######OpenITI# #META# OpenITI: 0885Biqaci.IzharCasr #META# BAH: https://ihodp.ugent.be/bah/mml01%3A000000123 #META# Author: al-Biqāʿī, Burhān al-Dīn Abu l-Ḥasan Ibrāhīm b. ʿUmar #META# Title: Iẓhār al-ʿAṣr li-Asrār Ahl al-ʿAṣr #META# Editor: Muḥammad Sālim al-ʿAwfī #META# Publisher: Hajar li-l-ṭibāʿa wa-l-nashr wa-l-tawzīʿ wa-l-iʿlān #META# Place of Publication: Giza/Riyad #META# Date of Pulbication: 1992/1412 #META# Volumes: 3 #META# Words: 207510 #META# Digitization: / #META# OCR: MMS #META# Processed by Kenneth Goudie & Jo Van Steenbergen MMS #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم، رب سدد، وأعن، وألهم الصواب ~~يا كريم. الحمد لله الذي يبدئ، ويعيد، وينشئ، ويبيد، جعل الناس، ~~وهم من نفس واحدة أطوارا، وأفنى قوما منهم صغارا وآخرين كبارا؛ ~~دلالة على أنه الفاعل الختار، الواحد القهار، العزيز الجبار، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله، ذو الجلال، والجمال، الباقي ملكه وملكوته بلا زوال، ~~الدائم عظمته وجبروته في أبد الآباد، على ما كان في أزل الآزال، وأشهد ~~أن سيدنا محمدا عبده الذي قام بحق العبودية في الأقوال والأفعال، ورسوله ~~الذي نهض بأعباء الرسالة، فبلغ كل ما امر به، وما حاد، ولا مال، ~~صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، خير صحب وآل، وسلم، وعظم، ~~وشرف، وكرم على مر الأيام، وكر الليالي، وبعد: ~~فهذا تاريخ تلوت به تاريخ شيخنا، شيخ الإسلام، أبي الفضل ابن ~~حجر، بعد مماته، أعاد الله من بركاته، على أني لست من أبناء هذا ~~الشأن، المطلقين في حلبته العنان، فلا أنا كثير التتبع للوقائع، ولا ~~صاحب تنقيب عن الغرائب منها والبدائع، فإني كثير الانجماع عن PageV01P063 ~~الناس، إلا عن الأفاضل، الأماجد، الأكياس، فلا يصل إلي من ~~الأخبار إلا ما شاع، وطار، حتى ملأ الأقطار، غير أني أعملت في ~~كثير مما بلغني من النقل قويم العقل، فربما شفيت الغلل، بذكر الأسباب ~~والعلل، وأشرت إلى ما أفادته العجائب، من محاسن التجارب، فيستفيد ~~الناظر لذلك علما جما، ومعرفة بأبناء المان، مدحا وذما، فأوفق الأسماء ~~له، (إظهار العصر، لأسرار أهل العصر) فإن رأيت فيه تقصيرا ~~فاعذرني، وأسبل عليه ذيل الفتوة، ولا تعسرني، فإني إنما كنت مقبلا ~~غاية الإقبال، على ما يهمني، ويعنيني من الأعمال، معملا للفكر فيه غاية ~~الإعمال، وذلك ما أتاحه الله لي، وأفاضه علي من بيان ما لم أسبق إليه ~~من أسرار القرآن، ومن نظر كتابي (نظم الدرر في تناسب الآي والسور) ~~دلة على ذلك، وما حصل لي فيه والحمد لله، من دقيق المسالك، وجليل ~~المطالب والمدارك، هذا إن كان يعرف الرجال بالحق المبين، والأمر الواضح ~~اليقين، وإن كان إنما ms001 يعرف الحق بالرجال، فلينظر ما كتب عليه أعيان ~~أهل العصر، وأهل الكمال، فهنالك فليتنافس المتنافسون، وليعمل ~~العاملون، ويعلم الأئمة العالمون، والله المسؤول في إبلاغ السؤل من كل ~~مراد، والوقوع فيه على الصواب والسداد، فمن يهدي الله، فما له من ~~مضل، ومن يضلل الله فما له من هاد، اللهم وفقنا لما يرضيك عنا من ~~القال والقيل، فإنك أنت حسبنا، ونعم الوكيل. ### | حوادث سنة خمس وخمسين وثمانمائة # ~~مستهلها يوم الأربعاء كما أخبر به جمع جم، ولكن قاضي الشافعية ~~الشرف يحيى المناوي، لم يحب إثباته؛ لئلا يخالف ما شاع من أن يوم PageV01P064 ~~صومكم، يوم نحركم، يوم رأس سنتكم، فلم يؤرخ مستهلها، إلا ~~بالخميس، ففي يوم الأربعاء هذا عرض أهل السجون على السلطان، ~~فأنهى إليه أحدهم، أن قاضيا حنفيا يقال له ابن الملطي، سجنه على ~~نحو سبعمائة درهم مصرية، فأطلقه السلطان، وضرب القاضي ضربا ~~كثيرا، وسجنه بالمقشرة، وفي يوم الخميس طلع القضاة لتهنئة ~~السلطان بالشهر فأخذ يلوم الحنفي، ويؤنبه على تولية مثل هذا، فقال ~~له الحنفي: إنه لم يعمل إلا بالشرع فعلام يسجن به اثنين وعشرين ~~يوما!، فلم تمض مدة حتى ينظر في أمره!!، وأنت عملت فيه بغير ~~الشرع، فأذله هذا الكلام وكسره فأطلقهن واستمر الحنفي ذلك اليوم يشنع ~~على السلطان، وكلما جاءته حكومة، قال لأهلها: تراضوا فإن السلطان ~~لا يرضى أن نحكم بالشرع، ونحو هذا الكلام. # وفي هذا اليوم عين السلطان الدويدار الكبير، PageV01P065 ~~دولات باي لنيابة حلب، لم يطل ذلك فقائل يقول بغير سبب، وقائل PageV01P066 ~~يقول بل بذل الدويدار عشرة آلاف دينار. # ليلة الخميس ثاني محرم هذا قتل شخص، يقال له ابن الغزولي في بيته؛ ~~لكثرة اللصوص؛ لشدة الغلاء؛ لعدم تفقد السلطان لأحوال الناس، فإن ~~بحور أهل مصر ملآى بالغلال. # يوم الجمعة ثالث محرم هذا، مات أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان ~~المستكفي بأمر الله، بعد صلاة الجمعة، ودفن من آخر ذلك اليوم. # يوم الأحد، خامسه، ماتت سارة بنت السراج عمر ابن قاضي القضاة عز ~~الدين عبد العزيز بن جماعة، بعد عصره، وصلى عليها ms002 بكرة يوم الاثنين. PageV01P067 ~~سادسة، قاضي الشافعية الشرف المناوي، في مصلى باب النصر، ~~ودفنت في تربتهم، قرب تربة الصوفية، من الصحراء، ونزل الناس بموتها ~~درجة في سلسلة الإسناد [ولم يتخلف عن دفنها سوى ابن لأخيها عبد ~~الله عامي أدخل نفسه في حداد من عصر ذلك اليوم..]. # وفي الاثنين هذا، بويع لأخي المستكفي، أبي البقاء، حمزة، ~~بإمرة المؤمنين، ولقب (القائم بأمر الله)، وكان أهل البيعة: ~~السلطان، والقضاة الأربع؛ الشرف المناوي الشافعي، والسعد الديري الحنفي، PageV01P068 ~~والولي الاموي السنباطي المالكي، والبدر بن البغدادي الحنبلي، ~~وكلا من، الأمير الكبير إينال العلائي، وأمير سلاح أسنبغا الطياري، PageV01P069 PageV01P070 ~~وأمير [آخور] قانباي الشركسي، وأمير مجلس تنم PageV01P071 ~~المحتسب، والدويدار الكبير دولات باي، وغيرهم من الأمراء، ~~والمباشرين: كاتب السر، الكمال بن البارزي، وناظر الجيش، PageV01P072 PageV01P073 ~~المحب بن الأشقر، وناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب جكم، PageV01P074 ~~والإستدار الزين يحيى، والوزير أمين الدين بن الهيصم، وفي PageV01P075 PageV01P076 ~~هذا اليوم وقع رجل بسرقة بقرة، فأركبها، وطيف به، فكانت هيئة ~~غريبة. # وفي يوم الخميس تاسعه ولي الشهاب أحمد التلمساني قضاء ~~المالكية، بدمشق عن سالم المغربي، الذي قتل أبا الفتح الطيبي، وكان ~~قد ظن أنه بقتله وصل عند أهل الدولة إلى رتبة أمن فيها من العزل. # وفي يوم السبت حادي عشره طلب أبو يزيد الشرواني العجمي، من ~~السلطان أن ينعم عليه بتركة رجل نصراني مات بالطور فقبح عليه ~~ذلك، ونسبه إلى تحليل ما حرم الله من إرث من ليس على ملته، ~~ورسم بنفيه إلى بلاده، ثم في يوم الأحد ثاني عشره، شفع فيه ناظر ~~الجيش المحب بن الأشقر، فخلى عنه. PageV01P077 ~~وفي يوم الاثنين ثالث عشره مات ناصر الدين محمد بن أحمد بن ~~المهندس المصري، موقع قاضي القضاة ابن حجر، وصلي عليه من ~~الغد ودفن. PageV01P078 ~~وفي هذا اليوم وصل الخبر بأن جهنشاه أرسل ابن أخيه PageV01P079 ~~بولاد ابن أصبهان، إلى سلطان مصر، ليسأله عما يرسم له به، فإن ~~أراد رجع إلى بلاده، وإن أراد استمر على ديار بكر، حتى يأخذ ما ~~بقي منها، ويجعل الخطبة، والسكة بها باسم السلطان، ويقيم ms003 ابن أخيه ~~عند السلطان إلى أن ينقضي ذلك. # يوم الخميس سادس عشر محرم المذكور، وصل كتاب الشيخ حسن PageV01P080 ~~ابن قرالوك إلى السلطان، يخبره أنه [ما نقم] من أخيه ~~جهنكير، إلا لكثرة ظلمه، وأذاه لعباد الله، ويسأل فضل PageV01P081 ~~السلطان أن يكون له عضدا، ونحو هذا من الترقق والكلام اللين، ~~العذب. # وفي حدود العشرين من محرم، وصل ابن جهنكير بن ~~قرالوك، وكان نائبا للسلطان في بعض النواحي، الملاصقة لبلاد أبيه، ~~فأعطاه السلطان إقطاعا [بحلب..]. # يوم الأربعاء ثاني عشري محرم سنة خمس وخمسين، مات الفخر ~~محمد بن الشرف محمد بن الخازن القليوبي، ومحمد المعروف بقوزي ~~ابن آل ملك، وصلي عليهما بباب النصر، وكان الناس PageV01P082 ~~بالبركة، للقاء الحاج، ثم رحل المحمل يوم الجمعة رابع عشريه. PageV01P083 ~~[وفاة ابن الجيعان] ### || صفر سنة خمس وخمسين وثمانمائة، # مات عبد الرحمن بن الجيعان، ~~يوم الخميس مستهله. PageV01P084 ~~وخرج ابن جهنكير بن قرالوك من القاهرة إلى حلب على بعض ~~الإقطاعات، وكان نائبا للسلطان على بعض النواحي المصاقبة لبلاد ~~أبيه، فلما حصر أبوه، وتزلزلت أركانه، أمره باللحاق بالسلطان رجاء ~~أن يحصل له بذلك فرج. # يوم الأحد رابعه، مات القاضي جمال الدين عبد الله بن العلامة ~~محب الدين [محمد] ابن العلامة جمال الدين عبد الله بن هشام PageV01P085 ~~الشافعي، ثم الحنبلي، بعد انقطاع طويل في عدة أشهر بعلل مختلفة، ~~آخرها الاستسقاء. وصلى عليه قاضي الشافعية الشرف المناوي بجامع ~~الحاكم، ودفن بتربة الصوفية. وكان فاضلا في الفقه والنحو. # وخلف من البنين مئة، وأظن أن مولده في أول هذا القرن أو آخر الذي ~~قبله. # وفي أوائل هذا الشهر، أطلع الأمير تمربغا الدويدار الثاني محمد PageV01P086 ~~التونسي، المشهور بالتركي إلى السلطان، بعد اختفائه مدة غيبته في ~~الحجاز؛ من أجل تركة عبد الرزاق، وكان قد تزوج زوجته، وأتى منها ~~بابن، ثم مات ابنها من عبد الرزاق، فورث منه ابنها منه، وكان من المخلف ~~عن عبد الرزاق بيت من أحاسن بيوت القاهرة، كان قد وقفه وقفا أوله ~~على نفسه، فأراد التركي من شرهه إبطال هذا الوقف؛ ليرث منه حصة، ~~فنازعه ms004 بعض الوراث... # وفي يوم الثلاثاء[سادس] صفر سنة 855 وقعت بطاقة ~~ابن أخي جهنشاه من قطيا. PageV01P087 ~~الجلال قرقشندي ~~ومات الجلال محمد بن القطب أحمد بن إسماعيل القرقشندي ~~الشافعي العدل بدكان الطلبة عند مسجد سام بن نوح، وهو أسن من ~~أخيه الشيخ علاء الدين وغيره ممن تخلف من إخوته. أظن أن مولده ~~بعد سنة ثمانين. وكان مهاب الشهادة، موثوقا به، وعنده فضيلة. # ابن إصبهان ~~وفي صبحية الجمعة [تاسع] صفر المذكور، وصل بولاد بن PageV01P088 ~~إصبهان، سلطان بغداد، وابن سلطانها، وهو ابن أخي جهنشاه، شابا ~~أمرد في دون العشرين سنة، ومعه من جماعته نحو خمسة عشر رجلا، ~~وألبس كلفتة على زي المصريين، وسلاريا أحمر، ودخل من ~~الصحراء وفي خدمته أربعة من الأمراء، أو خمسة، منهم الدويدار الثاني ~~تمربغا، وحاجب الحجاب، وأنزل في قصر الميدان. PageV01P089 ~~وفي يوم الاثنين ثاني عشر هذا الشهر أطلع السلطان إلى ~~الحوش، وقد صف له الرجال من باب المدرج بالرماح، وحضر ~~بين يدي السلطان بجماعته وهو جالس على التخت وحده على ~~[العادة] والأمراء جالسون تحته، والمباشرون وبقية الجند وقوف، PageV01P090 ~~فخلع من أذنيه حلقتين، أحدهما بها بلخشة حسنة، والأخرى بها لؤلؤة ~~كبيرة، كانتا من زمان أبيه، فقدمهما إلى السلطان، وقدم الرسل من جهة ~~جهنشاه نحو عشرين جملا بختيا وثلاثة لبوس... ثم أمر به أن ~~يضم إلى ولده عثمان، وأن تستمر جماعته في الميدان، وكان أبوه زنديقا ~~أفسد بغداد، وقتل من بها من أهل الخير، حتى قتل الخطيب على المنبر، ~~وأبطل الجمعة والجماعة، ونابذ الدين.. إلى أن هلك لا رحمه الله ~~فملك ابنه هذا، وأقيم له من يدبر أمره، ثم قصده عمه جهنشه فأخذ ~~بغداد منه، ثم جهزه إلى السلطان الظاهر جقمق، عند قدومه إلى PageV01P091 ~~الجزيرة ديار بكر لتملكها من أولاد قرالوك. # ثم بعد ذلك بيسير وصل الخبر بأن جهنكير بيت أخاه الشيخ حسن ~~الذي كان السبب في [انتصار] جهنشاه في ماردين، فقتله، ففت ~~ذلك في عضد جهنشاه، وقلق عسكره لطول سفرهم، ثم رد السلطان ~~رسوله بهدايا كثيرة، وأرسل معه من عنده رسولا. ms005 # موت الوزة ~~وفيه مات ناصر الدين الشاذلي ابن بنت ابن المبلق، ناظر الأوقاف ~~المشهور بالوزة، ودفن من الغد. PageV01P092 ~~موت ابن حتي ونفي أبي العباس ~~وفيه نفي التاج بن حتي، الذي كان يباشر على جدة، وأبو ~~العباس الوفائي في زنجير إلى طرسوس. ومن العجائب أن أبا ~~الخير النحاس كان يخدمه، ثم كانت مشاجرة بسبب ارتفاع أبي ~~الخير، فكان من غرائب الكوائن اجتماع الخصمين منفيين في تلك البلاد ~~الشاسعة. # ثم رجع أبو العباس في ربيع الأول من سنة ست، ولم يصل إلى ~~طرسوس؛ وذلك أن رفيقه ابن حتي مات وهما ذاهبان، ومرض ابو ~~العباس، فروجع السلطان فيه فأطلقه. # مات الكمال الأسيوطي ~~وفي يوم الثلاثاء، ثالث عشر صفر المذكور، مات القاضي كمال الدين PageV01P093 ~~الأسيوطي الشافعي، نزيل الصليبة عند نحو [إحدى وخمسين سنة ~~تقريبا]، [وكان أحد نواب] الشافعية، وكان عارفا بالشروط. # وفي يوم السبت سابع عشره، مات شهاب الدين أحمد بن العلامة ~~شمس الدين الشطنوفي الشافعي على نحو خمسين سنة ظنا، وكان من محاسن ~~أهل مصر، حن خلق وخلق، وحلاوة شكل وقول، وعنده فضيلة، ~~وله مشاركة في بعض الفنون، وكان أبوه شيخ الناس في النحو، أسأل ~~الله أن يتغمده برحمته، ويخلفه خير الخلف في ذريته. وأخبرني ثقة أنه ~~مات مطعونا خلف أذنه. PageV01P094 ~~مات ابن عثمان ~~وفي أواخر صفر هذا، قدم الخبر إلى القاهرة بأن السلطان يزيد بن ~~مراد بك بن أورخان بن عثمان الشجاع المجاهد، مات رحمه الله في سابع ~~محرم من هذه السنة؛ ولقد فجع المسلمون به فجيعة عظيمة، فإنه كان ~~سيفا مسلولا على بني الأصفر ما زاحفهم زحفا إلا كانت العاقبة فيه لله، ~~ولرسوله، وافتتح كثيرا من بلادهم، وضرب عليها الجزية، نسأل الله ~~تعالى أن يعوض المسلمين خيرا منه في ابنه الملك محمد. [وأرسل] ~~السلطان رسولا لتعزية ابنه به. # وفي [يوم الأحد رابع عشري صفر ضرب الأجلاب الإستدار ~~القبطي] في رأسه فشجوه شجة منكرة، فأدخل إلى جامع القلعة، PageV01P095 ~~ثم خيط جرحه، خوفا من الهواء، ثم انقطع في منزله على خوف شديد، ~~وشرع ms006 السلطان ينقب عمن باشر ضربه، وكان ذلك من الغلط، فاشتد ~~غضب الجلاب، وقصدوا الإستدار في بيته فاختفى منهم، ونقل أمتعته، ~~وخاف ناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب جكم على نفسه منهم؛ ~~فتمارض ولزم بيته، وحصل بين تمربغا الدويدار الثاني، وبين بردبك ~~البشمقدار خصومة شنيعة بحضرة السلطان، وكان العالي فيها بردبك؛ ~~بواسطة الأجلاب يرجعون إليه، وصار تمربغا خائفا على نفسه عاقبة ~~ذلك، حتى إنه كان يطلع إلى القلعة من غير المكان المعتاد. # أخذ قبرص ~~وفي هذا الحد وصل الخبر أن ملك الكيتلان من الفرنج استولى على PageV01P096 ~~جزيرة قبرس وكانت من حين أخذها الأشرف، تحت ذمة ~~المسلمين وأنه عمر عمارة كبيرة لغزو البلاد الإسلامية، جعل الله ~~[الدائرة عليه]. ### || # وفي أول يوم السبت مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين، مات ~~الإمام العلامة شمس الدين محمد بن حسان القدسي، شيخ خانقاة ~~سعيد السعداء، وكان فاضلا ومفننا، يعرف غالب الفنون، التي PageV01P097 ~~يقرئ فيها أهل الزمان؛ من الفقه، والحديث، والعربية من: النحو، ~~والصرف، والمعاني، والبيان، والمنطق، والأصول الفقهية، والدينية، ~~وكان ملازما لإقراء الطلبة، كثير النفع لهم بالعلم، والتواضع، ولين ~~الجانب، وكثر تأسف الناس عليه، وحضر جنازته، من القضاة، ~~والطلبة، وغيرهم، جمع كثير، وصلى عليه قاضي الشفاعية الشرف يحيى ~~المناوي بباب النصر، وشيعه إلى تربة سعيد السعداء ماشيا، في خلق كثير، ~~وقرأ على قبره، بعد الدفن سورة الأنعام جمع من الطلبة، وعظم الثناء ~~عليه، والتوجع لفقده، رحمه الله. وأعطي أخوه محب الدين محمد، ~~ما كان بيده من الجوالي، وهو ثلاثون درهما مصرية، تكون مقدار PageV01P098 ~~درهم وربع من الفضة، وقراءة الحديث بالمؤيدية، وأخذ عنه تدريس ~~الحديث بقبة المدرسة البيبرسية الشيخ زين الدين قاسم الحنفي، ~~ومشيخة الصوفية بالخانقاة الصلاحية سعيد السعداء، الشيخ خالد ~~الريفي بواسطة ناظر المكان الشرف الأنصاري. # وفي يوم السبت هذا أصلح السلطان بين تمربغا دويداره، وبين بردبك، ~~البشمقدار. PageV01P099 ~~نزول السلطان للمباشرين ~~وفي يوم الأحد ثاني ربيع المذكور، نزل السلطان في نفر يسير جدا، ~~نحو ثلاثين مملوكا إلى الإستدار فعاده، ثم عاد ناظر الخاص، ثم خرج ms007 من ~~باب النصر، وطلع إلى القلعة، من ناحية الصحراء، فأرسل إليه ~~المذكوران من التحف ما يليق بمثلهما. # طلوع الإستدار ~~وفي يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الأول طلع الإستدار إلى الخدمة في جمع ~~كثيف، فألبس خلعة سنية، وحصل له إقبال زائد. وفي يوم الخميس ~~سادسه طلع ناظر الخاص كذلك. PageV01P100 ~~وفي سحر ليلة الأحد تاسع الشهر مات الشيخ أحمد الزواوي ~~المغربي، عن نحو سبعين سنة فيما أظن، وصلى عليه في الجامع الأزهر قاضي ~~الشافعية الشرف يحيى المناوي، واجتمع له خلق كثير، من الفقهاء، ~~والفقراء، والمباشرين، والأمراء، والعامة، وكثر الترحم عليه، ~~والتأسف، والثناء، والتلهف، ولقد كان جديرا بذلك، فإنه لم يخلف ~~بعده مثله، فإنه كان صائم الدهر، منقطعا في خلوة الجامع مبتذلا في ~~الملبس، مع قوة البدن والقلب، وحسن الشكل، وشهامة النفس، عظيم ~~المساعدة للفقراء عند الكبراء، غزير البر لذوي الحاجات، جليلا عند ~~الخاصة والعامة، مهيبا في النفوس، مقبول الكلام، ودفن في مقابر ~~الصوفية، ومشى في جنازته القاضي الشافعي [4]، وجماعة. # موت الذبلي ~~وفي يوم هذه الليلة، وهو يوم الأحد تاسع شهر ربيع الأول سنة 55، ~~مات ناصر الدين بن الذبلي القدسي تلميذ شمس الدين بن حسان، وكان ~~قد نزل من جنازته محموما. # موت العلاء ابن ميز ~~وفي يوم الثلاثاء حادي عشر الشهر، مات تلميذه الآخر، الفاضل علاء ~~الدين، علي بن ميز، ويقال أيضا ابن ميزت القدسي، الشافعي، وصلى ~~عليه كاتبه في باب النصر، ودفن في تربة الصوفية، وكان في اوله دلالا، ~~ثم قدم القاهرة قبل سنة خمسين بيسير، فانقطع إلى الشيخ شمس الدين بن ~~حسان، فانتفع به علما، ودنيا، ولم يمت، إلا وهو أحد المشهورين ~~بالبراعة في المنطق، والأصول، والعربية بأنواعها، والفقه، ودفن وراء PageV01P101 ~~الشيخ شمس الدين بن حسان، وابن الذبلي، بالقرب منهما، وذلك من ~~غرائب الاتفاق، ورحمهم الله تعالى آمين. # موت الشمس الحلبي ~~وفي ليلة الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول المذكور، مات شمس ~~الدين محمد بن الشيخ شمس الدين محمد الحلبي، وكان من أعيان الناس، ~~وكان يصحب السلطان الظاهر جقمق؛ لأن السلطان ms008 كان يعتقد أباه، ~~حين كان أميرا، أو قبل ذلك، ثم اختص خاله غرس الدين السخاوي ~~بصحبته، فعظما به، وصلى عليه في يوم هذه الليلة في باب النصر قاضي ~~الشافعية، الشرف المناوي، ودفن في تربة جمال الدين، وكانت جنازته ~~حسنة. ### ||| زواج السلطان: # وفي يوم الاثنين سابع عشر الشهر المذكور، عقد للسلطان على بنت ~~عبد الباسط بن خليل الدمشقي، وكان قد خطبها أولا لابنه عثمان، ثم ~~قيل له: إنها غاية في الحسن فخطبها لنفسه، وفصل للشافعي خلعة يلبسها ~~عند تزويجه إياها به، على العادة، فقيل له: إنها صغيرة، ولا مجبر لها، ~~فليس للشافعي أن يتعاطى العقد عليها؛ لأن ذلك غير صحيح في مذهبه، ~~وإنما يصح ذلك عند الحنفية، والحنابلة، فسعى الشافعي في أن يكون هو PageV01P102 ~~رئيس الجلس، الذي يكون فيه العقد؛ بأن يعقد أحد نواب الحنفي نائبا ~~عنه، بحضرته، فلم يجب السلطان إلى ذلك، وألبسه الخلعة التي كان ~~سماها له، يوم السبت خامس عشر الشهر، فلما تحقق أن ذلك زال عنه، ~~سعى (فيما نقل إلي) في دفع ذلك عن الحنفي، وهو السعد بن الديري، ~~إلى الحنبلي، وهو البدر ابن البغدادي، وكان قد نقه من مرض أشفى منه ~~على الموت، وانقطع بسببه مدة، فكان ذلك في يوم الاثنين المذكور، ~~وألبس خلعة سنية لذلك؛ سرورا بعافيته، ووجد الشافعي من خروج هذا ~~العقد عنه وجدا شديدا. ### ||| سفر الإستدار والأميرين: # وفي يوم الجمعة حادي عشري الشهر سافر الزين يحيى الإستدار، إلى ~~نواحي المنزلة، ومعه الأمير الكبير إينال الأجرود، وأمير المجلس، تنم، ~~المعروف بالمحتسب؛ وذلك أن الإستدار كان خائفا من العربان، وأهل ~~الأرياف؛ لشدة ما نالهم منه، من الظلم، على ما هم فيه من شدة الزمان، ~~بالغلاء، وضيق العيش، فزين للسلطان أن سفرهم معه مناسب؛ لأجل ~~عمل مصالح ما لهم بتلك الناحية من البلاد، فأمرهم بذلك، وكان هو يريد ~~أن يسافر في البحر، فسألا السلطان، أن يسافرا في البر؛ لأنه أرفق، ~~وأوسع، فأبى، وألزمهما، أن يكونا معه، أينما كان برا، أو بحرا. # موت الكاتب ~~يوم الأحد ثالث ms009 عشريه، مات الشمس الكاتب الرومي الحنفي، PageV01P103 ~~الذي كان من أخصاء السلطان، ثم غضب عليه، ونسبه إلى الوقيعة ~~في الإمام الشافعي، وغيره من أكابر أصحابه، وأذن في الدعوى عليه ~~بذلك وعزره واستمر منقطعا عنه، ولم يحفل الناس بجنازته، ولا صلى ~~عليه كثير منهم. ### ||| قصة بيغوت: # وفي هذا الشهر جاء الخبر، أن بيغوت، الذي كان نائب حماة ~~وذهب إلى جهنكير؛ فرارا من السلطان رجع طالبا العفو، فأجابه ~~السلطان إلى ذلك، وأرسل إليه مرسوما بالأمان، والإذن له في القدوم، ~~فجاء الخبر في أواخر هذا الشهر، أنه يوم ورود هذا المرسوم عليه، دخل ~~عليه وهو بحلب أربعة رجال في زي العرب، إلى الدار التي هو بها، وقد ~~خرج من الحمام، وليس عنده أحد، وطلعوا إليه في مقعد هو به مظهرين ~~إرادة السلام عليه، فاستنكرهم، وقام وكأن الدرج كانت ضيقة فأعجلهم ~~عن أن يصير الأربعة معه في المقعد، فوصل إليه أولهم، وضربه بسكين ~~في بطنه فاحدودب فشقت ثيابه، ولم تصل إلى بطنه، فحقق ما ~~يحكى عن شجاعته أنه لطم الضارب على عنقه، فطارت السكين من يده ~~بعيدا، فجذب خنجرا، ورفع يده ليضرب به فبادر بيغوت يده ليمسكها، PageV01P104 ~~فقصرت يده فإذا هي قابضة على الخنجر، فانجرحت، وخرج في هذه الحال ~~مملوك من مماليكه من مبيت ذلك المقعد بسيف مصلت، فضرب عنق ~~البدوي، وهرب رفقاؤه وأتي بمن يظن أنه يعرف أهل البادية، فلم يعرفه ~~أحد. ### ||| ولاية ابن القطان: # وفي يوم الخميس سابع عشري ربيع الأول المذكور ولي البدر محمد ~~ابن البهاء محمد بن الشمس محمد بن القطان الشافعي قضاء طرابلس عن ~~تقي الدين أبي بكر بن عز الدين، فلم يتم ذلك، بل عزل بعد أن ألبس ~~الخلعة بأيام، واستمر قضاؤها شاغرا، حتى وليه ابن الزهري. ### ||| موت الأسيوطي: # وفي يوم السبت تاسع عشرينه، مات البدر الأسيوطي، وكان يوما ~~قل أن رؤى مثله في شدة الحر، وكثرة، الشعث، واختلاف الأهوية ~~الحارة، فقال بعض الناس (وأحسن): عن جهنم جديرة بأن تتنفس، ~~لاجتذابه، فإن هذا الرجل كان في نهاية الوحاشة [5] خلقا ms010 وخلقا، ~~كان في أول ما نشأ من مغاني العرب، ويحكى عنه في ذلك عجائب، ~~ثم انتقل إلى القاهرة، فتصرف في ابواب القضاة ففاق الرسل PageV01P105 ~~في ذلك، فصار وكيلا في الأمور الصعاب، واتسعت معرفته في الجدل، ~~والخصام، والحيل التي تبطل بها الحقوق، ثم اتصل ببعض الأكابر، ~~لانطباعه في السخرية، ومعرفته بالخصام في المحاكمات، فولي قاضي القضاة ~~علم الدين صالح البلقيني، بسعيه في آخر دولة الأشرف، فأقامه ~~نقيبا له، فحصل في ولايته تلك من الفساد، أمر عظيم، وكثر فيه ~~القال والقيل، فلم تطل مدته، ونزى للأسيوطي كثير من الأعداء، ~~فضبطوا عليه الكلمات التي اجترأ فيها على العظائم، فإنه كان شديد ~~الجرأة، فادعي عليه، ثم نصره السفطي على أخصامه. وصحب ناظر PageV01P106 ~~الخاص، الجمال يوسف بن كاتب جكم، فتقدم عنده، وصحب بعض ~~الأمراء، وكان حظيا عند الجميع، لما فيه من منافعهم الدنيوية، وعظم ~~أمره، واشتد أذاه، ثم عادى ناظر الخاص، وانتقل إلى أبي الخير النحاس ~~فقدر قرب انعكاس أبي الخير، فأصلح بينه وبين ناظر الخاص تنم ~~المؤيدي أمير سلاح، واستمر مؤذيا إلى أن أراح الله منه البلاد والعباد، ~~في اليوم المذكور، وكان موته قبل ظهره، ولم يخرج إلى يوم الأحد في ~~مثل وقت موته، ولم يصل عليه، إلا قليل، وحدثني الجمال بن ~~السابق، أن الشهاب بن صالح، حدثه، أن الحفار الذي ألحده، ~~وضع بلاطة، ثم صعد هاربا من القبر، فسئل، فقال: احترقت رجلي، ~~وعد الناس موته، وموت اللذين قبله، وهما: الكاتب، والحلبي من ~~تنفسات الدهر، ومن تنفساته أيضا، أنه عزل حميد الدين بن قاضي ~~بغداد المدعي أنه من ذرية الإمام أبي حنيفة، من قضاة الحنفية بدمشق PageV01P107 ### || # في أوائل شهر ربيع الآخر، أو أواخر الذي قبله، وولي الشيخ قوام ~~الدين، والذي قام في ذلك السراج ابن المزلق، ناظر جيش دمشق، ~~وجهز مرسوم بالكشف عنه أيام مباشرته، فوصل الخبر بذلك في منتصف ~~الشهر، فهرب قاصدا القاهرة، فرده الحاجب - وكان شديد البغض له - ~~من الطريق بنحو خمسة عشر شرطيان وأراد تبييته في الترسيم، فضمنه ~~من يوثق به، ms011 فمكن من النوم في بيته، ثم أصبح والي الشرطة على بابه PageV01P108 ~~طلبه لحضور مجلس الدعوى عليه، وإذا على بابه نعش لا يدري من أتى ~~به. فلم يوقظه إلا هذه المصيبة، فلما تحقق أمر الوالي، والنعش لم يرتب ~~في أنه، أمر بضرب عنقه، وأن النعش أحضر ليحمل فيه، فكادت روحه ~~تزهق، ثم حضر المجلس، فادعى عليه التاج محمد بن الشهاب أحمد بن ~~عرب شاه دعاوى هائلة عند القاضي الشافعي الجمال بن الباعوني، ~~وألزمه في بعضها يمينا فحلف، فأقام البينة بتكذيبه، وكان عليه يوما ~~مشؤوما، ثم توالت عليه المراسيم بالكشف فاستمر مرسما عليه، بيت على ~~الباب الذي هو فيه عدة أناس بالأسلحة خوفا من أن يهرب، وما زال في ~~أسوأ حال، بعدما كان يتجبر على الجبابرة، ولهذا كانوا يبغضونه، واستمر ~~كذلك إلى أن جاءه بعض الفلاحين، فاستراب به فسئل عن أمره، فقال: ~~إن له معه كلاما، فاستدناه، فلما قرب منه تنكرت أحواله، فخيف عليه ~~منه، فقبض جماعته عليه، واستوثقوا منه، ورفع إلى القلعة، فسئل، PageV01P109 ~~فلم يعترف بسوء، فأمر الحميد بعض جماعته أن يقفوا له بخيل، في مكان ~~سماه، في ساعة عينها، ثم إنه في تلك الساعة، قال للموكلين به، أنه ~~حصلت له جنابة، فمشى معه بعضهم، فدخل إلى حمام ذات بابين، ~~واستحيوا أن يدخلوا معه إلى الحمام، فخرج من الباب الآخر، ثم أتى ~~جماعته، فركب، وسار على غير طرق معروفة نحو وادي التيم، ~~فلم يطلع خبره إلا من...». ### ||| الدعوى على ابن الأشقر: # وفي يوم السبت سادس شهر ربيع الآخر، سنة خمس وخمسين ~~وثمانمائة، رسم السلطان، بأن يدعى على ناظر الجيش المحب بن الأشقر، ~~عند القاضي الشافعي، الشرف المناوي؛ من أجل تركه عبد الرزاق، التي ~~ورث منها التركي، وكان ابن الأشقر وصيا عليها، فلم يزل التركي بعد ~~ظهوره، يقوم ويقعد، حتى أثبت في ذهن السلطان خيانته فيهان فهزه ~~غير مرة؛ ليقدم له من المال ما يكفه به عنه، فلم يفعل ما أرضاه، فأوقع ~~به ما ذكر، فأقام التركي وكيلا، فادعى عليه أنه اشترى ms012 من التركة أعيانا، ~~باثنتين وسبعين ألفا، بغير طريق شرعي؛ لأن على التركة دينا، فأجاب، PageV01P110 ~~بأنه لم يبع من التركة شيء، إلا بعد وفاء الدين بمقتضى هذا الإشهاد، ~~وأن الأعيان المذكورة لم يشترها إلا ممن اشترى من التركة، فقال التركي ~~ملقنا لوكيله: كان على التركة دين آخر يعلمه. فأجاب: بأنه لا يعلمه. # فسأله، أن يحلف على نفي العلم فاستقال البائع لتلك الأعسان، فأقاله، ~~فأعلم بأنه قد أطلق من الترسيم، فقال: لا أذهب إلى بيتي حتى يأذن ~~السلطان، فنام في المدرسة الزمامية، التي على باب الشافعي بخط يقرب ~~من البندقانيين، وشق على الناس ما فعل به، فإنه رجل كبير القدر، ~~عظيم الخدمة، قديم الشرف، حسن المعاشرة للناس، محب للخير، عديم ~~الشر، ثم أعلم السلطان بكرة الأحد سابع الشهر بما كان، فرسم بتخلية ~~سبيله، وأمر بأن تفصل له جبة بفروسمور فلبسها يوم الاثنين ~~ثامنه، وبذل في مقابلة ذلك - على ما بلغني - ألفي دينار، وركب في ~~خدمته الناس، ولم يتخلف أحد من القضاة، والأكابر؛ سوى القاضي ~~الشافعي، ولامه الناس على ذلك كثيرا، وكأنه خاف من لوم السلطان ~~له؛ لكون الدعوى كانت عنده بأمر السلطان، وغرضه كما اتفق للقاء يأتي PageV01P111 ~~عند دعوى أبي الخير النحاس عنده على السفطي، فآثر ملامة الناس على ~~ملامة السلطان، وأما التركي، فما تخلف أحد عن ذمه، وتبين أن الذين ~~مالؤوه على القضية: الدويدار الثاني تمربغا، والشرف الأنصاري، ~~والقاضي الشافعي، مع إظهار البراءة منه، وكان هذا فاتح السوء على ناظر ~~الجيش؛ لم يزل السلطان بعد ذلك يتعهده بالتهديد، فيتعهده هو ببذل ~~الذهب حتى تضعضع حاله، ثم تزوج التركي امرأة الولي السفطي، ~~فعلمت امرأة عبد الرزاق، فلم تزل به، حتى طلقها، فلم تمكنه من شيء ~~من مال ابنها منه، ثم أثبت الشرف الأنصاري، أن السفطي كان طلقها ~~ثلاثا قبل موته، فمنعها من ميراثها منه؛ لأجل شؤم التركي، والذي أثبت ~~ذلك القاضي الشافعي، فصار التركي مذبذبا، محروما، نسأل الله ~~الحماية، ثم بعد ذلك راجع امرأة عبد الرزاق، وطلق امرأة السفطي. ### ||| رجع الإستدار: # وفي ms013 يوم الخميس حادي عشرة، رجع الإستدار، والأميران، اللذان ~~كانا سافرا معه، الأمير الكبير إينال العلائي، الشهير بالأجرود، وأمير ~~مجلس تنم المؤيدي، الشهير بالمحتسب، طلعا إلى السلطان، فخلع على ~~كل منهم على العادة. ### ||| [وصول] بيغوت: # وفي يوم الأحد رابع عشرة، وصل بيغوت، الذي كان نائب ~~حماة، ونزع يده من الطاعة وفر إلى جهنكير، وطلع إلى السلطان، ~~فأظهر له القبول، ونزل عند القاضي كاتب الكمال بن البارزي الحموي، ~~فأقام نحو شهر، ثم أمره بالإقامة في دمشق، ورسم له في كل يوم ثلاثة ~~دنانير. ### ||| مقتلة حوران: # وفي هذا العشر، وصل الخبر، أنه كان في بلاد حوران على قرية ~~يقال لها الخمان وقعة بين مقلد، وأبي بكر بن قديم أميري عرب آل PageV01P112 ~~مري، قتل فيها مائتا رجل، منهم بعض أولاد القاق، مقدم بلاد ~~الجيدور، وبعض أولاد حسين أمير عرب حارثة وكانت الدولة فيها ~~لمقلد؛ وذلك أنه رجل شجاع عفيف محبب إلى رعيته، كان أمره ~~أعلى، وكان من عادة سلطان الزمان جقمق الشركسي، الملقب بالظاهر، ~~خفض كل من كان بهذه الصفة، فعزله، وولى قريبه أبا بكر بن قديم، فلم ~~يدن له الناس، فجمع ممن أطاعه، من العشير، والعرب، ~~والتركمان ناسا كثيرا، وسار بهم لقتال مقلد، وكان في مائتي فارس فقط، ~~فلما سمع بهم عرف أنه لا يطيقهم؛ فرحل من طريقهم فلقاه القدر إياهم ~~على الخمان، فاضطر إلى قتالهم، وسلط الله عليهم ريحا مظلما، ~~ضرب بها وجوههم، حتى ضرب بعضهم بعضا، فانهزموا، فقتل من تقدم، ~~وهرب ابن قديم إلى الغوطة، وكان السلطان قد أرسل بعض ~~دويداريته، لكشف أمر الرجلين، ثم بدا له، فأرسل في إثره أن يلبس ~~ابن قديم خلعة، فأرسل نائب الغيبة بدمشق إليه فألبسه الخلعة، وكان ~~ناس من أهل حوران قد أتوا إلى دمشق سائلين أن يولي مقلد؛ فإن بلادهم PageV01P113 ~~فسدت، ولا يقدر على حفظها غيره، فصادفوا ابن قديم لابسا خلعة ~~الاستمرار في ناحية ميدان الحصا، فرجموه. ### ||| قصة السفاري: # وفي تاسع عشره، أتى إلى الشيخ علي المحتسب شخصان يخدمان ~~شيخا معتقدا في جامع عمرو ms014 في مصر، يقال له: السفاري، وأخبراه ~~أنه أمرهما أن يضعا في عنقه زنجيرا كان معهما وكذا في عنق نائبه عز ~~الدين الأنبابي، وأنهما لا يقدران على مخالفة الشيخ؛ خوفا من ضرر ~~يعجل لهما، فأخذهما، وطلع بهما إلى السلطان فضربهما يوم السبت ~~العشرين منه، ضربا شنيعا، وأمرهما إلى المقشرة، ونودي عليهما، هذا ~~جزاء من يتكلم بما لا يعنيه، وضرب والي مصر العتيقة، منصور بن PageV01P114 ~~علاء الدين علي الطبلاوي؛ لكونه مكنهما من الباشتين، والزنجير، فحلف ~~له أنه لم يكن ذلك بعلمه، فلم [6] يصدقه، ثم أطلقه، وأمر والي ~~القاهرة جانبك الساقي أن يحضر السفاري، فأرسل إليه دويداره، ~~فأتاه، فإذا هناك خلق، قد ملأوا، جامع عمرو، فبلغه أن السلطان يريد ~~رؤيته، فتغير حاله، وظهر عليه الجذب وخلط في الكلام ونقل أنه ~~قال: إن السلطان يموت لتسعة عشر يوما، فأخبر السلطان أنه غير ~~عاقل، فتركه ثم أخرج خادميه، من المقشرة بعد أيام. # الحمصي ~~وفي يوم السبت خامس شهر ربيع الآخر، وصل السراج الحمصي PageV01P115 ~~شيخ الصلاحية ببيت المقدس إلى القاهرة، ووصل التاج ابن عرب ~~شاه، ومعه ما أثبت على ابن قاضي بغداد وقاضي الحنفية بدمشق، من ~~المحاضر. ### || ### ||| عزل كاتب السر: # وفي يوم الخميس عاشر جمادى الأولى سنة 855ه عرف السلطان، ~~أنه وصل إلى نائب بعض البلاد الشمالية مراسيم مزورة، فغضب السلطان ~~على كاتب السر، الكمال البارزي، وأساء له القول، ومنعه من المباشرة ~~عنه، ثم تبين له، أن الذي أفسد المراسيم صاحبها، وذلك أنه كشط ~~شيئا، وأثبت مكانه غيره، فثبتت براءة القاضي، كاتب السر، فطلبه ~~السلطان، واعتذر إليه، وألبسه خلعة، يوم السبت ثاني عشر الشهر، ~~وأمر المباشرين، من المتعممين، والجند، أن يشيعوه إلى بيته. # وفي هذا الحد، وصل محضر فيه خطوط جماعة من حنفية دمشق، بالثناء ~~على ابن قاضي بغداد؛ بالعفة، وإيصال المعاليم إلى مستحقيها، وحسن ~~المعاشرة، فأمر السلطان بإطلاقه، من الترسيم. ### ||| موت السفاري: # وفي يوم الجمعة حادي عشر الشهر، مات السفاري، الذي حبس ~~خادماه في المقشرة، من أجل المحتسب، فزاد موته السلطان عتوا، ~~وجبرية؛ لأجل أن ms015 الأمر الذي أخبر به انقلب عليه، ورأيت سيدي PageV01P116 ~~يوسف بن تغري بردي، يؤول ما نقل عنه بأنه لم يفصح للناس، بل ~~قال: بعد تسعة عشر يوما نستريح منه، أو نحو هذا، فظنوا أنه يعني بموت ~~السلطان، فنقلوه، وما عني إلا موت نفسه رحمه الله. # الشيخ محمد الحنفي ~~وفي هذا الشهر أعطى شخص من المغاربة اثنين مما يترددا إلى زاوية ~~الشيخ محمد الحنفي ورقة فيهاك أن بمكان يقال له: دير البغل خبية ~~ليس عليها مانع فذهبا، فحفرا، ثم قال أحدهما للآخر: قد تعبنا، ~~فنذهب، ونعود في وقت آخر. ففعلا، ثم سأل ذلك القائل في المعاودة، PageV01P117 ~~فلم يفعل فذهب صاحبه، فوجد حفر المكان أوسع مما كان؛ فاتهم ~~صاحبه، بأنه كاده حتى أخذ ما في المكان، فأتى إليه، فلم يقر له بشيء، ~~فأخبر شخصا من الجند، فأتى إليه، فهدده، فأصر على الإنكار، ~~فضربه، ثم ذهبوا إلى الزاوية، ليوفق بينهما الشيخ أبو الفضل بن الشيخ ~~محمد، فسأل المتهم أن يدفع إلى صاحبه خمسة دنانير، بعد أن كان يطلب ~~خمسمائة دينار، ويتوعد بأنواع الوعيد، ثم ذهبوا، فاتسع خوف المتهم، ~~فخنق نفسه بحبل معلق في بيته، فخاف الجندي، فأخبر السلطان بالخبر، ~~وحرفه، فطلب الشيخ أبا الفضل يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الأولى ~~سنة 855، وأراد ضربه، فلم يقدر له ذلك، فأمر بزنجير، فوضع ~~في عنقه، وأنزل إلى بيت الوالي، إلى القصر، الذي تجاه الكاملية، ~~فشق ذلك على الناس عامة؛ فإنه شاب نشأ في عبادة الله، من أهل العلم، ~~والدين، والكرم، والعقل، وأرسل الشيخ كمال الدين بن الهمام، PageV01P118 ~~ورقة أطنب فيها في مدح هذا الشاب، وبتربيته، فكان جوابه الوقيعة في ~~والده، ونسبته إلى أكل الدنيا بالدين، فقال له رسول الشيخ: قال الله ~~تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164]. فلم تنجح فيه موعظة، ~~وحرض المباشرون: كاتب السر، وناظر الخاص، والوزير، والإستدار، ~~والدويدارية، وغيرهم، على الشفاعة فيه صبيحة الخميس، فعلم السلطان ~~ذلك، فافتتحهم بإظهار الغضب، وفرط الحنق، حتى رأوا أن الصواب ~~الكف عن الكلام فيه، وكان هذا دأبه، إذا ms016 كان له غرض في شيء، ~~وخاف أن يثنى فيه عن مراده، أظهر الغضب لكل من يتوهم كلامه فيه، ~~ثم أذن الله تعالى وله الحمد فأطلقه، يوم السبت تاسع عشر الشهر. ### ||| مناداة البحر: # وفي يوم الاثنين حادي عشري الشهر، وهو الموافق لسادس عشري ~~بؤونة، من سنة القبط، نودي على البحر بزيادة ثلاث أصابع، ~~وكانت قاعدته أربعة أذرع ونصف، بعد أن كان احترق احتراقا، قل أن ~~عهد مثله؛ بحيث أن بحر الروضة نشف من نحو خمسة مواضع، فكان ~~يمشي فيما بينها، وبين مصر من تلك المواضع، من أراد مشيئا، وأخبرني ~~غير واحد من الثقات الأثبات، أنه ليلة نزول النقطة أتى القاضي ~~كاتب السر الكمال البارزي بثلاث قطع طين كل واحدة وزن ستة عشر درهما، PageV01P119 ~~وبوزن إحداهما قمحا، فبيت إحدى القطع في خزانة في قاعته، وأخرى في ~~القاعة، وأخرى تحت السماء، وكذا القمح، ثم وزن ذلك في النهار، ~~فوجد قطع الطين قد زادت كل واحدة منها أربعة قراريط ونصف سواء، ~~لم تزد واحدة منها عن الأخرى شيئا، ووجد القمح قد نقص وزن نصف ~~درهم، وقالوا إن القاعدة، المجربة في مثل ذلك، أن الله تعالى أجرى ~~العادة، أن يزيد البحر لكل قيراط من زيادة الطين ذراعا، بعد الستة ~~عشر، وينقص سعر القمح إلى نقص وزنه، ويزيد إن زاد، وقد وقع ذلك ~~في القمح، نقص سعره عما كان كثيرا، فإنه كان قد وصل الإردب منه ~~إلى ستة دنانير، فنقص ثلاثة، نسأل الله الزيادة، وأن يحقق أمر الطين، ~~كما حقق أمر القمح، وتناقصت أسعار الحبوب بدخول الجديد منها، ~~وبزيادة البحر، بعد أن كانت عزت عزة زائدة، حتى قارب سعر الفول ~~سعر القمح، وهو ستة دنانير، وكان الحال في هذا العام شديدا من جهة ~~الغلاء جدا، انكشف فيه حال غالب الناس، وصار كثير من المستوردين ~~سائلا، لكن الذي كان يخفف الأمر، ويسكن الروع، وجود الخبز ~~والدقيق، وقد كان الظن قاضيا بعدمه، أو عزة وجوده، وكنت أتعجب ~~من وجوده، ولا أدري سببه إلى أن أخبرني الشيخ علي العجمي ms017 المحتسب: ~~أنه رأى الترقق للطحانين، والخبازين، فكان لا يغفل عن افتقادهم ساعة ~~واحدة، من النهار، فإذا أخبر، أن الخباز ترك الخبز أحضره، وسأله عن ~~سبب ذلك، فيخبره، أن الطحان لم يحضر إليه دقيقا، فيرسل إلى الطحان ~~المقرر له، فيسأله، فيخبره أن تجار القمح لا يأخذون منه، من ثمن القمح ~~إلا ذهبا، وأن الخباز لا يعطيه إلا فلوسا، قال: فأترفق به، وأترقق له، ~~وأعطيه الثمن من عندي ذهبا، وآخذ الفلوس، فأصرفها، وأخذت من PageV01P120 ~~السلطان ذهبا، فكنت أستعين به على ذلك. قال: وربما كنت أسعى في ~~تيسير أمر بعض الخبازين، من المغرب، فما أفرغ منه إلى نصف الليل، ~~أو بعد ذلك، وجمعت الطحانين، وطلعت بهم إلى السلطان، وسألته أن ~~يكلمهم كلاما حسنا، ويعدهم الخير إذا سدوا أمر البلاد، إلى مجيء النيل، ~~ففعل، فسروا بذلك كثيرا. قال: وكنت لا أغفل عن اجتلاب القمح ~~من سائر البلاد، وتركتهم من الأمر والنهي، فكانوا يبيعون كيف شاؤوا، ~~وبأي ثمن ارادوا، حتى طمأن الله العباد، بمجيء البحر الذي لا يقدر ~~عليه أحد سواه. فشكرته لعمري على ما صنع، وما وصل، وما قطع، ~~جزاه الله خيرا آمين. ### ||| وصول حميد الدين: # وفي نحو العشرين من جمادى الأولى، وصل حميد الدين بن ~~قاضي بغداد، قاضي الحنفية بدمشق، إلى القاهرة، هاربا مما حل به في ~~دمشق عقب عزله من سوء التراسيم، وتسليط أولي الغدر على الفتك ~~به. ### ||| رد نساء جهنكير: # وفي هذا الحد، بلغ السلطان، أن نساء جهنكير اللاتي كان النواب ~~دروهن، وأرسل هو يعيب على النواب ذلك فاستقدمهن بلغه أنهن وصلن ~~إلى دمشق جائيات، فجهز مرسوما على يد بريدي، بردهن. ### ||| المرتد: # وفي هذا الشهر عثر على شخص من ريف مصر ارتد ، بعد أن كان ~~نصرانيا فأسلم، فرفع إلى قاضي المالكية، الولي السنباطي، فسأله عن ~~ذلك، فاعترف، فعرض عليه الإسلام، فأبى، فقال له: هل عليك ~~دين، فيوفى، أو لك ظلامة عند أحد، فتنصر فيها، أو لأحد عليك طلبة ~~فيرضى، فقال: لا. فوعظه، وخوفه، فأبى إلا الموت على دين ~~النصارى، فضرب عنقه، ms018 يوم السبت سادس عشري جمادى هذا، تحت PageV01P121 ~~الصالحية، وسحبته العامة، فأحرقوه، خارج البلد، على عادتهم في ~~مثله. ### ||| نصاب وابن عبد القادر: # وفي هذه السنة أرسل السلطان إلى الأمير مبارك شاه، نائب ~~القدس، بالقبض على محمد بن سليمان القادري، شيخ جبل نابلس، وإلى ~~ابن أيوب، نائب السلط، بالقبض على نصاب أمير عرب البلقاء ~~ونواحيها، فأما ابن أيوب فكان بينه، وبين نصاب مصاهرة، فأرسل إليه، ~~ليحضر نكاح شخص من خاصته ففعل، فقبض عليه في ربيع الأول من ~~السنة، وأما نائب القدس، فأرسل يستمهل، ثم لم يزل يخادع، حتى ~~عمل مهما لختان أولاده، واستدعاه، فقبض عليه في هذا الشهر، فأما نصاب، ~~فإنه مات في السجن حتف أنفه، في شهر رجب من السنة فيما ~~أظن، وأما ابن عبد القادر فاستمر مسجونا في القدس إلى أن أخذ صاحبه ~~منه عشرة آلاف دينار، ثم لم يقنع منه بذلك، فأمر أن يضرب خمسمائة ~~سوط ففعل، فلم يوجد عنده زيادة، على ذلك، فأقدم إلى القاهرة، ثم PageV01P122 ~~أمر به إلى إسكندرية، ليسجن بها، كما يأتي. # وفي أواخر جمادى الأولى، أخذ الفرنج مركبين من مراكب مسلمي ~~الروم، من قرب ميناء إسكندرية، بعد أن كان بينهم قتال شديد، ساعة ~~من النهار، بمرأى من أهل إسكندرية، ولم يكن عند نائبها من القوة، ~~والسفن، ما يمدهم به، فلا قوة إلا بالله. ### || ### ||| دخول بنت عبد الباسط: # وفي يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة، نقل جهاز بنت عبد الباسط ~~ابن خليل الدمشقي، زوجة السلطان إلى القلعة. وفي ليلة الخميس ثامنه، ~~بين المغرب والعشاء، طلعت هي في محفة، وفي خدمتها من النساء على ~~حمر المكارية والخدام، الذين يعرفون الآن بالطواشية، السود، ~~والبيض، والمماليك على الخيول المسومة شيء كثير، والغلمان في ~~خلالهم، بالفوانيس، والمشاعل، فأصلح في يوم الخميس هذا من شأنها، ~~ثم بنى السلطان بها ليلة الجمعة تاسعه، فلم يقدر على افتضاضها، ~~واستمرت عنده، ليس له منها إلا التقبيل، حتى أورم شفتها، فيما يقال. ### ||| ابن خلف: # وفي يوم الخميس هذا رفع إلى السلطان أن القاضي أبا الخير همام ms019 ~~الدين بن خلف الترساوي الشافعي، الحاكم بقناطر السباع، اختلس PageV01P123 ~~شهود مجلسه شيئا، واستحس هو عليهم، وكان يصحب السلطان، وأبوه ~~من قبله، كان لهذا على السلطان مرتب، فطلبه السلطان، وضربه، ~~وضرب بعض شهوده ضربا شديدا، وأمر بهم إلى المقشرة، وقطع مرتب ~~القاضي، ثم سعي فيهم فأطلقوا آخر يوم الجمعة عاشره، وكان شخص ~~من نواب الحنفي، يقال له ابن شيرين (بالشين المعجمة) قد رمي ~~قبيل هذا بيسير بالتزوير، فأمر السلطان بعزل نواب القضاة أجمعين، ثم ~~عين لكل قاض عدة من النواب، لا يتجاوزها، فعين للشافعي عشرة، ~~وللحنفي ستة، وترك المالكي والحنبلي، على حالهما، ثم اطلق للشافعي ~~استثناءه من يريد، وأمر أن يمنعهم من الحكم، في - الدكاكين، فكانوا ~~يحكمون في بيوتهم، وفي المدارس. ### ||| ابن بكور: # وفي يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الآخرة هذا، أنهى إلى السلطان ~~القاضي عز الدين بن بكور الشافعي زورا على شخص نصراني، وكان يمقته ~~قبل ذلك مع صحبته له، وتردده إليه، فضربه، وأمر به إلى المقشرة، ~~مكشوف الرأس، راكبا حمارا، ينادى عليه، هذا جزاء قاض يزور ~~المساطير، فشقت به البلد، من القلعة، إلى المقشرة؛ وهي في باب ~~الفتوح على هذه الحالة، ثم أخرجه يوم الثلاثاء رابع عشره، وخلع ~~عليه. PageV01P124 ### ||| أمر الفرنج في صور: # وفي أوائل هذا الشهر هجم جمع من الفرنج مدينة صور، من بلاد ~~الشام، ليلا فقاتلهم أهلها، قتالا شديدا، فبلغ الخبر محمد بن بشارة، ~~مقدم بلاد جبل عاملة، وهو أقرب الرؤساء إليهم، فأتى لذلك ~~فيما تيسر معه، في ذلك الوقت، من الفرسان، في نحو ثلاثين فارسا، ~~وأمر بإيقاد النيران، فكان كلما نظر أهل قرية النار أوقدوا مثلها، وأسرعوا ~~نحو الصوت، فما وصل إلى صور حتى تلاحقت به رجال العشران، ~~فوجد الفرنج، قد غلبوا على البلد، وجاسوا خلال الديار، فحال بينهم، ~~وبين البحر، فوقع بينهم الحرب، من ذلك الوقت، إلى قريب الزوال، ~~من يوم تلك الليلة، وقتل منهم أربعين رجلا، فيما بلغني عن كتابه، ~~وقتل من المسلمين ثلاثة أنفس، ونجى من بقي من الفرنج بنفسه، وأسروا ~~نحو أربعة ms020 أنفس، من أهل البلد، ولم يتمكن من رؤوس المقتولين إلا من عشرة ~~رؤوس، فأرسلها إلى السلطان مع لبوس جميع القتلى، فوصل ذلك ~~يوم الثلاثاء، هذا