######OpenITI# #META# bkid: 17419 #META# bk: تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد #META# المؤلف: أبو بكر بن زيد الجراعي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 883 ه) #META# اعتنى به: صالح سالم النهام، محمد باني المطيري، صباح عبد الكريم العنزي، فيصل يوسف العلي #META# الناشر: وزارة الأوقاف الكويتية - إدارة مساجد محافظة الفروانية - المراقبة الثقافية. #META# الطبعة: الأولى، 1425 ه - 2004 م #META# عدد الصفحات: 416 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: الجراعي #META# authinf: الجراعي (825 - 883 ه = 1422 - 1478 م). أبو بكر بن زيد بن أبي بكر الحسني الجراعي الدمشقي، من ذرية الشيخ أحمد البدوي. فقيه حنبلي. ولد في جراع (من أعمال نابلس) وقدم دمشق سنة 842 ه ثم القاهرة سنة 861 ه وجاور بمكة سنة 875 ه وتوفي في دمشق. له:. • (حلية الطراز في حل مسائل الألغاز - خ) بخطه، عندي، فقه. • (غاية المطلب في معرفة المذهب). • (الترشيح في مسائل الترجيح). • (نفائس الدرر في موافقات عمر - خ). • (مختصر أحكام النساء - لابن الجوزي). • (تحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد) جعلة تاريخا لمكة والمدينة والمسجد الأقصى ثم ذكر أحكام سائر المساجد (1). __________. (1) الضوء اللامع 11: 32 وشذرات الذهب 7: 337 والسحب الوابلة - خ - ودار الكتب 1: 549. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 17419 #META# over: 1 #META# seal: 24926708 #META# oauth: 2940 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 2 #META# vername: None #META# cat: فقه حنبلي #META# lng: أبو بكر بن زيد بن أبي بكر الحسني الجراعي الدمشقي الحنبلي #META# higrid: 883 #META# ad: 883 #META# aseal: 185E7341 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/17419 #META#Header#End# ### | CHECK مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # الحمد لله، الذي أوجد الأشياء وفضل بعضها على بعض، واختار منها ما أحب. ~~فاختار المساجد من بقاع الأرض. أحمده على ما أولى من معرفة السنة والفرض. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله؛ بيده الرفع والخفض ~~والإبرام والنقض. # وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صاحب الشفاعة العظمى يوم العرض. صلى ~~الله عليه وعلى آله وأصحابه أكرم الخلق في حالتي البسط والقبض، وسلم ~~تسليما. # أما بعد: # فإن الله تعالى جل ثناؤه، وتقدست اسماؤه، وتوالت آلاؤه، وعمت نعماؤه أكمل ~~لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي الإسلام لنا دينا. وجعل أمتنا هذه خير ~~أمة، وخصها بخصائص كثيرة جمة. وضاعف لها بالشيء الواحد أجورا، وجعل الأرض ~~مسجدا لها وطهورا، فله الحمد كما ينبغي لجلال قدسه. لا نحصي ثناء عليه، بل ~~هو كما أثنى على نفسه. # سبحان من لو سجدنا بالجباه له ... على سنا الشوك والمحمى من الإبر # لم نبلغ العشر من معشار نعمته ... ولا العشير ولا عشرا من العشر. # * ولا شك أن الله تعالى قد اصطفى من الأرض بلادا وبقاعا. واختار PageV01P031 # منها أودية وتلاعا، عظمها بالحرمات المشهورات والآيات البينات، وخصها ~~بالفضائل والبركات، وصيرها مقدسات مطهرات، وجعل أفضلها على التحقيق البيت ~~المعظم العتيق، وأضاف إليه (¬1) المشاعر العظام وخصه بالركن والمقام. ولما ~~بعد العهد عن تلك المعاهد، وأقام الشوق من كل قاعد، وعرفت أني لشؤم الذنب ~~عن بيت الحبيب متباعد؛ شمرت عن الساعد، وأحببت أن أضع كتابا في أحكام ~~المساجد، لعل الذكرى تساعد: # وسميته: # "تحفة الراكع والساجد بأحكام المساجد" # * ورتبته على مقدمة، وأربعة كتب، وخمسة وسبعين بابا: # وهذه هي فهرستها: # المقدمة تشتمل على سبعة (2/ ب) فصول # * الأول: في فضل المساجد. # * الثاني: في فضل بنائها. # * الثالث: في فضل حبها. # * الرابع. في فضل السعي إليها. # * الخامس: في مدلول المسجد لغة وشرعا. # * السادس: في ذهاب الأرض كلها يوم القيامة إلا المساجد. # * السابع: في فضل ملازمة المسجد. PageV01P032 # وأما الكتاب الأول؛ ففي ذكر الكعبة، زادها الله شرفا، وما ms001 يتعلق بها ~~وفيه: ثمانية وأربعون بابا: # * الباب الأول: في ذكر أسمائها. # * الباب الثاني: في ذكر بنائها. # * الباب الثالث: في كيفية بناء المسجد الحرام. # * الباب الرابع: في فضل المسجد الحرام. # * الباب الخامس: في ذكر كسوة الكعبة. # * الباب السادس: في سدانة البيت. # * الباب السابع: في فضل الحجر الأسود وذكر أخذه ورده. # * الباب الثامن: فيما جاء في رفع الحجر الأسود. # * الباب التاسع: في ذكر الركن اليماني. # * الباب العاشر: في ذكر الحجر. # * الباب الحادي عشر: في ذكر الميزاب. # * الباب الثاني عشر: في ذكر الحطيم. # * الباب الثالث عشر. في فضل النظر إلى البيت ونزول الرحمة عليه. # * الباب الرابع عشر: في ذكر المواضع التي يستجاب فيها الدعاء. # * الباب الخامس عشر: في ذكر طواف الحشرات بالبيت. PageV01P033 # * الباب السادس عشر: في ذرع الكعبة من جهاتها الأربع وارتفاعها في السماء ~~وذكر الشاذروان. # * الباب السابع عشر: في ذكر المقام. # * الباب الثامن عشر: في ذكر ابتداء زمزم وتجديدها بعد دثورها. # * الباب التاسع عشر: في ذكر الشرب من ماء زمزم والوضوء والغسل. وإزالة ~~النجاسة به. # * الباب العشرون: في أسماء زمزم. # * الباب الحادي والعشرون: في غور الماء قبل يوم القيامة إلا زمزم (¬1). # * الباب الثاني والعشرون (¬2): في حد المسجد الحرام ومن هو حاضره. # * (3/ أ) الباب الثالث والعشرون: في ذكر حال انتهاء البيت. # * الباب الرابع والعشرون: في أسماء مكة. # * الباب الخامس والعشرون: في فضل مكة. # * الباب السادس والعشرون: في فضل صوم رمضان بمكة. # * الباب السابع والعشرون: في أن الحسنات كلها تضاعف بمكة كالصلاة. # * الباب الثامن والعشرون: في أن السيئات تضاعف فيها كما تضاعف الحسنات، ~~وأنه يعاقب عليها قبل فعلها. PageV01P034 # * الباب التاسع والعشرون: في بيان أن أهل مكة أهل الله تعالى. # * الباب الثلاثون: في ذكر حدود الحرم. # * الباب الحادي والثلاثون: في ذكر نصب حدود الحرم وأول من نصبها. # * الباب الثاني والثلاثون: في ذكر تعظيم حرمة الحرم. # * الباب الثالث والثلاثون: في ذرع المسجد الحرام وعدد اسطواناته. # * الباب الرابع والثلاثون: في عدد الطاقات به. # * الباب الخامس والثلاثون: في صفة أبواب المسجد وعددها وذرعها. # * الباب السادس والثلاثون: في ذرع ms002 جدرات (¬1) المسجد وعدد شرافاته. # * الباب السابع والثلاثون: في حكم بيع دور مكة وإجارتها. # * الباب الثامن والثلاثون: في ذكر منى (¬2). # * الباب التاسع والثلاثون (¬3): في ذكر مسجد الخيف. # * الباب الأربعون: في ذكر آيات عظام بمنى. # * الباب الحادي والأربعون: في ذكر المزدلفة. # * الباب الثاني والأربعون: في (¬4) الطريق من مزدلفة إلى عرفة. # * الباب الثالث والأربعون: في ذكر عرفة وحدودها. PageV01P035 # * الباب الرابع والأربعون: في ذكر المجاورة بمكة. # * الباب الخامس والأربعون: في كراهة نقل تراب الحرم وحجارته إلى الحل وعكسه. # * الباب السادس والأربعون: في بيان الحجاز. # * الباب السابع والأربعون: في ذكر جزيرة العرب. # * الباب الثامن والأربعون: في ذكر خصائص البيت والمسجد الحرام (3/ ب) ~~والحرم. # الكتاب الثاني؛ في ذكر المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وما ~~يتعلق به وفيه ثمانية عشر بابا: # * الباب الأول: في ذكر بنائه. # * الباب الثاني: في فضله. # * الباب الثالث: في فضل الصلاة فيه. # * الباب الرابع: في ذكر منبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. # * الباب الخامس: في ذكر الروضة. # * الباب السادس: في ذكر حنين الجذع الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يخطب عنده. # * الباب السابع: في ذكر بناء الجدار الذي سقط عليهم (¬1) في زمن الوليد PageV01P036 # ابن (¬1) عبد الملك. # * الباب الثامن: في ذكر آثار حسنة في المسجد الشريف. # * الباب التاسع: في فضل المدينة. # * الباب العاشر: في ذكر حدود الحرم. # * الباب الحادي عشر: في أسماء مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # * الباب الثاني عشر: في ذكر خراب المدينة. # * الباب الثالث عشر: في ذكر خروج النار التي أخبر عنها المختار. # * الباب الرابع عشر: فيما جاء أن المدينة (¬2)، أقل الأرض مطرا. # * الباب الخامس عشر: هل المدينة حجازية أم شامية أم يمنية. # * الباب السادس عشر: في ذكر جملة من الخصائص والأحكام والفضائل. # * الباب السابع عشر: في صفة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبرى ~~صاحبيه رضي الله تعالى عنهما. # * الباب الثامن عشر: في ذكر مسجد قباء وأهله. PageV01P037 # الكتاب الثالث؛ في ذكر المسجد الأقصى وما بتعلق به وفيه: خمسة أبواب: # * الباب الأول: في معنى اسمه وابتداء بنائه. # * الباب ms003 الثاني: في فضله وفضل الصلاة فيه. # * الباب الثالث: في ذكر فتح بيت المقدس ومصلى المسلمين الذي بناه عمر رضي ~~الله تعالى عنه، والصخرة، وغير ذلك. # * الباب الرابع: في أسمائها. # * الباب الخامس: في ذكر جملة من خصائصه (4/ أ) وأحكامه. # الكتاب الرابع؛ في ذكر بقية المساجد، وذكر طرف من أخبار المدارس، وفيه: ~~أربعة أبواب: # * الباب الأول: في ذكر أول مسجد بني في الإسلام. # * الباب الثاني: في ذكر طرف من أخبار المدارس. # * الباب الثالث: في ذكر أول مسجد وضع بالقاهرة. # * الباب الرابع: في ذكر أحكام تتعلق بسائر المساجد. # والله المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يدخلنا برحمته جنات ~~النعيم، وأن يوفقنا لكل جميل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV01P038 ### || AUTO الفصل الأول من المقدمة في فضل المساجد # قال الله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} (¬1). # البيوت هنا (¬2): المساجد، وأذن بمعنى: أمر، وترفع بمعنى: تعظم، واسمه: ~~توحيده وكتابه. # وقال تعالى {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} (¬3). # فأضافها تعالى إلى نفسه؛ لشرفها وفضلها. # * وفي أفراد مسلم، من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: # "أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله تعالى ~~أسواقها" (¬4). # فالمساجد؛ بيوت الله تعالى # قيل: إنها تضيء لأهل السماء -كما تضيء النجوم لأهل الأرض! ! # * * * PageV01P039 ### || AUTO الفصل الثاني في فضل بنائها # * في الصحيحين من حديث عثمان رضي الله عنه، عن النبي أنه قال: "من بنى ~~لله عز وجل مسجدا: بنى الله له مثله في الجنة" (¬1). # * وفي رواية البخاري، عن عثمان رضي الله عنه أنه قال عند قول الناس فيه ~~حين بنى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -: إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من بنى مسجدا - قال بكير: حسبت أنه ~~قال: يبتغي به وجه الله تعالى: بنى الله له مثله في الجنة" (¬2). # * - وعن ابن عباس عن النبي أنه قال: "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة ~~لبيضها: بنى الله له بيتا في الجنة". رواه أحمد (¬3). # تنبيهات: # * (4/ ب) أحدها: قوله: "مثله" ms004 استشكله بعض الناس مع ضمه إلى قوله تعالى: ~~{من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} (¬4). PageV01P040 # قال النووي: المثلية هنا تحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون معناه: بنى (¬1) له بيتا في الجنة فضله على ما سواه من ~~بيوت الجنة- كفضل المسجد على بيوت الدنيا. # الثاني: أن يكون معناه مثله في مسمى البيت، وأما حقيقة صفته في السعة ~~وغيرها؛ فمعلوم فضلها وعظمها. # وهذا معنى قول بعضهم: المثلية بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، ~~فكم من بيت خير من عشرة بل من مائة. # وكذا قال ابن الجوزي: مثله في الاسم لا في المقدار، أي بني له بيت كما ~~بنى بيتا؛ فيبقى جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره، مع قطع النظر ~~عن ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة. # * وقد روى الإمام أحمد من حديث واثلة بلفظ "بنى الله له في الجنة أفضل ~~منه" (¬2). # * وللطبراني من حديث أبي أمامة بلفظ: "أوسع منه" (¬3). # وهذا يشعر؛ بأن المثلية لم يقصد بها المساواة من كل وجه. # وقال القرطبي: هذه المثلية ليست على ظاهرها، ولكن المعنى: أنه يبني له ~~بثوابه أشرف وأعظم وأرفع. PageV01P041 # * التنبيه الثاني: إنما مثل بمفحص القطاة دون غيرها؛ لأنها تتخذ لبيضها ~~على بسيط الأرض لا على شجر ولا جبل، بخلاف غيرها من الطيور. # وقيل: لأن العرب تضرب بها المثل في الصدق؛ ففيه: رمز حض له على المحافظة ~~على الإخلاص في بنائه والصدق في إنشائه. # * التنبيه الثالث: هل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجدا؛ ~~بأن يكتفى بتحويطها من غير بناء كما يفعله المسافرون. أم لا؟ # إن وقفنا مع ظاهر اللفظ: فلا، وإن نظرنا إلى المعنى: فنعم؛ وهو المتجه، ~~قاله: ابن حجر. # وكذا قوله: "بنى": حقيقة في المباشرة بشرطها، وهو: أن لا يكون أميرا، لكن ~~المعنى يقتضي دخول الأمر أيضا، وهو (5/ أ) المنطبق على استدلال عثمان رضي ~~الله عنه؛ لأنه استدل بهذا الحديث، ومن المعلوم: أنه لم يباشر ذلك بنفسه. # * * * PageV01P042 ### || AUTO الفصل الثالث في فضل حبها # * في الصحيحين، عن ms005 النبي أنه قال: # "سبعة يظلم الله تعالى في ظله ... " (¬1)، فذكر منهم رجلا قلبه معلق في ~~المساجد (¬2). # قال النووي: معناه: شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها. # وليس معناه: دوام القعود فيها، وناهيك بها من خصلة يحصل لصاحبها # الظل في ذلك اليوم الذي تدنو الشمس فيه حتى تصير من الخلائق قدر ميل. # ولا شك؛ أن تعلق القلب بالمساجد دليل على شغفه وميله إلى صاحبها ~~بالمحافظة علي، أوامره. # اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم يا ذا الفضل العظيم # * * * PageV01P043 ### || AUTO الفصل الرابع في فضل السعي إليها # * في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال: "من غدا ~~إلى المسجد أو راح: أعد الله له نزله من الجنة - كلما غدا أو راح" (¬1). # * وروى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض ~~الله؛ كانت خطواته: إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة" (¬2). # * وروى ابن الجوزي، بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد ~~لا يريد إلا الله تعالى، إلا تبشبش الله تعالى به كما يتبشش (¬3) أهل ~~الغائب بطلعته". # ورواه الإمام أحمد في مسنده، إلا أنه قال: # "ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه"، وباقيه مثله (¬4). PageV01P044 # * وروى أبو داود والترمذي، عن أبي ثمامة الخياط (¬1) قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "إذا خرج أحدكم إلى المسجد فلا يشبكن يده فإنه في ~~صلاة" (¬2). # * * * PageV01P045 ### || CHECK الفصل الخامس في مدلول المسجد لغة وشرعا # الفصل الخامس في مدلول المسجد (5/ب) لغة وشرعا # * أما لغة: فهو "مفعل" بكسر العين: اسم لمكان السجود، وبالفتح: اسم ~~للمصدر. # وقال ابن خطيب الدهشة في "حرف السين" من كتابه: والمسجد: بيت الصلاة، ~~والمسجد أيضا: موضع السجود من بدن الإنسان، والجمع: مساجد. # فظاهر كلامه؛ أن جبهة المصلي يقال فيها: مسجد، بالكسر، أو يجيء فيها ms006 ~~الوجهان على ما يأتي. # * وقال في "الصحاح": "والمسجد بالفتح: جبهة الرجل حيث يصيبه السجود". # ثم قال: والمسجد والمسجد: واحد المساجد. # قال الفراء: "كل ما كان على فعل يفعل، مثل: دخل يدخل، فالفعل منه بالفتح، ~~اسما كان أو مصدرا. ولا يقع فيه الفرق، مثل: دخل مدخلا وهذا مدخله، إلا ~~أحرفا من الأسماء: ألزموها كسر العين: من ذلك: المسجد والمطلع، إلى أن قال: ~~فجعلوا الكسر: علامة للإسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم. وقد روي: مسكن ~~ومسكن، وسمعنا المسجد والمسجد والمطلع (¬1) PageV01P046 # والمطلع. قال: والفتح في كله جائز وإن لم تسمعه (¬1)، انتهى. # فأجرى الفتح مطلقا ولم يوقفه على السماع. # وقال ابن خطيب الدهشة في خاتمة كتابه؛ لما ذكر "فعل" بفتح العين "يفعل" ~~بضمها، فالفعل بالفتح مطلقا، نحو: قلع مقلعا: أي: قلعا وهذا مقلعه، أي: ~~موضع قلعه وزمانه. وقعد مقعدا: أي: قعودا، وهذا مقعده، إلى أن قال: أما من ~~عند نفسه أو حكاية عن ابن السكيت، وشذ من ذلك أحرف؛ فجاءت بالفتح والكسر، ~~نحو: المسجد والمرفق والمنبت والمحشر والمنسك والمشرق والمغرب والمطلع ~~والمسعط والمسكن والمظنه ومجمع الناس. انتهى. # فعلى هذا؛ هو موقوف على السماع. # وقال أبو حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي في كتاب "تثقيف اللسان": "ويقال ~~للمسجد: مسيد بفتح الميم، حكاه غير واحد، فتحصل فيه ثلاث (6/ أ) لغات: كسر ~~الجيم وفتحها ومسيد بالياء موضع الجيم. # * وأما شرعا؛ فقال بعضهم: كل موضع (¬2) الأرض، لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "جعلت لى الأرض مسجدا" (¬3)، وهذا من خصائص هذه (¬4) الأمة. قاله ~~(¬5) القاضي عياض. # * وقال ابن حجر في قوله: "جعلت لي الأرض مسجدا": أي: موضع PageV01P047 # سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره. ويمكن أن يكون مجازا عن ~~المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لما جازت الصلاة في ~~جميعها كانت كالمسجد في ذلك. # وقال ابن التين: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وجعلت لغيري مسجدا ولم تجعل ~~له طهورا"؛ لأن عيسى عليه السلام: كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته ~~الصلاة. # قال ابن حجر: كذا قال، ms007 وسبقه إلى ذلك: الداودي. # وقيل: إنما أبيح لهم في موضع يتيقنون فيه الطهارة، بخلاف هذه الأمة، ~~فأبيح لها في جميع الأرض إلا ما تيقن نجاسته. # والأظهر؛ ما قاله الخطابي، وهو: أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة في ~~أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع. # * ويؤيده: رواية عمرو بن شعيب، بلفظ: # "وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم" (¬1). # وهذا نص في موضع النزاع؛ فثبتت الخصوصية. # * ويؤيده: ما أخرجه البزار، من حديث ابن عباس، نحو حديث الباب: # وفيه: "ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه" (¬2). انتهى كلام ~~ابن حجر. # * قلت: يستثنى من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "جعلت لى الأرض مسجدا": ~~المواطن PageV01P048 # المنهي عن الصلاة فيها؛ لأدلة خاصة، كالمزبلة، والمقبرة، ومعاطن الإبل، ~~وقارعة الطريق، والمجزرة، والحمام، والحش (¬1). # ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة؛ لقرب العبد فيه من ربه -عز وجل-: ~~اشتق اسم المكان منه ولم يقولوا مركع. # * واعلم؛ أن العرف: خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج ~~المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها؛ فلا يعطى حكمه، وكذلك الربط والمدارس ~~(6/ ب)؛ لأنها هيئت لغير ذلك. # * * * PageV01P049 ### || CHECK الفصل السابع في فضل ملازمة المسجد ### || AUTO الفصل السادس في ذهاب الأرض كلها يوم القيامة إلا المساجد # روى الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عباس قال، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "تذهب الأرض كلها يوم القيامة إلا المساجد" (¬1). # الفصل السابع في فضل (¬2) ملازمة المسجد # روى البزار في مسنده عن عبد الله بن المختار عن محمد بن واسع عن أم ~~الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لتكن المساجد مجلسك، فإني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الله عز وجل ضمن لمن كانت ~~المساجد بيته الأمن والجواز على الصراط يوم القيامة"، وقال هذا حسن الإسناد ~~(¬3)، والله تعالى أعلم. # * * * PageV01P050 ### | CHECK الكتاب الأول في ذكر الكعبة زادها الله تعالى شرفا وما يتعلق بها # * الكتاب الأول * في ذكر الكعبة زادها الله تعالى شرفا وما يتعلق بها ~~(¬1) وفيه ثمانية وأربعون بابا ### || AUTO الباب الأول في ms008 ذكر أسمائها # * ### ||| AUTO الأول: الكعبة # * # قال الله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} (¬2). # * وفي تسميتها بالكعبة (¬3) قولان: # أحدهما؛ لأنها مربعة، قاله: عكرمة ومجاهد. ويقال: برد مكعب إذا طوي مربعا. # والثاني (¬4)؛ لعلوها ونتوها، يقال: كعبت المرأة تكعب، من باب قتل، كعابة ~~إذا نتأ ثديها فهي كاعب. # * ### ||| AUTO الثاني: البيت العتيق # * # قال الله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} (¬5). PageV01P051 ### ||| CHECK الرابع: أول بيت وضع للناس # * وفي تسميته بالعتيق أربعة أقوال: # أحدهما؛ لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة: # * رواه: عبد الله بن الزبير عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، رواه ~~الترمذي, وقال: حسن غريب (¬1). # والثاني: في أن العتيق بمعنى القديم، قاله: الحسن. # والثالث؛ لأنه لم يملك قط، قاله: مجاهد. # والرابع؛ لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان، قاله: ابن السائب. # * ### ||| AUTO الثالث: البيت الحرام # * # وإنما سمي حراما؛ لأن حرمته انتشرت، ولا يصاد عنده ولا حوله، ولا يختلى ~~ما عنده من الحشيش. # * الرابع: أول بيت (7/ أ) وضع للناس * # قال الله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} (¬2). # سبب (¬3) نزولها: أن المسلمين واليهود افتخروا، فقالت اليهود: بيت المقدس ~~أفضل من الكعبة، وقالت المسلمون: بل الكعبة أفضل؛ فنزلت هذه الآية. قاله ~~(¬4) مجاهد. PageV01P052 # * واختلف العلماء في معنى قوله أول بيت؛ على قولين: # أحدهما: أنه أول بيت وضع للعباد. وقد كانت البيوت قبله. # والثاني: أنه أول بيت كان في الأرض. # * ثم اختلف هؤلاء كيف كان أول بيت، على ثلاثة أقوال: # * أحدها: أنه ظهر على وجه الماء حين خلق الله الأرض، فخلقه قبلها # بألفي عام، ودحاها من تحته. # قال أبو هريرة: كانت الكعبة حشفة على الماء، عليها ملكان يسبحان الليل ~~والنهار قبل الأرض بألفي سنة. # وقال ابن عباس: وضع البيت في الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا ~~بألفي سنة، ثم دحيت الأرض من تحته. # وقال مجاهد: لقد خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض ~~بألفي سنة وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. # وقال كعب: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل ms009 أن يخلق الله السموات والأرض ~~بأربعين سنة، ومنها دحيت الأرض. # * والثاني: أن آدم عليه السلام، حين أهبط استوحش، فأوحى الله تعالى إليه: ~~"ابن لي بيتا في الأرض، واصنع حوله نحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي؛ ~~فبناه (¬1) ": # رواه: أبوصالح، عن ابن عباس. # * والثالث: أنه أهبط مع آدم عليه السلام، فلما كان الطوفان: رفع؛ PageV01P053 # فصار معمورا في السماء، وبنى إبراهيم عليه السلام على أثره: قاله: قتادة. # * ### ||| AUTO الخامس: من أسمائها: بكة # * # على أحد الأقوال. # قال ابن عباس: إنما سميت بكة؛ لأنه يجتمع فيها الرجال والنساء. # ويقال: لأنها تبك أعناق الجبابرة: أي: تدقها، فما قصدها جبار إلا وقصمه ~~(¬1) الله تعالى: قاله: ابن الزبير. # وقال اليزيدي: لأنها تضع من نخوة المتكبرين. # (7/ ب) وسيأتي بقية الكلام على بكة في الباب الرابع والعشرين إن شاء الله تعالى. # * ### ||| AUTO السادس: قادس # * # وهذا مأخوذ من التقديس، وهو: التطهير؛ لأنه يطهر من الذنوب. # * ### ||| AUTO السابع: بادر # * # ذكره: الأزرقي. # * ### ||| AUTO الثامن: قبلة أهل الإسلام # * # * ### ||| AUTO التاسع: القربة القديمة # * # نقله: الأزرقي، عن الزهري. # * ### ||| AUTO العاشر: الدوار # * # بضم الدال المهملة، وتشديد الواو. PageV01P054 # ذكره: مجد الدين الشيرازي في كتابه: "الوصل والمنى في فضل منى". # * ### ||| AUTO الحادي عشر: البنية # * # بباء موحدة، ونون وياء مثناة من تحت مشددة. PageV01P055 ### || AUTO الباب الثاني في ذكر بنائها # : # * اختلف العلماء في المبتدئ ببناء الكعبة على أربعة أقوال: # * أحدها: أن الله وضعها لا ببناء أحد. # وفي زمن وضعه قولان: # أحدهما: قبل خلق الدنيا، وقد تقدم عن ابن عباس وغيره. # وروى ابن الجوزي بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله قال: # "كان البيت قبل هبوط آدم عليه السلام ياقوتة من يواقيت الجنة وكان له ~~بابان من زمرد أخضر، باب شرقي وباب غربي، وفيه قناديل من الجنة، والبيت ~~المعمور الذي في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم ~~القيامة، حذاء الكعبة الحرام. وإن الله تعالى لما أهبط آدم عليه السلام إلى ~~موضع الكعبة وهو مثل الفلك من شدة رعدته وأنزل عليه الحجر الأسود وهو ~~يتلألأ كأنه ms010 لؤلؤة بيضاء، فأخذه آدم فضمه إليه اسئناسا به ثم أخذ الله من ~~بني آدم ميثاقهم، فجعله في الحجر ثم أنزل على آدم العصا ثم قال: يا آدم ~~تخطا، فتخطا، فإذا هو بأرض الهند فمكث هنالك (¬1) ما شاء الله، ثم استوحش ~~إلى البيت فقيل له أحجج (¬2) يا آدم، فأقبل يتخطا فصار موضع كل PageV01P056 # قدم قرية وما بين ذلك مفازة حتى قدم مكة فلقيته الملائكة فقالت بر حجك يا ~~آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، فقال ما كنتم تقولون حوله؟ قالوا ~~كنا نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فكان آدم عليه ~~السلام إذا طاف (8/أ) بالبيت قال هؤلاء الكلمات. وكان آدم عليه السلام يطوف ~~بالبيت سبعة أسابيع، بالليل، وخمسة أسابيع بالنهار، فقال آدم عليه السلام. ~~رب اجعل لهذا البيت غمارا يعمرونه من ذريتي، فأوحى الله تعالى إليه إني ~~معمره نبيا من ذريتك اسمه إبراهيم، أتخذه خليلا أقضي على يديه عمارته وأنبط ~~له سقايته وأريه حله وحرمه ومواقفه. وأعلمه مشاعره ومناسكه، فإذا فرغ من ~~بنائه ينادي إن لله بيتا فحجوه فأسمع من بين الخافقين. فقال (¬1) آدم عليه ~~السلام، يا رب أسألك من حج هذا البيت من ذريتي لا يشرك بك شيئا أن تلحقه بي ~~في الجنة، فقال: يا آدم، من مات في الحرم لا يشرك بي شيئا بعثته آمنا يوم ~~القيامة" (¬2). # والثاني: أنه أهبط مع آدم عليه السلام، وقد تقدم ذكره عن قتادة: # وروى ابن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة قال: # "وضع الله تعالى البيت مع آدم لما أهبط، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، ~~فقال الله تعالى، يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي ~~فانطلق إليه، فخرج آدم إلى مكة وكان هبط بالهند ومد له في خطئه، فأتى البيت ~~فطاف به" (¬3). PageV01P057 # * والقول الثاني: أن الملائكة بنته: # فروى جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي، قال: "لما قال الله تعالى ~~للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة} (¬1) فقالوا: {أتجعل فيها من ms011 يفسد ~~فيها} (1)، غضب عليهم فعاذوا بالعرش وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم، ~~فرضي عنهم، وقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتا يعوذ به كل من سخطت عليه ~~ويطوف حوله كما فعلتم بعرشي فبنوا هذا البيت" (¬2). # * والقول الثالث: أن آدم عليه السلام بناه، وقد تقدم ذكره عن ابن عباس (¬3). # وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أن آدم عليه السلام أول من بنى ~~البيت (¬4). # وروى البيهقي في "الدلائل"، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "بعث الله (8/ ~~ب) جبريل إلى آدم عليهما السلام فأمره ببناء البيت ثم أمر بالطواف به. وقيل ~~له: أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس (¬5). # وروى أيضا في "الدلائل" عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "بعث الله تعالى جبريل إلى آدم وحواء عليهم السلام، فقال ~~لهما: ابنيا لى بيتا، فخط لهما جبريل فجعل آدم عليه السلام يحفر وحواء ~~عليها السلام PageV01P058 # تنقل حتى أصابه (¬1) الماء نودي من تحت (¬2): حسبك يا آدم، فلما بنياه ~~أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم ~~تناسخت القرون حتى حجه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم عليه السلام ~~القواعد منه". # قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا (¬3). # وروى محمد بن جرير الطبري، عن عطاء: أن آدم عليه السلام قال: أي رب، إني ~~لأسمع أصوات الملائكة، فقال اهبط إلى الأرض فابن لى بيتا ثم احفف به كما ~~رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، قال فيزعم الناس أنه بناه من خمسة ~~أجبل وأن الملائكة كانت تأتيه بالحجارة منها وهي: طور سيناء وطور زيتا ~~اللذين بالشام والجودي وهو بالجزيرة ولبنان وحراء وهما في الحرم. كل ذلك ~~بحكمة الله تعالى، كيف فعل بناءها من خمسة أجبل فشاكل ذلك معناها؛ إذ هي ~~قبلة للصلوات الخمس وعمود الإسلام وقد بني على خمس". # وروى عطاء، عن ابن عباس: "أن آدم عليه السلام بناه من خمسة أجبل: من ~~لبنان وطور سيناء وطور ms012 زيتا والجودي وحراء". # قال عثمان بن ساج: حدثت: أن آدم عليه السلام لما بنى البيت قال: "يا PageV01P059 # رب إن لكل عامل أجرا وإن لي أجرا؟ قال نعم، قال: تردني من حيث أخرجتني، ~~قال ذلك لك، قال ومن خرج إلى البيت من ذريتي يقر على نفسه (9/ أ) بمثل الذي ~~أقررت به من ذنوبي أن تغفر له، قال نعم ذلك لك". # وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء: أن آدم عليه السلام بناه من خمسة ~~أجبل: حراء وطور زيتا وطور سيناء والجودي ولبنان وكان ربضته من حراء. # * والقول الرابع: أن أول من بناه شيث ابن آدم عليهما السلام، ذكره وهب ~~ابن منبه حكاه عنه ابن حجر، قال: أول من بناه شيث وكان قبل أن يبنيه خيمة ~~من ياقوته حمراء يطوف بها آدم ويأنس بها لأنها نزلت من الجنة- وكذا قال ~~السهيلي: أول من بناه شيث-، وقال وهب من منبه: لما رفعت الخيمة التي وضعها ~~الله تعالى لآدم مكان البيت ومات آدم، بنى بنو آدم من بعده مكانها بيتا ~~بالطين والحجارة فلم يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم حتى كان زمن نوح عليه ~~السلام فنسفه الغرق. # قال مجاهد: وكان موضع البيت بعد الغرق أكمة حمراء لا تعلوها السيول وكان ~~يأتيها المظلوم، ويدعو عندها المكروب فقل من دعا عندها إلا استجيب له وكان ~~الناس يحجون إلى موضع البيت حتى بوأ الله مكانه إبراهيم عليه السلام. # وروى عن ابن أبي حاتم، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما كان ~~زمن الطوفان رفع البيت وكان الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه ~~الله تعالى لإبراهيم عليه السلام وأعلمه مكانه. # قال العلماء: لما أمر إبراهيم عليه السلام ببناء البيت، قال: يا رب بين ~~لي صفته؛ فأرسل الله تعالى سحابة على قدر الكعبة فسارت معه حتى قدم PageV01P060 # مكة فوقفت في موضع البيت ونودي ابن على ظلها ولا تزد ولا تنقص، فكان يبني ~~وإسماعيل يناوله الحجارة فلما فرغ منه أوحى الله تعالى إليه أذن في الناس ms013 ~~بالحج، فقال يا رب: وما يبلغ صوتي، فقال: عليك الأذان وعلي البلاغ. فعلى ~~(9/ ب) ثبيرا ونادى: يا عباد الله إن لله بيتا فحجوه. قال مجاهد، فلبى كل ~~رطب ويابس وأسمع من بين المشرق والمغرب، فأجابوه من أصلاب الرجال: "لبيك ~~اللهم لبيك"، فإنما يحج اليوم من أجاب يومئذ (¬1). # وروى الفاكهي من حديث علي: كان إبراهيم عليه السلام يبني كل يوم سافا (¬2). # ومن حديث عبد الله بن عمر: وعنده وعند ابن أبي حاتم أنه بناه من خمسة ~~أجبل: من حراء، وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمر. # قال ابن أبي حاتم: جبل الخمر: بفتح الميم هو جبل بيت المقدس. # قلت: والمراد بالخمر بالتحريك الشجر. # وفي حديث أبي جهم: ذهب إسماعيل عليه السلام إلى الوادي يطلب حجرا فنزل ~~جبريل عليه السلام بالحجر الأسود، وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض. ~~فلما جاء إسماعيل فرأى الحجر الأسود، قال من أين هذا؟ من جاءك به؟ قال ~~إبراهيم عليه السلام: من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك (¬3). PageV01P061 # ورواه ابن أبي حاتم من طريق السدي نحوه (¬1)، وأنه كان بالهند وكان ~~ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وهي بالمثلثة والمعجمة طير كبير. # وذكر ابن الجوزي: أن جبريل عليه السلام كان حين الغرق قد استودع أبا قبيس ~~الحجر الأسود، فلما بنى إبراهيم عليه السلام أخرجه إليه. # وذكر ابن أبي حاتم بسنده إلى علباء (¬2) بن أحمد: أن ذا القرنين قدم مكة ~~فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل، فقال ما لكما ~~ولأرضي، فقالا نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال فهاتا ~~بالبينة على ما تدعيان فقامت خمسة أكبش فقلن نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل ~~عليهما السلام عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة فقال قد رضيت وسلمت ثم ~~مضى (¬3). # وذكر الأزرقي: أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم عليه السلام بالبيت، وهذا ~~(10/أ) يدل على تقدم زمانه (¬4)، والله أعلم. # وذكر النووي في شرح مسلم: أن البيت بنى خمس مرات: الملائكة ثم إبراهيم ثم ~~قريش في الجاهلية وحضر النبي - صلى الله عليه ms014 وسلم - هذا البناء وله خمس ~~وثلاثون سنة وقيل وعشرون (¬5)، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج، واستمر إلى الآن. # * وقال السهيلي: كان بناؤها في الدهر خمس مرات: # الأولى: حين بناها شيث بن آدم. PageV01P062 # الثانية: حين بناها إبراهيم عليه السلام على القواعد الأول. # الثالثة: حين بنتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام. # والرابعة: حين احترقت في عهد ابن الزبير بشررة طارت من أبي قبيس فوقعت في ~~أستارها فاحترقت. وقيل إن امرأة أرادت أن تجمرها فطارت شررة من الجمر في ~~أستارها فاحترقت، فشاور ابن الزبير في هدمها من حضره فهابوا هدمها، وقالوا: ~~نرى أن تصلح ما وهى منها ولا تهدم فقال: لو (¬1) أن بيت أحدكم احترق لم يرض ~~له إلا بأكمل إصلاح ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها، فهدمها حتى أفضى إلى ~~قواعد إبراهيم عليه السلام فأمرهم أن يزيدوا في الحفر فحركوا حجرا منها ~~فرأوا تحته نارا وهولا فأفزعتهم، فأمرهم أن يقروا القواعد ويبنوا من حيث ~~انتهى الحفر. وفي الخبر: أنه سترها حين وصل إلى القواعد وطاف الناس بتلك ~~الأستار، فلما تم بناؤها ألصق بابها بالأرض وعمل لها خلفا أي بابا آخر من ~~ورائها وأدخل الحجر فيها؛ لحديث خالته عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "ألم ترى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم- ~~الحديث (¬2). # الخامسة: عبد الملك بن مروان هدم ما بناه ابن الزبير وبناها على ما كانت ~~في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما فرغ من بنائها جاءه الحارث ~~بن ربيعة ومعه آخر فحدثاه (10/ ب) عن عائشة بالحديث الذي تقدمت الإشارة ~~إليه. فظهر عليه آثار الندم وقال: وددت أني لو (¬3) تركت ابن الزبير وما ~~تحمل من ذلك. PageV01P063 # وحكى ابن عبد البر وتبعه عياض وغيره (¬1) عن الرشيد أو المهدي أو ~~المنصور: أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك في ~~ذلك وقال: # أخشى أنه تصير ملعبة للملوك فتركه # وروى إسحاق بن راهويه من طريق خالد، عن عروة (¬2)، عن علي: في قصة بناء ~~إبراهيم عليه السلام ms015 البيت، قال: فمر عليه الدهر فانهدم فبنته العمالقة، ~~فمر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم، فمر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر ~~الأسود اختصموا فيه، فقالوا نحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة، فكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أول من خرج منها، فحكم بينهم أن يجعلوه في ~~ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل (¬3). # وذكر أبو داود الطيالسي في هذا الحديث أنهم قالوا أول من يدخل من باب بني ~~شيبة وفيه: "وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه فوضعه ~~بيده" (¬4). # وذكر الفاكهي: أن الذي أشار عليهم أن يحكموا أول داخل: أبو أمية بن ~~المغيرة المخزومي أخو الوليد. PageV01P064 # وروى ابن إسحاق وموسى بن عقبة أن قريشا لما بنت الكعبة كان عمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خمسا وعشرين سنة. # وذكر ابن سعد في "الطبقات": أن سنه كان حينئذ خمسا وثلاثين سنة. # فعلى هذا؛ يكون قد بني سبع مرات. # وكذا ذكر ابن الجوزي: أن العمالقة بنته ثم جرهم ثم قريش، وأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان غلاما (¬1)، وذكر عن الزهري أنه كان قد بلغ الحلم. # * والذي أدخله ابن الزبير من الحجر في البيت؛ إنما هو ستة أذرع أو سبعة ~~(11/ أ) لا أنه أدخل الحجر كله. والذي هدمه الحجاج من البيت بإشارة عبد ~~الملك إنما هو الجدار الذي يلي الحجر وسد الباب الغربي ورفع الباب (¬2) ~~الشرقي لا أنه هدمه كله. # * قال ابن سعد: بناها ابن الزبير حين استقل سنة خمس وستين، وحكي عن ~~الواقدي أنه رد ذلك، وقال الأثبت أنه ابتدأ بناءها بعد رحيل الجيش بسبعين ~~يوما، والجيش هو جيش الحصين بن نمير، الأمير الذي كان يقاتل ابن الزبير من ~~جهة يزيد ابن معاوية لما أتاهم موت يزيد بن معاوية في ربيع الآخر سنة أربع وستين. # وجزم الأزرقي أن ذلك كان في نصف جمادى الآخرة سنة أربع وستين. # * وكان طول الكعبة: ثمانية عشر ذراعا، فزاد ms016 ابن الزبير في طولها عشرة ~~أذرع واستمرت الزيادة في الطول وهي على ما بناها ابن الزبير والحجاج إلى ~~اليوم، لكن وقع الترميم في جدارها غير مرة، وفي سقفها وفي سلم سطحها PageV01P065 # وجدد فيها الرخام فوقع في جدارها الشامي ترميم في شهور سنة سبعين ~~ومائتين، ثم في شهور اثنين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور اثنتي (¬1) عشرة ~~وستمائة، ثم في سنة (¬2) ثمانين وستمائة، ثم في شهور سنة أربع عشرة ~~وثمانمائة، إلى أن نقض سقفها في سنة سبع وعشرين وثمانمائة ثم جدد أحد ~~أركانها في سنة سبع وثلاثين وثمانمائة من جانب السلطان مراد رحمه الله ~~تعالى وجدد ورخم السطح ثم جدد في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. # ومما يتعجب منه؛ أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلا فيما ~~صنعه الحجاج. إما من الجدار الذي بناه من الجهة الشامية وإما في السلم الذي ~~جدده للسطح أو للعتبة. وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة أو لتحسين ~~كالباب والميزاب، والله أعلم. # * وقال قاضي المالكية بمكة المشرفة تقي الدين أبو الطيب محمد بن شهاب ~~الدين أحمد الشريف الفاسي (11/ ب) في كتابه "تحفة الكرام بأخبار البلد ~~الحرام". # * ويتحصل من مجموع ما قيل في بناء البيت: أنه بني عشر مرات: # منها بناء الملائكة، ومنها بناء آدم عليه السلام، ومنها بناء أولاده، ~~ومنها بناء الخليل عليه السلام، ومنها بناء (¬3) العمالقة، ومنها بناء ~~جرهم، ومنها بناء قصي بن كلاب ومنها بناء قريش، ومنها بناء عبد الله بن ~~الزبير رضي الله عنهما، ومنها بناء الحجاج بن يوسف الثقفي، والحجاج، إنما ~~بنى الجدار الذي يلي الحجر وسد الباب، وقد تقدم ذلك. PageV01P066 # * قال في "الفنون": لا بأس بتغيير حجارة الكعبة إن عرض لها مرمة؛ لأن كل ~~عصر احتاجت فيه إليه قد فعل ذلك بها. ولم يظهر نكير لمن فعله. ولو تعينت ~~الآلة لم يجز ذلك، كالحجر الأسود، فإنه لا يجوز نقله ولا يقوم غيره مقامه. ~~ولا ينتقل النسك معه كآي القرآن لا يجوز نقلها عن سورة أو موضع هي فيه ms017 لأنه ~~لم توضع موضعها إلا بنص من النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "ضعوا آية ~~كذا في صورة كذا" (¬1). # قال، وقال العلماء: مواضع الآي من كتاب الله تعالى كنفس الآي ولهذا حسم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مادة التغيير على إدخال الحجر في البيت. # * ويكره؛ نقل حجارتها عند عمارتها إلى غيرها -كما لا يجوز صرف تراب ~~المسجد للبناء به في غيره بطريق الأولى. # قال: ولا يجوز أن يعلي (¬2) أبنيتها زيادة على ما وجد من علوها، وأنه ~~يكره الصك فيها وفي أبنيتها إلا بقدر الحاجة. # قال في "الفروع": ويتوجه جواز بنائها على قواعد إبراهيم عليه السلام؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لولا المعارض في زمنه لفعله، كما ورد ذلك ~~مصرحا به في خبر عائشة، قال ابن هبيرة فيه: أنه يدل على جواز تأخير الصواب ~~لأجل قالة الناس. وقد رأى مالك والشافعي أن تركه أولى؛ لئلا يصير البيت ~~ملعبة للملوك. PageV01P067 ### || AUTO الباب الثالث في كيفية بناء المسجد الحرام # : # * ذكر الفاكهي؛ أن المسجد -يعني الحرام- كان (12/ أ) محاطا بالدور على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فضاق ~~على الناس، فوسعه عمر رضي الله تعالى عنه واشترى دورا فهدمها وأعطى لمن أبي ~~أن يبيع ثمن داره، ثم أحاط عليه بجدار قصير دون القامة ورفع المصابيح على ~~الجدار، قال: ثم كان عثمان رضي الله عنه فزاد في سعته من جهات أخرى، ثم ~~وسعه عبد الله ابن الزبير ثم أبو جعفر المنصور ثم ولده المهدي. # قال: ويقال: إن ابن الزبير سقفه أو سقف بعضه ثم رفع عبد الملك بن # مروان جدرانه وسقفه بالساج. وقيل الذي صنع ذلك ولده الوليد، قال ابن # حجر: وهو أثبت، وكان سنة ثمان وثمانين. # * وذكر الأزرقي؛ أن المسجد الحرام كان فناء حول الكعبة وفضاء للطائفين، ~~ولم يكن له على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر رضي الله ~~عنه جدار يحيط به، وكان (¬1) الدور محدقة به وبين الدور أبواب يدخل الناس ~~من كل ms018 ناحية، فلما استخلف عمر وكثر الناس وضيقوا على الكعبة وألصقوا دورهم ~~بها قال عمر رضي الله عنه إن الكعبة بيت الله ولا بد للبيت من فناء؛ وإنكم ~~دخلتم عليها ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدور من أهلها وهدمها PageV01P068 # وبنى المسجد المحيط بها واتخذ جدارا. # ثم لما استخلف عثمان رضي الله عنه اشترى دورا أخر ووسعه أيضا وبنى المسجد ~~والأروقة، وكان عثمان رضي الله عنه أول من اتخذ الأروقة، فلما كان ابن ~~الزبير زاد في إتقانه لا في سعته وجعل فيه عمدا من الرخام وزاد في أبوابه ~~وحسنها. فلما كان عبد الملك بن مروان، زاد في ارتفاع حائط المسجد، وحمل ~~إليه السواري في البحر إلى جدة واحتملت من جدة على العجل إلى مكة. وأمر ~~الحجاج فكساها. ثم كان الوليد بن عبد الملك، فزاد في حليتها وضرب في (12/ ~~ب) ميزابها وسقفها ما كان في مائدة سليمان عليه السلام من ذهب أو فضة. ~~وكانت قد احتملت إليه من طليطلة من جزيرة الأندلس. فلما كان أبو جعفر ~~المنصور وابنه محمد الهادي؛ زاد في إتقانه ولم يحذف منه بعد ذلك. # * وذكر ابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن" (¬1) في كيفية بناء المسجد ~~الحرام: أنه كان صغيرا ولم يكن عليه جدار إنما كانت الدور محدقة به وبين ~~الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية فضاق على الناس المسجد، فاشترى عمر بن ~~الخطاب دورا فهدمها ثم أحاط عليه جدارا قصيرا، ثم وسمع عثمان فاشترى من ~~قوم، ثم زاد ابن الزبير في المسجد واشترى دورا فأدخلها فيه، وأول من نقل ~~إليه أساطين الرخام وسقفه بالساج المزخرف الوليد بن عبد الملك، ثم زاد ~~المنصور في شقه الشامي، ثم زاد المهدي، وكانت الكعبة في جانب؛ فأحب أن تكون ~~وسطا فاشترى من الناس الدور ووسطها. PageV01P069 ### || AUTO الباب الرابع في فضل المسجد الحرام # : # * روى ابن الجوزي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا ~~المسجد الحرام، ms019 وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" (¬1). # قال في "المستوعب": فإذا فضيلة النفل فيهما على النفل في غيرهما كفضيلة ~~الفرض فيهما على الفرض في غيرهما. وكذا ذكر ابن عبد القوي وصاحب "الرعاية" ~~وزاد: للأثر. وكذا عند الشافعية: المضاعفة لا تختص بالفرض. وقال القاضي ~~السروجي الحنفي: اسم الصلاة يتناول الفرض والنفل ثم قال: وحكى ابن رشد ~~المالكي في "القواعد": أن أبا حنيفة حمل هذا الخبر يعني صلاة في مسجدي هذا ~~على الفرض؛ ليجمع بينه وبين قوله عليه السلام: "صلاة أحدكم في بيته أفضل من ~~صلاته في مسجدي هذا، إلا (13/أ) المكتوبة" (¬2). # قال ابن حجر: ويمكن أن يقال لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه فتكون ~~صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو بمكة تضاعف على صلاتها في بيت بغيرها، ~~وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا. # وقال الشيخ مجد الدين: ظاهر الأخبار أن النفل في البيت أفضل، قال PageV01P070 # عليه الصلاة والسلام: "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ~~متفق عليه. # قال: وينبغي أن يكون مرادهم إلا النساء؛ لأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، ~~والأخبار مشهورة في ذلك، وهو ظاهر كلام أصحابنا وغيرهم. وقد روى الإمام ~~أحمد، عن أم حميد؛ أنها جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول ~~الله إني أحب الصلاة معك، قال قد علمت أنك تحبين الصلاة معي وصلاتك في ~~بيتك- خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، ~~وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من ~~صلاتك في مسجدي هذا، قال فأمرت فبني لها مسجد (¬1) في أقصى بيت من بيتها. ~~والله كانت تصلى فيه حتى لقيت الله عز وجل (¬2). # قال في "الفروع": وظاهر كلامهم (¬3) المسجد الحرام أنه نفس المسجد، ومع ~~هذا؛ فالحرم أفضل من الحل، فالصلاة فيه أفضل. # * وذكر ابن الجوزي: أن الإسراء كان من بيت أم هانئ عند أكثر المفسرين، ~~قال فعلى هذا المعنى بالمسجد الحرم كله، والحرم كله مسجد. ذكره القاضي ms020 أبو ~~يعلى وغيره، قال: ومرادهم في التسمية لا في الأحكام. قال: ويتوجه من هذا ~~حصول المضاعفة بالحرم كنفس المسجد، وجزم به صاحب "الهدي" من أصحابنا لا ~~سيما عند من جعله كالمسجد في المرور قدام المصلي وغيره. وصححه النووي. PageV01P071 # * ثم إن التضعيف المذكور؛ يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق ~~العلماء، كما نقله النووي وغيره. فلو كان عليه صلاتان، (13/ ب) فصلى في أحد ~~المسجدين صلاة لم تجز إلا عن واحدة. # قال المقري أبو بكر النقاش في "تفسيره": حسبت المضاعفة في هذه الرواية ~~-يعني المتقدمة-؛ فبلغت صلاة واحدة في المسجد الحرام: عمر خمس وخمسين سنة ~~وستة أشهر وعشرين ليلة. وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام، وهي خمس صلوات: ~~عمر مائتي سنة وسبع وسبعين (¬1) سنة وتسعة أشهر وعشر ليال. # * قال ابن حجر: وقد أوهم كلام النقاش خلاف ما قاله النووي في الإجزاء. ~~وقال أيضا هذا التضعيف، مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة فإنها تزيد سبعا ~~وعشرين درجة، لكن هل يجتمع التضعيفان أم لا، محل بحث. انتهى كلام ابن حجر. # * قلت: وقد ذكر الإمام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الصاحب ~~المصري الآثاري: أن كل صلاة بالمسجد الحرام فرادى: بمائة ألف صلاة، كما ورد ~~في الحديث. وكل صلاة فيه جماعة: بألفي صلاة وسبعمائة ألف صلاة، والصلوات ~~الخمس فيه: بثلاثة عشر ألف ألف صلاة وخمسمائة ألف صلاة، وصلاة الرجل منفردا ~~في وطنه عن المسجدين المعظمين: كل مائة سنة شمسية: بمائة ألف وثمانين ألف ~~صلاة. وكل ألف سنة: بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة. # فتلخص من هذا؛ أن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة: يفضل ثوابها على ~~ثواب من صلى في بلده فرادى حتى بلغ عمر نوح عليه السلام وزاد عليه PageV01P072 # بنحو النصف، وسلام على نوح في العالمين، وهذه ### ||| AUTO فائدة # ؛ تسوي رحلة. # ثم قال: هذا إذا لم يضف إلى ذلك شيئا آخر من أنواع البر، فإن صام يوما ~~وصلى الصلوات الخمس جماعة وفعل فيه أنواعا من البر. وقلنا بالمضاعفة، فهذا ~~مما يعجز (¬1) الحساب ms021 حصر ثوابه. # * ### ||| AUTO فائدة # : # ذكر الله المسجد الحرام في كتابه في خمسة عشر موضعا: ستة في البقرة: {فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام} (¬2): ثلاثة. # الرابع: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} (¬3). # الخامس: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} (¬4). # (14/أ) السادس: {والمسجد الحرام وإخراج أهله منه} (¬5). # والسابع في المائدة: {أن صدوكم عن المسجد الحرام} (¬6). # والثامن في الأنفال: {وهم يصدون عن المسجد الحرام} (¬7). # والتاسع في التوبة: {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} (¬8). PageV01P073 # والعاشر: {وعمارة المسجد الحرام} (¬1). # والحادي عشر: {فلا يقربوا المسجد الحرام} (¬2). # والثاني عشر في بني إسرائيل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام} (¬3). # والثالث عشر في الحج: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء} (¬4). # والرابع عشر في الفتح: {وصدوكم عن المسجد الحرام} (¬5). # والخامس عشر، أيضا: {لتدخلن المسجد الحرام} (¬6). PageV01P074 ### || AUTO الباب الخامس في ذكر كسوة الكعبة، زادها الله شرفا # : # * روى الأزرقي بسنده إلى أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن سب أسعد الحميري وهو تبع، وكان أول من كسا الكعبة. وقال جماعة من أهل ~~العلم: كان قد رأى في المنام أن يكسوها فكساها الأنطاع (¬1)، ثم أري أن ~~اكسها فكساها الوصائل- ثياب حبرة من عصب اليمن (¬2). # * وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: بلغنا أن تبعا أول من كسا الكعبة ~~الوصائل فسترت بها. # قال: وزعم بعض علمائنا أن أول من كسا الكعبة إسماعيل عليه السلام (¬3). # وحكى الزبير بن بكار عن بعض علمائهم: أن عدنان أول من كسا الكعبة أو كسيت ~~في زمنه. # * وحكى البلاذري: أن أول من كساها الأنطاع عدنان بن إد، فلما نشأ أبو ~~زمعة ابن المغيرة قال أنا أكسو وحدي الكعبة سنة وجميع قريش سنة، وكان يأتي ~~بالحبرة الجيدة فيكسوها إلى أن مات فسمته قريش: "العدل"؛ لأنه عدل فعله ~~بفعل قريش كلها. PageV01P075 # * وروى الواقدي عن إبراهيم بن أبي ربيعة قال: كسي البيت في الجاهلية ~~الأنطاع ثم كساه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثياب اليمانية، ثم ~~كساه عمر وعثمان القباطي، ثم كساه الحجاج الديباج. # وقد ذكر ابن إسحاق وتابعه ms022 (¬1) ابن هشام: أن أول من كساها (14/ ب) ~~الديباج: الحجاج. # * وروى عبد الرزاق بسنده: أن أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير ~~(¬2). وقاله الزبير النساب. # وروى عبد الرزاق أيضا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كساها القباطي ~~والحبرات وأبو بكر وعمر وعثمان. وأول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان (¬3). # ونقل الفاكهي شيئا؛ يدل على أن خالد بن جعفر بن شهاب أول من كساها ~~الديباج (¬4)، وقاله الماوردي. # * وروى الدارقطني في "المؤتلف": أن أول من كسا الكعبة الديباج: نتيلة بنت ~~خباب والدة العباس بن عبد المطلب (¬5). # وذكر بعضهم: أن أول من كساها الديباج: يزيد بن معاوية، وقدم الأزرقي ~~الحجاج، قال: ويقال: يزيد بن معاوية، ويقال: ابن الزبير، ويقال: عبد الملك ~~ابن مروان (¬6). PageV01P076 # فحصلنا في أول من كساها مطلقا على ثلاثة أقوال: # إسماعيل عليه السلام أو عدنان أو تبع، وهو: أسعد. وجمع بعضهم بين ~~الأقوال؛ على تقدير ثبوتها: بأن إسماعيل عليه السلام أول من كساها مطلقا، ~~وأما تبع: فأول من كساها ما ذكر، وأما عدنان: فلعله أول من كساها بعد ~~إسماعيل. # * وحصلنا في أول من كساها الديباج على ستة أقوال ترجع إلى خمسة: الحجاج ~~أو عبد الملك والحجاج من جهة عبد الملك، فهما قول. أو ابن الزبير أو نتيلة ~~أم العباس أو يزيد بن معاوية أو خالد بن جعفر. # وذكر الفاكهي: أن أول من كساها الديباج الأبيض: المأمون بن الرشيد. ~~واستمر بعده (¬1). وأول من خلق جوف الكعبة ابن الزبير (¬2). # وروى ابن أبي نجيح، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كسا ~~الكعبة القباطي من بيت المال (¬3). # وأجرى لها معاوية رضي الله عنه وظيفة الطيب كل صلاة وبعث إليها عبيدا ~~يخدمونها (¬4). # * وذكر الأزرقي: أنها كانت تكسى كل سنة كسوتين: كسوة ديباج وكسوة قباطي، ~~فأما الديباج فتكساه يوم التروية، فيعلق القميص ويدلى (15/أ) PageV01P077 # ولا يخاط، فإذا صدر الناس من منى خيط القميص وترك الإزار حتى يذهب الحاج ~~لئلا يخرقوه، فإذا كان العاشور علق الإزار فوصل بالقميص، فلا تزال هذه ~~الكسوة الديباج ms023 عليها حتى يوم سبع وعشرين من شهر رمضان فتكسى القباطي ~~للفطر، فلما كانت خلافة المأمون رفع إليه أن الديباج يبلى ويتخرق قبل أن ~~يبلغ الفطر ويرقع حتى يسمج فسأل مبارك الطبري مولاه، وهو يومئذ على بريد ~~مكة وصوافيها: في أي الكسوة الكعبة أحسن؟ فقال له: في البياض، فأمر بكسوة ~~من ديباج أبيض. فعملت سنة ست ومائتين وأرسل بها إلى الكعبة. # فصارت الكعبة تكسى ثلاث كسى: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم ~~هلال رجب، والديباج الأبيض الذي أحدثه المأمون يوم سبع وعشرين من شهر رمضان ~~للفطر، فهي تكسى إلى اليوم ثلاث كسى. # * ثم رفع إلى المأمون: أن إزار الديباج الأبيض يتخرق في أيام الحج من مس ~~الحاج قبل أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر، الذي يخاط في العاشور، فبعث ~~بفضل إزار ديباج أبيض تكساه يوم التروية أو يوم سابع فيستر به ما تخرق من ~~الإزار الذي كسيته للفطر إلى أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر. # * ثم رفع إلى المتوكل: أن إزار الديباج الأحمر يبلى قبل هلال رجب من مس ~~الناس وتمسحهم بالكعبة، فزادها إزارين مع الإزار الأول، وأذيل قميصها ~~الديباج الأحمر، حتى بلغ الأرض ثم جعل الإزار فوقه: كل شهرين إزار، وذلك في ~~سنة: أربعين ومائتين. ثم كتبت الحجبة إليه: إزارا واحدا (¬1) مع ما أذيل من ~~قميصها يجزيها، فصار يبعث بإزار واحد (¬2). PageV01P078 # * وكسيت في أيام الفاطميين الديباج الأبيض، وكساها محمود بن سبكتكين: ~~ديباجا أصفر، وكساها الناصر العباسي: ديباجا أخضر، ثم كساها: ديباجا أسود، ~~فاستمر إلى الآن. (15/ ب) ولم تزل الملوك يتداولون كسوتها إلى أن وقف عليها ~~الصالح إسماعيل بن الناصر- رحمه الله - في سنة نيف وخمسين وسبعمائة (¬1) ~~قرية بنواحي القاهرة (¬2). # * قال الزركشي الشافعي في كتابه "إعلام الساجد": أول من اتخذ لها غلقا: ~~عبد المطلب، بابا من حديد من تلك الأسياف (¬3). # قلت: غفل عن ما ذكره الأزرقي عن تبع: أنه لما كسا الكعبة جعل لها بابا ~~يغلق بضبة فارسية وذكر في موضع آخر أنه جعل لها بابا يغلق. # وقال أسعد في ذلك: # وكسونا ms024 البيت الذي حرم الله ... ملاء معضدا وبرودا # وأقمنا به من الشهر عشرا ... وجعلنا لبابه إقليدا # وخرجنا منه يؤم (¬4) سهيلا ... قد رفعنا لواءنا معقودا (¬5) # وهذا هو تبع الثالث كما ذكره الأزرقي وغيره. مع أن الزركشي؛ قد ذكر من ~~قصة تبع هذا قطعة قبيل هذا بيسير (¬6). PageV01P079 # وذكر الزركشي عن ابن قتيبة أن هذه القصة كانت قبل الإسلام بسبعمائة سنة (¬1). # وذكر الأزرقي: أنه كان في أول زمان قريش. # وذكر الأزرقي، عن ابن جريج في قصة تبع: أنه جعل لها بابا ولم تكن تغلق ~~قبل ذلك (¬2). # وقال الزبير بن بكار والسهيلي: أول من بوبها: أنوش بن شيث بن آدم. # وقيل: إن جرهما بوبته، ذكره الفاكهي (¬3). # * * * PageV01P080 ### || AUTO الباب السادس في سدانة البيت # : # السدانة: بكسر السين هي الخدمة. # وكان عمر رضي الله عنه يقول لقريش إنه كان ولاة هذا البيت قبلكم طسم ~~فاستخفوا بحقه واستحلوا حرمته فأهلكهم الله عز وجل. # * قال أهل السير: لما استخفت جرهم بحقه شردهم الله تعالى، ووليته خزاعة ~~ثم وليه بعد خزاعة قصى بن كلاب، وولي حجابة الكعبة (¬1) وأمر مكة، ثم أعطى ~~ولده عبد الدار السدانة (¬2)، وهي الحجابة واللواء ودار الندوة، وسميت دار ~~الندوة؛ لاجتماع الندا فيها، وهم الأشراف يجلسون لإبرام أمورهم ومشاورتهم. ~~وأعطى عبد مناف الرفادة (¬3) (16/أ) والسقاية (¬4). ثم جعل عبد الدار ~~الحجابة إلى ابنه عثمان، ولم يزل الأمر ينتقل إلى أولاده حتى ولي الحجابة ~~عثمان بن طلحة. # قال عثمان: كنا نفتح الكعبة يوم الاثنين والخميس، فجاء رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV01P081 # يوما يريد أن يدخل جمع الناس، فنلت منه (¬1)، وحلم عني، ثم قال: يا عثمان ~~لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت، فقلت لقد هلكت قريش يومئذ ~~وذلت، قال بل عزت. ودخل الكعبة ووقعت كلمته مني موقعا ظننت أن الأمر سيصير ~~إلى ما قال وأردت الإسلام فإذا قومي يزبرونني زبرا (¬2) شديدا. فلما دخل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عام القضية غير الله قلبي ودخلني ~~الإسلام ولم يعزم لي أن آتيه حتى رجع إلى المدينة، ثم ms025 عزم لي الخروج إليه ~~فأدلجت (¬3)، فلقيت خالد بن الوليد، فاصطحبنا فلقينا عمرو بن العاص، ~~فاصطحبنا، فقدمنا المدينة فبايعته وأقمت معه حتى خرجت معه في غزوة الفتح، ~~فلما دخل مكة، قال يا عثمان إيت بالمفتاح، فأتيته به، فأخذه مني، ثم دفعه ~~إلى، فقال: "خذوها يا بني أبي (¬4) طلحة خالدة تالدة (¬5) لا ينزعها منكم ~~إلا ظالم (¬6) ". # وقال ابن عباس: لما طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المفتاح من ~~عثمان، فهم أن يناوله إياه، فقال له (¬7) العباس بأبي وأمي، اجمعه لي مع ~~السقاية. فكف عثمان يده مخافة أن يعطيه العباس بن عبد المطلب، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فقال ~~هاكه يا رسول الله بأمانة الله. فأخذ المفتاح وفتح البيت، فنزل جبريل عليه ~~السلام بقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن PageV01P082 # تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (¬1)، ثم لم يزل عثمان يلي فتح البيت إلى أن ~~توفى فدفع ذلك إلى شيبة بن عثمان بن أبي (¬2) طلحة وهو ابن عمه، فبقيت ~~الحجابة في ولد شيبة (¬3). # * * * PageV01P083 ### || AUTO الباب السابع في فضل الحجر الأسود وذكر أخذه ورده # : # عن ابن عباس مرفوعا: "نزل الحجر (16/ ب) الأسود من الجنة وهو أشد بياضا ~~من اللبن فسودته خطايا بني آدم" أخرجه الترمذي وصححه (¬1). # وعن ابن عباس أيضا مرفوعا: "إن لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهدان لمن ~~استلمه يوم القيامة بحق" أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه أيضا ابن حبان ~~والحاكم (¬2). # وعن عمرو بن العاص (¬3) مرفوعا: "الحجر (¬4) والمقام ياقوتتان من ياقوت ~~الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب" أخرجه أحمد ~~والترمذي وصححه ابن حبان (¬5). PageV01P084 # وروى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "مسح الحجر والركن اليماني يحط الخطايا حطا" (¬1). # * اعترض بعض الملحدين؛ في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحجر ~~سودته خطايا بني آدم، فقال: ما سودته خطايا بني آدم ينبغي أن يبيضه توحيد ~~المسلمين. # أجاب ابن قتيبة فقال: لوشاء الله لكان ms026 ذلك، ثم أما علمت أيها المعترض أن ~~السواد (¬2) يصبغ ولا ينصبغ وأن البياض ينصبغ ولا يصبغ. # وأجاب ابن الجوزي: بأن إبقاء أثر الخطايا فيه، وهو السواد، أبلغ في باب ~~العبرة والعظة من تغيير ذلك ليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها ~~في القلوب أعظم، فوجب لذلك أن يجتنب (¬3). # وروى ابن الجوزي بسنده إلى أبي الطفيل عامر بن واثلة عن أبيه أو جده قال: ~~رأيت الحجر الأسود أبيض، وكان أهل الجاهلية إذا نحروا بدنهم لطخوه بالفرث والدم. # * وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر الأسود وقال: ~~"إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك" (¬4). # * قال ابن الجوزي: في هذا الحديث من الفقه: أن عمر نبه على مخالفة ~~الجاهلية فيما كانت عليه من تعظيم الأحجار، وأخبر أني إنما فعلت ذلك PageV01P085 # للسنة لا لعادة الجاهلية. # وفيه بيان متابعة السنن؛ وإن لم يوقف لها على علل. على أنه قد ذكرت علتان ~~في تقبيل (17/أ) الحجز ولمسه: # إحداهما: أنه قد روي في الحديث أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، وكان ~~ذلك في ضرب المثل كمصافحة الملوك للبيعة (¬1) وتقبيل المملوك (¬2) يد ~~المالك، ثم ذكر بسنده إلى ابن عباس أنه قال: "الحجر يمين الله في الأرض، ~~فمن لم يدرك بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح الحجر فقد بايع ~~الله ورسوله" (¬3)، وروي عن ابن عباس في لفظ آخر أنه قال: "الركن الأسود ~~يمين الله عز وجل" (¬4). # الثانية: لما أخذ (¬5) الميثاق كتب كتابا على الذرية فألقمه هذا الحجر، ~~فهو يشهد للمؤمن بالوفاء وعلى الكافر بالجحود. وهذا مروي عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. # قال العلماء: ولهذه العلة يقول لامسه (¬6) إيمانا بك ووفاء بعهدك. # * وروى الأزرقي بسنده إلى ابن عباس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ليبعثن هذا الحجر يوم القيامة، وله عينان يبصر بهما ولسان ~~ينطق به، يشهد لمن استلمه بالحق" (¬7). PageV01P086 ### ||| AUTO فصل # * وأما ms027 أخذه؛ فذكر أهل التاريخ أن عدو الله أبا طاهر القرمطي وافى مكة في ~~سابع ذي الحجة وقيل في ثامنه سنة سبع عشرة وثلاثماثة وفعل فيها هو وأصحابه ~~أمورا منكرة، منها: أن بعضهم ضرب الحجر افي سود بدبوس فكسره ثم قلعه، وقيل ~~قلعه جعفر بن علاج البناء بأمر أبي طاهر يوم الاثنين بعد الصلاة لأربع عشرة ~~خلت من ذي الحجة. وذهب به معه إلى بلاده هجر. وبقي موضعه خاليا يضع الناس ~~فيه أيديهم للتبرك إلى حين رد إلى موضعه من الكعبة المعظمة وذلك يوم ~~الثلاثاء يوم النحر من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة على ما ذكر المسبحي (¬1) ~~وذكر أن الذي وافى به مكة سنين بن الحسن القرمطي. # وذكر بعضهم: أن القرامطة قلعوا الحجر والباب وأصعدوا رجلا لقلع الميزاب ~~فتردى على رأسه وأخذوا أسلاب (¬2) مكة والحاج وألقوا القتلى في زمزم. # وهلك تحت الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون جملا فعلقه لعنه الله على ~~الإسطوانة السابعة من جامع الكوفة (17/ ب) إلى الجانب الغربي؛ ظنا منه: أن ~~الحج ينتقل إلى الكوفة. # * قال ابن دحية، ثم حمل الحجر إلى هجر سنة سبع عشرة وثلاثمائة. PageV01P087 # وبقي عند القرامطة اثنين وعشرين سنة إلا شهرا، ثم رد لخمس خلون من ذي ~~الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. # وكان حكم التركي بذل لهم في رده خمسين ألف دينار فلم يفعلوا وقالوا: ~~أخذناه بأمر ولا نرده إلا بأمر. # * وقيل: إنهم باعوه من الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار. ولما أرادوا ~~تسليمه، أشهدوا عليهم أنهم تسلموا الحجر الأسود، وقالوا لهم بعد الشهادة: ~~"يا من لا عقل لهم، من علم منكم أن هذا هو الحجر الأسود ولعلنا أحضرنا حجرا ~~أسود من هذه البرية عوضه، فسكت الناس، وكان فيهم عبد الله بن عكيم المحدث، ~~فقال لنا في الحجر الأسود علامة، فإن كانت موجودة: فهو هو؛ وإن كانت ~~معدومة: فليس هو، ثم رفع حديثا غريبا أن الحجر الأسود يطفو على وجه الماء ~~ولا يسخن بالنار إذا أوقدت عليه، فأحضر القرمطي طستا فيه ماء ووضع الحجر ~~فيه فطفى ms028 على الماء، ثم أوقدت عليه النار فلم يحس بها فمد عبد الله المحدث ~~يده وأخذ الحجر وقبله وقال: أشهد أنه الحجر الأسود، فتعجب القرمطي من ذلك، ~~وقال: هذا دين مضبوط بالنقل. وأرسل الحجر إلى مكة. # * قال ابن دحية: عبد الله بن عكيم هذا لا يعرف، والحجر الأسود جلمدا (¬1) ~~لا تخلل فيه. والذي يطفو على الماء يكون فيه بعض التخلل كالخفاف وشبهه. قال ~~وللحجر الأسود علامات غير ذلك، وعرضه وطوله معلوم عند جميع من ألف في أخبار ~~مكة ولا يمكن التدليس فيه والنقطة البيضاء التي فيه من أكبر العلامات. PageV01P088 # قلت: ولقد شاهدت في سنة خمس وسبعين وثمانمائة وقد ذهبت تلك النقطة ~~البيضاء منه. # * وذكر الذهبي: أنه هلك تحته لما حمل إلى هجر أربعون جملا، فلما أعيد حمل ~~على قعود هزيل فسمن. # وقيل: هلك تحته لما حمل (18/أ) إلى هجر ثلاثمائة بعير، وقيل: خمسمائة ~~بعير. والله تعالى أعلم! .. # * * * PageV01P089 ### || AUTO الباب الثامن فيما جاء في رفع الحجر الأسود # : # * ذكر الأزرقي بسنده عن عائشة قالت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أكثروا # استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات # ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه إن الله لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده # فيها قبل يوم القيامة" (¬1). # * وبسنده إلى يوسف بن ماهك قال: إن الله تعالى جعل الركن عيد أهل هذه ~~القبلة كما كانت المائدة عيدا لبني إسرائيل، وإنكم لن تزالوا بخير ما دام ~~بين ظهرانيكم، وإن جبريل وضعه في مكانه وإنه يأتيه فيأخذه من مكانه (¬2). # * وذكر عن مجاهد أنه قال: كيف بكم إذا أسري بالقرآن ورفع من صدوركم ونسخ ~~من قلوبكم ورفع الركن (¬3)؟ . # * وقال عثمان بن ساج: بلغني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"أول ما يرفع الركن والقرآن ورؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام" (¬4). # * وذكر بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "إن الله تعالى يرفع ~~القرآن من صدور الرجال والحجر الأسود قبل يوم القيامة" (¬5). PageV01P090 ### || AUTO الباب التاسع ms029 في ذكر الركن اليماني # : # * ذكر الأزرقي بسنده إلى ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يكن يمر بالركن اليماني إلا وعنده ملك يقول: "يا محمد استلمه" (¬1). # وبسنده إلى عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما مررت ~~بالركن اليماني إلا وجدت جبريل عليه السلام قائما" (¬2). # وبسنده إلى الزبير أنه قال: "كان يقال إنه من (¬3) باب من أبواب الجنة" (¬4). # وعن مجاهد: من وضع يده على الركن اليماني ثم دعا استجيب له (¬5). # وعنه أيضا قال: بلغني أن بين الركن اليماني والركن الأسود سبعين ألف ملك ~~لا يفارقونه، هم هنالك منذ خلق الله سبحانه البيت (¬6). # * وروى ابن الجوزي بسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "على ~~الركن اليماني ملك موكل منذ خلق الله السموات والأرض فإذا مررتم به فقولوا: ~~(18/ ب) PageV01P091 # ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة وقنا عذاب النار فإنه يقول آمين ~~آمين" (¬1). # وبسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وكل الله به سبعين ~~ألف ملك فمن قال أسألك العفو والعافية ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار، قالوا آمين" (¬2). # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يستلم من أركان البيت إلا اليماني ~~والأسود، فاستلام # اليماني مسنون عند مالك والشافعى وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يسن، والحديث ~~حجة عليه (¬3). # * * * PageV01P092 ### || AUTO الباب العاشر في ذكر الحجر # : # * روى الأزرقي بسنده إلى عائشة أنها قالت: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي ~~فيه، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي فأدخلني الحجر، فقال لي: ~~"صلي في الحجر إذا أردت دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك ~~استقصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت" (¬1). # وذكر عن ابن عباس أنه قال: "الحجر من البيت" (¬2) فإذا قلنا هو من البيت ~~فيدخل تحت قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} (¬3). # * قال ابن الجوزي: فعلى هذا يلزم الطواف بالحجر فإن تركه في طوافه لم ~~يجزئه "وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: يجزئه" (¬4) ~~انتهى كلام ms030 ابن الجوزي (¬5). # وذكر غيره عن أبي حنيفة أنه قال: إن طاف في (¬6) الحجر وبقي في مكة أعاده ~~وإن رجع إلى بلده فلا إعادة عليه ويريق دما ويجزئه طوافه. PageV01P093 # واحتج الجمهور: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف وراء الحجر وقال: ~~"خذوا عني مناسككم" (¬1) ثم أطبق الناس عليه في زمن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وإلى الآن (1). # وروى الأزرقي، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال وهو في الحجر شكا إسماعيل ~~عليه السلام إلى ربه تعالى حر مكة، فأوحى الله تعالى إليه أني أفتح لك بابا ~~من الجنة في الحجر يجري عليك منه الروح إلى يوم القيامة. وفي ذلك الموضع ~~توفي (¬2). # قال خالد المخزومي: فيرون أن ذلك الموضع ما بين الميزاب إلى باب الحجر ~~الغربي، فيه قبره (¬3). (19/أ). # وذكر عن ابن الزبير: أنه حفر الحجر فوجد فيه سفطا من حجارة أخضر، فسأل ~~قريشا عنه، فلم يجد عند أحد منهم فيه (¬4) علما، قال: فأرسل إلى عبد الله ~~ابن صفوان، فسأله فقال: هذا قبر إسماعيل عليه السلام فلا تحركه؟ ، قال ~~فتركه (¬5). # * وقال ابن إسحق: قبر إسماعيل وأمه هاجر عليهما السلام في الحجر. # وورد؛ أن إبراهيم عليه السلام لما قدم بهاجر وإسماعيل عليهما السلام إلى ~~مكة أنزلهما في الحجر وأمرها أن تتخذ فيه عرشا. # وذكر ابن إسحاق في أثناء خبر بناء الخليل عليه السلام للكعبة أنه جعل ~~الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك يقتحمه العنز، وكان زربا لغنم PageV01P094 # إسماعيل عليه السلام. # * وعرض الحجر من جدر الكعبة تحت الميزاب إلى جدر الحجر: سبعة عشر ذراعا ~~وثمان أصابع. وذرع ما بين بابي الحجر: عشرون ذراعا، وعرضه: اثنان وعشرون ~~ذراعا، وذرع الجدر من داخله في السماء: ذراع وأربع عشرة أصبعا، وذرعه مما ~~يلي الباب الذي يلي المقام: ذراع وعشر أصابع، وذرع جدار الحجر الغربي في ~~السماء: ذراع وعشرون أصبعا، وذرع طول جدر الحجر من خارج مما يلي الركن ~~الشامي: ذراع وست عشرة أصبعا. وطوله من وسطه في السماء: ذراعان وثلاث ~~أصابع. وعرض الجدار: ذراعان إلا أصبعين، ms031 وذرع باب الحجر الذي يلي المقام: ~~خمسة أذرع وثلاث أصابع، وذرع باب الحجر الآخر: سبع أذرع، وذرع تدوير الحجر ~~من داخله: ثمانية وثلاثون ذراعا. وذرع تدويره من خارج: أربعون ذراعا وست ~~أصابع. وذرع طوف واحد حول الكعبة: مائة ذراع وثلاثة وعشرون ذراعا وثنتا ~~عشرة أصبعا. وذرع طوف أسبوع حول الكعبة: ثمانمائة وستة وستون ذراعا وعشرون ~~أصبعا. ذكر هذا كله الأزرقي (¬1). # * * * PageV01P095 ### || AUTO الباب الحادي عشر في ذكر الميزاب # : # روى الأزرقي بسنده: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حاذى ميزاب ~~الكعبة وهو في الطواف يقول: "اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند ~~(19/ ب) الحساب" (¬1) # وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: "من قام تحت مثعب (¬2) الكعبة فدعا ~~استجيب له وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (¬3). # وروي عن ابن عباس أنه قال "صلوا في مصلى الأخيار واشربوا من شراب ~~الأبرار، فقيل له: ما مصلى الأخيار؟ قال. تحت الميزاب، قيل: وما شراب ~~الأبرار؟ قال: ماء زمزم" (¬4). # * * * PageV01P096 ### || AUTO الباب الثاني عشر في ذكر الحطيم # : # * اختلف في الحطيم وفي سبب تسميته بذلك: # فقيل: إنه ما بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه السلام وزمزم وحجر ~~إسماعيل عليه السلام، وهو مقتضى ما حكاه الأزرقي عن ابن جريج. # وفي كتب الحنفية: أن الحطيم الموضع الذي فيه الميزاب. # قال الإمام أحمد: يأتي الحطيم وهو تحت الميزاب فيدعو. # وعن ابن عباس قال: الحطيم: الجدر (¬1). # قال المحب الطبري: يعني جدار حجر الكعبة. # قال وقد قيل الحطيم هو الشاذروان، سمي بذلك؛ لأن البيت رفع وترك هو ~~محطوما فيكون فعيلا بمعنى مفعول. # قال: وقد قيل لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت فيه من الثياب فيبقى حتى ~~ينحطم من طول الزمان فيكون فعيلا بمعنى فاعل- انتهى (¬2). # وقيل: إنما سمي الحطيم لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان فقل من دعا ~~هنالك على ظالم إلا هلك، وقل من حلف هنالك إلا عجلت له العقوبة. ذكره ~~الأزرقي (¬3). PageV01P097 ### || AUTO الباب الثالث عشر في فضل النظر إلى البيت ونزول الرحمة عليه # : # * روى الأزرقي بسنده إلى حسان بن ms032 عطية: أن الله عز وجل، خلق لهذا البيت ~~عشرين ومائة رحمة ينزلها (¬1) في كل يوم: فستون منها للطائفين، وأربعون ~~للمصلين، وعشرون للناظرين. قال حسان فنظرنا فإذا هي كلها للطائفين وهو يطوف ~~ويصلي وينظر (¬2). # * وعن إبراهيم النخعي وحماد بن أبي (¬3) سلمة قال: الناظر إلى الكعبة ~~كالمجتهد في العبادة في غيرها من البلاد (¬4). # وروي عن ابن عباس قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (20/ أ): ~~"ينزل الله تعالى على هذا البيت كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة، ستون منها ~~للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين" (¬5). # وعن يونس بن حباب، قال: النظر إلى الكعبة عبادة فيما سواها من الأرض، ~~عبادة الصائم القائم الدائم (¬6) القانت (¬7). PageV01P098 # * وعن مجاهد قال: النظر إلى الكعبة عبادة ودخول فيها دخول في حسنة وخروج ~~منها خروج من سيئة (¬1). # وعن ابن عباس: النظر إلى الكعبة محض الإيمان (¬2). # وعن ابن المسيب قال: من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا خرج من الخطايا ~~كيوم ولدته أمه (¬3). # وعن أبي السايب المديني قال: من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا تحاتت عنه ~~الذنوب كما تتحات الورق من الشجر (¬4). # وعن زهير بن محمد قال: الجالس في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا ~~يصلي، أفضل من المصلي في بيته، لا ينظر إلى البيت (¬5). # وعن عطاء قال: النظر إلى البيت عبادة، والناظر إلى البيت كمنزلة الصائم ~~القائم الدائم المخبت المجاهد في سبيل الله (¬6). ونظره إلى البيت تعدل ~~(¬7) عبادة ألف سنة، قيامها وركوعها وسجودها. # * * * PageV01P099 ### || AUTO الباب الرابع عشر في ذكر المواضع التي يستجاب فيها الدعاء # : # * ذكر الحسن البصري في رسالته المشهورة: أن الدعاء يستجاب بمكة في خمسة ~~عشر موضعا: # عند الملتزم- وتحت الميزاب - وعند الركن اليماني- وعلى الصفا- وعلى ~~المروة- وبينهما- وبين الركن والمقام- وفي جوف الكعبة- وبمنى - وجمع- ~~وعرفات- وعند الجمرة الأولى- والوسطى- وجمرة العقبة (¬1). هكذا ذكر أولا ~~خمسة عشر، وإنما ذكر أربعة عشر. # * قال في "تحفة الكرام": يحتمل أن يكون المكان الذي سقط فيه خلف المقام، ~~ويحتمل أن يكون في الطواف؛ لأنه روي عن الحسن البصري عد هذين الموضعين في ~~المواضع التي يستجاب بها الدعاء بمكة. # قال المحب ms033 الطبري: وروي عن الحسن أن الحجر الأسود يستجاب عنده الدعاء ~~فتصير المواضع ستة عشر. قال، وسيأتي عند ظهر الكعبة موضع سابع عشر، ومراده ~~المستجار ما بين الركن اليماني والباب المسدود. # قال في "تحفة الكرام": وفيما قاله الحسن من أنه يستجاب عند جمرة العقبة ~~(20/ ب) نظر؛ لأن المطلوب أن لا يقف عندها وكيف يفعل شيئا المطلوب خلافه ~~ويستجاب له، إلا أن يريد بقربها أو وهو مار. قال: وفيه بعد. PageV01P100 # * وذكر القاضي مجد الدين الشيرازي: يستجاب أيضا في ثبير وفي مسجد الكبش. ~~زاد غيره ومسجد الخيف. زاد آخر وفي مسجد النحر، ببطن (¬1) منى. زاد ابن ~~الجوزي: وفي مسجد البيعة، وغار المرسلات، ومغارة الفتح؛ لأنها من ثبير. # وقال النقاش: يستجاب الدعاء إذا دخل من باب بني شيبة، وفي دار خديجة بنت ~~خويلد ليلة الجمعة، وفي مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين عند ~~الزوال، وفي دار الخيزران عند المحسا بين العشاءين، وتحت السدرة بعرفة وقت ~~الزوال، وفي مسجد الشجرة يوم الأربعاء، وفي المتكا غداة الأحد، وفي جبل ثور ~~عند الظهر وفي حراء وثبير مطلقا، وفي مسجد النحر- انتهى. # * * * PageV01P101 ### || AUTO الباب الخامس عشر في ذكر طواف الحشرات بالبيت # : # * ذكر ابن الجوزي بسنده إلى عبد الله بن صفوان: أنه بينا هو قريب من ~~البيت إذ أقبلت حية من باب العراق حتى طافت بالبيت أسبوعا ثم أتت الحجر ~~فاستلمته، فنظر إليها عبد الله بن صفوان فقال: أيها الجان قد قضيت عمرتك ~~وإنا نخاف عليك بعض صبياننا فانصرف، فخرجت راجعة من حيث جاءت. # * وذكر الأزرقي عن أبي الطفيل قال: # كانت امرأة من الجن في الجاهلية تسكن ذا طوى وكان لها ابن ولم يكن لها ~~ولد غيره، وكانت تحبه حبا شديدا، وكان شريفا في قومه فتزوج وأتى زوجته فلما ~~كان يوم سابعه قال لأمه يا أمه إني أحب أن أطوف بالكعبة سبعا نهارا، فقالت ~~له أمه: أي بنى إني أخاف عليك سفهاء قريش، فقال أرجو السلامة، فأذنت له ~~فولى في صورة جان إلى أن ذكر أنه طاف بالبيت ms034 سبعا وصلى خلف المقام ركعتين ~~وأنه دخل بعض دور بني سهم فقتله شاب من بني سهم أحمر أكتف أزرق أحول أعسر، ~~فثارت بمكة غبرة حتى لم يبصر (21/ أ) لها الجبال. قال أبو الطفيل وبلغنا ~~أنه إنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن. قال فأصبح من بني سهم على ~~فراشهم موتى كثيرا من قتلى الجن، وكان فيهم سبعون شيخا أصلع سوى الشباب. ~~قال فنهضت بنو سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدها فركبوا الجبال والشعاب ~~بالثنية فما تركوا حية ولا عقربا ولا حكا ولا عطانة ولا خنفسا ولا شيئا من ~~الهوام يدب على وجه الأرض إلا قتلوه فأقاموا بذلك ثلاثا فسمعوا في الليلة ~~الثالثة على أبي قبيس PageV01P102 # هاتفا يهتف بصوت له جهوري يسمع به (¬1) بين الجبلين: يا معشر قريش الله ~~الله، فإن لكم أحلاما وعقولا أعذرونا من بني سهم، فقد قتلوا منا أضعاف ما ~~قتلنا منهم أدخلوا بيننا وبينهم بالصلح نعطيهم ويعطوننا العهد والميثاق أن ~~لا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدا. ففعلت ذلك قريش واستوثقوا لبعض من بعض فسموا ~~بنو سهم العناطلة قتلة الجن (¬2). # * وذكر الأزرقي أيضا عن محمد بن هشام السهمي قال: كنت بمال لي بتبالة ~~(¬3) أجد نخلا لي به وبين يدي جارية لي فارهة فصرعت قدامي، فقلت لبعض ~~خدمنا: هل رأيتم هذا منها قبل هذا؟ قالوا: لا، قال فوقفت عليها فقلت يا ~~معشر الجن أنا رجل من بني سهم وقد علمتم ما كان بيننا في الجاهلية من الحرب ~~وما صرنا إليه من الصلح والعهد والميثاق وأن لا يغدر بعضنا ببعض ولا يعود ~~إلى مكروه صاحبه فإن وفيتم وفينا وإن غدرتم غدرنا إلى ما تعرفون قال: ~~فأفاقت الجارية ورفعت رأسها فما عيد إليها بمكروه حتى ماتت (¬4). # * وذكر الأزرقي عن طلق بن حبيب قال: كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو بن ~~العاص في الحجر إذ قلص الظل وقامت المجالس، إذا نحن ببريق أيم طالع من هذا ~~الباب، يعني باب بني شيبة، فاشرأبت له أعين الناس فطاف بالبيت سبعا وصلى ~~ركعتين وراء ms035 المقام فقمنا إليه فقلنا ألا أيها المعتمر قد قضى الله نسكك ~~وإن بأرضنا عبيدا وسفهاء وإنا (21/ ب) نخشى عليك PageV01P103 # منهم. فكوم برأسه كومة بطحاء ووضع ذنبه عليها فسما في السماء حتى مثل ~~علينا فما نراه. # قال أبو محمد الخزاعي: الأيم: الحية الذكر (¬1). # * * * PageV01P104 ### || AUTO الباب السادس عشر في ذرع الكعبة من جهاتها الأربع وارتفاعها في السماء وذكر الشاذروان # (¬1): # قال أبو الوليد (¬2): كان إبراهيم الخليل عليه السلام بنى الكعبة، البيت ~~الحرام، فجعل طولها في السماء: تسع أذرع، وطولها في الأرض: ثلاثين ذراعا، ~~وعرضها في الأرض: اثنين وعشرين ذراعا. وكان غير مسقف في عهد إبراهيم عليه ~~السلام، ثم بنتها قريش في الجاهلية والنبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ~~غلام، فزادت في طولها في السماء: تسعة أذرع أخرى، فكانت في السماء: ثمانية ~~عشر ذراعا، وسقفوها ونقصوا من طولها في الأرض: ستة أذرع وشبرا تركوها في ~~الحجر، واستقصرت دون قواعد إبراهيم عليه السلام، جعلوا ربضا (¬3) في بطن ~~الكعبة وبنوا عليه حين قصرت بهم النفقة. وحجرو الحجر على بقية البيت لأن ~~يطوف الطائف من ورائه، فلم تزل على ذلك حتى كان زمن عبد الله بن الزبير ~~فهدم الكعبة وردها إلى قواعد إبراهيم عليه السلام وزاد في طولها في السماء: ~~تسعة أذرع أخرى على بناء قريش. فصارت في السماء: سبعة وعشرين ذراعا، وأوطأ ~~بابها بالأرض وفتح في ظهرها بابا آخر مقابل هذا الباب. وكانت على ذلك حتى ~~قتل ابن الزبير وظهر الحجاج وأخذ PageV01P105 # الكعبة، فكتب إليه عبد الملك بن مروان يأمره بهدم ما كان ابن الزبير زاد ~~من الحجر في الكعبة وردها إلى قواعد قريش التي استقصرت في بطن البيت وكسيها ~~بما فضل من حجارتها وسد بابها الذي في ظهرها ورفع بابها الذي في وجهها ~~وتركها على طولها، وطولها في السماء اليوم: سبعة وعشرون ذراعا، وذرع طول ~~وجه الكعبة من الركن الأسود إلى الركن الشامي: خمسة وعشرون ذراعا، ومن ~~الأسود إلى اليماني: عشرون ذراعا، ومن اليماني إلى الحجر: خمسة وعشرون (22/ ~~أ) ذراعا، وذرع شقها الذي فيه الحجر ms036 من الركن الشامي إلى الركن الغربي: أحد ~~وعشرون ذراعا، وذرع جميع الكعبة مكسر أربعمائة ذراع وثماني عشرة ذراعا وذرع ~~نفد جدار الكعبة: ذراعان. # والذراع: أربعة وعشرون إصبعا. # والكعبة لها سقفان: أحدهما فوق الآخر. وطول الكعبة في السماء إلى السقف ~~الأسفل مما يلي باب الكعبة: ثماني عشرة ذراعا ونصف، وطولها في السماء إلى ~~السقف الأعلى: عشرون ذراعا، وذرع التحجير الذي فوق سطح الكعبة: ذراعان ~~ونصف، وذرع طول الميزاب: أربع أذرع، وسعته: ثماني أصابع في ارتفاع مثلها. # والميزاب: ملبس صفائح ذهب داخله وخارجه. وكان الذي جعل عليه الذهب الوليد ~~بن عبد الملك. # وذرع الكعبة؛ من وجهها من الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن الشامي ~~وفيه الباب: تسع عشرة ذراعا وعشر أصابع، وذرع ما بين الركن الشامي إلى ~~الركن الغربي وهو الشق الذي يلي الحجر: خمسة عشر ذراعا وثماني عشرة أصبعا. ~~ومنه إلى الركن اليماني وهو ظهر الكعبة: عشرون ذراعا وست أصابع، ومن ~~اليماني إلى الأسود. ستة عشر ذراعا وست أصابع، وذرع طول باب الكعبة في ~~السماء: ستة أذرع وعشرة أصابع وهما PageV01P106 # مصراعان، عرض كل مصراع: ذراع وثماني عشرة أصبعا. # * وذكر الأزرقي في موضع آخر: أن ذرع الكعبة من خارجها في السماء من ~~البلاط المفروش حولها: سبع وعشرون ذراعا وستة عشر إصبعا، وطولها من ~~الشاذروان سبعة وعشرون ذراعا، وعدد حجارة الشاذروان التي حول الكعبة: ~~ثمانية وستون حجرا في ثلاثة وجوه، من ذلك الركن الغربي إلى اليماني: خمسة ~~وعشرون حجرا منها حجر طوله ثلاثة أذرع ونصف وهو عتبة الباب الذي سد في ظهر ~~الكعبة، وبينه وبين الركن اليماني: أربعة أذرع، ويسمى "المستجار". # وفي الركن اليماني حجر مدور بين الركن اليماني والركن الأسود: تسعة عشر حجرا. # ومن حد الشاذروان إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود: ثلاثة أذرع واثنتا ~~عشرة أصبعا ليس فيه شاذروان. # ومن حد الركن الشامي إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود: ثلاثة وعشرون حجرا. # ومن الشاذروان الذي يلي الملتزم إلى الركن الذي فيه الحجر: ذراعان ليس ~~فيها شاذروان، وهو الملتزم، فطول الشاذروان ms037 في السماء: ست عشرة أصبعا ~~وعرضه: ذراع (¬1). # والشاذروان: بفتح الذال: وهو من جدر البيت الحرام ما ترك من عرض الأساس ~~خارجا ويسمى تأزيرا؛ لأنه كالإزار للبيت. # وعند الشيخ تقي الدين: أن الشاذروان ليس من البيت بل جعل عمارا للبيت. PageV01P107 ### ||| AUTO تنبيه # : # هكذا ذكر أبو الوليد: أن ابن الزبير زاد في طولها تسع أذرع، والذي في ~~"صحيح مسلم" من رواية عطاء: أنه زاد عشرة أذرع، والله تعالى أعلم (¬1). PageV01P108 ### || AUTO الباب السابع عشر في ذكر المقام # : # قد تقدم عن عمرو بن العاص مرفوعا: "الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت ~~الجنة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب" (¬1). # وعن ابن عباس قال: "ليس في الأرض من الجنة إلا الركن الأسود والمقام ~~فإنهما جوهرتان من جوهر الجنة، ولولا ما مسهما من أهل الشرك، ما مسهما ذو ~~عاهة إلا شفاه الله تعالى" (¬2). # * وعن مجاهد أنه قال: "لا تمس المقام فإنه من آيات الله" (¬3). # وعنه أيضا؛ أنه قال في قول الله تعالى: {فيه آيات بينات} (¬4) قال: أثر ~~قدميه في المقام (¬5). # * وفي سبب وقوفه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه وقف عليه حين أذن للناس بالحج. قال الطبري: وهو أظهر. PageV01P109 # وقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سألت عبد الله بن سلام عن الأثر ~~الذي بالمقام، فقال: كانت الحجارة على ما هي عليه اليوم، إلا أن الله ~~سبحانه وتعالى أراد أن يجعل المقام آية من آيات الله تعالى فلما أمر ~~إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج قام على المقام وارتفع المقام ~~حتى صار أطول الجبال وأشرف على ما تحته فقال: "يا أيها الناس أجيبوا ربكم" ~~فقالوا: "لبيك اللهم لبيك" فكان أثره - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الله ~~سبحانه، فكان - صلى الله عليه وسلم - ينظر عن يمينه وعن شماله: أجيبوا ~~ربكم، فلما فرغ أمر بالمقام فوضعه قبله فكان يصلي إليه مستقبل الباب فهو ~~قبله إلى ما شاء الله. # الثاني: أنه جاء يطلب ابنه إسماعيل فلم يجده، فقالت له زوجته: انزل فأبى، ~~فقالت: فدعني أغسل ms038 رأسك، فأتته بحجر؛ فوضع رجليه عليه وهو راكب، فغسلت شقه ~~ثم رفعته وقد غابت رجله فوضعته تحت الشق الآخر وغسلته فغابت رجله فيه، ~~فجعله الله تعالى من الشعائر، وهذا مروي؛ عن ابن مسعود وابن عباس (¬1). # الثالث: أنه قام على ذلك الحجر لبناء البيت. وكان إسماعيل يناوله ~~الحجارة، قاله: سعيد بن جبير. # وروى محمد بن سعد عن أشياخ له: أن عمر بن الخطاب أخر المقام إلى موضعه ~~اليوم، وكان ملصقا بالبيت. # وذكر ابن كثير في تفسيره (¬2): أن المقام كان ملصقا بجدار الكعبة قديما ~~ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في ~~البقعة المستقلة هناك. PageV01P110 # وكان الخليل لما فرغ من بناء البيت وضعه على جدار الكعبة أو أنه انتهى ~~عنده البناء فتركه هناك ولهذا، والله أعلم، أمر بالصلاة هناك عند فراغ ~~الطواف وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه. # وإنما (¬1) أخره عن جدار الكعبة: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة. # وقد روى عبد الرزاق، عن عطاء وعن مجاهد أن أول من أخر المقام إلى موضعه ~~الآن: عمر بن الخطاب. # وروى الإمام أحمد في المناسك عن عبد الرزاق، ثنا ابن جريج قال: سمعت عطاء ~~وغيره من أصحابنا يزعمون: أن عمر رضي الله عنه أول من رفع المقام فوضعه في ~~موضعه الآن وإنما كان في قبل الكعبة. # وروى البيهقي بسنده إلى عائشة: أن المقام كان في زمان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وزمان أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب. # قال ابن كثير: وسنده صحيح (¬2). # * وروى ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: كان المقام من صقع البيت على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فرده عمر إليه. # وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. # قال سفيان: لا ms039 أدري أكان لاصقا بها أم لا (¬3). PageV01P111 # قال ابن كثير: فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه (¬1). # وذكر الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده إلى إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: ~~قال عمر، يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فأنزل الله تعالى: {واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى} فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى موضعه هذا، قال مجاهد: قد كان عمر يرى الرأي فينزل به ~~القرآن. # هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن مجاهد: ~~أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب. # قال ابن كثير: وهو أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضاده بما تقدم (¬2). # * وذكر الأزرقي عن أبي مليكة أنه قال: موضع المقام هذا الذي هو به اليوم، ~~هو موضعه في الجاهلية، وفي عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ~~إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر؛ فجعلوه في وجه الكعبة حتى قدم عمر رضي ~~الله تعالى عنه فرده بمحضر من الناس (¬3). # ونقل المحب الطبري عن مالك في "المدونة": أن المقام كان في عهد إبراهيم ~~عليه السلام في مكانه اليوم. وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة ~~السيل، فكان كذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر رضي ~~الله عنه. فلما ولى عمر رضي الله عنه رده بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قيس ~~بها حين أخروه (¬4)، وقيل إن عمر أخره أولا ثم ذهب به السيل ثم أخره؛ فيكون PageV01P112 # أخره مرتين. # وذكر ابن جرير وابن الأثير: أن تأخير عمر له كان في سنة سبع عشرة من ~~الهجرة. # وذكر ابن حمدون في تذكرته: أنه في سنة ثماني عشرة، والحفرة المرخمة عند ~~الباب؛ يقال: إنها الموضع الذي صلى فيه جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقد تقدم كلام ابن كثير فيها. # * قال بعض سدنته: # ذهبنا نرفع المقام في خلافة المهدي فانثلم وهو حجر رخو، فخشينا أن يتفتت، ~~فكتبنا في ذلك إلى المهدي، فبعث ms040 إلينا بألف دينار فضببنا بها المقام، أسفله ~~وأعلاه، ثم أمر المتوكل أن يجعل عليه ذهب أحسن من ذلك العمل ففعلوا. # * وذرع المقام: ذراع، والقدمان داخلان فيه: سبع أصابع، ودخولهما ~~منحرفتان، وبين القدمين من الحجر: أصبعان. والمقام مربع؛ سعة أعلاه: أربع ~~عشرة أصبعا، في أربع عشرة أصبعا، ومن أسفله: مثل ذلك، وفي طرفيه من أعلاه ~~وأسفله: طوقان من ذهب. وما بين الطوقين من الحجر: بارز بلا ذهب عليه. طوله ~~من نواحيه كلها: تسع أصابع، وعرضه: عشر أصابع عرضا، وعشر أصابع طولا، وذلك ~~قبل أن يجعل عليه هذا الذهب الذي هو عليه اليوم من عمل أمير المؤمنين ~~المتوكل على الله. وعرض حجر المقام من نواحيه: إحدى وعشرون أصبعا. # وبين الركن الأسود والمقام: تسع وعشرون ذراعا وتسع أصابع. # وبين جدار الكعبة من وسطها إلى المقام: ست وعشرون ذراعا ونصف، ومن الركن ~~الشامي إلى المقام: ثمانية وعشرون ذراعا وتسع عشرة أصبعا. PageV01P113 ### || AUTO الباب الثامن عشر في ذكر ابتداء زمزم وتجديدها بعد دثورها # : # * أما بدو أمرها؛ فكما ثبت في الصحيحين (¬1) في قصة إبراهيم عليه السلام ~~لما جاء بهاجر وبابنها إسماعيل عليه السلام وهي ترضعه، ووضعهما عند دوحة ~~فوق زمزم، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء. والقصة فيها مشهورة، ~~وفيها: أن هاجر لما نفد ما في السقاء قامت تنظر وإسماعيل عليه السلام يتلوى ~~أو يتلبط، وفي لفظ: كأنه ينشغ للموت، فصعدت الصفا؛ لأنه أقرب جبل يليها ~~تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ~~وسعت سعي الإنسان المجهود حتى أتت المروة، فعلت ذلك سبع مرات. فلما أشرفت ~~على المروة سمعت صوتا فقالت: صه؛ تريد نفسها. ثم تسمعت، فسمعت أيضا، فقالت ~~قد أسمعت أن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم. فبحث بعقبه أو ~~قال بجناحه؛ فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحوضه، وتقول بيدها ~~هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أرحم الله أم إسماعيل ms041 لو تركت زمزم ~~أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا" فقد بان في هذا الحديث ~~معنى تسميتها زمزم؛ لأن الماء لما فاض زمته هاجر. # قال (25 /أ) ابن فارس: وزمزم من قولك زممت الناقة إذا جعلت لها PageV01P114 # زماما تحبسها به. # * ثم دثرت زمزم بعد ذلك؛ لأن بعض الجرهميين طمها. واختلف فيه: فالأكثر ~~على أنه عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو بن سعيد، أحد المعمرين، وهو القائل ~~بعد خروجه من مكة وتأسفه على فوات الأرب، وهو فيما زعموا أول شعر قيل في العرب: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # الأبيات # * فاستمرت على ذلك، حتى أمر عبد المطلب بحفرها في منامه مرارا، وقيل له: ~~عند نقرة الغراب الأعصم، فحفر عبد المطلب ثلاثة أيام ومعه ابنه الحارث ولم ~~يكن له ولد سواه حتى بدا له الطوى، فكبر وقال هذا طوى إسماعيل، فقالت له ~~قريش أشركنا، فقال ما أنا بفاعل، فاتفقوا على أن يحاكموه إلى كاهنة بني ~~سعد، فخرجوا إليها فعطشوا في الطريق حتى أيقنوا بالموت، فقال عبد المطلب: ~~والله إن ألقانا بأيدينا هكذا العجز أن لا نضرب في الأرض فعسى الله أن ~~يرزقنا ماء، فارتحلوا وقام عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به ~~انفجر تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه وشربوا جميعا ~~وقالوا له قد قضى لك علينا الذي سقاك، فوالله لا نخاصمك فيها أبدا فرجعوا ~~وخلوا بينه وبين زمزم (¬1). # * * * PageV01P115 ### || AUTO الباب التاسع عشر في ذكر الشرب من ماء زمزم والوضوء والغسل وإزالة النجاسة به # : # * ذكر الأزرقي عن وهب بن منبه أنه قال عن زمزم: "والذي نفسي بيده إنها ~~لفي كتاب الله تعالى طعام طعم وشفاء سقم" (¬1). # وروى الطبراني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خير ماء على ~~وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم" (¬2). # وذكر شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني: أن ماء زمزم أفضل من الكوثر؛ لأن ~~به غسل قلب ms042 النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن يغسل أفضل القلوب إلا ~~بأفضل المياه. # قال (25/ ب) بعض الأعيان: الحكمة في غسل قلب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ليلة المعراج بماء زمزم ليقوى على رؤية ملكوت السموات والأرض والجنة ~~والنار، لأن من خواص ماء زمزم أن يقوي القلب ويسكن الروع، والله أعلم. # * وذكر الأزرقي بسنده إلى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ماء ~~زمزم لما شرب له (¬3). PageV01P116 # * ويستحب لمن شرب من ماء زمزم أن يكثر منه؛ فقد روى (¬1) ابن عباس عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "التضلع من ماء زمزم براءة من ~~النفاق" ذكره الأزرقي (¬2). # واختلف العلماء؛ هل يكره الوضوء والغسل من ماء زمزم. فعند الأكثرين: لا ~~يكره، وعن أحمد روايتان: إحداهما كذلك، والأخرى يكره. # قال ابن الجوزي: لقول العباس: "لا أحلها لمغتسل، لكن لشارب حل وبل (¬3). # وقال ابن الزاغوني: لا يختلف المذهب أنه ينهى عن الوضوء به لقول العباس ~~لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل. # واختلف في السبب الذي لأجله ثبت النهي على طريقين: # أحدهما: أنه اختيار الواقف وشرطه وهو قول العباس المتقدم وهذا كما لو سبل ~~ماء للشرب هل يجوز الوضوء به مع الكراهة أو يحرم؟ على وجهين؛ ولأجل هذا: ~~جاء وجه في الوضوء بالتحريم. # والثانية: أن سببه الكرامة والتعظيم: # فإن قلنا: إن ما ينحدر من أعضاء المتوضئ طاهر مطهر كمذهب مالك: لم يكره. # وإن قلنا: إنه طاهر غير مطهر: كره. PageV01P117 # وإن قلنا: إنه نجس كمذهب الحنفية: حرم. # وقيل: يكره الغسل دون الوضوء، واختاره أبو العباس؛ لأن حدث الجنابة أغلظ ~~وهي تجري مجري إزالة النجاسة من وجه، ولهذا عمت البدن كله، ولأن العباس ~~إنما حجزها (¬1) عن الغسل خاصة. # وأما إزالة النجاسة به فهل يحرم أم لا، أم يحرم حيث تنجس؟ في المسألة: ~~ثلاثة أقوال، وقال بالكراهة: الروياني من الشافعية، وبالتحريم: المحب ~~الطبري (¬2)، وكذا الماوردي؛ لكنه خصه بالاستنجاء. # * * * PageV01P118 ### || AUTO الباب العشرون في أسماء زمزم # : # * زمزم: بالزاي المكررة غير مصروفة للتأنيث (26 / أ) والعلمية: البئر ~~المباركة المشهورة ms043 بمكة وبينها وبين الكعبة: ثمان وثلاثون ذراعا. # قيل: سميت بذلك لكثرة مائها. # وقيل: سميت بذلك لصوت الماء وانبثاقه لما خرج. # قال أبو إسحاق إبراهيم بن إسحق الحربي: سميت زمزم لتزمزم الماء فيها، وهو ~~حركته، والزمزمة: الصوت تسمع له دويا. # وقال المسعودي: سميت زمزم؛ لأن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول ~~فتزمزم عليها، والزمزمة: صوت تخرجه الفرس من خياشيمها عند شرب الماء. # وقد كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى عماله أن: أنهو الفرس عن الزمزمة. # وقيل: بل من ضم هاجر لها حين انفجرت وزمها الماء. # وقيل: بل من زمزمة جبريل وكلامه عليها. # وقبل: هو اسم علم. # * ولها ستة وأربعون اسما: # أحدها: زمزم. PageV01P119 # الثاني: زمزوم بزيادة واو. # الثالث: زمازم بزيادة ألف. # الرابع: زمزم، بضم أوله وفتح ثانيه وكسر ثالثه. # الخامس: كذلك إلا أن الثاني مشدد. # والسادس: تكتم بوزن تكتب. # السابع: المضمونة (¬1). # الثامن: طعام طعم. # التاسع: شفاء سقم. # العاشر: شراب الأبرار. # الحادي عشر: برة. # الثاني عشر: سقيا الله تعالى إسماعيل عليه السلام. # الثالث عشر: بركة. # الرابع عشر: سيدة. # الخامس عشر: نافعة. # السادس عشر: مصونة. # السابع عشر: عونة. # الثامن عشر: بشرى. PageV01P120 # التاسع عشر: صافية. # العشرون: عصمة. # الحادي والعشرون: سالمة. # الثاني والعشرون: ميمونة. # الثالث والعشرون: مباركة. # الرابع والعشرون: كافية. # الخامس والعشرون: عافية. # السادس والعشرون: مغذية. # السابع والعشرون: طاهرة. # الثامن والعشرون: حرمية. # التاسع العشرون: مروية. # الثلاثون: مؤنسة. # الحادي والثلاثون: شياعة بفتح الشين المعجمة وتشديد الياء المثناة من تحت ~~وبالعين المهملة، عزاه البكري إلى أبي عمرو الزاهد. # قال بعض الأعيان: هو غريب، والمعروف: بالباء الموحدة. # الثاني والثلاثون: قرية النمل. # الثالث والثلاثون: نقرة الغراب. # الرابع والثلاثون: هزمة (26 / ب) إسماعيل عليه السلام. PageV01P121 # ومن الثاني عشر إلى الثلاثين: مما رواه الفاكهي عن أشياخ مكة (¬1). # وما بعد الثلاثين إلى الأخير: ذكره في "تحفة الكرام" بصيغة التمريض. # الخامس والثلاثون: ذكر بعضهم، السقيا. # السادس والثلاثون: سقاية الحاج. # السابع والثلاثون: مكنونة. # الثامن والثلاثون: دفين عبد المطلب. # التاسع والثلاثون: الدواء، بالفتح والمد. # الأربعون: شيعة. # الحادي والأربعون: بلتتومة، ذكره ابن خالويه في أسمائها. ms044 # الثاني والأربعون: أم العيال. # الثالث والأربعون: طيبة، بفتح الطاء المهملة وسكون المثناة تحت، يليها ~~موحدة مفتوحة ثم هاء التأنيث. # الرابع والأربعون: طيبة بتشديد المثناة وكسرها. # الخامس والأربعون: هزمة جبريل، وهي الغمزة الداخلة في الأرض. # السادس والأربعون: همزة جبريل، بتقديم الميم على الزاي، وهو الغمز بمعنى الأول. # * وقولهم بئر زمزم، هو من إضافة المسمى إلى الاسم كقولهم سعيد كرز أى ~~صاحب هذا اللقب. PageV01P122 # * ومما أنشده الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ شمس الدين محمد الشهير ~~بابن ناصر الدين: # خير المياه بلا نزاع زمزم ... لا السلسبيل، وكوثرا يتقدم # علم النبي مياه جنة ربه ... ويقول زمزم: خير ماء فافهموا # لا يلتقي أبدا ونار جهنم ... في جوف من هو في الحقيقة مسلم # ينفي النفاق تضلع من شربه ... يشفي السقام طعام طعم يعلم # بير مباركة وبر (¬1) طيبة ... شياعة أم العيال وزمزم # وكذا الدواء وهمزة مظنونة ... وشراب أبرار بذاك تترجم # وتطلع (¬2) فيها يكون عبادة ... وجلا العيون وللخطايا يهدم # تسقي الحجيج ولا تذم بخلة ... تفنى المياه وماؤها لا يعدم # ومن الجنان الله أخرج ماءها ... سقيا لهاجر حيث لا هي تعلم # وبمائها جبريل، قلب محمد ... غسلا أجاد، فعاد وهو مكرم # ملآن إيمانا يجل وحكمة ... يدعو بها، يا سعد من يتقدم # (27 /أ) لإجابة الداعي النبي محمد ... خير الورى عند العظيم معظم # صلى عليه ربه أعلا الذي ... صلى على عبد يعز ويكرم # وعلى الأكارم (¬3) آله وصحابه ... أزكى السلام يعود إذ هو يختم # - انتهى- # * وقد صرح الشيخ في نظمه هذا بأن زمزم خير من الكوثر. وقد تقدم كلام ~~البلقيني في الباب قبله. PageV01P123 # وقد ذكر الشيخ شمس الدين ابن ناصر الدين أيضا حديثا في كتابه: "الدراية ~~فيما جاء في زمزم من الرواية"، بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله تعالى ~~عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من طاف بالبيت سبعا ~~وصلى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله له ذنوبه كلها بالغة ما ~~بلغت" ثم قال: هكذا رواه أبوسعيد الجندي في كتابه: "فضائل مكة" وخرجه أبو ~~حفص ms045 عمر بن أحمد ابن عثمان بن شاهين في كتابه: "فضائل الأعمال" (¬1). # ومما ذكره أيضا في هذا الكتاب أن بمكة بئرا أخري يقال لها "رمرم" براءين ~~مهملتين مفتوحتين، كانت لبني سهم في ناحيتهم، فقال إنها دخلت في المسجد ~~الحرام حين وسعه الخليفة أبو جعفر المنصور، والله أعلم. # * * * PageV01P124 ### || AUTO الباب الحادي والعشرون في غور الماء قبل يوم القيامة إلا زمزم وذكر ذرعها وغور مائها وفوره # : # * ذكر الأزرقي بسنده عن الضحاك بن مزاحم: أن الله تعالى يرفع المياه ~~العذاب قبل يوم القيامة، غير زمزم، وتغور المياه، غير (¬1) زمزم. # وذكر؛ أن ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها: ستون ذراعا. وفي قعرها: ثلاث ~~عيون: عين حذاء الركن الأسود، وعين حذاء أبي قبيس والصفا، وعين حذاء ~~المروة. # ثم كان قد قلت ماؤها جدا في سنة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين ومائتين، فضرب ~~فيها تسعة أذرع سحا في الأرض في تقوير جوانبها، ثم جاء الله تعالى بالأمطار ~~والسيول في سنة خمس وعشرين. وكان رجل يقال له محمد بن مبشر من أهل الطائف ~~يعمل فيها لما قل ماؤها، قال: أنا صليت في قعرها. وغورها من رأسها إلى ~~الجبل: أربعون ذراعا ذلك كله (27 / ب) بنيان، وما بقي فهو جبل منقور وهو ~~تسع وعشرون ذراعا. وذرع حبك زمزم في السماء ذراعان وشبر وذرع تدوير، فم ~~زمزم: أحد عشر ذراعا، وسعة فم زمزم: ثلاث أذرع وثلثا ذراع (¬2). # * وذكر الأزرقي عن أبي محمد الخزاعي أنه قال: وقد رأينا في سنة PageV01P125 # إحدى وثمانين ومائتين، وذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة فسأل واديها بأسيال ~~عظام في سنة تسع وسبعين وسنة ثمانين ومائتين فكثر ماء زمزم وارتفع حتى قارب ~~رأسها فلم يكن بينه وبين شفتها العليا إلا سبع أذرع أو نحوها. وما رأيتها ~~قط كذلك ولا سمعت من يذكر أنه رآها كذلك. وعذبت جدا حتى كان ماؤها أعذب من ~~مياه مكة التي يشربها أهلها. وكنت أنا وكثير من أهل مكة نختار الشرب منها ~~لعذوبته وإنا رأيناه أعذب من مياه العيون. ولم أسمع أحدا من المشايخ ms046 يذكر ~~أنه رآها بهذه العذوبة، ثم غلظت بعد ذلك في سنة ثلاث وثمانين وما بعدها. ~~وكان الماء في الكثرة على حاله وكنا نقدرها أنها لو كانت في بطن وادي مكة ~~لسال ماؤها على وجه الأرض لأن المسجد أرفع من الوادي وزمزم أرفع من المسجد. ~~وكانت شعاب مكة وفجاجها في هاتين السنتين وبيوتها التي في هذه المواضع ~~تتفجر ماء (¬1). # * * * PageV01P126 ### || AUTO الباب الثاني والعشرون في حد المسجد الحرام ومن هو حاضره # : # * ذكر الأزرقي بسنده إلى علي الأزدي قال، سمعت أبا هريرة يقول: إنا لنجد ~~في كتاب الله تعالى أن حد المسجد الحرام من الحزورة إلى المسعى (¬1). # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: أساس المسجد الذي وضعه إبراهيم ~~عليه السلام من الحزورة إلى المسعى إلى مخرج سيل أجياد (¬2). # وذكر أيضا عن عطاء أنه قال: المسجد الحرام، الحرم كله (¬3). وقد تقدم في ~~الباب الرابع ما يتعلق بذلك. # * وأما حاضر المسجد الحرام: فهم أهل الحرم ومن كان من الحرم دون مسافة القصر. # ذكره ابن هبيرة قول أحمد والشافعي. وقيل من مكة، وقاله أحمد، ونسبه بعض ~~علمائنا إلى الشافعي أيضا. # وقال ابن المنذر في "الإشراف": هم أهل مكة وأهل ذي طوى. # وقال مجاهد وطاوس: هم أهل الحرم. وقال مكحول من كان أهله PageV01P127 # خلف المواقيت إلى مكة، فهو من حاضري المسجد الحرام، وبه قال الشافعي إذ ~~هو بالعراق، وأبو حنيفة. وقال مالك: هم أهل مكة. PageV01P128 ### || AUTO الباب الثالث والعشرون في ذكر حال انتهاء البيت # : # * روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" (¬1). # وفي رواية له: "كأني به أسود أفحج (¬2) يقلعها حجرا حجرا" (¬3). # * وروى أحمد عن أبي هريرة: "يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا ~~البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة ~~فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا. وهم الذين يستخرجون كنزه" (¬4). # * وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "فيسلبها حليها ويجردها من ~~كسوتها ms047 كأني أنظر إليه أصلع فيدع، يضرب عليها بمسحاته أو بمعوله" (¬5). # * واختلف الناس متى بكون ذلك: # * فذكر الحليمي في "منهاجه": أن ذلك يكون في زمن عيسى عليه PageV01P129 # السلام، وأن الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين وأصحابه قد ساروا إلى البيت ~~لهدمه، فيبعث إليه عيسى عليه السلام طائفة ما بين الثمان إلى التسع. # * وقال القرطبي: الصحيح أن خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف ~~(¬1)، وبه جزم السهيلي، وذلك: بعد موت عيسى عليه السلام. # ويوافق الأول ما في كتاب "الملاحم والفتن" لنعيم بن حماد من حديث عبد ~~الله بن عمر: "وتخرج الحبشة بعد نزول عيسى عليه السلام فيبعث عيسى عليه ~~السلام (¬2) طليعة فيهزمون، وفي رواية، يهدم مرتين ويرفع الحجر في ~~الثالثة". # * وذكر ابن بطال في "شرح البخاري": أن تخريب الحبشة يحصل، ثم تعود حرمتها ~~ويعود الحج إليها. واحتج بما رواه البخاري من حديث أبي سعيد قال، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ~~ومأجوج" (¬3). # وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال، قال الله تعالى: "إذا أردت أن ~~أخرب الدنيا بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره". # وقال الحاكم في "مستدركه": يمكن أن يحج ويعتمر بعد ذلك، ثم ينقطع الحج ~~بمرة (¬4). # قلت: ما صححه القرطبي ظاهر، وهو موافق لرواية الإمام (¬5) أحمد PageV01P130 # المتقدمة، ولا يعمر بعده أبدا، فإن هذا، والله أعلم، لا يكون إلا قرب ~~قيام الساعة حيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله. # * قال القرطبي: لا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا ~~حرما آمنا} (¬1) لأن تخريب الكعبة إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعله يكون ~~في الوقت الذي لا يبقى إلا شرار الخلق فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين ~~وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى. # ولو قيل في الجواب: على أنه يحمل ذلك على الأعم الأغلب من أحواله لما كان ~~بعيدا، وإن كان قد وجد الخوف فيه في أيام يزيد والقرامطة، فإنه شيء يسير ~~نادر منغمر في الأعم الأغلب. ms048 # * فإن قيل: ما السر في حراسة الكعبة من الفيل ولم تحرس في الإسلام من ~~الحجاج والقرامطة وذي السويقتين؟ ! # فالجواب؛ كما قال أبو الفرج إن حبس الفيل كان من إعلام نبوة رسول (29 / ~~أ) الله - صلى الله عليه وسلم - ودلائل رسالته ولتأكد الحجة عديهم بالأدلة ~~التي شوهدت بالبصر، مثل الأدلة المرئية بالبصائر. # * * * PageV01P131 ### || AUTO الباب الرابع والعشرون في أسماء مكة # : # * ولها أسماء كثيرة، قد من الله تعالى وله الحمد والمنة بتحصيل جملة ~~صالحة منها: # الأول: مكة. # واتفق العلماء: على أن مكة اسم لجميع البلد. # قال الزجاج: مكة لا تنصرف؛ لأنها مؤنثة وهي معرفة. # قال ابن الجوزي: ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق؛ بكة لأن الميم تبدل من ~~الباء، يقال ضربة لازم ولازب. وقد تقدم الكلام على اشتقاق بكة في الباب ~~الأول، ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم إمتك الفصيل ما في ضرع الناقة، إذا ~~مص مصا شديدا حتى لا يبقي فيه شيئا فسميت بذلك لشدة ازدحام الناس فيها. # وقال ابن فارس: تمككت العظم إذا أخرجت مخه، والتمكك الاسقتصار (¬1)، في ~~الحديث: "لا تمككوا على غرمائكم" (¬2). # وفي سبب تسمية مكة بهذا الاسم أربعة أقوال: # أحدها: لأنها مثابة يؤمها الناس من كل فج عميق، فكأنها هي التي تجذبهم PageV01P132 # إليها، من قول العرب: امتك الفصيل ما في ضرع الناقة. # الثاني: أنها تمك من ظلم فيها، أي تهلكه. وتمك الذنوب أي تذهبها. الثالث: ~~لجهد أهلها. # الرابع: لقلة مائها. # الثاني من أسمائها: البلد، قال الله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد} (¬1)، ~~يعني: مكة. والبلد في اللغة: صدر القرى، وقال تعالى: {وهذا البلد الأمين} (¬2). # الثالث: القرية. قال الله تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} ~~(¬3) يشير إلى مكة، فإنها كانت ذات أمن، يأمن أهلها أن يغار عليهم، مطمئنة ~~أي ساكنة، أهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق يأتيها، رزقها ~~رغدا، والرغد: الرزق الواسع الكثير، فكفرت بأنعم الله تعالى، أي كذبت محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم -، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف. وأصل الذوق ~~بالفم، ولكنه استعارة منه، وذلك؛ أن ms049 الله تعالى عذب كفار مكة بالجوع سبع ~~سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة. وكانوا يخافون من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ومن سراياه. # والقرية: اسم لما يجمع جماعة كثيرة من الناس، وهو اسم مأخوذ من الجمع، ~~تقول: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه، ويسمى ذلك الحوض: مقرا. PageV01P133 # الرابع: أم القرى. # قال الله تعالى: {لتنذر أم القرى} (¬1). # وقال تعالى: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا} (¬2). # وفي تسميتها بذلك أربعة أقوال: # أحدها: لأن الأرض دحيت من تحتها، قاله ابن عباس. # وقال ابن قتيبة؛ لأنها أقدمها. # والثاني: لأنها قبلة يؤمها جميع الناس. # والثالث: لأنها أعظم القرى شأنا. # والرابع: لأن فيها بيت الله عز وجل. ولما اطردت العادة بأن بلد الملك ~~وبيته هو المقدم على الأماكن سمي أما، لأن الأم مقدمة. # الخامس: بكة، على أحد الأقوال الأربعة: # وهو قول الضحاك. واحتج لتصحيحه ابن قتيبة؛ بأن الباء تبدل من الميم، ~~يقال: سبد الرجل رأسه وسمد رأسه، إذا استأصله، وشر لازم ولازب. # والقول الثاني: أنها اسم للبقعة التي فيها الكعبة، قاله ابن عباس (30/ ~~أ). وقد تقدم في الباب الأول، وتقدم أيضا ذكر اشتقاق بكة هناك. # القول الثالث: أنها ما حول البيت، ومكة ما وراء ذلك، قاله عكرمة. القول ~~الرابع، أنها المسجد والبيت. ومكة اسم الحرم كله، قاله الزهري. PageV01P134 # السادس: الناسة، بالنون أوله والسين المهملة المشددة آخره، من نس الشيء ~~إذا يبس من العطش. # قال في "الصحاح": ويقال لمكة: الناسة؛ لقلة مائها من النس وهو اليبس. # السابع: الباسة، بالباء الموحدة. حكي عن مجاهد؛ لأنها تبس من ألحد فيها ~~أي تحطمه وتهلكه. والبس، الحطم، قال تعالى: {وبست الجبال بسا} (¬1). # الثامن: النساسة، بنون ثم سين مشددة؛ لأنها تنس الملحد فيها أي تطرده. # وقيل: لقلة مائها من النس وهو اليبس، كما تقدم. # التاسع: صلاح، بفتح الصاد وكسر الحاء على وزن قطام معدولة (30/ ب) عن ~~صالحة؛ لأن فيها صلاح الخلق، أو لأنها تعمل فيها الأعمال الصالحة. # ذكره المبرد. # العاشر: بالتنوين. # الحادي عشر: مخرج صدق. # الثاني ms050 عشر: كوثى، بضم الكاف وفتح الثاء المثلثة، باسم موضع بها. # الثالث عشر: الحاطمة، بالحاء المهملة لحطمها الملحد. # الرابع عشر: العرش، بفتح العين المهملة وإسكان الراء على وزن فرش. PageV01P135 # الخامس عشر: العرش (¬1)، بضم العين والراء - كما ضبطه البكري في "معجمه". # السادس عشر: العريش، بزيادة ياء - ذكره ابن سيدة. # السابع عشر: الرأس؛ لأنها أشرف الأرض كرأس الإنسان. # الثامن عشر: القادس. # التاسع عشر: المقدسة. نقلهما النووي. # العشرون: معاد (¬2)، قال الله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد} (¬3) قيل القتيبي ومجاهد: هي مكة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. # الحادي والعشرون: صاحبة المشاعر العظام، وزمزم والمقام، والمسجد الحرام. # الثاني والعشرون: مهبط الوحي، وملاذ الرسل، ومعاذ الصالحين من سائر الأمم. # الثالث والعشرون: البلدة، قال الله تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه ~~البلدة الذي حرمها} (¬4). # الرابع والعشرون: بلد الله تعالى. # الخامس والعشرون: البلد الأمين. PageV01P136 # السادس والعشرون: البنية. # السابع والعشرون: برة. ذكره ابن خليل. # الثامن والعشرون: أم رحم، بالراء المهملة المضمومة؛ لأن الناس يتراحمون ~~ويتواصلون فيها، أو لأن الرحمة تنزل بها. # التاسع والعشرون: أم راحم. # الثلاثون: أم الرحم. # الحادي والثلاثون: أم زحم بالزاي المعجمة. # الثاني والثلاثون: أم صبح، ذكره ابن الأثير في كتابه "المرصع". # الثالث والثلاثون: أم كوثى، ذكره ابن المرجاني. # الرابع والثلاثون: أم روح، ذكره ابن الأثير في كتابه "المرصع". # الخامس والثلاثون: العطشة. # السادس والثلاثون: القادسية. # السابع والثلاثون: المكتان، ذكره القيراطي (¬1) في ديوان شعره. # الثامن والثلاثون: سبوحة. # التاسع والثلاثون: السلم. # الأربعون: العذر. # الحادي والأربعون: نادرة. # الثاني والأربعون: الوادي. PageV01P137 # الثالث والأربعون: البحر. # الرابع والأربعون: الحرم. # الخامس والأربعون: الحرمة بالضم. # السادس والأربعون: الحرمة بالكسر. # السابع والأربعون: الرتاج، براء مهملة مكسورة وتاء مثناة من فوق وألف ~~وجيم. ذكره المحب الطبري في "شرح التنبيه" فيما نقله عنه ابن جماعة. # قلت: المعروف في اللغة: أن الرتاج هو الباب العظيم، أو الباب المغلق. # الثامن والأربعون: بساق، بباء موحدة وسين مهملة وألف وقاف. ذكره ابن رشيق ~~في "العمدة" في تفسير قول أمية بن حرثان: # سأستأذي على الفاروق ربا ... له عمد ms051 الحجيج إلى بساق # ثم قال ابن رشيق. وقد قيل إن بساق بلد بالحجاز. # التاسع والأربعون: النابتة، بالنون والباء الموحدة. # ذكره ابن كثير في تفسيره (¬1). # الخمسون: أم الرحمن. ذكره ابن المرجاني وعزاه لابن العربي. # الحادي والخمسون: العروس. # الثاني والخمسون: النابشة، بالنون والشين المعجمة. # الثالث والخمسون: البساسة، بالباء الموحدة والسين المهملة. # الرابع والخمسون: البشاشة، بالباء الموحدة والشين المعجمة المكررة. PageV01P138 # الخامس والخمسون: النسناسة، بالنون المكررة والسين المهملة المكررة. # السادس والخمسون: فاران، ذكره ياقوت الحموي (¬1). # السابع والخمسون: المسجد الحرام، ذكره ابن خليل في "منسكه"، وهذا من باب ~~تسمية الشيء باسم بعضه. # الثامن والخمسون: قرية النمل. # التاسع والخمسون: نقرة الغراب. # الستون: قرية الحمس. # الحادي والستون: السيل. # ذكر هذه الأربعة قاضي اليمن مجد الدين الشيرازي. # * وكثرة الأسماء: تدل على شرف المسمى؛ ولهذا كثرت أسماء الله تعالى ~~ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. # * * * PageV01P139 ### || AUTO الباب الخامس والعشرون في فضل مكة # : # * روى ابن الجوزي بسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه لما قدم ~~مكة أتته الأنصار فجلسوا حوله، فجعل يقلب بصره في نواحي مكة وينظر (31/ ب) ~~إليها ويقول: "والله لقد عرفت أنك أحب البلاد إلى الله عز وجل وأكرمها على ~~الله تعالى، ولولا أن قومي أخرجوني ما خرجت" (¬1). # * وبسنده أيضا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو واقف بالحزورة ~~من سوق مكة: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله تبارك وتعالى إليه، ~~ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" (¬2). # * وعن كعب قال: "اختار الله البلاد، فأحب البلاد إلى الله تعالى البلد ~~الحرام" (¬3). # * وقال ابن إسحاق (¬4): حدثنا أن قريشا وجدت في الركن كتابا بالسريانية ~~فلم يدر ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود، فإذا فيه: "أنا الله ذو بكة، ~~خلقتها يوم خلقت السموات والأرض. وصورت الشمس والقمر، وحففتها PageV01P140 # بسبعة أملاك حنفا، فلا تزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها في الماء ~~واللبن" (¬1). # * وفي الصحيحين من حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات ms052 والأرض، ~~فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وأنه لا يحل القتال فيه لأحد ~~قبلي ولا يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم ~~القيامة، ولا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تلتقط (¬2) لقطته إلا من عرفها، ~~ولا يختلى خلاؤه، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم ~~وبيوتهم، فقال: إلا الإذخر" (¬3). # * تنبيهان: # أحدهما: الخلى، مقصور: هو الحشيش، فإذا مد فهو المكان الخالي. ذكره ابن ~~الجوزي (¬4) وكذا قال ابن فارس في "المجمل": إن الخلى، مقصور: هو الحشيش ~~اليابس واحدته خلاة، والذي ذكره الجوهري وصاحب "الكفاية" وابن خطيب الدهشة: ~~أن الخلى بالقصر: الرطب من النبات. وأما الحشيش: فهو اليابس. # الثاني: الأخشبان: الجبلان، وهما أبو قبيس والجبل الذي يقال له الأحمر، ~~وكان يسمى الأعرف في الجاهلية (¬5)، وهو الجبل المشرف، وجهه PageV01P141 # على قعيقعان. ومكة بين هذين الجبلين (¬1). وأبو قبيس هو الجبل المشرف على ~~الصفا إلى السويد إلى الحندمة، (32/ أ) وكان يسمى في الجاهلية: الأمين؛ لأن ~~الركن الأسود كان مستودعا فيه عام الطوفان. # واختلفوا لم قيل له أبو قبيس على ثلاثة أقوال: # أحدها: لأنه أول من نهض فبنى فيه رجل من مذحج يسمى أبو قبيس، فلما صعد ~~بالبناء فيه سمي جبل أبي قبيس. # وقيل: إنه من. إياد، وهو الأشهر عند أهل مكة على ما ذكره الأزرقي (¬2). # والثاني: لأنه اقتبس من الركن، فسمي لذلك. # قال ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن": والأول أصح (¬3). # والثالث: أن رجلا يقال له قبيس بن سالح بن جرهم كان قد وشى بين عمر ابن ~~مضاض الجرهمي ملك جرهم بمكة وبين مية بنت عمه، فنذرت أن لا تكلمه، وكان ~~شديد الكلف بها، فحلف ليقتلن قبيسا. فهرب منه في الجبل المعروف به وانقطع ~~خبره، فإما مات وإما تردى منه، فسمي الجبل أبا قبيس. ذكر هذا القول السهيلي ~~في "الروض الأنف"، وذكر: أن ابن هشام ذكره في خبر طويل في غير "السيرة" ~~لابن إسحاق. # * وروي عن ابن عباس، أن أبا قبيس أول جبل وضع في الأرض ms053 (¬4). PageV01P142 # وذكر أبو عبد الله محمد القزويني في "عجائب المخلوقات" أن الناس يزعمون ~~أن من أكل رأسا مشويا على أبي قبيس يأمن أوجاع الرأس، وكثير من الناس يفعل ذلك. # * * * PageV01P143 ### || AUTO الباب السادس والعشرون في فضل صوم رمضان بمكة # : # * روى الأزرقي بسنده إلى ابن عباس قال: # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدركه شهر رمضان بمكة وصامه ~~كله وقام منه ما تيسر: كتب الله له مائة ألف شهر رمضان بغير مكة، وكتب له ~~بكل يوم: حسنة، وكل ليلة: حسنة، وكل يوم: عتق رقبة، وكل ليلة: عتق رقبة، ~~وكل يوم: حملان فرس في سبيل الله عز وجل، وكل ليلة: حملان فرس في سبيل الله ~~تعالى" (¬1). # * * * PageV01P144 ### || AUTO الباب السابع والعشرون في أن الحسنات كلها تضاعف بمكة كالصلاة # : # * قال الحسن البصري: # صوم بمكة: بمائة ألف يوم، وصدقة درهم: بمائة ألف درهم. وكل حسنة: بمائة ~~ألف (¬1). # وقال إبراهيم النخعي: (32/ ب) كان يعجبهم إذا قدموا مكة، لا يخرجون حتى ~~يختموا القرآن (¬2). # * * * PageV01P145 ### || AUTO الباب الثامن والعشرون في أن السيئات تضاعف فيها كما تضاعف الحسنات وأنه يعاقب عليها قبل فعلها # : # * قال ابن مسعود: ولو أن رجلا هم بقتل مؤمن عند البيت وهو بعدن أذاقه ~~الله تعالى في الدنيا من عذاب أليم. # * وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى فتكتب عليه ~~ولم يعملها. # * وقال مجاهد: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. # * وسئل أحمد بن حنبل: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا؛ إلا بمكة ~~لتعظيم البلد. # * وسئل ابن عباس؛ عن مقام يعني بمكة. فقال: ما لي ولبلد تضاعف فيه ~~السيئات كما تضاعف الحسنات، ثم قيل: تضعيفها كمضاعفة الحسنات بالحرم، وقيل: ~~بل خارجه. # * قال بعض السلف لابنه: "يا بني، إياك والمعصية، فإن عصيت ولا بد، فليكن ~~في مواضع الفجور لا في مواضع الأجور؛ لئلا يتضاعف عليك الوزر أو تعجل لك ~~العقوبة". # * وقال بعضهم: المراد بالمضاعفة: غلظها لا كميتها في العدد؛ فإن السيئة: ~~جزاؤها سيئة؛ ولكن السيئات تتفاوت بالنسبة إلى الكبر والصغر، فإن PageV01P146 # السيئة في حرم ms054 الله وأشهره الحرم ليست كالسيئة في غير ذلك. # * قلت: ولعل هذا مراد من قال بعدم المضاعفة، وهم الذين أخذوا بالعمومات. # قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (¬1). # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من هم بسيئة وعملها كتبت عليه سيئة ~~واحدة" (¬2). # * * * PageV01P147 ### || AUTO الباب التاسع والعشرون في بيان أن أهل مكة أهل الله تعالى # : # * لما استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد على مكة ~~قال: "يا عتاب أتدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل الله تعالى، فاستوص ~~بهم خيرا" (¬1) يقولها ثلاثا. # وقال ابن أبي مليكة: كان أهل مكة فيما مضى يلقون، فيقال: يا أهل الله، ~~وهذا من أهل الله. # * وكان وهب بن منبه يروي أن الله تعالى يقول: "من آمن أهل الحرم استوجب ~~بذلك (33/ أ) أماني، ومن أخافهم فقد خفرني في ذمتي، ولكل ملك حيازة مما ~~حواليه، وبطن مكة حوزتي التي اخترت لنفسي. أنا الله ذو بكة، أهلها: جيرتي ~~وجيران بيتي، وعمارها وزوارها وفدي وأضيافي وفي كنفي وأماني، ضامنون علي ~~وفي ذمتي وجواري". # * * * PageV01P148 ### || AUTO الباب الثلاثون في ذكر حدود الحرم # : # * حده من جهة المدينة: ثلاثة أميال- كما قال الأزرقي- دون التنعيم عند ~~بيوت نفار، بنون مكسورة وفاء وألف وراء مهملة، وجزم به القاضي أبو يعلى في ~~"أحكامه"، وأبو الخطاب، وابن الجوزي، والمجد، وابن حمدان، والرافعي، وقدمه ~~في "الفروع"، وقال: عند بيوت السقيا، تبعا "للهداية"- كما نقله عن ابن ~~القاص، وقدمه في "إعلام الساجد". # وقيل: أربعة أميال- كما قال الفاكهي. # وقيل: خمسة أميال- على ما ذكره الباجي. # تنبيه: # قال صاحب "المطالع" عن التنعيم: إنما سميت بذلك؛ لأن جبلا عن يمينها يقال ~~له: "نعيم" وآخر عن شمالها (¬1) يقال له (¬2): "ناعم"، والوادي: نعمان. # * ومن طريق اليمن: سبعة أميال- بتقديم السين-، جزم به الأزرقي، وأبو ~~الخطاب، وابن الجوزي، وابن حمدان، وصاحب "الفروع". # وقدم في "إعلام الساجد": ستة أميال، قال في "تحفة الكرام": وجدت PageV01P149 # بخط المحب الطبري في "القرى": أن حد الحرم من جهة اليمن: ستة أميال، ولعل ~~ذلك؛ سبق قلم، عند (¬1) أضاة لبن في ثنية لبن (¬2)، وهذه الأضاة تعرف ms055 الآن ~~بأضاة ابن عقشر، والأضاة: مستنقع الماء، وهي بهمزة مفتوحة وضاد معجمة على ~~وزن قناة، ولب بكسر اللام وسكون الباء الموحدة: قاله الحازمي، وضبطها ~~سليمان بن خليل: بفتح اللام والباء على ما وجده بعض الأعيان بخطه في مواضع ~~من "منسكه". # * ومن جهة العراق: سبعة أميال- بتقديم السين-، قاله الأزرقي، وجزم به ~~القاضي أبو يعلي في "أحكامه"، وأبو الخطاب، وابن الجوزي، والمجد، وصاحب ~~"الفروع"، والرافعي، وقدمه في "الرعاية"، و"إعلام الساجد". # وقيل: ثمانية أميال- على ما ذكر ابن أبي زيد المالكي في "النوادر" (33/ ب). # وقيل: تسعة أميال- حكاه ابن حمدان. # وقيل: عشرة أميال - على ما ذكر سليمان بن خليل. # وقيل: ستة أميال - على ما ذكر ابن خردادبة على ثنية خل بالمقطع. فأما ~~"خل"، فبخاء معجمة مفتوحة، و"المقطع" بضم الميم وفتح الطاء المشددة - على ~~ما وجد بخط سليمان بن خليل فيهما. # ووجد بخط المحب الطبري في "القرى" (¬3) على الخاء من خل نقطة من PageV01P150 # فوق وعلى اللام شدة وضبط المقطع بفتح الميم وإسكان القاف. # وفي "تاريخ الأزرقي": على الخاء أيضا من خل نقطة من فوقها. # ودكر النووي في "الإيضاح" و"تهذيب الأسماء واللغات": حوض خل جبل بجيم ~~وباء موحدة. # قال في "تحفة الكرام": وذلك تصحيف، والله أعلم. # وذكر الأزرقي: أن سبب تسميته بذلك؛ أنهم قطعوا منه أحجار الكعبة في زمن ~~ابن الزبير، وقيل غير ذلك. # * ومن جهة جدة - بضم الجيم - عشرة أميال، جزم به الأزرقي، والقاضي أبو ~~يعلى في "أحكامه"، وأبو الخطاب، وابن الجوزي، والمجد، وابن حمدان، وصاحب ~~"الفروع" والرافعي، وابن أبي زيد. # قال في "تحفة الكرام": ونحو ثمانية عشر ميلا - على ما ذكر الباجي في ~~مقدار ما بين مكة والحديبية - بتخفيف الياء الثانية على الأصوب فيها. # ومنتهاها حد الحرم من جهة جدة - كما ذكر ابن أبي زيد في "النوادر": # قال الأزرقي: منتهى الحد في هذه الجهة منقطع الأعشاش: جمع عش، وقال ~~القاضي في "أحكامه": منقطع العشائر، وكذا قال في "إعلام الساجد". # * ومن جهة الجعرانة - بسكون العين وتخفيف الراء على الأصوب في ضبطها -: ~~تسعة أميال- بتقديم التاء -: قاله الأزرقي، ms056 والقاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب، ~~وابن الجوزي، والمجد، وابن حمدان، وصاحب "الفروع"، والرافعي. # وقيل: بريد: حكاه ابن خليل بصيغة التمريض في شعب آل عبد الله بن خالد بن ~~أسيد وهو لا يعرف الآن. PageV01P151 # * ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة: أحد عشر ميلا، قاله ~~الأزرقي. # * قال في "الفروع": ومن (34/ أ) الطائف: سبعة أميال عند طرف عرفة. # * ومن بطن عرنة: أحد عشر ميلا، و"الفروع": تابع ابن الجوزي، وابن الجوزي: ~~تابع أبا الخطاب في نقله الذي نقله في "الهداية" عن ابن القاص. # وقيل: نحو ثمانية عشر ميلا، ذكره الباجي. # وقيل: تسعة أميال - بتقديم التاء على السين -، ذكره ابن أبي زيد، وابن ~~خليل، وغيرهما. # وقيل: سبعة - بتقديم السين على الباء -، كما ذكره الماوردي، وأبو إسحاق ~~الشيرازي، والقاضي أبو يعلى في "أحكامه"، والرافعي، والنووي، وابن حمدان، ~~لكنه قال: وعرفات والطائف وبطن نمرة: سبعة أميال. # * ومن بطن عرفة: أحد عشر ميلا. # قال في "تحفة الكرام": وفيما قالوه نظر قوي يقتضي عدم استقامة قولهم. وقد ~~جزم جماعة، منهم الرافعي - كما تقدم؛ على أنه من طريق المدينة: على ثلاثة، ~~ومن العراق والطائف: على سبعة، ومن الجعرانة: تسعة، ومن جدة: عشرة. # وعليه بنى الشاعر قوله: # وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانة # وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدة عشر ثم تسع جعرانة PageV01P152 # زاد قاضي (¬1) القضاة كمال الدين أبو الفضل النويري، قاضي مكة وخطيبها: # ومن يمن سبع بتقديم سينها ... وقد كملت فاشكر لربك إحسانه # وقذ زيد في حد لطائف أربع ... ولم يرض أهل العلم والحفظ إتقانه # قال كمال الدين الدميري، الأولى (¬2) أن يقال: # ومن يمن سبع بتقديم سينها ... كذلك سيل الحل لم يعد بنيانه # * لأجل فائدة: وهي أن سيل الحل لا يدخل الحرم. وهذا ذكره الأزرقي، عن عمر ~~ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما؛ بعث أربعة من قريش يحددون أنصاب الحرم: ~~وهم مخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحويطب ابن عبد العزى، وأزهر ~~بن عبد عوف الزهري؛ أمرهم أن ينظروا إلى كل واد ms057 يصب في الحرم، فنصبوا عليه ~~وأعلموه وجعلوه حرما. وإلى كل واد يصب في الحل فجعلوه حلا (¬3)، وسيأتي ~~(34/ ب) لهذا مزيد إن شاء الله تعالى في الثالث والسبعين من الخصائص. # * قال ابن سراقة في كتاب "الأعداد والحرم": في الأرض موضع واحد وهو مكة ~~وحولها، ومساحة ذلك: ستة عشر ميلا في مثلها، وذلك بريد واحد وثلث في بريد ~~واحد وثلث على التقريب - انتهى. # * وقال أبو القاسم بن خردادبة الخراساني في كتابه "المسالك والممالك": ~~وطول الحرم حول مكة كما يدور: سبعة وثلاثون ميلا، وهي التي تدور بأنصاب ~~الحرم - انتهى. PageV01P153 # * فإن قال قائل: فما السبب في أن بعض حدود الحرم يقرب من مكة، وبعضها ~~بعيد ولم يجعل على قانون واحد؟ # فالجواب من أربعة أوجه (¬1): # * أحدها: # ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # لما أهبط آدم عليه السلام خر ساجدا يعتذر، فأرسل الله تعالى إليه جبريل ~~عليه السلام بعد أربعين سنة فقال: ارفع رأسك فقد قبلت توبتك، فقال: يارب ~~إنما أتلهف على ما فاتني من الطواف بعرشك مع ملائكتك، فأوحى الله تعالى ~~إليه: إني سأنزل لك بيتا أجعله قبلة، فأهبط الله تعالى إليه البيت المعمور ~~وكان ياقوتة حمراء يلتهب التهابا، وله بابان: شرقي وغربي، قد نظمت حيطانه ~~بكواكب بمض من ياقوت الجنة. فلما استقر البيت في الأرض أضاء نوره ما بين ~~المشرق والمغرب، فنفرت لذلك الجن والشياطين وفزعوا فارتقوا في الجو ينظرون ~~من أين ذلك النور فلما رأوه من مكة أقبلوا يريدون الاقتراب إديه، فأرسل ~~الله تعالى ملائكته؛ فقاموا حوالي الحرم في مكان الأعلام اليوم، فمن ثم ~~ابتدأ اسم الحرم. # * الثاني: # ما رواه وهب بن منبه: # أن آدم عليه السلام لما نزل إلى الأرض اشتد بكاؤه فوضع الله تعالى له ~~خيمة بمكة موضع البيت، وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من الجنة وفيها ثلاثة ~~قناديل فيها نور يلتهب من الجنة، فكان ضوء النور ينتهى إلى موضع الحرم، PageV01P154 # وحرس الله تعالى تلك الخيمة بملائكة، فكانوا يقفون على (35/ أ) مواضع ~~أنصاب الحرم يحرسونه ويذودون سكان الأرض من ms058 الجن. فلما قبض الله تعالى آدم ~~عليه السلام، رفعها إليه. # * الثالث: # أن إبراهيم الخليل عليه السلام لما بنى البيت قال لإسماعيل عليه السلام: ~~ابغني حجرا أجعله للناس آية فذهب إسماعيل عليه السلام ورجع ولم يأته بشيء ~~ووجد الركن عنده، فقال: من أين لك هذا؟ قال: جاء به من لم يكلني إلى حجرك، ~~جاء به جبريل عليه السلام، فوضعه إبراهيم عليه السلام في موضعه هذا، فأنار ~~شرقا وغربا ويمينا وشمالا، فحرم الله تعالى الحرم حيث انتهى نور الركن ~~وإشراقه من كل جانب. # * الرابع: # أن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض خاف على نفسه من الشياطين، ~~فاستعاذ بالله تعالى، فأرسل الله تعالى ملائكة حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا ~~حواليها، فحرم الله تعالى الحرم من حيث كانت الملائكة وقفت. # قال عبد الله بن عمر: والحرم حرام إلى السماء السابعة. # وقال عطاء: كانوا يرون أن العرش على الحرم (¬1). # * * * PageV01P155 ### || AUTO الباب الحادي والثلاثون في ذكر نصب حدود الحرم وأول من نصبها # : # * وذكروا؛ أن أول من نصبها: إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم إن قريشا ~~قلعوها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاشتد ذلك على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فجاءه جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد، اشتد عليك؟ ~~! قال نعم. قال: أما إنهم سيعيدونها، فرأى رجال منهم في المنام قائلا يقول: ~~حرم أعزكم الله به نزعتم أنصابه، الآن تخطفكم العرب. فأصبحوا يتحدثون بذلك ~~في مجالسهم، فأعادوها، فجاء جبريل عليه السلام فقال: يا محمد قد أعادوها، ~~قال: أفأصابوا يا جبريل، قال ما وضعوا منها نصبا إلا بيد ملك (¬1). # * وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: # نصب إبراهيم عليه السلام أنصاب الحرم يريه جبريل عليه السلام، ثم لم تحرك ~~حتى كان قصى فجددها، ثم لم تحرك حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها، ثم لم (35/ ب) تحرك حتى كان ~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فبعث أربعة من قريش فجددوها: ms059 مخرمة بن ~~نوفل، وسعيد بن يربوع، وحويطب بن عبد العزى، وأزهر بن عوف. ثم جددها ~~معاوية، ثم أمر عبد الملك بتجديدها (¬2). # * قال في "تحفة الكرام": أول من نصب ذلك الخليل عليه السلام بدلالة PageV01P156 # جبريل عليه السلام، ثم قصى بن كلاب. وقيل: نصبها إسماعيل عليه السلام بعد ~~أبيه الخليل عليه السلام، وقيل: قصي، وقيل: إن عدنان بن إد أول من وضع ~~أنصاب الحرم حين خاف أن يدرس الحرم - ذكره الزبير بن بكار، ونصبها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبع ~~عشرة، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة ست وعشرين، ثم معاوية، ثم عبد ~~الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي. ثم أمر الراضي العباسي بعمارة العلمين ~~الكبيرين اللذين بالتنعيم سنة خمس وعشرين وثلاثمائة واسمه عليها مكتوب، ثم ~~أمر المظفر صاحب إربل بعمارة العلمين اللذين هما حد الحرم من جهة عرفة سنة ~~عشرة وستمائة، ثم الملك المظفر صاحب اليمن سنة ثلاث وثمانين وستمائة. # * وقال الأزرقي في أنصاب الحرم: على رأس الثنية ما كان من وجهها من هذا ~~الشق فهو حرم وما كان في ظهرها فهو حل. # * * * PageV01P157 ### || AUTO الباب الثاني والثلاثون في ذكر تعظيم حرمة الحرم # : # قال الله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} (¬1). # لفظ هذه الآية: لفظ الخبر، ومعناها: الأمر، والتقدير: فمن دخله فأمنوه، ~~وهو لفظ عام فيمن جنى قبل دخوله أو بعده. # إلا أن الإجماع انعقد؛ على أن من جنى فيه لا يؤمن؛ لأنه هتك حرمة الحرم ~~ورد الأمان، فبقى حكم الآية فيمن جنى خارجا منه ثم لجأ إليه. # وقد اختلف الفقهاء في ذلك: # فقال أحمد في رواية المروزي: إذا قتل (36/ أ) أو قطع يدا أو أتى حدا في ~~غير الحرم ثم دخله لم يقم عليه الحد ولا يقتص منه، ولكن: لا يبايع ولا ~~يشارى ولا يواكل حتى يخرج. # وقال في رواية حنبل: إذا قتل ثم لجأ لم يقتل، وإن كانت الجناية فيما دون ~~النفس فإنه يقام عليه الحد، وبه قال أبو ms060 حنيفة. # وقال مالك والشافعي: يقام عليه الحد في النفس وفيما دون النفس، وفي الآية ~~دليل على صحة مذهبنا. # * وقد ألهم الله تعالى الحيوان البهيم تعظيم الحرم؛ فإن الظبي يجتمع مع ~~الكلب في الحرم، فإذا خرجا عنه تنافرا، وإن الطير لا تعلو على البيت إلا أن ~~يستشفي مريضها به. PageV01P158 ### || AUTO الباب الثالث والثلاثون في ذرع المسجد الحرام وعدد اسطواناته # : # * وقال أبو الوليد: # ذرع المسجد الحرام مكسرا: مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع. # وذرع المسجد طولا من باب بني جمح إلى باب بني هاشم الذي عنده العلم ~~الأخضر مقابل دار العباس بن عبد المطلب: أربعمائة ذراع وأربعة أذرع مع ~~جدرية يمر في بطن الحجر لاصقا بجدر الكعبة. # وعرضه من باب دار الندوة إلى الجدار الذي يلي الوادي عند باب الصفا لاصقا ~~بوجه الكعبة: ثلاثمائة ذراع وأربع أذرع. # وذرع عرض المسجد الحرام من المنارة التي عند المسعى، إلى المنارة التي ~~عند باب بني شيبة الكبير: مائتا ذراع. # وذرع عرض المسجد الحرام من منارة باب أجياد إلى منارة بني سهم: مائتا ~~ذراع وثمان وسبعون ذراعا (¬1). # * وعدد اسطوانات المسجد الحرام من شقه الشرقي: مائة وثلاث اسطوانات، ومن ~~شقه الغربي: مائة اسطوانة وخمس اسطوانات، ومن شقه الشامي: مائة وخمس ~~وثلاثون اسطوانة، ومن شقه اليماني: مائة واحد وأربعون اسطوانة، فجميع ما ~~فيه من الاسطوانات: أربعمائة اسطوانة وأربع PageV01P159 # وثمانون اسطوانة. # طول كل اسطوانة: عشر أذرع، وتدويرها: ثلاث أذرع، منها على الأبواب: عشرون ~~اسطوانة، فعلى الأبواب التي تلي المسعى: ست، وعلى الأبواب التي على الوادي ~~والصفا: عشر، وعلى (36/ ب) الأبواب التي تلي باب بني جمح: أربع وذرع ما بين ~~كل اسطوانتين من أساطينه: ست أذرع وثلاث عشرة أصبعا. # وذكر في "تحفة الكرام": أن في الجوانب الأربع من المسجد الحرام غير ~~الزيادتين: أربعمائة اسطوانة وتسعة وستين اسطوانة، وعلى أبواب المسجد من ~~داخله وخارجه: تسعة وعشرون اسطوانة، فيصير جملة الأساطين بجوانب المسجد غير ~~الزيادتين والتي على أبوابه: أربعمائة اسطوانة وستا وتسعين اسطوانة - ~~بتقديم التاء على السين - وذلك؛ يزيد على ما ذكره ms061 الأزرقي عشر أساطين (¬1). # * * * PageV01P160 ### || CHECK الباب الرابع والثلاثون في عدد الطاقات به # الباب الرابع والثلاثون في عدد الطاقات (¬1) به: # * قال أبو الوليد: وعلى الأساطين: أربعمائة طاقة وثمان وتسعون طاقة: # منها في الظلال التي تلي دار الندوة: مائة واثنتان وأربعون طاقة. # ومنها في الظلال التي تلي الوادي: مائة وخمس وأربعون طاقة. # ومنها في الظلال التي تلي المسعى: تسع وتسعون طاقة. # ومنها في الظلال التي تلي شق بني جمح: مائة واثنتا عشرة طاقة. # منها في الطبقات التي تلي بطن المسجد الحرام: مائة وإحدى وخمسون من ذلك ~~مما يلي دار الندوة: ست وأربعون، ومما يلي بني جمح: تسع وعشرون، ومما يلي ~~الوادي: خمس وأربعون، ومما يلي المسعى: إحدى وثلاثون (¬2). # * * * PageV01P161 ### || AUTO الباب الخامس والثلاثون في صفة أبواب المسجد وعددها وذرعها # : # * قال أبو الوليد: وفي المسجد الحرام: ثلاثة وعشرون بابا، فيها ثلاث ~~وأربعون طاقا: # منها في الشق الذي يلي المسعى وهو الشرقي: # خمسة أبواب، وهي إحدى عشرة طاقة: من ذلك: # الباب الأول: وهو الباب الكبير الذي يقال له باب بني شيبة وهو باب بني ~~عبد شمس بن عبد مناف وبهم كان يعرف في الجاهلية والإسلام عند أهل مكة، فيه ~~اسطوانتان (37/ أ) وعليه ثلاث طاقات. والطاقات طولها: عشر أذرع، وما بين ~~جدري الباب: أربع وعشرون ذراعا. # والباب الثاني: طاق طوله: عشر أذرع، وعرضه: سبع أذرع. # والباب الثالث: طاق واحد طوله: عشر أذرع، وعرضه: سبع أذرع، وهو باب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ كان يخرج منه ويدخل فيه من منزله الذي في زقاق ~~العطارين، يقال له: مسجد خديجة. يصعد إليه من المسعى بخمس درجات. # والباب الرابع: فيه اسطوانتان وعليه ثلاث طاقات، طول كل طاقة: ثلاث عشرة ~~ذراعا، وما بين جدري الباب: إحدى وعشرون ذراعا، ويرتقى إلى الباب: بسبع ~~درجات، وهو باب العباس، وعنده علم المسعى من خارج. PageV01P162 # والباب الخامس. وهو باب بني هاشم، وهو مستقبل الوادي، وسعة ما بين جدري ~~الباب: إحدى وعشرون ذراعا، وفيه اسطوانتان عليهما ثلاث طاقات طول كل طاقة ~~ثلاث عشرة ذراعا. # وفي عتبة الباب: ms062 سبع درجات إلى بطن الوادي. # وفي الشق الذي يلي الوادي وهو شق المسجد اليماني: سبعة أبواب، وسبع عشرة ~~طاقا منها: # الباب الأول: فيه اسطوانة، عليها طاقان طول كل طاق في السماء: ثلاث عشرة ~~ذراعا ونصف، وما بين جدري الباب: أربع عشرة ذراعا وثماني عشرة إصبعا، وفي ~~العتبة: اثنتا عشرة درجة إلى بطن الوادي، وهو الباب الأعلى، يقال له: باب ~~بني عايد. # والباب الثاني: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق: ثلاث عشرة ذراعا ~~ونصف. وما بين جدري الباب: أربع عشرة ذراعا ونصف. وفي العتبة: اثنتا عشرة ~~درجة إلى باطن الوادي وهو باب بنى سفيان بن عبد الأسد. # والباب الثالث: وهو باب الصفافيه أربع أساطين عليها خمس طاقات طول كل طاق ~~في السماء: ثلاث عشرة ذراعا ونصف، الطاقة الأوسط: أربع عشرة ذراعا. وما بين ~~جدري الباب: ست (37/ ب) وثلاثون ذراعا، وفي عتبة الباب: اثنتا عشرة درجة. # والباب الرابع: فيه اسطوانة عليها طاقان طول كل طاق منها: ثلاث عشرة ~~ذراعا ونصف، وما بين جدري الباب: خمس عشرة ذراعا: وفي عتبة الباب: اثنتا ~~عشرة درجة، وفي بطن الوادي، ويقال لهذا الباب باب بني مخزوم. PageV01P163 # والباب الخامس: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق: ثلاث عشرة ذراعا ~~ونصف، وما بين جدري الباب: خمس عشرة ذراعا، وفي عتبة الباب: اثنتا عشرة ~~درجة. وهذا الباب من أبواب بني مخزوم. # والباب السادس (¬1): كذلك ويقال له باب بني تميم. # والباب السابع: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق: ثلاث عشرة ذراعا ~~واثنتا عشرة أصبعا، وما بين جدري الباب: أربع عشرة ذراعا وثماني عشرة ~~أصبعا، وفي عتبة الباب: اثنتي عشرة درجة، وهذا الباب كان يقال له باب أم هانئ. # وفي الشق الذي يلي بني جمح: ستة أبواب وعشر طاقات. # الباب الأول: يلي المنارة التي تلي أجياد الكبير فيه اسطوانة عليها ~~طاقان، طول كل طاق: ثلاث عشرة ذراعا وما بين جدري الباب: خمسة عشر ذراعا، ~~وفي عتبة الباب: ثماني درجات، ويقال له باب بني حكيم بن حزام وبني الزبير ~~بن ms063 العوام. # والباب الثاني: فيه اسطوانتان عليها: ثلاث طاقات، طول كل طاق في السماء: ~~ثلاث عشرة ذراعا، وما بين جدري الباب: أحد وعشرون ذراعا، وفي عتبة الباب: ~~سبع درجات، وهذا الباب اليوم يقال له باب الحناطين. # والباب الثالث: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق في السماء: عشر ~~أذرع، وما بين جدري الباب: خمس عشرة ذراعا، وفي عتبة الباب: سبع درجات، وهو ~~باب بني جمح. # والباب الرابع: طاق طوله في السماء: عشر أذرع، وعرضه: خمس PageV01P164 # أذرع، وهو باب أبي البختري الأسدي كان يستقبل داره. # قال أبو الحسن: قد كان هذا على ما ذكره الأزرقي حتى كانت أيام جعفر ~~المقتدر بالله أمير المؤمنين، وكان يتولى الحكم كله محمد بن موسى فغير هذين ~~(¬1) البابين؛ المعروف أحدهما: بالحناطين (¬2) والآخر: ببني جمح، وجعل مسجد ~~وصله بالمسجد الكبير؛ فاتسع الناس به وصلوا فيه (¬3)؛ وذلك: في سنة ست، ~~وسنة سبع وثلاثمائة. # والباب الخامس: طاق طوله في السماء: عشر أذرع، وعرضه: أربع أذرع واثنتا ~~عشرة أصبعا. # والباب السادس: طاق طوله في السماء: عشر أذرع، وعرضه: سبع أذرع، وفي ~~العتبة: عشر درجات، وهو باب بني سهم. # وفي الشق الذي يلي دار الندوة وهو الشق الشامي من الأبواب ستة أبواب: # الباب الأول: يلي المنارة التي تلي بني سهم، طاق طوله في السماء: عشر ~~أذرع وعرضه: أربعة أذرع، وفي العتبة: ست درجات، وهو باب عمرو ابن العاص. # والباب الثاني: قد سد. # والباب الثالث: باب دار العجلة. PageV01P165 # والباب الرابع: باب قعيقعان، طاق طوله في السماء: عشر أذرع، وعرضه: تسع ~~أذرع وست أصابع، وينزل منه إلى بطن المسجد بست درجات، ويقال: ثمان ويقال ~~له: باب حجير بن أبي أهاب. # الباب الخامس: هو باب دار الندوة. # الباب السادس: طاق واحد طوله في السماء: تسع أذرع، وعرضه: خمس أذرع، وفيه ~~عتبة هذا الباب ثماني درجات في بطن المسجد. وهو باب دار شيبة بن عثمان. # * وذكر في "تحفة الكرام": # أن أبواب المسجد الحرام: تسعة عشر بابا - بتقديم التاء على السين - يفتح ~~على ثمانية وثلاثين طاقا (38/ ب). ms064 # وذكر أن في الجانب الشرقي: أربعة أبواب أنقص منه الأزرقي بباب، فذكر باب ~~بني شيبة - كما ذكره، وذكر باب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعرفه: بباب ~~الجنائز، وأنه طاقان، والأزرقي جعله طاقا (38/ ب). # وذكر ابن جبير في رحلته أنه طاقان من سنة تسع وسبعين وخمسمائة، ولم يذكر ~~الباب الذي بين ياب بني شيبة وبين باب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرف ~~باب بني هاشم: بباب علي رضي الله عنه. # ووافق الأزرقي في الشق الجنوبي وهو شق اليمن؛ إلا أنه عرف الأول: بياب ~~بازان وهي عين لمكة قربه. # والثاني: بباب البغلة - بالباء الموحدة والغين المعجمة. # والرابع (¬1): بباب أجياد الصغير. PageV01P166 # والخامس: بباب المجاهدية، مدرسة الملك المجاهد صاحب اليمن، ولقال له: باب ~~الرحمة. # والسادس: باب مدرسة الشريف عجلان صاحب مكة. # والسابع: بباب الملاعبة. # وذكر في الشق الغربي؛ وهو الذي يلي بني جمح: ثلاثة أبواب، فنقص عما قال ~~الأزرقي ثلاثة، وذكر الأول وعرفه: بباب عزورة المصحف عن حزورة؛ والغالب ~~عليه باب الحزامية؛ لأنه يلي الحزامية. # الثاني: طاق واحد، ويقال له باب إبراهيم. وكان إبراهيم هذا خياطا. وذكر ~~عن ابن عساكر وغيره أنهم نسبوه إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو بعيد ~~عن الصواب. # الباب الثالث: طاق واحد، ويعرف: بباب العمرة؛ لأن المعتمرين من التنعيم ~~يخرجون منه ويدخلون منه، وسماه الأزرقي: باب بني سهم. # وفي الجانب الشامي خمسة أبواب: # الأول: يعرف بباب السدة، وهو طاق. # والباب الثاني: طاق، وهو الثالث في كلام الأزرقي. # وذكر الرابع؛ الذي هو خامس في كلام الأزرقي: طاقين. # قلت: التحرير في تسميتها الآن: أن الأول: من عند باب العمرة سمى باب السدة. # والثاني: باب العجلة. # والثالث: باب الندوة وباب الفهود. PageV01P167 # والرابع: باب السويقة وباب الزيادة، وهو باب قعيقعان، وهو وحده طاقان في ~~هذا الشق. والثاني كل واحد طاق. # والخامس (39/ أ): باب الدربية هذا من الشق الشامي، والباقي؛ موافق لما في ~~"تحفة الكرام". والله أعلم. # * * * PageV01P168 ### || AUTO الباب السادس والثلاثون في ذرع جدرات المسجد وعدد شرفاته # : # * قال أبو الوليد: # ذرع الجدر الذي يلي المسعى ms065 وهو الشرقي: ثماني عشرة ذراعا في السماء. # وطول الجدر الذي يلي الوادي وهو الشق اليماني في السماء: اثنان وعشرون ذراعا. # وطول الجدر الذي يلي بني جمح وهو الغربي: اثنان وعشرون ذراعا ونصف. # وطول الجدر الذي يلي دار الندوة وهو الشق الشامي: تسع عشرة ذراعا ونصف. # وعدد شرفاته التي على جدرات المسجد من خارجه: مائتا شرافة واثنان وسبعون ~~شرافة ونصف، منها في الجدار الذي يلي المسعى ثلاث وسبعون شرافة، وفي الذي ~~يلي الوادي: مائة وتسع عشرة، وفي الذي يلي بني جمح: خمس وسبعون. وفي الذي ~~يلي دار الندوة: خمس شرافات ونصف. # * * * PageV01P169 ### || AUTO الباب السابع والثلاثون في حكم بيع مكة وإجارتها # : # * اختلف العلماء في ذلك: # فمذهب (¬1) أحمد المرجح عند أصحابه؛ أنها فتحت عنوة وفاقا لأبي حنيفة ~~ومالك، فيحرم بيعها وإجارتها وفاقا لأبي حنيفة ومالك كبقاع المناسك، ~~وجوزهما الشيخ موفق الدين، واختار الشيخ تقي الدين بن تيمية جواز البيع فقط ~~وتابعه صاحب "الهدي". # وعن أحمد: يجوز الشرا لحاجة وإن سكن فيها بأجرة، فعنه؛ لا يأثم بدفعها. ~~جزم به الشيخ. وعنه إنكار عدمه جزم به القاضي لالتزامه. # * وقال أبو العباس: هي ساقطة عنه يحرم بذلها وأخذها ومن عنده فضل نزل فيه ~~لوجوب بذله وإلا حرم، نص عليه: نقل حنبل وغيره سواء العاكف فيه والبادي. # وحكى أبو جعفر الأبهري عن مالك: أنه كره بيع دور مكة وكراها، فإن بيعت أو ~~أكريت (¬2) لم ينفسخ. # وحكى اللخمي عن مالك منع ذلك. PageV01P170 # * ويتحصل في (39/ ب) كرائها في مذهب مالك أربع روايات: # الجواز؛ وهو الظاهر من مذهب ابن القاسم في "المدونة". # والمنع؛ وهو الظاهر من قول مالك في سماع ابن القاسم في "كتاب الحج". # والكراهية مطلقا، والكراهية في أيام الموسم توسعة على الحاج. # ونقل ابن الحاج في "منسكه" عن مالك: أنه يرى بيع رباع مكة وكرا منازلها. # * وقال السهيلي المالكي: إن أرضها؛ يعني مكة ودورها، لأهلها ولكن أوجب ~~الله تعالى عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموها وأن لا يأخذوا منهم كرا في ~~مساكنها. # فهذا حكمها؛ فلا عليك بعد هذا ms066 فتحت عنوة أو صلحا - انتهى كلام السهيلي. # * وكره أبو حنيفة بيع دور مكة وإجارتها، وأجاز ذلك صاحباه أبو يوسف ومحمد ~~بن الحسن، وعليه الفتوى؛ على ما قال الصدر الشهيد. # * ومذهب الشافعي: جواز بيع دور مكة وإجارتها. # * وسبب الخلاف في ذلك عند غير المالكية: الخلاف في مكة: هل فتحت عنوة أو صلحا. # * وسبب الخلاف عند المالكية في ذلك مع اتفاقهم على أنها فتحت عنوة - على ~~ما ذكر ابن رشد في بيانه اختلافهم في مكة: هل من بها على أهلها فلم تقسم ~~كمالهم لما عظم الله تعالى من حرمتها، وعليه؛ يبنى جواز بيع دور مكة ~~وإجارتها. أو هل أقرت للمسلمين، وعليه يبنى المنع. PageV01P171 # * وذكر المازري (¬1) في شرح مسلم أن القول بأن مكة فتحت عنوة، وهو (¬2) ~~قول جماهير العلماء وأهل السير. # * * * PageV01P172 ### || AUTO الباب الثامن والثلاثون في ذكر منى # : # * "منى" بكسر الميم وفتح النون مخفف بوزن ريا. # قال البكري: يذكر ويؤنث، فمن أنث لم يجره يعني لم يصرفه. # وقال الفراء: الأغلب عليه التذكير. # وقال الحازمي في "أسماء الأماكن": منى بكسر الميم وتشديد النون، الصقع ~~قرب مكة. # ولم نر هذا لغيره؛ والصواب: الأول. # وبينه وبين مكة (40/ أ): ثلاثة أميال. # وسمي منى؛ لما يمنى فيه من دماء الذبائح (¬1)، أي: يراق. # سئل ابن عباس: لم سميت منى؟ فقال؛ لما يقع فيها من دماء الذبائح (¬2)، ~~وشعور الناس؛ تقربا إلى الله تعالى وتمنيا للأمان من عذابه. # وروى الكلبي عن ابن عباس، قال: إنما سميت منى؛ لأن جبريل عليه السلام حين ~~أراد أن يفارق آدم عليه السلام قال له: تمن؟ فقال: أتمنى الجنة؛ فسميت: ~~منى؛ لأمنية آدم عليه السلام، ذكره الأزرقي. PageV01P173 # * وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ~~"قلت يا رسول الله ألا يبنى (¬1) لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس، فقال ~~لا إنما هو مناخ من سبق" (¬2). # * قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: # لم يكن لهم أن يتخذوا بمنى شيئا، فإذا اتخذه فلا يدخله أحد إلا بإذنه. قد ~~كان سفيانا اتخذ ms067 بها حائطا وبنى فيه بيتين وربما قال لأصحاب الحديث يبقوها ~~(¬3) فلا يدخل رجل مضرب رجل إلا بإذنه. # قال القاضي: وظاهر هذا، أنه قد أجاز البناء بمنى (¬4) على وجه ينفرد به. # وقال في رواية ابن منصور: أما البناء بمنى فإني أكرهه. # قال القاضي: فظاهر هذا؛ المنع. # فهذا كله؛ إذا قلنا إنها فتحت عنوة، فأما إذا قلنا إنها فتحت صلحا: فإنه ~~يجوز بيعها وإجارتها. # * وحد منى: من جمرة العقبة إلى وادي محسر، قاله: ابن الجوزي في "مثير ~~العزم الساكن" والأزرقي. زاد الأزرقي عن عطاء أنه قال: فلا أحب أن ينزل أحد ~~إلا فيما بين العقبة إلى محسر. # فأخذ النووي من كلام عطاء هذا: أن الجمرة ووادي محسر ليسا من منى. حكاه ~~في "شرح المهذب" عن الأزرقي وأصحاب الشافعي، وكذا جزم PageV01P174 # الشيخ موفق الدين في "المغني" أنهما ليسا من منى. وذكره عن الشافعي ~~وعطاء، وتابعه الشيخ شمس الدين في "شرح المقنع". # وقال المحب الطبري: العقبة من منى، ولم ينقل عن أحد أن الجمرة ليست من منى. # وقال عمر رضي الله عنه: لا يبيتن أحد من (40/ ب) الحجاج وراء العقبة حتى ~~يكونوا بمنى. وكذا قال ابن عمر. وروي عن ابن عباس. # فظاهر كلامهم: أن العقبة من منى؛ إذ لم يقولوا: لا يبيتن أحد في العقبة، ~~وإنما قالوا: وراء العقبة. # وقال الجوهري عن محسر: هو موضع بمنى. # وقال البكري: هو واد بجمع وما أقبل من الجبال على منى فهو منها وما أدبر ~~فليس منها. # * قال الأزرقي: وذرع منى من جمرة العقبة إلى وادي محسر: سبعة آلاف ومائتا ~~ذراع، وعرض منى من مؤخر المسجد الذي يلي الجبل إلى الجبل بحذاه: ألف ذراع. # قال الزركشي في "شرح الخرقي" لما ذكر محسر: قيل: واد بين المزدلفة ومنى. ~~وقيل: موضع بمنى، وقيل: ما صب من محسر في المزدلفة فهو منها وما صب منه في ~~منى فهو من منى. # قال المنذري: وصوبه بعضهم، وذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "شرح ~~العمدة" في موضع: أن محسرا من منى. وذكر في ms068 موضع: ترددا. # * * * PageV01P175 ### || AUTO الباب التاسع والثلاثون في ذكر مسجد الخيف # : # * قال ابن فارس اللغوي: # "الخيف": ما ارتفع من الوادي وانحدر من الجبل، وأشهر الأخياف: خيف منى، ~~ومسجده: مسجد الخيف، وهو خيف بني كنانة الذي ورد في الحديث (¬1). # وذكر الطبراني عن ابن عباس قال: # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا ~~منهم موسى عليه السلام كأني أنظر إليه وعليه عباتان قطوانيتان على بعير" (¬2). # * وذكر الأزرقي عن ابن عباس، قال: "صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا كلهم ~~مخطومون بالليف" (¬3)، يعني: رواحلهم. # * وذكر الحافظ شرف الدين الدمياطي: # وادي السرو بمنى على أربعة أميال من مكة: فيه سروة تحتها سبعون نبيا. # * وذكر ابن الجوزي، عن وهب بن منبه: أنه كان يلتقي هو والحسن PageV01P176 # البصري في المواسم كل عام في مسجد الخيف إذا هدأت الرجال ونامت العين ~~ومعهما (41/ أ) جلاس إما يتحدثون إليهما. فبينما هما ذات ليلة يتحدثان مع ~~جلسائهما إذ أقبل طائر له حفيف حتى وقع إلى جانب وهب من خلفه فسلم فرد وهب ~~عليه السلام وعلم وهب أنه من الجن، فقال وهب: من الرجل؟ فقال له: من ~~مسلميهم، قال: فما حاجتك؟ قال: وتنكر أن أجالسكم ونحمل عنكم، إن لكم فينا ~~رواة كثيرة وإنا لنحاضركم في أشياء من صلاة وحج وعمرة، ونحمل عنكم العلم، ~~فقال وهب: فأي رواة الجن عندكم أفضل، فقال: رواة هذا الشيخ وأشار إلى الحسن. # * * * PageV01P177 ### || AUTO الباب الأربعون في ذكر آيات عظام بمنى # : # * الأولى: أن الجمار على كثرته في كل سنة يمتحق ويرى على قدر واحد. # وقد ورد: أن ما تقبل رفع، وقد جاء ذلك من طرق كثيرة، منها ما رواه ابن ~~الجوزي في "مثير العزم الساكن" بسنده إلى سعيد بن جبير أنه قال: الحصى ~~قربان؛ فما قبل منه: رفع، وما لم يقبل: بقى (¬1). # وذكر الأزرقي، عن ابن خثيم: أنه سأل أبا الطفيل عن هذه الجمار ترمى في ~~الجاهلية والإسلام كيف لا يكون هضابا تسد الطريق؟ قال سألت عنها ابن عباس، ~~فقال إن الله تعالى ms069 وكل بها ملكا، فما تقبل منها: رفع، وما لم يتقبل منها: ~~ترك (¬2). # وعن أبي سعيد الخدري قال: ما تقبل من الحصى رفع، يعني: حصى الجمار (¬3). # وقال ابن عمر: والله ما قبل من امرئ حجه إلا رفع حصاه. # قال المحب الطبري في "شرح التنبيه"، وقد أخبرني شيخنا أبو النعمان PageV01P178 # بشير ابن أبي بكر حامد التبريزي شيخ الحرم الشريف ومفتيه، أنه شاهد ~~ارتفاع الحجر عيانا. # قال القاضي مجد الدين الشيرازي: وقد خمنت مرة؛ فاقتضى قياس العقل والحساب ~~وعدد السنين والأعوام التي حج فيها البيت ورميت الجمار أن يكون التراكم عند ~~كل جمرة من الحصى ما يواري مساحة خمسين ذراعا في مثلها في وجه الأرض ومرتفع ~~العلو ارتفاع جبل ثبير، ولكن (41/ ب) لله تعالى فيها سر كريم من أسراره ~~الخفيات لا إله سواه. # * الثانية: اللحوم بمنى في أيامها؛ تنشر على الجدار وعلى صخرات الجبال ~~وعلى أسطحة السوق وهي محروسة بحراسة الله تعالى لها من تخطف الطير لها، ~~ومعلوم: أن الحدأة - إذا رأت شيئا أحمر بيد إنسان أو على رأسه: انقضت عليه ~~حتى تخطفه، وهي تحوم حول تلك اللحوم لا تستطيع أن تأخذ منها شيئا. # * الثالث: الذباب لا يقع على الطعام؛ بل يأكل العسل ونحوه مما يجمع ~~الذباب ويتهافت على الوقوع فيه، بل لا يحوم عليه في الغالب مع كثرة ~~العفونات لكثرة الذباب من الدماء والأنتان الملقاة في الطرقات. فإذا انقضت ~~أيام الضيافة والكرامة تهافت الذباب على كل طعام حتى لا يطيب للطاعم طعام. # وتلك آيات ظاهرة، ودلالات باهرة على قدرة من يحيى العظام وهي ناخرة. # * الرابعة: اتساعها في أيام نزول الحاج بها: عن أبي الدرداء، قال: قلنا ~~يا رسول الله إن أمر منى لعجب، هي ضيقة، فإذا نزلها الحاج اتسعت، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما مثل منى كالرحم إذا حملت وسعها الله ~~تعالى (¬1). PageV01P179 # * الخامسة: قلة البعوض بها أيام منى؛ على ما ذكر أبو سعد الملاني في ~~"الوفا شرف المصطفى"، فإنه قال: كنت ليلا بمنى في غير أيام الموسم، وكنت ~~ساهرا ms070 أكثر الليل أتأذى من البعوض، فلما كان من الغد؛ سألت بعض أهل الحرم ~~عن البعوض، فقال: جميع السنة يكون كثيرا إلا أيام منى فإنه يقل. # * * * PageV01P180 ### || AUTO الباب الحادي والأربعون في ذكر المزدلفة # : # * لها أربعة أسماء: # الأول: "المزدلفة"؛ لأن الناس يزدلفون فيها، أي: يجتمعون، أو لأنهم ~~يدفعون منها زلفة أي جميعا، أو لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أي: ساعات. # الثاني: "قزح". # الثالث: "جمع"؛ لأن الصلاتين تجمع بها. كان الأصل موضع جمع أو ذات جمع ثم ~~حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل؛ لاجتماع (42/ أ) الناس بها، ~~وقيل؛ لاجتماع آدم وحواء فيها. # الرابع: "المشعر الحرام"؛ لأن عرفة هي المشعر الحلال. # * ### ||| AUTO تنبيه # : # " قزح": بقاف مضمومة وزاي مفتوحة ثم حاء مهملة: موضع في وسط المزدلفة، ~~وكأنها سميت به تسمية الكل باسم البعض. وقد بني عليه بناء، ويسمى: المشعر ~~الحرام، قاله جماعة. # وأما ابن عمر فقال: المشعر الحرام: المزدلفة كلها، وقاله كثير من أهل ~~التفسير. # وحمل المحب الطبري قول ابن عمر ومن وافقه على المجاز، والأفصح PageV01P181 # في المشعر: فتح الميم وكسرها لغة حكاه الجوهري. # وحد المزدلفة: من مأزمى عرفة إلى قرب محسر. وما على يمين ذلك وشماله من ~~الشعاب، قاله في "المغنى" و"الشرح" و"شرح المحرر". # * * * PageV01P182 ### || AUTO الباب الثاني والأربعون في الطريق من المزدلفة إلى عرفة # : # * لها طريقان: # أحدهما: طريق المأزمين. # والأخرى: طريق ضب، وهذه الثانية: طريق مختصرة من المزدلفة إلى عرفة، وهي ~~من أصل المأزمين عن يمينك وأنت ذاهب إلى عرفة. وقد ذكروا: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سلكها حين غدا إلى عرفة، وقال ذلك بعض المكيين، وقاله ~~القاضي أبو يعلى وجماعة من علمائنا. # وقال عطاء: طريق ضب: هي طريق موسى بن عمران عليه السلام؛ ولأجل هذا: قال ~~علماؤنا: إذا دفع من عرفات سار على طريق المأزمين احترازا من طريق ضب؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سار إلى عرفة على طريق ضب، ولما رجع إلى ~~المزدلفة سار على طريق المأزمين. # وهذا على عادته - صلى الله عليه وسلم -؛ في أنه إذا ms071 ذهب إلى عبادة: ذهب ~~في طريق، وإذا رجع: رجع في أخرى. # * * * PageV01P183 ### || AUTO الباب الثالث والأربعون في ذكر عرفة وحدودها # : # * اختلفوا لم سمى عرفة؛ على عشرة أقوال: # أحدها: وهو قول الضحاك، أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة، ~~فتعارفا عند أرض عرفة؛ فسميت لذلك. # الثاني: وهو قول عطاء؛ لأن جبريل (42/ ب) كان يري إبراهيم عليه السلام ~~المناسك، فيقول: عرفت؛ فسميت لذلك. رواه الإمام أحمد عنه في "منسكه"، إلا ~~أنه قال: فسميت (¬1) عرفات. # الثالث: أن الناس يعترفون فيها بذنوبهم. # الرابع: وهو قول السدي: لما أذن إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، ~~فأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه، أمره الله تعالى إلى عرفات، ونعتها، فخرج، ~~فلما بلغ الشجرة، استقبل الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ~~فطار، فوقع على الجمرة الثانية، فرماه وكبر، فطار، فوقع على الجمرة ~~الثالثة، فرماه وكبر، فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه، انطلق، فانطلق ~~إبراهيم عليه السلام حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ~~ذا المجاز، ثم انطلق حتى وقف بعرفات، فعرفها بالنعت، فسمي الوقت عرفة. ~~والموضع عرفات. PageV01P184 # الخامس: إنه سمي بذلك من العرف، وهو: الطيب. # السادس: وهو قول ابن عباس: أن إبراهيم عليه السلام رأى ليلة التروية في ~~منامه أنه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روي يومه، أجمع، أي: فكر؛ أمن الله ~~تعالى هذه الرؤيا أم من الشيطان، فسمي اليوم يوم التروية. ثم رأى ليلة عرفة ~~ثانيها، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى، فسمي اليوم يوم عرفة. # السابع: لأن الناس يتعارفون حين يلقى بعضهم بعضا من كل طرف وبلد بعيد. # الثامن: إنما سميت بذلك لعلوها، والعرف: العالي، ومنه: عرف الديك، ومنه: ~~قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجال} (¬1). # التاسع: أن إبراهيم عليه السلام غدا من بيت سارة، فحلفت أنه لا ينزل عن ~~ظهر دابته حتى يرجع إليها من الغيرة. فأتى إسماعيل عليه السلام ثم رجع، ~~فحبسته سارة ستة أشهر ثم استأذنها فأذنت له، فخرج، حتى إذا بلغ مكة ~~وجبالها، فبات ليلة يسير ms072 حتى أذن الله تعالى له في ثلث الليل فكان عند جبل ~~عرفة. فلما أصبح عرف البلاد (43/ أ) والطريق، فجعل الله عرفة حيث عرف، ذكره ~~الثعلبي مرفوعا من حديث يعلى بن الأشرف (¬2) عن عبد الله بن جراد (¬3) عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # العاشر: أن الأصل في هذين الاسمين قديما: عرفة للزمان، وعرفات للمكان؛ من ~~الصبر، يقال: رجل عارف؛ إذا كان صابرا خاضعا خاشعا. PageV01P185 # ويقال في المثل: # "النفس عروف ولما حملتها تحمل" # قال الشاعر: # فصبرت عارفة لذاك (¬1) حرة ... حتى إذا نفس الجبان تقطع # أي: نفسا صابرة. # وقال ذو الرمة: عروف لما حطت عليه المقادر. # أي: صبور على قضاء الله. # فسميا بهذا الاسم؛ لخضوع الحاج وتذللهم وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء ~~واحتمال الشدائد والمشاق لإقامة هذه العبادة. والعارف: الخاضع. # * وأما عرفة؛ فقال الشيخان الموفق والمجد. # حد عرفة: من الجبل المشرف على عرفة إلى الجبال المقابلة له إلى ما يلي ~~حوائط بني عامر. # وقال ابن عباس: حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنه إلى جبال عرفة إلى ~~وصيق إلى ملتقى وصيق ووادي عرفة. # قوله: ووادي عرفة: ذكره بعضهم: بالفاء، وبعضهم: بالنون، ورد رواية النون ~~في: "تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام". # * وذكر بعضهم أن لها أربعة حدود: # أحدها: ينتهي إلى جادة طريق السرف. PageV01P186 # والثانى: إلى حافات الجبل الذي وراء أرض عرفات. # والثالث: إلى البساتين التي تلي قرية عرفة. وهذه القرية على يسار مستقبل ~~الكعبة إذا وقف بأرض عرفة. # والرابع: ينتهي إلى وادي عرنة، وليس من عرفات وادي عونة. # وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "شرح العمدة": # عبارة كثير من أصحابنا: أن بطن عرنة ليس من عرفات، وعبارة بعضهم تقتضي: ~~أنه من عرفات، وإنما استثني من الوقوف. وهذه عبارة الشيخ. # ولعل حجة هذا القول: أنه قد روي في أحاديث كثيرة: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خطب الناس في عرفات، وإنما خطب ببطن عرنه. # والعبارة الأولى: أسد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (43/ ب) قال في ~~الأحاديث الصحيحة: "عرفة كلها موقف" (¬1).