهته رجل من أرباب الشوكة ~~أو باذل مال، وألزم بالسفر من إقطاعه يعمل في السنة، خمسة آلاف درهم فلوسا، ~~كونه فقيرا ولا عصبية له، انتهى. PageV04P0179 # وبينما السلطان في ذلك ورد عليه كتاب أصبهان بن قرا يوسف صاحب بغداد، ~~يشتمل على التودد وأنه هو وأخاه إسكندر يقاتلان شاه رخ، وتاريخه قبل قدوم ~~أحمد جوكي بن شاه رخ وبابا حاجي بعساكر شاه رخ، وقبل موت قرايلك. ثم في ~~سابع عشره قدم أيضا قصاد إسكندر بن قرا يوسف صحبة الأمير شاهين الأيدكاري ~~الناصري أحد حجاب حلب، وعلى يدهم رأس الأمير عثمان بن طرعلي المدعو قرايلك، ~~ورأس ولديه وثلاثة رؤوس آخر، وكان السلطان توجه في هذا اليوم إلى الصيد، ~~فقدم من الغد يوم الخميس ثامن عشره، فأمر بالرؤوس الستة فطيف بها على رماح، ~~وقد زينت القاهرة لذلك فرحا بموت قرايلك، ثم علقت الرؤوس على باب زويلة ~~ثلاثة أيام. وكان من خبر موته أنه لما سار إسكندر بن قرا يوسف من تبريز ~~لقتاله إلى أن نزل بالقرب من أرزن، وبلغ قرايلك مجيئه، جهز ابنه علي بك ~~ومعه فرقة من العسكر وهو تابعهم، فالتقوا هم وإسكندر، فاستظهر عسكر قرايلك ~~في أول الأمر. ثم إن إسكندر ثبت وحمل عليه بمن معه حملة رجل واحد على عسكر ~~قرايلك فكسرهم، وذلك خارج أرزن الروم المذكورة. فعندما انهزم قرايلك ساق ~~إسكندر خلفه، فقصد عسكر قرايلك أرزن الروم، ليتحصنوا بها، فحيل بينهم ~~وبينها، وقبل أن يتجاوزوا عنها، أرمى قرايلك بنفسه إلى خندقها ليفوز ~~بمهجته، وعليه آلة الحرب، ms3116 فوقع على حجر فشج دماغه، ثم قام فحمل إلى قلعة ~~أرزن الروم بحبال، فدام بها أياما قليلة، ومات في العشر الأول من صفر في ~~هذه السنة، بعد أن أقام في الأمر نيفا وخمسين سنة. ومات وقد قارب المائة ~~سنة من العمر، ودفن خارج أرزن الروم، فتتبع إسكندر بن قرا يوسف قبره، حتى ~~عرفه ونبش عليه وأخرجه وقطع رأسه ورأس ولديه وثلاثة رؤوس آخر من أمرائه ممن ~~ظفر به إسكندر في الوقعة، وأرسل الجميع مع قاصده إلى الملك الأشرف، حسبما ~~تقدم ذكره. هذا ما كان من موتة قرايلك، ويأتي بقية ترجمته وأصله فى الوفيات ~~من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ثم في يوم السبت عشرينه خلع السلطان على ~~الأمير حسين بن أحمد البهسني المدعو تغري برمش، الأمير آخور الكبير، ~~باستقراره نائب حلب، عوضا عن الأتابك إينال. الجكمي، وسافر من الغد إلى محل ~~كفالته، وتولى الأمير آخورية عوضه الأمير جانم الأشرفي، وكتب بانتقال ~~الجكمي إلى نيابة الشام عوضا عن قصروه بحكم وفاته. وفي هذا اليوم حضر قصاد ~~إسكندر بن قرا يوسف بين يدي السلطان بكتابه، فقرىء وأجيب بالشكر والثناء، ~~ووجه إليه مالا وغيره من القماش السكندري ما قيمته عشرة آلاف دينار، ووعده ~~بمسير السلطان إلى تلك البلاد. ثم نزل السلطان إلى الإسطبل السلطاني وعرضه ~~بنفسه، وأرسل إلى الصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخ وإلى الأمير يلخجا ~~بجمال كثيرة، وكان ندبهما للسفر إلى بندر جدة. ثم في تاسع عشرين شهر ربيع ~~الآخر المذكور توجه الأمير شاد بك الجكمي، أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة، ~~إلى الأمير ناصر الدين محمد بن دلغادر بمال وخيل وقماش سكندري وغير ذلك، ~~وإلى ولده سليمان بمثل ذلك، وكتب لهما أن يسلما شاد بك المذكور الأميرجانبك ~~الصوفي ليحمله إلى قلعة حلب، فسار شاد بك في هذا اليوم، تأتي بقية أمره في ~~عوده. ثم في يوم الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى خلع السلطان على جوهر ~~الصفوي الجلباني اللالا باستقراره زمام الدار، بعد موت خشقدم الظاهري ~~الرومي، وكانت شاغرة من يوم ms3117 مات خشقدم المذكور. ولما كان يوم السبت ثامن ~~عشر جمادى الآخرة المذكورة برز الصاحب كريم الدين، والأمير يلخجا الساقي ~~أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بمن معهما من الحاج إلى ظاهر القاهرة، ثم ~~ساروا في تاسع عشره إلى جهة مكة المشرفة. ثم في يوم الخميس ثالث عشرين ~~جمادى الآخرة المذكورة خلع السلطان على السيفي آقباي اليشبكي الجاموس أحد ~~دوادارية السلطان الأجناد باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضا عن خليل بن ~~شاهين الشيخي بحكم عزله. PageV04P0180 # ثم في ثاني عشرينه وصل الأمير أقطوه الموساوي الظاهري برقوق المتوجه في ~~الرسالة إلى شاه رخ بن تيمورلنك، وقدم من الغد إلى القاهرة الشيخ صفا رسول ~~شاه رخ المذكور بكتابه، فأنزل وأجري عليه الرواتب، ثم ورد الخبر على ~~السلطان أن رسل أصبهان بن قرا يوسف صاحب بغداد سارت إلى القان معين الدين ~~شاه رخ، وهو مقيم على قراباغ، بدخوله تحت طاعته وأنه من جملة خدمه، فأقامت ~~رسله ثلاثين يوما لا تصل إلى شاه رخ، ثم قدموا بين يديه فأجابه بالإنكار ~~على أصبهان المذكور من كونه أخرب العراق وبغداد وأبطل مسير الحج من بغداد، ~~ثم أمره بعمارة بغداد وأن يعمرها، وإلا فقد مشى عليه وأخرب دياره، وأكثر له ~~من الوعيد، وأنه أمهله في ذلك مدة سنة، وكان أصبهان بعث بهدية فأخذها ولم ~~يعوضه عنها شيئا، وإنما جهز له خلعة بنيابة بغداد وتقليدا، ثم خلع على رسله ~~وأمرهم بالعود إليه وتبليغه ما ذكره لهم بتمامه وكماله. قلت: وفي الجملة إن ~~جور أولاد تيمورلنك أحسن من عدل بني قرا يوسف. ثم في يوم السبت ثاني شهر ~~رجب أحضر السلطان الملك الأشرف الشيخ صفا رسول شاه رخ إلى بين يديه، وهو ~~جالس على المقعدة بالإسطبل السلطاني، بمن معه من قصاد شاه رخ، وقرىء كتابه ~~فإذا هو يتضمن أنه يأمر السلطان أن يخطب له، ويضرب السكة باسمه، ثم أخرج ~~الشيخ صفا خلعة السلطان بنيابة مصر، ومعها تاج ليلبسه السلطان، وخاطب ~~السلطان بكلام لم يسع السلطان معه صبرا. وعندما رأى السلطان الخلعة أمر بها ms3118 ~~فمزقت تمزيقا، وأمر بالشيخ صفا المذكور فضرب ضربا مبرحا خارجا عن الحد، ثم ~~أقيم بعد ذلك وأمر به فسحب إلى بركة ماء بالإسطبل، فألقي فيها منكوسا وغمس ~~فيها غير مرة حتى أشرف على الهلاك، وكان الوقت شتاء شديد البرد. كل ذلك ولم ~~يستجرىء أحد من الأمراء أن يتكلم في أمر الشيخ صفا بكلمة واحدة من نوع ~~الشفاعة لشدة غضب السلطان. ولقد لازمت الملك الأشرف كثيرا من أوائل سلطنته ~~إلى هذا اليوم، ولم أره غضب مثلها قبلها. ثم طلب السلطان الشيخ صفا المذكور ~~وحدثه بكلام طويل، محصوله، يقول لصفا: إنك تتوجه إلى شاه رخ، وتذكر له ما ~~حل بك من الإخراق والبهدلة والعذاب، وأنه قد ولاني نيابة مصر، إلا أنا فإني ~~لا أرتضيه شحنة لي على بعض قرى أقل أعمالي، وإن كان له قوة فهو يظهر ذلك ~~بعد هذا الإخراق بك ويمشي على أعمالنا، وإن لم يأت في العام القابل فكل ما ~~يأتي منه بعد ذلك فهو من المهملات، ويظهر عجزه وضعف حالته وكثرة فشاره لكل ~~أحد. ثم رسم السلطان بإخراجه مع رفقته في البحر المالح إلى مكة، فتوجهوا ~~وحجوا ثم عادوا إلى شاه رخ وبلغوه ذلك فلم يتحرك بحركة، وهاب ملوك مصر بهذه ~~الفعلة إلى أن مات. ولعمري لقد كانت هذه الواقعة من الملك الأشرف حسنة من ~~حسناته التي قامت بفعلتها حرمة العساكر المصرية إلى يوم القيامة. قلت: ولا ~~أعرف للملك الأشرف فعلة فعلها في أيام سلطنته أحسن ولا أعظم ولا أجمل من ~~إقدامه على هذا الأمر، من ضرب قاصد شاه رخ وتمزيق خلعته، فإنه خالف في ذلك ~~جميع أمرائه وأرباب دولته، لأن الجميع أشاروا عليه بالمحاسنة في رد الجواب، ~~إلا هو، فإن الله عز وجل وفقه إلى ما فعل، ولله الحمد، ومن يومئذ عظم أمر ~~الملك الأشرف وتلاشى أمر شاه رخ في جميع بلاد الإسلام. ثم خلع السلطان على ~~شيخ الشيوخ بخانقاه سرياقوس محب الدين محمد بن الأشقر، باستقراره في كتابة ~~السر بالديار المصرية عوضا عن القاضي كمال الدين ms3119 بن البارزي بحكم عزله. ثم ~~جهز السلطان تجريدة من الأمراء والمماليك السلطانية إلى البلاد الشامية، ~~بسبب ظهور جانبك الصوفي وغيره، وقد بلغ السلطان أن ابن دلغادر أطلق جانبك ~~الصوفي. PageV04P0181 # ثم في حادي عشر شهر رجب المذكور قدم الأمير شاد بك الجكمي من بلاد ~~أبلستين لأخذ جانبك الصوفي بغير طائل، بعد أن قاسى شدائد من عظم البرد ~~والمطر والثلوج، حتى إنه هلك من أصحابه جماعة كبيرة من ذلك. وكان من خبر ~~شاد بك أنه لما وصل إلى ناصر الدين بك ابن دلغادر، تلقاه وأكرمه وأخذ ما ~~معه من الهدية والتحف والمال قلت: الدورة على هذا لا على غيره، ثم أخذ ~~ناصرالدين بك ابن دلغادر يسوف بالأمير شاد بك من يوم إلى يوم، إلى أن طال ~~الأمر وظهر لشاد بك أنه لا يمكنه منه، فكلمه في ذلك فاعتذر ناصرالدين بك ~~بعدم تسليمه من أنه يخاف من أن يعاير بذلك، وأيضا مما ورد عليه من كتب شاه ~~رخ وغيره من ملوك الأقطار بالتوصية عليه وأشياء من هذه المقولة، والمقصود: ~~أنه منعه منه، ثم أطلقه وأعاده إلى حاله الأول وأحسن، فعظم ذلك على السلطان ~~إلى الغاية، ولم أسأل الأمير شاد بك هل اجتمع بالأمير جانبك الصوفي عند ابن ~~دلغادر أم لا. ولما أن عاد شاد بك من عند ابن دلغادر من غير قضاء حاجة، ~~اضطرب الناس، وتحدث كل أحد بما في نفسه من المغيبات. وكثر قلق السلطان وأخذ ~~يستحث الأمراء المجردين في السفر. وأدير محمل الحاج في يوم الاثنين خامس ~~عشرين شهر رجب من غير لعب الرماحة على العادة في كل سنة، لشغل خاطر ~~السلطان. ثم في يوم الأربعاء خامس عشرين شعبان، برز الأمراء المجردون من ~~القاهرة إلى الريدانية خارج القاهرة، وهم: الأمير الكبير تجقمق العلائي ~~الناصري الظاهري، والأمير أركماس الظاهري الدوادار، والأمير يشبك السودوني ~~المشد، وهو يومذاك حاجب الحجاب، والأمير تنبك البردبكي نائب القلعة كان، ~~والأمير قرا خجا الحسني، والأمير تغري بردي البكلمشي المؤذي، والأمير خجا ~~سودون السيفي بلاط الأعرج، فأقاموا إلى يوم ms3120 سابع عشرينه، وسافروا إلى جهة ~~البلاد الشامية. ثم نقل حسن بن أحمد البهسني نائب القدس إلى حجوبية الحجاب ~~بحلب، بسفارة أخيه تغري برمش نائب حلب، عوضا عن الأمير قانصوه النوروزي، ~~بحكم انتقال قانصوه إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق. ثم في يوم الاثنين ~~سابع شهر رمضان خلع السلطان على الأمير غرس الدين خليل بن شاهين الشيخي ~~المعزول عن نيابة الإسكندرية، باستقراره وزيرا بالديار المصرية، عوضا عن ~~التاج الخطير الأسلمي. ثم في يوم الخميس رابع عشرين شهر رمضان قدم إلى ~~القاهرة الأمير أسلماس بن كبك التركماني مفارقا لجانبك الصوفي، فأكرمه ~~السلطان وأنعم عليه ثم خلع عليه في يوم الخميس أول شوال خلعة السفر ورسم ~~بتجهيزه. ثم في يوم الخميس ثامن شوال عزل السلطان الوزير خليل بن شاهين ~~الشيخي عن الوزارة، وألزم الصاحب أمين الدين بن الهيصم بشد أمور الدولة، ~~ومراجعة عبد الباسط في جميع أحوال الدولة، فمشت الأحوال. قلت: وهذا كان قصد ~~السلطان أن يلقي الأستادارية والوزارة فى رقبة عبد الباسط، وقد وقع ذلك، ~~انتهى. ومن يوم ذلك، أخذ عبد الباسط يحسن للسلطان طلب الصاحب كريم الدين ~~ابن كاتب المناخ وإعادته للوزارة، فيقول له السلطان: هذا شيء صار يتعلق بك، ~~افعل فيه ما شئت، فكتب في يوم تاسعه بإحضار الصاحب كريم الدين من بندر جدة ~~على يد نجاب بعد فراغ شغله ليلي الوزارة. حدثني الصاحب كريم الدين، قال: ~~كان أولأ إذا كتب إلي عبد الباسط ورقة في حاجة، يخاطبني فيها مخاطبة ليست ~~بذاك، إلى أن أضيف إليه التكلم في الوزارة وطلبت من بندر جدة، فصارت كتبه ~~تأتيني بعبارة عظيمة وترقق زائد وتحشم كبير. فلما أن قدمت وعدت إلى ~~الوزارة، امتنع مما كان يفعله معي في ولايتي الأولى من الإفراجات التي كان ~~لا يخلو يوم إلا ويأتيني شيء منها، فصار في ولايتي هذه كلما قيل له أن يرسل ~~إلي لأفرج له عن شيء، يقول: خلوه، يكفيه الذي هو فيه، نحن يجب علينا ~~مساعدته ، قلت له: فكان يساعد؟ قال: إي والله، غصبا ومروءة ms3121 انتهى. ثم في ~~سابع عشرين شوال، كتب بعزل الأمير إينال العلائي الناصري ونائب الرها ~~وقدومه إلى القاهرة. وخلع السلطان على الأمير شاد بك الجكمي أحد أمراء ~~الطبلخاناه ورأس نوبة ثاني باستقراره في نيابة الرها على إقطاعه، عوضا عن ~~إينال المذكور. وكتب أيضا بعزل الأمير إينال الششماني الناصري عن نيابة ~~صفد، وأن يتوجه إلى القدس بطالا، وأن يستقر عوضه في نيابة صفد الأمير تمراز ~~المؤيدي أحد مقدمي الألوف بدمشق. PageV04P0182 # ثم في أواخر ذي القعدة قدم الخبر على السلطان أن شاه رخ بن تيمورلنك رحل ~~عن حاضرة، مملكة أذربيجان، وهي تبريز، بعد أن استناب عليها جهان شاه بن قرا ~~يوسف عوضا عن أخيه إسكندر، وزوج جهان شاه المذكور أيضا بنساء اسكندر ~~المذكور بحكم الشرع، لكون إسكندر كان في عصمته أزيد من ثمانين امرأة. ونزل ~~شاه رخ في أواخر ذي القعدة على مدينة السلطانية، وعزم على أنه لا يرحل عنها ~~إلى ممالكه حتى يبلغ غرضه من إسكندر بن قرا يوسف. فلم يلتفت السلطان إلى ~~ذلك، وأخذ فيما هو فيه من أمر جانبك الصوفي، غير أنه صار في تخوف من أن ~~يردف شاه رخ جانبك الصوفي بعسكر، إذا تم أمره من إسكندر. وأما العسكر ~~المجرد من مصر وغيرها فإنه لما توجه إلى حلب، سار منها نائبها تغري برمش ~~البهسني بعساكر حلب، وصحبته الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حماه بعساكر ~~حماه، ونزل على عينتاب، وقد نزل جانبك الصوفي، مرغش، فتوجهوا إليه من ~~الدربند أمام العسكر المصري، ونزلوا على بزرجق يعني: سويقة باللغة العربية، ~~ثم عدوا الجسر، وقصدوا ناصر الدين بك دلغادر نائب أبلستين من طريق دربند ~~كينوك، فلم يقدروا على سلوكه لكثرة الثلوج فمضوا إلى دربند آخر من عمل ~~بهسنا، وساروا منه بعد مشقة يريدون أبلستين وساروا حتى طرقها تغري برمش ~~المذكور بمن معه في يوم الثلاثاء تاسع شهر رمضان، فلم يدرك ناصرالدين بن ~~دلغادر بها، فأمر تغري برمش بنهب أبلستين وإحراقها فنهبت وأحرقت بأجمعها، ~~ثم أمر العسكر بنهب جميع قراها وإحراقها فنهبوها وأخذوا منها ms3122 شيئا كثيرا. ~~ثم عاد نائب حلب بمن معه والأغنام تساق بين يديه بعد أن امتلأت أيدي ~~العساكر من النهب، وترك أبلستين خرابا قاعا صفصفا، وعاد إلى حلب بعد غيبته ~~عنها خمسين يوما، كل ذلك وأمراء مصر بحلب. ثم بلغ تغري برمش بعد قدومه إلى ~~حلب أن ناصرالدين بن دلغادر نزل بالقرب من كينوك فجهز إليه أخاه حسنا حاجب ~~حجاب حلب، وحسن هو الأسن، ومعه مائة وخمسون فارسا إلى عينتاب تقوية للأمير ~~خجا سودون، وقد نزل بها بعد أن انفرد عن العسكر المصري من يوم خرج من ~~الديار المصرية، فتوجه حسن المذكور بمن معه إلى خجا سودون وأقام عنده. فلما ~~كان يوم رابع عشرين ذي الحجة من سنة تسع وثلاثين المذكورة، وصل إليهم ~~الأمير جانبك الصوفي، ومعه الأمير، قرمش الأعور، والأمير كمشبغا المعروف ~~بأمير عشرة أحد أمراء حلب، وكان توجه من حلب وانضم على جانبك الصوفي قبل ~~تاريخه بمدة طويلة، ومعه أيضا أولاد ناصر الدين بك ابن دلغادر، الجميع ما ~~عدا سليمان، فنزلوا على مرج دلوك، ثم ركبوا وساروا منه إلى قتال خجا سودون ~~بعينتاب، فركب خجا سودون أيضا بمماليكه وبمن معه من التركمان والعربان ~~وقاتلهم آخر النهار، وباتوا ليلتهم. وأصبحوا يوم الثلاثاء خامس عشرين ذي ~~الحجة تقدم حسن حاجب الحجاب بمن معه من التركمان والعربان أمام خجا سودون، ~~فتقدم إليهم جانبك الصوفي بمن معه، وهم نحو الألفي فارس، فقاتلته العساكر ~~المذكورة وقد تفرقوا فرقتين: فرقة عليها خجا سودون وحسن حاجب الحجاب المقدم ~~ذكره، وفرقة عليها الأمير تمرباي اليوسفي المؤيدي دوادار السلطان بحلب، ~~وتركمان الطاعة في كل فرقة منهما. وتصادم الفريقان فكانت بينهم وقعة هائلة ~~انكسر فيها جانبك الصوفي، وأمسك الأمير قرمش الأعور، والأمير كمشبغا أمير ~~عشرة، وهما كانا جناحي مملكته، وثمانية عشر فارسا من أصحاب جانبك الصوفي، ~~وانهزم جانبك في أناس وتبعهم العساكر فلم يقدروا عليهم فعادوا، فأخذ خجا ~~سودون قرمش وكمشبغا بمن معهما، وقيد الجميع وسيرهم إلى حلب، وكتب بذلك إلى ~~السلطان. فقدم الخبر على السلطان في صفر من ms3123 سنة أربعين وثمانمائة، ومع ~~المخبر رأس الأمير قرمش الأعور ورأس الأمير كمشبغا أمير عشرة، وأنه وسط من ~~قبض معهما بحلب، فشهر الرأسان بالقاهرة، ثم ألقيا في سراب الأقذار بأمر ~~السلطان، ولم يدفنا. ودقت البشائر لذلك أياما، وفرح السلطان بذلك، وأرسل ~~إلى نائب حلب وإلى خجا سودون بالشكر والثناء. ومن يوم ذاك، أخذ أمر جانبك ~~الصوفي في إدبار، بعد ما كان اجتمع عليه ملوك وخلائق، لقلة سعده. ~~PageV04P0183 # قلت: كان جانبك الصوفي خاملا لايتحرك بحركة إلا وانعكست عليه طول عمره، ~~وقد استوعبنا أحواله في تاريخنا المنهل الصافي، ويأتي من ذكره هنا أيضا ~~نبذة في الوفيات وغيرها إن شاء الله تعالى. ثم في أول شهر ربيع الأول من ~~سنة أربعين المذكورة، رسم السلطان بعزل تمراز المؤيدي عن نيابة صفد لسوء ~~سيرته وكثرة ظلمه، ونقله إلى نيابة غزة، عوضا عن الأمير يونس الركني، ونقل ~~يونس المذكور إلى نيابة صفد عوضا عن تمراز للمذكور، أعني أن كلا منهما ولي ~~عن الآخر، وحمل إليهما التقليد والتشريف الأمير دولات باي المحمودي الساقي ~~أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بسفار صهره الأمير جانم الأشرفي الأمير ~~الآخور الكبير. ثم في يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الأول المذكور، خلع ~~السلطان على الصاحب كريم الدين عبد الصاحب كريم ابن كاتب المناخ، بعد قدومه ~~من بندر جدة باستقراره وزيرا على عادته، وكانت شاغرة من مدة طويلة، ويقوم ~~بمصارفها الزينب عبد الباسط بن خليل. ثم أرسل السلطان يطلب الأمراء ~~المجردين إلى الديار المصرية، بعدما أنعم على الأمير الكبير جقمق بألف ~~دينار، وعلى كل مقدم ألف أيضا من المجردين بخمسمائة دينار، فقدموا القاهرة ~~في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى من سنة أربعين المذكورة، وطلعوا إلى ~~القلعة وقبلوا الأرض، وخلع السلطان عليهم الخلع السنية، وأركبهم خيولا ~~بقماش ذهب. وتأخر عن الأمراء المذكورين، الأمير خجا سودون، وكانت هذه ~~عادته، إلى أن قدم في يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة من سنة أربعين ~~المذكورة، وطلع إلى القلعة وخلع السلطان عليه وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه ~~زيادة على ما بيده ms3124 من تقدمة ألف، ثم خلع السلطان على القاضي كمال الدين ابن ~~البارزي باستقراره قاضي قضاة دمشق، عوضا عن السراج عمرو بن موسى الحمصي، ~~مسؤولا في ذلك مرغوبا في ولايته. ثم في يوم الخميمس عاشر شهر رجب من سنة ~~أربعين المذكورة، خلع السلطان على الأمير إينال العلائي الناصري، المعزول ~~عن نيابة الرها، وهو يوم ذاك من جملة مقدمي الألوف بالديار المصرية، ~~باستقراره في نيابة صفد عوضا عن الأمير يونس الركني، ورسم بتوجه يونس ~~المذكور إلى القدس بطالا. وخلع على الأمير طوخ من تمراز المعروف بيني بازق، ~~أن يستقر مسفر الأمير إينال المذكور. ثم في رابع عشر شهر رجب المذكور، أنعم ~~بإقطاع الأمير إينال وتقدمته على الأمير قراجا الأشرفي شاد الشراب خاناه، ~~وأنعم بطبلخانة قراجا على الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي الخازندار، وخلع ~~عليه باستقراره شاد الشراب خاناه عوضه أيضا، وخلع السلطان على الأمير ~~السيفي علي باي الساقي الخاصكي الأشرفي باستقراره خازندارا عوضا عن إينال ~~المذكور. ثم في يوم الأحد عاشر شهر رمضان عمل السلطان مشورة بالأمراء، لما ~~ورد عليه الخبر بأن ناصر الدين بك بن دلغادر ونزيله جانبك الصوفي زخفا بمن ~~معهما على بلاد ابن قرمان، فاتفق رأي الجميع على سفر السلطان إلى بلاد ~~الشام. وأخذ الأمراء في أهبة السفر، ثم انتقض ذلك بعد أيام، وكتب لنواب ~~الشام بالمسير إلى نحو بلاد ابن قرمان نجدة لابن قرمان، فإن القوم أخذوا آق ~~شهر ونازلوا قلاعا آخر. ثم في يوم الخميس خامس شوال خلع السلطان على قاضي ~~القضاة علم الدين صالح البلقيني وأعيد إلى قضاء القضاة بالديار المصرية، ~~عوضا عن الحافظ شهاب الدين بن حجر. ثم في يوم الثلاثاء أول ذي القعدة، قدم ~~سيف الأمير تمرباي اليوسفي المؤيدي دوادار السلطان بحلب، وفيه أيضا قدم سيف ~~الأمير آقباي اليشبكي الجاموس نائب الإسكندرية، بعد موتهما، فخلع السلطان ~~في ثالثه على الزيني عبد الرحمن بن علم الدين داؤد بن الكويز أحد ~~الدوادارية الصغار باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضا عن آقباي اليشبكي ~~بحكم وفاته. PageV04P0184 # ثم في يوم ms3125 الخميس ثاني عشرين ذي الحجة خلع السلطان على الأمير صلاح الدين ~~محمد بن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله، باستقراره كاتب السر الشريف ~~بالديار المصرية، بعد عزل القاضي محب الدين بن الأشقر، مضافا لما بيده من ~~حسبة القاهرة ونظر دار الضرب ونظر الأوقاف ومنادمة السلطان، ونزل في موكب ~~جليل، وقد لبس العمامة المدورة والفرجية هيئة أرباب الأقلام وترك زي ~~الأجناد، فإنه كان في مبدأ أمره على هيئة الأجناد، وكانت ولايته بغير خاطر ~~عبد الباسط بل على رغم أنفه. ثم في ليلة الأحد تاسع محرم سنة إحدى وأربعين ~~وثمانمائة، بلغ الزيني عبد الباسط والوزير كريم الدين والقاضي سعد الدين ~~ناظر الخاص بأن المماليك السلطانية على عزم نهب دورهم، فوزعوا ما عندهم ~~واختفوا، ثم طلعوا إلى الخدمة السلطانية على تخوف. وقد بلغ السلطان ذلك، ~~فأخذ يتوعدهم ويدعو عليهم بالطاعون، فلم يلتفت منهم أحد إلى كلامه، ونزل ~~عدة كبيرة منهم في يوم الأحد سادس عشره إلى دار عبد الباسط وإلى بيت مملوكه ~~جانبك الأستادار ودار الوزير كريم الدين، ونهبوا ما وجدوا فيها وأفحشوا إلى ~~الغاية، ولم يعترضوا لأحد في الطرقات خوفا من العامة. ثم في ثاني عشرين ~~المحرم ورد الخبر على السلطان بأن نائب دوركي توجه في خامس عشر المحرم، في ~~عدة نواب تلك الجهات وغيرهم في نحو الفي فارس، وساروا حتى طرقوا بيوت ~~الأمير ناصر الدين بن دلغادر، وقد نزل، هو والأمير جانبك الصوفي بمكان على ~~بعد يومين من مرعش فنهبوا ما هناك وأحرقوا، ففر ابن دلغادر وجانبك الصوفي ~~في نفر قليل، وذلك أن جموعهما كانت مع سليمان بن ناصر الدين بن دلغاعر على ~~حصار قيصرية الروم، فسر السلطان بذلك وأرسل إلى نائب دوركي بخلعة وشكره، ثم ~~قدم الخبر على السلطان أن الأمير إينال الجكمي نائب الشام خرج من دمشق ~~بعساكرها يريد حلب، وقد سارت جميع نواب الشام ليوافوا نائب حلب ويتوجهوا ~~الجميع مددا لابن قرمان، بعد أن أرسل إينال الجكمي تقدمة هائلة للسلطان. ~~ووصلت التقدمة المذكورة إلى القاهرة في يوم ms3126 السبت سابع صفر المذكور، وهي ~~ذهب نقد عشرة آلاف دينار، وخيول مائتا فرس، منها ثلاثة أرؤس بسروج ذهب ~~وكنابيش زركش، وسمور عشرة أبدان، ووشق عشرة أبدان، وقاقم عشرة أبدان، ~~وسنجاب مائة بدن، وبعلبكي خمسمائة ثوب، وأقواس حلقة مائة قوس، وجمال بخاتي ~~ثلاث قطر، وجمال عراب ثلاثمائة جمل، وثياب صوف مربع مائة ثوب. ثم في يوم ~~السبت خامس شهر ربيع الأول، خلع السلطان على الأمير خليل بن شاهين الشيخي ~~المعزول عن نيابة الإسكندرية والوزارة قبل تاريخه باستقراره في نيابة ~~الكرك، وسار إليها من وقته. ثم في يوم السبت تاسع عشر شهر ربيع الأول ~~المذكور من سنة إحدى وأربعين المذكورة، خلع السلطان على الصاحب جمال الدين ~~يوسف ابن القاضي كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة المعروف بابن ~~كاتب جكم، باستقراره ناظر الخاص الشريف بعد موت أخيه القاضي سعد الدين ~~إبراهيم الآتي ذكره في الوفيات إن شاء الله تعالى. ثم في شهر ربيع الآخر ~~كملت عمارة الجامع الذي أنشأه السلطان بخانقاه سرياقوس على الدرب المسلوك، ~~وطوله خمسون ذراعا في عرض خمسين ذراعا، ورتب فيه إماما للصلوات الخمس، ~~وخطيبا وقراء يتناوبون القراءة، وأرباب وظائف من المؤذنين والفراشين، وجاء ~~الجامع المذكور في غاية الحسن، إلا أن سقوفه واطئة قليلا. ثم في يوم السبت ~~ثالث جمادى الأولى، ركب السلطان من قلعة الجبل إلى الصيد، بعدما شق ~~القاهرة، وخرج من باب القنطرة، وهذه أول ركبة ركبها للصيد فى هذه السنة، ~~وتداول ذلك منه في هذا الشهر غير مرة. PageV04P0185 # وفيه قدم الأمير تمراز المؤيدي نائب غزة والسلطان يتصيد. وعاد السلطان في ~~خامسه وشق القاهرة حتى خرج من باب زويلة ومضى إلى القلعة. ثم أصبح من الغد ~~أمسك تمراز المؤيدي المذكور وقيده وأرسله إلى سجن الإسكندرية فسجن بها، ~~وذلك لسوء سيرته ولكمين كان عنده من الملك الأشرف، فإن تمراز هذا كان ممن ~~ركب مع الأمير تنبك البجاسي نائب الشام، ثم اختفى وظهر وأنعم عليه السلطان ~~بإقطاع دمشق ثم نقله إلى إمرة مائة بعد سفرة آمد لشجاعة ظهرت ms3127 منه في قتال ~~القرايلكية، ثم نقله إلى نيابة صفد فلم تحمد سيرته فعزله وولاه نيابة غزة، ~~فشكي منه أيضا ورمي بعظائم فطلبه وأمسكه ثم قتله بعد مدة. فكان ما عاشه من ~~يوم واقعة البجاسي ليوم تاريخه فائدة. ولما أن أمسك السلطان تمراز استدعى ~~الأمير جرباش الكريمي قاشق من ثغر دمياط ليوليه نيابة غزة، فقدم جرباش ~~وامتنع عن نيابة غزة، فرسم له بالعود إلى الثغر بطالا كما كان أولا. ثم في ~~سابع عشره خلع السلطان على الأمير آق بردي السيفي قجماس أحد أمراء العشرات ~~باستقراره في نيابة غزة عوضا عن تمراز المذكور، بمال بذله في ذلك. وقدم ~~الخبر على السلطان بموت جانبك الصوفي، واختلفت الأقاويل في أمره إلى أن كان ~~يوم السبت سابع عشر جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين المذكورة، قدم مملوك، ~~تغري برمش نائب حلب إلى القاهرة برأس الأمير جانبك الصوفي، فدقت البشائر ~~لذلك وسر السلطان غاية السرور بموته ولهجت الناس أن السلطان تم سعده، وقد ~~قيل: المتقارب إذا تم أمر بدا نقصه ... توق زوالا إذا قيل تم فأمر السلطان ~~بالرأس فطيف بها على رمح بشوارع القاهرة، والمشاعلي ينادي عليها: هذا جزاء ~~من يخالف على الملوك ويخرج عن الطاعة، ثم ألقيت في قناة سراب. وكان من خبر ~~موت جانبك الصوفي المذكور أنه لما كبس عليه وعلى ابن دلغادر نائب دوركي، في ~~محرم هذه السنة كما تقدم، وانكسر هو وابن دلغادر، فمقته ابن دلغادر وافترقا ~~من يومئذ. فسار ابن دلغادر على وجهه يريد بلاد الروم، وقد تشتت شمله، وقصد ~~جانبك الصوفي أولاد قرايلك: محمدا ومحمودا، وقدم عليهما فأكرماه وأنزلاه ~~عندهما. فأخذ تغري برمش نائب حلب يدبر عليه بكل ما تصل القدرة إليه، ولا ~~زال حتى استمالهما، أعني محمدا ومحمودا ابني قرايلك، ووعدهما بجملة مال إن ~~قبضا على جانبك المذكور، يحمل إليهما خمسة آلاف دينار، فمالا إليه ووعداه ~~أن يقبضا على جانبك المذكور، فعلم جانبك بالخبر فشاور أصحابه في ذلك ~~فأشاروا عليه بالفرار إلى جهة من الجهات، فبادر جانبك وخرج من ms3128 عندهما ومعه ~~عشرون فارسا من أصحابه لينجو بنفسه. وبلغ ذلك القرايلكية، فركبوا وأدركوه، ~~فقاتلهم، فأصابه سهم سقط منه عن فرسه، فأخذوه وسجنوه عندهم، وذلك في يوم ~~الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر من هذه السنة، فمات من الغد فقطع رأسه ~~حمل إلى السلطان، فهذا القول هو المشهور. وقيل إن جانبك الصوفي مات ~~بالطاعون عند أولاد قرايلك بعد أن أوعدهما تغري برمش بالمال المقدم ذكره، ~~ولم يقبلا منه ذلك واستمرا على إكرامه. فلما مات جانبك الصوفي بالطاعون ~~أخفيا ذلك وقطعا رأسه وبعثا بها إلى تغري برمش. قلت: والقول الأول هو ~~المتداول بين الناس. ويأتي بقية ذكر جانبك الصوفي في الوفيات من هذا الكتاب ~~في محله إن شاء الله تعالى. قال المقريزي، بعد أن ساق نحو ما حكيناه ~~بالمعنى، واللفظ مخالف: وحملت إليه الرأس، يعني عن الملك الأشرف، فكاد يطير ~~فرحا وظن أنه قد أمن، فأجرى الله على الألسنة أنه قد انقضت أيامه وزالت ~~دولته، فكان كذلك هذا. وقد قابل نعم الله عليه في كفاية عدوه بأن تزايد ~~عتوه وكثر ظلمه وساءت سيرته فأخذه الله أخذا وبيلا، وعاجله بنقمته فلم ~~يهنه، انتهى كلام المقريزي. PageV04P0186 # قلت: وما عسى الملك الأشرف كان يظلم في تلك المدة القصيرة، فإن خبر جانبك ~~الصوفي ورد عليه في سابع عشر جمادى الأولى، وابتدأ بالسلطان مرض موته من ~~أوائل شعبان، ولزم الفراش من اليوم المذكور، وهو ينصل ثم ينتكس إلى أن مات ~~في ذي الحجة. غير أن الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله كان له انخراقات ~~معروفة عنه، وهو معذور في ذلك، فإنه أحد من أدركنا من أرباب الكمالات في ~~فنه ومؤرخ زمانه، لا يدانيه في ذلك أحد، مع معرفتي بمن عاصره من مؤرخي ~~العلماء، ومع هذا كله كان مبعودا في الدولة، لا يدنيه السلطان مع حسن ~~محاضرته وحلوا منادمته. على أن الملك الظاهر برقوق كان قربه ونادمه وولاه ~~حسبة القاهرة في أواخر دولته، ومات الملك الظاهر فلم يمش حاله على من جاء ~~بعده من الملوك وأبعدوه من غير ms3129 إحسان، فأخذ هو أيضا في ضبط مساوئهم ~~وقبائحهم، فمن أساء لا يستوحش. على أنه كان ثقة في نفسه دينا خيرا وقد قيل ~~لبعض الشعراء: إلى متى تمدح وتهجو. فقال: ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء، ~~انتهى . ثم في يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان بأن ~~إسكندر بن قرا يوسف، نزل قريبا من مدينة تبريز، فبرز إليه أخوه جهان شاه بن ~~قرا يوسف المقيم بها من قبل شاه رخ بن تيمورلنك، فكانت بينهما وقعة هائلة ~~انهزم فيها إسكندر إلى قلعة ألنجا من عمر تبريز، فنازلها جهان شاه إلى أن ~~حصره بها أياما، وأن الأمير حمزة بن قرايلك متملك ماردين وأرزن أخرج أخاه ~~علي بك من مدينة آمد وملكها منه. فقلق السلطان من هذين الخبرين، وعزم على ~~أن يسافر بنفسه إلى البلاد الشامية، وكتب بتجهيز الإقامات بالشام، ثم أبطل ~~ذلك بعد أيام. ورسم في يوم السبت سابع شهر رجب بخروج تجريدة من الأمراء إلى ~~البلاد الشامية، وعين ثمانية نفر من الأمراء مقدمي الألوف: وهم قرقماس أمير ~~سلاح، وآقبغا التمرازي أمير مجلس، وأركماس الظاهري الدوادار الكبير، وتمراز ~~القرمشي رأس نوبة النوب، ويشبك السودوني حاجب الحجاب، وجانم الأشرفي الأمير ~~آخور الكبير، وخجا سودون وقراجا الأشرفي. ثم في يوم الاثنين تاسع شهر رجب ~~نودي بأن أحدا من العبيد لا يحمل سلاحا ولا يمشي بعد المغرب، وأن المماليك ~~السلطانية لا يتعرض لأحد من العبيد. وكان سبب هذه المناداة أنه لما أدير ~~المحمل في يوم الخميس خامس شهر رجب المذكور، فلما كان أول ليلة من الزينة ~~نزل جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية الذين بالأطباق من قلعة الجبل وأخذوا ~~في نهب الناس وخطف النساء والصبيان، فاجتمع عدد كبير من العبيد السود ~~وقاتلوا المماليك الأجلاب، فقتل من العبيد خمسة نفر وجرح عدة في المماليك، ~~وخطفت العمائم وأخذت الأمتعة. ثم أخذت المماليك تتتبع العبيد فقتلوا منهم ~~جماعة، وقد كفت العبيد أيديهم عن قتالهم خوفا من السلطنة، واختفى كثير من ~~العبيد، وقل مشي المماليك في الليل إلى أن ms3130 نودي لهم بهذه المناداة، فسكن ~~الشر، ومشى كل من الطائفتين على حاله الأول. ثم رسم السلطان بمنع المماليك ~~من النزول من الأطباق إلى القاهرة إلا لضرورة. ثم في عاشر شهر رجب أنفق ~~السلطان على الأمراء المجردين لكل أمير ألفي دينار أشرفية. ثم في يوم ~~الأربعاء ثامن عشره ركب السلطان من قلعة الجبل، ونزل إلى خليج الزعفران ~~فنزل به وأكل السماط، ثم ركب في يومه وعاد إلى القلعة، فأصبح من الغد متوعك ~~البدن ساقط الشهوة للغداء، ولزم الفراش، وهذا أوائل مرضه الذي مات منه، غير ~~أنه تعافى بعض أيام، ثم مرض ثم تعافى حسبما يأتي ذكره. وورد الخبر فيه ~~بوقوع الوباء في بلاد الصعيد. واستهل شعبان يوم الاثنين والسلطان مريض، ~~فأخرج فيه مالا وفرقه على الفقراء والمساكين. فلما كان يوم الثلاثاء تاسعه ~~تعافى السلطان وخلع على الأطباء لعافيته، وركب من الغد ونزل من القلعة إلى ~~القرافة وتصدق على أهل القرافتين وعاد وهو غير صحيح البدن. PageV04P0187 # ثم في يوم السبت ثالث عشر شعبان المذكور، نزل السلطان من القلعة إلى خارج ~~القاهرة، وعاد ودخل من باب النصر، ثم نزل بالجامع الحاكمي، وقد قيل له إن ~~بالجامع المذكور دعامة قد ملئت ذهبا، ملأها الحاكم بأمر الله لمعنى أنه إذا ~~خرب يعمر بما في تلك الدعامة. فلما بلغ الملك الأشرف ذلك شرهت نفسه لأخذ ~~المال المذكور، فقيل له إنك تحتاج إلى هدم جميع الدعائم التي بالجامع ~~المذكور حتى تظفر بتلك الدعامة المذكورة، ثم لا بد لك من عمارتها، ويصرف ~~على عمارتها جملة كثيرة لا تدخل تحت حصر، فقال السلطان ما معناه: إن الذي ~~نأخذه من الدعامة يصرف على عمارة ما نهدمه، ولا ينوبنا غير تعب السر وركب ~~فرسه وعاد إلى القلعة. ثم في يوم الخميس خامس عشرين شعبان المذكور برز ~~الأمير قرقماس أمير سلاح، وقد صار مقدم العساكر، وصحبته من تقدم ذكره من ~~الأمراء، إلى الريدانية خارج القاهرة من غير أن يرافقهم في هذه التجريدة ~~أحد من المماليك السلطانية، فأقاموا بالريدانيه إلى أن سافروا منها ms3131 في يوم ~~السبت سابع عشرين شعبان، وهذه التجريدة آخر تجريدة جردها الملك الأشرف من ~~الأمراء. وكتب السلطان إلى الأمير إينال الجكيم نائب الشام وغيره من النواب ~~ان يسافروا صحبة الأمراء المذكورين إلى حلب، ويستدعوا حمزة بك بن قرايلك ~~إلى عندهم، فإن قدم عليهم خلع عليه بنيابة السلطنة فيما يليه من أعمال ديار ~~بكر، وإن لم يقدم عليهم مشوا عليه بأجمعهم وقاتلوه حتى أخذوه. قلت: الطويل ~~أيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب ولكن بين ذلك أهوال ثم قدم الخبر على ~~السلطان بأن محمد بن قرايلك توجه إلى أخيه حمزة بك المقدم ذكره، باستدعائه، ~~وقد حقد عليه حمزة قتله للأمير جانبك الصوفي. فإن حمزة لما بلغه نزول جانبك ~~الصوفي على أخويه محمد ومحمود وكتب في الحال إلى أخيه محمد هذا بأن يبعث ~~بالأمير جانبك الصوفي إليه مكرما مبجلا، أراد حمزة أن يأخذ جانبك إلى عنده ~~ليخوف به الملك الأشرف، فمال محمد إلى ما وعد به تغري برمش نائب حلب وقتل ~~جانبك الصوفي وبعث برأسه إليه، فأسرها حمزة في نفسه، وما زال يعد أخاه ~~المذكور ويمنيه إلى أن قدم عليه، وفي ظن محمد أن أخاه حمزة يوليه بعض ~~بلاده، فما هو إلا أن صار في قبضته قتله في الحال. قلت: هذا شأن الباغي، ~~الجزاء من جنس عمله، وذلك أنه مثل ما فعل بجانبك الصوفي فعل به، انتهى. ثم ~~في يوم الثلاثاء أول شهر رمضان ظهر الطاعون بالقاهرة وظواهرها، وأول ما بدأ ~~في الأطفال والإماء والعبيد والمماليك. وكان الطاعون أيضا قد عم البلاد ~~الشامية بأسرها. ثم في يوم الأربعاء ثالث عشرين شهر رمضان المذكور ختمت ~~قراءة البخاري بين يدي السلطان بقلعة الجبل، وقد حضر قضاة القضاة والعلماء ~~والفقهاء على العادة هذا وقد تخوف السلطان من الوباء، فسأل من حضر من ~~الفقهاء عن الذنوب التي ترتكبها الناس، هل يعاقبهم الله بالطاعون، فقال له ~~بعض الجماعة: إن الزنا إذا فشا في الناس ظهر فيهم الطاعون، وإن النساء ~~يتزين ويمشين في الطرقات ليلا ونهارا، فأشار آخر أن ms3132 المصلحة منع النساء من ~~المشي في الأسواق، فنازعه آخر فقال: لا تمنع إلا المتبهرجات، وأما العجائز ~~ومن ليس لها من يقوم بأمرها لا تمنع من تعاطي حاجتها. وتباحثوا في ذلك بحثا ~~كبيرا، إلى أن مال السلطان إلى منعهن من الخروج إلى الطرقات مطلقا، ظنا من ~~السلطان أن بمنعهن يرتفع الطاعون. ثم خلع السلطان على من له عادة بلبس ~~الخلعة عند ختم البخاري. ثم أمرهم باجتماعهم عنده من الغد، فاجتمعوا يوم ~~الخميس واتفقوا على ما مال إليه السلطان، فنودي بالقاهرة ومصر وظواهرهما ~~بمنع جميع النساء بأسرهن من الخروج من بيوتهن، وأن لا تمر امرأة في شارع ~~ولا في سوق البتة، وتهدد من خرجت من بيتها بالقتل وأنواع البهدلة، فامتنع ~~جميع النساء من الخروج قاطبة، فتياتهن وعجائزهن وإمائهن من الخروج إلى ~~الطرقات. وأخذ والي القاهرة والحجاب في تتبع الطرقات وضرب من وجدوا من ~~النساء، وتشددوا في الردع والضرب والتهديد، فامتنعن بأجمعهن، فعند ذلك نزل ~~بالأرامل أرباب الصنائع ومن لا يقوم عليها أحد لقضاء حاجتها ومن تطوف على ~~الأبواب تسأل الناس، من الضر والحاجة، بأس شديد. PageV04P0188 # ثم في يوم السبت سادس عشرينه أفرج السلطان عن جميع المسجونين حتى أرباب ~~الجرائم، وأغلقت السجون بالقاهرة ومصر، وانتشرت السراق والمفسدون في البلد، ~~وامتنع من له عند شخص حق أن يطالبه. قلت: كان حال الملك الأشرف في هذه ~~الحركة كقول القائل: الخفيف رام نفعا فضر من غير قصد ... ومن البرما يكون ~~عقوقا ثم في سابع عشرينه عزم السلطان على أن يولي الحسبة لرجل ناهض فذكر له ~~جماعة فلم يرضهم، ثم قال: عندي واحد ليس بمسلم، ولا يخاف الله وأمر فأحضر ~~إليه دولات خجا الظاهري برقوق المعزول عن ولاية القاهرة قبل تاريخه غير ~~مرة، فخلع عليه باستقراره في حسبة القاهرة عوضا عن القاضي صلاح الدين محمد ~~بن الصاحب بدر الدين بن نصر الله كاتب السر بحكم عزله، وكان رغبة السلطان ~~في ولاية دولات خجا هذا بسبب النساء، لما يعلم من شدته وقلة رحمته وجبروته. ~~وعندما خلع عليه حرضه ms3133 على عدم إخراج النسوة إلى الطرقات، هذا بعد أن تكلم ~~جماعة كبيرة من أرباب الدولة مع السلطان بسبب ما حل بالنسوة من الضرر لعدم ~~خروجهن، فأمر السلطان عند ذلك فنودي بخروج الإماء لشراء حوائج مواليهن من ~~الأسواق، وأن لا تنتقب واحدة منهن بل يكن سافرات عن وجوههن، قصد بذلك حتى ~~لا تتنكر إحداهن في صفة الجواري وتخرج إلى الأسواق، وأن تخرج العجائز لقضاء ~~أشغالهن، وأن تخرج النساء إلى الحمامات ولا يقمن بها إلى الليل. وصار دولات ~~خجا يشدد على النسوة، وعاقب منهن جماعة كبيرة حتى انكف الجميع عن الخروج ~~البتة. وأهل شوال يوم الخميس وقد حل بالناس من الأنكاد والضرر ما لا يوصف ~~من تزايد الطاعون، وتعطل كثير من البضائع المبتاعة على النسوة لامتناعهن من ~~المشي في الطرقات، وأيضا مما نزل بالنسوة من موت أولادهن وأقاربهن، فصارت ~~المرأة يموت ولدها فلا تستطيع أن ترى قبره خوفا من الخروج إلى الطرقات، ~~ويموت أعز أقاربها من غير أن تزوره في مرضه، فشق ذلك عليهن إلى الغاية، هذا ~~مع تزايد الطاعون. قلت: كل ذلك لعدم أهلية الحكام واستحسان الولاة على ~~الخواطىء، وإلا فالحرة معروفة ولو كانت في الخمارة، والفاجرة معروفة ولو ~~كانت في البيت الحرام، ولا يخفى ذلك على الذوق السليم، غير أن هذا كله ~~وأمثاله لولاية المناصب غير أهلها، وأما الحاكم النحرير الحاذق الفطن إذا ~~قام بأمر نهض به وتتبع الماء من مجاريه، وأخذ ما هو بصدده حتى أزاله في ~~أسرع وقت وأهون حال، ولا يحتاج ذلك إلى بعض ما الناس فيه، وهو ذهاب الصالح ~~بالطالح والبريء مع المجرم، وتحكم مثل هذا الجاهل في المسلمين الذي هو من ~~مقولة من قال: الطويل ولوشاربك لخصهم بثلاثة ... قرون وأذناب وشق حوافر وما ~~أحسن قول أبي الطيب المتنبي في هذا المعنى: الطويل ووضع الندى في موضع ~~السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى انتهى. كل ذلك والسلطان ~~شهوته ضعيفة عن الأكل، ولونه مصفر، وآثار المرض تلوح على وجهه، غير أنه ~~يتجلد كقول القائل: الكامل ms3134 وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا ~~أتضعضع ثم في هذا اليوم خلع السلطان على الأمير أسنبغا بن عبد الله ~~الناصري، الطياري باستقراره حاجبا ثانيا، عوضا عن الأمير جانبك السيفي ~~يلبغا الناصري المعروف بالثور، بحكم وفاته بمكة المشرفة في حادي عشر شعبان. ~~ثم في يوم الثلاثاء سادس شوال المذكور، خلع السلطان على قاضي القضاة شهاب ~~الدين بن حجر، وأعيد إلى القضاء بعد عزل القاضي علم الدين صالح البلقيني، ~~بعد أن ألزم أنه يقوم لعلم الدين صالح المذكور بما حمله إلى الخزانة ~~الشريفة، وقد بدا للسلطان أنه لا يولي بعد ذلك أحدا من القضاة بمال، مما ~~داخله من الوهم بسبب عظم الطاعون وأيضا لمرض تمادى به. PageV04P0189 # وفيه ركب السلطان من قلعة الجبل ونزل إلى خليج الزعفران وأقام به يومه في ~~مخيمه يتنزه، ثم ركب وعاد إلى القلعة في آخر النهار بعد أن تصدق على ~~الفقراء بمال كثير، فتكاثرت الفقراء على متولي الصدقة وجذبوه حتى أرموه عن ~~فرسه، فغضب السلطان من ذلك وطلب سلطان الحرافيش وشيخ الطوائف وألزمهما بمنع ~~الجعيدية،من السؤال في الطرقات، وألزمهم بالتكسب، وأن من يشحذ منهم قبض ~~عليه وأخرج لعمل الحفير. فامتنعوا من الشحاذة، وخلت الطرقات، ولم يبق من ~~السؤال إلا العميان والزمنى وأرباب العاهات. قلت: وكان هذا من أكبر ~~المصالح، وعد ذلك من حسن نظر الملك الأشرف في أحوال الرعية، فإن هؤلاء ~~الجعيدية غالبهم قوي سوي صاحب صنعة في يده، فيتركها ويشارك ذوي العاهات ~~الذين لا كسب لهم إلا السؤال ولولا ذلك لماتوا جوعا، وأيضا أن غالبهم يجلس ~~بالشوارع ويتمنى، ثم يقسم على الناس بالأنبياء والصلحاء وهو يتضجر من قسوة ~~قلوب الناس ويقول: لي مقدار كيت وكيت باقول في حب رسول الله أعطوني هذا ~~النزر اليسير فلم يعطني أحد. ويجتاز به وهو يقول: ذلك اليهودي والنصراني، ~~فيسمعون لمقالته في هذا المعنى. وهذا من المنكرات التي لا ترتضيها الحكام، ~~وكان من شأنهم أنهم إذا سمعوا هذا القول أخذوا القائل وأوجعوه بالضرب ~~والحبس والمناداة على الفقراء بعدم التقسيم في سؤالهم، ms3135 والتحجر عليهم بسبب ~~ذلك فلم يلتفت أحد منهم إلى ذلك، حتى ظهر للسلطان بعض ما هم عليه في هذه ~~المرة فمنعهم، فما كان أحسن هذا لو دام واستمر، انتهى. كل ذلك والسلطان ~~يتشاغل بركوبه وتنزهه مما به من التوعك وهو لا يظهره. فلما كان يوم ~~الأربعاء سابع شوال انتكس السلطان ولزم الفراش. كل ذلك ودولات خجا محتسب ~~القاهرة يتتبع النسوة ويردعهن بالعذاب والنكال، حتى إنه ظفر مرة بامرأة ~~وأراد أن يضربها فذهب عقلها من الخوف وتلفت وحملت إلى بيتها مجنونة، وتم ~~بها ذلك أشهرا وامرأة أخرى أرادت أن تخرج خلف جنازة ولدها فمنعت من ذلك ~~فأرمت بنفسها من أعلى الدار فماتت. ثم في يوم الجمعة تاسع شوال اتفق حادثة ~~غريبة، وهو أن العامة لهجت بأن الناس يموتون يوم الجمعة بأجمعهم قاطبة ~~وتقوم القيامة، فتخوف غالب العامة من ذلك. فلما كان وقت الصلاة من يوم ~~الجمعة المذكور حضر الناس إلى الصلاة، وركبت أنا أيضا إلى جامع الأزهر، ~~والناس تزدحم على الحمامات ليموتوا على طهارة كاملة، فوصلت إلى الجامع ~~وجلست به، وأذن المؤذنون، ثم خرج الخطيب على العادة ورقي المنبر، وخطب ~~وأسمع الناس إلى أن فرغ من الخطبة الأولى، وجلس للاستراحة بين الخطبتين، ~~فطال جلوسه ساعة كبيرة، فتقلق الناس إلى أن قام وبدأ في الخطبة الثانية، ~~وقبل أن يتم كلامه قعد ثانيا واستند إلى جانب المنبر ساعة طويلة كالمغشي ~~عليه، فاضطرب الناس لما سبق من أن الناس تموت في يوم الجمعة بأجمعهم، وظنوا ~~صدق المقالة وأن الموت أول ما بدأ بالخطيب. وبينما الناس في ذلك قال رجل: ~~الخطيب مات، فارتج الجامع وضج الناس وتباكوا، وقاموا إلى المنبر، وكثر ~~الزحام على الخطيب، حتى أفاق وقام على قدميه ونزل عن المنبر ودخل إلى ~~المحراب، وصلى من غير أن يجهر بالقراءة، وأوجز في صلاته حتى أتم الركعتين. ~~وقدمت عدة جنائز فصلى عليها الناس، وأمهم بعضهم. وبينما الناس في الصلاة ~~على الموتى إذا الغوغاء صاحت بأن الجمعة ما صحت، والخطيب صلى بعد أن انتقض ~~وضوءه لما ms3136 غشي عليه، وتقدم رجل من الناس وأقام وصلى الظهر أربعا. وبعد فراغ ~~هذا الذي صلى أربعا قام جماعة أخر وأمروا فأذن المؤذنون بين يدي المنبر، ~~وطلع رجل إلى المنبر وخطب خطبتين على العادة ونزل ليصلي، فمنعوه من التقدم ~~إلى المحراب وأتوا بإمام الخمس فقدموه حتى صلى بهم جمعة ثانية فلما انقضت ~~صلاته بالناس قام آخرون وصاحوا بأن هذه الجمعة الثانية لم تصح، وأقاموا ~~الصلاة وصلى بهم رجل آخر الظهر أربع ركعات، فكان في هذا اليوم بجامع الأزهر ~~إقامة الخطبة مرتين وصلاة الظهر مرتين. فقمت أنا في الحال، وإذا بالناس ~~تطير على السلطان بزوال من أجل إقامة خطبتين في موضع واحد في يوم واحد. هذا ~~ومرض السلطان في زيادة ونمو، وكلما ترجح قليلا خلع على الأطباء ودقت ~~البشائر، إلى أن عجز عن القيام في العشر الثاني من شوال. PageV04P0190 # هذا وقد كثر الموت بالمماليك السلطانية ثم بالدور السلطانية، ومات عدة من ~~أولاد السلطان والحريم والجواري. وخرج الحاج في يوم الاثنين تاسع عشره صحبة ~~أمير الحاج آقبغا من مامش الناصري المعروف بالتركماني، ونزل إلى بركة ~~الحاج، فمات به عدة كبيرة من الحجاج منهم ابن أمير الحاج وابنته في الغد. ~~وبعده في يوم الأربعاء حادي عشرينه، ضبط عدة من صلي عليه من الأموات ~~بالمصليات فزادت عدتهم على ألف إنسان. ثم في يوم الخميس ثاني عشرينه خلع ~~السلطان على الأطباء لعافيته وفرح الناس، وبينما هم في ذلك إذ وسط السلطان ~~طبيبيه في يوم السبت رابع عشرينه، وهما اللذان خلع عليهما بالأمس. وكان من ~~خبر الأطباء أنه لما خلع السلطان عليهما بالأمس، وأصبح السلطان من الغد ~~فرأى حاله في إدبار، وكان قد قلق من طول مرضه، فشكا ما به لرئيس الأطباء ~~العفيف الأسلمي فأمر له بشيء يشربه، فشربه السلطان فلم يوافق مزاجه وتقيأه ~~لضعف معدته. وكان خضر الحكيم كثيرا ما يتحشر عند رؤساء الدولة، حتى صار ~~يداخل السلطان في أيام مرضه اقتحاما على الرئاسة، واستمر يلاطف السلطان مع ~~العفيف. وأصبح العفيف وطلع إلى القلعة، ودخل على ms3137 عادته، وإذا بالسلطان قد ~~امتلأ عليه غضبا، وقد ظن في نفسه أن الحكماء مقصرون في علاجه ومداواته، ~~وأنهم أخطؤوا في التدبير والملاطفة، فحال ما وقع بصره على العفيف سبه ~~ونهره، وكان في المجلس القاضي صلاح الدين بن نصر الله كاتب السر، والصفوي ~~جوهر الخازندار وعدة أخر من الأمراء الخاصكية، ثم قال له السلطان: إيش هذا ~~الذي أسقيتني البارحة؟ فقال العفيف: هو كيت وكيت يا مولانا السلطان، واطلب ~~الأطباء واسألهم هل هو موافق أم لا، فلم يلتفت السلطان إلى كلامه وطلب عمر ~~بن سيفا والي القاهرة وأمره بتوسيطه، فأخذه وخرج وتماهل في أمره حتى تأتيه ~~الشفاعة. وبينما العفيف في ذلك إذ طلع خضر الحكيم وهو مسرع، كون العفيف قد ~~سبقه إلى مجلس السلطان، فكلمه العفيف في أن السلطان إذا سأله عما وصفه له ~~العفيف في أمسه لا يعترض عليه، ليسكن بذلك غضب السلطان. فحال ما دخل خضر ~~المذكور على السلطان أمر بتوسيطه أيضا، فأخذ من بين يدي السلطان أخذا مزعجا ~~وأضيف إلى العفيف، وهو يظن أن ذلك من حنق السلطان، وليس الأمر على حقيقته. ~~وتربص الوالي في أمرهما، فأرسل السلطان من استحثه في توسيطهما، هذا بعد أن ~~وقف ندماء السلطان إلى الأشرف وقبلوا له الأرض غير مرة، وقبلوا يده مرارا ~~عديدة بسببهما والشفاعة فيهما وسألوه أن يعاقبهما بالضرب، فأبى إلا ~~توسيطهما. وأخذ السلطان يستحث الوالي برسول بعد رسول من الخاصكية، والوالي ~~يتنقل بهما من مكان إلى آخر تسويفا، إلى أن أتى بهما إلى الحدرة عند باب ~~الساقية من قلعة الجبل. وبينما هم في ذلك أتاه رجل من قبل السلطان، وقال ~~له: أمرني السلطان أن أحضر توسيطهما أو تحضر تجيب السلطان بما تختاره من ~~الجواب عن ذلك فلم يجد عمر بدا من أن أخذ العفيف أولا وحمله، فاستسلم ولم ~~يتحرك حتى وسط. فلما رأى خضر ذلك طار عقله وصاح وهو يقول: عمر، الحكيم ~~أتوسط، عندي للسلطان ثلاثة آلاف دينار ويدعني أعيش، فلم يلتفت الوالي إلى ~~كلامه وأمر به فأخذ، فدافع عن نفسه ms3138 بكل ما تصل قدرته إليه وخاف خوفا شديدا، ~~فتكاثروا عليه أعوان الوالي حتى حملوه وهو يتمرغ، فوسط توسيطا معذبا لتلويه ~~واضطرابه، ثم حملا إلى أهليهما. فعند ذلك تحقق الناس عظم ما بالسلطان من ~~المرض وشنعت القالة فيه. ومن يومئذ تزايد مرض السلطان وصارت الأطباء متخوفة ~~من معالجته، ولا يصفون له شيئا حتى يكون ذلك بمشورة جماعة من الأطباء، ~~واستعفى أكثرهم، وحمل الرسائل على عدم الطلوع لملاطفته. PageV04P0191 # واستمر السلطان ومرضه يتزايد، فلما كان يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة، جمع ~~السلطان الخليفة والقضاة الأربعة والأمراء وأعيان الدولة، وعهد بالسلطنة ~~إلى ولده المقام الجمالي يوسف، وكتب العهد القاضي شرف الدين أبو بكر نائب ~~كاتب السر، لمرض كاتب السر القاضي صلاح الدين بن نصر الله بالطاعون. وجلس ~~السلطان بالمقعد الذي أنشأه على باب الدهيشة المطل على الحوش السلطاني، وقد ~~أخرج إليه محمولا من شدة مرضه وضعف قوته، ووقف بين يديه الأمير خشقدم ~~اليشبكي مقدم المماليك السلطانية بالحوش، ومعه غالب المماليك السلطانية ~~الجلبان والقرانيص، وجلس بجانب السلطان الخليفة المعتضد بالله أبو الفتح ~~داود، والقضاة والأمير الكبير جقمق العلائي، ومن تأخر عن التجريدة من ~~الأمراء بالديار المصرية. وقام عبد الباسط، لغيبة كاتب السر صلاح الدين بن ~~نصر الله وشدة مرضه بالطاعون، وابتدأ بالكلام في عهد السلطان بالملك من ~~بعده لابنه المقام الجمالي يوسف، وقد حضر أيضا يوسف المذكور مع أبيه في ~~المجلس، فاستحسن الخليفة هذا الرأي وشكر السلطان على فعله لذلك. فقام في ~~الحال القاضي شرف الدين أبو بكر سبط ابن العجمي نائب كاتب السر بالعهد إلى ~~بين يدي السلطان. وأشهد السلطان على نفسه أنه عهد بالملك إلى ولده يوسف من ~~بعده، وأمضى الخليفة العهد، وشهد بذلك القضاة، وجعل الأمير الكبير جقمق ~~العلائي هو القائم بتدبير أمر مملكة المقام الجمالي يوسف، وأشهد السلطان ~~على نفسه بذلك أيضا في العهد. ثم التفت السلطان إلى جهة الحوش، وكلم الأمير ~~خشقدم مقدم المماليك، وقصد يسمع ذلك القول للمماليك السلطانية الجلبان، ~~بكلام طويل، محصوله يعتب عليهم فيما كانوا يفعلونه في ms3139 أيامه وأنه كان تغير ~~عليهم ودعا عليهم، فأرسل الله تعالى عليهم الطاعون في سنتي ثلاث وثلاثين ثم ~~إحدى وأربعين فمات منهم جماعة كبيرة، والآن قد عفا عنهم. ثم أوصاهم بوصايا ~~كثيرة، منها أن يكونوا في طاعة ولده، وأن لا يغيروا على أحد من الأمراء، ~~وأن لا يختلفوا فيدخل فيهم الأجانب فيهلكوا، وأشياء من ذلك كثيرة سمعتها من ~~لفظه لكن لم أحفظ أكثرها لطول الكلام. ثم أخذ يعرف الجميع القرانيص ~~والجلبان، أنه يموت، وأنه كان عندهم ضيفا وقد أخذ في الرحيل عنهم، وبكى ~~فأبكى الناس وعظم الضجيج من البكاء، ثم أمر لهم بنفقة لجميع المماليك ~~السلطانية قاطبة، لكل واحد ثلاثين دينارا، فقبل الجميع الأرض وضجوا له ~~بالدعاء بعافيته وتأييده، كل ذلك وهو يبكي وعقله صحيح وتدبيره جيد. وفي ~~الحال جلس كاتب المماليك واستدعى اسم واحد واحد، وقد صرت النفقة المذكورة، ~~حتى أخذوا الجميع النفقة، فحسن ذلك ببال جميع الناس، وكانت جملة النفقة ~~مائة وعشرين ألف دينار، وانفض المجلس، وحمل السلطان وأعيد إلى مكانه. ثم في ~~يوم الجمعة سابع ذي القعدة خلع السلطان على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر ~~الله باستقراره في كتابة السر بعد موت ولده صلاح الدين محمد بن حسن بن نصر ~~الله بالطاعون، وخلع أيضا في اليوم المذكور على نصر الدين علي السويفي إمام ~~السلطان باستقراره محتسب القاهرة بعد موت دولات خجا بالطاعون، وفرح الناس ~~بموته كثيرا. وتزايد الطاعون في هذه الأيام بالديار المصرية وظواهرها حتى ~~بلغ عدة من صلي عليه بمصلاة باب النصر فقط في يوم واحد أربعمائة ميت، وهي ~~من جملة إحدى عشرة مصلاة بالقاهرة وظواهرها. وأما الأمراء المجردون إلى ~~البلاد الشامية، فإنهم كانوا في هذا الشهر رحلوا من أبلستين وتوجهوا إلى آق ~~شهر، حتى نزلوا عليها وحصروها وليس لهم علم بما السلطان فيه. PageV04P0192 # ثم اشتد مرض السلطان في يوم الثلاثاء خامس عشرين ذي القعدة واحتجب عن ~~الناس، ومنع الناس قاطبة من الدخول عليه، سوى الأمير إينال الأبو بكري ~~الأشرفي شاد الشراب خاناه، وعلي باي الأشرفي ms3140 الخازندار، وجوهر اللالا ~~الزمام، وصار إذا طلع مباشرو الدولة إلى الخدمة السلطانية على العادة ~~يعرفهم هؤلاء بحال السلطان، وليس أحد من أكابر الأمراء يطلع إلى القلعة، ~~لمعرفتهم بما السلطان فيه من شدة المرض، وأيضا لكثرة الكلام في المملكة. ~~وقد صارت المماليك طوائف، وتركوا التسيير إلى خارج القاهرة وجعلوا دأبهم ~~التسيير بسوق الخيل تحت القلعة والكلام في أمر السلطان. وبطلت العلامة، ~~وتوقف أحوال الناس لاختلاط عقل السلطان من غلبة المرض عليه، وخيفت السبل، ~~ونقل الناس أقمشتهم من بيوتهم إلى الحواصل مخافة من وقوع فتنة. وأخذ ~~الطاعون يتناقص في هذه الأيام وهو أوائل ذي الحجة، ومرض السلطان يتزايد. ~~وكان ابتداء مرض السلطان ضعف الشهوة للأكل، فتولد له من ذلك أمراض كثيرة ~~آخرها نوع من أنواع الملنخوليا، وكثر هذيانه وتخليطه في الكلام، ولازمه ~~الأرق والسهر مع ضعف قوته. هذا مع أن المماليك في هذه الأيام صاروا طائفة ~~وطائفة: فطائفة منهم يريدون أن يكون الأمير الكبير جقمق العلائي هو مدبر ~~المملكة كما أوصاه الملك الأشرف، وهم الظاهرية البرقوقية والناصرية ~~والمؤيدة والسيفية، وطائفة وهم الأشرفية، يريدون الاستبداد بأمر ابن ~~أستاذهم، كل ذلك من غير مفاوضة في الكلام. وبلغ الأمير إينال الأبو بكري ~~المشد ذلك، وكان أعقل المماليك الأشرفية وأمثلهم وأعلمهم، فأخذ في إصلاح ~~الأمر بين الطائفتين، بأن طيب المماليك الأشرفية إلى الحلف على طاعة ابن ~~السلطان والأمير الكبير جقمق العلائي، حتى أذعنوا ورضوا. فتولى تحليفهم ~~القاضي شرف الدين نائب كاتب السر وحلف الجميع، ثم نزل عبد الباسط إلى ~~الأمير الكبير جقمق وحلفه على طاعة السلطان، وبعد تحليفه نزل إليه الأمير ~~إينال المشد والأمير علي باي الخازندار، وقبل كل منهما يده بمن معهما من ~~أصحابهما، فأكرمهم جقمق ووعدهم بكل خير، وعادوا إلى القلعة وسكن الناس وبطل ~~الكلام بين الطائفتين. فلما كان يوم الأربعاء عاشر ذي الحجة، وهو يوم عيد ~~النحر، خرج المقام الجمالي يوسف ولي العهد الشريف وصلى صلاة العيد بجامع ~~القلعة، وصلى معه الأمير الكبير جقمق العلائي وغالب أمراء الدولة ، ومشوا ~~في خدمته بعد انقضاء ms3141 الصلاة والخطبة، حتى جلس على باب الستارة، وخلع على ~~الأمير الكبير جقمق وعلى من له عادة بلبس الخلع في يوم عيد النحر، ثم نزلوا ~~إلى دورهم، وقام المقام الجمالي ونحر ضحاياه بالحوش السلطاني. هذا وقد حصل ~~للسلطان نوب كثيرة من الصرع حتى خارت قواه ولم يبق إلا أوقات يقضيها، ~~واستمر على ذلك والإرجاف يتواتر بموته في كل وقت، إلى أن مات قبيل عصر يوم ~~السبت ثالث عشر ذي الحجة من سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وسنه يوم مات بضع ~~وستون سنة تخمينا، فارتجت القلعة لموته ساعة ثم سكنوا. وفي الحال حضر ~~الخليفة والقضاة الأربعة والأمير الكبير جقمق العلائي وسائر أمراء الدولة، ~~وسلطنوا المقام الجمالي يوسف ولقبوه بالملك العزيز يوسف، حسبما يأتي ذكره ~~في محله. ثم أخذ الأمراء في تجهيز السلطان، فجهز وغسل وكفن بحضرة الأمير ~~إينال الأحمدي الفقيه الظاهري برقوق أحد أمراء العشرات بوصية السلطان له، ~~وهو الذي أخرج عليه كلفة تجهيزه وخرجته من مال كان الأشرف دفعه إليه في ~~حياته، وأوصاه أن يحضر غسله وتكفينه ودفنه. ولما انتهى أمر تجهيز الملك ~~الأشرف حمل من الدور السلطانية إلى أن صلي عليه بباب القلعه من قلعة الجبل، ~~وتقدم للصلاة عليه قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حجر، لكون الخليفة كان ~~خلع عليه خلعة أطلسين التي خلعها عليه ملك العزيز. ثم حمل من المصلى على ~~أعناق الخاصكية والأمراء الأصاغر، إلى أن دفن بتربته التي أنشأها بالصحراء ~~خارج القاهرة، وحضرت أنا الصلاة عليه ودفنه، وكانت جنازته مشهودة بخلاف ~~جنائز الملوك، ولم يقع في يوم موته اضطراب ولا حركة ولا فتنة، ونزل إلى ~~قبره قبيل المغرب. وكان مدة سلطنته بمصر سبع عشرة سنة تنقص أربعة وتسعين ~~يوما، وتسلطن بعده ابنه الملك العزيز يوسف المقدم ذكره بعهد منه إليه. ~~PageV04P0193 # وخلف الملك الأشرف من الأولاد العزيز يوسف وابنا آخر رضيعا أو حملا، وهما ~~في قيد الحياة الى يومنا هذا. فأما العزيز فمسجون بثغر الإسكندرية، وأما ~~الأخر فاسمه أحمد، عند عمه زوج أمه الأمير قرقماس الأشرفي رأس نوبة، ms3142 وهو ~~الذي تولى تربيته، ومن أجل المقام الشهابي أحمد هذا كانت الفتنة بين ~~المماليك الأشرفية والمماليك الظاهرية في الباطن، لما أراد الظاهرية إخراجه ~~إلى الإسكندرية. وأما من مات من أولاد الملك الأشرف فكثير، وخلف من ~~الأموال. التحف والخيول والجمال والسلاح شيئا كثيرا إلى الغاية. وكان ~~سلطانا جليلا سيوسا مدبرا عاقلا متجملا في مماليكه وخيوله. وكانت صفته أشقر ~~طويلا نحيفا رشيقا منور الشيبة بهي الشكل، غير سباب ولا فحاش في لفظه، حسن ~~الخلق، لين الجانب، حريصا على إقامة ناموس الملك، يميل إلى الخير، يحب سماع ~~تلاوة القرآن العزيز حتى إنه رتب عدة أجواق تقرأ عنده في ليالي المواكب ~~بالقصر السلطاني دواما. وكان يكرم أرباب الصلاح ويجل مقامهم، وكان يكثر من ~~الصوم في الصيف والشتاء فإنه كان يصوم في الغالب يوم الثالث عشر من الشهر ~~والرابع عشر والخامس عشر، يديم على ذلك. وكان يصوم أيضا أول يوم في الشهر ~~وآخر يوم فيه، مع المواظبة على صيام يومي الاثنين والخميس في الجمعة، حتى ~~إنه كان يتوجه في أيام صومه إلى الصيد ويجلس على السماط وهو صائم ويطعم ~~الأمراء والخاصكية بيده، ثم يغسل يديه بعد رفع السماط كأنه واكل القوم. ~~وكان لا يتعاطى المسكرات ولا يحب من يفعل ذلك من مماليكه وحواشيه، وكان يحب ~~الاستكثار من المماليك حتى إنه زادت عدة مماليكه المشتروات على ألفي مملوك، ~~لولا ما أفناهم طاعون سنة ثلاث وثلاثين ثم طاعون سنة إحدى وأربعين هذا، ~~فمات فيهما من مماليكه خلائق. وكان يميل إلى جنس الجراكسة على غيرهم في ~~الباطن، ويظهر ذلك منه في بعض الأحيان، وكان لا يحب أن يشهر عنه ذلك لئلا ~~تنفر الخواطر منه، فإن ذلك مما يعاب به على الملوك، وكان مماليكه أشبه ~~الناس بمماليك الملك الظاهر برقوق في كثرتهم، وأيضا في تحصيل فنون ~~الفروسية، ولو لم يكن من مماليكه إلا الأمير إينال الأبو بكري الخازندار ثم ~~المشد لكفاه فخرا، لما اشتمل عليه من المحاسن، ولم يكن في دورنا من يدانيه ~~فكيف يشابهه. انتهى. وإلى الآن مماليكه ms3143 هم معظم عسكر الإسلام. وكانت أيامه ~~في غاية الأمن والرخاء من قلة الفتن وسفر التجاريد، هذا مع طول مدته في ~~السلطنة. وعمر في أيامه غالب قرى مصر قبليها وبحريها مما كان خرب في دولة ~~الملك الناصر فرج، ثم في دولة الملك المؤيد شيخ لكثرة الفتن في أيامهما، ~~وترادف الشرور والأسفار إلى البلاد الشامية وغيرها في كل سنة. ومع هذا كله ~~كان الملك الأشرف منغص العيش من جهة الأمير جانبك الصوفي من يوم فر من سجنه ~~بثغر الإسكندرية في سابع شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة، إلى أن مات جانبك ~~قبل موته في سنة أربعين وثمانمائة حسبما تقدم ذكره. وكان الأشرف يتصدى ~~للأحكام بنفسه، ويقتدي في غالب أموره بطريق الملك المؤيد شيخ، غير أنه كان ~~يعيب على المؤيد سفه لسانه، إلا الملك الأشرف فإنه كان لا يسفه على أحد من ~~مماليكه ولا خدمه جملة كافية، فكان أعظم ما شتم به أحدا أن يقول له: حمار ~~وكان ذلك في الغالب يكون مزحا. ولقد داومت خدمته من أوائل سلطنته إلى أن ~~مات، ما سمعته أفحش في سب واحد بعينه كائن من كان. وفي الجملة كانت محاسنه ~~أكثر من مساوئه. وأما ما ذكره عنه الشيخ تقي الدين المقريزي في تاريخ من ~~المساوىء، فلا أقول إنه مغرض في ذلك بل أقول بقول القائل: الطويل ومن ذا ~~الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء فخرا أن تعد معايبه وكان الأليق ~~الإضراب عن تلك المقالة الشنعة في حقه من وجوه عديدة، غير أن الشيخ تقي ~~الدين كان ينكر عليه أمورا، منها انقياده إلى مباشري دولته في مظالم ~~العباد، ومنها شدة حرصه على المال وشرهه في جمعه. وأنا أقول في حق الملك ~~الأشرف ما قلته في حق الملك الظاهر برقوق فيما تقدم، فهو بخيل بالنسبة لمن ~~تقدمه من الملوك، وكريم بالنسبة لمن جاء بعده إلى يومنا هذا، وما أظرف قول ~~من قال: الكامل ما إن وصلت إلى زمان آخر ... إلا بكيت على الزمان الأول ~~PageV04P0194 # وأما قول المقريزي: وانقياده لمباشريه يشير ms3144 بذلك إلى الزيني عبد الباسط، ~~فإنه كان يخاف على ماله منه، فلا يزال يحسن له القبائح في وجوه تحصيل ~~المال، ويهون عليه فعلها حتى يفعلها الأشرف وينقاد إليه بكليته، وحسن له ~~أمورا لو فعلها الأشرف لكان فيها زوال ملكه، ومال الأشرف إلى شيء منها لولا ~~معارضة قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني له فيها عندما كان يسامره ~~بقراءة التاريخ، فإنه كان كثيرا ما يقرأ عنده تواريخ الملوك السالفة ~~وأفعالهم الجميلة، ويذكر ما وقع لهم من الحروب والخطوب والأسفار والمحن، ثم ~~يفسر له ذلك باللغة التركية، وينمقها بلفظه الفصيح، ثم يأخذ في تحبيبه لفعل ~~الخير والنظر في مصالح المسلمين، ويرجعه عن كثير من المظالم، حتى لقد تكرر ~~من الأشرف قوله في الملأ: لولا القاضي العيني ما حسن إسلامنا، ولا عرفنا ~~كيف نسير في المملكة. وكان الأشرف اغتنى بقراءة العيني له في التاريخ عن ~~مشورة الأمراء في المهمات، لما تدرب بسماعه للوقائع السالفة للملوك. قلت: ~~وما قاله الأشرف في حق العيني هو الصحيح، فإن الملك الأشرف كان أميا صغير ~~السن لما تسلطن، بالنسبة لملوك الترك الذين مسهم الرق، فإنه تسلطن وسنه يوم ~~ذاك نيف على أربعين سنة، وهو غر لم يمارس التجارب، ففقهه العيني بقراءة ~~التاريخ، وعرفه بأمور كان يعجز عن تدبيرها قبل ذلك، منها: لما كسرت مراكب ~~الغزاة في غزوة قبرس، فإن الأشرف كان عزم على تبطيلها في تلك السنة ويسيرها ~~في القابل، حتى كلمه العيني في ذلك، وحكى له عدة وقائع صعب أولها وسهل ~~آخرها، فلذلك كان العيني هو أعظم ندمائه وأقرب الناس إليه. على أنه كان لا ~~يداخله في أمور المملكة البتة، بل كان مجلسه لا ينقضي معه إلا في قراءة ~~التاريخ، وأيام الناس وما أشبه ذلك، ومن يوم ذاك حبب إلي التاريخ وملت إليه ~~واشتغلت به، انتهى. وقد تقدم الكلام على أصل الملك الأشرف وكيف ملكه ~~السلطان الملك الظاهر برقوق، وعلى نسبته بالدقماقي في أول ترجمته، فلا حاجة ~~للعيادة هنا ثانيا. انتهى ترجمة الملك الأشرف برسباي رحمه الله ms3145 تعالى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة خمس وعشرين وثمانمائة، على أن الملك الصالح محمد ابن ملك الظاهر ~~ططر، حكم منها إلى ثامن شهر ربيع الآخر، ثم حكم في باقيها الملك الأشرف ~~هذا. وفيها، أعني سنة خمس وعشرين المذكورة، توفي الشيخ الإمام العالم بدر ~~الدين محمود ابن الشيخ الإمام شمس الدين محمد الأقصرائي الحنفي في ليلة ~~الثلاثاء خامس المحرم، ولم يبلغ الثلاثين من العمر. وكان بارعا ذكيا فاضلا ~~فقيها مشاركا في عدة فنون، حسن المحاضرة، مقربا من الملوك. وكان يجالس ~~الملك المؤيد شيخا وينادمه، ثم عظم أمره عند الملك الظاهر ططر واختص به إلى ~~الغاية، وتردد الناس إلى بابه، ورشح إلى الوظائف السنية، فعاجلته المنية ~~ومات بعد مدة يسيرة. وتوفي الشيخ علاء الدين علي ابن قاضي القضاة تقي الدين ~~عبد الرحمن الزبيري الشافعي، في ليلة الأحد ثالث المحرم وقد أناف على ستين ~~سنة، بعد أن ناب في الحكم ودرس بعدة مدارس وبرع في الحساب والفرائض. وتوفي ~~الأمير سيف الدين آق خجا بن عبد الله الأحمدي الظاهري، وهو يلي كشف بالوجه ~~القبلي في العشرين من المحرم. وكان تركي الجنس، أصله من مماليك الملك ~~الظاهر برقوق، وترقى حتى صار من جملة أمراء الطبلخاناه وحاجبا ثانيا، وتولى ~~الكشف بالوجه القبلي ومات هناك. ولم يكن من المشكورين. وتوفي الشيخ المحدث ~~شمس الدين محمد بن أحمد بن معالي الحبتي الحنبلي الدمشقي في يوم الخميس ~~ثامن عشرين المحرم. وكان يقرأ البخاري عند سلطان، وهو أحد فقهاء الحنابلة ~~وأحد ندماء الملك المؤيد شيخ وأصحابه قديما، ولاه مشيخة المدرسة الخروبية ~~بالجيزة. وتوفي مقرىء زمانه العلامة شمس الدين محمد بن علي بن أحمد المعروف ~~بالزراتيني الحنفي، إمام الخمس بالمدرسة الظاهرية برقوق، في يوم الخميس ~~سادس جمادى الآخرة وقد جاوز سبعين سنة، بعد أن كف بصره وانتهت إليه الرئاسة ~~في الإقراء بالديار المصرية ورحل إليه من الأقطار. PageV04P0195 # وتوفي الأمير بدر الدين حسن بن السيفي سودون الفقيه الظاهري صهر الملك ~~الظاهر ططر وخال ولده الملك الصالح المقدم ذكره، ms3146 وهو أحد مقدمي الألوف ~~بالديار المصرية، في يوم الجمعة ثالث عشر صفر بقلعة الجبل في حياة والده ~~سودون الفقيه. وكان والده سودون الفقيه، حمو الملك الظاهر ططر، جنديا لم ~~يتأمر، وصار ولده حسن هذا أمير مائة ومقدم ألف، قلم تطل أيامه في السعادة، ~~فإنه كان أولا بخدمة صهره الملك الظاهر ططر، فلما تسلطن أنعم عليه بإمرة ~~طبلخاناه دفعة واحدة، ثم نقله بعد مدة يسيرة إلى إمرة مائة وتقدمة ألف، ~~فعاجلته المنية ومات بعد مرض طويل. قلت، وهو مثل،: إلى أن يسعد المعتر فرغ ~~عمره. وكان حسن المذكور شابا جميلا حسن الشكالة، إلا أنه كان بإحدى عينيه ~~خلل. وتوفي الشيخ الإمام العالم برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن علي ~~البيجوري الشافعي في يوم السبت رابع عشر شهر رجب، وقد أناف على السبعين ~~سنة، ولم يخلف بعده أحفظ منه لفروع فقه مذهبه، مع قلة الاكتراث بالملبس، ~~والتقشف، وعدم الالتفات إلى الرئاسة. وتوفي مقدم العشير بالبلاد الشامية، ~~بدر الدين حسن بن أحمد المعروف بابن بشارة في سابع ذي الحجة، وكان له رئاسة ~~ضخمة بالنسبة لأبناء جنسه وثروة ومال كثير. ### || AUT أمر النيل في هذه السنة # الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا ونصف. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة ست وعشرين وثمانمائة. فيها توفي قاضي القضاة بالمدينة النبوية، ~~ناصر الدين عبد الرحمن محمد بن صالح، في ليلة السبت رابع عشرين صفر. وكان ~~من الفقهاء أعيان أهل المدينة. وتوفي تاج الدين فضل الله بن الرملي القبطي، ~~ناظر الدولة، في يوم حادي عشرين صفر، بعدما باشر وظيفة نظر الدولة عدة سنين ~~وسئل بالوزارة غير مرة فامتنع واستمر على وظيفته، ومات وقد أناف على ~~الثمانين سنة. قال المقريزي: وكان من ظلمة الأقباط وفساقهم. وتوفي الأمير ~~ناصر الدين بك محمد بن علي بك بن قرمان متملك بلاد قرمان في صفر، من حجر ~~أصابه في حربه مع عساكر خوندكار مراد بك بن عثمان متملك برصا. وكان ابن ~~قرمان هذا أسر في أيام ms3147 الملك المؤيد شيخ، حسبما ذكرناه في ترجمة الملك ~~المؤيد، وحبس بقلعة الجبل، إلى أن أفرج عنه الملك الظاهر ططر بعد موت الملك ~~المؤيد شيخ، حسبما ذكرناه في ترجمة المؤيد، ووجهه إلى بلاده أميرا عليها ~~وأولاد قرمان هؤلاء هم من ذرية السلطان علاء الدين كيقباد السلجوقي، المقدم ~~ذكره في هذا التاريخ في محله، انتهى. وتوفي الأمير علاء الدين قطلوبغا بن ~~عبد الله التنمي، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية ثم نائب صفد، بطالا ~~بدمشق في ليلة السبت سادس عشر شهر ربيع الأول. وأصله من مماليك الأمير تنم ~~الحسني نائب الشام، ورقاه الملك المؤيد، لكون الملك المؤيد كان تزوج ببنت ~~تنم فصار لذلك حواشي تنم كأحد أصحابه. وتوفي قاضي القضاة مجد الدين سالم ~~المقدسي الحنبلي في يوم الخميس تاسع عشرين ذي القعدجة، وقد بلغ الثمانين ~~وتكسح وتعطل عدة سنين. وكان معدودا من فقهاء الحنابلة وخيارهم. وتوفيت خوند ~~زينب بنت السلطان الملك الظاهر برقوق وزوجة الملك المؤيد شيخ ثم من بعده ~~الأتابك قجق العيساوي، وماتت تحته في ليلة السبت ثامن عشرين شهر ربيع ~~الآخر. وهي آخر من بقي من أولاد الملك الظاهر برقوق لصلبه، وأمها أم ولد ~~رومية. وتوفي الأمير سيف الدين تنبك بن عبد الله العلائي الظاهري المعروف ~~بتنبك ميق نائب الشام بها في يوم الاثنين ثامن شعبان. وتولى نيابة دمشق من ~~بعد الأمير تنبك البجاسي نائب حلب الآتي ذكره. وكان تنبك ميق أصله من ~~مماليك الملك الظاهر برقوق، وترقى بعد موته إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف ~~في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم صار رأس نوبة النوب، ثم أمير آخور كبيرا، ثم ~~ولاه نيابة دمشق بعد مسك آقباي المؤيدي، ثم عزله بعد سنين وأنعم عليه بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، ولا زال على ذلك حتى خلع عليه الملك ~~الظاهر ططر باستقراره في نيابة دمشق ثانيا بعد جقمق الأرغون شاوي الدوادار، ~~فأقام على نيابة دمشق إلى أن مات في التاريخ المذكور. وكان من أكابر ~~المماليك الظاهرية، غير أنه لم يشهر بدين ms3148 ولا شجاعة. PageV04P0196 # وتوفي الحافظ قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الحافظ زين الدين ~~عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، العراقي ~~الشافعي مصروفا عن القضاء، في يوم الخميس سابع عشرين شعبان. ومولده في ثالث ~~ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة. واعتنى به والده الحافظ زين الدين عبد ~~الرحيم وأسمعه الكثير، ونشأ وبرع في علم الحديث، ثم غلب عليه الفقه فبرع ~~فيه أيضا، وأفتى ودرس سنين، وتولى نيابة الحكم بالقاهرة، ثم تنزه عن ذلك ~~ولزم داره مدة طويلة، إلى أن طلبه السلطان وخلع عليه باستقراره قاضي قضاة ~~الديار المصرية بعد وفاة شيخ الإسلام قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن ~~البلقيني في شوال سنة أربع وعشرين وثمانمائة، فباشر القضاء بعفة وديانة ~~وصيانة إلى أن صرف بقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني، فلزم داره إلى أن ~~مات. ولم يخلف بعده مثله في جمعه بين الفقه والحديث والدين والصلاح. وله ~~مصنفات كثيرة ذكرناها في ترجمته في تاريخنا المنهل الصافي إذ هو محل ~~الإطناب في التراجم. وتوفي الرئيس علم الدين داؤد بن عبد الرحمن بن الكويز ~~الكركي الأصل الملكي كاتب السر الشريف بالديار المصرية، في يوم الاثنين سلخ ~~شوال ولم يبلغ الخمسين سنة، ودفن خارج القاهرة. وكان اتصل بخدمة الملك ~~المؤيد بالبلاد الشامية وخدم في ديوانه وعرف به، فلما تسلطن ولاه بعد مدة ~~نظر الجيش بالديار المصرية سنين إلى أن نقل إلى كتابة السر في أيام الملك ~~الظاهر ططر بعد عزل صهره القاضي كمال الدين البارزي بسعيه في ذلك، فلم يشكر ~~على فعلته، ونقل كمال الدين المذكور إلى وظيفة نظر الجيش عوضا عنه. وقد ~~تقدم ذلك كله في أصل ترجمة الملك الأشرف مفصلا فلينظر هناك ودام علم الدين ~~هذا في وظيفة كتابة السر سنين إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. وكان ~~عاقلا دينا رئيسا ضخما وجيها في الدول، غير أنه كان عاريا من كل علم وفن، ~~لا يعرف إلا قدم الديونة كما هي عادة الكتبة، وتولى كتابة ms3149 السر من بعده ~~جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي، فعظمت المصيبة بولاية جمال الدين هذا ~~لهذه الوظيفة الشريفة التي هي الآن أعظم رتب المتعددين، لكونه غاية في ~~الجهل وعديم المعرفة بهذا الشأن وغيره. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ثمانية أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثلاثة ~~وعشرون أصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة سبع وعشرين وثمانمائة: فيها خرج الأمير تنبك البجاسي عن الطاعة ~~وهو على نيابة دمشق، وقاتله سودون من عبد الرحمن وظفر به وقطع رأسه وبعث به ~~إلى الديار المصرية، وقد تقدم ذكر ذلك كله في أصل ترجمة الملك الأشرف، ~~ويأتي ذكر تنبك البجاسي في وفيات هذه السنة. وفيها قبض الملك الأشرف على ~~الأتابك بيبغا المظفري وحبسه بالإسكندرية، وقد تقدم أيضا. وفيها مات قتيلا ~~الأمير تنبك بن عبد الله البجاسي نائب الشام، بعد خروجه عن الطاعة في أول ~~شهر ربيع الأول، وهو أحد من ترقى في الدولة الناصرية فخرج ثم ولاه الملك ~~المؤيد شيخ نيابة حماه، فخرج عن طاعته مع الأمير قاني باي العلائي نائب ~~الشام والأمير إينال الصصلاني نائب حلب وغيرهما من النواب، ودام معهما إلى ~~أن انكسرا وقبض عليهما ففر تنبك هذا مع من فر من الأمراء إلى قرا يوسف ~~ببلاد الشرق، فقام عنده هو والأمير سودون من عبد الرحمن والأمير طرباي إلى ~~أن قدموا على الأمير ططر بالبلاد الشامية في دولة الملك المظفر أحمد، ثم ~~لما تسلطن ططر ولاه نيابة حماه ثانيا، ثم نقله الملك الأشرف إلى نيابة حلب ~~بعد تغري بردي أخي قصروه، وتولى بعده نيابة حماة أغاته جارقطلو. والعجيب أن ~~جارقطلو المذكور كان أغاة تنبك البجاسي، وولى بعده نيابة حماه مرتين: ~~الأولى في الدولة المؤيدية والثانية في دولة ططر، ثم نقل تنبك البجاسي إلى ~~نيابة الشام بعد موت الأمير تنبك ميق فلم تطل مدته بها وخرج عن الطاعة، ~~وتولى سودون من عبد الرحمن نيابة الشام عوضه وقاتله حسبما تقدم ذكره حتى ~~ظفر به وقتله. وكان تنبك ms3150 شابا جميلا شجاعا مقداما، وهو أستاذ جميع البجاسية ~~أمراء زماننا هذا بمصر والشأم. PageV04P0197 # وتوفي الإمام العلامة شرف الدين يعقوب بن جلال الدين رسولا بن أحمد بن ~~يوسف التباني الحنفي شيخ شيوخ خانقاه شيخون، في يوم الأربعاء سادس عشر صفر، ~~وكان فقيها بارعا في العربية والأصول وعلمي المعاني والبيان والعقليات، ~~واختص بالملك المؤيد شيخ اختصاصا كبيرا، وتولى نظر الكسوة ووكالة بيت المال ~~ومشيخة خانقاه شيخون، وأفتى ودرس واشتغل وصنف عدة سنين، وكان معدودا من ~~علماء الخنفية. وتوفي الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن شمس الدين بن عبد ~~الله المعروف بابن كاتب المناخ في يوم الجمعة حادي عشرين جمادى الأولى وهو ~~غير وزير، وابنه الصاحب كريم الدين عبد الكريم قد ولى الوزر في حياته، وكان ~~جد أبيه باشر دين النصرانية ثم حسن إسلام آبائه، وكان مشكور السيرة في ~~ولايته للوزارة لكنه استجد في أيام ولايته مكس الفاكهة، ثم عزل بعد مدة ~~يسيرة وصار ذلك في صحيفته إلى يوم القيامة. قلت: هذا هو الشقي الذي ظلم ~~الناس لغيره. وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الظاهري المعروف ~~بالأشقر، وهو أحد أمراء دمشق، بها في جمادى الأولى. وكان ولي شاد الشراب ~~خاناه في الدولة الناصرية، ثم صار في الدولة المؤيدية رأس نوبة النوب ثم ~~أمير مجلس، ثم نكب وانحط قدره وحبس سنين، إلى أن أخرجه الأمير ططر وأنعم ~~عليه بإمرة عشرين بالقاهرة، فدام على ذلك إلى أن أخرجه الملك الأشرف برسباي ~~إلى الشأم على إمرة مائة وتقدمة ألف، فدام بدمشق إلى أن مات، وكان غير ~~مشكور السيرة في دينه ودنياه. وتوفي الملك العادل فخر الدين أبو المفاخر ~~سليمان ابن الملك الكامل شهاب الدين غازي ابن الملك العادل مجير الدين محمد ~~ابن الملك الكامل سيف الدين أبي بكر بن شادي، وقيل: ابن محمد، بن تقي الدين ~~عبد الله ابن الملك المعظم غياث الدين توران شاه ابن السلطان الملك الصالح ~~نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل محمد ابن السلطان الملك العادل ~~أبي بكربن أيوب ms3151 بن شادي بن مروان الأيوبي صاحب حصن كيفا من ديار بكر، وملك ~~بعده الحصن ابنه الملك الأشرف. وكان العادل أديبا شاعرا عاقلا، وله نظم جيد ~~ذكرناه في ترجمته في المنهل الصافي. وتوفي خطيب مكة جمال الدين أبو الفضل ~~ابن قاضي مكة محب الدين أحمد ابن قاضي مكة أبي الفضل محمد النويري الشافعي ~~المكي في شهر ربيع الآخر بمكة، وهو والد صاحبنا الخطيب أبي الفضل محمد ~~النويري، وهم من أعيان فقهاء مكة أباعن جد. وتوفيت خوند الكبرى فاطمة زوجة ~~السلطان الملك الأشرف وأم ابنه المقام الناصري محمد في خامس عشر جمادى ~~الآخرة، وكانت قبل الأشرف تحت الأمير دقماق المحمدي، الذي ينتسب إليه ~~الأشرف بالدقماقي، وكان والدها من أعيان تجار القرم، وكانت من الخيرات، ~~ودفنت بقبة المدرسة الأشرفية بخط العنبريين، وكان لها مقام كبير عند زوجها ~~الملك الأشرف. وتوفي الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل ابن الملك ~~الأفضل عباس ابن الملك المجاهد علي ابن الملك المؤيد داود ابن الملك المظفر ~~يحيى ابن الملك المنصور عمر بن رسول، التركماني الأصل اليمني المولد ~~والمنشأ والوفاة، صاحب بلاد اليمن ومدن ممالكه: زبيد وتعز وعدن والمهجم ~~وحرض وجبلة والمنصورة والمحالب والجوة والدملوة وقوارير والشحر وغيرهم. ~~وكان موته في سادس عشر جمادى الآخرة بصاعقة سقطت عليهم بحصن قوارير خارج ~~مدينة زبيد، فارتاع الملك الناصر هذا من ذلك ولزم الفراش أياما إلى أن مات. ~~وأقيم بعده في ممالك اليمن الملك المنصور عبد الله، وكان الناصر هذا من ~~شرار ملوك اليمن. وتوفي قاضي القضاة وشيخ الشيوخ بالجامع المؤيدي شمس الدين ~~محمد بن عبد الله بن سعد العبسي الديري الحنفي المقدسي بالقدس، وقد توجه ~~إليه زائرا في يوم عرفة، ومولده في سنة أربع وأربعين وسبعمائة بالقدس، وهو ~~والد شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديري. وكان إماما في الفقه وفروعه، بارعا ~~في العربية والتفسير والأصول والحديث، وأفتى ودرس سنين بالقدس ثم طلبه ~~الملك المؤيد في سنة تسع عشرة وثمانمائة، وولاه قاضي قضاة الحنفية بعد موت ~~قاضي القضاة ناصر الدين محمد ms3152 ابن العديم مسؤولا في ذلك، فباشر القضاء بعفة ~~وديانة وصيانة عدة سنين، إلى أن تركه رغبة، وولى مشيخة الجامع المؤيدي داخل ~~باب زويلة إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. PageV04P0198 # وتوفي الشيخ الصالح الزاهد المسلك أبو بكر بن عمر بن محمد الطريني الفقيه ~~المالكي، في يوم عيد النحر بالغربية بمدينة المحلة من الوجه البحري من ~~أعمال القاهرة، ولم يخلف بعده مثله في كثرة العبادة والتقشف وترك الدنيا ~~ولذتها حتى لعله مات من قلة الغذاء وكان يقصد للزيارة من البلاد البعيدة ~~وله كرامات ومصالح، يعرفه كل أحد. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ستة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر أصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة ثمان وعشرين وثمانمائة: فيها كانت أول غزوات الملك الأشرف التي ~~سيرها في البحر حسبما تقدم ذكره. وفيها قتل الأمير تغري بردي بن عبد الله ~~المؤيدي المعروف بأخي قصروه نائب حلب، كان، بقلعة حلب، بعد أن حبس بها مدة ~~في شهر ربيع الأول، وأصله من مماليك الملك المؤيد شيخ وأحد خاصكيته، ثم ~~أمره المؤيد عشرة، ولما مات الملك المؤيد أنعم عليه الأمير ططر في دفعة ~~واحدة بإمرة مائة وتقدمة ألف وجعله أمير آخور كبيرا عوضا عن طوغان الأمير ~~آخور، ثم ولاه نيابة حلب فعصى في أواخر دولة ططر وخرج عن الطاعة، فولي تنبك ~~البجاسي عوضه في نيابة حلب، ومات ططر فتوجه تنبك إليه وقاتله وهزمه وملك ~~حلب، ثم حاصره بقلعة بهسنا حتى أخذه بالأمان وحمله إلى قلعة حلب فحبس بها ~~إلى يوم تاريخه، وكان شابا طائشا خفيفا غير مشكور السيرة، واقتحم الرئاسة ~~فنالها فلم يمهله الدهر وأخذ قبل أن تتم سنته. وتوفي قاضي القضاة علاء ~~الدين أبو الحسن علي ابن التاجر بدر الدين أبي الثناء محمود بن أبي الجود ~~أبي بكر الحموي الحنبلي المعروف بابن مغلي، قاضي قضاة الديار المصرية، في ~~يوم الخميس العشرين من المحرم وقد قارب السبعين سنة، وأصله من سلمية، وكان ~~آباؤه يعانون المتجر، ms3153 وولد هو بحماة وطلب العلم وقدم القاهرة شابا في زي ~~التجار في سنة إحدى وتسعين، ثم عاد إلى حماه وأكب على طلب العلم، حتى برع ~~واشتهر بكثرة الحفظ، حتى إنه كان يحفظ في كل مذهب من المذاهب الأربعة كتابا ~~في الفقه، ويحفظ في مذهبه كثيرا إلى الغاية، مع مشاركة جيدة في الحديث ~~والنحو والأصول والتفسير وتولى قضاء حماة في عنفوان شبيبته ودام بها إلى أن ~~طلبه الملك المؤيد وولاه قضاء الديار المصرية، ونزل بالقاهرة في جوارنا ~~بالسبع قاعات وسكن بها إلى أن مات. حدثني صاحبنا قاضي القضاة جلال لدين أبو ~~السعادات محمد بن ظهيرة قاضي مكة بها، قال: قدمت القاهرة فدخلت إلى ابن ~~مغلي هذا فإذا بالقاضي ولي الدين السفطي عنده، فسلمت وجلست، فأخذ السفطي ~~يثني على ابن مغلي ويعرفني بمقامه في كثرة العلوم، وكان مما قاله: مولانا ~~قاضي القضاة يحيط علمه بالمذاهب الأربعة، فقال ابن مغلي: يا قاضي ولي ~~الدين، أسأت في التعريف، لم لا قلت بجميع مذاهب السلف؟ قال: فمن يومئذ لم ~~أجتمع به. قلت: كان عنده زهو وإعجاب بنفسه، لغزير فضله وكثرة ماله. وقد وقع ~~له مع العلامة نظام الدين يحيى السيرامي الحنفي بحث بحضرة السلطان الملك ~~المؤيد، فقال له القاضي علاء الدين المذكور: يا شيخ نظام الدين، أسمع ~~مذهبك. وسرد المسألة من حفظه، وهذه كانت عادته، وبذلك كان يقطع العلماء في ~~الأبحاث، فجاراه الشيخ نظام الدين في المسألة، ولازال ينقله من شيء إلى شيء ~~حتى دخل به إلى علم المعقول، فارتبك ابن مغلي، واستظهر الشيخ نظام الدين ~~وصاح عليه في الملأ: مولانا قاضي القضاة حفظه طاح، هذا مقام التحقيق. فلم ~~يرد عليه، انتهى. والذي اشتهر به ابن مغلي كثرة المحفوظ. حكى بعض طلبة ~~العلم، قال: استعار مني ابن مغلي أوراقا نحو عشرة كراريس، فلما أخذها مني ~~احتجت إلى مراجعة شيء منها في اليوم المذكور، فرجعت إليه وقلت له: أريد ~~أنظر في الكراريس نظرة ثم خذها ثانيا، فقال: ما بقي لي بها حاجة، قد حفظتها ~~ثم ألقاها ms3154 إلي وسردها من حفظه، فأخذتها وعدت وأنا متعجب من قوة حافظته. ~~PageV04P0199 # وتوفي الأديب الشاعر زين الدين شعبان بن محمد بن داود الآثاري في سابع ~~جمادى الآخرة، وكان ولي حسبة مصر القديمة في الدولة الظاهرية برقوق بمال ~~عجز عن أدائه، ففر إلى اليمن واتصل بملوكها لفضيلة كانت فيه من كتابة ~~المنسوب ونظم الشعر ومعرفة الأدب، فأقام باليمن مدة ثم عاد إلى مكة وحج ~~وقدم القاهرة، ثم رحل إلى الشام ثم عاد إلى مصر فمات بعد قدومه إليها بأيام ~~قليلة. وكان له نظم جيد. من ذلك ماقاله في مدح قاضي القضاة جلال الدين ~~البلقيني لما عزل عن القضاء بالقاضي شمس الدين الهروي، واتفق مع ذلك زينة ~~القاهرة لدوران المحمل، فتغالى في الزينة شخص يسمى الترجمان، وعلق على باب ~~بيته حمارا بسرياقات على رؤوس الناس، بأحسن هيئة، وتردد الناس إلى الفرجة ~~على الحمار المذكور أفواجا، فقال شعبان هذه الأبيات: الوافر أقام الترجمان ~~لسان حال ... عن الدنيا يقول لنا جهارا: زمان فيه قد وضعوا جلالا ... عن ~~العليا وقد رفعوا حمارا وتوفي الشيخ الإمام الأديب الشاعر العلامة بدر ~~الدين محمد بن عمر بن أبي بكر الدماميني المالكي الإسكندري شاعر عصره ~~بمدينة كربركا من بلاد الهند، في شعبان عن نحو سبعين سنة. وكان مولده ~~ومنشأه بثغر الإسكندرية. وبرع في الأدبيات وقال الشعر الفائق الرائق، وعانى ~~دولبة عمل القماش الحرير بإسكندرية، فتحمل الديون بسبب ذلك، حتى ألجأته ~~الضرورة إلى الفرار، فذهب إلى الهند، فأقبل عليه ملوكها وحسن حاله بها، ~~وأثرى وكثر ماله، فلم تطل أيامه، حتى مات. ومن شعره: السريع لاما عذاريك ~~هما أوقعا ... قلب المحب الضب في الحين فجدله بالوصل واسمح به ... ففيك قد ~~هام بلامين وله: البسيط قلت له والدجى مول ... ونحن بالأنس في التلاقي قد ~~عطس الصبح ياحبيبي ... فلا تشمته بالفراق وله: الرجز بدا وقد كان اختفى ... ~~الرقيب من مراقبه فقلت: هذا قاتلي ... بعينه وحاجبه وله: الرمل، قم بنا ~~نركب طرف ... اللهو سبقا للمدام واثن يا صاح عناني ... لكميت ولجام وتوفي ~~الأمير سيف الدين ms3155 أبو بكر حاجب حجاب طرابلس بها، وكان يعرف بدوادار الأمير ~~جكم نائب طرابلس. أظنه تركمانيا، فإني رأيت كلامه يشبه ذلك، ولا عرفت أصله. ~~وتوفي الأمير سيف الدين طوغان بن عبد الله الأمير آخور، قتيلا بقلعة المرقب ~~في ذي الحجة. وكان أصله تركمانيا مكاريا لبغال الأمير طولو الظاهري نائب ~~صفد، ثم تنقل في الخدم حتى اتصل بالملك المؤيد شيخ أيام إمرته، وترقى عنده ~~ليقظة كانت فيه، حتى صار أمير آخوره، فلما تسلطن أمره وولاه حجوبية دمشق، ~~ثم نيابة صفد، ثم جعله أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، وأمير آخور ~~كبيرا بعد الأمير تنبك ميق لما نقل إلى نيابة دمشق بعد مسك آقباي. ولما ولي ~~الأمير آخورية نالته السعادة وعظم في الدولة، إلى أن عينه المؤيد للسفر ~~صحبة الأتابك ألطنبغا القرمشي إلى البلاد الشامية من جملة من عينه من ~~الأمراء. ومات الملك المؤيد، فوقع ما حكيناه من اضطراب المملكة الشامية ~~وعصيان جقمق، فانضم طوغان هذا مع جقمق، ولا زال من حزبه إلى أن انكسر وتوجه ~~معه إلى قلعة صرخد. ولما قبض على جقمق، قبض على طوغان هذا معه ونفي إلى ~~القدس. ثم أمسك ثم أطلق، ورسم له أن يكون بطالا بطرابلس فدام بها مدة، فبلغ ~~السلطان عنه ما أوجب القبض عليه وحبسه بالمرقب، ثم قتله في التاريخ المقدم ~~ذكره، وكان لا فارس الخيل ولا وجه العرب. PageV04P0200 # وتوفي الأمير ناصر الدين محمد بن أحمد بن عمر بن يوسف بن عبد الله بن عبد ~~الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر التنوخي الحموي الشهير بابن العطار، ~~في ثالث عشر شوال بالخليل عليه السلام، وهو متول نظره. ومولده في سنة أربع ~~وسبعين وسبعمائة بحماه، وبها نشأ، وتولى حجوبيتها، ثم نقل إلى دمشق، وولي ~~دوادارية الأمير قاني باي نائب الشام بأمره إلى أن نوه القاضي ناصر الدين ~~ابن البارزي بذكره، واستقدمه إلى القاهرة لمصاهرة كانت بينهما، فولاه الملك ~~المؤيد نيابة الإسكندرية، إلى أن عزله الأمير ططر في الدوله المظفرية، ~~وتعطل في داره سنين حتى ولاه ms3156 الملك الأشرف نظر القدس والخليل، فدام به إلى ~~أن مات. وكان فاضلا عاقلا سيوحا حلو المحاضرة، يذاكر بالتاريخ والشعر. وهو ~~والد صاحبنا الشهابي أحمد بن العطار رحمه الله. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد ~~بن أحمد البيري الشافعي، شيخ خانقاه سعيد السعداء، في يوم الجمعة رابع ~~عشرين ذي الحجة على نحو الثمانين سنة. وهو أخو جمال الدين يوسف البيري ~~الأستادار المقدم ذكره في الدولة الناصرية فرج. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمسة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة تسمع وعشرين وثمانمائة سنة. فيها كان فتح قبرس وأخذ ملكها أسيرا ~~حسبما تقدم ذكره في أصل ترجمة الأشرف هذا مفصلا. وفيها توفي شيخ الإسلام ~~وأحد الأئمة الأعلام، سراج الدين عمر بن علي بن فارس شيخ شيوخ خانقاه ~~شيخون، المعروف بقارىء الهداية في شهر ربيع الآخر، بعد أن انتهت إليه رئاسة ~~مذهب أبي حنيفة في زمانه، هذا مع من كان في دوره من العلماء. كان بارعا ~~مفننا في الفقه وأصوله وفروعه، إماما في العربية والنحو، وله مشاركة كبيرة ~~في فنون كثيرة، وهو أول من أقرأني القرآن بعد موت الوالد. ومات وقد صار ~~المعول على فتواه بالديار المصرية، بعد أن تصدى للإفتاء والإقراء عدة سنين ~~وانتفع به غالب الطلبة. وكان مقتصرا في ملبسه ومركبه، يتعاطى حوائجه من ~~الأسواق بنفسه، مع جميل السيرة وعظم المهابة في النفوس، يهابه حتى السلطان، ~~مع عدم التفاته لأهل الدولة بالكلية، حتى لعلي لم أنظره دخل لأحد منهم في ~~عمره، وهو مع ذلك لا يزداد إلا عظمة ومهابة. ولما ولاه الملك الأشرف مشيخة ~~الشيخونية مسؤولا في ذلك، أراد الشيخ سراج الدين المذكور أن يحضر إلى ~~الخانقاه المذكور ماشيا، وكان مسكنه بالمدرسة الظاهرية ببين القصرين، ~~وامتنع من ركوب الخيل، فأرسل إليه الملك الأشرف فرسا وألزمه بركوبها، فلما ~~ركبها أخذ بيده عصاة يسوقها بها، حتى وصل إلى الخانقاه المذكورة فنزل عنها ~~كما ينزل عن الحمار برجليه من ناحية واحدة، هذا ms3157 كله وعليه من الوقار ~~والأبهة ما لم تنلها أصحاب الشكائم ولا كبار العمائم، وهو أحد من أدركنا من ~~الأفراد الذين مشوا على طريق فقهاء السلف رحمه الله تعالى. ونزل بعده في ~~مشيخة الشيخونية قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي بعد عزله ~~عن القضاء بقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني. وتوفي الشيخ المعتقد خليفة ~~المغربي، نزيل جامع الأزهر، في حادي عشرين المحرم، فجاءة في الحمام، بعدما ~~كان انقطع بالجامع المذكور مكبا على العبادة نيفا وأربعين سنة. وكان للناس ~~فيه اعتقاد كبير ويقصد للزيارة والتبرك به. ولما مات خلف مالا له صورة، ~~وكانت جنازته مشهورة. وتوفي الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله النوروزي ~~أمير سلاح في أول شهر ربيع الآخر بالقاهرة، وأصله من مماليك الأمير نوروز ~~الحافظي ودواداره، ثم ولي بعده نيابة غزة ثم حماه ثم طرابلس، إلى أن نقله ~~الملك الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وخلع عليه ~~باستقراره أمير مجلس، ثم أمير سلاح، فاستمر على ذلك إلى إن مات وفي نفسه ~~أمور، فأخذه الله قبل ذلك. وكان متجملا في ملبسه ومماليكه ومركبه وسماطه ~~إلى الغاية، وفيه مكارم وحب للعظمة مع ظلم وخلق سيىء وقلة دين وبطش بحواشيه ~~ومماليكه وغلمانه وإظهار جبروت. وهو صهري، زوج أختي خوند فاطمة ومات عنها، ~~ولكن الحق يقال على أي وجه كان، وفرح الناس بموته كثيرا وأولهم السلطان ~~الملك الأشرف برسباي. PageV04P0201 # وتوفي السيد الشريف حسن بن عجلان بن رميثة، واسم رميثة منجد، ابن أبي نمي ~~محمد بن أبي سعد حسن بن أبي غرير قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن ~~عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن ~~الحسن المثنى بن أبي محمد الحسن السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، في يوم الخميس سادس عشر جمادى الآخرة بالقاهرة، ودفن ~~بالصحراء بحوش الملك الأشرف برسباي وقد أناف على الستين سنة. ومولده بمكة، ~~وولي إمارتها في ms3158 دولة الملك الظاهر برقوق في سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، ثم ~~ولي سلطنة الحجاز كله: مكة والمدينة والينبع من قبل الملك الناصر فرج في ~~شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثمانمائة، واستناب عنه بالمدينة الشريفة ~~وخطب له على منبرها. وطالت أيامه في السعادة، على أنه وقع له أمور وحوادث ~~ومحن، وحمله ذلك على فعل أشياء ليست بمشكورة، من مصادرة التجار، وأخذ ~~الأموال، وقد ذكرنا أمر خروجه من مكة وقدومه مع الأمير تغري بردي المحمودي ~~إلى القاهرة، في أصل هذه الترجمة واستقراره في إمرة مكة على عادته، إلى أن ~~مات بها قبل أن يتوجه إلى مكة. واستقر بعده في إمرة مكة ابنه الشريف بركات ~~الآتي ذكره في محله. وتوفي العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عطاء ~~الله بن محمد بن محمود بن أحمد بن فضل الله بن محمد الرازي الهروي الشافعي ~~بالقدس في ثامن عشر ذي الحجة. ومولده بهراة سنة سبع وستين وسبعمائة. وكان ~~إماما بارعا في فنون من العلوم، وكان يقرىء على مذهب أبي حنيفة ومذهب ~~الشافعي، والعربية وعلمي المعاني والبيان، ويذاكر بالأدب والتاريخ، ويستحضر ~~كثيرا من الأحاديث حفظا. وصحب تيمورلنك مدة طويلة، ثم قدم القاهرة، وصحب ~~الوالد، وولي قضاء الشافعية بالديار المصرية مرتين فلم ينتج أمره فيهما ~~لبغض أولاد العرب له، كما هي عادة المباينة بين أولاد العرب والأعاجم، ~~وتعصبوا عليه وأبادوه وجحدوا علومه. وولي كتابة السر أيضا بالديار المصرية ~~أشهرا، ثم عزل ونكب ووقع له أمور في ولايته للقضاء في المرة الثانية، إلى ~~أن تولى نظر القدس والخليل، إلى أن مات هناك. وكان شيخا ضخما طوالا أبيض ~~اللحية مليح الشكل، غير أنه كان في لسانه مسكة تمنعه عن الطلاقة، وله ~~مصنفات تدل على غزير علمه واتساع نظره وتبحره في العلوم. وتوفي قاضي القضاة ~~جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن خالد بن نعيم بن مقدم بن محمد بن حسن بن ~~غانم بن محمد بن علي الطائي البساطي المالكي وهو غير قاض، في يوم الاثنين ~~العشرين من جمادى الآخرة، عن ms3159 ثمان وثمانين سنة، وكان فقيها مشاركا في فنون، ~~وعنده معرفة بالأحكام وسياسة ودربة بالأمور، وقد تولى قضاء الديار المصرية ~~سنين كثيرة، وولي حسبة القاهرة شهرا، ثم صرف ولزم داره إلى أن مات. وتوفي ~~الأمير الكبير سيف الدين قجق بن عبد الله العيساوي الظاهري أتابك العساكر ~~بالديار المصرية، في تاسع شهر رمضان، وهو أحد المماليك الظاهرية وممن أنشأه ~~الملك الناصر فرج، وصار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، ثم ولي ~~حجوبية الحجاب في الدولة المؤيدية شيخ، ثم أمسك وحبس إلى أن أطلقه الأمير ~~ططر وولاه أمير مجلس، ثم صار أمير سلاح في أوائل دولة الملك الصالح، ثم صار ~~أتابك العساكر بالديار المصرية بعد مسك الأتابك بيبغا بن عبد الله المظفري، ~~إلى أن مات في التاريخ المذكور. وكان قجق أميرا عاقلا عارفا بفنون الفروسية ~~رأسا في ركوب الخيل ولعب الكرة، مع بخل وشح زائد وحسن شكالة، وكان تركي ~~الجنس رحمه الله تعالى. وتوفي تاج الدين محمد بن أحمد المعروف بابن المكللة ~~وبابن جماعة، في ثامن شهر ربيع الآخر، وكان ولي حسبة القاهرة بالمال فلم ~~تطل مدته وعزل عنها. وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن عبد الله أحد أعيان ~~موقعي الدست بالديار المصرية المعروف بابن كاتب السمسرة وبابن العمري، في ~~يوم الأربعاء العشرين من شعبان. وكان له وجاهة في الدولة، معدودا من أعيان ~~الديار المصرية رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~أربعة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا سواء كالسنة الخالية. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة ثلاثين وثمانمائة. PageV04P0202 # فيها توفي الشيخ الإمام المعتقد زاهد وقته وفريد عصره، أحمد بن إبراهيم ~~بن محمد اليمني الأصل الرومي البرصاوي المولد والمنشأ، المصري الدار ~~والوفاة، المعروف بابن عرب الحنفي، في ليلة الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول ~~بخلوته بخانقاه شيخون، فغسل بها وحمل إلى مصلاة المؤمني على رؤوس الأصابع، ~~ونزل السلطان الملك الأشرف وحضر الصلاة عليه، وأم بالناس قاضي القضاة بدر ~~الدين محمود العيني الحنفي، ثم حمل وأعيد إلى ms3160 الشيخونية فدفن بها وكان له ~~مشهد عظيم إلى الغاية، وأبيع بعده ما كان عليه من الثياب بأثمان غالية ~~للتبرك بها. قلت: وابن عرب هذا أعظم من أدركناه من العباد الزهاد في الدنيا ~~وعدم الاجتماع بالملوك ومن دونهم، والاقتصار في المأكل والملبس، وكان أولا ~~ينسخ للناس بالأجرة، وهو مكب على طلب العلم والعبادة سنين طويلة، إلى أن ~~استقر من جملة صوفية خانقاه شيخون، بمبلغ ثلاثين درهما في الشهر، فتعفف ~~بذلك عن النسخ، وانقطع عن مجالسة الناس، وسكن بخلوة في الخانقاه المذكورة ~~وأعرض عن كل أحد، وأخذ في الاجتهاد في العبادة، واقتصر على ملبس خشن حقير ~~إلى الغاية، وصار يقنع بيسير القوت ولا ينزل من خلوته إلا ليلا لشراء قوته، ~~ثم يعود إلى منزله في كل ثلاثة أيام مرة واحدة بعد عشاء الآخرة. وكان من ~~شأنه إذا حاباه أحد من السوقة فيما يشتريه من قوته، تركه وما حاباه به. ~~فلما عرف منه ذلك ترك الباعة محاباته ووقفوا عندما يشير إليهم به. وكان في ~~كل شهر خادم الخانقاه يحمل إليه الثلاثين درهما فلا يأخذها إلا عدداص، لأن ~~المعاملة بالفلوس وزنا حدثت بعد انقطاعه عن الناس، وكان لا يعرف إلا ~~المعاددة. وكان لا يقبل من أحد شيئا البتة. وكان يغتسل بالماء البارد صيفا ~~وشتاء في بكرة نهار الجمعة، ويمضي إلى صلاة الجمعة من أول نهار الجمعة، ~~ويأخذ في الصلاة والقراءة. وكان يطيل قيامه في الصلاة بمقدار أن يقرأ في كل ~~ركعة حزبين من غير أن يسمع له قراءة ولا تسبيح. وكان لا يرى نهارا إلا عند ~~ذهابه يوم الجمعة إلى الجامع. وكان يعجز السلطان ومن دونه في الاجتماع به. ~~ويحكى عنه كرامات كثيرة، ذكرنا بعضها في ترجمته في المنهل الصافي، رحمه ~~الله تعالى ونفعنا ببركته. وتوفي الأمير سيف الدين قشتم بن عبد الله ~~المؤيدي الدوادار، الذي كان ولي نيابة الإسكندرية في دولة الملك المظفر ~~أحمد، ثم قبض عليه وأخرج بعد مدة إلى حلب على إمرة بها، واستمر بحلب إلى أن ~~خرج مع نائبها الأمير ms3161 قصروه لقتال التركمان، فقتل في المعركة في المحرم. ~~وكان غير مشكور السيرة، وهو أخو إينال المؤيدي المعروف بأخي قشتم، وكلاهما ~~ليس بشيء، من المهملين. وتوفي الشيخ المحدث الفاضل شهاب الدين أحمد بن موسى ~~بن نصير المتبولي المالكي في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الأول، عن خمس ~~وثمانين، سنة. وقد حدث عن عمر بن الحسن بن مزيد المعمر المسند الرحلة زين ~~الدين أبي حفص المراغي الحلبي الشهير بابن، أميلة، وست العرب، وجماعة، وناب ~~في الحكم سنين رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف بن ~~محمد بن الزعيفريني الدمشقي الشاعر في ربيع الأول. وكان ينظم الشعر، ويكتب ~~المنسوب، ويتكلم في معرفة علم الحرف، وبتكلم أيضا في المغيبات، ومال إليه ~~بسبب ذلك جماعة من الأكابر، وأثرى، وامتحن في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، ~~وقطع الملك الناصر لسانه وعقدتين من أصابعه، ورفق به المشاعلي عند قطع ~~لسانه فلم يمنعه ذلك من الكلام. وكان سبب هذه المحنة أنه نظم لجمال الدين ~~الأستادار ملحمة أوهمه أنها ملحمة قديمة، وأنه يملك مصر، وبلغ ذلك الملك ~~الناصر فرج فأمر به ما ذكرناه. ولما قطعت أصابعه، صار يكتب بعد موت الملك ~~الناصر بشماله، فكتب مرة إلى قاضي القضاة صدر الدين علي بن الآدمي الحنفي ~~يقول: الطويل لقد عشت دهرا في الكتابة مفردا ... أصور منها أحرفا تشبه ~~الدرا وقد عاد خطي اليوم أضعف ماترى ... وهذا الذي يسر الله لليسرى فأجابه ~~قاضي القضاة صدر الدين المذكور: الطويل، لئن فقدت يمناك حسن كتابة ... فلا ~~تحتمل هما ولا تعتقد عسرا وأبشر ببشر دائم ومسرة ... فقد يسر الله العظيم ~~لك اليسرى PageV04P0203 # وتوفي الأمير الطواشي الرومي شبل الدولة كافور الصرغتمشي زمام دار ~~السلطان، وقد قارب الثمانين سنة من العمر، في يوم الأحد خامس عشرين شهر ~~ربيع الآخر. وأصله من خدام الأمير صرغتمش الأشرفي، ثم أخذه الأتابك منكلي ~~بغا الشمسي وأعتقه. وترقى إلى أن ولاه الملك الناصر فرج زمام داره، فدام ~~على ذلك إلى أن عزل بعد موت الملك المؤيد بمرجان الخازندار الهندي، ثم ms3162 أعيد ~~إليها بعد مدة. وهو الذي أنشأ التربة العظيمة بالصحراء، وبها خطبة وعمائر ~~هائلة، وله مدرسة أخرى أنشأها بخط حارة الديلم من القاهرة. وتولى بعده ~~الزمامية الأمير الطواشي خشقدم الظاهري الخازندار. وتوفي الشيخ الأديب ~~البارع المفنن بدر الدين محمد بن إبراهيم بن محمد المعروف بالبشتكي الظاهري ~~المذهب، في يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى الآخر، فجاءة في حوض الحمام. وكان ~~من تلامذة الشيخ جمال الدين بن نباتة في الأدب، وكان أحد الأفراد في كثرة ~~النسخ: كان ينسخ في اليوم خمس كراريس، فإذا تعب اضطجع على جنبه وكتب كما ~~يكتب وهو جالس، فكتب ما لا يدخل تحت حصر. وكثيرا ما يوجد ديوان شعر ابن ~~نباتة بخطه. ومن شعره: الوافر وكنت إذا الحوادث دنستني ... فرغت إلى ~~المدامة والنديم لأغسل بالكؤوس الهم عني ... لأن الراح صابون الهموم وكان ~~بينه وبين ابن خطيب داريا أهاجي ومكاتبات، تم بينه وبين شرف الدين عيسى ~~العالية المعروف بعويس، وفيه يقول، عويس المذكور: المتقارب أيامعشرالصحب ~~مني اسمعوا ... مقالي وكس اخت من ينتكي ألا فالعنوا آكلين الحشيش ... ~~وبولوا على شارب البشتكي قلت: والبشتكي ضرب من المسكرات مثل التمربغاوي ~~والششش. وله أيضا فيه صحبت جندي لوغيه ... في السكر وأنواع الشروب كيف ما ~~أجي ألقاه سكران ... والبشتكي تحتو مكبوب وتوفي قاضي القضاة نجم الدين عمر ~~بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد الحسبائي السعدي الدمشقي الشافعي، قاضي قضاة ~~دمشق وكاتب السر بالديار المصرية، مذبوحا على فراشه ببستانه بالنيرب خارج ~~دمشق، في ليلة الأحد مستهل ذي القعدة، عن ثلاث وستين سنة، ونسب قتلة للزيني ~~عبد الباسط، وللشريف شهاب الدين أحمد كاتب سر دمشق ثم مصر وكان القاضي نجم ~~الدين فقيها بارعا فاضلا كريما حشما وقورا، له مكارم وأفضال وسؤدد، وهو أحد ~~أعيان أهل دمشق وفقهائهم رحمه الله تعالى. وقد تقدم ذكر محنته عندما ولي ~~كتابة سر مصر في ترجمة الملك الأشرف هذا، فلينظر هناك. وتوفي الملك المنصور ~~عبد الله ابن الملك الناصر أحمد ابن الملك الأشرف إسماعيل، صاحب اليمن في ~~جمادى الأولى ms3163 بها، وأقيم بعده أخوه الملك الأشرف إسماعيل ثم خلع بعد مدة، ~~وأقيم بعده الملك الظاهر هزبر الدين يحيى ابن الملك الأشرف إسماعيل في ثالث ~~شهر رجب، وقد تقدم ذكر نسبه في ترجمة والده من هذا الكتاب في سنة سبع ~~وعشرين وثمانمائة. وفي أيام هؤلاء الملوك، تلاشى أمر اليمن، وطمع فيها كل ~~أحد. وتوفي القاضي بدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن علي البدر ~~أبو عبد الله القرشي، القلقشندي الشافعي أمين الحكم بالقاهرة، في يوم ~~الاثنين رابع عشرين المحرم، وكان مولده أيضا في أول المحرم من سنة إحدى ~~وأربعين وسبعمائة، وكانت لديه فضيلة وعنده مشاركة. وتوفي القاضي تقي الدين ~~محمد بن زكي الدين عبد الواحد بن عماد الدين محمد ابن قاضي القضاة علم ~~الدين أحمد الإخنائي المالكي أحد نواب الحكم بالقاهرة وهو بمكة، في ثالث ذي ~~الحجه، عن ثلاث وستين سنة. وكان من بيت فضل وعلم ورئاسة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزياذة عشرون ذراعا سواء. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. فيها توفي أمير الملأ عذراء بن علي، بن ~~نعير بن حيار بن مهنا مقتولا في المحرم. PageV04P0204 # وتوفي الأمير الفقيه سيف الدين بكتمر بن عبد الله السعدي أحد أمراء ~~الطبلخانات بالدديار المصرية، في يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول، ~~بسكنه بدار أستاذه القاضي سعد الدين إبراهيم بن غراب بخط قنطرة طقزدمر، ولم ~~يخلف بعده في أبناء جنسه مثله بل ولا في غير أبناء جنسه، لما اشتمل عليه من ~~المحاسن: كان فاضلا دينا شجاعا بارعا في فنون الفروسية، انتهت إليه الرئاسة ~~في حمل المقيرة ورمي النشاب في زمانه، هذا مع البشاشة والكرم وحسن الشكل ~~والتواضع وحسن المحاضرة وجودة المشاركة في كل علم وفن، مع الفصاحة في اللغة ~~التركية والعربية، والدين المتين والعفة عن المنكرات والفروج، ولا أعرف من ~~يدانيه في محاسنه، فكيف يشابهه، وكان طوالا جسيما ضخما ذا قوة مفرطة، مليح ~~الشكل، واللحية مدورة ms3164 بادية الشيب. قبض مرة بأكتاف شخص من أعيان الخاصكية ~~المشاهير بالقوة، وهزه وأفلته، ثم قال له: ما بقي فيك شيء يا فلان، فلم ~~ينطق ذلك الرجل بكلمة وذهب خجلا لكثرة دعاويه، فقلت لبكتمر: " هذا الذي أنت ~~فيه من كثرة الإدمان، فقال: منذ بلغت الحلم وأنا متزوج، غير أنني لا أهمل ~~نفسي، فقلت له: هذه منح إلهية. ولما مات أنعم السلطان بطبلخانته على الأمير ~~قجقار جغتاي السيفي بكتمر جلق. ومات بكتمر السعدي هذا وسنه نحو خسين سنة ~~تخميا، وكان رومي الجنس رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن ~~عبد الله الأشرفي الدوادار الثاني وعظيم دولة أستاذه الأشرف برسباي في يوم ~~الخميس سابع عشرين شهر ربيع الأول، وسنه خو خمسة وعشرين سنة تخمينا، ودفن ~~بمدرسته التي أنشأها بخط القربيين خارج باب زويلة على الشارع، ثم نقل منها ~~بعد مدة إلى تربة أستاذه بالصحراء، وحضر السلطان غسله ثم الصلاة عليه، وكان ~~أشيع عنه أن نفسه تحدثه بالملك، فعاجلته النية. وكان أصله من مماليك الملك ~~الأشرف برسباي، اشتراه صغيرا في أيام إمرته وقاسى معه خطوب الدهر أيام حبسه ~~بقلعة المرقب وغيرها، ولما تسلطن الملك الأشرف عرف له ذلك مع محبته له، ~~فرقاه وأنعم عليه بإمرة عشرة وجعله خازندارا، ثم أرسله بتقاليد الأمراء ~~نواب الشأم: تنبك البجاسي وغيره، ثم أنعم عليه بعد حضوره بإمرة طبلخاناة، ~~وخلع عليه بالدوادارية الثانية عوضا عن الأمير قرقماس الشعباني الناصري ~~بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ألف، فعظم في الدولة ونالته السعادة، ~~حتى تزايد أمره وخرج عن الحد من كثرة إنعامه وإظهار الجميل والأخذ ~~بالخواطر، حتى ركن إليه غالب أعيان الدولة من الخاصكية، وكثر تردد الناس ~~إليه، وصار أكابر الدولة مثل عبد الباسط وغيره تتردد أيضا إلى خدمته، إذا ~~سمح لهم بذلك، وله عليهم الفضل، وصار أمره في نمو وزيادة، وقصده الناس من ~~الأقطار لقضاء حوائجهم. وبينما هو في ذلك وقد اشتغل الناس به وأشير إليه ~~بالأصابع، وقد مرض ولزم الفراش مدة ونزل السلطان، إلى عيادته مرة، ثم ms3165 رسم ~~بطلوعه إلى القلعة، فحمل إليها وتولى السلطان تمريضه، فأفاق قليلا وترعرع، ~~فأنزل إلى داره. وكان سكنه بالدار التي في سوق القبو الحسيني، وللدار باب ~~من حدرة البقر، وهي الآن سكن الأمير يشبك الفقيه المؤيدي، وعند نزوله إليها ~~عاوده المرض، ونزل إليه ثانيا فوجده كما قيل: السريع، لم يبق إلا نفس خافت ~~... ومقلة إنسانها باهت يرثي له الشامت مما به ... ياويح من يرثي له الشامت ~~وبعد طلوعه مات في تلك الليلة، فنزل السلطان إلى داره وحضر غسله، كما تقدم، ~~والصلاة عليه. وكان أميرا شابا حلو الشكالة، للقور أقرب، أخضر اللون مليح ~~الوجه صغير اللحية مدورها، فصيحا ذكيا حاذقا، متحركا متجملا في مركبه ~~وملبسه وسماطه إلى الغاية، يكتب كتابة ضعيفة ويقرأ، إلا أنه كان عاريا من ~~العلوم لم يسبق له اشتغال بعلم، وما كان دأبه إلا فيما هو فيه من الأمر ~~والنهي وتنفيذ الأمور، واتهم السلطان بموته، والله أعلم بحاله. ~~PageV04P0205 # وتوفي الشيخ المعتقد الصالح سعيد المغربي نزيل جامع الأزهر، به، في يوم ~~الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول، بعد أن جاور بجامع الأزهر عدة سنين. ~~وكان للناس فيه اعتقاد كبير، وله كرامات ويقصد للزيارة والتبرك بدعائه. ~~زرته غير مرة، ومات وقد علا سنه وطال مرضه. وترك نحو الألفي دينار ما بين ~~ذهب وفضة وفلوس. وتوفي الأمير سيف الدين أزدمربن عبد الله من علي جان ~~الظاهري المعروف بأزدمر شايا، في سادس شهر ربيع الآخر. وهو أحد أمراء حلب، ~~بعد أن تنقل في عدة إمريات بالشأم ومصر، وصار أمير مائة ومقدم ألف بديار ~~مصر، ثم أخرج إلى نيابة ملطية، ثم نقل إلى إمرة بحلب إلى أن مات بها. وقد ~~تقدم التعريف بحاله عند إخراجه من مصر في ترجمة الملك الأشرف، ومات وسنه ~~نيف على خمسين سنة. وكان من سيئات الدهر: لم يشهر بدين ولا كرم ولا شجاعة ~~ولا معرفة ولا عقل، مع كبر وجبروت وظلم وسوء خلق. وكان قصيرا نحيفا أصفر ~~دميما حقيرا في الأعين، وعد إخراجه من مصر من محاسن الملك الأشرف. ms3166 وتوفي ~~الأمير سيف الدين كمشبغا بن عبد الله الجمالي الظاهري أحد أمراء الطبلخانات ~~بطالا، في يوم الجمعة رابع جمادى الأولى، وقد علا سنه، وكان من أكابر ~~المماليك الظاهرية برقوق وممن تأمر في أيام أستاذه. وكان تركي الجنس عاقلا ~~فقيها دينا خيرا عفيفا عن المنكرات والفروج، وطالت أيامه في الإمرة، وتولى ~~نيابة قلعة الجبل في الدولة الناصرية فرج، واستمر من جملة أمراء الطبلخانات ~~في صدر من الدولة الأشرفية برسباي إلى أن أخرج الملك الأشرف إقطاعه، فلزم ~~داره على أحسن وجه إلى أن مات وهو في عشر الثمانين. وتوفي الأمير الكبير ~~سيف الدين يشبك بن عبد الله، الساقي الظاهري الأعرج أتابك العساكر بالديار ~~المصرية في يوم السبت ثالث جمادى الآخرة، وكان أصله من مماليك الملك الظاهر ~~برقوق ومن أعيان خاصكيته، وصار ساقيا في أيام أستاذه الظاهر. ثم ثار على ~~الملك الناصر في أيام تلك الفتن، ووقع له أمور وحروب انصاب في بعضها بجرح ~~أصابه، بطل منه شقته ، وصار يعرج منه عرجا فاحشا، ثم عوفي، وانتمى للأمير ~~نوروز الحاقظي إلى أن ولاه نيابة قلعة حلب، إلى أن أمسكه الملك المؤيد شيخ ~~وحبسه بعد قتل نورز ثم نفاه إلى مكة بطالا سنين عديدة، إلى أن استقدمه ~~الملك الظاهر ططر إلى القاهرة. ومات ططر، قبل أن ينعم عليه بإمرة، فأنعم ~~عليه الملك الأشرف برسباي بإمرة مائة وتقدمة ألف عوضا عن قرمش الأعور دفعة ~~واحدة. ثم صار أمير سلاح، ثم ولي أتابكية العساكر بعد الأمير قجق العيساوي، ~~فاستمر على ذلك إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. وكان من رجال الدهر ~~عقلا وحزما ودهاء ومعرفة وتدبيرا، مع مشاركة جيدة في الفقه والقراءات، ~~ومعرفة تامة بفنون الفروسية وأنواع الملاعيب، كالرمح والنشاب وغيره. وكان ~~يكتب المنسوب ويحفظ القرآن. وكانت نفسه تحدثه بأمور، فإنه كان يكثر من ذكر ~~أخبار تيمورلنك وشدة بأسه لكونه كان أعرج، وقد صار أمره إلى ما صار. وهو ~~الذي حسن للملك الأشرف الاستيلاء على بندر جدة، والقبض على حسن بن عجلان. ~~ولو عاش لحسن له ms3167 أخذ اليمن كله. وتولى الأتابكية بعده الأمير جارقطفو ~~الظاهري. وتوفي بدرالدين حسن كاتب سر دمشق وناظر جيشها، بها، في يوم ~~الأربعاء لست بقين من جمادى الآخرة، وكان أصله من سمرة دمشق. وخدم عند ~~الأمير بكتمر جلق نائب دمشق ثم ترقى إلى أن جمع له بين كتابة سر دمشق ونظر ~~جيشها، بسفارة الأمير أزبك المحمدي الدوادار الكبير، كون أزبك كان متزوجا ~~ببنت زوجته. وتوفي الشيخ الإمام العالم المفنن شمس الدين محمد بن عبد ~~الدائم بن موسى البرماوي الشافعي، أحد فقهاء الشافعية ومدرس المدرسة ~~الصلاحية بالقدس الشريف، في يوم الخميس ثاني عشرين جمادى الآخرة وقد أناف ~~على ستين سنة، بعدما أفتى واشتغل عدة سنين. وتوفي القاضي بر الدين حسن بن ~~أحمد بن محمد البرديني الشافعي أحد نواب القضاة الشافعية، في يوم الاثنين ~~خامس عشرين شهر رجب وقد أناف على الثمانين سنة. وكان قاضي سوء لم يشهر بعلم ~~ولا دين. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ثلاثة أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة عشرون ذراعا سواء. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة. PageV04P0206 # فيها توفي الشيخ ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباري ~~الشافعي أحد فقهاء الشافعية، في ليلة الأحد حادي عشر شهر ربيع الأول، وقد ~~أناف على التسعين سنة. وكان بارعا في الفقه وأصوله والعربية والحساب، ~~مشاركا في عدة فنون. وخطب ودرس وأفتى وأقرأ عدة سنين بدمياط والقاهرة. ~~وتوفي القاضي نور الدين علي الصفطي وكيل بيت المال وناظر الكسوة، في ليلة ~~الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة. وكان يباشر الشهادة بديوان العلائي آقبغا ~~التمرازي أمير مجلس، وعند أستاذه تمراز من قبله. وتوفي الشريف عجلان بن ~~نمير بن منصور بن جماز بن منصور بن جماز بن حماد بن شيحة. بن هاشم بن قاسم ~~بن مهنأ بن حسين بن مهنأ بن داود بن قاسم بن عبد الله بن طاهر بن يحيى بن ~~الحسين بن جعفر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مقتولا في ذي ~~الحجة، بعدما ms3168 ولي إمارة المدينة النبوية غير مرة. وتوفي الأديب نور الدين ~~علي بن عبد الله الشهير بابن عامرية، في يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع ~~الآخر بمدينة النحريرية بالغربية من أعمال القاهرة. وكان شاعرا أديبا ~~مكثرا، وأكثر شعره في المدائح النبوية. وتوفي الواعظ المذكر شهاب الدين ~~أحمد بن عمر بن عبد الله المعروف بالشاب التائب بدمشق، في يوم الجمعة ثاني ~~عشر شهر رجب عن نحو سبعين سنة، وكانت لديه فضيلة، ورحل إلى البلاد، وصحب ~~المشايخ، ونظم الشعر على قاعدة الصوفية، وحصل له قبول تام من الناس. وتوفي ~~العبد الصالح شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أحمد الصوفي، بعدما عمي بسنين، ~~في ليلة الثلاثاء ثالث عشر المحرم، ومولده في سنة تسع وأربعين. قال ~~المقريزي: وهو أحد من صحبته من أهل العبادة والنسك. ورأس مدة، واتصل بالملك ~~الظاهر برقوق، وولي نظر البيمارستان المنصوري بالقاهرة، وجال في الأقطار ~~ورحل إلى بغداد والحجاز واليمن والهند رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير شمس ~~الدين محمد بن سعيد المعروف بسويدان، أحد أئمة السلطان، في يوم الاثنين ~~سابع صفر، وكان أبوه عبدا أسود، سكن القرافة وولد له ابنه هذا. وحفظ القرآن ~~الكريم وقرأ مع الأجواق فأعجب الملك الظاهر برقوق صوته فجعله أحد أئمته، ~~واستمر على ذلك إلى دولة الملك الناصر فرج فولاه حسبة القاهرة، ثم عزله بعد ~~مدة فعاد كما كان أولا، يقرأ في الأجواق عند الناس ويأخذ الأجرة على ذلك. ~~وصار رئيس جوقة، واستقرأته أنا كثيرا. وكان أسود اللون طوالا. وتوفي الشيخ ~~المعتقد محمد بن عبد الله بن حسن بن المواز في يوم الأحد حادي عشر ربيع ~~الأول. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الله الشطنوفي ~~الشافعي في ليلة الاثنين سادس عشرين شهر ربيع الأول وقد قارب الثمانين. ~~وبرع في الفقه والفرائض وغير ذلك، ودرس عدة سنين، وانتفع به جماعة كبيرة من ~~الطلبة. وتوفي القاضي بدر الدين محمد بن محمد بن أحمد بن مزهر الدمشقي ~~النابلسي كاتب السر الشريف بالديار المصرية، بها، في ليلة الأحد ms3169 سابع عشرين ~~جمادى الآخرة عن نحو الخمسين سنة، وكان من بيت رئاسة. ولي أبوه كتابة سر ~~دمشق وباشر بدر الدين هذا كتاب الإنشاء بدمشق، واتصل بخدمة الأمير شيخ ~~المحمودي نائب دمشق. فلما قدم شيخ إلى مصر بعد قتل الملك الناظر فرج، قدم ~~ابن مزهر هذا معه مع من قدم من الشاميين. ولما تسلطن شيخ ولاه نظر الإسطبل ~~السلطاني فدام على ذلك سنين. ثم ناب عن القاضي كمال الدين محمد بن البارزي ~~في كتابة السر، وقام بأعباء الديوان في أيام علم الدين داؤد بن الكويز ومن ~~بعده، إلى أن خلع عليه السلطان الملك الأشرف برسباي باستقراره كاتب السر ~~الشريف بالديار المصرية، فباشر الوظيفة بحرمة وافرة، وأثرى وكثر ماله، إلى ~~أن مات في التاريخ المذكور. قال: وخلف مالا كثيرا لطمع كان فيه وشح. وتوفي ~~الشريف خشرم بن دوغان بن جعفر بن هبة الله بن جماز بن منصور بن جماز بن ~~شيحة الحسيني، أمير المدينة، مقتولا أيضا في حرب في ذي الحجة. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وسبعة أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشر ~~ذراعا وستة عشرأصبعا. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. PageV04P0207 # فيها كان الطاعون العظيم الذي لم ندرك بمثله بمصر وقراها، بل وبغالب ~~البلاد الشامية، حسبما ذكرناه في ترجمة الملك الأشرف هذا في وقته. وكان هذا ~~الطاعون أعظم من هذه الطواعين كلها وأفظعها، ولم يقع بالقاهرة ومصر بعد ~~الطاعون العام الذي كان سنة تسع وأربعين وسبعمائة نظير هذا الطاعون، وخالف ~~هذا الطاعون الطواعين الماضية في أمور كثيرة، منها أنه وقع في الشتاء ~~وارتفع في فصل الربيع، وكانت الطواعين تقع في فصل الربيع وترتفع في أوائل ~~الصيف، وأشياء غير ذلك ذكرناها في محلها. وفيها توفي القاضي شرف الدين أبو ~~الطيب محمد ابن القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن نصر الله الغزي الأصل، ~~المصري، في ليلة الأربعاء سابع عشر ربيع الأول، ودفن بالصحراء، ومات بغير ~~الطاعون، ومولده في ليلة السبت حادي عشرين ذي القعدة ms3170 سنة سبع وتسعين ~~وسبعمائة، ونشأ بالقاهرة واشتغل يسيرا وخدم الأمير ططر موقعا عدة سنين، ~~فلما تسلطن رشحه لنظر الجيش فلم يتم له ذلك، وولي نظر الكسوة، ونظر أوقاف ~~الأشراف، ثم نظر دار الضرب إلى أن مات. وكان شابا كريما وفيه محبة لأهل ~~العلم والفضل والصلاح، إلا أنه كان فيه حدة مزاج وبادرة مع تدين وتحشم. ~~وتوفي الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله المحمدي الظاهري برقوق الدوادار ~~الكبير، بالقدس بطالا، في يوم الثلاثاء سادس عشر شهر ربيع الأول، وهو أحد ~~المماليك الظاهرية برقوق وترقى إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف بدمشق، ثم ~~قبض عليه الملك المؤيد شيخ بعد واقعة نوروز وحبسه سنين، إلى أن أطلقه في ~~أواخر دولته، وأنعم عليه بإقطاع هين بدمشق أمير عشرة. فلما أن صار الأمر ~~إلى الأمير ططر أنعم عليه بإمرة طبلخاناة بديار مصر، ثم صار أمير مائة ~~ومقدم ألف، ثم رأس نوبة النوب بعد الأمير قصروه من تمراز في أوائل الدولة ~~الأشرفية، ثم نقل إلى الدوادارية الكبرى بعد سودون من عبد الرحمن، لما نقل ~~إلى نيابة دمشق بعد عصيان تنبك البجاسي، فدام في الدوادارية إلى أن اشيع ~~عنه أنه يريد الوثوب على السلطان، ولم يكن لذلك صحة، فأخرجه السلطان إلى ~~القدس بطالا، ومسفره الأمير قراخجا الحسني رأس نوبة، فدام بالقدس إلى أن ~~مات. وكان أميرا ضخما عاقلا حشما مهابا دينا عفيفا عن المنكرات والفروج، ~~خليقا للإمارة، وهو أحد من تولى تربيتي رحمه الله تعالى. ولقد كان به تجمل ~~في الزمان وأهله. وتوفي القاضي كريم الدين عبد الكريم بن سعد الدين بركة ~~المعروف بابن كاتب جكم، ناظر الخاص الشريف في ليلة الجمعة العشرين من شهر ~~ربيع الأول بغير طاعون ودفن بالقرافة، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة ~~المؤمني، وتولى ابنه القاضي سعد الدين إبراهيم وظيفة نظر الخاص من بعده، ~~وقد تطاول أعناق بني نصر الله وغيرهم إلى الوظيفة فلم يلتفت السلطان إلى ~~أحد، وولاها لسعد الدين المذكور. وكان القاضي كريم الدين المذكوررئيسا حشما ~~متواضعا كريما بشوشا ms3171 هينا لينا ساكتا عاقلا. باشر في ابتداء أمره استيفاء ~~الدولة، ثم نظر الدولة، وغيرهما من خدم أعيان الأمراء، آخرهم الملك الأشرف ~~برسباي، إلى أن طلبه السلطان الملك الأشرف وولاه نظر الخاص الشريف بعد عزل ~~الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله عنها، واستقراره أستادارا، في يوم ~~الاثنين ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان ذلك آخر ~~عهد بني نصر الله بهذه الوظيفة. واستقر في نظر الدولة من بعده أمين الدين ~~إبراهيم بن الهيصم. وباشر القاضي كريم الدين الوظيفة بحرمة وافرة، ونالته ~~السعادة وعظم في الدولة وأثرى، ومشى حال الخاص في أيامه، حتى قيل إنه منذ ~~ولي الخاص إلى أن توفي لم يبطل الواصل عنه يوما واحدا، مبالغة في إقبال ~~سعده وتيامن الناس بولايته، ومات من غير نكبة رحمه الله تعالى. وتوفي ~~الأمير سيف الدين كمشبغا بن عبد الله الفيسي المزوق الظاهري منفيا بدمشق، ~~في رابع عشر شهر ربيع الآخر وقد ناهز الستين سنة من العمرة وأصله من مماليك ~~الملك الظاهر برقوق، ورقاه الملك الناصر فرج إلى أن جعله أمير آخور كبيرا ~~مدة يسيرة، ثم عزله الملك الناصر أيضا، ثم وقع له أمور وانحط قدره في دولة ~~الملك الأشرف برسباي، وتولى كشف البر، وساءت سيرته من كثرة ظلمه وقلة دينه ~~مع الإسراف على نفسه، وفي الجملة فمستراح منه ومن مساوئه. PageV04P0208 # وتوفي السيد الشريف علي بن عنان بن مغامس بن رميثة. تقدم أن اسم رميثة ~~منجد بن أبي نمي، وقد ذكرنا بقية نسبه في ترجمة الشريف حسن بن عجلان وغيره، ~~فلينظر هناك. وكانت وفاته بقلعة الجبل في يوم الأحد ثالث جمادى الآخرة ~~بالطاعون. وكانت لديه فضيلة، ويذاكر بالشعر وغيره. وتوفي الأمير الكبير سيف ~~الدين بيبغا بن عبد الله المظفري، وهو أمير جلس، في ليلة الأربعاء سادس ~~جمادى الآخرة بالطاعون. وهو أحد أعيان المماليك الظاهرية برقوق وممن ترقى ~~في الدولة الناصرية فرج حتى صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، وصار ~~من يوم ذاك ينتقل في الإمرة والحبوس شاما ومصرا وإسكندرية، ms3172 فكان حاله أشبه ~~بقول القائل: المتقارب ويوم سمين ويوم هزيل ... ويوم أمر من الحنظله وليل ~~أبيت جليس الملوك ... وليل أبيت على مزبله إلى أن خلع عليه الأشرف برسباي ~~باستقراره أتابك العساكر بالديار المصرية بعد الأمير طرباي، فأقام على ذلك ~~نحو ثلاث سنين أو دونها، وقبض عليه الملك الأشرف وحبسه أيضا بالإسكندرية، ~~وذلك لبادرة كانت فيه، ومخاشنة في كلامه مع الملوك، مع سلامة الباطن، ولذلك ~~كان كثيرا ما يحبس ثم يفرج عنه. وقد تقدم التعريف بحاله عندما أمسكه الملك ~~الأشرف في أصل ترجمة الأشرف، مستوفاة، فدام بيبغا المذكور في السجن مدة ~~طويلة، ثم أطلقه السلطان أوسيره إلى دمياط بطالا، ثم نقله إلى القدس فلم ~~تطل مدته، وطلبه السلطان، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف، وخلع عليه ~~باستقراره أمير مجلس. ولما ولي إمرة مجلس، صار يقعد على ميسرة السلطان فوق ~~أمير سلاح، مراعاة لما سبق له من الرئاسة من الأتابكية وغيرها، وكون أمير ~~سلاح كان الأمير إينال الجكمي، أحد السيفية ، ينظره في عينه أنه مملوك بعضر ~~خجداشيته. وكان بيبغا أميرا جليلا شجاعا مهابا مقداما، مع كرم وسلامة باطن ~~وفحش في خطابه، من غير سفه على عادة جنس الأتراك. ومع هذا كله كان فيه ~~دعابة حلوة يحتمل بها فحش خطابه وانحرافه. وهو أعظم من رأيناه من الملوك في ~~أبناء جنسه رحمه الله. وتوفي الأمير سيف الدين بردبك السيفي يشبك بن أزدمر ~~المعروف بالأمير آخور، وهو أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، في يوم الأحد ~~عاشر جمادى الآخرة بالطاعون، وهو في الكهولية. وكان خدم بعد موت أستاذه ~~يشبك بن أزدمر عند الأمير ططر وصار أمير آخوره، فلما تسلطن ولاه الأمير ~~آخورية الثانية بإمرة طبلخانة دفعة واحدة، ودام على ذلك سنين إلى أن نقله ~~الملك الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، فدام على ذلك إلى ~~أن مات. وكان شابا أشقر مليح الشكل حلو الوجه معتدل القامة،عاقلا حشما ~~ساكتا كريما متواضعا وقورا، قل أن ترى العيون مثله. وهو والد صاحبنا الزيني ~~فرج بن بردبك أحد ms3173 الحجاب بالديار المصرية. وتوفي المقام الناصري محمد ابن ~~السلطان الملك الأشرف برسباي صاحب الترجمة في يوم الثلاثاء سادس عشرين ~~جمادى الأولى بالطاعون وقد ناهز الاحتلام، ودفن بمدرسة والده الأشرفية بخط ~~العنبريين من القاهرة. وأمه خوند فاطمة من أولاد تجار القرم، وكانت قبل ~~الملك الأشرف تحت أستاذه الأمير دقماق المحمدي. وكان المقام الناصري ~~المذكور من أحسن الناس شكلا، تظهر فيه مخايل النجابة والسكون والعقل. وتوفي ~~المقام الناصري محمد ابن السلطان الملك الناصر فرج ابن السلطان الملك ~~الظاهر برقوق ابن الأمير أنص الجاركسي بسجن الإسكندرية في يوم الاثنين حادي ~~عشرين جمادى الآخرة بالطاعون، وله من العمر إحدى وعشرون سنة. وأمه أم ولد ~~مولدة تسمى عاقولة. ودفن بالإسكندرية ثم نقل منها إلى تربة جده بالصحراء ~~فيما أظن. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة، فريد عصره ووحيد دهره، نظام ~~الدين يحيى ابن العلامة سيف الدين يوسف بن محمد بن عيسى السيرامي الحنفي ~~شيخ الشيوخ بالمدرسة الظاهرية البرقوقية، في جمادى الآخرة بالطاعون. وتولى ~~مشيخة الظاهرية من بعده ولده عضد الدين عبد الرحمن، أخذها عن أبيه، وكان ~~أبوه أخذها عن أبيه أيضا. وكان الشيخ نظام الدين إماما مفننا بارعا في ~~المعقول والمنقول، عارفا بالمنطوق والمفهوم، مشاركا في فنون كثيرة، وأفتى ~~ودرس وأشغل سنين عديدة إلى أن مات. PageV04P0209 # وتوفي السلطان الملك الصالح محمد ابن السلطان الملك الظاهر ططر، والسلطان ~~الملك المظفر أحمد ابن السلطان الملك المؤيد شيخ، والخليفة المستعين بالله ~~العباسي: الثلاثة بالطاعون، كلاهما في إسكندرية، والصالح بقلعة الجبل. وقد ~~تقدم ذكر ذلك في ترجمتهم غير أننا ذكرناهم هنا في جملة من مات بالطاعون، ~~ولهذا لم يحرر يوم وفاتهم لأنه تقدم، انتهى. وتوفي الأمير الطواشي زين ~~الدين مرجان الهندي المسلمي خازندار الملك المؤيد شيخ بالطاعون في سادس ~~جمادى الآخرة. وكان أصله من خدام التاجر ابن مسلم المصري، ثم اتصل بخدمة ~~الملك المؤيد شيخ أيام إمرته واختص به، فلما تسلطن جعله خازندارا، ثم أمره ~~بالتكلم في وظيفة نظر الخاص عوضا عن الصاحب بدر الدين حسن بن نور الله ~~فتكلم ms3174 عليها أياما. ومات المؤيد، وأعيد ابن نور الله، ثم ولاه الأمير ططر ~~زماما بعد أن قبض عليه بدمشق، ثم أطلقه، فدام في وظيفة الزمامية إلى أن ~~عزله الملك الأشرف برسباي ونكبه وصادره فتخومل ولزم داره إلى أن مات. وكان ~~من المهملين أرباب الحظوظ. وتوفي الأمير زين الدين عبد القادر ابن الأمير ~~فخر الدين عبد الغني ابن الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج بعدما ~~عزل عن الأستادارية، في يوم الأربعاء سابع جماى الآخرة بالطاعون، ودفن على ~~أبيه بمدرسته ببين السورين خارج القاهرة. وكان شابا جميلا عاقلا ساكنا قليل ~~الشر بالنسبة إلى أبائه وأقاربه، كثير الشر بالنسبة إلى غيرهم. باشر ~~الأستادارية بقلة حرمة وعدم التفات أهل الدولة إليه، وقاسى في مباشرته خطوب ~~الدهر ألوانا من العجز والقل، وبيع موجوده وأملاكه، إلى أن أعفي، فلم تطل ~~أيامه ومات. وتوفي السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن علاء الدين علي بن ~~إبراهيم بن عدنان الحسيني الدمشقي، كاتب السر الشريف بالديار المصرية، في ~~ليلة الخميس ثامن جمادى الآخرة بالطاعون. ومولده في شوال سنة أربع وسبعين ~~وسبعمائة بدمشق وبها نشأ. وتولى عدة وظائف بدمشق مثل كتابة السر وقضاء ~~الشافعية ونظر الجيش، ثم طلب إلى مصر وولي كتابة سرها فلم تطل أيامه ومات. ~~وتولى أخوه الشريف عماد الدين أبو بكر كتابة السر من بعده، فركب إلى القلعة ~~ثم مرض من يومه قبل أن يلبس خلعة كتابة السر، ومات بالطاعون أيضا في ليلة ~~الجمعة ثالث عشر شهر رجب ولم يبلغ الأربعين سنة. وكان أحسن سيرة من أخيه ~~شهاب الدين صاحب الترجمة. وتوفي السيد الشريف سرداح بن مقبل بن نخبار بن ~~مقبل بن محمد بن راجح بن إدريس بن حسن بن قتادة بن إدريس، ومن هنا يعرف ~~نسبه من نسب حسن بن عجلان، ومات في أواخر جمادى الآخرة بالطاعون. وتوفي ~~الأمير الطواشي افتخار الدين ياقوت بن عبد الله الأرغوني شاوي الحبشي مقدم ~~المماليك السلطانية بالطاعون، في يوم الاثنين ثاني شهر رجب ودفن بتربته ~~التي أنشأها بالصحراء. وتولى عوضه ms3175 التقدمة نائبه خشقدم اليشبكي الرومي، ~~وتولى نيابة المقدم الطواشي فيروز الركني الرومي الجمدار. وأصل ياقوت هذا ~~من خدام الأمير أرغون شاه أمير مجلس الظاهر برقوق، تنقل في الخدم إلى أن ~~صار مقدم المماليك السلطانية. وكان ديناص خيرا جميل الطريقة محمود السيرة، ~~سافر أمير حاج المحمل مرتين رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين يشبك ~~بن عبد الله أخو الملك الأشرف برسباي في رابع شهر رجب بالطاعون ودفن ~~بالتربة الأشرفية، بعد أن صار من جملة أمراء الألوف أياما، فإن السلطان كان ~~أنعم عليه في أول قدومه إلى مصر في حدود سنة ثلاثين وثمانمائة بإمرة ~~طبلخاناة دفعة واحدة، فدام على ذلك إلى أن توفي الأمير بردبك الأمير آخور ~~المقدم ذكره بالطاعون، فأنعم على يشبك هذا بتقدمته، فمات هو أيضا بعد أيام. ~~وقد تقدم في أصل ترجمة الملك الأشرف ذكر هذا الطاعون وعظمه، وأنه كان ينتقل ~~على الإقطاع الواحد الخمسة والستة من المماليك في مدة يسيرة، والكل يموتون ~~بالطاعون، انتهى. وأظن يشبك أنه كان أسن من السلطان الأشرف، فإنه لما ~~استقدمه من بلاده مع جملة أقاربه قام له واعتنقه، وعرض عليه الإسلام فأسلم ~~وحسن إسلامه. وكان لا بأس به في أمثاله مع قصر مدة إقامته بالديار المصرية. ~~PageV04P0210 # وتوفي الشيخ نصر الله بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل العجمي الحنفي، في ~~ليلة الجمعة سادس شهر رجب وهو في عشر الثمانين. وكان جميل الهيئة مقربا من ~~خواطر الملوك، ورشح لكتابة السر. وكان يكتب المنسوب ويتكلم في علم التصوف ~~على طريق ابن عربي، ويعرف علم الحرف على زعمه، مع مشاركة في فنون. وصحب ~~الوالد مدة، وهو الذي نوه بذكره وأنعم عليه برزقة هائلة، وهي التي أوقفها ~~نصر الله المذكور على داره التي جعلها بعد موته مدرسة بالقرب من خان ~~الخليلي بالقاهرة. وتوفي القاضي فخر الدين ماجد، ويدعى أيضا عبد الله بن ~~السديد أبي الفضائل بن سناء الملك، المعروف بابن المزوق، في ليلة الخميس ~~ثاني عشر شهر رجب، بعد أن تولى نظر الجيش، ثم كتابة السر ms3176 بالديار المصرية ~~في دولة الملك الناصر فرج، بسفارة سعد الدين إبراهيم بن غراب، ثم عزل وتولى ~~نظر الإسطبل السلطاني ثم عزله عنه أيضا. وانحط قدره في الدولة إلى أن نكبه ~~السلطان الملك الأشرف وأمسكه وضربه بالمقارع بسبب الأتابك جانبك الصوفي، ~~وقاسى بسببه أهوالا، ثم لزم داره على أقبح حالة من الخوف والرجيف إلى أن ~~مات. وتوفي الشيخ الإمام العالم الفقيه زين الدين أبو بكر بن عمر بن عرفات ~~القمني الشافعي العالم المشهور، في ليلة الجمعة ثالث عشر شهر رجب بالطاعون ~~عن ثمانين سنة، وكان من أعيان فقهاء الشافعية وفضلائهم، وله سمعة وصيت ~~وترداد للأكابر. وأفتى ودرس بعدة مدارس سنين كثيره. وتوفي الأمير سيف الدين ~~هابيل بن عثمان المدعو قرايلك بن طرعلي التركماني الأصل بسجنه بقلعة الجبل، ~~في يوم الجمعة ثالث عشر شهر رجب المذكور. وكان قبض على هابيل هذا وهو نائب ~~لأبيه قرائلك بمدينة الرها في واقعة بين العساكر المصرية وبينه، حسبما تقدم ~~ذكره كله في أصل هذه الترجمة. ولما قبض عليه حمل إلى القاهرة فحبسه الملك ~~الأشرف بالبرج بقلعة الجبل، إلى أن مات بالطاعون بعد أن سأل أبوه السلطان ~~في إطلاقه غير مرة. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة صدر الدين أحمد ابن ~~القاضي جمال الدين محمود بن محمد بن عبد الله القيصري الحنفي المعروف بابن ~~العجمي، شيخ الشيوخ بخانقاه شيخون، في يوم السبت رابع عشر شهر رجب ~~بالطاعون، بعد أن ولي نظر جيش دمشق وحسبة القاهرة غير مرة، وعدة وظائف ~~دينية، ودرس بعدة مدارس آخرها استقراره في مشيخة الشيخونية وتدريسها. وكان ~~إماما بارعا فاضلا فقيها نحويا مفننا في علوم كثيرة، معدودا من علماء ~~الحنفية، مع الذكاء وحسن التصور وجودة الفهم، رحمه الله تعالى. وتوفي ~~القاضي جلال الدين محمد ابن القاضي بدر الدين محمد بن مزهر في يوم الاثنين ~~سادس عشرين شهر رجب ولم يبلغ العشرين سنة من العمر. وكان ولي كتابة السر ~~بالديار المصرية بعد وفاة أبيه أشهرا صورة، والقاضي شرف الدين أبو بكر بن ~~العجمي نائب كاتب السر ms3177 هو المتكفل بمهمات ديوان الإنشاء، إلى أن عزله ~~السلطان وخلع عليه بعد مدة بتوقيع المقام الناصري محمد ابن السلطان، فماتا ~~جميعا في هذا الطاعون. وكان جلال الدين المذكور من أحسن الشباب شكلا. وتوفي ~~القاضي زين الدين محمد بن شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الملك ~~الدميري المالكي في يوم الأربعاء ثالث شعبان، بعدما ولي حسبة القاهرة ونظر ~~البيمارستان المنصوري، وكان معدودا من الرؤساء. وتوفي شمس الدين محمد بن ~~المعلمة السكندري المالكي في سابع شعبان. وكان يشارك في العربية وغيرها. ~~وولي حسبة القاهرة في وقت. وكان مسرفا على نفسه. وتوفي الأمير مدلج بن علي ~~بن نعير بن حيار بن مهنا أمير آل فضل مقتولا في ثاني شوال بظاهر حلب. ~~وتوفيت خوند هاجر، زوجة الملك الظاهر برقوق وبنت الأتابك منكلي بغا الشمسي، ~~في رابع شهر رجب، وكانت تعرف بخوند الكعكيين، لسكنها بخط الكعكيين ~~بالقاهرة. وأمها خوند فاطمة بنت الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن ~~قلاوون. وماتت وهي أعظم نساء عصرها رئاسة وعراقة. PageV04P0211 # وتوفي القاضي تقي الدين يحيى ابن العلامة شمس الدين محمد الكرماني ~~الشافعي في يوم الخميس ثاني عشرين جمادى الآخرة، وكان بارعا في عدة فنون. ~~وقدم من بغداد قبيل سنة ثمانمائة ومعه شرح أبيه على صحيح البخاري، ثم صحب ~~الملك المؤيد شيخ أيام تلك الفتن، وسافر معه إلى طرابلس وغيرها، وتقلب معه ~~في سائر تقلباته، ثم قدم معه القاهرة، فلما تسلطن أقره في نظر البيمارستان ~~المنصوري، وكان ثقيل السمع، ثم عزل ولزم داره حتى مات. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا ونصف ذراع. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة أربع وثلاثين وثمانمائة. فيها توفي الأمير شهاب الدين أحمد ~~الدوادار نائب الإسكندرية المعروف بابن الأقطع، بعد أن قدم القاهرة مريضا ~~في يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة. وكان أبوه أوجاقيا في الإسطبل السلطاني، ~~وقيل بل كان أقطع يتكسب بالتكدي، وهو الأقرب. ونشأ ابنه أحمد هذا تبعا ms3178 عند ~~بعض الأجناد، ثم ترقى حتى خدم جنديا عتد جماعة من الأمراء، إلى أن صار ~~دوادارا ثانيا عند الأمير علي باي المؤيدي. ثم اتصل بخدمة الملك الأشرف ~~وصار عنده دوادارا، فلما تسلطن جعله من جملة الدوادارية الصغار. واختص ~~بالسلطان ونالته السعادة، ثم أمره عشرة وجعله زردكاشا كبيرا، ثم نقله إلى ~~نيابة الإسكندرية بعد عزل آقبغا التمرازي، فلم تطل مدته ومات بعد مرض طويل. ~~ولم أدر لأي معنى كانت خصوصية أحمد هذا وعلي بن فحيمة السلاخوري بالسلطان، ~~مع ما اشتملا عليه من الجهل المفرط وقبح الشكالة ودناوة الأصل. وكان علي ~~السلاخوري يبدل القاف بالهمزة كما هي عادة أوباش الناس من العامة، وكان ~~أحمد إذا تكلم أيضا يتلغط بألفاظ العامة السوقة. وقد جالسته بالخدمة ~~السلطانية كثيرا فلم أجد له معرفة بفن من الفنون ولا علم من العلوم. وكان ~~إذا أخذ يتلاطف ويتذاوق يصحف ويقول: بتسردشي؟ فأعرفه، فيما بيني وبينه، ~~بأنه يقول: تسرت، وأوضح له أنها تصحيفة تشرب فيفهمها بعد جهد كبير. ثم إذا ~~طال الأمر ينساها ويقولها أيضا بالدال، وأظنه دام على ذلك إلى أن مات. ومع ~~هذا كان في نفسه أمور، وله دعاوى بالعرفان والتمعقل، لا سيما إذا تمثل ~~بأمثال العامة السافلة، فيتعخب من ذلك الأتراك، ويثنى على ذوقه ومعرفته ~~وغزير علمه وحسن تأديه في الخطاب، وأولهم السلطان الملك الأشرف برسباي فإنه ~~كان كثيرا ما يقتدي برأيه ويفاتحه في الكلام، فيكلم أحمد في أمور المملكة ~~بكلام لا يعرف هو معناه، ويسكت من عداه من أرباب الدولة والمعرفة، فأذكر ~~أنا عند ذلك قول أبي العلاء المعري حيث قال: الطويل فوا عجبا كم يدعي الفضل ~~ناقص ... ووا أسفاكم يدعي النقص فاضل وتوفي الشيخ الإمام العالم المفنن مجد ~~الدين إسماعيل بن أبي الحسن علي بن عبد الله البرماوي الشافعي، في يوم ~~الأحد خامس عشر شهر ربيع الآخر، عن أربع وثمانين سنة. وكان إماما في الفقه ~~والعربية والأصول وعدة فنون، وتصدى للإقراء والتدريس عدة سنين. وتوفي ~~الصاحب الوزير تاج الدين عبد الرزاق بن إبراهيم بن ms3179 الهيصم، في يوم الخميس ~~العشرين من ذي الحجة، بعدما ولي الوزارة والأستادارية ونظر ديوان المفرد ~~مرارا عديدة. وهو من بيت كبير في الكتبة قيل إنهم من فرية المقوقس صاحب مصر ~~قبل الإسلام، والله أعلم. وتوفي الشيخ سراج الدين عمر بن منصور البهادري ~~الفقيه الطبيب الحنفي في يوم السبت ثاني عشر شوال، بعدما برع في الفقه ~~والنحو وانتهت إليه الرئاسة في الطب، وناب في الحكم عن القضاة الحنفية ~~بالقاهرة. ومات ولم يخلف بعده مثله في التقدم في علم الطب ومتونه. وتوفي ~~القاضي برهان الدين إبراهيم بن علي بن إسماعيل، المعروف بابن الظريف، أمين ~~الحكم بالقاهرة، في يوم السبت خامس شوال عن نحو ستين سنة ش ركان معدودا من ~~بياض الناس . أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع. ~~مبلغ الزيادة عشرون ذراعا. وكان الوفاء ثامن عشرين أبيب مسرى بيومين، وهذا ~~من خرق العادة، فسبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. PageV04P0212 # فيها توفي القاضي شرف الدين عيسى بن محمد بن عيسى الأقفهسي الشافعي، أحد ~~عظماء نواب الحكم بالديار المصرية، في ليلة الجمعة سادس عشرين. جمادى ~~الآخرة. ومولده في سنة خمسين وسبعمائة، وكان إماما فقيها بارعا في الفقه ~~وفروعه مشاركا في عدة فنون. وتولى الحكم عن قاضي القضاة عماد الدين الكركي ~~في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، وشكرت سيرته وحمدت طريقته لتحريه في ~~الأحكام، ولعفته عما يرمى به قضاة السوء. ولقد شاهدت منه من التثبت في ~~أحكامه ما لم أشاهده من قضاة زماننا، رحمه الله تعالى. وتوفي السلطان حسين ~~بن علاء الدولة ابن السلطان أحمد بن أويس، قتيلا بيد الكافر أصبهان بن قرا ~~يوسف التركماني في ثالث صفر، بعد أن حصره سبعة أشهر، حتى أخذه وقتله. ~~وانقرضت بقتله دولة بني أويس الأتراك من العراق، وصار عراقا العرب والعجم ~~بيد إسكندر بن قرا يوسف وإخوته، وهم كانوا سببا لخراب تلك الممالك التي ~~كانت كرسي الإسلام ومنبع العلوم، أعني بني ms3180 قرا يوسف. وتوفي القاضي شهاب ~~الدين أحمد ابن القاضي صلاح الدين صالح بن أحمد بن عمر المعروف بابن السفاح ~~الحلبي الشافعي، كاتب سر حلب ثم كاتب سر مصر، وبها مات، في ليلة الأربعاء ~~رابع عشر شهر رمضان عن ثلاث وستين سنة، بعد أن باشر فيها كتابة سر حلب سنين ~~عديدة بعد أخيه وأبيه. وصار لشهاب الدين هذا رئاسة بحلب وتمكن، فلما ولي ~~كتاب سر مصر ابتلعه المنصب ولم يظهر لمباشرته نتيجة، وانحط قدره في الدولة ~~بحيث إن المصريين صاروا يسخرون منه، لأنه كان يكلم نفسه في حال ركوبه بين ~~الناس في الشوارع وفي جلوسه أيضا بين الملأ بكلام كثير، ويغضب بعض الأحيان ~~من نفسه ويشير بالضرب بيده وبلسانه من غير أن يفهم أحد كلامه، وكان يقع ذلك ~~منه حتى في الصلاة. ومع هذا كان فيه بعيض حدة ونزاقة، مع دين وعفة وصيانة، ~~مع أنه كانت بضاعته من العلوم مزجاة، وخطه في غاية القبح، ويظهر من كلامه ~~عدم ممارسته للعلوم. ووقع بينه وبين قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن ~~العز البغدادي الحنبلي مفاوضة في بعض مجالس السلطان لمعنى من المعاني، فكان ~~من جملة كلام ابن السفاح هذا، أن قال: ريع الوقف، وشدد الياء، فقال عز ~~الدين المذكور: اسكت يا مرماد، فضحك السلطان ومن حضر، وانتصف عليه الحنبلي. ~~فلما نزلا من القلعة، سألت من عز الدين عن قوله مرداد، فقال: الأتراك كثيرا ~~ما يلعبون الشطرنج، وقد صار بينهم أن الذي لا يعرف شيء يسمى مرماد، فقصدت ~~الكلام بما اعتادوه وعرفتهم أنه لا يعرف شيئا، وأنه جاهل بما يقول، وتم لي ~~ما قصدته. ولما مات ابن السفاح تولى كتابة السر من بعده الصاحب كريم الدين ~~عبد الكريم ابن كاتب المناخ. ومع عدم أهلية الصاحب كريم الدين لهذه الوظيفة ~~نتج . فيها أمره وهابته الناس، ونفذ الأمور أحسن من ابن السفاح. وتوفي قاضي ~~القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي، وهو غير قاض، في ليلة الأحد ~~ثامن شوال بعد مرض. ومولده في سنة أربع ms3181 وستين وسبعمائة، ونشأ فقيرا مملقا، ~~واشتغل حتى برع في الفقه والأصول والعربية وشارك في فنون، وأفتى ودرس وناب ~~في الحكم سنين كثيرة، ثم استقل بوظيفة القضاء. ولم تشكر سيرته في ولايته ~~لحدة كانت فيه وسوء خلقه، مع القيام في حظ نفسه، وقصته مشهورة مع الميموني ~~لما كفره التفهني هذا وحكم بإراقة دمه في الملأ بالمدرسة الصالحية. ولما ~~حكم بإراقة دم الميموني المذكور أراد من ابن حجر أن، ينفذ حكمه، فقال ابن ~~حجر: قاضي القضاة منغاظ، حتى يسكن خلقه. وانفض المجلس وتلاشى حكم التفهني. ~~وعاش الميموني بعد ذلك دهرا، بعد أن أوسعه الميموني إساءة في المجلس، وهو ~~يقول له: اتق الله يا عبد الرحمن، أو نسيت قبقابك الزحاف وعمامتك القطن؟ ~~والتفهني يصفر ويكرر حكمه بإراقة دمه. وكان سبب إبقاء الميموني في هذه ~~القضية أنه شهد بعض الحكماء أنه يعتريه شيء في عقله في الأوقات، فأبقي ~~لذلك، وكان أيضا للناس فيه اعتقاد، فإنه يكثر التلاوة، ولقراءته موقع في ~~النفوس، وعلى شيبته نور ووقار، وأنا ممن كان يعتقده، انتهى. وتوفي جينوس بن ~~جاك بن بيدو بن أنطون بن جينوس متملك قبرس وصاحب الواقعة مع المسلمين، وقد ~~تقدم ذكر غزوه والظفر به وقدومه إلى مصر في أوائل هذا الجزء مفصلا، ثم ذكر ~~عوده إلى بلاده وملكه، وتولى ابنه قبرس من بعده. PageV04P0213 # وتوفي الصاحب علم الدين يحيى، المعروف بأبي كم القبطي، في ليلة الخميس ~~ثاني عشرين شهر رمضان وقد أناف على السبعين سنة، بعد أن ولي الوزارة فى ~~دولة الملك الناصر فرج. وكان قد حسن إسلامه وترك معاشرة النصارى وحج وجاور ~~بمكة، وصار يكثر من زيارة الصالحين الأحياء والأموات، وانسلخ من أبناء جنسه ~~انسلاخا كليا، بحيث إنه كان لا يجتمع بنصراني إلا عن ضرورة عظيمة وكان دأبه ~~الأفعال الجميلة، رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~لم يظهر، فإنها حولت هذه السنة إلى سنة ست وثلاثين وثمانمائة. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة ست وثلاثين وثمانمائة. فيها كانت ms3182 سفرة السلطان الملك الأشرف هذا ~~إلى آمد، وعاد في أوائل سنة سبع وثلاثين، وقد تقدم ذكر ذلك كله. وفيها توفي ~~قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الأموي المالكي بدمشق، في يوم ~~الثلاثاء حادي عشر صفر وكان ولي في دولة الملك المؤيد شيخ قضاء المالكية ~~بالديار المصرية، وكان قليل العلم. وتوفي التاجر نصر الدين علي بن جلال ~~الدين محمد الطنبذي، في ليلة الجمعة رابع عشر صفر، عن سبعين سنة، وترك مالا ~~كبيرا لم يبارك الله فيه لذريته من بعده. ولم يشهر نور الدين هذا بكرم ولا ~~دين ولا علم. وتوفي الأمير علاء الدين منكلي بغا الصلاحي الظاهري المعروف ~~بالعجمي، أحد الحجاب بالديار المصرية، في ليلة الخميس حادي عشر شهر ربيع ~~الأول، بعد مرض طال به سنين، وكان أحد الدوادارية الصغار في أيام أستاذه ~~الملك الظاهر برقوق، وتوجه رسولا إلى تيمورلنك في دولة الملك الناصر فرج، ~~ثم ولي حسبة القاهرة في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم صار من جملة الحجاب إلى ~~أن مات. وكان فقيها صاحب محاضرة حلوة ومجالسة حسنة، ويذاكر بالشعر باللغات ~~الثلاث: العربية والعجمية والتركية، ويكتب الخط المنسوب، ويحضر مجالس ~~الفقراء، ويرقص فى السماع، ويميل إلى التصوف، جالسته كثيرا وأسعدت من ~~محاسنه رحمه الله. وتوفي الأمير تغري بردي بن عبد الله المحمودي الناصري، ~~رأس نوبة النوب أولا، ثم أتابك دمشق آخرا، من جرح أصابه في رجله بسهم من ~~مدينة آمد، مات منه بعد أيام قليلة بآمد. مات في شوال ودفن بآمد، ثم نقل ~~منها في سحلية عند رحيل العسكر، وساروا به إلى الرها، فدفن بها لمشقة نالت ~~العساكر من ظهور رائحته. وكان أصله من مماليك الملك الناصر فرج، وممن تأمر ~~في دولة أستاذه فيما أظن. ثم انتمى للأمير نوروز الحافظي بعد موت أستاذه، ~~إلى أن أمسكه الملك المؤيد شيخ، وحبسه بعد قتل نوروز، فدام في السجن سنين ~~إلى أن أخرجه المؤيد في أواخر دولته. فلما آل الأمر إلى الأمير ططر أنعم ~~عليه بإمرة طبلخاناة، ثم نقل إلى ms3183 تقدمة ألف بعد موت ططر. ثم صار رأس توبة ~~النوب بعد الأمير أزبك المحمدي بحكم انتقال أزبك إلى الدوادارية الكبرى، ~~بعد ولاية سودون من عبد الرحمن لنيابة دمشق عندما خرج تنبك البجاسي عن ~~الطاعة. كل ذلك في سنة ست وعشرين وثمانمائة. ودام المحمودي على ذلك سنين، ~~سافر فيها أمير حاج المحمل، وقدم بالشريف حسن بن عجلان، ثم توجه إلى غزوة ~~قبرس وقدم بملكها أسيرا. وقد تقدم ذكر ذلك كله في أول هذا الجزء. ثم بعد ~~عوده من قبرس بمدة يسيرة أمسكه السلطان وحبسه بسجن الإسكندرية، ثم نقله إلى ~~ثغر دمياط بطالا، ثم أنعم عليه بأتابكية دمشق عوضا عن قاني باي الحمزاوي، ~~بحكم انتقال الحمزاوي إلى تقدمة ألف بمصر. ثم سافر المحمودي صحبة السلطان ~~إلى آمد، فأصيب بسهم فمات منه حسبما ذكرناه. وكان أميرا جليلا شجاعا مقداما ~~طوالا رشيقا مليح الشكل، كثير التجمل في ملبسه ومركبه ومماليكه، وهو أول من ~~لبس التخافيف الكبار العالية من الأمراء، وتداول الناس ذلك من بعده حتى ~~خرجوا عن الحد، وصارت التخفيفة الآن تلف شبه الكلفتاه حتى تصير كالطبق ~~الهائل، وعندي أنها غير لائقة، وللناس فيما يعشقون مذاهب. وتوفي الأمير سيف ~~الدين سولحون بن عبد الله الظاهري، المعروف بسودون ميق، أحد أمراء الألوف ~~بالديار المصرية، من جرح أصابه بآمد، من سهم من مدينتها، لزم منه الفراش ~~أياما، ومات أيضا في أواخر شوال. PageV04P0214 # وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق الصغار، وصار خاصكيا، ومن جملة ~~الدوادارية في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم ترقى إلى أن صار من جملة أمراء ~~الطبلخانات ورأس نوبة، ثم نقل إلى الأمير آخورية الثانية، كل ذلك في دولة ~~الملك الأشرف برسباي، فدام على ذلك سنين، إلى أن أنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف، فاستمر على ذلك إلى أن مات. وكان متوسط السيرة في غالب خصاله، ~~لا بأس به، رحمه الله. وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الحمزاوي، ~~بعد أن ولي نيابة غزة، فمات قبل أن يصلها في عوده من آمد، في ذي ms3184 الحجة. ~~وكان أصله من مماليك الأمير سودون الحمزاوي الدوادار الكبير في الدولة ~~الناصرية، ثم تنقل في الخدم من بعد أستاذه، إلى أن ولي نيابة بعض القلاع ~~بالبلاد الشامية، ولما خرج قاني باي نائب الشام وانضم معه غالب نواب البلاد ~~الشامية، كان جانبك هذا ممن انضم عليه وهرب بعد مسك قاني باي مع من هرب من ~~الأمراء إلى قرا يوسف، ثم قدم أيضا معهم على الأمير ططر بدمشق فأنعم عليه ~~ططر بإمرة بدمشق، ثم صار حاجب حجاب طرابلس مدة سنين، ثم نقل إلى إمرة مائة ~~وتقدمة ألف بالديار المصرية، وسافر صحبة السلطان إلى آمد، وبعد عوده خلع ~~السلطان عليه بحلب بنيابة غزة عوضا عن الأمير إينال العلائي الناصري ~~المنتقل إلى نيابة الرها، لكونها كانت خرابا ليس بها ما يقوم بكلفته، وقد ~~حكينا ذلك فيما سبق. وكان جانبك هذا ممن اتهم بأنه يريد الوثوب على ~~السلطان، فلما وصل السلطان إلى حلب أقره في نيابة غزة على كره منه، فهز ~~رأسه وأمسك لحيته بعد لبسه الخلعة، وبلغ الأشرف ذلك على ما قيل، فقال: حتى ~~يصل إلى غزة، فمات حول بعلبك. وكان شيخا طوالا مشهورا بالشجاعة، غير أني لم ~~أعرف منه إلا الإسراف على نفسه والانهماك في السكر. وأما لفظه وعبارته ففي ~~الغاية من الجهل والإهمال. ومن ركوبه على الفرس كنت أعرف أنه لم يمارس ~~أنواع الفروسية كالرمح والبرجاس وغيره. وبالجملة فإنه كان من المهملين، وقد ~~خفف الله بموته، عفا الله عنه. وتوفي الأمير سيف الدين تنبك بن عبد الله، ~~من سيدي بك الناصري، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، المعروف بالبهلوان، من ~~جرح أصابه بآمد في شوال أيضا بها. وكان عارفا بفن الصراع من الأقوياء في ~~ذلك، مع تكبر وشمم وادعاء زائد. وقد حكى لي عنه بعض أصحابه أنه كان إماما ~~في فن الصراع، ويجيد لعب الرمح لا غير، وليس عنده من الشجاعة والإقدام ~~بمقدار القيراط من صناعته، وأظنه صادقا في نقله لأن سحنته كانت تدل على ~~ذلك. وتوفي الملك الأشرف شهاب الدين أحمد ms3185 ابن الملك العادل سليمان ابن ~~الملك المجاهد غازي ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر ابن ~~الملك الأوحد عبد الله ابن الملك المعظم توران شاه ابن السلطان الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر ابن السلطان الملك الكامل محمد صاحب مصر، ~~ابن السلطان الملك العادل أبي بكر صاحب مصر، ابن الأمير نجم الدين أيوب بن ~~شادي بن مروان الأيوبي صاحب حصن كيفا، قتيلا بيد أعوان قرايلك، بين آمد ~~والحصن، وقد سار من بلده حصن كيفا، يريد القدوم على السلطان الملك الأشرف ~~برسباي على آمد، فقتل في طريقه غدرا فإنه كان خرج من الحصن بغير استعداد ~~لقتال، وإنما تهيأ للسلام على الملك الأشرف، وبينما هو في طريقه أدركته بعض ~~الصلوات، فنزل وتوضأ وقام في صلاته، وإذا بالقرايلكية طرقوه هو وعساكره ~~بغتة، وقبل أن يركب أصابه سهم قتل منه. ووجد السلطان الملك الأشرف عليه ~~كثيرا وتأسف لموته. وكان ابتداء ملكه بحصن كيفا، بعد موت أبيه العادل في ~~سنة سبع وعشرين وثمانمائة. وكان فاضلا أديبا بارعا، وله ديوان شعر، ووقفت ~~على كثير من شعره، وكتبت منه نبذة كبيرة في ترجمته في المنهل الصافي. وتولى ~~بعده سلطنة الحصن ابنه الملك الكامل صلاح الدين خليل. وتوفي القاضي تاج ~~الدين عبد الوهاب بن أفتكين الدمشقي، كاتب سر دمشق بها، في ذي القعدة. ~~وتولى كتابة السر من بعده القاضي نجم الدين يحيى ابن المدني ناظر جيش حلب. ~~قلت: لا أعرف من أحوال تاج الدين هذا شيئا، غير أنني علمت بولايته ثم ~~بوفاته. PageV04P0215 # وتوفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن غلام الله بن أحمد بن محمد الكوم ريشي، ~~في سادس عشرين شهر صفر، وقد أناف على خمسين سنة. وكان أستاذا في علم ~~الميقات، ويحل التقويم من الزيج، ويشارك في أحكام النجوم، ومات ولم يخلف ~~بعده مثله في فنونه، رحمه الله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة ~~أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا وخمسة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة ms3186 سبع وثلاثين وثمانمائة. وفيها توفي الأمير سيف الدين مقبل بن ~~عبد الله الحسامي الدوادار، نائب صفد بها، في يوم الجمعة تاسع عشرين شهر ~~ربيع الأول. وأصله من مماليك شخص يسمى حسام الدين لاجين، من أمراء دمشق ~~والبلاد الشامية، ثم خدم عند الملك المؤيد شيخ أيام إمرته، فاختص به لغزير ~~محاسنه، ولما تسلطن المؤيد، جعله خاصكيا رأس نوبة الجمدارية، وحج على تلك ~~الوظيفة. ثم بعد قدومه، أنعم عليه بإمرة عشرة ثم جعله أمير طبلخاناه ~~ودوادارا ثانيا بعد جقمق الأرغون شاوي، بحكم انتقال جقمق إلى الدوادارية ~~الكبرى بعد انتقال آقباي المؤيدي إلى نيابة حلب بعد عصيان إينال الصصلاني. ~~ثم بعد سنين نقله إلى الدوادارية الكبرى بعد جقمق أيضا بحكم انتقاله إلى ~~نيابة الشام بعد عزل الأمير تنبك ميق وقدومه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ~~ألف، فدام مقبل على ذلك إلى أن مات الملك المؤيد، وآل الأمر إلى الأميو ~~ططر، وأمسك قجقار القردمي، ففر مقبل المذكور من القاهرة، ومعه السيفي يلخجا ~~من مامش الساقي الناصري ومماليكه إلى جهة البلاد الشامية، فعاقهم العربان ~~أرباب الأدراك عن التوصل إلى قطيا، وقاتلوهم بعد أن تكاثروا عليهم. وكان ~~مقبل من الشجعان، فثبت لهم، ولازال يقاتلهم وهو منهزم منهم إلى الطينة، ~~فوجدوا بها مركبا فركبوا فيه، وتركوا ما معهم من الخيول والأثقال أخذوها ~~العرب، وساروا في البحر إلى الشام. واجتمع مقبل مع الأمير جقمق وصار مع ~~حزبه، ووقع له أمور ذكرناها في ترجمة الملك المظفر أحمد، إلى أن آل أمره ~~أنه أمسك وحبس، ثم أطلق، وولي حجوبية دمشق. ثم نقله الملك الأشرف إلى نيابة ~~صفد، بعد عصيان نائبها الأمير إينال الظاهري ططر، فاستمر في نيابة صفد إلى ~~أن مات. وكان رومي الجنس شجاعا مقداما رأسا في رمي النشاب، يضرب برميه ~~المثل. وكان أستاذه الملك المؤيد يعجب به، وناهيك بمن كان يعجب الملك ~~المؤيد به من المماليك. وتوفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمود بن ~~أحمد بن إسماعيل بن محمد بن أبي العز الدمشقي الحنفي، المعروف بابن كشك، ms3187 ~~بدمشق، في ليلة الخميس سابع شهر ربيع الأول، بعد أن ولي قضاء الحنفية بدمشق ~~سنين كثيرة، وجمع بينها وبين نظر الجيش بدمشق في بعض الأحيان، وطلب لكتابة ~~سر مصر فأبى وامتنع واستعفى من ذلك حتى أعفي. وكان من أعيان أهل دمشق في ~~زمانه، ولم يكن في الشاميين من يدانيه في العراقة والرئاسة. وقد رشح بعض ~~أجداده من بني العز لخطابة جامع تنكز عندما عمره تنكز، وهم بيت علم وفضل ~~ورئاسة، ليس بالبلاد الشامية من هو أعرق منهم غير بني العديم الحلبيين، ثم ~~بعد بني العز هؤلاء بنو البارزي الحمويون، انتهى. وتوفي قاضي القضاة جمال ~~الدين محمد بن علي بن أبي بكر الشيبي الشافعي المكي قاضي قضاة مكة وشيخ ~~الحجبة بباب الكعبة، بها، في ليلة الجمعة ثامن عشرين شهر ربيع الأول، عن ~~نحو سبعين سنة، وهو قاض. وكان خيرا دينا مشكور السيرة سمحا متواضعا بارعا ~~في الأدب، وله مشاركة جيدة في التاريخ وغيره، لما رآه، فإنه كان رحل إلى ~~اليمن وغيره وجال في البلاد، رحمه الله. PageV04P0216 # وتوفي الأمير سيف الدين آقبغا بن عبد الله الجمالي الأستادار، وهو يلي ~~كشف البحيرة، قتيلا بيد العرب في واقعة كانت بينه وبينهم، في حادي عشرين ~~شهر ربيع الآخر. وكان أصله من مماليك الأمير كمشبغا الجمالي أحد أمراء ~~الطبلخانات المقدم ذكره في سنة ثلاث وثلاثين، وكان يسافر إلى إقطاعه. ثم ~~تعانى البلص، ولا زال يترقى إلى أو ولي الكشف بعدة أقاليم. ثم ولي ~~الأستادارية مرتين حسبما تقدم ذكره. كل ذلك في حياة أستاذه كمشبغا الجمالي. ~~ونكب في ولايته الثانية وامتحن وضرب وصودر. ثم سافر مع الملك الأشرف إلى ~~آمد فظهر منه هناك شجاعة وإقدام في قتال القرايلكية، فأنعم عليه السلطان ~~بإقطاع تنبك البهلوان بعد موته، ثم ولاه بعد قدومه إلى مصر كشف الوجه ~~القبلي، ثم نقله إلى كشف الوجه البحري فقتل هناك. وكان وضيعا من الأوباش، ~~لا يشبه فعله أفعال المماليك في حركاته وسكونه ولا في قتاله. على أنه كان ~~مشهورا بالشجاعة، وشجاعته كانت مشتركة بجنون ms3188 وسرعة حركة. وكان أهوج قليل ~~الحشمة، ليس عليه رونق ولا أبهة، وكان إذا تكلم يكرر في كلامه اسم دا غير ~~مرة، بحيث إنه كان يتكلم الكلمة الواحدة ثم يقول اسم دا وفي الجملة أنه كان ~~من الأوغاد، ولولا أنه ولي الأستادارية ما ذكرته في هذا الكتاب ولا غيره. ~~وتوفي الأمير الكبير سيف الدين جارقطلو بن عبد الله الظاهري أتابك العساكر ~~بالديار المصرية، ثم كافل المملكة الشامية بها، في ليلة الاثنين تاسع عشر ~~شهر رجب، وهو في عشر السبعين. وأصله من مماليك الملك الظاهر برقوق، ومن ~~إنيات سودون المارداني. وتأمر في الدولة الناصرية، ثم ولي في الدولة ~~المؤيدية نيابة حماه، ثم نيابة صفد. ثم أعاده الأمير ططر إلى نيابة حماه ~~ثانيا بعد إنيه تنبك البجاسي لما نقل إلى نيابة طرابلس، فدام بحماه إلى أن ~~نقله الملك الأشرف إلى نيابة حلب بعد إنيه تنبك البجاسي أيضا، لما نقل تنبك ~~إلى نيابة الشام، بعد موت تنبك ميق، فدام جارقطلو في نيابة حلب إلى أن عزله ~~الملك الأشرف، واستقدمه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ألف، ثم خلع عليه ~~باستقراره أمير مجلس. ثم نقله إلى الأتابكية بالديار المصرية بعد موت ~~الأمير يشبك الساقي الأعرج، فدام على ذلك سنين إلى أن ولاه الملك الأشرف ~~نيابة دمشق بعد عزل سودون من عبد الرحمن عنها، واستقر سودون من عبد الرحمن ~~أتابكا عوضه، فاستمر على نيابة دمشق إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. ~~وكان أميرا جليلا مهابا شهما متجملا في جميع أحواله. وكان قصيرا بطينا أبيض ~~الرأس واللحية، وفيه دعابة وهزل مع إسراف على نفسه. وسيرته مشكورة في ~~ولايته. قلت: كان ظلمه على نفسه لا على غيره، والله تعالى يسامحه بمنه ~~وكرمه. وكان له خصوصية زائدة عند الملك الأشرف برسباي، بحيث إني سمعته ~~مراراص يبالغ في شيء لا يفعله بقوله: لو سألني جارقطلو في هذا ما فعلته. ~~وكان إذا جلس قاضي القضاة بدر الدين العيني عند السلطان في ليالي الخدم، ~~وأخذ في قراءة شيء من التواريخ، يشير إليه ms3189 السلطان بحيث لا يعلم جارقطلو، ~~فينتقل بما هو فيه إلى شيء من الوعظيات، ويأخذ في التشديد على شربة الخمر ~~وما أشبه ذلك، ويبالغ في حقهم، والأشرف أيضا يهول الأمر ويستغفر فإذا زاد ~~عن الحد يقول جارقطلو: يا قاضي، ما تذكر إلا شربة الخمر وتبالغ في حقهم ~~بأنواع العذاب، ليش ما تذكر القضاة وأخذهم الرشوة والبراطيل وأموال ~~الأيتام، " ... يقول ذلك بحدة وانحراف حلو. فلما يسمع الملك الأشرف كلامه ~~يضحك وينبسط هو وجميع أمرائه وكان يقع له أشياء كثيرة من ذلك، انتهى. وتوفي ~~السيد الشريف رميثة بن محمد بن عجلان مقتولا خارج مكة في خامس رجب بعد أن ~~ولي إمرة مكة في بعض الأحيان، فلم تحمد سيرته وعزل. PageV04P0217 # وتوفي الشيخ الإمام الأديب الشاعر المفنن تقي الدين أبو بكر بن علي بن ~~حجة بكسر الحاء المهملة، الحموي الحنفي الشاعر المشهور، صاحب القصيدة ~~البديعية وشرحها وغيرها من المصنفات. مات بحماه، في خامس عشرين شعبان، ~~ومولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وكان أحد ندماء الملك المؤيد وشعرائه ~~وأخصائه، وولي إمامة عدة وظائف دينية، وعظم في الدولة، ثم خرج من مصر بعد ~~موت الملك المؤيد إلى مدينة حماه واستوطنها، إلى أن مات بها. وكان بارعا في ~~الأدب ونظم القريض وغيره من ضروب الشعر، مفننا لا يجحد فضله إلا حسود ومن ~~شعره مضفنا مع حسن التورية: الرجز سرنا وليل شعره منسدل ... وقد غدا بنو ~~منا مضفرا فقال صبح ثغره مبتسما ... عند الصباح يحمد القوم السرى وله عفا ~~الله عنه: الخفيف في سويداء مقلة الحب نادى ... جفنه وهو يقنص الأسد صيدا ~~لاتقولوا مافي السويدا رجال ... فأنا اليوم من رجال سويدا قلت: وهذا بعكس ~~ما قاله ابن نباتة والصلاح الصفدي، فقول ابن نباتة: السريع من قال بالمرد ~~فإني امرؤ ... إلى النسا ميلي ذوات الجمال ما في سويدائي إلا النسا ... ~~ماحيلتي؟ ما في السويدا رجال وقول الصفدي: المقلة الكحلاء أجفانها ... ترشق ~~في وسط فؤادي نبال وتقطع الطرق على سلوتي ... حتى حسبنا في السويدا رجال ~~ومن نظم الشيخ تقي الدين أيضا، قوله: ms3190 المنسرح أرشفني ريقه وعانقني ... ~~وخصره يلتوى من الرقه فصرت من خصره وريقته ... أهيم بين الفرات والرقه ومما ~~كتب إليه قاضي القضاة صدر الدين علي بن الآدمي الحنفي، مضمنا لشعر آمرىء ~~القيس: الطويل أحن إلى تلك السجايا وإن نأت ... حنين أخي ذكرى حبيب ومنزل ~~وأذكر ليلات بكم قد تصرمت ... بدار حبيب لا بدارة جلجل شكوت إلى الصبر ~~اشتياقي فقال لي: ... ترفق ولا تهلك أسى وتجمل فقلت له: إني عليك معول ... ~~وهل عند ربع دارس من معول؟ فأجابه الشيخ تقي الدين بن حجة المذكور بقوله: ~~سرت نسمة منكم إلي كأنها ... بريح الصبا جاءت بريا القرنفل فقلت لليلي مذ ~~بدا صبح طرسها: ... ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ورقت فأشعار آمرىء ~~القيس عندها ... كجلمود صخر حطه السيل من عل فقلت: قفا نضحك لرقتها على ... ~~قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وتوفي ملك الغرب وسلطانها، أبو فارس عبد العزيز ~~المتوكل، ابن أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن يحيى بن إبراهيم بن ~~يحيى بن عبد الواحد بن عمر الهنتاتي الحفصي، في رابع عشر ذي الحجة، عن ست ~~وسبعين سنة، بعد أن خطب له بقابس وتلمسان وما والاهما من المدن والقرى، ~~إحدى وأربعين سنة وأربعة أشهر وأياما. وكان خير ملوك زمانه شجاعة ومهابة ~~وكرما وجودا وعدلا وحزما وعزما ودينا، وقام من بعده في الملك حفيده المنتصر ~~أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي عبد الله محمد بن أبي فارس المذكور. ~~وتوفي سلطان بنجالة من بلاد الهند، جلال الدين أبو المظفر محمد بن فندو، ~~وكان فندو يعرف بكاس. كان أبوه فندو المذكور كافرا، فأسلم جلال الدين هذا، ~~وحسن إسلامه، وبنى الجوامع والمساجد وعمر أيضا ما خرب في أيام أبيه من ~~المدن، وأقام شعائر الإسلام، وأرسل بمال إلى مكة، وبهدية إلى مصر، وطلب من ~~الخليفة المعتضد بالله أبي الفتح داؤد تقليدا بسلطنة الهند، فبعث إليه ~~الخليفة الخلعة والتشريف مع بعض الأشراف، فوصلت الخلعة إليه ولبسها، ودام ~~بعدها إلى أن مات، وأقيم بعده ولده المظفر أحمد ms3191 شاه، وعمره أربع عشرة سنة. ~~PageV04P0218 # وتوفي صاحب بغداد شاه محمد بن قرا يوسف بن قرا محمد، في ذي الحجة مقتولا ~~على حصن من بلاد القان شاه رخ بن تيمورلنك، يقال له شنكان، وأقيم بعده على ~~ملك بغداد أميرزه علي ابن أخي قرا يوسف. وكان شاه محمد المذكور رديء ~~العقيدة يميل إلى دين النصرانية، قبحه الله ولعنه، وأبطل شعائر الإسلام من ~~دار السلام وغيرها بممالكه، وقتل العلماء وقرب النصارى، ثم أبعدهم، ومال ~~إلى دين المجوس وأخرب البلاد وأباد العباد، أسكنه الله سقر ومن يلوذ به من ~~إخوته وأقاربه ممن هو على اعتقاده ودينه. وتوفي الشيخ الإمام أبو الحسن علي ~~بن حسين بن عروة بن زكنون الحنبلي الزاهد الورع في ثاني جمادى الآخرة خارج ~~دمشق وقد أناف على الستين سنة. وكان فقيها عالما، شرح مسند الإمام أحمد، ~~وكان غاية في الزهد والعبادة والورع والصلاح، رحمه الله. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ستة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة. سبعة عشر ذراعا ~~وسبعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة ثمان وثلانين وثمانمائة. فيها توفي سلطان كربرجه من بلاد الهند ~~شهاب الدين أبو المغازي أحمد شاه بن أحمد بن حسن شاه بن بهمن في شهر رجب ~~بعد ما أقام في ملك كربرجه أربع عشرة سنة. وتسلطن من بعده ابنه ظفر شاه، ~~واسمه أيضا أحمد، وكان السلطان شهاب الدين هذا من خير ملوك زمانه، وله مآثر ~~بمكة معروفة، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير الكبير سيف الدين طرباي بن عبد ~~الله الظاهري جقمق نائب طرابلس، في بكرة نهار السبت رابع شهر رجب، من غير ~~مرض، فجأة، بعد صلاة الصبح وهو جالس بمصلاه، وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة ~~في ترجمة الملك الصالح محمد بن ططر، بما وقع له من جانبك الصوفي، ثم مع ~~الملك الأشرف حتى قبض عليه وحبسه بالإسكندرية مدة طويلة، ثم أخرجه إلى ~~القدس، ثم ولاه نيابة طرابلس، فدام به إلى أن مات. وكان أميرا ضخما جميلا ms3192 ~~شهما مقداما دينا خيرا معظما في الدول، لم يشهر عنه تعاطي شيء من القاذورات ~~غير أنه كان يقتحم الرئاسة، وفي أمله أمور، فمات قبلها. وهو أحد أعيان ~~المماليك الظاهرية برقوق ورؤوس الفتن في تلك الأيام، وكان أكبر منزلة من ~~الملك الأشرف برسباي قديما وحديثا، وكان بينهما صحبة أكيدة عرفها له ~~الأشرف، وأخرجه من السجن وولاه طرابلس، ولو كان غيره ما فعل معه ذلك، لما ~~سبق بينهما من التشاحن على الملك، انتهى. وتوفي السلطان أميرزه إبراهيم بن ~~القان معين الدين شاه رخ ابن الطاغية تيمورلنك كوركان، صاحب شيراز، في شهر ~~رمضان. وكان من أجل ملوك جغتاي وأعظمهم، كان يكتب الخط المنسوب إلى الغاية ~~في الخسن، يقارب فيه ياقوتا المستعصمي، ووجد عليه أبوه شاه رخ كثيرا، وكذلك ~~أهل شيراز. ثم في السنة أيضا، توفي أخوه، باي سنقر بن شاه رخ بن تيمور صاحب ~~مملكة كرمان، في العشر الأول من ذي الحجة. وكان باي سنقر ولي عهد أبيه شاه ~~رخ في الملك، وهو أشجع أولاد شاه رخ وأعظمهم إقداما وجبروتا، وهو والد من ~~بقي الآن من ملوك جغتاي بممالك العجم، وهم: بابور وعلاء الدولة ومحمد، ~~والجميع أولاد باي سنقر هذا، تولى تربيتهم جدتهم كهرشاه خاتون لمحبتها ~~لأبيهم باي سنقر دون جميع أولادها، ولهذا المعنى كان قدمه شاه رخ على ولده ~~ألوغ بك صاحب سمرقند، كل ذلك لميل زوجته كهرشاه إليه، على أن ألوغ بك أيضا ~~ولدها بكريها، غير أنها ما كانت تقدم على باي سنقر أحدا من أولادها، انتهى. ~~وتوفي الشريف زهير بن سليمان بن ريان بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني، في ~~محاربة كانت بينه وبين أمير المدينة النبوية مانع بن علي بن عطية بن منصور ~~بن جماز بن شيحة، في شهر رجب، وقتل معه عدة من بني حسين. وكان زهير المذكور ~~من أقبح الأشراف سيرة، كان خارجا عن الطاعة، ويخيف السبيل، ويقطع الطريق ~~ببلاد نجد والعراق وأرض الحجاز في جمع كبير، فيه نحو الثلاثمائة فارس وعدة ~~رماة بالسهام، وأعيا الناس ms3193 أمره، إلى أن أخذه الله وأراح الناس منه. وتوفي ~~الحطي ملك الحبشة الكافر صاحب أمحرة من بلاد الحبشة، وممالكه متسعة جدا بعد ~~أن وقع له مع السلطان سعد الدين صاحب جبرت حروب. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم خمسة أذرع واثنان وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا ~~وثمانية عشر إصبعا. PageV04P0219 ### || AUT السنة الخامسة عشرة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة تسع وثلاثين وثمانمائة. وفيها توفي ملك تونس من بلاد إفريقية ~~بالمغرب، السلطان المنتصر بالله أبو عبد الله محمد ابن الأمير أبي عبد الله ~~محمد ابن السلطان أبي فارس عبد العزيز، المقدم ذكره، ابن أحمد الهنتاتي ~~الحفصي، في يوم الخميس حادي عشرين صفر بتونس. وكان ملك بعد جده أبي فارس، ~~فلم يتهن بالملك لطول مرضه، وكثرت الفتن في أيامه وعظم سفك الدماء، إلى أن ~~مات. وأقيم في مملكة تونس من بعده أخوه شقيقه عثمان، فقتل عدة من أقاربه ~~وغيرهم. وكان من خبر المنتصر أنه ثقل في مرضه حتى اقعد، وصار إذا سار إلى ~~مكان يركب في عمارية على بغل، وتردد كثيرا في أيام مرضه إلى قصره خارج تونس ~~للنزهة به، إلى أن خرج يوما ومعه أخوه أبو عمرو عثمان المقدم ذكره، وهو يوم ~~ذاك صاحب قسطنطينة، وقد قدم عليه الخبر وولاه الحكم بين الناس، ومعه أيضا ~~القائد محمد الهلالي، فصار لهما مرجع أمور الدولة بأسرها، وحجبا المنتصر ~~هذا عن كل أحد. فلما صارا معه في هذه المرة إلى القصر المذكور، تركاه به، ~~وقد أغلقا عليه، يوهمان أنه نائم، ودخلا المدينة. واستولى أبو عمرو عثمان ~~المقدم ذكره على تخت الملك، ودعا الناس إلى طاعته ومبايعته، والهلالي قائم ~~بين يديه. فلما ثبت دولته، قبض أيضا على الهلالي وسجنه وغيبه عن كل أحد. ثم ~~التفت إلى أقاربه، فقتل عم أبيه وجماعة كبيرة من أقاربه، فنفرت عنه قلوب ~~الناس. وخرج عليه الأمير أبو الحسن ابن السلطان أبي فارس عبد العزيز متولي ~~بجاية وحاربه، ووقع له معه أمور يطول شرحها، إلى أن مات أبو عمرو ms3194 المذكور ~~حسبما يأتي ذكره في محله، وأما المنتصر فإنه قتل بعد خلعه بمدة، وقيل مات ~~من شدة القهر. وفيها توفي قاضي القضاة الشريف ركن الدين عبد الرحمن بن علي ~~بن محمد الحنفي الدمشقي، المعروف بدخان، قاضي قضاة دمشق بها، في ليلة الأحد ~~سابع المحرم، وقد أناف على ستين سنة. وكان، فقيها حنيفا ماهرا بارعا في ~~معرفة فروع مذهبه، وله مشاركة في عدة فنون. ونشأ بدمشق، وبها تفقه وناب في ~~الحكم، ثم استقل بالقضاء بعد موت ابن الكشك، وحمدت سيرته. وهو ممن ولي ~~القضاء بغير سعي ولا بذل، ولو لم يكن من محاسنه إلا ذاك لكفاه فخرا، مع ~~عريض جاهه بالشرف. وتوفي التاج بن سيفا الشوبكي الدمشقي القازاني الأصل، ~~والي القاهرة في ليلة الجمعة حادي عشرين شهر ربيع الأول بالقاهرة، وقد أناف ~~على ثمانين سنة، وهو فور على المعاصي والإسراف على نفسه وظلم غيره، والتكلم ~~بالكفريات. وكان من قبائح الدهر، ومن سيئات الملك المؤيد شيخ المحمودي، لما ~~اشتمل عليه من المساوىء، وقد ذكر المقريزي عنه أمورا شنعة، واستوعبنا نحن ~~أيضا أحواله في ترجمته من تاريخنا،المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي. ~~وكان من جملة ما قاله الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله في حقه: وكان ~~وجوده عارا على بني آدم قاطبة. قلت: وهو من قبيل من قيل في حقه: الكامل قوم ~~إذا صفع النعال قفاهم ... قال النعال: بأي ذنب نصفع؟ وتوفي الأمير سيف ~~الدين قصروه بن عبد الله من تمراز الظاهري، نائب دمشق، في ليلة الأربعاء ~~ثالث شهر ربيع الآخر. وكان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق من إنيات ~~جرباش الشيخي من طبقة الرفرف. وترقى بعد موت استاذه الظاهر، إلى أن صار من ~~جملة أمراء العشرات. ثم أمسكه الملك المؤيد وحبسه مدة، ثم أطلقه في أواخر ~~دولته. ولما آل التحدث في المملكة للأمير ططر، أنعم على قصروه المذكور ~~بإمرة مائة وتقدمة ألف، ثم صار رأس نوب النوب، ثم أمير آخور كبيرا في أواخر ~~دولة الملك الصالح محمد بن ططر، ودام على ذلك سنين، ms3195 إلى أن نقله السلطان ~~الملك الأشرف برسباي، إلى نيابة طرابلس بعد عزل إينال النوروزي وقدومه ~~القاهرة على إقطاع قصروه المذكور، واستقر في الأمير آخورية بعده الأمير ~~جقمق العلائي. فدام قصروه على نيابة طرابلس سنين، ثم نقل بعد سنين إلى ~~نيابة دمشق، بعد موت الأتابك جارقطلو أيضا، فدام في نيابة دمشق إلى أن مات ~~في التاريخ المقدم ذكره. PageV04P0220 # وكان أميرا عاقلا مدبرا سيوسا معظما في الدول. وهو أحد من أدركناه من ~~عظماء الملوك ورؤسائهم. وهو أحد من كان سببا لسلطنة الملك الأشرف برسباي، ~~وأعظم من قام معه حتى وثب على الملك. وهو أيضا استاذ كل من يدعى بالقصروي، ~~لأننا لا نعلم أحدا سمي بهذا الاسم ونالته السعادة غيره. وتولى بعده نيابة ~~دمشق الأمير إينال الجكمي. وتوفي الأمير فخر الدين عثمان المدعو قرايلك ابن ~~الحاج قطلبك، ويقال: قطبك ابن طرعلي التركي الأصل التركماني صاحب ماردين ~~وآمد وأرزن وغيرها من ديار بكر، في خامس صفر، بعد أن انهزم من إسكندر بن ~~قرا يوسف، وقصد قلعة أرزن فحيل بينه وبينها، فرمى بنفسه في خندق المدينة ~~لينجو بمهجته فوقع على حجر فشج دماغه، ثم حمل إلى أرزن فمات بها بعد أيام، ~~وقيل بل غرق في خندق المدينة. ومات وقد ناهز المائة سنة من العمر، فدفن ~~خارج مدينة أرزن الروم، فنبش إسكندر عليه وقطع رأسه وبعث بها إلى الملك ~~الأشرف، فطيف بها، ثم علقت أياما. وكان أصل أبيه من أمراء الدولة الأرتقية ~~الأتراك، ونشأ ابنه عثمان هذا بتلك البلاد، ووقع له مع ملوك الشرق وقائع. ~~ثم اتصل بخدمة تيمورلنك، وكان جاليشه لما قدم إلى البلاد الشامية في سنة ~~ثلاث وثمانمائة. وطال عمره ولقي منه أهل ديار بكر وملوكها شدائد، لا سيما ~~ملوك حصن كيفا الأيوبية، فإنهم كانوا معه في ضنك وبلاء. وتداول حروبه ~~وشروره مع الملوك سنين طويلة، وكان صبارا على القتال، طويل الروح على ~~محاصرة القلاع والمدن، يباشر الحروب بنفسه. ومع هذا كله لم يشهر بشجاعة، ~~وكان في الغالب ينهزم ممن يقاتله، ثم يعود إليه ms3196 غير مرة حتى يأخذه إما ~~بالمصابرة أو بالغدر والحيلة. وكذا وقع له مع القاضي برهان الدين أحمد صاحب ~~سيواس، ومع بيرعمر حتى قتلهما. وفي الجملة، فإنه كان من أشر الملوك، غير ~~أنه خير من بني قرا يوسف، لتمسكه بدين الإسلام، واعتقاده في الفقراء ~~والعلماء. ولما مات خلف عدة أولاد وأولاد الأولاد، وهم إلى الآن ملوك ديار ~~بكر، وبينهم قتل وحروب تدوم بينهم إلى أن يفنوا جميعا إن شاء الله تعالى. ~~وتوفي الشريف مانع بن عطية بن منصور بن جماز بن شيحة الحسيني أمير المدينة ~~النبوية، وقد خرج للصيد خارج المدينة في عاشر جمادى الآخرة. وثب عليه ~~الشريف حيدر بن دوغان بن جعفر بن هبة الله بن جماز بن منصور بن شيحة وقتله ~~بدم أخيه خشرم بن دوغان أمير المدينة. وكان الشريف مشكور السيرة، غير أنه ~~كان على مذهب القوم. وتوفي الشيخ المسلك زين الدين أبو بكر بن محمد بن علي ~~الخافي الهروي العجمي، في يوم الخميس ثالث شهر رمضان بمدينة هراة، في ~~الوباء، وكان أحد أفراد زمانه. وخاف: قرية من قرى خراسان بالقرب من مدينة ~~هراة، قلت: وفي الشيخ زين الدين نادرة: وهي أنه عجمي واسمه أبو بكر، وهذا ~~من الغرائب، ومن لم يستغرب ذلك يأت بعجمي يكون اسمه أبا بكر أو عمر، سنيا ~~كان أو شيعيا. وتوفي القاضي بدر الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز، أحد ~~أعيان الفقهاء الشافعية ونواب الحكم، المعروف بابن الأمانة، في ليلة ~~الثلاثاء ثالث عشر شعبان. ومولده في سنة اثنتين وستين وسبعمائة تخمينا. ~~وكان فقيها بارعا في الفقه والأصول والعربية، كثير الاستحضار لفروع مذهبه، ~~وأفتى ودرس سنين، وناب في الحكم مدة طويلة، وشكرت سيرته، وكان في لسانه ~~مسكة تمنعه عن سرعة الكلام، رحمه الله. وتوفيت خوند جلبان بنت يشبك ططر ~~الجاركسية زوجة السلطان الملك الأشرف برسباي، وأم ولده الملك العزيز يوسف، ~~في يوم الجمعة ثاني شوال، بعد مرض طويل، ودفنت بتربة السلطان الملك الأشرف ~~بالصحراء خارج الباب المحروق. كان الملك الأشرف اشتراها في أوائل ms3197 سلطنته ~~واستولدها ابنه الملك عبد العزيز يوسف، فلما ماتت خوند الكبرى أم ولده محمد ~~المقدم ذكرها تزوجها السلطان وأسكنها قاعة العواميد، فصارت خوند الكبرى ~~ونالتها السعادة. وكانت جميلة عاقلة حسنة التدبير، ولو عاشت إلى أن ملك ~~ابنها لقامت بتدبير دولته أحسن قيام. PageV04P0221 # وتوفي أحمد جوكي ابن القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك، في شعبان، بعد ~~مرض تمادى به عدة أيام، فعظم مصابه على أبيه شاه رخ، ووالدته كهرشاه خاتون، ~~فإنهما فقدا ثلاثة أولاد ملوك في أقل من سنة، وهم: السلطان إبراهيم صاحب ~~شيراز، وباي سنقر صاحب كرمان المقدم ذكرهما في السنة الخالية، وأحمد جوكي ~~هذا في هذه السنة. وتوفي السلطان ملك بنجالة من بلاد الهند، الملك المظفر ~~شهاب الدين أحمد شاه ابن السلطان جلال الدين محمد شاه بن فندوكاس، في شهر ~~ربيع الآخر. وثب عليه مملوك أبيه كالو، الملقب مصباح خان ثم وزير خان، ~~وقتله واستولى على بنجالة، وقد تقدم وفاة أبيه فى سنة سبع وثلاثين ~~وثمانمائة من هذا الكتاب. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أحد عشر ~~ذراعا وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا ونصف ذراع. ### || AUT السنة السادسة عشرة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة أربعين وثمانمائة. فيها كانت الواقعة بين الأمير خجا سودون أحد ~~أمراء السلطان، وبين الأتابك جانبك الصوفي، وانكسر جانبك، وأمسك قرمش ~~الأعور الظاهري وكمشبغا أمير عشرة، وقتلا حسبما تقدم ذكرهما في ترجمة الملك ~~الأشرف. وكان قرمش المذكور من أعيان المماليك الظاهرية برقوق، وترقى حتى ~~صار أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية. وانضم على جانبك الصوفي أولا ~~وآخرا. وقبض عليه الملك الأشرف وحبسه بالإسكندرية، ثم أطلقه وأرسله إلى ~~الشام أمير مائة ومقدم ألف بها. فلما عصى البجاسي صار من حزبه. ثم اختفى ~~بعد كسرة البجاسي إلى أن ظهر، لما سمع بظهور جانبك الصوفي وانضم عليه وصار ~~من حزبه، إلى أن واقع خجا سودون وانكسر وقبض عليه. وأما كمشبغا أمير عشرة ~~فإنه كان أيضا من المماليك الظاهرية برقوق ومن جملة أمراء حلب. فلما بلغه ms3198 ~~خروج جانبك الصوفي سار إليه وقام بنصرته. وقد، تقدم ذكره ذلك كله، غير أننا ~~نذكره هنا ثانيا لكون هذا محل الكشف عنه والإخبار بأحواله. وتوفي الشيخ ~~الأديب زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن عبد الله المروزي الأصل ~~الحموي، المعروف بابن الخراط، أحد موقعي الدست بالقاهرة وأعيان الشعراء، في ~~ليلة الاثنين أول المحرم بالقاهرة، عن نحو ستين سنة، ودفن من الغد. وكان ~~صاحبنا، وأنشدنا كثيرا من شعره. ومن شعره في مليح على شفته أثر بياض: ~~البسيط لا والذي صاغ فوق الثغر خاتمه ... ما ذاك صدع بياض في عقائقه وإنما ~~البرق للتوديع قبله ... أبقى به لمعة من نور بارقه وتوفي قاضي القضاة شمس ~~الدين محمد ابن قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بي محمود الدمشمقي الحنفي، ~~المعروف بابن الكشك، قاضي قضاة دمشق في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع ~~الإول بدمشق، وقد تقدم ذكر وفاة أبيه في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة من هذا ~~الجزء. وتوفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن صلاح الشافعي المصري، ~~المعروف بابن المحمرة، بالقدس، على مشيخة الصلاحية، في يوم السبت سادس عشر ~~شهر ربيع الآخر. ومولده في صفر سنة تسع وستين وسبعمائة بالمقير خارج ~~القاهرة، وتكسب بالجلوس في حانوت الشهود سنين. وكان فقيها بارعا مفننا كثير ~~الاستحضار لفروع مذهبه، وأفتى ودرس سنين، وناب في الحكم، وتولى مشيخة ~~خانقاه سعيد السعداء، ثم قضاء دمشق ثم مشيخة الصلاحية بالقدس، إلى أن مات. ~~وتوفي الأمير سيف الدين أرغون شاه بن عبد الله النوروزي الأعور، أستادار ~~السلطان بدمشق بها، في حادي عشرين شهر رجب، وقد جاوز الستين سنة تخمينا، ~~بعدما ولي الوزارة بالديار المصرية، والأستادارية غير مرة. وكان من الظلمة ~~الفسقة، كان شيخا طوالا أعور فصيحا باللغة العربية، عارفا بفنون المباشرة ~~وتنويع المظالم. وتوفي الأمير حمزة بك بن علي بك بن دلغادر مقتولا بقلعة ~~الجبل في ليلة الخميس سابع عشر جمادى الأولى. وتوفي الأمير سيف الدين برد ~~بك بن عبد الله الإسماعيلي الظاهري برقوق وهو يوم ذاك أحد ms3199 أمراء العشرات، ~~في جمادى الأولى بالقاهرة. وكان جعله الملك الاشرف أمير طبلخاناة وحاجبا ~~ثانيا، ثم نفاه مدة، ثم أعاده إلى القاهرة وأنعم عليه بإمرة عشرة. وكان لا ~~للسيف ولا للضيف، يأكل ما كان ويضيق المكان. PageV04P0222 # وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن يوسف بن صلاح الدمشقي المعروف بالحلاوي، ~~وكيل بيت المال، في ليلة الخميس سادس شوال. ومولده في سنة خمس وستين ~~وسبعمائة بدمشق. وقدم القاهرة، واتصل بسعد الدين بن غراب، ورشحه سعد الدين ~~لكتابة السر. ثم تردد لجماعة من الأكابر بعد سعد الدين وأخيه فخر الدين ~~ابني غراب، مثل بدر الدين الطوخي الوزير وغيره. وكان حلو المحاضرة حسن ~~المذاكرة، مع قصر الباع في العلوم. وكان كبير اللحية جدا، يضرب بطول لحيته ~~المثل. ولما مات سعد الدين بن غراب وأخوه فخر الدين، ثم توفي الوزير بدر ~~الدين الطوخي أيضا، قال فيه بعض شعراء العصر: البسيط إن الحلاوي لم يصحب ~~أخا ثقة ... إلا محا شؤمه منهم محاسنهم السعد والفخر والطوخي لازمهم ... ~~فأصبحوا لاترى إلا مساكنهم فزاد الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر بأن قال: ~~وابن الكويز وعن قرب أخوه ثوى ... والبدر، والنجم رب اجعله ثامنهم قلت: ~~يعني بابن الكويز صلاح الدين بن الكويز، وبأخيه علم الدين، وبالبدر بدر ~~الدين بن محب الدين المشير، وبالنجم القاضي نجم الدين عمر بن حجي. وفي طول ~~لحيته يقول صاحبنا الشيخ شمس الدين الدجوي، من أبيات كثيرة، أنشدني غالبها، ~~أضربت عن ذكرها لفحش ألفاظها، غير أنني أعجبني منها براعتها: البسيط ظن ~~الحلاوي جهلا أن لحيته ... تغنيه في مجلس الإفتاء والنظر وأشعريتها طولا قد ~~اعتزلت ... بالعرض باحثة في مذهب القدر وتوفي الأمير قرقماس بن عذرا بن ~~نعير بن حيار بن مهنا في هذه السنة. وتوفي الشيخ شاب الدين أحمد ابن أبي ~~بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان بن عمر الأبوصيري الشافعي، أحد ~~مشايخ الحديث، في ليلة الأحد ثامن عشرين المحرم. وتوفي صاحب صنعاء اليمن ~~الإمام المنصور نجاح الدين أبو الحسن علي ابن الإمام صلاح الدين محمد ms3200 بن ~~علي بن محمد بن علي بن منصور بن حجا، بن يوسف الحسيني العلوي الشريف في ~~سابع صفر، بعد ما أقام في الإمامة بعد أبيه ستا وأربعين سنة وثلاثة أشهر ~~وأضاف إلى صنعاء وصعدة عدة من حصون الإسماعيلية، أخذها منهم بعد حروب ~~وحصار. ولما مات قام من بعده ابنه الإمام الناصر صلاح الدين محمد بعهده ~~إليه فمات بعد ثمانية وعشرين يوما، فأجمع الزيدية بعده على رجل منهم يقال ~~له صلاح بن علي بن محمد بن أبي القاسم وبايعوه ولقبوه بالمهدي، وهو من بني ~~عمرو عم الإمام المنصور. قلت: والجميع زيدية بمعزل عن أهل السنة. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وثمانية عشر أصبعا مبلغ الزيادة تسعة ~~عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة السابعة عشرة من سلطنة الأشرف برسباي # وهي سنة إحدى وأربعين وثمانمائة. فيها كانت وفاة الأشرف المذكور في ذي ~~الحجة حسبما تقدم ذكره. وفيها كان الطاعون بالديار المصرية. وكان مبدؤه من ~~شهر رمضان، وارتفع في ذي القعدة في آخره. ومات فيه خلائق من الأعيان ~~والرؤساء وغيرهم، لكنه في الجملة كان أضعف من طاعون سنة ثلاث وثلاثين ~~وثمانمائة. وفيها توفي القاضي سعد الدين إبراهيم ابن القاضي كريم الدين عبد ~~الكريم بن سعد الدين بركة، ناظر الخاص الشريف وابن ناظر الخاص المعروف بابن ~~كاتب جكم، في يوم الخميس سابع عشر شهر ربيع الأول، بعد مرض طويل، وسنه دون ~~الثلاثين سنة، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، من تحت القلعة، ~~ودفن عند أبيه بالقرافة. وكان شابا عاقلا سيوسا كريما مدبرا. ولي الخاص ~~صغيرا بعد وفاة أبيه، فباشر بحرمة ونفذ الأمور وساس الناس وقام بالكلف ~~السلطانية أتم قيام، لا سيما لما سافر الملك الأشرف إلى آمد فإنه تكفل عن ~~السلطان بأمور كثيرة تكلف فيها كلفة كبيرة. كل ذلك وسيرته مشكورة، إلا أنه ~~كان منهمكا في اللذات التي تهواها النفوس، مع ستر وتجمل، سامحه الله تعالى. ~~وتولى نظر الخاص من بعده أخوه الصاحب جمال الدين يوسف ابن القاضي كريم ~~الدين عبد ms3201 الكريم، وهو مستمر على وظيفته مضافة لنظر الجيش وتدبير الممالك ~~إلى يومنا هذا، إلى أن مات حسبما يأتي ذكره في مواطن كثيرة من هذا الكتاب ~~وغيره إن شاء الله تعالى. PageV04P0223 # وتوفي الأمير الكبير سيف الدين جانبك بن عبد الله الصوفي الظاهري، صاحب ~~الوقائع والأهوال والحروب، في يوم الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر بديار ~~بكر، وقطعت رأسه وحملت إلى مصر، وطيف بها على رمح ثم ألقيت في قناة سراب. ~~وقد تقدم ذكر ذلك كله مفضلا في مواضع كثيرة وما وقع للناس بسببه بالديار ~~المصرية والبلاد الشرقية، غير أننا نذكر هنا أصله ومنشأه إلى أن مات، على ~~طريق لإيجاز: كان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق الصغار، وترقى في ~~الدولة الناصرية فرج إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف، ثم ولاه الملك المؤيد ~~رأس نوبة النوب، ثم نقله بعد مدة إلى إمرة سلاح، ثم أمسكه وحبسه إلى أن ~~أطلقه الأمير ططر بعد موت المؤيد، وأنعم عليه بإمرة وتقدمة ألف ثم خلع عليه ~~باستقراره أمير سلاح بعد مسك قجقار القردمي، ثم خلع عليه بعد سلطنته ~~باستقراره، أتابك العساكر بالديار المصرية، ثم أوصاه الملك الظاهر ططر عند ~~موته بتدبير ملك ولده الملك الصالح محمد. ومات الملك الظاهر ططر، فصار ~~جانبك المذكور نظام الملك ومدبر الممالك، فلم يحسن التدبير ولا استمال أحدا ~~من أعيان خجداشيته من الأمراء، فنفروا عنه الجميع ومالوا إلى الأمير طرباي ~~وبرسباي حسبما ذكرنا ذلك كله مفصلا، ولازالوا في التدبير عليه حتى خذلوه في ~~يوم عيد النحر، بعدما لبس آلة الحرب هو والأمير يشبك الجكمي الأمير آخور، ~~وأنزلوه من باب السلسلة بإرادته راكبا وعليه آلة الحرب إلى بيت الأمير ~~بيبغا المظفري، فحال دخوله إلى البيت قبض عليه وقيد وحمل إلى القلعة، ثم ~~إلى ثغر الإسكندرية، بعد أن كان ملك مصر في قبضته، وأمسك معه يشبك الجكمي ~~أيضا وحبس بثغر الإسكندرية، كل ذلك في أواخر ذي الحجة من سنة أربع وعشرين. ~~ودام جانبك في سجن الإسكندرية مكرما مبجلا، إلى أن حسن له ms3202 شيطانه الفرار ~~منه، فأوسع الحيلة في ذلك، حتى فر من سجنه في سنة سبع وعشرين وثمانمائة. ~~فعند ذلك حل به وبالناس بلاغ الله المنزل المتداول سنين عديدة، ذهب فيها ~~أرزاق جماعة، وحبس فيها جماعة كثيرة من أعيان الملوك وضرب فيها جماعة من ~~أعيان الناس وأماثلهم بالمقارع، وجماعة كثيرة من الخاصكية أيضا ضربوا ~~بالمقارع والكسارات. وأما ما قاساه الناس من كبس البيوت ونهب أقمشتهم وما ~~دخل عليهم من الخوف والرجيف فكثير إلى الغاية، ودام ذلك نحو العشر سنين، ~~فهذا ما حل بالناس لأجل هروبه. وأما ما وقع له فأضعاف ذلك، فإنه صار ينتقل ~~من بيت إلى بيت، والفحص مستمر عليه في كل يوم وساعة، حتى ضاقت عليه الدنيا ~~بأسرها، وأراد أن يسلم نفسه غير مرة، وقاسى أهوالا كثيرة إلى أن خرج من مصر ~~إلى البلاد الشامية وتوصل إلى بلاد الروم حسبما حكيناه. وانضم عليه جماعة ~~من التركمان الأمراء وغيرهم، وقاموا بأمره أحسن قيام حتى استفحل أمره، فغلب ~~خموله وقلة سعادته تدبيرهم واجتهادهم، إلى أن مات. وكان شجاعا فارسا مفننا ~~مليح الشكل رشيق القد كريما رئيسا، إلا أنه كان قليل السعد مخمول الحركات ~~مخذولا في حروبه. حبس غير مرة، ونفد عمره على أقبح وجه، ما بين حبس وخوف ~~وذل وشتات وغربة، إلى أن مات بعد أن تعب وأتعب وأراح بموته واستراح. وتوفي ~~الأمير سيف الدين تمراز المؤيدي نائب صفد ثم نائب غزة مخنوقا بسجن ~~الإسكندرية، في ثالث عشرين جمادى الآخرة. وكان أصله من مماليك الملك المؤيد ~~شيخ وخاصكيته، وكان مقربا عنده، ثم تغير عليه لأمر اقتضى ذلك، وضربه أخرجه ~~إلى الشام على إقطاع هين بطرابلس. ثم نقل بعد موت الملك المؤيد إلى إمرة ~~بدمشق. فلما كانت وقعة تنبك البجاسي وافقه على العصيان، فلما ظفر الملك ~~الأشرف بالبجاسي فر تمراز هذا واختفى مدة، ثم ظفر به وسجن بقلعة دمشق، ثم ~~أطلق وأنعم عليه بإقطاع بها، ثم نقله الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف ~~بدمشق، ثم أقره في نيابة صفد فلم تشكر سيرته ورمي ms3203 بعظائم، فعزله السلطان ~~وولاه نيابة غزة عوضا عن يونس الركني، وانتقل يونس إلى نيابة صفد. فلما ولي ~~غزة أساء السيرة أيضا وظلم وعسف وأفحش في القتل وغيره، فطلبه السلطان إلى ~~الديار المصرية وأمسكه وحبسه بالإسكندرية ثم قتله خنقا، ولا أعرف من أحوال ~~تمراز غير ما ذكرته أنه مذموم السيرة كثير الظلم. PageV04P0224 # وتوفي الأمير جانبك بن عبد الله السيفي يلبغا الناصري المعروف بالثور، ~~أحد أمراء الطبلخاناه والحاجب الثاني، وهو يلي شد بندر جده بمكة، في حادي ~~عشر شعبان. وكان أميرا ضخما متجملا في مركبه وملبسه ومماليكه، وهو الذي ~~أخرب المسطبة التي كانت ببندر جدة التي كان من طلع عليها واستجار بها لم ~~يؤخذ منها، ولو كان ذنبه ما عسى أن يكون، حتى ولو قتل نفسا وطلع فوقها لا ~~يؤخذ منها. وكانت هذه العادة قديمة بجدة، فأخرب جانبك المذكور المسطبة ~~المذكورة ووقع بينه وبين عرب تلك البلاد وقعة عظيمة قتل فيها جماعة. وانتصر ~~جانبك المذكور ومشى له ما قصده، من هدم المسطبة المذكورة ومحي أثرها إلى ~~يومنا هذا. يرحمه الله تعالى على هذه الفعلة، فإنها من أجل الأفعال وأحسنها ~~دنيا وأخرى، ولم ينتبه لذلك من جاء قبله من الأمراء حتى وفقه الله تعالى ~~لمحو هذه السنة القبيحة التي كانت ثلمة في الإسلام وأهله. قلت: كم ترك ~~الأول للآخر. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن خضر بن داؤد بن يعقوب الشهير ~~بالمصري، الحلبي الأصل الشافعي، أحد موقعي الدست بالقدس الشريف، في يوم ~~الأحد النصف من شهر رجب، وكان دينا خيرا وله رواية عالية بسنن ابن ماجة ~~وحدث وأسمع سنين. وتوفي شيخ الإسلام علامة الوجود علاء الدين محمد بن محمد ~~بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخاري العجمي الحنفي، الإمام ~~العالم الزاهد المشهور، في خامس شهر رمضان بدمشق. وسماه بعضهم عليا وهو ~~غلط. ومولده في سنة تسع وسبعين وسبعمائة ببلاد العجم، ونشأ بمدينة بخارى، ~~وتفقه بأبيه وعمه علاء الدين عبد الرحمن، وأخذ الأدبيات والعقليات عن ~~العلامة سعد الدين التفتازاني وغيره. ms3204 ورحل في شبيبته في طلب العلم إلى ~~الأقطار، واشتغل على علماء عصره إلى أن برع في المعقول والمنقول والمفهوم ~~والمنظوم واللغة العربية، وترقى في التصوف والتسليك، وصار إمام عصره، وتوجه ~~إلى الهند واستوطنه مدة، وعظم أمره عند ملوك الهند إلى الغاية، لما شاهدوه ~~من غزير علمه وعظيم زهده وورعه. ثم قدم إلى مكة المشرفة وقرأ بها مدة، ثم ~~قدم إلى الديار المصرية واستوطنها سنين كثيرة وتصدى للإقراء والتدريس. وقرأ ~~عليه غالب علماء عصرنما من كل مذهب، وانتفع الجميغ بعلمه وجاهه وماله. وعظم ~~أمره بالديار المصرية بحيث إنه منذ قدم القاهرة إلى أن خرج منها لم يتردد ~~إلى واحد من أعيان الدولة حتى ولا السلطان، وتردد إليه جميع أعيان أهل مصر ~~من السلطان إلى من دونه، كل ذلك وهو مكب على الأشغال، مع ضعف كان يعتريه ~~ويلازمه في كثير من الأوقات، وهو لا يبرح عن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والقيام في ذات الله بكل ما تصل قدرته إليه. ثم بدا له التوجه إلى ~~دمشق فسار إليها، يعد أن سأله السلطان في الإقامة بمصر غير مرة فلم يقبل، ~~وتوجه إلى دمشق وسكنها إلى أن مات بها. ولم يخلف بعده مثله، لأنه كان جمع ~~بين العلم والعمل، مع الورع الزائد والزهد والعبادة والتحري في مأكله ~~ومشربه من الشبهة وغيرها، وعدم قبوله العطاء من السلطان وغيره، وقوة قيامه ~~في إزالة البدع، ومخاشنته لعظماء الدولة في الكلام، وعدم اكتراثه بالملوك ~~واستجلاب خواطرهم، وهو مع ذلك لا يزداد إلا مهابة وعظمة في نفوسهم، بحيث إن ~~السلطان كان إذا دخل عليه لزيارته يصير في مجلسه كآحاد الأمراء، من حين ~~يجلس عنده إلى أن يقوم عنه، والشيخ علاء الدين يكلمه في مصالح المسلمين ~~ويعظه بكلام غير منمق، خارج عن الحد في الكثرة، والسلطان سامع له مطيع. ~~وكذلك لما سافر السلطان إلى آمد، أول ما دخل إلى دمشق ركب إليه وزاره وسلم ~~عليه، فهذا شيء لم نره وقع لعالم من علماء عصرنا جملة كافية. وهو أحد من ~~أدركناه ms3205 من العلماء الزهاد والعباد رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه وبركته. ~~وتوفي الشيخ الإمام العالم، العلامة علاء الدين علي بن موسى بن إبراهيم ~~الرومي الحنفي في قدمته الثانية إلى مصر، في يوم الأحد العشرين من شهر ~~رمضان بالقاهرة. وكان ولي مشيخة المدرسة الأشرفية المستجدة بخط العنبريين ~~بالقاهرة، ثم تركها وسافر إلى الروم، ثم قدم بعد سنين إلى مصر ثانيا وأقام ~~بها إلى أن مات. PageV04P0225 # وكان بارعا في علوم كثيرة محققا بحاثا إماما في المعقول والمنقول. تخرج ~~بالشيخين: الشريف الخرجاني والسعد التفتازاني، إلى أن برع وتصدى للإقراء ~~والتدريس مدة طويلة. ووقع له أمور طويلة مع فقهاء الديار المصرية، وتعصبوا ~~عليه، وهو ينتصف عليهم وأبادهم ، لأنه كان عارفاص بعلم الجدل: كان يلزم ~~أخصامه بأجوبة مسكتة، ولهذا حط عليه بعض علماء عصرنا بأن قال: كان يفحش في ~~اللفظ ، ولم ينسبه إلى جهل بل ذكر عنه العلم الوافر، والفضل ما شهدت به ~~الأعداء ولا أعلم فيه ما ينقصه غير أنه كان مستخفا بعلماء مصر، لا ينظرأحدا ~~منهم في درجة الكمال. وكان مما يقطع به أخصامه في المباحث أنه كان حضر عدة ~~مباحث بين الخرجاني والتفتازاني وغيرهما من العلماء، وحفظ ما وقع بينهم من ~~الأجوبة والأسئلة، وصار يسأل الناس بتلك. الأسئلة والقوم ليس فيهم من هو في ~~تلك الطبقة، فكل من سأله سؤالا من ذلك وقف وعجز عن الجواب المرضي وقصر، ~~فيتقدم عند ذلك الشيخ علاء الدين ويذكر الجواب فيعجب كل أحد. وبالجملة فإنه ~~كان عالما مفننا، رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي ناصر الدين محمد بن بدر ~~الدين حسن الفاقوسي الشافعي، أحد أعيان موقعي الدست بالديار المصرية، في ~~ليلة الاثنين تاسع شوال بالطاعون، عن بضع وسبعين سنة، وكان حشما وقورا، وله ~~فضل وأفضال، وحدث سنين، وسمع منه خلائق، وكان معدودا من الرؤساء بالديار ~~المصرية. وكان مولده، بالقاهرة في ليلة الجمعة خامس عشرين صفر سنة ثلاث ~~وستين وسبعمائة. والفاقوسي نسبة إلى قرية بالشرقية من أعمال مصر تسمى منية ~~الفاقوس. وتوفي الأمير سيف الدين آقبردي بن عبد الله ms3206 القجماسمي نائب غزة ~~بها. وكان أصله من مماليك الأمير قجماس والد إينال باي، ترقى بعده إلى أن ~~صار أمير عشرة بمصر ودام على ذلك سنين كثيرة، إلى أن ولي نيابة غزة بالبذل ~~بعد أن قبض تمراز المؤيدي، فلم تطل مدته ومات. وكان تركي الجنس غير مشكور ~~السيرة. وتوفي دولات خجا الظاهري، والي القاهرة ثم محتسبها، بالطاعون في ~~يوم السبت أول ذي القعدة. وكان أصله تركي الجنسن من أوباش ممالميك الظاهر ~~برقوق، أعرفه قبل أن يلي الوظائف وهو من جملة حرافيش المماليك السلطانية. ~~ثم ولاه الملك الأشرف الكشف ببعض الأقاليم فأباد المفسدين وقويت حرمته، فمن ~~يومئذ صار ينقله من وظيفة إلى أخرى، حتى ولي القاهرة مرتين وعدة أقاليم، ثم ~~ولاه حسبة القاهرة. وقد تقدم من ذكره نبذة كبيرة في ترجمة الملك الأشرف. ~~وفي الجملة أنه كان ظالما فاجرا فاسقا غشوما شيخا جاهلا ظالما خبيثا، عليه ~~من الله ما يستحقه. ولولا أنه شاع ذكره لكثرة ولاياته وأرخه جماعة من أعيان ~~المؤرخين، ما ذكرته في هذا كتاب ونزهته عن ذكر مثله. وتوفي الأمير، ثم ~~القاضي، صلاح الدين محمد ابن الصاحب بدر الدين حسن ابن نصر الله الفوي ~~الأصل المصري، كاتب السر الشريف بالديار المصرية، بالطاعون في ليلة ~~الأربعاء خامس ذي القعدة. ومولده في شهر رمضان سنة تسعين سبعمائة، ونشأ ~~بالقاهرة تحت كنف والده الصاحب بدر الدين، وتزيا بزي الجند، ولي الحجوبية ~~في دولة الملك الناصر فرج، ثم ولي الأستادارية في الدولة المظفرية ثم عزل، ~~ثم أعيد إليها بعد سنين، ثم عزل بأبيه، وصودر ولزم داره سنين طويلة هو ~~ووالده، إلى أن ولاه الملك الأشرف بعد سنة خمس وثلاثين حسبة القاهرة. وأخذ ~~صلاح الدين بعد ذلك يتقرب بالتحف والهدايا للسلطان ولخواصه، إلى أن اختص به ~~ونادمه، وصار يبيت عنده في ليالي البطالة بالقلعة. وحج أمير الركب الأول، ~~وعاد فولاه كتابة السر على حين غفلة، بعد عزل القاضي محب الدين محمد بن ~~الأشقر، من غير سعي، في يوم الخميس ثاني عشرين ذي الحجة سنة. أربعين ms3207 ~~وثمانمائة. وترك زي الجند ولبس زي الفقهاء، وصار يدعى بالقاضي بعد الأمير، ~~فباشر كتابة السر بحرمة وافرة وعظم في الدولة، فلم تطل أيامه ومات في حياة ~~والده واستقر والده عوضه في كتابة السر. PageV04P0226 # وكان صلاح الدين حشما متواضعا كريما، يكتب المنسوب، إلا أنه كان من ~~الكذبة الذين يضرب بكذبهم المثل. يحكى عنه من ذلك أشياء كثيرة، ورأيت أنا ~~منه نوعا، غير أن الذي حكي لي عنه أغرب. وقد جربت أنا كذبه بأنه لا يضر ولا ~~ينفع، وهو أن غالب كذبه كان على نفسه، فيما وقع له قديما وحديثا، فهذا شيء ~~لا يضر أحدا، ولعل الله أن يسامحه في ذلك. وتوفي الشهابي أحمد بن علي، ابن ~~الأمير سيف الدين قرطاي بن عبد الله سبط بكتمر الساقي، بالطاعون في ليلة ~~الاثنين عاشر ذي القعدة. ومولده في يوم الأحد ثالث عشرين شعبان سنة ست ~~وثمانين وسبعمائة بالقاهرة. ومات ولم يخلف بعده مثله في أبناء جنسه، لفضائل ~~جمعت فيه، من حسن كتابة ونظم القريض، وحلو محاضرة وجودة مذاكرة، وكان سمينا ~~جدا لا يحمله إلا الجياد من الخيل، رحمه الله تعالى. ومن شعره: المجتث حبي ~~المعذر وافى ... من بعد هجر بوصل وقال: صف لي عذاري ... فقلت: ياحب نملي ~~وله أيضا في مليح يسمى خصيب: الطويل رعى الله أيام الربيع وروضها ... بها ~~الورد يزهو مثل خد حبيبي وإني وحق الحب ليس ترحلي ... سوى لمكان ممرع وخصيب ~~وتوفي الأمير إسكندر بن قرا يوسف صاحب تبريز مشتتا عن بلاده بقلعة ألنجا، ~~ذبحه ابنه شاه قوماط في ذي القعدة خوفا من شره، وملك بعده البلاد أخوه جهان ~~شاه بن قرا يوسف. وكان شجاعا مقداما، قويا في الحروب، أباد قرايلك في مدة ~~عمره، وتقاتل مع شاه رخ بن تيمورلنك غير مرة، وهو ينهزم على أقبح وجه. وكان ~~إسكندر أيضا على قاعدة أولاد قرا يوسف: لا يتدين، إلا أنه كان أحسن حالا من ~~أخويه شاه محمد وأصبهان، وقد مر من ذكر إسكندر هذا وإخوته جملة كبيرة تعرف ~~منها أحوالهم. وتوفي نور ms3208 الدين علي بن مفلح وكيل بيت المال، وناظر ~~البيمارستان المنصوري في يوم الجمعة ثاني عشرين ذي القعدة، بالطاعون. وكان ~~معدودا من بياض الناس، وله ترداد إلى الرؤساء، غير أنه كان عاريا من ~~العلوم. وتوفي الأمير الكبير سودون بن عبد الرحمن، نائب الشام ثم أتابك ~~العساكر بالديار المصرية، بطالا، بثغر دمياط، في يوم السبت العشرين من ذي ~~الحجة. لم يخلف بعده مثله حشمة ورئاسة وعقلا وتدبيرا وشكالة. وقد مر من ~~ذكره في واقعة الأمير قاني باي نائب الشام في الدولة المؤيدية أنه كان نائب ~~طرابلس، ووافق قاني باي المذكور، وانهزم بعد قتل قاني باي إلى قرا يوسف ~~بالشرق، وأنه كان ولي نيابة غزة في الدولة الناصرية فرج، وتقدمة ألف ~~بالقاهرة، وأنه قدم على الأمير ططر بعد موت المؤيد. واستقر بعد سلطنة الملك ~~الأشرف دوادارا كبيرا عوضا عن الأشرف المذكور. ثم نقل إلى نيابة دمشق بعد ~~عصيان تنبك البجاسي فدام مدة يسيرة. ثم نقل إلى أتابكية العساكر بالديار ~~المصرية عوضا عن جارقطلو بحكم انتقال جارقطلو إلى نيابة دمشق عوضه. ثم مرض ~~وطال مرضه إلى أن أخرج عنه السلطان إقطاعه وعزله عن الأتابكئة. ثم سيره بعد ~~مدة أشهر إلى ثغر دمياط بطالا، فدام به إلى أن مات. وكان أجل المماليك ~~الظاهرية برقوق، وهو أحد من أدركناه من ضخماء الملوك وعظمائهم، مع حسن ~~الشكالة والزي البهيج، رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم خمسة أذرع وثلاثة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة عشرون ذراعا وخمسة عشر ~~إصبعا. /سلطنة العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباي الدقماقي، على ~~مصر PageV04P0227 # السلطان الملك العزيز جمال الدين أبو المحاسن يوسف ابن السلطان الملك ~~الأشرف سيف الدين أبي نصر برسباي الدقماقي الظاهري الجاركسي، التاسع من ~~ملوك الجراكسة وأولادهم، والثالث والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار ~~المصرية. تسلطن بعد موت أبيه بعهد منه إليه، في آخر يوم السبت ثالث عشر في ~~الحجة قبل غروب الشمس بنحو ساعة، ولبس خلعة السلطنة من باب الستارة بقلعة ~~الجبل، وقد تكامل حضور الخليفة ms3209 والقضاة والأمراء وأعيان الدولة، وبايعه ~~الخليفة المعتضد بالله داؤد وفوض عليه خلعة السلطنة السواد الخليفتي، وركب ~~من باب الستارة وجميع الأمراء مشاة بين يديه، حتى نزل على باب القصر ~~السلطاني من قلعة الجبل، ودخل إليه وجلس على سرير الملك وعمره يومئذ أربع ~~عشرة سنة وسبعة أشهر. وقبل الأمراء الأرض بين يديه على العادة ونودي ~~بسلطنته بالقاهرة ومصر. ثم أخذ الأمراء في تجهيز والده فجهز وغسل وكفن وصلي ~~عليه، ودفن بالصحراء حسبما ذكرناه في ترجمته. ولقبوه بالملك العزيز، وتم ~~أمره في الملك ودقت الكوسات بالقلعة. وكان خليفة الوقت يوم سلطنته، المعتضد ~~بالله داؤد العباسية والقضاة: قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر ~~الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي، وقاضي القضاة شمس ~~الدين محمد البساطي المالكي، وقاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله ~~البغدادي الحنبلي. ومن الأمراء أصحاب الوظائف من المقدمين، وغالبهم كان ~~مجردا بالبلاد الشامية. فالذين كانوا بالديار المصرية: الأمير الكبير أتابك ~~العساكر جقمق العلائي، والأمير قراخجا الحسني، والأمير تنبك من بردبك ~~الظاهري، والأمير تغري بردي البكلمشي المعروف بالمؤذي. والذين كانوا ~~بالتجريدة بالبلاد الشامية: مقدم العساكر الأمير قرقماس الشعباني الناصري ~~أمير سلاح، وآقبغا التمرازي أمير مجلس، وأركماس الظاهري الدوادار الكبير، ~~وتمراز القرمشي الظاهري رأس نوبة النوب، وجانم الأشرفي الأمير آخور الكبير، ~~ويشبك السودوني حاجب الحجاب، وخجا سودون السيفي بلاط الأعرج، وقراجا ~~الأشرفي، لتتمة ثمانية من مقدمي الألوف. فجملة الحاضرين والمسافرين ثلاثة ~~عشر أميرا من المقدمين. وأما من كان من أصحاب الوظائف من أمراء الطبلخاناه ~~والعشرات: فشاد الشراب خاناه عظيم المماليك الأشرفية إينال الأبو بكري ~~الأشرفي الفقيه العالم، ونائب القلعة تنبك السيفي نوروز الخضري المعروف ~~بالجقمقي كلا شيء، والحاجب الثاني أسنبغا الناصري المعروف بالطياري، والزرد ~~كاش تغري برمش السيفي يشبك بن أزدمر؛ فهؤلاء وإن كانوا أمراء طبلخاناه ~~وعشرات فمنازلهم منازل مقدمي الألوف، لأن الأعصار الخالية كان لا يلي كل ~~وظيفة من هذه الوظائف إلا مقدم ألف، ويظهر ذلك من لبسهم الخلع في المواسم ~~وغيرها؛ وكان الدوادار الثاني ms3210 تمرباي السيفي تمربغا المشطوب، ورأس نوبة ~~ثاني طوخ من تمراز الناصري، والأمير آخور الثاني يخشباي المؤيدي ثم ~~الأشرفي، والخازندار علي باي الساقي الأشرفي وهو أمير عشرة، وأستادار ~~الصحبة مغلباي الجقمقي، أمير عشرة، والزمام الطواشي الحبشي جوهر الجلباني ~~اللالا، والخازندار الطواشي الحبشي جوهر القنقبائي أمير عشرة أيضا ، ومقدم ~~المماليك الطواشي الرومي خشقدم اليشبكي أمير طبلخاناه، ونائبه فيروز الركني ~~أمير عشرة. ومباشرو الدولة: كاتب السر الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله ~~الفوي، وناظر الجيش زين الدين عبد الباسط بن خليل الدمشقي، والوزير الصاحب ~~كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ، وناظر الخاص الشريف الصاحب جمال ~~الدين يوسف ابن كاتب جكم، والأستادار جانبك مملوك عبد الباسط صورة - ~~ومعناها أستاذه عبد الباسط، ولولا مخافة أن أتهم بالنسيان لوظيفة ~~كالأستادارية ما ذكرناه هنا - ومحتسب القاهرة القاضي الإمام نور الدين علي ~~السويفي أحد أئمة السلطان، ووالي القاهرة عمر الشوبكي. PageV04P0228 # ومن عاصره من ملوك الأقطار وأمراء الحجاز ونواب البلاد الشامية وغيرها: ~~فممالك العجم بيد القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك، وهو صاحب خراسان ~~وجرجان وخوارزم وما وراء النهر ومازندران وجميع عراق العجم وغالب ممالك ~~الشرق، إلى دلي من بلاد الهند، وإلى حدود أذربيجان التي كرسيها مدينة ~~تبريز؛ وصاحب تبريز يومذاك إسكندر بن قرا يوسف، وقد تشتت عنها منهزما من ~~شاه رخ، وقتل في هذه السنة أخوه أصبهان بن قرا يوسف صاحب بغداد وغالب عراق ~~العرب، وقد خربت تلك الممالك في أيامه وأيام أخيه شاه محمد؛ وملوك ديار بكر ~~بن وائل عدة كبيرة، فصاحب ماردين وآمد وأرزن وأرقنين وغيرهم أولاد قرايلك؛ ~~وحصن كيفا بيد الملك الكامل صلاح الدين خليل الأيوبي، وقلعة أكل بيد دولات ~~شاه الكردي، والجزيرة بيد عمر البختي، وإقليم شماخي بيد السلطان خليل، ~~والروم بيد ثلاثة ملوك، أعظمهم السلطان مراد بك بن محمد بن عثمان صاحب ~~برصا، وأدرنابولي، وغيرها. وبجانب آخر: إسفنديار بن أبي يزيد، وباقي أطراف ~~الروم مع السلطان إبراهيم بن قرمان، مثل لارندة وقونية وغيرهما؛ وبلاد ~~المغرب: فصاحب تونس وبجاية وبلاد إفريقية ms3211 أبو عمرو عثمان بن أبي عبد الله ~~محمد ابن مولاي أبي فارس عبد العزيز الحفصي، وبلاد تلمسان والغرب الأوسط: ~~أبو يحيى بن أبي حمود، وبممالك فاس ثلاثة ملوك: أعظمهم صاحب فاس، وهو أبو ~~محمد عبد الحق بن عثمان بن أحمد بن إبراهيم ابن السلطان أبي الحسن المريني، ~~وملك أندلس أبو عبد الله محمد بن الأيسر ابن الأمير نصر ابن السلطان أبي ~~عبد الله بن نصر المعروف بابن الأحمر صاحب غرناطة. وصاحب مكة المشرفة زين ~~الدين أبو زهير بركات بن حسن بن عجلان الحسيني؛ وأمير المدينة الشريف إميان ~~بن مانع بن علي الحسيني، وأمير الينبوع الشريف عقيل بن وبير بن نخبار. ~~وببلاد اليمن: الظاهر يحيى ابن الملك الأشرف إسماعيل من بني رسول، وهو صاحب ~~تعز وعدن وزبيد وما والاها؛ وصاحب صنعاء وبلاد صعدة الإمام صلاح الدين ~~محمد؛ وبلاد الفرنج ست عشرة مملكة يطول الشرح في تسميتها؛ وببلاد الحبشة: ~~الحطي الكافر ومحاربه ملك المسلمين شهاب الدين أحمد بدلاي ابن السلطان سعد ~~الدين أبي البركات محمد بن أحمد بن علي بن ناصر الدين محمد بن دلحوي بن ~~منصور بن عمر بن ولسمع الجبرتي الحنفي. ونواب البلاد الشامية: نائب دمشق ~~الأتابك إينال الجكمي، ونائب حلب حسين بن أحمد البهسني المدعو تغري برمش، ~~ونائب طرابلس جلبان الأمير آخور، وفي معتقده أقوال كثيرة، ونائب حماة قاني ~~باي الحمزاوي، ونائب صفد إينال العلائي الناصري، أعني السلطان الملك الأشرف ~~إينال؛ ونائب غزة آقبردي القجماسي، ومات بعد أيام؛ ونائب الكرك خليل بن ~~شاهين؛ ونائب القدس طوغان العثماني؛ ونائب ملطية حسن بن أحمد أخو نائب حلب؛ ~~وحسن الأكبر - انتهى. قلت: وفائدة ما ذكرناه هنا من ذكر أصحاب الوظائف من ~~الأمراء وغيرهم، يظهر بتغيير الجميع وولاية غيرهم بعد مدة يسيرة في أوائل ~~سلطنة الملك الظاهر جقمق، لتعلم تقلبات الدهر وأن الله على كل شيء قدير. ~~وأما ذكر ملوك الأطراف وغيرهم فهو نوع استطراد لا يخلو من فائدة، وليس فيه ~~خروج مما نحن بصدده - انتهى. ولما تم أمر السلطان الملك العزيز ونودي ms3212 ~~بسلطنته وبالنفقة على المماليك السلطانية في يوم الاثنين خامس عشر ذي ~~الحجة، لكل مملوك مائة دينار، سكن قلق الناس وسروا جميعا بولايته؛ ولم يقع ~~في ذلك اليوم هرج ولا فتنة ولا حركة، واطمأنت الناس، وباتوا على ذلك ~~وأصبحوا في بيعهم وشرائهم؛ غير أن المماليك صاروا فرقا مختلفة، والقالة ~~موجودة بينهم في الباطن. ولما كان يوم الأحد رابع عشر ذي الحجة، حضر ~~الأمراء والخاصكية للخدمة بالقصر على العادة، وأنعم السلطان الملك العزيز ~~على الخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله بجزيرة الصابوني زيادة على ما ~~بيده، وكتب إلى البلاد الشامية وجميع المماليك بسلطنته. PageV04P0229 # ثم في يوم، الاثنين ابتدأ السلطان بنفقة المماليك السلطانية، بعد أن جلس ~~بالمقعد الملاصق لقاعة الدهيشة المطل على الحوش السلطاني، وبجانبه الأمير ~~الكبير جقمق العلائي وبقية الأمراء. وشرع السلطان في دفع النفقة إلى ~~المماليك السلطانية، لكل واحد مائة دينار، كبيرهم وصغيرهم وجليلهم وحقيرهم ~~بالسوية، فحسن ذلك ببال الناس وكثر الدعاء للسلطان وعطفت القلوب على محبته. ~~ثم عين للتوجه إلى البلاد الشامية للبشارة الأمير إينال الأحمدي الظاهري ~~الفقيه أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وعلى يده مع البشائر كتب للأمراء ~~المجردين بالبلاد الشامية تتضمن موت الملك الأشرف وسلطنة ولده الملك العزيز ~~هذا. ثم قدم رسول الأمير حمزة بن قرايلك صاحب ماردين وأرزن وصحبته شمس ~~الدين القلمطاوي، ومعهما هدية وكتاب يتضمن دخول حمزة المذكور في طاعة ~~السلطان، وأنه أقام الخطبة وضرب السكة إلى السلطان ببلاده، وأنه صار من ~~جملة نواب السلطان، وكان الأمراء المجردون كاتبوه في دخوله في طاعة السلطان ~~فأجاب، وفي جملة الهدية دراهم ودنانير بسكة السلطان الملك الأشرف برسباي، ~~فخلع على قاصده وأكرمه. ثم خلع السلطان في يوم الثلاثاء سادس عشر ذي الحجة ~~على الأمير طوخ مازي الناصري - ثاني رأس نوبة - باستقراره في نيابة غزة بعد ~~موت آقبردي القجماسي. كل ذلك والسلطان يطيل السكوت في المواكب السلطانية ~~ولا يتكلم في شيء من الأمور. وصار المتكلم في الدولة ثلاثة أنفس: الأمير ~~الكبير جقمق العلائي، والأمير إينال الأبو بكري الأشرفي شاد الشراب خاناه، ms3213 ~~والزيني عبد الباسط ناظر الجيش؛ فمشى الحال عل ذلك أياما. فلما كان يوم ~~السبت العشرين من ذي الحجة، وقع بين الأمير إينال الأبوبكري المذكور وبين ~~جكم الخاصكي - خال الملك العزيز - مفاوضة آلت إلى شر؛ وابتدأت الفتنة من ~~يومئذ، وعظم الأمر بينهما من له غرض في إثارة الفتن لغرض من الأغراض. وكان ~~سبب الشر إنكار جكم على إينال لتحكمه في الدولة، وأمره ونهيه، وكونه صار ~~يبيت بالقلعة. فغضب إينال أيضا ونزل إلى داره، ومال إليه جماعة كبيرة من ~~إنياته بطبقة الأشرفية. ثم نزل عبد الباسط إلى داره من الخدمة، فتجمع عليه ~~جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية وأحاطوا به وأوسعوه سبا، وربما أراد ~~بعضهم ضربه والاخراق به، لولا ما خلصه بعض من كان معه من أمراء المؤيدية ~~بأن تضرع للمماليك المذكورين ووعدهم بعمل المصلحة حتى تفرقوا عنه، وتوجه ~~إلى داره على أقبح وجه. واستمر من هذا اليوم الكلمة مختلفة وأحوال الناس ~~متوقفة، وصار كل من المماليك الأشرفية يريد أن يكون هو المتكلم في الدولة، ~~ويقدم إنياته ويجعلهم خاصكية. كل ذلك والأمير الكبير جقمق سامع لهم ومطيع، ~~وصار يدور معهم كيف ما أرادوا، وإينال المشد يزداد غضبه ويكثر من القالة، ~~لتحكم جكم في الباطن، والشر ساكن في الظاهر، والمملكة مضطربة ليس للناس ~~فيها من يرجع إلى كلامه. فلما كان يوم السبت سابع عشرين ذي الحجة أنعم ~~السلطان الملك العزيز على الأتابك جقمق العلائي بإقطاعه الذي كان، بيده في ~~حياة والده، بعد أن سأل السلطان الأتابك جقمق في ذلك غير مرة، وأنعم بإقطاع ~~الأتابك جقمق على الأمير تمراز القرمشي رأس نوبة النوب، وهو أحد الأمراء ~~المجردين إلى البلاد الشامية، وأنعم بإقطاع تمراز المذكور على تمرباي ~~التمربغاوي الدوادار الثاني، والجميع تقادم ألوف، لكن التفاوت في كثرة ~~الخراج وزيادة المغل في السنة. وأنعم بإقطاع تمرباي المذكور على الأمير علي ~~باي الأشرفي الساقي الخازندار، وأنعم بإقطاع طوخ مازي الناصري - المنتقل ~~إلى نيابة غزة قبل تاريخه - على الأمير يخشباي الأشرفي الأمير آخور الثاني، ~~وأنعم بإقطاع يخشباي المذكور على ms3214 الأمير يلخجا من مامش الساقي الناصري رأس ~~نوبة، والجميع أيضا طبلخاناه. وأنعم بإقطاع يلخجا الساقي على السيفي قاني ~~باي الجاركسي وصار أمير عشرة، بعد أن جهد الأتابك جقمق في أمره وسعى في ذلك ~~غاية السعي، وأرسل بسببه إلى عبد الباسط وإلى الأمير إينال المشد غير مرة ~~حتى تم له ذلك. وخلع السلطان على الأمير إينال الأبوبكري المشد باستقراره ~~دوادارا ثانيا عوضا عن تمرباي؛ كل ذلك والقالة موجوعة بين جميع العساكر ~~ظاهرا وباطنا. PageV04P0230 # ثم أصبح من الغد في يوم الأحد خلع السلطان على الأمير علي باي الخازندار ~~باستقراره شاد الشراب خاناه، عوضا عن إينال الأبو بكري. ثم في يوم الاثنين ~~استقر دمرداش الأشرفي، أحد أصاغر المماليك الأشرفية، والي القاهرة عوضا عن ~~عمر الشوبكي. وانفض الموكب ونزل الأتابك إلى جهة بيته. فلما كان في أثناء ~~الطريق اجتمع عليه جماعة كبيرة من المماليك الأشرفية وطلبوا منه أرزاقا، ~~فأوعدهم وخادعهم وتخلص منهم، فتوجهوا إلى الزيني عبد الباسط ناظر الجيش ~~فاختفى منهم، وقد صار في أقبح حال منذ مات الملك الأشرف، من الذلة والهوان ~~ومما داخله من الخوف من المماليك الأشرفية من كثرة التهديد والوعيد، وقد ~~احتار في أمره وهم على الهروب غير مرة. واستهلت سنة اثنتين وأربعين ~~وثمانمائة يوم الثلاثاء، وقد ورد الخبر بقدوم عرب لبيد إلى البحيرة، فندب ~~السلطان تغري بردي البكلمشي المؤذي أحد مقدمي الألوف، فخرج من القاهرة في ~~يوم الجمعة رابع المحرم وصحبته عدة من المماليك السلطانية. وفي هذا اليوم ~~خلع السلطان على خاله جكم باستقراره خازندارا كبيرا عوضا عن علي باي ~~الأشرفي، واستمر على إقطاع جنديته من غير إمرة. ثم في يوم الاثنين خامس عشر ~~المحرم نزل الطلب إلى شيخ الشيوخ سعد الدين سعد الديري، وخلع عليه ~~باستقراره قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة بدر ~~الدين محمود العيني، بعد تمنع كبير وشروط منها: أنه لا يقبل رسالة أحد منهم ~~- أعني أكابر الدولة - وأنه لا يتوجه عليه في شيء، وأشياء غير ذلك؛ ونزل ~~إلى داره بالجامع المؤيدي وقد ms3215 سر الناس بولايته غاية السرور. وفيه أنعم ~~السلطان على سبعة من الخاصكية، لكل منهم بإمرة عشرة، وهم: قانم من صفر خجا ~~المؤيدي المعروف بالتاجر أحد الدوادارية، وجكم النوروزي المجنون، وقانبك ~~الأبو بكري الأشرفي الساقي، وجانبك الساقي الأشرفي المعروف بقلق سيز، وجانم ~~الأشرفي أحد الدوادارية المعروف برأس نوبة سيدي، وجرباش الأشرفي رأس نوبة ~~الجمدارية المعروف بمشد سيدي، والسابع ما أدري: أهو جكم خال الملك العزيز ~~أو هو آقبردي المظفري الظاهري برقوق رأس نوبة الجمدارية؟ . وفيه أيضا خلع ~~السلطان على مراد قاصد الأمير حمزة بك بن قرايلك ورسم بسفره وصحبته شمس ~~الدين القلمطاوي أحد موقعي حلب، وجهز السلطان صحبتهما مبارك شاه البريدي ~~وعلى يده جواب كتاب الأمير حمزة بشكره والثناء عليه، وتشريف له بنيابة ~~السلطنة بممالكه، وفرس بقماش ذهب، وهدية هائلة، ما بين قماش سكندري وسلاح ~~وغيره، ونسخة يمين. وأجيب الأمراء المجردون أيضا عن كتبهم، ورسم لهم أن ~~يسرعوا في الحضور إلى الديار المصرية. وفي هذه الأيام كثر الكلام بين ~~الأمراء والخاصكية بسبب التوجه إلى البلاد الشامية وحمل تقاليد النواب ~~بالاستمرار، إلى أن كان يوم السبت تاسع عشر المحرم خلع السلطان على الأمير ~~أزبك السيفي قاني باي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة معروف بجحا - وعين ~~لتقليد الأمير إينال الجكمي نائب الشأم، باستمراره على عادته؛ وكان تقدم أن ~~السلطان خلع على الأمير إينال الفقيه بتوجهه إلى نائب حلب، وخلع السلطان ~~على إينال الخاصكي بتوجهه إلى الأمير جلبان نائب طرابلس، وعلى دولات باي ~~الخاصكي بالتوجه إلى قاني باي الحمزاوي نائب حماة، وعلى يشبك الخاصكي ~~بالتوجه إلى إينال العلائي الناصري نائب صفد، كل ، والنواب في التجريدة ~~صحبة الأمراء المصريين. وفي هذا اليوم حل بالزيني عبد الباسط أمور غير ~~مرضية من بعض المماليك الأشرفية في وقت الخدمة السلطانية، هذا بعدما نزل به ~~قبل تاريخه في هذه الأيام أنواع من المكاره، ما بين تهديد ولكم وإساءة، ~~احتاج من أجلها إلى بذل الأموال ولمن يحميه منهم ليخلص من شرهم، فلم يتم له ~~ذلك. ثم في ثالث عشرين المحرم ms3216 قدم ركب الحاج إلى القاهرة، وأمير حاج حمل ~~آقبغا من مامش الناصري المعروف بالتركماني، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، ~~بعد أن حل بالحاج من البلاء ما لا مزيد عليه، من أخذهم وأخذ أموالهم ~~ونهبهم؛ وقد فعلت الأعراب بهم ما فعله التمرية في أهل البلاد الشامية، ~~ومعظم المصيبة كانت بالركب الغزاوي، فلم يلتفت أحد من أهل الدولة لذلك، ~~لشغل كل واحد بما يرومه من الوظائف والإقطاعات وغيرها، ودع الدنيا تخرب ~~ويحصل له مراده. PageV04P0231 # ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشرين المحرم قدم إلى القاهرة مماليك نواب ~~البلاد الشامية، وعلى أيديهم مطالعات تتضمن أنهم ملكوا مدينة أرزنكان وأنه ~~خطب بها باسم السلطان الملك الأشرف برسباي، ولم يعلموا إذ ذاك بموته. ثم في ~~يوم الخميس أول صفر عملت الخدمة السلطانية ونزل كل واحد إلى داره. فلما كان ~~عبد الباسط بالقرب من باب الوزير تجمع عليه عدة من المماليك الأشرفية ~~وتحاوطوه وأوسعوه سبا ووعيدا، وهموا به، وأراد بعضهم ضربه، حتى منعه عنه من ~~كان معه من الأمراء، وتخلص منهم وولى هاربا يريد القلعة، حتى دخلها وهم في ~~أثره فامتنع بها. وأقام بالقلعة يومه كله وبات بها وهو يطلب الإعفاء من ~~وظيفتي نظر الجيش والأستادارية. وأصبح السلطان من الغد جلس بالحوش السلطاني ~~على الدكة، وطلع الأمير الكبير جقمق نظام الملك واستدعى عبد الباسط إلى ~~حضرة السلطان، والسلطان على عادته من السكات لا يتكلم في شيء من أمور ~~المملكة، وليس ذلك لصغر سنه، وإنما هو لأمر يريده الله تعالى. فلما حضر عبد ~~الباسط كلمه الأمير الكبير في استمراره على وظيفته، فشكا له ما يحط به، فلم ~~يلتفت إلى شكواه وخلع عليه باستمراره، وعلى ملوك جانبك باستمراره على ~~وظيفته الأستادارية، ونزلا إلى دورهما ومعهما جماعة كبيرة. ثم في يوم الأحد ~~رابع صفر ورد في السلطان كتاب الأمير إينال الجكمي نائب الشام بوصوله ~~بالعساكر المصرية والشامية من البلاد الشمالية إلى حلب، وأن الأمير حسين بن ~~أحمد المدعو تغري برمش نائب حلب تأخر عنهم لما بلغه موت الملك الأشرف، وأنه ms3217 ~~أراد أن يكبس على الأمراء المصريين، فبلغهم ذلك فاحترزوا على نفوسهم منه ~~إلى أن دخلوا إلى حلب. ثم في يوم السبت عاشر صفر رسم السلطان بأن تقتصر ~~الخدمة السلطانية على أربعة أيام في الجمعة، وأن تكون الخدمة بالقصر فقط ~~عندما يحضر الأتابك جقمق وأن تبطل خدمة الحوش لغيبة الأتابك منه. وهذا ~~ابتداء أمر الأتابك جقمق وظهوره في الدولة، لكثرة من انضم عليه من الطوائف ~~من الأمراء وأعيان المماليك السلطانية. ثم قدم كتاب نائب حلب يتضمن رحيل ~~العساكر من حلب إلى دمشق في سادس عشرين المحرم، وأنه قدم إلى حلب بعدهم في ~~ثامن عشرينه، وأنه كان تخوف من الأمراء المصريين أن يقبضوا عليه فلهذا تخلف ~~عنهم، وأنه في طاعة السلطان وتحت أوامره، فلم يجب بشيء لشغل أهل الدولة بما ~~هم فيه من تنافر قلوب بعضهم من بعض. وقد وقع أيضا بين المماليك الأشرفية ~~وبين خجداشهم وأعظمهم الأمير إينال الأبو بكري الدوادار الثاني. فلما كان ~~يوم الاثنين ثاني عشره تجمع المماليك الأشرفية بالقلعة يريدون قتل الأمير ~~إينال الأبو بكري المقدم ذكره، ففر منهم بحماية بعضهم له، ونزل إلى داره. ~~فوقفوا خارج القصر وسألوا الأمير جقمق بأن يكون هو المستبد في الأمر والنهي ~~والتحكم في الدولة، وأن ترفع يد إينال وغيره من الحكم في المملكة، فأجاب ~~إلى ذلك ووعدهم بكل خير، ونزل. وقد اتسع للأتابك جقمق - بهذا الكلام - ~~الميدان، ووجد لدخوله في المملكة بابا كبيرا؛ فإنه كان عظم جمعه قبل ذلك ~~لكنه كان تخشى كثرة المماليك الأشرفية، فلما وقع الآن بينهم المباينة خف ~~عنه أمرهم قليلا وقوي أمره، كل ذلك ولم يظهر منه الميل للوثوب على الملك ~~العزيز بالكلية، غير أنه يوافق القوم في الإنكار على فعل المماليك الأشرفية ~~وكثرة شرورهم لا غير. ولما كان صباح النهار المذكور، وهو يوم الثلاثاء ثالث ~~عشر صفر، وقف جماعة من الأشرفية تحت القلعة بغير سلاح، ووقع بينهم وبين ~~خجداشيتهم الذين هم من طبقة الأشرفية من إنيات إينال وإخوته وقعة هائلة ~~بالدبابيس، ثم انفضوا وعادوا من الغد ms3218 في يوم الأربعاء إلى مكانهم بسوق ~~الخيل. PageV04P0232 # فلما وقع ذلك تحقق المماليك القرانيص وقوع الخلف بين المماليك الأشرفية، ~~فقاموا عند ذلك وتجمعوا عند الأمير الكبير، ومعهم الأمير إينال المذكور ~~بإنياته وخجداشيته من المماليك الأشرفية وهم جمع كبير أيضا، وتكلموا مع ~~الأمير الكبير بالقيام في نصرة إينال المذكور - وليس ذلك مرادهم وإنما ~~قصدهم غير ذلك، لكنهم لم يجدوا مندوحة لغرضهم أحسن من هذه الحركة - وأظهروا ~~الميل الكلي إلى نصرة إينال، وصاروا له أصدقاء وهم في الحقيقة أعدى العدى. ~~فمال الأتابك جقمق إلى نصرة إينال لكوامن كانت عنده من القوم، وقد صار بهذه ~~القضية في عسكر هائل وجمع كبير من المماليك الظاهرية برقوق وهم خجداشيته، ~~والمماليك الناصرية فرج والمماليك المؤيدية شيخ والسيفية وعالم كبير من ~~المماليك الأشرفية أصحاب إينال. وبقي العسكر قسمين: قسم مع الأمير الكبير ~~جقمق، وهم من ذكرنا ومعظم الأمراء من مقدمي الألوف، وغالب أمراء الطبلخانات ~~والعشرات، ما خلا جماعة من أمراء الأشرفية، وقسم آخر بالقلعة عند السلطان ~~الملك العزيز، وهم أكثر المماليك الأشرفية، وعندهم الخليفة والخزائن ~~والزردخانة، إلا أنهم جهال بمكائد الأخصام ووقائع الحروب، لم تمر بهم ~~التجارب ولا مارسوا الوقائع، وأعظم من هذا أنهم لم يقربوا أحدا من الأكابر ~~وأرباب المعرفة، فضلوا وأضلوا وذهبوا وأذهبوا وأضعفوا بسوء تدبيرهم قواهم، ~~وتركوا الملك باختلاف آرائهم لمن عداهم، على ما سيأتي بيان ذلك كله في ~~محله. هذا، وكل من الطائفتين يدعي طاعة الملك العزيز، غير أن الخصم هو ~~إينال، وقد التجأ إلى الأمير الكبير جقمق نظام الملك فقبله الأمير الكبير ~~بمن معه، وقام في الظاهر بنصرة إينال أتم قيام، وفي الحقيقة إنما هو قام ~~بنصرة نفسه، وقد ظهر ذلك لكل أحد حتى لإينال، غير أنه صار يستبعد ذلك لعظم ~~خديعة جقمق له، وأيضا لأنه أحوجه الدهر أن يكون من حزبه، كما قيل: الوافر ~~وما من حبه أحنو عليه ... ولكن بغض قوم آخرينا ولما وقع ذلك استفحل أمر ~~الأتابك، وتكاثف جمعه، ومعظم من قام في هذه القضية معه المماليك المؤيدية، ~~وقد أظهروا ms3219 ما كان في ضمائرهم من الأحقاد القديمة في الدولة الأشرفية، ~~وأخذوا في الكلام مع الأتابك وتقوية جانبه على الوثوب بالمماليك الأشرفية ~~الذين بقلعة الجبل، وهو يتثاقل عن ذلك حتى يتحقق من أمرهم ما يثق به، وصار ~~يعتذر لهم بأعذار كثيرة: منها قلة المال والسلاح، وأن الذين بقلعة الجبل ~~أقوياء بالقلعة والمال والسلطان والسلاح. فقالوا: هو ما قلت، غير أن هؤلاء ~~جهلة لا يدرون الوقائع ولا مقاومة الحروب ولا أمر العواقب، ونحن أعرف بذلك ~~منهم، وجمعنا يقاتل معك من غير أن تبذل لهم الأموال. ولا زالوا به حتى أذعن ~~لهم، بعد أن بلغه عن بعضهم أنه يقول عنه: " الأمير الكبير دقن المرأة " ، ~~وأشياء غير ذلك، كونه لا يوافقهم على الركوب، وأنهم يقولون: " إن كان ~~الأمير الكبير ما يوافقنا أقمنا لنا أستاذا غيره " . ولما وافقهم الأمير ~~الكبير على الركوب، أشاروا عليه بعدم الطلوع إلى الخدمة السلطانية من الغد ~~في موكب يوم الخميس خامس عشر صفر، فقبل منهم ذلك. وأصبح يوم الخميس المذكور ~~وقد كثر جمعه، وتحول من داره التي تجاه الكبش على بركة الفيل إلى بيت نوروز ~~الحافظي تجاه مصلاة المؤمني، وقد اجتمع عليه خلائق من المماليك من سائر ~~الطوائف وعليهم السلاح الكامل وآلة الحرب. وقبل أن يركب الأمير الكبير جقمق ~~عند وضع رجله في الركاب قال: " هذا دقن المرأة بيركب حتى نبصر إيش تفعل ~~الرجال الفحوله " فصاحوا بأجمعهم: لا نقاتل بين يديك إلى أن نفنى أو ينصرك ~~الله على من يعاديك " . ثم سار بجموعه حتى وافى البيت المذكور فوقف على باب ~~الدار، وقد اجتمع عليه جمع من المماليك والزعر والعامة، فوعدهم الأمير ~~الكبير بالنفقة والإحسان إليهم. كل ذلك ولم يقع إلى الآن قتال. فلما تحقق ~~المماليك الأشرفية ركوب الأمير الكبير، ورأوهم من أعلى قلعة الجبل، أخرجوا ~~السلطان من الدور إلى القصر المطل على الرميلة واجتمعوا عليه بالقصر وغيره، ~~وقد لبسوا السلاح أيضا. وكان كبراء الأشرفية الذين بالقلعة عند الملك ~~العزيز، من أمراء الأشرفية وغيرهم جماعة: منهم الأمير يخشباي الأشرفي ~~الأمير آخور ms3220 الثاني، وعلي باي شاد الشراب خاناه وتنبك PageV04P0233 # النوروزي المعروف بالجقمقي نائب قلعة الجبل، وخشكلدي من سيدي بك الناصري ~~رأس نوبة، وكزل السودوني المعلم رأس نوبة، وجكم الخازندار خال الملك ~~العزيز، وجماعة أخر ممن تأخر في أمسه من المماليك الأشرفية، ومعظم الخاصكية ~~الأشرفية، أصحاب الوظائف وغيرهم، ما خلا من نزل منهم مع الأمير إينال الأبو ~~بكري. واستعدوا لقتال الأمير الكبير ومن معه، وباتوا تلك الليلة، بعد أن ~~تناوشوا في بعض الأحيان بالرمي بالنشاب، ولم يقع قتال في مقابلة. وأصبحوا ~~يوم الجمعة سادس عشر صفر على ما باتوا عليه. واستمر كل طائفة من الفريقين ~~على تعبيتهم إلى بعد صلاة العصر، فزحف أصحاب الأمير الكبير إلى باب ~~القرافة، وهدموا جانبا من سور ميدان القلعة وغيره، ودخلوا إلى الميدان، ~~فنزل إليهم طائفة من السلطانية ركبانا ومشاة وقاتلوهم مواجهة، حتى هزموهم ~~وأخرجوهم من الميدان. وتراموا بالنشاب ساعة فحال بينهم الليل، وبات كل ~~طائفة منهم على حذر. وتوجهت الأشرفية الذين بالقلعة، وفتحوا باب الزردخانة ~~السلطانية، وأخذوا من السلاح الذي بها ما أرادوا، ونصبوا مكاحل النفط على ~~سور القلعة، وأخذوا في أهبة القتال. حتى أصبحوا يوم السبت سابع عشر صفر، ~~وقد استفحل أمر السلطانية من عصر أمسه، فتجمعت الجقمقية وابتدؤوا بقتال ~~السلطانية، فوقع بين الطائفتين قتال بالنشاب والنفوط، فهلك من العامة خلائق ~~ممن كان من حزب الأمير جقمق؛ كل ذلك وأمر السلطانية يقوى إلى بعيد الظهر، ~~فلاح عليهم الخذلان من غير أمر يوجب ذلك، ومشت القضاة بين السلطان والأمير ~~الكبير جقمق غير مرة في الصلح والكف عن القتال وحقن دماء المسلمين، وإخماد ~~الفتنة. هذا وقد ترجح جهة الأمير الكبير جقمق، وطمعت عساكره في السلطانية، ~~فقال الأمير الكبير: " أصطلح بشرط أن يرسل السلطان إلي بأربعة نفر، وهم: ~~جكم خال الملك العزيز الخازندار، وتنم الساقي، وأزبك البواب، ويشبك الفقيه ~~الأشرفي الدوادار " ؛ فأذعن السلطان ومن عنده لذلك بعد كلام كثير، فنزل ~~الأربعة من القلعة، بعد صلاة العصر من يوم السبت المذكور، مع من كان تردد ~~في الصلح، وساروا حتى دخلوا ms3221 بيت الأمير الكبير، فحال وقع بصره عليهم قبض ~~عليهم واحتفظوا بهم. وركب الأمير الكبير فرسه وساروا معه أعيان أصحابه إلى ~~أن صار في وسط الرميلة تجاه باب السلسلة، فنزل عن فرسه بعد أن فرش له ثوب ~~سرج جوخ، وقبل الأرض بين يدي السلطان الملك العزيز لكونه أرسل إليه أخصامه، ~~ثم ركب في أصحابه وعاد إلى بيته بالكبش ومعه المقبوض عليهم، إلى أن نزل ~~بداره في موكب جليل إلى الغاية. وأخذ أمر الأمير الكبير جقمق من هذا اليوم ~~في زيادة وقوة، وأمر الملك العزيز ومماليك أبيه الأشرفية في نقص ووهن ~~وإدبار. وأصبح بكرة يوم الأحد ثامن عشر صفر أرسل الأمير الكبير إلى السلطان ~~في طلب جماعة أخر من المماليك الأشرفية، فنزل إليه الأمير يخشباي الأمير ~~آخور الثاني، والأمير علي باي شاد الشراب خاناه، وهما من عظماء القوم ~~والمشار إليهما من القلعة الأشرفية، وقبلا يد الأمير الكبير جقمق، فأكرمهما ~~الأمير الكبير ووعدهما كل خير. ثم أمر في الحال بطلب الأمير الطواشي خشقدم ~~اليشبكي مقدم المماليك السلطانية فحضر إليه وقبل يده، فأمره الأمير الكبير ~~أن يتقدم بنزول جميع من في الأطباق من المماليك الأشرفية وهدده إن لم يفعل ~~ذلك، فاستبعد الناس وقوع ذلك لكثرة المماليك الأشرفية وشدة بأسهم. فحالما ~~طلع خشقدم وأمرهم بالنزول أجابه الجميع بالسمع والطاعة. ونزل صبيان طبقة ~~بعد طبقة إلى بيت الأمير الكبير، وقد حضر عنده قضاة القضاة الأربعة وأهل ~~الدولة وأعيانها، وحلفوا الأمير الكبير على طاعة السلطان، ثم حلفوا ~~المماليك الأشرفية على طاعة الأمير الكبير، وحكم قاضي القضاة سعد الدين بن ~~الديري الحنفي بسفك دم من خالف هذا اليمين.. PageV04P0234 # وعند انقضاء الحلف، أمر الأمير الكبير بنزول جميع المماليك الأشرفية من ~~أطباقهم بالقلعة إلى إسطبلاتهم، ما خلا المماليك الصغار، فاعتذروا عن قلة ~~مساكنهم بالقاهرة، فلم يقبل الأمير الكبير أعذارهم وشدد عليهم، والناس تظن ~~غير ذلك، فخرجوا. وفي الحال أخذوا في تحويل متاعهم ونزلوا من الأطباق، بعد ~~أن ظن كل أحد منهم أنه لا بد له من إثارة فتنة وشر كبير ms3222 تسفك فيه دماء ~~كثيرة قبل نزولهم، فلم يقع شيء من ذلك، ونزلوا من غير قتال ولا إكراه؛ وخلت ~~الطباق منهم في أسرع وقت خذلانا من الله تعالى، وتركوا السلطان والخزائن ~~والسلاح والقلعة، ونزلوا من غير أمر يوجب النزول، وهم نحو الألف وخمسمائة ~~نفر، هذا خلاف من كان انضم عليهم من الناصرية والمؤيدية والسيفية. ولله در ~~القائل: السريع ما يفعل الأعداء في جاهل ... ما يفعل الجاهل في نفسه وتعجب ~~الناس من نزولهم، حتى الأمير الكبير جقمق. وصار يتحدث بذلك أوقاتا في ~~سلطنته؛ فإنه كان أولا تخوف منهم أن يقبضوا عليه عند طلوعه إلى القلعة غير ~~مرة، ولهج الناس بذلك كثيرا، وبلغ الأتابك أنهم يريدون أن يقبضوا عليه وعلى ~~عبد الباسط وعلى الصاحب جمال الدين ناظر الخاص، فقال: وإيش يمنعهم من ذلك. ~~وانقطع عن الخدمة السلطانية أياما، حتى كلمه أصحابه في الطلوع وشجعوه ~~وقالوا له: نحن نطلع في خدمتك ولا يصيبك مكروه حتى تذهب أرواحنا. كل ذلك ~~قبل أن يقع الشر بين الأمير إينال وخجداشيته؛ فهذا كله ذكرناه لتعرف به شدة ~~بأس المماليك الأشرفية وكثرة عددهم. فلما تكامل نزول المماليك الأشرفية من ~~الأطباق إلى حال سبيلهم، كان هذا أول مبدأ زوال ملك السلطان الملك العزيز ~~يوسف. ومن يومئذ أخذ الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي في الندم بما وقع منه ~~من الانفراد عن خجداشيته والانضمام على الأتابك جقمق، حتى إنه صار يبكي في ~~خلواته ويقول: " ليتني كنت حبست بثغر الإسكندرية، ودام تحكم ابن أستاذي ~~وخجداشيتي. وما عسى خجداشيتي كانوا يفعلون بي؟ " . وندم حيث لا ينفع الندم. ~~وربما بلغ الأمير الكبير عنه ذلك فأخذ يحلف له أنه لا يريد الوثوب على ~~السلطنة، ولا خلع الملك العزيز، وأنه لا يريد إلا يكون نظام ملكه ومدبر ~~ممالكه، وأشياء غير ذلك. قلت: وأنا أظن أن الأمير إينال ما طال حبسه إلا ~~بهذا المقتضى، والله أعلم. ثم في يوم الأحد هذا قدم الأمير تغري بردي ~~البكلمشي المؤذي أحد مقدمي الألوف من البحيرة بمن كان صحبته من المماليك ~~السلطانية ms3223 - وكان الأتابك أرسل يستحثه في القدوم عليه ليكون من حزبه على ~~قتال الأشرفية، فتقاعد عنه إلى أن انتهى أمر الوقعة وحضر - فأخذ الأتابك ~~جقمق يوبخه لعدم حضوره، وهو يعتذر بعدم وصول الخبر إليه ويقبل يده. ثم ورد ~~الخبر على السلطان بأن العسكر المجرد من الأمراء وصل إلى دمشق في خامس صفر. ~~ثم في يوم الثلاثاء العشرين من صفر شفع الملك العزيز في خاله جكم ورفقته، ~~فأفرج عنهم الأتابك جقمق وخلع على كل منهم كاملية مخمل بفرو سمور وبمقلب ~~سمور. ثم في يوم الخميس ثاني عشرين صفر طلع الأمير الكبير جقمق إلى الخدمة ~~السلطانية ومعه سائر الأمراء وأرباب الدولة، ومنع المماليك الأشرفية من ~~الدخول إلى قصر في وقت الخدمة، إلا من له نوبة عند السلطان من أصحاب ~~الوظائف، وكان الأتابك جقمق شرط عليهم ذلك عند تحليفهم. وحضر الأمير الكبير ~~الخدمة، وخلع عليه السلطان تشريفا عظيما باستمراره على حاله. ونزل من وقته ~~إلى باب السلسلة، وسكن الحراقة من الإسطبل السلطاني بعد ، نقل إليها قماشه ~~ورخته في أمسه، وبعد أن أمر الأمير يخشباي الأمير أخور الثاني بالنزول من ~~الإسطبل إلى بيته قبل تاريخه. فنزل يخشباي إلى داره، وكانت دار قطلوبغا ~~الكركي التي تجاه دار منجك اليوسفي بالقرب من الجامع الحسيني، وجلس وأغلق ~~عليه باب الدار، ومنع الناس من التردد إليه، وصار كالمرسم عليه؛ وهذا أيضا ~~من أعجب العجب، كون الشخص يكون على إقطاعه ووظيفته ويصير على هذه المثابة. ~~PageV04P0235 # وسكن الأمير الكبير بالسلسلة وتصرف في أمور المملكة من غير مشارك، واستبد ~~بتدبير أحوال السلطنة من ولاية الوظائف والإنعام بالإقطاعات والإمريات على ~~من يريد ويختار، فصار الملك العزيز ليس له من السلطنة إلا مجرد الاسم فقط. ~~فعظم ذلك على المماليك الأشرفية، وأنكروا سكنى الأمير الكبير بباب السلسلة، ~~واتفقوا ووقفوا في جمع كبير بالرميلة وأكثروا من الكلام في ذلك، ثم انفضوا ~~من غير طائل وفي أملهم أن الأمراء إذا قدموا من سفرهم أنكروا على الأمير ~~الكبير ما فعله وقاموا بنصرة الملك العزيز، وانتظروا ذلك. وأخذ الأتابك ms3224 ~~جقمق في تحصين باب السلسلة والقلعة وأشحنهما بالسلاح والرجال، وصارت ~~الأعيان من كل طائفة تبيت عنده بباب السلسلة في كل ليلة، والأمراء والأعيان ~~تتردد إلى خدمته. وتركت الخدمة السلطانية، واحتج الأمير الكبير بتركها أنه ~~بلغه أن المماليك الأشرفية اتفقوا على قتله إذا طلع إلى الخدمة السلطانية، ~~وجعل ذلك عذرا له عن عدم حضور الخدمة. وصار هو المخدوم والمشار إليه، وتردد ~~مباشرو الدولة إلى بابه وسائر الناس، وتلاشى أمر السلطان الملك العزيز إلى ~~الغاية. ولهج الناس بسلطنة الأتابك جقمق، وشاع ذلك بين الناس. وصار الأتابك ~~كلما بلغه فلك أنكره وأسكت القائل بذلك ولسان حاله ينشد: الكامل لا تنطقن ~~بحادث فلربما ... نطق اللسان بحادث فيكون هذا والأتابك جقمق متخوف في ~~الباطن من الأمراء المجردين، لكونهم جمعا كبيرا وفيهم جماعة من حواشي الملك ~~الأشرف ومماليكه، مثل أركماس الظاهري الدوادار الكبير، وتمراز القرمشي رأس ~~نوبة النوب، وجانم الأشرفي الأمير آخور الكبير، وقراجا الأشرفي، وخجا سودون ~~السيفي بلاط الأعرج، وفيهم أيضا من تحدثه نفسه بالوثوب على الأمر وهو ~~الأمير قرقماس الشعباني الناصري أمير سلاح المعروف بأهرام ضاغ ، فلهذا صار ~~الأتابك جقمق يقدم رجلا ويؤخر أخرى. ثم قدم الخبر بخروج الأمراء من مدينة ~~غزة إلى جهة الديار المصرية، وأن خجا سودون البلاطي أحد مقدمي الألوف تأخر ~~عنهم على عادته في كل سفرة، فندب الأتابك السيفي دمرداش الحسني الظاهري ~~برقوق الخاصكي بالتوجه إلى غزة، وعلى يده مرسوم شريف بتوجه خجا سودون إلى ~~القدس بطالا، فمضى دمرداش المذكور وفعل ما ندب إليه. فلما كان يوم الأربعاء ~~خامس شهر ربيع الأول وصل الأمراء إلى الديار المصرية، وطلعوا الجميع إلى ~~الأتابك جقمق، ما خلا الأمير يشبك السودوني حاجب الحجاب، فإنه قدم القاهرة ~~في الليل مريضا في محفة إلى داره. ولم ينزل الأتابك إلى تلقي الأمراء ~~المذكورين؛ وكان أرسل إليهم يخوفهم من المماليك الأشرفية، وذكر لهم أنهم ~~يريدون الركوب عليهم يوم دخولهم، فدخلوا الجميع بأطلابهم. ولما طلعوا إلى ~~جقمق قام لهم واعتنقهم وأكرمهم غاية الإكرام. وأرسل إلى الملك العزيز أنه ~~يخرج ms3225 ويجلس بشباك القصر حتى يقبلوا له الأمراء الأرض من الإسطبل السلطاني ~~ولا يطلع إليه أحد، ففعل الملك العزيز ذلك وجلس بشباك القصر حتى أخذ ~~الأتابك جقمق الأمراء وسار بهم من الحراقة يريد الإسطبل السلطاني والجميع ~~مشاة، وقد جلس السلطان الملك العزيز بشباك القصر، فوقف الأمراء تحت شباك ~~القصر وأومؤوا برؤوسهم كأنهم قبلوا له الأرض. وأحضر إليهم التشاريف ~~السلطانية في الحال فلبسوها، وقبلوا الأرض ثانيا كالمرة الأولى، وعادوا ~~راجعين في خدمة الأمير الكبير حتى طلعوا معه إلى الحراقة، ثم سلموا عليه ~~وعادوا وركبوا خيولهم وتوجهوا إلى دورهم. وكنت لما لاقيت الأمير أقبغا ~~التمرازي أمير مجلس سألني عن أحوال الأتابك جقمق، فقلت له كلاما متحصله أنه ~~ليس بينه وبين السلطنة إلا أن تضرب له السكة ويخطب باسمه، فاستبعد ذلك لقوة ~~بأس المماليك الأشرفية وعظم شوكتهم، فلما نزل من القلعة وعليه الخلعة قلت ~~له قبل أن يصل إلى داره: كيف رأيت جقمق؟ قال: سلطان على رغم الأنف. ومعنى ~~قوله: على رغم الأنف " لأنه كان بينهما حضوض أنفس قديمة. PageV04P0236 # ثم أصبحوا يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول حضروا الجميع إلى عند الأتابك ~~جقمق بباب السلسلة، وجلس الأتابك في الصدر وكل من الأمراء على يمينه ~~وشماله، إلا قرقماس أمير سلاح فإنه زاحم الأتابك جقمق في مجلسه وجلس معه ~~على فراشه، والأمير جقمق يجذبه إلى عنده ويخدعه بأنه لا يفعل شيئا إلا ~~بمشورته، وأنه قوي أمره بقدومه، وأنه شيخ كبير عاجز عن الحركة واقتحام ~~الأهوال، إلا إن كان بقوة قرقماس المذكور. كل ذلك وهما جلوس على المرتبة، ~~فانخدع قرقماس وطابت نفسه بما سمعه من الأتابك جقمق، أنه ربما إن تحرك بعد ~~ذلك بحركة تمت له لضعف جقمق عن مقاومته. هذا وقد برز الطلب لجماعة من ~~الأشرفية وغيرهم، وجميع من هو بالقلعة من الأعيان، فلما حضروا أشار قرقماس ~~لجماعة من الرؤوس نوب وأمراء جندار ممن حضر المجلس أن اقبضوا على هؤلاء. ~~وأول ما بدأ برفيقه الأمير جانم الأشرفي الأمير آخور الكبير، ثم أشار لواحد ~~بعد واحد إلى ms3226 أن قبضوا على جماعة كبيرة من الأمراء والخاصكية، وهم: الأمير ~~جانم المقدم ذكره، ويخشباي الأمير آخور الثاني، وعلي باي شاد الشراب خاناه، ~~وتنبك السيفي نوروز الخضري المعروف بالجقمقي نائب قلعة الجبل، وخشقدم ~~الطواشي الرومي اليشبكي مقدم المماليك، ونائبه الطواشي فيروز الركني الرومي ~~أيضا، وخشكلدي من سيدي بك الناصري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وجكم خال ~~الملك العزيز، وجرباش الأشرفي أحد أمراء العشرات المعروف بمشد سيدي وجانبك ~~قلق سيز الساقي أحد أمراء العشرات؛ ومن الخاصكية: تنم الساقي، وأزبك ~~البواب، ويشبك الفقيه - وكل من هؤلاء الثلاثة أحد الأربعة المقدم ذكرهم - ~~وتنبك الفيسي المؤيدي رأس نوبة الجمدارية، وأرغون شاه الساقي، وبيرم خجا ~~أمير مشوي، ودمرداش الأشرفي والي القاهرة، وبايزير خال الملك العزيز، ~~وقيدوا الجميع. وفي الحال خلع على الأمير تمر باي التمربغاوي أحد مقدمي ~~الألوف باستقراره في نيابة الإسكندرية عوضا عن الزيني عبد الرحمن بن الكويز ~~بحكم عزله، وأمر بالسفر إلى الإسكندرية من يومه، وخلع على قراجا العمري ~~الخاصكي الناصري باستقراره في ولاية القاهرة عوضا عن دمرداش الأشرفي بحكم ~~القبض عليه. ثم ندب الأمير الكبير الأمير تنبك البردبكي أحد مقدمي الألوف، ~~والأمير أقطوه الموساوي أحد أمراء العشرات، البرقوقيين، في عدة من المماليك ~~السلطانية، أن يطلعوا إلى القلعة ويقيموا بها لحفظها. وكان تنبك المذكور ~~ولي نيابة القلعة قبل تاريخه سنين كثيرة في الدولة الأشرفية، فطلع إلى ~~القلعة وسكن بمكانه أولا على العادة. ثم انفض الموكب وقد تزايد عظمة الأمير ~~الكبير جقمق، وهابته النفوس بما فعله قرقماس بين يديه من القبض على الأمراء ~~المذكورين. وفهم الناس أنه فعل ذلك خدمة للأمير الكبير، وكان غرض قرقماس ~~غير ذلك، فإنه رام نفع نفسه فنفع غيره، فكان حاله كقول من قال: " مع ~~الخواطىء سهم صائب " وكقولهم: " رب رمية من غير رام " . ونزل الأمراء إلى ~~دورهم، وقد استخف الناس عقل قرقماس وخفته وطيشه في سرعة ما فعله، كل ذلك ~~لاقتحامه على حب الرئاسة. ونزل قرقماس إلى دار وفي زعمه أن جميع من هو ~~بخدمة الأمير الكبير ينقلبون عن الأمير ms3227 الكبير إليه، ويترددون إلى بابه ~~لأنه هو كان الحاكم في هذا اليوم، ولم يدر أن القلوب نفر منه لتحققهم ما ~~يظنوه من كبره وجبروته وبطشه، وقد اعتادوا بلين الأمير الكبير وبأخذه ~~لخواطرهم في هذه المدة، وتمسكه عن قبض من كان لهم غرض؛ قبضه، وقد صاروا له ~~كالمماليك والخدم لطول تردادهم إليه في باب السلسلة وغيرها، وقد انتهى أمره ~~وحصل لهم ما كان في أملهم، وأيضا أنهم لما رأوا قرقماس فعل ما فعل لم يشكوا ~~في أمره أنه من جملة من يقوم بنصرة الأتابك وأنه كواحد منهم، فلم يطرق أحد ~~منهم بابه ولم يدخل إليه في ذلك اليوم إلا من يلوذ به من حواشه ومماليكه. ~~وسافر تمرباي نائب الإسكندرية من الغد في يوم الجمعة. وأصبح في يوم السبت ~~ثامن شهر ربيع الأول انزل من باب السلسلة من تقدم ذكره من الأمر الخاصكية ~~الممسوكين على البغال بالقيود إلى سجن الإسكندرية، وقد اجتمع لرؤيتهم خلائق ~~لا تحصى وهم قسمان: قسم باق عليهم، وقسم شامت لتقاعدهم عن القتال في خدمة ~~ابن أستاذهم الملك العزيز يوسف، وأيضا لما كان يقع منهم في أيام أستاذهم من ~~التكبر والجبروت. PageV04P0237 # ثم أرسل الأمير الكبير في اليوم المذكور إلى الأمراء القادمين من ~~التجريدة بمال كبير له صورة، لا سيما ما حمله إلى قرقماس فإنه كان جملة ~~مستكثرة. ثم في يوم الأحد تاسع شهر ربيع الأول خلع على الزيني عبد اللطيف ~~الطواشي الرومي المنجكي المعروف بالعثماني أحد الجمدارية باستقراره مقدم ~~المماليك السلطانية، وأنعم عليه بإمرة عشرة لا غير، وهو إقطاع النيابة الذي ~~كار بيد فيروز الركني نائب مقدم المماليك، وكانت الخلعة عليه بين يدي ~~العزيز بعثه الأمير الكبير إليه وأمره أن يخلع عليه، واستقر في نيابة ~~المقدم جوهر المنجكي الحبشي أحد خدام الأطباق الضعفاء الحال ولم تسبق له ~~رئاسة قبل ذلك. ثم في يوم الاثنين عاشره ركب السلطان الملك العزيز من ~~القلعة ونزل إلى الميدان، ومعه الزيني عبد الباسط ناظر الجيش وجماعة أخرى ~~من خواصه الأصاغر، وركب الأمير الكبير من ms3228 الحراقة وفي خدمته جميع الأمراء ~~مشاة ما عدا أركماس الظاهري الدوادار الكبير وآقبغا التمرازي أمير مجلس، ~~وساروا الثلاثة على خيولهم من الإسطبل السلطاني حتى نزلوا إلى الميدان وبه ~~السلطان يسير. فعندما رأوا الأمراء الملك العزيز ترجلوا عن خيولهم وقبلوا ~~الأرض، وتقدم الأمير الكبير جقمق وقبل رجل السلطان في الركاب، ثم بعده جميع ~~الأمراء فعلوا مثل فعله. ثم تقدم الأمير يشبك السودوني حاجب الحجاب قبل ~~الأرض، وخلع عليه خلعة السفر لأنه كان انقطع عن رفقته لتوعك كان به، وطلع ~~في هذا اليوم؛ انصرف الجميع عائدين في خدمة الأمير الكبير إلى أن أوصلوه ~~إلى سلم الحراقة، ووقفوا له هناك حتى سلم عليهم، وعادوا إلى دورهم. وكان ~~سبب تأخر قرقماس عن الطلوع في هذا اليوم والذي قبله، أمور: منها أنه كان في ~~نفسه الوثوب على الأمر، وفعل ما فعل من مسك الأمراء وغيرهم ليروج أمره ~~بذلك، فلم ينتج أمره وتقهقر وزادت عظمة الأتابك جقمق، فعز عليه ذلك في ~~الباطن، وكان في ظنه أنه لابد أن يملك الديار المصرية من يوم توجه إلى مكة ~~وحكمها. فلما عرف منه ذلك تقرب إليه جماعة من الذين يوهمون الناس أنهم ~~صلحاء، ولهم إطلاع على المغيبات، وصاروا يبشرونه بسلطنة مصر، وتخبره جماعة ~~أخر بمنامات تدل على قصده فينعم عليهم بأشياء كثيرة. ثم كلما نظر من يدعي ~~معرفة علم النجوم يسأله عما في خاطره - وقد أشيع عنه حب الرئاسة - فيبشره ~~الرمال أو المنجم أيضا بما يسرة من قبله وحسب اجتهاده لأخذ دراهمه. فكان ~~قرقماس ينتظر موت الملك الأشرف يوما بيوم، فاتفق موت الملك الأشرف باي وهو ~~مسافر، وإلى أن يحضر انتظم أمر الأتابك جقمق وتم، فلم يلتفت إلى ما رأى من ~~أمر جقمق بما سبق عنده أنه لابد له من السلطنة، وأخذ يسلك طريقا تصادف ما ~~هو قصده. فدخل القاهرة مطلبا، فلم يلتفت إليه أحد. وطلع إلى الأتابك جقمق ~~وامتنع من طلوع القلعة إلى الملك العزيز حتى قبل الأرض من الإسطبل خوفا من ~~أن يقبض عليه، يريد بذلك أن ms3229 ينتبه إليه الناس، فلم ينظر إليه أحد. ثم أخذ ~~في مسك الأمراء، حتى يعظم في النفوس، فلم يقع ذلك. فانقطع بداره عن الطلوع ~~إلى الأتابك مدة أيام، وتعلل بأنه بلغه عن الأمير الكبير وحواشيه ما غير ~~خاطره، يظهر ذلك لتتسامع بغضبه الناس ويأتوه ليثور بهم، فلم ينضم إليه أحد؛ ~~فاستدرك فارطه واستمر بداره إلى هذا اليوم. PageV04P0238 # فلما عاد الأتابك من عند الملك العزيز إلى سكنه بالحراقة من باب السلسلة، ~~أرسل إلى الأمير قرقماس المذكور الأمير تمراز القرمشي رأس نوبة النواب، ~~وقراجا الأشرفي أحد مقدمي الألوف، والزيني عبد الباسط ناظر الجيش، يسألوه ~~عن سبب انقطاعه عن الطلوع إلى الأمير الكبير في هذه الأيام، فذكر لهم أنه ~~بلغه عن حواشي الأمير الكبير من المؤيدية أنهم يتهموه بالركوب وإثارة ~~الفتن، وأنه يريد يتسلطن، ولم يكن له علم بشيء من ذلك. فما زالوا به حتى ~~ركب معهم، وطلع إلى الأمير الكبير بالحراقة من الإسطبل السلطاني، فقام ~~الأمير الكبير واعتنقه وأخذ بيده ودخلا مع أعيان الحاضرين إلى مبيت ~~الحراقة، وجلسا في خلوة وتعاتبا قليلا. وأخذ الأمير الكبير يقول له إن ~~قرقماس عنده في مقام روحه، وإنه لم يتصل إلى هذا الموصل إلا بقوته وكونه ~~معه؛ وأخذ قي مخادعته والأخذ بخاطره، إلى أن تحقق قرقماس أنه لا يأتيه ما ~~يكره من قبل الأتابك، إلى أن يدبر لنفسه ما يوصله إلى غرضه. ثم حلف له ~~الأتابك على هذا المعنى جميعه وبكى واعتنقه، وخرجا من المبيت وقد صفا ما ~~بينهما ظاهرا، والباطن فلا يعلم ما فيه إلا الله تعالى. وهو أن قرقماس لم ~~يطلع في هذا اليوم إلى الأتابك إلا بعد أن عجز عما في خاطره، فاحتاج إلى ~~المداهنة حتى يطول أمره إلى أن يحصل له مراده. ولم يخف ذلك عن الأتابك ~~جقمق، غير أنه رأى أنه لا يتم أمره فيما يروم إلا بموافقة قرقماس له أولا، ~~ثم بعد ذلك يفعل ما بدا له. وعندما قام قرقماس من مجلس الأتابك ليتوجه إلى ~~داره، قدم له الاتابك فرسا بقماش ms3230 ذهب من مراكيبه، فركبه قرقماس ونزل إلى ~~داره، ومعه أيضا الأمير تمراز رأس نوبة النواب، وقراجا، وهما في خدمته إلى ~~داره، فأركب قرقماس كلا منهما فرسا بقماش ذهب. ثم أخذه القلق وأخذ يدبر في ~~تأليف المماليك الأشرفية عليه، فرأى أنه لا يتم له ذلك بالعطاء ولا بالملق، ~~لكثرتهم، وإنما يتم له ذلك بسلطنة الأتابك جقمق، لينفر عنه من كان من حزبه ~~من المماليك الأشرفية وينضموا عليه؛ وكان هذا حدسا صائبا، ووقع له ما أراد، ~~غير أنه استعجل لأمر يريده الله. فأخذ قرقماس من يومذاك يحسن للأتابك جقمق ~~توليته السلطنة وخلع الملك العزيز. ولا زال يلح عليه في ذلك وهو يلين تارة ~~ويتوقف تارة؛ وكان هذا الأمر في خاطر الأتابك وأصحابه، غير أنه كان يستعظم ~~الأمر ويخاف من نفور قرقماس عنه، إذا فعل ذلك. وأخذ ينتظر فرصة للوثوب بعد ~~حين، فحرك الله تعالى قرقماس حتى سأله في ذلك وألح عليه لما في غرضه في ~~أيسر مدة، لتعلم أن الله على كل شيء قدير. ومن يومئذ هان الأمر على الأتابك ~~وأخذ في أسباب السلطنة، وكتب يطلب صهره القاضي كمال الدين محمد بن البارزي ~~من دمشق. ثم أصبح يوم الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول عملت الخدمة ~~السلطانية وحضرها الأمير الكبير جقمق والأمير قرقماس أمير سلاح المذكور، ~~وعامة الأمراء أرباب الدولة على العادة. وكانت الخدمة السلطانية قد تركت من ~~مدة أيام، فأجراهم السلطان الملك لعزيز على عادته من السكات وعدم الكلام، ~~وانفض الموكب. ثم طلع الأمير قرقماس من الغد في يوم الجمعة وحضر الصلاة مع ~~السلطان بالمقصورة من جامع القلعة، ولم يطلع الأتابك جقمق. ونزل قرقماس ولم ~~يتكلم مع السلطان كلمة واحدة. ثم في يوم السبت عملت الخدمة أيضا بالقصر على ~~العادة، وحضر الأمير الكبير. ثم في يوم الاثنين عملت الخدمة أيضا. ~~PageV04P0239 # كل ذلك بتدبير قرقماس؛ وهو أنه لما علم أن الأمير الكبير جقمق تم أمره ~~ولم يبق له منازع يعيقه عن السلطنة، أخذ في عمل الخدمة حتى يجد نفسا من ~~الملك العزيز ms3231 أو من أحد من حواشيه، حتى تصير له مندوحة لمطاولة الأتابك على ~~السلطنة، لأنه ندم على ما تفوه به ولم يجد لنفسه قوة حتى يرجع عن قوله، ~~لقوة شوكة الأتابك وكثرة أعوانه ممن اجتمع عليه من الطوائف، لا سيما ~~الطائفة المؤيدية، فإنهم صاروا عصبا له وغيرية على قرقماس، لما كان بين ~~قرقماس وبين الأمير دولات المحمودي المؤيدي من العداوة قديما، لسبب السكات ~~عنه أليق، ودولات هو يومذاك عين المؤيدية ورئيسهم، غير أن جميع طائفة ~~الناصرية كانت مع قرقماس في الباطن لكونه خجداشهم، ولكن هم أيضا ممن كان ~~انضم على الأتابك وصار لهم به إلمام كبير، فلم يظهروا الميل لقرقماس قي ~~الظاهر مخافة أن لا يتم أمره وينحط قدرهم عند الأتابك؛ فصاروا يلاحظونه ~~بالقلب والخاطر لا بالفعل والقيام معه، والأتابك جقمق يعرف جميع ذلك، غير ~~أنه يتجاهل عليهم تجاهل العارف، لقضاء حاجته - انتهى. ولما عملت الخدمة في ~~هذه الأيام ولم يحصل لقرقماس غرضه، عاد إلى رأيه الأول من الكلام في سلطنة ~~الأتابك جقمق. وألح عليه حتى أجابه صريحا. وكان في هذه الأيام كلها كلما ~~طلع الأمراء إلى الخدمة السلطانية، ينزل الجميع من القصر بعد انقضاء الخدمة ~~إلى الأمير جقمق ويأكلون السماط عنده. فلما كان آخر خدمة عملت عند الملك ~~العزيز يوسف في يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول، نزل قرقماس من عند ~~السلطان مع جملة الأمراء، واجتمع بالأمير الكبير وألح عليه بأنه يتسلطن في ~~اليوم المذكور، فلم يوافقه جقمق على ذلك وواعده على يوم الأربعاء تاسع عشر ~~شهر ربيع الأول. ووافقه جميع الأمراء على خلع الملك العزيز وسلطنته، إلا ~~آقبغا التمرازي فإنه أشار عليه أن يؤخر ذلك ويتجرد إلى البلاد الشامية ~~ويمهدها، كما فعل الملك الظاهر ططر، ثم يتسلطن، مخافة من عصيان النواب ~~بالبلاد الشامية عليه عقيب سلطنته، قبل أن يرسخ قدمه؛ فرد قوله قرقماس، ~~وأشار بسلطنته في يوم الأربعاء، ووافقه على ذلك جماعة المؤيدية، فتم الأمر ~~على ما قاله قرقماس. وكان الحزم ما قاله آقبغا التمرازي؛ وبيانه أنه لولا ms3232 ~~أن سعد الملك الظاهر جقمق حرك قرقماس للركوب في غير وقته، لكان قرقماس ~~انتصر عليه لكثرة من كان انضم عليه من المماليك الأشرفية وغيرهم؛ وأيضا ~~لولا استعجال إينال الجكمي في صدمته العساكر المصرية، لكان تم أمره لعظم ~~ميل الناس إليه. وأما تغري برمش نائب حلب فكان مسكه على غير القياس؛ فإنه ~~كان تركمانيا ووافقه جماعة كبيرة من التركمان، مع قوته وكثرة ماله، فكان ~~يمكنه أن يتعب الملك الظاهر جقمق بتلك البلاد طول عمره، فلهذا أشار آقبغا ~~التمرازي بسفره قبل سلطنته. وقد حسب البعيد ونظر في العواقب، فلم يسمع ~~الملك الظاهر له وتسلطن، وقاسى بعد ذلك شدائد وأهوالا، أشرف منها غير مرة ~~على زوال ملكه، لولا مساعدة المقادير وخدمة السعد، لما سبق له في القدم. ~~ولما كان يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول من سنة اثنتين وأربعين ~~وثمانمائة خلع الملك العزيز يوسف من الملك، وتسلطن الأمير الكبير جقمق ~~العلائي، وتلقب بالملك الظاهر، حسبما يأتي ذكره في أوائل سلطنته. وكانت مدة ~~سلطنة الملك العزيز على مصر أربعة وتسعين يوما. وزال بخلعه الدولة ~~الأشرفية، وتمزقت مماليك أبيه وتشتتت في البلاد سنين، وحبس أعيانهم. ولم ~~يكن للملك العزيز في السلطنة إلا مجرد الاسم فقط، ولم تطل أيامه ولا تحكم ~~في الأمور لتشكر أفعاله أو تذم، وإنما كان آلة في الملك والمتصرف غيره، ~~لصغر سنه وعدم أهلية مماليك أبيه. ولما خلع الملك العزيز، أدخل إلى الدور ~~السلطانية واحتفظ به وسكن بقاعة البربرية أشهرا، حتى تسحب منها ونزل إلى ~~القاهرة واختفى أياما كثيرة، حتى ظفر به وحبس بالقلعة أياما قليلة، ثم نقل ~~إلى سجن الإسكندرية، حسبما يأتي ذكر ذلك كله مفصلا في ترجمة الملك الظاهر ~~جقمق إن شاء الله تعالى. PageV04P0240 # واستمر الملك العزيز بسجن الإسكندرية على أجمل حال وأحسن طريقة من طلب ~~العلم وفعل الخير إلى يومنا هذا؛ أحسن الله عاقبته بمحمد وآله. وهو ثاني ~~سلطان لقب بالملك العزيز من ملوك مصر، والأول: العزيز عثمان ابن السلطان ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب، والثاني: العزيز هذا. ms3233 وهو أيضا ثاني من سمي يوسف ~~من ملوك مصر، فالأول السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والثاني هذا، والله ~~تعالى أعظم. ### | AUT سلطنة الظاهر أبي سعيد جقمق # السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد جقمق العلائي الظاهري الجركسي، ~~وهو الرابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، والعاشر من ~~الجراكسة وأولادهم. تسلطن بعد خلع الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف ~~برسباي، باتفاق الأمراء وأعيان المملكة على سلطنته. ولما تم أمره استدعي ~~الخليفة المعتضد بالله داؤد والقضاة الأربعة والأمير قرقماس أمير سلاح ~~وسائر الأمراء وجميع أعيان الدولة إلى الحراقة بباب السلسلة من الإسطبل ~~السلطاني، وجلس كل واحد في مجلسه. فافتتح الأمير قرقماس بالكلام مع الخليفة ~~والقضاة بأن قال: " السلطان صغير، والأحوال ضائعة لعدم اجتماع الكلمة في ~~واحد بعينه. ولابد من سلطان ينظر في مصالح المسلمين وينفرد بالكلمة، ولم ~~يكن يصلح لهذا الأمر سوى الأمير الكبير جقمق هذا " . فقال جقمق: " هذا لا ~~يتم إلا برضا الأمراء والجماعة " . فصاح الجميع: " نحن راضون بالأمير ~~الكبير " . فعند ذلك مد الخليفة يده وبايعه بالسلطنة؛ ثم بايعه القضاة ~~والأمراء على العادة. ثم قام من فوره إلى مبيت الحراقة، ولبس الخلعة ~~الخليفتية السوداء، وتقلد بالسيف، وخرج ركب فرسا أعد له بأبهة السلطنة ~~وشعار الملك، وحملت على رأسه القبة والطير، حملها الأمير قرقماس أمير سلاح، ~~والأمراء مشاة بين يديه، وسار إلى أن طلع إلى القصر السلطاني بقلعة الجبل، ~~وجلس على تخت الملك، وقبل الأمراء الأرض بين يديه على العادة. وكان جلوسه ~~على تخت الملك في يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ربيع الأول سنة اثنتين ~~وأربعين وثمانمائة، على مضي سبع عشرة درجة من النهار المذكور، والطالع برج ~~الميزان بعشر درجات وخمس وعشرين دقيقة، وكانت الشمس في السادس والعشرين من ~~السنبلة، والقمر في العاشر من الجوزاء، وزحل في الثاني والعشرين من الحمل، ~~والمشتري في السابع عشر من القوس، والمريخ في الخامس من الميزان، والزهرة ~~في الحادي عشر من الأسد، وعطارد في الرابع عشر من السنبلة، والرأس في ~~الثاني من الميزان. ms3234 ### || AUT أصل الملك الظاهر جقمق # وقدومه إلى مصر ونسبته بالعلائي ثم بالظاهري فنقول: كان جاركسي الجنس، ~~وأخذ من بلاده صغيرا فاشتراه خواجا كزلك وكزلك بفتح الكاف وسكون الزاي وفتح ~~اللام وكسرها وسكون الكاف الثانية. وجلبه خواجا كزلك المذكور إلى الديار ~~المصرية فابتاعه منه الأتابك إينال اليوسفي، وقيل ولده أمير علي بن إينال ~~المذكور وهو الأصح، ورباه عنده، وأرسله مع والدته إلى الحج. ثم عاد جقمق ~~إلى القاهرة في خدمة والدة أمير علي المذكور، وكانت والدة أمير علي متزوجة ~~بشخص من الأجناد من أمير آخورية السلطان يسمى نغتاي. ونغتاي بفتح النون ~~والغين المعجمة، وبعدهما تاء مفتوحة وألف وياء ساكنة. ولما قدم جقمق إلى ~~القاهرة أقام بها مدة يسيرة، وتعارف مع أخيه جاركس القاسمي المصارع، وكان ~~جاركس يوم ذاك من أعيان خاصكية أستاذه الملك الظاهر برقوق، فكلم جاركس ~~الملك الظاهر برقوقا في أخذ جقمق هذا من أستاذه أمير علي بن إينال، فطلبه ~~الملك الظاهر منه في سرحة سرياقوس، وأخذه وأعطاه لأخيه جاركس، إنيا بطبقة ~~الزمام من قلعة الجبل. وقد اختلفت الأقوال في أمر عتقه: فمن الناس من قال ~~إن أمير علي كان أعتقه قبل أن يطلبه الملك الظاهر منه، فلما طلبه الملك ~~الظاهر سكت أمير علي عن عتقه لتنال جقمق السعادة بأن يكون من جملة مشتروات ~~الملك الظاهر، وكان كذلك. وهذا القول هو الأقوى والمتواتر بين الناس ولما ~~يأتي بيانه. PageV04P0241 # ومن الناس من قال إنه كان في الرق، وقدمه أمير علي إلى الملك الظاهر لما ~~طلبه منه، ولو كان حرا يوم ذاك لاعتذر بعتقه. وهذا أيضا مقبول، غير أن الذي ~~يقوي القول الأول يحتج بأن الملك الظاهر جقمق هذا لما كان أمير طبلخاناه ~~وخازندارا في الدولة المؤيدية شيخ، أخذ الشهابي أحمد بن أمير علي بن إينال ~~اليوسفي وهو صغير، ووقف به إلى السلطان الملك المؤيد، وسأل السلطان فيه ~~ليكون من جملة المماليك السلطانية، فسأل المؤيد عن أحمد المذكور فقال جقمق: ~~" يا خوند، هذا ابن استاذي أمير علي " ، فقال المؤيد: " ومن أين يكون ms3235 هذا ~~ابن استاذك؟ الملك الظاهر أعتقك بحضرتنا الجميع، وأخرج لك خيلا على العادة ~~" . فقال جقمق: " نعم هو كما قال السلطان، غير أن أمير علي كان أعتقني قبل ~~ذلك، وسكت عن عتقي لما طلبني الملك الظاهر منه " . فغضب الملك المؤيد من ~~ذلك ووبخه، كونه أنكر عتاقة الملك الظاهر له واعترف بعتاقة أمير علي، ولم ~~ينزل لذلك أحمد المذكور في جملة المماليك السلطانية، فأخذه جقمق عنده وتولى ~~تربيته. قلت: وعندي اعتراض آخر، وهو أنه يمكن أن الملك الظاهر كان هو الذي ~~أعتقه، وإنما أراد الملك الظاهر جقمق بقوله إن أمير علي أعتقه، ليعظم الأمر ~~على الملك المؤيد، لينزل أحمد المذكور في جملة المماليك السلطانية، لكثرة ~~حنوه على أحمد المذكور، ولم يدر أن الملك المؤيد يغضبه ذلك، فإنه يقال في ~~الأمثال: " صاحب الحاجة أعمى لا يريد إلا قضاءها " . وكان الملك الظاهر ~~جقمق في طبعه الرأفة والشفقة على أيتام الأجانب، فكيف الأقارب؟ ولا أستبعد ~~ذلك - انتهى. ### || AUT ما وقع له من ابتداء أمره إلى أن تسلطن # فنقول: واستمر جقمق هذا عند أخيه بطبقة الزمام مدة يسيرة، وأعتقه الملك ~~الظاهر برقوق، وأخرج له خيلا وقماشا على العادة بمفرده؛ وهو أن بعض ~~المماليك السلطانية من طبقة الزمام المذكورة توفي، فقام جاركس في مساعدة ~~أخيه جقمق هذا حتى أخذ له جامكيته وخيله. وأعتقه الملك الظاهر، ثم جعله بعد ~~قليل خاصكيا، كل ذلك بسفارة أخيه جاركس المذكور. واستمر جقمق خاصكيا إلى ~~مات الظاهر برقوق، وصار ساقيا في سلطنة الملك الناصر فرج، ثم تأمر عشرة، ~~إلى أن خرج أخوه جاركس عن طاعة الملك الناصر فرج فأمسك السلطان جقمق هذا، ~~وحبسه بواسطة عصيان أخيه، فدام في السجن إلى أن شفع فيه الوالد وجمال الدين ~~يوسف الأستادار وأطلق من السجن. ثم قتل جاركس فانكف جقمق هذا عن الدولة ~~بتلطف، إلى أن قتل الملك الناصر، وملك شيخ المحمودي الديار المصرية، فأنعم ~~عليه بإمرة عشرة، ثم نقله بعد سلطنته بمدة إلى إمرة طبلخاناه، جعله ~~خازندارا كبيرا بعد انتقال الأمير يونس الركني إلى نيابة ms3236 غزة. ثم نقل إلى ~~إمرة مائة وتقدمة ألف في دولة المظفر أحمد ابن الملك المؤيد شيخ. ثم صار ~~حاجب الحجاب بعد الأمير طرباي، في أواخر الدولة الصالحية محمد أو في أوائل ~~الدولة الأشرفية برسباي. ثم نقل إلى الأمير آخورية الكبرى عوضا عن الأمير ~~قصروه من تمراز، بحكم انتقال قصروه إلى نيابة طرابلس في أوائل صفر من سنة ~~ست وعشرين وثمانمائة، وتولى الحجوبية من بعده الأمير جرباش الكريمي المعروف ~~بقاشق. ثم نقل من الأمير آخورية إلى إمرة سلاح بعد إينال الجكمي، واستقر ~~عوضه في الأمير آخورية الأمير حسين بن أحمد البهسني التركماني المدعو تغري ~~برمش. ودام على ذلك سنين إلى أن نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية. ~~عوضا عن إينال الجكمي أيضا بحكم انتقال الجكمي إلى نيابة حلب، بعد عزل ~~قرقماس الشعباني وقدومه على إقطاع إينال الجكمي مقدم ألف بالقاهرة. فاستمر ~~أتابكا إلى أن مات الملك الأشرف برسباي في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين ~~وثمانمائة، بعد أن أوصى جقمق على ولده وجعله مدبر مملكته، إلى أن صار من ~~أمره ما رقاه إلى السلطنة. وقد ذكرنا ذلك كله مفصلا، غير أننا أعدناه هنا ~~لينتظم سياق الكلام مع سياقه - انتهى. ولنعد الآن إلى ما كنا فيه: ~~PageV04P0242 # ولما جلس الملك الظاهر جقمق على تخت الملك وتم أمره، وخلع على الخليفة ~~وعلى الأمير قرقماس وقيد لهما فرسين بقماش ذهب، ولقب بالملك الظاهر أبي ~~سعيد جقمق. ثم نودي في الحال بالقاهرة ومصر بسلطنته والدعاء له، وأن النفقة ~~لكل ملوك من المماليك السلطانية مائة دينار، فابتهج الناس بسلطنته. ثم أمر ~~السلطان فقبض على الطواشي صفي الدين جوهر الجلباني الحبشي لالا الملك ~~العزيز، وهو يومئذ زمام الدار السلطاني، وخلع على الزيني فيروز الجاركسي ~~الطواشي الرومي باستقراره زماما عوضا عن جوهر المذكور. ثم أصبح في يوم ~~الخميس العشرين من شهر ربيع الأول المذكور خلع على الأمير قرقماس الشعباني ~~الناصري - أمير سلاح المعروف بأهرام ضاغ - باستقراره أتابك العساكر بالديار ~~المصرية عوضا عن نفسه وخلع على الأمير آقبغا التمرازي أمير مجلس ms3237 باستقراره ~~أمير سلاح عوضا عن قرقماس المذكورة وخلع على الأمير يشبك السودوني حاجب ~~الحجاب باستقراره أمير مجلس عوضا عن آقبغا التمرازي. وكان السلطان خير ~~تمراز القرمشي رأس نوبة النوب في وظيفة أمير مجلس أو الأمير آخورية الكبرى، ~~فمال إلى الأمير آخورية الكبرى، فخلع عليه بها عوضا عن الأمير جانم الأشرفي ~~بحكم حبسه بثغر الإسكندرية. وخلع على أركماس الظاهري الدوادار الكبير ~~باستمراره على وظيفة الدوادارية، وعلى الأمير قراخجا الحسني الظاهري ~~باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن تمراز القرمشي، وعلى الأمير تغري بردي ~~البكلمشي المؤذي باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن يشبك السودوني، وعلى الأمير ~~تنبك البردبكي أحد أمراء الألوف باستقراره في نيابة قلعة الجبل، ثاني مرة ~~عوضا عن تنبك النوروزي الجقمقي؛ وخلع على الأمير قراجا الأشرفي فوقانيا، ~~وهو آخر من بقي من مقدمي الألوف. وباقي الإقطاعات شاغرة إلى الآن عن ~~أصحابها. وكتب بحضور الأمير جرباش الكريمي قاشق من ثغر دمياط، وكان له به ~~سنين كثيرة بطالا. ثم خلع السلطان على دولات باي المحمودي الساقي المؤيدي - ~~أحد أمراء العشرات ورأس نوبة - باستقراره أمير آخور ثانيا، عوضا عن يخشباي ~~المقبوض عليه قبل تاريخه، وعلى الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي - أحد ~~أمراء العشرات ورأس نوبة - باستقراره محتسب القاهرة عوضا عن الإمام نور ~~الدين السويفي، وعلى قاني باي الجاركسي - الذي تأمر قبل تاريخه بمدة يسيرة ~~- باستقراره شاد الشراب خاناه عوضا عن علي باي الأشرفي بحكم القبض عليه، ~~واستمر على إمرة عشرة؛ وعلى الأمير قاني باي الأبوبكري الأشرفي الساقي ~~باستقراره خازندارا عوضا عن جكم خال العزيز بحكم القبض عليه أيضا. ثم أنعم ~~السلطان على جماعة كثيرة جدا باستقرارهم أمراء عشرات يطول الشرح في ذكرهم، ~~لأنها دولة أقيمت بعد ذهاب دولة، وتغير جميع من كان من أرباب الوظائف الذين ~~كانوا في الدولة الأشرفية من الخاصكية وغيرهم، واستقر جماعة كبيرة رؤوس ~~نوب، منهم من خلع عليه قبل أن يلبس فوقاني الإمرة، وهو إلى الآن بحياصة ~~ذهب. ونالت السعادة جميع المماليك المؤيدية الأصاغر، بحيث إن بعضهم كان ~~فقيرا يعيش ms3238 بالتكدي فأخذ إقطاعا هائلا واستقر بوابا دفعة واحدة، وأشياء ~~كثيرة من هذا ذكرناها في غير هذا المحل. ثم في يوم الاثنين رابع عشرين شهر ~~ربيع الأول المذكور، جلس السلطان الملك الظاهر جقمق بالمقعد المطل على ~~الحوش، تجاه باب الحوش المذكور، وابتدأ فيه بنفقة المماليك السلطانية لكل ~~واحد مائة دينار، واستمرت النفقة فيهم في كل يوم موكب، إلى أن انتهى أمرهم ~~فيها. ثم في يوم الثلاثاء خامس عشرينه وصل الأمير جرباش قاشق من ثغر دمياط ~~فأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالقاهرة. ثم في يوم الخميس سابع عشرينه ~~عمل السلطان المولد النبوي بالحوش على العادة، وزاد فيه زيادات حسنة من ~~كثرة الأسمطة والحلاوات؛ وانفض الجميع بعد صلاة المغرب. ثم في يوم السبت ~~تاسع عشرينه تجمع تحت القلعة نحو ألف مملوك من مماليك الأمراء، يريدون ~~النفقة كما نفق على المماليك السلطانية، فأمر لهم السلطان بنفقة، فنفقت ~~فيهم؛ ولم يكن لذلك عادة قبل تاريخه. ثم في يوم الاثنين ثالث شهر ربيع ~~الآخر قبض السلطان تاج الدين عبد الوهاب الأسلمي - المدعو بالخطير - ناظر ~~الإسطبل السلطاني وعلى ولديه؛ والثلاثة أشكال عجيبة. PageV04P0243 # وفيه كانت مبادئ وقعة قرقماس مع الملك الظاهر جقمق. وخبره أنه لما كان ~~يوم الثلاثاء المذكور، ثار جماعة كبيرة من المماليك القرانيص، ممن كان قام ~~مع الملك الظاهر جقمق على المماليك الأشرفية، وطلبوا زيادة جوامكهم ورواتب ~~لحمهم، ووقفوا تحت القلعة، فأرسل إليهم السلطان يعدهم بعمل المصلحة، فلم ~~يرضوا بذلك. وأصبحوا من الغد في يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر على ~~مواقفهم. وركب السلطان ولعب الكرة بالحوش السلطاني مع الأتابك قرقماس ~~الشعباني وغيره من الأمراء إلى أن انتهى لعبهم، فأسر بعض من تأمر من ~~المماليك المؤيدية إلى السلطان بأن الأتابك قرقماس يريد الركوب على ~~السلطان، فنهره السلطان واستبعد وقوع ذلك من قرقماس، لا سيما في هذا اليوم. ~~هذا وقد كثر جمع المماليك السلطانية من الأشرفية وغيرهم، ووقفوا تحت القلعة ~~كما كانوا في أمسه، ثم وقفوا عند باب المدرج أحد أبواب القلعة، وصاروا كلما ~~نزل أمير ms3239 من الخدمة السلطانية اجتمعوا به وكلموه في عمل مصالحهم. ووقع لهم ~~ذلك مع جماعة كبيرة من الأمراء، إلى أن نزل الأتابك قرقماس فأحاطوا به ~~وحدثوه في ذلك، وأغلظوا في حق السلطان، فوعدهم قرقماس بأنه يتحدث بسببهم مع ~~السلطان، وبش لهم وألان معهم في الكلام، فطمعوا فيه وأبوا أن يمكنوه من ~~الرجوع إلى السلطان، وكلموه في الركوب على السلطان وهم يوافقوه على ذلك، ~~فأخذ يمتنع تمنعا ليس بذاك. وظهر من كلامه في القرائن أنه يريد كثرة من ~~يكون معه، وأن ذلك لا يكون في هذا اليوم. فلما فهموا منه ذلك تحركت كوامن ~~المماليك الأشرفية من الملك الظاهر جقمق، وانتهزوا الفرصة وقصدوا الركوب ~~ووقوع الحرب في الحال، بجهل وعدم دربة بالوقائع والحروب، وأخذوه ومضوا وهم ~~في خدمته إلى بيته، وكار سكنه بملكه بالقرب من المدابغ خارج باب زويلة. ~~وتلاحق بهم جماعة كثيرة من أعيان المماليك السلطانية وبعض الأمراء وعليهم ~~السلاح، وراودوه على الركوب فلم يعجبه ذلك، وقال لهم ما معناه أن له أصحابا ~~وخجداشية كثيرة وجماعة من أكابر الأمراء لهم معه ميل وغرض، " فاصبروا إلى ~~باكر النهار من الغد لنتشاور معهم في أمرنا هذا وفيما نفعله " ، فامتنعوا ~~من ذلك وأظهروا له إن لم يركب في هذا اليوم لم يوافقوه بعد ذلك. وكان جمعهم ~~قد كثر إلى الغاية، ولكن غالبهم المماليك الأشرفية. وكان الذي قال له ذلك ~~الأمير مغلباي الجقمقي أستادار الصحبة على لسان بعض أصحابه، وقيل إن قرقماس ~~أراد بهذا الكلام توقفهم حتى يتفرقوا عنه ثم يصعد هو إلى القلعة ويعلم ~~السلطان بذلك. وعندي أن الصحيح أنه لم يرد بقوله هذا إلا تحكيم أمره حتى ~~يأتوه من الغد بجموعهم، ويأخذوه غصبا كما فعل القوم بالملك الظاهر جقمق، ~~ويجتمع عليه حواشيه وأصحابه - وأنا أعرف بحاله من غيري. فأبو عليه وألحوا ~~في ركوبه في الوقت، وخوفوه تفرق من اجتمع عليه في هذا اليوم؛ وكانوا خلائق ~~كثيرة إلى الغاية. فنظر عند ذلك في أمره، فلم يجد بدا من موافقتهم وركوبه ~~معهم في هذا اليوم لما ms3240 في نفسه من الوثوب على السلطنة والاستبداد بالأمر؛ ~~وكان فيه طيش وخفة في صفة عقل ورزانة، لا يفهم منه ذلك إلا من له ذوق ~~ومعرفة بنقد الرجال. وخاف قرقماس إن لم يركب في هذا اليوم وأراد الركوب بعد ~~ذلك، لا يوافقه أحد من هؤلاء، فينحل بذلك برمه ويطول عليه الأمر، لعظم ما ~~كان داخله الحسد للملك الظاهر جقمق، ولله در القائل: " الحاسد ظالم في صفة ~~مظلوم مبتلى غير مرحوم " . وأحسن من هذا قول القائل، وهو لسان حال الملك ~~الظاهر جقمق: الطويل وكل أداريه على حسب حاله ... سوى حاسدي فهي التي لا ~~أنالها وكيف يداري المرء حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها فعند ~~ذلك قام ولبس آلة الحرب هو ومماليكه، وركب من وقته قريب الظهر من يوم ~~الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر المذكور، وخرج من بيته بعساكر عظيمة، ومعه ~~أمراء العشرات: الأمير أزبك السيفي قاني باي نائب الشام المعروف بأزبك جحا، ~~والأمير جانم الأشرفي المعروف برأس نوبة سيدي، وكلاهما أمير عشرة. وقد ~~وافقه غيرهما مثل الأمير قراجا الأشرفي أحد مقدمي الألوف، والأمير مغلباي ~~الجقمقي أستادار الصحبة، ووعداه أنهما يوافياه بمماليكهما بالرملة. ~~PageV04P0244 # وخرج الأمير قرقماس من بيته بمجموعه فوافيته خارج باب زويلة من غير ~~ميعاد، وسرت معه، وصحبته عساكر كثيرة من الأشرفية وغيرهم، وأنا بجانبه. ~~فتأملت في أمره فلم يعجبني حاله، لاضطراب عساكره ولعدم من يرأسهم من أعيان ~~الأمراء ممن مرت بهم التجارب، وأيضا لكثرة قلقه في مسيره وعدم ثباته في ~~كلامه. وظهر لي منه أيضا أنه لم يعجبه ما هو فيه من اختلاف كلمة من هو معه ~~من المماليك السلطانية وآرائهم المفلوكة وكثرة هرجهم، ثم صار يقول في ~~مسيره: " الله ينصر الحق " ، فيقول آخر: " الله ينصر الملك العزيز يوسف " ، ~~ويقول آخر: " الله ينصر الأمير قرقماس " ، ومنهم من قال: " الله ينصر ~~السلطان " ، ولم أدر أي سلطان قصد؛ كل ذلك في تلك المسافة القريبة من بيته ~~إلى الرملة. ثم كشف قرقماس رأسه وصاح: " الله ينصر الحق " غير مرة، فتعجبت ~~أنا من ms3241 دعائه، لأي حق يريد؛ فلما أن كشف رأسه تفاءل الناس بخذلانه، وظهر لي ~~منه أيضا أنه كان يتخوف من المماليك الأشرفية، لما بلغني بعد ذلك أنه بلغه ~~في اليوم المذكور أنهم إذا انتصروا على الملك الظاهر جقمق وملكوا القلعة ~~ضربوا رقبة قرقماس، فنفر خاطره من ذلك. وكأنه بلغه ذلك بعد ركوبه وشروعه ~~فيما هو فيه، فبقي لا يمكنه إلا الإتمام، لأن الشروع ملزم؛ والمقصود أنه ~~سار إلى أن وصل قريبا من جامع السلطان حسن، فوافاه الأمير قراجا بطلبه ~~ومماليكه وعليهم السلاح، والأمير مغلباي الجقمقي، وسارا معه من تحت مدرسة ~~السلطان حسن إلى بيت قوصون تجاه باب السلسلة، وكان يسكنه يوم ذاك الأمير ~~أركماس الظاهري الدوادار الكبير، وقد أغلقه مماليك أركماس المذكور، فقصد ~~قرقماس المذكور عبور البيت المذكور فوجده مغلقا. ثم دخله بعد أمور، فإذا ~~بأركماس الظاهري قد خرج من باب سر البيت المذكور، ومضى إلى حال سبيله ~~محمولا لعجزه عن الحركة لوجع كان يعتريه برجليه، وأيضا لم يكن من هذا ~~القبيل. وملك قرقماس البيت ودخله، وأخذ فيما يفعله مع عساكر السلطان من ~~القتال وغيره، فلم ينتظم له أمر ولا رتب له طلب من كثرة الغوغاء والهرج، ~~حتى إن باب السلسلة كان مفتوحا منذ قدم قرقماس إلى الرملة وأخذ بيت أركماس ~~الظاهري، والأمير تمراز القرمشي الأمير آخور الكبير لم يلتفت إلى غلقه ولا ~~تحرك من مجلسه ولا ألبس أحدا من مماليكه السلاح، ومن عظم تراخيه في ذلك ~~نسبوه للممالأة مع قرقماس - ولا يبعد ذلك. ومع هذا كله لم يلتفت أحد من ~~أصحاب قرقماس إلى أخذ باب السلسلة، ولا سار أحد إلى جهته جملة كافية، لعظم ~~اضطرابهم وقلة سعدهم. كل ذلك والسلطان الملك الظاهر إلى الآن بالقلعة في ~~أناس قليلة من خواصه، وهو لا يصدق ما قيل له في حق قرقماس، إلى أن حضر ~~قرقماس إلى الرملة وملك بيت قوصون؛ فعند ذلك ركب السلطان، من الحوش ~~السلطاني ونزل في أمرائه الصغار وخاصكيته إلى باب السلسلة وجلس بالمقعد ~~المطل على الرميلة، وقد صحب ms3242 معه فرسا عليه قماش ذهب يوهم به أنه لأجل ~~قرقماس إذا طلع إليه طائعا، وأن قرقماس أرسل يقول له إنه يريد أن يفر من ~~المماليك الأشرفية ويطلع إلى القلعة، مسك بهذه الحركة جماعة كبيرة عن ~~التوجه إلى قرقماس من خجداشيته وأصحابه. كان هذا الذي فعله الملك الظاهر من ~~أكبر المصالح، فإن كان على حقيقته فقد نفع، وإن كان حيلة من الملك الظاهر ~~جقمق فكانت في غاية الحسن ومن أجود الحيل. ولما جلس الملك الظاهر بالمقعد ~~من الإسطبل السلطاني المطل على الرميلة، نزلت جماعة من خاصكيته مشاة وعليهم ~~السلاح وناوشوا القرقماسية بالقتال قليلا. ثم مر السلطان فنودي: " من كان ~~من حزب السلطان فليتوجه إلى بيت الأمير آقبغا لتمرازي أمير سلاح " ، وكان ~~سكن آقبغا المذكور بقصر بكتمر الساقي بالقرب من الكبش تجاه مدرسة سنجر ~~الجاولي " . فلما سمع الأمراء والمماليك المناداة ذهبوا إلى بيت الأمير ~~آقبغا التمرازي، فاجتمع عنده خلائق وجماعة كبيرة من الأمراء. فممن اجتمع ~~عنده من مقدمي الألوف: الأمير قراخجا الحسني رأس نوبة النوب، وحاجب الحجاب ~~تغري بردي البكلمشي المؤذي، ومن الطبلخاناه وغيرهم: الأمير أسنبغا الطياري ~~وعدة كبيرة. PageV04P0245 # ثم أرسل آقبغا التمرازي رأس نوبته لكشف خبر قرقماس ومن وافقه من الأمراء، ~~فتوجه المذكور وعاد إليه بالخبر أنه ليس معه من الأمراء إلا قراجا وأزبك ~~جحا ومغلباي الجقمقي وجانم الأشرفي. فقال آقبغا: " إذن فلا شيء " . وركب ~~فرسه وركب الأمراء معه بمن انضم عليهم من المماليك السلطانية، وساروا إلى ~~أن وصلوا إلى صليبة أحمد بن طولون عند الخانقاه الشيخونية، ووقفوا هناك ~~وتشاوروا في مرورهم إلى باب السلسلة، وقد ملأت عساكر قرقماس الرميلة؛ فمن ~~الناس من قال: " نتوجه من على المشهد النفيسي إلى باب القرافة ثم نطلع إلى ~~القلعة " ، ومنهم من قال غير ذلك. وبينا هم في ذلك، ورد عليهم الخبر أن ~~الأمير قراجا ومغلباي الجقمقي خرجا من عسكر قرقماس ولحقا بالسلطان؛ فعند ~~ذلك قوي عزم الأمراء على الطلوع إلى القلعة من سويقة منعم، فساروا بمن معهم ~~إلى أن صاروا بآخر سويقة منعم فحركوا ms3243 خيولهم يدا واحدة، إلى أن وصلوا إلى ~~القلعة، بعد أن كبا بآقبغا التمرازي فرسه، ثم قام به ولم يفارق السرج. ~~وطلعوا الجميع إلى القلعة، وقبلوا الأرض بين يدي السلطان، فأكرمهم السلطان ~~غاية الإكرام وندبهم لقتال قرقماس. فنزلوا من وقتهم بأطلابهم ومماليكهم، ~~وقد انضم معهم جميع أمراء الألوف ومخيرها. وصف آقبغا عساكره والأطلاب الذين ~~معه؛ وقبل أن يعبي عساكر السلطان صدمته القرقماسية من غير تعبية ولا ~~مصاففة، لأن قرقماس لما وقف تجاه باب السلسلة لم يقدر على تعبية عساكره ~~لكثرة المماليك وقلة من معه من الأمراء، ووقف هو بينهم في الوسط، ولم يكن ~~لمعسكره قلب ولا ميمنة ولا ميسرة، وذلك لقلة معرفة أصحابه بممارسة الحروب ~~وتعبية العساكر. وكان ذلك من أكبر الأسباب في هزيمة قرقماس، فإنه تعب في ~~موقفه ذلك اليوم غاية التعب، فصار تارة يكر في الميمنة وتارة في الميسرة ~~وتارة يقاتل بنفسه حتى أثخن جراحه، وتارة يعود إلى سنجقه. ولم يقع ذلك ~~لعساكر السلطان، فإن غالبهم كانوا أمراء ألوف وطبلخانات وعشرات؛ فأما مقدمو ~~الألوف فوقفت أطلابهم تحت القلعة تجاه قرقماس، كل طلب على حدته، فصاروا ~~كالتعبية. وبرزت الأمراء والخاصكية لقتال قرقماس، طائفة بعد أخرى، هذا مع ~~معرفتهم بمكائد الحروب وأحوال الوقائع، وآقبغا التمرازي في اجتهاد يعبي ~~العساكر السلطانية ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين. وكان قصده تعبية المجنح فلم ~~يمهله القرقماسية، وبادروه بالقتال والنزال من غير إذن قرقماس، فتصادم ~~الفريقان غير مرة، والهزيمة فيها على السلطانية، وتداول ذلك بينهم مرارا ~~كثيرة، واشتد القتال وفشت الجراحات في الطائفتين، وقتل الأمير جكم النوروزي ~~أحد أمراء العشرات بوسط الرملة، وهو من حزب السلطان. كل ذلك ومنادي قرقماس ~~ينادي في الناس: " من يأتي قرقماس من المماليك السلطانية فله مائتا دينار، ~~ومن يأتيه من الزعر فله عشرون دينار " ، فكثر جمعه من الزعر والعامة. فأخذ ~~الملك الظاهر جقمق ينثر الذهب على الزعر فمالوا إليه بأجمعهم، وقال لسان ~~حالهم: " درة معجلة ولا درة مؤجلة " . ثم أمر السلطان بمناد فنادى من أعلى ~~سور القلعة: " من كان في طاعة السلطان ms3244 فليحضر وله الأمان كائن من كان وله ~~كذا وكذا " ، وأوعد بأشياء كثيرة. كل ذلك والقتال في أشد ما يكون. ولم يكن ~~غير ساعة جيدة إلا وأخذ عسكر قرقماس في تقهقر، وتوجهت الناس إلى السلطان ~~شيئا بعد شيء. وكان جماعة من أصحابنا من الناصرية وقفوا عند الصوة من تحت ~~الطبلخاناه السلطانية حتى يروا ما يكون من أمر خشداشهم الأتابك قرقماس، ~~وهواهم وميلهم إليه، فإنه قيل في الأعصار الخالية: " لا أفلح من هجيت ~~قبيلته " ؛ فلما رأوا أمر قرقماس في إدبار، وأخذ أصحابه في التفرق عنه، ~~انحازوا بأجمعهم إلى جهة باب السلسلة، وأظهر كل واحد منهم أنه كان ممن قاتل ~~قرقماس. ولم يخف ذلك على الملك الظاهر، لكنه لم يسعه يوم ذاك إلا السكات، ~~وبالله لقد رأيت الأمير آقبغا التركماني الناصري وهو يحق بزخمته على طلبه، ~~ويندب الناس لأخذ قرقماس بعد أن أشرف على الهزيمة، وعبرته قد خنقته حتى إنه ~~لا يستطيع الكلام من ذلك. PageV04P0246 # ولما كان بين الظهر والعصر أخذ قرقماس في إدبار، واضمحلت عساكره وذهبت ~~أصحابه، وجرح هو في وجهه ويده، وكل وتعب، وانفلت عنه جموعه، وصار الرجل من ~~أصحابه يغير لبسه ثم يطلع في الحال إلى القلعة حتى ينظره السلطان، هذا ~~والرمي عليه من أعلى القلعة مترادف بالسهام والنفوط. وكان أصحاب قرقماس في ~~أول حضوره إلى الرميلة اقتحموا باب مدرسة السلطان حسن فلم يقدروا على فتحه، ~~فأحرقوه ودخلوا المدرسة وصعدوا على سطحها وأرموا على السلطان بالنشاب ~~والكفيات، إلى أن أبادوا القلعيين، ومع هذا كله وأمر قرقماس في إدبار. وقبل ~~أن تقع الهزيمة على عساكر قرقماس من الذين ثبتوا معه، فر العاجل، فانهزم ~~عند ذلك عسكره بعد أن ثبتوا بعد ذهابه ساعة، ثم انقلبوا الأدبار. فما أذن ~~العصر إلا وقد تمت الهزيمة بعد أن جرح خلائق من الطائفتين. فكان ممن جرح من ~~أعيان السلطانية: الأمير آقبغا التمرازي أمير سلاح، والأمير بردي المؤذي ~~حاجب الحجاب برمح أخرق شدقه، لزم منه الفراش مدة وأشرف على الموت، والأمير ~~أسنبغا الطياري أيضا من طعنة رمح ms3245 أصابه في ضلعه، وجماعة كثيرة من الخاصكية ~~والمماليك يطول الشرح في تسميتهم. وعندما انهزمت عساكر قرقماس أخذوا سنجقه ~~وطلعوا به إلى السلطان قرقماس فلم يعرف أين ذهب؛ فتوهم السلطان أنه توجه ~~إلى جهة الشام، فندب آقبغا التمرازي في جماعة إلى جهة الخانقاه، فسار إلى ~~أن قارب المرج والزيات، فلم يجد في طريقه أثر أحد من العساكر، فعلم أن ~~قرقماس اختفى بالقاهرة، فعاد. وأما الزعر، فإنهم لما رأوا الهزيمة على ~~القرقماسية أخذوا في نهبهم توجهوا إلى داره فنهبوها وأخذوا جميع ما فيها. ~~وفي الحال سكنت الفتنة وفتحت الدكاكين، ونودي بالأمان والبيع والشراء. وأخذ ~~أهل الحرس في تتبع قرقماس وحواشيه، وندب السلطان أيضا جماعة من خواصه في ~~الفحص عن أمره. وما أمسى الليل حتى ذهب أثر الفتنة كأنها لم تكن، وبات ~~الناس في أمن وسلام. وأما السلطان فإنه لما تحقق هزيمة قرقماس، قام من ~~مجلسه بمقعد الإسطبل وطلع إلى القلعة مؤيدا منصورا كأول يوم تسلطن، فإنه ~~كان في بحران كبير من قرقماس وشدة بأسه وعظم شوكته وجلالته في النفوس. وقد ~~كان الملك الظاهر يتحقق أن قرقماس لا بد له من الركوب عليه، لحبه للرئاسة ~~وتشعب رأسه بالسلطنة ولا يمكنه القبض عليع لاضطراب أمره كما هي أوائل ~~الدول؛ فكان السلطان يريد مطاولته من يوم إلى يوم، إلى أن يتمكن منه بأمر ~~من الأمور، فعجل الله له أمره بعد شدة هالته عقبها فرج وأمن. ولما أصبح يوم ~~الخميس خامس شهر ربيع الأخر، عملت الخدمة السلطانية بالقصر السلطاني، وطلع ~~القضاة والأعيان وهنؤوه بالنصر والظفر، وقد وقف على باب القصر جماعة من ~~أمراء المؤيدية الرؤوس نوب، مثل جانبك المحمودي، وعلي باي العجمي، ~~وأمثالهما، ومنعوا المماليك الأشرفية من الدخول إلى الخدمة السلطانية؛ وصار ~~كل واحد منهم يضرب المملوك من الأشرفية على رأسه وأكتافه بالعصي حتى يمنعه ~~من الدخول، هذا بعد أن يوسعه سبا وتوبيخا، وقطع رواتب جماعة كثيرة منهم. ثم ~~أمر السلطان القضاة، فجلسوا بجامع القلعة، بسبب قطع سلالم مآذن مدرسة، ~~السلطان حسن، فحكم قاضي القضاة شمس ms3246 الدين محمد بن البساطي المالكي بقطعها، ~~وألزم الناظر على المدرسة بقطعه السلالم المذكورة، فقطعت في الحال. ثم أمر ~~السلطان بالفحص عن قرقماس، ونودي عليه بشوارع القاهرة، وهدد من أخفاه، فظفر ~~به من الغد في يوم الجمعة سادس شهر ربيع الآخر. وكان من خبره أنه لما انهزم ~~سار وحده إلى جهة الرصد، وقيل معه واحد من حواشيه، فأقام به نهاره، ثم عاد ~~من ليلته - وهي ليلة الخميس - إلى جهة الجزيرة، ثم مضى منها إلى بستانه ~~بالقرب من موردة الجبس وقد ضاقت عليه الدنيا بأسرها، وكاد يهلك من الجوع ~~والعطش. فلما رأى ما حل به، بعث إلى الزيني عبد الباسط يعرفه بمكانه، ويأخذ ~~له أمانا من السلطان. فركب عبد الباسط في الحال وطلع إلى السلطان في بكرة ~~يوم الجمعة المذكور، وعرفه بأمر قرقماس، فندب السلطان ولده المقام الناصري ~~محمدا للنزول إليه، فركب وسار في خدمته عبد الباسط حتى أتوا إلى موضع كان ~~فيه قرقماس. PageV04P0247 # حدثني المقام الناصري محمد المذكور، قال: لما دخلت على قرقماس قام إلي ~~وانحط يقبل قدمي، فمنعته من ذلك فغلبني وقبل قدمي، ثم يدي ثم شرع يتخضع إلي ~~ويتضرع، وقد علاه الذل والصغار، ولم أر في عمري رجلا ذل كذلته، ولا جزع ~~جزعه. وأخذت أسكن روعه، وجعلت في عنقه منديل الأمان الذي أرسله والدي إليه. ~~فقبل يدي ثانيا ثم أراد الدخول تحت ذيلي، فلم أمكنه من ذلك إجلالا له. ثم ~~خرجنا من ذلك المجلس وركبنا وأركبناه فرسا من جنائبي، ومضينا به إلى ~~القلعة، وهو في طول طريقه يبكي ويتضرع إلي بحيث إنه رق عليه قلبي. وكلما ~~مررنا به على أحد من العامة، شتمه ووبخه، وأسمعه من المكروه ما لا مزيد ~~عليه، حتى لو مكنهم رجمه لرجموه. هذا ما حكاه المقام الناصري. ولما أن وصل ~~قرقماس إلى القلعة، وبلغ السلطان وصوله، جلس على عادته. فحال ما مثل بين ~~يديه خر على وجهه يقبل الأرض. ثم قام ومشى قليلا، ثم خر وقبل الأرض ثانيا. ~~هذا ووجهه كلون الزعفران من الصغار وشدة ms3247 الخوف. فلما قرب من السلطان أراد ~~أن يقبل رجله، فمنعوه أرباب الوظائف من ذلك. ثم أخذ يتضرع، فلم يطل السلطان ~~وقوفه ووعده بخير على هينته. ثم أمر به، فأخذ وأدخل إلى مكان بالحوش، فقيد ~~في الحال، وهو يشكو الجوع، وذكر أنه من يوم الوقعة ما استطعتم بطعام، فأتي ~~له بطعام فأكله، وقد زال عنه تلك الأبهة والحشمة من عظم ما داخله من الخوف ~~والذل، ولهجت العامة تقول في الطرقات: " الفقر والإفلاس ولا ذلتك يا قرقماس ~~" . قلت: وما أبلغ قول القائل في معناه: الوافر أرى الدنيا تقول بملء فيها ~~... حذار حذار توبيخي وفتكي ولا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل ~~مبكي وأبلغ من هذا قول أبي نواس: الطويل إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... ~~له عن عدو في ثياب صديق ولما أمسك قرقماس المذكور تم سرور السلطان، وهدأ ~~سره، وأخذ في مسك جماعة من أعيان الأشرفية، فأمسك في يوم واحد أزيد من ستين ~~خاصكيا من أعيان المماليك الأشرفية، وحبس الجميع بالبرج من قلعة الجبل. ثم ~~في يوم السبت سابع ربيع الآخر، خلع السلطان على الأمير آقبغا التمرازي أمير ~~سلاح، باستقراره أتابك العساكر عوضا عن قرقماس المقدم ذكره. وخلع على يشبك ~~السودوني أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن آقبغا التمرازي، وعلى ~~الأمير جرباش قاشق باستقراره أمير مجلس عوضا عن يشبك المذكور. وفي هذا ~~اليوم أيضا انزل بالأمير قرقماس الشعباني المقدم ذكره مقيدا من القلعة على ~~بغل على العادة إلى الإسكندرية، بعد أن سمع من العامة مكروها كثيرا إلى ~~الغاية؛ كل ذلك لأنه كان لما ولي الحجوبية بالديار المصرية، شدد على الناس ~~وعاقب على المسكرات العقوبات الخارجة عن الحد؛ فإنه كان في ظلم وجبروت، ~~فلما أن وقع له ما وقع، صار من كان في نفسه شيء انتقم منه في هذا اليوم، ~~ويوم طلوعه، فنعوذ بالله من زوال النعم. ثم في يوم الاثنين تاسعه، قرىء عهد ~~السلطان الملك الظاهر جقمق، بالقصر السلطاني من قلعة الجبل، وقد حضر ~~الخليفة أمير المؤمنين أبو الفتح داؤد، والقضاة ms3248 الأربعة، وتولى قراءته كاتب ~~السر الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله؛ وكان من إنشاء القاضي شرف الدين ~~الأشقر نائب كاتب السر. ولما انتهى كاتب السر من قراءة العهد، خلع السلطان ~~على الخليفة والقضاة، وعلى كاتب السر ونائبه شرف الدين المذكور، وانفض ~~الموكب. ثم في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر، أنعم السلطان على الأمير ~~الأشرفي أحد مقدمي الألوف، بإقطاع الأتابك آقبغا التمرازي، بحكم انتقال على ~~إقطاع الأتابك قرقماس الذي هو برسم من يكون أتابك العساكر، وكان السلطان ~~زاد قرقماس تقدمة أخرى، زيادة على إقطاع الأتابكية يترضاه بذلك، فلم ~~السلطان بالزيادة على آقبغا، بل أنعم بها على بعض الأمراء. وأنعم السلطان ~~بتقدمة قراجا على الأمير ألطنبغا المرقبي المؤيدي، الذي كان ولي حجوبية ~~الحجاب الدولة المؤيدية، وكان له مدة طويلة بطالا، ثم صار أمير عشرة. وأنعم ~~السلطان مائة وتقدمة ألف على الأمير إينال الأبو بكري الأشرفي، عوضا عن ~~قرقماس، التقدمة التي كانت مع قرقماس زيادة على إقطاع الأتابكية المقدم ~~ذكرها. بإقطاع إينال ووظيفته الدوادارية الثانية على الأمير أسنبغا الطياري ~~الحاجب الثاني. PageV04P0248 # وفيه حضر المقر الكمالي محمد بن البارزي من دمشق بطلب، بعد أن تلقاه جميع ~~أعيان الديار المصرية. وأصبح من الغد في يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع ~~المذكور، خلع السلطان عليه باستقراره في كتابة السر الشريف بالديار ~~المصرية؛ عوضا عن الصاحب بدر الدين بن نصر الله بحكم عزله؛ وهذه ولاية كمال ~~الدين المذكور لوظيفة كتابة السر ثالث مرة، وهي أعظم ولاياته، لأنه صار صهر ~~السلطان وكاتب سره. وفي يوم الثلاثاء هذا، خلع السلطان على الأمير أسنبغا ~~الطياري بالدوادارية الثانية، وخلع على الأمير يلبغا البهائي الظاهري أحد ~~أمراء العشرات، باستقراره حاجبا ثانيا، عوضا عن أسنبغا الطياري. ثم في يوم ~~الخميس تاسع عشره، خلع السلطان على الأمير إينال الأبوبكري الأشرفي ~~باستقراره أمير حاج المحمل، وأنعم عليه بعشرة آلاف دينار. هذا والقبض على ~~المماليك الأشرفية مستمر في كل يوم، وكل من قبض عليه منهم، أخرج إقطاعه ~~ووظيفته، وحبس بالبرج من القلعة؛ وقد عين ms3249 السلطان جماعة منهم للنفي إلى ~~الواحات . ثم في يوم الأربعاء خامس عشرينه، أخرج السلطان جماعة كبيرة من ~~المماليك الأشرفية من برج القلعة، وأمر بنفيهم إلى الواحات؛ فخرجوا من ~~القاهرة من يومهم، وكانوا عدة كبيرة. ثم في يوم السبت خامس جمادى الأولى، ~~رسم السلطان بالإفراج عن الأمير خشقدم الطواشي اليشبكي مقدم المماليك كان، ~~ونائبه فيروز الركني، من سجن الإسكندرية، ورسم لها بالتوجه إلى دمياط على ~~حمل خمسة عشر ألف دينار. وفيه ورد كتاب الأمير حسين بن أحمد، المدعو تغري ~~برمش نائب حلب، على السلطان، يتضمن أنه مقيم على طاعة السلطان، وأنه لبس ~~التشريف المجهز له، وقبل الأرض، فلم يكترث الملك الظاهر بذلك، وكتب ملطفات ~~إلى أمراء حلب بالقبض عليه إن أمكنهم ذلك. ثم في ثامن جمادى الأولى، استقر ~~الشريف صخرة بن مقبل بن نخبار، في إمرة الينبع، عوضا عن الشريف عقيل بن ~~زبير بن نخبار. ثم في يوم الخميس عاشره، استقر زين الدين يحيى ابن كاتب ~~حلوان الأشقر، المعروف بقريب ابن أبي الفرج، ناظر الإسطبل السلطاني، على ~~مال بذله في ذلك، بعد سعي كبير؛ وخلع السلطان أيضا على محمد الصغير، معلم ~~النشاب، أحد ندماء السلطان، باستقراره في نيابة دمياط، بعد عزل الأمير ~~أسنباي الزردكاش الظاهري. ثم في يوم الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى ~~المذكور، طلب السلطان الشيخ حسن العجمي، أحد ندماء الملك الأشرف برسباي، ~~فلما مثل بين يديه، تقدم الشيخ حسن ليقبل يد السلطان فضربه السلطان بيده ~~على خده لطشة كاد أن يسقط منها إلى الأرض، ثم أمر به فعري وضرب بالمقارع ~~ضربا مبرحا، وشهر بالقاهرة، ثم سجن ببعض الحبوس، وذلك لسوء سيرة حسن ~~المذكور وقلة أدبه مع الأمراء في أيام الملك الأشرف برسباي. وكان أصل هذا ~~حسن من أوباش الأعاجم المولدة من الجغتاي، واتصل بالملك الأشرف بعد سلطنته ~~بسنين، ونادمه واختص به، فنالته السعادة وعمر له الملك الأشرف زاوية ~~بالصحراء بالقرب من تربة الملك الظاهر برقوق، وأوقف عليها وقفا جيدا. وكان ~~حسن المذكور، في أيام أستاذه الملك الأشرف، يدخل إلى ms3250 أكابر الأمراء ويكلفهم ~~ويأخذ منهم ما أراد من غير تحشم وعدم اكتراث بهم، فكأنه طرق الملك الظاهر ~~جقمق وفعل معه ذلك، فأسرها الملك الظاهر له إلى وقتها، مع ذنوب أخر، حتى ~~فعل معه ما فعل؛ ثم نفاه إلى قوص، فدام به إلى أن مات فيما أظن. ثم جهز ~~السلطان الأمير سودون المحمدي، وخلع عليه بنظر مكة المشرفة، وندبه أيضا ~~لقتال عرب بلي، وصحبته جماعة من المماليك السلطانية، وعرب بلي هؤلاء هم ~~الذين فعلوا بالحجاج ما فعلوه في موسم السنة الخالية. وندب بعده أيضا ~~الشهابي أحمد بن إينال اليوسفي، أحد أمراء العشرات، لإصلاح مناهل الحجاز ~~وتقوية لسودون المحمدي. ثم خلع السلطان على الأمير أقبغا من مامش التركماني ~~الناصري، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، باستقراره في نيابة الكرك، بعد عزل ~~الصاحب خليل بن شاهين الشيخي، وانتقاله إلى أتابكية صفد. PageV04P0249 # ثم في يوم الخميس أول شهر رجب، أنفق السلطان في المماليك السلطانية نفقة ~~الكسوة؛ وكانت عادتهم أن يدفع لكل واحد منهم خمسمائة درهم من الفلوس، فلما ~~قرب أوان تفرقة الكسوة، وقفوا في يوم الاثنين ثامن عشرين جمادى الآخرة ~~وطلبوا أن ينفق فيهم عن ثمن الكسوة عشرة دنانير لكل واحد، فما زالوا به حتى ~~أنفق فيهم ألف درهم الواحد، ولكل خاصكي ألفا وخمسمائة. وفيه رسم السلطان، ~~بأن يكون نواب القاضي الشافعي خمسة عشر، ونواب الحنفي عشرة، ونواب المالكي ~~والحنبلي أربعة أربعة، ووقع ذلك أياما، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه. ### || AUT قتل قرقماس الشعباني الناصري المقدم ذكره # ولما كان يوم الخميس ثامن شهر رجب، جمع السلطان القضاة بالقصر، بعد ~~الخدمة السلطانية، وادعى القاضي علاء الدين علي بن أقبرس، أحد نواب الحكم ~~لشافعية، عند القاضي المالكي شمس الدين البساطي، على الأمير قرقماس المذكور ~~بأنه خرج عن الطاعة وحارب الله ورسوله، وأن بقاءه بالسجن مفسدة وإثارة ~~فتنة، وأن في قتله مصلحة، وشهد بخروجه عن الطاعة ومحاربته جماعة من أكابر ~~الأمراء، فحكم البساطي بموجب ذلك، فقيل له: " ما موجبه؟ " فقال: " القتل " ~~، انفض المجلس. فندب السلطان طوغان السيفي ms3251 آقبردي المنقار أحد الخاصكية ~~لقتله، فسافر طوغان إلى الإسكندرية، ودفع لنائبها ما على يده من المحضر ~~المكتتب على قرقماس، وحكم القاضي المالكي بقتله، فأخرجه النائب من السجن، ~~فقرىء عليه حكم القاضي، وسئل عن الحكم المذكور، فأعذر. حدثني طوغان المذكور ~~بعد عوده من الإسكندرية، قال: لما وصلت إلى إسكندرية، ودفعت إلى الأمير ~~تمربابي التمربغاوي نائب الإسكندرية ما كان على يدي من المراسيم السلطانية ~~وغيرها بقتل قرقماس، فأمر به تمرباي فأخرج من سجنه بقيده يده إلى بين يدي ~~النائب. فقام النائب وأجلسه مكانه، وسأله في الأعذار، فأعذر، وقد امتلأ ~~المجلس بالناس، وصار النائب يستحي أن يأمره بالقيام، حتى تكلم بعض من حضر ~~بانفضاض المجلس، وقد حضر المشاعلي والوالي، وأقيم قرقماس، وأخذ لتضرب ~~رقبته، فجزع جزعا عظيما وشرع يقول لي: " يا أخي يا طوغان، تضرب رقبتي في ~~هذا الملأ ؟ " وكرر ذلك غير مرة. فقلت له: " يا خوند، أنا عبد مأمور، ~~والشرع حكم بذلك " . فقدم واجلس على ركبتيه، وأخرج المشاعلي سيفا من غير ~~قراب، بل كان ملفوفا بحاشية من حواشي الجوخ التي لا ينتفع بها، فلما رأيت ~~ذلك، قلت للمشاعلي: " إيش هذا السيف الوحش " . قال: " لا، بل هو سيف جيد " ~~. ثم أخذ المشاعلي السيف المذكور وضرب به رقبة قرقماس، فقطعت من رقبته ~~مقدار نصف قيراط لا غير؛ وعند وقوع الضربة في رقبة قرقماس صاح صيحة واحدة ~~مات فيها من عظم الوهم. ثم ضربه المشاعلي أخرى ثم ثالثة، وفي الثالثة حزها ~~حزا حتى تخلصت. كل ذلك وقرقماس لا يتكلم ولا يتحرك، سوى الصيحة الأولى، ~~فعلمت بذلك أنه مات في الضربة الأولى، من عظم ما داخله من الوهم؛ وكان ذلك ~~في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. ومات ~~قرقماس وسنه نيف على الخمسين سنة تخمينا، ويأتي بقية أحواله عند ذكر ~~الوفيات من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. تم في يوم الاثنين ثاني عشر شهر ~~رجب، خلع السلطان على الأمير يلبغا البهائي الظاهري برقوق، أحد أمراء ~~الطبلخانات وثاني حاجب، باستقراره في ms3252 نيابة الإسكندرية، عوضا عن الأمير ~~تمرباي التمربغاوي بحكم عزله. ثم ندب السلطان الأمير يشبك السودوني الأمير ~~سلاح، لسفر الصعيد، وعين معه عدة كبيرة من المماليك الأشرفية نجدة لمن تقدم ~~قبله لقتال عرب الصعيد؛ وخرج في يوم الاثنين ثاني شهر رمضان بمن معه من ~~المماليك الأشرفية. ثم في يوم الاثنين تاسع شهر رمضان، قدم الأمير الطواشي ~~خشقدم اليشبكي، ونائبه فيروز الركني الرومي، من ثغر دمياط، وأمرهما السلطان ~~بالتوجه إلى المدينة النبوية صحبة ركب الحاج ليقيما بها. ثم في يوم ~~الأربعاء حادي عشر شهر رمضان المذكور، ورد على السلطان كتاب الأمير قاني ~~باي الحمزاوي، نائب حماة، يتضمن ورود الأمير بردبك العجمي الجكمي، حاجب ~~الحجاب بحلب، عليه وصحبته من أمراء حلب أميران، بعد هزيمتهم من الأمير تغري ~~برمش نائب حلب، بعد خروجه عن طاعة السلطان وعصيانه. وكان أشيع خبر عصيانه ~~إشاعات، فلما ورد هذا الخبر، تحقق كل أحد صحة ما أشيع. PageV04P0250 # وكان من خبر عصيانه أن تغري برمش المذكور كان له من يوم مات الملك الأشرف ~~برسباي، أخذ في أسباب الخروج، واحترز على نفسه في عوده صحبة العساكر إلى ~~حلب غاية الاحتراز، حتى إنه لم يدخل حلب إلا بعد خروج العساكر المصرية منها ~~بعد أيام. ولما دخل حلب شرع في تدبير أمره والنظر في ما يفعله لنفسه. ولم ~~يكن له غرض في طلب الملك لمعرفته أن القوم لا يرضونه لذلك؛ غير أنه يعلم ~~أنهم لا يدعونه في نيابة حلب إن أمكنهم ذلك، لكونه تركمانيا، غير الجنس. ~~وتحقق هذا، فأخذ في عمل مصلحة نفسه، واستدعى أمراء التركمان للقيام معه، ~~فأجابه جماعة كبيرة، وانضم عليه خلائق. وكان تغري برمش من رجال الدهر، ~~عارفا بتدبير أموره، جيد التصرف، وعنده عقل ومكر وحدس صائب، وتدبير جيد، ~~وهمة عالية، على أنه كان لا يعرف المسألة الواحدة في دين الله، مع جمودة في ~~مجالسته وخشونة ألفاظ تظهر منه كما هي عادة أوباش التركمان، وجميع جهده ~~ومعرفته كانت في أمور دنياه لا غير، مع جبن وبخل، إلا في مستحقه. فلما ms3253 ~~استفحل أمره بمن وافقه من أمراء التركمان في الباطن، وبكثرة مماليكه وخدمه، ~~مع ما كان حصله من الأموال، وبلغه مع ذلك أن الملطفات السلطانية وردت على ~~أمراء حلب في القبض عليه، رأى أنه يظهر ما استكتمه من الخروج عن الطاعة، ~~ويملك حلب وأعمالها طول عمره، لما دبره أنه إذا غلب عليها وكثرت عساكره ~~بها، يحصنها ويقيم بها، فإن جاءه عسكر هو قبيله، قاتله، وإن كانت الأخرى، ~~انهزم أمامه بعد تحصين قلعتها، وتوجه إلى جهة بلاد التركمان، إلى أن يعود ~~عنها من أتاها من العساكر، ولم يبق بها إلا من استنيب بها، وقدمها تغري ~~برمش وملكها منه، كما كان يفعله شيخ ونوروز مع الملك الناصر فرج بن برقوق، ~~مع أن تغري برمش هذا كان أرسخ منهما قدما بتلك البلاد، لكونه كان تركمانيا، ~~وله أموال جمة، وأكثر دهاء ومكرا، وإن كان شيخ ونوروز أعظم في النفوس ~~وأشجع، فليس هذا محل شجاعة وعظمة، وإنما هو محل تشويش وتنكيد. وتأييد ما ~~قلته أن الملك الظاهر جقمق قلق لعصيان تغري برمش هذا أكثر من عصيان الأمير ~~إينال الجكمي نائب الشام الآتي ذكره. وأرسل الملك الظاهر خلفي وكلمني في ~~المحضر المكتتب في حق تغري برمش هذا قديما، من قتله لبعض مماليك الوالد، ~~لما كان تغري برمش المذكور بخدمة الوالد، على ما سيأتي بيانه في ذكر وفيات ~~هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وكلمني الملك الظاهر في أمر تغري برمش بسبب ~~المحضر وغيره، فلحظت منه ما ذكرته من تخوفه من طول أمر تغري برمش المذكور ~~معه - انتهى. وكان أول ما بدأ به تغري برمش أنه أخذ يستميل الأمير حطط نائب ~~قلعة حلب، فلم يتم له ذلك. فأخذ يدبر على أخذ القلعة بالحيل، فأحس حطط وكلم ~~أمراء حلب بسببه، واتفقوا على قتاله، وبادروه وركبوا عليه بعد أمور وقعت ~~يطول شرحها. ورمى عليه حطط من أعلى قلعة حلب، وركب الأمير بردبك العجمي ~~الجكمي حاجب حلب، والأمير قطج من تمراز أتابك حلب، وجماعة أمراء حلب ~~وعساكرها، وواقعوه، فصدمهم بمماليكه صدمة ms3254 بدد شملهم فيها، وانهزموا ~~وتشتتوا. فتوجه قطج إلى جهة البيرة فيما أظن، وتوجه بردبك العجمي ومعه أيضا ~~جماعة إلى حماة، وكانت الوقعة في ليلة الجمعة ثامن عشرين شعبان، ودخل بردبك ~~حماة في آخر يوم السبت سلخ شعبان. هذا ما كان من أمر تغري برمش، ويأتي بيان ~~أمر هذه الوقعة في كتاب تغري برمش المذكور إلى السلطان فيما بعد. وأما ما ~~كان من أمر السلطان، فإنه لما بلغه خبر عصيانه، طلب الأمراء وعمل معهم ~~مشورة بسببه؛ فوقع الاتفاق بعزله عن نيابة حلب، وتولية غيره، ثم ينتظر ~~السلطان بعد ذلك ما يرد عليه من الأخبار من البلاد الشامية، لما كان أشيع ~~بالقاهرة أن الأمير إينال الجكمي هو الذي أشار لتغري برمش المذكور بالخروج ~~عن الطاعة، وأنه موافقه في الباطن، فلذلك لم يعين السلطان أحدا من العساكر ~~المصرية، ولا نواب البلاد الشامية، لقتال تغري برمش. PageV04P0251 # فلما كان يوم الخميس ثاني عشر شهر رمضان المذكور، كتب السلطان بنقل ~~الأمير جلبان أمير آخور نائب طرابلس، إلى نيابة حلب، عوضا عن تغري برمش ~~المذكور، وأن يستقر الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حماة المقدم ذكره في ~~نيابة طرابلس عوضا عن جلبان، وأن يستقر بردبك العجمي الجكمي حاجب حجاب حلب، ~~المقدم ذكره في نيابة حماة، عوضا عن قاني باي الحمزاوي. وتوجه الأمير علي ~~باي العجمي المؤيدي، أحد أمراء العشرات، ورأس نوبة، بتقليد جلبان وتشريفه ~~بنيابة حلب، وتقليد بردبك العجمي بنيابة حماة؛ وبردبك المذكور هو خال علي ~~باي المتوجه وجالبه وبه يعرف بالعجمي، على شهرة خاله المذكور. وتوجه الأمير ~~جانبك المحمودي المؤيدي، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بتقليد الأمير قاني ~~باي الحمزاوي وتشريفه بنيابة طرابلس، وعلي باي وجانبك هما يوم ذاك عقد ~~المملكة وحلها. وبقي السلطان في قلق بسبب إينال الجكمي نائب الشام، لكونه ~~أشيع أن سودون أخا إينال الجكمي، منذ قدم من عند إينال إلى القاهرة، يستميل ~~الناس إليه. وكان السلطان لما تسلطن أرسل سودون المذكور إلى جميع نواب ~~البلاد الشامية - وكانت العادة جرت أنه يتوجه لكل نائب ms3255 أمير يبشره بجلوس ~~السلطان على تخت الملك - كل ذلك مراعاة لخاطر أخيه إينال الجكمي. وكان ~~السلطان أيضا أرسل إلى إينال المذكور بخلعة ثانية مع الأمير ناصر الدين ~~محمد بن إبراهيم بن منجك باستمراره على نيابة دمشق. فلما كان يوم الاثنين ~~سادس عشر شهر رمضان، ورد الخبر على السلطان من الأمير طوخ مازي الناصري ~~نائب غزة بأن الأمير ناصر الدين محمد بن منجك المقدم ذكره، لما وصل من عند ~~السلطان بما على يده من الخلعة إلى جسر يعقوب، بعث إليه إينال الجكمي ساعيا ~~يستحثه على سرعة القدوم إلى دمشق، ثم أردفه بآخر حتى قدم ابن منجك إلى دمشق ~~في يوم السبت سابع شهر رمضان المذكور؛ وخرج إينال إلى لقائه، ولبس التشريف ~~السلطاني المجهز إليه على يد ابن منجك، وقبل الأرض، وركب الفرس المحضر معه ~~أيضا، ودخل إلى دمشق في موكب جليل، ونزل بدار السعادة ، فاطمأن أهل دمشق ~~بذلك، فإنه كان قد أشيع أيضا بدمشق بعصيان نائبها المذكور. فلما كان يوم ~~الاثنين تاسعه، ركب الأمير إينال الجكمي الموكب على العادة، ودخل إلى دار ~~السعادة، وجميع أمراء دمشق وسائر المباشرين بين يديه، وقد اطمأن كل أحد بأن ~~ملك الأمراء مستمر على الطاعة. فما هو إلا أن استقر في مجلسه أشار بالقبض ~~على أعيان أمراء دمشق، فأغلق الباب وقبض على جميع الأمراء والمباشرين، وكان ~~القائم في قبض الأمراء الأمير قاني باي الأبوبكري الناصري أتابك دمشق، ~~وقانصوه النوروزي أحد مقدمي دمشق. والمقبوض عليهم أجلهم: الأمير برسباي ~~الحاجب وعدة كبيرة أخر يأتي ذكرهم. قال: وإن علي باي العجمي وجانبك ~~المحمودي المتوجهين بتقليد نائب حلب وطرابلس وصلا إلى غزة وأقاما بها. فلما ~~سمع السلطان هذا الخبر، اضطرب وتشوش غاية التشويش، لأنه كان عليه أدهى ~~وأمر. وجمع الأمراء واستشارهم في أمر إينال وتغري برمش فأشاروا الجميع ~~بسفره. وتذكر السلطان قول آقبغا التمرازي لما أشار عليه قبل سلطنته أن ~~يتوجه إلى البلاد الشامية ثم يتسلطن، فلم تفده التذكرة الآن. وانفض الموكب ~~على أن السلطان يسافر لقتال المذكورين. ثم في ms3256 يوم الأربعاء، ورد الخبر على ~~السلطان أن الأمير قطج أتابك حلب وصل أيضا إلى حماة، وأن تغري برمش أخذ ~~مدينة عين تاب وقلعتها، وأن عدة من قبض عليه الأمير إينال الجكمي من أمراء ~~دمشق تسعة عشر أميرا، وأنه قبض أيضا على جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي ~~ناظر جيش دمشق، وعلى القاضي بهاء الدين محمد بن حجي كاتب سر دمشق، وأن علي ~~باي وجانبك المحمودي توجها من غزة إلى الأمير إينال الناصري العلائي نائب ~~صفد. PageV04P0252 # ثم في يوم الخميس عشرينه، ورد على السلطان كتاب الأمير تغري برمش نائب ~~حلب مؤرخا بثاني شهر رمضان، يتضمن أنه في يوم الثالث والعشرين من شعبان لبس ~~الأمير حطط نائب القلعة ومن معه بالقلعة السلاح، وقاموا على سور القلعة ~~ونصبوا المكاحل وغيرها، وأمروا من تحت القلعة من أرباب المعايش وسكان ~~الحوانيت بالنقلة من هناك، وأنه لما رأى ذلك، بعث يسأل حطط عن سبب هذا فلم ~~يجبه. إلى أن كان ليلة التاسع والعشرين منه ركب الأمير قطج أتابك العساكر ~~والأمير بردبك الحاجب في عدة أمراء لابسين السلاح ووقفوا تحت القلعة، فبعث ~~إليهم جماعة من عسكره، فكانت بين الفريقين وقعة هائلة انهزم فيها قطج، وأنه ~~باق على طاعة السلطان، وأنه بعث يسأل حطط ثانيا عن سبب هذه الحركة، فأجاب ~~بأن الأمير بردبك الحاجب ورد عليه مرسوم السلطان بالركوب عليك وأخذك. وجهز ~~تغري برمش أيضا محضرا ثانيا على قضاة حلب بمعنى ما ذكره، وأنه باق على طاعة ~~السلطان، وأنه لم يتعرض إلى القلعة، فلم يعول السلطان على كتابه ولا على ما ~~ذكره لما سبق عنده من خروجه عن الطاعة - انتهى ما تضمنه كتاب تغري برمش. ثم ~~ورد على السلطان كتاب الأمير فارس نائب قلعة دمشق، بأن الأمير إينال الجكمي ~~أمر فنودي بدمشق بالأمان والاطمئنان والدعاء للسلطان الملك العزيز يوسف، ~~وأن القاضي تقي الدين بن قاضي شهبة، قاضي قضاة دمشق، دعا للملك العزيز على ~~منبر جامع بني أمية في يوم الجمعة، وأن الخطبة بقلعة دمشق باقية باسم ~~السلطان الملك ms3257 الظاهر جقمق؛ كل ذلك والسلطان قد اتفق رأيه على إخراج تجريدة ~~إلى البلاد الشامية. ثم في يوم السبت حادي عشرين شهر رمضان، استقر القاضي ~~بدر الدين محمد ابن قاضي القضاة ناصر الدين أحمد التنسي أحد خلفاء الحكم ~~المالكية قاصي قضاة الديار المصرية، بعد موت العلامة شمس الدين محمد بن ~~أحمد البساطي. ثم أصبح السلطان من الغد في يوم الأحد ابتدأ بعرض المماليك ~~السلطانية، وعين من الخاصكية ثلاثمائة وعشرين خاصكيا، لسفر الشام مع من ~~يأتي ذكره من أمراء الألوف وغيرهم. ثم في يوم الاثنين ثالث عشرينه، خلع ~~السلطان على الأمير الكبير آقبغا التمرازي باستقراره في نيابة دمشق، عوضا ~~عن إينال الجكمي بحكم عصيانه، على كره منه وتمنع كبير. ثم في يوم الثلاثاء ~~أيضا عرض السلطان الخاصكية وعين منهم للسفر ثلاثمائة وثلاثين خاصكيا، لتتمة ~~ستمائة وستين خاصكيا، ثم نقص منهم خمسة بعد أيام. ثم في يوم الأربعاء خامس ~~عشرينه عين السلطان للسفر من أمراء الألوف: قراخجا الحسني رأس نوبة النوب، ~~وتمرباي السيفي تفربغا المشطوب، ومن أمراء الطبلخانات: الأمير طوخ من تمراز ~~الناصري رأس نوبة ثاني، وهو مسفر الأتابك آقبغا التمرازي؛ ومن أمراء ~~العشرات عشرة، وهم: أقطوه الموساوي، وقد صار أمير طبلخاناه، وتنم من عبد ~~الرازق المؤيدي محتسب القاهرة ورأس نوبة، ثم أعفي بعد ذلك، ويشبك من أزوباي ~~الناصري رأس نوبة، وبايزير من صفر خجا الأشرفي رأس نوبة، وآقبردي الأشرفي ~~أمير آخور ثالث، وقيز طوغان العلائي، وسودون الإينالي المؤيدي المعروف ~~بقراقاس رأس نوبة، وسودون العجمي النوروزي رأس نوبة، وسودون النوروزي ~~السلاح دار رأس نوبة، وجانبك النوروزي رأس نوبة، وخشكلدي الناصري البهلوان. ~~ثم ورد الخبر على السلطان من الأمير طوغان العثماني نائب القدس بأن إينال ~~الجكمي أطلق الأمراء الذين قبض عليهم قبل تاريخه، وحلفهم للملك العزيز ~~يوسف، وذلك بشفاعة قاني باي الناصري البهلوان أتابك دمشق. فحزر أهل المعرفة ~~أن أمر إينال الجكمي لا يتم، لتضييعه الحزم فيما فعل من الإفراج عن الأمراء ~~بعد أن تأكدت الوحشة بينهم، ومع ما كان بينه وبين الأمير برسباي ms3258 الحاجب من ~~حضوض الأنفس قديما. ونفرت القلوب بذلك عن إينال الجكمي، وأول من نفر عنه ~~تغري برمش نائب حلب، وقال في نفسه عن إينال المذكور: " هذا في الحقيقة ليس ~~بخارج عن الطاعة، وإنما قصد بالإشاعة عنه أنه عاص حتى أقدم عليه ويقبض علي ~~تقربا لخاطر السلطان " . وهو معذور في ذلك، فإن مثل هؤلاء ما كان يفرج عنهم ~~بشفاعة ولا لشفقة عليهم، وقد قصد ما قصد، ولله در المتنبي في قوله: الكامل ~~لا يخدعنك من عدوك دمعه ... وارحم شبابك من عدو ترحم PageV04P0253 # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم ومن يومئذ ~~أخذ أمر إينال الجكمي في الاضمحلال قليلا، واستخف كل أحد عقله وتعجب من سوء ~~تدبيره، وكاد أخوه سودون العجمي أن يموت قهرا لما بلغه عن أخيه إينال ذلك، ~~وهو يوم ذاك من جملة أمراء العشرات بالديار المصرية. ثم ورد الخبر على ~~السلطان بأن الأمير إينال العلائي الناصري نائب صفد خرج منها، وسار حتى نزل ~~بالرملة في سابع عشر شهر رمضان، بعدما أرسل إليه إينال الجكمي يدعوه ~~لموافقته، وأعلمه أيضا أنه ما قام في هذا الأمر إلا وقد وافقه نواب ~~المماليك، وأركان الدولة وعظماء أمراء مصر، فلم يلتفت إينال العلائي ~~لكلامه، ثم خشي أن يكبس بصفد، فخرج منها بعد أن جعل حريمه بقلعة صفد، وسار ~~حتى نزل الرملة؛ فسر السلطان بذلك وكتب إليه بالثناء والشكر ثم في يوم ~~الخميس سابع عشرين شهر رمضان المذكور أنفق السلطان في العسكر المجرد إلى ~~الشأم - وعدتهم ما بين خاصكي ومملوك: ستمائة واثنان وخمسون نفرا - كل واحد ~~ثمانين دينارا. ثم قدم الخبر بأن الأمير جلبان، المستقر في نيابة حلب، وصل ~~إلى الرملة في يوم الاثنين ثالث عشرين شهر رمضان فارا من تغري برمش نائب ~~حلب. وكان من خبر تغري برمش نائب حلب أنه لما قوي أمره وبلغه عصيان إينال ~~الجكمي أيضا، عظم أمره واستدعى التركمان إلى حلب، فقدم عليه منهم جماعة ~~كبيرة إلى الغاية؛ ثم عمل مكحلة عظيمة من نحاس، ليرمي بها ms3259 على قلعة حلب. ~~وأخذ مع هذا كله يستميل جماعة من أهل قلعة حلب فمالوا له في الباطن، ~~وواعدوه على تسليم القلعة له، وهو مع ذلك مستمر في حصار القلعة المذكورة، ~~والنقب في جدر القلعة عمال، والقتال بينه وبينهم في كل يوم يزداد، إلى أن ~~بلغ الأمير حطط نائب قلعة حلب عمن وافق تغري برمش المذكور من أهل القلعة، ~~فقبض على الجميع، وأخذ بعضهم وجعله في المنجنيق ورمى به على تغري برمش، ثم ~~قتل جماعة منهم وجعل رؤوسهم على سور قلعة حلب. فلم يكترث تغري برمش بذلك ~~واستمر على ما هو عليه من حصار القلعة حتى أشرف على أخذها، فخوفه بعض ~~أصحابه من وثوب أهل مدينة حلب عليه وأشاروا عليه بأن ينادي لهم بالأمان، ~~فأمر بذلك. وكان بلغ أهل حلب أن تغري برمش يريد أن يأمر التركمان بنهب حلب، ~~فلما نودي بالأمان تحققوا ما كان قيل من نهب حلب، وألقى الله في نفوسهم أن ~~يركبوا عليه ويقاتلوه قبل أن يأمر بنهبهم. فثارت العامة وأهل حلب بأجمعهم ~~بقسيهم وسلاحهم على حين غفلة، وساروا يدا واحدة واحتاطوا بدار السعادة وبه ~~النائب تغري برمش وقد تقدم أن تغري برمش المذكور كان جبانا غير ثابت في ~~الحروب، ضعيف القلب عند ملاقاة العدو، وليس فيه سوى جودة التدبير وحسن ~~السياسة بحسب الحال. وبالنسبة لأمثاله من الجهلة فعندما بلغه وثوب أهل حلب ~~عليه لم يثبت، وذهب فارا يريد الخروج من المدينة، وسار حتى وقف خارج السور ~~في نحو الأربعين فارسا تخمينا، وقد نهبت العامة جميع ما كان له بدار ~~السعادة من الخيول والأموال والسلاح، وامتدت أيديهم إلى مماليك تغري برمش ~~وأتباعه يقتلونهم وينهبونهم. وكان له المماليك الكثيرة المتجملة في لبسهم ~~وسلاحهم، غير أنهم كانوا على مذهب أستاذهم في الجبن والخور وعدم الثبات في ~~القتال، ولم يظهر لأحد منهم نتيجة في هذا اليوم ولا في يوم مصاففته للعسكر ~~المصري، بل هرب غالبهم وجاء إلى العساكر المصرية قبل وقوع القتال، وتركوا ~~أستاذهم في مثل ذلك اليوم مع عظم إحسانه ms3260 لهم، وتخولهم في النعم. وكانت هذه ~~الوقعة في يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان، بعدما كان تغري برمش حاصر القلعة ~~ثلاثة عشر يوما. وتلاحق عدة من أصحاب تغري برمش ومماليكه به، ولم يجد له ~~قوة للعود إلى حلب لقتال أهلها، فسار بمن معه يريد طرابلس، وانضم إليه ~~الأمير طرعلي بن صقل سيز التركماني بأصحابه. فلما قارب طرابلس لم يثبت ~~الأمير جلبان، وانهزم من طرابلس في العاجل إلى نحو الرملة حتى قدمها، وانضم ~~على من كان بالرملة من النواب وغيرهم. وكان جلبان أيضا من مقولة تغري برمش ~~في القتال، غير أن أمره كان في ستر لأمور لا تخفى على أحد. فدقت البشائر ~~لذلك، وسر السلطان بهذا الخبر، وتعجب الناس من نكبة تغري برمش المذكور، مع ~~قوة أمره وكثرة جموعه. PageV04P0254 # ولما وصل جلبان إلى الرملة واجتمع بالأمير إينال العلائي نائب صفد، ~~والأمير طوخ مازي نائب غزة، والأمير طوغان العثماني نائب القدس، اتفقوا على ~~مكاتبة السلطان، فكتبوا له يستدعونه للسير بنفسه، بعد تجهيز العساكر بين ~~يديه سريعا. وكان قدم بهذا الخبر صرغتمش السيفي تغري بردي أحد مماليك ~~الوالد، وهو يوم ذاك دوادار الأمير جلبان، فخلع عليه السلطان في يوم الأحد ~~تاسع عشرينه باستقراره دوادار السلطان بحلب، عوضا عن سودون النوروزي بحكم ~~انتقاله إلى حجوبية حلب، بعد بردبك العجمي المنتقل إلى نيابة حماة. ثم في ~~هذا اليوم قدم الأمير جانبك المحمودي المتوجه بتقليد قاني باي الحمزاوي ~~بنيابة طرابلس، بعد أن وصل إلى الرملة ولم يتمكن من التوجه إلى حماة خوفا ~~من إينال الجكمي، فأثار عند قدومه إلى القاهرة شرورا كبيرة؛ فإنه زعم أنه ~~ظفر بكتب جماعة من الأمراء وغيرهم إلى العصاة ببلاد الشام، أوقف عليها ~~السلطان، فتعجب السلطان من ذلك غاية العجب، فإنه كان من يوم جلس على تخت ~~الملك ويده ممدودة بالإحسان لكل أحد، حتى إنه ترقى في أيامه إلى الوظائف ~~السنية والإقطاعات الهائلة جماعة من الأوباش لم يكن لهم ذكر بين الناس قبل ~~ذلك، وفيهم من لم أره قبل تاريخه ولا أعرف شكله ms3261 جملة كافية، وصار منهم ~~السقاة، ورؤوس نوب الجمدارية، وبجمقدارية، وسلاح دارية، وغير ذلك، وأثرى ~~منهم جماعة ممن كان غالب معيشته بالشحاذة والتكدي، لكثرة ما أغدق عليهم ~~الملك الظاهر جقمق بالعطاء، وصار ينعم عليهم بالأقمشة الفاخرة، حتى إنه رهب ~~لبعضهم الكوامل المخمل المنقوشة بأطواق السمور وبالطرز الزركش العريضة، وهو ~~مستمر على ما هو عليه ليوم تاريخه؛ فلما وقف على الكتب قال: هذه مفتعلة، ~~ولم ينتقم على أحد، وأخذ فيما هو فيه من تجهيز العساكر. ### || AUT فرار الملك العزيز # ثم أصبح من الغد في يوم الاثنين سلخه عملت الخدمة بالقصر على العادة؛ ~~وبينما هو في ذلك بلغه من الأمير قراخجا الحسني رأس نوبة النوب ### || AUT فرار الملك العزيز # يوسف من محبسه بدور قلعة الجبل - أعني سكنه، فإنه كان سكن بقاعة ~~البربرية من الحريم السلطاني - فاستبعد السلطان ذلك، وندب بعض خواصه أن ~~يتوجه إلى الأمير فيروز الزمام ويسأله عن صحة هذا الخبر. فمضى المذكور ~~لفيروز وسأله عن لسان السلطان، فأنكر فيروز ذلك، ودخل من وقته فلم يجد ~~العزيز في مكانه، ووجد نقبا بقاعة البربرية يتوصل منه إلى المطبخ السلطاني، ~~فعاد القاصد بصحة الخبر على السلطان. فلما تحقق السلطان ذهاب الملك العزيز ~~كادت روحه أن تزهق، وعظم عليه الخبر، ونسي ما كان فيه من أمر إينال الجكمي ~~وتغري برمش. وعرف السلطان الأمراء وأكابر الدولة بذلك، فما منهم إلا من ظهر ~~عليه الخوف والفزع. وماجت المملكة، وكثر الكلام، واختلفت الأقاويل في أمر ~~الملك العزيز وفراره، وفي أين توجه. وكان من خبر العزيز - على اختلاف ~~النقول - أن الملك العزيز لما حبس بقاعة البربرية من الدور السلطانية، أقر ~~الملك الظاهر عنده دادته سر النديم الحبشية ومعها عدة جوار أخر سراري الملك ~~العزيز، ومرضعته أيضا، ورسم لمرضعته أنها تخرج إلى حيث شاءت، وجعل القائم ~~في خدمة الملك العزيز لقضاء حوائجه طواشيا هنديا من عتقاء أمه خوند جلبان ~~يسمى صندلا، وسنه دون العشرين سنة. فصار صندل المذكور يتقاضى حوائج العزيز، ~~ويقبض له ما رتب له من النفقة من أوقاف ms3262 أبيه، فاحتوى صندل على جميعأمور ~~الملك العزيز، وعرف جميع أحواله. وكان عند الطواشي يقظة ومعرفة، وبقي كلما ~~بلغه عن الملك العزيز شيء يبلغه له. فأشيع بالقاهرة أن السلطان يريد يرسل ~~الملك العزيز إلى سجن الإسكندرية، ثم أشيع أنه يريد أن يكحله؛ فبلغه صندل ~~المذكور جميع ذلك، فخاف العزيز خوفا عظيما. ثم بلغه أن بعض علماء العصر ~~أفتى بقتل العزيز صيانة دماء المسلمين، من كونه مخلوعا عن الملك وله شوكة، ~~والملك الظاهر متول ولم يكن له شوكة، فإن أبقي على العزيز ربما تثور شوكته ~~ويقاتل السلطان، فيقع بذلك الفساد وتسفك دماء كثيرة من المسلمين . ~~PageV04P0255 # فلما بلغ العزيز ذلك - على ما قيل - حار في أمره، فحسن له صندل المذكور ~~الفرار، فاستبعد العزيز وقوع ذلك، ثم وافقه. وكان للملك العزيز طباخ يسمى ~~إبراهيم من أيام والده، فداخله صندل في الكلام بفرار العزيز، فأجابه ~~إبراهيم المذكور أنه ينهض بذلك، ويقدر على خروجه من القلعة بحيلة يدبرها. ~~ثم أمر إبراهيم الطباخ صندلا أن ينقب من داخل القلعة نقبا يصل إلى المطبخ ~~المذكور، وأن إبراهيم ينقب من خارج المطبخ مقابله. فأمر العزيز جواريه ~~بالنقب من داخل القلعة مساعدة للطباخ، حتى تهيأ ذلك. وتم هذا، وصندل يتحدث ~~مع جماعة من المماليك الأشرفية في مساعدة الملك العزيز إذا خرج ونزل من ~~القلعة، فمال إلى ذلك جماعة: منهم طوغان الزردكاش، وأزدمر مشد الملك العزيز ~~أيام أبيه، في آخرين من المماليك الأشرفية، وبذلوا لصندل الطاعة في ذلك، ~~ورغبوه في نزول الملك العزيز إليهم، واستحثوه على ذلك. وتكلم طوغان ~~الزردكاش مع جماعة أخر من الأشرفية، فمال الجميع إلى نزوله إليهم، مع عدم ~~الاتفاق مع أكابر الأشرفية، ولا تشاوروا في ذلك، بل صاروا يحرضون صندلا على ~~نزوله، ولم يعينوا له مكانا يجلس فيه إلى أن يفعلوا له ما هو قصدهم، فلم ~~يعرف صندل العزيز ذلك، بل صار يمليه بخلاف الواقع، إلى أن انتهى النقب ~~المذكور. فلما كان الإفطار من ليلة الاثنين سلخ شهر رمضان من سنة اثنتين ~~وأربعين، والناس في شغل بالصلاة ms3263 والفطر، أخرج الطباخ الملك العزيز من النقب ~~عريانا مكشوف الرأس، فألبسه الطباخ من ثيابه ثوبا مملوءا بسواد القدور ~~والأوساخ، وحمله قدرا فيه طعام، وقيل صحنا فيه منفوع الطباخين من الطعام، ~~يوهم الطباخ بذلك أنه صبيه، ثم جعل على يده خافقية فيها طعام، وغير وجه ~~الملك العزيز ويديه بالزفر وسواد القدور. وخرجا جميعا من غير هرج ولا ~~اضطراب ولا خوف حتى وصلا إلى باب القلعة، فوافاهم الأمراء والخاصكية وقد ~~خرجوا بعد إفطارهم من عند السلطان. فلما رأى إبراهيم الطباخ الأمراء ~~والخاصكية خاف أن يفطن به أحد ، لجمال وجهه وحسن سمته ولما عليه من الرونق، ~~فضربه ضربة بيده وسبه، يريد بذلك أنه صبيه، ويستحثه على سرعة الحركة ~~والمشي، ليرد الوهم عنه بذلك. فأسرع الملك العزيز في المشي، وسارا حتى نزلا ~~من قلعة الجبل، فإذا صندل وطوغان الزردكاش وأزدمر مشد العزيز في آخرين ~~واقفين في انتظاره. فحال ما رأوه قبلوا يده وأخذوه إلى دار بعضهم، فأنكر ~~العزيز ذلك منهم، ونهر صندلا الطواشي، وقال: " ما على هذا أنزلت " ؛ وكان ~~في ظن العزيز أنه ساعة ما ينزل إليهم، يأخذوه ويركبون به إلى جهة قبة النصر ~~أو غيرها بمجموعهم، ويقاتلون السلطان الملك الظاهر، حتى يملكوا منه القلعة، ~~على ما كان صندل يقول له مثل ذلك. وأراد العزيز العود إلى مكانه بالقلعة ~~فلم يمكنه ذلك. وقام طوغان في منعه ووعده بقيام جميع خشداشيته من الأشرفية ~~بنصرته، وأنهم اتفقوا على ذلك، وأنهم إلى الآن لم يصدقوا بنزول الملك ~~العزيز، فإذا علموا ذلك اجتمع الكل في القيام بنصرة الملك العزيز، فإن لم ~~يفعلوا ذلك أخذه هو وسار به إلى بلاد الصعيد، عند الأمير يشبك السودوني ~~أمير سلاح المجرد قبل تاريخه لقتال عرب الصعيد؛ وكان صحبة يشبك جماعة كبيرة ~~من المماليك الأشرفية نحو سبعمائة مملوك، مع ميل يشبك إلى الأشرفية في ~~الباطن، لكونه كان ممن أنشأه الملك الأشرف برسباي ثم افترقوا، واختفى الملك ~~العزيز ومعه صندل وأزدمر وإبراهيم الطباخ في مكان ليلته، ثم تنقل في عدة ~~أماكن أخر. وأخذ طوغان ms3264 في الكلام مع خجداشيته الأشرفية في القيام بنصرة ابن ~~أستاذهم الملك العزيز، فاعتلوا بأن غالبهم قد توجه إلى بلاد الصعيد ولم ~~يجيبوا له دعوة. فلما علم منهم ذلك ركب هجنا وسار إلى بلاد الصعيد لإعلام ~~الأمير يشبك والمماليك الأشرفية بنزول الملك العزيز إليه. ودخل جماعة كبيرة ~~منهم إلى الأمير إينال الأبوبكري الأشرفي، وكلموه في القيام بنصرة ابن ~~أستاذه، فخاف العواقب ولم يوافقهم، وتسحب من داره على بغل ثم نزل ماشيا ~~واختفى. PageV04P0256 # هذا ما بلغنا من أفواه الناس، فإني لم أجتمع مع إينال المذكور بعد ذلك؛ ~~هذا والسلطان وحاشيته قد عظم قلقهم، وصار السلطان لا يعلم أين ذهب الملك ~~العزيز، ولم يشك هو وغيره أن الأمير إينال الأبوبكري أخذ العزيز على هجنه ~~المجهزة لسفر الحجاز، فإنه كان ولي إمرة الحاج، وسار إلى الأمير إينال ~~الجكمي. قلت: ولو فعل إينال ذلك لكان تم له ما قصد، لكثرة هجنه ورواحله ~~وعظم حواشيه من خجداشية وغيرهم، وكان ذلك هو الرأي، فحسن الله له غير ذلك، ~~حتى يصل كل موعود إلى ما وعد. كل ذلك في يوم سلخ رمضان. فلما كان الليل، ~~وهي ليلة عيد الفطر التي تسحب فيها إينال المذكور، تفرقت المماليك المؤيدية ~~وغيرهم إلى طرقات القاهرة، ودار منهم طائفة كبيرة حول القلعة وبالقرب من ~~بيت إينال المذكور، مخافة أن يخرج إينال في الليل بالملك العزيز. وكثر هرج ~~الناس في تلك الليلة وتخوفوا من وقوع فتنة من الغد. ومضت تلك الليلة على ~~أبشع وجه من اضطراب الناس . وتخوفهم، وأصبح السلطان صلى صلاة العيد بجامع ~~القلعة وهو على تخوف، وقد وقف جماعة بالسلاح مصلتا رأسه حتى قضى صلاته. ~~وخطب قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر وأوجز في خطبته، كما أسرع في صلاته. ~~وعندما فرغ من الخطبة، وصل الخبر للسلطان إن الأمير إينال تسحب في الليل، ~~فعظم الخطب. فلما علم السلطان بتسحب إينال أمر فنودي بالقاهرة أن لا يتخلف ~~أحد من المماليك عن الخدمة، وهدد من تخلف بالقتل. فلما طلعوا قبض على جماعة ~~من المماليك الأشرفية. ms3265 ثم نودي أيضا في الناس بإصلاح الدروب وغلقهم أبواب ~~دورهم، وأن لا يخرج أحد من بيته بعد عشاء الآخرة، وصارت أبواب القاهرة تغلق ~~قبل عادة إغلاقها من الليل، فكانت ليلة هذا العيد ويومه وثانيه من الأيام ~~النكدة البشعة. ثم في يوم الخميس ثالث شوال خلع السلطان على الأمير تنبك ~~البردبكي، أحد مقدمي الألوف باستقراره أمير حاج المحل، عوضا عن إينال ~~المذكور، بحكم تسحبه؛ وخلع على قراجا الناصري الخاصكي البواب باستقراره ~~والي القاهرة، بعد عزل علاء الدين علي بن الطبلاوي؛ وخلع على الأمير ممجق ~~النوروزي أحد أمراء العشرات باستقراره في نيابة قلعة الجبل عوضا عن تنبك ~~المستقر في إمرة حاج المحمل. وفيه أيضا أمسك السلطان جماعة كبيرة من ~~المماليك الأشرفية. ثم في يوم الجمعة رابع شوال سار عسكر من الخاصكية إلى ~~جهة الغربية، تزيد عدتهم على سبعين فارسا؛ لمسك الأمير قراجا الأشرفي أحد ~~مقدمي الألوف، وكان ولي كشف الجسور الغربية. فسار العسكر المذكور إلى جهة ~~المحلة، وبلغ قراجا ذلك فخرج إليهم وسلم نفسه، فأخذ وقيد وحمل إلى ~~الإسكندرية فسجن بها. وأما السلطان فإنه أصبح في يوم السبت خامس شوال عزل ~~الأمير أركماس الظاهري عن الدوادارية الكبرى، وأخذت خيوله وخيول الأمير ~~قراجا المقدم ذكره. ثم في يوم الاثنين سابع شوال نودي بأن من وجد أحدا من ~~غرماء السلطان وطلع به فله خمسمائة دينار وإقطاع، ومن غمز عليه أنه أخفى ~~أحدا منهم حل ماله ودمه؛ هذا والمؤيدية قد تجردت للفحص عن الملك العزيز وعن ~~المماليك الأشرفية في جميع الأماكن، وقبضوا على جماعة من غلمانهم حتى دلوهم ~~على أماكن بعضهم، وصاروا يكبسون الدور والترب وديارات النصارى والبساتين ~~وضواحي القاهرة ومصر، ويمرون في الليل في الأزقة متنكرين، فإنهم صاروا هم ~~أكثر تخوفا من السلطان على نفوسهم. وسبب ذلك أن طائفة المماليك المؤيدية ~~كانوا قاموا مع السلطان الملك الظاهر في أمر سلطنته أتم قيام، مع من ساعدهم ~~من جميع الطوائف، غير أنهم كانوا هم أشد بأسا في ذلك؛ فلما تسلطن الملك ~~الظاهر عرف لهم ذلك ورقاهم ms3266 وقربهم، حتى صاروا هم عقد المملكة وحلها وتحكموا ~~في الدولة، وأخرجوا المماليك الأشرفية من الديار المصرية إلى السجون وإلى ~~الثغور وإلى البلاد، وأهانوهم بعد عزهم واتضع جانبهم بعد رفعتهم. ~~PageV04P0257 # فلما وقع لهم ذلك جدوا في الإغراء بالملك العزيز وقتله خوف العواقب، فلم ~~يسمع لهم السلطان. فحسنوا له أن يكحله فلم يوافق أيضا على ذلك. فلما ثار ~~الأمير إينال الجكمي نائب الشأم ودعا للملك العزيز، وكان تغري برمش نائب ~~حلب أيضا أعظم ميلا للملك العزيز لكونه نشء والده الملك الأشرف برسباي، ~~تحققت المؤيدية أنهم مقتولون أشر قتلة، إن ملك العزيز ثانيا وصار لشوكته ~~دولة. فحرضوا عند ذلك السلطان على قتله، واستفتوا العلماء في ذلك فكتب ~~بعضهم على قدر ما أنهى له في الفتوى، وامتنع البعض. ثم اشتهر بالقاهرة أنه ~~إذا فرغ شهر رمضان يفعل بالعزيز ما هو القصد، وتكلم الناس بذلك. واتفق فرار ~~العزيز، إما لما بلغه هذا الخبر أو لمعنى آخر، وأكثر قول الناس إنه لم يفر ~~إلا لما خامر قلبه من الخوف، والله أعلم. ثم لما بلغ إينال الأشرفي خبر ~~العزيز وتسحبه، واستدعته خجداشيته بالقيام في نصرة ابن أستاذه فلم يوافق، ~~وخاف إن طلع القلعة من الغد يمسك، اختفى. فلما أصبح النهار وبلغ السلطان ~~والناس فرار العزيز وتسحب إينال، لم يشك الناس في أن إينال أخذ العزيز ومضى ~~إلى إينال الجكمي. ثم اختلفت الأقوال، فعند ذلك علموا المؤيدية أنهم أشرفوا ~~على الهلاك، وأنهم ركبوا الأخطار فيما فعلوه في أمر الملك العزيز، فحينئذ ~~جدوا في الفحص عن أمره، لبقاء مهجتهم لا لنصرة الملك الظاهر جقمق. وصار ~~الملك الظاهر يأخذ النار بيد غيره، وهو فيما هو فيه من تجهيز العساكر لقتال ~~الجكمي وتغري برمش. ثم في يوم الثلاثاء ثامن شوال أنعم السلطان بإقطاع ~~الأمير قراجا الأشرفي على ولده المقام الناصري محمد، وصار محمد المذكور من ~~جملة أمراء الألوف، واجلس تحت الأمير جرباش الكريمي أمير مجلس؛ وهذا بخلاف ~~العادة، فإن العادة جرت من دولة الملك الظاهر برقوق إلى يومنا هذا، أن ابن ms3267 ~~السلطان لا يجلس إلا رأس الميسرة فوق أمير سلاح، فكلمه الأمراء في ذلك فلم ~~يرض. وما فعل الملأ الظاهر هذا الأمر وأمثاله إلا لعدم ثبات ملكه ولاضطراب ~~دولته، بسبب خروج النواب عن الطاعة، وأيضا تسحب العزيز - انتهى. ثم أنعم ~~السلطان بإقطاع إينال الأشرفي الأبوبكري على الأمير جرباش الكريمي قاشق، ~~وأنعم بإقطاع جرباش على الأمير شادبك الجكمي المعزول عن نيابة الرها، وهو ~~يوم ذاك أحد أمراء الطبلخاناة؛ وإقطاع جرباش والذي أخذه كلاهما تقدمة ألف، ~~غير أن الخراج يتفاوت بينهما. وأنعم السلطان بإقطاع أركماس الظاهري على ~~الأمير أسنبغا الطياري الدوادار الثاني، وأنعم بإقطاع شادبك على الأمير ~~جرباش المحمدي الناظري المعروف بكرد ، وأنعم بإقطاع الأمير أسنبغا الطياري ~~على الأمير دولات باي المؤيدي الأمير آخور الثاني، وكلاهما طبلخاناة. كل ~~ذلك والقبض على الأشرفية مستمر، مع الكتابة إلى الأعمال بأخذ الطرقات عليهم ~~برا وبحرا، والسلطان يستحث آقبغا التمرازي نائب الشام على السفر في كل ~~قليل. فلما كان يوم الخميس عاشر شوال برز آقبغا التمرازي بمن معه من ~~القاهرة إلى الريدانية، بعد أن خلع عليه السلطان خلعة السفر. فلما لبسها ~~وجاء إلى السلطان ليقبل يده، قام له السلطان واعتنقه، فمسك آقبغا يده وقال ~~له: " يا خوند، لا تغير نيتك " ، فقال السلطان: " لا والله " . ثم تأخر ~~بخلعته ووقف على ميمنة السلطان، لأن السلطان كان شرط له أن لا يخرج عنه ~~إقطاع الأتابكية ووظيفتها إلى أن ينظر في أمر الجكمي ما سيكون، فلهذا ~~المقتضى وقف آقبغا في منزلة الأتابكية على ميمنة السلطان، وكان حقه الوقوف ~~على الميسرة كما هي عادة منازل نواب دمشق، مع أن الأمير يشبك السودوني أمير ~~سلاح ترشح للأتابكية وهو مجرد ببلاد الصعيد، وأخرجت وظيفة إمرة سلاح عنه في ~~هذا اليوم، ولكن بغياب يشبك فالأتابكية شاغرة. ثم خلع السلطان بحضرة آقبغا ~~المذكور على الأمير تمراز القرمشي الأمير آخور الكبير باستقراره أمير سلاح ~~عوضا عن يشبك السودوني، وقد رشح يشبك للأتابكية عوضا عن آقبغا التمرازي ~~المذكور. وخلع على الأمير قراخجا الحسني رأس نوبة النوب باستقراره أمير ms3268 ~~آخور كبيرا عوضا عن تمراز القرمشي وهو يوم ذاك مقدم العساكر، وأمر السلطان ~~ولده المقام الناصري محمدا بسكنى الحراقة من باب السلسلة، إلى أن يعود ~~الأمير قراخجا الحسني من سفره بالبلاد الشامية، ونزل تمراز القرمشي من باب ~~السلسلة في يومه. PageV04P0258 # وخلع السلطان على الأمير تغري بردي البكلمشي المعروف بالمؤذي، حاجب ~~الحجاب، باستقراره دوادارا كبيرا عوضا عن أركماس الظاهري. واستقر الأمير ~~تنبك البردبكي أمير حاج المحمل حاجب الحجاب، غير أنه لم يلبس خلعة الحجوبية ~~في هذا اليوم. ثم خلع السلطان على الأمير تمرباي التمربغاوي المعزول عن ~~نيابة الإسكندرية باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن قراخجا الحسني بحكم ~~انتقاله أمير آخور؛ وتمرباي هذا أيضا ممن عين لسفر التجريدة. ثم خلع ~~السلطان على دولات باي المحمودي الساقي المؤيدي الأمير آخور الثاني ~~باستقراره دوادارا ثانيا عوضا عن أسنبغا الطياري؛ وخلع السلطان على الأمير ~~جرباش المحمدي كرد باستقراره أمير آخور ثانيا بعد دولات باي المؤيدي، ~~فامتنع جرباش المذكور من قبول ذلك لكونه يدي الأمير آخورية الثانية عن ~~دولات باي وهو أقل منة رتبة، حتى استعطفه السلطان وقرره على رتبته. ونزل ~~آقبغا وقراخجا وتمرباي - الجميع بخلعهم - إلى مخيمهم بالريدانية حسبما تقدم ~~ذكره، ثم تبعتهم العساكر المجردة من المماليك السلطانية وأمراء الطبلخانات ~~والعشرات وغيرهم. وفي هذا اليوم قدم الأمير يونس الركني الأعور، أحد مقدمي ~~الألوف بدمشق، فارا من إينال الجكمي، فأكرمه السلطان وأنعم عليه بزيادة ~~جيدة على إقطاعه وتقدمته بدمشق. وأقام آقبغا التمرازي بالريدانية إلى يوم ~~السبت ثاني عشر شوال، فرحل منها واستقل بالمسير إلى الشام. وفي يوم السبت ~~هذا نفى السلطان إمام الملك الأشرف نور الدين عليا السويفي إلى دمياط. ثم ~~في يوم الاثنين رابع عشر شوال رحل الأمير قراخجا الحسني الأمير آخور ~~الكبير، والأمير تمرباي التمربغاوي رأس نوبة النوب بمن معهما من الأمراء ~~والمماليك السلطانية من الريدانية إلى جهة الشام. وفيه ورد الخبر على ~~السلطان بأن إينال الجكمي برز بمخيمه من مدينة دمشق إلى ظاهرها. فلما كان ~~يوم الخميس ثالث شوال المذكور، عزم هو على ms3269 الخروج من المدينة بنفسه إلى ~~مخيمه ليسير بمن معه إلى نحو الديار المصرية. فبينما هو في ذلك ركب عليه ~~الأمير قاني باي الأبوبكري الناصري البهلوان أتابك دمشق، وكان ممن وافق ~~الجكمي على العصيان وحسن له ذلك ثم تركه ومال إلى جهة السلطان، وركب معه ~~الأمير برسباي الناصري حاجب الحجاب بدمشق وجميع أمراء دمشق وعساكرها، ولم ~~يبق مع إينال من أعيان أمراء دمشق إلا جماعة يسيرة، مثل الأمير قنصوه ~~النوروزي أحد مقدمي الألوف بدمشق، والأمير تنم العلائي المؤيدي الدوادار، ~~أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، والأمير بيرم صوفي أحد الطبلخاناة بدمشق أيضا، ~~والأمير مسروق أخو الملك الظاهر ططر، وجماعة أخر يسيرة جدا، أعيانهم من ~~ذكرناه. فلما بلغ إينال الجكمي ركوب هؤلاء عليه، مال عليهم وقاتلهم، فلم ~~يثبتوا له وانهزموا أقبح هزيمة. ثم تراجعوا فحمل عليهم فانكسروا وتمزقوا ~~شذر مذر. وطلع قاني باي البهلوان إلى قلعة دمشق في جماعة كبيرة من الأمراء، ~~وتوجه غيرهم إلى عدة أماكن. وكان سبب مخالفة قاني باي وغيره لإينال الجكمي ~~بعد موافقتهم له، أن السلطان أرسل ملطفات إلى قاني باي المذكور وغيره من ~~أمراء دمشق يستميلهم إليه، ووعدهم بأشياء كثيرة، فلما سمعوا ذلك مالوا إليه ~~وتركوا ما كان بينهم وبين إينال الجكمي من العهود والمواثيق، ولم يستعبوا ~~ذلك لكون أن هذا الغدر صار عادة لمن تقدمهم.. ولما كتب السلطان الملطفات ~~المذكورة، أرسلها إلى الأمير خشكلدي السيفي يشبك بن أزدمر، وهو يوم ذاك ~~نائب قلعة صفد، فبعث بها خشكلدي، المذكور على يد نصراني إلى بهاء الدين ~~محمد بن حجي كاتب سر دمشق، ففرقها بهاء الدين على أربابها. فحال ما وقفوا ~~عليها مالوا بأجمعهم إلا من ذكرناه ممن ثبت مع إينال، وقالوا: نحن وافقناه، ~~فلا نبرح عنه إلى الممات أو يقضي الله أمرا كان مفعولا. وكان أكثر من وعد ~~من أمراء دمشق الأمير سودون أخو مامش المؤيدي، والأمير تنم العلائي المؤيدي ~~من خجداشيهما المؤيدية، فلم يلتفتوا إلى كتبهم واستقبحوا الغدر والخيانة، ~~فلله درهما. PageV04P0259 # وأنا أقول: أما طاعة السلطان فهي واجبة على ms3270 كل أحد، والعصيان ومخالفة ~~السلطان لا يجوز ولا يستحسن. لكن أيضا يقبح بالرجل أن يدخل إلى ملك ويحسن ~~له العصيان والثوران، ولا يزال به حتى يقع في ذلك، بعد أن يعطيه العهود ~~والمواثيق على موافقته والقيام بنصرته، ثم يتركه بعد تورطه ودخوله في ذلك، ~~لأجل النزر اليسير من حطام أو لتناوله ولاية من الولايات؛ وعندي أن هذا لا ~~يقع إلا من نذل ساقط الهمة والمروءة لا نخوة له، والأنفس الكريمة تأبى ذلك ~~ولو مسهم الضر، والرجل الفحل هو الثابت على قوله، والمقر على طاعة سلطانه ~~حفظا لدينه ودنياه، فإن لم يكن ذلك وأطاع شيطانه وركب هواه، فليتم على ما ~~قصده من ركوب الأهوال واقتحام الخطوب وهجوم الحروب، فإما وإما؛ وما أحسن ~~قول عنترة في ذلك حيث يقول: الوافر أروم من المعالي منتهاها ... ولا أرضى ~~بمنزلة دنيه فإما أن أشال على العوالي ... وإما أن توسدني المنيه فلما وصل ~~هذا الخبر إلى السلطان، سر بذلك ودقت البشائر بالديار المصرية. ثم ورد ~~الخبر على السلطان من بلاد الصعيد أن الأمير يشبك أمير سلاح انتهى بمن معه ~~من العساكر السلطانية في طلب عرب هوارة إلى مدينة إسنا، فلم يقع بهم، وأنه ~~رجع بالعساكر إلى مدينة هو، فقدم عليه بها من المشايخ الصلحاء جماعة ومعهم ~~طائفة من مشايخ هوارة، راغبين في دخول الطاعة للسلطان وحلفوا على ذلك، وأنه ~~قدم عليهم بعد ذلك في يوم الأحد سادس شوال طوغان الأشرفي الزردكاش، أحد ~~الدوادارية الصغار، ودعا العسكر إلى طاعة الملك العزيز والقيام بنصرته، ~~وذكر لهم أنه خرج من محبسه بقلعة الجبل ونزل إلى القاهرة، واجتمع عليه ~~جماعة من مماليك أبيه، وأنه رآه بعينه ووعده بالوثوب معه هو وخجداشيته ~~الأشرفية، وأنه أمره أن يختفي فاختفى حتى ينتظم أمره بعود مماليك أبيه من ~~بلاد الصعيد. ثم حرضهم طوغان على ذلك فمال منهم طائفة وتخوفت طائفة. واضطرب ~~العسكر قليلا إلى أن اجتمع الجميع على طاعة السلطان بعد أمور صدرت، وحلفوا ~~أنهم مقيمون على الطاعة. فدقت البشائر لذلك، وخلع على الواصل ms3271 بهذا الخبر، ~~وأجيب الأمير يشبك بالشكر، وبحمل طوغان المذكور في الحديد. وكان علم ~~السلطان قبل ذلك بتوجه طوغان المذكور إلى بلاد الصعيد، وكتب إلى الأمير ~~يشبك وإلى حكام الصعيد بحمله في الحديد. ثم ورد الخبر بعد ذلك من الأمير ~~يشبك بأنه نازل على مدينة سيوط ، وأن يونس الخاصكي ورد عليه بمرسوم شريف ~~يتضمن القبض على طوغان المذكور، وأن المماليك الأشرفية لم يمكنوه من ذلك، ~~فكثر قلق السلطان والدولة لورود هذا الخبر وخشوا وقوع فتنة، ظنا من ~~المماليك الأشرفية أنهم من هذا القبيل؛ ورسم السلطان في هذا اليوم بخروج ~~الأمير أركماس - المعزول عن الدوادارية قبل تاريخه - إلى ثغر دمياط بطالا. ~~ثم أخذ السلطان وحواشيه في الفحص عن الملك العزيز، وكبست عدة أماكن وقبض ~~على جماعة من المماليك الأشرفية. وتزايد تحريض السلطان في طلب العزيز، ~~وقاسى الناس بسبب ذلك شدائد. وكثرت الأراجيف بخروج الأمير يشبك أمير سلاح ~~ومن معه من المماليك الأشرفية عن طاعة السلطان، وأنهم عادوا يريدون ~~القاهرة، فمنعت المراكب من التعدية في النيل بكثير من الناس المتهمة ~~بالخروج على السلطان، هذا مع عظم التفتيش على العزيز، والكبس على البيوت ~~والبساتين والترب. وغلقت بعض أبواب القاهرة نهارا، وأخذ أهل الدولة في ~~الاستعداد للحرب. هذا مع ما بالبلاد الشامية من الفتنة العظيمة من خروج ~~نائب الشام ونائب حلب. وصار السلطان في هذه الأيام في أشد ما يكون من القلق ~~والتخوف؛ وتكلم الناس بزوال ملكه. فلما كان يوم السبت تاسع عشره برز أمير ~~حاج المحمل الأمير تنبك بالمحمل، وبعد خروجه من القاهرة قدم الخبر بالقبض ~~على طوغان الزردكاش وحمله في الحديد؛ ووصل طوغان المذكور في آخر النهار ~~المذكور، وكان أشيع الخبر بمسكه قبل ذلك فلم يصدقه أحد، استبعادا من تسليم ~~خجداشيته له مع كثرتهم وشدة بأسهم. PageV04P0260 # وكان من خبر طوغان أنه لما نزل الملك العزيز من قلعة الجبل واجتمع به ~~ووعده بالقيام معه، توجه إلى الأمير إينال الأبوبكري الأشرفي فلم يحصل منه ~~على طائل. فمضى هو وجماعة إلى خجداشيتهم الأشرفية ووعدهم بالوثوب على ms3272 الملك ~~الظاهر والقيام بنصرة ابن أستاذهم، فأجاب منهم طائفة كبيرة، غير أنهم ~~اعتذروا بغياب أعيانهم ببلاد الصعيد في التجريدة صحبة الأمير يشبك، وأنهم ~~في قلة لأن معظمهم بالصعيد، وطلبوا منه أن يرسل يعلم خجداشيتهم بذلك، فلم ~~يجد لأحد منهم قوة للتوجه، فقام هو بذلك بعد أن تحقق منهم الوثوب، وخرج من ~~القاهرة على الهجن. وبلغ السلطان خبره، فكتب بالقبض عليه في الطريق فلم ~~يدركه أحد. وسار حتى وصل إلى خجداشيته واجتمع بهم حسبما تقدم ذكره. غير أنه ~~أراد قضاء حاجته، فأملى لخجداشيته أخبارا في حق العزيز غير صحيحة يريد بذلك ~~تمييز أمره، فمالوا إلى كلامه. فورد عليهم بعد ذلك الأخبار من المسافرين ~~وغيرهم بهروب إينال واختفاء الملك العزيز، على غير ما قاله له طوغان، وأن ~~الفحص على الملك العزيز في كل يوم مستمر، فعند ذلك اختلفت كلمتهم على ~~القيام بأمر العزيز، وعلموا أن غالب كلام طوغان غير صحيح. هذا والأمير يشبك ~~يستميلهم إلى طاعة السلطان، ويخوفهم عاقبة مخالف السلطان، حتى أفضى به وبهم ~~أن جمع عليه الكاشف بالوجه القبلي وعدة كبيرة مم عربان الطاعة وهم ~~بمحاربتهم، فلم يكن لهم طاقة بمحاربته مع ما تبين لهم من فساد أمرهم ~~واختلاف كلام طوغان، فأسلموه بعد أن كانوا انقلبوا جميعهم للخروج معه وهو ~~أن طوغان لما جد في مسيره حتى وصل إليهم، أعلمهم بأن الملك العزيز خرج من ~~سجنه ونزل من القلعة، واجتمع عليه خلائق من الأشرفية وغيرهم، وأنه محاصر ~~للملك الظاهر جقمق بقلعة الجبل، فهيج هذا الكلام خواطرهم وتحركت كوامنهم ~~وأجمعوا على القيام بنصرة ابن أستاذهم، ومال إليهم كل أحد حتى الأمير يشبك ~~في الباطن. وكادت الفتنة تقوم، ويظهر كل أحد الميل للملك العزيز، فترادفت ~~كف السلطان والقصاد بغير ما قاله طوغان، فتوقفوا عما كانوا عزموا عليه. ولا ~~زال أمر الملك العزيز يتضح لهم، حتى أسفرت القضية على أنه مختف، وأن إينال ~~تسحب فعند ذلك رجع كل أحد عما كان في ضميره وأظهر طاعة السلطان، وأسلموا ~~طوغان فقيد وحمل إلى القاهرة. ولما ms3273 طلع طوغان إلى القلعة حبس بها وأجري ~~عليه أنواع العقوبة والعذاب المتلف، وكسروا غالب أعضائه بالمعاصير، وعوقب ~~معه ثلاثة نفر من الخاصكية فلم يقر أحد منهم على غير ما قاله طوغان، أن ~~العزيز لما نزل من القلعة و إبراهيم الطباخ، وقف بمكان بالمصنع بالقرب من ~~قلعة الجبل، واجتمع عدة من المماليك الأشرفية - وسماهم، فكان غالبهم ممن لا ~~يعرف - فأجمع رأيهم بأن يسيروا إلى الشام بالعزيز، ثم انصرفوا عن هذا الرأي ~~عجزا، وتوجه طوغان ليأتي بالمماليك الأشرفية من بلاد الصعيد. فلما تحقق ~~السلطان ذلك، كف عن عقوبة طوغان بعد أن تلف، وأخرجه في يوم الثلاثاء ثاني ~~عشرين شوال محمولا، لعجزه عن الحركة من شدة العقوبة، ومعه خير بك الأشرفي ~~وقد عوقب أيضا، وحملا إلى الرميلة عند باب الميدان، من تحت القلعة ووسط ~~طوغان هناك، وأعيد خير بك من داخل القلعة ثم وسط بعد أيام. وكان أمر طوغان ~~هذا من أعجب العجب؛ فإنه كان في دولة أستاذه الأشرف زردكاشا، فلما مات ~~الأشرف، خالف خجداشيته وانتمى إلى الملك الظاهر جقمق قبل سلطنته مع الأمير ~~إينال الأشرفي، وصار خصيصا عند الملك الظاهر، وولاه دوادارا وصار مقربا ~~عنده. ثم استحال عن السلطان ودبر عليه، وأخرج الملك العزيز، وقام في أمره ~~من غير موافقة أحد من أعيان خجداشيته ولا مشاورة أحد من أرباب العقول. ولم ~~يكن هو من هذا القبيل من سائر الوجوه، فكان من فعله وتدبيره ما ساقه إلى ~~حتفه وتدبيره. وكان طوغان المذكور طوالا غير لائق في طوله، وعنده طيش وخفة، ~~مع جهل وعدم تثبت في أموره. ولم يكن من أعيان الأشرفية، ولا ممن يلتفت إليه ~~في الدولة - انتهى. ثم في يوم الأربعاء ثالث عشرين شوال قبض على سر النديم ~~الحبشية دادة الملك العزيز بعدما كبس عليها بعدة أماكن، وعوقب بسببها ~~خلائق، فلم يعترضها السلطان بسوء بل قررها على الملك العزيز، فأعلمته أنه ~~مختف بالقاهرة. PageV04P0261 # ثم قبض على صندل الطواشي وقرره السلطان أيضا، فقال كما قالت الدادة، ~~فتحقق السلطان منهما أن الملك العزيز وإينال ms3274 لم يخرجا من القاهرة، وأن الذي ~~أشيع من خروجهما غير صحيح، وأن الملك العزيز لم يجتمع مع إينال البتة، وأنه ~~كان هو وصندل هذا وطباخة إبراهيم ومشده أزدمر من غير زيادة على ذلك، والملك ~~العزيز ينتقل بهم من مكان إلى مكان، وأن صندلا فارقه من منذ أربعة أيام، ~~وقد طرده أزدمر المذكور لأمر وقع بينهما. فلما قصد صندل مفارقتهم دفع له ~~العزيز خمسين دينارا، ففارقهم صندل وصار يتردد إلى بيوت أصحابه في زي ~~امرأة، حتى دخل على بعض أصحابه من النسوة في الليل فآوته حتى أصبح، فدل ~~عليه زوجها حتى أمسك وعوقب، حتى أقر على جميع ما ذكرناه، وأنه الآن لا يعرف ~~مكان العزيز. فسجنه السلطان، وهم بعقوبة الدادة فشفعت فيها خوند مغل بنت ~~البارزي زوجة السلطان، وتسلمتها من السلطان من غير عقوبة وتمت عندها. فخف ~~عن السلطان ما كان به قليلا من أمر الملك العزيز، فإنه كان ظن كل الظن أن ~~إينال أخذه وتوجه إلى إينال الجكمي بدمشق؛ ثم قبض على مرضعة الملك العزيز ~~وزوجها وعلى جماعة أخر من الرجال والنساء ممن كان من جواري الأشرف ~~ومعارفهن، وممن اتهم بأنه معرفة أزدمر وإبراهيم الطباخ. ثم في يوم الخميس ~~رابع عشرين شوال عزل السلطان الطواشي فيروز الجاركسي عن الزمامية لكونه ~~تهاون في أمر الملك العزيز حتى تسحب من الدور السلطانية، وعين السلطان عوضه ~~زماما الطواشي جوهرا القنقبائي الخازندار، مضافا إلى الخازندارية. وفي ليلة ~~الجمعة ويوم الجمعة كبست المؤيدية على مواضع كثيرة بالقاهرة وظواهرها، ~~ومضوا إلى دور الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم وكبسوا عليه وعلى ~~جيرانه في طلب الأمير إينال الأشرفي والملك العزيز، فلم يجدوا أحدا. وهرب ~~الصاحب أمين الدين، ثم ظهر وخلع عليه بعد ذلك. واشتد طلب السلطان على الملك ~~العزيز، وهدد من أخفاه بأنواع العذاب والنكال، فشمل الخوف غالب الناس. ثم ~~في يوم السبت سادس عشرين شوال خلع السلطان على جوهر الخازندار باستقراره ~~زماما عوضا عن فيروز الجاركسي بحكم عزله مضافا للخازندارية، والفحص على ~~الملك العزيز مستمر في ms3275 كل يوم وليلة، وقد دخل الناس من الرعب والخوف ما لا ~~مزيد عليه بسببه، إلى أن كشف الله هذا البلاء عن الناس، وقبض على الملك ~~العزيز يوسف في ليلة الأحد سابع عشرين شوال، واطمأن كل أحد على نفسه وماله ~~بظهور الملك العزيز والقبض عليه. خبر للملك عبد العزيز في فراره وكان من ~~خبر الملك العزيز أنه لما اشتد الطلب عليه ضاقت عليه الأرض، وكان له من يوم ~~فر من القلعة وهو ينتقل من مكان إلى مكان، لا سيما لما كثر الفحص عنه تخوف ~~غاية الخوف، حتى ألجأه ذلك إلى الانفراد مع أزدمر لا غير، ليخف بذلك أمرهما ~~على من أخفاهما، ومع هذا تغلبا أين يذهبان. واحتاج الملك العزيز أن أرسل ~~إلى خاله الأمير بيبرس الأشرفي، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بأنه يريد ~~المجيء إليه في اللياق ويختفي عنده، على ما قيل، فواعده بيرس على أن يأتيه ~~ليلا. PageV04P0262 # ثم خاف بيبرس عاقبة أمره، فإنه كان الملك الظاهر جقمق اختص به، وأمره دون ~~إخوته وأكرمه غاية الإكرام. ورأى بيبرس أنه لا يحسن به أن يقبض عليه ويطلع ~~به إلى السلطان، فأعلم جاره يلباي الإينالي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس ~~نوبة بمجيء الملك العزيز إليه في الليلة المذكورة، وأعلمه أيضا أنه يمر من ~~موضع كذا وكذا. فخرج يلباي في الليل متنكرا، ومعه اثنان من خجداشيته ~~المؤيدية، وترصد للعزيز بخط زقاق حلب بعد عشاء الآخرة؛ وبينما هم في ذلك إذ ~~مر بهم العزيز ومعه أزدمر مشده، وهما في هيئة مغربيين، فوثب يلباي بأزدمر ~~ليقبض عليه فامتنع منه ودفع عن نفسه، فضربه يلباي أدمى وجهه وأعانه عليه ~~رفقته، حتى قبض عليه وعلى الملك العزيز، وكان على الملك العزيز جبة صوف من ~~لبس المغاربة. وطلعوا بهما في الحال إلى باب السلسلة ثم إلى السلطان، ~~والملك العزيز حاف بغير نعل في رجليه، وقد أخذه بعض المؤيدية بأطواقه يسحبه ~~على ما قيل، فإني لم أحضر المجلس تلك الساعة. فلما مثل العزيز بين يدي ~~السلطان أوقف ساعة، ثم أمر ms3276 به السلطان فأخذ إلى مكان في القلعة وسجن به إلى ~~أن أصبح. وطلع الأمراء وأرباب الدولة إلى الخدمة على العادة، ودقت البشائر ~~لقبض الملك العزيز، وسر السلطان بذلك سرورا عظيما، وخف عنه الأمر كثيرا ~~بالنسبة إلى ما كان فيه. ثم أخذ السلطان الملك العزيز إلى زوجته خوند ~~البارزية بقاعة العواميد، وأسلمها العزيز وأمرها أن تجعله في المخدع المعد ~~لمبيت السلطان بالقاعة المذكورة، وأن تتولى أمر أكله وشربه وحاجاته بنفسها. ~~فأقام العزيز على ذلك مدة إلى أن نقله السلطان في ليلة الأربعاء ثامن ذي ~~القعدة إلى مكان بالحوش وضيق عليه، ومنع من جميع خدمه، ثم سيره إلى سجن ~~الإسكندرية، حسبما يأتي ذكره. وأمر السلطان بأزدمر فسجن بالبرج من قلعة ~~الجبل، مع جماعة من خجداشيته الأشرفية، ووجد مع الملك العزيز من الذهب ~~ثمانمائة دينار، أعطى السلطان منها إلى يلباي خمسمائة دينار، وإلى رفيقيه ~~مائة دينار، ثم فرق الباقي من ذلك على من حضر. ثم أنعم السلطان على يلباي ~~المذكور بقرية سرياقوس زيادة على ما بيده، وصار من جملة أمراء الطبلخانات. ~~وهدأ سر السلطان من جهة الملك العزيز، والتفت إلى أخبار إينال الجكمي، ~~وتغري برمش. ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشرينه، ظهر الأمير إينال الأبو بكري ~~الأشرفي من اختفائه. وكان من خبره أنه من يوم تسحب الملك العزيز خاف القبض ~~عليه، فاختفى إلى أن ظهر الملك العزيز فخف عنه ما داخله من الوهم بسبب ~~الملك العزيز، وقد علم أن السلطان ظهر له أنه لم يجتمع مع الملك العزيز ولا ~~قام بنصرته، وأن اختفاءه كان نوعا من مهابة السلطان. فلما كان ليلة ~~الثلاثاء المذكورة توجه إلى الأمير جرباش الكريمي المعروف بقاشق أمير مجلس، ~~وترامى عليه واستجار به، وهو يظن أن في السويداء رجالا، فأجاره وهو يظن أن ~~السلطان يقبل شفاعته. وكان معظم ظهور إينال المذكور لما بلغه من اختفائه عن ~~السلطان من الثناء عليه وبسط عذره في اختفائه، وأنه باختفائه سكنت الفتنة، ~~فغره هذا الكلام، وأيضا أنه استند للأمير جرباش أمير مجلس وخجداش السلطان، ms3277 ~~فأخذه الأمير جرباش من الغد في يوم الثلاثاء المذكور وطلع إلى القلعة. وقد ~~بلغ السلطان خبر إينال وظهوره ثم طلوعه مع جرباش، فحال ما وقع بصر السلطان ~~على إينال أمر به فقبض عليه، وقيد وسجن بمكان بالقلعة حتى يحمل إلى ~~الإسكندرية؛ هذا والأمير جرباش يكرر تقبيل يد السلطان ورجله في أن يشفعه ~~فيه ويدعه بطالا ببعض الثغور، فلم يلتفت السلطان إلى شفاعته ونزل جرباش إلى ~~داره خجلا مفضوحا من حاشيته وأصحابه، ومن يومئذ انحط قدره إلى أن مات. على ~~أنه صاهر السلطان بعد ذلك وصار حماه، ومع هذا كله لم يكن له صولة في ~~الدولة. وأخرج السلطان إينال من يومه إلى سجن الإسكندرية، وبها أعداؤه من ~~خجداشيته، فكان شماتتهم به أعظم عليه من حبسه. PageV04P0263 # وأخذ السلطان بعد ذلك يتشوف إلى أخبار عسكره المجرد إلى قتال إينال ~~الجكمي وغيره. فلما كان يوم الأربعاء ثامن ذي القعدة ورد على السلطان كتاب ~~الأمير آلابغا حاجب غزة يتضمن قتال عسكر السلطان مع إينال الجكمي نائب ~~الشام، في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة، وانهزام إينال الجكمي، فأخذت ~~الناس في هذا الخبر وأعطوا، غير أنه دقت البشائر وسر السلطان بذلك. ثم أصبح ~~من الغد في يوم الخميس ورد الخبر بمسك إينال الجكمي، فدقت البشائر أيضا. ~~غير أن السلطان في انتظار كتاب آقبغا التمرازي؛ فورد عليه كتابه في يوم ~~الجمعة عاشر ذي القعدة، وذكر واقعة العسكر مع إينال الجكمي، وملخصها أن ~~العساكر السلطانية المتوجهة من الديار المصرية والمتجمعة بالرملة من النواب ~~والعساكر، ساروا جميعا من الرملة أمام الأمير قراخجا الحسني ومن معه من ~~الأمراء والمماليك السلطانية، كالجاليش، لكن بالقرب منهم، حتى نزلوا بمنزلة ~~الخربة في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة وقد قدموا بين أيديهم كشافة على ~~عادة العساكر، فعادت الكشافة وأخبروا بقرب إينال الجكمي منهم. فركبوا في ~~الحال بعد أن عبوا أطلابهم، وهم ستة نواب: آقبغا التمرازي نائب الشام، ~~وجلبان الذي استقر نائب حلب، وإينال العلائي نائب صفد - أعني الملك الأشرف ~~- وطوخ مازي نائب غزة، وطوغان العثماني ms3278 نائب القدس، وخليل بن شاهين وقد ~~استقر نائب ملطية. وساروا بمن اجتمع عليهم من العشير والعربان جاليشا، حتى ~~وصلوا إلى مضيق قرب الحرة، وإذا بجاليش إينال الجكمي فيه الأمير قانصوه ~~النوروزي أحد مقدمي الألوف بدمشق، ونائب بعلبك، وكاشف حوران، ومحمد الأسود ~~بن القاق شيخ العشير، ويرعلي الذكري أمير التركمان، وطرعلي بن سقل سيز ~~التركماني، وكثير من العربان والعشير، والجميع دون الألف فارس. وصدموا ~~النواب المذكورة فكانت بينهم وقعة كبيرة، انهزم فيها الأطلاب الستة بعد أن ~~أردفهم إينال الجكمي بنفسه، وركب أقفية القوم، وكان من الشجعان المشهورة، ~~إلى أن أوصلهم إلى السنجق السلطاني، وتحته الأمير قراخجا الحسني الأمير ~~آخور، والأمير تمرباي رأس نوبة النوب بمن معهما من الأمراء والعساكر ~~المصرية، والسنجق بيد الأمير سودون العجمي النوروزي أحد أمراء العشرات ورأس ~~نوبة؛ وقد تخلت عن إينال أصحابه ومدوا أيديهم إلى النهب في أطلاب النواب ~~لما انهزموا أمام العسكر الشامي. وبقي إينال في أناس قليلة، فحط بهم على ~~العسكر المصري، فثبتوا له وقاتلوه ساعة وقد تفرقت عنه أصحابه بسبب النهب ~~فلم يجد مساعدا، فانهزم بعد أن قتل من الفريقين جماعة كبيرة جدا، ولم يقتل ~~من الأعيان غير الأمير صرغتمش أحد مماليك الوالد، الذي كان دوادار الأمير ~~جلبان، ثم استقر دوادار السلطان بحلب، وخرح خلق كثير. وقبض في الوقعة على ~~الأمير تنم العلائي المؤيدي، وعلى الأمير بيرم صوفي التركماني، وعلى الأمير ~~خير بك القوامي ومحمد بن قانصوه النوروزي وجماعة أخر. وحال بينهم الليل. ~~فلما أصبح العسكر يوم الخميس ثاني في القعدة ورد الخبر عليهم من دمشق ~~بالقبض على إينال الجكمي من قرية حرستا من عمل دمشق فدقت البشائر لذلك، ~~وتفرقت أخصاء السلطان للأعيان بالبشارة، وزال ثلثا ما كان بالسلطان من أمر ~~الملك العزيز وإينال، وبقي تغري برمش. وكان من خبر مسك إينال الجكمي أنه ~~لما انكسر من العسكر المصري، ساق في نفر يسير إلى أن وصل حرستا وقد تلفت ~~خيوله لبعد المسافة، ونزل بها وقد جهده التعب والجوع، واختفى بها في مزرعة. ~~وأرسل بعض ms3279 خدمه ليأتيه بطعام، ففطن به رجل وعرف شيخ البلد، فأرسل شيخ البلد ~~إلى نائب قلعة دمشق بالخبر. فخرج من دمشق في طلبه جانبك دوارار برسباي حاجب ~~حجاب دمشق، ومعه جماعة أخر؛ وطرقوه بالقرية على حين غفلة، فقام ودفع عن ~~نفسه بكل ما تصل قدرته إليه، فتكاثروا عليه وطعنه بعضهم في جنبه، ورماه آخر ~~أصاب وجهه، ثم مسكوه وجيء به إلى دمشق على فرسه، وقد وقف الفرس من العي فلم ~~يصل إلى قلعة دمشق إلا بعد العصر، والناس في جموع كثيرة لرؤيته ما بين باك ~~وحزين، وسجن بقلعة دمشق مقيدا. وأصبح دخل آقبغا التمرازي إلى دمشق في باكر ~~نهار الجمعة ثالث ذي القعدة، ومعه العساكر بسلاحهم ونزل بدار السعادة؛ ولم ~~يبتهج أهل دمشق بقدومه لعظم ميلهم لإينال الجكمي، وإن كان آقبغا المذكور ~~صهري فالواقع ما ذكرناه. PageV04P0264 # ومع هذا وقع يوم دخوله إلى دمشق حادثة غريبة، وهي أن بلبان شيخ كرك نوح ، ~~واسمه محمد وولده محمد أيضا، قدما إلى دمشق بجموعهما من العشير نصرة لعساكر ~~السلطان - وبلبان المذكور فلاح الأمير برسباي الحاجب - كأكابر المدركين ، ~~فلم يصل بلبان المذكور حتى انقضت الوقعة، فتأسف على ذلك لما كان بينه وبين ~~إينال الجكمي من المباينة مراعاة لأستاذه برسباي المذكور، فعاد إلى دمشق في ~~خدمة آقبغا التمرازي، إلى أن دخل التمرازي إلى دار السعادة وذهب كل أمير ~~إلى حال سبيله. فعاد بلبان المذكور فيمن عاد، حتى كان عند المصلى، والعامة ~~قد ملأت الطرقات وهم في كآبة لفقد إينال الجكمي ولما وقع له، فصاح شخص من ~~العامة بواحد من العشير من أعوان بلبان يقول: " أبا بكر! أبا بكر! " ، ~~وتبعه غيره يكررون ذلك مرارا عديدة يريدون نكاية بلبان، فإنهم يرمون ~~بالرفض. فلما كثر ذلك من العامة، ضرب بعض العشير واحدا من العامة، فعند ذلك ~~تجمعوا عليه وأرموه عن فرسه ليقتلوه، فاجتمع أصحابه ليخلصوه من العامة، ~~وقبل أن يخلصوه بادره العامة وذبحوه، وتناولوا الحجارة يرمون بها بلبان ~~وأعوانه، وكانوا في كثرة نحو الخمسمائة نفر وأكثر، فتوغل بلبان بين أصحابه ms3280 ~~ولم يقدر أن يفوز بنفسه، فتكاثروا عليه وألقوه إلى الأرض عن فرسه وذبحوه، ~~ثم أخذوا ابنه محمدا أيضا وذبحوه، ووضعوا أيديهم في أصحاب بلبان إلى أن ~~أسرفوا في القتل. ولم يكن لذلك سبب ولا دسيسة من أحد ولا أمر من السلطان، ~~فوقع هذا الأمر ولم يقدر أحد على القيام بأخذ ثأره لاضطراب المملكة، وراحت ~~على من راحت إلى يومنا هذا. قلت: لا جرم، إنما وقع له ببركة الشيخين، فقوصص ~~بذلك في الدنيا، وله في الأخرى أعظم قصاص، نكالا من الله على رفضه وقبح ~~سريرته . ثم في يوم الأحد ثاني عشر ذي القعدة، كتب بقتل إينال الجكمي بسجنه ~~بقلعة دمشق، بعد تقريره على أمواله وذخائره، وبقتل جماعة من أصحابه ممن قبض ~~عليه في الوقعة. وفي هذه الأيام رسم السلطان بعقوبة جكم خال الملك العزيز ~~بسجنه بالإسكندرية، حتى يعترف بمتحصل الملك العزيز في أيام أبيه، من إقطاعه ~~وحماياته ومستأجراته، فأجابهم عن ذلك كله؛ وكان السلطان استولى على جميع ما ~~للعزيز عند جذته لأمه من المال والقماش والفصوص، وكان شيئا كثيرا. وأمر ~~السلطان أيضا بعقوبة يخشباي الأمير آخور الثاني بسجن الإسكندرية أيضا، بعد ~~أن أراد السلطان قتله بحكم الشرع، من كونه سب شريفا ببلاد الصعيد في أيام ~~أستاذه الملك الأشرف؛ فبادر يخشباي حتى حكم قاض شافعي بحقن دمه، ووقع بسبب ~~ذلك أمور، وعقد مجلس بالقضاة والفقهاء، ذكر ذلك كله في الحوادث . ولما وقع ~~اليأس من قتله، رسم بعقوبته حتى يعترف بما له من الأموال، فعوقب أشد عقوبة ~~بحيث إنه لم يبق إلا موته. ثم قدم الخبر على السلطان، بأن العساكر توجهت من ~~دمشق، في حادي عشر ذي القعدة إلى حلب، بعد أن عاد طوغان نائب القدس إلى ~~القدس، وتأخر آقبغا التمرازي نائب الشام به. وكان الذي توجه من النواب إلى ~~حلب صحبة العساكر المصرية: جلبان نائب حلب وقاني باي الحمزاوي نائب طرابلس، ~~وهو إلى الآن بحماة، غير أنه تهيأ للاجتماع بالعساكر المصرية وعنده أيضا ~~الأمير بردبك العجمي الذي استقر في نيابة حماة، وقد ms3281 قدمه إلى حلب؛ وسار من ~~النواب أيضا الأمير إينال العلائي الناصري نائب صفد، والأمير طوخ مازي نائب ~~غزة. وقدم الخبر أيضا أنه قبض بدمشق على يرعلي الدكوي وشنق، وأن تغري برمش ~~نائب حلب كان نزل على حلب وصحبته الأمير طرعلي بن سقل سيز، والأمير علي باي ~~بار بن إينال بجمائعهما من التركمان، والأمير غادر بن نعير بعربه من آل ~~مهنا، والأمير فرج وإبراهيم ولدا صوجي، والأمير محمود ابن الدكري أيضا ~~بجمائعهم من التركمان، وعدة الجميع نحو ثلاثة آلاف فارس، وأن تغري برمش خيم ~~بالجوهري وبعث بعدة كبيرة إلى خارج باب المقام، فخرج إليه الأمير بردبك ~~العجمي، الذي ولي نيابة حماة، وقد قدم حلب من أيام، ومعه جماعة من أمراء ~~حلب ومن تركمان الطاعة، ومن العامة، فكانت بينهم وقعة هائلة، قتل فيها وجرح ~~جماعة كثيرة من الفريقين، وعاد كل منهما إلى مكانه. PageV04P0265 # ثم التقى الجمعان ثانيا في يوم الجمعة خامس عشرين شوال على باب النيرب ~~واقتتلوا يوما وليلة قتالا شديدا، قتل فيه عدة كبيرة من الناس، وجرح نائب ~~حماة، وطائفةمن أمراء حلب، ثم رجع كل فريق إلى موضعه. ورحل تغري برمش من ~~موضعه في يوم الأحد سابع عشرينه، ونزل بالميدان، والحرب مستمر، والعامة ~~تبذل جهدها في قتاله، إلى أن كان يوم الخميس ثاني ذي القعدة أحضر تغري برمش ~~آلات الحصار من مكاحل النفط والسلالم والجنويات إلى باب الفرج، ونصب صيوانه ~~تجاه سور حلب، وجد في قتال الحلبيين. هذا وأهل حلب يد واحدة على قتاله طول ~~النهار مع ليلة الجمعة بطولها، وأهل حلب يتضرعون ويدعون الله تعالى. فلما ~~أصبح نهار الجمعة، رحل تغري برمش عن مكانه، وعاد إلى الميدان، بعد أن كانت ~~القضاة وشيوخ العلم والصلاح وقفوا بالمصاحف والربعات على رؤوسهم، وهم ~~ينادون من فوق الأسوار: " الغزاة معاشر الناس في العدو، فإنه من قتل منكم ~~كان في الجنة، ومن قتل من العدو صار إلى النار " ، في كلام كثير يحرضون ~~بذلك العامة على القتال، ويقوون عزائمهم على الثبات، إلى أن رحل تغري برمش ms3282 ~~بمن معه من الميدان إلى الجهة الشمالية، في يوم الأحد خامس ذي القعدة، بعد ~~ما رعت مواشيهم زروع الناس وبساتينهم وكرومهم، وقطعوها ونهبوا القرى التي ~~حول المدينة، وأخربوا غالب العمارات التي كانت خارج سور حلب، وقطعوا القناة ~~التي تدخل إلى مدينة حلب من ثلاثة أماكن. وكان أشد الناس في قتال تغري برمش ~~أهل بانقوسا. هذا بعد أن ظفر تغري برمش بجماعة من الحلبيين في بعض قتاله، ~~فقطع أيدي الجميع، وبالغ في الإضرار بالناس. وأنا أقول: لو كان لتغري برمش ~~على أهل حلب دولة، لفعل فيهم أعظم من فعل تيمورلنك، لقلة دينه وجبروته ~~ولحنقه من أهل حلب؛ وأنا أعرف بحاله من غيري لكونه طالت أيامه في خدمة ~~الوالد سنين، ثم قتل أغاته من مماليك الوالد، وفر كما سنحكيه في وفاته من ~~هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ولما بلغ هذا الخبر الملك الظاهر، قلق قلقا ~~عظيما لما وقع لرعيته من أهل حلب. فلم يكن إلا أياما قليلة وقدم الخبر في ~~يوم السبت خامس عشرين ذي القعدة بكسرة تغري برمش المذكور، فدقت البشائر ~~لذلك، وعظم سرور السلطان، غير أنه تشوش لعدم مسكه وخاف عاقبة أمره. وكان من ~~خبره أن العسكر المصري بمن معه من العسكر الشامي، لما ساروا من دمشق إلى ~~جهة حلب، وافاهم الأمير قاني باي محمزاوي وغيره وصاروا جمعا واحدا، فلقيهم ~~تغري برمش المذكور بجموعه التي كانت معه قريبا من حماة، في يوم الجمعة سابع ~~عشر ذي القعدة، وقد صف عساكره من التركمان وغيرهم، حتى ملؤوا الفضاء. فحال ~~ما وقع بصر عسكره على العساكر السلطانية، أخذوا في الانهزام من غير مصاففة، ~~بل بعض تناوش من صغائر الطائفتين، وولوا الأدبار ومدت العساكر السلطانية ~~أيديها إلى عساكر تغري برمش، فغنموا منهم غنائم لا تحصى كثرة، منها نحو ~~المائتي ألف رأس من الغنم، سوى ما تمزق، ونهب جميع وطاق تغري برمش وماله، ~~وانهزم هو في جماعة يسيرة من خواصه إلى جهة التركمان الصوجية ، على ما ~~نذكره من قصته في ذي الحجة من هذه ms3283 السنة. ثم في يوم الاثنين سابع عشرين ذي ~~القعدة، قدم النجاب برأس الأمير إينال الجكمي، وكان قتله بقلعة دمشق في ~~ليلة الاثنين عشرين ذي القعدة، فشهرت الرأس على رمح، ونودي عليه: " هذا ~~جزاء من حارب الله ورسوله " ، ثم علقت على باب زويلة. وقتل معه الأمير تنم ~~العلائي المؤيدي، وكان تنم المذكور أدوبا حشما وقورا، وأما إينال الجكمي ~~فيأتي التعريف بحاله في الوفيات على العادة. وفي هذه الأيام، حكم بقتل ~~الأمير يخشباي الأشرفي الأمير آخور الثاني؛ وقد تقدم أنه ادعي عليه أنه سب ~~شريفا، ولعن والديه، وأن بعض نواب الشافعي حكم بحقن دمه، وسكن الحال مدة ~~أشهر، ثم طلب السلطان من القاضي المالكي قتله، فاحتج بحكم الشافعي بحقن ~~دمه، فعورض بأن المطلوب الآن من الدعوى عليه غير المحكوم فيه بحقن الدم، ~~فصمم المالكي بأنهما قضية واحدة، ووافقه غير واحد من المالكية؛ ووقع أمور ~~حكاها غير واحد من المؤرخين، إلى أن قتل يخشباي المذكور حسبما يأتي ذكره. ~~PageV04P0266 # ثم ورد على السلطان في يوم الأحد ثالث ذي الحجة مطالعة الأمير جلبان نائب ~~حلب، وقرينها مطالعات بقية الأمراء والنواب، تتضمن أن تغري برمش، لما انهزم ~~على حماة، مضى نحو الجبل الأقرع وقد فارقه الغادر بن نعير، فقبض عليه أحمد ~~وقاسم ولدا صوجي، وقبض معه على دواداره كمشبغا، وخازنداره يونس، وعلى ~~الأمير طرعلي بن سقل سيز والأمير صارم الدين إبراهيم بن الهذباني نائب قلعة ~~صهيون، وكتبوا بذلك إلى نائب حلب، فورد الخبر بذلك على العسكر، وهم على خان ~~طومان، في يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة. فجهز الأمير جلبان عند ذلك ~~الأمير برد بك العجمي نائب حماة، والأمير إينال العلائي نائب صفد، والأمير ~~طوخ مازي نائب غزة، والأمير قطج أتابك حلب، والأمير سودون النوروزي حاجب ~~حجاب حلب، لإحضار المذكورين. ورحل جلبان بمن بقي معه يريد حلب، فدخلها في ~~يوم الثلاثاء حادي عشرين ذي القعدة المذكورة. وسار بردبك العجمي نائب حماة ~~بمن معه إلى أن تسلم تغري برمش ومن ذكرنا ممن قبض عليه من أصحابه وأتوا ms3284 ~~بهم. فسمر طرعلي بن سقل سيز تسمير سلامة، وسمر لهذباني ورفقته تسمير عطب. ~~وساروا بهم، وتغري برمش راكب على فرس بقيد حديد، حتى دخلوا به مدينة حلب، ~~وهو ينادي عليهم في يوم الخميس ثالث عشرينه، وقد اجتمع من أعدائه الحلبيين ~~خلائق لا يعلم عدتها إلا الله، وهم من التخليق بالزعفران والتهانىء في أمر ~~كبير. وصاروا يسمعون تغري برمش المذكور من المكروه والسب والتوبيخ وإظهار ~~الشماتة به أمورا كثيرة، حتى أوقفوهم تحت قلعة حلب، ووسط الهذباني ورفيقه، ~~وتسلم تغري برمش وطرعلي الأمير حطط نائب قلعة حلب. فانظر إلى هذا القصاص، ~~وهو أن تغري برمش لم يكن له في الدنيا عدو أعظم من بردبك العجمي وحطط، ثم ~~عامة حلب، وقد تمكن الثلاثة منه؛ فأما بردبك فإنه تسلمه وتحكم فيه من وقت ~~أخذه من أولاد صوجي إلى أن أوصله إلى قلعة حلب؛ وأما حطط فإنه تحكم فيه من ~~وقت تسلمه من بردبك العجمي إلى أن قتل بين يديه؛ وأما عامة أهل حلب فإنهم ~~بلغوا منه مرادهم من إسماعه المكروه والشماتة به، والتفرج عليه يوم قتله، ~~فنعوذ بالله من زوال النعم وشماتة الأعداء. وأما السلطان الملك الظاهر، ~~فإنه لما بلغه القبض على تغري برمش، كاد أن يطير فرحا، وعلم أنه الآن بقي ~~في السلطنة بغير نكد ولا تشويش. ودقت البشائر لذلك ثلاثة أيام. وكتب بقتل ~~تغري برمش بعد عقوبته ليقر على أمواله، فعوقب، فأقر على شيء من ماله، نحو ~~الخمسين ألف دينار؛ ثم انزل ونودي عليه إلى تحت قلعة حلب، وضربت عنقه. وقتل ~~معه أيضا طرعلي بن سقل سيز. وصفا الوقت للملك الظاهر، وخلا له الجو من غير ~~منازع؛ والتفت الآن إلى من له عنده رأس قديمة يكافئه عليها من خير وشر. ~~فأول ما بدأ به في يوم الخميس ثامن عشرين ذي الحجة أن قبض على زين الدين ~~عبد الباسط بن خليل الدمشقي ناظر الجيش وعلى مملوكه جانبك الأستادار، وعلى ~~عدة كبيرة من حواشيه، وأحيط بدور الجميع، وكتب بإيقاع الحوطة على جميع ماله ~~بالشام ms3285 والحجاز والإسكندرية، فزال بمسكه غمة كبيرة عن الناس؛ فإنه كان غير ~~محبب للناس حتى ولا إلى أصحابه، لبادرة كانت فيه، وسوء خلق وبطش مع سفه ~~وبذاءة لسان. ثم في يوم السبت سلخ ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين، خلع ~~السلطان على القاضي محب الدين بن الأشقر باستقراره في وظيفه نظر الجيش، ~~عوضا عن عبد الباسط؛ وخلع على الناصري محمد بن عبد الرزاق بن أبى الفرج، ~~نقيب الجيش، باستقراره أستادارا عوضا عن جانبك الزيني عبد الباسط. وابن ~~الأشقر المذكور وابن أبي الفرج، كل منهما كان من أصحاب عبد الباسط. قلت: ~~عود وانعطاف على ما ذكرناه، أنه كان يكرهه حتى أعز أصحابه، ولولا ذاك ما ~~وليا عنه هؤلاء وظائفه في حياته، وإن كانا تمنعا عند الولاية، فهذا باب ~~تجمل ليس على حقيقته، ولا يخفى ذلك على من له ذوق سليم، فإننا لا نعرف أحدا ~~ولي وظيفة غصبا كائنا من كان. وفي يوم السبت المذكور قدم رأس تغري برمش، ~~فطيف بها، ثم علقت على باب زويلة أياما. وفرغت هذه السنة، أعني سنة اثنتين ~~وأربعين وثمانمائة، بعد أن كان فيها حوادث كثيرة وعدة وقائع حسبما ذكرناه. ~~PageV04P0267 # واستهلت سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة والسلطان مصمم على أنه لا يقنع منه ~~بأقل من ألف ألف دينار، ويهدده بالعقوبة، ويعدد له ذنوبه، حتى قال في بعض ~~مجالسه بحضرتي: " والله أشنكله بشنكال، مثلما كانت تعمل الجغتية. هذا أخرب ~~مملكة مصر. كان إذا كلمه أحد من أعيان الأمراء صفر له بفمه في وجهه " ~~وأشياء كثيرة من ذلك. ثم في يوم الاثنين ثاني محرم سنة ثلاث وأربعين، خلع ~~السلطان على القاضي ولي الدين محمد السفطي مفتي دار العدل، وأحد ندماء ~~السلطان وخواصه، باستقراره في نظر الكسوة مضافا لما بيده من وكالة بيت ~~المال - فإن شرط الواقف أن يكون وكيل بيت المال ناظر الكسوة - عوضا عن عبد ~~الباسط. قلت: وولي الدين أيضا كان من أصحابه. ثم خلع السلطان على فتح الدين ~~محمد بن المحرقي باستقراره ناظر الجوالي، عوضا عن عبد الباسط؛ وكان ms3286 فتح ~~الدين المذكور من حواشي الملك الظاهر أيضا. ثم في يوم الأربعاء حادي عشر ~~المحرم أفرج عن جانبك الزيني عبد الباسط، بعد أن حوسب في بيت تغري بردي ~~المؤذي الدوادار الكبير، وقد شطب عليه بمبلغ ألف ألف وثلاثماثة ألف درهم، ~~وجبت عليه للديوان، وذلك سوى العشرة آلاف دينار، التي ألزم بها. ثم في سلخ ~~المحرم، قدم الأمير يشبك السودوني أمير سلاح من بلاد الصعيد بمن معه من ~~المماليك الأشرفية وغيرهم، فخلع السلطان عليه باستقراره أتابك العساكر ~~بالديار المصرية، عوضا عن آقبغا التمرازي بحكم انتقاله إلى نيابة دمشق. ~~وكان يشبك أنعم عليه بالإقطاع والوظيفة من يوم ذاك، غير أنه كان غائبا ~~ببلاد الصعيد هذه المدة الطويلة، فلما حضر خلع عليه بالأتابكية. ثم في يوم ~~الاثنين أول صفر، قدم الأمير قاني باي الأبو بكري الناصري المعروف ~~بالبهلوان، أتابك دمشق، إلى القاهرة، وخلع السلطان عليه باستقراره في تيابة ~~صفد، عوضا عن الأمير إينال العلائي الناصري بحكم عزل إينال المذكور، ~~واستقراره من جملة مقدمي الألوف بديار مصر، ورسم باستقرار الأمير إينال ~~الششماني الناصري أحد مقدمي الألوف بدمشق، في الأتابكية، عوضا عن قاني باي ~~البهلوان. ثم في يوم السبت سادس صفر، قدم إلى القاهرة الأمراء المجردون إلى ~~الشام بمن معهم من المماليك السلطانية، فخلع السلطان على الأمير قراخجا ~~الحسني الأمير آخور، وعلى الأمير تمرباي التمربغاوي رأس نوبة النوب، وعلى ~~جميع من بقي من رفقتهما من أمراء الطبلخانات والعشرات، وسكن قراخجا بباب ~~السلسلة. وفي هذه الأيام غضب السلطان على عبد الباسط ونقله في يوم الخميس ~~حادي عشر صفر من المقعد الذي على باب الهجرة، المطل على الحوش من قلعة ~~الجبل، إلى البرج عند باب القلعة. وكان سبب ذلك أنه من يوم حبسه السلطان لم ~~يهنه بضرب ولا بعقوبة، والناس تتردد إليه، وهو مطالبه بألف ألف دينار. وقد ~~تكلم بينه وبين السلطان المقر الكمالي محمد بن البارزي، صهر السلطان وكاتب ~~سره، وراجع السلطان في أمره مرارا عديدة، وعبد الباسط يورد للسلطان من ~~أثمان ما يباع له، حتى ms3287 وقف طلب السلطان بعد عناية ابن البارزي به على ~~أربعمائة ألف دينار، وأبى السلطان أن يضع عنه منها شيئا، وعبد الباسط يريد ~~أن يحط عنه من ذلك شيئا آخر. وترامى على ابن البارزي المذكور، واعترف ~~بالتقصير في حقه في الدولة الأشرفية، فلم يحوجه ابن البارزي لذلك، بل شمر ~~ساعدا طويلا لمساعدته، حتى صار أمره إلى هنا بغير عقوبة ولا إهانة. ~~PageV04P0268 # فلما كان يوم الخميس المذكور، تكلم مع السلطان ابن البارزي وجماعة كبيرة ~~من أعيان الدولة في أمر عبد الباسط، وسألوه الحطيطة من الأربعمائة ألف ~~دينار، فغضب السلطان من ذلك، وأمر به فأخرج إلى البرج على حالة غير مرضية، ~~ومضى من المقعد ماشيا إلى البرج المذكور، وسجنوه به. ورسم السلطان له أن ~~يدفع للمرسمين عليه، لما كان بالمقعد، وهم ثمانية من الخاضكية، مبلغ ألفي ~~دينار ومائتي دينار، ودفعها لهم. وبينما هو في ذلك، دخل عليه الوالي وأمره ~~أن يقلع جميع ما عليه من الثياب، فإنه نقل للسلطان أن معه الاسم الأعظم أو ~~أنه يسحر السلطان، فإنه كان كلما أراد عقوبته صرفه الله عنه، فخلع جميع ما ~~كان عليه من الثياب والعمامة، ومضى بها الوالي وبما في أصابع يديه من ~~الخواتم، فوجد في عمامته قطعة أديم، ذكر أنها من نعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم وجدت في عمامته أوراق فيها أدعية ونحوها؛ وأخذ المقر الكمالي في ~~القيام معه، حتى كان من أمره ما سنذكره. ثم في يوم السبت ثالث عشر صفر، قدم ~~الأمير إينال العلائي الناصري المعزول عن نيابة صفد، وقد استقر من جملة ~~مقدمي الألوف بالديار المصرية، وقدم معه الأمير طوغان العثماني نائب القدس، ~~والأمير طوخ الأبو بكري المؤيدي أتابك غزة - وقد صار من جملة مقدمي الألوف ~~بدمشق، على إقطاع مغلباي الجقمقي بعد القبض عليه - وخلع السلطان على الجميع ~~واركبوا خيولا بقماش ذهب. ثم في رابع عشر صفر، رسم السلطان بإحضار الأمراء ~~المسجونين وغيرهم بثغر الإسكندرية إلى مدينة بلبيس، ليحملوا إلى الحبوس ~~بالبلاد الشامية، وندب الأمير أسنبغا الطياري أحد أمراء ms3288 الألوف بالديار ~~المصرية لإحضارهم، وهم: الأمير جانم أخو الأشرف الأمير آخور، وإينال الأبو ~~بكري الأشرفي، وعلى باي شاد الشراب خاناه الأشرفي، وأزبك السيفي قاني باي ~~رأس نوبة المعروف بجحا، وجكم الخازندار خال العزيز، وجرباش، وجانبك قلق ~~سيز. ومن الخاصكية: تنم الساقي، وبيبرس الساقي، ويشبك الدوادار، وأزبك ~~البواب، وبايزير خال العزيز، وجميع هؤلاء أشرفية؛ وتنبك الإينالي المؤيدي ~~الفيسي، وبيرم خجا الناصري أمير مشوي، وجماعة أخر لم يحضرني الآن أسماؤهم، ~~ولم يبق بسجن الإسكندرية سوى الأمير قراجا الأشرفي، أحد مقدمي الألوف كان؛ ~~وخرج الأمير أسنبغا من يومه. وفي هذا اليوم سافر الأمير قاني باي البهلوان ~~نائب صفد إلى محل كفالته بها، بعدما أنعم السلطان عليه بمال جزيل. وسافر ~~الطياري إلى الإسكندرية، وأخذ المذكورين وعاد بهم إلى بلبيس في ثاني عشرين ~~صفر، والجميع بالحديد. غير أن الأمير أسنبغا تلطف بهم وأحسن في خطابهم ~~ومسيرهم إلى الغاية، بخلاف من تولى تسفيرهم من بلييس إلى محل سجنهم؛ فأفرج ~~السلطان منهم عن بيرم خجا أمير مشوي، ونفي إلى طرابلس، وأخرج السلطان من ~~البرج بقلعة الجبل اثنين أضافهما إلى هؤلاء، ورسم أن يتوجه منهم سبعة نفر ~~إلى قلعة صفد، ليسجنوا بها، وهم إينال الأشرفي أحد مقدمي الألوف، وعلي باي ~~المشد الأشرفي، وأزبك خحا، وجرباش مشد سيدي، وتنبك الفيسي، وحزمان وقاني ~~باي اليوسفي، ومسفر هؤلاء الأمير سمام الحسني الناصري أحد أمراء العشرات، ~~وأن يتوجه ثلاثة منهم إلى قلعة الصبيبة ليسجنوا بها، وهم: الأمير جانم أمير ~~آخور، وبايزير خال العزيز، ويشبك بشق، ومسفرهم، هم ومن يمضي إلى حبس المرقب ~~الآتي ذكرهم: إينال أخو قشتم المؤيدي أحد أمراء العشرات. والمتوجهون إلى ~~حبس المرقب خمسة وهم: جانبك قلق سيز، وتنم الساقي، وجكم خال العزيز ويشبك ~~الفقيه، وأزبك البواب، والجميع أشرفية، وساروا بهم في حالة غير مرضية. ثم ~~في سابع عشرين صفر، قدم الأمير طوخ مازي نائب غزة، فخلع السلطان عليه ~~باستمراره وأكرمه. وفي تاسع عشرينه، نقل زين الدين عبد الباسط من محبسه ~~بالبرج إلى موضع يشرف على باب القلعة، بسفارة ابن ms3289 البارزي وأخته خوند زوجة ~~السلطان، ووعده السلطان بخير، بعدما كان وعده بالعقوبة. ثم في يوم الاثنين ~~سادس شهر ربيع الأول، خلع السلطان على الأمير طوخ مازي نائب غزة خلعة ~~السفر، وتوجه من يومه عائدا إلى محل كفالته. PageV04P0269 # ثم في ليلة السبت حادي عشرة، أخرج الملك العزيز يوسف من محبسه بالقلعة، ~~وأركب فرسا، ومعه جماعة كبيرة ومضوا به، حتى أنزل في الحراقة ، وساروا به ~~حتى حبس بثغر الإسكندرية إلى يومنا هذا. ومسفره جانبك القرماني أحد أمراء ~~العشرات. ورسم أن يصرف له من مال أوقاف العزيز ألف دينار. وحمل مع الملك ~~العزيز ثلاث جوار لخدمته، ورتب له في كل يوم ألف درهم، من أوقاف أبيه. وكان ~~لخروجه يوم مهول من بكاء جواري أبيه وأمه، وتجمعن بعد خروجه بالصحراء في ~~تربة أمه خوند جلبان، وعملن عزاء كيوم مات الأشرف وبكين وأبكين. ثم في حادي ~~عشر شهر ربيع الأول المذكور استقر شمس الدين أبو النصر نصر الله المعروف ~~بالوزة، ناظر الإسطبل السلطاني، بعد عزل زين الدين يحيى الأشقر قريب ابن ~~أبي الفرج. قلت: وأي فخر أو سابق رئاسة لمن يعزل بهذا الوزة عن وظيفته!. ثم ~~في يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الأول، سارت تجريدة في النيل ثغر رشيد. وقد ~~ورد الخبر بأن أربعة شوان للفرنج قاربت رشيد، وأخذت أبقارا وغيرها، فأخرج ~~السلطان لذلك الأمير أسنبغا الطياري، والأمير شادبك الجكمي، وهما من أمراء ~~الألوف بالديار المصرية، وحمل السلطان لكل منهما خمسمائة دينار. وعندما ~~نزلا إلى المركب في بحر النيل، احترقت مركب الطيارة مدفع نفط رموا به، فعاد ~~عليهم ناره، وأحرق شيئا مما كان معهم، وأصاب بعضهم؛ فألقى الطياري نفسه في ~~البحر، حتى نجا من النار، ثم طلع وركب السفينة وسار وفي أواخر شهر ربيع ~~الأول هذا رسم السلطان بتوجه زين الدين عبد الباسط إلى الحجاز بأهله ~~وعياله، وسافر في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر ربيع الآخر، بعد خلع السلطان ~~عليه في يوم سفره، وعلى معتقه جانبك الأستادار، ونزل من القلعة مخيمه ~~بالريدانية، بعد أن ms3290 حمل إلى الخزانة السلطانية مائتي ألف دينار وخمسين ~~دينار ذهبا عينا سوى ما أخذ له من الخيول والجمال، وسور تحف جليلة قدمها ~~للسلطان وغيره؛ ثم رحل عبد الباسط من الريدانية يريد الحجاز، في خامس عشره، ~~ونزل ببركة الحاج، وأقام بها أيضا إلى ليلة ثامن عشره. ثم في خامس عشرين ~~شهر ربيع الآخر قدم الأمير تمراز المؤيدي أحد حجاب دمشق بسيف الأمير آقبغا ~~التمرازي، وقد مات فجاءة في يوم السبت سادس عشره. فرسم السلطان للأمير ~~جلبان نائب حلب باستقراره في نيابة دمشق، وأن ينتقل الأمير قاني باي ~~الحمزاوي نائب طرابلس إلى نيابة حلب، وأن ينتقل الأمير برسباي الناصري حاجب ~~حجاب دمشق إلى نيابة طرابلس، ويستقر عوضه في حجوبية دمشق سودون النوروزي ~~حاجب حجاب حلب، وينتقل حاجب حماة الأمير سودون المؤيدي إلى حجوبية حجاب ~~حلب، وأن يستقر الأمير جمال الدين يوسف بن قلدر نائب خرت برت في نيابة ~~ملطية بعد عزل الأمير خليل بن شاهين الشيخي عنها، ويستقر خليل أحد أمراء ~~الألوف بدمشق، عوضا عن الأمير ألطنبغا الشريفي، ويستقر الشريفي أتابك حلب، ~~عوضا عن قطج من تمراز، وأن يحضر قطج المذكور إلى القاهرة إلى أن ينحل له ~~إقطاع؛ وجهزت تقاليد الجميع ومناشيرهم في سابع عشرينه؛ ورسم للأمير دولات ~~باي المحمودي الساقي المؤيدي الدوادار الثاني أن يكون مسفر جلبان نائب ~~الشام، وأن يكون الأمير أرنبغا اليونسي الناصري مسفرقاني باي الحمزاوي، ~~نائب حلب، وأن يكون سودون المحمودي المؤيدي المعروف بأتمكجي، مسفر برسباي ~~نائب طرابلس؛ وخلع على الجميع في يوم تاسع عشرين شهر ربيع الآخر. ثم في يوم ~~السبت خامس عشر جمادى الأولى، استقر الأمير مازي الظاهري برقوق أحد أمراء ~~دمشق، في نيابة الكرك عوضا عن آقبغا التركماني الناصري بحكم مسك آقبغا ~~المذكور وحبسه بسجن الكرك. وفي عشرينه خلع السلطان على الأمير أسنبغا ~~الطياري أحد مقدمي الألوف، باستقراره في نيابة الإسكندرية، عوضا عن يلبغا ~~البهائي الظاهري برقوق بحكم وفاته، زيادة على ما بيده من تقدمة ألف بمصر. ~~وطلب السلطان الأمير قراجا الأشرفي من سجن الإسكندرية، ms3291 فحضر في يوم الاثنين ~~ثاني جمادى الآخرة، فخلع عليه السلطان باستقراره أتابك حلب، وبطل أمر ~~الشريفي، واستمر على إقطاعه بدمشق. PageV04P0270 # ثم في يوم الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة، عمل السلطان الموكب بالقصر ~~وأحضر رسول القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك، فحضر الرسول وناول الكتاب ~~الذي على يده، وإذا فيه أنه بلغه موت الملك الأشرف وجلوس السلطان على تخت ~~الملك، فأراد أن يتحقق علم ذلك، فأرسل هذا الكتاب؛ فخلع السلطان عليه ~~وأكرمه وأنزله بمكانه الذي كان أنزل فيه، فإنه كان وصل في أول يوم من جمادى ~~الأولى، ورسم السلطان بكتابة جوابه . ثم في يوم الاثنين رابع شهر رجب، أدير ~~المحمل على العادة، وزاد السلطان في عدة الصبيان الذين يلعبون بالرمح، ~~الصغار، عدة كبيرة، ولم يقع في أياه المحمل بحمد الله ما ينكرمن الشناعات ~~التي كانت تقع من المماليك الأشرفية. وفي هذا اليوم أيضا، خلع السلطان على ~~الأمير طوخ الأبو بكري المؤيدي أحد أمراء الألوف بدمشق، وكان قبل أتابك ~~غزة، باستقراره في نيابة غزة، بعد موت الأمير طوخ مازي الناصري، فولي طوخ ~~عوضا عن طوخ، وأنعم بتقدمة طوخ بدمشق على الأمير تمراز المؤيدي الحاجب ~~الثاني بدمشق. ثم في يوم السبت حادي عشر شعبان، استقر القاضي بهاء الدين ~~محمد بن حجي في نظر جيش دمشق، عوضا عن سراج الدين عمر بن السفاح، ورسم لابن ~~السفاح بنظر جيش حلب. ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشر شوال، خرج أمير حاج ~~المحمل الأمير شادبك الجكمي، أحد مقدمي الألوف، بالمحمل، وأمر حاج الركب ~~الأول سمام الحسني الناصري، أحد أمراء العشرات. ثم في يوم الثلاثاء خامس ~~عشرين شوال، قدم الأمير ناصر الدين بك، واسمه محمد بن دلغادر نائب أبلستين، ~~إلى الديار المصرية، بعدما تلقاه المطبخ السلطاني، وجهزت له الإقامات في ~~طول طريقه؛ ثم سارت عدة من أعيان الدولة إلى لقائه، ومعهم الخيول والخلع ~~وله ولأعيان من معه من أولاده وأصحابه. فلما دخل إلى القاهرة وطلع إلى ~~القلعة، ومثل بين يدي السلطان وقبل الأرض، خلع عليه السلطان خلعة ms3292 باستمراره ~~على نيابة أبلستين على عادته، وانزل في بيت بالقرب من القلعة؛ وبالغ ~~السلطان في الاحتفال بأمره والاعتناء به، وشمله بالإنعامات الكثيرة. وكان ~~ناصر الدين بك المذكور له سنين كثيرة لم يدخل تحت طاعة سلطان، وإن دخل فلم ~~يطأ بساطه، فلما سمع بسلطنة الملك الظاهر هذا، وبحسن سيرته، قدم، وأقدم معه ~~ابنته التي كانت تحت جانبك الصوفي، وعدة من نسائه، فعقد السلطان عقده على ~~ابنته المذكورة التي كانت تحت جانبك الصوفي، ولها من جانبك المذكور بنت، ~~لها من العمر نحو ثلاث سنين، بعد أن حمل إليها المهر ألف دينار، وعدة كثيرة ~~من الشقق الحرير وغيرها. وفي هذا الشهر أراد السلطان أن تكون تصرفاته في ~~أمر جدة على مقتضى فتاوى أهل العلم، لعلمه أن شاه رخ بن تيمور كان يعيب على ~~الملك الأشرف برسباي لأخذه بجدة من التجار عشور أموالهم وأن ذلك من المكس ~~المحرم، فكتب بعض الفقهاء سؤالا على غرض السلطان، يتضمن أن التجار ~~المذكورين كانوا يردون إلى بندر عدن من بلاد اليمن فيظلمون بأخذ أكثر ~~أموالهم، وأنهم رغبوا في القدوم إلى بندر جحة ليحتموا بالسلطان؛ وسألوا أن ~~يدفعوا عشر أموالهم، فهل يجوز أخذ ذلك منهم؛ فإن السلطان يحتاج إلى صرف مال ~~كثير في عسكر يبعثه إلى مكة في كل سنة. فكتب قضاة القضاة الأربعة بجواز ~~أخذه وصرفه في المصالح. فأنكر الشيخ تقي الدين على القضاة في كتابتهم على ~~الفتاوى المذكورة، وإنطلق لسانه بما شاء الله أن يقوله في حقهم - انتهى. ثم ~~في يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة، قدم الأمير إينال الششماني الناصري، ~~أتابك دمشق، والأمير ألطنبغا الشريفي الناصري أحد مقدمي الألوف بدمشق، ~~وطلعا إلى القلعة، وخلع السلطان عليهما وأكرمهما. وفيها أيضا خلع السلطان ~~على الأمير ناصر الدين بك بن دلغادر خلعة السفر، وسافر يوم الاثنين تاسع ~~عشرين ذي القعدة، بعد أن بلغت النفقة عليه من الإنعامات ثلاثين ألف دينار. ~~PageV04P0271 # ثم في يوم الأربعاء سابع ذي الحجة، نودي بمنع المعاملة بالدراهم الأشرفية ~~من الفضة، وأن تكون المعاملة بالدراهم الظاهرية ms3293 الجقمقية، وهدد من خالف ذلك ~~فاضطرب الناس لتوقف أحوالهم. فنودي في آخر النهار بأن الفضة الأشرفية تدفع ~~للصيارف بسعرها، وهو كل درهم بعشرين درهما من الفلوس، وأن تكون الدراهم ~~الظاهرية كل درهم بأربعة وعشرين درهما، وجعلت عددا لا وزنا. فمنها ما هو ~~نصف درهم عنه اثنا عشر درهما، ومنها ما هو ربع درهم فيصرف بستة دراهم، على ~~أن كل دينار من الأشرفية بمائتين وخمسة وثمانين درهما من الفلوس. ثم في يوم ~~الثلاثاء، خلع السلطان على غرس الدين خليل بن أحمد بن علي السخاوي، أحد ~~حواشي السلطان أيام إمرته، باستقراره في نظر القدس والخليل والسخاوي هذا ~~أصله من عوام القدس السوقة، وقدم القاهرة، وخدم بعض التجار وترقى، وركب ~~الحمار، ثم ركب بعد مدة طويلة بغلة بنصف رحل على عادة العوام ورأيته أنا ~~على تلك الهيئة، ثم انتهى إلى خدمة السلطان، وهو يوم ذاك أحد مقدمي الألوف، ~~واختص به، حتى تحدث في إقطاعه، ودام في خدمته إلى أن تسلطن وعظم أمره عند ~~من هو دونه، إلى أن ولي في هذا اليوم نظر القدس والخليل. ثم في يوم الخميس ~~ثامن المحرم من سنة أربع وأربعين، خلع السلطان على الأمير قيز طوغان ~~العلائي، أحد أمراء العشرات وأمير آخور ثاني، باستقراره أستادارا عوضا عن ~~محمد بن أبي الفرج، بحكم عزله والقبض عليه وحبسه بالقلعة إلى يوم الأحد ~~حادي عشره، فتسلمه الوزير كريم الدين ابن كاتب المناخ. ثم في يوم السبت ~~رابع عشرين المحرم، خلع السلطان على زين الدين يحيى الأشقر قريب ابن أبي ~~الفرج، باستقراره في نظر ديوان المفرد عوضا عن عبد العظيم بن صدقة، بحكم ~~مسكه، ونقل ابن أبي الفرج من تسليم الوزير، وسلم هو وعبد العظيم للأمير قيز ~~طوغان الأستادار، فأغرى زين الدين قيز طوغان بابن أبي الفرج وعبد العظيم، ~~حتى أخذ ابن أبي الفرج وعاقبه وأفحش في عقوبته في الملأ من الناس، من غير ~~احتشام ولا تجمل، بل طرحه على الأرض وضربه ضربا مبرحا، ووقع له معه أمور، ~~إلى أن أطلق وأعيد ms3294 إلى نقابة الجيش بعد أن نفي، ثم أعيد، ومن يومئذ ظهر اسم ~~زين الدين وعرف في الدولة، وكان هذا مبدأ ترقيه حسبما يأتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى. وفي هذه الأيام وقع الاهتمام بتجهيز تجريدة في البحر لغزو ~~الفرنج، وكتب السلطان عدة من المماليك السلطانية، وعليهم الأمير تغري برمش ~~الزردكاش، والسيفي يونس الأمير آخور، وسافروا من ساحل بولاق في يوم الاثنين ~~تاسع شهر ربيع الأول. وكان جملة ما انحدر من ساحل بولاق خمسة عشر غرابا ~~فيها المماليك السلطانية والمطوعة. وسبب هذه التجريدة كثرة عيث الفرنج في ~~البحر، وأخذها مراكب التجار، وهذه أول بعثة بعثها الملك الظاهر من الغزاة. ~~ثم في يوم السبت سادس عشرين شهر ربيع الآخر، قدم إلى القاهرة رسل القان ~~معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك، ملك الشرق، وقد زينت القاهرة لقدومهم، وخرج ~~المقام الناصري محمد ابن السلطان إلى لقائهم، واجتمع الناس لرؤيتهم، فكان ~~لدخولهم يوم مشهود لم يعهد بمثله لقدوم رسل في الدول المتقدمة؛ وأنزلوا ~~بدار أعدت لهم، إلى يوم الاثنين ثامن عشرينه، فتوجهوا من الدار المذكورة ~~إلى القلعة، بعد أن شقوا القاهرة، وهي مزينة بأحسن زينة، والشموع وغيرها ~~تشعل، وقد اجتمع عالم عظيم لرؤيتهم، وأوقفت العساكر من تحت القلعة إلى باب ~~القصر في وقت الخدمة من باكر النهار المذكور. فلما مثل الرسل بين يدي ~~السلطان، قرىء كتاب شاه رخ، فكان يتضمن السلام والتهنئة بجلوس السلطان على ~~تخت الملك؛ ثم قدمت هديته وهي: مائة فص فيروز، وإحدى وثمانون قطعة من حرير، ~~وعدة ثياب وفرو ومسك وثلاثون بختيا من الجمال وغير ذلك، مما يبلغ قيمته ~~خمسة آلاف دينار. وأعيد الرسل إلى منازلهم، وأجري عليهم الرواتب الهائلة في ~~كل يوم. ثم قلعت الزينة في يوم الثلاثاء سلخه. وكان الناس تفننوا في زينة ~~القاهرة، ونصبوا بها القلاع، وفي ظنهم أنها تتمادى أياما، فانقضى أمرها ~~بسرعة. ثم في يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى ورد الخبر على السلطان بنصرة ~~الغزاة المجردين إلى قتال الفرنج. PageV04P0272 # ثم في يوم الاثنين عشرين جمادى الأولى، خلع ms3295 السلطان على القاضي بدر الدين ~~أبي المحاسن محمد بن ناصر الدين محمد ابن الشيخ شرف الدين عبد المنعم ~~البغدادي، أحد نواب الحكم الحنابلة، باستقراره قاضي قضاة الحنابلة بالديار ~~المصرية، بعد موت شيخ الإسلام محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي. ثم في ~~يوم الثلاثاء حادي عشرين جمادى الأولى المذكور، قدم الغزاة. وكان من خبرهم ~~أنهم انحدروا في النيل إلى دمياط، ثم ركبوا منه البحر، وساروا إلى جزيرة ~~قبرس، فقام لهم متملكها بالإقامات، وساروا إلى العلايا، فأمدهم صاحبها ~~بغرابين، فيهما المقاتلة، ومضوا إلى رودس، وقد استعد أهلها لقتالهم، فكانت ~~بينهم محاربة طول يومهم، لم ينتصف المسلمون فيها، وقتل منهم اثنا عشر من ~~المماليك، وجرح كثير، وقتل من الفرنج أيضا جماعة كثيرة. فلما خلص المسلمون ~~من قتالهم بعد جهد، مروا بقرية من قرى رودس فقتلوا وأسروا ونهبوا ما فيها، ~~وعادوا إلى دمياط وأعلموا السلطان بأنه لم يكن لهم طاقة بأهل رودس. ثم في ~~يوم الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الأولى المذكور، خلع على خواجا كلال رسول ~~شاه رخ خلعة السفر، وقد اعتني بها عناية لم يتقدم بمثلها لرسول في زماننا ~~هذا، وهي حرير مخمل بوجهين: أحمد وأخضر، وطرز زركش، فيه خمسمائة مثقال من ~~ذهب، وأركب فرسا بسرج ذهب، وكنبوش زركش، في كل منهما خمسمائة دينار، وجهزت ~~صحبته هدية ما بين ثياب حرير سكندري، وسرج وكنبوش ذهب، وسيوف مسقطة بذهب، ~~وغير ذلك مما تبلغ قيمته سبعة آلاف دينار؛ هذا بعد أن بلغت النفقة من ~~السلطان على الرسول المذكور ورفقته نحو خمسة عشر ألف دينار، سوى الهدية ~~المذكورة. ثم في يوم السبت ثاني جمادى الآخرة، وقع بين القاضي حميد الدين ~~الحنفي وبين شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن عثمان الكوراني الشافعي مخاصمة، ~~وآل أمرهما إلى الوقوف بين يدي السلطان؛ فغضب السلطان لحميد الدين وضرب ~~الشهاب الكوراني وأهانه، ورسم بنفيه إلى دمشق، ثم إلى البلاد المشرقية، ~~فخرج على أقبح وجه. وكان هذا الكوراني قدم القاهرة قبيل سنة أربعين ~~وثمانمائة، في فاقة عظيمة من الفقر والإفلاس، واتصل ms3296 بباب المقر الكمالي ابن ~~البارزي فوالاه بالإحسان على عادة ترفقه بأهل العلم، ونوه بذكره، حتى عرفه ~~الناس، وتردد إلى الأكابر، وصار له وظائف ومرتبات، فلم يحفظ لسانه لطيش كان ~~فيه، حتى وقع له ما حكيناه. ثم في يوم الخميس رابع عشر جمادى الآخرة، قدم ~~الأمير جلبان نائب الشأم إلى القاهرة، ونزل السلطان إلى لقائه بمطعم الطير ~~خارج القاهرة، وهو أول ركبة ركبها بعد سلطنته بالموكب، وخلع السلطان على ~~جلبان المذكور خلعة الاستمرار، وعاد السلطان إلى القلعة وهو في خدمته. ثم ~~في يوم الاثنين عاشر شهر رجب، أنعم السلطان بإقطاع الأمير ألطنبغا المرقبي ~~المؤيدي. وتقدمته على الأمير طوخ من تمراز الناصري الرأس نوبة الثاني، بعد ~~موته؛ وأنعم بإقطاع طوخ وهو إمرة أربعين، على قاني باي الجاركسي شاد الشراب ~~خاناه. ثم في يوم الاثنين أول شعبان، أضيف نظر دار الضرب، للمقر الجمالي ~~ناظر الخواص الشريف، كما كانت العادة القديمة، وذلك بعد موت جوهر القنقبائي ~~الزمام والخازندار. ثم في يوم السبت سادسه، خلع السلطان علي الطواشي هلال ~~الرومي الظاهري برقوق، شاد الحوش السلطاني، باستقراره زماما، عوضا عن جوهر ~~المقدم ذكره، على مال كثير بذله في ذلك. ثم في يوم الأحد سابعه خلع علي ~~الزيني عبد الرحمن بن علم الدين داؤد بن الكويز باستقراره أستادار الذخيرة ~~، وخلع علي الطواشي الحبشي جوهر التمرازي الجمدار باستقراره خازندارا، ~~كلاهما عوضا عن جوهر المذكور. PageV04P0273 # ثم في يوم السبت عشرين شعبان ركب السلطان من قلعة الجبل بغير قماش ~~الموكب، لكن بجميع أمرائه وخاصكيته، ونزل في أبهة عظيمة، وسار على خليج ~~الزعفران خارج القاهرة، ونزل هناك بمخيمه، ومدت له أسمطة جليلة وأنواع ~~كثيرة من الحلوى والفواكه. ثم ركب بعد صلاة الظهر وعاد إلى القلعة، بعد أن ~~دخل من باب النصر، وشق القاهرة، وابتهج الناس به كثيرا. وهذه أول مرة شق ~~فيها القاهرة بعد سلطنته. وكان هذا الموكب جميعه بغير قماش الموكب، ولم يكن ~~ذلك في سالف الأعصار؛ وأول من فعل ذلك وترخص في النزول من القلعة بغير ~~كلفتاه ولا قماش، ms3297 الملك الناصر فرج، ثم اقتدى به الملك المؤيد شيخ، ثم من ~~جاء بعدهما. وفي هذا الشهر، تكلم زين الدين يحيى الأشقر ناظر الديوان ~~المفرد مع الأمير قيزطوغان العلائي الأستادار، بأنه يكلم السلطان في إخراج ~~جميع الرزق الأحباسية والجيشية التي بالجيزة وضواحي القاهرة، وحسن له ذلك، ~~حتى تكلم قيزطوغان المذكور في ذلك مع السلطان وألح عليه. ومال السلطان ~~لإخراج جميع الرزق المذكورة، إلى أن كلمه في ذلك جماعة من الأعيان ورجعوه ~~عن هذه الفعلة القبيحة، فاستقر الحال على أنه يجبى من الرزق المذكورة في كل ~~سنة عن كل فدان مائة درهم من الفلوس، فجبيت. واستمرت إلى يومنا هذا في ~~صحيفة زين الدين المذكور، لأنه هو الدال عليها، والدال على الخير كفاعله ~~وكذلك الشر. ثم في يوم الثلاثاء أول شهر رمضان ورد الخبر على السلطان ~~بالقبض على الأمير قنصوه النوروزي، وكان له من يوم وقعة الجكمي في اختفاء، ~~فرسم بسجنه بقلعة دمشق. وقانصوه هذا من أعيان الأمراء المشهورين بالشجاعة ~~وحسن الرمي بالنشاب، غير أنه من كبار المخاميل الفلاسة المديونين. ثم في ~~يوم السبت ثاني عشر شهر رمضان خلع السلطان على القاضي معين الدين عبد ~~اللطيف ابن القاضي شرف الدين أبي بكر، سبط العجمي، باستقراره في نيابة ~~كتابة السر بعد وفاة أبيه. ثم في يوم الاثنين تاسع عشر شوال برز أمير حاج ~~المحمل الأمير تمرباي رأس نوبة النوب، بالمحمل، وأمير الركب الأول سودون ~~الإينالي المؤيدي، المعروف بقراقاس، أمير عشرة. وحج في هذه السنة ثلاثة من ~~أمراء الألوف: تمرباي المقدم ذكره، والأمير تمراز القرمشي أمير سلاح، ~~والأمير طوخ من تمراز الناصري، وسبعة أمراء أخر، ما بين عشرات وطبلخانات. ~~وتوجه تمراز أمير سلاح بالجميع ركبا وحده قبل الركب الأول، كما سافر في ~~السنة الماضية الأمير جرباش الكريمي قاشق أمير مجلس، وصحبته ابنته زوجة ~~السلطان الملك الظاهر. ثم في يوم السبت سابع ذي القعدة قدم إلى القاهرة ~~الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حلب باستدعاء، فركب السلطان إلى ملاقاته ~~بمطعم الطير، وخلع عليه باستمراره على كفالته. وفي ms3298 أواخر هذا الشهر طرد ~~السلطان أيتمش الخضري الظاهري، أحد الأمراء البطالة، من مجلسه، ومنعه من ~~الاجتماع به؛ وهذه ثاني مرة أهانه السلطان وطرده. وأما ما وقع لأيتمش ~~المذكور قبل ذلك في دولة الأشرف برسباي من البهدلة والنفي فكثير، وهو مع ~~ذلك لا ينقطع عن الترداد للأمراء وأرباب الدولة بوجه أقوى من الحجر. وفي ~~هذه السنة، أعني سنة أربع وأربعين وثمانمائة، جدد بالقاهرة وظواهرها عدة ~~جوامع؛ منها جامع الصالح طلائع بن رزيك خارج باب زويلة، قام بتجديده رجل من ~~الباعة يقال له عبد الوهاب العيني؛ ومنها مشهد السيدة رقية، قريبا من ~~المشهد النفيسي ، جدده الشريف بدر الدين حسين بن أبي بكر الحسيني، نقيب ~~الأشراف؛ وجدد أيضا جامع الفاكهيين بالقاهرة، وجامع الفخر بخط سويقة الموفق ~~بالقرب من بولاق؛ وجدد أيضا جامع الصارم أيضا، بالقرب من بولاق؛ وأنشأ أيضا ~~جوهر المنجكي نائب مقدم المماليك، جامعا بالرميلة، تجاه مصلاة المؤمني، ~~وعمارته بالفقيري بحسب الحال؛ وأنشأ تغري بردي المؤذي البكلمشي الدوادار ~~جامعا بخط الصليبية على الشارع الأعظم. PageV04P0274 # قلت: الناس على دين مليكهم، وهو أنه لما كانت الملوك السالفة تهوى النزه ~~والطرب، عمرت في أيامهم بولاق وبركة الرطلي وغيرهما من الأماكن، وقدم إلى ~~القاهرة كل أستاذ صاحب آلة من المطربين وأمثالهم من المغاني والملاهي، إلى ~~أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، وسار في سلطنته على قدم هائل من العبادة ~~والعفة عن المنكرات والفروج، وأخذ في مقت من يتعاطى المسكرات من أمرائه ~~وأرباب دولته، فعند ذلك تاب أكثرهم، وتصولح وتزهد، وصار كل أحد منهم يتقرب ~~إلى خاطره بنوع من أنواع المعروف، فمنهم من صار يكثر من الحج، ومنهم من تاب ~~وأقلع عما كان فيه، ومنهم من بنى المساجد والجوامع، ولم يبق في دولته ممن ~~استمر على ما كان عليه إلا جماعة يسيرة؛ ومع هذا كان أحدهم إذا فعل شيئا من ~~ذلك، فعله سرا مع تخوف ورعب زائد، يرجفه في تلك الحالة صفير الصافر وخفق ~~الرياح، فلله دره من ملك، في عفته وعبادته وكرمه. ثم في يوم السبت ثالث ms3299 شهر ~~ربيع الأول من سنة خمس وأربعين وثمانمائة خلع السلطان على يار علي بن نصر ~~الله الخراساني العجمي الطويل باستقراره في حسبة القاهرة، مضافا لما بيديه ~~من حسبة مصر القديمة عوضا عن قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي ~~بحكم عزله. ثم في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول المذكور كانت مبايعة ~~الخليفة أمير المؤمنين سليمان ابن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله ~~محمد بالخلافة، بعد وفاة أخيه المعتضد داؤد، بعهد منه إليه، ولقب بالمستكفي ~~بالله أبي الربيع سليمان. ثم في يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى خلع ~~السلطان على الشريف علي بن حسن بن عجلان باستقراره في إمرة مكة، عوضا عن ~~أخيه بركات بن. حسن بحكم عزله، لعدم حضوره إلى الديار المصرية؛ وعين ~~السلطان مع الشريف علي المذكور خمسين مملوكا من المماليك السلطانية، وعليهم ~~الأمير يشبك الصوفي المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، لمساعدة علي ~~المذكور على قتال أخيه الشريف بركات؛ وسافر الشريف علي من القاهرة في يوم ~~الخميس رابع عشرين جمادى الآخرة. ثم في يوم الاثنين سادس شهر رجب قدم إلى ~~القاهرة الأمير برسباي نائب طرابلس، ونزل السلطان إلى مطعم الطيور خارج ~~القاهرة، وتلقاه وخلع عليه على العادة. ثم يوم الثلاثاء سابع شهر رجب، أمسك ~~السلطان الأمير قيز طوغان العلائي الأستادار، وقبض معه على زين الدين يحيى ~~ناظر ديوان المفرد، وسلمهما للأمير دولات باي المحمودي المؤيدي الدوادار ~~الثاني. ثم خلع السلطان في يوم الخميس سادس عشره على الزيني عبد الرحمن بن ~~الكويز باستقراره أستادارا، عوضا عن قيز طوغان، وخلع على زين الدين المذكور ~~باستقراره على وظيفة نظر المفرد على عادته. وأنعم السلطان على الأمير قيز ~~طوغان بإمرة مائة وتقدمة ألف بحلب، وخرج في يوم السبت خامس عشرينه. ثم في ~~يوم الاثنين سابع عشرينه خلع السلطان على الشهابي أحمد بن علي بن إينال ~~اليوسفي، أحد أمراء العشرات، باستقراره في نيابة الإسكندرية، بعد عزل ~~الأمير أسنبغا الناصري الطياري عنها، وقدومه إلى القاهرة على عادته أمير ~~مائة ومقدم ألف. ثم ms3300 في يوم السبت أول شهر رمضان قدم الشيخ شمس الدين محمد ~~الخافي الحنفي من مدينة سمرقند، قاصدا الحج - وهو أحد أعيان فقهاء القان ~~شاه رخ بن تيمور، وولده ألوغ بك صاحب سمرقند واجتمع بالسلطان، فأكرمه ~~وأنعم، عليه بأشياء كثيرة. ثم في يوم الخميس ثامن عشر شوال برز أمير حاج ~~المحمل تغري برمش السيفي يشبك بن أزدمر الزردكاش بالمحمل، إلى بركة الحاج ~~دفعة واحدة - وكانت العادة أن أمير حاج المحمل يبرز من القاهرة إلى ~~الريدانية ثم يتوجه في ثانيه إلى بركة الحاج - وأمير حاج الركب الأول ~~الأمير يونس السيفي آقباي، أحد أمراء العشرات المعروف بالبواب. ~~PageV04P0275 # ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوال، أمسك السلطان الأمير جانبك المحمودي ~~المؤيدي، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وحبسه بالبرج من قلعة الجبل. وكان ~~السلطان قصد مسكه قبل ذلك، فخشي عاقبة خجداشيته، فلما زاد جانيك المذكور عن ~~الحد في التكلم في الدولة ومداخلة السلطان في جميع أموره، بعدم دربة وقلة ~~لباقة، مع حدة وطيش وخفة وسوء خلق، أمسكه في هذا اليوم، وقصد بذلك حركة ظهر ~~من خجداشيته المؤيدية، فلم يتحرك ساكن، بل خاف أكثرهم، وحسن حاله مع ~~السلطان، وانكف أكثرهم عن مداخلة السلطان؛ وأنعم السلطان بإمرته على خجداشه ~~خير بك الأشقر المؤيدي أحد الدوادارية الصغار؛ ولم يكن خيربك المذكور ممن ~~ترشح للإمرة. ومن يومئذ عظم أمر السلطان في ملكه، وهابته الناس، وانقطع عن ~~مداخلته جماعة كبيرة، ثم حمل جانبك المذكور إلى سجن الإسكندرية فسجن به. ~~هذا والسلطان في اهتمام تجريدة لغزو رودس، وعين عدة كبيرة من المماليك ~~السلطانية والأمراء، ومقدم الجميع اثنان من مقدمي الألوف: الأمير إينال ~~العلائي الناصري، المعزول عن نيابة صفد، والأمير تمرباي رأس نوبة النوب. ~~وسافروا الجميع من ساحل بولاق، في محرم سنة ست وأربعين، ومعهم عدة كبيرة من ~~المطوعة، بأبهج زي من العلا والسلاح؛ وكان لسفرهم بساحل بولاق يوم مشهود، ~~إلا أنهم عادوا في أثناء السفر، ولم ينالوا من رودس غرضا، بعد أن أخربوا ~~قشتيل حسبما يأتي ذكره في الغزوة الثالثة الكبرى. ms3301 وبعد سفرهم وقع حادثة ~~شنعة؛ وهي أنه لما كان يوم الاثنين سادس عشر صفر، وثب جماعة كبيرة من ~~مماليك السلطان الأجلاب، من مشترواته الذين بالأطباق من القلعة، وطلعوا إلى ~~أسطحة أطباقهم، ومنعوا الأمراء وغيرهم من الأعيان من طلوع الخدمة، وأفحشوا ~~في ذلك إلى أن خرجوا عن الحد، ونزلوا إلى الرحبة عند باب النحاس، وكسروا ~~باب الزردخاناه السلطانية، وضربوا جماعة من أهل الزردخاناه، وأخذوا منها ~~سلاحا كثيرا، ووقع منهم أمور قبيحة في حق أستاذهم الملك الظاهر، ولهجوا ~~بخلعه من الفلك. وهم السلطان لقتالهم، ثم فتر عزمه عن ذلك شفقة عليهم، لا ~~خوفا منهم. ثم سكنت الفتنة بعد أمور وقعت بين السلطان وبينهم. ثم في يوم ~~الخميس عاشر شهر ربيع الأول، قدم الأمير مازي الظاهري برقوق نائب الكرك، ~~وطلع إلى القلعة، وخلع عليه باستمراره. ثم في يوم الاثنين حادي عشرين شهر ~~ربيع الأول المذكور، خلع السلطان على مملوكه قراجا الظاهري الخازندار، ~~باستقراره خازندارا كبيرا، عوضا عن الأمير قانبك الأبو بكري الأشرفي ~~الساقي، بحكم مرضه بداء الأسد ، نسأل الله العفو والعافية. وفيه أيضا استقر ~~ابن الحاضري قاضي قضاة الحنفية بحلب بعد عزل محب الدين محمد بن الشحنة، ~~لسوء سيرته. ثم في يوم الأحد ثاني عشر شهر ربيع الآخر، قدم الأمير سودون ~~المحمدي من مكة المشرفة إلى القاهرة، وهو مجرح في مواضع من بدنه، من قتال ~~كان بين الشريف علي صاحب مكة وبين أخيه بركات، انتصر فيه الشريف علي، ~~وانهزم بركات إلى القبر. ثم في يوم الأحد سادس عشرين شهر ربيع الآخر ~~المذكور، أمسك السلطان الزيني عبد الرحمن بن الكويز، وعزله عن الأستادارية. ~~ثم أصبح من الغد خلع على زين الدين يحيى ناظر الديوان المفرد باستقراره ~~أستادارا، عوضا عن ابن الكويز المذكور. PageV04P0276 # وكان من خبر زين الدين هذا أنه كان كثيرا ما يلي الوظائف بالبذل ثم يعزل ~~عنها بسرعة، وقد تجمد عليه جمل من الديون؛ وكان خصمه في وظيفة نظر الديوان ~~المفرد عبد العظيم بن صدقة الأسلمي، وغريمه في نظر الإسطبل شمس الدين ~~الوزة. ms3302 ولا زال زين الدين المذكور في بحبوحة من الفقر والذل والإفلاس، إلى ~~أن ولي الأمير قيز طوغات الأستادارية، فاختار زين الدين هذا لنظر الديوان ~~المفرد، وضرب عبد العظيم وأهانه، كونه كان من جملة أصحاب محمد بن أبي ~~الفرج، وركن إلى زين الدين هذا، وصار المعول عليه بديوان المفردة فاستفحل ~~أمره، وقضى ديونه. فحدثته نفسه بالأستادارية، لمصداق المثل السائر: " لا ~~تموت النفس الخبيثة حتى تسيء لمن أحسن إليها " . فأخذ زين الدين يدبر على ~~الأمير طوغان في الباطن، ويملي له المفسود، بأن يحسن له الإقالة من ~~الوظيفة، حتى يعظم أمره، من سؤال السلطان له باستقراره في الوظيفة، ويظهر ~~له بذلك النصح، إلى أن انفعل له طوغان وسأل الإحالة، فأقاله السلطان، وخلع ~~على الزيني عبد الرحمن بن الكويز بالأستاداريه. واستمر زين الدين على وظيفة ~~نظر ديوان المفرد، وقد تفتحت له أبواب أخذ الأستادرية، لسهولة ابن الكويز ~~وخروج قيز طوغان من مصر، فإنه كان لا يحسن به المرافعة في طوغان ولا السعي ~~عليه بوجه من الوجوه، فسلك في ذلك ما هو أقرب لبلوغ قصده، بعزل طوغان ~~وولاية ابن الكويز، حتى تم له ذلك، ولبس الأستادارية ونعت بالأمير، لكنه لم ~~يتزيا بزي الجند، بل استمر على لبسه أولا: العمامة والفرجية، فصار في ~~الوظيفة غير لائق، كونه أستادارا وهو بزي الكتبة، وأميرا ولا يعرف باللغة ~~التركية، ورئيسا وليس فيه شيم الرئاسة؛ وكانت ولايته وسعادته غلطة من غلطات ~~الدهر، وذلك لفقد الأماثل. فكان كما قيل: الكامل خلت الرقاع من الرخاخ ... ~~ففرزنت فيها البيادق وتصاهلت عرج الحمير ... فقلت: من عدم السوابق وفيه خلع ~~السلطان على الأمير أقبردي المظفري الظاهري برقوق، أحد أمراء العشرات ورأس ~~نوبة، وندبه للتوجه إلى مكة المشرفة، وصحبته من المماليك السلطانية خمسون ~~مملوكا، ليستعين بهم الشريف علي صاحب مكة على من خالفه، وسافر بعد أيام ~~رجبية. ثم في يوم الخميس أول جمادى الأولى، أمسك السلطان الصفوي جوهرا ~~التمرازي الخازندار، ورسم عليه عند تغري برمش الجلالي المؤيدي الفقيه نائب ~~قلعة الجبل، وطالبه السلطان بمال كبير. وخلع ms3303 السلطان على الطواشي فيروز ~~الرومي النوروزي رأس نوبة الجمدارية، باستقراره خازندارا، عوضا عن جوهر ~~المذكور؛ وتأسف الناس كثيرا على عزل جوهر التمرازي، فإنه كان سار في ~~الوظيفة أحسن سيرة، وترقب الناس بولاية فيروز هذا أمورا كثيرة. ثم في يوم ~~الاثنين سادس عشرينه، استقر فيروز النوروزي المذكور زماما، مضافا ~~للخازندارية بعد عزل هلال الطواشي عنها. ثم في يوم الخميس ثالث عشر جمادى ~~الآخرة، خلع السلطان على الأمير إينال العلائي الناصري باستقراره دوادارا ~~كبيرا، بعد موت الأمير تغري بردي المؤذي البكلمشي، وأنعم بتقدمة تغري بردي ~~المذكور على الأمير قاني باي الجركسي، واستمر على وظيفة شد الشراب خاناه، ~~مع تقدمة ألف؛ وأنعم بطبلخاناه قاني باي على جانبك القرماني الظاهري برقوق ~~رأس نوبة، وأنعم بإقطاع جانبك على أيتمش بن عبد الله من أزوباي أستادار ~~الصحبة، وهي إمرة عشرة، وأنعم بإقطاع أيتمش على سنجبغا، وكلاهما إمرة عشرة، ~~والتفاوت في زيادة المغل. ثم في يوم السبت خامس شعبان رسم السلطان بنفي ~~الأمير سودون السودوني الظاهري الحاجب إلى قوص، فشفع فيه فرسم بتوجهه إلى ~~طرابلس، ثم شفع فيه ثانيا فرسم له بالإقامة بالقاهرة بطالا. ثم في الاثنين ~~ثالث شوال، خلع السلطان على الشريف أبي القاسم بن حسن بن عجلان، باستقراره ~~أمير مكة، عوضا عن أخيه علي، بحكم القبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بمكة ~~المشرفة. ثم في سابع عشره، برز أمير حاج المحمل، الأمير تنبك البردبكي حاجب ~~الحجاب، بالمحمل إلى بركة الحاج، وهذه سفرته الثانية، وأمير الركب الأول ~~الأمير الطواشي عبد اللطيف المنجكي العثماني الرومي مقدم المماليك ~~السلطانية. PageV04P0277 # ثم في يوم السبت تاسع عشرين شوال، خلع السلطان على قاضي القضاة بدر الدين ~~محمود العيني الحنفي بإعادته إلى حسبة القاهرة بعد عزل يار علي وسفره إلى ~~الحجاز. ثم في يوم الاثنين أول ذي القعدة، قدم الأمير أركماس الظاهري ~~الدوادار الكبير - كان - من ثغر دمياط بطلب من السلطان وطلع إلى القلعة، ~~وخلع عليه السلطان كاملية مخمل بمقلب سمور، ورسم له أن يقيم بالقاهرة ~~بطالا، وأذن له بالركوب حيث شاء. ثم ms3304 في يوم الاثنين تاسع عشرين ذي القعدة ~~المذكور، خلع السلطان على القاضي بهاء الدين محمد ابن القاضي نجم الدين عمر ~~بن حجي ناظر جيش دمشق، باستقراره ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية، ~~مضافا لما بيده من نظر جيش دمشق، عوضا عن القاضي محب الدين بن الأشقر، بحكم ~~عزله وغيابه في الحج، وذلك بسفارة حميه القاضي كمال الدين بن البارزي كاتب ~~السر الشريف. ثم في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من سنة سبع وأربعين ~~وثمانمائة، أعيد يارعلي الخراساني إلى حسبة القاهرة، وصرف العيني عن ~~الحسبة. ثم في يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الأول، عمل السلطان المولد ~~النبوي على العادة. ثم في يوم الأربعاء ثامن جمادى الآخرة، قدم الزيني عبد ~~الباسط بن خليل، وكان توجه من سنة أربع وأربعين من الححاز إلى دمشق، بشفاعة ~~الناصري محمد بن منجك له. ولما وصل إلى القاهرة طلع إلى القلعة وقبل الأرض، ~~ومعه أولاده، ثم تقدم وباس رجل السلطان، فقال له السلطان: " أهلا " بصوت ~~خفي ولم يزده على ذلك. ثم ألبسه كاملية سابوري أبيض بفرو سمور، وألبس ~~أولاده كل واحد كاملية سمور بطوق عجمي، ثم نزل إلى داره. وقدم تقدمته في ~~يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة المذكورة؛ وكانت تشتمل على شيء كثير، من ذلك ~~أربعة وأربعون قفصا من أقفاص الحمالين مشحونة، بالأقمشة من أنواع الفراء ~~والصوف والمخمل والشقق الحرير، والسلاح وطبول بأزات مذهبة، وخيول نحو مائتي ~~فرس وأربعين فرسا، منها أكاديش خاصة بسروج مذهبة، وبدلات مينة عبي حرير عدة ~~كبيرة، ومنها عشرة خيول عليها بركستوانات ملونة، وسروج مغرقة، ومنها ثمانية ~~سروج سذج برسم الكرة، وبغال ثلاثة أقطار، وجمال بخاتي قطار واحد، فقبل ~~السلطان ذلك كله. وبعد هذا كله لم يتحرك حظ عبد الباسط عند السلطان، ولا ~~تجمل معه بوظيفة من الوظائف، بل أمره بالسفر بعد أيام قليلة. قلت: ليس ~~للطمع فائدة، وأخذ ما يأخذ زمانه وزمان غيره، وما أحسن قول من قال: ~~المتدارك وترى الدهر لعبا لمعتبر ... والناس به دول دول كرة وضعت لصوالجة ~~... فتلقفها رجل ms3305 رجل ثم في يوم الاثنين عشرينه قدم الأمير خليل بن شاهين ~~الشيخي نائب ملطية، وخلع عليه السلطان خلعة الاستمرار، وقدم هديته. وأقام ~~بالقاهرة إلى يوم الاثنين رابع شهر رجب، فخلع السلطان عليه باستقراره أتابك ~~حلب، عوضا عن الأمير قيز طوغان العلائي المعزول عن الأستادارية، بحكم ~~استقرار قيز طوغان في نيابة ملطية عوضا عن خليل المذكور. ثم في يوم السبت ~~ثامن عشر شوال، برز أمير حاج المحمل، الأمير شادبك الجكمي، أحد مقدمي ~~الألوف، بالمحمل إلى بركة الحاج، وأمير الركب الأول الأمير سونجبغا ~~اليونسي، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة. ثم في يوم الأربعاء ثاني عشرين ~~شوال، أعيد القاضي محب الدين بن الأشقر إلى وظيفة نظر الجيش، وصرف عنها ~~القاضي بهاء الدين بن حجي، واستمر على وظيفته نظر جيش دمشق على عادته أولا، ~~وكانت بيده لم تخرج عنه. ثم في يوم الخميس سلخ شوال، قدم ابن حجي المذكور ~~إلى السلطان تقدمة هائلة تشتمل على خمسة وأربعين قفصا من أقفاص الحمالين ما ~~بين ثياب بعلبكي، وقسي وصوف، وأنواع الفرو، وغير ذلك. ثم في يوم الاثنين ~~رابع ذي القعدة، خلع السلطان على بهاء الدين المذكور خلعة السفر، وأضيف ~~إليه نظر قلعة دمشق. ثم في يوم الأحد رابع عشرينه، ركب السلطان من قلعة ~~الجبل ونزل بخواصه إلى أن وصل إلى ساحل بولاق، ثم عاد حتى علم الناس ~~بعافيته، لأنه كان توعك توعكا هينا، فأرجف الناس بقوة مرضه. PageV04P0278 # ثم في يوم الاثنين ثاني ذي الحجة، وصل الأمير جلبان نائب الشام إلى ~~القاهرة، ونزل السلطان إلى ملاقاته بمطعم الطيور بالريدانية خارج القاهرة، ~~وخلع عليه خلعة الاستمرار على نيابة دمشق، وهذه قدمته الثانية في الدولة ~~الظاهرية. ثم قدم جلبان المذكور تقدمته إلى السلطان من الغد في يوم ~~الثلاثاء، وكانت تشتمل على عدة حمالين كثيرة، منها سمور خمسة أبدان، ووشق ~~بدنان، وقاقم خمسة أبدان، وسنجاب خمسون بدنا، وقرضيات خمسون قرضية، ومخمل ~~ملون خاص أربعون ثوبا، ومخمل أحمر وأخضر وأزرق حلبي خمسون ثوبا، وصوف ملون ~~مائة ثوب، وثياب بعلبكي خمسمائة ثوب، ms3306 وثياب بطائن خمسمائة أيضا، وقسي حلقة ~~ثلاثمائة قوس، منها خمسون خاصا، وطبول بازات مذهبة عشرة، وسيوف خمسون سيفا، ~~وخيول مائتا رأس، منها واحد بسرج ذهب وكنبوش زركش، وبغال ثلاثة أقطار، ~~وجمال أربعة أقطار، وعشرون ألف دينار على ما قيل. وفي أواخر هذه السنة ظهر ~~الطاعون بمصر، وفشا في أول المحرم سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، وقد أخذ ~~السلطان في تجهيز تجريدة عظيمة لغزو رودس، وأخذ الطاعون يتزايد في كل يوم، ~~حتى عظم في صفر، وزاد عدة من يموت فيه على خمسمائة إنسان. ثم في يوم ~~الثلاثاء حادي عشرين صفر، نفى السلطان كسباي الششماني المؤيدي، أحد ~~الدوادارية الصغار، وعد ذلك من الأشياء التي وضعها الملك الظاهر في محلها؛ ~~وقد استوعبنا أمر كسباي هذا والتعريف بأحواله في غير هذا المحل. ثم في شهر ~~ربيع الأول أخذ الطاعون يتناقص من القاهرة ويتزايد بضواحيها. ثم في يوم ~~السبت سادس عشر شهر ربيع الأول المذكور، نفى السلطان سودون السودوني الحاجب ~~إلى قوص، وأنعم بإقطاعه على الأمير ألطنبغا المعلم الطاهري برقوق، زيادة ~~على ما بيده. ثم في يوم السبت المذكور، خرجت الغزاة من القاهرة، فنزلت في ~~المراكب من ساحل بولاق؛ وقصدوا الإسكندرية ودمياط، ليركبوا من هناك البحر ~~المالح، والجميع قصدهم غزو رودس. وكانوا جمعا موفورا، ما بين أمراء وخاصكية ~~ومماليك سلطانية ومطوعة. وكان مقدم الجميع في هذه السنة أيضا الأمير إينال ~~العلائي الدوادار الكبير، كما كان في السنة الخالية. وكان معه من الأمراء ~~الطبلخانات؛ الأمير يلخجا من مامش الساقي الناصري الرأس نوبة الثاني، ومن ~~العشرات جماعة كبيرة، منهم: تغري برمش الزردكاش، وتغري برمش الفقيه نائب ~~القلعة. وهو مستمر على وظيفته - ورسم السلطان للأمير يونس العلائي الناصري ~~أحد أمراء العشرات أن يسكن بباب المدرج، إلى أن يعود تغري برمش المذكور من ~~الجهاد - وسودون الإينالي المؤيدي قراقاس رأس نوبة، وتمربغا الظاهري جقمق، ~~ونوكار الناصري، وتمراز النوروزي رأس نوبة المعروف بتعريص، ويشبك الفقيه ~~المؤيدي؛ وفيها تأمر بعد عوده - بعد موت تمراز النوروزي من جرح أصابه - ~~وجماعة أخر من أعيان الخاصكية، ms3307 كل منهم مقدم على غراب أو زورق، ومعه علة من ~~المماليك السلطانية وغيرهم. وكانت المماليك السلطانية في هذه الغزوة تزيد ~~عدتهم على ألف مملوك، هذا خارج عمن سافر من المطوعة. وأضاف إليهم السلطان ~~أيضا جماعة كبيرة من أمراء البلاد الشامية، كما فعل الملك الأشرف في غزوة ~~قبرس المقدم ذكرها. ورسم لهم السلطان أن يتوجه الجميع إلى طرابلس، ليضاف ~~إليهم العسكر الشامي، ويسير الجميع عسكرا واحدا، ففعلوا ذلك، وسافر الجميع ~~من ثغر دمياط وثغر الإسكندرية، في يوم الخميس حادي عشر شهر ربيع الآخر؛ ~~وكان لخروجهم من ساحل بولاق يوم عظيم، لم ير مثله إلا نادرا. PageV04P0279 # وساروا من ثغر الإسكندرية ودمياط إلى طرابلس، ثم من طرابلس إلى رودس، حتى ~~نزلوا على برها بالقرب من مدينتها في الخيم، وقد استعد أهلها للقتال، ~~فأخذوا في حصار المدينة، ونصبوا عليها المناجيق والمكاحل، وأرموا على ~~أبراجها بالمكاحل والمدافع، واستمروا على قتال أهل رودس في كل يوم. هذا ~~ومنهم فرقة كبيرة قد تفرقت في قرى رودس وبساتينها ينهبون ويسبون. واستمروا ~~على ذلك أياما، ومدينة رودس لا تزداد إلا قوة، لشدة مقاتليها ولعظم ~~عمارتها، وقد تأهبوا للقتال وحصنوا رودس بالآلات والسلاح والمقاتلة، وصار ~~القتال مستمرا بينهم في كل يوم، وقتل من الطائفتين خلائق كثيرة. هذا وقد ~~استقر الأمير يلخجا الناصري في المراكب، ومعه جماعة كبيرة من المماليك ~~السلطانية وغيرهم، لحفظ المراكب من طارق يطرقهم من الفرنج في البحر، وكان ~~في ذلك غاية المصلحة. وصار يلخجا مقدم العساكر في البحر، كما كان إينال ~~مقدم العساكر في البر. وبينما يلخجا ورفقته ذات يوم، إذ هجم عليهم الفرنج ~~في عدة كبيرة من المراكب، فبرز إليهم يلخجا ومن معه، وقاتلوهم قتالا عظيما، ~~حتى نصر الله المسلمين، وانهزم الفرنج وغنم المسلمون منهم. كل ذلك وقتال ~~رودس مستمر في كل يوم، والعساكر في غاية ما يكون من الاجتهاد في قتال رودس، ~~غير أن رودس لا يزداد أمرها إلا قوة، لعظم استعداد أهلها للقتال. ولما كان ~~في بعض الأيام، وقع للمسلمين محنة عظيمة، قتل فيها ms3308 جماعة كبيرة من أعيان ~~الغزاة من الخاصكية وغيرهم؛ وهو أن جماعة من المسلمين الأعيان نزلوا في ~~كنيسة تجاه رودس، وبينهم وبين العسكر الإسلامي رفقتهم مخاضة من البحر ~~المالح، وبينهم أيضا وبين مدينة رودس طريق سالكة. فاتفق أهل رودس على تبييت ~~هؤلاء المسلمين الذين بالكنيسة المذكورة، إلى أن أمكنهم ذلك، فخرجوا إليهم ~~على حين غفلة وطرقوهم بالسيوف والسلاح، وكان المسلمون في أمن من جهتهم، ~~وغالبهم جالس بغير سلاح، وهم أيضا في قلة والفرنج في كثرة. فلما هجموا على ~~المسلمين، ووقعت العين في العين، قام المسلمون إلى سلاحهم، فمنهم من وصل ~~إلى أخذ سلاحه، وقاتلهم حتى قتل، ومنهم من قتل دون أخذ سلاحه، ومنهم من ~~ألقى بنفسه إلى الماء ونجا، وهم القليل. على أنه قتل من الفرنج جماعة ~~كبيرة، قتلتهم فرسان المسلمين قبل أن يقتلوا لما عاينوا الهلاك، أثابهم ~~الله الجنة. ولما وقعت الهجة، قام كل واحد من المسلمين إلى نجدة هؤلاء ~~المذكورين، فلم يصل إليهم أحد حتى فرغ القتال؛ إلا أن بعض أعيان الخاصكية ~~مع رفقته لحق جماعة من الفرنج قبل دخولهم إلى رودس، ووضعوا فيهم السيف. وقد ~~استوعبنا واقعتهم بأطول من هذا، في غير هذا الكتاب . وكان عدة من قتل في ~~هذه الكائنة نيفا على عشرين نفسا. ودام القتال بعد ذلك في كل يوم بين عساكر ~~الإسلام وبين فرنج رودس أياما كثيرة، ومدينة رودس لا تزداد إلا قوة. فعند ~~ذلك أجمع المسلمون على العود، وركبوا مراكبهم، وعادوا إلى أن وصلوا إلى ثغر ~~الإسكندرية ودمياط، ثم قدموا إلى القاهرة. فكانت غزوة العام الماضي، أعني ~~غزوة قشتيل التي أخربوها وسبوا أهلها، أبهج من هذه الغزوة، فلله الأمر من ~~قبل ومن بعد. وكان وصول الغزاة المذكورين إلى القاهرة في يوم الخميس ثاني ~~عشر شهر رجب من سنة ثمان وأربعين المذكورة. ثم في يوم الاثنين ثالث شهر ~~ربيع الآخر، خلع السلطان على الأمير سودون المحمدي، أحد أمراء العشرات، ~~باستقراره في نيابة قلعة دمشق، بعد نقل الأمير جانبك الناصري دوادار برسباي ~~الحاجب منها إلى حجوبية ms3309 الحجاب بدمشق، بعد موت الأمير سودون النوروزي. وفيه ~~استقر الأمير قنصوه النوروزي - الخارج على السلطان في نوبة الجكمي - في ~~نيابة ملطية، بعد عزل الأمير قيز طوغان العلائي وقدومه إلى حلب أتابكا بها ~~عوضا عن الصاحب خليل بن شاهين بحكم عزله ونفيه. PageV04P0280 # ثم في يوم السبت رابع شهر رجب، وصل إلى القاهرة الأمير بردبك العجمي ~~الجكمي، نائب حماة، وطلع إلى القلعة وقبل الأرض، فنهره السلطان، وأمر ~~بالقبض عليه، فأمسك وحبس بالقلعة، ثم سفر إلى ثغر الإسكندرية فسجن بها؛ ~~وسبب ذلك واقعة كانت بينه وبين أهل حماة، قتل فيها جماعة كبيرة من ~~الحمويين، استوعبناها في " الحوادث " من غير هذا الكتاب. ورسم السلطان ~~للأمير قاني باي الأبو بكري البهلوان نائب صفد بنيابة حماة، ونقل الأمير ~~بيغوت المؤيدي الأعرج نائب حمص إلى نيابة صفد. ثم في يوم الاثنين سادس عشر ~~رجب المذكور، خلع السلطان على الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي، الذي كان ~~ولي حسبة القاهرة، باستقراره في نيابة الإسكندرية، بعد عزل الأمير ألطنبغا ~~المعلم اللفاف الظاهري برقوق، وقدومه إلى القاهرة على إقطاعه، وقد زاده ~~السلطان عدة زيادات. ثم في يوم الخميس خامس عشر شعبان، قدم إلى القاهرة ~~قاصد القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك وفي خدمته نحو المائة نفر، ~~وأتباع كثيرة. وكان معه أيضا امرأة عجوز من نساء تيمورلنك، قدمت برسم الحج ~~إلى بيت الله الحرام؛ أقامت بدمشق لتتوجه في الموسم صحبة الركب الشامي، ومع ~~القاصد المذكور كسوة الكعبة التي أرسلها شاه رخ. وكان القاصد الذي قدم في ~~العام الماضي استأذن السلطان في ذلك، واعتذر أن شاه رخ نذر أن يكسو الكعبة ~~- كما كان ذكر ذلك للملك الأشرف برسباي، وكان ذلك سببا لضرب الأشرف لقصاده ~~والإخراق بهم. فلما استأذن القاصد الملك الظاهر جقمق، أذن له وعاد القاصد ~~بالجواب إلى شاه رخ، فأرسلها في هذه السنة، صحبة هذا القاصد المذكور. ~~واعتذر الملك الظاهر بقوله: " إن هذه قربة، ويجوز أن يكسو الكعبة كائن من ~~كان " ؛ وعظم ذلك على أمراء الدولة والمصريين إلى الغاية. ونزل ms3310 القاصد ~~المذكو في بيت جمال الدين الأستادار بين القصرين. فلما كان يوم الاثنين ~~حادي عشر شهر رمضان، طلع قاصد شاه رخ المذكور ورفقته إلى القلعة، وكان ~~السلطان قد احتفل إلى طلوعهم، ونادى أن أحدا من أجناد الحلقة والمماليك ~~السلطانية لا يتأخر عن طلوع القلعة في هذا اليوم. وعمل السلطان الخدمة ~~بالحوش من القلعة، ولم تكن العادة بعمل الخدمة إلا في إيوان القلعة فأبطل ~~السلطان ذلك وعملها في الحوش. وطلعوا القصاد ومعهم التقدمة والكسوة فأمر ~~السلطان بإدخال ما معهم إلى البحرة لئلا يفطن أحد بالكسوة المذكورة. وترحب ~~السلطان بالقصاد وأكرمهم، وقرىء ما على يدهم من المكاتبة، وعادوا إلى جهة ~~منزلهم، إلى أن وصلوا إلى بيت جمال الدين حيث سكنهم، وقد أطلقت الألسن في ~~حقهم بالوقيعة من العوام والرجم المتتابع إلى البيت المذكور. وحال دخولهم ~~إلى البيت، نزل خلفهم في الوقت من المماليك السلطانية الذين بأطباق القلعة ~~مقدار ثلاثمائة مملوك، وانضاف إليهم جماعة كبيرة من المماليك البطالين ~~والعوام، وكبسوا على القصاد المذكورين، ونهبوا جميع ما كان لهم، وكان شيئا ~~كثيرا إلى الغاية، وأفحشوا في النهب حتى أخذوا خيولهم؛ وكان قيمة ما نهب هم ~~من الفصوص الفيروزج الكرماني والشقق الحرير والمخمل والمسك وأنواع الفرو ~~وغير ذلك يربو على عشرين ألف دينار وأكثر. ولولا أن الأمير يلخجا الرأس ~~نوبة الثاني كان سكنه بالقرب منهم، فركب في الحال بمماليكه ونجدهم، ومنع ~~الناس من نهبهم، ثم وصل إليهم الأمير إينال العلائي الدوادار الكبير، ثم ~~الأمير تنبك حاجب الحجاب، وأمسكوا جماعة من العامة، وأخذوا ما كان معهم مما ~~نهبوه، وإلا كان لأمر أعظم من ذلك. ولما بلغ السلطان الخبر، غضب غضبا ~~شديدا، وأمسك جماعة من العامة، ضربهم بالمقارع، وأبدع فيهم، وقطع أرزاق بعض ~~المماليك السلطانية من الخدامة وأولاد الناس . ثم أعطى السلطان القصاد شيئا ~~كثيرا، وطيب خواطرهم - انتهى. ثم في أواخر شهر رمضان المذكور، نفى السلطان ~~الأمير أقطوه الموساوي ظاهري برقوق، أحد أمراء الطبلخاناه، إلى طرسوس، ثم ~~شفع فيه فتوجه إلى دمشق بطالا. ثم في شوال ورد ms3311 الخبر على السلطان بنصرة ~~مراد بك بن عثمان متملك بلاد الروم على بني الأصفر. وفي هذه السنة أبطل ~~السلطان الرماحة الذين يلعبون بالرمح يوم دوران المحمل في شهر رجب. ~~PageV04P0281 # ثم يوم الاثنين، استقر محب الدين محمد بن الشحنة الحنفي قاضي قضاة حلب ~~وكاتب سرها وناظر الجيش بها، بسفارة الصاحب جمال الدين يوسف ناظر الخاص ~~الشريف. ثم في يوم الخميس خامس عشرين ذي القعدة، قدم الزيني عبد الباسط من ~~دمشق إلى القاهرة، وهذه قدمته الثانية من يوم عزل وصودر، وطلع إلى السلطان ~~في يوم السبت سابع عشرينه، وخلع عليه كاملية بفرو سمور. ثم قدم هديته إلى ~~السلطان في يوم الاثنين تاسع عشرينه، وكانت تشتمل على شيء كثير مع مبلغ ~~كبير من الذهب. ثم في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة خرجت تجريدة إلى ~~البحيرة، ومقدم العسكر الأمير قراخجا الحسني الأمير آخور الكبير ومعه ستة ~~من الأمراء. ثم في يوم الخميس رابع عشر محرم سنة تسع وأربعين وثمانمائة ~~استقر الشيخ شمس الدين محمد القاياتي قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، ~~وصرف الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر، ونزل القاياتي بغير خلعة تورعا، وعليه ~~طيلسانه، وبين يديه أعيان الدولة. ولما نزل إلى الصالحية لم يسمع الدعوى ~~التي يدعيها بعض الرسل، وقال: هذه حيلة؛ ثم قام وتوجه إلى داره، وفي ظن كل ~~أحد أنه سيسير في القضاء على قاعدة السلف، لما عهدوا من تقشفه وتعففه، فوقع ~~بخلاف ما كان في الظن، ومال إلى المنصب، وراعى الأكابر، وأكثر من النواب، ~~وظهر منه الميل الكلي إلى الوظيفة، حتى لعله لو عزل منها لمات أسفا عليها. ~~ثم في يوم الاثنين ثامن عشر المحرم المذكور خلع السلطان على الأمير يلخجا ~~من مامش الساقي الناصري الرأس نوبة الثاني باستقراره في نيابة غزة، بعد موت ~~الأمير طوخ الأبوبكري المؤيدي قتيلا بيد العشير. ثم في يوم الاثنين العشرين ~~من شهر ربيع الآخر، خلع السلطان على الأمير شادبك الجكمي، أحد مقدمي ~~الألوف، باستقراره في نيابة حماة، عوضا عن قاني باي البهلوان بحكم انتقاله ms3312 ~~إلى نيابة حلب، بحكم عزل قاني باي الحمزاوي عنها وقدومه إلى مصر على إقطاع ~~شاد بك المذكور. ثم في يوم الخميس خامس عشر جماد الأول من سنة تسع وأربعين ~~المذكورة، رسم السلطان بنفي الأمير علي باي العجمي المؤيدي، أحد أمراء ~~العشرات ورأس نوبة، إلى صفد ثم حول إلى دمشق بطالا، وأنعم بإمرته على ~~الأمير جانبك اليشبكي الساقي والي القاهرة، وأنعم بإقطاع جانبك المذكور على ~~جماعة من الخاصكية الأشرفية، ممن كان نفي في أول الدولة بدمشق وغيرها. ثم ~~في يوم الاثنين رابع عشرين جماد الآخر وصل الأمير قاني باي الحمزاوي نائب ~~حلب إلى القاهرة، وقبل الأرض، واستقر من جملة مقدمي الألوف بها، وكان ~~الكلام قد كثر في أمره، وأشيع بعصيانه. وفي هذا الشهر ندب السلطان مملوكه ~~جانبك الظاهري الخاصكي إلى التكلم على بندر جدة؛ وهذه أول سفرة سافرها ~~جانبك المذكور، ومبدأ أمره في التكلم على بند جدة إلى يومنا هذا. وكان من ~~خبر استمراره على التكلم في البندر المذكور، أن السلطان كان في كل سنة يندب ~~للتكلم على البندر أحدا من الأمراء أو أعيان الخاصكية، فيتوجه المذكور ثم ~~يعود إلى القاهرة، وقد تغير خاطر السلطان عليه لأمور شتى، فيعزله السلطان ~~على أقبح وجه، ومنهم من يصادره ويأخذ منه الأموال الكثيرة، ومنهم من ينفى، ~~ومنهم من يرسم عليه ويبهدل، وقل من يسلم من ذلك. وقد وقع ذلك لجماعة كثيرة ~~من الدولة الأشرفية برسباي إلى يوم تاريخه. فلما ولي جانبك هذا، باشر ~~البندر المذكور بمعرفة وحنق، مع المهابة ووفور العقل والحرمة ونفوذ الكلمة، ~~ونهض بما لم ينهض به غيره ممن تقدمه. وأنا أقول: ولا ممن تأخر عنه إلى يوم ~~القيامة، على ما سيأتي بيان ذلك في مواطن كثيرة من هذه الترجمة وغيرها؛ وقد ~~استوعبنا حاله في تاريخنا " المنهل الصافي " بأوسع من هذا، وأيضا ذكرنا ~~أموره مفضلا في تاريخنا " الحوادث " عند ذهابه إلى جدة وإيابه، وما يقع له ~~بها في الغالب - انتهى. ثم في يوم الخميس ثالث شعبان، خلع السلطان على ~~الأمير إينال العلائي ms3313 الدوادار الكبير، باستقراره أتابك العساكر بالديار ~~المصرية، بعد موت الأمير الكبير يشبك السودوني المشد. قلت: وفي تولية إينال ~~هذا للألابكية في يوم ثالث الشهر رد على من يتشاءم بالحركة في يوم ثالث ~~الشهر، فإنه نقل من هذه الوظيفة إلى السلطنة، فأي شؤم وقع له في ولايته؟ - ~~انتهى. PageV04P0282 # ثم خلع السلطان على الأمير قاني باي الجاركسي شاد الشراب خاناه باستقراره ~~دوادارا كبيرا، عوضا عن إينال المذكور، وأنعم بإقطاع الأمير إينال المذكور ~~على الشهابي أحمد بن علي بن إينال اليوسفي، وصار أمير مائة ومقدم ألف ~~بالديار المصرية. وخلع السلطان على الأمير يونس السيفي آقباي باستقراره شاد ~~الشراب خاناه، عوضا عن قاني باي الجاركسي، واستمر على إقطاعه إمرة عشرة. ~~ووقع بسبب تولية الأمير إينال المذكور للأتابكية كلام كثير في الباطن، لكون ~~السلطان قدمه على الأمير تمراز القرمشي أمير سلاح، وجرباش الكريمي أمير ~~مجلس، وقراخجا الحسني الأمير آخور الكبير، وهؤلاء الثلاثة من أكابر ~~المماليك البرقوقية، ووظائفهم أيضا تقتضي الانتقال منها إلى الأتابكية، ~~بخلاف وظيفة الدوادارية. وبلغ السلطان ذلك، أو فطن به، فلما كان يوم السبت ~~خامسه، نزل من قلعة الجبل إلى خليج الزعفران، وصحبته جميع الأمراء إلى مخيم ~~ضرب له به، وجلس فيه وأكل السماط، ودام هناك إلى قريب الظهر، ثم ركب وعاد ~~إلى القلعة. وكان قصد الملك الظاهر بالنزول إلى خليج الزعفران في هذا ~~اليوم، استخفافا بالقوم، لأنهم أشاعوا أن جماعة تريد الركوب، فكأنه قال لهم ~~بلسان حاله: " ها قد نزلت من القلعة بخليج الزعفران، من كان له غرض في شيء ~~فليفعله " ، فلم يتحرك ساكن وانقمع كل أحد، فكانت هذه الفعلة من أحسن ~~أفعاله وأعظمها. ثم في يوم الخميس سابع عشر شهر شعبان المذكور، خلع السلطان ~~على الأمير الكبير إينال المذكور خلعة نظر البيمارستان المنصوري، وخلع على ~~قاني باي الجاركسي خلعة الإنظار المتعلقة بالدوادارية. ثم في يوم السبت ~~سابع عشر شوال برز أمير حلج المحمل، الأمير دلاوت باي المحمودي المؤيدي ~~الدوادار الثاني، بالمحمل إلى بركة الحاج على العادة، وأمير الركب الأول ~~تمربغا الظاهري. ms3314 ثم في يوم الخميس ثالث المحرم سنة خمسين وثمانمائة، خلع ~~السلطان على الصاحب خليل بن شاهين، المعزول عن نيابة ملطية قبل تاريخه، ~~باستقراره في نيابة القدس، عوضا عن طوغان العثماني، بحكم توجهه حاجب حجاب ~~حلب، بعد موت قاني باي الجكمي. وفيه استقر القاضي برهان الدين إبراهيم بن ~~الديري في نظر الجوالي مضافا لما بيده من نظر الإسطبلات السلطانية، عوضا عن ~~ابن المحرقي، بعد عزله. ثم في يوم الاثنين خامس صفر، أعيد قاضي القضاة شهاب ~~الدين بن حجر للقضاء، بعد موت قاضي القضاة شمس الدين القاياتي. ثم في يوم ~~الثلاثاء سادس صفر أيضا، استقر القاضي ولي الدين السفطي في تدريس المدرسة ~~الصلاحية بقبة الشافعي عوضا عن القاياتي. ثم في يوم السبت ثامن شهر ربيع ~~الأول من سنة خمسين المذكورة، قدم إلى القاهرة الشريف محمد بن الشريف بركات ~~بن حسن بن عجلان، ومعه تقدمة من عند أبيه، ما بين خيول وغيرها، وأقام ~~بالقاهرة إلى سلخ الشهر المذكور، وعاد إلى مكة، وقد أعطاه السلطان أمانا ~~لأبيه بركات، ووعلى بكل خير من ولاية مكة وغير ذلك. ثم في يوم الاثنين أول ~~شهر ربيع الآخر، خلع السلطان على ولي الدين السفطي باستقراره في نظر ~~البيمارستان المنصوري، عوضا عن القاضي محب الدين بن الأشقر ناظر الجيش، ~~بحكم عزله عنها. وسار السفطي في النظر المذكور سيرة سيئة، وهو أنه صار يأخذ ~~ما لا يستحقه، ويدفعه لمن لا يستحقه، وحسابه على الله. وفيه استقر أسنبغا ~~مملوك ابن كلبك شاد الشون السلطانية في نيابة بعلبك، ولم يقع ذلك فيما ~~تقدم. والعادة أن نائب دمشق هو الذي يستقر بمن يختاره من مماليكه في نيابة ~~بعلبك. هذا في هذا الزمان، وأما الوالد فإنه ولى في نيابته على دمشق نيابة ~~القدس والرملة. ثم في أواخر جمادى الأولى توغر خاطر السلطان على الأمير شاد ~~بك الجكمي نائب حماة، وعزله عن نيابة حماة، وولى عوضه الأمير يشبك من جانبك ~~المؤيدي الصوفي أحد أمراء الألوف بحلب - وكان السلطان نفى يشبك المذكور من ~~مصر، ثم أنعم ms3315 عليه بإمرة بحلب، وأنعم بإقطاع يشبك المذكور على خجداشه ~~الأمير علي باي العجمي المنفي أيضا قبل تاريخه إلى دمشق - ورسم لشاد بك ~~المذكور أن يتوجه إلى القدس بطالا؛ وحمل تقليد يشبك المذكور بنيابة حماة ~~وتشريفه الأمير تمربغا الظاهري أحد أمراء العشرات. PageV04P0283 # وفي هذا الشهر، رسم السلطان بإطلاق جماعة من المماليك الأشرفية، ممن كان ~~حبسهم في أول دولته بالبلاد الشامية؛ ورسم بقدومهم إلى القاهرة. ثم في يوم ~~الخميس سابع عشر شوال برز أمير حاج المحمل، الأمير سونجبغا اليونسي الناصري ~~أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بالمحمل إلى بركة الحاج؛ وأمير الركب الأول ~~الأمير سمام الحسني الظاهري برقوق أحد أمراء العشرات. وسافرت في هذه السنة ~~إلى الحجاز زوجة السلطان الملك الظاهر جقمق خوند مغل بنت البارزي، ومعها ~~أيضا زوجة السلطان بنت ابن دلغادر. وحج في هذه السنة أيضا القاضي كمال ~~الدين بن البارزي كاتب السر الشريف، صحبة أخته خوند المذكورة، في الركب ~~الأول. وسافر كمال الدين المذكور، بتجمل كبير، وفعل في سفرته من الخيرات ~~والإحسان لأهل مكة ما سيذكر إلى الأبد. ثم في يوم السبت، أول محرم سنة إحدى ~~وخمسين وثمانمائة، خلع السلطان على قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني، ~~باستقراره قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، بعد عزل قاضي القضاة شهاب ~~الدين ابن حجر. وفيه استقر السيفي آقبردي الساقي جقمق في نيابة قلعة حلب، ~~عوضا عن تغري بردي الجاركسي، بحكم عزله وتوجهه إلى دمشق. وكان آقبردي ~~المذكور توجه إلى حلب في أمر متعلق بالسلطان. وفيه أنعم السلطان على خليل ~~بن شاهين الشيخي، بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، عوضا عن قير طوغان، بحكم ~~القبض عليه وحبسه بقلعة دمشق، بسبب ما وقع منه لما توجه أمير حاج الركب ~~الشامي من إحراقه باب المدينة الشريفة لسبب من الأسباب. وفيه أيضا استقر ~~الأمير يشبك الحمزاوي دوادار السلطان بحلب في نيابة غزة، عوضا عن حطط بحكم ~~عزله وتوجهه إلى دمشق بطالا؛ وأنعم بإقطاع يشبك الحمزاوي، وهو تقدمة ألف ~~بحلب، على الأمير سودون من سيدي بك الناصري المعروف بالقرماني. ms3316 وأنعم ~~بإقطاع سودون القرماني، وهو إمرة عشرة، على الأمير علي باي الأشرفي شاد ~~الشراب خاناة كان. ثم في يوم الخميس رابع صفر من سنة إحدى وخمسين، خلع ~~السلطان علي مملوكه سنقر الظاهري، باستقراره أستادار الصحبة، بعد موت أيتمش ~~من أزوباي المؤيدي. ثم في يوم الخميس حادي عشر صفر المذكور رسم السلطان ~~بنفي تغري برمش الجلالي الفقيه، نائب قلعة الجبل، إلى القدس بطالا، واستقر ~~الأمير يونس العلائي الناصري أحد أمراء العشرات عوضه في نيابة قلعة الجبل؛ ~~وأنعم بإقطاع تغري برمش المذكور على شريكه الأمير جانبك النوروزي المعروف ~~بنائب بعلبك، زيادة على ما بيده؛ ولبس المقدم ذكره خلعة نيابة القلعة، في ~~يوم الاثنين خامس عشر صفر. ثم في يوم الخميس ثالث شهر ربيع الأول، خلع ~~السلطان على الأمير برسباي الساقي السيفي تنبك البجاسي، باستقراره في نيابة ~~الإسكندرية، بعد عزل الأمير تنم من عبد الرازق المؤيدي، عنها وذلك بسفارة ~~عظيم الدولة الصاحب جمال الدين يوسف ناظر الخاص الشريف. وفيه خلع السلطان ~~على الأمير جانبك النوروزي المقدم ذكره المعروف بنائب بعلبك، باستقراره ~~أمير المماليك السلطانية المجاورين بمكة المشرفة. ثم في يوم الاثنين حادي ~~عشرين شهر ربيع الأول المذكور، رسم بنقل الأمير لرسباي الناصري من نيابة ~~طرابلس إلى نيابة حلب، بعد موت الأمير قاني باي الأبوبكري الناصري ~~البهلوان. ورسم بنقل الأمير يشبك المؤيدي الصوفي من نيابة حماة إلى نيابة ~~طرابلس، عوضا عن برسباي المذكور. وخلع السلطان على الأمير تنم بن عبد ~~الرازق المؤيدي المعزول عن نيابة الإسكندرية باستقراره في نيابة حماة، عوضا ~~عن يشبك الصوفي؛ رشحه إلى ذلك المقر الجمالي ناظر الخواص. وحمل إلى برسياي ~~نائب حلب التقليد والتشريف الأمير جرباش المحمدي الناصري الأمير آخور ~~الثاني المعروف بكرت. وتوجه بتقليد يشبك بنيابة طرابلس الأمير قراجا ~~الظاهري الخازندار الكبير. واستقر مسفر تنم بنيابة حماة الأمير لاجين ~~الظاهري الساقي، فصالحه الأمير تنم على عدم سفره صحبته على ثلاثة آلاف ~~دينار. ثم في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر استقر الأمير سودون السودوني ~~الظاهري برقوق من جملة الحجاب؛ ms3317 وكان سودون المذكور قد ولي الحجوبية الثانية ~~قبل ذلك؛ قلت: درجة إلى أسفل. PageV04P0284 # ثم في يوم الخميس خامس عشره خلع السلطان على القاضي ولي الدين السفطي ~~باستقراره قاضي قضاة الديار المصرية، بعد عزل قاضي القضاة علم الدين صالح ~~البلقيني، مضافا لما بيده من تدريس قبة، الشافعي، ونظر البيمارستان، ونظر ~~الكسوة، ووكالة بيت المال، ومشيخة الجمالية ونظرها، وغير ذلك من الوظائف، ~~ومع هذا كله، والبلص عمال والشحاذة في كل يوم، من الأمير الكبير إلى مقدم ~~الجبلية. وسار في القضاء أقبح سيرة، وسلك مع الناس طريقا غير محمودة، من ~~الحط على الفقهاء والترسيم عليهم، والإفحاش في أمرهم، لاسيما ما فعله مع ~~مباشري الأوقاف. وفي هذا الشهر خلع السلطان على شخص من الباعة يعرف بأبي ~~الخير النحاس شهرة ومكسبا، باستقراره في وكالة بيت المال، عوضا عن السفطي. ~~وهذا أول خمول السفطي، ومبدأ أمر أبي الخير النحاس؛ وما سيأتي من أمرهما ~~فأعجب. ولا بد من التعريف بأصل أبي الخير المذكور، وسبب ترقيه، وإن كان في ~~ذلك نوع إطالة، فيحتمل ذلك لنوع من الأنواع، فنقول: اسمه محمد وكنيته أبو ~~الخير، وبكنيته أشهر، ابن محمد بن أحمد بن محمد المصري الأصل والمولد، ~~الشافعي، النحاس. نشأ تحت كنف والده وحفظ القرآن، وتعلم من والده وجده ~~صناعة عمل النحاس، ومهر فيه، واتخذ له حانوتا بسوق النحاس بخط الشوائين ~~بالقرب من دكان أبيه. وأخذ في حانوته وأعطى حتى صار بينه وبين الناس ~~معاملات ومشاركات، ألجأه ذلك لتحمل الديون، إلى أن عامله الشيخ أبو العباس ~~الوفائي، وصار له عليه جمل مستكثرة من الديون. وكان الستر مسبولا بينهما ~~أولا ثم وقع بينهما وحشة، وكان ذلك هو السبب بوصلة النحاس هذا بالملك ~~الظاهر جقمق؛ وهو أن أبا العباس لما ماطله أبو الخير المذكور، أخذ في ~~الإلحاح عليه في طلب حقه والدعوى عليه بمجالس الحكام، والتجريء عليه ~~والمبالغة في إنكائه، بحيث إنه ادعى عليه مرة عند الأمير سودون السودوني ~~الحاجب، بعد أن أخرجه من السجن محتفظا به، فضربه سودون المذكور علقتين في ~~يوم ms3318 واحد؛ ودام هذا الأمر بينهما أشهرا، بل وسنين. وصار أبو العباس لا يرق ~~لفقر أبي الخير وإفلاسه وعدم موجوده، بل يلح في طلب حقه؛ فعند ذلك أخذ أبو ~~الخير النخاس في مرافعة أبي العباس المذكور، بأن الذي بيده من المال إنما ~~هو من جملة ذخائر الصفوي جوهر القنقبائي الخازندار، وقد بقيت عند أبي ~~العباس بعد موت جوهر. ولا زال أبو الخير يجتهد في ذلك، إلى أن توصل إلى ~~السلطان، وأنهى في حق أبي العباس ما تقدم ذكره، وعليه محاققة ذلك وإظهار ~~الحق في جهته؛ فلما سمع السلطان كلامه مال إليه وقال له: قد وكلتك في طلب ~~الحق من أبي العباس. فنزل أبو الخير في الحال من بين يدي السلطان، وقد صار ~~مطالبا بعدما كان مطلوبا، وادعى على أبي العباس المذكور بدعاو كثيرة، يطول ~~الشرح في ذكرها؛ وخدمه السعد في إظهار بعض موجود جوهر من عند أبي العباس ~~المذكور، فحسن ذلك ببال السلطان، ونبل أبو الخير في عين السلطان، ووكله بعد ~~مدة في جميع أموره؛ كل ذلك في سنة ست وأربعين وثمانمائة. وتردد أبو الخير ~~النحاس إلى السلطان، وحسن حاله من لبس القماش النظيف وركوب الحمار، واكتسى ~~كسوة جيدة. كل ذلك وأبو الخير يلح في طلب المال من أبي العباس. ثم التفت ~~إلى غير ذلك مما يعود نفعه على السلطان، وبقي بسبب ذلك يكثر الطلوع إلى ~~القلعة، وصار يتقرب إلى السلطان بهذه الأنواع؛ فمشى أمره وظهر عند العامة ~~اسمه؛ واستمر على ذلك إلى سنة ثمان وأربعين، فركب فرسا من غير لبس خف ولا ~~مهماز، وصار يطلع إلى القلعة في كل يوم مرة بعد نزول أرباب الدولة من ~~الخدمة، ويتقاضى أشغال السلطنة. كل ذلك وأعيان الدولة لا تلتفت إليه، ولا ~~يعاكسه أحد فيما يرومه، لعدم اكتراثهم به وإهمالهم أمره، لوضاعته لا ~~لجلالته فاستفحل أمره بهذه الفعلة، وطالت يده في الدولة. فأول ما بدأ به ~~أخذ في معارضة السفطي، وساعده في ذلك سوء سيرة السفطي وملل السلطان منه، ~~فولي عنه وكالة بيت المال. ms3319 ثم أخذ أمره يتزايد بعد ذلك، على ما سيأتي ذكره ~~مفصلا. وقد استوعبنا حاله في تاريخنا " المنهل الصافي " بأطول من هذا إذ هو ~~كتاب تراجم لا غير، وأما أمره في تاريخنا " حوادث الدهور " فهو مفضل باليوم ~~والساعة من أول أمره إلى آخره - انتهى. PageV04P0285 # ثم في يوم السبت أول جمادى الأولى، برز المرسوم الشريف باستقرار خير بك ~~الأجرود المؤيدي، أحد مقدمي الألوف بدمشق، في أتابكية دمشق، بعد موت الأمير ~~إينال الششماني الناصري؛ وأنعم السلطان بإقطاع خير بك المذكور، على الأمير ~~خشقدم الناصري المؤيدي، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بالقاهرة. ثم في يوم ~~الاثنين ثامن جمادى الآخرة، خلع السلطان على الصاحب أمين الدين إبراهيم بن ~~الهيصم ناظر الدولة باستقراره في الوزارة عوضا عن الصاحب كريم الدين عبد ~~الكريم ابن كاتب المناخ، بحكم طول مرضه؛ وهذه ولاية الصاحب أمين الدين ~~الثانية للوزر. ثم في يوم الاثنين سابع عشرين شهر رجب، برز المرسوم الشريف، ~~على يد الأمير إينال أخي قشتم المؤيدي، باستقرار الأمير تنم من عبد الرازق ~~المؤيدي نائب حماة في نيابة حلب، عوضا عن الأمير برسباي الناصري، بحكم ~~استعفائه عن نيابة جلب، لطول لزومه الفراش، ورسم أيضا بنقل الأمير بيغوت من ~~صفر خجا المؤيدي الأعرج نائب صفد إلى نيابة حماة، عوضا عن تنم المذكور، ~~وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير يلبغا الجاركسي أحد أمراء العشرات ورأس ~~نوبة. ورسم باستقرار الأمير يشبك الحمزاوي نائب غزة في نيابة صفد. ورسم ~~باستقرار طوغان العثماني حاجب الحجاب بحلب في نيابة غزة، عوضا عن يشبك ~~الحمزاوي، واستقر في حجوبية حلب الأمير جانبك المؤيدي المعروف بشيخ، أحد ~~أمراء طرابلس. ثم في يوم الخميس أول شعبان، قدم الشريف بركات بن حسن بن ~~عجلان، ونزل الملك الظاهر جقمق إلى لقائه بمطعم الطيور الريدانية، خارج ~~القاهرة. وبالغ السلطان في إكرام بركات المذكور، وقام إليه ومشى له خطوات، ~~وأجلسه بجانبه، ثم خلع عليه، وقيد له فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، وركب مع ~~السلطان، وسار إلى قريب قلعة الجبل، فرسم له السلطان بالعود إلى محل ms3320 أنزله ~~به، وهو مكان أخلاه له المقر الجمالي ناظر الخواص، ورتب له الرواتب ~~الهائلة. وقام الجمالي المذكور بجميع ما يحتاج إليه بركات، من الكلف والخدم ~~السلطانية وغيرها، وكان أيضا هو القائم بأمره، إلى أن أعاده إلى إمرة مكة، ~~والسفير بينهما الخواجا، شرف الدين موسى التتائي الأنصاري التاجر. ثم في ~~يوم الخميس سابع شهر رمضان، خلع السلطان على الأمير بيسق اليشبكي، أحد ~~أمراء العشرات، باستقراره في نيابة دمياط، بعد عزل الأمير بدخاص العثماني ~~الظاهري برقوق. ثم في يوم الخميس رابع عشره، خلع السلطان على أبي الخير ~~النخاس المقدم ذكره باستقراره في نظر الجوالي، عوضا عن برهان الدين الديري. ~~ثم في يوم الخميس خامس شوال، خلع السلطان على الأمير تمراز من بكتمر ~~المؤيدي المصارع، أحد أمراء العشرات، باستقراره في بابة القدس، بعد عزل ~~خشقدم السيفي سودون من عبد الرحمن. ثم في يوم الاثنين أول ذي القعدة؛ أنعم ~~السلطان على أسنباي الجمالي الظاهري جقمق الساقي بإمرة عشرة، بعد موت إينال ~~أخي قشتم، وأنعم بوظيفة أسنباي - السقاية - على جانم الظاهري جقمق. ثم في ~~يوم الأربعاء ثالثه برز الأمر الشريف بحبس الأبرين المقيمين بالقدس الشريف، ~~وهما: شاد بك الجكمي المعزول عن نيابة حماة، وإينال الأبو بكري الأشرفي، ~~فحبسا بقلعة صفد. ثم في يوم الاثنين ثامن ذي القعدة، استقر شاهين الظاهري ~~ساقيا، عوضا عن جكم قلق سيز بحكم تغير خاطر السلطان عليه. ثم في محرم سنة ~~اثنتين وخمسين وثمانمائة رسم السلطان للأمير يشبك طاز المؤيدي أحد أمراء ~~دمشق، بحجوبية طرابلس عوضا عن يشك النوروزي. ثم في يوم الأربعاء حادي عشرين ~~المحرم، وصل الركب الأول من الحاج، صحبة الأمير الطواشي عبد اللطيف المنجكي ~~ثم العثماني، مقدم المماليك السلطانية. وأصبح قدم من الغد أمير حاج المحمل ~~الأمير تنبك البردبكي حاجب الحجاب بالمحمل. ثم في يوم الجمعة ثالث عشرين ~~المحرم المذكور رسم السلطان بنفي الأمير قراجا العمري الناصري، أحد ~~المقدمين بدمشق، إلى سيس، وأنعم بتقدمته على الأمير مازي الظاهري برقوق، ~~نائب الكرك كان. ثم في يوم الخميس ثامن عشرين ms3321 صفر، رسم بإطلاق قيز طوغان من ~~محبسه بقلعة دمشق، بشفاعة الأمير جلبان نائب دمشق. وفيه أيضا رسم بمجيء ~~كسباي الدوادار المؤيدي المجنون، من طرابلس إلى القاهرة، بشفاعة جرباش ~~قاشق. PageV04P0286 # ثم في يوم الأحد أول شهر ربيع الأول، رسم السلطان بتبقية الأمير قيز ~~طوغان في الحبس، وردت المراسيم التي كانت كتبت بإطلاقه بواسطة زين الدين ~~يحيى الأشقر الأستادار. ثم في يوم الاثنين ثاني ربيع الأول، عاد الأمير ~~جلبان إلى محل كفالته بدمشق. ثم في يوم الثلاثاء ثالثه، عزل السلطان الأمير ~~عبد اللطيف زين الدين الطواشي العثماني عن تقدمة المماليك السلطانية، وخلع ~~على الطواشي جوهر النوروزي نائب مقدم المماليك باستقراره في تقدمة المماليك ~~عوضا عن عبد اللطيف المذكور. ثم في يوم الخميس خامسه، استقر عوضه نائب مقدم ~~المماليك مرجان العادلي المحمودي. ثم في يوم السبت حادي عشرينه، استقر أبو ~~الخير النحاس في نظر الكسوة، عوضا عن السفطي؛ ثم في يوم الأربعاء ثالث شهر ~~ربيع الآخر، عزل السلطان السفطي عن قضاء الديار المصرية. ثم في يوم الخميس ~~رابعه، استقر برهان الدين إبراهيم بن ظهير في نظر الإسطبل السلطاني، عوضا ~~عن برهان الدين إبراهيم بن الديري. وفيه ولي الشيخ أشرف الدين، يحيى ~~المناوي تدريس قبة الشافعي، عوضا عن السفطي. وفي يوم السبت سادسه، نكب شمس ~~الدين محمد الكاتب، وعزر وامتحن حسبما ذكرناه في الحوادث مفصلا. ثم في يوم ~~الأحد سابع شهر ربيع الآخر، أعيد قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر إلى ~~القضاء، بعد عزل السفطي، واستقر أيضا في مشيخة الخانقاه البيبرسية، على ~~عادته، ولبس خلعتهما من الغد في يوم الاثنين. ثم في يوم الخميس حادي عشره، ~~استقر أبو الخير النحاس ناظر البيمارستان المنصوري عوضا عن السفطي. ثم في ~~يوم الاثنين لبس السفطي كاملية خضراء بسمور، بعد أن حمل مبلغ خمسة آلاف ~~دينار وخمسمائة دينار، بسبب أنه ادعي عليه أنه تناولها من وقف الكسوة. ثم ~~في يوم الاثنين ثاني عشرين ربيع الآخر المذكور، عزل الأمير تمراز البكتمري ~~المؤيدي المصارع عن نيابة القدس. وفي هذا الشهر ms3322 طلق السلطان زوجته خوند ~~الكبرى مغل بنت البارزي. ثم في يوم الاثنين سابع عشرين جمادى الأولى خلع ~~السلطان على الأمير قاني باي الحمزاوي، أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، ~~باستقراره في نيابة حلب ثانيا، بعد عزل الأمير تنم المؤيدي عنها وقدومه إلى ~~القاهرة على إقطاع قاني باي الحمزاوي المذكورة واستقر يونس العلائي الناصري ~~نائب قلعة الجبل مسفر قاني باي، فصالحه السلطان عنه بمبلغ كبير من الذهب، ~~لقلة موجود قاني باي المذكور. وفيه استقر الأمير بيسق اليشبكي أحد أمراء ~~العشرات بالقاهرة، في نيابة قلعة دمشق، بعد موت شاهين الطوغاني، وفرق ~~السلطان إقطاع بيسق على كسباي المجنون المؤيدي وغيره، بواسطة المقر الجمالي ~~ناظر الخواص الشريفة. ثم في يوم الاثنين حادي عشره، برز الأمير قاني باي ~~الحمزاوي إلى محل كفالته بحلب. ثم في يوم الأحد رابع عشرين جمادى الآخرة، ~~أمر السلطان بنفي الأمير تمراز المصارع، المعزول عن نيابة القدس، إلى دمشق، ~~ثم شفع فيه وأعيد بعد أيام، بعد أن أخرج السلطان إقطاعه إلى أزبك من ططخ ~~الساقي الظاهري، والإقطاع إمرة عشرة؛ واستقر خشقدم السيفي سودون من عبد ~~الرحمن في نيابة القدس، عوضا عن تمراز المذكور، واستقر إينال الظاهري ~~الخاصكي ساقيا، عوضا عن أزبك من ططخ. ثم في يوم الاثنين خامس عشرين جمادى ~~الآخرة المذكور، عزل الحافظ شهاب الدين بن حجر نفسه عن قضاء الشافعية؛ ولم ~~يلها بعد ذلك إلى أن مات. وخلع السلطان في يوم الثلاثاء سادس عشرينه على ~~قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني، وأعيد إلى قضاء الديار المصرية عوضا ~~عن ابن حجر المذكور. ثم في يوم الأثنين ثالث شهر رجب، رسم السلطان بإطلاق ~~إينال الأبو بكري من حبس صفد، وتوجهه إلى القدس بطالا. ثم في يوم الأربعاء ~~خامس شهر رجب، منع ولي الدين السفطي من طلوع القلعة، والاجتماع بالسلطان؛ ~~ثم رسم بتوجهه إلى بيت قاضي القضاة الحنفي، للدعوة عليه، فتوجه وادعى عليه ~~جماعة بحقوق كثيرة، فحلف عن بعضها ثلاثة أيمان، واعترف بالبعض؛ ثم نقل إلى ~~القاضي المالكي، وادعي عليه أيضا بدين فصالح ms3323 المدعي على ثلاثمائة دينار. ثم ~~رسم السلطان بمنع اليهود والنصارى من طب أبدان المسلمين. PageV04P0287 # ثم عزل السفطي عن مشيخة المدرسة الجمالية ودرس التفسير بها. ثم في يوم ~~ثالث عشرينه رسم بمجيء السفطي إلى بيت قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني ~~الشافعي ليدعي عليه الزيني قاسم المؤذي الكاشف، بسبب حمامه التي بباب ~~الخرق، وكان السفطي اشتراها منه في أيام عزه. فحضر السفطي إلى مجلس القاضي، ~~وادعى عليه قاسم بأنه كان أوقفها قبل بيعها، وأن الشراء لم يصادف محلا، ~~وأنه أكرهه على تعاطي البيع. وخرج قاسم لإثبات ذلك. ولما خرج السفطي من بيت ~~القاضي، عارضه شخص آخر وأمسكه من طوقه وعاد به إلى مجلس القاضي، وادعى عليه ~~أنه غصب منه خشبا وغيره، فأنكر السفطي، فطلب تحليفه والتغليظ عليه، فصالحه ~~على شيء، ومضى إلى داره؛ وأخذ في السعي إلى أن أعاده السلطان إلى مشيخة ~~الجمالية على عادته. ثم في يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب، أمر السلطان ~~ناصر الدين محمد بن أبي الفرج، نقيب الجيش، أن يأخذ السفطي ويمضي به إلى ~~بيت قاضي القضاة الشافعي، ثانيا، لسماع بينة الإكراه منه لقاسم الكاشف. ~~فتوجه السفطي وسمع ذلك، وذكر أن له دافعا وخرج ليبديه؛ فبلغ بعض أعداء ~~السفطي السلطان أنه يمتنع من التوجه إلى الشرع، ووغر خاطر السلطان عليه، ~~فأمر السلطان قاني بك السيفي. يشبك بن أزدمر أحد الدوادارية، في يوم الأحد ~~سلخ شهر رجب، أن يتوجه إلى السفطي ويأخذه ويمضي به إلى حبس المقشرة، ويحبسه ~~به مع أرباب الجرائم. فتوجه إليه قاني بك المذكور، وحبسه بالمقشرة، وقد ~~انطلقت الألسن بالوقيعة في حقه، ولولا رفق قاني بك به لقتلته العامة في ~~الطريق. ومن لطيف ما وقع للسفطي، أنه لما حبس بسجن المقشرة، دخل إليه بعض ~~الناس، وكلمه بسبب شيء من تعلقاته، وخاطبه الرجل المذكور بيا مولانا قاضي ~~القضاة، فصاح السفطي بأعلى صوته: " تقول لي قاضي القضاة! أما تقول: يا لص ~~يا حرامي يا مقشراوي! " فقال له لرجل: " يا لص يا حرامي يا مقشراوي! " . ثم ~~في ms3324 يوم الاثنين أول شعبان، وصل الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي المعزول ~~عن نيابة حلب، وطلع إلى السلطان، وقبل الأرض، فأكرمه السلطان وخلع عليه، ~~وأجلسه تحت أمير مجلس جرباش الكريمي، وأنعم عليه بإقطاع قاني باي حمزاوي، ~~وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش؛ كل ذلك بعناية عظيم الدولة صاحب جمال ~~الدين ناظر الخاص لصحبة كانت بينهما. وفي هذا اليوم، أخرج ولي الدين السفطي ~~من سجن المقشرة، وذهب ماشيا من السجن إلى بيت قاضي القضاة علم الدين صالح ~~البلقيني، ثم توجه منه راكبا إلى المدرسة الصالحية، وحضر قاضي القضاة أيضا ~~بالصالحية، فلم ينفصل له أمر، طلق من الغد من الترسيم. ثم في يوم الاثنين ~~ثامن شعبان، رسم السلطان لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم ~~البغدادي الحنبلي بطلب السفطي، وسماع الدعوى عليه والترسيم عليه، بسبب ~~الحمامين والفرن والدكاكين بحارة زويلة، فإنه ظهر أنهم كانوا في جملة وقف ~~الطيبرسية، فتجمل القاضي الحنبلي في حق السفطي، فلم يعجب ذلك أعداءه، ~~وعرفوا السلطان بذلك، فرسم في يوم السبت ثالث عشر شعبان بتوجهه إلى حبس ~~المقشرة ثانيا، بسبب الدكاكين والحمامين التي بحارة زويلة، ثم شفع فيه. ثم ~~في يوم السبت سابع عشرين شعبان ادعي على القاضي ولي الدين السفطي، بمجلس ~~القضاء ناصر الدين بن المخلطة المالكي، بحضور قاضي القضاة بدر الدين ~~الحنبلي، بسبب الحمامين وما معهما، وخرج على الأعذار. ثم في يوم الأربعاء ~~أول شهر رمضان، حضر السفطي وغرماؤه والقاضي ناصر الدين بن المخلطة عند قاضي ~~القضاة بدر الدين الحنبلي، وانفصل المجلس أيضا على غير طائل. وادعى السفطي ~~أن السلطان رسم بأن لا يدعى عليه عند ابن المخلطة، وكان ذلك غير صحيح، فلم ~~يسمع له ذلك. ولا زال الحنبلي يعتني به، حتى صالح جهة وقف طيبرس، بألف ~~دينار. ثم في يوم السبت خلع السلطان على السفطي كاملية بفرو سمور، بعد أن ~~حمل أربعة آلاف دينار. ثم في يوم الجمعة ثالث شهر رمضان، أنعم السلطان على ~~مملوكه سنقر الخاصكي، المعروف بالجعيدي، بإمرة عشرة، بعد موت الأمير ms3325 صرغتمش ~~القلمطاوي، زيادة على ما بيده من حصة بشبين القصر. ثم في يوم السبت سابع ~~عشر شوال، برز أمير حاج المحمل الأمير سونجبغا اليونسي بالمحمل، وأمير ~~الركب الأول الأمير قانم المؤيدي التاجر. PageV04P0288 # ثم في يوم الاثنين عشرين شهر رمضان، خرج الأمير جانبك الظاهري، المتكلم ~~على بندر جدة، إليها بمماليكه وحواشيه على عادته في كل سنة. ثم في يوم ~~الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة استقر الأمير خيربك النوروزي، حاجب صفد، في ~~نيابة غزة، بعد عزل طوغان العثماني عنها، وذلك بمال كبير بذله له في ذلك، ~~لوضاعة خيربك المذكور في الدولة. وأستهل ذو الحجة أوله الأحد، فيه ظهر ~~الطاعون في الديار المصرية وأخذ في التزايد. وفي يوم الخميس خامس ذي الحجة، ~~استقر علاء الدين علي بن إسكندر ابن أخي زوجة كمشبغا الفيسي، معلم السلطان، ~~على العمائر، عوضا عن الناصر محمد بن حسين بن الطولوني، بحكم وفاته. ثم في ~~يوم السبت حادي عشرينه، استقر الحكيم ابن العفيف الشهير بقوالح أحد مضحكي ~~المقر الجمالي ناظر الخواص بسفارته، في رئاسة الطب والكحل بمفرده. ثم في ~~يوم الأحد ثاني عشرين ذي الحجة المذكور، استقر علاء الدين علي بن محمد بن ~~آقبرس في حسبة القاهرة، عوضا عن يرعلي الخراساني، بمال بذله في ذلك. وكان ~~أصل ابن آقبرس هذا عنبريا بسوق العنبر، في حانوت، ثم اشتغل بالعلم، وتردد ~~للأكابر، واتصل بالملك الظاهر جقمق في أيام إمرته، وناب في الحكم عن القضاة ~~الشافعية، إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فصار ابن آقبرس هذا من ندمائه، ~~وولي نظر الأوقاف وعدة وظائف أخر. وكان أيضا من جملة مبغضي السفطي وممن ~~يعيب عليه أفعاله القبيحة من البلص والطلب من الناس، وسماه " الهلب " على ~~أن ابن آقبرس أيضا كان من مقولة السفطي وزيادة. ثم في يوم الخميس حادي عشر ~~محرم سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة ضربت رقبة أسد الدين الكيماوي، بمقتضى ~~الشرع، بعد أمور وقعت له، ذكرناها مفصلا في تاريخنا " حوادث الدهور في مدى ~~الأيام والشهور " . وفي هذا الشهر تشاكى الأمير تمراز المؤيدي نائب ms3326 القدس ~~كان، وناظر القدس عبد الرحمن بن الديري، فمال السلطان على ابن الديري ~~وبهدله، وأمر به فجعل في عنقه جنزير، إلى أن شفع فيه عظيم الدولة الجمالي ~~ناظر الخواص الشريفة. ثم في يوم السبت ثالث عشره، توجه تمراز المذكور وعبد ~~الرحمن بن الديري وأبو الخير النحاس إلى بيت ناظر الخاص المذكور، وجلسوا ~~بين يديه إلى أن أصلح بينهما، وأنعم على كل منهما بفرس مسروج، وأنعم على ~~أبي الخير بشيء، فقبل الثلاثة يده وخرجوا من عنده. وأبو الخير يوم ذاك في ~~تنبوك عزه وعظم تعاظمه على جميع أرباب الدولة، إلا الصاحب جمال الدين هذا ~~فإنه معه على حالته الأولى إلى الآن. هذا وقد فشا أمر الطاعون بالقاهرة، ~~وتزايد. ثم أهل صفر من سنة ثلاث وخمسين، يوم الأربعاء، فيه عظم الطاعون، ~~ومات في هذا الشهر جماعة كبيرة ه الأمراء، وأعيان الدولة، على ما سيأتي ~~ذكره في الوفيات من هذا الكتاب. ثم في يوم الأحد ثاني عشر صفر، أعيد القاضي ~~برهان الدين إبراهيم بن الديري إلى نظر الإسطبل السلطاني، بعد موت برهان ~~الدين بن ظهير. وفي يوم الاثنين ثالث عشره استقر الأمير جرباش الكريمي ~~الظاهري أمير مجلس، أمير سلاح، بعد موت الأمير تمراز القرمشي الظاهري؛ وفيه ~~أيضا استقر الأمير تنم، المعزول عن نيابة حلب، أمير مجلس، عوضا عن جرباش ~~المذكور؛ وفيه أنعم السلطان على الأمير دولات باي المحمودي المؤيدي ~~الدوادار الثاني، بإمرة مائة وتقدمة ألف، بعد موت تمراز القرمشي، وصار من ~~جملة أمراء الألوف؛ وأنعم بإقطاعه على الأمير يونس الأقبائي شاد الشراب ~~خاناه، والإقطاع إمرة طبلخاناه. وأنعم بإقطاع يونس على السيفي جانبك رأس ~~نوبة الجمدارية الظاهري جقمق، وعلى مغلباي طاز الساقي الظاهري أيضا، لكل ~~واحد منهما إمرة عشرة. ثم في يوم الخميس سادس عشر صفر، استقر الأمير تمربغا ~~الظاهري جقمق دوادارا ثانيا، عوضا عن دولات باي المقدم ذكره، على إمرة ~~عشرة. وفيه أيضا أنعم السلطان على قاني باي المؤيدي الساقي، المعروف ~~بقراسقل، بإمرة عشرة، بعد موت إينال اليشبكي. ثم في يوم الاثنين عشرين ms3327 صفر، ~~ووافقه أول خمسين النصارى، تناقص الطاعون. PageV04P0289 # ثم في يوم الخميس ثالث عشرينه، أنعم السلطان على الأمير يشبك الفقيه ~~المؤيدي بإقطاع الأمير بختك الناصري بعد موته، وأنعم بإقطاع يشبك المذكور ~~على الشهابي أحمد من الأمير الكبير إينال العلائي، وكلاهما إمرة عشرة. وفيه ~~أيضا أنعم السلطان على مغلباي الشهابي، رأس نوبة الجمدارية، بإمرة عشرة، ~~عوضا عن مغلباي الساقي، بعد موته؛ وكان مغلباي أخذ الإمرة قبل موته بأيام ~~يسيرة، حسبما تقدم ذكره. وفي يوم الخميس هذا أنعم السلطان بإقطاع الأمير ~~قراخجا الحسنى الأمير آخور، بعد موته، على الأمير تنم أمير مجلس، وأنعم ~~بإقطاع تنم على الأمير جرباش المحمدي الناصري الأمير آخور الثاني المعروف ~~بكرت، وصار من جملة المقدمين، وأنعم بإقطاع جرباش المذكور ووظيفته الأمير ~~آخورية الثانية، على الأمير سودون المحمدي المؤيدي، المعروف بسودون أتمكجي؛ ~~وأنعم بإقطاع سودون أتمكجي المذكور على الأمير جانبك اليشبكي والي القاهرة، ~~بسفارة المقر الجمالي ناظر الخواص. وفيه أيضا استقر الأمير قاني باي ~~الجاركسي، الدوادار الكبير، أمير آخور كبيرا، بعد موت الأمير قراخجا ~~الحسني؛ وكان السلطان رشح الأمير أسنبغا الطياري للأمير آخورية، فألح قاني ~~باي في سؤال السلطان، على أن يليها اقتحاما على الرئاسة، ولا زال به حتى ~~ولاه؛ واستقر أيضا دولات باي المحمودي المؤيدي دوادارا كبيرا، عوضا عن قاني ~~باي الجاركسي بمال كبير بذله في ذلك. ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشرين صفر، ~~خلع السلطان على القاضي ولي الدين محمد السنباطي، باستقراره قاضي قضاة ~~المالكية بالديار المصرية، عوضا عن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن التنسي، ~~بحكم وفاته؛ وكان السنباطي هذا يلي قضاء الإسكندرية، فلما مات ابن التنسي، ~~طلب وولي القضاء؛ وجميع من ذكرنا وفاته هنا ماتوا بالطاعون. ثم في يوم ~~الخميس أول شهر ربيع الأول، خلع السلطان على الطواشي فيروز النوروزي الزمام ~~والخازندار، باستقراره أمير حاج المحمل. ثم في يوم الاثنين خامس شهر ربيع ~~الأول، خلع السلطان على الأمير أسنبغا الطياري باستقراره رأس نوبة النوب، ~~بعد موت الأمير تمرباي التمربغاوي بالطاعون. وفي أواخر هذا الشهر، قل ~~الطاعون ms3328 بالقاهرة، بعد أن مات بها خلائق كثيرة؛ فكان من جملة من مات ~~للسلطان فقط أربعة أولاد من صلبه، حتى لم يبق له ولد ذكر غير المقام الفخري ~~عثمان. ثم في يوم الثلاثاء سابع عشرين شهر ربيع الأول، أخذ السلطان من ~~السفطي ستة عشر ألف دينار؛ وسبب ذلك أن قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي كان ~~وصيا على تركة قاضي القضاة بدر الدين بن التنسي المالكي، فلما عرض موجوده، ~~وجد في جملة أوراقه ورقة فيها ما يدل على أنه كان للسفطي عنده ستة عشر ألف ~~دينار وديعة، ثم وجد ورقة أخرى فيها ما يدل على أن السفطي أخذ وديعته؛ وبلغ ~~السلطان ذلك، فرسم بأخذ المبلغ منه - قلت: لا شلت يداه! " والذي خبث لا ~~يخرج إلا نكدا " - فحملت بتمامها إلى السلطان. ولم يرض السلطان بذلك، وهو ~~في طلب شيء آخر فتح الله عليه، وهو أن السلطان صار يطلب السفطي بما وقع منه ~~من الأيمان أنه ما بقي يملك شيئا من الذهب، ثم وجد له هذا المبلغ، فصار ~~للسلطان مندوحة بذلك في أخذ ماله. فلما استهل شهر ربيع الآخر يوم الجمعة، ~~وطلع القضاة للتهنئة بالشهر، تكلم السلطان معهم في أمر السفطي، وما وقع منه ~~من الأيمان الحانثة، واستفتاهم في أمره، وحرض القضاة على مجازاته؛ فنزلوا ~~من عند السلطان على أن يفعلوا معه الشرع. وبلغ السفطي ذلك فخاف وأخذ في ~~السعي في رضى السلطان؛ وخدم بجملة مستكثرة، ورضي السلطان عنه. ثم تغير ~~عليه، وأخذ منه في يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر ربيع الآخر عشرة آلاف دينار، ~~كانت له وديعة عند بعض القضاة، فأخذها السلطان، وهو مطالب بغيرها. ~~PageV04P0290 # ثم في يوم الخميس رابع عشره، أفحش السلطان في الحط على السفطي، وبالغ في ~~ذلك، بحيث إنه قال: " هذا ليس له دين، وهذا استحق القتل بما وقع منه في ~~الأيمان الفاجرة، بأن ليس له مال ثم ظهر له هذه الجمل الكثيرة، وقد بلغني ~~أن له عند شخص آخر وديعة مبلغ سبعة وعشرين ألف دينار " ؛ وظهر من كلام ~~السلطان ms3329 أنه يريد أخذها، بل وأخذ روحه أيضا، كل ذلك مما يوغر أبو الخير ~~النحاس خاطر السلطان عليه. وبلغ السفطي جميع ما قاله السلطان، فداخله لذلك ~~من الرعب والخوف أمر عظيم؛ ومع ذلك بلغني أن السفطي في تلك الليلة تزوج ~~بكرا ودخل بها واستبكرها، فهذا دليل على عدم مروءته، زيادة على ما كان عليه ~~من البخل والطمع، فإني لم أعلم أنه وقع لقاض من قضاة مصر ما وقع للسفطي من ~~البهدلة والإخراق وأخذ ماله، مع علمي بما وقع للهروي وغيره، ومع هذا لم ~~يحصل على أحد ما حصل على هذا المسكين، فما هذا الزاوج في هذا الوقت!. ثم في ~~يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الآخر المذكور، رسم بنفي يرعلي العجمي ~~الخراساني المعزول عن الحسبة، ثم شفع فيه المقر الجمالي ناظر الخواص، فرسم ~~له السلطان بلزوم داره بخانقاه سرياقوس؛ ويرعلي هذا أيضا من أعداء النحاس. ~~ثم في يوم السبت سلخه، أنعم السلطان على أسندمر الجقمقي السلاح دار، بإمرة ~~عشرة، بعد موت الأمير أركماس الأشقر المؤيدي. ثم في يوم الاثنين ثاني جمادى ~~الأولى، خلع السلطان على مملوكه الأمير أزبك من ططخ الساقي، باستقراره من ~~جملة رؤوس النوب، عوضا عن أركماس الأشقر المقدم ذكره. وفيه استقر الزيني ~~عبد الرحمن بن الكويز أستادار السلطان بدمشق، عوضا عن محمد بن أرغون شاه ~~النوروزي بحكم وفاته. ثم في يوم الأربعاء رابع جمادى الأولى المذكور استقر ~~علي بن إسكندر، أحد أصحاب النحاس، في حسبة القاهرة، وعزل ابن أقبرس عنها، ~~لتزايد الأسعار في جميع المأكولات. ثم في يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى ~~الأولى المذكور، خرجت تجريدة من القاهرة إلى البحيرة، فيها نحو الأربعمائة ~~مملوك وعدة أمراء، ومقدم الجميع الأمير الكبير إينال العلائي الناصري، ~~وصحبته من الأمراء المقدمين؛ تنم أمير مجلس وقاني باي الجاركسي أمير آخور، ~~وعدة أخر من الطبلخانات والعشرات. ثم في يوم الاثنين ثامن عشرينه، عزل قاضي ~~القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي عن القضاء، لسبب حكيناه في تاريخنا ~~" حوادث الدهور " إذ هو كتاب ضبط حوادث ووفيات ms3330 لا غير. ثم أعيد قاضي القضاة ~~علم الدين في يوم الثلاثاء أول جمادى الآخرة. ثم في يوم الجمعة رابع جمادى ~~الآخرة، سافر الأمير قانم من صفر خجا المؤيدي، المعروف بالتاجر، رسولا إلى ~~ابن عثمان متملك بلاد الروم، صحبة قاصد ابن عثمان الواصل قبل تاريخه. ثم في ~~يوم السبت تاسع عشره، رسم السلطان بنفي الأمير سودون السودوني الحاجب، فشفع ~~فيه، فأمر السلطان بإقامته بالصحراء بطالا. وكان سبب نفي السودوني أنه كان ~~له مغل، فكلمه علي بن إسكندر المحتسب في بيع نصفه، وتخلية نصفه، لقلة وجود ~~الغلال بالساحل، فامتنع سودون السودوني من ذلك، فشكاه أبو الخير النحاس ~~للسلطان، فأمر بنفيه. وقد تقدم أن سودون السودوني هذا ، ضرب أبا الخير ~~بالنحاس في يوم واحد علقتين ليخلص منه مال أبي العباس الوفائي. ~~PageV04P0291 # ومن ظريف ما وقع لسودون السودوني هذا مع أبي الخير النحاس، من قبل هذه ~~الحادثة أو بعدها، أنه لما صار من أمر أبي الخير ما صار، خشيه سودون ~~السودوني، مما كان وقع منه في حقه قديما، فأراد أن يزول ما عنده، ليأمن ~~شره، فدخل إليه في بعض الأيام، وقد جلس أبو الخير النحاس في دست رئاسته، ~~وبين به أصحابه وغالبهم لا يعرف ما وقع له مع سودون السودوني المذكور، فلما ~~استقر بسودون الجلوس، أخذ في الاعتذار لأبي الخير فيما كان وقع منه بسلامة ~~باطن على عادة مغفلي الأتراك، وساق الحكاية في ذلك الملأ من الناس من أولها ~~إلى آخرها، وأبو الخير ينقله من ذلك الكلام إلى كلام غيره، ويقصد كفه عن ~~الكلام بكل ما تصل قدرته إليه، وهو لا يرجع عما هو فيه، إلى أن استتم ~~الحكاية؛ وكان من جملة اعتذاره إليه، أن قال له، ما معناه: " والله يا سيدي ~~القاضي، أنا رأيتك شاب فقير، من جملة الباعة، وحرضوني عليك بأنك تأكل أموال ~~الناس، فما كنت أعرف أنك تصل إلى هذا الموصل، في هذه المدة اليسيرة؛ ووالله ~~لو كنت أعرف أنك تبقى رئيس لكنت وزنت عنك المال " . وشرع في اعتذار آخر، ~~وقد ms3331 ملأ النحاس مما سمع من التوبيخ، فاستدرك فارطه بأن قام على قدميه ~~واعتنق السودوني، وأظهر له أنه زال ما عنده، وأوهم أنه يريد الدخول إلى ~~حريمه حتى مضى عنه إلى حال سبيله؛ وتحاكى الناس ذلك المجلس أياما كثيرة. ~~هذا ما بلغنا من بعض أصحاب النحاس، وقد حكى غير واحد هذه الحكاية على عدة ~~وجوه، وليس هذا الأمر من أخبار تحرر، وما ذكرناه إلا على سبيل الاستطراد - ~~انتهى. وفي هذه الأيام توقف ماء النيل عن الزيادة، بل تناقص نقصا فاحشا، ثم ~~أخذ في زيادة ما نقصه، فاضطرب الناس لذلك، وتزايدت الأسعار إلى أن أبيع ~~الإردب القمح بأربعمائة درهم . ثم في يوم الثلاثاء تاسع عشرينه، وصل الأمير ~~جانبك الظاهري نائب جدة، وخلع السلطان عليه خلعة هائلة؛ ونزل إلى داره، ~~وبين يديه وجوه الناس على كره من أبي الخير النحاس. ثم في يوم الاثنين ثاني ~~عشر شهر رجب، خلع السلطان على الشيخ يحيى مناوي، باستقراره قاضي قضاة ~~الشافعية، بعد عزل قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني. ثم في يوم الخميس ~~خامس عشره، استقر الأمير برسباي الإينالي المؤيدي الأمير آخور الثالث، أمير ~~آخور ثانيا بعد موت سودون أتمكجي، وأنعم عليه بطبلخاناته، واستقر الأمير ~~سنقر الظاهري الجعيدي أمير آخور ثالثا، وهو في التجريدة بالبحيرة. ثم في ~~يوم الثلاثاء عشرينه، رسم السلطان بأن يكتب مرسوم شريف إلى دمشق، بضرب ~~الزيني عبد الرحمن بن الكويز، وحبسه بقلعة دمشق، وله سبب ذكرناه في " ~~الحوادث " . ثم في يوم الاثنين سادس عشرين شهر رجب، استقر علاء الدين بن ~~آقبرس ناظر الأحباس، بعد عزل قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني عنها، ~~لكبر سنه، فلم يشكر ابن أقبرس على ما فعله لسعيه في ذلك سعيا زائدا؛ وكان ~~الأليق عدم ما فعله لأن مقام كل منهما معروف في العلم والقدر والرئاسة. ثم ~~في يوم الخميس تاسع عشرين شهر رجب المذكور، جرت حادثة غريبة، وهو أنه لما ~~كان وقت الخدمة السلطانية، أعني بعد طلوع الشمس بقدر عشرة درج، وقفت العامة ~~بشوارع القاهرة من داخل ms3332 باب زويلة إلى تحت القلعة، وهم يستغيثون ويصرخون ~~بالسب واللعن ويهددون بالقتل، ولا يدري أحد ما الخبر، لعظم الغوغاء، إلى أن ~~اجتاز علي بن إسكندر محتسب القاهرة فلما رأوه أخذوا في زيادة ما هم فيه، ~~وحطوا أيديهم في الرجم، فرجموه من باب زويلة إلى أن وصل باب القلعة أو ~~غيرها، بعد أن شبعوه سبا وتوبيخا بألفاظ يستحى من ذكرها. PageV04P0292 # فلما نجا علي منهم، وطلع إلى القلعة، استمروا على ما هم عليه بالشوارع، ~~وقد انضم عليهم جماعة كثيرة من المماليك السلطانية، وهم على ما هم عليه، ~~غير أنهم صاروا يعرضون بذكر أبي الخير النحاس، ووقفوا في انتظاره إلى أن ~~يطلع إلى القلعة، وكان عادته لا يطلع إليها إلا بعد نزول أعيان الدولة. ~~وكان أبو الخير قد ركب من داره على عادته، فعرفه بعض أصحابه بالحكاية، فخرج ~~من داره وسار من ظاهر القاهرة، ليطلع إلى القلعة، إلى أن وصل بالقرب من باب ~~الوزير، بلغ المماليك الذين هم في انتظاره أنه قد فاتهم، فأطلقوا رؤوس ~~خيولهم غارة، والعامة خلفهم، حتى وافوه في أثناء طريقه، فأكل ما قسم له من ~~الضرب بالدبابيس، وانهزم أمامهم، وهم في أثره، والضرب يتناوله وحواشيه، وهو ~~عائد إلى جهة القاهرة. وترك طلوع القلعة لينجو بنفسه، واستمر على ذلك إلى ~~أن وصل إلى جامع أصلم بخط سوق الغنم، فضربه شخص من العامة على رأسه فصرعه ~~عن فرسه؛ ثم قام من صرعته ورمى بنفسه إلى بيت أصلم الذي بالقرب من جامع ~~أصلم، وهو يوم ذاك سكن يشبك الخاصكي الظاهري جقمق، من طبقة الزمام. ومن ~~غريب الاتفاق أن أبا الخير النحاس كان قبل تاريخه بمدة يسيرة شكا يشبك هذا ~~صاحب الدار إلى السلطان، وشوش عليه غاية التشويش، حتى أخذه أغاته الأمير ~~فيروز الزمام وبعثه إلى أبي الخير النحاس على هيئة غير مرضية، فصفح عنه أبو ~~الخير خوفا من خجداشيته لا تكرما عليه؛ والمقصود أن أبا الخير، لما ضرب ~~وطاح عن فرسه، وكان الضارب له عبد أسود، وأخذ عمامته من على رأسه، فلما ms3333 رأى ~~أبو الخير نفسه في بيت يشبك المذكور، هجمت العامة عليه، ومعهم المماليك، ~~إلى بيت يشبك، وكان غائبا عن بيته، وقبضوا عليه وأخذوا في ضربه والإخراق ~~به، وعروه جميع ما كان عليه، حتى أخذوا أخفافه من رجليه. واختلفت الأقوال ~~في الإخراق به، فمن الناس من قال: أركبوه حمارا عريانا وأشهروه في البيت ~~المذكور، ومنهم من قال أعظم من ذلك، ثم نجا منهم، ببعض من ساعده منهم، ~~وألقى بنفسه من حائط إلى موضع آخر، فتبعوه أيضا، وأوقعوا به وهو معهم ~~عريان، وانتهبوا جميع ما كان في بيت يشبك المذكور. ووصل يشبك إلى داره، فما ~~أبقى ممكنا في مساعدة النحاس، وما عسى يفعله مع السواد الأعظم؟ وكان بلغ ~~السلطان أمره، فشق عليه ذلك إلى الغاية، فأرسل إليه جانبك والي القاهرة، ~~نجدة، فساق إليه، حتى لحقه وقد أشرف على الهلاك، وخلصه منهم؛ وأراد أن ~~يركبه فرسا فما استطاع أبو الخير الركوب لعظم ما به من الضرب في رأسه ووجهه ~~وسائر بدنه، فأركبه عريانا وعليه ما يستره على بغلة، وأردفه بواحد من خلفه ~~على البغلة المذكورة، وتوجه به على تلك الهيئة إلى الأمير تمربغا الدوادار ~~الثاني، بالقرب من جامع سودون من زادة، والعامة خلفه ينادونه بأنواع السب ~~ويذكرون له فقره وإفلاسه وما قاساه من الذل والهوان، أن وصل إلى بيت تمربغا ~~المذكور بغير عمامة على رأسه، فأجلسه تمربغا بمكان تحت مقعده، واستمر به ~~إلى الليل، فقام وتوجه إلى داره مختفيا خائفا مرعوبا. وأنا أقول: لو مات ~~أحد من شدة الضرب، لمات أبو الخير المذكور في هذا. كل ذلك بغير رضى ~~السلطان، لأن المماليك والعامة اتفقوا على أبي الخير شر وعلى الفتك به، وقل ~~أن يتفقوا على أمر. فكان هذا اليوم من الأيام المشهودة بالقاهرة، لأني ما ~~رأيت ولا سمعت بمثل هذه الواقعة. وقد سبق كثير من إخراق المماليك لرؤساء ~~الدولة ونهب بيوتهم وأخذ أموالهم، ومع هذا كله لم يقع منهم بعض ما وقع لأبي ~~الخير هذا، فإن جميع الناس قاطبة كانت عليه، وكل منهم ms3334 لا يريد إلا قتله ~~وإتلافه. PageV04P0293 # وأنا أقول إنهم معذورون فيما يفعلونه، لأنه كان بالأمس في البهموت من ~~والذل والإفلاس، وصار اليوم في الأوج من الرئاسة والمال والتقرب من ~~السلطان. ومع هذا الانتقال العظيم، صار عنده شمم وتكبر، حتى على من كان لا ~~يرضي أقل غلمانه أن يستخدمه في أقل حوائجه. وأما على من كان من أمثاله ~~وأرباب صنعته، فإنه لم يتكبر عليهم، بل أخذ في أذاهم والإخراق بهم، حتى ~~أبادهم شرا. وأنا أتعجب غاية العجب من وضيع يترأس، ثم يأخذ في التكبر على ~~أرباب البيوت وأصحاب الرئاسة الضخمة، فما عساه يقول في نفسه! والله العظيم، ~~إنني كنت إذا دخل علي الفقيه الذي أقرأني القرآن في صغري، على أن بضاعته من ~~العلوم كان مزجاة، أستحي أن أتكلم بين يديه بفضيلة أو علم من العلوم، لكونه ~~كان يعرفني صغيرا لا فقيرا، فكيف حال هؤلاء مع الناس، كانوا يرتجون خدمة ~~أصاغر خدمهم؛ فليس هذا إلا عظم الوقاحة، وغلبة الجنون لا غير - انتهى. ثم ~~في يوم السبت ثاني شعبان، عزل السلطان علي بن إسكندر عن حسبة القاهرة، ورسم ~~لزين الدين يحيى الأستادار بالتكلم فيها، فباشر زين الدين الحسبة من غير أن ~~يلبس لها خلعة، وكانت سيرة علي بن إسكندر ساءت في الحسبة إلى الغاية. وأما ~~أبو الخير النحاس، فإنه استمر في داره إلى يوم الاثنين ثالث شعبان، طلع إلى ~~القلعة وخلع السلطان عليه كاملية مخمل أحمر بمقلب سمور. ونزل إلى داره وهو ~~في وجل من شدة رعبه من المماليك والعامة، لكنه شق القاهرة في نزوله، ولم ~~يسلم من الكلام، وصار بعض العامة يقول: " أيش هذه البرودة! " فيقول الآخر: ~~" إذا اشتهيت أن تضحك على الأسمر لبسه أحمر! " . هذا وأبو الخير يسلم في ~~طريقه على الناس من العامة وغيرها؛ فمنهم من يرد سلامه، ومنهم من لا يرد ~~سلامه، ومنهم من يقول بعد أو يولي بأقوى صوته: " خيرتك وإلا ينحسوها " أعني ~~رقبته. ولم ينزل معه أحد من أرباب الدولة إلا المقر الجمالي ناظر الخواص ~~الشريفة؛ قصد بنزوله ms3335 معه أمورا لا تخفى على أرباب الذوق السليم، لأنه لم ~~يؤهله قبل ذلك لأمر من الأمور، فما نزوله الآن معه، وقد وقع في حقه ما ~~وقع؟. ثم في يوم الاثنين حادي عشر شعبان، قدم الأمراء من تجريدة البحيرة ~~صحبة الأمير الكبير إينال العلائي، وخلع السلطان على أعيانهم الثلاثة ~~الأمير الكبير إينال، وتنم المؤيدي أمير مجلس، وقاني باي الجاركسي الأمير ~~آخور. ثم في يوم الاثنين ثامن عشر شعبان، برز الأمير جرباش الكريمي الظاهري ~~برقوق أمير سلاح إلى بركة الحاج على هيئة الرجبية، وصحبته قاضي القضاة بدر ~~الدين بن عبد المنعم الحنبلي، والزيني عبد الباسط بن خليل الدمشقي، وجماعة ~~كثيرة من الناس. ثم في يوم السبت سابع شهر رمضان، اختفى السفطي، فلم يعرف ~~له مكان، بعد أمور وقعت له مع قاسم الكاشف؛ فعمل السلطان في يوم الاثنين ~~سادس عشره عقد مجلس بين يديه بالقضاة والعلماء بسبب حمام السفطي، وظهر ~~السفطي من اختفائه، وحضر المجلس، وانفصل عقد المجلس على غير طائل، واختفى ~~السفطي ثانيا من يومه فلم يعرف له خبر. ثم في يوم الخميس سابع عشر شوال، ~~برز أمير حاج المحمل، فيروز النوروزي الزمام الخازندار، بالمحمل، وأمير ~~الركب الأول الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني. وحج في هذه السنة من ~~الأعيان الأمير طوخ من تمراز المعروف بيني بازق، أحد مقدمي الألوف بالديار ~~المصرية؛ ويني بازق باللغة التركية: أي غليظ الرقبة . وخرج تمراز البكتمري ~~المؤيدي المصارع، صحبة الحاج، واستقر في مشدية بندر جدة، عوضا عن الأمير ~~جانبك الظاهري، حسبما نذكره من أمره فيما يأتي مفصلا، إن شاء الله تعالى. ~~ثم في يوم السبت تاسع عشره، استقر القاضي ولي الدين الأسيوطي في مشيخة ~~المدرسة الجمالية، بعد تسحب ولي الدين السفطي واختفائه. ثم في يوم الاثنين ~~العشرين من ذي القعدة، استقر الأمير جانبك اليشبكي والي القاهرة في حسبة ~~القاهرة، مضافا لما معه من الولاية وشد الدواوين والحجوبية؛ وجانبك هذا أحد ~~من رقاه المقر الصاحبي ناظر الخاص المقدم ذكره. ثم في يوم الخميس ثالث ~~عشرين في القعدة أيضا، ms3336 نودي بالقاهرة على ولي الدين السفطي، بأن من أحضره ~~إلى السلطان يكون له مائة دينار، وهدد كل أخفاه بعد ذلك بالعقوبة والنكال. ~~PageV04P0294 # ثم في يوم الخميس ثامن ذي الحجة، وصل الأمير يشبك الصوفي المؤيدي نائب ~~طرابلس، إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة وقبل الأرض؛ فحال وقوفه رسم السلطان ~~بتوجهه إلى ثغر دمياط بطالا، وذلك لسوء سيرته في أهل طرابلس. وفي عزل ~~السلطان الأمير علان جلق المؤيدي عن حجوبية حلب، لشكوى الأمير قاني باي ~~الحمزاوي نائب حلب عليه، ثم انتقض ذلك، واستمر علان على وظيفته. ووقع في ~~هذه السنة - أعني ثلاث وخمسين - غريبة، وهي أنه مات فيها من ذوات الأربع، ~~مثل الأغنام والأبقار وغيرها، شيء كثير، من عدم العلوفة، لغلو الأسعار ~~والفناء، فأيقن كل أحد بتزايد أثمان الأضحية؛ فلما كان العشر الأول من ذي ~~الحجة، وصل إلى القاهرة من البقر والغنم شيء كثير، حتى أبيعت بأبخسر ~~الأثمان. ثم في يوم تاسع عشر ذي الحجة المذكور، سمر نجم الدين أيوب بن ~~بشارة، وطيف به، ثم وسط من يومه، ووسط معه شخص آخر من أصحابه. وقد ذكرنا ~~سبب القبض عليه وما وقع له من تاريخنا " حوادث الدهور في مدى الأيام ~~والشهور " ، إذ هو محله. ثم في يوم السبت رابع عشرينه، عزل السلطان الأمير ~~علان المؤيدي عن حجوبية حجاب حلب، لأمر وقع بينه وبين نائب حلب الأمير قاني ~~باي الحمزاوي، ورسم بتوجه علان المذكور إلى مدينة طرابلس بطالا، واستقر ~~عوضه في حجوبية حلب قاسم بن جمعة القساسي، وأنعم بإقطاع قاسم على الأمير ~~جانبك المؤيدي المعروف بشيخ، المعزول أيضا عن حجوبية حلب قبل تاريخه، ~~والإقطاع إمرة خاناه بدمشق. وفيه رسم السلطان لماماي السيفي بيبغا المظفري، ~~أحد الدودارية الصغار، بالتوجه إلى ثغر دمياط، وأخذ الأمير يشبك الصوفي منه ~~وتحبسه بثغر الإسكندرية مقيدا؛ ووقع ذلك. ثم في يوم الخميس خامس عشرين ذي ~~الحجة، رسم باستقرار الأمير يشبك النوروزي، حاجب حجاب دمشق، في نيابة ~~طرابلس، عوضا عن يشبك الصوفي المقبوض عليه قبل تاريخه؛ وولاية يشبك المذكور ~~طرابلس على مال ms3337 كبير بذله له؛ وحمل إليه التقليد والتشريف بنيابة طرابلس ~~الأمير أسنباي الجمالي الساقي الظاهري جقمق، ورسم السلطان بإعادة الأمير ~~جانبك الناصري إلى حجوبية دمشق، عوضا يشبك النوروزي. وفرغت هذه السنة ~~والديار المصرية في غاية ما يكون من غلو الأسعار. وفي هذه السنة أيضا، ورد ~~الخبر بوقوع خسف بين أرض سيس وطرسوس، ولم أتحقق. مقدار الأرض التي خسفت. ~~وفيها أيضا كان فراغ مدرسة زين الدين الأستادار، بخط بولاق على النيل، ولم ~~أدر المصروف على بنائه من أي وجه، ومن كان له شيء فله أجره. واستهلت سنة ~~أربع وخمسين وثمانمائة الموافقة لحادي عشرين مسرى، والناس في جهد وبلاء من ~~غلو الأسعار، وسعر القمح ثمانمائة درهم الإردب، وقد ذكر سعر جميع المأكولات ~~في " حوادث الدهور " . ولما كان يوم السبت أول محرم سنة أربع وخمسين ~~المذكورة، وصل الأمير بردبك العجمي الجكمي المعزول عن نيابة حماة من ثغر ~~دمياط، وطلع إلى القلعة، وأنعم السلطان عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق. ~~وفي هذه الأيام وصلت إلى القاهرة رمة قاسم المؤذي الكاشف، غريم السفطي ~~ليدفن بالقاهرة. ثم في يوم الخميس ثالث عشر المحرم، وصل الأمير جرباش ~~الكريمي أمير سلاح من الحجاز، وتخلف قاضي القضاة بدر الدين الحنبلي عنه مع ~~الركب الأول من الحاج. وكان الزيني عبد الباسط بن خليل سبق الأمير جرباش من ~~العقبة، ودخل القاهرة قبل تاريخه، وخلع السلطان على جرباش المذكور كاملية ~~بمقلب سمور، وخرج من عند السلطان، ودخل إلى ابنته زوجة السلطان، وهي يوم ~~ذلك صاحبة القاعة الكبرى بالدور السلطانية، وسلم عليها، ثم نزل إلى داره ~~المعروفة بالبيت الكبير تجاه القلعة. ثم في يوم الجمعة ثامن عشرينه، عقد ~~السلطان عقد مملوكه الأمير أزبك من ططخ، على ابنته من مطلقته خوند مغل بنت ~~البارزي؛ وكان العقد بقلعة الدهيشة، بحضرة السلطان، بعد نزول الأمراء من ~~صلاة الجمعة من غير جمع. ثم في يوم الخميس رابع شهر صفر استقر أبو الفتح ~~الطيبي أحد أصحاب أبي الخير النحاس في نظر جوالي دمشق، ووكالة بيت المال ~~بها، على أنه ms3338 يقوم في السنة للخزانة الشريفة بخمسين ألف دينار، على ما قيل؛ ~~وما سيأتي من خبر أبي الفتح فأعجب. PageV04P0295 # وفي هذه الأيام ظهر رجل من عبيد قاسم الكاشف، وشهر بالصلاح، وتردد الناس ~~لزيارته، حتى جاوز أمره الحد، وخشي على الناس من إتلاف عقائدهم، فأمر ~~السلطان الأمير تنبك حاجب الحجاب أن يتوجه إليه، ويضربه ويحبسه، وصحبته ~~جانبك الساقي والي القاهرة. فلما دخلا عليه، تهاون الأمير تنبك في ضربه ~~خشية من صلاحه. وبلغ السلطان ذلك، فرسم بنفيه إلى ثغر دمياط بطالا، ومسفره ~~جانبك الوالي، وتولى خشقدم الطواشي الظاهري الرومي ووالي القاهرة ضرب العبد ~~المذكور وحبسه. وقد أوضحت أمر هذا العبد وما وقع له في تاريخنا " الحوادث " ~~فلينظر هناك. ثم رسم السلطان بعد مدة بقدوم الأمير خشقدم الناصري المؤيدي ~~أحد المقدمين بدمشق، إلى القاهرة، واستقراره في حجوبية الحجاب، عوضا عن ~~تنبك المذكور، ورسم للأمير علان المؤيدي، المعزول عن حجوبية حلب، بإقطاع ~~خشقدم المذكور بدمشق. ثم في يوم الثلاثاء سادس عشر صفر، رسم السلطان بنقل ~~الأمير جانم الأمير آخور قريب الملك الأشرف برسباي من القدس الشريف، وحبسه ~~بسجن الكرك. وكان جانم المذكور حبس عدة سنسن، ثم أطلق وجاور بمكة سنيات، ثم ~~سأل في القدوم إلى القدس، فأجيب، وقدمه، فتكلم فيه بعض أعدائه إلى أن حبس ~~بالكرك ثانيا. ثم في يوم الخميس ثامن عشر صفر، قدم الأمير قانم التاجر ~~المؤيدي من بلاد الروم إلى القاهرة. ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشرين صفر ~~المذكور، نودي بالقاهرة بأن لا يلبس النصارى واليهود على رؤوسهم أكثر من ~~سبعة أذرع من العمائم، لكونهم تعدوا في ذلك وزادوا عن الحد؛ وفي هذه الأيام ~~تزايد أمر النحاس وطغى وتجبر، ونسي ما وقع له من البهدلة والإخراق. وفي يوم ~~الاثنين، رسم السلطان بالإفراج عن عبد قاسم الكاشف من حبس المقشرة، وتوجهه ~~إلى حيث شاء، ولا يسكن القاهرة. ثم في يوم السبت ثاني عشر شهر ربيع الأول، ~~ورد الخبر بموت الأمير شاد بك الجكمي، المعزول عن نيابة حماة، بالقدس بعد ~~مرض طويل. ثم في ms3339 يوم الخميس سادس عشره، وصل إلى القاهرة الأمير خشقدم ~~المؤيدي من دمشق، وقبل الأرض وأنعم عليه السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف، ~~عوضا عن تنبك البردبكي الحاجب، بحكم نفيه إلى دمياط. وفي هذا اليوم كان مهم ~~الأمير أزبك وعرسه على بنت السلطان بالقاهرة، في بيت خالها القاضي كمال ~~الدين بن البارزي، ولم يعمل بالقلعة. ثم في يوم الاثنين حادي عشرين شهر ~~ربيع الأول المذكور، استقر خشقدم عوضا عن تنبك المقدم ذكره في حجوبية ~~الحجاب. ثم في يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر، أنعم السلطان على تمراز ~~الأشرفي الزردكاش كان بإقطاع علي باي الساقي الأشرفي، بحكم وفاته. قلت: بئس ~~البديل، وإن كان كل منهما أشرفيا، فالفرق بينهما ظاهر. وفي هذه الأيام عظم ~~أمر النخاس، حتى إنه ضاهى المقر الصاحبي ناظر الخواص، في نفوذ الكلمة في ~~الدولة، لأمور صدرت بينهما يطول الشرح في ذكرها، وليس لذلك فائدة ولا ~~نتيجة؛ وملخص ذلك أن أبا الخير عظم في الدولة حتى هابه كل أحد من عظماء ~~الدولة إلا المقر الجمالي؛ فأخذ أبو الخير يدبر في الباطن، ويوغر خاطر ~~السلطان عليه بأمور شتى، ولم ينهض أن يحول السلطان عنه بسرعة، لثبات قدمه ~~في المملكة، ولعظمه في النفوس. كل ذلك والمقر الجمالي لا يتكلم في حقه عند ~~السلطان بكلمة واحدة، ولا يلتفت إلى ما هو فيه وأبو الخير في عمل جد مع ~~السلطان في أمر الجمالي المذكور، بكلتا يديه. وبينما هو في ذلك، أخذه الله ~~من حيث لا يحتسب، حسبما يأتي ذكره مفصلا إن شاء تعالى. ومن غريب الاتفاق ~~أنه دخل عليه، قيل محنة أبي الخير النخاس بمدة يسيرة، رجل من أصحابه، وأخذ ~~في تعظيم المذكور، وبالغ في أمره، حتى قال إنه قد تم له كل شيء طلبه؛ ~~فأنشدته من باب المماجنة: المتقارب إذا تم أمر بدا نقصه ... توق زوالا إذا ~~قيل تم وافترقنا، فلم تمض أيام حتى وقع من أمره ما وقع. ثم في يوم الاثنين، ~~ثالث عشر شهر ربيع الآخر المقدم ذكره، نفي الأمير سودون الإينالي ms3340 المؤيدي ~~المعروف بقراقاش، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، لأمر مطول ذكرناه في " ~~الحوادث " . PageV04P0296 # وفي هذه الأيام برز المرسوم الشريف بعزل الأمير بيغوت من صفر خجا المؤيدي ~~الأعرج عن نيابة حماة، لأمور مطولة ذكرناها في " الحوادث " من أولها إلى ~~آخرها، وإلى حضوره إلى القاهرة، وما وقع له ببلاد الشرق وغيره. ورسم للأمير ~~سودون الأبوبكري المؤيدي أتابك حلب باستقراره عوضه في نيابة حماة، وأنعم ~~بأتابكية حلب على الأمير علي باي العجمي المؤيدي، وأنعم بتقدمة علي باي ~~المذكور على إينال الظاهري جقمق، وقد نفي قبل تاريخه من الديار المصرية. ؟؟ ### || AUT مبدأ نكبة أبي الخير النحاس # على سبيل الاختصار ولما كان يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى من سنة ~~أربع وخمسين المذكورة، أحضر السلطان إلى بين يديه مماليك الأمير تنم من عبد ~~الرزاق المؤيدي أمير مجلس، وعين منهم نحو العشرة، ورسم بحبسهم بسجن ~~المقشرة، بسبب تجرئهم على أستاذهم المذكور، وشكواه عليهم. فلما أصبح من ~~الغد في يوم الاثنين ثاني عشره، انفض الموكب السلطاني، ونزل الأمير تنم ~~المذكور صحبة الأتابك إينال العلائي وغيره من الأمراء، فلما صاروا تجاه ~~سويقة منعم، احتاطت بهم المماليك السلطانية الجلبان، وخشنوا لتنم في القول، ~~بسبب شكواه على مماليكه، فأخذ الأتابك إينال في تسكينهم، وضمن لهم خلاص ~~المماليك المذكورة من حبس المقشرة؛ فخلوا عنهم، ورجعوا غارة إلى زين الدين ~~يحيى الأستادار، فوافوه بعد نزوله من الخدمة بالقرب من جامع المارداني، ~~وتناولوه بالدبابيس؛ فمن شدة الضرب ألقى بنفسه عن فرسه، وهرب إلى أن أنجده ~~الأمير أزبك الساقي، والأمير جانبك اليشبكي الوالي، وأركباه على فرسه، ~~وتوجها به إلى داره. فلما فات المماليك زين الدين رجعوا غارة إلى جهة ~~القلعة، ووقفوا تحت الطبلخاناه السلطانية بالصوة، في انتظار أبي الخير ~~النحاس. وبلغ النحاس الخبر، فمكث نهاره عند السلطان بالقلعة لا ينزل إلى ~~داره. فشق ذلك المماليك واتفقوا على نهب دار أبي الخير النحاس، فساروا من ~~وقتهم إلى على هيئة مزعجة، فوجدوا باب داره قد غلقه مماليكه وأعوانه، وقد ~~وقفت مماليكه بأعلى بابه لمنع المماليك من ms3341 الدخول، فوقع بينهم بعيض قتال؛ ~~ثم هجمت المماليك السلطانية على بابه الذي كان من بين السوريين، وأطلقوا ~~فيه النار واحترق الباب وما كان عليه من المباني. ودخلوا إلى البيت، وامتدت ~~الأيدي النهب، فما عفوا ولا كفوا، وأخذوا من الأقمشة والأمتعة والصيني ~~والتحف ما يطول الشرح في ذكره. واستمرت النار تعمل في باب أبي الخير، إلى ~~أن اتصلت إلى عدة بيوت بجواره، ولم تصل النار إلى داره، لأنها كانت فوق ~~الريح، وأيضا كانت بالبعد عن الباب، وهي الدار التي عمرها قديما صلاح الدين ~~بن نصر الله، وانتقلت بعده إلى أقوام كثيرة، حتى ملكها النحاس هذا وجددها ~~وتناهى فيها. ثم حضر والي القاهرة وغيره لطفي النار، فطفيت بعد جهدة ولما ~~انتهى المماليك من النهب، وعلموا أنه لم يبق بالدار ما يؤخذ، توجهوا إلى ~~حال سبيلهم، وقد تركوا بيت النحاس خاليا من جميع ما كان فيه، بعد أن سلبوا ~~حريمه جميع ما كان عليهن من الأقمشة، وأفحشوا في أمرهن من الهتكة والجرجرة ~~والهجم عليهن. وعادوا من دار النخاس وشقوا باب زويلة، وقد غلقت عدة حوانيت ~~بالقاهرة، لعظم ما هالهم من النهب في بيت النحاس، فمضوا ولم يتعرضوا لأحد ~~بسوء. وباتوا تلك الليلة، وأصبحوا يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى ~~المذكور، ووقفوا بالرملة محدقين بالقلعة، مصممين على الفتك بأبي الخير ~~النخاس، وقد بات النحاس بالقلعة، وطلبوا تسليمه من السلطان، وعزل جو ~~النوروزي عن تقدمة المماليك، وعزل زين الدين الأستادار عن الأستادارية؛ ~~وانفض الموكب، ونزل كل من الأعيان إلى داره في خفية، ونزل الأمير تمربغا ~~الظاهري الدوادار الثاني، والأمير أزبك الساقي، وبردبك البجمقدار، إلى نحو ~~بيوتهم؛ فلما صاروا بالرملة ضربوا عليهم المماليك الجلبان حلقة، وكلموهم في ~~عودهم إلى السلطان والتكلم معه في مصالحهم، فقال لهم تمربغا: " ما هو ~~غرضكم؟ " ، قالوا: " عزل جوهر مقدم المماليك وتسليم غريمنا " ، يعنون ~~النحاس. PageV04P0297 # فعاد تمربغا إلى القلعة من وقته وعرف السلطان بمقصودهم. وكان الأمير ~~الكبير إينال قد طلع باكر النهار إلى القلعة وصحبته الأمير أسنبغا الطياري ~~رأس نوبة النوب، وأما ms3342 الأمير تنم فإنه كان طلع إلى القلعة من أمسه وبات بها ~~في طبقة الزمام، وأجمع رأيه أنه لا ينزل من القلعة إلى أن يفرج عن مماليكه ~~المحبوسين، خشية من المماليك الجلبان. فلما طلع الأمير الكبير باكر النهار، ~~شفع في مماليك الأمير تنم، فرسم بإطلاقهم. ثم تكلم الأمير الكبير مع ~~السلطان في الرضى عن المماليك الجلبان، والسلطان مصمم على مقالته التي ~~قالها بالأمس، أنه يرسل ولده المقام الفخري عثمان وحريمه إلى الشام، ويتوجه ~~هو إلى حال سبيله، فنهاه الأمير الكبير عن ذلك. وقام السلطان ودخل إلى ~~الدهيشة، فكلمه بعض أمرائه أيضا في أمرهم، فشق ثوبه غيظا منه، ونزل الأمير ~~الكبير بمن معه إلى دورهم. ثم كان نزول تمربغا؛ والمقصود أن تمربغا لما عاد ~~إلى السلطان، وعرفه قصد المماليك، وقبل أن يتكلم، سبقه بعض أمرائه، وأظنه ~~الأمير قراجا الخازندار، وقال: " يجبر مولانا السلطان خاطر مماليكه، بعزل ~~المقدم، وإخراج النحاس من القاهرة، فانقاد السلطان إلى كلامه، ورسم بعزل ~~جوهر مقدم المماليك، وتوجهه إلى المدينة الشريفة، وإخراج النخاس إلى مكة ~~المشرفة؛ وعاد تمربغا إلى المماليك بهذا الخبر، فرضوا، وتوجه كل واحد إلى ~~حال سبيله؛ وتم ذلك إلى بعد الظهر من اليوم المذكور. فلما كان بعد الظهر، ~~توجه جماعة من المماليك إلى الأمير أسنبغا الطياري رأس نوبة النوب، وكلموه ~~أن يطلع إلى السلطان، ويطلب منه إنجاز ما وعدهم به من إخراج النحاس وعزل ~~المقدم؛ فركب أسنبغا من وقته، وطلع إلى السلطان وكلمه في ذلك؛ فلما سمع ~~السلطان مقالة أسنبغا، اشتد غضبه، وطلب في الحال جوهرا مقدم المماليك ~~ونائبه مرجان العادلي المحمودي، وخلع عليهما باستقرارهما، ورسم أن يكون ~~النحاس على حاله أولا بالقاهرة ورسم للأمير تغري برمش اليشبكي الزردكاش أن ~~يستعد لقتال المماليك الجلبان فخرج الزردكاش من وقته ونصب عدة مدافع على ~~أبراج القلعة، وصمم السلطان على قتال مماليكه المذكورين. وبلغ الأمراء ذلك، ~~فطلع منهم جماعة كبيرة إلى السلطان، وأقاموا ساعة بالدهيشة، إلى أن أمرهم ~~السلطان بالنزول إلى دورهم، ونزلوا. واستمر الحال إلى باكر يوم الأربعاء ms3343 ~~رابع عشره، فجلس السلطان بالحوش على الدكة، ثم التفت إلى شخص من خاصكيته، ~~وقال له: " أين الذين قلت عنهم؟ " فقال: " الآن يحضروا " ، فقال السلطان: " ~~انزل إليهم وأحضرهم " ، فنزل الرجل من وقته، وقام السلطان إلى الدهيشة، ~~ونزل المذكور إلى المماليك، وأخذ منهم جماعة كبيرة، وطلع بهم إلى السلطان؛ ~~فلما مثلوا بين يديه قال لهم: " عفوت عنكم، امضوا إلى أطباقكم " ، فلم ~~يتكلم أحد منهم بكلمة. واستمر أبو الخير بالقلعة خائفا من النزول إلى داره، ~~وقد أشيع سفره إلى الحجاز، إلى أن كان يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى، ~~نزل أبو الخير إلى داره على حين غفلة قبل العصر بنحو خمس درج، وانحاز ~~بداره، وقفل الباب عليه إلى يوم الأربعاء حادي عشرينه؛ فوصل البلاطنسي من ~~دمشق، وطلع إلى السلطان، وشكا على أبي الفتح الطيبي، الذي ولي وكالة بيت ~~مال دمشق بسفارة النحاس، وذكر عنه عظائم، فعزله السلطان، ورسم بحضوره إلى ~~القاهرة في جنزير، ورسم لأبي الخير النحاس بالسفر إلى المدينة الشريفة؛ ~~ونزل البلاطنسي من القلعة بعد أن أكرمه السلطان، وحصل على مقصوده من عزل ~~أبي الفتح الطيبي. PageV04P0298 # ورسم السلطان لأبي الخير المذكور أن يكتب جميع موجوده ويرسله إلى السلطان ~~من الغد، ورسم أيضا بعمل حسابه. وتردد إليه الصفوي جوهر الساقي كل قبل ~~السلطان غير مرة، وكثر الكلام بسببه، فقلق النحاس من ذلك غاية القلق وعلم ~~بزوال أمره. فأصبح من الغد، في يوم الخميس ثاني عشرينه، طلع إلى القلعة في ~~الغلس من غير إذن السلطان واختفى بالقلعة في مكان، إلى أن انفض الموكب، ~~فتحيل حتى دخل على السلطان، واجتمع به. ثم نزل من وقته، وقد أصلح ما كان ~~فسد من أمره، وأنعم له السلطان بموجوده، وترك له جميع ما كان عزم على أخذه. ~~واستمر بداره، وقد هابته الناس وكثر تردادهم إليه. ورسم بإبطال ما كان رسم ~~به من عزل أبي الفتح الطيبي وإحضاره، وأمر البلاطنسي بالسفر إلى دمشق، بعد ~~أن لهج الناس بحبسه في سجن المقشرة، فتحقق الناس بهذا الأمر ميل السلطان ~~لأبي الخير، ms3344 وكف جميع أعداء النحاس عن الكلام في أمره مع السلطان. واستمر ~~بداره والناس تتردد إليه، إلى يوم الخميس تاسع عشرين جمادى الأولى المذكور، ~~رسم السلطان لجوهر الساقي بنزوله إلى أبي الخير النحاس، ومعه نقيب الجيش، ~~ويمضيا به إلى بيت قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي ليدعي عليه ~~التاجر شرف الدين موسى التتائي الأنصاري بمجلس الشرع، بدعاو كثيرة، ورسم ~~السلطان لجوهر أن يحتاط بعد ذلك على جميع موجوده. فنزل جوهر المذكور من ~~وقته إلى أبي الخير النحاس، وأخرجه من داره ماشيا ممسوكا مع نقيب الجيش، ~~وقد ازدحم الناس على بابه للتفرج عليه والفتك به؛ فحماه جوهر ومن معه من ~~المماليك منهم، وأخذه ومضى. وانطلقت الألسن إليه بالسب واللعن والتوبيخ، ~~وجوهر يكفهم عنه ساعة بعد ساعة، وهم خلفه وأمامه، وهو مار في طريقه ماشيا ~~إلى أن وصل بيت القاضي المذكور بسويقة الصاحب من القاهرة، وأدخلوه إلى ~~المدرسة الصاحبية محتفظا به مع رسل الشرع. وعاد جوهر الساقي وشرف الدين ~~التتائي إلى الحوطة على موجود أبي الخير النحاس بداره وحواصله. ووجدت ~~العامة بغياب جوهر فرصة إلى الدخول على أبي الخير المذكور، فهجموا عليه ~~وأخذوه من أيدي الرسل، وضربوه ضربا مبرحا؛ فصاحت رسل الشرع عليهم، وأخذوه ~~من أيديهم، وهربوه إلى مكان بالمدرسة المذكورة. وأعلموا القاضي بذلك، فأرسل ~~القاضي خلف الأمير جانبك والي القاهرة، حتى حضر، وقدر على إخراجه من ~~المدرسة المذكورة إلى بيت القاضي، وادعى شرف الدين التتائي عليه بدعاو يطول ~~الشرح في ذكرها. والسبب الموجب لهذه القضية، أن أبا الخير النخاس لما وقع ~~له ما وقع، وأقام بالقلعة من يوم الاثنين إلى يوم الخميس، ثم نزل قبيل ~~العصر إلى داره، بقي الناس في أمره على قسمين: فمن الناس من لا سلم عليه ~~ولا راعاه، ومنهم من صار يترحبه ويتردد إليه. ودام على ذلك إلى أن طلع أبو ~~الخير إلى السلطان من غير إذن، وأصلح ما كان فسد من أمره، ونزل إلى داره، ~~وقد وقع بينه وبين شرف الدين المذكور. وسبب ذلك أن شرف ms3345 الدين كان في هذه ~~المدة هو رسول النحاس إلى السلطان، ومهما كان للنخاس من الحوائج يقضيها له ~~عند السلطان، فظهر لأبي الخير المذكور، بطلوعه إلى القلعة في ذلك اليوم، أن ~~شرف الدين ليس هو له بصاحب، وأنه ينقل عنه إلى السلطان ما ليس هو مقصوده، ~~بل ينهي عنه ما فيه دماره، فنزل إلى شرف الدين وأظهر له المباينة، وتوعده ~~بأمور إن طالت يده؛ فانتدب عند ذلك شرف الدين له، ودبر عليه، وساعدته ~~المقادير مع بغض الناس قاطبة له، حتى وقع ما حكيناه وادعى عليه بدعاو ~~كثيرة. PageV04P0299 # واستمر أبو الخير في بيت القاضي شرف الدين في الترسيم، وهو يسمع من ~~العامة والناس من أنواع البهدلة والسبب ما لا مزيد عليه مواجهة، بل يزدحمون ~~على باب القاضي لرؤيته، وصارت تلك الحارة كبعض المفترجات، لعظم سرور الناس ~~لما وقع لأبي الخير المذكور، حتى النساء وأهل الذمة. وأصبح من الغد نهار ~~الجمعة، طلب السلطان خيوله ومماليكه فطلعوا بهم في الحال، بعد أن شقوا بهم ~~القاهرة، وازدحم الناس لرؤيتهم، فكانت عدة الخيول نيفا على أربعين فرسا، ~~منها بغال أزيد من عشرة، والباقي خيول خاص هائلة، والمماليك نحو من عشرين ~~نفرا. واستمر شرف الدين يتتبع آثاره وحواصله، هذا بعد أن أشهد على أبي ~~الخير المذكور أن جميع ما يملكه من الأملاك والذخائر والأمتعة والقماش وغير ~~ذلك هو ملك السلطان الملك الظاهر، دون ملكه، وليس له دافع ولا مطعن. ثم في ~~يوم السبت أول جمادى الآخرة، رسم بفتح حواصل أبي الخير، ففتحت، فوجد فيها ~~من الذهب العين نحو سبعة عشر ألف دينار، ووجد له من الأقمشة والتحف ~~والقرقلات التي برسم الحرب، والصيني الهائل، والكتب النفيسة، أشياء كثيرة؛ ~~ووجد له حجج مكتتبة على جماعة بنحو ثلاثين ألف دينار. فحمل الذهب العين إلى ~~السلطان، وبعض الأشياء المستظرفة، وختم على الباقي، حتى تباع. ودام شرف ~~الدين في الفحص على موجوده. وأخرج السلطان جميع تعلقات النحاس من الإقطاعات ~~والحمايات والمستأجرات وغير ذلك. ثم في يوم الأحد ثاني جمادى الآخرة، خلع ~~السلطان ms3346 على المقر الجمالي ناظر الخواص، وعلى زين الدين الأستادار، خلعتي ~~الاستمرار . وخلع على شرف الدين موسى التتائي باستقراره في جميع وظائف أبي ~~الخير النحاس، وهم عدة وظائف ما بين نظر البيمارستان المنصوري، ونظر ~~الجوالي، ونظر الكسوة، ووكالة بيت المال، ونظر خانقاه سعيد السعداء، ووكيل ~~السلطان، ووظائف آخر دينية، ومباشرات ولبس شرف الدين خفا ومهمازا وتولى ~~جميع هذه الوظائف، عوضا عن أبي الخير دفعة واحدة. قلت: وما أحسن قول ~~المتنبي في المعنى: " الطويل " بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم ~~عند قوم فوائد هذا والفقهاء والمتعممون قد ألزموهم المماليك الجلبان بعدم ~~ركوب الخيل، بحيث إنه لم يستجر أحد منهم أن يعلو على ظهر فرس، إلا أعيان ~~مباشري الدولة؛ وجميع من عداهم قد ابتاعوا البغال وركبوها، حتى تزايد لذلك ~~سعر البغال إلى أمثال ما كان أولا. ثم أمر السلطان في اليوم المذكور بنقل ~~أبي الخير النخاس من بيت القاضي الشافعي يحيى المناوي، من سويقة الصاحب، ~~إلى بيت المالكي ولي الدين السنباطي بالحرب الأصفر، ليدعى عليه عند القاضي ~~المذكور بدعاو. فأخذه والي القاهرة ومضى به من بيت القاضي الشافعي إلى بيت ~~المالكي، وقد أركبه حمارا، وشق به القاهرة، والناس صفوف وجلوس بالشوارع ~~والدكاكين، وهم ما بين شامت وضاحك ثم باك؛ فأما الشامت فهو من آذاه وظلمه، ~~والضاحك من كان يعرفه قديما، ثم ترافع عليه، والباكي معتبر بما وقع له من ~~ارتفاعه ثم هبوطه؛ قلت: وقد قيل في الأمثال: " على قدر الصعود يكون الهبوط ~~" . وسار به الوالي على تلك الهيئة إلى أن أدخله إلى بيت القاضي المالكي. ~~وادعى عليه السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن المصبح دلال العقارات، بدعوى ~~شنعة، أوجبت وضع الجنزير في رقبة أبي الخير النحاس، بعد أن كتب محضرا ~~بكفره. وأقام الشريف البينة عند القاضي المالكي بذلك، فلم يقبل القاضي بعض ~~البينة. واستمر أبو الخير في بيت القاضي في الترسيم على صفة، نسأل الله ~~السلامة من زوال النعم، إلى عصر يومه، فنقل إلى حبس الديلم على حمار، وفي ~~رقبته الجنزير؛ ms3347 ومر بتلك الحالة من الشارع الأعظم، وعليه من الذل والصغار ~~ما أحوج أعداءه الرحمة عليه، وحاله كقول القائل: " السريع " لم يبق إلا نفس ~~خافت ... ومقلة إنسانها باهت يرثي له الشامت مما به ... يا ويح من يرثي له ~~الشامت قلت: وأحسن من هذا قول من قال: مجزوء الكامل يا من علا وعلوه ... ~~أعجوبة بين البشر غلط الزمان برفع قد ... رك ثم حطك واعتذر ويعجبني أيضا في ~~هذا المعنى، قول القائل: البسيط لو أنصفوا أنصفوا، لكن بغوا فبغي ... ~~عليهم، فكأن العز لم يكن PageV04P0300 # جاد الزمان بصفو ثم كدره ... هذا بذاك، ولا عتب على الزمن وقد سقنا أحوال ~~أبي الخير هذا في ترجمته في تاريخنا " المنهل الصافي المستوفى بعد الوافي " ~~بأوسع من هذا، إذ سياق الكلام منتظم مع سياقه في محل واحد؛ وأيضا قد حررنا ~~أموره بأضبط من هذا في تاريخنا " حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور " إذ ~~هو موضوع لتحرير الوقائع، وما ذكرناه هنا، على سبيل الاستطراد من شيء إلى ~~شيء. واستمر أبو الخير بسجن الديلم إلى ما يأتي ذكره من خروجه من السجن، ~~ونفيه، ثم حبسه، وجميع ما وقع له إلى يومنا هذا، إن شاء الله تعالى. وفي ~~يوم حبس النحاس بحبس الديلم ظهر القاضي ولي الدين السفطي من اختفائه نحو ~~ثمانية أشهر وسبعة أيام، وطلع من الغد في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة إلى ~~السلطان، فأكرمه السلطان، ونزل إلى داره. ثم في يوم السبت ثامنه، ندب ~~السلطان إينال الأشرفي المتفقه، ليتوجه إلى دمشق، لكشف أخبار أبي الفتح ~~الطيبي والفحص عن أمره. وفي هذه الأيام ترادفت الأخبار من حلب وغيرها بمسير ~~جهان شاه بن يوسف، صاحب تبريز، على معز الدين جهان كير بن علي بك بن قرايلك ~~صاحب آمد، وأن جهان كير ليس له ملجأ إلا القدوم إلى البلاد الحلبية مستجيرا ~~سلطان، وأن جهان شاه يتبعه حيثما توجه؛ فتخوف أهل حلب من هذا الخبر، ونزح ~~منها جماعة كثيرة، وغلا بها ثمن ذوات الأربع، لأجل السفر منها. ومدلول هذه ~~الحكايات طلب عسكر ms3348 يخرج من الديار المصرية إلى البلاد الشاميه، فأوهم ~~السلطان بخروج تجريدة، ثم فتر عزمه عن ذلك. وفي هذه الأيام أشيع بالقاهرة ~~أن أبا الخير النحاس قد تجنن في سجنه، وأنه صار يخلط في كلامه. قلت: وحق له ~~أن يتجنن، فإنه كان في شيء، ثم صار في شيء، ثم عاد إلى أسفل ما كان؛ وهو ~~أنه كان أولا فقيرا مملقا متحيلا على الرزق، دائرا على قدميه في النزه ~~والأوقات، ثم وافته السعادة على حين غفلة حتى نال منها حظا كبيرا، ثم حطه ~~الدهر يدا واحدة، فصار في الحبس، وفي رقبته الجنزير، يترقب ضرب الرقبة، ~~بعدما وقع له من الإخراق والبهدلة وشماتة الأعداء، وأخذ أمواله ما وقع، فهو ~~معذور: دعوه يتجنن ويتفنن في جنونه. ثم في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة ~~استغاث الشريف غريم النخاس على رؤوس الأشهاد، وقال: " قد ثبت الكفر على ~~غريمي النخاس، وأقيمت البينة، والقاضي لا يحكم بموجب كفره وضرب رقبته " ؛ ~~وكان الشريف هذا قد وقف إلى السلطان قبل تاريخه، وذكر نوعا من هذا الكلام، ~~فرسم السلطان للقاضي المالكي أنه إن ثبت على أبي الخير المذكور كفر، فليضرب ~~رقبته بالشرع، ولا يلتفت لما بقي عنه من مال السلطان، فإن حق النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبدأ من حق السلطان. فلما سمع الشريف ذلك اجتهد غاية ~~الاجتهاد، والقاضي يتثبت في أمره؛ ثم بلغ القاضي المالكي مقالة الشريف هذه، ~~فركب وطلع إلى السلطان واجتمع به وكلمه في أمر النحاس، فأعاد السلطان عليه ~~الكلام كمقالته أولا، وقال له كلاما معناه أن هذا " أمره راجع إليك، ومهما ~~كان الشرع افعله معه، ولا تتعوق لمعنى من المعاني " ؛ فقال القاضي المالكي: ~~" يا مولانا السلطان، قد فوضت هذه الدعوى لنائبي القاضي كمال الدين بن عبد ~~الغفار، فهو ينظر فيها بحكم الله تعالى " ؛ وانفض المجلس. وكان السلطان قد ~~أرسل في أول هذا النهار جوهرا التركماني الطواشي إلى أبي الخير النحاس، ~~يسأله عن الأموال، ويهدده بالضرب وبالنكال، فلم يلتفت أبو الخير إلى ما جاء ~~فيه جوهر، وقال: ms3349 " قد أخذ السلطان جميع مالي، وما بقي فهو يباع في كل يوم " ~~. PageV04P0301 # ثم أخذ أمر الشريف المدعي على أبي الخير النخاس في انحلال، من كون القاضي ~~الشافعي أثبت فسق القاضي عز الدين البساطي، أحد نواب الحكم المالكي، وهو ~~أحد من شهد على أبي الخير المذكور لأمر من الأمور، ولا نعرف على الرجل إلا ~~خيرا. ووقع بسبب ذلك أمور، وعقد مجالس بالقضاة بحضرة السلطان، وآل الأمر ~~على أن السلطان حبس الشريف والشهود في الحبس بالمقشرة، وتراجع أمر أبي ~~الخير النخاس بعدما أرجف بضرب رقبته غير مرة. ثم رسم السلطان في اليوم الذي ~~حبس فيه الجماعة المذكورة بإخراج أبي الخير النحاس من حبس الديلم، وتوجهه ~~إلى بيت قاضي القضاة الشافعي؛ فأخرجه الوالي من سجن الديلم مجنزرا بين ~~يديه، وشق به الشارع وهو راكب خلفه، ماش على قدر مشية النحاس، إلى أن أوصله ~~إلى بيت القاضي الشافعي، بخط سويقة الصاحب، وقد ازدحمت الناس لرؤيته، وكان ~~الوقت قبيل العصر بنحو العشر درج؛ ومر أبو الخير على مواضع كان يمر بها في ~~موكبه أيام عزه، والناس بين يديه؛ وبالجملة فخروجه الآن من حبس الديلم خير ~~من توجهه إليه من بيت القاضي المالكي، والمراد به الآن خير مما كان يراد به ~~يوم ذاك. ولما وصل أبو الخير إلى بيت القاضي الشافعي، أسلمه والي القاهرة ~~إليه، فأمر القاضي في الوقت برفع الجنزير من عنقه. ثم قام بعد ساعة شخص ~~وادعى على أبي الخير بدعاو كثيرة شنعة، اعترف أبو الخير ببعضها، وسكت عن ~~البعض؛ فحكم القاضي عند ذلك بإسلامه، وحقن دمه، وفعل ما وجب عليه من ~~التعزير، بمقتضى مذهبه. وسلمت مهجته، بعد أن أيقن كل أحد بسفك دمه، وذهاب ~~روحه، وذلك لعدم أهلية أخصامه، وضعف شوكتهم، وعدم مساعدة المقر الجمالي لهم ~~على قتله؛ فإنه لم يتكلم في أمره من يوم أمسك إلا فيما يتعلق به من شأنه، ~~ولم يداخلهم فيما هم فيه البتة، مع أنه كان لا يكره ذلك، لو وقع، غير أنه ~~لم يتصد لهذا الأمر في ms3350 الظاهر بالكلية، احتفاظا لرئاسته ودينه. وأنا أقول: ~~لو كان أمر النحاس هذا مع ذلك الجزار جمال الدين الأستادار، أو غيره من ~~أمثاله، لألحقوه بمن تقدمه من الأمم السالفة، ولكن " لكل أجل كتاب " . وبعد ~~أن عزره القاضي، أمر بالترسيم عليه، حتى يتخلص من تعلقات السلطنة. ثم في ~~يوم الجمعة ثامن عشرين جمادى الآخرة، رسم السلطان بالإفراج الشريف غريم ~~النحاس، وعن الشهود من حبس المقشرة؛ ورسم بنفي النحاس إلى مدينة طرسوس، ~~محتفظا به، وأنه يقيد ويجنزر من خانقاه سرياقوس؛ فمض جانبك الوالي إليه، ~~وأخرجه من بيت القاضي الشافعي راكبا على فرس في الثلث الأول من ليلة السبت ~~تاسع عشرينه، وذلك بعد أن حلف أبو الخير المذكور أمسه يمينا مغلظا بمجلس ~~قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي، أنه لم يبق معه شيء من المال غير مبلغ ~~يسير جدا، برسم النفقة، وأنه صار فقيرا لا يملك قل ولا جل، فسبحان المطلع ~~على السرائر. وفرغ هذا الشهر والناس في جهد وبلاء من غلو الأسعار في جميع ~~المأكولات، وتزايد أثمان البغال، لكثرة طلابها من الفقهاء والمتعممين، لشدة ~~المماليك الجلبان في منعهم من ركوب الخيل. ثم في يوم الخميس رابع شهر رجب، ~~برز الأمير سونجبغا اليونسي الناصر من القاهرة، إلى بركة الحاج أمير ~~الرجبية، وسافر في الركب المذكور الأمير جرباش المحمدي الناصري المعروف ~~بكرد أحد مقدمي الألوف وصحبته زوجته خوند شقراء بنت الملك الناصر فرج و ~~عيالهما، وسافر معه أيضا الأمير تغري برمش السيفي يشبك بن أزدمر الزردكاش، ~~أحد أمراء الطبلخانات، وعدة كبيرة من أعيان الناس وغيرهم، وسافر الجميع في ~~يوم الاثنين ثامنه. PageV04P0302 # ثم في يوم الأحد رابع شهر رجب، الموافق لسلخ مسرى أحد شهور القبط، أمر ~~السلطان الشيخ عليا المحتسب أن يطوف في شوارع القاهرة، وبين يديه المدراء، ~~يعلمون الناس بأن في غد يكون الاستسقاء بالصحراء لتوقف النيل عن الزيادة. ~~وأصبح من الغد في يوم الاثنين خامس عشره، وهو أول يوم من أيام النسيء، خرج ~~قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي إلى الصحراء ماشيا من داره ms3351 بين الخلائق ~~من الفقهاء والفقراء والصوفية، إلى أن وقف بين تربة الملك الظاهر برقوق ~~وبين قبة النصر، قريبا من الجبل، ونصب له هناك منبر. وحضر الخليفة وبقية ~~القضاة، وصاروا في جمع موفور من العالم من سائر الطوائف، وخرجت اليهود ~~والنصارى بكتبهم. وصلى قاضي القضاة المذكور بجماعة من الناس ركعتين ~~خفيفتين، ودعا الله سبحانه وتعالى بإجراء النيل، وأمن الناس على دعائه، ~~وعظم ضجيج الخلائق من البكاء والنحيب والتضرع إلى الله تعالى، ودام ذلك من ~~بعد طلوع الشمس إلى آخر الساعة الثانية من النهار المذكور، ثم انصرفوا على ~~ما هم عليه من الدعاء والابتهال إلى الله تعالى، فكان هذا اليوم من الأيام ~~التي لم نعهد بمثلها. وفي هذا اليوم، ورد كتاب خير بك النوروزي نائب غزة، ~~يتضمن أن أبا الخير النحاس توعك وأنه يسأل أن يقيم بغزة، إلى أن ينصل من ~~مرضه، ثم يسافر إلى طرسوس؛ فكتب الجواب إليه بالتوجه إلى طرسوس من غير أن ~~يتعوق اليوم الواحد. ثم في يوم الخميس ثامن عشره، خرج الخليفة والقضاة ~~الأربعة إلى الاستسقاء ثانيا، بالمكان المذكور، وخرجت الخلائق، وصلى القاضي ~~الشافعي، وخطب خطبة طويلة، وقد امتلأ الفضاء بالعالم؛ وطال وقوف الناس في ~~الدعاء في هذا اليوم، بخلاف يوم الاثنين. وبينما الناس بدعائهم، ورد منادي ~~البحر؛ ونادى بزيادة أصبع واحد من النقص، فسر الناس بذلك سرورا عظيما، ثم ~~انفض الجمع. وعادوا إلى الاستسقاء أيضا من الغد في يوم الجمعة ثالث مرة، ~~وخطب القاضي على عادته، فتشاءم الناس بوقوع خطبتين في يوم واحد، فلم يقع ~~إلا الخيم والسلامة من جهة الملك. واستمر البحر في زيادة ونقص إلى يوم ~~الخميس عاش شعبان الموافق لعشرين توت، فأجمع رأي السلطان على فتح خليج ~~السد، من غير تخليق المقياس، وقد بقي على الوفاء ثمانية أصابع لتكملة ستة ~~عشر ذراعا. فنزل والي القاهرة ومعه بعض أعوانه، وفتح سد الخليج، ومشى الماء ~~في الخلجان مشيا هينا، فكان هذا اليوم من الأيام العجيبة، من كثرة بكاء ~~الناس ونحيبهم، ومما هالهم من أمر هذا النيل. ms3352 وقد استوعبنا أمر زيادته من ~~أوله إلى آخره في تاريخنا " حوادث الدهور " ، وما وقع بسببه من التوجه إلى ~~المقياس بالقراء والفقهاء مرارا وكذلك إلى الآثار النبوي، وتكالب الناس على ~~الغلال، ونهب الأرغفة من على الحوانيت، وأشياء كثيرة من هذا النموذج يطول ~~الشرح في ذكرها هنا. PageV04P0303 # وفي هذه الأيام ورد الخبر على السلطان بفرار تمراز البكتمري المؤيدي ~~المصارع، شاد بندر جدة، من جدة إلى جهة الهند؛ وكان من خبره أن تمراز لما ~~سار واستولى على ما تحصل من البندر من العشر، من الذي خص السلطان، بد له أن ~~يأخذ جميع ما تحصل عنه، ويتوجه إله الهند عاصيا على السلطان؛ فاشترى مركبا ~~مروسا بألف دينار من شخص يسمى يوسف البرصاوي وأشحنها بالسلاح والرجال، يوهم ~~أنه ينزل فيها ويعود بما تحصل معه إلى مصر. فلما تهيأ أمره، أخذ جميع ما ~~تحصل من المال وهو نحو الثلاثين ألف دينار، وسافر إلى جهة اليمن. وبلغ ~~السلطان ذلك من كتاب الشريف بركات صاحب مكة، فعظم ذلك على الناس، وعد ولاية ~~تمراز هذا من جملة ذنوب النحاس، ثم طلب السلطان مملوكه الأمير جانبك ~~الظاهري وخلع عليه باستقراره على التكلم على بندر جدة، على عادته، ليقوم ~~بهذا الأمر المهم الذي ليس في المملكة من ينهض به غيره، وأعني من تمراز، ~~والفحص عليه والاجتهاد في تحصيله؛ وتجهز الأمير جانبك، وخرج إلى البندر على ~~عادته بأجمل زي وأعظم حرمة وأما تمراز فإنه لما سافر من بندر جدة إلى جهة ~~بلاد الهند، صار كلما أتى إلى بلد ليقيم به، تستغيث تجار تلك البلد ~~بحاكمها، ويقولون: " أموالنا بجدة؛ ومتى ما علم صاحب جدة أنه عندنا، أخذ ~~جميع مالنا، بسبب دخول تمراز هذا عندنا؛ فإنه قد أخذ مال السلطان وفر من ~~جدة " ، فيطرده حاكم تلك البلد. ووقع له ذلك بعدة بلاد، وتحير في أمره، ~~وبلغ مسيره على ظهر البحر ستة أشهر. فعندما عاين الهلاك أرمى بنفسه بجميع ~~ما معه " في مركبه إلى مدينة كالكوت - وحاكم كالكوت سامري، وجميع أهل البلد ~~سمرة، وبها تجار ms3353 غير سمرة، وأكثرهم من المسلمين - فثار التجار، واستغاثوا ~~بالسامري، وقالوا له مثل مقالة غيرهم، كل ذلك مراعاة لجهة جانبك نائب جدة. ~~وكنت أستبعد أنا ذلك، إلى أن أوقفني مرة الأمير جانبك المذكور على عدة ~~مطالعات وردت عليه من السامري المذكور، وكل كتاب منهم يشتمل على نظم ونثر ~~وكلام فحل فائق، لا أدري ذلك لفضيلة السامري أو من كتابه، وفي ضمن بعض ~~الكتب الواردة صفة قائمة مكتوب فيها عدة الهدية التي أرسلها صحبة الكتاب ~~المذكور، والقائمة خوصة، لعلها من ورق شجر جوز الهند، طول شبر ونصف، في عرض ~~إبهام، مكتوب عليها بالقلم الهندي خط باصطلاحهم، لا يعرف يقر أبناء جنسهم، ~~في غاية الحسن والظرف - انتهى. ولما تكلم التجار المسلمون وغيرهم مع ~~السامري في أمر تمراز، السامري مسك تمراز، فأحس تمراز بذلك، فأرسل إلى ~~السامري هدية هائلة، فأعاد عليه السامري الجواب: " إن التجار يقولون إن معك ~~مال السلطان " ، فقال تمراز: " نعم، أخذت المال لأشتري به للسلطان فلفلا " ~~، فقال له السامري: اشتر به في هذا الوقت، واشحنه في مراكب التجار " ، ~~فاشترى به تمراز الفلفل وأشحنه في مركبين للتجار، والباقي أشحنه في المركب ~~المرؤس الذي تحته. وسار وقصد بندر جدة، إلى أن وصل باب المندب من عمل ~~اليمن، عند مدينة عدن فأخذ المركبين المشحونين بالفلفل وتوجه بهما إلى ~~جزيرة مقابلة الحديدة تسمى كمران ، فحضر أكابر الحديدة إلى عند تمراز ~~المذكور، وحسنوا له أخذ كل اليمن جميعها، فمال تمراز إلى ذلك، وخرج إلى ~~بلدهم وأخذ معه جميع ما له بالمركب. ثم قال له أهل الحديدة: " لنا عدو، وما ~~نقدر نملك اليمن حتى ننتصر عليه وبلد العدو تسمى سحية " ، فأجمع تمراز على ~~قتال المذكورين، وركب معهم وقصد عدوهم والتقى الجمعان، فكان بينهم وقعة قتل ~~فيها تمراز المذكور، معه جماعة من أصحابه، وسلم ممن كان معه شخص من ~~المماليك السلطانية، يسمى أيضا تمراز، وهو حي إلى يومنا هذا. فلما بلغ ~~الأمير جانبك موت تمراز، أرسل شخصا من الخاصكية الظاهرية ممن كان معه بجدة، ~~يسمى تنم رصاص، ومعه ms3354 كتب جانبك المذكور إلى الحديدة، يطلب ما كان مع تمراز ~~جميعه. فتوجه تنم إلى الحديدة، فتلقاه أهلها بالرحب والقبول، وسلموه جميع ~~ما كان مع تمراز، والمركب المرؤس وغير ذلك. فعاد تنم بالجميع إلى جدة، بعد ~~أن استبعد كل أحد رجوع المال. فأرسل الأمير جانبك يخبر السلطان بذلك كله، ~~فلما ورد عليه هذا الخبر، سر به وشكر جانبك المذكور على ذلك - انتهى. ~~PageV04P0304 # ثم في يوم الأربعاء سابع شهر رمضان وصل الأمير تنبك البردبكي، المعزول عن ~~حجوبية لحجاب قبل تاريخه، من ثغر دمياط، بطلب من السلطان، وطلع إلى القلعة ~~وقبل الأرض بين يل! السلطان، ووعد بخير. ورسم له بالمشي في الخدمة ~~السلطانية على عادته أولا، لكنه لم ينعم عليه بإقطاع ولا إمرة. وفي هذه ~~الأيام رسم السلطان لنائب طرسوس بالقبض على أبي الخير النحاس، وضربه على ~~سائر جسمه خمسمائة عصاة، وأن يأخذ جميع ما كان معه من المماليك والجواري؛ ~~وخرج المرسوم بذلك على يد نحاس، ووقع ما رسم له السلطان.. ثم في يوم ~~الاثنين سادس عشرين شهر رمضان، ورد الخبر من الشأم بضرب رقبة أبي الفتح ~~الطيبي، أحد أصحاب أبي الخير النحاس، بحكم القاضي المالكي بدمشق، في ليلة ~~الأربعاء رابع عشر شهر رمضان المذكور، بعد أن ألغى حكم القاضي برهان الدين ~~إبراهيم السوبيني الشافعي، بعد عزله بعد أمور وقعت حكيناها في الحوادث. ثم ~~في يوم الاثنين سابع عشر شوال، برز الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني، ~~أمير حاج المحمل، بالمحمل، إلى بركة الحاج، وأمير الركب الأول خيربك الأشقر ~~المؤيدي أحد أمراء العشرات. وكان الحج قليلا جدا في هذه السنة، لعظم الغلاء ~~بالديار المصرية وغيرها. ثم في يوم الخميس خامس ذي القعدة، برز المرسوم ~~الشريف باستقرار الأمير جانبك التاجي المؤيدي نائب بيروت، في نيابة غزة، ~~بعد عزل خيربك النوروزي عنها، وتوجهه إلى دمشق بطالا. ثم في يوم الاثنين ~~سادس عشر ذي القعدة، ورد الخبر على السلطان بموت الأمير تغري برمش الزردكاش ~~بمكة المشرفة - وكان المخبر بموته جانبك الظاهري الخاصكي البواب - فأنعم ~~السلطان في يوم ms3355 الخميس تاسع عشره على السيفي دقماق اليشبكي الخاصكي بإمرة ~~عشرة، من إقطاع تغري برمش الزردكاش، وأنعم بباقيه على الأمير قراجا الظاهري ~~الخازندار، زيادة، على ما بيده ليكمل ما بيده إمرة طبلخاناة؛ وأنعم بإقطاع ~~دقماق، ربع تفهنة، على جانبك الأشرفي الخازندار الخاصكي، وهو يوم ذاك من ~~جملة الدوادارية. ثم خلع السلطان في يوم الاثنين ثالث عشرينه على دقماق ~~المذكور باستقراره زردكاشا كبيرا، عوضا عن تغري برمش المذكور، فأقام دقماق ~~في الزردكاشية خمسة أيام، وعزل عن الوظيفة، واسترجع السلطان منه الإمرة ~~المنعم عليه بها من إقطاع تغري برمش وأعيد إليه إقطاعه القديم. وقد ذكرنا ~~سبب عزله في حوادث الدهر مفصلا. واستقر الأمير لاجين الظاهري زردكاشا. ولما ~~أعيد إلى دقماق إقطاعه القديم، صار جانبك الأشرفي الخازندار بلا إقطاع، لأن ~~السلطان كان أنعم بإقطاعه على جانبك الظاهري البواب القادم من مكة. وساعد ~~جانبك الأشرفي جماعة الأعيان في رد إقطاعه الأول عليه، أو ينعم عليه ~~السلطان بالإمرة المسترجعة من دقماق، فلم يحسن ببال السلطان أخذ الإقطاع من ~~جانبك الظاهري؛ فحينئذ لزمه أن يعطي جانبك الخازندار هذه الإمرة المذكورة ~~فأنعم عليه بها، فجاءت جانب السعادة بغتة، من غير أن يترشح لذلك قبل ~~تاريخه. وخلع السلطان على السيفي قايتباي الظاهري الخاصكي باستقراره ~~دوادارا، عوضا عن جانبك الخازندار المذكور، فإنه كان بقي من جملة ~~الدوادارية، غير أنه كان لا يعرف إلا بالخازندار والظريف إلى يومنا هذا. ثم ~~في يوم الخميس ثالث ذي الحجة، خلع السلطان على القاضي ولي الدين الأسيوطي ~~باستقراره مشيخة المدرسة الجمالية بعد موت ولي الدين السفطي. ثم في يوم ~~الأحد ثالث عشر ذي الحجة رسم السلطان بالإفراج عن الأمير يشبك الصوفي ~~المؤيدي، المعزول عن نيابة طرابلس، من سجن الإسكندرية وتوجهه إلى ثغر دمياط ~~بطالا. وفي يوم الاثنين رابع عشره، وصل كتاب الناصري محمد بن مبارك نائب ~~البيرة، يخبر أنه ورد عليه كتاب الأمير رستم، مقدم عساكر جهان شاه بن قرا ~~يوسف، يتضمن أنه قبض على الأمير بيغوت من صفر خجا المؤيدي الأعرج المتسحب ~~من نيابة ms3356 حماة إلى جهان كير بن قرايلك، وأنه أخذ جميع ما كان معه وجعله في ~~الترسيم. فكتب له الجواب بالشكر والثناء عليه، وطلب بيغوت المذكور منه، وقد ~~أوضحت أمر بيغوت هذا في كتابنا " حوادث الدهور " من أول أمره إلى آخره. ~~PageV04P0305 # ثم في يوم الخميس أول خرم سنة خمس وخمسين وثمانمائة، خلع السلطان على ~~الأمير مرجان العادلي المحمودي الحبشي، نائب مقدم المماليك السلطانية، ~~باستقراره مقدم المماليك، عوضا عن جوهر النوروزي، بحكم إخراجه إلى القدس ~~الشريف بطالا، واستقر الطواشي عنبر، خادم التاجر نور الدين علي الطنبذي، في ~~نيابة المقدم، عوضا عن مرجان المذكور. ثم في يوم الاثنين خامس المحرم، كانت ~~مبايعة الخليفة القائم بالله حمزة، بالخلافة، عوضا عن أخيه أمير المؤمنين ~~المستكفي بالله سليمان، بعد وفاته، حسبما يأتي ذكر وفاته في الوفيات من هذا ~~الكتاب. ثم في يوم السبت تاسع صفر وصل إلى القاهرة قصاد جهان شاه بن قرا ~~يوسف صاحب تبريز وغيرها، وطلعوا إلى القلعة في يوم الاثنين حادي عشره بعد ~~أن عمل السلطان لهم موكبا جليلا بالحوش من قلعة الجبل، وقدموا ما على ~~أيديهم من الهدية وغيرها. ثم في يوم الأحد سابع عشر صفر، ورد الخبر بقدوم ~~الأمير بيغوت نائب حماة، الخارج عن الطاعة، إلى حلب، وصحبة القاصد الوارد ~~بهذا الخبر عما مطالعات من نواب البلاد الشامية في الشفاعة في بيغوت ~~المذكور، كونه كان تخلص من أسر رستم وقدم هو بنفسه إلى طاعة السلطان؛ فكتب ~~السلطان بإحضار بيغوت المذكور على أحسن وجه، وقبل السلطان شفاعة الأمراء ~~فيه. ثم في يوم الاثنين ثامن عشره عمل السلطان مدة هائلة لقصاد جهان شاه ~~بالقلعة، ثم أنعم عليهم بمبلغ ألفي دينار في يوم الأربعاء العشرين منه، ~~وأنعم أيضا على الأمير قانم التاجر المؤيدي أحد أمراء العشرات بألفي دينار، ~~وكان ندبه للتوجه في الرسلية إلى جهان شاه صحبة قصاده، فخرج قانم في يوم ~~الجمعة ثاني عشرين صفر. ثم في يوم الأحد ثاني شهر ربيع الأول من سنة خمس ~~وخمسين المذكورة، نزل السلطان إلى عيادة زين الدين ms3357 يحيى الأستادار، ~~لانقطاعه عن الخدمة. وكان سبب انقطاعه عن الخدمة السلطانية أن المماليك ~~السلطانية أوقعوا به بباب القلة من قلعة الجبل، وضربوه وجرح في رأسه من ~~شجة، ونزل محمولا إلى داره على أقبح حال. ولم يطل السلطان الجلوس عنده، ~~وركب من عنده، وتوجه إلى بيت عظيم الدولة المقر الجمالي ناظر الخواص، ونزل ~~عنده وأقام قليلا، ثم ركب وعاد إلى القلعة. وأصبح من الغد كل واحد من ~~الجمالي ناظر الخواص وزين الدين الأستادار جهز للسلطان تقدمة هائلة ذكرنا ~~تفصيلها في الحوادث. ثم في يوم السبت ثالث عشر شهر ربيع الآخر، وصل الأمير ~~بيغوت الأعرج المؤيدي نائب حماة كان، إلى القاهرة، وطلع إلى السلطان، وقبل ~~الأرض بين يديه، وخلع السلطان عليه سلاريا أحمر بفرو سمور، ووعده بخير. ثم ~~في يوم الاثنين خامس عشر شهر ربيع الآخر المذكور، سافر الأمير أسنباي ~~الجمالي الظاهري أحد أمراء العشرات إلى بلاد الروم، لتولية خوندكار محمد ~~السلطنة، بعد وفاة أبيه مراد بك. وفي هذا الشهر أشيع بالقاهرة أن السلطان ~~ذكر أبا الخير النخاس بخير، وأنه في عزمه الإفراج عنه والرضا عليه. فبلغ ~~السلطان ذلك، فبرز مرسومه إلى نائب طرسوس بضرب النحاس مائة عصاة افتقده ~~بها. ثم في يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى، سافر الأمير بيغوت إلى دمشق ~~ليقيم بها بطالا، بعد أن رتب له في كل شهر مائة دينار برسم النفقة، إلى أن ~~ينحل له إقطاع. ثم في يوم الخميس رابع عشر شهر رجب وصل الأمير قائم ~~المؤيدي، المتوجه إلى جهان شاه في الرسلية، إلى القاهرة مريضا في محفة. ثم ~~في يوم الاثنين تاسع شعبان، وصل الأمير جانبك نائب جدة إلى القاهرة، وخلع ~~السلطان عليه، ونزل إلى داره في موكب جليل إلى الغاية. ثم في يوم الخميس ~~تاسع عشر شعبان، ورد الخبر على السلطان بموت الأمير بردبك العجمي الجكمي، ~~أحد مقدمي الألوف بدمشق، فأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير بمغوت الأعرج ~~المؤيدي. ثم في يوم الأحد ثاني عشرينه، نزل السلطان من القلعة وشق القاهرة، ~~وسار حتى نظر المدرسة ms3358 التي جدد بناءها الجمالي ناظر الخواص، بسويقة الصاحب، ~~عاد من المدرسة، ونزل إلى بيت ابنته زوجة الأمير أزبك من ططخ الساقي ~~الظاهري، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، بدرب الطنبذي بسويقة الصاحب وأقام ~~عندها ساعة جيدة، ثم ركب وطلع إلى القلعة. وبعد طلوعه أرسل إلى الأمير أزبك ~~بعثة خيول خاص ومماليك وأصحن حلوى كثيرة، فقبل الحلوى ورد سواها. ~~PageV04P0306 # ثم في يوم الاثنين ثالث عشرين شعبان من سنة خمس وخمسين المذكور رسم ~~السلطان بتفرقة دراهم الكسوة على المماليك السلطانية على العادة في كل سنة، ~~لكل مملوك ألف درهم، فامتنعوا من الأخذ، وطلبوا الزيادة، وبلغ السلطان ~~الخبر، فغضب من ذلك، وخرج من وقته ماشيا حتى وصل إلى الإيوان، وجلس على ~~السلمة السفلى بالقرب من الأرض، واستدعى كاتب المماليك أسماء جماعة فلم ~~يخرج واحد، وصمموا على طلب الزيادة، وصاروا عصبة واحدة، فلم يسع السلطان ~~إلا أن دعا عليهم، وقام غضبانا، وسار حتى وصل إلى الدهيشة واستمروا ~~المماليك على ما هم عليه، وحصل أمور، إلى أن وقع الاتفاق على أن يكون لكل ~~مملوك من المماليك السلطانية ألفا درهم، ورضوا بذلك، وأخذوا النفقة ~~المذكورة، وقد تضاعف أمرها على ناظر الخاص. ثم استهل شهر رمضان، أوله ~~الاثنين، والناس في أمر مريج من الغلاء المفرط في سائر المأكولات لا سيما ~~اللحوم، هذا مع اتساع الأراضي بالري؛ واحتاج الفلاحون إلى التقاوي ~~والأبقار، وقد عز وجود البقر حتى أبيع الزوج البقر الهائل بمائة وعشرين ~~دينارا وما دونها، وأغرب من ذلك ما حدثني السيفي إياس خازندار الأتابك ~~آقبغا التمرازي، بحضرة الأمير أزبك الساقي، أنه رأى ثورا هائلا ينادى عليه ~~بأربعين ألف درهم، فاستبعدت أنا ذلك، حتى قال الأمير أزبك: " نعم، وأنا ~~سمعته أيضا يقول هذا الخبر للمقر الجمالي ناظر الخواص " . ثم استشهد إياس ~~المذكور جماعة كثيرة على صدق مقالته، وهذا شيء لم نعهد بمثله. هذا مع كثرة ~~الفقراء والمساكين، ممن افتقر في هذه السنين المتداولة بالغلاء والقحط، مع ~~أنه تمفقر خلائق كثيرة ممن ليس له مروءة. وأمسك في هذه الأيام جماعة ms3359 كثيرة ~~من البيعة، ومعهم لحوم الدواب الميتة، ولحم الكلاب، يبيعونها على الناس، ~~وشهروا بالقاهرة؛ وقد استوعبنا أمر هذا الغلاء وما وقع فيه من الغرائب من ~~ابتداء أمره إلى آخره، وقد مكث نحو الأربع سنين، في تاريخنا " حوادث الدهور ~~في مدى الأيام والشهور " ، محررا باليوم والساعة. ثم في يوم الخميس حادي ~~عشر شهر رمضان استقر الناصري ناصر الدين، محمد ابن مبارك نائب البيرة في ~~حجوبية دمشق، بعد عزل الأمير جانبك الناصري وتوجهه إلى القدس بطالا. ووقع ~~في هذا الشهر، أعني عن شهر رمضان، غريبة، وهي أن جماعة أرباب التقويم ~~والحساب أجمعوا على أنه يكون في أوائل العشر الأخير من هذا الشهر قران نحس ~~يكون فيه قطع عظيم. على السلطان الملك الظاهر جقمق، ثم في أواخر العشر ~~المذكور يكون قران آخر، ويستمر القطع على السلطان من أول العشر إلى آخره، ~~وأجمعوا على زوال السلطان بسبب هذه القطوع. فمضى هذا الشهر والسلطان في خير ~~وسلامة، في بدنه وحواسه، ولازمته أنا في العشر المذكورة ملازمة غير العادة، ~~لأرى ما يقع له من التوعك أو الإنكاد، أو شيء يقارب مقالة هؤلاء، ليكون لهم ~~مندوحة في قولهم، فلم يقع له في هذه المدة ما كدر عليه، ولا تشوش في بدنه، ~~ولا ورد عليه من الأخبار ما يسوء، ولا تنكد بسبب من الأسباب؛ وقد كان شاع ~~هذا القول حتى لعله بلغ السلطان أيضا. وفرغ الشهر، ولم يقع شيء مما قالوه ~~بالكلية. ويأبى الله إلا ما أراد. ويعجبني في هذا المعنى القائل، ولم أدر ~~لمن هو: البسيط دع المنجم يكبو في ضلالته ... إن ادعى علم ما يجرى به الفلك ~~تفرد الله بالعلم القديم فلا ... الإنسان يشركه فيه ولا الملك ومثل هذا ~~أيضا، وأظنه قد تقدم ذكره: البسيط دع النجوم لطرقي يعيش بها ... وبالعزيمة ~~فانهض أيها الملك إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ~~ملكوا PageV04P0307 # ثم في يوم الجمعة ثالث شوال، ورد الخبر بموت يشبك الحمزاوي نائب صفد بها، ~~في ليلة السبت سابع عشرين شهر رمضان، ms3360 فرسم السلطان بنيابة؛ للأمير بيغوت ~~الأعرج ثانيا، وحمل إليه التقليد والتشريف على يد الأمير يشب الفقيه ~~المؤيدي بنيابة صفد؛ وبشبك المذكور من محاسن الدنيا، نادرة في أبناء جنسه. ~~وأنعم السلطان، بتقدمة بيغوت بدمشق على الناصري محمد بن مبارك حاجب حجاب ~~دمشق؛ وأنعم بإقطاع ابن المبارك على آقباي السيفي جارقطلو المعزول عن نيابة ~~سيس. وفيه أيضا، استقر خير بك النوروزي، المعزول عن نيابة غزة قبل تاريخه، ~~أتابك صفد، كلاهما: أعني خير بك واقباي، بالبذل، لأنهما من أطراف الناس، لم ~~تسبق لهما رئاسة بالديار المصرية. ثم في يوم السبت رابعه، استقر السوبيني ~~في قضاء طرابلس، واستقر الشمس، ابن عامر في قضاء المالكية بصفد. ثم في يوم ~~الاثنين سادسه، استقر الزيني، الطواشي سرور الطربائي الحبشي، في مشيخة ~~الخدام بالحرم النبوي، بعد عزل الطواشي فارس الرومي الأشرفي. ثم في يوم ~~الخميس سادس عشر شوال، أعيد القاضي حميد الدين النعماني، إلى قضاء الحنفية ~~بدمشق، بعد عزل القاضي قوام الدين. وفيه خلع السلطان على المقر الجمالي ~~ناظر الخواص خلعة هائلة لفراغ الكسوة المجهزة لداخل البيت العتيق. ثم في ~~يوم السبت ثامن عشره، برز أمير حاج المحمل الأمير سونجبغا اليونسي بالمحمل ~~إلى بركة الحاج. ثم في يوم الثلاثاء سابع عشرين ذي القعدة، أنعم السلطان ~~على الأمير تنبك البردبكي المعزول عن حجوبية الحجاب قبل تاريخه، بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بالديار المصرية، بعد موت الشهابي أحمد بن علي بن إينال ~~اليوسفي. ثم في يوم الخميس سادس ذي الحجة من سنة خمس وخمسين المذكورة، قدم ~~الأمير أسنباي الجمالي الظاهري أحد أمراء العشرات من بلاد الروم. ثم في يوم ~~الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة، استقر عمر الكردي، أحد أجناد الحلقة في ~~أستادارية السلطان بدمشق، واستقر شخص يسمى يونس الدمشقي، يعرف بابن دكدوك، ~~في أستادارية السلطان الكبرى بدمشق؛ وعمر المذكور ويونس هذا هما من الأوباش ~~الأطراف، وكلاهما ولي بالبذل. ثم في يوم الخميس سابع عشرين ذي الحجة، وصل ~~الأمير يشبك الفقيه من صفد، بعد ما قلد نائبها الأمير بيغوت. ثم في يوم ms3361 ~~الاثنين أول محرم سنة ست وخمسين وثمانمائة، أعيد القاضي جمال الدين يوسف ~~الباعوني إلى قضاء دمشق، بعد عزل السراج الحمصي، بسفارة عظيم الدولة ناظر ~~الخواص. ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشرينه، وصل أمير حاج المحمل بالمحمل. ~~وفيه مسافر الأمير جانبك الظاهري نائب جدة إلى البندر المذكور. ثم في يوم ~~الاثنين سادس صفر، استعفى الأمير ألطنبغا الظاهري برقوق اللفاف، أحد مقدمي ~~الألوف، من الإمرة، فأعفي لطول مرضه وعجزه عن الحركة، وأنعم السلطان ~~بإقطاعه على ولده المقام الفخري عثمان، زيادة على ما بيده من تقدمة أخيه ~~الناصري محمد قبل تاريخه، فصار بيده تقدمة أخيه وهذه التقدمة. ثم في يوم ~~الجمعة ثاني شهر ربيع الأول، حضر المقام الفخري عثمان صلاة الجمعة، عند ~~أبيه بجامع القلعة، ورسم له والده السلطان أن يمشي الخدمة على عادة أولاد ~~الملوك. ثم في يوم الخميس ثامن شهر ربيع الأول المذكور، خلع السلطان على ~~القاضي محب الدين محمد بن الأشقر، ناظر الجيش، باستقراره كاتب السر الشريف، ~~عوضا عن القاضي كمال الدين بن البارزي بعد موته. وخلع السلطان أيضا على ~~المقر الجمالي ناظر الخواص باستقراره ناظر الجيوش المنصورة زيادة على ما ~~بيده من نظر الخاص وغيره. ثم في يوم السبت سابع عشره نودي بالقاهرة على ~~الذهب الظاهري الأشرفي كل دينار بمائتي درهم وخمسة وثمانين درهما، وهدد من ~~زاد في صرفه على ذلك. ثم في يوم الاثنين، ثالث شهر ربيع الآخر، استقر ~~الشريف معز في إمرة الينبوع، عوضا عن عمه سنقر بن وبير. وفيه نقل يشبك ~~الصوفي المؤيدي، المعزول عن نيابة طرابلس، من ثغر دمياط إلى القدس بطالا. ~~ثم في يوم السبت ثامن عشرين جمادى الأولى، أنعم السلطان على مملوكه جانم ~~الساقي الظاهري بإمرة عشرة، بعد موت الأمير برسباي الساقي المؤيدي. ثم في ~~يوم السبت حادي عشر شهر رجب، وصل إلى القاهرة الأمير حاج إينال اليشبكي، ~~نائب الكرك، وخلع السلطان عليه باستمراره. PageV04P0308 # ثم في يوم السبت ثامن عشر رجب المذكور، أنعم السلطان على حاج إينال ~~المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، ms3362 عوضا عن الأمير مازي الظاهري برقوق، ~~بحكم لزومه بيته؛ واستقر في نيابة الكرك عوضا عن حاج إينال، طوغان، مملوك ~~آقبردي المنقار، نقل إليها من دوادارية السلطان بدمشق؛ واستقر في دوادارية ~~السلطان بدمشق خشكلمي الزيني عبد الرحمن بن الكويز الدوادار؛ واستقر عوضا ~~عن خشكلدي في الدوادارية الثالثة شخص من أولاد الناس، ممن كان في خدمة ~~الملك الظاهر قديما، يعرف بابن جانبك، لا يعرف له نسب ولا حسب. وفي هذه ~~الأيام أشيع بالقاهرة بمجيء النحاس إلى الديار المصرية، وأنه وصل على ~~النجب، وأنه نزل بتربة الأمير طيبغا الطويل بالصحراء خارج القاهرة، ثم ~~انتقل منها إلى القاهرة. وتحدث الناس برؤيته، وتعجب الناس من ذلك، واستغربت ~~أنا وغيري مجيئه من أن السلطان من يوم نكبه وصادره وحبسه ثم نفاه إلى ~~طرسوس، ثم حبسه بقلعة طرسوس على أقبح وجه، وصار في الحبس المذكور في غاية ~~الضيق، ونال أعداؤه منه فوق الغرض، وصار السلطان يتفقده في كل قليل بعصيات، ~~حتى إنه ضرب في مدة حبسه بطرسوس، على نفذات متفرقة، نحو الألف عصاة تخمينا، ~~ولم يزل في محبسه في أسوأ حال، حتى أشيع مجيئه، ولم يدر بذلك أحد من أعيان ~~الدولة، ولا يعرف أحد كيفية الإفراج عنه؛ وأخذ أعيان الدولة من الأكابر في ~~تكذيب هذا الخبر، وصار الناس في أمره على قسمين: ما بين مصدق ومكذب. ثم قدم ~~الأمير جانبك الظاهري نائب جدة وصحبته قصاد الحبشة من المسلمين من صاحب ~~جبرت في يوم الخميس ثامن شعبان، وعمل السلطان الموكب بالحوش السلطاني؛ وكان ~~السلطان قد انقطع عن حضور الخدمة بالقصر نحو الشهر لضعف حركته. فلما كان ~~يوم الجمعة تاسعه، طلع أبو الخير النحاس في بكرته إلى القلعة، ودخل إلى ~~الدهيشة صحبة المعزي عبد العزيز ابن أخي الخليفة القائم بأمر الله حمزة، ~~وقد أمره عمه القائم بأمر الله حمزة ليشفع في أبي الخير المذكور على لسان ~~الخليفة، ولم يكن عند السلطان في ذلك الوقت من أعيان الدولة سوى الأمير ~~تمربغا الظاهري الدوادار الثاني، والأمير أسنباي الجمالي الظاهري؛ فقام ~~السلطان ms3363 لابن أخي الخليفة المذكور وأجلسه، ثم دخل أبو الخير النحاس وقبل ~~رجل السلطان، فسبه السلطان ولعنه وأخذ في توبيخه، وذكر أفعاله القبيحة؛ ثم ~~أمر بحبسه بالبرج من قلعة الجبل، ثم اعتذر لابن أخي الخليفة، وقال: " أنا ~~كنت أريد توسيطه، ولأجل الخليفة قد عفوت عنه " . ثم أنعم على عبد العزيز ~~المذكور بمائة دينار، وانفض المجلس. وأصبح السلطان من الغد في يوم السبت، ~~جلس على الدكة بالحوش السلطاني، وأحضر أبا الخير المذكور، في الملأ من ~~الناس، ثم أمر به فضرب بين يديه نحو الألف عصاة، أو ما دونها تخمينا، على ~~رجليه، وسائر بدنه، ثم أمر بحبسه ثانيا بالبرج من القلعة؛ فتحير الناس من ~~هذه الأفعال المتناقضة، وهو كونه أفرج عنه سرا وأحضره إلى القاهرة؛ فظن كل ~~أحد بعود المذكور إلى أعظم ما كان عليه، ثم وقع له ما ذكرناه من الإخراق ~~والضرب والحبس. وقد كثر كلام الناس في ذلك، فمنهم من يقول: أمر السلطان ~~بإطلاقه لا مجيئه إلى القاهرة، فلما قدم بغير دستور، غضب السلطان عليه؛ فرد ~~على قائل هذا الكلام بأنه: من أين لأبي الخير النجب التي قدم عليها مع ما ~~كان عليه، لولا توصية السلطان لمن يعينه على ذلك؟. وأيضا: كيف تمكن من ~~المجيء، لولا ما معه من المراسيم ما يدفع به نواب البلاد الشامية من منعه ~~من الحضور؟. ومنهم من يقول: كان أمره قد انبرم مع السلطان، ورسم بحضوره، ~~وإنما أعداؤه اجتهدوا في إبعاده ثانيا، ووعدوا بأوعاد كثيرة، أضعاف ما وعده ~~أبو الخير المذكور؛ وأقوال كثيرة أخر.. PageV04P0309 # ثم في هذا اليوم أخذ أبو عبد الله التريكي المغربي المالكي، المعزول عن ~~قضاء دمشق قبل تاريخه، من بيته إلى بيت الوالي، ورسم عليه؛ ثم ادعي عليه ~~بمجلس القاضي المالكي، أنه التزم للسلطان عن أبي الخير النحاس بمائة ألف ~~دينار أو أكثر، فقال: " أنا قلت: إن ولاه ما عينته من الوظائف، ولم يقع ذلك ~~" ، وعرف كيف أجاب، فإنه كان من الفضلاء العلماء، فاستمر في الترسيم إلى ~~يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان، فطلب ms3364 إلى القلعة، فطلع وفي رقبته جنزير، ثم ~~أعيد إلى الترسيم من غير جنزير؛ وقد أشيع أنه وقع في حق قاضي القضاة شرف ~~الدين يحيى المناوي بأمور شنعة، ودام في الترسيم إلى ما يأتي ذكره. ثم في ~~يوم الأربعاء رابع عشر شعبان المذكور، أخرج أبو الخير النحاس المذكور من ~~البرج منفيا إلى البلاد الشامية، ورسم بحبسه بقلعة الصبيبة؛ فنزل على حالة ~~غير مرضية، وهو أنه أركب على حمار، وفي رقبته باشة وجنزير، وموكل به جماعة ~~من الجبلية، شقوا به شارع القاهرة إلى أن أخرج من باب النصر، والمشاعلي ~~ينادي عليه: " هذا جزاء من يكذب على الملوك، ويأكل مال الأوقاف " ، ونحو ~~ذلك؛ ورسم السلطان أن يفعل به ذلك في كل بلد يمر بها، إلى أن يصل إلى ~~محبسه. ثم في يوم الخميس خامس عشره، استقر الأمير حاج إينال اليشبكي أحد ~~مقدمي الألوف بدمشق، في نيابة حماة، عوضا عن سودون الأبوبكري المؤيدي بحكم ~~عزله وتوجهه على إقطاع حاج إينال المذكور بدمشق. ثم في يوم الثلاثاء ~~العشرين من شعبان المذكور جلس السلطان بالحوش، وأحضر القضاة، ثم أحضر والي ~~القاهرة أبا عبد الله التريكي المغربي - وكان التريكي قد أقام قبل ذلك ببيت ~~القاضي الشافعي أياما - فلما مثل التريكي بين يدي السلطان، سأل السلطان ~~قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي عن أمر التريكي وما وجب عليه، ~~فقال: " ثبت عليه عند نائبي نجم الدين بن نبيه لمولانا السلطان عشرة آلاف ~~دينار " ، وقام ابن النبيه في الحال، وأخبر السلطان بذلك، فنهر السلطان ~~القاضي الشافعي عند مقالته عشرة آلاف دينار، وقال: " ما أسأل إلا عن ما وجب ~~عليه من التعزير. إيش العشرة آلاف دينار؟ " . ولم تحسن مقالة القاضي ~~الشافعي بهذا القول ببال أحد؛ ثم أجاب ابن النبيه بأن قال: " أما المال فقد ~~ثبت عندي، وأما التعزير فهو إلى القاضي شمس الدين بن خيرة، أحد نواب الحكم ~~" . فقال ابن خيرة: " حكمت عليه بتغريبه سنتين، وأما التعزير فلمولانا ~~السلطان على ما وقع منه من الأيمان الحانثة " . فلما سمع السلطان كلام ms3365 ابن ~~خيرة، أمر بالتريكي فطرح على الأرض، وضرب ضربا مبرحا، يزيد على مائتي عصاة؛ ~~وأقيم، فتكلم فيه ابن النبيه أيضا، وأحضر محضرا مكتتبا عليه بدمشق، بواقعة ~~وقعت له في أيام حكمه بدمشق، فأمر به السلطان ثانيا فضرب نحوا مما ضرب ~~أولا. واختلفت الأقوال في عدة ما ضرب، فأكثر ما قيل ستمائة عصاة، وأقل ما ~~قيل أربعمائة. ثم أنزلوه إلى بيت والي القاهرة، فأقام في حبس الرحبة إلى ~~يوم الأربعاء خامس شهر رمضان، فأخرج من الحبس وفي رقبته الجنزير ماشيا إلى ~~بيت الوالي بين القصرين، ثم ركب من هناك، وأخرج منفيا في الترسيم إلى ~~المغرب إلى يومنا هذا. ثم في يوم السبت ثامن شهر رمضان، سافر محب الدين بن ~~الشحنة قاضي قضاة حلب من القاهرة، بعدما أقام بها شهرا، وقاسى من الذل ~~والبهدلة أنواعا، ورسم عليه غير مرة، وأخرجت عنه وظيفتا كتابة سر حلب ونظر ~~جيشها. وقد استوعبنا أحوال ابن الشحنة هذا في تاريخنا " حوادث الدهور في ~~مدى الأيام والشهور " ، مستوفاة من مبدأ أمره إلى يوم تاريخه، مما وقع له ~~بحلب ومصر وغيرهما من الأمور الشنعة وسوء السيرة، وما وقع له من التراسيم ~~عليه وغير ذلك. ثم في أواخر هذا الشهر، رسم السلطان بإخراج نصف إقطاع جانبك ~~النوروزي، المعروف بنائب بعلبك، للسيفي بردبك التاجي، وكلاهما مقيم بمكة؛ ~~وكان هذا الإقطاع أصله بين جانبك المذكور وبين تغري برمش نائب القلعة، فلما ~~نفي تغري برمش، أنعم السلطان عليه بنصيبه إلى يوم تاريخه، فأخرجه عنه. ~~PageV04P0310 # ثم في يوم الخميس رابع شوال، استقر الأمير تغري بردي الظاهري المعروف ~~بالقلاوي وزيرا بالديار المصرية، مضافا لما بيده من كشف الأشمونين والبلاد ~~الجيزية، عوضا عن الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم، بحكم استعفائه عن ~~الوزارة. وأنعم السلطان على تغري بردي المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~بالديار المصرية، وهو الإقطاع الذي كان أنعم به السلطان على ولده المقام ~~الفخري عثمان، بعد ألطنبغا اللفاف، ليستعين تغري بردي المذكور بالإقطاع على ~~كلف الدولة؛ وكانت خلعة تغري بردي المذكور بالوزارة أطلسين متمرا ms3366 ثم ~~فوقانيا بطرز زركش عريض مثال خلعة الأتابكية بالديار المصرية. وخلع السلطان ~~على زين الدين فرج أبن ماجد، ابن النحال كاتب المماليك السلطانية، بوظيفة ~~نظر الدولة مضافا لكتابة المماليك. وفي يوم الاثنين تاسعه، عملت الخدمة ~~السلطانية بالدهيشة من الحوش، ورسم السلطان بأن تكون الخدمة دائما في يومي ~~الاثنين والخميس، بها؛ كل ذلك لضعف حركة السلطان وهو يكتم ما به من الألم. ~~وفي يوم الثلاثاء عاشره، استقر قاني باي طاز السيفي بكتمر جلق في نيابة ~~قلعة صفد، بعد شغورها أشهرا من يوم مات الجمالي يوسف بن يغمور. وفي هذا ~~اليوم أيضا وصل المقام الغرسي خليل ابن الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر ~~برقوق، من ثغر الإسكندرية، وقد رسم له بالتوجه إلى الحجاز لقضاء الفرض، ~~وطلع إلى السلطان، فأكرمه السلطان إلى الغاية؛ وهذا شيء لم يسمع بمثله من ~~أن ابن السلطان، وله شوكة ، يمكن من سفر الحجاز، فلله دره من ملك. وقد ~~حكينا طلوعه إلى القلعة واجتماعه بالسلطان، في ذهابه وإيابه في " الحوادث " ~~بأطول من هذا. وفي يوم الأربعاء ثامن عشره، ورد الخبر بقتل طوغان السيفي ~~آقبردي المنقار، نائب الكرك، على ما سنذكره في الوفيات من هذه الترجمة. ثم ~~في يوم تاسع عشره، برز الأمير دولات باي المحمودي الدوادار الكبير، أمير ~~حاج المحمل، بالمحمل؛ وكان الحاج في هذه السنة ركبا واحدا، وهذه حجة دولات ~~باي المذكور الثانية أمير الحاج. فلما خرج دولات باي إلى بركة الحاج، رسم ~~له بأن يجعل دواداره فارس أمير الركب الأول، ووقع ذلك. وسافر ابن الملك ~~الناصر صحبة المحمل. ثم في يوم الثلاثاء رابع عشرين شوال، رسم السلطان ~~لطقتمر البارزي، رأس نوبة الجمدارية، أن يتوجه إلى القدس الشريف، لإحضار ~~الأمير يشبك الصوفي المؤيدي منه إلى القاهرة، ليتجهز ثم يعود إلى دمشق ~~أتابكا بها، عوضا عن خير بك المؤيدي الأجرود. ورسم السلطان أيضا لطقتمر ~~المذكور، أن يتوجه إلى دمشق ويقبض على أتابكها خيربك المذكور، ويحمله إلى ~~سجن الصبيبة. وفيه أيضا رسم بنقل الأمير يشبك طاز المؤيدي من حجوبية طرابلس ms3367 ~~إلى نيابة الكرك، عوضا عن طوغان المقتول قبل تاريخه. واستقر عوضه في حجوبية ~~طرابلس مغلباي البجاسي، أحد أمراء طرابلس كان ثم نائب قلعة الروم. واستقر ~~في نيابة قلعة الروم ناصر الدين محمد والي الحجر بقلعة حلب. ثم في يوم ~~الأحد سادس ذي القعدة من سنة ست وخمسين المقدم ذكرها، حبس السلطان تقي ~~الدين عبد الرحمن بن حجي بن عز الدين قاضي قضاة الشافعية بطرابلس بحبس ~~المقشرة فحبس بها، بعد أن نودي عليه وهو على حمار بشوارع القاهرة: " هذا ~~جزاء من يزور المحاضر! " . ثم أمر السلطان من وقته بحبس ماماي السيفي بيبغا ~~المظفري أحد الدوادارية بالبرج من قلعة الجبل لاتهامه بالغرض مع التقي ~~المذكور، ، وكان ماماي المذكور هو المتوجه إلى طرابلس للكشف عن أحوال ابن ~~عز الدين المقدم ذكره. واستمر ماماي بالبرج إلى يوم الاثنين سابع ذي ~~القعدة، فأطلق، ورسم بنفيه إلى مدينة حماه، واستقر في وظيفة ماماي ~~الدوادارية قانصوه الظاهري جقمق. ثم في يوم الخميس عاشره، وصل الأمير يشبك ~~الصوفي من القدس إلى القاهرة، وطلع إلى القلعة وقبل الأرض. وفيه رسم ~~بالإفراج عن جانبك المحمودي من حبس المرقب وأن يتوجه إلى طرابلس بطالا. ثم ~~في يوم الاثنين ثامن عشرينه، خلع السلطان على الأمير يشبك الصوفي باستقراره ~~أتابك عساكر دمشق، وسافر في يوم الخميس ثاني ذي الحجة. PageV04P0311 # ثم في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة، استقر القاضي حسام الدين محمد بن ~~تقي الدين عبد الرحمن بن بريطع قاضي قضاة الحنفية بحلب، عوضا عن محب الدين ~~ابن الشحنة، بعد أن وقع لابن الشحنة المذكور أمور مذكورة في " الحوادث " ~~بتمامها وكمالها. وفي يوم الاثنين عشرينه استقر أسنبغا، مملوك ابن كلبك، ~~نائب القدس وناظره، بعد موت أمين الدين عبد الرحمن بن الديري الحنفي. وفي ~~يوم الثلاثاء حادي عشرينه، تكلم الأمير الوزير تغري بردي القلاوي مع ~~السلطان في عزل فرج ابن النحال عن نظر الدولة، فعزله وأبقى معه كتابة ~~المماليك على عادته. ### || AUT ابتداء مرض موت السلطان # ولما كان يوم الجمعة رابع عشرينه، حضر السلطان ms3368 الملك الظاهر جقمق الصلاة ~~بجامع القلعة على العادة، وهو متوعك. فلما انقضت الصلاة، وخرج من الجامع، ~~غشي عليه، فأرجف في القاهرة بموته، وتكلم الناس بذلك. فأصبح من الغد في يوم ~~السبت خامس عشرينه، وحضر الخدمة في الدهيشة من القلعة، وحضر جميع أكابر ~~الأمراء والخاصكية بغير كلفتاة، وعلم السلطان على قصص كثيرة. ومن غريب ~~الاتفاق ما وقع له، أنه لما خرج إلى الدهيشة، ورأى الناس وقوفا، قال: " ~~سبحان الحي الذي لا يموت! " ، فحسن ذلك ببال الناس كثيرا، عفا الله عنه. ثم ~~أصبح في يوم الأحد سادس عشرين ذي الحجة، فركب من القلعة ونزل إلى بيت بنته ~~زوجة الأمير أزبك من ططخ الساقي، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، غير أنه لم ~~يطل الجلوس عندها وعاد إلى القلعة من وقته؛ وكان سكن أزبك المذكور يومئذ في ~~الدار الذي خلف حمام بشتك، وهي الآن ملك شخص من أصاغر المماليك الأشرفية ، ~~لا أعرفه إلا في هذه الدولة. ثم في يوم الاثنين سابع عشرين ذي الحجة، عمل ~~السلطان الموكب بالحوش لقصاد جهان شاه بن قرا يوسف، متملك تبريز وغيرها. ~~وكان قدوم القصاد المذكورين لإعلام السلطان بأن جهان شاه المذكور كسر عساكر ~~بابور بن باي سنقر بن شاه رخ بن تيمورلنك، وأنه استولى على عدة بلاد من ~~ممالكه، وأن عساكر جغتاي ضعف أمرهم لوقوع الوباء في خيولهم ومواشيهم. ثم في ~~يوم الأربعاء تاسع عشرينه، ضرب السلطان بعض نواب الحكم الشافعية بيده عشرة ~~عصي، لأمر لا يستحق ذلك. وفرغت سنة ست وخمسين، بعد أن وقع بها فتن كثيرة ~~ببلاد الشرق، قتل فيها خلائق لا تدخل تحت حصر، استوعبنا غالبها في " حوادث ~~الدهور " ، كونه موضوعا لتحرير الوقائع، كما أن هذا الكتاب وظيفته الإطناب ~~في تراجم ملوك مصر. ومهما ذكرناه بعد ذلك من الوقائع يكون على سبيل ~~الاستطراد وتكثير الفوائد لا غير. واستهلت سنة سبع وخمسين وثمانمائة بيوم ~~الجمعة، والسلطان الملك الظاهر جقمق صاحب الترجمة متوعك، غير أنه يتجلد ولا ~~ينام على الفراش، وأيضا لم يكن على وجهه علامات مرض ms3369 الموت إلا أنه غير صحيح ~~البدن، وكان له على ذلك أشهر كثيرة، من أواخر سنة خمس وخمسين وثمانمائة - ~~انتهى. قلت: ويحسن ببالي أن أذكر في أول. هذه السنة، جميع أسماء أرباب ~~الوظائف بالديار المصرية وغيرها، ليعلم بذلك فيما يأتي كيف تقلبات الدهر ~~وتغيير الدول. فأقول: استهلت سنة سبع وخمسين وخليفة الوقت القائم بأمر الله ~~حمزة، والقاضي الشافعي شرف الدين يحيى المناوي، والقاضي الحنفي سعد الدين ~~سعد الديري، والقاضي المالكي ولي الدين محمد السنباطي، والقاضي الحنبلي بدر ~~الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي، وأتابك العساكر إينال العلائي الناصري، ~~وأمير سلاح جرباش الكريمي الظاهري برقوق المعروف بقاشق، وأمير مجلس تنم من ~~عبد الرزاق المؤيدي، والأمير آخور الكبير قاني باي الجاركسي، ورأس نوبة ~~النوب أسنبغا الناصري الطياري، والدوادار الكبير دولات باي المحمودي ~~المؤيدي، وحاجب الحجاب خشقدم من ناصر الدين المؤيدي، وباقي مقدمي الألوف ~~أربعة: أعظمهم المقام الفخري عثمان ابن السلطان، ثم الأمير تنبك البردبكي ~~الظاهري برقوق المعزل عن الحجوبية، والأمير طوخ من تمراز الناصري، والأمير ~~جرباش المحمدي الناصري المعروف بكرد، والجميع أحد عشر مقدما، بأقل من النصف ~~عما كان قديما. PageV04P0312 # وأرباب الوظائف من الطبلخانات والعشرات: شاد الشراب خاناه يونس الأقبائي ~~البواب أمير طبلخاناه، والخازندار قراجا الظاهري جقمق أمير طبلخاناه، ~~والزردكاش لاجين الظاهري جقمق أمير عشرة، ونائب القلعة يونس العلائي ~~الناصري أمير عشرة، والحاجب الثاني نوكار الناصري أمير عشرة، ووظيفة أمير ~~جاندار بطالة، يليها بعض الأجناد، السكات عن ذكره أجمل؛ وأستادار الصحبة ~~سنقر الظاهري أمير عشرة. وهذه الوظائف كان قديما يليها مقدمو الألوف، ~~ويستدل على ذلك من خلعهم في الأعياد وغيرها - انتهى. والأمير آخور الثاني ~~يرشباي الإينالي المؤيدي أمير طبلخاناه، ورأس نوبة ثاني جانبك القرماني ~~الظاهري برقوق أمير طبلخاناه، والدوادار الثاني تمربغا الظاهري جقمق أمير ~~عشرة، غير أن معه زيادات كثيرة، والمهمندار بعض الأجناد، ووالي القاهرة ~~جانبك اليشبكني أمير عشرة، والزمام والخازندار فيروز الطواشي الرومي ~~النوروزي أمير طبلخاناه، ومقدم المماليك مرجان العادلي المحمودي الحبشي ~~أمير عشرة، ونائبه عنبر خادم نور الدين الطنبذي. ومباشرو الدولة: ms3370 كاتب السر ~~القاضي محب الدين محمد بن الأشقر، وناظر الجيش والخاص عظيم الدولة ومدبرها ~~الجمالي يوسف ابن كاتب جكم، والوزير الصاحب أمين الذين إبراهيم بن الهيصم، ~~والأستادار زين الدين يحيى الأشقر المعروف بابن كاتب حلوان وبقريب ابن أبي ~~الفرج، وهو على زي الكتاب، ولهذا لم نذكره في الأمراء، ومحتسب القاهرة ~~يرعلي الخراساني العجمي الطويل. ونواب البلاد الشامية: نائب الشام جلبان ~~الأمير آخور، ونائب حلب قاني باي الحمزاوي، ونائب طرابلس يشبك النوروزي، ~~ونائب حماة حاج إينال اليشبكي، ونائب صفد بيغوت الأعرج المؤيدي، ونائب غزة ~~جانبك التاجي المؤيدي، ونائب الكرك يشبك طاز المؤيدي، ونائب الإسكندرية ~~برسباي السيفي تنبك البجاسي أمير عشرة؛ وهؤلاء هم أعيان النواب، ومن يطلق ~~في حق كل منهم ملك الأمراء. ولا عبرة بولاية الوجه القبلي الآن، وباقي نواب ~~القلاع والبلاد الشامية فكثير - انتهى. ثم في يوم الخميس سابع محرم، سنة ~~سبع وخمسين المذكورة، أرجف في القاهرة بموت السلطان. فلما كان يوم السبت ~~تاسع المحرم، خرج السلطان من قاعة الدهيشة، ماشيا على قدميه، حتى جلس على ~~مرتبة، من غير أن يستعين بأحد في مشيه، ولا استند في مجلسه، بل جلس على ~~مرتبته وعلم على عدة مناشير. وأطلت أنا النظر في وجهه، فلم أر عليه علامات ~~تدل على موته بسرعة. ثم قام وعاد إلى القاعة، ولم يخرج بعدها إلى الدهيشة. ~~واستمر متمرضا بالقاعة المذكورة، والناس تخلط في الكلام بسبب مرضه، ~~والأقوال تختلف في أحوال المملكة. على أن السلطان في جميع مرضه غير منحجب ~~عن الناس، وأرباب الدولة تتردد إليه بالقاعة المذكورة، وهو يعلم في كل يوم ~~في الغالب على المناشير والقصص، وينفذ بعض الأمور، إلا أن فرضه في تزايد، ~~وهو يتجلد. إلى أن كان يوم الأربعاء، العشرون من المحرم، فوصل الأمير جانبك ~~النوروزي من مكة المشرفة، ودخل إلى السلطان وقبل له الأرض، ثم قبل يده، ~~وخرج وخرجنا جميعا من عنده، وقد اشتد به المرض، وظهر عليه أمارات رديئة تدل ~~على موته بعد أيام، غير أنه صحيح العقل والفهم والحركة. ثم بعد ms3371 خروجنا من ~~عنده، تكلم السلطان في هذا اليوم مع بعض خواصه في خلع نفسه من السلطنة، ~~وسلطنة ولده المقام الفخري عثمان في حياته، فروجع في ذلك فلم يقبل، ورسم ~~بإحضار الخليفة والقضاة والأمراء من الغد بالدهيشة. فلما كان الغد، وهو يوم ~~الخميس حادي عشرون محرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، حضر الخليفة والقضاة ~~وجميع الأمراء، وفي ظن الناس أنه يعهد لولده عثمان بالملك من بعده كما هي ~~عادة الملوك. فلما حضر الخليفة والقضاة عنده بعد صلاة الصبح، خلع نفسه من ~~السلطنة، وقال للخليفة والقضاة: الأمر لكم، انظروا فيمن تسلطنوه، أو معنى ~~ذلك، لعلمه أنهم لا يعدلون عن ولده عثمان، فإنه كان أهلا للسلطنة بلا ~~مدافعة. وأراد أيضا بهذا القول أنه قد خلع نفسه وأنه يموت غير سلطان، وأنه ~~أيضا لا يتحمل بوزر ولاية ولده المذكور، فكان مقصده جميلا في القولين، رحمه ~~الله تعالى. PageV04P0313 # فلما سمع الخليفة كلام السلطان، لم يعدل عن المقام الفخري عثمان، لما كان ~~اشتمل عليه عثمان المذكور من العلم والفضل، وإدراكه سن الشبيبة، وبايعه ~~بالسلطنة، وتسلطن في يوم الخميس المذكور، حسبما نذكره إن شاء الله تعالى في ~~أول ترجمته من هذا الكتاب. واستمر الملك الظاهر مريضا ملازما للفراش، وابنه ~~الملك المنصور يأخذ ويعطي في مملكته، ويعزل ويولي، والملك الظاهر في شغل ~~بمرضه، وما به من الألم في زيادة، إلى أن مات في قاعة الدهيشة الجوانية بين ~~المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء ثالث صفر من سنة سبع وخمسين وثمانمائة ~~المقدم ذكرها. وقرىء حوله القرآن العزيز، إلى أن أصبح، وجهز وغسل وكفن من ~~غير عجلة ولا اضطراب، حتى انتهى أمره وحمل على نعشه، وأخرج به، وأمام نعشه ~~ولده السلطان الملك المنصور عثمان ماشيا وجميع أعيان المملكة. وساروا أمام ~~نعشه بسكون ووقار، إلى أن صلي عليه بمصلاة باب القلة من قلعة الجبل، وصلى ~~عليه الخليفة القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة، وخلفه السلطان والقضاة ~~وجميع الأمراء والعساكر. ثم حمل بعد انقضاء الصلاة عليه وانزل من القلعة، ~~حتى دفن بتربة أخيه الأمير ms3372 جاركس القاسمي المصارع، التي جددها مملوكه قاني ~~باي الجاركسي، بالقرب من دار الضيافة تجاه سور القلعة. ولم يشهد ولده الملك ~~المنصور دفنه، وعاد إلى القلعة من المصلاة. وشهد دفنه خلائق، وقعد الناس في ~~الطرقات لمشاهدة مشهده، وكان مشهده عظيما إلى الغاية، بخلاف جنائز الملوك ~~السالفة، ولعل هذا لم يقع لملك قبله؛ كل ذلك لكونه سلطن ولده في حياته، ثم ~~مات بعد ذلك بأيام، فلهذا كانت جنازته على هذه الصورة. ومات الملك الظاهر ~~وسنه نيف على ثمانين سنة تخمينا، ولم يخلف بالحواصل ولا الخزائن إلا نزرا ~~يسيرا يستحى من ذكره بالنسبة لما تخلفه الملوك، وكذلك في جميع تعلقات ~~السلطنة، من الخيول والجمال والسلاح والقماش، كل ذلك من كثرة بذله وعطائه. ~~وكانت مدة ملكه من يوم تسلطن بعد خلع الملك العزيز يوسف، في يوم الأربعاء ~~تاسع عشر شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، إلى أن خلع نفسه ~~بولده الملك المنصور عثمان، في الثانية من نهار الخميس الحادي والعشرين من ~~محرم سنه سبع وخمسين وثمانمائة، أربع عشرة سنة وعشرة شهور ويومين؛ وتوفي ~~بعد خلعه من السلطنة باثني عشر يوما. ووقع له في سلطنته غرائب لم تقع لأحد ~~قبله إلا نادرا جدا، منها ركوبه وهو أتابك على الملك العزيز يوسف وقتاله له ~~وانتصاره عليه، ولا نعرف أحدا قبله من الأمراء ركب على السلطان، ووقف ~~بالرملة والسلطان بقلعة الجبل، وانتصر عليه، غيره فإن قيل: واقعة الناصري ~~ومنطاش مع الملك الظاهر برقوق، فليس ذاك مما نحن فيه من وجوه عديدة، لا ~~يحتاج إلى ذكرها. وإن قيل: نصرة منطاش وملكه لباب السلسلة فنقول: كان ركوب ~~منطاش على رفيقه يلبغا الناصري، وليس للملك المنصور حاجي ذكر بينهما. ومنها ~~أنه سلم عليه بالسلطنة ثلاثة خلفاء من بني العباس، ولم يقع ذلك لملك قبله ~~من ملوك مصر. ومنها أنه اجتمع له قضاة أربعة في عصر واحد، لم يجتمع مثلهم ~~لغيره من ملوك مصر، وهم قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر الشافعي حافظ المشرق ~~والمغرب: كان فردا في معناه، ms3373 لا يقاربه في علم الحديث أحد في عصره؛ وقاضي ~~القضاة شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديري الحنفي: كان فقيه عصره شرقا ~~وغربا، لا يقاربه أحد في حفظ مذهبه واستحضاره، مع مشاركته في علوم كثيرة؛ ~~والعلامة قاضي القضاة شمس الدين البساطي المالكي: كلان إمام عصره في علمي ~~المعقول والمنقول، قد انتهت إليه الرئاسة في علوم كثيرة، ومات ولم يخلف ~~بعده مثله؛ وقاضي القضاة شيخ الإسلام محب الدين أحمد الحنبلي البغدادي: كان ~~أيضا إمام عصره وعالم زمانه، انتهت إليه رئاسة مذهبه بلا مدافعة. ومنها أنه ~~أقام في ملك مصر هذه المدة الطويلة، لم يتجرد فيها تجريدة واحدة إلى البلاد ~~الشامية، غير مرة واحدة، في نوبة الجكمي في أوائل سلطنته، وهذا أيضا لم يقع ~~لملك قبله. ومنها أنه أذن للغرسي خليل ابن السلطان الملك الناصر فرج بالحج، ~~فقدم القاهره وحج وعاد مع عظم شوكته من مماليك أبيه وجده الملك الظاهر ~~برقوق، وهذا شيء لم يقع مثله في دولة من الدول. PageV04P0314 # ومنها ابنه المقام الناصري محمد رحمه الله تعالى: من غزير علمه وكثرة ~~فضائله، فإننا لا نعلم أحدا من ملوك الترك رزق ولدا مثله، بل ولا يقاربه ~~ولا يشابهه مما كان اشتمل عليه من العلم والفضل والمعرفة التامة، وحسن ~~السمت وجودة التدبير، ولا نعرف أحدا من أولاد السلاطين من هو في هذا المقام ~~قديما وحديثا، حتى ولو قلت: ولا من بني أيوب، ممن ملكوا مصر، لكان يصدق ~~قولي؛ ومن كان من بني أيوب له فضيلة تامة غير الملك المعظم عيس ابن الملك ~~الكامل، والملك المؤيد إسماعيل صاحب حماه، وهما كانا بالبلاد الشامية؟ - ~~انتهى. وقد استوعبنا أحوال الملك الظاهر هذا من مبدأ أمره إلى آخره، محررا ~~بالشهر واليوم في جميع ما وقع له من ولاية وعزل وغريبة وعجيبة، في تاريخنا ~~" حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور " ، فلينظر هناك. وما ذكرناه هنا ~~جميعه نوع من تكثير الفائدة، لا القصة على جليتها، بل نشير بذكرها إعلاما ~~لوقت واقعتها لا غير. وكان الملك الظاهر سلطانا دينا خيرا عفيفا ms3374 صالحا ~~فقيها شجاعا مقداما، عارفا بأنواع الفروسية، عفيفا عن المنكرات والفروج، لا ~~نعلم أحدا من ملوك مصر في الدولة الأيوبية ولا التركية على طريقته في ذلك. ~~لم يشهر عنه في صغره ولا في كبره أنه تعاطى مسكرا ولا منكرا، حتى قيل إنه ~~لم يكتشف حراما قط. وأما حب الشباب، فلعله كان لا يصدق أن أحدا يقع في ذلك ~~لبعده عن معرفة هذا الشأن. وكان جلوسه في غالب أوقاته على طهارة كاملة. ~~وكان متقشفا في ملبسه ومركبه إلى الغاية، لم يلبس الأحمر من الألوان في ~~عمره، منذ علم بكراهيته. ولم أره منذ تسلطن لبس كاملية بفرو وسمور وبمقلب ~~سمور غير مرة واحدة؛ وأما الركوب بالسرج الذهب والكنبوش الزركش فلم يفعله ~~إلا يوم ركوبه بأبهة السلطنة لا غير. وكان ما يلبسه أيام الصيف، وما على ~~فرسه من آلة السرج وغيره، لا يساوي عشرة دنانير مصرية. وكان معظما للشريعة ~~محبا للفقهاء وطلبة العلم؛ وما وقع منه من الإخراق ببعضهم وحبسهم بحبس ~~المقشرة، فلا نقول: كان ذلك بحق، بل نقول: الحاكم يجتهد، ثم يقع منه الصواب ~~والخطأ، فإن كان ما فعله بحق فقد أصاب وإن كانت الأخرى فقد أخطأ وأعيب عليه ~~ذلك. الطويل ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها ... كفى المرء فخرا أن تعد ~~معايبه وكان معظما للسادة الأشراف، وكان يقوم لمن دخل عليه من الفقهاء ~~والفقراء كائنا من كان. وإذا قرأ عنده أحد فاتحة الكتاب، نزل عن مدورته، ~~وجلس على الأرض إجلالا لكلام الله تعالى. وكان كريما جدا، يجود بالمال، حتى ~~نسب إلى السرف. وكان ينعم بالعشرة آلاف دينار إلى ما دونها. وكان ممن أنعم ~~عليه بعشره آلاف دينار، الأتابك قرقماس الشعباني، وأما دون ذلك من الألف ~~إلى المائة، فدواما طول دهره، لا يمل من ذلك، حتى إنه أتلف في أيام سلطنته ~~من الأموال ما لا يدخل تحت حصر كثرة؛ ويكفيك أنه بلغت نفقاته على المماليك ~~وصلات الأمراء والتراكمين وغيرهم، وفي أثمان مماليك اشتراهم، وتجاريد ~~جردها، في مدة أولها موت الملك الأشرف برسباي، ms3375 وآخرها سلخ سنة أربع وأربعين ~~وثمانمائة، وذلك مدة ثلاث سنين، مبلغ ثلاثة آلاف ألف دينار ذهبا مصريا، ~~وذلك خلاف الخلع والخيول والقماش والسلاح والغلال، وخلاف جوامك المماليك ~~ورواتبهم المعتادة. وكان لا يلبس إلا القصير من الثياب، ونهى الأمراء ~~وأكابر الدولة وأصاغرها عن لبس الثوب الطويل، وأمعن في ذلك، حتى إنه بهدل ~~بسبب ذلك جماعة من أعيان الدولة، وعاقب جماعة من الأصاغر، وقص أثواب آخرين ~~في الملأ من الناس. وكان أيضا يوبخ من لا يحف شاربه من الأتراك وغيرهم. وفي ~~الجملة أنه كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، مع سرعة استحالة، وحدة ~~مزاج، وبطش. وكان غالب ما يقع منه من الإخراق بالناس، يكون بحسب الواسطة من ~~حواشيه، فإنه كان مهما ذكروه له قبله منهم، وأخذه على طريق الصدق والنصيحة، ~~لسلامة باطنه، وأيضا على قاعدة الأتراك من كون الحق عندهم لمن سبق. ~~PageV04P0315 # وبالجملة فكانت محاسنه أكثر من مساوئه، وهو أصلح من ولي ملك مصر من ~~طائفته، في أمر الدين والتقوى؛ فإنه كان قمع المفسدين والجبارين من كل ~~طائفة، وكسدت في أيامه أحوال أرباب الملاهي والمغاني، وتصولح غالب أمرائه ~~وجنده، وبقي أكثرهم يصوم الأيام في الشهر، ويعف عن المنكرات؛ كل ذلك مراعاة ~~لخاطره، وخوفا من بطشه. وهذا كله بخلاف ما كان عليه كثير من الملوك ~~السالفة، فإنه كان غالبهم يقع فيما ينهى عنه، فكيف يصير للنهي عنه بعد ذلك ~~محل؟ ومن عظم ذلك، قال بعض الفضلاء الظرفاء: نابت هذه الدولة عن الموت، في ~~هدم اللذات والأيام الطيبة " . ولم يبق في دولته ممن يتعاطى المسكرات إلا ~~القليل، وصار الذي يفعل ذلك يتعاطاه في خفية، ويرجفه في تلك الحالة صفير ~~الصافر. وكانت صفته قصيرا، للسمن أقرب، أبيض اللون مشربا بحمرة، صبيح ~~الوجه، منور الشيبة، فصيحا باللغة التركية، وباللغة العربية لا بأس به ~~بالنسبة لأبناء جنسه؛ وكان له اشتغال في العلم، ويستحضر مسائل جيدة، ويبحث ~~مع العلماء والفقهاء، ويلازم مشايخ القراءات ويقرأ عليهم دواما. وكان يقتني ~~الكتب النفيسة، ويعطي فيها الأثمان الزائدة عن ثمن المثل. وكان ms3376 يحب مجالسة ~~الفقهاء، ويكره اللهو والطرب، ينفر منهما بطبعه. وكان يتجنب المزاح وأهله، ~~ولا يميل للتجمل في الملبس، ويكره من يفعله في الباطن. وكانت أيامه آمنة من ~~عدم الفتن والتجاريد، ولشدة حرمته. وخلف من الأولاد الذكور واحدا، وهو ولده ~~الملك المنصور عثمان، وأمه أم ولد رومية، وابنتين: الكبرى أمها خوند مغل ~~بنت القاضي ناصر الدين بن البارزي، وزوجها السلطان لمملوكه أزبك من ططخ ~~الساقي، والصغرى بكر، وأمها أم ولد جاركسية ماتت قديما. ذكر من عاصره من ~~الخلفاء: أولهم أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داؤد، إلى أن توفي ~~يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول، سنة خمس وأربعين، حسبما يأتي ذكره في ~~الوفيات هو وغيره؛ والمستكفي بالله سليمان، إلى أن مات في يوم الجمعة ثاني ~~محرم سنة خمس وخمسين؛ والقائم بأمر الله حمزة؛ والثلاثة إخوة. ### || AUT قضاته بالديار المصرية # الشافعية: الحافظ شهاب الدين ابن حجر، غير مرة، إلى أن توفي وهو معزول ~~في سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة؛ وقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني غير ~~مرة؛ ثم قاضي القضاة شمس الدين محمد القاياتي، إلى أن مات في أوائل سنة ~~خمسين؛ ثم قاضي القضاة ولي الدين محمد السفطي، وعزل وامتحن؛ ثم قاضي القضاة ~~شرف الدين يحيى المناوي. والحنفية: شيخ الإسلام سعد الدين سعد الديري، ولي ~~في الدولة العزيزية ومات الملك الظاهر وهو قاض. والمالكية: العلامة قاضي ~~القضاة شمس الدين محمد البساطي إلى أن مات في ليلة ثالث عشر شهر رمضان سنة ~~اثنتين وأربعين؛ ثم قاضي القضاة بدر الدين محمد بن التنسي، إلى أن مات ~~بالطاعون في أواخر يوم الأحد ثاني عشر صفر ثلاث وخمسين ثم قاضي القضاة ولي ~~الدين محمد السنباطي، ومات وهو قاضي الحنابلة: شيخ الإسلام محدث الدين أحمد ~~البغدادي، إلى أن مات في الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين؛ ~~ثم قاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي، ومات وهو قاض رحمه ~~الله. ذكر من ولي في أيامه الوظائف السنية من الأمراء: وظيفة الأتابكية ~~بالديار المصرية: وليها من ms3377 بعده الأتابك قرقماس الشعب الناصري أياما يسيرة ~~دون نصف شهر؛ ثم من بعده الأتابك آقبغا التمرازي أشهرا ونقل إلى نيابة ~~دمشق، ومات في سنة ثلاث وأربعين بدمشق؛ ثم الأتابك يشبك السودوني المعروف ~~بالمشد، إلى أن مات في سنة تسع وأربعين؛ ثم الأتابك إينال العلائي الناصري. ~~وظيفة إمرة سلاح: وليها آقبغا التمرازي أياما يسيرة؛ ثم من بعده يشبك ~~السودوني المقدم ذكره أشهرا؛ ثم تمراز القرمشي أمير سلاح، إلى أن توفي ~~بالطاعون في صفر سنة ثلاث وخمسين؛ ثم جرباش الكريمي المعروف بقاشق. وظيفة ~~إمرة مجلس: وليها يشبك السودوني أياما ثم جرباش الكريمي قاشق سنين؛ ثم تنم ~~من عبد الرزاق المؤيدي. وظيفة الأمير آخورية الكبرى: وليها تمراز القرمشي ~~أشهرا ثم الأمير قراخجا الحسني سنين إلى أن مات بطاعون سنة ثلاث وخمسين، ثم ~~قاني باي الجاركسي. PageV04P0316 # وظيفة رأس نوبة النوب: وليها تمراز القرمشي؛ ثم من بعده قراخجا الحسني ثم ~~تمرباي التمربغاوي إلى أن مات بطاعون سنة ثلاث وخمسين، ثم أسنبغا الناصري ~~الطياري. وظيفة حجوبية الحجاب: باشرها يشبك السودوني أياما؛ ثم من بعده ~~تغري بردي البلكمشي المؤيدي أشهرا؛ ثم تنبك البردبكي الظاهري برقوق سنين، ~~إلى أن نفي في سنة أربع وخمسين إلى دمياط؛ ثم خشقدم من ناصر الدين المؤيدي. ~~وظيفة الدوادارية الكبرى: باشرها في أوائل دولته أركماس الظاهري أشهرا إلى ~~أن نفي إلى ثغر دمياط؛ ثم من بعده تغري بردي المؤيدي البكلمشي، إلى أن مات ~~في سنة ست وأربعين، ثم إينال العلائي الناصري، إلى أن نقل منها إلى ~~الأتابكية؛ ثم قاني باي الجاركسي، إلى أن نقل إلى أمير آخورية؛ ثم دولات ~~باي المحمودي المؤيدي إلى أن قبض عليه في دولة المنصور عثمان. ### || AUT أعيان مباشري دولته # كتابة السر: باشرها الصاحب بدر الدين بن نصر الله أشهرا؛ ثم المقر ~~الكمالي ابن البارزي إلى أن مات في يوم الأحد سادس عشرين صفر سنة ست ~~وخمسين؛ ثم القاضي محب الدين بن الأشقر. وظيفة نظر الجيش: الزيني عبد ~~الباسط بن خليل الدمشقي إلى أن مسك وصودر؛ ثم القاضي محب ms3378 الدين بن الأشقر؛ ~~ثم القاضي بهاء الذين محمد بن حجي؛ ثم ابن الأشقر ثانيا، إلى أن نقل إلى ~~كتابة السر؛ ثم عظيم الدولة الجمالي يوسف مضافا إلى نظر الخاص وتدبير ~~المملكة. الوزارة: باشرها الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخات ~~سنين، ثم الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم أيضا سنين؛ ثم الأمير تغري ~~بردي القلاوي الظاهري جقمق. وظيفة نظر الخاص: باشرها المقر الجمالي من ~~الدولة الأشرفية برسباي إلى يوم تاريخه. وظيفة الأستادارية: باشرها جانبك ~~الزيني عبد الباسط أشهرا؛ ثم الناصري محمد بن أبي الفرج نقيب الجيش؛ ثم ~~الأمير قيز طوغان العلائي؛ ثم الزيني عبد الرحمن بن الكويز؛ ثم زين الدين ~~يحيى بن الأشقر المعروف بقريب ابن أبي الفرج. ### || AUT أمرائه بمكة والمدينة # أمراء مكة المشرفة: الشريف بركات بن حسن بن عجلان إلى أن عزل؛ ثم وليها ~~أخوه الشريف علي بن حسن بن عجلان، إلى أن قبض عليه وحمل القاهرة؛ ثم وليها ~~أخوه الشريف أبو القاسم بن حسن بن عجلان إلى أن عزل، وأعيد الشريف بركات بن ~~حسن بن عجلان. أمراء المدينة: الشريف أميان إلى أن عزل؛ ثم الشريف سليمان ~~بن غرير إلى قتل؛ ثم الشريف ضيغم إلى أن قتل أيضا؛ ثم أعيد الشريف أميان ~~ثانيا إلى أن توفي سنة خمسين وثمانمائة؛ وولي بعده الشريف زبيري بن قيس. ~~ذكر نوابه بالبلاد الشامية: فبدمشق: الأمير إينال الجكمي إلى أن عصى وقتل؛ ~~ثم الأتابك آقبغا التمرازي إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين؛ ثم الأمير جلبان ~~الأمير آخور. وبحلب: الأمير حسين بن أحمد المدعو تغري برمش البهسني ~~التركماني أن عصى وقتل؛ ثم جلبان الأمير آخور المقدم ذكره؛ ثم قاني باي ~~الحمزاوي أن عزل؛ ثم برسباي الناصري الحاجب؛ ثم قاني باي البهلوان إلى أن ~~مات؛ ثم من عبد الرزاق المؤيدي إلى أن عزل؛ وأعيد قاني باي الحمزاوي ثانيا. ~~وبطرابلس: الأمير جلبان الأمير آخور أشهرا، ونقل إلى نيابة حلب؛ قاني باي ~~الحمزاوي؛ ثم برسباي الناصري الحاجب؛ ثم يشبك الصوفي المؤيدي إلى أن عزل ~~ونفى إلى ms3379 دمياط؛ ثم يشبك النوروزي. وبحماة: قاني باي الحمزاوي أشهرا؛ ثم ~~بردبك العجمي الجكمي إلى أن عزل وحبس بالإسكندرية؛ ثم الأمير قاني باي ~~الناصري البهلوان؛ ثم شاد بك الجكمي. إلى أن عزل وتوجه إلى القدس بطالا؛ ثم ~~الأمير يشبك الصوفي المؤيدي؛ ثم الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي؛ ثم ~~بيغوت الأعرج المؤيدي؛ سودون الأبو بكري المؤيدي حلب إلى أن عزل؛ ثم حاج ~~إينال الجكمي. وبصفد: الأمير إينال العلائي الناصري الذي تسلطن، إلى أن عزل ~~وقدم القاهرة أمير مائة ومقدم ألف بها؛ ثم قاني باي الناصري البهلوان أتابك ~~دمشق؛ ثم بيغوت من صفر خجا الأعرج المؤيدي؛ ثم يشبك الحمزاوي نائب غزة إلى ~~أن توفي؛ ثم أعيد بيغوت ثانيا بعد أمور وقعت له. PageV04P0317 # وبغزة: طوخ مازي الناصري إلى أن مات؛ ثم طوخ الأبوبكري المؤيدي إلى أن ~~قتل؛ ثم يلخجا الساقي الناصري إلى أن مات؛ ثم حطط الناصري فرج إلى أن عزل؛ ~~ثم يشبك الحمزاوي دوادار السلطان بحلب؛ ثم طوغان العثماني إلى أن توفي، ثم ~~خيربك النوروزي إلى أن عزل؛ ثم جانبك التاجي المؤيدي. وبالكرك: الصاحب غرس ~~الدين خليل بن شاهين الشيخي إلى أن عزل؛ ثم آقبغا من مامش الناصري ~~التركماني إلى أن عزل وحبس؛ ثم مازي الظاهري برقوق إلى أن عزل؛ ثم حاج ~~إينال الجكمي؛ ثم طوغان السيفي آقبردي المنقار. ذكر زوجاته أيام سلطنته: ~~أما قبل سلطنته فكثير جدا؛ وأولهم في أيام سلطنته خوند مغل بنت البارزي، ~~تزوجها قبل سنة ثلاثين، وطلقها في سنة اثنتين وخمسين؛ ثم زينب بنت جرباش ~~الكريمي قاشق، ومات عنها؛ ثم شاه زادة بنت ابن عثمان ملك الروم، وطلقها في ~~سنة أربع وخمسين؛ ثم نفيسة بنت ناصر الدين بك ابن دلغادر؛ ماتت في سنة ثلاث ~~وخمسين بالطاعون؛ ثم بنت حمزة بك بن ناصر الدين ابن دلغادر؛ ثم بنت كرتباي ~~الجاركسية، قدم بها أبوها من بلاد الجاركس، وأسلم على ما قيل، ثم عاد إلى ~~بلاده؛ ثم بنت زين الدين عبد الباسط، ولم يزل بكارتها، تزوجها بعد موت ~~أبيها في سنة ms3380 خمس وخمسين وثمانمائة. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. على أن الملك العزيز يوسف بن الملك ~~الأشرف برسباي حكم منها تاسع عشر أشهر، ربيع الآخر، ثم حكم الملك الظاهر في ~~باقيها، وهي سلطنته على مصر على كل حال. وفيها، أعني سنة اثنتين وأربعين، ~~توفي حافظ الشام ومحدثه شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد بن ~~يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي الدمشقي الشافعي المعروف بابن ناصر ~~الدين بدمشق، في ثامن عشر شهر الآخر، ومولده في محرم سنة سبع وسبعين ~~وسبعمائة. وسمع الكثير وطلب الحديث، ودأب وحصل وكتب وصنف، وصار حافظ دمشق ~~ومحدثه إلى أن مات. وتوفي الأمير صفي الدين جوهر بن عبد الله الجلباني، ~~الحبشي الزمام المعروف باللالا، في يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادى الأولى، ~~عن نحو ستين سنة تخمينا. وكان أصله من خدام الأمير عمر بن، بهادر المشرف، ~~وأنعم على أخته زوجة الأمير جلبان الحاجب، فأعتقه جلبان، ودام بخدمته حتى ~~مات. وماتت سته، زوجة الأمير جلبان الحاجب، فاتصل بعدهما بخدمة الملك ~~الأشرف برسباي قبل سلطنته، ودام عنده إلى أن تسلطن، فرقاه وجعله لالاة ابنه ~~المقام الناصري محمد، ثم من بعده لالا ابنه الملك العزيز يوسف، ثم ولاه ~~زماما، موت الطواشي خشقدم الرومي الظاهري في جمادى الأولى سنة تسع ثلاثين ~~وثمانمائة، فاستمر في وظيفته زماما، إلى أن توفي الملك الأشرف، وملك الملك ~~العزيز يوسف. ثم خلع العزيز وتسلطن الملك الظاهر جقمق، فأمسكه وهو مريض، ~~وصادره وعزله، وولى عوضه زماما الطواشي الرومي فيروز الساقي الجاركسي. فلم ~~تطل أيام جوهر المذكور بعد ذلك، ومات. وكان من رؤساء الخدام حشمة وعقلا ~~ودينا وكرما؛ وهو صاحب المدرسة والدار بالمصنع بالقرب من قلعة الجبل، وتوفي ~~قاضي القضاة علامة عصره شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ~~البساطي المالكي، قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها، في ليلة الجمعة ثالث ~~عشر شهر رمضان. ومولده في محرم سنه ستين وسبعمائة، ومات وقد انتهت إليه ~~الرئاسة ms3381 في المعقول والمنقول. وكان منشأه بالقاهرة، وبها تفقه، وطلب العلم، ~~واشتغل على علماء عصره حتى برع في علوم كثيرة، وأفتى ودرس، وتصدى للاشتغال ~~سنين كثيرة، وبه تخرج غالب علماء عصره، من سائر المذاهب. وأول ما وليه من ~~الوظائف: تدريس المالكية بمدرسة جمال الدين الأستادار، وناب في الحكم عن ~~ابن عمه قاضي القضاة جمال الدين البساطي سنين، ثم استقل بالقضاء في الدولة ~~المؤيدية شيخ، بعد جمال الدين البساطي المذكور، فباشر القضاء نحو عشرين ~~سنة، إلى أن مات قاضيا. PageV04P0318 # وفيه قتل الأمير سيف الدين قرقماس بن عبد الله الشعباني الناصري المعروف ~~بأهرام ضاغ، بثغر الإسكندرية، حسبما يأتي ذكره. كان أصله من كتابية الملك ~~الظاهر برقوق، فيما أظن، ثم أخذه الملك الناصر فرج وأعتقه، وجعله خاصكيا. ~~ثم صار دوادارا في الدولة المؤيدية شيخ، من جملة الأجناد، إلى أن أمره ~~الأمير ططر عشرة؛ ثم صار أمير طبلخاناه ودوادارا ثانيا في أوائل الدولة ~~الأشرفية، وأجلس النقباء على بابه، وحكم بين الناس - ولم يكن ذلك بعادة: أن ~~يحكم الدوادار الثاني بين الناس - ثم أنعم عليه الملك الأشرف برسباي بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية في سنة ست وعشرين، وتولى الدوادارية ~~الثانية بعده جانبك الخازندار الأشرفي. ثم وجهه الأشرف برسباي إلى مكة ~~المشرفة شريكا لأميرها الشريف عنان بن مغامس بن رميثة الحسني، فأقام بمكة ~~مدة، ثم عاد إلى القاهرة، بعد أن أعيد الشريف حسن بن عجلان إلى إمرة مكة؛ ~~ومات حسن، وتولى ابنه الشريف بركات. وقدم قرقماس المذكور إلى مصر، على ~~إمرته، أمير مائة ومقدم ألف. ودام على ذلك سنين، إلى أن استقر حاجب الحجاب ~~بالديار المصرية، بعد الأمير جرباش الكريمي قاشق، بحكم انتقال جرباش إلى ~~إمرة مجلس؛ فباشر الحجوبية بحرمة زائدة وعظمة وبطش في الناس بحيث هابه كل ~~أحد وصار يخلط في حكوماته ما بين ظلم وعدل، ولين وجبروت، إلى أن استقر في ~~نيابة حلب بعد الأمير قصروه من تمراز الظاهري برقوق، بحكم انتقاله إلى ~~نيابة دمشق بعد موت الأمير جارقطلو، في حدود سنة سبع وثلاثين ms3382 وثمانمائة، ~~فباشر نيابة حلب مدة تزيد على السنة، وعزل عنها، بعد أن أبدع في المفسدين ~~بها، وأشيع الخبر عنه بالخروج عن الطاعة. وقدم إلى القاهرة على النجب، بطلب ~~من السلطان، وخلع عليه باستقراره أمير سلاح، بعد الأمير جقمق العلائي صاحب ~~الترجمة، بحكم انتقال جقمق للأتابكية، عوضا عن إينال الجكمي، بحكم استقرار ~~الجكمي في نيابة حلب عوضا عن قرقماس المذكور، فاستمر أمير سلاح مدة. وتجرد ~~إلى البلاد الشامية مقدم العساكر، ومعه سبعة أمراء من مقدمي الألوف، في سنة ~~إحدى وأربعين، وقد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الملك الأشرف وغيره من هذا ~~الكتاب؛ وإنما نذكره هنا ثانيا لينتظم سياق الكلام مع سياقه. ومات الملك ~~الأشرف في غيبته، ثم قدم القاهرة مع رفقته، وقد ترشح الأتابك جقمق للسلطنة، ~~وسكن باب السلسلة من الإسطبل السلطاني، وكان حريصا على حب الرئاسة. فلما ~~رأى أمر جقمق قد استفحل كاد يهلك في الباطن، وما أمكنه إلا الموافقة، وقام ~~معه حتى تسلطن، ثم وثب عليه حسبما تقدم ذكره، بعد أربعة عشر يوما من سلطنة ~~الملك الظاهر جقمق، وقاتله، وانكسر بعد أمور حكيناها في أصل هذه الترجمة، ~~وهرب ثم ظهر وأمسك وحبس بسجن الإسكندرية، إلى أن ضربت رقبته بالشرع في ثغر ~~الإسكندرية، في يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة. وكان قرقماس أميرا ضخما ~~شجاعا مقداما عارفا بفنون الفروسية، وعنده مشاركة بحسب الحال؛ إلا أنه كان ~~فيه ظلم وعسف وجبروت. وكان مع شجاعته وإقدامه لا ينتج أمره في الحروب، لعدم ~~موافقة رجليه ليديه؛ فإنه كان إذا دخل الحرب، يبطل عمل رجليه في تمشية ~~الفرس، لشغله بيديه، وهو عيب كبير في الفارس؛ وشهر ذلك عن جماعة من ~~الأقدمين من فرسان الملوك، مثل الأتابك إينال اليوسفي، ويونس بلطا نائب ~~طرابلس وغيرهما - انتهى. ومعنى " أهرام ضاغ " أي جبل الأهرام؛ سمي بذلك ~~قديما لتكبره وتعاظمه. وتوفي القاضي علم الدين أحمد بن تاج الدين محمد بن ~~علم الدين محمد بن كمال الدين محمد بن قاضي القضاة علم الدين محمد بن أبي ~~بكر بن عيسى ms3383 بن بدر الإخنائي المالكي، أحد فقهاء المالكية، ونواب الحكم ~~بالقاهرة، في يوم الأربعاء خامس عشرين شهر رمضان، وكان مشكور السيرة عفيفا ~~عما يرمي به قضاة السوء. وتوفي قاضي قضاة دمشق المالكية محيي الدين يحيى بن ~~حسن بن محمد الحيحاني المغربي في يوم الأربعاء حادي عشر ذي القعدة، وكان ~~دينا عفيفا حسن السيرة في أحكامه. وتوفي السيد الشريف أحمد بن حسن بن ~~عجلان، المكي الحسني، بعدما فارق أخاه الشريف بركات بن حسن، وسار إلى ~~اليمن، فمات بزبيد. PageV04P0319 # وتوفي الأتابك إينال بن عبد الله الجكمي نائب الشام قتيلا بقلعة دمشق، في ~~ليلة الاثنين ثاني عشرين ذي القعدة؛ وقد قدمنا من ذكره في أول ترجمة الملك ~~الظاهر هذا وغيره نبذة كبيرة، تعرف منها أحواله؛ غير أننا نذكر الآن سبب ~~ترقيه لا غير: فأصله من مماليك الأمير جكم من عوض الظاهري المتغلب على حلب، ~~وخدم من بعد أستاذه المذكور عند الأمير سودون الظاهري برقوق، ويعرف بسودون، ~~بقجة، وصار خازنداره. ثم اتصل بخدمة الملك المؤيد شيخ؛ فلما تسلطن شيخ، ~~جعله ساقيا، ثم أمسكه وعاقبه عقوبة شديدة لأمر أوجب ذلك؛ ثم نفاه إلى ~~البلاد الشامية، ثم أعاده بعد وقعة قاني باي نائب الشام، وأنعم عليه بإمرة ~~عشرة، ثم جعله أمير طبلخاناه وشاد الشراب خاناه. ثم أنعم عليه الأمير ططر ~~بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وولاه رأس نوبة النوب، ثم نائب ~~حلب، ثم عزله بعد شهر وأيام وجعله أمير سلاح. ثم قبض عليه مع من قبض عليه ~~من الأمراء المؤيدية وغيرهم، كل ذلك في مدة يسيرة؛ وحبس مدة سنين إلى أن ~~أطلقه الملك الأشرف برسباي بشفاعة الناصري محمد بن منجك، ووجهه إلى الحجاز. ~~ثم عاد وأقام بالقدس بطالا إلى أن طلبه الملك الأشرف إلى مصر، وأنعم عليه ~~بإمرة مائة وتقدمة ألف، عوضا عن الأتابك بيبغا المظفري بحكم القبض عليه، ~~وذلك في سنة سبع وعشرين؛ ثم جعله أمير مجلس سنين، ثم نقله إلى إمرة سلاح ~~بعد موت إينال النوروزي، ثم جعله أتابكا بعد سودون من عبد الرحمن، ms3384 وهو على ~~إقطاعه، ولم ينعم السلطان عليه بإقطاع الأتابكية. فدام على ذلك مدة طويلة، ~~إلى أن خلع السلطان عليه باستقراره في نيابة حلب بعد عزل قرقماس الشعباني، ~~واستقر عوضه في الأتابكية الأمير جقمق العلائي؛ فلم تطل مدته في نيابة حلب، ~~ونقل منها بعد أشهر إلى نيابة الشام بعد موت قصروه من تمراز، فدام في نيابة ~~دمشق إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فبايع له أولا، ولبس خلعته وباس ~~الأرض، ثم عصى بعد ذلك، ووقع ما حكيناه من أمره في ترجمة الملك الظاهر جقمق ~~من قتاله لعسكر السلطان وهزيمته والقبض عليه وقتله. وكان إينال أميرا جليلا ~~شجاعا مقداما عاقلا سيوسا حشما وقورا كريما رئيسا، كامل الأدوات كثير ~~الأدب، مليح الشكل معتدل القد للسمن أقرب، نادرة في أبناء جنسه، قل أن ترى ~~العيون مثله، عفا الله عنه. ومات وسنه نحو الخمسين سنة تخمينا. وتوفي ~~الأمير سيف الدين يخشباي بن عبد الله المؤيدي شيخ ثم الأشرفي برسباي الأمير ~~آخور الثاني، قتيلا بسيف الشرع. ضربت رقبته بثغر الإسكندرية. وقد تقدم ذكر ~~سبب قتله في أوائل ترجمة الملك الظاهر هذا. وقتل يخشباي وسنه نحو الثلاثين ~~سنة تخمينا. وكان شابا طويلا جميلا، مليح الشكل عاقلا، عارفا بأنواع ~~الفروسية، وعنده فهم وذوق ومعرفة ومحاضرة حسنة، وتذاكر بالفقه وغيره حسب ~~الحال؛ عوض الله شبابه الجنة بمنه وكرمه. وتوفي الأمير حسين بن أحمد المدعو ~~تغري برمش نائب حلب مضروب الرقبة بحلب، في يوم الأحد سابع عشر ذي الحجة؛ ~~وأصل تغري برمش هذا من مدينة بهسنا. وجفل هو وأخوه حسن - وكان حسن الأكبر - ~~من بهسنا في كائنة تيمورلنك، وقدما بعد ذلك بسنين إلى الديار المصرية، فخدم ~~أخوه حسن تبعا عند الأمير قرا سنقر الظاهري، وجلس حسين هذا عند بعض ~~الخياطين بالمصنع من تحت القلعة. ثم انتقل أيضا إلى خدمة قرا سنقر لجمال ~~صورته؛ ثم انتقل من عند قرا سنقر إلى الأمير إينال حطب العلائي، وصار عنده ~~من جملة ممالكه الكتابية، إلى أن مات إينال حطب، فأخذه دواداره الأمير ~~فارس، وأتى ms3385 له إلى الوالد. PageV04P0320 # وكان الوالد من جملة أوصياء إينال حطب، فأخذه الوالد وجعله إنيا لمملوكه ~~شاهين أمير آخور، فجعله شاهين في الطبقة، وسفاه تغري برمش؛ ثم أخرج له ~~الوالد خيلا وقماشا مع جملة مماليك أخر، وجعله جمدارا؛ فدام على ذلك إلى أن ~~تولى الوالد نيابة دمشق التي مات فيها، فأفسد تغري برمش هذا من مماليك ~~الوالد مملوكين، وأخذهما وهرب إلى طرابلس: أحدهما في قيد الحياة إلى يومنا ~~هذا جملة المماليك السلطانية، واسمه أيضا تغري برمش الصغير. وبلغ الوالد ~~خبرهما فأمر أن يكتب إلى الأمير جانم نائب طرابلس بالقبض عليهم الثلاثة ~~وإرسالهم إليه في الحديد، فخشي أغاتهم شاهين الأمير آخور عليهم من الضرب ~~والإخراق، فسأل الوالد أنه يسافر إليهم ويقبض عليهم ويأتي بهم، فرسم له ~~الوالد بذلك. وتوجه شاهين إليهم، فوجدهم بقاعة في طرابلس، فنزل عن فرسه ~~ودخل عليهم استخفافا بهم؛ فحال ما وقع بصرهم عليه، هرب تغري برمش الصغير ~~ويوسف، ووثب تغري برمش ليهرب، فلحقه شاهين، فجذب سيفه وضرب شاهين به فقتله، ~~ثم هرب. فكتب الأمير جانم نائب طرابلس محضرا بواقعة الحال، وأرسله إلى ~~الوالد، ومع المحضر يوسف وتغري برمش الصغير؛ وهرب تغري برمش هذا، فرس ~~الوالد بتحصيل تغري برمش المذكور وشنقه. وكان الوالد مشغولا بمرض موته، ~~وماش بعد مدة يسيرة. وخدم تغري برمش هذا عند الأمير طوخ الظاهري برقوق، ~~ويقال له طوخ، بطيخ، نائب حلب، وترقى عنده، وصار رأس نوبته. ثم خدم بعده ~~عند جقمق الأرغون شاوي الدوادار، وصار أيضا رأس نوبته ثم دواداره في آخر ~~أيامه؛ وكار لجقمق دوادار آخر يسمى إينال الحمار، فكان جقمق يقول " دواداري ~~: الواحد حمار والآخر ثور " . ثم مشى حال تغري برمش بعد عند أبناء جنسه؛ ~~وسببه أنه لما انكسر أستاذه جقمق في دمشق، وتوجه إلى بعض قلاع الشام، وتحصن ~~بها، إلى أن أنزل منها وقتل بدسيسة من تغري برمش هذا، فأنعم عليه ططر بإمرة ~~عشرة بالقاهرة؛ ثم جعله الملك الأشرف أمير طبلخاناه، ونائب قلعة الجبل، ثم ~~أنعم عليه بتقدمة ألف في سنة سبع ms3386 وعشرين، ثم جعله نائب غيبته بديار مصر لما ~~سافر لآمد، ثم جعله أمير آخور كبيرا بعد الأمير جقمق العلائي، بحكم انتقال ~~جقمق إلى إمرة سلاح؛ ثم ولاه نيابة حلب بعد عزل قرقماس الشعباني عنها، فدام ~~بحلب إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فبايعه ولبس خلعته، ثم عصى بعد ذلك - ~~وليت الخمول عصى أولا قبل مبايعته، فكان يصير له عذر في الجملة! - ثم وقع ~~له بعد عصيانه ما حكيناه في ترجمة الملك الظاهر جقمق، إلى أن انكسر وأمسك، ~~ثم ضربت رقبته تحت قلعة حلب، وسنه نحو الخمسين. وكان تغري برمش رجلا طوالا ~~مليح الشكل عاقلا مدبرا كثير الدهاء والمكر؛ وكان يجيد رمي النشاب ولعب ~~الكرة؛ وكان عارفا بأمور دنياه وأمر معيشته، متجملا في مركبه وملبسه ~~ومماليكه، إلا أنه كان بخيلا شحيحا حريصا على جمع المال، قليل الدين لا ~~يحفظ مسألة تامة في دينه، مع قلة فهم وذوق، وغلاظة طبع، على قاعدة أوباش ~~التراكمين؛ وكان عاريا من سائر العلوم والفنون، غير ما ذكرنا؛ لم أره منذ ~~عمري مسك كتابا بيده ليقرأه، هذا مع الجبن وعم الثبات في الحروب، وقلة ~~الرأي في تنفيذ العساكر؛ وما وقع له مع ناصر الدين بك بن دلغادر في نيابته ~~على حلب من الحروب والانتصار عليه، كل ذلك كان بكثرة الشوكة وسعد الملك ~~الأشرف برسباي. وأما لما صار الأمر له، لم يفلح في واقعة من الوقائع، بل ~~صار كلما دبر أمرا انعكس عليه؛ فإنه كان ظنينا برأي نفسه، وليس له إطلاع في ~~أحوال السلف بالكلية، ولم يستشر أحدا في أمره؛ فحينئذ خمل وأخمل وتمزقت ~~جميع عساكره وخانه حتى مماليكه مشترواته؛ ومع هذا كله هو عند القوم في رتبة ~~عليا من العقل والمعرفة والتدبير؛ وعذرهم أنه لو لم يكن كذلك ما صار أميرا ~~- انتهى. ومات تغري برمش، والمحضر المكتتب عليه بسبب قتله لشاهين عندنا. ~~وقد طلبه مني غير مرة وأنا أسوف به من وقت إلى وقت، وابدي له أعذارا غير ~~مقبولة، وأوري له في كلامي، فيمشي ذلك ويطيب خاطره، ms3387 إلى أن عصى فطلبني ~~الملك الظاهر جقمق، وسألني عن المحضر، فقلت: " عندي " ، فكاد يطير فرحا. ثم ~~أفحش أمر تغري برمش في الحلبيين حتى أوجب ذلك قتله بغير محضر ولا حكم حاكم. ~~PageV04P0321 # وتوفي الملك الظاهر هزبر الدين عبد الله بن الملك الأشرف إسماعيل علي بن ~~داؤد بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول، التركماني الأصل، اليمني صاحب بلاد ~~اليمن، في يوم الخميس سلخ شهر رجب؛ وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة؛ وفي ~~أيامه ضعفت مملكة اليمن، لاستيلاء العربان على بلادها وأموالها؛ وأقيم بعده ~~في ملك اليمن الملك الأشرف إسماعيل وله من العمر نحو العشرين سنة فأساء ~~السيرة، وسفك الدماء وقتل الأمير برقوقا التركي القائم بدولتهم، في عدة أخر ~~من الأتراك، ووقع له أمور كثيرة، ليس لذكرها هنا فائدة. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم خمسة أذرع وثلاثة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة: ثمانية ~~عشر ذراعا وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. وفيها توفي الأمير علاء الدين آقبغا بن ~~عبد الله من مامش الناصري فرج التركماني، نائب الكرك، بعد أن عزل عنها وحبس ~~بقلعتها في أواخر هذه السنة، نحو ستين سنة من العمر؛ ولم يشتهر في عمره ~~بدين ولا شجاعة ولا كرم. وتوفي الأتابك آقبغا التمراي نائب الشام بها ~~فجاءة، وهو على ظهر فرسه، صبيحة يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الآخر، وسنه ~~سبعون سنة تخمينا. خبر موته أنه ركب من دار السعادة بعد أذان الفجر من ~~اليوم المذكور، وسار الميدان، ولعب به الرمح، وغير فيه عدة خيول، ثم ساق ~~البرجاس وغير فيه أيضا أفراسا كثيرة، ثم ضرب الكرة مع الأمراء على عدة خيول ~~يغيرها من تحته، إلى أن انتهى وليس عليه ما يرد البرد عنه؛ وسار إلى باب ~~الميدان ليخرج منه، ومماليكه مشاة بين يديه، فقال لرأس نوبته: " فر ~~المماليك ليأكلوا السماط " ، ثم مال عن فرسه، فاعتنقه رأس نوبته المذكور، ~~وحمله وأنزله إلى قاعة عند باب الميدان، فمات من وقته، ولم يتكلم ms3388 كلمة ~~واحدة غير ما ذكرناه. وكان أصله من مماليك الأمير تمراز الناصري نائب ~~السلطنة في دولة الناصر فرج، ونسبه تمراز أستاذه بالناصري، لأستاذه خواجا ~~ناصر الدين، وقد تقدم ذكره في الدولة الناصرية. وخدم آقبغا هذا بعد موت ~~أستاذه عند الأتابك دمرداش المحمدي، ثم اتصل بخدمة الملك المؤيد شيخ، فرقاه ~~المؤيد لسيادة كانت له في لعب الرمح، وأنعم علية بإمرة عشرة، ثم طبلخاناه، ~~وجعله أمير آخور ثانيا؛ ثم أنعم عليه الأمير ططر بإمرة مائة وتقدمة ألف، ~~وجعله من الأمراء المقيمين بالقاهرة، لما سافر بالملك المظفر أحمد إلى ~~دمشق؛ ثم صار أمير مجلس في أوائل الدولة الأشرفية برسباي؛ ثم ولي نيابة ~~الإسكندرية بعد أسندمر النوري الظاهري برقوق، مضافا على تقدمته؛ ثم عزل بعد ~~سنين وأعيد إلى إمرة مجلس، إلى أن جعله الملك الظاهر جقمق أمير سلاح، ثم ~~أتابك العساكر بالديار المصرية، كلاهما بعد قرقماس الشعباني، فباشر ~~الأتابكية أشهرا، وتولى نيابة دمشق لما عصى الأتابك إينال الجكمي؛ وقد تقدم ~~ذكر ذلك كله في أول ترجمة الملك الظاهر جقمق. هذا ولم تطل مدة نيابته على ~~دمشق سوى أشهر، ومات. وكان عارفا بأنواع الفروسية كلعب الرمح وضرب الكوة ~~وسوق المحمل والبرجاس، رأسا في ذلك جميعه، إمام عصره في ركوب الخيل ومعرفة ~~تقليبها في أنواع الملاعيب المذكورة، انتهت إليه الرئاسة في ذلك بلا مدافعة ~~- لا أقول ذلك كونه صهري، بل أقوله على الإنصاف - مع دين وعفة عن المنكرات ~~والفروج، وقيام ليل وزيارة الصالحين دواما؛ غير أنه كان مسيكا، وعنده حدة ~~مزاج، ولم تكن شجاعته في الحروب بقدر معرفته لأنواع الملاعيب والفروسية، ~~رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الناصري المعروف ~~بطوخ مازي نائب غزة، في ليلة السبت حادي شهر رجب. وأصله من مماليك الملك ~~الناصر فرج؛ وتأمر - بعد موت الملك المؤيد شيخ - عشرة؛ وصار في الدولة ~~الأشرفية برسباي من جملة رؤوس النوب؛ ثم ترقى بعد سنين إلى إمرة طبلخاناه ~~وصار رأس نوبة ثانيا؛ ثم ولي نيابة غزة بعد موت آقبردي القجماسي في ms3389 الدوله ~~العزيزية يوسف إلى أن مات. وكان متوسط السيرة، منهمكا في اللذات، عاريا من ~~كل علم وفن عفا الله عنه. PageV04P0322 # وتوفي الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد الله البهائي الظاهري نائب ~~الإسكندرية بها، في يوم الخميس ثالث عشر جمادى الأولى، وهو في عشر السبعين. ~~وكان أصلا من مماليك الملك الظاهر برقوق، وكان يعرف بيلبغا قراجا، لأنه كان ~~أسمر اللون تركي الجنس. وكان تأمر قديما إمرة عشرة، ودام على ذلك سنين، إلى ~~أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة طبلخاناه والحجوبية الثانية، عوضا عن ~~أسنبغا الطياري، ثم ولاه نيابة الإسكندرية، إلى أن مات بها. وكان من خيار ~~الناس عقلا ودينا وسكونا وعفة، مع مشاركه في الفقه وغيره، ويكتب الخط ~~المنسوب؛ وكان فصيحا باللغة العربية، حلو الكلام جيد المحاضرة، يذاكر ~~بالأيام السالفة مذاكرة حسنة لذيذة؛ وهو أحد من أدركناه من النوادر في ~~معناه، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين قطج بن عبد الله من تمراز ~~الظاهري، بطالا بالقاهرة، في يوم الاثنين ثامن عشرين شهر رمضان. وكان أصله ~~من أصاغر مماليك الظاهر برقوق؛ وتأمر أيضا - بعد موت الملك المؤيد شيخ - ~~عشرة؛ ثم ترقى إلى أن صار في الدولة الأشرفية أمير مائة ومقدم ألف؛ ودام ~~على ذلك سنين، إلى أن أمسكه الأشرف وسجنه بثغر الإسكندرية مدة؛ ثم أفرج عنه ~~وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بحلب؛ ثم نقله إلى أتابكية حلب، بعد نقل ~~قاني باي البهلوان إلى أتابكية دمشق، بحكم وفاة تغري بردي المحمودي بآمد، ~~فدام على ذلك سنين، إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فقم القاهرة، واستعفى ~~من أتابكية حلب، فأعفي؛ يريد بذلك أن يكون من جملة أمراء مصر؛ فلم يكترث ~~الملك الظاهر بأمره، ودام بطالا إلى أن مات. وكان يتمفقر في حياته ويطلب من ~~الأمراء، فلما مات، ظهر له مال كبير، فأخذه من يستحقه. ولله در أبي الطيب ~~المتنبي فيما قال في هذا المعنى: الطويل ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... ~~مخافة فقر فالذي فعل الفقر وتوفي الأمير سيف الدين سودون ms3390 الظاهري المغربي ~~أحد أمراء العشرات والحجاب، ثم نائب ثغر دمياط، بطالا بالقدس؛ وكان أيضا من ~~مماليك الملك الظاهر برقوق، وتأمر عشرة؛ وصار من جملة الحجاب في الدولة ~~الأشرفية برسباي؛ ثم ولي نظر القدس في بعض الأحيان، ثم ولي نيابة دمياط، ~~إلى أن أمسكه الملك الظاهر وحبسه مدة؛ ثم أخرجه إلى القدس بطالا، إلى أن ~~مات. وكان دينا خيرا عفيفا عن القاذورات، عارفا بأنواع الفروسية باجتهاده، ~~فكان خطأه فيه أكثر من صوابه. وكان يتفقه، ويكثر من الاشتغال دائما، لا ~~سيما لما اشتغل في النحو فضيع فيه زمانه، ولم يحصل على طائل، لقصر فهمه ~~وعدم تصوره. وكان يلح في المسائل الفقهية ويبحث فيها أشهرا، ولا يرضى إلا ~~بجواب سمعه قديما من كائن من كان؛ وكان هذا سبب نفيه، فإنه بحث مرة مع ~~الأمير بكتمر السعدي بحثا، فأجابه بكتمر بالصواب، فلم يرض بذلك سودون هذا، ~~وألح في السؤال على عادته، فنهره الملك الظاهر جقمق، وهو يوم ذاك أمير ~~آخور. وقال له: " أنت حمار! " ، واحتد عليه، فقال سودون: العلم ليس هو ~~بالإمرة وإنما هو بالأعلم " . فحنق الملك الظاهر منه أكثر وأكثر، وانفض ~~المجلس. وكان فيه أنواع ظريفة في حكمه بين الناس، منها أنه يتحقق في عقله ~~أن الحق لا يزال مع الضعيف من الناس، وأن القوي لا يزال يجبر الضعيف؛ فصار ~~كلما دخل إليه خصمان فينظر إليهما، فيكون أحد الأخصام جنديا والآخر فلاحا، ~~والحق مع الجندي، فلا يزال سودون يميل مع الفلاح ويقوي كلامه وحجته، ويوهي ~~كلام الجندي ودعواه، حتى يسأل الجندي في المصالحة، أو يأخذ فلاحه ويذهب، إن ~~كان له شوكة؛ هذا بعد أن يوبخ الجندي ويعظه ويحذره عقوبة الله عز وجل، ~~ويذكر لا أفعال أبناء جنسه من المماليك. وكان عنده كثرة كلام مع نشوفة، ~~ولهذا سمي بالمغربي. فلما تكرر منه ذلك وعرف الناس طبعه، ترامى الضعفاء ~~عليه من الأماكن البعيدة، فانتفع به أناس وتضرر به آخرون؛ على أنه كان غالب ~~اجتهاده في خلاص الحق على قدر ما تصل قدرته إليه، رحمه الله ms3391 تعالى. ~~PageV04P0323 # وتوفي قاضي قضاة حلب علاء الدين علي بن محمد بن سعد بن محمد بن علي بن ~~عثمان الحلبي الشافعي، قاضي حلب، وعالمها ومؤرخها، المعروف بابن خطيب ~~الناصرية، في ليلة الثلاثاء تاسع ذي القعدة، بحلب. ومولده في سنة أربع ~~وسبعين وسبعمائة؛ وكان إماما عالما بارعا في الفقه والأصول والعربية ~~والحديث والتفسير، وأفتى وعرس بحلب سنين، وتولى قضاءها، وقدم القاهرة غير ~~مرة. وله مصنفات منها: كتابه المسمى بالمنتخب في تاريخ حلب، ذيله على تاريخ ~~ابن العديم، لكنه لم يسلك فيه ما شرطه في الاقتداء بابن العديم، وسكت عن ~~خلائق من أعيان العصر ممن ورد إلى حلب، حتى قال بعض الفضلاء: " هذا ذيل ~~قصير إلى الركبة " . وكان، سامحه الله، مع فضله وعلمه، يتساهل في تناول ~~معالمه في الأوقاف بشرط الواقف وبغير شرط الواقف، وكان له وظائف ومباشرة في ~~جامع الوالد بحلب؛ فكان يأخذ استحقاقه واستحقاق غيره؛ وكان له طولة روح ~~واحتمال زائد لسماع المكروه، بسبب ذلك، وهو على ما هو عليه، ولسان حاله ~~يقول: " لا بأس بالذل في تحصيل المال. وكان يتولى القضاء بالبذل، ويخدم ~~أرباب الدولة بأموال كثيرة. وملخص الكلام أنه كان عالما غير مشكور السيرة، ~~وكان به صمم خفيف. وتوفي قاضي المدينة النبوية جمال الدين محمد بن أحمد بن ~~محمد بن محمود بن إبراهيم بن أحمد الكازروني الأصل المدني المولد والمنشأ ~~والوفاة، الشافعي، في يوم الأربعاء عاشر ذي القعدة، ودفن بالبقيع؛ ومولده ~~سنة سبع وخمسين وسبعمائة. وكان بارعا في الفقه وله مشاركة في غيره، وتولى ~~قضاء المدينة في بعض الأحيان، ثم ترك ذلك ولزم العلم إلى أن مات. وتوفي مجد ~~الدين ماجد بن النخال الأسلمي القبطي كاتب المماليك السلطانية، في ليلة ~~السبت سادس ذي الحجة. وكان أصله من نصارى مصر القديمة، وخدم في عدة جهات ~~وهو على دين النصرانية، ودام على ذلك إلى أن أكرهه الأمير نوروز الحافظي ~~على الإسلام، فأظهر الإسلام وأبقى جميع ما عنده من النسوة والخدم على دين ~~النصرانية. وهو والد فرج بن النخال وزير زماننا هذا ms3392 وأستاداره، ثم قدم ماجد ~~عند الأمير جقمق الدوادار، ثم ترقى إلى أن ولي كتابة المماليك السلطانية ~~سنين، إلى أن مات. وكان فيه مروءة وخدمة لأصحابه، وأما غير ذلك فالسكات ~~أجمل. وما أظرف ما قال الشيخ تقي الدين المقريزي رحمه الله، لما ذكر وفاته ~~بعد كلام طويل، إلى أن قال: " وكان لا دين ولا دنيا " . أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم أربعة أذرع وعشرة أصابع، مبلغ الزيادة: عشرون ذراعا ~~وأحد عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة أربع وأربعين وثمانمائة. فيها توفي الأمير ناصر الدين محمد ابن ~~الأمير صارم الدين إبراهيم ابن الأمير الوزير منجك اليوسفي بدمشق، في يوم ~~الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول، وهو في عشر السبعين. وكان مولده بدمشق، ~~وأعطي بها إمرة في دولة الملك المؤيد شيخ، وحظي عنده إلى الغاية، ثم صار ~~على منزلته في الرفعة وأعظم عند الملك الأشرف برسباي، حتى إنه كان يجلس فوق ~~أمير سلاح. وكان إذا حضر مجلس السلطان لا يتكلم السلطان مع غيره إلا لحاجة، ~~إجلالا له. وكان يقدم القاهرة في كل سنة مرة في مبادئ فصل الشتاء، ثم يعود ~~إلى دمشق في مبادئ فصل الصيف؛ وفي الجملة أنه كان محظوظا من الملوك إلى ~~الغاية من غير أمر يوجب ذلك. وقد حاضرته كثيرا في مبادئ عمري، فلم أجد له ~~معرفة بعلم من العلوم، ولا فن من الفنون، غير لعب الكرة وأنواع الصيد ~~بالجوارح فقط، والمال الكثير مع بخل وشح زائد يضرب به المثل؛ وكنت أراه ~~يكثر السكوت؛ فأقول: " هذا لغزير عقله " ، وإذا له من قلة رأس ماله.. ~~PageV04P0324 # وقد حكى لي عنه بعض أكابر أعيان المملكة، قال: لما خرج قاني باي نائب ~~الشأم عن طاعة المؤيد، وعلم بذلك أعيان أهل دمشق، اجتمعوا بمكان يشتورون ~~فيما يفعلون، لئلا يقبض عليهم قاني باي المذكور، وهم مثل: القاضي نجم الدين ~~بن حجي، والقاضي شهاب الدين بن الكشك، والشريف شهاب الدين، وخواجه شمس ~~الدين بن المزلق، وابن مبارك شاه، وابن منجك، وجماعة ms3393 أخر من الأمراء ~~وغيرهم، فأخذ ابن منجك يتكلم، فقال له القاضي شهاب الدين بن الكشك، متهكما ~~عليه في الباطن: " يا أمير محمد، أنت رجل غزير العقل والرأي، ونحن ضعفاء ~~العقول. لا تكلمنا على قدر عقلك، وإنما تحدث معنا بقدر عقولنا " ؛ فقال ابن ~~منجك المذكور: " إذا لا أحدثكم إلا على قدر عقولكم " . فقالوا: " الآن تعمل ~~المصلحة " . وتكلموا فيما هم بصدده. قلت: هذا هو الغاية في الجهل والتفنن ~~في الجنون؛ فإن كل واحد ممن كان اجتمع في ذلك المجلس، يمكن أن يدبر مملكة ~~سلطان وينفذ أموره على أحسن وجه - انتهى. وتوفي قاضي القضاة شيخ الإسلام ~~محب الدين أبو الفضل أحمد ابن الشيخ الإمام العلامة جلال الدين نصر الله بن ~~أحمد بن محمد بن عمر التستري الأصل، البغدادي الحنبلي، قاضي قضاة الديار ~~المصرية، وعالم السادة الحنابلة في زمانه، قي يوم الأربعاء خامس عشر جمادى ~~الأولى بالقاهرة، وهو قاض؛ وتولى بعده قاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد ~~المنعم البغدادي. وكان مولد القاضي محب الدين ببغداد في شهر رجب سنة خمس ~~وخمسين وسبعمائة. واشتغل بها وتفقه. وقدم القاهرة في أول القرن واشتغل بها، ~~حتى برع في الفقه وأصوله والحديث والعربية والتفسير، وتصدى للإفتاء ~~والتدريس سنين، وناب في الحكم بالقاهرة عن القاضي علاء الدين بن مغلي، وبرع ~~حتى صار المعول على فتواه. ثم ولي قضاء الحنابلة بعد موت قاضي القضاة علاء ~~الدين بن مغلي في يوم الاثنين سابع عشرين صفر سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، ~~ودام في الوظيفة إلى أن عزل بالقاضي عز الدين عبد العزيز بن علي بن العز ~~البغدادي، في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين؛ فلم تطل ولاية عز ~~الدين، وعزل، وأعيد القاضي محب الدين هذا في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر سنة ~~ثلاثين، واستمر قاضيا إلى أن مات. وقد ذكرنا أحواله ومشايخه في تاريخنا " ~~المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي " بأوسع من هذا فلينظر هناك. وتوفي سعد ~~الدين إبراهيم القبطي المصري، المعروف بابن المرة، في يوم الخميس عاشر شهر ~~ربيع الآخر بالقاهرة، ms3394 وهو في عشر السبعين، بعد أن افتقر واحتاج إلى السؤال. ~~وكان ولي نظر ديوان المفرد في الأيام الأشرفية برسباي، ونظر بندر جدة سنين ~~كثيرة، وحصل له ثروة وعز وجاه، ثم زال عنه ذلك كله، ومات فقيرا، صدق عليه ~~بالكفن. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد المرداوي المعروف بابن بوالي، وهو ~~اسم كردي غير كنية. مات بدمشق، بعد أن ولي أستادارية السلطان بالديار ~~المصرية، ثم عزل وولي أستادارية السلطان بدمشق، إلى أن مات. وقد تقدم ذكره ~~في ترجمة الملك الأشرف برسباي، عندما ولي الأستادارية عوضا عن أرغون شاه ~~النوروزي؛ وكان من الظلمة، يقضي عمره في مظالم العباد. وتوفي الأمير علاء ~~الدين ألطنبغا بن عبد الله المرقبي المؤيدي أحد أمراء الألوف بالديار ~~المصرية، في يوم الاثنين عاشر شهر رجب. وكان من كبار مماليك الملك المؤيد ~~شيخ، من أيام جنديته، ورقاه بعد سلطنته، وعمله نائب قلعة حلب، ثم أمير مائة ~~ومقدم ألف بالديار المصرية، ثم ولاه حجوبية الحجاب، إلى أن أمسكه الأمير ~~ططر مع من أمسك من أمراء المؤيدية، وحبس مدة، ثم أطلق. ودام بطالا دهرا ~~طويلا، إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة مائة وتقدمة ألف بمصر، في ~~أوائل دولته، فدام على ذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى. وتوفي زين الدين ~~قاسم البشتكي في يوم السبت ثاني شهر رجب. وكان يتفقه ويترأس. وتزوج بنت ~~الأشرف شعبان. وكان مقربا من الملوك. وهو من مقولة ابن منجك في نوع من ~~الأنواع، غير أنه كانت لديه فضيلة بالنسبة إلى ابن منجك. PageV04P0325 # وتوفي الأمير سيف الدين ممجق بن عبد الله النوروزي، أحد أمراء العشرات ~~ونائب قلعة الجبل، في يوم مستهل شهر رجب. وكان أصله من مماليك الأمير نوروز ~~الحافظي؛ واتصل بخدمة السلطان، فدام على ذلك دهرا طويلا، لا يلتفت إليه، ~~إلى أن أمره الملك الظاهر جقمق عشرة، وجعله نائب قلعة الجبل؛ فاستمر على ~~وظيفته إلى أن مات. وكان لا ذات ولا أدوات. وتولى تغري برمش الجلالي ~~المؤيدي الفقيه نيابة قلعة الجبل بعده، وأنعم عليه أيضا ms3395 بإمرته. وتوفي ~~القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن رسلان البلقيني الشافعي المعروف ~~بالعجيمي، قاضي المحلة، في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى. وكان من ~~فضلاء الشافعية، وتولى قضاء المحلة سنين. وتوفي الأمير الطواشي صفي الدين ~~جوهر بن عبد الله القنقبائي الخازندار والزمام، في ليلة الاثنين أول شعبان، ~~وله نحو سبعين سنة، ودفن بمدرسته التي أنشأها بجوار جامع الأزهر، قبل أن ~~تتم. وكان أصله من خدام الأمير قنقباي الإلجائي اللالا. ثم خدم بعد موت ~~أستاذه عند خوند قنقباي أم الملك المنصور عبد العزيز، ثم من بعدها عند ~~جماعة أخر، ثم اتصل بخدمة علم الدين داؤد بن الكويز، ودام عنده إلى أن مات. ~~وبخدمته حسنت حاله، ثم صار بعد ذلك بطالا، إلى أن نوه بذكره صاحبه جوهر ~~اللالا، ولا زال يعظم أمره عند الملك الأشرف برسباي إلى أن طلبه وولاه ~~خازندارا دفعة واحدة، بعد خشقدم الظاهري الرومي؛ ولم تسبق لجوهر المذكور ~~قبل ولايته الخازندارية رئاسة في بيت السلطان، فباشر الخازندارية بعقل ~~وتدبير ورأي في الوظيفة، وناله من العز والجاه ونفوذ الكلمة ما لم ينله ~~طواشي قبله فيما رأينا. ومات الملك الأشرف وهو على وظيفته، لحسن سياسته. ثم ~~أضاف إليه الملك الظاهر جقمق وظيفة الزمامية بعد عزل فيروز الجاركسي، لما ~~تسحب الملك العزيز يوسف من الدور السلطانية، حسبما تقدم ذكره. واستمر على ~~وظيفة الزمامية والخازندارية إلى أن مات من غير نكبة. ولم يخفف مالا له جرم ~~بالنسبة لمقامه؛ فعظم ذلك على الملك الظاهر، فإنه كان في عزمه أخذ ماله ~~بوجه من الوجوه، ونظر جوهر بذلك وأدركته منيته ومات من غير أن يعلم أحدا ~~بماله. وكان جوهر عفيفا دينا عاقلا مدبرا سيوسا فاضلا، يقرأ القرآن الكريم ~~بالسبع، وله صدقات ومعروف؛ في أنه دخل في الدنيا واقتحم منها جانبا كبيرا، ~~وصار من المخلطين. وهو أحد من أدركناه من عقلاء الخدام. وتوفي القاضي شرف ~~الدين أبو بكر بن سليمان الأشقر المعروف بابن العجمي، الحلبي الأصل والمولد ~~والمنشأ، المصري الدار والوفاة، نائب كاتب السر الشريف ms3396 بالديار المصرية، في ~~يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان، وهو في عشر الثمانين، بعد أن رشح لوظيفة ~~كتابة سر مصر غير مرة، فلم يقبل؛ ثم ولاه الملك الأشرف كتابة سر حلب على ~~كره منه، عوضا عن زين الدين عمر بن السفاح، فباشر ذلك مدة، ثم عزل بعد أن ~~استعفى، وأعيدت إليه وظيفته نيابة كتابة السر، وولي كتابة سر حلب عوضه ولده ~~القاضي فعين الدين عبد اللطيف. وكان شرف الدين المذكور رجلا عاقلا سيوسا ~~عارفا بصناعة الإنشاء، قام بأعباء ديوان الإنشاء عدة سنين، وخدم عدة ملوك، ~~وكان مقربا من خواطرهم محببا إليهم، رحمه الله تعالى. وتوفي شمس الدين محمد ~~بن شعبان، في حادي عشرين شوال، عن نيف وستين سنة، بعد أن ولي حسبة القاهرة ~~بالسعي مرارا كثيرة؛ وكان عاميا يتزيا بزي الفقهاء. حدثني من لفظه، قال: " ~~وليت حسبة القاهرة نيفا وعشرين مرة " ، فقلت له: " هذا هجو في حقك، لا ~~تتكلم به بعد ذلك، لأنك تسعى وتلي، ثم تعزل بعد أيام قلائل، وتكرر لك ذلك ~~غير مرة، فهذا مما يدل على عدم اكتراث أهل الدولة بشأنك، وإهمالهم أمرك " ، ~~فلم يعد إلى ذكرها بعد ذلك. PageV04P0326 # وتوفي الشيخ الإمام العالم نور الدين علي بن عمر بن حسن بن حسين بن علي ~~بن صالح الجرواني الأصل، ثم التلواني، الشافعي الفقيه العالم المشهور، في ~~يوم الاثنين ثالث عشرين ذي القعدة. وكان أصله من بلاد الغرب ، وسكن والده ~~جروان وهي قرية بالمنوفية من أعمال القاهرة بالوجه البحري، فولد له بها ~~ابنه نور الدين هذا بعد سنة ستين وسبعمائة، فنشأ بجروان، ثم انتقل إلى ~~تلوانة من قرى المنوفية، فعرف بالتلواني. ثم قدم القاهرة وطلب العلم، ولازم ~~شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، حتى أجازه بالفتوى والتدريس. فتصدى الشيخ ~~نور الدين من تلك الأيام للإقراء والتدريس، وانتفع به جماعة من الطلبة، ~~وتولى عدة وظائف دينية، وتداريس عديدة، منها مشيخة الركنية، ثم تدريس قبة ~~الشافعي بالقرافة. وكان دينا خيرا جهوري الصوت صحيح البنية، وله قوة، وفيه ~~كرم وإفضال وهمة عالية، رحمه الله ms3397 تعالى. وتوفي الشيخ الإمام العلامة شمس ~~الدين محمد بن عمار بن محمد بن أحمد، أحد علماء المالكية، في يوم السبت ~~رابع عشر ذي الحجة، وقد أناف على السبعين، بعد أن أفتى ودرس عدة سنين، رحمه ~~الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أفرع وأربعة أصابع. ~~مبلغ الزيادة عشرون ذراعا وأحد وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة خمس وأربعين وثمانمائة. وفيها توفي الخليفة أمير المؤمنين ~~المعتضد بالله أبو الفتح داؤد، ابن الخليفة المتوكل على الله أبي عبد الله ~~محمد، ابن الخليفة المعتضد بالله أبي بكر، ابن الخليفة المستكفي بالله أبي ~~الربيع سليمان، ابن الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن حسين بن ~~أبي بكر بن علي بن الحسين، ابن الخليفة الراشد بالله منصور، ابن الخليفة ~~المقتدي بالله عبد الله، ابن الأمير ذخيرة الدين محمد، ابن الخليفة القائم ~~بأمر الله عبد الله، ابن الخليفة القادر بالله أحمد، ابن الأمير الموفق ولي ~~العهد طلحة، ابن الخليفة المتوكل على الله جعفر، ابن الخليفة المعتصم بالله ~~محمد، ابن الخليفة الرشيد بالله هارون، ابن الخليفة المهدي بالله محمد، ابن ~~الخليفة أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن ~~عبد المطلب، الهاشمي العباسي المصري، في يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول، ~~بعد مرض تمادى به أياما؛ وحضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه ~~بمصلاة المؤمني، ودفن بالمشهد النفيسي. وكانت خلافته تسعة وعشرين سنة ~~وأياما، وتولى الخلافة من بعده أخوه شقيقه المستكفي بالله سليمان، بعهد منه ~~إليه. وكان المعتضد خليقا للخلافة، سيد بني العباس في زمانه، أهلا للخلافة ~~بلا مدافعة. وكان كريما عاقلا حليما متواضعا دينا خيرا حلو المحاضرة كثير ~~الصدقات والبر. وكان يحب مجالسة العلماء والفضلاء، وله مشاركة مع فهم وذكاء ~~وفطنة. وقد أوضحنا أمره في " المنهل الصافي " بأوسع من هذا، إذ هو كتاب ~~تراجم على حدته. وتوفي الشيخ محب الدين بن الأوجاقي الحنفي، في يوم الاثنين ~~ثالث عشرين شهر رجب، ms3398 بعد مرض طويل؛ وكانت لديه فضيلة، وفيه تدين وخير، ~~وللناس فيه اعتقاد. وتوفي الشيخ الأديب المعروف بابن الزين بالوجه البحري ~~في مستهل شهر ربيع الأول، بعد أن مدح النبي صلى الله عليه وسلم بما ينيف ~~على عشرة آلاف قصيدة؛ قاله غير واحد. وتوفي الشيخ الإمام العالم المحدث ~~المفنن، عمدة المؤرخين، ورأس المحدثين، تقي الدين أحمد بن علي بن عبد ~~القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد البعلبكي الأصل ~~المصري المولد والوفاة المقريزي الحنفي، ثم الشافعي، هذا ما نقلناه من خطه، ~~وأملى علي نسبه الناصري محمد ابن أخيه بعد وفاته، إلى أن رفعه إلى علي بن ~~أبي طالب من طريق الخلفاء الفاطميين، وذكرناه في غير هذا المصنف - انتهى. ~~وكانت وفاته في يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان، ودفن من الغد بمقابر ~~الصوفية، خارج باب النصر. ووهم قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني في ~~تاريخ وفاته، فقال: في يوم الجمعة التاسع والعشرين من شعبان - انتهى. ~~PageV04P0327 # سألت الشيخ تقي الدين، رحمه الله، عن مولده، فقال: " بعد الستين وسبعمائة ~~بسنيات " . وكان مولده بالقاهرة، وبها نشأ وتفقه على مذهب الإمام الأعظم ~~أبي حنيفة، وهو مذهب جده لأمه الشيخ شمس الدين محمد بن الصائغ الحنفي، ثم ~~تحول شافعيا بعد مدة لأمر اقتضى ذلك، واشتغل على مذهب الشافعي؛ وسمع الكثير ~~على عدة مشايخ؛ ذكرنا أسماء غالبهم في ترجمته في " المنهل الصافي " مع ~~مصنفاته باستيعاب يضيق هذا المحل عن ذلك. وكان الشيخ تقي الدين رحمه الله ~~تعالى إماما بارعا مفننا متقنا ضابطا دينا خيرا محبا لأهل السنة، يميل إلى ~~الحديث والعمل به، حتى نسب إليه مذهب الظاهر. وكان فيه تعصب على السادة ~~الحنفية بغير لباقة؛ يعرف ذلك من مصنفاته. وفي الجملة هو أعظم من رأيناه ~~وأدركناه في علم التاريخ وضروبه، مع معرفتي لمن عاصره من علماء المؤرخين، ~~والفرق بينهم ظاهر، وليس في التعصب فائدة. وتوفي قاضي الإسكندرية جمال ~~الدين عبد الله بن الدماميني المالكي الإسكندري بها في يوم الأحد رابع ذي ~~القعدة. وكان ms3399 مشهورا بالسماحة، إلا أن بضاعته من العلوم كانت مزجاة. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم عشرة أفرع ونصف. مبلغ الزيادة عشرون ~~ذراعا وخمسة عشر إصبعا. وكان الوفاء سادس عشرين أبيب . ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة ست وأربعين وثمانمائة. وفيها توفي الشيخ الإمام العالم العامل ~~العلامة، نور الدين عبادة بن علي بن صالح بن عبد المنعم بن سراج بن نجم بن ~~فضل الزرزاوي، الفقيه المالكي المعروف بالشيخ عبادة، شيخ السادة المالكية ~~وعالمها بالديار المصرية، في يوم الجمعة سابع شوال، وصلى عليه صاحبه الشيخ ~~مدين بجامع الأزهر. ومات ولم يخلف بعده مثله علما ودينا. وكان مولده في ~~جمادى الأولى سنة ثماني وسبعين وسبعمائة ببلده زرزا . وطلب العلم وسمع ~~الحديث واشتغل على علماء عصره، حتى برع في الفقه والأصلين والعربية، وأفتى ~~ودرس، واشتغل سنين كثيرة، وانتفع به الطلبة. وسئل بالقضاء بعد موت العلامة ~~شمس الدين البساطي المالكي، فامتنع، فألح عليه السلطان بالولاية، وألزمه ~~بها غصبا؛ فلما رأى تصمم السلطان على ولايته، وأنه لا يستطيع دفعه، قال: " ~~حتى أستخير الله " . وفر من يومه من القاهرة، واختفى ببعض الأماكن، إلى أن ~~ولى السلطان القاضي بدر الدين محمد بن التنسي، فلما بلغه ذلك حضر إلى ~~القاهرة بعد أيام كثيرة. وهذا شيء لم يقع لغيره في عصرنا هذا؛ فإننا لا ~~نعلم من سئل بالقضاء وامتنع غيره. وأما سواه فهم على أقسام: قسم يتنزه عن ~~الولاية، ويظهر ذلك حيلة، حتى يشاع عنه ذلك، فإذا طلب بعد ذلك للقضاء يأخذ ~~في التمنع، وفي ضمن تمنعه يشرط على السلطان شروطا، يعلم هو وكل أحد أنها لا ~~تتم له، وإنما يقصد بذكرها إلا نوعا من الإجابة، لكونه كان امتنع أولا، فلا ~~يمكنه القبول إلا بهذه الدورة، فلم يكن بمجرد ذكره للشروط إلا وقد صار في ~~الحال قاضيا؛ ووقع ذلك لجماعة كثيرة في عصرنا. وقسم آخر: هم الذين يسعون في ~~الولاية سعيا زائدا، ويبذلون الأموال، ويتضرعون لأرباب الدولة، ويخضعون ~~لهم، وهيهات! هل يسمح لهم بذلك أم لا! ms3400 فلله در الشيخ عبادة فيما فعل، لأننا ~~شاهدنا منه ما سمعناه عن السلف، ورأينا من زهده وعفته ما ورثه عنه الخلف، ~~واستمر بعد ذلك سنين على حاله من ملازمة العلم والعمل، إلى أن مات رحمه ~~الله تعالى. وتوفي قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن العز البغدادي ~~الحنبلي، قاضي قضاة الحنابلة بالديار المصرية، ثم بدمشق، وبها مات في أواخر ~~هذه السنة؛ وتولى عوضه قضاء دمشق ابن مفلح على عادته أولا. وكان القاضي عز ~~الدين فقيها دينا متقشفا، عديم التكلف في ملبسه ومركبه، مع دهاء ومكر ~~ومعرفة تامة. وقد مر من ذكره أنه لما ولي القضاء بالديار المصرية، صار يمشي ~~قي الأسواق لحاجته ويردف عبده على بغلته، وأشياء من هذا النسق. وكانت جميع ~~ولاياته من غير سعي. وكان يصحب الوالد، واستمرت الصحبة بيننا إلى أن مات ~~رحمه الله. وتوفي جمال الدين عبد الله أبن الحسن بن علي بن محمد بن عبد ~~الرحمن الدمشقي الأصل الأذرعي، أخو الإمام شهاب الدين، بالقاهرة في يوم ~~الاثنين سابع عشر شوال؛ وكان عاريا من كل علم وفن. PageV04P0328 # وتوفي الشيخ الواعظ جمال الدين السنباطي الشافعي، أحد نواب الحكم ~~بالقاهرة، في يوم الخميس تاسع عشرين شهر رمضان، بعد مرض طويل عن ثمانين ~~سنة؛ وكان يعمل المواعيد بالمساجد والجوامع، وعلى وعظه أنس ورونق. وكان ~~يقرأ أيضا على الكرسي بين يدي صهري شيخ الإسلام جلال الدين عبد الرحمن ~~البلقيني في صبيحة كل يوم جمعة، فيقرأ ساعة، ثم إذا سكت ابتدأ شيخ الإسلام ~~في عمل الميعاد؛ وكان هذا دأبه إلى أن مات رحمه الله تعالى. وتوفي الصاحب ~~بدر الدين حسن بن نصر الله بن حسن بن محمد الأدكوي الأصل ثم الفوي، كاتب سر ~~الديار المصرية، وناظر جيشها وخاصها، والوزير بها، ثم الأستادار، ثم محتسب ~~القاهرة، في يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول، ودفن بتربته بالصحراء، بعدما ~~كبر سنه، واختلط عقله. وكان مولده بفوة من المزاحمتين، في ليلة الثلاثاء ~~ثالث عشر ربيع الأول سنة ست وستين وسبعمائة، وبها نشأ. وتعلق على الخدم ms3401 ~~الديوانية، فباشر في عدة جهات، ثم انتقل إلى القاهرة، ولا زال يترقى حتى ~~ولي نظر جيش مصر، ثم وزر بها، ثم ولي الخاص؛ كل ذلك في الدولة الناصرية ~~فرج. ثم ولي الوزارة والخاص أيضا في دولة الملك المؤيد شيخ. ثم صودر ونكب ~~غير مرة. ثم ولي الأستادارية في دولة الملك الصالح محمد. ثم عزل وولي الخاص ~~ثانيا عوضا عن مرجان الخازندار. ثم ولي الأستادارية ثانيا في دولة الأشرف ~~برسباي، عوضا عن ولده صلاح الدين محمد. وعزل عن نظر الخاص بالقاضي كريم عبد ~~الكريم ابن كاتب جكم، في أوائل جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثمانمائة. ~~وعزل بعد مدة وصودر هو وولده صلاح الدين. ثم ولي الأستادارية بعد سنين ثالث ~~مرة، فلم تطل مدته فيها، وعزل ولزم داره سنين، إلى أن ولي كتابة السر بعد ~~موت ولده صلاح الدين، فباشر وظيفة كتابة السر مدة يسيرة، وعزله الملك ~~الظاهر جقمق بصهره المقر الكمالي بن البارزي، فلزم الصاحب بدر الدين بيته، ~~إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. وكان شيخا طوالا ضخما، حسن الشكالة، ~~مدور اللحية، كريما واسع النفس على الطعام؛ تأصل في الرئاسة، وطالت أيامه ~~في السعادة، فصار هو وولده صلاح الدين من أعيان رؤساء الديار المصرية؛ على ~~أنه كان لا يسلم في كل قليل من مصادرة؛ ومع هذا كان له أنعام وأفضال على ~~جماعة كبيرة، إلا أنه كانت فيه بادرة وخلق سيىء، مع حدة مزاج، وصياح في ~~كلامه. وكان لا يتحدث إلا بأعلى صوته، ولهذا مله الملك الأشرف برسباي ~~وأبعده. وكان أكولا، أقصى مناه الناب والنصاب لا غير. لم يشهر بدين ولا ~~علم. وتوفي الأمير سيف الدير تغري بردي بن عبد الله البكلمشي المعروف ~~بالمؤذي، الدوادار الكبير، في يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة، بعد مرض ~~طويل؛ وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، ودفن بتربة طيبغا الطويل ~~الناصري حسن وطيبغا الطويل هو أستاذ بكلمش، وبكلمش أستاذ تغري بردي هذا. ثم ~~ترقى تغري بردي هذا بعد موت أستاذه حتى صار من جملة أمراء ms3402 العشرات في ~~الدولة الناصرية فرج، ثم أمسك ولزم داره مدة، إلى أن أنعم عليه بإمرة عشرة ~~ضعيفة. ودام على ذلك دهرا طويلا لا يلتفت إليه في الدول، حتى إنني أقمت ~~سنين أحسبه من جملة الأجناد. ثم تحرك له سعد بعد سنة ثلاث وثلاثين ~~وثمانمائة، وغير السلطان الملك الأشرف أقطاعه بعد موت الأمير جوبان المعلم ~~، وخلع عليه باستقراره من جملة رؤوس النوب؛ ثم لا زال يرقيه حتى صار أمير ~~طبلخاناه ورأس نوبة ثانيا؛ فعند ذلك أظهر ما كان خفيا من لقبه بالمؤذي، ~~فلله در القائل: " الظلم كمين في النفس، العجز يخفيه والقوة تظهره " . وصار ~~إذا مسك العصاة في يده، لا يزال يضرب هذا وينهر هذا؛ والملوك تحب من يفعل ~~ذلك بين يديهم، فأنعم عليه بعد سنين بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار ~~المصرية. ثم نقله الملك الظاهر جقمق إلى حجوبية الحجاب بعد يشبك السودوني. ~~ثم صار دوادارا كبيرا بعد عزل أركماس الظاهري، كل ذلك قي سنة اثنتين ~~وأربعين وثمانمائة. PageV04P0329 # ومن يوم ولي الدوادارية، عظم وضخم، ونالته السعادة، وعمر مدرسة بالشارع ~~الأعظم بالقرب من جامع ابن طولون، وسار في الدوادارية على طريق السلف من ~~الحرمه وإقامة الناموس، لا في كثرة المماليك وجودة السماط. وكان يتفقه ~~ويكتب الخط بحسب الحال، ويعف عن المنكرات والفروج، وعنده شجاعة وإقدام مع ~~بخل وفحش في لفظه وجبروت وسوء خلق وحدة مزاج؛ إلا أنه كان مشكور السيرة في ~~أحكامه، وينصف المظلوم من الظالم، ولا يسمع رسالة مرسل كائن من كان، فعد ~~ذلك من محاسنه، وكان رومي الجنس، ويدعي أنه تركي الجنس، رحمه الله تعالى. ~~وتوفي الأمير سيف الدين أيتمش بن عبد الله الخضري الظاهري برقوق، أحد أمراء ~~العشرات، وأستادار، وهو بطال، في آخر ليلة السبت العشرين من شهر رجب، ودفن ~~بتربة الأمير قطلوبك بالصحراء، بعدما تعطل ولزم داره سنين من بياض أصابه في ~~جسده. وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق، ثم صار من جملة الدوادارية في ~~الدولة الناصرية فرج، ثم صار أمير عشرة في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم ms3403 أنعم ~~عليه الملك الظاهر ططر بإمرة طبلخاناه، فلم تطل مدته. ونفاه الملك الأشرف ~~برسباي، ثم شفع فيه بعد أشهر، وأعيد من القدس إلى القاهرة، وأنعم عليه ~~بإمرة عشرة. ثم ولي الأستادارية، فلم ينتج أمره، وعزل عنها بعد أن باشر ~~الأستادارية نحو الشهرين. واستمر أمير عشرة على عادته إلى سنة نيف وثلاثين؛ ~~فابتلي في جسده بالبياض بحيث كان يستره بالحمرة، فأخرج الملك الأشرف ~~إقطاعه، ورسم له بلزوم داره؛ فصار يتردد إلى الجامع الأزهر، وكان يسكن بدار ~~بشير الجمدار بالأبارين بالقرب من الجامع المذكور، ويحضر الدروس، ويشوش على ~~الطلبة، ويسأل الأسئلة التي لا محل لها من الدرس الذي هم بصدده. وكان قليل ~~الفهم، وتصوره غير صحيح، مع جهل مفرط وعدم اشتغال قديما وحديثا؛ فإن أجابه ~~أحد من الطلبة بجواب لا يفهمه، سفه عليه، وإن سكت القوم ازدراهم ووبخهم. ~~وكان فصيحا باللغة العربية على قاعدة العامة. وكان قبل تاريخه ناب في نظر ~~الجامع الأزهر عن جرباش الكريمي قاشق، ووقع له مع أهل الجامع أمور أيام ~~توليته؛ فلما زاد ذلك منه على الطلبة وبلغ الأشرف أمره، رسم بنقلته من داره ~~المذكورة وبسكنته بقرافة مصر؛ فشفع فيه بعد أيام، على أنه يسكن بداره، ولا ~~يدخل الجامع إلا في أوقات الصلوات. ولما سافر الملك الأشرف إلى آمد، أخرجه ~~إلى القدس بطالا. ثم أعيد إلى القاهرة بعد عود السلطان من آمد، ودام بها ~~إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فداخله في الأمور من غير أن يلي إمرة ولا ~~وظيفة. وزاد وأمعن، وصار يتكلم فيما لا يعنيه، فغضب عليه الملك الظاهر ~~جقمق، ونفاه إلى القدس. ثم شفع فيه عديله الأمير إينال العلائي الناصري، ~~أعني الملك الأشرف، فأعيد إلى القاهرة، ولزم داره إلى أن سقط عليه جدار ~~فغطاه، فأخرج من تحته مغشيا عليه، فعاش بعده قليلا ومات وهو في عشر ~~السبعين. وكان من مساوىء الدهر طيشا وخفة، مع كثرة كلام في ما لا يعنيه، ~~ويخاطب الرجل بما يكره، ويوبخ الشخص بما فيه من المعايب من غير أن يكون ~~بينه ms3404 وبين ذلك الرجل عداوة ولا صحبة، وفيه بادرة وجرأة وإفحاش في اللفظ، مع ~~إسراف على نفسه. وفي الجملة إن بقاءه كان عارا على بني آدم. وتوفي الأمير ~~ناصر الدين محمد بك بن دلغادر صاحب أبلستين وحمو الملك الظاهر جقمق، ~~بأبلستين في أوائل جمادى الآخرة، وقيل إنه قتل على فراشه، والأول أصح؛ وكان ~~كثير الشرور والعصيان على الملوك؛ وقد مر من ذكره في ترجمة الملك الأشرف من ~~عصيانه وموافقته مع الأتابك جانبك الصوفي، ثم في ترجمة الملك الظاهر جقمق ~~من دخوله في طاعته وقدومه إلى القاهرة ما يغني عن إعادته ثانيا هنا. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ثمانية أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ~~عشرون ذراعا وأحد وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة سبع وأربعين وثمانمائة. PageV04P0330 # فيها توفي الشيخ الإمام العالم الفقيه الرباني الصوفي شمس الدين محمد بن ~~حسن، المعروف بالشيخ الحنفي، بزاويته خارج قنطرة طقزدمر، من ظاهر القاهرة، ~~في أوائل شهر ربيع الأول، وهو في حدود الثمانين، ودفن بزاويته المذكورة. ~~وكان دينا خيرا فقيها عالما مسلكا؛ كان يعظ الناس ويعلمهم، وكان على وعظه ~~رونق ولكلامه وقع في القلوب. وأفنى عمره في العبادة وطلب العلم وإطعام ~~الطعام وبر الفقراء والقادمين عليه. وكان محظوظا من الملوك، ولهم فيه ~~اعتقاد ومحبة زائدة. وصحب الوالد سنين كثيرة، ثم الملك الظاهر ططر، ونالته ~~منه السعادة في أيام سلطنته. واجتمعت به غير مرة، وانتفعت بمجالسته. وكان ~~الناس فيه على قسمين: ما بين متغال إلى الغاية، وما بين منكر إلى النهاية. ~~قلت: وهذا شأن الناس في معاصريهم، رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ الإمام ~~العالم العلامة، زين الدين أبو بكر إسحاق بن خالد الكختاوي الحنفي، المعروف ~~بالشيخ باكير، شيخ الشيوخ بخانقاه شيخون، في ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى ~~الأولى، وحضر السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، من ~~تحت القلعة، ثم أعيد إلى الشيخونية فدفن بها. واستقر عوضه في مشيخة ~~الشيخونية العلامة كمال الدين محمد بن الهمام. وكان الشيخ باكير المذكور ms3405 ~~إماما عالما بارعا مفننا في علوم كثيرة. وولي قضاء حلب مدة طويلة، وحمدت ~~سيرته، وأفتى ودرس وأشغل سنين كثيرة بحلب، ثم بمصر، لما طلبه السلطان من ~~قضاء حلب وولاه مشيخة الشيخونية؛ غير أنه كان في لسانه شبه لكنة، مع سكون ~~وعقل زائد، يؤدي ذلك إلى عدم الانتصاف في أبحاثه. ومع هذا كان تقريره ~~للطلبة في غاية الحسن والفصاحة. ومحصول أمره أنه كان عالما مفيدا للطلبة ~~غير بحاث مع أقرانه من العلماء. وكان مليح الشكل منور الشيبة طاهر اللون ~~وقورا معظما عند الخاص والعام؛ وكان مولده بمدينة كختا في حدود السبعين ~~وسبعمائة، رحمه الله تعالى. وتوفي فتح الدين صدقة المحرقي ناظر الجوالي، في ~~ليلة الخميس سلخ شوال، ودفن خارج باب الجديد من القاهرة. وكان عاميا في زي ~~فقيه، لم أعرفه إلا في دولة الملك الظاهر جقمق، لأنه كان بخدمته ورقاه في ~~سلطنته. وتوفي غرس الدين خليل ابن أحمد، السخاوي، ناظر الحرمين: القدس ~~والخليل عليه السلام، في ليلة العشر من جمادى الأولى. وكان أيضا من أطراف ~~الناس؛ وهو أحد من رقاه الملك جقمق. وكان في مبدأ أمره يبيع الحلوى، ثم صار ~~جابيا للأملاك، يجبي وعلى كتفه خرج، ثم خدم جماعة كبيرة، إلى أن حسنت حاله ~~وصار يركب بغلة برحل، رأيته أنا على تلك الهيئة. ثم خدم الملك الظاهر جقمق ~~أيام إمرته، ولازم خدمته إلى أن تسلطن، فقربه وولاه نظر الحرمين، وعده ~~الناس من الأعيان، فلم تطل مدته، ومات. وكان يتدين من صلاة وعبادة، إلا أنه ~~كان عاريا سالبة كلية، فكان صفته كقول من قال: ذقن وشاش على لاش. وتوفي ~~المقام الناصري محمد بن السلطان الملك الظاهر جقمق، في ليلة السبت ثاني ~~عشرين ذي الحجة بقلعة الجبل، بعد مرض طويل، وصلي عليه من الغد بباب القلة ~~من قلعة الجبل؛ وحضر والده السلطان الملك الظاهر جقمق الصلاة عليه، ودفن ~~بتربة عمه جاركس القاسمي المصارع، التي جددها مملوكه قاني باي الجاركسي عند ~~دار الضيافة، تجاه سور القلعة. ومات وهو في حدود الثلاثين تخمينا. وأمه ~~الست ms3406 قراجا بنت الأمير أرغون شاه أمير مجلس الملك الظاهر برقوق. وكان مولده ~~بالقاهرة، وبها نشأ تحت كنف والده. وحج وسافر مع والده إلى آمد في سنة ست ~~وثلاثين. واشتغل اشتغالا يسيرا حتى برع في المعقول وشارك في المنقول. وساد ~~في فنون كثيرة من العلوم، يساعده في ذلك جودة ذهنه وحسن تصوره وعظيم حفظه، ~~حتى صار معدودا من العلماء، ولا نعلم أحدا من أبناء جنسه من ابن أمير ولا ~~سلطان وصل إلى هذه الرتبة غيره قديما ولا حديثا، بل ولا في الدولة التركية ~~قاطبة من المشاهير أولاد الملوك، هذا مع المحاضرة الحسنة والمذاكرة اللطيفة ~~والنوادر الطريفة والإطلاع الزائد في أخبار السلف وأيام الناس. ~~PageV04P0331 # وكان يسألني عن مسائل دقيقة مشكلة في التاريخ على الدوام، لم يسألني عنها ~~أحد من بعده إلى يومنا هذا. وأما حفظه للشعر باللغتين التركية والعربية، ~~فغاية لا تدرك. وكان مجلسه لا يبرح مشحونا بالعلماء مشايخ الإسلام ~~يتداولونه بالنوبة؛ فكان لقاضي القضاة شهاب الدين بن حجر وقت يحضر فيه في ~~كل جمعة مرتين، ولقاضي القضاة سعد الدين بن الديري الحنفي وقت غير ذلك يحضر ~~فيه أيضا في الجمعة مرتين؛ وأما العلامة محيي الدين الكافيجي الحنفي، ~~والعلامة قاسم الحنفي ، فكانا يلازمانه في غالب الأوقات ليلا ونهارا. وأما ~~غير هؤلاء من الطلبة الأعيان، فكثير يطول الشرح في ذكرهم. وكان مع هذه ~~الفضيلة التامة والرئاسة الضخمة والتوشيح للسلطنة، متواضعا بشوشا هينا ~~لينا، مع حسن الشكالة وخفة الروح والميل إلى الطرب، على قاعدة الصوفية ~~والعقلاء من الرؤساء؛ وكان لا يمل من المحاضرة والمذاكرة بالعلوم والفنون؛ ~~وكان رميه بالنشاب في غاية الجودة، ويشارك في ملاعيب كثيرة، لولا سمن كان ~~اعتراه، وكره هو ذلك، وأخذ يتداوى في منع السمن بأشياء كثيرة، ربما كان ~~بعضها سببا لهلاكه، مثل شرب الخل على الريق، ومنع أكل الخبز سنين، وكثرة ~~دخول الحمام، حتى إنه كان غالب جلوسنا معه في الخلوة في مسلخ الحمام الذي ~~ابتناه بطبقة الغور من القلعة، وبداخله في الحرارة، وأشياء غير ذلك؛ وكان ~~بيني وبينه صحبة ms3407 قديمة وحديثة ومحبة زائدة، ثم صار بيننا أيام سلطنة والده ~~صهارة، فإنه تزوج ببنت الأتابك آقبغا التمرازي، وهي بنت كريمتي؛ ولم يفرق ~~بيننا إلا الموت، رحمه الله تعالى. ولقد كان حسنة من حسنات الدهر، خليقا ~~للملك والسلطنة، ولو طال عمره إلى أن آل إليه الأمر، لما اختلف عليه اثنان ~~غصبا ومروءة؛ فإنه كان هينا مع الهين فتاكا على العسر، وأنا أعرف بحاله من ~~غيري؛ ولقد سمعت منه كلمات من أفعال يفعلها إن تم أمره في الملك، تدل على ~~معقول وتدبير عظيم وحدس صائب، وإقماع المفسدين، لم أسمعها من أحد غيره ~~كائنا من كان. وأنا أقول: لو ملك الديار المصرية وتم أمره، نفقت في أيامه ~~بضائع أرباب الكمالات الكاسدة من كل علم وفن، وظهرت من الزوايا خبايا، ~~وتجدد ما بعد عهده من الطرائف، وأبدى كل استاذ من فنه أعاجيب ولطائف؛ ومن ~~أجله صنفت هذا الكتاب من غير أن يأمرني بتصنيفه، غير أني قصدت بترتيب هذا ~~الكتاب من ذكر ملك بعد ملك، أنه إذا تسلطن، أختم هذا الكتاب بذكره، بعد أن ~~استوعب أحواله وأموره على طريق السيرة، ولوحت له بذلك، فكاد يطير فرحا؛ ~~وبينا نحن في ذلك، انتقل إلى رحمة الله تعالى، فكان حالي معه كقول مسعود بن ~~محمد الشاعر: الكامل بأبي حبيب زارني متنكرا ... فبدا الوشاة له فولى معرضا ~~فكأنني وكأنه وكأنها ... أمل ونيل حال بينهما القضا وأحسن من هذا قول من ~~قال، وهو في معنى فقده: الطويل غدا يتنأى صاحب كان لي إنسا ... فلا مصبحا ~~لي بالسرور ولا ممسا أخ لي لو أعطى الدنى باسم فقده ... بلا فقده كانت به ~~ثمنا بخسا أمر النيل. في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا. ~~مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة ثمان وأربعين وثمانمائة. فيها لهج المنجمون بأن في هذه السنة ~~يكون انقضاء مدة الملك الظاهر جقمق من ملك مصر؛ فإنهم كانوا أجمعوا على أنه ~~لا يقيم في الملك أكثر من ms3408 سبع سنين. وكان هذا القول بعد أقوال كثيرة في مدة ~~ملكه، فلم يصدقوا في واحد منها، ومضت هذه السنة والسلطان في خير وعافية. ~~وفيها كان الطاعون بالديار المصرية؛ وكان مبدأه في ذي الحجة من السنة ~~الخالية، وعظم في المحرم من هذه السنة وأوائل صفر، ومات فيه عالم كبير جدا ~~حسبما تقدم ذكره. وفيها، أعني سنة ثمان وأربعين المذكورة، توفي الخطيب ~~الواعظ شمس الدين محمد الحموي خطيب الجامع الأشرفي بالعنبريين، في يوم ~~الأربعاء ثالث ذي القعدة، عن نيف وسبعين سنة تخمينا. وكان يعظ الناس في ~~الأماكن، ويعمل المواعيد، وكان له قبول من العامة والنسوة، وكان فصيحا في ~~خطبته ويستحضر الكثير من الأحاديث والتفسير، رحمه الله تعالى. PageV04P0332 # وتوفي الأمير الطواشي فيروز بن عبد الله الجاركسي الرومي الساقي الزمام، ~~بطالا بالقاهرة، في يوم الأربعاء رابع عشر شعبان، ودفن بمدرسته التي أنشأها ~~بالقرب من داره، عند سوق القرب بالقرب من الحارة الوزيرية بالقاهرة. وكان ~~أصله من خدام الأمير جاركس القاسمي المصارع، المقدم ذكره في دولة الملك ~~الناصر فرج، وترقى بعد موته إلى أن صار ساقيا للسلطان؛ وحظي عند الملك ~~المؤيد شيخ، ثم عند الأشرف برسباي؛ ثم انحط قدره، وعزله الأشرف، وأخرجه إلى ~~المدينة؛ ثم أعاده بعد مدة، واستقر به ساقيا على عادته؛ ودام على ذلك حتى ~~غضب عليه في مرض موته، بعد أن وسط الحكيمين، وعزله عن وظيفة السقاية، بعد ~~أن هدده بالتوسيط. فلزم فيروز هذا بيته، إلى أن مات الملك الأشرف، وصار ~~الأمر إلى الملك الظاهر جقمق، فطلبه وولاه زماما عوضا عن جوهر الجلباني ~~اللالا بحكم عزله ومصادرته، وذلك في أحد الربيعين من سنة اثنتين وأربعين؛ ~~فظن كل أحد بطول مدة فيروز هذا في وظيفة الزمامية، لكونه من خدام أخي ~~السلطان الأمير جاركس، فلم يقم في الوظيفة إلا نحو ستة أشهر، وعزل لكونه ~~فرط في أمر الملك العزيز حين فر من الدور السلطانية، وتقدم ذكر ذلك كله في ~~أصل هذه الترجمة. وولى السلطان عوضه زماما، جوهر الخازندار القنقبائي، ولزم ~~فيروز هذا بيته خاملا ms3409 إلى أن مات. وكان لا بأس به في أبناء جنسه، لتجمل كان ~~فيه ومحاضرة حسنة. وهو أحسن الثلاثة حالا ممن اسم كل واحد منهم فيروز، وهم ~~في عصر واحد، أولهم فيروز هذا، وثانيهم فيروز النوروزي، وثالثهم فيروز ~~الركني نائب مقدم المماليك كان. وتوفي الأمير حمزة بن قرايلك - واسم قرايلك ~~عثمان بن طرعلي - صاحب ماردين وغيرها من ديار بكر، في أوائل شهر رجب؛ ووصل ~~الخبر بموته إلى القاهرة في العشرين من شعبان؛ وكان غير مشكور السيرة على ~~قاعدة أوباش التركمان الفسقة. وتوفي الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله ~~الأبوبكري المؤيدي نائب غزة، خارج غزة، قتيلا بيد العربان الخارجة عن ~~الطاعة، في أواخر ذي الحجة؛ وتولى نيابة غزة بعد الأمير يلخجا من مامش ~~الساقي الناصري. وكان أصل طوخ هذا من مماليك الملك المؤيد شيخ وخاصكيته، ~~وتأمر بعد موته بالبلاد الشامية، ثم صار أتابك غزة سنين طويلة، إلى أن نقله ~~الملك الظاهر جقمق إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق. ثم ولاه بعد مدة يسيرة ~~نيابة غزة، بعد موت الأمير طوخ مازي الناصري، فدام على نيابتها إلى أن خرج ~~من غزة، وواقع العربان وكسرهم؛ وبعد كسرتهم تهاون في أمرهم، ونزل بمكان، ~~فعادوا نحوه وهجموا عليه، فركب بمن معه وقاتلهم حتى قتل هو وجماعة من ~~مماليكه وغيرهم. وكان شجاعا مقداما إلا أنه كثير الطمع. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ستة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ~~ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة تسع وأربعين وثمانمائة. فيها توفي قاضي القضاة شمس الدين محمد ~~بن إسماعيل بن محمد الونائي الشافعي، الفقيه العالم، معزولا عن قضاء دمشق، ~~بالقاهرة، في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر، ودفن من الغد بالقرافة، وصلى عليه ~~رفيقه في الاشتغال، قاضي القضاة شمس الدين محمد القاياتي الشافعي. ومولده ~~في شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ببلده، ثم انتقل إلى القاهرة، وطلب ~~العلم وحفظ " التنبيه " في الفقه، وعدة مختصرات، وأقبل على الاشتغال، ولازم ~~علماء عصره. ms3410 وأول اشتغاله كان في سنة سبع وثمانمائة. وتكسب بتحمل الشهادة ~~مدة إلى أن برع في الفقه والعربية والأصول، وتولى مشيخة التنكزية بالقرافة، ~~ثم تدريس الفقه بالشيخونية. ثم طلبه الملك الظاهر جقمق، وولاه قضاء ~~الشافعية بدمشق، من غير سعي، في سنة وأربعين، فباشر قضاء دمشق بعفة، وعرف ~~بالصيانة والديانة، إلى أن عزل وعاد القاهرة؛ ثم وليها ثانيا، فباشرها أيضا ~~مدة؛ ثم عزل وقدم القاهرة وتولى تدريس قبة الإمام الشافعي، إلى أن مات في ~~التاريخ المذكور. وكان معدودا من العلماء، أحد من جمع بين معرفة المنقول ~~والمعقول رحمه الله. PageV04P0333 # وتوفي الأمير الكبير سيف الدين يشبك بن عبد الله السودوني، المعروف ~~بالمشد، أتابك العساكر بالديار المصرية، في يوم الخميس ثالث شعبان؛ وحضر ~~السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني. وتولى الأتابكية من بعده الأمير إينال ~~العلائي الناصري الدوادار الكبير. وكان أصل يشبك هذا من مماليك سودون الجلب ~~نائب حلب، ومات عنه، فباعه الأمير يشبك الساقي الأعرج، وهو يوم ذاك نائب ~~قلعة حلب، للأمير ططر، فأعتقه ططر وجعله من جملة مماليكه؛ فنازعه بعد مدة ~~أيتمش الخضري، وهو يوم ذاك متحدث على أيتام الملك الناصر فرج، وطلبه منه ~~فادعى ططر أنه اشتراه من يشبك الساقي الأعرج، وهو وصي سودون الجلب، فقال ~~أيتمش: بيع يشبك له غير صحيح، لأن سودون الجلب انحصر إرثه في أولاده الملك ~~الناصر، وأنا المتحدث على أولاد الملك الناصر، فاشتراه ططر ثانيا منه بمائة ~~دينار. ثم جعله ططر شاد شراب خاناته، حتى تسلطن، فأنعم عليه بإمرة ~~طبلخاناه، وجعله شاد الشراب خاناه السلطانية، فدام على ذلك سنين، إلى أن ~~أنعم عليه الملك الأشرف برسباي بإمرة مائة وتقدمة ألف بديار مصر، ثم جعله ~~حاجب الحجاب بعد قرقماس الشعباني بعد توجهه إلى نيابة حلب؛ ثم نقله الملك ~~الظاهر جقمق في أوائل سلطنته إلى إمرة مجلس، بعد آقبغا، ثم إلى إمرة صلاح ~~عوضا عن آقبغا التمرازي أيضا؛ ثم بعد أشهر خلع عليه باستقراره أتابك ~~العساكر بالديار المصرية، بعد قدومه من بلاد الصعيد، عوضا عن آقبغا ~~التمرازي أيضا بحكم ms3411 انتقال آقبغا إلى نيابة دمشق بعد خروج إينال الجكمي عن ~~الطاعة؛ كل ذلك في أشهر قليلة من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. فدام يشبك ~~في الأتابكية سنين ونالته السعادة، وعظم وضخم في الدولة، إلى أن اعتراه مرض ~~تمادى به سنين، ويقال إنه سم وحصل له ارتخاء في أعضائه، ثم عوفي قليلا، ~~وركب إلى الخدمة ثم نقض عليه ألمه، فمات منه بعد أيام يسيرة. وكان عاقلا ~~ساكنا حشما، إلا أنه كان عاريا من كل علم وفن، غير أنه كان يحسن رمي ~~النشاب، على عيوب كانت في رميه. وكنت أظنه أولا دينا، إلى أن أخذ إقطاع ~~الأتابك آقبغا التمرازي، وصار بيننا وبينه مستحق أيتام آقبغا في الإقطاع ~~المذكور، فإذا به لا يحلل ولا يحرم، وعنده من الطمع وقلة الدين ما يقبح ~~ذكره عن كائن من كان؛ هذا مع حدة زائدة وشراسة خلق وظلم زائد على حواشيه ~~وخدمه، حتى إنه كان يضرب الواحد منهم نحو ألف عصاة على الذنب اليسير. ولم ~~يكن له مهابة في النفوس، لكونه كان من مماليك سودون الجلب، وأيضا من قرب ~~عهده بالفقر، وخدم الأمراء، مع من كان عاصره من أكابر الأمراء الظاهرية ~~البرقوقية ممن كان أكبر من أستاذه سودون الجلب، وأعظم في النفوس - انتهى. ~~وتوفي الأمير سيف الدين قاني باي الجكمي، حاجب حجاب حلب، على هيئة نسأل ~~الله تعالى حسن الخاتمة، في أواخر هذه السنة. وكان من خبر موته أنه سكر ~~ونام في أيام الشتاء، وقد أوقد النار بين يديه على عادة الحلبيين وغيرهم، ~~فعظم الدخان عليه وعلى مملوكه في البيت، وصارا من غلبة السكر لا يهتدي كل ~~منهما إلى الخروج من باب الدار، من عظم الدخان وشدة السكر، فماتا على تلك ~~الحالة؛ وكتب بذلك محضر وأرسل إلى السلطان لئلا يتوهم خلافه. وكان أصل قاني ~~باي هذا من مماليك الأمير جكم من عوض نائب حلب، ثم صار بعد موت الملك ~~المؤيد شيخ خاصكيا. ودام على ذلك دهرا طويلا لا يلتفت إليه، إلى أن خلع ~~عليه الملك الظاهر جقمق باستقراره ms3412 في حجوبية حجاب حلب دفعة واحدة من ~~الجندية؛ وعيب ذلك على الملك الظاهر لكون قاني باي المذكور لم يكن من أعيان ~~الخاصكية، ولا من المشاهير بالشجاعة والإقدام، ولا من العقلاء العارفين ~~بفنون الفروسية، بل كان مهملا مسرفا على نفسه عاريا من كل علم وفن ولم يدر ~~أحد لأي معنى كان قدمه الملك الظاهر جقمق، فرحمه الله تعالى وسامحه على هذه ~~الفعلة، فإنها عدت من غلطاته الفاحشة التي ليس لها وجه من الوجوه. قلت: ~~وكما جاءته السعادة فجاءة جاءه الموت أيضا فجاءة، عفا الله عنه. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم خمسة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة ~~عشر ذراعا وتسعة أصابع. ### || AUT السنة التاسعة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة خمسين وثمانمائة. PageV04P0334 # فيها توفي قاضي القضاة شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن يعقوب القاياتي ~~الشافعي، قاضي قضاة الديار المصرية في العشر الأخير من المحرم؛ وحضر ~~السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني من تحت القلعة، ودفن بتربة الصوفية ~~خارج باب النصر. وكان مولده بقايات في سنة خمس وثمانين وسبعمائة تخمينا، ثم ~~نقل إلى القاهرة مع والده، وحفظ عدة مختصرات، وحضر دروس السراج البلقيني في ~~آخر عمره، ثم تفقه بعمه الشيخ ناصر الدين القاياتي وبجماعة أخر، حتى برع ~~الفقه والعربية والأصلين وعلمي المعاني والبيان، وشارك في عدة فنون، وسمع ~~الحديث في مبدأ أمره، وحدث ببعض مسموعاته، وتكسب مدة سنين بتحمل الشهادة ~~بجامع الصالح خارج باب زويلة، إلى أن قرر طالبا بالمجامع المؤيدي داخل باب ~~زويلة... ثم ولي تدريس الحديث بالمدرسة البرقوقية، عوضا عن الشيخ زين الدين ~~القمني، ثم استقر في تدريس الفقه بالمدرسة الأشرفية بخط العنبريين، ثم ولي ~~مشيخة خانقاه سعيد السعداء، بعد موت القاضي شهاب الدين بن المحمرة، وتصدى ~~للإفتاء والتدريس والإقراء سنين، وانتفع به الطلبة. وكان مع براعته في ~~العلوم متقشفا في ملبسه ومركبه، بل كان يمشي على أقدامه في غالب حاجاته، ~~إلى أن طلبه الملك جقمق ليوليه قضاء الشافعية، فطلع بحضرتي على حمار إلى ~~باب القلعة، ms3413 ثم نزل ودخل إلى السلطان، وكان السلطان يعرفه من دروس العلامة ~~علاء الدين البخاري، فكلمه السلطان في الولاية، وأنا أظن أنه لا يقبلها ~~أبدا، فامتنع امتناعا ليس بذاك، ثم أجاب. وأصبح تولى القضاء، ونزل وبين ~~يديه وجوه الدولة، وهو بغير خلعة بل بطيلسانه، وامتنع من لبس الخلعة، كونها ~~تعمل من وجه غير مقبول عنده؛ وكان ذلك في يوم رابع عشر محرم سنة تسع ~~وأربعين. ونزل إلى المدرسة الصالحية بين القصرين، وقام بعض الرسل ليدعي على ~~شخص، فلم يسمع دعواه، وقال: " هذه حيلة واصطلاح " . ففرح الناس بولايته، ~~وظنوا أنه يحملهم على الحق المحض، من طريق السلف، ويحيي سنة قضاة العدل، ~~فوقع خلاف ذلك كله؛ وسار على طريق القوم، وأكثر من النواب، وراعى أرباب ~~الدولة، وتعاظم، حتى في سلامه، وحب المنصب حبا، حتى لعله لو عزل منه لمات ~~أسفا عليه؛ هذا مع ما كان علمه من العلم والعبادة والصيانة. ولما أن خطب ~~بالسلطان في يوم الجمعة على عادة قضاة الشافعية، ورقي المنبر، لم يخشع أحد ~~لخطبته لمسكة كانت في لسانه، وعدم طلاقة، وكانت هذه عادته، حتى في تقرير ~~دروسه. وكان يقرىء العلم على قاعدة الأعاجم من كتاب في يده. وكان فيه بعض ~~توسوس لا سيما في تكرير النية عند دخوله إلى الصلاة؛ فلما ولي القضاء وخطب ~~ونزل وصلى بالسلطان، زال عنه ذلك ببركة المنصب. وأنا أقول كانت حالته ~~الأولى تعجبني وتعجب كل أحد من الناس، ولم تعجبني أحواله بعد ولايته، رحمه ~~الله وسامحه. وتوفي القاضي بهاء الدين محمد ابن قاضي القضاة نجم الدين عمر ~~بن حجي الدمشقي المولد والمنشأ، الشافعي، ناظر جيش دمشق بمنظرة البرابخية ~~بخط بولاق على النيل، في يوم ثالث عشرين صفرة وحضر السلطان الصلاة عليه ~~بمصلاة المؤمني من تحت قلعة الجبل، ودفن بالقرافة الصغرى تجاه شباك الإمام ~~الشافعي، وهو في حدود الأربعين من العمر تخمينا. وكان ولي قضاء دمشق بعد ~~موت والده ثم نقل إلى نظر جيشها، ثم قدم القاهرة وتولى نظر جيش مصر، بعد ~~عزل القاضي محب الدين ms3414 بن الأشقر، مضافا لوظيفة نظر جيش دمشق، فلم ينتج ~~أمره، وعزل بعد أشهر، وخلع عليه باستقراره على وظيفة نظر جيش دمشق. ثم قدم ~~القاهرة بعد ذلك ودام بها عند حميه المقر الكمالي ابن البارزي كاتب السر، ~~إلى أن مرض وطال مرضه، إلى أن مات في التاريخ المذكور. وكان شابا طوالا ~~جميلا جسيما طويل اللحية جدا، كريما مفرط الكرم؛ ومات وعليه جمل من الديون، ~~فوفى موجوده بقضائها، رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ عز الدين عبد العزيز ~~شيخ الصلاحية بالقدس الشريف، في أوائل شهر رمضان، وتولى عوضه مشيخة ~~الصلاحية جمال الدين عبد الله بن جماعة بمال بذله في ذلك؛ وكان عز الدين ~~فقيها عالما مفتيا، وتولى نيابة الحكم بالقاهرة سنين كثيرة، رحمه الله ~~تعالى. PageV04P0335 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن رجب ابن الأمير طيبغا ~~المجدي الشافعي، في ليلة العاشر من ذي القعدة، وصلي عليه بجامع الأزهر. ~~وكان مولده بالقاهرة في سنة سبع وستين وسبعمائة، وبها نشأ واشتغل حتى برع ~~في الفقه والعربية والحساب والفرائض والهيئة والهندسة، وصنف وأقرأ وأشغل ~~وانتفع به الناس. وكان أجل علومه الفرائض والحساب، ويشارك في غير ذلك. ~~وتوفي الشيخ الصالح المعتقد يوسف أبن محمد بن جامع البجري، نزيل جامع ~~الأزهر، في ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة، وصلي عليه من الغد في جامع ~~الأزهر، وحضرت غسله والصلاة عليه ودفنه، لصحبة كانت بيننا قديما. وكان شيخا ~~جميل الطريقة قائما بقضاء حوائج الناس، ولأرباب الدولة والأكابر فيه اعتقاد ~~كبير ومحبة، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله ~~السيفي سودون المحمدي الظاهري - وكانت شهرته أيضا على شهرة أستاذه سودون ~~المحمدي - وهو على نيابة قلعة دمشق، في أوائل صفر. كان خاصكيا في دولة ~~الأشرف برسباي، ورأس نوبة الجمدارية، وولي نظر الحرم بمكة المشرفة غير مرة؛ ~~وهو الذي هدم سقف البيت الحرام وجدده؛ وعظم ذلك على أرباب الصلاح وأهل ~~العلم، بل ربما خرج بعضهم من مكة خشية من سخط ينزل بها، لكون البيت صار بلا ~~سقف عدة ms3415 أيام، وكان هدمه لسقف البيت من غير أمر يوجب ذلك؛ أراد بذلك التقرب ~~إلى الله تعالى بهذه الفعلة، فوقع في أمر كبير وهو لا يدري - كعادة صلحاء ~~الجهال - فكان حاله في هذا كقول القائل: الخفيف رام نفعا فضر من غير قصد ~~... ومن البر ما يكون عقوقا ومن يوم هدم سودون سقف الكعبة، صار الطير يجلس ~~على البيت الشريف، وكان لا يجلس فوقه أبدا قبل ذلك، وقد أتعب ذلك خدمة ~~الكعبة. فلو لم يكن من فعله إلا هذا لكفاه إثما. كل ذلك لظن سودون المذكور ~~بنفسه؛ فإنه لم يشاور في ذلك أحدا من أعيان أهل مكة ولا تكلم مع من له خبرة ~~بأحوال مكة، وقد قيل: " ما خاب من استشار " . وكان يتدين ويتمعقل ويعف عن ~~الفواحش؛ غير أنه كان يقع في أمور محذورة، منها: أنه كان إذا سلم عليه ~~الشخص لا يرد سلامه، تكبرا وتعاظما، وإذا رد فيرد ردا هينا خلاف السنة؛ ~~ومنها أنه كان فيه ظلم عظيم على خدمه وحواشيه. هذا مع انخفاض قدره، فإنه لم ~~يتأمر إلا عشرة في دولة الملك الظاهر جقمق، ثم عمل نيابة قلعة دمشق لا غير؛ ~~على أن أستاذه سودون المحمدي لم يعد من الملوك فكيف هو!؟. وتوفي الأمير سيف ~~الدين يلخجا بن عبد الله من مامش الساقي الناصري الرأس نوبة الثاني، ثم ~~نائب غزة، بعد مرض طويل، في أوائل جمادى الآخرة، نيف على خمسين سنة. وكان ~~أصله من مماليك الظاهر برقوق؛ أخذه مع أبيه وأمه، ثم أنعم به على ولده ~~الملك المنصور عبد العزيز؛ ثم ملكه الملك الناصر فرج أخيه عبد العزيز ~~المذكور ورقاه وجعله ساقيا، واختص به إلى الغاية، ورأس على جميع الناصرية. ~~واستمر على رئاسته وتحشمه، إلى أن عزله الملك المؤيد من السقاية، ولم ~~يبعده، بل صار عظيما أيضا في الدولة المؤيدية، بل في كل دولة، لكرم نفسه ~~ولعظمه في النفوس. وسافر أمير الركب الأول إلى الحجاز، في الدولة المؤيدية، ~~واستمر على ذلك إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف برسباي بإمرة عشرة. ms3416 وحج أيضا ~~أمير الركب الأول ثانيا؛ ثم توجه إلى شد بندر جدة وصحبته الصاحب كريم الدين ~~بن كاتب المناخ، بعد عزله عن الوزر والأستادارية؛ ثم ترقى بعد ذلك إلى أن ~~صار أمير طبلخاناة ورأس نوبة ثانيا في دولة الملك الظاهر جقمق؛ ثم نقل إلى ~~نيابة غزة بعد موت الأمير طوخ الأبوبكري المؤيدي، فلم تطل مدته في نيابة ~~غزة، ومرض وطال مرضه، واستعفى وتوجه إلى القدس عليلا، فمات بعد أيام قليلة ~~ودفن بجامع ابن عثمان ظاهر غزة. وكان أميرا جليلا رئيسا وجيها، معظما في ~~الدول، عريقا في الرئاسة، متجملا في مركبه وملبسه ومماليكه؛ وكان تركي ~~الجنس مليح الشكل إلى الغاية، عنده سلامة باطن، مع خفة روح وبشاشة وتواضع، ~~مع شجاعة وإقدام وحرمة وافرة، وكلمة نافذة؛ ولم يكن فيه ما يعاب، غير ~~انهماكه في اللذات، وبعض سطوة على غلمانه، عفا الله عنه. PageV04P0336 # وتوفي الأمير الطواشي صفي الدين جوهر بن عبد الله التمرازي الخازندار، ثم ~~شيخ الخدام بالحرم النبوي، في أواخر هذه السنة. وكان أصله من خدام الأمير ~~تمراز الظاهري النائب، وصار جمدارا في أواخر دولة الملك المؤيد شيخ، ودام ~~على ذلك سنين، إلى أن استقر به الملك الظاهر خازندارا، بعد موت جوهر ~~القنقبائي؛ فلم تطل مدته في الخازندارية، وعزله السلطان بالطواشي فيروز ~~النوروزي الرومي رأس نوبة الجمدارية، وصادره، ثم ولاه مشيخة الخدام بالحرم ~~النبوي، إلى أن مات واستقر بعده في مشيخة الحرم الطواشي فارس كبير الطواشية ~~هناك. وكان حبشي الجنس مليح الشكل، كريما حشيما، متواضعا لطيفا، وعنده فهم ~~وذوق، وله محاضرة، مع تجمل في أحواله؛ وكان بخلاف أبناء جنسه في تحصيل ~~المال، بل كان يصرفه في معايشه، ويقصد الترف والعيش الرغد، ويظهر النعمة ~~ويبر أصحابه بحسب طاقته، رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ستة أذرع وستة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنان ~~وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة العاشرة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة إحدى وخمسين وثمانمائة. فيها توفي الأمير أيتمش بن عبد الله من ~~أزوباي الناصري ms3417 فرج ثم المؤيدي، أستادار الصحبة وأحد أمراء العشرات، في يوم ~~الأربعاء ثالث صفر؛ وتولى أستادارية الصحبة بعده الأمير سنقر الظاهري. وكان ~~أيتمش المذكور من جملة من تأمر بعد موت الملك الأشرف برسباي، ثم ولاه الملك ~~الظاهر جقمق أستادارية الصحبة، مغلباي الجقمقي بحكم خروجه إلى دمشق أميرا، ~~فدام أيتمش المذكور على وظيفته إلى أن مات. وكان مسيكا مسرفا على نفسه، لم ~~يشهر بشجاعة ولا كرم ولا تدين. وتوفي الأمير سيف الدين قاني باي بن عبد ~~الله الأبو بكري الناصري، المعروف بالبهلوان، نائب حلب بها، في شهر ربيع ~~الأول؛ وتولى عوضه نيابة حلب الأمير برسباي الناصري نائب طرابلس. وكان أصل ~~قاني باي المذكور من مماليك الملك الناصر فرج، ثم حطه الدهر بعد موت ~~أستاذه، وخدم عند جماعة من الأمراء، مثل الوزير أرغون شاه النوروزي، ومثل ~~بردبك الجكمي العجمي؛ ثم اتصل بخدمة ططر، فلما تسلطن، أنعم عليه بإمرة ~~عشرة؛ ثم صار أمير طبلخاناه في أوائل دولة الملك الأشرف برسباي، وثاني رأس ~~نوبة، بعد قطج من تمراز، بحكم انتقال قطج إلى تقدمة ألف؛ فدام على ذلك ~~سنين، إلى أن نقله الملك الأشرف إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية؛ ~~ثم ولاه نيابة ملطية مضافا على تقدمته، فباشر ذلك مدة؛ ثم أخرج السلطان ~~تقدمته عنه، واستمر في نيابة ملطية فقط؛ ثم عزله وولاه أتابكية حلب، فدام ~~على ذلك سنين، إلى أن نقله الملك الأشرف إلى أتابكب دمشق، بعد موت تغري ~~بردي بآمد في سنة ست وثلاثين وثمانمائة. والعجب أنه لما صار أتابك حلب، كان ~~يوم ذاك حاجب حجابها أستاذه بردبك العجمي؛ ثم لما صار أتابك دمشق، كان يوم ~~ذاك أستادار السلطان بدمشق أستاذه أرغون شاه النوروزي الأعور، فانظر إلى ~~حركات هذا الدهر وتقلباته!. واستمر قاني باي في أتابكية دمشق، إلى أن خرج ~~الأتابك إينال الجكمي نائب الشام عن طاعة الملك الظاهر جقمق، فوافقه قاني ~~باي هذا، بل وحرضه على الخروج عن الطاعة ليصل بذلك لأغراضه؛ فلم تكن ~~موافقته إلا مدة يسيرة، وأرسل إليه الملك الظاهر ms3418 جقمق من مصر يعده بأشياء ~~إن ترك موافقة الجكمي وعاد إلى طاعته؛ ففي الحال عاد إلى طاعة السلطان وخذل ~~إينال الجكمي، بعد أن كان هو أكبر الأسباب في خروجه؛ فنقله السلطان إلى ~~نيابة صفد، بعد عزل إينال العلائي الناصري عنها، وقدومه إلى مصر أمر مائة ~~ومقدم ألف بها؛ ثم نقله إلى نيابة حماة، بعد عزل أستاذه بردبك العجمي عنها؛ ~~ثم نقل إلى نيابة حلب بعد عزل الأمير قاني باي الحمزاوي عنها، وقدومه إلى ~~القاهرة أمير مائة ومقدم ألف بها، على إقطاع شاد بك الجكمي، جكم استقرار ~~شاد بك في نيابة حماة، عوضا عن قاني باي المذكور. واستقر قاني باي في نيابة ~~حلب، إلى أن مات، وهو في عشر الستين. وكان مليح الشكل متوسط السيرة، مسرفا ~~على نفسه، لم يشهر بشجاعة ولا معرفة بفن من الفنون؛ وكان يلقب بالبهلوان ~~على سبيل المجاز لا على الحقيقة، رحمه الله. PageV04P0337 # وتوفي الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله الششماني الناصري فرج أتابك ~~دمشق بها، في جمادى الأولى، وهو في عشر الستين. وكان أيضا من مماليك الملك ~~الناصر فرج، وتأمر عشرة في أيام أستاذه، ثم نكب وتعطل مدة سنين، إلى أن ~~أنعم عليه الأتابك ططر بإمرة عشرة، وصار من جملة رؤوس النوب ثم ولاه الملك ~~الأشرف حسبة القاهرة سنين، ثم عزله؛ ثم نقله بعد مدة إلى إمرة طبلخاناة، ثم ~~صار ثاني رأس نوبة، وسافر أمير حاج المحمل؛ وكان سافر أمير الركب الأول قبل ~~ذلك بسنين؛ ثم ولاه الأشرف نيابة صفد بعد موت الأمير مقبل الحسامي ~~الدوادار، فلم ينتج أمره في صفد لرخو كان فيه، وعدم شجاعة، وعزله السلطان ~~عن نيابة صفد. ثم أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، فدام على ذلك ~~سنين إلى أن أقره الملك الظاهر جقمق أتابكا بدمشق، بعد توجه قاني باي ~~البهلوان إلى نيابة صفد، فدام على ذلك إلى أن مات. وكان دينا عفيفا عن ~~الفواحش، إلا أنه لم يشهر بشجاعة ولا كرم. وتوفي الأمير سيف الدين برسباي ~~بن عبد الله ms3419 من حمزة الناصري، نائب حلب، بها أو بظاهرها، بعد أن استعفى عن ~~نيابة حلب، لطول مرضه. وكان أيضا من مماليك الملك الناصر فرج ومن خاصكيته؛ ~~ثم صار من جملة أمراء دمشق؛ ثم أمسكه الملك المؤيد شيخ وحبسه سنين؛ ثم ~~أطلقه، فدام بطالا، إلى أن أنعم عليه الأتابك ططر بإمرة بدمشق؛ ثم ولاه ~~الملك الأشرف حجوبية الحجاب بدمشق، فدام على الحجوبية سنين طويلة، ونالته ~~السعادة، إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق نيابة طرابلس، بعد قاني باي ~~الحمزاوي، بحكم انتقال الحمزاوي إلى نيابة حلب بعد تولية جلبان على نيابة ~~دمشق، بحكم موت آقبغا التمرازي؛ فدام برسباي في طرابلس سنين، إلى أن نقل ~~إلى نيابة حلب، بعد موت قاني باي البهلوان؛ فدام على نيابة حلب مدة، ومرض ~~وطال مرضه، إلى أن استعفى، فأعفي، وخرج من حلب إلى جهة دمشق، فمات في أثناء ~~طريقه. وكان جليلا حشما دينا عفيفا عن المنكرات والفروج؛ وكان شديدا على ~~المسرفين، فإنه كان يدخل إليه بالسارق أو قاطع الطريق فيقول: " خذوه إلى ~~الشرع " ، ويدخل إليه بالسكران، فيضربه حدودا كبيرة. الجملة إنه كان دينا ~~خيرا، رحمه الله تعالى. وتوفي قاضي قضاة دمشق وعالمها ومفتيها وفقيهها، تقي ~~الدين أبو بكر الدمشقي الشافعي، المعروف بابن قاضي شهبة، في ذي القعدة ~~بدمشق فجاءة بطالا، بعد أن انتهت إليه الرئاسة في فقه مذهبه وفروعه. وكان ~~ولي قضاء دمشق وخطب في واقعة الجكمي للملك العزيز يوسف، فحقد عليه الملك ~~الظاهر جقمق ذلك، وعزله، إلى أن مات، بعد أن تصدى للإفتاء والتدريس سنين ~~كثيرة، وانتفع غالب طلبة دمشق، وصنف التصانيف المفيدة، رحمه الله. وتوفي ~~الأمير الطواشي صفي الدين جوهر المنجكي نائب مقدم المماليك السلطانية، ~~معزولا، في أول ذي الحجة. وكان أولا من جماعة طواشية الأطباق، أعني أنه كان ~~مقدم طبقة المقدم، حتى ولاه الملك الظاهر جقمق نائب مقدم المماليك، بعد عزل ~~فيروز الركني الرومي عنها، فدام على ذلك سنين، ثم عزل بجوهر السيفي نوروز، ~~إلى أن مات. وهو صاحب المدرسة التي أنشأها برأس سويقة منعم، تجاه ms3420 مصلاة ~~المؤمني، وأوقف عليها وقفا بحسب حاله. وتوفي الشيخ المسند المعمر، القاضي ~~عز الدين عبد الرحيم أبن محمد بن عبد الرحيم، ، ابن الفرات الحنفي، أحد ~~نواب الحكم، في يوم السبت سادس عشرين ذي الحجة. وكان له رواية وسند عال في ~~أشياء كثيرة سماعا وإجازة، وحدث سنين كثيرة، وصار رحلة زمانه؛ ولنا منه ~~إجازة بجميع سماعه ومروياته، وقد استوعبنا ترجمته في غير هذا الكتاب، رحمه ~~الله. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أحد عشر ذراعا واثنا عشر ~~إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الحادية عشرة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. فيها توفي الشيخ برهان الدين إبراهيم ~~بن خضر العثماني الشافعي، أحد فقهاء الشافعية، في ليلة خامس عشر المحرم. ~~وكان فاضلا فقيها. تفقه بالقاضي شهاب الدين بن حجر وبغيره، ودرس وأقرأ، وعد ~~من الفضلاء، إلا أنه كان دنس الثياب، غير ضويء الهيئة، رحمه الله تعالى. ~~PageV04P0338 # وتوفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن عثمان الريشي الشافعي، في يوم الأربعاء ~~حادي عشرين المحرم. وكان له اشتغال قديم، مع توقف في ذهنه وفهمه، ثم ترك ~~الاشتغال، وتردد إلى أرباب الدولة لطلب الرزق. على أنه كان دينا خيرا، ~~وعنده سلامة باطن، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين آقطوه بن عبد ~~الله الموساوي الظاهري، بطالا، في ليلة الثلاثاء ثاني عشر صفر، ودفن من ~~الغد. وكان أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق، وصار من جملة الدوادارية ~~الدولة المؤيدية شيخ، ثم تأمر عشرة بعد موته، ودام على ذلك دهرا طويلا؛ ~~مهمندارا في الدولة الأشرفية؛ ثم توجه في الرسلية إلى القان معين الدين شاه ~~رخ بن تيمورلنك؛ ثم عاد ودام على ما هو عليه، إلى أن أنعم عليه الملك ~~الظاهر جقمق بإمرة طبلخاناه؛ ثم نفاه بعد سنين؛ ثم أعاده، وأنعم عليه بإمرة ~~عشرة؛ ثم نفاه ثانيا؛ وشفع فيه بعد مدة، فعاد إلى القاهرة بطالا، ودام بها ~~إلى أن مات. كان تركي الجنس، ويتفقه ويشارك في ظواهر مسائل، على قاعدة غالب ms3421 ~~فقهاء الأتراك. سألني مرة سؤالا، وابتدأ في سؤاله بقوله: " باب " ، فقبل أن ~~يتم السؤال، قلت له: " باب مرفوع على أي وجه " ، فسكت، ثم قال: " هذا شيء ~~لم أسمعه منذ عمري " ، فضحك جميع من حضر، ولم يسألني بعدها، إلى أن مات. ~~وكان عفيفا عن الفواحش، إلا أنه كان فيه البخل وسوء الخلق وتعبيس الشكالة، ~~رحمه الله. وتوفي الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يحيى ~~السندبيسي الشافعي، أحد فقهاء الشافعية، في ليلة الأحد سابع عشر صفر، ودفن ~~الغد؛ وكان معدودا من فقهاء الشافعية، رحمه الله. وتوفي الأمير سيف الدين ~~أسنباي بن عبد الله الظاهري الزردكاش كان أحد أمراء العشرات، في العشر ~~الأخير من صفر، عن سن عال. وكان من أعيان مماليك الملك الظاهر برقوق، وممن ~~صار في أيام أستاذه زردكاشا. وأسر في كائنة تيمور، وحظي عنده، وجعله ~~تيمورلنك زردكاشه، ودام عنده إلى أن مات؛ فقدم القاهرة ودام بها إلى أن ~~استقر في دولة الملك المؤيد أمير عشرة وزردكاشا كبيرا، وصار مقربا عند ~~الملك المؤيد إلى الغاية. ثم عزل عن الزردكاشية بعد موت الملك المؤيد، ودام ~~على إمرة عشرة. وتولى نيابة دمياط غير مرة، إلى أن مات بالقاهره على إمرته. ~~وكان رجلا عاقلا، عارفا بمداخلة الملوك وبصناعة الزردخاناه؛ وكان حلو ~~المحاضرة إخباريا حافظا لما رأى من الوقائع والحروب وأحوال السلف، وكان حسن ~~السمت، عليه أنس وخفر، ولكلامه رونق ولذة في السمع؛ نقلت عنه كثيرا في " ~~المنهل الصافي " وغيره من أخبار خجداشيته الظاهرية وغيرهم، وكان بيني وبينه ~~صحبة أكيدة. ولقد بلغني بعد موته أنه كان سيدا شريفا من أشراف بغداد ~~الأتراك، ونهب منها في سبي في بعض السنين، ولم أسأله أنا عن ذلك، والله ~~أعلم بصحة هذا القول. وتوفي الوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن ~~الوزير الصاحب تاج الدين عبد الرزاق، بن شمس الدين عبد الله، المعروف بابن ~~كاتب المناخات، بالقاهرة بطالا، بعد مرض طويل، في يوم الأحد، لعشر بقين من ~~جمادى الآخرة، وسنه نيف على الخمسين. وكان لا ms3422 بأس به بالنسبة لأبناء جنسه ~~الكتبة؛ وقد تقدم أنه ولي نظر ديوان المفرد، ثم الوزر غير مرة، ثم ~~الأستادارية مرتين، ثم كتابة السر، ثم الوزر، ونكب وصودر وضرب بالمقارع في ~~بعض تعطله، وتولى الكشف بالوجه القبلي، ثم توجه إلى جدة، ثم أعيد إلى الوزر ~~سنين، ثم استعفى، وتولى عوضه الوزر الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم، ~~رحمه الله. وتوفي الأمير سيف الدين شاهين بن عبد الله السيفي طوغان الحسني ~~الدوادار، وهو على نياية قلعة دمشق، في جمادى الأولى. وكان أصله من مماليك ~~طوغان الحسني الدوادار، واتصل بعده بخدمة الملك الظاهر جقمق، في أيام ~~إمرته، وصار دواداره؛ ولما تسلطن، جعله بعد مدة دوادارا ثالثا، ثم ولاه ~~نيابة قلعة حلب؛ فوقع له بحلب أمور وعزل منها، ونقل إلى نيابة قلعة دمشق، ~~إلى أن مات. وكان يصبغ لحيته بالحناء، مع بخل وشح، حتى على نفسه، عفا الله ~~عنه. PageV04P0339 # وتوفي الناصري محمد بن علي بن شعبان ابن السلطان حسن بن محمد بن قلاوون، ~~أحد الأجناد وندماء الملك الظاهر جقمق، في حياة أبيه وأمه، في يوه الخميس ~~سابع جمادى الآخرة. وكان لا بأس به، إلا أنه كان في مبدأ أمره فقيرا؛ ~~وجاءته السعادة، لصحبته الملك الظاهر جقمق، فجاءة، فكان حاله كقول القائل: ~~الطويل ويا ويل من ذاق الغنا بعد حاجة ... يموت وقلبه من الفقر واجس فكان ~~كذلك؛ إلا أنه كان بشوشا، ويحسن رمي النشاب على قدر حاله، ويجيد الغناء ~~والموسيقى، وفي الجملة كان له محاسن، مع أصل وعراقة، رحمه الله. وتوفي ~~الشيخ زين الدين رضوان بن محمد بن يوسف العقبي الشافعي، مستملي الحديث، في ~~يوم الاثنين، ثالث شهر رجب. وكان دينا فاضلا حسن السمت منور الشيبة، رحمه ~~الله تعالى. وتوفي الشيخ الإمام العالم المعتقد، فتح الدين أبو الفتح محمد ~~بن أحمد ابن الشيخ وفاء الإسكندري الأصل، المصري المولد والمنشأ والوفاة، ~~المالكي الواعظ، المعروف بابن أبي الوفا، في يوم الاثنين أول شعبان. وكانت ~~جنازته مشهودة ودفن عند آبائه بتربتهم بالقرافة، بعد أن صلي عليه بجامع ~~عمرو ms3423 بمصر القديمة. وكان أعلم بني الوفاء قاطبة، وأشعرهم في زمانه؛ ومات ~~وسنه نيف على ستين سنة تخمينا. وكان له فضل غزير وشعر رائق كثير، ذكرنا منه ~~قطعة جيدة في " الحوادث " ، ونذكر منه هنا قصيدة وهي التي أولها: الكامل ~~الروح مني في المحبة ذاهبه ... فاسمح بوصل لا عدمتك ذا هبه عرفت أياديك ~~الكرام بأنها ... تأسو الجراح من الخلائق قاطبه قد خصك الرحمن منه خصائصا ~~... فحللت من أوج الكمال مراتبه وبنورك الوضاح في غسق الدجى ... أطلعت في ~~فلك الوفاء كواكبه ما زلت بالمعروف تعرف دائما ... وتنيل من آوى إليك ~~فطالبه لم يبق في قلبي سواك من الورى ... كلا، ولا فيه لغيرك شائبه بك يمنح ~~الله الوجود بجوده ... ويبث فيه عطاءه ومواهبه وتطيب منك أصوله وفروعه ... ~~وتعيش أرواح لبعدك ذائبه رجع الوفاء بنور وجهك غامرا ... أغذيت للوراد منه ~~مشاربه وجميل سترك بالوفا عم الورى ... فمن احتمى فيه سترت معايبه وشعره ~~كله في هذا النسق، رحمه الله. وتوفي الشهابي أحمد ابن الأمير نوروز بن عبد ~~الله الخضري الظاهري، المعروف بشاد الأغنام، في يوم الأحد، رابع عشر شعبان. ~~وكان أبوه نوروز من مماليك الملك الظاهر برقوق، وتولى حجوبية حلب في نيابة ~~الوالد على حلب، ثم نقل بعد مدة طويلة إلى حجوبية دمشق، أو إلى إمرة بها، ~~فلم تطل مدته بها، وقبض عليه الأمير تنم الحسني نائب الشام، لما خرج عن ~~الطاعة، في سنة اثنتين وثمانمائة، ووسطه. ونشأ ولده هذا يتيما على حالة ~~رديئة من الفقر والإفلاس، إلى أن خدم الملك الظاهر جقمق في أيام إمرته، ~~وطالت أيامه في خدمته؛ فلما تسلطن قربه وأنعم عليه بإمرة بالبلاد الشامية، ~~فلم يسكن الشام، ودام بمصر، حتى أنعم عليه الملك الظاهر جقمق أيضا بإمرة ~~عشرة زيادة على ما بيده بالشام، ثم جعله شاد الأغنام بالبلاد الشامية، ~~فنالته السعادة من ذلك، وصار له كلمه في الدولة، وترأس واقتنى المماليك ~~والخيول، وبقي له حاشية واسم في المملكة. فعند ذلك انتهز أحمد المذكور ~~الفرصة، وانهمك في اللذات، فما عف ولا كف. وبينما ms3424 هو في ذلك، طرقه هادم ~~اللذات، ومات بعد مرض طويل، وقد استقر أمير الركب الأول من الحاج، فاستقر ~~الأمير قانم التاجر المؤيدي عوضه في إمرة الركب. وكان أحمد المذكور مهملا، ~~عاريا من كل علم وفن، أجنبيا عن كل فضيلة. وكان يتلفظ في كلامه بألفاظ ~~العامة السوقة، مثل: " أقاتل على حسبي " و " أخذت رحلي " ، وأشياء من هذا ~~النسق. وكان مع ذلك يلثغ بالسين، ويرمى بعظائم، من ترك الصلاة، وأخذ ~~الأموال، وغير ذلك. PageV04P0340 # وتوفي الأمير سيف الدين تغري برمش بن عبد الله الجلالي الناصري، ثم ~~المؤيدي الفقيه، نائب قلعة الجبل، بطالا بالقدس الشريف، في يوم الجمعة ثالث ~~شهر رمضان، وقد أناف على الخمسين سنة؛ هكذا ذكر لي من لفظه، وقال لي إن ~~أباه كان مسلما في بلاده، واشتراه بعض التجار ممن سرقه، وابتاعه منه خواجا ~~جلال الدين، وقدم به إلى حلب، فاشتراه الملك الظاهر جقمق منه، وقد توجه ~~جقمق، وهو يوم ذاك خاصكيا، إلى الأمير جكم نائب حلب بكاملية الشتاء من ~~السلطان على العادة في كل سنة. وقدم به جقمق إلى القاهرة، وقدمه إلى أخيه ~~جاركس القاسمي المصارع، فلما عصى جاركس، أخذه الملك الناصر فرج فيما أخذ ~~لجاركس. ودام تغري برمش بالطبقة بقلعة الجبل، حتى ملك الملك المؤيد شيخ ~~الديار المصرية، فأخذه من جملة مماليك الملك الناصر فرج، وأعتقه، فادعاه ~~الظاهر جقمق، وهو يوم ذاك أمير طبلخاناه وخازندار، فدفع له الملك المؤيد ~~دراهم ومملوكا يسمى قمارى، وأبقى تغري برمش على ملكه. ثم صار تغري برمش بعد ~~موت الملك المؤيد خاصكيا، إلى أن أخرجه الملك الأشرف من الخاصكية مدة سنين، ~~ثم أعاده بعد مدة ودام. على ذلك إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، فنفاه إلى ~~قوص، لكونه خاشنه في الكلام بسبب الإمرة، ثم شفع فيه بعد مدة، وأنعم عليه ~~بإمرة عشرة، واستقر به في نيابة قلعة الجبل، بعد موت ممجق النوروزي. وقربه ~~الملك الظاهر وأدناه، واختص به إلى الغاية، وصار له كلمة في الدولة، فلم ~~يحسن العشرة مع من هو أقرب منه إلى ms3425 الملك، وأطلق لسانه في سائر أمور ~~المملكة، حتى ألجأه ذلك إلى سفر الروم في أمر من الأمور، ثم عاد فدام على ~~ما هو عليه؛ ثم تكلم في أمر المجاهدين وأنهم تراخوا في أخذ رودس، فعينه ~~السلطان إلى غزوة رودس، فسافر وعاد وهو على ما هو عليه، فنفاه السلطان إلى ~~القدس بطالا، فتوجه إليه ودام به إلى أن مات. وكان تغري برمش المذكور فاضلا ~~عالما بالحديث ورجاله، مفننا في أنواعه، كثير الإطلاع، جيد المذاكرة ~~بالتاريخ والأدب وأيام الناس، وله نظم باللغة العربية والتركية، ويكتب ~~المنسوب، ويشارك في فنون كثيرة، وله محاضرة حسنة ومذاكرة حلوة؛ هذا مع ~~معرفته بفنون الفروسية المعرفة التامة كآحاد أعيان أمراء الدولة، بل وأمثل ~~منهم؛ ولا أعلم في عصرنا من يشابهه في المماليك خاصة، لما اشتمل عليه من ~~الفضيلة التامة من الطرفين: من فنون الأتراك وعلوم الفقهاء، ومن هو منهم في ~~هذه الرتبة، اللهم إن كان الأمير بكتمر السعدي فنعم، وإن فاقه بكتمر بأنواع ~~العلاج والقوة، فيزيده تغري برمش هذا في الكتابة ونظم الشعر والإطلاع ~~الواسع. وفي الجملة أنه كان من الأفراد في عصره في أبناء جنسه، لولا زهو ~~كان فيه وإعجاب بنفسه، والتعاظم بفنونه، والازدراء بغيره، حتى إنه كان ~~كثيرا ما يقول: يأتي واحد من هؤلاء الجهلة يمسك كتاب في الفقه فيحفظه في ~~أشهر قليلة، ثم يقول في نفسه: أنا بقيت فقيها! الفقيه من يعرف العلم ~~الفلاني ثم العلم الفلاني. إيش هؤلاء الذين لا يعرفون معنى بسم الله الرحمن ~~الرحيم! " . فلهذا كان غالب من يتفقه من الأتراك يغض منه ويحط عليه؛ وليس ~~الأمر كذلك؛ وأنا الحق أقوله، وإن كان فيهم من هو أفقه منه، فليس فيهم أحد ~~يدانيه لكثرة فنونه، ولاتساع باعه في النظر والإطلاع والفصاحة والأدب. وسوف ~~أذكر من شعره ما يؤيد ما قلته؛ فمن شعره في مليح يسمى شقير: البسيط تفاح ~~خدي شقير فيه ... مسكي لون زها وأزهر قد بان منه النوى فأضحى ... زهري لون ~~بخد فشعر وقد ذكرنا من شعره أكثر من هذا في ms3426 تاريخنا " المنهل الصافي " في ~~ترجمته. وأما نظمه باللغة التركية، فغاية لا تدرك. له قصيدة واحدة عارض بها ~~" شيخي " شاعر الروم، يعجز عنها فحول الشعراء. وكان رحمه الله، من عظم ~~إعجابه بنفسه، يقول إن الأمر سيصير إليه، مع وجود من هو أمثل منه بأطباق. ~~على أنه كان غير الجنس أيضا، ومن أصاغر الأمراء؛ ومع هذا كله كان لا يرجع ~~عما فيه. قلت: هذه آفة معترضة للقول الصحيح، سامحه الله تعالى. وتوفي ~~الأمير سيف الدين صرغتمش بن عبد الله القلمطاوي، أحد أمراء العشرات، في يوم ~~السبت رابع شهر رمضان. وكان أصله من مماليك الأمير قلمطاي الدوادار. وكان ~~صرغتمش المذكور لا للسيف ولا للضيف، ولا ذات ولا أدوات. PageV04P0341 # وتوفي الأمير سيف الدين طوغان بن عبد الله العثماني، نائب القدس، حاجب ~~حلب، ثم نائب غزة بها، في ذي القعدة. وأصله من مماليك الأتابك ألطنبغا ~~العثماني نائب الشام؛ وكان شجاعا مقداما كريما للسيف وللضيف، رحمه الله ~~تعالى. وتوفي قاضي القضاة شيخ الإسلام، حافظ المشرق والمغرب، أمير المؤمنين ~~في الحديث، شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن الشيخ نور الدين علي بن محمد ~~محمد بن علي بن أحمد بن حجر، المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة، ~~العسقلاني الأصل، الشافعي، قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها وحافظها ~~وشاعرها، في ليلة السبت ثامن عشرين ذي الحجة؛ وصلي عليه بمصلاة المؤمني ~~وحضر السلطان الصلاة عليه، ودفن بالقرافة. ومشى أعيان الدولة في جنازته من ~~داره بالقاهرة من باب القنطرة إلى الرملة؛ وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية، ~~حتى قال بعض الأذكياء إنه حزر من مشى في جنازته نحو الخمسين ألف إنسان. ~~وكان لموته يوم عظيم على المسلمين، ومات ولم يخلف بعد مثله شرقا ولا غربا، ~~ولا نظر هو مثل نفسه في علم الحديث. وكان مولده بمصر القديمة في ثاني عشرين ~~شعبان، سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة؛ وقد أوضحنا أمره في ترجمته في " المنهل ~~الصافي " من ذكر سماعاته ومشايخه وأسماء مصنفاته. وكان رحمه الله تعالى ~~إماما عالما حافظا شاعرا أديبا مصنفا مليح الشكل منور الشيبة، حلو ms3427 المحاضرة ~~إلى الغاية والنهاية، عذب المذاكرة مع وقار وأبهة وعقل وسكون وحلم وسياسة ~~ودربة بالأحكام، ومداراة الناس. قل أن كان يخاطب الرجل بما يكره، بل كان ~~يحسن إلى من يسيء إليه، ويتجاوز عمن قدر عليه، هذا مع كثرة الصوم ولزوم ~~العبادة والبر والصدقات؛ وبالجملة فإنه أحد من أدركنا من الأفراد. ولم يكن ~~فيه ما يعاب، إلا تقريبه لولده لجهل كان في ولده وسوء سيرته؛ وما عساه كان ~~يفعل معه، وهو ولده لصلبه، ولم يكن له غيره؟. وأما شعره فكان في غاية ~~الحسن. ومما أنشدني من لفظه لنفسه رحمه الله: الطويل خليلي ولى العمر منا ~~ولم نتب ... وننوي فعال الصالحات ولكنا فحتى متى نبني بيوتا مشيدة ... ~~وأعمارنا منا تهد وما تبنى وله: المنسرح سألت من لحظه وحاجبه ... كالقوس ~~والسهم موعدا حسنا ففوق السهم من لواحظه ... وانقوس الحاجبان واقترنا وله: ~~الطويل أتى من أحبائي رسول فقال لي: ... ترفق وهن واخضع تفز برضانا فكم ~~عاشق قاسى الهوان بحبنا ... فصار عزيزا حين ذاق هوانا أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم ستة أذرع وثمانية عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ~~ذراعا وثلاثة وعشرون إصبعا. ### || AUT السنة الثانية عشرة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. فيها فشا الطاعون بالديار المصرية ~~وظواهرها، وكان ابتدأ من أواخر سنة اثنتين وخمسين، في ذي الحجة، وعظم إلى ~~أن ارتفع في شهر ربيع الأول؛ ومات فيه عالم كثير من الأعيان، من جملتهم ~~ثلاثة أمراء مقدمي ألوف، وهم: الأمير تمراز القرمشي أمير سلاح، والأمير قرا ~~خجا الحسني الأمير آخور، وكلاهما كان مرشحا للسلطنة، والأمير تمرباي ~~التمربغاوي، رأس نوبة النوب، ومن يأتى ذكره من الأعيان وغيرهم، رحمهم الله. ~~وفيها توفي الشهابي أحمد بن علي بن إبراهيم، الهيتي ثم القاهري الأزهري، ~~أحد فقهاء الشافعية، في يوم الأحد رابع عشر المحرم، وكان مجاورا بجامع ~~الأزهر. وتوفي القاضي شهاب الدين أحمد أبن علي بن عامر المسطيهي ثم القاهري ~~الشافعي، أحد نواب الحكم بالقاهرة، في يوم الاثنين خامس عشر المحرم. وتوفي ~~الشيخ الإمام ms3428 العالم علاء الدين أبو الحسن علي، الكرماني الشافعي، شيخ ~~خانقاه سعيد السعداء، في يوم الخميس ثاني صفر بالطاعون؛ وكان دينا فقيها ~~صالحا. وتوفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، بن ظهير ~~الحنفي، ناظر الإسطبلات السلطانية، في يوم الاثنين سادس صفر بالطاعون ودفن ~~من الغد. وكان أحد حواشي الملك الظاهر جقمق، وممن نشأ في هذه الدولة. ~~PageV04P0342 # وتوفي السيد الشريف علي بن حسن بن عجلان الحسني المكي، المعزول عن إمرة ~~مكة قبل تاريخه، في ثغر دمياط بالطاعون، في أوائل صفر. وقد تقدم ذكر نسبه ~~في عدة أماكن من هذا الكتاب. وكان أحذق بني حسن بن عجلان، وأفضلهم وأحسنهم ~~محاضرة، وله ذوق وفهم ومذاكرة، رحمه الله. وتوفي الأمير سيف الدين تمراز بن ~~عبد الله القرمشي الظاهري أمير سلاح، بالطاعون، في يوم الجمعة عاشر صفر، ~~ودفن من الغد؛ وتولى وظيفة إمرة سلاح من بعده الأمير جرباش الكريمي قاشق. ~~وكان تمراز من مماليك الملك الظاهر برقوق، ووقع له أمور، إلى أن تولى نيابة ~~قلعة الروم؛ ثم نقل بعد مدة إلى نيابة غزة في الدولة الأشرفية برسباي، فدام ~~على نيابة غزة سنين، ثم عزل، وطلب إلى القاهرة على إمرة مائة وتقدمة ألف ~~بها؛ وتولى نيابة غزة من بعده الأمير إينال العلائي الناصري؛ ثم استقر بعد ~~أشهر رأس نوبة النوب، بعد أركماس الظاهري بحكم انتقال أركماس إلى ~~الدوادارية الكبرى، بعد خروج أزبك الدوادار إلى القدس بطالا. ودام تمراز ~~رأس نوبة النوب سنين كثيرة، إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى الأمير ~~آخورية الكبرى، بعد مسك جانم الأشرفي؛ ثم صار أمير سلاح بعد أشهر، عوضا عن ~~يشبك السودوني المشد، بحكم انتقال يشبك إلى الأتابكية، بعد توجه آقبغا ~~التمرازي إلى نيابة الشام، عوضا عن إينال الجكمي، فدام تمراز على ذلك إلى ~~أن مات. وكان من محاسن الدنيا، لولا إسرافه على نفسه. وقد نسبه الشيخ تقي ~~الدين المقريزي رحمه الله في مواضع كثيرة إلى الأمير دقماق المحمدي، فقال: ~~" تمراز الدقماقي " ، وليس هو كذلك، وإنما تمراز تزوج الست أردباي ms3429 أم ولد ~~دقماق لا غير. وتوفي قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن قاضي القضاة ناصر ~~الدين أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله بن عواض بن نجا بن أبي ~~الثناء حمود بن نهار ابن مؤنس بن حاتم بن نيلي بن جابر بن هشام بن عروة بن ~~الزبير بن العوام رضي الله عنه، حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~المعروف بابن التنسي المالكي، قاضي قضاة الديار المصرية، في يوم الاثنين ~~ثالث عشر صفر بالقاهرة؛ وبها نشأ تحت كنف والده، وحفظ عدة متون وتفقه ~~بعلماء عصره وبرع وأفتى ودرس وناب في الحكم سنين؛ ثم استقل بوظيفة القضاء، ~~بعد موت قاضي القضاة شمس الدين البساطي، في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. ~~ولما ولي القضاء أكب على الاشتغال والإشغال. وكان مفرط الذكاء، جيد التصور، ~~مع الفصاحة وطلاقة اللسان وحسن السيرة. إلى الغاية والنهاية، والتحري ~~والتثبت في أحكامه، والحط على شهود الزور، حتى أبادهم. وكان يحلف حواشيه ~~بالأيمان المغلظة على الأخذ من الناس على بابه، ثم بعد ذلك يأخذ في الفحص ~~عليهم، وببذل جهده في ذلك، مع ذكاء وحذق ومعرفة، لا يدخل عليه مع ذلك تنميق ~~منمق، ولا خديعة خادع. وكان يتأمل في أحكامه ومستندات الأخصام الأيام ~~الكثيرة. وبالجملة أنه أعظم من رأينا من القضاة في العفة وجودة سيرة حواشيه ~~الذين هم على بابه بلا مدافعة، مع علمي بأحوال من عاصره من القضاة وغزير ~~علمهم؛ ومع هذا كله، ليس فيهم أحد يدانيه في ذلك، غير قاضي القضاة بدر ~~الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي الحنبلي، وإن كانت بضاعته مزجاة العلوم، ~~فهو أيضا كان من هذه المقولة. وليس حسن السيرة متعلقة بكثرة العلم وإنما ~~ذلك متعلق بالتحري، والدين، والعقل، والحذق، والعفة. PageV04P0343 # وقد حكى لي صاحبنا محمد بن تلتي، قال: غضب علي السلطان بسبب تعلقات ~~الذخيرة من جهة ميراث، ورسم أن أتوجه إلى القاضي الحنبلي، وأن يدعى علي ~~عنده، ويرسم علي، فادعي علي، فأجبت بجواب مرض، فقال القاضي: اذهب إلى حال ~~سبيلك، ليس لأحد ms3430 عندك شيء. فقلت: أخشى من سطوة السلطان، لا بد أن أقيم في ~~الترسيم؛ فامتنع من ذلك، فقلت: أقيم على باب القاضي كأنني في الترسيم خشية ~~من السلطان؛ فأقمت نحو الشهر على بابه أحضر سماطه في طرفي النهار، ورسل ~~السلطان تترد إليه، وهو يرد الجواب بأن لا حق لهم عندي. فلما أعياهم أمره، ~~نقلوني من عنده إلى بيت بعض أعيان قضاة القضاة؛ ففي اليوم المذكور غرمت ~~لحاشيته ثلاثين دينارا، وقرر علي نحو المائة ألف درهم للسلطان بغير وجه ~~شرعي؛ ولم أر وجه القاضي المذكور في ذلك اليوم غير مرة واحدة، وإنما صرت ~~أيدي حواشيه، كالفريسة يتناهبوني من كل جهة، حتى هان علي أني أزن مهما ~~أرادوا، وأتخلص من أيديهم - انتهى. قلت: وقد خرجنا عن المقصود بذكر هذه ~~الحكاية عن القاضي الحنبلي، ووقع مثل هذا وأشباهه لقاضي القضاة بدر الدين ~~هذا غير مرة. ومحصول الأمر أنه كان عفيفا دينا حسن السيرة مشكور الطريقة، ~~بريا عما يرمى به قضاة السوء. وكان رحمه الله له سماع كثير في الحديث ~~وإلمام بالأدب، وله نظم جيد. ومما نظمه في النوم في طاعون سنة سبع وأربعين، ~~وأنشدنيه قاضي القضاة بدر الدين المذكور، إجازة إن يكن سماعا: الوافر إله ~~الخلق قد عظمت ذنوبي ... فسامح، ما لعفوك من مشارك أغث يا سيدي عبدا فقيرا ~~... أناخ ببابك العالي ودارك قلت: وهذا يشبه قول الحافظ شهاب الدين أحمد بن ~~حجر، لنفسه، رحمه الله: البسيط سرت وخلفتني غريبا ... في الدار أصلى هوى ~~بنارك أدرك حشا حرقت غراما ... في ربعك المعتلي ودارك ومن شعر القاضي بدر ~~الدين أيضا، فيما يقرأ على قافيتين، مع استقامة الوزن: السريع جفوت من ~~أهواه لا عن قلى ... فظل يجفوني يروم الكفاح ثم وفى لي زائرا بعده ... فطاب ~~نشر من حبيب وفاح ومثل هذا أيضا للحافظ شهاب الدين بن حجر العسقلاني ~~الشافعي: السريع نسيمكم ينعشني في الدجى طال ... فمن لي بمجيء الصباح ويا ~~صباح الوجه فارقتكم ... فشبت هما إذ فقدت الصباح ومثله للشيخ شمس الدين ~~محمد بن الحسن بن ms3431 علي النواجي: الطويل خليلي هذا ربع عزة فاسعيا ... إليه ~~وإن سالت به دمعي طوفان فجفني جفا طيب المنام وجفنها ... جفاني فيا لله من ~~شرك الأجفان ومثل ذلك، لقاضي القضاة صدر الدين علي بن الأدمي الحنفي، وهو ~~عندي مقدم على الجميع: السريع يا متهمي بالسقم كن منجدي ... ولا تطل رفضي ~~فإني عليل أنت خليلي فبحق الهوى ... كن لشجوني راحما يا خليل وتوفي الأمير ~~سيف الدين إينال بن عبد الله اليشبكي، أحد أمراء العشرات بالطاعون، في يوم ~~الأربعاء خامس عشر صفر. وكان أصله من مماليك الأتابك يشبك الشعباني؛ وكان ~~من المهملين، رحمه الله. وتوفي القاضي ولي الدين أبو اليمن محمد بن قاسم بن ~~عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد القادر الشيشيني الأصل، المحلي، ~~الشافعي، المعروف بابن قاسم، في يوم الجمعة سابع عشر صفر. وكان فيه خفة روح ~~ودعابة، ونادم الملك الأشرف برسباي، ونالته السعادة. وكان أولا يلي الحكم ~~بالمحلة وغيرها؛ فلما تسلطن الملك الأشرف، قربه ونادمه لصحبة كانت بينهما ~~قديمة، ثم استقر شيخ الخدام بالحرم النبوي، إلى أن طلبه الملك الظاهر جقمق، ~~وصادره، ثم نادمه بعد ذلك، إلى أن مات. وكان دينا خيرا، إلا أنه كان مسيكا ~~جماعا للأموال؛ وكان سمينا جدا، لا يحمله إلا الجياد من الخيل. ~~PageV04P0344 # وتوفي الأمير سيف الدين قراخجا بن عبد الله الحسني الظاهري، الأمير آخور ~~الكبير، بالطاعون، في يوم السبت ثامن عشر صفر؛ وتوفي ولده أيضا في اليوم ~~المذكور، فجهزا معا من الغد، وحضر السلطان الصلاة عليهما بمصلاة المؤمني، ~~ودفنا بالصحراء. وكان أصل قراخجا المذكور من مماليك الملك الظاهر برقوق، ~~وتأمر بعد أمور وقعت له بعد موت الملك المؤيد شيخ، وصار من جملة رؤوس ~~النوب؛ ثم نقله الملك الأشرف بعد سنين إلى إمرة طبلخاناه، ثم صار رأس نوبة ~~ثانيا، ثم مقدم ألف بالديار المصرية، إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق وجعله ~~رأس نوبة النوب، بعد الأمير تمراز القرمشي، بحكم انتقاله إلى الأمير ~~آخورية. ثم نقل قرا خجا بعد أشهر إلى الأمير آخورية بعد تمراز ms3432 أيضا، فدام ~~على ذلك حتى مات. وكان أميرا جليلا شجاعا مقداما معظما في الدول، عارفا ~~بأنواع الفروسية، رأسا في ذلك، مع العقل والديانة والصيانة والحشمة والوقار ~~وكثرة الأدب؛ وهو أحد من أدركنا من الملوك العقلاء الرؤساء، رحمه الله ~~تعالى؛ وهو صاحب المدرسة بالقرب من قنطرة طقزدمر خارج القاهرة. وتوفي السيد ~~الشريف أبو القاسم بن حسن بن عجلان الحسني المكي المعزول عن إمرة مكة، قبل ~~تاريخه؛ وكان قدم صحبة الحاج ليسعى في إمرة مكة، فأدركته منيته بالقاهرة، ~~بالطاعون، في ليلة الاثنين العشرين من صفر؛ وحضر السلطان الصلاة عليه ~~بمصلاة المؤمني من تحت القلعة. وتوفيت زوجة السلطان الملك الظاهر جقمق خوند ~~نفيسة بنت الأمير ناصر الدين بك بن دلغادر، بالطاعون في يوم الثلاثاء حادي ~~عشرين صفر. وتوفي الأمير سيف الدين بختك بن عبد الله الناصري، أحد أمراء ~~العشرات، بالطاعون، في يوم الأربعاء ثاني عشرين صفر، وكان لا بأس به. وتوفي ~~الأمير ملغباي طاز بن عبد الله الساقي الظاهري، بعد أن تأمر بنحو العشرة ~~أيام، في يوم الأربعاء ثاني عشرين صفر؛ وكان من مماليك الملك الظاهر جقمق ~~الأجلاب وأحد خواصه، وكان لا ذات ولا أدوات. وتوفي الشيخ الإمام العالم ~~المعتقد محمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن سلطان، المعروف بالشيخ محمد بن ~~سلطان، الغزي الأصل، المصري الدار والوفاة، الشافعي، في يوم الأحد سادس ~~عشرين صفر، وكان الناس فيه على قسمين: ما بين معتقد ومنتقد، والأول أكثر؛ ~~وكان إماما عالما بفنون، وله اشتغال قديم، وله قدم في العبادة والصلاح، ~~وكان لا يتردد إلى أحد، والناس تتردد إليه من السلطان إلى من دونه. وكان ~~يتهمه بعض الناس بمعرفة الكيميا أو طرف منها، لأنه عمر طويلا في أرغد عيش ~~ونعمة، ولم يقبل من أحد إلا نادرا. وكان شيخا منور الشيبة مفوها فصيحا ~~شاعرا عالما صوفيا؛ ومات وسنه أزيد من تسعين سنة فيما أظن، وهو متمتع ~~بحواسه، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين تمرباي بن عبد الله ~~التمربغاوي رأس نوبة النوب بالطاعون، في يوم الأربعاء تاسع ms3433 عشرين صفر، وهو ~~في عشر الستين. وكان أصله من مماليك الأمير تمربغا المشطوب نائب حلب، ثم ~~خدم عند الأمير ططر؛ فلما تسلطن ططر جعله دوادارا ثالثا، فدام على ذلك مدة، ~~إلى أن نقله الملك الأشرف إلى الدوادارية الثانية، بعد موت جانبك الدوادار ~~الأشرفي، فباشر الدوادارية الثانية على الجندية أياما؛ ثم أنعم عليه بإمرة ~~عشرة، ثم بعد مدة طويلة بإمرة طبلخاناه؛ ودام على ذلك، إلى أن أنعم عليه ~~الملك العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباي، بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~بالديار المصرية؛ تم صار نائب الإسكندرية مدة؛ ثم عزل واستقر رأس نوبة ~~النوب، بعد انتقال قراخجا الحسني إلى الأمير آخورية، فدام على ذلك إلى أن ~~مات. وكان يعف عن المنكرات ويتصدق كثيرا، غير أنه كان عاريا من كل علم وفن، ~~مع حدة خلق وبذاءة لسان، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين أركماس ~~بن عبد الله المؤيدي الأشقر، المعروف بالبواب، أحد أمراء العشرات ورأس ~~نوبة، في يوم السبت سلخ شهر ربيع الآخر. وكان مهملا، غير متجمل في ملبسه ~~ومركبه، إلا أنه كان مشهورا بالشجاعة والإقدام. PageV04P0345 # وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله المؤيدي، الأمير آخور الثاني، ~~المعروف بسودون أتمكجي، أي خباز، في يوم الاثنين ثاني عشر شهر رجب، وهو في ~~عشر الخمسين أو أكثر. واستقر بعده الأمير يرشباي الإينالي، الأمير آخور ~~الثالث، أمير آخور ثانيا. وكان سودون المذكور شجاعا مقداما عارفا بأنواع ~~الفروسية، كريما حشما معظما في الدول، وعنده تواضع وأدب، رحمه الله تعالى، ~~فإنه كان من محاسن أبناء جنسه. وتوفي الأمير سيف الدين بيسق اليشبكي نائب ~~قلعة دمشق بها، في شعبان. وكان من مماليك الأتابك يشبك الشعباني، وتأمر في ~~دولة الملك الظاهر جقمق خمسة ثم عشرة، ثم ولاه نيابة ثغر دمياط، ثم نيابة ~~قلعة صفد، ثم عزله وأنعم عليه أيضا بإمرة عشرة بمصر؛ ثم ولاه نيابة دمياط، ~~ثم ولاه نيابة قلعة دمشق بعد موت شاهين الطوغاني، إلى أن مات. ونعم الرجل، ~~كان ذا شجاعة وكرم وعقل وتواضع، لا أعرف ms3434 في اليشبكية من يقاربه في معناه، ~~رحمه الله تعالى. وتوفي شرف الدين يحيى بن أحمد بن عمر بن يوسف بن عبد الله ~~بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الشرف التنوخي الحموي الأصل ~~الكركي المولد الشهير بابن العطار، الشاعر المشهور، في يوم الخميس سادس عشر ~~ذي القعدة. ولم يكن يحيى المذكور من الأعيان، ولا ممن له عراقة ورئاسة ~~لتشكر أفعاله أو تذم، وإنما كانت شهرته بصهارة أخيه، الأمير ناصر الدين ~~محمد بن العطار، لبني البارزي، فغرف لهذا المعنى بين الناس. وكان له شعر، ~~ويكتب المنسوب بحسب الحال. وكان أولا يتزيا بزي الجند، وخدم دوادارا عند ~~الشهاب، أستادار المحلة، ثم عند القاضي ناصر الدين بن البارزي، فلم ينتج ~~أمره، وعزل؛ ثم بعد مدة ترك الجندية وتزيا بزي الفقهاء، وخدم موقعا عند ~~الزيني عبد الباسط ناظر الجيش، فملأه سبا وتوبيخا منذ مباشرته عنده، إلى أن ~~مل ذلك، وترك التوقيع، وانقطع إلى المقر الكمالي بن البارزي، وصار يتردد ~~إلى الأكابر، ثم تردد في الدولة الظاهرية لخدمة أبي الخير النخاس، ومات وهو ~~ملازم لصحبته. وقد استوعبنا حاله بأوسع من هذا في " المنهل الصافي " ، ~~وذكرنا من شعره نبذة كبيرة؛ ونذكر منه هنا نبذة يسيرة، ليعلم بذلك طبقته في ~~نظم القريض، فإنه كان لا يحسن غيره؛ فمن شعره قوله: الخفيف أهل بدر إن ~~أحسنوا أو أساؤوا ... أهل بدر فليفعلوا ما يشاؤوا إن أفاضوا دمعي فكم قد ~~أفادوا ... منة من ودادهم وأفاؤوا وعيوني إن فجروها عيونا ... بدموع كأنهن ~~دماء لا تلمهم على احمرار دموعي ... فلهم عندي اليد البيضاء أنا راض منهم ~~وإن هم رضوني ... فسواء عندي القلى والقلاء يا نزولا في مهجتي في رياض ... ~~من وداد أغصانها لفاء كل غصن عليه طائر قلبي ... صادح تقتدي به الورقاء ~~صدحه كله حنين ووجد ... واشتياق ولوعة وبكاء منع السهد طيفكم ولحظي ... صار ~~حتى من عندي الرجاء وعذولي يرى سلوي فرضا ... أنا من رأيه علي براء يدعي في ~~الهوى إخائي ونصحي ... ليت شعري من أين هذا الإخاء؟ عينه ms3435 عن محاسن الحب ~~عميا ... ء وأذني عن عذله صماء وهي أطول من هذا، تزيد على ستين بيتا، كلها ~~على هذا النسق. وتوفي السيد الشريف سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن أحمد ~~محمد بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي الأصل، المكي المولد والمنشأ الحنبلي، ~~قاضي قضاة الحنابلة بمكة، بها، في أواخر هذه السنة، عن سن عال وكان سيدا ~~كريما متواضعا، رحل إلى بلاد الشرق غير مرة، وأقبل عليه القان معين الدين ~~شاه رخ بن تيمور وابنه ألوغ بك صاحب سمرقند، وعاد إلى مكة بأموال كثيرة، ~~أتلفها في مدة يسيرة، لكرم كان فيه؛ وهو أول حنبلي تولى القضاء بمكة ~~استقلالا، رحمه الله تعالى. PageV04P0346 # وتوفي قاضي القضاة أمين الدين أبو اليمن محمد بن محمد بن علي أحمد بن ~~العزيز الهاشمي العقيلي النويري الشافعي، قاضي قضاة مكة وخطيبها في ذي ~~القعدة عن نحو ستين سنة تخمينا، وهو قاض. وكان فاضلا دينا خيرا، خطيبا ~~فصيحا مفوها، كثير الصوم والعبادة، مشكور السيرة في أحكامه، فردا في معناه، ~~لم أر بمكة المشرفة في مدة مجاورتي من يدانيه في الطواف، وفي كثرة العبادة، ~~رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة ~~عشر إصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثلاثة أصابع. ### || AUT السنة الثالثة عشرة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة أربع وخمسين وثمانمائة. فيها كان الشراقي العظيم بمصر، والغلاء ~~المفرط المتداول إلى سنة سبع وخمسين، وكان ابتداء الغلاء من السنة الخالية، ~~لكنه عظم في هذه السنة بوقع الشراقي، وتزايد، وبلغ سعر القمح إلى ألف درهم ~~الإردب، والحمل التبن إلى سبعمائة درهم، وقس على ذلك حسبما نذكره في وقته ~~على طول السنين. فيها توفي المسند المعمر شمس الدين محمد بن الخطيب عبد ~~الله الرشيدي الشافعي، خطيب جامع الأمير حسين بحكر النوبي خارج القاهرة، في ~~يوم الجمعة حادي عشر شهر ربيع الأول؛ ومولده في ليلة رابع عشر شهر رجب سنة ~~تسع وستين وسبعمائة. وكانت له مسموعات كثيرة، وحدث سنين وتفرد بأشياء ~~كثيرة، ولنا منه ms3436 إجازة. وكان شيخا منور الشيبة فصيحا مفوها خطيبا بليغا، ~~رحمه الله. وتوفي الأمير سيف الدين شاد بك بن عبد الله الجكمي، أحد مقدمي ~~الألوف بديار مصر، ثم نائب الرها، ثم حماة، بطالا بالقدس، بعد مرض طويل، في ~~يوم الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول؛ وكان أصله من مماليك الأمير جكم من عوض ~~نائب حلب، وتنقل في الخدم من بعده، إلى أن صار بخدمة الأمير ططر؛ فلما ~~تسلطن ططر، قربه وأنعم عليه، ثم تأمر عشرة بعد موته، وصار من جملة رؤوس ~~النوب؛ ثم صار أمير طبلخاناه، ثم ثاني رأس نوبة، ثم ولي نيابة الرها، ثم ~~عزل بعد سنين وصار بالقاهرة على طبلخاناته، إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر ~~جقمق بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية في أوائل دولته، ثم نقله إلى ~~نيابة حماة بعد سنين، فلم تطل مدته على نيابة حماة وعزل وتوجه إلى القدس ~~بطالا؛ ثم تكلم فيه، فقبض عليه وحبس مدة، ثم أطلق وأعيد إلى القدس بطالا، ~~إلى أن مات. وكان متوسط السيرة، غير أنه كان قصيرا جدا وعنده سرعة حركة ~~وإقدام، وله وجه في الدول، رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين علي ~~باي من دولات باي العلائي الساقي الأشرفي، في يوم الثلاثاء تاسع عشرين شهر ~~ربيع الأول، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، وكان أصله من مماليك ~~الملك الأشرف برسباي؛ اشتراه في سلطنته ورباه وأعتقه، وجعله خاصكيا، ثم ~~ساقيا، ثم أمره عشرة، وجعله خازندارا كبيرا، بعد إينال الأبو بكري الأشرفي، ~~بحكم انتقاله إلى المشدية؛ بعد قراجا الأشرفي، بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف؛ ~~ودام علي باي على ذلك، إلى أن أنعم على الملك العزيز يوسف بإمرة طبلخاناه ~~وجعله شاد الشراب خاناه، بعد إينال الأبو بكري أيضا، بحكم انتقال إينال إلى ~~الدوادارية الثانية، بعد تمرباي التمربغاوي المنتقل إلى تقدمة ألف؛ فلم تطل ~~مدة علي باي بعد ذلك، وقبض عليه مع من أمسك من خجداشية الأشرفية وغيرهم، ~~وحبس سنين، ثم أطلق وأنعم عليه بإمرة بالبلاد الشامية وقدم القاهرة، ثم حج ~~وعاد ms3437 إلى دمشق، ثم قدم القاهرة ثانيا، ودام بها إلى أن أنعم عليه السلطان ~~بإمرة عشرة، ودام على ذلك إلى أن مات في التاريخ المذكور. وكان شابا مليح ~~الشكل طوالا، عاقلا، عارفا بأنواع الفروسية، خصيصا عند أستاذه الملك الأشرف ~~إلى الغاية، لجمال صورته ولحسن سيرته. وأنعم السلطان بإقطاعه بعد موته على ~~خجداشه تمراز الأشرفي الزردكاش، فما شاء الله كان. PageV04P0347 # وتوفي الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الله بن ~~إبراهيم الدمشقي الحنفي، المعروف بابن عرب شاه، في القاهرة بخانقاه سعيد ~~السعداء في يوم الاثنين خامس عشر شهر رجب، غريبا عن أهله وأولاده. سألته عن ~~مولده فقال: في ليلة الجمعة داخل دمشق، في الخامس والعشرين من ذي القعدة ~~سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. ونشأ بدمشق وطلب العلم، ثم خرج إلى بلاد العجم ~~في كائنة تيمور وأقام بتلك البلاد سنين كثيرة، ثم رحل إلى الروم، ثم قدم ~~دمشق وتردد إلى القاهرة، إلى أن مات بعد أن ولي عدة وظائف دينية وولي قضاء ~~حماة في بعض الأحيان. وكان إماما بارعا في علوم كثيرة، مفننا في الفقه ~~والعربية وعلمي المعاني والبيان والأدب والتاريخ، وله محاضرة حسنة ومذاكرة ~~لطيفة، مع أدب وسكون وتواضع، وله النظم الرائق الفائق الكثير المليح؛ وكان ~~يقول الشعر الجيد باللغات الثلاث: العربية والعجمية والتركية؛ وله مصنفات ~~كثيرة مفيدة في غايه الحسن؛ ولما استجزته كتب لي بخطه بعد البسملة: " الحمد ~~لله الذي زين مصر الفضائل بجمال يوسفها العزيز، جعل حقيقة مجاز أهل الفضل ~~فحلى به كل مجاز ومجيز. أحمده حمد من طلب إجازة كرمه فاجتاز، وأشكره شكرا ~~أوضح لمزيد نعمه علينا سبيل المجاز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، إله يجيب سائله ويثيب آمله، ويطيب لراجيه نائله، وأشهد أن سيدنا محمدا ~~عبده ورسوله، سيد من روى عن ربه ومن روي عنه، والمقتدى لكل من أخذ عن ~~العلماء وأخذ منه، صلى الله عليه ما رويت الأخبار، ورئيت الآثار، وظهرت ~~أذكار الأبرار، في صحائف الليل والنهار، وتابعيه وأحزابه، وسلم ms3438 وكرم وشرف ~~وعظم. أما بعد، فقد أجزت الجناب الكريم العالي ذا القدر المنيف الغالي، ~~والصدر الذي هو بالفضائل حال، وعن الرذائل خال، المولوي الأميري الكبيري ~~العالمي العاملي الأصيلي العريقي الفاضلي المخدومي الجمالي، أبا المحاسن، ~~الذي ورد فواضله وفضائله غراس يوسف، ابن المرحوم المقر الأشرف الكريم ~~العالي المولوي الأميري الكبيري الأتابكي المالكي المخدومي السفيري تنكري ~~بردي الملكي الظاهري، أعز الله جماله، وبلغه من المرام مماته؛ وهو ممن تغنى ~~بلبان الفضائل، وتربى في حجر قوابل الفواضل، وجعل اقتناء العلوم دأبه ، ~~ووجه إلى تدين الأحزاب ركابه، وفتح إلى دار الكمالات بابه، وصير أحرازها في ~~خزائن صدره اكتسابه، فجاز بحمد الله تعالى حسن الصورة والسيرة، وقرن بضياء ~~الأسرة صفاء السريرة، وحوى السماحة والحماسة، والفروسية والفراسة، ولطف ~~العبارة والبراعة، والعرابة واليراعة والشهامة والشجاعة؛ فهو أمير الفقهاء، ~~وفقيه الأمراء، وظريف الأدباء، وأديب الظرفاء؛ فمهما تصفه صف وأكثر؛ فإنه ~~لأعظم مما قلت فيه وأكثر؛ فأجزت له معولا عليه، أحسن الله إليه، أن يروي ~~عني ما لي من منظوم ومنثور، ومسموع ومسطور، بشروطه المعتبرة، وقواعده ~~المحررة عموما " . ثم ذكر ما له من تصنيف وتأليف وأسماء مشايخه ببلاد الشرق ~~وبالبلاد الشامية، وقد ذكرنا ذلك برمته في ترجمته في تاريخنا " المنهل ~~الصافي والمستوفى بعد الوافي " ، أضربنا عن ذكره هنا خوف الإطالة، فكان مما ~~قاله في أواخر هذه الإجازة من النظم، أبيات مع ما في اسم يوسف: الرمل وجهك ~~الزاهي كبدر ... فوق غصن طلعا واسمك الزاكي كمشكا ... ة سناها لمعا في بيوت ~~أذن الل ... ه لها أن ترفعا عكسها صحفه يلفى ... الحسن فيه أجمعا وتوفي ~~الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله النوروزي، المعروف بنائب بيروت، بعد أن ~~ابتلي وعزل عن نيابة صهيون، وعاد إلى القاهرة، فمات بالعريش. وكان أصله من ~~مماليك الأمير نوروز الحافظي، وممن تأمر - في دولة الملك الظاهر جقمق - ~~عشرة؛ ثم خرج إلى البلاد الشأمية وصار من جملة أمراء طرابلس، ثم ولي نيابة ~~صهيون، فابتلي بداء الأسد، واستعفى. وأراد قدوم القاهرة، فمات في طريقه. ~~وكان مشهورا بالشجاعة لا ms3439 بأس به. PageV04P0348 # وتوفي الأمير سيف الدين سودون السودوني الظاهري الحاجب، في يوم الأحد ~~العشرين من شعبان، وهو في عشر التسعين. وأصله من مماليك الملك الظاهر ~~برقوق؛ ثم تأمر بعد موت الملك الناصر فرج، وصار في الدولة الأشرفية من جملة ~~الحجاب؛ ثم صار حاجبا ثانيا في الدولة الظاهرية جقمق؛ ونفي غير مرة، وهو ~~يعود إلى دون رتبته أولا؛ ولا زال يتقهقر إلى أن صار من جملة الحجاب ~~الأجناد. وكان شيخا مسرفا على نفسه مهملا لم يشهر بتدين ولا شجاعة ولا كرم، ~~عفا الله عنه. وتوفي القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل بن إبراهيم ~~الدمشقي الأصل والمولد والمنشأ المصري الدار والوفاة، ناظر الجيوش المنصورة ~~بالديار المصرية، بطالا، بها في يوم الثلاثاء رابع شوال بداره، في وقت ~~المغرب بخط الكافوري، ودفن من الغد بتربته التي أنشأها بالصحراء خارج ~~القاهرة. ومولده بعد التسعين وسبعمائة أو في حدودها ، ونشأ بدمشق، وخدم ~~القاضي بدر الدين بن الشهاب محمود، وبه عرف بين الناس؛ ثم اتصل بخدمة الملك ~~المؤيد شيخ وهو على نيابة دمشق، ولازمه إلى أن قتل الملك الناصر وقدم معه ~~إلى القاهرة، وسكن بالقرب منا بالسبع قاعات، وهو فقير مملق. فلما تسلطن ~~الملك المؤيد شيخ، قربه وأدتاه، وولاه نظر الخزانة، فانتقل من داره إلى دار ~~أخرى بالقرب منها. ولما عظم أمره، سألنا في السكنى في بعض دورنا، فأجبناه ~~إلى ذلك، فسكنها عدة سنين؛ ومن يومئذ أخذ أمر في نمو وزيادة، وعظم في ~~الدولة، وعمر الأملاك الكثيرة، ثم أنشأ مدرسته بخط الكافوري تجاه داره، ثم ~~ولي نظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية بعد عزل المقر الكمالي ابن ~~البارزي في الدولة الظاهرية ططر. ولما ولي نظر الجيش، بعد ابن البارزي، قال ~~المقريزي، وتمثل بقول أبي العلاء المعري: الطويل ويا نفس جدي إن دهرك هازل ~~ودام عبد الباسط في وظيفته نظر الجيش سنين؛ وعظم في أوائل الدولة الأشرفية، ~~ثم أخذ أمره في إدبار عند الأشرف، وهو يحسن سياسته لا يظهر ذلك، ويبذل ~~الأموال في رضى الأشرف بكل ما تصل ms3440 قدرته إليه؛ يعرف قولي هذا من كان له ~~رتبة تلك الأيام وملازمة بخدمة الملك الأشرف برسباي، مع أنه لم يصف له ~~الدهر في خصوصيته عند الأشرف السنة الواحدة، بل كان كلما زال عنه واحد ~~انتشأ له آخر؛ فالأول جانبك الدوادار الأشرفي، كان عبد الباسط وغيره بين ~~يديه كالأغنام في حضرة الراعي؛ ثم انتشأ له البدر بن مزهر كاتب السر، ~~فحاشره فيما هو فيه، وضيق خناقه، إلى أن مات؛ ثم جاءه الصفوي جوهر ~~القنقبائي الخازندار، فكان عليه أدهى وأمر، ولا زال به حتى أوقعه في أمور ~~وغرمات. ثم حمله الأشرف الوزر ثم الأستادارية، فلا زال يحجل في الأستادارية ~~مع ما يلزمه من الكلف مع ذلك، إلى أن مات الأشرف؛ وتسلطن ولده الملك العزيز ~~يوسف، فقاسى في الدولة العزيزية خطوبا من بهدلة المماليك الأشرفية له بكل ~~ما تصل قدرتهم إليه، واستعفى في تلك المدة غير مرة، إلى أن تسلطن الملك ~~الظاهر جقمق، وقبض عليه بعد أشهر وسجنه وصادره، وأبرز ما كان عنده من ~~الكوامن منه في الأيام الأشرفية، حسبما ذكرناه في ترجمة الملك الظاهر جقمق، ~~فكان ما لقيه أولا كالمجاز بجنب هذه الحقيقة، ولسان حاله ينشد: " الكامل " ~~ما إن وصلت إلى زمان آخر ... إلا بكيت على الزمان الأول ثم أطلق عبد الباسط ~~بعد أن حمل جملة كبيرة من الذهب نحو الثلاثمائة ألف دينار، حررناها في أصل ~~الترجمة، وتوجه إلى الحجاز ثم إلى دمشق، ثم قدم إلى القاهرة مرة أولى ~~وثانية، استوطن فيها القاهرة، إلى أن حج ثانيا، ومات في التاريخ المقدم ~~ذكره. وكان عبد الباسط مليح الشكل متجملا في ملبسه ومركبه، وحواشيه إلى ~~الغاية، وله مآثر وعمائر في أقطار كثيرة معروفة به، لا تلتبس بغيره، لأننا ~~لا نعلم من سمي بهذا الاسم قبله ونالته السعادة غيره. وكان له كرم على ~~أناس، وبخل على غيرهم ؛ وبالجملة إنه كان عد بآخرة من الرؤساء الأعيان، على ~~شراسة خلق كانت فيه، وحدة، مع طيش وخفة وجبروت وظلم على مماليكة وأتباعه، ~~مع بذاءة لسان، وسفه زائد، وشمم ms3441 وجهل مفرط بكل علم وفن إلى الغاية، رحمه ~~الله تعالى. PageV04P0349 # وتوفي الأمير سيف الدين أركماس بن عبد الله الظاهري، الدوادار الكبير، ~~بطالا، بالقاهرة، في يوم الجمعة ثامن عشرين شوال، وسنه زيادة على سبعين ~~سنة. وأصله من أصاغر مماليك الظاهر برقوق؛ وترقى في دولة الملك الظاهر ططر، ~~وصار نائب قلعة دمشق، إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف برسباي بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بالديار المصرية؛ ثم ولاه رأس نوبة النوب بعد القبض على الأمير ~~تغري بردي المحمودي، ثم نقله إلى الدوادارية الكبرى بعد مسك الأمير أزبك ~~المحمدي ونفيه إلى القدس بطالا؛ فدام في الدوادارية إلى أن عزله الملك ~~الظاهر جقمق؛ ثم أخرجه بعد مدة إلى دمياط؛ ثم استقدمه بعد سنين إلى مصر، ~~فأقام بها بطالا إلى أن مات. وكان ساكتا عاقلا قليل الكلام فيما يعنيه ~~وفيما لا يعنيه، متوسط السيرة في غالب أحواله. كان لا يميل لخير ولا لشر، ~~ولا يتكرم على أحد، ولا يطمع في مال أحد، ولا ينهر أحدا، ولا يكرم أحدا، ~~وقس على هذا في غالب أموره. وكان عاريا مهملا منقادا في أحكامه إلى دواداره ~~ورأس نوبته وموقعه؛ فمهما قالوه طاوعهم، فإن قصدوا الجنة سار معهم، وإن ~~دخلوا النار دخل معهم، ومهما أشاروا عليه به لا يخالفهم. وكان إذا كلمه من ~~لا يعرفه يظنه أنه قدم في أمسه من بلاد الجاركس، لغتمة كانت في لسانه ~~باللغة التركية، فلعمري كيف يكون كلامه باللغة العربية! غير أنه كان متدينا ~~ويعف عن المنكرات والفروج، رحمه الله تعالى. وتوفي قاضي القضاة ولي الدين ~~محمد بن أحمد بن يوسف السفطي الشافعي قاضي قضاة الديار المصرية، وصاحب ~~العظمة في أوله والأهوال في آخره، في يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة ودفن من ~~الغد بعد أن مرض يوما واحدا؛ وقد تقدم من ذكره وما وقع له نبذة كبيرة في ~~ترجمة الملك الظاهر جقمق، تعرف جميع أحوال بالقرائن؛ ونذكر الآن من أحواله ~~شيئا يسيرا من أوائل أمره إلى آخره على سبيل الاختصار. كان أصله من سفط ~~الحناء بالوجه ms3442 البحري من أعمال القاهرة، ونشأ بالقاهرة، وحفظ عدة متون، ~~وطلب العلم، واشتغل في مبدأ أمره. وناب في الحكم عز قاضي القضاة جلال الدين ~~البلقيني مدة سنين. ثم تنزه عن ذلك وتردد إلى الأكابر، ومال إلى طلب الدنيا ~~وتحصيل الدرهم؛ واجتهد في ذلك، مع ما ورثه من أبيه، حتى أثرى وكثر ماله، ~~وصار كلما كثر ماله عظم حرصه، إلى أن جاوز الحد من زيادة المال وعظم البخل ~~حتى على نفسه وعياله. وكان دأبه الركوب على فرسه، والتردد إلى الأكابر، ~~لشبع بطنه؛ فكان من الناس من يأكل عنده ويتوجه إلى حال سبيله، ومنهم من كان ~~يأتي عنده، ثم يأخذ بيده صحنا من الطعام ويرسله إلى عياله من غير أن يستقبح ~~ذلك؛ وشوهد أخذه الطعام من بيت الصاحب بدر الدين بن نصر الله ناظر الخاص ~~غير مرة. فلما تسلطن الملك الظاهر جقمق، ترك السفطي من دونه، ولزمه، حتى ~~عظم في الدولة وصار له كلمة نافذة، وعظمة زائدة، وتردد الناس إلى بابه ~~لقضاء حوائجهم، فنال بذلك من الوجاهة وجمع المال ما لم ينله غيره من أبناء ~~جنسه، كل ذلك وهو على ما هو عليه من الشح والطمع وسقوط النفس، كما كان ~~أولا، وزيادة؛ فإنه كان أولا لا يتوصل إلى مقصوده من الآخذ إلا بالتملق ~~والإطراء وغير ذلك، وقد صار الآن لا يأخذ إلا بالسطوة والمهابة والتهديد؛ ~~هذا من أعيان الدولة وأكابرها، وأما ما أخذه من الأصاغر، فكان على شبه أخذ ~~الجالية. ثم تولى من الوظائف عدة كبيرة، مثل نظر الكسوة، ووكالة بيت المال، ~~على ما كان بيده من مشيخة الجمالية، وغيرها من الوظائف الدينية. ثم ولي نظر ~~البيمارستان المنصوري، وتدريس قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه. ولما انتهى ~~أمره، تولى قضاء الشافعية بالديار المصرية، بعد عزل قاضي القضاة شهاب الدين ~~أحمد بن حجر في يوم الخميس رابع ذي القعدة من سنة إحدى وخمسين وثمانمائة، ~~فأساء السيرة في ولايته، لا سيما على الفقهاء ومباشري الأوقاف؛ فإنه زاد ~~وأمعن في أذاهم وبهدلتهم بالضرب والحبس والتراسيم، وقطع ms3443 معاليم جماعة كبيرة ~~من الطلبة المرتبة على الأوقاف الجارية تحت نظره. PageV04P0350 # ولقي الناس منه شدائد كثيرة، وصار لا يمكن المرضى من دخول البيمارستان ~~للتمرض به إلا برسالة، ثم يخرج المريض بعد أيام قليلة. وأظهر في أيام عزه ~~وولايته من شراسة الخلق وحدة المزاج والبطش وبذاءات اللسان أمورا يستقبح ~~ذكرها هذا مع التعبد والاجتهاد في العبادة ليلا ونهارا، من تلاوة القرآن، ~~وقيام الليل والتعفف عن المنكرات والفروج، حتى إنه كان في شهر رمضان يختم ~~القرآن الكريم في كل ليلة في ركعتين؛ وأما سجوده وتضرعه فكان إليه المنتهى. ~~وكانت له أوراد هائلة دواما؛ فكان بمجرد فراغه من ورده يعود إلى تسلطه على ~~خلق الله وعباده ولا زال على ذلك حتى نفرت القلوب منه، وكثر الدعاء عليه، ~~حتى لقد شاهدت بعض الناس يدعو عليه في الملتزم بالبيت العتيق في هدوء ~~الليل. فلما زاد ذلك منه، سلط الله عليه أقل خلقه، أبا الخير النحاس، مع ~~توغر خاطر السلطان عليه في الباطن؛ فلا زال أبو الخير يذكر للسلطان مساوئه، ~~ويعرفه معايبه، إلى أن كان من أمره ما ذكرناه في أصل هذه الترجمة، من العزل ~~والمصادرة والحبس بالمقشرة، والاختفاء المدة الطويلة، ثم ظهوره بعد نكبة ~~النحاس، إلى أن مات، عفا الله عنه. وقد ذكرنا أحواله في تاريخنا " حوادث ~~الدهور في مدى الأيام والشهور " مفصلا باليوم والوقت، وذكرناه أيضا في " ~~المنهل الصافي " بأطول من هذا، فلينظر هناك. وتوفي العلامة قاضي القضاة ~~بهاء الدين أبو البقاء محمد ابن قاضي القضاة شهاب الدين أحمد ابن الشيخ ~~الإمام العلامة ضياء الدين محمد بن محمد بن سعيد بن عمر بن يوسف بن إسماعيل ~~الصاغاني الأصل، المكي المولد والدار والوفاة، الحنفي المذهب، قاضي قضاة ~~مكة وعالمها ومفتيها ومصنفها، في تاسع عشرين ذي القعدة. وتولى أخوه أبو ~~حامد القضاء من بعده. وكان مولد القاضي بهاء الدين في ليلة التاسع من محرم ~~سنة تسع وثمانين وسبعمائة بمكة؛ ونشأ بها وطلب العلم، واشتغل حتى برع في ~~عدة علوم، وأفتى ودرس وصنف، وأفنى عمره في الاشتغال ms3444 والإشغال. حكى لي الشيخ ~~أبو الخير بن عبد القوي، قال: أعرف القاضي بهاء الدين نحو الخمسين سنة، ~~وأزيد، ما دخلت إليه فيها إلا وجدته إما يكتب، أو يطالع، رحمه الله تعالى. ~~وتوفي الأمير سيف الدين تغري برمش بن عبد الله الزدكاش اليشبكي، أحد أمراء ~~الطبلخانات، وزردكاش السلطان، بمكة، في أواخر هذه السنة، وسنه نيف على ~~الثمانين سنة. وخلف مالا كبيرا وأملاكا كثيرة معروفة بأملاك الزردكاش. وكان ~~توجه إلى مكة المشرفة مجاورا. وأصله من مماليك الأمير يشبك بن أزدمر؛ وترقى ~~من بعده حتى صار أمير عشرة، ثم زردكاشا في الدولة الأشرفية برسباي، ودام ~~على ذلك إلى أن أنعم عليه الملك الظاهر جقمق بزيادة على إقطاعه، وجعله من ~~جملة أمراء الطبلخانات، إلى أن مات. وكان مسرفا على نفسه، غير أن له غزوات ~~كثيرة من الفرنج؛ ومات بتلك البقعة الشريفة، فلعل الله يغفر له ذنوبه بمنه ~~وكرمه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وخمسة عشر أصبعا. ~~مبلغ الزيادة خمسة عشر ذراعا وسبعة أصابع؛ وهي سنة الشراقي العظيم. ### || AUT السنة الرابعة عشرة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة خمس وخمسين وثمانمائة. وفيها كان تزايد الغلاء حتى خرج عن الحد، ~~وبيع القمح بنحو ألف وخمسمائة درهم الإردب، والفول والشعير بألف درهم ~~الإردب، ثم تزايد بعد ذلك على ما حررناه في الحوادث. وفيها توفي الخليفة ~~أمير المؤمنين المستكفي بالله أبو الربيع سليمان ابن الخليفة المتوكل على ~~الله أبي عبد الله محمد بالقاهرة، في يوم الجمعة ثاني المحرم، وقد تقدم ذكر ~~نسبه إلى العباس في ترجمة أخيه المعتضد داود من هذا الكتاب؛ وتولى الخلافة ~~بعده أخوه حمزة بغير عهد منه، ولقب بالقائم بأمر الله. ونزل السلطان الملك ~~الظاهر للصلاة عليه بمصلاة المؤمني، ومشى في جنازته إلى أن شهد دفنه، وربما ~~أراد حمل نعشه في طريقه. ومات المستكفي وهو في عشر الستين، بعد أن أقام في ~~الخلافة تسع سنين ونحو عشرة أشهر. وكان دينا خيرا، منجمعا عن الناس ~~بالكلية، كثير الصمت، قليل الكلام. ذكر عنه ms3445 أخوه أمير المؤمنين المعتضد ~~داود - وكان شقيقه - عندما عهد له بالخلافة في مرض موته، أنه لا يعرف عليه ~~كبيرة في مدة عمره - رحمه الله تعالى. PageV04P0351 # وتوفي القاضي جمال الدين عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن عبد ~~الله بن هشام الحنبلي الفقيه، أحد نواب الحكم بالقاهرة، في العشر الأخير من ~~المحرم. وكان فقيها فاضلا مشكور السيرة في أحكامه - رحمه الله تعالى. وتوفي ~~الرئيس مجد الدين عبد الرحمن بن عبد الغني بن الجيعان، ناظر الخزانة ~~الشريفة السلطانية وكاتبها، في يوم الخميس تاسع عشرين المحرم، بعد قدومه من ~~الحجاز متمرضا. وخلف عدة أولاد، أمهاتهم أمهات أولاد جوار بيض مسلمات. ~~وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد المعروف بابن زبالة الشافعي ~~المصري الأصل والمولد، قاضي قضاة مدينة الينبع، بها في هذه السنة. وكان ~~مولده بباب البحر خارج القاهرة؛ ثم انتقل إلى الينبع بعد أمور، وولي قضاءها ~~إلى أن مات. وكان له سمعة وصيت بتلك البلاد. وتوفي السلطان خوندكار مراد بك ~~ابن السلطان محمد بك كرشجي بن أبي يزيد بن عثمان، متملك برصا وأدرنابولي، ~~وما والاهما من ممالك الروم، في سابع المحرم بمملكة الروم. وتولى الملك من ~~بعده ولده السلطان محمد بن مراد بك، واقتدى بسنة أبيه في الجهاد والغزو، ~~ونكاية العدو، وأخذ البلاد والقلاع من يد الفرنج. ومات السلطان مراد بك وهو ~~في أوائل الكهولية، وكان خير ملوك زمانه شرقا وغربا، مما اشتمل عليه من ~~العقل والحزم والعزم والكرم والشجاعة والسؤدد. وأفنى عمره في الجهاد في ~~سبيل الله تعالى، وغزا عدة غزوات، وفتح عدة فتوحات، وملك الحصون المنيعة، ~~والقلاع والمدن من العدو المخذول. على أنه كان منهمكا في اللذات التي ~~تهواها النفوس، ولعل حاله كقول بعض الأخيار - وقد سئل عن دينه - فقال: " ~~أمزقه بالمعاصي، وأرقعه بالاستغفار " . فهو أحق بعفو الله وكرمه، فإن له ~~المواقف المشهورة، وله اليد البيضاء في الإسلام ونكاية العدو، حتى قيل عنه ~~إنه كان سياجا للإسلام والمسلمين - عفا الله عنه، وعوض شبابه الجنة - فلقد ~~كان ms3446 بوجوده غاية التجمل في جنس بني آدم - رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ شمس ~~الدين محمد بن محمد بن علي بن محمد، بن حسان، الفقيه الشافعي، شيخ خانقاه ~~سعيد السعداء، في يوم السبت أول شهر ربيع الأول. وكان فقيها دينا مشكور ~~السيرة؛ وتولى مشيخة سعيد السعداء من بعده الشيخ خالد. وتوفي الشيخ شمس ~~الدين محمد بن محمد بن إسماعيل بن يوسف بن عثمان بن عماد، الحلبي الأصل، ~~المعروف بالحجازي، ابن أخت السخاوي، في يوم الخميس ثالث عشر ربيع الأول. ~~وكان أديبا، وهو ممن عرف في هذه الدولة بخاله خليل السخاوي، وعد من بياض ~~الناس، على أنه كان قليل البضاعة من العلوم والفضيلة. وتوفي الشيخ شمس ~~الدين محمد الحنفي الرومي الأصل والمولد، المصري الدار والوفاة، المعروف ~~بالكاتب، في يوم الأحد ثالث عشرين شهر ربيع الأول، بعد أن نال حظا من ملوك ~~مصر، لا سيما من الملك الظاهر جقمق؛ فإنه عظم في دولته إلى الغاية ونالته ~~السعادة، وعد من الرؤساء، ولم يكن لذلك أهلا غير أن ملوك زماننا كالعميان، ~~يضع الواحد يده على كتف الواحد، فمهما تحرك الأول بحركة تحرك الثاني بمثله. ~~فأول من قرب شمس الدين هذا الظاهر ططر فاقتدى جميع من جاء بعده من السلاطين ~~به من تقريب شمس الدين هذا، ولا يعرف أحدهم لم قربه واختص به غير الظاهر ~~ططر، فإنه كان له مقاصد لا يعرفها هؤلاء؛ ثم انحط قدره، ونكب وصودر، وادعي ~~عليه عند القضاة بدعاوى اقتضت تعزيره وحبسه بسجن الرحبة، وقاسى أهوالا؛ كل ~~ذلك بأمر السلطان الملك الظاهر جقمق لما تغير عليه، نكالا من الله. فإنه ~~كان واسطة سوء مع دهاء ومكر، وعقل تام، فإنه اتصل لما اتصل. ولم يقتن دابة ~~يركبها، بل كان كلما أراد أن يطلع القلعة ركب من الشخونية حمالا مكاريا ~~بالكري، وطلع إلى القلعة، واجتمع بالسلطان، ثم نزل وعاد على الحمار المذكور ~~إلى داره بالشيخونية، في كل يوم على ذلك. وكان قليل العلم، إلا أنه كان له ~~مشاركة ومحاضرة ومعرفة بمداخلة الملوك محظوظا عندهم. ms3447 كان مرتبه في اليوم ~~على الجوالي فقط دينارين، وله أشياء في ذلك. وكان شكلا مهولا، طوالا، ذا ~~لحية كبيرة، وعلى رأسه عمامة هائلة، وقبع جوخ كبير جدا، ويلف عليه أزيد من ~~ثوب بعلبكي رفيع، وقيل ثوبان، عوضا من الشاش. ومع تقربه من الملوك كان عنده ~~عفة عن أموال الناس، وعدم طمع بالنسبة إلى غيره - رحمه الله. PageV04P0352 # وتوفي الشيخ المعتقد محمد السفاري، نزيل جامع عمرو بن العاص، في يوم ~~الجمعة حادي عشر جمادى الأولى. وقد ذكرنا واقعته مع الملك الظاهر جقمق في " ~~الحوادث " ، وملخصها أنه كان وقع من بعض فقرائه ما أوجب إحضاره، فامتنع، ~~فألح السلطان على الوالي بإحضار الشيخ محمد المذكور، فلما حضر إليه ثانيا ~~أفحش في الجواب للوالي، ثم تكلم في الملأ بكلام يدل على موت السلطان في ~~سابع عشر جمادى الأولى، وشاع ذلك بين الناس، فمات الشيخ قبل ذلك اليوم، ~~أعني يوم سابع عشر جمادى الأولى بستة أيام، فتعجب الناس من ذلك. والذي أظنه ~~أن الشيخ ما قال إلا عن نفسه، فتوهمت العامة أن الشيخ يشير بذلك عن ~~السلطان، والله أعلم، وعلى كل حال واقعة غريبة - رحمه الله. وتوفي السيد ~~الشريف هلمان بن وبير بن نخبار أمير مدينة الينبع بها في أواخر جمادى ~~الأولى، وهو في أوائل الكهولية. وكان شابا مليح الوجه، مشكور السيرة، لولا ~~أنه على مذهب القوم - عفا الله عنه. وتولى بعده إمرة الينبع أخوه سنقر. ~~وكانت ولاية هلمان المذكور، بعد عزل ابن أخيه معز بن هجان بن وبير بن ~~نخبار، في سنة تسع وأربعين وثمانمائة - اه. وتوفي السيد الشريف أميان بن ~~مانع الحسيني المدني، أمير المدينة الشريفة النبوية - على ساكنها أفضل ~~الصلاة والسلام - في جمادى الآخرة بها، وتولى إمرة المدينة من بعده زبير بن ~~قيس بن ثابت. وتوفي الأمير ناصر الدين محمد الحلبي، الحاجب الثاني بحلب، ~~المعروف بابن ألتغا، في يوم السبت سابع عشرين شهر رمضان بالقاهرة، غريبا عن ~~أهله وعياله. وكان أصله من بعض قرى حلب، وترقى في الخدم حتى لبس زي الجند، ~~وخدم ms3448 أستادارا عند بعض أعيان حلب، وتمول، وترقى بالبذل حتى صار حاجبا ثانيا ~~بحلب، وهو لا يعرف كلمة مركبة باللغة التركية، ويتلفظ في كلامه بألفاظ ~~فلاحي القرى إلى أن مات، غير أنه كان مشكور السيرة، كريم النفس - رحمه ~~الله. وتوفي القاضي تاج الدين محمد ابن قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن ~~ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي في يوم السبت سابع عشرين ~~شهر رمضان، ودفن من الغد عن ثمان وستين سنة. وخلف مالا كثيرا، وكان مسيكا ~~بخيلا، وإليه أشار الحافظ ابن حجر بقوله: السريع مات جلال الدين، قالوا: ~~ابنه ... يخلفه، أو فالأخ الراجح فقلت؛ تاج الدين لا لائق ... لمنصب الحكم، ~~ولا صالح أراد بتاج الدين هذا في الأول ثم بالتورية قاضي القضاة علم الدين ~~صالح البلقيني. وتوفي الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله السيفي سودون ~~الحمزاوي نائب صفد بها في ليلة السبت تاسع عشرين شهر رمضان. وكان يشبك ~~المذكور ولي دوادارية السلطان بحلب سنين، ثم ولي نيابة غزة؛ ثم نقل إلى ~~نيابة صفد إلى أن مات بها. وكان مشكور السيرة، لم تسبق له رئاسة بالديار ~~المصرية. وتولى الأمير بيغوت المؤيدي بعده نيابة صفد ثاني مرة - رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الأمير شهاب الدين أحمد ابن أمير علي بن إينال اليوسفي ~~الأتابكي، أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، في ليلة الثلاثاء سابع عشرين ~~ذي القعدة؛ وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني؛ ودفن بتربة جده ~~الأتابك إينال؛ ومات وسنه نحو خمسين سنة تخمينا؛ وإلى والده أمير علي ينتسب ~~الملك الظاهر جقمق بالعلائي، وقد تقدم ذكر ذلك كله في أول ترجمة الملك ~~الظاهر جقمق، وكيف أخذه الملك الظاهر برقوق منه. وكان أحمد المذكور أميرا ~~ضخما عاقلا، رئيسا دينا خيرا، متواضعا، عارفا بأنواع الفروسية، وعنده محبة ~~للفقراء وأرباب الصلاح؛ وكان سمينا جدا، لا يحمله إلا الجياد من الخيل؛ ~~وكان ممن رقاه الملك الظاهر جقمق، وأمره عشرة في أوائل سلطنته، ثم ولاه ~~نيابة الإسكندرية، وزاده عدة زيادات على إقطاعه، ثم أنعم عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ms3449 ألف، عوضا عن الأمير إينال العلائي بحكم انتقاله إلى الأتابكية بعد ~~موت يشبك السودوني المشد، فدام على ذلك إلى أن مات؛ وتأسف الناس عليه لحسن ~~السيرة إلى أخيه محمد، وإلى الشهابي أحمد بن نوروز، شاد الأغنام، فإنهما ~~كانا أسوأ حواشي الملك الظاهر جقمق سيرة، بخلاف الشهابي أحمد فإنه لم يكن ~~له كلمة في الدولة إلا بخير - رحمه الله تعالى. PageV04P0353 # وتوفي السيد الشريف إبراهيم بن حسن بن عجلان الحسني، المقبوض عليه مع ~~أخيه علي بن حسن قبل تاريخه بمكة وكان قد حمل إلى القاهرة، وحبس بالبرج من ~~القلعة مدة طويلة، ثم أخرج مع أخيه إلى ثغر دمياط، فدام به بعد موت أخيه ~~علي إلى أن مات في هذا التاريخ. وتوفي الأمير سيف الدين تمراز بن عبد الله ~~من بكتمر المؤيدي، المصارع، شاد بندر جدة، قتيلا بالحديدة من بلاد اليمن، ~~في خامس عشرين شهر رمضان، بعد أن فر من جدة بمال السلطان عاصيا عليه، فلم ~~يحصل له ما قصد؛ وقد أوضحنا أمره وما وقع له من يوم خروجه من جدة إلى يوم ~~موته في أصل هذه الترجمة، سياقا في أواخر ترجمة الملك الظاهر هذا. وتوفي ~~قاضي القضاة شيخ الإسلام بدر الدين أبو الثناء، وقيل أبو محمد، بدر الدين ~~محمود ابن القاضي شهاب الدين أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن ~~محمود العينتابي الحنفي، قاضي قضاة الديار المصرية، وعالمها ومؤرخها، في ~~ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة، ودفن من الغد بمدرسته التي أنشأها تجاه داره ~~بالقرب من جامع الأزهر. ومولده بعينتاب في سنة اثنتين وستين وسبعمائة؛ ونشأ ~~بها، وتفقه بوالده بعد حفظه القرآن الكريم؛ وكان أبوه قاضي عينتاب، وتوفي ~~بها في شهر رجب سنة أربع وثمانين وسبعمائة؛ ثم رحل ولده القاضي بدر الدين ~~هذا بعد موته إلى حلب، وتفقه بها، وأخذ عن العلامة جمال الدين يوسف بن موسى ~~الملطي الحنفي وغيره؛ ثم قدم لزيارة بيت المقدس فلقي به العلامة علاء الدين ~~العلاء بن أحمد بن محمد السيرامي الحنفي شيخ المدرسة الظاهرية ms3450 - برقوق - ~~وكان أيضا توجه لزيارة بيت المقدس، فاستقدمه معه إلى القاهرة في سنة ثمان ~~وثمانين وسبعمائة، ونزله في جملة الصوفية بالمدرسة الظاهرية - برقوق - ثم ~~قرره خادما بها. ثم بعد ذلك أمور حكيناها في ترجمته في المنهل الصافي، إلى ~~أن عرف بين الطلبة، وفضل في علوم، وصحب الأمير جكم من عوض، والأمير قلمطاي ~~العثماني الدوادار، وتغري بردي القردمي، إلى أن توفي الملك الظاهر برقوق في ~~سنة إحدى وثمانمائة، فولي حسبة القاهرة في مستهل ذي الحجة من السنة، بسفارة ~~هؤلاء الأمراء، عوضا عن الشيخ تقي الدين أحمد المقريزي، فمن يومئذ وقعت ~~العداوة بينهما إلى أن ماتا. ثم صرف بعد أشهر؛ وتولى حسبة القاهرة غير مرة؛ ~~وآخر ولايته للحسبة في سنة ست وأربعين وثمانمائة عوضا عن يرعلي الخراساني - ~~انتهى. فنعود إلى ما كنا بصدده: ثم ولي القاضي بدر الدين هذا نظر الأحباس ~~في الدولة المؤيدية؛ ولما تسلطن الملك الأشرف برسباي صحبه وعظم عنده إلى ~~الغاية وصار ينادمه، ويقرأ له التواريخ من أيام السلف من الوقائع والأخبار، ~~ويعلمه كان يقرأ له التاريخ باللغة العربية ثم يفسره له باللغة التركية، ~~وكان فصيحا اللغتين. وكان الملك الأشرف يسأله كثيرا عن دينه وعما يحتاج ~~إليه من العبادات وغيرها، فيجيبه القاضي بدر الدين المذكور بعبارة تقرب من ~~فهمه، حتى لقد سمعت الأشرف يقول غير مرة: " لولا العينتابي لكان في إسلامنا ~~شيء " . وولاه قضاء الحنفية مرتين. ومات الأشرف وهو قاض، فعزل في الدولة ~~العزيزية بالشيخ سعد الدين سعد الديري، ولزم داره على نظر الأحباس مدة سنين ~~إلى أن سعى علاء الدين علي بن آقبرس فيها ووليها، فاستقبح الناس عليه ذلك ~~من وجوه عديدة، ثم مات بعد بمدة يسيرة. وكان إماما فقيها أصوليا، نحويا، ~~لغويا، بارعا في علوم كثيرة، وأفتى ودرس سنين، وصنف التصانيف المفيدة ~~النافعة، وكتب التاريخ، وصنف فيه مصنفات كثيرة ذكرناها مع جملة مصنفاته في ~~" المنهل الصافي " ، يطول الشرح في ذكرها هنا، ولما انتهينا من الصلاة على ~~قاضي القضاة بدر الدين هذا بجامع الأزهر، وخرجنا إلى مشاهدة دفنه، ms3451 قال لي ~~قاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد المنعم البغدادي الحنبلي: " خلا لك البر ~~فبض وأصفر " فلم أرد عليه؛ وأرسلت إليه بعد عودي إلى منزلي ورقة بخط العيني ~~هذا يسألني فيه عن شيء سئل عنه في التاريخ من بعض الأعيان، ويعتذر عن ~~الإجابة بكبر سنه وتشتت ذهنه، ثم بسط القول في الشكر والمدح والثناء إلى أن ~~قال: " وقد صار المعول عليك الآن في هذا الشأن، وأنت فارس ميدانه، وأستاذ ~~زمانه، فاشكر الله على ذلك " . وكان تاريخ كتابة الورقة المذكورة في سنة ~~تسع وأربعين وثمانمائة - انتهى. PageV04P0354 # وتوفي السيد الشريف عفيف الدين أبو بكر محمد بن محمد بن عبد الله، الأيكي ~~العجمي الشافعي نزيل مكة المشرفة بمنى في ثاني يوم من التشريق، وحمل إلى ~~مكة، ودفن بها، وكانت جنازته مشهودة. وكان الناس في أمره وصلاحه على أقسام. ~~رأيته بمكة واجتمعت به مجلسا خفيفا - رحمه الله. وتوفي الشيخ المعتقد ~~الصالح أحمد الترابي المصري فجأة، في يوم الجمعة حادي عشر ذي الحجة، ودفن ~~بزاويته من الغد، بالقرب من تربة الشيخ جوشن خارج باب النصر. وكان رجلا ~~صالحا دينا خيرا معتقدا، وكنت أصحبه، وكان لي فيه اعتقاد ومحبة - رحمه الله ~~تعالى أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أربعة أذرع وخمسة عشر إصبعا. ~~مبلغ الزيادة ثمانية عشر وثمانية أصابع. ### || AUT السنة الخامسة عشرة من سلطنة الظاهر جقمق # وهي سنة ست وخمسين وثمانمائة. فيها أخذ الغلاء في انحطاط من الديار ~~المصرية وأعمالها. وفيها توفي الشيخ الإمام العلامة علاء الدين علي ابن ~~الشيخ قطب الدين أحمد القلقشندي الشافعي، أحد فقهاء الشافعية، في يوم ~~الاثنين مستهل المحرم، ودفن الغد في يوم الثلاثاء خارج القاهرة. ومولده ~~بالقاهرة في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ونشأ بها، وحفظ عدة متون ~~في مذهبه، وتفقه بعلماء عصره، مثل شيخ الإسلام السراج البلقيني، وولده قاضي ~~القضاة جلال الدين، والعلامة عز الدين بن جماعة، أخذ عنه المعقول، وعن ~~الشيخ الإمام العلامة فريد عصره علاء الدين محمد البخاري الحنفي، وقاضي ~~القضاة شمس الدين محمد ms3452 البساطي المالكي وغيرهم. وبرع في عدة علوم، وأفتى ~~ودرس، وتولى عدة تداريس، ورشح لقضاء الديار المصرية غير مرة، وسئل بقضاء ~~دمشق فامتنع، وتصدى للاشتغال سنين وانتفع به جماعة من الطلبة - رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الإمام المقرىء ناصر الدين محمد بن كزل بغا الحنفي، إمام ~~المدرسة الأشرفية بالعنبريين، في يوم الأحد تاسع عشر صفر، وهو في عشر ~~الخمسين. ومات ولم يخلف بعده في القراءات وحسن التأدي، لا سيما في قراءة ~~المحراب فإنه كان من الأفراد في ذلك؛ وكان أبوه من مماليك الأمير ألطنبغا ~~الجوباني نائب دمشق - رحمه الله تعالى. وتوفي عظيم الديار المصرية وعالمها ~~ورئيسها كمال الدين أبو المعالي محمد ابن العلامة القاضي ناصر الدين أبي ~~المعالي محمد ابن القاضي كمال الدين محمد بن عثمان بن عثمان بن محمد بن عبد ~~الرحيم بن هبة الله البارزي الحموي الجهني الشافعي، كاتب السر الشريف ~~بالديار المصرية، وابن كاتب سرها، وصهر السلطان الملك الظاهر جقمق، بداره ~~بخط الخراطين من القاهرة، في يوم الأحد سادس عشرين صفر، وحضر السلطان ~~الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، ودفن عنده والده بالقرافة الصغرى تجاه شباك ~~الإمام الشافعي - رضي الله عنه. سألته عن مولده، فقال: بحماة في ذي الحجة ~~سنة ست وتسعين وسبعمائة. قلت: ونشأ بها تحت كنف والده، وحفظ القرآن العزيز، ~~وصفى التراويح بالناس في الديار المصرية لما قدم مع والده سنة تسع ~~وثمانمائة، ثم عاد مع والده إلى حماة، وحفظ التمييز في الفقه، وقرأه على ~~الحافظ برهان الدين إبراهيم الحلبي المعروف بالقوف . ثم قدم إلى الديار ~~المصرية مع والده أيضا بعد قتل الملك الناصر فرج في سنة خمس عشرة ~~وثمانمائة، وتفقه بقاضي القضاة ولي الدين أحمد العراقي، وأخذ المعقول عن ~~العلامة عز الدين بن جماعة، وعن تلميذه ابن الأديب، وأخذ أيضا عن قاضي ~~القضاة شمس الدين البساطي المالكي، وعن العلامة البارع الزاهد علاء الدين ~~محمد البخاري الحنفي، ولازمه كثيرا وانتفع بدروسه، وأخذ النحو في مبادئ ~~أمره عن الشيخ يحيى العجيسي المغربي وغيره، وسمع البخاري من عائشة بنت عبد ~~الهادي. ms3453 واجتهد في طلب العلم، وساعده في ذلك الذكاء المفرط والده المستقيم ~~والتصور الصحيح، حتى برع في المنطوق والمفهوم، وصارت له اليد الطولى في ~~المنثور والمنظوم، لا سيما في الترسل والإنشاء والمكاتبات، فإنه كان إمام ~~عصره في ذلك، هذا مع ما اشتمل عليه من العقل والعراقة والسكون والسؤدد ~~والكرم والإكرام وسياسة الخلق وحسن الخلق، والرئاسة الضخمة، والفضل الغزير. ~~وباشر كتابة السر في أيام والده نيابة عنه، وعمره نيف على عشرين سنة. ثم ~~استقل بالوظيفة نيفا على ثلاثين سنة، على أنه صرف عنها غير مرة المدة ~~الطويلة. PageV04P0355 # وأول ولايته لكتابة السر في يوم السبت خامس عشرين شوال سنة ثلاث وعشرين ~~وثمانمائة في الدولة المؤيدية شيخ؛ تلقاها عن والده القاضي ناصر الدين بعد ~~موته، واستمر في الوظيفة إلى أن صرف عنها بصهره علم الدين داود بن الكويز ~~ناظر الجيوش بالديار المصرية؛ واستقر القاضي كمال الدين هذا في وظيفة نظر ~~الجيش عوضا عن علم الدين المذكور - أعني أن كلا منهما أخذ وظيفة الآخر - ~~وذلك في محرم سنة أربع وعشرين، فباشر وظيفة نظر الجيش إلى أن صرف عنها بعبد ~~الباسط بن خليل الدمشقي في يوم الاثنين سابع ذي القعدة من سنة أربع وعشرين ~~المذكورة؛ فلزم القاضي كمال الدين هذا داره على هيئة عمله من الحشم والخدم ~~والإحسان لمن يرد عليه من كل طائفة، وأكب على الاشتغال وطلب العلوم مدة ~~سنين إلى أن طلبه الملك الأشرف برسباي في يوم سابع شهر رجب سنة إحدى ~~وثلاثين، وخلع عليه باستقراره في كتابة سر دمشق بعد موت بدر الدين حسين؛ ~~فتوجه إلى دمشق وباشر كتابة سرها مدة إلى أن قدم القاهرة صحبة الأمير سودون ~~من عبد الرحمن نائب دمشق؛ وعزل سودون وتولى جارقطلو نيابة دمشق، فخلع ~~السلطان عليه بقضاء دمشق مضافا لكتابة سرها، وكان ذلك في يوم الأربعاء ~~مستهل شعبان سنة خمس وثلاثين، فباشر الوظيفتين معا، وحسنت سيرته وأحبه أهل ~~دمشق. ومن غريب ما اتفق في ولايته لقضاء دمشق أن العلامة علاء الدين ~~البخاري كان إذا ولي أحد من ms3454 طلبته القضاء أو الحسبة يغضب عليه ويمنعه من ~~دروسه؛ فلما بلغه ولاية القاضي كمال الدين هذا فرح، وقال: " الآن أمن الناس ~~على أموالهم ونفوسهم " ، وناهيك بقول الشيخ علاء الدين هذا في حقه. واستمر ~~على وظيفتيه بدمشق إلى أن طلب إلى الديار المصرية، وولي كتابة سرها بعد عزل ~~الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن كاتب المناخ في يوم السبت العشرين من شهر ~~ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وثمانمائة، فباشر الوظيفة مدة إلى أن صرف عنها ~~بالشيخ محب الدين بن الأشقر في يوم الخميس سابع شهر رجب سنة تسع وثلاثين... ~~ولزم المقر الكمالي داره إلى أن أعيد إلى قضاء دمشق مسؤولا في ذلك في يوم ~~الثلاثاء مستهل شهر رجب سنة أربعين وثمانمائة، فباشر قضاء دمشق ثانيا، وخطب ~~بالجامع الأموي، وكتب إليه الشرفي يحيى بن العطار وهو بدمشق: البسيط يا ~~سيدا جد بالنوى لي ... وطال ما جاد بالنوال من منذ سافرت زاد نقصي ... يا ~~طول شوقي إلى الكمال فأجابه القاضي كمال الدين المذكور - وأنشدنيها من لفظه ~~لنفسه - رحمه الله تعالى: الطويل خيالك في عيني يؤنس وحدتي ... على أن داء ~~الشوق في مهجتي أعيا فإن مات من فرط اشتياقي تصبري ... أعلله بالوصل من ~~سيدي يحيى ومن شعره - رحمه الله - أيضا ما كتبه على سيرة ابن ناهض بعد ~~كتابة والده القاضي ناصر الدين: الرجز مرت على فهمي، وحلو لفظها ... مكرر، ~~فما عسى أن أصنعا ووالدي دام بقاه سؤدده ... لم يبق فيها للكمال موضعا وله ~~أشياء غير ذلك ذكرناها في غير هذا المحل. واستمر القاضي كمال الدين، على ~~قضاء دمشق إلى أن طلب من دمشق الديار المصرية في الدولة العزيزية - يوسف - ~~فحضر بعد سلطنة صهره الملك الظاهر جقمق، وطلع إلى القلعة بعد أن احتفل وجوه ~~الدولة إلى ملاقاته، وخلع عليه باستقراره في كتابة السر على عادته بعد عزل ~~الصاحب بدر الدين حسن نصر الله، وذلك في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع ~~الآخر سنة اثنتين وأربعين وهذه ولايته الثالثة لكتابة السر. واستمر في ~~الوظيفة على أمور ms3455 وقعت له - ذكرناها في الحوادث - إلى أن مات في التاريخ ~~المقدم ذكره بعد أن باشر الوظيفة على طريق وزراء السلف من الملوك في ~~الإنعام والعطايا والبر والصدقات والرواتب والإحسان للفقهاء والفقراء، بل ~~وإلى غالب من ورد عليه وتردد إلى بابه كبيرا كان أو صغيرا، غنيا كان أو ~~فقيرا، حتى شاع ذكره وبعد صيته، وقصده الناس من الأقطار، وهو مع ذلك لا يكل ~~ولا يمل، بل يجود بما هو في حاصله، وبما عساه يدخل إليه. ولقد حدثني غير ~~مرة أنه لم يستحق عليه منذ حياته زكاة عين، قلت: فلله دره، لقد استحق قول ~~الشيخ جمال الدين بن نباتة في ممدوحه الملك المؤيد إسماعيل صاحب حماة حيث ~~قال: الرجز PageV04P0356 # لا ظلم يلقى في حماه العالي ... إلا على العداة والأموال ولما حج في سنة ~~خمسين وثمانمائة، وحجت في تلك السنة أيضا كريمته خوند زوجة السلطان الملك ~~الظاهر جقمق، وسافرا معا في الركب الأول، فظهر للناس من علو همته، وغزير ~~مروءته، وعظيم إحسانه، ما لعله يذكر إلى الأبد. ولقد حدثني بعض أعيان مكة ~~أنه كان إذا وقف على أخبار البرامكة وغيرهم ينكر ذلك بقلبه، حتى رأى ما ~~فعله القاضي كمال الدين هذا من الإحسان إلى أهل مكة وغيرهم، فعند ذلك تحقق ~~ما قيل في سالف الأعصار. قلت: " وهو أعظم من رأينا وأدركنا، ولله الحمد ~~والمنة على إدراكنا لمثل هذا الرجل الذي مات ولم يخلف بعده مثله - رحمه ~~الله تعالى وعفا عنه " . وتوفي الشيخ الإمام العالم زين الدين طاهر بن محمد ~~بن علي النويري المالكي، أحد فقهاء المالكية بالقاهرة، في يوم الاثنين خامس ~~شهر ربيع الأول، وسنه نيف على ستين سنة تقريبا. وكان إماما عالما فقيها ~~دينا صالحا - رحمه الله تعالى. وتوفي الملك الكامل خليل بن الملك الأشرف ~~أحمد بن الملك العادل سليمان، صاحب حصن كيفا من ديار بكر، قتيلا بيد ولده ~~في شهر ربيع الأول. وتولى ولده المذكور الملك من بعده، ولقب بالملك الناصر، ~~ودام في مملكة الحصن إلى شهر رمضان من السنة المذكورة، ms3456 فوثب عليه ابن عمه ~~الملك حسن وقتله، وسلطن أخاه أحمد، ولقبه بلقب أبيه المقتول الملك الكامل. ~~وكان الملك الكامل خليل - صاحب الترجمة - ملك الحصن بعد قتل أبيه الملك ~~الأشرف في سنة ست وثلاثين وثمانمائة، وقد ذكرنا واقعة أبيه الأشرف في ترجمة ~~الملك الأشرف برسباي لما أراد القدوم عليه، وقتل بيد أعوان قرايلك - رحمه ~~الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين ألطنبغا بن عبد الله الظاهري المعلم ~~اللفاف، أحد أمراء الألوف بالديار المصرية، بطالا، في يوم الاثنين عاشر شهر ~~ربيع الآخر. وكان أصله من صغار مماليك الملك الظاهر برقوق، وطالت أيامه في ~~الجندية إلى أن عمر وتسلطن الملك الظاهر جقمق، فقربه وأنعم عليه بإقطاع ~~هائل، بعد مسك قلمطاي الإسحاقي، ثم بعد مدة يسيرة أمره عشرة، ثم زاده ~~زيادات كثيرة، وولاه نيابة الإسكندرية، ثم عزله بعد مدة، وجعله من جملة ~~مقدمي الألوف بالديار المصرية، فباشر ذلك إلى أن عجز عن الحركة لكبر سنه ~~واستعفى، فأخرج السلطان إقطاعه لولده المقام الفخري عثمان زيادة على ما ~~بيده، فلم تطل مدة ألطنبغا هذا بعد ذلك ومات. وكان عاقلا دينا خبيرا عارفا ~~بأنواع الفروسية، رأسا في لعب الرمح معلما فيه، ولهذا كان شهرته بالمعلم - ~~رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين برسباي بن عبد الله الساقي ~~المؤيدي، أحد أمر العشرات، في يوم الجمعة سابع عشرين جمادى الأولى؛ وأنعم ~~السلطان بإمرته على الأمير جانم الظاهري الساقي. وكان برسباي رجلا عاقلا ~~ساكنا حشما وقورا - رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير جمال الدين يوسف بن ~~يغمور نائب قلعة صفد بها في أوائل شعبان؛ وكان مولده بالقاهرة، وتشتت ~~بالبلاد إلى أن قدم القاهرة بعد موت الملك المؤيد شيخ، وترقى إلى أن ولي ~~نيابة قلعة صفد؛ ثم نقل إلى أتابكية صفد، ثم أعيد إلى نيابة قلعتها ثانيا، ~~إلى أن مات. وكان عارفا مدبرا سيوسا عاقلا - رحمه الله تعالى. وتوفي الإمام ~~العالم العلامة زين الدين عمر ابن الأمير سيف الدين قديد القلمطاوي بمكة ~~المشرفة في مجاورته في ثامن عشر شهر رمضان، وسنه ثمان وستون ms3457 سنة. وكان إمام ~~عصره في النحو والعربية والتصريف، وله مشاركة كبيرة في فنون كثيرة؛ وكان ~~يتزيا بزي الأجناد، ويتقلل في ملبسه، ولا يتعاظم في أحواله، ويركب الحمار ~~مع عراقته في الرياسة وتبحره في العلوم، حتى إنه مات ولم يخلف بعده مثله في ~~علم العربية والتصريف. PageV04P0357 # وتوفي الأمير الطواشي زين الدين خشقدم الرومي اليشبكي، مقدم المماليك ~~السلطانية، بطالا، بداره التي أنشأها بالقرب من قنطرة طقز دمر خارج ~~القاهرة، في ليلة الأربعاء ثامن عشر شوال، وسنه نيف على سبعين سنة. وكان ~~أصله من خدام الوالد، وقدمه في سنة تسع وتسعين إلى الملك الظاهر برقوق في ~~جملة خدام ومماليك، فأنعم به الظاهر على فارس الحاجب؛ ثم ملكه بعد فارس ~~الأمير يشبك الشعباني الأتابكي وأعتقه؛ ثم اتصل بعد موت أستاذه بخدمة ~~السلطان، وصار من جملة الجمدارية الخاص؛ ثم نقل إلى نيابة المقدم ، ودام ~~بها سنين إلى أن ولي تقدمة المماليك السلطانية بعد موت الافتخاري ياقوت ~~الأرغون شاوي، في سنة ثلاث وثلاثين، فدام على ذلك إلى أن قبض عليه الأتابك ~~جقمق العلائي، وحبسه بثغر الإسكندرية مع من حبس من الأمراء الأشرفية ~~وغيرهم. ثم أطلق، وتوجه إلى دمياط، فدام بها مدة، ثم نقل إلى المدينة ~~الشريفة، وبعد مدة قدم إلى القاهرة فدام بطالا إلى أن مات. وكان طوالا حشما ~~متعاظما، صاحب سطوة ومهابة وحرمة زائدة، مع طمع كان فيه وشمم، مع عدم فضيلة ~~- رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين طوغان السيفي آقبردي المنقار، ~~نائب الكرك، قتيلا بيد العربان في هذه السنة. وهو من الأصاغر الذين أنشأهم ~~الملك الظاهر جقمق في أوائل دولته، ولم أعرفه قبل ذلك ولا أعرف معتقه؛ بل ~~قيل إنه من مماليك آقبردي المنقار، وقيل نوروز الحافظي، والأول أقرب. وتوفي ~~القاضي جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي المالكي القبطي بطالا بدمشق في هذه ~~السنة، عن سن عال، بعد أن ولي نظر جيش طرابلس وكتابة سر مصر في بعض الأحيان ~~بعد موت علم الدين داود بن الكويز، ثم عزل عنها لعدم أهليته. وولي عدة ms3458 ~~وظائف بالبلاد الشامية إلى أن كبر سنه وعجز عن المباشرة، فتعطل إلى أن مات. ~~وقد قدمنا من ذكره نبذة عند ولايته كتابة السر بمصر في ترجمة الملك الأشرف ~~برسباي، فلينظر هناك. وفرغت هذه السنة والملك الظاهر جقمق مريض مرضه الذي ~~مات منه بعد خلعه في صفر حسبما تقدم ذكره، رحمه الله تعالى، وتسلطن ولده ~~الملك المنصور عثمان في حياته. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمسة ~~أذرع وأربعة وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ~~/سلطنة المنصور عثمان بن جقمق السلطان الملك المنصور أبو السعادات فخر ~~الدين عثمان ابن السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبي سعيد جقمق العلائي ~~الظاهري؛ وهو الخامس والثلاثون من ملوك مصر إلاتراك، والحادي عشر من ~~الجراكسة. تسلطن بعد أن خلع أبوه الملك الظاهر جقمق نفسه عن الملك، وحضر ~~الخليفة القائم بأمر الله حمزة، والقضاة الأربعة، وجميع الأمراء، وأعيان ~~الدولة بقاعة الدهيشة من قلعة الجبل، وبايعوه بالسلطنة في الثانية من نهار ~~الخميس الحادي والعشرين من محرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وكانت البيعة له ~~بالسلطنة في الثانية من نهار الخميس بعد طلوع الشمس بخمس وعشرين درجة، ولبس ~~الخلعة على العادة، وركب من الدهيشة وعليه السواد الخليفتي بشعار الملك ~~وأبهة السلطنة على نحو ثلاثين درجة من طلوع الشمس. PageV04P0358 # وسار وبين يديه الأمراء وأعيان المملكة إلى أن نزل بالقصر السلطاني، وحمل ~~الأمير الكبير إينال العلائي الناصري القبة والطير على رأسه، إلى أن جلس ~~على تخت الملك، وقبل الأمراء الأرض بين يديه، وخلع على الخليفة القائم بأمر ~~الله حمزة، وعلى الأمير الكبير إينال المذكور، على كل منهما أطلسين متمر، ~~وفرسا بسرج ذهب، وكنبوش زركش، وأنعم على الخليفة بألف دينار، وبإقطاع هائل ~~زيادة على ما بيده. وتم أمره في السلطنة، ولقب بالملك المنصور، وعمره يومئذ ~~نحو الثماني عشرة سنة تخمينا. وكان الطالع عند بيعته بالسلطنة سبعا وعشرين ~~درجة من برج الحوت، والغارب برج السنبلة، والمتوسط برج القوس، والساعة ساعة ~~المريخ، والقمر بالوجه الثالث من برج العقرب. واستمر الملك ms3459 المنصور بالقصر ~~السلطاني ساعة، ثم عاد إلى منزله بالحوش السلطاني من قلعة الجبل؛ وهذا ~~بخلاف عادة الملوك، لأن العادة جرت أن السلطان إذا تسلطن يمكث بالقصر ثلاثة ~~أيام بلياليها، وعنده أعيان الأمراء والخاصكية، فأبطل ذلك كله الملك ~~المنصور، وعاد من يومه، لكون والده على خطة وهو حاضر الحس، وفعل ذلك مراعاة ~~لخاطره. ثم في يوم السبت ثالث عشرين المحرم جلس الملك المنصور على الدكة ~~بالحوش السلطاني، وحضر الأمير دولات باي المحمودي الدوادار الكبير أمير حاج ~~المحمل إلى بين يديه، وقبل الأرض، وخلع عليه، ونزل إلى داره. ثم أصبح يوم ~~الأحد طلع المقام الغرسي خليل ابن السلطان الملك الناصر فرج إلى القلعة، ~~وقد حضر أيضا من الحج، وسلم على الملك المنصور، فأقبل عليه المنصور، وخلع ~~عليه كاملية صوف بنفسجي بمقلب بفروسمور؛ ثم خرج من عنده ودخل إلى الملك ~~الظاهر جقمق، وعاده وسلم عليه بقاعة الدهيشة، وقبل أن ينزل رسم له الملك ~~المنصور بالتوجه من يومه إلى ثغر دمياط. وكان الملك الظاهر جقمق لما ~~استقدمه من الإسكندرية للحج أطمعه بالسكنى في القاهرة، فنزل خليل المذكور ~~إلى تربة جده الملك الظاهر برقوق بالصحراء، وسافر منها ليلته إلى دمياط. ثم ~~في يوم الاثنين خامس عشرين المحرم أنعم السلطان الملك المنصور بإقطاعه الذي ~~كان بيده أيام أبيه على الأمير تنم من عبد الرزاق أمير مجلس. وأنعم بإقطاع ~~تنم وهو أيضا تقدمة ألف على الأمير يونس إلاقبائي شاد الشراب خاناه. وأنعم ~~بإقطاع يونس على الأمير جانبك القرماني الظاهري برقوق ثاني رأس نوبة، ~~وإلاقطاع إمرة أربعين طبلخاناه. PageV04P0359 # وأنعم بإقطاع جانبك القرماني على الأمير يشبك الناصري أحد أمراء العشرات ~~ورأس نوبة، وهو أيضا إمرة أربعين. وأنعم بإقطاع يشبك الناصري وهو إمرة عشرة ~~على الأمير كزل السودوني المعلم، وكان بطالا. ثم في يوم الثلاثاء سادس ~~عشرينه حضر الملك المنصور خدمة القصر على العادة قديما، لأن والده الملك ~~الظاهر كان أبطل خدمتي السبت والثلاثاء من القصر. وخلع على الأمير لاجين ~~الظاهري الزردكاش ولإلاة الملك المنصور باستقراره شاد الشراب خاناه عوضا ms3460 عن ~~يونس المقدم ذكره. وخلع على جانبك قرا الظاهري جقمق أحد أمراء العشرات ورأس ~~نوبة، باستقرارة زردكاشا عوضا عن لاجين المذكور. ثم توجه الملك المنصور من ~~القصر إلى البحرة بالحوش السلطاني، وطلب به مباشري الدولة، وحضر الأمير ~~قاني باي الجاركسي الأمير آخور الكبير، والطواشي فيروز الرومي النوروزي ~~الزمام والخازندار، وكلمهم في أمر المماليك السلطانية، ومن أين تكون النفقة ~~عليهم، لأن الملك الظاهر لم يدع في الخزائن شيئا؛ وطال جلوسهم عنده إلى ~~قريب الظهر، وانفض المجلس بعد كلام طويل. واختلفت إلاقوال فيما وقع فيه من ~~الكلام، ومحصول ذلك كله أن السلطان شكا للجماعة قلة وجود المال بالخزانة ~~السلطانية، وسألهم في المساعدة في أمر النفقة، فدار الكلام بينهم في ذلك، ~~إلى أن التزم كل منهم بحمل شيء مساعدة له في نفقة المماليك، وانفض المجلس ~~بعد أمور حكيناها في الحوادث. ثم في يوم الخميس ثامن عشرين المحرم خلع ~~السلطان على الأمير جانبك الظاهري بالتكلم على بندر جدة على عادته في كل ~~سنة، وخلع على عدة من الخاصكية بالتوجه إلى البلاد الشامية بالبشارة بسلطنة ~~الملك المنصور عثمان، وهم: جانم الأشرفي الساقي البهلوان، توجه إلى نائب ~~الشام الأمير جلبان. وطوخ النوروزي رأس نوبة الجمدارية إلى نائب حلب الأمير ~~قاني باي الحمزاوي. وبرسباي الأشرفي الأمير آخور إلى نائب طرابلس الأمير ~~يشبك النوروزي. وقايتباي ،الأشرفي الأمير آخور إلى نائب حماة الأمير حاج ~~إينال اليشبكى. ودولات باي إلى نائب صفد الأمير بيغوت الأعرج المؤيدي. وتمر ~~الأشرفي الخاصكي إلى نائب قلعة دمشق وقضاتها وغيرهم. وسودون يكرك إلى نائب ~~غزة جانبك التاجي. وخشقدم مملوك قراجا الأشرفي إلى نائب الكرك والقدس. ~~وإينال الظاهري جقمق إلى نائب الإسكندرية برسباي البجاسي. ثم في يوم السبت ~~سلخ المحرم أعاد السلطان الجمع بقاعة البحرة من قلعة الجبل بسبب نفقة ~~المماليك السلطانية، وأعاد على مباشري الدولة الكلام في أمر النفقة، فكثر ~~الكلام بسبب ذلك. وكان زين الدين يحيى الأستادار قد تقرب إلى الملك المنصور ~~أيام والده، وصار أستاداره. واختص به، ومهد أموره معه؛ فلما تسلطن ظن ms3461 أنه ~~سيكون من أمره في دولته أضعاف ما كان له في دولة والده الملك الظاهر جقمق، ~~وأخذ في هذا الجمع يمتنع من حمل ما قرر عليه من الذهب برسم نفقة المماليك، ~~وأنه في حمله بوظيفة الأستادارية، وأوسع وصمم على مقالته. وكان في المجلس ~~الأمير جانبك الظاهري، نائب جدة، والناصري محمد بن أبي الفرج نقيب الجيش ~~وهو أعدى عدو لزين الدين الأستادار مع من حواه المجلس من الأمراء وأعيان ~~المملكة. وكثر الكلام بسبب امتناع زين الدين من حمل المال، وتغير السلطان ~~عليه بسبب ذلك، فأمر بمسكه وعزله، وتولية الأمير جانبك الظاهري نائب جدة ~~للأستادارية، وأحضر في الحال خلعة الأستادارية وألبسها للأمير جانبك ~~المذكور، ونزل إلى داره وبين يديه وجوه الدولة. وسر الناس قاطبة بعزل زين ~~الدين المذكور عن الأستادارية، فإنه كان طال واستطال، وظلم وعسف، وأخذ عدة ~~إقطاعأت من أخباز المماليك السلطانية والأمراء؛ استولى عليها بالشوكة، ~~وأضافها إلى الديوان المفرد، وحجر على غالب الأشياء، واستولى عليها من ~~معايش الفقراء وأرباب التكسب، وصار هو يأخذها ثم يبيعها بأضعاف ما أخذها، ~~حتى جمع من هذا المال الخبيث أموإلا كثيرة، وعمر منها الجوامع والمساجد ~~والسبل، فكان حاله في ذلك كقول القائل: الطويل بنى جامعا لله من غيرماله ~~... فكان بحمد الله غير موفق كمطعمة إلايتام من كد فرجها ... لك الويل، ~~لاتزني ولاتتصدقي PageV04P0360 # وقد حررنا أحواله من ابتداء أمره إلى يوم عزله في غير هذا المحل والمقصود ~~هنا الآن أخبار الملك المنصور ثم رسم الملك المنصور بحبس زين الدين وإلزامه ~~بخمسمائة ألف دينار والحوطة على جميع موجوده وحواشيه. ثم أنعم الملك ~~المنصور على الأمير بردبك الظاهري جقمق البجمقدار، أحد أمراء الخمسات بإمرة ~~عشرة من الديوان السلطاني، وأنعم بإقطاع بردبك على سودون من سلطان الظاهري ~~البجمقدار حسابا عن إمرة عشرة ضعيفة، وأنعم على جانبك القجمادىي الأشرفي ~~المعروف بدوادار سيدي بإمرة عشرة أيضا من الذخيرة من المتوفر. وفي عصر هذا ~~النهار سلم السلطان زين الدين يحيى الأستادار المنفصل إلى الأمير جانبك ~~الظاهري الأستادار المستقر في الأستادارية، وأ مره ms3462 بمعاقبته، فنزل به من ~~القلعة على أقبح وجه، فنعوذ بالله من زوال النعم، " وما ربك بظلام للعبيد " ~~. وازدحم ، الناس تحت القلعة لرؤيته، فما منهم إلا شامت أو متهكم، فتفضل ~~عليه الأمير جانبك، وتنزه عن عقوبته، رحمة عليه لا خوفا من عاقبته، وأعاده ~~إلى القلعة في يوم الأربعاء، وقد حررنا ذلك كله في الحوادث. ثم في يوم ~~الاثنين ثاني صفر خلع السلطان على الأمير فيروز النوروزي الزمام الخازندار ~~بإعادة الذخيرة إليه. وخلع على الأمير قشتم الناصري باستقراره في نيابة ~~البحيرة على عادته أولا على كره منه؛ وهو أيضا أحد أعداء زين الدين ~~الأستادار. وكان قشتم من محاسن الدهر. وفيه أنعم الملك المنصور على السيفي ~~قانصوه المحمدي الساقي الأشرفي بإمرة عشرة من الذخيرة أيضا؛ وقانصوه أيضا ~~من نوادر الدهر ومحاسنه. ومات السلطان الملك الظاهر جقمق في تلك الليلة ~~حسبما ذكرناه في خمسة مواطن من مصنفاتنا، لا حاجة في ذكره هنا ثانيا. ثم في ~~يوم الأربعاء ثاني يوم دفن الملك الظاهر جقمق نودي بالقاهرة بالأمان ~~والنفقة في المماليك السلطانية في آخر صفر. وفيه نقل زين الدين الأستادار ~~من بيت الأمير جانبك إلى طبقة الخازندار فيروز بالقلعة على أن يحمل ما قرر ~~عليه. وفيه خلع السلطان على جانبك الأشرفي اليشبكي والي القاهرة، وعلى ~~يرعلي محتسب القاهرة، وعلى الناصري محمد بن أبي الفرج نقيب الجيوش المنصورة ~~باستمرارهم على وظائفهم. وخلع على الأمير قراجا العمري الناصري باستقراره ~~كاشف الشرقية بالوجه البحري، بعد عزل عبد الله عنها، فتزايد سرور الناس ~~بعزل هذا الظالم أيضا. ثم في هذا اليوم عوقب زين الدين الأستادار بالعصي ~~والمعاصير، وضرب على سائر أعضائه، وحضر الناصري محمد بن أبي الفرج عقوبته، ~~وكان السلطان ألزمه باستخراج الخمسمائة ألف دينار منه. ثم في يوم الثلاثاء ~~عاشر صفر استقر الزيني فرج بن النحال كاتب المماليك في نظر الدولة وخلع ~~السلطان على تنم الخاصكي الظاهري المعروف برصاص باستقراره في التكلم على ~~بندر جدة عوضا عن الأمير جانبك الظاهري الأستادار بسفارة جانبك. ثم في يوم ~~الخميس ثاني عشر ms3463 صفر أمسك السلطان الملك المنصور برأي مماليك أبيه جماعة من ~~الأمراء المؤيدية، وهم: الأمير دولات باي المحمودي المؤيدي الدوادار ~~الكبير، والأمير يرشباي الإينالي المؤيدي أحد أمراء الطبلخانات وأمير آخور ~~ثان، والأمير يلباي الإينالي أحد أمراء الطبلخانات ورأس نوبة؛ وكان القبض ~~على دولات باي بقاعة الدهيشة، وعلى يرشباي بالإسطبل السلطاني، وعلى يلباي ~~من سوق الخيل، وقيدوا الجميع إلى بعد أذان الظهر، فانزلوا بالقيود على ~~البغال إلى النيل، وحملوا إلى الإسكندرية، فسجنوا بها. وكان مسفر دولات باي ~~الأمير جانبك قرا الذي استقر زردكاشا، وقد تولى نيابة الإسكندرية في الباطن ~~عوضا عن برسباي البجاسي، وحمل إليه التقليد بعد يومين، فاتضع بمسك هؤلاء ~~قدر المؤيدية، وارتفع أمر الأشرفية. ثم في يوم الاثنين سادس عشر صفر أنعم ~~السلطان على الأمير قرقماس الأشرفي الجلب، أحد أمراء الطبلخانات وقريب ~~الأشرف برسباي بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، عوضا عن دولات باي ~~المحمودي بحكم حبسه، وأنعم بإمرة قرقماس المذكور على الأمير جانبك ~~النوروزي، المعروف بنائب بعلبك والقادم من مكة قبل تاريخه. وفيه استقر ~~الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني وأحد أمراء العشرات دوادارا كبيرا، ~~عوضا عن دولات باي، وأنعم عليه بإمرة أربعين، وهو إقطاع يرشباي الإينالي، ~~وأنعم بإقطاعه على يشبك الظاهري بعد PageV04P0361 # أيام. وفيه أيضا استقر الأمير أسنباي الجمالي الظاهري أحد أمراء العشرات ~~دوادارام. وفيه أيضا استقر الأمير أسنباي الجمالي الظاهري أحد أمراء ~~العشرات دوادارا ثانيا، عوضا عن تمربغا على إقطاعه إمرة عشرة من غير زيادة. ~~واستقر الأمير سنقر العايق الأمير آخور الثالث أمير آخور ثانيا عوضا عن ~~يرشباي. واستقر الأمير بردبك البجمقدار أمير آخور ثالثا، عوضا عن سنقر ~~المذكور. واستقر الأمير جانبك اليشبكي والي القاهرة زردكاشا عوضا عن جانبك ~~قرا المتوجه إلى نيابة الإسكندرية، مضافا إلى ما بيده من الولاية والحجوبية ~~وشد الدواوين. فعظم ما وقع في هذا اليوم من الولاية والتغاير على أعيان ~~الأمراء، ونفرت القلوب من الظاهرية في الباطن بسبب تولية تمربغا الدوادارية ~~الكبرى، وكان الأمير أسنبغا الطياري رأس نوبة النوب رشح لولايتها، وأن يكون ~~الأمير ms3464 جرباش المحمدي كرد رأس نوبة النوب عوضه. وبات الناس على ذلك، فأصبح ~~وقع ما حكيناه، ومن يومئذ وقع الكلام في الدولة ووجد من له غرض في إثارة ~~الفتنة مدخلا يدخل منه، وترقب الناس وقوع الفتنة، غير أن الناس في سكون، ~~والبواطن مشغولة إلى ما سيأتي ذكره. ثم في يوم الثلاثاء سابع عشره أنعم ~~السلطان على الأمير سونجبغا اليونسي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بإقطاع ~~الأمير يلباي الإينالي بحكم حبسه بالإسكندرية، وأنعم بإقطاع سونجبغا ~~المذكورة وإقطاع جانبك النوروزي نائب بعلبك على قاني بك السيفي يشبك بن ~~أزدمر أحد الدوادارية، وعلى قوزي الظاهري الساقي، واستقر سنطباي الظاهري ~~ساقيا عوضا عن قوزي، وخير بك الأشرفي صاحب تمراز المصارع دوادارا عوضا عن ~~قاني بك. وفيه أيضا عوقب زين الدين أشد عقوبة بحضرة الأمير جانبك الظاهري ~~الأستادار وغيره، وهو لا يظهر ماله من الذخائر غير ما أخذ له، وهو دون ~~المائة ألف دينار، ذكرنا تفصيلها في غير هذا المحل. وفي هذه الأيام أشيع ~~بوقوع فتنة، ووثوب المماليك السلطانية بسبب النفقة عليهم. وفيه استعفى ~~الأمير الوزير تغري بردي القلاوي الظاهري من الوزر، فأعفي على أنه يقوم ~~بالكلف السلطانية في يومه ومن الغد. ثم في يوم الأربعاء ثامن عشر صفر عقد ~~مجلس بين يدي السلطان بالقضاة الأربعة بسبب أملاك زبن الدين الأستادار ~~الموقوفة عليه وعلى جوامعه ومساجده، وقع بسبب ذلك أمور آل الأمر إلى بيعها. ~~ثم في يوم الخميس تاسع عشره خلع السلطان على الصاحب أمين الدين بن الهيصم ~~باستقراره وزيرا على عادته. قلت: إذا أعطي القوس لراميه. ثم في يوم السبت ~~حادي عشرينه عمل السلطان الخدمة بالحوش السلطاني بسبب قصاد ملك الحبشة. ~~وكان أشاع أهل الفتن في أمسه أن السلطان يريد يعمل الخدمة بالحوش ليقبض على ~~جماعة كبيرة من الأعيان، فانفض الموكب، ولم يقع شيء من ذلك. ثم في يوم ~~الاثنين ثالث عشرين صفر المذكور رسم السلطان للأمير جرباش الكريمي الظاهري ~~برقوق أمير سلاح بلزوم بيته بحكم كبر سنه وعجزه عن الحركة. وكان جرباش من ~~القبائح. ms3465 وأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير قراجا الظاهري جقمق الخازندار، ~~وصار من جملة أمراء الألوف؛ وقراجا المذكور من خيار أبناء جنسه دينا وعفة ~~وكرما. وأنعم بإقطاع قراجا ووظيفته على الأمير أزبك من ططخ الظاهري جقمق ~~الساقي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وأنعم بإقطاع أزبك على الأمير بتخاص ~~العثماني الظاهري برقوق، وكان بطالا. وفيه أيضا استقر الأمير تنم من عبد ~~الرزاق المؤيدي أمير مجلس أمير سلاح عوضا عن جرباش الكريمي قاشق بحكم لزومه ~~داره. وفيه خلع السلطان على الأمير تمربغا الظاهري الداوادار الكبير خلعة ~~الآنظار المتعلقة بالدوادارية، ونزل بخلعته في موكب جليل، ولسان حاله ينشد: ~~البسيط من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور PageV04P0362 # ثم في يوم الثلاثاء رابع عشرينه خلع السلطان على الأمير تنبك البردبكي ~~الظاهري، المعزول عن حجوبية الحجاب قبل تاريخه، باستقراره أمير مجلس عوضا ~~عن تنم المنتقل إلى إمرة سلاح. ومن الغريب أنه لما ولي إمرة مجلس، وطلع إلى ~~القلعة بعد ذلك، وجلس في الموكب، قعد قاني باي الجاركسي الأمير آخور الكبير ~~فوقه، وهذا شيء لم يعهد من أن أمير آخور يجلس فوق أمير مجلس، فعذ ذلك من ~~جنون قاني باي وقلة أدبه، إذ إن تنبك المذكور في مقام أستاذه، لأنه خجداش ~~جاركس، وأيضا أنه كان في الدولة الأشرفية أمير مائة ومقدم ألف، وقاني باي ~~جندي بحياصة، فما ثم وجه من الوجوه لجلوسه فوقه. وفيه أيضا عزل السلطان ~~جماعة كبيرة من الخاصكية البوابين من المؤيدية، وولى عوضهم جماعة من ~~حواشيه، فزاد ما بالمؤيدية، وأخذوا في عمل الركوب فلم يكن لهم طاقة لذلك ~~لقلتهم؛ فلم يجدوا بدا من مصالحة الأشرفية ليكونوا معا، فسعوا في ذلك في ~~الباطن إلى ما يأتي ذكره. ثم في يوم الأربعاء خامس عشرينه وصل إلى القاهرة ~~مملوك الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حلب، ومملوك نائب قلعتها، وحاجبها، ~~وقبلوا الأرض، وأخبر مملوك نائب حلب عن مخدومه أنه قبل الأرض، وسر بسلطنة ~~الملك المنصور إلى الغاية، فرحب السلطان بهم وخلع عليهم. ثم في يوم الخميس ~~سادس عشرين صفر ms3466 قرىء تقليد السلطان الملك المنصور بالسلطنة بالقصر الكبير ~~السلطاني من قلعة الجبل، فجلس السلطان على كرسي الملك، وجلس الخليفة القائم ~~بأمر الله حمزة على الأرض على يمينه، فعظم ذلك على الخليفة، ولم يبده إلا ~~بعد ركوب الأتابك إينال. وحضر القضاة الأربعة وتولى قراءة التقليد القاضي ~~محب الدين بن الأشقر كاتب السر. وبعد فراغ القراءة خلع السلطان الملك ~~المنصور على الخليفة وعلى كاتب السر، وخلع على القضاة الأربعة. ثم في يوم ~~السبت ثامن عشرين صفر خلع السلطان على قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني ~~الشافعي بإعادته إلى قضاء القضاة، بعد عزل شرف الدين يحيى المناوي. وفيه ~~استقر السيفي يشبك القرمي الظاهري والي القاهرة بحكم عزل جانبك اليشبكي، ~~بحكم انتقاله إلى الزردكاشية، حسبما تقدم ذكره. هذا وقد أخذت المؤيدية في ~~استمالة الأشرفية من يوم قبض الملك المنصور على خجداشيتهم دولات باي ~~ورفقته، ولا زالوا بهم حتى وافقوهم لحزازة كانت في نفوس الأشرفية أيضا من ~~الملك الظاهر جقمق قديما. وقد تجمد مع ذلك أيضا قول بعض أمراء الظاهرية ~~للأشرفية في أخذ ابن أستاذهم الشهابي أحمد ابن الملك الأشرف برسباي من عند ~~عمه زوج أمه الأمير قرقماس الأشرفي، وإرساله إلى ثغر الإسكندرية ليقيم بها ~~عند أخيه الملك العزيز يوسف، فعظم ذلك على أم الشهابي أحمد، وعلى زوجها ~~الأمير قرقماس، فكان ذلك من أكبر الأسباب لموافقة الأشرفية للمؤيدية. ثم ~~ساعدهم أيضا من له غرض في تغيير الدول، لا رغبة في أحد بعينه بل حتى يناله ~~ما قد أمل، وقد صار ذلك عادة عند موت كل سلطان من عهد الملك المؤيد شيخ إلى ~~يومنا هذا، بل إلى يوم القيامة، لعدم أهلية الملوك، ولغفلتهم عن هذا المعنى ~~في أيام عزهم؛ وأعجب من هذا أن أحدهم لا يزال في غفلة عن ذلك حتى يشرف على ~~الموت، فيعهد لولده بالسلطنة مع معرفته وتحققه بما يفعلونه مع ولده من ~~بعده، كما فعل بأمثاله. وقد قيل في المثل: " إذا أردت أن تنظر الدنيا بعدك ~~انظرها بعد غيرك " ؛ فلما انتظم الصلح بين ms3467 الطائفتين سرا تحالفوا واتفقوا ~~على الركوب في يوم بعينه. كل ذلك والمنصور ومماليك أبيه وحواشيه في غفلة عن ~~ذلك، وأكبر همهم في تفرقة الإقطاعات والوظائف، وفي ظنهم أن دولتهم تدوم، ~~وأن الملك قد صار بيدهم. هذا مع عدم التفاتهم لتقريب العقلاء، ومشاورة ذوي ~~التدبير وأرباب التجارب ممن مارس تغيير الدول والحروب والوقائع، وصار أحدهم ~~إذا لوح له بعض أصحابه بشيء مما يدل على ذلك يستخف عقله ويهزأ به، حتى لقد ~~بلغني من بعض أصحابنا الثقات أنه قال للأمير تمربغا مشافهة. " بلغني أن ~~الأشرفية في عزم الركوب على السلطان " فضحك تمربغا وقال: " هم نقطوا بعقلهم ~~" ، ازدراء بأمرهم واستخفافا بشأنهم؛ وليس هذا من شأن من قد صار أمور ~~المملكة بيده فى سائر أحوالها، وإنما شأن الذي يكون في هذه الرتبة أن يفحص ~~دائما عن أخبار أصدقائه وأعدائه، ولا يكذب مخبرا ولا ينهر منذرا، بل يسمع ~~كلام كل ناصح نصحه PageV04P0363 # فيأخذ ما صلح بباله، ويترك ما لم يعجبه، من غير أن يفهم عنه لأحد من ~~نصحائه عدم قبول كلامه، بل يشكره على ذلك ويثني عليه، ويحرضه على ما هو ~~فيه، وبصغي لكلام كل قائل حتى يفهمه، ثم يفعل ما بدا له، هذا مع إلاحتراز ~~والتحري في أموره، واستجلاب الخواطر، وتأليف القلوب له ولسلطانه، ما دامت ~~الدولة مضطربة كما هي عادة أوائل الدول، فيصير بذلك في غالب أموره على ~~يقظة، فإن كان خيرا فيحمد الله على التوفيق، وإن كان شرا فيتأهب لذلك قبل ~~وقوعه، ثم يلقاه بعد استحكام واستعداد بقوة جنان، وبذل النفوس وإلاموال، ~~وهيهات بعد ذلك إن تم الأمر أو لم يتم، فإن كان النصر فهو من عند الله، وإن ~~كانت الآخرى فيكون لما سبق في إلازل، فيزول ملكه، وهو معذور مشكور، لا ~~ندمان مقهور؛ فأين هذا مما كان فيه هؤلاء القوم، وقد صار الناس عند الأمير ~~الكبير إينال، ولبسوا السلاح، وأجمعوا على قتالهم، وهم إلى الآن في تكذيب ~~الأخبار واستبعاد ما سيكون، فمن أساء لا يستوحش، والمفرط أولى بالخسارة، ~~وعدم التدبير هو ms3468 أصل التدمير، وهو كما قيل: السريعخذ ما صلح بباله، ويترك ~~ما لم يعجبه، من غير أن يفهم عنه لأحد من نصحائه عدم قبول كلامه، بل يشكره ~~على ذلك ويثني عليه، ويحرضه على ما هو فيه، وبصغي لكلام كل قائل حتى يفهمه، ~~ثم يفعل ما بدا له، هذا مع إلاحتراز والتحري في أموره، واستجلاب الخواطر، ~~وتأليف القلوب له ولسلطانه، ما دامت الدولة مضطربة كما هي عادة أوائل ~~الدول، فيصير بذلك في غالب أموره على يقظة، فإن كان خيرا فيحمد الله على ~~التوفيق، وإن كان شرا فيتأهب لذلك قبل وقوعه، ثم يلقاه بعد استحكام ~~واستعداد بقوة جنان، وبذل النفوس وإلاموال، وهيهات بعد ذلك إن تم الأمر أو ~~لم يتم، فإن كان النصر فهو من عند الله، وإن كانت الآخرى فيكون لما سبق في ~~إلازل، فيزول ملكه، وهو معذور مشكور، لا ندمان مقهور؛ فأين هذا مما كان فيه ~~هؤلاء القوم، وقد صار الناس عند الأمير الكبير إينال، ولبسوا السلاح، ~~وأجمعوا على قتالهم، وهم إلى الآن في تكذيب الأخبار واستبعاد ما سيكون، فمن ~~أساء لا يستوحش، والمفرط أولى بالخسارة، وعدم التدبير هو أصل التدمير، وهو ~~كما قيل: السريع ما يفعل إلاعداء في جاهل ... مايفعل الجاهل في نفسه ~~PageV04P0364 # وبات الملك المنصور وأمراؤه في ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الأول على ~~تفرقة النفقة على المماليك السلطانية في غده، وقد انبرم أمر القوم، وتجهزوا ~~لما عساه يكون. وأهل شهر ربيع الأول يوم الاثنين، وفيه كان ابتداء الوقعة ~~بين السلطان الملك المنصور عثمان وبين الأتابك إينال العلائي حسبما نذكره ~~هنا على سبيل إلاختصار، وقد حررنا ذلك في تاريخنا " حوادث الدهور " ~~باستيعاب. فلما كان وقت السحر من يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول من سنة ~~سبع وخمسين وثمانمائة ركب جماعة كبيرة من أعيان المماليك الأشرفية، ورافقهم ~~جمع كبير من المؤيدية والسيفية وغيرهم من غير لبس سلاح، ووقفوا بالرميلة من ~~تحت القلعة لمنع الأمراء من طلوع الخدمة. وكان بالصدف بات تلك الليلة جميع ~~الأمراء في بيوتهم، لكون السلطان كان في ms3469 أمسه لم يتوجه إلى القصر، وأمر ~~بعمل الخدمة من الغد بالحوش السلطاني، ليبدأ بنفقة المماليك في اليوم ~~المذكور. فلم يكن إلا ساعة يسيرة من وقوفهم، وقدم الأمراء جميعا إلى ~~الرميلة يريدون طلوع القلعة، فتكاثرت المماليك عليهم واحتاطوا بهم، وأخذوهم ~~غصبا بأجمعهم، وعادوا بهم إلى بيت الأمير الكبير إينال العلائي، وهو من ~~جملتهم، وكان سكنه بالدار التي على بركة النيل الملاصقة لقصر بكتمر الساقي ~~تجاه الكبش. وأخذوا من جملة الأمراء الأمير قراجا الخازندار الظاهري، وقد ~~صار من جملة أمراء مقدمي الألوف، وهو أحد أركان مملكة الملك المنصور عثمان، ~~وأخذوا معه أيضا من الظاهرية الوزير تغري بردي القلاوي الظاهري، وبرد بك ~~البجمقدار الأمير آخور الثالث. وفات المماليك من أعيان الأمراء الأمير تنم ~~من عبد الرزاق أمير سلاح، فإنه قد أحس بالأمر في أمسه، فلم يحسن بباله إلا ~~موافقة السلطان، لأمر يريده الله عز وجل، فركب سحرا، وقصد القلعة، ووافاه ~~إلامي تمربغا الظاهري الدوادار الكبير في طريقه، فطلعا معا إلى الملك ~~المنصور. واجتمع المماليك ومعهم الأمراء في بيت الأمير الكبير، وقد كثر ~~جمعهم، وتزايد عددهم وهم بغير سلاح، وصار جميع الأمراء معهم في صفة الترسيم ~~، ولم يبق عند الملك المنصور من أعيان الأمراء غير الأمير تنم أمير سلاح، ~~والأمير قاني باي الجاركسي الأمير آخور الكبير، والأمير تمربغا الدوادار ~~الكبير الظاهري، والأمير جانبك الأستادار؛ وكان أيضا من أمراء الظاهرية ~~بالقلعة برد بك البجمقدار، فهؤلاء مقدمو الألوف، وإن كان تمربغا إقطاعه ~~طبلخاناه، فمنزلته ، وكذلك جانبك الظاهري. وكان عند الملك المنصور من ~~الأمراء غير مماليك أبيه جماعة منهم يونس العلائي الناصري نائب قلعة الجبل، ~~وكزل السودوني المعلم، ومغلباي الشهابي أحد أمراء العشرات، وقطي الدوكاري ~~نائب البحيرة، وعبد الله كاشف الشرقية، ومن مماليك أبيه الأمير لاجين شاد ~~الشراب خاناه، وأسنباي الجمالي الدوادار الثاني، وأزبك من ططخ الخازندار ~~الكبير، وهو صهر الملك المنصور و زوج أخته، و سنقر العايق الأمير آخور ~~الثاني، وسنقر أستادار الصحبة، وجماعة أخر تأمروا في الدولة المنصورية لا ~~يعتد بهم، كونهم إلى الآن صفة ms3470 الخاصكية؛ فهؤلاء هم الأمراء. وأما من كان ~~عنده من مماليك أبيه الخاصكية والجمدارية وغيرهم فكثير جدا. على أنه كان ~~بالقلعة جماعة كثيرة غير الظاهرية الجقمقية من الظاهرية البرقوقية ~~والناصرية والمؤيدية والأشرفية والسيفية. وأما من كان مع المماليك من أعيان ~~الأمراء ببيت الأمير الكبير من المقدمين؛ الأمير الكبير إينال، وتنبك أمير ~~مجلس، وأسنبغا الطياري رأس نوبة النوب، وخشقدم المؤيدي حاجب الحجاب، وطوخ ~~من تمراز الناصري، وجرباش المحمدي الناصري كرد، ويونس إلاقبائي، وقرقماس ~~الأشرفي الجلب. وأما من أمراء الطبلخانات والعشرات فكثير ذكرناهم في غير ~~هذا المحل، يطول الشرح في ذكرهم. ولما اجتمع القوم في بيت الأمير الكبير، ~~وعظم جمعهم، أتاهم الأمراء والخاصكية والأعيان من كل فج، حتى بقوا في جمع ~~موفور، فأعلنوا عند ذلك بالخروج عن طاعة الملك المنصور، والدخول في طاعة ~~الأمير الكبير إينال، والأمير الكبير يمتنع من ذلك بلسانه، فلم يلتفتوا ~~لتمنعه. وأخفوا في لبس السلاح، فلبسوا في الحال عن آخرهم. وطلبوا الخليفة ~~القائم بأمر الله حمزة، فحضر قبل تمام لبسهم السلاح، واحتفظوا بالأمير ~~قراجا الظاهري، وتغري بردي القلاوي، وبردبك PageV04P0365 # البجمقدار، كونهم ظاهرية جقمقية. ولما حضر الخليفة أظهر الميل الكلي ~~للأتابك إينال، وأظهر كوامن كانت عنده من الملك المنصور وحواشيه، منها: أن ~~المنصور جلس يوم قرىء تقليده على الكرسي وجلس الخليفة مع القضاة أسفل، ~~وأشياء من هذا، وقام مع الأمراء في خلع المنصور أتم قيام. كل ذلك والمماليك ~~في احتراز عظيم على جماعة من الأمراء، خوفا من فرارهم إلى الملك المنصور، ~~حتى على الأمير الكبير. ولما تكامل لبس المماليك والأمراء السلاح طلبوا من ~~الأمير الكبير الركوبر، كونهم ظاهرية جقمقية. ولما حضر الخليفة أظهر الميل ~~الكلي للأتابك إينال، وأظهر كوامن كانت عنده من الملك المنصور وحواشيه، ~~منها: أن المنصور جلس يوم قرىء تقليده على الكرسي وجلس الخليفة مع القضاة ~~أسفل، وأشياء من هذا، وقام مع الأمراء في خلع المنصور أتم قيام. كل ذلك ~~والمماليك في احتراز عظيم على جماعة من الأمراء، خوفا من فرارهم إلى الملك ~~المنصور، حتى على الأمير الكبير. ms3471 ولما تكامل لبس المماليك والأمراء السلاح ~~طلبوا من الأمير الكبير الركوب معهم والتوجه إلى بيت قوصون تجاه باب ~~السلسلة، فامتنع تمنعا ليس بذاك، ثم أجابهم في الحال؛ وركب هو والأمراء ~~وحولهم العساكر محدقة بهم إلى أن أوصلوهم إلى بيت قوصون المذكور، ودخلوه من ~~باب سره الذي بالشارع الأعظم، ونزل الأمير الكبير بمن معه من الأمراء ~~بالمقعد من الحوش، وجلس الخليفة بالقصر الفوقاني بالبيت المذكور، ورسم على ~~قراجا وتغري بردي القلاوي وبردبك بالقصر أيضا؛ كل ذلك والقوم في غير ثقة من ~~الأمير الكبير وغيره من الأمراء، حتى كلم الأمير الكبير بعض أصحابه العقلاء ~~بكلام معناه قول القائل: البسيط إذا وترت إمرأ فاحذرعداوته ... من يزرع ~~الشوك لايحصد به عنبا إن العدو وإن أبدى فسالمة ... إذا رأى منك يوما فرصة ~~وثبا وأظن القائل له الأمير أرنبغا الناصري أحد أمراء الطبلخانات، فإنه كان ~~أمثل القوم وأقواهم بأسا وأفرطهم شجاعة. وأما الملك المنصور لما بلغه ما ~~وقع من القوم في بيت الأمير الكبير تحقق من عنده من الأمراء والأعيان ركوب ~~الأمير الكبير وخروجه عن الطاعة، فأمروا في الحال يشبك القرمي والي القاهرة ~~أن ينادي بطلوع المماليك السلطانية لأخذ النفقة، وأن النفقة لكل واحد مائة ~~دينار؛ فنزل يشبك من القلعة والمنادي بين يديه ينادي بذلك، إلى أن وصل إلى ~~الرميلة تجاه باب السلسلة، فأخذته الدبابيس من المماليك، فتمزقوا، وذهب ~~القرمي إلى حال سبيله. ثم أمر الملك المنصور لأمرائه وحواشيه بلبس السلاح، ~~فلبسوا بأجمعهم، ولبس هو أيضا؛ كل ذلك وآراؤهم مفلوكة، وكلمتهم غير منضبطة. ~~وصرت أنا أنظر إليهم من أسفل القلعة، فلم أجد عندهم انزعاجا ولا هرجا مع ~~جمودة حركاتهم، ولم ينزل من القلعة أحد لحفظ المدرسة الحسنية، مع معرفتهم ~~أنها مسلطة على القلعة غاية التسليط، هذا مع كثرتهم وقوة بأسهم بالقلعة ~~والسلاح والرجال، وعندهم السلطان وشوكته إلى الآن قائمة فما شاء الله كان. ~~PageV04P0366 # وأما الأمير الكبير فإنه حال ما استقر به الجلوس ندب دواداره وصهره ~~بردبك، ومعه الأمير سونجبغا اليونسي رأس نوبة، ونوكار الناصري أحد أمراء ms3472 ~~العشرات وثاني حاجب إلى القلعة رسالة إلى الملك المنصور يطلب منه إخماد ~~الفتنة بإرسال جماعة من أمرائه، وهم: تمربغا الدوادار الكبير، ولاجين شاد ~~الشراب خاناه، وأسنباي الدوادار الثاني، فطلعوا إلى الملك المنصور وكلموه ~~في ذلك، وعادوا إلى الأمير الكبير بأجوبة طويلة مضمونها أنه امتنع من ~~تسليمهم، فأرسلهم الأمير الكبير ثانيا، وصحبتهم بردبك دواداره وصهره، ~~فتوجهوا إلى القلعة، وطلعوا إلى المنصور ثاني مرة، و طلبوا منه ما ذكرناه، ~~فامتنع، وعوق عنده سونجبغا ونوكار، وأرسل بردبك بالجواب. وابتدأ القوم في ~~القتال من يوم الاثنين المذكور، واشتد الحرب، وجرح من الطائفتين جماعة. ثم ~~خرج جماعة من أصحاب الأمير الكبير لأخذ مدرسة السلطان حسن فامتنع من بها من ~~فتح أبوابها، فنقبوا حائطا من جوارها مما يلي حدرة البقر، ودخلوا منه إلى ~~المدرسة المذكورة، وعمروا سلالم سطحها، وطلعوا منه إلى مآذنها، ورموا منها ~~بالمدافع على قلعة الجبل. وقوي أمر أصحاب الأمير الكبير بأخذ المدرسة ~~المذكورة إلى الغاية، غير أن الأمير الكبير إلى الآن يقدم رجلا ويؤخر أخرى ~~في الخلاف على المنصور، ويحسب العواقب، وصار يظهر أنه مكره على ذلك، فلم ~~يقبل المنصور منه ما أظهره، وتحقق كل أحد ما القصد بالركوب. ثم نزل الملك ~~المنصور من القصر السلطاني بأمرائه وعسكره إلى الإسطبل السلطاني، وجلس ~~بالمقعد المطل على الرميلة، ونزل من عساكره جماعة مشاة من باب السلسلة إلى ~~الرميلة، لقلة وجود الخيل بالقلعة، فإنه كان أيام الربيع والخيول غالبها ~~مربوطة على القرط بالبر الغربي من الجيزة، حتى إنه كان جميع ما بالقلعة من ~~الخيول أقل من مائة فرس، ومنعوا من إحضار خيولهم التي بالربيع، و عز توصلهم ~~إليها، وقاتلوا القوم وهم مشاة غير مرة. وصار أمر الأمير الكبير في نمو بمن ~~يأتيه من المماليك السلطانية، وجميعهم فرسان غير مشاة، فإنه صار كل واحد ~~منهم يرسل غلامه فيأتيه بفرسه من مربطه بالربيع بخلاف القلعيين، فإنهم ~~ممنودون من ذلك، من حجر أصحاب الأمير الكبير عليهم لهذا السبب وغيره. ولما ~~رأى الملك المنصور أمر الأمير الكبير في زيادة، أراد ms3473 النزول إليه بعساكره ~~في الحال من أول وهلة، فمنعه قاني باي الجاركسي من ذلك بسوء تدبيره لأمر ~~سبق، وكان في نزوله غاية المصلحة من وجوه عديدة. ومضى نهار الاثنين بعد ~~قتال كبير وقع فيه، وبات الفريقان في ليلة الثلاثاء على أهبة القتال، ~~وأصبحا يوم الثلاثاء على ما هم عليه من القتال والرمي بالمدافع والنفوط ~~والسهام من الجهتين، والجراحات فاشية في الفريقين، إلا أن فيمن هو أسفل ~~أكثر، غير أنه لا يؤثر فيهم لكثرتهم. ولم يكن وقت الزوال حتى كثر عسكر ~~الأمير الكبير إينال بمن يأتيه أرسإلا من المماليك السلطانية، واستفحل ~~أمره، لا سيما لما نزل الأمير جانبك الظاهري أستادار العالية إليه داخلا في ~~طاعته، ومعه خجداشه الأمير بردبك البجمقدار، أحد أمراء العشرات، ورأس نوبة، ~~وسر الأمير الكبير بنزوله إلى الغاية. وكان لنزول جانبك المذكور من القلعة ~~أسباب خفية. ثم في هذا اليوم لهج الخليفة أمير المؤمنين القائم بأمر الله ~~حمزة بخلع الملك المنصور عثمان من الملك غير مرة في الملأ، فقوي بذلك قلب ~~أصحاب الأمير الكبير وجدوا في القتال، وتفرقوا على جهات القلعة، وجدوا في ~~حصارها، و منعوا من يطلع إليها بالميرة وغيرها. وخف الترسيم عن جماعة من ~~الأمراء من أصحاب الأمير الكبير ممن كانت المماليك تخاف من ذهابهم إلى ~~الملك المنصور، وكانوا قبل ذلك يحتفظون بهم بطريق التحشم: وهو أن الأمير ~~منهم كان إذا ركب للقتال أو غيره، دار حوله جماعة من المماليك الأشرفية ~~وغيرهم، وساروا معه حيث سار كأنهم في خدمته حتى يعود إلى مكانه؛ فمن آخر ~~يوم الثلاثاء هذا ومن صبيحة يوم الأربعاء تركوا ذلك لعلمهم أن جميع الأمراء ~~والعساكر صاروا في طاعة الأمير الكبير. وشرع الجميع في القتال بمماليكهم ~~وحواشيهم، وفي عمل التدبير في أخذ الملك المنصور وخلعه من السلطنة، وباتوا ~~تلك الليلة على ما هم عليه. وأصبحوا يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الأول ~~والقتال عمال، وأصحاب الملك المنصور تنسل منه إلى PageV04P0367 # الأمير الكبير واحدا بعد واحد، ومن بقي منهم عند الملك المنصور لا يلتفت ~~إلى ms3474 من ذهب، بل هو على ما هو عليه من القتال لكثرة عددهم، وللقيام بنصرة ~~ابن أستاذهم، فكان في يوم الأربعاء هذا وقعات بين الطائفتين بالمناوشات لا ~~بالمقابلة، وباتوا على ذلك. فلما كان يوم الخميس رابع شهر ربيع الأول أرسل ~~الملك المنصور إلى الأمير الكبير بالأمير سونجبغا، والأمير نوكار، والزيني ~~عبد الرحمن بن الكويز، وشهاب الدين الإمام إلاخميمي، ومعهم منديل الأمان ~~للأمير الكبير ومن معه من الأمراء ليطلعوا إلى طاعة السلطان. وترددوا بين ~~الملك المنصور والأتابك إينال غير مرة في عمل الصلح، وكثر الكلام بينهم إلى ~~أن انفض المجلس على غير طائل، ولم ينبرم صلح، ومنع الأمير الكبير سونجبغا ~~ونوكار من الطلوع إلى القلعة، وعاد إلاخميمي بالجواب إلى السلطان. وفي ~~الحال عاد القتال على ما كان عليه، فإنه كان بطل الرمي من القلعة ومن ~~المدرسة لعمل الصلح، فلما انفض الأمر على غير صلح عاد كل أحد من الطائفتين ~~إلى ما كان بصدده. وأعلن الخليفة في هذا اليوم أيضا بين الملأ بخلع الملك ~~المنصور من السلطنة، وسلطنة الأتابك إينال، والأتابك إينال يمتنع من ذلك في ~~ذلك الوقت حتى ينظر ما يكون من أمر الملك المنصور ومحاصرته. ثم تكلم ~~الخليفة في ذات اليوم أيضا بين الناس بأعلى كلامه: " قد خلعت الملك المنصور ~~من الملك " . هذا وقد ضعف أمر الملك المنصور واستفحل أمر الأتابك إينال، ~~غير أن الرمي من القلعة بالمدافع وغيرها مستمر، وهلك من ذلك جماعة كبيرة من ~~عساكر الأمير الكبير ومن الأجناد والعامة والمتفرجين. وأصبح يوم الجمعة ~~خامسه حضر المقر الجمالي ناظر الجيش والخاص وعظيم الدولة عند الأمير ~~الكبير، فقام له الأمير الكبير واعتنقه وأجلسه بإزائه فوق الأمير خشقدم ~~حاجب الحجاب. فعند قدومه تحقق كل أحد بزوال دولة المنصور و إقبال دولة ~~الأتابك إينال. وتكلم المقر الصحابي مع الأتابك كلاما كثيرا لا يشاركهما في ~~ذلك أحد إلا في النادر، ثم رسم الأمير الكبير بطلب القاضي محب الدين بن ~~الأشقر كاتب السر والقضاة الأربعة، فحضروا في الحال، وقد نزل الخليفة من ~~القصر أيضا، ms3475 وجلس عند الأمير الكبير هو والقضاة وشاهدوا المدافع التي ترمي ~~عليهم من القلعة، وكان أهل القلعة في يومي الأربعاء والخميس قد أمعنوا في ~~الرمي من القلعة على الأمير الكبير وأصحابه حتى كان المدفع يصل إلى باب سر ~~بيت قوصون الذي فيه الأمير الكبير، وربما عدى الباب ووقع بالشارع على المار ~~إلى صليبة ابن طولون. ولما حضرت القضاة عند الأمير الكبير تكلموا مع ~~الخليفة في خلع الملك المنصور عثمان بكلام طويل، ثم طلبوا بدر الدين ابن ~~المصري الموقع فأملاه قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي ألماظا ~~كتبها تتضمن القدح في الملك المنصور وخلعه من السلطنة، وكان ذلك في أوائل ~~الساعة الثالثة من نهار الجمعة. وخلع الملك المنصور في اليوم المذكور من ~~الملك وحكم القضاة بذلك. وكانت مدة سلطنة الملك المنصور من يوم تسلطن بعد ~~خلع أبيه الملك الظاهر جقمق في يوم الخميس حادي عشرين المحرم من سنة سبع ~~وخمسين هذه إلى يوم الجمعة هذا شهرا واحدا وثلاثة عشر يوما؛ ولا نعرف أن ~~سلطانا أقام هذه المدة اليسيرة في ملك مصر في الدولة التركية غيره. هذا مع ~~كثرة عساكره ومماليك أبيه وحاشيته، وما أرى هذا إلا نوعا من المجازاة ~~انتهى. ولما فرغ بدر الدين المصري من كتابة الورقة أمره قاضي القضاة علم ~~الدينمير الكبير واحدا بعد واحد، ومن بقي منهم عند الملك المنصور لا يلتفت ~~إلى من ذهب، بل هو على ما هو عليه من القتال لكثرة عددهم، وللقيام بنصرة ~~ابن أستاذهم، فكان في يوم الأربعاء هذا وقعات بين الطائفتين بالمناوشات لا ~~بالمقابلة، وباتوا على ذلك. فلما كان يوم الخميس رابع شهر ربيع الأول أرسل ~~الملك المنصور إلى الأمير الكبير بالأمير سونجبغا، والأمير نوكار، والزيني ~~عبد الرحمن بن الكويز، وشهاب الدين الإمام إلاخميمي، ومعهم منديل الأمان ~~للأمير الكبير ومن معه من الأمراء ليطلعوا إلى طاعة السلطان. وترددوا بين ~~الملك المنصور والأتابك إينال غير مرة في عمل الصلح، وكثر الكلام بينهم إلى ~~أن انفض المجلس على غير طائل، ولم ينبرم صلح، ومنع ms3476 الأمير الكبير سونجبغا ~~ونوكار من الطلوع إلى القلعة، وعاد إلاخميمي بالجواب إلى السلطان. وفي ~~الحال عاد القتال على ما كان عليه، فإنه كان بطل الرمي من القلعة ومن ~~المدرسة لعمل الصلح، فلما انفض الأمر على غير صلح عاد كل أحد من الطائفتين ~~إلى ما كان بصدده. وأعلن الخليفة في هذا اليوم أيضا بين الملأ بخلع الملك ~~المنصور من السلطنة، وسلطنة الأتابك إينال، والأتابك إينال يمتنع من ذلك في ~~ذلك الوقت حتى ينظر ما يكون من أمر الملك المنصور ومحاصرته. ثم تكلم ~~الخليفة في ذات اليوم أيضا بين الناس بأعلى كلامه: " قد خلعت الملك المنصور ~~من الملك " . هذا وقد ضعف أمر الملك المنصور واستفحل أمر الأتابك إينال، ~~غير أن الرمي من القلعة بالمدافع وغيرها مستمر، وهلك من ذلك جماعة كبيرة من ~~عساكر الأمير الكبير ومن الأجناد والعامة والمتفرجين. وأصبح يوم الجمعة ~~خامسه حضر المقر الجمالي ناظر الجيش والخاص وعظيم الدولة عند الأمير ~~الكبير، فقام له الأمير الكبير واعتنقه وأجلسه بإزائه فوق الأمير خشقدم ~~حاجب الحجاب. فعند قدومه تحقق كل أحد بزوال دولة المنصور و إقبال دولة ~~الأتابك إينال. وتكلم المقر الصحابي مع الأتابك كلاما كثيرا لا يشاركهما في ~~ذلك أحد إلا في النادر، ثم رسم الأمير الكبير بطلب القاضي محب الدين بن ~~الأشقر كاتب السر والقضاة الأربعة، فحضروا في الحال، وقد نزل الخليفة من ~~القصر أيضا، وجلس عند الأمير الكبير هو والقضاة وشاهدوا المدافع التي ترمي ~~عليهم من القلعة، وكان أهل القلعة في يومي الأربعاء والخميس قد أمعنوا في ~~الرمي من القلعة على الأمير الكبير وأصحابه حتى كان المدفع يصل إلى باب سر ~~بيت قوصون الذي فيه الأمير الكبير، وربما عدى الباب ووقع بالشارع على المار ~~إلى صليبة ابن طولون. ولما حضرت القضاة عند الأمير الكبير تكلموا مع ~~الخليفة في خلع الملك المنصور عثمان بكلام طويل، ثم طلبوا بدر الدين ابن ~~المصري الموقع فأملاه قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي ألماظا ~~كتبها تتضمن القدح في الملك المنصور وخلعه من السلطنة، ms3477 وكان ذلك في أوائل ~~الساعة الثالثة من نهار الجمعة. وخلع الملك المنصور في اليوم المذكور من ~~الملك وحكم القضاة بذلك. وكانت مدة سلطنة الملك المنصور من يوم تسلطن بعد ~~خلع أبيه الملك الظاهر جقمق في يوم الخميس حادي عشرين المحرم من سنة سبع ~~وخمسين هذه إلى يوم الجمعة هذا شهرا واحدا وثلاثة عشر يوما؛ ولا نعرف أن ~~سلطانا أقام هذه المدة اليسيرة في ملك مصر في الدولة التركية غيره. هذا مع ~~كثرة عساكره ومماليك أبيه وحاشيته، وما أرى هذا إلا نوعا من المجازاة ~~انتهى. ولما فرغ بدر الدين المصري من كتابة الورقة أمره قاضي القضاة علم ~~الدين PageV04P0368 # صالح البلقيني أن يقرأ ما في الورقة على من حضر المجلس من الأمراء ~~وغيرهم، وقرئت عليهم إلى آخرها. ثم سأل قاضي القضاة من حضر المجلس عن سلطنة ~~الأمير الكبير إينال عليهم، فصاحوا بأجمعهم: " نحن راضون بالأمير الكبير " ~~، وكرر القاضي عليهم القول غير مرة وهم يردون الجواب كمقالتهم أولا. وفرحوا ~~بذلك، وسروا غاية السرور، وانفض المجلس على خلع الملك المنصور وسلطنة ~~الأتابك إينال؛ غير أنه لم يلبس خلعة السلطنة، ولا ركب بشعار الملك: ترك ~~ذلك لوقته. وصار الناس في خطابه من يومئذ على أقسام وألفاظ مختلفة، فمن ~~الناس من صار يقول له: " يا خوند " ومنهم من يقول: " أغاه " ، ومنهم من ~~يقول: " الأمير الكبير " ، ومنهم من يقول: " السلطان " كل ذلك وهو على حالة ~~جلوسه كأول يوم دخل إلى بيت قوصون المذكور، أعني من أول يوم الوقعة، ولم ~~يتغير عليه شيء مما كان عليه، ولم يركب من المقعد المذكور من يوم قدم بيت ~~قوصون غير مرة واحدة في يوم الثلاثاء، وعاد من وسط الحوش قبل أن يصل إلى ~~باب البيت النافذ إلى الرميلة، رده أصحابه إجلإلا لقدره، وإنما كان يجلس هو ~~بالمقعد، والأمراء عن يمينه ويساره جلوسا ووقوفا بين يديه، والمماليك ~~والعساكر تخرج من بين يديه للقتال طائفة بعد أخرى باجتهاد وعمل جد في مدة ~~هذه الأيام من غير أن يستحثهم أحد لذلك، وهذا شيء عظيم ms3478 إلى الغاية: الخفيف ~~وإذا سخر إلاله أناسا ... لسعيد فإنهم سعداء وكنت أنظر في تلك الأيام إلى ~~وجه الأمير الكبير لأتحقق هل هو مسرور أم محزون، فلا أعرف هذا منه لثباته ~~في سائر أحواله، وسكونه وعقله؛ فإنه كان ينفذ الأمور على أحسن وجه من غير ~~اضطراب ولا هرج، بتأن وتؤدة، وكلما وقع من أصحابه ما يخالف ذلك يأخذ في ~~تسكينهم وثباتهم على القتال من غير عجلة، ثم يقول لهم: " القلاع ما تؤخذ ~~إلا بالصبر والثبات والتأني " . ثم إن الأمير الكبير أمر في اليوم المذكور ~~بعمل منبر ليخطب عليه قاضي القضاة بالبيت المذكور لصلاة الجمعة، فصنع ذلك ~~في الحال، وتهيأ القوم لصلاة الجمعة. فلما دخل وقت الصلاة خطب قاضي القضاة ~~علم الدين صالح البلقيني وصلى بالأمير الكبير والخليفة وجميع العساكر بمقعد ~~البيت المذكور، ثم انصرف القضاة بعد الصلاة إلى منازلهم. هذا والقتال مستمر ~~أشد ما يكون بين الطائفتين، وقد تداول نزول الخاصكية والمماليك من عند ~~الملك المنصور إلى الأتابك إينال، وهم مع ذلك كل يوم في زيادة في القتال لا ~~يلتفتون إلى من يذهب من عندهم، ويقول بعضهم لبعض: " نحسبه أنه جرح ومات، ~~وما علينا ممن يتوجه من عندنا، ونحن نقاتل إلى أن نموت " ، والملك المنصور ~~جالس بالقصر السلطاني، وعنده من أكابر الأمراء الأمير تنم أمير سلاح، ~~والأمير قاني باي الجاركسي. هذا مع مبالغة أصحاب الأمير الكبير في القتال ~~أيضا، لا سيما من يوم حضر المقر الجمالي ناظر الجيوش والخاص، ثم حضر ~~القضاة، وخلع الملك المنصور في يوم الجمعة، فمن يومئذ بذلوا نفوسهم لنصرة ~~الأمير الكبير، وخوفا من أن يصير للملك المنصورعليهم دولة، فسيكون فناؤهم ~~على يديه، وأيضا إنهم تحققوا سلطنة الأتابك إينال، فاشتاقت نفوسهم لما عساه ~~ينالهم من الإقطاعات والوظائف وغير ذلك، فاقتحموا إلاهوال لذلك من غير صبر ~~ولا تأن: الوافر وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام ~~هذا والجراحات فاشية في كل من الطائفتين، ويقتل أيضا منهم في اليوم الواحد ~~وإلاثنان وأكثر وأقل. ولما كان يوم الجمعة ms3479 المذكور توعك فيه الأمير أسنبغا ~~الطياري رأس نوبة PageV04P0369 # النوب، ومات من ليلته شبه الفجاءة من غير سابق مرض، وصلي عليه من الغد ~~بالمقعد من بيت قوصون، وحمل ودفن بالصحراء، وكان من محاسن الدنيا. يأتي ~~التعريف بحاله في الوفيات كما هي عادة هذا الكتاب. ثم أصبح يوم السبت سادس ~~شهر ربيع الأول حضر المقر الجمالي الصاحبي ناظر الجيش والخاص عند الأمير ~~الكبير، وصحبته غالب مباشري الدولة والقضاة، وكتبوا محضرا يتضمن ما وقع في ~~أمسه من خلع الملك المنصور من السلطنة ومبايعة العساكر للأمير الكبير ~~بالسلطنة؛ وكتب في المحضر جماعة كبيرة من أمراء الظاهرية وغيرهم، وفيه ~~قوادح في الملك المنصور، ذكرناها في غير هذا المحل. وجد في هذا اليوم كل من ~~العسكرين في القتال، ورتب الأمير الكبير جماعة من أعيان الأمراء على ~~المواضع التي يتوصل منها إلى القلعة، وحرض الوالي وغيره على مسك من يطلع ~~إلى القلعة من الغلمان والخدم بالمآكل وغيرها، ومسك بسبب ذلك جماعة وضرب ~~آخرون. وفي هذا اليوم والذي قبله صارت أمراء الألوف تخاطب الأمير الكبير ~~وهم وقوف، وصار لا يقوم لأحد منهم عند ذهابه وإيابه. وكان الأمير أسنبغا ~~الطياري رأس نوبة النوب رحمه الله في يوم الجمعة الذي مرض فيه رمل على ~~كتابة الأمير الكبير على المراسيم وغيرها؛ وناهيك بأسنبغا، فإنه كان يوم ~~ذلك أمثل الأمراء وأجلهم. رأيته أنا وهو يرمل على علامته من غير أن يحتشم ~~معه الأمير الكبير في ذلك ولا تجمل معه، بل صار كلما علم العلامة ورمى بها ~~أخذها أسنبغا ورمل عليها كما كان يفعله مع السلطان، فإن العادة لا يرمل على ~~السلطان إلا رأس نوبة النوب. هذا وقد تحقق أهل القلعة زوال ملك الملك ~~المنصور، وهم على ما هم PageV04P0370 # عليه من الشدة في القتال، والقيام بنصرة ابن أستاذهم، غير أنهم كما قيل ~~في إلامثال: " سلاح حاضر وعقل غائب " ، لكونهم شبابا لم تمر بهم التجارب، ~~ولا لهم ممارسة بالحروب، ولا يعرفون نوعا من أنواع الخديعة والمكر ~~بأخصامهم، وأيضا لم يكن عندهم من الأمراء وغيرهم ms3480 ممن له خبرة بهذه الآنواع ~~غير أمير واحد وجندي، وكل منهما غير مقبول الكلمة عندهم. فالأمير كزل ~~المعلم، والجندي السيفي كمشبغا الظاهري برقوق المعلم، وأما من عداهما من ~~الأمراء فحالهم معروف لا يحتاج إلى بيان؛ وأعظم من كان هناك من الأمراء ~~الأمير تنم أمير سلاح، وقاني باي الجاركسي الأمير آخور؛ فأما تنم فإنه لم ~~يأت بشيء، إما تقصيرا منه لمعنى من المعاني، أو لقلة دربته بالحروب ~~والخطوب، وأما قاني باي فحاله معروف لا يحتاج للتعريف به. وأصبح الناس في ~~يوم الأحد سابع شهر ربيع الأول والقتال مستمر بين الفريقين، وكل منهم في ~~أشد ما يكون من القيام بنصرة صاحبهم إلى قريب الظهر، فنزل من القلعة جماعة ~~كبيرة مشاة إلى عند سبيل المؤمني، فخرج إليهم جماعة كبيرة من عسكر الأمير ~~الكبير، وتقاتلوا بالرماح والسيوف وإلاطبار، وافترقوا ثم التقوا غير مرة ~~حتى أردف عسكر الأمير الكبير طوخ من تمراز الناصري من مكانه الذي كان مقيما ~~عند زاوية قاني باي الجاركسي بجماعته، ثم أردفهم جماعة أخر من عند الأمير ~~الكبير، والتحم القتال بينهم وقتل جماعة من عكسر الأمير الكبير، منهم: ~~طقتمر الناصري رأس نوبة الجمدارية تهبيرا لأنه كان هرب من عند الملك ~~المنصور ونزل إلى الأمير الكبير في يومه، فلما ظفروا به قتلوه، لما كان في ~~نفوسهم منه ثم ممجق اليشبكي الخاصكي أخذ سحبا إلى القلعة، فمات من جراحه ~~وأيتمش المؤيدي الخاصكي، وقاني باي الأشرفي الخاصكي وغيرهم. ودام القتال ~~بينهم حتى ملك أصحاب الأمير الكبير سبيل المؤمني بعد أمور وحروب. ثم أطلقت ~~أصحاب الأمير الكبير النار في البيوت التي بجوار الميدان برأي تمراز ~~الأشرفي الزردكاش، فتعلقت النار فيهم حتى وصلت إلى سقف المسجد من سبيل ~~المؤمني وأحرقته عن آخره؛ وكان بسطحه جماعة كبيرة من السلطانية فنزلوا ~~عنده، فحينئذ وجد أصحاب الأمير الكبير طريقا لهدم سور الميدان، فهدموا ~~جانبا منه، ودخلوا منه إلى الميدان الذي تحت قلعة الجبل. هذا وقد انحاز ~~السلطانية إلى باب السلسلة، فكان في هذا اليوم حرب بين الطائفتين لم يقع ms3481 ~~مثله في الستة أيام الماضية. فلما دخل القوم إلى الميدان ولت المنصورية ~~الأدبار، وقام السلطان الملك المنصور عثمان من مجلسه بمقعد الإسطبل ~~السلطاني، وطلع إلى القصر الأبلق من قلعة الجبل، ومعه جماعة كبيرة من ~~مماليك أبيه وغيرهم من الأمراء والخاصكية، ودخل قاني باي الجاركسي إلى مبيت ~~الحراقة من الإسطبل، ودام الأمير تنم بالمقعد مستعزا بخجداشيته المؤيدية ~~وغيرهم. وتمزقت عساكر المنصور في الوقت كأنها لم تكن، من غير أمر أوجب ذلك، ~~وتركوا باب السلسلة وفروا منه قبل أن يطلع إليه واحد من أصحاب الأتابك ~~إينال، ثم فعلوا ذلك أيضا بقلعة الجبل وتركوها وأبوابها مفتحة، ولم يقاتلوا ~~بها ساعة واحدة، وتمزقوا كل ممزق. وكان هذا بعكس ما كان منهم في السبعة ~~أيام الماضية من شدة القتال وعظم PageV04P0371 # الثبات وقوة البأس، إلى أن كان من أمرهم ما كان في هذا اليوم، وتركوا باب ~~السلسلة والقلعة وانصرفوا في الحال على أقبح وجه. وكان يمكنهم أن يقاتلوا ~~القوم بالميدان أياما، فإن الميدان لا فرق بينه وبين الرميلة، وليس بينه ~~وبين باب السلسلة تعلق. وأيضا ولو ملكت أصحاب الأمير الكبير باب السلسلة ~~والإسطبل السلطاني كان يمكنهم القتال من القلعة أياما، إذ ليس للقلعة تعلق ~~بالإسطبل: وقد ملك المؤيد شيخ أيام إمرته الإسطبل من الأمير أرغون الأمير ~~آخور نائب غيبة الملك الناصر فرج، ودام به أياما، ولم يقدر على أخذ القلعة ~~ولا توصل إليها بوجه من الوجوه، وكان مع الملك المؤيد أقوام هم هم، وأيضا ~~لم يكن بالقلعة يوم ذاك بعض من كان بها الآن؛ ووقع ذلك لخلائق من الملوك ~~أنهم ملكوا باب السلسلة ولم يقدروا على أخذ القلعة. والمقصود من هذا الكلام ~~أن ليس للقلعة علاقة بباب السلسلة إلا في الأمن والرخاء لا غير؛ كل ذلك لما ~~تقدم ذكره أنه ليس عندهم من يدبرأمورهم، وإلا فكان يمكنهم أن يطلعوا إلى ~~القلعة ويحصنوها ويقاتلوا بها أياما حتى تعمل مصالحهم، وإذا سلموها يعطوها ~~بالأمان والرضا، هذا إذا لم يكن لهم نهضة للهروب والخروج من الديار ~~المصرية، وإلاختفاء في ms3482 مكان من إلامكنة من القاهرة، كما فعل غيرهم من ~~الملوك السالفة. على أن أصحاب الأمير الكبير كان أخذ منهم التعب والجهد في ~~هذا اليوم والذي قبله أمرا كبيرا، وكل أكثرهم من القتال، فلو امتنعت ~~السلطانية بباب السلسلة يوما أو يومين لطال أمرهم بعد ذلك، ووقع لهم أمور ~~ليس في ذكرها الآن فائدة. وكان أمر المماليك الظاهرية في مبدأ الأمر عجيبا ~~من شدة بأسهم أولا، وفي تهاونهم آخرا؛ وقد قيل في إلامثال: " على قدر ~~الصعود يكون الهبوط " . ولما بلغ الأمير الكبير إينال طلوع الملك المنصور ~~من الإسطبل السلطاني إلى القصر الأبلق ندب في الحال الأمير جرباش المحمدي ~~الناصري المعروف بكرد إلى الطلوع إلى باب السلسلة وتسليم الإسطبل السلطاني. ~~ولم يتحرك الأمير الكبير من مكانه، ولا ظهر عليه فرح ولا كآبة، فهذا أيضا ~~مما تعجبت منه. وطلع الأمير جرباش إلى باب السلسلة بعد أن استولى أصحاب ~~الأمير الكبير عليها. وكان من خبر أخذهم لباب السلسلة أن الأمير تنم من عبد ~~الرزاق المؤيدي أمير سلاح لما قام الملك المنصور وطلع إلى القصر، وتشتت ~~عساكره ثم دخل قاني باي الجاركسي مبيت الحراقة من الإسطبل، قام تنم المذكور ~~ومشى إلى المقعد الذي كان يجلس به الملك المنصور في أيام الوقعة، وأشار إلى ~~القوم بمنديل كان بيده كمن يطلب الأمان، ثم ركب في الحال وفي زعمه أن ~~الجماعة تتلقاه بالرحب والقبول، لأياد كانت له، وصحبة عند الأمير الكبير ~~قديما وحديثا، وأيضا أن غالب من كان من أصحاب الأمير الكبير هو خجداشه أو ~~صاحبه، فركب فرسه ونزل حتى وقف عند باب السلسلة أسفل الحدرة. وفتحت خوخة ~~باب السلسلة ودخل القوم، فحال ما وقع بصرهم عليه تناولته الألسن وإلايدي ~~بالسب والضرب، حتى أخذ وأنزل بغير تخفيفة على حالة غير مرضية، ولولا أن بعض ~~خجداشيته المؤيدية حماه لكان أمره ربما وصل إلى التلاف. وكذلك وقع للأمير ~~كزل المعلم. وأما عبد الله كاشف الشرقية فإنه أخذ ورأسه مكشوفة وشيبته قد ~~تضمخت بالدماء السائلة على وجهه من الضرب بالدبابيس، والقوم تهجم ms3483 عليه كرة ~~بعد أخرى لهلاكه، لولا قائل كفهم عنه وهو يقول: " لا تقتلوه؛ يروح مال ~~السلطان، دعوه حتى يأخذ السلطان أمواله " ، ثم وقع ذلك بجماعة من الخاصكية ~~يطول الشرح في ذكرهم من إلاخذ والسلب مما عليهم والآخراق بهم. PageV04P0372 # وأما الأمير تنم فإنه لما أخذوه ودخلوا به إلى الأمير الكبير، وعلى رأسه ~~قبع أخضر من غير تخفيفة، ومعه كزل المعلم، وعبد الله الكاشف، فأوقف بين يدي ~~الأمير الكبير على بعد، فكان أول ما تكلم به تنم أن قال: " بيني وبين ~~الأمير الكبير عهود " أو معنى ذلك، فقال الأمير الكبير: " أنت نقضت العهد " ~~يعني بتركه وطلوعه إلى الملك المنصور. ثم أمر به وبرفقته فحبسوا بالقصر عند ~~الأمير قراجا وغيره، ثم نقلوا بعد ساعة إلى ركبخاناه الإسطبل السلطاني، ~~وأضيف إليهم قاني باي الجاركسي وغيره ممن يأتي ذكرهم عند توجههم إلى سجن ~~الإسكندرية. ولما طلع الأمير جرباش إلى الإسطبل وملك باب السلسلة، قام ~~الأمير الكبير عند ذلك من مقعد بيت الأمير قوصون، وركب فرسه، وخرج منه في ~~موكب عظيم إلى الغاية، والخليفة عن يمينه، وتنبك البردكي أمير مجلس عن ~~يساره، والعساكر بين يديه محدقة به، وقد وقفت الخلائق دهليزا لرؤيته، حتى ~~سار من بيت قوصون تجاه باب السلسلة إلى أن طلع إليها، وجلس بالحراقة من باب ~~السلسلة؛ فحال جلوسه تفرقت العساكر في قبض أعيان الأمراء الظاهرية وغيرهم، ~~فقبضوا منهم على جماعة كثيرة يأتي ذكرهم بعد ذلك. ثم أخذ قاني باي الجاركسي ~~من مبيت الحراقة، وانزل به عند رفقته المقبوض عليهم، وقيدوا الجميع ~~بركبخاناه الإسطبل، ولم ينج أحد من أمراء الظاهرية غير اسنباي الجمالي ~~الدوادار الثاني، فإنه فر من القلعة، واختفى على ما سيأتي ذكره. ثم أمر ~~السلطان في الوقت بإلافراج عن الأمير قراجا الظاهري، وعن الأمير تغري بردي ~~القلاوي، وعن الأمير بردبك الأمير آخور الثالث، ورسم لهم بلبس الكلفتاه من ~~الغد، وحضور الخدمة السلطانية. ثم رسم الأمير الكبير في الحال بقلع السلاح، ~~وقلع هو قبل الناس ما كان عليه، وكان لبسه في تلك الأيام ms3484 كلها قرقل مخمل ~~أحمر بغير أكمام. وقلعت العساكر في الحال السلاح من عليهم، وسكنت الفتنة ~~كأنها لم تكن، وبات الناس في أمن وسلامة. على أن القاهرة كانت في مدة هذه ~~الأيام، والقتال عمال في كل يوم، في غاية الأمن، والحوانيت مفتحة، والناس ~~في بيعهم وشرائهم، وأكثرهم جالس بالدكاكين للفرجة على من يمر عليهم من ~~العساكر الملبسة، بل كان يتوجه منهم أيضا جماعة كبيرة إلى الرميلة للفرجة ~~على القتال كما كان يتوجه بعضهم للفرجة على المحمل وغيره. ولم تقفل أبواب ~~القاهرة في هذه المدة، ولا شوشت الزعر على أحد، بل كان كل واحد يمضي إلى ~~حال سبيله، والقتال عمال بين الطائفتين لا يصيب من العامة إلا من توغل منهم ~~بين المقاتلة، فهذا أيضا من الغرائب. على أننا لا نعلم وقعة كانت بمصر تطول ~~هذه المدة، ولا حوصرت قلعة الجبل سبعة أيام إلا في هذه الواقعة. وأما وقعة ~~يشبك الشعباني ورفقته مع الملك الناصر المقدم ذكرها ليس هي كهذه الوقعة، ~~ومع هذا قفلت القاهرة في تلك الكائنة أياما ونهبت الزعر عدة أماكن، فكانت ~~هذه الوقعة بخلاف جميع الوقائع في هذا المعنى انتهى. وبات الأمير الكبير ~~إينال بمبيت الحراقة من الإسطبل السلطاني حتى أصبح وتسلطن منه، على ما يأتي ~~ذكره مفصلا في ترجمته عقيب هذه الترجدة. وزالت دولة الملك المنصور عثمان ~~كأنها لم تكن، فسبحان من لا يزول ملكه. وكانت ممة سلطنة الملك المنصور من ~~يوم تسلطن بعد خلع أبيه حسبما تقدم ذكره إلى يوم خلعه الخليفة يوم الجمعة ~~خامس شهر ربيع الأول شهرا واحدا وثلاثة عشريوما، وإلى يوم تسلطن الملك ~~الأشرف إينال في صبيحة يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول المذكور شهرا وستة ~~عشر يوما. ولا نعلم أحدا من ملوك مصر من إلاتراك كانت مدته في الملك أقصر ~~من مدة الملك المنصور هذا، مع عظم شوكته، وثبات قدمه في الملك. فما شاء ~~الله كان، وما هذا إلا نوع من القصاص. وقد ورد في إلاسرائيليات: يقول الله ~~سبحانه وتعالى: " يا داود أنا الرب ms3485 الودود، أعامل إلابناء بما فعلت الجدود ~~" . وقد رأينا هذه المكافأة في واحد بعد واحد من يوم خلع الملك المنصور ~~حاجي بالملك الظاهر برقوق من السلطنة إلى يومنا هذا، والجميع يشربون هذا ~~الكأس جمن يد أتابكتهم، ويرد عليهم هذا الشراب بتدبير مماليك أبيهم؛ وقد ~~تقدم ذكر هذا المعنى في مواطن كثيرة، وإلاضراب عن ذكر هذا أجمل. ~~PageV04P0373 # ولما طلع الملك المنصور من الإسطبل إلى القصر ودعه مماليك أبيه وفارقوه، ~~فلا قوة إلا بالله. وتوجه هو إلى الحريم السلطاني عند والدته، وأقام عندها ~~إلى أن طلبه منها الملك الأشرف إينال، فخرجت معه إلى قاعة البحرة بالحوش ~~السلطاني من قلعة الجبل، فأقام الملك المنصور بالبحرة من يوم خلع هو ومن ~~يخدمه مع والدته وأولاده والجميع في الترسيم إلى يوم الأحد ثامن عشرين شهر ~~ربيع الأول، فا خذ منها بجميع خدمه ووالدته وأولاده، وأنزلوا الجميع في ~~حراقة إلى ثغر الإسكندرية. وكانت هيئة نزول الملك المنصور من القلعة أنه ~~أركب على فرس بوزبقيد، من غير أن يركب أحد من إلاوجاقية خلفه كما هي عادة ~~الملوك من الأمراء، ومضوا به من باب القرافة في وقت القائلة، وقد خرجوا ~~الناس للفرجة عليه بخارج القاهرة، وساروا به وحوله الخاصكية بالسيوف ~~والرماح، وجماعة كبيرة من أعيان الأمراء، وقد ازدحم الناس بالكيمان للفرجة ~~عليه، حتى اجتاز بقرافة مصر القديمة إلى أن وصل إلى نيل مصر، وأنزل في ~~الحراقة، وسافر من وقته في بحر النيل إلى الإسكندرية، فسجن بها. وهذا أيضا ~~من الغرائب من أن ملك مصر يخلع ويتوجه مقيدا إلى الإسكندرية نهارا، ولم يقع ~~ذلك لغيره في السنين الخالية. وكان مسفره خيربك الأشقر المؤيدي الأمير آخور ~~الثاني. واستمر الملك المنصور مسجونا بثغر الإسكندرية وعنده والدته وجواريه ~~وأولاده إلى ما يأتي ذكره أحسن الله عاقبته بمحمد وآله. ### | AUT سلطنة الأشرف إينال العلائي # PageV04P0374 # السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر إينال بن عبد الله العلائي ~~الظاهري ثم الناصري. ملك الديار المصرية بعد انهزام الملك المنصور عثمان في ~~يوم الأحد سابع شهر ربيع الأول ms3486 من سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وطلع إلى باب ~~السلسلة وبات بمبيت الحراقة حسبما ذكرنا إلى أن تسلطن من الغد. وقد ذكرنا ~~طلوعه وما وقع له في حرب الملك المنصور في ترجمته مفصلا، ويأتي ذكرسلطنته ~~أيضا في أول ترجمته كما هي عادة هذا الكتاب. والملك الأشرف هذا هو السلطان ~~السادس والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، والثاني عشر من ~~ملوك الجراكسة وأولادهم بها. ولما كان صبيحة يوم الاثنين ثامن شهر ربيع ~~الأول من سنة سبع وخمسين المذكورة طلع أعيان الدولة والعساكر إلى الإسطبل ~~السلطاني بقماش الموكب، وانضموا الجميع بالحراقة من باب السلسلة، وقد حضر ~~الخليفة والقضاة الأربعة وسائر أمراء الدولة، وبويع الأمير الكبير إينال ~~بالسلطنة، ولقب بالملك الأشرف، ولبس خلعة السلطنة من مبيت الحراقة بالإسطبل ~~السلطاني في أول ساعة من النهار المذكور، بعد طلوع الشمس بنحو ست درجات، في ~~ساعة القمر، والطالع الحمل. وكان بويع بالسلطنة حسبما تقدم ذكره في بيت ~~قوصون قبل أن يملك قلعة الجبل في يوم الأربعاء ثالثة، ثم في يوم الجمعة ~~حسبما ذكرنا ذلك في وقته، ثم في يوم السبت سادسه، ثم في عصر أمسه بعد طلوعه ~~إلى باب السلسلة، والعهدة في سلطنته من وقت لبسه الخلعة السوداء الخليفتية ~~وركوبه بشعار الملك. ولما تم لبسه خلعة السلطنة من المبيت المذكور، خرج ~~منه، ومشى حتى ركب فرس النوبة، بأبهة السلطنة وشعار الملك، وحمل ولده ~~المقام الشهابي أحمد القبة والطير على رأسه حتى طلع إلى القصر السلطاني، ~~والأمراء والعساكر مشاة بين يديه، ما خلا الخليفة. وسار على تلك الهيئة إلى ~~أن وصل إلى باب القصر، فنزل عن فرسه، ودخل القصر الكبير، وجلس بإيوانه على ~~تخت الملك، وقبلت الأمراء الأرض بين يديه، وخلع على الخليفة القائم بأمر ~~الله فوقانيا كمخا حريرا بوجهين أخضر وأبيض، بطرز يلبغاوي زركش، وقدم له ~~فرسا بسرج ذهب، وكنبوش زركش. وتم جلوسه بالقصر السلطاني إلى يوم الجمعة على ~~ما سنذكره بعد ذكر نسبه فنقول: أصله جاركسي الجنس، أخذ من بلاده، فاشتراه ~~خواجا علاء الدين علي، ms3487 وقدم به إلى القاهرة، هو وأخيه طوخ، وطوخ كان ~~إلاكبر، وكان اسم إينال غير إينال، فاستقر إينال، فاشتراهما الملك الظاهر ~~برقوق أعني إينال وطوخ من الخواجا علاء الدين المذكور في حدود سنة تسع ~~وتسعين وسبعمائة تخمينا، فأعتق الظاهر أخاه طوخ المذكور، ودام إينال هذا ~~كتابيا بطبقة الزمام، إلى أن ملكه الملك الناصر فرج بن برقوق وأعتقه، وأخرج ~~له خيلا على العادة. واستمر من جملة المماليك السلطانية، إلى أن صار في آخر ~~الدولة الناصرية خاصكيا، فدام على ذلك إلى أن أنعم عليه الأمير الكبير ططر ~~في الدولة المظفرية بإمرة عشرة من أوائل سنة أربع وعشرين. ثم نقل إلى إمرة ~~طبلخاناه في أوائل دولة الأشرف برسباي في سنة خمس وعشرين وثمانمائة. ثم صار ~~بعد انتقال قاني باي الأبوبكري البهلوان إلى تقدمة ألف، ثاني رأس نوبة ~~النوب. ثم نقل إلى نيابة غزة بعد عزل الأمير تمراز القرمشي وقدومه إلى ~~الديار المصرية، وذلك في يوم الثلاثاء ثامن عشرين شوال سنة إحدى وثلاثين ~~وثمانمائة، فباشر نيابة غزة إلى أن سافر صحبة الملك الأشرف برسباي إلى آمد ~~في سنة ست وثلاثين وثمانمائة. ولما عاد الأشرف من آمد ونزل بمدينة الرها ~~وقد استولى عليها وهي خراب طلبه الملك الأشرف ليستقر في نيابة الرها ~~فامتنع، ورمى بسيفه وأغلظ للأشرف في الكلام، فاستشاط الأشرف غضبا ولم يسعه ~~إلا أن طلب مملوكه قراجا شاد الشراب خاناه، وخلع عليه بنيابة الرها، وقال: ~~" أنا ما يمتثل أوامري إلا مماليكي " . وانفض الموكب، وذهب إينال هذا إلى ~~مخيمه، فندم على ما وقع منه، وخوف عواقب ذلك، فأذعن. وطلبه السلطان في عصر ~~النهار المذكور، وخلع عليه أطلسين متمرا، ووعده بأن يمده بالسلاح والعليق ~~وغير ذلك، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، زيادة على ~~نيابة الرها، عوضا عن جانبك الحمزاوي المستقر في نيابة غزة عوضه. وخرج ~~إينال وهو متغير اللون رأيته لما سلمت عليه ودام في نيابة الرها، إلى أن ~~عزله الأشرف عنها بالأمير PageV04P0375 # شاد بك الجكمي ثاني رأس نوبة في يوم الثلاثاء سابع ms3488 عشرين شوال سنة سبع ~~وثلاثين، واستقدمه إلى القاهرة على إمرة مائة وتقدمة ألف، وهو إلاقطاع الذي ~~كان بيده زيادة على نيابة الرها. ودام بمصر إلى أن خلع عليه الأشرف في يوم ~~الخميس عاشر رجب سنة أربعين وثمانمائة بنيابة صفد بعد عزل الأمير يونس ~~الركني الأرغوني إلاعور عنها. فاستمر في صفد إلى أن طلبه الملك الظاهر جقمق ~~في سنة ثلاث وأربعين، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية في ~~صفر السنة المذكورة، وولى صفد عوضه قاني باي البهلوان أتابك دمشق. وكان ~~قدوم إينال هذا إلى القاهرة في يوم السبت ثالث عشر صفر، فدام بالقاهرة من ~~جملة أمراء الألوف إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى الدوادارية الكبرى ~~بعد موت تغري بردي البكلمشي المؤذي في يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة ~~سنة ست وأربعين، فبلشر الدوادارية إلى أن نقله الظاهر إلى أتابكية العساكر ~~بالديار المصرية دفعة واحدة بعد موت الأتابك يشبك السودوني المشد في سنة ~~تسع وأربعين وثمانمائة، فدام أتابكا إلى أن مات الظاهر جقمق، وملك بعده ~~ابنه المنصور عثمان، ووقع ما حكيناه من الفتنة بينه وبين المنصور حتى خلع ~~المنصور وتسلطن حسبما ذكرناه في أول هذه الترجدة انتهى ذكر نسبه.اد بك ~~الجكمي ثاني رأس نوبة في يوم الثلاثاء سابع عشرين شوال سنة سبع وثلاثين، ~~واستقدمه إلى القاهرة على إمرة مائة وتقدمة ألف، وهو إلاقطاع الذي كان بيده ~~زيادة على نيابة الرها. ودام بمصر إلى أن خلع عليه الأشرف في يوم الخميس ~~عاشر رجب سنة أربعين وثمانمائة بنيابة صفد بعد عزل الأمير يونس الركني ~~الأرغوني إلاعور عنها. فاستمر في صفد إلى أن طلبه الملك الظاهر جقمق في سنة ~~ثلاث وأربعين، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية في صفر ~~السنة المذكورة، وولى صفد عوضه قاني باي البهلوان أتابك دمشق. وكان قدوم ~~إينال هذا إلى القاهرة في يوم السبت ثالث عشر صفر، فدام بالقاهرة من جملة ~~أمراء الألوف إلى أن نقله الملك الظاهر جقمق إلى الدوادارية الكبرى بعد موت ~~تغري بردي ms3489 البكلمشي المؤذي في يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ست ~~وأربعين، فبلشر الدوادارية إلى أن نقله الظاهر إلى أتابكية العساكر بالديار ~~المصرية دفعة واحدة بعد موت الأتابك يشبك السودوني المشد في سنة تسع ~~وأربعين وثمانمائة، فدام أتابكا إلى أن مات الظاهر جقمق، وملك بعده ابنه ~~المنصور عثمان، ووقع ما حكيناه من الفتنة بينه وبين المنصور حتى خلع ~~المنصور وتسلطن حسبما ذكرناه في أول هذه الترجدة انتهى ذكر نسبه. ~~PageV04P0376 # ولنعد لما كنا فيه من جلوسه بعد قلعه خلعة السلطنة بالقصرفنقول: ولما تم ~~جلوسه بالقصر طلب خجداشه يونس العلائي الناصري نائب قلعة الجبل، وخلع عليه ~~باستقراره في نيابة الإسكندرية بعد عزل يشبك قرا وحبسه، وأمر السلطان ~~الأمير قاني باي إلاعمش الناصري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة أن يجلس مكان ~~يونس المذكور. ثم أصبح السلطان الملك الأشرف إينال هذا في يوم الثلاثاء ~~تاسع ربيع الأول خلع على جماعة كبيرة بعدة وظائف: فخلع على ولده المقام ~~الشهابي أحمد باستقراره أتابك العساكر عوضا عن نفسه. وعلى الأمير تنبك ~~البردبكي الظاهري أمير مجلس بإمرة سلاح عوضا عن الأمير تنم من عبد الرزاق ~~المؤيدي بحكم القبض عليه وسجنه. وخلع على الأمير طوخ من تمراز الناصري غليظ ~~الرقبة بإمرة مجلس عوضا عن تنبك المذكور. وخلع على الأمير خشقدم الناصري ~~المؤيدي حاجب الحجاب باستمراره على وظيفته. وخلع على الأمير جرباش المحمدي ~~الناصري المعروف بكرد باستقراره أمير آخور كبيرا عوضا عن قاني باي الجاركسي ~~بحكم القبض عليه. وخلع على الأمير يونس إلاقبائي دوادارا كبيرا عوضا عن ~~تمربغا الظاهري بحكم القبض عليه، لكن يونس هذا ولي الدوادارية على تقدمة، ~~وكان تمربغا وليها على إمرة طبلخاناه. وخلع على الأمير قرقماس الأشرفي ~~الجلب باستقراره رأس نوبة النوب عوضا عن الأمير أسنبغا الطياري بحكم وفاته. ~~وخلع على الأمير جانبك الظاهري نائب جدة خلعة إلاستمرار على وظيفته ~~الأستادارية الكبرى. ثم أمر السلطان في يوم الأربعاء عاشره بالمناداة في ~~المماليك السلطانية بأن النفقة في يوم الاثنين. ثم في يوم الأربعاء هذا ~~حملت الأمراء المسجونون من ms3490 القلعة على البغال إلى بحر النيل وسفروا من ~~وقتهم إلى الإسكندرية، وهم: الأمير تنم المؤيدي أمير سلاح المقدم ذكره، ~~وقاني باي الجاركسي الأمير آخور الكبير، والأمير تمربغا الدوادار، والأمير ~~لاجين شاد الشراب خاناه، وأزبك الساقي الخازندار، وسنقر العايق الأمير آخور ~~الثاني، وجانم الساقي الظاهري، وسودون إلاقزم الظاهري، وجانبك الظاهري ~~البواب وهما ممن تأمر في الدولة المنصورية، والجميع ظاهرية ما عدا تنم ~~وقاني باي. وفي يوم الأربعاء هذا اشيع كلام بسبب تولية السلطان ولده أحمد ~~أتابكا عوضه، وأن ذلك بخلاف العادة، فخارت طباع الأشرف من غير أمر يوجب ~~ذلك، وأصبح من الغد في يوم الخميس خلع على الأمير تنبك البردبكي الذي كان ~~استقر في إمرة سلاح باستقراره أتابك العساكر عوضا عن ولده الشهابي أحمد، ~~وأنعم على ولده المذكور بإمرة مائة وتقدمة ألف على عادة أولاد السلاطين ~~وجعله يجلس رأس الميسرة. قلت: وهذا أول وهن وقع في دولة الأشرف إينال من ~~كونه يولي ولده أتابكا في إلامس، ثم يعزله في الغد من غير أمر يقتضي ذلك، ~~ولو صمم على بقاء ولاية ولده لتم له ذلك ولم ينتطح في ذلك عنزان. ثم خلع ~~على الأمير خشقدم الناصري حاجب الحجاب باستقراره أمير سلاح عوضا عن تنبك ~~المذكور. وخلع على قراجا الخازندار الظاهري باستقراره حاجب حجاب عوضا عن ~~خشقدم المؤيدي المذكور. ثم استقر الأمير تمراز الإينالي الأشرفي دوادارا ~~ثانيا عوضا عن أسنباي الجمالي بحكم تسحبه، وأنعم عليه بإمرة عشرين. ثم ~~استقر جانبك من قجمادى الأشرفي شاد الشراب خاناه عوضا عن لاجين بحكم حبسه. ~~واستقر خيربك الأشقر المؤيدي أمير آخور ثانيا عوضا عن سنقر العائق بحكم ~~سجنه. وأنعم على خيربك المذكور بإمرة عشرين، وكانت العادة إمرة طبلخاناه. ~~واستقر قاني باي إلاعمش الناصري نائب قلعة الجبل عوضا عن يونس العلائي نائب ~~الإسكندرية، كما تقدم ذكره. ثم أنعم السلطان على الأمير جانبك القرماني ~~الظاهري رأس نوبة ثاني بإمرة PageV04P0377 # مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية عوضا عن الأمير أسنبغا الطياري بعد ~~وفاته. واستقر يشبك الناصري رأس نوبة ثانيا عوضا عن ms3491 جانبك القرماني ~~المذكور. ثم أنعم على الأمير أرنبغا اليونسي الناصري بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~بالديار المصرية عوضا عن قاني باي الجاركسي بحكم القبض عليه وحبسه. وأنعم ~~على برسباي البجاسي المعزول عن نيابة الإسكندرية بإمرة مائة وتقدمة ألف ~~بالديار المصرية عوضا عن الأمير طوخ أمير مجلس بحكم انتقال طوخ إلى تقدمة ~~أخرى أكثر خراجا منها وهو إقطاع تنبك المنتقل إلى الأتابكية. ثم أنعم ~~السلطان على جماعة كثيرة بإمرة طبلخانات، وعشرات، باستحقاق وبغير استحقاق، ~~كما هي عوائد أوائل الدول، يطول الشرح في تسميتهم. ثم خلع السلطان على ~~جماعة كبيرة بعدة وظائف، منهم: البدري حسن بن الطولوني باستقراره معلم ~~المعمارية، وأميرزة بن حسن الدوكاري التركماني بكشف الوجه القبلي على ~~عادته، وعلى جماعة أخر. ثم في يوم السبت ثالث عشر ربيع الأول المذكور استقر ~~الأمير جانبك من أمير الأشرفي الظريف أمير طبلخاناه خازندارا كبيرا عوضا عن ~~الأمير أزبك من ططخ الظاهري بحكم سجنه بالإسكندرية. واستقر بردبك دوادار ~~السلطان قديما وزوج ابنته دوادارا ثالثا بإمرة عشرة؛ وهذا شيء لم نعهده كون ~~الدوادار الثالث يكون أمير عشرة، وما عادته إلا خاصكيا. وكان حق بردبك هذا ~~الدوادارية الثانية لكونه مملوك السلطان ودواداره وزوج ابنته، غير أن ~~السلطان لما رأى أن تمراز الأشرفي غرضه في الدوادارية الثانية لم يسعه إلا ~~الآنعام عليه بها، لعظم شوكة الأشرفية يومئذ. ثم استقر يشبك الأشقر الخاصكي ~~أستادار الصحبة بعد عزل سنقر الظاهري عنها من غير إمرة. ثم في يوم الاثنين ~~خامس عشر ربيع الأول ابتدأ السلطان بالنفقة على المماليك السلطانية على ~~أقسام متعددة نفقة كاملة، وهي مائة دينار لكل مملوك، ونصف نفقة، وربع نفقة، ~~وعشرة دنانير، وهذا لم يقع قبل في الدولة التركية. ولام السلطان بعض أعيان ~~الأمراء على ذلك، فقال: " هذا الذي كان رتبه تمربغا للتفرقة في الدولة ~~المنصورية " ، فكلم ثانيا، فاعتذر بقلة المتحصل في الخزانة السلطانية. قلت: ~~" والعذر الثالث أن كلمة الشح مطاعة " . قلت: " والذي فرق في المماليك ~~السلطانية إنما هو الذي جمعه الملك المنصور عثمان من السلف والمصادرات في ms3492 ~~أيام سلطنته، وإلا فما ترك والده الملك الظاهر جقمق في الخزانة شيئا يذكر، ~~لكرم نفسه وكثرة عطاياه، رحمه الله تعالى " . ثم في يوم الثلاثاء سادس عشره ~~خلع السلطان على جماعة من الأمراء خلع الآنظار المتعلقة بالوظائف المقدم ~~ذكرها. ثم في يوم الأربعاء سابع عشره وصل الأمير دولات باي المحمودي ~~الدوادار من سجن الإسكندرية. ووقع في خروج دولات باي المذكور ومجيئه من ثغر ~~الإسكندرية غريبة فيها عبرة لمن اعتبر، وهو أن الأمراء الذين قبض عليهم ~~الملك الأشرف إينال هذا كان غالبهم هو الذي حسن للمنصور القبض على دولات ~~باي هذا وسجنه بثغر الإسكندرية، فلما أمسكهم الملك الأشرف وسيرهم إلى ~~الثغر، رسم بإطلاق دولات باي من السجن، فتوافوا خارج الإسكندرية، وقد أفرج ~~عن دولات باي، ورسم بحبسهم عوضه، فانظر إلى هذا الدهر وأفعاله بالمغرمين ~~به، لتعلم أن الله على كل شيء قدير. وفي يوم الخميس ثامن عشره أنعم السلطان ~~على الأمير يونس العلائي نائب الإسكندرية بإقطاع الأمير جانبك اليشبكي ~~الوالي ثم الزردكاش بعد وفاته، وأنعم بإقطاع يونس المذكور على قاني باي ~~إلاعمش الذي استقر عوضا عن يونس في نيابة القلعة. وفي يوم الجمعة تاسع عشره ~~أفرج السلطان عن الأمير زين الدين يحيى الأستادار من محبسه بالبرج من قلعة ~~الجبل، وخلع عليه كاملية بمقلب سمور، ونزل إلى داره. وفي يوم السبت العشرين ~~من ربيع الأول المذكور استقر نوكار الناصري الحاجب الثاني زردكاشا بعد موت ~~جانبك اليشبكي، واستقر سمام الحسني الظاهري حاجبا ثانيا عوضا عن نوكار. وفي ~~هذه الأيام خلع السلطان على جماعة كبيرة بعدة وظائف حتى تجاوز عدد رؤوس ~~النوب على خمسة وعشرين نفرا، والدوادارية صاروا عشرة نفر بعدما كانوا خمسة، ~~وكذلك البجمقدارية والبوابون، وقس على ذلك. ثم قبض السلطان على نيف وثلاثين ~~مملوكا من مماليك الظاهرية، وحبسوا بالبرج من القلعة، وكان نفى قبل تاريخه ~~جماعة أخر، وشيع شاهين PageV04P0378 # الفقيه الظاهري، وهو ممن لا يلتفت إليه، وسنقر أستادار الصحبة، كلاهما ~~إلى القدس الشريف. ثم أخرج أيضا يشبك الظاهري، وكان تأمر في الدولة ~~المنصورية ms3493 عشرة، ويشبك الساقي، وسنطباي رأس نوبة الجمدارية إلى طرابلس، ثم ~~أخرج بعدهم أيضا جماعة أخر. وفي يوم الاثنين ثاني عشرينه استقر الأمير زين ~~الدين يحيى أستادارا على عادته أولا، بعد عزل الأمير جانبك نائب جدة عنها ~~برغبة من جانبك المذكور. وفيه وصل إلاميل يرشباي الإينالي المؤيدي الأمير ~~آخور الثاني كان والأمير يلباي الإينالي المؤيدي من ثغر دمياط، بطلب من ~~السلطان. وفي يوم الخميس خامس عشرينه وصل الأمير سودون الإينالي المؤيدي ~~قراقاش من القدس الشريف بطلب. ثم في يوم الثلاثاء سلخ ربيع الأول ظهر ~~الأمير أسنباي الجمالي الظاهري الدوادار الثاني كان وكان مختفيا من يوم ملك ~~السلطان باب السلسلة، فرسم له بالتوجه إلى القدس بطالا. وفي يوم الخميس ~~ثاني شهر ربيع الآخر وصل الأمير جانم الأمير آخور كان قريب الملك الأشرف ~~برسباي من حبس قلعة صفد وخلع السلطان عليه كاملية مخمل أخضر بمقلب سمور، ~~ووعده بكل جميل؛ نذكر ذلك في تاريخنا الحوادث مفصلا هذا وغيره لكونه محل ~~ضبط الحوادث، وما نذكره هنا ليس هو إلا على سبيل إلاستطراد والأمور المهمة ~~لا غير، وأما جميع الوقائع ففي الحوادث تطلب هناك انتهى. وفي يوم الجمعة ~~أول جمادى الأولى قبض السلطان على الأمير قراجا الخازندار الظاهري، وهو ~~يومئذ حاجب الحجاب، وحبسه بالبحرة من قلعة الجبل من غير أمر أوجب مسكه، ~~وإنما هى مندوحة لأخذ إقطاعه. وفي يوم السبت ثاني جمادى الأولى أنعم ~~السلطان بإقطاع قراجا المذكور وهويه الظاهري، وهو ممن لا يلتفت إليه، وسنقر ~~أستادار الصحبة، كلاهما إلى القدس الشريف. ثم أخرج أيضا يشبك الظاهري، وكان ~~تأمر في الدولة المنصورية عشرة، ويشبك الساقي، وسنطباي رأس نوبة الجمدارية ~~إلى طرابلس، ثم أخرج بعدهم أيضا جماعة أخر. وفي يوم الاثنين ثاني عشرينه ~~استقر الأمير زين الدين يحيى أستادارا على عادته أولا، بعد عزل الأمير ~~جانبك نائب جدة عنها برغبة من جانبك المذكور. وفيه وصل إلاميل يرشباي ~~الإينالي المؤيدي الأمير آخور الثاني كان والأمير يلباي الإينالي المؤيدي ~~من ثغر دمياط، بطلب من السلطان. وفي يوم الخميس خامس ms3494 عشرينه وصل الأمير ~~سودون الإينالي المؤيدي قراقاش من القدس الشريف بطلب. ثم في يوم الثلاثاء ~~سلخ ربيع الأول ظهر الأمير أسنباي الجمالي الظاهري الدوادار الثاني كان ~~وكان مختفيا من يوم ملك السلطان باب السلسلة، فرسم له بالتوجه إلى القدس ~~بطالا. وفي يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر وصل الأمير جانم الأمير آخور ~~كان قريب الملك الأشرف برسباي من حبس قلعة صفد وخلع السلطان عليه كاملية ~~مخمل أخضر بمقلب سمور، ووعده بكل جميل؛ نذكر ذلك في تاريخنا الحوادث مفصلا ~~هذا وغيره لكونه محل ضبط الحوادث، وما نذكره هنا ليس هو إلا على سبيل ~~إلاستطراد والأمور المهمة لا غير، وأما جميع الوقائع ففي الحوادث تطلب هناك ~~انتهى. وفي يوم الجمعة أول جمادى الأولى قبض السلطان على الأمير قراجا ~~الخازندار الظاهري، وهو يومئذ حاجب الحجاب، وحبسه بالبحرة من قلعة الجبل من ~~غير أمر أوجب مسكه، وإنما هى مندوحة لأخذ إقطاعه. وفي يوم السبت ثاني جمادى ~~الأولى أنعم السلطان بإقطاع قراجا المذكور وهو إمرة مائة وتقدمة ألف على ~~الأمير جانم الأمير آخور الأشرفي، وخلع على الأمير جانبك القرماني ~~باستقراره حاجب الحجاب عوضا عن قراجا المذكور، ورسم السلطان بتوجه قراجا ~~إلى القدس بطالا، فسافر يوم الاثنين رابعه. وفي يوم الثلاثاء خامسه قرىء ~~تقليد السلطان الملك الأشرف إينال بالقصر الكبير من قلعة الجبل، وحضر ~~الخليفة والقضاة الأربعة، وجلس السلطان على الأرض من غير كرسي على مرتبة، ~~وجلس على يمينه الخليفة القائم بأمر الله حمزة، ثم جلست القضاة الأربعة كل ~~واحد في منزلته، وقرأ القاضي محب الدين ابن الأشقر كاتب السر التقليد إلى ~~أن تمت قراءته، فخلع عليه السلطان، وعلى الخليفة، وانفض الموكب. ~~PageV04P0379 # وفي يوم الجمعة ثامنه عقد السلطان عقد الأمير يونس إلاقبائي الدوادار ~~الكبير على ابنته بجامع القلعة بحضرة السلطان. وفي يوم السبت تاسع جمادى ~~الأولى خلع السلطان على الشيخ عز الدين أحمد الحنبلي باستقراره قاضي قضاة ~~الحنابلة بالديار المصرية، بعد وفاة قاضي القضاة بدرالدين بن عبد المنعم. ~~وفيه رسم السلطان أن يحط عن البلاد بالوجه ms3495 القبلي والبحري وسائر الأعمال ~~ربع ما كان يطرح علمهم قبل ذلك في أيام الظاهرجقمق من إلاطرون، وسر الناس ~~بذلك وتباشروا بزوال الظلم وإزالة المظالم. وفي يوم الأحد سابع عشره ورد ~~الخبر على السلطان بقتل الأمير بن سونجبغا اليونسي الظاهري جقمق وتغري بردي ~~القلاوي المعزول عن الوزر قبل تاريخه: قتل الواحد الآخر، ثم قتل الآخر في ~~الوقت ذكرنا أمرهما مفضلا في تاريخنا الحوادث فأنعم السلطان بإقطاع تغري ~~بردي القلاوي على الأمير يرشباي الإينالي المؤيدى، وأنعم على الأمير يلباي ~~الإينالي المؤيدي بإقطاع سونجبغا، وكان إقطاعه قديما قبل أن يمسك، وأنعم ~~بإقطاع عبد الله الكاشف على سودون الإينالي المؤيدي قراقاش، وأنعم على تنم ~~الحسيني وعلى قلمطاي الإسحاقي الأشرفيين بإقطاع يلبغا الجاركسي بحكم تعطله ~~ولزومه داره، لكل واحد منهما إمرة عشرة. وفي يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة ~~أنعم السلطان على خيربك إلاجرود المؤيدي أتابك دمشق كان بعد قدومه من السجن ~~بإقطاع دولات باي المحمودي الموادار كان بعد موته، وإلاقطاع إمرة مائة ~~وتقدمة ألف بالديار المصرية. وكان دولات باي الدوادار أخذ هذا إلاقطاع بعد ~~موت أرنبغا، وأرنبغا أخذه بعد قاني باي الجاركسي، كل ذلك في دون ثلاثة ~~أشهر. وفي يوم الأربعاء خامس جمادى الآخرة ورد الخبر من الشام بموت قانصوه ~~النوروزي، أحد أمراء دمشق، فأنعم السلطان بتقدمته على الأمير قاني بك ~~المحمودي المؤيدي، وكان قاني بك بطالا بدمشق. ثم في يوم الاثنين سادس عشر ~~شهر رجب أدير المحمل على العادة، ولعبت الرماحة، وكان الملك الظاهر جقمق ~~أبطل ذلك، فأعاده الملك الأشرف هذا، وسر الناس بعمله غاية السرور. وفي يوم ~~الخميس تاسع عشر رجب المذكور ندب السلطان الأمير قانم طاز الأشرفي أحد ~~أمراء العشرات ورأس نوبة بنقل الأمراء المسجونين من ثغر الإسكندرية إلى ~~حبوس البلاد الشامية، فتوجه إليهم، ونقل الجميع ما خلا الأميرين تنم ~~المؤيدي أمير سلاح، وقاني باي الجاركسي، فإنهما داما في سجن الإسكندرية. ~~وفي يوم السبت رابع شهر رمضان استقر الزيني فرج بن ماجد بن النحال كاتب ~~المماليك السلطانية وزيرا بعد تسحب الصاحب أمين ms3496 الدين إبراهيم بن الهيصم. ~~وفي يوم الأربعاء ثامن شهر رمضان المذكور ورد الخبر على السلطان بموت ~~الأمير بيغوت الأعرج المؤيدي نائب صفد، فرسم السلطان بانتقال الأمير إياس ~~المحمدي الناصري أتابك طرابلس إلى نيابة صفد دفعة واحدة، وحمل إليه التقليد ~~والتشريف على يد الأمير خشكلدي القوامي الناصري أحد أمراء العشرات، واستقر ~~حطط الناصري المعزول قبل تاريخه عن نيابة غزة أتابك طرابلس عوضا عن إياس ~~المذكور، وأنعم بإقطاع حطط إمرة عشرين بطرابلس على جانبك المحمودي المؤيدي، ~~وكان بطالا بطرابلس. ثم استهل شوال يوم الجمعة، فصلى السلطان صلاة العيد ~~بجامع القلعة الناصري على العادة، ثم صلى من يومه أيضا الجمعة بالجامع ~~المذكور، فكان في هذا اليوم خطبتان في يوم واحد، وكثر كلام الناس في هذا ~~الأمر، فلم يقع إلا كل جميل من سائر الجهات، وصار كلام الناس من جملة ~~الهذيان، وأنت تعلم مقدار ما أقام الأشرف بعد ذلك في الملك. ثم في يوم ~~الاثنين حادي عشر شوال المذكور خلع السلطان على الأمير جانبك الظاهري ~~المعزول قبل تاريخه عن الأستادارية باستقراره في التكلم على بندر جدة بعد ~~أن أنعم عليه بزيادة على إقطاعه، وجعله من جملة أمراء الطبلخانات بالديار ~~المصرية. ثم رسم بنفي الأمير بردبك التاجي الأشرفي الذي كان تكلم على بندر ~~جدة في السنة الماضية إلى القدس بطالا، وأخرج السلطان إمرة بردبك المذكور ~~إلى جكم الأشرفي خال الملك العزيز يوسف، وإلاقطاع إمرة عشرة. وفي يوم ~~الاثنين ثامن عشر شوال المذكور تسحب الأمير زين الدين الأستادار، واختفى، ~~مما حمل للديوان السلطاني من الكلف. وبلغ السلطان ذلك، فأرسل السلطان خلف ~~علي بن الأهناسي البردرار بخدمة زين الدين المذكور PageV04P0380 # وهو يومذاك أستادار المقام الشهابي أحمد بن السلطان، واستقر به أستادارا ~~عوضا عن زين الدين دفعة واحدة. وعلم السلطان أن عليا هذا ليس هو في هذه ~~الرتبة، ولا في أهلية لأن يكون من جملة كتاب ديوان المفرد، فتكلم في الملأ ~~بكلام معناه أن السلطان إذا أقام كائنا من كان من أقل الناس في أي وظيفة ~~شاء وكان ms3497 للسلطان به عناية سد تلك الوظيفة على أحسن الوجوه، فسكت كل أحد، ~~لعلمهم أن السلطان يعلم حاله، كما يعلمونه هم، واختاره لهذه الرتبة. ثم في ~~يوم السبت ثالث عشرين شوال ورد إلى الديار المصرية قاصد خوندكار محمد بك بن ~~مراد بن عثمان، متملك بلاد الروم، لتهنئة السلطان بالملك، وأيضا يخبره بما ~~من الله عليه من فتح مدينة إسطنبول، وقد أخذها عنوة بعد قتال عظيم في يوم ~~الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثمانمائة، بعدما أقاموا ~~على حصارها من يوم الجمعة سادس عشرين شهر ربيع الأول من هذه السنة أعني سنة ~~سبع وخمسين المذكورة إلى أن أخذها في التاريخ المقدم ذكره. قلت: ولله الحمد ~~والمنة على هذا الفتح العظيم. وجاء القاصد المذكور ومعه أسيران من عظماء ~~إسطنبول، وطلع بهما إلى السلطان وهما من أهل قسطنطينية، وهي الكنيسة العظمى ~~بإسطنبول، فسر السلطان والناس قاطبة بهذا الفتح العظيم سرورا زائدا، ودقت ~~البشائر لذلك، وزينت القاهرة بسبب ذلك أياما. ثم طلع القاصد المذكور وبين ~~يديه إلاسيران المذكوران إلى القلعة في يوم الاثنين خامس عشرين شوال، بعد ~~أن اجتاز القاصد المذكور ورفقته بشوارع القاهرة، وقد احتفلت الناس بزينة ~~الحوانيت وإلاماكن، وأمعنوا في ذلك إلى الغاية، وعمل السلطان الخدمة بالحوش ~~السلطاني من قلعة الجبل. وقد استوعبنا طلوع القاصد المذكور في غير هذا ~~المحل من مصنفاتنا من هذا. وبالجملة فكان لمجيء هذا القاصد بهذه البشارة ~~الحسنة أمر كبير، وعين السلطان من يومه الأمير يرشباي الإينالي المؤيدي ~~الأمير آخور الثاني كان بالتوجه إلى ابن عثمان صحبة القاصد بالجواب ~~السلطاني؛ وقد كتبنا صورة الكتاب الذي جاء من ابن عثمان على يد القاصد ~~المذكور بفتح مدينة إسطنبول، والجواب الذي أرسله السلطان صحبة يرشباي هذا، ~~كلاهما مثبوت في تاريخنا حوادث الدهور، إذ هو حل ضبط هذه الأمور انتهى. ثم ~~رسم السلطان بالمناداة على زين الذين يحيى الأستادار، وتهديد من أخفاه عنده ~~بالشنق والتنكيل، ووعد من أحضره بألف دينار إن كان متعمما وبإقطاع إن كان ~~جنديا. ثم في يوم الاثنين ms3498 ثالث ذي القعدة استقر القاضي محب الدين ابن ~~الشحنة الحنفي كاتب سر مصر، بعد عزل القاضي محب الدين بن الأشقر، على مال ~~بذله وهو مبلغ أربعة إلاف دينار. ثم في يوم الاثنين ثاني ذي الحجة خلع ~~السلطان على الأمير جانبك النوروزي نائب بعلبك باستقراره في نيابة ~~الإسكندرية بعد عزل يونس العلائي وقدومه إلى القاهرة من جملة أمراء ~~الطبلخانات. ثم في يوم الثلاثاء رابع عشرين ذي الحجة ظهر الأمير زين الدين ~~الأستادار من اختفائه، وطلع إلى القلعة وعلى رأسه منديل الأمان، صحبة عظيم ~~الدولة الصاحب جمال الدين بن كاتب جكم، وكان هو الساعي لزين الدين في رضاء ~~السلطان عليه. وقبل زين الدين الأرض بين يدي السلطان، فرسم له السلطان أن ~~يلزم داره، ولا يجتمع بأحد، ولا يكاتب أحدا من أعيان الدولة.وهو يومذاك ~~أستادار المقام الشهابي أحمد بن السلطان، واستقر به أستادارا عوضا عن زين ~~الدين دفعة واحدة. وعلم السلطان أن عليا هذا ليس هو في هذه الرتبة، ولا في ~~أهلية لأن يكون من جملة كتاب ديوان المفرد، فتكلم في الملأ بكلام معناه أن ~~السلطان إذا أقام كائنا من كان من أقل الناس في أي وظيفة شاء وكان للسلطان ~~به عناية سد تلك الوظيفة على أحسن الوجوه، فسكت كل أحد، لعلمهم أن السلطان ~~يعلم حاله، كما يعلمونه هم، واختاره لهذه الرتبة. ثم في يوم السبت ثالث ~~عشرين شوال ورد إلى الديار المصرية قاصد خوندكار محمد بك بن مراد بن عثمان، ~~متملك بلاد الروم، لتهنئة السلطان بالملك، وأيضا يخبره بما من الله عليه من ~~فتح مدينة إسطنبول، وقد أخذها عنوة بعد قتال عظيم في يوم الثلاثاء العشرين ~~من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثمانمائة، بعدما أقاموا على حصارها من يوم ~~الجمعة سادس عشرين شهر ربيع الأول من هذه السنة أعني سنة سبع وخمسين ~~المذكورة إلى أن أخذها في التاريخ المقدم ذكره. قلت: ولله الحمد والمنة على ~~هذا الفتح العظيم. وجاء القاصد المذكور ومعه أسيران من عظماء إسطنبول، وطلع ~~بهما إلى السلطان وهما من ms3499 أهل قسطنطينية، وهي الكنيسة العظمى بإسطنبول، فسر ~~السلطان والناس قاطبة بهذا الفتح العظيم سرورا زائدا، ودقت البشائر لذلك، ~~وزينت القاهرة بسبب ذلك أياما. ثم طلع القاصد المذكور وبين يديه إلاسيران ~~المذكوران إلى القلعة في يوم الاثنين خامس عشرين شوال، بعد أن اجتاز القاصد ~~المذكور ورفقته بشوارع القاهرة، وقد احتفلت الناس بزينة الحوانيت وإلاماكن، ~~وأمعنوا في ذلك إلى الغاية، وعمل السلطان الخدمة بالحوش السلطاني من قلعة ~~الجبل. وقد استوعبنا طلوع القاصد المذكور في غير هذا المحل من مصنفاتنا من ~~هذا. وبالجملة فكان لمجيء هذا القاصد بهذه البشارة الحسنة أمر كبير، وعين ~~السلطان من يومه الأمير يرشباي الإينالي المؤيدي الأمير آخور الثاني كان ~~بالتوجه إلى ابن عثمان صحبة القاصد بالجواب السلطاني؛ وقد كتبنا صورة ~~الكتاب الذي جاء من ابن عثمان على يد القاصد المذكور بفتح مدينة إسطنبول، ~~والجواب الذي أرسله السلطان صحبة يرشباي هذا، كلاهما مثبوت في تاريخنا ~~حوادث الدهور، إذ هو حل ضبط هذه الأمور انتهى. ثم رسم السلطان بالمناداة ~~على زين الذين يحيى الأستادار، وتهديد من أخفاه عنده بالشنق والتنكيل، ووعد ~~من أحضره بألف دينار إن كان متعمما وبإقطاع إن كان جنديا. ثم في يوم ~~الاثنين ثالث ذي القعدة استقر القاضي محب الدين ابن الشحنة الحنفي كاتب سر ~~مصر، بعد عزل القاضي محب الدين بن الأشقر، على مال بذله وهو مبلغ أربعة ~~إلاف دينار. ثم في يوم الاثنين ثاني ذي الحجة خلع السلطان على الأمير جانبك ~~النوروزي نائب بعلبك باستقراره في نيابة الإسكندرية بعد عزل يونس العلائي ~~وقدومه إلى القاهرة من جملة أمراء الطبلخانات. ثم في يوم الثلاثاء رابع ~~عشرين ذي الحجة ظهر الأمير زين الدين الأستادار من اختفائه، وطلع إلى ~~القلعة وعلى رأسه منديل الأمان، صحبة عظيم الدولة الصاحب جمال الدين بن ~~كاتب جكم، وكان هو الساعي لزين الدين في رضاء السلطان عليه. وقبل زين الدين ~~الأرض بين يدي السلطان، فرسم له السلطان أن يلزم داره، ولا يجتمع بأحد، ولا ~~يكاتب أحدا من أعيان الدولة. PageV04P0381 # وفرغت سنة سبع وخمسين، ms3500 وما ذكرناه فيها إنما هو على سبيل إلاختصار، علم ~~خبرلا غير. واستهلت سنة ثمان وخمسين وثمانمائة. وأول السنة يوم الثلاثاء، ~~فأحببت أن أذكر في أول هذه السنة أسماء أعيان أرباب الوظائف من الأعيان ~~والأمراء والقضاة والمباشرين، ليعلم الناظر في هذه الترجدة كيف تكون تقلبات ~~الدهر، وتغيير الدولة، بعد أن ينظر المتأمل في ترجدة الملك المنصور عثمان ~~في السنة الخالية، ولم يمض بين من سمي في تلك السنة وبين من سمي في هذه ~~السنة إلا بعض أشهر، لأن المنصور والأشرف هذا كلا منهما ولي في هذه السنة، ~~أعني سنة سبع وخمسين وثمانمائة. وما قلناه في السنة الخالية معناه في ترجدة ~~المنصور عثمان. على أنا لا نذكر إلا جماعة الأعيان لا غير؛ ولو ذكرنا كل من ~~تغير من أرباب الوظائف من الخاصكية والأجناد الذين أخذوا الإقطاعات ~~والوظائف لطال الشرح في ذلك، وخرجنا عن المقصود، ولنعد إلى ما هو المقصود ~~فنقول: أما الخليفة فهو القائم بأمر الله حمزة، وهو المذكور أيضا في السنة ~~الخالية. وكذلك القضاة الأربعة فهم على حالهم كما ذكرناه في ترجدة المنصور ~~أيضا. وكذلك نواب البلاد الشامية، فالجميع على حالهم كما ذكرناه في ترجدة ~~المنصور أيضا. وتغير نائب الإسكندرية، فإنه كان في تلك السنة برسباي ~~البجاسي، والآن هو جانبك النوروزي. وأما أرباب الوظائف من أمراء مائة: ~~فالأمير الكبير تنبك البردبكي الظاهري. وأمير سلاح خشقدم الناصري المؤيدي. ~~وأمير مجلس طوخ من تمراز الناصري غليظ الرقبة. والأمير آخور الكبير جرباش ~~المحمدي الناصري كرد. والدوادار الكبير يونس السيفي آقباي نائب الشام. ورأس ~~نوبة النوب قرقماس الأشرفي الجلب. وحاجب الحجاب جانبك القرماني الظاهري. ~~فهؤلاء هم أرباب الوظائف من مقدمي الألوف. وبقية مقدمي الألوف هم: المقام ~~الشهابي أحمد ابن السلطان، وهو يجلس رأس ميسرة فوق أمير سلاح. والأمير جانم ~~الأمير آخور كان وهويجلس تحت أمير سلاح فوق بقية الأمراء. ثم خيربك إلاجرود ~~المؤيدي. ثم برسباي البجاسي. فهؤلاء جميع مقدمي الألوف بالديار المصرية، ~~وهم أقل من النصف من أمراء الظاهر برقوق. وأما أرباب الوظائف من أمراء ms3501 ~~الطبلخانات وغيرهم: فشاد الشراب خاناه جانبك من قجماس الأشرفي المعروف ~~بدوادار سيدي. والخازندار الكبير جانبك من أمير الأشرفي الظريف. ونائب ~~القلعة قاني باي الناصري إلاعمش أمير عشرة. والزردكاش نوكار الناصري أمير ~~عشرة؛ والتجمل به هتكة. والحاجب الثاني بتخاص العثماني الظاهري برقوق أمير ~~عشرة. وأستادار الصحبة يشبك الأشقر الأشرفي من جملة الأجناد. وكانت هذه ~~الوظائف المذكورة في سالف إلاعصار لا يليها إلا أمير مائة مقدم ألف، ولهذا ~~قدمنا ذكرها على غيرها مما سنذكره، فتنازل ملوك زماننا هذا حتى ولي بعضها ~~الأجناد. وقد أبطل الملوك أيضا عدة وظائف جليلة كان لا يليها إلا أمير مائة ~~مقدم ألف، مثل نيابة السلطنة، لأن آخر من وليها من العظماء تمراز الناصري ~~الظاهري في دولة الناصر فرج. ورأس نوبة الأمراء، وآخر من وليها نوروز ~~الحافظي في دولة الناصر فرج أيضا، وكانت هذه الوظيفة تضاهي الأتابكية. ومثل ~~أمير جاندار، فإن الأمير ألجاي اليوسفي صاحب الوقعة مع الأشرف شعبان انتقل ~~إليها من وظيفة رأس نوبة النوب. وأما ما ذهب من الوظائف التي كان يليها ~~امراء الطبلخانات والعشرات مثل شاد الدواوين، وأمير منزل، وشاد القصر ~~السلطاني، والمهمندار، ومقدم البريدية، وشاد العمائر، وإن كان بعض هذه ~~الوظائف مستمرة فإنه لا يليها إلا الأحداث من الناس، بحيث إنها صارت كلا ~~شيء. وقد خرجنا عن المقصود في نوع إلاستطراد، ولنعد إلى ما كنا فيه. ورأس ~~نوبة ثان يشبك الناصري. وتعد سبعة من طبلخانات رؤوس النوب. وأما العشرات من ~~رؤوس النوب فكثير جدا. وكان جميع رؤوس النوب في أوائل سلطنة برقوق أربعة لا ~~غير، ثم صاروا PageV04P0382 # في دولة الناصر فرج بعد تجريدة الكرك سبعة، فنقول: ما تجدد من كثرة رؤوس ~~النوب يكون عوضا عما ذهب من تلك الوظائف، فيقول القائل: لا نسلم! وأين رونق ~~تلك الوظائف المتعددة كثرة من رونق وظيفة واحدة؟! وكذلك كانت الحجاب ثلاثة: ~~حاجب الحجاب، وحاجب ميسرة، وهو أيضا مقدم ألف، والحاجب الثالث. فأول من ~~زادهم الظاهر برقوق، وجعلهم خمسة حجاب أمراء عشرات، لا هذه الحرافيش الذين ~~يلونها اليوم الجهلة ms3502 الفسقة. والدوادار الثاني تمراز الإينالي الأشرفي ~~بإمرة عشرين، وهو من مساوىء الدهر. والأمير آخور الثاني خيربك الأشقر ~~المؤيدي أمير عشرين أيضا. والزمام والخازندار الطواشي الرومي فيروز ~~النوروزي أمير طبلخاناه. ومقدم المماليك السلطانية الطواشي لؤلؤ الرومي ~~الأشرفي أمير عشرة. ونائبه عنبر، عتيق التاجر نور الدين الطنبذي، جنديا ~~بغير إمرة. ونقيب الجيش الأمير ناصر الدين محمد بن أبي فرج بعد أن ولي ~~الأستادارية قبل تاريخه. ووالي القاهرة علي بن إسكندر، ووليها بالبذل. ### || AUT أعيان مباشري الدولة من المتعممين # كاتب السر محب الدين ابن الشحنة الحنفي. وناظر الجيش والخاص معا، عظيم ~~الدولة الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم. والوزير سعد الدين فرج بن ~~النحال. والأستادار علي البرددار بن الأهناسي. ووظيفة نظر الدولة ونظر ~~المفرد كل منهما تلاشى أمرهما حتى صارت كلا شيء، سكتنا عن ذكر ذلك لوضاعة ~~قدر من يليها. قلت: ولو سكتنا عن ذكر من يلي الوزر أيضا لكان أجمل، غير أنه ~~لا يسعنا إلا ذكرها لمحلها الرفيع في سائر الأقطار فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. وأما ذكر نظر الجوالي، والإسطبل السلطاني، ~~والبيمارستان، والكسوة، وخزائن السلاح، والخزانة الشريفة، وأشباههم ليس ~~لذكرهم هنا محل، لكونهم في غير هذه الرتبة. وفي مثل هذا المحل لا يذكر إلا ~~أعيان الوظائف المعدود أصحابها من ذوي الرياسات، وقد ذكرنا تلك الوظائف ~~كلها في تاريخنا الحوادث، إذ هو محل ضبط الولايات والعزل انتهى. وفي يوم ~~الأحد سادس محرم سنة ثمان وخمسين وثمانمائة ورد الخبر على السلطان من حلب ~~بوفاة الأمير علي باي بن طرباي العجمي المؤيدي أتابك حلب، فرسم السلطان ~~باستقرار الأمير آقبردي الساقي الظاهري نائب قلعة حلب أتابكا بحلب عوضه. ~~واستقر في نيابة قلعة حلب الزيني قاسم بن جمعة القساسي، وانعم بتقدمة قاسم ~~المذكور وكان أخذها قبل ذلك عن سودون القرماني بمدة يسيرة على الأمير يشبك ~~البجاسي. واستقر مكان يشبك البجاسي في دوادارية السلطان بدمشق خشكلدي ~~الزيني عبد الرحمن بن الكويز. وفي يوم الاثنين حادي عشرين المحرم أيضا وصل ~~إلى القاهرة تقدمة الأمير ms3503 قاني باي الحمزاوي نائب حلب، تشتمل على جماعة ~~يسيرة من المماليك ومائة فرس لاغير. PageV04P0383 # قلت: وهذا كثير ممن اشيع عنه العصيان ثم أظهر الطاعة في الظاهر، والله ~~متولي السرائر. وقد أوضحنا أمر قاني باي هذا في غير هذا المحل مع السلطان ~~الملك الأشرف إينال بأوسع من هذا. ثم في صفر رسم بسفر الأمير زين الدين ~~الأستادار إلى القدس بطالا، فلما خرج إلى ظاهر القاهرة قبض عليه، واخذ إلى ~~القلعة، وصودر ثانيا، وعوقب ووقع له أمور، آخرها أنه ولي الأستادارية ~~مسؤولا في ذلك في يوم الثلاثاء رابع عشر صفر، وعزل علي بن الأهناسي. وفي ~~يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر ربيع الأول من سنة ثمان وخمسين المذكورة ركب ~~السلطان الملك الأشرف إينال من قلعة الجبل بغير قماش الخدمة، ونزل إلى جهة ~~قبة النصر خارج القاهرة، ثم عاد من باب النصر، وشق القاهرة وخرج من باب ~~زويلة حتى طلع إلى القلعة، وهذا أول ركوبه من يوم تسلطن. وفي يوم الاثنين ~~سادس عشر شهر ربيع الآخر ثارت فتنة بسوق الخيل بين المماليك الظاهرية جقمق ~~وبين المماليك الأشرفية برسباي بالدبابيس، وأصبح كل من الطائفتين مستعدة ~~للأخرى، فلم يقع شيء ولله الحمد؛ وقد ذكرنا كيفية الفتنة المذكورة في ~~تاريخنا الحوادث. وفي يوم الاثنين ثالث عشرينه عزل السلطان لؤلؤ الأشرفي عن ~~تقدمة المماليك السلطانية، وأعاد إليها الطواشي مرجانا المحمودي بمال أخذه ~~من مرجان. وإلا فأيش هو الموجب لعزل الرئيس بالوضيع إلا هذا المعنى؟!. ثم ~~في يوم الأحد سادس جمادى الأولى عزل السلطان تمراز الأشرفي عن الدوادارية ~~الثانية لأمر اقتضى ذلك. وقد أراح الله الناس منه، لسوء خلقه، وحدة مزاجه؛ ~~وقد ذكرنا من أحواله نبذة كبيرة في غير هذا المحل. وفي يوم الخميس سابع عشر ~~جمادى الأولى المذكورة وصل الأمير جلبان الأمير آخور نائب الشام إلى ~~القاهرة بعد أن احتفل أرباب الدولة به، وطلع إلى ملاقاته كل أحد، حتى ~~المقام الشهابي أحمد. وطلع إلى القلعة ودخل إلى السلطان بالقصر الأبلق ~~المطل على الرميلة بالخرجة، فلما رآه السلطان قام ms3504 إليه واعتنقه، بعد أن قبل ~~جلبان الأرض بين يديه، ثم أجلسه السلطان على ميسرته ولده المقام الشهابي ~~أحمد. ولم يطل جلوسه حتى طلب السلطان خلعته، و عليه خلعة إلاستمرار بنيابة ~~دمشق على عادته في مكان جلوسه بالخرجة المذكورة، ولم يقع ذلك لأحد من ~~النواب، لأن العادة أنه لا يخلع السلطان على من يخلع عليه إلا بالقصر ~~الأبلق من داخل الخرجة. ثم قام السلطان وخرج إلى القصر، ولم يدع جلبان ~~المذكور أن يقف، بل أمره أن يتوجه إلى حيث أنزله السلطان، فنزل محمولا لضعف ~~به ولكبر سنه أيضا، ونزل غالب الأمراء الأكابر وأرباب الدولة بين يديه إلى ~~أن أوصلوه إلى الميدان الكبير بطريق بولاق تجاه بركة الناصري، ومد له مدة ~~هائلة، وترددت الناس إليه نهاره كله. واستمر إلى يوم الأحد عشرينه، فقدم ~~إلى السلطان تقدمة؛ وكانت تقدمة هائلة، تشتمل على: عشرة مماليك، ومائتي ~~فرس، منها اثنان بقماش ذهب، والباقي على العادة، وعدة حمالين، منها ستون ~~حمإلا عليها قسي، كل حمال خمسة أقواس، ومنها مائة وعشرون حمإلا بعلبكيا، ~~على كل حمال خمسة أثواب، النصف منها عال موصلي، وستون حمإلا عليها أبدان ~~سنجاب، وعشرة حمالين وشق، وعدة حمالين عليها اثواب صوف ملونة، وعدة حمالين ~~عليها شقق حرير ملون، واثواب مخمل تزيد على مائة حمال، وطبق مغطى فيه ذهب ~~مبلغ عشرة إلاف دينار على ما قيل. فقبل السلطان ذلك، وخلع على أرباب وظائف ~~جلبان المذكور خلعا سنية، وفرق السلطان من الخيول على أمراء الألوف جميعهم ~~على قدر مراتبهم. وفي هذا الموم أيصا رسم السلطان لنقيب الجيش أن يخرج ~~الأمير تمراز الإينالي الأشرفي الدوادار الثاني إلى القدس بطالا، فنزل ~~وتوجه به من يومه إلى خانقاه سرياقوس. قلت: السريع ما يفعل إلاعداء في جاهل ~~... ما يفعل الجاهل في نفسه PageV04P0384 # فإن تمراز هذا كان في الدولة الظاهرية جقمق من جملة أمراء العشرات، وكان ~~ممن لا يؤبه إليه، حتى مات الظاهر، وثار مع الملك الأشرف إينال لما وثب على ~~الملك المنصور عثمان مع من انضم إليه من المماليك ms3505 الظاهرية والأشرفية ~~وغيرهم. فلما تسلطن الأشرف قرب تمراز هذا، وجعله دوادارا ثانيا، وأنعم عليه ~~بإمرة طبلخاناه، وصار له كلمة في الدولة وحرمة وافرة، وهابته الناس لشراسة ~~خلقه وحدة مزاجه، وباشر الدوادارية أقبح مباشرة من الظلم والعسف والآخراق ~~بالناس والبطش بحواشيه وأرباب وظائفه ومماليكه، حتى تجاوز الحد، وما كفاه ~~ذلك حتى صار يخاطب السلطان بما يكره. وبقي في كل قليل يغضب ويعزل نفسه، ~~ووقع ذلك غير مرة. فلما زاد وخرج عن الحد عزله السلطان، ولزم داره أياما، ~~ثم خرج إلى القدس بطالا. وفي يوم الاثنين حادي عشرين جمادى الأولى خلع ~~السلطان على الصاحب أمين الدين بن الهيصم باستقراره وزيرا على عادته أولا، ~~بعد عزل فرج بن النحال، وكان أحق بها وأهلا لها. وفي يوم الاثنين هذا أيضا ~~خلع السلطان على مملوكه صهره الأمير بردبك الدوادار الثاني باستقراره فى ~~الدوادارية الثانية عوضا عن تمراز الأشرفي المقدم ذكره. وفي يوم الأربعاء ~~خامس عشر جمادى الآخرة استقر القاضي تاج الدين عبد الله بن المقسي كاتب ~~المماليك السلطانية عوضا عن الصاحب سعد الدين فرج بن النحال. قلت: وتاج ~~الدين هذا مستحق لأعظم الوظائف، لما اشتمل عليه من حسن الخلق والخلق. وفي ~~يوم الجمعة ثاني عشرين شهر رجب سافر الأمير بردبك الدوادار الثاني إلى ~~القدس الشريف، وصحبته كسوة مقام سيدنا الخليل إبراهيم عليه السلام التي ~~صنعها السلطان الملك الأشرف هذا. وخرج بردبك المذكور من القاهرة بتجمل ~~زائد، ومعه جماعة من الأعيان، مثل القاضي شرف الدين الآنصاري، ناظر الكسوة ~~ووكيل بيت المال، والسيفي شاهين الساقي وغيرهما. PageV04P0385 # وفي يوم الخميس سادس شعبان وصل إلى القاهرة الأمير برشباي الإينالي ~~المؤيدي، أحد أمراء الطبلخانات المتوجه قبل تاريخه في الرسلية إلى ملك ~~الروم السلطان محمد بن عثمان، وعليه خلعة ابن عثمان المذكور، وهو لابس لبس ~~الأورام وخلعهم على العادة. وفيه رسم السلطان بتعويق جوامك أولاد الناس ~~والمرتبين من الضعفاء وإلايتام على ديوان السلطان. وعرضهم السلطان في يوم ~~الأحد ثالث عشرينه بالحوش السلطاني وقطع جوامك جماعة كبيرة. وبينما هو في ~~ذلك وصل ms3506 الأمير بردبك من القدس، وحذر السلطان من الدعاء عليه، ونهاه عن هذه ~~الفعلة فانفعل له، وترك كل واحد على حاله، ونودي بذلك بشوارع القاهرة، فعد ~~من محاسن بردبك المذكور. وفي يوم السبت حادي عشر ذي القعدة اختفى الوزير ~~أمين الدين بن الهيصم، لعجز متحصل الدولة عن القيام بالكلف السلطانية، ~~فتغير السلطان بسبب ذلك على جماعة المباشرين. وقبض على الأمير زين الدين ~~الأستادار في يوم الاثنين وحبسه بالقلعة، وخلع على الأمير ناصرالدين محمد ~~بن أبي فرج نقيب الجيش باستقراره في الأستادارية عوضا عن زين الدين على كره ~~منه في الوظيفة، مضافا إلى نقابة الجيش. وخلع على سعد الدين فرج بن النحال ~~باستقراره وزيرا على عادته، وهذه ولاية فرج الثانية للوزر، وأنعم عليه ~~بكتابة المماليك، وعزل القاضي تاج الدين المقسي. ثم في يوم الأربعاء خامس ~~عشر ذي القعدة ضرب السلطان زين الدين الأستادار، وألزمه بجملة كبيرة من ~~المال، فأخذ زين الدين في بيع قماش بدنه وأثاث بيته. ثم أخذه الصاحب جمال ~~الدين ناظر الجيش والخاص، وتسلمه من السلطان، ونزل به إلى بيته، فدام عنده ~~أياما. ثم رسم له بالتوجه إلى داره، وأنه يسافر إلى القدس، فتجهز زين الدين ~~وخرج إلى القدس في يوم الجمعة ثاني ذي الحجة. ثم في يوم الاثنين خامس ذي ~~الحجة خلع السلطان على شخص من إلاقباط يعرف ب شمس الدين نصر الله بن ~~النجار، واستقر به ناظر الدولة بعد شغورها مدة طويلة، وصار رفيقا للوزير ~~فرج. وفي يوم الاثنين سادس عشرين ذي الحجة نزلت المماليك الجلبان الأشرفية ~~من الأطباق، وهجمت دار الأستادار الأمير ناصر الدين محمد بن أبي الفرج، ~~ونهبوا جميع ما كان له في داره من غير أمر أوجب ذلك، فلم يسع الأستادار إلا ~~إلاستعفاء، فأعفي بعد أمور. وخلع السلطان على قاسم الكاشف بالغربية وغيرها ~~بالأستادارية عوضا عن ابن أبي الفرج المذكور. قلت: وهذا أول ظهور أمر ~~مماليك الأشرف الجلبان، وما سيأتي فأعظم. PageV04P0386 # وفي يوم الأحد ثاني محرم سنة تسع وخمسين وثمانمائة اشيع بين الناس وقوع ~~فتنة، ms3507 وكثر كلام الناس في هذا المعنى حتى بلغ السلطان ذلك، فلم يلتفت ~~السلطان لقول من قال. وفي يوم الأربعاء رابع عشرين صفر من سنة تسع وخمسين ~~المذكورة وصل مملوك الأمير جانبك التاجي للمؤيدي نائب غزة يخبر بموت الأمير ~~جلبان نائب الشام، ثم وصل بعد ذلك سيف جلبان المذكور على يد يشبك المؤيدي ~~الحاجب الثاني. ثم في يوم الخميس خامس عشرين صفر رسم السلطان للأمير قاني ~~باي الحمزاوي نائب حلب بأن يستقر في نيابة الشام عوضا عن جلبان بحكم وفاته، ~~وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير يونس العلائي الناصري، المعزول قبل ~~تاريخه عن نيابة الإسكندرية. وخلع السلطان في اليوم المذكور على الأمير ~~جانم الأشرفي باستقراره في نيابة حلب عوضا عن قاني باى الحمزاوي على كره من ~~جانم المذكور في ذلك. واستقر مسفر جانم الأمير بردبك الدوادار الثاني وصهر ~~السلطان، مع توجه بردبك أيضا إلى تركة الأمير جلبان بدمشق. وأنعم السلطان ~~بإقطاع جانم المذكور على الأمير يونس العلائي المقدم ذكره، وهو إمرة مائة ~~وتقدمة ألف. وأنعم بإقطاع يونس المذكور على الأمير بردبك الدوادار، وصار ~~بردبك أمير طبلخاناه. وأنعم بإقطاع بردبك المذكور على أرغون شاه وتنبك ~~الأشرفيين، كل واحد منهما أمير خمسة. وفي يوم الاثنين تاسع عشرين صفر من ~~سنة تسع وخمسين وثمانمائة المذكورة استقر شمس الدين نصر الله بن النجار ~~ناظر الدولة وزيرا عوضا عن سعد الدين فرج بن النحال بحكم عزله؛ فلم تر عيني ~~فيما رأيت ممن لبس خلع الوزارة أقبح زيا منه، حتى إنه أذهب رونق الخلعة مع ~~حسن زي خلعة الوزارة وأبهة صفتها. ولو من الله سبحانه وتعالى بأن يبطل اسم ~~الوزير من الديار المصرية في هذا الزمان كما أبطل أشياء كثيرة منها لكان ~~ذلك أجود وأجمل بالدولة، ويصير الذي يلي هذه الوظيفة يسمى ناظر الدولة؛ لأن ~~هذا إلاسم عظيم، وقد سمي به جماعة كبيرة من أعيان الدنيا قديما وحديثا في ~~سائر الممالك والأقطار، مثل جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي وغيره، إلى ~~الصاحب إسماعيل بن عباد، وهلم جرا، إلى ms3508 القاضي الفاضل عبد الرحيم، ثم بني ~~حناء وغيرهم من العلماء والأعيان، إلى أن تنازلت ملوك مصر في أواخر القرن ~~الثامن حتى وليها في أيامهم أوباش الناس وأسافل الكتبة إلاقباط، وتغير ~~رسومها، وذهب بهم أبهة هذه الوظيفة الجليلة التي لم يكن في الإسلام بعد ~~الخلافة أجل منها ولا أعظم، وصارت بهؤلاء الأصاغر في الوجود كلا شيء. وليت ~~مع ذلك كان يلي هذه الوظيفة من هؤلاء إلاسافل من يقوم بما هو بصدده، بل ~~يباشر ذلك بعجز وضعف وظلم وعسف، مع ما يمده السلطان بإلاموال من الخزانة ~~الشريفة، فليت شعري لم لا كان ذلك مع من هو أهل للوزارة وغيرها فلا قوة إلا ~~بالله. وباشر ابن النجار الوزر أشر مباشرة، وأقبح طريقة، ولم تطل أيامه، ~~وعجز وبلغ السلطان عجزه. فلما كان يوم الخميس أول شهر ربيع الآخر طلب ~~السلطان الوزراء الثلاثة ليختار منهم من يوليه وهم: ابن النجار الذي عجز عن ~~القيام بالكلف السلطانية، والصاحب أمين الدين بن الهيصم، وسعد الدين فرج بن ~~النحال فوقع فيه واقعة طريفة: وهي أن السلطان لما أصبح وجلس على الدكة من ~~الحوش استدعى أولا ابن النجار، فقيل له: هرب واختفى، فطلب أمين الدين بن ~~الهيصم، فقيل له: مات في هذه الليلة، وإلى الآن لم يدفن، فطلب فرج بن ~~النحال، فحضر، وهو الذي فضل من الثلاثة، فكلمه السلطان أن يستقر وزيرا على ~~عادته، فامتنع واعتذر بقلة متحصل الدولة، وفي ظنه أن السلطان قد احتاج إليه ~~بموت ابن الهيصم وتسحب ابن النجار، وسرع يكرر قوله بأن غالب بلاد الوزر خرب ~~وأن لحم المماليك السلطانية المرتب لهم في كل يوم ثمانية عشر ألف رطل، خلا ~~تفرقة الصرر التي تعطى لبعض المماليك السلطانية وغيرهم، عوضا عن مرتب ~~اللحم. فلما زاد تمنعه أمر به السلطان، فحط إلى الأرض، وتناولته رؤوس النوب ~~بالضرب المبرح إلى أن كاد يهلك، ثم أقيم ورسم عليه بالقلعة عند الطواشي ~~فيروز الزمام والخازندار إلى أن عملت مصالحة وأعيد للوزر. وفي يوم الخميس ~~تاسع عشرين شهر ربيع الآخر أنعم ms3509 السلطان على الأمير قانم من صفر خجا ~~المؤيدي المعروف بالتاجر بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية بعد موت ~~خيربك إلاجرود المؤيدي، وأضيف PageV04P0387 # إقطاع المذكور وهو إمرة طبلخاناه إلى الدولة. ثم في يوم الاثنين سلخ ~~جمادى الآخرة كانت وقعة المماليك الظاهرية الجقمقية مع الملك الأشرف إينال. ~~وسبب هذه الفتنة ثورة المماليك الأجلاب أولا، وأفعالهم القبيحة بالناس، ثم ~~عقب ذلك أن السلطان كان عين تجريدة إلى البحيرة، نحوا من خمسمائة مملوك، ~~وعليهم من أمراء الألوف الأمير خشقدم المؤيدي أمير سلاح، والأمير قرقماس ~~رأس نوبة النوب، وعدة من أمراء الطبلخانات والعشرات، ورسم لهم السلطان ~~بالسفر في يوم الاثنين. هذا ولم يفرق السلطان على المماليك المكتوبة للسفر ~~الجمال على العادة، فعظم ذلك عليهم، وامتنعوا إلى أن أخذوا الجمال. وسافر ~~الأمير خشقدم في صبيحة يوم الاثنين المذكور، وتبعه الأمير قرقماس في عصر ~~نهاره، وأقاما ببر منبابة تجاه بولاق، فلم يتبعهم أحد من المماليك المعينة ~~معم، بل وقف غالبهم بسوق الخيل تحت القلعة ينتظرون تفرقة الجمال عليهم، إلى ~~أن انفض الموكب السلطاني ونزلت الأمراء إلى جهة بيوتهم. فلما صار الأمير ~~يونس الدوادار بوسط الرميلة احتاطت به المماليك الأجلاب، وعليه الكلفتاة ~~وقماش الخدمة، وداروا حوله وهم في كثرة، وأرادوا الكلام معه بسبب زيادة ~~جوامكهم، وأنه يكلم السلطان، فتبين لمماليك يونس الغدر بأستاذهم، فتحلقوا ~~عليه ومنعوهم من الوصول إليه، فصار يونس في حلقة من مماليكه، ومماليكه في ~~حلقة كبيرة من المماليك الأجلاب. وطال الأمر بينهم، ويونس لا يستطيع ~~الخروج. وتحقق الغدر، فأمر مماليكه بإشهار سيوفهم ففعلت ذلك، ودافعت عنه، ~~وجرح من المماليك الأجلاب جماعة، وقطع أصابع بعضهم، وشق بطن آخر على ما ~~قيل. فعند ذلك انفرجت ليونس فرجة خرج منها غارة إلى جهة داره، ونزل بها، ~~ورمى عنه قماش الموكب، ولبس قماش الركوب، وطلع من وقته إلى القلعة من أعلى ~~الكبش، ولم يشق الرميلة، وأعلم السلطان بخبره. فقامت لذلك قيامة المماليك ~~الأجلاب، وقالوا: " نحن ضربناهم بالدبابيس فضربونا بالسيوف " ، وثاروا على ~~أستاذهم ثورة واحدة، وساعدهم جماعة من المماليك القرانيص ms3510 وغيرهم لما في ~~نفوسهم من السلطان لعدم تفرقة الجمال وغيرها، ووقفوا بسوق الخيل وأفحشوا في ~~الكلام في حق السلطان، وهددوه إن لم يسلم لهم الأمير يونس، والسلطان لا ~~يتكلم إلى أن حركه بعضهم، فأرسل إليهم بالأمير جانبك الناصري المرتد، ~~والطواشي مرجان مقدم المماليك السلطانية، فسإلاهم عن غرضهم، فقالوا بلسان ~~واحد: " نريد غريمنا الأمير يونس " ، وخشنوا في القول. فعاد جانبك بالجواب، ~~فأرسل السلطان إليهم ثانيا بنوكار الزردكاش، فأعادوا له القول الأول. ثم ~~ساقوا غارة إلى بيت يونس الدوادار، فمنعوهم مماليكه من الدخول إلى دار ~~يونس، فجاؤوا بنار ليحرقوا الباب، فمنعوهم من ذلك أيضا، فعادوا إلى سوق ~~الخيل، فوافوا المنادي ينادي من قبل السلطان بالأمان، فمالوا على المنادي ~~بالدبابيس، فسكت من وقته، وهرب إلى حال سبيله. هذا وقد طلعت جميع أمراء ~~الألوف إلى عند السلطان، والسلطان على حالة السكوت، غير أنه طلب بعض ~~مماليكه الأجلاب الأعيان، وكلمه بأنه يعطي من جرح من الأجلاب ما يكفيه، ~~وأنه يعطي للذي قطعت أصابعه إقطاعا ومائة دينار، فلم يقع الصلح، وانفض ~~الأمر على غير طائل لشدة حر النهار. ولما تفرقت المماليك نزلت الأمراء إلى ~~دورهم، ما خلا الأمير يونس الدوادار، فإنه بات في القلعة. فلما أصبح يوم ~~الثلاثاء أول شهر رجب ضرب السلطان الكرة مع الأمراء بالحوش السلطاني من ~~القلعة. وفرغ من ذلك، وأراد كل أمير أن ينزل إلى داره، فبلغهم أن المماليك ~~الأجلاب وقوف على حالهم الأول بسوق الخيل بغير سلاح كما كانوا في أمسه ~~فانثنى عزمهم عن النزول وعادوا إلى القلعة. فلما تضحى النهار أرسل إليهم ~~السلطان بأربعة أمراء، وهم: الأمير يونس العلائي أحد مقدمي الألوف، وسودون ~~الإينالي المؤيدي قراقاش رأس نوبة ثان، ويلباي الإينالي ، المؤيدي أحد ~~أمراء الطبلخانات ورأس نوبة، وبردبك البجمقدار أحد الطبلخانات أيضا ورأس ~~نوبة، فنزلوا إليهم من القلعة؛ فما كان إلا أن وقع بصر المماليك الأجلاب ~~على هؤلاء الأمراء احتاطوا بهم، وأخذوهم بعد كلام كثير، ودخلوا بهم إلى بيت ~~الأمير خشقدم أمير سلاح تجاه باب السلسلة، ورسموا عليهم بعضهم. كل ms3511 ذلك ~~والمماليك الظاهرية الجقمقية وقوف على بعد، لا يختلفون بهم، لينظروا ~~PageV04P0388 # ما يصير من أمرهم. فلما وقع ما ذكرناه تحققوا خروجهم على أستاذهم، وثار ~~ما عندهم من الكمائن التي كانت كامنة في صدورهم من الملك الأشرف إينال لما ~~فعل بابن أستاذهم الملك المنصور عثمان، وحبس خجداشيتهم، وتقريب أعدائهم ~~الأشرفية مماليك الأشرف برسباي، فانتهزوا الفرصة، وانضافوا إلى المماليك ~~الأجلاب، وعرفوهم أن الأمر لا يتم إلا بحضرة الخليفة ولبس السلاح. فساق ~~قاني باي المشطوب أحد المماليك الظاهرية من وقته إلى بيت الخليفة القائم ~~بأمر الله حمزة، وكان في الخليفة المذكور خفة وطيش، فمال إليهم، ظنا أنه ~~يكون مع هؤلاء وينتصر أحدهم ويتسلطن، فيستفحل أمره ثانيا أعظم من الأول. ~~وسببه أنه كان لما ولاه الظاهر جقمق الخلافة بعد أخيه المستكفي بالله ~~سليمان صار تحت أوامر الظاهر، لأنه هو الذي استخاره وولاه الخلافة. فلما ~~ثار إينال على المنصور عثمان وطلبه وجاء إلى عنده، قوي أمر إينال بمجيء ~~الخليفة عنده. فلما تسلطن عرف إينال له ذلك، ورفع محله أضعاف ما كان أولا، ~~وزاده عدة إقطاعات، وصارت له حرمة وافرة في الدولة إلى الغاية. فلما كانت ~~هذه الفتنة ظن في نفسه أنه يوافقهم، فإذا تسلطن أحد منهم رفع محله زيادة ~~على ما فعل إينال، ويصير الأمر كله بيده، وما يدري بأن لسان الحال يقول له: ~~الرجزصير من أمرهم. فلما وقع ما ذكرناه تحققوا خروجهم على أستاذهم، وثار ما ~~عندهم من الكمائن التي كانت كامنة في صدورهم من الملك الأشرف إينال لما فعل ~~بابن أستاذهم الملك المنصور عثمان، وحبس خجداشيتهم، وتقريب أعدائهم ~~الأشرفية مماليك الأشرف برسباي، فانتهزوا الفرصة، وانضافوا إلى المماليك ~~الأجلاب، وعرفوهم أن الأمر لا يتم إلا بحضرة الخليفة ولبس السلاح. فساق ~~قاني باي المشطوب أحد المماليك الظاهرية من وقته إلى بيت الخليفة القائم ~~بأمر الله حمزة، وكان في الخليفة المذكور خفة وطيش، فمال إليهم، ظنا أنه ~~يكون مع هؤلاء وينتصر أحدهم ويتسلطن، فيستفحل أمره ثانيا أعظم من الأول. ~~وسببه أنه كان لما ولاه الظاهر جقمق ms3512 الخلافة بعد أخيه المستكفي بالله ~~سليمان صار تحت أوامر الظاهر، لأنه هو الذي استخاره وولاه الخلافة. فلما ~~ثار إينال على المنصور عثمان وطلبه وجاء إلى عنده، قوي أمر إينال بمجيء ~~الخليفة عنده. فلما تسلطن عرف إينال له ذلك، ورفع محله أضعاف ما كان أولا، ~~وزاده عدة إقطاعات، وصارت له حرمة وافرة في الدولة إلى الغاية. فلما كانت ~~هذه الفتنة ظن في نفسه أنه يوافقهم، فإذا تسلطن أحد منهم رفع محله زيادة ~~على ما فعل إينال، ويصير الأمر كله بيده، وما يدري بأن لسان الحال يقول له: ~~الرجز خير الأمور الوسط ... حب التناهي غلط ما طار طير وارتفع ... إلا كما ~~طار وقع PageV04P0389 # ولما حضر الخليفة عندهم، تكامل لبسهم السلاح، وانضافت إليهم خلائق من ~~المماليك السيفية، وأوباش الأشرفية، وغيرهم من الجياع الحرافيش. فلما رأت ~~الأجلاب أمر الظاهرية، حسبوا العواقب، وخافوا زوال ملك أستاذهم، فتخلوا عن ~~الظاهرية قليلا بقليل، وتوجه كل واحد إلى حال سبيله، فقامت الظاهرية بالأمر ~~وحدهم؛ وما عسى يكون قيامهم من غير مساعدة، وقد تخلى عنهم جماعة من أعيانهم ~~وخافوا عاقبة هذه الفتنة؟!. هذا وقد تعبأ السلطان لحربهم، ونزل من القلعة ~~إلى باب السلسلة من الإسطبل السلطاني. وتناوش القوم بالسهام، وأرادوا ~~المصاففة، فتكاثر عليهم السلطانية، وصدموهم صدمة واحدة بددوا شملهم، بل ~~كانوا تشتتوا قبل الصدمة أيضا. وهجموا السلطانية في الحال إلى بيت الأمير ~~خشقدم أمير سلاح، وأخذوا الأمراء المرسم عليهم، وأخذوا فيمن أخذوا الخليفة ~~معهم، وطلعوا بهم إلى السلطان. فلما رأى السلطان الخليفة وبخه بالكلام ~~الخشن، وأمر بحبسه بالبحرة من قلعة الجبل، وخلعه من الخلافة بأخيه يوسف في ~~يوم الخميس ثالث شهر رجب المذكور. ثم سفر الخليفة القائم بأمر الله المذكور ~~في يوم الاثنين سابع رجب إلى سجن الإسكندرية فسجن بها مدة سنين، ثم أطلق من ~~السجن، وسكن بالإسكندرية إلى أن مات بها في أواخر سنة اثنتين وستين ~~وثمانمائة. ولما بلغ الأميرخشقدم أمر هذه الفتنة عاد من برمنبابة، وطلع إلى ~~القلعة، ومعه رفيقه قرقماس رأس نوبة النوب في يوم الأربعاء، ms3513 وحضرا الموكب ~~في باكر يوم الخميس، ثم عادا إلى برمنبابة بمخيمهما. ثم فرق السلطان الجمال ~~على المماليك السلطانية، وسافروا صحبة الأميرين المذكورين إلى ما عينوا ~~إليه. وتفرقت من يوم ذاك أجلاب السلطان فرقتين: فرقة وهم الذين اشتراهم من ~~كتابية الظاهر جقمق وابنه، وفرقة اشتراهم هو في أيام سلطنته. وقويت الفرقة ~~الذين اشتراهم على الفرقة الظاهرية، ومنعوهم من الطلوع إلى القلعة، والسكنى ~~يالأطباق، وقالوا ما معناه: " إنكم سودتم وجوهنا عند أستاذنا " . وأظن ذلك ~~كله زورا وبهتانا، مع أن الأشرف كان هو لا يقطع فيهم قربته بهذا ولا بغيره، ~~وهو مستمر على محبتهم كما كان أولا، فلعمري إذا كان هذا فعلهم به وهو راض، ~~فما عساه يرجعهم عن ظلم غيره؟! فهذا مستحيل. ولما انتهت الوقعة وخلع ~~السلطان الخليفة، أمسك جماعة من المماليك الظاهرية وحبسهم بالبرج من قلعة ~~الجبل، ونفى بعضهم واختفى بعضهم، وأخرج قوزي الساقي الظاهري وكان تأمر عشرة ~~ومعه عشرين مملوكا من المماليك الظاهرية إلى البلاد الشامية، مع أن قوزي ~~المذكور لا في العير ولا في النفير. وسافروا في يوم الجمعة تاسع شهر شعبان، ~~وسكن الأمر كأنه لم يكن، لحسن سياسة السلطان في تسكين أخلاط الفتن انتهى. ~~وفي يوم الأربعاء حادي عشرين شعبان ورد الخبر على السلطان بمسك الأمير يشبك ~~النوروزي نائب طرابلس بأمر السلطان؛ لأن السلطان كان قبل تاريخه أرسل إينال ~~الجلباني القجقي الخاصكي إلى طرابلس، وعلى يده ملطفات في الباطن، بمسك يشبك ~~المذكور وحبسه بالمرقب. وتولى عوضه نيابة طرابلس الأمير حاج إينال اليشبكي ~~نائب حماة، وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير يشبك الفقيه المؤيدي، واستقر ~~في نيابة حماة عوضه الأمير إياس المحمدي الناصري نائب صفد، وحمل إليه ~~التقليد والتشريف الأمير قانصوه المحمدي الأشرفي، واستقر في نيابة صفد عوضا ~~عن إياس الأمير جانبك التاجي المؤيدي نائب غزة، وحمل إليه التقليد تمرباي ~~من حمزة المعروف بططر الناصري، واستقر في نيابة غزة عوضا عن جانبك التاجي ~~خيربك النوروزي أحد أمراء صفد، ومسفره سنقر قرق شبق الأشرفي الخاصكي. ثم ~~رسم السلطان أيضا بنقل الأمير ms3514 آقبردي الساقي الظاهري من أتابكية حلب إلى ~~نيابة ملطية، بعد عزل قاني باي الناصري، واستقر في أتابكية حلب عوضا عن ~~آقبردي سودون من سيدي بك الناصري القرماني أتابك طرابلس، وصار مغلباي ~~البجاسي أحد أمراء طرابلس وحاجب حجابها أتابك طرابلس عوضا عن سودون ~~القرماني المذكور. وولي حجوبية طرابلس يشبك دوادار قاني باي البهلوان وهو ~~رجل من الأوباش، لم تسبق له رئاسة بالبذل، انتقل إليها من نيابة المرقب. ثم ~~أخرج السلطان سنطباي الظاهري رأس نوبة الجمدارية كان منفيا إلى طرابلس في ~~أوائل شهر رمضان. ثم في يوم الأحد عاشر شهر رمضان المذكور ورد الخبر على ~~السلطان من PageV04P0390 # مكة بموت الشريف بركات بن حسن بن عجلان أمير مكة، فأقر السلطان ولده ~~الشريف محمدا في إمرة مكة عوضه، بسفارة الأمير جانبك الظاهري نائب جدة ~~بمكاتبته. ثم وصل نائب جدة بعد ذلك إلى القاهرة، وتم أمر ولاية محمد بقدومه ~~بخمسين ألف دينار، يحمل منها عاجلا عشرين ألف دينار، وما بقي آجلا على ~~نفذات متفرقة هكذا حكى لي الأمير جانبك من لفظه. هذا غيرما يدفعه الشريف ~~محمد المذكور لأرباب الدولة بالديار المصرية ولولد السلطان وزوجته؛ فإن ~~زوجة السلطان وولده صار لهما نصيب وافر مع السلطان في كل هدية ورشوة. ثم ~~رسم السلطان أيضا بعزل أبي السعادات قاضي مكة، وولاية الإمام محب الدين ~~الطبري إمام مقام إبراهيم عليه السلام بغير سعي. ورسم أيضا باستقرار الشيخ ~~برهان الدين إبراهيم ابن ظهيرة في نظر حرم مكة، بعد عزل الشيخ طوغان ~~الأشرفي عنها، وخرج إليهما الأمر صحبة الحاج في الموسم. وكان أمير حاج ~~المحمل في هذه السنة الأمير بردبك البجمقدار الظاهري، أحد أمراء الطبلخانات ~~ورأس نوبة، وأمير الركب الأول الناصري محمد ابن الأمير جرباش المحمدي ~~الأمير آخور الكبير، وصحبته والدته خوند شقراء بنت الناصر فرج بن برقوق. ~~وسافر أيضا في هذه السنة إلى الحجاز الأمير بيبرس الأشرفي خال العزيز يوسف ~~باشا للمماليك السلطانية المجاورين بمكة المشرفة. وفي أوائل ذي القعدة رسم ~~السلطان بهدم تربته التي كان أنشأها أيام إمرته وأعادتها ms3515 مدرسة، وخلع على ~~الصاحب جمال الدين يوسف ناظر الجيش والخاص بالنظر على عمارتها. وفي عشر ذي ~~الحجة وهو يوم عيد إلاضحى صلى السلطان صلاة العيد بالجامع الناصري بقلعة ~~الجبل، ثم خرج من الجامع بسرعة، وذهب إلى الحوش السلطاني، ونحر ضحاياه به. ~~وكان العادة أن السلطان إذا خرج من صلاة العيد جلس بإلايوان ومعه الأمراء ~~وذبح له، ثم يتوجه من إلايوان إلى باب الستارة وينحر به أيضا ويفرق ما ~~يذبحه، ثم بعد ذلك يتوجه إلى الحوش ويذبح به، فلم يفعل السلطان شيئا من ~~ذلك، خوفا من مماليكه الأجلاب، فإنهم رجموه في العام الماضي وأخرقوا به ~~وبأمرائه غاية الآخراق، ورجموه وهجموا عليه حيث كان ينحر الضحايا، حتى إنه ~~قام من مقامه فزعا بعد أن أصاب جماعة من الأعيان الرجم. وفرغت هذه السنة ~~وقد قوي أمر المماليك الأجلاب. واستهلت سنة ستين وثمانمائة. فلما كان يوم ~~الاثنين خامس المحرم نزلت المماليك الأجلاب من الأطباق، وقصدوا بيت الوزير ~~فرج بن النحال لينهبوا ما فيه؛ وكأنه أحس بذلك وشال ما كان في بيته، فلما ~~دخلوا البيت لم يجدوا فيه ما يأخذونه، فمالوا على من هو ساكن بجوار بيت فرج ~~المذكور فنهبوهم بحيث إنهم أخذوا غالب متاع الناس، ولا قوة إلا بالله. وفي ~~يوم الأربعاء حادي عشرين المحرم ورد الخبر على السلطان بموت الأمير آقبردي ~~الساقي نائب ملطية بها، فرسم السلطان لجانبك الجكمي المعزول عن نيابة ملطية ~~قبل ذلك بنيابة ملطية على عادته أولا، ورسم بأن يستقر في نيابة طرسوس عوضا ~~عن جانبك الجكمي آقباي السيفي جار قطلو، وكان آقباي أيضا ولي نيابة طرسوس ~~قبل ذلك. وفي يوم الأربعاء ثالث عشر صفر من سنة ستين المذكورة أخرق ~~المماليك الأجلاب بعظيم الدولة الصاحب جمال الدين ناظر الجيش والخاص بغير ~~سبب أوجب ذلك، وشق ذلك على كل أحد، ولم تنتطح فى ذلك شاتان. وفي يوم السبت ~~ثامن عشر جمادى الأولى من سنة ستين أيضا وصل قاصد PageV04P0391 # السلطان محمد بن مراد بك بن عثمان متملك بلاد الروم، وهو جمال الدين ms3516 عبد ~~الله القابوني، وطلع إلى السلطان في يوم الثلاثاء وعلى يده كتاب مرسله، ~~يتضمن البشارة بفتح قسطنطينية، والكتاب نظم ونثر، وقفت عليه وعلى جوابه من ~~السلطان من إنشاء القاضي معين الدين عبد اللطيف ابن العجمي نائب كاتب السر، ~~وأثبت الكتاب الوارد والجواب كليهما في تاريخنا " حوادث الدهور في مدى ~~الأيام والشهور " إذ هو محل ضبط هذه الأشياء. وفي يوم الخميس خامس عشر ~~جمادى الآخرة من السنة أمسك السلطان الأمير زين الدين الأستادار، ووضع في ~~عنقه الجنزير، وحطه إلى الأرض ليضربه، ثم رفع من على الأرض بغير ضرب، وحبس ~~عند الطواشي فيروز الزمام والخازندار، واستقر عوضه في الأستادارية سعد ~~الدين فرج بن النحال الوزير، واستقر علي بن الأهناسي البرددار وزيرا عوضا ~~عن فرج المذكور. فلما سمعت المماليك الأجلاب بهذا العزل والولاية نزلوا من ~~وقتهم غارة إلى بيت الأستادار لينهبوه، فمنعهم مماليك زين الدين، وقاتلوهم ~~وأغلقوا الدروب. فلما عجزوا عن نهب بيت زين الدين نهبوا بيوت الناس من عند ~~بيت زين الدين إلى قنطرة أمير حسين، فأخذوا ما لا يدخل تحت حصر كثرة. ~~واستمروا في النهب من باكر النهار إلى قريب العصر، وفعلوا بالمسلمين أفعإلا ~~لا تفعلها الكفرة ولا الخوارج مبالغة، وهذا أعظم مما كان وقع منهم من نهب ~~جوار بيت الوزير فرج، فكانت هذه الحادثة من أقبح الحوادث الشنيعة التي لم ~~نسمع بأقبح منها في سالف إلاعصار. ومن ثم دخل في قلوب الناس من المماليك ~~الأجلاب من الرجيف والرعب أمر لا مزيد عليه، لعلمهم أنه مهما فعلوا جاز ~~لهم، وأن السلطان لا يقوم بناصر من قهر منهم. ووقعت حادثة عجيبة مضحكة، وهي ~~أنه لما عظم رجيف الناس والعامة من هذه المماليك الأجلاب اتفق أن جهاز بنت ~~الناصري محمد بن الثلاج الأمير آخور خرج من بيت أبيها إلى بيت زوجها الأمير ~~جانبك قرا الأشرفي، وحمل ذلك على رؤوس الحمالين والبغال كما هي عادة ~~المصريين، وسارت الحمالون بالمتاع، فوقع من على رأس بعضهم قطعة نحاس، فجفل ~~من ذلك فرس بعض الأجناد، فحنق الجندي ms3517 من فرسه وضربه، ثم ساقه، فلم تشك ~~العامة أن المماليك نزلوا إلى نهب حوانيت القاهرة، فأغلقت القاهرة في ~~الحال، وماجت الناس، وتعطلت المعايش، وحصل على الرعية من الآنزعاج أمر كبير ~~من غير موجب انتهى. وفي هذه الأيام كان الفراغ من مدرسة السلطان التي هدمها ~~وبناها بالصحراء، وقرىء بها ختمة شريفة، وحضرت الأعيان من الأمراء وغيرهم ~~ما خلا السلطان. ثم في يوم الاثنين ثالث شهر رجب من سنة ستين المذكورة أفرج ~~السلطان عن زين الدين يحيى الأستادار، ورسم له بأن ينزل إلى بيت الصاحب ~~جمال الدين ليحمل ما تقرر عليه إلى الخزانة الشريفة وهو مبلغ عشرة إلاف ~~دينار ثم ينفى بعد تغليقه المال إلى حيث يأمر به السلطان. ولما غلق ما ألزم ~~به من المال، سافر من يوم الاثنين أول شعبان إلى المدينة الشريفة من على ~~طريق الطور. ثم سافر قاصد ابن عثمان إلى جهة مرسله في يوم الجمعة خامس ~~شعبان، وتبعه قاصد السلطان إلى ابن عثمان المذكور، وهو السيفي قاني باي ~~اليوسفي المهمندار. وفيه ورد الخبر على السلطان بأن السلطان إبراهيم بن ~~قرمان صاحب لارندة وغيرها من بلاد الروم طرق معاملة السلطان، واستولى على ~~مدينة طرسوس وأذنه وكولك، فغضب السلطان من ذلك، وأمر بخروج تجريدة من ~~الديار المصرية لقتال ابن قرمان المذكور، وعين جماعة من الأمراء والمماليك، ~~يأتي ذكرهم عند سفرهم من القاهرة. وفي يوم الأربعاء ثالث عشرين شهر رمضان ~~نودي بالقاهرة من قبل السلطان بعدم تعرض المماليك الأجلاب إلى الناس ~~والباعة والتجار، فكانت هذه المناداة كضرب رباب أو كطنين ذباب. واستمروا ~~على ما هم عليه من أخذ أموال الناس والظلم والعنف حتى غلت إلاسعار في سائر ~~الأشياء من المأكول والملبوس والغلال والعلوفات، وصاروا يخرجون إلى ظواهر ~~القاهرة، ويأخنون ما يجدون من الشعير PageV04P0392 # والتبن والدريس بأبخس إلاثمان، إن أعطوا ثمنا، وإن شاؤوا أخذوه بلا ثمن، ~~وكل من وقع له ذلك معهم لم يعد ثانيا إلى بيع ذلك الصنف إلا أن يكون محتاجا ~~لبيعه، فعزت لذلك هذه إلاصناف بحيث إنها صارت ms3518 أقل وجودا من أيام الغلاء، ~~فصار هذا هو الغلاء بعينه، وزيادة على الغلاء عدم الشيء. ثم شرعوا في نهب ~~حواصل البطيخ الصيفي وغيره. ثم تزايد أمرهم، وشرعوا يفعلون ذلك مع تجار ~~القماش وغيره، فغلت جميع إلاسعار مع كثرتها عند أربابها، فضر ذلك بحال ~~الناس قاطبة، رئيسها وخسيسها، وهذا أول أمرهم، وما سيأتي فأهول. وفي يوم ~~الاثنين تاسع عشر شوال خرج أمير حاج المحمل بالمحمل من بركة الحاج، وهو ~~الأمير قانم من صفر خجا أحد مقدمي الألوف، وسار إلى البركة دفعة واحدة، ~~فكان عادة أمراء المحمل النزول بالمحمل إلى الريدانية، فبطل ذلك، وصاروا ~~يتوجهون إلى البركة في مسير واحد، وأمير الركب الأول عبد العزيز بن محمد ~~الصغير أحد الأجناد. وفي هذه الأيام كانت عافية الصاحب جمال الدين ناظر ~~الجيش والخاص من مرض أشرف فيه على الموت، وطلع إلى القلعة، وخلع السلطان ~~عليه ونزل إلى داره في يوم مشهود لم ير مثله إلا نادرا. وفي يوم الخميس ~~سابع عشرين ذي القعمة استقر الأمير سودون النوروزي السلاح دار أحد أمراء ~~الطبلخانات في نيابة قلعة الجبل بعد موت قاني باي إلاعمش الناصري، وأنعم ~~السلطمان بإقطاع قاني باي المذكور على ولده الصغير المقام الناصري محمد، ~~وإلاقطاع إمرة عشرة. واستهلت سنة إحدى وستين وثمانمائة يوم الاثنين الموافق ~~لثالث كيهك أحد شهورالقبط. فلما كان يوم السبت سادس المحرم ضرب السلطان ~~والي القاهرة خيربك القصروي، وعزله عن ولاية القاهرة، وحبسه بالبرج على حمل ~~عشرة إلاف دينار، فدام في البرج إلى أن أطلق في يوم عاشره، واستقر عوضه في ~~ولاية القاهرة علي بن إسكندر، واستقر في نقابة الجيش الأمير ناصر الدين بن ~~أبي الفرج على عادته أولا عوضا عن علي بن إسكندر المذكور. وفي يوم السبت ~~هذا نودي أيضا على الذهب بأن يكون صرف الدينار الذي هو وزن درهم وقيراطين ~~ثلاثمائة درهم نقرة، وكان بلغ صرفه قبل ذلك إلى ثلاثمائة وسبعين نقرة؛ وأضر ~~ذلك بحال الناس زيادة على ما هم فيه من أمر المماليك الأجلاب. وفي يوم ~~الاثنين خامس ms3519 عشر المحرم المذكور ورد الخبر على السلطان بموت يشبك حاجب ~~حجاب طرابلس، فرسم باستقرار شاد بك الصارمي عوضه في حجوبية الحجاب؛ ~~والمتوفى والمولى كلاهما ولي بالبذل. وفي يوم الخميس ثالث صفر ثارت ~~المماليك الأجلاب على السلطان، وأفحشوا في أمره إلى الغاية. وخبر ذلك أن ~~السلطان لما كان في يوم الخميس المذكور وهو جالس بقاعة الدهيشة، وكانت ~~الخدمة بطالة في هذا اليوم، وذلك قبل أن يصلي السلطان الصبح، وإذا بصياح ~~المماليك، فأرسل السلطان يسأل عن الخبر، فقيل له إن المماليك أمسكوا نوكار ~~الزردكاش وهددوه بالضرب، وطلبوا منه القرقلات التي وعدهم السلطان بها من ~~الزردخاناه السلطانية، فحلف لهم أنه يدفع لهم ذلك في أول الشهر، فتركوه ~~ومضوا، فلقوا الشيخ عليا الخراساني الطويل محتسب القاهرة، وهو داخل إلى ~~السلطان، فاستقبلوه بالضرب المبرح المتلف، وأخذوا عمامته من على رأسه، فرمى ~~بنفسه إلى باب الحريم السلطاني حتى نجا. وأما السلطان لما فرغ من صلاة ~~الصبح نزل وقعد على الدكة بالحوش على العادة، ثم قام بعد فراغ الخدمة وعاد ~~إلى الدهيشة، وإذا بالصياح قد قوي ثانيا PageV04P0393 # فعلم أن ذلك صياح الأجلاب، فأرسل إليهم الأمير يونس الدوادار، فسألهم ~~يونس المذكور عن سبب هذه الحركة، فقالوا: " نريد نقبض جوامكنا، كل واحد ~~سبعة أشرفية ذهبا في كل شهر " . وكانت جامكية الواحد منهم ألفين قبل تاريخه ~~يأخذها ذهبا وفضة، بسعر الذهب تلك الأيام، فلما غلا سعر الذهب تحيلوا على ~~زيادة جوامكهم بهذه المندوحة، ثم قالوا: " ونريد أن تكون تفرقة الجامكية في ~~ثلاثة أيام، أي على ثلاث نفقات كما كانت قديما، ونريد أيضا أن يكون عليقنا ~~السلطاني الذي نأخذه من الشونة مغربلا، ويكون مرتبنا من اللحم سمينا " فعاد ~~الأمير يونس إلى السلطان بهذا الجواب، ولم يتفوه به إلى السلطان، وتربص عن ~~رد الجواب على السلطان حتى يفرغ السلطان من أكل السماط، فأبطأ الخبر لذلك ~~عن الأجلاب، فندبوا مرجانا مقدم المماليك للدخول بتلك المقالة إلى السلطان، ~~فدخل مرجان أيضا ولم يخبر السلطان بشيء حتى فرغ من أكل السماط، فعند ذلك ~~عرفه الأمير ms3520 يونس بما طلبوه، فقال السلطان: " لا سبيل إلى ذلك " ، وأرسل ~~إليهم مرجانا المقدم يعرفهم مقالة السلطان، فعاد مرجان ثانيا إلى السلطان ~~بالكلام الأول. وصار يتردد مرجان بين السلطان والمماليك الأجلاب نحو سبعة ~~مرار، وهم مصممون على مقالتهم، والسلطان ممتنع من ذلك. وامتنع الناس من ~~الدخول والخروج إلى السلطان خوفا من المماليك لما فعلوه مع العجمي المحتسب. ~~فلما طال الأمر على السلطان خرج هو إليهم بنفسه، ومعه جماعة من الأمراء ~~والمباشرين، وتوجه إلى باب القلة حيث يجلس مقدم المماليك والخدام، فوجد ~~المماليك قد اجتمعوا عند رحبة باب طبقة المقدم؛ فلما علموا بمجيء السلطان ~~أخذوا في الرجم، فجلس السلطان بباب القلة مقدار نصف درجة، ثم استدرك أمره ~~لما رأى شدة الرجم، وقصد العود إلى الدهيشة، ورسم لمن معه من الأمراء أن ~~ينزلوا إلى دورهم، فامتنعوا إلا أن يوصلوه إلى باب الحريم، فعاد عليهم ~~الأمر فنزلوا من وقتهم، وبقي السلطان في خواصه وجماعة المباشرين وولده ~~الكبير المقام الشهابي أحمد. فلما سار السلطان إلى نحو باب الستارة، ووصل ~~إلى باب الجامع أخذه الرجم المفرط من كل جهة، فأسرع في مشيته والرجم يأتيه ~~من كل جانب، وسقط الخاصكي الذي كان حامل ترس السلطان من الرجم، فأخذ الترس ~~خاصكي آخر فضرب الآخر فوقع وقام، وشج دوادار ابن السلطان في وجهه وجماعة ~~كثيرة، وسقطت فردة نعل السلطان من رجله فلم يلتفت إليها لأنه محمول من تحت ~~إبطيه مع سرعة مشيهم إلى أن وصل إلى باب الستارة، وجلس على الباب قليلا، ~~فقصدوه أيضا بالرجم، فقام ودخل من باب الحريم وتوجه إلى الدهيشة. واستمر ~~وقوف المماليك على ما هم عليه إلى أذان المغرب. فبعد صلاة المغرب نزل ~~الصاحب جمال الدين ناظر الجيش والخاص من باب الحريم إلى القصر، وتوصل منه ~~إلى الإسطبل السلطاني، وخرج من باب السلسلة، وتوجه إلى داره، ونزل الأمير ~~بردبك الدوادار الثاني وصهر السلطان من الميدان ماشيا، فوجد فرسه تحت ~~القلعة، فركبه وتوجه إلى داره، وكذلك فعل جانبك المشد، وجانبك الخازندار ~~وغيرهم. وبات القوم وهم على ms3521 وجل، والمماليك يكثرون من الوعيد في يوم السبت؛ ~~فإنهم زعموا أن لا يتحركوا بحركة في يوم الحمعة مراعاة لصلاة الجمعة. وأصبح ~~السلطان وصلى الجمعة مع الأمراء على العادة، فتكلم بعض الأمراء ~~PageV04P0394 # مع السلطان في أمرهم بما معناه أنه لابد لهم من شيء يطيب خواطرهم به؛ ~~ووقع إلاتفاق بينهم وبين السلطان على زيادة كسوتهم التي يأخذونها في السنة ~~مرة واحدة، وكانت قبل ذلك ألفين، فجعلوها يوم ذاك ثلاثة إلاف درهم، وزادوهم ~~أيضا في إلاضحية، فجعلوا لكل واحد ثلاثة من الغنم الضأن، فزيدوا رأسا واحدا ~~على ما كانوا يأخذونه قبل ذلك. ثم رسم لهم أن تكون تفرقة الجامكية على ثلاث ~~نفقات في ثلاثة أيام من أيام المواكب، فرضوا بذلك وخمدت الفتنة. وقد انتفعت ~~جميع المماليك السلطانية بهذه الزيادات؛ فإنها لست بمختصة بالأجلاب فقط، ~~وإنما هي لمجميع مماليك السلطان كائنا من كان، فحمدت المماليك والناس جميعا ~~فعلهم لما جر إليهم من المنفعة. قلت: هذا هو إلاحتمال الذي يؤدي إلى قلة ~~المروءة، فإنه لو أراد لفعل بهم ما شاء، غيرأنه كما ورد: " حبك للمرء يعمي ~~ويصم " انتهى. وفي هذه الأيام ترادفت الأخبار من الأمير جانم الأشرفي نائب ~~حلب بحركة ابن قرمان، فلهج السلطان بخروج تجريدة لقتاله بعد انفصال فصل ~~الشتاء. ثم في يوم الاثنين خامس شهر ربيع الأول أبطل السلطان الخدمة من ~~القصر، وجلس بالحوش السلطاني، وجمع القضاة والأعيان وناظر دار الضرب، وسبكت ~~الفضة المضروبة في كل دولة؛ وقد حررنا وزن ضرب كل دولة وما نقص منها في ~~تاريخنا " حوادث الدهور " انتهى. وانفض الجمع وقد نودي في يومه بشوارع ~~القاهرة بأن أحدا لا يتعامل بالفضة المضروبة بدمشق في هذه الدولة، فشق ذلك ~~على الناس قاطبة، لكثرة معاملاتهم بهذه الفضة التي داخلها الغش، ولهجت ~~العامة في الحال فيما بينهم: " السلطان من عكسه أبطل نصفه " و " إذا كان ~~نصفك إينالي لا تقف على دكاني " وأشياء من هذه المهملات التي لا وزن لها ~~ولا قافية، وانطلقت الألسن بالوقيعة في السلطان. هذا والصاحب جمال الدين ~~عظيم الدولة بلغ ms3522 السلطان من الغد أن المماليك تريد إثارة فتنة أخرى بسبب ~~ذلك، فخشي السلطان من مساعدة العوام لهم، فأبطل ما كان نودي به. قلت: ~~والمصلحة ما كان فعله السلطان، غير أنك تعلم أن السواد الأعظم من العامة ~~ليس لهم فوق ولا خبرة بعواقب الأمور؛ فإنهم احتاجوا بعد ذلك إلى أن سألوا ~~في إبطال ذلك، فلم يسمح لهم السلطان به إلا بعد أمور وأشهر، حسبما يأتي ~~ذكره، وهو معدوز في ذلك. وفي يوم الخميس خامس عشر شهر ربيع الأول المذكور ~~من سنة إحدى وستين عمل السلطان المولد النبوي بالحوش من قلعة الجبل على ~~العادة في كل سنة، غير أنه فرق الشقق الحرير على القراء والمداح، كل شقة ~~طولها خمسة أذرع إلى ثلاثة أذرع ونصف، ولم يفرق على أحد شقة كاملة إلا ~~نادرا. قلت: كل ذلك من سوء تدبر أرباب وظائفه وحواشيه؛ وإلا فما هو هذا ~~النزر اليسير حتى يشح به مثل هذا الملك الجليل؟! ونفرض أنه عزم على ذلك ~~فكان يمكنهم الكلام معه في ذلك، فإن عجزوا عن مدافغته كان أحد من أولاده ~~وخواصه يقوم بهذا الأمر عنه من ماله، وليس في ذلك كبير أمر. وفي يوم الأحد ~~ثامن عشر شهر ربيع الأول المذكور وصل إلى القاهرة سنقر الأشرفي الدوادار ~~المعروف بقرق شبق، وكان توجه قبل تاريخه إلى البلاد الحلبية لكشف أخبار ابن ~~قرمان، وتجهيز العساكر الشامية والحلبية، فوقع له هناك أمور وحوادث ذكرناها ~~فى غير هذا المحل، من قتل جماعة من تركمان ابن قرمان وغير ذلك. وكان سنقر ~~المذكور من مساوىء الدهر، وعنده طيش وخفة مع ظلم وجبروت، وما سيأتي من ~~أخباره عند عمارته لمراكب الغزاة فأعظم. ثم في يوم الأحد هذا نودي بالقاهرة ~~من قبل السلطان بأن يكون سعر الدرهم PageV04P0395 # من الفضة الشامية المقدم ذكرها التي داخلها الغش ثمانية عشر درهما نقرة، ~~وما عداها من الفضة المؤيدية والأشرفيه والظاهرية تكون على حالها بأربعة ~~وعشرين درهما، فقامت قيامة العامة من ذلك خوفا من الخساره، وأكثروا من ~~الوقيعة بالسلطان وأرباب دولته، ولا ms3523 سيما في الصاحب جمال الدين ناظر الجيش ~~والخاص، فإنهم نسبوا هذا كله إليه رحمه الله. وكان السلطان خلع على ولده ~~المقام الشهابي أحمد باستقراره أمير حاج المحمل، فلما نزل ابن السلطان ~~وعليه الخلعة من القلعة إلى داره وهي قصر بكتمر الساقي تجاه الكبش وبين ~~يديه جميع أعيان الدولة، استغاثت إليه العامة بلسان واحد، وقالوا: " نخسر ~~بهذه المناداة ثلث أموالنا " ، وسألوه في إبطال ذلك، فوعدهم بإبطاله، وأرسل ~~إلى والده يسأله في إبطال ما نودي به، فأجابه السلطان، ونودي في الحال ~~مناداة ثانية بإبطال ما نودي به. قلت: وهذه فعلة العامة الثانية من طلبهم ~~عدم المناداة بإبطال هذه الفضة المغشوشة خوفا من الخسارة، فاحتاجوا بعد ذلك ~~إلى المناداة، وخسروا أكثر مما كانوا يخسرونه عندما غلت إلاسعار بسبب هذه ~~الفضة، ووصل صرف الدينار إلى إربعمائة درهم، كما نذكره إن شاء الله تعالى. ~~وفي يوم السبت أول شهر ربيع الآخر نودي في المماليك السلطانية المعينين إلى ~~تجريدة البلاد الشامية لقتال ابن قرمان قبل تاريخه بأن النفقة فيهم في يوم ~~الخميس إلاتي. فلما كان يوم الخميس سادس ربيع الآخر المذكور جلس السلطان ~~بالحوش السلطاني، وشرع في تفرقة النفقة على المماليك المذكورين، لكل واحد ~~منهم مائة دينار، وسعر الذهب يوم ذاك أربعمائة درهم الدينار، فوصل لكل واحد ~~منهم أعني المماليك المعينين أربدون ألفا؛ وهذا شيء لم نسمع بمثله، وأكثر ~~ما فرق الملوك السالفة في معنى النفقة مائة دينار، وسعر الدينار في ذلك ~~الوقت ما بين مائتين وعشرين درهما الدينار إلى مائتين وثمانين الدينار، لا ~~بهذا السعر الزائد، فشكر كل أحد السلطان على هذه الفعلة. وكان عدة من أخذ ~~النفقة من المماليك المذكورين أربعمائة مملوك وثلاثة مماليك. ثم أرسل ~~السلطان بالنفقة إلى الأمراء المجردين، فحمل إلى الأمير خشقدم الناصري ~~المؤيدي أمير سلاح وهو مقدم العسكر يوم ذاك بأربعة إلاف دينار، ثم أرسل لكل ~~من أمراء الألوف لكل واحد بثلاثة إلاف دينار، وهم: قرقماس الأشرفي رأس نوبة ~~النوب، وجانبك القرماني الظاهري حاجب الحجاب، ويونس العلائي الناصري، ثم ~~حمل ms3524 لكل من أمراء الطبلخانات بخمسمائة دينار، ولكل أمير عشرة مائتي دينار. ~~يأتي ذكر أسماء الجميع عند خروجهم من الديار المصرية إلى جهة ابن قرمان. ثم ~~في يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر المذكور عزل السلطان علي بن ~~إسكندر عن ولاية القاهرة، وأعاد خيربك القصروي لولاية القاهرة كما كان ~~أولا. ثم في يوم الخميس خامس جمادى الأولى برز الأمير خشقدم أمير سلاح ~~ومقدم العسكر بمن معه من الأمراء والعساكر من القاهرة إلى الريدانية خارج ~~القاهرة، والأمراء هم: الأربعة من مقدمي الألوف المقدم ذكرهم. والطبلخانات: ~~جانبك الناصري المرتد، وخيربك الأشقر المؤيدي الأمير آخور الثاني، وبربك ~~البجمقدار الظاهري رأس نوبة. ومن أمراء العشرا ت ستة أمراء وهم: تمرباي من ~~حمزة الناصري المعروف بططر، وقانصوه المحمدي الأشرفي، وقلمطاي الإسحاقي ~~الأشرفي رأس نوبة، وقانم طاز الأشرفي رأس نوبة، وجكم النوري المؤيدي رأس ~~نوبة، وجانم المؤيدي المعروف بحرامي شكل. وقد تقدم ذكر عدة المماليك ~~السلطانية فيما تقدم. وأقاموا بالريدانية إلى ليلة الاثنين تاسعه، فاستقلوا ~~فيه بالمسير من الريدانية إلى جهة البلاد الشامية. ثم في يوم الخميس سادس ~~عشرين جمادى الأولى المذكورة سافر الأمير نوكار الزردكاش، ومعه عدة من ~~الرماة والنفطية وإلات الحصار وهو مريض، ورسم له أن يأخذ من قلعة دمشق ما ~~يحتاج إليه أيضا من أنواع إلالات وغيرها للحصار، ويلحق العساكر المتوجهة ~~لقتال ابن قرمان. ثم في يوم الخميس عاشر جمادى الآخرة استقر الأمير أسندمر ~~الجقمقي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة أمير المماليك السلطانية المجاورين ~~بمكة المشرفة عوضا عن الأمير بيبرس الأشرفي، خال الملك العزيز يوسف، ورسم ~~بمجيء بيبرس المذكورعند توجه أسندمر الجقمقي في موسم الحج. ثم في يوم ~~الجمعة ثالث شهر رجب من سنة إحدى وستين PageV04P0396 # المذكورة ورد الخبر على السلطان بموت الأمير نوكار الزردكاش بمدينة غزة، ~~فأنعم السلطان بإقطاعه وهو إمرة عشرة ووظيفة الزردكاشية على سنقر الأشرفي ~~الدوادار المعروف بقرق شبق. وفي يوم الخميس تاسع رجب المذكور وقعت حادثة ~~غريبة: وهي أن جماعة من العربان قطاع الطريق وكانوا نحو خمسة عشر رجلا ms3525 أو ~~أمثل جاؤوا من جهة الشرقية حتى وصلوا إلى قرب باب الوزير، ثم عادوا من حيث ~~جاؤوا وصاروا في عودهم يسلبون من وقعوا به من الناس، فعروا جماعة كبيرة من ~~بين فقهاء وأعيان وغيرهم، وكان الوقت بعد أذان العصر بدرجات وقت حضور ~~الخوانق. وفي يوم الأحد ثاني عشره، خلع السلطان على السيد الشريف حسام ~~الدين محمد بن حريز، باستقراره قاضي قضاة المالكية بعد موت القاضي ولي ~~الدين السنباطي. وفي يوم الثلاثاء رابع عشر رجب المذكور ورد الخبر على ~~السلطان بوصول العساكر المتوجهة لقتال ابن قرمان إلى حلب، وأنهم اجتمعوا فى ~~حلب بالأمير قاني باي الحمزاوي نائب الشام هناك؛ لأن قاني باي المذكور كان ~~خرج من دمشق قبل وصول العسكر إليها بثلاثة أيام، فتكلم الناس بأنه ظن أن ~~سفر العساكر ما هو إلا بسبب القبض عليه فى الباطن، والتوجه لابن قرمان في ~~الظاهر. قلت: وللقائل بهذا القول عذر بين، وهو أن قاني باي المذكور من يوم ~~تسلطن الملك الأشرف إينال هذا وهو نائب حلب لم يحضر إلى الديار المصرية ولا ~~داس بساط السلطان، غير أنه يمتثل أوامر السلطان ومراسيمه حيث كان أولا ~~بحلب، ثم بعد انتقاله إلى نيابة دمشق؛ فعلم بذلك كل أحد أن قاني باي ~~المذكور يتخوف من السلطان ولايحضر إلى الديار المصرية، ومتى طلبه السلطان ~~أظهر العصيان. وفطن الملك الأشرف إينال لذلك، فلم يطلبه البتة، وصار كل ~~واحد منهما يعلم ما في ضمير الآخر في الباطن ويظهر خلاف ذلك: السلطان يخفي ~~ذلك لتسكين الفتنة، وقاني باي لما هو فيه من النعمة بولاية نيابة دمشق، وكل ~~منهما يترقب موت الآخر، فمات قاني باي قبل، حسبما يأتي ذكره في الوفيات بعد ~~فراغ الترجدة. وقد خرجنا عن المقصود ولنعد إلى ما نحن بصدده فنقول: وأخبر ~~المخبر أن العساكر اجتمعوا بالأمير قاني باي الحمزاوي بحلب، وأنه اجتمع رأي ~~الجميع على السير من حلب إلى جهة ابن قرمان في يوم السبت سادس عشرين جمادى ~~الآخرة، فسر السلطان بذلك، كون الذي أشيع عن قاني باي ms3526 الحمزاوي من العصيان ~~ليس بصحيح، بل هو قائم بالمهم السلطاني أحسن قيام. وفي يوم الجمعة سابع ~~عشره سافر الأمير جانبك الظاهري نائب جدة إلى جهة جدة على عادته في كل سنة، ~~وسافر معه خلائق من الناس صفة الرجبية. وفي يوم السبت ثامن عشر رجب المذكور ~~ورد الخبر على السلطان بأنه كان بين حسن الطويل بن علي بك بن قرايلك صاحب ~~آمد وبين عساكر جهان شاه بن قرا يوسف صاحب العراقين عراق العرب وعراق العجم ~~وقعة هائلة، انكسر فيها عسكر جهان شاه وانتصر حسن المذكور، وأن حسن قتل من ~~أعيان عساكر جهان شاه جماعة، مثل الأمير رستم، وابن طرخان، وعربشاه، ~~وغيرهم، فسر السلطان بذلك غاية السرور، كون أن حسنا المذكور ينتمي إليه، ~~ويظهر له الصداقة. ثم في يوم الاثنين رابع شعبان وصل الخبر من الأمير خشقدم ~~أمير سلاح ومن رفقته النواب بالبلاد الشامية بأنهم وصلوا إلى بلاد ابن ~~قرمان، وملكوا قلعة دوالي، ونهبوها وأخربوها، وأنهم جهزوا الأمير بردبك ~~البجمقدار رأس نوبة ومعه عدة من المماليك السلطانية والأمراء بالبلاد ~~الشامية إلى جهة من جهات بلاد ابن قرمان، فصدفوا في مسيرهم عسكرا من أصحاب ~~ابن قرمان فواقعوهم وهزموهم، وأنه قتل من المماليك السلطانية أربعة في غير ~~المصاف، بل من الذين صدفوهم في أثناء الطريق. وفي يوم السبت أول شهر رمضان ~~سافرت الأمراء المعينون إلى الجرون ببر التركية، لأجل قطع إلاخشاب، وسافروا ~~من بولاق، ومقدم العسكر الأمير يشبك الفقيه المؤيدي أحد أمراء الطبلخانات ~~ورأس نوبة، ومعه الأمير أزبك المؤيدي أحد أمراء العشرات، والأمير نوروز ~~إلاعمش الأشرفي، وجماعة أخر من الخاصكية. ثم في يوم الأحد تاسع شهررمضان ~~وصل نجاب من خيربك نائب غزة يخبر بمجيء سودون القصروي الدوادار بكتاب مقدمي ~~العساكر الأمير خشقدم المؤيدي أمير سلاح وغيره من الأمراء. وحضر سودون ~~القصروي المذكور من الغد، وأخبر السلطان بأن العساكر المتوجهة إلى بلاد ابن ~~قرمان قصدت العود إلى جهة حلب PageV04P0397 # بعد أن أخذوا أربع قلاع من بلاد ابن قرمان، وأخربوا غالب قرى ممالكه، ~~وأحرقوا بلاط وسبوا ms3527 ونهبوا وأمعنوا في ذلك، حتى إنهم أحرقوا عدة مدارس ~~وجوامع، وذلك من أفعال أوباش العسكر، وأنهم لم يتعرضوا إلى مدينة قونية ولا ~~مدينة قيصرية لنفود زادهم، ولضجر العسكر من طول مدتهم بتلك البلاد، مع غلو ~~إلاسعار في المأكول وغيره من سائر الأشياء، ولولا هذا لاستولوا على غالب ~~بلاد ابن قرمان، وأن ابن قرمان لم يقاتل العسكر السلطاني، بل إنه انحاز إلى ~~جهة منيعة من جهاته وتحضن بها هو وأعيان دولته، وترك ما سوى ذلك من المتاع ~~والمواشي وغيرها مأكلة لمن يأكله، فحصل له بما اخذ له وهن عظيم في مملكته؛ ~~فدقت البشائر لهذا الجبر بالقاهرة أياما، ورسم السلطان من وقته بعود العسكر ~~المذكور إلى الديار المصرية، وخرخ النجاب بهذا الأمر. ثم في يوم الأحد سادس ~~عشر شهر رمضان المذكور ركب المقام الشهابي أحمد ابن السلطان من داره فصر ~~بكتمر تجاه الكبش النجب كما هي عادة أمراء الحج في الركوب إلى المسايرة، ~~وخرج من الصليبة، وشق الرميله، وبين يديه هجانة السلطان أمراء العرب، ~~بإلاكوار الذهب، والكنابيش الزركش المغشاة بإلاطلس إلاصفر، وركب معه جماعة ~~من الأمراء غير من يسافر معه، مثل: الأمير بردبك الدوادار الثاني، وسودون ~~الإينالي المؤيدي قراقاش ثاني رأس نوبة، وجماعة اخر، ولم يركب معه أحد من ~~أمراء الألوف، ولا أعيان مباشري الدولة، حتى ولا كاتب السر القاضي محمب ~~الدين بن الأشقر، وهو ممن يسافر في هذه السنة إلى الحج. وسار ابن السلطان ~~في موكبه المذكور من تحت القلعة إلى جهة خليج الزعفران خارج القاهرة، ووصل ~~هناك قبيل المغرب، وأفطر هناك، ثم عاد بعد صلاة العشاء، وشق الرميلة ثانيا ~~في عوده في زي بهيج إلى الغاية. ثم في يوم الجمعة ثاني عشر شوال وصلت إلى ~~القاهرة رمة الأمير جانبك القرماني الظاهري حاجب الحجاب، وقد مات بالقرب من ~~منزلة الصالحية في عوده من تجريدة ابن قرمان. ثم عقب الخبر بموت جماعة ~~كبيرة أيضا من العسكر المذكور، من مرض فشا فيهم من مدينة الرملة كالوباء، ~~مات منه خلائق بمرض واحد، ولم يعلم ms3528 أحد ما سبب هذا العارض. ثم في يوم السبت ~~ثالث عشره ورد الخبر بموت الأمير جكم النوري المؤيدي المعروف بقلقسيز أحد ~~أمراء العشرات ورأس نوبة. ثم في يوم الاثنين خامس عشر شوال المذكور وصلت ~~العساكر المجردة لبلادد أن أخذوا أربع قلاع من بلاد ابن قرمان، وأخربوا ~~غالب قرى ممالكه، وأحرقوا بلاط وسبوا ونهبوا وأمعنوا في ذلك، حتى إنهم ~~أحرقوا عدة مدارس وجوامع، وذلك من أفعال أوباش العسكر، وأنهم لم يتعرضوا ~~إلى مدينة قونية ولا مدينة قيصرية لنفود زادهم، ولضجر العسكر من طول مدتهم ~~بتلك البلاد، مع غلو إلاسعار في المأكول وغيره من سائر الأشياء، ولولا هذا ~~لاستولوا على غالب بلاد ابن قرمان، وأن ابن قرمان لم يقاتل العسكر ~~السلطاني، بل إنه انحاز إلى جهة منيعة من جهاته وتحضن بها هو وأعيان دولته، ~~وترك ما سوى ذلك من المتاع والمواشي وغيرها مأكلة لمن يأكله، فحصل له بما ~~اخذ له وهن عظيم في مملكته؛ فدقت البشائر لهذا الجبر بالقاهرة أياما، ورسم ~~السلطان من وقته بعود العسكر المذكور إلى الديار المصرية، وخرخ النجاب بهذا ~~الأمر. ثم في يوم الأحد سادس عشر شهر رمضان المذكور ركب المقام الشهابي ~~أحمد ابن السلطان من داره فصر بكتمر تجاه الكبش النجب كما هي عادة أمراء ~~الحج في الركوب إلى المسايرة، وخرج من الصليبة، وشق الرميله، وبين يديه ~~هجانة السلطان أمراء العرب، بإلاكوار الذهب، والكنابيش الزركش المغشاة ~~بإلاطلس إلاصفر، وركب معه جماعة من الأمراء غير من يسافر معه، مثل: الأمير ~~بردبك الدوادار الثاني، وسودون الإينالي المؤيدي قراقاش ثاني رأس نوبة، ~~وجماعة اخر، ولم يركب معه أحد من أمراء الألوف، ولا أعيان مباشري الدولة، ~~حتى ولا كاتب السر القاضي محمب الدين بن الأشقر، وهو ممن يسافر في هذه ~~السنة إلى الحج. وسار ابن السلطان في موكبه المذكور من تحت القلعة إلى جهة ~~خليج الزعفران خارج القاهرة، ووصل هناك قبيل المغرب، وأفطر هناك، ثم عاد ~~بعد صلاة العشاء، وشق الرميلة ثانيا في عوده في زي بهيج إلى الغاية. ثم في ms3529 ~~يوم الجمعة ثاني عشر شوال وصلت إلى القاهرة رمة الأمير جانبك القرماني ~~الظاهري حاجب الحجاب، وقد مات بالقرب من منزلة الصالحية في عوده من تجريدة ~~ابن قرمان. ثم عقب الخبر بموت جماعة كبيرة أيضا من العسكر المذكور، من مرض ~~فشا فيهم من مدينة الرملة كالوباء، مات منه خلائق بمرض واحد، ولم يعلم أحد ~~ما سبب هذا العارض. ثم في يوم السبت ثالث عشره ورد الخبر بموت الأمير جكم ~~النوري المؤيدي المعروف بقلقسيز أحد أمراء العشرات ورأس نوبة. ثم في يوم ~~الاثنين خامس عشر شوال المذكور وصلت العساكر المجردة لبلاد PageV04P0398 # ابن قرمان على أسوأ حال من الضعف الذي حصل لهم في أثناء الطريق. وطلع ~~مقدم العسكر الأمير خشقدم المؤيدي أمير سلاح، ورفقته من الأمراء المقدم ~~ذكرهم عند توجههم والمماليك السلطانية إلى القلعة، وقبل الأرض، فأكرمه ~~السلطان وخلع عليه وعلى رفقته؛ فنزل الأمير خشقدم إلى داره وبين يديه أعيان ~~الدولة، وقد نقص من رفقته اثنان من المقدمين: جاني بك القرماني المتوفى، ~~ويونس العلائي لضعف بدنه، وقد دخل إلى القاهرة في محفة. ثم فى يوم الاثنين ~~هذا أنعم السلطان على الأمير بايزيد التمربغاوي أحد أمراء الطبلخانات بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف عوضا عن جانبك القرماني المقدم ذكره، وأنعم بطبلخاناه ~~بايزيد على الأمير برسباي الإينالي المؤيدي. ثم في يوم الخميس ثامن عشر ~~شوال المذكور خرج المقام الشهابي أحمد ابن السلطان وهو يومئذ أمير حاج ~~المحمل بالمحمل من القاهرة إلى بركة الحاج دفعة واحدة وقد صار ذلك عادة ~~وترك النزول بالمحل فى الريدانية خارج القاهرة، وسافرت معه أمه خوند الكبرى ~~زينب بنت البدري حسن بن خاص بك، وإخوته الجميع الذكور والآناث، وإلاخوة ~~الجميع الثلاثة: ذكر واحد وهو أصغر منه يسمى محمدا مراهق، واخته الكبرى ~~زوجة الأمير بردبك الدوادار الثاني، والصغرى وهي زوجة الأمير يونس الدوادار ~~الكبير. ورحل من البركة في ليلة الاثنين ثاني عشرين شوال، بعد أن رحل قبله ~~أسندمر الجقمقي رأس المجاورين، وأمير الركب الأول يشبك الأشقر الأشرفي، وقد ~~استقر أمير عشرة قبل تاريخه. ووصل ms3530 من الغد في يوم الثلاثاء الأمير جانبك ~~الظاهري نائب جدة من جدة وقبل الأرض، وحضر معه من الحجاز الأمير زين الدين ~~الأستادار، وكان مقيما بمكة. وفي يوم الخميس خامس عشرين شوال المذكور أنعم ~~السلطان بإقطاع جكم النوري المؤيدي على الأمير جانبك الإسماعيلي المؤيدي ~~المعروف بكوهية، وعلى الأمير يشبك الظاهري نصلين بالسوية، لكل واحد منهما ~~إمرة عشرة. ثم في يوم الاثنين تاسع عشرينه استقر الأمير برسباي البجاسي أحد ~~مقدمي الألوف حاجب الحجاب بالديار المصرية بعد وفاة الأمير جانبك القرماني. ~~ثم في يوم السبت خامس عشرين ذي القعدة ثارت المماليك الأجلاب بالأطباق من ~~قلعة الجبل، ومنعوا الأمراء ومباشري الدولة من النزول من قلعة الجبل، ~~فكلموهم بسبب ذلك، فقالوا: " نريد أن تكون تفرقة إلاضحية لكل واحد منا ~~ثلاثة من الغنم " أعني زيادة على ما كانوا يأخذونه قبل ذلك برأس واحد. وكان ~~وقع في تلك المدة هذا القول، وسكت عنه، فتوقف السلطان في الزيادة، ثم أذعن ~~بعد أمور، واستمر ذلك إلى يومنا هذا. وفي يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة ~~استقر القاضي صلاح الدين أمير حاج بن بركوت المكيني في حسبة القاهرة، بعد ~~عزل يارعلي الخراساني العجمي الطويل، بمال كثير بذله صلاح الدين في ذلك. ~~PageV04P0399 # وفي أوائل ذي الحجة ورد الخبر على السلطان من جهة مكة أنه وقع في الحاج ~~عطشة فيما بين منزلة أكرة والوجه، ومات بالعطش خلائق كثيرة. وفي يوم الجمعة ~~سادس عشر ذي الحجة الموافق لثامن هاتور لبس السلطان القماش الصوف الملون ~~المعتد لأيام الشتاء، وألبس الأمراء على العادة. وفي يوم الاثنين تاسع عشر ~~ذي الحجة المذكور وصلت الأمراء المتوجهون إلى بلاد الجرون ببر التركية، ~~ومقدمهم الأمير يشبك الفقيه، ورفقته المقدم ذكرهم عند سفرهم، وخلع السلطان ~~عليهم. وفي يوم الخميس ثاني عشرينه وصل مبشر الحاج دمرداش الطويل الخاصكي، ~~بعد ما قاسى شدائد من العرب قطاع الطريق، فضايقوه وأخذوا منه عدة رواحل ~~وغيرها، ثم أخبر دمرداش المذكور بسلامة ابن السلطان ووالدته وإخوته، فدقت ~~البشائر لذلك ثلاثة أيام بالديار المصرية. وفي يوم الاثنين ms3531 سادس عشرين ذي ~~الحجة المذكور أخرج السلطان إقطاع الأمير طوخ من تمراز الناصري المعروف ~~ببني بازق أمير مجلس، لمرض تمادى به مدة طويلة، وأنعم بإقطاع المذكور على ~~الأمير برسباي البجاسي حاجب الحجاب، وأنعم بإقطاع برسباي البجاسي المذكور ~~على الأمير بيبرس الأشرفي خال الملك العزيز يوسف بالحجاز، وكلاهما تقدمة ~~ألف، غير أن الواحد يزيد عن الآخر في الخراج لا غير، وأنعم بإقطاع بيبرس ~~على ولده الصغير محمد وهو في الحجاز أيضا، وهذا أيضا تقدمة ألف، مضافا لما ~~كان بيده قبل من الإقطاعات. ثم في يوم الخميس تاسع عشرينه استقر الأمير ~~جرباش المحمدي الأمير آخور الكبير أمير مجلس عوضا عن طوخ المقدم ذكره بحكم ~~مرضه، واستقر عوضه في الأمير آخورية يونس العلائي أحد مقدمي الألوف. وفي ~~هذه السنة كان فراغ الربع والحمامين اللذين بناهما السلطان الملك الأشرف ~~إينال هذا بخط بين القصرين. وفرغت هذه السنة وقد انحل أمر حكام الديار ~~المصرية أرباب الشرع الشريف والسياسة أيضا، لعظم شوكة المماليك الأجلاب، ~~وصار من له حق عند كائن من كان من الناس قصد مملوكا من المماليك الأجلاب في ~~تخليص حقه، فما هو إلا أن أعلم ذلك المملوك بقصده خلص من غريمه في الحال؛ ~~فإن هؤلاء المماليك صاروا في أبواب أعيانهم شكل رأس نوبة ونقباء، ولبعضهم ~~دوادار، فيرسل خلف ذلك الرجل المطلوب، ويأمره بإعطاء حق ذلك المدعي حقا كان ~~أو باطلا بعد أن يهدده بالضرب والنكال، فأن أجاب وإلا ضرب في الحال ونكل ~~به. وعلم بذلك كل أحد، فصار كل أحد يستعين بهم في قضاء حوائجه، وترك الناس ~~الحكام، فقوي أمر الأجلاب، وضعفت شوكة الحكام، وتلاشى أمرهم إلى الغاية ~~والنهاية. وفي هذه السنة كانت زلزلة عظيمة بمدينة أرزنكان، هدمت معظمها. ~~وفي هذه السنة أيضا كان بالشرق فتن كبيرة بين جهان شاه بن قرا يوسف، وبين ~~أولاد باي سنقر بن شاه رخ بن تيمورلنك، أصحاب ممالك العجم. ثم استهلت سنة ~~اثنتين وستين وثمانمائة. ففي يوم الاثنين ثالث محرم من السنة المذكورة أنعم ~~السلطان على قايتباي المحمودي ms3532 الظاهري الدوادار بإمرة عشرة، وعين السلطان ~~الأمير جانبك الإسماعيلي المؤيدي المعروف بكوهية أن يتوجه إلى حلب، وعلى ~~يده تشريف تغري بردي بن يونس حاجب حلب بنيابة ملطية، وتشريف جانبك الجكمي ~~نائب ملطية إلى حجوبية حلب، كل منهما عن الآخر، وذلك لكلام وقع بين تغري ~~بردي هذا وبين الأمير جانم الأشرفي نائب حلب. ثم في يوم الاثنين رابع عشرين ~~المحرم وصل أمير حاج المحمل بالمحمل إلى القاهرة، وهو المقام الشهابي أحمد ~~ابن السلطان، وصحبته والدته وإخوته، وطلع إلى القلعة ومعه أخوه محمد، وبين ~~يديهما وجوه الدولة، وخلع السلطان عليه وعلى أخيه محمد المذكور، وكانت خلعة ~~المقام الشهابي أطلسين متمرا، وعلى إلاطلسين فوقاني حرير برجهين بطرز زركش. ~~ثم خلع السلطان على من له عادة بلبس الخلع في عود الحاج إلى الديار ~~المصرية. ثم في يوم الاثنين سادس عشر صفر وصل الأمير أزبك من ططخ الظاهري ~~الخازندار كان من القدس الشريف بطلب من السلطان، وطلع إلى القلعة، وخلع ~~السلطان عليه سلاريا من ملابيسه بفرو سنجاب، ووعده بكل خير، ثم رسم له ~~بالمشي في الخدمة السلطانية بعد أيام. وفي أول شهر ربيع الأول من سنة ~~اثنتين وستين المذكورة نودي من قبل السلطان على الذهب بأن يكون سعر الدينار ~~الذهب بثلاثمائة درهم نقرة، بعدما كان وصل سعر الدينار لأربعمائة وستين ~~درهما الدينار، وأن يكون PageV04P0400 # سعر الفضة المغشوشة كل درهم بستة عشر درهما، وأن يكون سعر الدرهم من ~~الفضة الطيبة التي رسم السلطان بضربها بدار الضرب بأربعة وعشرين درهم نقرة، ~~وحكم السلطان بذلك، ونفذ حكمه القضاة، وسر الناس بهذا الأمر غاية السرور؛ ~~فإنه كان حصل بتلك الفضة المغشوشة غاية الضرر في المعاملات وغيرها. غير أنه ~~ذهب للناس بهذا النقص في سعر الفضة المغشوشة مال كثير، وصار كل أحد يخسر ~~ثلث ما كان معه من المال من هذه الفضة المذكورة، فانحصر كل من كان عنده من ~~هذه الفضة لوقوع النقص في ماله، فرسم السلطان في اليوم المذكور بالمناداة ~~ننقص ثلث ثمن جميع البضائع في المأكول والملبوس كما ms3533 نقص سعر الدرهم الثلث، ~~وكذلك في نقص الذهب، فهان عند ذلك على الناس ما وقع من خسارة الذهب والفضة ~~بهذه المناداة الثانية التي هي بنقص ثلث أثمان جميع الأشياء، وقال كل واحد ~~في نفسه: " كما نقص من مالي الثلث نقص من ثمن ما كنت أبتاعه الثلث " ، ~~فكأنه لم ينقص له شيء. ثم في يوم الخميس سابع عشره عمل السلطان المولد ~~النبوي بالحوش من القلعةسعر الفضة المغشوشة كل درهم بستة عشر درهما، وأن ~~يكون سعر الدرهم من الفضة الطيبة التي رسم السلطان بضربها بدار الضرب ~~بأربعة وعشرين درهم نقرة، وحكم السلطان بذلك، ونفذ حكمه القضاة، وسر الناس ~~بهذا الأمر غاية السرور؛ فإنه كان حصل بتلك الفضة المغشوشة غاية الضرر في ~~المعاملات وغيرها. غير أنه ذهب للناس بهذا النقص في سعر الفضة المغشوشة مال ~~كثير، وصار كل أحد يخسر ثلث ما كان معه من المال من هذه الفضة المذكورة، ~~فانحصر كل من كان عنده من هذه الفضة لوقوع النقص في ماله، فرسم السلطان في ~~اليوم المذكور بالمناداة ننقص ثلث ثمن جميع البضائع في المأكول والملبوس ~~كما نقص سعر الدرهم الثلث، وكذلك في نقص الذهب، فهان عند ذلك على الناس ما ~~وقع من خسارة الذهب والفضة بهذه المناداة الثانية التي هي بنقص ثلث أثمان ~~جميع الأشياء، وقال كل واحد في نفسه: " كما نقص من مالي الثلث نقص من ثمن ~~ما كنت أبتاعه الثلث " ، فكأنه لم ينقص له شيء. ثم في يوم الخميس سابع عشره ~~عمل السلطان المولد النبوي بالحوش من القلعة PageV04P0401 # على العادة في كل سنة. ثم في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر أنعم ~~السلطان على الأمير أزبك من ططخ الظاهري المقدم ذكره بإمرة عشرة، عوضا عن ~~الأمير جانم الأشرفي البهلوان، بحكم وفاته، كما سيأتي ذكر وفاته ووفاة غيره ~~في ذكر الوفيات بعد فراغ الترجدة، على عادة هذا الكتاب. وفي يوم الاثنين ~~ثالث عشر شهر ربيع الآخر المذكور وجد السلطان نشاطا في نفسه من مرض كان حصل ~~له أياما، وخرج إلى قاعة ms3534 الدهيشة، ودقت البشائر لذلك بقلعة الجبل وغيرها ~~ثلاثة أيام. ثم في يوم الأحد سادس عشرين ربيع الآخر مات الأمير سودون ~~السلحدار نائب قلعة الجبل، فأنعم السلطان من إقطاعه بنصف قرية كوم أشفين ~~على شريكه الأمير يشبك الفقيه المؤيدي، ليكون من جملة أمراء الطبلخانات، ~~وأنعم بباقي إقطاع سودون المذكور على الأمير أرغون شاه الأشرفي ليكون من ~~جملة أمراء العشرات، وأنعم بإقطاع أرغون شاه المذكور على شريكه الأمير تنبك ~~الأشرفي ليكون تنبك أيضا أمير عشرة، واستقر كسباي المؤيدي السمين نائب قلعة ~~الجبل عوضا عن سودون المذكور على إمرة عشرة ضعيفة، واستقر الأمير جانبك ~~الإسماعيلي المؤيدي المعروف بكوهية هن جملة رؤوس النوب عوضا عن كسباي ~~المقدم ذكره، ولبسا الخلع بعد ذلك بأيام. ثم في سلخ شهر ربيع الآخر المذكور ~~خلع السلطان على الأمير برسباي البجاسي حاجب الحجاب باستقراره أمير حاج ~~المحمل. وفيه خلع السلطان على الحكماء لعافيته من مرضه، وحضر السلطان موكب ~~القصر مع الأمراء والخاصكية على العادة. ثم في يوم الاثنين رابع جمادى ~~الأولى استقر الطواشي مرجان الحصكفي مقدم المماليك السلطانية أمير حاج ~~الركب الأول، فحصل بتولية مرجان هذا إمرة الحاج الأول على أهل مكة ما لا ~~خير فيه، لأنه كان في نفسه وضيعا، لم تشمله تربية مرب، لأنه نشأ ببلاد ~~الحصن ، وخرج منها على هيئه المكدين من فقراء العجم، ودار البلاد على تلك ~~الهيئة سنين كثيرة، إلى أن اتصل بخدمة جماعة كثيرة من الأمراء، ثم آل أمره ~~إلى بيت السلطان، وغلط الدهر بولايته النيابة ثم التقدمة، ثم بولايته إمرة ~~الركب الأول في هذه السنة، فلما سافر أخذ معه جماعة كبيرة من إنياته ~~المماليك الأجلاب، ففعلوا في أهل مكة أفعإلا ما تفعلها الخوارج، من الظلم ~~وأخذ أموال الناس له ولأنفسهم، كما سيأتي ذكر ذلك عند عوده من الحج إن شاء ~~الله تعالى. وفي يوم الخميس سابع جمادى الأولى استقر شمس الدين منصور بن ~~الصلي ناظر ديوان المفرد. وفي يوم الثلاثاء ثاني عشره ركب السلطان الملك ~~الأشرف إينال من قلعة الجبل باكر النهار ms3535 في أمرائه وأرباب دولته، وشق خط ~~الصليبية بغير قماش الموكب، وتوجه إلى ساحل بولاق؛ ودام سيره بساحل بولاق ~~إلى أن وصل إلى مدرسة السعدي إبراهيم بن الجيعان التي أنشأها على النيل، ~~ورأى ما أنشىء بالجزيرة وساحل بولاق من العمائر والبيوت، ثم عاد إلى جهة ~~القاهرة، ومر من الشارع الأعظم إلى أن خرج من باب زويلة، وطلع إلى القلعة، ~~وقد غضب مما رأى من العمائر بساحل بولاق في طريق المسلمين. وأصبح من الغد ~~في يوم الأربعاء أمر بالمناداة بأن أحدا من الناس لا يعمر عمارة بجزيرة ~~أروى المعروفة بالوسطى، ولا بساحل بولاق، لما رأى من ضيق الطريق من كثرة ~~العمائر وإلاخصاص، وأمر أيضا بهدم أماكن كثيرة فهدمت في اليوم المذكور. ~~واستمر والي القاهرة بعد ذلك في الهدم أياما كثيرة. وأما إلاخصاص والدكاكين ~~التي بالطريق فهدمت عن آخرها. وكلم السلطان في الكف عن ذلك جماعة كثيرة فلم ~~يسمع لأحد، واستمر على ما رسم به من هدم إلاماكن المذكورة. قلت: لا بأس ~~بهذه الفعلة؛ لأن كل أحد له في الساحل حق كحق غيره، فلا يجوز استقلال أحد ~~به دون غيره. وفي يوم الأحد سابع عشر جمادى الأولى المذكور خاشنت المماليك ~~الأجلاب الصاحب جمال الدين ناصر الجيش والخاص في اللفظ بسبب غلو سعر أثواب ~~البعلبكي، فأجابهم " بأن هذا ليس هو داخل في حكمي ولا من تعلقاتي، بل ذلك ~~راجع إلى محتسب القاهرة " . وبلغ السلطان ذلك، فأصبح السلطان أمر بعزل صلاح ~~الدين أمير حاج بن بركوت المكيني عن حسبة القاهرة، واستقر عوضه بالحاج خليل ~~المدعو قاني باي اليوسفي المهمندار، مضافا إلى المهمندارية. ثم في يوم ~~الخميس ثامن عشرينه وصل إلى القاهرة قصاد الصارمي إبراهيم بن قرمان، صاحب ~~قونية وغيرها، وعلى يدهم كتب ابن PageV04P0402 # قرمان المذكور تتضمن الترقق وإلاستعطاف، وأنه داخل تحت طاعة السلطان، ~~وأنه إن كان وقع منه ما أوغر خواطر السلطنة، فقد جرى عليه وعلى بلاده من ~~العساكر السلطانية ما فيه كفاية من النهب والسبي وإلاحراق وغير ذلك، وأنه ~~يسأل الرضى عنه، وأشياء غير ms3536 ذلك مما ذكرناه بالمعنى، فعفا السلطان عنه بعد ~~توقف كبير. وفي يوم الجمعة تاسع عشرين جمادى الأولى المذكور سافر الأمير ~~بردبك الدوادار الثاني صهر السلطان زوج ابنته إلى دمشق، لينظر جامعه الذي ~~أنشأه بها. ثم في يوم الاثنين عاشر جمادى الآخرة خلع السلطان على أيدكي ~~الأشرفي الخاصكي ليسافر إلى ابن قرمان صحبة قصاده، لتقرير الصلح بين ~~السلطان وبينه. وفي يوم الجمعة رابع عشره الموافق لثالث بشنس، أحد شهور ~~القبط لبس السلطان القماش الأبيض البعلبكي المعد لأيام الصيف على العادة في ~~كل سنة. ثم في يوم الخميس خامس شهررجب من سنة اثنتين وستين المذكورة شفع ~~الصاحب جمال الدين ناظر الجيش والخاص عند السلطان في الأمير تمربغا أن يفرج ~~عنه من حبس الصبيبة، فسمح السلطان له بذلك، ورسم له أن يتوجه من الصبيبة ~~إلى دمشق، ويقيم بها لعمل مصالحه لأيام الحج، ويسافر إلى مكة ويقيم بها ~~بطالا، فوقع ذلك. ثم في يوم الجمعة سادس شهر رجب المذكور كان الحريق العظيم ~~بساحل بولاق الذي لم نسمع بمثله في سالف إلاعصار إلا قليلا، بحيث إنه أتى ~~على غالب أملاك بولاق من ساحل النيل إلى خط البوصة التي هي محل دفن أموات ~~أهل بولاق، وعجزت الأمراء والحكام عن إخماده. وكان أمر هذا الحريق أنه لما ~~كان صبيحة يوم الجمعة سادس رجب من سنة اثنتين وستين المذكورة هبت ريح عظيمة ~~مريسي، وعظمت حتى اقتلعت إلاشجار وألقت بعض مبان، واستمرت في زيادة ونمو ~~إلى وقت صلاة الجمعة؛ فلما كان وقت الزوال أو بعده بقليل احترق ربع الحاج ~~عبيد البرددار بساحل البحر، وذهب الربع في الحريق عن آخره ومات فيه جماعة ~~من الناس، كل ذلك في أقل من ساعة رمل. ثم انتقلت النار إلى ربع القاضي زين ~~الدين أبي بكر بن مزهر وغيره. وهبت الرياح وانتشرت النيران على إلاماكن ~~يمينا وشمإلا. هذا وحاجب الحجاب وغيره من الأمراء والأعيان وكل أحد من ~~الناس في غاية إلاجتهاد في تخميد النار بالطفي والهدم، وهي لا تزداد إلا ~~قوة وانتشارا على إلاماكن، ms3537 إلى أن وصلت النار إلى ربع الصاحب جمال الدين ~~ناظر الجيش والخاص، وإلى الحواصل التي تحته، وأحرقت أعلاه وأسفله، وذهب فيه ~~من بضائع الناس المخزونة فيه ما لا ينحصر كثيرة، وسارت النار إلى الدور ~~وإلاماكن من كل جهة. هذا وقد حضر الحريق جميع أمراء الدولة بمماليكهم ~~وحواشيهم، شيئا بعد شيء، والأمر لا يزداد إلا شدة، إلى أن صار الذي حضر من ~~الناس لأجل طفي النار كالمتفرج من عظم النار والعجز عن إخمادها، وصارت ~~الناس إذا وقعت بمكان لاتزال به حتى يذهب جميعه، ويضمحل عن آخره. فعند ذلك ~~فطن كل أحد أن النار تسير من دار إلى دار إلى أن تصل إلى القاهرة، لعظم ما ~~شاهدوا من هولها، والريح المريسي يتداول هبوبها من أول النهار إلى نصف ~~الليل؛ ولشدة هبوب الريح صارت رياحا لأنها بقيت تارة تهب مريسيا، وهو ~~الأكثر، وتارة شمإلا، وتارة غير ذلك من سائر الجهات. فيئس كل من كان له دار ~~تحت الريح، وتحقق زوالها، وشرع في نقل متاعه وأثاثه، وهو معذور في ذلك، ~~لأننا لم نشاهد في عمرنا مثل هذا الحريق، لما اشتمل عليه من الأمور ~~الغريبة، منها سرعة إلاحراق، حتى إن الموضع القديم من إلاماكن الهائلة يذهب ~~بالحريق في أسرع وقت، ومنها أن المكان العظيم كان يحترق وبجانبه مكان آخر ~~لم تلحقه شرارة واحدة، وربما احترق الذي كان بالبعد عن تلك الدار المحروقة ~~من شرارها، والتي بالقرب سالمة. ووقع ذلك بعدة أماكن، أعجبها وأغربها مسجد ~~كان بالقرب من ساحل البحر وبه منارة من غرد قصيرة، وكان هذا المسجد في وسط ~~الحريق والشرار يتطاير من أعلاه من الجهات إلاربع من أول الحريق إلى آخره، ~~لم تتعلق به شرارة واحدة، وفي المسجد المذكور قبر رجل صالح مدفون فيه قديما ~~يعرف بالشيخ محمد المغربي. واستمر الأمراء والأعيان يشاهدون الحريق، ~~ويطفئون ما قدروا عليه من أطراف المواضع المنفردة؛ وأما الحريق العظيم فلا ~~يستجرىء أحد أن يقربه لعظمه، بل يشاهدونه من بعد. واستمروا على ذلك إلى بعد ~~أذان عشاء الآخرة، ثم ms3538 ذهب كل واحد إلى PageV04P0403 # داره والنار عمالة إلى نصف الليل، فأخذ أمر الريح في انحطاط. فلما كان ~~باكر نهار السبت سابع شهر رجب المذكور نزل المقام الشهابي أحمد ابن السلطان ~~من قلعة الجبل، وتوجه إلى بولاق لأجل الحريق، فوجد جميع أمراء الدولة هناك ~~كما كانوا في أمسه، فلم يؤثر حضور الجميع في النار شيئا، غير أن الريح كان ~~سكن وأخذت النار حدها في إلاحراق من كل مكان كانت به؛ فعند ذلك اجتهد كل ~~أحد في إخمادها، وهم ما تعلق به النار من إلاماكن، وأقاموا على ذلك أياما ~~كثيرة، والنار موجودة في إلاماكن والجدر والحيطان، والناس تأتي لبولاق ~~أفواجا للفرجة على هذا الحريق العظيم، حتى صارت تلك إلاماكن كبعض ~~المفترجات، وعملت الشعراء والأدباء في هذا الحريق عدة قصائد وقطع. وقد ~~أنشدني الشيخ علم الدين إلاسعردي الحصني قصيدة من لفظه لنفسه في هذا المعنى ~~أولها: مخلع البسيطلنار عمالة إلى نصف الليل، فأخذ أمر الريح في انحطاط. ~~فلما كان باكر نهار السبت سابع شهر رجب المذكور نزل المقام الشهابي أحمد ~~ابن السلطان من قلعة الجبل، وتوجه إلى بولاق لأجل الحريق، فوجد جميع أمراء ~~الدولة هناك كما كانوا في أمسه، فلم يؤثر حضور الجميع في النار شيئا، غير ~~أن الريح كان سكن وأخذت النار حدها في إلاحراق من كل مكان كانت به؛ فعند ~~ذلك اجتهد كل أحد في إخمادها، وهم ما تعلق به النار من إلاماكن، وأقاموا ~~على ذلك أياما كثيرة، والنار موجودة في إلاماكن والجدر والحيطان، والناس ~~تأتي لبولاق أفواجا للفرجة على هذا الحريق العظيم، حتى صارت تلك إلاماكن ~~كبعض المفترجات، وعملت الشعراء والأدباء في هذا الحريق عدة قصائد وقطع. وقد ~~أنشدني الشيخ علم الدين إلاسعردي الحصني قصيدة من لفظه لنفسه في هذا المعنى ~~أولها: مخلع البسيط أتتهم الذاريات ذروا ... وتلتها العاصفات عصفا أثبت هذه ~~القصيدة في تاريخنا " الحوادث " كونه محل ذكر هذه الأشياء. والقصيدة ~~المذكورة نظم عالم لا شاعر. وقد حررنا أيضا في تاريخنا " الحوادث " ما ذهب ~~في هذا الحريق من إلاماكن ms3539 تخمينا، فكان عدة ما احترق فيه من إلارباع زيادة ~~على ثلاثين ربعا، كل ربع يشتمل على مائة سكن وأكثر، أعني أعاليه وأسفله، ~~وما به من الحوانيت والمخازن ذكرناها في " الحوادث " بأسمائها، ما خلا ~~الدور وإلاماكن وإلافران والحوانيت وغير ذلك. وقد اختلف في سبب هذا الحريق ~~على أقوال كثيرة. منهم من قال: إنها صاعقة نزلت من السماء والخطيب على ~~المنبر. ومنهم من قال: إنه نزلت من جهة السماء نوع شرارة فاحترق المكان ~~الأول منها. ومنهم من قال: إن الأرض كأن النار تنبع منها. وإلاقوال كلها ~~على أن سبب هذه النار آفة سماوية. ثم بعد ذلك بأيام أشيع أن الذي كان يفعل ~~ذلك أعني يلقي النار في إلاماكن هم جماعة من القرمانية ممن أحرق العسكر ~~المصري امكنتهم لما توجهوا إلى تجريدة ابن قرمان، وشاع القول فى أفواه ~~الناس. ثم ظهر للناس بعد ذلك أن الذي صار يحرق من إلامكنة بالقاهرة وغيرها ~~بعد حريق بولاق إنما هو من فعل المماليك الجلبان، لينهبوا ما في بيوت الناس ~~عندما تحرق، فإنه تداول إحراق البيوت أشهرا والله أعلم. وغالب إلاماكن التي ~~احترقت كانت عمرت بساحل بولاق في دولة الظاهر جقمق. وقد افتقر من هذا ~~الحريق خلائق كثيرة، وعلى الله العوض. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رجب ~~المذكور وصل الأمير بردبك الدوادار الثاني من الشام. وفيه أيضا نودي بزينة ~~القاهرة لدوران المحمل، ونهى السلطان المماليك الأجلاب عن أن يعمل أحد منهم ~~عفاريت المحمل. وسببه أنهم فعلوا ذلك في السنة الخالية وأفحشوا في الطلب من ~~الناس، وصاروا يدخلون إلى دور الأمراء والأعيان، ويكلفونهم الكلفة الزائدة، ~~وما كفاهم ذلك حتى صار العفريت منهم إذا مر بالشارع على فرسه بتلك الهيئة ~~المزعجة يجبي الدكاكين، وإذا صدف رئيسا من بياض الناس أمسكه وأخذ منه ما ~~شاء غصبا، وإن لم يعطه أخرق به ورماه عن فرسه، حتى صار الرجل إذا رأى واحدا ~~من هؤلاء أسرع في مشيه بالدخول في زقاق من إلازقة، أو بيت من البيوت، فضر ~~ذلك بحال الناس كثيرا، ms3540 وتركوا فرجة المحمل، بل صاروا يترقبون فراغ المحمل، ~~ليستريحوا من هذه الآنواع القبيحة. فلما جاء أوان المحمل في هذه السنة دخل ~~على قلوب الناس الرجيف بسبب PageV04P0404 # ما وقع من المماليك في العام الماضي، فكلم أعيان الدولة السلطان في إبطال ~~المحمل، أو نهي الجلبان عن تلك الفعلة القبيحة، فلهذا رسم السلطان في هذه ~~السنة بإبطال عفاريت المحمل بالكلية. ثم في يوم الاثنين سادس عشر شهر رجب ~~هذا أدير المحمل على العادة في كل سنة، ولم يقع من الأجلاب شيء مما وقع ~~منهم في السنة الماضية. ثم تداول الحريق بعد ذلك بخط بولاق والقاهرة، وقوي ~~عند الناس أن الذي يفعل ذلك إنما هو من تركمان ابن قرمان. ثم وقع الحريق ~~أيضا في شعبان بأماكن كثيرة، وداخل الناس جميعا الرعب من هذا الأمر. فلما ~~كان يوم السبت ثاني عشر شعبان نودي بشوارع القاهرة ومصر بتوجه كل غريب إلى ~~أهله، وكذلك في يوم الأحد، فلم يخرج أحد لعدم التفات السلطان لإخراجهم. ثم ~~وقع حريق آخر وآخر، فنودي في آخر شعبان بخروج الغرباء بسبب الحريق من ~~الديار المصرية، فلم يخرج أحد. وتداول وقوع الحريق بالقاهرة في غير موضع. ~~ثم في أول شهر رمضان مرض السلطان مرضا لزم منه الفراش، وأرجف بموته، وطلع ~~إليه أكابر الأمراء، فتكلم معهم في العهد لولده أحمد بالسلطنة من غير ~~تصريح، بل في نوع النكر من ولده، ويقول ما معناه أن ولده ليس كمن مضى من ~~أولاد الملوك الصغار، وأن هذا رجل كامل يعرف ما يراد منه، وما أشبه هذا ~~المعنى؛ فصار هو يتكلم وجميع الأمراء سكوت، لم يشاركه أحد فيما هو فيه إلى ~~أن سكت، وانفض المجلس. ثم عوفي بعد ذلك، ودقت البشاثر بقلعة الجبل وغيرها ~~أياما. ثم فى يوم الاثنين سادس شهر رمضان أخرقت المماليك الأجلاب بالأمير ~~قانم التاجر المؤيدي أحد مقدمي الألوف، وهو نازل من الخدمة بغير قماش ~~الموكب، وضربه بعضهم على رأسه وظهره، وجاؤوا بجموعهم إلى داره من الغد ~~ليهجموا عليه، فمنعهم مماليكه من الدخول عليه، فوقع ms3541 القتال بينهم، وجرح من ~~الفريقين جماعة. فأخذ قانم المذكور يتلافى أمرهم بكل ما تصل القدرة إليه، ~~فلم يفد ذلك، إلا أنه صار يركب وحده من غير مماليك، ويطلع الخدمة وينزل على ~~تلك الهيئة، واستمر على ذلك نحو السنتين. ثم في هذه الأيام أيضا تداول ~~الحريق بالقاهرة وظواهرها، وضر ذلك كثيرا بحال الناس، وقد قوي عندهم أن ذلك ~~من فعل القرمانية والمماليك الأجلاب: يعنون بالقرمانية والأجلاب أن ~~القرمانية إذا فعلوا ذلك مرة ويقع الحريق، فتنهب المماليك إلاقمشة وغيرها ~~لما يطلدون الدور المحروقة للطفي، فلما حسن ببال المماليك ذلك صاروا يفعلون ~~ذلك. قلت: ولا أستبعد أنا ذلك، لقلة دينهم وعظم جبروتهم، عليهم من الله ما ~~يستحقونه من العذاب والنكال انتهى. ثم استهل شوال، أوله الجمعة، فوقع فيه ~~خطبتان، وتشاءم الناس بذلك على الملك، فلم يقع إلا الخير والسلامة، وكذبت ~~العادة. ثم في يوم الجمعة خامس عشره ورد الخبر على السلطان بموت جاك ~~الفرنجي صاحب قبرس، وأنهم ملكوا عليهم ابنته مع وجود ولد ذكر، لأمر أجاز ~~تقديم البنت على الصبي، على مقتضى شريعتهم، ووقع بسبب ذلك أمور وغزوات يأتي ~~ذكرها في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وقد حررنا ذلك كله في " الحوادث " ~~. وفي يوم الاثنين ثامن عشره خرج أمير حاج المحمل بالمحمل من القاهرة، وهو ~~الأمير برسباي البجاسي حاجب الحجاب، وأمير الركب الأول الطواشي مرجان ~~الحصكفي مقدم المماليك السلطانية. ثم في العشر إلاخير من هذا الشهر ورد ~~الخبر من الإسكندرية بموت الخليفة القائم بأمر الله حمزة بها، كما سيأتي ~~ذكره في الوفيات إن شاء الله. ثم في يوم الخميس سابع عشرين ذي القعدة خلع ~~السلطان على ولده المقام الشهابي أحمد باستقراره أتابك العساكر بالديار ~~المصرية، عوضا عن الأمير الكبير تنبك البردبكي بحكم وفاته، وأنعم السلطان ~~بإقطاع ولده أحمد على ولده الصغير المقام الناصري محمد، وصار محمد أمير ~~مائة ومقدم ألف، وأنعم بإقطاع محمد المذكور وهو إمرة طبلخاناه على الأمير ~~جانبك الصوفي الناصري المرتد أحد أمراء الطبلخانات، زيادة عى ما بيده، ~~ليكون جانبك ms3542 أيضا أمير مائة ومقدم ألف. ثم في يوم الاثنين ثاني عشرين ذي ~~الحجة خلع السلطان على القاضى شرف الدين التتائي الآنصاري باستقراره ناظر ~~الجيوش المنصورة، عوضا عن الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم، بحكم وفاته ~~في يوم الخميس ثامن عشر ذي الحجة. وخلع السلطان أيضا على الأمير زين الدين ~~عبد الرحمن بن الكويز، باستقراره PageV04P0405 # ناظر الخاص الشريف، عوضا أيضا عن الصاحب جمال الدين يوسف المقدم ذكره. ثم ~~في يوم السبت سابع عشرين ذي الحجة أيضا استقر القاضى زين الدين أبو بكربن ~~مزهر ناظر جوالي دمشق، وأنه يتوجه إلى دمشق لضبط تعلقات الجمالي ناظر ~~الخاص، ثم بطل ذلك قبل أن يلبس الخلعة. ودخلت سنة ثلاث وستين وثمانمائة: في ~~أولها كانت الزلزلة المهولة بمدينة الكرك، أخربت أماكن من قلعتها ودورها ~~وأبراجها. فكان أول المحرم الأربعاء. وفي يوم الخميس ثانيه استقر القاضي ~~علاء الدين علي بن مفلح قاضي الحنابلة بدمشق وكاتب سرها، بعد عزل القاضي ~~قطب الدين محمد الخيضري، بمال كثير بذله في الوظيفتين. ثم في يوم الثلاثاء ~~استقر القاضي تاج الدين عبد الله بن المقسي ناظر الدولة كاتب المماليك ~~السلطانية، بعد عزل سعد الدين بن عبد القادر. وفي رابع صفر استقر علي بن ~~إسكندر محتسب القاهرة، بعد عزل بور الدين بن البوشي. وفيه استقر إياس ~~البجاسي نائب القدس، بعد عزل البدري حسن بن أيوب، ثم عزل إياس المذكور في ~~يوم الاثنين ثالث شهر ربيع الأول بشاه منصور بن شهري. ثم في يوم الأربعاء ~~خامس شهر ربيع الأول المذكور ورد الخبر بموت الأمير PageV04P0406 # يشبك من جانبك المؤيدي الصوفي أتابك دمشق بها، فاستقر في أتابكية دمشق ~~عوضه الأمير علان شلق المؤيدي أحد أمراء دمشق، بمال بذله في ذلك نحو العشرة ~~إلاف دينار، وأنعم بتقدمة علان المذكور على شادبك السيفي جلبان، مضافا إلى ~~دوادارية السلطان بدمشق، وذلك أيضا بالبذل. ورسم بإقطاع شادبك المذكور ~~للأمير قراجا الظاهري، وهو بالقدس بطالا ليكون بيده وهو طرخان، ثم بطل ذلك. ~~ثم في يوم الخميس حادي عشر شهر ربيع ms3543 الآخر رسم السلطان بنقل الأمير جانم ~~الأشرفي نائب حلب من نيابة حلب إلى نيابة دمشق، بعد موت الأمير قاني باي ~~الحمزاوي بحكم وفاته، وحمل إليه التقليد والتشريف الأمير جانبك من أمير ~~الظريف الأشرفي أحد أمراء الطبلخانات وخازندار. ورسم بانتقال الأمير حاج ~~إينال اليشبكي من نيابة طرابلس إلى نيابة حلب، عوضا عن جانم الأشرفي ~~المذكور؛ وصار مسفره الأمير سودون الإينالي المؤيدي قراقاس ثاني رأس نوبة. ~~ورسم باستقرار الأمير إياس المحمدي الناصري الطويل نائب حماة في نيابة ~~طرابلس، عوضا عن حاج إينال؛ ومسفره الأمير جاني بك الإينالي الأشرفي، ~~ألمعروف بقلقسيز، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة. ورسم باستقرار الأمير جانبك ~~التاجي المؤيدي نائب صفد فى نيابة حماة، عوضا عن إياس المحمدي، ومسفره جانم ~~المؤيدي المعروف بحرامي شكل، أحد العشرات ورأس نوبة. ورسم باستقرار خيربك ~~النوروزي نائب غزة في نيابة صفد، عوضا عن جانبك التاجي؛ ومسفره قانم طاز ~~الأشرفي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة. ثم استقر بعد مدة الأمير بردبك العبد ~~الرحماني أحد أمراء الألوف بدمشق في نيابة غزة عوضا عن خيربك النوروزي ~~المقدم ذكره؛ وصار مسفره السيفي خيربك من حديد إلاجرود أحد الدوادارية ~~الخاصكية. قلت: وجميع ولاية هؤلاء النواب المذكورين بالبذل، ما خلا الأمير ~~جانم نائب الشام. ثم أنعم السلطان بتقدمة بردبك العبد الرحماني الذي بدمشق ~~على الأمير قراجا الظاهري المقدم ذكره. ثم في يوم الخميس عاشر جمادى الأولى ~~استقر الأمير بردبك الأشرفي الدوادار الثاني وصهر السلطان أمير حاج المحمل، ~~واستقر الأمير كسباي الششماني المؤيدي أحد أمراء العشرات أمير الركب الأول. ~~واستقر الأمير يرشباي الإينالي المؤيدي الأمير آخور الثاني كان وأحد أمراء ~~الطبلخانات الآن أمير المماليك المجاورين بمكة، ورسم لأسندمر الجقمقي ~~بالمجيء من مكة إلى مصر. ثم في يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى المذكور ~~استقر القاضي محمب الدين بن الشحنة الحلبي الحنفي كاتب السر الشريف بالديار ~~المصرية، بعد عزل القاضي محب الدين بن الأشقر. ثم في يوم الثلاثاء خامس شهر ~~رجب أمسك السلطان القاضي شرف الدين موسى الآنصاري ناظر الجيش، وسلمه إلى ms3544 ~~الطواشي فيروز النوروزي الزمام والخازندار، فدام عنده إلى أن صودر وأخذ منه ~~جمل من إلاموال بغير استحقاق، بعد أن عزل عن وظيفة نظر الجيش كما سيأتي ~~ذكره. ثم ورد الخبر على السلطان من حلب أن الطادون فشا بها وكثر. ثم في يوم ~~الخميس رابع عشر شهر رجب استقر القاضي برهان الدين إبراهيم بن الديري ناظر ~~الجيوش المنصورة عوضا عن الآنصاري المقدم ذكره، بمال كثير بذله في ذلك. ثم ~~في يوم السبت سادس عشر رجب تعرض جماعة من المماليك الأجلاب للأمير زين ~~الدين الأستادار، فهرب منهم، فضربوا الوزير وبهدلوه إلى الغاية، ولم ينتطح ~~في ذلك عنزان، لقوة شوكة الأجلاب في هذه الأيام، حتى تجاوزت الحد، وبطل أمر ~~حكام الديار المصرية قاطبة، وصار من كان له حق أو شبه حق لا يشتكي غريمه ~~إلا عند الأجلاب، ففي الحال يخلص حقه من غريمه، إما على وجه الحق أو غيره، ~~فخافهم كل أحد، لا سيما التجار والبيعة من كل صنف. وترك غالب الناس ~~معايشهم، خوفا على رأس مالهم، فعز بسبب ذلك وجود أشياء كثيرة، ووقع الغلاء ~~في جميع الأشياء، لاسيما في إلاصناف المتعلقة بالأجناد، مثل الشعير والتبن ~~والدريس، ومما أشبه ذلك من أنواع أقمشة الخيل والبغال والمتعلقة بذلك، حتى ~~صار لا يوجد بالكلية إلا بعد عسر كبير، وصار من له ضيافة من تبن أو دريس أو ~~شعير من الأجناد يسافر من القاهرة ويلاقيه ويمشي معه حتى يصل إلى بيته إن ~~قدر على ذلك، وإن كان أميرا أرسل إلى ملاقاته بعض مماليكه، وربما أخذوا ممن ~~استضعفوه من الأجناد أو مماليك الأمراء، وزاد هذا الأمر حتى أضر بجميع ~~الناس قاطبة PageV04P0407 # ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفي يوم الأحد سابع عشر شهر رجب تعرض بعض ~~المماليك الأجلاب للقاضي محب الدين ابن الشحنة كاتب السر، وهو طالع إلى ~~الخدمة السلطانية، وضربه من غير أمر يوجب ضربه أو الكلام معه. وفي يوم ~~الثلاثاء تاسع عشره استقر الأمير ناصرالدين بن محمد القساسي، المعروف ~~بمخلع، دوادار السلطان بحلب. وفي يوم ms3545 الخميس حادي عشرين رجب أيضا استقر ~~البدري حسن بن أيوب في نيابة القدس بعد عزل منصور بن شهري. وفيه رسم ~~السلطان بطلب أبي الخير النحاس من البلاد الشامية على يد ساع. وفي يوم ~~السبت أول شعبان وقع حريق عظيم ببندر جدة بالحجاز. وفيه توفي خيربك المؤيدي ~~الأشقر الأمير آخور الثاني، وأنعم السلطان بإقطاعه على الأمير بردبك ~~المحمدي الظاهري المعروف بالهجين الأمير آخور الثالث، وأنعم بإقطاع بردبك ~~المذكور على تغري بردي الأشرفي، وأنعم بإقطاع تغري بردي على قراجا الأشرفي ~~الأعرج؛ وتغري بردي وقراجا كلاهما من مماليك السلطان القديمة أيام إمرته. ~~ثم في يوم الاثنين ثالث شعبان المذكور استقر الأمير يلباي الإينالي ~~المؤيدي، أحد أمراء الطبلخانات، أمير آخور ثانيا عوضا عن خيربك الأشقر ~~المقدم ذكره. وفيه استقر دولات باي الظاهري، نائب رأس نوبة الجمدارية ، رأس ~~نوبة الجمدارية عوضا عن قراجا الطويل الأعرج الذي تأمر. واستقر في نيابة ~~رأس نوبة الجمدارية شخص يسمى قايتباي الأشرفي، فوثب شخص من الخاصكية ~~الأجلاب يسمى برسباي، وجذب سيفه بالقصر السلطاني، بسبب ولاية هذين لهاتين ~~الوظيفتين، ولكونه لم لا ولي هو إحداهما، ثم وقع منه أمورأضربنا عن ذكرها، ~~خوفا على ناموس ملك مصر. ثم في يوم السبت ثامن شعبان رسم بإطلاق القاضي شرف ~~الدين الآنصاري من مكانه بقلعة الجبل بعد أن أخذ منه جملة مستكثرة من الذهب ~~العين وغيره. ثم في يوم الأحد تاسعه ضرب السلطان مملوكين من مماليكه ~~الأجلاب وحبسهما، لأجل قتلهما نانق الظاهري، ولم يقتلهما به كما أمر الله ~~تعالى. ثم في يوم ثاني شهر رمضان وصل أبو الخير النحاس من البلاد الشامية ~~إلى لقاهرة وخلع السلطان عليه كاملية بمقلب سمور. وفي يوم الثلاثاء تاسعه ~~قدم أبو الخير النحاس إلى السلطان اثنين وسبعين فرسا، وثلاثين بغلا. وفي ~~يوم الجمعة ثاني عشر شهر رمضان المذكور نهبت العبيد والمماليك الأجلاب ~~النسوة اللاتي حضرن صلاة الجمعة بجامع عمرو بن العاص رضي الله عنه بمصر ~~القديمة، وأفحشوا في ذلك إلى الغاية، وكل مفعول جائز. ثم في يوم الاثنين ~~خامس عشر، ms3546 استقر أبو الخير النحاس ناظر الذخيرة السلطانية ووكيل بيت المال. ~~وفي يوم الأحد حادي عشرينه أغلقت المماليك الأجلاب باب القلعة، ومنعوا ~~الأمراء والمباشرين من النزول إلى دورهم بسبب تعويق عليق خيولهم، وفعلوا ~~ذلك أيضا من الغد إلى أن رسم لهم عوضا عن كل عليقة مائتا درهم. ثم في يوم ~~الخميس خامس عشرين شهر رمضان المقدم ذكره استقر خشقدم السيفي أردبغا الذي ~~كان دوادار القاني باي الحمزاوي نائب الشام في حجوبية طرابلس على سبعة إلاف ~~دينار، بعد عزل شادبك الصارمي. وفي يوم الأحد ثامن عشرينه وصل إلى الديار ~~المصرية جاكم الفرنجي ابن جوان صاحب جزيرة قبرس، بطلب من السلطان، ليلي ~~عوضا عن أبيه ملك قبرس؛ وكان أهل قبرس ملكوا عليهم أخته مع وجوده، كونه ابن ~~زنا، أو غير ذلك، لأمر لا يجوز وليته في ملتهم. وفي هذا الشهر أخذ الطادون ~~في انحطاط من مدينة حلب، وانتشر فيما حولها من البلدان والقرى بعد أن مات ~~منها نحو من مائتي ألف إنسان. ثم في يوم الخميس ثالث شوال ضربت المماليك ~~الأجلاب أبا الخير النحاس، وأخذوا عمامته من على رأسه، فتزايد ما كان به من ~~الضعف؛ فإنه كان مستضعفا قبل ذلك بمدة. وأخذ أمره من يومئذ في انحطاط، ولزم ~~الفراش، إلى أن مات حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وفي يوم السبت خامس ~~شوال عمل السلطان الموكب بالحوش السلطاني من قلعة الجبل، وأحضر جاكم بن ~~جوان الفرنجي، وخلع عليه كاملية، وخلع على اثنين أخر من الفرنج الذين قدموا ~~معه، وأعطاه السلطان فرسا بسرج ذهب، وكنبوش زركش، وركب الفرس المذكور وغيره ~~مدة إقامته بالديار المصرية، وولاه نيابة قبرس، ووعده بالقيام معه، وتخليص ~~قبرس له. ثم في يوم الخميس سابع عشر شوال خرج أمير حاج المحمل بالمحمل، وهو ~~الأمير بردبك الدوادار الثاني، وأمير الركب PageV04P0408 # الأول الأمير كسباي من ششمان أحد امراء العشرات. وفي يوم الخميس أول ذي ~~القعدة شرع السلطان في عمارة مراكب برسم المجهاد، وإرسال جاكم صحبتهم إلى ~~قبرس، وجعل المتحدث على عمارة المراكب ms3547 المذكورة سنقر الأشرفي الزردكاش، ~~المعروف بقرق شبق؛ فباشر سنقر المذكور عمل المراكب أقبح مباشرة، من ظلم ~~وعسف، وأخذ إلاخشاب بأبخس إلاثمان، إن وزن ثمنا. وفعل هذا الشقي أفعإلا لا ~~يفعلها الخوارج، عليه من الله ما يستحق من الخزي والنكال، بحيث إنه جمع من ~~هذا المال الخبيث جملة كبيرة خرجت منه بالمصادرة والنهب والحريق، " وما ربك ~~بظلام للعبيد " . ثم في يوم الاثنين خامس ذي القعدة سافر تغري بردي الطياري ~~الخاصكي قاصدا قبرس، ليخبر أهلها أن السلطان يريد ولاية جاكم هذا على قبرس ~~مكان والده، وعزل أخته، ويلومهم على عدم ولاية جاكم هذا وتقديم أخته عليه. ~~وفي يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة مات الأمير بايزيد التمربغاوي أحد أمراء ~~الألوف بالديار المصرية، وأنعم السلطان بتقدمته وإقطاعه على الأمير سيودون ~~الإينالي المؤيدي رأس نوبة ثان، بمال بذله سودون في ذلك، وأنعم بإقطاع ~~سودون المذكور وهو إمرة طبلخاناه على الأمير خشكلدي القوامي الناصري. ~~واستهلت سنة أربع وستين وثمانمائة بيوم الأحد. وفي يوم الثلاثاء سابع عشر ~~المحرم من السنة المذكورة وصلت الغزاة المتوجهة قبل تاريخه إلى بلاد الجرون ~~ببر التركية لإحضار إلاخشاب، وكان مقدم هذا العسكر أربعة من الأمراء ~~العشرات، وهم: قاني باي قراسقل المؤيدي، والأمير جانبك الإسماعيلي المؤيدي ~~المعروف بكوهية، والأمير مغلباي طاز المؤيدي، والأمير بردبك اليشبكي ~~المشطوب. وفي يوم سابع عشرينه الموافق لسادس عشر هاتور لبس السلطان القماش ~~الصوف الملون، وألبس الأمراء على العادة في كل سنة. وفي هذا الشهر عظم ~~الطادون بمدينة غزة، وأباد الموت أهلها، حتى تجاوز عدد الموتى بها في اليوم ~~سبعمائة، وقيل أكثر وأقل " . وفى يوم السبت ثاني عشر صفر خلع السلطان على ~~فارس مملوك الطواشي فيروز الركني باستقراره وزيرا بعد تسحب علي بن ~~الأهناسي، فلم يحسن فارس المذكور المباشرة سوى يوم واحد، وعجز وكاد أن ~~يهلك. وكان لولايته أسباب منها: أنه كان يبرق ويرعد ويوسع في الكلام في نوع ~~المباشرة وغيرها، فحسب السامع أن " في السويداء رجإلا " ، واستسمن ورمه ~~فولاه؛ فما هو إلا أن أرمى الخلعة على أكتافه حتى ms3548 ظهر عليه العجز الفاضح في ~~الحال، وضاق عليه فضاء الدنيا، وخسر في اليوم المذكور جملا مستكثرة. ~~واستعفى، وترامى على أكابر الدولة، وكاد أن يهلك لولا أن أعفي وعزل، بعد أن ~~الزم بشيء له جرم على ما قيل، وولي الصاحب شمس الدين منصور الوزر عنه. قلت: ~~ما أحسن الأشياء في محلها، وحينئذ اعطي القوس لراميه. وفي يوم الخميس سابع ~~عشر صفر ورد الخبر من الشام بموت الأمير علان شلق المؤيدي أتابك دمشق. وفي ~~يوم ثامن شهر ربيع الأول استقر الحاج محمد الأهناسي البرددار وزيرا، الأمير ~~كسباي من ششمان أحد امراء العشرات. وفي يوم الخميس أول ذي القعدة شرع ~~السلطان في عمارة مراكب برسم المجهاد، وإرسال جاكم صحبتهم إلى قبرس، وجعل ~~المتحدث على عمارة المراكب المذكورة سنقر الأشرفي الزردكاش، المعروف بقرق ~~شبق؛ فباشر سنقر المذكور عمل المراكب أقبح مباشرة، من ظلم وعسف، وأخذ ~~إلاخشاب بأبخس إلاثمان، إن وزن ثمنا. وفعل هذا الشقي أفعإلا لا يفعلها ~~الخوارج، عليه من الله ما يستحق من الخزي والنكال، بحيث إنه جمع من هذا ~~المال الخبيث جملة كبيرة خرجت منه بالمصادرة والنهب والحريق، " وما ربك ~~بظلام للعبيد " . ثم في يوم الاثنين خامس ذي القعدة سافر تغري بردي الطياري ~~الخاصكي قاصدا قبرس، ليخبر أهلها أن السلطان يريد ولاية جاكم هذا على قبرس ~~مكان والده، وعزل أخته، ويلومهم على عدم ولاية جاكم هذا وتقديم أخته عليه. ~~وفي يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة مات الأمير بايزيد التمربغاوي أحد أمراء ~~الألوف بالديار المصرية، وأنعم السلطان بتقدمته وإقطاعه على الأمير سيودون ~~الإينالي المؤيدي رأس نوبة ثان، بمال بذله سودون في ذلك، وأنعم بإقطاع ~~سودون المذكور وهو إمرة طبلخاناه على الأمير خشكلدي القوامي الناصري. ~~واستهلت سنة أربع وستين وثمانمائة بيوم الأحد. وفي يوم الثلاثاء سابع عشر ~~المحرم من السنة المذكورة وصلت الغزاة المتوجهة قبل تاريخه إلى بلاد الجرون ~~ببر التركية لإحضار إلاخشاب، وكان مقدم هذا العسكر أربعة من الأمراء ~~العشرات، وهم: قاني باي قراسقل المؤيدي، والأمير جانبك الإسماعيلي المؤيدي ~~المعروف بكوهية، والأمير مغلباي ms3549 طاز المؤيدي، والأمير بردبك اليشبكي ~~المشطوب. وفي يوم سابع عشرينه الموافق لسادس عشر هاتور لبس السلطان القماش ~~الصوف الملون، وألبس الأمراء على العادة في كل سنة. وفي هذا الشهر عظم ~~الطادون بمدينة غزة، وأباد الموت أهلها، حتى تجاوز عدد الموتى بها في اليوم ~~سبعمائة، وقيل أكثر وأقل " . وفى يوم السبت ثاني عشر صفر خلع السلطان على ~~فارس مملوك الطواشي فيروز الركني باستقراره وزيرا بعد تسحب علي بن ~~الأهناسي، فلم يحسن فارس المذكور المباشرة سوى يوم واحد، وعجز وكاد أن ~~يهلك. وكان لولايته أسباب منها: أنه كان يبرق ويرعد ويوسع في الكلام في نوع ~~المباشرة وغيرها، فحسب السامع أن " في السويداء رجإلا " ، واستسمن ورمه ~~فولاه؛ فما هو إلا أن أرمى الخلعة على أكتافه حتى ظهر عليه العجز الفاضح في ~~الحال، وضاق عليه فضاء الدنيا، وخسر في اليوم المذكور جملا مستكثرة. ~~واستعفى، وترامى على أكابر الدولة، وكاد أن يهلك لولا أن أعفي وعزل، بعد أن ~~الزم بشيء له جرم على ما قيل، وولي الصاحب شمس الدين منصور الوزر عنه. قلت: ~~ما أحسن الأشياء في محلها، وحينئذ اعطي القوس لراميه. وفي يوم الخميس سابع ~~عشر صفر ورد الخبر من الشام بموت الأمير علان شلق المؤيدي أتابك دمشق. وفي ~~يوم ثامن شهر ربيع الأول استقر الحاج محمد الأهناسي البرددار وزيرا ~~PageV04P0409 # بعد عزل الصاحب شمس الدين منصور من غير عجز بل لمعنى من المعاني. والحاج ~~محمد هذا هو والد علي بن الأهناسي المقدم ذكره فى الوزر والأستادارية، وولي ~~الوزر قبل أن تسبق له رئاسة في نوع من الآنواع، لأن كلا الوالد والولد عار ~~عن الكتابة ومعرفة قلم الديونة، ولم يكن لهما صنعة غير الرسلية والبرددارية ~~لا غير، فباشر الحاج محمد هذا الوزير أحد عشر يوما وعزل، وأعيد الصاحب شمس ~~الدين منصور للوزر ثانيا. وفي يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول استقر ~~الأمير تغري بردي الأشرفي، أحد أمراء العشرات، نائب الكرك، وأنعم بإقطاعه ~~على ابن الأمير بردبك الدوادار الثاني، والمنعم عليه هو ابن بنت السلطان. ms3550 ~~ثم في يوم الخميس ثاني عشرينه استقر الأمير تمرباي ططر الناصري، أحد أمراء ~~العشرات، أمير حاج المحمل. ثم في يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول ~~المذكور عمل السلطان المولد النبوي بالحوش السلطاني على العادة في كل سنة، ~~وأحضر السلطان جاكم الفرنجي ابن صاحب قبرس، وأجلسه عند أعيان مباشري ~~الدولة، فعظم ذلك على الناس قاطبة. قلت: ولعل السلطان ما أحضره في هذا ~~المجلس إلا ليريه عز الإسلام وذل الكفر. ثم في أول شهر ربيع الآخر ظهر ~~الطادون بمدينة بلبيس وخانقاه سرياقوس. من ضواحي القاهرة.وكان أول الشهر ~~يوم الجمعة الموافق لأول طوبة من شهور القبط، فتخوف كل أحد من مجيء الطادون ~~إلى القاهرة. هذا مع ما الناس فيه من جهد البلاء من غلو إلاسعار وظلم ~~المماليك الأجلاب الذي خرج عن الحد، وعدم الأمن، وكثرة المخاوف في إلازقة ~~والشوارع، بحيث إن الشخص صار لا يقدر على خروجه من داره بعد أذان عشاء ~~الآخرة، حتى ولا لصلاة الجماعة، ولو كان جار المسجد. وإن أذن العشاء والشخص ~~خارج عن داره هرول في مشيه واسرع لئلا تغلق عليه الدروب التي عمرتها رؤساء ~~كل حارة،خوفا على بيوتهم من المناسر والحرامية، لأن والي القاهرة خيربك ~~القصروي حط عنه أمور الناس، وانعكف على ما هو عليه من المفاسد، وسببه أنه ~~علم أن الذي يتعبث على الناس أو يسرق إنما هو من المماليك الأجلاب أو من ~~أتباعهم، وعلم مع ذلك ميل السلطان إلى الأجلاب، واتفق بعد ذلك كثرة السراق، ~~وفتح البيوت، وهجم المناسر على الحارات، وكلمه السلطان في ذلك بكلام خشن، ~~ووبخه في الملأ، وكان أن يفتك به، فأوهم الوالي السلطان بالتلويح في كلامه ~~أن الذي يفعل ذلك إنما هو من المماليك الأجلاب ة وكان الذي لوحه الوالي إلى ~~السلطان قوله: " يا مولانا السلطان أنا ما لي شغل ولا حكم على من يلبس ~~طاقية يعني المماليك وما حكمي إلا على العوام والحرامية " ، فسكت السلطان، ~~ولم يكلمه بعد ذلك إلا في غير هذا المعنى، فوجد الوالي بذلك مندوحة لسائر ~~أغراضه، ms3551 وحط عنه واستراح، وانحل النظام، وضاعت حقوق الناس، وأخذ كل مفسد ~~يتزيا بزي الجند، ويفعل ما أراعه، وصار الوالي هو كبير الحرامية، ولا قوة ~~إلا بالله. PageV04P0410 # وفي يوم السبت تاسع شهر ربيع الآخر اختفى الصاحب شمس الدين منصور، وتعطل ~~بسبب غيابه رواتب المماليك السلطانية، فاستغاثوا المماليك الأجلاب، ومنعوا ~~الأمراء يوم الأربعاء من طلوع القلعة، وامتنعوا من طلوع الخدمة يوم الخميس ~~أيضا رابع عشره. وطلع الأمير يونس الدوادار إلى القلعة بغير قماش الخدمة، ~~فلما وصل إلى باب القلعة احتاطت به المماليك الأجلاب، وسألوه أن يكلم ~~السلطان في أمرهم، فدخل الأمير يونس المذكور إلى السلطان، وذكر له ذلك. ثم ~~ترعرت الرسل بين السلطان وبينهم إلى أن آل الأمر إلى طلب سعد الدين فرج بن ~~النحال، واستقر وزيرا على عادته أولا على شروط، ونزل من وقته، وباشر الوزر، ~~وسكن الأمر. وقد ذكر لي الصاحب شمس الدين أنه لم يختف إلا بإذن السلطان. ~~وفي هذه الأيام فشا الطادون بالقاهرة، وكان عدة من ورد اسمه الديوان من ~~الأموات في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الآخر المذكور الموافق لسابع ~~عشر أمشير، وهو يوم تنتقل الشمس إلى برج الحوت خمسة وثلاثين نفرا، ولها ~~تفصيل، وذلك خارج عن البيمارستان المنصوري والأوقاف والقرافتين والصحراء ~~وبولاق ومصر القديمة. وأما ضواحي القاهرة وإقليم الشرقية والغربية من الوجه ~~البحري فقد تزايد الطادون فيها حتى خرج عن الحد، وهو إلى الآن في زيادة. ~~وكان أمر الطادون في القرى أنه إذا وقع بقرية يفني غالب من بها، ثم ينتقل ~~إلى غيرها، وربما اجتاز ببعض القرى ولم يدخلها، فسبحانه يفعل في ملكه ما ~~يريد. وفي يوم الخميس حادي عشرينه ضرب المماليك الأجلاب الأمير زين الدين ~~الأستادار بسبب عليق الخيول ضربا مبرحا، وانقطع بسبب ذلك عن الخدمة أياما ~~كثيرة. وفي يوم السبت ثالث عشرينه وقع من بعض المماليك الأجلاب إخراق في حق ~~الأمير يونس الدوادار والشخص المذكور يسمى قانصوه، وكان ذلك في الملأ من ~~الناس ونزل الأمير يونس إلى داره وهو في غاية ما يكون ms3552 من الغضب، فما كفى ~~قانصوه المذكور ما وقع منه في القلعة في حق الأمير يونس، حتى نزل إليه ~~بداره وأساء عليه ثانيا بحضرة مماليكه وحواشيه، فلم يسع الأمير يونس ~~المذكور إلا أن قام من مجلسه وعزل نفسه عن الدوادارية، ودخل إلى فى داره من ~~وقته، وأقام بها من يومه. ثم في الغد لم يقع من السلطان على قانصوه المذكور ~~بسبب ما وقع منه في حق الأمير يونس كبير أمر، ولا كلمه الكلام العرفي ؛ غير ~~أن ابن السلطان الشهابي أحمد أرسل سأل الأمير يونس في الطلوع إلى القلعة ~~وحضور الخدمة. ثم إن بعض الأمراء أخذ قانصوه المذكور وأتى به إلى الأمير ~~يونس حتى قبل يده؛ ولازال ذلك الأمير وغيره بالأمير يونس حتى رضي عنه، بعد ~~أن أوسعه سبا وتوبيخا، وذلك حيث لم يجد يونس له ناصرا ولا معينا. وأغرب من ~~هذا أنه بلغني أن قانصوه لما أفحش في أمر الأمير يونس أولا ربما أضاف إليه ~~السلطان في بعض إلاساءة، والسلطان يسمع كلامه. قلت: إن صح هذا فهو مما يهون ~~علي الأمير يونس ما وقع في حقه من قانصوه. وفي يوم الاثنين خامس عشرينه عجز ~~الأمير زين الدين الأستادار عن القيام بجامكية المماليك السلطانية، فقام ~~إلى السلطان شخص من الخاصكية الأجلاب يسمى جانبيه المجنون، وقال السلطان: " ~~الملوك التي كانت قبلك كانوا ينفقون الجوامك، لأي شيء أنت ما تعطي مثلهم؟ " ~~. فغضب السلطان من كلامه، وطلب العصي ليضربه، فخرج جماعة من الأجلاب من ~~خجداشيته، وجذبوه من بين يدي السلطان، وتوجهوا به إلى الطبقة، ولم يتكلم ~~السلطان بكلمة واحدة. هذا والطادون أمره في زيادة. فلما استهل جمادى الأولى ~~الموافق لتاسع عشرين أمشير كان في التعريف أعني عدة من يرد اسمه الديوان من ~~الأموات ستين نفرا، وهذا خلاف إلاماكن المقدم ذكرها من البيمارستان والطرحى ~~والقرافتين والصحراء ومصر وبولاق. وأما نواحي أرياف الوجه البحري ففي ~~زيادة، حتى قيل إنه كان يموت من خانقاه سرياقوس في اليوم ما يزيد على مائتي ~~نفر. ووصل في هذه الأيام عدة من ms3553 يموت بالمحلة الكبرى إحدى قرى القاهرة كل ~~يوم زيادة على مائتين وخمسين إنسانا؛ وهذا أمر كبير، كون أن المحلة وإن ~~كانت مدينة هي قرية من القرى، ومثلها كثير من أعمال الديار المصرية. غير أن ~~ذلك كان نهاية الطادون بها وابتداءه بالقاهرة؛ فإن الطادون كان وقع ~~بإلارياف قبل القاهرة بمدة، فلما أخذ الطادون في انحطاط من إلارياف أخذ في ~~الزيادة PageV04P0411 # بالقاهرة ومصر وضواحيها، كما هي عادة الطادون وانتقاله من بلد إلى أخرى. ~~وفي يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى من سنة أربع وستين المذكورة أنعم ~~السلطان على سودون الأفرم الظاهري الواصل قبل تاريخه من البلاد الشامية ~~بإمرة عشرة بعد موت الأمير أسندمر الجقمقي. وفي هذا اليوم أيضا كان عدة من ~~ورد التعريف بهم من الأموات بالقاهرة فقط مائة وعشرة نفر، ولها تفصيل ما ~~بين رجال ونساء وصبيان وموال وليس لذكر التفصيل هنا محل. وكان من شأن هذا ~~الطادون أنه ينقص في اليوم نقصا قليلا عن أمسه، ثم يزيد في الغد كثيرا، إلى ~~أن انتهى ونقص وهو على هن! الصفة. وفي هذه الأيام بلغ عدة من يموت في اليوم ~~بخانقاه سرياقوس أكثر من ثلاثمائة نفر، ويقول المكثر أربعمائة، وبالمحلة ~~ثلاثمائة، وفي مدينة منف في يوم واحد نحوا من مائتين، وقس على هذا في سائر ~~القرى، وهذا نهاية النهاية الآن. وفي يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى ~~يوم تنتقل الشمس فيه إلى برج الحمل كان فيه عدة من ورد اسمه التعريف مائة ~~وسبعين نفرا؛ وجاء في هذا اليوم عدة من صلي عليه من الأموات بمصلاة باب ~~النصر على حدتها مائة نفر، فكيف يكون التعريف كله مائة وسبعين، وبالقاهرة ~~مصلوات كثيرة نذكرها بعد ذلك في محلها؟!. وأبلغ من هذا أن الأمير زين الدين ~~الأستادار ندب جماعة من الناس بأجرة معينة إلى ضبط جميع مصلوات القاهرة ~~وظواهرها، وكان ما حرروه ممن صلي عليه في اليوم ستمائة إنسان، فعلى هذا لا ~~عبرة بذكر التعريف المكتتب من ديوان المواريث، غير أن فائدة ذكر التعريف ~~تكون لمعرفة زيادة الوباء ms3554 ونقصه لا غير، ففي ذكره فائدة ما. وفي يوم الجمعة ~~عشرين جمادى الأولى كان فيه التعريف مائتين وتسعة نفر. ثم في يوم السبت ~~حادي عشرينه أنعم السلطان على قاني باي الأشرفي المعروف بأخي قانصوه ~~النوروزي بإمرة عشرة بعد موت الأمير يشبك الظاهري. ثم في يوم الخميس سادس ~~عشرينه استقر الأمير برسباي البجاسي حاجب الحجاب أمير آخور كبيرا بعد موت ~~يونس العلائي بالطادون، واستقر سودون الإينالي المؤيدي المعروف بقراقاش في ~~حجوبية الحجاب عوضا عن برسباي البجاسي المقدم ذكره. وفيه أيضا أنعم السلطان ~~بإقطاع يونس العلائي على الأمير جرباش المحمدي أمير مجلس، وأنعم بإقطاع ~~جرباش المذكور على الأمير جانبك الظاهري نائب بندر جدة، وصار جانبك من جملة ~~أمراء الألوف بالديار المصرية، وذلك زيادة على ما بيده من التحدث على بندر ~~جدة، بل على جميع الأقطار الحجازية؛ وإلاقطاع الذي استولى عليه الأمير ~~جرباش والذي خرج عنه كلاهما تقدمة ألف، لكن متحصل خراجهما يتفاوت. وفي يوم ~~الخميس هذا كان عدة من ورد اسمه الديوان من الأموات نحوا من مائتين وخمسة ~~وثلاثين نفرا، وكان عدة المضبوط بالمصلاة ألفا ومائة وثلاثة وخمسين نفرا، ~~وذلك خارج عما ذكرنا من مصر وبولاق والقرافتين والصحراء والأوقاف وزاوية ~~الخدام خارج الحسينية. وفي يوم السبت ثامن عشرين جمادى الأولى المقدم ذكرها ~~استقر الشهابي أحمد بن قليب أستادار السلطان بمدينة طرابلس في حجوبية حجاب ~~طرابلس، زيادة على ما بيده من الأستادارية وغيرها؛ وكانت ولايته للحجوبية ~~بعد موت خشقدم إلاردبغاوي دوادار قاني باي الحمزاوي.لقاهرة ومصر وضواحيها، ~~كما هي عادة الطادون وانتقاله من بلد إلى أخرى. وفي يوم الثلاثاء عاشر ~~جمادى الأولى من سنة أربع وستين المذكورة أنعم السلطان على سودون الأفرم ~~الظاهري الواصل قبل تاريخه من البلاد الشامية بإمرة عشرة بعد موت الأمير ~~أسندمر الجقمقي. وفي هذا اليوم أيضا كان عدة من ورد التعريف بهم من الأموات ~~بالقاهرة فقط مائة وعشرة نفر، ولها تفصيل ما بين رجال ونساء وصبيان وموال ~~وليس لذكر التفصيل هنا محل. وكان من شأن هذا الطادون أنه ينقص في ms3555 اليوم ~~نقصا قليلا عن أمسه، ثم يزيد في الغد كثيرا، إلى أن انتهى ونقص وهو على هن! ~~الصفة. وفي هذه الأيام بلغ عدة من يموت في اليوم بخانقاه سرياقوس أكثر من ~~ثلاثمائة نفر، ويقول المكثر أربعمائة، وبالمحلة ثلاثمائة، وفي مدينة منف في ~~يوم واحد نحوا من مائتين، وقس على هذا في سائر القرى، وهذا نهاية النهاية ~~الآن. وفي يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى يوم تنتقل الشمس فيه إلى برج ~~الحمل كان فيه عدة من ورد اسمه التعريف مائة وسبعين نفرا؛ وجاء في هذا ~~اليوم عدة من صلي عليه من الأموات بمصلاة باب النصر على حدتها مائة نفر، ~~فكيف يكون التعريف كله مائة وسبعين، وبالقاهرة مصلوات كثيرة نذكرها بعد ذلك ~~في محلها؟!. وأبلغ من هذا أن الأمير زين الدين الأستادار ندب جماعة من ~~الناس بأجرة معينة إلى ضبط جميع مصلوات القاهرة وظواهرها، وكان ما حرروه ~~ممن صلي عليه في اليوم ستمائة إنسان، فعلى هذا لا عبرة بذكر التعريف ~~المكتتب من ديوان المواريث، غير أن فائدة ذكر التعريف تكون لمعرفة زيادة ~~الوباء ونقصه لا غير، ففي ذكره فائدة ما. وفي يوم الجمعة عشرين جمادى ~~الأولى كان فيه التعريف مائتين وتسعة نفر. ثم في يوم السبت حادي عشرينه ~~أنعم السلطان على قاني باي الأشرفي المعروف بأخي قانصوه النوروزي بإمرة ~~عشرة بعد موت الأمير يشبك الظاهري. ثم في يوم الخميس سادس عشرينه استقر ~~الأمير برسباي البجاسي حاجب الحجاب أمير آخور كبيرا بعد موت يونس العلائي ~~بالطادون، واستقر سودون الإينالي المؤيدي المعروف بقراقاش في حجوبية الحجاب ~~عوضا عن برسباي البجاسي المقدم ذكره. وفيه أيضا أنعم السلطان بإقطاع يونس ~~العلائي على الأمير جرباش المحمدي أمير مجلس، وأنعم بإقطاع جرباش المذكور ~~على الأمير جانبك الظاهري نائب بندر جدة، وصار جانبك من جملة أمراء الألوف ~~بالديار المصرية، وذلك زيادة على ما بيده من التحدث على بندر جدة، بل على ~~جميع الأقطار الحجازية؛ وإلاقطاع الذي استولى عليه الأمير جرباش والذي خرج ~~عنه كلاهما تقدمة ألف، لكن متحصل خراجهما ms3556 يتفاوت. وفي يوم الخميس هذا كان ~~عدة من ورد اسمه الديوان من الأموات نحوا من مائتين وخمسة وثلاثين نفرا، ~~وكان عدة المضبوط بالمصلاة ألفا ومائة وثلاثة وخمسين نفرا، وذلك خارج عما ~~ذكرنا من مصر وبولاق والقرافتين والصحراء والأوقاف وزاوية الخدام خارج ~~الحسينية. وفي يوم السبت ثامن عشرين جمادى الأولى المقدم ذكرها استقر ~~الشهابي أحمد بن قليب أستادار السلطان بمدينة طرابلس في حجوبية حجاب ~~طرابلس، زيادة على ما بيده من الأستادارية وغيرها؛ وكانت ولايته للحجوبية ~~بعد موت خشقدم إلاردبغاوي دوادار قاني باي الحمزاوي. PageV04P0412 # ثم استهل جمادى الآخرة أولها يوم الثلاثاء وقد كثر الوباء بالديار ~~المصرية، وانتشر بها وبظواهرها، هذا مع الغلاء المفرط في إلاسعار وظلم ~~المماليك الأجلاب، فصارت الناس بين ثلاثة أمور عظيمة: الطادون، والغلاء، ~~والظلم، وهذا من النوادر وقوع الوباء والغلاء معا في وقت واحد فوقع ذلك ~~وزيد ظلم الأجلاب، ولله الأمر. وكان التعريف في هذا اليوم ثلاثمائة وستة ~~عشر نفرا؛ وكان الذي حرروه في السبع عشرة مصلاة ألف إنسان وتسعمائة إنسان ~~وعشرة. وأنكر ذلك غير واحد من الناس استقلإلا، بل قال بعضهم وبالغ بأن عدة ~~من يموت في اليوم بالقاهرة أكثر عن ثلاثة إلاف نفر، واعتل بقوله إن الذين ~~ندبوا لضبط المصلوات اشتغل كل منهم بنفسه وبمن عنده وبغلمانه. قلت: الصواب ~~بل إلاصح مقالة الثاني لما شاهدناه من كثرة الجنائز، وازدحام الناس بكل ~~مصلاة والله أعلم. وأما أمر الغلاء ففي هذا الشهر بيع فيه القمح كل إردب ~~بستمائة درهم، والبطة من الدقيق العلامة بمائة وسبعين درهما، والرطل الخبز ~~بأربعة دراهم، وهو عزيز الوجود بالحوانيت في كثير من الأوقات، والشعير ~~والفول كلاهما بأربعمائة درهم إلاردب، وهما في قلة إلى الغاية والنهاية، ~~والحمل التبن بأربعمائة درهم ولا بد له من حارس من الأجناد يحرسه من ~~المماليك الأجلاب، هذا والموت فيهم بالجريف وصلوات الله على سيدنا عزرائيل ~~وما سوى ذلك من المأكل فسعره متحسن، لا كسعر كالشعير والتبن والقمح والفول، ~~كون هذه الأشياء يحتاج إليها الأجلاب، فيأخدونها بأبخس إلاثمان، فترك الناس ~~بيع ms3557 هذه إلاصناف إلا المحتاج، فعز وجودها لذلك. PageV04P0413 # ووقع للأجلاب في هذا الوباء أمور عجيبة؛ فإنهم لما فرغوا من أخذ بضائع ~~الناس ظهر منهم في أيام الوباء أخذ إقطاعات الأجناد، فصاروا إذا رأوا شخصا ~~على حانوت عطار أخذوه، وقالوا له: " لعل الضعيف يكون له إقطاع " ، فإن كان ~~له إقطاع عرفهم به، وإن لم يكن للضعيف إقطاع طال أمره معهم إلا أن يخلصه ~~منهم أحد من الأعيان. ثم بدا لهم بعد ذلك أن كل من سمعوا له إقطاعا من ~~أولاد الناس أو الأجناد القرانيص أخذوا إقطاعه، فإن كان صحيحا يرتجون مرضه، ~~وإن كان ضعيفا ينتظرون موته؛ فعلى هذا الحكم خرج إقطاع غالب الناس الحي ~~والميت حتى إنهم فعلوا ذلك بعضهم مع بعض. فصار السلطان والناس في شغل شاغل، ~~لأن الأجلاب صاروا يزدحمون عليه لأخذهم إقطاعات الناس، وعندما يتفرغ من ~~المماليك الأجلاب يتظلم كل أحد إليه ممن خرج إقطاعه وهو في قيد الحياة، فلم ~~يسعه إلا رده عليه؛ فصار إلاقطاع يخرج اليوم ويرد إلى صاحبه في الغد، فصار ~~يكتب في اليوم الواحد عدة مناشير ما بين إخراج ورد، واستمر الناس على ذلك ~~من أول الفصل إلى آخره. وأغرب من هذا أن بعض الأجلاب اجتاز في عظم أيام ~~الوباء بالصحراء، فحاذى جنازة امرأة على نعشها طرحة زركش، فاختطفها وساق ~~فرسه فلم يوقف له على أثر. ووقع لبعض الأجلاب أيضا أنه صدف في بعض الطرقات ~~جنازة وهو سكران، فأمره المدير بالوقوف لتمر الجنازة عليه، فحنق منه، وأراد ~~ضرب المدير، فهرب منه، فضرب الميت على رأسه، وقد شاهد ذلك جماعة كثيرة من ~~الناس. وفيما حكيناه كفاية عن فعل هؤلاء الظلمة " إلا لعنة الله على ~~الظالمين " . وفي يوم الثلاثاء مستهل جمادى الآخرة وصل إلى القاهرة تغري ~~بردي الطياري الخاصكي المتوجه فى الرسلية إلى جزيرة قبرس، وصحبته جماعة ~~كثيرة ، من ملوك الفرنج وأهل قبرس. والقادمون من الفرنج على قسمين: فرقة ~~تسأل إبقاء ملك قبرس على الملكة المتولية، وفرقة تسأل عزلها وتولية أخيها ~~جاكم الفرنجي الذي قدم إلى القاهرة ms3558 قبل تاريخه، فلم يبت السلطان الأمر من ~~ولاية ولا عزل في هذا اليوم، وأحال الأمر إلى ما سيأتي ذكره. وفي يوم ~~الخميس ثالث جمادى الآخرة المذكورة عظم الطادون بالقاهرة وظواهرها، واختلفت ~~كلمة الحساب، لاشتغال كل أحد بنفسه وبمن عنده؛ فمنهم من قال: يموت في اليوم ~~أربعة إلاف إنسان، ومنهم من قال: ثلاثة إلاف وخمسمائة، وقاس صاحب القول ~~الثاني على عدة من صلي عليه في هذا اليوم المذكور بمصلاة باب النصر، وقال: ~~إن كل مائة ميت بمصلاة باب النصر بثلاثمائة وستين ميتا، وجاءت مصلاة ~~المؤمني في هذا اليوم أربعمائة وسبعة عشر ميتا؛ وهذا كله تقريبا لا تحريرا ~~على إلاوضاع. ثم في يوم الثلاثاء ثامن جمادى الآخرة عمل السلطان الموكب ~~بالحوش السلطاني لأجل قصاد الفرنج، وحضرت الفرنج وقبلوا الأرض ونزلوا أيضا ~~على غير طائل. وفي يوم الجمعة حادي عشره كان فيه التعريف مائتين وثمانين، ~~وجاءت مصلاة باب النصر على حدتها خمسمائة وسبعين. وفيه ضربت المماليك ~~الأجلاب الوزير سعد الدين فرج بن النحال ضربا مبرحا، لكونه لم يزد راتب ~~لحمهم. وفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة كان فيه التعريف نحو ~~ثلاثمائة إنسان، منهم مماليك خمسة وسبدون: منهم خمسة وثلاثون من مماليك ~~الأمراء وغيرهم، ومن بقي سلطانية. وأما الذي ضبط في هذا اليوم ممن صلي عليه ~~من الأموات باثنتي عشرة مصلاة أربعة إلاف إنسان، وفي ذلك نظر؛ لأن مصلاة ~~باب النصر وحدها جاءت في هذا اليوم خمسمائة وسبعين، ومصلاة البياطرة ~~أربعمائة وسبعين، وجامع إلازهر ثلاثمائة وستة وتسعين، فمجموع هذه المصليات ~~الثلاث من جملة سبع عشرة مصلاة أو أكثر ألف وأربعمائة وستة نفر، فعلى هذا ~~كيف يكون جميع من مات في هذا اليوم أربعة إلاف؟! فهذا محال، وهذا خارج عن ~~القرافتين والحسينية والصحراء وبولاق ومصر القديمة، إلا أن غالب من يموت ~~صغار وعبيد وجوار. غير أن هذا الطادون كان أمره غريبا، وهو أن الذى يطعن ~~فيه قل أن يسلم، حتى قال بعضهم: لعل إن من كل مائة مريض يسلم واحد، فأنكر ~~ذلك غيره وقال: ms3559 ولا كل ألف مبالغة. وفي يوم الأربعاء سادس عشره الموافق ~~لرابع عشر برمودة ارتفع الوباء من PageV04P0414 # بولاق، وكان الذي مات بها في اليوم ثلاثة نفر، وقيل سبعة، وقيل عشرة. هذا ~~بعد أن كان يموت في اليوم ثلاثمائة وأربعمائة، ويقول المكثر خمسمائة ~~فسبحانه وتعالى فاعلا مختارا يفعل في ملكه ما يشاء. وأخذ الطادون في هذه ~~الأيام يخف من ظواهر القاهرة، مثل الحسينية وغيرها، وعظم في القاهرة وما ~~حولها من جهة الصليبة والقلعة وقناطر السباع. وكان الذي مات من المماليك ~~الأجلاب الإينالية في هذا الطادون إلى يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة ~~ستمائة مملوك وثلاثين مملوكا. إلى لعنة الله وسقر، إلى حيث ألقت...ومما وقع ~~لي من أوائل هذا الفصل قولي على سبيل المجاز: السريع قد جاءنا الفصل على ~~بغتة ... مستجلبا حل مجد الطلب من كثرة البغي وظلم بدا ... يخصه الله بمن ~~كان جلب وفي يوم الاثنين حادي عشرين جمادى الآخرة الموافق لتاسع عشر ~~برمودة، وهو أول خمسين النصارى فيه ظهر نقص الطادون بالقاهرة؛ وكان ابتداء ~~النقص من يومي الخميس والجمعة. وفي يوم الاثنين هذا كان عدة من صلي عليه ~~بمصلاة باب النصر ثلاثمائة وخمسين إنسانا، وبجامع إلازهر ستمائة إنسان، وهو ~~أكثر ما وصل إليه العدة بالجامع المذكور، لأن غالب الطادون الآن هو ~~بالقاهرة، وكان عدة من صلي عليه بمصلاة البياطرة مائتين وأربعة، وهو بحكم ~~النصف مما كان صلي عليه بها قبل ذلك، وكان عدة من صلي عليه بمصلاة المؤمني ~~مائتين وثمانين نفرا، وهو أقل من النصف أولا. ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ~~عدة هذه المصلوات في يوم الاثنين القابل، ليعلم الناظر في هذا الكتاب كيفية ~~انحطاط الطادون عند زواله من اليوم إلى مثله. فلما كان يوم الاثنين ثامن ~~عشرينه الموعود بذكره كان فيه عدة من صلي عليه بمصلاة باب النصر مائة ~~وتسعين، وبالجامع إلازهر زيادة على مائة وثلاثين، وبمصلاة البياطرة مائة ~~وأربعة عشر، وبمصلاة المؤمني مائة وسبعة وثلاثين؛ ونذكر إن شاء الله تعالى ~~في يوم الاثنين إلاتي عدة ذلك أيضا. وفي ms3560 يوم الخميس تاسع شهر رجب فيه فشا ~~الطادون، وانحط سعر الغلال، وظهر الشعير والتبن والدريس لموت تلك الجبابرة ~~والأجلاب. PageV04P0415 # وفيه طعن جامعه، ثم من الله تعالى بالعافية بعد أمور، ولله الحمد على ~~المهلة. وفى يوم الجمعة ثالث شهر رجب المذكور الموافق لسلخ برمودة لبس ~~السلطان القماش الأبيض البعلبكي المعتاد لبسه لأيام الصيف. ثم في يوم ~~الاثنين سادسه كان فيه عدة من صلي عليه من الأموات بمصلاة باب النصر مائة، ~~وقيل تسعين، وبمصلاة البياطرة زيادة على الخمسين، وبمصلاة المؤمني زيادة ~~على التسعين. ثم في يوم السبت حادي عشره استقر الأمير أرغون شاه الأشرفي ~~أحد أمراء العشرات ورأس نوبة أستادار الصحبة السلطانية، بعد موت يشبك ~~الأشرفي الأشقر. ثم في يوم الاثنين ثالث عشر شهر رجب كان فيه عدة من صلي ~~عليه من الأموات بمصلاة باب النصر نحوا من خمسة وعشرين نفرا، وبمصلاة ~~البياطرة ثلاثة وعشرين، وبالجامع إلازهر خمسة نفر، وبمصلاة المؤمني نيفا ~~وثلاثين نفرا. هذا والعلة موجودة في الأكابر والأعيان إلى آخر رجب. ثم في ~~يوم الثلاثاء رابع عشره استقر القاضي تقي الدين بن نصر الله ناظر ديوان ~~المفرد عوضا عن الصاحب شمس الدين منصور بن الصلي. وفيه استقر الشيخ سراج ~~الدين عمر العبادي الشافعي ناظر إلاحباس بعد موت القاضي زين الدين عبد ~~الرحيم العيني. واستهل شعبان يوم الخميس، وقد خف الطادون من الديار المصرية ~~بالكلية، فكان عدة من مات في هذا الطادون من المماليك الأجلاب الإينالية ~~فقط ألفا وأربعمائة نفر فالله يلحق بهم من بقي منهم وهذا خلاف من مات في ~~هذا الطادون من المماليك السلطانية الذين هم من سائر الطوائف. ثم في يوم ~~الثلاثاء سادس شعبان المذكور من سنة أربع وستين وقع في المملكة أمر شنيع؛ ~~وهو أن السلطان جمع أعيان الفرنج القبارسة في الملأ بالحوش السلطاني، وأراد ~~بقاء الملكة صاحبة قبرس على عادتها، وخلع على قصادها أعيان الفرنج، واستقر ~~تغري بردي الطياري مسفرها، وعلى يده تقليدها وخلعتها. وكان الفرنجي جاكم ~~أخوها حاضر الموكب، وقد جلس تحت مقدمي الألوف، فعز ms3561 عليه ولاية أخته ~~وإبقاؤها على ملك الأفقسية من جزيرة قبرس مع وجوده، فقام على قدميه واستغاث ~~وتكلم بكلام معناه أنه قد جاء إلى مصر، والتجأ إلى السلطان، ودخل تحت كنفه، ~~وله عنده هذه المدة الطويلة، وأنه أحق بالملك من أخته، وبكى، فلم يسمع ~~السلطان له، وصمم على ولاية أخته، وأمره بالنزول إلى حيث هو سكنه. فما هو ~~إلا أن قام جاكم المذكور وخرج من باب الحوش إلاوسط. ثم خرج بعده أخصامه ~~حواشي أخته، وعليهم الخلع السلطانية، فمدت الأجلاب أيديها إلى أخصام جاكم ~~من الفرنج، وتناولوهم بالضرب والآخراق، وتمزيق الخلع، واستغاثوا بكلمة ~~واحدة، أنهم لا يريدون إلا تولية جاكم هذا مكان والده. وعظمت الغوغاء، فلم ~~يسع السلطان إلا أن أذعن فى الحال بعزل الملكة وتولية جاكم، فتولى جاكم على ~~رغم السلطان، بعد أن أمعنوا المماليك الأجلاب في سب الأمير بردبك الدوادار ~~الثاني، وقالوا له: " أنت إفرنجي وتحامي للفرنج " . فاستغاث بردبك المذكور، ~~ورمى وظيفة الدوادارية، وطلب إلاقالة من المشي في الخدمة السلطانية، فلم ~~يسمع له السلطان، وفي الحال خلع على جاكم، ورسم بخروج تجريدة من الأمراء ~~إلى غزو قبرس، تتوجه مع جاكم المذكور إلى قبرس، حسبما يأتي ذكره إن شاء ~~الله تعالى في وقته. وفي يوم الاثنين ثاني عشره رسم السلطان باسقرار الأمير ~~قراجا الظاهري الخازندار حاجب الحجاب كان أتابك عساكر دمشق، بعد موت الأمير ~~علان المؤيدي، بمال وعد به نحو عشرة إلاف دينار. وفي يوم السبت سابع عشره ~~استقر القاضي ولي الدين أحمد ابن القاضي تقي الدين محمد البلقيني قاضي قضاة ~~دمشق الشافعية بعد عزل القاضي جمال الدين يوسف البادوني. وفيه استقر القاضي ~~زين الدين أبو بكر بن مزهر ناظر الجيوش المنصورة بعد عزل القاضي برهان ~~الدين إبراهيم الديري. وفي يوم الأحد ثامن عشره عرض السلطان المماليك ~~السلطانية بالحوش، وعين منهم جماعة للجهاد، أعني للسفر صحبة جاكم الفرنجي ~~إلى قبرس، وقد تعين من يسافر إلى قبرس من الأمراء قبل ذلك. وفيه ورد الخبر ~~من مكة المشرفة بموت الأمير يرشباي الإينالي المؤيدي ms3562 رأس المماليك ~~المجاورين بها، فأنعم السلطان بإقطاعه في يوم الثلاثاء على دولات باي ~~الأشرفي الساقي، وعلى خيربك من حديد الأشرفي الدوادار، نصلين بالسوية، لكل ~~منهما إمرة عشرة. واستهل شهر رمضان أوله الجمعة في يوم PageV04P0416 # السبت ثانيه خلع السلطان على الأمير جانبك الظاهري أحد أمراء مقدمي ~~الألوف بسفره إلى بندر جدة على عادته في كل سنة، وخرج من الغد متوجها إلى ~~جدة في غاية التجمل والحرمة. وفي يوم الثلاثاء خامس شهررمضان المذكور عين ~~السلطان الأمير خشقدم الناصري المؤيدي أمير سلاح إلى سفر الوجه القبلي، ~~لقتال العرب الخارجة عن الطاعة، وعين معه مائتي مملوك، وسافروا يوم ~~الثلاثاء ثاني عشره. وفي هذا الشهر قوي إلاهتمام بسفر المجاهدين، وقاست ~~الناس من أعوان سنقر الزردكاش شدائد يطول الشرح في ذكرها، حتى قال بعض ~~الشعراء الموالة بليقا، تعرض فيه لظلم سنقر الزردكاش وحواشيه، بقوله:ت ~~ثانيه خلع السلطان على الأمير جانبك الظاهري أحد أمراء مقدمي الألوف بسفره ~~إلى بندر جدة على عادته في كل سنة، وخرج من الغد متوجها إلى جدة في غاية ~~التجمل والحرمة. وفي يوم الثلاثاء خامس شهررمضان المذكور عين السلطان ~~الأمير خشقدم الناصري المؤيدي أمير سلاح إلى سفر الوجه القبلي، لقتال العرب ~~الخارجة عن الطاعة، وعين معه مائتي مملوك، وسافروا يوم الثلاثاء ثاني عشره. ~~وفي هذا الشهر قوي إلاهتمام بسفر المجاهدين، وقاست الناس من أعوان سنقر ~~الزردكاش شدائد يطول الشرح في ذكرها، حتى قال بعض الشعراء الموالة بليقا، ~~تعرض فيه لظلم سنقر الزردكاش وحواشيه، بقوله: قبل الغزا جاهد في الناس فصار ~~الظلم أنواع وأجناس من طلب هذا الغزا واحتاج لواس ووقع بسبب عمارة هذه ~~المراكب مظالم لا تحصى، من قطع أشجار الناس عسفا، وأخذهم ما يحتاجون إليه ~~ظلما. وزاد ظلم سنقر هذا على الناس حتى جاوز الحد، فلا جرم أن الله تعالى ~~عامله بعد ذلك من جنس فعله في الدنيا، بما قاساه من النفي والحبس وأخذ ~~المال، مع الذل والهوان والصغار، وحل به كل مصيبة، حتى أحرقت داره بجميع ما ~~فيها، ثم نهب ما ms3563 فضل من الحريق، وتشتت في البلاد على أقبح وجه؛ هذا في ~~الدنيا وأما الآخرى فأمره إلى الله تعالى. وفي يوم الأحد أول شوال عين ~~السلطان الأمير كزل السودوني المعلم، والأمير برسباي الأشرفي الأمير آخور ~~للتوجه إلى الإسكندرية وصحبتهما مائة وخمسون مملوكا من المماليك السلطانية، ~~لأخذ ما هناك من المراكب، والتوجه بها إلى ثغر دمياط من البحر الملح، ليكون ~~سفر جميع المجاهدين من مينة واحدة، وهي مينة دمياط. ثم في يوم الأربعاء ~~رابع شوال أنفق السلطان في المجاهدين من المماليك السلطانية، للفارس ~~والراجل سواء، لكل واحد مبلغ خمسة عشر دينارا، وأنفق على كل مملوك من ~~المماليك الذين يتوجهون مع كزل وبرسباي المقدم ذكرهما عشرة دنانير الواحد. ~~ثم في يوم الاثنين تاسعه نزل السلطان الملك الأشرف إينال في موكب هائل من ~~قلعة الجبل بأمرائه وخاصكيته وأعيان دولته إلى جزيرة أروى المعروفة بالوسطى ~~بساحل النيل، لينظر ما عمر من المراكب، فسار إلى هناك في موكب عظيم، ونظر ~~المراكب، وخلع على سنقر قرق شبق الزردكاش المقدم ذكره، وعلى جماعة أخر ممن ~~باشر عمل المراكب، ثم عاد من حيث جاء من قناطر السباع، فلم يبتهج الناس ~~لنزوله، لعظم ما قاسوه من الظلم في عمل هؤلاء المراكب، من قلة الآنصاف ~~والجور في حق العمال من أرباب الصنائع وغيرهم. ولولا أن الأمر منسوب إلى ~~نوع من أنواع الجهاد لذكرنا من فعل سنقر هذا ما هو أقبح من أن نذكره. ثم في ~~يوم الثلاثاء سابع عشر شوال سافر المجاهدون في بحر النيل إلى ثغر دمياط، ~~ومقدم العساكر يوم ذاك في البر الأمير يونس إلاقبائي الدوادار الكبير، وفي ~~البحر الأمير قانم من صفر خجا المؤيدي التاجر أحد مقدمي الألوف بالديار ~~المصرية، ومعهما بقية الأمراء، ومنهم الأمير سودون الإينالي المؤيدي ~~المعروف بقرقاش حاجب الحجاب وغيره. وخلع السلطان على هؤلاء الثلاثة ~~المذكورين PageV04P0417 # وخلع أيضا على جاكم الفرنجي خلعة نخ بقاقم، ونزل جميع الغزاة في خدمتهم ~~إلى بحر النيل، وسافر هؤلاء الأمراء الثلاثة إلى دمياط من يومهم، وبقي من ~~عداهم يسافرون أرسإلا ms3564 في كل يوم، إلى يوم الثلاثاء القابل، لكثرة عدة ~~العساكر. وأما مقدار عدد من سافر في هذه الغزوة من الأمراء والجند فعدة ~~كبيرة. فأولهم أمراء الألوف الثلاثة المقدم ذكرهم. ثم من أمراء الطبلخانات ~~ثلاثة أيضا، وهم: الأمير بردبك البجمقدار الظاهري ثاني رأس نوبة، وجانبك من ~~أمير الخازندار الأشرفي، ويشبك من سلمان شاه الفقيه المؤيدي رأس نوبة. ومن ~~أمراء العشرات جماعة، وهم: جكم الأشرفي خال الملك العزيز يوسف، ودقماق ~~اليشبكي، وكسباي الششماني المؤيدي، وطوخ إلابو بكري المؤيدي رأس نوبة، ~~وقانم نعجة الأشرفي رأس نوبة، وسنقر قرق شبق الأشرفي الزردكاش المقدم ذكره، ~~وقراجا الأعرج الطويل أحد مماليك السلطان القديمة. وأما المماليك السلطانية ~~فعدتهم تزيد على خمسمائة نفر تخيمنا. وهذا خلا المطوعة وغيرهم من الخدم ~~والمراكبية وأنواعهم. وفي يوم الخميس تاسع عشر شوال خرج أمير حاج المحمل ~~بالمحمل، وهو الأمير تمرباي من حمزة الناصري المعروف بططر أحد أمراء ~~العشرات، وأمير الركب الأول تنم الحسيني الأشرفي رأس نوبة. وفي يوم الجمعة ~~سابع عشرينه أمسك السلطان زين الدين الأستادار، وجنزره وحبسه بالبحرة من ~~الحوش السلطاني، وندب الصاحب شمس الدين منصور بن الصلي لمحاسبته، فقأمت ~~المماليك الأجلاب على منصور حمية لزين الدين، فراج أمر زين الدين لذلك، ~~لعلم الناس أن السلطان مسلوب إلاختيار مع مماليكة الأجلاب. واستمر زين ~~الدين بالبحرة إلى يوم الأحد، فأخرجه السلطان واستقر به أستادارا على ~~عادته، ولبس خلعة الأستادارية من الغد في يوم الاثنين أول ذي القعدة. ثم في ~~يوم الأربعاء ثالث ذي القعدة وصل إلاميل خشقدم أمير سلاح من الوجه القبلي ~~بمن معه من المماليك السلطانية. وفي يوم الأربعاء سابع عشره قتل ابن غريب ~~البدوي. وفي يوم الاثنين هرب زين الدين الأستادار واختفى بحيث إنه لم يعرف ~~له مكان، واستقر الصاحب شمس الدين في الأستادارية عوضه. ثم استهلت سنة خمس ~~وستين وثمانمائة. فكان أول المحرم الخميس. ثم في يوم السبت ثالله وصل ~~الأمير جانبك الظاهري أحد مقدمي الألوف من بندر جدة إلى الديار المصرية، ~~بعد أن حج وحضر الموسم بمكة، وبات ms3565 بتربة الملك الأشرف إينال بالصحراء، وطلع ~~إلى القلعة من الغد في يوم الأحد، وخلع السلطان عليه ونزل إلى داره في موكب ~~عظيم. وفى يوم الخميس ثاني عشرين المحرم وصل أمير الركب الأول الأمير تنم ~~الحسيني الأشرفي، وخلع عليه السلطان، وأصبح في يوم الجمعة وصل أمير حاج ~~المحمل تمرباي ططر بالمحمل، وخلع السلطان عليه أيضا. وفي يوم الجمعة سلخ ~~المحرم وصل إلى القاهرة جماعة من الغزاة وأخبروا أن العساكر الإسلامية ~~بأجمعها خرجوا من جزيرة قبرس في يوم الجمعة ثالث عشرين المحرم وساروا على ~~ظهر البحر الملح يريدون السواحل الإسلامية، فهبت ريح عظيمة شتتت شملهم، ~~وتوجهوا إلى عدة جهات بغير إرادة. وكانت مركب هؤلاء وصلت إلى ساحل الطينة، ~~وأخبروا أيضا بموت الأمير سودون قراقاش حاجب الحجاب. ثم وصل من الغد بردبك ~~غرب الأشرفي الخاصكي، وأخبر بنحو ،ما أخبر به هؤلاء المماليك، وأعلم ~~السلطان أيضا أن الأمير يونس الدوادار ترك PageV04P0418 # بجزيرة قبرس جماعة من المماليك السلطانية ومماليك الأمراء قوة لجاكم صاحب ~~قبرس، وجعل مقدمهم جانبك الأبلق الظاهري الخاصكي، وأن جماعة كبيرة توفوا ~~إلى رحمة الله تعالى من عظم الوخم. واستهل صفر يوم السبت. ثم في يوم ~~الأربعاء خامسه استقر الأمير كسباي المؤيدي السمين نائب القلعة في نيابة ~~الإسكندرية بعد الأمير جانبك نائب بعلبك النوروزي، فاستقر خيربك القصروي ~~والي القاهرة نائب القلعة عوضا عن كسباي المذكور، بمال بذله في ذلك. ثم في ~~يوم الخميس سادس صفر استقر علي بن إسكندر والي القاهرة، واستقر تنم من ~~بخشاش الظاهري الخاصكي المعروف برصاص في حسبة قاهرة، عوضا عن علي بن ~~إسكندر، وكلاهما ولي بالبذل؛ وتنم هذا هو أول تركي ولي الحسبة بالبذل، ولم ~~نسمع ذلك قبل تاريخه، لا قديما ولا حديثا. وفي يوم الجمعة سابعه الموافق ~~لخامس عشرين هاتور لبس السلطان القماش الصوف الملون، المعتاد لبسه لأيام ~~الشتاء، وألبس الأمراء على العادة. ثم في يوم السبت خامس عشره وصل ~~المجاهدون جميعا إلى ساحل بولاق، وباتوا بالميدان الكبير عند بركة ~~الناصرية، وطلعوا إلى القلعة من الغد في يوم ms3566 الأحد، وقبلوا الأرض، وخلع ~~السلطان على الأمير يونس الدوادار أطلسين متمرا، وفوقانيا بطرز زركش، كما ~~هي عادة خلعة الأتابكية، فتعجب الناس من ذلك، وقيد له فرسا بسرج ذهب، ~~وكنبوش زركش. ثم خلع السلطان على الأمير قانم المؤيدي أحد مقدمي الألوف ~~فوقانيا بطرز زركش. وكذلك خلع على جميع الباشات من الأمراء. ونزل الجميع في ~~خدمة الأمير يونس الدوادار إلى بيته تجاه الكبش، ثم عاد كل واحد إلى داره. ~~ثم في يوم الاثنين رابع عشرين صفر أنعم السلطان على الأمير يلباي الإينالي ~~المؤيدي الأمير آخور الثاني بإمرة مائة وتقدمة ألف، بعد موت سودون قراقاش ~~بقبرس، وأنعم بإقطاع يلباي المذكور وهو إمرة طبلخاناه على الأمير تمرباي من ~~حمزة المعروف بططر، وأنعم بإقطاع تمرباي ططر على جانبك الأشرفي قلقسيز، فلم ~~يقبله جانبك المذكور، وأنعم به على الأمير قاني بك السيفي يشبك بن أزدمر، ~~وأنعم بإقطاع قاني بك المذكور وهو إمرة عشرة أيضا على دولات باي الخاصكي ~~الأشرفي المعروف بدولات باي سكسن، أعني ثمانين، ولم يكن دولات هذا أهلا ~~لذلك، وإنما هي أرزاق مقسومة إلى البر والفاجر. وفي يوم الخميس سابع عشرين ~~صفر استقر الأمير بيبرس الأشرفى خال الملك العزيز يوسف حاجب الحجاب بالديار ~~المصرية، عوضا عن سودون قراقاش بحكم وفاته بقبرس، واستقر الأمير بردبك ~~المحمدي الظاهري الهجين إلامي آخور الثالث أمير آخور ثانيا عوضا عن الأمير ~~يلباي المقدم ذكره، واستقر قراجا الطويل الأعرج الأشرفي أمير آخور ثالثا ~~عوضا عن بردبك الهجين. ثم في يوم الخميس رابع شهر ربيع الأول استقر الأمير ~~مغلباي طاز الأبوبكري المؤيدي أمير حاج المحمل، واستقر تنبك البواب الأشرفي ~~الخاصكي أمير الركب الأول. ثم في يوم الأحد سابع شهر ربيع الأول المذكور ~~عمل السلطان المولد النبوي PageV04P0419 # على العادة في كل سنة بالحوش السلطاني. ثم سافر المقام الشهابي أحمد ابن ~~السلطان إلى السرحة، ومعه أخوه محمد من الغد في يوم الاثنين ثامنه إلى جهة ~~الوجه البحري شرقا وغربا، وسافر معه جماعة من الأعيان وأمراء العشرات. ثم ~~في يوم الخميس سادس عشره استقر ms3567 علي بن الأهناسي وزيرا بعد استعفاء الصاحب ~~فرج بن النحال. ثم في يوم السبت حادي عشرينه حبس السلطان القاضي صلاح الدين ~~أمير حاج المكيني بحبس الرحبة؛ وسبب ذلك أنه كان استبدل وقفا، فشكي عليه ~~بسبب ذلك الوقف، فرسم السلطان بحبسه فحبس إلى آخر النهار، ثم أطلق من يومه ~~بعد أن قرر عليه مبلغ من الذهب. ثم في يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآخر ~~نودي بزينة القاهرة لقدوم أولاد السلطان من السرحة، ووصلا في يوم الثلاثاء ~~ثامن عشر ربيع الآخر المذكور، وشقا القاهرة فى موكب هائل، وطلعا إلى ~~القلعة، وخلع عليهما والدهما السلطان الملك الأشرف إينال، ثم نزلا في وجوه ~~الدولة إلى بيت المقام الشهابي أحمد، وهو إلاخ إلاكبر، وأتابك العساكر ~~بالديار المصرية. وفي يوم الاثنين خامس عشرينه استقر إينال الأشقر الظاهري ~~الخاصكي والي القاهرة بعد عزل علي بن إسكندر. واستهل جمادى الأولى يوم ~~الخميس. في ثالله يوم السبت مرض السلطان الملك الأشرف إينال مرض الموت، ~~ولزم الفراش. فلما كان يوم الاثنين خامسه وصل الأمير بردبك الدوادار ~~الثاني، والأمير ناصرالدين نقيب الجيش من الطينة، وكانا توجها قبل تاريخه ~~لينظرا مكان البرج الذي يريدون عمارته هناك. ثم في يوم الاثنين ثاني عشره ~~أرجف بموت السلطان، ولم يصح ذلك، وأصبح الناس في هرج، وماجوا ووقف جماعة من ~~العامة عند باب المدرج أحد أبواب القلعة فنزل إليهم الوالي وبدد شملهم. ثم ~~نودي في الحال بالأمان والبيع والشراء، وأن أحدا لا يتكلم بما لا يعنيه، ~~فسكن الأمر إلى يوم الأربعاء رابع عشره. فلما كان ضحوة يوم الأربعاء ~~المذكور طلب الخليفة والقضاة الأربعة إلى القلعة، وطلعت الأمراء والأعيان، ~~واجتمعوا الجميع بالدهيشة، فلم يشك أحد في موت السلطان، فلم يكن كذلك، بل ~~كان الطلب لسلطنة المقام الشهابي أحمد قبل موته. فلما تكامل الجمع خلع ~~السلطان نفسه من السلطنة بالمعنى، لأنه ما كان إذ ذاك يستطيع الكلام، بل ~~كلمهم بما معناه أن الأمر يكون من بعده لولده، فعلموا من ذلك أنه يريد خلع ~~نفسه وسلطنة ولده، ففعلوا ms3568 ذلك كما سيأتي ذكره في محله، في أول ترجدة الملك ~~المؤيد أحمد إن شاء الله تعالى. ومات الأشرف إينال في الغد حسبما نذكره. ~~وكانت مدة تحكم الملك الأشرف إينال هذا من يوم تسلطن بعد خلع الملك المنصور ~~عثمان إلى هذا اليوم، وهو يوم خلع نفسه من السلطنة ثماني سنين وشهرين وستة ~~أيام. ومات في يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى بعد خلعه نفسه بيوم واحد ~~بين الظهر والعصر، فجهز من وقته، وغسل وكفن، وصلي عليه بباب القلة من قلعة ~~الجبل، ودفن من يومه بتربته التي عمرها بالصحراء، وقد ناهز الثمانين من ~~العمر. وكان جاركسي الجنس، وقد تقدم الكلام على أصله، وجالبه إلى القاهرة، ~~وكيفية ترقيه إلى أن تسلطن في أول ترجمته من هذا الكتاب. وكانت صفته - رحمه ~~الله - أخضر اللون للسمرة أقرب، طوإلا، غالب طوله من وسطه ونازل، قصير ~~البشت، رقيق الوجه نحيف اليد، لحيته في حنكه، وهي شعرات بيض، ولهذا كان لا ~~يعرف إلا بإينال إلاجرود، وفي كلامه رخو، مع خنث كان في لهجته، ولهذا لما ~~لبس السواد خلعة السلطنة كان فيها غير مقبول الشكل، لكونه أسمر اللون، ~~والخلعة سوداء، فلم تبتهج الناس برؤيته؛ ولذلك أسباب: السبب الأول، ما ~~ذكرناه من صفته وسواد الخلعة، والسبب الثاني وهو إلاغلب، لقرب عهد الناس من ~~شكل الملك المنصور عثمان، الشكل الظريف البهي، والفرق واضح، لأن المنصور ~~كان سنه دون العشرين سنة من غير لحية، وهو في غاية الحسن والجمال - أحسن ~~الله دونه - والأشرف إينال هذا سنه فوق السبعين، وقد علمت صفته مما ذكرناه، ~~فلا لوم على من لا يعجبه شكل الأشرف إينال ولا عتب. وكان له محاسن ومساوىء، ~~والأول أكثر. فأما محاسنه، فكان ملكا جليلا، عاقلا رئيسا سيوسا، كثير ~~إلاحتمال، عديم السر، غير سباب ولا فحاش في حال غضبه ورضاه. وكان عارفا ~~بالأمور والوقائع والحروب، شجاعا مقداما، كثير التجارب للخطوب والقتال، ~~عظيم التروي في أفعاله، ثابتا في PageV04P0420 # حركاته ومهماته، له معرفة تامة بملوك الأقطار في البلاد الداخلة في حكمه، ~~وفي الخارجة عن ms3569 حكمه أيضا، عارفا بجهات ممالكه شرقا وغربا، وفهما بفنون ~~الفروسية وأنواعها، لا يحب تحرك ساكن ولا إثارة فتنة، وعنده تؤدة في كلامه ~~واحتمال زائد، يؤديه ذلك إلى عدم المروءة عند من لا يعرف طباعه. ومن محاسنه ~~أنه منذ سلطنته ما قتل أحدا من الأمراء ولا من الأجناد الأعيان، على قاعدة ~~من تقدمه من الملوك، إلا من وجب عليه القتل بالشرع أو بالسياسة، وأيضا أنه ~~كان قليلا ما يحبس أحدا أو ينفيه، سوى من حبس في أوائل دولته من أعيان ~~الأمراء كما هي عوائد أوائل الدولة. ثم بعد ذلك لم يتعرض لأحد بسوء، إلا ~~انه نفى جماعة عندما ركبوا عليه ثانيا في حدود سنة ستين، وخلع الخليفة ~~القائم بأمر الله حمزة بسبب موافقته لهم على قتاله، ثم حبسه بالإسكندرية، ~~وهو معذور في ذلك، ولو كان غيره من الملوك لفعل أضعاف ذلك، بل وقتل منهم ~~جماعة كثيرة. وبالجملة فكانت أيامه سكونا وهدوءا ورياقة وحضور بال، لولا ما ~~شان سؤدده من مماليكه الأجلاب، وفسدت أحوال الديار المصرية بأفعالهم ~~القبيحة، ولولا أن الله تعالى لطف بموته، لكان حصل الخلل بها، وربما خربت ~~وتلاشى أمرها. هذا ما أوردناه من محاسنه، بحسب القوة والباعثة. وأما ~~مساوئه، فكان بخيلا شحيحا مسيكا، يبخل ويشح حتى على نفسه. وكان عاريا من ~~العلوم والفنون المتعلقة بالفضائل. كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة حتى ~~كان لا يحسن العلامة على المناشير والمراسيم إلا برسم الموقع له بالنقط على ~~المناشير، فيعيد هوعلى النقط بالقلم.ركاته ومهماته، له معرفة تامة بملوك ~~الأقطار في البلاد الداخلة في حكمه، وفي الخارجة عن حكمه أيضا، عارفا بجهات ~~ممالكه شرقا وغربا، وفهما بفنون الفروسية وأنواعها، لا يحب تحرك ساكن ولا ~~إثارة فتنة، وعنده تؤدة في كلامه واحتمال زائد، يؤديه ذلك إلى عدم المروءة ~~عند من لا يعرف طباعه. ومن محاسنه أنه منذ سلطنته ما قتل أحدا من الأمراء ~~ولا من الأجناد الأعيان، على قاعدة من تقدمه من الملوك، إلا من وجب عليه ~~القتل بالشرع أو بالسياسة، وأيضا أنه كان ms3570 قليلا ما يحبس أحدا أو ينفيه، سوى ~~من حبس في أوائل دولته من أعيان الأمراء كما هي عوائد أوائل الدولة. ثم بعد ~~ذلك لم يتعرض لأحد بسوء، إلا انه نفى جماعة عندما ركبوا عليه ثانيا في حدود ~~سنة ستين، وخلع الخليفة القائم بأمر الله حمزة بسبب موافقته لهم على قتاله، ~~ثم حبسه بالإسكندرية، وهو معذور في ذلك، ولو كان غيره من الملوك لفعل أضعاف ~~ذلك، بل وقتل منهم جماعة كثيرة. وبالجملة فكانت أيامه سكونا وهدوءا ورياقة ~~وحضور بال، لولا ما شان سؤدده من مماليكه الأجلاب، وفسدت أحوال الديار ~~المصرية بأفعالهم القبيحة، ولولا أن الله تعالى لطف بموته، لكان حصل الخلل ~~بها، وربما خربت وتلاشى أمرها. هذا ما أوردناه من محاسنه، بحسب القوة ~~والباعثة. وأما مساوئه، فكان بخيلا شحيحا مسيكا، يبخل ويشح حتى على نفسه. ~~وكان عاريا من العلوم والفنون المتعلقة بالفضائل. كان أميا لا يعرف القراءة ~~والكتابة حتى كان لا يحسن العلامة على المناشير والمراسيم إلا برسم الموقع ~~له بالنقط على المناشير، فيعيد هوعلى النقط بالقلم. PageV04P0421 # هذا مع طول مكثه في السعادة والرياسة والولايات الجليلة ثم السلطنة. ومع ~~هذا لم يهتد إلى معرفة الكتابة على المناشير ولا غيرها، فهذا دليل على ~~بلادة ذهنه وجمود فكره. ولعله كان لا يحسن قراءة الفاتحة ولا غيرها من ~~القرآن العزيز فيما أظن. وكانت صلاته للمكتوبات صلاة عجيبة، نقرات ينقر ~~بها، لا يعبأ الله بها. وكان مع هذه الصلاة العجيبة لا يحب التملق، ولا ~~إطالة الدعاء بعد الصلاة، بل ربما نهى الداعي عن تطويل الدعاء. ولم يكن ~~بالعفيف عن الفروج، بل ربما اتهمه بعض الناس بحب الوجوه والملاح والصباح من ~~الغلمان والله تعالى أعلم بحاله إلا أنه كان يعف عن تعاطي المنكرات ~~المسكرات. وكان في الغالب أموره وأحكامه مناقضة للشريعة، لا سيما لما أنشئت ~~مماليكه الأجلاب؛ فإنهم قلبوا أحكام الشريعة ظهرا لبطن، وهو راض لهم بذلك، ~~وكان يمكنه إرداعهم بكل ممكن، ومن قال غير ذلك فهو مردود عليه، وأحد أقوال ~~الرد عليه قول من يقول: ms3571 فكيف سطوة السلطنة مع عدم قوته لرد هؤلاء الشرذمة ~~القليلة مع بغض العالم لهم، وضعفهم عن ملاقاة بعد العوام؟! فكيف أنت بهم ~~وقد ندب لهم طائفة من طوائف المماليك؟! ومثل هذا القول فكثير. وأيضا رضاه ~~بما فعله سنقر قرق شبق الزردكاش عند عمارته لمراكب الغزاة، لأن سنقر فعل ~~أفعإلا لا يرتضيها من له حظ في الإسلام، وكان يمكنه رده عن ذلك بكل طريق، ~~بل كان يخلع عليه في كل قليل، ويشكر أفعاله؛ فرضاه بفعل مماليكه الأجلاب، ~~وبفعل سنقر هذا وأشباه ذلك هو أعظم ذنوبه. وما ساء منه الناس وأبغضته ~~الخلائق وتمنوا زوال ملكه إلا هذا المعنى، ومعنى آخر وهو ليس بالقوي وهو ~~ثقل وطأة ولده وزوجته ومملوكه بردبك الدوادار. قلت: وإلاصح عندي هو الذنب ~~الأول. وأما هؤلاء فكان ثقلهم على مباشري الدولة أن على من يسعى عندهم في ~~وظيفة من ولاية أو عزل، أو أمر من الأمور، فعلى هذا كان ضررهم خصوصا لا ~~عموما، وأيضا لا يشمل ضررهم إلا لمن جاء إلى بابهم أو قصدهم في حاجة ~~دنيوية، فهو أحق بما يحل به، لأنه هو الساعي في إيذاء نفسه، والمثل يقول: " ~~من قتلته يديه لا بكاء عليه " . نعم وكان من مساوئه مخافة السبل في أيامه ~~بالقاهرة وإلارياف، حتى تجاوز الحد، وعمرت الناس على بيوتهم الدروب لعظم ~~خوفهم من دق المناسر وقطاع الطريق بإلارياف، مع أنه كان قاطعا للمفسدين، ~~غير أن الحمايات كانت كثيره فى أيامه، وهذا أكبر أسباب خراب الديار المصرية ~~وقراها، ومن يوم تجددت هذه الحمايات فسدت أحوال إلارياف قبليها وبحريها؛ ~~وهذا البلاء ما كثر وفشا فى الدولة إلا بعد الدولة المؤيدية شيخ، واستمرت ~~هذه السنة القبيحة إلى يومنا هذا. والعجب أنه ليس لها نفع على السلطان ولا ~~على بلاده، وإنما هي ضرر محض على السلطان والناس قاطبة، والملك لا يلتفت ~~إلى إزالتها، مع أنه لو منع ذلك لم يضر أحد من الناس، وانتفع الناس جميعا ~~بمنعها، وعمرت غالب البلاد، وتساوت الناس، وبالمساواة تعمر جميع الممالك، ~~غير أن الفهم ms3572 والعقل والتدبير منح إلاهية، فلا يفيد الكلام في ذلك، ولله در ~~القائل: الوافر لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي ونار لو ~~نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في الرماد وقد خرجنا عن المقصود. ولما ~~كثر فساد المماليك الأجلاب عمل بعض الظرفاء بليقا، ذكر فيه أفعال الأجلاب ~~ومساوئهم، واستطرد إلى أن قال في آخره: حاشا لله دوام هذي النقمه ... ونحن ~~أفضل برية من أمه نبينا ما حد مثلو أزاح عنا كيد الكفار ... وقد رمينا بيد ~~إلاشرار فكل حد ماسك ديلو متى يزيح عنا هذي الدوله ... ويحكم الناس من ~~لوصوله وترتاح البرية في عدلو فالله بجاه سيد عدنان ... عوض لنا منك بإحسان ~~هذا الجميل إنتا أهلو فوالله العظيم لم تمض عليه سنة بعد ذلك، بل ولا ستة ~~أشهرحتى مرض ومات. فهذا ما ذكرناه من محاسن الملك الأشرف إينال ومساوئه، ~~ونرجو الله تعالى أن يكون ذلك على الآنصاف لا على التحامل. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الأشرف إينال # PageV04P0422 # وهي سنة سبع وخمسين وثمانمائة. على أن الملك المنصور عثمان حكم منها إلى ~~ثامن شهر ربيع الأول. وفيها أعني سنة سبع وخمسين المذكورة توفي الشهابي ~~أحمد ابن الأمير فخر الدين عبد الغني بن عبد الرزاق بن أبي الفرج متولي ~~قطيا، في أوائل المحرم، وهو في الكهولية. وتوفي السلطان الملك الظاهر أبو ~~سعيد جقمق العلائي الظاهري في ليلة الثلاثاء، ثالث صفر، ودفن من يومه حسبما ~~تثدم ذكره في ترجمته مستوفاة في هذا الكتاب، فلتنظر في محله. وتوفي الأمير ~~اسنبغا بن عبد الله الناصري الطياري رأس نوبة النوب في ليلة السبت سادس شهر ~~ربيع الأول، في أيام الفتنة، وهو فى بيت الأمير قوصون، وعليه آلة السلاح، ~~شبه الفجاءة. وكانت مدة مرضه يوما واحدا، وصلى عليه الأتابك إينال العلائي ~~بدار قوصون المذكورة، وجميع الأمراء وعليهم آلة السلاح، ثم حمل ودفن من ~~يومه في الصحراء، ومات وهو في عشر الثمانين تخمينا، وكان من محاسن الدنيا ~~كرما وعقلا وشجاعة وتواضعا ومعرفة. كان كامل إلادوات، قل أن ms3573 ترى العيون ~~مثله رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير جانبك بن عبد الله اليشبكي والي ~~القاهرة، ثم الزردكاش، في ليلة الخميس ثامن عشر شهر ربيع الأول، وهو في ~~أوائل الكهولية، ودفن من الغد. وكان أصله من مماليك الأمير يشبك الجكمي ~~الأمير آخور، ثم اتصل بعد موته بخدمة السلطان، ثم صار خاصكيا في الدولة ~~الأشرفية برسباي، وصحب الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم ناظر الخواص، ~~فروجه في المملكة، حتى صار ساقيا في الدولة الظاهريه جقمق، ثم تأمر عشرة ~~بعد مده طويلة، وصار من جملة رؤوس النوب، ثم استقر والي القاهرة، ثم أضيف ~~إليه حسبة القاهرة في سنة أربع وخمسين، ثم انفصل من الحسبة، واستمر في ~~الولاية سنين كثيرة، إلى أن نقل إلى وظيفة الزردكاشية في الدولة المنصورية ~~عثمان، بعد انتقال الأمير لاجين الظاهري إلى شد الشراب خاناه، وتولى عوضه ~~ولاية القاهرة يشبك القرمي الظاهري، فلم تطل أيامه زردكاشا، ومات في أوائل ~~الدولة الأشرفية إينال، حسبما تقدم ذكره. وكان مليح الشكل متجملا، حسن ~~المحاضرة رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين أرنبغا اليونسي الناصري ~~أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية في ليلة الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الأول، ~~وسنه زيادة على السبعين، وأنعم السلطان بتقدمته على الأمير دولات باي ~~المحمودي الدوادار بعد مجيئه من السجن بمدة. وكان أرنبغا هذا تتري الجنس من ~~مماليك الملك الناصر فرج، وهو أخو سونجبغا الناصري، وأرنبغا هذا هو إلاكبر. ~~وتنقلت بأرنبغا هذا الأحوال إلى أن تأمر في دولة الملك الأشرف برسباي عشرة، ~~وصار من جملة رؤوس النوب، وطالت أيامه، وحج وجاور في مكة غير مرة، ثم نقل ~~في الدولة الظاهرية جقمق إلى إمرة طبلخاناه، ثم صار في آوائل دولة الأشرف ~~إينال أمير مائة ومقدم ألف، فلم تطل مدته، ومات في التاريخ المقدم ذكره. ~~وكان أميرا شجاعا مقداما عارفا بالحروب وأنواعها، إلا أنه كان مسرفا على ~~نفسه مع قلة تجمل في ملبسه ومماليكه وخدمه رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير ~~سيف الدين سمام الحسني الظاهري الحاجب الثاني، وأحد العشرات، في ms3574 ليلة ~~الاثنين سادس شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد، وسنه نيف على السبعين. وكان ~~رجلا ساكنا قليل الخير والشر، لا للسيف ولا للضيف. وتوفي الشيخ الإمام ~~المعتقد الواعظ أبو السيادات يحيى ابن الشيخ المعتقد الواعظ شهاب الدين ~~أحمد ابن الشيخ الإمام العارف بالله محمد وفاء، الشاذلي المالكي المعروف ~~بابن أبي الوفاء، في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر، ودفن بتربتهم ~~بالقرافة الصغرى. وكان جلس للوعظ والتذكير على عادتهم، وصار على وعظه أنس ~~وقبول من الناس إلى أن مات رحمه الله تعالى. وتوفي قاضي القضاة بدرالدين ~~محمد ابن القاضي ناصرالدين محمد ابن العلامة شرف الدين عبد المنعم البغدادي ~~الحنبلي، قاضي الديار المصرية ورئيسها، في ليلة الخميس سابع، جمادى الأولى، ~~ودفن من الغد، وحضر الخليفة القائم بأمر الله حمزة الصلاة عليه بصلاة باب ~~النصر، وذفن بالتربة الصوفية، وكانت جنازته مشهودة. كثرأسف الناس عليه، ~~لحسن سيرته ولعفته عما يرمى به قضاة السوء. ومات وهو في أوائل الكهولية. ~~وكان له اشتغال ومعرفة تامة بصناعة القضاء والشروط والأحكام، وأما سياسة ~~الناس ومحبته لأصحابه وكرمه PageV04P0423 # وسؤدده فكان إليه المنتهى في ذلك. وكان قامعا لشهود الزور والمناحيس. ~~وبالجملة فكان بوجوده نفع للمسلمين رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير الوزير ~~سيف الدين تغري بردي القلاوى الظاهرى قتيلا في واقعة كانت بينه وبين ~~سونجبغا الناصري؛ وهي واقعة عجيبة، لأنهما تماسكا على الفرسين، فقتل الواحد ~~الآخر، ثم قتل الآخر في الحال، كلاهما مات على فرسه، وذلك في يوم السبت ~~سادس عشر جمادى الأولى، وقد ذكرنا واقعتهما في تاريخنا " حوادث الدهور " ~~مفصلا، فلينظر هناك. وكانت نسبته بالقلاوي إلى ناحية قلا، لما كانت إقطاعا ~~لأستاذه الملك الظاهر جقمق لما كان أميرا، ولم يكن تغري بودي هذا مشكور ~~السيرة في ولايته عفا الله تعالى عنا وعنه. وتوفي الأمير سونجبغا اليونسي ~~الناصري ببلاد الصعيد في وقعته مع تغري بردي القلاوي في يوم واحد حسبما ~~تقدم ذكره، وسنه زيادة على الستين. وهو أخو أرنبغا المقدم ذكره، غير أن ~~أرنبغا كان مشهورا بالشجاعة وإلاقدام، وسونجبغا هذإلا شجاعة ms3575 ولا كرما. ~~وتوفي الشيخ عز الدين محمد الكتبي، المعروف بالعز التكروري، في يوم ~~الأربعاء سابع عشرين جمادى الأولى. وكان معدودا من بياض الناس، له حانوت ~~يبيع فيه الكتب بسوق الكتبيين، وكانت له فضيلة بحسب الحال. وتوفي الأمير ~~سيف الدين دولات باي المحمودي المؤيدي الدوادار كان، وهو أحد مقدمي الألوف، ~~في يوم السبت أول جمادى الآخرة، ودفن بالصحراء خارج القاهرة من يومه، وسنه ~~أزيد عن خمسين سنة. وكان جاركسي الجنس جلبه خواجا محمد إلى الإسكندرية، ~~فاشتراه منه نائبها الأمير آقبردي المنقار، وبلغ الملك المؤيد شيخا ذلك، ~~فبعث طلبه منه، فأرسله إليه، فأعتقه المؤيد أن كان آقبردي ما كان أعتقه ~~وجعله خاصكيا ثم ساقيا في أواخر دولته. فلما تسلطن الملك الأشرف برسباي ~~عزله عن السقاية. ودام خاصكيا دهرا طويلا، إلى أن صحب الأمير جانم الأشرفي ~~قريب الملك الأشرف برسباي، ثم صاهره فتحرك سعده بصهارة جانم المذكور. ~~ولازال جانم به إلى أن نفعه بأن توجه بتقليد نائب صفد وخلعته، بعد أن كان ~~خلص له إمرة عشرة من الملك الأشرف، مع بغض الأشرف في دولات باي هذا. فلما ~~أمسك جانم مع من أمسك من أمراء الأشرفية لم ينفعه دولات باي المذكور بكلمة ~~واحدة، هذا إن لم يكن حط عليه في الباطن، ولا استبعد أنا ذلك لقرائن دلت ~~على ذلك. ولما تسلطن الملك الظاهر جقمق استقر بدولات باي هذا أمير آخور ~~ثانيا، بعد مسك الأمير نخشباى الأشرفي وحبسه. ثم نقل دولات باي بعد أيام ~~إلى الدوادارية الثانية، بعد الأمير أسنبغا الطياري، بحكم انتقاله إلى إمرة ~~مائة وتقدمة ألف، كل ذلك في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. فباشر دولات باي ~~الدوادارية بحرمة وافرة، ونالته السعادة، وأثرى وجمع إلاموال الكثيرة، وعمر ~~إلاملاك الهائلة، إلى أن أنعم عليه السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف في صفر ~~سنة ثلاث وخمسين، بعد موت الأمير تمراز القرمشي الظاهري، فلم تطل أيامه في ~~التقدمة. وولي الدوادارية الكبرى بمال بذله، نحو العشرة إلاف دينار عوضا عن ~~قاني باي الجركسي، بحكم انتقاله إلى الأمير آخورية الكبرى، ms3576 بعد موت الأمير ~~قراخجا الحسني. ولما ولي الدوادارية الكبرى خمدت ريحه، وانحطت حرمته، ~~بالنسبة إلى ما كانت عليه أيام دواداريته الثانية؛ والسببية واضحة، وهي أنه ~~كان أولا مطلوبا، والآن صار طالبا. ثم سافر دولات باي أمير حاج المحمل بعد ~~مدة وكان وليها مرة أولى في سنة تسع وأربعين، فهذه المرة الثانية في سنة ست ~~وخمسين وعاد في سنة سبعه فكان إليه المنتهى في ذلك. وكان قامعا لشهود الزور ~~والمناحيس. وبالجملة فكان بوجوده نفع للمسلمين رحمه الله تعالى. وتوفي ~~الأمير الوزير سيف الدين تغري بردي القلاوى الظاهرى قتيلا في واقعة كانت ~~بينه وبين سونجبغا الناصري؛ وهي واقعة عجيبة، لأنهما تماسكا على الفرسين، ~~فقتل الواحد الآخر، ثم قتل الآخر في الحال، كلاهما مات على فرسه، وذلك في ~~يوم السبت سادس عشر جمادى الأولى، وقد ذكرنا واقعتهما في تاريخنا " حوادث ~~الدهور " مفصلا، فلينظر هناك. وكانت نسبته بالقلاوي إلى ناحية قلا، لما ~~كانت إقطاعا لأستاذه الملك الظاهر جقمق لما كان أميرا، ولم يكن تغري بودي ~~هذا مشكور السيرة في ولايته عفا الله تعالى عنا وعنه. وتوفي الأمير سونجبغا ~~اليونسي الناصري ببلاد الصعيد في وقعته مع تغري بردي القلاوي في يوم واحد ~~حسبما تقدم ذكره، وسنه زيادة على الستين. وهو أخو أرنبغا المقدم ذكره، غير ~~أن أرنبغا كان مشهورا بالشجاعة وإلاقدام، وسونجبغا هذإلا شجاعة ولا كرما. ~~وتوفي الشيخ عز الدين محمد الكتبي، المعروف بالعز التكروري، في يوم ~~الأربعاء سابع عشرين جمادى الأولى. وكان معدودا من بياض الناس، له حانوت ~~يبيع فيه الكتب بسوق الكتبيين، وكانت له فضيلة بحسب الحال. وتوفي الأمير ~~سيف الدين دولات باي المحمودي المؤيدي الدوادار كان، وهو أحد مقدمي الألوف، ~~في يوم السبت أول جمادى الآخرة، ودفن بالصحراء خارج القاهرة من يومه، وسنه ~~أزيد عن خمسين سنة. وكان جاركسي الجنس جلبه خواجا محمد إلى الإسكندرية، ~~فاشتراه منه نائبها الأمير آقبردي المنقار، وبلغ الملك المؤيد شيخا ذلك، ~~فبعث طلبه منه، فأرسله إليه، فأعتقه المؤيد أن كان آقبردي ما كان أعتقه ~~وجعله خاصكيا ثم ms3577 ساقيا في أواخر دولته. فلما تسلطن الملك الأشرف برسباي ~~عزله عن السقاية. ودام خاصكيا دهرا طويلا، إلى أن صحب الأمير جانم الأشرفي ~~قريب الملك الأشرف برسباي، ثم صاهره فتحرك سعده بصهارة جانم المذكور. ~~ولازال جانم به إلى أن نفعه بأن توجه بتقليد نائب صفد وخلعته، بعد أن كان ~~خلص له إمرة عشرة من الملك الأشرف، مع بغض الأشرف في دولات باي هذا. فلما ~~أمسك جانم مع من أمسك من أمراء الأشرفية لم ينفعه دولات باي المذكور بكلمة ~~واحدة، هذا إن لم يكن حط عليه في الباطن، ولا استبعد أنا ذلك لقرائن دلت ~~على ذلك. ولما تسلطن الملك الظاهر جقمق استقر بدولات باي هذا أمير آخور ~~ثانيا، بعد مسك الأمير نخشباى الأشرفي وحبسه. ثم نقل دولات باي بعد أيام ~~إلى الدوادارية الثانية، بعد الأمير أسنبغا الطياري، بحكم انتقاله إلى إمرة ~~مائة وتقدمة ألف، كل ذلك في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. فباشر دولات باي ~~الدوادارية بحرمة وافرة، ونالته السعادة، وأثرى وجمع إلاموال الكثيرة، وعمر ~~إلاملاك الهائلة، إلى أن أنعم عليه السلطان بإمرة مائة وتقدمة ألف في صفر ~~سنة ثلاث وخمسين، بعد موت الأمير تمراز القرمشي الظاهري، فلم تطل أيامه في ~~التقدمة. وولي الدوادارية الكبرى بمال بذله، نحو العشرة إلاف دينار عوضا عن ~~قاني باي الجركسي، بحكم انتقاله إلى الأمير آخورية الكبرى، بعد موت الأمير ~~قراخجا الحسني. ولما ولي الدوادارية الكبرى خمدت ريحه، وانحطت حرمته، ~~بالنسبة إلى ما كانت عليه أيام دواداريته الثانية؛ والسببية واضحة، وهي أنه ~~كان أولا مطلوبا، والآن صار طالبا. ثم سافر دولات باي أمير حاج المحمل بعد ~~مدة وكان وليها مرة أولى في سنة تسع وأربعين، فهذه المرة الثانية في سنة ست ~~وخمسين وعاد في سنة سبع PageV04P0424 # وخمسين، وقد خلع الملك الظاهر جقمق نفسه من الملك وسلطن ولده الملك ~~المنصور عثمان، فأقام في دولة المنصور دوادارا على حاله، وقد خاف من صلير ~~الصافر. فلم يكن بعد أيام إلا وقبض عليه في يوم الخميس ثاني عشر صفر من ~~السنة المذكورة، ms3578 وحمل إلى الإسكندرية، فحبس بها شهرا وأياما. وأطلقه الملك ~~الأشرف إينال، وأحضره إلى القاهرة، ثم أنعم عليه بعد مدة بإقطاع الأمير ~~أرنبغا اليونسي، فلم تطل أيامه إلا نحو الشهر، ومرض ومات في التاريخ المقدم ~~ذكره. ولقد قال لي بعض الحداق إن سبب موته إنما كانت طربة يوم أمسك، ودامت ~~الطربة إلى أن قتلته. قلت: وأنا لا أستبعد هذا، لما كان عنده من الجبن ~~والحدر، وعدم إلاقدام. على أنه كان مليح الشكل، متجملا في ملبسه ومركبه، ~~وقورا في الدول، إلا أنه لم يشهر بشجاعة ولا كرم في عمره. وتوفي الأمير سيف ~~الدين قانصوه بن عبد الله النوروزي أحد أمراء دمشق بها في أواخر جمادى ~~الأولى، وله من العمر نحو الستين سنة تخمينا. وكان أصله من مماليك الأمير ~~نوروز الحافظي نائب الشام، وصار خاصكيا بعد موته في الدولة المؤيدية شيخ، ~~ثم تأمر عشرة بعد موت المؤيد، ثم صار أمير طبلخاناه في دولة الظاهر ططر، ~~ودام على ذلك سنينا كثيرة إلى أن أخرجه الملك الأشرف برسباي إلى نيابة ~~طرسوس، ثم نقله إلى حجوبية حلب، ثم تقدمة ألف بدمشق. ثم خرج على الملك ~~الظاهر جقمق، ووافق الأمير إينال الجكمي على العصيان؛ فلما كسر الجكمي ~~اختفى قانصوه مدة، ثم ظهر وتنقل أيضا في عدة أماكن، وهو في جميع ما يتحرك ~~فيه مخمول الحركات إلى أن مات. وكان مليح الشكل، وعنده شجاعة ومعرفة برمي ~~النشاب، إلا أنه كان خاملا، ما أظنه ملك في عمره ألف دينار، ولولا الحياء ~~لقلت ولا سلاريا ثانيا، وفي هذا كفاية. وتوفي الأمير سيف الدين قشتم بن عبد ~~الله المحمودي الناصري نائب البحيرة قتيلا في واقعة كانت بينه وبين العربان ~~الخارجة عن الطاعة في أواخر شهر رجب، وقد ناهز الستين من العمر. وكان أميرا ~~جليلا عاقلا حشما وقورا شجاعا مقداما كريما متواضعا مليح الشكل، وهو ممن ~~جمع بين الشجاعة والكرم والتواضع رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين ~~بيغوت بن عبد الله من صفر خجا المؤيدي الأعرج نائب صفد بها في أواخر ms3579 شعبان، ~~وقد جاوز الستين. وكان أصله من مماليك المؤيد شيخ في أيام إمرته، وصار ~~خاصكيا بعد موته، إلى أن نفاه الملك الأشرف برسباي إلى الشام، ثم أنعم عليه ~~بإمرة طبلخاناه بدمشق، ثم ولي نيابة حمص في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق ~~مدة، ثم نقل إلى نيابة صفد دفعة واحدة، بعد الأمير قاني باي الأبوبكري ~~الناصري البهلوان، بحكم توجهه إلى نيابة حماة، ثم نقل بيغوت هذا إلى نيابة ~~حماة، ووقع له مع أهل حماة أمور وشكاو آلت إلى تسحبه من حماة وتوجهه إلى ~~ديار بكر، بعد أن امسك ولده إبراهيم بالقاهرة وحبس. ووقع له أيضا بديار بكر ~~أمور ومحن، وأمسك وحبس بقلعة الرها، ثم أطلق وعاد طائعا إلى السلطان الملك ~~الظاهر جقمق، وقدم القاهرة، ثم عاد إلى دمشق بطالا، إلى أن أنعم عليه بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف بها، بعد موت الأمير بردبك العجمي PageV04P0425 # الجكمي، فدام على ذلك إلى أن نقله الظاهر إلى نيابة صفد ثانيا، بعد موت ~~يشبك الحمزاوي، فدام بصفد إلى أن مات رحمه الله في التاريخ المقدم ذكره. ~~وكان رجلا دينا مشهورا بالشجاعة وإلاقدام، وقورا في الدول. وتولى نيابة صفد ~~بعده إياس المحمدي الناصري الطويل. وتوفي الشيخ المعتقد الصالح درويش وقيل ~~محمد، وقيل غيبي الرومي، بظاهر خانقاه سرياقوس، في يوم الاثنين ثالث ذي ~~القعدة، ودفن شرقي الخانفاه المذكورة. وكان أصله من آقصراي ، وكان مليح ~~الشكل، منور الشيبة، لا يدخر شيئا وحج غير مرة من غير زاد ولا راحلة، وهو ~~أحد من أدركناه من الفقهاء الصلحاء رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف ~~الدين حطط بن عبد الله الناصري أتابك طرابلس بها في أوائل ذي الحجة، وكان ~~ولي نيابة قلعة حلب، ثم نيابة غزة، كل ذلك بالبذل، فإنه كان لا للسيف ولا ~~للضيف. وتوفي الأمير سيف الدين علي باي من طراباي العجمي المؤيدي أتابك حلب ~~بها في أواخر ذي الحجة، وهو في عشر الستين. وكان أصله من مماليك المؤيد ~~شيخ، وبقي خاصكيا أيام المؤيد، ودام خاصكيا عدة دول إلى أن أنعم ms3580 عليه الملك ~~الظاهر جقمق في أوائل دولته بإمرة عشرة، وجعله من جملة رؤوس النوب، وصار له ~~كلمة في الدولة، وتوجه في الرسلية من السلطان إلى أصبهان بن قرا يوسف صاحب ~~بغداد، ثم بعد عوده إلى القاهرة بمدة نفاه الملك الظاهر إلى حلب على إمرة ~~مائة وتقدمة ألف، ثم نقل على أتابكية حلب بعد سودون الأبوبكري المؤيدي لما ~~ولي نيابة حماة، فدام علي باي على ذلك إلى أن توفي. وكان مليح الشكل، فصيح ~~العبارة، عارفا بأنواع الفروسية، كريما جوادا، إلا أنه كان مجازفا كذوبا ~~مسرفا على نفسه عفا الله عنه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم أعني ~~القاعدة ثمانية أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا واثنان ~~وعشرون إصبعا. ؟؟؟ ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الأشرف إينال # PageV04P0426 # وهي سنة ثمان وخمسين وثمانمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين يلبغا بن عبد ~~الله الجاركسي، أحد أمراء الطبلخانات بطالا بعد مرض طويل في يوم السبت رابع ~~شهر ربيع الآخر. وكان تركي الجنس، أصله من مماليك جاركس القاسمي المصارع، ~~ثم صار بعد موت أستاذه خاصكيا، ودام على ذلك سنين طويلة لا يلتفت إليه في ~~الدولة، وقد شاخ وصار يخضب لحيته بالسواد، إلى أن تحرك سعده وسعد خجداشه ~~قاني باي الجاركسي بسلطنة الملك الظاهر جقمق، فإنه كان أخا جاركس أستاذ ~~هؤلاء المخاميل. فلما تسلطن جقمق أمر يلبغا هذا إمرة عشرة، وجعله رأس نوبة ~~لولده المقام الناصري محمد، ثم ولاه نيابة دمياط، ثم عزله وجعله أمير ~~طبلخاناه، فدام على ذلك إلى أن أخرج الملك الأشرف إينال إقطاعه فنعم ما فعل ~~فاستمر بطالا إلى أن مات كما تقدم ذكره. وكان من مساوىء الدهر رحمه الله ~~تعالى. وتوفي القاضي ناصر الدين محمد ابن قاضي القضاة فخر الدين أحمد بن ~~عبد الله الشهير بابن المخلطة، أحد أعيان فقهاء المالكية ونواب الحكم، ~~وناظر البيمارستان المنصوري، في يوم الأحد تاسع عشرين شهر ربيع الآخر. وكان ~~فقيها عالما بمذهبه، عارفا بصناعة القضاء والشروط والأحكام، ناب في الحكم ~~من سنة سبع عشرة وثمانمائة ms3581 إلى أن مات، وحمدت سيرته رحمه الله تعالى. وتوفي ~~المقام الغرسي خليل ابن السلطان الملك الناصر فرج ابن السلطان الملك الظاهر ~~برقوق ابن الأمير آنص الجاركسي الأصل، بثغر دمياط في يوم الثلاثاء ثاني عشر ~~جمادى الأولى. ومولده بقلعة الجبل في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وأمه أم ولد ~~تسمى " لا أفلح من ظلم " مولدة، وبقي بقلعة الجبل إلى أن أخرجه الملك ~~المؤيد شيخ مع أخيه محمد ابن الناصر فرج إلى الإسكندرية فحبسا بها إلى أن ~~سألت عمتهما خوند زينب بنت الملك الظاهر برقوق زوجها الملك المؤيد شيخا في ~~إحضارهما من الإسكندرية إلى قلعة الجبل لتختنهما فحضرا إلى الديار المصرية، ~~وختنا بقلعة الجبل، ثم أعيدا إلى الإسكندرية، وداما بها بسجنها إلى أن مات ~~أخوه محمد في طادون سنة ثلاث وثلاثين، فأخرج خليل هذا من السجن، ورسم له ~~بأن يسكن حيث شاء بثغر إلاسكندريه، وأن يركب لصلاة الجمعة لا غير، فبقي على ~~ذلك إلى أن رسم له الملك الظاهر جقمق بعد أن تاهل بكريمتي أن يركب إلى جهة ~~باب البحر، ويسير، ثم أذن له بعد ذلك بالحج. وقدم القاهرة في شوال سنة ست ~~وخمسين، وحج في موسم السنة المذكورة، ثم عاد وقد خلع الملك الظاهر نفسه، ~~وتسلطن ولده الملك المنصور عثمان، فرسم له المنصور في يوم دخوله من الحج ~~بالتوجه إلى الإسكندرية، فطلب هو دمياط، فرسم له بها. وخرج إليها من يومه ~~قبل أن يحل عن أحماله، فلم تطل مدته بثغر دمياط ومات في التاريخ المذكور، ~~ودفن بدمياط أياما، ثم نقل إلى بولاق. ثم نقل إلى القاهره، وذفن عند جده ~~الملك الظاهر برقوق بالصحراء. وكان في نفسه أمور توفاه الله قبل أن ينالها، ~~وأنا أعرف بحاله من غيري، غير أنني لا أشكر ولا أذم، وفي هذا كفاية. وتوفي ~~القاضي شمس الدين محمد بن عامر قاضي قضاة المالكية بصفد، في أوائل جمادى ~~الآخرة. وكان معدودا من فقهاء المالكية، وناب في الحكم بالقاهرة سنين ~~كثيرة، وولي قضاء الإسكندرية غير مرة رحمه الله تعالى. وتوفي الشريف ms3582 معزى ~~بن هجاربن وبير أمير الينبع في أواخر جمادى الآخرة، وتولى بعده ابن أخيه ~~مقبل. وتوفي الأمير جانبك بن عبد الله الزيني عبد الباسط بالقاهرة في يوم ~~الأربعاء لعشر بقين من شهر رجب. وكان من مماليك الزيني عبد الباسط بن خليل، ~~وولي الأستادارية في أيام أستاذه حسا، ومعناه أستاذه. ولولا أنه في الجملة ~~ولي إلاستادراية لما ذكرناه في هذا المحل. وتوفي قاضي القضاة الحنابلة ~~بحلب، مجد الدين سالم بن سلامة الحنبلي خنقا بقلعة حلب ب حكم الشرع في ~~الظاهر، لكونه قتل رجلا بيده ممن اتهم بالزندقة، والقتل من قبل الحكم رحمه ~~الله تعالى. وتوفي الأمير سليمان بن ناصر الدين بك بن دلغادر نائب أبلستين ~~بها في باكر يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان، وتولى أبلستين بعده ابنه ملك ~~أصلان. وتوفي الأمير سودون بن عبد الله الجكمي، أحد أمراء العشرات، بطالا ~~بالقاهرة في يوم السبت رابع ذي القعدة. وهو أخو إينال الجكمي نائب الشام؛ ~~وهو إلاصغر، وبسببه تخومل حتى مات، وكان من أعيان الدولة، وممن له ذكر ~~وسمعة رحمه PageV04P0427 # الله تعالى. وتوفي قاضي القضاة الحنفية بدمشق قوام الدين محمد بن قوام ~~الدمشقي المولد والوفاة، الحنفي المذهب، بدمشق في ثامن ذي القعدة. ومولده ~~في ثامن ذي العقدة سنة ثمانمائة. وكان فقيها فاضلا دينا خيرا مشكور السيرة، ~~وهو من القضاة الذين ولوا من غير بذل، ومات غير قاض رحمه الله. وتوفي ~~المعلم ناصر الدين محمد الصغير القازاني، المعروف بمحمد الصغير، معلم رمي ~~النشاب، في ليلة الجمعة ثالث عشرين ذي الحجة، وقد زاد سنه على الثمانين. ~~ومات ولم يخلف بعده مثله في حسن الرمي وتعليمه وعلومه. وهو أحد إلافراد ~~الذين أدركناهم من أرباب الكمإلات رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ~~ذراعا وأحد عشر إصبعا.ه تعالى. وتوفي قاضي القضاة الحنفية بدمشق قوام الدين ~~محمد بن قوام الدمشقي المولد والوفاة، الحنفي المذهب، بدمشق في ثامن ذي ~~القعدة. ومولده في ثامن ذي العقدة سنة ثمانمائة. ms3583 وكان فقيها فاضلا دينا ~~خيرا مشكور السيرة، وهو من القضاة الذين ولوا من غير بذل، ومات غير قاض ~~رحمه الله. وتوفي المعلم ناصر الدين محمد الصغير القازاني، المعروف بمحمد ~~الصغير، معلم رمي النشاب، في ليلة الجمعة ثالث عشرين ذي الحجة، وقد زاد سنه ~~على الثمانين. ومات ولم يخلف بعده مثله في حسن الرمي وتعليمه وعلومه. وهو ~~أحد إلافراد الذين أدركناهم من أرباب الكمإلات رحمه الله تعالى. أمر النيل ~~في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة ~~عشر ذراعا وأحد عشر إصبعا. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الأشرف إينال # PageV04P0428 # وهي سنة تسع وخمسين وثمانمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين مغلباي بن عبد ~~الله الشهابي، أحد أمراء العشرات، بطالا بالقاهرة، في ليلة الخميس عاشر ~~المحرم. وكان أصله من مماليك الشهابي أحمد بن جمال الدين الأستادار، ثم ~~أعتقه الملك الناصر فرج، ثم صار خاصكيا في الدولة الأشرفية برسباي، ثم تأمر ~~في دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من حزب ولد الملك المنصور في الفتنة مع ~~الأشرف إينال، فأخرج إينال إقطاعه بهذا المقتضى ودام بطالا إلى أن مات. ~~وكان عاقلا ساكنا لا بأس به رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين جلبان ~~بن عبد الله الأمير آخور نائب الشام بها في يوم الثلاثاء سادس عشر صفر، وقد ~~ناهز الثمانين من العمر تخمينا. وفي معتقه وجنسه أقوال كثيرة؛ أما معتقه ~~فقيل إنه من عتقاء الأمير تنبك الأمير آخور الظاهري، وقيل سودون طاز، وقيل ~~إينال حطب، وأما جنسه فالمشهور أنه جاركسي الجنس، وقيل غير ذلك. ثم خدم ~~جلبان المذكور عند الأمير جاركس القاسمي المصارع، ثم عند الوالد، ثم عند ~~الملك المؤيد شيخ أيام إمرته، فلما تسلطن المؤيد جعله أمير آخور ثالثا، ثم ~~أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية. ثم خرج إلى البلاد ~~الشامية مجردا إليها مع من خرج من الأمراء، صحبة الأتابك الطنبغا القرمشي، ~~وقبض عليه مع من قبض عليه من الأمراء المؤيدية، وحبس بالبلاد الشامية إلى ~~أن أطلقه الملك ms3584 الأشرف برسباي، وجعله أمير مائة ومقدم ألف بدمشق. ثم نقله ~~إلى نيابة حماة بعد الأمير جارقطلوا بحكم انتقاله إلى نيابة حلب بعد الأمير ~~تنبك البجاسي المنتقل إلى نيابة الشام، بعد موت الأمير تنبك ميق العلائي، ~~في رجب سنة ست وثلاثين وثمانمائة. ودام جلبان على نيابة حماة سنين كثيرة ~~إلى أن نقله الملك الأشرف برسباي إلى نيابة طرابلس بعد موت الأمير طرباي في ~~شعبان سنة ثمان وثلانين وثمانمائة، وتولى بعده الأمير قاني باي الحمزاوي. ~~ثم نقله الملك الظاهر جقمق إلى نيابة حلب بعد عصيان الأمير تغري برمش ~~التركماني في سلخ شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وتولى بعده ~~طرابلس قاني باي الحمزاوي أيضا، فلم تطل مئة جلبان بحلب، ونقل إلى نيابة ~~دمشق بعد موت الأتابك آقبغا التمرازي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين، ~~وتولى بعده حلب الأمير قاني باي الحمزاوي، فدام في نيابة دمشق عدة سنين إلى ~~أن مات في التاريخ المذكور، وتولى بعده نيابة دمشق قاني باي الحمزاوي. ~~وكانت مدة نيابته على دمشق خمس عشرة سنة؛ وهذا شيء لم يقع لغيره من نواب ~~دمشق بعد الأمير تنكز الناصري. وفي ترجمته غريبة أخرى، وهي أنه لم ينتقل من ~~نيابة إلى الآخرى في هذه المدة التي تزيد على ثلاثين سنة إلا ويستقر بعده ~~قاني باي الحمزاوي. ومع أن قاني باي الحمزاوي لم تطل مدته في الولايات، ~~وحضر إلى الديار المصرية أميرا، وأقام بها سنين، ثم عاد إلى نيابة حلب بعد ~~أن وليها غير واحد بعده، فلما تولى قاني باي الحمزاوي حلب ثانيا مات جلبان ~~هذا بعد مدة، فنقل قاني باي إلى نيابة دمشق بعده على العادة، فهذا اتفاق ~~غريب لعله لم يقع لغيرهما في هذه السنين الطويلة والولايات الكثيرة. وكان ~~خلبان المذكور من أجل الملوك، طالت أيامه في السعادة، وتنقل في ولايات ~~جليلة، إلى أن مات رحمه الله تعالى. وتوفي الصاحب أمين الدين إبراهيم ابن ~~الرئيس مجد الدين عبد الغني بن الهيضم بطالا في ليلة الخميس مستهل شهر ربيع ~~الآخر، وقد ms3585 قارب الستين من العمر. وكان معدودا من رؤساء الديار المصرية، من ~~بيت رئاسة وكتابة؛ وجدهم الهيصم ينسب إلى المقوقس صاحب مصر. وقد ولي الصاحب ~~أمين الدين هذا الوزر غير مرة، وحج وتفقه على مذهب الحنفية، وكان محبا ~~للفقراء وأهل الخير محبة زائدة، وكان مشهورا بالصلاح، وكان يتجنب النصارى، ~~ولا يتزوج إلا من المسلمات، وبالجملة فإنه نادرة في أبناء جنسه، وله محاسن ~~كثيرة رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير يشبك بن عبد الله الناصري أحد أمراء ~~الطبلخانات ورأس نوبة PageV04P0429 # ثان، في يوم الأحد ثامن عشر صفر، وقد ناهز السبعين. وكان من مماليك ~~الناصر فرج، وخدم في أبواب الأمراء بعد موت أستاذه، وانحط قدره إلى أن عاد ~~إلى خدمة السلطان بعد موت الملك المؤيد شيخ، وصار خاصكيا إلى أن تأمر عشرة ~~في أوائل سلطنة الملك الظاهر جقمق، وصار من جملة رؤوس النوب. ودام على ذلك ~~إلى أن نقله الملك المنصور عثمان إلى إمرة طبلخاناه، بعد انتقال جانبك ~~القرماني إلى طبلخاناه الأمير يونس إلاقبائي المشد بحكم انتقال يونس إلى ~~تقدمة ألف، ثم صار في دولة الملك الأشرف إينال ثاني رأس نوبة النوب، فدام ~~على ذلك إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. وكان يشبك المذكور من مساوىء ~~الدهر، لا دنيا ولا دينا، ولا ذاتا ولا أدوات عفا الله عنا وعنه. وتوفي ~~الأمير سيف الدين خيربك بن عبد الله المؤيدي إلاجرود، أحد مقدمي الألوف ~~بالديار المصرية، في يوم الاثنين تاسع عشرين شهر ربيع الآخر، وهو في حدود ~~الستين، وحضر المقام الشهابي أحمد ابن السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني. ~~وكان أصله من مماليك الملك المؤيد شيخ، وترقى بعده حتى صار خاصكيا في دولة ~~الملك الأشرف برسباي. ثم نفاه الأشرف إلى الشام، وأنعم عليه بإمرة ~~طبلخاناه. ثم صار أمير مائة ومقدم ألف بدمشق. ثم صار أتابكا بها. ثم مسك ~~وحبس إلى أن أطلقه الأشرف إينال، فقدم القاهرة. ثم صار أمير مائة ومقدم ألف ~~بها إلى أن مات، واستريح منه، لأنه كان أيضا من مقولة يشبك المقدم ذكره، ms3586 بل ~~يزيده سوء الخلق والجنون. وتوفي شاعر العصر الشيخ شمس الدين محمد بن حسن بن ~~علي بن عثمان الشافعي الفقيه النواجي، الشاعر المشهور، في يوم الأربعاء ~~سادس عشرين جمادى الأولى. ومولده بالقاهرة في سنة ثماني وثمانين وسبعمائة، ~~وأصله من نواج قرية بالغربية، من عمل الوجه البحري من القاهرة ونشأ ~~بالقاهرة، وقرأ واشتغل إلى أن مهر وبرع في عدة علوم وفنون، وغلب عليه نظم ~~القريض، حتى قال منه أحسنه، وأنشدني كثيرا من شعره؛ ومما أنشدني من لفظه ~~لنفسه رحمه الله تعالى قوله: الوافر طبت وصاله، فدنا لحربي ... يهز من ~~القوام اللدن رمحا وسل من اللواحظ مشر فيا ... ليضرب، قلت: لا بالله صفحا ~~ومما أنشدني لنفسه أيضا: الطويل خليلي هذا ربع عزة، فاسعيا ... إليه وإن ~~سالت به أدمعي طوفان فجفني جفا طيب المنام وجفنها ... جفاني، فيا لله من ~~شرك إلاجفان PageV04P0430 # وقد استوعبنا من لفظه وشعره قطعة جيدة في ترجمته في تاريخنا " المنهل ~~الصافي والمستوفى بعد الوافي " ، وأيضا في تاريخنا " حوادث الدهور في مدى ~~الأيام والشهور " إذ هما محل إلاطناب انتهى. وتوفي الشيخ المعتقد المجذوب ~~محمد المغربي في صبيحة يوم الجمعة جامس جمادى الآخرة، ودفن من يومه قبل ~~صلاة الجمعة بتربة السلطان الملك الأشرف إينال التي أنشأها بالصحراء. وكان ~~يجلس داخل باب النصر على باب قاعة البغادة تحت الساباط، تجاه الربع المعروف ~~قديما بدار الجاولي، بالقرب من باب جامع الحاكم. وأقام بالموضع سنين كثيرة، ~~لا يقوم منه صيفا ولا شتاء وهو جالس على مكان عال، وتحته حجارة، وتأتيه ~~الناس بالمأكل والمشرب، ولهم فيه اعتقاد حسن. وكنت أزوره من بعد، خوفا مما ~~كان حوله من النجاسة. وكانت جذبته مطبقة. والغريب أنه وجد له بعد موته في ~~المكان الذي كان يجلس عليه جملة كبيرة من الذهب والفضة؛ وهذا من الغريب ~~العجيب، فإنه لم يكن في " جذبته شك، فكيف يهتدي لجمع المال؟!. وأنا أقول ~~شيئا، وهو أن المغاربة في الغالب يميلون لجمع المال، فلعله كان هو أيضا ~~يميل لجمع المال بالطبع على قاعدة المغاربة، والله أعلم. ms3587 وتوفي القاضي ~~الرئيس صلاح الدين محمد المعروف بابن السابق الحموي الشافعي، كاتب سر حلب ~~ثم دمشق، وبها مات بطالا بعد مرض طويل في يوم الأحد ثامن عشرين جمادى ~~الآخرة عن أربع وثمانين سنة. ومولده بحماة، وبها نشأ، وتنقل لعدة وظائف ~~سنية. وكان مشكور السيرة في ولايته مع الدين والتقوى والأدب والحشمة ~~والرياسة رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي محب الدين محمد ابن الشيخ الإمام ~~زين الدين أبي بكر القمني الشافعي، في يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب رحمه ~~الله. وتوفيت خوند شاه زاده بنت الأمير أرخن بك بن محمد بك كرشجي بن يلدرم ~~بايزيد بن عثمان ملك الروم. وكانت قدمت مع أخيها سليمان من بلاد الروم ~~PageV04P0431 # هربا من مراد بك بن عثمان فلما كبرت تزوجت الملك الأشرف برسباي، ثم ~~تزوجها بعده المحلك الظاهر جقمق، ثم تزوجها بعده الأمير برسباي البجاسي، ~~فماتت تحته رحمها الله تعالى. وتوفي السيد الشريف زين الدين أبو زهير بركات ~~بن حسن بن عجلان بن رميثة بن أبي نمي محمد بن أبي سعيد حسن بن علي بن أبي ~~غرير قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن ~~علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله المحض بن موسى بن الحسن بن ~~علي بن أبي طالب المكي الحسني أمير مكة في بطن مر خارج مكة، في يوم الاثنين ~~تاسع شعبان، وحمل إلى مكة فصلي عليه بالحرم، وطيف به على النعش أسبوعا على ~~عادة أشراف مكة، ودفن بالمعلاة وولي إمرة مكة بعده ابنه الشريف محمد. وكان ~~مولد بركات بمكة سنة إحدى وثمانمائة، وأمه أم كامب بنت النصيح من ذوي عمر. ~~وولي إمرة مكة شريكا لأبيه وأخيه أحمد سنة عشر وثمانمائة، ثم استقل بإمرة ~~مكة في سنة تسع وعشرين من قبل الملك الأشرف برسباي، فدام على إمرة مكة إلى ~~أن عزله الملك الظاهر جقمق بأخيه علي بن حسن في سنة خمس وأربعين. وخرج ~~بركات هذا إلى البر من جهة اليمن، ووقع ms3588 له أمور ذكرناها في " الحوادث " ، ~~ثم عزل علي عن إمرة مكة بأخيه أبي القاسم بن حسن بن عجلان كل ذلك وبركات ~~مخرج إلى أن قدم بركات الديار المصرية، وولاه الملك الظاهر جقمق إمرة مكة ~~على عادته. وكان لقدومه القاهرة يوم مشهود، وأقام بالقاهرة مدة ثم عاد إلى ~~مكة، فدام بها إلى أن مات فى التاريخ المذكور. وكان رجلا عاقلا ساكنا شجاعا ~~مشكور السيرة، أهلا للإمرة إن لم يكن زيديا على عادة أشراف مكة رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الشمسي المؤيدي أحد أمراء ~~دمشق، في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة. وكان أصله من مماليك المؤيد ~~شيخ، اشتراه قبل سلطنته وأعتقه، وصار بعد موت أستاذه من جملة أمراء طرابلس، ~~ثم نقل إلى حجوبية حجاب حلب، ثم عزل، وصار من أمراء الطبلخانات بدمشق إلى ~~أن مات. وتوفي الشيخ الإمام العالم العلامة محب الدين محمد ابن العلامة ~~زادة واسم زادة أحمد بن أبي يزيد محمد السيرامي الحنفي المصري سبط ~~إلاقصرائي المعروف بابن مولانا زادة، إمام السلطان، وشيخ المدرسة إلايتمشية ~~بمكة المشرفة، في يوم الجمعة ثالث ذي الحجة. ومولده بالقاهرة في سنة إحدى ~~وتسعين وسبعمائة هكذا ذكر لي، وكتب بخطه. قلت: ونشأ بالقاهرة، وقرأ القرآن ~~الكريم وعدة مختصرات في فنون كثيرة، وتفقه بجماعة من علماء عصره، مثل الشيخ ~~عزالدين بن جماعة وغيره، ذكرنا غالبهم في تاريخنا " الحوادث " ، وبرع في ~~عدة علوم، وأفتى ودرس، وتولى الوظائف الدينية، ثم ولي وظيفة إمام السلطان ~~الملك الأشرف برسباي، فدام على ذلك مدة سنين. وأم بعدة ملوك إلى أن رغب هو ~~عن ذلك وتركه، وقعد بداره ملازما إلاشغال وإلاشتغال إلى أن قصد المجاورة في ~~هذه السنة بمكة المشرفة، وكانت منيته بها بمرض البطن رحمه الله تعالى. وهو ~~ابن أخت العلامة فريد عصره أمين الدين إلاقصرائي الحنفي. وتوفي الأمير سيف ~~الدين آقبردي بن عبد الله الساقي الظاهري نائب ملطية بها في يوم الخميس ~~خامس عشري ذي الحجة، وحمل من ملطية إلى حلب، ودفن ms3589 بتربته التي عمرها، ومات ~~وله من العمر نحو ثلاثين سنة. وأصله من مماليك الملك الظاهر جقمق الصغار، ~~وصار ساقيا في أيامه، ثم نائب قلعة حلب دفعة واحدة، فدام على ذلك إلى أن ~~نقله الملك الأشرف إينال إلى أتابكية حلب في سنة ثمان وخمسين، ثم نقل إلى ~~نيابة ملطية، فمات بها في التاريخ المقدم ذكره. وكان لا بأس به، ولم تطل ~~أيامه لتشكر أفعاله أو تذم رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم سبعة أذرع وخمسة أصابع. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا. ؟؟ ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الأشرف إينال # PageV04P0432 # وهي سنة ستين وثمانمائة. فيها توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن ~~علي المحلي الشافعي قاضي الإسكندرية بقرية إدكو بالمزاحمتين في ليلة ~~الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن برشيد، وهو في عشر السبعين. وكان ~~كثير المال قليل العلم رحمه الله. وتوفي القاضي ظهير الدين محمد ابن قاضي ~~القضاة أمين الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أبي بكر ~~الطرابلسي الحنفي أحد نواب الحكم بمصر معزولا بعد مرض طويل، في يوم الجمعة ~~سادس عشرين شعبان، ودفن من الغد. وكان مشكور السيرة فى أحكامه، محبا ~~لأصحابه رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير أسنباي بن عبد الله الجمالي الظاهري ~~الدوادار الثاني كان، بطالا بالقدس في شعبان، وسنه دون الأربعين. وكان ~~الملك الظاهر جقمق اشتراه فى أيام سلطنته، وجعله خاصكيا، ثم سلاحدارا، ثم ~~ساقيا، ثم أمره عشرة، ثم صار في الدولة المنصورية عثمان دوادارا ثانيا عوضا ~~عن تمربغا الظاهري، فلم تطل مدته غير أيام، ووقعت الفتنة بين المنصور وبين ~~الأتابك إينال، وهرب أسنباي واختفى، ثم ظهر ورسم له بالتوجه إلى القدس، ~~فدام بالقدس بطالا إلى أن مات. وهو من مقولة آقبردي المقدم ذكره رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الأمير قاني باي بن عبد الله الناصري إلاعمش نائب قلعة الجبل ~~بها في ليلة الخميس سابع عشري ذي القعدة، وعمره زيادة على الستين. وكان ~~أصله من مماليك الناصر فرج، وصار ms3590 خاصكيا بعد موت المؤيد شيخ، ثم تأمر عشرة ~~في دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من جملة رؤوس النوب، إلى أن ولاه الملك ~~الأشرف إينال نيابة القلعة بعد توجه يونس العلائي الناصري إلى نيابة ~~الإسكندرية في شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين، فدام في نيابة القلعة إلى أن ~~مات في التاريخ لمذكور. وكان من المهملين المرزوقين. و وتوفي الأمير سيف ~~الدين جانبك بن عبد الله المحمودي المؤيدي، أحد أمراء طرابلس بها في أواخر ~~ذي القعدة وقد قارب الستين من العمر. وهو أخو قاني بك المحمودي المؤيدي. ~~كان من عتقاء الملك المؤيد شيخ، وصار خاصكيا في دولة المظفر أحمد أو في ~~دولة الظاهر ططر، ثم تأمر عشرة في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من ~~جملة رؤوس النوب، وبقي له كلمة في الدولة، وزادت حرمته إلى أن كان منها ~~زوال نعمته. وأمسك وحبس بقلعة الجبل، ثم أخرج أميرا بحلب، ثم حبس أيضا بحلب ~~ثانيا مدة، ثم اطلق وأعطي إمرة طبلخاناه بطرابلس، فدام بطرابلس إلى أن مات. ~~وأحواله وأخلاقه مشهورة لا حاجة لنا في ذكر شيء من ذلك عفا الله عنا وعنه. ~~وفي هذه السنة زالت دولة بني رسول ملوك اليمن من اليمن بعد ما حكموا ممالك ~~اليمن نحوا من مائتين وثلاثين سنة؛ وقد ذكرنا أسماء جميع ملوك اليمن منهم ~~في كتابنا حوادث الدهور، من أولهم الملك المنصور أبي الفتح عمر بن علي بن ~~رسول إلى آخر من ملك منهم، وهو الملك المسعود بن إسماعيل. وقد ملك اليمن ~~جميعه الآن شخص من العرب يسمى عبد الوهاب بن داود بن طاهر، واستوثق أمره ~~بها. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع وستة عشر إصبعا. مبلغ ~~الزيادة تسعة عشر ذراعا واثنا عشر إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الأشرف إينال # وهي سنة إحدى وستين وثمانمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين جانم بن عبد ~~الله المؤيدي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة في يوم الخميس رابع المحرم، وقد ~~جاوز السبعين من العمر. وكان أصله من ms3591 مماليك الملك المؤيد شيخ قبل سلطنته، ~~وصار رأس نوبة السقاة بعد موت أستاذه المؤيد، ثم تأمر عشرة في دولة الملك ~~الأشرف إينال، ثم صار من جملة رؤوس النوب، فدام على ذلك إلى أن مات. وكان ~~هينا لينا حشما رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين جرباش بن عبد الله ~~الكريمي الظاهري أمير سلاح بطالا بداره بسويقة الصاحب داخل القاهرة في ليلة ~~السبت ثالث عشر المحرم، وقد شاخ وكبر سنه حتى عجز عن الحركة إلا بعسر، ودفن ~~بتربته التي أنشأها بالصحراء. وكان يعرف بقاشق، وكان أصله من مماليك الظاهر ~~برقوق، أعتقه قبل واقعة الناصري ومنطاش في سلطنته الأولى هكذا ذكر لي من ~~لفظه ثم صار سلاحدارا في دولة الناصر فرج، ثم أمير عشرة ورأس نوبة، ثم صار ~~أمير طبلخاناه PageV04P0433 # في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم أمير مائة ومقدم ألف، ثم صار في دولة ~~الأشرف حاجب الحجاب بالديار المصرية، بعد انتقال الأمير جقمق العلائي إلى ~~الأمير آخورية الكبرى، بعد توجه قصروه من تمراز إلى نيابة طرابلس، بعد عزل ~~إينال النوروزي وقدومه إلى القاهرة أمير مائة ومقدم ألف، كل ذلك في سنة ست ~~وعشرين وثمانمائة. ثم نقله الأشرف إلى إمرة مجلس في يوم الاثنين خامس عشر ~~شوال سنة تسع وعشرين، عوضا عن الأمير إينال الجكمي، وقد انتقل الجكمي إلى ~~إمرة سلاح بعد انتقال الأتابك يشبك الساقي الأعرج إلى أتابكية العساكر، بعد ~~موت الأتابك قجق، واستقر الأمير قرقماس الشعباني حاجب الحجاب بعد موت جرباش ~~هذا. ثم ولي جرباش هذا نيابة طرابلس، بعد انتقال قصروه إلى نيابة حلب، بعد ~~عزل الأمير جارقطلو وقدومه إلى مصر أمير مائة ومقدم ألف وأمير مجلس عوضا عن ~~جرباش المذكور، فلم تطل مدة جرباش بطرابلس، وعزل عنها بالأمير طراباي ~~الظاهري، وقدم إلى القاهرة في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة أمير مجلس على ~~عادته أولا. وقد انتقل جارقطلو عن إمرة مجلس إلى أتابكية العساكر بالديار ~~المصرية، بعد موت الأتابك يشبك الساقي الأعرج، فلم تطل مدة جرباش بالقاهرة، ~~وقبض عليه، ونفي إلى ثغر ms3592 دمياط بطالا، فدام بالثغر دهرا طويلا إلى أن طلبه ~~الملك الظاهر جقمق في أوائل سلطنته، وجعله أمير مجلس ثالث مرة، عوضا عن ~~الأمير يشبك السودوني المنتقل إلى إمرة سلاح، بعد انتقال الأمير آقبغا ~~التمرازي إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية بعد عصيان قرقماس الشعبانى ~~والقبض عليه وسجنه بالإسكندرية، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، ~~فدام على إمرة مجلس إلى سنة ثلاث وخمسين، فنقل إلى إمرة سلاح بعد موت ~~الأمير تمراز القرمشي. وتولى بعده إمرة مجلس تنم من عبد الرزاق المؤيدي ~~المعزول عن نيابة حلب، فلم يزل على ذلك إلى أن أخرج الملك المنصور عثمان ~~إقطاعه إلى الأمير قراجا الخازندار الظاهري ووظيفته إمرة سلاح إلى الأمير ~~تنم المقدم ذكره، فلزم جرباش من يوم ذلك داره إلى أن مات. وكان رحمه الله ~~تعالى وقورا في الدول، طالت أيامه في السعادة، ودام أميرا أكثر من خمسين ~~سنة، بما فيها من العطلة. وكان منهمكا في اللذات التي تهواها النفوس، مع ~~عدم شهرته بالشجاعة، وذلك خرج الملوك لطلب الراحة انتهى. وتوفي الأمير سيف ~~الدين يشبك بن عبد الله حاجب حجاب طرابلس فى يوم الأربعاء ثالث المحرم. ~~وكان من مماليك الأمير قاني باي البهلوان، وسعى بعد موت أستاذه إلى أن ولي ~~حجوبية طرابلس بالبذل، فلم تطل أيامه، ومات ولم تكن فيه أهلية لتشكر أفعاله ~~أو تذم. وتوفي الأمير الطواشي الرومى زين الدين عبد اللطيف المنجكي ثم ~~العثماني، مقدم المماليك السلطانية كان بطالا، في ليلة الجمعة رابع عشرين ~~صفر وقد أسن. وكان من خدام الست فاطمة بنت الأمير منجك اليوسفي وعتيقها، ثم ~~اتصل بخدمة الأتابك ألطنبغا العثماني، وبه عرف بالعثماني، ثم صار من ~~جمدارية السلطان الخاص بخدمة السلطان إلى أن ولاه الملك الظاهر جقمق تقدمة ~~المماليك السلطانية بعد القبض على الأمير الطواشي خشقدم اليشبكي، فدام على ~~ذلك عدة سنين، وحج مرتين أمير الركب الأول، ولما عاد من الثانية في سنة ~~اثنتين وخمسين عزله السلطان بنائبه الأمير جوهر النوروزي الحبشي، فدام ~~بطالا إلى أن مات. وكان دينا خيرا لا ms3593 بأس به، رحمه الله تعالى. وتوفي قاضي ~~القضاة سراج الدين عمربن موسى الحمصي الشافعي في صفر بطالا، وقد أناف على ~~الثمانين. وكان مولده بحمص وبها نشأ وطلب العلم، وقدم القاهرة وحضر دروس ~~السراج البلقيني، وناب في الحكم عن ولده قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن ~~سنين كئيرة، ثم ولي القضاء بالوجه القبلي، ثم نقل إلى قضاء طرابلس، ثم قضاء ~~حلب، ثم قضاء دمشق غيرمرة، ورشح هو نفسه لقضاء الديار المصرية وكتابة السر ~~بها فلم يقع له ذلك. ثم ولي في أواخر عمره تدريس مقا الإمام الشافعي، ثم ~~عزل وأخرج إلى البلاد الشامية فمات بها. وقد كان يستحضر من فروع مذهبه ~~طرفا، وله نظم بحسب الحال. وهو الذي كان نظم صداق كريمتي على قاضي القضاة ~~جلال الدين البلقيني أكثر من ثلاثمائة بيت رحمه الله تعالى. وتوفي قاضي ~~قضاة مكة وعالمها جلال الدين أبو السعادات محمد بن أبي البركات محمد بن أبي ~~السعود محمد بن الحسين PageV04P0434 # بن علي بن أبي أحمد بن عطية بن ظهيرة المكي المخزومي الشافعي بمكة، وهو ~~قاض، في تاسع صفر، ودفن من الغد، وتولى قضاء مكة بعده ابنه محب الدين محمد. ~~وكان مولده في سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وسبعمائة بمكة، وبها نشأ ~~وتفقه بعلماء عصره، إلى أن برع في عدة علوم، وشارك في عدة فنون، ونعت بعالم ~~الحجاز، وتولى قضاء مكة غير مرة. وقد ذكرنا مشايخه وعدة وقائعه في تاريخنا ~~" حوادث الدهور " ، وذكرنا أيضا مصنفاته. وكان له نظم جيد. ومما أنشدني من ~~لفظه لنفسه في القاضي كمال الدين ابن البارزي كاتب السر الشريف بالديار ~~المصرية: السريعن علي بن أبي أحمد بن عطية بن ظهيرة المكي المخزومي الشافعي ~~بمكة، وهو قاض، في تاسع صفر، ودفن من الغد، وتولى قضاء مكة بعده ابنه محب ~~الدين محمد. وكان مولده في سلخ شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وسبعمائة ~~بمكة، وبها نشأ وتفقه بعلماء عصره، إلى أن برع في عدة علوم، وشارك في عدة ~~فنون، ونعت بعالم الحجاز، وتولى ms3594 قضاء مكة غير مرة. وقد ذكرنا مشايخه وعدة ~~وقائعه في تاريخنا " حوادث الدهور " ، وذكرنا أيضا مصنفاته. وكان له نظم ~~جيد. ومما أنشدني من لفظه لنفسه في القاضي كمال الدين ابن البارزي كاتب ~~السر الشريف بالديار المصرية: السريع أبرزه الله بلا حاجب ... يحجبه عنا ~~ولا حاجز فكل فضل من جميع الورى ... مكتسب من ذلك البارزي PageV04P0435 # وتوفي الأمير سيف الدين إينال بن عبد الله الأشرفي الطويل أحد أمراء ~~الخمسات، في يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الأولى رحمه الله تعالى. وتوفي ~~الأمير سيف الدين نوكار بن عبد الله الناصري، أحد أمراء العشرات، ~~والزردكاش، في أواخر جمادى الآخرة مجردا إلى بلاد ابن قرمان بمدينة غزة. ~~وكان من مماليك الناصر فرج وتخومل من بعده، واحتاج إلى أن خدم في أبواب ~~الأمراء، وقاسى خطوب الدهر ألوانا، إلى أن عاد إلى باب السلطان بعد موت ~~الملك المؤيد شيخ وصار خاصكيا، وأقام على ذلك سنين كثيرة إلى أن أنعم عليه ~~الملك الظاهر جقمق بإمرة عشرة بعد سؤال كثير، ثم صار حاجبا ثانيا، فدام على ~~ذلك لا يلتفت إليه في الدول إلى أن ولاه الملك الأشرف إينال الزردكاشية بعد ~~موت جانبك بعد موت جانبك الوالي، فاستمر على ذلك إلى أن مات. وكان مهملا ~~يعيش بين الأكابر بالدعابة والمضحكة، وليس فيه أهلية لحرب ولا ضرب، ولا ~~لنوع من الآنواع سوى ما ذكرناه رحمه الله. وتوفي قاضي القضاة ولي الدين ~~محمد بن محمد بن عبد اللطيف السنباطي المالكي قاضي قضاة الديار المصرية في ~~يوم الجمعة عاشر شهر رجب، ودفن من يومه، وقد زاد سنه على السبعين. وكانت ~~لديه فضيلة مع لين جانب وتدين، ومع هذا لم تشكر سيرته في القضاء، لسلامة ~~باطنه، ولحواشيه رحمه الله تعالى. وتوفي شيخ الإسلام، علامة زمانه، كمال ~~الدين محمد ابن الشيخ همام الدين عبد الواحد ابن القاضي حميد الدين عبد ~~الحميد ابن القاضي سعد الدين مسعود الحنفي السيرامي الأصل المصري المولد ~~والدار والوفاة، العالم المشهور بابن الهمام، في يوم الجمعة سابع شهر ~~رمضان، ودفن من يومه، ms3595 وكانت جنازته مشهودة. ومات ولم يخلف بعده مثله في ~~الجمع بين علمي المنقول والمعقول، والدين والورع والعفة والوقار في سائر ~~الدول. ومولده في سنة ثمان أو تسع وثمانين وسبعمائة بالقاهرة، وبها نشأ، ~~واشتغل على علماء عصره إلى أن برع، وصار أعجوبة زمانه في علوم كثيرة بلا ~~مدافعة، وولي مشيخة المدرسة الأشرفية برسباي من الأشرف قبل سنة ثلانين ~~وثمانمائة، ثم تركها رغبة منه، ودام ملازما للأشغال، وحج وجاور مرة غيره، ~~إلى أن ولاه الملك الظاهر جقمق مشيخة خانقاه شيخون، واستمر بها ممة طويلة ~~من السنين، ثم تركها أيضا وسافر إلى مكة، وقد قصد المقام بها إلى أن يموت. ~~فلما حصل له ضعف في بدنه عاد إلى مصر ولزم الفراش إلى أن مات. وقد ذكرنا من ~~مصنفاته وأحواله ما هو أطول من هذا في تاريخنا " المنهل الصافي والمستوفى ~~بعد الوافي " إذ هو محل إلاطناب رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين ~~جانبك بن عبد الله القرماني الظاهري حاجب الحجاب بالديار المصرية، بعد عوده ~~من تجريدة ابن قرمان بالقرب من منزلة الصالحية، فحمل إلى القاهرة ودفن ~~بالقرافة الصغرى، في يوم الجمعة ثاني عشر شوال، وقد أناف على الثمانين. ~~وكان من عتقاء الملك الظاهر برقوق، ووقع له محن في الدولة الناصرية فرج إلى ~~أن تأمر بعد الملك المؤيد شيخ عشرة، وصار من جملة معلمي الرمح، إلى أن نقله ~~الملك الظاهر جقمق إلى إمرة طبلخاناه. وصار بعد ذلك رأس نوبة ثانيا، واستمر ~~على ذلك إلى أن نقله الملك الأشرف إينال إلى أمرة مائة وتقدمة ألف، ثم ولاه ~~حجوبية الحجاب. ثم تجرد من جملة من تجرد من الأمراء إلى بلاد ابن قرمان، ~~فمات في عوده حسبما تقدم. وكان ساكنا عاقلا إلا أنه كان لا يتجمل في نفسه ~~ولا في مركبه رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدولة جكم بن عبد الله ~~النوري المؤيدي، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بمدينة غزة، وهو عائد من ~~تجريدة ابن قرمان في يوم الاثنين ثامن شوال، وقد قارب الستين. وكان من ms3596 ~~مماليك المؤيد شيخ، وتأمر في دولة الأشرف إينال عشرة وصار من جملة رؤوس ~~النوب، وكان من المهملين يعيش تحت ظل خجداشيته. وتوفي القاضي زين الدين أبو ~~العدل قاسم ابن قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام سراج ~~الدين عمر البلقيني الشافعي في يوم الأحد حادي عشرين شوال، وهو في عشر ~~السبعين. وكان نشأ تحت كنف والده، غير أن اشتغاله كان بالفقيري، وناب في ~~الحكم سنين، وتولى نظر الجوالي. وكان فيه كرم أفقره في أواخر عمره، واحتاج ~~منه إلى تحمل ديون والحاجة للناس، فكان حاله كقول القائل: السريع ~~PageV04P0436 # كم من فتى أفقره جوده ... وعاش في الناس عيش الذليل فاشدد عرى مالك ~~واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل وتوفي الأمير سيف الدين أزبك بن عبد ~~الله الششماني المؤيدي أحد أمراء الخمسات في يوم السبت رابع عشرين ذي ~~الحجة، وسنه نحو الثمانين. وكان أصله من مماليك الملك المؤيد شيخ قبل ~~سلطنته، وطالت أيامه في الجندية إلى أن تأمر خمسة في كل دولة الملك الأشرف ~~إينال، ومات بعد سنين. وكان مكفوفا عن الناس إما لخيره أو لشره رحمه الله ~~تعالى. وتوفي خشكلدي الزيني عبد الرحمن بن الكويز أحد أمراء الطبلخاناه ~~بدمشق. وكان أصله من مماليك صاحبنا الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الكويز، ~~ثم صار من جملة دوادارية السلطان، ثم سعى في دوادارية السلطان بدمشق حتى ~~وليها بمال بذله في ذلك، فلم تطل مدته، فعزل وقدم القاهرة، وسعى ثانيا إلى ~~أن أعطي إمرة بدمشق، فتوجه إليها ودام بها إلى أن مات. وكانت لديه فضيلة في ~~الفقه على قدر حاله رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبعة أذرع وثمانية أصابع. مبلع الزيادة عشرون ذراعا وإصبع واحد. ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الأشرف إينال # وهي سنة اثنتين وستين وثمانمائة. فيها توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن ~~يوسف الشيرجي الشافعي أحد نواب الحكم بالديار المصرية في يوم الجمعة رابع ~~عشر المحرم، ودفن من يومه بعد صلاة الجمعة، وقد أناف عن الثمانين. ms3597 وكان حضر ~~دروس السراج البلقيني، وله إلمام بعلم الفرائض، وناب في الحكم سنين، وأفتى ~~ودرس، وكان غير محبب إلى أصحابه. وتوفي الأمير سيف الدين أزبك بن عبد الله ~~الأشرفي البواب، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، في يوم الثلاثاء ثامن عشر ~~المحرم. وأصله من مماليك الأشرف برسباي، ثم امتحن بعد موت أستاذه وحبس، ثم ~~أطلق، وقدم القاهرة وتأمر في أول دولة الأشرف إينال خمسة، شريكا لأزبك ~~الششماني المقدم ذكر وفاته فى السنة الخالية، فما مات أزبك المذكور أنعم ~~بنصيبه من إلاقطاع على شريكه أزبك هذا لتتمة إقطاعه إمرة عشرة، فعاش أزبك ~~هذا بعد ذلك دون الشهر ومات فكان حاله كالمثل السائر: " إلى أن يسعد المعثر ~~فرغ عمره " . وتوفي القاضي علاء الدين علي بن محمد بن آقبرس الشافعي أحد ~~نواب الحكم، في يوم الأحد خامس عشر صفر بطالا، وهو في عشر السبعين. وكان ~~مولده بالقاهرة، وبها نشأ، وتكسب بعمل العنبر في حانوت بالعنبريين مدة ~~سنين، ثم اشتغل بالعلم، وناب في الحكم، وصحب الملك الظاهر جقمق قبل سلطنته، ~~فلما تسلطن قربه، أو هو قرب نفسه، وولي نظر الأوقاف، ثم حسبة القاهرة، ثم ~~نظر إلاحباس. وتحرك له بعيض سعد، إلا أنه تبهدل غير مرة من السلطان لسوء ~~سيرته؛ فإنه لما ولي ما ولي ما عف ولا كف، بل مد يدا للأخذ، إلى أن ساءت ~~القالة فيه، وانحط قدره لذلك كثيرا، فلما مات الملك الظاهر امتحن وصودر ~~وتخومل، ولزم داره إلى أن مات. وكان له نظم أحسنه في الهجو. ومما هجا به ~~عبد الرحمن ابن الديري ناظر القدس: الطويل أقول لمن وافى إلى القدس زائرا ~~... وصلت إلى إلاقصى من الفضل والخير تقرب إلى مولاك فيه عبادة ... وبع بيع ~~الرهبان وابعد عن الديري وتوفي عبد الكريم ابن علي بن محمد، شيخ مقام الشيخ ~~أحمد البدوي بظاهرالقاهرة، في صبيحة ثامن عشر صفر: وجد ميتا،وقد اختلفت ~~إلاقوال في موتته، فمنهم من قال: تردى من سطح وهو ثمل، ومنهم من قال: دس ~~عليه شيخ العرب حسن بن بغداد من ms3598 قتله، وهو إلاشهر، وأنا أقول: قتله سر ~~الشيخ أحمد البدوي لانهماكه على المعاصي وسوء سيرته، فأراح الله الشيخ أحمد ~~البدوي منه ولله الحمد، وتولى عوضه شيخ المقام صبي من أقاربه دون البلوغ. ~~وتوفي الشيخ العارف بالله القدوة المسلك مدين الصوفي المالكي بزاويته بخط ~~المقس بظاهر القاهرة، في يوم الأربعاء تاسع شهر ربيع الأول بزاويته. وكان ~~له شهرة عظيمة، وللناس فيه اعتقاد ومحبة، لم يتفق لي مجالسته، غير أنني ~~رأيته غيرمرة رحمه الله ونفعنا ببركته. PageV04P0437 # وتؤفي الأمير جانم بن عبد الله الأشرفي البهلوان، أحد أمراء العشرات ورأس ~~نوبة في يوم الاثنين سادس شهر ربيع الآخر، ودفن من يومه، وهو في الكهولية. ~~وكان من مماليك الملك الأشرف برسباي وخاصكيته، وتأمر بعد أمور في الدولة ~~الأشرفية إينال. وكان مليح الشكل مشهورا بالشجاعة وإلاقدام رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله من تمراز الناصري أمير مجلس ~~بطالا بعد مرض طويل، في ليلة الثلاثاء سابع شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد. ~~وكان من مماليك الناصر فرج، وتأمر في أول الدولة الأشرفية برسباي عشرة، ~~وصار من جملة رؤوس النوب. وكان يعرف بيني بازق، أي غليظ الرقبة، وكان قليل ~~الخير والشر مكفوفا عن الناس، ليس له كلمة في الدولة. وكان السلطان أنعم ~~بإقطاعه قبل موته على الأمير برسباي البجاسي حاجب الحجاب، وبوظيفته إمرة ~~مجلس على الأمير جرباش المحمدي المعروف بكرد الأمير آخور. وتوفي القاضي ~~شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الدماصي الحنفي قاضي بولاق، وكان يعرف ~~بقرقماس، في يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله النوروزي المعروف ~~بالسلاحدار، نائب قلعة الجبل بها، في ليلة الأحد سادس عشرين شهر ربيع ~~الآخر، ودفن من الغد، وله نحو سبعين سنة. وكان من مماليك نوروز الحافظي ~~نائب الشام، وصار بعده سلاحدارا فبي الدولة الأشرفية برسباي، ثم تأمر عشرة ~~في دولة الملك الظاهر جقمق، وصار من جملة رؤوس النوب، ثم جعله الملك الأشرف ms3599 ~~إينال نائب قلعة الجبل بعد موت قاني باي الناصري إلاعمش، فدام في نيابة ~~القلعة إلى أن مات، وكان لا بأس به، لولا إسراف كان فيه على نفسه عفا الله ~~عنه. وتوفي إلاستاذ المادح المغني ناصر الدين محمد المازوني الأصل، المصري، ~~أحد إلافراد في إنشاد القصيد وعمل السماع، في ليلة الجمعة ثامن جمادى ~~الأولى، الأولى، بعد أن آبتلي بمرض الفالج، وبطل نصفه وسكت حسه. وكان من ~~عجائب الدنيا في فنونه. كان صوته صوتا كاملا أوازا وبما، مع شجاوة ونداوة ~~وحلاوة، كان رأسا في إنشاد القصيد على الضروب والحدود. سافر غير مرة إلى ~~الحجاز حاديا في خدمة الأكابر، وكان له تسبيح هائل على المآذن؛ ففي هذه ~~الثلاثة كان إليه المنتهى، وكان يشارك في الموسيقى جيدا، ويعظ في عقود ~~الآنكحة، وليس فيه بالماهر. وفي الجملة إنه لم يخلف بعد مثله، وفي شهرته ما ~~يغني عن إلاطناب في ذكره. وتوفي الشرفي موسى ابن الجمالي يوسف بن الصلي ~~الكركي ناظر جيش طرابلس بها، في ليلة الأحد ثامن شهر رجب، وخلف مإلا كثيرا ~~وعدة أولاد. وكان من مساوئ الدهر دميم الخلق مذموم الخلق. وتوفي الشيخ ~~الإمام العالم العلامة شرف الدين يحيى بن صالح بن علي بن محمد بن عقيل ~~العجيسي المغربي الأصل والمولد والمنشأ، المصري الدار والوفاة، المالكي، في ~~يوم الأحد سابع عشرين شعبان. ومولده في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة. وكان ~~إماما في النحو والعربية ومعرفة تاريخ الصحابة، وله مشاركة في فنون كثيرة، ~~مع حدة كانت فيه وسوء خلق رحمه الله. وتوفي الخليفة أمير المؤمنين القائم ~~بأمر الله أبو البقاء حمزة بن المتوكل على الله أبي عبد الله محمد العباسي ~~المصري بثغر الإسكندرية مخلوعا من الخلافة، في سابع عشر شوال. وقد مر ذكر ~~نسبه في تراجم أسلافه في عدة مواطن من مصنفاتنا، مثل " مورد اللطافة في ذكر ~~من ولي السلطنة والخلافة " وغيره. وكان القائم بأمر الله هذا ولي الخلافة ~~بعد موت أخيه المستكفي سليمان بغير عهد اختاره الملك الظاهر جقمق فدام في ~~الخلافة إلى أن خرج ms3600 الأتابك إينال العلائي صاحب الترجدة على الملك المنصور ~~عثمان بن الملك الظاهر جقمق، فقام الخليفة هذا مع إينال على الملك المنصور ~~عثمان أشد قيام. فلما تسلطن إينال عرف له ذلك، ورفع قدره ومحله إلى الغاية، ~~ونال في أيامه من الحرمة والوجاهة ما لا يقاربه أحد الخلفاء من أسلافه. ~~فاتفق بعد ذلك ركوب جماعة من صغار المماليك الظاهرية على الأشرف إينال، ~~وطلبوه فحضر عندهم، ووافاهم أفضل موافاة، فلم ينتج أمرهم، وسكنت الفتنة في ~~الحال، وقد ذكرناها في أصل هذه الترجدة مفصلة. فلما سكن الأمر طلبه السلطان ~~إلى القلعة، ووبخه على فعله وحبسه بالبحرة بقلعة الجبل، وخلعه من الخلافة ~~بأخيه المستنجد يوسف، ثم أرسله PageV04P0438 # إلى سجن الإسكندرية فحبس به مدة ثم اطلق من السجن، ورسم له بأن يسكن حيث ~~شاء من الثغر، فسكن به إلى أن مات رحمه الله تعالى. وتوفي الحاج خليل ~~المدعو قاني باي اليوسفي المهمندار محتسب القاهرة بها، في عشرين شوال، وهو ~~مناهز السبعين. وكان أصله من مماليك قرا يوسف بن قرا محمد، صاحب بغداد على ~~ما زعم، ثم قدم القاهرة في دولة الأشرف برسباي، وسأله الأشرف عن أصله وجنسه ~~فقال: " أنا من مماليك قرا يوسف، جنسي جاركسي، واسمي الأصلي قاني باي " ، ~~فمشى ما قاله على الأشرف، لضعف نقده، وعدم معرفته، وسماه قاني باي اليوسفي، ~~وجعله خاصكيا؛ ئم امتحن بعد موت الأشرف برسباي، وحبس، إلى أن عاد إلى رتبته ~~في الدولة الأشرفية إينال، وجعله مهمندارا، ثم محتسبا إلى أن مات. وتوفي ~~يارعلي بن نصر الله العجمي الخراساني الطويل، محتسب القاهرة، بطالا، بعد ~~مرض طويل، في سادس عشرين ذي القعدة، ودفن من الغد، وسنه نيف على الثمانين؛ ~~وكان هو يدعي أكثر من ذلك، وليس بصحيح. وكان أصله فقيرا مكديا على عادة ~~فقراء العجم، وخدم الأمير سودون من عبد الرحمن نائب الشام لما كان هاربا من ~~الملك المؤيد شيخ بالعراق، فلما عاد سودون إلى رتبته بالديار المصرية، وصار ~~دوادارا كبيرا في دولة الأشرف برسباي، قدم عليه يار علي هذا ماشيا على ms3601 ~~قدميه من بلاد العجم، فأحسن إليه سودون، ولما عمر مدرسته بخانقاه سرياقوس ~~جعله شيخا، ودام على ذلك وقد حسنت حاله، وركب فرسا بحسب الحال، إلى أن ~~تسلطن الملك الظاهر جقمق، فتحرك سعده لا لأمر أوجب ذلك بل هي حظوظ وأرزاق، ~~تصل لكل أحد. ولا زال جقمق يرقيه حتى ولاه حسبة القاهرة غير مرة، ثم نكبه ~~وصادره، وأمر بنفيه، لسوء سيرته، ولقبيح سريرته؛ فإنه لما ولي حسبة القاهرة ~~سار فيها أقبح سيرة، وفتح له أبواب الظلم وإلاخذ، فما عف ولا كف، وجدد في ~~الحسبة مظالم تذكر به، وإثمها وإثم من يعمل بها عليه إلى يوم القيامة، وصار ~~يأخذ من هذه المظالم ويخدم الملوك بها، فانظر إلى حال هذا المسكين الذي ظلم ~~نفسه، وظلم الناس لغيره، فلا قوة إلا بالله! اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، ~~وبفضلك عن سواك.وتوفي الشيخ المعتقد المجذوب إبراهيم الزيات بحيث هو إقامته ~~بقنطرة قديدارا، ودفن من يومه، وهو اليوم الذي مات فيه الشيخ على المحتسب ~~المقدم ذكره، وكان للناس فيه اعتقاد، ويقصد للزيارة، وكانت جذبته مطبقة، لا ~~يصحو، ويكثر من أكل الموز رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير الكبير سيف الدين ~~تنبك بن عبد الله البردبكي الظاهري أتابك العساكر بالديار المصرية، في يوم ~~الاثنين رابع عشرين ذي القعدة، ودفن من الغد، وقد ناهز التسعين من العمر. ~~وكان من مماليك الظاهر برقوق، وتزوج في أيامه، وكان من إنيات الوالد، وترقى ~~في أوائل دولة الأشرف برسباي إلى أن صار أمير عشرة أو في أيام دولة الملك ~~المظفر أحمد ومن جملة رؤوس النوب، ثم صار في سنة سبع وعشرين نائب قلعة ~~الجبل بعد تغري برمش البهسني التركماني، بحكم انتقاله إلى إمرة مائة وتقدمة ~~ألف بالديار المصرية، وأنعم على تنبك بإمرة طبلخاناه عوضا عن تغري برمش ~~المذكور أيضا، فدام على ذلك مدة طويلة إلى أن نقل إلى إمرة مائة وتقدمة ألف ~~بالديار المصرية في أواخر الدولة الأشرفية. ثم ولي نيابة قلعة الجبل ثانيا ~~في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، وهو أمير مائة ومقدم ms3602 ألف، ثم صار أمير ~~حاج المحمل، ثم ولي حجوبية الحجاب بالديار المصرية، ودام على ذلك سنين ~~كثيرة، وحج أمير حاج المحمل غير مرة، إلى أن أمسكه السلطان الظاهر ونفاه ~~إلى ثغر دمياط، وأنعم بإقطاعه وحجوبيته على الأمير خشقدم الناصري المؤيدي، ~~أحد أمراء الألوف بدمشق، فأقام بدمياط مدة. ثم طلبه الملك الظاهر إلى ~~الديار المصرية، ورسم له بالمشي في الخدمة السلطانية، فمشى إلى الخدمة ~~أياما كثيرة من غير إقطاع، إلى أن مات الشهابي أحمد بن علي بن إينال، أحد ~~مقدمي الألوف بالديار المصرية، فأنعم بإقطاعه على تنبك هذا، ثم صار أمير ~~مجلس في دولة الملك المنصور عثمان بعد انتقال تنم المؤيدي إلى إمرة سلاح، ~~بعد جرباش الكريمي بحكم لزومه بيته لكبر سنه وضعف بدنه، فلم تطل أيامه. ~~واستقر أمير سلاح في ثاني يوم من سلطنة الملك الأشرف إينال، عوضا عن تنم ~~المذكور، بحكم القبض عليه وحبسه بسجن الإسكندرية، فلم يتم له ذلك غير يوم ~~واحد PageV04P0439 # وأصبح استقر أتابك العساكر لما كثرت القالة في تولية الشهابي أجمد ابن ~~الملك الأشرف إينال أتابك العساكر عوضا عن أبيه، فعزله وجعله من جملة أمراء ~~الألوف واستقر تنبك هذا عوضه، فدام في الأتابكية مدة طويلة إلى أن مات في ~~التاريخ المذكور، وتولى المقام الشهابي أحمد عنه الأتابكية ثانيا. وكان من ~~أمر تنبك هذا في ولايته الأتابكية غريبة، وهو أن الذي أخذ عنه ولي عنه، ~~ولعل هذا لم يقع لأحد أبدا. وكان تنبك المذكور رجلا دينا خيرا، هينا لينا ~~سليم الفطرة، شحيحا، لا يتجمل في بركه ولا حواشيه رحمه الله تعالى. وتوفي ~~عظيم الدولة الصاحب جمال الدين أبو المحاسن يوسف مدبر المملكة، وصاحب ~~وظيفتي نظر الجيش والخاص معا ابن الرئيس كريم الدين عبد الكريم ناظر الخاص ~~ابن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم، في ليلة الخميس وقت التسبيح ~~الثامن عشر من ذي الحجة، ودفن من الغد بالصحراء في تربته التي أنشأها. ~~وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية، وحضر المقام الشهابي أحمد أتابك العساكر ~~الصلاة عليه بمصلاة باب ms3603 النصر، وحضر دفنه أيضا؛ ومات وسنه زيادة على أربعين ~~سنة، لأن مولده في سنة تسع عشرة وثمانمائة، هكذا كتب لي بخطه رحمه الله. ~~ومات ولم يخلف بعده مثله رئاسة وسؤددا بلا مدافعة، وهو آخر من أدركنا من ~~رؤساء الديار المصرية، لأنه كان فردا في معناه، لعظم ما ناله من السعادةح ~~استقر أتابك العساكر لما كثرت القالة في تولية الشهابي أجمد ابن الملك ~~الأشرف إينال أتابك العساكر عوضا عن أبيه، فعزله وجعله من جملة أمراء ~~الألوف واستقر تنبك هذا عوضه، فدام في الأتابكية مدة طويلة إلى أن مات في ~~التاريخ المذكور، وتولى المقام الشهابي أحمد عنه الأتابكية ثانيا. وكان من ~~أمر تنبك هذا في ولايته الأتابكية غريبة، وهو أن الذي أخذ عنه ولي عنه، ~~ولعل هذا لم يقع لأحد أبدا. وكان تنبك المذكور رجلا دينا خيرا، هينا لينا ~~سليم الفطرة، شحيحا، لا يتجمل في بركه ولا حواشيه رحمه الله تعالى. وتوفي ~~عظيم الدولة الصاحب جمال الدين أبو المحاسن يوسف مدبر المملكة، وصاحب ~~وظيفتي نظر الجيش والخاص معا ابن الرئيس كريم الدين عبد الكريم ناظر الخاص ~~ابن سعد الدين بركة المعروف بابن كاتب جكم، في ليلة الخميس وقت التسبيح ~~الثامن عشر من ذي الحجة، ودفن من الغد بالصحراء في تربته التي أنشأها. ~~وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية، وحضر المقام الشهابي أحمد أتابك العساكر ~~الصلاة عليه بمصلاة باب النصر، وحضر دفنه أيضا؛ ومات وسنه زيادة على أربعين ~~سنة، لأن مولده في سنة تسع عشرة وثمانمائة، هكذا كتب لي بخطه رحمه الله. ~~ومات ولم يخلف بعده مثله رئاسة وسؤددا بلا مدافعة، وهو آخر من أدركنا من ~~رؤساء الديار المصرية، لأنه كان فردا في معناه، لعظم ما ناله من السعادة ~~والوجاهة ووفور الحرمة، ونفوذ الكلمة والعظمة الزائدة، وكثرة ترداد الناس ~~إليه، وأعيان الدولة وأكابرها إلى بابه، بل الوقوف في خدمته، وهذا شيء لم ~~ينله غيره في الدولة التركية، مع علمي بمنزلة كريم الدين الكبير عند الناصر ~~محمد بن قلاوون، وبما ناله سعد الدين إبراهيم بن ms3604 غراب في الدولة الناصرية ~~فرج، ثم بعظمة جمال الدين يوسف البيري الأستادار في دولة الناصر فرج أيضا، ~~ثم بخصوصية عبد الباسط بن خليل الدمشقي في دولة الأشرف برسباي، ومع هذا كله ~~ليس فيهم أحد وصل إلى ما وصل إليه جمال الدين هذا، وقد برهنا عما قلناه في ~~تاريخنا " حوادث الدهور " ، وأيضا في تاريخنا " المنهل الصافي " ، فلينظر ~~هناك، وليس هذا الموطن محل إطناب رحمه الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم سبعة أذرع وثمانيه أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا ~~وخمسة عشر إصبعا. ؟؟؟؟ ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الأشرف إينال # PageV04P0440 # وهي سنة ثلاث وستين وثمانمائة. فيها توفى الأمير يشبك بن عبد الله ~~النوروزي نائب طرابلس كان بطالا بالقدس، في يوم الاثنين تاسع المحرم، وهو ~~في عشر السبعين تخمينا. وهو من عتقاء الأمير نوروز الحافظي، وتنقل بعد موت ~~أستاذه في خدم الأمراء، وقاسى خطوب الدهر ألوانا، إلى أن صار في أواخر دولة ~~الأشرف برسباي من صغار أمراء دمشق. ثم تنقل في دولة الملك الظاهر جقمق إلى ~~أن صار حاجب حجاب طرابلس بالبذل. ثم نقل إلى حجوبية دمشق، ثم إلى نيابة ~~طرابلس بعد عزل يشبك الصوفي عنها كل ذلك ببذل المال فدام على نيابة طرابلس ~~إلى أن أمسكه الملك الأشرف إينال في حدود سنة ستين، وحبسه بقلعة المرقب إلى ~~أن أطلقه في سنة اثنتين وستين وثمانمائة، ورسم له بالتوجه إلى القدس بطالا، ~~فاستمر بالقدس إلى أن مات في التاريخ المقدم ذكره. وكان وضيعا في الدول، لم ~~تسبق له رئاسة بالدولة المصرية ، حتى إنه لم يخدم في باب سلطان أبدا، بل ~~كان يخدم بأبواب الأمراء، إلى كان من أمره ما كان. وكان مع ذلك عنده طيش ~~وخفة وتكبر، ولم أدر لأي معنى من المعاني رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ ~~الإمام العالم العامل المحقق الفقه الصوفي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ~~عبد الله بن خليل البلاطنسي الشافعي، نزيل دمشق بها في ليلة سابع عشرين ~~صفر، ودفن في صبيحة يوم الأربعاء، وكانت ms3605 جنازته مشهودة، وكثر أسف الناس ~~عليه. ومولده ببلاطنس من أعمال طرابلس، بعد سنة تسعين وسبعمائة، ونشأ بها، ~~وقرأ العربية واشتغل، ثم قدم طرابلس، ولازم الشيخ محمد بن زهرة وبه تفقه، ~~وأخذ إلاصول عن الشيخ سراج الدين، وقرأ الحديث أيضا بطرابلس على ابن البدر، ~~ثم رحل إلى دمشق قبل سنة عشرين، واشتغل بها على العلماء، ثم عاد إلى ~~طرابلس. ثم قدم إلى دمشق ثانيا بأهله واستوطنها، ولازم علامة زمانه ووحيد ~~دهره الشيخ علاء الدين محمد البخاري الحنفي، وأخذ عنه فنونا كثيرة، إلى أن ~~برع في الفقه والتصوف، وجلس للإفادة والتدريس وإلاشغال إلى أن مات. وكان ~~قوإلا بالحق، قائما في أمر الملهوفين، لا تأخذه في الله لومة لائم؛ وقد ~~استوعبنا من أحواله نبذة كبيرة في تاريخنا " الحوادث " وغيره رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله من جانبك المؤيدي الصوفي ~~أتابك دمشق بها، في يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر، وهو اليوم الذي مات فيه ~~البلاطنسي المقدم ذكره، وقد ناهز الستين من العمر. كان من صغار مماليك ~~الملك المؤيد شيخ، وصار خاصكيا بعد موت أستاذه، وامتحن في دولة الملك ~~الأشرف برسباي بالضرب والعصر والنفي، بسبب الأتابك جانبك الصوفي. ثم عاد ~~بعد سنين إلى رتبته، وصار خاصكيا على عادته إلى أن تأمر عشرة في دولة الملك ~~الظاهر جقمق، وصار من جملة رؤوس النوب، وسافر إلى مكة مقدم المماليك ~~السلطانية بمكة، ثم عاد إلى القاهرة، ودام بها مدة، ثم نفي إلى حلب بعد سنة ~~خمسين وثمانمائة، ثم نقله الملك الظاهر جقمق إلى إمرة مائة وتقدمة ألف ~~بحلب، ثم نقله بعد ذلك إلى نيابة حماة ببذل المال، ثم إلى نيابة طرابلس ~~كذلك، بعد انتقال الأمير برسباي الناصري إلى نيابة حلب في سنة اثنتين ~~وخمسين، فدام على نيابة طرابلس إلى سنة أربع وخمسين، فطلب إلى القاهرة، ~~فلما حضر أمسكه السلطان الملك الظاهر، وأرسله إلى دمياط بطالا، ثم نقل بعد ~~مدة من دمياط إلى سجن الإسكندرية، لأمر بلغ السلطان عنه، فلم تطل مدته بسجن ~~الإسكندرية ms3606 واطلق وأرسل إلى دمياط ثانيا ثم نقل إلى القدس، ثم طلب إلى ~~الديار المصرية، فأنعم عليه بأتابكية العساكر بدمشق، بعد القبض على الأتابك ~~خيربك المؤيدي إلاجرود. فدام يشبك هذا على أتابكية دمشق إلى أن حج أمير حاج ~~المحمل الشامي في سنة اثنتين وستين، وعاد إلى دمشق، ومات بعد أيام. وكان ~~رجلا طوإلا، حسن الشكل، حلو اللسان، بعيد إلاحسان، عادلا في الظاهر، ظالما ~~في الباطن، متواضعا لمن كانت حاجته إليه، مترفعا على من احتاج إليه، كثير ~~الخدع والتملق لأصحاب الشوكة، بألف وجه وألف لسان، مع كثرة أيمان الله ~~والطلاق، وشح وبخل. وتوفي الشيخ بهاء الدين أحمد بن علي التتائي الآنصاري ~~الشافعي نزيل مكة بها في ليلة الثلاثاء سابع عشرين صفر، وحضرت أنا الصلاة ~~عليه بالحرم بعد صلاة الصبح، ودفن بالمعلاة؛ وهو أخو القاضي شرف الدين موسى ~~الآنصاري إلاكبر. كان مولده PageV04P0441 # بتتا قرية بالمنوفية بالوجه البحري من أعمال القاهرة في سنة ثمان ~~وثمانمائة. وكان فيه محاسن ومكارم أخلاق، وخط منسوب، وفضيلة رحمه الله ~~تعالى. قلت: وكانت وفاة بهاء الدين هذا ويشبك الصوفي والبلاطنسي المقدم ~~ذكرهما في ليلة واحدة، وهذا من النوادر رحمهم الله. وتتا بتاء مثناة مكسورة ~~وتاء مثناة أيضا مفتوحة، وبعدهما ألف ممدودة. وتوفي الأمير سيف الدين قاني ~~باي بن عبد الله الحمزاوي نائب دمشق بها في يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع ~~الآخر، وقد قارب الثمانين، ودفن من الغد في يوم الخميس. وكان أصله من ~~مماليك سودون الحمزاوي الظاهري الدوادار، ثم خدم بعد موته عند الوالد هو ~~وجماعة كثيرة من خجداشيته مدة طويلة، ثم صار في خدمة الملك المؤيد شيخ ~~المحمودي قبل سلطنته، فلما تسلطن أمره عشرة، ثم صار أمير طبلخاناه، ثم صار ~~أمير مائة ومقدم ألف بعد موت الملك المؤيد شيخ، وتولى نيابة الغيبة بالديار ~~المصرية للملك المظفر أحمد بن شيخ لما سافر مع الأتابك ططر إلى دمشق، ثم ~~قبض عليه الملك الظاهر ططر لما عاد من دمشق وحبسه مدة، إلى أن أطلقه الملك ~~برسباي، وجعله أتابك دمشق، ثم طلبه ms3607 بعد سنين إلى الديار المصرية، وجعله بها ~~أمير مائة ومقدم ألف. واستقر الأمير تغري بردي المحمودي بعده أتابك دمشق، ~~فدام قاني باي بالقاهرة إلى أن ولاه الأشرف نيابة حماة بعد انتقال الأمير ~~جلبان إلى نيابة طرابلس، بعد موت الأتابك طرباي في سنة سبع وثلاثين، ثم نقل ~~بعد مدة إلى نيابة طرابلس بعد الأمير جلبان أيضا، بحكم انتقاله إلى نيابة ~~حلب بعد عصيان تغري برمش التركماني البهسني وخروجه عن الطاعة في سنة اثنتين ~~وأربعين وثمانمائة، فلم تطل مدته بها. ونقل إلى نيابة حلب بعد انتقال جلبان ~~أيضا إلى نيابة دمشق بعد موت الأتابك آقبغا التمرازي في سنة ثلاث وأربعين ~~وثمانمائة، فدام في نيابة حلب إلى سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، فطلبه الملك ~~الظاهر جقمق إلى الديار المصرية، وعزله عن نيابة حلب بالأمير قاني باي ~~البهلوان الناصري، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، عوضا ~~عن الأمير شادبك الجكمي المتولي نيابة حماة بعد انتقال قاني باي البهلوان ~~المقدم ذكره إلى نيابة حلب. فاستمر قاني باي الحمزاوي من أمراء الديار ~~المصرية إلى أن أعاده الملك الظاهر جقمق ثانيا إلى نيابة حلب، بعد عزل ~~الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي وقدومه إلى مصر على إقطاع قاني باي هذا، ~~فدام في نيابته هذه على حلب إلى أن نقله الملك الأشرف إينال إلى نيابة دمشق ~~بعد موت الأمير جلبان في سنة ستين وثمانمائة. فاستمر على نيابة دمشق إلى أن ~~مات بها، وهو عاص على السلطنة في الباطن، مقيم على الطاعة في الظاهر. وقد ~~وقع في أمر قاني باي هذا غرائب منها: أنه من يوم خرج من مصر إلى ولاية حلب ~~ثانيا في دولة الملك الظاهر جقمق عصى على السلطان في الباطن، وعزم على أنه ~~لا يعود إلى مصر أبدا؛ فلما مات الظاهر وتسلطن ابنه المنصور عثمان، ثم ~~الأشرف إينال، قوي أمر قاني باي هذا بحلب، وفشا أمره عند كل أحد، فلم يكشف ~~الأشرف إينال ستر التغافل بينه وبين قاني باي المذكور، بل صار كل منهما ~~يتجاهل ms3608 على الآخر، فذاك يظهر الطاعة وامتثال المراسيم من غير أن يطأ بساط ~~السلطان، أو يحضر إلى القاهرة، وهذا يرضى منه بذلك، ويقول: " هذا داخل في ~~طاعتي " ، ولا يرسل خلفه أبدا، بل يغالطه، حتى لو أراد قاني باي الحضور إلى ~~القاهرة ما مكنه إينال، لمعرفته منه أن ذلك امتحان، وصار كل منهما يترقب ~~موت الآخر إلى أن مات قاني باي قبل، وولى الأشرف إينال عوضه في نيابة دمشق ~~الأمير جانم الأشرفي. ومن الغرائب التي وقعت له أيضا أن قاني باي هذا لم يل ~~ولاية بلد مثل حماة وطرابلس وحلب والشام إلا بعد الأمير جلبان، مع طول مدة ~~جلبان في نياباته الشامية أزيد من ثلاثين سنة؛ فهذا من النوادر الغربية، ~~كون أن قاني باي يعزل عن نيابة حلب ويصير أميرا بمصر مدة سنين ويلي حلب ~~بعده غير واحد، ثم يعود إلى نيابة حلب، ويقيم بها إلى أن ينتقل منها إلى ~~نيابة الشام بعد موت جلبان، كما انتقل قبل ذلك بعده في كل بلد، فهذا هو ~~إلاتفاق العجيب. وتوفي الأمير شرف الدين عيسى بن عمر الهواري أمير عرب ~~هوارة ببلاد الصعيد في ليلة الخميس رابع شهر ربيع الآخر، بعد عوده من الحج، ~~وولي بعده ابنه، ثم عزل PageV04P0442 # بعد أمور. وكان عيسى هذا مليح الشكل، دينا خيرا بالنسبة إلى أبناء جنسه، ~~وله مشاركة بحسب الحال، ويتفقه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه. وتوفي ~~الشيخ الإمام الفقيه العالم أبو عبد الله حمد بن سليمان بن داود الجزولي ~~المغربي المالكي نزيل مكة، بها في يوم الأحد ثامن عشر شهر ربيع الآخر، ~~وحضرت الصلاة عليه بحرم مكة، ودفن بالمعلاة. وكان مولده في سنة سبع ~~وثمانمائة بجزولة من بلاد المغرب. وكان فقيها عالما بفروع مذهبه، عارفا ~~بالنحو، مشاركا في التفسيروالحديث، وسمع ببلاده أشياء كثيرة، وحدث ببعضها ~~في مكة، ودرس وأفتى، وانتفع أهل مكة بدروسه، وكان كريم النفس بخلاف ~~المغاربة رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي محب الدين أبو البركات محمد بن عبد ~~الرحيم الهيتمي الشافعي، أحد نواب الحكم ms3609 الشافعية بالديار المصرية، في يوم ~~الثلاثاء ثامن جمادى الأولى، وحضرت الصلاة عليه بحرم مكة، ودفن بالمعلاة، ~~وقد زاد عمره على الستين. وكان فقيها نحويا، مشاركا في فنون كثيرة، كان ~~يحفظ التوضيح لابن هشام في النحو، وكان مستقيم الذهن، جيد الذكاء، ناب في ~~الحكم بالديار المصرية أزيد من ثلاثين سنة، ودرس وخطب، وجاور بمكة غير مرة ~~إلى أن مات في مجاورته هذه إلاخيرة رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي ناصر ~~الدين محمد بن أحمد بن حسين النبراوي الحنفي أحد نواب الحكم بالقاهرة، في ~~يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الأولى. وكان عاريا من العلم، عارفا بصناعة ~~القضاء. وتوفي القاضي محب الدين محمد ابن الإمام شرف الدين عثمان بن سليمان ~~بن رسول بن أمير يوسف بن خليل بن نوح الكرادي بفتح الراء المهملة القرمشي ~~الأصل، الحنفي، المعروف بابن الأشقر، شيخ شيوخ خانقاه سرياقوس، ثم ناظر ~~الجيوش المنصورة بالديار المصرية، ثم كاتب السر بها، في يوم الثلاثاء ثاني ~~عشر شهر رجب بالقاهرة بطالا، ودفن من الغد بتربته بالصحراء خارج القاهرة. ~~وكانت وفاته بعد عزله من كتابة السر بشهرين، وبعد وفاة ولده إبراهيم بدون ~~الشهر. وكان مولده بالقاهرة قبل سنة ثمانين، ونشأ بها واشتغل في مبدأ أمره ~~قليلا، ثم ولي مشيخة خانقاه سرياقوس في سنة أربع عشرة وثمانمائة، ثم بعد ~~سنين كثيرة ولي كتابة السر بمصر في دولة الملك الأشرف برسباي، عوضاعن ~~القاضي كمال الدين بن البارزي، بحكم عزله في رجب سنة تسع وثلاثين، وباشر ~~الوظيفة إلى أن عزل عنها بالقاضي صلاح الدين بن نصرالله في ذي الحجة من سنة ~~أربعين، فلزم داره بطالا، إلى أن ولاه الملك الظاهر جقمق ناظر الجيوش ~~المنصورة عوضا عن الزيني عبد الباسط بحكم القبض عليه ومصادرته في سنة ~~اثنتين وأربعين، ثم عزل عن وظيفة نظر الجيش غير مرة، ثم ولي كتابة السر ~~ثانيا بعد وفاة القاضي كمال الدين ابن البارزي في سنة ست وخمسين، فباشر ~~الوظيفة إلى أن عزل عنها بالقاضي محب الدين ابن الشحنة، ثم أعيد إليها بعد ~~أشهر، ms3610 ودام بها مدة طويلة إلى أن عزل عنها ثانيا بابن الشحنة في سنة ثلاث ~~وستين وثمانمائة، ومات بعد ذلك بشهرين حسب ما تقدم ذكره. وكان معدودا من ~~رؤساء الديار المصرية، وكان عنده حشمة وأدب وتواضع ومحاضرة حسنة، إلا أنه ~~كان رأسا في البخل رحمه الله تعالى.مور. وكان عيسى هذا مليح الشكل، دينا ~~خيرا بالنسبة إلى أبناء جنسه، وله مشاركة بحسب الحال، ويتفقه على مذهب ~~الإمام مالك رضي الله عنه. وتوفي الشيخ الإمام الفقيه العالم أبو عبد الله ~~حمد بن سليمان بن داود الجزولي المغربي المالكي نزيل مكة، بها في يوم الأحد ~~ثامن عشر شهر ربيع الآخر، وحضرت الصلاة عليه بحرم مكة، ودفن بالمعلاة. وكان ~~مولده في سنة سبع وثمانمائة بجزولة من بلاد المغرب. وكان فقيها عالما بفروع ~~مذهبه، عارفا بالنحو، مشاركا في التفسيروالحديث، وسمع ببلاده أشياء كثيرة، ~~وحدث ببعضها في مكة، ودرس وأفتى، وانتفع أهل مكة بدروسه، وكان كريم النفس ~~بخلاف المغاربة رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي محب الدين أبو البركات محمد ~~بن عبد الرحيم الهيتمي الشافعي، أحد نواب الحكم الشافعية بالديار المصرية، ~~في يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى، وحضرت الصلاة عليه بحرم مكة، ودفن ~~بالمعلاة، وقد زاد عمره على الستين. وكان فقيها نحويا، مشاركا في فنون ~~كثيرة، كان يحفظ التوضيح لابن هشام في النحو، وكان مستقيم الذهن، جيد ~~الذكاء، ناب في الحكم بالديار المصرية أزيد من ثلاثين سنة، ودرس وخطب، ~~وجاور بمكة غير مرة إلى أن مات في مجاورته هذه إلاخيرة رحمه الله تعالى. ~~وتوفي القاضي ناصر الدين محمد بن أحمد بن حسين النبراوي الحنفي أحد نواب ~~الحكم بالقاهرة، في يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الأولى. وكان عاريا من ~~العلم، عارفا بصناعة القضاء. وتوفي القاضي محب الدين محمد ابن الإمام شرف ~~الدين عثمان بن سليمان بن رسول بن أمير يوسف بن خليل بن نوح الكرادي بفتح ~~الراء المهملة القرمشي الأصل، الحنفي، المعروف بابن الأشقر، شيخ شيوخ ~~خانقاه سرياقوس، ثم ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية، ثم كاتب السر ~~بها، في ms3611 يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر رجب بالقاهرة بطالا، ودفن من الغد ~~بتربته بالصحراء خارج القاهرة. وكانت وفاته بعد عزله من كتابة السر بشهرين، ~~وبعد وفاة ولده إبراهيم بدون الشهر. وكان مولده بالقاهرة قبل سنة ثمانين، ~~ونشأ بها واشتغل في مبدأ أمره قليلا، ثم ولي مشيخة خانقاه سرياقوس في سنة ~~أربع عشرة وثمانمائة، ثم بعد سنين كثيرة ولي كتابة السر بمصر في دولة الملك ~~الأشرف برسباي، عوضاعن القاضي كمال الدين بن البارزي، بحكم عزله في رجب سنة ~~تسع وثلاثين، وباشر الوظيفة إلى أن عزل عنها بالقاضي صلاح الدين بن نصرالله ~~في ذي الحجة من سنة أربعين، فلزم داره بطالا، إلى أن ولاه الملك الظاهر ~~جقمق ناظر الجيوش المنصورة عوضا عن الزيني عبد الباسط بحكم القبض عليه ~~ومصادرته في سنة اثنتين وأربعين، ثم عزل عن وظيفة نظر الجيش غير مرة، ثم ~~ولي كتابة السر ثانيا بعد وفاة القاضي كمال الدين ابن البارزي في سنة ست ~~وخمسين، فباشر الوظيفة إلى أن عزل عنها بالقاضي محب الدين ابن الشحنة، ثم ~~أعيد إليها بعد أشهر، ودام بها مدة طويلة إلى أن عزل عنها ثانيا بابن ~~الشحنة في سنة ثلاث وستين وثمانمائة، ومات بعد ذلك بشهرين حسب ما تقدم ~~ذكره. وكان معدودا من رؤساء الديار المصرية، وكان عنده حشمة وأدب وتواضع ~~ومحاضرة حسنة، إلا أنه كان رأسا في البخل رحمه الله تعالى. PageV04P0443 # وتوفي القاضي محب الدين محمد ابن القاضي ناصر الدين محمد الفاقوسي، أحد ~~أعيان موقعي الدست بالديار المصرية، في ليلة الاثنين خامس عشرين شهر رجب ~~رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين خيربك بن عبد الله المؤيدي الأشقر ~~الأمير آخور الثاني، في يوم السبت مستهل شعبان وقد جاوز السبعين. وكان من ~~مماليك المؤيد شيخ، وصار خاصكيا في دولة الملك الظاهر جقمق، ومن جملة ~~الدوادارية الصغار، إلى أن أنعم عليه بإمرة عشرة، بعد مسك جانبك المحمودي ~~المؤيدي، وجعله جقمق من جملة رؤوس النوب، وحج أمير الركب الأول، ثم نقل إلى ~~الأمير آخورية الثانية في أوائل دولة ms3612 الملك الأشرف إينال، عوضا عن سنقر ~~العايق الظاهري، فباشر الوظيفة بغير حرمة، وصار فيها كل شيء إلى أن مات، ~~وتولى الأمير يلباي الإينالي المؤيدي الأمير آخورية الثانية من بعده. وكان ~~خيربك هذا كثير الفتن بين الطوائف، وليس عنده همة لإثارة الحرب إلا ~~بالكلام. وتوفي الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد إلاخميمي أحد أئمة ~~السلطان في يوم السبت تاسع عشرين شعبان رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير زين ~~الدين قاسم بن جمعة القساسي الحلبي نائب قلعة حلب بها في شهر رمضان، وكان ~~ولي قبل ذلك حجوبية حلب وغيرها، الجميع بالبذل. وتوفي القاضي معين الدين ~~عبد اللطيف بن أبي بكر بن سليمان سبط ابن العجمي نائب كاتب السر بالديار ~~المصرية، يوم الجمعة رابع شوال وعمره نيف عن خمسين سنة. وكان ولي في الدولة ~~الأشرفية كتابة سر حلب، ثم ولي نيابة كتابة السر بمصر بعد وفاة أبيه القاضي ~~شرف الدين إلى أن مات، وكان هو القائم بأعباء ديوان الآنشاء، لمعرفته ~~بصناعة الآنشاء، ولما فيه من الفضيلة رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف ~~الدين سودون بن عبد الله من سيدي بك الناصري القرماني أتابك حلب بطريق الحج ~~في شوال. وكان من مماليك الناصر فرج، وانحط قدره، وخدم في أبواب الأمراء ~~إلى أن صار خاصكيا في الدولة الملك الظاهر ططر، ثم صار ساقيا في دولة الملك ~~الظاهر جقمق، ثم تأمر عشرة، ثم نقل إلى تقدمة ألف بحلب، ثم صار أتابكا في ~~دولة الأشرف إينال، ثم نقل إلى أتابكية طرابلس، ثم اعيد بعد مدة إلى ~~أتابكية حلب إلى أن مات. وكان مهملا مسرفا على نفسه، وعنده فشار كبير ~~ومجازفات في كلامه رحمه الله. وتوفي الشيخ الإمام الفقيه الواعظ الصوفي شمس ~~الدين محمد بن محمد بن إبراهيم الحموي الأصل الحلبي الشافعي المعروف بابن ~~الشماع، في ذي القعدة بالمدينة الشريفة قاصدا الحج، ودفن بالمدينة يوم دخول ~~الحاج الشامي إليها. وكان حلو اللسان، مليح الشكل، طلق العبارة والمحاضرة، ~~ولكلامه طلاوة ورونق وموقع في النفوس رحمه الله تعالى. وتوفي ms3613 الأمير سيف ~~الدين قاني باي المؤيدي المعروف بقراسقل، أحد أمراء العشرات، بمدينة طرابلس ~~في توجهه من الديار المصرية في البحر إلى الجرون صحبة الأمراء المصريين وقد ~~ناهز الستين من العمر أو جاوزها بيسير. وكان من مماليك الملك المؤيد شيخ، ~~ممن صار خاصكيا في دولة الظاهر جقمق وساقيا، ثم تأمر عشرة إلى أن مات. وكان ~~ساكنا مهملا مع إسراف على نفسه عفا الله عنا وعنه. وتوفي الأمير سيف الدين ~~بايزيد بن عبد الله التمربغاوي أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، في يوم ~~الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة، ودفن من يومه، وقد ناهز السبعين. وكان من ~~مماليك الأمير تمربغا المشطوب الظاهري برقوق وخدم بعده عند جماعة من ~~الأمراء، وتشتت فى البلاد إلى أن اتصل بخدمة الملك الظاهر ططر قبل سلطنته، ~~فلما تسلطن جعله خاصكيا، ثم ساقيا في أوائل دولة الأشرف برسباي، ودام على ~~ذلك دهرا طويلا، إلى أن أمره الأشرف عشرة في أواخر دولته، فدام على تلك ~~العشرة أيضا دهرا طويلا إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف إينال بإمرة ~~طبلخاناه، ثم نقله إلى تقدمة ألف في حدود سنة ستين، للين جانبه لا لمحله ~~الرفيع، ولا لعظم شوكته، فدام على ذلك سنيات ومات. وكان رجلا ساكنا عاقلا، ~~لم يشهرفي عمره بشجاعة ولا كرم، وكان إذا توجه في مهم إلى السلطان مع من ~~سافر من الأمراء ووقع الحرب يددونه قي الوطاق ليحرس الخيم، وكذلك جعله ~~الأشرف إينال في يوم الواقعة مع الملك المنصور عثمان يجلس على الباب رحمه ~~الله تعالى. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم لم يحرر لغيابي بمكة ~~المشرفة، مبلغ PageV04P0444 # الزيادة ثمانية عشر ذراعا وأصابع. ثمانية عشر ذراعا وأصابع. ### || AUT السنة الثامنة من سلطنة الأشرف إينال # وهي سنة أربع وستين وثمانمائة. فيها توفي الشيخ الإمام المحقق الفقيه ~~العلامة جمال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي المصري بالقاهرة في يوم ~~الأحد مستهل المحرم، وسنة نحو السبعين تخمينا. وكان إماما علامة متبحرا في ~~العلوم. كان بارعا في الفقه والأصلين والعربية وعلمي المعاني والبيان، ~~وأفتى ms3614 ودرس عدة سنين، وانتفعت الطلبة به، وله عدة مصنفات، ولم يكمل بعضها، ~~ورشح لقضاء الديار المصرية غير مرة. وكان في طباعه حدة، مع عدم التكلف في ~~ملبسه ومركبه إلى الغاية، بحيث إنه كان إذا رآه من لا يعرفه يظنه من جملة ~~العوام رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين قيز طوغان العلائي ~~الأستادار، ثم نائب ملطية، ثم أتابك حلب، ثم أحد أمراء دمشق بطالا بدمشق ~~بالطادون وقد شاخ، في العشر إلاوسط من محرم. وكان من عتقاء الأمير علان شلق ~~الظاهري، وخدم بعده عند الملوك إلى أن اتصل بخدمة السلطان، وصار في دولة ~~المؤيد شيخ رأس نوبة الجمدارية دهرا طويلا، إلى أن تأمر عشرة في دولة الملك ~~الظاهر جقمق، وصار أمير آخور ثالثا. ثم ولي الأستادارية بعد عزل الناصري ~~محمد بن أبي الفرج، فباشر أشهرا، ثم عزل وأخرج إلى البلاد الشامية، وتنقل ~~فيها إلي ما أشرنا إليه. ثم حج وسافر أمير، حاج المحمل الشامي، فوقع منه ~~بالمدينة الشريفة ما أوغر خاطر السلطان عليه، وأمسك بعد عوده وحبس مدة ~~بقلعة دمشق أو غيرها، ثم أطلق ودام بطالا إلى أن مات. وكان أميرا جليلا ~~عارفا شجاعا مقداما، وفيه حشمة وأدب ومكارم رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ ~~المقرىء إمام جامع إلازهر في يوم الأحد خامس عشر المحرم، وكان دينا خيرا من ~~بيت قراءة وفضل ودين رحمه الله تعالى. وتوفي زين الدين أبو الخير محمد ابن ~~المعلم شمس الدين محمد ابن المعلم أحمد، المعروف بالنحاس، شهرة وصناعة ~~ومكسبا، في يوم الجمعة العشرين من المحرم، ودفن من يومه بالصحراء. وقد تقدم ~~من ذكره في أصل هذا الكتاب ما يغني عن التعريف به في هذا المحل ثانيا، ~~وسقنا أمره محررا من ابتداء أمره إلى آخره باليوم والشهر من تاريخنا المنهل ~~الصافي، ثم في مصنفنا أيضا حوادث الدهور، وذكرنا كيفيته، وكيف كان تقربه ~~إلى الملك الظاهر جقمق، وعرفنا بحاله و تكسبه في دكان النحاسين، ثم ما وقع ~~له مع أبي العباس الوفائي، ثم ترقيه وتوليه الوظائف السنية شيئا ms3615 بعد شيء، ~~ثم انحطاط قدره، ونكبته ومصادرته، وضربه و نفيه بعد حبسه بحبس الرحبة مدة ~~طويلة، والآخراق به من العوام والمماليك السلطانية، ثم خروجه من الديار ~~المصرية على أقبح وجه، بعد أن أدعي عليه عند القاضي المالكي بالكفر، وأشيع ~~ضرب رقبته، ووضع الجنزير في رقبته، ثم ما وقع له من الآخراق بمدينة طرسوس ~~في مدة طويلة، ثم حضوره إلى الديار المصرية بغير إذن الملك الظاهر جقمق ~~خفية، ثم طلوعه إلى السلطان، وضرب السلطان له ثانيا بالحوش في الملأ العام ~~ذلك الضرب المبرح، ثم إخراجه ثانيا من القاهرة على أقبح وجه منفيا إلى ~~طرابلس، ثم إقامته بطرابلس إلى أن مات الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم، ~~ثم طلبه الحضور إلى الديار المصرية غير مرة إلى أن حضر. وظن المخمول أن ~~الذي مضى سيعود، وقدم عدة كبيرة من الخيول، وولي الذخيرة ووظائف أخرى، فلم ~~يتحرك له سعد ولا نتج أمره، بل صار كلما قام أقعده الدهر، وكلما أراد القوة ~~ضعف. وزاد به القهر إلى أن مرض وأشتد مرضه، وترادفت رسل السلطان إليه بطلب ~~المال، فعظم ما به من المرض من الخالق ومن المخلوق، إلى أن مات واستراح ~~وأراح بعد أن قاسى أهوإلا في مرضه، وحمل على فقص حمال على رأس رجل للمحاسبة ~~لما ثقل في الضعف، وقد حثه الطلب، كل ذلك تأديبا من الله عز وجل، لتعلم أن ~~الله على كل شيء قدير. PageV04P0445 # وكانت صفته رجلا طوإلا، أسمر جسيما عاميا: كانت صفته مشبهة لصناعته ~~وأهلها في الكثافة، إلا أنه كان يكتب المنسوب بحسب الحال، ليس فيه بالماهر، ~~ويحفظ القرآن على طريق قراء إلاجواق من مواظبته لليالي جمع الإمام الليث، ~~لا يحفظه على طريق القراء. وبالجملة فإن ابتداء ترقية كان عجيبا، وانحطاطه ~~كان أعجب رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين علان بن عبد الله ~~المؤيدي أتابك دمشق المعروف بعلان جلق بدمشق، في يوم الأربعاء تاسع صفر وقد ~~زاد سنه على السبعين تخمينا. وكان أصله من مماليك الملك المؤيد شيخ، وصار ~~في ms3616 أيامه من جمله الأمير آخورية الأجناد، ثم صار بعد موت أستاذه من جملة ~~أمراء دمشق، ثم بعد مدة نقل إلى نيابة البيرة، ثم إلى حجوبية حلب الكبرى، ~~ثم عزل من حلب بسبب شكوى نائبها قاني باي الحمزاوي عليه، توجه إلى طرابلس ~~بطالا، ثم أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق بعد انتقال الأمير خشقدم ~~الناصري المؤيدي عنها إلى حجوبية الحجاب بالديار المصرية، ثم نقل إلى ~~أتابكية دمشق بعد موت يشبك الصوفي المؤيدي في سنة ثلاث وستين، فلم تطل مدته ~~ومات. وكان مشهورا بالشجاعة وإلاقدام رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف ~~الدين طوغان من سقلسيز التركماني أمير التركمان، في شهر ربيع الأول، واستقر ~~ولده في إمرة التركمان من بعده. وتوفي القاضي سعد الدين إبراهيم بن فخر ~~الدين عبد الغني بن علم الدين شاكر بن رشيد الدين خطير الدمياطي المصري ~~القبطي المعروف بابن الجيعان، ناظر الخزانة الشريفة، في ليلة الجمعة ثالث ~~عشرين شهر ربيع الأول، وسنه نيف عن خمسين سنة. وكان حشما وقورا، وجيها عند ~~الملوك، وهو باني الجامع على بحر بولاق بالقرب من المنظرة الحجازية رحمه ~~الله تعالى. وتوفي عبد الله التركماني البهسني كاشف الشرقية بالوجه البحري ~~من أعمال القاهرة بطالا في يوم الأحد ثالث شهر ربيع الآخر، وقد كبر سنه ~~وشاخ. وكان في أول قدومه إلى الديار المصرية يخدم شادا في قرى القاهرة إلى ~~أن اتصل بخدمة الملك الظاهر جقمق قبل سلطنته، فلما تسلطن ولاه كشف الشرقية، ~~فلما ولي ما كف عن قبيح ولا عف عن حرام إلا فعلهما، فساءت سيرته في ولايته، ~~وحصل للناس منه شدائد، لا سيما أهل بلبيس وفلاحي الشرقية، فإنه كان عليهم ~~أشد من إبليس، وشكاه غير واحد مرات عديدة إلى الملك الظاهر، فلم يسمع فيه ~~كلاما. وبالجملة فإنه كان من أوخاش الظلمة إلا لعنة الله على الظالمين. ~~وتوفي الشيخ أبو الفتح محمد الكاتب المجود صاحب الخط المنسوب وأحد نواب ~~الحكم الشافعية وإمام الشهابي أحمد ابن الملك الأشرف إينال في يوم الأحد ~~عاشر شهر ربيع الآخر ms3617 رحمه الله. وتوفي الأمير أسندمر بن عبد الله الجقمقي ~~أحد أمراء العشرات ورأس نوبة بعد عوده من مجاورته بمكة بمرض البطن، في يوم ~~الثلاثاء تاسع جمادى الأولى وقد ناهز الستين من العمر. وكان رومي الجنس، ~~وكان أصله من مماليك جقمق إلارغون شاوي الدوادار نائب الشام، وكان أسندمر ~~هذا يجيد الرمي بالنشاب، وفيه إسراف على نفسه سامحه الله تعالى بفضله. ~~وتوفي سيف الدين خشقدم بن عبد الله إلاردبغاوي حاجب حجاب طرابلس في جمادى ~~الأولى. وكان أصله من مماليك أردبغا نائب قلعة صفد، ثم خدم عند قاني باي ~~الحمزاوي، وصار في أواخر عمره دوادارا، ثم سعى بعد الحمزاوي في حجوبية ~~طرابلس حتى وليها، فلم ظل مدته، ومات في التاريخ المذكور. و كان من الأوباش ~~الذين لا أعرف لهم حإلا. وتوفي الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله الظاهري ~~أحد أمراء العشرات بالطادون في يوم السبت حادي عشرين جمادى الأولى، وأخرج ~~هو وولده معا في جنازة واحدة. وكان أصله من مماليك الملك الظاهر جقمق، ~~اشتراه في سلطنته، وتأمر في أيامه عشرة ثم نكب، ثم تأمر ثانيا في دولة ~~الملك الأشرف عشره إلى أن مات. وكان لا بأس به رحمه الله تعالى. ~~PageV04P0446 # وتوفي الأمير سيف الدين يونس بن عبد الله العلائي الناصري الأمير آخور ~~الكبير بالطادون في باكر يوم الاثنين ثالث عشرين جمادى الأولى، وقد جاوز ~~السبعين من العمر، ودفن بتربته التى أنشأها بالصحراء. وكان أصله من مماليك ~~الظاهر برقوق الكتابية، ثم ملكه الملك الناصر فرج وأعتقه، ودام من جملة ~~المماليك السلطانية سنين كثيرة لا يلتفت إليه في الدول إلى أن تأمر عشرة في ~~أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، مراعاة لخاطر الأمير إينال العلائي إلاجرود ~~أعني عن الأشرف هذا صاحب الترجدة لكونه كان خجداشه من تاجر واحد، ودام من ~~جملة أمراء العشرات أياما كثيرة، إلى أن نقله الملك الظاهر إلى نيابة قلعة ~~الجبل بعد عزل تغري برمش الفقيه وإخراجه إلى القدس في سنة تسع وأربعين. ~~قلت: وبئس البديل! وهذا من عدم الآنصاف. كيف يكون ms3618 هذا المهمل العاري من كل ~~علم وفن موضع ذلك العالم الفاضل الذكي العارف بغالب فنون الفروسمة هع ما ~~حواه من العلوم. وقد أذكرتني هذه الواقعة قول بعض الأدباء المؤالة، حيث ~~قال: شاباش يا فلك شاباش ... تحط عالي وترفع في الهوا أوباش وتجعل ~~الحرالذكي الوشواش ... يحكم عليه رديء الأصل يبقى لاش PageV04P0447 # وأستمر يونس هذا في نيابة القلعة إلى أن تسلطن خجداشحه الملك الأشرف ~~إينال صاحب الترجدة، وخلع عليه في صبيحة يوم السلطنة بنيابة الإسكندرية، ~~فتوجه إليها وأقام بها مدة، ئم عزل وقدم إلى القاهرة على إمرته. ثم بعد مدة ~~من قدومه، صار أمير مائه ومقدم ألف بالديار المصرية بعد خروج الأمير جانم ~~الأشرفي إلى نيابة حلب وذلك في أواخر صفر سنة تسع وخمسين، وتوجه لتقليد ~~الأمير قاني باي الحمزاوي نائب حلب بنيابة دمشق بعد موت الأمير جلبان فقلده ~~وعاد، وقد استغنى يونس بما أعطاه قاني باي الحمزاوي في حق طريقه من الذهب ~~اثني عشر ألف دينار، ومن القماش والخيول نحو خمسة إلاف دينار، ثم نقل بعد ~~ذلك الأمير آخورية الكبرى بعد انتقال الأمير جرباش المحمدي إلى إمرة مجلس، ~~بعد تعطل الأمير طوخ من تمراز ولزومه داره من مرض تمادى به، وذلك في أوائل ~~ذي الحجة سنة إحدى وستين وثمانمائة. وعظم يونس عند خجداشه الملك الأشرف، ~~لكونه كان خجداشه. وأنا أقول: ما كانت محبته له إلا لجنسية كانت بينهما في ~~إلاهمال، لأن الجنسية علة الضم. فلم يزل يونس المذكور في وظيفته إلى أن مات ~~في التاريخ المقدم ذكره. قلت: وما عسى أذكر من أمره، والسكوت وإلاضراب عن ~~الذكر أجمل، وفي التلويح ما يغني عن التصريح. وتوفي الأمير زين الدين هلال ~~بن عبد الله الرومي الطواشي الظاهري الزمام بطالا بالطادون، في يوم الأحد ~~تاسع عشرين جمادى الأولى، وقد شاخ وناهز عشر المائة من العمر. وكان من خدام ~~الملك الظاهر برقوق ومن أعيان طواشيته، ثم صار شاد الحوش السلطاني مدة ~~طويلة، إلى أن بدا له أن يبذل المال في وظيفة الزمامية، فوليها بعد موت ms3619 ~~الأمير جوهر القنقبائي، فباشر الوظيفة بقلة حرمة، فلم ينتج أمره، وعزل ~~وتخومل إلى أن مات، وهو مجتهد في الزراعة والدولاب لتحصيل المال، فلم ينل ~~من ذلك شيئا، ومات فقيرا رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي زين الدين عبد ~~الرحيم ابن قاضي القضاة بدرالدين محمود ابن القاضي شهاب الدين أحمد العيني ~~الحنفي ناظر إلاحباس، في يوم الثلاثاء ثاني عشرين جمادى الآخرة بالطادون، ~~وهو في الكهولية. وكان من بيت علم ورئاسة. وتوفيت خوند زينب بنت الأمير ~~جرباش الكريمي المعروف بقاشق، في يوم السبت سادس عشرين جمادى الآخرة، ~~بالطادون، وسنها فوق الثلاثين. وكان الملك الظاهر جقمق تزوجها في أوائل ~~سلطنته، في حدود سنة اثنتين وأربعين أو التي بعدها، ومات عنها فتزوجها ~~القاضي شرف الدين موسى الآنصاري ناظر الجيوش المنصورة، فماتت عنده ودفنت ~~بمدرسة الظاهر برقوق ببين القصرين لكون أمها ابنة قانباي ابن اخت الظاهر ~~برقوق رحمها الله تعالى. وتوفي الأمير قرم خجا بن عبد الله الظاهري، أحد ~~أمراء العشرات بطالا في العشر الأول من شهر رجب، وهو في عشر المائة من ~~العمر. كان من مماليك الظاهر برقوق وخاصكيته، وكان فقيها دينا خيرا تركي ~~الجنس رحمه الله تعالى. وتوفي السيفي يشبك بن عبد الله الأشرفي الأشقر ~~أستادار الصحبة وأحد الخاصكية بالطادون، في يوم الثلاثاء سابع شهر رجب، ~~ومستراح منه، لأنه كان مهملا مسرفا على نفسه، لا يرتجى لدين ولا لدنيا عفا ~~الله عنه. وتوفي الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله الساقي الظاهري ~~بالطادون، في يوم الأحد تاسع عشر شهر رجب بعد أن تأمر بأيام. وكان مشهورا ~~بالشجاعة وإلاقدام. قلعت عينه في واقعة الملك المنصور عثمان مع الأشرف ~~إينال، وكان من حزب ابن أستاذه الملك المنصور رحمه الله وعفا عنه. وتوفي ~~الأمير سيف الدين يرشباي بن عبد الله الإينالي المؤيدي الأمير آخور الثاني ~~كان وأحد أمراء الطبلخانات الآن، وهو مجاور بمكة المشرفة، في شهر رجب، وقد ~~ناهز الستين من العمر. وكان من مماليك الملك المؤيد شيخ، اشتراه بعد ~~سلطنته، وصار خاصكيا بعد موته إلى أن ms3620 تأمر عشرة في دولة الملك الظاهر جقمق، ~~وصار أمير آخور ثالثا، ثم نقل بعد مدة إلى الأمير آخورية الثانية وإمرة ~~طبلخاناه بعد موت خجداشه سودون المحمدي المعروف بأتمكجي، فدام على ذلك إلى ~~أن قبض عليه الملك المنصور عثمان مع دولات باي الدوادار ويلباي الإينالي ~~المؤيديين، وحبس يرشباي هذا بسجن الإسكندرية إلى أن أطلقه الملك الأشرف، ~~وأرسله مع خجداشه يلباي إلى دمياط، ثم استقدمهما بعد أيام يسيرة إلى ~~القاهرة، وأنعم على يرشباي المذكور بإمرة عشرة، ثم PageV04P0448 # بإمرة طبلخاناه بعد انتقال الأمير بايزيد التمربغاوي إلى تقدمة ألف، ثم ~~سافر إلى مكة رأسا على المماليك السلطانية بها في سنة ثلاث وستين فمات بمكة ~~رحمه الله تعالى. وكان رجلا طوإلا مليح الشكل والهيئة، حشما وقورا، مع ~~إسراف على نفسه عفا الله عنه بمنه وكرمه. وتوفي القاضي كمال الدين أبو ~~الفضل محمد بن ظهيرة المكي المخزومي الشافعي، قاضي جدة، وهو معزول عنها بعد ~~مرض طويل بالمدينة الشريفة. وكان من خيار أقاربه، ولديه فضيلة ومشاركة حسنة ~~ومحاضرة جيدة بالشعر وأيام الناس، وكان محبوبا في قومه وأهل بلده رحمه الله ~~تعالى ولقد عز علينا موته. وتوفي الأمير سيف الدين يشبك بن عبد الله ~~المؤيدي أتابك دمشق بها في شعبان، وقد جاوز الستين. وكان يعرف بيشبك طاز، ~~وكان مشكور السيرة، لا بأس به رحمه الله. وتوفي الشيخ الإمام العالم الفقيه ~~زين الدين عبد الرحمن بن عنبر إلابوتيجي الشافعي، أحد فقهاء الشافعية في ~~صبيحة يوم الاثنين ثالث عشرين شوال، وقد زاد سنه عن التسعين. وكان عالما، ~~وله اليد الطولى في علمي الفرائض والحساب، وتصدر للإقراء بجامع إلازهر مدة ~~طويلة، وكان يعجبني حاله، إلا أنه ما حج حجة الإسلام عفا الله تعالى عنه. ~~وتوفيت خوند آسية بنت الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق في أوائل ذي ~~الحجة وهي في عشر الستين وهي عزباء، وأمها أم ولد حبشية تسمى ثريا. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع سواء. مبلغ الزيادة تسعة عشر ~~ذراعا وخمسة عشر إصبعا. طبلخاناه بعد ms3621 انتقال الأمير بايزيد التمربغاوي إلى ~~تقدمة ألف، ثم سافر إلى مكة رأسا على المماليك السلطانية بها في سنة ثلاث ~~وستين فمات بمكة رحمه الله تعالى. وكان رجلا طوإلا مليح الشكل والهيئة، ~~حشما وقورا، مع إسراف على نفسه عفا الله عنه بمنه وكرمه. وتوفي القاضي كمال ~~الدين أبو الفضل محمد بن ظهيرة المكي المخزومي الشافعي، قاضي جدة، وهو ~~معزول عنها بعد مرض طويل بالمدينة الشريفة. وكان من خيار أقاربه، ولديه ~~فضيلة ومشاركة حسنة ومحاضرة جيدة بالشعر وأيام الناس، وكان محبوبا في قومه ~~وأهل بلده رحمه الله تعالى ولقد عز علينا موته. وتوفي الأمير سيف الدين ~~يشبك بن عبد الله المؤيدي أتابك دمشق بها في شعبان، وقد جاوز الستين. وكان ~~يعرف بيشبك طاز، وكان مشكور السيرة، لا بأس به رحمه الله. وتوفي الشيخ ~~الإمام العالم الفقيه زين الدين عبد الرحمن بن عنبر إلابوتيجي الشافعي، أحد ~~فقهاء الشافعية في صبيحة يوم الاثنين ثالث عشرين شوال، وقد زاد سنه عن ~~التسعين. وكان عالما، وله اليد الطولى في علمي الفرائض والحساب، وتصدر ~~للإقراء بجامع إلازهر مدة طويلة، وكان يعجبني حاله، إلا أنه ما حج حجة ~~الإسلام عفا الله تعالى عنه. وتوفيت خوند آسية بنت الملك الناصر فرج ابن ~~الملك الظاهر برقوق في أوائل ذي الحجة وهي في عشر الستين وهي عزباء، وأمها ~~أم ولد حبشية تسمى ثريا. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع ~~سواء. مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وخمسة عشر إصبعا. ### | AUT سلطنة المؤيد أبي الفتح أحمد بن إينال # PageV04P0449 # هو السلطان السابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، ~~والثالث عشر من الجراكسة وأولادهم. تسلطن في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى ~~الأولى من سنة خمس وستين وثمانمائة الموافق لأول برمهات. فلما كان ضحوة ~~النهار المذكور نزل الزيني خشقدم إلاحمدي الطواشي الساقي الظاهري بطلب ~~القضاة الأربعة إلى القلعة، ونزل غيره إلى الخليفة المستنجد بالله يوسف، ~~فبادر كل منهم بالطلوع إلى القلعة، حتى تكامل طلوع الجميع، وجلس الكل بقاعة ~~دهليز الدهيشة من قلعة ms3622 الجبل، وجلس الخليفة والمقام الأتابكي أحمد المذكور ~~في صدر المجلس، وجلس كل من القضاة في مراتبهم، ودار الكلام بينهم في سلطنة ~~الملك المؤيد هذا، لكون أن والده الملك الأشرف إينال ما كان عهد إليه قبل ~~ذلك بالسلطنة. فتكلم القاضي كاتب السر محب الدين ابن الشحنة في أن تكون ~~ولايته في السلطنة نيابة عن والده مدة حياته، ثم استقلإلا بعد وفاته، أو ~~معناه، فلم يحسن ذلك ببال من حضر. وقام الجميع ودخلوا إلى قاعة الدهيشة، ~~وبها الملك الأشرف إينال مستلق على خطة ليسمعوا كلامه بالعهد لولده أحمد ~~هذا، فكلمه الأمير يونس الدوادار غير مرة في معنى العهد، وهو لا يستطيع ~~الرد، وطال وقوف الجميع عنده وهو لا يتكلم، فخرجوا إلى ولده المؤيد هذا وهو ~~جالس بدهليز الدهيشة عند الشباك وعرفوه الحال، ثم رجعوا إلى الملك الأشرف ~~ثانيا، وكرروا عليه السؤال، وهو ساكت، إلى أن تكلم بعد حين، وقال باللغة ~~التركية: " أغلم، أغلم " ، يعني: " ابني، ابني " ، فقال من حضر: " هذا ~~إشارة بالعهد لولده، فإنه لا يستطيع من الكلام أكثر من هذا " ، وخرجوا من ~~وقتهم إلى الدهيشة. وانتدب كاتب السر لتحليف الأمراء، فحلف من حضر من ~~الأمراء إلايمان المؤكدة، ولم ينهض أحد منهم أن يوري في يمينه ولا يدلس، ~~لأنهم أجانب من معرفة ذلك، وأيضا المحلف له فطن وكاتب سره رجل عالم؛ وكان ~~من جملة اليمين: المشي إلى الحاج كذا كذا مرة، والطلاق والعتق وغير ذلك. ~~فلما انقضى التحليف وتمت البيعة قام كل أحد من الأمراء والخاصكية والأعيان ~~وبادر إلى لبس الكلفتاة والتتري الأبيض، كما هي العادة، وأحضرت خلعة ~~السلطنة الخليفتية السوداء، ولفت له عمامة سوداء حرير. وقام المقام الشهابي ~~المذكور ولبس الخلعة والعمامة على الفور، وركب من باب الدهيشة فرس النوبة ~~بسرج ذهب وكنبوش زركش، ومشت الأمراء والأعيان بين يديه من باب الحوش ، إلى ~~أن اجتاز بباب الدور السلطانية فتلقته الجاووشية والزردكاش ومعه القبة ~~والطير وأبهة السلطنة، فتناول الأمير خشقدم الناصري المؤيدي أمير سلاح ~~القبة والطير بإذن السلطان وحملها على رأسه وهو ms3623 ماش، وسار في موكب الملك ~~بعظمة زائدة خارجة عن الحد، وصار جميع الأمراء والقضاة مشاة بين يديه إلا ~~الخليفة المستنجد بالله فإنه ركب فرسا من خيل السلطان، ومشى بها خطوات، ثم ~~نزل عنها لقوتها عليها. ولازال السلطان على تلك الهيئة، حتى نزل على باب ~~القصر السلطاني من قلعة الجبل، ودخل وجلس على سرير الملك، فلم تر العيون ~~فيما رأت أحسن ولا أجمل منه في الخلعة السوداء، لأنه كان أبيض اللون، ~~والخلعة سوداء، مع حسن سمته، وطول قامته، حتى إنه لعله لم يكن أحد فى ~~العسكر يوم ذاك يدانيه في طول القامة. ولما جلس على تخت الملك قبلت الأمراء ~~الأرض بين يديه، ودقت الكوسات، ونودي في الحال بالدعاء للملك المؤيد أبي ~~الفتح أحمد بشوارع القاهرة. ثم في الوقت خلع على الخليفة فوقاني حرير بوجين ~~أبيض وأخضر بطرز زركش، وأنعم عليه بفرس بسرج ذهب، وكنبوش زركش، وأنعم عليه ~~بقرية منبابة بالجيزة. ثم خلع على الأمير خشقدم أمير سلاح أطلسين متمرا، ~~وفوقانيا بطرز زركش، بسرج ذهب وكنبوش زركش. وأقام الملك المؤيد يومه وليلته ~~بالقصر، وأصبح حضر الخدمة حسبما يأتي ذكره، بعد أن نذكر وقت سلطنته. وكان ~~الطالع وقت مبايعته ولبسه خلعة السلطنة وجلوسه على سرير الملك السرطان، ~~وصاحب الطالع بالسنبلة وهو القمر قطع اثنتين وعشرين درجة و خمسين دقيقة، ~~والرأس بالسرطان أيضا ست عشرة درجة وثلاثين دقيقة راجعا، والمشتري بالقوس ~~صفرا وسبعا وعشرين دقيقة، وزحل بالجدي أيضا ثمانيا وعشرين درجة وستا ~~وأربعين دقيقة، والذنب بالجدي أيضا ست عشرة درجة وثلاثين دقيقة، والزهرة في ~~الدلو ثلاث درجات وتسع عشرة دقيقة، والليلة بالدلو PageV04P0450 # أيضا ثماني درج و ثمانيا وخمسين دقيقة، وعطارد أيضا بالدلو اثنتين وعشرين ~~درجة وخمسين دقيقة، والشمس في الحوت خمس عشرة درجة وأربعا وخمسين دقيقة، ~~والساعة السادسة، وهي للزهرة انتهى. ولما كان صبيحة نهار الخميس المقدم ~~ذكره، وهو ثاني يوم من يوم سلطنته، وهو عشر جمادى الأولى، وقد عمل السلطان ~~فيه الخدمة السلطانية، وخلع على جماعة كثيرة من الأمراء بعدة وظائف، فاستقر ~~بالأمير ms3624 خشقدم أمير سلاح أتابك العساكر عوضا عن نفسه، ولكن لم يجد له في ~~ذلك اليوم خلعة الأتابكية، لكونه كان لبسها في أمسه، لما حمل القبة والطير ~~على رأس السلطان، فجددت له أخرى لم يفرغ عملها في هذا اليوم. ثم أنعم ~~السلطان على الأمير خشقدم المذكور بإقطاع نفسه، وهو إقطاع الأتابكية. ثم ~~خلع على الأمير جرباش المحمدي أمير مجلسه باستقراره في إمرة سلاح عوضا عن ~~الأمير خشقدم بحكم استقراره أتابك العساكر. واستقر الأمير قرقماس الأشرفي ~~رأس نوبة النوب أمير مجلس عوضا عن جرباش المقدم ذكره. واستقر الأمير قانم ~~من صفرخجا المؤيدي التاجر رأس نوبة النوب عوضا عن قرقماس المذكور. وأنعم ~~السلطان بإقطاع الأتابك خشقدم على الأمير بيبرس الأشرفي خال الملك العزيز ~~يوسف حاجب الحجاب، لكون متحصل هذا إلاقطاع يزيد عن متحصل إلاقطاع الذي كان ~~بيده أولا، وطلب الأمير جانبك من أمير الأشرفي الخازندار إقطاع بيبرس، ~~فتوقف السلطان فيه، ووقع بسبب توقف السلطان في الآنعام على جانبك به بين ~~جانبك المذكور وبين الأمير يونس الدوادار الكبير كلام، فافحش الدوادار في ~~الرد على جانبك، ودام إلاقطاع موقوفا لم ينعم به على أحد، وانفض الموكب. ~~وقام السلطان الملك المؤيد أحمد من القصر، وتوجه إلى الدهيشة، وجلس بالشباك ~~المطل على الحوش، وأمر المنادي فنادى بين يديه بالحوش بأن النفقة في ~~المماليك السلطانية تكون لكل واحد مائة دينار، وتكون أول التفرقة يوم ~~الثلاثاء عشرين الشهر، فضج الناس له بالدعاء. ثم قام ودخل إلى عند أبيه وهو ~~في السياق، فمات في اليوم، وهو يوم الخميس المقدم ذكره بين الظهر والعصر، ~~فجهز من وقته، وصلى عليه بباب القلة من قلعة الجبل، ثم حمل حتى دفن من يومه ~~بتربته التي أنشأها بالصحراء خارج القاهرة حسبما تقدم ذكر ذلك كله في ~~ترجمته. ثم أصبح الملك المؤيد يوم الجمعة صلى الجمعة بجامع الناصري بالقلعة ~~مع الأمراء على العادة، وخلع بعد انقضاء الصلاة على الأمير خشقدم الناصري ~~المؤيدي خلعة الأتابكية على العادة. واستمر السلطان إلى يوم الأحد ثامن ~~عشره أعني جمادى الأولى ms3625 فأنفق على الأمراء نفقة السلطنة، فحمل إلى الأمير ~~الكبير أربعة إلاف دينار، تفصيلها: ألف دينار بسبب حملة القبة والطير على ~~رأس السلطان يوم سلطنته، والبقية نفقة السلطنة، وحمل إلى أمير سلاح جرباش ~~وغيره من أمراء الألوف من أصحاب الوظائف لكل واحد ألفين وخمسمائة دينار، ~~وإلى غير أرباب الوظائف من مقدمي الألوف لكل ألفي دينار فقط، وحمل لكل أمير ~~من أمراء الطبلخانات خمسمائة دينار، ولكل أمير من أمراء العشرات مائتي ~~دينار. ثم في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى خلع السلطان على الأتابك ~~خشقدم، وعلى قانم رأس نوبة النوب خلع الآنظار المتعلقة بوظائفهما على ~~العادة. وأنعم السلطان على الأمير يشبك البجاسي الأشرفي إينال أحد مقدمي ~~الألوف بحلب بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، وهو إقطاع بيبرس الذي ~~وقع بين يونس الدوادار وبين جانبك الظريف الخازندار بسببه، وأنعم بتقدمة ~~يشبك المذكور التي بحلب على الأمير تمراز الأشرفي الدوادار، كان وأنعم ~~بإقطاع تمراز، وهو إمرة طبلخاناه بطرابلس، على الأمير لاجين الظاهري؛ ويشبك ~~هذا المنعم عليه بالتقدمة كان أصله من مماليك الأمير تنبك البجاسي نائب ~~الشام، و ملكه بعد موت تنبك الأشرف إينال، وهو من جملة الأمراء، وأعتقه ~~ورقاه حتى صار دواداره، ثم أخذ له من الملك الظاهر جقمق إمرة بصفد، فلما ~~تسلطن رفع قدره إلى أن صار من جملة أمراء الألوف بحلب، واتفق مجيئه إلى مصر ~~لينظر أستاذه، فاتفق في مجيئه ضعف أستاذه ثم موته. وفيه أيضا خلع السلطان ~~على جماعة من الأمراء والخاصكية لتوجههم بحمل تقاليد نواب البلاد الشامية: ~~فكان الأمير مغلباي إلابو بكري المؤيدي المعروف بطاز، أحد أمراء العشرات ~~ورأس نوبة، يتوجه إلى نائب الشام PageV04P0451 # الأمير جانم الأشرفي. والأمير بيبرس الأشرفي الأشقر أحد أمراء العشرات ~~ورأس نوبة يتوجه إلى الأمير حاج إينال اليشبكي نائب حلب. والسيفي برقوق ~~الناصري الظاهري الساقي يتوجه إلى إياس المحمدي الناصري نائب طرابلس. ~~والسيفي آقبردي الساقي الأشرفي يتوجه لجانبك التاجي المؤيدي نائب حماة. ~~وتنم الفقيه إلابو بكري المؤيدي يتوجه لخيربك النوروزي نائب صفد، ولبردبك ~~العبد الرحماني نائب ms3626 غزة معا. وخلع على جماعة أخر من الخاصكية بتوجههم إلى ~~جماعة أخر إلى البلاد الشامية، والجميع خاصكية ما عدا مغلباي طاز وبيبرس ~~الأشقر. ثم في يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى المذكورة ابتدأ ~~السلطان بالنفقة في المماليك السلطانية من غير تسوية، فأعلى من أخذ مائة ~~دينار، وأدنى من أخذ ثلاثين دينارا، وأعطى لكل مملوك من الكتابية عشرة ~~دنانير، فاستمرت النفقة على المماليك السلطانية في كل يوم سبت وثلاثاء إلى ~~ما يأتي ذكره. ثم بعد أيام وصل القاهرة كتاب جانبك الأبلق الظاهري من قبرس ~~أنه هو ومن معه من المماليك السلطانية وغيرهم من الفرنج واقعوا أهل شرينة ~~في عاشر شهر ربيع الآخر، وحصروا قلعتها، وقتلوا من الفرنج بشرينة ثمانية ~~نفر، وأسروا مثلهم. ثم ذكر أيضا أنه واقع ثانيا أهل شرينة، وقتل صاحب ~~الشرطة بقلعتها، وآخر من عظمائها أرمى نفسه إلى البحر فغرق. قلت: " مما ~~خطاياهم أغرقوا فأدخلوا نارا " . ثم ذكر جانبك أيضا أنه قبض على خمسة منهم، ~~وأن الملكة صاحبة شرينةم الأشرفي. والأمير بيبرس الأشرفي الأشقر أحد أمراء ~~العشرات ورأس نوبة يتوجه إلى الأمير حاج إينال اليشبكي نائب حلب. والسيفي ~~برقوق الناصري الظاهري الساقي يتوجه إلى إياس المحمدي الناصري نائب طرابلس. ~~والسيفي آقبردي الساقي الأشرفي يتوجه لجانبك التاجي المؤيدي نائب حماة. ~~وتنم الفقيه إلابو بكري المؤيدي يتوجه لخيربك النوروزي نائب صفد، ولبردبك ~~العبد الرحماني نائب غزة معا. وخلع على جماعة أخر من الخاصكية بتوجههم إلى ~~جماعة أخر إلى البلاد الشامية، والجميع خاصكية ما عدا مغلباي طاز وبيبرس ~~الأشقر. ثم في يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى المذكورة ابتدأ ~~السلطان بالنفقة في المماليك السلطانية من غير تسوية، فأعلى من أخذ مائة ~~دينار، وأدنى من أخذ ثلاثين دينارا، وأعطى لكل مملوك من الكتابية عشرة ~~دنانير، فاستمرت النفقة على المماليك السلطانية في كل يوم سبت وثلاثاء إلى ~~ما يأتي ذكره. ثم بعد أيام وصل القاهرة كتاب جانبك الأبلق الظاهري من قبرس ~~أنه هو ومن معه من المماليك السلطانية وغيرهم من الفرنج واقعوا أهل شرينة ms3627 ~~في عاشر شهر ربيع الآخر، وحصروا قلعتها، وقتلوا من الفرنج بشرينة ثمانية ~~نفر، وأسروا مثلهم. ثم ذكر أيضا أنه واقع ثانيا أهل شرينة، وقتل صاحب ~~الشرطة بقلعتها، وآخر من عظمائها أرمى نفسه إلى البحر فغرق. قلت: " مما ~~خطاياهم أغرقوا فأدخلوا نارا " . ثم ذكر جانبك أيضا أنه قبض على خمسة منهم، ~~وأن الملكة صاحبة شرينة PageV04P0452 # أخت جاكم صاحب قبرس قد توجهت من شرينة إلى رودس تستنجد بهم. ثم ذكر أيضا ~~أنه ظفر بعدة مراكب ممن كان قدم من الفرنج نجدة للملكة المذكورة، وأنه أسر ~~منهم خلائق تزيد عدتهم على مائة نفر، وأنه أخذ بالحصار عدة أبراج من أبراج ~~قلعة باف بعد أن قاسوا منه شدائد، وأنه يستحث السلطان في إرسال عسكر بسرعة ~~قبل مجيء نجدة لهم من الفرنج أهل الماغوصة الجنوية، وإلى أهل شرينة من غير ~~الجنوية انتهى. وفي يوم الأربعاء ثامن عشرينه استقر عميرة بن جميل بن يوسف ~~شيخ عربان السخاوة بالغربية بعد موت أبيه. قلت: والشيء بالشيء يذكر، وقد ~~أذكرني ولاية عميرة هذا حال أرياف الديار المصرية الآن؛ فإنه من يوم تسلطن ~~الملك المؤيد أحمد هذا حصل الأمن في جميع الأعمال برا وبحرا، شرقا وغربا، ~~من غير أمر يوجب ذلك، ووقع رعب السلطان في قلوب المفسدين حتى صار أحدهم لا ~~يستطيع أن يخرج من داره فكيف يقطع الطريق، فانطلقت الألسن بالدعاء للملك ~~المؤيد هذا، وتبارك كل أحد بقدومه واستيلائه على الأمر، ومالت النفوس إلى ~~محبته ميلا زائدا خارجا عن الحد؛ فإنه أول ما تسلطن قمع مماليك أبيه ~~الأجلاب عن تلك إلافعال التي كانوا يفعلونها أيام أبيه، وهددهم بأنواع ~~النكال إن لم يرجعوا، فرجع الغالب منهم عن أشياء كثيرة مما تقدم ذكرها، ~~وعلم الناس من السلطان ذلك، فطمع كل أحد في الأجلاب فانحط قدرهم، حتى صار ~~أحدهم لا يستطيع أن يزجر غلامه، ولا خدمه، فزاد حب الناس للملك المزيد ~~لذلك، فكل من أحبه فهو معذور، لما قاست الناس منهم أيام أبيه من تلك ~~إلافعال القبيحة. على أن الملك المؤيد أيضا ms3628 كان له في أيام والده مساوىء ~~كثيرة من جهة حماياته البلاد والمراكب بساحل النيل، وأشياء أخر غير ذلك، ~~فقاست الناس من حماياته أهوإلا، فلما تسلطن ترك ذلك كله كأنه لم يكن، وأقبل ~~على العدل وإرداع المفسدين، فبدل في أيامه الجور بالعدل، والخوف بالأمن، ~~والراحة بعد التعب ولله الحمد. وفيه عزل السلطان الصاحب شمس الدين منصورا ~~عن الأستادارية، وخلع من الغد على مجد الدين أبي الفضل البقري كاملية بمقلب ~~سمور، باستقراره في الأستادارية، عوضا عن الشمسي منصور، ووعد بأنه يلبس ~~خلعة وظيفة الأستادارية في يوم السبت أول جمادى الآخرة، فوقع ذلك. ثم في ~~يوم الخميس سادس جمادى الآخرة خلع السلطان على الصفوي جوهر النوروزي ~~الطواشي الحبشي بإعادته إلى تقدمة المماليك السلطانية، بعد موت الطواشي ~~مرجان الحصني الحبشي. وفي هذه الأيام أشيع بين الناس بركوب المماليك ~~السلطانية على السلطان بعد النفقة، ولم يعلم أحد من هو القائم بالفتنة، فلم ~~يلتفت السلطان لهذا الكلام. ثم في يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة قرىء ~~تقليد السلطان الملك المؤيد بين يديه بالقصر الأبلق، تولى قراءته القاضي ~~محب الدين ابن الشحنة كاتب السر، وهو من إنشائه، وحضر الخليفة المستنجد ~~القراءة والقضاة الأربعة، وغالب أركان الدولة وأمرائها، فلما تمت القراءة ~~خلع السلطان على الخليفة فوقاني حرير بوجهين أخضر وأبيض بطرز زركش، وقيد له ~~فرسا بسرج ذهب، وكنبوش زركش، ثم خلع على القضاة كوامل بمقالب سمور، وانفض ~~الموكب. وفي يوم السبت خامس عشر وصل إلى القاهرة قاصد الأمير جانم الأشرفي ~~نائب الشام، وعلى يده كتاب مرسله يتضمن أنه حصل له سرور زائد بسلطنة الملك ~~المؤيد، وأنه مستمر على طاعته، ممتثل أوامره. وفيه أيضا ورد الخبز بأن عرب ~~لبيد العصاة نزلوا البحيرة، ونهبوا إلاموال، وشنوا الغارات، فعين السلطان ~~تجريدة من الأمراء، وأمرهم بالتجهيز والسفر إلى البحيرة. ثم في يوم ~~الأربعاء رابع شهر رجب وصل الأمير تمراز الإينالي الأشرفي الدوادار كان من ~~طرابلس إلى الديار المصرية بغير إذن السلطان، ولم يجتز بمدينة قطيا، ونزل ~~عند الأتابك خشقدم، وأرسل دواداره إلى ms3629 الملك المؤيد، أعلمه بمجيء تمراز ~~المذكور، فقامت قيامة السلطان لمجيئه على هذه الصورة، وغضب غضبا شديدا، ~~ورسم بإخراجه من القاهرة لوقته، فأخذ تمراز في أسباب الردود والخروج إلي ~~خانقاه سرياقوس، فشفعت الأمراء فيه في عصر يومه بالقصر، فقبل السلطان ~~PageV04P0453 # شفاعتهم على أنه يقيم بالقاهرة ثلاثة أيام لعمل مصالحه، ثم يسافر إلى حيث ~~جاء منه، فعاد تمراز من جهة الخانقاه إلى القاهرة. فترقب كل أحد وقوع فتنة، ~~لأن تمراز هذا شر مكانا، ودأبه الفتنة وإثارة الفتن، وهو من أوخاش بني آدم. ~~فأقام تمراز إلى يوم الجمعة سادسه فطلع إلى القلعة، وقبل الأرض بين يدي ~~السلطان، وأخذ في إلاعتذار الزائد لمجيئه بغير إذن، فقبل السلطان عذره، ~~وخلع عليه كاملية بمقلب سمور، وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، ~~ورسم له أن يقيم بالقاهرة ثلاثة أيام من يومه هذا ويسافر، فنزل إلى داره، ~~والناس على ما هم عليه من أن تمراز هذا لا بد له من إثارة فتنة وتحريك ~~ساكن. هذا والأمراء تكرر الشفاعة فيه ليقيم بالديار المصرية، وخجداشيته ~~الأشرفية في غاية ما يكون من إلاجتهاد في ذلك، والسلطان مصمم على سفره، إلى ~~أن سافر حسبما يأتي ذكره. وفي يوم الجمعة هذا الموافق لثاني عشرين برمودة ~~لبس السلطان القماش الأبيض البعلبكي المعد للبس الصيف كما هي العادة. وفي ~~يوم الثلاثاء عاشر شهر رجب المذكور خلع السلطان الملك المؤيد على تمراز ~~المذكور خلعة السفر، وسافر من يومه إلى دمشق، بعد أن أنعم السلطان عليه ~~بخمسمائة دينار وعدة خيول وبغال، وتوجه تمراز ولم يتحرك ساكن. وفي يوم ~~الخميس ثاني عشره استقر القاضي شرف الدين الآنصاري ناظر الجوالي بعد عزل ~~ناصر الدين محمد بن أحمد بن أصيل. وفيه وصل الأمير مغلباي طاز الأبوبكري ~~المؤيدي بعد أن بشر الأمير جانم نائب الشام بسلطنة المؤيد وعاد. وفيه وصل ~~السيفي شاهين الطواشي الساقي الظاهري المتوجه قبل تاريخه لإحضار تركة زوجة ~~الأمير قاني باي الحمزاوي من دمشق، وأحضر شيئا كثيرا جدا من الجواهر ~~واللآلىء وإلاقمشة وغير ذلك، حتى إنه أبيع ms3630 في أيام كثيرة. ثم في يوم الجمعة ~~العشرين من شهر رجب المذكور نزل السلطان الملك المؤيد أحمد من قلعة الجبل ~~إلى جهة العارض بالقرافة الصغرى خلف القلعة، وعاد بسرعة إلى القلعة؛ وهذا ~~أول نزوله من يوم تسلطن. قلت: وآخر نزوله؛ فإنه لم ينزل بعدها إلا بعد خلعه ~~إلى الإسكندرية. وفيه أمطرت السماء بردا، كل واحد مقدار بيضة الحمام، ~~فأتلفت غالب الزرع، وأهلكت كثيرا من ذوات الجناح؛ وكان معظم هذا المطر بقرى ~~الشرقية من أعمال القاهرة، وببعض بلاد من المنوفية والغربية، وقليلا بإقليم ~~البحيرة. وفي يوم الخميس سادس عشرينه رسم السلطان بنفي سنطباي قرا الظاهري ~~إلى البلاد الشامية؛ وسببه أن سنطباي هذا كان من المنفيين إلى طرابلس في ~~دولة الملك الأشرف إينال، فلما سمع بموت الأشرف قدم القاهرة بغير إذن ~~واختفى بها نحو الشهر عند بعض خجداشيته، ففطن السلطان به فرسم بنفيه، ~~فاجتهدت خجداشيته الظاهرية في إقامته، فلم تقبل فيه شفاعة، فخرج من يومه، ~~وعظم ذلك على خجداشيته الظاهرية في الباطن. قلت: ولا بأس بما فعله السلطان ~~في إخراج سنطباي المذكور على هذه الهيئة، فإنه أخرج قبله تمراز من ~~الأشرفية، ثم أخرج هذا من الظاهرية، فكأنه ساوى بين الطائفتين. هذا والناس ~~في رجيف من كثرة الإشاعة بوقوع فتنة. ثم فى يوم الاثنين سابع شعبان استقر ~~شاد بك الصارمي أحد أمراء الألوف بدمشق أتابكا بحلب، على مال بذله في ذلك، ~~نحو العشرة إلاف دينار. وفيه وصلت رسل السلطان إبراهيم بن قرمان إلى ~~القاهرة بهدية إلى السلطان PageV04P0454 # وقبل هدية مرسلهم، ورحب بهم. ثم في يوم الخميس سابع عشر شعبان وصل إلى ~~القاهرة الشرفي يحيى ابن الأمير جانم نائب الشام، وطلع إلى السلطان من ~~الغد، وقبل الأرض نيابة عن أبيه، وسأل سلطان في إطلاق الأمير تنم من عبد ~~الرزاق المؤيدي أمير سلاح كان والأمير قاني باي الجاركسي الأمير آخور كان ~~من سجن الإسكندرية، فلم يقبل السلطان شفاعته، وسوف به إلى وقت غير معلوم. ~~وعلم السلطان أن مجىء ابن جانم هذا ليس هو بصدد الشفاعة ms3631 فقط، وإنما هو ~~لتجسس الأخبار وعمل مصلحة والده مع خجداشيته الأشرفية، وغيرهم من الظاهرية ~~والمؤيدية. وكذا كان، ولم يظهر الملك المؤيد لأحد، وإنما أخذ في حساب جانم ~~نائب الشام في الباطن، والتدبير عليه بكل ما تصل القدرة إليه، ولم يسعه يوم ~~ذلك إلا أن تجاهل عليهم. هذا الأمر أحد أسباب حضور جانم إلى الديار المصرية ~~حسبما يأتي ذكره مفصلا إن شاء الله تعالى في ترجدة الملك الظاهر خشقدم، لأن ~~يحيى ولد جانم لما حضر هذه الأيام إلى الديار المصرية اتفق مع أعيان ~~المماليك الظاهرية بعد أن اصطلحوا مع المماليك الأشرفية على عداوة كانت ~~بينهم قديما وحديثا ورضوا الظاهرية بسلطنة جانم عليهم، وهم أكره البرية ~~فيه، حيث لم يجدوا بدا من ذلك؛ وما ذاك إلا خوفا من الملك المؤيد هذا، فكان ~~أمرهم في هذا كقول القائل: الوافر وما من حبه أحنو عليه ... ولكن بغض قوم ~~آخرين وسافر الشرفي يحيى من مصر إلى جهة أبيه في يوم الجمعة خامس عشرين ~~شعبان، بعد أن خلع عليه السلطان، وأنعم عليه بخمسمائة دينار، وقد مهد لأبيه ~~الأمور بالديار المصرية مع الظاهرية. وأما الأشرفية خجداشيته فهم من باب ~~أولى لا يختلف على جانم منهم اثنان، وما كان قصد جانم إلا رضاء الظاهرية، ~~وقد رضوا. وسار يحيى وهو يظن أن أمر أبيه قد تم في سلطنة مصر، ولم يفطن إلى ~~تقلبات الدهر. فلما أن وصل يحيى إلى والده حدثه بما وقع له بمصر مع زيد و ~~عمرو، وكان عند جانم رحمه الله تعالى خفة لما كان أوحى إليه الكذابون من ~~أقوال الفقراء، ورؤية المنامات، وعبارات المنجمين، فتحقق المسكين أنه لا بد ~~له من السلطنة، ووافق ذلك صغر سن ولده يحيى، وعدم معرفته بالمكايد ~~والتجارب، وحاله كقول عمن قال: الطويل ويا دارها بالخيف إن مزارها ... ~~قريب، دون دون ذلك أهوال PageV04P0455 # وقوى أمر جيى وخفة جانم اجتماع تمراز الأشرفي الدوادار المقدم ذكره بجانم ~~في دمشق، وقد صدق هذا الخبر لما في نفسه من الملك المؤيد هذا، ومن أبيه ~~الأشرف ms3632 إينال لما عزله من الدوادارية الثانية، وأخرجه من مصر بطالا إلى ~~القدس، ثم وقع له معه ما حكيناه، هذا مع كثرة فتن تمراز، وقلة عقله، وسوء ~~خلقه، وشؤم طلعته، فوافق تمراز يحيى، وتسلطا معا على جانم، ولا زإلا به حتى ~~وافقهما فى الباطن، وأخذ في أسباب ذلك، فلم يمض إلا القليل، ووقع لجانم ما ~~سنذكره مع عوام دمشق من النهب والفتك به، وإخراجه من دمشق على أقبح وجه، ~~حسبما هو مقول في ترجدة الملك الظاهر خشقدم بعد خلع المؤيد. وأما أمر الملك ~~المؤبد هذا فإنه بعد خروج يحيى بن جانم، أخذ يوسع الحيلة والتدبير في أخذ ~~جانم بكل طريق، فلم ير أحسن من أن يرسل يكاتب أعيان دمشق بالقبض على جانم ~~المذكور إن أمكن؛ وهذا القول لم أذكره يقينا، ولكن على قول من قال عنه ذلك، ~~وليس هو ببعيد لأن أهل دمشق وحكامها ما في قدرتهم القيام على نائب الشام ~~إلا بدسيسة من السلطان، والله أعلم بحقيقة الأمر. واستمر الملك المؤيد على ~~ما هو عليه بالديار المصرية، وأمره في انحطاط من عدم تدبيره في أواخر أمره، ~~وأيضا من قلة المساعدة بالقول والفعل، وإلا فتدبيره هو كان في غاية الحسن ~~في أوائل أمره، غير أنه كان لا يعرف مداخلة إلاتراك، ولا رأى تقلب الدول، ~~ولا حوله من رأي، لأنه أبعد الناس عنه قاطبة، وقرب الأمير بردبك الدوادار ~~الثاني، لكونه صهره زوج أخته، مملوك أبيه، بل قيل إن تقريبه لبردبك أيضا ما ~~كان على أليته، فعلى هذا ضعف الأمر من كل جهة. ونفرض أن أمر بردبك كان على ~~حقيقة، فما عساه كان يفعل، وهو أيضا أجنبي عن معرفة ما قلناه؟ فإنه ما ربي ~~إلا عند أستاذه الأشرف إينال وهو أمير، فلا يعرف أحوال المملكة إلا بعد ~~سلطنة أستاذه أيام الأمن والسعادة انتهى. وفي يوم الخميس تاسع شهر رمضان ~~خلع السلطان الملك المؤيد على شرف الدين البقري باستقراره ناظر الإصطبلات ~~السلطانية، بعد عزل محمود بن الديري. وفي يوم الجمعة عاشره أخذ قاع النيل، ms3633 ~~فجاءت القاعدة أعني الماء القديم ستة أذرع ونصفا. وفي ليلة الثلاثاء رابع ~~عشر شهر رمضان المذكور خسف جميع جرم القمر، وغاب في الخسف تسعين درجة، ~~وصارت النجوم في السماء كليلة تسع وعشرين الشهر، ولعل ذلك يكون نادرا جدا، ~~فإني لم أر في عمري مثل هذا الخسف. هذا وأمر الملك المؤيد آخذ في اضطراب من ~~يوم عين تجريدة إلى البحيرة. ولم تخرج التجريدة، وخالفه من كتب إليها من ~~المماليك السلطانية؛ فإنه لما عين التجريدة إلى البحيرة لم يعين من ~~المماليك السلطانية أحدا من مماليك أبيه الأجلاب، فعظم ذلك على من عين من ~~غيرهم، وعلى من لم يعين أيضا، لمعرفتهم أنه كلموه في أمر مماليك أبيه ~~واستمالوه لهم؛ فإنه استفتح سلطنته بإبعادهم ومقتهم وإرداعهم، فأحبه كل ~~أحد، فلما فطنوا الآن بميله إليهم، نفرت القلوب منه، وخافوا من أفعال ~~الأجلاب القبيحة التي فعلوها في أيام أبيه أن تعود، فصممت المماليك المعينة ~~إلى البحيرة في عدم الخروج إلا إن عين معهم جماعة من أجلاب أبيه، وساعدهم ~~في ذلك المماليك السلطانية من كل طائفة، مخافة من تقريب الأجلاب. فأساء ~~المؤيد التدبير من أنه لم يبت أمرا لا بقوة ولا بلين، بل سكت وسمع قول من ~~أملاه المفسود من قوله: إذا أرسلت مماليك أبيك من يبقى حولك، وإذا أبعدت ~~مماليك والدك فمن تقرب؟ فكأنه مال لهذا القول الواهي واستحسنه؛ وهذا نوع ~~مما كنا فيه أولا من أنه ما كان عنده من يرشده إلى الطريق. ثم كلم الملك ~~المؤيد المماليك أيضا في السفر، فاعتلوا بطلب الجمال، فأراد تفرقة الجمال، ~~فلم يأخذوها. واستمروا على ذلك، وسكنت حركة السفر بسكات السلطان، وبذلك فشا ~~انحطاط قدره وتلاشى أمره، بعد أن كان له حرمة عظيمة، ورعب في القلوب. فلقد ~~رأيت في تلك الأيام شخصا من أوباش المماليك الظاهرية يكلم الأمير بردبك ~~الدوادار الثاني بكلام لو كلمه لمن يكون فيه شهامة لحمل السلطان على شنقه ~~في الحال، وكان ذلك هو الحزم على قول بعض النهابة: " إما إكديش، أو نشابة ~~للريش " ؛ وتلافي الأمور ms3634 إما يكون بها أو عليها، والحزم إنما هو الشد على ~~من عين وتسفيرهم غضبا، فإن تم ذلك فقد هابه كل أحد، وقد قيل: " من هاب خاف ~~" ، أو اللين PageV04P0456 # والتلطف بمن كتب والاعتذار لهم عن عدم كتابته لمماليك أبيه الأجلاب، ~~بقوله: " ما منعني أن أكتب هؤلاء معكم إلا أنهم ليسوا بأهل لمرافقتكم، ~~فحيثما أحببتمو ذلك فأنا أكتب منهم جماعة " ، ثم يكتب منهم عدة؛ فإن تم ذلك ~~ومشى فالأمر إليك بعد سفرهم، دبر ما شئت، وإن لم يتم فبادر للفعل الأول بكل ~~ما تصر قدرتك إليه، واستعمل قول المتنبي في قوله من قصيدته المشهورة: ~~الكامللطف بمن كتب والاعتذار لهم عن عدم كتابته لمماليك أبيه الأجلاب، ~~بقوله: " ما منعني أن أكتب هؤلاء معكم إلا أنهم ليسوا بأهل لمرافقتكم، ~~فحيثما أحببتمو ذلك فأنا أكتب منهم جماعة " ، ثم يكتب منهم عدة؛ فإن تم ذلك ~~ومشى فالأمر إليك بعد سفرهم، دبر ما شئت، وإن لم يتم فبادر للفعل الأول بكل ~~ما تصر قدرتك إليه، واستعمل قول المتنبي في قوله من قصيدته المشهورة: ~~الكامل لايخدعنك من عدوك دمعه ... وارحم شبابك من عدو ترحم لا يسلم الشرف ~~الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم فلم يقع منه ذلك، ولا ما ~~يشبهه، ولا أشار عليه أحد من أصدقائه بشيء يكون فيه مصلحة لثبات ملكه، بل ~~سكت كل أحد عنه، وصار كالمتفرج، إما لبغض فيه، أولقلة معرفة بالأمور. ### || AUT نكبة الملك المؤيد أحمد ابن إينال # وخلعه من الملك PageV04P0457 # لما كان آخر يوم الجمعة سابع عشر شهر رمضان من سنة خمس وستين المذكورة، ~~رسم السلطان الملك المؤيد أحمد لنقيب الجيش الأمير ناصر الدين محمد بن أبي ~~الفرج أن يدور على الأمراء مقدمي الألوف، ويعلمهم أن السلطان رسم بطلوعهم ~~من الغد في يوم السبت إلى الحوش السلطاني من قلعة الجبل بغير قماش الموكب، ~~ولم يعلمهم لأي معنى يكون طلوعهم واجتماعهم في هذا اليوم بالقلعة، وهو غير ~~العادة، فدار دوادار نقيب الجيش على الأمراء وأعلمهم بما رسم به السلطان من ~~طلوعهم إلى ms3635 القلعة. وأخذ الأمراء من هذا الأمر أمر مريج، وخلا كل واحد بمن ~~يثق به، وعرفه الخبر، وهو لا يشك أن السلطان يريد القبض عليه من الغد. ~~وماجت الناس وكثر الكلام بسبب ذلك، وركبت الأعيان بعضها على بعض. وأما ~~الأمراء فكل منهم تحقق أنه مقبوض عليه من الغد، ووجد لذلك من كان عنده كمين ~~من الملك المؤيد أو يريد إثارة فتنة فرصة، وحرض بعضهم بعضا، إلى أن ثارت ~~المماليك الظاهرية في تلك الليلة، وداروا على رفقتهم وإخوانهم وعلى من له ~~غرض في القيام على الملك المؤيد، وداموا على ذلك ليلتهم كلها. فلما كان صبح ~~نهار السبت تفرقوا على أكابر الدولة والأمراء في بيت الأتابك خشقدم لعمل ~~المصلحة، فداروا على الأمراء، وأمسكوا منهم جماعة كبيرة، وأحضروهم إلى بيت ~~الأتابك خشقدم، على كره من خشقدم، وسارت فرقة في باكر النهار إلى بيت ~~الأمير بردبك الأشرفي الدوادار الثاني الملاصق لمدرسة السلطان حسن، وأحضروه ~~إلى بيت الأمير الكبير خشقدم، بعد أن أخرقوا به. هذا وقد اجتمعت طوائف ~~المماليك، مثل الناصرية فرج، والمؤيدية شيخ، والأشرفية برسباي، والظاهرية ~~جقمق، والسيفية، والجميع في بيت الأمير الكبير، ولم يطلع إلى القلعة في هذا ~~اليوم أحد من الأمراء والأعيان إلا جماعة يسيرة جدا. فلما تكامل جمعهم في ~~بيت الأمير الكبير وأكثر الطوائف يوم ذاك الأشرفية والظاهرية، وكبير ~~الأشرفية الأمير قرقماس أمير مجلس، ولا كلام له، بل الكلام لجانبك القجماسي ~~الأشرفي المشد، ولجانبك من أمير الخازندار، والظاهرية كبيرهم جانبك نائب ~~جدة، أحد مقدمي الألوف، وقد صارت خجداشيته يوم ذاك في طوع يده وتحت أوامره، ~~لحسن سياسته وجودة تدبيره، فانضمت كلمة الظاهرية به، حتى صارت كلمة واحدة، ~~وهم حس وهو المعنى، وهذا بخلاف الأشرفية، فإنهم وإن كانوا هم أيضا متفقين ~~فالاختلاف بين أكابرهم موجود بالنسبة إلى هؤلاء، وعدم اكتراثهم بهذا الأمر ~~المهم، ولتطلعهم على مجيء خجداشهم الأمير جانم نائب الشام، ولو أن أمر ~~المؤيد طرقهم على بغتة ما طاوعوا على الركوب في مثل هذا اليوم قبل مجيء ~~خجداشهم فأخذ الأمير جانبك نائب ms3636 جدة المذكور في تأليف الأشرفية على ~~الظاهرية بحسن تدبير، حتى تم له ذلك، وصاروا على كلمة واحدة. ثم شرعوا في ~~الكلام بحضرة الأمراء في الاجتماع بسببه، فتكلم بعض من حضر من الأمراء بأن ~~قال: " أيش المقصود بهذا الجمع؟ " أو معنى هذا الكلام، فأجاب الجميع بلسان ~~واحد: " نريد خلع الملك المؤيد أحمد من السلطنة، وسلطنة غيره " . وكان ~~الباعث لهذه الفتنة ما قدمناه، وأيضا الظاهرية، فإن الملك المؤيد لما تسلطن ~~لم يحرك ساكنا ولم يتغير أحد مما كان عليه، فشق ذلك على الظاهرية، وقال كل ~~منهم في نفسه: كأن الملك الأشرف إينال ما مات، فإن الغالب منهم كان أخذ ما ~~بيده من الإقطاعات، وحبس ونفي في أول سلطنة الأشرف إينال، كما هي عادة ~~أوائل الدول، وبقي منهم جماعة كثيرة بلا رزق ولا إمرة ولم يجدوا عندهم قوة ~~ليخلعوا الملك المؤيد هذا ويسلطنوا غيره وحدهم، فكلموا الأشرفية في هذا ~~المعنى غير مرة، وترفقوا لهم، فلم يقبلوا منهم ذلك، لنفرة كانت بين ~~الطائفتين قديما وحديثا، وأيضا فلسان حال الأشرفية يقول عندما سألوهم ~~الظاهرية: نحن الآن في كفاية من الأرزاق والوظائف، فعلام نحرك ساكنا، ~~ونخاطر بأنفسنا؟ فغجزوا فيهم الظاهرية، وقد ثقل عليهم الملك المؤيد، وكثر ~~خوفهم منه، فإنه أول ما تسلطن أبرق وأرعد، فانخزى كل أحد، وحسبوا أن في ~~السويداء رجالا، ولهذا قلت فيما تقدم: لو فعل ما فعل لمشى له ذلك، لمعرفتي ~~بحال القوم وشجاعتهم. وكان دخول المؤيد السلطنة بحرمة وافرة، لأن سنه كان ~~نحو الثلاثين سنة يوم تسلطن، وكان ولي الأتابكية في أيام أبيه، وأخذ وأعطى، ~~وسافر أمير حاج المحمل، وحج قبل ذلك PageV04P0458 # أيضا وسافر البلاد، ومارس الأمور في حياة والده. وهذا كله بخلاف من تقدمه ~~من سلاطين أولاد الملوك، فإن الغالب منهم حدث السن يريد له من يدبره، فإنه ~~ما يعرف ما يراد منه، فيصير في حكم غيره من الأمراء فتتعلق الآمال بذلك ~~الأمير، وتتردد الناس إليه، إلى أن يدبر في سلطنة نفسه، بخلاف المؤيد هذا، ~~فإنه ولي السلطنة وهو يقول في ms3637 نفسه إنه يدبر مع مملكة مصر ممالك العجم ~~زيادة على تدبير مصر. قلت: وكان كما زعم؛ فإنه تقدم أنه كان عارفا عاقلا ~~مباشرا، حسن التدبير، عظيم التنفيذ شهما، وكان هو المتصرف في الأمور أيام ~~أبيه في غالب الولايات والعزل وأمور المملكة، فلما تسلطن ظن كل أحد أن لا ~~سبيل في دخول المكيدة على مثل هذا، لمعرفة الناس بحذقه وفطنته. وكان مع هذه ~~الأوصاف مليح الشكل، وعنده تؤدة في كلامه، وعقل وسكوت خارج عن الحد، يؤديه ~~ذلك إلى التكبر، وهذا كان أعظم الأسباب لنفور خواطر الناس عنه؛ فإنه كان في ~~أيام سلطنته لا يتكلم مع أحد حتى ولا أكابر الأمراء إلا نادرا، ولأمر من ~~الأمور الضروريات، وفعل ذلك مع الكبير والصغير، وما كفى هذا حتى صار يبلغ ~~الأمراء أنه في خلوته يسامر الأطراف الأوباش الذين يستحى من تسميتهم، فعظم ~~ذلك على الناس؛ فلو كان علم الكلام مع الناس قاطبة لهان على من صعب سكاته ~~عليه، من كون الرفيع يكون مبعدا والوضيع مقربا، فهذا أمر عظيم لا تحمله ~~النفوس إلا غصبا، فلما وقع ذلك وجد من عنده عقد فرصة، وأشاع عنه هذا المعنى ~~وأمثاله، وبشع في العبارة وشنع، وقال هذا وغيره: إنه لا يلتفت إلى المماليك ~~ويزدريهم، وهو مستعز بمماليك أبيه الأجلاب وأصهاره وحواشيه وخجداشية أبيه ~~وبالمال الذيى خلفه أبوه، ومنهم من قال أيضا: إنما هو مستعز بحسن تدبيره، ~~فإنه قد عبأ لكل سؤال جوابا، ولكل حرب ضربا. وكان مع هذا قد قمع مباشري ~~الدولة وأبادهم، وضيق عليهم، ودقق في حسابهم كما هو في الخاطر وزيادة، فما ~~أحسن هذا لو كان دام واستمر!! فنفرت قلوب المباشرين أيضا منه، وحق لهم ذلك، ~~واستمرت هذه الحرمة من يوم تسلطن إلى مجيء يحيى بن جانم نائب الشام إلى ~~القاهرة، ثم إلى أن عين التجريدة إلى البحيرة، فأخذ أمره في إدبار، لعدم ~~مثابرته على سير طريقه الأول من سلطنته، فلو جسر لكسر، لكنه هاب فخاب، ولكل ~~أجل كتاب ولنعد إلى ذكر ما كنا بصدده: فلما تكامل ms3638 الجمع في بيت الأمير ~~الكبير خشقدم الناصري المؤيدي، ومتكلم الأشرفية جانبك المشد، وجانبك الظريف ~~الخازندار، ومن معهم من خجداشيتهم الأعيان، ومتكلم الظاهرية الأمير جانبك ~~نائب جدة أحد مقدمي الألوف، وأعيان خجداشيته، مثل: الأمير أزبك من ططخ ~~الظاهري، والأمير بردبك البجمقدار ثاني رأس نوبة جدة، وقد وافقه الأشرفية، ~~وهم يظنون أن الجمع ما هو إلا لسلطنة الأمير جانم الشام، لأنهم كانوا ~~اتفقوا على ذلك حسبما تقدم ذكره؛ وهو أن الظاهرية كانوا إذا شرعوا في ~~الكلام مع الأشرفية في معنى الركوب، يقولون: " بشرط أن لا يكون السلطان منا ~~ولا منكم " ، وإنما يكون من غير الطائفتين، فيقع بذلك الخلف بينهم، ~~ويتفرقون بغير طائل، إلى أن استرابت الظاهرية من الملك المؤيد أحمد هذا، ~~وعظم تخوفهم منه، فوافقوهم على سلطنة جانم لما جاء ولده يحيى كما تقدم ~~ذكره. ثم وقع هذا الأمر بغتة، وعلم جانبك نائب جدة أن الأمر خرج عن جانم ~~لغيابه، ولابد من سلطنة غيره لأن الأمير ما فيه مهلة، فلم يبد للأشرفية ~~شيئا من ذلك، وأخذ فيما هو بصدده إلى أن يتم الأمر لغير جانم، ثم يفعل له ~~ما بدا له؛ وكذا وقع حسبما يأتي ذكره في مجيء جانم، وفي سلطنة الملك الظاهر ~~خشقدم. هذا وقد جلس جميع الأمراء بمقعد الأمير الكبير خشقدم. فعندما تكامل ~~جلوسهم قام الأمير جانبك نائب جدة إلى مكان بالبيت المذكور، ومعه الأمير ~~جانبك الأشرفي المشد، والأمير جانبك الأشرفي الظريف الخازندار، والأمير ~~أزبك من ططخ الظاهري، والأمير بردبك البجمقدار الظاهري، وجماعة أخر من ~~أعيان الطائفتين، وتكلموا فيمن يولونه السلطنة وغرض جانبك نائب جدة في ~~سلطنة الأتابك خشقدم، لا في سلطنة جانم نائب الشام، غير أنه لا يسعه الآن ~~إظهار ما ضميره، خوفا من نفرة الأشرفية وقال لهم ما معناه: " نحن قد كتبنا ~~للأمير جانم بالحضور، وبايعناه بالسلطنة، وأنتم تعلمون ذلك عن يقين، وقد ~~دهمنا هذا الأمرعلى حين غفلة، فما PageV04P0459 # تكون الحيلة في ذلك، ولابد من قتال الملك المؤيد في يومنا، والسلطان ما ~~يقاتل إلا بسلطان مثله، ومتى تهاونا ms3639 في ذلك ذهبت أرواحنا " . فعلم كل أحد ~~ممن حضر أن كلام جانبك نائب جدة صواب، وطاوعه كل من حضر على مقالته هذه، ~~فلما وقع ذلك أجمع رأي الجميع على سلطنة أحد من أعيان الأمراء. ثم تكلموا ~~فيمن يكون هذا السلطان، فدار الكلام بينهم في هذا المعنى، إلى أن قال ~~بعضهم: " سلطنوا الأمير جرباش المحمدي الناصري أمير سلاح " ، فلم تحسن هذه ~~المقالة ببال الأمير جانبك، ولم يقدر على منعه تصريحا وقال: " جرباش أهل ~~لذلك بلا مدافعة، غير أنه متى تسلطن لا يمكنكم صرفه من السلطنة بغيره يعني ~~بالأمير جانم تلويحا لأنه رجل عظيم، ومن الجنس، وصهر خجداشنا بردبك ~~البجمقدار، وصهر خجداشكم خير بك البهلوان الأشرفي وغيره، وقد قارب مجيء ~~الأمير جانم من الشام، والأمر إليكم، ما شئتم افعلوا " . فكان هذا كله ~~إبعادا لجرباش المذكور، وأخذا بخواطر الأشرفية، فمال كل أحد إلى كلامه، ثم ~~قال جانبك: " الرأي عندي سلطنة الأمير الكبير خشقدم المؤيدي، فإنه من غير ~~الجنس يعني كونه رومي الجنس وأيضا إنه رجل غريب ليس له شوكة، ومتى أردتم ~~خلعه أمكنكم ذلك، وحصل لكم ما تقصدونه من غير تعب " . فأعجب الجميع هذا ~~الكلام، وهم لا يعلمون مقصوده ولا غرضه؛ فإن جل قصد جانبك كان سلطنة خشقدم، ~~فإنه مؤيدي، وخجداشيته جماعة يسيرة، وأيضا يستريح من جانم نائب الشام وتحكم ~~أعدائه الأشرفية فيه وفي خجداشيته الظاهرية، ويعلم أيضا أنه متى تم سلطنة ~~الأتابك خشقدم، وأقام أياما، عسر خلعه، وبعدت السلطنة عن جانم وغيره، فدبر ~~هذه المكيدة على الأشرفية، فمشت عليهم أولا، إلى أن ملكوا القلعة، وخلع ~~الملك المؤيد بسرعة فتنبهوا لها. وكانت الأشرفية لما سمعوا كلام جانبك، ~~وقالوا: " نعم نرضى بالأمير الكبير " كان في ظنهم أن قتالهم يطول مع الملك ~~المؤيد أياما كثيرة، كما وقع في نوبة المنصور عثمان، ويأتيهم جانم وهم في ~~أشد القتال، فلا يعدلون عنه لخشقدم، فيتم لهم ما قصدوه فاتفقت كل طائفة مع ~~الآخرى في الظاهر، وباطن كل طائفة لواحد، فساعد الدهر الظاهرية، وانهزم ~~الملك المؤيد في يوم واحد ms3640 حسبما نذكره الآن. فلما وقع هذا الكلام جاءت ~~الطائفتان الأشرفية والظاهرية إلى الأمراء وهم جلوس بمقعد الأمير الكبير ~~خشقدم، والجميع جلوس بين يدي خشقدم، فافتتح الأمير جانبك نائب جدة الكلام ~~وقال: " نحن يعني الظاهرية والأشرفية نريد رجلا نسلطنه، يكون لا يميز طائفة ~~على أخرى، بل تكون جميع الطوائف عنده سواء في الأخذ والعطاء، والولاية ~~والعزل، وأن يطلق الأمراء المحبوسين من سائر الطوائف، ويرسم فى سلطنته ~~بمجيء المنفيين من البلاد الشامية وغيرها إلى البلاد المصرية، ويطلق الملك ~~العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباي، والملك المنصور عثمان ابن الملك ~~الظاهر جقمق من برجي الإسكندرية، ويسكنا الإسكندرية في أي دار شاءا، ويأذن ~~لهما في الركوب إلى الجامع وغيره بثغر الإسكندرية من غير تحفظ بهما " . ~~وكان كلام الأمير جانبك لجميع الأمراء، لم يخص أحدا منهم بكلام دون غيره، ~~فبادر الأتابك خشقدم بالكلام وقال: " نعم " ثم التفت جانبك إلى الجميع، ~~وقال: " فمن يكون السلطان على هذا الحكم؟ " فبدأ سنقر قرق شبق الأشرفي ~~الزردكاش، وقال ما معناه: " ما نرضى إلا بالأمير جانم نائب الشام، أنتم ~~كتبتم له بالحضور، وأذعنتم بسلطنته، فكيف تسلطنوا غيره؟ فنهره الأمير خيربك ~~من جديد الأشرفي لنفس كان بينهما قديما، وقال:يلة في ذلك، ولابد من قتال ~~الملك المؤيد في يومنا، والسلطان ما يقاتل إلا بسلطان مثله، ومتى تهاونا في ~~ذلك ذهبت أرواحنا " . فعلم كل أحد ممن حضر أن كلام جانبك نائب جدة صواب، ~~وطاوعه كل من حضر على مقالته هذه، فلما وقع ذلك أجمع رأي الجميع على سلطنة ~~أحد من أعيان الأمراء. ثم تكلموا فيمن يكون هذا السلطان، فدار الكلام بينهم ~~في هذا المعنى، إلى أن قال بعضهم: " سلطنوا الأمير جرباش المحمدي الناصري ~~أمير سلاح " ، فلم تحسن هذه المقالة ببال الأمير جانبك، ولم يقدر على منعه ~~تصريحا وقال: " جرباش أهل لذلك بلا مدافعة، غير أنه متى تسلطن لا يمكنكم ~~صرفه من السلطنة بغيره يعني بالأمير جانم تلويحا لأنه رجل عظيم، ومن الجنس، ~~وصهر خجداشنا بردبك البجمقدار، وصهر خجداشكم خير بك البهلوان الأشرفي ~~وغيره، ms3641 وقد قارب مجيء الأمير جانم من الشام، والأمر إليكم، ما شئتم افعلوا ~~" . فكان هذا كله إبعادا لجرباش المذكور، وأخذا بخواطر الأشرفية، فمال كل ~~أحد إلى كلامه، ثم قال جانبك: " الرأي عندي سلطنة الأمير الكبير خشقدم ~~المؤيدي، فإنه من غير الجنس يعني كونه رومي الجنس وأيضا إنه رجل غريب ليس ~~له شوكة، ومتى أردتم خلعه أمكنكم ذلك، وحصل لكم ما تقصدونه من غير تعب " . ~~فأعجب الجميع هذا الكلام، وهم لا يعلمون مقصوده ولا غرضه؛ فإن جل قصد جانبك ~~كان سلطنة خشقدم، فإنه مؤيدي، وخجداشيته جماعة يسيرة، وأيضا يستريح من جانم ~~نائب الشام وتحكم أعدائه الأشرفية فيه وفي خجداشيته الظاهرية، ويعلم أيضا ~~أنه متى تم سلطنة الأتابك خشقدم، وأقام أياما، عسر خلعه، وبعدت السلطنة عن ~~جانم وغيره، فدبر هذه المكيدة على الأشرفية، فمشت عليهم أولا، إلى أن ملكوا ~~القلعة، وخلع الملك المؤيد بسرعة فتنبهوا لها. وكانت الأشرفية لما سمعوا ~~كلام جانبك، وقالوا: " نعم نرضى بالأمير الكبير " كان في ظنهم أن قتالهم ~~يطول مع الملك المؤيد أياما كثيرة، كما وقع في نوبة المنصور عثمان، ويأتيهم ~~جانم وهم في أشد القتال، فلا يعدلون عنه لخشقدم، فيتم لهم ما قصدوه فاتفقت ~~كل طائفة مع الآخرى في الظاهر، وباطن كل طائفة لواحد، فساعد الدهر ~~الظاهرية، وانهزم الملك المؤيد في يوم واحد حسبما نذكره الآن. فلما وقع هذا ~~الكلام جاءت الطائفتان الأشرفية والظاهرية إلى الأمراء وهم جلوس بمقعد ~~الأمير الكبير خشقدم، والجميع جلوس بين يدي خشقدم، فافتتح الأمير جانبك ~~نائب جدة الكلام وقال: " نحن يعني الظاهرية والأشرفية نريد رجلا نسلطنه، ~~يكون لا يميز طائفة على أخرى، بل تكون جميع الطوائف عنده سواء في الأخذ ~~والعطاء، والولاية والعزل، وأن يطلق الأمراء المحبوسين من سائر الطوائف، ~~ويرسم فى سلطنته بمجيء المنفيين من البلاد الشامية وغيرها إلى البلاد ~~المصرية، ويطلق الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف برسباي، والملك المنصور ~~عثمان ابن الملك الظاهر جقمق من برجي الإسكندرية، ويسكنا الإسكندرية في أي ~~دار شاءا، ويأذن لهما في الركوب إلى الجامع وغيره ms3642 بثغر الإسكندرية من غير ~~تحفظ بهما " . وكان كلام الأمير جانبك لجميع الأمراء، لم يخص أحدا منهم ~~بكلام دون غيره، فبادر الأتابك خشقدم بالكلام وقال: " نعم " ثم التفت جانبك ~~إلى الجميع، وقال: " فمن يكون السلطان على هذا الحكم؟ " فبدأ سنقر قرق شبق ~~الأشرفي الزردكاش، وقال ما معناه: " ما نرضى إلا بالأمير جانم نائب الشام، ~~أنتم كتبتم له بالحضور، وأذعنتم بسلطنته، فكيف تسلطنوا غيره؟ فنهره الأمير ~~خيربك من جديد الأشرفي لنفس كان بينهما قديما، وقال: PageV04P0460 # " لست بأهل الكلام في مثل هذا المجلس " . فعند ذلك قال الأمير قانم ~~التاجر المؤيدي أحد مقدمي الألوف ما معناه: " يا جماعة إن كنتم كاتبتم ~~الأمير جانم نائب الشام فلا تسلطنوا غيره إلى أن يحضر وسلطنوه، فإنه لا ~~يسعكم من الله أن تسلطنوا غيره الآن ثم تخلعوه عند حضور جانم، فهذا شيء لا ~~يكون " فلم يسمعوا كلامه، وسمع في الغوغاء قول قائل لا يعرف: " سلطنوا ~~الأمير جرباش! " . فامتنع جرباش من ذلك وقال ما معناه: " إن هذا شيء راجع ~~إلى الأمير الكبير " ، وقبل الأرض من وقته. فقام الأمير جانبك الأشرفي ~~الظريف الخازندار وبادر بأن قال: " السلطان الأمير الكبير " ، وقبل الأرض. ~~ثم فعل ذلك جميع من حضر من الأمراء، ونودي بالحال بسلطنته بشوارع القاهرة، ~~ثم شرعوا بعد ذلك في قتال الملك المؤيد أحمد هذا. كل ذلك والملك المؤيد في ~~القلعة في أناس قليلة من مماليكه ومماليك أبيه الأجلاب، ولم يكن عنده من ~~الأمراء أحد غير مملوك والده قراجا الطويل الأعرج، أحد أمراء العشرات، وهو ~~كلا شيء، والأمير آخور الكبير برسباي البجاسي، وليته لا كان عنده، خيربك ~~القصروي نائب قلعة الجبل، وكان أضر عليه من كل أحد حسبما يأتي ذكر فعله. كل ~~ذلك والملك المؤيد لا يعلم حقيقة ما العزم فيه، غير أنه يعلم باجتماع ~~المماليك والأمراء في بيت الأمير الكبير خشقدم، وأنهم في أمر مريج، غير أنه ~~لا يعرف نص ما هم فيه. وصار الملك المؤيد يسأل عن أحوالهم، وينتظر مجيء أحد ~~من مماليك أبيه إليه، فلم يطلع إليه أحد ms3643 منهم، بل العجب أن غالبهم كان مع ~~القوم عند الأمير الكبير مساعدة علي ابن أستاذهم، وليتهم كانوا من ~~المقبولين، وإنما كانوا من المذبذبين لا غير. على أن الملك الظاهر خشقدم ~~لما تسلطن أبادهم، وشوش عليهم بالمسك وإخراج أرزاقهم أكثر مما عمله مع ~~الذين كانوا عند المؤيد فلا شلت يداه. وبقي الملك المؤيد كلما فحص عن أمر ~~الفتنة لا يأتيه أحد بخببر شاف، بل صارت الأخبار عنده مضطربة، وآراؤه ~~مفلوكة، وهو في عدم حركة، ويظهر عدم الاكتراث بأمر هذا الجمع، إلى أن تزايد ~~الأمر، وخرج عن الحد، وصار اللعب جدا، فعند ذلك تأهب من كان عنده من ~~المماليك، وقام الملك المؤيد من قاعة الدهيشة، ومضى إلى القصر السلطاني ~~المطل على الرميلة، ثم نزل بمن معه إلى باب السلسلة، وقبل أن يصل إلى ~~الإسطبل جاءه الخبر بأن القوم أخذوا باب السلسلة، وملكوا الإسطبل السلطاني، ~~وأخذوا الأمير برسباي البجاسي الأمير آخور الكبير أسيرا إلى الأمير الكبير ~~خشقدم وكان أخذ باب السلسلة مكيدة من برسباي المذكور. فلما سمعت الأجلاب ~~أخذ باب السلسلة نزل طائفة منهم وصدموا من بها من عساكر الأتابك خشقدم صدمة ~~هزموهم فيها، واستولوا على باب السلسلة ثانيا، وهو بلا أمير آخور. وجلس ~~السلطان الملك المؤيد بمقعد الإسطبل المطل على الرميلة، وكان عدم نزول ~~المؤيد إلى الإسطبل بسرعة له أسباب، منها: أنه كان مطمئن الخاطر على باب ~~السلسلة، لكون الأمير آخور برسباي ليس هو من غرض أحد من الطائفتين، وأيضا ~~كونه صهره زوج بنت أخته من الأمير بردبك الدوادار الثاني، وقد صار بردبك من ~~الممسوكين عند الأتابك خشقدم، وأيضا أن والده إينال هو الذي رقاه وخوله في ~~النعم، فلم يلتفت برسباي لشيء من ذلك، وأنشد قول من قال: الوافر لعمرك و ~~الأمور لها دواع ... لقد أبعدت يا عتب الفرارا PageV04P0461 # ومنها: أنه صار ينتظر من يأتيه من أصحابه وحواشيه وخجداشية أبيه و ~~مماليكه، فلم يأته أحد منهم. فلما يئس منهم قام من الدهيشة بعد أن جاءه ~~الخبر بأخذ باب السلسلة واسترجاعها بيد مماليك ms3644 أبيه الأجلاب. ولما جلس ~~بالمقعد و رأى القوم قد تكاثف جمعهم وكثر عددهم، وهو فيما هو فيه من قلة ~~العساكر و المقاتلة، لم يكترث بذلك، وأخذ في الدفع عن نفسه بمن عنده. غير ~~أن الكثرة غلبت الشجاعة، وما ثم شجاعة ولا دربة بمقاومة الحروب، وصار كذلك ~~خذلانا من الله تعالى: فإنه لم يطلع إليه في هذا اليوم واحد من مماليك أبيه ~~القديمة ولا خجداشيته، وما كان عنده من الأمراء غير قراجا المقدم ذكره، ومن ~~أعيان الخاصكية فارس البكتمري أحد الدوادارية الأجناد، ومقبل دواداره قديما ~~قبل سلطنته، وهؤلاء الثلاثه كلا شيء، ولولا ذكر أسماء من كان عنده علم خبر ~~ما ذكرت مثل هؤلاء الأصاغر. وكان عنده مع هؤلاء أجلاب أبيه الذين بالأطباق، ~~وهم عدة كبيرة نحو الألف أو دونها بيسير، أو أكثر منها بقليل، وهم الذين ~~اشتراهم والده الأشرف بعد سلطنته من التجار، وأما الذين اشتراهم من تركة ~~الظاهر جقمق و من مماليك ولده الملك المنصور عثمان وعدتهم تزيد على ~~المائتين، وهم أعيان مماليك الأشراف إينال وأصحاب الوظائف والإقطاعات فقد ~~استمالهم الأمير جانبك نائب جدة قبل ذلك، وقال لهم: " أنتم ظاهرية وشراء ~~الأشرف لكم غير صحيح " فمالوا إلى كلامه وإحسانه وعطاياه الخارجة عن الحد ~~في الكرم، وصاروا من حزب الظاهرية. و ركبت الجميع معه في هذا اليوم، ~~وقاتلوا ابن أستاذهم أشد قتال، وصاروا هم يوم ذلك أعيان العسكر بالشبيبة ~~والإمكان والكثرة، هذا مع من كان الأتابك خشقدم من الناصرية والمؤيدية ~~والظاهرية والسيفية. فلما رأى الملك المؤيد كثرة هذه العساكر وميل مماليك ~~والده معهم تعجب غاية العجب، وعلم أن ذلك أمر رباني ليس فيه حيلة، وما هو ~~إلا بذنب سلف دعوة مظلوم غفلوا عنها لم يغفل الله عنها، أو للمجازاة، لأن ~~الجزاء من جنس العمل؛ وقد ركب أبوه الملك الأشرف إينال على الملك المنصور ~~عثمان بعا أن تخول في نعم الظاهر جقمق، فإنه هو الذي رقاه وولاه الأتابكية، ~~فغدر به وخلعه من الملك، وتسلطن مكانه، وحبسه إلى أن مات. وأغرب من هذا ms3645 كله ~~أن الملك المؤيد هذا كان له أيام والده جماعة كبيرة من أعيان الظاهرية ~~والأشرفية والسيفية يصحبونه ويمشون في خدمته، ويتوجهون معه في الرمايات ~~والأسفار، وإحسانه متصل إليهم من الآنعام والمساعدة في الأرزاق والوظائف، ~~فلم يطلع إليه واحد منهم، وأيضا فاؤوا الجميع للأتابك خشقدم ومن معه قبل أن ~~يستفحل أمر خشقدم ويضعف أمر المؤيد، فما ذاك إلا عدم موافاة لا غير. وأعجب ~~من هذا أن أصحاب المؤيد ومماليك أبيه الذين تقدم ذكرهم ممن انضاف مع ~~الأتابك خشقدم كانوا يوم الواقعة من الممقوتين لا من المتأهلين، وذل ~~الإبعاد لائح عليهم، وكان يمكنهم تلافي الأمر والطلوع إلى الملك المؤيد ~~ومساعدته، فلم يقع ذلك، فهذا هو السبب لقولي: إن هذا كله مجازاة لفعل والده ~~السابق، وقد ورد في الإسرائيليات: " يقول الرب: يا داود، أنا الرب الودود، ~~أعامل الأبناء بما فعل الجدود " . PageV04P0462 # ثم التحم القتال بين الطائفتين مناوشة لا مصاففة، غير أن كلا من ~~الطائفتين مصر على قتال الطائفة الآخرى، والملك المؤيد في قلة عظيمة من ~~المقاتلة ممن يعرف مواقع الحرب وليس معه إلا أجلاب، وهذا شيء لم يقع لأحد ~~غيره من السلاطين أولاد السلاطين؛ فإن الناس لم تزل أغراضا، ووقع ذلك ~~للعزيز مع الملك الظاهر جقمق، فكان عند العزيز جماعة كثيرة من الأمراء ~~والأعيان لا تدخل تحت حصر، وكذلك للمنصور عثمان مع الملك الأشرف إينال، ~~وكان عنده خلائق من أعيان الأمراء، مثل الأمير تنم المؤيدي أمير سلاح، ومثل ~~الأمير قاني باي الجاركسي الأمير آخور الكبير، وغيرهما من أعيان أمراء ~~أبيه، ولا زالت الدنيا بالغرض، فقوم مع هذا، وقوم مع هذا. غير أن الملك ~~المؤيد هذا لم يكن عنده أحد البتة، فانقلب الموضوع في شأنه؛ فإنه كان يمكن ~~الذي وقع له يكون للعزيز والمنصور، فإنهما كانا حديثي سن، والذي وقع لهما ~~أعني العزيز والمنصور كان يكون للمؤيد، لأنه كبير سن، وصاحب عقل وتدبير ~~فسبحان الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قلت: ولهذا لم تطل وقعة المؤيد ~~هذا، فإنه علم بذلك زوال ملكه، وتركه ms3646 برسباي البجاسي الأمير آخور، وخيربك ~~القصروي نائب قلعة الجبل، ونزلا إلى الأتابك خشقدم؛ فإن العادة في الحروب ~~إذا كان كل من الطائفتين يقابل الآخرى في القوة والكثرة يقع القتال بين ~~الطائفتين، وكل من الطائفتين يترجى النصرة، إلى أن يؤول النصر لإحدى ~~الطائفتين، وتذهب الآخرى، إلا هذه الوقعة لم يكن عند اامؤيد إلا من ذكرناه. ~~وأما عساكر الأتابك خشقدم فانتشرت على مفارق الطرق، فوقف الأمير جانبك ~~الظاهري نائب جدة بجماعة كثيرة من خجداشيته ومماليكه برأس سويقة منعم، ~~وتلقى قتال الملك المؤيد بنفسه وبحواشيه المذكورين، وعظم أمر الأمير الكبير ~~خشقدم به حتى تجاوز الحد، واجتهد جانبك المذكور في حرب المؤيد حتى أباده. ~~وكان الملك المؤيد أولا يقرب جانبك هذا في ابتداء سلطنته تقريبا هينا مع ~~عدم التفات إليه ولا إلى غيره، لأنه كان يقول في نفسه: إن ابتداءه كانتهاء ~~أبيه في العظمة، ولما تسلطن أخذ في الأمر والنهي أولا بغير حساب عواقب، ~~استعزازا بكثرة ماله وبحواشيه ومماليك أبيه، فسار في الناس بعدم استمالة ~~خواطرهم، وسار على ذلك مدة أيام، وجعل جانبك هذا في أسوة من سلك معهم هذه ~~الفعلة، فاستشارني جانبك في أن يداخله لعله يرقع عليه أمره، فإنه ما كان ~~حمولا للذل، وإنما كان طبعه أن يبذل المال الجزيل في القدر اليسير في قيام ~~الحرمة، فأشرت عليه بالمداخلة، فداخله. وكنت أنا قبل ذلك داخلته أياما، ~~فإذا به جامد نفور بعيد الاستمالة إلا لمن ألفه، وحدثته بما رأيته منه قبل ~~أن أشير عليه بصحبته، فقال ما معناه: إني أنا آخذ الشيء بعزة وتمهل، وهو ~~يدور مع الدهر كيفما دار. ثم اجتمع بي بعد مدة أيام في يوم الجمعة بعد أن ~~صلى معه الجمعة، وقلع ما عليه من قماش الموكب، ودخل إليه في الخلوة بقاعة ~~الدهيشة، ثم خرج من عنده وهو غير منشرح الصدر، وقال لي: " القول ما قلته " ~~. ثم شرعنا فيما نحن في ذكره مجلسا طويلا، وقمناعلى غير رضاء من الملك ~~المؤيد. ووقع في أثناء ذلك ما ذكرناه من أمر الوقعة والفتنة، ms3647 ووقوف جانبك ~~ومن معه برأس سويقة منعم، هذا مع ما كان بلغ المؤيد في هذا اليوم وفي أمسه ~~أن القائم بهذا الأمر كله جانبك نائب جدة، وأنه هو أكبر الأسباب في زوال ~~ملكه، وفي اجتماع الناس على الأتابك خشقدم. ثم رأى في هذا اليوم بعينه من ~~قصر القلعة وقوف جانبك على تلك الهيئة، فعلم أن كل ما قيل عنه في أمسه ~~ويومه صحيح، فأخذ عند ذلك يعتذر وكتب كتابا للأمير جانبك بخطه يعده فيه ~~بأمور، منها: أنه يجعله إن دخل في طاعته أتابك العساكر بالديار المصرية، ~~وأنه لا يخرج عن أوامره، وأنه يكون هو صاحب عقده وحله، ويترقق له، وبسط ~~الكلام في معنى ما ذكرناه أسطرا كثيرة، وهو يكرر السؤال فيه، ويحلف له فيما ~~وعده به ورأيت أنا الكتاب بعيني، وفيه لحن كثير، كأنه كان ما مارس العربية، ~~ولا له إلمام بالمكاتبات، على أنه كان حاذقا فطنا، غير أن الفضيلة نوع آخر، ~~كما كانت رتبة المقام الناصري محمد ابن الملك الظاهر جقمق رحمهما الله ~~تعالى فلم يرث جانبك لما تضمن هذا الكتاب، ودام على ما هو عليه، ونهر قاصده ~~الحامل لهذا الكتاب، وقال له: " إن عدت إلي مرة أخرى PageV04P0463 # أرسلتك إلى الأمير الكبير " . واستمر على ما هو عليه من الاجتهاد في ~~القتال، وصار أمر الملك المؤيد في إدبار، وعساكر الأتابك خشقدم في نمو ~~وزيادة. هذا والمناوشة بالقتال مستمرة بين الطائفتين، وقد أفطر في هذا ~~اليوم خلائق من شدة الحر، وتعاطي القتال من الطائفتين، وجرح جماعة كثيرة من ~~الفريقين، فلم ينقض النهار حتى آل أمر الملك إلى زوال، وهو مع ذلك ينتظر من ~~يجيء إليه لمساعدته، وهو بين عسى ولعل، وكاتب جماعة من أصحابه ممن كان عند ~~الأتابك خشقدم، فلم يلتفت إليه أحد لتحقق الناس زوال ملكه. وبينما الناس في ~~ذلك و إذا بخيربك القصروي نائب قلعة الجبل ترك باب المدرج، ونزل إلى الأمير ~~الكبير خشقدم، وصار من حزبه، فعلم كل أحد أنه قد ذهب أمر الملك المؤيد، ولو ~~كان فيه ms3648 بقية ما نزل نائب القلعة منها وانضاف إلى جهة الأمير الكبير. وبقي ~~باب القلعة بغير ضابط، فأرسل الملك المؤيد في الحال بعض أصحابه وجلس مكان ~~خيربك هذا، فلم يشكر أحد خيربك المذكور على فعلته هذه. كل ذلك وأمر المؤيد ~~في انحطاط فاحش، وصارت العامة تسمعه المكروه من تحت القلعة، لا سيما لما ~~دخل الليل، فإنه بات بالقصر في قلة من الناس إلىلتك إلى الأمير الكبير " . ~~واستمر على ما هو عليه من الاجتهاد في القتال، وصار أمر الملك المؤيد في ~~إدبار، وعساكر الأتابك خشقدم في نمو وزيادة. هذا والمناوشة بالقتال مستمرة ~~بين الطائفتين، وقد أفطر في هذا اليوم خلائق من شدة الحر، وتعاطي القتال من ~~الطائفتين، وجرح جماعة كثيرة من الفريقين، فلم ينقض النهار حتى آل أمر ~~الملك إلى زوال، وهو مع ذلك ينتظر من يجيء إليه لمساعدته، وهو بين عسى ~~ولعل، وكاتب جماعة من أصحابه ممن كان عند الأتابك خشقدم، فلم يلتفت إليه ~~أحد لتحقق الناس زوال ملكه. وبينما الناس في ذلك و إذا بخيربك القصروي نائب ~~قلعة الجبل ترك باب المدرج، ونزل إلى الأمير الكبير خشقدم، وصار من حزبه، ~~فعلم كل أحد أنه قد ذهب أمر الملك المؤيد، ولو كان فيه بقية ما نزل نائب ~~القلعة منها وانضاف إلى جهة الأمير الكبير. وبقي باب القلعة بغير ضابط، ~~فأرسل الملك المؤيد في الحال بعض أصحابه وجلس مكان خيربك هذا، فلم يشكر أحد ~~خيربك المذكور على فعلته هذه. كل ذلك وأمر المؤيد في انحطاط فاحش، وصارت ~~العامة تسمعه المكروه من تحت القلعة، لا سيما لما دخل الليل، فإنه بات ~~بالقصر في قلة من الناس إلى PageV04P0464 # الغاية، لأن غالب من كان عنده تركه ونزل إلى تحت، وكانوا في الأصل جمعا ~~يسيرا، وبات من هو أسفل وقد استفحل أمرهم، وتأهبوا للقتال في غد، وهمتهم قد ~~عظمت من كثرة عددهم، وتكاثف عساكرهم من كل طائفة، حتى من ليس له غرض عند ~~أحد بعينه جاء إلى الأمير الكبير مخافة على رزقه ونفسه، لما علم من ms3649 قوة ~~شوكة الأمير الكبير وما يؤول أمره إليه. هذا مع حضور الخليفة والقضاة ~~الأربعة عند الأمير الكبير وجميع عيان الدولة من المباشرين وأرباب الوظائف ~~وغيرهم، والملك المؤيد في أناس قليلة جدا. ومضت ليلة الأحد المذكور، والملك ~~المؤيد في أقبح حال. هذا وقد علم ترجي من كان عنده بالقلعة من نصرته، ~~وتقاعد غالب من كان عنده عن القتال، وهم الأجلاب من مماليك أبيه لا غير. ~~فلما أصبح نهار الأحد تاسع عشر شهر رمضان من سنة خمس وستين وثمانمائة ظهر ~~ذلك عليهم، وبردت همتهم، وركضت ريح عزائمهم، وأخذ كل احد من أصحابه في ~~مصلحة نفسه، إما بالإذعان للأمير الكبير خشقدم، أو بالتجهز للهرب ~~والاختفاء. وظهر ذلك للملك المؤيد عيانا، فأراد أن يسلم نفسه، ثم أمسك عن ~~ذلك من وقته. كل ذلك وأصحاب الأمير الكبير لا يعلمون بذلك، فقد أصبحوا في ~~أفحل أمر، وأقوى شوكة، وأكثر عدد، وقد تهيؤوا في هذا اليوم للقتال ومحاصرة ~~قلعة الجبل، زيادة على ما كانوا عليه في أمسه، وفي نفوسهم أن أمر القتال ~~يطول بينهم أياما. وبينا هم في ذلك ورد عليهم خبر الملك المؤيد مفصلا، وحكي ~~لهم انحلال برمه وانفلاك أمره، وما هو فيه من أنه أراد غير مرة تسليم نفسه، ~~وزاد الحاكي وأمعن لغرض ما، فقوى بذلك قلوب من هو أسفل، وتشجع كل جبان، ~~فطلب المبارزة كل مول، وتقدم كل من كان خاف هذا من هؤلاء، فكيف أنت بالشجاع ~~المقدام؟!. فعند ذلك اجتمعوا على القتال، وزحفوا على القلعة بقلب رجل واحد، ~~فقاتلهم عساكر الملك المؤيد قتالا ليس بذاك ساعة هينة. فلما رأى الملك ~~المؤيد أن ذلك لا يفيده إلا شدة وقسوة أمر عساكره ومقاتلته بالكف عن ~~القتال، وقام من وقته وطلع القلعة بخواصه، وأمر أصحابه بالآنصراف إلى حيث ~~شاؤوا. ثم دخل هو إلى والدته خوند زينب بنت البدري حسن بن خاص بك، وترك باب ~~السلسلة لمن يأخذه بالتسليم، وتمزقت عساكره في الحال كأنها لم تكن، وزال ~~ملكه في أقل ما يكون، فسبحان من لا يزول ملكه ms3650 وبقاؤه الدائم الأبدي. فلما ~~بلغ الأمير الكبير خشقدم الخبر قام من وقته بمن معه من أصحابه وعساكره، ~~وطلع إلى باب السلسلة، واستولى على الإسطبل السلطاني، وملك قلعة الجبل أيضا ~~في الحال من غير مقاتل ولا مدافع، وأمر الأمير الكبير في الحال بقلع السلاح ~~وآلة الحرب، وسكن الأمر، وخمدت الفتنة كأنها لم تكن. ثم أرسل الأتابك خشقدم ~~في الحال جماعة من أصحابه قبضوا على الملك المؤيد أحمد هذا من الدور ~~السلطانية، فأمسك من غير ممانعة، وسلم نفسه، وأخرج من الدور إلى البحرة من ~~الحوش السلطاني، وحبس هناك بعد أن قئد واحتفظ به. وأمسك أخوه محمد أيضا، ~~وحبس معه بالبحرة، فخرجت والدتهما خوند زينب المقدم ذكرها معهما، وأقامت ~~عندهما بالبحرة المذكورة، وقد علمت وعلم كل أحد أيضا بأن الذي وقع لهم من ~~زوال ملكهم في أسرع وقت إنما هو بدعوة مظلوم غفلوا عنها، لم يغفل الله ~~عنها، ولله در القائل: الوافر أرى الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار ~~توبيخي وفتكي و لا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك، والفعل مبكي ~~PageV04P0465 # قلت: " على قدر الصعود يكون الهبوط، وكما تدين تدان، وما ربك بظلام ~~للعبيد، والجزاء من جنس العمل " . وكأن لسان حال إسكندرية قبل ذلك يقول: " ~~كل ثان لا بد له من ثالث " . فالأول ممن كان فيها من السلاطين أولاد ~~الملوك: الملك العزيز ابن الملك الأشرف برسباي، وقد خلعه الملك الظاهر ~~جقمق، وتسلطن مكانه، ثم الملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق، خلعه ~~الملك الأشرف إينال، وتسلطن عوضه، وهو الثاني، فاحتاجت الإسكندرية إلى ~~ثالت، ليجازى كل على فعله، فكان المؤيد هذا، خلعه الملك الظاهر خشقدم، ~~وتسلطن مكانه، واستولى على جميع حواصل الملك المؤيد وذخائره، فلم يجدوا ~~فيها ما كان في ظنهم، فطلبوا منه المال، فذكر أنه أصرف جميع ما كان في ~~خزانة والده في نفقة المماليك السلطانيه لما تسلطن، ولم يبق في الخزانة إلا ~~دون المائة ألف دينار. ثم تتبعوا حواصله وحواشيه بعد ذلك، فأخذوا منهم ~~زيادة على مائة ألف دينار، وبعض متاع، وصيني وقماش. ms3651 واستمر الملك المؤيد ~~محتفظا به بالبحرة إلى ما سنذكره. وكانت مدة تحكمه من يوم تسلطن إلى يوم ~~خلع من السلطنة بالملك الظاهر خشقدم أربعة أشهر وستة أيام بغير تحرير، ~~وبتحرير الأوقات والساعات: وخمسة أيام. ولما نكب الملك المؤيد وخلع من ~~السلطنة على هذا الوجه كثر أسف الناس عليه إلى الغاية والنهاية؛ فإنه كان ~~سار في سلطنته سيرة حسنة جميلة، وقمع أهل الفساد وقطاع الطريق بجميع إقليم ~~مصر، وأمنت السبل في أيامه أمنا زائدا، واطمأنت النفوس من تلك المخاوف التي ~~كانت في أيام أبيه، وزالت أفعال الأجلاب بالكلية مما أردعهم في أوائل ~~سلطنته بالآخراق والوعيد وأبعدهم عنه. ثم سلك الطريق الجميلة في الرعية، ~~فعظم حب الناس له، وانطلقت الألسن له بالدعاء والابتهال سرا وعلانية، وسر ~~بسلطنته كل أحد من الناس، ومالت القلوب إليه، لولا تكبر كان فيه وعدم ~~التفات إلى الأكابر، حسبما تقدم ذكره، وهذا كان أكبر الأسباب لتوغر خواطر ~~الأمراء منه، وإلا فكان أهلا للسلطنة بلا نزاع. فلو أنه سار مع الأمراء ~~سيرة والده الأشرف من الملق، وأخذ الخواطر مع إرادة الله تعالى، لدامت ~~أيامه مقدار المواهب إلالهية، لأنه كان ملكا عارفا سيوسا، فطنا عالي الهمة ~~يقظا، لولا ما شان سؤدده من التكبر، ومصاحبة الأحداث، ولله در القائل: ~~الطويل ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء فخرا أن تعد معايبه ~~ودام الملك المؤيد هذا بالبجرة من الحوش السلطاني بقلعة الجبل إلى يوم ~~الثلاثاء حادي عشرين شهر رمضان فرسم السلطان الملك الظاهر خشقدم بتوجهه ~~وتوجه أخيه محمد إلى سجن الإسكندرية. فأنزلا في باكر النهار المذكور، وأخرج ~~الملك المؤيد هذا مقيدا، وحمل على فرس، ولم يركب خلفه أحد من الأوجاقية كما ~~هي عادة من يحمل من أعيان الأمراء إلى سجن الإسكندرية فنزهوا مقامه عن ذلك؛ ~~وأنا أقول: لعل أنه ما قصدوا بذلك إجلاله، فإنه ليس في القوم من هو أهل ~~لهذه المعاني. وإنما الملك المنصور عثمان كان لما أنزل من القلعة إلى ~~الإسكندرية على هذه الهيئة لم يركب خلفه أوجاقي، فظن ms3652 القوم أن العادة لا ~~يركب خلف السلطان أوجاقي، ففعلوا بالمؤيد كذلك. ولقد سمعت هذا المعنى من ~~جماعة من أكابر الجهلة والمشهورين بالمعرفة، فلو قيل له: وأي سلطان أنزل من ~~القلعة بعد خلعه من السلطنة إلى الإسكندرية على هذا الوجه؟ لما كان يسعه أن ~~يقول رأيت ذلك في بلاد الجاركس انتهى. PageV04P0466 # وحمل أخوه محمد أيضا على فرس آخر بغير قيد فيما أظن، ونزل أمامه، وبين ~~يديهما مملوك أبيهما قراجا الأشرفي الطويل الأعرج على بغل بقيد، وخلفه ~~أوجاقي على عادة الأمراء بسكين. وأنا أقول: عظم قراجا بهذا النزول مع هؤلاء ~~الملوك في مثل هذا اليوم، والذي أراه أنا أنه كان يتوجه بين يدي هؤلاء ~~ماشيا إلى أن يصل إلى البحر، وإلا فهذا إجلال لقدر هذا الوضيع، وإن كان فيه ~~ما فيه من النكد، ففيه نوع من رفع مقامه. وسار الجميع والعساكر محتفظة بهم، ~~وعلى أكثرهم السلاح وآلة الحرب، وجلست الناس بالحوانيت والطرقات والبيوت ~~لرؤية الملك المؤيد هذا، كما هي عادة العوام وغيرهم من المصريين، وتوجهوا ~~بهم من الصليبة إلى أن اجتازوا بالملك المؤيد وأخيه محمد على تلك الهيئة ~~بدار أخته شقيقته زوجة الأمير يونس الدوادار الكبير، وهو في حياض الموت، ~~لمرض طال به أشهرا تجاه الكبش. فلما وقع بصر زوجة الأمير يونس على أخويها ~~وهما في تلك الحالة العجيبة المهولة صاحت بأعلى صوتها هي ومن حولها من ~~الجواري والنسوة، فقامت عيطة عظيمة من الصياح واللطم والرؤوس المكشوفة، ~~فحصل للناس من ذلك أمر عظيم من بكاء وخزن وعبرة على ما أصاب هؤلاء من ~~النكبة والهوان بعد الأمن والعز الذي لا مزيد عليه، وما أحسن قول من قال في ~~هذا المعنى: البسيط جاد الزمان بصفو ثم كدره ... هذا بذاك، ولا عتب على ~~الزمن PageV04P0467 # ودام سيرهم على هذه الصفة إلى أن وصلوا بهم إلى البحر بخط بولاق بساحل ~~النيل، فأنزل الملك المؤيد وأخوه ومعهما قراجا المذكور في مركب واحد، ~~وسافروا من وقتهم على الفور إلى الإسكندرية، وقد كثر تأسف الناس عليهم إلى ~~الغاية، ما خلا ms3653 المماليك الظاهرية فإنهم فرحوا به لما كان فعل الملك الأشرف ~~إينال بابن أستاذهم الملك المنصور كذلك، فجازوه بما فعلوه الآن مع ابنه ~~الملك المؤيد هذا. قلت: هكذا فعل الدهر، يوم لك ويوم عليك. ودام الملك ~~المؤيد ومن معه مسافرا في البحر إلى ثغر رشيد، فسافروا على البر إلى أن ~~وصلوا إلى الإسكندرية، فسجنوا بها. واستمر الملك المؤيد مسجونا بقيده إلى ~~أن استهلت سنة ست وستين فرسم السلطان الملك الظاهر خشقدم بكسر قيده فكسر، ~~وتوجهت والدته خوند زينب إليه وسكنت عنده بالثغر ومعها ابنتها زوجة الأمير ~~يونس بعد موته. ثم مرض ولدها محمد في أثناء السنة أياما كثيرة، ومات ~~بالثغر، ودفن به في ذي الحجة. وقبل موته ماتت ابنته بنت أشهر، ولم يتهم أحد ~~لموته، لأن مرضه كان غير مرض المتهومين. ولما وقع ذلك أرسلت والدته خوند ~~زينب تستأذن السلطان في حمل رمة ولدها محمد المذكور من الإسكندرية إلى ~~القاهرة لتدفنه عند أبيه الأشرف إينال، فأذن لها في ذلك، فحملته بعد أشهر، ~~وجاءت به إلى القاهرة في شهر ربيع الأول من سنة سبع وستين وثمانمائة، ودفن ~~محمد المذكور على أبيه في فسقية واحدة رحمهما الله تعالى والمسلمين. ولم ~~تحضر والدته المذكورة مع رمة ولدها محمد، وإنما قامت عند ولدها الملك ~~المؤيد أحمد بالإسكندرية، لمرض كان حصل للملك المؤيد أبطل بعض أعضائه، ثم ~~عوفي بعد ذلك بمدة. وحضرت بعد ذلك إلى القاهرة بطلب من السلطان بسبب المال، ~~وصادفت وفاة الأمير يونس المؤيدي الدوادار الكبير صهره زوج أخته بعد يوم، ~~ثم تزوجها الأمير كسباي الخشقدمي الدوادار الثاني، فقبل دخولها ماتت معه. ~~وكان عمره وقت سلطنته نيفا وثلاثين سنة، فإن مولده وأبوه نائب بغزة. وكانت ~~مدة سلطنة الملك المؤيد أحمد على مصر أربعة أشهر وأربعة أيام، مرت أيامه ~~كالدقائق، لسرعتها وحسن أوقاتها، ودام في الإسكندرية، وقد كمل له بها الآن ~~مدة عشر سنين سواء. ولما مات الظاهر خشقدم وتسلطن الملك الظاهر تمربغا ~~الظاهري، ففي أول يوم رسم بإطلاق الملك المؤيد أحمد من سجن الإسكندرية، ms3654 ~~ورسم له بأن يسكن في الإسكندرية في أي بيت شاء، وأنه يحضر صلاة الجمعة ~~راكبا، وأرسل إليه خلعة وفرسا بقماش ذهب، فاستمر يركب. ولما تسلطن صهره ~~الملك الأشرف قايتباي زاد في إكرامه، وبقي يسافر، وصاهره على ابنته الأمير ~~يشبك من مهدي الظاهري الدوادار الكبير، ودام. وهذه السنة وهي سنة خمس وستين ~~وثمانمائة هي التي اتفق فيها أن حكم فيها ثلاثة ملوك؛ حكم الملك الأشرف ~~إينال من أولها إلى نصف جمادى الأولى، وحكم ولده الملك المؤيد هذا من نصف ~~جمادى الأولى المذكورة إلى تاسع عشر شهر رمضان فقط، وحكم الملك الظاهر ~~خشقدم من تاسع عشر شهر رضان فقط إلى آخرها. وسنذكر وفيات هذه السنة بتمامها ~~في محلها في أول سنين سلطنة الملك الظاهر خشقدم حسبما اصطلحنا عليه في ~~مصنفنا هذا إن شاء الله تعالى. ### | AUT سلطنة الظاهر خشقدم على مصر # PageV04P0468 # هو السلطان الملك الظاهر أبو سعيد سيف الدين خشقدم بن عبد الله الناصري ~~المؤيدي، وهو السلطان الثامن والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار ~~المصرية، والأول من الأورام بعد أن تسلطن من الجراكسة وأولادهم ثلاثة عشر ~~ملكا، أعني أول دولة الظاهر برقوق وهو القائم بدولة الجراكسة ابتداء. وأما ~~من سلف من ملوك الترك الجراكسة والأورام ففيهم اختلاف كثير، لعدم ضبط ~~المؤرخين هذا المعنى. والذي تحرر منهم من دولة الملك الظاهر برقرق إلى ~~يومنا هذا، فأول الجراكسة برقوق، وأول الأورام خشقدم، هذا وبينهما إحدى ~~وثمانون سنة لا تزيد ولا تنقص يوما، لأن كلا منهما تسلطن في تاسع عشر شهر ~~رمضان، فذاك أعني برقوقا في سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وخشقدم هذا فى سنة ~~خمس وستين وثمانمائة، تسلطن يوم خلع الملك المؤيد أبو الفتح أحمد ابن ~~السلطان الملك الأشرف إينال الأجرود، في يوم الأحد تاسع عشر شهر رمضان سنة ~~خمس وستين وثمانمائة بعد الزوال، وهو يوم ملك القلعة من الملك المؤيد أحمد. ~~فلما كان وقت الزوال طلب الخليفة المستنجد بالله يوسف والقضاة والأعيان، ~~وقد حضر جميع الأمراء في الإسطبل السلطاني بباب السلسلة بالحراقة، وبويع ~~بالسلطنة. ms3655 وكال قد بويع بها من بكرة يوم السبت ثامن عشر شهر رمضان قبل قتال ~~الملك المؤيد أحمد حسبما تقدم ذكره في ترجمة الملك المؤيد أحمد، ولقب ~~بالملك الظاهر، وكني بأبي سعيد. ولما تم له الأمر لبس خلعة السلطنة السواد ~~من مبيت الحراقة وركب فرس النوبة، وطلع إلى القصر السلطاني بشعار الملك ~~والأمراء والعساكر مشاة بين يديه، ما خلا الخليفة فإنه راكب معه، وقد حمل ~~القبة والطير على رأسه الأمير جرباش المحمدي الناصري المعروف بكرد أمير ~~سلاح. وجلس على تخت الملك، وقبلت الأمراء والعساكر الأرض بين يديه، ودقت ~~البشائر في الوقت، فازدحمت الناس لتهنئته وتقبيل يديه إلى أن انتهى كل أحد. ~~ونودي في الحال بسلطنته في شوارع القاهرة، وخلع على الخليفة المستنجد بالله ~~يوسف فوقانيا حريرا بوجهين أبيض وأخضر بطرز زركش، وقدم له فرسا بسرج ذهب ~~وكنبوش زركش، ثم خلع على الأمير جرباش المحمدي أطلسين متمرا وفوقانيا ~~بوجهين بطرز زركش، وأنعم عليه بفرس بقماش ذهب، وهذه الخلعة لحمله القبة ~~والطير على رأس السلطان، وخلعة الأتابكية تكون بعد ذلك، غير أن جرباش ~~المذكور علم أنه قد صار أتابكا لحمله القبة والطير على رأس السلطان. ثم خلع ~~السلطان على الأمير قرقماس الأشرفي أمير مجلس باستقراره أمير سلاح عوضا عن ~~جرباش. وكانت سلطنة الملك الظاهر خشقدم وجلوسه على تخت الملك وقت الظهر من ~~يوم الأحد المقدم ذكره، وكان الطالع وقت سلطنته وجلوسه على تخت الملك... ~~واستمر جلوس السلطان الملك الظاهر خشقدم بالقصر السلطاني من قلعة الجبل إلى ~~الخميس، وعنده جميع الأمراء على العادة. ثم أصبح السلطان في يوم الاثنين ~~العشرين من شهر رمضان خلع على الأمير جرباش المحمدي خلعة الأتابكية، وهي ~~كخلعته بالأمس. وفيه رسم السلطان بإطلاق الأميرين من سجن الإسكندرية، ~~الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي أمير سلاح كان، والأمير قاني باي ~~الجاركسي الأمير آخور الكبير كان، وتوجههما إلى ثغر دمياط بطالين. وفي يوم ~~الثلاثاء حادي عشرينه الثانية من النهار حمل الملك المؤيد أحمد وأخوه محمد ~~من قلعة الجبل إلى جهة الإسكندرية ليحبسا ms3656 بها. قلت: وقبل أن نشرع في ذكر ~~الحوادث نبدأ بالتعريف بأصل الملك الظاهر خشقدم هذا وسبب ترقيه إلى السلطنة ~~فنقول: أصله رومي الجنس، جلبه خواجا ناصر الدين إلى الديار المصرية في حدود ~~PageV04P0469 # سنة خمس عشرة وثمانمائة، أو في أوائل سنة ست عشرة هكذا أملى علي من لفظه ~~بعد سلطنته وسنه يوم ذلك دون البلوغ، فاشتراه الملك المؤيد شيخ، وجعله ~~كتابيا سنين كثيرة، ثم أعتقه وجعله من جملة المماليك السلطانية، إلى أن مات ~~الملك المؤيد فصار خشقدم هذا خاصكيا في دولة ولده الملك المظفر أحمد بن ~~شيخ، بسفارة أغاته الأمير تغري بردي قريب قصروه. ودام خاصكيا مدة طويلة إلى ~~أن صار ساقيا في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق. ثم أمره الملك الظاهر إمرة ~~عشرة، وجعله من جملة رؤوس النوب في حدود سنة ست وأربعين، فدام على ذلك إلى ~~سنة خمسين، فأنعم عليه الملك الظاهر أيضا بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق ~~واستمر بدمشق إلى أن تغير خاطر الملك الظاهر جقمق على الأمير البردبكي حاجب ~~الحجاب بسبب عبد قاسم الكاشف الذي نعتوه الناس بالصلاح، ونفاه إلى ثغر ~~دمياط بطالا، فرسم السلطان الملك الظاهر جقمق بطلب خشقدم هذا من مدينة ~~دمشق، ليكون عوضا عن تنبك المذكور في حجوبية الحجاب، وعلى إقطاعه أيضا دفعة ~~واحدة، وذلك في صفر سنة أربع وخمسين وثمانمائة. وكان مجيء خشقدم هذا إلى ~~الديار المصرية بسفارة الأمير تمربغا الظاهري الدوادار الثاني، وقيل على ~~البذل على يد أبي الخير النحاس. وأنعم السلطان بتقدمة خشقدم هذا التي بدمشق ~~على الأمير علان جلق المؤيدي، فاستمر خشقدم المذكور على الحجوبية إلى أن ~~تسلطن الملك الظاهر جقمق، فخلع عليه بإمرة سلاح عوضا عن الأمير تنبك ~~البردبكي الذي كان أخذ عنه الحجوبية بعد أن وقع لتنبك المذكور دورات ~~وتنقلات، فدام على وظيفة إمرة سلاح إلى أن سافر مقدم العساكر السلطانية إلى ~~بلاد ابن قرمان. ثم عاد واستمر على حاله إلى أن تسلطن الملك المؤيد أحمد ~~ابن الأشرف إينال، فخلع عليه باستقراره أتابك العساكر عوضا عن نفسه، وذلك ms3657 ~~في يوم الجمعة سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وستين. فلم تطل أيامه، وثار ~~القوم بالملك المؤيد أحمد وقاتلوه حتى خلعوه حسبما ذكرنا أمر الوقعة في ~~تاريخنا " حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور " . وتسلطن الملك الظاهر ~~خشقدم هذا. ووقع في سلطنته نادرة غريبة، وهي أن الملك الظاهر برقوقا كان ~~أول ملوك الجراكسة بالديار المصرية إن كان الملك المظفر بيبرس الجاشنكير ~~غير جاركسي وكانت سلطنة برقوق في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع ~~وثمانين وسبعمائة، ولقب بالملك الظاهر، وكانت سلطنة الملك الظاهر خشقدم هذا ~~في يوم الأحد تاسع عشر شهر رمضان سنة خمس وستين وثمانمائة، فتوافقا في ~~اللقب والشهرة والتاريخ والشهر، وذلك أول ملوك الجراكسة، وهذا أول دولة ~~الأورام، فبينهما إحدى وثمانون سنة لا تزيد يوما ولا تنقص يوما، لأن كلا ~~منهما تسلطن بعد أذان الظهر في تاسع عشر شهر رمضان انتهى. ثم في يوم الخميس ~~ثالث عشرينه خلع السلطان على الأمير جانبك الظاهري نائب جدة باستقراره ~~دوادارا كبيرا بعد موت الأمير يونس. وخلع على الأمير جانبك من أمير الظريف ~~الخازندار باستقراره دوادارا ثانيا عوضا عن بردبك الأشرفي بحكم القبض عليه، ~~وولي الدوادارية الثانية على تقدمة ألف، ولم يقع ذلك لغيره. واستقر قانم ~~طاز الأشرفي خازندارا عوضا عن جانبك من أمير. وفي يوم الجمعة رابع عشرينه ~~تواترت الأخبار بوصول الأمير جانم الأشرفي نائب الشام إلى منزلة الصالحية، ~~وأشيع هذا الخبر إلى وقت صلاة الجمعة، فتحقق السلطان الإشاعة، فحصل عليه من ~~هذا الخبر أمر كبير، وعظم مجيء جانم على السلطان إلى الغابة، لأن جانم كان ~~رشح لسلطنة مصر قبل ذلك عند مجيء ولده يحيى بن جانم إلى مصر في دولة الملك ~~المؤيد أحمد، وقد ذكرنا ذلك في وقته. وخارت طباع الملك الظاهر خشقدم، وما ~~ذلك إلا لعظم جانم في النفوس، وأيضا لكثرة خجداشيته الأشرفية، وزيادة على ~~ذلك من كان كاتبه وأذعن لطاعته من أعيان الظاهرية الجقمقية. ثم طلب السلطان ~~الأمير جانبك الدوادار، وكلمه بما سمعه من مجيء جانم، وكان جانبك ms3658 قد استحال ~~عن جانم، ومال بكليته إلى الملك الظاهر خشقدم، وصار من جهته ظاهرا وباطنا ~~فهون جانبك مجيئه على السلطان، وأخذ في التدبير، وقام وخجداشيته بنصرة ~~الملك الظاهر خشقدم. ووقع بسبب مجيء جانم أمور كثيرة وحكايات ذكرناها في ~~تاريخنا " حوادث الدهور " ، ملخصها: أن جانم أقام بالخانقاه أياما، وعاد ~~إلى نيابة الشام PageV04P0470 # ثانيا، بعد أن أمده السلطان بالأموال والخيول والقماش، حسبما يأتي ذكره ~~يوم سفره. وفي يوم السبت خامس عشرينه نودي بنفقة المماليك السلطانية، في ~~يوم السبت الآتي. وفيه أيضا، أنعم السلطان على عدة من الأمراء بتقادم ألوف، ~~وهم: الأمير أزبك من ططخ الظاهري، وبردبك الظاهري الرأس نوبة الثاني، ~~وجانبك من قجماس الأشرفي المشد زيادة على إقطاعه الأول ووظيفته. وأنعم ~~السلطان أيضا على جماعة من الخاصكية، لكل واحد إمرة عشرة باستحقاق وغير ~~استحقاق، كما هي عادة أوائل الدول. واستقر الأمير قايتباي المحمودي الظاهري ~~أمير طبلخاناه وشاد الشراب خاناه، عوضا عن جانبك الأشرفي. وأما ما جدده ~~الملك الظاهر خشقدم من الوظائف مثل الدوادارية والسقاة والسلحدارية فكثير ~~جدا لا يدخل تحت حصر لعسر تحريره. واستقر الأمير دولات باي النجمي مسفر ~~الأمير جانم نائب الشام، واستقر تمراز الأشرفي أحد مقدمي الألوف بدمشق في ~~نيابة صفد بعد عزل خيربك النوروزي عنها وتوجهه إلى دمشق مقدم ألف، وأنعم ~~السلطان أيضا على تمراز المذكور بمبلغ كبير من المال وغيره.نيا، بعد أن ~~أمده السلطان بالأموال والخيول والقماش، حسبما يأتي ذكره يوم سفره. وفي يوم ~~السبت خامس عشرينه نودي بنفقة المماليك السلطانية، في يوم السبت الآتي. ~~وفيه أيضا، أنعم السلطان على عدة من الأمراء بتقادم ألوف، وهم: الأمير أزبك ~~من ططخ الظاهري، وبردبك الظاهري الرأس نوبة الثاني، وجانبك من قجماس ~~الأشرفي المشد زيادة على إقطاعه الأول ووظيفته. وأنعم السلطان أيضا على ~~جماعة من الخاصكية، لكل واحد إمرة عشرة باستحقاق وغير استحقاق، كما هي عادة ~~أوائل الدول. واستقر الأمير قايتباي المحمودي الظاهري أمير طبلخاناه وشاد ~~الشراب خاناه، عوضا عن جانبك الأشرفي. وأما ما جدده الملك الظاهر خشقدم من ~~الوظائف مثل ms3659 الدوادارية والسقاة والسلحدارية فكثير جدا لا يدخل تحت حصر ~~لعسر تحريره. واستقر الأمير دولات باي النجمي مسفر الأمير جانم نائب الشام، ~~واستقر تمراز الأشرفي أحد مقدمي الألوف بدمشق في نيابة صفد بعد عزل خيربك ~~النوروزي عنها وتوجهه إلى دمشق مقدم ألف، وأنعم السلطان أيضا على تمراز ~~المذكور بمبلغ كبير من المال وغيره. PageV04P0471 # وفي يوم الاثنين سابع عشرين رمضان استقر يشبك البجاسي أحد مقدمي الألوف ~~بمصر في حجوبية حلب، وأنعم بتقدمته على الأمير جانبك الإينالي الأشرفي ~~المعروف بقلقسيز انتقل إليها من إمرة عشرة بسفارة الأمير جانبك الدوادار. ~~وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرينه توجه القاضي محب الدين بن الشحنة كاتب السر ~~إلى خانقاه سرياقوس لتحليف جانم نائب الشام المقدم ذكره. وسافر جانم في يوم ~~الجمعة ثاني شوال إلى محل كفالته على أقبح وجه، وسافر بعده تمراز الذي ~~استقر في نيابة صفد، كل ذلك بتدبير عظيم الدولة جانبك الدوادار، وقد انتهت ~~إليه يوم ذلك رئاسة المماليك الظاهرية بديار مصر. وأما الملك الظاهر فإنه ~~لما سافر جانم أخذ في مكافأة العسكر واستجلاب خواطرهم، ووجد عنده حاصلا ~~كبيرا من الإقطاعات، ليس ذلك مما كان في ديوان السلطان، وإنما هو إقطاعات ~~الأجلاب مماليك الأشرف إينال، وأضاف إلى ذلك شيئا كثيرا من الذخيرة ~~السلطانية، ومن أوقاف الملك الأشرف إينال، وأوقاف حواشيه، حتى إنه صار يأخذ ~~البلد العظيمة من ديوان المفرد وغيره وينعم بها على جماعة لكل واحد إمرة ~~عشرة، وتارة ينعم بها على خمسين مملوكا من المماليك السلطانية، وأكثر وأقل. ~~وقاسى الملك الظاهر من طلب المماليك أمورا عظيمة وأهوالا، ولما قل ما عنده ~~من الضياع بالديار المصرية مد يده إلى ضياع البلاد الشامية، ففرق منها على ~~أمراء مصر وأجنادهم ما شاء الله أن يفرق. فلما كان يوم السبت ثالث شوال شرع ~~السلطان في تفرقة نفقة المماليك السلطانية، ففرقت في كل يوبم طبقة واحدة ~~لقلة متحصل الخزانة الشريفة لكل واحد مائة دينار، ولمن يستخفون به خمسون ~~دينارا، وبالجملة إنها فرقت أقبح تفرقة، لعجز ظاهر، وقلة موجود، ومصادرات ~~الناس. ms3660 ولما كان يوم الاثنين خامس شوال أنعم السلطان بالخلع على جميع أمراء ~~الألوف، وأنعم على كل واحد بفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش، ورسم لهم بالنزول ~~إلى دورهم، وكان لهم من يوم قدم جانم نائب الشام إلى خانقاه سرياقوس مقيمين ~~بجامع القلعة، وكذلك القضاة، فنزل الجميع إلا الخليفة فإنه دام بقلعة الجبل ~~إلى يوم تاريخه، وأظن ذلك صار عادة ممن يلي الملك بعده. وفي هذه الأيام ~~استقر خيربك القصروي نائب قلعة الجبل في نيابة غزة بعد عزل بردبك السيفي ~~سودون من عبد الرحمن، ورسم السلطان أن يفرج عن الملك العزيز يوسف ابن الملك ~~الأشرف برسباي، وعن الملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق من محبسهما ~~ببرج الإسكندرية، ورسم لهما أن يسكنا بأي مكان اختارا بالثغر المذكور، ورسم ~~أيضا بكسر قيد الملك المؤيد أحمد بن الأشرف إينال. وفي يوم الأربعاء سابعه ~~ماجت مماليك الأمراء، ووقفوا في جمع كبير بالرميلة، يطلبون نفقات أستاذيهم، ~~لينفق أستاذ كل واحد منهم في مماليكه، وكان السلطان أخر نفقات الأمراء إلى ~~أن تنتهي نفقة المماليك السلطانية، وكانت العادة تفرقة النفقة على الأمراء ~~قبل المماليك. فلما بلغ السلطان ذلك شرع في إرسال النفقة إلى الأمراء، وقد ~~ذكرنا قدر ما أرسل لكل واحد منهم في تاريخنا " الحوادث " . ثم في يوم ~~الخميس ثامن شوال استقر الأمير قانم المؤيدي أمير مجلس عوضا عن قرقماس ~~الأشرفي، بحكم انتقاله إلى إمرة سلاح قبل تاريخه، واستقر الأمير بيبرس خال ~~العزيز رأس نوبة عوضا عن قانم، واستقر يلباي الإينالي المؤيدي جاجب الحجاب ~~عوضا عن بيبرس المذكور، ولبس الأمير جانبك الدوادار خلعة الآنظار المتعلقة ~~بوظيفته، ونزل في موكب هائل. ثم في يوم الأحد حادي عشره وصل الأمير تمربغا ~~الظاهري الدوادار الكبير كان من مكة المشرفة بطلب إلى القاهرة، وأظنه كان ~~خرج من مكة قبل أن يأتيه الطلب، وطلع إلى القلعة، وقبل الأرض، وخلع السلطان ~~عليه كاملية بمقلب سمور، ونزل إلى داره التي بناها وجددها المعروفة قديما ~~بدار منجك. وكان الأمير جانبك الدوادار قبل مجيء الأمير تمربغا عظيم ms3661 ~~المماليك الظاهرية، فلما حضر تمربغا هذا وجلس فوق الأمير جانبك، لكونه كان ~~أغاته بطبقة المستجدة أيام أستاذه، ولعظمته في النفوس وسبقه للرئاسة، صار ~~هو عظيم المماليك الظاهرية، وركضت ريح جانبك قليلا، واستمر على ذلك. وفي ~~يوم الأربعاء رابع عشره تسحب الأمير زين الدين عبد الرحمن بن الكويز ناظر ~~الخاص الشريف، بعد أن قام بالكلف السلطانية أتم قيام، أعني بذلك عن الخلع ~~التي PageV04P0472 # خلعها السلطان في أول سلطنته، وكانت خارجة عن الحد كثرة، ثم عقيب ذلك خلع ~~عيد الفطر بتمامها وكمالها، وبينهما مسافة يسيرة من الأيام، ولم يظهر العجز ~~في ذلك جميعه يوما واحدا إلى أن طلب منه السلطان من ثمن البهار مائة ألف ~~دينار لأجل النفقة السلطانية، فعجز حينئذ وهرب. واستقر عوضه في نظر الخاص ~~القاضي شرف الدين الآنصاري، وباشر هو أيضا أحسن مباشرة، وقام بالنفقة ~~السلطانية هو والأمير جانبك الدوادار، وتنم رصاص أتم قيام، أعني أنهم ~~اجتهدوا في تحصيل المال من وجوه كثيرة. هذا ما وقع للملك الظاهر خشقدم من ~~يوم تسلطن إلى يوم تاريخه مرارا. ومن الآن نشرع في ذكر نوادر الحوادث إلى ~~أن تنتهي ترجمته خوفا من الإطالة والملل فنقول: ولما كان يوم الاثنين ثالث ~~ذي القعدة استقر القاضي نجم الدين يحيى بن حجي في نظر الجيش بعد أن صرف ~~القاضي زين الدين بن مزهرعنها. وفي يوم خامس عشر ذي القعدة عين السلطان ~~تجريدة إلى قبرس نجدة لمن بها من العساكر الإسلامية، ثم بطل ذلك بعد أيام. ~~وفي يوم الخميس سابع عشرينه استقر الصفوي جوهر التركماني زماما وخازندارا ~~عوضا عن لؤلؤ الأشرفي الرومي. وفي يوم الخميس سادس عشرين ذي الحجة أمسك ~~السلطان بالقصر السلطاني بالقلعة جماعة من أمراء الألوف وغيرهم من ~~الأشرفية، وهم: بيبرس خال العزيز رأس نوبة النوب، وجانبك من أمير الظريف ~~الدوادار الثاني وأحد أمراء الألوف، وجانبك المشد أحد أمراء الألوف أيضا. ~~وأمسك من أمراء الطبلخانات والعشرات جماعة أيضا، مثل: قانم طاز الخازندار ~~الكبير، ونوروز الإسحاقي، وبرسباي الأمير آخور، وكرتباي، ودولات باي سكسن، ~~وأبرك البجمقدار، ms3662 وكلهم عشرات إلا قانم طاز أمير طبلخاناه. فلما سمعت ~~خجداشيتهم بذلك ثاروا، ووافقهم المماليك الأشرفية الإينالية، وجماعة من ~~الناصرية، وتوجهوا الجميع إلى الأمير الكبير جرباش المحمدي الناصري، وهو ~~مقيم يوم ذاك بتربة الملك الظاهر برقوق التي بالصحراء، وكان في التربة في ~~مأتم ابنته التي ماتت قبل تاريخه بأيام، واختفى جرباش المذكور منهم اختفاء ~~ليس بذاك، فظفروا به وأخذوه، ومضوا له إلى بيت قوصون الذي سد بابه الآن من ~~الرميلة تجاه باب السلسلة، ومروا به من باب النصر من شارع القاهرة، وبين ~~يديه جماعة من أمراء الأشرفية وغيرهم، وعليهم آلة الحرب، وقد لقبوه بالملك ~~الناصر على لقب أستاذه الناصر فرج بن برقوق، ولما وصلوا إلى بيت قوصون ~~أجلسوه بمقعد البيت. وعندما جلس بالمقعد ظهر على الأشرفية وغيرهم اختلال ~~أمرهم لاختلاف كلمتهم من سوء آرائهم المفلوكة، ولعدم تدبيرهم، فإن الصواب ~~كان جلوسه بالتربة المذكورة، إلى أن يستفحل أمرهم، وأيضا إنهم لما أوصلوه ~~إلى بيت قوصون ذهب غالبهم ليتجهز للقتال، وبقي جرباش في أناس قليلة. وأما ~~الملك الظاهر خشقدم فإنه لما بلغ الملك الظاهر والظاهرية أمرهم طلعوا ~~بأجمعهم إلى القلعة، وانضم عليهم أيضا خلائق، لعظم شوكة السلطنة من خجداشية ~~السلطان المؤيدية وغيرهم، وأخذوا السلطان ونزلوا به من القصر إلى مقعد ~~الإسطبل السلطاني أعلى باب السلسلة، وعليهم السلاح، ودقت الكوسات بالقلعة، ~~وشرعوا في القتال. وبينما هم في تناوش قتال جرباش، وقد رأى جرباش أن أمره ~~لا ينتج منه شيء، تدارك فرطه، وقام من وقته، وركب وطلع إلى القلعة طائعا ~~إلى السلطان، وقبل الأرض واعتذر بإلاكراه، فقبل السلطان منه عذره، وفي ~~النفس من ذلك شيء، وانهزمت الأشرفية الكبار. وهذا ذنب ثان للأشرفية عند ~~السلطان والذنب الأول قصة خجداشهم جانم والثاني هذا وانهزم جميع من كان ~~انضم على جرباش المذكور، وتوجه كل منهم إلى حال سبيله، فتجاهل السلطان ~~عليهم، وزعم أنه قبل أعذارهم إلى أن تم أمره، فمذ يده يمسك وينفي، ويكتب ~~إلى التجاريد والسخر، إلى أن أبادهم. ثم في يوم الجمعة سابع عشرين ذي الحجة ms3663 ~~المذكور أخفوا الأمراء الممسوكين، ونزلوا بهم إلى حبس الإسكندرية. وفي يوم ~~الاثنين سلخ ذي الحجة خلع السلطان على جميع أمراء الألوف، كل واحد كاملية ~~بمقلب سمور، وأنعم على الأمير تمربغا الظاهري القادم من مكة بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بالديار المصرية، عوضا عن جانبك المشد، بحكم حبسه، وخلع عليه ~~باستقراره رأس نوبة النوب، عوضا عن بيبرس خال العزيز، وأنعم بإقطاع بيبرس ~~على يلباي المؤيدي الحاجب لكونه أكثر متحصلا من PageV04P0473 # إقطاعه، وأنعم بإقطاع يلباي على خجداشه قاني بك المحمودي المؤيدي، أحد ~~أمراء دمشق الأ لوف كان. وفيه أيضا استقر الأمير جانبك الإسماعيلي المؤيدي ~~المعروف بكوهية دوادارا ثانيا، عوضا عن جانبك الظريف على إمرة عشرة؛ وكان ~~جانبك الظريف وليها على تقدمة ألف.ه، وأنعم بإقطاع يلباي على خجداشه قاني ~~بك المحمودي المؤيدي، أحد أمراء دمشق الأ لوف كان. وفيه أيضا استقر الأمير ~~جانبك الإسماعيلي المؤيدي المعروف بكوهية دوادارا ثانيا، عوضا عن جانبك ~~الظريف على إمرة عشرة؛ وكان جانبك الظريف وليها على تقدمة ألف. ### || AUT سنة ست وستين وثمانمائة # ففي يوم الأربعاء ثاني المحرم وصل الخبر بأن الأمير إياسا المحمدي ~~الناصري نائب طرابلس وصل من جزيرة قبرس إلى ثغر دمياط بغير إذن السلطان. ~~وفيه نفى السلطان خيربك البهلوان، وقانم الصغير الأشرفيين إلى البلاد ~~الشامية، وكلاهما أمير عشرة. وفي يوم الخميس ثالث المحرم عين السلطان مع ~~سليمان بن عمر الهواري تجريدة من المماليك السلطانية، وعليهم ثلاثة أمراء ~~أشرفية: جكم خال العزيز، وأيدكي، ومغلباي، فتأمل حال الأشرفية من الآن. ثم ~~في يوم الاثنين سابع المحرم استقر الأمير طوخ الأبوبكري المؤيدي زردكاشا ~~عوضا عن سنقر قرق شبق الأشرفي بحكم القبض عليه، واستقر سودون الظاهري ~~الأفرم خازندارا كبيرا، عوضا عن قانم طاز، بحكم القبض عليه أيضا. وأنعم ~~السلطان في هذا اليوم على جماعة كثيرة بأمريات وإقطاعات ووظائف باستحقاق ~~وغير استحقاق، كما هي عوائد أوائل الدول. ثم في ليلة الثلاثاء ثامن المحرم ~~سافر الأمير قاني باي المحمودي الظاهري المشد إلى ثغر دمياط للقبض على ~~الأمير إياس الناصري نائب طرابلس وإيداعه ms3664 السجن، لكونه حضر من قبرس، وترك ~~من بها من عساكر المسلمين. ثم عين السلطان جماعة من الأشرفية الكبار ~~والأشرفية الصغار إلى سفر قبرس، وأميرهم مغلباي البجاسي أتابك طرابلس، وكان ~~مغلباي حضر مع إياس. وفي يوم الاثنين رابع عشر المحرم استقر قراجا العمري ~~ثاني رأس نوبة وأمير مائة ومقدم ألف بدمشق على إقطاع هين، وقراجا هذا أيضا ~~ممن كان انضم على جرباش من خجداشيته، واستقر تنم الحسيني الأشرفي عوضه رأس ~~نوبة ثانيا. وفي يوم الخميس سابع عشر المحرم استقر برسباي البجاسي الأمير ~~آخور الكبير نائب طرابلس عوضا عن إياس المقبوض عليه، واستقر عوضه في الأمير ~~آخورية الكبرى يلباي المؤيدي حاجب الحجاب، واستقر في حجوبية الحجاب عوضه ~~الأمير بردبك الظاهري البجمقدار، وأنعم السلطان بإقطاع برسباي البجاسي على ~~قاني بك المحمودي، وأنعم بإقطاع قاني بك المحمودي على تمرباي ططر الناصري، ~~وكلاهما تقدمة ألف لكن الزيادة في المتحصل، وفرق السلطان إقطاع تمرباي ططر ~~على جماعة. وفي يوم الاثنين حادي عشرين المحرم استقر الخواجا علاء الدين ~~علي الصابوني ناظر الإسطبل السلطاني بعد عزل شرف الدين بن البقري وأضيف ~~إليه نظر الأوقاف. وفي يوم الثلاثاء ثاني عشرينه وصل مغلباي طاز أمير حاج ~~المحمل بالمحمل PageV04P0474 # وأمير الركب الأول تنبك الأشرفي. وفي يوم الخميس ثاني صفر أعيد القاضي ~~زين الدين بن مزهر إلى وظيفة نظر الجيش، بعد عزل القاضي نجم الدين يحيى بن ~~حجي. وفي يوم الثلاثاء سابع صفر وصل إلى القاهرة رأس نوبة الأمير جانم نائب ~~الشام، ومعه تقدمة إلى السلطان تسعة مماليك لا غير من عند مخدومه، واعتذر ~~عن مخدومه أنه ليس له علم بتسحب الأمير تمراز نائب صفد، وأنه باق على طاعة ~~السلطان، وكان السلطان أرسل قبل تاريخه بمسك تمراز المذكور، فهرب تمراز من ~~صفد، وله قصة حكيناها في " حوادث الدهور " . ثم في يوم الثلاثاء رابع عشره ~~وصل أيضا الزيني عبد القادر بن جانم نائب الشام، يستعطف خاطر السلطان على ~~أبيه، وكان عبد القادر حديث السن، وقد حضر معه الأمير قراجا الظاهري أتابك ~~دمشق ليتلطف ms3665 السلطان في أمر نائب الشام. ولما وصل قراجا المذكور إلى منزلة ~~الصالحية رسم السلطان بعوده إلى دمشق، ومنعه من الدخول إلى مصر، ورسم لعبد ~~القادر المذكور بالمجيء، فجاء الصبي ورد قراجا إلى الشام. وفي هذا اليوم ~~رسم السلطان بإحضار الأمير تنم من عبد الرزاق المؤيدي أمير سلاح كان من ثغر ~~دمياط، وقد رشح لنيابة الشام عوضا عن جانم المذكور. ثم في ليلة الخميس سادس ~~عشر صفر المذكور سافر الأمير تنم من نخشايش الظاهري المعروف برصاص محتسب ~~القاهرة إلى دمشق على النجب والخيل، ومعه جماعة كثيرة من الخاصكية، مقدار ~~ثلاثين نفرا، ليمسك الأمير جانم نائب الشام. قلت: الطويل أيا دارها بالخيف ~~إن مزارها ... قريب، ولكن دون ذلك أهوال PageV04P0475 # ثم في يوم الأربعاء عشرينه وصل الأمير تنم من ثغر دمياط، وقبل الأرض، ~~وأجلسه السلطان فوق الأمير قرقماس أمير سلاح، وخلع عليه. ثم في يوم الاثنين ~~سابع عشرينه، خلع عليه بنيابة الشام، واستقر مسفره الأمير بردبك هجين ~~الظاهري الأمير آخور الثاني. وخلع السلطان على الأمير قانصوه اليحياوي ~~الظاهري بتوجهه إلى الأمير جانبك الناصري المعزل قبل تاريخه عن حجوبية ~~دمشق، وعلى يده تقليده وتشريفه بنيابة صفد عوضا عن تمراز الأشرفي. وفي يوم ~~الأربعاء سادس شهر ربيع الأول وصل إلى القاهرة الأمير ازدمر الإبراهيمي ~~وخجداشه قرقماس، وقد كان مسافرا مع الأمير تنم رصاص المحتسب إلى دمشق، ~~وأخبر أزدمر المذكور أن الأمير جانم نائب الشام خرج منها بمماليكه وحشمه ~~بعد دخول تنم رصاص إلى دمشق ومراسلته، ولم يقدر تنم على مسكه، بل ولا على ~~قتاله؛ وكان خروج جانم من دمشق قبيل العصر من يوم الأحد سادس عشرين صفر، ~~ولم يكترث بأحد من الناس، وتوجهه إلى جهة حسن بك بن قرايلك. ثم في يوم ~~الجمعة ثاني عشرين ربيع الأول ركب السلطان من قلعة الجبر ببعض أمرائه ~~وخاصته، ونزل إلى بيت الأمير تنم المستقر في نيابة الشام وسلم عليه؛ وهذا ~~أول نزوله من قلعة الجبل من يوم تسلطن. ثم نزل السلطان بعد ذلك بقماش ~~الموكب في يوم الاثنين ms3666 تاسع شهر ربيع الآخر، وسار إلى تربته التي أنشأها ~~بالصحراء بالقرب من قبة النصر، وخلع على البدري حسن بن الطولوني معلم ~~السلطان وعلى غيره، ثم توجه إلى مطعم الطير، وجلس به واصطاد أمير شكار بين ~~يديه، ثم ركب وعاد إلى القلعة بعد أن شق القاهرة، ودخل في عوده إلى بيت ~~إنيه الأمير تنبك الأشرفي المعلم. وفي يوم الثلاثاء رابع عشره استقر شرف ~~الدين يحيى بن الصنيعة أحد الكتاب وزيرا بالديار المصرية، بعد عزل علي بن ~~الأهناسي. وفي يوم الاثنين أول جمادى الأولى أنعم السلطان على الأمير بردبك ~~هجين الظاهري أمير آخور ثان بإمرة مائة وتقدمة ألف بعد موت تمرباي ططر، ~~وأنعم بإقطاع بردبك المذكور على مغلباي طاز المؤيدي، وأنعم بإقطاع مغلباي ~~على سودون الأفرم الظاهري الخازندار، وأنعم بإقطاع سودون الأفرم على سودون ~~البردبكي المؤيدي الفقيه. وفي يوم السبت سادس جمادى الأولى وصل تنم رصاص. ~~ثم في يوم السبت استقر إينال الأشقر الظاهري والي القاهرة في نياية ملطية ~~بعد موت قاني باي الجكمي. وفي يوم الخميس ثامن عشره استقر الصارمي إبراهيم ~~بن بيغوت نائب قلعة دمشق بعد موت سودون قندوره التركماني اليشبكي بحكم ~~انتقاله إلى تقدمة ألف بدمشق. وفي يوم الاثنين ثاني عشرين جمادى الأولى ~~المذكورة خرج الأمير تنم نائب الشام إلى محل كفالته. وفي آخر هذا الشهر وصل ~~قاصد حسن بك بن علي بك بن قرايلك صاحب آمد وأخبر السلطان أن الأمير جانم ~~نائب الشام جاء إليه واستشفع عند السلطان له. وفي هذا الشهر ترادفت الأخبار ~~بأن جانم نائب الشام أرسل يدعو تركمان الطاعة إلى موافقته، وأن حسن بك ~~المقدم ذكره دعا لجانم على منابر ديار بكر. ثم في يوم الأربعاء سابع شهر ~~رجب نودي بشوارع القاهرة بالزينة لدوران المحمل، ونودي أيضا بأن أحدا من ~~المماليك ولا غيرهم لا يحمل سلاحا ولا عصاة في الليل، فدامت الزينة إلى أن ~~انتهى دوران المحمل في يوم الاثنين ثاني عشره، ولم يحدث إلا الخير ~~والسلامة. وكان معلم الرماحة في هذه السنة الأمير قايتباي ms3667 المحمودي الظاهري ~~المشد، والباشات الأربعة أمراء عشرات: برقوق الناصري، ثم طومان باي ~~الظاهري، ثم جانبك الأبلق الظاهري، ثم برسباي قرا الظاهري. ثم في يوم ~~الخميس خامس عشره عين السلطان تجريدة إلى الوجه القبلي أربعمائة مملوك من ~~المماليك السلطانية ومقدم العسكر الأمير جانبك الدوادار، وصحبته من أمراء ~~الألوف جانبك قلقسيز الأشرفي، ومن أمراء الطبلخانات والعشرات نحو عشرين ~~أميرا، وخرجوا بسرعة في ليلة السبت سابع عشر رجب. وفي يوم الجمعة سادس عشره ~~الموافق لحادي عشرين برمودة لبس السلطان القماش الأبيض البعلبكي المعد ~~لأيام الصيف، وابتدأ في يوم السبت سابع عشره يلعب الكرة على العادة في كل ~~سنة. وفي يوم الخميس تاسع عشرينه عاد الأمير جانبك الدوادار بمن كان معه من ~~بلاد الصعيد إلى الجيزة، وطلع إلى السلطان من الغد بغير طائل ولا حرب، وخلع ~~السلطان عليه. وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشر شعبان سافرت خوند PageV04P0476 # الأحمدية زوجة السلطان فية زوجة السلطان في محفة إلى ناحية طندتا ~~بالغربية لزيارة سيدي أحمد البدوي. وفي يوم الجمعة ثامن عشرينه، سافرت ~~الغزاة المعينون قبل تاريخه إلى قبرس انتهى. وفي يوم الأحد ثامن شهر رمضان ~~ورد الخبر بموت حاج إينال اليشبكي نائب حلب، فخلع السلطان في يوم الخميس ~~ثاني عشره على الأمير قايتباي شاد الشراب خاناه بتوجهه إلى حماة، وعلى يده ~~تقليد جانبك التاجي المؤيدي نائب حماة وتشريفه بنيابة حلب، عوضا عن الحاج ~~إينال. واستقر مغلباي طاز مسفر الأمير جانبك الناصري نائب صفد باستقراره في ~~نيابة حماة. واستقر في نيابة صفد خيربك القصروي نائب غزة، وتوجه بتقليده ~~الأمير تمرباي الظاهري السلاحدار. واستقر في نيابة غزة أتابك حلب شاد بك ~~الصارمي، ومسفره طومان باي الظاهري. واستقر يشبك البجاسي حاجب حجاب حلب ~~أتابكا بها عوضا عن شاد الصارمي. واستقر تغري بردي بن يونس نائب قلعة حلب ~~في حجوبية حلب عوضا عن يشبك البجاسي. واستقر كمشبغا السيفي نخشباي أحد ~~المماليك السلطانية بمصر في نيابة قلعة حلب دفعة واحدة، من قبل أن تسبق له ~~رئاسة، مع عدم أهلية أيضا، وكانت ولايته بالمال ms3668 ولا قوة إلا بالله. وفي يوم ~~الأربعاء تاسع شوال خرجت تجريدة إلى البحيرة وعليها ثلاثة أمراء من أمراء ~~الألوف: قرقماس أمير سلاح، ويشبك الفقيه، وبردبك هجين الظاهري، ومن أمراء ~~الطبلخانات: خشكلدي القوامي الناصري، وتنم الحسيني الأشرفي ثاني رأس نوبة، ~~ومن أمراء العشرات: قاني باي السيفي يشبك بن أزدمر، وقلمطاي الإسحاقي، ~~وقنبك الصغير الأشرفيان، وسنطباي قرا الظاهري. وفيه ورد الخبر بأن جانم ~~نائب الشام كان عدى الفرات في جمع كثير من المماليك وتركمان حسن بك بن ~~قرايلك، وسار بعساكره حتى وصل إلى تل باشر من أعمال حلب، وتجهز نائب حلب ~~لقتاله، ففي الحال عين السلطان تجريدة إلى حلب لقتال جانم: أربعمائة مملوك، ~~ثم أضاف إليهم مائتين، وعليهم أربعة أمراء من مقدمي الألوف، وهم: جانبك ~~الظاهري الدوادار الكبير، ويلباي المؤيدي الأمير آخور الكبير، وأزبك ~~الظاهري، وجانبك قلقسيز الأشرفي، وثلاثة عشر أميرا من أمراء الطبلخانات ~~والعشرات. ثم نودي في يوم الثلاثاء خامس عشر شوال بالنفقة فيمن عين إلى ~~التجريدة المذكورة. ثم أصبح الغد في يوم الأربعاء رسم بإبطال التجريدة، ~~وسبب ذلك ورود الخبر من نائب حلب بعود جانم على أقبح وجه، وأن جماعة كثيرة ~~من مماليكه فارقوه، وقدموا إلى مدينة حلب. وأمر رجوع جانم أنه كان لما وصل ~~إلى تل باشر وقع بينه وبين تركمان حسن بك الذين كانوا معه كلام طويل، ~~ذكرناه في " الحوادث " ، فتركوه وعادوا، فتلاشى أمر جانم لذلك وعاد. وفي ~~يوم الخميس سابع عشر شوال خرج الأمير بردبك الظاهري أمير حاج المحمل ~~بالمحمل إلى بركة الحاج دفعة واحدة، وكانت العادة قديما أن ينزل ~~بالريدانية، ثم يرحل إلى بركة الحاج؛ وكان أمير الركب الأول فى هذه السنة ~~الناصري محمد ابن الأتابك جرباش المحمدي. وفي يوم الاثنين حادي عشرينه ~~استقر القاضي محب الدين بن الشحنة قاضي قضاة الحنفية بالديار المصرية بعد ~~استعفاء شيخ الإسلام سعد الدين بن الديري، لضعف بدنه وكبر سنه، واستقر أخوه ~~القاضي برهان الدين إبراهيم بن الديري كاتب السر الشريف عوضا عن قاضي ~~القضاة محب الدين بن الشحنة المقدم ms3669 ذكره. PageV04P0477 # وفي يوم الخميس رابع عشرينه استقر القاضي نور الدين بن الإنبابي عين ~~موقعي الدست الشريف في نيابة كتابة السر، بعد عزل لسان الدين حفيد القاضي ~~محب الدين بن الشحنة؛ فحينئذ أعطي القوس لراميه، والقلم لباريه، فإنه حق ~~لهذه الوظيفة وأهل لها. ثم في رابع ذي القعدة توفيت بنت خوند الأحمدية زوجة ~~السلطان، وهي بنت أبرك الجكمي، أحد أمراء دمشق، وقد تزوجها الزيني عبد ~~الرحيم ابن قاضي القضاة بدر الدين العيني، فولدت منه الشهابي أحمد بن ~~العيني الآتي ذكره في محله. وفي يوم الاثنين سادس ذي القعدة عزل السلطان ~~القاضي برهان الدين إبراهيم بن الديري عن وظيفة كتابة السر بعد أن باشرها ~~خمسة عشر يوما؛ وكان سبب عزله أنه لما ماتت بنت خوند المقدم ذكرها في يوم ~~السبت قال ابن الديري: ورد في الأخبار المنقولة عن الأفاضل أنه ما خرج من ~~بيت ميت في يوم السبت إلا وتبعه اثنان من أكابر ذلك البيت. وشغرت كتابة ~~السر بعده مدة، وباشر الوظيفة القاضي نور الدين الإنبابي نائب كاتب السر. ~~وفي يوم الخميس سادس عشره ورد الخبر من البحيرة بأن العسكر واقع عرب لبيد ~~وقتل من عسكر السلطان أميران: تنبك الصغير الأشرفي، وسنطباي قرا الظاهري، ~~وجماعة من المماليك. وسبب قتلهم أمر ذكرناه في " الحوادث " ، إذ هو محل ~~إطناب في الواقع؛ وحاصل الخبر أن الذين قتلوا هؤلاء هم عرب الطاعة في ~~الغوغاء لا عرب لبيد. ثم في يوم الاثنين عشرين من ذي القعدة خلع السلطان ~~على القاضي زين الدين أبي بكر بن مزهر ناظر الجيش باستقراره في وظيفة كتابة ~~السر مسؤولا في ذلك، مرغوبا في ولايته، واستقر القاضي تاج الدين عبد الله ~~بن المقسي في وظيفة نظر الجيش عوضا عنه. وفي يوم الخميس ثاني عشرين ذي ~~الحجة توعك السلطان في بدنه من إسهال حصل له، ولم ينقطع عن صلاة الجمعة ~~بجامع القلعة الناصري مع الأمراء على العادة، واستمر به الإسهال إلى يوم ~~سادس عشرينه فخرج من الدهيشة إلى الحوش، وجلس على الدكة. وحضرت أكابر ms3670 ~~الأمراء الخدمة بالحوش المذكور، وعلى وجه السلطان أثر الضعف، كل ذلك وهو ~~ملازم للفراش غير أنه يتجلد، ويجلس على الفرش بقاعة البيسرية، والناس تدخل ~~إليه بها للخدمة على العادة. وفي هذا اليوم حضر إلى القاهرة مبشر الحاج، ~~وهو غير تركي، رجل من العرب، وهذا غير العادة، وما ذاك إلا مخافة السبل، ~~وعدم الأمن بالطريق، فأعاب الناس ذلك على أرباب المملكة. وفي هذه السنة أخذ ~~حسن بك بن علي بك بن قرايلك مدينة حصن كيفا، ثم أخذ قلعتها في ذي القعدة ~~بعد ما حاصرها سبعة أشهر، وانقطع من الحصن ملك الأكراد الأيوبية، بعدما ~~ملكوها أكثر من مائتي سنة، وذلك بعد قتل صاحبها الملك خلف بيد بعض أقاربه، ~~فاختلف الأكراد فيما بينهم، فوجد حسن بك بذلك فرصة في أخذها، فحاصرها حتى ~~أخذها. وقوي أمر حسن بأخذها، فإنه أخذ بعد ذلك عدة قلاع وممن من أعمال ديار ~~بكر من تعلقات الحصن وغيره. ### || AUT سنة سبع وستين وثمانمائة # PageV04P0478 # وجميع نواب البلاد الشامية مقيمون بحلب مخافة هجوم جانم عليها، والسلطان ~~ملازم الفراش. فلما كان أول المحرم دقت البشائر لعافية السلطان ثلاثة أيام. ~~وفي يوم الخميس سادس المحرم خلع السلطان على الأطباء وعلى السقاة وعلى من ~~له عادة. ثم في يوم الأربعاء تاسع عشره وصل أمير الركب الأول الناصري محمد ~~ابن الأتابك جرباش، ودخل أمير حاج المحمل الأمير بردبك من الغد. ومن غريب ~~الاتفاق أني سألت الناصري محمد ابن الأتابك جرباش: " متى بلغكم مرض ~~السلطان؟ " فقال: " في المدينة الشريفة " ، فحسبنا الأيام، فكان يوم سمعوا ~~فيه خبر مرضه قبل أن يمرض بيوم أو يومين. وفي يوم الخميس حادي عشر صفر ~~استقر علي بن الأهناسي في وظيفتي الوزر والخاص، ولبس في هذا اليوم وظيفة ~~الخاص عوضا عن القاضي شرف الدين موسى الأنصاري، والوزر عوضا عن شرف الدين ~~يحيى بن صنيعة. وفي يوم الثلاثاء أول شهر ربيع الأول استقر القاضي علم ~~الدين بن جلود كاتب المماليك السلطانية. وفي يوم الأحد ثالث عشره عمل ~~السلطان المولد النبوي بالحوش من الجبل، ms3671 على العادة من كل سنة، وأصبح من ~~الغد عمل مولدا آخر لزوجته خوند الأحمدية. ثم في يوم السبت سادس عشرينه، ~~استقر الزيني قاسم الكاشف أستادارا، بعد أن اختفى الأمير زين الدين ~~الأستادار. ثم في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر ورد الخبر من جانبك ~~التاجي نائب حلب أن جانم نائب الشام قتل بمدينة الرها، وقد اختلف في قتله ~~على أقاويل ذكرناها في " الحوادث " . وفي يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى ~~استقر بلاط دوادار الحاج إينال في نيابة صفد دفعة واحدة من غير تدريج ببذل ~~المال عوضا عن خيربك القصروي، وتوجه خيربك على إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق ~~عوضا عن يشبك آس قلق المؤيدي، بحكم استقرار يشبك المذكور في نيابة غزة بعد ~~موت شاد بك الصارمي، ثم تغير ذلك بعد أيام، لامتناع يشبك من نيابة غزة، ~~واستمر يشبك على إمرته بدمشق، فصار خيربك بطالا بالشام. ثم رسم السلطان أن ~~يستقر شاد بك الجلباني في نيابة غزة بعشرة آلاف دينار، وإن امتنع شاد بك من ~~نيابة غزة حمل الى قلعة دمشق، ويؤخذ منه العشرة آلاف دينار. وفيه استقر ~~أزدمر الإبراهيمي مسفر بلاط نائب صفد، واستقر سودون البردبكي الفقيه ~~المؤيدي مسفرا لمن يستقر في نيابة غزة. ثم في يوم الاثنين ثاني جمادى ~~الآخرة استقر الصاحب شمس الدين منصور أستادارا عوضا عن قاسم الكاشف. وفي ~~يوم السبت رابع عشره رسم السلطان بعزل إينال الأشقر عن نيابة ملطية بالأمير ~~يشبك البجاسي أتابك حلب، واستقر إينال الأشقر أتابك حلب عوضه. وفي سلخ هذا ~~الشهر سافرت خوند الأحمدية زوجة السلطان إلى زيارة الشيخ أحمد البدوي. وفي ~~يوم الاثنين أول شهر رجب سافرت الغزاة في بحر النيل إلى ثغر دمياط، ~~ليتوجهوا من الثغر إلى جزيرة قبرس، وكان على هذه الغزاة الأمير بردبك ~~الظاهري حاجب الحجاب، والأمير جانبك قلقسيز الأشرفي، واثنا عشر أميرا آخر، ~~هم: بردبك التاجي، وقانصوه المحمدي، وقانصوه الساقي، ويشبك الأشقر، ثم ~~خيربك من حديد، وقلطباي، وكلهم أشرفية برسبائية، ثم تنم الفقيه المؤيدي، ثم ~~يشبك القرمي، وتمرباي ms3672 السلاح دار، وقانصوه، وهؤلاء الثلاثة ظاهرية جقمقية، ~~ثم من السيفية مغلباي الجقمقي، وتنبك السيفي جانبك النور، ونحو خمسمائة ~~مملوك من المماليك السلطانية وهذا خلاف المطوعة والخدم، وأرباب الصنائع ~~وغيرهم. وفيه ظهر الأمير زين الدين، وطلع إلى السلطان، ولبس كاملية، واستقر ~~وفي يوم الاثنين خامس عشره أدير المحمل على العادة. وفي يوم الثلاثاء سادس ~~عشره استقر الأمير جكم الأشرفي خال الملك العزيز PageV04P0479 # في نيابة غزة، بعدما شغرت مدة طويلة. وفي يوم الاثنين تاسع عشرين رجب ~~استقر بدرالدين حسين بن الصواف قاضي الحنفية بالديار المصرية، عوضا عن قاضي ~~القضاة محب الدين بن الشحنة بحكم عزله. وفيه جهز السلطان تجريدة إلى ~~البحيرة عليها أميران من أمراء الألوف، وهما جانبك الناصري المرتد، وقاني ~~باي المحمودي المؤيدي، وجماعة أخر من أمراء الطبلخانات والعشرات. وفيه ثارت ~~مماليك السلطان الأجلاب عليه، ومنعوا أرباب الدولة والأمراء وغيرهم من ~~الطلوع إلى القلعة للخدمة السلطانية، وضربوا الأمير جوهرا مقدم المماليك، ~~وهجموا على سودون القصروي نائب القلعة، ثم بطلت الفتنة، لأمر حكيناه في " ~~الحوادث " . وفي يوم الخميس خامس عشر شهر رمضان استقر الزيني مثقال الظاهري ~~PageV04P0480 # المعروف بمثقال الحبشي، نائب مقدم المماليك، بعد عزل صندل الظاهري بحكم ~~عزله. وفي ليلة السبت ثامن شوال تسحب علي بن الأهناسي، وشغرت عنه وظيفتا ~~الخاص والوزر، فاستقر عوضه في الوزر الصاحب مجد الدين بن البقري، وفي الخاص ~~القاضي تاج الدين بن المقسي، مضافا للجيش. وفي يوم الاثنين سابع عشره خرج ~~الأمير بردبك هجين الظاهري أمير حاج المحمل بالمحمل إلى بركة الحاج، وأمير ~~الركب الأول الشهابي أحمد بن الأتابك تنبك. وفي يوم الخميس العشرين من ذي ~~القعدة أعيد قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني لمنصب القضاء، بعد عزل ~~قاضي القضاة شرف الدين المناوي. وفي ليلة الجمعة سادس عشرين ذي القعدة عمل ~~عظيم الدولة الأمير جانبك الظاهري الدوادار وليمة عظيمة بالقبة التي بناها ~~تجاه جزيرة الروضة، وقد احتفل لهذه الوليمة احتفالا عظيما وحضرها جميع ~~أعيان الدولة بأسرهم، ما خلا بعض أمراء الألوف، لعدم طلبهم، وقد حكينا أمر ~~هذه ms3673 الوليمة في تاريخنا " حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور " ومن عظم ~~هذه الوليمة لهج الناس بأنها تمام سعده. فلما كان يوم الثلاثاء أول ذي ~~الحجة قتل الأمير جانبك المذكور بقلعة الجبل، داخل باب القلة، تجاه باب ~~الجامع الناصري الشرقي في الغلس قبل تباين الوجوه، وفتل معه خجداشه الأمير ~~تنم رصاص الظاهري محتسب القاهرة وأحد أمراء الطبلخانات، وكان قتلهما بيد ~~المماليك الأجلاب الذين أنشأهم الملك الظاهر خشقدم. ولما أن طلع النهار ~~المذكور قبض السلطان في الحال على ستة أمراء من الظاهرية، وهم: سودون ~~الشمسي الأمير آخور الثاني، وقانصوه اليحياوي، وأزدمر، وطومان باي، ~~ودمرداش، وتغري بردي ططر، والجميع رؤوس نوب، فحمل سودون البرقي من الغد إلى ~~سجن الإسكندرية، وأطلق طومان باي وأزدمر ودمرداش، وأخرج قانصوه وتغري بردي ~~إلى البلاد الشامية. واضطرب لهذه الواقعة أمور المملكة، وتخوف كل أحد على ~~نفسه، ويأبى الله إلا ما أراد. وفي يوم الاثنين سابع ذي الحجة استقر يشبك ~~من سلمان شاه المؤيدي الفقيه دوادارا كبيرا، بعد قتل الأمير جانبك، فولي ~~يشبك وظيفته، ولم يل مجده ولا ثناءه ولا همته ولا حرمته ولاشهامته ولا ~~عظمته، ولقد كان به تجمل في الزمان، ولا قوة إلا بالله. واستقر سودون ~~البردبكي المؤيدي في حسبة القاهرة، عوضا عن تنم رصاص بعد قتله أيضا. واستقر ~~نانق الظاهري أمير آخور ثانيا عوضا عن سودون الشمسي، بحكم حبسه.وفي يوم ~~السبت ثالث عشره استقر المعلم محمد البباوي أحمد معاملي اللحم ناظر الدولة ~~دفعة واحدة، وترك زي الزفورية السوقة، ولبس زي المباشرين الكتاب، ولبس خفا ~~ومهمازا، وركب فرسا، وهو أمي لا يحسم القراءة ولا الكتابة، فكانت ولايته ~~لهذه الوظيفة من أقبح ما وقع في الدولة التركية بالديار المصرية. وقد ~~استوعبنا من حال البباوي هذا نبذة كبيرة في تاريخنا " الحوادث " ، لا سيما ~~لما ولي الوزارة، فكان ذلك أدهى وأمر. وبالجملة إن ولاية البباوي للوزر كان ~~فيها عار على مملكة مصر إلى يوم القيامة. وفي صبيحة يوم الاثنين ثامن عشرين ~~ذي الحجة أمسك السلطان أربعة أمراء من أكابر أمراء ms3674 الظاهرية بالقصر ~~السلطاني؛ وكان الذي تولى قبضهم جماعة أيضا من المماليك الأجلاب. وحبسوا ~~بالبرج من قلعة الجبل، وقيدوا إلى الرابعة من النهار المذكور، وحملوا على ~~البغال على العادة إلى سجن إلاسكندرية. والأمراء المذكورون أعظمهم تمربغا ~~الظاهري رأس نوبة النوب، وأزبك من ططخ الظاهري أحد مقدمي الألوف، وبرقوق ~~الناصري ثم الظاهري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، وقاني باي الساقي الظاهري ~~أيضا أحد أمراء العشرات ورأس نوبة. ولما انفض الموكب منع السلطان الأمراء ~~من النزول إلى دورهم، ورسم بإقامتهم بالحوش السلطاني مخافة أن يحدث منهم ~~أمر لا سيما ممن بقي من أمراء الظاهرية. ولهج الناس بزوال الظاهرية، وتهيأ ~~من بقي منهم وأوصى، وكثرت المقالة بمصر، وأرجف بالركوب والفتنة. واستمر ~~الأمراء بالحوش جلوسا يومهم كله، إلى أن دخلت ليلة الثلاثاء تاسع عشرين ذي ~~الحجة، ولم يتحرك أحد بحركة، وقد عصم الخوف الناس جميعا، لأن السلطان صار ~~يخاف من وثوب الظاهرية عليه، والظاهرية تخاف من قبض السلطان عليهم، والناس ~~خائفون من الفتنة، هذا والهرج موجود بين الناس. فلما كان بعد صلاة عشاء ~~الآخرة بلغ السلطان أن مماليكه PageV04P0481 # الأجلاب الذين ملكهم من مماليك الملك الأشرف إينال، وأجرى عليهم العتق ~~وقربهم وجعلهم خاصكية، وهم الذين قتلوا جانبك الدوادار وتنم رصاص، وهم أيضا ~~الذين تولوا قبض الأمراء الأربعة، قد اتفقوا مع بقية خجداشيتهم على قتل ~~السلطان في هذه الليلة، ثم على قتل جميع الأمراء بالحوش السلطاني، ما خلا ~~واحدا منهم، يبقوه ليسلطنوه عوضا عن أستاذهم الملك الظاهر خشقدم، ثم يصير ~~بعد ذلك أمر المملكة بيدهم. فلم يكذب السلطان هذا الخبر، وحار في نفسه كيف ~~يفعل، وضاق عليه فضاء الأرض، لكون الذي طرقه إنما هو من مماليكه، وهم الذين ~~يستعز بهم على غيرهم من جنده، فلم يجد بدا من الاعتذار مع الظاهرية، وأن ~~يصطلح معهم، ويعتذر إليهم في الليل، ويطيب خاطرهم. فأرسل من طلب الأمير ~~قايتباي الظاهري شاد الشراب خاناه في الليلة المذكورة، فحضر هو وجماعة ~~كثيرة من خجداشيته وأصحابه، وطلع من باب السلسلة إلى الحوش السلطاني راكبا، ms3675 ~~هو وجميع من حضر معه، وكانوا خلائق، ودخل قايتباي إلى السلطان بقاعة ~~الدهيشة، فقام إليه السلطان وعانقه واعتذر إليه، وأمر في الحال بإحضار ~~خجداشيته الذين أرسلهم إلى سجن الإسكندرية. وطلع النهار فخرج السلطان من ~~القاعة إلى مقعد البحرة بالحوش السلطاني، وفعل ما أرضى به الظاهرية. قلت: ~~كان في تدبير الملك الظاهر في إحضار الظاهرية على الوجه المحكي وهم بالسلاح ~~والرجال، زوال ملكه لو قدر لغيره؛ فإنه لما أرسل إلى الأمير قايتباي، وجاء ~~الأمير قايتباي ومعه تلك الخلائق وعليهم السلاح، وليس عند السلطان سوى ~~الأمراء الذين كانوا بالحوش، وليس عند الأمراء أحد من مماليكهم ولا عليهم ~~آلة الحرب، ولا عند السلطان أيضا بالقاعة من مماليكه إلا جماعة قليلة جدا، ~~وجميع من كان عند السلطان بأسرهم لا يقدرون على دفع بعض من كان مع الأمير ~~قايتباي، بل لو أراد قايتباي المذكور الوثوب على الأمر والفتك بالسلطان ~~لأمكنه ذلك. ولم أدر ما طرق السلطان من الأمر العظيم حتى فعل ذلك، وكان ~~يمكنه أن يفعل ما شاء ولو كان ما طرقه أهم من ذلك وأعظم، وما عسى أن تصل ~~يدهم من الفعل به من شهامة السلطنة وعز الملك وعنده أمراؤه وأعيان مملكته، ~~ولم يملك أحد منه الزردخاناه ولا بابا من أبواب القلعة، وباب السلسلة ~~والإسطبل السلطاني بيده، والمماليك السلطانية ملء الديار المصرية من سائر ~~الطوائف، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ثم أرسل السلطان في الحال ~~بالإفراج عن الأمير تمربغا الظاهري، وعن خجداشيته الذين أمسكوا معه، ~~ومجيئهم إلى الديار المصرية بعز وإكرام. فأفرج عنهم وحضروا إلى الديار ~~المصرية في يوم الاثنين خامس المحرم من سنة ثمان وستين وثمانمائة، وباتوا ~~تلك الليلة في بيت يشبك الدوادار. وطلعوا إلى القلعة من الغد وقبلوا الأرض، ~~فخلع السلطان على كل من تمربغا وأزبك كاملية بمقلب سمور، ورسم لهم ~~باستقرارهم على إقطاعاتهم ووظائفهم، لأن السلطان ما كان أخرج عن أحد منهم ~~إقطاعه ولا وظيفته، فإن غضبه عليهم كان يوما واحدا، وكذلك كان سجنهم ~~بالإسكندرية. وفي هذا اليوم استقر يونس ms3676 بن عمر بن جربغا العمري دوادار ~~الطواشي فيروز النوروزي وزيرا، وكانت خلعته أطلسين بخلاف خلعة الوزر؛ لكونه ~~يتزيا بزي الجندي. وفي يوم الخميس ثامن المحرم سنة ثمان وستين أعيد قاضي ~~القضاة محب الدين بن الشحنة إلى قضاء الحنفية بالديار المصرية، بعد موت ~~بدرالدين حسن بن الصواف. وفي يوم الاثنين ثاني عشره نودي بشوارع القاهرة: ~~أن أحدا من الأعيان لا يستخدم ذميا في ديوانه أعني من الكتبة وغيرهم قلت: ~~ما أحسن هذا لو دام أو استمر. فمنعت هذه المناداة أهل الذمة قاطبة من ~~التصرف والمباشرة بقلم الديونة بوجه من الوجوه بأعمال مصر، وكتب بذلك إلى ~~سائر الأقطار. ثم عقد السلطان بالصالحية ببين القصرين عقد مجلس بالقضاة ~~الأربعة، وحضره الدوادار الكبير، وجماعة من الأعيان بسبب هذا المعنى، وقرئت ~~العهود المكتتبة قديما على أهل الذمة، فوجدوا في بعضها أن أحدا من أهل ~~الذمة لا يباشر بقلم الديونة عند أحد من الأعيان، ولا في عمل من الأعمال، ~~وأشياء من هذه المقولة، إلى أن قال فيها: ولا يلف على رأسه أكثر من عشرة ~~أذرع، وأن نساءهم يتميزن من نساء المسلمين بالأزرق والأصفر على رؤوسهن في ~~مشيهن بالأسواق، وكذلك بشيء في الحمامات. فحكم قاضي القضاة PageV04P0482 # علم الدين صالح البلقيني الشافعي بإلزام أهل الذمة بذلك جميعه، ما عدا ~~الصرف والطب بشروطه. وصمم السلطان على هذا الأمر، وفرح المسلمون بذلك ~~قاطبة، فأسلم بسبب ذلك جماعة من أهل الذمة من المباشرين. وعظم ذلك على ~~أقباط مصر، ودام ذلك نحو السنة، وعاد كل شيء على حاله أولا. وبلغ السلطان ~~ذلك فلم يتكلم بكلمة واحدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأين ~~هذا من همة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير رحمه الله لما قام في بطلان عيد ~~شبرا، ولبس النصارى الأزرق واليهود الأصفر، فلله دره ما كان أعلى همته، ~~وأغزر دينه رحمه الله تعالى ورضي عنه. وفي يوم السبت رابع عشرين المحرم نفى ~~السلطان مملوكه أزبك، الذي كان من جملة مسفري الأمراء المتوجهين إلى ~~الإسكندرية، وكان نفيه لأمر يعلمه السلطان. ms3677 وفيه طلب السلطان جماعة من ~~أمراء الألوف إلى داخل قاعة الدهيشة، وحلفهم على طاعته بأيمان مغلظة. وفي ~~يوم السبت ثاني صفر استقر أبو بكر بن صالح نائب البيرة في حجوبية حجاب حلب، ~~بعد استقرار تغري بردي بن يونس في نيابة قلعة حلب، واستقر كمشبغا السيفي ~~نخشباي نائب قلعة حلب في نيابة البيرة. وفي يوم الاثنين رابع صفر رسم ~~السلطان أن يفرج عن الأمير سودون الشمسي المعروف بالبرقي من سجن ~~الإسكندرية، وحضوره إلى القاهرة، بعد أن أنعم السلطان عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بدمشق. ثم في يوم السبت أمسك السلطان برسباي الخاصكي أحد ~~المماليك الذين أخذهم من تركة الملك الأشرف إينال، وهو أحد من تولى قتل ~~جانبك الدوادار، ثم ممن أراد قتل السلطان بعد ذلك في تلك الليلة المقدم ~~ذكرها، وضربه بين يديه ضربا مبرحا، ثم أمر بتوسيطه، فوسط بين يديه بالحوش؛ ~~وكان السلطان وسط قبله آخر من مماليكه يسمى قانم. ثم في يوم الاثنين حادي ~~عشره أعيد الصاحب مجد الدين بن البقري إلى الوزر بعد تسحب يونس بن جربغا. ~~وفي يوم الخميس استقر شرامرد العثماني المؤيدي أحد أمراء العشرات بالديار ~~المصرية دوادار السلطان بدمشق، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه عوضا عن أزدمر ~~الإبراهيمي بحكم القبض عليه.ن صالح البلقيني الشافعي بإلزام أهل الذمة بذلك ~~جميعه، ما عدا الصرف والطب بشروطه. وصمم السلطان على هذا الأمر، وفرح ~~المسلمون بذلك قاطبة، فأسلم بسبب ذلك جماعة من أهل الذمة من المباشرين. ~~وعظم ذلك على أقباط مصر، ودام ذلك نحو السنة، وعاد كل شيء على حاله أولا. ~~وبلغ السلطان ذلك فلم يتكلم بكلمة واحدة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. وأين هذا من همة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير رحمه الله لما قام ~~في بطلان عيد شبرا، ولبس النصارى الأزرق واليهود الأصفر، فلله دره ما كان ~~أعلى همته، وأغزر دينه رحمه الله تعالى ورضي عنه. وفي يوم السبت رابع عشرين ~~المحرم نفى السلطان مملوكه أزبك، الذي كان من جملة مسفري الأمراء المتوجهين ~~إلى الإسكندرية، وكان ms3678 نفيه لأمر يعلمه السلطان. وفيه طلب السلطان جماعة من ~~أمراء الألوف إلى داخل قاعة الدهيشة، وحلفهم على طاعته بأيمان مغلظة. وفي ~~يوم السبت ثاني صفر استقر أبو بكر بن صالح نائب البيرة في حجوبية حجاب حلب، ~~بعد استقرار تغري بردي بن يونس في نيابة قلعة حلب، واستقر كمشبغا السيفي ~~نخشباي نائب قلعة حلب في نيابة البيرة. وفي يوم الاثنين رابع صفر رسم ~~السلطان أن يفرج عن الأمير سودون الشمسي المعروف بالبرقي من سجن ~~الإسكندرية، وحضوره إلى القاهرة، بعد أن أنعم السلطان عليه بإمرة مائة ~~وتقدمة ألف بدمشق. ثم في يوم السبت أمسك السلطان برسباي الخاصكي أحد ~~المماليك الذين أخذهم من تركة الملك الأشرف إينال، وهو أحد من تولى قتل ~~جانبك الدوادار، ثم ممن أراد قتل السلطان بعد ذلك في تلك الليلة المقدم ~~ذكرها، وضربه بين يديه ضربا مبرحا، ثم أمر بتوسيطه، فوسط بين يديه بالحوش؛ ~~وكان السلطان وسط قبله آخر من مماليكه يسمى قانم. ثم في يوم الاثنين حادي ~~عشره أعيد الصاحب مجد الدين بن البقري إلى الوزر بعد تسحب يونس بن جربغا. ~~وفي يوم الخميس استقر شرامرد العثماني المؤيدي أحد أمراء العشرات بالديار ~~المصرية دوادار السلطان بدمشق، وأنعم عليه بإمرة طبلخاناه عوضا عن أزدمر ~~الإبراهيمي بحكم القبض عليه. PageV04P0483 # وفي يوم الثلاثاء ثالث شهر ربيع الأول أشيع بمجيء الغزاة من قبرس إلى ~~سواحل البلاد الشامية وغيرها بغير إذن السلطان، فغضب السلطان من ذلك غضبا ~~شديدا، ولم يسعه إلا السكات. وفي يوم الأحد ثامنه عمل السلطان المولد ~~النبوي على العادة، وعمل من الغد مولدا آخر لزوجته. وفي يوم الاثنين سادس ~~عشره خلع السلطان على الشهابي أحمد بن عبد الرحيم بن العيني ابن بنت زوجة ~~السلطان باستقراره أمير حاج المحمل، بسفارة حج جدته زوجة السلطان في هذه ~~السنة. وفيه استقر الصاحب مجد الدين بن البقري أستادارا بعد اختفاء الأمير ~~زين الدين، وطلب السلطان المعلم محمدا البباوي اللحام الذي كان استقر ناظر ~~الدولة، وقرره وزيرا بالديار المصرية، ولبس خلعة الوزر في يوم الثلاثاء ms3679 ~~سابع عشره. شعر: الطويل فيا نفس جدي إن دهرك هازل وقد ذكرنا أصل هذا ~~البباوي، وسبب استقراره في " الحوادث " . PageV04P0484 # ثم في يوم الجمعة سابع عشرينه وصلت الغزاة من سواحل متعددة، وخلع السلطان ~~على الأمير بردبك، وعلى الأمير جانبك قلقسيز، وأنعم على كل واحد منهما بفرس ~~بسرج ذهب وكنبوش زركش، وخلع على جميع من كان معهما من الأمراء، فأقام ~~الأمير بردبك إلى يوم الاثنين سادس جمادى الأولى، وخلع عليه باستقراره في ~~نيابة حلب، بعد عزل جانبك التاجي المؤيدي، ومجيئه إلى القاهرة على إقطاع ~~بردبك. وفي يوم الخميس تاسعه استقر الأمير أزبك من ططخ الظاهري حاجب الحجاب ~~عوضا عن بردبك المذكور. وفي يوم سلخه ورد الخبر بموت الأمير تنم نائب ~~الشام، وأحضر سيفه قانصوه الجلباني الحاجب الثاني بدمشق، فرسم السلطان ~~للأمير جانبك التاجي المعزول عن نيابة حلب باستقراره في نيابة دمشق، عوضا ~~عن تنم، وتعين قاني باي الحسني المؤيدي مسفره. وأنعم السلطان بإقطاع بردبك ~~الذي كان عين لجانبك التاجي على الأمير يشبك الدوادار، وأنعم بإقطاع يشبك ~~على مغلباي طاز المؤيدي، وكلاهما تقدمة ألف، لكن التفاوت في كثرة المتحصل. ~~وأنعم بإقطاع مغلباي طاز على الأمير قايتباي شاد الشراخاناه زيادة على ~~إقطاعه، ليكون قايتباي أيضا من جملة مقدمي الألوف، فزيدت المقدمون تقدمة ~~أخرى. واستقر نانق الظاهري الأمير آخور الثاني شاد الشرابخاناه عوضا عن ~~قايتباي، واستقر جانبك من ططخ الفقيه أمير آخور ثانيا عوضا عن نانق. وفي ~~يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة عين السلطان إلى البحيرة تجريدة عليها ~~الأمير أزبك حاجب الحجاب، وصحبته من أمراء الطبلخانات جانبك الإسماعيلي ~~كوهية الدوادار الثاني، وكسباي الششماني الناصري ثم المؤيدي، ومن العشرات ~~أرغون شاه أستادار الصحبة، وقانم نعجة، وجانم أمير شكار، وتنبك الأشقر، ~~والجميع أشرفية، وتغري بردي الطياري، وقانصوه، وقاني باي الساقي، وهما ~~ظاهريان، وأربعمائة مملوك من المماليك السلطانية. وفي يوم الأحد ثامن عشره ~~ركب السلطان ونزل إلى بيت الأمير بردبك نائب حلب، ثم خرج من عند بردبك ودخل ~~إلى برقوق الناصري فلم يجده. وفي يوم الاثنين تاسع ms3680 عشره وصل سيف الأمير ~~جانبك التاجي المعزول عن نيابة حلب والمتولي نيابة الشام بحلب قبل أن يخرج ~~منها. فلما كان يوم الثلاثاء العشرون من جمادى الآخرة المذكورة رسم السلطان ~~لبرسباي البجاسي نائب طرابلس بنيابة دمشق عوضا عن جانبك التاجي، وصار قاني ~~باي الحسني مسفره أيضا، فإنه وافى قاني باي الحسني موت جانبك وهو بقطيا ~~متوجها إليه بتقليد نيابة الشام وتشريفه، فقرره السلطان مسفر برسباي هذا، ~~كما كان مسفر جانبك. ثم رسم السلطان بانتقال جانبك الناصري نائب حماة إلى ~~نيابة طرابلس عوضا عن برسباي البجاسي، واستقر مسفره الأمير لاجين الظاهري. ~~واستقر بلاط نائب صفد في نيابة حماة ومسفره الأمير طوخ الأبوبكري المؤيدي ~~الزردكاش. واستقر يشبك أوش قلق المؤيدي أحد أمراء الألوف بدمشق عوضا عن ~~بلاط في نيابة صفد، واستقر الأمير خشكلدي البيسقي مسفر يشبك هذا، وأنعم ~~بإقطاع هذا على خجداشه شرامرد العثماني المؤيدي دوادار السلطان بدمشق. وفي ~~يوم الجمعة ثالث عشرينه وصل قاصد صاحب قبرس جاكم، وأخبر أنه أخذ مدينة ~~الماغوصة وقلعتها من يد الفرنج، وأنه سلمها للأمير جانبك الأبلق المقيم ~~بجزيرة قبرس بمن بقي معه من المماليك السلطانية، فأساء جانبك المذكور ~~السيرة في أهل الماغوصة، ومد يده لأخد الصبيان الحسان من آبائهم أعيان أهل ~~الماغوصة فشق ذلك عليهم، وقالوا: " نحن سلمناكم البلد بالأمان، وقد حلفتم ~~لنا أنكم لا تفعلوا معنا بعد أخذكم المدينة إلا كل خير، وأنتم مسلمون، فما ~~هذا الحال؟ " فلم يلتفت جانبك الأبلق إلى كلامهم، واستمر على ما هو عليه، ~~فأرسل أهل الماغوصة إلى جاكم عرفوه الخبر، فأرسل جاكم إلى جانبك ينهاه عن ~~هذه الفعلة، فضرب جانبك القاصد المذكور، بعد أن أوسعه سبا، فأرسل إليه ~~قاصدا آخر، فضربه جانبك بالنشاب، فركب حاكم إليه من الأفقسية مدينة قبرس، ~~وجاء إليه وكلمه، فلم يلتفت إليه، وخشن عليه الكلام، فكلمه جاكم ثانيا، ~~فضربه بشيء PageV04P0485 # كان في يده، فسقط جاكم مغشيا عليه، فلما رأت الفرنج ذلك مدت أيديها إلى ~~جانبك ومن معه من المسلمين بالسيوف، فقتل جانبك وقتل معه خمسة وعشرون ~~مملوكا ms3681 من المماليك السلطانية؛ وهذا معنى ما حكاه يعقوب الفرنجي قاصد جاكم ~~الذي حضر إلى القاهرة رسولا من عند جاكم والله أعلم. هذا مع اختلاف ~~الروايات في قتل جانبك ورفقته. واستولى جاكم على الماغوصة على أنه نائب بها ~~عن السلطان، وعلى كل حال صارت الماغوصة بيد جاكم صاحب قبرس. ثم عين السلطان ~~سودون المنصوري الساقي لتوجه قبرس مع يعقوب المذكور، فسافر سودون المذكور، ~~ووقع له أمور ذكرناها في موضعها من تاريخنا " الحوادث " . ثم في يوم السبت ~~ثامن شهر رجب أعيد قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي إلى منصب قضاء ~~الشافعية بعد موت قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني. ثم في يوم الاثنين ~~عاشر رجب أدير المحمل، فلعبت الرماحة على العادة. وفي يوم السبت ثاني ~~عشرينه عين السلطان تجريدة إلى البحرية يردف بها الأمير قرقماس لأمر وقع له ~~مع العرب، قتل فيه جماعة من المماليك السلطانية. ثم في يوم الأحد سابع ~~شعبان وصل الأمير قرقماس بمن معه من البحيرة. وفي هذا الشهر ورد الخبر بأخذ ~~قلعة كركر، وقتل نائبها جكم بحيلة من الأكراد. وفي يوم الاثنين سادس شوال ~~استقر الأمير بردبك هجين أمير جاندار، وكان لهذه الوظيفة مدة طويلة لا ~~يليها إلا الأجناد، وكانت في القديم أجل الوظائف. ثم في يوم الجمعة تاسع ~~عشرين ذي القعدة الموافق لعاشر مشرى أوفى النيل، ونزل السلطان بنفسه، وخلق ~~المقياس وفتح خليج السد، ثم ركب وعاد إلى القلعة وبين يديه أربعة من أمراء ~~الألوف، وعليهم الخلع التي خلعها السلطان عليهم، وقيد لكل واحد منهم فرسا ~~بسرج ذهب وكنبوش زركش، وهم: الأتابك جرباش، وقرقماس أمير سلاح، وقانم أمير ~~مجلس، وتمربغا رأس نوبة النوب، وباقي الأمراء عليهم الخلع لا غير. وتعجب ~~الناس لنزول السلطان لكسر البحر، لبعد عهد الناس من نزول السلاطين إلى هذا ~~المعنى، لأنه من سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة ما نزل سلطان، وكان الذي نزل ~~في سنة ثلاث وثلاثين الملك الأشرف برسباي رحمه الله. وفرغت هذه السنة. ### || AUT سنة تسع وستين وثمانمائة # PageV04P0486 # ففي يوم السبت العشرين ms3682 من المحرم أنعم السلطان على الأمير قانصوه المحمدي ~~الساقي الأشرفي أحد أمراء العشرات بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، وأنعم ببعض ~~إقطاع قانصوه هذا على الأمير قانصوه اليحياوي الظاهري. وفي يوم الثلاثاء ~~ثالث عشرينه وصل الشرفي يحيى بن يشبك الفقيه الدوادار، وهو أمير الركب ~~الأول، إلى القاهرة، وأصبح من الغد وصل الشهابي أحمد بن العيني أمير حاج ~~المحمل بالمحمل، وصحبته جدته خوند زوجة السلطان. وفي يوم الاثنين تاسع ~~عشرينه استقر شرامرد العثماني حاجب حجاب دمشق. وفي يوم الاثنين سابع عشرين ~~صفر استقر الأمير منصور أستادارا عوضا عن الأمير زين الدين. وفي يوم ~~الاثنين رابع عشرين شهر ربيع الآخر استقر ألماس الأشرفي دوادار السلطان ~~بحلب في نيابة البيرة، بعد موت قاني باي طاز البكتمري، واستقر علي بن ~~الشيباني عوضه في دوادارية حلب. وفي ثامن جمادى الأولى ورد الخبر بتسليم ~~كركر إلى أعوان حسن بك ابن قرايلك. وفي يوم الاثنين ثالث عشر شهر رجب أدير ~~المحمل على العادة، وقاست الناس من الأجلاب شدائد. ثم في يوم الخميس سلخ ~~رجب قدم الخبر بموت الأمير جانبك الناصري نائب طرابلس. وفي يوم الخميس سابع ~~شعبان استقر سودون الأفرم الخازندار مسفر الناصري محمد بن المبارك من نيابة ~~حماة إلى نيابة طرابلس، واستقر الأمير كسباي الششماني المؤيدي مسفر يشبك ~~البجاسي أحد أمراء حلب باستقراره في نيابة حماة، وكلاهما صولح ولم يسافر. ~~وفي يوم السبت ثالث عشرينه نفى السلطان يشبك الساقي أحد مماليكه الأجلاب ~~إلى الشام. ثم في يوم الثلاثاء ثامن عشر رمضان رسم السلطان بنفي الأمير ~~الكبير جرباش المحمدي الناصري المعروف بكرد إلى ثغر دمياط بطالا، فخرج من ~~الغد. وفي يوم الخميس العشرين من رمضان استقر الأمير قانم من صفر خجا ~~المؤيدي المعروف بالتاجر أمير مجلس أتابك العساكر عوضا عن جرباش المذكور. ~~ثم في يوم الاثنين رابع عشرينه استقر الأمير تمربغا رأس نوبة النوب أمير ~~مجلس بعد الأتابك قانم، واستقر الأمير أزبك حاجب الحجاب عوضه رأس نوبة ~~النوب، واستقر الأمير جانبك قلقسيز الأشرفي حاجب الحجاب عوضا عن أزبك، ms3683 ~~وأنعم السلطان بإقطاع الأتابك قانم على الشهابي أحمد بن العيني. قلت: هنا ~~نكتة طريفة، وهي أن يوم رابع عشرين من الأيام السبعة المكروهة عند الناس، ~~وهؤلاء الأربعة الذين تولوا فيه لم يلقوا إلا كل خير؛ فإن الأمير تمربغا لا ~~يزال أمره ينمو ويزداد في هذه الوظيفة إلى أن صار سلطانا، وأزبك إلى أن صار ~~أتابك العساكر، وجانبك قلقسيز إلى أن صار أيضا أتابك العساكر، وابن العيني ~~إلى إمرة مجلس. والعجب أنهم من يوم تاريخه صاروا في خير وسلامة إلى أن كان ~~من أمرهم ما كان، فأي شؤم حصل بولايتهم في هذا اليوم؟! والحق هو ما أقوله: ~~إن كل شيء لم يأت به كتاب الله ولا سنة رسول الله فهو مردود على قائله، ~~والسلام. ودام جرباش كرد هذا بدمياط نحو سبع سنين. ثم في يوم الثلاثاء ثالث ~~عشر ذي الحجة أوفى النيل، ونزل السلطان خلق المقياس، وفتح السد كما السنة الخالية. ### || AUT سنة سبعين وثمانمائة # PageV04P0487 # ففي أولها رسم السلطان الظاهر خشقدم بتحويل السنة الخراجية على العادة. ~~وفي يوم السبت أول المحرم وصل نجاب، وهو مبشر الحاج، وأخبر بالأمن ~~والسلامة. وفي يوم الأربعاء ثاني عشره وصلت الأمراء الخمسة بمن معهم من ~~أمراء الطبلخانات والعشرات والمماليك السلطانية من البحيرة. وفيه استقر ~~القاضي علاء الدين بن الصابوني قاضي قضاة دمشق الشافعية، بعد عزل القاضي ~~جمال الدين البادوني، وأضيف إليه نظر جيش دمشق، عوضا عن البدري حسن بن ~~المزلق. وباشر علاء الدين المذكور قضاء دمشق سنين كثيرة، وهو مقيم بديار ~~مصر، ونوابه تحكم بدمشق، وهذا شيء لم يقع لغيره في دولة من الدول. وفي يوم ~~السبت ثاني عشرينه وصل الأمير خشكلدي القوامي أمير الركب الأول، ووصل من ~~الغد أمير حاج المحمل جانبك قلقسيز بالمحمل، وكان وصل قبلهما الأمير قاني ~~بك المحمودي المؤيدي أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية وكان حج في هذه ~~السنة. وفي هذه الأيام زاد فساد المماليك الأجلاب، وعظم شرهم وظلمهم. فلما ~~كان يوم السبت ثالث عشر صفر نودي بالقاهرة بأن أعيان التجار والسوقة ms3684 تطلع ~~من الغد إلى القلعة. وطلعوا وقد ظن كل واحد منهم أن السلطان ينظر في أمرهم ~~مع المماليك الأجلاب، فعند طلوعهم ركب السلطان ونزل إلى جهة القرافة ~~وغيرها، ثم طلع إلى القلعة، وجلس على الدكة. وحضر التجار المطلوبون وغيرهم، ~~فلما تمثلوا بين يديه كلمهم السلطان بكلام معناه: أنهم لا يشترون شيئا من ~~القماش بالجريدة، وأن يخبروا المشتري بالحق، وأشياء من هذه المقولة، ولم ~~يبد في أمر الأجلاب بشيء، فراحوا مثل ما جاءوا. وفي يوم الخميس ثالث ربيع ~~الأول استقر الأمير خيربك الخازندار الظاهري أمير حاج المحمل، واستقر ~~الأمير كسباي الششماني المؤيدي أمير الركب الأول. وفي يوم الاثنين سابع شهر ~~ربيع الأول استقر الأمير خشكلدي البيسقي محتسب القاهرة بعد عزل سودون ~~البردبكي المؤيدي الفقيه. وفي هذه الأيام عزل يشبك آس قلق المؤيدي عن نيابة ~~صفد بجكم الأشرفي خال الملك العزيز يوسف نقلا من نيابة غزة، وتوجه يشبك ~~المذكور على إمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق، واستقر في نيابة غزة الأمير إينال ~~الأشقر الظاهري أتابك حلب، واستقر في أتابكية حلب بعده ألماس الأشرفي نائب ~~البيرة، واستقر في نيابة البيرة شاد بك الصغير الجلباني، وهو رجل من ~~الأحداث قدمه المال. وفي يوم الجمعة حادي عشره ثارت المماليك الجلبان على ~~السلطان، وأفحشوا في طلب تتريات صوف المعدة للأسفار والصيد، ولهم حكاية ~~طويلة ذكرناها في " الحوادث " . وكان السلطان عزم على التوجه إلى الصيد، ~~فما وسعه إلا أنه أبطل الرواح إلى الصيد. وفي يوم الأحد ثالث عشره عمل ~~السلطان المولد النبوي بالحوش على العادة. وفي يوم الخميس سابع عشره استقر ~~الأمير برسباي قرا الظاهري مسفر جكم نائب صفد، واستقر كسباي الظاهري خشقدم ~~أحد الدوادارية الصغار مسفر نائب غزة. وفي يوم الاثنين ثامن عشرينه أمسك ~~السلطان منصورا الأستادار وحبسه بقلعة الجبل، وأمسك عن سداد لا عن عجز، ~~وأعيد الأمير زين الدين إلى الأستادارية، ودام منصور في الحبس والعقوبة إلى ~~أن آل أمره إلى ضرب الرقبة بالشرع على ما زعموا. وفي يوم السبت وصل سيف ملك ~~أصلان بن سليمان ms3685 بن ناصر الدين بك بن دلغادر نائب أبلستين، وذكروا أنه قتله ~~فداوي، ولا يلزمني ذكر اسم من أرسل إليه الفداوي. وفي يوم الخميس تاسع ~~عشرينه عزل السلطان الأمير جوهرا النوروزي مقدم المماليك السلطانية بنائبه ~~الأمير مثقال الظاهري الحبشي، واستقر عوضه في نيابة المقدم خادم أسود ~~دكروري من أصاغر الخدام لا أعرفه قبل ذلك، يسمى خالصا. وفي يوم السبت ثامن ~~جمادى الآخرة عقد السلطان عقده على جاريته سوارباي الجاركسية أم ابنته، ~~وجعلها خوند الكبرى صاحبة القاعة، وذلك بعد موت زوجته خوند شكرباي الأحمدية ~~الناصرية فرج بن برقوق، وكان العاقد القاضي الحنفي محب الدين ابن الشحنة. ~~وفي يوم الخميس ثالث عشره ولي القاضي صلاح الدين المكيني قضاء الشافعية ~~بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي. وفيه أيضا ~~استقر القاضي برهان الدين إبراهيم بن الديري قاضي قضاة الحنفية أيضا ~~بالديار المصرية بعد عزل قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفي. وفيه ~~استقر الأمير أرغون شاه الأشرفي أستادار الصحبة أمير حاج PageV04P0488 # الركب الأول بعد موت الأمير كسباي المؤيدي رحمه الله تعالى. وفي يوم ~~الخميس ثالث عشره استقر قاسم، صيرفي اللحم، المعروف بجغيتة، وزيرا بالديار ~~المصرية، وقلع لبس العوام والسوقة، وتزيا بزي الكتاب، وركب فرسا. واستقر في ~~نظر الدولة شخص آخر من مقولة قاسم جغيتة، اسمه عبد القادر، لم أعرفهما قبل ~~تاريخه؛ وكان لبسهما لهاتين الوظيفتين عارا كبيرا على ملوك مصر إلى يوم ~~القيامة، ولي على من ولاهما حجج لا يقوم أحد بجوابها، وليس لأحد في ~~ولايتهما عذز مقبول. وآفة هذا كله عدم المعرفة وقلة التدبير، وإلا ما ضيق ~~الله على ملك مصر حتى يكون له وزير مثل هذا، ومثل أستاذه محمد البباوي ~~المقدم ذكره، وقد تكلمنا في ولاية البباوي للوزر كلاما طويلا في كفاية عن ~~الإعادة هنا، وذلك في تاريخنا " حوادث الدهور " . وقد أنشدني بعض رؤساء ~~ديار مصر في يوم ولاية قاسم للوزر أبيات الطغرائي من قصيدته لامية العجم ~~رحمه الله تعالى: البسيط الأول بعد موت الأمير كسباي المؤيدي رحمه الله ms3686 ~~تعالى. وفي يوم الخميس ثالث عشره استقر قاسم، صيرفي اللحم، المعروف بجغيتة، ~~وزيرا بالديار المصرية، وقلع لبس العوام والسوقة، وتزيا بزي الكتاب، وركب ~~فرسا. واستقر في نظر الدولة شخص آخر من مقولة قاسم جغيتة، اسمه عبد القادر، ~~لم أعرفهما قبل تاريخه؛ وكان لبسهما لهاتين الوظيفتين عارا كبيرا على ملوك ~~مصر إلى يوم القيامة، ولي على من ولاهما حجج لا يقوم أحد بجوابها، وليس ~~لأحد في ولايتهما عذز مقبول. وآفة هذا كله عدم المعرفة وقلة التدبير، وإلا ~~ما ضيق الله على ملك مصر حتى يكون له وزير مثل هذا، ومثل أستاذه محمد ~~البباوي المقدم ذكره، وقد تكلمنا في ولاية البباوي للوزر كلاما طويلا في ~~كفاية عن الإعادة هنا، وذلك في تاريخنا " حوادث الدهور " . وقد أنشدني بعض ~~رؤساء ديار مصر في يوم ولاية قاسم للوزر أبيات الطغرائي من قصيدته لامية ~~العجم رحمه الله تعالى: البسيط ماكنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى ~~دولة الأوغاد والسفل هذا جزاء آمرىء أقرانه درجوا ... من قبله، فتمنى فسحة ~~الأجل PageV04P0489 # وفي هذه الأيام عين السلطان تجريدة إلى البلاد الحلبية نجدة لشاه بضع بن ~~دلغادر نائب أبلستين، ليعينوه على قتال أخيه شاه سوار بن دلغادر، وفي ~~التجريدة سبعة أمراء من أمراء الألوف، وهم: الأتابك قانم، وتمربغا أمير ~~مجلس، ويلباي الأمير آخور الكبير، وقاني بك المحمودي المؤيدي، وبردبك هجين ~~أمير جاندار، وقايتباي المحمودي الظاهري، وجماعة كبيرة أخر من أمراء ~~الطبلخانات والعشرات يأتي ذكر أسمائهم عند سفرهم إن تم ذلك، ثم بطلت ~~التجريدة بعد أيام. وفي يوم الثلاثاء أول شعبان استقر الكاتب شرف الدين بن ~~كاتب غريب أستادارا عوضا عن الأمير زين الدين يحيى الأستادار. وفي يوم ~~الجمعة أول شوال خطب فيه خطبتان بالقاهرة وغيرها، وتشاءم الناس بذلك على ~~الملك فلم يقع إلا خير. وفي يوم السبت سادس عشر شوال استقر الأمير جانبك ~~الأسماعيلي المعروف بكوهية الدوادار الثاني أمير مائة ومقدم ألف، عوضا عن ~~الأمير جانبك الناصري المعروف بالمرتد، بحكم كبر سنه وعجزه عن الحركة، وخلع ~~السلطان على مملوكه ms3687 الأمير خير بك الخازندار باستقراره دوادارا ثانيا، عوضا ~~عن جانبك كوهية. وخير بك هذا هو أمير حاج المحمل في هذه السنة؛ وسافر خيربك ~~المذكور بالمحمل في يوم الاثنين ثامن عشره. وفي يوم الأربعاء العشرين منه ~~ضربت رقبة الأمير منصور الأستادار بسيف الشرع، وكانت هذه الفعلة من غلطات ~~الملك الظاهر خشقدم؛ فإنه كان في بقائه له خاصة منفعة كبيرة من وجوه عديدة، ~~ولعله ندم على قتله بعد ذلك. ثم في يوم الاثنين خامس عشرينه استقر الأمير ~~رستم بن ناصر الدين بك بن دلغادر في نيابة الأبلستين، عوضا عن ابن أخيه شاه ~~بضع، بحكم ضعف شاه بضع عن دفع أخيه سوار، وأظن أن رستم هذا أضعف من شاه بضع ~~في دفع شاه سوار. وفي يوم الخميس العشرين من ذي القعدة استقر الأمير قاني ~~باي الحسني المؤيدي أحد أمراء الطبلخانات في نيابة طرابلس دفعة واحدة، بعد ~~عزل الناصري محمد بن المبارك؛ وكانت ولاية قاني باي هذا لطرابلس أيضا من ~~الأمور المنكرة الخارجة عن العادة، لأننا لا نعلم أن أحدا ولي نيابة طرابلس ~~غير مقدم ألف بالديار المصرية، بل غالب من يلي نيابة طرابلس ينتقل إليها من ~~وظيفة عظيمة جليلة، إما أمير مجلس، أو أمير آخور كبير أو رأس نوبة النوب، ~~أو ينتقل إليها من نيابة حماة، بل إن الأتابك طرباي الظاهري وليها بعد ~~الأتابكية، ومع هذا كله ليته أهل لذلك، بل هو من كبار المهملين انتهى. ### || AUT سنة إحدى وسبعين وثمانمائة # PageV04P0490 # بيوم الأربعاء ويوافقه عشرون مسرى. فيه أوفى النيل ستة عشر ذراعا وثلاثة ~~أصابع، وفتح الخليج، وخلق المقياس الأتابك قانم بإذن السلطان. وفي يوم ~~الاثنين سادسه أعيد قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة إلى قضاء الحنفية بعد ~~عزل قاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن الدبري. وفي يوم السبت حادي عشره ~~استقر القاضي أبو السعادات البلقيني قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، ~~بعد عزل صهره صلاح الدين المكيني. وفي يوم الخميس سابع صفر استقر القاضي ~~كمال الدين محمد ابن الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب ms3688 جكم ناظر الجيوش ~~المنصورة، عوضا عن القاضي تاج الدين عبد الله بن المقسي، وأبقي على ابن ~~المقسي وظيفة نظر الخاص. وفيه استقر الأمير زين الدين يحيى أستادارا على ~~عادته. وفي يوم الاثنين ثامن عشر صفر استقر الأمير يلباي الإينالي المؤيدي ~~الأمير آخور الكبير أتابك العساكر بالديار المصرية، بعد موت الأتابك قانم ~~المؤيدي الآتي ذكره في الوفيات إن شاء الله تعالى. وأنعم السلطان بإقطاع ~~يلباي على الأمير بردبك هجين أمير جاندار، وأنعم بإقطاع بردبك هجين على ~~الأمير نانق شاد الشراب خاناه. وفي يوم الخميس حادي عشرين صفر استقر ~~الشهابي أحمد بن العيني أمير آخور كبيرا بعد الأتابك يلباي. وفيه استقر ~~الأمير خشكلدي البيسقي أحد أمراء العشرات شاد الشراب خاناه بعد نانق ~~المحمدي المقدم ذكره. قلت: وعلى كل حال خشكلدي أليق لهذه الوظيفة من نانق. ~~وفي يوم الأحد رابع عشرينه ورد الخبر بموت الأمير برسباي البجاسي نائب ~~الشام الآتي ذكره في الوفيات. وفي يوم الخميس ثامن عشرينه رسم السلطان ~~بانتقال الأمير بردبك الظاهري نائب حلب من نيابة حلب إلى نيابة الشام، عوضا ~~عن برسباي البجاسي، واستقر نانق الظاهري أحد المقدمين مسفره. واستقر في ~~نيابة حلب عوضا عن بردبك يشبك البجاسي نائب حماة، واستقر مسفره الشرفي يحيى ~~بن يشبك الفقيه الدوادار الكبير. واستقر تنم الحسيني الأشرفي ثاني رأس نوبة ~~في نيابة حماة، عوضا عن يشبك البجاسي، واستقر مسفرة تمر من محمود شاه ~~الظاهري والي القاهرة. واستقر الأمير تنبك المعلم الأشرفي عوضه رأس نوبة ~~ثانيا. واستقر الأمير مغلباي مملوك السلطان قديما في حسبة القاهرة، عوضا عن ~~خشكلدي. وفي يوم الأحد ثامن شهر ربيع الأول عمل السلطان المولد النبوي على ~~العادة، وقاسى من حضر المولد من الأجلاب شدائد. وفي يوم الاثنين سادس عشر ~~ربيع الأول استقر نانق المحمدي المقم ذكره أمير حاج المحمل، واستقر الأمير ~~سيباي الظاهري الأمير آخور الثالث أمير الركب الأول، واستقر الأمير دمرداش ~~السيفي تغري بردي البكلمشي نائب قلعة حلب بعد عزل الشيباني. وفي يوم السبت ~~ثالث عشرينه ابتدأ السلطان بالحكم بين ms3689 الناس لا بالإسطبل السلطاني في يومي ~~السبت والثلاثاء، على قاعدة ملوك السلف، ولم يقع له ذلك من يوم تسلطن، لأن ~~سلاطين زماننا هذا صاروا يجلسون بالدكة من الحوش السلطاني بقلعة الجبل، ~~ويتعاطون الأحكام بين الناس، فلم يحتج الملك مع جلوسه بالحوش إلى النزول ~~بالإسطبل للحكم. وكانت قاعدة ملوك السلف ممن أدركنا وسمعنا الاحتجاب عن ~~الناس بالكلية، ولم يقدر أحد من المماليك السلطانية أن يدخل الحوش بحاجة أو ~~غير حاجة إلا بقماش الموكب، ولا يجتمع أحد بالسلطان بالدهيشة والحوش إلا ~~الخصيصين به لا غير، ومن كان له مع السلطان حاجة يجتمع به في القصر ~~السلطاني ليالي المواكب وأيام المواكب، فبهذا المقتضى كان يحتاج السلطان ~~إلى النزول إلى الإسطبل السلطاني للحكم بين الناس، وإنصاف المظلوم من ~~الظالم، ويكون ذلك في الغالب أيام الشتاء، وتكون مدة الحكم في يومي السبت ~~والثلاثاء نحو شهرين، وقد فهمت الآن معنى قولنا: " ولم يحكم السلطان بين ~~الناس من يوم تسلطن " ، أعني بذلك نزوله إلى الإسطبل أنتهى. ثم في يوم ~~الاثنين خامس عشر شهر ربيع الآخر نزل السلطان إلى رماية البركة لصيد ~~الكراكي وغيرها على العادة، وهذا أيضا أول نزوله إلى الصيد من يوم تسلطن ~~وعاد من يومه، وشق القاهرة. ثم تكرر من السلطان نزوله إلى الصيد في هذه ~~السنة غيرمرة. وفي هذه الأيام كانت واقعة أصباي البواب مع القتيلين اللذين ~~قتلهما، وقد حكينا واقعته في " الحوادث " . وفي يوم الأربعاء خامس عشر ~~جمادى الأولى ثارت المماليك الأجلاب بالقلعة في الأطباق، ومنعوا ~~PageV04P0491 # الناس من الطلوع إلى الخدمة السلطانية، وطلبوا زيادة جوامك وكسوة وعليق، ~~ووقع أمور، ثم وقع الأمر على شيء حكيناه بعد وهن في المملكة. وفي يوم ~~الخميس سادس عشره استقر القاضي ولي الدين الأسيوطي أحد نواب الحكم قاضي ~~قضاة الشافعية بالديار المصرية، بعد شغور القضاء عن أبي السعادات البلقيني ~~أياما كثيرة. وفي يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة استقر جانبك الظاهري أحد ~~الدوادارية الصغار في نيابة قلعة دمشق، بعد عزل الصارمي إبراهيم بن بيغوت. ~~وفي يوم الخميس تاسع عشرين ms3690 جمادى الآخرة خرج الحاج الرجبي من القاهرة ~~وأميره علان الأشرفي، والعمدة في الركب المذكور على القاضي زين الدين بن ~~مزهر كاتب السر الشريف، لعظمة سار فيها، وتجمل زائد إلى الغاية، وفعل في ~~هذه السفرة أفعالا جميلة، حكيت عنه وشكرت. وفي يوم الاثنين حادي عشر رجب ~~أدير المحمل، ولعبت الرماحة على العادة. واستهل شعبان، نذكر فيه نادرة، وهي ~~أن أرباب التقويم كانوا اجتمعوا على أن آخر مدة الملك الظاهر خشقدم في ~~السلطنة تكون إلى ثامن عشر شهر رجب من هذه السنة، فمضى رجب ولم يحصل ~~للسلطان تكدير ولا نكد مؤلم، ولا ضعف لزم منه الفراش، ولا نوع من الأنواع ~~المشوشة، واستهل شعبان هذا وهو في أحسن حال، وأخزى الله ك هؤلاء الكذبة ~~الفسقة المدعين علم الغيب، تعالى الله أن يظهر على غيبه إلا من أراد من ~~أصليائه وأوليائه. ثم استهل شوال يوم الثلاثاء، ففيه أيضا نكتة نذكرها، وهي ~~أنه كان في العام الماضي أول شوال يوم الجمعة، فتشاءم الناس بذلك على الملك ~~من وقوع خطبتين في نهار واحد، ولم يقع إلا الخير والسلامة، فاعتمد على أن ~~هذا الكلام من الهذيان، وما أعلم الذي قال ذلك، أولا ما دليله؟ مع أن ~~الخطبة من أعظم السنن، ويحصل بها التذكير والخير، والأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر، والخشوع ورقة القلب، فعلى هذا كلما تكررت في اليوم تكرر الخير ~~والبركة والأجر، وما أظن قائل هذا، أولا، إلا رجلا منافقا يكره السنة ~~وإلاقتداء بها انتهى. وفي يوم الاثنين سابع شوال استقر الأمير شرف الدين ~~موسى بن كاتب غريب أستادارا عوضا عن الأمير زين الدين يحيى. وفي يوم السبت ~~تاسع عشره خرج أمير حاج المحمل بالمحمل، وهو نانق الظاهري، وسيباي أمير ~~الركب الأول.ناس من الطلوع إلى الخدمة السلطانية، وطلبوا زيادة جوامك وكسوة ~~وعليق، ووقع أمور، ثم وقع الأمر على شيء حكيناه بعد وهن في المملكة. وفي ~~يوم الخميس سادس عشره استقر القاضي ولي الدين الأسيوطي أحد نواب الحكم قاضي ~~قضاة الشافعية بالديار المصرية، بعد شغور القضاء عن أبي ms3691 السعادات البلقيني ~~أياما كثيرة. وفي يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة استقر جانبك الظاهري أحد ~~الدوادارية الصغار في نيابة قلعة دمشق، بعد عزل الصارمي إبراهيم بن بيغوت. ~~وفي يوم الخميس تاسع عشرين جمادى الآخرة خرج الحاج الرجبي من القاهرة ~~وأميره علان الأشرفي، والعمدة في الركب المذكور على القاضي زين الدين بن ~~مزهر كاتب السر الشريف، لعظمة سار فيها، وتجمل زائد إلى الغاية، وفعل في ~~هذه السفرة أفعالا جميلة، حكيت عنه وشكرت. وفي يوم الاثنين حادي عشر رجب ~~أدير المحمل، ولعبت الرماحة على العادة. واستهل شعبان، نذكر فيه نادرة، وهي ~~أن أرباب التقويم كانوا اجتمعوا على أن آخر مدة الملك الظاهر خشقدم في ~~السلطنة تكون إلى ثامن عشر شهر رجب من هذه السنة، فمضى رجب ولم يحصل ~~للسلطان تكدير ولا نكد مؤلم، ولا ضعف لزم منه الفراش، ولا نوع من الأنواع ~~المشوشة، واستهل شعبان هذا وهو في أحسن حال، وأخزى الله ك هؤلاء الكذبة ~~الفسقة المدعين علم الغيب، تعالى الله أن يظهر على غيبه إلا من أراد من ~~أصليائه وأوليائه. ثم استهل شوال يوم الثلاثاء، ففيه أيضا نكتة نذكرها، وهي ~~أنه كان في العام الماضي أول شوال يوم الجمعة، فتشاءم الناس بذلك على الملك ~~من وقوع خطبتين في نهار واحد، ولم يقع إلا الخير والسلامة، فاعتمد على أن ~~هذا الكلام من الهذيان، وما أعلم الذي قال ذلك، أولا ما دليله؟ مع أن ~~الخطبة من أعظم السنن، ويحصل بها التذكير والخير، والأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر، والخشوع ورقة القلب، فعلى هذا كلما تكررت في اليوم تكرر الخير ~~والبركة والأجر، وما أظن قائل هذا، أولا، إلا رجلا منافقا يكره السنة ~~وإلاقتداء بها انتهى. وفي يوم الاثنين سابع شوال استقر الأمير شرف الدين ~~موسى بن كاتب غريب أستادارا عوضا عن الأمير زين الدين يحيى. وفي يوم السبت ~~تاسع عشره خرج أمير حاج المحمل بالمحمل، وهو نانق الظاهري، وسيباي أمير ~~الركب الأول. PageV04P0492 ### || AUT سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة # بيوم الأحد ويوافقه تاسع مسرى. ففي يوم السبت سابعه ms3692 الموافق لخامس عشر ~~مسرى أوفى النيل ستة عشر ذراعا وسبعة أصابع، ونزل السلطان الملك الظاهر ~~خشقدم، وعدى النيل، وخلق المقياس، وعاد وفتح خليج السد على العادة. وفي يوم ~~الخميس ثاني عشره ورد الخبر من نائب حلب يشبك البجاسي أن شاه سوار نائب ~~أبلستين خرج عن طاعة السلطان، ويريد المشي على البلاد الحلبية، فرسم ~~السلطان في الحال بخروج نائب طرابلس ونائب حماة إلى جهة البلاد الحلبية ~~لمعاونة نائب حلب إن حصل أمر. ثم عين السلطان تجريدة من مصر إلى جهات ~~البلاد الحلبية إن ألجأت الضرورة إلى سفرهم، والذين عينهم في هذه التجريدة ~~من أمراء الألوف: الأتابك يلباي، وأمير سلاح قرقماس، وأمير مجلس تمربغا، ~~وقاني بك المحمودي، ومغلباي طاز المؤيدي، وذكر أنه تعين عدة كبيرة من أمراء ~~الطبلخانات والعشرات، وألف مملوك من المماليك السلطانية. هذا والسلطان قد ~~بدأ فيه التوعك من يوم عاشوراء، وهذا المرض الذي مات فيه. ثم لهج السلطان ~~بعزل يشبك البجاسي نائب حلب وتولية الأمير مغلباي طاز المؤيدي المقدم ذكره ~~عوضه في نيابة حلب. ثم في يوم الخميس تاسع عشره ورد الخبر بأن إقامة الحاج ~~التي جهزت من القاهرة أخذت عن آخرها، أخذها مبارك شيخ بني عقبة بمن كان معه ~~من العرب، وأنه قتل جماعة ممن كان مع الإقامة المذكورة، منهم جارقطلو ~~السيفي دولات باي أحد أمراء آخورية السلطان، فعظم ذلك على السلطان، وزاد ~~توعكه، وعلى الناس قاطبة، وضر أخذ إقامة الحاج غاية الضرر، وأشرف غالبهم ~~على الموت. فلما كان يوم الجمعة العشرين من المحرم وصل الحاج الرجبي، وعظيم ~~من كان فيه زين الدين بن مزهر كاتب السر المقدم ذكره، وأمير حاج الركب ~~الأول سيباي، إلى بركة الحاج معا، بعد أن قاست الحجاج أهوالا وشدائد من عدم ~~الميرة والعلوفة وقلة الظهر، ودخل نانق أمير الحاج من الغد. فلما كان يوم ~~الاثنين ثالث عشرين المحرم عين السلطان الأمير أزبك رأس نوبة النوب ~~الظاهري، والأمير جانبك حاجب الحجاب الأشرفي المعروف بقلقسيز، وصحبتهما ~~أربعة من أمراء العشرات، وهم دولات باي الأبو بكري ms3693 المؤيدي، وقطلباي ~~الأشرفي، وتنبك الأشرفي، وتغري بردي الطياري، وعدة مماليك من المماليك ~~السلطانية، لقتال مبارك شيخ عرب بني عقبة ومن معه من الأعراب، وكتب السلطان ~~أيضا لنائب الكرك الأمير بلاط، ونائب غزة الأمير إينال الأشقر، بالمسير إلى ~~جهة الأمير أزبك بعقبة أيلة، ومساعدته على قتال مبارك المذكور، وخرج الأمير ~~أزبك بمن عين معه من القاهرة في يوم الاثنين سابع صفر. كل ذلك والسلطان ~~متوعك بالإسهال، وهو لا ينقطع عن الخروج إلى الحوش، بل يتجلد غاية التجلد، ~~حتى إنه عمل الموكب في هذا اليوم بالقصر لأجل خروج الأمير أزبك، وهذا آخر ~~موكب عمله الملك الظاهر خشقدم بالقصر السلطاني. فلما كان يوم الخميس عاشر ~~صفر أرجف بموته، وأشيع ذلك إشاعة خفيفة في ألسنة العوام. فلما كان يوم ~~الجمعة حادي عشره خرج السلطان الملك الظاهر خشقدم إلى PageV04P0493 # صلاة الجمعة من باب الحريم ماشيا على قدميه من غير مساعدة، وعليه قماش ~~الموكب الفوقاني، والسيف والكلفتاة على العادة، وصلى الجمعة وسنتها قائما ~~على قدميه، هذا وقد أخذ منه المرض الحد المؤلم، وهو يستعمل التجلد وإظهار ~~القوة، إلى أن فرغت الصلاة، وعاد إلى الحريم ماشيا أيضا، ولكن القاضي ~~الشافعي أسرع في الخطبة والصلاة إلى الغاية حسبما كان أشار إلى السلطان ~~بذلك، بحيث إن الخطبة والصلاة كانت على نحو ثلاث درج رمل وبعض دقائق. فلما ~~عاد السلطان من الصلاة إلى الحريم سقط مغشيا عليه لشدة ما ناله من التعب ~~وعظم التجلد. وهذه أيضا آخر جمعة صلاها، ولم يخرج بعدها من باب الحريم لا ~~إلى صلاة ولا إلى غيرها، وصارت الخدمة بعد ذلك في الحريم بقاعة البيسرية. ~~ثم أصبح السلطان في يوم السبت ثاني عشره رسم بالمناداة بشوارع القاهرة بأن ~~أحدا لا يخرج بعد صلاة المغرب من بيته ولا يفتح سوقي دكانه، وهدد من خالف ~~ذلك، فلم يلتفت أحد إلى هذه المناداة؛ وعلم أن المقصود من هذه المناداة عدم ~~خروج المماليك في الليل، وتوجه بعضهم لبعض لإثارة فتنة. وفي هذه الأيام ورد ~~الخبر من دمشق بأن الأمير بردبك ms3694 نائب الشام خرج من دمشق بعساكرها في آخر ~~المحرم إلى جهة حلب لمعاونة نائب حلب على قتال شاه سوار. ثم في يوم الاثنين ~~رابع عشر صفر عمل السلطان الخدمة بقاعة البيسرية من الحريم السلطاني، لضعفه ~~عن الخروج إلى قاعة الدهيشة، وحضرت الأمراء المقدمون وغيرهم الخدمة ~~السلطانية بالبيسرية، ولكن بغير قماش، وعلم السلطان على عدة مناشير ومراسيم ~~دون العشرين علامة، ولكن ظهر عليه المرض، لكنه يتجلد ويقوم لمن دخل إليه من ~~القضاة والعلماء. فلما كان يوم الجمعة ثامن عشره لم يشهد فيه صلاة الجمعة ~~وصلت الأمراء بجامع القلعة على العادة. وبعد أن فرغت الصلاة دخلوا عليه ~~وسلموا عليه، واستوحشوا منه، وجلسوا عنده إلى أن أسقاهم مشروب السكر، ~~وانصرفوا. ثم في آخر يوم الاثنين حادي عشرينه وجد السلطان في نفسه نشاطا، ~~فقام وتمشى خطوات، فتباشر الناس بعافيته. كل هذا وهو مستمر في أول النهار ~~وفي آخره يعلم على المناشير والمراسيم، لكن بحسب الحال، تارة كثيرا، وتارة ~~قليلا. فلما كان يوم الجمعة خامس عشرينه لم يحضر السلطان فيه الصلاة أيضا ~~لثقله في المرض، ودخلوا إليه الأمراء بعد صلاة الجمعة، وجلسوا عنده، وفعل ~~معهم كفعله في الجمعة الماضية. واستهل شهر ربيع الأول يوم الخميس والسلطان ~~ملازم للفراش، والناس في أمر مريج من توقف الأحوال، لا سيما أرباب الحوائج ~~الواردون من الأقطار. هذا وجميع نواب البلاد الشامية قد خرجوا من أعمالهم ~~إلى البلاد الحلبية، لقتال شاه سوار بن دلغادر، ما خلا جكم نائب صفد، ونائب ~~غزة قد خرج أيضا إلى جهة العقبة لقتال مبارك شيخ عرب بني عقبة، فبهذا ~~المقتضى خلا الجو للمفسدين وقطاع الطريق وغيرهم بالدرب الشامي والمصري؛ ومع ~~هذا فالفتن لم تزل قائمة بأسفل مصر الشرقية والغربية، وأيضا بأعلى مصر، ~~الصعيد الأدنى والأعلى، وتزايد ذلك بطول مرض السلطان. وبينما الناس في ذلك ~~ورد الخبر من يشبك من مهدي الظاهري الكاشف بالصعيد أن يونس بن عمر الهواري ~~خرج عن طاعة السلطان، وقاتل يشبك المذكور، وقتل من عسكره عدة كبيرة، وانكسر ~~يشبك منه بعد أن ms3695 جرح في بدنه، ثم أنهى يشبك أنه يريد ولاية سليمان بن ~~الهواري عوضا عن ابن عمه يونس، وأنه يريد نجدة كبيرة من الديار المصرية. ~~فرسم السلطان في الحال بولاية سليمان بن عمر، وتوجه إليه بالخلعة قجماس ~~الظاهري، ورسم السلطان بتعيين تجريدة إلى بلاد الصعيد. فلما كان يوم السبت ~~عين السلطان التجريدة المذكورة إلى بلاد الصعيد، وعليها الأمير قرقماس ~~الجلب الأشرفي أمير سلاح، ويشبك من سلمان شاه الفقيه الدوادار الكبير، ومن ~~أمراء العشرات خمسة نفر: قلمطاي الإسحاقي، وأرغون شاه أستادار الصحبة، ~~ويشبك الإسحاقي، وأيدكي، ويشبك الأشقر، والخمسة أشرفية، وجماعة كبيرة من ~~المماليك السلطانية أشرفية كبار وأشرفية صغار، ونزل الأمير نقيب الجيش إلى ~~المعينين، وأمرهم على لسان السلطان بالسفر من يومهم إلى الصعيد، فاعتذروا ~~بعدم فراغ حوائجهم، لكون الوقت يوما واحدا. فلما كان آخر هذا النهار أرجف ~~بموت السلطان، فماجت الناس، وكثر الهرج بشوارع القاهرة، ولبس بعض المماليك ~~آلة الحرب PageV04P0494 # فاستمرت الحركة موجودة في الناس إلى قريب الصباح. وأصبح في يوم الأحد ~~رابع الأول و السلطان في قيد الحياة، غير أنه انحط في المرض انحطاطا يشعر ~~العارف بموته، ونودي في الحال بالأمان والبيع والشراء، ودقت البشائر بعافية ~~السلطان في باكر النهار وفي آخره أياما كثيرة، وصار السلطان أمره إلى التلف ~~وهم على ذلك. فلما كان عصر نهار الأحد المذكور نزل الأمير تنبك المعلم ~~الأشرفي الرأس نوبة الثاني إلى الأمير قرقماس أمير سلاح على لسان السلطان ~~وأمره بالخروج إلى السفر من وقته بعد أن ذكر له كلاما حسنا من السلطان، ~~فخرج قرقماس من وقته، وكذلك يشبك الفقيه الدوادار، وتبعهما من بقي ممن عين ~~إلى السفر، ونزلوا إلى المراكب، ووقفوا بساحل النيل ينتظرون من عين معهم من ~~المماليك السلطانية فلم يأتهم أحد. كل ذلك والسلطان صحيح الذهن والعقل، ~~يفهم الكلام ويحسن الرد، وينفذ غالب الأمور، ويولي ويعزل، والناس لا تصدق ~~ذلك، وأنا اشاهده بالعين. هذا والسلطان يستحث من ندب إلى الصعيد بالسفر في ~~كل يوم. وأصبح السلطان في يوم الاثنين على حاله، وحضر عنده ms3696 بعض أمراء، وعلم ~~على دون عشرة مناشير ومراسيم، وهو في غاية من شدة المرض. فلما نجزت العلامة ~~استلقى على قفاه، فرأيت وجهه كوجه الأموات. وانفض الناس وخرجوا. فلما كان ~~بعد الظهر طلع إلى السلطان بعض أمراء الألوف والأعيان، وسلم عليه، فشكا ~~إليه السلطان ما أشيع عنه من الموت، ثم قال: " أنا ما أموت حتى أموت خلائق، ~~وأنا أعرف من أشاع هذا عني " ، يعني بذلك الأشرفية الكبار والأشرفية ~~الصغار. قلت: قد عرفت الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار وأمرهما وما وقع في ~~مرض السلطان من أوله إلى آخره في تاريخنا " الحوادث " ، وليس ما نذكر هنا ~~إلا علم خبر لا غير انتهى. ثم طلع القاضي كاتب السر بعد ظهر يوم الأحد ~~المذكور وأحضر آلة العلامة، فلم يطق السلطان أن يعلم شيئا، وقيل: إنه علم ~~على أربعة مناشير، وقيل غير ذلك، وقيل إنه لم يطق الجلوس إلا بشدة. هذا مع ~~التجلد الذي لا مزيد عليه؛ وكان هذا دأبه من أول مرضه إلى أن مات التجلد ~~وعدم إظهار العجز ولله دره ما كان أجلده. وبات السلطان في تلك الليلة على ~~حاله، والناس في أمره على أقوال كثيرة. هذا وهو يستحث على سفر الأمراء ~~المعينين إلى الصعيد، والقصاد منه ترد إليهم، وهم يعتذرون عن السفر بعدم ~~حضور من عين معهم من المماليك السلطانية، فيأمر بالمناداة بسفرهم، فلم يخرج ~~أحد. فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء سادسه طلع الأمير الكبير يلباي إلى ~~السلطان ومعه خجداشه قاني بك المحمودي، وجانبك كوهية، والثلاثة أمراء ألوف ~~مؤيدية. فلما دخلوا على السلطان لم ينهض إليهم للجلوس، بل استمر على جنبه، ~~لشدة مرضه، وشكا إليهم ما به، فتألموا لذلك ودعوا له. ثم أمر السلطان وهو ~~على تلك الحالة أن ينادى بسفر العسكر إلى الصعيد. ثم خلع على يوسف بن فطيس ~~أستادار السلطان بدمشق بمشيخة نابلس. وخرج الناس من عند السلطان، ولم يعلم ~~شيئا. وهذا أول يوم منع السلطان فيه العلامة من يوم مرض إلى هذا اليوم. ~~وأصبح يوم الخميس ثامنه وقد اشتد به المرض، ms3697 ويئس الناس منه، وكذلك يوم ~~الجمعة، ولكن عقله واع، ولسانه طلق، وكلامه كلام الأصحاء.