ولله الحمد، والمنة على نصر دينه، وإعزاز كلمته، ~~ثم وردت المكاتبات الشامية، أنهم ذهبوا إلى صيدا فأرادوا ورود نهر ~~الدامور، ليستقوا منه، فحصل بينهم وبين من هناك قتال، ولم ~~يتمكنوا من مرادهم، ثم بادروا إلى بيروت ترجيا لفرصة الغفلة، فجد نائبها ~~السير من صيدا، فما وصلوا إلا والبر معمور برجال الإسلام، فلم يمكنهم PageV01P125 ~~طروق البر، فتوجهوا نحو طرابلس، فأقاموا بساحلها ثلاثة أيام، والناس ~~تجاههم بالبر، ولم يحصلوا على طائل، فرجعوا. ### ||| برج الطينة: # وفي يوم الخميس ثالث عشري جمادى الآخرة هذا وصل الخبر أن ~~الفرنج طرقوا برج الطينة، الذي بين قطيا ودمياط، وكان فيه نحو خمسة ~~عشر رجلا، فنزلوا إلى البر، ونصبوا عليه المكاحل، فحاصروه، ~~حتى عجز من فيه، فقتل منهم أربعة أنفس، وهرب الباقون، فهدموا ~~بعض البرج، وأخذوا ما به من السلاح، والأمتعة، وكان من كان هناك، ~~قد عرفوا ما بالميناء، من المراكب، فحرق الفرنج ما برز لهم على وجه ~~الماء منها، ولا قوة إلا بالله. ### ||| دمياط: # وفي يوم السبت خامس عشري الشهر، ورد الخبر أنهم نزلوا على فم ~~دمياط في سبعة أغربة، كل غراب بمائة وثمانين مقذافا، وسبع ~~سلالير، يظن أن بهم نحو أربعة آلاف رجل، وأنهم قصدوا غرة PageV01P126 ~~البرج، الذي عمره عبد اللطيف الطواشي، فلم يقدر لهم ذلك؛ ~~بسبب أن عبد اللطيف، الذي عمر البرج، كان مقيما عنده فاستجاش ~~من قرب منه إلى [أن] كثر الناس عنده، فقصدوا طروق الجزيرة التي ~~إلى شرقي القبتين، إلى الشمال من البر المتصل بدمياط، لأبقار ترعى بها، ~~فسبقهم المسلمون إليها، فمنعوهم، فاستمروا يترددون فيما هنالك، يقلعون ~~حتى يغيبوا عن العيون، ثم يرجعون، فظن أنهم ينتظرون سفينة، لمعين ~~الدين تاجر دمياط، أرسلها إلى بلاد البرجل، وبها مال كثير جدا، وطلب ~~أهل دمياط من السلطان النجدة، فأخبرني القاضي كاتب السر كمال الدين ~~ابن البارزي بأنه أخذ في قراءة الكتاب ms021 على السلطان، فلما قرأ قليلا من ~~أوائله قال له السلطان: اتركني من هذا واذهب عني. قال: فتركت قراءة ~~بقيته عليه، واسترجعت. ### ||| ابن محمد الصغير: # وكان عبد العزيز بن محمد الصغير (بالتصغير مثقلا) قد سأل ~~السلطان في هذا الشهر أن يمكنه من التكلم على الأوقاف وليقطع المرتبات ~~عليها ويعمرها، وما فاض بها عن العمارة حمله إلى الخزانة الشريفة، فرسم ~~له بذلك، وذهب بالمرسوم إلى السعد بن الديري الحنفي، فكتب عليه ~~بالامتثال، ثم ذهب إلى الشافعي فأبى، ثم اجتمع بالسلطان فسأله أن يمنعه ~~من الكلام على ما تحت يده فأجابه، وطلب المرسوم من ابن الصغير ~~فقطعه، ثم كتب له آخر بالكلام على ما عدا أوقاف الشافعية، ولبس الخلعة PageV01P127 ~~بذلك يوم الاثنين سابع عشري جمادى الآخرة هذا، فنزل في جبروت ~~زايد، وكان قد بيت على خلق كثير من الفقهاء ممن تحت أيديهم أوقاف، ~~فأحضرهم إلى بيته، فتعقبه الدويدار الثاني تمربغا مملوك السلطان، وناظر ~~الخاص يوسف بن كاتب جكم، فقرأا عليه ورقة من عند قاضي القضاة ~~ابن الديري الحنفي تتضمن الاستعفاء من القضاء، فإنه صار منسوبا إلى ~~الخيانة في الأوقاف، والعجز عن القيام بها، فأخل ذلك بناموسه في ~~القضاء، وآل الأمر إلى عجزه عن تنفيذ الأحكام على الأخصام، ونحو ~~هذا من الكلام، وكلما السلطان في أمر ابن الصغير، وفصلا له بعض ~~ما يريد أن يؤذي به الناس، فأرسل طواشيا إلى بيته، فأخذ منه الخلعة ~~والمرسوم، فأما الخلعة فردها إلى ناظر الخاص، وأما المرسوم فقطعه، وقال ~~بعض أهل الخير في ناظر الخاص: إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل ~~الفاجر. ### ||| وصول الترجمان من قبرس: # وفي هذا العشر الأخير من جمادى الآخرة هذا، وصل فارس ~~ترجمان الفرن بجزية أهل قبرص، ومعه نحو المائة من الأسرى، وكان قد ~~أرسل إلى هذه الجزيرة من مدة طويلة، وانقطع خبره حتى ساءت بهم ~~الظنون، وتبين أن أصل ذلك الخبر السابق عن استيلاء الكيتلان على ~~قبرس؛ أن ملك الكيتلان صاهر صاحب قبرص، فتزوج ابنته، ~~وجعله صاحب قبرس الملك بعده، والتزم له ذلك ms022 الملك أن يمنعه من سائر ~~من حوله من المسلمين العرب والعجم. رد الله كيدهم في نحورهم آمين. ### ||| ابن الزهري قاضي طرابلس: # واستمر قضاء الشافعية بطرابلس شاغرا من ربيع الأول من هذه السنة ~~حتى وليه الشهاب بن الزهري في هذا الشهر، ثم سافر في أوائل شعبان PageV01P128 ~~فعزل بعد خروجه بشخص يقال له: ابن وجيه، وأرسل إليه فرد من ~~منزلة العاقولة بين الصالحية، وقطية، فلما رجع أعيد. # وفي إحدى الجماديين مات الشريف هلمان صاحب ينبع، ~~وولي مكانه الشريف سنقر. ### || ### ||| الدعوى على تركة عبد الباسط: # وفي يوم الأربعاء سادس شهر رجب من السنة؛ وهي سنة 855، ~~عقد مجلس بالقضاة في بيت كاتب السر الكمال بن البارزي، وادعى ~~وكيل السلطان على أوصياء تركة عبد الباسط، أن للسلطان في تركته ألف ~~دينار، وكذا، كذا دينارا؛ بسبب أنها كانت على عبد الباسط للولي السفطي، ~~ولتغري برمش الزردكاش، وأن إرث الزردكاش صار لبيت المال، PageV01P129 ~~وأن السفطي أشهد عليه، أن جميع ما يملكه للسلطان، فكان هذا أول ~~صنائعه بآل عبد الباسط، بعد مصاهرتهم. ### ||| عزل كاتب السر: # وفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر رجب، من السنة، وقف ابن الشمس ~~الحموي، ناظر القدس، وبنته، للسلطان، وشكوا إليه أن ابن ~~محاسن، الذي كان من جماعة أبي الخير احتاط على ما خلفه ابوهما. فقال ~~لكاتب السر: لم لم تخبرني بهذا في حينه يا كذا، يا كذا، وأخذ في ~~شتمه بما لا يرتضيه أقل العامة مروءة، ثم أمر به إلى المقشرة، فشفع ~~فيه الأمراء، وبقية المباشرين، وكرروا ذلك، فأمر أن يجلس في بيته، ~~ويورد خمسة آلاف دينار، وطلب ابن محاسن، فأمر به إلى المقشرة، حتى ~~يورد اثنين وعشرين ألف دينار، ثم أرسل إلى كاتب السر من الأمراء من ~~يلينه، لمباشرة وظيفته على العادة، فأبى أشد الإباء، ثم لم يزل يوالي عليه ~~ذلك، حتى أجاب، فخلع عليه يوم الخميس ثامن عشري الشهر، ~~بعد أن أورد الخمسة الآلاف دينار، واستمر أياما بعد لبسه الخلعة، لا ~~يكلمه السلطان إلا بترجمان من الأمراء، حتى علم كل أحد أنه ms023 ليس القصد ~~إلا مضاررته إلى أن يموت كمدا. PageV01P130 ### ||| وفاء البحر: # واستمر البحر، بحمد الله تعالى وفضله، كل يوم فيزيادة، لم تنقطع ~~زيادته يوما واحدا، حتى أوفى ستة عشر ذراعا، وزاد إصبعين، من سبع ~~عشرة، يوم الخميس رابع عشر شهر رجب المذكور، الموافق التاسع عشر ~~مسرى، من أشهر القبط، وأقل ما كانت زيادته إصبعا، وأكثر ما كانت ~~خمس عشرة. وطيب الله تعالى - وهو الجميل، الصانع، المستحق لجميع ~~المحامد في كل سراء وضراء - قلوب العباد،وأحيا بإحيائه به أرض مصر، ~~جميع البلاد، فإنها عمدة المملكة جميعها. # وكان ذلك مصححا، لما نقل لي بعض الطلبة: أن الإمام تقي الدين # السبكي، نقل في كتاب الإجارة، من شرحه للمنهاج، عن الأستاذ PageV01P131 ~~أبي إسحاق الإسفراييني، أنه قال: أجرى الله العادة، أن نيل مصر ~~يتوقف في كل خمسين سنة، وقد كان في سنة ست وثمانمائة، توقف على ~~ما نقل، أحسن الله العاقبة. ### ||| ضرب ابن محاسن: # وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره، ضرب ابن المحاسن، بحضرة السلطان ~~ضربا كثيرا، يقال: إنه يقارب ألف عصا، حتى رفع محمولا، وفرض ~~لأولاد الحموي عليه كفايتهم، ورد إلى المقشرة في زنجيره، ليحاسب على ~~مال الحموي، ثم عقد له مجلس بعد ذلك، فاعترف بما يزيد عن خمسة ~~آلاف دينار. ### ||| قصة القط: # وفي يوم الأربعاء سابع عشري شهر رجب هذا سنة 855ه ضرب ~~جزار في باب الزهومة، من القاهرة هرا تكرر أذاه له بسكين، فجرحه ~~في يده، فاشتكاه بعض العامة إلى جانبك الساقي والي القاهرة، فأمر بقطع ~~أعصابه، ثم شفع فيه، فضرب ضربا كثيرا، وطيف به، ومعه من العامة ~~خلق يعسر حصرهم؛ يضربونه، ويهينونه بأنواع الإهانات، والهر على ~~كتفه، ووراءه حرسي ينادي: هذا جزاء من يقطع أعصاب القطط، على أيام ~~نائب السلطان، ثم سلم إليه الهر، ورسم بأن يداويه ببعض الجرائحية، ويمونه، PageV01P132 ~~إلى أن يبرأ، ويريه للوالي، فكانت من أغرب القضايا. ### || ### ||| رجوع الأمراء من حلب: # وفي هذا الحد، أو بعده بقليل، في أوائل شعبان أمن من قدوم ~~جهنشاه، فأرسل إلى نواب بلاد الشام، المقيمين بحلب، بالرجوع ms024 إلى ~~بلادهم، فرجعوا، ووصل نائب الشام إلى دمشق في أواخر شعبان، ~~أو أول رمضان. # ثم كان آخر السنة القبطية، يوم الاثنين سادس عشري شهر ~~رجب، من سنة خمس وخمسين المذكورة، ثم دخلت أيام النسيم، ~~وكانت السنة كبيسة، فكانت نسيئة، وكان النيروز؛ وهو أول ~~توت يوم الاثنين، ثاني شعبان، من السنة. PageV01P133 ### ||| قصة أمراء جانبك: # وفي يوم الاثنين هذا قدم جانبك، مملوك السلطان، وعامله على ~~البهار بجدة من الحجاز، فلاقاه أعيان أهل المملكة، من الأمراء، ~~والمباشرين، وكان قد توجه لملاقاته من أخصائه، وأصدقائه، من قبل ذلك ~~من جاوز عقبة أيلة، وقدم معه قاضي جدة، الكمال أبو البركات بن ~~ظهيرة، وكان صديقه، ووردت معهم، ومن قبلهم مطالعات كثيرة PageV01P134 ~~بالغض من خطيب المسجد الحرام، أبي الفضل بن أبي الفضل ~~النويري، وذكر ما يتعاطى من الجبروت، والتعاظم، وما لا يليق ~~بأمثاله، والدعاء على من يساعده، فعزله السلطان، وولى أخا قاضي ~~جدة، العلامة برهان الدين إبراهيم بن علي بن ظهيرة، ورسم بمنع أبي ~~الفضل من قدوم القاهرة. # وفي يوم قدوم جانبك هذا كانت قصة بني حرمي مع الشريف في ~~بيت الوالي، وقد كان ميعادي في تلك الجمعة في قوله تعالى في سورة ~~الحج: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا [إن الله لا يحب كل ~~خوان كفور]}[الحج:38] ومن جملة الآيات: {{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا PageV01P135 ~~وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا ~~أن يقولوا ربنا الله }[الحج:39-40] الآيات، فكان كذلك؛ حصلت واقعة عظيمة ~~مهولة دفع عنا فيها دفعا كبيرا، وأخرجوا الشريف من الحجاز على وجه ~~فضيع، انتهكوا فيه حرمة [بيت الله] وتعدوا الحدود، ونبذوا الدين المروءة ~~وراء ظهورهم. # وفتح سد الأميرية يوم الثلاثاء ثاني توت، وزاد البحر في ذلك اليوم ~~إصبعين نودي بها من الغد على العادة، فصارت الزيادة بها على سبعة غشر ~~إصبعا من ثمانية عشر ذراعا، فكانت الزيادة بعد هذا الفتح من النعم ~~الجليلة، ثم فتح سد قناطر بني منجا، يوم الخميس رابع توت وخامس ~~شعبان سنة خمس، وزاد البحر ms025 أيضا، ولما وصل الماء إلى سد شيبين فتحه. PageV01P136 ~~ونزل الماء إلى ما تحته من البلاد وتزعزع البحر له بنقص أحد عشر ~~إصبعا، وفي خرقه لهذا السد بوار القليوبية، وغالب الشرقية، ~~فتوجه إليه الإستدار، فعجز عن سده، فسد من قناطر شيبين السبع ستة، ~~ثم رأى أهل البلاد أن يفتح واحدة منها ففعل، وتلك القناطر تحت السد ~~بيسير، فتراجع البحر، وزاد سبع أصابع، في ثلاثة أيام، وروى ما كان ~~يظن تشريقه، ولله الحمد. ثم قدم الإستدار يوم الخميس ثاني عشر ~~شعبان المذكور. # وفي هذا الشهر اشتكت خوند بنت الملك الظاهر ططر، إلى ~~السلطان علي القاضي، كاتب السر، وادعت أنه غصبها بلدة [يقال ~~لها] زبد بفتح الزاي والموحدة، من قرى حماة، فسأل القاضي PageV01P137 ~~كاتب السر الوقوف على مستندها؛ ليعارض بين الحدود المذكورة فيه، ~~والحدود المذكورة في مستنده، ثم ينظر الحق في أي جهة، فأعطت ~~مستندها للقاضي، ناظر الجيش، المحب بن الأشقر، فكتب حزين، ~~وأرسلهما إلى القاضي كاتب السر، وقال: إن ذلك هو الذي رآه في ~~مستندها، ثم أرسل السلطان، يأمر كاتب السر بإحضار مستنده، ~~فأحضره إليه يوم السبت رابع عشر شعبان، فأخذه منه، ولم ينظر فيه، ~~وقال: علمنا الحق في أي جهة. وغيبه عنه. والحال أن البلد المذكورة، ~~من جملة أوقاف مدرسة ابن أقبغا آص، وكانت قد خربت، ~~فاستبدلها كاتب السر بحكم حاكم، ونفذ حكمه على القضاة الأربع، فانظر ~~وتعجب. # وفي يوم الأحد خامس عشر شعبان زاد البحر ثلاثة أصابع، وفى بها ~~ما كان نقص، وزاد إصبعين، فصار على تسعة عشر إصبعا من ثمانية عشر ~~ذراعا. ### ||| قصة امرأة جانبك: # وفي هذا الحد أعلم جانبك، عامل جدة السلطان، أنه بلغه، أن ~~زوجته خانته في غيبته، في نفسها، فامر بحبسها، وحبس جاريتين كانتا ~~عندها، وحبس بعض من يتردد إليها، ثم أمر بتوسيطهن، فأصبحت PageV01P138 ~~المرأة ميتة، يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان هذا، فيقال: إنها ابتعلت قطعة ~~من حجر الماس. ويقال: إنها سمت، والله أعلم، ثم تحقق، أن جانبك ~~وسط ثلاثة أنفس ممن كان في خدمتها بنفسه ms026 في بيته، وأما امرأته، فإنه ~~لم يزل يقرفها؛ بأن يضع بعض أصابعه على عروق في عنقها حتى تغيب، ~~ثم يرسلها، ثم يفعل ذلك حتى ماتت، فعل كل ذلك ليلا، فأما ~~الموسطون، فإنه حفر لهم وغيبهم، وأما المرأة، فإنها كانت أولا من حظايا ~~السلطان، فكان لها صدائق من حظاياه، فخشي من أمرها فتركها حتى ~~أصبح، ودعا بالأطباء، والشهود، فنظروها، فلم يجدوا بها أثر ضرب، ~~ولا خنق ولا سبب من أسباب القتل، فكتبوا محضرا بذلك، وعرضه على ~~السلطان، ثم فشى هذا الخبر، ونفر عن جانبك كثير من أصحابه، واختل ~~عليه معظم حاله، بسبب هذه القصة، واضطغن عليه كل امرأة في بيت ~~السلطان. ### ||| قصة أهل جامع الأزهر: # وكان الأمير قراجا مملوك السلطان، وخزنداره الثاني، مجاورا لجامع ~~الأزهر مدة سنتين، وهو من متفقهي الأتراك، ومتصولحيهم، ~~فكان يسمع كثيرا من أخبار الأشرار المجاورين بجامع الأزهر، من جهلتهم، ~~ومتزوكريهم، وكان بالجامع نحو ألف نفس من المجاورين المنقطعين PageV01P139 ~~للإشغال بالقرآن، والعلم، تشتمل عليهم أربعة أروقة: رواق ابن ~~معمر، ورواق الريافة في الجانب الشمالي من الجامع، إلى جهة ~~الميضأة، ورواق المغاربة، ورواق الجبرت والزيالع واليمنيين، في ~~الجهة الجنوبية، وكان من المقرر أن مثل هذا الجمع لا يخلو عن مفسد، ~~وكان الأمير قراجا، يسمع كثيرا من أخبار شرارهم الجهلة منهم، ~~والمتزوكرين، وكان منهم شخص يقال لهك أحمد الصندلي، ينتسب ~~إلى خير وزهد وكرم، فأنكر قضية تتعلق بقراجا، فحصل بين بعض PageV01P140 ~~أتباعه، وبين أتباع قراجا من الجند وأتباعهم خصام أوصل إلى المباطشة ~~بالأيدي، فعظم عليه ذلك، ثم بعد أيام دخل شخص من الفلاحين إلى ~~الجامع، يستغيث بأهله، وكان معه نقيب، من بيت الدويدار الكبير، ~~دولات باي، ناظر الجامع، فذبوا عنه، فأراد النقيب نزعة منهم، فضربه ~~بعض أشرارهم، فلم يصل إلى شيء، فاجتمع دولات باي، وقراجا، ~~وشكوا إلى السلطان مثل هذه الحال، من المجاورين، فأمر بإخراجهم من ~~الجامع، ونقل خزائنهم منه، وإخراج كراسي المصاحف، وإخراب ~~الخلاوي التي بالجامع، وأمر بأن يقعد مجلس بالقضاة، فاجتمع القضاة ~~الأربع: الشرف يحيى المناوي، والسعد بن ms027 الديري الحنفي، والولي ~~السنباطي المالكي، والبدر محمد بن أحمد بن عبد المنعم البغدادي الحنبلي، ~~بالجامع، ومعهم كاتب السر الكمال بن البارزي، وناظر الجامع الدويدار ~~الكبير، وذلك يوم السبت حادي عشري شعبان سنة 855ه، فرأى ~~القضاة غير ما رأى السلطان، ثم طلعوا إليه، ليعلموه بما اتفق، فشرعوا ~~يصبرونه، ويسألونه الإمهال في هذا الأمر، إلى أن ينسلخ شهر رمضان، ~~فلم يفعل، وتبين منه حنق عظيم، على المجاورين، وأمرهم بمعاودة عقد ~~المجلس في الجامع، والإسراع بإخراج المجاورين. ثم نزل السلطان يوم الأحد ~~ثاني عشريه، إلى زيارة بنته، من أخت كاتب السر، وهي زوجة PageV01P141 ~~يزبك مملوكه، ثم لما خرج من عندها، لم يشك في أنه يأتي إلى ~~الجامع الأزهر، فبادر دولات باي، إلى الجامع، وفرش للسلطان، عند ~~المحراب، فلم يعرج السلطان، فصرفه الله عن إتيان الجامع، بعد أن وصل إلى ~~عطفة الخراطين، فطلع إلى القلعة، ولم يعرج عليه، ثم كف عنهم. ### ||| العاملي: # وفي أواخر يوم الاثنين، ثالث عشري شعبان هذا، مات الشيخ شمس ~~الدين محمد بن عباس العاملي، عن نحو ثمانين سنة، وصلي عليه من ~~الغد عند مدرسة ابن الحاجب في باب النصر، وحضر جنازته قاضي المالكية ~~الولي السنباطي، وأظنه الذي صلى إماما، وقاضي الحنابلة البدر ~~البغدادي، والشيخ أمين الدين الأقصرائي، وناس كثر من الطلبة، PageV01P142 ~~وغيرهم، ودفن قرب تربة الصوفية، وكان يتكسب من الشهادة، يجلس ~~في الدكان التي عند حبس الرحبة، ومن قراءة البخاري للناس، ~~والسير، وكان لا يعرف العربية، ولا شيئا من العلوم؛ فكان يلحن، ~~ويصحف، ومع ذلك فكان منسوبا إلى التساهل في شهادته؛ يشهد على ~~المزبحرين، ونحوهم، ممن يتحقق [له كذبهم] [11]، ويتناول مما ~~يأتي إلى أهل السجن، من الصدقة؛ من الأكل، والخضر، وكان يلازم ~~قراءة سيرة البكري الكذاب، حتى في جامع الأزهر، وكان يصلي ~~الفرائض، في دكان الشهود، وليس بينه وبين المسجد، إلا الطريق، ~~والناس يمرون قدامه، إلى غير ذلك من أشياء لا تليق، فلذلك لم آخذ ~~عنه شيئا، ولا غالب أصحابنا، مع أنه كان قد سمع على العزيز المليجي وغيره ~~وأخذ ms028 عنه بعض المتهافتين سنة أربع وخمسين لغرض فاسد. ### ||| قصة ناظر الخاص: # وفي يوم الثلاثاء رابع عشري شعبان هذا، وقف المماليك ~~الأجلاب، للقاضي ناظر الخاص، في باب القلعة، ليطلبوا منه الزيادة PageV01P143 ~~في كسوتهم، وكان لكل واحد من الأجلاب ألف درهم فلوسا بثلاثة دنانير ~~ونصف، ولكل واحد، من الخاصكية، ألف وخمسمائة، ويقال: إن ~~بعضهم رجمه، فرجع إلى السلطان، فخرج السلطان ماشيا، حتى وصل ~~إلى المكان الذي يفرقون فيه عليهم ثمن الكسوة، فتفرقوا قبل أن يأتيهم، ~~فجلس هناك، وطلبهم، فلم يأت أحد منهم، فذهب، واستمر ناظر ~~الخاص إلى أن تفرقوا في وسط النهار، فنزل إلى بيته، ثم طلع يوم الأربعاء ~~خامس عشريه، قبل آذان الصبح، قبل أن يجتمعوا له، ثم كشف امرهم، ~~فإذا هم قد اصطفوا له، من باب المدرج، إلى باب الوزير، فخرج ~~السلطان ماشيا إلى باب القلعة، ثم أرسل إليهم بعض الأمراء، من مماليكه، ~~فدار الكلام بينهم، وطالت المراجعات، إلى أن رضوا بأن كل من له شيء ~~يضعف له؛ فالخاصكية بثلاثة آلاف، كل واحد، ومن دونه بألفين، ~~وأمر السلطان بأن يقبضوا في ذلك الوقت، فأبوا إلا في غد، وفي الغد، PageV01P144 ~~وهو يوم الخميس سادس عشري الشهر، أظهر ناظر الخاص، أنه مريض، ~~فلم يركب، وأرسل من ينفق على الجند، فأما الأجلاب، فأبوا أن ~~يقبضوا، حتى يعطى كل واحد منهم مع ذلك خمسين دينارا، وادعوا أنه ~~كان وعدهم بها، إن أزالوا أبا الخير النحاس، وأما غيرهم فقبضوا، ثم ~~قبض الباقون، وسكنت ثائرتهم. # وفي هذا الحد تزاحف عرب الشرقية من سعد، ووائل، فقتل بينهم ~~نحو خمسين نفسا، وكان غالبهم من وائل، وكانوا هم الباغين، المبتدئين. ### || ### ||| عزل الباعوني: # وفي يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان سنة [855ه] هذه شكى ~~شخص شريف عجمي كحال من الجمال يوسف بن الباعوني، قاضي ~~دمشق الشافعي، أنه منعه الاسترزاق بصنعة الكحل بدمشق، وكان السلطان ~~يبغضه؛ لعدم افتقاده بالهدايا، فعزله، وولى السراج عمر الحمصي، ~~المجمع على قلة علمه ودينه، وخلع عليه يوم الخميس رابعه، وكتب ~~معه مراسيم بالكشف عن الباعوني، ومحاسبته على ms029 التركات التي تولى عليها، ~~وأخرجت عن الحمصي الصلاحية وأعيدت إلى الجمال بن جماعة، PageV01P145 ~~ثم جاء الخبر، أن هذا الشريف العجمي، حصل منه في مباشرة الكحل، ~~ما أوجب المعرفة بجهله بذلك، فأجمع فضلاء الشام، على أنه لا يحل تمكينه ~~من عيون الناس، فمنع، وأما في القاهرة فإنه كان له أمر عجيب، وذلك ~~أن الشيخ علي المحتسب العجمي، ادعى أن له نحوا من عشرين سنة لا ~~يبصر بإحدى عينيه شيئا، وأن هذا الشريف قدحها، فأبصر بها، ~~وسمعته يذكر في كيفية قدحها، قصة غريبة، لكن لم يبلغني أنه ظهر له ~~أثر في غير عين المحتسب، وكان المحتسب يبغض ابن الباعوني، فأورث ~~ذلك عندي ريبة في ذلك، والله أعلم. # وداع منادي البحر ~~وفي هذا التاريخ، وهو أوائل بأنه، من شهور القبط، نودي على ~~البحر، أنه ثبت على ثمانية أصابع، من تسعة عشر ذراعا، وأن الزيادة ~~المعتبرة انتهت، ولم يبق إلا صبة بابه، ولا عبرة بها؛ لأنها مما يتراجع إلى ~~البحر من الأراضي المغمورة بالماء، لكن الذي لم يشك فيه أحد، أنه قارب ~~العشرين، وإنما منع ظهور الزيادة، استعجال الناس في أعلى الأرض، ~~وأدناها، بقطع الجسور، وفتح الترع، قبل الميقات؛ خوفا من مثل ما ~~وقع في العام الماضي، وذلك أنه نقل عن أهل كل ناحية أنهم قالوا: لم ~~نر مثل الماء في الكثرة في هذا العام. ### ||| ولاية ابن الزهري لحلب: # وفي هذا الحد أيضا، أعيد ابن عز الدين، إلى قضاء طرابلس، ~~وولي ابن الزهري، قضاء حلب، عن ابن الخزري. PageV01P146 ~~وفي وسط هذا العام، مات صاحب ينبع الشريف هلمان ابن وبير ~~(بالموحدة مصغرا) الحسني (مكبرا)، وولي عنه سنقر، بواسطة ~~الشرف الأنصاري، وأظن قصته كانت في أحد الربيعين، أو الجماديين. # ثم مات أميان (بالتحتانية مصغرا) الحسيني (مصغرا) صاحب ~~المدينة وولى عنه قريبة زبيري (بزاي وموحدة مصغر وفي آخره ياء ~~نسبة). # وفي يوم الأحد رابع عشر شهر رمضان سنة [855ه] عقد مجلس ~~بالقضاة عند السلطان، بين القاضي كاتب السر، وبين بنت الملك الظاهر ~~ططر؛ بسبب قرية زبد من ms030 بلاد حماة، فأعلم القاضي الشافعي ~~السلطان أنه ليس لها عند القاضي كاتب السر حق، وأن حدود الأرض ~~التي في مستندها لا تطابق حدوده، فرسم السلطان بأنه يشتري منها أرضها ~~ففعل. ### ||| سفر الوالي: # وفي العشرين من رمضان هذا سافر جانبك الساقي والي الشرطة في PageV01P147 ~~البر إلى الجون، من نواحي أنطاكية؛ ليقطع خشبا، وتعمل منه ~~سفنا ويحمله فيها. ### ||| ولاية السوبيني طرابلس: # وفي يوم الأربعاء، رابع عشري رمضان هذا، عزل السلطان ابن عز ~~الدين من قضاء طرابلس، وولاها البرهان السوبيني. ### ||| قدوم ابن سليمان: # وفي هذا اليوم، أقدم محمد بن سليمان بن عبد القادر، شيخ جبل ~~نابلس، مضيقا عليه، فأمر به إلى سجن الإسكندرية، مقيدا، واستمر في ~~القيد إلى أوائل سنة ثمان وخمسين. ### ||| موت التاج البلقيني: # وفي يوم السبت سابع عشري شهر رمضان هذا مات PageV01P148 ~~القاضي تاج الدين محمد بن قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن ~~شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، وصلي عليه يوم الاثنين ثامن ~~عشريه، في جامع الحاكم، ثم ذهب به من سوق مرجوش، إلى قرب ~~القنطرة، فدفن في زاوية هناك، وخلف أولادا عدة، افضلهم أبو ~~السعادات محمد، ثم علاء الدين علي، وكان خيرا، ساكنا، ~~وقورا، عاقلا، لم يكن في أقاربه في ذلك مثله. ### ||| موت نائب صفد: # وفي هذا الحد مات بصفد نائبها يشبك الحمزاوي، فورد خبره في ~~أوائل شوال، وولي نيابتها مكانه الأمير بيغوت، الذي كان نائب PageV01P149 ~~حماة، وهرب إلى بلاد جهنكير بن قرالوك، ثم رجع في هذه السنة، ~~ورضي عنه السلطان، ثم تحرر، أن موت نائب صفد، كان بعد عصر ~~يوم الجمعة سادس عشري شهر رمضان. ### ||| موت ابن التفا: # ومات بالقاهرة، في هذه الساعة، من هذا اليوم، الحاجب الثاني ~~لمدينة حلب، ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن حسن البابي الحلبي المعروف ~~بابن التفا، بفتح الفوقانية، ثم فاء مقصورة، وكان من أصدق الناس، ~~لنائب صفد، فكان ذلك من عجائب الاتفاق. ### ||| موت ابن الشيخ حسن: # وفي هذا الحد جاء خبر محمد بن الشيخ حسن إستدار السلطان ~~بدمشق أنه مات بها ms031 عن غير وارث. ### ||| نفي العبيد: # وفي هذه الأيام قيل: إن السلطان يريد أن ينفي العبيد الزنوج، ونادى، ~~أن من كان عنده عبد، يطلع به إلى السلطان، فيأخذ ثمنه، فطلع إليه ~~جماعة بثلاثين عبدا، فاشتراهم، بثلاثمائة دينار، ثم طلع إليه في غد ذلك ~~اليوم ناس آخرون، فاستدعى عبدا منهم، فقال له: اقرأ الفاتحة. فقال: ~~لا أحسنها. فضرب مولاه، فهرب الباقون، وانتهى الناس، عن الطلوع ~~إليه بالعبيد، فأرسل من قبض على بعض العبيد، ثم كف عنهم. ### || # وفي يوم الخميس تاسع شوال هذا، وهو في سنة خمس وخمسين وثمانمائة ~~نادى المنادي عن السلطان، بأنه لا يبقى في القاهرة غريب، إلا رجع إلى ~~بلاده ثم لم يسمع أحد هذا القول، ولا ظهر له فائدة. ### ||| ولاية أبي السعادات قضاء العسكر: # وفي يوم الاثنين ثالث عشر شوال هذا، لبس أبو السعادات بن التاج ~~البلقيني خلعة قضاء العسكر، عن أبيه. PageV01P150 ~~وفي يوم الخميس سادس عشر شوال هذا، خلع على القاضي حميد الدين ~~البغدادي، المشهور بابن أبي حنيفة، بولاية قضاء الحنفية بدمشق. ### ||| نيابة القدس: # وفي هذا الحد عزل عمر شاه، عن نيابة القدس، ووليها فارس دويدار ~~طوغان العثماني، الذي كان نائبها. ### ||| قصة تمراز في أخذ اليمن: # وكان تمراز الأحول، لما أخذ المال، الذي جمعه من مكس ~~جدة، قصد به ناحية الهند، كما تقدم، فوصل إلى بعض بلادها، إلى ~~مملكة بعض الكفار السمرة، فبلغه أن المال، الذي مع تمراز، لصاحب ~~مصر، وأنه هرب به، فأحضره، وسأله عن البضائع، التي يطلبها، ثم ~~أحضرها إليه، فلما تجهز أمره أن يرجع إلى مصر، فأقبل راجعا، فلما PageV01P151 ~~حاذى اليمن نزل بها، فوردت مكاتباته في نصف شوال سنة 55، أنه ~~لما طلع إلى بلاد اليمن وجد أهلها مختلفين على ملكهم، وقد طالت ~~منازعاتهم، فاقتضت آراؤهم الاجتماع عليه، لقطع تلك الحروب، ~~ففعلوا ذلك، وولوه اليمن، وان الواصل منه إلى السلطان خمسمائة تكرة من ~~الفلفل، وأنه سيجهز بعدها خمسمائة أخرى، وطلب من السلطان أن ~~يرسل له خلعة، ليكون نائبه على اليمن، فكانت هذه القصة - إن ~~صحت - من ms032 أغرب ما سمع به في تاريخ، والله المعطي لا رب غيره، ولا ~~معتمد سواه. فأجيب بأن الخلعة جهزت إلى جدة، فإن أرادها، فليتجهز ~~ليلبسها هناك. وتبين أنه لم يأخذ اليمن، وإنما كان مراده بذلك إقامة ~~جاهه، وقطع أطماع الناس عنه. ### ||| سير الحجاج: # وفي ليلة الثلاثاء، حادي عشر شوال هذا، رحل ركب الحجاج ~~الأول، وأميرهم عبد العزيز بن محمد الصغير (بالتصغير مثقلا) وفي ليلة ~~الأربعاء ثاني عشرية، رحل المحمل، وأميرهم سو نجبغا، صهر ~~السلطان، وكاتب السر، وكان الحجاج في هذا العام قليلا جدا، ~~بحيث أنه لا يتوقف ذو تدبير في أن الأليق، أن الركبين كان ينبغي أن يكونا PageV01P152 ### ||| قصة القسيس الفرنجي الذي أسلم: # ركبا واحدا، وأنهم يخشى عليهم بالفرقة من العربان، وذهب مع ~~سو نجبغا، شخص من مسلمة الفرنج، الذي بنواحي الأندلس، من مدينة ~~يقال لها... سمي حين أسلم، إسماعيل، وقصته من أغرب القصص؛ ~~وذلك أنه طلب علوم النصارى، فقرأ الكتب السماوية؛ الإنجيل وغيره، ~~ففتح عليه، حتى صار يتكلم بلسان الوعظ، وزهد في الدنيا، وأحب ~~العلم، فحصل له قبول عظيم، ورفعوا منزلته، حتى صار من أماثل ~~قسيسيهم، فحمله ذلك على تطلب غرائب الكتب، لاسيما الكتب ~~السماوية، فتكررت على مسامعه الآيات المبشرة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ ففاوض ~~بعض من يعرف علمه وديانته في ذلك، فنهاه عن الفحص عنها، ~~فألح عليه، فاعترف له بأن هذا المبشر به، هو محمد الذي يدين المسلمون ~~بشريعته، فساله، عن سبب إخفائه لذلك، فأخبره أنه الخوف على ~~نفسه، فاراد التثبت في ذلك؛ فارتحل إلى علمائهم، وتغلغل في بلادهم، ~~حتى وصل إلى رومة المدائن، واجتمع برئيس جميع النصارى، الذي يقال ~~له: البابا، فلزمه للتعلم والخدمة، حتى اختص به، وعظمت منزلته ~~عنده، وهو مع ذلك ملازم للوعظ، والناس مقبلون عليه، حتى كثرت ~~أتباعه، ثم سأل البابا عن تلك البشائر، فنهاه عن الخوض فيها، فالح ~~عليه، إلى أن اعترف [13] له بما اعترف به الأول، من أن المراد بهذه ~~البشائر، محمد العربي، وأن دينه هو الحق، وما عداه باطل، وأن ms033 المانع ~~له من إظهاره، الخوف على نفسه، وأنه لا يموت إلا عليه، وأن البابا ~~الذي كان قبل عليه مات، فاستشاره في اللحاق ببلاد الإسلام، فقال له: ~~إن قدرت فافعل. فأخذ في الرجوع إلى بلاده، فعرض عليه من الدنيا، ~~من الملوك، والعظماء، والتجار، ما يرجو عليه حسن الجزاء، في ~~الآخرة، فأعرض عنه، ولم يقبل لأحد شيئا، وتبعه من النصارى خلائق، PageV01P153 ~~وهو مع ذلك ملازم للوعظ، والتذكير، وكلما وصل إلى بلد زادت ~~أتباعه، وارتفعت بينهم رتبته، وزاد إلحاح الناس عليه بالدنيا، وهو يأبى ~~ذلك فيزيد إعراضه الناس عليه إقبالا، حتى وصل إلى بلدة، ثم قصد ناحية ~~الأندلس، حتى وصل إلى قرطبة، وهي الآن في مملكة..، فاجتمع ~~به واستشاره في الدخول إلى بلاد الإسلام ليذكرهم بالله، ويبصرهم في ~~الدين، ويفعل فعل الحواريين، فهو على إحدى الحسنيين، إما أن يهتدوا ~~على يده، وإما أن يصلبوه، كما صلب غالب الحواريين، وكان من المقرر ~~عند جهلة النصارى، أن المسلمين جهلة، لو حصل لهم من يذكرهم، ~~ويحسن في ذلك، رجعوا عن الإسلام، فأذن له، فأراد أتباعه، وهم ~~نحو عشرة آلاف رجل القدوم معه، فمنعهم، ومكن نحو خمسمائة رجل، ~~ممن يثق بكمال محبته له، واعتقاده فيه، فوصل بهم إلى أول حصون ~~المسلمين، من الأندلس، فلما قربوا من الحصن، استعد أهله للمحاربة، ~~فأرسل واحدا من أتباعه، يطلب الاجتماع بأمير الحصن، فاجتمعا ~~مفردين، فأعلمه بقصته، وشهد شهادة الحق، فأطلعه إلى الحصن، ثم ~~أمر أصحابه أن يقفوا له تحت برج من أبراجه، بحيث يسمعون كلامه، ~~فأطل عليهم، ووعظهم، وذكرهم، وسألهم كيف يعرفون حاله PageV01P154 ~~ونصحه؟ فاعترفوا بما يعرفون من ذلك، فقال: إني لم آت إلا هربا بنفسي ~~من النار، فمن أراد الجنة فيطلع متابعا لي على ما أنا عليه، ومن أراد النار، ~~فليرجع، فإن دين الإسلام هو الحق، وما عداه باطل. قال: فوجموا ~~ساعة، ثم ذهب منهم نحو عشرين نفسا، راجعين إلى بلادهم، واستمر ~~الباقون ساكتين، ثم قالوا: نحن لك تبع، فإنا قوم جهال، وقد رضيناك ~~حجة فيما بيننا، وبين الله. فقال: ms034 أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله، وأن ما سوى ذلك باطل، فقالوا: ونحن كذلك. ففتح لهم ~~باب الحصن، وصعدوا رافعين أصابعهم شاهدين شهادة الحق، فكان يوما ~~مشهودا، ثم إن صاحب ذلك الحصن، كتب بذلك الخبر إلى ملك ~~الأندلس، ثم قدم إليه إسماعيل بمن معه، فسروا بلقائهم، غاية ~~السرور، وعرض صاحب الأندلس على إسماعيل المقام عنده، وأن يرتب ~~له ما أحب، من الدنيا؛ نقدا، وطعاما، وآلات. فقال: لا بد لي من ~~الحج، وزيارة النبي، الذي تابعته، فجهزه إلى من يليه من الملوك، ومن ~~يليه إلى من يليه، وكل ملك، قدم عليه، يبالغ في إكرامه، وملاقاته ~~بجنده، إلى أن قدم إلى بجاية، فكتب معه والد الشيخ أبي الفضل، ~~الإمام العلامة، الزاهد، أبو عبد الله محمد بن العلامة الزاهد أبي القاسم ~~محمد المشدالي إلى من يقدم عليهم، من أكابر المسلمين، ما PageV01P155 ~~صورته...، فقدم بكتابه إلى تونس، فأكرم غاية الإكرام وكتب معه ~~إلى صاحب مصر، الملك الظاهر جقمق، فحصلت له في الطريق، في ~~بعض سواحل برقة، مصيبة أذهبت جميع ما جهزه به هؤلاء الملوك، ~~وقدم إلى الإسكندرية، ليس معه شيء، ثم إلى مصر، فاجتمع بشيخنا، ~~نادرة الدهر، وعلامة الأنام، أبي الفضل محمد بن الإمام أبي عبد الله محمد ~~بن المشدالي البجائي، وحدثه بقصته، وأراه كتاب أبيه، وهو الذي ~~حدثني حديثه، فقابله بما يليق به، من الإكرام، وذكره لكاتب السر، ~~القاضي كمال الدين محمد بن الناصر محمد بن محمد بن البارزي الجهني ~~الحموي الشافعي، فذكره للسلطان. وكان من مشكلات الدهر في أفعاله ~~عطاء، ومنعا، وغير ذلك، فأمره بإقدامه عليه، ففعل فوقف له، ~~وعانقه، وأوصله من الكلام، إلى أقصى ما يؤمل، ثم وقف به شيطان ~~همته هنالك، فلم يأمر له بشيء من الدنيا، والحال أنه ربما أعطى بعض ~~من لا نفع به في دين، ولا دنيا، من آحاد التركمان عشرة آلاف دينار، ~~وأما إعطاؤه الألف وما قاربها، لمثل أولئك فكثير، فكساه كاتب ~~السر، وأعطاه ما ينفقه وطيب خاطره، فحصل له قبل ms035 تجهز الركب ~~مرض، فلما جاء وقت الرحيل عرض عليه أن يقيم خوفا من زيادة مرضه ~~بحركة السفر، فأبى إلا السفر، وإن مات في الطريق، فجهزه القاضي، ~~مع صهره، أمير الحاج، وأوصاه به، وأوصى زوجته، وهي أخت PageV01P156 ~~القاضي، وأكد عليها، وكذلك جماعتهم، فحملوه معهم، وأخبروه ~~بسرورهم به، وأمروه بأن يرفع إليهم جميع ما يحتاجه، والله تعالى ~~المسؤول، بأن يلطف به، ويحسن إليه. ### || # وفي يوم الأربعاء سادس ذي القعدة سنة خمس وخمسين، عقد لابن ~~محاسن مجلس؛ بسبب أولاد الحموي، فاعترف، بأنه وضع يده على تركة ~~أبيهم، وأنه قريب عشرين ألف دينار، وادعى، أنه أورد أكثرها إلى أبي ~~الخير، فطلبه السلطان، يوم السبت تاسع ذي القعدة سنة 855، ~~وسأله عنها، فأجاب، بأنها وصلت إلى أبي الخير، فضربه نحو أربعمائة ~~عصى، ورده إلى المقشرة في زنجيره ورتب لأولاد الحموي علي ~~الذخيرة، في كل يوم دينارا، وعجل لهم بثلاثمائة دينار، وستين دينارا ~~عن سنة، وكان القاضي صلاح الدين خليل بن السابق الحموي ~~الشافعي كاتب السر بدمشق، قد وصل إلى القاهرة يوم الجمعة ~~ثامنه ليطلب من السلطان رزقا يصرفه إلى موقعي الإنشاء بدمشق؛ ~~لأنه كان لهم مرتب على مكس المصبغة، فأبطل بواسطة ناظر الخاص PageV01P157 ~~بالقاهرة؛ لإنتماء القاضي صلاح الدين إلى القاضي كمال الدين بن ~~البارزي، صاحب ديوان الإنشا بالقاهرة، وغض ناظر الخاص ممن ينتمي ~~إليه، فيقال [أن] القاضي صلاح الدين، كان يقترض على ذمته، ~~ويعطي الموقعين فكان من المناقلات الابتدائية، أن أخرج السلطان في هذا ~~اليوم بلدا يقال لها سبرباي تحت نظر القاضي كاتب السر الكمال بن ~~البارزي يرصده لموقعي الإنشاء وبعض الأطباء، أخرجها عن نظره، ~~ودفعها إلى قواليح بن العفيف، رئيس الأطباء بالمرستان المنصوري ~~بالقاهرة. ### ||| قصة قواليح: PageV01P158 # وفي هذه الجمعة نسب بنو حرمى إلى قتل قتيل؛ وذلك أنه لما وقع ~~لهم مع الشريف الفاضل عبد الوهاب بن أبي بكر السلطي الشافعي ما ~~تقدم. من إخراجه من الحجازية، ظلما، وعدوانا، وكانوا سلطوا ~~عليه عبدا لهم ليقتله، وتكلم بذلك ورشوا الوالي، فانقلب عليه، فلما ~~ظفروا به، ساء ظفرهم، ms036 واشتد بطرهم [وحدثت] منهم أمور، ~~يطول شرحها، فقوبلت بالصبر الجميل، والاعتماد على الحق الوكيل، ~~فانتصر لنا، إذ خذلنا كل أحد، حتى أعز الأصحاب، انتصارا ما كنا ~~نقدر على شيء منه؛ وذلك أنه حملهم إعجابهم، على أن سكنوا على البحر ~~للفرجة، فانتهزت خادم أحدهم فرصة غيبته عن البيت، فكانت كلما ~~أرسلوها إليه، لتأتيهم بحاجة فتحت صندوق المال، وأخذت ما شاءت، ~~ودفعته إلى من تريد، إلى أن اكتفت، ثم ذهبت بنفسها، فلم يقفوا لها ~~على خبر، ويقال: إن القدر، الذي أخذته، ألف دينار، وانكسر مدين ~~للآخر، في نحو ألف دينار، فكانوا في مصيبتين؛ أحدهما ذهاب المال، ~~والثانية، كتمانه؛ خوف الشماتة بهم، وأن يسأل عن سبب هذا المال ~~الكثير، وكان قد نقل، عن عبد لهم، أنه قال: أصل هذا المال الذي ~~مع سيدي مني؛ وذلك أنه لما نهب العوام قصاد شاروخ بن تمرلنك في ~~سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، كنت أول داخل عليهم، وكانوا في القصر PageV01P159 ~~الذي إلى جانب الحجازية، فأخذت صندوقا، وأتيت به إلى سيدي، فإذا ~~هو مملوء ذهبا، وفيه ثماني جواهر حمر، كل واحدة منها قدر البندقة، ~~كأنها حمرة نار في موقدها وإشراقها، ثم طال عليهم الأمر، فأظهروا ذلك ~~في شوال هذه السنة، فلم يحصل الذي كسر صاحبه ماله على غير ~~التعب، وأما رب الجارية، فإنه وقع في خطته عبد لبعض بني ظهيرة بإفساد ~~جاريته، وأخذ مال منها، وحبس لأجل ذلك، فحملهم البخل، وقلة ~~الدين على إتهامه بجاريتهم، ورشوا الوالي على ضربه، فضربه، فأنكر ~~ذلك، فكرروا عليه الضرب حتى ضربوه على ركبه، فمات في هذه ~~الجمعة، فسقط في أيديهم، وطارت أفئدتهم، واتفق أن كان ميعادي ~~في تلك الجمعة في قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا}[النور:55] وذلك اتفاق غريب، مع الاتفاق في ~~وقت إخراج الشريف، أن يكون الميعاد في قوله تعالى: {الذين أخرجوا ~~من ديارهم بغير ms037 حق} [الحج: 40] كما تقدم، وذلك أني أفسر القرآن متواليا، ~~فسبحان الله، ما أعظم شأنه، وأعز سلطانه، وأعلمه بالعواقب، وله ~~الحمد على ما بشر به، فإنا لنرجوا فوق ذلك مظهرا. # وفي يوم الاثنين حادي عشر ذي القعدة المذكور، وصل جندي من ~~حلب يسعى في إقطاع ناصر الدين بن التفا الحلبي، الذي تقدم موته ~~بالقاهرة، في رمضان، ومع هذا الجندي مكاتبات، من نائب حلب، ~~بالوصية عليه، فغضب السلطان على نائب حلب، لمكاتبته في PageV01P160 ~~إقطاع من مات بالقاهرة، ومن المعلوم أن السلطان لا يترك النظر في ### ||| قصة دولات باي: # ذلك ساعة موت من خلف الإقطاع، فعين دولات باي الدويدار الكبير، ~~لنيابة حلب، فبالغ دولات باي في الاستعفاء من ذلك، والترقق، بادعاء ~~العجز، والضعف، وأصر السلطان على ما أمر به، ثم رجع. ### ||| قصة رزمك: # وفي هذا اليوم غضب السلطان على شخص من الجند، يقال له: ~~رزمك، كان من المقربين عنده، وكان ممن يضحكه، فأمر بنفيه إلى ~~طرسوس، ثم شفع فيه قانباي الشركسي، أمير آخور، فترك، فشفع في ~~نائب حلب فأبقي، واستقر دولات باي على حاله. ### ||| ابن الباعوني: # وفي هذا الحد، وردت كتب نائب الشام، أن ابن الباعوني، قاضي ~~دمشق حوسب كما برزت به المراسيم الشريفة، فلم يظهر في جهته ~~درهم واحد، وأن جميع مباشري الأوقاف التي تحت يده برأوه غاية ~~التبرئة، وأخبروا: أنه لم يتناول معاليمه، فضلا عن غيرها، وكتبت بذلك ~~محاضر، وجاء كتاب الحمصي، بأن الشاميين تعصبوا عليه، خوفا من ~~عود الباعوني؛ لتمكنه بأنواع التمكن، فأمر السلطان أن يؤتى ~~بالباعوني، وجميع مباشري الأوقاف إلى القاهرة. PageV01P161 ### ||| موت ابن إينال: # وفي يوم الثلاثاء سابع عشري ذي القعدة، مات الأمير شهاب ~~الدين أحمد بن إينال، أحد الأمراء الكبار بالقاهرة، وابن أستاذ ~~السلطان، وكان معظما عنده جدا، وأعطى السلطان إقطاعه وإمرته ~~لتنبك، الذي كان حاجب الحجاب. # وفي هذا اليوم سجن السلطان بيبرس بن بقر، الذي كان أمير ~~عرب الشرقية من غير سبب يعلم، غير بغضه له قديما، في المقشرة ثم ~~نقله إلى برج من أبراج القلعة، وضيق ms038 عليه أشد التضيق، ومنع من أن ~~يجتمع به أحد. PageV01P162 ### ||| رسول ابن عثمان: # وفي يوم الأربعاء [ثامن] عشري ذي القعدة سنة ~~855ه، قدم رسول من عند الملك محمد بن الملك بايزيد بن مراد ~~ابن أورجان بن عثمان، ملك بلاد الروم بهدايا للسلطان، وعلى يده ~~مكاتبات فيها الإعلام بموت أبيه وولايته، وطلعوا إلى السلطان يوم الخميس ~~تاسع عشريه، فقبلت هداياهم، وهي مماليك وسمور وغير ذلك، ~~وأجريت عليهم المرتبات، لأكلهم وشربهم وعليق دوابهم وما يصلحهم، ~~وكان السلطان الظاهر أرسل إلى ابن عثمان رسولا يسمى [أسنباي] ~~يعزيه، فوجده رسول ابن عثمان في الطريق. # وفي هذا العام، عم الظلم وتزايد، وزاد تضرع الناس إلى ربهم في ~~أن يكشف ما بهم، لاسيما والأقوات غالية، والأسعار عالية، والأرزاق PageV01P163 ~~قليلة، والناس في جهد كبير، فانتقل من جبل نابلس أهل قرية كاملة ~~مسلمون إلى قبرس، ثم كتبوا كتابا إلى ناس ممن يعرفهم: إننا آمنون لا ~~نظلم، ونظهر ديننا لا نخاف، وما كنا في نابلس إلا في بلد الفرنج، وأما ~~الآن فنحن في بلاد المسلمين، فكانت من أعاجيب الأقاصيص. ### || # وفي يوم السبت مستهل ذي الحجة، من السنة، شفع في بيبرس بن ~~بقر، الشيخ كمال الدين بن الهمام الحنفي، فأطلق. ### ||| قتل تمراز: # ووردت مكاتبات، من بركات بن حسن بن عجلان، صاحب ~~مكة، بأن تمراز الأحول، قتل ببلاد الحديدة (بالمهملة مصغرا ~~مثقلا) وأسفرت العاقبة عن كتابه السابق، كان عما أمله، لا ~~عما وقع له؛ وذلك أنه أرسى في البحر بنواحي الحديدة، فاجتمع به ~~شيخها، واستعان به على أعدائه، وهم سكان أبيات حسين، ففعل، ثم ~~إن سكان أبيات حسين قصدوهم، فقتلوه وشيخ الحديدة، وجماعة معه، ~~وكان المال الذي هرب به إلى الآن في البحر، فأعلم بركات بذلك، وجهز ~~من يأتي به، فكان ذلك من أغرب ما سمع به. PageV01P164 ### ||| رجوع جهنشاه: # وفي هذا الحد، وردت مكاتبات نائب ملطية وغيره، أن جهنشاه ~~رجع عن بلاد جهنكير؛ وذلك أن السلطان جقمق، لما رد أم جهنكير ~~عن الإتيان إليه انكسرت شوكة جهنكير، وتقطعت حباله، وطال على ~~جهنشاه ms039 المقام، وكأنه حدث له شيء في أطراف بلاده، من نواحي ~~الشرق، فأرسل إلى مقدم عساكره رستم، أن يحتال على صلح جهنكير، ~~ويرجع، ففعل، فإذا جهنكير راغب في ذلك، فأرسل إليه أمه، وبعض ~~حريمه، ووقع الصلح، على أن يخطب في بلاد جهنكير باسم جهنشاه، ~~ويضرب الدرهم والدينار باسمه. ### ||| موت العيني: # وفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة، سنة خمس وخمسين مات قاضي ~~القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي بالقاهرة، عن نيف وتسعين ~~سنة، وصلى عليه قاضي الشافعية الشرف يحيى المناوي بجامع الأزهر، ودفن ~~بمدرسته، بجوار بيته، أمام الجامع، وخلف ولدا جاهلا، فأخذ PageV01P165 ~~تدريسه للحديث بالمؤيدية، التقي عبد الرحمن بن القطب ~~القرقشندي، بواسطة أزبك صهر السلطان، وجوهر الساقي رأي ~~نوبة الطواشية، وكان له في الجوالي عشرة دراهم فضة ونيف، ~~بمائتي درهم وخمسين درهما فلوسا، فأعطى ابنه منها مائة، وسأل السلطان ~~في أن يعطي الشيخ قاسم الحنفي فقيه ولده خمسين، والشيخ أبا الفضل PageV01P166 ~~المغربي خمسين، فأبى، وقال: هذه توفر؛ فإن ناظر الجوالي الشرف ~~التتائي، يشكو من قلة الجوالي، بالنسبة إلى المرتب عليها. # وفي يوم عرفة طلع أعوانا لوالي، وهم الجبلية، إلى السلطان، فطلبوا ~~منه ضحية، فأعطاهم ستين دينارا. وطلع إليه في هذا اليوم شخص ~~بمصحف ربعة ببيت وجلود حسنة، فأخذها منه، واستدناه حتى ألصقه ~~إليه، ثم ضمه إليه، وقال لهك أنت أخونا، وصاحبنا، وأنت رجل جيد، ~~ولم يعطه شيئا. ### ||| قصة الشرف الأنصاري: # وكان القاضي الشافعي شرف الدين يحيى المناوي، يغض من ناظر ~~الخاص، الجمال يوسف بن كاتب جكم، ويصرح باستنقاصه في المجالس، ~~وكان يمالئه على ذلك الشرف الأنصاري، وكان الجمال المذكور أعقل ~~القبط، بل وجميع المباشرين، فاستمر ساكتا، يترقب الفرص، حتى ظفر ~~للأنصاري بعورة فظيعة، تضع منه؛ وذلك أن السلطان كان خطب خوند ~~بنت الملك الظاهر ططر، فامتنعت من زواجه، ولم يجسر بعد ذلك أحد ~~على خطبتها، وكان الأنصاري، ينسب إلى معاشرتها، ثم إنه تورع في ~~رمضان هذه السنة، فتزوجها سرا، فلم يخف ذلك، فلم يزل ناظر ~~الخاص يحتال بأعوانه، حتى أعلم السلطان ذلك، ms040 فسأل الأنصاري عنه، ~~فأنكر، وقال: كل امرأة لي سوى فلانة - لامرأة غيرها - طالق فطلقت ~~بنت ططر، وكأنها كانت تحبه، فلما بلغها ذلك عزمت على شكواه إلى ~~السلطان، وسمع هو ذلك، وسلط عليه ناظر الخاص من سعى في وظائفه، ~~فسعى يوسف شاهن معلم البنائين في نظر جامع عمرو، وقواليح بن PageV01P167 ~~العفيف، رئيس الأطباء في نظر المرستان، وغيره في غير ذلك، فاشتغل ~~بهمة، وكن هو الذي يتعصب للشافعي، وحسن للسلطان أن يعطى ### ||| أوقاف دمياط: # نظر الأوقاف بدمياط لنائبها بيغوت في أواخر العشر الأوسط، من ذي ~~الحجة، فلم يزل الشافعي يحتال إلى [أن] نزل السلطان عن مراده ~~درجة، وذلك أنه بادر إلى عزل قاضي دمياط، أبى البقاء بن كميل، ~~وسأل أن يرسم، بأن لا يكشف النائب عن الأوقاف، ولا يتكلم في شيء ~~منها، إلى أن يحضر إلى دمياط، القاضي الذي سيوليه، فأجيب وكتب ~~له مرسوم بذلك، وجهز مع ساع في يوم السبت ثاني عشري ~~ذي الحجة، وهو استنزال لطيف. # وهو الذي اليوم وصل الجمال الباعوني قاضي الشافعية بدمشق. # وفي هذا الحد وصل أسنباي، رسول السلطان إلى ابن عثمان. # وفي هذا الحد وصل المبشر، من عند الحجاج وذكر أن الأسعار ~~بالحجاز