انتهى كلام ms073 الشيخ تقي الدين. # * وقال ابن عبد البر: # أجمع العلماء: على أن من وقف ببطن عرنة: لا يجزيه. وحكي عن مالك: أنه ~~يهريق دما، وحجه تام. # * واختلفوا في نمرة: # فقال البغوي والنووي والزركشي والشافعي: ليست من عرفة، وقاله الشيخ تقي ~~الدين في "شرح العمدة"، وهو ظاهر "المحرر"؛ لأنه قال: سار إلى نمرة فأقام ~~بها إلى (¬2) الزوال، ثم يجمع بين الصلاتين إن كان ممن يجوز PageV01P187 # له الجمع ثم يأتي عرفة، وكذا قال في "التلخيص": أقام بنمرة، وقيل: بعرفة. # وقال في "المغني": فيقيم بنمرة، وإن شاء بعرفة. # وقال الزركشي في "شرح الخرقي": نمرة موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه ~~أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت عن (¬1) مأزمي عرفة تريد الموقف، قاله ~~المنذري، ثم قال عن قول صاحب "التلخيص": إنه ليس بجيد، يعني: في حكايته ~~القولين: أن نمرة من عرفة. وكذلك قال صفي الدين في "شرح المحرر"؛ فإنه قال: ~~يفهم من كلام المصنف: أن نمرة ليست من أرض عرفة؛ لأنه قال بعد ذلك: ثم يأتي ~~عرفة، وليس كذلك؛ فإن نمرة منها، وهي داخلة في تحديده، وكذا قال ابن ~~الصباغ: هي من نمرة، وهي بفتح النون وكسر الميم، قال النووي: ويجوز إسكان ~~الميم مع فتح النون وكسرها، فتبقى فيه ثلاثة أوجه كما في نظائرها. # * * * PageV01P188 ### || AUTO الباب الرابع والأربعون في ذكر المجاورة بمكة شرفها الله تعالى # : # * اختلف العلماء في المجاورة بمكة: # فكرهها أبو حنيفة، ولم يكرهها أحمد بن حنبل، في كثير من العلماء، بل ~~استحبوها. # فمن كرهها؛ فلأربعة أوجه: # أحدها: خوف الملل. # الثاني: قلة الاحترام لمداومة الأنس بالمكان. # الثالث: لمهج الشوق بالمفارقة؛ فينشأ داعية العود؛ فإن تعلق القلب ~~بالكعبة والإنسان في بيته خير من تعلق القلب بالبيت. # الرابع: خوف ارتكاب الذنوب هناك، فإن الخطايا ثم ليس كالخطايا (44/ أ) في ~~غيره؛ لأن المعصية تتضاعف عقوبتها - كما تقدم في "الباب الثامن والعشرين". # * وعلى هذا؛ يكون الكراهة لضعف الخلق وقصورهم عن القيام بحق المكان. # قال أبو عمرو الزجاجي: من جاور الحرم وقلبه متعلق بشيء سوى الله تعالى ~~فقد أظهر ms074 خسارته. PageV01P189 # * وأما من لم يكره المجاورة ورآها فضيلة؛ فلفضيلة المكان، ومضاعفة ~~الحسنات - على ما سبق، وقد جاور بها خلق كثير، وسكنها من المعول عليهم بشر عظيم. # * * * PageV01P190 ### || AUTO الباب الخامس والأربعون في كراهة نقل تراب الحرم وحجارته إلى الحل وعكسه # * ذكر الأزرقي بسنده، عن عبد العزيز بن أبي رواد أنه قال: سمعت غير واحد ~~من الفقهاء يذكرون: أنه يكره أن يخرج أحد من الحرم من ترابه أو حجارته بشيء ~~إلى الحل، قال: ويكره أن يدخل من تراب الحل أو حجارته في الحرم بشيء (¬1). # وروي عن ابن الزبير: أنه تقدم يوما إلى المقام ليصلي وراءه فإذا حصباء ~~بيضاء أتي بها فطرحت هناك، فقال: ما هذه البطحاء؟ قال: فقيل له: إنه أتى ~~بها من مكان كذا وكذا خارج من الحرم. قال: فقال: القطوه وارجعوا به إلى ~~المكان الذي جئتم به منه وأخرجوه من الحرم، ولا تخلطوا الحل بالحرم (¬2). # * * * PageV01P191 ### || AUTO الباب السادس والأربعون في بيان الحجاز # : # * قال الأصمعي: سمي "حجازا"؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة. # وعنه أيضا: إنما سمي "حجازا"؛ لأنه احتجز بالحرار الخمس: حرة بني سليم، ~~وحرة واقم، وحرة راجل، وحرة ليلى، وحرة النار. # * وقال ابن الكلبي: سمي "حجازا؛ لما احتجز بالجبال، وقيل: لأنه فصل بين ~~نجد والسراة، وقيل: بين الغور والشام، وقيل: بين تهامة ونجد. # * وقال الراغب: قيل: سمي "حجازا"؛ لكونه حجز بين الشام وبين البادية. # * وقال أصحاب الإمام أحمد: # "الحجاز": مكة، والمدينة، واليمامة، وخيبر، والبقيع، والفدك، ومخاليفها. # وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: منه تبوك ونحوه، وما دون المنحنى، وهو ~~(44/ ب) عقبة الصوان من الشام كمعان. # وقال الشافعي: "الحجاز": مكة، والمدينة، واليمامة، ومخاليفها، أي: قراها. # وعن الكلبي: أن حدود "الحجاز": ما بين جبل طي إلى أطراف العراق. # وعن الجرمي: أن تبوك وفلسطين من "الحجاز". PageV01P192 # وقال الرافعي: كلمة الأصحاب متفقة: أن اليمن يدخل في "الحجاز". # وقال صاحب "المطالع": "الحجاز" ما بين نجد والسراة. # وقيل: جبل السراة، وهو الحد بين تهامة ونجد، وذلك؛ بأنه أقبل في قعرة ~~اليمن، فسمته العرب: "حجازا" وهو أعظم ms075 جبالها وما انحاز إلى شرقيه: فهو ~~"حجاز". # * * * PageV01P193 ### || AUTO الباب السابع والأربعون في ذكر جزيرة العرب # : # * قال ابن صاعد: سميت "جزيرة"؛ لأن البحر محيط بها من جهاتها الثلاثة: ~~التي هي المغرب والجنوب والمشرق. # * وقال الخليل: إنما قيل لها "جزيرة"؛ لأن نهر الحبش ونهر فارس والفرات ~~قد أحاطت بها، ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. # * قال الأصمعي: هي ما بين عدن أبين إلى أطراد الشام بالراء المهملة، أي: ~~أطرافها طولا، وأما العرض: فمن جدة وما والاها من شاطئ البحر إلى ريف ~~العراق. # * وقال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة طولا. وأما ~~العرض: فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة. # ونقل البكري: أن "جزيرة العرب": مكة، والمدينة، واليمن، واليمامة. # * وقال بعضهم: "جزيرة العرب" خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن. # فأما "تهامة": فهي الناحية الجنوبية من الحجاز. # وأما "نجد": فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق. PageV01P194 # وأما "الحجاز": فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة ~~وعمان (¬1)، وسمي "حجازا"؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة. # وأما "العروض": فهو اليمامة إلى البحرين. # وأما "اليمن": فهو أعلا من تهامة. # * وقال الإمام أحمد: "جزيرة العرب": المدينة وما والاها. # قال بعضهم: يريد: مكة، واليمامة، وخيبر، والينبع، وفدك، ومخاليفها، وما ~~والاها. # وفي "المغني": "جزيرة العرب": ما بين الوادي إلى (45/ أ) أقصى اليمن، ~~قاله: سعيد بن عبد العزيز. # قال ابن القيم: وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في "جزيرة العرب"، ~~ومنعهم - يعني المشركين- من الإقامة فيها. وهذا وهم، فإن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعث معاذا قبل موته إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم ~~دينارا وأقرهم فيها (¬2). وأقرهم أبو بكر رضي الله عنه بعده. وأقرهم عمر ~~وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولم يجلوهم من اليمن مع أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (¬3)، ولم يعرف عن ~~إمام؛ أنه أجلاهم من اليمن، وإنما قال الشافعي وأحمد: يخرجون من مكة، ~~والمدينة، واليمامة، وخيبر، والينبع، ومخاليفها، ولم يذكر ms076 "اليمن"، ولم PageV01P195 # يجلوا من تيماء (¬1) أيضا، وكيف تكون "اليمن" من "جزيرة العرب"، وهي وراء ~~البحر، والبحر بينها وبين الجزيرة، فهذا القول غلط محض! .. # * * * PageV01P196 ### || AUTO الباب الثامن والأربعون في ذكر خصائص البيت والمسجد الحرام وأحكامهما # : # * خصائصها كثيرة وأحكامها منيرة، أجل من أن تحصى وأعظم من أن تستقصى. ~~وسأذكر منها ما يسره الكريم طامعا في ثوابه العميم: # * الأول: أن الكعبة أول بيت وضع على الأرض، كما سبق الكلام عليه. # * الثاني: أن إحياء الكعبة بالحج في كل سنة من فروض الكفايات، ذكره ~~علماؤنا والشافعية؛ حتى قال بعضهم: لا يسقط فرض الكفاية إلا بفعل جمع كثير، ~~بمعنى: أنه لو حج إثنان أو ثلاثة: لا يسقط. # * الثالث: أن تقدم المأموم على إمامه في الموقف في غير المسجد الحرام ~~مبطل للصلاة عندنا وعند الشافعية، وأما في المسجد الحرام: فيجوز تقدم ~~المأموم إذا كان في جهتين وفاقا للأئمة الثلاثة. # قال في الخلاف: وأومأ إليه في رواية أبي طالب، وقيل: وجهه خلافا لهم. # وقال أبو المعالي بن منجا: إن كان خارج المسجد بينه وبين الكعبة مسافة ~~فوق بقية جهات المأمومين فهل يمنع الصحة كالجهة الواحدة أم لا؟ فيه وجهان. PageV01P197 # * الرابع: من قابل إمام (¬1) فجعل وجهه إلى وجهه: لم تصح صلاته (45/ ب)، ~~وحول الكعبة: تصح إجماعا. # * الخامس: لو تقابلا داخلها صحت أيضا في الأصح؛ وفاقا للأئمة الثلاثة. # * السادس: لو جعل ظهره إلى ظهر إمامه صح؛ لأنه لا يعتقد خطأه. # * السابع: إن صلاة الفرض لا تصح في الكعبة عند إمامنا، وهو المشهور عند ~~أصحابه. # ونقل عن ابن جرير وبعض الظاهرية: لا تصح الصلاة فيها فرضا ولا نفلا. # ونقل عن مالك: لا يصلى الفرض ولا السنن فيها، ويصلى فيها التطوع. # ومذهب أبي حنيفة والشافعي: الجواز فرضا ونفلا. # وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه دخل البيت وصلى فيه ركعتين ~~من رواية بلال (¬2)، فأخذ به الإمام أحمد في النفل؛ لأنهما: نفل، وأبقى ~~الفرض على عموم قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} (¬3)، أي: ~~تلقاء. والذي هو داخله؛ إنما يتوجه ms077 تلقاء بعضه، ويكون مستدبرا لبعضه. # * الثامن: إن صلاة الفرض لا تصح على ظهر الكعبة، كما قلنا داخلها، لكن لو ~~وقف على منتهاه بحيث لم يترك وراءه شيئا منها: صحت على المنصوص. PageV01P198 # التاسع: إن صلاة النفل في الكعبة: لا تصح في رواية عندنا؛ ولكن المذهب: الصحة. # * العاشر: أن صلاة النفل لا تصح على ظهرها - على رواية كالفرض، والمذهب: الصحة. # * الحادي عشر: هل يستحب (¬1) صلاة النفل فيها أم لا؟ فيه روايتان عن ~~إمامنا، والمذهب: الاستحباب. # * الثاني عشر: إن صلاة النافلة في البيت أفضل من المسجد لما فيه من ~~الخلوص والبعد عن الرياء، فهل يأتي مثل ذلك في المسجد الحرام أم لا؟ # إن قلنا: إن المضاعفة فيه تعم الفرض والنفل ولا تتعدى المسجد، فتكون ~~النافلة فيه أفضل، وإلا فلا. لكن يستثنى من ذلك ركعتا الطواف. # * الثالث عشر: إن نظر المصلي إلى موضع سجوده في غير التشهد أفضل مما ~~سواه؛ فلو كان يصلي في المسجد الحرام؛ فهل الأولى النظر إلى الكعبة لترتب ~~الثواب على مجرد النظر؛ وإن لم يكن في صلاة أو المحافظة على النظر إلى موضع ~~السجود؛ لأنه مجمع القلب، والنظر يلهي عن الخشوع: الذي هو مقصود الصلاة - ~~وشرط صحتها على وجه عندنا -، أو يفصل (46/ أ) بين من يلهو بالنظر وبين ~~غيره: فيه ثلاثة أوجه للشافعية. # وأما كلام علمائنا؛ فظاهر كلامهم: أنه ينظر إلى موضع سجوده. ولو قيل ~~بالوجهين الآخرين لما كان بعيدا، ولعل الثالث أقربهما لتحصيل العبادة ~~بالنظر مع المحافظة على الخشوع. # * الرابع عشر: يحرم المرور بين سترته، إن كان له سترة ولو بعد منها، PageV01P199 # وكذا بين يديه قريبا مع عدمها. # والقرب: ثلاثة أذرع، وقيل العرف. # وهل مكة هنا كغيرها؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد، وفي "المغني": الحرم ~~كمكة، ونقل بكر: يكره المرور بين يديه إلا بمكة لا بأس به. # * الخامس عشر: لا يقطع الصلاة فيها مرور شيء بين يدي المصلي. # قال أحمد في رواية أبي طالب: فضلت مكة بغير شيء إلى أن قال: ولا يقطع ~~الصلاة فيها شيء غير المرأة بين ms078 يدي الرجل. # * السادس عشر: يحرم النفل المطلق في أوقات النهي الخمسة إلا بمكة. قاله: ~~الإمام أحمد في رواية أبي طالب المتقدمة، فإنه قال: يصلي فيها، يعني: مكة، ~~أي ساعة شاء من ليل أو نهار، واستثنى بعض الشافعية الحرم كله ووجهه بعض ~~علمائنا: إن قلنا إنه كمكة في مسألة المرور المتقدمة. # وفي السنن من حديث جبير ابن مطعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ~~ليل أو نهار" (¬1). # وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (¬2). # وفي رواية: "لا صلاة بعد الصبح إلا بمكة" (¬3). PageV01P200 # والمقدم عندنا: أن مكة كغيرها في هذه، وهو وجه عند الشافعية، وحمل ~~الاستثناء في الحديث: على ركعتي الطواف. # * السابع عشر: الطواف به. ويجوز فعله في هذه الأوقات؛ وهو قول أحمد، ~~والشافعية، وإسحاق، وداود، وجمهور العلماء. # وقال مالك: إن أخر ركعتي الطواف إلى وقت الجواز: جاز. # * الثامن عشر: إن تحية المسجد: الصلاة، وتحية البيت: الطواف، وتحية منى: ~~رمي الجمار، وتحية مزدلفة: صلاة المغرب، وتحية عرفات: الوقوف، وتحية الحرم: ~~الإحرام، وتحية (46/ ب) المسجد من الخطيب يوم الجمعة: الخطبة، قالها: ~~النووي في "نكت التنبيه"؛ بناء على أنه لا يستحب له تحية المسجد. وفيها ~~خلاف عندهم، والاثنتان قبلهما: ذكرهما بعض الشافعية، والباقي؛ ذكره الشيخ ~~تقي الدين ابن تيمية في "شرح العمدة"، ونقل ابن مسدي في "إعلام الناسك"، عن ~~الإمام أحمد وغيره: أنه يحيى المسجد أولا بركعتين، ثم يقصد الطواف. وهو نقل ~~غريب! ! والمشهور: البداءة بالطواف أولا. فلو طاف بالبيت وصلى ثم دخل ~~الكعبة، فهل نقول حصلت تحيتها بالطواف كما تقدم أم لا؟ بل ذلك تحية رؤيتها ~~ولا بد من تحية لدخولها. # قال الزركشي الشافعي في "إعلام الساجد": وفيه نظر- انتهى. # قلت: الظاهر أنه لا يحتاج إلى تحية أخرى؛ إذ التحية قد حصلت أولا. # ولم أر أحدا قال: إن الطواف تحية رؤية البيت! وإنما قالوا: تحية البيت، ~~فقد حصدت التحية وانتفى النظر، ولله الحمد. # * التاسع عشر: النظر إلى البيت ms079 عبادة، قاله: الإمام أحمد. # * العشرون: دخول البيت مستحب، يثاب عليه- كما روى البيهقي عن PageV01P201 # ابن عباس مرفوعا: "من دخل البيت: دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورا ~~له" (¬1). # * الحادي والعشرون: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما ~~سواه من المساجد"، كما ثبت في الصحيحين، وقد تقدم في "الباب الرابع". وتقدم ~~الكلام عليه، هل المراد الفرض والنفل أو الفرض فقط؟ # * الثاني والعشرون: أن حرم مكة كالمسجد الحرام في المضاعفة المذكورة على ~~ما تقدم. وجزم به من الشافعية: الماوردي، والنووي في "مناسكه"، ونقله: صاحب ~~"البيان" عن الشريف العثماني. # * الثالث والعشرون: فضيلة المضاعفة لا تختص بالصلاة؛ بل وسائر أنواع ~~الطاعات- على ما تقدم. # * الرابع والعشرون: أن السيئات تضاعف بمكة- كما تضاعف الحسنات. # وممن قال ذلك: مجاهد، وابن عباس، وابن مسعود، وأحمد بن حنبل، وغيرهم؛ ~~لتعظيم البلد. وقد تقدم في "الباب الثامن والعشرين". # * الخامس والعشرون: أنه يعاقب (47/ أ) على الهم بالسيئة فيه؛ وإن لم ~~يفعلها. # قال الله تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} (¬2). # كل ذلك؛ تعظيما لحرمة الحرم، وكذلك فعل الله بأصحاب الفيل؛ أهلكهم قبل ~~الوصول إلى بيته. PageV01P202 # قال الإمام أحمد: لو أن رجلا هم أن يقتل في الحرم، أذاقه الله من العذاب ~~الأليم، ثم قرأ الآية. # * السادس والعشرون: يستحب الغسل لدخول مكة. # قال في "المستوعب": حتى لحائض، ولا يشاركها غيرها من البلاد في استحباب ~~الغسل لمن أراد الدخول إليها؛ إلا مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~قول ذكره الشيخ تقي الدين؛ منصوص أحمد؛ لكن: المقدم خلافه. # * السابع والعشرون: يستحب الغسل لدخول الحرم- كما نقله صالح عن الإمام أحمد. # * الثامن والعشرون: يستحب (¬1) صلاة العيد في المصلى، إلا أهل مكة؛ فإنه ~~لا يستحب لهم الخروج من المسجد الحرام، بل المستحب لهم أن يصلوا في المسجد ~~الحرام؛ لفضيلة البقعة، ومشاهدة الكعبة، وفاقا للأئمة الثلاثة. # وعند الشافعية؛ خلاف في غيرها من البلدان: قال بعضهم: والصحيح أن فعلها ~~في المسجد أفضل. وقاله: القاضي ابن كج في كتاب "التجريد"، وقال في "الأم": ~~يصلي في ms080 المصلى في سائر البلدان إلا مكة؛ فإنه يصلي في مسجدها لأنه خير ~~بقاع الأرض. وقال: إن كان يسعهم مسجد ذلك البلد أحببت أن يصلوا فيه. # * التاسع والعشرون: يحرم استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط في ~~الصحراء والبنيان عند كثير من العلماء، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد. PageV01P203 # * الثلاثون: أنها قبلة المسلمين حيث كانوا، لا تقبل صلاة أحدهم إلا ~~باستقبالها إذا قدر على ذلك إلا في صور نادرة، كالصلاة على الراحلة في ~~السفر وحال المسايفة. # * الحادي والثلاثون: أنها قبلة المسلمين أمواتا؛ فلا يدفنون إلا مستقبلين جهتها. # * الثاني والثلاثون: توزع بعضهم عن قضاء الحاجة بمكة: # وممن روي عنه ذلك: الشيخ أبو عمر الزجاجي أحد كبار مشايخ الصوفية بمكة، ~~فإنه روي عنه: أنه أقام بمكة أربعين سنة لم يبل ولم يتغوط في الحرم. # ويروى (47/ ب) أن الإمام أبا محمد عبيد الله ابن سعيد السجستاني جاور ~~بمكة دهرا فكان إذا أراد قضاء الحاجة: خرج من الحرم. # قال بعضهم: هؤلاء تأولوا أنها مسجد، وهذا التأويل ليس بشيء؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فعله والصحابة والسلف. # لكن روى ابن السكن الحافظ، من حديث ابن عمر: أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~لما كان بمكة كان إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس، وهو على ثلث فرسخ ~~منها، رواه الطحاوي في "تهذيب الآثار" (¬1)، وقال: على ميلين من مكة، ورواه ~~الطبراني في "الأوسط" (¬2). # * الثالث والثلاثون: المذهب جواز الاستجمار بحجارة الحرم. وفي PageV01P204 # "النهاية": يحرم، قال في "الفروع": وهو سهو. # وحكى الماوردي الشافعي وجهين في جواز الاستنجاء بحجارة الحرم. # وقال: ظاهر المذهب سقوط الفرض بذلك مع تأثيمه. # * الرابع والثلاثون: كراهة الوضوء والغسل بماء زمزم عند الإمام أحمد. وقد ~~تقدم الكلام عليه. # * الخامس والثلاثون: كراهة إزالة النجاسة به أو التحريم- كما تقدم. # * السادس والثلاثون: لا يدخله محل قدم إليه حتى يحرم لدخوله إما بحج أو ~~عمرة يتحلل بها من إحرامه؛ إلا أن يكون ممن يكثر الدخول إليها لمنافع ~~أهلها، كالحطابين والسقايين الذين يخرجون منها غدوة ويعودون إليها عشيا، ~~فيجوز لهم دخولها محلين لدخول ms081 المشقة عليهم في الإحرام كلما دخلوا، فإن دخل ~~القادم إليها حلالا فقد أثم ولزمه إحرام على وجه القضاء اللهم إلا أن ~~يدخلها لقتال مباح. # * السابع والثلاثون: يجوز ستر الكعبة بالحرير. # * الثامن والثلاثون: هل يجوز قطع شيء من ستور الكعبة وبيعه وشراؤه # ونقله أم لا؟ # منعه: ابن القاص وابن عبدان من الشافعية. وأجازه بعضهم. # وقد روى الأزرقي: أن عمر رضي الله عنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة ~~فيقسمها على الحاج (¬1). # وروى الأزرقي أيضا، عن ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهما: أنهما PageV01P205 # قالا تباع كسوتها، ويجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين وابن السبيل (¬1). # وذكر العلائي الشافعي في "قواعده": أنه لا يتردد في جواز (48/ أ) ذلك ~~الآن؛ لأجل وقف الإمام ضيعة معينة؛ على أن يصرف ريعها في كسوة الكعبة. ~~والوقف بعد استقرار هذه العادة والعلم بها فينزل لفظ الواقف عليها. قال: ~~وهذا ظاهر لا يعارضه المنقول المقدم. # * قال الشيخ موفق الدين في "المغني": وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها. ~~ونقله عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. # وقال ابن حمدان في "الرعاية": ويجوز بيع كسوة البيت إذا خلقت والتصدق ~~بثمنها، وعنه: والصدقة بها. # * التاسع والثلاثون: يحرم أخذ شيء من طيب الكعبة للتبرك وغيره، ومن أخذه: ~~لزمه رده إليها، فإن أراد التبرك: أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه. ~~هكذا نقل عن الإمام أحمد، وقاله النووي في "الروضة" من زوائده. # * الأربعون: بيع أشجار الحرم: حرام باطل، والمراد، إذا نبتت بنفسها. # قال القفال من الشافعية: إلا أن يقطع شيئا يسيرا للدواء؛ فيجوز بيعه حينئذ. # وناقشه النووي في "الروضة" وقال: لا ينبغي أن يجوز. # وعندنا الانتفاع بالمقطوع: نص عليه، وقيل: ينتفع به غير قاطعه كقلع الريح ~~له. PageV01P206 # وعند أبى حنيفة: يملكه لصدقته بقيمته كحقوق العباد، وله بيعه، ويكره؛ ~~لأنه ملكه بسبب محرم. # * الحادي والأربعون: لقطة مكة والحرم؛ هل يجوز التقاطها للتملك أم للحفظ ~~والتعريف؟ # فيه قولان: والصحيح؛ أنها تملك بالتعريف، وعن الإمام أحمد رواية أنها لا ~~تملك بحال، واختارها الشيخ تقي الدين وغيره من ms082 المتأخرين. # وهو قول: عبد الرحمن بن مهدي، وأبي عبيد، وأصح قولي الشافعي؛ لما في ~~الصحيحين عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح ~~مكة "إن هذا البلد حرمه الله تعالى، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط ~~لقطته إلا من عرفها" (¬1). # ومعلوم؛ أن لقطة كل بلدة تعرف، ولو كان كغيره لم يكن لتخصيصه بهذا الذكر معنى. # * الثاني والأربعون: صيد الحرم: حرام؛ على الحلال والمحرم بالإجماع، إذا ~~كان بريا، أما إذا كان بحريا: فروايتان عن الإمام أحمد: صحح بعضهم المنع؛ ~~لقوله عليه السلام: "لا ينفر صيدها" (1)؛ ولأن حرمة الصيد (48/ ب) للمكان؛ ~~فلا فرق. # والثانية: يحل لاطلاق حله في الآية؛ ولأن الإحرام (¬2) لا يحرمه كحيوان ~~أهلي وسبع. # * الثالث والأربعون: يحرم قلع شجر الحرم إجماعا ونباته حتى الشوك PageV01P207 # والورق، خلافا للشافعي إلا اليابس، فإنه كميت لظاهر الخبر، ولا بأس ~~بالانتفاع بما زال بغير فعل آدمي، نص عليه. # ولا يحرم: الإذخر، والكمأة، والثمرة، وما أنبته: آدمي من بقل، ورياحين، ~~وزرع: إجماعا، نص أحمد على الجميع. # ولا يحرم ما أنبته آدمي: من شجر، وجزم به ابن البنا في "خصاله" بالجزاء ~~فيه، وفاقا للشافعي؛ للنهي عن قطع شجرها، وما فيه مضرة: كشوك، وعوسج: يحرم ~~قطعه عند الشيخ وغيره، وعند أكثر الأصحاب- القاضي وأصحابه-: لا يحرم وفاقا ~~للشافعي. # وفي جواز رعي حشيشه: وجهان. # * الرابع والأربعون: كره الإمام أحمد إسناد الظهر إلى القبلة. # قال في "الفروع": اقتصر أكثر الأصحاب على استحباب استقبالها، فتركه أولى، ~~ولعل هذا أولى - انتهى. # * الخامس والأربعون: قال الإمام أحمد: لا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل من ~~الحل كذلك. # قال ابن عمر وابن عباس: ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل ولا يدخل إليها ~~من الحل، والخروج: أشد. # واقتصر بعض علمائنا على كراهة إخراجه، وجزم في مكان آخر بكراهتهما. وقال ~~بعضهم: يكره إخراجه إلى الحل. وفي إدخاله إلى الحرم روايتان. وفي "الأصول" ~~لا يجوز في تراب الحل والحرم، نص عليه. قال أحمد: والخروج أشد. # * السادس والأربعون: لا يحارب أهلها؛ ms083 لتحريم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قتالهم PageV01P208 # بقوله: "لا يحل لامرئ مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما" (¬1). # فإن بغوا على أهل العدل: قاتلهم على بغيهم؛ إذا لم يمكن ردهم عن البغي ~~إلا بالقتال. # وذهب جماعة من العلماء إلى تحريم قتال البغاة فيه بل يضيق عليهم إلى أن ~~يخرجوا أو يفيئوا، واختاره القفال من الشافعية. # * السابع والأربعون: من أتى حدا خارج الحرم أو شيئا يوجب قصاصا ثم لجأ ~~إلى الحرم، لم يقم عليه الحد فيه ولم يقتص (49/ أ) منه؛ ولكن يلجأ إلى ~~الخروج منه: بترك مبايعته ومشاراته، فإذا خرج أقيم عليه، هذا هو المذهب، ~~وهو أحد الأقوال في المسألة. # والقول الثاني: إن كان قاتلا لم يقتل حتى يخرج من الحرم، وإن كانت ~~الجناية دون النفس استوفيت، وهو رواية عن أحمد وأبي حنيفة. # والقول الثالث: إن القتل وما دونه يستوفى وهو قول مالك والشافعي. # * الثامن والأربعون: يمنع من خالف دين الإسلام من ذمي ومعاهد أن يدخل ~~الحرم، لا مقيما ولا مارا به. # قال في رواية ابن مسعود: ليس لليهود والنصارى أن يدخلوا الحرم، فقد منع ~~منه فإن دخله مشرك عزر إذا دخله بغير إذن ولم يستبح به قتله "فإن دخله بإذن ~~لم يعزر وأنكر على الآذن له ولم يستبح به قتله" (¬2)، وعزر إن اقتضت حاله ~~التعزير وأخرج منه المشرك. وإن أراد مشرك دخول الحرم ليسلم فيه منع منه حتى ~~يسلم قبل دخوله. PageV01P209 # * والتاسع والأربعون: إذا مات مشرك في الحرم: حرم دفنه فيه، ودفن في ~~الحل؛ فإن دفن في الحرم نقل إلى الحل؛ إلا أن يكون قد بلي فيترك (¬1) - كما ~~ترك فيه أموات الجاهلية. # * الخمسون: أنها حرم الله تعالى، حرمها يوم خلق السموات والأرض، وهذا أحد ~~القولين- كما قاله القاضي أبو يعلي في "أحكامه"؛ فإنه قال: # وقد اختلف في مكة وما حولها: هل صارت حراما بسؤال إبراهيم عليه السلام، ~~أو كانت قبله كذلك؟ # فمن الناس من قال: لم يزل حرما (¬2) آمنا من الجبابرة المسلطين ومن ~~الخسوف والزلازل (¬3)؛ وإنما سأل إبراهيم ms084 عليه السلام ربه أن يجعله آمنا من ~~الجدب والقحط، وأن يرزق أهله من كل الثمرات. وهذا ظاهر كلام الإمام أحمد في ~~رواية الأثرم وقد سئل عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مكة: "أحلت ~~لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي" (¬4): ما وجهه؟ ! # قال: وجهه أنها كانت حراما لم تزل فقد نص على أنها لم تزل حراما. # والوجه فيه: ما ورى سعيد بن أبي سعيد- يعني: المقبري- قال: سمعت أبا شريح ~~الخزاعي يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (49/ ب) لما افتتح مكة ~~قام خطيبا فقال: "يا أيها الناس، إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات ~~والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا، ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي، PageV01P210 # ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا وهي قد رجعت على حالها ~~بالأمس، ألا ليبلغ الشاهد الغائب"، فمن قال إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قاتل بها! فقولوا: إن الله تعالى قد أحلها لرسوله ولم يحلها لك (¬1). # ومن الناس من قال: إن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر ~~البلاد وإنها صارت بدعوته حرما (¬2) آمنا حين حرمها الله تعالى، كما صارت ~~(¬3) المدينة بتحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرما (¬4) بعد أن ~~كانت حلالا؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبد الله ورسوله. وإن إبراهيم حرم ~~مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابيتها: عضاها وصيدها، لا يحمل فيها السلاح ~~لقتال ولا يقطع فيها شجر إلا لعلف بعير (¬5) - انتهى- كلام القاضي. # وهذا الحديث أصله في "الصحيح". فقد روى مسلم: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما (¬6)، وإني حرمت المدينة ~~حراما ما بين مأزميها: أن لا يهراق فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا ~~يخبط فيها شجرة إلا لعلف" (¬7). # ورويناه بإسكان ms085 اللام من علف؛ لأنه مصدر، وأما بفتح اللام: فاسم للحشيش ~~والتبن والشعير ونحو ذلك. PageV01P211 # الحادي والخمسون: تغليظ الدية على من قتل في الحرم المكي: واختلفوا في ~~قدر التغليظ: فقال ابن المنذر: روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~قال: "من قتل في الحرم أو الأشهر الحرم عليه الدية وثلث الدية"، وبه قال ~~سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وسليمان بن يسار، وأحمد بن حنبل، ~~وغيرهم. # وقالت طائفة: التغليظ في أسنان الإبل لا الزيادة في العدد، وبه قال: ~~طاوس، والشافعي. # قلت: وهو قول عندنا، ولنا قول آخر: إن التغليظ بديتين. # أما حرم المدينة (50/ أ)؛ فالأصح عندنا وعند الشافعية: لا تغليظ فيه. # * الثاني والخمسون: ذهب الحسن البصري: إلى أنه لا يحل لأحد أن يحمل ~~السلاح بمكة؛ لأن القتل فيه منهي عنه، فلا يحل ما هو سببه، ولقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة" رواه مسلم (¬1). # قال القاضي عياض: وهو محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا ~~حاجة؛ فأما لضرورة أو حاجة: فإنه يجوز. قال: وهذا مذهب مالك، والشافعي، ~~وعطاء، وحجتهم: دخوله في عمرة القضاء بما شرطه من السلاح في القراب، ودخوله ~~عام الفتح متأهبا للقتال. # قال: وشذ عكرمة عن الجماعة؛ فقال: إذا احتاج إليه حمله؛ وعليه الفدية. # قال البخاري: ولم يتابع عليه في الفدية (¬2). PageV01P212 # قلت: أما كون حمل السلاح بمكة لا يجوز إلا لحاجة: فهو متفق عليه بين ~~الأربعة. نقل الأثرم: لا يتقلد- يعني السيف بمكة- إلا لخوف. # * الثالث والخمسون: كل هدي أو إطعام يتعلق بالحرم أو الإحرام فهو لمساكين ~~الحرم؛ إن قدر يوصله إليهم، ويجب نحر الهدي في الحرم وفاقا للأئمة الثلاثة، ~~ويجزيه جميعه وفاقا لأبي حنيفة والشافعي، قال أحمد: مكة ومنى واحد. وقال ~~مالك لا ينحر في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة. # والطعام كالهدي وفاقا للشافعي، وعند أبي حنيفة ومالك: يجوزان في الحل. ~~وقال عطاء والنخعي: الهدي بمكة، والطعام حيث شاء، وما وجب بفعل محظور فحيث ~~فعله خلافا ms086 لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر كعب ~~بن عجرة بالفدية بالحديبية (¬1)، وهي من الحل وعنه في الحرم. وقاله الخرقي ~~في غير الحلق واعتبر في "المجرد" و"الفصول" العذر في المحظور وغير المعذور ~~في الحرم كسائر الهدي، وأما جزاء الصيد: ففي الحرم للآية (¬2)، وحكيت ~~رواية: حيث قتله، وقيل: لعذر. # * الرابع والخمسون: لا دم على المتمتع والقارن إذا كانا من حاضري المسجد ~~الحرام للآية الكريمة (¬3). # * الخامس والخمسون: يجب قصده للحج والعمرة على المستطيع، ولا يجب ذلك في ~~موضع آخر بالاتفاق. # وبهذا احتج الشيخ عز الدين؛ لتفضيله له على المدينة (50/ ب)، قال: PageV01P213 # لأنه إذا كان لملك داران وأوجب على رعيته إتيان إحداهما دون الأخرى: دل ~~ذلك على أن اهتمامه بتلك أقوى، وأنها أرجح عنده من الأخرى. # * السادس والخمسون: الصحيح عند الشافعية: أنه لا يجوز إحرام المقيم ~~بالحرم بالحج إلا منه، ولو أحرم خارجه كان مسيئا. وعندنا يجوز من الحرم ~~والحل، نقله الأثرم، وابن منصور، ونصره القاضي، وأصحابه وفاقا لمالك، كما ~~لو خرج إلى الميقات الشرعي، وكالعمرة. ومنعوا وجوب إحرامه من الحرم ومكة، ~~وعنه: عليه دم، وعنه: إن أحرم من الحل، وجزم به الشيخ؛ لإحرامه دون ~~الميقات، قال: وإن مر في الحرم، يعني: قبل مضيه إلى عرفة: فلا دم؛ لإحرامه ~~قبل ميقاته - كمحرم قبل المواقيت وفاقا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وأبو ~~حنيفة: يعتبر مروره في الحرم ملبيا، ولم يعتبره صاحباه. # * السابع والخمسون: أنها دار إسلام أبدا لا يتصور فيها خلافه، كذا قاله ~~بعضهم. والمراد: بعد فتحها، وهو أحد التأويلين في قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح" (¬1)، أي: من مكة؛ لأنها دار إسلام لا يتصور ~~منها الهجرة. # وفي "صحيح مسلم" عن جابر قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ~~"إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش ~~بينهم" (¬2). # * الثامن والخمسون: المحافظة (¬3) على الموت بها. # فروى الدارقطني عن عائشة مرفوعا: "من مات في هذا الوجه من حاج PageV01P214 # أو معتمر لم يعرض ولم يحاسب ms087 وقيل له ادخل الجنة" (¬1). # وروى البيهقي عن أبي هريرة مرفوعا: "من خرج حاجا أو معتمرا أو غازيا ثم ~~مات في طريقه كتب الله له أجر الغازي والحاج والمعتمر إلى يوم القيامة" (¬2). # * التاسع والخمسون: اختلف السلف أيما أفضل البداءة بمكة أو في المدينة؟ # وفي المسألة قولان حكاهما ابن أبي شيبة في "مصنفه" والإمام أحمد في كتاب ~~"المناسك الكبير" له، فقال وقد سئل هل يبدأ بالمدينة قبل مكة. فذكر بإسناده ~~عن عبد الرحمن بن يزيد، وعطاء، ومجاهد (51/ أ) قالوا: إذا أردت مكة فلا ~~تبدأ بالمدينة وابدأ بمكة، فإذا قضيت حجك فامرر بالمدينة إن شئت. # وبإسناده عن إبراهيم النخعي، ومجاهد: إذا أردت مكة فاجعل كل شيء لها تبعا. # وبإسناده عن عدي بن ثابت: أن نفرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كانوا يبدءون بالمدينة إذا حجوا ويقولون هذا من حيث أحرم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وروى ابن أبي شيبة بسنده عن علقمة، والأسود، وعمرو بن ميمون: أنهم بدءوا ~~بالمدينة قبل مكة. PageV01P215 # قال في "المغني": قال أحمد: إذا حج الذي لم يحج قط من غير الشام لا يأخذ ~~على طريق المدينة؛ لأني أخاف أن يحدث به حدث، فينبغي أن يقصد مكة من أخص ~~الطرق ولا يتشاغل بغيره. # وفي "الفصول": نقل صالح، وأبو طالب: "إذا حج للفرض، لم يمر بالمدينة؛ ~~لأنه إن حدث به حدث الموت كان في سبيل الحج، وإن كان تطوعا: بدأ بالمدينة. # وقال أبو حنيفة: الأحسن أن يبدأ بمكة، حكاه أبو الليث السمرقندي. # وقال العبدري المالكي في "شرح الرسالة": المشي إلى المدينة لزيارة قبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس (¬1). # * الستون: انعقد الإجماع على أن أفضل البقاع مكة والمدينة. # ثم اختلفوا: أيهما أفضل؟ فقال القاضي عياض مستثنيا من محل الخلاف: # أفضل بقع (¬2) الأرض على الإطلاق: المكان الذي ضم جسد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقال ابن عقيل في "الفنون": # الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما وهو فيها؛ فلا والله؛ ولا العرش، ~~وحملته، ms088 والجنة؛ لأن بالحجرة جسدا لو وزن به لرجح. PageV01P216 # قال في "الفروع": فدل كلام الأصحاب أن الحجرة على الخلاف. # وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: لم أعلم أحدا فضل التربة على الكعبة غير ~~القاضي عياض، ولم يسبقه أحد ولا وافقه أحد. # ثم بعد ذلك اختلفوا في أيهما أفضل: # فذهب عمر وغيره من الصحابة إلى تفضيل المدينة، وهو قول مالك وأكثر ~~المدنيين، وهو (51/ ب) رواية عن أحمد، واختارها ابن حامد وغيره. # وذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأكثر العلماء إلى تفضيل مكة، ونصره ~~القاضي، وأصحابه، وبه قال ابن وهب، وابن حبيب، وأصبغ من المالكية، قال ~~العبدري: وهو مذهب أكثر الفقهاء. # قال ابن حزم: روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: جابر، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الله بن عدي، ~~بأسانيد في غاية الصحة: # فحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء: رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن ~~ماجه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهو واقف بالحزورة في سوق ~~مكة: "والله إنك لخير أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" (¬1). # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سوق الحزورة ~~بمكة: "والله إنك لخير أرض الله وأحب البلاد إلى الله تعالى، ولولا أني ~~أخرجت منك ما PageV01P217 # خرجت": رواه النسائي (¬1). # * ### ||| AUTO تنبيه # : # قال الدارقطني: أصحاب الحديث يقولون "الحزورة" بالتشديد، وقال اللغويون ~~هي: "الحزورة" بالتخفيف. # وقال أيضا: تخفيف الحزورة هو الصواب. وإن المحدثين يفتحون الزاي ويشددون ~~الواو، وهو تصحيف، نقله عنه صاحب "المطالع"، قال: وقد ضبطناه بالوجهين عن ~~ابن سراج. # وقال ابن الأثير في "النهاية" الحزورة: موضع بمكة عند باب الحناطين وهو ~~بوزن "قسورة". # * الحادي والستون: إنها أعظم بلاد الله تعالى حرمة على الإطلاق - كما ثبت ~~في "الصحيح" في حديث حجة الوداع لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا ألا بلدنا هذا" (¬2)، وهذا إجماع من ~~الصحابة رضي الله عنهم وأقرهم النبي - صلى الله ms089 عليه وسلم - عليه. # * الثاني والستون: إن من قصده بحج أو عمرة حطت خطاياه- كما ثبت في ~~"الصحيح": "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" (¬3). # * الثالث والستون: إن الله تعالى خصه (52/ أ) بأن ينزل عليه كل يوم عشرين ~~ومائة رحمة: ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون PageV01P218 # للناظرين- كما تقدم في "الباب الثالث عشر". # * الرابع والستون: إن الله تعالى خصها بالتقبيل والاستلام، وهما نوعان من ~~الاحترام خصا بالركن، ولم يوجد ذلك في غيرها. # * الخامس والستون: إن الله تعالى خصها بالطواف. # * السادس والستون: أن الله تعالى بوأها لإبراهيم، وابنه إسماعيل، ومولدا ~~لسيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # * السابع والستون: إن الصلاة وإن كانت منهيا عنها في المقابر- كما جاء في ~~الحديث، ونص عليها الفقهاء، لكن يستثنى من ذلك مقابر الأنبياء صلوات الله ~~عليهم وسلامه بمكة وإن لم يصرح به الفقهاء. # وقد ذكر البيهقي في كتابه "مناقب الإمام أحمد": أن أحمد روى عن يحيى بن ~~سليم الطائي بسنده إلى عبد الله بن ضمرة السلولي قال: ما بين المقام إلى ~~الركن إلى بئر زمزم إلى الحجر قبر سبعة وسبعين نبيا جاءوا حاجين، فماتوا، ~~فقبروا هنالك. # قال الإمام أحمد: لم أسمع من يحيى بن سليم غير هذا الحديث الواحد. # وقد اشتهر؛ أن قبر إسماعيل وأمه في الحجر، ومع ذلك؛ فلم يقل أحد بكراهة ~~الصلاة فيه. # * الثامن والستون: أنها ملجأ الأنبياء من لدن آدم عليه السلام كما قال ~~أبو الوفاء ابن عقيل فيما وقع له في "تأويلات الحج": السلام على قبور ~~الأنبياء كآدم ومن دونه، فقد روي أنه ما من نبي خرج بعد عذاب قومه إلا إلى ~~مكة ودفن بها وأن بها مئين ألوفا من الأنبياء. PageV01P219 # * التاسع والستون: روي عن بعض السلف أن الملك إذا نزل إلى الأرض في بعض ~~أمور الله تعالى فأول ما يأمره الله تعالى به زيارة البيت فينقض من تحت ~~العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر ثم يطوف بالبيت سبعا ويركع ركعتين ثم ~~يعد لحاجته بعد. # وروى الأزرقي بسنده إلى وهب ms090 بن منبه قال: قرأت في كتاب من الكتب الأولى ~~ذكر فيه الكعبة، فوجد فيه: أنه ليس من ملك بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا ~~أمره بزيارة البيت، فينقض من تحت العرش (52/ ب) محرما ملبيا حتى يستلم ~~الحجر ثم يطوف بالبيت سبعا ويركع في جوفه ركعتين ثم يصعد إليه (¬1). # * السبعون: إن الله تعالى شرع لعباده كشف الرؤوس والأجساد عن اللباس ~~المعتاد إذا قصدوا المجيء إليه من سائر الممالك سواء في ذلك المملوك ~~والمالك. # * الحادي والسبعون: إنه البيت المعمور الذي أقسم الله تعالى به، حكي ذلك: ~~عن ابن عباس، والحسن، هو معمور بمن يطوف به. # * الثاني والسبعون: كونه بواد غير ذي زرع والأرزاق تجلب إليه من كل قطر ~~قريب وبعيد. # * والثالث والسبعون: ذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن القاسم العتقي- بضم ~~العين وفتح التاء- المالكي، وكان قد جمع بين الزهد والعلم، وتفقه بمالك ~~ونظائره، وصحب مالكا عشرين سنة، ومات بمصر سنة إحدى وتسعين ومائة. PageV01P220 # قال: سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم. # وقال ابن عطية في "تفسيره": وهذا لأن الله تعالى جعله ربوة أو في حكمها؛ ~~ليكون أصون له. # وهذه الفائدة؛ ذكرها غير واحد، وقد تقدم مثله عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه في "الباب الثلاثين"- كما نقله الأزرقي؛ لكنه ذكر بعد ذلك بيسير أن كل ~~واد في الحرم، فهو يسيل في الحل، ولا يسيل واد من الحل في الحرم إلا من ~~موضع واحد عند التنعيم عند بيوت نفار، فإن صح هذا الثاني؛ فهو مستثنى من ~~الكلام الأول. # * الرابع والسبعون: ذكر مكي وغيره: أن الطير لا تعلوه وإن علاه طائر ~~فإنما ذلك لمرض به يستشفي بالبيت. # قال ابن عطية: وهذا عندي ضعيف، والطير تعاين تعلوه، وقد علته العقاب التي ~~أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته- انتهى. # وما ذكره ابن عطية لا ينافي ما قاله مكي؛ فالعقاب إنما أخذت الحية ليتمكن ~~من بنائه. وأما الطير التي تعلوه فلا مانع من أنها يستشفى (¬1) بذلك لشيء بها. # * الخامس والسبعون: ما ms091 ذكره كثير من الناس؛ من أنه إذا عم المطر من ~~جوانبه (53/ أ) الأربع في العام الواحد أخصبت آفاق الأرض، وإن لم يصب جانبا ~~منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام. PageV01P221 # * السادس والسبعون: حبس الفيل ورمى الطير أصحابه بحجارة من سجيل. # * السابع والسبعون: ذكر ابن هشام في "السيرة": أن الماء لم يصل إلى البيت ~~المعظم حين الطوفان، ولكنه قام حولها وبقيت هي في هواء السماء، وأن نوحا ~~قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت: إنكم في حرم الله، وحول بيته، فأحرموا ~~لله، ولا يمس أحد امرأة فاجعل بينهم (¬1) وبين النساء حاجزا فتعدى حام، ~~فدعا نوح عليه السلام أن يسود الله لون بنيه، وقيل في سبب دعاء نوح على ~~ولده خلاف ذلك. # * الثامن والسبعون: أن أهل الملل كلها متفقة على تعظيمه؛ بدليل حجه في ~~الجاهلية. # * التاسع والسبعون: أن الأمم لم تزل تقصده للدعاء عنده مؤمنهم وكافرهم؛ ~~بدليل ما ورد عن قوم عاد وغيرهم. # * الثمانون: أن الله تعالى أقسم به في كتابه في موضعين: # فقال تعالى: {وهذا البلد الأمين} (¬2). # وقال تعالى: {لا أقسم بهذا البلد} (¬3). # و"لا" في هذا المكان عند النحويين. صلة. # * الحادي والثمانون: إن الله تعالى أضافه لنفسه في قوله تعالى: {وطهر ~~بيتي للطائفين} (¬4)، وناهيك بها من إضافة رافعة لقدره مشرفة لعظيم PageV01P222 # محله، معظمة لجليل ذكره. # * الثاني والثمانون: إن الله تعالى هو الذي بناه لا ببناء أحد من الناس، ~~وهو أحد الأقوال التي تقدمت في أوائل الكتاب، وناهيك بها من فضيلة ما أجلها. # * الثالث والثمانون: إن الله تعالى عطف القدوب والأفئدة إليه دون غيره من ~~البلاد، فهو أعظم جذبا للقلوب من جذب المغناطيس للحديد، ولهذا؛ أخبر سبحانه ~~أنه {مثابة للناس} (¬1)، أي: يثوبون إليه، أي: يعني يرجعون إليه على تعاقب ~~الدهور وممر الأيام والشهور من جميع الأقطار يجوبون البراري والقفار ولا ~~يقضون منه الأوطار، بل كلما قربوا منه: ازدادوا شوقا إليه، والسر في هذا ~~التوقان: دعاء الخليل عليه السلام (53/ ب) في قوله: {فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم} (¬2). # * الرابع والثمانون: ما يروى ms092 أن الله تعالى يلحظ الكعبة في كل عام لحظة ~~في ليلة نصف شعبان، فأصبح هذا سبب التوق وكثرة الحنين والشوق. # * الخامس والثمانون: روي في حديث "وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ~~ألف، فإن نقصوا: أكملهم (¬3) الله تعالى من الملائكة" (¬4). # * السادس والثمانون: روي أن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة. ومن حجها: ~~تعلق بأستارها حتى تدخله الجنة. PageV01P223 # * السابع والثمانون: إنها منذ خلقت ما خلت عن طائف يطوف بها من جن أو إنس ~~أو ملك. # وعن بعض السلف: أنه خرج في يوم شديد الحر فرأى حية تطوف وحدها. # * الثامن والثمانون: إن أهلها يقال لهم: "جيران الله" كما تقدم في "الباب ~~التاسع والعشرون". # * التاسع والثمانون: إن أهلها يقال لهم: "أهل الله" - كما تقدم في الباب ~~المذكور. # * التسعون: من أمن أهل الحرم: استوجب بذلك أمان الله تعالى، وقد تقدم. # * الحادي والتسعون: من أخاف أهل الحرم: فقد أخفر الله في ذمته، وقد تقدم. # * الثاني والتسعون: أن بطن مكة حوزة الله تعالى التي اختارها لنفسه، وقد تقدم. # * الثالث والتسعون: فضل مقبرتها. # أخرج البزار عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمقبرة ~~مكة: "نعم المقبرة هذه" (¬1). # وعن ابن مسعود قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ثنية ~~المقبرة، وليس بها يومئذ مقبرة فقال: "يبعث الله عز وجل من هذه البقعة أو ~~من هذا الحرم سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في ~~سبعين PageV01P224 # ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قال أبو بكر: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ~~هم الغرباء" (¬1). # * الرابع والتسعون: تخصيصها بالحجر الأسود الذي هو يمين الله تعالى في ~~الأرض، وقد تقدم أنه ياقوتة من يواقيت الجنة. # * الخامس والتسعون: تخصيصها بمقام إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو ~~ياقوتة من يواقيت الجنة أيضا. # * السادس والتسعون: تخصيصها بماء زمزم؛ الذي هو هزمة جبريل عليه السلام ~~(54/ أ) وهمزته، وهو طعام طعم، وشفاء سقم. # * السابع والتسعون: تخصيصها بالصفا والمروة اللذين هما من شعائر الله. # * الثامن والتسعون: تخصيصها بالمشاعر العظام والمواقف الكرام: كمنى ~~وعرفات ms093 وما تقدم ذكره في منى من (¬2) الآيات. # * التاسع والتسعون: من رأى الكعبة في المنام فهي رؤيا حق؛ لما روى أبو ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من رآني في ~~المنام فقد رآني حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي ولا بالكعبة": رواه الطبراني ~~في "معجمه"، وقال: هذه اللفظة "ولا الكعبة": لا تحفظ إلا في هذا الحديث (¬3). # * تمام المائة: لو نذر الصلاة في المسجد الحرام أو الاعتكاف: لا يجزيه في ~~غيره من المساجد لما تقدم من أنه أفضل المساجد على الإطلاق - PageV01P225 # كما هو عندنا وعند الشافعي وأبي حنيفة. # * الأول بعد المائة: لو نذر إتيان المسجد الحرام: لزمه إتيانه بحج أو ~~عمرة؛ لحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (¬1)، وأصح الطريقين عند ~~الشافعية كذلك، ونص عليه الشافعي لحديث أخت عقبة. # * الثاني بعد المائة: لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام: لزمه المشي في ~~حج أو عمرة، فإن تركه وركب لعذر أو غيره: فكفارة يمين؛ لأن المشي غير ~~مقصود، ولم يعتبره الشرع في موضع، وعنه دم. وفي "المغني": قياس المذهب، ~~يستأنفه ماشيا؛ لتركه صفة للمنذور. # * الثالث بعد المائة: لو نذر إتيان مكة من الحرم ماشيا: لزمه المشي في حج ~~أو عمرة أيضا. # * الرابع بعد المائة: لو نذر إتيان مكان من الحرم ماشيا: لزمه المشي في ~~حج أو عمرة. # * الخامس بعد المائة: لو نذر إتيان بيت الله ولم يقل الحرام، فوجهان عند ~~الشافعية: أصحهما ونقله البندنيجي عن نصه في "الأم" أنه لا ينعقد نذره إلا ~~أن ينوي البيت الحرام؛ لأن جميع المساجد: بيوت الله تعالى. # وعن المزني: لزومه؛ لأن إطلاق البيت ينصرف إليه دون غيره، وهذا مذهبنا. # قال في "المحرر": ومن نذر المشي إلى بيت الله أو بقعة من الحرم: لزمه ~~(54/ ب) أن يمشي في حج أو عمرة. # * السادس بعد المائة: لو حلف بالطلاق الثلاث، لا بد أن يعبد الله PageV01P226 # تعالى عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها، فما يفعل من ~~العبادات؟ ! # قلت: هذه فتوى جاءت من ms094 العجم إلى بغداد فعرضت على العلماء العراقيين، فلم ~~يتضح لها لأحد جواب، فجاءت إلى شيخ الطريقة وإمام الحقيقة قطب الزمان وعين ~~الأعيان صاحب الخاطر العاطر: الشيخ عبد القادر، فكتب عليها على الفور: ~~"يأتي مكة، ويخلى له المطاف، ويطوف أسبوعا وحده، وتنحل يمينه، فما بات ~~المستفتي ببغداد"! ! # * السابع بعد المائة: الطواف بالكعبة أفضل من الصلاة، بدليل الحديث الذي ~~تقدم في ذكر الرحمة التي تنزل على البيت وأن منها ستين للطائفين وأربعين ~~للمصلين، وليس في الدنيا بنية الطواف بها أفضل من الصلاة غيرها. # نقل حنبل: لمن قدم مكة أن يطوف؛ لأنه صلاة، والطواف أفضل من الصلاة، ~~والصلاة بعد ذلك. # وعن عطاء وابن عباس: الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة. وذكره ~~القرافي المالكي وغيره اتفاقا. # وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره: أن الطواف أفضل من الصلاة فيه. وقاله الشيخ ~~تقي الدين ابن تيمية، وذكره عن جمهور العلماء. # * الثامن بعد المائة: كره جماعة من السلف اتخاذ السجن بمكة. # حكى ذلك ابن أبي شيبة في "مصنفه" لإسناده عن طاوس: قال: لا ينبغي لبيت ~~عذاب أن يكون في بيت رحمة. # والجمهور على خلافه فقد اشترى عمر دارا للسجن بمكة. # * التاسع بعد المائة: إن من حجه أو اعتمره لا يزال يزداد هيبة وتعظيما PageV01P227 # وبرا، كما أمرنا بالدعاء له في قولنا: "وزد من عظمه ممن حجه أو اعتمره ~~تشريفا وتعظيما وبرا" (¬1). # * العاشر بعد المائة: ائتلاف الظباء والسباع (55/ أ) في الحرم، ذكره ~~المحب الطبري. # * الحادي عشر بعد المائة: إن الحرم حرم حذاه من السموات السبع، ذكره ~~مجاهد. وعن قتادة: أنه حرم حياله إلى العرش. # * الثاني عشر بعد المائة: أن الحرم حرم حياله من الأرضين السبع، قاله مجاهد. # * الثالث عشر بعد المائة: إنها محفوفة بسبعة أملاك، قاله مجاهد. # * الرابع عشر بعد المائة: إن الله تعالى جعل رزقها من ثلاثة سبل، فليس ~~يؤتى أهل مكة إلا من ثلاثة طرق: أعلى الوادي وأسفله وكداء (¬2). # * الخامس عشر بعد المائة: أن الله تعالى بارك لأهلها في اللحم والماء، ~~وفي رواية: في الماء واللبن، ذكر هذه ms095 الخمسة: الأزرقي. # * السادس عشر بعد المائة: إن بناءها الموجود الآن لم يتوهن، وهو لا يقتضي ~~أن يبقى هذه المدة على ما ذكره بعض المهندسين، وإنما بقاؤه آية من آيات ~~الله تعالى. # * السابع عشر بعد المائة: إنه لا يرى البيت الحرام أحد ممن لم يكن يراه PageV01P228 # إلا ضحك أو بكى، قاله الجاحظ. # قلت أو حصلت له نشأة لم تكن حصلت له قبل ذلك ولا تحصل بعده. # * الثامن عشر بعد المائة: الجارح يتبع الصيد، فإذا دخل الحرم تركه، ذكر ~~ذلك ابن الحاج عن بعض المفسرين. # * التاسع عشر بعد المائة: لو اقتصر أهل مكة على اللحم والماء كفاهم، وأما ~~غيرهم فلا، كما ذكره البخاري في كتاب "الأنبياء" لما دعا إبراهيم عليه ~~السلام فقال: "اللهم بارك لهم في اللحم والماء"، قال: فهما لا يخلو عليهما ~~أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. # * العشرون بعد المائة: ما رواه الأزرقي في "تاريخه": أن طيرا طاف على ~~منكب بعض الحجاج أسابيع والناس ينظرون إليه وهو مستأنس بهم ثم طاف وخرج من ~~المسجد الحرام، وذلك في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وعشرين ~~ومائتين. # * الحادي والعشرون بعد المائة: قال ابن الصلاح من الشافعية: "لا يجوز أخذ ~~شيء من مساويك الحرم. # قلت: وهو ظاهر كلام أصحابنا إن نبت بنفسه لأنهم لم يستثنوا إلا الإذخر ~~والكمأة والثمرة وما أنبته الآدمي (55/ ب)، اللهم إلا أن يكون يابسا فهو ~~مستثنى عندنا أيضا، وكذا لو قطع أو قلع بغير فعل آدمي. أما إن قطعه آدمي ~~غيره فعلى الخلاف المتقدم في "الثالث والأربعين". وذكر ابن الحاج من ~~المالكية: لا بأس بأخذ السواك من الحرم. # * الثاني والعشرون بعد المائة: أن المرء إذا خرج يريد الطواف بالبيت، ~~أقبل يخوض الرحمة، فإذا دخله غمرته، ثم لا يرفع قدما ولا يضع قدما إلا كتب ~~الله تعالى له بكل قدم خمسمائة حسنة وحط عنه خمسمائة سيئة أو قال PageV01P229 # خطيئة ورفعت له خمسمائة درجة، فإذا فرغ من طوافه فصلى ركعتين دبر المقام ~~خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكتب له ms096 أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل ~~واستقبله ملك الركن فقال له: "استأنف العمل فيما بقي فقد كفيت ما مضى وشفع ~~في سبعين من أهل بيته": رواه الأزرقي بسنده مرفوعا إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (¬1). # * الثالث والعشرون بعد المائة: ذكر الأزرقي عن عمرو بن يسار المكي: أن ~~البعير إذا حج بورك في أربعين من أمهاته. وإذا حج عليه سبع مرار كان حقا ~~على الله تعالى أن يرعى في رياض الجنة (¬2). # * الرابع والعشرون بعد المائة: "أن النظر إلى الكعبة محض الإيمان" نقله ~~الأزرقي عن ابن عباس. # * الخامس والعشرون بعد المائة: ذكر الأزرقي عن ابن المسيب أن من نظر إلى ~~الكعبة إيمانا وتصديقا: خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه. # * السادس والعشرون بعد المائة: لا يدخلها الدجال، كما ثبت في "الصحيحين" ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3)، وهذا وإن كان ما هو من خصائصها على ~~العموم، فإنه لم يشاركها فيه إلا مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~ما في "الصحيحين" (¬4)، وكذلك القدس كما يأتي التنبيه عليه في موضعه إن شاء ~~الله (56/ أ) تعالى، فهو من الخصائص بالنسبة إلى المدينة أو إليها وإلى بيت ~~المقدس. # * السابع والعشرون بعد المائة: احتكار الطعام بمكة إلحاد، كما روى PageV01P230 # أبو القاسم (¬1) الطبراني في "معجمه الأوسط" من حديث ابن عمر أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "احتكار الطعام بمكة إلحاد" (¬2). # * الثامن والعشرون بعد المائة: ورد النهي عن سكنى مكة لسافك دم أو مشاء ~~بنميم، كما روى أبو القاسم الأصفهاني في كتاب "الترغيب" بسنده إلى جابر ~~قال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يسكن مكة سافك دم ولا مشاء ~~بنميم" (¬3). # قوله: "لا يسكن": هو بجزم النون على النهي، ولو روى بضمها على الخبر: ~~لكان خبرا بخلاف مخبره، ولا يجوز ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # * التاسع والعشرون بعد المائة: إن مفتاح الكعبة إذا وضع في فم الصغير ~~الذي ثقل لسانه عن الكلام تكلم سريعا ms097 بقدرة الله تعالى. ذكره الفاكهي، وذكر ~~أن المكيين يفعلونه. قال بعضهم وكذلك يفعلونه الآن. # * الثلاثون بعد المائة: أن من مات في مكة فكأنما مات في السماء الدنيا. # * الحادي والثلاثون بعد المائة: عند الركن اليماني باب من أبواب الجنة، ~~ذكرهما الحسن في "رسالته" (¬4). # * الثاني والثلاثون بعد المائة: ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة ~~من رياض الجنة. PageV01P231 # * الثالث والثلاثون بعد المائة: من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت ~~عنه جهنم مسيرة مائة عام، ذكرهما الحسن في "رسالته" عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬1). # * الرابع والثلاثون بعد المائة: قواعد البيت في الأرض السابعة السفلى، ~~كما تقدم عن مجاهد في "الباب الأول". # والحمد لله على التيسير. # * * * PageV01P232 ### | CHECK الكتاب الثاني في المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وما يتعلق به # * الكتاب الثاني * في المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وما ~~يتعلق به (¬1) وفيه ثمانية عشر بابا ### || AUTO الباب الأول في ذكر بنائه # (56/ ب): # * قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة يوم الاثنين لاثنتى عشرة ~~ليلة مضت من ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لهلال ربيع الأول. # قال ابن الجوزي: والأول أصح، وجزم به ابن النجار، وزاد: حين اشتد الصبح. ~~وكذا جزم به النووي في زوائده من كتاب السير من "الروضة". # وقيل: قدمها لثمان خلون من ربيع الأول. # وفي "الإكليل" عن الحاكم: تواترت الأخبار بذلك. # وقيل: لثمان عشرة، وقيل: بضع عشرة ليلة. وعند البيهقي: لاثنتين وعشرين ~~ليلة. وعند ابن حزم: "خرجنا من مكة وقد بقي من صفر ثلاث ليال" وقال البرقي: ~~قدمها ليلا، وقيل: قدم لثلاث عشرة ليلة مضت منه. ولما ورخوا من الهجرة ردوا ~~التاريخ إلى المحرم؛ لأنه أول السنة. # * ولما دخل - صلى الله عليه وسلم - المدينة مكث بقبا ثلاث ليال ثم ركب ~~يوم الجمعة فمر على بني سالم فجمع بهم فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، ثم ~~ركب من بني PageV01P233 # سالم فجعل كلما مر على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم ~~يقولون: يا رسول الله هلم إلى ms098 القوة والمنعة، فيقول: خلوا