مرت الحركة موجودة ~~في الناس إلى قريب الصباح. وأصبح في يوم الأحد رابع الأول و السلطان في قيد ~~الحياة، غير أنه انحط في المرض انحطاطا يشعر العارف بموته، ونودي في الحال ~~بالأمان والبيع والشراء، ودقت البشائر بعافية السلطان في باكر النهار وفي ~~آخره أياما كثيرة، وصار السلطان أمره إلى التلف وهم على ذلك. فلما كان عصر ~~نهار الأحد المذكور نزل الأمير تنبك المعلم الأشرفي الرأس نوبة الثاني إلى ~~الأمير قرقماس أمير سلاح على لسان السلطان وأمره بالخروج إلى السفر من وقته ~~بعد أن ذكر له كلاما حسنا من السلطان، فخرج قرقماس من وقته، وكذلك يشبك ~~الفقيه الدوادار، وتبعهما من بقي ممن عين إلى السفر، ونزلوا إلى المراكب، ~~ووقفوا بساحل النيل ينتظرون من عين معهم من المماليك السلطانية فلم يأتهم ~~أحد. كل ذلك والسلطان صحيح الذهن والعقل، يفهم الكلام ويحسن الرد، وينفذ ~~غالب الأمور، ويولي ويعزل، والناس لا تصدق ذلك، وأنا اشاهده بالعين. هذا ~~والسلطان يستحث من ندب إلى الصعيد بالسفر في كل يوم. وأصبح السلطان في يوم ~~الاثنين على حاله، وحضر عنده بعض أمراء، وعلم على دون عشرة مناشير ومراسيم، ~~وهو في غاية من شدة المرض. فلما نجزت العلامة استلقى على قفاه، فرأيت وجهه ~~كوجه الأموات. وانفض الناس وخرجوا. فلما كان بعد الظهر طلع إلى السلطان بعض ~~أمراء الألوف والأعيان، وسلم عليه، فشكا إليه السلطان ما أشيع عنه من ~~الموت، ثم قال: " أنا ما أموت حتى أموت خلائق، وأنا أعرف من أشاع هذا عني " ~~، يعني بذلك الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار. قلت: قد عرفت الأشرفية ~~الكبار والأشرفية الصغار وأمرهما وما وقع في مرض السلطان من أوله إلى آخره ~~في تاريخنا " الحوادث " ، وليس ما نذكر هنا إلا علم خبر لا غير انتهى. ثم ~~طلع القاضي كاتب السر بعد ظهر يوم الأحد المذكور وأحضر آلة العلامة، فلم ~~يطق السلطان أن يعلم شيئا، وقيل: إنه علم على أربعة مناشير، وقيل غير ms3698 ذلك، ~~وقيل إنه لم يطق الجلوس إلا بشدة. هذا مع التجلد الذي لا مزيد عليه؛ وكان ~~هذا دأبه من أول مرضه إلى أن مات التجلد وعدم إظهار العجز ولله دره ما كان ~~أجلده. وبات السلطان في تلك الليلة على حاله، والناس في أمره على أقوال ~~كثيرة. هذا وهو يستحث على سفر الأمراء المعينين إلى الصعيد، والقصاد منه ~~ترد إليهم، وهم يعتذرون عن السفر بعدم حضور من عين معهم من المماليك ~~السلطانية، فيأمر بالمناداة بسفرهم، فلم يخرج أحد. فلما كان صبيحة يوم ~~الثلاثاء سادسه طلع الأمير الكبير يلباي إلى السلطان ومعه خجداشه قاني بك ~~المحمودي، وجانبك كوهية، والثلاثة أمراء ألوف مؤيدية. فلما دخلوا على ~~السلطان لم ينهض إليهم للجلوس، بل استمر على جنبه، لشدة مرضه، وشكا إليهم ~~ما به، فتألموا لذلك ودعوا له. ثم أمر السلطان وهو على تلك الحالة أن ينادى ~~بسفر العسكر إلى الصعيد. ثم خلع على يوسف بن فطيس أستادار السلطان بدمشق ~~بمشيخة نابلس. وخرج الناس من عند السلطان، ولم يعلم شيئا. وهذا أول يوم منع ~~السلطان فيه العلامة من يوم مرض إلى هذا اليوم. وأصبح يوم الخميس ثامنه وقد ~~اشتد به المرض، ويئس الناس منه، وكذلك يوم الجمعة، ولكن عقله واع، ولسانه ~~طلق، وكلامه كلام الأصحاء. PageV04P0495 # وأصبح يوم السبت عاشر شهر ربيع الأول وهو في السياق. فلما كان ضحوة ~~النهار المذكور حدثت أمور ذكرناها في تاريخنا " الحوادث " . واجتمع الأمراء ~~الأكابر بمقعد الإسطبل السلطاني عند الأمير آخور الكبير، والأمير آخور ~~المذكور حس بلا معنى، ليس له في المجلس إلا الحضور بالجثة، وجلس الأتابك ~~يلباي في صدر المجلس وبإزائه الأمير تمربغا أمير مجلس، وهو متكلم القوم، ~~ولم يحضر قرقماس أمير سلاح لإقامته بساحل النيل كما تقدم. وحضر جماعة من ~~أمراء الألوف، وكبير الظاهرية الخشقدمية يوم ذاك خيربك الدوادار الثاني، ~~وأخذوا في الكلام إلى أن وقع الاتفاق بينهم على سلطنة الأتابك يلباي، ورضي ~~به عظيم الأمراء الظاهرية الكبار الأمير تمربغا أمير مجلس، وكبير الظاهرية ~~الصغار الخشقدمية خيربك الدوادار، وجميع من ms3699 حضر؛ وكان رضاء الظاهرية الكبار ~~بسلطنة يلباي بخلاف الظن، وكذلك الظاهرية الصغار. ثم تكلم بعضهم بأن القوم ~~يريدون من الأمير الكبير أن يحلف لهم بما يطمئن به قلوبهم وخواطرهم، فتناول ~~المصحف الشريف بيده، وحلف لهم يمينا بما أرادوه، ثم حلف الأمير تمربغا أمير ~~مجلس، وشرح اليمين وكيفيته معروفة، فإنه يمين لتمشية الحال. وأرادوا خيربك ~~أن يحلف، فقال ما معناه: " نحن نخشاكم فحلفناكم، فنحن نحلف على ماذا؟ " . ~~ثم انفض المجلس ونزل الأتابك يلباي إلى داره وبين يديه وجوه الأمراء. ولم ~~يحضر الأمير قايتباي الظاهري معهم عند الاتفاق واكتفى عن الحضور بكبيرهم ~~الأمير تمربغا الظاهري، كل ذلك قبل الظهر بيسير. فلم يكن بعد أذان الظهر ~~إلا بنحو ساعة رمل لا غير ومات السلطان بقاعة البيسرية، بعد أذان الظهر ~~بدرجات. وفي حال وفاته طلعت جميع الأمراء إلى القلعة، وأخذوا في تجهيز ~~السلطان الملك الظاهر خشقدم رحمه الله تعالى، وغسلوه وكفنوه، وصلوا عليه ~~بباب القلة من قلعة الجبل، كل ذلك قبل أن تبايع العساكر يلباي المذكور ~~بالسلطنة كما سنذكره في سلطنة الأتابك يلباي. وهذا الذي وقع من تجهيز ~~السلطان وإخراجه قبل أن يتسلطن سلطان بخلاف العادة؛ فإن العادة جرت أنه لا ~~يجهز سلطان إلا بعد أن يتسلطن سلطان غيره، ثم يأخذون بعد ذلك في تجهيزه ~~انتهى. ولما صلي عليه بباب القلة، وحمل نعشه، وعلى نعشه مرقعة الفقراء، ~~ساروا به إلى أن أنزلوه من باب المدرج، ولم يكن معه كثير خلق، بل جميع من ~~كان معه أمام نعشه، وحوله وخلفه من الأمراء والخاصكية دون العشرين نفرا، ~~والأكثر منهم أجناد؛ فإنه لم ينزل معه أحد من أمراء الألوف كما هي العادة، ~~ولا أحد من المباشرين غير الأمير شرف الدين بن كاتب غريب الأستادار وجماعة ~~من أمراء الطبلخانات والعشرات. وساروا به وقد ازدحمت الناس والعوام حول ~~نعشه، إلى أن أوصلوه إلى تربته ومدرسته التي أنشأها بالصحراء بالقرب من قبة ~~النصر، ودفن بالقبة التي بالمدرسة المذكورة، وحضرت أنا دفنه رحمه الله ~~تعالى. ولم تتأسف الناس عليه يوم موته ms3700 ذاك التأسف العظيم، لكن تأسفوا عليه ~~بعد ذلك تأسفا عظيما لما تسلطن بعده الأتابك يلباي، بل عظم فقده عند سلطنة ~~يلباي على الناس قاطبة. ومات الملك الظاهر خشقدم رحمه الله تعالى وسنه نحو ~~خمس وستين سنة تخمينا، هكذا أملى علي من لفظه بعد سلطنته. وكان الملك ~~الظاهر رحمه الله تعالى سلطانا جليلا عظيما، عاقلا مهابا، عارفا صبورا، ~~مدبرا سيوسا، حشما متجملا في ملبسه ومركبه وشأنه إلى الغاية، بحيث إنه كان ~~لا يعجبه من البعلبكي الأبيض إلا ما تزيد قيمته على ثلاثين دينارا، فما ~~بالك بالصوف والسمور وغير ذلك. وكان يقتني من كل شيء أحسنه، وكان مع هذا ~~التأنق لائقا في شكله وملبسه ومركبه، نشأ على ذلك عمره كله، أعرفه جنديا ~~إلى أن صار سلطانا، وهو متجمل في ملبسه على ما حكيناه. وكان مليح الشكل ~~للطول أقرب، أعني معتدل القامة، نحيف البدن، أبيض اللون، تعلوه صفرة ذهبية ~~حسنة، كبير اللحية، تضرب إلى شقرة، قد شاب أكثرها، حسن فيها، وكان رشيق ~~الحركات، خليقا للملك، عارفا بأنواع الملاعيب، كالرمح والكرة، وسوق المحمل، ~~له عمر كبير في ذلك أيام شبوبيته، وله مشاركة في غير ذلك من أنواع الملاعيب ~~جيدة. وكان له إلمام ببعض القراءات، ويبحث مع الفقهاء، وله فهم وفوق بحسب ~~الحال. وكان كثير الأدب، ويجل العلماء ويقوم لغالبهم إن قدم أحد منهم عليه، ~~مع حشمة كانت فيه وأدب في PageV04P0496 # كلامه ولفظه. وكان يتكلم باللغة العربية كلاما يقارب الفصاحة على عجمة ~~كانت في لسانه قليلة، وذلك بالنسبة إلى أبناء جنسه. وكان يميل إلى جمع ~~المال ويشره في ذلك من أي وجه كان جمعه، وله في ذلك أعذار كثيرة مقبولة ~~وغير مقبولة. وعظم في أواخر عمره من سلطنته، وضخم وكبرت هيئته في قلوب ~~عساكره ورعيته لبطن صار فيه، وإقدام على المهولات مع دربة ومعرفة فيما ~~يفعله، فإن كان المسيء ممن يتلافى أمره زجره ولقنه حجته بدربة ولباقة، وإن ~~كان ممن لا يخاف عاقبته قاصصه بما يردع به أمثاله، من الضرب المبرح والنفي، ~~وعد ذلك من ms3701 معايبه. يقول من قال: " القوة على الضعيف ضعف في القوة " . ومن ~~ذلك أيضا أنه كان في الغالب يقدم على ما يفعله من غير مشورة ولا تأن، ولهذا ~~كانت أموره تنتقض في بعض الأحيان، بل في كثير من الأحيان. ومما كان يعاب به ~~عليه إمساكه، وتشويش المماليك الذين كان اشتراهم في سلطنته الأجلاب، مع أنه ~~رحمه الله تعالى كان كثيرا ما ينهاهم عن أفعالهم القبيحة، ويردع بعضهم ~~بالحبس والضرب والنفي وأنواع النكال، وهذا بخلاف من كان قبله من الملوك. ~~وكان له عذر مقبول في إنشائه هذه المماليك الأجلاب، لا ينبغي لي ذكره، ~~يعرفه الحاذق. ومن كل وجه فالمال محبوب على كل حال. وبالجملة إنه كانت ~~محاسنه أضعاف مساوئه، وأيامه غرر أيام، لولا ما شان سؤدده وممالكه، ولله در ~~القائل: الطويللامه ولفظه. وكان يتكلم باللغة العربية كلاما يقارب الفصاحة ~~على عجمة كانت في لسانه قليلة، وذلك بالنسبة إلى أبناء جنسه. وكان يميل إلى ~~جمع المال ويشره في ذلك من أي وجه كان جمعه، وله في ذلك أعذار كثيرة مقبولة ~~وغير مقبولة. وعظم في أواخر عمره من سلطنته، وضخم وكبرت هيئته في قلوب ~~عساكره ورعيته لبطن صار فيه، وإقدام على المهولات مع دربة ومعرفة فيما ~~يفعله، فإن كان المسيء ممن يتلافى أمره زجره ولقنه حجته بدربة ولباقة، وإن ~~كان ممن لا يخاف عاقبته قاصصه بما يردع به أمثاله، من الضرب المبرح والنفي، ~~وعد ذلك من معايبه. يقول من قال: " القوة على الضعيف ضعف في القوة " . ومن ~~ذلك أيضا أنه كان في الغالب يقدم على ما يفعله من غير مشورة ولا تأن، ولهذا ~~كانت أموره تنتقض في بعض الأحيان، بل في كثير من الأحيان. ومما كان يعاب به ~~عليه إمساكه، وتشويش المماليك الذين كان اشتراهم في سلطنته الأجلاب، مع أنه ~~رحمه الله تعالى كان كثيرا ما ينهاهم عن أفعالهم القبيحة، ويردع بعضهم ~~بالحبس والضرب والنفي وأنواع النكال، وهذا بخلاف من كان قبله من الملوك. ~~وكان له عذر مقبول في إنشائه هذه المماليك الأجلاب، لا ms3702 ينبغي لي ذكره، ~~يعرفه الحاذق. ومن كل وجه فالمال محبوب على كل حال. وبالجملة إنه كانت ~~محاسنه أضعاف مساوئه، وأيامه غرر أيام، لولا ما شان سؤدده وممالكه، ولله در ~~القائل: الطويل ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء فخرا أن تعد ~~معايبه وعلى كل وجه هو من عظماء الملوك وأجلائهم وأخفهم وطأة، مع شدة كانت ~~فيه ولين، وتكبر واتضاع، وبخل وكرم، فمن أصابه شره يلجأ لله، ويجعل أجره ~~على الله تعالى، ومن أمطره خيره ورفده فليترحم عليه، وأنا ممن هو بين ~~النوعين، لم يطرقني شره ولا أمطرني خيره، غير أنه كان معظما لي، وكلامي ~~عنده مقبول، وحوائجي عنده مقضية، وما قلته فيه فهو على الإنصاف إن شاء الله ~~تعالى وبعد كل شيء، فرحمه الله تعالى، وعفا عنه. وكانت مدة سلطنته على مصر ~~ست سنين وخمسة أشهر واثنين وعشرين يوما بيوم سلطنته انتهى. ### || AUT السنة الأولى من سلطنة الظاهر خشقدم # PageV04P0497 # وهي سنة خمس وستين وثمانمائة؛ على أن السنة المذكورة حكم فيها ثلاثة ~~ملوك: حكم الأشرف إينال من أولها إلى أن خلع نفسه، وولي والده الملك المؤيد ~~أحمد في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة، ومات من الغد في يوم الخميس، ~~وحكم ولده الملك المؤيد أحمد من رابع عشر جمادى الآخرة إلى يوم الأحد تاسع، ~~عشر شهر رمضان. ثم حكم في باقي السنة الملك الظاهر خشقدم إلى آخرها. فيها ~~توفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الإينالي المؤيدي المعروف بقراقاش ~~حاجب الحجاب بجزيرة قبرس في الغزاة من غير جراح، بل مرض نحو عشرة أيام، ~~ومات في أول المحرم. وقد عرفنا أحواله في تاريخنا " المنهل الصافي ~~والمستوفى بعد الوافي " ، وأيضا في تاريخنا " حوادث الدهور في مدى الأيام ~~والشهور " بما فيه كفاية عن ذكره ثانيا هنا. ومات وقد زاد سنه على الستين، ~~وكان مخلطا في أموره، يقبل المدح والذم. وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن ~~عبد الله النوروزي، أحد أمراء الطبلخانات، ونائب الإسكندرية بها في يوم ~~السبت مستهل صفر وقد ناهز الثمانين ms3703 من العمر. وكان من مماليك الأمير نوروز ~~الحافظي المتغلب على دمشق، وولي أيام أستاذه نيابة بعلبك، ولهذا كان يعرف ~~بنائب بعلبك. وكان من خيار أبناء جنسه. كان شجاعا مقداما كريما متواضعا، ~~دينا خيرا، قل أن ترى العيون مثله. وتوفي الشيخ الصالح الزاهد العابد ~~المعتقد عمر بن أبي بكر بن أحمد اليمني نزيل مكة في سحر ليلة الأربعاء ثالث ~~شهر ربيع الأول بمكة، ودفن بمقابر باب شبيكة. وكان فردا في كثرة العبادة ~~والزهد، وقد سألت عنه بمكة من صاحبنا القدوة أحمد الفوي، أعاد الله علينا ~~من بركاته، فقال: " هذا يشبه بعباد بني إسرائيل " . وتوفي الشيخ الإمام ~~العالم العلامة أبو الفضل محمد بن محمد بن أبي القاسم المشدالي البجائي ~~المغربي المالكي غريبا ببعض أعمال حلب، وهو في الكهولية. وكان إماما في ~~المعقول والمنقول، وشهرته القوية بالأول. كان إماما في النحو والمنطق وعلم ~~المعاني والبيان والأصلين والطب والحكمة وعلوم الأوائل. وكان إذا حقق مسألة ~~فقهية كان إلى كلامه المنتهى. وبالجملة إنه كان نادرة من النوادر رحمه ~~الله. وتوفي الشيخ الإمام العالم الفقيه عز الدين محمد بن محمد بن عبد ~~السلام، أحد نواب الشافعية، في ليلة الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر، وكان ~~آخر من حضر دروس الشيخ سراج الدين عمر البلقيني رحمه الله تعالى. وتوفي ~~السلطان الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر إينال العلائي ثم الظاهري سلطان ~~الديار المصرية في يوم الخميس خامس عشر جمادى الأولى وقد تقدم ذكره. وتوفي ~~جمال الدين جميل بن أحمد بن عميرة بن يوسف المعروف بابن يوسف، شيخ العرب ~~ببعض إقليم الغربية والسخاوية بالوجه البحري، في جمادى الأولى وقد جاوز ~~الستين. وتوفي الزيني مرجان بن عبد الله الحصني الحبشي الطواشي، مقدم ~~المماليك السلطانية، في آخر يوم الأحد ثاني جمادى الآخرة، ودفن من الغد، ~~وقد ناهز الستين من العمر، كان وضيعا في مبدأ أمره، وقاسى خطوب الدهر ~~ألوانا، وتغرب واحتاج في غربته إلى التكدي والسؤال، ثم حسنت حاله، وخدم عند ~~خلائق من الأمراء، إلى أن تحرك له بعيض سعد، وترقى ms3704 إلى أن ولي نيابة ~~المقدم، ثم التقدمة. فلما ولي لم يراع النعمة، بل أخذ في الإسراف على نفسه، ~~فما عف ولا كف، ودام على ذلك إلى أن مات؛ وعلى كل حال فمستراح منه، وهو ممن ~~يقال في حقه: " يأكل ما كان ويضيق بمكان " . وتوفي الوزير الصاحب سعد الدين ~~فرج بن مجد الدين ماجد بن النحال القبطي المصري بطالا بالقاهرة، في ليلة ~~الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة، وقد جاوز الستين من العمر، بعد أن ولي ~~كتابة المماليك والوزر والأستادارية غير مرة رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير ~~سيف الدين كزل بن عبد الله السودوني المعلم، أحد أمراء العشرات في يوم ~~السبت ثاني عشرين جمادى الآخرة، ودفن من الغد بتربته التي أنشأها بالصحراء، ~~وسنه نحو التسعين سنة تخمينا، وقد انتهت إليه رئاسة الرمح وتعليمه في ~~زمانه. وكان أصله من مماليك سيدي سودون نائب الشام قريب الملك الظاهر ~~برقوق، وقد ذكرنا من أمره نبذة في ترجمة الملك الظاهر في " المنهل الصافي ~~والمستوفى بعد الوافي " رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير زين الدين فيروز بن ~~عبد الله الطواشي الرومي النوروزي الزمام والخازندار PageV04P0498 # في يوم الخميس رابع عشرين شعبان، وقد شاخ وجاوز الثماين من العمر. وكان ~~من عتقاء الأمير نوروز الحافظي نائب الشام، ثم وقع له بعد موت أستاذه محن ~~وخطوب ذكرناها في غير موضع من مصنفاتنا، وليس هذا المحل محل إطناب في ~~التراجم، وإنما هو إخبار بما وقع وحدث على سبيل الاختصار في هذه الترجمة ~~وغيرها. ومات فيروز هذا بعد مرض طويل، ودفن بتربته التى أنشأها بالصحراء، ~~وخلف مالا كثيرا لم يظفر السلطان إلا ببعضه، وهو نحو المائة ألف دينار أو ~~أزيد. وكان رأسا في البخل والشح، يمشي من طبقته بقلعة الجبل إلى السلطان ~~بالدهيشة، وإذا صلى الفريضة صلى جالسا إن صلى. وتوفي الأمير شرف الدين يونس ~~الأقبائي الدوادار الكبير بعد مرض طويل في يوم الأربعاء ثاني عشرين شهر ~~رمضان، ودفن من يومه بتربته التي أنشأها بالصحراء، وقد جاوز الستين من ~~العمر، ولم يخلف بعده مثله ms3705 سؤددا وكرما، وحشمة وشجاعة ورئاسة. وبالجملة إنه ~~كان به تجمل في الزمان رحمه الله تعالى. وكان أصله من عتقاء الأمير آقباي ~~المؤيدي نائب الشام، حسبما ذكرنا محاسنه في غير موضع من تواريخنا. وتوفي ~~الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الأبوبكري المؤيدي أتابك حلب بها في ~~أواخر شهر رمضان، وهو مناهز الستين من العمر. وأصله من عتقاء الملك المؤيد ~~شيخ. وقد ولي أتابكية حلب غير مرة، وولي في بعض الأحيان نيابة حماة، ثم نقل ~~إلى تقدمة ألف بدمشق، ثم إلى أتابكية حلب. وكان عاقلا حشما، حسنة من حسنات ~~الدنيا. وتوفي الأمير سيف الدين خشكلدي بن عبد الله الكوجكي، أحد أمراء ~~طرابلس، في أواخر شهر رمضان. وكان له شهرة، وولي نيابة حمص في وقت من ~~الأوقات. وتوفي الوزير تاج الدين بن عبد الوهاب بن الشمس نصر الله ابن ~~الوجيه توما القبطي الأسلمي، الشهير بالشيخ الخطير وهو لقب لوالده نصر الله ~~بعدما شاخ، في يوم الأربعاء خامس ذي القعدة. وكان معدودا من الكتبة، وباشر ~~الوزر بعجز، لكنه كف عن المظالم، فهو أحسن الوزراء سيرة والسداد ميسر. ~~وتوفي قاضي القضاة ولي الدين أحمد ابن القاضي تقي الدين ابن العلامة بدر ~~الدين محمد ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي، قاضي قضاة ~~دمشق معزولا بها، بعد مرض طويل، في ذي القعدة، ومولده بالقاهرة في سنة أربع ~~عشرة وثمانمائة. وكان رحمه الله تعالى عالما فاضلا ذكيا، فصيح العبارة، ~~مستقيم الذهن، طلق اللسان، جهوري الصوت، مليح الشكل،، خطيبا بليغا مفوها، ~~كثير الاستحضار للشعر وأنواعه، نادرة في أقاربه وأبناء جنسه، إلا أنه كان ~~قليل الحظ عند الملوك والأكابر، كما هي عادات الدهر من تقديم الجهلاء ~~وتأخير الفضلاء. وتوفي الأمير سيف الدين خيربك بن عبد الله النوروزي بعد ~~عزله عن نيابة صفد وتوجهه إلى دمشق أميرا بها. وكان يلي المناصب الجليلة ~~بالبذل لعدم أهليته، فإنه كان لا للسيف ولا للضيف. وتوفي الشيخ المعتقد ~~الصالح المجذوب أحمد بن خضر السطوحي، المعروف بالشيخ خروف، في يوم السبت ~~سابع ذي ms3706 الحجة، ودفن بزاويته عند جامع ملكتمر الشيخوني، المعروف بالجامع ~~الأخضر بطريق بولاق. وكان للناس فيه اعتقاد، وكان يعجبني حاله في المجاذيب ~~رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي أفضل الدين محمود بن عمر القرمي الأصل، ~~الحنفي الفقيه المشهور، أحد نواب الحكم الحنفية بالديار المصرية، وهو عائد ~~من مجاورته بمكة بالقاع الكبير، في ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة، وحمل ~~إلى منزلة بدر فدفن بها، وهو في عشر السبعين. وكان معدودا من فقهاء السادة ~~الحنفية، وله اشتغال قديم، وفضل ومشاركة، وناب في الحكم زيادة على ثلاثين ~~سنة، مع أدب وحشمة. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع ونصف. ~~مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا. وثبت إلى أيام من توت، ~~ومع هذا الثبات شرق بلاد كثيرة من عدم إتقان الجسور ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم.ي يوم الخميس رابع عشرين شعبان، وقد شاخ وجاوز الثماين من ~~العمر. وكان من عتقاء الأمير نوروز الحافظي نائب الشام، ثم وقع له بعد موت ~~أستاذه محن وخطوب ذكرناها في غير موضع من مصنفاتنا، وليس هذا المحل محل ~~إطناب في التراجم، وإنما هو إخبار بما وقع وحدث على سبيل الاختصار في هذه ~~الترجمة وغيرها. ومات فيروز هذا بعد مرض طويل، ودفن بتربته التى أنشأها ~~بالصحراء، وخلف مالا كثيرا لم يظفر السلطان إلا ببعضه، وهو نحو المائة ألف ~~دينار أو أزيد. وكان رأسا في البخل والشح، يمشي من طبقته بقلعة الجبل إلى ~~السلطان بالدهيشة، وإذا صلى الفريضة صلى جالسا إن صلى. وتوفي الأمير شرف ~~الدين يونس الأقبائي الدوادار الكبير بعد مرض طويل في يوم الأربعاء ثاني ~~عشرين شهر رمضان، ودفن من يومه بتربته التي أنشأها بالصحراء، وقد جاوز ~~الستين من العمر، ولم يخلف بعده مثله سؤددا وكرما، وحشمة وشجاعة ورئاسة. ~~وبالجملة إنه كان به تجمل في الزمان رحمه الله تعالى. وكان أصله من عتقاء ~~الأمير آقباي المؤيدي نائب الشام، حسبما ذكرنا محاسنه في غير موضع من ~~تواريخنا. وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله الأبوبكري ms3707 المؤيدي ~~أتابك حلب بها في أواخر شهر رمضان، وهو مناهز الستين من العمر. وأصله من ~~عتقاء الملك المؤيد شيخ. وقد ولي أتابكية حلب غير مرة، وولي في بعض الأحيان ~~نيابة حماة، ثم نقل إلى تقدمة ألف بدمشق، ثم إلى أتابكية حلب. وكان عاقلا ~~حشما، حسنة من حسنات الدنيا. وتوفي الأمير سيف الدين خشكلدي بن عبد الله ~~الكوجكي، أحد أمراء طرابلس، في أواخر شهر رمضان. وكان له شهرة، وولي نيابة ~~حمص في وقت من الأوقات. وتوفي الوزير تاج الدين بن عبد الوهاب بن الشمس نصر ~~الله ابن الوجيه توما القبطي الأسلمي، الشهير بالشيخ الخطير وهو لقب لوالده ~~نصر الله بعدما شاخ، في يوم الأربعاء خامس ذي القعدة. وكان معدودا من ~~الكتبة، وباشر الوزر بعجز، لكنه كف عن المظالم، فهو أحسن الوزراء سيرة ~~والسداد ميسر. وتوفي قاضي القضاة ولي الدين أحمد ابن القاضي تقي الدين ابن ~~العلامة بدر الدين محمد ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي، ~~قاضي قضاة دمشق معزولا بها، بعد مرض طويل، في ذي القعدة، ومولده بالقاهرة ~~في سنة أربع عشرة وثمانمائة. وكان رحمه الله تعالى عالما فاضلا ذكيا، فصيح ~~العبارة، مستقيم الذهن، طلق اللسان، جهوري الصوت، مليح الشكل،، خطيبا بليغا ~~مفوها، كثير الاستحضار للشعر وأنواعه، نادرة في أقاربه وأبناء جنسه، إلا ~~أنه كان قليل الحظ عند الملوك والأكابر، كما هي عادات الدهر من تقديم ~~الجهلاء وتأخير الفضلاء. وتوفي الأمير سيف الدين خيربك بن عبد الله ~~النوروزي بعد عزله عن نيابة صفد وتوجهه إلى دمشق أميرا بها. وكان يلي ~~المناصب الجليلة بالبذل لعدم أهليته، فإنه كان لا للسيف ولا للضيف. وتوفي ~~الشيخ المعتقد الصالح المجذوب أحمد بن خضر السطوحي، المعروف بالشيخ خروف، ~~في يوم السبت سابع ذي الحجة، ودفن بزاويته عند جامع ملكتمر الشيخوني، ~~المعروف بالجامع الأخضر بطريق بولاق. وكان للناس فيه اعتقاد، وكان يعجبني ~~حاله في المجاذيب رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي أفضل الدين محمود بن عمر ~~القرمي الأصل، الحنفي الفقيه المشهور، أحد نواب الحكم الحنفية بالديار ms3708 ~~المصرية، وهو عائد من مجاورته بمكة بالقاع الكبير، في ليلة الثلاثاء سابع ~~عشر ذي الحجة، وحمل إلى منزلة بدر فدفن بها، وهو في عشر السبعين. وكان ~~معدودا من فقهاء السادة الحنفية، وله اشتغال قديم، وفضل ومشاركة، وناب في ~~الحكم زيادة على ثلاثين سنة، مع أدب وحشمة. أمر النيل في هذه السنة: الماء ~~القديم ستة أذرع ونصف. مبلغ الزيادة سبعة عشر ذراعا وواحد وعشرون إصبعا. ~~وثبت إلى أيام من توت، ومع هذا الثبات شرق بلاد كثيرة من عدم إتقان الجسور ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV04P0499 ### || AUT السنة الثانية من سلطنة الظاهر خشقدم # PageV04P0500 # وهي سنة ست وستين وثمانمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين بيبرس بن أحمد ~~بن بقر شيخ العربان بالشرقية من أعمال القاهرة بالوجه البحري، وقد ناهز ~~السبعين من العمر، في يوم الأربعاء مستهل صفر بالقاهرة. وكان مشكور السيرة ~~نادرة في أبناء جنسه رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ الرباني الصوفي المعتقد ~~أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الفوي الشافعي، نزيل القاهرة بها، في ~~ليلة السبت سلخ شهر ربيع الأول، وهو في الثمانين تخمينا، ودفن من الغد ~~بالصحراء. وكان من تلامذة الشيخ المسلك إبراهيم بن عمر بن محمد الإدكاوي، ~~وخدم غيره أيضا من الصالحين. وكان رحمه الله تعالى أحد من أدركنا من أرباب ~~الصلاح والخير عفا الله تعالى عنه. وتوفي الأمير سيف الدين قاني باي بن عبد ~~الله الجاركسي الأمير آخور الكبير كان بثغر دمياط بطالا في يوم السبت رابع ~~عشر شهر ربيع الآخر، وحمل ميتا من دمياط إلى القاهرة، فغسل بها وكفن وصلي ~~عليه بمصلاة المؤمني، وحضر السلطان الملك الظاهر خشقدم الصلاه عليه، ودفن ~~بتربته التي جددها وبناها بالقرب من دار الضيافة. وكان أستاذه الأمير جاركس ~~القاسمي المصارع مدفونا بها. ومات قافي باي هذا وقد ناهز الثمانين من ~~العمر، وكان أصله من مماليك الأتابك يشبك الشعباني، وأنعم به على الأمير ~~جاركس القاسمي المصارع، فأعتقه جاركس، واستمر بخدمته إلى أن قتل في سنة عشر ~~وثمانمائة، وصار من جملة ms3709 المماليك السلطانية. ثم صار خاصكيا بعد موت الملك ~~المؤيد شيخ، وعاش على ذلك دهرا طويلا، إلى أن صار أمر الملك إلى الملك ~~الظاهر جقمق في دولة الملك العزيز يوسف بن الملك الأشرف برسباي وأنعم علية ~~بإمرة عشرة، لكونه من مماليك أخيه جاركس القاسمي، وكان جاركس أكبر في السن ~~من أخيه الملك الظاهر جقمق. فلم يكن إلا مدة يسيرة وتسلطن الملك الظاهر ~~جقمق، وقرب قاني باي هذا ورقاه، وجعله شاد الشراب خاناه، وأنعم عليه بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف، ودام على وظيفته وهو من جملة المقدمين، ثم جعله دوادارا ~~كبيرا، ثم أمير آخور كبيرا. ونالته السعادة، وعظم في الدولة الظاهرية حسبما ~~ذكرنا أموره مفضلة في تاريخنا " الحوادث " ، ودام على ذلك إلى أن مات الملك ~~الظاهر جقمق وتسلطن ولده الملك المنصور عثمان، وخرج عليه الأتابك إينال ~~العلائي وتسلطن عوضه، فأمسك قاني باي هذا وحبسه بالإسكندرية سنين كثيرة إلى ~~أن أخرجه الملك الظاهر خشقدم في أول سلطنته وسيره إلى دمياط بطالا، فدام ~~بها إلى أن مات في التاريخ المذكور. وكان خيرا دينا سليم الباطن مع طيش ~~وخفة رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين تمرباي بن عبد الله من حمزة ~~الناصري المعروف بتمرباي ططر، أحد مقدمي الألوف، في ليلة السبت ثامن عشرين ~~جمادى الآخرة، وقد ناهز الثمانين. وكان تركي الجنس من مماليك الملك الناصر ~~فرج، ونزل به الدهر، ثم عاد إلى بيت السلطان وترقى ثانيا إلى أن صار أمير ~~مائة ومقدم ألف في دولة الملك الظاهر خشقدم. وكان من المهملين المساكين. ~~وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الجكمي نائب ملطية بها في شهر ~~ربيع الآخر وقد أسن، لأنه من مماليك الأمير جكم من عوض نائب حلب كان. وتوفي ~~غيث بن ندى بن نصير الدين، شيخ العربان، بأحد جهات إقليم مصر، ودفن خارج ~~القاهرة في يوم الاثنين خامس شهر رجب؛ وكان موته بعد قتل ابنه حمزة وسلخه ~~باثنين وعشرين يوما، ومستراح منه ومن ابنه حمزة ولله الحمد على موتهما. ~~وتوفي الأمير سيف الدين ms3710 حاج إينال اليشبكي نائب حلب بها في ليلة الخميس ~~سابع عشرين شعبان بحلب، ودفن في يوم الخميس، وقد قارب الستين من العمر أو ~~جاوزها. وكان أصله من مماليك الأمير يشبك الجمكي أمير آخور، وولي حلب عوضه ~~الأمير جانبك التاجي المؤيدي. وكان إينال هذا ولي عدة أعمال بالبلاد ~~الشامية: حماة، وطرابلس، وحلب، غير أنه لم تسبق له رئاسة بمصر قط. وكان لا ~~بأس به، لكنه لم يحمده الحلبيون في ولايته عليهم. وتوفي الأمير سيف الذين ~~تنبك بن عبد الله الأشرفي المعروف بالصغير، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، ~~قتيلا بيد العربان بالبحيرة، وقد ذكرنا واقعته وكيفية قتله في " الحوادث " ~~، وكذلك الأمير سنطباي قرا الظاهري رحمه الله تعالى. وتوفي المقام الناصري ~~محمد ابن السلطان الملك الأشرف إينال العلائي بثغر الإسكندرية في يوم ~~الخميس مستهل PageV05P0001 # ذي الحجة، وعمره نحو سبع عشرة سنة؛ وهو شقيق الملك المؤيد أحمد، أمهما ~~خوند زينب بنت بدرالدين بن خاص بك. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~ستة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. وثبت إلى ~~أواخر توت على نحو ثمانية عشر ذراعا.ي الحجة، وعمره نحو سبع عشرة سنة؛ وهو ~~شقيق الملك المؤيد أحمد، أمهما خوند زينب بنت بدرالدين بن خاص بك. أمر ~~النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وعشرة أصابع. مبلغ الزيادة ~~ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. وثبت إلى أواخر توت على نحو ثمانية عشر ذراعا. ### || AUT السنة الثالثة من سلطنة الظاهر خشقدم # وهي سنة سبع وستين وثمانمائة. فيها توفي الأمير الطواشي عنبر الطنبذي ~~الحبشي نائب مقدم المماليك السلطانية بطالا في يوم السبت ثامن المحرم. وكان ~~من أصاغر أبناء طائفته. كان من عتقاء التاجر نور الدين علي الطنبذي، وبنى ~~مدرسة بخط سوق الغنم قبل موته بمدة يسيرة رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير ~~سيف الدين جانم بن عبد الله الأشرفي نائب الشام قتيلا بيد بعض مماليكه ~~بمدينة الرها، في ليلة الثلاثاء تاسعع عشرين شهر ربيع الأول، وهو نزيل حسن ~~بك بن فرايلك صاحب ms3711 ديار بكر. وقد تقدم من ذكره في أول سلطنة الملك الظاهر ~~هذا ما يغني عن التعريف بأموره ثانيا هنا. وكان جانم رجلا للقصر أقرب، وفيه ~~حدة مزاج، وسرعة حركة، مع تدين وجودة، ومحبة للفقهاء والفقراء وأرباب ~~الصلاح، مع كرم وأدب وحشمة ورئاسة وعفة عن القاذورات والفواحش رحمه الله ~~تعالى. وتوفي قاضي القضاة شيخ الإسلام سعد الدين سعد ابن قاضي القضاة شيخ ~~الإسلام شمس الدين محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر ~~بن سعد العبسي الديري المقدسي الحنفي، قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها، ~~معزولا عن القضاء بداره بمصر القديمة، في ليلة الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر، ~~وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، ودفن بتربة السلطان الملك الظاهر ~~خشقدم بالصحراء. ومولده ببيت المقدس في شهر رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة، ~~وبها نشأ وسمع الحديث على جماعة ذكرناهم في ترجمته في تاريخنا " المنهل ~~الصافي والمستوفى بعد الوافي " ، وحفظ القرآن العزيز وعدة متون في الفقه، ~~وتفقه بأبيه وغيره إلى أن برع في الفقه وأصوله. وأما فروع مذهبه والتفسير ~~فكان فيهما آية من آيات الله، ومات وقد انتهت إليه رئاسة الفقه في مذهبه ~~شرقا وغربا، مع أنه كان رأسا أيضا في حفظ التفسير، وله مشاركة في عدة فنون، ~~وبالجملة فإنه مات ولم يخلف بعده مثله رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف ~~الدين شاد بك بن عبد الله الصارمي نائب غزة بها في يوم الثلاثاء ثالث عشر ~~شهر ربيع الأول، وقد قارب الستين. وكان من عتقاء المقام الصارمي إبراهيم ~~ابن الملك المؤيد شيخ المحمودي، وكان ولي غزة بالبذل، ومات قبل أن يستوفي ~~ما بذله في ولايتها، وخلف عليه ديونا عفا الله تعالى عنه. وتوفيت خوند بنت ~~السلطان الملك الظاهر جقمق، زوجة الأمير أزبك من ططخ الظاهري، أحد مقدمي ~~الألوف بالديار المصرية، في عصر يوم الاثنين عاشر جمادى الأولى، وحضر ~~السلطان الصلاة عليها بمصلاة المؤمني، ودفنت عند أبيها بتربة الأمير قاني ~~باي الجاركسي. وكان موتها في غياب زوجها، كان مسافرا ms3712 في السرحة، وماتت ~~وسنها دون ثلاثين سنة، وأمها خوند مغل أخت القاضي كمال الدين بن البارزي، ~~وهي في قيد الحياة. PageV05P0002 # وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله القوامي المؤيدي، أحد أمراء ~~العشرات بالقاهرة، في يوم الجمعة ثامن عشرين جمادى الأولى، وحضر السلطان ~~الملك الظاهر خشقدم الصلاة عليه بمصلاة المؤمني وقت العصر. وكان من عتقاء ~~الملك المؤيد شيخ، وكان من الخيرين الساكنين. وتوفي الإمام علاء الدين علي ~~المغربي الحنفي، إمام الملك الأشرف إينال، في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى ~~الآخرة، وهو في عشر الستين من العمر. وكانت لديه فضيلة مع وسوسة وطيش وخفة، ~~وإسراف في الحال. وبالجملة إنه كان من المخلطين رحمه الله تعالى. وتوفي ~~عظيم الدولة ومدبر المملكة الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الظاهري ~~الدوادار الكبير، المعروف بنائب جدة قتيلا بيد المماليك الأجلاب بباب القلة ~~داخل قلعة الجبل، وقت صلاة الصبح من يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجة؛ وقد ~~ذكرنا قصة قتلته في " الحوادث " مستوفاة، لكن نذكرها هنا جملة؛ وهي أنه ركب ~~من بيته سحريوم الثلاثاء المذكور بغلس بعد صلاة الصبح بغير قماش الموكب، ~~ومعه نحو خمسة نفر، وطلع إلى القلعة، ومشى بمن كان معه إلى أن وصل إلى باب ~~القلة، فسلم على مقدم المماليك، ثم مشى إلى أن جاوز العتبة الثانية من باب ~~القلة، والتفت عن يمينه إلى الجهة الموصلة إلى القصر السلطاني، فوجد هناك ~~جماعة من المماليك السلطانية الأجلاب، فظن أن وقوفهم هناك لأجل أخذ الأضحية ~~السلطانية على العادة في كل سنة، فسلم عليهم فردوا عليه السلام بأعلى ~~أصواتهم، كما يفعلون ذلك مع أعيان الأمراء بطريق التجمل. ثم مشى إلى أن ~~التفت إلى نحو العتبة التي تكون على شماله تجاه باب الجامع الناصري، فرأى ~~على درجات الباب المذكور جماعة من المماليك الأجلاب من أول الدرج إلى ~~آخرها، فسلم عليهم كما فعل مع من صدفه منهم قبلهم، فلم يرد أحد منهم ~~السلام. وحال أن وقع بصرهم عليه نزلوا إليه دفعة واحدة، وأحاطوا به، ونزلوا ~~عليه من جهاته ms3713 الأربع بالسيوف وغيرها، وهرب من كان معه إلى جهة الحوش ~~السلطاني والدهيشة. ولما ضرب على رأسه سقط في الحال من وقته، وضربه آخر في ~~خاصرته بالسيف، ثم نهض وارتكن بحائط الجامع، ثم سقط من وقته، فسحبه بعضهم ~~برجله إلى طريق المطبخ، فوجد به رمقا، فألقى على رأسه حجرا هائلا رضخ رأسه، ~~فمات من وقته. وكان مقدار قتلته كلها من أول الإحاطة به إلى أن خرجت روحه ~~دون نصف درجة رمل. PageV05P0003 # ولما تحققوا قتله أخذوا ما كان عليه من القماش وغطوه بحصير ورجعوا إلى ~~باب القلة، ليلقوا من ندبوا إلى قتله أيضا من خجداشيته، فوافوا الأمير تنم ~~رصاص الظاهري المحتسب، وأحد أمراء الطبلخانات، قد أقبل في أثر الأمير جانبك ~~المذكور فقصدوه، فاستجار بمقدم المماليك أو بجماعة من إنياته، فلم يغنوا ~~عنه شيئا، وتناولته الأيدي بالضرب، فهج فيهم، وخرج من بينهم، وهو بغيرسلاح، ~~ومضى إلى جهة القصر، وهم في أثره في الظلام. ثم عاد وهم في أثره إلى جهة ~~الجامع حيث قتل الأمير جانبك، وقد ظفر منهم بعصاة، فضربهم بها، ودفع عن ~~نفسه مع كثرة عددهم، وكاد أن ينجو منهم، فبادره بعضهم، وضربه بسيف ضربة ~~طارت يده منها، ثم تكاثروا عليه بالضرب حتى ظنوا أنه مات، فحملته إنياته ~~إلى طبقته وبه رمق، وأخذوا في مداواة جراحه، فمات بعد قليل، ذلك والنجوم ~~ظاهرة بالسماء. ولما وقع هذا أغلقت أبواب القلعة، وماجت الناس، وذهب كل ~~واحد من الأمراء والخاصكية إلى جهة من جهات القلعة. وأما السلطان فإنه كان ~~جالسا بقاعة الدهيشة والشمعة تقد بين يديه بعد أن صلى الصبح، فدخل إليه ~~جانم دوادار الأمير جانبك المذكور، ولم يعلم جانم بقتل أستاذه، وعرف ~~السلطان أن المماليك الأجلاب منعت أستاذه من الدخول إلى السلطان، فسكت ~~السلطان، لعلمه بباطن الأمر. ثم قال بعد ساعة: " أيش الخبر؟ " فقال له بعض ~~من حضر من الأمراء: " خير " فقال غيره: " وأي خير " ، والقائل الأول جانبك ~~كوهية، والثاني مغلباي طاز وكلاهما مؤيدي. ثم سكتوا، فقال الأمير يلباي ~~المؤيدي الأمير آخور الكبير: " ما ms3714 بقي اليوم خدمة؟ " فقال السلطان: " بلى ~~نخرج إلى الحوش " . وخرج إلى الحوش، وجلس على الدكة، وذلك بعد طلوع الشمس، ~~وجميع أبواب الحوش والقلعة مغلقة. فجلس السلطان ساعة وليس عنده الصحيح من ~~خبر جانبك، إلى أن جاءه نائب المقدم وغيره، وأعلموا السلطان سرا بواقعة ~~الأمير جانبك وقتله، فقال السلطان إلى الخازندار: " أخرج ثوبين بعلبكيا ~~لتكفين الأمير جانبك وتنم رصاص " . ثم أمر السلطان الأمير جانبك كوهية ~~الدوادار الثاني أن يخرج ويتولى أمرهما وتجهيزهما والصلاة عليهما، فخرج ~~وفعل ذلك وصلى عليهما بباب القلة ووجههما على نعوشهما إلى محل دفنهما، وليس ~~معهما كثير ناس، بل جميع من كان معهما دون عشرة نفر، فدفن الأمير جانبك ~~بتربته التي أنشأها خارج باب القرافة، ودفن الأمير تنم عند ليث بن سعد. ~~PageV05P0004 # وكثر أسف الناس على الأمير جانبك إلى الغاية، وعظمت مصيبته على أصحابه ~~وخجداشيته، وانطلقت الألسنة بالوقيعة في السلطان، ورثاه بعضهم، وقالت ~~المذاكرة في أمره قطعا في كيفية قتلته، وفي عدم وفاء السلطان على ما كان ~~قام بأمره حتى سلطنه وثبت قواعد ملكه. واضطرب ملك الملك الظاهرخشقدم بقتله، ~~وخاف كل أحد من خجداشيته وغيرهم على نفسه، وماجت المملكة وكثر الكلام في ~~الدولة، ووقع أمور بعد ذلك ذكرناها في وقتها، ليس لذكرها هنا محل انتهى. ~~ومات الأمير جانبك رحمه الله تعالى وهو في أوائل الكهولية، غير أنه كان ~~بادره الشيب ببعض لحيته. وكان رحمه الله تعالى أصله جاركسي الجنس وجلب إلى ~~الديار المصرية، وتنقل من ملك واحد إلى آخر ذكرنا أسماءهم في ترجمته في غير ~~موضع من مصنفاتنا إلى أن ملكه الملك الظاهر جقمق في أيام إمرته وأعتقه. ~~فلما تسلطن جعله خاصكيا وقربه، ولازال يرقيه حتى أمره وولاه بندر جدة. ~~ونالته السعادة في أيام أستاذه، وعظم وضخم ونهض في إمرة جدة، بحيث إنه صار ~~في وقته حاكم الحجاز جميعه حتى مات في دولة أستاذه وفي دولة غيره وقد حررنا ~~ذلك جميعه في " الحوادث " وغيره. وعظم بآخره عظمة زائدة، لا سيما لما ولي ~~الدوادارية الكبرى في دولة الملك الظاهر ms3715 خشقدم، وصار هو مدبر المملكة، وشاع ~~ذكره، وبعد صيته، حتى كاتبه ملوك الأقطار من كل جهه وقطر. وأما ملوك اليمن ~~والحجاز والهند فإنه أوقفني مرة على عدة كثيرة من مكاتبات ملوك الهند، ~~وبعضها مشتمل على نظم ونثر وفصاحة وبلاغة، وأما ما كان يأتيه من ملوك الهند ~~من الهدايا والتحف فشيء لا يحصر كثرة. وتضاعفت الهدايا له في هذه الدولة ~~أضعاف ما كان يهدى إليه أولا، وقال له الدهر: خذ، فأخذ وأعطى حتى أسرف ~~وبذر، بحيث إنه لم يكن أحد من خجداشيته وغيرهم من كثرتهم له مال إلا من ~~إنعامه عليه، أو هو ساكن في بيت أنعمه عليه. والذي أعرف أنا أنه وهب تسعة ~~دور من بيوت مقدمي الألوف بالديار المصرية على تسعة نفر من خجداشيته ~~الأكابر الأمراء وغيرهم، وقس على هذا من الخيول والقماش. وكان في مجاورتي ~~بمكة في سنة ثلاث وستين يلازمني وألازمه في الحرم كثيرا، ولم أنظره تصدق ~~على أحد فيما تصدق به أقل من عشرة أشرفية، هذا مع اقتنائه من كل شيء أحسنه ~~وأجمله وأكثره، لاسيما بركه وخيمه، فكان إليها المنتهى في الحسن، يضرب بها ~~المثل. ويكفيك من علو همته أنه أنشأ بداره بستانا أزيد من مائة فدان، بابه ~~الأول من داره قريب من خط قناطر السباع، وبابه الآخر تجاه الروضة، ثم أنشأ ~~له تلك القبة العظيمة والرصيف الهائل تجاه الروضة. وبالجملة والتفصيل إن ~~بابه كان محط الرحال، وملجأ الطالبين الملهوفين، ونصرة المظلومين، وكثرة ~~المحتاجين؛ فإنه كان يعطي إلالفين دينارا دفعة واحدة إلى ما دونها، وكان ~~يعطي من المغل ألف إردب دفعة واحدة أيضا في يوم واحد إلى ما دونها إلى عشرة ~~أرادب، وأعطى في يوم واحد لبعض أعيان خجداشيته مائة ناقة بأتباعها، يعرف ~~هذا كل أحد، فقس على كرمه أيها المتأمل ما شئت أن تقيس. ثم اعلم أنه لم ~~يخلف بعده مثله، وإن أشكل عليك هذا القول، فسل من أحد من أمرائك العصريين ~~عشرة من إلابل، فإن أعطاك فاشكر مولاك، واعلم أن الناس فيهم بقية كرم، ms3716 وإن ~~لم يعطك فاشهد بصدق مقالتي. وعل كل حال إنه كان ملكا كريما جليلا، مهابا ~~شهما، عارفا حاذقا فطنا، فصيح العبارة في اللغة العربية والتركية بالنسبة ~~لأبناء جنسه. وكان قصير القامه مع كيس في قده، وظرف في تناسب أعضائه بعضها ~~لبعض. وكان سيوسيا حسن التدبير؛ ومن حسن سياسته أنه لم ينحط قدره بعد زوال ~~دولة أستاذه الملك الظاهر جقمق، بل زادت حرمته أضعاف ما كانت في أيام ~~أستاذه، مع كثرة حكام الدولة الأشرفية الإينالية وتفرق كلمتهم، فساس كل ~~واحد بحسب حاله، وأقام في دولتهم عظيما مبخلا، وبوجوده كان أكبر الأسباب في ~~إعادة دولة خجداشيته بعد موت الملك الأشرف إينال. وبالجملة إنه كان نادرة ~~من نوادر دهره رحمه الله تعالى. وقد استوعبت أحواله في غير هذا المصنف ~~بأطول من هذا بحسب الباعثة والقريحة، ورثيته بقصيدة نونية في غاية الحسن ~~عفا الله عنه وصالح عنه أخصامه بمنه وكرمه. وتوفي الأمير سيف الدين تنم ~~رصاص من نخشايش الظاهري المحتسب، أحد أمراء الطبلخانات، قتيلا بيد المماليك ~~الأجلاب مع الأمير جانبك PageV05P0005 # الدوادار، وقد تقدم ذكر قتله فيما تقدم. وكان تنم هذا من عتقاء الملك ~~الظاهر جقمق وخاصكيته، وترقى بعد موته إلى أن ولي حسبة القاهرة في أواخر ~~دولة الملك الأشرف إينال، ثم صار أمير عشرة في أوائل دولة الملك الظاهر ~~خشقدم، ثم نقل إلى إمرة طبلخاناه، ودام على ذلك إلى أن قتل في التاريخ ~~المذكور في قصة الأمير جانبك، وهو يوم الثلاثاء أول ذي الحجة. وكان شابا ~~مليح الشكل، شجاعا عارفا، كريما لسنا متحركا حاضر الجواب، وكان أحد أعوان ~~الأمير جانبك الدوادار في مقاصده رحمهما الله تعالى، وعفا عنهما أجمعين. ~~وتوفي القاضي شمس الدين محمد بن أحمد القرافي المالكي أحد نواب الحكم ~~المالكية وأعيان الفقهاء بالديار المصرية، في ليلة الاثنين رابع عشر ذي ~~الحجة، ودفن صبيحة يومه بالقرافة وقد جاوز السبعين من العمر. وكان له ~~اشتغال كثير في ابتداء أمره، وعمل جيد مع ذكاء وحسن تصور، لا سيما في باب ~~التوريق وصناعة القضاء والشروط رحمه ms3717 الله تعالى وعفا عنه.الدوادار، وقد ~~تقدم ذكر قتله فيما تقدم. وكان تنم هذا من عتقاء الملك الظاهر جقمق ~~وخاصكيته، وترقى بعد موته إلى أن ولي حسبة القاهرة في أواخر دولة الملك ~~الأشرف إينال، ثم صار أمير عشرة في أوائل دولة الملك الظاهر خشقدم، ثم نقل ~~إلى إمرة طبلخاناه، ودام على ذلك إلى أن قتل في التاريخ المذكور في قصة ~~الأمير جانبك، وهو يوم الثلاثاء أول ذي الحجة. وكان شابا مليح الشكل، شجاعا ~~عارفا، كريما لسنا متحركا حاضر الجواب، وكان أحد أعوان الأمير جانبك ~~الدوادار في مقاصده رحمهما الله تعالى، وعفا عنهما أجمعين. وتوفي القاضي ~~شمس الدين محمد بن أحمد القرافي المالكي أحد نواب الحكم المالكية وأعيان ~~الفقهاء بالديار المصرية، في ليلة الاثنين رابع عشر ذي الحجة، ودفن صبيحة ~~يومه بالقرافة وقد جاوز السبعين من العمر. وكان له اشتغال كثير في ابتداء ~~أمره، وعمل جيد مع ذكاء وحسن تصور، لا سيما في باب التوريق وصناعة القضاء ~~والشروط رحمه الله تعالى وعفا عنه. أمرالنيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبعة أذرع وعشرون إصبعا. مبغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وسبعة أصابع. ### || AUT السنة الرابعة من سلطنة الظاهر خشقدم # PageV05P0006 # وهي سنة ثمان وستين وثمانماثة. فيها توفي قاضي القضاة بدرالدين حسن بن ~~محمد بن أحمد بن الصواف الحنفي الحموي قاضي قضاة حماة، ثم الديار المصرية، ~~إلى أن مات في يو الأحد رابع المحرم ودفن من الغد في يوم الاثنين، وسنه نحو ~~الستين سنة تخمينا. وكان أصله من حماة من أولاد التجار، واشتغل بالعلم فى ~~مبدأ أمره يسيرا، ثم مال إلى المتجر وتحصيل المال إلى أن حصر على جانب كبير ~~منه. وولي قضاء حماة بالبذل سنين كثيرة، وطال تكراره إلى القاهرة غير مرة، ~~وأخذ منه بوسائط جمل مستكثرة من المال غصبا ورضا. ثم قدم القاهرة في سنة ست ~~وستين لأمر من الأمور، وحصل بينه وبين قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة ~~الحنفي شنآن بواسطة صهارة، فسعى عليه وعزله، وولي عوضه في ثاني عشرين شهر ~~رجب من ms3718 سنة سبع وستين إلى أن مات في المحرم من هذه السنة، بعد أن مرض نحو ~~الشهر، فكانت مدته كلها في القضاء خمسة أشهر وأياما بما فيها أيام مرضه؛ ~~ولقد تعب بولايته وأتعب، واستراح بموته وأراح. وتوفي السلطان الملك العزيز ~~أبو المحاسن جمال الدين يوسف ابن السلطان الملك الأشرف أبي النصر برسباي ~~الدقماقي الظاهري، بعد خلعه من السلطنة بسنين كثيرة، بثغر الإسكندرية في ~~يوم الاثنين تاسع عشر المحرم، وهو في أوائل الكهولية؛ لأن مولده بقلعة ~~الجبل في سلطنة أبيه في سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وأمه خوند خلبان أم ولد ~~لأبيه جاركسية، تزوجها أستاذها الملك الأشرف بعد أن ولدت الملك العزيز هذا، ~~وماتت أيام والده الأشرف، ونشأ الملك العزيز تحت كنف والده بالدور ~~السلطانية، إلى أن عهد له أبوه الأشرف بالسلطنة في مرض موته، ومات بعد ~~أيام. وتسلطن العزيز هذا بعد عصر نهار السبت ثالث عشر ذي الحجة سنة إحدى ~~وأربعين وثمانمائة، وهو السلطان الثالث والثلاثون من ملوك الترك بالديار ~~المصرية وأولادهم، والتاسع من الجراكسة وأولادهم. وتم أمره في الملك، وصار ~~الأتابك جقمق مدبر مملكته، وفرق النفقة على المماليك السلطانية كل واحد ~~مائة دينار، لا يتنفل أحذ على أحد كائنا من كان، على قاعدة الملوك العظام، ~~بخلاف من جاء بعده من الملوك. ودام في الملك إلى أن وقع بين الأتابك جقمق ~~وبين مماليك أبيه إلاشرفية أمور آلت إلى خلعه من السلطنة، وسلطنة الأتابك ~~جقمق عوضه في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين ~~وثمانمائة، فكانت مدة ملكه نحوا من خمسة وتسعين يوما، ليس له فيها إلا مجرد ~~الاسم فقط. وبعد خلعه من الملك رسم له بالسكن في قاعة من الحريم السلطاني ~~بقلعة الجبل، فسكن بها إلى أن حسن له بعض حواشيه التسحب منها والنزول من ~~القلعة إلى القاهرة لتثور مماليك أبيه به على الملك الظاهر جقمق، ففعل ذلك، ~~وتزيا في نزوله في زي بعض صبيان الطباخين، ونزل بعد الفطر وقت صلاة المغرب ~~إلى القاهرة من باب المدرج، وكانت أيام ms3719 شهر رمضان، فنزل ولم يفطن به أحد، ~~لاشتغال الخدام وغيرهم بالفطر. فلما نزل إلى تحت القلعة لم ير شيئا مما قيل ~~له، فندم على نزوله، وبقي لا يمكنه العود إلى مكانه، فاختفى من وقته هو ~~ومملوكه أزدمر وطواشيه صندل، وطباخه إبراهيم، ووقع له وللناس في اختفائه ~~أمور ومحن، ونكبت جماعة كثيرة من الناس بسببه، وضرب جماعة من مماليك أبيه ~~بسببه بالمقارع والكسارات، ووسط بعضهم، وقلق الملك الظاهر جقمق بسببه قلقا ~~زائدا. وضاقت الدنيا على الملك العزيز يوسف، وتفرقت عنه أصحابه إلى أن ظفر ~~به الملك الظاهر جقمق في أواخر شوال، وكان الذي أمسكه الملك الظاهر يلباي، ~~وكان يوم ذاك أمير عشرة، فأنعم عليه الملك الظاهر جقمق بقرية سرياقوس، ~~زيادة على ما بيده لكونه قبض على الملك العزيز في الليل، وطلع به إلى ~~السلطان. ولما ظفر به الملك الظاهر جقمق حبسه بالدور السلطانية، ثم بعثه ~~إلى سجن إلاسكندرية، فحبس بها إلى أن أطلقه الملك الظاهر وخشقدم في أوائل ~~سلطنته، هو والملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق. وسكن العزيز بدار ~~في الإسكندرية إلى أن مات بها في التاريخ المقدم ذكره، بعد أن قضى من عمره ~~أياما عجيبة من حبس وقهر وتنغص عيش عوضه الله الجنة بمنه وكرمه. وتوفي ~~الشيخ الصالح المعتقد المجفوب بن إبراهيم البباني الكردي بسكنه بجامع قيدان ~~على الخليج بالقرب من قناطر الإوز خارج القاهرة، في ليلة الجمعة سلخ محرم ~~هذه السنة، وصلي PageV05P0007 # عليه ثلاث مرار، مرة بجامع قيدان حيث كان سكنه ووفاته، ومرة في الطريق، ~~ومرة حيث دفن بتربة الملك الظاهر خشقدم في الصحراء، وكانت جنازته مشهودة ~~إلى الغاية، بحيث إن نعشه رفع على الأصابع من كثرة الناس مع هذا المدى ~~البعيد، ومات وقد جاوز الستين. وكان أصله ببانثا - طائفة من الأكراد - ولد ~~هناك وقم القاهرة، ونزل صوفيا بخانقاه سعيد السعداء، ودام على ذلك دهرا إلى ~~أن ظن منه نوع من الجنون الذي يسميه الفقراء جذبة، فنقله أهل الخانقاه ~~عنهم، فسكن بدار، ثم انتقل إلى جامع قيدان، فدام ms3720 به سنين كثيرة، وبه اشتهر ~~بالصلاح، وقصدته الناس للزيارة والتبرك بدعائه، مع أنه كان لا يقبل من أحد ~~شيئا إلا نوع الأكل. وكانت جذبته غير مطبقة، لأنه كان لا يخل بالمكتوبة بل ~~يغتسل في الغالب لكل صلاة صيفا وشتاء. وكان له في مبدأ أمره اشتغال ببلاده، ~~ولم يبلغني من كراماته شيء. وببان ببائين ثاني الحروف مفتوحين وبعدهما ألف ~~ونون ساكنة - أظنها قبيلة في الأكراد - رحمه الله تعالى.ه ثلاث مرار، مرة ~~بجامع قيدان حيث كان سكنه ووفاته، ومرة في الطريق، ومرة حيث دفن بتربة ~~الملك الظاهر خشقدم في الصحراء، وكانت جنازته مشهودة إلى الغاية، بحيث إن ~~نعشه رفع على الأصابع من كثرة الناس مع هذا المدى البعيد، ومات وقد جاوز ~~الستين. وكان أصله ببانثا - طائفة من الأكراد - ولد هناك وقم القاهرة، ونزل ~~صوفيا بخانقاه سعيد السعداء، ودام على ذلك دهرا إلى أن ظن منه نوع من ~~الجنون الذي يسميه الفقراء جذبة، فنقله أهل الخانقاه عنهم، فسكن بدار، ثم ~~انتقل إلى جامع قيدان، فدام به سنين كثيرة، وبه اشتهر بالصلاح، وقصدته ~~الناس للزيارة والتبرك بدعائه، مع أنه كان لا يقبل من أحد شيئا إلا نوع ~~الأكل. وكانت جذبته غير مطبقة، لأنه كان لا يخل بالمكتوبة بل يغتسل في ~~الغالب لكل صلاة صيفا وشتاء. وكان له في مبدأ أمره اشتغال ببلاده، ولم ~~يبلغني من كراماته شيء. وببان ببائين ثاني الحروف مفتوحين وبعدهما ألف ونون ~~ساكنة - أظنها قبيلة في الأكراد - رحمه الله تعالى. وتوفي المقام الشهابى ~~أحمد ابن الملك الأشرف برلمسباي الدقماقي الظاهري بدار عمه زوج أمه الأمير ~~قرقماس الأشرفي أمير سلاح، بخط التبانة خارج القاهرة، في يوم السبت سابع ~~شهر ربيع الأول، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، ودفن بتربة ~~واللى الملك الأشرف برسباي بالصحراء في فسقية واحدة. وبموت أحمد هذا انقرضت ~~فرية الملك الأشرف برسباي لصلبه، لأن أحمد المذكور خفف بنالت صغارا. وكان ~~سيديى أحمد هذا أصغر أولاد الملك الأشرف، تركه حملا، وأمه أم ولد جاركسية، ~~تزوجها الأمير قرقماس الأشرفي الجلب، وهو ms3721 الذي تولى تربيته إلى أن كبر. ~~وماتت أمه، فلم يتركه قرقماس، واستمر عنده، وبهذا المقتضى لم يقدر أحد من ~~السلاطين أن يأخذه منه ويرسله إلى ثغر الإسكندرية. ولما كبر أراد غير واحد ~~من الملوك أن يرسله إلى الإسكندرية عند أخيه الملك العزيز يوسف المقدم ذكر ~~وفاته في هذه السنة، فقال قرقماس: " إذا خرج أحمد هذا إلى جهة من الجهات ~~أخرج أنا أيضا معه فسكت القائل. ولا زال الشهابي أحمد، مقيما بالقاهرة إلى ~~أن صار في حدود الرجال، غير أنه لم ينظره أحد قط، ولم يخرج من بيته قط لأمر ~~من الأمور حتى ولا إلى صلاة الجمعة ولا إلى العيدين، بل يسمع الناس به ولا ~~يرونه إلى أن مات. ومع هذا كله كانت الملوك مطمئنة بإقامته بالقاهرة لحسن ~~طاعة قرقماس للسلاطين. وكان على ما قيل شابا طوالا جميلا فاضلا عارفا، وله ~~محبة في الفضيلة ومطالعة الكتب، ويكتب المنسوب. وكان موته بعد أخيه العزيز ~~من النوادر، فإنه عاش بعد موت أخيه العزيز شهرا وثمانية عشر يوما، والعجيب ~~أنهما شابان كاملان ماتا في هذه المدة اليسيرة من غير طاعون، وإنما هي آجال ~~متقاربة. ومحل الظن بالملك ، وأظنه بريء من ذلك، اللهم إن كان وقع شيء من ~~غير الملك من جهة النسوة أو غيرها فيمكن - رحمه الله تعالى. PageV05P0008 # وتوفي الشيخ جمال الدين عبد الله ابن الشيخ الإمام القدوة المسلك الرباني ~~نور الدين أبي الحسن علي بن أئوب الدمشقي الأصل والمولد والمنشأ، المصري ~~الدار والوفاة، خادم خانقاه سعيد السعداء، في ليلة الأربعاء سابع عشر شهر ~~ربيع الآخر، وصلي عليه بعد أذان العصر من يوم الأربعاء المذكور بمصلاة باب ~~النصر، ودفن بمقابر الصوفية. وكان رحمه الله تعالى له اشتغال وفضيلة مع ~~فصاحة وطلاقة لسان، ومحاضرة حسنة، وكرم نفس، مع العزلة والقناعة، مع التجمل ~~في ملبسه وشأنه، وكان الناس في أمن من يده ولسانه - عفا الله عنه. وتوفي ~~الأمير سيف الدين تنم بن عبد الله من عبد الرزاق المؤيدي نائب الشام بها في ~~يوم الأربعاء ثاني عشرين ms3722 جمادى الأولى، ودفن بدمشق بعد يومين لأمر اقتضى ~~ذلك، لتعلق كان عليه، ومات وهو في عشر السبعين. وكان جاركسي الجنس، من ~~عتقاء الملك المؤيد شيخ وخاصكيته الصغار، ثم جعله خازندارا صغيرا، ومات ~~الملك المؤيد وهو على ذلك. ثم صار في دولة الملك الأشرف برسباي رأس نوبة ~~الجمدارية، ثم أمير عشرة. ثم ولي حسبة القاهرة في أوائل الدولة الملك ~~الظاهر جقمق، ثم نقل إلى نيابة إسكندرية، ثم عزل وقدم القاهرة. وبعد عزله ~~بمدة يسيرة ولي نيابة حماة، فلم تطل مدته بحماة، ونقل إلى نيابة حلب، فلم ~~ينتج أمره في نيابة حلب، ورجم من أهلها، فعزله الملك الظاهر جقمق، واستقدمه ~~إلى مصر أمير مائة ومقدم ألف بها. ثم صار أمير مجلس، ثم صار في دولة الملك ~~المنصور عثمان أمير سلاح بعد جرباش الكريمي قاشق، بحكم عزله وعجزه، ودام ~~على ذلك إلى أن كانت الفتنة بين الملك المنصور عثمان وبين أتابكه إينال ~~العلائي، فكان تنم هذا من حزب الملك المنصور بالقلعة. فلما تسلطن الأتابك ~~إينال حبس تنم المذكور بثغر إلاسكندرية، إلى أن أطلقه الملك الظاهر خشقدم، ~~وأطلق معه الأمير قاني باي الجاركسي، وسيرهما إلى ثغر دمياط بطالين. ثم بعد ~~مدة يسيرة أحضره الظاهر خشقدم إلى القاهرة، وولاه نيابة دمشق بعد عزل ~~الأمير جانم الأشرفي، فتوجه تنم إلى دمشق وحكمها، فلم تحمد سيرته وتشكر ~~طريقته، إلى أن مات في التاريخ المذكور. وكان رحمه الله تعالى له مساوىء ~~ومحاسن، وأظن الأول أكثر. ومن غريب ما اتفق في أمره أنه لما كان محبوسا كان ~~رجل من أصحابه ملتفتا إلى أمره ولما يصير من شأنه، فقصد الرجل بعض ~~المشهورين بعلم النجوم وأرباب التقويم، فعمل الرجل لتنم المذكور زايرجاة، ~~وأتقن عملها، فخرج له أبيات تشعر بسلطنة تنم المذكور، فجاءني الرجل وهو ~~مسرور، وحكى لي ذلك، فأجبته بكلام معناه: إن هؤلاء كذبة، ليس لهم معرفة ~~بهذه الأمور، وكل ما يقولونه كذب وبهتان واختلاق، نصبة على أخذ إلاموال، ~~فعظم ذلك عليه، فقلت له: " لي معك شرط، أكتب الأبيات، فإن تسلطن ms3723 فهو كما ~~تقول، وإن كانت الآخرى فأكتبها في ترجمة وفاته ليكون ذلك عبرة لمن يصمق كذب ~~هؤلاء الفسقة " فقال: نعم، الأبيات هي: الطويل وإن الذي في السجن لا بد أنه ~~... يكون مليكا للأنام عزيزا فأوله تاء وآخر اسمه ... على القطع ميم، كن ~~عليه حريزا وذلك كهل يا أخي وإنه ... لضخم القفا والصدر فاصغ مميزا ولا بد ~~أن يأتي الزمان بقوة ... ويعلو رقابا للعداة محيزا فزايرجة في نظمها نطقت ~~بذا ... فكن لي بهذا العلم منك مجيزا PageV05P0009 # وهذا الذي عمل هذه الزايرجة الناس مجمدون على معرفته، فما العجب من كذب ~~هؤلاء الكذبة الجهلة الأوقاح، وإنما العجب من تصديق الناس لكلامهم. وقد ~~رأيت جماعة من ذوي العقول تقول: " صدق فلان في قوله كذا وكذا " فأقول له: " ~~ما صدق بل حزر مرة وثانية وثالثة ورابعة فأخطأ، ثم أصاب فى الخامسة، وكل ~~أحد يقدر على أن يقول مثل ذلك، لأن الخير والشر والولاية والعزل واقع في كل ~~أوان وزمان، وكل منتصب لا بد له من العزل أو الموت، فالفرق في هذا المعنى ~~بين العارف والجاهل بباب الحزر واضح لا يحتاج إلى بيان " . وتوفي الأمير ~~سيف الدين جانبك بن عبد الله التاجي المؤيدي المعزول عن نيابة حلب، والمرشح ~~لنيابة الشام بعد موت تنم المقدم ذكره، قبل أن يخرج حلب بدار سعادتها، في ~~يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة بعد أن مرض أياما يسيرة، وهو في عشر السبعين. ~~وكان جاركسي الجنس، من صغار مماليك الملك المؤيد شيخ، وصار خاصكيا بعد موته ~~إلى أن صار نائب بيروت في أوائل دولة الملك الظاهر جقمق، ثم نقل إلى نيابة ~~غزة، ثم ولي نيابة صفد، ثم حماة، ذلك ببذل المال لاتضاع قدره. ثم ولي نيابة ~~حلب بعد موت الحاج إينال اليشبكي، فباشر ذلك إلى هذه السنة. فرسم له أن ~~يقدم إلى الديار المصرية أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، فتهيأ ~~للخروج من حلب فمات الأمير تنم نائب الشام، فأقره الملك الظاهر خشقدم عوضه ~~في نيابة الشام، فمات جانبك هذا قبل أن يصل ms3724 إليه الخبر بولاية دمشق، وقيل ~~بعد وصول الخبر بيوم. وكان متوسط السيرة في ولايته، ولم تسبق له رئاسة ~~بالديار المصرية غير الخاصكية. وكان غالب ولاياته ببذل المال، والذي يبذل ~~المال لا بد له من الظلم. وقد بلغنا عنه أنه كان يستعمل لقيمة الفقراء ~~الخضراء، والله أعلم بصحة ذلك. وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله ~~الأبلق أحد أمراء العشرات قتيلا بيد الفرنج في الماغوصة بجزيرة قبرس في ~~إحدى الجمادين، وقد ذكرنا سبب قتله في " الحوادث " . وحاصل الأمر: أنه لما ~~ملك الماغوصة، مد يده لأولاد أهل الماغوصة من الفرنج، فعز على الفرنج ذلك، ~~لأنه كان أخذها بالأمان؛ فشكوا ذلك إلى صاحب قبرس جاكم الفرنجي، فنهاه عن ~~ذلك فلم ينته، فوقع بينهم تشاجر أدى ذلك إلى قتله، ولم ينتطح في ذلك شاتان. ~~وبالجملة إن جانبك المذكور كان غير مشكور السيرة في مدة إقامته بقبرس رحمه ~~الله تعالى. وتوفي شيخ الإسلام قاضي القضاة علم الدين صالح ابن شيخ الإسلام ~~سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقيني الكناني الشافعي، قاضي قضاة ~~الديار المصرية وعالمها، في يوم الأربعاء وقت الزوال خامس شهر رجب، بعد أن ~~مرض نحو عشرة أيام، ودفن من الغد بمدرسة والده تجاه داره بحارة بهاء الدين، ~~بعد أن صلي عليه بالجامع الحاكمي، وتوجهوا بجنازته من طريق الجملون العتيق، ~~ودخلوا بها من باب الجامع الذي بالشارع عند باب النصر، وعادوا بنعشه من ~~الباب الذي بالقرب من باب الفتوح، وأعيد إلى مدفنه، وكانت جنازته مشهودة ~~إلى الغاية. ومات وسنه سبع وسبدون سنة، لأن مولده بعد عشاء ليلة الاثنين ~~ثالث عشر جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. وهو من جملة الفقهاء ~~الذين قرأت عليهم القرآن في صغري، لأن أختي كانت تحت أخيه قاضي القضاة جلال ~~الدين البلقيني، فكنا بهذا المقتضى كشيء واحد. وكان إماما عالما فقيها، درس ~~وأفتى سنين كثيرة، وناب في الحكم عن أخيه جلال الدين المذكور، ثم ولي ~~القضاء بعد ذلك غير مرة، وطالت أيامه في المنصب، وانتهت إليه رئاسة مذهبه ms3725 ~~في زمانه. وقد استوعبنا حاله في عدة مواضع من مصنفاتنا، ليس لذكرها في هذا ~~المختصر محل، وفي شهرته ما يغني عن الإطناب في ذكره هنا رحمه الله تعالى ~~ورضي عنه. وتوفي الأمير سيف الدين كمشبغا بن عبد الله السيفي نخشباي نائب ~~البيرة بها في أوائل شوال. وكان من عتقاء الأمير نخشباي الذي ضرب الملك ~~الظاهر جقمق رقبته. ثم خدم كمشبغا هذا في بيت السلطان، ثم صار خاصكيا، ودام ~~على ذلك دهرا إلى أن سعى في نيابة قلعة حلب فوليها دفعة واحدة بالبذل، فلم ~~تشكر سيرته وعزل، ونقل إلى البيرة، فلم تطل مدته بها، ومات في التاريخ ~~المذكور. وكان لا ذات ولا أدوات، ولولا أنه ولي هاتين الولايتين ما ذكرناه ~~هنا. وتوفي الشيخ أبو الفضل محمد ابن الشيخ الإمام الفقيه الصالح القدوة ~~المسلك شمس الدين محمد PageV05P0010 # بن حسن المعروف والده بالشيخ الحنفي، في ليلة السبت ثامن ذي الحجة بجزيرة ~~أروى المعروفة بالوسطانية، بعد مجيئه من الوجه البحري، وحمل من الجزيرة في ~~باكر نهار السبت المذكور، وصلي عليه ودفن بزاوية أبيه خارج قنطرة طقزدمر، ~~وهو في عشر الستين من العمر. وكانت لديه فضيلة، وله اشتغال بحسب الحال، ~~ولكنه لم يكن أمينا على الأوقاف عفا الله تعالى عنه بمنه وكرمه. وتوفي ~~الوزير علاء الدين علي ابن الحاج محمد الأهناسي بمكة المشرفة بطالا في حياة ~~أبيه، في ثاني عشرين ذي القعدة. ومات وهو في أوائل الكهولية. وقد ولي علي ~~هذا الوزر والأستادارية والخاص غير مرة. وعلي هذا وأبوه محمد هما من أطراف ~~الناس الأوباش المعدودة رئاستهم من غلطات الدهر، وقد ذكرنا من أحوال علي ~~هذا وولاياته نبذة كبيرة في تارينا " الحوادث " تغني عن العيادة هنا انتهى ~~رحمه الله تعالى. وتوفي السلطان صارم الدين إبراهيم بن محمد بن علي بن ~~قرمان صاحب بلاد الروم قونية، ولارنده وقيسارية وغيرها في أواخر ذي القعدة ~~أو أوائل في الحجة وقد ناهز الستين من العمر، بعد أن ولي بلاد قرمان أكثر ~~من خمس وأربعين سنة، وتولى بعده ابنه إسحق، ms3726 في لغتهم إسحق أيسق، ووقع الخلف ~~بسبب ولاية إسحق بين أولاده. وبنو قرمان هؤلاء من أصلاء الملوك كابرا عن ~~كابر، أبا عن جد فصاعدا إلى السلطان علاء الدين السلجوقي. وقيل إن بني ~~قرمان هؤلاء من ذرية بايندر أحد أكابر أمراء جانكزخان ملك الترك الأعظم. ~~وتوفي القاضي شمس الدين محمد ابن الشيخ بدر الدين محمد بن السحماوي الشافعي ~~أحد أعيان موقعي الدست الشريف بالديار المصرية، في ليلة السبت خامس عشر ذي ~~الحجة، ودفن صبيحة يوم السبت المذكور عن اثنتين وثمانين سنة. وكان لديه ~~فضيلة وعنده حشمة وأدب وتواضع. وباشر التوقيع أزيد من خمسين سنة، وخدم ~~بالتوقيع عند جماعة من أعيان الأمراء، آخرهم الملك الظاهر خشقدم إلى أن ~~تسلطن رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين طوخ بن عبد الله الجكمي ~~الرأس نوبة الثاني كان وأحد أمراء الطبلخانات بطالا بعد ما كف بصره، في ~~ليلة الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة، ودفن من الغد بالصحراء، وقد زاد سنه على ~~الثمانين، ولم يحج حجة الإسلام. وكان أصله من مماليك جكم المتغفب على حلب. ~~وكان من مساوىء الدهر لا يصلح لدين ولا لدنيا، وكان مسرفا على نفسه، ما ~~أظنه ترك الشرب إلا في مرض موته. ولم يحج حجة الإسلام مع طول عمره وسعة ~~ماله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم وفقنا لما تحب وترضى يا رب ~~العالمين. وتوفي الأمير سيف الدين بردبك بن عبد الله الأشرفي الدوادار ~~الثاني كان، قتيلا بيد العربان بالقرب من منزلة خليص في عوده من الحج في ~~يوم الاثنين سادس عشر ذي الحجة، وقد ناهز الخمسين أو جاوزها. وكان أصله من ~~سبي قبرس قبيل سنة ثلاثين وثمانمائة مراهقا، وملكه الملك الأشرف إينال أيام ~~إمرته، ورباه وأعتقه وأعله خازنداره، وزوجه بابنته الكبرى، ثم جعله ~~دواداره. ولما تسلطن أمره وجعله دوادارا ثالثا ثم جعله دوادارا ثانيا، ~~ونالته السعادة. وعظم في الدولة وقصده الناس لقضاء حوائجهم، وشاع ذكره وبعد ~~صيته، وحمدت سيرته، وعمر الجوامع في عدة بلاد، وله مآثر وذكر في الصدقات ~~والإعطاء. ms3727 ودام على الدوادارية إلى أن نكب ابن أستاذه السلطان الملك المؤيد ~~أحمد ابن الملك الأشرف إينال، وخلع من السلطنة، وأمسك بردبك هذا وصودر، ~~وأخذ منه نحو من مائتي ألف دينار، ووقع له أمور. وبالجملة إنه كان لا بأس ~~به لولا محبته لجمع المال من أي وجه كان رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ ~~الفقيه العالم المقرىء تاج الدين محمد بن أحمد الفطيسي الإسكندري المالكي ~~إمام السلطان، ومدرس الحديث بالظاهرية العتيقة. مات في نصف ذي القعدة، ~~ومولده سنة خمس عشرة وثمانمائة، واشتغل كثيرا في عدة علوم، لكنه لم يكن ~~ماهرا في غير القراءات، وحصلت له وجاهة آخر عمره. وتوفي الأمير سيف الدين ~~سودون بن عبد الله اليشبكي التركماني المعروف بسودون قندورة، أحد مقدمي ~~الألوف بدمشق وأمير حاج المحمل الشامي، بعد خروجه من المدينة الشريفة إلى ~~جهة الشام، في أواخر ذي الحجة، أو في المحرم، وقد زاد سنه على الستين. وكان ~~من مماليك الأمير يشبك الجكمي الأمير آخور، وبقي بعد أستاذه من جملة مماليك ~~السلطان. ودام على ذلك دهرا طويلا لا PageV05P0011 # يلتفت إليه، إلى أن تحرك له بعيض سعد، وانتهى للصاحب جمال الدين ناظر ~~الخاص ابن كاتب جكم بواسطة خجداشه جانبك اليشبكي والي القاهرة، فولي بعض ~~قلاع البلاد الشامية: قلعة صفد، وقلعة الشام، ثم تنقل في البلاد بالبذل إلى ~~أن صار من أمره ما كان. ولم يكن سودون هذا من أعيان الأمراء لتشكر أفعاله ~~أو تذم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وخمسة عشر إصبعا. ~~مبلغ الزيادة تسعة عشر ذراعا وثلاثة عشر إصبعا. إليه، إلى أن تحرك له بعيض ~~سعد، وانتهى للصاحب جمال الدين ناظر الخاص ابن كاتب جكم بواسطة خجداشه ~~جانبك اليشبكي والي القاهرة، فولي بعض قلاع البلاد الشامية: قلعة صفد، ~~وقلعة الشام، ثم تنقل في البلاد بالبذل إلى أن صار من أمره ما كان. ولم يكن ~~سودون هذا من أعيان الأمراء لتشكر أفعاله أو تذم. أمر النيل في هذه السنة: ~~الماء القديم ستة أذرع وخمسة عشر إصبعا. مبلغ ms3728 الزيادة تسعة عشر ذراعا ~~وثلاثة عشر إصبعا. ### || AUT السنة الخامسة من سلطنة الظاهر خشقدم # PageV05P0012 # وهي سنة تسع وستين وثمانمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين قاني باي طاز ~~بن عبد الله البكتمري نائب البيرة بها، في أواخر شهر ربيع الأول أو أوائل ~~شهر ربيع الآخر، وهو في الثمانين تخمينا. وكان أصله من مماليك بكتمر جلق ~~الظاهري نائب الشام، وصار بعد موت أستاذه من مماليك السلطان، ثم نقل في ~~أواخر عمره إلى نيابة قلعة صفد، ثم إلى نيابة البيرة، إلى أن مات. وهو من ~~مقولة سودون تركمان المقدم ذكره في السنة الخالية. وتوفي الأمير موسى بن ~~محمد بن موسى صاحب حلي ابن يعقوب من بلاد اليمن في شهر ربيع الآخر بمدينة ~~حلي ابن يعقوب. وكان معدودا من أعيان الأمراء ومن ذوي البيوت في الممالك، ~~ولجده موسى مع الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة وقائع ذكرناها في ترجمة حسن ~~المذكور في تاريخنا " المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي " . وتوفي الشهاب ~~بديد بن شكر وزير الشريف محمد بن بركات صاحب مكة، في ليلة السبت السابع من ~~جمادى الأولى بوادي الآبار من عمل مكة، وحمل بقية ليلته على الرقاب إلى بطن ~~مكة، فغسل بالبيت الذي أنشأه الشريف محمد بن بركات بمكة، وصلي عليه صلاة ~~الصبح بالحرم، ودفن بالمعلاة على والده. وكانت جنازته مشهودة، وأسف الناس ~~عليه، لأنه كان مقصودا للخير، ومن بقية الشيوخ والأكابر المشار إليهم. ~~وبديد بباء موحدة ثانية الحروف مضمومة وبعدها دال مهملة مفتوحة، ثم ياء آخر ~~الحروف ثم دال ساكنتين. وتوفي القاضي بدر الدين محمد ابن قاضي القضاة شيخ ~~الإسلام شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي في يوم الأربعاء ~~سادس عشر جمالى الآخرة وقد جاوز الخمسين من العمر، ولم يخلف قاضي القضاة ~~ولدا ذكرا غيره ولا أنثى، وبموته انقطع نسل ابن حجر من الذكور. وتوفي ~~الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الناصري نائب طرابلس بها في يوم ~~الأربعاء حادي عشرين شهر رجب، وقد جاوز السبعين من العمر. وكان من ms3729 صغار ~~مماليك الملك الناصر فرج وعتقائه، ثم خدم بعد موت أستاذه عند خجداشه الأمير ~~برسباي حاجب حجاب دمشق، وبخدمته عرف بين الناس، ودام بخدمته إلى أن خرج ~~الأمير إينال الجكمي نائب الشام على الملك الظاهر جقمق وانهزم، فقبض جانبك ~~عليه وقد ذكرنا كيفية القبض عليه في غير موضع من مصنفاتنا، ليس لذكرها في ~~هذا المختصر محل فأنعم عليه الملك الظاهر جقمق بإمرة طبلخاناه بدمشق، ثم ~~تنقل بعد ذلك بعدة وظائف وأعمال غالبها بالبذل، إلى أن مات رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الأمير عجل بن نعير أمير عرب آل فضل بالبلاد الشامية، وهو ~~بطال بالقرب من أعمال حلب. وتوفي السلطان خليل بن إبراهيم صاحب مملكة شماخي ~~وما والاها في السنة الخالية، فيما أظن بمدينة شماخي، ولم تحرر وفاته إلا ~~في هذه السنة لبعد المسافة، ومات بعد أن ملك نحو أربعين سنة. وكان من أجل ~~ملوك الشرق قدرا وأحسنهم سيرة، وأجودهم بضاعة وأكثرهم سياسة، وأحزمهم رأيا، ~~وهو آخر من كان بقي من أكابر الملوك، وهو أحد من أوصاه السلطان مراد بك بن ~~محمد بن عثمان ملك الروم على ولده محمد صاحب الروم في زماننا هذا؛ وقد ~~ذكرنا أمره محررا في " الحوادث " رحمه الله تعالى. وتوفي الوزير شمس الدين ~~محمد البباوي، غريقا ببحر النيل بساحل بولاق بالقرب من فم الخور، وقت ~~المغرب من يوم الأربعاء ثامن عشرين ذي الحجة، وهو في الكهولية؛ وكان سبب ~~موته أنه توجه في مركب عقيبة إلى ناحية طناش بالجيزية أو غيرها، وعاد فغرق ~~من شرد ريح وافى مركبه قلبتها، ولله الحمد. وكان البباوي هذا أصله من ببا ~~الكبرى بالوجه القبلي: كان بها خفيرا، وقيل راعيا، وقيل غير ذلك، وقدم ~~القاهرة، وصار بخدمة بعض الطباخين مرقدارا، ثم صار صبيا عند بعض معاملي ~~اللحم. ولا زال ينتقل في هذه الصناعات إلى أن صار معاملا، وحسنت حاله، وركب ~~حمارا. ولا زال أمره ينمو في صناعته إلى أن أثرى، وحصل مالا كثيرا، وصار ~~معول الوزراء عليه في حمل اللحم المرتب للمماليك السلطانية، وبقي ms3730 يركب بغلا ~~بنصف رحل بسلخ جلد خروف، ويلبس قميصا أزرق كأكابر المعاملين. وسمع الملك ~~الظاهر خشقدم بسعة ماله وكان من الخسة والطمع في محل كبير فاحتال على أخذ ~~ماله بأن ولاه نظر الدولة في أوائل ذي الحجة من سنة سبع وستين. ولبس ~~البباوي العمامة والفرجية والخف والمهماز، وتزيا بزي الكتاب، وترك زي ~~المعاملين، فشق ذلك على الناس قاطبة PageV05P0013 # وعدوا ذلك من قبائح الملك الظاهر خشقدم؛ لأن البباوي هذا مع انحطاط قدره ~~وجهله ووضاعته وسفالة أصله، مع عدم معرفته بالكتابة والقراءة، فإنه كان ~~أميا لا ينطق بحرف من حروف الهجاء، إلا إن كان تلقينا؛ ومع هذا كله كان غير ~~لائق في زيه، فباشر نظر الدولة مدة يسيرة، واختفى الأمير زين الدين ~~الأستادار وولي الأستادارية من بعده المجد بن البقري، وشغر الوزر عنه، وطلب ~~السلطان البباوي هذا وولاه الوزر في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الأول ~~من سنة ثمان وستين وثمانمائة، وصار وزير الديار المصرية، فلم نعلم بأقبح ~~حادثة وقعت في الديار المصرية قديما وحديثا من ولاية البباوي هذا للوزر؛ ~~لأنه كان أحد الأعوام الأوباش الأطراف السوقة، ووثب على هذه الوظيفة ~~العظيمة التي هي أجل وظائف الدنيا بعد الخلافة شرقا وغربا. وقد وليها قديما ~~جماعة كثيره بالديار المصرية وغيرها من سادات الناس من زمن عبد الملك بن ~~مروان إلى أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري، وهي إلى الآن أرفع الوظائف ~~قدرا في سائر بلاد الله، وفي كل قطر من الأقطار إلا الديار المصرية فإنه ~~انحط بها قدرها، ووليها من الأوباش وصغار الكتبة جماعة من أوائل القرن ~~التاسع إلى يومنا هذا. فالذي وليها في عصرنا هذا ممن لا يصلح لولايتها ابن ~~النجار، وعلي بن الأهناسي البرددار، وأبوه الحاج محمد المقدم ذكره، ويونس ~~بن جربغا دوادار فيروز النوروزي، وغيرهم من هذه المقولة. ومع هذا كله بلاء ~~أعظم من بلاء، وأعظم الكل ولاية البباوي هذه؛ فإن كل واحد ممن ذكرنا من ~~الذين ولوا الوزر كان لكل واحد ميزة في نفسه، وقد تقدم له نوع من ms3731 أنواع ~~الخدم والمباشرات، إلا البباوي هذا فإنه لم يتقدم له نوع من أنواع الرئاسة. ~~ومع هذه المساوىء باشر بظلم وعسف وعدم حشمة وقلة أدب مع الأكابر والأعيان، ~~وساءت سيرته، وكثر الدعاء عليه، إلى أن أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، ~~وأراح الله المسلمين منه. وقد هجاه الشعراء بأهاج كثيرة، ذكرنا بعضها في ~~تاريخنا " الحوادث " . وأنا أستغفر الله من لفظة وقعت مني في ترجمته؛ فإني ~~قلت في آخر ترجمته: ما ولي الوزر في الدنيا أحد أخس من البباوي هذا، ولا ~~يليها أيضا أقبح منه إلى يوم القيامة، فوليها بعد مدة شخص من غلمانه يقال ~~له قاسم جغيتة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أمر النيل في هذه ~~السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء. مبلغ الزيادة لم يتحرر، نذكره في ~~السنة الآتية عند انتهاء النيل.دوا ذلك من قبائح الملك الظاهر خشقدم؛ لأن ~~البباوي هذا مع انحطاط قدره وجهله ووضاعته وسفالة أصله، مع عدم معرفته ~~بالكتابة والقراءة، فإنه كان أميا لا ينطق بحرف من حروف الهجاء، إلا إن كان ~~تلقينا؛ ومع هذا كله كان غير لائق في زيه، فباشر نظر الدولة مدة يسيرة، ~~واختفى الأمير زين الدين الأستادار وولي الأستادارية من بعده المجد بن ~~البقري، وشغر الوزر عنه، وطلب السلطان البباوي هذا وولاه الوزر في يوم ~~الثلاثاء سابع عشر شهر ربيع الأول من سنة ثمان وستين وثمانمائة، وصار وزير ~~الديار المصرية، فلم نعلم بأقبح حادثة وقعت في الديار المصرية قديما وحديثا ~~من ولاية البباوي هذا للوزر؛ لأنه كان أحد الأعوام الأوباش الأطراف السوقة، ~~ووثب على هذه الوظيفة العظيمة التي هي أجل وظائف الدنيا بعد الخلافة شرقا ~~وغربا. وقد وليها قديما جماعة كثيره بالديار المصرية وغيرها من سادات الناس ~~من زمن عبد الملك بن مروان إلى أيام الملك الظاهر بيبرس البندقداري، وهي ~~إلى الآن أرفع الوظائف قدرا في سائر بلاد الله، وفي كل قطر من الأقطار إلا ~~الديار المصرية فإنه انحط بها قدرها، ووليها من الأوباش وصغار الكتبة جماعة ~~من أوائل القرن ms3732 التاسع إلى يومنا هذا. فالذي وليها في عصرنا هذا ممن لا ~~يصلح لولايتها ابن النجار، وعلي بن الأهناسي البرددار، وأبوه الحاج محمد ~~المقدم ذكره، ويونس بن جربغا دوادار فيروز النوروزي، وغيرهم من هذه ~~المقولة. ومع هذا كله بلاء أعظم من بلاء، وأعظم الكل ولاية البباوي هذه؛ ~~فإن كل واحد ممن ذكرنا من الذين ولوا الوزر كان لكل واحد ميزة في نفسه، وقد ~~تقدم له نوع من أنواع الخدم والمباشرات، إلا البباوي هذا فإنه لم يتقدم له ~~نوع من أنواع الرئاسة. ومع هذه المساوىء باشر بظلم وعسف وعدم حشمة وقلة أدب ~~مع الأكابر والأعيان، وساءت سيرته، وكثر الدعاء عليه، إلى أن أخذه الله ~~تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأراح الله المسلمين منه. وقد هجاه الشعراء بأهاج ~~كثيرة، ذكرنا بعضها في تاريخنا " الحوادث " . وأنا أستغفر الله من لفظة ~~وقعت مني في ترجمته؛ فإني قلت في آخر ترجمته: ما ولي الوزر في الدنيا أحد ~~أخس من البباوي هذا، ولا يليها أيضا أقبح منه إلى يوم القيامة، فوليها بعد ~~مدة شخص من غلمانه يقال له قاسم جغيتة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم سبعة أذرع سواء. مبلغ ~~الزيادة لم يتحرر، نذكره في السنة الآتية عند انتهاء النيل. PageV05P0014 ### || AUT السنة السادسة من سلطنة الظاهر خشقدم # وهي سنة سبعين وثمانمائة. فيها توفي الأمير سيف الدين قراجا بن عبد الله ~~العمري الناصري أحد أمراء الألوف بدمشق بها في المحرم، وقد ناهز الثمانين ~~من العمر. وهو من مماليك الناصر فرج بن برقوق، وطالت أيامه في الجندية إلى ~~أن استقر به الملك الظاهر جقمق والي القاهرة، ثم تنقل بعد ذلك في عدة ~~ولايات إلى أن صار أحد أمراء الألوف بدمشق، إلى أن مات في هذه السنة. وكان ~~من المهملين المسرفين على أنفسهم مع شهرة بالشجاعة. وتوفي الأمير إسحاق بن ~~إبراهيم بن قرمان ملك الروم، غريبا عن بلاده بديار بكر عند حسن بك بن ~~قرايلك في أوائل المحرم، بعد أن وقع له ms3733 أمور وحروب لما ملك الروم وخالفه ~~إخوته؛ وقد ذكرنا أمره في تاريخنا " الحوادث " مفصلا. وتوفي الأمير سيف ~~الدين جانم بن عبد الله المؤيدي، المعروف بحرامي شكل، أحد أمراء العشرات ~~ورأس نوبة، بعد مرض طويل وعمر طويل أيضا. وكان من أوباش مماليك الملك ~~المؤيد شيخ، وطالت أيامه في الخمول والفقر إلى PageV05P0015 # أن جعله الملك الظاهر جقمق بوابا، وأنعم عليه بإقطاع كبير، فحسن حاله، ~~وامتنع عن الشحاتة من الأكابر. ودام على ذلك إلى أن تسلطن الملك الأشرف ~~إينال، فطلب منه إمرة، فلم يعطه شيئا، فقام بين يديه في الملأ وقال: " إما ~~توسطني أو تعطيني إمرة " ، فضحك الناس وشفعوا له حتى أعطاه إمرة عشرة. ثم ~~صار من جملة رؤوس النوب، ودام على ذلك إلى أن مات. وكان له حكايات في البخل ~~والجنون والنذالة نستحي من ذكرها. وبالجملة إنه كان بوجوده عارا على جنس ~~بني آدم. وتوفي القاضي بدر الدين حسن الرهوني المالكي أحد نواب الحكم ~~المالكية بالقاهرة، في يوم الثلاثاء أول شهر ربيع الأول، وقد قارب الستين ~~من العمر. وكانت لديه فضيلة، إلا أنه كان متهورا في أحكامه. وتوفي القاضي ~~نور الدين علي بن أحمد بن محمد الشيشيني الحنبلي، أحد نواب الحكم الحنابلة ~~في صفر، وقد جاوز الكهولية. وكان فاضلا معدودا من فقهاء الحنابلة. وتوفي ~~القاضي بدر الدين محمد ابن القاضي ناصر الدين محمد، المعروف بابن المخلطة، ~~المالكي السكندري الأصل، المصري المولد والمنشأ والوفاة، في ليلة السبت ~~تاسع عشر ربيع الأول، ودفن من الغد بالصحراء، وهو في عنفوان الشبيبة. وكان ~~ولي نيابة الحكم بالقاهرة، ثم ولي قضاء الإسكندرية، وحسنت سيرته، إلى أن ~~مرض وقدم القاهرة مريضا، ولازم الفراش إلى أن مات. وكان فاضلا عالما فقيها ~~أديبا، حسنة من حسنات الدهر رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ المعتقد إبراهيم ~~الغنام بداره بالحسينية خارج القاهرة، في يوم الخميس مستهل ربيع الآخر، ~~وصلي عليه برحبة بالقرب من داره، ودفن بها. وكان من المعمرين، وللناس فيه ~~اعتقاد حسن، وكان يبيع لبن المعز، يسوقها أمامه بالطرقات على عادة بيعة ms3734 ~~اللبن، وكان مشهورا بالصلاح. وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله من ~~أمير الأشرفي، المعروف بالظريف، محبوسا، بقلعة صفد في هذه السنة، وقد جاوز ~~الكهولية. وكان من صغار مماليك الملك الأشرف برسباي، وصار خاصكيا في دولة ~~الملك الظاهر جقمق، ثم خازندارا صغيرا، ثم دوادارا صغيرا، ثم تأمر عشرة، ثم ~~صار خازندارا كبيرا في دولة الملك الأشرف إينال، ثم صار في دولة الملك ~~الظاهر خشقدم دوادارا ثانيا بإمرة مائة وتقدمة ألف، فلم تطل أيامه فيها، ~~وقبض عليه مع من قبض عليه من خجداشيته الأشرفية، وحبس سنين إلى أن مات في ~~السجن. وكان شابا خفيفا، وفيه طيش مع تكبر وتعاظم وبخل زائد، لكنه كان ~~عارفا بأنواع الملاعيب كالرمح والبرجاس وغير ذلك؛ وعلى كل حال كانت مساوئه ~~أكثر من محاسنه. وتوفي الأمير سيف الدين مالك أصلان بن سليمان بن ناصر ~~الدين بك بن دلغادر نائب أبلستين قتيلا بها بيد فداوي في صلاة الجمعة ~~بالجامع؛ وثب عليه الفداوي وضربه بسكين كان في يده إلى أن قتله، وقتل ~~الفداوي في الوقت، وقيل إن الفداوي كان أرسله الملك الظاهر خشقدم. وحضر ~~سيفه إلى الديار المصرية في عاشر ربيع الآخر. وولي بعده شاه بضع أخوه، ووقع ~~بعد ذلك أمور وفتن قائمة إلى يومنا هذا. وتوفي الشيخ الإمام الخطيب البليغ ~~الأديب المفنن برهان الدين إبراهيم ابن قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن ~~ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن عبد الرحمن البادوني الأصل، الدمشقي ~~المولد والمنشأ والوفاة، في يوم الخميس رابع عشرين شهر ربيع الأول، ودفن من ~~يومه، وقد عمر. ومولده في سابع عشرين شهر رمضان سنة سبع وسبعين وسبعمائة، ~~ونشأ بدمشق، وطلب العلم، وقرأ على علماء عصره إلى أن برع في عدة فنون من ~~فقه وعربية وأدب، وغلب عليه الأدبيات والشعر. وله نظم رائق ونثر فائق، وقفت ~~على عدة كتب من مكاتباته تدل على فضل كبير وعلم غزير، واتساع باع في الأدب ~~وأنواعه. وله رسالة عاطلة من النقط، أبدع فيها وأتى بغرائب، مع عدم ms3735 التكلف، ~~وخمس ألفية ابن مالك في النحو، وله غير ذلك من المصنفات. وولي خطابة دمشق، ~~ومشيخة الباسطية، وسئل بقضاء دمشق فامتنع، ووليها أخوه القاضي جمال الدين ~~يوسف الباغوني. ولم يزل الشيخ برهان الدين على أحسن طريقة إلى أن مات رحمه ~~الله تعالى. وتوفيت خوند شكرباي الناصرية الأحمدية زوجة السلطان الملك ~~الظاهر خشقدم في يوم الأربعاء سادس جمادى الأولى، وصلي عليها تحت طبقة ~~الزمام تجاه باب الستارة، ودفنت بتربة زوجها السلطان الملك الظاهر خشقدم ~~التي أنشأها PageV05P0016 # بالصحراء. وأنزلت من القلعة، ولم يغط نعشها ببشخاناه على عادة الخوندات، ~~بل جعل على نعشها خرقة مرقعة للفقراء، وجعل أمام نعشها أعلام أحمدية، وكان ~~ذلك بوصية منها. وكان أصلها جاركسية الجنس، من عتقاء الملك الناصر فرج ابن ~~الملك الظاهر برقوق، وتزوجت بعد موت أستاذها بالأمير أبرك الجكمي، ~~واستولدها أبرك أولادا، منهم: خاتون أم الشهابي أحمد ابن العيني. وماتت ~~خاتون المذكورة في سلطنة الملك الظاهر خشقدم، ولم يتزوج السلطان الملك ~~الناصر غيرها إلا بعدها. وتوفي الأمير سيف الدين كسباي بن عبد الله ~~الششماني الناصري ثم المؤيدي، أحد أمراء الطبلخانات في ليلة الاثنين ثالث ~~جمادى الآخرة، ودفن بتربته التي أنشأها خارج القاهرة. وكان أصله من مماليك ~~الملك الناصر فرج، ثم ملكه الملك المؤيد شيخ وأعتقه، وصار خاصكيا بعد موته، ~~ودام على ذلك إلى أن جعله الملك الظاهر جقمق دوادارا صغيرا، ووقع له معه ~~أمور ومحن، إلى أن صار أميرا في دولة الملك الأشرف إينال، ثم صار من أمراء ~~الطبلخانات في دولة خجداشه الملك الظاهر خشقدم إلى أن مات في التاريخ ~~المذكور. وكان رأسا في فنون الفروسية، عارفا بأنواع الملاعيب، كالرمح ~~والنشاب والبرجاس وغير ذلك، لكنه كان عنده خفة وطيش، مع سلامة باطن رحمه ~~الله تعالى وعفا عنه. وتوفي القاضي فخر الدين محمد بن محمد بن أحمد ~~الأسيوطي الشافعي أحد نواب الحكم الشافعية، في يوم الخميس ثالث عشر جمادى ~~الآخرة، وسنه أزيد من سبعين سنة. وقد ناب في الحكم أزيد من أربعين سنة، على ~~أنه كان قليل العلم ms3736 والعمل عفا الله عنه. وتوفي الشيخ الواعظ المذكر أبو ~~العباس أحمد بن عبد الله المقدسي الشافعي الواعظ، بعد مرض طويل، بالقاهرة ~~في ليلة الأربعاء سادش عشرين جمادى الآخرة، ودفن من الغد بالقرافة الصغرى؛ ~~ومولده في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، هكذا ذكر لي عندما استجارني. وكان له ~~اشتغال قديم، وغلب عليه الوعظ والتذكير، وعمل المواعيد. وكان لتذكيره تأثير ~~في القلوب، وعليه أنس، وله باع واسع في الحفظ للأحاديث والتفسير وكرامات ~~الصالحين. وكان له في التذكير القبول الزائد من كل أحد، وأثرى من ذلك وجمع ~~المال الكثير، والناس فيه على قسمين، ما بين معتقد ومنتقد، والظن الثاني ~~أكثر، وكنت أنا من القسم الأول، لولا ما وقع له مع الحافظ العلامة برهان ~~الدين البقاعي ما وقع، وحكايته معه مشهورة أضربت عن ذكرها لقرب عهد الناس ~~منها. وتوفي الخادم الرئيس صفي الدين جوهر بن عبد الله الأرغوني الظاهري، ~~الساقي، الحبشي الجنس، رأس نوبة الجمدارية، في ليلة الخميس عاشر شعبان، ~~ودفن من الغد بتربة الأمير قاني باي الجاركسي، وحضر السلطان الصلاة عليه ~~بمصلاة المؤمني. ومات وهو فى عشر الستين، ولم يخلف بعده مثله دينا وأدبا ~~وحشمة ورئاسة وتواضعا وعقلا. وبالمجملة إنه كان من حسنات الدهر رحمه الله ~~تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين سودون بن عبد الله المؤيدي الفقيه الأشقر، ~~أحد أمراء العشرات، بعد مرض طويل، في يوم الخميس سابع شهر رمضان. وكان من ~~عتقاء الملك المؤيد شيخ، وتأمر في دولة الملك المؤيد أحمد ابن الملك الأشرف ~~إينال فيما أظن ودام على ذلك إلى أن مات. وكان فقيها دينا خيرا فاضلا رحمه ~~الله تعالى. وتوفي الأديب الفاضل أبو العباس أحمد بن أبي السعود إسماعيل بن ~~إبراهيم بن موسى بن سعيد بن علي المنوفي الشافعي، المعروف بابن أبي السعود، ~~الشاعر المشهور، بالمدينة الشريفة في خامس عشرين شهر رمضان، ومولده في شوال ~~سنة أربع عشرة وثمانمائة بمنوف العليا. ومن شعره في مليح منجم: الوافراء. ~~وأنزلت من القلعة، ولم يغط نعشها ببشخاناه على عادة الخوندات، بل جعل على ~~نعشها ms3737 خرقة مرقعة للفقراء، وجعل أمام نعشها أعلام أحمدية، وكان ذلك بوصية ~~منها. وكان أصلها جاركسية الجنس، من عتقاء الملك الناصر فرج ابن الملك ~~الظاهر برقوق، وتزوجت بعد موت أستاذها بالأمير أبرك الجكمي، واستولدها أبرك ~~أولادا، منهم: خاتون أم الشهابي أحمد ابن العيني. وماتت خاتون المذكورة في ~~سلطنة الملك الظاهر خشقدم، ولم يتزوج السلطان الملك الناصر غيرها إلا ~~بعدها. وتوفي الأمير سيف الدين كسباي بن عبد الله الششماني الناصري ثم ~~المؤيدي، أحد أمراء الطبلخانات في ليلة الاثنين ثالث جمادى الآخرة، ودفن ~~بتربته التي أنشأها خارج القاهرة. وكان أصله من مماليك الملك الناصر فرج، ~~ثم ملكه الملك المؤيد شيخ وأعتقه، وصار خاصكيا بعد موته، ودام على ذلك إلى ~~أن جعله الملك الظاهر جقمق دوادارا صغيرا، ووقع له معه أمور ومحن، إلى أن ~~صار أميرا في دولة الملك الأشرف إينال، ثم صار من أمراء الطبلخانات في دولة ~~خجداشه الملك الظاهر خشقدم إلى أن مات في التاريخ المذكور. وكان رأسا في ~~فنون الفروسية، عارفا بأنواع الملاعيب، كالرمح والنشاب والبرجاس وغير ذلك، ~~لكنه كان عنده خفة وطيش، مع سلامة باطن رحمه الله تعالى وعفا عنه. وتوفي ~~القاضي فخر الدين محمد بن محمد بن أحمد الأسيوطي الشافعي أحد نواب الحكم ~~الشافعية، في يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة، وسنه أزيد من سبعين سنة. ~~وقد ناب في الحكم أزيد من أربعين سنة، على أنه كان قليل العلم والعمل عفا ~~الله عنه. وتوفي الشيخ الواعظ المذكر أبو العباس أحمد بن عبد الله المقدسي ~~الشافعي الواعظ، بعد مرض طويل، بالقاهرة في ليلة الأربعاء سادش عشرين جمادى ~~الآخرة، ودفن من الغد بالقرافة الصغرى؛ ومولده في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، ~~هكذا ذكر لي عندما استجارني. وكان له اشتغال قديم، وغلب عليه الوعظ ~~والتذكير، وعمل المواعيد. وكان لتذكيره تأثير في القلوب، وعليه أنس، وله ~~باع واسع في الحفظ للأحاديث والتفسير وكرامات الصالحين. وكان له في التذكير ~~القبول الزائد من كل أحد، وأثرى من ذلك وجمع المال الكثير، والناس فيه على ~~قسمين، ما ms3738 بين معتقد ومنتقد، والظن الثاني أكثر، وكنت أنا من القسم الأول، ~~لولا ما وقع له مع الحافظ العلامة برهان الدين البقاعي ما وقع، وحكايته معه ~~مشهورة أضربت عن ذكرها لقرب عهد الناس منها. وتوفي الخادم الرئيس صفي الدين ~~جوهر بن عبد الله الأرغوني الظاهري، الساقي، الحبشي الجنس، رأس نوبة ~~الجمدارية، في ليلة الخميس عاشر شعبان، ودفن من الغد بتربة الأمير قاني باي ~~الجاركسي، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني. ومات وهو فى عشر ~~الستين، ولم يخلف بعده مثله دينا وأدبا وحشمة ورئاسة وتواضعا وعقلا. ~~وبالمجملة إنه كان من حسنات الدهر رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين ~~سودون بن عبد الله المؤيدي الفقيه الأشقر، أحد أمراء العشرات، بعد مرض ~~طويل، في يوم الخميس سابع شهر رمضان. وكان من عتقاء الملك المؤيد شيخ، ~~وتأمر في دولة الملك المؤيد أحمد ابن الملك الأشرف إينال فيما أظن ودام على ~~ذلك إلى أن مات. وكان فقيها دينا خيرا فاضلا رحمه الله تعالى. وتوفي الأديب ~~الفاضل أبو العباس أحمد بن أبي السعود إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن سعيد ~~بن علي المنوفي الشافعي، المعروف بابن أبي السعود، الشاعر المشهور، ~~بالمدينة الشريفة في خامس عشرين شهر رمضان، ومولده في شوال سنة أربع عشرة ~~وثمانمائة بمنوف العليا. ومن شعره في مليح منجم: الوافر PageV05P0017 # لمحبوبي المنجم قلت يوما ... فدتك النفس يابدر الكمال براني الهجر، فاكشف ~~عن ضميري ... فهل يوما أرى بدري وفى لي وقد ذكرنا من شعره قطعة جيدة في " ~~الحوادث " وغيرها. وتوفي القاضي جلال الدين عبد الرحمن ابن الشيخ نورالدين ~~علي ابن العلامة سراج الدين عمر بن الملقن الشافعي، في صبيحة يوم الجمعة ~~ثامن شوال، وقد جاوز الثمانين بأيام قليلة. ومات فجأة. وكان من بيت علم ~~وفضل، وناب في الحكم سنين، وولي عدة وظائف دينية، ودرس بعدة مدارس، وكان ~~مشكور السيرة دينا عاقلا، مليح الوجه حسن السمت رحمه الله تعالى. وتوفي ~~الشيخ زين الدين خالد بن أيوب بن خالد، شيخ خانقاه سعيد السعداء، في يوم ~~الأربعاء ثالث ms3739 عشر شوال، بعد مرض طويل. وولي المسجد بعده الشيخ تقي الدين ~~عبد الرحمن القلقشندي رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير الوزير الصاحب شمس ~~الدين منصور بن الصفي قتيلا. ضربت رقبته تجاه الصالحية بحكم قاضي القضاة ~~حسام الدين بن حريز المالكي، في يوم الأربعاء العشرين من شوال، وسنه دون ~~الأربعين سنة، بعد أن قاسى شدائد من الضرب والعصر والمصادرات والسجن، ~~لتحامل أهل الدولة عليه. وقد سقنا حكايته بتطويل في تاريخنا " الحوادث " ~~رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن محمد المعروف بابن ~~الفألاتي الفقيه الشافعي، في يوم الجمعة رابع عشر ذي القعدة، وهو في أوائل ~~الكهولية. والفألاتي كانت صناعة أبيه. وكان أبوه وأعمامه ثلاثة إخوة: كان ~~عمه الواحد أديبا حكما لأدباء العوام، عاميا، يجلس على الطرقات في وسط ~~حلقة، وعمه الآخر على قيد الحياة يتكسب بالتنجيم بالرمل، وكان والد شمس ~~الدين حكويا يجلس على الطرقات، وعليه حلقة كعادة العوام، وكان مع هذا حكما ~~للمصارعين. ونشأ شمس الدين هذا على هيئة العوام، إلا أنه حفظ القرآن ~~العزيز، فلما كبر حبب إليه الاشتغال بالعلم، فاشتغل على جماعة من العلماء ~~في فنون كثيرة، وعد من أعيان الفقهاء رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف ~~الدين تغري برمش السيفي قراخجا الحسني، أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، في ~~ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجة، وقد ناهز الستين أو جاوزها بقليل. ودفن من ~~الغد، وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني رحمه الله تعالى. وتوفي بير ~~بضع بن جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد، التركماني الأصل، صاحب بغداد ~~والعراق، قتيلا بسيف والده جهان شاه، بعد أن حصره ببغداد نحو ثلاث سنين. ~~وكان كآبائه وأجداده سيىء الاعتقاد، محلول العقيدة، راحت روحه إلى سقر، ~~ويلحق الله به من بقي من أقاربه. أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم ~~سبعة أذرع ونصف. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. ### || AUT السنة السابعة من سلطنة الظاهر خشقدم # PageV05P0018 # وهي سنة إحدى وسبعين وثمانمائة. فيها توفي أتابك العساكر بالديار المصرية ~~الأمير ms3740 قانم من صفر المؤيدي، المعروف بالتاجر، فجاءة في ليلة الاثنين حادي ~~عشر صفر، وسنه نحو السبعين. وكان أصله من مماليك الملك المؤيد شيخ وأعتقه، ~~وصار خاصكيا في دولة ولده المظفر أحمد ابن شيخ، ولا زال على ذلك إلى أن ~~تأمر عشرة في دولة الملك العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباي. ~~واستمر في دولة الظاهر جقمق كلها على ذلك، وحج أمير الركب الأول غير مرة، ~~وتوجه في الرسلية إلى جهان شاه بن قرا يوسف ملك الشرق، ثم إلى خوندكار بن ~~عثمان متملك بلاد الروم، ئم عاد ودام بمصر إلى أن صار في دولة الملك الأشرف ~~إينال من جملة أمراء الطبلخانات، ثم صار أمير مائة ومقدم ألف بعد موت خيربك ~~النوروزي المؤيدي الأجرود، ثم صار في دولة الملك المؤيد أحمد بن إينال رأس ~~النوب، بعد الأمير قرقماس الأشرفي، بحكم انتقاله إلى إمرة مجلس، واستمر على ~~ذلك إلى أن نقله خجداشه الملك الظاهر خشقدم إلى إمرة جلس، بعد انتقال ~~قرقماس أيضا إلى إمرة سلاح، بعد انتقال الأمير جرباش إلى الأتابكية، عوضا ~~عن الملك الظاهر خشقدم. وعظم قانم في دولة خجداشه خشقدم المذكور، ونالته ~~السعادة زيادة على ما كان أولا، ودام على ذلك إلى أن نقله إلى الأتابكية ~~بعد إخراج الأتابك جرباش المحمدي إلى ثغر دمياط بطالا، فدام على الأتابكية ~~إلى أن مات فجاءة في التاريخ المقدم ذكره. وكان من أجل الملوك وأعظمهم، ~~لولا تكبر كان فيه رحمه الله تعالى وعفا عنه. وتوفي الأمير سيف الدين ~~برسباي بن عبد الله البجاسي نائب الشام بها في يوم الاثنين ثامن عشر صفر، ~~وقد زاد سنه على الستين، بعد مرض طويل. وكان من عتقاء الأمير تنبك البجاسي ~~نائب دمشق، الذي كان خرج على الملك الأشرف برسباي وقتل في سنة سبع وعشرين ~~وثمانمائة، فكان بين وفاة برسباي هذا ووفاه أستاذه تنبك نحو أربع وأربعين ~~سنة. ولما قتل أستاذ برسباي هذا تنقل في الخدم حتى صار من جملة المماليك ~~السلطانية، وترقى إلى أن صار أمير عشرة في دولة ms3741 الملك الظاهر جقمق، ثم جعله ~~نائب الإسكندرية، ثم صار في دولة الأشرف إينال أمير مائة ومقدم ألف. ثم لما ~~مات حاجب الحجاب جانبك القرماني الظاهري في شوال سنة إحدى وستين جعل هذا ~~موضعه حاجب الحجاب، ثم نقل إلى الأمير آخورية الكبرى في سنة أربع وستين بعد ~~موت يونس العلائي، وذلك بعد أن صاهر السلطان وتزوج ببنت الأمير بردبك ~~الدوادار الثاني، وهي بنت بنت السلطان، فلم يكن مكافأة برسباي هذا للأشرف ~~إينال على ما خوله من النعم إلا أنه لما خرج القوم على ولده الملك المؤيد ~~أحمد بن إينال غدره ومال إلى الملك الظاهر خشقدم، فعابه كل أحد على ذلك. ~~وليت الملك الظاهر خشقدم عرف له ذلك، بل أخرجه بعد قليل إلى نيابة طرابلس، ~~ثم تنقل بعد نيابة طرابلس إلى نيابة الشام ببذل المال، ولم يتهنأ بدمشق بل ~~مرض وطال مرضه إلى أن مات. وكان رجلا عاقلا عفيفا عن المنكرات والفروج، ولم ~~يعف عن الأموال، وكان بخيلا جدا عفا الله عنه. وتوفي شيخ مكة ومحدثها ~~ومسندها تقي الدين أبو الفضل محمد بن نجم الدين محمد بن أبي الخير محمد بن ~~عبد الله بن فهد الهاشمي المكي الشافعي، بمكة في يوم السبت سابع شهر ربيع ~~الأول؛ ومولده بأصفون الجبلين من صعيد مصر، في يوم الثلاثاء خامس شهر ربيع ~~الأول سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وقد استوعبنا ترجمته في تاريخنا " الحوادث ~~" . وتوفي الأمير سيف الدين قانم بن عبد الله الأشرفي؛ المعروف بقانم نعجة، ~~أحد أمراء العشرات ورأس نوبة، شبه الفجاءة، في ليلة الأحد سادس عشر جمادى ~~الأولى، وقد جاوز الستين. وكان من مماليك الملك الأشرف برسباي، وتأمر في ~~دولة الملك الأشرف إينال إلى أن مات. وكان مسرفا على نفسه منهمكا في ~~اللذات، وعنده بطش وظلم. وتوفي الأمير سيف الدين تمراز بن عبد الله ~~الإينالي الأشرفي الدوادار الثاني PageV05P0019 # كان مقتولا بسيف الشرع بقلعة المرقب، في يوم السبت تاسع عشر جمادى ~~الأولى؛ ومات وقد زاد سنه على الستين. وحكاية تمراز هذا طويلة، وما وقع له ~~من ms3742 الحبس والنفي والمحن يطول الشرح في ذكره، استوعبنا غالب أموره في وقتها ~~في تاريخنا " حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور " . وبالجملة إن تمراز ~~هذا كان من مساوىء الدهر لفظا ومعنى عفا الله تعالى عنه. وتوفي الخواجا ~~التاجر بدر الدين حسن الطاهر اليمني الأصل والمولد والمنشأ، المكي الدار ~~والوفاة، شاه بندر جدة، بمكة في جمادى الأولى، وقد عمر وشاخ، وانتهت إليه ~~رئاسة التجار بمكة في كثرة المال والبخل، وقيل إنه كان زيدي المذهب مع جهل ~~مفرط، وبعد عن كل علم وفن. وتوفي قاضي القضاة شرف الدين يحيى بن سعد الدين ~~محمد بن محمد المناوي الشافعي، قاضي قضاة الديار المصرية وعالمها معزولا في ~~ليلة الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن من الغد بالقرافة الصغرى، وقد ~~زاد سنه على السبعين. وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلاة المؤمني، وكانت ~~جنازته مشهودة، وكثر أسف الناس عليه، لغزير فضله ودينه وحسن سيرته؛ ومات ~~ولم يخلف بعده مثله رحمه الله تعالى. وتوفي القاضي زين الدين عبد الغفار بن ~~مخلوف السمديسي المالكي، أحد نواب الحكم بالديار المصرية، وهو في آخر ~~الكهولية، وكان معدودا من فضلاء المالكية. وتوفي الإمام نور الدين علي بن ~~أحمد بن علي السويفي المالكي إمام السلطان، في يوم الخميس رابع عشر شهر ~~رجب، وهو في عشر المائة من العمر، بعد أن خدم عدة ملوك، وولي حسبة القاهرة ~~رحمه الله تعالى. وتوفي الحافظ تقي الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن قطب ~~الدين أحمد القلقشندي الشافعي، شيخ خانقاه سعيد السعداء الصلاحية في ليلة ~~الثلاثاء ثالث شعبان؛ ومولده في شهر رجب سنة سبع عشرة وثمانمائة. وكان من ~~الفضلاء، وصحبني سنين كثيرة، وسمعت أشياء عالية من الحديث بقراءته، ذكرنا ~~ذلك كله في ترجمته في " الحوادث " رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير شهاب ~~الدين أحمد بن ناصر الدين محمد، المعروف بابن قليب، حاجب حجاب طرابلس ~~وأستادار السلطان بها، في يوم الخميس خامس شعبان. وتوفي أميرزة بن شاه أحمد ~~بن قرا يوسف في يوم السبت رابع ذي القعدة، بالقاهرة بسكنه بباب الوزير خارج ms3743 ~~القاهرة، وسنه زيادة على ثلاثين سنة، وأظنه حفيد شاه أحمد بن قرا يوسف لا ~~ولده رحمه الله تعالى. وتوفي الأمير سيف الدين جانبك بن عبد الله الناصري، ~~المعروف بالمرتد، أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية بطالا بعدما شاخ وكبر ~~سنه. وكان من المهملين في أيام عمله وبطالته رحمه الله تعالى. أمر النيل في ~~هذه السنة: الماء القديم ستة أذرع وعشرون إصبعا. مبلغ الزيادة تسعة عشر ~~ذراعا سواء. ### | AUT سلطنة الظاهر أبي نصر يلباي الإينالي # المؤيدي PageV05P0020 # وهو السلطان التاسع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، والرابع عشر من ~~الجراكسة وأولادهم. تسلطن في آخر نهار السبت عاشر شهر ربيع الأول من سنة ~~اثنتين وسبعين وثمانمائة، قبل الغروب بنحو ثلاث درج رمل. وسبب تأخيره إلى ~~هذا الوقت أنه لما مات الملك الظاهر خشقدم بعد أذان ظهر يوم السبت المقدم ~~ذكره طلع الأتابك يلباي المذكور وجميع الأمراء إلى القلعة، وقبل أن يتكلموا ~~في ولاية سلطان أخذوا في تجهيز الملك الظاهر خشقدم والصلاة عليه، فغسلوه ~~وأخرجوه وصلوا عليه عند باب القلة، ونزلوا به إلى حيث دفن بمدرسته التي ~~أنشأها بالصحراء بالقرب من قبة النصر، وحضرت أنا دفنه، ولم يحضره من أعيان ~~الأمراء إلا جماعة يسيرة حسبما تقدم ذكره في وفاته؛ وهذا كله بخلاف العادة، ~~فإن العادة سلطنة سلطان، ثم يؤخذ في تجهيز السلطان الذي مات. ولما أنزل نعش ~~الملك الظاهر خشقدم من القلعة شرعوا عند ذلك في سلطنة الأتابك يلباي، وكان ~~قد انبرم أمره في ضحوة نهار السمبت هذا مع الأمراء ومماليك الملك الظاهر ~~خشقدم، وكبيرهم يوم ذاك خير بك الدوادار الثاني، وخشكلدي البيسقي أحد مقدمي ~~الألوف. ولما أذعن مماليك الظاهر الأجلاب بسلطنة يلباي لم يختلف عليه يومئذ ~~أحد، لأن الشوكة كانت للأجلاب، وهم أرادوه، والظاهرية الكبار تبع لهم، وأما ~~المؤيدية فخجداشيته، فتم أمره. وكيفية سلطنته أنه لما عادوا من الصلاة على ~~الملك الظاهر خشقدم جلسوا عند باب الستارة وقتا هينا، وإذا بالأمير خيربك ~~خرج من باب الحريم ومعه جماعة من خجداشيته وأخذوا الأتابك يلباي وأدخلوه من ms3744 ~~باب الحريم، ومضوا به إلى القصر السلطاني، وخاطبوه بالسلطنة، فامتنع ~~امتناعا هينا، فلم يلتفتوا إلى كلامه، وأرسلوا إلى الأمراء أحضروهم إلى ~~القصر من خارج، فوجدوا القصر قد سقط بابه، فدخلوا من الإيوان إلى القصر، ~~فتفاءل الناس زواله بسرعة، لغلق باب القصر. فدخلت الأمراء قبل أن يحضر ~~الخليفة والقضاة، وطال جلوسهم عنده، وقبلت الأمراء الأرض قبل المبايعة وهم ~~في هرج لإحضار الخليفة والقضاة إلى أن حضروا بعد مشقة كبيرة، لعسر طريق ~~القصر، إذ المصير إليه من الإيوان السلطاني، وأيضا حتى لبست الأمراء قماش ~~الموكب وتكاملوا بعد أن فرغ النهار. وقد أخذوا في بيعته وسلطنته، ولبسوه ~~خلعة السلطنة بالقصر، وجلس على تخت الملك من غير أن يركب فرسا بأبهة الملك ~~على العادة، وقبلوا الأمراء الأرض بين يديه وتم أمره، فكان جلوسه على كرسي ~~السلطنة قبل الغروب بثلاث درج حسبما تقدم ذكره. وخلع على الأمير تمربغا ~~أمير مجلس بالأتابكية، ثم خلع على الخليفة، فدقت البشائر، ونودي بسلطنته، ~~وتلقب بالملك الظاهر يلباي. والآن نشرع في التعريف به قبل أن نأخذ فيما وقع ~~له في سلطنته من الحوادث فنقول: أصله جاركسي الجنس، جلبه الأمير إينال ضضع ~~من بلاد الجاركس إلى الديار المصرية في عدة مماليك، فاشتراه الملك المؤيد ~~شيخ قبل سنة عشرين وثمانمائة، وأعتقه وجعله من جملة المماليك السلطانية، ~~وأسكنه بالقلعة بطبقة الرفرف. ثم صار خاصكيا بعد موت أستاذه، ودام على ذلك ~~إلى أن صار من أعيان الخاصكية. وأنعم الأشرف برسباي عليه بثلث قرية طحورية ~~من الشرقية، ثم نقله الملك العزيز يوسف ابن السلطان الملك الأشرف برسباي ~~إلى نصف بنها العسل بعد أيتمش المؤيدي. ثم صار ساقيا في أوائل دولة الملك ~~الظاهر جقمق، فلم تطل أيامه في السقاية، وأمره عشرة وجعله من جملة رؤوس ~~النوب، فدام على ذلك إلى أن تسحب الملك العزيز يوسف ابن الملك الأشرف ~~برسباي من قلعة الجبل واختفى إلى أن ظفر به يلباي هذا في بعض الأماكن، وطلع ~~به إلى الملك الظاهر جقمق، فأنعم عليه الملك الظاهر جقمق بقرية سرياقوس ~~زيادة ms3745 على ما بيده، وصار أمير طبلخاناه. ودام على ذلك إلى أن تسلطن الملك ~~المنصور عثمان ابن السلطان الملك الظاهر جقمق، فقبض على يلباي هذا وعلى ~~اثنين من خجداشيته: دولات باي الدوادار الكبير ويرشباي الأمير آخور الثاني، ~~وذلك في سنة سبع وخمسين، وحبس بثغر الإسكندرية إلى أن أطلقه الملك الأشرف ~~إينال من سجن الإسكندرية، وأطلق خجداشيته المذكورين، ووجهه إلى دمياط بطالا ~~ثم أحضره إلى القاهرة بعد أيام قليلة، فاستمر بطالا مدة يسيرة. وقتل الأمير ~~سونجبغا اليونسي الناصري ببلاد الصعيد، وكان سونجبغا هو الذي أخذ إقطاع ~~يلباي هذا PageV05P0021 # بعد مسكه، فأعاده الملك الأشرف إينال إليه، وصار على عادته أولا أمير ~~طبلخاناه إلى أن مات الأمير خير بك المؤيدي الأشقر الأمير آخور الثاني، ~~فنقل يلباي هذا إلى الأمير آخورية الثانية من بعده، فدام على ذلك إلى أن ~~أنعم عليه الملك الأشرف إينال بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية، فدام ~~على ذلك إلى أن نقله الملك الظاهر خشقدم إلى حجوبية الحجاب بالديار ~~المصرية، عوضا عن بيبرس خال العزيز، بحكم انتقاله إلى وظيفة رأس نوبة ~~النوب، بعد انتقال الأمير قانم إلى إمرة مجلس بعد انتقال قرقماس إلى إمرة ~~سلاح، بحكم انتقال جرباش إلى الأتابكية، عوضا عن الملك الظاهر خشقدم، وذلك ~~في يوم الأربعاء سابع شوال. فاستمر يلباي هذا على الحجوبية إلى أن نقله ~~الملك الظاهر خشقدم إلى الأمير آخورية الكبرى، بعد توجه برسباي البجاسي إلى ~~نيابة طرابلس، بعد القبض على الأمير إياس المحمدي الناصري، وذلك في يوم ~~الخميس سابع عشر المحرم سنة ست وستين. فدام يلباي هذا في هذه الوظيفة إلى ~~أن نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية بعد موت الأتابك قانم دفعة ~~واحدة، بعد أن كان يجلس في مجلس السلطان خامس رجل، وذلك في يوم الاثنين ~~ثامن عشر صفر سنة إحدى وسبعين وثمانمائة. واستمر على ذلك إلى أن مرض الملك ~~الظاهر خشقدم، وثقل في مرضه، وتكلم الناس فيمن يتسلطن فيما بينهم، فرشح ~~جماعة، فاختارت الأجلاب يلباي هذا، كونه أتابك العساكر وأيضا خجداش ~~أستاذهم، فتسلطن، ms3746 وتم أمره حسبما تقدم ذكره انتهى. قلت: ولما استمر جلوسه ~~بالقصر السلطاني رسم في الحال بسفر الأمير قرقماس أمير سلاح بمن كان عين ~~معه من الأمراء والمماليك السلطانية إلى الصعيد، وكان له أيام مقيما ~~بالمركب، وكذلك جميع من كان عين معه، وسافروا من يومهم أرسالا. ثم خلع ~~الملك الظاهر يلباي على الأتابك تمربغا في يوم الاثنين ثاني عشره خلعه نظر ~~البيمارستان المنصوري. و خلع على خجداشه الأمير قاني بك المحمودي المؤيدي ~~بإمرة مجلس عوضا عن الأتابك تمربغا، وأنعم عليه بإقطاع تمربغا أيضا. وخلع ~~على تمر المحمودي والي القاهرة خلعة الاستمرار، وكذلك على القاضي علم الدين ~~كاتب المماليك. وفيه ورد كتاب يشبك من مهدي كاشف الوجه القبلي يتضمن أنه ~~ولى سليمان بن عمر الهواري عوضا عن ابن عمه، وأنه لا حاجة له بتجريدة، فلم ~~يلتفت السلطان إلى مقالته في عدم إرسال تجريدة إلى بلاد الصعيد لغرض يأتي ~~بيانه. ثم في يوم الخميس خامس عشره خلع السلطان على جميع مباشري الدولة ~~باستمرارهم على وظائفهم. وفيه نودي بأن نفقة المماليك تكون من أول الشهر، ~~يعني أول ربيع الآخر. وفيه عمل المولد النبوي بالحوش على العادة. وقبل أن ~~يفرغ المولد ندب السلطان الأمير برسباي قرا الظاهري، والأمير جكم الظاهري، ~~وطرباي الظاهري البواب، أن يتجهزوا إلى الصعيد لمسك الأمير قرقماس أمير ~~سلاح والأمير قلمطاي رأس نوبة، والأمير أرغون شاه، ويتوجهوا بهم إلى حبس ~~الإسكندرية، ولم يعلم أحد ما الموجب لذلك. وفي يوم السبت سابع عشره أعاد ~~السلطان القاضي قطب الدين الخيضري مسكه، فأعاده الملك الأشرف إينال إليه، ~~وصار على عادته أولا أمير طبلخاناه إلى أن مات الأمير خير بك المؤيدي ~~الأشقر الأمير آخور الثاني، فنقل يلباي هذا إلى الأمير آخورية الثانية من ~~بعده، فدام على ذلك إلى أن أنعم عليه الملك الأشرف إينال بإمرة مائة وتقدمة ~~ألف بالديار المصرية، فدام على ذلك إلى أن نقله الملك الظاهر خشقدم إلى ~~حجوبية الحجاب بالديار المصرية، عوضا عن بيبرس خال العزيز، بحكم انتقاله ~~إلى وظيفة رأس نوبة النوب، ms3747 بعد انتقال الأمير قانم إلى إمرة مجلس بعد ~~انتقال قرقماس إلى إمرة سلاح، بحكم انتقال جرباش إلى الأتابكية، عوضا عن ~~الملك الظاهر خشقدم، وذلك في يوم الأربعاء سابع شوال. فاستمر يلباي هذا على ~~الحجوبية إلى أن نقله الملك الظاهر خشقدم إلى الأمير آخورية الكبرى، بعد ~~توجه برسباي البجاسي إلى نيابة طرابلس، بعد القبض على الأمير إياس المحمدي ~~الناصري، وذلك في يوم الخميس سابع عشر المحرم سنة ست وستين. فدام يلباي هذا ~~في هذه الوظيفة إلى أن نقل إلى أتابكية العساكر بالديار المصرية بعد موت ~~الأتابك قانم دفعة واحدة، بعد أن كان يجلس في مجلس السلطان خامس رجل، وذلك ~~في يوم الاثنين ثامن عشر صفر سنة إحدى وسبعين وثمانمائة. واستمر على ذلك ~~إلى أن مرض الملك الظاهر خشقدم، وثقل في مرضه، وتكلم الناس فيمن يتسلطن ~~فيما بينهم، فرشح جماعة، فاختارت الأجلاب يلباي هذا، كونه أتابك العساكر ~~وأيضا خجداش أستاذهم، فتسلطن، وتم أمره حسبما تقدم ذكره انتهى. قلت: ولما ~~استمر جلوسه بالقصر السلطاني رسم في الحال بسفر الأمير قرقماس أمير سلاح ~~بمن كان عين معه من الأمراء والمماليك السلطانية إلى الصعيد، وكان له أيام ~~مقيما بالمركب، وكذلك جميع من كان عين معه، وسافروا من يومهم أرسالا. ثم ~~خلع الملك الظاهر يلباي على الأتابك تمربغا في يوم الاثنين ثاني عشره خلعه ~~نظر البيمارستان المنصوري. و خلع على خجداشه الأمير قاني بك المحمودي ~~المؤيدي بإمرة مجلس عوضا عن الأتابك تمربغا، وأنعم عليه بإقطاع تمربغا ~~أيضا. وخلع على تمر المحمودي والي القاهرة خلعة الاستمرار، وكذلك على ~~القاضي علم الدين كاتب المماليك. وفيه ورد كتاب يشبك من مهدي كاشف الوجه ~~القبلي يتضمن أنه ولى سليمان بن عمر الهواري عوضا عن ابن عمه، وأنه لا حاجة ~~له بتجريدة، فلم يلتفت السلطان إلى مقالته في عدم إرسال تجريدة إلى بلاد ~~الصعيد لغرض يأتي بيانه. ثم في يوم الخميس خامس عشره خلع السلطان على جميع ~~مباشري الدولة باستمرارهم على وظائفهم. وفيه نودي بأن نفقة المماليك تكون ~~من أول الشهر، ms3748 يعني أول ربيع الآخر. وفيه عمل المولد النبوي بالحوش على ~~العادة. وقبل أن يفرغ المولد ندب السلطان الأمير برسباي قرا الظاهري، ~~والأمير جكم الظاهري، وطرباي الظاهري البواب، أن يتجهزوا إلى الصعيد لمسك ~~الأمير قرقماس أمير سلاح والأمير قلمطاي رأس نوبة، والأمير أرغون شاه، ~~ويتوجهوا بهم إلى حبس الإسكندرية، ولم يعلم أحد ما الموجب لذلك. وفي يوم ~~السبت سابع عشره أعاد السلطان القاضي قطب الدين الخيضري PageV05P0022 # إلى كتابة السر بدمشق، بعد عزل الشريف إبراهيم بن السيد محمد. وفيه أيضا ~~استقر الصارمي إبراهيم بن بيغوت الأعرج حاجب الحجاب بدمشق عوضا عن شرامرد ~~العثماني المؤيدي. وفيه وصل الخبر بقدوم الأمير أزبك رأس نوبة النوب من ~~تجريدة العقبة، بعد أن أمسك مباركا شيخ بني عقبة، الذي قطع الطريق على ~~إقامة الحجاج. ثم وصل الأمير أزبك في يوم الاثنين تاسع عشره، وخلع السلطان ~~عليه وعلى رفيقه الأمير جانبك قلقسيز حاجب الحجاب، ورسم بتسمير مبارك شيخ ~~بني عقبة المقدم ذكره ورفقته، وكانوا أزيد من أربعين نفرا، فسمروا الجميع، ~~وطيف بهم الشوارع، ثم وسطوا في آخر النهار عن آخرهم. وفي يوم الخميس ثاني ~~عشرينه ورد الخبر على الملك الظاهر يلباي بعصيان الأمير بردبك نائب الشام، ~~وأنه قتل جميع النواب المجردين معه لقتال شاه سوار بن دلغادر، وكان الأمر ~~غير ذلك. ووقع أمور حكيناها مفصلة في تاريخنا " حوادث الدهور في مدى الأيام ~~والشهور " محصولها أن بردبك المذكور كان تهاون في قتال شاه سوار المذكور، ~~وخذل العسكر الشامي لما كان في قلبه من الملك الظاهر خشقدم رحمه الله، فكان ~~ذلك سببا لكسر العسكر الشامي والحلبي وغيرهم ونهبهم، وقتل في هذه الواقعة ~~نائب طرابلس قاني باي الحسني المؤيدي، ونائب حماة تنم خوبي الحسيني ~~الأشرفي، وأتابك دمشق قراجا الخازندار الظاهري، وأتابك حلب قانصوه المحمدي ~~الأشرفي، وغيرهم من أمراء البلاد الشامية، وغيرهم حسبما يأتي ذكرهم في ~~الوفيات على عادة هذا الكتاب انتهى. قلت: وجاء هذا الخبر والديار المصرية ~~غير مستقيمة الأحوال لعم المدبر. والطرق مخيفة، والسبل غير آمنة. وما ذاك ~~إلا أن ms3749 الملك الظاهر يلباي لما تسلطن وتم أمره غطاه المنصب، وصار كالمذهول، ~~ولزم السكات وعدم الكلام، وضعف عن بت الأمور، وردع الأجلاب، بل صارت ~~الأجلاب في أيامه كما كانت أولا وأعظم، فلم يحسن ذلك ببال أحد، وصار الأمير ~~خيربك الدوادار الثاني هم صاحب الحل والعقد في مملكته، وإليه جميع أمور ~~المملكة. وشاع ذلك في الناس والأقطار، وسمته العوام: " أيش كنت أنا؟ قل له ~~" يعنون أن السلطان لما يسأل في شيء يقول: " أيش كنت أنا، قل لخيربك " ~~فبهذا وأشباهه اضطربت أحوال الديار المصرية. هذا مع ما ورد من البلاد ~~الحلبية من أمر شاه سوار، وقتل أكابر أمراء البلاد الشامية، ونهبه للبلاد ~~الحلبية، وأخذه قلاع أعمالها، وأن نائب الشام بردبك في أسره، وأن يشبك ~~البجاسي نائب حلب دخل إلى حلب على أقبح وجه، فصار الناس بهذا المقتضى ~~كالغنم بلا راع. فلما كان يوم الاثنين سادس عشرين ربيع الأول المذكور خلع ~~الملك الظاهر يلباي على الأمير أزبك من ططخ الظاهري رأس نوبة النوب ~~باستقراره في نيابة الشام عوضا عن بردبك الظاهري، بحكم انضمامه على شاه ~~سوار. وفيه استقر الأمير قاني بك المحمودي المؤيدي أمير مجلس أمير سلاح ~~عوضا PageV05P0023 # عن قرقماس الأشرفي بحكم القبض عليه وحبسه بالإسكندرية، واستقر قاني بك ~~المذكور مقدم العساكر لقتال شاه سوار بن دلغادر. وعين السلطان في هذا اليوم ~~عدة أمراء تجريدة لقتال شاه سوار؛ فعين من أمراء الألوف قاني بك المقدم ~~ذكره، وجانبك الإينالي الأشرفي المعروف بقلقسيز حاجب الحجاب، وبردبك هجين ~~أمير جاندار، وهؤلاء من أمراء الألوف، وعين أيضا عدة كثيرة من أمراء ~~الطبلخانات والعشرات يأتي ذكر أسمائهم يوم سفرهم من القاهرة، ثم عين صحبتهم ~~ستمائة مملوك من المماليك السلطانية. وفيه استقر الأمير إينال الأشقر ~~الظاهري نائب غزة في نيابة حماة، عوضا عن ابن المبارك؛ وكان الناصري محمد ~~بن المبارك قد استقر في نيابة حماة قبل تاريخه عوضا عن الأمير تنم الحسيني ~~الأشرفي، بحكم مرضه وعوده من تجريدة شاه سوار إلى حلب، وكان الناصري محمد ~~بن المبارك إلى الآن لم ms3750 يخرج من الديار المصرية، فعزل عنها قبل أن يحكمها ~~أو يتوجه إليها. وكان إينال الأشقر قدم إلى القاهرة مع الأمير أزبك من ~~تجريدة العقبة، ثم رشح ابن المبارك إلى نيابة غزة، فامتنع عن ولايتها. ثم ~~في يوم الخميس تاسع عشرين شهر ربيع الأول لبس إينال الأشقر خلعة السفر. ثم ~~في يوم السبت ثاني شهر ربيع الآخر ابتدأ السلطان بالنفقة على المماليك ~~السلطانية لكل واحد مائة دينار، ففرقت هذه النفقة على أقبح وجه؛ وهو أن ~~القوي يعطى، والغائب يقطع، والمسن يعطى نصف نفقة أو ربع نفقة، ومنع أولاد ~~الناس والطواشية من الأخذ، وعاداتهم أخذ النفقة، فأحدث الظاهر يلباي هذا ~~الحادث، وكثر الدعاء عليه بسبب ذلك، وتفاءل الناس بزوال ملكه لقطعه أرزاق ~~الناس، فكان كذلك. ومنع السلطان أيضا أمراء الألوف وغيرهم من النفقة، ولم ~~يعط إلا من كتب منهم إلى السفر لا غير، فبهذا المقتضى وأمثاله نفرت القلوب ~~من الظاهر يلباي، وعظمت الوقيعة في حقه، وكثرت المقالة في بخله، وعدت ~~مساوئه، ونسيت محاسنه إن كان له محاسن وصارت النفقة تفرق في كل يوم سبت ~~وثلاثاء طبقة واحدة أو أقل من طبقة، حتى تطول الأيام في التفرقة. وبالجملة ~~فكانت أيام الملك الظاهر يلباي نكدة، قليلة الخير، كثيرة الشر، وعظم الغلاء ~~في أيامه، وتزايدت الأسعار، وهو مع ذلك لا يأتي بشيء، وجوده في الملك وعدمه ~~سواء؛ فإنه كان سالبة كلية، لا يعرف القراءة ولا الهجاء، ولا يحسن العلامة ~~على المناشير والمراسم إلا بالنقط، مع عسر في الكتابة. وكان الناس قد أهمهم ~~أمر الجلبان أيام أستاذهم الملك الظاهر خشقدم، فزادوا بسلطنة الملك الظاهر ~~يلباي هذا هما على همهم. ثم في يوم الاثنين حادي عشرربيع الآخر استقر ~~الأمير جانبك قلقسيز أمير مجلس عوضا عن قاني باي المحمودي المنتقل إلى إمرة ~~سلاح، واستقر الأمير بردبك هجين عوضه حاجب الحجاب. وفيه أنعم السلطان على ~~الأمير قايتباي المحمودي الظاهري بإقطاع الأمير أزبك نائب الشام واستقر ~~عوضه أيضا رأس نوبة النوب، وأنعم بإقطاع الأمير قايتباي على الأمير سودون ~~القصروي نائب ms3751 القلعة، والإقطاع تقدمة ألف. وفيه أيضا استقر الأمير خشكلدي ~~البيسقي في تقدمة الألوف عوضا عن قاني باي المحمودي المؤيدي. ثم في يوم ~~الثلاثاء ثاني عشر ربيع الآخر استقر الأمير سودون البردبكي الفقيه المؤيدي ~~نائب قلعة الجبل بعد سودون القصروي. وفي يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر ~~رسم السلطان أن ينتقل الأمير إينال الأشقر المقدم ذكره من نيابة حماة إلى ~~نيابة طرابلس بعد فقد نائبها الأمير قاني باي المؤيدي الحسني في واقعة شاه ~~سوار، وذلك بسعي من إينال المذكور، وذلك قبل أن يصل إينال المذكور إلى ~~حماة. ثم في يوم الخميس رابع عشره استقر الناصري محمد بن المبارك في نيابة ~~حماة كما كان وليها أولا. وفيه استقر مغلباي الظاهري المحتسب شاد الشراب ~~خاناه بعد الأمير خشكلدي البيسقي، واستقر طرباي البواب محتسب القاهرة عوضا ~~عن مغلباي المذكور، واستقر سودون السيفي أحمد بن إينال أمير عشرة وأستادار ~~الضحبة، وسودون هذا من الأوباش الأطراف. وفيه أنعم السلطان على جماعة من ~~الأجلاب وغيرهم كل واحد بإمرة عشرة، والذين أعطوا أزيد من خمسة عشر نفرا. ~~فالذي أخذ من الأجلاب: أركماس البواب، وقايت البواب، وطرباي البواب الذي ~~ولي الحسبة، وأصباي البواب الذي كان قتل قتيلين أيام استاذه ولم ينتطح في ~~ذلك عنزان، وأصطمر PageV05P0024 # البواب، وجانم الدوادار، ومغلباي الساقي ابن أخت الأمير قايتباي. والذي ~~أخذ الإمرة منهم من الظاهرية الكبار: أزبك الساقي، وجانم قشير، وقانم أمير ~~شكار، وجكم قرا أمير آخور الجمال، وسودون الصغير الخازندار، وقرقماس أمير ~~آخور. والذي أخذ من السيفية: تمرباي التمرازي المهمندار، وبرسباي خازندار ~~يونس الدوادار. وفيه ورد الخبر بأن الأمير بردبك نائب الشام فارق شاه سوار، ~~وقدم إلى مرعش طائعا، ثم سار إلى منزلة قارا في يوم الخميس سابع عشر ربيع ~~الآخر. ثم في يوم السبت سادس عشره تواترت الأخبار أن الأمير بردبك جاوز ~~مدينة غزة، فندب السلطان الأمير تمرباي المهمندار، والأمير جكم الظاهري، أن ~~يخرجا إليه ويأخذاه، ويتوجها به إلى القدس الشريف بطالا. ثم في يوم الأحد ~~سابع عشر ربيع الآخر أضاف السلطان ms3752 الأمير أزبك نائب الشام، وخلع عليه ~~كاملية بفرو سمور بمقلب سمور، وهي خلعة السفر، فسافر في بكرة يوم الاثنين ~~ثامن عشره. وفي يوم الاثنين هذا قرىء تقليد السلطان الملك الظاهر يلباي ~~بالسلطنة، وخلع السلطان على الخليفة وكاتب السر والقضاة، وعلى من له عادة ~~بلبس الخلعة في مثل هذا اليوم. وأما أمر بردبك نائب الشام، فإن السلطان لما ~~أرسل تمرباي وجكم إلى ملاقاته وأخذه إلى القدس، وسارا إلى جهته، فبينما هم ~~في أثناء الطريق بلغهم أنه توجه إلى جهة الديار المصرية من على البدوية، ~~ولم يجتز بمدينة قطيا، وقيل إنه مر بقطيا لكنه فاتهم وأنه قد وصل إلى ~~القاهرة، فعادا من وقتهما؛ فلما وصل بردبك إلى ظاهر القاهرة أرسل إلى ~~خجداشه الأمير تمر والي القاهرة يعرفه بمكانه، فعرف تمر السلطان بذلك، فرسم ~~السلطان في الحال للأمير أزدمر تمساح الظاهري أن يتوجه إليه ويأخذه إلى ~~القدس بطالا، ففعل أزدمر ذلك. وقيل في مجيء بردبك غير هذا القول، واللفظ ~~مختلف والمعنى واحد. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره استقر الأمير جانبك ~~الإسماعيلي المؤيدي المعروف بكوهية أحد مقدمي الألوف أمير حاج المحمل، ~~واستقر تنبك المعلم الأشرفي ثاني رأس نوبة النوب أمير الركب الأول. ثم ~~استهل جمادى الأولى، أوله الأحد، والقالة موجودة بين الناس بركوب المماليك ~~الأجلاب، ولم يدر أحد صحة الخبر. غير أن الأمراء المؤيدية خجداشية السلطان ~~امتنعوا في هذه الأيام من طلوع الخدمة، مخافة من الأمير خيربك الدوادار ~~الثاني وخجداشيته الأجلاب أن يقبضوا عليهم بالقصر السلطاني، واتفقت ~~المؤيدية في الباطن مع الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار. كل ذلك والأمر ~~خفي على الناس، إلا السلطان فإنه يعلم بأمره، بل هو المدبر لهم فيما ~~يفعلونه في الباطن حسبما يأتي ذكره من الوقعة، وهي الواقعة التي خلع فيها ~~الملك الظاهر يلباي من السلطنة.، وجانم الدوادار، ومغلباي الساقي ابن أخت ~~الأمير قايتباي. والذي أخذ الإمرة منهم من الظاهرية الكبار: أزبك الساقي، ~~وجانم قشير، وقانم أمير شكار، وجكم قرا أمير آخور الجمال، وسودون الصغير ~~الخازندار، وقرقماس أمير آخور. والذي أخذ ms3753 من السيفية: تمرباي التمرازي ~~المهمندار، وبرسباي خازندار يونس الدوادار. وفيه ورد الخبر بأن الأمير ~~بردبك نائب الشام فارق شاه سوار، وقدم إلى مرعش طائعا، ثم سار إلى منزلة ~~قارا في يوم الخميس سابع عشر ربيع الآخر. ثم في يوم السبت سادس عشره تواترت ~~الأخبار أن الأمير بردبك جاوز مدينة غزة، فندب السلطان الأمير تمرباي ~~المهمندار، والأمير جكم الظاهري، أن يخرجا إليه ويأخذاه، ويتوجها به إلى ~~القدس الشريف بطالا. ثم في يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر أضاف السلطان ~~الأمير أزبك نائب الشام، وخلع عليه كاملية بفرو سمور بمقلب سمور، وهي خلعة ~~السفر، فسافر في بكرة يوم الاثنين ثامن عشره. وفي يوم الاثنين هذا قرىء ~~تقليد السلطان الملك الظاهر يلباي بالسلطنة، وخلع السلطان على الخليفة ~~وكاتب السر والقضاة، وعلى من له عادة بلبس الخلعة في مثل هذا اليوم. وأما ~~أمر بردبك نائب الشام، فإن السلطان لما أرسل تمرباي وجكم إلى ملاقاته وأخذه ~~إلى القدس، وسارا إلى جهته، فبينما هم في أثناء الطريق بلغهم أنه توجه إلى ~~جهة الديار المصرية من على البدوية، ولم يجتز بمدينة قطيا، وقيل إنه مر ~~بقطيا لكنه فاتهم وأنه قد وصل إلى القاهرة، فعادا من وقتهما؛ فلما وصل ~~بردبك إلى ظاهر القاهرة أرسل إلى خجداشه الأمير تمر والي القاهرة يعرفه ~~بمكانه، فعرف تمر السلطان بذلك، فرسم السلطان في الحال للأمير أزدمر تمساح ~~الظاهري أن يتوجه إليه ويأخذه إلى القدس بطالا، ففعل أزدمر ذلك. وقيل في ~~مجيء بردبك غير هذا القول، واللفظ مختلف والمعنى واحد. وفي يوم الثلاثاء ~~تاسع عشره استقر الأمير جانبك الإسماعيلي المؤيدي المعروف بكوهية أحد مقدمي ~~الألوف أمير حاج المحمل، واستقر تنبك المعلم الأشرفي ثاني رأس نوبة النوب ~~أمير الركب الأول. ثم استهل جمادى الأولى، أوله الأحد، والقالة موجودة بين ~~الناس بركوب المماليك الأجلاب، ولم يدر أحد صحة الخبر. غير أن الأمراء ~~المؤيدية خجداشية السلطان امتنعوا في هذه الأيام من طلوع الخدمة، مخافة من ~~الأمير خيربك الدوادار الثاني وخجداشيته الأجلاب أن يقبضوا عليهم بالقصر ~~السلطاني، ms3754 واتفقت المؤيدية في الباطن مع الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار. ~~كل ذلك والأمر خفي على الناس، إلا السلطان فإنه يعلم بأمره، بل هو المدبر ~~لهم فيما يفعلونه في الباطن حسبما يأتي ذكره من الوقعة، وهي الواقعة التي ~~خلع فيها الملك الظاهر يلباي من السلطنة. PageV05P0025 ### || AUT خلع الملك الظاهر يلباي من سلطنة مصر # PageV05P0026 # ولما كان عصر يوم الأربعاء رابع جمادى الأولى المقدم ذكره، وطلعت الأمراء ~~الألوف إلى القلعة ليبيتوا بالقصر على العادة، امتنعت المؤيدية عن الطلوع ~~بمن وافقهم ما خلا الأمير جانبك الإينالي الأشرفي المعروف بقلقسيز أمير ~~مجلس، وهو كبير الأشرفية الكبار يومئذ، فإنه طلع إلى القلعة ووافق الظاهرية ~~الكبار والظاهرية الصغار الأجلاب. فلما تكامل طلوع من طلع من الأمراء في ~~عصر يوم الأربعاء المذكور امتنع الأمير يشبك الفقيه المؤيدي الدوادار ~~الكبير وخجداشيته، وهم: الأمير قاني بك المحمودي المؤيدي أمير سلاح، ~~ومغلباي طاز الأبو بكري المؤيدي، وجانبك الإسماعيلي المؤيدي المعروف ~~بكوهية، وهؤلاء الأربعة مقدمو ألوف، وجماعة أخر من خجداشيتهم من أمر ~~الطبلخانات والعشرات، أجلهم الأمير طوخ الزردكاش، هو الذي حول غالب ما كان ~~بزردخانات السلطان من آلات الحرب والنفوط وغير ذلك إلى بيت الأمير يشبك ~~الدوادار، وانضم عليهم جماعة كثيرة من أمراء العشرات من الأشرفية الكبار ~~وخجداشيتهم أعيان الخاصكية، وغيرهم، بل غالب المماليك الأشرفية الكبار ~~والأشرفية الصغار وجماعة كثيرة أيضا من أمراء السيفية وأعيان خاصكيتهم، ~~فصاروا في عسكر كبير وجمع هائل إلى الغاية. لكن صار أمرهم لا ينتج في ~~القتال لعدم من يقوم بأمرهم، لأن يشبك الدوادار كان الملك الظاهر يلباي قد ~~وعده عندما أملاه ما يفعله من شأن هذه الوقعة أنه ينزل إليه ومعه الظاهرية ~~الكبار، وفاته الحزم فإنه لم يحسب أنه يصير هو كالأسير في أيدي الأجلاب إذا ~~حققوا وثوب الأمير يشبك وقتاله، فصار يشبك بسبب ذلك كالمقيد عن القتال لما ~~وقع القتال الآتي ذكره. وكان الملك الظاهر يلباي لما وافق يشبك الدوادار ~~على ما فعله قد ضاقت حصيرته، وتغلب مع خير بك والأجلاب، وخاف إن شرع في ~~القبض عليهم ms3755 لا يتم له ذلك، فرم هذه المرمة ليأخذ الثأر بيد غيره، وأنهم ~~إذا استفحل أمرهم يسألهم الملك الظاهر يلباي ما الغرض من ركوبهم؟ فيقولون: ~~غرضنا نزول الأجلاب من الأطباق وإبعاد خيربك وغيره من خجداشيته، ويكون هذا ~~القول عندما تنغلب الأجلاب، فإذا أذعنوا بالنزل من الأطباق، وخلت القلعة ~~منهم، فعل فيهم الملك الظاهر يلباي عند ذلك ما أراد. وكان هذا التدبير لا ~~بأس به لو أنه نزل إليهم في أوائل الأمر واجتمع بهم، أو طلعوا عنده وصاروا ~~يدا واحدة، ففاته ذلك، وأقام هو بالقلعة. وفهم خيربك والأجلاب أن ذلك كله ~~مكيدة منه لأخذهم فاحتاطوا به، واحتاجوا إلى الإذعان للظاهرية الكبار ~~ومطاوعتهم على أنهم يخلعون يلباي من السلطنة، ويولون أحدا من كبار أمراء ~~الظاهرية، فوافقتهم الظاهرية على ذلك، ومالوا إليهم. واستمالت الظاهرية ~~أيضا الأمير جانبك قلقسيز الأشرفي أمير مجلس، فمال إليهم، ووعدهم بممالأة ~~خجداشيته الأشرفية إليهم، وخذلان يشبك الدوادار، فعند ذلك صار الملك الظاهر ~~يلباي وحده أسيرا في أيدي القلعيين، فلما أصبحوا يوم الخميس خامس جمادى ~~الأولى أعلن الأمير يشبك الفقيه الوثوب على الخشقدمية، ولبسوا آلة الحرب، ~~وركب بمن معه من المؤيدية والأشرفية الكبار والأشرفية الصغار، والسيفية، ~~ولبسوا آلة الحرب، واجتمع عليهم خلائق من كل طائفة، ومالت زعر الديار ~~المصرية إليهم. وبلغ من بالقلعة أمرهم، فخافوهم خوفا شديدا، ولبسوا هم أيضا ~~آلة الحرب، ونزلوا بالسلطان الملك الظاهر يلباي إلى مقعد الإسطبل السلطاني ~~المطل على الرميلة، وشرعوا في قتال الأمير يشبك بمن معه في الأزقة والشوارع ~~بالصليبية، وهم لا يعلمون حقيقة أمر يشبك، ولم يقع بين الأجلاب والظاهرية ~~الاتفاق المذكور إلى الآن، فإن الاتفاق بما ذكرناه لم يقع بين الأجلاب ~~والظاهرية بالقلعة إلا في آخر يوم الخميس، وكذلك الاحتراز على السلطان لم ~~يقع إلا في آخر يوم الخميس. وأما أول نهار الخميس ما كانت القلعيون إلا ~~كالحيارى، ولما وقع القتال بين أصحاب يشبك وبين القلعيين تقاعد يشبك عن ~~القتال، ولم يركب بنفسه البتة، بل صار يترقب نزول السلطان إليه، هذا ~~والقتال واقع بين ms3756 الفريقين بشوارع الصليبية من أول النهار إلى آخره، وقتل ~~بين الفريقين جماعة كثيرة. فلما رأى الناس تقاعد يشبك بنفسه عن القتال ظنوا ~~أن ذلك عجز منه عن مقاومة القلعيين فنفر لذلك عنه خلائق، ووافق ذلك اتفاق ~~الظاهرية الكبار مع الأجلاب بالقلعة. وأصبح يوم الجمعة PageV05P0027 # سادس جمادى الأولى والقتال عمال بين الفريقين بشارع الصليبية من أول ~~النهار إلى آخره. فلما مالت الأشرفية الكبار إلى القلعيين وفارقت يشبك خارت ~~طباع الأشرفية الصغار ومالوا أيضا للقلعيين، وكانت القلعيون استمالتهم ~~أيضا، فما أمسى الليل إلا ويشبك الدوادار بقي وحده مع خجداشيته المؤيدية لا ~~غير. فلما رأى أمره آل إلى ذلك قام من وقته واختفى، وكذلك فعل غالب ~~خجداشيته المؤيدية لا غير. وأما الملك الظاهر يلباي فإنه لما نزل إلى ~~المقعد بالإسطبل السلطاني في باكر يوم الخميس، وشرع القتال بين القلعيين ~~وبين يشبك وأصحابه، كان حينئذ إلى ذلك الوقت في عز السلطان، ولم يظهر إلى ~~ذلك الوقت أن الذي قعله يشبك كان صادرا عنه وبتدبيره. فلما فهموا ذلك ~~وأبرموا أمرهم مع الظاهرية الكبار حسبما ذكرناه في أول الكلام، أخذوا في ~~مقته والازدراء به والتلويح له بما يكره، بل ربما صرح له ذلك بعضهم في ~~الوجه. وطال هذا الأمر والحصر عليه يومي الخميس والجمعة وليس له فيها إلا ~~الجلوس على المدورة، والأتابك تمربغا جالس بين يديه وقد رشح للسلطنة عوضه، ~~وهو يعرف هذا بالقرائن، لأن الذي بقي يطلع إلى القلعة من الطوائف طائعا ~~يبوس له الأرض ثم يقبل يد الأتابك تمربغا. هذا والأمير قايتباي المحمودي ~~رأس نوبة النوب، والأمير جانبك قلقسيز أمير مجلس بمن معهم من خجداشيتهم ~~الظاهرية والأشرفية ركاب على خيولهم، لإرسال الأمداد لقتال يشبك الدوادار. ~~فلما جاء الليل ليلة السبت أدخل يلباي إلى مبيت الحراقة، وبات به على هيئة ~~عجيبة، إلى أن أصبح النهار وأخذوه وطلعوا به إلى القصر الأبلق، وحبسوه في ~~المخبأة التي تحت الخرجة، بعد أن طلعوا به ماشيا على هيئة الخلع من ~~السلطنة، وأخذوا الناس في سلطنة الملك الظاهر تمربغا، وزال ms3757 ملك يلباي هذا ~~كأنه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه. وكانت مدة ملكه شهرين إلا أربعة ~~أيام، ليس له فيها إلا مجرد الاسم فقط. ولم نعلم أحدا من أكابر ملوك الترك ~~في السن، خاصة من مسه الرق، خلع من السلطنة في أقل من مدة يلباي هذا، وبعده ~~الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فإن مدة بيبرس أيضا كانت سنة تنقص ثلاثة ~~وعشرين يوما، ثم الملك العادل كتبغا المنصوري كانت مدة سلطنته سنتين وسبعة ~~عشر يوما، وأما الملك الظاهر برقوق فإنه خلع بعد سلطنته بنحو سبع سنين، ثم ~~أعيد. ومع هذه المدة اليسيرة كانت أيامه، أعني الملك الظاهر يلباي، أشر ~~الأيام وأقبحها. في أيامه زادت الأجلاب في الفساد، وضيقت السبل، وعظم قطع ~~الطرقات على المسافرين مصرا وشاما. وما برحت الفتنة في أيامه قائمة في ~~الأرياف قبليها وبحريها، وتوقفت أحوال الناس لا سيما الواردين من الأقطار، ~~وزادت الأسعار في جميع المأكولات، وضاعت الحقوق، وظلم الناس بعضهم بعضا، ~~وصار في أيامه كل مفعول جائزا، وما ذلك إلا لعدم معرفته، وسوء سيرته، وضعفه ~~عن تدبير الأمور، وبت القضايا وتنفيذ أحوال الدولة، وقلة عقله، فإنه كان في ~~القديم لا يعرف إلا بيلباي تلي، أي يلباي المجنون، فهذه كانت شهرته قديما ~~وحديثا في أيام شبيبته، فما بالك به وقد شاخ وكبرسنه، وذهل عقله، وقل نظره ~~وسمعه. وقد حكى الأمير برسباي قرا الخازندار الظاهري أنه، لما أخذه من ~~مخبأة القصر الأبلق وتوجه به إلى البحرة ليحبس بها فاجتاز به من طريق ~~الحريم السلطاني أنه عيي في الطريق وجلس ليستريح، ثم سأل الأمير برسباي ~~المذكور: " إلى أين أروح؟ " فقال له: " إلى البحرة يا مولانا السلطان ~~معزوزا مكرما " ، فقال: " والله ما أنا سلطان! أنا أمير! وما كنت أفعل ~~بالسلطنة، وقد كبر سني وذهل عقلي، وقل نظري وسمعي؟! بالله سلم على السلطان ~~وقل له إني لست بسلطان، وسله أن يرسلني إلى ثغر دمياط أو موضع آخر غير حبس، ~~فأكون فيه إلى أن أموت وأنا مأمون العاقبة، لأني ما عرفت أدبر المملكة ms3758 وأنا ~~مولى سلطانا، فكيف يقع مني ما يكرهه السلطان؟! " . ثم بكى أولى وثانية. قال ~~برسباي: فشرعت أزيد في تعظيمه، وأسليه، وأعده بكل خير " . والمقصود من هذه ~~الحكاية اعترافه بالعجز عن القيام بأمور المملكة. وبالجملة كانت سلطتنته ~~غلطة من غلطات الدهر. ودام الملك الظاهر يلباي بالبحرة إلى ليلة الثلاثاء ~~عاشر جمادى الأولى من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، فحمل إلى سجن ~~الإسكندرية في بحر النيل، ومسفره الأمير قانصوه اليحياوي PageV05P0028 # الظاهري المستقر في نيابة الإسكندرية بعد عزل كسباي المؤيدي وتوجهه إلى ~~دمياط بطالا. فحبس الملك الظاهر يلباي ببعض أبراج الإسكندرية إلى أن توفي ~~بحبسه من البرج بإسكندرية في ليلة الاثنين مستهل ربيع الأول من سنة ثلاث ~~وسبعين وثمانمائة، وقد جاوز السبعين من العمر. وكان ملكا ضخما، سليم ~~الباطن، مع قلة معرفته بأمور المملكة، بل بغالب الأمور، أميا لا يحسن ~~الكتابة ولا القراءة ولا الكلام العرفي إلا بمشقة. وكان في ابتداء أمره ~~يعرف بيلباي تلي أي مجنون. وكان عديم التجمل في ملبسه ومركبه ومماليكه ~~وسماطه، مشهورا بالبخر والشح. نالته السعادة في ابتداء أمره إلى يوم تسلطن. ~~تنقل في أوائل أمره من منزلة سنية إلى منزلة أخرى إلى يوم تسلطن، فلما ~~تسلطن كان ذلك نهاية سعده. وأخذ أمره من يوم جلس على تخت الملك في إدبار، ~~واعتراه الصمت والسكات، وعجز عن تنفيذ الأمور، وظهر عليه ذلك، بحيث إنه ~~علمه منه كل أحد، وصارت أمور المملكة جميعها معذوقة بالأمير خيربك ~~الدوادار، وصار هو في السلطنة حسا والمعنى خيربك، وكل أمر لا يبته خيربك ~~المذكور فهو موقوف لا يقضى. وعلم منه ذلك كل أحد، ولهجت العوام عنه بقولهم: ~~" أيش كنت أنا؟ قل له " ، يعنون بذلك أنه إذا قدمت له مظلمة أو قصة بأمر من ~~الأمور يقول لهم: " قولوا لخيربك " وأشياء من هذا النمط يطول شرحها، ذكرنا ~~غالبها في تاريخنا " الحوادث " مفصلة، كل واقعة في وقتها. وبالجملة إنه كان ~~رجلا ساكنا غير أهل للسلطنة رحمه الله تعالى، وعفا عنه.لمستقر في نيابة ~~الإسكندرية بعد عزل كسباي المؤيدي وتوجهه إلى ms3759 دمياط بطالا. فحبس الملك ~~الظاهر يلباي ببعض أبراج الإسكندرية إلى أن توفي بحبسه من البرج بإسكندرية ~~في ليلة الاثنين مستهل ربيع الأول من سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، وقد جاوز ~~السبعين من العمر. وكان ملكا ضخما، سليم الباطن، مع قلة معرفته بأمور ~~المملكة، بل بغالب الأمور، أميا لا يحسن الكتابة ولا القراءة ولا الكلام ~~العرفي إلا بمشقة. وكان في ابتداء أمره يعرف بيلباي تلي أي مجنون. وكان ~~عديم التجمل في ملبسه ومركبه ومماليكه وسماطه، مشهورا بالبخر والشح. نالته ~~السعادة في ابتداء أمره إلى يوم تسلطن. تنقل في أوائل أمره من منزلة سنية ~~إلى منزلة أخرى إلى يوم تسلطن، فلما تسلطن كان ذلك نهاية سعده. وأخذ أمره ~~من يوم جلس على تخت الملك في إدبار، واعتراه الصمت والسكات، وعجز عن تنفيذ ~~الأمور، وظهر عليه ذلك، بحيث إنه علمه منه كل أحد، وصارت أمور المملكة ~~جميعها معذوقة بالأمير خيربك الدوادار، وصار هو في السلطنة حسا والمعنى ~~خيربك، وكل أمر لا يبته خيربك المذكور فهو موقوف لا يقضى. وعلم منه ذلك كل ~~أحد، ولهجت العوام عنه بقولهم: " أيش كنت أنا؟ قل له " ، يعنون بذلك أنه ~~إذا قدمت له مظلمة أو قصة بأمر من الأمور يقول لهم: " قولوا لخيربك " ~~وأشياء من هذا النمط يطول شرحها، ذكرنا غالبها في تاريخنا " الحوادث " ~~مفصلة، كل واقعة في وقتها. وبالجملة إنه كان رجلا ساكنا غير أهل للسلطنة ~~رحمه الله تعالى، وعفا عنه. ### | AUT سلطنة الظاهر أبي سعيد تمربغا الظاهري # PageV05P0029 # وهو السلطان الذي تكمل به عدة أربعين ملكا من ملوك الترك وأولادهم ~~بالديار المصرية، والثاني من الأورام، إذا لم يكن الملك المعز أيبك ~~التركماني من الروم، والملك المنصور لاجين المنصوري، فإن كانا من الأورام، ~~فيكون الملك الظاهر تمربغا هذا الرابع منهم. وكان وقت سلطنته باكر نهار ~~السبت سابع جمادى الأولى من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة الموافق لثامن ~~كيهك بعد أن اتفق جميع أكابر الأمراء من سائر الطوائف على سلطنته. وقد جلس ~~بصدر المقعد بالإسطبل السلطاني المعروف بالحراقة، وحضر الخليفة المستنجد ms3760 ~~بالله أبو المظفر يوسف، والقاضي الشافعي والقاضي الحنفي، وتخلف المالكي ~~لتوعكه، والحنبلي لإبطائه، وحضر غالب أرباب الدولة والأعيان وبايعوه ~~بالسلطنة. فقام من وقته ودخل مبيت الحراقة، ولبس خلعة السلطنة السواد ~~الخليفتي. ثم خرج من المبيت المذكور وركب فرس النوبة من سلم الحراقة بأبهة ~~الملك، وركب الخليفة أمامه، ومشت أكابر الأمراء بين يديه، وجميع العسكر، ~~وحمل السنجق السلطاني على رأسه الأمير قايتباي المحمودي رأس نوبة النوب، ~~ولم تحمل القبة والطير على رأسه؛ فإنهم لم يجدوها في الزردخاناه، وكانت ~~أخذت فيما أخذ يوم الوقعة لما نقل طوخ الزردكاش ما في الزردخاناه، فجعلوا ~~السنجق عوضا عن القبة والطير. وسار الملك الظاهر تمربغا في موكب السلطنة ~~إلى أن طلع من باب سر القصر السلطاني، وجلس على تخت الملك، وقبلت الأمراء ~~الأرض بين يديه، وخلع على قايتباي رأس نوب النوب باستقراره أتابك العساكر ~~عوضا عن نفسه، ولقب بالملك الظاهر أبي سعيد تمربغا. وهذا ثالث سلطان لقب ~~بالملك الظاهر واحدا بعد واحد لم يكن بينهم أحد، ولم يقع ذلك في دولة من ~~الدول بسائر الأقطار. ودقت البشائر ونودي باسمه بشوارع القاهرة ومصر، وكان ~~حين سلطنته الثانية من النهار والساعة للمشتري، والطالع الجدي وزحل. وتم ~~أمر الملك الظاهر في الملك، وزالت دولة الملك الظاهر يلباي كأنها لم تكن. ~~وطلع الأعيان لتهنئته أفواجا، وسر الناس بسلطنته سرورا زائدا، تشارك فيه ~~الخاص والعام قاطبة، لكونه أهلا للسلطنة بلا مدافعة. فإننا لا نعلم في ملوك ~~مصر في الدولة التركية أفضل منه ولا أجمع للفنون والفضائل، مع علمي بمن ولي ~~مصر قديما وحديثا كما مر ذكره في هذا الكتاب، من يوم افتتحها عمرو بن العاص ~~رضي الله عنه إلى يوم تاريخه، ولو شئت لقلت: ولا من بني أيوب، مع علمي ~~محاسن السلطان صلاح الدين السعيد الشهيد، وما له من اليد البيضاء في ~~الإسلام، والمواقف العظيمة والفتوحات الجليلة، والهمم العالية أسكنه الله ~~الجنة بمنه وكرمه. غير أن الملك الظاهر تمربغا هذا في نوع تحصيل الفنون ~~والفضائل أجمع من الكل؛ فإنه يصنع القوس ms3761 بيده وكذلك النشاب، ثم يرمي بهما ~~رميا لايكاد يشاركه فيه أحد شرقا ولا غربا. انتهت إليه رئاسة الرمي في ~~زمانه، وله مع هذا اليد الطولى في فن الرمح وتعليمه، وكذلك البرجاس، وسوق ~~المحمل، وتعبئة العساكر. وأما فن اللجام ومعرفته، والمهماز وأنواع الضرب به ~~فلا يجارى فيهما، ويعرف فن الضرب بالسيف. وأما فن الدبوس فهو فيه أيضا ~~أستاذ مفتن، بل تلامذته فيه أعيان الدنيا، هذا مع معرفة الفقه على مذهب ~~الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه معرفة جيدة، كثير الاستحضار ~~لفروع المذاهب وغيرها، ثم مشاركة كبيرة في التاريخ والشعر والأدب والمحاضرة ~~الحسنة والمذاكرة الحلوة، مع عقل تام وتؤدة في كلامه ولفظه، غير فحاش ولا ~~سباب. وكان فيه أولا في مبدأ أمره بعيض شمم وتعاظم، فلما نقل إلى المناصب ~~الجليلة تغير عن ذلك كله، لاسيما لما تسلطن صار كالماء الزلال، وأظهر من ~~الحشمة والأدب والاتضاع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وبقي يقوم لغالب من ~~يأتيه من أصاغر طلبة العلم ذهابا وإيابا، ويجل العلماء والفقراء، وسلك مع ~~الناس مسالك استجلب بها قلوب الخاص والعام. PageV05P0030 # ولما دام جلوسه يومه كله بالقصر السلطاني جلوسا عاما لتهنئة الناس، وهنأه ~~الناس على قدر منازلهم، فصار يلقى كل من دخل إليه بالبشاشة والإكرام وحسن ~~الرد بلسان فصيح مع تؤدة ورئاسة وإنصاف، فتزايد سرور الناس به أضعاف مسرتهم ~~أولا. وبالله أقسم أني لم أر فيما رأيت أطلق وجها ولا أحسن عبارة ولا أحشم ~~مجلسا في ملوك مصر منه. ولما كان عصر نهار السبت المذكور أخذ الأمير قاني ~~بك المحمودي المؤيدي أمير سلاح من اختفائه ببيت الشيخ سيف الدين الحنفي، ~~فقيد وحبس بعد أن نهبت العامة بيته، وأخذت أمواله من غير إذن السلطان ولا ~~إذن أحد من أرباب الدولة، بل بأمر الغوغاء والسواد الأعظم يوم الوقعة عند ~~انهزام يشبك الفقيه الدوادار واختفائه. وكان هذا المسكين جميع ماله من ~~المال والسكر والقنود والأعسال والقماش في داره، فنهب ذلك جميعه، وما ذاك ~~إلا لصدق الخبر: " بشر مال البخيل ms3762 بحادث أو وارث " ، وكذلك العامة والغوغاء ~~في بيت الأمير يشبك الفقيه الدوادار، ولكن ما أخذ من بيت قاني بك من المتاع ~~والمال أكثر. وفيه شفع الأمير قايتباي المحمودي في الأمير مغلباي طاز ~~المؤيدي، فقبل السلطان شفاعته ورسم له بالتوجه إلى دمياط بطالا. وفيه رسم ~~السلطان بإطلاق الملك المؤيد أحمد ابن السلطان الملك الأشرف إينال من حبس ~~الإسكندرية، ورسم أن يسكن في الإسكندرية في أي بيت شاء، وأنه يحضر صلاة ~~الجمعة راكبا، وأرسل إليه فرسا بقماش ذهب. ثم رسم السلطان أيضا للملك ~~المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق بفرس بقماش ذهب وخلعة عظيمة، ورسم له ~~أن يركب ويخرج من أي باب شاء من أبواب الإسكندرية، وأنه يتوجه حيث أراد من ~~غير مانع يمنعه من ذلك. قلت: وفعل الملك الظاهر تمربغا هذا مع الملك ~~المنصور عثمان كان من أعظم المعروف، فإنه ابن أستاذه وغرس نعمة والده. وفيه ~~أيضا رسم السلطان بإطلاق الأمير قرقماس أمير سلاح، ورفيقيه قلمطاي وأرغون ~~شاه الأشرفيين من سجن الإسكندرية، وكتب أيضا بإحضار دولات باي النجمي ~~وتمراز الأشرفيين من ثغر دمياط. وكتب أيضا عدة مراسيم إلى البلاد الشامية ~~والأقطار الحجازية بإطلاق من بها من المحابيس الأشرفية وغيرهم، ومجيء ~~البطالين. وفيه رسم السلطان بأن كل من كانت له جامكية في بيت السلطان من ~~المماليك الإينالية الأشرفية وقطعت قبل تاريخه، تعاد إليه من غير مشورة، ~~فعم الناس السرور بهذه الأشياء من وجوه كثيرة، وتباشرت الناس بيمن سلطنته. ~~قلت: وقبل أن نشرع في ذكر حوادث السلطان نذكر قبل ذلك التعريف به ثم نشرع ~~في ذكر حوادثه، فنقول: أصل الملك الظاهر تمربغا هذا رومي الجنس من قبيلة ~~أرنؤوط، وجلبه بعض التجار في صغره إلى البلاد الشامية في حدود سنة أربع ~~وعشرين وثمانمائة، فاشتراه الأمير شاهين الزردكاش نائب طرابلس كان. ثم نقل ~~إلى ملك غيره إلى أن ملكه الملك الظاهر جقمق وهو يوم ذاك الأمير آخور ~~الكبير، فرباه الملك الظاهر وأدبه وأعتقه وجعله من جملة مماليكه الخواص به. ~~ودام على ذلك إلى أن تسلطن ms3763 فقربه وأدناه، وجعله خاصكيا سلاحدارا مدة، ثم ~~جعله خازندارا. ثم أمره في أواخر سنة ست وأربعين وثمانمائة إمرة عشرة عوضا ~~عن آقبردي الأمير آخور الأشرفي. واستمر على ذلك مدة طويلة، وهو معدود يوم ~~ذاك من خواص الملك، إلى أن نقله إلى الدوادارية الثانية عوضا عن دولات باي ~~المحمودي المؤيدي، بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف، فباشر تمربغا هذا ~~الدوادارية الثانية بحرمة وعظمة زائدة، ونالته السعادة، وعظم في الدولة، ~~وشاع اسمه في الأقطار، وبعد صيته، وقصدته أرباب الحوائج من البلاد ~~والأقطار، وصار أمر المملكة معذوقا به، والدوادار الكبير بالنسبة إليه في ~~الحرمة ونفوذ الكلمة كآحاد الدوادارية الصغار الأجناد. PageV05P0031 # واستمر على ذلك إلى أن مات الملك الظاهر جقمق رحمه الله تعالى، وتسلطن ~~بعده ولده الملك المنصور عثمان، فصار تمربغا عند ذلك هو مدبر المملكة وصاحب ~~عقدها وحلها، والملك المنصور معه حس في الملك والمعنى هو، لا سيما لما أمسك ~~الملك المنصور الأمير دولات باي الدوادار والأمير يلباي المؤيدي هذا الذي ~~تسلطن، والأمير يرشباي المؤيدي الأمير آخور الثاني. واستقر تمربغا هذا ~~دوادارا كبيرا عوضا عن دولات باي المذكور وبقي ملك مصر وأموره معذوقا به، ~~والناس تحت أوامره، فلم تطل أيامه بعد ذلك، ووقعت الفتنة بين الملك المنصور ~~عثمان وبين أتابكه الأشرف إينال، وهي الواقعة التي خلع فيها الملك المنصور ~~عثمان وتسلطن من بعده الأشرف إينال. ودام القتال بين الطائفتين من يوم ~~الاثنين إلى يوم الأحد، أعني سبعة أيام والقتال عمال بين الطائفتين، وكان ~~القائم بحرب إينال بالقلعة هو الملك الظاهر تمربغا مع خجداشيته الظاهرية، ~~والمعول عليه فيها، مع علمي بمن كان عند الملك المنصور غير تمربغا من أكابر ~~الأمراء، مثل تنم من عبد الرزاق أمير سلاح، والأمير قانى باى الجاركسي ~~الأمير آخور الكبير، ومع هذا كله كان أمر القتال وتحصين القلعة والقيام ~~بقتال الأتابك إينال متعلقا بالملك الظاهر تمربغا هذا. فلما تسلطن إينال ~~وانتصر أمسك الملك الظاهر تمربغا هذا وسجنه بالإسكندرية أشهرا، ثم نقله إلى ~~حبس الصبيبة بالبلاد الشامية، فحبس بالصبيبة أكثر من خمس ms3764 سنين. وكانت مدة ~~سجنه بإلاسكندرية والصبيبة نحو ست ستين، إلى أن أطلقه الملك الأشرف إينال ~~في أواخر سنة اثنتين وستين، وأمره أن يتوجه إلى دمشق ليتجهز بها، ويتوجه مع ~~موسم الحاج الشامي إلى مكة ويقيم بها. فسار إلى مكة وجاور بها سنة ثلاث ~~وستين، وكنت أنا أيضا مجاورا بمكة في تلك السنة، فتأكدت الصحبة بيني وبينه ~~بها، ووقعت لنا محاضرات ومجالسات. ودام هو بمكة إلى أن تسلطن الملك الظاهر ~~خشقدم في سنة خمس وستين وثمانمائة، فقدم القاهرة، فأجله الملك الظاهر، وزاد ~~في تعظيمه وأجلسه فوق جماعة كثيرة من أمراء الألوف الأعيان. ثم أنعم عليه ~~في يوم الاثنين سلخ ذي الحجة من سنة خمس وستين وثمانمائة المذكورة بإمرة ~~مائة وتقدمة ألف عوضا عن جانبك الأشرفي المشد بحكم القبض عليه، وخلع عليه ~~في اليوم المذكور باستقراره رأس نوبة النوب، عوضا عن بيبرس الأشرفي خال ~~الملك العزيز يوسف، بحكم القبض عليه أيضا، فدام على ذلك إلى أن أخرج الملك ~~الظاهر خشقدم الأتابك جرباش إلى ثغر دمياط بطالا، واستقر عوضه في الأتابكية ~~الأمير قانم أمير مجلس، فنقل الملك الظاهر تمربغا إلى إمرة مجلس عوضا عن ~~قانم المذكور، وذلك في شهر رمضان سنة تسع وستين وثمانمائة، فدام على إمرة ~~مجلس إلى أن مات الملك الظاهر خشقدم في عاشر شهر ربيع الأول. وتسلطن الملك ~~الظاهر يلباي، فصار الملك الظاهر تمربغا هذا أتابك العساكر عوضا عن الملك ~~الظاهر يلباي المذكور، فعند ذلك تحقق كل أحد أن الأمر يؤول إليه، فكان كذلك ~~حسبما تقدم ذكره. ولنعد الآن إلى ما وعدنا بذكره من الحوادث: ولما كان يوم ~~الاثنين تاسع جمادى الأولى أنعم السلطان الملك الظاهر تمربغا على جماعة من ~~الأمراء بعدة وظائف: فاستقر الأمير جانبك قلقسيز أمير مجلس أمير سلاح عوضا ~~عن قاني بك المحمودي المؤيدي بحكم القبض عليه. واستقر الشهابي أحمد بن ~~العيني الأمير آخور الكبير أمير مجلس عوضا عن جانبك قلقسيز. واستقر الأمير ~~بردبك هجين الظاهري حاجب الحجاب أمير آخورا كبيرا عوضا عن ابن العيني. ~~PageV05P0032 # واستقر الأمير ms3765 خير بك الظاهري الدوادار الثاني دوادارا كبيرا عوضا عن ~~يشبك الفقيه بحكم القبض عليه وإخراجه إلى القدس الشريف بطالا. واستقر ~~الأمير كسباي الظاهري أحد أمراء العشرات دوادارا ثانيا، عوضا عن خيربك. ~~واستقر الأمير خشكلدي البيسقي رأس نوبة النوب، عوضا عن الأتابك قايتباي. ~~واستقر الأمير قانصوه اليحياوي الظاهري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة في ~~نيابة الإسكندرية عوضا عن كسباي المؤيدي السمين بحكم عزله وتوجهه إلى دمياط ~~بطالا، بعد أن أنعم الملك الظاهر على قانصوه المذكور بإمرة طبلخاناه عوضا ~~عن طوخ الزردكاش، بحكم توجهه إلى دمياط بطالا. وفي ليلة الثلاثاء عاشره حمل ~~الملك الظاهر يلباي في النيل إلى إسكندرية ليسجن بها، ومسفره قانصوه ~~اليحياوي؛ وقد تقدم ذكر ذلك كله في ترجمة الظاهر يلباي. وفي يوم الثلاثاء ~~عاشره فرقت نفقة المماليك السلطانية، وهي تمام تفرقة يلباي التي كان أنفق ~~غالبها ولم يتم؛ ولم يفرق الملك الظاهر تمربغا نفقة على المماليك السلطانية ~~لقلة الموجود بالخزانة الشريفة. ورسم الملك تمربغا في هذا اليوم بإعطاء ~~أولاد الناس النفقة، الذين هم من جملة المماليك السلطانية، وكان الملك ~~الظاهر يلباي منعهم، فكثر الدعاء عليه بسبب ذلك حتى خلع، وأحوجه الله إلى ~~عشر من أعشارها. فلما أمر الملك الظاهر تمربغا بالنفقة عليهم كثر الدعاء له ~~بذلك. فلم يسلم من واسطة سوء وكلمة الشح مطاعة فتغير بعد ذلك، فقرأ بعض ~~أولاد الناس هذه الآية الشريفة: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم " - الرعد:11 - بذل و خشوع وكسر خاطر، فلم يفلح بعدها. ولم يقع ~~للظاهر تمربغا في سلطنته ما يعاب عليه إلا هذه القضية، فما شاء الله كان. ~~قلت: " واعجباه من رجل يملك تخت ملك مصر، ثم تضعف همته من إعطاء مثل هذا ~~النزر اليسير الذي يعوضه الملك العارف المدبر من أي جهة شاء من الجهات ~~الخفية عن العاري الضعيف التدبير، وتطلق عليه بعدم الإعطاء ألسنة الخاص ~~والعام، وتكثر الشناعة والقالة في حقه بسبب ذلك، ولكن العقول تتفاوت " . ~~وفيه أيضا قدم الأمير أزدمر تمساح إلى القاهرة بعدما أوصل ms3766 الأمير بردبك ~~الظاهري نائب الشام إلى القدس ليقيم به بطالا. وفي يوم الخميس ثاني عشره ~~خلع السلطان على الأتابك قايتباي خلعة نظر البيمارستان المنصوري، وكذلك خلع ~~على خيربك الدوادار الكبير، وعلى كسباي الدوادار الثاني، كليهما خلعة ~~الإنظار المتعلقة بوظائفهما. وفيه أنعم السلطان على ستة نفر بتقادم ألوف ~~بالديار المصرية، فرق عليهم من الإقطاعات الشاغرة، وأضاف إليها بلادا أخر ~~من الذخيرة السلطانية وغيرها، وهم: الأمير لاجين الظاهري، وسودون الأفرم ~~الظاهري الخازندار، وجانبك من ططخ الظاهري الفقيه الأمير آخور الثاني، وتمر ~~من محمود شاه الظاهري والي القاهرة. واستقر تمر المذكور حاجب الحجاب ~~بالديار المصرية دفعة واحدة عوضا عن الأمير بردبك هجين المنتقل إلى الأمير ~~آخورية الكبرى، وهؤلاء الأربعة مماليك الملك الظاهر جقمق. ثم أنعم على ~~الأمير تنبك المعلم الأشرفي رأس نوبة ثان أيضا بتقدمة ألف، ثم مغلباي ~~الظاهري شاد الشراب خاناه. فهؤلاء الستة المقدم ذكرهم، منهم تيبك مملوك ~~الأشرف برسباي، ومغلباي مملوك الظاهر خشقدم. ثم استقر برقوق الناصري ~~الظاهري شاد الشراب خاناه عوضا عن مغلباي. PageV05P0033 # واستقر تغري بردي ططر الظاهري نائب قلعة الجبل بعد عزل سودون البردبكي ~~الفقيه المؤيدي ونفيه. واستقر آصباي الظاهري أحد أمراء الأجلاب الذي كان ~~قتل قتيلين أيام أستاذه الملك الظاهر خشقدم، ولم ينتطح في ذلك شاتان والي ~~القاهرة عوضا عن تمر الظاهري. وفي يوم السبت رابع عشر جمادى الأولى المقدم ~~ذكره استقر الأمير تنبك المعلم أحد المقدمين أمير حاج المحمل، عوضا عن ~~جانبك كوهية. وكان تنبك هذا قد ولي قبل تاريخه إمرة الركب الأول، فلما صار ~~أحد مقدمي الألوف استقر أمير الحاج، وولي بعده بمدة تنبك الأشقر الأشرفي ~~أمير الركب الأول. وفيه كان تمام المماليك السلطانية بعد أن فرقت على أقبح ~~وجه وأظهر عجز، لأنهم لم ينفقوا على أحد من الأمراء إلا من ندب إلى السفر، ~~ولا على أولاد الناس، ولا على الخدام الطواشية، ولا على أحد من المتعممين، ~~ومع هذا كله فرقت النفقة في مدة طويلة كإعطاء المديون المماطل لغريمه. ولما ~~فرقت النفقة خلع السلطان على القاضي ms3767 علم الدين كاتب المماليك، وعلى ولده، ~~بالتحدث عن خوند زوجة السلطان في تعلقاتهما. وفيه استقر الأمير جكم الظاهري ~~أحد الأمراء الأجلاب حاجبا ثانيا عوضا عن الأمير قاني بك السيفي يشبك بن ~~أزدمر بحكم استعفائه عن الإمرة والوظيفة معا. وفي يوم الاثنين سادس عشره ~~استقر الأمير دولات باي حمام الأشرفي أحد أمراء العشرات رأس نوبة ثانيا ~~عوضا عن تنبك المعلم على إمرة عشرة كما كان أولا. وفيه استقر الأمير برسباي ~~قرا الظاهري أحد أمراء العشرات ورأس نوبة خازندارا عوضا عن سودون الأفرم ~~المنتقل إلى تقدمة ألف. واستقر فارس السيفي دولات باي أحد أمراء العشرات ~~زردكاشا عوضا عن طوخ الأبوبكري المؤيدي على إمرة عشرة، وفي آخر هذا النهار ~~وصل الأمير قرقماس أمير سلاح ورفيقاه قلمطاي وأرغون شاه من سجن الإسكندرية، ~~وباتوا بالميدان الناصري، وطلعوا من الغد إلى القلعة فقام السلطان إلى ~~قرقماس المذكور واعتنقه وأجلسه فوق أمير سلاح على ميسرته، ثم خلع عليه ~~كاملية بمقلب سمور، ونزل هو ورفيقاه إلى دورهم. وفيه فرق الملك الظاهر ~~تمربغا نحو سبعين مثالا، أعني سبعين إقطاعا، على جماعة من المماليك ~~السلطانية، الكثير والقليل. PageV05P0034 # وفي يوم الأربعاء ثامن عشره نفى السلطان خمسة أمراء من أمراء المؤيدية ~~إلى البلاد الشامية، وأخرج إقطاع بردبك الشمسي أحد أمراء العشرات وأبقي ~~بالقاهرة بطالا. والذين أخرجوا هم: سودون البردبكي الفقيه نائب القلعة، ~~وجقمق، وجانم كسا، وقاني باي ميق، وجانبك البواب، ومعهم جندي من المؤيدية ~~غير أمير يسمى خشكلدي قرا الحسني، وما على خشكلدي المذكور في نفيه أضر من ~~كثرة متحصل إقطاعه لا غير. وشفع في جانبك الزيني وتنم الفقيه وطوغان ميق ~~العمري ودولات باي الأبوبكري، فهؤلاء الذين بقوا بمصر من أمراء المؤيدية، ~~ثم بعيض أجناد لم يلتفت إليهم، وهم نحو من عشرين نفرا أو أقل كلهم من ~~المؤيدية. وفي يوم الخميس تاسع عشره أنعم السلطان الملك الظاهر تمربغا على ~~نحوعشرين نفرا بإمريات عشرة: من الأشرفية الكبار، ومن الظاهرية الكبار، ومن ~~الأشرفية الصغار، ومن الظاهرية الصغار الأجلاب ثم على بعض سيفية. وفيه وصل ms3768 ~~دولات باي النجمي وتمراز الساقي الأشرفيان من ثغر دمياط، وطلعا إلى السلطان ~~في يوم السبت. وفي يوم السبت حادي عشرينه أشيع بالقاهرة بإثارة فتنة وركوب ~~الأمراء على السلطان، ولم يعين أحد. وفيه اشيع بموت جهان شاه بن قرا يوسف ~~ملك الشرق والعراقين. وفي يوم الثلاثاء رابع عشرين جمادى الأولى المذكور ~~استقر الأمير أرغون شاه الأشرفي في نيابة غزة عوضا عن دمرداش العثماني قبل ~~أن يصل دمرداش المذكور إليها أو يحكمها. ثم استهل جمادى الآخرة أوله ~~الاثنين، ويوافقه أول طوبة. في يوم الثلاثاء ثانيه نودي من قبل السلطان بأن ~~السلطان ينزل إلى الإسطبل السلطاني في يومي السبت والثلاثاء للحكم بين ~~الناس وإزالة المظالم. وفي يوم الخميس رابعه استقر الأمير خيربك الدوادار ~~ناظر خانقاه سرياقوس وناظر خانقاه سعيد السعداء وناظر قبة الصالح، وذلك ~~عوضا عن الشهابي أحمد بن العيني أمير مجلس بحكم انحطاط قدره. وفيه وصل رأس ~~جهان شاه بن قرا يوسف ملك العراقين والشرق على ما زعم حسن بك بن علي بك بن ~~قرايلك متملك ديار بكر، وعلقت الرأس على باب الملك الأفضل بن شاهنشاه ~~المدعو الآن بباب زويلة أياما. وفي قتل حسن بك لجهان شاه المذكور روايات ~~كثيرة مختلفة يناقض بعضها بعضا. وفي ليلة السبت سادسه سافر الأمير قرقماس ~~أمير سلاح كان، إلى ثغر دمياط بطالا برغبته لذلك. وفي يوم الاثنين ثامنه ~~خلع الظاهر تمربغا على الأمير أزدمر تمساح بتوجهه إلى القدس الشريف وعلى ~~يده تقليد الأمير بردبك وتشريفه وعوده لنيابة حلب، عوضا عن يشبك البجاسي ~~بحكم عزله وحبسه بقلعة دمشق. وفي يوم الخميس حادي عشره خلع السلطان على ~~الأمير أزدمر الطويل الإبراهيمي القادم قبل تاريخه من دمشق بتوجهه إلى حلب، ~~وعلى يده مرسوم شريف بتوجه الأمير يشبك البجاسي نائب حلب إلى القدس بطالا، ~~ثم آل أمره إلى حبس دمشق؛ وأزدمر هذا خلاف أزدمر تمساح المقدم ذكره. وفي ~~يوم السبت ثالث عشره وصل الأمير سودون البرقي أحد أمراء الألوف بدمشق إلى ~~خانقاه سرياقوس، فمنعه السلطان من الدخول إلى الديار المصرية، ms3769 وأرسل إليه ~~بفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش وكاملية بمقلب سمور، وطيب خاطره. وفي يوم السبت ~~العشرين من جمادى الآخرة ضرب السلطان القاضي تقي الدين بن الطيوري الحلبي ~~الحنفي، المعروف بخروف، بالإسطبل السلطاني في الملأ ضربا مبرحا، لسوء سيرته ~~وقبح سريرته، وأرسله في الجنزير إلى بيت القاضي المالكي ليدعي عليه بأمور. ~~فاستمر في الجنزير إلى يوم الأحد ثامن عشرينه، فأحضروه إلى بيت القاضي كاتب ~~السر الشريف، فادعى عليه بأمر ذكرناه في " الحوادث " ، فحكم القاضي بدر ~~الدين محمد بن القطان الشافعي فيه، وضربه ثلاثين عصاة، وكشف رأسه، وأشهره ~~وهو مكشوف الرأس مقطع الأكمام إلى الحبس، ثم نفي بعد ذلك إلى جهة البلاد ~~الشامية. وفي هذه الأيام قويت الإشاعة بأن الأمير خيربك يريد القبض على ~~السلطان وعلى الأتابك قايتباي المحمودي إذا طلع إلى القلعة في ليالي ~~الموكب، وأنه قد اتفق مع خجداشيته الجراكسة الأجلاب على ذلك، الذين هم من ~~جنسه جنس أبزة، وأن خجداشيته الجراكسة تخالفه وتميل إلى الأمير كسباي ~~الدوادار الثاني، وكسباي المذكور هو صهر الملك الظاهر تمربغا أخو زوجة ~~السلطان. وأما الأتابك قايتباي فإنه أخذ حذره من هذه الإشاعة، واحترز على ~~نفسه، وامتنع في الغالب من الطلوع إلى PageV05P0035 # القلعة في ليالي الموكب وصلاة الجمعة مع السلطان، وصار يعتذر عن طلوع ~~القلعة بأمور مقبولة وغير مقبولة، لكن كان يطلع أيام الموكب في باكر النهار ~~بقماش الموكب وينزل في الحال؛ وكانت أعذاره عن الطلوع إلى القلعة بأنه تارة ~~يتوجه إلى الربيع وتارة بغير ذلك، والسلطان يسمع هذه الإشاعة ويعلم من ~~الأتابك قايتباي ما يفعله ولا ينكر عليه عدم طلوعه، ولا يجبره على الطلوع، ~~بل يتخوف هو أيضا على نفسه، ويأخذ قي إصلاح أمره بما هو أخف، فلا يسلم ممن ~~يسكن روعه وينفي عن خيربك المذكور هذه الإشاعة ممن له غرض في الباطن مع خير ~~بك. ثم يقوي جأش السلطان الأمير كسباي الدوادار مع كثرة خجداشيته، فإنه ~~مخالف لخجداشه خيربك الدوادار، ويميل إلى ظهره الملك الظاهر تمربغا. واستمر ~~هذا الحال جمادى الآخرة كلها، إلى ms3770 أن استهل شهر رجب أوله يوم الأربعاء. فيه ~~سأل الأتابك قايتباي السلطان أن يتوجه إلى ناحية مربط جماله على الربيع ~~ببعض قرى القليوبية من أعمال مصر، فأذن له السلطان في ذلك. فسافر الأتابك ~~إلى تلك الجهة، وغاب بها إلى يوم الأحد خامس رجب. فحضر إلى القرآن في آخر ~~النهار المذكور، ولم يطلع تلك الليلة إلى القلعة كعادة طلوعه قبل تاريخه في ~~ليالي الموكب، وامتنع أيضا من الطلوع في تلك الليلة جماعة أخر من مقدمي ~~الألوف، ولم يطلع إلا الأمير جانبك قلقسيز أمير سلاح، والشهابي أحمد بن ~~العيني أمير مجلس، وسودون القصروي، وتنبك المعلم الأشرفي، والأمير تمر حاجب ~~الحجاب، وخشكلدي البيسقي رأس نوبة النوب، وهو من أعظم أصحاب خير بك، وكذلك ~~الأمير مغلباي الظاهري.قلعة في ليالي الموكب وصلاة الجمعة مع السلطان، وصار ~~يعتذر عن طلوع القلعة بأمور مقبولة وغير مقبولة، لكن كان يطلع أيام الموكب ~~في باكر النهار بقماش الموكب وينزل في الحال؛ وكانت أعذاره عن الطلوع إلى ~~القلعة بأنه تارة يتوجه إلى الربيع وتارة بغير ذلك، والسلطان يسمع هذه ~~الإشاعة ويعلم من الأتابك قايتباي ما يفعله ولا ينكر عليه عدم طلوعه، ولا ~~يجبره على الطلوع، بل يتخوف هو أيضا على نفسه، ويأخذ قي إصلاح أمره بما هو ~~أخف، فلا يسلم ممن يسكن روعه وينفي عن خيربك المذكور هذه الإشاعة ممن له ~~غرض في الباطن مع خير بك. ثم يقوي جأش السلطان الأمير كسباي الدوادار مع ~~كثرة خجداشيته، فإنه مخالف لخجداشه خيربك الدوادار، ويميل إلى ظهره الملك ~~الظاهر تمربغا. واستمر هذا الحال جمادى الآخرة كلها، إلى أن استهل شهر رجب ~~أوله يوم الأربعاء. فيه سأل الأتابك قايتباي السلطان أن يتوجه إلى ناحية ~~مربط جماله على الربيع ببعض قرى القليوبية من أعمال مصر، فأذن له السلطان ~~في ذلك. فسافر الأتابك إلى تلك الجهة، وغاب بها إلى يوم الأحد خامس رجب. ~~فحضر إلى القرآن في آخر النهار المذكور، ولم يطلع تلك الليلة إلى القلعة ~~كعادة طلوعه قبل تاريخه في ليالي الموكب، وامتنع أيضا ms3771 من الطلوع في تلك ~~الليلة جماعة أخر من مقدمي الألوف، ولم يطلع إلا الأمير جانبك قلقسيز أمير ~~سلاح، والشهابي أحمد بن العيني أمير مجلس، وسودون القصروي، وتنبك المعلم ~~الأشرفي، والأمير تمر حاجب الحجاب، وخشكلدي البيسقي رأس نوبة النوب، وهو من ~~أعظم أصحاب خير بك، وكذلك الأمير مغلباي الظاهري. فهؤلاء السبعة الذين ~~طلعوا إلى القلعة في تلك الليلة من مقدمي الألوف. وأذن المغرب وهم بالقلعة، ~~وصلوا مع السلطان الملك الظاهر تمربغا صلاة المغرب. ثم دخل الملك الظاهر ~~إلى الخرجة المطلة على الرميلة على العادة، وجلس بها. ### || AUT خلع السلطان الظاهر أبو سعيد تمربغا # PageV05P0036 # ولما دخل الملك الظاهر تمربغا إلى الخرجة المقدم ذكرها وجلس بها سمع ~~بالقصر بعض هرج بخارج القصر، فسأل عن الخبر، فقيل له ما معناه: " الأجلاب ~~بينهم كلام " . فراب السلطان ذلك، فطلب خير بك الدوادار، فدخل عليه، فأخذ ~~السلطان يتكلم معه وهو يتبرم من وجع رجليه على ما زعم. ولم يطل جلوسه عند ~~السلطان، وخرج إلى خارج القصر. فعظم الهرج بالقصر، فأزعج السلطان ذلك، فقام ~~وخرج إلى القصر، فلم يجلس به إلا يسيرا وأشار عليه بعض أصاحبه بالدخول إلى ~~الخرجة، فعاد إليها، وطلب الأمير خشكلدي البيسقي رأس نوبة النوب وسأله عن ~~أمر هؤلاء، فذكر أنه لا يعرف ما هم فيه. وقام السلطان وصلى العشاء داخل ~~الخرجة، وهذا بخلاف العادة، وصلى خشكلدي معه. ثم خرج وقد عظم الهرج، وضرب ~~أصحاب خيربك الأمير طرباي المحتسب أحد أصحاب كشباي الدوادار ضربا مبرحا ~~أشفى منه على الهلاك، ونالوا من كسباي أيضا، وضربوه ضربا ليس بذاك؛ كل ذلك ~~لدفع كسباي وطرباي المكروه عن السلطان. وكان من الاتفاق الغريب أن الجراكسة ~~أصحاب كسباي لم يطلع منهم في تلك الليلة إلا أناس قليلة وطلع من أصحاب ~~خيربك جنس أبزة خلائق باتفاق من خيربك. فلما وقع ذلك تحقق الملك الظاهر ~~تمربغا وقوع شيء، ولم يسعه إلا السكات. وكان عند السلطان جماعة من خجداشيته ~~الأمراء، والسلطان ومن عنده كالمأسورين في يد الأجلاب. ثم تفرقت الأجلاب ~~إلى الأطباق بقلعة ms3772 الجبل، ولبسوا آلة الحرب وعادوا إلى القصر بقوة زائدة ~~وأمر كبير، وتوجه بعضهم لإحضار الخليفة، وتوجه بعضهم لنهب الحريم السطاني ~~بداخل الدور. ثم أغلق باب الخرجة من قبل السلطان كأنه مخافة من هجوم بعض ~~الأجلاب عليه. ثم وقعت أمور سمعناها بالزائد والناقص على قدر الروايات، ~~فإننا لم نحضر شيئا من ذلك، وآل الأمر إلى الدخول على السلطان وإخراج ~~خجداشيته من عنده، ثم أرادوا إخراج من بقي عنده من السقاة، فمنعهم السلطان ~~من ذلك قليلا، ثم سكت، فأخرجوهم، وبقي السلطان في جماعة يسيرة من مماليكه ~~وغيرهم. ثم بعد ساعة دخل على السلطان ثلاثة أنفار من الجلبان ملبسة وهم ~~ملثمون، وأرادوا منه أن يقوم وينزل إلى المخبأة التي تحت الخرجة، فامتنع ~~قليلا، ثم قام معهم مخافة من الإخراق. وأخذوه وأنزلوه إلى المخبأة من غير ~~إخراق ولا بهدلة، وأنزلوا فرشا ومقعدا، ونزل معه بعض مماليكه وبعض الأجلاب ~~أيضا، وأغلقوا عليه الطابقة. وأخذوا النمجة والدرقة والفوطة ودفعوهم إلى ~~خير بك، بعد أن أطلقوا عليه اسم السلطان، وباس له الأرض جماعة من أعيان ~~الأمراء، وقيل إنهم لقبوه بالملك العادل، كل ذلك بلا مبايعة ولا إجماع ~~الكلمة على سلطنته، بل بفعل هذه الأجلاب الأوباش، غير أن خيربك لما أخذ ~~النمجة والدرقة حدثته نفسه بالسلطنة، وقام وأبعد في تدبير أمره وتحصين ~~القلعة. وأما الملك الظاهر تمربغا لم يتم جلوسه بالمخبأة حتى أنزلوا عنده ~~جماعة كبيرة من خجداشيته الأمراء واحدا بعد واحد حتى تكمل عدتهم ثمانية أو ~~تسعة، وهم: الأمير تمر حاجب الحجاب، وبرقوق المشد، وبرسباي قرا الخازندار، ~~وأزبك ناظر الخاص، وتغري بردي ططر نائب القلعة، وقاني باي الساقي، وقاني ~~بك، وقجماس، واثنان آخران. وقعد عندهم جماعة من الأجلاب كما تقدم ذكره. ~~وأما الأمير بردبك هجين الأمير آخور الكبير فإنه بلغه الخبر في أوائل الأمر ~~فلم يكذب ما سمع، ونزل من الإسطبل السلطاني من وقته، وأرسل أعلم الأتابك ~~قايتباي بما وقع. فركب الأتابك في الحال هو وأصحابه وخجداشيته، وقد انضم ~~عليه الأشرفية الكبار والأشرفية الصغار بعد أمور وقعت، ms3773 فحضر الأتابك ~~قايتباي إلى بيت قوصون الذي سد بابه من تجاه القلعة. فلم يكد جلوس السلطان ~~الملك الظاهر تمربغا بالمخبأة إلا وقد انتشر أصحاب قايتباي بالرملة، ورآهم ~~السلطان الملك الظاهر تمربغا من شباك المخبأة المطل على الرملة في جمع ~~كثير، وذلك قبل نصف الليل، لأن إنزال الملك الظاهر تمربغا إلى المخبأة كان ~~بالتقريب قبل ثلث الليل الأخير، والخبر الذي ورد على الأمير بردبك هجين كان ~~بعد عشاء الآخرة. وأما خيربك الدوادار الكبير فإنه لما أخذ النمجة والدرقة ~~شرع في إصلاح PageV05P0037 # أمره ليتم له ما أراد من ملك مصر، ونزل إلى الإسطبل السلطاني في جمع كبير ~~من خجداشيته الأجلاب، ووقف بداخل باب السلسلة يترقب من يجيء إليه من ~~الرملة. والذي بلغني من غير ثقة أن جماعة من الطوائف المشهورة كانوا وافقوه ~~على أن يفعل ما فعل، وأنهم معه على السراء والضراء وفي كل ما يرومه. فلما ~~طال وقوف خيربك ولم يطلع إليه أحد، علم أنهم خذلوه وغرروا به، فندم حيث لا ~~ينفعه الندم، ولم يسعه إلا إتمام ما فعل. فعاد خيربك إلى القلعة بعد أن أمر ~~الأجلاب أن يصعدوا على سور القلعة ويقاتلوا من بالرملة من أصحاب قايتباي، ~~ففعلوا ذلك، وقاتلوا قتالا جرح فيه جماعة من الفريقين، وقتل جماعة. وطلع ~~خيربك إلى القصر، وقد علم أن أمره تلاشى وأدبرت سعادته. وبينما هو في ذلك ~~فر عنه غالب أصحابه الكبار مثل خشكلدي ومغلباي وغيرهما، فعند ذلك لم يجد ~~خيربك بدا من الإفراج عن الملك الظاهر تمربغا ومن معه من خجداشيته ~~ومماليكه، فأخرجوهم ونزل خيربك على رجل الملك الظاهر تمربغا يقبلها، ويبكي ~~ويسأله العفو عنه، وقد أبدى من التضرع أنواعا كثيرة، فقبل السلطان عذره. ~~هذا وقد جلس السلطان الملك الظاهر تمربغا موضع جلوس السلطان على عادته، ~~وأخذ النمجة والدرقة، وقد انهزم غالب الأجلاب، ونزلوا من القلعة لا يلوي ~~أحد منهم على أحد؛ كل ذلك والأتابك قايتباي بمن معه من الأمراء بالرملة. ~~فلما تم جلوس الملك الظاهر تمربغا بالقصر على عادته، أمر من كان ms3774 عنده من ~~أكابر الأمراء بالنزول إلى الأتابك قايتباي لمساعدته؛ والذين أرسلهم هم: ~~الأمير جانبك قلقسيز أمير سلاح، وسودون القصروي، وتنبك المعلم. فهؤلاء ~~الثلاثة وأمثالهم كانوا عند خيربك في وقت مسك الملك الظاهر تمربغا وفي ~~قبضته، وقد أظهروا لة الطاعة إما غصبا على ما زعموا، وإما رضى على ما زعم ~~بعضهم. ثم أرسل السلطان بمن كان عنده ومحبوسا معه مثل الأمير تمر حاجب ~~الحجاب وبرقوق شاد الشراب خاناه وغيرهما. وكان إنزال هؤلاء الأمراء إلى ~~الأتابك قايتباي هفوة من الملك الظاهر تمربغا، فإنه لو لم يكن نزولهم ما ~~كان ينبرم للأتابك قايتباي في غيبتهم أمر. كل ذلك والخلائق تطلع إلى الملك ~~الظاهر تمربغا أفواجا أفواجا تهنئه بالنصر وبعوده إلى ملكه، والعساكر وقوف ~~بين يديه. وطلع السيفي تنم الأجرود الظاهري الخاصكي إلى السلطان، فلما رأى ~~خيربك الدوادار واقفا بين يدي السلطان أراد قتله بالسيف، فمنعه الملك ~~الظاهر من ذلك، ثم أمر بحبسه داخل خزانة الخرجة فحبس بها. ولما تم أمر ~~الأتابك قايتباي من قتال الأجلاب وانتصر، طلع بمن باب السلسلة، وجلس بمقعد ~~الإسطبل. وكان لهج بعضى الأمراء عند طلوع قايتباي إلى الإسطبل بأن قال: " ~~الله ينصر الملك الناصر قايتباي " ، وسمع بعض الناس ذلك. ولما جلس الأتابك ~~قايتباي بمقعد الحراقة بتلك العظمة الزائدة كلمه PageV05P0038 # بعض الأمراء في السلطنة، وحسنوا له ذلك، فأخذ يمتنع امتناعا ليس بذاك، ~~إلى أن قام بعضهم وقبل الأرض له، وفعل غيره كذلك، فامتنع بعد ذلك أيضا، ~~فقالوا: " ما بقي يفيد الامتناع، وقد قبلنا لك الأرض. فإما تذعن وإما نسلطن ~~غيرك " . فأجاب عند ذلك. فقال بعض الظرفاء: " جلوسه بالمقعد والملك الظاهر ~~تمربغا بالقصر كان ذلك إجابة منه، وإلا لو لم يكن له غرض في ذلك كان طلع ~~إلى القصر عند السلطان دفعة واحدة " . فلما تم أمر الأتابك قايتباي في ~~السلطنة، طلع الأمير يشبك من مهدي الظاهري الكاشف بالوجه القبلي إلى الملك ~~الظاهر تمربغا، وعرفه بسلطنة قايتناي، وأخذه ودخل به إلى خزانة الخرجة ~~الصغيرة، وقد حبس بها خيربك قبل ذلك كما تقدم. ms3775 ولما استقر الملك الظاهر ~~تمربغا بالخزانة المذكورة، كلمه يشبك من مهدي في أنه يتوجه إلى البحرة، أو ~~هو أراد، فقبل أن يقوم من مجلسه تناول يشبك من يده النمجة والدرقة ودفعهما ~~إلى تمراز الأشرفي، فأخذهما تمراز وتوجه إلى الأتابك قايتباي. وقام الملك ~~الظاهر تمربغا وتوجه في الحال إلى البحرة مكرما مبجلا، وبين يديه يشبك من ~~مهدي المذكور وغيره، وسار إلى البحرة من داخل الحريم السلطاني وجلس ~~بالبحرة. وتم أمر قايتباي في السلطنة حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ~~واستمر جلوس الملك الظاهر تمربغا بالبحرة وأصحابه وحواشيه تترد إليه من غير ~~مانع يمنعهم من ذلك، والملك الأشرف قايتباي يظهر تعظيمه وإكرامه بكل ما تصل ~~قدرته إليه. فلما كان ليلة الأربعاء ثامن شهر رجب المذكور رسم السلطان ~~الملك الأشرف بسفره إلى ثغر دمياط، برغبة الملك الظاهر تمربغا في ذلك. فلما ~~كان بين العشاءين من ليلة الأربعاء خرج الملك الظاهر تمربغا من قاعة البحرة ~~وفي خدمته الخدام وغيرهم، وسار من الحوش السلطاني إلى داخل الحريم، وعرف ~~الملك الأشرف قايتباي وقت خروجه من البحرة، فقام من خرجة القصر مسرعا في ~~مشيه إلى أن وافى الملك الظاهر تفربغا بدهليز الدور السلطانية عند الشيخ ~~البرديني، فبادره السلطان الملك الأشرف قايتباي بالسلام، فاعتنقه وأهوى إلى ~~يده ليقبلها، فمنعه الملك الظاهر تمربغا من ذلك. ثم أخذ الأشرف في إلاعتذار ~~له مما وقع منه، والملك الظاهر يقبل منه عذره، ويظهر له الفرح التام ~~بسلطنته، لأنه خجداشه، وآمن على نفسه في دولته. هذا والملك الأشرف مستمر ~~على إكرامه وتعظيمه إلى غاية ما يكون، ثم تكلم معه سرا في خلوة، لأن ~~السلطان كان حضر معه الأتابك جانبك قلقسيز، ويشبك من مهدي، وتمر حاجب ~~الحجاب، وجماعة أخر من خواص الملكين وخجداشيتهما، وطال الوقوف بينهما ساعة ~~جيدة، ثم تعانقا وتباكيا، وافترقا على أحسن وجه وأجمل حال. ثم نزل الملك ~~الظاهر تمربغا وركب فرسا كعادته من خيله الجياد، بعد أن ودعه أيضا الأمراء ~~الذين كانوا جاؤوا مع الملك الأشرف. ولما قبل الأمير يشبك ms3776 من مهدي يد الملك ~~الظاهر تمربغا دفع له ألفي دينار، وقنطاري سكر مكرر، وغير ذلك. وسار الملك ~~الظاهر تمربغا من القلعة إلى ساحل النيل وهو في غاية الحشمة في مسيره من ~~غير أوجاقي يركب خلفه بالسكين، كما هي عادة الأمراء ولا غير ذلك؛ والذين ~~ساروا معه غالبهم كالمودعين له. فلما وصل إلى المركب نزل إليها، بعد أو ~~ودعه من كان وصل معه إلى البحر من أعيان خجداشيته الأمراء، وسافر من وقته ~~من غير أن يتوجه معه مسفر من الأمراء ولا غيرهم، بل سار هو بنفسه كما يسافر ~~الشخص إلى جهة تعلقه، وهذا بعد أن رسم له الملك الأشرف بالركوب بثغر دمياط ~~إلى حيث أراد من سائر الجهات برا وبحرا، وأشياء كثيرة من هذه المقولة حتى ~~سير معه السلطان فرسا في المواكب. وسافر الملك الظاهر تمربغا حتى وصل إلى ~~ثغر دمياط ونزلها، وسكن بأحسن دورها ومعه حشمه وخدمه وبعض حرمه. ودام ~~بالثغر إلى. ### | AUT سلطنة الأشرف قايتباي المحمودي # PageV05P0039 # وهو السلطان الحادي والأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، ~~والخامس عشر من الجراكسة وأولادهم. وأمر سلطنته وكيفيتها أنه لما خلع الملك ~~الظاهر تمربغا وتم أمر قايتباي هذا بالإسطبل السلطاني جلس بمبيت الحراقة من ~~الإسطبل المذكور، وحضر الخليفة والقضاة، وبايعوا الأتابك قايتباي بالسلطنة ~~ولبس خلعة السلطنة السواد الخليفي من مبيت الحراقة، وركب فرس النوبة بقماش ~~ذهب بأبهة الملك، وحمل الأمير جانبك الإينالي الأشرفي المعروف بقلقسيز أمير ~~سلاح السنجق على رأسه، وذلك لفقد القبة والطير من الزردخاناه السلطانية فى ~~واقعة الملك الظاهر يلباي، وسار وجميع العسكر بين يديه إلى أن طلع من باب ~~سر القصر، ودخل إلى القصر الكبير، وجلس على تخت الملك، وقبلت الأمراء الأرض ~~بين يديه على العادة. وتم أمره، ونودي في الحال بسلطنته بشوارع القاهرة، ~~وتلقب بالملك الأشرف، ودقت البشائر، وخلع على الخليفة على العادة، وعلى ~~جانبك قلقسيز أمير سلاح باستقراره أتابك العساكر عوضا عن نفسه. وكانت ~~العادة أن الأمير الكبير يلبس ليوم خلعة حمل القبة والطير على رأس السلطان، ~~ثم ms3777 بعد ذلك يلبس خلعة الأتابكية فيما بعد، فالآن اقتصروا على خلعة واحدة، ~~ووفر غيرها. ثم دخلت الناس لتهنئته بالسلطنة أرسالا إلى أن انتهى ذلك. وكان ~~وقت بيعته بالسلطنة قبل أذان الظهر من يوم الاثنين سادس رجب من سنة اثنتين ~~وسبعين وثمانمائة بثماني عشرة درجة، والساعة للشمس، والطالع الثور والزهرة، ~~وهو أيضا يوم سادس أمشير لأن الشهر العربي والقبطي توافقا في هذا الشهر ~~والشهر الخارج أيضا. وفي هذه السنة حكم فيها أربعة سلاطين. وقبل أن نشرع في ~~ذكر حوادثه وأموره نشرع في التعريف به فنقول: أصل الملك الأشرف قايتباي هذا ~~أنه جاركسي الجنس، جلب من بلاده إلى الديار المصرية في حدود سنة تسع ~~وثلاثين وثمانمائة، فاشتراه الملك الأشرف برسباي، ولم يجر عليه عتقا، وجعله ~~بطبقة الطازية من أطباق قلعة الجبل إلى أن ملكه الملك الظاهر جقمق، وأعتقه ~~وجعله خاصكيا، ثم دوادارا صغيرا. ثم امتحن بعد خلع ابن أستاذه الملك ~~المنصور عثمان. ثم تراجع أمره عند الملك الأشرف إينال، وصار دوادارا صغيرا ~~كما كان أولا. ثم أمره إينال، إمرة عشرة، فدام ذلك إلى أن أنعم عليه الملك ~~الظاهر خشقدم بإمرة طبلخاناه، وجعله شاد الشراب خاناه بعد جانبك الأشرفي ~~المشد، فدام في المشدية أياما كثيرة. وتوجه إلى تقليد نائب حلب، ثم بعد ~~عوده بمدة أنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية. فاستمر على ~~ذلك إلى أن جعله الملك الظاهر يلباي رأس نوبة النوب بعد خروج الأمير أزبك ~~الظاهري إلى نيابة الشام، وأنعم عليه بإقطاعه أيضا. فلم تطل أيام قايتباي ~~هذا فيما ذكرناه، ونقله الملك الظاهر تمربغا إلى الأتابكية عوضا عن نفسه ~~لما تسلطن، فلم تطل أيامه أيضا في الأتابكية،، وتسلطن حسبما ذكرناه. ولما ~~استقر جلوسه بالقصر، وخلع عليه خلعة السلطنة أمر بحبس الأمير خير بك ~~الدوادار بالركبخاناه، وكذلك الأمير أحمد العيني أمير مجلس، واختفى الأمير ~~خشكلدي البيسقي رأس نوبة النوب، ثم ظهر فرسم بنفيه. PageV05P0040 ms3778