مرتفعة. PageV01P168 ~~وفي يوم الاثنين رابع عشري ذي الحجة، لبس الشرف الأنصاري خلعة ~~باستمراره على وظائفه، فيقال: أنه بذل للسلطان عشرة آلاف دينار. ### ||| سفر قاصد ابن عثمان: # وفي هذا اليوم سافر رسول ابن عثمان، ويقال: إن راتبه كان على ~~السلطان في كل يوم مدة إقامته، مائة دينار، وأنه أعطاه حين ساعة تجهز ~~للسفر ثلاثة آلاف دينار، وسيفا، من سيوف قدماء آل البيت، فسرق ~~منهم اللصوص في نواحي الصالحية أمتعة، منها هذا السيف، ~~فزاد غضب السلطان من ذلك، وألزم محمد بن عجلان أمير عرب جذام ~~بتحصيل اللصوص. ### ||| موت عبد الكريم القرقشندي: # وفي ثامن ذي الحجة، مات الشيخ زين الدين عبد الكريم بن عبد ~~الرحمن القرقشندي بالقدس الشريف، وكان محدثا، فقيها، مشاركا في ~~الفنون، لم يكن في بني القرقشندي وفي زمانه مثله. PageV01P169 ### ||| الشريف عفيف الدين: # وفي ms041 أول أيام التشريق، مات الإمام، العالم، الزاهد، العارف، ~~الشريف الحسيني الإيجي الشيرازي الشافعي، صهر الخطيب أبي ~~الفضل، بمعنى، وكان مريضا قبل ذلك، لكنه تجشم مشقة السير، ~~والوقوف، ولم يكن في عصره مثله، إلا أخوه الإمام صفي الدين. # وفي يوم الخميس سابع عشريه، وصل السراج الحمصي قاضي الشافعية ~~بدمشق، ومباشر الأوقاف بها البدر بن المغربي، والشمس العدوي، ~~والبرهان بن قاضي عجلون، وولده، وولد أخيه النجم، PageV01P170 ~~والشريف عز الدين حمزة، والرضي الغزي، وابن قاضي ~~أذرعات. ### ||| قصة الباعوني: # وفي يوم السبت تاسع عشريه، عقد مجلس لذلك في القلعة، بحضرة ~~السلطان بالقضاة، ما عدا الحنبلي؛ فإنه كان يشتكي، قبل قدوم الباعوني، ~~أنه زلق بالقبقاب، فوقع، فانصدعت رجله صدعا لا يقدر معه على ~~القيام، وقال غير واحد من العقلاء الخبيرين بأحواله، أنه متصنع في ذلك؛ ~~لئلا يحضر هذا المجلس، فإن أمره متجاذب بين أخصاء السلطان، فناظر ~~الخاص وجماعة في جهة الباعوني، وتمربغا الدويدار الثاني وغيره في جهة ~~الحمصي، وقد أثخن جراح الباعوني عند السلطان، حتى يوم قدوم ~~الحمصي، فإنه نزل في محفته عند القلعة، ودخل إلى السلطان، ومعه PageV01P171 ~~مال، فدفعه إلى السلطان، وقال: هذا حصلته في عشرين يوما، فما الذي ~~حصل الباعوني في بضع عشرة سنة، فأراد الله، وهو لا يرد أمره، أن ~~جعل الدائرة على الحمصي، وذلك أنه استأذن السلطان في الكلام، فأذن ~~له، فابتدأ بقراءة الفاتحة، ثم دعا الله تعالى، أن يلهم السلطان العدل في ~~هذه النازلة فكان المستفتح على نفسه. ثم قال: إن مولانا السلطان ولاني ~~وظيفة القضاء بدمشق، وأمرني بالكشف عن قاضيها، ولم أسأل السلطان ~~في ذلك، ولا كان بإرادتي، ولا تكلمت عند السلطان في هذا القاضي ~~قط، فكره السلطان ذلك منه؛ لأن مبنى أمره على إظهار أنه لا يريد ~~إلا الخير والإصلاح، فأمره بقطع هذا الكلام، وذكر المقصود من المجلس، ~~فقال: ولما قدمت إلى دمشق، ورد علي مرسوم السلطان بذلك، فأمره ~~أيضا بالانتقال عن مثل ذلك إلى المقصود، فكرر نحو ذلك، فكذلك، ~~فقال: إن الستر مطلوب، وقد اطلعت على أمور ms042 لا أريد ذكرها إلا في ~~خلوة. فقال السلطان: الحق يقال في الخلوة والجلوة، ثم نظر إلى خاتمين ~~في إصبع يده اليمنى، فقال: كيف يليق بك أن تلبس خاتمين؟! عزلتك، ~~ووليت هذا، يشير إلى الباعوني، فسأل الباعوني الأعفاء من ذلك، فكرر ~~عليه السلطان التولية، وكرر الامتناع، إلى أن ألح عليه السلطان، فقبل، ~~ونزل هو وبقية الشاميين في جبر عظيم، بعد أن حجبهم تمربغا عند السلام ~~عليه، ثم لما أذن لهم، وقربوا من التخت الذي هو جالس عليه، التفت ~~إلى مماليكه يكلمهم، فوقفوا بين يدي تخته ساعة (وهم أعزاء دمشق)، ~~ثم التفت إليهم، فقال: مرحبا بالشاميين. ثم أمرهم بالانصراف، لم يزدهم ~~على ذلك شيئا، فاستطابوا الموت على ذلك، ثم لما انفصل أمرهم على ذلك ~~رجعوا أفذاذا، ورجع القاضي صلاح الدين بن السابق بعدهم بقليل، أظنه ~~في أواخر محرم سنة ست وخمسين. PageV01P172 ~~وفي هذا اليوم أصلح باب النصر، من خلل كان أصابه، فعمل لعقبة ~~سكرجة حديد، نحو أربعين رطلا مصرية. ### | سنة ست وخمسين وثمانمائة؛ ### || # يوم الإثنين مستهلها، لبس الجمال ~~الباعوني خلعة قضاء الشافعية بدمشق. ### ||| موت القرقشندي: # ومات الشيخ علاء الدين علي بن القطب أحمد القرقشندي الشافعي، ~~بعد عصره، بعد اعتلاله شهورا بورم يتنقل في سائر جسده، وصلي عليه ~~من الغد في جامع الأزهر، وأم بالناس عليه قاضي الشافعية الشرف يحيى ~~المناوي، ودفن خارج الباب الجديد، وكانت جنازته حافلة بالأعيان؛ ~~من القضاة، والمشائخ، والطلبة، وعظم ثناء الناس عليه، واشتد تأسفهم ~~لفقده، فغنه لم يخلف بعده في القاهرة شافعيا مثله، في علم، ولا دين؛ فإنه ~~ضرب في فنون كثيرة بحظ وافر؛ القراءات، والحديث، والفقه، ~~والنحو، والأصلين، والمنطق، وجميع أنواع العربية، وغير ذلك من ~~الفنون رحمه الله، وأشرك بين ابنه إبراهيم، وأخيه التقي عبد الرحمن، ~~في تدريس الفقه بالشيخونية، والحديث بجامع ابن طولون، فأمضي PageV01P173 ~~له ذلك في الجامع الطولوني، وأما الشيخونية فتوقف في إمضائها ~~شيخها شيخ العصر الكمال بن الهمام، فلما مات قرر بها الشيخ ~~سراج الدين عمر الوروري، فنازعه فيها القاضي علاء الدين بن أقبرس، ms043 ~~صاحب السلطان؛ بأن الأمير أسنبغا الطياري، رأس نوبة النوب، ~~أحد أنظار الشيخونية، قرره بها، فصمم الشيخ كمال الدين على ولاية ~~الوروري، وأرسل إلى السلطان ورقة بسببه، فأكد ولايته إعظاما للشيخ، ~~وأرسل إليه بعشرة آلاف درهم ثمن خمسة وثلاثين دينارا، للوروري، ~~ووهى أمر ابن آقبرس. PageV01P174 ### ||| قدوم ابن الشحنة ومعه منجك: # وفي العشر الأول من هذا الشهر، قدم ابن الشحنة، قاضي الحنفية ~~بحلب، وقدم إبراهيم بن منجك مطلوبا؛ لما قيل من أن المتحصل ~~من الجهات الموقوفة، من جهة جده منجك يفيض عن مصرفها، ~~وعمارتها في كل سنة خمسة عشر ألف دينار، وأن السلطان أحق بها منه، ~~وفي خامس عشر الشهر، عقد له مجلس بالقضاة؛ ليحاسب في بيت ~~القاضي كاتب السر، وكان قد نقه من مرض لزمه نحو شهر، ~~فاستمروا عنده من أول النهار، إلى العصر، فحم، وانكشف الغطاء عن ~~أنه لم يؤمر بفعل ذلك عنده في هذه الحالة، إلا لإرادة قتله، فاستعمل ~~لذلك دواء زاد به انحطاط قوته عن أن يجلس في بعض الأحيان ويتحدث ~~مع أصحابه في غالب النهار، فأرسل السلطان إليه بعد أيام يعنفه على ~~الانقطاع وينسبه إلى الكذب في المرض، فلم يبق شك في التهالك على ~~الإسراع بهلاكه، رد الله كيد من يكيده في نحره، فتزايد به المرض، ~~حتى قطع الأطباء يوم الخميس خامس عشري محرم هذا باليأس منه، وسعى ~~في كتابة السر ساعون، ثم وقف مرضه يوم السبت والأحد، ثم ترجحت ~~قوته، وانحط المرض يوم الاثنين تاسع عشريه، فرجيت حياته، وكان ~~أول مرضه حمى بلغمية، أضعفت شهوته للغذاء، وكانت معدته في ~~صحته ضعيفة، ولم يزل في انحطاط إلى أن أفضى به ذلك إلى مرض السل، فذبلت ~~أعضاؤه الباطنة الشريفة. PageV01P175 ### ||| العز البساطي: # وفي يوم الاثنين ثامنه، سجن السلطان القاضي عز الدين بن قاضي ~~القضاة جمال الدين البساطي المالكي في المقشرة؛ وذلك لأنه رابع ~~أربعة أنفس من المالكية هم مدرسو المدرسة القمحية، التي وقفها ~~الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهم نظارها، والثاني يحيى بن ~~وفاء المشهور بابن أبي الوفاء، ms044 والثالث ابن تقي، والرابع ابن الشمس ~~البساطي، فكشف عن جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، بأمر PageV01P176 ~~السلطان الملك الظاهر جمقمق، وهذه المدرسة إلى جانبه، فنظرت، فإذا ~~هي على صفة غير حسنة، فأعلم السلطان بذلك، وعقدت لمدرسيها مجالس ~~آل الأمر فيها إلى أن اعتذر عن بعضهم، وهرب البعض فلم يفتش عليه، ~~وغولط بالبعض، ووضع هذا من بينهم في المقشرة، فذنبه في الظاهر للعوام ~~التهاون بهذه المدرسة، وفي الباطن الشهادة على أبي الخير بما تقدم، وإلا ~~لما أفرد من بين رفقته، واستمر مسجونا إلى أن عمل مولد السلطان في ~~حادي عشر شهر ربيع الأول، فشفع فيه القاضي الشافعي [وبعض] ~~القضاة، فأطلق. ### ||| ابن الديري: # وفي يوم الجمعة ثاني عشره، قدم الأمين عبد الرحمن بن الشمس الديري ~~الحنفي، ناظر القدس والخليل، وقدم للسلطان، من الخيل، والذهب، ~~وغير ذلك شيئا كثيرا. ### ||| قصة المحتسب: # وفي هذا الحد نزل ثمن الإردب من القمح إلى خمسمائة درهم فلوسا، ~~ثمنها عشرون درهما وزنا وشيء، فقدم الزين يحيى الإستدار من سفرة ~~كان سافرها إلى نحو الصعيد، فارتفع السعر وعز القمح، وما تفرع منه، ~~فتشاءم الناس به، ثم في نحو العشرين من الشهر سعر المحتسب القمح بأزيد ~~من السعر، الذي وضعه الله إليه رحمة منه لعباده، ونادى مناديه بذلك، ~~ويقال: إنه سفر المراكب التي في البحر. ويقال: إنه فعل ذلك بأمر ناظر ~~الخاص؛ ليحتاج الناس إلى ما عنده، فيبيعه بما أراد، فاختبط أمر البلد PageV01P177 ~~وعلا السعر، وعز القوت، فعظم الكلام فيه فخشي عاقبة ذلك، فضرب ~~المنادي، وأنكر أن يكون أمره بذلك، وأطلق للناس أمرهم، فتراجع ~~الأمر. ### ||| وصول الحجاج: # وفي يوم الثلاثاء، ثالث عشريه وصل الركب الحجازي، وكانت ~~قد شاعت الأخبار عنهم بموت الجمال، وغلو الأسعار، فأخبروا بكذب ~~ذلك، وأنه حصل لهم من اللطف أمر عظيم، ولاسيما في العقبة، فإن ~~الجلب كثر فيها من كل صنف، حتى كان أرخص مما في مصر، ~~وأخبروا أن أبا الفضل النويري خطيب مكة، لما منع من السفر أظهر أنه ~~قاصد العراق، فتجهز مع الركب العراقي ms045 إلى المدينة الشريفة، ثم سار مع ~~المصريين إلى العقبة، فسار مع المقادسة. # وبلغنا أن صهره السيد الإمام العالم الصالح، عفيف الدين الحسيني ~~الإيجي، الشيرازي، مات في أوائل أيام التشريق بمكة المشرفة. ### ||| قصة أمراء العرب: # وفيه أخبر ابن عجلان، أمير جذام، بأنه عجز عن تحصيل ~~اللصوص، الذين بيتوا قصاد بن عثمان، فضربه ووضعه في زنجير، وأمر ~~به إلى المقشرة، وأحضر بيبرس بن بقر، فأمره بأن يلي إمرة العرب، فامتنع ~~أن يليها على ما صارت إليه من البهذلة، واشترط شروطا، فغضب السلطان ~~من ذلك، فأمر به أيضا إلى المقشرة، وولى ابن أخيه بقرا. PageV01P178 ### ||| موت الخطيب المالكي: # وفيه، مات الفاضل محب الدين بن المحب الخطيب المالكي إمام ~~إيوان المالكية، بالصالحية، ودفن من الغد، وكانت جنازته حافلة بمشائخ ~~العلم، والطلبة، وأهل الخير، وصلى عليه الشيخ طاهر النويري ~~المالكي، بباب النصر، وعظم ثناء الناس عليه، وكثر تأسفهم عليه. # وفي يوم الأربعاء رابع عشريه، لبس المحتسب خلعة باستمراره على ~~وظيفته ليسكن قالة الناس فيه، ويكسر من شوكتهم عنه. ### ||| موت [محمد] ابن صالح البلقيني : # وفي ليلة الأحد ثامن عشري محرم هذان مات القاضي أبو البقاء بهاء الدين ~~[محمد] ابن قاضي القضاة، علم الدين صالح بن شيخ الإسلام ~~السراج البلقيني، وصلى عليه أبوه يوم الاثنين تاسع عشريه، في جامع ~~الحاكم، ودفن في مدرستهم، ولم يحضر جنازته أحد من قضاة القضاة؛ ~~أما الشافعي فلما بينه وبينهم من أمر قضاء الشافعية، وأما الحنفي فكان ~~برجله وجع منعه الحضور، وأما المالكي فكان أرمد، وأما الحنبلي فإنه ~~استصحب الانقطاع، لما ادعى من صدع رجله، والله أعلم بحقيقة الحال. PageV01P179 ### ||| قاصد جهنشاه: # وفي أواخر محرم سنة ست وخمسين، ورد رسول من عند ~~جهنشاه، بأنه جهز ولده محمدا لقتال جهنكير، وأخذ ديار بكر، وطلب ~~من السلطان، أن يكون نظره عليه، وتبين أنه لم يقع بينه وبين جهنكير ~~صلح، وأن رستما مازال عن ديار بكر، وحصار بعض مدنها، ~~ورسم السلطان بأن يطلع هذا الرسول يوم الخميس ثاني صفر، فعمل ~~الموكب بجند مصر، وطلع فقرئ كتابه، وقدم ms046 هديته، وهي بغلة ~~عظيمة، وثلاثة جواشن، فأعطى السلطان البغلة للوزير. ### ||| حساب أهل دمياط: # وفي هذا اليوم طلع القاضي الشافعي، الشرف المناوي، إلى السلطان، ~~فسأل أن يكون قاضي دمياط، ومباشروا أوقافها عنده يحاسبهم هو، ~~ويعلم السلطان بما يتحرر من ذلك، فأجابه إلى ذلك، وكان مبغضوه ~~قد سعوا به من جهتهم، وطلبوا إلى القاهرة، وجعل حسابهم إلى ~~الدويدار، الثاني تمربغا، ثم استمروا عند تمربغا، ولم يتم للشافعي ما ~~أراد، ثم انفصلوا من بيت تمربغا، ولم يطلع لهم على عورة. ### ||| قصة ابن الفاوي: # وفي هذا اليوم أيضا رسم الشرف الأنصاري، وكيل بيت المال، على ~~علي بن الفاوي الجوهري، من أجل خمسة آلاف مثقال وسبعمائة مثقال ~~وخمسة وسبعين مثقالا، من لؤلؤ دفعها إليه وكيل للملك المؤيد PageV01P180 ~~ولططر في عقبة أيلة، ليوصلها إلى من له قبضها، وأشهد عليه بتسلم ~~ذلك شاهدان، وعينت زنة جملتها، وزنة كل لؤلؤة، وذلك في سنة ~~نيف وعشرين، فانقضت الدولة، ومات الدافع إليه، ولم يرد منها شيئا. ### || # وفي يوم السبت رابع صفر، أطلق الأمير بيبرس بن بقر، من ~~المقشرة. ### ||| موت المنصوري: # وفي ليلة الأربعاء من الشهر، مات شمس الدين [محمد] ~~المنصوري، موقع الدويدار الثاني تمربغا، وكان شابا جميلا، حلو ~~الشكل، فصيح القول، عذب الكلام، خفيف الروح، طلق المحيا، ~~فعظم تأسف الناس عليه رحمه الله آمين. ### ||| موت العلاء الحلبي: # وفي ليلة الأحد ثاني عشر الشهر، مات علاء الدين، علي الحلبي ~~المكتب، وصلي عليه من الغد، في مصلى باب النصر، ودفن في تربة PageV01P181 ~~جمال الدين الإستدار، وكان قد فاق مشائخه في الكتابة، حتى صار ~~أكتب أهل الزمان، مع صغر السن، فإنه مات عن نحو ثلاثين سنة، وكان ~~مع ذلك حسن العشرة، لين العريكة، كريما، محببا، محسنا إلى عباد ~~الله، بالمال والنفس، كثير البشاشة، يطلب العلم، ويفهم ما يقال له، ~~فعظم تأسف الناس عليه، ولاسيما أصحابه الذين كانوا يعاشرونه، لقد ~~خلعوا العذار في البكاء والأسف، حتى كادت مرايرهم تنفطر، وهم ~~من رؤساء الناس ووجوههم، فأسأل الله تعالى أني رحمه رحمة واسعة. # وفي هذه الليلة، ms047 انتقل القاضي كاتب السر، الكمال بن البارزي إلى ~~بيته في بولاق؛ يطلب بذلك الراحة برؤية البحر والفضاء، وكان قد ~~كرر نهيه عن ذلك؛ لأن قوته وصلت في الضعف إلى حد لا يظن بها PageV01P182 ~~أنها تحتمل المشقة اللاحقة بالحركة في طول الطريق، وكان لا يزداد إلا ~~توقا إلى ذلك إلى [أن] غلب على أصحابه في هذه الليلة، وذهب بعد ~~العشاء راكبا على فرسه، وأصحابه حوله مشاة يعضدونه، فوصل من ~~بيته، من الخراطين، إلى بيت أخته التي كانت زوجة السلطان، وهو ~~بين السورين، فنزل هناك، وقد زادت مشقته، فوطئ له على بغل بمخاد ~~ونحوها مما يلائم ركوبه، ثم نزل في المقس، فاستراح، ثم أصبح يجد ~~الراحة برؤيته للفضاء، ويجد في نفسه خفة. ### ||| موت ابن كزل: # وفي ليلة الأحد تاسع عشر صفر هذا، مات الإمام المقرئ ناصر الدين ~~محمد بن كزل بغا الحنفي، إمام المدرسة الأشرفية، وكان رجلا PageV01P183 ~~خيرا، دينا، عارفا بالقراءات، حسن الأداء لكتاب الله، عذب الصوت، ~~مطرب النغمة رحمه الله، فلقد عظم تأسف الناس عليه. ### ||| موت الشيخ قاسم الزبيري: # وفي يوم الاثنين العشرين منه، مات الشيخ زين الدين قاسم الزبيري ~~الشافعي، وكان فاضلا، صالحا. ### ||| [موت] الحاج تقي: # وفي هذه الحدود مات الحاج تقي، وكان تاجرا كبيرا، من أهل مصر ~~القديمة ثم تحمل عليه الزمان حتى افتقر، وطالت حياته حتى مل العيش ~~رحمه الله. # وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه، بعد العصر، حصل للقاضي كاتب ~~السر صرع، بحيث قطع بموتهن ثم أفاق، ومكث مدة، ثم عاوده ~~الصرع، ثم أفاق، فعرض عليه الرجوع إلى بيته في المدينة، فأجاب، ~~فنقل بعد العشاء في محفة على بغلين، فوصل بعد هدأة من الليل، ~~واصحابه وأقاربه حوله مشاة، وبعض أخص نسائه وراءه على حمر ~~المكارية. وشرب في الطريق وتقيأ قيئا أخضر، ولما وصل إلى بيته جلس ~~على التخت، الذي كان يجلس عليه بعد العصر، لمنادمة أحبابه، فقال: ~~هل وصلت إلى البيت؟. فقيل له: نعم أنت على الدكة، بالحوش، ثم PageV01P184 ~~حمل، وأدخل إلى بيته، أسأل الله أن يلطف به، ms048 فاستيقظ عند السحر، ~~وقال: لم أصل المغرب، والعشاء، فأتوني بوضوء، فتوضأ، وصلى ~~المغرب، ثم العشاء، فلما أصبح صلى الصبح ثم أصبح مفيقا، صحيح ~~العقل، سليم الحواس. ### ||| موت الشريف الأسيوطي: # وفي هذه الليلة مات الشريف صلاح الدين محمد بن أبي بكر ~~الأسيوطي الشافعي، وكان أديبا، ماهرا في الأدب، مشاركا في غير فن، ~~ذا كتابة حسنة، وكان خطيب مدرسة قراقجا الحسني، بقرب ~~جامع بشتك رحمه الله. # وفي هذا العشر، وشى ابن العفيف رئيس الأطباء القبطي الأسلمي، ~~الملقب بقواليح، بالقاضي ولي الدين بن تقي الدين بن البدر البلقيني ~~في أن تحت نظره جامع المغربي في نواحي المقس من القاهرة، PageV01P185 ~~وأنهى أن تصرفه فيه غير سديد، فرسم السلطان بإحضاره مرسما عليه، ~~حتى يخرج من حسابه، فرسم عليه، وأمر بأن يعمل الحساب في نفس ~~الجامع، ثم إنه خلص بمال غرمه، وشفاعات من بعض الأكابر ### ||| موت كاتب السر: # وفي يوم السبت خامس عشري صفر المذكور، طلب القاضي كاتب ~~السر الشهود ليوصي، فلم يتهيأ إحضارهم إلى بعد العصر، فعاوده ~~الصرع، وجاءت مقدمات الموت العظام الكبار، فشغل.. أهله، ~~أن.. وكان لما به، ثم أفاق، وصرع في ليلة الأحد سادس عشريه ~~مرتين، لم يفق من الثانية، إلا بعد الصبح، فطلب الوضوء، فقيل له: ~~صليت. فقال: لم أصل ، ولم يزل بهم حتى أحضروا له الماء، فعجز ~~عن التوضي فوضأته ابنته أم القاضي نجم الدين يحيى بن القاضي بهاء الدين ~~محمد ابن قاضي القضاة نجم الدين عمر بن حجي الحسباني، وكأنها لم ~~تسبغ، فقال: أهكذا وضوئي؟! ثم تجشم المشقة، وتوضأ كما يجب، ~~ثم أراد الصلاة فلم يتهيأ له بعض أطرافه، فأمرهم أن يثنوا رجليه فإذا هما قد ماتتا، ~~فلم يقدر على ثنيهما، فأحضرت له مدورة، فصلى، وهو يسجد عليها، فلما ~~فرغ [من] الصلاة، أخذ في الذكر المشروع بعدها: لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، إلى آخرها، وكان شديد المواظبة على ذلك، بعد الصبح ~~والمغرب، ثم أخذه أمر الله، وهو على ذلك، إلى أن مات في ضحى ذلك PageV01P186 ~~اليوم، ثم ms049 شرع في تجهيزه، وجاء الناس باكين من كل صوب، إلى أن ~~اجتمع له ما قل أن اجتمع لغيره، وعظم التأسف عليه، وكثر العويل، ~~وزاد الثناء، وأجمعوا على أن الأرض لم تشتمل على من يحب موته، بل ~~على من لم يتأسف عليه، ومشى الناس قاطبة؛ من القضاة، والأمراء، ~~والمباشرين، والطلبة، وغيرهم، قدام جنازته، من بيته، من خط ~~الخراطين، إلى سبيل المؤمني بالرميلة، ولاقاهم السلطان هناك، ~~فصلى عليه أمير المؤمنين، القائم بأمر الله، أبو البقاء حمزة، ثم مشى أكثرهم ~~أيضا، وركب أكثر الأكابر إلى تربته، وهي تحت شباك قبة الشافعي، ~~فدفن هناك، على والده، وبعض أقاربه رحمهم الله، فلقد كان فرد زمانه، ~~وعين أعيانه، كان فاضلا في الفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، مشاركا ~~في المنطق، والأصول، شاعرا مفلقا، لكن شعره قليل، راوية للأشعار، ~~لاسيما أشعار المتأخرين، حافظا لكثير من التاريخ، ومن شعره ما كتبه ~~على كتاب شخص يقال لهك ابن ناهض، وكان قليل العلم، فجاء كتابه ~~على مقدار علمهن ودار به على الأكابر؛ ليقرضوه له، فكتبوا له عليه ~~كتابات موجهه، وممن كتب عليه القاضي ناصر الدين البارزي، ~~فكتب للقاضي كمال الدين تحت خط والده رحمهما الله. PageV01P187 ~~مرت على سمعي وحلو لفظها %% مكرر فما عسى أن أصنعا ~~ووالدي دام علا سؤدده %% لم يبق فيها للكمال موضعا ~~واما الوظائف الكبار، فكان يباشر منها ما يتعب غيره، وهو مستريح ~~فيه، غير مكترث، وكان كبير الهمة، شريف النفس عل الخلائق، ليس ~~عنده عظم إلا ما كان لله، لقد كان يأتي إليه بعض الأمراء الأكابر، من ~~نواب البلاد، فلا يتحرك له، ويأتي إليه من ليس له وظيفة من أهل العلم، ~~فيقوم له، وكان أمر الدنيا عنده صغيرا على شدة مخالطتها، أتى إليه بعض ~~أجراء، صاحب من أصحابه التجار، فشكى إليه حاجة، فأعطاه ثلاثين ~~دينارا، وكان ذلك التاجر بمكة، فلما ذهب إليه أجيره، أرسل الثلاثين ~~دينارا، فوصلت إليه في مرضه، فقال للسفير بها: إني لم أعطها لآخذ ~~لها بدلا، فانتفع بها أنت، ولم يلتفت إليها. وكانت له صدقات، لم ms050 تكن ~~لأحد في عصره، الشهرية منها أي المرتبة لأناس بأعيانهم في كل شهر ~~في مصر خاصة - على ما قيل لي - يزيد على مائة ألف بمعاملة مصر، يكون ~~قريبا من ثلاثمائة دينار، هذا سوى ما كان للطارئين، وللسنويين، ومن ~~في بلاد الشام وغيرها. وكان من الحلم، وسعة الصدر، والعفو عند ~~القدرة، وكثرة المحبة لأهل العلم، وتعظيم أصحابه، وعدم الملل لهم، ~~والصبر على جفواتهم، وغلطاتهم، وعدم السماع فيهم، على جانب لم ~~يبلغه أحد من أهل الزمان، سجية تلك منه غير محدثة (إن الخلائق فاعلم ~~شرها البدع) وكان قد تشبه به ناس من أهل الزمان في تعظيم الفقهاء، ~~وتزيين مجالسهم بهم، فلم يبلغوا المعشار من عشيره، لم يسابقه أحد منهم ~~في مكرمة إلا حاز قصب السبق، وغيره يجهد نفسه سعيا، وهو يمشي ~~الهوينا، أرسلت إليه، وإلى بعض من يتشبه به في المكارم، وقد حدثت ~~بي نازلة في عمارة مسجدي، احتجت فيها حاجة شديدة ورقة نصها: ~~«العبد إبراهيم، ينهي إلى واحد العصر، الذي خضعت له رقاب الورى PageV01P188 ~~إذ أثقلتها فواضله، أنه كان في يوم كذا جالسا في مسجده، فلم يرعبه ~~إلا جسران من جسوره قد صاحا، وزالا عن مكانهما وزاحا، وتكسرت ~~من جانب آخر منه أعواد ذوات أعداد، فشمر في رم ذلك عن ساق، ~~وسهرت منه الأحداق، فهو في ذلك اليوم في إرخاء وشد ونقب وسد، ~~ووضع روفع، وتحصيل ودفع، وبناء ونجر، ولف ونشر، إلى أن صار ~~المسجد ما بين تراب وخشب، وحديد وحطب، واتسع الخرق، وزاد ~~في الكبد الحرق، حتى جل الفتق عن الرتق، وقد عجزت من العبد الفقير ~~القوى، وعز عليه الدواء لهذه البلية السماوية، وعيل صبره، ووهن ظهره، ~~وضاق صدره، وأنت لهذا الأمر كفوء وغيره وإن عظمت أعضاده ~~وكواهله». فأما هو فأرسل عشرة دنانير على أنه والله كان محتاجا إلى ~~[كل] دينار منها، بل إلى [كل] درهم، فقد تقدمت أشياء من ~~أحواله مع هذا السلطان الذي تحامل عليه، حتى أنهك دنياه، واما ذلك ~~المتشبه فإنه لم يعد جوابا، ثم قال لي ms051 عند اجتماعي به، بعد أيام، لم أدر ~~مرادكم بالورقة، التي أرسلتموها إلي، ثم خاف، أن أستخبره، فقال: ~~شغلت عنها، فما فتحتها، إلا ليلا، فلم أتمكن من إمعان التأمل فيها، ~~فقلت له المراد، فكان ذلكآخر العهد به مع أنه كان تحت يده في ذلك ~~الوقت صدقات لبعض الرؤساء، ليفرقها في وجوه البر، وما أحسن ما ~~قال بعض أهل الزمان، وقد أرسل رسالة إلى بعض أحبابه، يعرض فيها ~~ببعض من كان يتشبه به، من القبط، فقال فيهاك ما كان بعد الكمال ~~رئيس، ولا من تشد إليه العيس، وينثر في مجلسه جواهر كل علم نفيس، ~~وتتأنق جلساؤه منه بأفخر الملابيس، ولا ينسب إلى راهب، ولا قسيس. # وكان القاضي كاتب السر كثير الصيام في أيام الحر الطوال على ضعف ~~بدنه، وكان رحيما بعباد الله، لين الجانب، ومع ذلك فما رفعت إليه PageV01P189 ~~قضية أمر بمعروف إلا اشتد معي فيه اشتداد الأسد، وكان مع حلمه ودماثة ~~أخلاقه مؤتى له يعمل له من أموره على أشد حال، وهو في غاية السكون، ~~ما يعجز غيره عن عمله، بغاية الفرعنة، مأكوله أحسن من ~~مأكولهم، ومشروبه أعذب من مشروبهم، وملبسه أبهج من ملبسهم، ~~وأصحابه رؤوس الناس وأعيانهم وغررهم، ومن وسم في بيته بميسم، وسم ~~به عند غيره، وكان عنده من الكتب، ما لم يفرح به أحد من أهل ~~عصره، جودة، وكثرة، وحسن خطوط، حتى إنها بيعت في تركته بستة ~~آلاف دينار ونيف وخمسين، منها نسخة من القاموس، بنحو مائة ~~وخمسين دينارا، ونسخة من الكشاف بأكثر من ذلك، ونسخة من ~~شرح قاضي القضاة ابن حجر للبخاري، بزيادة على مائتين وخمسين ~~دينارا، وكان لا يرد أحدا استعار منها شيئا، ومن استعار شيئا لم يطلبه ~~به ما لم يطلبه غيره، أو تدعوه إليه ضرورة أكيدة، فكان لذلك كثير ~~الحساد، فلم يزالوا يصوبون إليه سهام مكرهم حتى قتلوه غما قتلهم الله، ~~على أنه ليس منهم أحد سر بموته، لمعرفته أنه أمن من شره، وأنه لو قدر ~~على أن يقتله ما شاكه بشوكة، فضلا عن ms052 أكبر منها، رحمه الله وأكرم ~~نزله ومثواه. [رثاه] ابن زغدان التونسي بقوله: PageV01P190 ~~لعمرك إن الدهر كان %% بزينة محاسنه يبدو.. # وكان جوادا ما الذي عاق جوده %% كأن بني الإحسان جادوا لحاله ~~ام الجود أمسى .. زماننا %% فأصبح في نقص لفقد كماله ### ||| موت الشيخ عمر الطوخي: ### || # وفي ليلة الخميس، مستهل شهر ربيع الأول، سنة ست وخمسين، مات ~~الشيخ عمر بن الشيخ خلف الطوخي، وكان على طريق السلف، ~~خيرا دينا، يحضر مجالس الحديث كثيرا، ويكثر النفع للفقراء، ~~والمنقطعين، من الأرامل، ومن ليس له ملجأ، ولاسيما في سني الغلاء، ~~وكانت له فضيلة في علم الوقت، وكان يباشر في جامع الحاكم، ثم ترك ~~وأقبل على ما ذكر من نفع المنقطعين، وكان يكاد يحفظ جامع الأصول، ~~لابن الأثير، ولما عرف بما هو فيه، من الإنفاق على المحاويج، كان ~~يقصده بعض الموفقين بالصدقة، فيفرقها، ولا يلتمس منها شيئا، إنما لباسه ~~صيفا وشتاء قميص واحد ثخين، وملوطة وطيئة، وعمامة من PageV01P191 ~~نسبتهما، وينام بغير وسادة. وحضر جنازته جمع صالح، وصلى عليه ~~قاضي الشافعية الشرف المناوي في باب النصر، ودفن في تربة الصوفية، ~~وعظم عليه التأسف، والترحم، والبكاء، نفعنا الله به آمين. ### ||| موت الشيخ طاهر: # وفي يوم الاثنين خامس الشهر، مات الشيخ الإمام العلامة المفنن، ~~الصالح القدوة، زين الدين، طاهر بن محمد بن علي النويري المالكي، ~~وصلى عليه القاضي الشافعي، عند جامع طستمر بالصحراء، ودفن ~~هناك من يومه في تربة الشيخ سليم، وعظم التأسف عليه، وكثر البكاء، ~~وحضر جنازته ودفنه من القضاة والمشائخ والطلبة والصلحاء جمع يتعسر ~~حصرهم، وعد موته من أعظم المصائب، ولم يخلف من المالكية من ~~هو على مجموع علومه وخلائقه؛ فإنه كان عالما بالعربية، ماهرا في ~~المعقولات، رأسا في الفقهن إماما في القراءات، كثير الحج والعبادة، ~~شديد التواضع، منعزلا عن الناس، حافظا للسانه ومجلسه، لين الجانب، ~~مهاب الذات، حسن الكلام، رحمه الله، وكتبت جميع وظائفه باسم ابن ~~له صغير، إلا تدريس فقه المالكية، بمدرسة برقوق، فإن ناظرها أمير ~~أخور قانباي الشركسي، كان يعتقد علم الشيخ أبي الجود، وورعه، ms053 ~~فقرره، وألبسه خلعة بذلك في أواخر هذا الشهر. PageV01P192 ### ||| موت النور البوشي: # وفي هذا اليوم، مات الشيخ الإمام العلامة المفنن، نور الدين علي ~~ابن أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد الأنصاري البوشي (بضم الموحدة ~~وبالمعجمة - قرية من أداني الصعيد) الشافعي بالخانكة، ولم يخلف بعده ~~بها مثله؛ فقد كان فاضلا في الفقه، والعربية، والأصلين، والمنطق، ~~وشرح أكثر كتاب الأنوار للأردبيلي، شرحا حسنا، رحمه الله. ### ||| ولاية كاتب السر وناظر الجيش: # ولما مات القاضي كمال الدين بن البارزي، سعى قاضي الحنفية بحلب، ~~محب الدين محمد بن الشحنة في كتابة السر، بعشرة آلاف دينار، ~~خمسة آلاف قبل اللبس، وخمسة بعده، وكان الجمال يوسف بن كاتب ~~شكم ناظر الخاص، وتمربغا الدويدار الثاني، يساعدانه، فراج أمره، ~~وأورد الخمسة المعجلة [وحكم] بلبسه الخلعة بذلك، يوم الخميس مستهل ~~هذا الشهر، وكان ابن الشحنة هذا رجلا مقداما عاقلا ماكرا، ذا حيل، ~~ودهاء، وجرأة على ما يريده، مع حسن الشكالة، وغزارة العلم، ~~والسماح بالبذل، وانضم إليه، لما راح امره أشرار من سكان القاهرة، PageV01P193 ~~فخاف غائلته جميع الناس خوفا عظيما، حتى وجبت القلوب لذلك، ~~وقلعت له النفوس، وضاقت الصدور، [وسهرت له] العيون، ~~وصار الناس في أمر مريج، ولم يختلف منهم في ذلك اثنان، واخفى هذا ~~من أمره على ناظر الخاص من حبه له؛ لكون ابن الشحنة كان تحت رقه ~~وعند بابه، فلم يحسب ما حسب الناس من أمره (وحبك للشيء يعمي ~~ويصم) فقام بعض العقلاء في ذلك، فخيل منه ناظر الخاص وحمل ~~الأكابر على تخييله، فلما توارد على سمعه ذلك أشر، ولم يقدر في ~~الحالة الراهنة على أكثر من أن تلطف حتى أخر لبسه الخلعة إلى يوم الاثنين، ~~فلما تأخر اجترأ من له غرض في الوظيفة، فسعى السراج الحمصي الشافعي ~~باثني عشر ألف دينار، وسعى الأمين عبد الرحمن بن قاضي القضاء شمس ~~الدين محمد بن الديري العبسي الحنفي بعشرين ألف دينار، عشرة معجلة، ~~وعشرة مؤجلة، فمال السلطان إليه، فاشترط بقاء نظر القدس والخليل ~~معه، فتوقف في ذلك، فزاد في البذل، إلى ms054 أن وصل إلى خمسة وثلاثين ~~ألف دينار، وأقبض العشرة المعجلة، وكان رجلا خفيفا؛ فخيف من ~~أمره أيضا، وكان الخوف من الحمصي أشد؛ لما اشتمل عليه من قلة ~~الدين والجرأة، فلم يزل الأكابر يتلطفون في التأخير من يوم إلى يوم، وهم ~~ينقضون عرى الساعين شيئا فشيئا، إلى أن ردهم السلطان، ورد إلى ابن ~~الديري ما عجله، فرد منه إلى السلطان ألف دينار، وقال: إنه لولا أنه ~~قرض لرده أجمع، فسر السلطان ووعده بخير، وأما ابن الشحنة فحسب ~~ما دفعه من جهات تحت يده، وتعصبوا عليه، وآذاه ناظر الخاص أذى ~~كثيرا، بعد مبالغته في خدمته.ثم ولي المحب محمد بن الشهاب أحمد بن PageV01P194 ~~الأشقر العجمي ناظر الجيش، كتابة السر بغير شيء، وضم نظر ~~الجيش إلى ناظر الخاص، ولبسا خلعتين بذلك يوم الخميس ثامن شهر ~~ربيع هذا، واطمأنت خواطر الناس، ولم يستفد ابن الشحنة بذلك إلا ~~شيوع الأمر برجلته، واشتهار ما تقدم من أوصافه عند الخاص والعام، ~~وتقرر بغضه في خواطر بعض الأكابر. # ثم بعد أيام لبس ابن الأشقر خلعة بما تحت نظره من أوقاف المدارس، ~~ونحوها، إلا أنه استثني نظر الجامع الجديد بمصر؛ فغنه كان قد أبلغ ~~السلطان أنه خراب، فأمر ناظر الخاص بعمارته من مال السلطان، فسأل ~~كاتب السر السلطان أن يبقى نظره مع من تولى نائبه. ### ||| موت ابن يعقوب: # وفي ليلة الأحد حادي عشر شهر ربيع الأول هذا، قبيل العشاء، مات ~~الرئيس شهاب الدين أحمد بن الشيخ شرف الدين يعقوب الأزهري ~~الشافعي، وكان جوادا، ممدحا، لين الجانب، حسن ~~الخلق، جميل الشكل، والقول، والفعل، محببا إلى الناس، باشر نقابة PageV01P195 ~~القضاة الشافعية: الولي العراقي، والشهاب بن حجر، والشرف المناوي، ~~وذلك دهر مديد، فما ذمه أحد، وولي أمانة الحكم أيضا، وغير ذلك ~~فخالق الناس في الكل بخلق حسن، وكان له ورد من صلاة لا يخل به، ~~وصدقة على المحاويج، وإيثار، وكان صديقا للشيخ عمر الطوخي ~~المتقدم، كثير الإحسان إليه، وكان الشيخ عمر كثير التردد إليه، ~~وكان يعرف أحوال القضاء والمكاتيب معرفة تامة، وكان مسندا ms055 كبيرا، ~~سمع على الزين العراقي، وعلى غيره بواسطته شيئا كثيرا، وكان منقطعا ~~إليه، وتزوج إحدى بناتهن وصلى عليه من الغد في باب النصر ~~قاضي الشافعية، الشرف المناوي، وحضر جنازته خلق كثير من العلماء ~~والطلبة وغيرهم، وكان على جنازته أنس كثير، وعظم تأسف الناس ~~عليه، ودفن في أقصى الصحراء، بجوار سيدي عبد الله المنوفي، وخلف ~~ثلاثة رجال: المحب محمد، والزين عبد الرحيم، وعبد القادر، ~~والثلاثة عقلاء، مرضيوا السيرة. PageV01P196 ~~وفي يوم الأحد هذا عمل مولد السلطان، وكانت عادتهم في أكثر ~~السنين أن يعملوه في يوم اثنين، أو خميس، فكان من الخذلان العظيم ~~تركهم للاثنين في هذا العام، وكان ينبغي اختياره فيه، ولو لم يكن له ~~به عادة، لأنه اليوم الذي ولد فيه من يعمل المولد لأجله عليه الصلاة ~~والسلام، من غير ريب، ولأنه وافق في هذا العام أن كان ثاني عشر ربيع ~~الأول، وهو يوم الميلاد في القول الشهير، ولما حضر القضاة شفعوا في ~~القاضي شمس الدين بن البساطي، فأخرج من المقشرة، ولما انصرفوا، ~~وجلس الأمراء جاء الأمير عثمان بن السلطان، ليجلس في راس الميسرة ~~على عادته، فقال الأمير الكبير إينال العلائي: يا مولانا السلطان، ~~ولدك عندنا في مقامك، فموضعه الأليق، ان يكون رأس الميمنة (يعني ~~بيه، وبين السلطان). فقال السلطان: لم تجر بهذا عادة، ونحن لا نغير ~~العوائد، ثم لما انصرف الأمير الكبير عظم ثناء السلطان عليه، وعلى عقله ~~وحشمته وتواضعه وحسن معاملته، ودعا له، أن يمن الله على المسلمين ~~بسياسته لهم، وحكمه فيهم، والمرجو من الله تعالى تقبل ذلك قريبا، وأن ~~يجعل للمسلمين فيه خيرا كثيرا، كما رجي ببركة موافقة يوم المولد للثاني ~~عشر، أن يحصل من السعود في هذا العام، وبعده ما حصل في عام المولد ~~وبعده. ### ||| موت قانصوه: # وفي يوم الاثنين ثاني عشره مات قانصوه البهلوان، وكان من أعيان ~~مماليك الأشرف، وكان فرد زمانه، في حسن الشكل، واعتدال القامة ~~إلى الطول، وقوة البدن، ومعرفة الصراع، ما وضع أحد جنبه إلى أرض ~~قط، وكان من الشجاعة على جانب تهاب ms056 دنوه الأبطال، وله يد في الرمي PageV01P197 ~~والرمح وغيره من آلات الحرب، مع العفة، والصيانة، وحسن السيرة، ~~رحمه الله. ### ||| موت المحرقي: # وفي ليلة الخميس خامس عشر ربيع هذا مات بدر الدين بن ~~المحرقي وكان رجلا عاقلا دينا، وولي نظر خانقاه سعيد السعداء، ~~ونظر الجوالي بعد أبيه مدة، وكان أبوه صديق السلطان. ### ||| تسعير الذهب: # وفي يوم السبت سابع عشره اطلب كثير من المماليك الكتابية، أن ~~يخرجوا من الكتاب، وأن يزيد الإستدار جامكيتهم، وطلب الكل، ~~أن ينفق عليهم ذهبا وامتنعوا من أخذ الفضة؛ لأنها كانت قد رخصت ~~جدا، وكثر فيها الزيف، وكان يعطونهم عن الدينار مائتا درهم وخمسة ~~وثمانون درهما، وكان الدينار إذ ذاك يساوي أكثر من ذلك، فبعض الناس ~~يأخذه بثلاثمائة، وبعضهم بثلاثمائة وعشرة، وإذا صرف بالفلوس، فربما ~~صرف بثلاثمائة وعشرين، فخافهم، وخاف أن يتوقف السلطان في ذلك، ~~فأمر الكتاب أن يثبتوا لهم ما أرادوا، وان يصرف عليهم، فأبوا، وقالوا: ~~نخشى غائلة السلطان، فلا نفعل إلا بإذنه، ثم عرضوا ذلك عليه، فاشتد ~~غضبه على المماليك، وأبى أن يجيبهم، فخاف الإستدار على نفسه واختفى ~~ونودي الأمر السلطاني بزيادة سعر الدينار مائتا درهم وخمسة وثمانون ~~درهما، فزادهم ذلك تكالبا على طلب الذهب لمعرفتهم بعزة الذهب، وأن ~~الناس لا يعلمون بمضمون هذا النداء، وكان الدرهم إذ ذاك بأربعة PageV01P198 ~~وعشرين درهما فلوسا، وكان على أيام الأشرف بعشرين، فعزت الفضة، ~~فجعل بأربعة وعشرين، فجلبت فكثرت، فعز الذهب، فكان الصواب ~~أن ترد الفضة إلى عشرين، فلا تجلب الفضة بعد ذلك، ويجلب الذهب، ~~أو ينادى على الدينار بأنه بثلاثمائة، والله الموفق. ### ||| موت أبي بكر المصارع: # وفي يوم الأحد ثامن عشره، مات أبو بكر المصارع، ناظر مقام ~~الإمام الشافعي والليث وجميع القرافة، كان السلطان أعطاه النظر على ~~ترب القرافة وولي عنه نظر القرافة يوسف شاه معلم البنائين. # وفي أوائل هذا العشر، قدم أبو العباس الوفائي، الذي كان نفي إلى ~~طرسوس، إلى عند أبي الخير - وهو الذي كان ابتدأ رفعة أبي الخير - PageV01P199 ~~بسبب منازعة جرت بينه، وبين أبي الخير، مرض وهو ms057 في بلاد الشام، ~~فروجع السلطان فيه فأطلقه. ### ||| سعر الحبوب: # وفي هذا العشر كان القمح يباع كل إردب منه بسبعمائة، وزيادة، ~~فنزل نزلة واحدة في يوم الخميس ثاني عشري هذا الشهر إلى ثلاثمائة درهم ~~ونيف، وتناقصت أسعار جميع بقية الحبوب، وبعض الأدهان، نسأل الله ~~المزيد، هذا مع أن أكثر الزرع ضربه سموم كان في غالب البلاد في أيام ~~متوالية، قبل اشتداده، فضمر حتى صار القمح كأنه الكمون، ولم يصل ~~الخارج من كثير من الأراضي، إلى ما زرع فيها، ورسم السلطان أن يؤخذ ~~من الفلاحين، من الخراج قدر ما كان يؤخذ أيام الرخاء مرة ونصفا، ~~فكان الحاصل من زرع سنة خمس أكثر من الحاصل من سنة ست، فلم ~~يكن الرخص مستندا إلى كثرة الشيء، ولا حسن تدبير أحد من الناس، ~~ولكنه محض لطف من الله بإسكان الغني، وحسن الرجاء في قلوب ~~الناس، فله الحمد على ذلك. ### ||| أخذ العهد على الذمة في الرقيق: # وفيه كلم القاضي الشافعي السلطان، في أن عند أهل الذمة رقيقا ~~كثيرا، وأن ذلك لا يحل؛ لكونهم مسلمين لتبعهم للسابي، وأن سباتهم ~~مسلمون، فأخذ منهم نحو مائة رأس، وجمع العلماء من المذاهب لذلك، ~~فقال الشيخ أمين الدين يحيى بن الأقصرائي: الأمر أعظم من ذلك فإن أولاد ~~مسلمة القبط فيما تواتر لنا نصارى، فعزم على تفتيش بيوت القبط، ثم ~~كتب على النصارى قسائم بمنعهم من شراء الرقيق، ومتى اشترى أحد ~~منهم شيئا من ذلك انتقض عهدهم، وكان السلطان بالخيار في دمائهم، ~~واسترقاقهم، وأسرهم، وفداهم والله الموفق. PageV01P200 ~~سفر الديري قصة قشتيل ~~وفيه سافر القاضي أمين الدين عبد الرحمن بن الديري الحنفي، ناظر ~~القدس والخليل، وكان قد ورد الخبر أن الفرنج عمروا القشتيل، الذي ~~هدمه المسلمون سنة سبع وأربعين على ظهور أسرى المسلمين ~~في سنة أربع أو خمس، فورد أول شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين ~~كتاب نائب إسكندرية، بأنه نزلت عليه صاعقة عظيمة هدمت بعضه. ### || # وفي هذا الشهر ولى السلطان ياقوت عبد السخاوي أمر ~~الخشابية؛ وذلك أن قاضي القضاة، علم الدين صالح ms058 بن شيخ الإسلام ~~السراج البلقيني، مرض مرضا شديدا، فسعى ابن ابن أخيه، أبو ~~السعادات محمد بن تاج الدين محمد بن قاضي القضاة جلال الدين عبد ~~الرحمن بن شيخ الإسلام البلقيني في وظيفتي تدريس الخشابية، ونظرها PageV01P201 ~~والخشابية مكان في جامع عمرو، محوط بدرابزين من خشب على هيئة ~~المقصورة، مشهور بين الناس أنه المكان الذي كان يدرس به إمامنا ~~الشافعي، فهو بهذا الاعتبار أعظم تداريس مصر، فسعى فيه أبو السعادات ~~بمال، يقال: إنه ألفا دينار، وكان المتكلم له مع السلطان عبد السخاوي، ~~فسأل السلطان عنه، فقال: هو قريب القاضي علم الدين، وهو فاضل، ~~وكان السلطان يبغض البلاقنة. فقال: لان خذ أنت هذا المكان. فقال ~~له ياقوت: يا مولانا السلطان، هذا أجل تداريس هذه البلدة يحضر به ~~ابن البلقيني، ويحضر عنده العلماء، يدرس هو، ويبحث معه العلماء، ~~فأنا لا أصلح لذلك. فقال وليتك النظر، فسعى القاضي الشافعي في ~~التدريس، فعين له، ثم شفي القاضي علم الدين، واستمر ياقوت ناظرا، ~~فزاد ارتفاعه بواسطته مائة ألف، فأوردها للسلطان، وطلب السلطان من ~~القاضي علم الدين الألفين اللذين سعى بهما أبو السعادات وإلا زحزح عنه ~~التدريس للقاضي الشافعي، فتكلم السفراء بينهما حتى رضي بألف فدفعها ~~إليه. # وفي يوم الاثنين رابعه سافر القاضي عز الدين أحمد بن قاضي ~~القضاة برهان الدين إبراهيم بن نصر الله الكناني الحنبلي بعياله إلى القدس، ~~وغيره من بلاد الشام. ### ||| موت ابن عويد السراج: # وفي يوم الثلاثاء خامسه، مات الرئيس الفاضل، سعد الدين بن PageV01P202 ~~عويد السراج القبطي الحنفي، كان من أولاد القبط، ونشأ يطلب ~~العلم ففضل في فقه الحنفية، وشارك في العربية، والمعقولات، وباشر ~~لدولات باي المؤيدي، التوقيع، وضبط الإقطاع، فأعجبه وتقدم ~~[بتقدمه]، وارتفع بارتفاعه فباشر إستدارية سيدي عثمان بن ~~السلطان، وكان عاقلا فطنا، عارفا بالمباشرة، فقربه السلطان، وكان ربما ~~أخبره بعوار ناظر الخاص، والإستدار، فيقال: إن الإستدار دس ~~عليه من سقاه السم؛ فإنه مرض مرضا طويلا، ثم شفي، ثم صرع في ~~القلعة، فحمل إلى بيته، ثم عوفي، ثم صرع في بيت دولات باي، ms059 فحمل ~~إلى بيته، واستمر إلى أن ماتن وكان فيه كياسة، وقضاء للحوائج، ~~وتحبب إلى الناس، وكان خلف ولدا فمات بعده بقليل، وورثه بيت ~~المال.