سبيلها، يعني: ~~الناقة؛ فإنها مأمورة، وقد أرخى زمامها وما يحركها وهي تنظر يمينا وشمالا ~~حتى إذا أتت إلى باب مسجده، وهو يومئذ مربد للتمر لسهيل وسهل ابني رافع ~~وعمرو بن مالك بن عباد ابن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، يتيمين في حجر ~~أسعد بن زرارة، وقيل: في حجر معاذ بن عفراء، وقيل: لأبي أيوب. ثم ثارت وهو ~~عليها حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت منه وبركت في مبركها ~~الأول وألقت جرانها بالأرض وأرزمت. # والجران: باطن العنق، وأرزمت الناقة: صوتت من غير أن تفتح فاها. # فنزل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "هذا المنزل إن شاء ~~الله تعالى"، واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (57/ أ) المرء مع رحله، فمضت مثلا. # * وذكر ابن إسحاق فى "المبتدأ" أن هذا البيت الذي لأبي أيوب بناه تبع ~~الأول، واسمه: تبان أسعد لما مر بالمدينة، وترك فيها أربعمائة عالم، وكتب ~~كتابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ودفعه إلى كبيرهم وسأله أن يدفعه للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبى أيوب وهو من ~~ولد ذلك العالم، قال وأهل المدينة الذين نصروه من ولد أولئك العلماء، فعلى ~~هذا: إنما نزل في منزل نفسه لا في منزل غيره. # * وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ملأ بني النجار بسبب موضع ~~المسجد، فقال: "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا"، فقالوا: لا والله لا ~~نطلب ثمنه إلا إلى الله. وحديث إرساله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني ~~النجار في "الصحيح" (¬1)، PageV01P234 # وظاهره: أنهم لم يأخذوا ثمنه. وذكر محمد بن سعد في "التاريخ الكبير"، عن ~~الواقدي، عن معمر، عن الزهري: أنه - صلى الله عليه وسلم - اشتراه من بني ~~عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهذا من ~~مراسيل الزهري، ومراسيله إذا صحت عنه: فهي من أضعف المراسيل، فكيف إذا ~~انفرد بها الواقدي! ! # فإن صح هذا؛ ms099 فهو دليل: على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم. # وروي عن الحسن أنهما وهباه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقبله. # ونقل ابن عقبة: أن أسعد عوضهما عن مربدهما نخلا له في بني بياضة. # وذكر بعضهم: أن أسعد مات قبل أن يبنى المسجد، فابتاعه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من وليهما. # وعن أبي معشر: اشتراه أبو أيوب منهما، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فبناه مسجدا، فكان فيه خرب ونخل وقبور المشركين، فأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل ~~قبلة له، وجعلوا عضادتيه (¬1) حجارة. # وعمل فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه الشريفة ترغيبا لهم (¬2)، ~~(57/ ب) حتى نقل بعضهم عن زيد قال "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومعه حجر، فلقيه أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله أعطنيه، فقال اذهب ~~فاحتمل غيره فلست بأفقر إلى الله تعالى مني". PageV01P235 # وبناه - صلى الله عليه وسلم - مربعا، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل ~~طوله: سبعين ذراعا في ستين أو يزيد، وذكر بعضهم أن ذرعه كان من القبلة إلى ~~حده الشامي: أربعة وخمسين ذراعا وثلثي ذراع، ومن المشرق إلى المغرب: ثلاث ~~وستون ذراعا، فيكون ذلك مكسرا: ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وأربعين ذراعا، ~~وهذا محمول على بنائه في المرة الأولى. فإنه - صلى الله عليه وسلم - بناه ~~مرتين - كما قال المحب بن النجار في كتابه: "الدرة الثمينة في أخبار ~~المدينة": # المرة الأولى: حين قدم أقل من مائة في مائة، فلما فتحت خيبر بناه وزاد ~~عليه في الدور مثله، وكان قد جعل له ثلاثة أبواب: بابا في مؤخره، وباب ~~عاتكة وهو باب الرحمة، والباب الذي كان يدخل منه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو باب عثمان. # ولما صرفت القبلة إلى الكعبة وكان قد أقام ستة عشر أو سبعة عشر شهرا: سد ~~الباب الذي كان خلفه وفتح بابا حذاءه، فكان المسجد له ثلاثة أبواب: باب ~~خلفه، وباب عن يمين المصلي، وباب عن يساره. وأقام رهطا على زوايا المسجد ~~ليعدل ms100 القبلة حين حولت، فأتاه جبريل عليه السلام وكشف له عن الكعبة، وقال: ~~يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر، فوضع وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون ~~نظره شيء فلما فرغ قال جبريل عليه السلام: هكذا، فأعاد الجبال والشجر ~~والأشياء على حالها: فصارت قبلته إلى الميزاب. # وذكر بعضهم: أنه بني أولا بالسميط لبنة على لبنة، ثم بالسعيدة لبنة ونصف، ~~ثم بالذكر والأنثى وهي لبنتان مختلفتان، فجعلوا (58/ أ) خشبه وسواريه ~~جذوعا، وظللوه بالجريد، ثم بالخصف، فلما وكف عديهم: طينوه بالطين. وتوفي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسجد كذلك، ولم يزد أبو بكر رضي الله ~~عنه في المسجد شيئا لاشتغاله بالفتح ثانيا، فلما ولى عمر قال أني أزيد في PageV01P236 # المسجد ولولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ينبغي أن ~~يزاد في المسجد" ما زدت فيه شيئا (¬1). # وروى الإمام أحمد: أن عمر زاد في المسجد من الاسطوانة إلى المقصورة. وزاد ~~عثمان، فقال عمر: لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~"ينبغي أن نزيد في مسجدنا" ما زدت فيه (¬2). # * وذكر ابن النجار وغيره: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوما وهو ~~في مصلاه في المسجد "لو زدنا في مسجدنا"، وأشار بيده الكريمة نحو القبلة ~~(¬3). فلما ولي عمر وأراد الزيادة أجلسوا رجلا في المصلى ثم رفعوا يده ~~وخفضوها، ثم جيء بمقاط، فوضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدوه، فلم يزالوا يقدمونه ~~ويؤخرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه بما أشار به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فكان موضع جدار عمر رضي الله تعالى عنه في القبلة. وجعل عمر طول المسجد: ~~أربعين ومائة ذراع (¬4)، وعرضه: عشرون ومائة ذراع، وبدل أساطينه بأخر من ~~جذوع النخل- كما كانت على عهده عليه الصلاة والسلام وسقفه بجريد وجعل له ~~ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة، وبابين عن يسارها، وبابين خلفها. ثم قال ~~لما فرغ من زيادته: لو انتهى بناؤه إلى الجبانة لكان الكل مسجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقال أبو هريرة: سمعت رسول ms101 الله - صلى الله عليه وسلم - يقول "لو زيد فى ~~هذا المسجد ما زيد لكان الكل مسجدي". PageV01P237 # وفي رواية: "لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي، فلو مد إلى باب داري ~~ما عددت الصلاة فيه" (¬1). # وعن ابن أبي ذئب (¬2): أن عمر بن الخطاب قال: لو مد مسجد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى ذي (58/ ب) الحليفة لكان منه. # وقال عمر ابن أبي بكر (¬3) الموصلي: بلغني عن ثقات: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "ما زيد في مسجدي فهو منه ولو بلغ ما بلغ" (¬4). # وفي "الصحيح" عن ابن عمر: أن المسجد كان على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو ~~بكر رضي الله عنه شيئا، وزاد فيه عمر رضي الله عنه، وبناه على بنائه في عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا، ثم غيره ~~عثمان وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده ~~من حجارة منقوشة وسقفه بالساج (¬5) - انتهى. # "القصة" بفتح القاف والصاد المهملة: الجص. # و"الساج": بالسين المهملة والجيم: خشب أسود رزين يجلب من الهند ولا تكاد ~~الأرض تبليه. # * قال أهل السير: جعل عثمان رضي الله عنه طول المسجد: مائة وستين ذراعا، ~~وعرضه: مائة وخمسين، ولم يغير أبوابه عن ستة. PageV01P238 # وكان بناؤه على المشهور: سنة ثلاثين، وقيل: في آخر سنة من خلافته. قال ~~ابن حجر: ويمكن الجمع بأن الأول: كان تاريخ ابتدائه، والثاني: تاريخ ~~انتهائه. # * وذكر ابن النجار: أن عمله في أول شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين، وفرغ ~~منه لهلال المحرم سنة ثلاثين، وقيل: ليلة الجمعة لليلة بقيت من ذي الحجة، ~~وقيل: يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. # ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك؛ فجعل طوله: مائتي ذراع، وعرضه في مقدمه: ~~مائتين، وفي مؤخره: مائة وثمانين، وكانت زيادته على يد: عمر ابن عبد ~~العزيز، وكان عامله على المدينة ومكة، وكان استعماله عليها سنة سبع ms102 ~~وثمانين، وبعث إلى عمر بمال، وقال له: "زد في المسجد ومن باعك فأعطه ثمنه، ~~ومن أبى فاهدم عليه وأعطه المال، فإن أبي أن يأخذه فاصرفه إلى الفقراء. # * وأرسل إلى ملك الروم أيضا فقال إنا نريد أن نعمر مسجد (59/ أ) نبينا ~~الأعظم فأعنا بعمال وفسيفساء، فبعث إليه ثمانين عاملا من الروم وأربعين من ~~القبط وثمانين ألف مثقال وأحمالا من الفسيفساء وأحمالا من سلاسل القناديل. # واشترى عمر بن العزيز الدور، وأدخلها مع حجرات النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأدخل القبر الشريف فيه، وبناه بالحجارة المنقوشة المطابقة، وقصه ~~بطن نخل، وعمله بالفسيفساء والمرمر، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، واعتنى ~~بتحسينه حتى كان العامل إذا عمل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسن عمله ~~نفله ثلاثين درهما. PageV01P239 # ولما فرغ؛ أرسل إلى أبان بن عثمان فحمل في كساء خز، فقال له عمر: أين هذا ~~من بنيانكم؟ فقال: بنيناه بناء المساجد، وبنيتموه بناء الكنائس. ويقال: إن ~~السائل له هو الوليد نفسه. # * ونقل السهيلي: أن الحجر والبيوت خلطت بالمسجد في زمن عبد الملك ابن ~~مروان، ورجح في "تحقيق النصرة": الأول. # وقد قال عطاء الخراساني: أدركت حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من جريد النخل، على أبوابها المسوح من شعر أسود، كل مسح ثلاثة أذرع في ~~ذراع. وكان باب عائشة مواجه، الشام وكان بمصراع واحد من عرعر أو ساج. # قال عطاء: وحضرت كتاب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمر فيه بإدخال حجر ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجده، فما رأيت باكيا أكثر من (¬1) ~~ذلك اليوم. # وسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: والله لوددت لو تركوها على حالها؛ ينشأ ~~ناس من المدينة ويقدم القادم من الأفق: فيرى ما اكتفى به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في حياته فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والفخر. # * قال أهل العلم: فبينا العمال من الروم يعملون يوما وقد خلا المسجد لهم، ~~فقال أحدهم لأصحابه: لأبولن على قبر نبيهم، فنهوه؛ فأبى، وتهيأ لذلك، فألقي ~~على رأسه فانتثر دماغه، فأسلم بعض ms103 أولئك العمال (59/ ب) لذلك. # * وأول من أحدث الشرافات والمحراب: عمر بن عبد العزيز، ويقال: عملها عبد ~~الواحد البصري وكان واليا، وجعل للمسجد أربع منارات في كل ركن واحدة. PageV01P240 # * وكان هدمه للمسجد: سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وفرغ منه ~~سنة إحدى وتسعين. # قال في "تحقيق النصرة": وهو أشبه. وفيها حج الوليد، وقيل: هدمه سنة ثلاث ~~وتسعين، ويضعفه: أنها سنة عزل عمر عن المدينة. # * قال ابن النجار: وطول المسجد في السماء: خمس وعشرون ذراعا، # ثم زاد فيه المهدي: مائة ذراع من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث. # * * * PageV01P241 ### || AUTO الباب الثاني في فضله # : # في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي، والمسجد الحرام، ~~والمسجد الأقصى" (¬1). # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "إني آخر الأنبياء، وإن ~~مسجدي آخر المساجد" (¬2). # وفي رواية عن عائشة: "أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، ~~أحق المساجد أن يزار ويركب إليه الرواحل" (¬3). # وفي صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجد الذي أسس على ~~التقوى؟ فأخذ كفا من الحصى فضرب به الأرض، ثم قال: "هو مسجدكم هذا" (¬4)؛ ~~لمسجد المدينة. # وقال في "تحقيق النصرة": وينبغي أن نورد ما رويناه من حديث أحمد أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صلى في مسجدي أربعين صلاة كتب الله ~~له براءة PageV01P242 # من النار وبراءة من العذاب وبراءة من النفاق" (¬1). # وذكر ابن الجوزي وابن النجار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ~~خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه: كان بمنزلة حجة" (¬2). # وذكر ابن النجار أيضا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (60/ أ) قال: "من ~~دخل مسجدي هذا يتعلم فيه خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ~~ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان ms104 كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره" (¬3). # وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد ~~في سبيل الله. ومن دخله لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له" (¬4). # وفي رواية له أيضا "ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة رجل ينظر إلى متاع ~~غيره" (4). # وروى ابن ماجه، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة ~~المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع ~~غيره" (¬5). # * * * PageV01P243 ### || AUTO الباب الثالث في فضل الصلاة فيه # : # * قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصلاة في مسجدي هذا ~~خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (¬1). # وذكر في "المستوعب" وغيره: أن الصلاة فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- بخمسين ألفا. وقد رواه ابن ماجه من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، إلا أن في إسناده أبا الخطاب وهو لا يعرف، قال بعضهم: ولا يصح! ! ~~مع أن فيه إنها في المسجد الأقصى بخمسين ألفا (¬2). # * وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: الصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف ~~وبمسجد المدينة بألف، وإن الصواب: في الأقصى بخمسمائة (¬3). وما قاله (¬4) ~~الشيخ تقي الدين. هو حديثا رواه البزار والطبراني، من حديث أبي الدرداء - ~~كما يأتي في الأقصى إن شاء الله. # لكن هذه المضاعفة؛ هل تختص بما كان فى زمن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~من مسجده، أم حكم الزيادة حكم الأصل؟ PageV01P244 # * قال ابن عقيل: الأحكام المتعلقة بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما كان في زمانه لا ما زيد فيه لقوله عليه السلام: (60/ ب) في مسجدي هذا، ~~وكذا قال الشيخ محي الدين النووي. # وقال ابن مفلح في "آدابه": وهذه المضاعفة تختص بالمسجد على ظاهر الخبر. ~~وقول العلماء من أصحابنا وغيرهم. # واختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية: ms105 أن حكم الزائد حكم المزيد عليه. # قال الشيخ تقي الدين السبكي: اختلفوا؛ إذا وسع عما كان عليه في زمن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، هل تثبت هذه الفضيلة له أو تختص بالقدر الذي كان ~~في زمنه - صلى الله عليه وسلم -؟ # وممن رأى الاختصاص النووي للإشارة بقوله: "مسجدي هذا". # ورأى جماعة عدم الاختصاص، وأنه لو وسع: فهو مسجده - كما في مسجد مكة إذا ~~وسع، فإن تلك الفضيلة ثابتة له، وقد قيل: إن مسجد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان في حياته سبعين ذراعا في ستين ذراعا - انتهى كلام السبكي. # * وقال الشيخ زين الدين ابن رجب في "شرح البخاري" (¬1): # وحكم الزيادة حكم المزيد فيه في الفضل أيضا، فما زيد في المسجد الحرام ~~ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -: كله مسجد، والصلاة فيه سواة في ~~المضاعفة والفضل. # وقد قيل: إنه لا يعلم عن السلف في ذلك خلاف، إنما خالف فيه بعض المتأخرين ~~من أصحابنا؛ منهم: ابن عقيل وابن الجوزي. # ولكن؛ قد روي عن الإمام أحمد التوقف (¬2) في ذلك؛ قال الأثرم: قلت PageV01P245 # لأبي عبد الله: الصف الأول في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - أي- صيف ~~هو؟ ؛ فإني رأيتهم يتوخرون دون المنبر ويدعون الصف الأول! قال: ما أدري. # قلت لأبي عبد الله: فما زيد في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~عندك منه؟ # فقال: وما عندي! ! إنما هم أعلم بهذا يعني أهل المدينة! # وقد روى عمر بن شبة في كتاب "أخبار المدينة" بإسناد فيه نظر، عن أبي ~~هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو بني المسجد إلى صنعاء لكان ~~مسجدي"، فكان أبو هريرة يقول: "لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن ~~أصلي فيه" (¬1). # وبإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر قال: زاد عمر في المسجد (61/ أ) في شاميه، ~~ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة: كان مسجد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وبإسناد عن ابن أبي ذئب قال: قال عمر: لو مد مسجد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى ms106 ذي الحليفة كان منه، وكذلك الزيادة في المسجد الحرام. # وقد ذكر الشافعية: أنه لو حلف أن يدخل هذا المسجد؛ فزيد فيه: فدخل موضع ~~الزيادة: لم يحنث، ولو حلف لا يدخل مسجد بني فلان؛ فزيد فيه: فدخل موضع ~~الزيادة: حنث. وهذا مما يشهد؛ لأن حكم الزيادة حكم المزيد في المسجد الحرام ~~ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه عرف المسجد الحرام بالألف واللام ~~ومسجده بإضافته إليه، ولكنه جمع بين الإشارة إليه وتعريفه بالإضافة فقال: ~~"مسجدي هذا". انتهى كلام الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى. # * وذكر الرافعي في "الفروع المنثورة" آخر "كتاب الأيمان" عن الحنفية PageV01P246 # ووافقهم: أنه لو حلف لا يدخل هذا المسجد؛ فزيد فيه: فدخل موضع الزيادة: حنث. # قال في "الروضة": وفيه نظر، وينبغي أن لا يحنث بدخولها؛ لأن اليمين # لم يتناولها حالة الحلف. # * * * PageV01P247 ### || AUTO الباب الرابع في ذكر منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - # : # * في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ومنبري على حوضي" ~~(¬1). وفي تفسيره أقوال: # أحدها: أنه ينصب على حوضه يوم القيامة. # والثاني: أن له منبرا ينصب على حوضه. # والثالث: من لزم عبادة الله تعالى عند المنبر سقي من الحوض يوم القيامة. # وذكر ابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن"، بسنده: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "منبري على ترعة من ترع الجنة" (¬2). # وفي الترعة ثلاثة أقوال؛ ذكرها أبو عبيد: # أحدها: أنها الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المكان ~~المطمئن فهي روضة. # والثاني: أنها الباب. # والثالث: أنها الدرجة. PageV01P248 # وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب أولا إلى جذع ولم يكن له ~~منبر، حتى قالت له امرأة من الأنصار من بني (61/ ب) ساعدة، ويقال امرأة رجل ~~منهم يقال لها: مينا، إن لي غلاما نجارا ألا أجعل لك أعوادا تجلس عليهن إذا ~~كلمت الناس. قال: "إن شئت"؛ فعملت له المنبر ثلاث درج وهو من طرفاء (¬1) ~~الغابة (¬2). واسم الغلام: مينا، ويقال: إبراهيم. وقيل: صنعه غلام عمه ~~العباس، واسمه: صباح، وقيل: كلاب. # وفي "أبي داود": إنما ms107 عمله تميم الداري، وقيل: عمله غلام لسعيد بن العاص ~~يقال له: باقول، وقيل: عمله غلام لرجل من بني مخزوم. # * وكان اتخاذ المنبر: سنة ثمان من الهجرة- كما نقله ابن النجار. # فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - على المجلس ووضع رجليه على الدرجة ~~الثانية. # فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه؛ قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على ~~الدرجة السفلى. # فلما ولي عمر رضي الله عنه؛ قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه # على الأرض إذا قعد. # فلما ولي عثمان رضي الله عنه؛ فعل مثل ذلك سنتين (¬3) من خلافته، ثم علا ~~إلى موضع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكسى المنبر قبطية، وهو أول من ~~كساه، فسرقتها امرأة، فأتى بها، فقال لها: سرقت؟ قولي لا! فاعترفت؛ فقطعها. ~~واتفق لامرأة مع ابن الزبير مثل ذلك. PageV01P249 # وطوله - كما حكاه ابن النجار: ذراعان في السماء وثلاث أصابع، وعرضه: ذراع ~~راجح، وطول صدره وهو مستند النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم: ذراع، وطول ~~رمانتي المنبر اللتين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسكهما بيديه ~~الكريمتين إذا جلس: شبر وإصبعان، وتربيعه: سواء، وعدد درجاته: ثلاث ~~بالمقعد، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة. # وهذا؛ كان في حياته عليه الصلاة والسلام، وفي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي رضي الله عنهم. فلما حج معاوية: كساه قبطية، وليس هو أول من كساه - ~~كما تقدم. # و"القبطية" - بضم القاف وقد "عسر مع سكون الباء الموحدة فيهما-: ثياب ~~رقاق من مصر. ثم كتب معاوية إلى مروان وهو عامله على المدينة: أن ارفع ~~المنبر (62/ أ) عن الأرض، فدعا النجارين ورفعوه عن الأرض، وزاد من أسفله ست ~~درجات ورفعوه عليها، فصار للمنبر تسع درجات بالمجلس. # * واحترق المسجد الشريف: ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين ~~وستمائة. # ونقل أبو شامة: أن ابتداء حريقه من زاويته الغربية من الشمال، واحترق أبو ~~بكر الفراش في حاصل المسجد تلك الليلة، واتصلت النار بالسقف سرعة، ثم دبت ~~في السقوف أخذت قبلة فأعجلت الناس عن قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت ms108 ~~سقوف المسجد ولم يبق خشبة واحدة ووقع بعض أساطينه وذاب رصاصهما، وكل ذلك؛ ~~قبل أن ينام الناس، وسقط السقف الذي كان على أعلى الحجرة المقدسة فوق سقف ~~بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووقع ما وقع منه في الحجرة وبقي على ~~حاله، فكتب بذلك إلى الخليفة المعتصم بالله من المدينة في شهر رمضان، فوصلت ~~الالآت صحبة الصناع مع ركب العراق، وابتدئ بعمارته: أول سنة خمس وخمسين ~~وستمائة. PageV01P250 # وعمل الملك المظفر صاحب اليمن منبرا رمانتاه من الصندل، وأرسله: في سنة ~~ست وخمسين وستمائة، ونصب في موضع منبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبقي ~~عشر سنين يخطب عليه إلى سنة ست وستين وستمائة أرسل الملك الظاهر هذا المنبر ~~الموجود اليوم وعدد درجاته سبع بالمقعد. # * قال في "تحقيق النصرة": ثم في عشر الستين وسبعمائة؛ اشتريت قرية من بيت ~~المال بمصر ووقفت على كسوة الكعبة المشرفة في كل سنة وعلى كسوة الحجرة ~~المقدسة والمنبر الشريف في كل لست سنين مرة يعمل من الديباج الأسود مرقوم ~~بالحرير الأبيض إلا كسوة المنبر فإنه بتقصيص أبيض. # * * * PageV01P251 ### || AUTO الباب الخامس في ذكر الروضة # : # في الصحيح، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما بين قبري ~~ومنبري روضة من رياض الجنة" (¬1). # وفي رواية: ما بين بيتي ومنبري روضة (62/ ب) من رياض الجنة" (¬2). # * واختلفوا فيه على أربعة أقوال: # أحدها: أنه من الجنة كما أن الحجر الأسود من الجنة. # الثاني: أنه يريد بذلك أنه سبب لرياض الجنة، كما في الحديث: "الجنة تحت ~~ظلال السيوف" (¬3) وما أشبهه. # الثالث: لما كانت الجنة يحصل فيها سرور وفرح وكان هذا المكان يحصل فيه ~~ذلك، شبه بذلك. # الرابع: قال الخطابي: معناه من لزم طاعة الله في هذه البقعة آلت به ~~الطاعة إلى روضة من رياض الجنة. # قلت: وما قاله الخطابي ليس بظاهر؛ لأن من لزم طاعة الله تعالى في بقعة من ~~البقاع التي تصلح للتعبد غير هذه، آلت به الطاعة إلى روضة من PageV01P252 # رياض الجنة، فلا فرق بينها وبين غيرها. # إذا (¬1)؛ والنبي - صلى الله عليه ms109 وسلم - إنما قال ذلك تبيينا لفضلها ~~وتمييزا لها على (¬2) غيرها وتنويها بعلو قدرها. # والذي يظهر: أن أقوى الأقوال: الأول؛ لأنه أبلغ في إظهار الفضيلة، وبه ~~يحمل اللفظ على حقيقته ولا مانع من ذلك، وإن كان ابن حزم قد أنكر ذلك؛ فلا ~~عبرة بإنكاره مع إثبات سيد المرسلين له مع أنه ما ينطق عن الهوى. وإذا حمل ~~اللفظ على حقيقته: ظهرت الفضيلة والمزية. أما إذا حمل على شيء من التأويلات ~~المذكورة: فإنها تبقى حينئذ هي وغيرها على حد سواء، فأي فضل أو أي مزية ~~تبقى لها. # وذكر في "تحقيق النصرة": أن ذرع ما بين القبر المقدس والمنبر الشريف ثلاث ~~وخمسون ذراعا، وفي رواية: أربع وخمسون ذراعا وسدس ذراع. # * * * PageV01P253 ### || AUTO الباب السادس في حنين الجذع الذي كان في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - # : # * قد ثبت في "الصحيح": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب إلى ~~جذع، فلما اتخذ له المنبر وتحول عليه: سمع لذلك الجذع صوت كصوت العشار حتى ~~نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - فضمه إليه فجعل يئن أنين الصبي الذي يسكن ~~حتى استقر قال: "بكت على ما كانت تسمع من الذكر عندها" (¬1). # وفي رواية خارج "الصحيح": "لو لم أحتضنه لحن إلى يوم (63/ أ) القيامة" (¬2). # وفي رواية: "خار كخوار الثور حتى ارتج المسجد من خواره تحزنا على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -" ... (¬3). # وفي رواية "فحن الجذع حنينا رق له أهل المسجد، فأتاه فوضع يده عليه فسكن ~~وأقلع (¬4). وقال: إن شئت أن أردك إلى الحائط الذي كنت فيه كما كنت ينبت لك ~~عروقك ويكمل خلقك وجدد خوصك وثمرك، وإن شئت أن أغرسك في الجنة فيأكل أولياء ~~الله تعالى من ثمرك، ثم أصغي إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه يسمع ~~ما يقول، قال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله تعالى PageV01P254 # وأكون في مكان لا أبلي فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: فنعم قد فعلت، فعاد إلى المنبر ثم أقبل على الناس، فقال: خيرته ms110 كما ~~سمعتم فاختار أن أغرسه في الجنة، اختار دار البقاء على دار الفناء". # وفي رواية: فغاب الجذع فذهب، والله أعلم. # * وكان الحسن رحمه الله تعالى؛ إذا حدث بحديث الجذع بكى، وقال يا عباد ~~الله، الخشبة تحن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شوقا إليه؛ لمكانه ~~من الله تعالى، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. # * * * PageV01P255 ### || AUTO الباب السابع في ذكر بناء الجدار الذي سقط في زمن الوليد بن عبد الملك # : # * قد ثبت في "صحيح البخاري"، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما سقط عليهم ~~الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا ~~وظنوا أنها قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما وجد واحد يعلم ذلك، حتى ~~قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما هي إلا ~~قدم عمر رضي الله عنه (¬1). # والسبب في ذلك؛ ما رواه أبو بكر الآجري، من طريق شعيب بن إسحاق، عن هشام ~~بن عروة: أخبرني أبي، قال: كان الناس يصلون إلى القبر، فأمر به عمر بن عبد ~~العزيز فرفع؛ حتى لا يصلي إليه أحد، فلما هدم، بدت قدم بساق وركبة، ففزع ~~عمر بن عبد العزيز، فأتاه عروة، فقال هذا: ساق عمر وركبته، فسري عن عمر ~~(63/ ب) بن عبد العزيز. # * قال في "تحقيق النصرة": ولم يرد أن أحدا دخل بيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عند القبر المقدس بعد موت عائشة رضي الله عنها؛ إلا ما حكاه ابن ~~زبالة، وتبعه ابن النجار: أن جدار الحجرة الشريفة الذي يلي موضع الجنائز ~~لما سقط في زمان عمر بن عبد العزيز وظهرت القبور المقدسة، قالوا: فما رؤي ~~بكاء أكثر منه في ذلك اليوم، فأمر بقباطي فخيطت ثم سترها، وأمر ابن وردان ~~أن PageV01P256 # يكشف عن الأساس، فبينا هو يكشف؛ رفع يده وتنحى قائما، فقام عمر ابن عبد ~~العزيز فزعا، فرأى قدمين وعليهما الشعر، وراء الأساس، فقال له عبيد الله بن ~~عبد الله بن عمر وكان حاضرا: لا يرعك فهما ms111 قدما جدك عمر ابن الخطاب رضي ~~الله عنه ضاق البيت عنه، فحفروا له في الأساس، فقال عمر: يا ابن وردان! غط ~~ما رأيت، ففعل، ولما فرغوا منه ورفعوه؛ دخل مزاحم مولى عمر من كوة جعلت ~~فيه، فقم ما سقط على القبر من طين وتراب، ونزع القباطي، فكان عمر يتمنى أن ~~لو كان تولى ذلك. # ثم لم يرد أن أحدا دخل بعد بناء عمر بن عبد العزيز لهذا الحايز؛ إلا ما ~~حكاه ابن النجار: أن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، سمع من داخل الحجرة ~~الشريفة هده، وكان الوالي يومئذ بالمدينة الشريفة الأمير قاسم بن مهنا ~~الحسيني، وكان يفهم العلم فذكر له ذلك، فقال: ينزل شخص من أهل الدين ~~والصلاح (¬1)، فلم يجدوا يومئذ أمثل حالا من الشيح: عمر النسائي شيخ شيوخ ~~الصوفية بالموصل (¬2)، وكان مجاورا، فكلموه في ذلك عن الأمير، فامتنع ~~واعتذر بمرض كان به يحتاج معه إلى الوضوء في غالب الوقت، فألزمه الأمير ~~قاسم بالدخول، فقال: أمهلوني حتى أروض نفسي، فيقال: إنه امتنع من الأكل ~~والشرب مدة، وسأل الله تعالى إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر ويخرج، فأنزلوه ~~بالحبال من بين السقفين من الطايف المذكور، فنزل بين حائط النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (64/ أ) وبين الحايز ومعه شمعة يستضيء بها، ومشى إلى باب البيت ~~ودخل من الباب إلى القبور المقدسة، فأزاله، وكنس ما عليها من التراب ~~بلحيته، وكان مليح الشيبة، وأمسك الله PageV01P257 # عنه المرض بقدر ما دخل وخرج وعاد إلى وجهه. # * وذكر ابن النجار: أن في سنة أربع وخمسين وخمسمائة في أيام قاسم ~~المذكور؛ وجدوا من داخل الحجرة الشريفة رائحة متغيرة، فذكروا ذلك للأمير، ~~فأمرهم بالنزول، وتعيين من يصلح، فأنزل الطواشي بيان أحد خدام الحجرة ~~الشريفة، ونزل معه الصفي الموصلي متولي عمارة المسجد، ونزل معهما هارون ~~الشاذي الصوفي بعد أن سأل الأمير ذلك وراجعه وبذل له جملة من المال، فوجدوا ~~هرا قد سقط من الشباك الذي في أعلا الحايز بين الحايز وبيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وجيف، فأخرجوه وطيبوا مكانه، ms112 وكان نزولهم يوم السبت حادي ~~عشر ربيع الآخر. # * * * PageV01P258 ### || AUTO الباب الثامن في ذكر آثار حسنة في المسجد الشريف # : # * منها؛ قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سدوا عني كل باب في هذا ~~المسجد إلا باب أبي بكر" (¬1). # وذكر ابن النجار: أن خوخة أبي بكر كانت غربي المسجد قريب المنبر، ولما ~~زادوا في المسجد إلى حده من المغرب نقلوا الخوخة وجعلوها مثل مكانها. انتهى. # * ومثال باب خوخته: باب خزانة لبعض حواصل المسجد إذا دخلت من باب السلام ~~كانت على يسارك قريبا من الباب. # * وفي سنة ست وسبعين وخمسمائة: أحدث في صحن الحرم الشريف قبة كبيرة، ~~عمرها الإمام الناصر لدين الله لحفظ حواصل الحرم الشريف وذخائره، مثل: ~~المصحف الكريم العثماني، وعدة صناديق كبار متقدمة التاريخ، صنعت بعد ~~الثلاثمائة من الهجرة جميعها سالمة فيها إلى اليوم، وقد سلمت من الحريق ~~ببركة القرآن الكريم، ولكونها متوسطة في المسجد، ولله الحمد والمنة. # * وفي سنة تسع وعشرين وسبعمائة: أمر السلطان الملك الناصر محمد ابن ~~قلاوون بإنشاء رواقين من جهة القبلة، فاتسع (64/ ب) مسقف القبلي بهما وعم ~~نفعهما. PageV01P259 ### || AUTO الباب التاسع في فضل المدينة # : # * وذكر ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" (¬1)، بسنده إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت فإن من مات ~~بالمدينة شفعت له يوم القيامة" (¬2). # * وذكر أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "غبار المدينة ~~شفاء من الجذام" (¬3). # وذكر أيضا، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف ~~وافتتحت المدينة بالقرآن وهي مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحل ~~أزواجه وفيها قبره" (¬4). # * وكان مالك بن أنس يقول في فضلها: هي دار الهجرة والسنة، وهي محفوفة ~~بالشهداء، واختارها الله تعالى (¬5) لنبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ فجعل ~~قبره بها، وبها روضة من رياض الجنة، وفيها منبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. (¬6) PageV01P260 # * في "الصحيح" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم اجعل ~~بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة" (¬1). # وفيه أيضا، عن النبي ms113 - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يكيد أحد أهل ~~المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء" (¬2). # وفيه أيضا؛ أنه قال: "على إنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا ~~الدجال" (¬3). # وفيه أيضا؛ أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يصبر أحد على لأوائها ~~وجهدها إلا كنت له شفيعا - أو شهيدا - يوم القيامة" (¬4). # وفيه أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت بقرية تأكل ~~القرى يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" (¬5). # قيل: تأكل القرى؛ لأنها مركز جيوش الإسلام، أو لأن أول الإسلام منها، أو ~~لأن أكلها وميرتها (¬6) يكون من القرى المفتتحة؛ لأن الغنام تساق إليها، أو ~~لأنها تفرغ القرى بوجوب المعجزة (¬7) إليها فكأنها أكلتها. # وفيه أيضا؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الإيمان ليأرز ~~إلى المدينة كما PageV01P261 # تأرز الحية إلى جحرها" (¬1). # قيل: يأرز ينضم، وقيل: ينقبض. # * ذكر ابن النجار بسنده إلى معقل بن يسار قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "المدينة (65/ أ) مهاجري، فيها مضجعي - وفي رواية ابن زبالة: ~~فيها قبري -، وفيها مبعثي، حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، ~~من حفظهم كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سقي من طينة ~~الخبال". # سئل المزني عن طينة الخبال: قال: عصارة أهل النار (¬2). # * وذكر ابن الجوزي بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها" (¬3). # وقال أيضا: "صيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها" (¬4). # وروى الطبراني بإسناد ضعيف: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "رمضان ~~بالمدينة خير من ألف فيما سواها من البلدان" (¬5). # * * * PageV01P262 ### || AUTO الباب العاشر في ذكر حدود الحرم # : # * في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المدينة حرم ما ~~بين عير إلى ثور؛ فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا" (¬1). # قال أبو عبيد: "عير" ms114 و"ثور": اسما جبلين بالمدينة غير أن أهل المدينة، لا ~~يعرفون جبلا بها يقال له "ثور"، فنرى الحديث أصله ما بين "عير" إلى "أحد". # * وقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري: أنه خرج ~~(¬2) رسولا إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل فكان يذكر له ~~الأماكن والجبال قال: "فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير فسألته عنه ~~فقال هذا يسمى ثورا، قال فعلمت صحة الرواية". # * وذكر أبو بكر بن حسين المراغي - نزيل المدينة - في "مختصر أخبار ~~المدينة": أن خلف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم: أن خلف "أحد" من جهة الشمال ~~جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير يسمى "ثورا"، قال: وقد تحققته بالمشاهدة. # * قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: "عير": جبل عند الميقات يشبه العير وهو ~~الحمار، و"ثور": وهو جبل من ناحية "أحد" وهو غير جبل "ثور" PageV01P263 # الذي بمكة. انتهى. # * وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "لو رأيت الظباء ترتع ~~بالمدينة ما ذعرتها. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (65/ ب): "ما ~~بين لابيتها حرام" (¬1). قال أبو هريرة وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اثنى عشر ميلا: حمى حول المدينة، وهو بريد في بريد. # وهذا يدل؛ على أن صيدها وشجرها: محرم، وهو قول: مالك، والشافعي، وأحمد، ~~وقال أبو حنيفة: ليس بمحرم. # واختلفت الرواية عن أحمد؛ هل يضمن صيدها وشجرها بالجزاء أم لا؟ وهما ~~روايتان عن مالك، وقولان للشافعي، فإن قلنا بضمانه؛ فجزاؤه: سلب قاتله، ~~يملكه الذي يسلبه. # وتفارق مكة؛ في أن من أدخل إليها صيدا لم يجب عليه رفع يده عنه، ويجوز له ~~ذبحه وأكله، ويجوز أن يأخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للرحل وللسوائد ~~ومن حشيشها ما يحتاج إليه للعلف بخلاف مكة. # * وقوله في الحديث: "ما بين عير إلى ثور": هو بيان لحد الحرم من جهتي ~~الجنوب والشمال. # وقوله: "ما بين لابيتها": هو بيان لحد الحرم من جهتي (¬2) المشرق ~~والمغرب. # واللابتان: هما الحرتان، تثنية حرة بالفتح، هي أرض ذات حجارة سود. ms115 # * * * PageV01P264 ### || AUTO الباب الحادي عشر فى أسماء مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - # : # الأول: "المدينة"، وهو المشهور وهو علم بالغلبة لا بالوضع ولا يجوز نزع ~~الألف واللام منها إلا في نداء أو إضافة. # قال قطرب وابن فارس وغيرهما: هي مشتقة من دان إذا أطاع والدبن الطاعة، ~~فتكون الميم على هذا زائدة. # وقيل: من مدن بالمكان إذا أقام به فتكون الميم أصلية، وجمعها مدن بضم ~~الدال وإسكانها ومدائن بالهمز وتركه أفصح وبه جاء القرآن. # قد سئل أبو علي النسوي؛ عن همزه، فقال: من جعله فعلية (¬1) من قولهم مدن ~~بالمكان إذا أقام همزه، ومن جعله مفعلة من دين إذا ملك لم يهمز كما لم يهمز ~~معايش، وإذا نسبت إلى المدينة كالرجل والثوب: مدني، والطين: مديني. # قال سيبويه: وأما قولهم: مدايني فإنهم جعلوا البناء اسما للبلد. # وقال ابن دحية في "خصائص الأعضاء": النسب إليها: مديني، وإلى مدينة أبي ~~جعفر المنصور (¬2)، وهي (66/ أ) بغداد: مدني؛ لأن الميم فيها أصلية والياء ~~زائدة. PageV01P265 # * الثاني: "طيبة"، سماها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1) وهي ~~بفتح الطاء احترازا من طيبة بكسر الطاء فإنها قرية قرب زرود. # * الثالث: "طابة"، وفي "الصحيح": "إن الله سمى المدينة طابة" (¬2). # وهما؛ إما من الطيب، وهي الرائحة الحسنة، والطاب والطيب: لغتان بمعنى. # قال ابن بطال: من سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيب، والمعجونات ~~(¬3) من الطيب منها أحد رائحة من غيرها. # وإما من الطيب، بفتح الطاء وتشديد الياء، وهو الطاهر، لخلوصها من الشرك ~~وطهارتها. # وإما من طيب العيش بها؛ أقوال. # * الرابع: المطيبة. # * الخامس: المسكينة. # * السادس: المدرا. # * السابع: الجابر. # * الثامن: المجبورة. # * التاسع: المحببة. # * العاشر: المحبوبة. PageV01P266 # وهذه العشرة؛ ذكرها عمر بن شبة في "أخبار المدينة" (¬1). # قال: ولم أزل أسمع أن للمدينة عشرة أسماء؛ فذكرها: # * الحادي عشر: القاصمة، رواه الزبير في "أخبار المدينة" مع العشرة ~~المتقدمة. # * الثاني عشر: الدار، قال تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان} (¬2). ~~لا خلاف أنها المدينة؛ لأمنها وللاستقرار بها. # * الثالث عشر: الإيمان. # قال ابن أبي خيثمة: الإيمان من أسمائها، ذكره ابن دحية. # * الرابع عشر: ms116 المرحومة. # * الخامس عشر: المحبة. # * السادس عشر: الهدرا، نقله: ابن زبالة عن إبراهيم بن يحيى أنه من جملة ~~أسمائها في "التوراة". # * السابع عشر: العذرا، بالعين المهملة، ذكره في "المحكم" لابن سيده، ~~ولعله بدل "السادس". # * الثامن عشر: مدخل صدق في قوله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق} (¬3) ~~(¬4)، قال أكثر المفسرين: هو المدينة. PageV01P267 # * التاسع عشر: حسنة؛ قال تعالى: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} (¬1). قيل: هي ~~المدينة. # * العشرون: الحبيبة، حكاه ابن خالويه. # * الحادي والعشرون: دار الهجرة. # * الثاني والعشرون: دار السنة. # * الثالث والعشرون: البلاط، ذكره ابن خالويه في كتاب: "ليس". # وذكر البكري من أسمائها: "نيدر" و"بلندر"، وزاد كراع في "المنتخب" له ~~"البحرة": والبحرة، والبحيرة (66/ ب) والبحيرة: تصغير بحرة؛ فعلى هذا: تصير ~~تسعة وعشرين. # وقد بدئت في المجلس الثاني من "أمالي" الخلال، فيما رواه عنه أبو الخير ~~العسال، فيما قرأته بمكة المشرفة على أبي الفضل المرجاني بالسند المتصل إلى ~~أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المدينة قبة ~~الإسلام ودار الإيمان وأرض الهجرة ومبين الحلال والحرام". # وذكر بعضهم: أنها تسمى: "الربذة" بالتحريك، ومنه الحديث في الكافر ومحله ~~من النار - كما بين مكة والربذة، قالوا: أراد المدينة. # وقد ذكر عبد العزيز الدراوردي، قال: بلغني أن لها أربعين اسما. # وفي رواية: أن لها في "التوراة": أربعين اسما. # * وأما تسميتها ب "يثرب" فقد كرهه بعض العلماء لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يقولون PageV01P268 # يثرب، وهي المدينة" (¬1). # ولما في مسند الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من سمى المدينة يثرب؛ فليستغفر الله تعالى: هي ~~طابة، هي طابة" (¬2). # وروى عمر بن شبة من حديث أبي أيوب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى أن يقال للمدينة يثرب (¬3). # ولهذا؛ قال عيسى بن دينار من المالكية: من (¬4) سمى المدينة ب "يثرب": ~~كتبت عليه خطيئة؛ لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة، أو من ~~الثرب؛ وهو الفساد، وكلاهما: مستقبح، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب ~~الاسم المستحسن ويكره الاسم القبيح. # وذكر ms117 أبو إسحاق الزجاج في "مختصره": إنما سميت بيثرب بن قائلة بن مهلايل ~~ابن عبد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من سكنها بعد العرب، ونزل ~~أخوه خيبور خيبر؛ فسميت به. # وقال ابن دقيق العيد في "شرح الإمام": اختلفوا في "يثرب" هل هو اسم مرادف ~~للمدينة، أو اسم لقطر محدود والمدينة في (¬5) ناحية منه؟ # عن أبي عبيدة: "يثرب" اسم الأرض، ومدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في ناحية منها، وهذا الاسم الآن: يطلق على أرض غربي مشهد حمزة بن عبد ~~المطلب PageV01P269 # عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (67/ أ) وشرقي الموضع المعروف ~~بالبركة، مصرف عين الأزرق، وتسميها (¬1) الحجاج: "عيون حمزة". # والقول الثاني: حكاه ابن عباس أنه اسم مرادف للمدينة. # * * * PageV01P270 ### || AUTO الباب الثاني عشر في ذكر خراب المدينة # : # * روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي، ~~يريد عوافي السباع والطير، ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينعقان ~~بغنمهما فيجدانها وحوشا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما" (¬1)، ~~هذا لفظ مسلم. # وقال البخاري فيه: "وآخر من يحشر راعيان من مزينة يريبيان المدينة". # وفي لفظ لمسلم: "ليتركنها أهلها على خير ما كانت. مذللة للعوافي ينعقان ~~(¬2) - بكسر العين - أي: يصيحان ويجدانها وحوشا" (¬3). # ذكر بعضهم؛ أن الضمير عائد على الغنم، إما بقلب ذاتها أو تتوحش فينفر ~~(¬4) من أصواتها (¬5). # وأنكره القاضي عياض والنووي، وقالا: إن الضمير في يجدانها عائد إلى ~~المدينة لا إلى الغنم، وقد اختلف الناس؛ متى يكون ذلك. PageV01P271 # فقال القاضي عياض: إن هذا جرى في العصر الأول، وإنه من المعجزات. فقد ~~تركت المدينة على أحسن ما كانت للدين والدنيا: أما الدين؛ فلكثرة العلماء ~~(¬1) بها، وأما الدنيا؛ فلعمارتها واتساع حال أهلها. # قال: وذكر الأخباريون في بعض الفتن التي جرت (¬2) بالمدينة وخاف أهلها: ~~أنه رحل عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها للعوافي، وخلت مدة لم تراجع الناس إليها. # قال: وحالها اليوم قريب من ms118 هذا، وقد خربت أطرافها. # وقال النووي: الظاهر المختار أن هذا الترك للمدينة يكون في آخر الزمان ~~عند قيام الساعة ويوضحه قضية الراعيين من مزينة؛ فإنهما يخران على وجوههما ~~حتى تدركهما الساعة، وهما آخر من يحشر -كما ثبت في "صحيح البخاري" (¬3). # وروى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- "آخر قرية من قرى الإسلام خرابا: المدينة"، وقال: حديث حسن غريب (¬4). # * * * PageV01P272 # (67/ ب) ### || AUTO الباب الثالث عشر في ذكر خروج النار التي أخبر عنها المختار # : # * وهي من إخباره بالمغيبات؛ عليه أفضل الصلاة، وإنما أفردتها بالذكر؛ ~~لأنها معجزة كبرى. قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوم الساعة حتى تخرج ~~نار من أرض الحجاز تضيء (¬1) لها أعناق الإبل ببصرى" (¬2). # وكان ظهورها في الحرة الشرقية من المدينة في جمادى الآخرة سنة أربع ~~وخمسين وستمائة. # * قال في "تحقيق النصرة: وسارت من مخرجها إلى جهة الشمال مدة ثلاثة أشهر ~~تدب دبيب النمل، تأكل كل ما مرت عليه من جبل وحجر، ولا تأكل الشجرة، فلا ~~تمر على شيء من ذلك إلا صار سدى لا ملك فيه لإنسان ولا دابة إلى منتهى ~~الحرة من جهة الشمال، فقطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وغيره، فسدت ~~الوادي المذكور بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار ولا كسد ذي القرنين، وصار ~~السيل ينحبس خلف السد المذكور واد عظيم فتجتمع خلفه المياه حتى تصير بحرا ~~مد البصر عرضا وطولا؛ كأنه نيل مصر عند زيادته. # * قال المطري: وأخبرني علم الدين سنجر العربي عتيق الأمير منيف بن شيخة ~~صاحب المدينة؛ أن الأمير أرسله بعد ظهور النار بأيام ومعه شخص PageV01P273 # من العرب ليتحفظ أمرها، قال: ونحن فارسان إلى أن قربنا منها فلم نجد لها ~~حرا، فنزلت عن فرسي وسرت إلى أن وصلت إليها وهي تأكل الصخر والحجر وأخذت ~~سهما من كنانتي ومددت به إلى أن وصل النصل (¬1) إليها فلم أجد لذلك ألما ~~ولا حدا، فحرق النصل ولم يحترق العود، فأدرت السهم وأدخلت فيها الريش ~~فاحترق ولم تؤثر في العود. # * قال: وأخبرني ms119 بعض من أدركها من النساء؛ أنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل ~~على أسطحة المدينة. # ونقل أبو شامة، عن مشاهدة كتاب شمس الدين ساف بن عبد الوهاب ابن عيلة ~~الحسيني قاضي المدينة: أنها رؤيت من مكة ومن الفلاة جميعها، ورآها أهل ينبع ~~وأرسلوا قاضيهم بن سعد. # قال أبو شامة: وأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغه (68/ ~~أ) أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب. # * قد يظهر من عدم أكلها الشجر دون الحجر؛ تحريم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - شجر المدينة، وهو من الإعجاز؛ لأن طاعته - صلى الله عليه وسلم - ~~واجبة على كل مخلوق، هذا حاصل كلام المطري. # * نقل في "السكردان" عن أبي شامة أنه قال: زلزلت المدينة بسببها، وسمعوا ~~أصواتا عجيبة قبل ظهورها بخمسة أيام، وذلك يوم الإثنين مستهل الشهر، يعني ~~المتقدم ذكره، ولم تزل ليلا ونهارا حتى طلعت يوم الجمعة خامسة فانبجست تلك ~~الأرض عند وادي شظاه عن نار عظيمة جدا فصارت مثل الوادي العظيم، طوله أربع ~~فراسخ في عرض أربعة أميال وعمقه قامه ونصف ويسيل منها الصخر حتى يبقى مثل ~~الإبل ثم يصير كالفحم الأسود. PageV01P274 # وذكر؛ أن من الناس من كتب على ضوئها في الليل، وكأن في كل بيت منها ~~مصباحا، ورأى الناس سناها من مكة. # وقال ابن كثير: أخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي الهيتمي، قال: أخبرني ~~والدي - هو الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة بصرى -، أنه أخبره عن واحد من ~~الأعراب صبيحة تلك الليلة ممن كان محاضره ببلد بصرى: أنهم رأوا صفحات أعناق ~~إبلهم في ضوء تلك النار التي ظهرت من أرض الحجاز. # قال أبو شامة: أهل المدينة لجئوا في تلك الأيام إلى المسجد الشريف النبوي ~~على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وتابوا إلى الله تعالى من ذنوب كانوا ~~عليها، واستغفروا عند قبر سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما سلف ~~منهم، وأعتقوا عبيدهم، وتصدقوا على فقرائهم. # * * * PageV01P275 ### || AUTO الباب الرابع عشر فيما جاء أن المدينة أقل الأرض مطرا # : # * قال الشافعي في: "الأم": أخبرني من لا أتهم: ms120 قال إسحق بن عبد الله، عن ~~الأسود، عن ابن مسعود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أرى المدينة ~~بين عيني السماء عين بالشام وعين باليمن، وهي أقل الأرض مطرا" (¬1). # قال: وأخبرني من لا أتهم، قال: أخبرني يزيد أو نوفل بن عبد الملك ~~الهاشمي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (68/ ب) قال: "أسكنت أقل الأرض ~~مطرا، وهي عيني السماء عين الشام وعين اليمن" (¬2). # قال: وأخبرني من لا أتهم: قال حدثني سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ~~"يوشك المدينة تمطر مطرا لا يكن أهلها ظلال البيوت ولا يكنهم إلا ظلال ~~الشعر" (¬3). # وروى الشافعي - أيضا -، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه قال: "توشك ~~المدينة أن يصيبها مطر أربعين ليلة، لا يكن أهلها بيت من مدر (¬4) " (¬5). PageV01P276 ### || AUTO الباب الخامس عشر هل المدينة حجازية أم شامية أم يمانية؟ # * قال النووي في "فتاويه": مدينة النبي عليه الصلاة والسلام، ليست يمانية ~~ولا شامية، بل هي حجازية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. انتهى. # * قال بعضهم: وما حكاه من الاتفاق على أنها ليست يمانية عجيب، فقد نص ~~الشافعي على أنها يمانية، وحكاه البيهقي في "المعرفة" في الكلام على الأذان ~~للصبح قبل الفجر؛ ولفظه: # * قال الشافعي: ومكة والمدينة: يمانيتان. # وفي "مسند" الشافعي: أخبرنا عثمان بن محمد بن علي بن العباس، عن الحسن بن ~~القاسم الأزرقي، قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ثنية تبوك ~~فقال: "ما ها هنا شام وأشار بيده إلى الشام، ومن ها هنا يمن وأشار بيده إلى ~~جهة المدينة (¬1) " (¬2). # قال ابن الأثير في شرحه: الغرض من هذا الحديث بيان حد الشام واليمن وقد ~~جعل المدينة من اليمن، ثم قال في جهة الشام ما ها هنا ومن جهة اليمن ومن ها ~~هنا، وبينهما فرق، وذلك: أن قوله ومن ها هنا يفيد إن ابتداء اليمن من هذه ~~البقعة. # وقوله: "ما ها هنا": أشار إلى أن هذه البقعة من الشام ولم يتعرض إلى PageV01P277 # أنها ابتداء الشام أو لا. انتهى كلام ابن الأثير. ms121 # وقد تقدم كلام الشافعي في "الباب السادس والأربعين" أن الحجاز: مكة ~~والمدينة واليمامة ومخاليفها، أي: قراها، وكذا كلام أصحاب الإمام أحمد. # قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~الحجاز باتفاق أهل العلم، ولم يقل أحد من المسلمين ولا غيرهم أن المدينة ~~النبوية من الشام، وإنما يقول هذا (69/ أ) جاهل بحد الشام والحجاز، جاهل ~~بما قال الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم، ولكن يقال: المدينة شامية ومكة: ~~يمانية، أي: المدينة أقرب إلى الشام، ومكة أقرب إلى اليمن، وليست مكة من ~~اليمن، ولا المدينة من الشام. وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرض ~~موته أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهي الحجاز، فأخرجهم عمر بن ~~الخطاب من: المدينة، وخيبر، والينبع، واليمامة، ومخاليف هذه البلاد، ولم ~~يخرجهم من الشام، بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين ~~وغيرها (¬1) - كما أقرهم بدمشق وغيرها. # وتربة الشام؛ تخالف تربة الحجاز، كما يوجد الفرق عند المنحنى الذي يسمى: ~~"عقبة الصوان"، فإن الإنسان يجد تلك البرية مخالفة لهذه البرية، كما تختلف ~~برية الشام ومصر، فما كان دون "وادي المنحنى" فهو من الشام مثل "معان"، ~~وأما "العلا" و"تبوك"، ونحوها فمن أرض الحجاز، والله أعلم. # * * * PageV01P278 ### || AUTO الباب السادس عشر في ذكر جملة من الخصائص والأحكام والفضائل # : # * الأول: إنشاء أصل (¬1) مسجدها على يدى سيد المرسلين وإمام المتقين ومعه ~~المهاجرون الأولون والأنصار المتقدمون، خيار هذه الأمة وأولاهم بالفضل ~~والرحمة، وفى ذلك من مزيد الشرف ما لا يخفى، ومن ظهور النور ما لا يطفى. # * الثاني: اشتمالها على بقعة حوت المختار وأربت على غيرها بعلو المقدار. # وقد تقدم عن القاضي عياض: أنها أفضل بقاع الأرض بالإجماع. # * الثالث: تخصيصها ببقعة من بقع الجنة وهي الروضة على أحد الأقوال ~~المتقدمة. # * الرابع: تحريم صيدها وشجرها على الحلال والمحرم كمكة، خلافا لأبي حنيفة ~~لنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة" ~~رواه مسلم (¬2). # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا ms122 يقطع ~~شجرها" رواه البخاري (¬3). PageV01P279 # * قد تقدم حكم الضمان في باب حدود الحرم. # وأما حديث: "يا أبا عمير ما فعل (¬1) النغير" (¬2)، فيحتمل أن يكون قبل ~~تحريم المدينة. ومنهم من حمله: على عدم (69/ ب) الضمان لا على جواز الفعل، ~~ويحتمل: أن يكون صيد من خارج الحرم. # وقد تقدم أيضا ما تفارق به مكة في باب حدود الحرم. # * الخامس: قال بعضهم: يحرم نقل تراب حرم المدينة وأحجاره إلى خارج عنه. # قال النووي في "شرح المهذب" ولا يجوز أخذ الأكر (¬3) والأباريق المعمولة ~~من ترابها. # * السادس: يستحب المجاورة بالمدينة. # قال الإمام أحمد في رواية أبي داود، قال: سئل عن المقام بمكة أحب إليك أم ~~بالمدينة، فقال: بالمدينة لمن قوي عليه؛ لأنها مهاجر المسلمين. # * السابع: الصلاة في مسجدها تربو على الصلاة في غيره بألف صلاة، إلا ~~المسجد الحرام (¬4). # * الثامن: أنها دار الهجرة والسنة. # * التاسع: أنها محفوفة بالشهداء كما قاله الإمام مالك، كحمزة وقتلى أحد ~~وما أدراك. PageV01P280 # * العاشر: أن الله تعالى عوض قاصد مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الحج بأمر وعد عليه ذلك الثواب -كما روى ابن الجوزي وابن النجار بسندهما ~~إلى أبي أمامة أن: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من خرج على طهر ~~لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة" (¬1). # * الحادي عشر: يستحب الانقطاع بها ليحصل له الموت بها. # وفي "صحيح البخاري": أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: اللهم ~~ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك (¬2). # وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها"، رواه ~~الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب (¬3). # * الثاني عشر: اختصاص أهلها بمزيد الشفاعة والإكرام زائدا على غيرهم من ~~الأنام - كما في "معجم الطبراني"، عن عبد الملك بن عباد بن جعفر، قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أول من أشفع له من أمتي أهل ~~المدينة ثم أهل مكة ثم ms123 أهل الطائف"، وأخرجه البزار في مسنده (¬4). # وفي "الصحيحين": "من صبر على لأوائها وشدتها - يعني: المدينة - PageV01P281 # كنت له شهيدا (70/ أ) أو شفيعا يوم القيامة" (¬1). # * الثالث عشر: وجود البركة في صاعها ومدها، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - دعا بالبركة في صاعها ومدها. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من ~~البركة" (¬2) وهو في "الصحيح". # * الرابع عشر: أن الدجال لا يدخلها كما لا يدخل مكة، كما في "الصحيحين" ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من بلد إلا سيطاؤه الدجال ~~إلا مكة والمدينة" (¬3). # وفي "الصحيح" أيضا "لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال. لها يومئذ سبعة ~~أبواب، على كل باب ملكان" (¬4). # * الخامس عشر: أن الطاعون لا يدخل المدينة - كما في "الصحيحين"، عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها ~~الطاعون ولا الدجال" (¬5). # والأنقاب: جمع نقب بكسر النون وضمها، وهو الطريق على رأس الجبل. # وقال الأخفش: أنقاب المدينة: طرقها وفجاجها. PageV01P282 # والسر في ذلك؛ أن الطاعون وباء عند الأطباء؛ ولما قدم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة كانت أوبأ أرض الله، فدعا لها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فرفع ذلك بدعائه - صلى الله عليه وسلم - كما في "الصحيح": أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "اللهم انقل حماها فاجعلها بالجحفة (¬1) " لأنها ~~كانت دار شرك (¬2). # * السادس عشر: أنها كانت تأكل القرى -كما في "الصحيحين"، عن أبي هريرة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرت لقرية تأكل القرى، يقولون: ~~يثرب، وهي: المدينة" (¬3). # وقد تقدم معنى تأكل القرى في "الباب التاسع". # * السابع عشر: أنها كالكير في إزالة الخبث عنها؛ لما في "الصحيح" عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها ~~وتبقي طيبها" (¬4). # * الثامن عشر: أنه لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل (¬5) الله تعالى فيها ~~من هو خير منه - كما ثبت في "الصحيح" (¬6). # وفي معناه قولان: أحدهما: أنه مخصوص بمدة حياته - صلى الله عليه وسلم -. ~~والثاني: أنه دائم أبدا. ms124 # قال القرطبي: ومعناه: أن الذي يخرج عن المدينة راغبا عنها - أي: زاهدا ~~فيها -؛ إنما هو إما جاهل بفضلها وفضل القيام فيها، أو كافر بذلك. PageV01P283 # وكل واحد (70 / ب) من هذين إذا خرج منها فمن بقي من المسلمين خير منه ~~وأفضل على كل حال. # قال: وقد خص الله تعالى مكة والمدينة بأنهما لا يخلوا (¬1) من أهل العلم ~~والفضل والدين إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. # * التاسع عشر: أنه لا يريد أحد أهلها بسوء إلا انذاب ذوب الرصاص أو ذوب ~~الملح في الماء - كما ثبت في "الصحيح" (¬2). # قال القرطبي: ظاهره؛ أن الله تعالى يعاقبه بذلك في النار، ويحتمل؛ أن ~~يكون ذلك كناية عن إهلاكه في الدنيا، أو عن توهين أمره وطمس كلمته، كما قد ~~فعل الله تعالى ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها كمسلم بن عقبة وغيره. # * العشرون: مضاعفة الصيام بالمدينة، كما روى الطبراني بإسناد ضعيف، أنه ~~صلى الله عديه وسلم قال: "رمضان بالمدينة خير من ألف شهر رمضان فيما سواها ~~من البلدان" (¬3). # وذكره (¬4) ابن الجوزي أيضا في "مثير العزم الساكن"؛ لكنه قال: "كصيام ~~ألف شهر فيما سواها" (¬5). # * الحادي والعشرون: مضاعفة صلاة الجمعة بها، فقد روى ابن الجوزي PageV01P284 # بسنده إلى عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجمعة ~~بالمدينة كألف صلاة فيما سواها". (¬1) # * الثاني والعشرون: روي عن مالك رضى الله عنه، أنه كان لا يركب بالمدينة ~~بغلة، فقيل له في ذلك، فقال: لا أطأ راكبا بمكان وطئه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ماشيا، وكان لا يرفع صوته في مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ويقول: حرمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيا وميتا سواء، وقد ~~قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} (¬2). # * الثالث والعشرون: قال في "إعلام الساجد": لا يجتهد في محراب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه صواب قطعا إذا لا يقر على خطأ، ms125 فلا مجال ~~للاجتهاد فيه حتى لا يجتهد في اليمنة واليسرة بخلاف محاريب المسلمين. # والمراد بمحرابه - صلى الله عليه وسلم -: مكان مصلاه؛ فإنه (¬3) لم يكن ~~في زمنه محراب. انتهى. # وأما عندنا؛ فإن قلنا يلزمه الاستدلال بمحاريب يعملها للمسلمين كما هو ~~المقدم (¬4) في المذهب فلا يتأتى هذا. وإن قلنا على رواية أنه يجتهد فتأتي ~~هذه المسألة، ولنا رواية: أنه يجتهد ولو في المدينة. ولعل وجهها - والله ~~أعلم-: أن المحراب إنما وضع في زمن عمر بن عبد العزيز - كما تقدم، فهو لم ~~يوضع بوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - لاسيما مع حصول الزيادة. PageV01P285 # * الرابع والعشرون: يستحب الغسل لدخول المدينة كما يستحب لدخول مكة على ~~قول تقدمت الإشارة إليه، وذكر الشيخ تقي الدين منصوص أحمد. # * الخامس والعشرون: أنها حرم النبي - صلى الله عليه وسلم -كما قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها (¬1): أن لا ~~يهراق بها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف" رواه ~~مسلم (¬2). # ولام العلف الثانية ساكنة: قاله النووي. # * السادس والعشرون: روى البخاري: "من تصبح كل يوم سبع (¬3) تمرات عجوة لم ~~يضره ذلك اليوم سم ولا سحر" (¬4). وفي مسلم: "سبع تمرات مما بين لابتيها ~~حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي" (¬5). # * السابع والعشرون: إن تمرها يشفي من الجذام، كما روى الحافظ أبو أحمد بن ~~عبد الله بن عدي الجرجاني في "كامله" من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ينفع من الجذام أن يأخذ سبع تمرات ~~من عجوة المدينة كل يوم يفعل ذلك سبعة أيام" (¬6). # * الثامن والعشرون: روى ابن أبي خيثمة بسنده إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "من كان له بالمدينة أصل فليتمسك به، ومن لم يكن له فليجعل ~~له بها أصلا PageV01P286 # ولو قصرة" (¬1). # قال الخطابي: القصرة: النخلة. # * التاسع والعشرون: روى ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير"، عن مالك: إن ~~المدائن كلها افتتحت بالسيف، والمدينة افتتحت بالإيمان، ثم ساق سنده إلى ~~عائشة رضي ms126 الله عنها، قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف والرمح، وافتتحت ~~المدينة بالقرآن (¬2). # * الثلانون: لو نذر الصلاة في مسجد المدينة فإنه يجزيه، وفي مسجد مكة إن ~~قلنا إن مكة أفضل -كما (71/ أ) هو المشهور في المذاهب الثلاثة. # وإن قلنا إن المدينة أفضل: فلا يجزيه في غيره. # * الحادي والثلانون: إذا نذر المشي إلى مسجد المدينة فإنه يلزمه مع ~~الصلاة. # قال في "الفروع": ويتوجه أن مرادهم لغير المرأة لأفضلية بيتها. # * الثاني والثلاثون: أن الإيمان يأرز إليها - كما تأرز الحية إلى جحرها. ~~كما ثبت ذلك في "الصحيح" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3). # * الثالث والثلاثون: أن غبار المدينة شفاء من الجذام، كما نقله ابن ~~الجوزي في "مثير العزم الساكن" عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬4). PageV01P287 # * الرابع والثلاثون: أن من صلى في مسجدها أربعين صلاة: كتبت له براءة من ~~النار وبراءة من العذاب وبراءة من النفاق - كما تقدم. (¬1) # * الخامس والثلاثون: أن من دخل مسجدها يتعلم فيه خيرا أو يعلمه، كان ~~بمنزلة المجاهد في سبيل الله تعالى، وقد تقدم. (¬2) # * السادس والثلاثون: ذكر صاحب "المناهج" أن العطر والبخور يوجد لهما من ~~التضوع والرائحة الطيبة بطيبة أضعاف ما يوجد في سائر البلاد، وهي في نفسها ~~طيبة وإن لم يكن (¬3) فيها شيء من الطيب، كيف لا؛ وفيها تربة حوت سيد ~~المرسلين وإمام المتقين عليه صلوات الله وسلامه في كل حين. # ولله در القائل: # يا خير من دفنت في القاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # والقائل أيضا: # ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا # * السابع والثلاثون: أن من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين، كما ثبت ذلك في "الصحيح" عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬4). # * الثامن والثلاثون: لو نذر زيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقبر صاحبيه فظاهر كلام أصحابنا لزوم الوفاء به. PageV01P288 # وقال ابن كج من الشافعية: فيما إذا نذر زيارة قبر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: يلزمه الوفاء به وجها واحدا، وحكي فيما إذا ms127 نذر زيارة قبر ~~غيره وجهين في لزوم الوفاء، وأقره الرافعي وغيره. # * التاسع والثلاثون: أنه لا يصبر أحد على لأواء المدينة وجهدها (72/ أ) ~~إلا كان له النبي - صلى الله عليه وسلم - شفيعا أو شهيدا يوم القيامة -كما ~~ثبت ذلك في "الصحيح" (¬1). # * الأربعون: حقيق على الأمة حفظ جيران النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ~~اجتنبوا الكبائر، كما تقدم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في "الباب ~~التاسع"، أنه قال: "المدينة مهاجري، فيها مضجعي - وفي رواية: قبري (¬2) - ~~وفيها مبعثي، حقيق (¬3) على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر. من حفظهم ~~كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سقى من طينة الخبال" (¬4). # * * * PageV01P289 ### || AUTO الباب السابع عشر في صفة قبر النبي وقبر صاحبيه رضي الله عنهما # : # * ذكر ابن بطة في "الإبانة": صفة القبور، فذكر بسنده إلى عائشة رضي الله ~~عنها أنها وصفت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبرى أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما. وهذه القبور في سهوة في بيت عائشة رضي الله عنها؛ ورأس النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مما يلي المغرب، وقبر أبي بكر رضي الله عنه رأسه عند ~~رجلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقبر عمر رضي الله عنه خلف أبي بكر. ~~وبقي ثم موضع قبر. # وهذه صفة قبورهم على وصف أبي أويس عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة. # قال الشيح: "السهوة": هي الصفة، وفيها قبورهم. # * هذه هي صفة السهوة من الحجرة وصفة القبور فيها على ما ورد في هذا ~~الحديث، والله أعلم: # محمد - صلى الله عليه وسلم - ... الحجرة # أبو بكر ... السهوة # عمر # * ذكر بسنده؛ صفة أخرى عن رجاء بن حيوة (¬1)، وأن رأس أبي بكر PageV01P290 # رضي الله عنه عند وسط النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورأس عمر رضي الله ~~عنه عند وسط أبي بكر رضي الله عنه. انتهى. # فعلى هذا تكون صفتهم هكذا: # النبي - صلى الله عليه وسلم - # أبو بكر # عمر # * ذكر ابن بطة أيضا صفة أخرى؛ من رواية ابن مخلد بسنده إلى غنيم ابن ~~بسطام (¬1) المدائني ms128 قال: رأيت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم ~~(¬2) عمر بن العزيز، (72/ب) فرأيت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتفعا ~~نحوا من أربع أصابع عليه حتى إلى الحمرة ما هي (¬3). ورأيت قبر أبي بكر رضي ~~الله عنه وراء قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أسفل منه. ورأيت قبر عمر ~~رضي الله عنه وراء قبر أبي بكر رضي الله عنه أسفل منه. # ووصفه لنا ابن مخلد في هذا الحديث بالخط على هذا الشكل: # النبي - صلى الله عليه وسلم - # أبو بكر # عمر PageV01P291 # * ذكر صفة أخرى، من رواية القاسم بن محمد أنه قال: دخلت على عائشة رضي ~~الله عنها فقلت: يا أمه! اكشفي لي عن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطية، مبطوحة ببطحاء العرصة ~~الحمراء، قال: فرأيت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدما وقبر أبي بكر ~~رضي الله عنه عند رأسه، وقبر عمر رضي الله عنه عند رجل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # قال عمرو بن عثمان: فوصف لي القاسم قبورهم: # قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - # قبر أبي بكر رضي الله عنه ... قبر عمر رضي الله عنه # * وساقه من طريق آخر، عن القاسم كذلك، إلا أنه قال فيه: فرأيت قبر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - مقدما وأبا بكر عند رأسه: رجلاه بين كتفى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وعمر عند رجلي النبي - صلى الله عليه وسلم -. # * ذكر هذه الصفة؛ من طريق آخر عن مصعب بن الزبير، وزاد بعد أن مثل ~~قبورهم، قال إبراهيم الحربي: فرجلا عمر رضي الله عنه تحت الجدار. انتهى. # * قلت: قد روى حديث القاسم الذي تقدم أبو داود والحاكم على غير الصفة ~~المتقدمة؛ فإنهما رويا: أنها كشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا طية مبطوحة ~~ببطحاء العرصة الحمراء، زاد الحاكم: فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمر رأسه ~~عند رجلى النبي - صلى الله عليه ms129 وسلم -. # (73/ أ) وذكر ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" ثلاث صفات: # إحداها: التي نقلها ابن بطة عن القاسم. # والثانية: التي نقلها عن رجاء بن حيوة. PageV01P292 # والثالثة: التساوي؛ وهذه صفتها: # النبي - صلى الله عليه وسلم - # أبو بكر رضي الله عنه # عمر رضي الله عنه # قال ابن الجوزي: واختلف في قبره: هل هو مسنم أو مسطح؛ فروي الوصفان ~~جميعا. انتهى (¬1). # والتسنيم أفضل؛ عند أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية. # وفي البخاري، عن سفيان التمار أنه قال: رأيت قبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مسنما (¬2). # وزاد أبو (¬3) نعيم في "المستخرج": وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كذلك. # ومنصوص الشافعي: التسطيح أفضل. # وفي مسلم: من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بتسويتها (¬4). # * روى ابن بطة بسنده إلى حبيان بن ثابت رضي الله عنه، أنه قال في النبي ~~وفي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: # ثلاثة برزوا بفضلهم ... نضرهم ربهم إذا نشروا PageV01P293 # فليس من مؤمن له بصر ... ينكر تفضيلهم إذا ذكروا # عاشوا بلا فرقة ثلاثتهم ... واجتمعوا في الممات إذ قبروا # * قال ابن بطة: قال لي أبو بكر محمد بن الحسين: سألت أبا بكر أحمد بن ~~غزال - قال أبو بكر: وكان ابن غزال من أهل السير وأهل القرآن والنحو ~~والأدب، وكان من جلساء أبي بكر بن الأنباري - أن ينشدني، فأنشدني شيئا في ~~دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنشدني: # ألا إن النبي وصاحبيه ... كمثل الفرقدين، بلا افتراق # على رغم الروافض قد تصافوا ... وعاشوا في المودة باتفاق # وصاروا بعد موتهم جميعا ... إلى قبر تضمن باعتناق # إلى ما منه قد خلقوا أعيدوا ... ومنها يبعثون إلى السياق # فقل للرافضى تعست يا من ... يبابن في العداوة والشقاق # لأهل السبق والأفضال حق ... طوال الدهر، يطرح في وثاق # فعند الموت تبصر سوء هذا ... وبعد الموت تحشر (73/ب) في الخناق # وأهل البيت حبهم بقلبي ... وأصحاب النبي، كذي وثاق # بهم نرجو السلامة ms130 من جحيم ... تسعر للمخالف باحتراق # وفوزا في الجنان بدار خلد ... وتلقي (¬1) بالتحية في التلاقي # وهذا واضح، شكرا لربي ... مكين عند أهل الحق باقي # * * * PageV01P294 ### || AUTO الباب الثامن عشر في ذكر مسجد قباء وأهله # : # روى ابن النجار بسنده، إلى عويمر بن ساعدة، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لأهل قبا: "إن الله تعالى قد أحسن الثناء عليكم في كتابه ~~العزيز، فقال تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (¬1)} ~~(¬2). ما هذا الطهور؟ فقالوا: ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من ~~اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا" (¬3). # وفي "الصحيح": أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يزور قبا راكبا ~~وماشيا (¬4). # وفي رواية عن ابن عمر: أنه كان يأتي قبا كل سبت ويقول: رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يأتيه كل سبت (¬5). # وعن سهل بن حنيف، عن أبيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ~~توضأ فأسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له أجر عمرة" (¬6). # ونقل الطبراني في "معجمه" (¬7) عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من توضأ PageV01P295 # فأحسن وضوءه ثم دخل مسجد قباء يركع فيه أربع ركعات، كان ذلك عدل عمرة". # أخرجه أحمد والنسائي، وقال الترمذي حديث حسن صحيح (¬1). # وروى عمر بن شبة في "أخبار المدينة" بإسناد صحيح، عن سعد بن أبي وقاص، ~~قال: لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو ~~يعلمون ما في قبا لضربوا إليه أكباد الإبل (¬2). # و"قبا": بضم القاف وباء موحدة ممدود عند الأكثر، وأنكر السكري قصره، لكن ~~حكاه صاحب "العين". # قال البكري: من العرب من يذكره فيصرفه، ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه. # قال في "المطالع": هو على ثلاثة أميال من المدينة، وقال ياقوت والباجي: ~~على ميلين على يسار قاصد مكة، وهو من عوالي المدينة، وهذا معنى كلام القاضي ~~عياض. فإنه قال: بنو عمرو بن عوف على ثلثي فرسخ، ومسجد قباء: هو مسجد (74/ ~~أ) بني عمرو بن عوف، ms131 وهو أول مسجد أسسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3). # وذهب قوم؛ إلى أنه المسجد الذي أسس على التقوى. وهو رواية عطية عن ابن ~~عباس، وقول عروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وقتادة. # * قال ابن النجار: ذرعت مسجد قبا، فكان طوله: ثمانية وستين ذراعا PageV01P296 # يشف قليلا وعرضه كذلك، وارتفاعه في السماء: عشرون، والمنارة على يمين ~~المصلى وهي مربعة (¬1). # وإنما سميت قباء؛ ببير كانت بها تسمى: "قتارا" فتطيروا منها، فسموها ~~قباء، كما نقله ابن زبالة، والله أعلم. # * * * PageV01P297 ### | CHECK الكتاب الثالث في ذكر المسجد الأقصى وما يتعلق به # * الكتاب الثالث * في ذكر المسجد الأقصى وما يتعلق به وفيه خمسة أبواب ### || AUTO الباب الأول في معنى اسمه وابتداء بنائه # * قيل: سمي أقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل: في الزمن، وقيل: ~~لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، وقيل: هو ~~أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة وبيت المقدس أبعد منه (¬1). # والمسجد الأقصى: هو من إضافة الموصوف إلى الصفة. # وقد جوزه الكوفيون؛ واستشهدوا له بقوله تعالى: {وما كنت بجانب الغربي} (¬2). # والبصريون؛ يأولونه بإضمار المكان، أي: بجانب المكان (¬3) الغربي ومسجد ~~المكان الأقصى ونحو ذلك (¬4). PageV01P298 # * أما بناؤه: فقد ثبت في "الصحيح": أن أبا ذر قال: قلت يا رسول الله! أي ~~مسجد وضع في الأرض أول؟ قال "المسجد الحرام"، قال: قلت ثم أي، قال: "المسجد ~~الأقصى"، قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنة ثم أين ما أدركتك (¬1) ~~الصلاة فصل" (¬2). # * قوله: "أول": هو بضم اللام، قال أبو البقاء: هي ضمة بناء لقطعه عن ~~الإضافة، مثل: قبل وبعد، والتقدير: أول كل شيء، ويجوز الفتح مصروفا وغير مصروف. # * قوله: "أربعون سنة": قال ابن الجوزي: فيه إشكال؛ لأن إبراهيم عليه ~~السلام بنى الكعبة، وسليمان عليه السلام بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ~~ألف سنة. انتهى. # * قلت: مستنده في أن سليمان هو الذي بنى الأقصى؛ ما رواه النسائي (74/ ب) ~~من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا بإسناد صحيح: "إن سليمان عليه ~~السلام لما ms132 بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين، ~~وأرجو أن يكون أعطاه الثالثة: سأله ملكا لا ينبغي لأحد بعده، فأعطاه إياه. ~~وسأله حكما يواطي حكمه فأعطاه إياه، وسأله من أتى هذا البيت - يريد بيت ~~المقدس - لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج من الذنوب كيوم ولدته أمه، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة". # رواه: ابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، PageV01P299 # وقال صحيح على شرط الشيخين ولا علة له (¬1). # * قال ابن الجوزي: وجوابه؛ أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد، ~~وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة، ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس. # فقد روينا: أن أول من بنى الكعبة: آدم عليه السلام، ثم انتشر ولده في الأرض. # فجائز؛ أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم عليه السلام ~~الكعبة بنص القرآن. # وكذا قال القرطبي: إن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان عليهما ~~السلام بنيا المسجدين ابتديا وضعهما لهما؛ بل ذلك تجديد لما كان أسسه ~~غيرهما. # * قال ابن حجر: وقد مشى ابن حبان على ظاهر هذا الحديث؛ فقال: في هذا ~~الخبر رد على من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف سنة. وتعقبه الحافظ الضياء ~~بنحو ما أجاب به ابن الجوزي. # وقال الخطابي: يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء ~~الله تعالى قبل داود وسليمان، ثم بناه داود وسليمان عليهما السلام فزادا ~~فيه ووسعاه، فأضيف إليهما بناؤه. # قال: وقد نسب هذا المسجد إلى إيلياء؛ فيحتمل أن يكون هذا بانيه وغيره. PageV01P300 # قال ابن حجر: الاحتمال الذي ذكره أولا موجه، وقد رأيت لغيره أن أول من ~~أسس المسجد الأقصى: يعقوب عليه السلام؛ لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزي أوجه. # وقد وجدت ما يشهد له؛ فذكر ابن هشام في كتاب (75/ أ) "التيجان": أن آدم ~~عليه السلام لما بنى الكعبة أمره الله تعالى بالمسير إلى بيت المقدس وأن ~~يبنيه، فبناه ونسك فيه. وبناء (¬1) آدم عليه ms133 السلام للبيت مشهور (¬2)، وقد ~~تقدم في ذكر بناء البيت. # قال ابن حجر: وأما ظن الخطابي أن إيلياء اسم رجل؛ ففيه نظر، بل هو اسم ~~البلد (¬3)؛ فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة، ومسجد مكة. # * قال أبو عبيد البكري في "معجم البلدان": إيلياء (¬4) مدينة بيت المقدس، ~~ولو كان ما قاله الخطابي منقولا لأمكن أن يقال إنها سميت باسم بانيها ~~كغيرها. انتهى (¬5). # * قلت: قد وجدت ما يشهد لصحة الأعمرة الذي ذكره الخطابي، وهو ما ذكره ~~سعيد بن برزة بترك الإسكندرية في تاريخه المعروف عند الفقهاء الذي سماه: ~~"نظم الجوهر" أن إيلياء اسم ملك، وأنها امرأة يسكن (المدن يهودي وأن يقتلوا ~~ويستأصلوا وأنها تسكن المدن اليونان وبنوا بها الهياكل وأن يجعلوا فوقها ~~ألواحا ويكتبوا عليها اسم إيلياء الملك، والبرج اليوم على باب PageV01P301 # مدينة بيت المقدس ويسمى محراب داود، قال: فسمي بيت المقدس إلى هذا (¬1) ~~الآن إيلياء). # * وروى البيهقي في "سننه" عن أبي هريرة قال: "لما أراد عمر - رضي الله ~~عنه - أن يزيد في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقعت زيادة على ~~دار العباس، فأراد عمر أن يدخلها في المسجد ويعوضه منها، فأبى، وقال: قطيعة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاحتملا، فجعلا بينهما أبى بن كعب، ~~فأتياه في منزله. وكان يسمى سيد المسلمين، فأمر لهما بوسادة فألقيت لهما ~~فجلسا عليها بين يديه، فذكر عمر ما أراد، وذكر العباس قطيعة رسول الله، ~~فقال أبى: أرى الله عز وجل أمر عبده ونبيه داود عليه السلام أن يبني له ~~بيتا، فقال: أى رب، وأين هذا البيت؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه، فرآه ~~على الصخرة. وإذا ما هناك يومئذ أنذر لغلام من بني إسرائيل فأتاه داود، ~~فقال: إني قد أمرت أن أبني هذا المكان بيتا لله تعالى، فقال له الفتى: آلله ~~أمرك أن تأخذ مني بغير رضائي؟ قال: لا. فأوحى الله تعالى إلى داود عليه ~~السلام: "إني قد جعلت في يدك خزائن الأرض فأرضه"، فأتاه داود فقال: إني قد ~~أمرت برضاك، فلك بها قنطار ms134 من ذهب، فقال: (75/ ب) قد قبلت؛ فياداود هي خير ~~أم القنطار؟ قال: بل هي خير، قال: فأرضني! قال: فلك بها ثلاثة قناطير! قال: ~~فلم يزل يشدد على داود حتى أخذها منه بتسع قناطير. # قال العباس: اللهم لا آخذ لها ثوابا، وقد تصدقت بها على جماعة المسلمين، ~~فقبلها عمر، فأدخلها في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # * وروى أبو القاسم الطبراني في "المعجم الكبير" بسنده إلى رافع بن PageV01P302 # عمير، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله عز ~~وجل لداود ابن لي بيتا في الأرض، فبنى داود بيتا لنفسه مثل البيت الذي أمر، ~~فأوحى الله عز وجل إليه: يا دواد نصبت بيتك مثل بيتي، قال: أي رب هكذا قلت ~~فيما قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد. فلما تم السور سقط ثلثاه، ~~فشكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله تعالى إليه: إنه لا يصلح أن تبنى لي ~~بيتا. قال: أي رب، ولم؟ قال لما خربت على يديك من الدنيا. قال: أي رب، ولم ~~يكن ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى؛ ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم، فشق ذلك ~~عليه. فأوحى الله تعالى إليه: إني سأقضي بناءه على يدى ابنك سليمان. فلما ~~مات داود: أخذ سليمان في بنائه، فلما تم، قرب القرابين وذبح الذبائح، وجمع ~~بني إسرائيل، فأوحى الله تعالى إليه: سلني أعطك! قال: أسألك ثلاث خصال: # حكما يصادف حكمك. # وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي. # ومن أتى هذا البيت لا يريد به إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما اثنتين (¬1) فقد أعطيهما ~~وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة" (¬2). # وعن كعب الأحبار: أن سليمان عليه السلام بنى بيت المقدس على أساس قديم ~~كان أسسه سام بن نوح. PageV01P303 # وعن عطاء الخراساني، قال: بيت المقدس بنته الأنبياء. والله ما فيه موضع ~~شبر إلا وقد سجد فيه نبي. # * * * PageV01P304 ### || AUTO الباب الثاني في فضله وفضل الصلاة فيه # : # قال الله تعالى: ms135 {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} (¬1). (76/أ) # هذه الآية معظمة لقدره؛ بإسراء سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إليه قبل عروجه إلى السماء، وإخبار الله تعالى بالبركة حوله، وفيه تأويلان: # أحدهما: بمن جعل حوله من الأنبياء المصطفين (¬2) الأخيار. # والثاني: لكثرة الثمار ومجاري الأنهار. # وقد قال تعالى: {ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا ~~الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم} (¬3). # وقال تعالى: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} (¬4). # وفي "الصحيحين": "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا والمسجد ~~الحرام والمسجد الأقصى" (¬5). PageV01P305 # وروى أبو المعالي المقدسي في "فضائل بيت المقدس"، عن أنس بن مالك؛ أنه ~~قال: إن الجنة تحن شوقا إلى بيت المقدس. وصخر بيت المقدس من جنة الفردوس، ~~وهي خير الأرض". # * أما فضيلة (¬1) الصلاة فيه ومضاعفتها؛ فقد اختلفت الأحاديث فيها: فورد: ~~أنها فيه (¬2) بخمسمائة. # وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: إنه الصواب. # وقد رواه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: "الصلاة في المسجد ~~الحرام بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس ~~بخمسمائة صلاة" (¬3). قال البزار: إسناده حسن. # * وورد: أنها بألف - كما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث ميمونة ~~مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: "يا نبي الله أفتنا في بيت ~~المقدس؟ قال: أرض المحشر والمنشر، إيتوه فصلوا فيه؛ فإن صلاة فيه كألف صلاة ~~في غيره، قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: فليهد له ~~زيتا يسرج فيه؛ فإن من أهدى كان كمن صلى فيه" (¬4). # قال بعضهم: فيه نكارة من جهة أن الزيت يعز في الحجاز؛ فكيف يأمر الشرع ~~بنقله من هناك إلى معدنه. # "المحشر": بكسر الميم: الموضع الذي يحشر الناس فيه، أي: PageV01P306 # يجمعوا (¬1)، وبالفتح المصدر. # وذكر صاحب "مختصر العين": أن "المحشر": بالكسر والفتح: الموضع الذي يحشر الناس. # و"المنشر": موضع النشور، وهو قيام الموتى (76/ ب) من قبورهم. # * وورد: أنها بخمسين ألفا؛ لما روى ms136 ابن ماجه في "سننه" من حديث أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الرجل في بيته ~~بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي ~~يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته ~~في مسجدي بخمسمائة ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة" (¬2). # في إسناده أبو الخطاب الدمشقي، وهو لا يعرف. # وأطلق في: "عيون المسائل" و"المستوعب" و"الرعاية" وغيرها: أنها بالأقصى ~~بخمسة وعشرين ألفا، ولعل مستنده حديث أنس المتقدم إن كان ورد في بعض طرقه ~~أنها بالأقصى كذلك؛ لأنه (¬3) فيه أنه مساو لمسجد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # * وورد ما يدل أنها بمائتين وخمسين كما روى الطبراني في "معجمه"، من حديث ~~أبي ذر: "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه" (¬4) - PageV01P307 # يعني بيت المقدس - وساق بقيته، فدل أنها ببيت (¬1) المقدس بمائتين ~~وخمسين. # * وروى أبو بكر الواسطي عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من صلى في بيت المقدس خمس صلوات نافلة، كل صلاة أربع ركعات يقرأ في ~~الخمس عشرة آلاف {قل هو الله أحد} فقد اشترى نفسه من الله تبارك وتعالى ~~وليس للنار عليه سلطان" (¬2). # * قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: وروي أن الصلاة فيه بخمسين صلاة، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج صلى في بيت المقدس ركعتين - ~~كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح (¬3). # * * * PageV01P308 ### || CHECK الباب الثالث في ذكر فتح بيت المقدس ومصلى المسلمين الذي بناه عمر رضي الله عنه والصخرة وغير ذلك # الباب الثالث في ذكر فتح بيت المقدس ومصلى المسلمين الذي بناه عمر (¬1) ~~رضي الله عنه والصخرة وغير ذلك: # * فقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أعدد ستا بين ~~يدى الساعة، فذكر منها فتح بيت المقدس (¬2)، ففتحه عمر - رضي الله عنه - ~~صلحا لخمس خلون من ذي القعدة سنة ست عشرة من الهجرة بعد موت سيدنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - (77/ أ) بخمس سنين وأشهر. # * قال الشيخ ms137 تقي الدين بن تيمية: لما فتح عمر - رضي الله عنه - بيت ~~المقدس، وجد النصارى قد ألقت على الصخرة زبالة عظيمة؛ لأن النصارى كانوا ~~يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلون إليها، فأزالها ونظفها، وقال ~~لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مصلى المسلمين، فقال: خلف الصخرة فزجره عمر ~~- رضي الله عنه -، وقال: خالطتك يهودية، بل إنما نبنيه أمامها فإن لنا صدور ~~المجالس، فبناه في قبلي المسجد، وهو الذي يسميه كثير من العامة اليوم ~~الأقصى. # والأقصى: اسم للمسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام كله في هذا ~~المصلى الذي بناه عمر - رضي الله عنه - أفضل منها في سائر المسجد. # * وقد روي: أن عمر - رضي الله عنه - صلى في محراب داود عليه PageV01P309 # السلام، وأما الصخرة فلم يصل عندها عمر - رضي الله عنه - ولا الصحابة رضي ~~الله عنهم. # ولهذا؛ لما قدم الأوزاعي بيت المقدس، توضأ، ثم جعل الصخرة وراء ظهره، ~~وصلى ثماني ركعات وصلى الخمس صلوات، ثم قال: هكذا فعل عمر بن عبد العزيز - ~~رضي الله عنه -، ولم يأت شيئا من تلك الأماكن. # * وروى الإمام أحمد في "مسنده" أن عمر بن الخطاب رضي الله [عنه] كان ~~بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس، قال عبيد بن آدم: سمعت عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة؛ ~~فكان القدس كلها بين يديك فقال عمر: ضاهيت اليهودية! ولكن أصلي حيث صلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط ~~رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس (¬1). # * وقد كانت الصخرة مكشوفة في خلافة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ~~ومعاوية، ويزيد بن معاوية، ومروان، ولكن؛ لما أخذ عبد الملك بن مروان الشام ~~ووقع بينه وبين ابن الزبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير، ~~فأراد عبد الملك أن يصرف الناس عن ابن الزبير، فبنى لهم القبة على الصخرة، ~~وكساها في (77/ أ) الشتاء والصيف؛ ليرغب الناس في زيارة بيت المقدس، ويصدهم ~~بذلك عن ابن الزبير. # * وأما ms138 أهل العلم من الصحابة والتابعين؛ فلم يكونوا يعظمون الصخرة؛ فإنها ~~كانت قبلة ثم نسخت - كما أن يوم السبت كان عيدا في شريعة موسى عليه السلام ~~ثم نسخ في شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - بيوم الجمعة، فليس للمسلمين ~~أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة - كما يفعله اليهود والنصارى، وكذلك PageV01P310 # الصخرة؛ إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى. # وما يذكره بعض الجهال: أن هناك أثر قدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأثر عمامته أو غير ذلك: فكله كذب. # وكذلك المكان الذي يذكر أنه مهد عيسى عليه السلام: كذب؛ وإنما كان موضع ~~معمودية النصارى. # وكذلك من زعم؛ أن هناك الصراط والميزان والسور الذي يضرب به بين الجنة ~~والنار، هو ذلك الحائط المبني شرقي المسجد. # وكذلك تعظيم السلسلة أو موضعها: ليس مشروعا، وليس بيت (¬1) المقدس مكان ~~تفضله العبادة سوى المسجد الأقصى. # * وقد ذكر طائفة من المتأخرين: أن اليمين تغلظ عند الصخرة، وليس هذا في ~~كلام أحمد ولا غيره من الأئمة، فليس له أصل؛ بل تغلظ هناك عند المنبر - كما ~~في سائر المساجد. # * وليس ببيت المقدس مكان يسمى: حرما، ولا بقرية الخليل، ولا بغير ذلك من ~~البقاع؛ إلا ثلاثة أماكن: # أحدها: حرم باتفاق المسلمين، وهو حرم مكة. # والثاني: حرم عند جمهور العلماء - كمالك، والشافعي، وأحمد، وهو: حرم ~~المدينة. # والثالث: وج: وهو واد بالطائف؛ فإن هذا روي فيه حديث رواه أحمد في ~~"المسند" (¬2)، وليس في الصحاح؛ فهو حرم: عند الشافعي؛ لاعتقاده PageV01P311 # صحة الحديث. وليس حرما عند أكثر العلماء. وأحمد ضعف الحديث المروي فيه، ~~ولم يأخذ به. # * * * PageV01P312 ### || AUTO الباب الرابع في أسمائها # : # * الأول: "إيلياء"، بهمزة مكسورة بعدها ياء آخر الحرف ساكنة ثم لام ~~مكسورة ثم ياء آخر الحروف مفتوحة ثم ألف ممدودة. # * الثاني: "إليا"، (78/ أ) كما تقدم إلا أنه مقصور، قيل معناه بيت الله. # وعن كعب الأحبار: أنه كره أن يسمى بإيلياء؛ ولكن: بيت الله المقدس. # * الثالث: "إلياء"، بحذف الياء الأولى وسكون اللام والمد، حكاها صاحب ~~"الطوالع" (¬1). # * الرابع: "الإليا"، بالألف واللام - ذكره أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، ms139 ~~عن ابن عباس، واستغربه النووي. # * الخامس: "بيت المقدس": بفتح الميم وإسكان القاف، أي: المكان الذي يطهر ~~فيه من الذنوب. # قال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يكون مصدرا - كقوله تعالى: {إليه مرجعكم ~~جميعا}، ونحوه من المصادر، ويحتمل أن يكون مكانا؛ على معنى: أنه بيت المكان ~~الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة. # وتطهيره: إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها. PageV01P313 # * السادس: "البيت المقدس": بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة: أي: ~~المطهر. # * قال ابن سراقة: ويقال: "الأرض المقدسة": ثلاثة: فلسطين والأردن ودمشق؛ ~~وهو ما أدركه بصر إبراهيم عليه السلام حين رفع على الجبل، وقيل له: ما أدرك ~~بصرك؛ فهو ميراث لك ولولدك من بعدك. # * السابع: "القدس"، بضم القاف وإسكان الدال من غير ميم. # * الثامن: "القدس"، بضم القاف والدال. # * التاسع: "شلم"، بالشين المعجمة وتشديد اللام. # * العاشر: "سلم"، بالمهملة وتشديد اللام؛ لكثرة سلام الملائكة فيه. # قال ابن بري: وأصله شلم بالشين المعجمة؛ لأن شين العجمية في العربية: ~~سين، فالسلام: شلام، واللسان: لشان، والاسم: اشم. # * الحادي عشر: "شلام"، بالمعجمة على وزن فعال، حكاه ابن القطاع في ~~"الأبنية" له. # * الثاني عشر: "سلم" بفتح المهملة وكسر اللام الخفيفة. # قال ابن الأثير في "النهاية": شلم بالمعجمة وتشديد اللام: اسم بيت ~~المقدس. ويروى بالمهملة وكسر اللام كأنه عربه، ومعناه بالعبرانية: بيت ~~السلام. # * الثالث عشر: "أوري شلم"، بضم الهمزة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ~~وفتح الشين المعجمة وكسر (78/ ب) اللام المخففة، كذا قاله أبو عبيدة معمر ~~بن المثنى. PageV01P314 # أنشد الأعشى: # وقد طفت للمال آفاقه ... دمشق فحمص فأوري شلم # والأكثرون؛ بفتح الشين واللام. # * الرابع عشر: "كورة إليا". # * الخامس عشر: "أورشليم". # * السادس عشر: "يشليم". # * السابع عشر: "بيت إيل". # * الثامن عشر: "صهيون". # * التاسع عشر: "مصروث"، بالصاد المهملة والثاء المثلثة. # * العشرون: "كورسيلا". # * الحادي والعشرون: "بابوش"، بموحدتين وآخره شين معجمة. # * الثاني والعشرون: "القرية"، قال الله تعالى: {وإذ قلنا ادخلوا هذه ~~القرية} (¬1). # قال مجاهد هي بيت المقدس، وقال مقاتل: "إيليا". # * * * PageV01P315 ### || AUTO الباب الخامس في ذكر جملة من خصائصه وأحكامه # : # * الأول: أن الله تعالى خصه بإسراء نبيه - صلى ms140 الله عليه وسلم - إليه ~~بقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى} (¬1). # * الثاني: أن منه حصل المعراج بسيد الأولين والآخرين صلوات (¬2) الله ~~وسلامه عليه وناهيك بها (¬3) من فضيلة. # واختلفوا في وقت المعراج: # فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ؛ إلا إن حمل أنه حينئذ وقع في المنام. # وذهب الأكثر: إلى أنه كان بعد المبعث. # ثم اختلفوا؛ فذهب الأكثر إلى أنه كان في ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. ~~وبالغ ابن حزم؛ فنقل الإجماع على ذلك. # وقيل: قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي، وأخرجه من طريقه (¬4) ~~الطبري والبيهقي. فعلى هذا؛ كان في شوال. PageV01P316 # وقيل: كان في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النووي في "الروضة". # وقيل: بثمانية عشر شهرا - حكاه ابن عبد البر، وقبله ابن قتيبة؛ فعلى هذا: ~~يكون في رمضان. # وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر؛ فعلى هذا: يكون في ذي الحجة، وبه ~~جزم ابن فارس. # وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين - حكاه ابن الأثير، واختار ابن المنير تبعا ~~للحربي: أنه كان في سابع عشر (¬1) ربيع الآخر، وكذا جزم به النووي في ~~"فتاويه"؛ لكن قال في "شرح مسلم": ربيع الأول. # * وحكى عياض عن الزهري: أنه كان بعد المبعث (79/ أ) بخمس سنين، وعليه يدل ~~كلام ابن إسحاق وصنيع ابن عساكر. # وأما البخاري؛ فصنيعه يدل: أنه كان قبل الهجرة بسنة أو سنتين. # واستنبط ابن المنير: أنه كان يوم الاثنين؛ لأنه ولد فيه، وبعث فيه، وهاجر ~~فيه، ومات فيه. # وقد روى ابن (¬2) أبي شيبة ما يوافقه من حديث جابر وابن عباس؛ قالا: ولد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى ~~السماء، وفيه مات. # ورجح القرطبي والنووي تبعا لعياض قول الزهري. انتهى ملخصا؛ غالبه من شرح ~~البخاري لابن حجر. PageV01P317 # وقد تقدم في الحديث الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى تلك ~~الليلة ببيت المقدس ركعتين، وكذا تقدم في "المسند": أنه صلى (¬1)، ورواه ~~البزار في "مسنده"، لكن ذكر ابن حبان في "صحيحه": ms141 أنه لم يصل (¬2). # * الثالث: مضاعفة الصلاة فيه، وقد تقدمت، وتقدم ذكر الخلاف في قدرها. # * الرابع: استحباب شد الرحال إليه، ففي "الصحيحين": "لا تشد الرحال إلا ~~إلى ثلاثة مساجد، فذكر منها المسجد الأقصى" (¬3). # * الخامس: يستحب ختم القرآن به، كما روى سعيد بن منصور في "سننه"، عن أبي ~~مجلز، قال: كانوا يستحبون لمن أتى المساجد الثلاثة أن يختم بها القرآن قبل ~~أن يخرج: المسجد الحرام ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومسجد بيت ~~المقدس. # وروى أبو المعالي: أن سفيان الثوري كان يختم به القرآن. # * السادس: يستحب الصيام فيه. فقد روي "صوم يوم في بيت المقدس: براءة من ~~النار". # * السابع: ذكر بعض الشافعية استحباب الحج والعمرة منه؛ لخبر أم حكيم عن ~~أم سلمة مرفوعا: "من أهل بعمرة من بيت المقدس: غفر له". # رواه ابن ماجه (¬4) من رواية ابن إسحاق - وهو مدلس - وصرح بالسماع. PageV01P318 # ولأحمد من روايته - وصرح بالسماع -: "من أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو ~~بحجة: غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬1). # وفي لفظ له من رواية ابن لهيعة: "من أحرم من بيت المقدس: غفر له ما تقدم ~~من ذنبه" (¬2). # وفي رواية لأبي داود: "من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد ~~الحرام: غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة" (¬3) شك عبد ~~الله أيهما قال، إسناده جيد (79/ ب) ليس فيه ابن إسحاق. # وأما عندنا فلا يستحب الإحرام قبل الميقات. # وأجاب القاضي أبو يعلى في "التعليق" عن الحديث المتقدم؛ بأن قوله: "من ~~أهل": معناه من قصد من المسجد الأقصى، ويكون إحرامه من الميقات. # وأجاب الشيخ موفق الدين؛ بتضعيف الخبر؛ لأنه يرويه ابن أبي فديك وابن ~~إسحاق وفيهما مقال، ثم قال: ويحتمل اختصاص هذا ببيت (¬4) المقدس دون غيره ~~ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحد؛ ولذلك أحرم ابن عمر منه ولم ~~يكن يحرم من غيره إلا من الميقات. # قلت: الاحتمال الثاني الذي ذكره الشيخ: أظهر؛ فإن ابن إسحاق مدلس وقد صرح ~~بالسماع عن ابن أبي فديك ثقة ms142 محتج به في الكتب الستة، وانفرد ابن سعد بقوله ~~وليس بحجة. PageV01P319 # * الثامن: يستحب لمن لم يقدر على زيارته أن يهدي له زيتا لما تقدم من ~~حديث ميمونة (¬1). ذكره بعض الشافعية. # * التاسع: حكى عن بعض السلف: أن السيئات تضاعف فيه. # روي ذلك: عن كعب الأحبار، وذكر أبو بكر الواسطي، عن نافع، قال: قال لي ~~ابن عمر: اخرج بنا من هذا المسجد؛ فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف ~~الحسنات. # * العاشر: أن الدجال لا يدخل بيت المقدس. # روى ذلك: أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2)، عن سمرة بن جندب، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر الدجال، وقال: "وإنه سيظهر على الأرض ~~كلها إلا الحرم وبيت المقدس، وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس". # وأخرجه الحاكم في "مستدركه" من كتاب صلاة الكسوف، وقال: صحيح على شرط ~~الشيخين ولم يخرجاه (¬3). # وروى الإمام أحمد في "مسنده"، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذكر ~~الدجال، إلى أن قال: "وإنه يلبث فيكم أربعين صباحا يرد فيها كل منهل إلا ~~أربع مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والطور، ومسجد الأقصى" (¬4). # * الحادي عشر: قال في "إعلام الساجد": الصخرة في المسجد الأقصى كالحجر ~~الأسود في المسجد الحرام. PageV01P320 # قال: ولما فدي إسماعيل بالكبش ذبحه إبراهيم عليهما السلام عليها، فاختار ~~الله ذلك الموضع لقربان خليله (80/أ) - صلى الله عليه وسلم -، ومن عليه ~~بفدا ابنه، فهو محل للرحمة. # قلت: وفيه نظر ظاهر؛ وقد تقدم كلام الشيخ تقي الدين في الصخرة. # وذكر الترمذي في التفسير من "جامعه": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لما كان ليلة أسرى بي أتى جبريل الصخرة ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها ~~فخرقها فشد بها البراق" (¬1). # وروى أبو نعيم، عن وهب بن منبه، قال: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: ~~"لأضعن عليك عرشي ولأحشرن عليك خلقي، وليأتينك داود راكبا" (¬2). # * الثاني عشر: أن الصخرة محل نداء القيامة في قوله تعالى: {واستمع يوم ~~يناد المناد من مكان قريب} (¬3). # قال الفراء: واستمع يا محمد صيحة (¬4) القيامة والنشور يوم ينادي ~~المنادي. # قال تعالى: ms143 يعني: إسرافيل عليه السلام ينادي بالحشر: يا أيتها العظام ~~البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله ~~يأمركن أن تجتمعن (¬5) لفصل القضاء من مكان قريب من صخرة بيت المقدس. PageV01P321 # * الثالث عشر: أنها أقرب الأرض إلى السماء. # قال تعالى: {من مكان قريب}: قال الكلبي: هي أقرب الأرض إلى السماء ~~بثمانية عشر ميلا. # وقال القشيري: باثني عشر ميلا. # * الرابع عشر: أنها وسط الأرض جزم به صاحب "المصابيح". # * الخامس عشر: يكره استقبال بيت المقدس بالبول والغائط، في ظاهر ما نقله ~~حنبل عن الإمام أحمد. # وقال النووي في "الروضة": يكره استقباله واستدباره بهما. # * السادس عشر: روي أنه من دفن ببيت المقدس؛ وقى فتنة القبر وسؤال ~~الملكين. # * السابع عشر: من مات في بيت المقدس؛ فكأنما مات في السماء - كما رواه ~~أبو نعيم في "تاريخ أصبهان"، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: "من مات في بيت المقدس فكأنما مات في السماء" (¬1). # * الثامن عشر: روى الخطيب في كتابه: "الموضح أوهام الجمع والتفريق" من ~~حديث جابر يرفعه: "أول من يدخل الجنة الأنبياء ثم مؤذنو البيت ثم مؤذنو بيت ~~المقدس ثم مؤذنو مسجدي ثم سائر المؤذنين، قال: ومؤذن البيت بلال" (80/ ب) ~~قال الخطيب: غريب (¬2). # * التاسع عشر: ليحذر من اليمين الفاجرة فيه وكذا في المسجدين، فإن ~~عقوبتها عاجلة. PageV01P322 # وروى: أن عمر بن عبد العزيز أمر كل عمال سليمان بن عبد الملك إلى الصخرة ~~ليحلفوا عندها، فحلفوا؛ إلا واحدا فدا يمينه بألف دينار، فما حال الحول على ~~واحد منهم، بل ماتوا كلهم. # * العشرون: في "الصحيحين": "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا ~~يضرهم من خالفهم" الحديث (¬1). # قال الطبري في روايته: قيل: فأين هم يا رسول الله، قال: "ببيت المقدس، أو ~~بأكناف بيت المقدس" (¬2). # وروى أبو يعلى الموصلي، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وعلى أبواب بيت ~~المقدس لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة" ms144 (¬3). # * الحادي والعشرون: تقدم أن صلاة العيد في الصحراء أفضل إلا في مكة؛ ~~لمعاينة الكعبة، وألحق بعض الشافعية المسجد الأقصى بمسجد مكة، منهم: ~~الصيدلاني، وصاحب "الخصال"، والماوردي، والروياني، والبغوي، والبندنيجي، ~~والجويني في "مختصره"، والغزالي في "خلاصته"، والخوارزمي في "الكافي"؛ ~~وعلله بعضهم: بأن المعنى في مسجد مكة؛ لما فيه من الفضل والسعة، والمسجد ~~الأقصى يجمعهما. وسكتوا عن مسجد المدينة؛ لصغره. # وأما أصحاب الإمام أحمد؛ فإنهم لم يستثنوا إلا المسجد الحرام. PageV01P323 # * الثاني والعشرون: قال ابن سراقة في كتاب "الأعداد": أكبر مساجد الإسلام ~~واحد، وهو: مسجد بيت المقدس. # وقيل: ما تم فيه صف واحد قط في عيد ولا جمعة ولا غير ذلك! ! انتهى. # * الثالث والعشرون: أن الله تعالى بارك حوله - كما في قوله تعالى: {سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا ~~حوله} (¬1). # * الرابع والعشرون: الصخرة من جنة الفردوس - كما تقدم في أثر أنس. # * الخامس والعشرون: أن الجنة تحن شوقا إلى بيت المقدس - كما تقدم أيضا. # * السادس والعشرون: أن من قصده لا يريد إلا الصلاة فيه: يرجى له أن يخرج ~~من ذنوبه (81/ أ) كيوم ولدته أمه - كما تقدم في الباب الأول من سؤال سليمان ~~عليه السلام. # * السابع والعشرون: أنه ثاني مساجد الدنيا وضعا - كما ثبت في "الصحيحين" ~~من حديث أبي ذر - وقد تقدم. # * * * PageV01P324 ### | CHECK الكتاب الرابع في ذكر بقية المساجد وذكر طرف من أخبار المدارس # * الكتاب الرابع * في ذكر بقية المساجد وذكر طرف من أخبار المدارس وفيه ~~أربعة أبواب: ### || AUTO الباب الأول في ذكر أول مسجد بني في الإسلام # : # * قال ابن الجوزي في "تنقيح فهوم الأثر": أول من بنى مسجدا في الإسلام: ~~عمار ابن ياسر. # قال الزركشي الشافعي: وهو مسجد قباء ذكره ابن الأثير. # * قلت: إن كان المراد بمسجد عمار ما فسره ابن الأثير؛ ففيه نظر؛ لما ورد ~~في "صحيح البخاري" في قصة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -؛ لما رده ابن ~~الدغنة إلى مكة حين أراد أن يسيح في الأرض ويعبد ربه، وفيه: أنه ابتنى ~~مسجدا بفناء داره ms145 (¬1)، وهذا؛ كان قبل الهجرة إلى المدينة؛ بل قبل أن يتبين ~~لهم أنهم يهاجرون إلى المدينة. اللهم؛ إلا أن يريد أنه أول مسجد بني في ~~الإسلام بالمدينة؛ فإن هذه القصة لا تخفى على من له أدنى معرفة بالحديث ~~فضلا عن ابن الجوزي. # ثم وجدت بعد ذلك، ما رواه محمد بن سعد: أنا قبيصة، أنا سفيان، عن أبيه، ~~قال: أول من اتخذ مسجدا في بيته يصلي فيه: عمار بن ياسر (¬2). PageV01P325 # وبإسناده، عن القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: أول من بنى ~~مسجدا يصلي فيه: عمار بن ياسر (¬1). # صرح في الرواية المتقدمة: أنه اتخذه في بيته، وهو يرد ما حكاه الزركشي عن ~~ابن الأثير، ويزيل الإشكال، ولله الحمد والمنة! ! # * * * PageV01P326 ### || AUTO الباب الثاني في ذكر طرف من أخبار المدارس # (¬1): # * ذكر ابن أبي الدم: أن أول من بنى المدارس في الإسلام (¬2): الوزير قوام ~~الدين نظام الملك الطوسي الحسن بن علي، وكان وزير السلطان ألبارسلان ~~السلجوقي عشر سنين، ثم وزر لولده ملك شاه عشرين سنة، وكان يحب الفقهاء ~~والصوفية ويكرمهم ويؤثرهم: # * بنى المدرسة النظامية ببغداد، وشرع فيها سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ~~ونجزت سنة تسع وخمسين. (81/ ب)، وجمع الناس على طبقاتهم فيها يوم السبت ~~عاشر ذي القعدة؛ ليدرس بها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي؛ فلم يحضر: # يقال: لقيه صبي، فقال: كيف تدرس في مكان مغصوب؟ ! فوسوسه فاختفى، فلما ~~أيسوا من حضوره: ذكر الدرس بها الشيخ أبو نصر بن الصباغ عشرين يوما، ولما ~~وصل الخبر إلى الوزير: احتال على الشيخ أبي إسحاق، ولم يزل يرفق به حتى درس ~~بها وحضر يوم السبت مستهل ذي الحجة وألقى الدرس بها إلى أن توفي. # وقيل: إنه كان يخرج أوقات الصلوات فيصلي بمسجد خارجها. PageV01P327 # * وبنى أيضا مدرسة بنيسابور تسمى النظامية: درس بها إمام الحرمين، واقتدى ~~الناس به في بناء (¬1) المدارس. # * لكن؛ أنكر الحافظ شمس الدين الذهبي في "تاريخ الإسلام"؛ على من زعم: أن ~~نظام الملك أول من بنى المدارس، قال: وقد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور ~~قبل أن يولد نظام الملك، ms146 والمدرسة السعدية بنيسابور أيضا بناها الأمير نصر ~~بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليا بنيسابور، ومدرسة ثالثة ~~بنيسابور بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الاستراباذي الواعظ ~~الصوفي شيخ الخطيب، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضا بنيت للأستاذ أبي إسحاق. # قال الحاكم في ترجمة الأستاذ أبي إسحاق: لم يبن بنيسابور مدرسة قبلها ~~مثلها؛ وهذا صريح في أنه بني قبلها غيرها. # قال القاضي تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى: أدرت فكري وغلب على ظني: ~~أن نظام الملك أول من رتب فيها المعاليم للطلبة، فإنه لم يصح لي هل كانت ~~للمدارس قبله معاليم أم لا؟ والظاهر أنه لم يكن لهم معلوم. انتهى. # * وذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية في قاعدة له، قال: وأحدثت المدارس لأهل ~~العلم، وأحدثت الربط والخوانق لأهل التعبد، وأظن مبدأ انتشار ذلك في دولة ~~السلاجقة. فأول ما بنيت المدارس والرباطات: للمساكين، ووقفت عليها وقوف ~~تجرى على أهلها في وزارة نظام الملك، وأما قبل ذلك (82/ أ): فقد وجد ذكر ~~المدارس وذكر الربط، لكن؛ ما أظنه كان موقوفا عليها لأهلها، وإنما كانت ~~مساكن مختصة. وقد ذكر الإمام معمر PageV01P328 # ابن زياد من أصحاب الواحدي أخيار الصوفية، وأن أول دويرة بنيت لهم في ~~البصرة. # * وأما المدارس؛ فقد رأيت لها ذكرا قبل دولة السلاجقة في أثناء المائة ~~الرابعة ودولتهم، إنما كانت في المائة الخامسة. انتهى كلام الشيخ تقي الدين ~~رحمه الله تعالى. # * * * PageV01P329 ### || AUTO الباب الثالث في ذكر أول مسجد وضع بالقاهرة # : # * أولها: "الجامع الأزهر": بناه جوهر القائد لما اختط القاهرة سنة إحدى ~~وستين وثلاثمائة، وكان بناء القاهرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. ثم أتى ~~العزيز بن المعز فجدد فيه أشياء وعمر به عدة أماكن. # قال الشيخ شمس الدين الجزري في كتابه "الجمان": ويقال: إن به طلسما؛ لا ~~يسكنه عصفور ولا يفرخ به. # * وكان به تنوران فضة وسبعة وعشرون قنديلا فضة. وكان له أوقاف كثيرة وفيه ~~أشياء غريبة، ولكن لما احترقت مصر في سنة أربع وستين وخمسمائة تغيرت تلك ~~المعالم وجهلت. # * واستمرت الخطبة في الجامع الحاكمي ms147 في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، فخطب ~~به، وانقطعت الخطبة في "الجامع الأزهر" مدة، ثم أعادها إليه الملك الظاهر ~~ركن الدين بيبرس (¬1) في (¬2) سنة خمس وستين وستمائة. # * * * PageV01P330 ### || AUTO الباب الرابع في ذكر أحكام تتعلق بسائر المساجد # : # الأول: يجوز للمحدث الحدث الأصغر: الجلوس في المسجد؛ وادعى بعضهم فيه ~~الإجماع؛ ودليله: أن أهل الصفة كانوا ينامون في مسجد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ والمراد: إذا لم يكن به علة غير الحدث الأصغر على ما يأتي. # الثاني: يمنع السكران من دخوله؛ لأن الله تعالى قال: {لا تقربوا الصلاة ~~وأنتم سكارى} (¬1)، والنهي عن قربان الصلاة: نهى عن قربان مواضعها. # الثالث: يمنع نجس البدن من اللبث فيه بلا تيمم، ذكره ابن تميم وغيره. # وقال بعض الشافعية: إن خاف تلويث المسجد: لم يجز الدخول، وإن أمن ذلك: جاز. # الرابع: يستحب لزوم المساجد والجلوس فيها لطاعة الله تعالى، لما في ذلك ~~من إحياء البقعة وانتظار الصلاة؛ وقد (82/ ب) صح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات! ! ~~قالوا بلى يا رسول الله! ! قال: كثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة ~~بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" (¬2). PageV01P331 # * وقال سعيد بن المسيب: "إن للمساجد عبادا لله أوتادا، جلساؤهم الملائكة، ~~فإذا فقدوهم سألوا عنهم، فإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة ~~أعانوهم": رواه الإمام أحمد، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولفظه: "إن للمسجد أوتادا؛ الملائكة جلساؤهم، إن غابوا: يفتقدونهم (¬1)، ~~وإن مرضوا: عادوهم، وإن كانوا في حاجة: أعانوهم. # * وقال: جليس المسجد على ثلاث خصال: # أخ مستفاد. # أو كلمة محكمة. # أو رحمة منتظرة" (¬2). # الخامس: يجوز عمارة المساجد كلها وكسوتها وإشعالها بمال كافر وأن يبنيه ~~بيده. ذكره في "الرعاية" وغيرها، فظاهره: إن لم يكن صريحا، لا فرق بين ~~المسجد الحرام وغيره، فعلى هذا المراد (¬3)؛ العمارة في الآية: دخوله ~~وجلوسه فيه؛ يدل عليه: خبر أبي سعيد المرفوع: "إذا رأيتم الرجل يعتاد ~~المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى يقول: {إنما ms148 يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله} - الآية (¬4) -، رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسنه (¬5) ~~من رواية دراج أبي السمح وهو ضعيف. PageV01P332 # أو معنى الآية: "ما كان لهم أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام". # وذكر في "الفنون": أن الآية واردة على سبب؛ وهو عمارة المسجد الحرام، ~~فظاهره: المنع منه فقط لشرفه، فلا يلحق به غيره. # * وفي تفسير ابن الجوزي في بنائه وإصلاحه ودخوله وجلوسه فيه: كلاها محظور ~~على الكافر، يجب منعهم من ذلك ولم يخص به مسجدا - كما قاله جماعة من ~~العلماء. # السادس: يسن صونه عن نوم، وعنه: إن اتخذه مبيتا ومقيلا: كره مطلقا؛ وإلا ~~فلا يكره مطلقا. # واستثنى في "الغنية": نوم المعتكف والغريب. # وذكر في "الشرح" في أواخر باب الأذان: أنه يباح النوم في المسجد؛ ولم يفصل. # وقال الحارثي من علمائنا: لا خلاف في جوازه للمعتكف، وكذا ما لا يستدام ~~كبيوتة الضيف المريض والمسافر، وقيلولة المجتاز ونحو ذلك، نص عليه من رواية ~~غير (83/ أ) واحد. # وما يستدام من النوم؛ كنوم المقيم به؛ فعن أحمد: المنع منه - كما مر من ~~رواية صالح، وابن منصور، وأبي داود. وحكى القاضي رواية بالجواز، وهو قول ~~الشافعي، وجماعة، قال: وبهذا أقول. # وعن ابن عمر: أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في مسجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وأحمد. ولفظه: ~~"كنا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ننام في المسجد ونقيل فيه" ~~(¬1). PageV01P333 # وللترمذي - وصححه -، ولفظه: "كنا ننام في المسجد على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ونحن شباب" (¬1): قال ابن عباس: لا نتخذه مقيلا ومبيتا. # السابع: إذا بدره بصاق، وهو البزاق، والبساق من الفم أو مخاط من الأنف أو ~~نخامة، وهي النخاعة من الصدر: أزاله في ثوبه. # واختار صاحب "المحرر": يجوز فيه في بقعة تندفن فيها. # وعند المالكية: إن كان المسجد محصبا: جاز فيه ولو أمامه وعن يمينه ويدفنه ~~لا تحت حصير، خلافا لمالك. # قال أحمد: البزاق فيه خطيئة، وكفارته: دفنه؛ للخبر (¬2)؛ وفاقا لأبي ~~حنيفة ms149 والشافعي. # قال صاحب "النظم" وكيف يجوز فعل الخطيئة اعتمادا على أنه يكفرها (¬3). ثم ~~احتج بما يوجب الحد وقد يعاجل أو ينسى. # قال القاضي: إذا دفنها، كأنه لم يتنخم وإن لم يزلها لزم غيره إزالتها؛ ~~لخبر أبي ذر: وجدت في مساوى أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن". رواه ~~مسلم (¬4). # ويستحب تخليق موضعها؛ لفعله عليه الصلاة والسلام. # قال القفال من الشافعية في "فتاويه": حديث النخاعة؛ محمول على ما نزل من ~~الرأس، أما إذا كان من صدره: فإنه نجس لا يجوز دفنه في PageV01P334 # المسجد، وكذا جزم ابن الجوزي بنجاسته. # الثامن: قال ابن عقيل: يحتمل أن يباح الفصد في المسجد في طست؛ لحديث ~~المعتكفة المستحاضة. انتهى. # قال في "الآداب": وعلى قياسه؛ إخراج كل نجاسة في إناء في المسجد. # وفي "شرح المهذب" للشافعية: إن قطر دمه في إناء: فمكروه، والأولى: تركه، ~~وجزم البندنيجي - منهم -: بأنه حرام. # التاسع: يحرم البول فيه والقيء ونحوه، وظاهر كلامهم: ولو في (83/ ب) وعاء. # وصرح به أبو العباس ابن تيمية في "الفتاوى المصرية"؛ فإنه سئل عن رجل ~~مجاور في مسجد وليس به ضرر والسقاية بالقرب منه، فهل له أن يبول في وعاء في ~~المسجد؟ فقال: ليس له أن يبول في وعاء في المسجد؛ والحال هذه، وفيه ~~احتمالان لابن الصباغ من الشافعية، أصحهما في "الروضة": التحريم. # العاشر: يكره التمسح بحائطه والبول عليه. نص عليه في رواية إسحاق ابن ~~إبراهيم. # وذكر ابن عقيل في آخر الإجارة من "الفصول": أن أحمد قال: أكره لمن بال أن ~~يمسح ذكره بجدار المسجد. قال: والمراد به الحظر وإن بال خارجا عنه وجسده ~~فيه دون ذكره: كره، وعنه يحرم. # الحادي عشر: إذا كان في مسجد بركة: يغلق عليها باب المسجد، لكن يمشي ~~حولها دون أن يصلى حولها: هل يحرم البول عندها والاستنجاء بالماء بغير ~~الاستنجاء بالحجر؟ PageV01P335 # أجاب أبو العباس في "الفتاوى المصرية": بأن هذا يشبه البول في المسجد في ~~القارورة. ومن الفقهاء من نهى عنه؛ لأن هواء المسجد كقراره في الحرمة. ~~ومنهم من يرخص للحاجة، والأشبه: أن ms150 هذا إذا فعل للحاجة فقريب. وأما اتخاذ ~~ذلك مبالا ومستنجا؛ فلا، والله أعلم. # الثاني عشر: يسن أن يصان عن حائض ونفساء مطلقا. # قال في "الآداب": والأولى أن يقال: يجب صونه عن جلوسهما فيه، ويسن عن ~~المرور، وكذا الجنب بلا وضوء. # وفي جواز مبيت الجنب مطلقا فيه بلا ضرورة: روايتان: هل يجوز إن كان ~~مسافرا أو مجتازا وإلا فلا، كذا في "الرعاية"، فإن توضأ الجنب: جاز له ~~اللبث عند أحمد خلافا لأبي حنيفة والشافعي. # وقال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": لبث الحائض في المسجد لضرورة: ~~جائز، كما لو خافت من يقتلها إن لم تدخل المسجد أو كان البرد شديدا، أو ليس ~~لها مأوى إلا المسجد. # وقد ثبت في "الصحيح": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة ~~ناوليني الخمرة من المسجد، فقالت: إني حائض! فقال: إن حيضتك ليست في يدك ~~(¬1)! ! # الثالث عشر: في كراهة الوضوء فيه والغسل: روايتان عن الإمام أحمد، وحكى ~~بعضهم: أنه لا يجوز؛ فإن حمل على رواية أن المستعمل في رفع الحدث (84/ أ) ~~نجس؛ فواضح، وإلا فلا. قال المروزي؛ قلت لأحمد: يتوضأ الرجل في المسجد؟ ~~قال: لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد. # وقد اختلفت أصحابه في قوله "لا يعجبني": هل هو للكراهة أو للتحريم؟ PageV01P336 # قال القاضي: يكره تجديد الطهارة في المسجد - كما يكره غسل اليد؛ لأنه ~~يتمضمض ويستنشق فربما تنخع فيه. # وقال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": أما الوضوء في المسجد فلا بأس به ~~عند أكثر العلماء، وقد كرهه بعضهم. # وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلا أن ~~يتوضأ في مكان يبله ويتأذى الناس به، ويشترط أن لا يحصل تمخط بالاستنشاق ~~ولا بصاق بالمضمضة ونحو ذلك من التنخع؛ وإلا فينتهي إلى التحريم. وحكى ~~المازري عن بعضهم الجواز مع ذلك؛ لأن البصاق إذا خالطه الماء صار في حكم ~~المستهلك. # الرابع عشر: يباح قتل البراغيث والقمل فيه، نص عليه. # قال في "الآدب" (¬1): وهذا ينبغي أن يقال: إنه مبنى على طهارته كما هو ~~ظاهر المذهب. ms151 وينبغي أن يقيد بإخراجه؛ لأن إلقاء ذلك في المسجد وبقاءه لا يجوز. # وكره مالك قتل القمل والبراغيث في المسجد. # الخامس عشر: يسن أن يصان عن رائحة كرجهة؛ من بصل، وثوم، وكراث، ونحوها، ~~ويكره حضوره لمن أكله حتى يذهب ريحه. وعنه: يحرم. # وقيل: فيه وجهان حتى لو خلا من آدمي؛ لتأذي الملائكة بذلك، فإن دخل: ~~أخرج. ذكره غير واحد. وهل يخرج وجوبا أو استحبابا، مبنى على ما تقدم. PageV01P337 # السادس عشر: إخراج الريح من الدبر في المسجد: قاسه بعض علمائنا على التي ~~قبلها، وعند الشافعية؛ لا يحرم لكن الأولى اجتنابه. وعند الحنفية هو مكروه. # السابع عشر: السواك في المسجد؛ هل هو جائز أم لا؟ # أجاب أبو العباس في " الفتاوى المصرية": أما السواك في المسجد، فما علمت ~~أحدا من العلماء كرهه؛ بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في ~~المسجد. # ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد ويتمخط (84/ ب) في ثيابه باتفاق ~~الأئمة وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثابتة عنه، بل يجوز ~~التوضي في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء؛ فإذا جاز الوضوء فيه مع أن ~~الوضوء يكون فيه السواك ويجوز الصلاة فيه، والصلاة يستاك عندها، فكيف يكره ~~السواك؟ ! وإذا جاز الامتخاط والبصاق فيه فكيف يكره السواك؟ ! انتهى. # * وذكر بعضهم: أن مذهب مالك كراهة الاستياك في المسجد؛ خشية أن يخرج من ~~فيه دم ونحوه مما ينزه المسجد عنه. # قال القرطبي في "المفهم": لم يثبت قط أنه - صلى الله عليه وسلم - استاك ~~في المسجد؛ فلا يشرع لما فيه من زوال الأقذار فيه، والمسجد منزه عنها. وأهل ~~الهيئات والمروءات يمنعون من زوال الأقذار في المحافل والجماعات. # قال: ومعنى قوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" ~~(¬1)، أي: عند كل وضوء. انتهى. # * قال بعضهم: وهذا عجيب منه؛ فإنه قد صح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يستاك PageV01P338 # عند كل صلاة، وأكثر صلاته بالمسجد، وأعجب منه: تأويل الصلاة بالوضوء. انتهى. # قلت: أما الثاني؛ فمسلم، وأما الأول (¬1): فلا. # الثامن عشر: ms152 تسريح اللحية في المسجد: هل هو جائز أم لا؟ # * أجاب أبو العباس في "الفتاوى المصرية"، فقال: أما التسريح فإنما كرهه ~~بعض الناس بناء على أن شعر الإنسان المنفصل عنه طاهر كمذهب مالك وأبي حنيفة ~~وأحمد في ظاهر مذهبه وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وهو الصحيح، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما حلق رأسه أعطى نصفه لأبي طلحة ونصفه قسمه بين ~~الناس، وباب الطهارة والنجاسة يشارك النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ~~أمته، بل الأصل أنه أسوة لهم في جميع الأحكام، إلا ما قام فيه دليل يوجب ~~اختصاصه، وأيضا؛ فالصحيح الذي عليه الجمهور: أن شعور الميتة طاهرة بل في ~~أحد قولي العلماء ومذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين؛ لأن جميع الشعور ~~طاهرة حتى شعر الخنزير. # وعلى القولين؛ إذا سرح (85/ أ) شعره وجمع الشعر فلم يترك في المسجد، فلا ~~بأس بذلك، أما إذا ترك شعرة في المسجد: هذا يكره؛ وإن لم يكن نجسا؛ فإن ~~المسجد يصان عن القذاة التي تقع في العين. # التاسع عشر: كره مالك أخذ شعره وأظفاره في المسجد ولو جمعه وألقاه؛ لحرمة ~~المسجد. # وكره ابن عقيل إزالة ذلك في المسجد مطلقا؛ صيانة له، وذكر غيره: يسن ذلك. PageV01P339 # قال صاحب "الفروع": وظاهره مطلقا فلا يحرم إلقاؤه فيه. # قال الشيخ مجد الدين: قياس مذهبنا أنه لا بأس به - كما في غسل يده في ~~الطست وترجيل شعره - كما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم -: أن عائشة - رضي ~~الله عنها - كانت ترجله وهو في المسجد (¬1)، مع كون الترجيل غالبا لا يخلو ~~من سقوط شيء من الشعر. # العشرون: قال ابن تميم وغيره: ويجنب المسجد الصبيان والمجانين. # وقال بعض علمائنا: يسن أن يصان عن صغير. # قال صاحب "الفروع": أطلقوا العبارة، والمراد والله أعلم: إذا كان صغيرا ~~لا يميز، لغير مصلحة ولا فائدة. وعن مجنون حال جنونه. # وقال بعض الشافعية: يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا ~~يميزون المسجد من غير حاجة مقصودة؛ لأنه لا يؤمن تنجيسهم المسجد. # في "المعجم الكبير" للطبراني من حديث أبي ms153 أمامة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وأصواتكم وسل ~~سيوفكم وإقامة حدودكم وجمروها في سبع، واتخذوا على أبواب مساجدكم المطاهر" (¬2). # وأطلق النووي في "الروضة" المنع من دخول الصبيان والمجانين المسجد. PageV01P340 # قال في "إعلام الساجد": وهو في المجانين ظاهر؛ إذا خيف منه تلويثه، أما ~~مع الأمن والتمييز؛ فلا، لأن غير المميز كالبهيمة. ويحمل؛ على أن يمنع وليه ~~من إدخاله المسجد إذا خيف حدثه فيه. # وقال في "شرح مسلم": يجوز إدخال الصبي المسجد؛ وإن كان الأولى تنزيه ~~المسجد عن من لا يؤمن منه حدث. انتهى. # الحادي والعشرون: لو أجنب وهو خارج المسجد ولم يجد إلا عينا في مسجد لا ~~قدرة له على مائها إلا أن يدخل المسجد؛ (85/ ب) ماذا يفعل؟ # قال ابن عقيل في "المنثور": هذه المسألة سأل عنها أبو يوسف مالك بن أنس ~~بمكة؛ فقال مالك: يدخل فيغتسل في المسجد. قال له أبو يوسف: أخطأت! فقال ~~مالك: فما يفعل أيها الشيخ؟ قال: يتيمم للدخول، ويدخل فيغتسل، فسكت مالك ~~على ما حكى. # قال ابن عقيل: وقلت مذهبنا فيه جواب يخالف هذا؛ وهو: أنه يجوز له الدخول ~~من غير إطالة؛ لقوله تعالى: {إلا عابري سبيل} (¬1)، فإذا دخل؛ فهل يغتسل ~~فيه؟ على روايتين: إحداهما: يكره ذلك، والأخرى: لا يكره، فعلى هذا: يجوز له ~~التيمم بعد الدخول فيه لأجل اللبث للاغتسال. انتهى. # وقال القاضي حسين وغيره من الشافعية: ليس له أن يدخل ويغتسل فيه؛ لأنه ~~يلبث في المسجد لحظة مع الجنابة. # قال في "التهذيب" للشافعية: إن كان معه إناء: تيمم ثم دخل وأخرج الماء ~~للغسل، وإن لم يكن معه إناء: صلى بالتيمم. # قال النووي: وهذا الذي قاله؛ فيه نظر، وينبغي أن يجوز الاغتسال منه PageV01P341 # إذا لم يجد غيره ولم يجد إناء، ولا يباح له التيمم، فإن جوزنا المرور في ~~المسجد الطويل لغير حاجة فكيف نمنعه بمكث لحظة لسبب الضرورة التي لا مندوحة عنها؟ # الثاني والعشرون: نقل ابن عقيل في "المنثور"، عن شيخه القاضي أبو (¬1) ~~يعلى؛ أنه سئل عن قوم ms154 ينامون في المساجد وتصيبهم الجنابة ويحدثون، فقال: ~~نقل إبراهيم ابن هانئ عن أحمد في الرجل ينام في المسجد فتصيبه الجنابة، إن ~~قدر أن يخرج فيغتسل: خرج، وإلا بات في المسجد؛ لعله إن خرج يصيبه البرد. ~~واستدل؛ بأن وفدا قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزلهم المسجد (¬2). # وكذا قال الشافعية: ينام في المسجد للضرورة لكنه يتيمم. # قال في "الروضة": وجوبا إن وجد غير تراب المسجد ولا يتيمم بترابه. # وقال الرافعي: ويحسن أن يتيمم. # وقال الروياني في "البحر": يتيمم بغير تراب المسجد، فإن لم يجد إلا تراب ~~المسجد لا يتيمم، كما لو وجد ترابا مملوكا للغير. ولكنه لو تيمم به جاز. # قال النووي: وأي مانع يمنع من غبار يسير (86/ أ) للضرورة؟ والفرق بينه ~~وبين المملوك ظاهر. # الثالث والعشرون: قال في "الفصول" و"المستوعب": عمارة المساجد ومراعاة ~~أبنيتها: مستحبة، قال ابن تميم: بناء المسجد مندوب إليه. PageV01P342 # وقال الشيخ وجيه الدين ابن منجا في "شرح الهداية": بناء المسجد مستحب ~~وردت الأخبار بالحث عليه. # وقال في "الرعاية": إصلاح الطرق والمساجد والجوامع من فروض الكفايات. # الرابع والعشرون: في جواز دخول الكافر مساجد الحل بإذن مسلم لمصلحة؛ ~~روايتان: # * قال في "الرعاية الكبرى": والمنع مطلقا أظهر، فإن جاز ففي جواز جلوسه ~~جنبا وجهان، وحكى بعضهم رواية الجواز من غير اشتراط إذن. # وفي "المستوعب": هل يجوز لأهل الذمة دخول مساجد الحل؟ على روايتين. # وفي "الشرح" وغيره؛ هل يجوز دخولها بإذن مسلم؟ على روايتين وإن الصحيح من ~~المذهب: الجواز. # فظهر من هذا الخلاف: هل هو في كل كافر أم في أهل الذمة؟ فقط طريقان، وهل ~~محل الخلاف مع إذن المسلم لمصلحة أو لا يعتبران أو يعتبر إذن المسلم؟ فقط ~~ثلاث طرق. # ومذهب أبي حنيفة: يجوز للكتابي دون غيره. # ومذهب مالك وغير واحد: لا يجوز مطلقا. # ومذهب الشافعي: جواز دخوله بإذن مسلم. هكذا أطلقه الرافعي والنووي. # * وذكر بعضهم قيودا: # أحدها: إذا لم يكن شرط عليه في عقد الذمة عدم الدخول، فإن كان قد PageV01P343 # شرط عليه ذلك، لم يؤذن له. # الثاني: يشترط ms155 في الإذن التكليف، فلا عبرة بإذن الصبي والمجنون. # وقيل: لا بد أن يكون الإمام. # وقيل: إذنه في الجامع بخلاف مساجد المحال والقبائل. # وقيل: إن كان المقام أكثر من ثلاثة أيام: لم يصح إلا من الإمام، وأن ~~يجتمع عليه أهل تلك الناحية؛ بشرط أن لا يتضرر أحد من المصلين وإن كان ~~لاجتياز أو شيء يسير، وكان من الجوامع التي لا يترتب فيها الأئمة إلا بإذن ~~السلطان، فلا بد من إذنه ونحوه. # وإن كان مساجد القبائل: فوجهان، أظهرهما: يكفي إذن من يصح أمانه. ~~والثاني: لا يصح إلا ممن (¬1) كان من أهل الجهاد. # الثالث: هذا إذا استأذن (86/ ب) لسماع قرآن أو علم و (¬2) رجى إسلامه أو ~~دخل لإصلاح بنيان ونحوه. فإذا استأذن لنوم أو أكل ونحوه؛ ففي "الروضة": ~~ينبغي أن لا يؤذن له في الدخول. # وقال غيره: لا (¬3) يجوز لنا أن نأذن له في ذلك. # واستثنى بعضهم من الإطلاق الأول مسألتين: # إحداهما: ما لو جلس فيه الحاكم للحكم فلا بد من دخوله للمحاكمة بغير إذن ~~وينزل جلوسه منزلة إذنه، نقله في "الروضة"، عن البغوي. PageV01P344 # الثاني: دخوله لحاجة إلى مسلم أو حاجة مسلم إليه. ذكره الروياني. # الخامس والعشرون: يسن صون المسجد عن: إنشاد شعر قبيح ومحرم وغناء وعمل سماع. # قال في "الغنية": لا بأس بإنشاد شعر خال من سخف وهجاء المسلمين، والأولى: ~~صيانتها إلا أن يكون من الزهديات فيجوز الإكثار؛ لأن المساجد وضعت لذكر ~~الله تعالى فينبغي أن تجل عن ذلك. # وفي "الرعاية": يباح إنشاد شعر مباح فيه. # وعند الشافعية: ينبغي أن لا ينشد في المسجد شعرا ليس فيه مدح للإسلام ولا ~~حث على مكارم الأخلاق ونحوه، فإن كان لغير ذلك: حرم. قاله النووي في "شرح ~~المهذب". # * وعن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأيتموه ~~ينشد شعرا في المسجد فقولوا فض الله فاك ثلاث مرات" رواه ابن السني (¬1). # وحمله بعضهم؛ على ما فيه هجو ومدح بغير حق. # وفي "الصحيح": أن حسان كان ينشد في المسجد بحضرة النبي - صلى الله عليه ms156 ~~وسلم - (¬2)، # وكذلك كعب بن زهير. # قلت: الذي يتعين؛ ما رواه الإمام أحمد في "مسنده": "الشعر كالكلام، حسنه ~~كحسنه وقبيحه كقبيحه" (¬3). PageV01P345 # السادس والعشرون: يسن صونه عن إنشاد ضالة، وهو: تعريفها ونشدانها وهو ~~طلبها، ويقول له سامعه: "لا وجدتها ولا ردها الله عليك". # ذكر في "الرعاية" في "الشرح": يكره إنشاد الضالة في المسجد. # وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: "لا ردها الله عليك فإن ~~المساجد لم تبن لهذا" (¬1). # ووجه بعضهم التحريم من البيع على ما يأتي. # السابع والعشرون: لا يجوز البيع والشراء في (87/ أ) المسجد للمعتكف ~~وغيره: نص عليه في رواية حنبل، وجزم به القاضي، وابنه أبو الحسين، وصاحب ~~"الوسيلة" و"الإيضاح" وغيرهم؛ لما روى أحمد: من حديث عمرو ابن شعيب، عن ~~أبيه، عن جده، قال: "نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيع والشراء في ~~المسجد وأن ينشد فيه الأشعار وأن ينشد فيه الضالة وعن الحلق يوم الجمعة قبل ~~الصلاة"، رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي ولم يذكر إنشاد الضالة (¬2). # وعن أبي هريرة مرفوعا: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا ~~أربح الله تجارتك"، إسناده جيد، رواه الترمذي، وقال حسن غريب (¬3). # قال ابن هبيرة: منع صحته وجوازه أحمد. # وقيل: إن حرم؛ ففي صحته وجهان، وجزم في "الفصول" و"المستوعب" PageV01P346 # بأنه يكره وفاقا لمالك، والشافعي في الصحيح عنده، وله قول: لا يكره. # وقال أبو حنيفة: يجوز ويكره إحضار السلع في المسجد (¬1) وقت البيع وينعقد ~~البيع مع ذلك. # وقال ابن بطال: أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز ~~نقضه. انتهى. # وقد تقدم عن الإمام أحمد رواية بعدم صحته. # الثامن والعشرون: يباح عقد النكاح فيه، ذكره في "الرعاية" وغيرها. # وقال أبو عمرو بن الصلاح من الشافعية: يستحب عقده فيه، واحتج بحديث: ~~"أعلنوا النكاح في المسجد"، رواه الترمذي (¬2). # التاسع والعشرون: يسن أن يصان عن عمل صنعة: نص عليه. # قال السامري: سواء كان الصانع ms157 يراعي المسجد بكنس ورش ونحوه أو لم يكن. # وقال في روايته الأثرم: ما يعجبني مثل الخياط والإسكاف وما أشبهه، وسهل ~~في الكتابة فيه، وقال: وإن كان من غدوة إلى الليل فليس هو كل يوم. # قال القاضي سعد الدين الحارثي من علمائنا: خص الكتابة؛ لأنها نوع تحصيل ~~للعلم، فهي في معنى الدراسة، وهذا يوجب التقيد بما لا يكون تكسبا؛ وإليه ~~أشار بقوله: فليس ذلك كل يوم. PageV01P347 # وقال صالح: لأبيه تكره الخياطين في المساجد؟ قال: لعمري شديدا! وهذا ~~يقتضي التحريم. # وسأل في رواية حرب؛ عن العمل في المسجد نحو الخياط وغيره يعمل؟ فكأنه ~~كرهه ليس بذلك الشديد. فظاهره الكراهة. # وقال ابن بطة: الارتفاق (87/ ب) بالمسجد واتخاذه للصنعة والتجارة ~~كالحانوت: مكروه. # وذكر ابن عقيل: أنه يكره في المساجد العمل والصنائع كالخياطة والخرز ~~والحلج والتجارة وما شاكل ذلك إذا كثر. ولا يكره ذلك إذا قل مثل رقع ثوبه ~~أو خصف نعله. # * وبالمنع قال الشافعي، وإسحاق، ويقتضيه مذهب مالك. هكذا رأيته منقولا في ~~"الآداب" للعلامة شمس الدين ابن مفلح. والذي رأيته في كتب أصحاب الشافعية: ~~الكراهة إلا أن يخيط ثوبه فلا يكره. هكذا قال ابن الصباغ. # قال في "الروضة": يكره عمل الصنائع فيه، أي: المداومة. أما لو دخل لصلاة ~~أو اعتكاف فخاط ثوبه: لم يكره. # وحكى القاضي عياض عن بعض مشايخه: إنما يمنع في المسجد من عمل الصنائع ~~التي يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب فيه ولا يتخذ المسجد متجرا. فأما ~~الصنايع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم مما لا امتهان للمسجد في عمله ~~فلا بأس به. # الثلاثون: يسن أن يصان عن لغط وكثرة حديث لاغ ورفع صوت بمكروه. PageV01P348 # قال صاحب "الفروع": وظاهر هذا أنه لا يكره ذلك إذا كان مباحا أو مستحبا. ~~وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي. # وفي "الغنية": يكره أن لا يذكر الله تعالى. # ومذهب مالك: كراهة ذلك؛ قال أشهب: سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد في ~~العلم وغيره؟ قال: لا خير في ذلك في العلم ولا في غيره. ولقد أدركت الناس ~~قديما ms158 يعيبون ذلك على من يكون ذلك في مجلسه. ومن كان يكون ذلك في مجلسه كان ~~يعتذر منه. وأنا أكره ذلك ولا أرى فيه خيرا. # وقال عياض: قال مالك وجماعة من العلماء يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره. # وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه في العلم ~~والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم ولابد لهم منه. # وقال ابن عقيل في "الفصول" في آخر باب الجمعة: ولا بأس بالمناظرة في ~~مسائل الفقه والاجتهاد في المساجد إذا كان القصد طلب الحق. فإن كان مغالبة ~~ومنافرة: دخل في حيز الملاحة والجدال فيما لا (88/أ) يغني ولم يجز في ~~المساجد فأما الملاحة في غير العلوم، فلا يجوز في المسجد، وقال أيضا: يكره ~~كثرة الحديث واللغط في المساجد. # وقال ابن بطة: ومن السنة ذكر الله تعالى وذكر العلم في المسجد، وترك ~~الخوض والفضول وحديث الدنيا فيه. فإن ذلك مكروه. # وفي "الرعاية": تباح المناظرة في الفقه وما يتعلق به (¬1). PageV01P349 # الحادي والثلاثون: تعليم الصبيان في المسجد. # قال ابن الصيرفي في "النوادر": لا يجوز التعليم في المساجد. # وقال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": لا يجوز - وقد سئل عنها -: يصان ~~المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين؛ حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه. وكذلك ~~توسيخهم لحصره ونحو ذلك لا سيما إن كان ذلك وقت الصلوات فإنه من عظيم (¬1) ~~المنكرات. # وقال في موضع آخر - منها -: وأما تعليم الصبيان في المسجد بحيث (¬2) ~~يؤذون المسجد فيلوثونه ويرفعون أصواتهم ويشغلون المصلي فيه ويضيقون عليه، ~~فهذا مما يجب النهي عنه والمنع منه، والله أعلم. # * وقال صاحب "الفروع" في "آدابه"، عقيب كلام القاضي سعد الدين الحارثي ~~المتقدم قبل هذه: وينبغي أن يخرج على هذا تعليم الصبيان للكتابة في المسجد ~~بالأجرة. وتعليمهم تبرعا جائز - كتلقين القرآن وتعليم العلم، وهذا كله ~~بشرط: أن لا يحصل ضرر بحبر وما أشبه ذلك. # وقال القاضي عياض: وقد منع بعض العلماء من تعليم الصبيان في المسجد، قال: ~~وحكى بعضهم خلافا في تعليم الصبيان فيها. # وقال القرطبي: ms159 منع بعض العلماء من تعليم الصبيان فيه، ورأوا أنه من باب ~~البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فلو كان تبرعا: فهو ممنوع أيضا؛ لعدم تحرز ~~الصبيان عن القذر والوسخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد. وقد ورد الأمر ~~بتنظيفها وفي الحديث "جنبوا مساجدكم صبيانكم" (¬3). وقد تقدم. PageV01P350 # وسئل القفال عن تعليم الصبيان في المسجد؛ فقال: الأغلب من الصبيان الضرر ~~بالمسجد؛ فيجوز منعهم. # وعند الظاهرية؛ تعليمهم فيه مباح. # الثاني والثلاثون: قال في "الرعاية" (88/ ب) وغيرها: يباح تعليم القرآن ~~في المسجد. # قال القاضي أبو يعلى في "الأحكام السلطانية": أما جلوس العلماء والفقهاء ~~في الجوامع والمساجد والتصدي للتدريس والفتوى، فعلى كل واحد منهم زاجر من ~~نفسه ألا يتصدى لما ليس بأهل، إلى أن قال: وللسلطان فيهم من النظر ما يوجبه ~~الاحتياط من إنكار وإقرار. وإذا أراد من هو لذلك أقول: هل يترتب في أحد ~~المساجد لتدريس أو فتيا؟ نظر حال المسجد، فإن كان من مساجد المحال التي لا ~~يترتب الأئمة فيها من جهة السلطان: لم يلزم من يترتب فيها لذلك استئذان ~~السلطان في جلوس- كما لا يلزم أن يستأذن فيها من يرتب للإمامة، كان كان من ~~الجوامع وكبار المساجد التي يترتب الأئمة فيها بتقليد السلطان: روعي في ذلك ~~عرف البلد وعادته في جلوس أمثاله. فإن كان للسلطان في جلوس مثله نظر: لم ~~يكن له أن يترتب للجلوس فيه إلا عن إذنه؛ لأنه افتئات عليه في ولايته، وإن ~~لم يكن للسلطان في مثله نظر معهود: لم يلزم استئذانه في ذلك وكان كغيره من ~~المساجد. # قال القاضي سعد الدين الحارثي: والصحيح عدم اعتبار الإذن؛ لأن الطاعات لا ~~تتوقف على ذلك؛ لأنه ربما أدى إلى التعطيل ولفعل السلف، وما ذكر من ~~الافتئات فغير مسلم. # وقال النووي: يستحب عند حلق العلم والمساجد وذكر الوعظ والرقائق ونحوها، ~~من الأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة. ونقل ابن بطال PageV01P351 # فيه الإجماع. # الثالث والثلاثون: يكره الجلوس للحلق يوم الجمعة قبل الصلاة للحديث ~~المتقدم في مسألة البيع الذي رواه الإمام أحمد وغيره (¬1). # وقال الغزالي في ms160 "الإحياء": قال الخطابي: وكان بعضهم يرويه الحلق بإسكان ~~اللام؛ أخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة. قال: فقلت له ~~إنما هو الحلق بفتح ما جمع حلقة. وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم، ~~وأمر بأن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة. # الرابع والثلاثون: قال القاضي أبو يعلى: يمنع الناس في الجوامع والمساجد ~~من استطراق (89/ أ) حلق الفقهاء والقراء؛ صيانة لحرمتها. وقاله الشافعية؛ ~~وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا حمى إلا في ثلاثة: ~~البير وطول الفرس وحلقة القوم" فأما البير فهو منتهى حريمها وأما طول الفرس ~~فهو ما دار فيه بمقوده إذا كان مربوطا، وأما حلقة القوم فهو استدارتهم في ~~الجلوس للتشاور. والحديث وهذا الخبر الذي ذكره القاضي: إسناده جيد. رواه ~~البيهقي من حديث سعد الكاتب عن بلال العبسي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مرسلا (¬2). # الخامس والثلاثون: يسن أن يشتغل في المسجد بالصلاة والقرآن والذكر، ويجلس ~~مستقبل القبلة. # السادس والثلاثون: يكره أن يسند ظهره إلى القبلة. قال أحمد: هذا مكروه. ~~وصرح القاضي بالكراهة. قال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يتساندوا إلى القبلة ~~قبل صلاة الفجر، رواه أبو بكر النجار. PageV01P352 # قال في "الفروع": اقتصر أكثر الأصحاب على استحباب استقبالها، فتركه؛ ~~يعني: ترك الاستناد أولى. ولعل هذا أولى. # وفي "الصحيحين": من حديث الإسراء، فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى ~~البيت المعمور (¬1). ولأحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن الزبير: أنه قال- ~~وهو مستند إلى الكعبة-: "ورب هذه الكعبة لقد لعن (¬2) رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلانا وما ولد من صلبه" (¬3) ولأحمد، عن كعب بن عجرة، قال: ~~بينما نحن في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسندي ظهورنا إلى ~~القبلة إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث (¬4). # السابع والثلاثون: قال محمد بن إبراهيم البوشنجي (¬5): ما رأيت أحمد ابن ~~حنبل جالسا إلا القرفصاء، إلا أن يكون في الصلاة. # قال ابن الجوزي في "المناقب": وهذه الجلسة التي تحكيها قيلة في حديثها: ~~"إني رأيت رسول الله - صلى ms161 الله عليه وسلم - جالسا جدسة التخشع القرفصاء"، ~~وكان أحمد يقيم (¬6) في جلوسه هذه الجلسة، وهي أولى الجلسات بالخشوع. # والقرفصاء: أن يجلس الرجل على إليتيه رافعا ركبتيه إلى صدره مفضيا بأخمص ~~قدميه إلى الأرض، وربما احتبى بيديه وحديث قيلة: رواه أبو داود (¬7). PageV01P353 # الثامن والثلاثون: قال (89/ ب) في "الشرح" في آخر باب الأذان: لا بأس ~~بالاجتماع في المسجد والأكل فيه، وذكر فيه أيضا وفي الرعاية وغيرهما أن ~~للمعتكف الأكل في المسجد] (¬1) وغسل يده في طست. وقد قال أبو بكر رضي الله ~~عنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دخلت المسجد فإذا بسائل سأل، ~~فوجدت كسرة خبز بين يدي عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه"، رواه أبو داود ~~من رواية مبارك بن فضالة، وفيه كلام، وباقيه ثقات (¬2). # وعن عبد الله بن الحارث قال: كنا نأكل على عهد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في المسجد الخبز واللحم" رواه ابن ماجه (¬3). # وقال ابن تميم وابن حمدان: إنه لا يجوز دخول المسجد للأكل ونحوه. وعند ~~الشافعية: يجوز. # وقال مالك: يكره الأكل في المسجد إلا اللقمة واللقمتين. ولا يعجبني الأكل ~~في رحابه؛ لأنها من المسجد. # وقال في "إعلام الساجد": "وينبغي أن يبسط شيئا ويحترز خوفا من التلويث ~~ولئلا يتناثر شيء من الطعام فيجتمع عليه الهوام، هذا إذا لم يكن له رائحة ~~كريهة كالثوم ونحوه، وإلا كره أكله فيه ويمنع آكله من المسجد حتى يذهب ريحه. # التاسع والثلاثون: قال المروذي: "سألت أبا عبد الله عن الرجل يستلقي ويضع ~~إحدى رجليه على الأخرى: قال ليس به بأس، قد روي. PageV01P354 # قال ابن الجوزي: لا بأس به إلا أن لا يكون (¬1) له سراويل ووجه تخريج ~~رواية يكره، كشربه قائما ونهيه عنه ونحو ذلك. # فعلى هذا؛ لو وضع إحداهما على الأخرى من غير استلقاء احتمل وجهين؛ نظرا ~~إلى أن النهي إنما هو مع الاستلقاء. والأصل: اعتبار الوصف وأن المقصود وضع ~~إحداهما (¬2) على الأخرى، والاستلقاء ذكر؛ لأنه الغالب. وهو معتبر في ~~الحكم. والأول: أظهر؛ لأن الأصل عدم الكراهة خولف للخبر وهو في أمر مخصوص ms162 ~~فيقتصر عليه. # * قاله (¬3) في "الآداب" عن جابر: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى أن يرفع إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلق على ظهره"، إسناده ثقات، ~~رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه (¬4)، وعن (¬5) عباد بن تميم، عن ~~عمه: أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستلقيا في المسجد واضعا ~~إحدى رجليه على الأخرى (90/ أ). رواه البخاري ومسلم (¬6). # ولمالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك (¬7). # قال ابن منصور لأبي عبد الله: يكره للمرأة أن تستدقى على قفاها! ! قال PageV01P355 # أي والله، يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه كرهه. رواه البخاري عن ابن ~~سيرين. وعند الشافعية يجوز ذلك. # قال ابن بطال- عن حديث جابر المتقدم-: كان البخاري يراه منسوخا بحديث عباد. # الأربعون: قال القاضي أبو يعلى في "الجامع الكبير": روى أبو بكر الفريابي ~~في "كتاب الصلاة" وإسناده عن أبي النعمان، قال: حججت في خلافة عمر رضي الله ~~عنه، فقدمت المدينة فدخلت مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتقدمت إلى ~~مقدم المسجد أصلي إذ دخل عمر رضي الله عنه فرآني فأخذ برأسي فجعل يضرب به ~~الحائط ويقول: ألم أنهكم أن تقدموا في مقدم المسجد بالسحر، إن له عوامر". # وبإسناده عن عبد الله ابن عامر قال: دخل جابر بن سعد الطائي المسجد من ~~السحر وكانت له صحبة فإذا ناس في صدر المسجد يصلون، فقال: أرغبوهم، فمن ~~أرغبهم فقد أطاع الله ورسوله. # قال حريز بن عثمان (¬1) كنا نسمع أن الملائكة تكون قبل الصبح في الصف الأول. # قال القاضي: وهذا يدل على كراهة التقدم في المسجد وقت السحر. # ورواه الإمام أحمد في "مسنده": ولفظه: قال: دخل المسجد حابس (¬2) ابن سعد ~~الطائي من السحر- وقد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرأى الناس يصلون ~~مقدم (¬3) المسجد، فقال مروان: ورب الكعبة أرغبوهم، فمن أرغبهم فقد PageV01P356 # أطاع الله ورسوله، فأتاهم الناس فأخرجوهم. فقال: إن الملائكة تصلي من ~~المسجد في مقدم المسجد (¬1). # الحادي والأريعون: قال الشيخ تقي الدين في "الفتاوى المصرية": يجوز تعليم ms163 ~~القرآن في المسجد إذا لم يكن فيه ضرر على المسجد وأهله، بل يستحب. انتهى. # الثاني والأربعون: يسن كنس المسجد يوم الخميس وإخراج كناسته وتنظيفه ~~وتطييبه فيه. # وقد روى أبو داود والترمذي (90/ ب)، عن أنس: "عرضت على أجور أمتي حتى ~~القذاة يخرجها الرجل من المسجد" (¬2). # وعن عائشة: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببناء المساجد في الدور ~~وأن تنظف وتطيب خرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في ~~صحيحيهما (¬3) (¬4)، وخرجه الترمذي مرسلا من غير ذكر عائشة، وقال: هو أصح ~~(¬5). وكذلك أنكر الإمام أحمد وصله. # واختلف في تفسير الدور هنا: فقال الخطابي وغيره: المراد بها البيوت، وقال ~~أكثر المتقدمين: المراد بها هنا القبائل- كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"خير دور الأنصار دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث" الحديث (¬6)، وعن ~~يعقوب بن PageV01P357 # زيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتبع غبار المسجد بجريدة (¬1). # الثالث والأربعون: في تجصيص المساجد. # قال المروذي: قلت لأبي عبد الله إن قوما يحتجون في الجص أنه لا بأس به: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن تجصيص القبور (¬2) فقال: لا بأس أن ~~تجصص الحيطان، قال: وأي شيء في هذا من الحجة، وأنكره. وذكر له المروذي؛ أن ~~ابن أسلم الطوسي كان لا يجصص مسجده، وأنه كان لا يدع بطرسوس مسجدا مجصصا ~~إلا قلعه، فقال أبو عبد الله: هو من زينة الدنيا. وسأله المروذي عن الجص ~~والآجر يفضل من المسجد فقال: يصرف في مثله. # وقال أبو عبد الله: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن تكحيل المسجد ~~فقال: لا، عريش كعريش موسى، وإنما هو شيء يطلى (¬3) به كالكحل، أي: فلم ~~يرخص فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬4). # وقال في "الغنية": لا بأس بتجصيص المساجد وتطيينها. # الرابع والأربعون: يكره زخرفة المساجد بنقش أو صبغ أو كتابة ونحو ذلك مما ~~يلهي المصلي عن صلاته. # وفي البخاري: عن ابن عباس أنه قال: "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود ~~والنصارى" (¬5). PageV01P358 # وفي "سنن أبي داود": عنه أن رسول الله - صلى الله ms164 عليه وسلم - قال: "ما ~~أمرت بتشييد المساجد" (¬1). # وعن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقوم الساعة حتى ~~يتباهى الناس في المساجد"، إسناده (91/ أ) ثقات. رواه أحمد وأبو داود (¬2). # وعن عمر مرفوعا: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم"، رواه ابن ماجه (¬3). # وبالكراهة؛ قال بعض الشافعية. وجوزه بعض العلماء، وقال: لا بأس به؛ لقوله ~~تعالى: {إنما يعمر مساجد الله} الآية (¬4) .. ولما ذكر (¬5) من فعل عثمان ~~ذلك بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم ينكر ذلك. # وروى البخاري في "صحيحه": أن عمر (¬6) رضي الله عنه أمر ببناء المسجد، ~~وقال: "أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس" (¬7). # وقال رضي الله عنه: "إن القوم إذا زينوا مساجدهم قلت أعمالهم" (¬8). # الخامس والأربعون: يكره تحليته بذهب أو فضة. PageV01P359 # قال في "الآداب": وينبغي أن يقال: إن كان (¬1) ذلك من مال الوقف: حرم ~~ووجب الضمان. # وذكر في "الرعاية" في موضع: أنه هل يحرم تحلية المسجد بذهب وفضة، وتجب ~~إزالته وزكاته، بشرطها (¬2) أو يكره؟ على قولين، وقدم الأول، وعند الحنفية: ~~"لا بأس بتحلية المسجد بذهب ونحوه؛ لأنه تعظيم له. ومنهم من استحبه (¬3) لذلك. # وعند المالكية: يكره ذلك، ويصان المسجد عنه، وهو قول بعض الحنفية. ذكره ~~صاحب "المفيد" منهم. وللشافعية في تحريمه وجهان. # * وأول من ذهب الكعبة في الإسلام وزخرف المساجد: الوليد بن عبد الملك لما ~~بعث إلى خالد بن عبد الله القسري والي مكة. وحينئذ؛ فيضعف قول بعض الحنفية ~~عمن قال بالكراهة، هم محجوجون بإجماع المسلمين في الكعبة. # والعجب؛ أن الشيخ تقي الدين السبكي حكى هذا الإجماع عن صاحب "الطراز" ~~(¬4) من المالكية وأقره. # قال الحنفية: والمتولي على المسجد إذا فعل ما يرجع إلى التنقيش والزينة ~~من مال الوقف: ضمن. انتهى كلام صاحب "الآداب" فيها، مع أنه صدر المسألة ~~بالكراهة، ومع أنه جزم في كتابه "الفروع" بالتحريم. قال في باب زكاة الذهب ~~والفضة: "ويحرم تحلية مسجد ومحراب". PageV01P360 # السادس والأربعون: تصان عن تعليق مصحف أو غيره في قبلته دون وضعه بالأرض. # قال ms165 جعفر بن محمد أبو عبد الله الكوفي: سمعت أحمد يقول: يكره أن يعلق ~~(91/ ب) في القبلة شيء يحول بينه وبين القبلة، ولم يكره إن وضع في المسجد ~~المصحف أو نحوه. # السابع والأربعون: قال بعض الشافعية: يستحب تجمير المسجد، وكان عبد الله ~~المجمر يجمر المسجد. # قلت: وهو ظاهر كلام علمائنا؛ لأنهم ذكروا تطييبه، وهذا منه. # ويؤيده: ما رواه واثلة بن الأسقع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة ~~حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع". # رواه ابن ماجه والطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة ~~(¬1)، وأنكر مالك تجمير المسجد. # الثامن والأربعون: قال بعض الشافعية: يستحب فرش المسجد. # قال الدمياطي: أول من فرش الحصر في المساجد: عمر رضي الله عنه. # وفي "الصحيح": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على الخمرة ~~(¬2): وهي شيء يصنع من خوص على قدر الوجه واليدين. PageV01P361 # التاسع والأربعون: قال في "الفصول" وغيره: يكره أن يكتب على حيطان المسجد ~~ذكرا وغيره؛ لأن ذلك يلهي المصلي. # الخمسون: يسن شغل القناديل في كل ليلة. وقاله الشافعية. # قال الدمياطي: أول من علق القناديل في المسجد: عمر رضي الله عنه. # قيل: فعل ذلك لما جمع الناس على أبى بن كعب (¬1) في صلاة التراويح. ولما ~~رأى علي رضي الله عنه اجتماع الناس في المسجد على الصلاة والقناديل تزهر ~~وكتاب الله يتلى، قال: نورت مساجدنا نور الله تعالى قبرك (¬2). # وذكر القرطبي عن ابن ماجه بسنده إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: أول من ~~أسرج المساجد: تميم الداري (¬3). # وذكر القرطبي أيضا؛ أن تميما الداري، حمل من الشام إلى المدينة قناديل ~~وزيتا، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة، فأمر غلاما يقال له ~~أبو البراد، فقام فشط المقط وعلق القناديل وصب فيها الماء والزيت وجعل فيها ~~الفتيل، فلما غربت الشمس أمر أبا البراد فأسرجها. وخرج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى المسجد فإذا هو بها تزهر، فقال رسول الله - صلى ms166 الله ~~عليه وسلم -: "من فعل هذا؟ قالوا: تميم (92/ أ) الداري يا رسول الله! فقال: ~~نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة. أما إنه لو كانت في ابنة ~~لزوجتكها! " (¬4). PageV01P362 # الحادي والخمسون: يباح غلق أبوابه؛ لئلا يدخله من يكره دخوله إليه، نصا. # وفي "المفيد" من كتب الحنفية: "يكره إغلاق باب المسجد؛ لأن فيه منعا عن ~~الصلاة، وإنه لا يجوز للآية (¬1). # وقال مشايخنا: لا بأس به في زماننا في غير الصلاة؛ لأنه يخاف على ما فيه ~~من السرقة. انتهى كلامه. # وقال الشافعية: لا بأس بإغلاقه في غير وقت الصلاة. ونقل الصيمري (¬2) ~~الشافعي، عن أبي حنيفة: أنه منع غلقها بحال. # الثاني والخمسون: يكره إخراج حصاه وترابه للتبرك وغيره. # قال (¬3) في "الآداب": ويتوجه أن يقال: إما مرادهم بالكراهة التحريم، ~~وإما مرادهم إخراج الشيء اليسير لا الكثير. # روى (¬4) أبو داود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن الحصا ليناشد (¬5) الله الذي يخرجها من المسجد ليدعها" (¬6). # وعند الشافعية: يحرم. وكلام صاحب "الروضة" منهم على حديث المزدلفة: يقتضي ~~الكراهة. PageV01P363 # الثالث والخمسون: في وضع الحصى في المسجد. # روى أبو داود، عن أبي الوليد، قال: سألت ابن عمر عن الحصى الذي في ~~المسجد، فقال: مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيء بالحصى ~~في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، قال: "ما ~~أحسن هذا" (¬1). # وذكر ابن أبي شيبة: أن أول من حصب المسجد: عمر رضي الله عنه. حصبه؛ من ~~الوادي المبارك من (¬2) "العقيق" (¬3). # الرابع والخمسون: قال في "المستوعب" وغيره: لا يجوز أن يغرس في المسجد ~~شيء. وللإمام؛ قلع ما غرس فيه بعد إيقافه، وهذا كله معنى كلام أحمد من ~~رواية الفرج بن الصباح. وقطع في "التلخيص" و"المحرر" بأنها تقلع. وذكر ابن ~~أبي موسى وأبو الفرج في "المبهج": أنه يكره غرسها. ولفظ أحمد في رواية ~~الفرج ابن الصباح هذه غرست بغير حق والذي غرسها ظالم، غرس فيما لا يملك. ~~وفي "الرعاية": يسن أن يصان عن الزرع (92/ ب) فيه والغرس وأكل ms167 ثمره مجانا ~~في الأشهر. وللشافعية (¬4) وجهان في الكراهة والتحريم، والصحيح: التحريم. # الخامس والخمسون: هل للإنسان إذا دخل المسجد والناس في الصلاة أن يجهر ~~بالسلام خشية أن يرد عليه من هو جاهل، بالسلام، أم لا؟ # أجاب أبو العباس في "الفتاوى المصرية": إن كان المصلي يحسن الرد PageV01P364 # بالإشارة، فإذا سلم عليه فلا بأس، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يسلمون ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يرد عليهم بالإشارة. كان لم يحسن ~~الرد بالإشارة بل قد يتكلم، فلا ينبغي إدخاله فيما يقطع صلاته أو يترك به ~~الرد الواجب عليه. انتهى. # وفي "الفروع" له: السلام على المصلي وفاقا لمالك، وعنه: يكره وفاقا ~~للشافعي. ويتوجه إن تأذى به، وإلا لم يكره، وعنه: يكره في فرض، وقيل: لا ~~يكره إن عرف كيفية الرد. # السادس والخمسون: ثبت في الخبر ضرب الخباء في المسجد واحتجار الحصير فيه. # وعن أحمد في "مسائل صالح وابن منصور" تقييد الإباحة بوجود البرد. # قال القاضي سعد الدين الحارثي: والصواب: عدم اعتبار هذا القيد. # السابع والخمسون: قال حرب: قلت لأحمد: رجل بني مسجدا فأذن فيه، ثم قلعوا ~~هذا المسجد وبنوا مسجدا آخر في مكان آخر، ونقلوا خشب هذا المسجد العتيق إلى ~~ذلك المسجد، قال يرموا هذا المسجد الآخر العتيق ولا يعطلوه. قلت: فإذا خرب ~~هذا المسجد يبنى مكانه بيت أو خان للسبيل، قال لا ولكن يرم ويتعاهد إذا كان ~~قد أذن فيه قبل وصلي. وسئل أحمد مرة أخرى: قيل: مسجد عتيق، اشتراه رجل ~~فأدخله في مزرعة فقال: لا، وكرهه جدا. وذكر في رواية ابنه عبد الله في ~~المسجد. إذا ضاق عن أهله أو خربت محلته: أنه يباع. # وعند الشافعية؛ لا يجوز أن يصير مملوكا، كالعبد إذا عتق وزمن: لا يجوز أن ~~يعود في الرق. # الثامن والخمسون: رحبة المسجد إن كانت محوطة فلها حكمه وإلا PageV01P365 # فلا. قدمه في "الرعاية الكبرى" و"المستوعب"، وذكر أن هذا رواية واحدة، ~~وأنه الصحيح. وفيه: ليست من المسجد (93/ أ) مطلقا وهو ظاهر كلام الخرقي، ~~وعنه: لها حكمه مطلقا، وعند ms168 الشافعية: هي من المسجد، حكاه الرافعي عن ~~الأكثرين، وكذا عند مالك. # التاسع والخمسون: قال حرب: قلت لأحمد: المسجد يبنى على القنطرة؟ فكرهه، ~~وذكر أراه عن ابن مسعود كراهيته. # الستون: قال أحمد: لا يبنى مسجد إلى جنب مسجد آخر إلا لحاجة، كضيق الأول ونحوه. # وقال صالح: قلت لأبي: كم تستحب أن يكون ما بين المسجدين إذا (¬1) أرادوا ~~أن يبنوا إلى جانبه مسجدا؟ قال لا يبنى مسجد يراد به الضرر لمسجد إلى جنبه، ~~فإن أكثر الناس حتى يضيق عليهم، فلا بأس أن يبنى وإن قرب من ذلك. # وقال في رواية محمد بن موسى، وقد سئل: يبنى مسجد إلى جنب مسجد؟ قال: لا ~~يبني المساجد ليعدي بعضها بعضا؛ فاتفقت الرواية: على أنه لا يبنى لقصد ~~الضرر، كان لم يقصد ولا حاجة، فرواية محمد بن موسى: لا يبنى، واختارها أبو ~~العباس، وإنه (¬2) يجب هدمها، وقال- فيما بني جوار جامع بني أمية-: وزعم ~~بعضهم: أن ظاهر رواية صالح يبنى مع عدم الحاجة إذا لم يقصد الضرر، وليس ~~بظاهر؛ فإن الإمام أحمد قال: فإن كثر الناس حتى يضيق عليهم فلا بأس، والله ~~أعلم. PageV01P366 # الحادي والستون: يجوز للإمام أن يأذن في بناء مسجد في طريق واسع، وعنه: ~~ما لم يضر بالناس، وعنه: المنع مطلقا سواء بني على ساباط أو قنطرة. وقال ~~أيضا: حكم المساجد أعظم جرما: يخرجون المسجد ثم يخرجون على أثره. وعنه: ~~يجوز البناء بلا إذنه وحيث جاز صحت الصلاة فيه وإلا فوجهان؛ ويصح فيما بني ~~على درب مشترك بإذن أهله، وفيه وجه لا يصح، وإن جدد الطريق ونحوه بعدما بني ~~المسجد فقد يتوجه كراهة الصلاة فيه، وفيه في "الرعاية" وجهان. # وسأل الكحال الإمام أحمد عن مسجد يزاد فيه من الطريق؟ قال: لا تصل فيه. # قلت: هذا جار على رواية المنع، وأما على رواية الجواز فتوسعته في الطريق ~~من باب أولى. # الثاني والستون: من جعل علو بيته أو أسفله مسجدا صح وانتفع بالآخر، قدمه ~~في "الرعاية الكبرى"، وقال في "المستوعب": إن جعل سفل بيته مسجدا لم ينتفع ms169 ~~بسطحه، وإن جعل سطحه مسجدا انتفع بسفله، نص عليه، قال أحمد: لأن السطح لا ~~يحتاج إلى سفل. # الثالث والستون: لا يجوز أن يهدم المسجد ويبنى تحته حوانيت تنفعه أو ~~سقاية خاصة أو عامة، فإن انهدم المسجد فكذلك. وقيل: يجوز ذلك في الحالين، ~~أومأ إليه أحمد، قال بعضهم: وهو بعيد. وقيل: ينظر إلى قول أكثر أهله. # الرابع والستون: قال حرب: سألت أحمد، قلت: الرجل يكون على باب داره مسجد ~~وهو يؤذن فيه فلا يحضر جماعته إلا رجل أو نحو ذلك؟ PageV01P367 # قال: إذا كان مسجد عتيق (¬1) لم يزل، فلا أرى بأسا وإن كان محدثا فكأنه ~~أحب إلى أن يأتي غيره. # الخامس والستون: قال حرب: قلت لأحمد: القوم نحو العشرة يكونون في الدار ~~فيجتمعون وعلى باب الدار مسجد؟ قال: يخرجون إلى المسجد ولا يصلون في الدار، ~~وكأنه قال: إلا أن يكون في الدار مسجد يؤذن فيه ويقام. # السادس والستون: ذكر أحمد؛ أن أبا الجوزاء بلي مصحف له، فحفر له في مسجده ~~فدفنه (¬2). # وذكر القاضي؛ أن أبا بكر بن أبي داود روى (¬3) بإسناده، عن طلحة ابن ~~مصرف، قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر. # السابع والستون: قال القاضي أبو يعلى: وأما حريم الجوامع والمساجد؛ فإن ~~كان الارتفاق بها مضرا بأهل الجوامع والمساجد: منعوا منه ولم يجز للسلطان ~~أن يأذن فيه؛ لأن المصلين بها أحق، وإن لم يكن مضرا جاز: الارتفاق بحريمها، ~~وهل يعتبر فيه إذن السلطان على الوجهين في حريم الأملاك؟ # الثامن والستون: كره الإمام أحمد اتخاذ المسجد طريقا وقال في رواية إسحاق ~~بن إبراهيم؛ وسئل عن المشي في (¬4) المسجد؟ فقال: لا تتخذوا المسجد (¬5) ~~طريقا فإن كانت عليه فلا بأس. وكذا يكره عند الشافعية. PageV01P368 # وفي "المعجم الأوسط" للطبراني، عن سالم، عن أبيه: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر الله أو صلاة" (¬1). # التاسع والستون: سئل الإمام أحمد في النسخ (95/ أ) في المسجد دون وضع ~~النقش فيه. وقال أيضا في رواية أبي داود؛ وسئل عن النقش يوضع في المسجد؟ ms170 ~~قال: من الناس من يتوقاه. # السبعون: يجوز نقض المسجد للإصلاح. # قال في "الفروع" في باب النية: وإن أحرم به يعني الفرض في وقته ثم قلبه ~~نفلا لفرض صحيح: صح على الأصح، خلافا لأحد قولي الشافعي؛ لأنه إكمال في ~~المعنى، كنقض المسجد للإصلاح. ذكره صاحب "المحرر" وغيره وكذا قال الحنفية: ~~إكمال معنى كنقض المسجد للبناء والعمارة والتوسعة، وذكر في "الفروع" أيضا، ~~في الوقت، إن هدمه وتجديد بنائه لمصلحة. نص أحمد. # الحادي والسبعون: قال أحمد في مسجد له حائط قصير غير حصين ولا منارة: لا ~~بأس بها أن تهدم وتجعل في الحائط؛ لئلا يدخله الكلاب. # الثانن والسبعون: قال أبو الوفاء ابن عقيل: أنا أبرأ إلى الله تعالى من ~~جموع أهل وقتنا في المساجد والمشاهد ليالي يسمونها "إحياء" لعمري إنها ~~لإحياء أهوائهم وإيقاظ شهواتهم؛ جموع الرجال والنساء، مخارج الأموال فيها ~~من أفسد المقاصد وهو الرياء والسمعة، وما في خلال كل واحد من اللعب والكذب ~~والغفلة، ما كان أحوج للجوامع أن تكون مظلمة من سرجهم منزهة عن معاصيهم ~~وفسقهم، مردان ونسوة وفسقة. PageV01P369 # الرجل عندي؛ من وزن في نفسه ثمن الشمعة فأخرج به ذهبا وحطبا إلى بيوت ~~الفقراء ووقف في زاوية بيت بعد إرضاء عائلته بالحقوق فكتب في المجتهدين على ~~ركعتين بحزن ودعاء لنفسه وأهله وجماعة من المسلمين وبكر إلى معاشه، لا إلى ~~المقابر، فترك المقابر في ذلك عبادة. # الثالث والسبعون: يستحب لداخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى في الدخول ~~واليسرى في الخروج؛ لحديث أنس، قال: من الستة إذا دخلت المسجد أن تبدأ ~~برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى (¬1)، رواه الحاكم في ~~المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم (¬2). # قال البخاري: وكان ابن عمر يفعله ويقول ما ورد (¬3). (95/ ب). # ومنه ما رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬4) قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب ~~رحمتك، وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك" (¬5). # وعن فاطمة الزهراء: أنها (¬6) قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه ms171 وسلم ~~- إذا دخل المسجد قال: "بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ~~ذنوبي وافتح في أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - اللهم PageV01P370 # اغفر لي ذنوبي وافتح في أبواب فضلك" رواه أحمد وابن ماجه، وفي إسناده ضعف ~~(¬1). وروى ابن ماجه، ورجاله ثقات، من حديث أبي هريرة نحوه، إلا أنه قال ~~إذا خرج فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليقل: اللهم اعصمني من ~~الشيطان (¬2). # الرابع والسبعون: يسن أن يبدأ بخلع نعله اليسرى أولا وأن يلبس اليمنى ~~أولا. وإذا أراد الدخول وكان المسجد لا يدخل إليه بالنعل، فإن دخل باليمنى ~~أولا فيكون قد نزع النعل منها قبل اليسرى (¬3) وهو خلاف السنة. وإن دخل ~~باليسرى لأجل نزعها يكون قد خالف السنة لكونه أدخل اليسرى المسجد أولا. ~~فالذي يتعين فعله هنا: أن يخلع اليسرى أولا ويضعها على النعل من غير لبس ~~خارج المسجد ثم ينزع اليمنى ويدخلها أولا. وإذا أراد الخروج يخرج باليسرى ~~أولا ويضعها على النعل من غير لبس ثم يخرج اليمنى ويلبس فيها قبل اليسرى ~~لأجل (¬4) حتى تكون اليمنى أولهما تنعلا وآخرهما تنزع وأولهما (¬5) دخولا ~~المسجد وآخرهما خروجا. # الخامس والسبعون: الصلاة في نعله أو تركه أمامه، وعنه: بل عن يساره؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خلع نعليه وهو في الصلاة جعلهما عن يساره. # رواه أحمد، وأبو داود (¬6). PageV01P371 # ولأبي داود من حديث أبي هريرة: "إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما ~~أحدا ليجعلهما بين رجليه أو ليصل (96/ أ) فيهما" (¬1). # وفي خبر أبي هريرة وأبي بكرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ليجعلهما بين رجليه". # رواه أبو محمد الخلال حكاه القاضي، قال: وقيل إن كان مأموما جعلهما بين ~~رجليه؛ لئلا يؤذي من عن يمينه أو شماله. وإن كان إماما أو منفردا جعلهما عن ~~يساره لئلا يؤذي أحدا. # قال القاضي: وإنما اخترنا جانب اليسار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فعل ذلك في حديث أبي سعيد (¬2)، رواه أبو حفص ورواه أبو ms172 محمد الخلال، من ~~حديث عبد الله بن السائب، ولأن اليسار جعلت للأشياء المستقذرة من الأفعال. ~~قال القاضي فأما موضعها من غير المصلي فإلي جنبه. كذا رواه أبو بكر الآجري ~~في كتاب "اللباس" بإسناده عن ابن عباس، قال: من السنة إذا جلس الرجل أن ~~يخلع نعليه فيضعهما بجنبه. # السادس والسبعون: عن أبي سعيد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما، فإن رأى خبثا فليمسحه ~~بالأرض ثم ليصل فيهما"، إسناده جيد، رواه أحمد، وأبو داود (¬3). # قال في "الآداب": ومراده أن يمسح الخبث بغير أرض المسجد. وإن لم يصل في ~~نعليه وضعهما في المسجد، فلا يرم بهما فيه. فإن رمى بهما، فإن كان على وجه ~~الكبر والتعاظم أو كان ذلك سببا لإتلاف شيء من أرض المسجد أو في أذى أحد، ~~فلا خفاء بأن ذلك لا يجوز ويضمن ما أتلف PageV01P372 # بسببه، وإلا فالأدب: أن لا يفعل ذلك؛ لأنه خلاف التعظيم المأمور به في ~~بيوت الله تعالى، وأحب البقاع إلى الله عز وجل. ويشبه هذا رمي الكتاب ~~بالأرض. وقد فعله رجل عند أحمد؛ فغضب، وقال: هكذا (¬1) يفعل بكلام الأبرار؟ ! . # وفي "المحيط" (¬2) من كتب الحنفية: لو مشى بالطين كره له أن يمسحه بحائط ~~المسجد، وإن مسحه بتراب المسجد وكان مجموعا فلا بأس به، وإن كان منبسطا يكره. # السابع والسبعون: ينبغي لمن قصد المسجد للصلاة أو غيرها أن ينوي الاعتكاف ~~مدة لبثه فيه؛ لا سيما إن كان صائما. ذكره ابن الجوزي في "المنهاج"، ومعناه ~~في، "الغنية"، وفاقا للشافعية (¬3)، (96/ ب) ولم يره أبو العباس. # الثامن والسبعون: يكره للزوج منع زوجته من المسجد ليلا ونهارا. وفي، ~~"المغني": ظاهر الخبر منعه من منعها. # قال ابن الجوزي: فإن خيف فتنة، نهيت عن الخروج. واحتج بخبر عائشة ~~المشهور: "لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهن ~~المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل" (¬4). # قال القاضي: مما ينكر خروجهن على وجه يخاف منه الفتنة. والسيد كالزوج ~~وأولى. PageV01P373 # التاسع والسبعون: قال في "الرعاية": ms173 يسن أن يصان عن الجماع فيه أو فوقه. # وقال ابن تميم: يكره الجماع فوق المسجد، وذكر في "الفروع" في باب الرجعة: ~~حصولها بالوطء. وتحل محرمة الوطء لمرض وضيق وقت الصلاة ومسجد. انتهى. فجزم ~~بتحريم الوطء في المسجد. # الثمانون: قال أبو داود: سمعت أحمد يسأل: يجيء الرجل بزكاته، يعني: صدقة ~~الفطر، إلى المسجد أو يطعمه؟ قال يطعمه. قال سمعت أحمد سئل عن زكاة الفطر ~~تجمع في المسجد؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. # الحادي والثمانون: قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن حفر البئر في ~~المسجد؟ قال لا، قلت: فإن حفرت بئر ترى أن يؤخذ المغتسل فيغطا به البئر، ~~قال لا إنما ذلك للموتى. # وفي "الرعاية" في إحياء الموات: أن أحمد لم يكره حفرها فيه وقال ابن ~~حمدان كره الوضوء فيه، كره حفرها فيه، وإلا فلا. # الثاني والثمانون: قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه ~~كان بعيدا من الإخلاص. # الثالث والثمانون: يجوز أن يقال مسجد بني فلان؛ لما روى البخاري عن ابن ~~عمر في حديث المسابقة، وفيه: إلى مسجد بني زريق (¬1). ولكن البخاري قال: ~~"باب، هل يقال مسجد بني فلان". # قال ابن حجر: وإنما أورده بلفظ الاستفهام؛ لينبه على أن فيه احتمالا، PageV01P374 # إذ يحتمل أن يكون (¬1) ذلك قد علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ~~تكون هذه الإضافة وقعت في زمنه. ويحتمل أن يكون مما حدث بعده، والأول: ~~أظهر. والجمهور على الجواز. # والمخالف في ذلك إبراهيم النخعي، فيما رواه (97/ أ) ابن أبي شيبة عنه: ~~أنه يكره أن يقول مسجد بني فلان، ويقول: مصلى بني فلان؛ لقوله تعالى: {وأن ~~المساجد لله} (¬2)، وجوابه: أن الإضافة في هذا إضافة تمييز لا ملك. # الرابع والثمانون: قال في "الآداب": ومما ينبغي أن يتفطن له ما يفعله بعض ~~الناس من أخذ شيء ملقى في المسجد يصان عنه ثم يضعه فيه، فإنه يتوجه القول ~~بأنه يلزم بالأخذ؛ لأنه خلا المسجد منه، فإذا ألقي فيه: فهو كنخامة ونحوها ~~ألقيت فيه. # وقد قال أصحابنا في اللقطة: ms174 تلزم (¬3) بأخذها، وهذا بخلاف ما لو كان ~~المأخوذ مقصودا وضعه في المسجد كالحصى أو لم يقصدوا وضعه لكنه أرض المسجد، ~~ولما أرسل ابن عمر إلى عائشة يسألها عن رواية أبي هريرة في قيراطى الجنازة، ~~أخذ قبضة من حصباء (¬4) المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول، فقال: ~~قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم ~~قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. رواه مسلم (¬5). PageV01P375 # الخامس والثمانون: ذكر غير واحد من الحنفية: أنه يكره مد الرجلين إلى ~~القبلة في النوم وغيره. # قال في "الآداب": وهذا إن أرادوا به مطلقا كما هو ظاهر. فالكراهة تستدعي ~~دليلا شرعيا، وقد ثبت في الجملة استحبابه أو جوازه- كما في حق الميت. # قال في "المفيد" من كتبهم: ولا يمد رجليه يعني في المسجد؛ لأن في ذلك ~~إهانة له (¬1). ولم أجد أصحابنا ذكروا هذا، ولعل تركه أولى. ولعل ما ذكره ~~الحنفية من حكم هاتين المسألتين؛ كراهة الإمام أحمد الاستناد إلى القبلة ~~كما سبق، فإن هاتين المسألتين في معنى ذلك وأولى؛ انتهى كلامه في "الأداب". # السادس والثمانون: قال بعض علمائنا: يكره السؤال والتصدق في المساجد. # قال في "الآداب": ومرادهم- والله أعلم-: التصدق على السؤال لا مطلقا، ~~وقطع به ابن عقيل وأكثرهم لم يذكر الكراهة. # وقد نص أحمد: أن من سأل قبل خطبة الجمعة ثم جلس لها: تجوز الصدقة عليه، ~~وكذلك إن تصدق على من لم يسأل أو سأل الخاطب الصدقة لإنسان: جاز. # وروى البيهقي في "المناقب" عن علي بن محمد بن بدر، قال: صليت يوم الجمعة ~~فإذا أحمد بن حنبل (97/ ب) يقرب (¬2) مني، فقام سائل فسأل، PageV01P376 # فأعطاه أحمد قطعة، فلما فرغوا من الصلاة قام رجل إلى ذلك السائل فقال ~~أعطني تلك القطعة؛ فأبى، قال: أعطني وأعطيك درهما، فلم يفعل، فما زال يزيده ~~حتى بلغ خمسين درهما، فقال: لا أفعل فإني أرجو من بركة هذه القطعة ما ترجوه ~~أنت. وقال أبو مطيع البلخي الحنفي: لا يحل للرجل أن يعطي سؤال المسجد، قال ~~خلف بن أيوب: ms175 لو كنت قاضيا لم أقبل شهادة من تصدق عليه. # واختار صاحب "المحيط" منهم: أنه إن سأل لأمر لابد منه ولا ضرر فلا باس ~~بذلك وإلا كرها (¬1). # وقال الشيخ تقي الدين (¬2) في "الفتاوى المصرية": أصل السؤال محرم في ~~المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة فإن كان ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدا ~~لتخطيه رقاب الناس ولا غير تخطيه ولم يكذب فيما يرويه (¬3) ويذكر من حاله، ~~ولم يجهر جهرا يضر الناس، مثل أن يسأل والخطيب يخطب أو وهم يستمعون علما ~~يشغلهم به ونحو ذلك جاز (¬4). # وقال حرب: قلت لأحمد هؤلاء السؤال الذين يسألون يوم الجمعة، فكره ذلك ~~كراهية شديدة. # السابع والثمانون: فرش المصلى في المسجد. قال أبو العباس ليس له فرشه. # وقال علماؤنا: ومن فرش مصلي ففي جواز رفعه لغيره وجهان. وقيل: PageV01P377 # إن تخطى رفعه لا يصلي عليه. # وقدم في "الرعاية": يكره جلوسه عليه، وجزم صاحب "المحرر" وغيره بتحريمه. # قال صاحب "الفروع": يتوجه إن حرم رفعه فله فرشه وإلا كرة. فإن أقيمت ~~الصلاة ولم يحضر رفع. # قال في "إعلام الساجد": لو بعث شيئا يفرش له حتى إذا جاء جلس عليه وصلى، ~~قال في "الأم" - يعني: الشافعي-: ليس لغيره أن يجلس عليه؛ لأنه ملك لغيره. # قال الشيخ أبو حامد: ولكن له أن ينحيه ويجلس في ذلك المكان؛ لأن الحرمة ~~للإنسان دون فرشه (¬1). # الثامن والثمانون: قال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": لم يكن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يصلون على سجادة، لكن صلى على خمرة وهي شيء ~~يعمل من الخوص يتقي به حر (¬2) (98/ أ) الأرض وأذاها. وكان يصلي على التراب ~~والحصير (¬3). # وروى مالك: أن بعض العلماء قدم وفرش في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأمر مالك بحبسه، وقال: أما (¬4) علمت أن هذا في مسجدنا بدعة؟ ! انتهى. PageV01P378 # وذكر غير الشيخ: أن عبد الرحمن بن مهدي دخل مسجد رسول الله وقد أقيمت ~~الصلاة فوضع رداءه بين يديه وصلى مع الناس، فجعل الناس يرمقونه، فلما فرغ ~~أمر مالك بحبسه، ثم عرف أنه عبد الرحمن بن ms176 مهدي فأمر بإحضاره، وقال له: أما ~~خفت الله تعالى شغلت الناس عن الصلاة وأحدثت في مسجد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ما لم يكن، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (¬1) فبكى ~~عبد الرحمن وحلف أن لا يضع بعده (¬2) رداءه بين يديه في مسجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا في مسجد غيره. # وفي "الفروع": يكره أن يخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأنه (¬3) شعار الرافضة. ~~ذكره ابن عقيل وغيره. # التاسع والثمانون: ذكر القاضي أبو يعلى في "آدابه": يستحب صلاة القادم. ~~وقاله الشافعية، وأنها تكون في المسجد أول قدومه من السفر. وهذه الصلاة ~~مقصودة للقدوم من السفر لا أنها تحية المسجد، لكن تحصل التحية بها كما لو ~~صلى فريضة. # وفي "الصحيح": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قدم من سفر بدأ ~~بالمسجد فصلى # فيه ركعتين (¬4). # ونقل حرب، عن إسحاق، قال: هو حسن جميل. قال: وإن صليتهما في بيتك حين ~~تدخل بيتك فإن ذلك يستحب. PageV01P379 # التسعون: من قام من موضعه لعذر ثم عاد إليه فهو أحق به، ذكره جماعة وإن ~~كان لغير عذر سقط حقه بقيامه إلا أن يخلف مصلى أو وطاء ففيه وجهان. ذكره ~~ابن عقيل وغيره. والأخبار في ذلك مشهورة. # وقال في "الرعاية" في باب إحياء الموات: ومن جلس في مسجد أو جامع لفتوى ~~أو لإقراء الناس فهو أحق به مادام فيه أو غاب لعذر ثم عاد قريبا. كان جلس ~~فيه لصلاة (98/ ب) فهو أحق به فيها فقط (¬1). وإن غاب لعذر ثم عاد قريبا ~~فوجهان. انتهى كلامه. # قال في "الآداب": وهو غريب بعيد. # الحادي والتسعون: يكره اتخاذ غير إمام مكانا بالمسجد لا يصلي فرضه إلا ~~به، ويباح ذلك في النفل؛ جمعا بين الخبرين. # واختار صاحب "الرعاية": يكره دوامه بموضع منه. # وقال المروذي: كان أحمد لا يوطن الأماكن، ويكره إيطانها؛ فظاهره؛ ولو ~~كانت فاضلة، خلافا للشافعي ووجه احتمال يعني (¬2) بموافقة الشافعي وظاهر ~~كلام أحمد أيضا ms177 ولو كان لحاجة كاستماع حديث وتدريس وإفتاء ونحوه، ووجه لا، ~~ذكره بعضهم اتفاقا؛ لأنه يقصد. # الثاني والتسعون: يستحب لمن دخل المسجد أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، ولا ~~يجب وفاقا خلافا لداود وأصحابه- فيما نقله عنهم ابن بطال وتابعه على ذلك ~~جماعة والذي صرح به ابن حزم عدم الوجوب. PageV01P380 # وفي "الصحيحين": "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" (¬1). # الثالث والتسعون: ظاهر ما ذكروه: يستحب التحية لكل (¬2) داخل قصد الجلوس ~~أو لا: قاله في "الفروع"، ثم قال: ويؤيده ما يأتي في البداءة بالطواف. # وقال في صفة الحج والعمرة عن "الفصول" و"المستوعب" و"الترغيب" وغيرها: ~~أنه يقدم تحية المسجد على الطواف. انتهى. # فظاهر ما نقله عن ابن عقيل ومن وافقه: أنه يصلي تحية المسجد مع أنه لم ~~يقصد الجلوس. # قلت: يستثنى من ذلك الخطيب يوم الجمعة على ما يأتي؛ اللهم إلا أن نقول إن ~~التحية في حقه الخطبة- كما قاله بعض الشافعية، وقد تقدم في الثامن عشر من ~~الخصائص في "الباب الثامن والأربعين". # الرابع والتسعون: لو دخل المسجد في خطبة الجمعة لم يمنع من التحية، خلافا ~~لأبي حنيفة ومالك. # ولا تجوز الزيادة عليهما؛ وفاقا، بل يركعهما ويوجز، أطلقه أحمد والأكثر. ~~قال صاحب "المغني" و"التلخيص" و"المحرر": إن لم تفته معه تكبيرة الإحرام. ~~وإن جلس قام فأتى بها، أطلقه علماؤنا. ووجه احتمال سقوطها من عالم ومن جاهل ~~لم يعمل عن قرب. وأطلق الشافعية سقوطها (¬3) PageV01P381 # به وحمله بعضهم على العالم. وعند الحنفية: لا تسقط بالجلوس، وإن (98/ أ) ~~العالم يخير بين صلاته أولا وعند انصرافه. # الخامس والتسعون (¬1): لا تستحب التحية للإمام؛ لأنه لم ينقل، ذكره أبو ~~المعالي وغيره. # السادس والتسعون: لو دخل الإنسان المسجد وقت نهي؛ فعن الإمام أحمد رواية ~~يجوز، وفاقا للشافعية، اختارها ابن عقيل وابن الجوزي والسامري وأبو العباس ~~وغيرهم، وعنه: المنع، اختاره الأكثر، قاله ابن الزاغوني وغيره، وفي ~~"الفروع": هو أشهر، وفاقا لأبي حنيفة ومالك. # السابع والتسعون: لو تكرر دخوله المسجد، هل تتكرر التحية. ذكروا لو قرأ ~~سجدة فسجد ثم أعادها. كان فيها وجهين. ms178 ووجهت هذه المسألة عليها وقيدها ابن ~~نصر الله في "حواشيه"؛ بقرب الزمن، ولا شك أنه مراد أحدهما تتكرر لتكرر ~~سببها والثاني لا، دفعا للحرج والمشقة. # الثامن والتسعون: لو صلى السنة وقت دخوله كفته عن التحية. # التاسع والتسعون: لو نوى التحية والفرض، قال في "الفروع": ظاهر كلامهم: ~~حصولهما له (¬2)، وفاقا للشافعي، وقد ذكر جماعة: لو نوى غسل الجنابة وغسل ~~الجمعة: أجزأ عنهما، وفاقا لمالك والشافعي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"وإنما لامرئ ما نوى" (¬3)؛ ولأنه لا تنافي، كما لو أحرم بصلاة ينوي بها ~~الفرض وتحية المسجد. PageV01P382 # وفي "الرعاية": احتمال وجهين: أحدهما: هذا، ولم يبين الثاني. # قال في "الفروع": فيحتمل أن مراده: لا يحصل واحد منهما- كما لو نوى ~~بصلاته الفرض والسنة، ويحتمل أن مراده: لا يحصل غسل الجمعة خاصة، لعدم صحته ~~قبل غسل الجنابة في وجه؛ لأن القصد به: حضور الجمعة، والجنابة: تمنعه، ~~والأشهر: تجزئ نية غسل الجنابة عن الجمعة- كالفرض عن تحية المسجد، فظاهر؛ ~~حصول ثوابها. وقيل: لا يجزئ للخبر المذكور، وكالفرض عن السنة. انتهى. # المائة: قال حرب في "مسائله": سئل أحمد عن الرجل يدخل المسجد ولم يركع ~~ركعتي الفجر وقد أقيمت الصلاة؟ قال: يدخل في الصلاة، يعني: ولا يشرع في سنة ~~الفجر خلافا لأبي حنيفة يركعهما بباب المسجد إن أدرك ركعة، فلو شرع فيها ~~بعد الإقامة؛ ففي الصحة عندنا وجهان. # الأول بعد المائة: (98/ ب) لو (¬1) دخل المسجد فرأى جماعة تشرع له التحية ~~قبل السلام أم لا؟ # قال في "الفروع" في أول باب صفة الحج والعمرة: نقل حنبل: يرى (¬2) لمن ~~قدم مكة أن يطوف؛ لأنه صلاة والطواف أفضل من الصلاة، والصلاة (¬3) بعد ذلك. # وعن ابن عباس: الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة، وكذا عطاء. # وذكره القرافي المالكي وغيره اتفاقا بخلاف السلام على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬4)؛ لتقديم PageV01P383 # حق الله تعالى على حق الأنبياء، وهو ظاهر كلام أصحابنا وغيرهم. انتهى. # قلت: ظاهر هذا تقديم التحية على السلام؛ لأنه قال في دخول مسجد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - تقديم التحية قبل السلام على ms179 النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وحرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد مماته كحرمته في حياته؛ ~~وعلل: بتقديم (¬1) حق - صلى الله عليه وسلم - تعالى على حق الأنبياء، فإذا ~~قدم حق الله تعالى على الأنبياء، فتقديمه على حق غير الأنبياء من باب أولى. # ويؤيده: حديث المسيء في صلاته- كما ثبت في "الصحيحين" أنه (¬2) دخل ~~المسجد فصلى ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرد عليه وأنكر ~~عليه في الصلاة، ولم ينكر عليه تأخير السلام عن الصلاة (¬3). # الثاني بعد المائة: قال في "الفتاوى المصرية": المسجد المبني على قبر لا ~~يصلى فيه فرض ولا نفل، فإن كان المسجد قبل القبر غير، إما بتسوية القبر أو ~~نبشه إن كان جديدا، كان كان القبر قبله فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال ~~سورة القبر. انتهى. # وقال في "الفروع": والمسجد إن حدث بمقبرة كهي وإن حدثت حوله أو في (¬4) ~~قبلته كرهت كالصلاة (¬5) إليها. ويتوجه احتمال: يصح حوله. وهو ظاهر كلام جماعة. # وقال الآمدي: لا فرق بين المسجد القديم والحديث. PageV01P384 # وقال في "الفصول": إن بنى فيها مسجد بعد أن انقلبت أرضها بالدفن: لم تجز ~~الصلاة؛ لأنه بني في أرض الظاهر نجاستها كالبقعة النجسة. وإن بني في ساحة ~~طاهرة وجعلت الساحة مقبرة: جاز؛ لأنه في جوار مقبرة. # الثالث بعد المائة: لا تكره صلاة الجنازة في المسجد خلافا لأبي حنيفة ~~ومالك في إحدى الروايتين، وقيل: هو أفضل، وقيل: عكسه (99/ أ)، وخيره أحمد. # وقال الآجري: السنة أن يصلى عليها فيه، وإنه قول الشافعي وأحمد، وإن لم ~~يؤمن تلويثه: لم يجز، ذكره أبو المعالي وغيره، وأجاب في الخلاف وغيره عن ~~قول المخالف يحتمل انفجاره؛ لأنه نادر، ثم هو عاده بعلامة فمتى ظهرت: كره ~~إدخاله المسجد وإلا فلا، كما تدخل المرأة المسجد وإن جاز أن يطرقها الحيض. # زاد صاحب "المحرر": ثم (¬1) لو صلى الإمام فيه والجنازة خارجه: كرهت عند ~~المخالف، وللحنفية خلاف فيما ذكره عنهم حتى كرهه بعضهم لكل مصل في المسجد؛ ~~بناء (¬2) على أن المسجد للمكتوبات إلا لعذر مطر ونحوه، ms180 وللحنفية خلاف: هل ~~الكراهة للتحريم أو (¬3) للتنزيه؟ # الرابع بعد المائة: لا تسقط تحية المسجد بصلاة الجنازة فيه وفاقا. # الخامس بعد المائة: اتخاذ المحراب مباح. نص عليه ونقله أبو طالب: لا أحب ~~أن يصلى في الطاق. وقد كرهه علي وابن مسعود وابن عمر وأبو ذر. PageV01P385 # وقال الحسن: الطاق في المسجد أحدثه الناس. وكان يكره كل محدث. # وعن سالم ابن أبي الجعد: لا تزال هذه الأمة بخير ما لم يتخذوا في (¬1) ~~مساجدهم مذابح كمذابح النصارى. # وكان ابن عمر أيضا يكره أن يصلي في مسجد يشرف. # وعن علي: أنه كان إذا مر بمسجد يشرف؛ قال: هذه بيعة. # قال صاحب "الفروع": فهذا من أحمد يتوجه منه كراهة المحراب. واقتصر ابن ~~البناء عليه؛ فدل: على أنه قال به. # وعنه: يستحب، اختاره الآجري وابن عقيل وابن الجوزي وابن تميم؛ ليستدل ~~(¬2) به الجاهل، وكالمسجد والجامع. وفيهما في آخر (¬3) "الرعاية": أنهما ~~فرض كفاية. # * وأول من اتخذ المحراب: عمر بن العزيز- كما تقدم في باب ذكر مسجد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # السادس بعد المائة: يكره وقوف الإمام في المحراب بلا حاجة، وفاقا لأبي ~~حنيفة- كضيق المسجد، وعنه: لا؛ كسجوده فيه، وعنه: يستحب. # السابع بعد المائة: يكره تطوع الإمام موضع المكتوبة بلا حاجة، نص عليه، ~~وفاقا لأبي حنيفة ومالك، وقيل: تركه أولى لمأموم. # الثامن بعد المائة: يكره للمأموم (99/ ب) الوقوف بين السواري. # قال الإمام أحمد: لأنه يقطع الصف. PageV01P386 # وكرهه أنس؛ وقال: كنا نتقيه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~(¬1)، وفي لفظ: كنا ننهي عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها، صححه الحاكم في ~~"المستدرك". # قال ابن مسعود: "لا تصفوا بين الأساطين"، وكرهه حذيفة وإبراهيم. # قال القرطبي: إنما كرهت الصلاة يين الأساطين؛ لأنه روي في الحديث؛ أنها ~~مصلى الجن المؤمنين (¬2). # وأجازه الجمهور، منهم: الحسن، ومحمد بن سيرين، وكان ابن جبير، وإبراهيم ~~التيمي، وسويد بن غفلة: يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول أبي حنيفة وقال ~~مالك: لا بأس بذلك، لضيق (¬3) المسجد. # التاسع بعد المائة: لا يجوز الخروج من مسجد بعد أذان بلا ms181 عذر أو (¬4) نية رجوع. # وكرهه أبو الوفاء وأبو المعالي وفاقا لأبي حنيفة والشافعي. # ونقل ابن الحكم: أحب أن لا يخرج. # ونقل صالح: لا يخرج. ونقل أبو طالب: لا ينبغي، واحتج يقول أبي هريرة: ~~"أما هذا فقد عصى أبا القاسم" (¬5) ووجه: يخرج لبدعة (¬6). قال ابن PageV01P387 # عمر: خرج للتثويب (¬1) في الظهر أو (¬2) العصر، وقال: فإن هذه بدعة، رواه ~~أبو داود (¬3). # وأن تحرم البدعة فوجه - كالخروج من وليمة. ولمن كان صلى: الخروج، وعند ~~الحنفية: إلا بعد الأخذ في الإقامة لظهر وعشاء؛ لأنه يتهم. # العاشر بعد المائة: لا يركع داخل المسجد التحية قبل فراغ الأذان. # وعنه: لا بأس، واختار صاحب "النظم" غير آذان الجمعة؛ لأن سماع الخطبة ~~أهم، ولعله مراد غيره، قاله صاحب "الفروع". # الحادي عشر بعد المائة (¬4): السنة لمن دخل المسجد ومعه سهام أن يمسك ~~بنصالها أو رمح أن يمسكه بسنانه؛ لما روى البخاري عن جابر: أن رجلا مر ~~بسهام في المسجد، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمسك ~~بنصالها" (¬5). # وفي "الصحيحين" من حديث أبي موسى (¬6)، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها، لا ~~يعقر بكفه مسلما" (¬7). # الثاني عشر بعد المائة: قال ابن عقيل في "الفصول": لا تجوز إقامة الحدود ~~في المساجد (¬8). PageV01P388 # وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: لا تقام الحدود في المساجد. وفي ~~"الفروع" في تحريم إقامة الحد: فيه وجهان (¬1). # وعن حكيم بن حزام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقام الحدود ~~في المساجد ولا يستقاد فيها". # رواه أحمد وأبو داود (¬2) وإسناده ثقات، وفيه انقطاع. # الثالث عشر بعد المائة: إذا كان المسجد تقام فيه الجمعة: سن (¬3) اتخاذ ~~المنبر فيه. # قال في "شرح مسلم": اتخاذ المنبر سنة مجمع عليها، ويكون عن يمين مستقبلي ~~القبلة، كذا كان منبره عليه السلام. # وسمي منبرا؛ لارتفاعه من النبر: وهو الارتفاع. # الرابع عشر بعد المائة: إذا لم يكن في الجامع الذي تقام فيه الجمعة منبر ~~ولا شيء عال يصعد عليه ms182 ووقف على الأرض، فإنه يقف عن يسار مستقبلي القبلة، ~~قاله أبو المعالي. # الخامس عشر بعد المائة: إذا قلنا بجواز الاستصباح بالدهن النجس على إحدى ~~الروايتين عندنا، وهو الأصح من قولى الشافعي، فينبغي أن يستثنى من ذلك ~~الاستصباح (¬4) به في المساجد. وقاله بعض الشافعية. # السادس عشر بعد المائة: فعل الجماعة في المسجد سنة؛ وفاقا PageV01P389 # لأبي حنيفة ومالك، وعنه: فرض كفاية؛ وفاقا لأحد قولى الشافعي. وعنه: ~~واجبة مع قربه، وقيل: شرط. # قال أبو العباس: ولو لم يمكنه إلا بمشيه في ملك غيره: فعل، وإن كان على ~~طريقه منكر كغناء: لم يدع المسجد، وينكره، نقله يعقوب. # السابع عشر بعد المائة: الأفضل لأهل الثغر الاجتماع بمسجد واحد؛ لأنه ~~أبلغ في إرهاب العدو. # الثامن عشر بعد المائة: الأفضل لغيرهم: العتيق، ثم الأكثر جمعا، وقيل: ~~تقديم الأبعد، وعنه: الأقرب؛ وفاقا لأبي حنيفة والشافعي- كما لو تعلقت ~~الجماعة بحضوره؛ وفاقا، وقيل: يقدمان على الأكثر جمعا. وذكر بعض الحنفية ~~مذهبهم: تقديم الأقرب على العتيق. قالوا ومع التساوي يذهب الفقيه إلى ~~أقلهما جماعة ليكثروا به. # التاسع عشر بعد المائة: تحرم الإمامة بمسجد له إمام راتب إلا بإذنه. ~~(100/ ب) قال الإمام: وليس لهم ذلك. # وقال في الخلاف: فقد كره ذلك في "الكافي" إلا مع غيبته. # قال في "الفروع": والأشهر إلا مع تأخره وضيق الوقت، ويراسل إن تأخر عن ~~وقته المعتاد مع قربه وعدم المشقة كان بعد أو لم يظن حضوره أو ظن ولا يكره ~~ذلك: صلوا وحيث حرم، قال في "الفروع": فظاهره: لا (¬1) يصح. وفي "الرعاية": ~~لا (¬2) يؤم، فإن فعل: صح ويكره. ويحتمل البطلان للنهي. # العشرون بعد المائة: تكره إعادة الجماعة بمكة والمدينة؛ علله أحمد: PageV01P390 # بأنه أرغب في توفير الجماعة، وعنه: والأقصى، وعنه: يستحب، اختاره في ~~"المغني"، وعنه: مع ثلاثة فأقل. # الحادي والعشرون بعد المائة: لا تكره إعادة الجماعة في غيرها فيما له ~~إمام راتب كغيره وفاقا، وقيل: تكره وفاقا لأبي حنيفة ومالك، ووجه احتمال في ~~غير مساجد الأسواق وفاقا للشافعي. وقيل: بالمساجد العظام. وقيل: لا يجوز. # الثاني والعشرون بعد المائة: ms183 يباح القضاء والحكم في المسجد، نص عليه، ~~وعند الشافعي في كراهته (¬1) وجهان: أصحهما: نعم، فإن اتفق جلوسه فيه وحضر ~~خصمان لم يكره أن يحكم بينهما. # وقال مالك: جلوس القاضي في المسجد للقضاء من الأمر القديم المعمول به، ~~وكان شريح وابن أبي ليلى يقضيان في المسجد. # وعن سعيد بن المسيب كراهته. # وقال الروياني في "البحر": لا يكره القضاء في المسجد في حالتين: # أحدهما: لو كان في المسجد معتكفا أو منتظرا (¬2) لصلاة فتحاكم إليه ~~اثنان: لا يكره له (¬3) الحكم بينهما؛ لأن الحضور في المسجد لم يكن مقصورا ~~على القضاء فيه. # الثانية: إذا لزمه تغليظ الأيمان بالمكان. # الثالث والعشرون بعد المائة: يستحب انتظاره الصلاة (¬4) بعد الصلاة، PageV01P391 # ذكره جماعة، منهم: صاحب "المغني" و"المحرر"، وجلوسه بعد فجر وعصر إلى ~~طلوعها وغروبها لا في بقية الأوقات: نص عليه، واقتصر صاحب "المغني" ~~و"المحرر" على الفجر؛ لأنه عليه السلام كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه ~~الصبح حتى تطلع الشمس حسنا (¬1)، رواه مسلم (¬2). (101/ أ) # وإن جلس بمكان فيه: فلا بأس- كقول الأصحاب: لا يجوز الخروج من معتكفه ~~وصرحوا بالمسجد، والأول: أفضل وأولى. # وفي "الصحيحين": "فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه ما دام في مصلاه، ~~اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" (¬3). # وفي "الصحيح": "لا يزال في الصلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة؛ ما لم ~~يحدث" (¬4). # الرابع والعشرون بعد المائة: تكره الصلاة في مقصورة تحمى، وقيل: أولا إن ~~قطعت الصفوف، كذلك قال الإمام أحمد: أكره الصلاة في المقصورة. # وقال ابن عقيل: إنما كرهها؛ لأنها كانت (¬5) تختص بالظلمة وأبناء الدنيا؛ ~~فكره الاجتماع بهم. وقيل: كرهها لقصرها على أتباع السلطان ومنع غيرهم فيصير ~~الموضع كالغصب. PageV01P392 # * وقال القرطبي في "شرح مسلم": "لا يجوز اتخاذها ولا يصلى فيها لتفريقها ~~الصفوف في حيلولتها مع التمكن من المشاهدة. # وروي أن الحسن، وبكر المزني؛ كانا لا يصليان فيها؛ لأنها أحدثت بعد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. والمسجد مطلق لجميع الناس. # وذكر في "إعلام الساجد" عن بعض من صنف في ms184 الأوائل: أن أول من اتخذها ~~معاوية بجامع دمشق. # * وقد ذكر أبو بكر بن الحسين في كتاب "تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار ~~الهجرة"، عن ابن النجار أن عثمان رضي الله عنه لما زاد في مسجد الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - بنى المقصورة بلبن، وجعل فيها كوة ينظر الناس إلى ~~الإمام وكان يصلي فيها خوفا من الذي أصاب عمر رضي الله عنه. وكانت صغيرة. # قيل: واستعمل عليها السائب بن خباب كما نقله ابن زبالة وغيره، وكان يرزقه ~~دينارين في كل شهر. # وفي كتاب يحيى: أن عمر بن عبد العزيز جعلها من ساج حين بنى المسجد، قال: ~~وكانت قبله من حجارة. # ويقال: إن أول من جعل المقصورة: مروان بن الحكم حين طعنه اليماني، فجعل ~~مقصورة من طين وجعل لها تشبيكا، هذا نص مالك في "العتبية"، وفي كتاب يحيى: ~~بناها بالحجارة. انتهى كلامه في "تحقيق النصرة". # الخامس والعشرون بعد المائة: اختلف العلماء في السنن الرواتب، (101/ ب) ~~هل فعلها في البيت أفضل أو في المسجد؟ PageV01P393 # فمذهب (¬1) أحمد والشافعي والنخعي: أن فعلها في البيت أفضل؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أفضل (¬2) صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" (¬3). # وحكى عياض عن قوم: أن فعلها في المسجد أجمع للخاطر، وحكى عياض أيضا عن ~~مالك والثوري: أن النهار: المسجد أفضل، والبيت: الليل أفضل، وعن أحمد: ~~الفجر، والمغرب زاد في "المغني": والعشاء في بيته. وهذا موافق لمذهب مالك، ~~وعنه: التسوية. # وفي "آداب عيون المسائل": صلاة النافلة في البيوت أفضل منها في المساجد ~~إلا الرواتب. # قال عبد الله لأبيه: إن محمد بن عبد الرحمن قال في "سننه": المغرب لا ~~يجزئه إلا ببيته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال هي من صلاة البيوت ~~(¬4). قال: ما أحسن ما قال. # السادس والعشرون بعد المائة: قال بعض الشافعية: يجوز نبش قبور المشركين، ~~وبناء المسجد موضعها؛ لما في "الصحيحين" من حديث أنس: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر بقبور المشركين فنبشت (¬5) عند بناء المسجد، فقيل (¬6): ~~لأنها لا حرمة لها؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب، ms185 وقيل: لأنها دثرت ولم يظهر لها ~~أثر، والحاجة داعية إلى الانتفاع بأماكنها، وكرهه مالك. PageV01P394 # وذكر في "الفروع" عن بعضهم: إن غلب المسلمون على أرض الحرب، لم تنبش ~~قبورهم، نص عليه. # ونقل المزوزي؛ فيمن أوصى ببناء داره مسجدا (¬1) فخرجت مقبرة فإن كانوا ~~مسلمين لم يخرجوا وإلا أخرجت عظامهم. # السابع والعشرون بعد المائة: هل يجوز فتح باب أو خوخة أو كوة في المسجد؟ # بوب البخاري على فتح الخوخة والممر في المسجد، وأدخل فيه حديث أبي سعيد: ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - خطب، وقال: "لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا ~~باب أبي بكر" (¬2). # قال بعض علمائنا: يجوز الفتح لمن حاله كحال أبي بكر رضي الله عنه، ~~كالإمام لأجل مصالح المسلمين. # وقال في "إعلام الساجد" للشافعية: يجوز فتح الخوخة والممر (¬3) في ~~المسجد. # الثامن والعشرون بعد المائة: قال بعض الشافعية يجوز بناء المطاهر بالقرب ~~من المساجد والتوضئ منها، وفي كتاب "الطهور" لأبي عيد (102/ أ)، عن إبراهيم ~~النخعي، قال: كانوا يتطهرون من مطاهر المساجد. # وروي فعل ذلك عن علي وأبي (¬4) هريرة رضي الله عنهما (¬5). PageV01P395 # قلت: قد تقدم في "السابع والأربعين": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "واتخذوا على أبوابها المطاهر" (¬1). # التاسع والعشرون بعد المائة: قال أبو العباس: إذا قال واحد أو جماعة: قد ~~جعلنا هذا المكان مسجدا أو وقفا صار مسجدا أو وقفا بذلك؛ وإن لم تكمل ~~عمارته. # الثلاثون بعد المائة: قال ابن عقيل: فإن تغلب متغلب على مسجد ومنع دخول ~~(¬2) الناس إليه؛ نظرت فإن أزال الآلة (¬3) الدالة على كونه مسجدا أو ادعاه ~~(¬4) ملكا، كان كسائر الغصوب في صحة الصلاة: فيه روايتان، فإن منع الناس ~~عنه وانفرد به دونهم من غير تخريب لم يصح غصبه حكما؛ بمعنى: أنه لو تلف ~~المسجد في مدة منعه لم يلزمه ضمانه كالحر إذا غصبه غاصب، فيحتمل أنه إذا لم ~~يصح غصبه أن تصح الصلاة فيه، ويحتمل أن لا يصح، ولأنه تغلب على أرض لا ~~يملكها على سبيل التعدي أشبه إذا تغلب على أملاك الناس، ولأنه ليس إذا ms186 لم ~~يملك لم يمنع صحة الصلاة غصبه، كما لو غصب ستارة الكعبة وصلى فيها مستترا ~~بها انتهى. # فقد اعتبر المسألة بغصب (¬5) الحر، وفيه خلاف، وفي ضمانه بالغصب. ويؤخذ ~~منه: أنه إن اتخذه مسكنا أو مخزنا، ونحو ذلك: أنه يضمن أجرته- كما تقول في ~~الحر إذا استعمله كرها. PageV01P396 # وذكر ابن منجا في "شرح الهداية" أنه لو غصبه واتخذه مسكنا وانهدم لا ضمان ~~عليه كالحر. # واختار الشيخ تقي الدين (¬1) في "شرح العمدة": القول بعدم صحة صلاته. # قالوا: وأما قول ابن عقيل إن المسجد لو تلف في مدة منعه لم يلزمه ضمانه؛ ~~فليس الأمر كذلك، بل المسجد عقار من العقار يضمن بالغصب، وهو المشهور في ~~المذهب (¬2). ومن لم يضمنه بالغصب: لم يفرق بين المسجد وغيره، ولا خلاف أنه ~~متقوم بقيم الأموال بخلاف الحر؛ لأنه ليس بمال. نعم؛ يشبه العبد الموقوف ~~على خدمة الكعبة، فإنه ليس له مالك معين، ومع هذا؛ فهو مضمون بالغصب بلا ~~تردد. انتهى. # * وقال الغزالى في "فتاويه": (102/ ب) إذا طرح في مسجد غلة أو غيرها: ~~لزمه أجرة البقعة، فإن أغلق باب المسجد: لزمه أجرة جميع المسجد، كما لو طرح ~~ذلك في بيت أو دهليز وأغلق الباب، فإنه يلزمه أجرة جميع الدار- كما يضمن ~~أجزاء المسجد بالإتلاف. يضمن منفعته بالإتلاف (¬3) كمنفعة (¬4) الأملاك. # قال النووي: وهذا صحيح معتبر. # وفي "الفروع": ولا يضمنه بمنعه، كجزء. PageV01P397 # وقال شيخنا: قياس المذهب يضمنه. # الحادي والثلاثون بعد المائة: إذا غصب مالا وبنى به رباطا ومسجدا أو ~~قنطرة، فهل ينفعه أو يكون الثواب للمغصوب منه؟ # قال ابن عقيل: لا ثواب على ذلك لواحد منهما، أما الغاصب؛ فعليه العقوبة ~~وجميع تصرفاته في مال الغير آثام متكررة. # وأما صاحب المال؛ فلا وجه لثوابه؛ لأن ذلك البناء لم يكن له (¬1) فيه نية ~~ولا حسبة وما لم يكن للمكلف فيه حسبة ولا نية: فلا يثاب عليه، وإنما يطالب ~~غاصبه يوم القيامة فيأخذ من حسناته بقدر ماله. # قال العلامة ابن القيم: قلت: في هذا نظر؛ لأن النفع الحاصل للناس متولد ~~من مال هذا، وعمل هذا، ms187 والغاصب وإن عوقب على ظلمه وتعديه واقتص المظلوم من ~~حسناته، فما تولد من نفع الناس بعمله له (¬2)، وغصب المال عليه، وهو لو ~~غصبه وفسق به لعوقب عقوبتين، فإذا غصبه وتصدق به أو بنى به رباطا أو مسجدا ~~أو افتك به أسيرا فقد عمل خيرا وشرا {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره} (¬3). # وأما ثواب صاحب المال؛ فإنه وإن لم يقصد ذلك: فهو متولد من مال اكتسبه، ~~فقد يتولد من كسبه خير ولم يقصده، فيشبه ما يحصل له من الخير بولده البر ~~كان لم يقصد ذلك الخير، وأيضا؛ فإن أخذ ماله مصيبة فإذا أنفق في خير فقد ~~تولد له (¬4) من المصيبة خير، والمصائب إذا ولدت خيرا. PageV01P398 # [لم يعدم صاحبها ثوابا، وكما أن الأعمال إذا ولدت خيرا] (¬1) أثيب عليه ~~(¬2) كان لم يقصده. والله تعالى أعلم. # الثاني والثلاثون بعد المائة: قال بعض الشافعية يكره سل السيف في المسجد. # قال عطاء: نهي عن سل السيف في المسجد، وفيه آثار رواها (103/ أ) ابن أبي ~~شيبة في "مصنفه". # قال في "المستوعب": ويجتنب المساجد الأطفال والمجانين وإقامة الحدود وسل ~~السيوف وإنشاد الضوال. # وقد تقدم حديث واثلة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: جنبوا ~~مساجدكم (¬3) صبيانكم ... إلى أن قال: " ... وسل سيوفكم رواه ابن ماجه ~~بإسناد ضعيف (¬4). # قال بعضهم: وأما إقراره - صلى الله عليه وسلم - الحبشة على لعبهم بالحراب ~~والسيوف في المسجد يوم العيد (¬5) فهو مخصوص بما أقره - صلى الله عليه وسلم ~~- من جهة التدريب على الحرب والتمرين فيه والتنشيط عليه، فهو من باب ~~المندوب، ويلحق به ما في معناه من الأسباب المعينة على الجهاد وأنواع البر. # الثالث والثلاثون (¬6) بعد المائة: يستحب البكور إلى الجمعة؛ فإن النبي PageV01P399 # - صلى الله عليه وسلم - قد حث على البكور، ومازال الناس فيما سلف يبكرون ~~إلى الجامع رغبة في جزيل الأجر. # قال الغزالي في "الإحياء": قيل: أول بدعة أحدثت (¬1) في الإسلام ترك ~~البكور إلى الجامع يوم الجمعة، كان الناس في القرن الأول كانوا يمشون سحرا ~~والطرقات مملوءة بالناس ms188 وبالسرج كأيام الأعياد. # قال ابن الجوزي: ولقد رأيت بخط شيخنا أبي الحسن بن الزاغوني- رحمه الله ~~تعالى- في كتاب ألفه سماه "إرشاد الهداية" في باب آداب الجمعة: أخبرنا غير ~~واحد أنه كان يرى بكور الناس إلى الجوامع بالسرج والشمع، حتى أخبر مخبر أنه ~~صلى في بعض الجوامع الفجر فأحصى للمبكرين أكثر من مائتي شمعة. # واختلف العلماء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من راح في الساعة ~~الأولى" (¬2): # فقيل: المراد به من أول النهار، والساعات محسوبة من ذلك. وهذا مذهب ~~الشافعي، وأحمد. # وقيل: إنها أجزاء (¬3) من الساعة السادسة بعد الزوال، وهو مذهب مالك، ~~وحجته: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال؛ لأنه مقابل للغدو. وأنكر مالك ~~التبكير إليها أول النهار، وقال: لم ندرك عليه أهل المدينة. # قال الإمام أحمد: التبكير مستحب؛ ولو كان مشتغلا بالصلاة في منزله، ويكون ~~بعد طلوع الفجر وفاقا للشافعي. # وقيل: بعد صلاته لا بعد طلوع الشمس خلافا لأبي حنيفة ولا بعد PageV01P400 # الزوال خلافا لمالك. # وذكر أبو المعالي من علمائنا: أن تبكير الإمام لا يستحب. # الرابع (103/أ) والثلاثون بعد المائة: يكره تخطي أحد، وحرمه في "النصيحة" ~~و"المنتخب" وأبو المعالي وأبو العباس ابن تيمية. # الخامس والثلاثون بعد المائة: إذا رأى فرجة فإن وصلها بدون التخطي كره ~~وإلا فلا. وعنه: لا مطلقا. وعنه: عكسه. وعنه: ثلاثة صفوف، وعنه: بل أكثر. ~~وقيل: إن كانت أمامه لم يكره. وجزم أبو الخطاب وغيره وأبو المعالي: أنه لا ~~يكره للإمام وغيره للحاجة. # السادس والثلاثون بعد المائة: يحرم وفاقا للأئمة الثلاثة، وفي "الرعاية": ~~يكره أن يقيم غيره فيجلس مكانه، ولو كان الغير ولده أو عبده أو عادته يصلي ~~فيه حتى المعلم ونحوه؛ خلافا للشافعي؛ لأن عنده إذا حضر لم يكن لغيره جلوسه فيه. # وقال (¬1) علماؤنا: إلا من جلس بمكانه يحفظه لغيره بإذنه أو دونه. # قيل: لأنه يقوم باختياره، وقيل: لأنه جلس يحفظه. ولا يحصل ذلك إلا ~~بإقامته، ولم يذكر جماعة، أو دونه. # قال أبو المعالي: فإن جلس في مصلى الإمام أو طريق المارة أو (¬2) استقبل ~~المصلين ms189 في مكان ضيق أقيم، ذكره في "الفروع". # وذكر في "إعلام الساجد"، عن الشافعي، قال: يكره للرجل أن يقيم الرجل عن ~~مجلسه ويجلس هو مكانه إماما كان أو مأموما، في يوم الجمعة أو PageV01P401 # غيره. فإن اختار صاحب المكان أن يقوم منه ويجلس غيره فيه. # [لم يكن له، وإن تباعد عن ذلك كره له، قال: ولو نصب رجل صاحبا له فجلس في ~~مكان حتى إذا جاء قام هو وجلس فيه] (¬1): لم يكره له ولا يكره لهذا الجالس ~~أن يتحول عنه أيضا. # السابع والثلاثون بعد المائة: إذا آثر بمكانه الأفضل أو سبق إليه آخر، ~~فقيل: يكره، وقيل: يباح. # وفي "الفصول": لا يجوز الإيثار، وقيل: يجوز إن آثر أفضل منه، وفي ~~"الفنون": فإن آثر ذا هيئة بعلم أو دين: جاز، وليس إيثارا حقيقة بل اتباعا ~~للسنة؛ لقوله عليه السلام: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى" (¬2)، ولا ~~يكره القبول، وقيل: بلى. # الثامن والثلاثون بعد المائة: ظاهر كلام أحمد كراهة الصلاة في المساجد ~~المشرفة، وقاله النووي في "الروضة" قبل باب السجدات؛ لأنها تشغل المصلين. ~~روى البيهقي، عن أنس (104/ أ) مرفوعا: "ابنوا المساجد واتخذوها جما" (¬3) ~~بضم الجيم وتشديد الميم. # قال أبو عبيد: الجمة التي لا شرف له. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما: "نهانا (¬4) أو نهينا أن نصلي في مسجد بشرف" ~~(¬5). PageV01P402 # والشرف: بضم الشين وفتح الراء جمع شرفة كغرفة وغرف (¬1). # وكلام الإمام أحمد تقدم في "الرابع بعد المائة" في الكلام على المحراب ~~لما نقل أثر ابن عمر وعلي رضي الله عنهما. # التاسع والثلاثون بعد المائة: إذا رأى الإمام أو من وراءه في بعض الصلاة ~~في المسجد: صح أن يأتم به. # الأربعون بعد المائة: إذا لم ير الإمام [ولا من وراءه صح أن يأتم به إذا ~~سمع التكبير وهو والإمام] (¬2) في المسجد وفاقا لمالك والشافعي، وعنه: لا، ~~وعنه: تصح في النفل، وعنه: والفرض مطلقا وفاقا لأبي حنيفة، كظلمة وضرر. ~~وعنه: لا يضر المنبر، وعنه: لجمعة ونحوها. # الحادي والأربعون بعد المائة (¬3): يكره على الأصح علو الإمام كثيرا ~~وفاقا لأبي حنيفة ms190 ومالك؛ لأن فعله في خبر سهل (¬4): يدل على أن النهي ليس ~~للتحريم. # وعنه: إن لم يرد التعليم وفاقا للشافعي، وقيل: إن فعله لم تصح صلاته ~~وفاقا لمالك، وإن ساواه (¬5) بعضهم: صحت (¬6) صلاته وصلاتهم على الأصح ~~وفاقا لمالك، زاد بعضهم: بلا كراهة وفاقا لأبي حنيفة. وفي النازلين إذن ~~الخلاف، والكثير ذراع عند القاضي؛ وقدره أبو المعالي بقامة المأموم PageV01P403 # لحاجته إلى رفع رأسه. # الثاني والأربعون بعد المائة: لا بأس بعلو المأموم، نص عليه خلافا ~~للشافعي. ولا يعيد الجمعة مصليها فوق المسجد خلافا لمالك. # الثالث والأربعون بعد المائة: لو غصب أرضا فبناها مسجدا: لم تصح الصلاة ~~فيه، وعنه: تصح مع التحريم، وعنه: تكره، وعنه: إن علم النهي بطلت، وإن جهله ~~أو علمه وتعذر تحوله عنه: لم تبطل، وقيل: إن خاف فوت الوقت: صحت. # ونقل جعفر في مسجد محرابه غصب قدم ما يقوم الإمام فيه صلاة الإمام فاسدة، ~~وإذا فسدت صلاته (¬1): فسدت صلاة المأمومين. # الرابع والأربعون بعد المائة: قال الإمام أحمد (¬2): يخرج من المسجد ~~المعبر دون (¬3) القصاص. # وقال: يعجبني القاص إذا كان صديقا ما أحوج الناس إليه. وقال في رواية ابن ~~هانئ: ما أنفعهم للعامة وإن كان عامة حديثهم كذبا. # الخامس والأربعون بعد المائة: يمين الإمام أفضل من يساره؛ لقول النبي ~~(104/ ب) -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن ~~الصفوف". # رواه أبو داود وابن ماجه (¬4). # وكلما قرب منه: أفضل مما بعد؛ لكن لو قرب واحد عن يساره وبعد PageV01P404 # واحد عن يمينه، فهل نقول: الأيسر أفضل؛ لقربه (¬1) أم الأيمن؛ لفضيلة ~~اليمين، أم سواء؛ لأن كل واحد امتاز بشيء؟ ! ظاهر كلامهم في قولهم: وكلما ~~قرب منه أفضل: أن الأقرب أفضل، ولو كان في ناحية اليسار. # وقال في "الفروع": ويتوجه احتمال أن بعد يمينه (¬2) ليس أفضل من قرب ~~يساره؛ ولعل (¬3) مرادهم: فعلى هذا يكون سواء. # وظاهر ما حكاه أحمد، عن عبد الرزاق: أن نقرة الإمام أفضل. # وفي وصية ابن الجوزي لولده: "اقصد وراء الإمام". # وفي كتابه "النور": وأفضل (¬4) الصف الأول؛ أن يكون مقابلا للإمام، ms191 فإن ~~لم يكن، ففي جنبه الأيمن. # السادس والأربعون بعد المائة: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها. وخير ~~صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (¬5). هكذا صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. # السابع والأربعون بعد المائة: الصف الأول هو ما يقطعه المنبر ويلي الإمام ~~وفاقا للأئمة الثلاثة. # وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه ~~ولا يتخلله منبر ولا مقصورة ولا شيء. وهو من رواية أحمد. PageV01P405 # وقاله (¬1) في "الإحياء": وإن تأخر عن الإمام. # وقال بعضهم: الصف الأول عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولا، وإن صلى ~~في صف متأخر، ذكره في "شرح مسلم"؛ وغلطه هو والقول الذي قبله. # الثامن والأربعون بعد المائة: إذا قدر على الصلاة في الصف الأول وتركه ~~فهل يكره ذلك؟ في المسألة وجهان. وظاهر الأحاديث: الكراهة. # التاسع والأربعون بعد المائة: للأفضل تأخير المفضول والصلاة مكانه. ذكره ~~بعضهم؛ لأن أبيا نحى قيس بن عبادة وقام مكانه، فلما صلى، قال: "يا بنى لا ~~يسؤك، فإني لم آتك (¬2) التي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم ~~غيرك" رواه أحمد بإسناد جيد، والنسائي (¬3). # وهذا (105/ أ) لا يدل على أنه ينحيه (¬4) من مكانه، فهو رأي صحابي مع أنه ~~في الصحابة مع التابعين. # فظاهر كلامهم في الإيثار بمكانه وفيمن سبق إلى مكان ليس له ذلك. وصرح به ~~غير واحد. # قلت: ولعل هذا أولى. # الخمسون بعد المائة: لو صف صف عن جانبي الإمام وصف صف PageV01P406 # خلفه؛ فهل الصف الذي عن جانبيه الأول أم الذي خلفه (¬1)؟ # قال ابن نصر الله في "حواشيه على الفروع": الذي خلفه هو الصف الأول، وهو ظاهر. # الحادي والخمسون بعد المائة: لا يجوز إخراج بسط المسجد وحصره لعرس ولا ~~لمن ينتظر جنازة ولا لغير ذلك، وعنه: جوازه لمن ينتظر جنازة. # الثاني والخمسون بعد المائة: التيمم بالتراب المغصوب كالماء. وظاهر ~~كلامهم: ولو تراب مسجد، وفاقا للشافعي، وذكر بعض الشافعية في جوازه وجهين. # قال في "الفروع": ms192 ولعل هذا الظاهر غير مراد؛ فإنه لا يكره بتراب زمزم مع ~~أنه مسجد. # وقالوا: يكره إخراج حصى المسجد وترابه للتبرك وغيره، والكراهة لا تمنع ~~الصحة وأنه لو تيمم بتراب الغير جاز في ظاهر كلامهم للإذن فيه عادة وعرفا- ~~كالصلاة في أرضه، وقد يتوجه: أن تراب الغير يأذن فيه مالكه عادة وعرفا ~~بخلاف تراب المسجد. # وقد قال الخلال في "الأدب": التوقي أنه لا يترب الكتاب إلا من المباحات. # ثم روى المروذي: أن أبا عبد الله كان يجيء معه بشيء ولا يأخذ من تراب ~~المسجد. # الثالث (¬2) والخمسون بعد المائة: إذا استناب إمام المسجد من يصلي عنه PageV01P407 # لغير عذر، فأفتى النووي أنه لا يستحق شيئا من الجامكية (¬1)؛ لا هو ولا ~~النائب، ثم إن جعل للنائب جعلا استحقه وإلا فلا، وكذا أفتى ابن عبد السلام، ~~وقال: إن أذن له الناظر في الاستنابة: جاز واستحق النائب المشروط للإمام ~~دونه، وليس هو نائبا عنه، بل هو وكيل في هذه التولية. فإن تواطئوا على أن ~~يأخذ الوكيل بعضا والقائم بالإمامة بعضا: لم يجز. وفي صحة التولية في هذه ~~الصورة نظر؛ مبني على: أن المعلوم كالمشروط ولو شرط ذلك في التولية بطلت ~~ولم يستحق القائم بالإمامة شيئا؛ لبطلان التولية، فإن لم يجز شرط (105/ ب) ~~ولا تواطؤ فتبرع الإمام على الوكيل فلا بأس به. # وخالفهما الشيخ تقي الدين السبكي وغيره؛ فأفتوا بجواز الاستنابة. # وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: النيابة في مثل هذه الأعمال المشروطة ~~جائزة ولو عينه الواقف إذا كان مثل المستنيب له في صفاته ولم يكن في ذلك ~~مفسدة راجحة - كالأعمال المشروطة في الإجارة على عمل في الذمة. # وقال أيضا فيمن زور ولايته لنفسه بإمامة وباشر: إن له أجر مثل وأطلق، كمن ~~ولايته فاسدة بغير كذبه إلا ما يستحقه عدل بولاية شرعية. انتهى. # فإذا كان قد جعل له أجر مثله مع الولاية الفاسدة؛ فمع الاستنابة من باب ~~أولى أن يستحق، لكن هل يستحق أجرة (¬2) مثله أو المشروط، كل هذا محل نظر، ~~ولو قيل: إن (¬3) ظاهر كلام الشيخ تقي ms193 الدين إنه يستحق الكل لما كان بعيدا؛ ~~لقوله: ومن أكل المال بالباطل قوم لهم جهات معلومها كثير يأخذونه PageV01P408 # ويستنيبون فيها حتى يسيروا (¬1)، والله تعالى أعلم. # الرابع والخمسون بعد المائة: لو وقف على من يصلي الصلوات الخمس في هذا ~~المسجد أو على من يشتغل بالعلم في هذه المدرسة أو يقرأ كذا كل (¬2) يوم في ~~هذه التربة فأخل الإمام والمشتغل (¬3) والقارئ بهذه الوظائف في بعض الأيام، ~~فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أنه لم (¬4) يستحق شيئا من الغلة في ~~مقابلة الأيام التي أدى فيها الوظيفة بخلاف ما لو استأجره لخياطة خمسة ~~أثواب فخاط بعضها فإنه يستحق حصة ما خاطه من الأجرة. # والفرق: أننا نتبع في الأعواض والعقود: المعاني، وفي الشروط والوصايا: ~~بالألفاظ، والوقف في باب الأرصاد الأرزاق (¬5) لا من باب المعاوضات، فمن ~~أخل بشيء من الشروط: لم يستحق شيئا. انتهى. # * قال الزركشي الشافعي: وفيه نظر؛ بل ينبغي أن يقال: يستحق قدر ما عمل، ~~وعليه عمل الناس، ويدل له قول الأصحاب: أن من استؤجر للنيابة في الحج فمات ~~وقد بقي عليه بعض الأركان أنه يوزع على العمل والسير، وهو واضح. انتهى. # وأما عندنا؛ فإنهم قالوا: ما تأخذه (¬6) (106/ أ) الفقراء هل هو كإجارة ~~أو جعالة، وأنه يستحق بقدر عمله؛ لأنه موجب العقد عرفا أو كرزق من بيت PageV01P409 # المال؟ أقوال: الأخير: اختاره القاضي في خلافه وأبو العباس؛ فعلى الأخير؛ ~~الذي يظهر: أنه يأخذ الجميع؛ لأنه أعانه على العلم، وعلى الثاني: صرحوا ~~بأنه يستحق بقدر عمله، وعلى الأول: إن أجرينا فيه أحكام الإجارة لا يستحق ~~شيئا، وأما عند الشيخ تقي الدين ابن تيمية؛ فإن الشرط إذا أفضى إلى ترك ما ~~هو أفضل منه لا عبرة به، فإنه أفتى به: فيمن بني مدرسة في القدس وشرط عليهم ~~الصلوات (¬1) الخمس فيها، الأفضل لأهلها أن يصلوا الصلوات الخمس في الأقصى ~~ولا يقف استحقاقهم الصلاة في المدرسة. ووافقه ابن عبد السلام من الشافعية ~~وغيره، بل عند الشيخ تقي الدين أن الأماكن لا تتعين لعبادة من العبادات ~~دائما إلا إذا ms194 عينها الشارع. # الخامس والخمسون بعد المائة: لباس الخطيب السواد؛ قال علماؤنا: يسن له ~~لبس أفضل ثيابه: البياض. وقالوا عن لبس السواد: في الجملة يباح -كعمامة: نص ~~عليه، وثوب، وقباء، وعنه: يكره للجند، وقيل: في غير حرب، وقيل: وإلا المصاب (¬2). # ونقل المروذي بحرقة الوصي ولم يرد أحمد سلام لابسه. # وقال الغزالي: كره جماعة لبس السواد؛ لأنه بدعة حدث بعد رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، وليس بمكروه؛ لكنه ليس بمحبوب إذ أحب الثياب إلى الله ~~تعالى البياض. # السادس والخمسون بعد المائة: الدعاء للسلطان في الخطبة؛ قال علماؤنا: ~~يجوز الدعاء لمعين، وقيل يستحب للسلطان، ويستحب الدعاء PageV01P410 # له (¬1) في الجملة. # قال الإمام أحمد وغيره: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها لإمام عادل؛ ~~لأن في صلاحه صلاح المسلمين. # وقال الشيخ أبو إسحاق من الشافعية: لا يستحب. سئل عنه عطاء، وقال (¬2): ~~محدث، وإنما كانت الخطبة تذكيرا. # وقال القاضي الفارقي: يكره تركه الآن لما في تركه من الضرر بعقوبة ~~السلطان. # السابع والخمسون بعد المائة: قال (106/ ب) بعض الشافعية: يجوز التشبيك ~~بين الأصابع في المسجد؛ لأن في حديث ذي اليدين الذي في "الصحيحين": أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- شبك بين أصابعه (¬3)، وحكاه ابن أبي شيبة عن ~~ابن عمر وغيرهم (¬4). وحكى كراهته عن إبراهيم النخعي وكعب وعن النعمان بن ~~عياش. قال: كانوا ينهون عن تشبيك الأصابع، يعني: في الصلاة. # وأما علماؤنا؛ فقالوا يكره التشبيك في الصلاة، ولا شك أن الذي في المسجد ~~ينتظر الصلاة: في صلاة. # قال ابن حمدان في "الرعاية": ولا يشبك أصابعه فيه، يعني: في المسجد، على ~~خلاف صفة ما شبكها النبي -صلى الله عليه وسلم-. # وقد روى الإمام أحمد في "مسنده"، وابن أبي شيبة في "مصنفه" عن PageV01P411 # أبي سعيد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كان أحدكم في المسجد ~~فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في ~~المسجد حتى يخرج منه" (¬1). # وعن كعب بن عجرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا ~~توضأ أحدكم ms195 ثم خرج عامدا إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة"، ~~رواه أحمد وأبو داود والترمذي (¬2). # * وقد قسم بعض العلماء التشبيك إلى أربعة أقسام: # أحدها: إذا كان الإنسان في الصلاة فلا شك في كراهته. # ثانيها: إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة أو وهو عامد إلى المسجد يريدها ~~بعدما تطهر، فالظاهر كراهته. # ثالثها: أن يكون في المسجد بعد فراغه من الصلاة وليس يريد صلاة أخرى ولا ~~ينتظرها فلا يكره؛ لحديث ذي اليدين. # رابعها: في غير المسجد، يعفى وغير ما تقدم فهو أولى بالإباحة وعدم ~~الكراهة. # الثامن والخمسون بعد المائة: بول الخشاف (¬3) في المسجد. # قال أبو طالب أحمد بن حميد المشكاتي: سألت أحمد بن حنبل عن الخشاف يكون ~~في المسجد فيبول فيصيب الرجل؟ # قال: أرجو أن لا يضر. قلت: إن كان كثيرا: نجس؟ قال: ما أدري! PageV01P412 # قلت: أليس (¬1) البول كثيره وقليله يغسل؟ ! قال: ذلك بول الإنسان! قلت: ~~هذا لا يؤكل لحمه يغسل. # التاسع (107/ أ) والخمسون بعد المائة: المصلى المتخذ للعيد ونحوه، هل ~~حكمه حكم المسجد أم لا؟ # قال الشيخ وجيه الدين أبو المعالي في "شرح الهداية": المكان البعيد لصلاة ~~الجنازة اختلفوا في كونه مسجدا وكذلك المتخذ لصلاة العيد. والصحيح في ~~المتخذ لصلاة الجنازة: أنه ليس بمسجد؛ لأنه ما أعد للصلاة حقيقة. ومصلى ~~العيد: الصحيح أنه مسجد؛ لأنه يعد للصلاة حقيقة. انتهى. # والأصح عند الحنفية، وهو ظاهر مذهب الشافعي: أنه لا يعطى حكم المسجد؛ ~~لأنها صلاة نادرة، أشبه ما لو وقع (¬2) صلاة في بقعة من البقاع، أو صلى ~~فيها على جنازة أو سجد فيها سجود تلاوة. ووجه أنه يعطى حكم المسجد ما جاء ~~في "الصحيحين" من حديث أم عطية: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الحيض ~~أن يحضرن يوم العيد ويعتزلن المصلى (¬3)؛ ولأنه يصلى فيه بعض الأوقات، ~~فأشبه ما لو صلى فيه أيام الصيف خاصة. # وأجاب بعضهم عن حديث أم عطية؛ بأنه إنما أمرهن بالاعتزال؛ ليتسع على ~~غيرهن وليتميزن. # الستون بعد المائة: قال مالك: لم تكن القراءة في المصحف في المسجد من ms196 أمر ~~الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج بن يوسف، وقال أيضا: أكره PageV01P413 # أن يقرأ في المصحف في المسجد. # قال الزركشي الشافعي: وهذا استحسان لا دليل عليه. # والذي عليه السلف والخلف: استحباب ذلك؛ لما فيه من عمارتها بالذكر، قال ~~تعالى: {ويذكر فيها اسمه} (¬1)، وهو عام في المصاحف وغيرها. وفي "الصحيح": ~~"إنما بنيت لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن" (¬2). # الحادي والستون بعد المائة: قال الدميري في "شرح المنهاج": واقعة: قال ~~السبكي: قال لي ابن الرفعة: أفتيت ببطلان وقف خزانة وقفها واقف لتكون في ~~مكان معين في "مدرسة العاجينية" بمصر؛ لأن ذلك المكان مستحق لغير تلك ~~المنفعة. # قال السبكي: ونظيره إحداث منبر في مسجد لم يكن فيه جمعة: لا يجوز. وكذلك ~~إحداث كرسي مصحف مؤبدا (¬3) يقرأ فيه -كما يفعل بالجامع الأزهر وغيره. ولا ~~يصح وقفه، ويجب إخراجه (107/) من المسجد- كما تقدم من استحقاق هذه المنفعة ~~لغير هذه الجهة. والعجب؛ من قضاة يثبتونه ذلك شرعا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # الثاني والستون بعد المائة: أفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن متولي ~~تدريس المدرسة هو الذي يقدر مقدار الجامكية للفقهاء وينزلهم (¬4) وليس ~~للناظر في الوقف إلا تحصيل الريع وقسمته على المنزلين، وأما عندنا؛ فقال في ~~"الفروع": ومن وقف على مدرس وفقهاء فللناظر ثم للحاكم بعده PageV01P414 # تقدير استحقاقهم. # الثالث والستون بعد المائة: لو أجر متولي المسجد حانوته الخراب بشرط أن ~~يعمره المستأجر من ماله ويكون ما أنفقه محسوبا من أجرته لم تصح الإجارة، ~~ذكره الرافعي في أواخر الإجارة؛ لأنه عند الإجارة (¬1): غير منتفع به، وهذه ~~المسألة مما تعم البلوى بها. # وأما عندنا؛ فينبغي أن يقال: إن كانت الإجارة تلي مدتها العقد فكذلك، وإن ~~كانت لا تلى مدتها العقد وأمكن فراغه إلى ابتدائها فتصح - كما قلنا في ~~إجارة العين المشغولة مدة (¬2) مضافة إذا أمكن التسليم أو أمكن في وقته ~~المستحق أنها تصح، والله أعلم. # الرابع (¬3) والستون بعد المائة: قال الشافعية: يستحب الاستعاذة للخارج ~~من المسجد، وهو توجيه عندنا؛ لما روى ابن السني عن أبي أمامة، عن النبي ms197 ~~-صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: "إن أحدكم إذا أراد أن يخرج من المسجد ~~تداعت جنود إبليس، أجلبت واجتمعت كما تجتمع النحل على يعسوبها، فإذا قام ~~أحدكم على باب المسجد فليقل: اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده فإنه إذا ~~قالها: لم يضره" (¬4). # وفي "المستدرك" للحاكم من حديث أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وليقل: ~~اللهم أجرني من الشيطان الرجيم". PageV01P415 # وقال صحيح (¬1) على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (¬2). # والحمد لله رب العالمين # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا # آمين. # * قال مؤلفه رحمه الله تعالى: # ووافق الفراغ منه: في خامس ذي القعدة في شهر الحرام من شهور سنة ثلاث ~~وسبعين وثمانمائة. # * وكان الفراغ من كتابته: ليلة السبت في ثاني عشر من جمادي الأول سنة ~~سبعة وتسعين وألف: على يد الفقير إلى الله تعالى: # إبراهيم بن طعمة الصالحي # غفر له ولوالديه # آمين .. آمين # * * * ms198