وكان قد رسم بسفر ابن الشحنة، لما تقرر أمر كتابة السر، ونظر ### ||| قصة ابن الشحنة: # الجيش، لمن تقدم، وحسب حسابه، وخيفت غوائله، وكان قد تقدم ~~له أنه يتأخر، بعد أن يؤمر بالسفر، ويسعى في الإقامة مدة إلى أن يقضي ~~ما يريد من الأمور، ولكن لم يكن المباشرون إذ ذاك عليه، فسلط عليه ~~شخص فشكاه إلى السلطان في مستهل هذا الشهر على نظر وقف نزعه ~~منه بغير حق، فاستدناه السلطان، وأحسن الاستماع منه، وقال له: ~~غريمك ذئب، ثم أمر نقيب الجيش بإحضاره بالنقباء، وتخليص حق هذا ~~الشاكي، فأحضر، وادعى عليه عند القاضي الشافعي، فقام في ~~القضية وقعد على نحو ما كان يفعل قبل ذلك، من الأجوبة المسكتة، PageV01P203 ~~والأقوال السديدة، فلم يطعه الوقت لذلك، فعزل من نظر الجيش بابن ~~وجيه الطرابلسي، ولبس ابن وجيه خلعة ذلك يوم الخميس سابع ~~هذا الشهر، وعينت كتابة السر بحلب لابن السفاح، وقضاء الحنفية ~~لابن الحاضري، ورسم بأن يعقد مجلس عند السلطان بقضاة القضاة في ~~أمره، ففعل ذلك يوم السبت تاسعه، فلما احتبك المجلس، قال ابن ~~الشحنة، للقاضي الشافعي: من المدعي علي. فقال السلطان: أنا أدعي ~~أن تحت يده ثلاثين ألف دينار لبيت المال، أودعها عنده تغري ~~ورمش، نائب حلب بمقتضى هذا المحضر، فأخذ الشافعي المحضر، فقرأه، ~~فإذا هو ثابت عند ابن النويري، الذي كان ولي قضاء الشافعية بحلب، ~~ونفذ على ناصر الدين بن المخلة في أيام أبي الخير، فسأله القاضي PageV01P204 ~~الشافعي عن ذلك، فقال: هذا الذي ثبت عليه المحضر، ثبت فسقه عند ~~مولانا السلطان وبعثه في الحديد إلى حلب، واستمر في سجنه إلى أن مات، ~~ومع ذلك، فليس فيه دعوى إلى أحد، ولا مدع، ولا أنه ثبت بمقتضى ~~شهادة أحد. فقال الشافعي: الحاكم إذا حكم لا يستفسر عن مستنده في ~~الحكم، ويحمل حاله على السداد، ثم طلب التأني في القضية أياما، ~~فانفض المجلس ms060 على ذلك، ثم صالح ابن الشحنة عن ذلك بعشرة آلاف ~~دينار لما علم من أنه لا يسمع له كلام، وأن غالب من له الكلام نافذ ~~عليه. # موت الحلبي- رأس نوبة ~~وفي هذا اليوم، مات شهاب الدين الحلبي، الذي كان رأس نوبة ~~أركماس الظاهري، الذي كان دويدار الأشرف الكبير. # ولاية معزي ~~وفي هذا الشهر قدم الأمير معزي الحسني، وولي الينبع، وسافر ~~في العشرين، من هذا الشهر. PageV01P205 ~~وفي يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع [الثاني] هذا ولي الشيخ ~~علي المحتسب نظر تربة الظاهر برقوق، عن كاتب السر، المحب ~~ابن الأشقر، وهو ناظرها، بشرط الواقف. ### ||| موت الشيخ علي: # وفي هذا اليوم، مات الفاضل شمس الدين محمد ابن الشيخ الصالح ~~علي بن عبيد بن محمد المصري الشافعي، بواب الخانقاه الصلاحية، ~~المشهورة بسعيد السعداء، وصلى عليه من الغد، في مصلى باب النصر، ~~الشيخ زين الدين عبد الرحمن الأبوتيجي، في جمع صالح من ~~الطلبة، وأهل الخير، ودفن في تربة الخانقاه، المشهورة بتربة الصوفية، ~~وكان فهمه متوسطا، وله شعر مقبول، وكانت له مشاركة ~~خفيفة في الفقه، والنحو، وكان يقرأ الحديث قراءة حسنة. ### ||| قصة العبد الذي قتل على قثائه: # وفي هذا اليوم، أو في اليوم الذي قبله سجن شخص من العبيد في ~~المقشرة، وتحدث الناس، أنه قتل قتيلا على جرو من القثاء، وحدثني ~~بعض الموقعين، أن السلطان حكم في قضيته بشيء عجيب. قال: وذلك PageV01P206 ~~أن المقتول كان غلاما لجندي من أولاد الناس، فمر على أرض جزيرة ~~الذهب التي بقرب مدينة الجيزة. فأخذ الغلام من مقثأة هناك ~~قثاءة، فخرج إليه العبد الموكل بها، فضربه بمجلبته، فصادفت ~~مقتلا، فمات، وكانت تلك الأرض لأزبك صهر السلطان على ابنته، ~~فأتاه الجندي، فحدثه بذلك، فأحضر العبد موثقا، ثم طلع به إلى ~~السلطان، وطلع أهل القتيل، فما قصت على السلطان القصة، سأل ~~العبد، فقال: ضربته ليذهب، ولم أقصد قتله. فقال السلطان: أطلقوه، ~~وضعوا الحديد في عنق هذا الجندي، ففعل ذلك، فلما انفض الركب، ~~أمر مملوكه تمربغا، وهو الدويدار الثاني بجعل الحديد في عنق العبد، وأطلق ms061 ~~الجندي، وأرسل العبد إلى قاضي القضاء الحنفي، فأرسله إلى المقشرة. ### ||| موت البترك: # وفي يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر هذا، هلك مؤنس بن ~~القس يوحنا بن داود بترك النصارى اليعقوبية بالقاهرة، وكان وليها في ~~خامس شهر رجب سنة ثلاثين، وامتنع كل من يصلح من النصارى، لأن ~~يكون بتركا، من الدخول في ذلك؛ لما أحدث عليه من المظالم، وحصل ~~له من السلطان من الحبس، والشدائد. ### ||| موت أبي السعود: # وفي يوم الاثنين ثامن عشره، مات الفاضل الصالح العابد الزاهد الورع PageV01P207 ~~شمس الدين محمد ابن الشيخ أبي السعود إسماعيل بن إبراهيم المنوفي ~~المصري الشافعي، عن نحو أربعين سنة، وكان نادرة أقرانه في العزلة ~~والتوحش من الناس، وكثرة العبادة، وكان فاضلا في الفقه. وغيره من ~~الفنون، وغسله أخوه القاضي شهاب الدين أحمد الأديب - وكان ~~موسوما -، من بعد الشمس بنحو عشر درج، إلى قرب الظهر، وكان ~~يوما شديد الحر، فأزعج طول الانتظار الناس، وكانوا قد بكروا من حين ~~قيل: إنه شرع في غسله، ولم يتغد أحد منهم، فزادهم ذلك شدة، ~~وانصرف بعضهم، منهم قاضي القضاة ولي الدين الأموي المالكي، وصلى ~~عليه مع ذلك جمع كثير من الأعيان، والطلبة، والصلحاء، ومنهم شيخ ~~التصوف بهذا العصر، الشيخ مدين المالكي، وأم بهم قاضي الشافعية ~~الشرف يحيى المناوي، في باب النصر، ودفن بتربة الصوفية رحمه الله، ~~ونفعنا به. ### ||| وليمة خوند: # وفي هذا اليوم كانت وليمة عافية زوجة السلطان خوند بنت شرباس PageV01P208 ~~خاشوق، أمير السلاح، فطلع نساء الاكابر، وعملت وليمة عظيمة، ~~وسقتهن سوبية، فما شرب منها امرأة، إلا أصيبت، فمنهن من تحامل، ~~ونزل على حمار مكاري، ومنهن من نزل في محفة. ### ||| موت الصابوني: # وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره، مات شمس الدين بن الصابوني ~~العدل بالدكان التي عند حوض مدرسة جمال الدين، وكان عارفا ~~بالورقة، حسن الخط، جيد العبارة، مشارا إليه في ذلك، وجيها عند ~~الأعيان، موثوقا به رحمه الله، ومن الغرائب، أنه كان قد تزوج قبيل موته ~~بشهور يسيرة، وكان يقول: إنه لم ينم ليلة من الليالي خارجا عن زوجته، ms062 ~~فوفت له هي بذلك بتقدير العزيز العليم، فمات هو صبح هذا اليوم، ~~وماتت هي قبيل ظهره، فلم يدخل الليل، إلا وقد ساوته في البرزخ. ### ||| موت ابن جبريل: # وفي هذا اليوم، مات محمد بن جبريل الحنفي، أحد طلبة شيخ ~~الزمان، الكمال بن الهمام، وكان فاضلا في فنون من العلم: الفقه، ~~والأصول، وغيرهما. ### ||| ولاية معزي: # وفي هذا الشهر ولي الأمير معزي الحسني إمرة ينبع، واعمالها، ~~وسافر في يوم الأربعاء العشرين منه. PageV01P209 ### ||| غلو البطيخ: # وفي هذا العام كثرت الأمراض الحادة؛ فغلى البطيخ الصيفي، وكان ~~قليلا، حتى وصلت البطيخة الواحدة إلى أكثر من دينارين، وكان مرضا ~~صعبا، لا يمرض به غالبا إلا أكابر الناس، وأبناء ما بين الستين والأربعين، ~~وقل أن مرض به أحد، إلا مات، ولاسيما إن كان من أهل الخير، أو ~~مشار إليه في فن من الفنون، ومن شفي منه، يمكث زمنا طويلا، حتى ~~يتراجع، وكان يكون غالبا في الرأس والظهر. ### ||| يشبك الصوفي: # وفي هذا الشهر، قال [للسلطان] بعض من له حنو على يشبك ~~الصوفي - وكان في دمياط بطالا - : إنه مريض لا حركة به. فقال: ~~ائت به، فقد أفرجت عنه، فبادر إلى إحضاره، وكان من الأدب، أن ~~لا يخرج من البحر، من شاطئ بولاق، إلا بإذنه، فلم يوفق لذلك، ~~فأتى إليه بفرس، فركبه ومضى إلى بيته، واضطجع على فراش، وأظهر ~~أنه شديد المرض، فكان أصحابه، يأتونه، فيسلمون عليه، فلا ~~يتحرك لأحد منهم، وشكى ذلك الرجل حاله إلى السلطان، فظن أنه ~~متمرض، لا مريض، فقال: أرصدت له إمرة ألف بدمشق، فلم يملك ~~نفسه أن طلع إلى القلعة، فلما رآه السلطان لا قلبة به، تحقق ما كان ~~ظنه، فأمر بأن يعطى مائة دينار، ويسافر إلى القدس، بطالا، ~~ووعد أن يعطيه ما انحل من الإقطاعات بدمشق. PageV01P210 ~~وفي هذا الشهر ول السلطان ياقوت عبد السخاوي نظر الزاوية ~~الخشابية. # وفي أواخر هذا الشهر، عزل قاضي الحنفية بدمشق، حميد الدين بن ~~أبي حنيفة. ### || ### ||| عزل كاتب السر: ~~شهر جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثمانمائة، وفي يوم الخميس ~~خامسه، شكى ms063 بعض الغرباء أنه أخرج عن إقطاعه، فغضب السلطان ~~على كاتب السر؛ لكون هذا الأمر كان في أيامه، فقال: لم أفعل ~~شيئا، إلا بخط السلطان، فأمر بسجنه في المقشرة (سجن المجرمين) ~~فخرج على ذلك، فسأل الدويدار الكبير دولات باي المؤيدي، أن يكون ~~في بيته مرسما عليه، إلى أن يرضى السلطان، فأجابه إلى ذلك، وطلع ~~الشرف الأنصاري، قريب الظهر، فشفع فيه، فأجيب، وأطلق، فذهب ~~إلى بيته، وتأسف الناس له كثيرا؛ لحسن عشرته، ولين جانبه، وشرف ~~نفسه، وعدم شره، وحلاوة لسانه. ### ||| قصة ابن الكويز: # ورسم في هذا الحد على عبد الرحمن بن العلم بن ~~الكويز، الشوبكي الأصل؛ بسبب أنه كان نزل لشخص عن PageV01P211 ~~أرض، ثم استأجرها منه بأجرة معلومة فلما فرغت مدة إجارته أراد ~~المنزول [له] إيجارها، فلم يستأجرها أحد بتلك الأجرة، فشكاه إلى ~~السلطان، فرسم بأن يعيد إلى المنزول له ما دفعه إليه؛ بسبب النزول، ~~قال: لأن النزول لم يصح، ويسلم الشاكي ما أخذ من ابن الكويز من ~~الأجرة، وتضاف الأرض إلى ذخيرة السلطان، ويؤخذ من ابن ~~الكويز.. مال.. ### ||| موت أسطا حمزة: # وفي يوم الجمعة سادسه، مات أسطا حمزة الرومي، وكان رجلا ماهرا ~~في فنون شتى، مقدما في الخياطة، وأنواع التفصيل، محسنا لعمل الدروع ~~المصفحة مذكورا بالرمي في علمه وعمله، ويحبذ القسي الثقيلة الشديدة، ~~حسن العشرة، لين العريكة، قواما في الحق رحمه الله. # وفي أوائل هذا الشهر، أخذ البحر في الزيادة جعلها الله متواصلة، ~~وبارك فيها. # موت خزندار الأمير الكبير. # وفي يوم الأحد ثامنه، مات مقبل خزندار الأمير الكبير إينال العلائي، ~~وكان شابا عاقلا حسن المعاملة، كثير الأدب، قل في مماليك الأمير مثله ~~رحمه الله. ### ||| استمرار كاتب السر: # وفي يوم الاثنين تاسعه، لبس كاتب السر، ابن الأشقر خلعة استمرار ~~على كتابة السر، بعد أن غرم أربعة آلاف دينار، وطلب الإعفاء، PageV01P212 ~~وضمم عليه، ولو بذل جميع أمواله، فلم يجب، والله تعالى يعامله بلطفه، ~~ويدافع عنه؛ فإنه قل أن يكون في الأكابر مثله في الاحتمال، واللين، ~~وتنزيل الناس منازلهم، مع الأصالة في الإسلام، والنشأة ms064 في الخير، والقراءة ~~على الشيوخ، وصيانة النفس عن المدنسات، فعلم من ذلك أنه يراد به، ~~ما أريد بابن البارزي، من أنه لا يخلى معزولا، ولا يكف عن أذاه ~~متوليا، إلى أن تذهب نفسه حسرات. ### ||| موت الشيخ عبد الرحمن ابن داود: # وي هذا الحد بلغنا، أن الشيخ عبد الرحمن بن داود الدمشقي ~~الحنبلي، صاحب الزاوية بأعلى الصالحية، مات ليلة الجمعة تاسع ~~عشري شهر ربيع الآخر، وصلي عليه صبيحة يوم الجمعة، وكانت جنازته ~~مشهودة، بحيث لم يتخلف في دمشق كبير أحد، وكان واسع العقل، حسن ~~الدربة في معاشرة الناس، واستجلاب خواطرهم، وإقامة الناموس على ~~الأكابر، والأصاغر، عاش عمرا طويلا، والأكابر خاضعة له، سامعة ~~لقوله، وله الحرمة الوافرة، والكرم الزائد، وكان مع ذلك فاضلا له ~~أذكار، رتبها من السنة، تدل على كثرة اطلاعه، وكتاب آخر عزى فيه ~~كل ذكر إلى من خرجه من علماء الحديث، وله غير ذلك من المصنفات، ~~وكان إنشاء الخطب، ونحوها من الأسجاع هين عليه، وله مصنف سماه ~~«الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، أخبرني الكمال ابن PageV01P213 ~~أبي شريف، أنه رآه، وأنه واسع جدا، مكون في مجلدين، وأنه عديم ~~النظير في بابه، وبالجملة فلم يكن في زمانه في دمشق في أصحاب الزوايا ~~من يدانيه، فأخذ عنه الشيخ قاسم المغربي صاحب دولات باي. ### ||| عسكر البحيرة: # وفي هذا الشهر بلغ السلطان، أن ناسا من عرب البحيرة اختلفوا، فسير ~~إليهم حاجب الحجاب خش قدم في أتباعه، ومائتي مملوك من مماليك ~~السلطان، فخرجوا يوم الاثنين سادس عشر هذا الشهر. ### ||| قصة بيوت الروضة: # وفي يوم الجمعة العشرين من هذا الشهر، نودي في الروضة عن لسان ~~السلطان، أن يحضر كل من له بها ملك؛ من بيت أو غيره، مكتوب انتقاله ~~إليه، إلى عند يوسف شاه معلم البنائين، ومن لم يحضر ذلك، هدم بيته بعد ~~ثلاثة أيام من المناداة؛ وذلك بسبب أن يوسف شاه ولي النظر على مدرسة، ~~يقال لها: السكرية، فوجد في كتاب وقفها، أن من جملة الموقوف عليها ~~مكان اسمه الروضة، وذكر حدودها ms065 الأربع إلى البحر، فحمل ذلك على هذه ~~الروضة، ومن العجائب أن بعض حدودها، إنما هو إلى المقياس، PageV01P214 ~~وجامعه، فإنها أقدم من هذه المدرسة، فلم يزد الناس حين سمعوا ~~ذلك على التعجب ممن أمر بهذه المناداة، وممن باشرها. ### ||| ابن أبي عذيبة: # وفي هذا الشهر بلغنا موت شهاب الدين ابن أبي عذيبة المقدسي ~~الشافعي، كان ابن شخص من الجمالين (بالجيم) ثم تزوجت أمه شخصا ~~بالقدس يقال لهك أبو عذيبة، فأقرأه القرآن، ثم لما كان عمروه نحو العشرين ~~حبب إليه التاريخ فعاناه، فمهر فيه، وكتب هو لنفسه تاريخا على السنين، ~~وعلى التراجم، وفاض في ذلك كثيرا، وكان قبيح السيرة في أيام صباه، ~~فكان يحب ثلب الأعراض، لعل ذلك يسترضي قبائحه، ويكف عن ذكر ~~فضائحه، فلما بيعت تركته، إذا الذي كتبه من أمور الناس، نحو مائة PageV01P215 ~~كراس، فاشتراها بعض أهل القدس بمال كثير أظنه نحو أربعمائة ~~درهم، فإذا أكثرها في عورات الناس، وأكثرها كذب، وافتراء ولم يسلم ~~منه في هذا عدو، ولا صديق، بل كان أصدق الناس له، أبو العباس ~~المجدلي الواعظ، فقال عنه: إن الذي تحرر له منه بعد الممارسة والاختبار ~~الطويل، أنه ليس له دين، بل دينه دين من يعاشره، ويجد له منه فائدة ~~كائنا ما كان، فأخفى ذلك المشتري ما يتعلق به، وبمن يحبه، أو يرجوه، ~~أو يخشاه، وأذاع ما عدا ذلك، فتكه بعض الناس في أعراض بعض، ~~ولم يبق للناس حديث إلا في ذلك، فأثار في القدس شرا كبيرا، وأورث ~~أضغانا، وأحيا أحقادا، وأطبق الكل على لعنه، وسبه، ولم يوجد بخطه ~~شيء سوى ذلك، قبحه الله، ومات عن نحو خمس وثلاثين سنة؛ فإني ~~أظن مولده بعد سنة عشرين. ### ||| أمر الغلاء: # وفي هذا الشهر بيع الرطل الخبز المصري بدرهمين فلوسا، يكون قيمة ~~نحو قيراطين من درهم، وحسنت أحوال الناس، وتصرم البأس، وليس ~~للسلطان فيه أثر محمود، ما ضبط أنه تصدق فيه برغيف خبز، ولا رتب PageV01P216 ~~شيئا من القمح لفقير، ولا أمر أحدا من الأكابر ببيع شيء من الحبوب ~~ليتسع الناس به، ms066 وبلغني: أنه شكي إليه الأمر في أول الغلاء، حين ما ~~بلغ الإردب دينارين، فقال: إذا بلغ أربعة دنانير أعلموني، ثم بلغ ستة ~~دنانير، ولم يرق لأحد، ولا نزل إلى الاستسقاء. # وكان السلطان، قد طلق زوجته خوند بنت السلطان ابن عثمان، ~~وأنزلها من القلعة، فقطع أرزاقها في هذا الشهر، فلم يسمع بأردى من ~~هذه الفعلة، ولا ألأم من مرتكبها؛ فإنها مسلمة، وبنت ملك، وزوجة ~~ملك، ولو لم يكن شيء من ذلك، إلا خوف أن تجبرها الحاجة إلى ~~الفساد، لكان وازعا عن التضييق عليها، ### || شهر جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وثمانمائة، ### ||| زيادة البحر: # يوم الثلاثاء ثانيه، وهو الموافق لسادس ~~عشري بؤنة، من أشهر القبط، بشر بزيادة النيل، وكانت قاعدة المقياس ~~في ذلك اليوم على خمسة أذرع وعشرين إصبعا. وفي يوم الأربعاء ~~ثالثه، وسابع عشري بؤنة، نودي بأن البحر زاد خمسة أصابع، فصار ~~على ستة أذرع وإصبع. ### ||| وصول الوالي: # وفي هذا الحد، وصلت كتب جانبك الوالي، أنه وصل بما صنع PageV01P217 ~~من المراكب وهي... وما حمل فيها من الخشب إلى الطينة، وعجز من ~~معاكسة الهواء الغربي، عن إيصالها إلى فم دمياط، واستمر مقيما هنالك ~~إلى أن جهز لها سرية تحفظها، ثم قدم إلى القاهرة، يوم الثلاثاء، سلخ ~~جمادى الآخرة، فزينت له البلد. ### ||| خروج أملاك بني البارزي: # وفي أواخر هذا الشهر أخرجت بعض الأملاك المخلفة عن القاضي ~~كاتب السر، كمال الدين بن البارزي، وأضيفت إلى الذخيرة؛ وكان ~~الساعي في ذلك ناظر الخاص، فلم ير أقبح من ذلك، ولا أدل على ~~سقوط المروءة منه، ومن السلطان، أما منه؛ فإن زوجته من الورثة هي ~~بنت القاضي كمال الدين، فلم يذب عن حريمه، ولا أسلمهم لغيره، ~~بل كان هو المنتهك لحرمتهم؛ وما ذاك إلا لما تمكن في قلبه من حسد ~~أبيها على علو الرئاسة، وجميل الأحدوثة، وضخامة الأمر، فصار لا ~~يرضيه إلا أن يطفئ ذكره، وذكر أهل بيته، من الوجود، وأرجو أن ~~الله تعالى يخيبه في ذلك قريبا، ويرد بغيه عليه؛ وأما من السلطان، فإن ~~مطلقته إحدى الوراث، ms067 ففي ذلك ظلمها، ولا يخفى ما في ذلك من ~~العار. ### || ### ||| عزل المالكي والأمر به إلى المقشرة: # وفي يوم الثلاثاء سابع شهر رجب الفرد سنة 56ه، طلب ~~السلطان القاضي ولي الدين السنباطي قاضي المالكية بالقاهرة، فأغلظ له PageV01P218 ~~القول، ورسم به إلى المقشرة؛ وسبب ذلك أنه ادعى عنده مسلم على ~~يهودي شركسي أنه يؤذيه بالطلب من عند غير القضاة، في حق له عليه، ~~وسأله الحكم عليه، بأن لا يعارضه إلا من الشرع الشريف، فأجابه إلى ~~ذلك، فظهر من اليهودي من العناد ما أوجب أن أمر به إلى السجن، ~~ثم أطلقه، فتوصل إلى السلطان بتمربغا الدويدار الثاني، وكان سأل المالكي ~~في تولية بعض من لا يصلح فلم يجبه إليه فأوقف اليهودي للسلطان، ~~وحرفوا له القضية بما أوجب إيقاعه به، وعدم سماع كلامه على عادته، ~~فطلبه، فسأله عن القضية، فشرحها له، فقال: هل تعرف بلسان ~~الشركسي؟ فقال: أحضرت من ترجم عنه وله. فقال: تحققت أنه فهم ~~المراد؟ فقال: أخبر المترجم عنه أنه فهم. فلم يفد ذلك فيه، على عادته ~~في أمور الفقهاء، وأمر به إلى المقشرة، فتلبث في الطريق حتى طلع القضاة ~~الثلاثة، فشفعوا فيه، فلم يدخل إلى المقشرة، وذهب إلى بيته، ~~وضرب المسلم المدعي على اليهودي، بالمقارع، وسجنه في المقشرة، ~~وكانت هذه القضية مصححة لما كان يقال: من أن هذا السلطان، كان ~~يهوديا في بلاد الشركس، وأنه باق على دينهم؛ لأنه كان يؤذي ~~النصارى كثيرا، ولا يعرض إلى اليهود، ومن أجل ما سمعت في ذلك، ~~أن العلامة الصالح، أمين الدين يحيى الأقصرائي، شيخ الأشرفية، حدث: ~~أنه أتى إليه وهو جالس عنده يهود قد وقعوا في جريمة، فقال السلطان: ~~عزروهم. قالك فقلت: يا مولانا، لو كان هؤلاء فقهاء، كانوا قد ~~عوجلوا بالضرب، والسجن في المقشرة، أول ما وقع البصر عليهم. قال: PageV01P219 ~~فبهت، ووقاني الله شره، وهذه من كرامات الشيخ أمين الدين، وأكبر ~~الأدلة على شهامته، وإقدامه، ووثوقه بالله تعالى. # وبالجملة، فلقد طال تخفيض هذا الجبار لأكابر الفقهاء، بالإذلال حتى ~~غلب على الظن، ما حدثني ms068 بعض عقلاء الجند، ودينيهم: أن غالبهم على ~~أديانهم، التي كانوا عليها. قال: وإذا أردت تحقيق أمر الرجل منهم، فانظر ~~حاله مع الفقهاء، فإن كان يعظمهم فهو مسلم، وإلا فلا، فإن أهل كل ~~قطر لا بد لهم من أكابر، يرجع إليهم في شريعتهم، التي يتمسكون بها، ~~ولو لم يكونوا أهل كتاب، فغن عظم الفقهاء عرف أنه انتقل إلى الإسلام، ~~فصار يعظم حملته والقائمين به، وإن كان بخلاف ذلك، فإنه باق على ~~تعظيم أكابر أهل دينه الأول، فلا أحد أبغض إليه من أكابر أهل دين آخر. # قلت: وهذا لعمري كلام حكيم مجرب، فهو من الحكم البالغة، # فتمسك به، ولا تعجل، فإن ذلك لا يعرف إلا مع القدرة، والمنافق ~~يكون مع العجز أشد الناس تعظيما للفقهاء، وإظهارا لما يظن به أن الإسلام ~~راسخ في قلبه، فلقد كان هذا السلطان، قبل السلطة من تعظيم الفقهاء، ~~وإظهار التنسك، والشرع، ومحبة أهل الدين بمكان لم يكن لغيره، حتى ~~كان يظن ولايته، ويدعي برفعته، واستمر بعد سلطته على ذلك سنين، ~~حتى تمكن، ثم إن هذه القضية لم تؤثر في عز طاعة المالكي شيئا، ~~ولم تزده إلا شرفا؛ فإن الناس أطبقوا على الثناء عليه، وذم من تعرض ~~إليه بأذى، وأنه لا يؤذيه إلا منافق، فسقط في يد السلطان، وخشى أن ~~يخرق سياج زوكرته خرقا، لا يقدر على رقعه، فألبس المالكي يوم ~~الخميس، تاسع الشهر، خلعة، وأعطاه بغلة، وبالغ في الاعتذار إليه، ~~والثناء عليه، وشيعه الأكابر إلى بيته. ### ||| وفاء البحر: # واستمر البحر، بحمد الله تعالى في زيادة، لم يمض له يوم بلا زيادة، PageV01P220 ~~سوى يومين، لكن كانت زيادته، ما بين الإصبع، والثمانية، لم يقل ~~عن ذلك، غير يوم واحد زاد فيه خمسة عشر إصبعا، فكان الناس متخوفين ~~قليلا، إلى أن كان يوم الجمعة عاشر شهر رجب الموافق لرابع شهر ~~مسرى، فكان الباقي له من ستة عشر ذراعا مائة واثنتين وثلاثين ~~إصبعا، فزاد عليها إصبعين، إلى يوم الثلاثاء رابع عشره ولله الحمد، ~~وفتحت خلجانه، يوم الأربعاء خامس عشره، الموافق لتاسع ms069 مسرى، ~~من شهور القبط، ونودي عليه في هذا اليوم ستة عشر وإصبعان من سبعة ~~عشر، فاطمأنت خواطر الناس، زاد سرورهم، وشتموا المحتكرين، ~~وانحطت أسعار الحبوب كلها، فكان القمح بمائتي درهم وخمسين درهما، ~~بمعاملة مصر، وذلك نحو عشر دراهم، دون قيمة الدينار، وبقية الحبوب ~~بأقل من ذلك، كان الشعير بمائة وعشرين درهما كل إردب، والفول ~~وغيره بين ذلك، وأبيع الرغيف الذي زنته ثماني أواق بدرهم، وكان في ~~الشهر الذي قبل ذلك بدرهم ونصف، وكان قبل ذلك، في أوائل السنة ~~بثلاثة، وكان وصل في أوائل الغلاء إلى نحو عشرة دراهم. # وفي أوائل هذا الشهر، وهو رجب، وصل القاضي الشافعي بحماة، ~~صدر الدين بن محمد بن هبة الله بن البارزي، وكاتب السر بها، PageV01P221 ~~زين الدين فرج بن السابق، مرسما عليهما من جهة ما كانا يتكلمان ~~عليه من نظر المدارس: المظفرية، والخطيبية، والطواشية بمدينة حماة؛ ~~وذلك أن ناظر الخاص، الكمال يوسف ابن كاتب جكم، كان لما صاهر ~~القاضي كاتب السر، الكمال بن البارزي، شرف بمصاهرته له، ومازال ~~يرقى به، إلى أن داخله الحسد له، فيما أتاه الله مما أثله له الأسلاف، ~~من المجد، وكبره هو بما أتاه الله من جميل الأخلاق، وغزر المكارم، فشرع ~~يتشبه به في ضم طلبة العلم إليه، وعشرة العريقين في الإسلام، والإقلال ~~من أبناء جنسه، من القبط، وسعى في التقرب إلى حاظر السلطان، وأكابر ~~جنده، بكل ما أوصلت قدرته إليه، من استجلاب الاموال، وسوق ~~المنافع، إلى أن امتد صيته، وقصدته أصحاب الحوائج، من البلاد ~~الشاسعة، من القضاة، والحكام، وغيرهم، من آحاد الناس، بحيث لم ~~يبق أحد إلا انتمى إليه ظاهرا أو باطنا، إلا ما كان من القاضي الشافعي ~~بحماة؛ فإنه ابن عم القاضي كمال الدين، وبني السابق فإن بينهم وبينه ~~من القرابة من جهة النساء، والمناسبة من جهة البلد، والعشرة من الصغر، ~~ما يقبح معه انتماؤهم إلى سواه، فكان قل أن يمر شهر إلا رماهم ناظر ~~الخاص بنوع أذى، إلى أن مات الكمال، فخلا له الجو، فأرسل مرسوما ~~يتضمن طلب ms070 الصدر، والزين المذكورين، إلى حضرة نائب حماة، ~~ومحاسبتهما على أوقاف الأماكن المذكورة، متحصلا، ومصروفا، وأن لا ~~يمضي لهما مصروف إلا على حكم شروط الواقفين، وأن لا يقبل في شيء PageV01P222 ~~من ذلك شهادة شاهدي الوقف الصفي بن نجيب، والعلاء بن ~~الدنيف، وأن يكون المتولي لحسابهما القاضيين، الحنفي البدر بن ~~الصواف، والشهاب العباسي الحنبلي؛ والحال أن أنظار الأماكن ~~المذكورة وصلت إلى المذكورين من جهات لا مطعن فيها، ولا مدخل لأحد ~~عليها، أما الصدر فمن أسلافه، وأما الزين فهو نائب أخيه الجمال محمد ~~ابن السابق، والجمال تلقاها عن الكمال بن البارزي، والكمال تلقاها عن ~~أجداده، خلفا عن سلف، إلى المتولي من الواقفين، وأن شروط الواقفين ~~عدمت، ولم يبق للاعتماد في أمورها إلا على الشهرة، وأن الشاهدين ~~المذكورين أجل شهود حماة، قل أن يعمل مكتوب على قاض، أو غيره، ~~إلا بهما، وأن الحنفي والحنبلي عدوا الشافعي وكاتب السر، وهما المنبهان ~~لناظر الخاص على أبواب الأذى للمذكورين، ففعل ما ورد به المرسوم، ~~فأحضر المستحقون، والمباشرون لوظائف الأماكن المذكورة، وقرئ ~~عليهم الحساب، فنطقوا كلهم عن لسان واحد، أن ذلك صحيح، وأنهم PageV01P223 ~~قبضوا جميع استحقاقهم، وأن المذكورين يسيران فيهم أحسن سيرة، ~~فقيل: احلفوا أن الأمر كذلك. فقال بعض طلبة العلم منهم للذي خاطبه ~~بهذا، وهو خشكلدي الكويزي، السفير في القضية: هب أننا حاللنا ~~هذين الرجلين، بما لنا من الاستحقاق، وسوغناه لهما أيحجر علينا في ~~ذلك؟ ومع ذلك كله ضيق عليهما، وهددا إلى أن جعلا للسلطان ألفا ~~وخمسمائة دينار، ثم استصحبهما خشكلدي معه إلى القاهرة، فوصلوا في ~~أوائل هذا الشهر، فقال لهما ناظر الخاص: قد قلت للسلطان أنكما تخدمانه ~~بأربعة آلاف دينار، فعالجاه، وترققا له، وكلمه فيهما مملوك السلطان، ~~تمربغا الدويدار الثاني، فلم يفد، فبذلا للسلطان ما قال، وتكلفا لناظر ~~الخاص، ولبقية المباشرين، والأكابر، من الترك وغيرهم نحو ألفين؛ والحال ~~أنهما لم يتصل إليهما نظر هذه الجهات، إلا من دون ست سنين، وأنهما ~~لم ينتفعا منها، إلا بدون الخمسمائة دينار، وهو معلوم النظر، وكان ناظر ~~الخاص قد أحب ms071 الانفراد بالكلمة، فقل مباشر للسلطان إلا أوقع به، أو هم ~~فلم يقدر، حتى تحاماه الكل في أكثر الأشياء، فلم يبق أحد منهم يروم ~~مناظرته، إلا الدويدار تمربغا؛ لكونه مملوك السلطان، ومع ذلك، فكان ~~يغلب معه في غالب الأمور، وكان قبل الدويدارية أحد أصدقاء ناظر ~~الخاص، ومن يذب عنه، ويقربه إلى خاطر السلطان، وينفعه كثيرا لاسيما ~~في قضايا أبي الخير النحاس إلى أن كان من أعظم ما تعاكسا فيه ابن عز ~~الدين القاضي الشافعي بطرابلس؛ كان قريب ناظر الخاص، موسى ناظر ~~جيش طرابلس، قد عادى ابن عز الدين، فعزله ناظر الخاص، فانتمى ~~إلى تمربغا، فكان لا يفتر عن أذاه، وتمربغا لا يفتر عن الذب عنه، إلى PageV01P224 ~~أن اقتضى رأي تمربغا أن يحسن للسلطان إحضار أبي الخير النحاس، ~~وكان ميل السلطان إليه باقيا، بل لا يزداد على طول الزمان، إلا كثرة، ~~وكان السلطان ساعيا في [ذلك] حين ذهاب أبي الخير بضروب من ~~الحيل منها: أنه لما رأى ميل مماليكه مع ناظر الخاص، شرع كلما طلب ~~منه شخص من أكابرهم شيئا، أجابه ولان له، وأظهر السرور بطلبه ~~منه، ثم إذا حضر ناظر الخاص استدناه، وساره، ثم يلتفت إلى ذلك ~~المملوك في غاية الانحراف فيهدده، ويطرده، وربما أوقع ببعضهم؛ يقصد ~~بذلك أنه إذا تكرر منه هذا الفعل، يظن الأجلاب أن الآفة إنما هي من ~~ناظر الخاص، ومنها أنه قطع عنهم ما كان يوصلهم من البر في غالب ~~الأوقات، ويعتذر لهم، بأنه ليس في الخزانة شيء، إلى أن قال لهم في ~~أواخر ذلك: أنتم قطعتم بأنفسكم؛ كان أبو الخير يأتينا بما ينفق عليكم ~~منه، فذهب وأنتم ترون غيره لا يأتينا بشيء، فلان كثير منهم لإحضاره، ~~ولما علم ذلك منهم، وكرر عليه تمربغا الكلام في ذم ناظر الخاص، وبيان ~~أنه غاش للسلطان؛ يأكل أمواله، ولا يطلعه منها إلا على القليل، طلب ~~من ناظر الخاص يوما خمسة آلاف دينار، فأرسل ألفا، وقال للرسول: ~~غدا أحضر الباقي، فلما كان الغد أحضر إلى السلطان ألفا، فاشتاط ~~السلطان غضبا، ولم ms072 يظهر له على ذلك، ثم أمر تمربغا فأحضر له موقعا، ~~فأمره بكتابة مرسوم إلى نائب قلعة طرسوس، بتجهيز أبي الخير بسرعة، ~~ولم يعلم بذلك على ما يقال إلا تمربغا، والموقع، واستحلف الموقع على ~~كتمان ذلك بالطلاق، وأمر الهجان بالإسراع، ثم إن السلطان ندم بعد PageV01P225 ~~ذلك، وخاف من الفتنة، وأن [لا] يصل إلى مراده، فأرسل ~~مرسوما على يد هجن بنسخ ذلك، فأرسل بعض من علم ذلك ممن أراد ~~حضوره رسولا، أمره بالإسراع، وطي الأراضي، وسهر الليل والنهار، ~~ومسابقة الرياح، يأمر أبا الخير أن لا يقيم في طرسوس، بعد الخلاص ~~بخطة، فإن الأمر نسخ، ففعل ووصل قبل ورود الناسخ، فأسرع ~~[في] الخروج من البلد، وعرج عن الطرق، وطار في الآفاق، إلى ~~أن وصل إلى القاهرة، ليلة الجمعة، رابع عشري شهر رجب، من سنة ~~ست وخمسين هذه، ثم علم به يوم الاثنين سابع عشريه بعض الأكابر، ~~وشاع خبره يوم الثلاثاء، ثامن عشريه، واستمر الناس في خبط شديد، ~~لا تجد أحدا، إلا يذكره ويستثبته والناس من بين مكذب حالف على ~~العدم، ومن بين محرر وصل إليه ذلك بالطرق الصحيحة، فهو عالم ~~بصحته، غير أنه متعجب، لا يخلو من نوع استبعاد، وكان طرق ~~السمع من بعض النقلة، أن السلطان أمره أن ينزل عند الخليفة، فظن PageV01P226 ~~أنه يراد أن يطلع به أمير المؤمنين، ويشفع فيه، ويظهر أنه نزيله، فلا ~~يسع السلطان، ولا غيره التعرض له بأذى، فعلم أن ذلك تدبير ضخم، ~~ومكر متقن، إن لم يحل الله بينهم وبينه حصل به تعب كبير. ### ||| موت الإخنائي والزنكلوني: # شهر شعبان سنة ست وخمسين وثمانمائة، يوم الأحد ~~رابعه، مات القاضي بهاء الدين [محمد بن محمد] الإخنائي ~~المالكي، وكان فاضلا في الفقه، مشاركا في النحو وغيره، وينقل ~~كثيرا من التاريخ، وخلف ولده بدر الدين، موقع الكمال بن ~~البارزي، وهو كأبيه في الفضيلة، عارف بالوثائق، والتوقيع السلطاني، ~~والقاضي محب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن الشيخ مجد الدين ~~الزنكلوني الشافعي، وكان مقدما عند حافظ العصر ابن حجر، استنابه ~~في نظر ms073 المدرسة الصالحية، وغيرها. ### || ### ||| من قصة أبي الخير: # وفي يوم الثلاثاء سادس شعبان هذا طلع القاضي شمس الدين ~~التريكي المغربي التونسي - وكان من أجل أخصاء أبي الخير، وأقربهم إلى ~~خاطره - إلى السلطان، فأعلن أن أبا الخير عنده في بيته، فأظهر السلطان ~~ما يفهم منه أنه لم يجئ بأمره، وسأله عن موجب حضوره، فقال: قصد PageV01P227 ~~نفع السلطان.فقال: إن الناس يبغضونه، ولا يرضون به، ولكن يذهب ~~إلى الحجاز. فقال المسؤول: من فضل مولانا السلطان أن يرى وجهه، ~~ثم يذهب. فقال: دعه يطلع يوم الجمعة. فقال: ترسمون له أن يطلع ~~مع أمير المؤمنين. فقال: لا، بل يرسله أمير المؤمنين مع أخيه، ولا ~~يكلف ذلك بنفسه، وكان قد شاع أن بعض من له غرض في أذى ناظر ~~الخاص من الأكابر أرسلوا إليه من النقد ما اجتمع له منه خمسة عشر ألف ~~دينار، وأنه يريد أن يكملها عشرين، ويدفعها للسلطان عند سلامه عليه. ### ||| وصول ناظر جدة: # وفي يوم الأربعاء سابع عشريه، وصل جانبك، ناظر جدة، وكان ~~أشد الناس عداوة لأبي الخير، وكان من أكابر الأجلاب، ذا طيش وجرأة ~~وإقدام وطلاقة في اللسان، فلاقاه ناظر الخاص إلى البركة، أو أعلى منها، ~~وأعلمه بالأمر، وشد عزمه في الكلام في نقضه، ففعل ذلك يوم الخميس ~~ثامنه، وأعلم السلطان، أن الناس على قلب رجل واحد في بغضه، ~~والإنكار لإتيانه، وأنهم تحركوا لفتنة لا يدرى ما عاقبتها، وكثر له في ~~ذلك، فقال السلطان: غدا أضربه، وأنفيه، فلما أصبح يوم الجمعة ~~تاسعه، طلع أبو الخير، فرسم السلطان به إلى البرج. PageV01P228 ~~وكان يوم الأربعاء هذا سلخ مسرى، آخر السنة القبطية، وفيه وصل ~~البحر إلى عشر أصابع من ثمانية عشر ذراعا. ### ||| ضرب أبي الخير النحاس: # وفي يوم السبت عاشره، ضرب السلطان أبا الخير النحاس أكثر من ~~خمسمائة عصى، ورسم على الشمس التريكي من عند والي ~~الشرطة، واختفى القاضي محي الدين الطوخي، والشهاب أحمد ابن ~~القاضي شمس الدين التنسي،وأحضر التريكي إلى القاضي المالكي، فادعى ### ||| القبض على التركي: # عليه الشرف الأنصاري، الذي تولى وظائف أبي الخير، ms074 بأنه التزم عن ~~أبي الخير بمائة ألف دينار، ورد إلى بيت الوالي، ثم إن السلطان كفهم ~~عن هذه الدعوى، فادعي عليه، بأنه خاض في عرض قاضي الشافعية، ~~الشرف يحيى المناوي. # وفي يوم الثلاثاء ثالث عشره، طلبه السلطان، فأطلع إلى القلعة من PageV01P229 ~~سكن الوالي، من قصر بشتك، إلى القلعة في زنجير، مرسما عليه ~~أربعة جبلية، وشقت به قصبة القاهرة، فلم يقدر اجتماعه بالسلطان، ~~فرد إلى بيت الوالي، في الترسيم من غير زنجير، فأرسل إلى الأمير تمربغا، ~~وكان من أصحابه، يسأله أن يتكلم له مع السلطان في أن يأخذ منه مهما ~~أراد، ويفك عنه الترسيم وكان قد عرف منه كل أحد الشر، والخبث ~~والمكر، واللدد، فخشي تمربغا عاقبة الدخول معه في أمر المال، ~~فأبى أن يفعل ما سأله فيه، فأرسل إلى الشيخ كمال الدين بن الهمام الحنفي، ~~يمت إليه بقراءته عليه، وتردده إليه، وكان قد فعل ذلك، فلما انضم ~~إلى أبي الخير، أنكر قراءته عليه، وسأله في هذه الضائقة، أن يشفع فيه، ~~فقال: هذا رجل شرير، لا أدخل في أمره. فقيل له: هب أنه كفر، ~~فهو يسلم على يدك. فقال: إنه يقول ما ليس في قلبه، كما قال الله تعالى: ~~{قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم}[الحجرات:14]، قد جاءنا من الغرب خائفا يترقب من قضية ~~نسب فيها إلى الكفر، والوقوع في حق الملائكة، وسال إرساله إلى بعض ~~القضاة، يحكم بإسلامه، وقبول توبته، ففعل ذلك، ثم ما نفعه ذلك، ~~ولا كان صادا له، ولا زاجرا عن الخوض في المفاسد، والتعرض للمتالف. PageV01P230 ~~وفي هذا الحد، سأل التقي بن عز الدين الشافعي، الذي كان قاضي ~~طرابلس، وكان قد نسب إلى قضايا فاحشة، أن يذهب معه أحد أعيان ~~الأتراك؛ للكشف عليه، على وجه الحق، وكان قد نسب إلى سوء ~~السيرة، وقضايا شنيعة، منها: محضر أثبته على الزرعي قاضي الحنفية ~~بطرابلس، وكان نائبه في حصن الأكراد، أثبت عليه في ذلك المحضر، ~~أنه ارتكب حال نيابته له بها أمورا فاحشة اقتضت ms075 أنه عزله، واتصل ذلك ~~بمسامع السلطان، فغضب على كاتب السر ابن البارزي، لأخذ ولاية ~~الزرعي بطرابلس، وكان من أتباع ناظر الجيش موسى، فغضب له، ~~وكاتب، بأن ابن عز الدين زور ذلك المحضر عليه، ومما أعان على ثلب ~~ابن عز الدين؛ أنه من طائفة الإسماعيلية، وأن أقاربه منهم الفداوية، PageV01P231 ~~أي الذين إذا كان للسلطان غرض في الفتك بأحد، أرسل أحدا منهم، ~~فاغتاله جهرا، ولهم على ذلك مرتبات، وإقطاعات يأكلونها هم، ~~وأعقابهم، ولهم أنواع من الفسق، هم بها متجاهرون، فلما سأل ابن ~~عز الدين الكشف عليه، ندب السلطان لذلك دويداره الثالث ماميه ~~المؤيدي، وكان شهيرا بين الأتراك وغيرهم بالخير، منسوبا إلى عقل ~~ودين، وحسن سياسة، وسافر في هذا الحد. ### ||| نفي أبي الخير: # وفي يوم الأربعاء رابع عشره نزل بأبي الخير من القلعة فأركب بغلة ~~قصيرة، ووضع في عنقه زنجير طرفه الآخر في جبلي ماش إلى جانب بغلته ~~وقدامه ناس من الجند، ووراءه الوالي معه مماليكه، وجبليته محيطون بأبي ~~الخير، وأحدهم ينادي عليه: هذا جزء من أكل أوقاف المرستان، وأموال ~~اليتامى، وحلف الأيمان الباطلة، وكذب على السلطان، وهو مع ذلك ~~يسلم على الناس، يمينا وشمالا، كأنه غير مكترث، ولا منزعج، وإخوته ~~وراءه، رؤوسهم مكشفة وهم يبكون، وذهب معه دويدار الوالي ليسلمه ~~إلى نائب غزة، يوصله إلى من يليه، إلى أن يصل إلى دمشق، فيحبس ~~في قلعتها، ورسم بأن ينادي عليه تلك المناداة في كل بلد يدخله، واتفق ~~أن صاحبنا الإمام العلامة، كمال الدين بن أبي شريف القدسي، وصل إلى PageV01P232 ~~القاهرة في هذا الوقت، فدخل من باب الفتوح، وخرج أبو الخير ~~من باب النصر، فلم يره، فحدث بذلك شيخنا إمام الوقت قاضي القضاة ~~سعد الدين بن الديري الحنفي، فقال له: فأل والله صالح؛ دخلت من ~~باب الفتوح، وخرج من باب النصر. # فتح سد بني منجا ~~وفي يوم الخميس، النصف من شعبان المذكور، وهو الموافق لثالث ~~توت، وهو يوم المهرجان عند القبط فتح سد بني منجا؛ ~~لينبسط الماء على ما وراءه من الأراضي، وكان الماء ms076 قد بلغ في المقياس إلى ~~اثنين وعشرين إصبعا من ثمانية عشر ذراعا، وانقطع السد بمن كان يفتحه ~~قبل فراغهم؛ فمات منهم ناس، المكثر يقول: مائة، والمقل يقول: ~~عشرة، فالله أعلم بعدتهم، فنقص البحر [28] إلى يوم الأحد ثامن ~~عشره، عشر أصابع، وزاد في يوم الأحد أربعا، نودي بها في يوم الاثنين ~~تاسع عشره، وكذا في يوم الثلاثاء. ونودي في يوم الأربعاء بزيادة خمس ~~أصابع، فأوفى الله ثمانية عشر ذراعا وإصبعا، من التاسع عشر، ونودي ~~في يوم الخميس بزيادة أربع أصابع، وفي يوم الجمعة بثلاث، فذلك ثمانية PageV01P233 ~~أصابع من الذراع التاسع عشر، وهو ما انتهت إليه الزيادة في العام الماضي. ### ||| خشكلدي الدويدار: # وفي هذا الحد، وهو نصف شعبان سنة ست وخمسين، سافر ~~خشكلدي مملوك ابن الكويز، وأحد دويدارية السلطان [الصغار إلى] ~~دمشق على وظيفة دويدارية السلطان بها، ونقل الدويدار الذي أخذ عنه ~~وهو [طوغان مملوك آقبردي المنقار] إلى نيابة الكرك، وكان ~~مشكور السيرة، محبا للفقهاء والفقراء شديد القيام معهم في القضايا ~~المعضلة، ونقل نائب الكرك الحاج إينال إلى دمشق أميرا، وكان أيضا ~~مشكور السيرة بالكرك. ### ||| الحكم على التركي: # وفي هذه الحدود أعيد الإمام محب الدين بن الأقصرائي إلى الإمامة ولما ~~طال أمر التركي عند المالكي، ولم يبت فيه أمرا، وكان رجلا لينا، PageV01P234 ~~خوافا، علم أنه لا يشفي فيه غليلا، ولا يغني كثيرا ولا قليلا، نقل إلى ~~الشافعي، فادعي عليه عند نائبه القاضي نجم الدين بن النبيه، أن أبا ~~الخير ودع عنده لما جرت له تلك الكائنة سبعة آلاف دينار؛ وضم ~~إليها في قدمته هذه ثلاثة آلاف، وأمره أن يوصل ذلك إلى السلطان، ~~فقال: إذا طلعت إليه، فسلمت عليه، طلعت بها، فأنكر ذلك وحلف ~~على عدمه في جامع الأزهر، ثم أقيمت عليه البينة بذلك، وأعذر إليه فيها، ~~فقال عن بعضهم أنه لا يعرفه، واستمهل في إبداء الدافع في البقية، ~~فأمهل ثلاثة أيام، ثم سئل في الرابع، وهو يوم الخميس ثاني عشري شعبان ~~هذا، فلم يجب، فاستمر يكرر عليه السؤال إلى العصر، وهو ساكت ms077 ~~فهدده القاضي فأجاب بأن بينه وبينهم عداوة. فقال: كلهم، أو ~~بعضهم. فقال: كلهم. فقال: قد قلت في فلان أنك لا تعرفه، فكيف ~~تعادي من لا تعرفه؟ هذه مناقضة ولدد!!، ثم أمر نائبه ببت الحكم، ~~فحكم بإلزامه المال، لبيت المال. # وفي ليلة السبت ثالث عشري شعبان، توفي الشيخ الإمام، العالم، ~~القدوة المسند، محب الدين محمد قاضي القضاة رضي الدين محمد ~~المطري الأنصاري الخزرجي المدني الشافعي، بالمدينة الشريفة، كما رأيته في PageV01P235 ~~كتاب بعض المدنيين إلى بعض إخوانه بالقاهرة، وكان قد صلى الجمعة مع ~~الناس، ولم يكن به بأس، بل رقد بعد العشاء رقدة واستيقظ، فطلب ~~عشاء فتعشى، ثم نام، فلما طلع الفجر نبه لصلاة الصبح، فإذا هو ميت ~~رحمه الله، هكذا أرخ، السبت الثالث والعشرين، فكان أول شعبان ~~عندهم الجمعة، ولم يخلف بعده مثله بالمدينة الشريفة، علما، وديانة، ~~وشيخوخة، وإسنادا، وكان مولده في رمضان سنة ثمانين وسبعمائة، ~~فكان عمره ستا وسبعين سنة، إلا أياما. ### ||| قصة للبحر: # ثم فتح من الأسداد ما اقتضى نقص البحر أربع أصابع في يوم السبت ~~والأحد، وفي يوم الاثنين زادها، ونودي بها يوم الثلاثاء سابع عشري ~~شعبان المذكور. ### ||| الحكم بنفي التركي وضربه: # وفي هذا اليوم، طلع القضاة وبعض العلماء إلى السلطان، بطلب منه ~~لهم؛ لأجل ابن التريكي المغربي، فسئل القاضي الشافعي عما ثبت عليه، ~~فقال: ثبت عند نائبي عليه عشرة آلاف دينار لبيت المال. فقال السلطان: ~~فهل ثبت غيره؟ فقال: ثبت أنه فاسق، شاع في الأرض بالفساد، مجترئ ~~على الأيمان الحانثة الغموس بالله، وبالطلاق. فقال: فما يجب عليه؟، ~~فقال: التعزير بما يراه السلطان أهلا له، من الضرب والنفي. فأمر ~~السلطان بضربه؛ فبطح على الأرض، وضرب نحو ثلاثمائة عصى، ثم ~~أقيم، ثم قال السلطان: أين المحضر الذي جاء من الشام؟ فأعطي للقاضي ~~الشافعي، فناوله لنائبه النجم بن النبيه، فقرأه، فإذا فيه: إنه ثبت ~~عليه بشهدة شاهدين، من أهل الفضل، أنه ذكر الحديث الذي ~~أخرجه الشيخان، وغيرهما عن عمر بن أبي سلمة المخزومي، PageV01P236 ~~ربيب النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ms078 أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يأكل من ~~غير موضع واحد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام، سم الله وكل مما ~~يليك. فقال التريكي هذا: لا إله إلا الله، إن بغض الربيب لقديم، ~~أو نحو هذا، مما لا يخفى ما فيه، من انتهاك الحرمة، فقيل له: لا يظن ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا غير قصد التأديب، فحمله حب نفسه ~~على أن قال للذاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسكت، فكان ذلك ~~منه كالتصريح بذلك، فسأل السلطان المالكي ، ماذا يجب عليه، فتلكأ، ~~فقال الشافعي: يا مولانا، أحسن الأشياء في حقنا، وحقه، أن ينفي إلى ~~بلاده، ونستريح من قضاياه، فامر السلطان بوضعه ثانيا، ثم ضرب حتى ~~كان مع الأول نحو خمسمائة عصى، ثم أمر به إلى السجن فوضع في سجن ~~الرحبة، وأعلم السلطان بما هرب لأجله إلى هذه البلاد مما وقع فيه، في ~~بلاد المغرب، فرسم بنفيه، وأن يكتب إلى صاحب تونس، أبي عمر ~~وعثمن بن المنصور بن أبي فارس: «إنا لم نكن نعلم ما وقع لهذا PageV01P237 ~~الرجل معكم، فأقام في بلادنا، فسعى فيها فسادا، وأوقد نار الفتن بين ~~أكابر العباد؛ فادعي عليه عند قاضي الشرع، فثبت فسقه، وعزر بما يليق ~~به، من ضرب وسجن، ولما تواتر لدينا ما اتفق له في بلادكم، من مثل ~~ما اتفق في بلادنا، من ارتكاب الجرائم، والاقتحام في العظائم ~~جهزناه؛ بحكم حاكم الشرع إليكم، وأقدمناه عليكم، لتقيموا عليه ما ~~أقمناه من أحكام الله، مما يكون رادعا لأمثاله، وصادا لأشكاله، عن ~~انتهاك المحارم، والاعتماد على المراحم». ثم قدم في آخر شعبان هذا، ~~رسول، يقال له: الخولاني. من عند أبي عمرو المذكور، بكتب يخبر فيها ~~أنه جهز مالا يشترى به سلاح، يوقف في ثغور بلاد السلطان؛ لتكون ~~له به ذكر جميل، وقربة إلى العظيم الجليل، فقص هذا الرسول قصة التركي ~~في بلاده، من أنه زور على قاضي الجماعة بمداد لا يكتب به إلا هو، ~~أنه ولاه أنظار أحباس ابن ms079 عرفة، وأوقف السلطان أبا عمرو المذكور PageV01P238 ~~عليه، فأمضى له السلطان ذلك، فحضر في اليوم الثاني مجلس السلطان، ~~وجلس فوق كل من فيه، من قاض وغيره، فكان إلى جانب السلطان، ~~فلما وضع الأكل، وضع بين يدي السلطان ما جرت عادتهم في المغرب ~~أنه يختص به، ولا يمد أحد يده إليه، حتى يأخذ السلطان منه حاجته، ~~ثم يأمر بتفرقته على الحضور، فلما مد السلطان يده، مد التركي يده إلى ~~حيث مدها السلطان، فحصل له بذلك من العظمة في نفسه ما أطاش ~~عقله، وكان في البلد امرأة في غاية الجمال، تحت نقيب الأشراف، ~~فأرسل إليها ورقة بخط يده يستدعيها، ومن جملة ما في الورقة: «إنك، ~~ما أنت من البشر، إنما أنت حورية من الجنان، ولكن غفل عنك رضوان، ~~حتى خرجت». وفي اليوم الثاني عاد إلى مجلسه ومأكله، فاجتمع قاضي ~~الجماعة ابن عقاب بالسلطان بعد انفضاض المجلس، وشكى إليه ما فعل ~~هذا من قلة الأدب، فقال له السلطان: أنت قدمته، فأنكر القاضي ذلك، ~~فأحضر له السلطان خطه، فأنكره، وقال: هذا زور، اطلبه، فطلبه، ~~فاختفى، وأرت امرأة نقيب الأشراف زوجها ما أرسل فأحضره إلى PageV01P239 ~~السلطان؛ فاشتد طلبه له، فاستمر مختفيا حتى قدم مع الحجاج. قال هذا ~~الرسول: فأرسلني السلطان بكتاب أمر فيه أن أرده، حيث وجدته ~~موثقا، فلم أجده إلا في هذه البلاد فما أمكنني ذلك. وحدث أن أمه ~~مغنية، يقال لها بنت ابن عرابة، وأن اسم أباها ابن عرابة هذا، (وهو ~~بفتح المهملتين، وآخره باء موحدة مخففا) كان مسخرة في تونس، ثم ~~صار يضحك السلطان، فعظم أولاده بسبب ذلك، العظمة التي تحصل ~~لأمثالهم، ثم لما نشأ هذا اشتغل بالعلم، فصار في هذه الرقاعة، وهذا ~~الفجور اللذين لا يكونان إلا ممن هذا أصله، فزاد عليه الأمر شدة؛ ~~بسبب هذا الرسول، واستمر في السجن حتى ضبط موجوده، وكان ادعى ~~أن ذلك كله ملك ولده، فقيل له: إن كان لك فقد ثبت في جهتك مال ~~عظيم لبيت المال، وإن كان لولدك، فولدك هاهنا مع أمه، وأنت قد ms080 ثبت ~~فسقك، فلا ولاية لك عليه، فوليه القاضي، فالمال تحت يده، لا تذهب ~~منه بشيء، فلما انتهى ذلك وضع يوم الأربعاء في زنجير طرفه في عنقه، ~~والطرف الآخر في عنق جبلي وأخرج من سجن الرحبة إلى بيت الوالي ~~في قصر بشتك ، ثم شقت به القصبة، حتى خرج من باب زويلة، ~~فلما مر تحت الربع على دكان أبي الخير النحاس، قال له قائل: انزل ~~هاهنا، فقبل عتبة هذا الدكان التي أوصلتك إلى هذا الموصل، وتذكر ما لها عليك ~~من الأيادي؛ حيث أنزلتك هذا المنزل. وقال له: إن أمك المغنية ستلقاك بدفها PageV01P240 ~~من باب تونس تدفن، وتقول: ابني ذا الخنزير جاني في زنجير، ~~ابني ذا الخنزير جاني في زنجير. وكان يقال له: أنت تركي خارج الدار، ~~وقيل: لم ير خامس مثل هذا، يشير قائل ذلك إلى ما شاع بين كثير ممن ~~لم يقر الإيمان في قلبه، أن بعض أيام الشهر مشؤومة، وهي الموافقة ~~للأحرف المنقوطة من قول الشاعر: ~~محبك يرعى هواك فهل %% تعود ليال بظل الأمل ~~ومنها خامس الشهر، كما ترى. # ومن طريف ما وقع، أنه كان تحته على الحمار الذي ركبه نطع، ~~فقيل: هذا هيأ النطع؛ لأنه قادم على السيف، فتضرب عنقه على نطعه، ~~ورسم أن يكون كذلك، ومعه من يحفظه من الجند والجبلية إلى ~~الإسكندرية، ثم يجهز معه من إسكندرية في أول مركب تتجهز من يحتفظ ~~به، وهو في زنجيره إلى أن يدخله إلى تونس كذلك، ويعيد جواب صاحب ~~تونس بوصوله. # ولما وضعوه في المركب، قال لهم رسول صاحب تونس إنه يخشى ~~أن يرمي نفسه في البحر، فيغرق هو والجبلي المقارن له ففك الزنجير من ~~عنق الجبلي، ولف على الخشبة المسماة في المركب بالعروس، ~~وأقفل عليه، نعوذ بالله من سخطه الموجب لسخط عباده، وأخبر الذين ~~وكلوا به، أنه ما مثل لله تعالى، من حين صحبوه إلى أن فارقوه صلاة ~~واحدة. PageV01P241 ### || ### ||| سفر ابن الشحنة: # وفي أوائل شهر رمضان سنة ست وخمسين المذكورة، سافر المحب ~~ابن الشحنة، بعد أن رأى من تنكر ms081 الناس [له واستثقالهم] به، ~~وإعراضهم عنه [ما آيسه] من تحصيل شيء مما ذهب منه، وخاف ~~من زيادة أذى، كما حل بالتركي، وهو كان صديقه. ### ||| قصة نقيب الشافعي: # وفي أوائل العشر الثاني من شهر رمضان، رفع إلى السلطان ما يعمل ~~أبو الخير بن الكوم الريشي، نقيب القاضي الشافعي، يحيى المناوي من ~~البوائق، فأرسل إليه، أن يعزله، فأظهر أنه عزله من النقابة، واستمر ~~على عادته في بيته، فأظهر أنه يكتب مع مباشري الحرمين، فلم يحصل ~~ما أراد السلطان، فظن أحد أمرين؛ إما أن يكون راغبا في إقامته لما ~~ذاق منه من المنافع التي لا يقوم غيره فيها مقامه، وإما أن يكون اطلع منه ~~على ما يخشى مجافاته معه، والله أعلم، ثم شدد النكير عليه بما اقتضى منعه ~~عن بابه أصلا. # وفي أوائل هذا الشهر فيما أظن، وردت مكاتبات من دمشق، بأن PageV01P242 ~~الحاجب، وجماعة من جهة النائب كبسوا الناس في الربوة لينقوا ما ~~عندهم من الفساد، فرجموهم، فاشتاط السلطان غضبا لذلك، وأمر بأن ~~يغزى أهل دمشق، وعين جيشا لذلك، ولم يزل من له الأمر في ترجيعه ~~عن ذلك إلى أن رجع، وأرسل إليهم من صادرهم في عشرين ألف درهم ~~فضة. # قصة الحصني ~~وفي أواخر هذا العشر حصل بين التقي أبي بكر الحصني الشافعي، ~~شيخ إحدى مدارس الزين يحيى الإستدار، وبين زوجته بنت الجمال ~~بن هشام الحنبلي شر، وكأنها كانت تكرهه، فرفعت أمرها إلى قاضي ~~الحنابلة، البدر بن البغدادي، وكان أراد أن يزوجها لشخص من جماعته، ~~فخطبها الحصني، فمالت أمها إليه، وأسمعت الحنبلي ما يكره، فتزوجها ~~الحصني برغم الحنبلي، فلما رفعت شكواها إليه، طلب الحصني فامتنع، ~~وطلع إلى السلطان، فتكلم في الحنبلي، فبلغ الحنبلي، فطلع إلى السلطان، ~~وأنهى إليه أن زوجة الحصني شكت منه أمورا قبيحة شديدة الشناعة مستهجن ~~ذكرها، وجمع المرأة وأمها بالسلطان، فشافهتاه بذلك على ما قيل، فزاد PageV01P243 ~~انحراف السلطان عليه، على عادة بادرته، لاسيما في حق أهل العلم، ~~فرسم أن يحضر إلى الحنبلي على حالة فظيعة، وأن ينفى، فحضر ليلة ~~الخميس ms082 العشرين من هذا الشهر، ثم طلق المرأة في يوم الخميس ~~المذكور، وعلم الحنبلي أنه يلام على ذلك، فطلع إلى السلطان بعد ظهر ~~هذا اليوم، ليشفع فيه، فلم يخرج إليه السلطان، فجلس لانتظار خروجه ~~العصر، فبلغ السلطان، فأرسل إليه: أن انزل، فنزل، وأمضى أمر نفي ~~الحصني، فتوجه به أعوان نقيب الجيش، ثم طلع العلامة، أمين الدين ~~الأقصرائي الحنفي يوم الجمعة قبل الصلاة، فشفع فيه، فقبله السلطان، ~~وقال له: أريد أن تنزل إلى الحنبلي، تأمره أن يأتي فيكلمني فيه، فإنه ~~أتى لذلك ورددته ففعل، ولحقه البشير في الخانكة، فرده واشتد تألم ~~الزين يحيى الإستدار لذلك. # وبلغنا أن التريكي دفع إلى مركب في ميناء إسكندرية، وأشهد على ~~المتكلم به أن تسلمه سالم الجسد، بزنجير في عنقه، وقيد في رجليه، ~~وعليه إيصاله لصاحب تونس، وأنه لما كتب الإشهاد بذلك بكى، ثم ~~خاف أن يفهم الحاضرون أن تصبره قبل ذلك إنما كان ترجيا لأن يحصل ~~له نوع من أنواع الفرج، يرجع بسببه إلى مصر، وأن بكاءه الآن ليأسه ~~من ذلك، فقال: لا تظنوا أن بكائي جزعا مما مسني، أو من قدومي ~~على تونس، وليس لأمر كذلك؛ فإنها بلدي، وبها أصدقائي، وأحبائي، ~~وإنما ذلك لأني تذكرت اولادي بمصر؛ فرققت لذلك، وانه أقلع بذلك ~~المركب، يوم الاثنين رابع عشري شهر رمضان هذا. ### ||| وداع مناوي البحر: # وفي يوم الخميس هذا، وهو الموافق لثامن بانة، ودع منادي البحر، ~~بأن البحر انتهى إلى اثني عشر إصبعا من عشرين ذراعا، وأخبرني أنه ~~في هذا اليوم، أنه ثابت على خمس من عشرين، ولله الحمد، نسأله أن PageV01P244 ~~يجعل العاقبة بأتم بركة، وأزكى خصب ونعمة. ### ||| قصة ابن الشهاب الكوم الريشي: # وفي يوم الجمعة ثامن عشري رمضان هذا وضع جانبك والي الشرطة محمد ~~ابن الشهاب أحمد بن عثمان الكوم الريشي في زنجير، وأرسله إلى سجن ~~الرحبة، ثم ضربه في أواخر هذا اليوم ضربا مبرحا، وشهره في القصبة، ~~وأمر به إلى المقشرة؛ وذلك أنه قصد أذى شخص، فذهب إلى مسجد ~~يتعلق به ليلا، ورفع فيه قدرة ms083 فيها حشيش مما يسطل، ثم أتى إلى ~~الوالي، وطلب منه أن يرسل معه من يكشف أمر ذلك المسجد، ففعل، ~~فوجد ذلك الذي وضعه، فأحضر الوالي المسكر، فسأله، فظهرت ريب ~~تكاد تنطق بأن ذلك مفتعل عليه، فأحضر الوالي غفير الحارة التي ~~المسجد فيها، وسأله، فأعلمه: أنه أتى إليه ليلا ثلاثة أنفس، واستدلوا منه ~~على مفتاح المسجد، فدلهم عليه، فدخلوا إليه لحظة وخرجوا، فأعطوه ~~شيئا من الدينار، وأمروه بإخفاء أمرهم، فقال: أتعرفهم؟ فقال: ربما. # فقيل: انظر، فنظر في الناس، فعرفهم، فأخذ من بينهم ابن الكومي هذا، # وفعل به ما ذكر، وسر به الناس؛ لأنه شديد الفجور، والانهماك في ~~الشرور، والاقتحام في العظائم، وحضر معه إلى السجن ناس كثير جدا ~~يصيحون عليه، ويظهرون له الشماتة، ويشتمونه، وإنما خص من بين ~~رفقته بهذا؛ لأنه كان قد أفحش في أمر الشمس التريكي، وأكثر من ~~شتمه، واستمر معه إلى بولاق، وكان المذكور صديق تمربغا مملوك ~~السلطان، ودويداره الثاني، وكان كل ما فعله معه بالرغم منه، ~~ولكنه لم يجد للكلام مجالا، فسكت على أسف، وكان الوالي يعلم منه ~~ذلك، وهو صديق ناظر الخاص، وكان ناظر الخاص، أكبر القائمين ~~على التريكي، فكان الوالي يراعيه في أمره على خوف من تمربغا، PageV01P245 ~~ولكن لا يسعه إلا ذلك؛ لأن السلطان رسم به، فلما وقعت هذه القصة ~~لهذا الرجل، الذي أظهر الشماتة للتريكي، وأكثر من سبه، أراد التقرب ~~به إلى خاطر تمربغا، مع ما يعلم من استحقاقه لذلك، وسرور الناس به، ~~والله أعلم، ثم لم يلبث إلا نحو يومين، وأطلق بعد أن غرم للوالي ملة ~~مال. ### ||| قصة رأس الفرس: # وفي أوائل هذا الشهر أرسل سيدي عثمان بن السلطان إلى قانباي ~~الشركسي أمير آخور، رأس فرس، وذلك أنه طلب منه فرسا من علية ~~خيل أبيه وجيادها، فقال له: لا أقدر أدفعه إليك إلا بإذن من السلطان، ~~فكره ذلك، وشق عليه، وراجعه في أمره، وأراد أن يعطيه إياه بغير إذن، ~~فلم يجب إلى ذلك، فغضب منه سيدي عثمان؛ فاستأذن السلطان في أمر ~~الفرس، فأذن ms084 له في دفعه إليه، فأرسله إليه، فأمر من نظر هل كان إرساله ~~له من غير إذن أبيه، أم بعد إذنه، فعلم أنه عن إذنه، فذبحه في الحال، ~~وفرق لحمه، وأرسل الرأس تشخب دما إلى قانباي، وكان خفيفا أهوج، ~~فلما كشف عنه راعه مكانه واضطرب أمره، ثم ذكر ذلك للسلطان، ~~وقال: ما فهمت المراد من إرساله إلي!. فتبسم السلطان، وقال: ليس ~~له مراد، إلا أنك رئيس لا يصلح لك إلا الرأس، فسكت قانباي على ~~ما بقلبه، وزاد تمرد سيدي عثمان، وظهور جبروته، وشفع عند ~~المباشرين، وأغلظ لمن توقف في قوله، واشتد شكمته، وعلت همته، ~~فخيف، وحسب حسابه. ### || شوال سنة 856ه ### ||| استعفاء الوزير: # وفي يوم الاثنين، ثاني شوال من السنة، تعرض بعض الأجلاب للوزير ~~أمين الدين بن الهيصم، فخاف على نفسه، فاختفى، ثم ظهر، وأظهر ~~العجز، وطلب الإعفاء من الوظيفة، فترفق السلطان به، فأصر على طلب PageV01P246 ~~الراحة، فأجيب، ولبس تغري بردي القلاوي، كاشف الجيزة، ثم ~~الصعيد يوم الخميس خامس شوال هذا خلعة الوزر، وقوي ~~بالإقطاعات وغيرها، وفرج كاتب المماليك، خلعة نظر الدولة، PageV01P247 ~~وكان مع ابن الهيصم قبل الوزر، فلما استوزر ترك معه. ### ||| قصة نائب الكرك: # وفي نحو النصف من شوال هذا، ورد الخبر بأن طوغان الأقباي، الذي ~~ولي نيابة الكرك عن الحاج إينال، كبس بعض العربان العصاة ببلد ~~الكرك، فهربوا منه، فأخذ بوشهم (أي جمالهم) وأمتعتهم، ثم مر ~~ببعض الطائعين من العربان، فلاقوه، وأنزلوه، وأضافوه، فقبض على نحو ~~عشرة من أكابرهم، ووضعهم في زناجير، فقالوا: يا مولانا، نحن ~~رعيتك، وما لنا أستاذ إلا أنت، قد لاقيناك، وأضفناك، وليس لنا ذنب، ~~فلم فعلت هذا بنا؟!، فقال: فعلته، فزادوا في الترقق له، وذكر ما ~~يعطفه عليهم، فلم يجد ذلك، ولم يذكر ذنبا يستحقون ذلك به، ثم ~~سار بهم، فركب العرب، وتبعوه متسلحين، فغضب من اتباعهم له، ~~وضرب أعناق الذين وضعهم في الزنجير، فشد عليه العرب، فقتلوه، ~~وغالب من كان معه، فلما بلغ السلطان الخبر، قال: لا رحمه الله، ثم ~~أمر بكتابة مرسومه إلى العرب، ms085 يخبره: أنه بلغه بغي طوغان عليهم، ~~وانه كان يستحق ما فعلوه به، وأنه لا تبعة عليهم بسببه، وأمر بالإسراع ~~في إيصاله إليهم؛ خوفا من أن يؤذوا الحجاج وعين يشبك طاز، ~~وكان صاحب نظر طرابلس لنيابة الكرك ونائب البيرة، لحجابة ~~طرابلس. ثم قدم كاتب سر الكرك، القاضي علاء الدين علي بن القاضي PageV01P248 ~~تقي الدين أبي بكر بن الرضي الكركي الشافعي، والحاجب بالكرك بسيف ~~النائب، فأخبرني ابن الرضي؛ أن هذا الذي بلغ كذب، يظن أنه من ~~ترتيب العرب ليتحصلوا به غليظ السلطان، وأن الأمر الذي كان، أنهم ~~ساروا حتى بلغوا جربا، فشكى أهلها إلى النائب، أن فخذا من ~~العرب يقال لهم الصميدات (بضم المعجمة) الساقطة من بني عقبة ~~آذوهم، ورعوا مباقلهم، فقصد إليهم فنهاه من معه، من ذوي ~~الرأي؛ لما يعلمون من شدة المذكورين، وكثرة أنصارهم، وبعدهم عن ~~محل الغوث للنائب، فلم يرجع، فلقى اثنين من أكابر بني عقبة في طريقه، ~~فنزلوا إليه، وسلموا عليه، فقبض عليهم، ووضعهم في زنجير، ثم اثنين ~~أيضا كذلك، ثم واحدان فحذره القوم، وركبوا وتفرقوا جماعات، على ~~كل تلعة جماعة، ولم يزل سائرا، حتى اشتد عطش الخيل، وكان قد PageV01P249 ~~مر على أذرح، فلم يستق من مائها، وأراد أن يسقي من معان، ~~فلما طال الأمر، وصار وراء كثير من العربان، رجع إلى أذرح، فتبعه ~~العرب من كل شرف، فنشب الحرب من بعد الظهر إلى قريب ~~الغروب، فقتل هو في رقاق أذرح، بعد أن ولى هاربا، وقتل من ~~جماعته أكثر من عشرين رجلا، منهم مهنا بن خاشوق، وكان أفرس القوم ~~يومئذ وحاميتهم رحمه الله، ونجا الباقون، وما كادوا، ولما وقف كاتب ~~السر، والحاجب للسلطان بسيف النائب، أمر بالحاجب إلى المقشرة، ~~لجريرة كان اجترحها بالكرك، تتعلق بالقلعة، وقرب ابن الرضي، وأنعم ~~عليه؛ لأنه كان جرح في الوقعة في يده، فعرف له ذلك، وزاد الثناء ~~عليه، والإحسان إليه. ### ||| سير الحاج: # وفي يوم الخميس تاسع عشر شوال، خرج المحمل من القاهرة إلى ~~بركة الحجاج، ومعه دولات باي، دويدار السلطان الكبير، أميرا ~~للركب، ms086 وخرج بجهاز بهر العقول، وأخبر الشيوخ، أنه ما خرج ~~بمثله أمير ركب قط، ولم يكن السلطان أعطاه إلا خمسة آلاف دينار، ~~مع أن عادة مثله على السلطان عشرة آلاف دينار، وفي سنة أربع وخمسين، ~~أعطى أمير الركب تمربغا، الدويدار الثاني عشرة آلاف نقدا، وأمتعة، ~~وجمالا بعشرة آلاف، وخرج المحمل في هذه السنة، ولم يعين السلطان ~~أميرا آخر ليسير بركب بين يدي المحمل، كما جرت به العادة، وكان الحاج ~~كثيرا، فما شك دولات باي، أن المقصود أن يونوا ركبا واحدا فاشتد ~~ذلك عليه، خوفا من كثرة تزاحمهم على الموارد، وتضييق بعضهم على PageV01P250 ~~بعض، فلما كان يوم السبت حادي عشري الشهر، أرسل السلطان إليه ~~إلى البركة، أن يسير في ذلك اليوم بين يديه ركبا أول، ويرسل معهم ~~دويداره فارس أميرا فتضاعف غمه لذلك؛ لما فيه من إمارات الغضب ~~عليه، وتكليفه ما لا يطاق، فإنه لم يتأهب لذلك، ولم يسعه التأخر، ~~فسار دويداره ببعض الحاج في ظهر يوم السبت المذكور، وسار هو ببقية ~~الحاج صبح يوم الأحد ثاني عشريه، وفيهم سيدي خليل بن الملك ~~الناصر فرج بن برقوق، وكان قبل بإسكندرية، وفيهم من أكابر العلماء، ~~الشيخ كمال الدين بن الهمام، وقد جهزه السلطان بعياله، وصرف عليهم ~~نحو خمسة آلاف دينار، وكان في هذا الركب العلماء، والصلحاء، ~~والأعيان، رعاهم الله بعين عنايته، وكان قاضيهم الفخر عثمان المقسي ~~الشافعي. ### || ### ||| قضاة طرابلس: # شهر ذي القعدة سنة ست وخمسين وثمانمائة، قدم في أوله قضاة PageV01P251 ~~طرابلس، البرهان السوبيني قاضي الشافعية، وزين الدين عبد الرحمن ~~الزرعي قاضي الحنفية، والتقي بن عز الدين الشافعي، وماميه ~~الدويدار، الذي ذهب معه للكشف عن سيرته، ومعه محاضر بأن سيرته ~~حسنة، لم يظلم في أيامه أحدا، ولا حاد عن الصراط السوي، وأن المحضر ~~الذي أثبته على الزرعي حق ظاهر، غير زور، ومع السوبيني والزرعي ~~محضر بأن محضر ابن عز الدين زور، وقاصد من عند نائب طرابلس ~~معه كتاب نائب طرابلس، بأن ماميه أساء على القضاة، وأكره الشهود ~~الراقمين في محضر ابن عز الدين، فغضب ms087 السلطان على ماميه، فأنكر، ~~وطلب الكشف عليه في ذلك. وأرسل ناظر جيش طرابلس إلى تمربغا ~~الدويدار يعده بمبلغ كبير، ويترقق له ليسكت، فلا يساعد خصمه. ### ||| قصة الشافعي مع تمربغا: # وفي يوم السبت سادس الشهر أتى إلى الشرف المناوي، قاضي الشفاعية ~~نقيب من بيت الدويدار الثاني تمربغا، ليأخذ من بابه غريما، فأمر به ~~إلى السجن، وطلع إلى السلطان، فشكى إليه تمربغا، وقال له: إن أهين ~~الشرع في أيامك، فمن يعزه، فتغيظ على تمربغا، وصوب فعل الشافعي، ~~وقال له: لو أن ولدي كان عندك في دعوى وأتيت أنا إليك لآخذه، ~~فلا تمكني منه. فتعصب مع ابن عز الدين أسنباي، أحد أكابر الأجلاب، ~~وتنم المؤيدي، أمير المجلس، وذهب أسنباي إلى تمربغا وغيره فاستنهضهم، ~~ولم يزل يفتل هذا الأمر في الذروة والغارب إلى أن أرسل السلطان في بكرة ~~هذا النهار وهو السبت نقيب الجيش إلى الشافعي ليرسم على السوبيني، PageV01P252 ~~وإلى الحنفي سعد الدين بن الديري، ليرسم على الزرعي، ويطلعا بهما ~~صبيحة الأحد في بقية القضاة لينظرا في مسألتهما ومسألة ابن عز الدين ~~ففعلا، فلما سمع ناظر الخاص بذلك علم أن السلطان عزم لهما على ~~شر، وأن ذلك ينجر إليه، وإلى قريبه، فأرسل إلى كل من الشافعي ~~والحنفي يسألهما في إرسال القاضيين، وعليه إحضارهما، ففعلا، ثم كتب ~~على لسان قريبه موسى كتابا إلى تمربغا، يذكر له، أنه جهز مع حاملها ~~ألف دينار له، وحلة كبيرة للسلطان، وترقق له، وسأله المساعدة ~~ليكون أحد صنائعه، والمنتمين إلى بابه، ودفع إلى شخص ألف دينار، ~~وجهزه بالكتاب، فأوصله إلى تمربغا، ودفع إليه الألف، فطلع العصر ~~إلى السلطان على عادته، وكلمه في الكف عن عقد المجلس؛ بسبب أنهم ~~أصدقاء، وأن ابن عز الدين تلميذ السوبيني، وأنهم لا يحبون تفاحش ~~أمرهم بعقد المجلس، وأنهم يصطلحون، فأبى ذلك إباء شديدا، فأعلم ~~ناظر الخاص بذلك، فجزاه خيرا، وسأله البقاء على مثل ذلك، ثم أرسل ~~أمه إلى السلطان، ومعها مما يليق به، وبحظاياه من العروض والجواهر ~~والنقود والتحف، ما يجل عن الوصف، قيل: إنه ms088 يساوي عشرة آلاف ~~دينار، فسأل الجميع السلطان، في نصرة السوبيني والزرعي، ~~سجن ابن عز الدين في المقشرة، وماميه في البرج: ~~وعقوبة ابن عز الدين، وما الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا، مثل الشفيع الذي ~~يأتيك عريانا، فوعد بذلك، ووصل الخبر إلى ناظر الخاص بذلك قبل أن ~~ينام. وفي بكرة يوم الأحد سابع ذي القعدة المذكور، طلع الثلاثة؛ ~~السوبيني، والزرعي، وابن عز الدين، فقام لهم السلطان، وأجلس ~~السوبيني عن يمينه، والزرعي عن يساره، وابن عز الدين بين يديه، ثم PageV01P253 ~~سأل السوبيني عن المحضر الذي معه، فأظهره له، فقال لابن عز الدين: ~~ما تقول في هذا؟ فقال: لم يحرر ما فيه، ولم تستوعب فيه الشرائط، ~~على أن الآمر به خصمي (يشير إلى السوبيني)، فتوقف السلطان، فقال ~~ماميه: أشهد أن الحق مع ابن عز الدين، وأن المحضر الذي معه صحيح، ~~وأن ما مع خصمه غير صحيح، وقد اطلعت على ذلك وعلمته يقينا. # وقال ابن عز الدين: يا مولانا السلطان، لا تأخذني في ذمتك، وادفعنا # إلى قضاة الشرع لينظروا في أمرنا، فوضع محضر السوبيني على صدره، ~~وقال: يكفيني هذا حجة فيما بيني وبين الله في أمرك، اذهبوا به إلى ~~المقشرة، فأقيم، فقال: بيني وبينك الله. فقال: نادوا عليه في الأسواق، ~~هذا جزاء من يجترئ على الزور، وأمر بماميه إلى البرج، ففعل ~~ذلك، وشق على الناس، وثار له الأجلاب فيما بينهم، وقال بردبك ~~البشمقدار، (أحد رؤوسهم): إن كان الذي جهز للكشف أمينا، فلم ~~يحبس، وإن لا، فلم أرسل. ثم إن ماميه أخرج؛ بشفاعة بعض ~~أكابر الأتراك، وطلب منه مال ليقيم على حاله، فلم يجب فنفي إلى بلاد ~~الشام، أظنه إلى حماة في نصف ذي القعدة هذا، ثم خلع على السوبيني، ~~وسافر في نحو العشرين من ذي القعدة هذا، وأبقي ابن عز الدين في ~~المقشرة. ### ||| قتال العرب للغزاوي: # وفي هذا الحد، بلغنا أن بعض العربان، أغاروا على الركب ~~الغزاوي، من الحجاج، فاقتطعوا غالبهم، وبلغ الخبر أمير المحمل، ~~دولات باي المؤيدي، فأرسل من العرب والترك، من وقف لهم في ms089 ~~المضائق، وتبعهم هو من ورائهم، وأسرع إلى أن لحقهم، فهزمهم، PageV01P254 ~~وخلص ما كانوا أخذوا، ولم يفقد منه شيء، لا من الجمال، ولا من ~~الأحمال، وصح به الخبر في بعض المكاتبات. ### ||| قصة الشيخ يحيى والديسطي: # وفي يوم الجمعة سادس عشري ذي القعدة هذا جمعت صلاة الجمعة ~~الشيخ يحيى العجيسي البجائي المغربي، وشمس الدين محمد بن أحمد ~~الديسطي المالكيان، وكانت عادة الديسطي الكلام وقت الخطبة، ووقت ~~الذكر عقب الصلاة، ما رأيته يحترم شيئا من ذلك، وكان مع ذلك على ~~غاية من الطيش، وسرعة البادرة، فنهاه الشيخ يحيى عن الكلام، فشتمه ~~الديسطي شتما قبيحا، فحصل عند الشيخ يحيى من ذلك، المقيم المقعد؛ ~~إذ كان من حين قدم إلى القاهرة، إلى وقته هذا في غاية العظمة عند الخاص ~~والعام، ونفوذ الكلمة، وكانت صنعته الاستخفاف بالأكابر والأصاغر، ~~والذي جرأ الديسطي عليه مع طيشه؛ موت القاضي كمال الدين البارزي، ~~فإن الشيخ يحيى كان شيخه، فظن الديسطي أنه ذل، وعلم الشيخ يحيى ~~أنه إن سكت له ظن كل أحد مثل ما ظن، وانفتح عليه باب واسع، ~~فبادر إلى الاجتماع بالأكابر، من المباشرين، والقضاة، وغيرهم، فلبى ~~الكل كلمته، وشق عليهم ما ذكر؛ لما يعلمون من تقدم تعظيمه وعزه، PageV01P255 ~~ولبغضهم في الديسطي؛ لما كانوا رأوا من تهوره حين قربه السلطان، ومحبته ~~للأذى، ثم اجتمع الشيخ يحيى بالسلطان، فأمر بالدعوى على الديسطي، ~~عند القاضي المالكي، وأنه لا يعزر بعد إقامة البينة عليه إلا بحضرة ~~السلطان، وكان الديسطي قد أسدى إلى أهل جامع الأزهر معروفا أيام ~~قربه من السلطان، فقاموا معه، وكذا من كان الشيخ يحيى يطلق لسانه ~~فيه ويزدريه، من أوساط الناس فجمعوا بعض الألفاظ، التي كان الشيخ ~~يحيى يذكرها في انتقاص أكابر العلماء، وذكروا أن عندهم بينة، بأن ~~الشيخ يحيى ابتداء الديسطي بالسب، وأنه تناوله بكلمات يجب ~~عليه فيها أشد التعزير، وسألوا أن تسمع الدعوى من الديسطي بذلك، ~~فأوهم ناظر الخاص المالكي، بأن السلطان منع من سماع دعوى على ~~الشيخ يحيى فامتنع المالكي من سماع كلام الديسطي، فلم يزالوا ms090 يقومون ~~في ذلك، ويقعدون حتى انتدب معهم الأمير قراجا مملوك السلطان ~~وخزنداره الثاني، فاجتمع بتمربغا مملوك السلطان ودويداره الثاني، وكان ~~شديد البغض للديسطي، غير أنه قد صار من بغض ناظر الخاص إلى حالة ~~لم يبق له فيها مذهب معين في جهة من الجهات، بل كان مذهبه، معاكس ~~ناظر الخاص، فأجاب الخزندار، وأرسلا قاصدا إلى المالكي، وموقعين ~~يضبطون عليه كلامه، يسألانه ما الذي أباح له أن لا يسمع دعوى ~~الديسطي؟فأرسل المالكي نقيبه إلى ناظر الخاص، وحرر الأمر، فلم يجد ~~أن السلطان منع من سماع دعوى الديسطي، فارسل إلى الشيخ يحيى يوم ~~الاثنين، فامتنع من الحضور، فأرسل ثانيا رسولا، وموقعين؛ يشهدون ~~عليه بالامتناع، فلقنه بعض جيرانه، من أهل المدرسة الناصرية، بأنه PageV01P256 ~~لم يمتنع، وإنما أراد أن تتم دعواه ثم يذهب ليسمع دعوى الديسطي، ~~واختلفت رسل قراجا إلى المالكي، وشدد النكير، فلما كان يوم الثلاثاء، ~~قال المالكي لابن الشيخ يحيى: ألزمتك بإحضار والدك، وإن لم يحضر ~~شاورت عليه السلطان في هذا الوقت، فحضر، فادعى عليه الديسطي، ~~بأنه شتمه وذكر ألفاظا قبيحة، فلما تمت دعواه، سئل في الصلح، وعدم ~~إحضار البينة، ففعل، ولامه قراجا على الصلح. ### || ### ||| شفاعة الأقصرائي في ابن عز الدين: # وفي يوم الأربعاء، مستهل ذي الحجة، من سنة ست وخمسين هذه ~~شفع الشيخ أمين الدين بن الأقصرائي في ابن عز الدين، فلم يجبه السلطان، ~~فألح عليه، وقال له: إنه كان يرجي منكم إعزاز طائفة الفقهاء، وستر ~~خرقتهم ما أمكن، فقد دنست الآن خرقتهم ما لم تدنس في أيام أحد ~~ممن سبق. فقال: هذا ثبت عندي نحسه، فإن أردت أخرجته في زنجير ~~إلى دمشق تحرر عليه هناك الدعاوى، ويفعل فيه الحق. فقال: لا أريد ~~هذا ومكثه في المقشرة أسهل من ذلك. ثم جهزه مع يشبك الصوفي، ~~وكان قد غضب على الأمير الكبير بدمشق خيربك، فسجنه بقلعة ~~الصبيبة وأحضر يشبك هذا، وكان بطالا بالقدس، فجعله مكانه، ~~ودفع إليه ابن عز الدين، وكانت بينهما عداوة، إذ كان بطرابلس نائبا، ~~ليدعي عليه بدمشق من كان عنده ms091 حق، فخرج به في زنجير، قال من ~~شاهده: إنه ما رأى أثقل منه. ### ||| قصة لناظر الخاص: # وفي يوم السبت رابع ذي الحجة هذا أحاط الأجلاب بناظر الخاص، ~~هو خارج من عند السلطان؛ ينقمون عليه في أمر الضحايا، فضربه PageV01P257 ~~شخص منهم بخروف وقال له: مثل هذا يصلح للتضحية، وتقدموا إليه ~~وضربه بعضهم، ودافع عنه تمربغا الدويدار، فلم يفارقوه، حتى كادوا ~~يقتلونه، فنزل من القلعة ممتقع اللون، يشم رائحة الموت. ### ||| نزول ابن السلطان: # وفي يوم السبت هذا، نزل الأمير عثمان بن السلطان؛ لصيد الطير، ~~ببركة الحجاج، وكان الاستعداد يعمل لنزوله هذا في مدة يطمئن ~~الطير، ويضع لهم المأكول، ثم أرصد هنالك من المأكل والمشارب لنزلوه، ~~ما يعسر حصره؛ لأنه كان أول صيده، فأقام هنالك بقية ذلك اليوم، ~~وليلة الأحد خامسه، ثم رجع ظهر يوم الأحد، وقد أخفق القصد، ~~وخاب المسعى، فلم يصطد شيئا، وأخبرني بعض الناس: أنه صاد ~~حدأة. # وفي يوم عرفة، وصل ابن المزلق، ناظر جيش دمشق. # وبلغنا في ليلة العيد الأكبر، أن القاضي أمين الدين عبد الرحمن بن ~~قاضي القضاة شمس الدين بن الديري، مات بالقدس ليلة السبت، رابع ~~ذي الحجة هذا، وكان في هذه السنة قد كثرت الأخبار السيئة عنه إلى ~~أن ورد في رمضان منها أناس من الفقراء، فرفعوا إلى السلطان، أن ~~إبراهيم بن الجمال عبد الله بن جماعة، شيخ الصلاحية، تصرف في ~~المسجد الأقصى بما لا يحل له؛ احتكر بعض الأماكن منه وزرع بها ثوما PageV01P258 ~~وبصلا، وغير ذلك، وهدم من بعض جدره ما بنى به في مسكنهم ببيت ~~الخطابة مواقد طبخوا عليها أطعمة عرس عملوه إلى غير ذلك، وأنهم ~~أمروه بالمعروف، فأهانهم، وساعده الناظر، وأن الناظر أخرب كثيرا ~~من البلاد التي تحت نظره، وأن حاصل الخليل عليه الصلاة والسلام ~~ليس به شيء، إلى غير ذلك من أمور إن أهملت حصل خلل كبير، فأرسل ~~السلطان محمد النشابي، للكشف عن ذلك، فادعي على ابن جماعة عند ~~القاضي الشافعي ابن السائح بالقدس، وأقيمت البينة ببعض ذلك، وأخبرني ~~الشيخ الإمام القدوة ms092 زاهد زمانه بالقدس، زين الدين عبد القادر ~~النووي؛ أنهم اتخذوا هذا المسجد الشريف كالموات، وقام مع أولئك ~~الفقراء، الشيخ برهان الدين إبراهيم العجلوني، فأهين الجميع، ولم ~~يكتب لهم ما أقاموا به البينة، فقدموا إلى القاهرة في ذي القعدة، واجتمعوا ~~ببعض الأكابر، وذكروا ما وقع لهم معهم، فطلب الناظر، فمرض بالبطن ~~مرضا عجيبا، كان تارة يكون الخارج منه كالماء، وتارة دما، وتارة على PageV01P259 ~~موت الديري:، ~~غير ذلك وطلع في ابن جماعة خراج، فتحامل الناظر إلى الرملة، ثم ~~عجز، فرد إلى القدس في محفة، فلما جاوز بيت نوبا، رأى أن ~~ركوبه على الفرس أسهل من لبثه في المحفة، فركب وهو في غاية من ~~المرض، وانكب على قربوس السرج، وتحامل في ألم زائد إلى أن وصل ~~إلى القدس، فأيقن بالموت، فأمر من حوله أن يمنعوا الناس من الدخول ~~إليه، وطلب ورقا، فكتب وصية ابتدأها بأشياء حسنة، من ذكر سيئاته ~~وذنوبه، وافتقاره إلى الله تعالى، وطلبه منه العفو، وزاد في ذلك حتى ~~أبكى من حوله، وهو مع ذلك ثابت غير متأسف على مفارقة مألوفه ~~من العز والرئاسة، حسن الرجاء لربه، والظن به، مقبل على ما يليق ~~بالقدوم على الله، وهم يمنونه الحياة، فلا يلتفت إليهم، ولا يزعزع ذلك ~~جزمه بالموت، وذكر جميع ما عليه من الديون والحقوق، ودعا لمن يساعد ~~في وفائها، وترقق لمن بينه وبينه شحناء بما يلين الحجارة، ثم أقبل على ~~التلاوة والذكر والاستغفار، والاعتراف بالتقصير، والتوبة من الذنوب، ~~مع ما يقاسي من شدائد المرض إلى أن مات في التاريخ المذكور، عن ~~أربعين سنة وشهور، وكان فاضلا في فنون، ذكيا، شاعرا محسنا، له ~~ذوق جيد في الأدب، وكان شجاعا كريما، حسن العشرة رحمه الله، ~~وعفى عنه. ### ||| سجن ابن الشحنة: # وفي يوم الثلاثاء رابع عشر ذي الحجة سنة ست وخمسين ~~شكى شخص على المحب بن الشحنة، بأمور فظيعة، من جملتها أنه PageV01P260 ~~اقتطع مسجدا، فأدخله في بيته، وجعله مرحاضا، فرسم السلطان أن ~~يرفع إلى قلعة حلب، وأن تسمع عليه الدعاوى، وتحرر البينات، ويطالع ~~بها، ms093 وجهز لذلك شخص من الجند، يسمى طوغان، فحدثني القاضي ~~محب الدين: أنه سأل طوغان، أن يرعى فيه وجه الله، فحلف له أنه ~~لا يفعل غير ذلك، وأكد الأيمان، وقال: إن فعلت غير ذلك، أو ~~تكلمت فيه بالباطل، فلا ردني الله إلى أهلي سالما. # قال: فقلت: آمين. ثم إنه بالغ في إظهار الغرض الفاسد، والظلم، # واعتذر لي بأنه لا يقدر أن يكف عن ذلك خوفا من الجمال يوسف، ناظر ~~الخاص، وجرت أمور، ادعى فيها أن في جهته أموالا للسلطان، أدت ~~إلى سجن ابن الشحنة، وأولاده، وبعض أتباعه في سجن مظلم ضيق في ~~قلعة حلب، واستمر على ذلك إلى أن مات الظاهر. قال: وكان بيني ~~وبين ابنه عثمان صحبة أكيدة، فرجوت أن يطلقني، فأتى مرسومه بأن ~~أبقى على حالي، ثم استمر إلى أن ولي الأشرف إينال، فأراد إخراجه، ~~فقال ناظر الخاص: إنه ثبت في جهته عشرة آلاف دينار. فقال السلطان، ~~لا يطلب منه شيء. فقال كاتب السر المحب ابن الأشقر: هو أرسل يسأل ~~في ذلك، وهو من طيب نفسه. فقال: إن كان كذلك فنعم. فكتبوا ~~بذلك مرسوما، ولم يزالوا يعملون الحيل حتى أغرموه إياها هدايا وأما ~~طوغان، فإنه رجع، فمات في الغرابي بين الصالحية وقطيا، ولم ~~يصل إلى أهله كما دعا به. ### ||| موت التعيس: # وفي هذا اليوم هلك صاحب ديوانناظر الخاص، وكان نصرانيا، PageV01P261 ~~يسمي نفسه الشيخ السعيد، ويسميه المسلمون الشيخ التعيس، وكان قد ~~وصل، بسبب ناظر الخاص إلى عز لم يصل إليه نصراني في زمانه، فاحتاط ~~السلطان على تركته، فحسن ناظر الخاص، للشرف الأنصاري، وكيل ~~بيت المال، أن يشتريها من السلطان بعشرة آلاف دينار ينقدها، ويبيع ~~الأصناف التي ضمتها التركة، كل صنف في الوقت التي جرت العادة أن ~~يطلب فيه، فذكر للسلطان ذلك، وأن جمع أثمانها يحتاج إلى زمن طويل، ~~فقال ناظر الخاص: عشرة آلاف قليلة على مولانا السلطان. عندي فيها ~~عشرون ألف دينار، فرضى السلطان منه بذلك، بل أعجبه ما رأى منه، ~~ووقع من خاطره، وما درى الأبلم أنها لولاها مشتملة ms094 على أضعاف ~~ذلك ما نافس فيها هذه المنافسة. ### ||| وصول النشابي: # وفي يوم الجمعة سابع عشره، وصل محمد النشابي صديق قراجا ~~الخزندار، فأخبر ناظر الخاص بما رأى، من اختلال أحوال بلاد القدس، ~~وسأله أن لا يعارضه إذا رفع ذلك للسلطان، فأجابه إلى ذلك، فأعلم ~~السلطان: بأن حاصل الخليل عليه الصلاة والسلام ليس به شيء، وأن ~~وقف المسجد الأقصى كذلك، وأن من أسباب ذلك ضم بلاد السلطان ~~إلى الناظر، فالصواب أن تفرق البلاد على المتكلمين على بلاد السلطان بتلك ~~النواحي، فما كان قريبا من نابلس ضم إلى أولاد عبد القادر، وما كان ~~قريبا من غزة ضم إلى إستدار السلطان بها، وهو ناظر جيشها، وكذا ~~غير ذلك، وأن نائب القدس عنده من اللين والتهاون بحقوق الناس ما لا ~~يصلح معه للنيابة، وأن أريحا و.. كانتا إقطاعا للنائب، فضمتا إلى ~~ديوان السلطان، فلم يبق للنائب ما يقيم به حاله إلا الرشى، فالصواب PageV01P262 ~~إعادتهما إليه ليقل ظلمه، ولا يبقى له فيه عذر، وأن الصواب أن يكون ~~النظر مع النائب، وإلا تفرقت الكلمة، وحصل الاختلاف، ففعل ~~السلطان ذلك، عزل النائب، وهو فارس دويدار طوغان، الذي كان نائبا ~~قبل ذلك، وولى أسنبغا، الذي كان نائب بعلبك النيابة والنظر، ~~وعين لبعلبك، وأرسل بان ينقل إلى حاصل الخليل من بلاد السلطان ما ~~يكفيه إلى مجيء الغلال بالسعر الموجود، وأن يصير بالثمن إلى الميسرة. ### ||| سجن العز البساطي: # وفي يوم الثلاثاء حادي عشريه، أعلم يوسف شاه، معلم البنائين ~~السلطان أنه عمر في المدرسة القمحية شيئا ذكره، فشكره على ذلك، ~~وطلب القاضي عز الدين بن البساطي، وأراد ضربه، فشفع فيه ناظر ~~الخاص، فكف عن ضربه، ورسم به إلى المقشرة، فشفع فيه، فلم يجبه ~~وسجنه بها، فزاد اليقين بأن عقوبته إنما هي لأجل شهادته على أبي الخير، ~~وإلا فماله يفرد بالعقوبة من بين شركائه في النظر على المدرسة المذكورة ~~والتدريس، أحسن الله لنا وله العاقبة آمين آمين. ### ||| بشير الحاج: # وفي يوم الخميس ثالث عشريه وصل بشير الحاج، ومعه فارس دويدار ~~أمير الركب، وهو ms095 الذي كان أمير الركب الأول، فأعلم أن الوقفة كانت ~~الخميس، وأن الأسعار كانت رخية جدا، الحمل الدقيق بعشرة دنانير، ~~وكل ما عداه بهذه المناسبة، إلا أن اللحم والسمن بمكة غاليان. ### ||| قصة الشافعي مع تمربغا: # وفي هذا الحد أرسل تمربغا إلى القاضي الشافعي، بأن يرسل إليه ~~شخصا عنده في دعوى، فدل ذلك - بعد تقدم مثل ذلك منه وغلبه PageV01P263 ~~فيه كما مضى - على جرأة كثيرة عند المذكور، وقلة مروءة، وسوء باطن، ~~فلم يجب الشافعي إلى ذلك، وكان قد سأل السلطان في قضيته الأولى ~~معه أن لا يمكن أحدا من غريم هو عنده، إلا بأمر السلطان، فأجابه إلى ~~ذلك، فأمر تمربغا الشاكي إليه، فوقف للسلطان، وقال: أريد أن أنفصل ~~من غريمي عند الأمير الدويدار. فقال السلطان إن لم يخلصك القاضي ~~فاستعن بالدويدار. فسأل تمربغا، نقيب الجيش، أن يذهب إلى ~~الشافعي، فيقول له: إن السلطان رسم بدفع الغريم إلى تمربغا، فتوقف ~~الشافعي في ذلك، وقال: حتى استخر الله. ثم فحص عن القضية، فعلم ~~أن الكلام حرف، فطلع إلى السلطان، وأعلمه بذلك فتغيظ على تمربغا، ~~وصوب الشافعي في فعله، وقال له: لا تمكن من غريم هو عندك، ولو ~~أرسلت أنا في أمره، فحصل للشافعي بذلك عز كبير وكان ذلك من ~~أعاجيب سعده، ودعي له على قهره لهذا الظالم. ### ||| إشاعات موت السلطان: # وفي يوم الجمعة رابع عشريه، حصل للسلطان بعد الصلاة، وهو ~~داخل إلى الحريم إغماء سقط منه إلى الارض، واضطرب، وقيل: إنه ~~صرع، ثم حصل له قيء كثير، واستمر به إلى أن أغمي أيضا عليه قبيل ~~المغرب، فأشيع موته، وبات من بلغه ذلك في وجل، ثم تبين كذب ~~ذلك، وطلع الأكابر، فتجشم القيام لهم وخرج إلى شباك الدهيشة، ~~وعلم على المراسيم، ثم رجع فأراد بعض الأتراك أن يعضده، فأبى PageV01P264 ~~ذلك، ومشى بنفسه متجلدا، فسكن الناس. # الإشارة إلى موت السلطان ~~وفي يوم الأحد سادس عشريه، ركب السلطان، ونزل إلى بيت ~~بنته في سويقة العزي زائرا لها مكذبا لذلك الخبر، وكان قد بلغ به ~~الهرم من فساد ms096 البنية إلى حد عظيم، بحيث أشرف على التلف مرارا، وعجز ~~الأطباء في العلاج، وغلب على الظن أن ما به دق الشيخوخة، ولم ينقطع ~~في شيء من ذلك، بحيث يلزم الفراش لكن ضعف عن الخدمة في القصر، ~~فقطع الخدمة مدة، ثم فعلها في الدهيشة وجفت يده اليسرى، وماتت ~~منها أصابع، فأمر بعض الجرائحية فقطعها من غير جمع الأطباء، ولا PageV01P265 ~~إعلام لأحد غير ذلك الجرائحي، وظهر على يده اليمنى الضعف الزائد، ~~بحيث ظهر أثر ذلك في علاماته على المراسيم، ولم يبق منه إلا رسمه وجلده ~~وعزمه فقال شيخنا الإمام أبو الفضل محمد بن الإمام أبي عبد الله ~~محمد بن الإمام أبي القاسم المشدالي المغربي البجائي المالكي في ذلك، ~~مشيرا إلى أنه قد ظهر عليه الهرم، وإمارات الموت من مدة طويلة، وهو ~~متجلد: ~~أيا جقمق كم لي أراك مكابرا %% وقد عضك الموت الهجوم بنابه ~~فإن تقتدر يوما على زورة ابنة %% فسوف تزور القبر رهن ترابه ~~وسوف ترى في اللحد حالك عندما %% يصب عليك الله سوط عذابه ~~أفق أيها السكران واصح بتوبة %% لتدرك فيها الفوز قبل ذهابه ### ||| ضرب الأسرى: # وفي يوم الاثنين سابع عشري ذي الحجة، وهو سلخ سنة ست وخمسين ~~وثمانمائة. طلع إلى السلطان ناس، أخبروه أنهم كانوا أسرى، وأنهم افتدوا ~~أنفسهم من الفرنج بمقدار عينوه، وسألوه أن يساعدهم في ذلك، فأمر ~~بهم فبطحوا، وضرب كل إنسان منهم ما قدر له؛ لكونهم ركبوا البحر، ~~وعرضوا أنفسهم للأسر، والحال أنه هو الذي يستحق الضرب، والخلع؛ ~~لتفريطه في أمور المسلمين، فلو أنه أمر نواب الثغور أن لا يدعوا مركبا يسير ~~إلا بكفايته من الرجال والعدة، لهاب الكفار المسلمين، وكفوا عنهم، ~~ولقد نبهت نائب دمياط على ذلك سنة اثنتين وخمسين، وأعلمته أن ~~سفينة كانت في الفم تريد السفر، طلب أهلها من أهل البرج سكينا PageV01P266 ~~يذبحون بها دجاجة، واستصوب ذلك، وأراد فعله، فلما لم يجد للسلطان ~~ميلا إلى ذلك تبعا لغرض صاحب المكس، لم يتمكن من فعله. ### ||| قصة ابن الأمانة: # وفي يوم الثلاثاء ثامن عشريه، رفع إلى ms097 السلطان امرأة ادعت على امرأة ~~أخرى، عند والي الشرطة، بأنها قعيدة للصوص، وأنها أخذت للمدعية ~~أمتعة، ثم رفعت المدعى عليها أمرها إلى القاضي جلال الدين بن ~~القاضي بدر الدين محمد بن الأمانة الشافعي، فطلب غريمتها المدعية عليها ~~عند الوالي، وحكم عليها بأن لا تعارضها إلا من الشرع الشريف، ~~فطلبه السلطان، فبات مرسما عليه في بيت نقيب الجيش، ثم طلع به ~~إلى السلطان يوم الأربعاء تاسع عشريه، فقال له: لم تحكم في قضية ~~تقدمك فيها حكم الوالي، وأمير آخور، عندي النقل بأنه ليس لك ذلك، ~~ثم أمر به فبطح، وضربه بيده، فشفع فيه ناظر الخاص، وصار يقول: ~~يا مولانا السلطان، بدنك متضعضع، فارفق به، فكلما قال له ذلك، ~~زاد في مد يده، وقوة ضرب إظهارا للصحة والقوة، ثم ضرب الرسول الذي ~~كان سفيرا في ذلك، ثم أمر نقيب الجيش بلكم القاضي، وإطلاقه. ### ||| موت الأمين ابن موسى: # وفي يوم الأربعاء هذا، مات الفاضل البارع المفنن، أمين الدين، [محمد ~~ابن علي] بن موسى الشافعي المقري شيخ القراءات بالمدرسة المؤيدية، PageV01P267 ~~والمدرسة الشيخونية، عن غير ولد ذكر، وكان حظيا عند الجند، لاسيما ~~الطواشية، معتزلا من عداهم، وكان يركب الخيول الحسان، ويلبس ~~الثياب النفيسة، وكان بارعا في القراءات، والعربية، وأخذت عنه تدريس ~~القراءات بالمؤيدية، وهي أول وظيفة حصلت لي، والقراءات أول علم ~~اشتغلت به، فكانت مناسبة عظيمة. # وفي هذا الحد، ولي الشهاب أحمد بن الزهري قضاء الشافعية ~~بحلب، والأمين سالم الحنبلي قضاءالحنابلة بها، كلاهما بواسطة ابن ~~السلطان. ### | سنة سبع وخمسين وثمانمائة. (أحسن الله عاقبتها) ### || # اشتد بالسلطان ~~المرض في أولها، وتزايد ضعفه، وانحطاط قوته، ثم مرض بحصر ~~البول، وهو مع ذلك يظهر الجلد، إلى أن تعاظمه الأمر ليلة الأربعاء ~~سادس محرم السنة المذكورة، فلما كان قريب نصف يوم الأربعاء المذكور، ~~وجد في نفسه خفة، فأرسل يأمر الأكابر بالطلوع إلى الخدمة في الغد فبات ~~الناس على ذلك، وطلع المباشرون والأمراء بكرة يوم الخميس سابعه، ~~فأمروا بالانصراف قبل الوصول إلى القلعة، وذلك أنه حصل للسلطان شبه ~~الصرع؛ إغماء واضطراب، ms098 فهرب من كان عنده من النساء، ثم دخل ~~الخصيان، فلما رأوه كذلك هربوا أيضا، وتحدثوا بما رأوا، فشاع بين PageV01P268 ~~درس بالمؤيدية ~~الناس أنه مات، وارتاع الناس لهذا الخبر، وماج بعضهم في بعض، وكنت ~~قد بيت على أن أعمل إجلاسا في المؤيدية للتدريس في علم القراءات، ~~لأجل الوظيفة التي أخذتها، فمنع هذا الخبر كثيرا من الناس من الحضور، ~~ومع ذلك فحضر وجوه الناس، وأعيانهم؛ القضاة الأربعة إلا المالكي، ~~والشيخ أمين الدين يحيى بن الأقصرائي، وقريبه الشيخ محب الدين إمام ~~السلطان، والشيخ حميد الدين ابن قاضي بغداد قاضي الحنفية بدمشق، ~~وشيخنا محقق الزمان بن أبي عبد الله المشدالي البجائي، ومن الطلبة ~~والفضلاء، ونواب القضاة وغيرهم خلق كثير، لعلهم يزيدون ~~على المائتين، وكنت قد عزمت على أن أقول: الحمد لله المؤيد من ~~توسل إليه بلذيذ خطابه، المسدد من توكل عليه، برشيد القول وصوابه، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله الميسر للذكر المفتح لما استغلق من أبوابه، وأشهد ~~أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المجاب إلى تلاوة كتابه على حروف كثيرة، ~~تخفيفا على أمته وصحابه، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ~~وذريته وأحبابه، وسلم وعظم وشرف وكرم ما تمسك مقرئ بأسبابه، ~~وتعلق رجاء تال وخوف بإرغاب القرآن وإرهابه، وبعد، فإن أشرف ~~العلوم قدرا، وأوسعها وأعظمها بحرا، وأشرقها شمسا وأضوأها بدرا، ما ~~تعلق بالكلام المعجزة الباقي على وجه الدهر آية تقيم دلائل النبوة، وتبرزه، ~~وتحدث عن حقيقة الرسالة وحقيتها، فتوضح ما شاءت وتوجزه، وأن PageV01P269 ~~أولى ذلك بالتقديم، وأحقه بالتعلم والتعليم، لتحرير آدائه، وتحقيق قراءته ~~وإقرائه، وإنه لأول علم من الله تعالى، فهل الحمد بتعلمه، فالقلب له ~~أقبل، والطبع إليه أميل، والنفس له أعشق، وهو بالفؤاد ألصق، هو ~~لعمري الصديق القديم، والنديم الذي منادمته ألطف من مر النسيم. # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى %% فصادف قلبي فارغا فتمكنا ~~ولم يزل الله تعالى، وله الحمد يندب في كل عصر أقواما بذلك يعتنون، ~~تصديقا لقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}[الحجر:9] ~~حتى فاقوا بذلك كل أمة، ms099 فأوضحوا محجته ورسمه، ودونوا فنونه ~~وعلمه، وصنفوا فيه كتبا جمة، أجزل الله شكر مساعيهم، وجعلنا من ~~خير متبعيهم، وسموا العلم المتكفل بذلك، علم القراءات، وهو علم ~~يعرف منه اتفاق الناقلين لكتاب الله، واختلافهم في الحذف والإثبات ~~والتحريك والإسكان والفصل والإيصال، وهيئة النطق والإبدال من حيث ~~السماع، أو يقال: هو علم يعرف منه اتفاقهم واختلافهم في اللغة، ~~والإعراب والحذف والإثبات والفصل والوصل، من حيث النقل، وقال ~~ابن الأكفاني في كتابه «إرشاد القاصد»: «هو علم ينقل لغة القرآن ~~وإعرابه الثابت، بالسماع ويرد على عكسه نحو يخادعون في يخدعون، ~~ويعملون في تعملون، وشهية الأنفس في تشتهي، والخلاف في الوقف على ~~نحو ويكأنه والخلف في الاستعاذة والبسملة بين السورتين، والتكبير فليس بجامع». PageV01P270 ~~وموضوعه كلمات الكتاب العزيز من هذه الجهة، وفائدته، صيانته ~~عن التحريف والتغيير، وينحصر الكلام فيه، في وسائل ومقاصد، تنحصر ~~الوسائل في سبعة أجزاء: الأول الأسانيد، والثاني علم العربية، ومنه مخارج ~~الحروف وصفاتها، والثالث الوقف والابتداء، والرابع الفواصل، وهو فن ~~عدد الآيات، والخامس مرسوم الخط، والسادس الاستعاذة، والسابع ~~التكبير. وتنحصر المقاصد في جزئين: الأول الأصول، والثاني الفرش، ~~تنحصر الأصول في نحو عشرين بابا، تأتي الإشارة إلى أسمائها في التقسيم، ~~وينحصر الفرش في السور، وجه الضبط بطريق يقلل من الانتشار، ويربط ~~بعض الأجزاء ببعض. # إن الكلام في القراءة إما أن يكون بالنظر إلى الاتفاق والاختلاف في ~~أمر يرجع إلى النطق أو لا، الأول المقاصد، والثاني الوسائل، والكلام في ~~الوسائل إما أن يكون راجعا إلى نفس النطق أو لا، وما كان راجعا إلى ~~نفس النطق، فإما أن يكون بحسب تصحيحه أو لا، وما كان بحسب ~~تصحيحه فإما أن يكون بالنظر إلى ذات الحرف من حيث الذات، أو ~~من حيث الوصف، الأول فن المخارج، والثاني فن الصفات، وأما ما لا ~~يكون النظر فيه راجعا إلى نفس النطق، فإما أن يكون راجعا إلى معنى ~~الكلام، أو لا، وما رجع إلى معنى الكلام فإما أن يكون باعتبار ما يتمشى ~~على لسان العرب، أو باعتبار ما يحسن من قطع ms100 الكلام ووصله، الأول ~~العربية، والثاني الوقف والابتداء، والوقف هو السكوت بعد الشروع في ~~القراءة عن تنفس، وهو اختياري، واختباري، واضطراري؛ لأنه إما أن ~~يكون بانقطاع النفس عن غلبه أو لا، الأول الاضطراري، والثاني إما أن PageV01P271 ~~يكون النظر فيه إلى ارتباط بعض الجمل ببعض وانفصاله من حيث المعنى، ~~أو إلى اتصال بعض الحروف ببعض في الخط، وانفصاله الأول الاختياري ~~(بالمثناة التحتانية)، والثاني الاختباري (بالموحدة)، وهو إما أن يكون ~~عن إعراض عن القراءة في ذلك الوقت، أو لا، فإن كان عن الإعراض ~~خص باسم القطع، وعلى التقديرين فإما أن يتم المعنى بالمسكوت عليه ~~أو لا، الثاني القبيح، والأول إما أن يتعلق ما بعد المسكوت عليه به أو ~~لا، الثاني التام، والأول إما أن يكون تعلقة به في المعني دون اللفظ أو ~~لا، الأول الكافي، والثاني الحسن، ولا يكون القطع إلا في رؤوس الآي، ~~ولا يكون القبيح إلا في أثنائها. # والابتداء إن كان عن تام أو كاف حسن مطلقا، أو عن غيرهما، فإن ~~كان أول آية فكذا، وإلا فلا. # وأما ما لم يكن النظر فيه راجعا إلى معنى الكلام من الحيثية المذكورة ~~ولا إلى النطق به، واندرج فيه ما لم يكن النظر فيه بحسب تصحيح ~~النطق، لأن نفي المطلق يستلزم نفي المقيد، فإما أن يكون النظر فيه إلى ~~الخط أو لا، الأول المرسوم والثاني إما أن يكون الفحص فيه عن كونه فاصلة ~~أو لا، الأول العدد، والثاني إما أن يبحث فيه عن مشروعيته عند الأداء ~~أو لا، الأول كالاستعاذة والتكبير، والثاني الإسناد، وهو أعظم مدارات ~~هذا الفن والعمول عليه فيه، هذا تمام الكلام على أمهات أقسام ~~القسم الثاني من أصل القسمة، وهو الوسائل. # القسم الأول، من أصل القسمة، وهو المقاصد، وهو ما يكون البحث ~~فيه بالنظر إلى اتفاق القراء واختلافهم في أمر يرجع إلى النطق، إما أن يقع ~~البحث فيه عن الكلمة بالنظر إلى ما يغير معناها غالبا أو لا، الأول فرش PageV01P272 ~~الحروف، وهو القسم الثاني من مقاصد علم القراءة، وهو إما أن ms101 تتكرر ~~فيه الكلمة، ويقع الخلاف فيها في كل موضع وقعت فيه، أو في أكثر ~~المواضع، أو لا تتكرر، الأول يضبط الخلاف فيه في أول موضع وقعت ~~فيه تلك الكلمة ويضم إليها ما يشبهها، والثاني يورد منثورا في السور على ~~حسب الترتيب، وأما ما لا يكون البحث فيه عن الكلمة بالنظر إلى ما ~~يغير معناها، بل بالنظر إلى ما يغير هيئتها والمعنى بحاله، وهو القسم الأول ~~من مقاصد علم القراءات، وهو المسمى عندهم بالأصول، فإما أن يقع ~~البحث فيه عن التحريك والإسكان أو لا، وما يقع البحث فيه عن التحريك ~~والإسكان، فإما أن يصحبه تشديد أو لا، الأول الإدغام الكبير، والثاني ~~إما أن يكون البحث فيه عن الحركة جميعها أو لا وما كان البحث فيه عن ~~الحركة جميعها فإما أن يصحبه توليد حرف من الحركة أو لا، الأول باب ~~هاء الكناية، والثاني إما أن يلزم فيه حذف أو لا، الأول باب نقل حركة ~~الهمزة إلى الساكن قبلها، والثاني باب ياءات الإضافة، وما لم يكن البحث ~~فيه عن جميع الحركة بل عن بعضها أو عن هيئة الشفة عند النطق بها باب ~~الوقف على أواخر الكلم، وحرف واحد من باب الإدغام الكبير، وأما ~~ما لم يكن البحث فيه عن تحريك ولا إسكان فإما أن يبحث فيه عن الإبدال ~~أو لا، وما تعلق بالإبدال فإما أن يكون بإبدال حرف بحرف أو لا، وما ~~كان بإبدال حرف بحرف فإما أن يشاب بنوع تشديد وشبهه أو لا، الأول ~~وهو ما يشاب باب الإدغام الصغير، والثاني وهو ما يبدل ولا يشاب برائحة ~~تشديد أبواب الهمز وبعض باب الوقف على مرسوم الخط، وما لا يبحث ~~فيه عن إبدال الحرف إما أن يكون البحث فيه عن إبدال صفة النطق ~~بالحرف أو لا، وما يبحث فيه عن إبدال صفة النطق بالحرف، إما أن ~~يكون مع الإضجاع أو لا، الأول باب الإمالة مطلقة ومقيدة، أما مطلقة PageV01P273 ~~فواضح، وأما مقيدة فباب إمالة هاء التأنيث وما قبلها في الوقف، والثاني ~~وهو ما ينظر ms102 إلى إبدال صفة النطق بالحرف من غير إضجاع بابا اللامات ~~والراءات، وأما ما لا يبحث فيه عن الإبدال واندرج فيه ما لا يبحث فيه ~~عن إبدال صفة النطق بالحرف اندراج انتفاء الأخص تحت انتفاء الأعم، ~~فإما أن يبحث فيه عن الزيادة أو لا، وما يبحث فيه عن الزيادة، فإما أن ~~يتعلق بحرف أو لا، الأول باب الزوائد، وبعض باب الوقف على مرسوم ~~الخط، والثاني وهو ما يبحث فيه عن الزيادة من غير نظر إلى الحرف باب ~~المد والقصر يبحث فيه عن زيادة المط بالصوت، وأما ما لا يبحث فيه عن ~~الزيادة فإما أن يقع البحث فيه عن أحوال الحروف من جهة الوقف ~~أو لا، الأول بعض باب الوقف على مرسوم الخط، والثاني باب ~~السكت على الساكن قبل الهمزة وغيره. # هذا تقسيم حاصر لأشتات هذا الفن، محيط بجميع أجزائه على وجه ~~كلي بديع من الله تعالى وله الحمد به علي، وما علمت أحدا سبقني إليه، ~~وقد عرف به رسم كل باب من أبواب علم القراءات على حياله. # الكلام في الوسائل ينحصر في أمرين، الأول بيان توقف العلم عليها، ~~والثاني إيراد ما تشتد الحاجة في العلم منه إليه. # الأول، بيان توقف العلم عليها، أما على الإسناد فلأن القراءة سنة ~~متبعة، ونقل محض، فلا بد في إثباتها من صحتها، ولا طريق إلى ذلك ~~إلا بإسناد، وستأتي الإشارة إليه من كلام شيخنا علامة زمانه ~~شمس الدين أبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن PageV01P274 ~~الجزري الدمشقي الشافعي رحمه الله نظما ونثرا، ولا ريب أن ذلك يتوقف ~~على علم الحديث. # وأما على العربية؛ فلأن إنزال القرآن العظيم وقع بلسان العرب فتوقف الأمر في ~~إقامة أدائه على بصيرة، على معرفة ما يجوز عندهم النطق به، وما لا يجوز، ~~لاسيما معرفة كيفية نطقهم بكل حرف ذاتا وصفة، قال شيخنا رحمه الله: ~~ويقرأ القرآن بالتحقيق مع %% حدر وتدوير وكل متبع ~~مع حسن صوت بلحون العرب %% مرتلا مجودا بالعربي ~~والأخذ بالتجويد حتم لازم %% من لم ms103 يصحح القرآن آثم ~~لأنه به الإله أنزلا %% وهكذا عنه إلينا وصلا ~~فرققن مستفلا من أحرف %% وحاذرن تفخيم لفظ الألف ~~إلى آخر ما قال، فقد علم بذلك، أن هذا العلم شديد المؤاخاة لعلمي الحديث ~~والعربية، من عرفه دونهما، أو دون أحدهما لم يكن منه على بصيرة في جميع أمره، ~~وقد كنت قلت هذا بحثا، ثم ظهر النقل به عن أعظم التابعين لهؤلاء الأئمة، أول ~~من جمع قراءاتهم في كتاب، وهو الإمام الكبير مقرئ الآفاق، أبو بكر أحمد ~~ابن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي، قال الإمام الحافظ الكبير، PageV01P275 ~~أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي، المعروف بأبي شامة في ~~كتابه المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، قال الإمام أبو ~~بكر بن مجاهد: «وحملة القرآن متفاضلون في حمله، ونقلة الحروف ~~منازل في نقل حروفه، فمن حملة القرآن، المعرب العالم بوجوه الإعراب ~~في القراءات، العارف باللغات، ومعاني الكلام البصير بعيب القراءة، ~~المنتقد للآثار، فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر ~~من أمصار المسلمين، ومنهم من يعرب ولا يلحن، ولا علم له بغير ذلك، ~~فذلك كالأعرابي الذي يقرأ بلغته، ولا يقدر على تحول لسانه، فهو مطبوع ~~على كلامه، ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذ عنه، وليس عنده إلا ~~الأداء، لما تعلم، لا يعرف الإعراب ولا غيره، فذلك الحافظ، ولا يلبث ~~مثله أن ينسى إذا طال عهده فيقرأ بلحن لا يعرفه، وتدعوه الشبهة إلى ~~أن يرويه عن غيره، ويبرئ نفسه، وعسى أن يكون عند الناس مصدقا، ~~فيحمل ذلك عنه وقد نسيه وأوهم فيه، وجسر على لزومه والإصرار عليه، ~~أو يكون قد قرأ على من نسى وضع الإعراب ودخلته الشبهة فتوهم، فذلك ~~لا يقلد في القراءة، ولا يحتج بنقله، ومنهم من يعرب قراءته ويبصر المعنى ~~ويعرف اللغات ولا علم له بالقراءات واختلاف الناس في الآثار، فربما دعاه بصره ~~بالإعراب إلى أن يقرأ بحرف جائز في العربية، لم يقرأ به أحد من الماضين؛ فيكون ~~بذلك مبتدعا، وقد روينا في كراهية ذلك وحظره ms104 أحاديث». انتهى. # فإن قيل: قد أمن ما ذكر من المحذور بضبط القراءات وإيداعها الكتب # المصنفات، قلت: إن سلم ذلك في الحروف، لم يسلم فيما يتعلق بهيئاتها PageV01P276 ~~وصفاتها، هذه الجيم لم نأخذ عن أحد يقيم لفظها على ما ينبغي إلا ابن ~~الجزري رحمه الله؛ وذلك أنها حرف من جملة صفاته الشدة، فمتى أعطيت ~~ما تستحقه من المخرج والصفة لم يمتد الصوت بها إذا سكنت كأخواتها ~~من الحروف الشديدة، وكل من أدركناه سواه يمكن مد الصوت بما ينطق ~~به منها عند الإسكان؛ وما ذاك إلا لتقريبهم لها من الشين إحدى أختيها ~~في المخرج، فاكتسبت من صفتها، هذا مع أن أهل هذا الفن أحالوا على ~~علم العربية في كثير من أبوابه، قالوا في باب الإدغام الكير: إن أبا ~~عمرو يدغم كل متحركين التقيا سواء تماثلا، أو تقاربا في المخرج أو ~~تجانسا، اتحدا مخرجا واختلفا هيئة نحو (تط)، فإن كانا من كلمتين أظهر ~~أشياء منها تاء الضمير، واختلف عنه في المجزوم. قال شيخنا، رحمه الله: ~~إذا التقى خطا محركان %% مثلان جنسان مقاربان ~~أدغم بخلف الدوري ولاسوسي معا %% لكن بوجه المد والهمز أمنعا ~~فكلمة مثلي مناسككم وما %% سلككم وكلمتين عمما ~~ما لم ينون أو يكن تا مضمر %% ولا مشددا وفي الجزم انظر ~~فإن تماثلا ففيه خلف %% وإن تقاربا ففيه ضعف PageV01P277 ~~وأفردوا لهاء الضمير بابا سموه باب هاء الكناية، ذكروا فيه أحكامها ~~من وصل وغيره. # وقالوا في الهمز المفرد: إن أبا عمرو أبدل بخلف عنه كل همز ساكن، # إلا ما كان سكون للجزم أو الأمر، قال شيخنا: ~~وكل همز ساكن أبدل حذا %% خلف سوى ذي الجزم والأمر [كذا] ~~وفي باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، إن ورشا اختلف عنه ~~في إثبات همزة الوصل في الابتداء بما نقل إليه، قال شيخنا: ~~وابدأ بهمز الوصل في النقل أجل ~~وفي باب الإمالة، أن حمزة والكسائي وخلف يميلون ذوات الياء. PageV01P278 ~~قال شيخنا: ~~أمل ذوات الياء في الكل شفا ~~وفي باب الوقف على أواخر الكلم، أن الإشمام والروم يدخلان ~~بعض ms105 الحركات الإعرابية والبنائية دون بعض، قال شيخا: ~~والأصل في الوقف السكون ولهم %% في الرفع والضم [اشممنه] ورم ~~وامنعهما في النصب والفتح بلى %% في الجر والكسر يرام مسجلا ~~وفي باب ياءات الإضافة، أنها ما كان آخر الكلمة، ولم يكن لاما ~~منها، قال شيخنا: ~~ليست بلام الفعل يا المضاف %% بل هي في الوضع كها وكاف ~~.... إلى غير ذلك مما لا يخفى على البصير بهذا العلم، فصح بهذا ~~وأمثاله، أن القارئ شديد الافتقار إلى علم العربية قطعا والله أعلم. # وأما توقف هذا العلم على الوقف والابتداء؛ فلأن من عوارض الإنسان ~~التنفس فاضطر إلى الوقف، وكان للكلام بحسب المعنى اتصال يقبح معه ~~الوقف دون محزه واتصال يحسن معه القطع، قال شيخنا: ~~وبعدما تحسن أن تجودا %% لا بد أن تعرف وقفا وابتدا PageV01P279 ~~وأما على العدد؛ فلأن بعض القراء زاد على رسم الخط ستين ياء في رؤوس ~~الآي، وبعضهم أمال رؤوس الآي من بعض السور، وبعض أصحاب ~~الأزرق عن ورش رقق ما غلظه من اللامات الواقعة في ~~رؤوس الآي الممالة؛ فاحتيج إلى معرفة تمييز الفواصل من غيرها من موطنه إذ كان ~~أمرا توقيفيا لا مجال للاجتهاد فيه، وإلى ذلك أشار شيخنا بقوله في باب الإمالة: ~~أمل ذوات الياء في الكل شفا ~~إلى أن قال: ~~مع رؤس آي النجم طه اقرأ مع ال %% قيامة الليل الضحى الشمس سأل ~~عبس والنزع وسبح [وعلى %% أحيا بلا واو وعنه ميل] ~~وقال في باب اللامات: ~~وأزرق لفتح لام غلظا %% بعد سكون صاد أو طاء وظا ~~أو فتحها وإن يحل فيها ألف %% أو يمل مع ساكن الوقف اختلف ~~وقيل عند الطاء والظا والأصح %% تفخيمها والعكس في الآي رجح ~~وقال في باب الزوائد: PageV01P280 ~~وهي التي زادوا على ما رسما %% تثبت في الحالين لي ظل دما ~~إلى أن قال: ~~وكل رؤوس الآي ظل ~~وأما على التعوذ والتكبير؛ فمن باب الندب، وأما على الرسم؛ فلأنه ~~سنة متبعة، وقد ورد النص عن حمزة أنه كان يتبع في الوقف على الهمز ~~ما وافق خط المصحف العثماني المجمع ms106 على اتباعه بشرط أن يصح وجهه ~~في العربية، وإن كان بما خالفه أقيس. # قال شيخنا رحمه الله: # وعنه تسهيل كخط المصحف %% فنحو منشون مع الضم احذف ~~وألف النشأة مع واو كفا %% هزءا [ويعبؤا البلاؤا الضعفا] ~~وورد النص عن كافة القراء باتباعه مطلقا، والوقوف عند حدوده. # قال شيخنا رحمه الله: # وقف لكل باتباع ما رسم %% حذفا ثبوتا اتصالا في الكلم ~~وهذا إذا لم يتغير المعنى، ولم تخرج الكلمة عن سننها المعروف، واختلف عنهم ~~في مواضع فاحتيج إلى معرفته؛ ليعلم أنهم وقفوا عندما التزموا. # ومن العربية يظهر سر ما خالفوا فيه ما رسموا، وقد جعل ~~الرسم أحد مدارات إثبات القراءات، قال شيخنا رحمه الله، في كتابه ~~النشر، الذي لم تسمح الأعصار بمثله: «كل قراءة وافقت العربية ولو ~~بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا، وصح سندها فهي ~~القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من ~~الأحرف السبعة التي بها نزل القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء PageV01P281 ~~أكانت عن السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة ~~المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها أنها ~~ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة سواء أكانت عن السبعة أم عن من هو ~~أكبر منهم، وهذا معنى قوله رحمه الله، في طيبة النشر» ~~فكل ما وافق وجه نحو %% وكان للرسم احتمالا يحوي ~~وصح إسنادا هو القرآن %% فهذه الثلاثة الأركان ~~وحيث ما يختل ركن أثبت %% شذوذه لو أنه في السبعة ~~قال في النشر، هذا هو الصحيح، عند أئمة التحقيق من السلف ~~والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، PageV01P282 ~~ونص عليه في غير موضع، الإمام أبو محمد مكي ابن أبي طالب ~~القيرواني، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه ~~الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة، ~~وهو مذهب السلف، الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه، قال أبو شامة، في ~~كتابه المرشد الوجيز: «فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد ms107 من ~~هؤلاء الأئمة السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحة، وأنها كذا أنزلت، إلا إذا ~~دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ~~ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن ~~الصحة؛ فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا عمن تنسب إيه، فإن ~~القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم، منقسمة إلى: المجمع ~~عليه، والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم، وكثرة الصحيح المجتمع عليه ~~في قراءاتهم؛ تركن النفس إلى ما نقل عنهم، فوق ما ينقل عن غيرهم». # هذا ما كنت عزمت على قوله، وجلست أمام القاضي الشافعي؛ ~~تواضعا، فسألني في الارتفاع، فامتنعت فألحف علي هو، وغيره من القضاة PageV01P283 ~~والمشائخ، وأكدوا أقوالهم، فارتفعت إلى مكان دون الذي أشاروا به، ~~فلم أزل أرفع بالإلحاف ممن أريد الجلوس دونه، حتى أجلسني الشيخ ~~أمين الدين يحيى بن الأقصرائي الحنفي، شيخ الأشرفية بينه وبين القاضي ~~الشافعي، وجذبني الشافعي حتى جعلني على سجادته، ثم أخذت في ~~الكلام فلما وصلت إلى قولي: وتنحصر المقاصد في جزئين، سألني القضاة ~~في القطع، فسألتهم في الإطالة لعلمي أن أكثر الناس يريدها؛ لأغراض ~~متباينة، فاعتلوا بتشتت البال؛ لهذه الإشاعة، فراجعتهم حتى اشتدت ~~المراجعة فلم أجب ثم سئلت في الدعاء، فدعوت بإصلاح الأحوال، ثم ~~انصرفنا. # وفي يوم الجمعة ثامن محرم هذا طلع المباشرون، فنقل إلي أنهم أدخلوا ~~إلى السلطان، فإذا هو ملقى لا حراك به، ولا قدرة له على النطق، غير ~~أنه يفهم الكلام، ويعرف الناس، ثم طلع الأمراء إلى صلاة الجمعة، فأراد ~~الأمير الكبير أينال العلائي أن يجلس دون ابن السلطان، واسمه عثمان، ~~فأبى، وجلس دونه، وقال: لا أخرج عن العادة، فلما انصرفوا من ~~الصلاة شيعوه، وأرادوا المشي أمامه، فأسرع، حتى صار أمام الأمير ~~الكبير، فلما وصلوا إلى باب الحريم جلسوا ليستأذن لهم على السلطان، ~~وأعاد الأمير الكبير سؤال ابن السلطان في الجلوس فوقه، وأعاد ابن السلطان ~~الامتناع، وجلس دونه، فقال له الأمير الكبير: يا مولانا كل من نراه ~~من هؤلاء ms108 الشيوخ، إنما أنشأهم وأمرهم أبوك، فهم أحب الناس فيه؛ ~~لأنهم إنما رأوا الخير في أيامه، فكل منهم لو أراده عبد من عبيد أبيك ~~على حمل نعله فعل مسرورا، فضلا عن ولده، فضلا عن أن يكون الولد ~~مثلك، فكلنا عبيدك، وفي جميع ما ترسم به من خدمتك على أن هذا ~~الكلام لا ينبغي أن يقال ما دام في السلطان روح، وإنما قلته؛ ~~لكثرة ما سمعت من الكلام، فلا تسمع كلام أحد، ولا تتخيل من أحد ~~من هؤلاء الأمراء، إلا خيرا، ومحبة، ونصحا، ثم جاءهم الأمر بأن ~~ينصرفوا، ففعلوا، ولم يصلوا إلى السلطان. PageV01P284 ### ||| خروج السلطان إلى الناس: # وفي صبح يوم السبت تاسع محرم المذكور، طلع المباشرون على عادتهم، ~~وطلع الأمراء، فإذا السلطان قد خرج إليهم ماشيا بنفسه، ثم جلس، ~~وكتب علامة واحدة، ولما جاء الأمير الكبير قام إليه فهنأه بالعافية ~~وكلمه في ذلك طويلا، فلم يرد عليه، وكأنه كان عاجزا عن النطق، ~~وأشار إلى الأمير الكبير بالجلوس، ثم سلم عليه بقية الأمراء، ثم قام ~~وانصرف، فقيل إنه أكل مزورة وتكلم، والله تعالى أعلم. ثم تواتر ~~النقل بأنه خف عما كان عليه، وطلع إليه الشيخ مدين فعاده، ثم القضاة، ~~ثم أراد بعض خواصه أن يدخل إليه القاضي مظفر الدين محمود العنتابي ~~الحنفي المتطبب، أخا القاضي شمس الدين الأمشاطي؛ لينظر علته، ~~ويصف له ما يلائمه، فامتنع من تمكينه من الدخول، وكان لا يرى أن ~~يستطب، فقيل له: هنا رجل صالح، طالب علم مبارك، قلما أخذ بيد ~~عليل إلا عادت عليه بركته، فقال: ائتوني به، فدخل، فوجد اليبس قد PageV01P285 ~~غلب عليه، فوصف له الفراريج، تطبخ حتى ينهري لحمها، ثم يشرب من ~~المرقة، ثم تجدد عليها حمى الدق، ثم خرج له خراج على ضلعه، ثم ~~قيل: إنه فتحه يوم الثلاثاء تاسع عشر محرم المذكور. # وفي هذا الحد أخرج ابن البساطي من المقشرة، بواسطة ناظر الخاص. # وفي نحو نصف محرم المذكور وصل من الحاج جماعة سبقوا من العقبة، ~~ثم تواتر مجيئهم إلى أن وصل ركب المماليك الذين ms109 يقيمون بمكة كل سنة ~~ويجيئون ويذهب بدلهم، في يوم الأربعاء العشرين من محرم المذكور. ### ||| خلع السلطان نفسه: # وفي آخر يوم الأربعاء هذا، أمر السلطان كاتب السر وتمربغا ~~الدويدار، أن يبكرا بإحضار أهل الحل والعقد؛ ليشهدوا عليه خلع نفسه ~~والتبري من الأمر لابنه عثمان هذا، مع ما يعلم منه من الظلم والعسف والجهل ~~والطيش والتهتك في الفسق من الشراب، وما يجر، حتى إنه تواتر أنه كان ~~ينزل في كثير من الليالي من القلعة في حبال وينزل معه من يريد، ويتسلط ~~على عباد الله بما سيذوق وباله؛ منه أنه يهجم إلى بيوت عرب اليسار فلا ~~يلقى بكرا إلا افتضها؛ حتى رحل العرب من منازلهم، فلم يكتف بظلمه ~~لمن استرعاه الله إياه، حتى استخلف عليهم من الغالب على الظن أنه يفعل ~~بهم أشد من فعله، فكان برد الأمر إليه داخلا فيما أخرجه الشيخان، ~~البخاري ومسلم، عن معقل بن يسار رضي الله عنه، سمعت رسول الله PageV01P286 ~~صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية ما يموت يوم يموت ~~وهو غاش رعيته إلا حرم الله عليه الجنة». وفي رواية: «فلم يحطها ~~نصحه ألا لم يجد رائحة الجنة». وما أخرجه مسلم والطبراني عنه أيضا ~~رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من أمير يلي أمور ~~المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح لهم». وفي رواية: «كنصحه وجهده ~~لنفسه إلا لم يدخل معهم الجنة»، هذا مع ما ورد في ذلك بخصوصه، ~~وإن كان ضعيفا، أخرج الحاكم (وقال: صحيح الإسناد) عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن استعمل ~~رجلا من عصابته، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله ~~والمؤمنين» وأخرج أحمد والحاكم أيضا (وقال: صحيح الإسناد) ~~عن يزيد بن أبي سفيان، قال لي أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين PageV01P287 ~~بعثني إلى الشام: يا يزيد إن لك قرابة، خشيت أن تؤثرهم بالإمارة، ~~وذلك أكثر ما أخاف عليك، بعد ما قال رسول ms110 الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~ولي من أمر المسلمين شيئا، فأمر عليهم أحدا محاباة، فعليه لعنة الله، لا ~~يقبل الله صرفا ولا عدلا، حتى يدخله جهنم»، فلم يسعهم إلا الامتثال، ~~والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل؛ وكان السبب ~~في ذلك الزين يحيى الإستدار، وذلك أنه لم يكن أحد يجسر يفاتح الظاهر ~~في ذلك، فقال له هو: إن غالب أهل البلاد اقتتلوا، وتقطعت الطرق في ~~غالب المملكة، وأكل بعض الناس بعضا، وإن الصواب أن تقيم عثمان. # وقال: يا مولانا السلطان، هذا مهجة قلبك، وإذا حصلت العافية، كنت # قادرا على إعادة الأمر إليك. فحسن ذلك بباله، فأمر بما أمر، وكان ميل ~~الإستاد إلى الولد، بعد موت الوالد وكان يظن أنه يصير هو نظام ~~الملك في أيامه، لما كان له عليه من الإدلال، وإليه من التردد؛ لكونه استداره ~~قبل ذلك. فدار كاتب السر المحب بن الأشقر ونائبه المعين بن الأشقر على أمير PageV01P288 ~~المؤمنين والقضاة، والدويدار على الأمراء فسألوهم الطلوع إلى القلعة في ~~صبح الخميس حادي عشريه، وكان ذلك موافقا لأول شباط وسابع ~~أمشير لذلك، فأجاب الكل بالسمع والطاعة وكان سن ابنه إذ ذاك ~~نحو عشرين سنة، فبكروا لذلك، فأمروا بالتأخير إلى دخول الساعة الثالثة ~~من النهار؛ لما زعم منجمه، من أنها ساعة سعد، فلما أذن في الفعل ~~قال القاضي الشافعي للظاهر: نشهد عليك أنك فوضت ما بيدك من أمر ~~السلطنة لولدك عثمان. فقال: نعم، وكررها فبكى الناس، ثم شهد على ~~أمير المؤمنين بتنفيذ ذلك، وعلى الولد بالقبول، وألبس ما جرت العادة، ~~من لباس الأسود الخليفتي، واختار أن يلقب المنصور، ويكنى أبا ~~السعادات، ففعل ذلك، وقدم لكل من أمير المؤمنين، والأمير ~~الكبير ما جرت العادة به من الخلعة والفرش، ومشى الأمراء والجند قدامه ~~إلى القصر فجلس على التخت، ودقت الكوسات والطبلخاناة، ~~حتى ارتجت لها الأرض، وشاهد الناس أمرا ما لهم به عهد في هذه البلاد، ~~ونزل المنادي قدام الوالي ينادي بالأمان والاطمئنان حسب المرسوم الشريف PageV01P289 ~~السلطاني لملك المنصور أبي السعادات، ثم ms111 رسم بكتابة مراسيم مع هجانة ~~إلى جميع البلاد؛ للإعلام بذلك وتقفيتهم بخاصكية لذلك أيضا، فعين لذلك ~~من يصلح له، وكان من جملتهم شخص يقال له: جانم الساقي، فطلب ~~غيره ما طلبه هو، وقام الكل عصبة فاختصموا، فطال خصامهم، ثم نزلوا ~~عن غير تراض، جعل الله العاقبة إلى خير كثير وعز كبير آمين آمين. # وكانت سلطنة الظاهر بكرة الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة ~~اثنتين وأربعين وثمانمائة، فكانت مدته خمس عشرة سنة إلى شهرين. # ثم وصل الركب الأول من الحاج في أواخر يوم الخميس هذا، وفي ~~أواخر يوم الجمعة ثاني عشري [محرم] دخل كثير من ركب المحمل، ~~ومات قبيل مغربه الفاضل المجاهد رسول بن... الكردي الشافعي، ~~ودفن في الغد، في تربة الصوفية، خارج باب النصر، وكان موته بالمرستان ~~المنصوري، وكان فاضلا في الفقه والأصول والنحو وغيرها، وغزا ~~رودس في المرة الأولى، وكان رفيقي في غزوة القشتيل، وكان شجاعا ~~عاقلا، وخلف ولدا ذكرا رحمه الله، ثم مات ولده بعده بيسير. # وفي بكرة يوم السبت ثالث عشريه، تكامل وصول الحاج، ودخل ~~المحمل، والأمير دولات باي دويدار السلطان الكبير، وأثنى عليه الحجاج ~~كثيرا في رفقه بهم، واحتياطه لهم، وجده في حراستهم، بحيث ~~أن العرب لم يجدوا إليهم سبيلا، مع أنه شاع عندهم، أن السلطان مات، ~~فكانوا شديدي الحرص على أخذهم، فلما رأوا ما عنده من الحزم وشدة ~~العزم والنفوذ في السياسة كفهم ذلك ولله الحمد. # ولما وصل طلع إلى السلطان، فسلم عليه ولبس بين يديه ما جرت العادة ~~به من الخلعة، ونزل إلى بيته. ### ||| موت ابن شعبان: # وفي أواخر يوم السبت هذا، مات الأمير رجب بن شعبن والي الشرطة ~~بمصر العتيقة، وكان أبوه ولي حسبة القاهرة في وقت من الأوقات، وكانت PageV01P290 ~~ابتداء أمر النفقة على الجند ~~العادة جارية في المملكة المصرية أن من ولي السلطنة ينفق على الجند المنزلين ~~في بيت السلطان نفقة، وكانت تكون في الغالب مائة دينار لكل واحد، ~~فحسب ذلك فإذا هو في هذا الوقت ستمائة ألف دينار، فيكون عدة ms112 الجند ~~ستة آلاف، هكذا بلغني، وكنت سمعت قبل ذلك أن المرتبين على ديوان ~~السلطان أقل من ذلك، فالله أعلم، ولم يكن في الخزانة حين خلع الظاهر ~~نفسه شيء، فلما بات السلطان ليلة الاثنين خامس عشري محرم هذا، قال ~~له الأمير الكبير: يا مولانا السلطان مماليكك متطلعون إلى ما جرت به العادة ~~من الصدقات الشريفة. فقال: أما أنا فرجل فقير كما تعلمون، وأما ~~والدي، فلم يكن في خزانته حين علق الأمر بي شيء، وقد انتظرت من ~~جرت العادة بمواساته في مثل هذا الأمر، فلم يكن منهم نظر، وأنا لا أحب ~~أن أبتدئ أمري بظلم أحد، فلا أقدر على شيء الآن، ولكني أريد أن ~~تكون النفقة على النصف، لكل رجل خمسين، وأن ينظروني إلى شهر ~~ربيع الأول، فإني أرجو أن تحصل في هذه المدة ما فيه كفايتهم، فاستعظم ~~هذا الجواب عليه جدا، وملئت العيون منه، وأعطى الإقطاع الذي كان ~~بيده لتنم المحتسب أمير المجلس، وأعطي إقطاع تنم ليونس البواب، ~~وإقطاع يونس لجانبك القرماني، وإقطاع جانبك ليشبك الناصري، PageV01P291 ~~وإقطاع يشبك [لكزل السودوني] المعلم، وكان بطالا. # ثم أرسل إلى ناظر الخاص يستعين به في ذلك، فأرسل يقول: إني # صرفت في مدة ولايتي ما هو معروف الحساب مضبوط، وإذا نظر وجدت ~~الجهات التي تحت يدي عاجزة عنه، فلولا أني أتجر، ما قدرت على ~~ذلك، مع أني قريب العهد بغرامة مائة ألف دينار في آخر أيام أبي الخير، ~~استدنت غالبها، وتأخرت علي منها إلى الآن خمسة عشر ألف دينار، فليس ~~عندي الآن نقد، ولكن عندي من العروض ما يساوي مائة ألف دينار، ~~فإن أمهل علي نضضتها ويعطي الإستدار مثلها، وتوزع المائة ~~الأخرى على بقية المباشرين. فلما أخبر السلطان بذلك، قال للرسول: PageV01P292 ~~قبل يد القاضي، وقل له: السلطان يقول لك: أنت والدي. # سجن أبي العباس ~~وفي يوم الثلاثاء سادس عشري محرم هذا سجن أبو العباس أحمد بن ~~عبد الله المجدلي، الشهير بالقدسي الشافعي الواعظ في سجن الرحبة ~~بالقاهرة، بحكم قاضي القضاة ولي الدين السنباطي، قاضي المالكية ~~بالقاهرة؛ ms113 بسبب سعيه في الأرض بالفساد؛ وذلك أنه رتب قضية يكون ~~فيها خراب بلده المجدل، واقتتال أهلها فزور محضرا على شخص، ~~يقال له: ابن قزابر (بفتح القاف والزاي وكسر الموحدة، وآخره راء ~~مهملة)، وهو كبير المجدل، وعين طائفة هم أعداء لأقارب أبي العباس، ~~يلزم من ثبوته احتياج ماله، ومال أقاربه، وقتله، ادعى فيه أنه أقر أن ~~لابن محاسن (الذي كان ناظرا بالقدس والخليل على أيام أبي الخير) عنده ~~خمسة آلاف دينار، وأنه انتقص بعض الأنبياء، ودلس فيه على بعض جهلة ~~القضاة بنابلس بقضية عجيبة، حتى أخذ خطه عليه بالثبوت، ودس أخاه ~~به إلى ناظر الخاص، فلما وقف عليه أرسل بطلب ابن قزابر، فوافق ~~محمد النشابي في القدس للكشف عن الناظر، القاضي أمين الدين عبد ~~الرحمن بن الديري، وكان قد وقع لأبي العباس في القدس قضية أوجبت ~~إهانة الناظر له، وسبقت له مع النشابي سوابق سيئة، بعد إحسان كثير ~~من ابن الديري، والنشابي إليه، كان أبو العباس قد كتب بالمحضر ~~نسختين، فسقطت منه إحداهما، فأطلع الله عليها النشابي، فحرر ~~القضية، فوقف على جلية أمرها، وأشهد على قاضي نابلس بالبراءة من ~~المحضر، وأنه زور لم يأذن فيه، ولا اطلع عليه، ولا علم له بشيء مما ~~تضمنه، ثم وضع أخا أبي العباس في الحديد، في السجن، وأراد تحصيل ~~أبي العباس، فعجز عنه، وهرب إلى القاهرة، ثم أحضر أخاه وابن قزابر ~~إلى القاهرة، وكان أبو العباس لما سبقهم شرع يطلق لسانه في الناظر، PageV01P293 ~~والنشابي، ويشيع أمر المحضر على كيفيات مختلفة، وآفة الكذب - كما ~~قيل - النسيان، فعلم من مجموع كلامه كذبه وافتراؤه مع ما ~~كان يعرف به قبل ذلك من أمور، تؤذن بانحلاله، ~~وأنه لا مسكة له في شيء من أحواله، ولا وقوف مع دين ولا مروءة. # فلما وصل النشابي إلى القاهرة نصب أبو العباس شخصا، يقال ~~له: قاسم ابن أخت الشيخ تقي الدين أبي بكر الحصني، شيخ ~~مدرسة الإستدار؛ للدعوى على ابن قزابر، ورام بذلك تخليص أخيه، ~~لزوال تعلقه حينئذ بالقضية، فلم يفده ذلك إلا ms114 زيادة المغرم على أخيه في ~~السجن، وعلى قاسم الحصني [لسعيه] فيما يريد. فادعي على ابن ~~قزابر عند قاضي المالكي المذكور، وأحضر له الشاهدين اللذين قام ~~بهما المحضر، فنظر المالكي فيهما، فإذا هما متهمان؛ فوضع ابن قزابر في ~~السجن، وأمر بإحضار غير ذينك الشاهدين، وجعل الأجل لتحصيل ذلك ~~شهرا؛ فأرسل أبو العباس قاسما، إلى بلاد غزة، فلم يدع بها متهما يعرفه ~~حتى زاد في إرغابه، فلم يجبه إلا اثنان لا تقضى بهما الحاجة، ولا تقتل ~~بهما دجاجة، فأحضرهما واختفى، ودار أبو العباس؛ يريد تعديلهما، ~~ففطن له، فعوجل، وأحضر يوم الاثنين خامس عشري محرم المذكور إلى ~~المالكي، فأمره بإحضار قاسم، فتبرأ منه، ومن القضية، فذكر له من ~~مناقضاته، ما حقق أن القضية كلها ترتيبة، وتهدده إن لم يحضره؛ ~~فأحضره، فسأله المالكي عن البينة، فاعترف بأنه لم يجد بينة، وأن الذي ~~ندبه لذلك أبو العباس، واعترف أبو العباس أن القضية زور، PageV01P294 ~~ثم أنكر كل منهما ما اعترف به، فعقد مجلس يوم الثلاثاء المذكور في ~~بيت المالكي بجميع نوابه، وحوققا بما ضبط عليهما من التناقضات الموجبة ~~لإبطالهما، فإن ذلك دأب الباطل، يكون لجلجا لا ثبات له على حالة من ~~الحالات، كما أن دأب الحق الثبوت، وعدم التبدل، فانفصل المجلس على ~~أنه يجب إطلاق ابن قزابر؛ لوضوح كذب ما نسب إليه، وإبقاء أبي ~~العباس، وقاسم في الترسيم، ليدعى عليهما، بما يلزمهما مما افتعلاه في هذه ~~القضية، ومنعه المالكي من أن يتكلم بين المسلمين بوعظ؛ لتهمته في أقواله ~~وأفعاله، والخوف من إغوائه وإضلاله، ثم أطلق ابن قزابر، وأمر بأبي ~~العباس، وقاسم إلى السجن، فسجنا بحبس الرحبة، وبه كان ابن قزابر، ~~وشيعهما إلى باب السجن، ابن قزابر وخلق كثير من أهل المجدل، ~~يصيحون على أبي العباس: أنت خراب البلاد، وشين العباد، ويسبونه ~~سبا قبيحا، ويرفعون أصواتهم بالدعاء للقاضي، والسلطان، والصلاة على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت لهم ضجة عظيمة، وله حالة ذميمة، ~~وسيرة غير قويمة. # سجن برقوق ~~وفي هذا اليوم أمر السلطان المنصور ببرقوق السافي، ms115 أحد مماليك ~~أبيه وأخصائه إلى البرج؛ لأنه إنحل إقطاع فطلبه من السلطان، فقال له: PageV01P295 ~~معك إقطاع جيد. فقال: لا يكفيني. فأمر بالكشف عن متحصله، فإذا ~~هو فوق ثلاثمائة ألف، فقال له: هذا القدر مع مالك من الجامكية واللحم ~~والعليق لا يكفيك، وأنت بمفردك، ليس عندك مماليك، هذا هو الكذب ~~الصريح؟!، وأخرج إقطاعه لأربعة أنفس، هذا ما ظهر والسبب على ما ~~قيل غير ذلك، وهو أن الظاهر كان أخذ من تركة ابنه محمد جارية ~~عذراء بديعة الجمال، فتعلق بها قلب المنصور، فخاف الظاهر سبقه إليها، ~~فافتضها، ثم أعطاها لبرقوق هذا، وكانت قد مالت هي أيضا إلى المنصور، ~~فتراسلا إلى أن كانا يجتمعان في بعض الغفلات، وربما علم برقوق؛ فأخذ ~~حذره، وبالغ في الحراسة، فثقل ذلك على المنصور، كذا نقل إلي من ~~طريق قوي، والله أعلم، ثم شفع فيه؛ فأمر بإخراجه من البرج، فقيل ~~على إقطاه، فقال: قد خرج لمن تعلق قلبه به، فلا سبيل [إليه]. # مشاتمة جانبك والإستدار ~~وفي يوم الأربعاء سابع عشري محرم هذا تشأتم جانبك مشد جده، ~~والزين يحيى الإستدار شتما قبيحا، وهدده جانبك، وقال: أنا أسد ~~مسدك، وأبذل مائتي ألف دينار، وكانت الإستدار قد أساء إلى غالب كتبة ~~ديوانه من القبط، فانضم بعضهم إلى جانبك وأعلمه أحوال الإستدارية، ~~وما في ديوانها من الأموال والفوائد، وما فتح هذا من الأبواب، وكان ~~الإستدار جريئا طائشا؛ فكان قليل المراعاة للأتراك، كثير الإساءة إليهم ~~في أمر إقطاعتهم، فلم يكن منهم أحد إلا وهو في غاية الحنق عليه؛ فكان PageV01P296 ~~ذلك كله مما جرأ جانبك عليه، وكان الإستدار لكونه كان إستدار المنصور ~~من مدة طويلة، وأنه هو سبب دولته؛ يظن، بل يتحقق أن يكون المقدم ~~في أيامه، فكان قد أقام شخصا للظلم وهو الذي يسمي مشد المستخرج، ~~فكان ذلك مما زاد حنق الناس عليه، وأطلق الألسنة بالدعاء عليه. # العزم على ناظر الخاص ~~وبلغ ناظر الخاص، أن مبغضيه حسنوا للسلطان أن تكون جميع نفقة ~~المماليك منه، وأعلموه أن معه من النقود أضعاف ذلك، وأنه وصل ms116 إليه ~~في شهر ذي الحجة هذا، من بلاد الشام خاصة مائة ألف دينار نقدا، ~~وقبحوا له تعميم المباشرين بالأخذ منهم؛ من جهة أن في ذلك إيغار ~~صدورهم، وهم جمع يخشى أمرهم، وأشاروا عليه بأن يقول له: أنت ~~ادعيت أنك اقترضت على ذمتك في قضيتك مع أبي الخير مائة ألف دينار، ~~فنحن نأمرك أن تقترض لنا مائتي ألف دينار وتوفيها من جهات ~~الذخيرة التي هي في يدك، وأما الإستدار فلا يحتمل حاله شيئا؛ فإن ~~حملته ثقيلة جدا، وماله مفرق في البلاد، ولا بد له من حاصل يعده لوقت ~~يقف فيه بعض جهاته، ويتعطل فيه شيء من دواليبه، وإن لم ترض ~~ذلك [فعليك أن] تعجل ستمائة ألف، ويدخل في وظيفتك ولا يأخذ ~~من أحد شيئا، فأمر أمه وزوجته بنت الكمال البارزي، وعمتها ~~بنت السلطان الظاهر وأخت المنصور زوجة أزبك فطلعن إلى القلع وبكين ~~إلى أم السلطان وسراريه، ولم يزلن بهن حتى اجتمع الكل عليه يفتلنه في ~~الذروة والغارب، حتى أجاب إلى ما سأل ناظر الخاص فيه، من توزيع PageV01P297 ~~المال، عليه مائة، وعلى الإستدار مائة، وعلى بقية المباشرين: الوزير، ~~وكاتب السر، والشرف الأنصاري، وبني الجيعان مائة، وأن تكون ~~مؤجلة إلى حين يبيع فيه ما عنده من العروض، وكتب ذلك قائمة في ~~يوم الثلاثاء سادس عشري الشهر. ثم عرضت القضية على المباشرين، فقال ~~ناظر الخاص: عندي مائة ألف دينار، وسكت الإستدار، فطلب منه ~~الكلام، فقال: عندي ثلاثون ألف دينار، فأنكر عليه ذلك، وغضب ~~من سكوته، ثم من مواجهته بذلك، فقيل له: أورد مائة ألف، فشرع ~~يحاجج على عجزه عن ذلك، ويذكر أمورا يعرض فيها بناظر الخاص، من ~~أمر المتجر، وقضاء وأشغال أهل بلاد الشام، وغيرها، وينفي مثل ذلك ~~عن نفسه. # توجه الخاصكية ~~وفي يوم الخميس ثامن عشريه، خلع السلطان على الخاصكية، الذين ~~يتوجهون إلى أمراء البلاد، بتقريرهم على ما هم عليه، والجميع مماليك ~~الأشراف، وهم على ما قيل: عشرة أنفس. ### || # أمر الإستدار ~~ثم زاد الكلام على الإستدار، وأخبروا السلطان، أن معه أقاطيع ثلاث ~~طبلخانات، ms117 وعشرين إمرة، وحسنوا له أن يأخذها منه ليرضي بها عدة ~~من الجند، فقال له: يوم السبت مستهل صفر من السنة عن ذلك، PageV01P298 ~~فقال: إني لا أقدر أسد الحملة التي علي إلا بذلك، فقال جانبك: أنا ~~أسد، وأعطي من موجودي أربعمائة ألف دينار، فضرب السلطان ~~الإستدار بالنمشا (وهي مغمدة)، ثم أمر فقبض عليه، وعلى نائبه ~~التاج بن المقسي، وألبس جانبك خلعة، بالإستدارية، ونزل معه ~~المباشرون، وكثير من الجند إلى بيته، فلما حاذى بيت الأمير الكبير إينال ~~العلائي، خرج يهنيه، فنزل لملاقاته، وترجل من كان معه، الدويدار الكبير ~~دولات باي، وغيره إلا تمربغا الدويدار الصغير، فلم ينزل، ووضع ~~الإستدار ونائبه في القلعة، وسلموا للخزندار، ليدفعوا المال بالحسنى، ~~وذهب بردبك البشمقدار إلى بيوتهما فأقفلها وختم عليها، وقصد كثير من ~~الغوغاء وغيرهم حرق بيت الإستدار؛ فذهب والي الشرطة، ~~وحاجب الحجاب، فغلقوا ما هناك من أبواب الدروب، وردوا ~~الناس، وباتوا في مدرسة الإستدار، يحمون بيته من المفسدين، واستمر ~~هو وابن المقسي إلى المغرب، فلم يحصل منهما شيء، فأمر بهما إلى بيت ~~جانبك، فنزلا، ونزل معهما تمربغا الدويدار الثاني، وجماعة من المماليك بعد ~~المغرب، ومعهم نقيب الجيش ابن أبي الفرج القبطي، وهو يلعن الإستدار PageV01P299 ~~بأنواع اللعن والسب، وكانت بينهما عداوة شديدة. # إطلاق [أبي] العباس ~~وفي أواخر يوم السبت هذا أطلق أبو العباس المجدلي الواعظ، ورفيقه ~~قاسم الحصني من السجن؛ بواسطة الشيخ مدين ظاهرا، وبواسطة ~~وعد جماعة ابن قزابر، لمن كانت الدعوى عنده، وهو الناصر بن المخلطة ~~برشوة، ثم لم يوفوه باطنا. # وفي يوم الأحد ثانيه، مس ابن المقسي بعذاب شديد، وكتب ~~موجود الإستدار؛ من الأبقار والجمال، وما أقر به من النقود، ونقل ~~السلطان من نقده نحو مائة ألف دينار، وذهب نقيب الجيش إلى نساء ~~الإستدار، فعرضهن على العذاب، وأفحش في انتهاك حرمتهن. # وفي هذا اليوم رسم بإطلاق التقي أبي بكر بن عز الدين الشافعي، ~~الذي كان قاضي طرابلس، وأن لا يدعى عليه إلا من الشرع، وذلك ~~بواسطة القاضي الشافعي والحنبلي، كلما فيه ناظر الخاص. ### ||| إخراج بعض ms118 تعلقات ناظر الخاص: # خطبة بنت الأمير الكبير: ~~وفي يوم الاثنين ثالثه، أخرج عن ناظر الخاص الجمال يوسف بن ~~كاتب جكم نظر الذخيرة، وجعل ذلك إلى فيروز الخزندار، ورد إليه ~~جميع ما كان خرج عنه، من الأنظار في أيام أبي الخير، وبعده، وألبس ~~لذلك خلعة، وأرسل السلطان المنصور إلى الأمير الكبير إينال العلائي، ~~يخطب ابنة له بكرا تسمى فاطمة، وأرسل مهرها ألفي دينار مع لالته PageV01P300 ~~لاشين صاحب الجامع، الذي إلى جانب بيت الأمير الكبير ~~بالكبش، وأرسل إلى دولات باي يخطب ابنته، فأجاب بالسمع ~~والطاعة، وأنه مملوك السلطان وابنته جاريته. # وبلغنا أن في هذا الحد وقعت في حلب حادثة غريبة، وذلك أن الشهاب ~~ابن الزهري قاضيها الشافعي كان يثبت على ابن الشحنة أمورا بغير تثبت، ~~فتوصل ابن الشحنة إلى أن أثبت القاضي الحنبلي سالم أن بين ابن الزهري ~~وابن الشحنة عداوة، فأمر ابن الزهري بسالم وشاهديه فأحضروا، ~~فضربهم وطوفهم على حمير ينادي عليهم، هذا جزاء من يعمل الزور، وأمر ~~بهم إلى القلعة ثم أطلقوا، فاجتمع الحنبلي بالنائب، وشكى أمره إليه، ~~فقال: لا يمكنني أن أفعل فيه شيئا؛ لأن كلامنا حاكم من قبل السلطان ~~فلا يحكم بعضنا في بعض. فقال: فكيف فعل هو بي ما فعل؟! فقال: ~~إنه فعل ما يقبح، وأنا أنزه نفسي عن مثل ذلك، فلما آيس سالم من PageV01P301 ~~النائب نادي: من أراد المال الكثير من غير تبعة فليأت، فاجتمع عليه ناس ~~كثر، ثم قصد بيت ابن الزهري، فهرب ابن الزهري، وكذا عياله، ثم ~~جاء حاجب الحجاب، ولم يزل بالعامة حتى ردهم، فلما انفرد سالم علم ~~أنه صار ظالما بعد أن كان مظلوما، فاختفى، ثم هرب إلى حماة، وبلغ ~~المنصور ذلك فعزله. ### ||| موت الظاهر: # وفي ليلة الثلاثاء رابع صفر المذكور، من سنة سبع وخمسين، ~~مات الظاهر أبو سعيد جقمق، عن نحو ثمانين سنة، وصلى عليه من ~~الغد في القلعة، في الموضع المعتاد لذلك - وهو داخل الباب الذي ينفذ ~~إلى القرافة - القضاة والأمراء والجند، وأم بالناس عليه أمير المؤمنين، ~~وشيعه القضاة والأمراء ms119 العشراوات، ومن دونهم، من الجند إلى التربة التي ~~أنشأها قانباي الشركسي، بالقرب من باب المدرج، وأما الأمراء الكبار ~~فرجعوا مع السلطان المنصور، ثم نزلوا إلى بيوتهم، ولم يحضروا دفنه، ~~ثم ذهب الأمراء والقضاة، ومن دونهم إلى تربته في عصر ذلك اليوم على ~~العادة في أمثال ذلك، وكذا في صبيحة يوم الأربعاء خامسه. # وكان هذا الرجل من مشكلات الدهر، يرى أكثر الناس أن أموره ~~كلها متناقضة، بينما هو في أعلى أفعال الخير، إذا هو في أدنى دركات الشر، ~~فلا يعرف حقيقته إلا قليل من أولي البصائر والألباب، وهي أنه رجل ~~شجاع مقدام عاقل داهية، مكار بعيد الغور، شديد الحدة، مطبوع على ~~الشر والجبروت والحقد والحسد وازدراء الناس، ومحبة جميع الأموال من ~~أي وجه كان، وتبذيرها في أي سبيل اتفق، وعشق الأذى، لاسيما لأهل PageV01P302 ~~الدين، لاسيما أعيانهم، فهو يمشي بعقلة على الطريق المستقيم، ليرى أنه ~~من أهل الدين، ويجري في الحدة بطبعه اللئيم، فيعلم أنه معتد أثيم، ~~وشيطان رجيم، فلما كان دون السلطنة؛ كان الخوف من السقوط يطفئ ~~حدته، فيخفي طبعه، ويسير بعقله فيلازم الخير وأهله، من العلماء ~~والصلحاء والمساكين، وينقاد لهم، ويتكرم عليهم مع إظهار الزهد ~~والتقشف، والرضى بخشن العيش، فكان يقطع أكثر الناس، أنه في غاية ~~الديانة والرقة والاستقامة، فلما ولي السلطنة وتمكن بطول الزمان زال ذلك ~~الخوف، فظهرت عليه الحدة فقادت الطبع شيئا فشيئا، فكان كلما طعن ~~في السن، زاد في الشر بمقدار ذلك، إلى أن كان آخر سنيه شرها وأسوأها ~~وأضرها، وكان لو ضاعته قبل السلطنة وحقده مدخل كبير في أذى غالب ~~الناس؛ فإنهم كانوا يعاملونه على حسب ما يظهر هو في ذلك الزمان، ~~فينقصونه عما في نفسه، فيحقد عليهم، فما ظفر بعد بأحد منهم إلا بالغ ~~في أذاه، وكثير منهم كان أذاه لهم سبب هلاكهم، ومن مات منهم قبل ~~سلطنته آذى أولاده إن كانوا، أو أقاربه إن لم يكن له أولاد، ويظهر ذلك ~~كله في قوالب دين، وتغلبه الحدة فيحكي ما اتفق له مع من أذاه، ~~فبعضهم ms120 ادعى عليه شيئا، وبعضهم ورد عليه مرة فما أضافه وإن بالغ ~~في إحسانه إليه في غير تلك المرة، ونحو ذلك من الأمور، فيعلم أن الأذى ~~بسبب ذلك، لا بما جعله سببا في الحال. # وكان في غاية الكذب والإساءة إلى أصحابه، ما ترك أحدا أحسن إليه، ~~أو عول في أمر عليه، من شر على قدر إحسانه، كان أكثر الناس برا له ~~وإفضالا عليه بنو البارزي، فإنه كان في غاية السقوط في أول أمره، ~~فأحسن إليه القاضي ناصر الدين ابن البارزي كاتب سر المؤيد، وأجرى ~~عليه الخيرات والإنعامات، ولم يزل يرقيه حتى صار حاجب الحجاب، ~~ولما مات قام ابنه الكمال محمد مقامه، فزوجه أخته، وزاد على أبيه ~~في الإفضال عليه، والإحسان إليه، ثم ترقت به الأحوال، فصار أمير PageV01P303 ~~آخور، ثم أتابك العساكر، وولي السلطنة، وأمتعة القاضي كمال الدين ~~وأخته مرهونة على دين استدانه له لما ذهب مع الأمراء إلى البلستين، ~~ولم يدع جهدا في الإحسان إليه وإقامة حرمته، فلما ولي السلطنة لم يبق ~~جهدا في انتقاص الكمال وإهانته، كما هو مذكور في مواضعه حتى مات ~~قهرا وقتل صبرا. لم يتهن بالعيش بعده، ومازال في شدة بعد ~~شدة حتى لحقه قبل مضي سنة، وهو مع مقاساته للشدائد، ملازم لإهانة ~~أهل الدين ساع في وهن شريعة المسلمين، ولم يدع من أصحابه أحدا حتى ~~نكبه كما سلف في مواطنه، كالشمس الكاتب، والولي السفطي، والقوام ~~العجمي وغيرهم، ولم يدع أحدا من أكابر المسلمين ودعائم الشريعة، حتى ~~بالغ في إهانته، فعل مع شيخ الإسلام قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر ~~ما ذكر في أماكنه، وتهدده بأن يركبه حمارا ويطوفه، ثم يحبسه في ~~المقشرة، كما حدثني به المحب بن الأشقر عن سماعه من السلطان ذلك ~~التهديد، وتهدد قاضي القضاة شيخ الإسلام سعد الدين بن الديري ~~بالمقشرة، وأما فعله مع قاضي القضاة علم الدين صالح بن شيخ الإسلام ~~السراج البلقني فمذكور فيما مضى، وغير هؤلاء صب عليهم ما لا يليق ~~فعله بأسقاط الناس. ومن أعظم الأدلة على بغضه لأهل ms121 الدين، مع ~~إظهاره التدين والنسك، أنه سنة ولي الملك رسم بقراءة البخاري من أول ~~شهر رجب، وكانت عادة من قبله أن تكون قراءته في شهري شعبان ~~ورمضان، وكان السامعون نحو ستين، فزادهم حتى جاوزوا المائة، فلما PageV01P304 ~~تمكن أعاد الأمر إلى عادته في الاقتصار على شهرين، ثم اقتصر على شهر ~~رمضان فقط، ثم أبطل الخلع التي كانت لأكابر السامعين، ثم نقص البقية ~~من صررهم، فكان لكل رجل ألف فجعلها خمسمائة، ثم قطع جميع ~~ذلك، لم يعط أحدا درهما، على أن مجموع ذلك لا يزيد عن ألف دينار، ~~مع أنه يعطي آحاد التركمان الخمسة آلاف دينار وأكثر في غير طائل. # وكان مغرما بخرق العوائد، ورفع الأراذل على الأماثل، مع إظهار ما ~~لا تغلبه الحدة فيه من ذلك في قوالب دين، ليعذره في ذلك من لا تدبر ~~له، وهم الغالب. لم يمت حتى جعل الناس شيعا، وشعبهم شعبا وفرقا ~~نسأل الله إصلاح الأحوال، وتشييد ما أوهى من أركان الكمال، إنه الكبير ~~المتعال البر الوال. # وفي يوم موت الظاهر نمت نهارا فرأيت في النوم، أن ذكري قائم، وقد ~~صار له قرنان في آخر معكرته من الجانب الذي يلي البطن، وهما من لحم ~~كلحم الكمرة، ورأيت أني قرأت من أول سورة يوسف عليه السلام، ~~إلى قوله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث} الآية [يوسف:21]. وأظن أني كنت في صلاة العشاء، فولي السلطة ~~إينال العلائي، وكان صاحبي، فذكرت بولايته، ثم فتح علي بكتاب، ~~مناسبات آيات القرآن، كما سيأتي، وقدر موته، وخلع ابنه المؤيد PageV01P305 ~~أحمد، وأنا في نصيف الكتاب في سورة يوسف عليه السلام، كما سيأتي ~~إن شاء الله تعالى. ### ||| التزام الإستدار: # وفي يوم موت السلطان، طلب من الإستدار، أن يلتزم خمسمائة ألف ~~دينار ويطلق، فأبى، فعرض ليلة الأربعاء خامس الشهر على العذاب، ~~فكتب خطه بذلك، وكتب نائبه وصهره التاج بن المقسي خطه بمائة ألف ~~دينار. ### ||| رجم نقيب الجيش: # وفي يوم الأربعاء هذا رجم العوام نقيب الجيش ابن أبي الفرج لإساءته ~~إلى الإستدار، ms122 وضربوا شخصا منهم دعا عليه ونسبه إلى الظلم ضربا ~~شديدا. # وبرزت المناداة عن السلطان: أن لا يخرج أحد من الجند في الليل، # ولا يتعرض أحد منهم لأحد من الناس بأذى، وان لا يدخل أحد من الناس ~~فيما لا يعنيه، وأريد بذلك كفهم عن مثل رجم نقيب الجيش، ~~ونودي أيضا في هذا اليوم: إن نفقة المماليك في ربيع الأول. ### ||| محاكمة الأشراف: # وطلع الأشراف إلى السلطان، فشكوا إليه، أن من الموقوف عليهم ~~بلدا اسمها بلقس، وان الإستدار كان يستأجرها منهم باليد العادية بمائتي PageV01P306 ~~ألف درهم، ويأخذ منها ألف ألف، فقال جانبك الإستدار: أما هذا ~~العام، فإنها في إجارة من كان قبلنا، فنحن نستغلها بتلك الإجارة، ثم ~~ندفعها إليكم، فحسن ذلك تمربغا الدويدار الثاني، ومن كان حاضرا، ~~فلما فرغوا من كلامهم، قال الأمير قراجا الخزندار: لم يمنعون حقهم، ~~وهم آل رسول الله؟! ادفع إليهم بلدهم. فقال السلطان: نعم. فدعوا ~~له وانصرفوا. ### ||| نقل الإستدار إلى القلعة: # وفي هذا اليوم أطلع الزين الإستدار إلى القلعة، وأسقط عنه من ~~الخمسمائة، مائتا ألف، واستمر مرسما عليه؛ ليورد ثلاثمائة ألف. # وفيه طلع الأمير جانبك الإستدار إلى السلطان، فراجعه في أمر بلقس، ~~فرسم له بإبقائها معه. ### ||| رجم نقيب الجيش: # وفي يوم الخميس سادس صفر هذا سنة سبع وخمسين اجتمع من العامة ~~عند القلعة ما لا يحصى؛ فنزل المباشرون، وهم خائفون منهمه، فلم ~~يعرضوا لهم، فلما نزل نقيب الجيش رجموه، فقال: يا جماعة لم؟!! # ثم قال: هل كفرت، حتى استوجبت هذا منكم؟ قالوا: نعم، واستمروا # على الرجم، فرجع عليهم جماعة كانوا معه، فحاربوا العامة، حتى خلص، ~~وما كاد. ### ||| البشارة بالسلطنة: # وفي هذا اليوم خرج خاصكية بمراسيم بالبشارة، بسلطنة المنصور إلى ~~قضاة البلاد، وما سمعت أن عادة جرت بذلك قبل هذا، إنما كان يرسل ~~إلى الأمراء، ومباشري الدولة. # وفي يوم الأحد تاسعه، خلع السلطان على يار علي العجمي، وعلى PageV01P307 ~~ابن أبي الفرج نقيب الجيش، وعلى جانبك الساقي والي الشرطة خلع ~~استمرار على وظائفهم. وقبض الوالي على جماعة ممن قيل أنه رجم ms123 نقيب ~~الجيش. ### ||| أمر قراجا الوالي : # وفي يوم الاثنين عاشره، خلع السلطان على يوسف شاه معلم ~~البنائين، بالاستمرار، وعلى الأمير قراجا، الذي كان والي القاهرة ~~بكشوفية الشرقية، ورسم بأن يؤتى بالأمير عبد الله، الذي كان ~~كاشفها على ايام أبيه، وكان عظيم المنزلة عنده على حالة قبيحة. ### ||| ضرب الإستدار: # وفي هذا اليوم ضرب الإستدار كسارات على ركبه، ورسم بعصر ~~عظامه. # وفي هذه الأيام اشتد سعي العلم صالح البلقني في القضاء، وشاع أنه ~~بذل فيه أربعة آلاف دينار. # وفي ليلة الثلاثاء حادي عشره رؤي في نواحي الشوبك في السماء ثلاثة ~~أقمار، حدثني بذلك الشريف محمد بن الشريف محي الدين يحيى بن ~~الشريف.. الحسيني الشوبكي، أنه حدثه بذلك من لا يشك في صدقه ~~من أهل الشوبك، ثم قدم إلى الكرك، فأخبره عدة من أهل الكرك، أنه PageV01P308 ~~رؤي في هذه الليلة، أو في ليلة الثاني عشر في ناحيتهم عدة أقمار، إما ~~قال: سبعة، أو قال: ستة، منها ما هو قريب بعضه من بعض، ومنها ~~ما هو بعيد. وأنه قدم غزة فذكر ذلك للغمام المؤقت برهان الدين بن ~~الجاقر، فأخبره أنه رؤي في غزة، في ليلة الثاني عشر، من هذا ~~الشهر ستة أقمار والله تعالى أعلم بصحة ذلك، ثم سألت قاضي غزة ~~المالكي علاء الدين بن المزوار عن ذلك، فقال: كانت قصة الشريف مع ~~ابن الجاقر بحضرتي. قال: ثم سألت أنا عن ذلك، فأخبرني عدة من ~~أهل بادية غزة، ومن أهل الكرك بصحة ذلك. # ولما صح عند الأشراف، أن السلطان رسم لجانبك الإستدار ~~باستمرار يده على بلدهم، طلعوا يوم الثلاثاء حادي عشر صفر المذكور ~~إلى السلطان، فشكوا إليه أخذ بلدهم منهم، قهرا وظلما، فلم يجبهم إلى ~~شيء، وراجعه من لديه دين وعقل من أخصائه، فلم يفد شيئا. # ولما واصلوا أنواع العذاب على الزين الإستدار، فلم يعترف بنقد، أبطل ~~بعض نواب الحنفية وقف كتب مدارسه وبسطها، ونحو ذلك من ~~المنقولات، وبيعت، لكن أوجب ذلك رخصها، ثم أمر يوم الأربعاء ثاني ~~عشر صفر المذكور، ببيع المدارس وأوقافها، من ms124 البلاد والمسقفات، ~~فطلب شهودا وقاضيا من نواب الحنفي ليحكم بإبطال وقفها؛ بسبب أنه ~~جعل لنفسه أن يزيد وينقص، فقال له: هذا إنما معناه الزيادة في المعاليم، ~~وعدد القائمين بالوظائف، والنقص من ذلك ونحوه أما الرجوع عن الوقف ~~فلا سبيل إليه بعد الحكم به. فبكى حتى أبكى الجمادات، وقال: PageV01P309 ~~ما كأني ذقت نعيما قط، لعل هذا البؤس أن يخفف عني من ذنوبي، فما ~~سمع هذا أحد إلا رق، وكان مماليك الظاهر جقمق، لما مات أستاذهم ~~علموا أن لا بقاء لملك ابنه بدون عاضد، ورأوا أن الأشرفية أقوى ~~الفرق فرأوا أن يجعلونهم أعضادهم، فسألهم بردبك دويدار الأمير ~~الكبير، عن ما عزموا عليه مع تأسيس [الدولة] الجديدة. فقالوا: الذي ~~رأيناه أن تقنع بكون ابن أستاذنا سلطانا، ولا يحصل لنا شيء من الدنيا، ~~وكلما انحل إقطاع أو أمر به أعطيناها للأشرفية لنتقوى بهم، ويستمروا تحت ~~طاعتنا، وينقادوا لأمرنا. قال: فأخذت نحو العشرة من رؤوسهم، ~~وعقلائهم، وقلت: أريد أن تسمعوا لي كلاما وتكتموه عني، فإنه لا ~~يحملني عليه مع علمي بالخطر فيه إلا الخوف على أستاذي. فقالوا: ~~قل ونكتم عنك. فقلت: إني سمعت أن الأشرفية قالوا: إنه ليس لنا عدو ~~إلا إينال الأجرود، فإنا لما غلبنا الظاهر على ملكنا احتلنا حتى أخرجنا ابن ~~أستاذنا من حبسه وأخفيناه، ثم ذهبنا إلى الشام، فأعلمنا الشكمي نائب ~~دمشق وتغري برمش نائب حلب فأقمناهما، وعزمنا أن نفعل بجميع نواب ~~البلاد كذلك فلم ندر حتى خرج إينال هذا من صفد بعسكرها، ونزل PageV01P310 ~~إلى الرملة وضم إليه كاشفها، ونائب غزة، ونائب القدس، ثم كاتب ~~النواب الباقين حتى قدموا عليه، وصار في جيش كثيف حال بيننا به، وبين ~~بلاد مصر، وما أردنا من بقية بلاد الشام، حتى قدمت عساكر مصر، ~~وجرى للشكمي ونائب حلب ما جرى من الهزيمة والقتل فهذا كله صنعته، ~~فليس لنا عدو إلا هو. قال: ثم قلت لهم: وأنتم تعلمون مصداق ذلك، ~~وأنه كله وقع وقد اشتد بغضهم له حين علم أنكم خطبتم ابنته لابن ~~أستاذكم، والقصد حفظكم لاستاذي ms125 وذبكم عنه، فإنهم ما أبغضوه أولا ~~وآخرا إلا بسببكم ، ثم قلت: وقد بقي كلام آخر هو من نوع الفضول ~~أعرضه عليكم، فانظروا فيه، واكتموه. فقالوا: نفعل. فقلت: أنتم ~~تعلمون أن الملك، لاسيما ملك مصر لا يعظم ولا تنفذ أوامره إلا بالمال، ~~وأنتم إذا صيرتم الأشرفية أمراء، وأصحاب إقطاعات وأموال ورأوكم دونهم ~~في المال، وفي المنازل، تسمح نفوسهم بأن يقفوا دونكم؟ ففكروا، ثم ~~قالوا: لا. فقلت: فأنتم ما أعطيتموهم إلا لينفذوا أوامركم، أو ينقادوا ~~لطاعتكم، فإذا بكم قد أعطيتموهم ليخرجوا من طاعتكم، ويستكبروا ~~عليكم. فقالوا: صدقت. فقلت: لا تستعجلوا، وأنعموا التأمل في ~~ذلك، فلما اجتمع بعضهم ببعض خافوا عاقبة تقديمهم عليهم، وخاضوا ~~في ذلك، فبلغ الأشرفية اضطرابهم، فاستوحشوا منهم، فذهب جماعة من ~~المؤيدية إلى تمراز الدويدار الأشرفي، فقالوا له: اسمع منا. فقال: ~~قولوا. فقالوا: إنا لم نبق معكم أيها الأشرفية باب شر، حتى علمناه، ~~فأنتم إذا سفكتم دماءنا، كنتم في أقل من حقكم، وأنتم شيوخ، فلا بد أن ~~ترحموا أولادنا، وعيالنا، وأما الظاهرية، فشباب لا مسكة لهم من دين ~~ولا عقل، وهم منا مستوحشون، وقد سمعنا أنهم استوحشوا منكم، وإن PageV01P311 ~~تمكنوا منا لم يبقوا شرا حتى يفعلوا، ثم يفضحونا في نسائنا وأبنائنا، فنحن ~~نسلمكم أنفسنا لتفعلوا فينا ما شئتم، ثم تسترونا في عيالنا، فبكى الجميع، ~~ثم اجتمع أكابر الفريقين، وتحالفوا على أن المحيا واحد، والممات واحد، ~~واستمروا حتى تأكد أمرهم، ثم ركبوا، فكان من أمرهم ما يأتي. # وفي يوم الخميس ثالث عشره قبض على ثلاثة من المؤيدية: دولات # باي الدويدار الكبير، ويرشباى (بتحتانية أوله وشين معجمة) أمير ~~آخور الثاني، ويلباي، وهو أمير عشرة، ولم يكن في المؤيدية الذين ~~بمصر من يماثلهم في جسم ولا قلب، حتى إن يلباي يعد بخمسمائة فارس، ~~ولم يكن في المؤيدية، ولا غيرهم من يماثل دولات باي في العقل، والمكر، ~~وبعد الغور، وسعة الصدر، وحسن الشكل، وشدة الإقدام، وإقامة ~~الناموس، ومعرفة الرمح، وغيره من تعلقات الحرب، أقام سنين وهو ~~باش الرماحة في المحمل، ولا من يدانيه في ms126 المال، لكن كان قد سلم ~~قياده لناس من زواكرة الزمان، المتفقرة، فأظن سبب تهاونه، واغتراره، ~~وتركه الحزم في مثل هذه النازلة إلى أن أحاط به البلاء، إنما لحقه من PageV01P312 ~~وعدهم له بالملك، والتحمل بكفايته والذب عنه، بالحال، من غير تعاطي ~~الأسباب، على ما قد أصله مكيدتهم، لتآكل الأموال، وخدع الألباب ~~قبحهم الله. # لما صلى السلطان الصبح في القصر، وفرغ من العلامة ألبس قشتم ~~كشوفية البحيرة، وقراجا خلعة السفر إلى محل ولايته بالشرقية، ~~والشرف الأنصاري باستمراره على وظائفه؛ بمقتضى أنه غلق ما جعل ~~عليه، وهو عشرة آلاف دينار. وأما ناظر الخاص، فإنه لما غلق المائة ~~ألف دينار، طلب منه السلطان مائة ألف دينار أخرى، فلم يسعه إلا ~~الإجابة بالسمع والطاعة. ### ||| القبض على دولات باي: # ثم نزل الأمراء الكبار، وانتقل السلطان إلى الدهيشة، فلما استقر ~~بالقاعة وقف بين يديه الدويدارات، وبقية المباشرين، فأطرق زمانا، ثم ~~رفع رأسه إلى دولات باي، فقال له: اذهب فاسترح، فخرج، فلما كان PageV01P313 ~~عند الشباك إذا كثير من الأشرفية، منهم جانبك دويدار العزيز وهو من ~~وجوههم وله بأس وقوة، وله شكل عظيم، فاحتضن دولات باي، وقال ~~له: هاهنا، وقبض بعضهم على سيفه فحله، ثم أحاطوا به، فساقوه ~~معهم، لا يملك لنفسه شيئا، ونزلوا به من السلم الذي على يمين الخارج ~~من ثم إلى الحوش، فذهبوا إلى البحرة، ثم ذهب جماعة منهم فأتوا ~~بيرشباي من باب السلسلة، وجماعة إلى يلباي، وكان قد نزل فوجدوه ~~واقفا في سوق الخيل، فقيل له: السلطان يدعوك، فطلع معهم، فلما ~~كان في القلعة، وعرف أنهم في شر؛ أراد أن ينازعهم، فإذا هم قد اشتد ~~احتياطهم به، واحتياطهم في أمره؛ فلم يمكنه ذلك، ولو علم وهو على ~~ظهر فرسه لبعد عليهم والوصول إليه، فيا حسرتي على الرجال؛ ويا أسفي ~~على الفحول، وإن كان دولات باي قد بالغ في أذاي في سنة إحدى ~~وخمسين، ولم يزدد بتطاول الزمان إلا ضعفا لكن الدقة والإنصاف من ~~شيم الكرام، ثم إنهم أنزلوا بعد ظهر هذا اليوم من الصليبة إلى ms127 البحر كل ~~منهم على بغل، وفي كل من رجليه قيد ثقيل، وخلفه وشاقي محتضن له ~~بيده اليسرى، وفي يده اليمنى خنجر مسلول قد أدناه من بطنه، وقد أحاط ~~بهم أميران، رأس نوبة النواب أسنبغا الطياري، وحاجب الحجاب خش قدم، ~~في ثلاثمائة خيال من الأشرفية بأيديهم الرماح، وفي أيدي PageV01P314 ~~بعضهم سيوف مصلتة، ثم انحدر معهم من الأشرفية مائة إلى إسكندرية ~~ومعهم من مماليك الظاهر، الأمير جانبك قرا، وكان يوما مشهودا؛ ~~ارتاع فيه الناس، وعظم البأس، وحصل من القال والقيل، وكثرة التهاويل ~~ما زاد على الوصف، واجتمع فيه من الخلائق، في الرميلة والصليبة إلى البحر ~~ما لم يعهد مثله قط، ونقل إلي أن دولات باي لما حاذى بيت الأمير الكبير ~~إينال الأجرود بكى، فإن كان ذلك صحيحا فأظن (والله أعلم) أنه تذكر ~~أنه فرط في الأمر الناجح الذي كان أعرف الناس به اعتمادا على ~~أولئك الخداعين؛ وذلك أنه كان من أيسر الأشياء أن ينضم هو وجميع ~~المؤيدية إلى الأمير الكبير، ولا أشك أنه كان يتبعهم كثير من غيرهم، ~~ويلزموه بالقيام في هذا الأمر، ولم يكن أحد من الأكابر، إلا وهو راض ~~به؛ لما عرف منه من اللين والتؤدة، وكف الأذى في كل بلد حكم فيه ~~مستقلا، أو مشاركا، وكفايته لما يقوم فيه، فندم لعمري، حيث لم ~~ينفعه الندم، وضيع الحزم حيث كان يمكنه العزم، والله على كل شيء ~~قدير. # ولما وصلوا إلى إسكندرية، وضع في رجل كل منهم قيدان ثقيلان، ~~ثم رسم في أواخر صفر بإطلاقهم من القيود، وقال بعض الأدباء في PageV01P315 ~~قصتهم، وقصة الإستدار: جل من أحيا وأفنى، جل من أبعد وأدنى، ~~جل من أفقر وأغنى، وهو رب العالمين، جل من يعطي ويمنع، جل من ~~يضع ويرفع، جل من يوصل ويقطع، وهو خير الوارثين، إنما الدنيا ~~غرورة، في حلاوتها مرورة، صل وخذ منها الضرورة، مثل فعل ~~الزاهدين، رحل الظاهر وولى، وابنه في الملك ولى، يا كريم اجعله عدلا ~~في أمور المسلمين، اجتمع بالخلق ممسي، قال: قد خلعت نفسي، ~~فاجعلوا ابني فوق ms128 كرسي؛ فهو ذو عقل رزين، سلطن ابنو بالإرادة، ~~وتكنى بالسعادة، والأئمة في الشهادة، وعطى الفتح المبين فاغنوا جميع ~~العساكر، وهو منصور بن ظاهر، وغدا ناهي وآمر في الجيوش الطائعين. # اختفى الظاهر بأسقام، وقضى من بعد أيام، وتجرع كل الآلام، وبقي ~~فاني رهين، حكم المنصور بعصره، وهو سلطان بقصره، وعلا فتحا ~~بنصره، وتحكم عن يقين، جاب الإستدار وشاور وقال: يا زين المحاضر ~~قصدي أنفق في العساكر والخزائن فارغين. قال في زي الملاطف: يا ~~ملك، إن كنت خائف خذ من أرباب الوظائف، وأنا معهم معين، ~~فأجابوا بالقناطر، والدراهم والدنانير. قال: أنا مالي مطامين بل دوالب ~~دايرين، ومسك مسكة قوية، وأتت ليه البلية، واشتروه بخمسمية ألف ~~دينار وازنين. بعد ما قد حاز مصرا، صارت الأعداء ظهرا وأكل فتلا ~~وعصرا، وهو كالميت حزين، بعد عزوف العشاير والعطايا، والفواخر ~~والمماليك والعماير، انبدل زينو بشين، مثل دولت باي مقفص، وغدا ~~عيشو منغص، ومسك وما تخلص وما اتخذ له من معين، وكذا يلبيه ~~تأمركم لبس قبا متمر فوق بغل أصبح [..] راكبين، وكذا رشبيه ~~للآخر كم سمح يوما وفاخر، نحو بيت الحبس هاجر وله العكس قرين. # وفي يوم الخميس هذا، وصل عبد الله، كاشف الشرقية، والتزم ~~بعشرين ألف دينار، فرضي منه بذلك، ولم يعذب. PageV01P316 ~~وفي هذا الحد، وصل إلى ناظر الخاص من تعلقات الذخيرة ببلاد الشام ~~خمسة وتسعون ألف دينار، وكان الظاهر جقمق قد استلف مثلها من ناظر ~~الخاص، وطلبها وأذن له أن يقبضها من هذه الجهة، فأخذت من حاملها، ~~ولم يلتفت إلى ما يقول ناظر الخاص، واستمر مطالبا بالمائة الألف دينار ~~التي طلبت منه ثانيا. ### ||| خلعة جانبك: # وفي يوم السبت النصف من صفر المذكور ألبس جانبك الإستدار ~~خلعة؛ بأن يكون كاشف الكشاف في جميع بلاد مصر، أي يكون متصرفا ~~في جميع كشاف بلاد مصر، وأمراء العربان بها، فإن بعض ذلك كان ~~بيد الوزير. # تمربغا وأسنبغا ~~وفي يوم السبت هذا أرسلت خلعة إلى جانبك قرا بنيابة إسكندرية. # وفي يوم الاثنين سابع عشر صفر هذا، اعطى تمربغا الدويدار الثاني ms129 ~~الدويدارية الكبرى، مجردة عما كان بيد دولات باي من التقدمة، ~~وأسنباي الدويدارية الصغرى، وجعل سنقر، الذي كان أمير آخور ~~ثالثا نائبا موضع برشباي، وبردبك البشمقدار أمير آخور ثالثا، وكلهم ~~من مماليك الظاهر جقمق، وجانبك الوالي الزردكاشية عن جانبك ~~قرا، وألبس كل منهم خلعة بذلك، وألبس طائفة من الطواشية ~~خلعا؛ باستمرارهم في وظائفهم، وأعطى قرقشماش ابن عم الأشرف ~~إقطاع دولات باي، وتقدمته، فغضب الأمير قراجا الخزندار من ذلك ~~غضبا انقطع بسببه عن الخدمة في ذلك اليوم، وليلة الثلاثاء؛ وذلك لأنه PageV01P317 ~~كان يريد أن لا يبادر أحد من جماعتهم إلى التقدم لئلا تنفر الخواطر منهم، ~~فيكون عليهم ما كان على دولة ابني الأشرف، وكان قد وقع الاتفاق منه ~~ومن إخوته بحضرة السلطان، أن تكون الدويدارية لأسنبغا رأس نوبة ~~النوب، وشاع ذلك إلى أن ملأ الأسماع وتحقق أنه كائن، وهنأه كثير ~~من الناس بها، فلم يزل تمربغا وأسنباي يفتلان السلطان في الذروة ~~والغارب، حتى حولاه إلى ما ذكر، وغضب أزبك صهر السلطان، ~~وغيره من جماعتهم لأنفسهم؛ لكونهم ما قدموا، فكانت فعلة غير حميدة، ~~ثم لم يزل اخصا قراجا به حتى طلع على مضض، فلما انفصلوا من ~~الخدمة، وذهب إلى طبقته جاءه الدويداران وقبلا يده، واعتذرا إليه، ~~وقالا: قد أخطأنا فيما فعلنا، ولم تبق لنا حيلة في رفع هذا الخطأ. فقال: ~~فإذا كان كذلك، فما الذي أحل لكم ما حرم على غيركم؟ وهل يحسن ~~تقدمكم على من رباكم، وكنتم في خدمته؟ فقالوا: قد علم الحال ~~وسيحصل المراد. # وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره، استعفى الوزير، وهو بردبك ~~القلاوي من الوزر، على أن تؤخذ منه تقدمة الألف، التي كان أعطيها ~~بعد ولايته له، ويعطي السلطان عشرة آلاف دينار، ويعطى كشوفية الوجه ~~القبلي فقط، فأجيب. # وضرب الزين يحيى الإستدار بالعصي على مقاعده، وغيرها ضربا ~~كثيرا، فلم يقر بشيء. PageV01P318 ### ||| حل الأوقاف: # وفي يوم الأربعاء تاسع عشره طلب السلطان القضاة، وانفصل مجلسهم ~~عن أن تحل جميع أوقاف المدارس والجوامع التي أنشأها الزين الإستدار، ~~بأن يثبت الشافعي، أنه حين وقفه ms130 كان عليه من الديون ما يستغرق جميع ~~أمواله، وذلك قريب ألفا ألف دينار، أخذها من بيت مال المسلمين مما ~~تحت مباشراته من البلاد، ثم يحكم المالكي بحلها؛ لأن مذهب المالكي أنه ~~لا يصح وقف من هذه حاله، وأن من حكم بهذه الأوقاف من القضاة ~~لم يكن عالما بهذه الديون، فلم ينصب حكمه على هذه الصورة المعينة، ~~فلم يرفع ما فيها من الخلاف والله الموفق. ### ||| لبس الوزير: # وفي يوم الخميس العشرين من الشهر لبس الأمين بن الهيصم خلعة ~~بالوزر، وأعطي التقدمة التي كان القلاوي أعطيها، وأضيف إليه كشوفية ~~الجيزية، وزينت له الأسواق، وسر به الناس؛ وذلك أنه كان في مباشرته ~~سهلا على الضعفاء مطواعا للفقراء والله تعالى المسؤول أن يسدده، ويجعل ~~فيه البركة. # وبلغني في يوم الجمعة حادي عشريه أن الدويدار الكبير قال لناظر ~~الخاص: انظر من يقرضنا مائة ألف دينار، يعني يقرض السلطان. فقال: ~~انظروا أنتم من يعطي وأنا أتحمل لما يعطيه. # وفي هذه الحدود قال جماعة من أكابر الظاهرية، لجماعة من الأشرفية: # لكم من الإدلال ما يكاد ينطق بسببه لسان حالكم، إنكم تقولون: إنكم ~~المقيمون لدولتنا، وانه لولا أنتم لما وصلنا نحن إلى شيء، والأمر ليس كذلك ~~فاقصروا عما أنتم فيه، واعرفوا مقاديركم، والزموا الآداب؛ وإلا حل بكم ~~العذاب. فأتاهم ما لم يكن لهم في حساب، وكان عندهم منه المقيم المقعد، ~~ودار بعضهم على بعض، وزاد القيل عنهم والقال، فبلغ ذلك السلطان؛ ~~فغضب منه على جماعته. PageV01P319 ~~وفي يوم السبت ثاني عشري الشهر، أراد الوزير شيئا من مصالحه، ~~فيما يتعلق باللحم وأثمانه في لغة الأجلاب، فقصده تمربغا الدويدار فهموا ~~بالإيقاع به، فدخل إلى السلطان، فزاد حنقا على حنق، ثم طلب ~~وجوههم، وقال: إن حظكم في الملك أعظم من حظي؛ فإن الذي ينالني ~~هو ما أتناوله من التمتعات؛ من الأكل والشرب، ونحوها، وليس لي الآن ~~كلمة بل أنتم تحجرن علي وتعارضونني في جميع ما أريد، وهذا الحال ~~أحسن أحواله أن يكون مثل حالي لو كنت مسجونا بإسكندرية، وانا آمن ~~على نفسي، ms131 غير تعب بتدبير مملكة، ولا منكد من معارضة، فإن لم ~~ترجعوا عما أنتم فيه، وتدعوني أفعل ما أريد خلعت نفسي وذهبت إلى ~~إسكندرية وتركتكم طعاما للسيوف، ورهونا للسجون؛ فكفهم ذلك ~~وعد من عقله وحسن تدبيره. ### ||| تحويل الوظائف: # يوم الاثنين رابع عشريه خلع على تنم أمير مجلس بإمرة السلاح، عن ~~شرباش خاشوق، صهر الظاهر جقمق؛ بمقتضى هرمه، وعلى تنبك، ~~الذي كان حاجبا بإمرة المجلس، وعلى تمربغا الدويدار الكبير بما كان ~~تقتضيه وظيفته من أنظار المدارس، وغيرها، وأعطى قراجا الخزندار إقطاع ~~شرباش وتقدمتهن وأزبك، صهر السلطان وظيفة قراجا وإقطاعه، وإقطاع ~~أزبك لشخص من الجند. وفي يوم الخميس سابع عشري ~~صفر المذكور من سنة سبع وخمسين نصب لكاتب السر كرسين وجلس ~~عليه في القصر، وقرأ تقليد السلطان الملك المنصور، بحضرة القضاة، ~~والأمراء، فخلع على القضاة الأربع، وعلى كاتب السر، وعاب الناس عليه ~~أنه جلس على التخت بحضرة أمير المؤمنين والقضاة. # وفي يوم السبت تاسع عشريه، عزل الشرف يحيى المناوي من القضاء، ~~وأمر مقام الإمام الشافعي، والنظر عليه، والتدريس بمدرسته. وولي العلم PageV01P320 ~~صالح بن البلقيني قضاء الشافعية، والسراج عمر الحمصي نظر المدرسة ~~والقبة والتدريس، ويشبك القرمي، أحد مماليك الظاهر جقمق ولاية ~~الشرطة، وعبد الله الكاشف إمرة الكشوفية بالشرقية، وتنم رصاص ~~أمر المكس بجدة، وألبس كل منهم خلعة بذلك، فكان خلعة المناوي يوم ~~الخميس كانت بخلعه مما هو فيه لا لتلبسه به، ولم يسمع بقاض قبله عزل ~~بخلعة، فكان ذلك من عجائب أمره. وكان من عجائب ولاية العلم، ~~أن أسلمت امرأة نصرانية، وأحضرت له في القلعة، فحكم بإسلامها، ~~فهو أول حكم وقع له في هذه الولاية، ونزل معه القضاة الأربعة، ~~والدويدار الكبير، وكاتب السر، وناظر الخاص، ثم رجع ~~الدويدار، والقاضي الحنفي من الصالحية، واستمر البقية معه إلى بيته. PageV01P321 ### || # وفي آخر يوم الأحد سلخ صفر المذكور، دار نقيب الجيش على ~~الأمراء، وأكابر الجند؛ فأعلمهم أن الخدمة بطالة، وأن النفقة على الجيش ~~بكرة الاثنين مستهل شهر ربيع الأول، وعزموا على القبض على خلق كثير ~~من الأمراء والأجناد، ms132 وعلموا أن ذلك لا يتأتى لهم صبيحة الخدمة لوجود ~~السيوف معهم، وكان قد بلغ الجند، أن جانبك الساقي لما كان واليا أطلع ~~إلى القلعة أربعمائة قيد، فلبس الأشرفية لامات الحرب، وطلعوا بكرة ~~الاثنين، فما تركوا أحدا من الجند، ولا المباشرين يصل إلى القلعة، فنزل ~~يشبك القرمي الوالي، ونزل من القلعة معه من ينادي بشيء أمر به ~~السلطان، فلم يدعه الأشرفية ينادي، وضربوا الوالي، وأخذوه معهم، ~~وذهب جماعة منهم إلى أمير المؤمنين، فأخذوه، وتوجهوا به إلى بيت ~~الأمير الكبير إينال العلائي، وكان من جملة من أسروه، الأمير قراجا، ~~أحد أعيان الظاهرية، ووجدوا جانبك الساقي الذي كان واليا طالعا ~~فأخذوه، وكذا غيره، فلم يصل أحد من الأمراء إلى القلعة إلا تنم أمير ~~سلاح، ووجدوا الأمير الكبير أتابك العساكر إينال العلائي، الشهير ~~بالأجرود في سويقة منعم، طالعا إلى السلطان، فتقدم إليه شخص اسمه ~~خيربك، فقال له: إلى أين؟ فقال إلى السلطان. فقال له: لا سلطان ~~ارجع. فزجره الأمير، فزجره خيربك زجرة أشد من زجرته، وأحاط ~~به الباقون، فتقدم إليه دويداره بردبك القبرصي، فقال له: إن لم ترجع ~~قتلت، فرجع معهم، وقد تبين له أن نياتهم صدقت في نصر أنفسهم ~~به، وشرع يقول لهم: اغمدوا سيف الفتنة وأخسئوا الشيطان، ومهما ~~أردتم من السلطان، أنا كفيل لكم به، فقال: لا مراد لنا إلا أن تركب ~~معنا، أو نقتلك، فإن قد عزم على إهلاكنا فنحن نموت على خيولنا ففت ~~في أعضادهم كثيرا، فلم يزدادوا إلا شدة، فلما صح عنده صدقهم في ذلك ~~أحضر لهم في بيته مصحفا، وحلفهم بحضرة أمير المؤمنين، على أن لا يخذلوه PageV01P322 ~~ولا يخذلهم، وأن لا يزايلوه، حتى يمكنهم من أهل الفساد، وتمربغا، ~~وأسنباي، ولاشين، وأرسل دويداره وصهره بردبك القبرصي إلى ~~السلطان، ونوكار الحاجب الثاني، بأن الجند مطيعون، ولكن ~~قصدهم أن ترسل إليهم تمربغا ومن سمى معه. فقال السلطان: ولأي ~~شيء، لم يأتني الأمير. وتبين له من وجهه أنه يريد أن يقبض عليه، فقال: ~~يا مولانا السلطان، إنهم أتوا إليه، وغصبوه على ذلك، ms133 ولكن إن أمنته، ~~أعملت الحيل في الإتيان به. فقال: هو آمن. فانصرف مسرعا، وتركوا ~~نوكار عندهم، ولما علموا أن بردبك احتال عليهم في خلاص نفسه ندموا ~~على تركه. فركب الأمير الكبير وعلى رأسه السنجق السلطاني، وعن ~~يمينه أسنبغاي الطياري رأس نوبة، وعن يساره تنبك أمير مجلس، ووراءهم ~~أمير المؤمنين، وقدامهم من الجند من لا يبين منه إلا الحدق، وأقبلوا نحو ~~القلعة يزفون، فلما أشرفوا من عند مدرسة قانباي، إذا هناك من PageV01P323 ~~الزعر، والشطار ما ملأ الرميلة، وقد حثى لهم السلطان بإشارة ~~قانباي الشركسي من المال فمنعوا العسكر البروز إلى الرميلة، فافترقوا، ~~ذهبت فرقة من نحو باب القرافة، وفرقة من بين مدرسة حسن PageV01P324 ~~والبيت المجاور لها، المعروف ببيت الأمير الكبير، ومع ذلك فاستمر الزعر ~~يشوشون عليهم، فنودي من جهة الأمير الكبير، أن النفقة للمماليك مائة ~~دينار، وللزعر خمسون خمسون، فرد الزعر إلى جهة القلعة مكبرين، ~~فحثوا لهم من المال، ونثروا عليهم، فأخذوا، وردوا، واستمروا على ذلك ~~نهارا طويلا، وكان دويداره بردبك، قد قال لجانبك مشد جدة، في يوم ~~السبت (وكان صديقا له): بلغني أن الجند غدا يركبون على السلطان؛ ~~فبكر أنت واسبق إلى السلطان فأعلمه: أن الأمير الكبير مملوكه وعبده ~~لا يعصيه قط، ولا يخالف له أمرا، ففعل، فبينما هو يحدثه، إذا ~~تمربغا قد وصل، بعد أن كان أحاط به كثير من الجند فما أفلت منهم ~~إلا بعد جهد، فأعلمه المنصور بما قال جانبك، فقال تمربغا لجانبك: ~~يا زنديق، يا قليل العقل، وهل صنع هذا الكيد كله إلا بردبك، فنازعه ~~جانبك، فقال: فاطلبوه فإن جاء علمنا صدقه، قال بردبك: فأرسلوا ~~طلبوني، فعلمت أني إن لم أذهب؛ سقطت من عين كل أحد، حتى ~~أستاذي، فأجبت، فلما وقفت قدام المنصور قبلت الأرض، ودعوت بما ~~يليق، وقلت: إن مملوكك الأمير الكبير يقبل الأرض، ويعلمك أنه باق ~~على العبودية، لا يعرف سواك، ومهما أمرته به امتثل. فقال تمربغا: ~~قل للسلطان الذي قلته لجانبك. فلم ألتفت إلى تمربغا، بل قلت مقبلا ~~على السلطان: يا مولانا السلطان، ms134 أنا الآن بحيث لا أعي، ولكن مهما ~~قاله عني جانبك هو صادق فيه إن كان خيرا، وإن كان شرا، فسكتوا، ~~وسكت، فقال جانبك: أرسلوه لأستاذه، فقال السلطان: اذهب. # فقلت: يا مولانا السلطان، مرني بأمرك لأبلغه لمملوكك ليمتثله. فقال # تمربغا: دعه يذهب إلى بيته. فقال قانباي الشركسي: وكأنه في حكم ~~نفسه حتى يقدر على الذهاب والله لا يفارقونه، ولا يدعونه يذهب شبرا ~~حتى يعملوه سلطانا. فقال السلطان: اذهب، فذهبت، وقد حدث ~~بعضهم بعض، بالقبض علي، فلم قبلت الأرض، أخذت بيد جانبك ~~إلى جنب، وشرعت أحدثه، فمكثت نحو عشر درج لئلا تنفرهم PageV01P325 ~~سرعة ذهابي؛ فيقبضوا علي، فلما رأوا ذلك مني سكنوا، فخرجت من ~~الحرجة، فلما كنت بالقرب من باب السر الذي عند الإيوان، إذا الأمير ~~لاشين، ومعه نحو من مائتي جلب، فخفت أن يقبضوا علي؛ فأسرعت ~~إلى لاشين، فأخذت يده بإحدى يدي، وعطفت يدي الأخرى على ~~عنقه، وأخذته إلى جانب الجدار، وقلت له: يا فارس الخيل، هذا وقت ~~الصحبة، والمروءة، تعرف أننا جيرانك، وتعرف حق الجار. قال: ~~فما تسأل. قلت: ترسل بعض المماليك يكونون عند باب السلسلة، فإني ~~إذا ذهبت أحسن لهم، أن يركبوا، فأسربنا من باب السلسلة، فمر ~~أولئك، أن يفتحوا لنا الباب، فإني أرجو من الله أن أخلص أنا وأستاذي، ~~فإذا دخلنا من الباب أغلق بيننا وبين من ورائنا. فقال: نفعل، وهو رأي ~~حسن، ثم تركته، وإذ الأجلاب الذين معه قد انفرجوا إلى صفين، ~~فسلمت عليهم، فأجابوني بصوت عال وبشاشة، فذهبت، حتى كنت ~~عند باب المدرج، فإذا يونس العلائي، أخو أستاذي، وكان إذ ذاك ~~نائب القلعة، وكانوا قد حذروا منه، فوكلوا به من يحوطه، فإذا هو قد ~~أوصى على أن أعوق؛ حتى يحدثني، فلما قيل لي ذلك؛ اشتد إشفاقي ~~من تخلفي، فتقدمت كأني ما سمعت الكلام، وقلت للكبير الذي هناك: ~~يا فلان، لك بي حاجة؟ فقال: لا، فانصرفت، فركبت فرسي، ثم ~~أسرعت حتى خالطت جيشنا وأنا لا أصدق بالسلامة. PageV01P326 ~~ثم إن الأمير الكبير إينال، أحضر البنائين، والنجارين، وأرباب الصنائع ~~المتعلقة ms135 بالحرب، فنقبوا من تحت مدرسة حسن، فطلعوا من ~~وسطها، وكان الظاهر جقمق، قد هد من كل مئذنة بعض سلمها؛ حتى ~~لا يصعد عليها أحد، فبناه هذا الجند ووافى صعودهم وقت الظهر، فلم ~~يرع الناس إلا آذان المؤذنين، فقالوا: لا إله إلا الله لهذه المواذن مدة خمسة ~~عشر عاما أذن عليها، ومنع من عليها من الجند العامة بالنشاب من الدنو ~~من سور القلعة، وأقبل الليل، وولوا واليا يحفظ البلد اسمه خيربك ~~القصروي، وخافوا على المسافرين؛ فأرسلوا إلى والي قطيا فعوقهم. # ونادى المنادي من قبل الأمير الكبير في صباح يوم الثلاثاء، ثاني شهر ~~ربيع المذكور، أن الجند في طاعة أمير المؤمنين، وتحت رايته، وأنه قد ~~خلع المنصور، فمن عرض لهم من العامة، حل ماله ودمه؛ بخروجه على ~~أمير المؤمنين، وخليفة الله في أرضه، وقدم قراجا، الذي كان ولي كشوفية ~~الشرقية، وعزل عنها، لابسا لامة حربه، مظهرا سلاحهن والطبل والزمر ~~يدقان وراءه، ولم يزل كذلك، حتى دخل مع إخوانه، جماعة الأمير ~~الكبير، فكان لقدومه وقع في النفوس، وهيبة في الصدور. # وفي ليلة الأربعاء، ثالث الشهر نزل ممن في القلعة من مماليك الظاهر؛ ~~جانبك الإستدار، وبردبك البشمقدار، وكان بردبك هذا على أيام ~~الظاهر، أعز مماليكه، وأقواهم شوكة، وأشدهم شكيمة، ~~وكان الأجلاب أطوع شيء له، فكان له بذلك رواج كبير، وكان ~~يعادي تمربغا، وكان لا يزال تمربغا يقهر معه، فلما مات الظاهر رفع ~~المنصور تمربغا إلى السها، ووضع بردبك إلى البهموت، فكان PageV01P327 ~~عنده من ذلك ما يقيم عذره في الانصراف عنهم، ولم تزل قلة الإنصاف ~~قاطعة بين الرجال، ولو كانوا ذوي رحم. # وفي يوم الأربعاء هذا، حضر جماعة من الجند إلى كل قاض، من القضاة ~~الأربعة، فأمروهم بالحضور إلى أمير المؤمنين، فذهبوا معهم متفرقين، ~~فوافق وصول الشافعي، وصول الحنفي، فدخلا معا، فلما ~~جلسوا، ولبثوا قليلا، قال لهم الأمير الكبير: هل من حاجة. فقال ~~الشافعي: أنتم طلبتمونا. فقال: لم نفعل، اقرأوا الفاتحة، فقرأوا الفاتحة، ~~ودعوا، وانصرفا، ثم دخل الحنبلي، ثم المالكي، ثم دخل الشرف ~~يحيى المناوي ms136 الشافعي بطلب أيضا، فاضطرب العامة في سبب طلبهم ~~للقضاة، وخلطوا في ذلك كثيرا، ثم أعقبوا انصراف القضاة مناديا، ~~ينادي: بأنه قد حكم بضرب رقاب أهل القلعة لعصيانهم على أمير ~~المؤمنين، فمن طلع إليهم بمأكل أو مشرب فقد عصى أمير المؤمنين، وفعل ~~معه ما يقتضيه الشرع الشريف، فشاع بين الناس ذلك وقبله جمهور ~~الخلق، وذلك هو مرادهم، ونادى المنادي أيضا، معاشر المباشرين عليكم ~~بأمير المؤمنين، فأتاهم ناظر الخاص، والوزير وغيرهم ممن أمكنه ذلك، ~~وأمر الوزير بإحضار ما كان يصنعه للمماليك في القلعة، من اللحم وغيره ~~ففعل، واشتد أمر من مع الأمير الكبير، ورموا مدفعا فأصاب السنجق ~~الذي على رأس السلطان، فكسره، فقال الناس: إنه كان بيد عبد الرحمن ~~ابن الكويز الشوبكي. وأما كاتب السر ونائبه فكانا يوم الركوب قرب ~~القلعة في تربة، فاستمرا بها، ثم أتيا إلى أمير المؤمنين، والأمير الكبير ليلة ~~الخميس، رابع الشهر. PageV01P328 ~~وفي يوم هذه الليلة نزل عبد الرحمن بن الكويز مائلا إلى جهة ~~[الأمير]، فأغلظ له؛ لكونه كان مع القلعيين، فلما خرج من عنده ~~شرع الجند ي إهانته؛ فمن بين لاكم، وشاك، إلى أن نزل من المقعد الذي ~~فيه الأمير، ثم جاء إليه في آخر النهار. # وفي بكرة هذا اليوم، نزل الأميران، سونجبغا ونوكار، وشهاب ~~الدين الإخميمي الإمام، يسألون ما القصد؟ فقال لهم الأمير الكبير: ~~القصد نزول تمربغا، ولاشين، وأسنباي. فذهبوا، ثم رجعوا، فقالوا: ~~إنهم أجابوا إلى ذلك، ولكن إذا حلفتم لهم أنكم لا تؤذونهم، فأجاب: ~~بأن الأمر غير محتاج إلى حلف، وأشار إليه الأميران أن يعوقهما، ففعل، ~~ورجع الإخميمي وحده، فعاد القتال إلى ما كان عليه، من الرمي بالمدافع ~~من الفريقين. # وفي هذا اليوم، قرب الظهر قال أمير المؤمنين للجند: إني قد استخرت # الله تعالى، وخلعت عثمان بن جقمق، من الملك، مثل ما خلعت خاتمي ~~هذا، وخلع خاتمه من إصبعه؛ وذلك لما طرأ منه من الفساد، والقبض ~~على من لا يستحق ذلك، من أمراء الإسلام، وفعل ما أوجب تفريق كلمة ~~الجند، وضعف الجنود. ثم قال لهم: ms137 أترضون أن أولي عليكم الأمير ~~إينال؟ فأجابوا بلسان واحد: نعم، نعم، وكانت لهم ضجة كبيرة، فقال: ~~قد وليته. فقالوا أيضا بلسان واحد، وضجة عظيمة: نصرك الله، نصرك ~~الله. # وفي يوم الجمعة طلب القضاة الأربع، فسمعوا خلع أمير المؤمنين لعثمان، PageV01P329 ~~وحكموا بخلعه، وخرج النداء بذلك، وبأن الخليفة هو السلطان، ومن ~~خالف، أو فعل ما يؤذن بالمخالفة، فعل معه حكم الله، وكان المنادي بذلك ~~جماعة بعضهم معهم والي الشرطة، وبعضهم معهم نقباء القضاة، ~~وأفرد في خطبة الجمعة أمير المؤمنين بالذكر، ولم يذكر عثمان؛ فكان لذلك ~~وقع في نفوس الناس، وضجوا بالتسبيح لملك الملوك. # ولما رجع الإخميمي إلى جماعة القلعة، تحققوا أن المراد أرواحهم، ~~فجدوا جد من يريد الموت، فكانوا كل ليلة يحفرون تحت سور القلعة قطعة، ~~حتى جعلوا كثيرا من الجهات التي تخاف عاقبتها خنادق، وملأوا ~~أسوارها حجارة، وزحف عليهم جماعة من المدنيين عدة زحوف ~~من سبيل المؤمني، ومن ناحية باب القرافة، يكون الظفر فيها لأهل القلعة، ~~على قلة من يخرج منهم، غير أن شخصا من المدنيين، بلغني أنه من مماليك ~~جمال الدين يوسف الاستدار، اسمه يلبغا، وهو شيخ، عمل ما يعجز ~~الوصف، وتواترت عنه الأخبار بذلك، منه أنه يذهب إلى أن يدنو من ~~المكان الذي فيه عثمان، ويفحش له بالكلام المحرق، فيصوب عليه من ~~عنده بالسهام، فإذا قاربته فإن كان المصيب له لو ثبت واحدا حاد عنه، ~~وإن كان اثنان وكانا في موضع واحد، فكذلك وإن كانا في جهتين، فتارة ~~ترى [أنه] يتقاصر، وتارة يثبن وتارة يضرب السهم، أو السهمين ~~بخنجر معه، فيكسرهما، ثم يجلس على الأرض، وتارة ينام على ظهره ~~ويرفع رجليه في وجوههم، فيرمونه، فيفعل ما تقدم، فوعد عثمان من ~~أتى به بمائة دينار، فصوب عليه الزعر، فلم يجسر أحد منهم على الدنو ~~منه، فرموه بالمدافع، فلم تصبه، وفعل معهم هذا مرارا عدة في أيام ~~مختلفة، فلم ينالوا منه غرضا. # وفي يوم الجمعة صلى قاضي القضاة علم الدين صالح بجيش الأمير الكبير ~~الجمعة في البيت الذي هم به، وكان ms138 أهل القلعة جعلوا من ناحية سبيل PageV01P330 ~~المؤمني ناسا من جماعة محمد الصغير، الذي كان كاشف الصعيد، ~~وهم من بلاد بغداد، من جند قرايوسف، فأحرقوا من يتوجه ~~نحوهم، وكانت لهم ضربات صادقة رأيت بعضها قد قطع الدرع وغاص ~~في اللحم غوصا كثيرا، وكان أحدهم يقال له مرزى، وهو من شيابهم ~~عمل ما يحدث به، وكان أيضا عند القلعيين شخص من أمراء طرابلس، ~~يقال له علي بن اليزبكي جعلوه في ناحية المدرج فحماها بسهام، وكان ~~له رمي يتحدث به، بحيث أن الأمير الكبير إينال لما صفى له الأمر أراد ~~قطع يده. # وفي ليلة السبت سادس شهر ربيع الأول هذا، مات رأس نوبة النوب ~~أسنبغا الطياري، فجأة، ومرض تنبك أمير سلاح، فكاد أهل القلعة ~~وعصبتهم يطيرون فرحا وغم المدنيون وعصبتهم. # وفي هذا اليوم، رمى أهل القلعة بمدفع يسمى القطيطة وأولادها، يرمي ~~بأربعة حجارة أو أكثر دفعة واحدة، وآخر يرمي بحجر ثقيل يسمى ~~الغضبان، وأكثر المدنيون من المدافع من شبابيك مدرسة حسن وأسطحتها، ~~ومآذنها وجوانبها إلى أن كان في هذا اليوم، من القتال ما لم يكن قبله، ~~كنت أسمع حس المدافع كأنها الرعد القاصف من منزل، من رحبة العيد، ~~قرب مدرسة سعيد السعداء، بحيث أني أظن ذا رمي المدفع أن الأرض ~~تزعزعت من تحتي، ثم أخبرني من لم أشك في صدقه؛ أنهم كانوا يسمعون PageV01P331 ~~المدافع في مدينة الخانكة، وأنه أخبره من سمعها من قرية قرب بلبيس، ~~وكن بين الفريقين في هذا اليوم وغيره مع المدافع من الرمي بالسهام ~~والمزاحفة بالسيوف والرماح ما لم ير مثله في هذه الأعصار، وكان الظفر ~~في أكثر ذلك لأهل القلعة، ومع ذلك فقيل: أن جماعة من أهل القلعة ~~نزلوا إلى المدنيين طائعين، وبلغنا أن عثمان أظهر الرضى عن الزين ~~الإستدار، وخلع عليه في هذا اليوم، ونادى مناديه على السور: أنه ينفق ~~على المماليك، لكل واحد مائتا دينار. # فلما كان يوم الأحد سابع الشهر عاودوا النزال، ومغاورة الأبطال، ~~وطلب الأمير لكبير القضاة؛ ليرتبوا نسخة بخلع عثمان، ويرسلوها إليه، ~~ليركبوا الحجة ms139 عليه، فيعلم أنه إن قاتل بعد ذلك كان باغيا، حلال الدم، ~~فخافوا عاقبة ذلك، فكتبوا ما لم يصرحوا فيه بخلعه، فنبه الأمير الكبير ~~على ذلك، فأمرهم بتغييره، فشرعوا يرتبون ما يخلصون به من غيظ ~~الفريقين، فطال أمرهم، ثم إن القاضي الشافعي جسر، وامر الموقعين ~~بالكتابة، والقضاة بالتنفيذ، وكان الحنبلي له عادة، بأن لا ينفذ حكما؛ ~~وذلك أنه أريد منه من عدة سنين تنفيذ حكم لبعض نواب الحنفية، وكانت ~~بينهما شحناء، فتوقف فيه بلا مستند، فألزم بذلك، أو بإبداء ما يوجب ~~التوقف، فلم يسعه إلا التنفيذ، فكتب عليه ليسجل ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله، فقام الحنفيون في ذلك فكاد يهلك، فرأى، أن يجعل له ذلك ~~عادة لئلا يقع في مثل ذلك، ومشت له تلك العادة فيما بين تلك الواقعة ~~ووقتنا هذا، وهو مدةطويلة، وعرف ذلك منه، فلما طلب منه تنفيذ ~~هذا الحكم قال: أنتم تعلمون عادتي، أن لا أدخل في تنفيذ. فقال له ~~الشافعي: مثل هذا يستثنى، فكرر، فكرر، وزجره الشافعي، فلم يسعه إلا PageV01P332 ~~تنفيذه، فبينما هم في ذلك، إذ جاءتهم البشارة بأن القلعة أخذت؛ وذلك ~~أنه لما كان قرب الظهر زحف قوم من جيش الأمير الكبير، من نحو ~~القرافة، فالتقاهم أهل القلعة فهزموهم، وقتلوا منهم فارسا، ثم زحف ~~آخرون إلى سبيل المؤمني، ونصبوا هناك سلالم، فصعد بعضهم إلى ~~سطحه، فلاقاهم كثير من أهل القلعة، فردوهم إلا واحدا فثبت، ولم ~~يزل يطاعنهم إلى أن أزالهم عن مكانهم، وقتل منهم واحدا، ثم تكالبوا ~~عليه فرأى أنه لا طاقة له بهم؛ لإبطاء أصحابه عنه، فركز رمحه في ~~الأرض، ثم تحامل عليه حتى وصل إلى الأرض، وأخذ رمحه وانحاز ~~إلى أصحابه، فكانت من غرائب الفعلات، ثم خرج صف كبير من باب ~~السلسلة مشاة، فلاقاهم جماعة من بيت الأمير الكبير، غير مصطفين ~~فهزمهم القلعيون، فقال بعضهم: اصطفوا، وارجعوا. فلم يجبه أحد، ~~ومع ذلك هرب جماعة من القلعيين إلى جيش الأمير الكبير؛ فخاف أكابر ~~القلعيين على جماعتهم، فردوهم، وأغلقوا الباب، وخرج من جماعة الأمير ~~الكبير ms140 جماعات، من نواحي شتى مصطفين بطوارق تسترهم، قد ألقوا ~~بعضها إلى بعض، وزحفوا بها رويدا، ثم تتابعوا من كل أوب، فرمى ~~عليهم القلعيون من المدافع، والسهام، وحجارة اليد، ما ستر السماء، ~~وزاد على العد، وهم لا ينثنون. # ثم خرج من ناحية سوق الخلاع دارع - ذكر لي أنه بردبك البشمقدار - PageV01P333 ~~لا يبين منه، ولا من فرسه إلا الحدق، وشعر ذنب الفرس. بيده رمح ~~طويل فيه نار مصنوعة بدهن النفط، فضرب فرسه نحو السبيل، وصوب ~~إليه القلعيون رميهم، بالسهام والمدافع وكل ما قدروا عليه، فأخبرني الثقة، ~~البصير بالحروب، الثابت الجنان، أن وقع السهام في درعه ودرع فرسه، ~~كان كأنه وقع البرد على الصفا، فلم يهلك دون السبيل، ثم أثبت رمحه ~~في سقفه، وهم يرمون، وهم ثابت إلى أن عملت النار في السقف واشتد ~~ضرامها، ثم وصل أهل الطوارق إلى الربع المجاور للسبيل، فأطلقوا فيه ~~النار، ثم كثروا وطلعوا على تلك البيوت، فأخبرني الثقة أنه شاهدهم ~~يمشون في النار، قال: ولولا أني شاهدت ذلك ما صدقته، ولما لعبت ~~النار اشتد الريح الغربي؛ فجلل أهل القلعة الدخان والغبر وحمش ~~اللهب من كان قريبا، فأزاحهم عن الأسوار، وأعمى منهم الأبصار، وهدد ~~المدنيون السور بأسنة رماحهم حجرا حجرا إلى أن صار بحيث يصعد منه ~~الراجل، قال: ولو لم أر ذلك ما صدقته، فكثر حينئذ الصاعدون على ~~السور، وارتفعت الأصوات، وتوالت الزعقات، ورجت تلك الأرض ~~بالنعرات، واكتنى الرجال، وحمل الأبطال، وخلع قلوب القلعيين ~~الزلزال، فلحقهم الثبور، وأهلكوا بالدبور، كما هلك الأحزاب PageV01P334 ~~بالصبا، وتفرقوا أيدي سبأ، وأدركهم الحين، وصاح فيهم ~~غراب البين. # ورمى تنم أمير السلاح منديل الأمان، فقيل له: إن كنت صادقا فافتح # باب السلسلة، ففتح وخرج، فأحاط به الأشرفية، وضربوه بالأطبار ~~وغيرها، فلولا متانة لبسه وإدراك جماعة من إخوته له لهلك، فلم يزالوا ~~يترققون لهم، ويعطفونهم عليه، حتى كفوا عنه، ودخلوا من باب ~~السلسلة وغيره، فلم يكن لبردبك البشمقدار طلبة إلا تمربغا، فأدركه ~~مختبئا في حمام خراب، فأخذ بتلابيبه، وأشبعه لكما وضربا، وسبا ~~وسحبا، ثم تلقطوهم ms141 واحدا بعد واحد، وأدرك عثمان جقمق في بيت ~~أمه، فأحيط بالبيت، ووكل بحفظه جماعة من الخدام الطواشية، ~~والأمير يونس البواب، وأحضر من أدرك منهم غيره إلا أسنباي، فإنه لم PageV01P335 ~~يوجد، فاجتمع في قبضتهم تلك الليلة أربعة عشر رجلا، ثم زادوا في اليوم ~~الثاني. # وكان عند تقييدهم من الغرائب، أنه ذكر أنه وجد على كل قيد اسم ~~من كانوا عزموا على أن يقيدوه به، فوجد على بعضهم اسم بردبك ~~البشمقدار، فجعله بردبك في رجلي تمربغا، وأن قانباي الشركسي قال ~~للذي تولى تقييده: أفعل ما أمرت به، الحديد قوة. فقال له شخص ذاك: ~~إذا رؤي في النوم، وأما في اليقظة فغم وشدة. # وطلع أمير المؤمنين، والأمير الكبير في آخر يوم الأحد المذكور إلى باب ~~السلسلة فناما في بيت أمير آخور في خلق كثير، فسبحان من يعز من ~~يشاء، ويذل من يشاء بما يشاء، فلولا الريح فعلت بهم ما فعلت ما قدروا ~~عليهم فيما أظن، فقد أخبرت أن القلعيين كانوا دون الألف مقاتل، ولم ~~يكن عندهم من الخيل إلا دون الخمسين، وكان المدنيون فوق ثلاثة آلاف ~~فارس. ومع ذلك فأخبرني من كان يذهب كل يوم للفرجة على قتالهم ~~أنه حصل بينهم في مدة هذا الحصار مزاحفات ومحاورات، كان الظفر في ~~جميعها لأهل القلعة. ولولا أن الله تعالى قذف في قلوبهم، أن يخرجوا ~~دفعة، ويصدقوا الحملة لأخذوا المدنيين أخذا، على قياس ما كان يرى من ~~ملاقاة متزاحفيهم. # ولاية الملك الأشرف إينال العلائي ~~وفي صبح يوم الاثنين ثامن الشهر، الموافق لثالث عشري ~~برمهات، وللتاسع عشر من آذار، ألبس أمير المؤمنين، الأمير الكبير ~~بدلة سواد، من شعار العباسيين على ما جرت به العادة في يوم السلطنة، ~~وركب على ما جرت به العادة، وحملت فوق رأسه القبة والطير، PageV01P336 ~~وكان الذي تولى أمر ذلك من الجند ولده سيدي أحمد ~~بتحسين أكابر من الأشرفية، وكانت العادة في مثل ذلك لأتابك العساكر، ~~فشاع بين الناس أن ولده الأتابك، فأنكروا ذلك، ومشى قدام السلطان ~~إلى القصر، وحضر قضاة القضاة ونوابهم والمباشرون ms142 تولية أمير المؤمنين ~~له السلطنة، وكني بأبي النصر، ولقب الأشرف وأجلس على التخت، ~~واستقر أمر الناس، ونودي للجند، أن النفقة مائة دينار لكلواحد. # وكان له من الأفوال الحسنة في هذا الأمر، أن يوم ركوبه، ويوم ~~سلطنته صادف يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومبعثه، ومهاجره، ومدخله إلى ~~المدينة الشريفة في شهر مولده، ومهاجره ومستقره، وفي أوائل الشهر، وأوائل ~~الأسبوع. وأن أول الأجناد الذين يردوه إلى بيته لمبايعتهم ~~على حرب عثمان اسمه خيربك، وكذا الذي ولاه على الشرطة. وأنه كان ~~مسؤولا في هذا الأمر، فيرجى أنه يعان عليه. # وخلع على ولده في هذا اليوم، وأركبه ما جرت به العادة لحامل القبة PageV01P337 ~~والطير، ورسم بإطلاق دولات باي، الذي سجنه المنصور، وبقطع ~~يد الأمير علاء الدين بن اليزبكي، الذي تقدم أنه كان بالقلعة، وأنه حمى ~~المكان الذي كان به بسهامه، وكان بين ناظر الخاص الجمال يوسف بن ~~كاتب شكم، وبين تمربغا صحبة أكيدة، فلما قبض عليه أرسل إليه ناظر ~~الخاص يقول له: سلني من حوائجك ما تشاء. فقال: أكبر حوائجي ~~الوصية بعلي بن اليزبكي، وكان ناظر الخاص قد تقرب إلى إينال في أيام ~~الركوب بماله إلى أن ملكه، فشفع في ابن اليزبكي، فلم تقطع يده، ورد ~~إلى طرابلس على ما كان عليه. وعلى الأمير يونس البواب بالدويدارية ~~الكبرى، وعلى قرقماش ابن عم الأشرف بأنه رأس نوبة النوب، وعلى ~~ابن الطيلوني بأنه معلم البنائين عن يوسف شاه، وعلى شرباش كرد ~~بأنه أمير آخور، وعينت في ذلك اليوم أو بعده الدويدارية الصغرى لتمراز ~~الأشرفي، وإمرة السلاح لتنبك، الذي كان أمير مجلس، وإمرة المجلس ~~لخش قدم صاحب الحجاب، وحجابة الحجاب لقراجا الذي كان خزندارا PageV01P338 ~~ثانيا للظاهر، ونيابة إسكندرية ليونس العلائي نائب القلعة، وهو قريب ~~السلطان، وجعلت نيابة لعة الجبل إلى قانباي، أحد الناصرية. # وفي يوم الأربعاء عاشر الشهر، نزل بمن استمر مغضوبا عليه من ~~المقيدين، وهم تسعة أنفس، منهم: تنم أمير السلاح، وقانباي الشركسي ~~أمير آخور، وتمربغا الدويدار الكبير، ويزبك الخزندار الثاني، ~~ولاشين، وأما عبد ms143 الله الكاشف، فأمر به إلى بيت جانبك ~~الإستدار ليستخلص منه الأموال وأعطي قراجا الذي كان واليا إمرته كاشف ~~الشرقية، فطلب قراجا من السلطان أن يعينه على.. بمال، وبذل عبد ~~الله ثلاثين ألف دينار، وسأل في الكشوفية على عادته فأجيب. # وفي هذا اليوم، توجه متسفر دولات باي ورفيقيه بإطلاقهم، ~~وإحضاره إلى القاهرة، وفيه، أو في الذي قبله توجه يونس إلى إسكندرية ~~نائبا. # وفيه ذهب كثير من الجند إلى أمير المؤمنين، وقالوا: نحن ما قاتلنا، إلا PageV01P339 # على أن تكون السلطان أنت، فعالجهم إلى أن فهم أنهم يستقلون المائة دينار ~~التي رسم بها لكل واحد، فقال: أشفع لكم في الزيادة، فلم يروا عنده ~~ما يعجبهم، فذهبوا إلى تنبك الكبير، فلم يجبهم إلى شيء. # وفي هذا الحد، رفع الأشراف إلى السلطان أمرهم في بلدهم بلقس، ~~فانتزعها من الإستدار، وردها عليهم. # ثم كثر كلام الناس في ولاية ولد السلطان للإمرة الكبرى؛ فولاها ~~يوم الخميس حادي عشر الشهر لتنبك أمير السلاح، وخلع عليه بذلك، ~~وعلى ولده الشهابي أحمد بالتقدمة والإقطاع اللذين كانا مع المنصور قبل ~~السلطنة، وعلى طوخ بني بازق بإمرة المجلس، وعلى خش قدم بإمرة ~~السلاح، وعلى من تقدم بما ذكر من الوظائف، وعلى الوالي بالاستمرار، ~~وعلى المحب بن الأشقر بنطر خانقاه سرياقوس، وعلى ولده بمشيختها، ~~وعلى بردبك صهر السلطان بدويدارية ثالثة، وعلى جانبك الظريف ~~(بالتصغير مثقلا) بالخزندارية الثانية. PageV01P340 ~~وفي بكرة هذا اليوم، انتزع القاضي الشافعي علم الدين صالح من ~~ابن الشرف المناوي مشيخة الحديث، والتصوف، والإمامة بالتربة ~~الطويلية، فأعطاها للتقي عبد الرحمن بن القطب أحمد القرقشندي، ~~وحضر معه بها، ثم إنه قرر ابن القطان في مشيخة الخروبية بمصر، ~~عن زين العابدين ولد المناوي؛ بحكم أنه ثبت عنده بعلمه أن شرط ~~الواقف، أن تكون سن المدرس أربعين سنة فما فوقها، ونفذ له المالكي، ~~ثم الحنفي، وجعل نظر الأوقاف إلى إمام السلطان علاء الدين علي بن PageV01P341 ~~الجميزي الغزي الحنفي، عن العلاء بن آقبرس، ونظر القرافة إلى صهر السلطان بردبك، ~~ونظر الزردخانه، والبيوتات إلى ناصر الدين بن ms144 أصيل موقع السلطان؛ إذ ~~كان أميرا، وكان نظر [الزردخانه] إلى ابن ظهير، والبيوتات إلى العلاء PageV01P342 ~~ابن آقبرس، وأعطى الزين عبد الرحيم بن أحمد بن القاضي ناصر ~~الدين بن البارزي مشدية الصحبة عن ابن آقبرس، وكان تغلب على ~~بني البارزي فيها أيام الظاهر، وكذا نظر الظاهرية العتيقة، وغيرها ~~كان تغلب فيه على المحب بن القمني، فأعيد إليه، ومشيخة PageV01P343 ~~خانقاه قوصون كان تغلب فيها على المعين عبد اللطيف بن الشرف بن الأشقر، ~~فأعيدت إليه، وأنعم على بردبك صهر السلطان بسكنى بيت تمربغا. # وفي يوم الاثنين خامس عشر الشهر، كان لبس ابن الأصيل ~~[للزردخانه] ونظر البيوتات، ولبس ناظر الخاص خلعة الرضى عنه، ~~والاستمرار على وظيفته. وفي ذلك اليوم نودي بالنفقة في الغد. # وفي يوم الثلاثاء سادس عشره، أنفق عليهم بعض النفقة وألبس ~~الأمراء خلعا بما لكل واحد منهم من الأنظار، ورد إلى قراجا نظر ~~جامع الأزهر وما له، بشروط الواقفين مما كان مع دولات باي، واستمر ~~في حال كونه دويدارا، وأخذه عنه تمربغا، إذ أخذ عنه الدويدارية. # وفي يوم الأربعاء سابع عشر الشهر، وصل دولات باي، فخلع عليه ~~السلطان خلعة الرضى، ونزل إلى بيته، وقد زين له السوق المجاور ~~لبيته. ثم وصل يلباي، ويرشباي، بعد أيام. وأمر بكسر قيد تنم، ~~وقانباي الشركسي، وأرسل بذلك. PageV01P344 ### ||| موت الزردكاش: # وفي صبح يوم الخميس ثامن عشره، مات جانبك الزردكاش، ~~الذي كان والي الشرطة عن نيف وخمسين سنة، وكن من أجودهم ~~حكما؛ صلحت البلد في أيام ولايته، وقل فيها القتل، وخف اللصوص، ~~مع خفة الوطأة، والرفق، والمشي على العرف، رحمه الله، وعفا عنه، ~~وكان موته في قصر يشبك، وولي الزردكاشيه عنه نوكار، وولي عن ~~نوكار الحجوبية الثانية سمام، وولي رأس نوبة الطواشية جوهر الساقي، ~~وكان من خير الخدام. # وفي يوم الجمعة تاسع عشره، مات الأمير أرنبغا، أحد المقدمين، ~~فأعطى الأمير دولات باي تقدمته، وإقطاعه، وهو الذي كان بيد قانباي ~~الشركسي. وخلع على الزين الإستدارية، بعد أن كتب خطة ~~بمائة ألف دينار، ونزل إلى بيته في خلائق لا يحصيهم ms145 إلا الله، وزينت له ~~بعض أسواق البلد، وسر العامة به سرورا لم ير مثله. # وفي هذا اليوم وصل الذين شيعوا الأمراء المسجونين إلى إسكندرية، ~~وأخبروا أنهم سجنوا جانبك قرا، الذي كان نائبها من جهة المنصور. PageV01P345 ~~ولما طلع الإستدار إلى الخدمة يوم السبت شاع بين العامة، أنه يلبس ~~خلعة؛ فزينوا له الأسواق، واجتمع بها من الناس ما لا يحصى، بحيث ~~عسر المشي في تلك الطرقات، ولما نزل كان قدامه من الزحام، والغاغة، ~~والتخلق بالزعفران، وحمل رايات الزعفران، وإظهار السرور، ما لم أر ~~مثله؛ وأبكى ذلك الإستدار، فأخبرني ناس قربوا منه، أنهم شاهدوه ~~يبكي، وشق ذلك على ناظر الخاص كثيرا، بحيث ظهر في وجهه مع ~~رزانته. # ثم إنه لبس خلعة يوم الاثنين ثاني عشري الشهر، فكان للناس من ~~الاجتماع والضجيج والتحلق أعظم من ما كان يوم السبت. # وفي ظهر يوم الأحد ثامن عشري الشهر، نزل بالمنصور عثمان بن الظاهر ~~جقمق إلى البحر، ثم إلى إسكندرية راكبا فرسا مقيدا، وشيعه إلى بولاق ~~جمع كبير، من المؤيدية والأشرفية، منهم الثلاثة الذين كان سجنهم ~~بإسكندرية: دولات باي، ويلباي، ويرشباي، فسبحان من يعز ويذل. # وكان مسفره إلى إسكندرية خيربك المؤيدي، اول من رد السلطان إلى ~~بيته؛ للمعاقدة على قتال المنصور، في نحو مائة جندي. # وحدثني كاتب السر، المحب بن الأشقر، أنه بلغه، أن المنصور ~~اعترف، بأنه كان صنع ما يقارب أربعمائة قيد لمن كان يريد القبض ~~عليهم، وأن الذي صنعهم جانبك، الذي كان واليا، وما أظنه مات إلا ~~خوفا من عاقبة ذلك. # وفي يوم الاثنين تاسع عشريه، ولي عبد العزيز بن معلاق الرملي، نظر ~~القدس والخليل، ولبس لذلك خلعة، وألبس الذين يتوجهون بخلع نواب ~~البلاد خلعا، وكان قد وصل أكثر أجوبة نواب البلاد الشامية، وأرسل ~~جلبان نائب الشام دراهم ضربها باسم الأشرف إينال، ونثر الأشرف PageV01P346 ~~منها على من حضر حوش القلعة نحو خمس جنيهات، مع عجز ما عنده ~~عن بعض نفقة الأجناد، فدعى له الناس كثيرا. # وفي هذا اليوم استؤمن لأسنباي دويدار المنصور الثاني فأمن، ورسم ms146 ~~به إلى القدس. ### || # وفي يوم الخميس ثاني شهر ربيع الآخر من السنة، وصل جانم ~~أخو الأشرف، واجتمع بالسلطان، فخلع عليه وأنزله عند صهره ~~بردبك القبرصي، في بيت تمربغا، عند مدرسة حسن. # وفي هذا اليوم، أو الذي قبله أعيدت مشدية الصحبة إلى ابن آقبرس، ~~بواسطة بردبك صهر السلطان. # وفي هذا اليوم، خطب الدويدار الكبير يونس البواب بنت السلطان ~~الصغرى، التي كان خطبها المنصور، وكان السفير له في ذلك، الشرف ~~الأنصاري، فأجيب؛ وإنما فعل ذلك حسدا لبردبك الدويدار الثالث على ~~مصاهرته للسلطان، فخاف بردبك عاقبة ذلك فخيل بعض أعيان الأشرفية PageV01P347 ~~منه، وأغراهم به، فدخلوا إلى السلطان، وأظهروا الغضب من ذلك، ~~وأشاعوا أنهم إن لم يكف عن ذلك، أحرقوا بيته. ### ||| عودة النويري إلى الخطابة: # وفي هذا الحد توجه المبشر بسلطنة الأشرف إينال إلى الحجاز، ~~وجهزت معه خلعة إلى الخطيب أبي الفضل النويري، ومرسوم بإعادة ~~الخطابة إليه، وعزل البرهان بن ظهيرة. ### ||| سودون قرقش: # وفي هذا الحد، قدم سودون قرقش، كان منفيا بالقدس، ~~فسعى في تثبيت الجمال بن جماعة في الصلاحية بالقدس، وكان قد أرجف ~~به أبو العباس القدسي، والبرهان العجلوني، فأجيب، ومنع العجلوني من ~~السعي فيها، وفصل لابن جماعة خلعة ترسل إليه. ### ||| موت ابن عبد الغفار: # وفي يوم السبت رابع شهر ربيع الآخر هذا من سنة سبع وخمسين مات ~~القاضي [بدر] الدين بن عبد الغفار المالكي، وكان فاضلا، PageV01P348 ~~قانعا، سيوسا، متحديا، قل في نواب المالكي مثله، رحمه الله. ### ||| شكوى أهل الخانكة المحتسب: # وفي يوم الأحد خامس الشهر، جاء جمع كبير من أهل الخانكة بربعات ~~وأعلام يستغيثون على الشيخ علي المحتسب؛ وسبب ذلك أنه لما توجه ابن ~~الأشقر إلى الخانكة بالخلعة ضرب جمع ممن ينتمي إليه ناسا ممن ينتمي ~~إلى المحتسب، فمازال المحتسب يذكر ذلك، ويترجى أن يجعله سببا لوهن ~~كلمة ابن الأشقر إلى أن عين جماعة من أهل الخانكة، وأرسل إيلهم نقباء ~~من الدويدار الثاني تمراز، فاجتمعت عصبة ابن الأشقر، وأتوا على هذه ~~الهيئة، وطلع الكل إلى السلطان، فأخرهم السلطان إلى الغد، ولما نزل ms147 ~~المحتسب رجمه الناس قرب باب المدرج، فما كاد يفلت منهم، ويقال: ~~إنهم رموه عن فرسه، واسمعوه غليظ ما يكره، فإنه كان قد كثر أكله ~~لأموال السوقة، وإغضائه عن معائبهم؛ حتى فسدت المعايش، وعم ~~الضرر، واشتد الخطب، وقام في أمره ناظر الخاص. ### ||| خطبت بنت باي: # وفي هذا اليوم أتى الدويدار الثالث بردبك صهر السلطان، إلى الأمير ~~دولات باي المؤيدي، أحد المقدمين، فخطب ابنته، التي كان خطبها ~~المنصور لسيدي أحمد بن السلطان الأشرف إينال، فسر بذلك كثيرا، ~~وأجاب بالسمع والطاعة، وخلع على بردبك. ### ||| موت سام: # وفي يوم الاثنين سادس الشهر، مات سمام الحاجب الثاني، وولي ~~عنه الحجوبية طوغان [العثماني] وألبس الإستدار خلعة؛ لأنه كان ~~تحدث بعزله، ورسم بمنع الشيخ على المحتسب من دخول الخانكة، لما ~~يترتب على ذلك من الشرور، وأن يبطل ما أحدثه بها من المظالم. ### ||| موت ابن وفا: # وفي يوم الأربعاء ثامن الشهر، مات الشيخ شرف الدين يحيى بن الشيخ ~~علي بن وفا الإسكندري الأصل المصري المالكي بالقاهرة، وكان عنده PageV01P349 ~~فضل، وله نظم وسط، وكان المتولي لعمل الميعاد والجلوس للناس، بعد ~~الشيخ أبي الفتح، وأثنى الناس على ميعاده، وحضره كثير من الفضلاء. ### ||| إطلاق أبي الخير: # وفي هذا الحد شفع بعض الأمراء في أبي الخير النحاس، أن يطلق من ~~السجن، فرسم بذلك، وأن يستمر بدمشق، وشفع الأمير الكبير تنبك، ~~والدويدار الكبير يونس، وغيرهما من الأمراء في قانباي الشركسي، وتنم ~~المحتسب، أن يخرجا من السجن إلى دمياط، فقال السلطان، وقد بدا منه ~~الغضب: كنت أظن لك عقلا (يخاطب الأمير الكبير)، لو كان ~~[هذان] المذكوران مطلقين، ما كانت أنا السلطان، ولا كنت أنت أتابك ~~العساكر، ولئن لم تتركوني قتلت الجميع، وأتيت برؤوسهم. فقالوا: ~~العفو، ثم جلس من تقتضي وظيفته الجلوس. # يوم الخميس تاسع الشهر أعيدت الذخيرة إلى نظر الخاص، وألبس ~~خلعة بذلك. ### ||| ولاية تمراز ، نظر الخانكاه: # وفي يوم السبت حادي عشره، أعطي تمراز الدويدار الثاني نظر خانقاه ~~سرياقوس، عن ابن الأشقر، لما قام من الشرور بين أهلها؛ بسبب ولايته، ~~وذهب إليها، ومعه الشيخ ms148 علي المحتسب، وقبض على بعض من كان آذى ~~جماعة المحتسب. # وفي يوم الثلاثاء رابع عشره، نادى السلطان: من كان له ظلامة، فعليه # بالأبواب الشريفة، فطلع الناس بكرة يوم الأربعاء خامس عشره، فشكى ~~كل ظلامته، فمن وجد ظالمه مضافا إلى شخص من الأكابر، أمر ذلك ~~الكبير بتحر قضيته، ومطالعته بحقيقتها، ثم حكم هو بنفسه فيمن سوى ~~أولئك أحكاما رضيها الناس، ودعوا له، ثم نزل عنه مناد، ينادي أن ~~المرسوم الشريف برز بأن الأجناد البطالين يخرجون من القاهرة، ومن PageV01P350 ~~ركوب الأجناد البطالة لأجل المناداة بنفيهم: ~~تخلف بعد ثالثه شنق، وكانوا نحو ألف، وكانوا قبل ذلك يسعون بين ~~العسكر بما خيف منه وقوع شر، فلما سمعوا هذا النداء ركب منهم جمع ~~وأتوا إلى صهره بردبك، فاسترضاهم، وذهبوا، وبلغ السلطان، ~~اجتماعهم، فخشى غائلتهم، فأرسل إلى أمير المؤمنين، فأحضره، فأقام ~~في البحرة داخل الحوش، وعوق المباشرون بالقلعة، ثم إن ~~المباشرين نزلوا إلى بيوتهم في ذلك اليوم، أو الذي بعده، واستمر أمير ~~المؤمنين أياما يسيرة، ونزل إلى بيته. # وفي يوم الخميس سادس عشره قال للعسكر: ما هذه الأمور التي # أسمعها، وما لمن يريد الفتن، يقدم رجلا، ويؤخر أخرى؟! من كان ~~يريد شيئا فليبرز له. فأجاب الكل: بأنا سامعون مطيعون، من خرج ~~عن الطاعة شبرا قتلناه، أو متنا بين يديك في قتاله. ### ||| ولاية ابن المخلطة للمرستان: # وفي هذا اليوم ألبس الناصر ابن المخلطة خلعة سمور؛ بنظر المرستان، ~~عن الشرف الأنصاري، وألبس بعض مشائخ البحيرة بالبقاء على ~~أحوالهم. # وفي عصر يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر هذا، نزل السلطان ~~من الميدان في ناس قليل إلى سبيل المؤمني، فنظر إلى ما جدد فيه، ثم ~~دخل من باب السلسلة، فعد ذلك من العجائب؛ فإن عادة السلاطين ~~في هذا الزمان أن لا ينزلوا من القلعة حتى يتمكنوا، ويكثر مماليكهم، ~~فلم ينزل الظاهر جقمق، لا بعد أربع سنين، وأما الأشرف فأبطأ عن ~~ذلك كثيرا. ### ||| كبر الخبز وبعض الأسعار: # وفي يوم الاثنين العشرين منه، طلع المحتسب بخبز، وجبن، وغير ذلك ~~من حواضر ms149 البلد، يري السلطان ما صار إليه أمرها من الكبر والحسن، PageV01P351 ~~بعدما كانت عليه من الصغر والرداءة، وألزم نفسه أن لا يأخذ من الناس شيئا ~~لا مشاهرة، ولا غيرها. # وفي يوم الخميس ثالث عشريه، صار الخبز رطلا بدرهم ~~فلوسا، وهو في غاية الحسن. والشعير إردبا بسبعين درهما فلوسا، ~~ورخصت جميع الحبوب وغيرها، وبيع حمل الجمل، من التبن بثلاثين ~~درهما، بعد أن بلغ إلى خمسمائة، فزاد سرور الناس بالسلطان، وقالوا: كعبه ~~أخضر، وعظم دعاؤهم له، وشهدوا بأن نيته حسنة، وذموا من كان قبله. ### ||| سعر اللحم: # وفي يوم الجمعة رابع عشريه، أحضر الوزير لحم ضأن كثيرا، ينادي ~~عليه كل رطل بسبعة دراهم فلوسا، فتضاعف دعاء الناس للسلطان، ~~وسرورهم بأيامه، وذم الظاهر وولده، وشكروا الله على زوالهم، ~~ثم بعد ذلك ارتفع اللحم، حتى وصل إلى عشرة، وربما زاد عليها. ### ||| العقد على بنت دولات: # وفي هذا اليوم، عقد للمقام الشهابي، أحمد، ولد المقام الشريف، ~~على بنت الأمير دولات باي المؤيدي. PageV01P352 ~~خلعة الأنصاري ~~وفي يوم السبت خامس عشري الشهر، ألبس الشرف الأنصاري خلعة ~~رضى، واستمرار على ما بقي معه من الوظائف فاغتم الناس بذلك، وبدا ~~منهم بغضا شديدا له؛ وذلك أنه شديد الخداع، بعيد من فعل الخير، ~~وأتاني شخص شريف، ممن يعمل كسوة البيت الحرام، فأخبر، أنه ~~يصرف على الكسوة ألفي دينار، ويقيمها في الحساب بسعة آلاف دينار، ~~وأن الحرير الذي يعمل منه ذلك، أردأ الحرير، وأنه يستر ما فيه من الغش ~~بالصبإ عند عرضه على السلطان، وأنه يعلم منه من الغش في مثل ذلك، ~~ما يرى أنه لا يحل السكوت عليه، وأنه بايع الله في القيام عليه، والتصدي ~~لجهاده. ### ||| توسيط المفسدين: # وفي يوم الأربعاء تاسع عشري الشهر سمر ثلاثة أنفس على جمال، ثم ~~وسطوا؛ وذلك أنه أطلع منهم على فساد، وثبت عليهم القتل، وأحدهم ~~كان من الجند، يأخذ النساء للزنا بهن ثم يقتل من يظفر بها، ويأخذ ما ~~عليها من الحلي، وآخر من قتل امرأة لها ولد صغير ودفنها عنده في مكان ~~ندي فأخرجا بعد ms150 أيام. ### ||| ولاية قاضي حماة كتابة السر: # وفي هذا الشهر، ضمت كتابة سر حماة إلى القاضي الشافعي، صدر ~~الدين بن الناصر بن هبة الله بن البارزي؛ وذلك أن الزين فرج بن السابق ~~استعفى منها، فسأل فيها الصدر. ### ||| قضاء حلب للشريف عبد الوهاب: # وفي يوم الخميس سلخ شهر ربيع الآخر، ولي الشريف تاج الدين ~~عبد الوهاب الحسيني الدمشقي الشافعي قضاء الشافعية بحلب، PageV01P353 ~~والعلاء بن مفلح الحنبلي قضاء الحنابلة بدمشق، ثم سالم الحنبلي قضاء ~~الحنابلة بحلب. ### || ### ||| قصة دولات باي في لزوم القلعة: # وفي يوم الجمعة مستهل شهر جمادى الأولى، بلغ دولات باي المؤيدي، ~~أنه كثر فيه الكلام الموحش للسلطان، فلما طلع إلى صلاة الجمعة، استمر ~~في القلعة، وطلب منه أن ينزل إلى بيته، فقال: أنا مريض فأكون هاهنا، ~~حتى أشفى، ثم أنه عزم عليه في النزول إلى بيته، فنزل يوم الأحد ثالثه. ### ||| القبض على قراجا ونفيه: # وفي يوم السبت ثانيه قبض على حاجب الحجاب، قراجا، المعروف ~~بالخزندار، وأعطي جانم أخو الأشرف إقطاعه، وجعل جانبك ~~القرماني، أحد الظاهرية البرقوقية، حاجب الحجاب. ### ||| قراءة التقليد: # وفي يوم الاثنين رابع الشهر جهز قراجا إلى القدس الشريف. # وفي يوم الثلاثاء خامس الشهر، نصب الكرسي في القصر الأكبر، ~~وجلس عليه القاضي كاتب السر، وقرأ تقليد السلطان الملك الأشرف، ~~بحضرة أمير المؤمنين، والقضاة الأربع، وكثير من نوابهم وغيرهم. # [من] الفقهاء، وجميع الأمراء والمباشرين على العادة، ومدح ~~الناس السلطان؛ لأنه جلس تحت الكرسي، على طرف الفرش، الذي ~~وضع له، ثم وأكثروا الدعاء له بتواضعه مع أمير المؤمنين، وزاد في التواضع ~~بأن كاتب السر لما استأذنه في القراءة، نظر هو إلى أمير المؤمنين، يلتمس ~~منه الإذن؛ لكونه صاحب المجلس فأذن له أمير المؤمنين، ثم عرضت عليه خلعة ~~أمير المؤمنين التي جرت عادته بها، قبل أن يلبسها أمير المؤمنين، كأنه خشي PageV01P354 ~~أن لا يفعل معه ما يليق بمقامه، ولبس القضاة الكبار، وكاتب السر، ~~ونائبه معين الدين، وما جرت به عادتهم. ### ||| موت الحنبلي: # وفي ليلة الخميس سابع جمادى الأولى المذكور، مات قاضي القضاة بدر ms151 ~~الدين محمد بن المحب محمد بن البغدادي الحنبلي، عن نحو ستين سنة ~~بعلة طويلة، كان ابتداؤها حمى بلغمية، وصل في آخرها إلى الصرع، ~~فغاب أربعة أيام إلى أن مات في الليلة المذكورة، وصلى عليه من الغد ~~أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة، وكانت جنازته حافلة بالقضاة، ~~والمشائخ، والمباشرين، وغيرهم، وكان من أفراد الزمان، شهامة، ~~وحلما، وعلو همة، ومعرفة، ودهاء، وخبرة بأبناء الزمان، وما يليق ~~بكل واحد منهم، من المقال والفعال، فكانت كلمته لا ترد عند سلطان ~~ولا غيره، من حين ولي القضاء، وإلى أن مات، لكنه كان ألكن ~~جدا، قليل البضاعة في الفقه، عريا عن غيره، أعور بشع المنظر، ~~أحص اللحية، أصفر اللون إلى كدرة، طويلا سمينا بترهل، وله في ~~كلامه الناشئ عن تفاصحه، مع لكنته، وقلة علمه غرائب، لو حفظت ~~لكانت كثيرة، منها: أني سمعته يعبر عن الفقرة (إحدى السجعات) ~~بالقفرة (بقاف، ثم فا)، ونشأ مبذول النفس، غير نقي العرض، ثم ~~استمر يشهر بذلك، بعد أن كبر، وولي القضاء، بحيث أخبرت بذلك ~~من جهات شهيرة، منها: سند متصل متحف بقرائن تدل على صحته، ~~وكان عنده عقل ودهاء، فجرد نفسه من حظها، ونظر في أحواله، فعلم ~~هذه النقائص، ولم يعمه حب نفسه عنها، وعلم أن الناس عالمون بها، PageV01P355 ~~وهو يعلم من نفسه كثيرا مما لا يطلع عليه إلا الأفراد، فأراد سترها، ~~فسعى في ذلك بكثرة التودد بالبشاشة، والمساعدة في مهمات الضرورات، ~~ويجري في الأكابر مجرى الدم، فكانوا يعطونه من أموالهم فيتصدق على ~~المحاويج، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويوافي القادمين من الأسفار، ~~ويودع المسافرين، ويحمل عن كل ذي مصيبة، ويحمل عن الجانين، بل ~~ويحسن إليهم، ولم يزل على ذلك، حتى قطع بسبقه وأيس من لحاقه. # وسترت هذه العيوب، حتى لا يتفوه بها، بل ونطق الناس بمدحه، وأنه ~~فرد الزمان وعزيز مصر عن لسان واحد، لكن لما كان القصد بها الرواج ~~الدنيوي وتمشية الحال، كان كما قال الله تعالى: {من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد}[الإسراء:18]، ms152 فلم تتجاوز حياته، نطق أكثر ~~الناس بذمه بعد موته حتى يوم مات، وتناقلوا معايبه، وأظهروا السرور ~~بموته. ### ||| ولاية القاضي عز الدين قضاء الحنابلة: # وعينت وظيفة القضاء للعز أحمد، بن قاضي القضاة برهان الدين ~~إبراهيم قاضي القضاة ناصر الدين نصر الله الكناني العسقلاني، ثم ولي ~~يوم السبت تاسع الشهر، ونزل معه كاتب السر والقضاة الثلاثة: العلم ~~البلقيني، والسعد الديري، والولي الأموي، لاقوه إلى مدرسة PageV01P356 ~~أيتمش، وخلق كثير، من النواب، والطلبة، والجند، وتم سرور ~~الناس بذلك؛ فإنه ذو شكالة حسنة وأعضاء سليمة، وعلم وافر في فنون ~~عديدة، وأصالة عريقة. ### ||| عقد الدويدار الكبير على بنت السلطان: # وفي يوم الجمعة ثامن الشهر عقد ليونس الدويدار الكبير على بنت ~~السلطان الصغرى. ### ||| قلقلة كتاب النحاس: # وفي هذا الحد بلغنا أن أبا الخير النحاس، لما خرج عظمه أكابر ~~الشاميين، وأهدوا له خوفا من غائلته، وأنه صار يركب الخيول المسومة، ~~وانضم إليه ناس من مفسديهم، كالطوباشي، والبلاذري. ثم جاءت كتبه ~~إلى من بلغها للسلطان، يعد أنه إن أقدم، وقرب، ملأ الخزائن أموالا. # فقال السلطان، لناظر الخاص: إنا لا نرى ما كان يدخل من المال إلى # خزانة الظاهر، فما السبب في ذلك؟ هل نقصت الجهات أو تعطل شيء ~~من البلاد؟ فقال ناظر الخاص: ولكن الذي يشير إليه السلطان، إنما كان ~~في أواخر دولة الظاهر؛ بسبب ذلك النحس أبي الخير النحاس؛ وذلك ~~أنه كان يعزل الناس عن وظائفهم، ويعطيهم لمن يبذل فيها مالا، ويأخذ ~~من المعزول مالا ليوليه غير وظيفته، فعل ذلك مع نواب بلاد الشام، ~~وغيرهم، وظلم الناس، وصادرهم، مولانا السلطان يعرف ذلك، أما ~~قلتم لي في الوقت الفلاني: هذا الذي يفعله هذا الرجل لا يجر إلى خير؟ # قال: بلى. فقال: وأما أوائل دولة الظاهر، فلم يكن يتحصل له فيها شيء PageV01P357 # بل كان يعطي من يرجوه، أو يخشاه، حتى أنفد خزائن ~~الأشرف، ومازالت أوائل الدول على هذا، تضطر الملك إلى الإغضاء ~~واللين، حتى يقوى أمره، وأما أثناء دولته، ودولة الأشرف، فلم يكن ~~يتوفر للخزانة فيها أكثر من تسعين ألف ms153 دينار في كل سنة، وانظروا ~~الحساب، ثم طلب الحساب فبين ذلك، فقال الدويدار الثاني: البلاد كلها ~~للسلطان، والأموال له. فرأى ناظر الخاص كلاما غير منتظم، فقال: ~~يا مولانا السلطان، ليس في هؤلاء كلهم أحد يعرف تدبير المملكة، ~~ومولانا السلطان يعرف أني كنت أقابلها في جميع مدة الظاهر، وأواخر ~~دولة الأشرف، وأعرف ما يجر إلى العمارة، وما يجر إلى الخراب، وإن ~~كان في قولي شك فجربوا بأن ترسلوا إلى أحد نواب الشام تطلبوا منه ~~شيئا، وانظروا أثر ذلك، وأما أنا فرجل عاجز، لا يمكنني أن أعمل ما ~~كان يعمل أبو الخير. فعلم السلطان صدق قوله، وكان تصديقه عليه ~~بالقول غير مناسب له؛ لأن فيه تسليم لبعض ما يكره، فقال: إن في ~~رأسي الآن صداعا، فدعوا الكلام في هذا إلى وقت آخر. ثم لم يزل ~~هو، ومن وافقه من المباشرين، يتكلمون في أبي الخير إلى أن جهز مرسوم، ~~بأنه يلزم بيتهن ولا يتكلم فيما لا يعنيه، ومتى خالف أعيد إلى السجن. ### ||| أخذي لميعاد جامع الظاهر: # وفي يوم الجمعة هذا، وهو ثامن الشهر، عملت الميعاد في جامع ~~الظاهر وهي وظيفة مرتبة هناك على تفسير الكتاب العزيز، عليها ~~وقف، يقال له: وقف طرنطاي الحموي خارج عن أوقاف مصالح الجامع، ~~وكانت في يدي من حدود سنة خمس وثلاثين، فلما مات قاضي القضاة ~~ابن حجر، في أواخر سنة اثنتين وخمسين، وثب عليها القاضي ولي الدين ~~أحمد بن الشهاب أحمد الأسيوطي، فلم أدافعه في أيام جقمق، PageV01P358 ~~وتعصب لي بعض المباشرين، ثم خذل الناظر على المكان، فلما ولي ~~الأشرف إينال، وكانت لي به صحبة، استعدتها منه، واتفق في أمرها غريبة ~~وقت خروجها عني، وأخرى وقت عودها، وهما أني لما أخذتها شرعت ~~في التفسير من أول القرآن على التوالي، فلما تغلب عليها المذكور، قام ~~شخص من أهل تلك الخطة، وقال: إني قد وقفت، وجعلت لي فيه ~~أن أعين ما شئت، وقد صرفت حصة منه للشيخ ليعمل الميعاد في هذا ~~الجامع على عادته، فكان من الاتفاق العظيم أن كنت وقفت ms154 على قوله تعالى ~~في سورة براءة: {ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير}[التوبة:39]، ~~فكان الميعاد الذي سأل فيه ذلك الرجل في قوله تعالى: {إلا تنصروه ~~فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها ~~وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز ~~حكيم}[التوبة:40] وكان ذلك في شهر ربيع الآخر فيما أظن من سنة ثلاث، ~~فلما استعدتها صادف أني كنت قد وقفت على قوله تعالى في الصافات: ~~{فانظر كيف كان عاقبة المنذرين، إلا عباد الله المخلصين}[الصافات:74]. فكان PageV01P359 ~~الميعاد في الجمعة المذكورة في قوله تعالى: {ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون}[الصافات:75]. إلى آخر قصة إبراهيم، التي جملتها {فأرادوا به كيدا ~~فجعلناهم الأسفلين}[الصافات:98] فكان ذلك من غرائب الاتفاق. ### ||| قصة سونجبغا والقلاوي: # وفي نحو نصف هذا الشهر توجه الأمير سونجبغا إلى الأمير تغري ~~بردي القلاوي، كاشف الأعمال البهنسائية، ليقبض عليه؛ بسبب أن ~~شخصا من أتباعه وشى به، أن عنده لبيت المال ثمانين ألف دينار، ~~وذكر عنه ما أوغر صدر السلطان، مع أنه كان شديد الإساءة إلى السلطان ~~في حال الإمرة، وكانت بين سونجبغا وبينه عداوة شديدة، فاتفق أنه لما ~~قرب منه ركب القلاوي ليتلقاه، فلما سلم عليه لم يجبه سونجبغا إلا ~~بالقبض على لحيته، ولكمه. فقال له: إن كان هذا عن أمر السلطان فأرني ~~مرسومه لأطيعه. فقال: أنت أقل من هذا، ووضع شخص من أتباعه ~~في عنقه زنجيرا، فاستغاث بأعوانه فرمى أحدهم سونجبغا بسهم، فلم ~~يخطئ نحره، فوقع، وضرب شخص من جماعة سونجبغا، القلاوي ~~فقتله، ثم اقتتل الفريقان شيئا يسيرا، وتحاجزا، وقد مات الأميران، ونهب ~~العربان العسكرين، فكان ذلك من أغرب القضايا، ولما بلغ الخبر ~~السلطان عين قراجا الذي كان والي القاهرة كاشفا عن القلاوي. ### ||| قصة نواب القضاة: # وفي هذا الحد كثر الكلام في نواب القضاة، وأن الشافعي استكثر منهم، ~~وولى من لا أهلية له، ولم يول إلا من بذل له ms155 مالا، فرسم السلطان بعزل ~~الجميع، وعين للشافعي خمسة عشر، وللحنفي عشرة، وللمالكي أربعة، ~~وللحنبلي مثله. # وفي يوم الثلاثاء تاسع [عشر] الشهر، وهو العشرون منه في بلاد PageV01P360 ~~الروم، أخذ السلطان محمد بن عثمان قسطنطينية العظمى كما سيأتي. ### ||| قصة هجم الأجناد على المنية: # وفي يوم السبت ثالث عشري الشهر، نادى المنادي عن السلطان، أن ~~للناس الأمان والاطمئنان، ومن ظلم فعليه بالأبواب الشريفة؛ وسبب ذلك ~~أن ناسا، منهم أجناد هجموا على نصارى في بلد المنية، فآذوهم، ~~فرفعوا أمرهم إلى السلطان، فنكل بهم، وضرب الجند، وأفحش في ~~أحدهم، وأمر به إلى السجن في زنجير، فدعى له الناس دعاء كثيرا، ~~ووقع لهم بذلك ضجيج. # وفي هذا الحد، لبس حاجب الحجاب جانبك القرماني خلعة بنظر جامع ~~الأزهر عن قراجا الذي أخذ عنه الحجوبية، ونظر جامع عمرو بن العاص ~~رضي الله عنه عن الشرف الأنصاري. ### ||| سعر الذهب: # وفي هذه الحدود، نودي أن الأشرفي بمائتي درهم وخمسة وثمانين ~~درهما، كما كان في غالب أيام الظاهر جقمق، وأن المنصوري ساقط لا ~~يتعامل به، ووزن الأشرفي درهم وثمن، ووزن المنصوري درهم فقط، ~~ثم نودي أن الأشرفي على ما كان عليه بثلاثمائة وعشرين. PageV01P361 ~~وفي هذا الحد عزل [مرجان العادلي] مقدم المماليك، وكان ~~أسود طويلا ضخما مهيبا، وولي عنه لؤلؤ، وهو أبيض. ### ||| قصة نصراني حلب: # وفي هذا الحد، قدم نصراني من حلب، على يده مكاتبات ممن يعتبر ~~به، بأن ابن الزهري، القاضي الشافعي بحلب هجم على بيته بجمع جم ~~مظهرا أن ذلك لأجل خمر عنده، فقال له النصراني: لا تهجم بيتي ينهبه ~~العوام، فلم يلتفت إليه، فنهبه العوام، وأخذ القاضي جارية بيضاء عنده، ~~وقد كان يتحد أن أخا القاضي له غرض عندها، فأرادوها لتسلم ~~فيزوجوه بها، فلم تفعل، فضربوها، ولم يزالوا بها حتى وقعت في كلمة ~~أظهروا لها أنها أوجبت إسلامها، ويقال: إن تلك الكلمة، استغفر الله، ~~فلما كان ذلك زوج أخاه بها، ودخل عليها، ولما كثر الكلام فيه؛ بسبب ~~ذلك، وتجهز النصراني للسفر، هرب ابن الزهري. PageV01P362 ### ||| شكوى المناوي: # وفي هذا الحد، ms156 شكى المحب بن يعقوب، وأخواه إلى أمير المؤمنين من ~~يحيى المناوي، أنه أكل لأبيهم مالا جزيلا، وقال أحدهم: إنه ما مات إلا ~~قهرا من المناوي، فوصى عليهم الدويدار الثاني تمراز، فطلب المناوي، ~~فأرسل وكيله، وأقاموا عنده أياما، ثم انفصلوا على مائة ألف وخمسين ~~ألفا، يدفع إليها منها الآن خمسين ألفا، ويصبرون عليه بالمائة، فدفع إليهم ~~الخمسين، وأقرضوا ولده زين العابدين مائة ألف، ودفعها إلى أبيه، ~~فدفعها أبوه إليهم، وصار ما لهم في جهة الولد. ### ||| وعبد السخاوي: # وفي هذا الحد أيضا طلب الأمير الكبير تنبك ياقوت عبد السخاوي ~~إلى القاضي الشافعي علم الدين البلقيني؛ بسبب أنه أخذ منه ألف دينار ~~بغير طريق شرعي، وذلك أنه أتاه مبشره بأن الظاهر أعطاه إقطاعا، فخلع ~~عليه، وأعطاه مائة دينار، فلما أخبر الظاهر بذلك قال: انزل إليه فخذ ~~منه ألف دينار. ففعل، فلما بلغ ياقوت ذلك هرب إلى تمراز، ثم خرج ~~من عنده وأتى نقيب الجيش ابن أبي الفرج، ثم أراد أن يخرج من عنده ~~فمنعه، وقال: أنا في طلبك منذ أيام، ثم أرسل إلى تنبك فأعلمه، فأرسل ~~له الشافعي رسله فأخذوه، ثم أصلحت قضيته على مال أخذ منه. # وفي هذا العشر رسم السلطان بأن يتجهز الأمير الكبير، وأمير ~~سلاح إلى البحيرة؛ لفتنة قامت بين العرب بها، ثم سكن ذلك. PageV01P363 ### ||| قصة ابن القف: # وفي هذا الشهر، برز المرسوم الشريف، بأن يقبض على ابن القف ناظر ~~جيش صور، ويوضع في زنجير في القلعة، ويعاقب بالعصر وغيره على مائة ~~ألف دينار. ### ||| رد ابن الشحنة ثم إعادته: # وفي أواخر هذا الشهر، بلغ الخبر أن ابن الشحنة واصل ومعه تقادم ~~كثير، فأرسل إليه من يقبض عليه ويرده إلى حلب ليدعي عليه من له ~~معه حق، ويعمل فيه بالشرع، ورسم بإحضار جميع ما معه إلى الأبواب ~~الشريفة، فلقيه الرسول في قطيه، فقا له: لم يرسم إلا بردي، فخل ~~سبيل ولدي، ولم يزل يترقق له حتى تركه، فلما وصل إلى الخانكة وجده ~~جندي، خرج لمثل ذلك فرده. ### || # وفي يوم السبت مستهل ms157 جمادى الآخرة رسم السلطان بعزل صلاح ~~الدين، أمير حاج ابن امرأة العلم البلقيني، ومنعه من الوقوف ببابه، ~~والكلام بين الأخصام، وبعزل نقيبه الجلال أبي القاسم، لما بلغه ~~عنهما من تناول الرشى وغير ذلك من القبائح، وكان متولي كبر ذلك ~~الفساد الصلاح بن امرأته، وسر الناس بمنعه من باب كثيرا. PageV01P364 ### ||| موت دولات باي: # وفي هذا اليوم، وهو يوم السبت مستهل جمادى الآخرة، مات ~~الأمير دولات باي المؤيدي، ودفن في تربته بالصحراء، خارج باب ~~المحروق، وكان مرض عقب قدومه من إسكندرية، كأنه كان بلغ منه ~~رعب الغضب ممن سجنه حدا لم يجبره رضى من أخرجه، واستمر يتنقل ~~من مرض إلى آخر، إلى أن حصر بوله، واشتد به ذلك إلى أن أفنى قوته، ~~ثم انتقل إلى النهيج، ثم خرج له خراج في أسفله، وعاده في أواخر ذلك ~~جانم كبير الأشرفية، وكرر عليه العيادة، حتى انخلع فؤاده، رحمه الله، ~~وعفى عنه، وسمعت أن دويداره فارس، كان يوم موته يتحرق على ~~المتفقرة، الذين كانوا يتآكلونه، بما يعدونه ويمنونه من الملك وقهر الأعداء. ### ||| كاشف الوجه القبلي: # وفي يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة المذكور ألبس الأمير قراجا ~~خلعة السفر، وسافر إلى محل كشوفيته بالبهنسا وأعمالها. ### ||| قصة المماليك الكتابية: # وفي يوم السبت ثامن جمادى الآخرة المذكور اجتمع المماليك الكتابية بما ~~تيسر لهم من أسلحة؛ عصي وغيرها، فخرج إليهم بعض رؤوس النوب ~~ليردهم فكأنه أغلظ لهم فضربوه، فأرسل إليهم من سألهم عن أمرهم، ~~فقالوا: إن السلطان أعطى الجند ونسينا، ونحن نطلب أن نعطى كما أعطي ~~غيرنا، فلم تزل الرسل تختلف بينهم، وبين السلطان إلى أن سمح السلطان ~~لكل واحد منهم بعشرة دنانير، فقالوا هم: لا نرضى إلا بعشرين. فقال ~~السلطان: [ليس لي] بهم حاجة، مروهم فلينزلوا إلى المدينة، ~~ويتركوا الطباق، فلما سمعوا ذلك، طلعوا إلى طبقاهم. ثم نزل PageV01P365 ~~المباشرون، وتعوق ابن الجيعان، ليصير لهم ذلك، ولم ينزل الأمير بردبك ~~في ذلك اليوم. ### ||| حكاية تذكر الغافلين عن بركة الشفا: # ولم يزل أصحاب ابن الشحنة يقومون في أمره ويقعدون، وكان بردبك ms158 ~~صهر السلطان مساعدا لهم إلى أن رسم بحضوره، فجهز قاصد لذلك، ~~فلحقه دون غزة فرده، وحدثني بأعجوبة جرت له في محنته هذه، وهي ~~أنه لما كان في الحبس بقلعة حلب مضيقا عليه قرأ الشفا لقصد الفرج ~~ببركته، فختمه ليلة الاثنين ثاني عشري ربيع الأول، فأتى الخبر في بكرتها، ~~بأن المنصور ازيل من الملك، وقبض عليه، وعلى رؤوس من معه، وأن الأمير ~~الكبير إينال تسلطن، فأخرجت من ذلك المحل إلى المقام الذي بقلعة حلب، ثم إني ~~أعدت قراءة الشفا، فختمته صبح الجمعة، فجاء الأمر بإطلاقي في نصف ذلك ~~اليوم، ثم سافرت، فلما رسم بردي من قطية أقمت بها أقرأ الشفا، فلما ~~بقي منه مجلس الختم فقط ألح القاصد في الأمر بالرجوع، فلما كنا بمنزلة PageV01P366 ~~أم حسن قرأت ما بقي منه، فلما أصبحت إذا شاب من أهل نابلس، ~~فسألته عن اسمه فقال: سعيد بن مقبل.فتفاءلت به، وإذا البشير قد جاء ~~بالأمر بردي إلى القاهرة. ### ||| قصة سبيل المؤمني: # وفي هذا الحد كمل بناء سبيل المؤمني، فنزل إليه السلطان، فلما وصل ~~إليه نزل عن فرسه، ومشى في جوانبه، وتصدق على بعض العامة، ثم ~~ركب فرسه ورجع. ### ||| المناداة بزيادة البحر: # وفي يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الآخرة هذه، وهو سادس عشري ~~بؤونة من أشهر القبط بشر بزيادة البحر، وذكروا أن القاعدة ثمانية أذرع ~~وخمس أصابع. # وفي يوم الخميس ثالث عشره نودي أن البحر زاد ثلاث أصابع. # وفي هذا اليوم وصل القاضي محب الدين بن الشحنة، ومعه ولده، ~~[وولد] ولده. # وفي هذا الحد وصلت قصاد الحجاز، فأخبروا أن جميع تلك البلاد في ~~غاية الرخاء، مكة والمدينة وغيرها؛ الدقيق في مكة المشرفة بسبعة دنانير ~~الحمل، والغرارة القمح بخمسة دنانير، واللحم في البلدين في غاية ~~الرخص، يكون الرطل المصري بنحو ثمن درهم، ثلاثة دراهم ونصف ~~فلوسا، أو بقريب من ذلك، وكذا بقية المأكولات، وجاء معهم الخبر ~~بأن الشيخ أبو القاسم محمد بن محمد النويري المالكي مات في رابع أو ~~خامس جمادي الأولى، وكان مفننا في عدة علوم: الفقه، ms159 والأصول، PageV01P367 ~~والمنطق، والعربية، والقراءات، وكان مفوها ذا جدل، مطبوعا على ~~الأذى، قل أن خالطه شخص إلا آذاه في نفسه، أو ماله، أو عرضه، ~~وقل أن سكن بلدة إلا أثار فيها فتنة، يظهر غالب ذلك في مظاهر دين، ~~مع انهماكه في قبائح ظاهرة لذوي البصائر؛ منها محبة الأحداث، قل ان ~~يخلو بيته من واحد مقيم عنده لا يبرح، ويظهر أنه يقرئه ويعلمه الدين، ~~ويمشي ذلك على غالب الناس، حتى أهل الصبي، وكان يتجر ويظهر ~~للأكابر أنه غني عنهم، وأنه لا يقبل لأحد شيئا، ينصب لهم الحبائل؛ ~~ليلي القضاء، واجتهد في ذلك بكل حيلة؛ ثلب القضاة بالجهل، وتمشية ~~الباطل بالرشى وغيرها، فلم يتم له ما أراد، عفى الله عنه. # دويدارية الشام ~~وفي هذا الشهر، أو الذي قبله أعطي خشكلدي الكويزي إمرة عشرين ~~بدمشق، وولي عنه دويدارية السلطان بدمشق يشبك، أحد مماليك ~~السلطان. ### ||| قاضي إسكندرية: # وفي يوم الثلاثاء ثامن عشري هذا الشهر، وصل القاضي شهاب ~~الدين المحلي الشافعي قاضي إسكندرية، وكانت بينه وبين السلطان صحبة، ~~وله عليه خدمة كبيرة، وكذا على غيره من الناس، وهو فرد الزمان في ~~ذلك على طريق البرامكة، بحيث أن الأمور التي تجري على يده، من PageV01P368 ~~خدم الناس تستكثر على هذا الزمان، ويتعجب من قدرته عليها وتأتيها له، ~~مع قلة مدده، حتى أنه يعطي بعض المتحاكمين إليه من ماله يصلح بينهم ~~به، وسلم على السلطان في صبيحة الأربعاء تاسع عشره، فأقبل عليه وسر ~~بقدومه، فكان من سعده، أن مات عقب قدومه شخص من أخصاء ~~الظاهر من أهل إسكندرية، يقال له: محمد بن محمد بن عبد المحسن، ~~ويشتهر بابن محيسن، وكان له بإسكندرية من الأعطية نحو ثلاثة دنانير كل ~~يوم فجعلها السلطان للمحلي، وأكرمه بغير ذلك أيضا، فلما وصل إلى ~~ذلك تغيرت أحواله، فحكى بعض الفقراء، أنه كان ورد عليه إسكندرية، PageV01P369 ~~فأكرمه، ووعده بخير إن أعاد القدوم عليه، فلما ورد عليه، لم يصنع ~~معه شيئا أصلا، ثم أخبرني آخر بمثل ذلك، فثبت أنه لم يعرف نعمة الله ~~عليه. ### ||| إيراد ابن ms160 الشحنة المال: # وفي يوم هذا اليوم جمل ابن الشحنة إلى السلطان أربعة آلاف دينار على ~~يد ولد ولد له بالغ، وكتب خطه بألف أخرى، وأعطى ولده ألفا، ~~وصهره بردبك كذلك. # وفي يوم الخميس العشرين من هذا الشهر أذن له فسلم على السلطان، ~~وخلع عليه كاملية بسمور، وعلى ولده، وولد ولده. ### ||| مولد بردبك: # وفي هذا اليوم عمل بردبك صهر السلطان مولده، فحضره القضاة إلا ~~الحنفي، والمباشرون إلا الوزير، وحضر سيدي أحمد ولد المقام ~~الشريف، وجميع أكابر الجيش، من الأمراء، وغيرهم، ولم يتخلف من ~~الخوندات، ونساء الأكابر إلا القليل، وعمل فيه من الأسمطة والأطعمة ~~الفاخرة الكثيرة، المتنوعة، والحلاوات المصنوعة على هيئة القباب ~~وغير ذلك، ما قارب الذي يعمل في مولد السلطان، ثم عمل سماعا ~~بالليل حضره ولد السلطان، ومن يعز من الفقهاء والترك قدم فيه من ~~الحلاوات والفواكه شيئا كثيرا، ورمي على الوعاظ بنحو ثلاثين شقة ~~حرير، ثم أخبرني رأسهم شمس الدين بن الحفار، أنهم أخذوا جميع ما PageV01P370 ~~رمي عليه، ورموه على غيره، ولم يحصل له من ذلك شيء، فالظاهر أنهم ~~فعلوا بغير كذلك، وكان ذلك في بيت تمربغا، بجوار مدرسة السلطان ~~حسن، وكان تمربغا قد اجتهد في عمارته، بحيث يقال: إنه صرف عليه ~~نحو خمسين ألف دينار، ولم يفرغه إلا في أواخر سنة ست وخمسين، ~~فلم يتهن به، وكأنه إنما كان مشد العمارة البردبك، فسبحان من يعز ~~ويذل، ويضع ويرفع، فقد كان يعمل المولد في كل سنة فلا يحضره من ~~الجند إلا استاده، وولده ولا من المتعممين إلا.... ### ||| مدرسة ابن الجيعان: # وفي هذا الشهر تكاملت عمارة مدرسة أنشأها إبراهيم بن الجيعان ~~القبطي بحذاء القاعة المعروفة بالبرابخية على شاطئ النيل من بولاق، ~~وجعل فيه خطبة، فأحضروا بعض الأعيان في أول جمعة خطبت بها، فقرأ ~~الخطيب وهو أحد المنتمين إليهم، المعروفين بهم المنقطعين إليهم في إحدى ~~الخطبتين {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إنما يعمر ~~مساجد الله}[التوبة:17-18] إلى آخرها، فعزله من ms161 الخطابة لذلك، وبلغني أن بعض PageV01P371 ~~أصحاب الخطيب لامه، فحلف أنه ما قرأها إلا اضطرارا، وأنه اجتهد على ~~أن يستحضر غيرها أو أن يقرأ من عند {إنما يعمر مساجد الله} فلم ~~يستطع، ولا حضره إلا الآية الأولى، فكان ذلك من الغرائب، ولما عزل ~~سعى في الخطابة ولي الدين أحمد بن تقي الدين محمد بن الشيخ بدر ~~الدين بن شيخ الإسلام السراج البلقيني، وكان قد بنى له مدرسة إلى جانب ~~بيته وانقطع بها، واظهر الزهد من حين جرى له مع أبي الخير النحاس ~~ما تقدم، فكان [رضاه بالخطابة في] هذه المدرسة (التي أمرها ~~قريب من أمر مسجد الضرار) من العجائب، فضلا عن أن يكون ~~بسعيه، ثم كان أغرب من ذلك، أنه قرأ في الصلاة {إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين،شاكرا}[النحل:120] ووقف على شاكرا، ~~يشير إلى باني المدرسة وأخيه علم الدين شاكر، فارتكب هذا الأمر PageV01P372 ~~العظيم في كتاب الله المجيد، فلم يمض عليه الشهر الذي بعده حتى طرق ~~بالمصيبة التي ستدكه. ### ||| إعادة ابن النحاس إلى السجن: # وفي هذا الشهر زاد الكلام في أبي الخير النحاس، فلم يزل ناظر الخاص، ~~ومن وافقه يوغر صدر السلطان عليه، ويبلغه أنه يقول: إن السلطان عتيقة ~~من الظاهر، ونحو ذلك إلى أن رسم بإعادته إلى السجن. # وفيه ورد الخبر أن ابن القف عصر إلى أن تلفت يداه، أو كادتا، وبولغ ~~في عقوبته. ### ||| فتح قسطنطنية الصغرى: # وفيه، في أواخره ورد الخبر العظيم السار، أن السلطان محمد بن ~~السلطان بايزيد بن السلطان مراد بن السلطان أورخان بن عثمان، أخذ ~~قسطنطينية عنوة. # واختلفت الروايات في كيفية الحصار، والأخذ، ثم ورد علينا ~~الشيخ أحمد الطالثي، أحد من حضر ذلك، من طلبة العلم، فأخبرني ~~عن صورتها، أنها في بر أدرنة، كرسي مملكة ابن عثمان، ومنحل إقامته، PageV01P373 ~~وأن البحر الرومي ملاصق لسورها من شرقيها بينها وبين برصة وأكثر ~~بلاد ابن عثمان، وأن منه خليجا داخلا من شرقيها بشمال، وشماليها ~~بشرق، وبين بلد آخر للكفار يسمى قلاطة، وربما قالوا: غلطه. ms162 # وهذا الخليج ميناؤها، وعلى فمه سلسلة أحد طرفيها في سور ~~قسطنطينية، والآخر في سور قلاطة؛ لئلا يدخل إليه مركب بغير ~~اختيارهم، فالمقدار المحيط به البحر نصفها أو أكثر. # وجانباها الغربي والجنوبي متصلان ببر أدرنة. # قال الشيخ أحمد: فلما ولي محمد بن عثمان السلطنة، بعد أبيه # مراد، أوقع الله في نفسه أن يأخذ هذه البلدة، فكان يستشير ذوي الرأي ~~من جنده في ذلك، فيخوفونه منه؛ بنفاذ خزائنه في حصارها، واختلال ~~أمره بسببها، ويهولونه عليه أمرها، ويقولون: إنها لا تؤخذ إلا على زمن ~~المهدي، كما في الحديث، إلا شيخه المولى أحمد الكوراني، فكان PageV01P374 ~~يخالفهم في ذلك، ويهون عليه أمرها، ويقول: إنه ورد في بعض الأخبار ~~أنها تفتح قبل فتح المهدي لها. فقال السلطان محمد: لا بد لي من غزوها، ~~ولو نفذت جميع خزائني، وبلغت إلى أن لا أجد ما ألبسه إلا فروة، وأدور ~~في البلاد أستعطي. # ثم تجهز إليها في أواخر شهر ربيع الأول من سنة سبع وخمسين هذه، ~~وسنه اثنان وعشرون سنة، في أكثر من نحو مائة ألف مقاتل في البر، ~~وجهز في البحر نحوا من أربعمائة مركب، فنزل بساحتها من يوم الجمعة ~~سادس عشري الشهر. # فلما اكتنفتها جنوده، وثبت بفنائها عموده، وملأ أقطارها صارمه ~~وعوده، سألهم تسليم مفاتيحه؛ فهزأوا به، وأغلظوا له، وقالوا: قد ~~مات بهذه الحسرةأكابر الملوك، وأنت صبي غمر لم تجرب الأمور، ~~وسترى؛ فغضب، ثم أذكى عليهم نيران الحرب، وأقام سوق الطعن ~~والضرب، برا وبحرا، سرا وجهرا، فنصب عليها مكاحل كثيرة، منها ~~مكحلتان صنعهما، إذا وقف رجلان من جانبي حجر من حجارتهما لا ~~ينظر أحدهما من الآخر إلا رأسه، ثم رمى بهما، فهدم قطعة من السور، ~~وكان كلما هدم شيئا سدوه ليلا بشجر العنب، والتراب، وسأل أهل ~~قلاطة، أن يقطعوا السلسلة من جانبهم؛ ليدخل بعض المراكب في ذلك ~~الخليج، فيصير جيشه محيطا بجميع جوانبها، فقالوا: نحن في قبضتك، ~~ولا نعصي لك أمرا، ولكن لا نقدر على ما تأمرنا به، واعتذروا له بما PageV01P375 ~~قبله منهم، فحفر شاطئ البحر من ms163 وراء قلاطة، حتى أمكن منه خروج ~~المراكب، ثم جر منه مائة مركب على عجل، وهي التي تجرها البقر ~~ويسمونها العربات، واحدتها عربة (بمهملتين وموحدة محركا) وقذفها في ~~الميناء، وربط من الأوعية التي يحمل فيها الماء في البحر، وتسمى البتاني ~~والبراميل بالحبال الجيدة شيئا كثيرا، وقذفها فيها، وقيدها من ناحية البر ~~بسلسلة، وأرسل من الرجال، من أثبت طرف السلسلة الأخرى في جانب ~~المدينة، وقدامهم رجال معهم أتراس من الأخشاب الضخمة؛ ~~يسترونهم رمي من على السور، وأسمر فوق ذلك الألواح، ووضع عليه ~~التراب، فصار ذلك جسرا لمن أراد المرور عليه، وكان إلى جانب السور ~~مكان لم يغطه الماء، ربما يكون عرضه في بعض المواضع، نحو عشرين ~~ذراعا، فصار جيشه محيطا بجميع نواحي البلد، على أنها في غاية ~~الكبر، لا يساوي ما داخل سورها بلد من البلاد، ولا أنطاكية. # [وأخبرني أحمد بن الشيخ علاء الدين البرمي، الضرير، وكان قد ~~ورد] من هناك بمثل ذلك، وأن البلد ثلاث زوايا، زاويتان منها في البحر، ~~وزاوية في البر وأن ابن عثمان قاس دور سورها، فكان ثمانية عشر ميلا، ~~كل زاوية ستة أميال. # فلله دره من ملك علا الملوك سؤددا وشرفا ودرها همة بنت من ~~المجد فوق الساكنين غرفا، هكذا هكذا تكون الهمم العوالي، وبمثل هذا ~~الصغير السن الكبير القدر لعمري تتشبه فحول الرجال. # يا ليت شعري ومن هذي بدايته%%ماذا الذي في جميع الأرض ينتظر ~~فالله يبقيه لهذا الدين، ويوقيه كيد الملحدين، ويرقيه على سائر جموع المفسدين. PageV01P376 ~~ولما استدارت بالبلد الأبطال، وتفرق من جميع النواحي القتال عمهم ~~الزلزال، وأيقنوا بالزوال، بعد أعظم النكال، قاتل المولى الإمام الكوراني ~~في هذا الحصار بنفسه قتالا شديدا، وأبلى بلاء حسنا، وله فيه، وفي غيره ~~من الغزوات مع هذا السلطان ووالده مواطن محمودة، ومواقف مشهودة، ~~فسبحان من أعطاه، وأنعم عليه وأولاه. # قال الشيخ أحمد: ثم إن السلطان محمد، أمر بعد أن صلى الصبح # بغلس، يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى، وذلك بعد حصار ~~اثنين وخمسين يوما، فنادى مناديه: احملوا عليهم، واصعدوا يا ms164 معاشر ~~المسلمين إليهم، فمن أخذ شيئا فهو له، بل وخزائني التي معي بين ~~أيديكم، ليس لي إلا الأرض، والأحجار، والساحة، والدار، ثم ركب ~~جواده، وقال: يا خيل الله، اركبي ويا كتائب الإسلام احملي، وحمل ~~بنفسه، فلما قرب من ذلك المكان، الذي هدمته المكحلة ترجل، وصاح ~~فيهم؛ فصعدوا من ثم ووجدوا من قضبان العنب ما تعلقوا به، وتدرجوا ~~فيه، فصعدوا في أسرع من اللمح على السور، وأدرك الكافرين الثبور، ~~وكان سنجق الكوراني أول من علا فوق السور. # ولم يقتل من جيش المسلمين، وهو صاعد غير شخص واحد، فولى ~~الكفار الأدبار، ولحقتهم السادة الأخيار، بكل عضب بتار، وكل رمح ~~لماع السنان، كأنه علم في رأسه نار، فأفنوهم إلا القليل، ولم يبقوا ~~بها بيتا إلا وفيه العويل. # وأخبرني الشيخ علاء الدين، أنه بلغهم، أن الكنيسة الكبرى، من رومية ~~الكبرى، وقعت في وقت حملة ابن عثمان على اسطنبول، فقتلت بها جماعة ~~كثيرة، فقال علماؤها: أخذت اسطنبول في هذا الوقت، فكان كذلك. PageV01P377 ~~قال الشيخ أحمد: ولم استباحوا حلالها، وجاسوا خلالها، وأفنوا ~~رجالها، اشتغلوا بالنهب، فهرب من مينائها ثلاثة مراكب، ولم يوجد ~~ملكهم، وهو الذي يلقبونه بالتكور (بفتح الفوقانية وضم الكاف ~~مخففا) فلا يدرى، هل قتل في المعرك، أم كان ممن هرب في ~~المراكب؟ # ثم إنهم صلوا الجمعة في كنيستها العظمى المسماه آيا صوفيا، وخطب ~~لهم شخص من الأفاضل، يسمى آق بيق، وأم بهم السلطان محمد، ~~وكان يوما لم يتفق مثل في الأعصار السالفة، والأيام الخالية، وانزعجت ~~جميع بلاد الكفر، وسائر جيوشهم، ومعاقلهم لذلك، فلله الحمد، وكان ~~في أثناء الحصار قد عثر على خيانة وزيره الأكبر خليل باشا، بأنه مباطن ~~لهم، فقبض عليه ووضعه في بعض المعاقل، فلما انقضى الحرب، تحقق ~~من أهل البلد خيانته، وأنه ما كان يشجعهم، إلا هو فصلبه وعذبه عذابا، ~~لم يسمع بمثله، ثم خنق واستراح منه البلاد والعباد. # ثم لما سافر الشريف علي القصيري الكردي في سنة تسع وستين؛ PageV01P378 ~~رسولا من السلطان الظاهر خشقدم، إلى ابن عثمان، ورجع في أول ~~سبعين، ms165 أخبرني أنه دخل هذا الجامع، الذي كان كنيسة النصارى ~~العظمى لما كانوا بها، فرآه كبيرا جدا، وأنه في غاية ما يكون من إحكام ~~البناء، وأن مئذنته التي كان النصارى يضربون بها الناقوس في طول ~~أطول مئذنة من مآذن الإسلام مرتين، وأن إيوانها الذي به المحراب، وهو ~~الشرقي أكبر من إيوان مدرسة حسن التي بالقاهرة، الذي قالوا إنه على ~~مقدار إيوان كسرى بكثير، بحيث إنه قال: لو وضع فيه لكان إيوان ~~حسن في جانب من جوانبه. هكذا قال والعهدة عليه. قال: والجانب ~~الجنوبي منه، وهو ما على يمين المصلى، مجدد البناء. قال: وأخبرني كثير ~~ممن هناك من المسلمين: أنهم سمعوا من النصارى، الذين كانوا بها، عن ~~أسلافهم، أن هذا الجانب وقع يوم ولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ~~الغرائب أن هذا الجانب هو الذي إلى جهة أكثر بلاد الإسلام، ففي ذلك ~~سر عظيم والله الموفق. # فجهز السلطان مراسيم تشريفية إلى المدن التي على طريق الروم، بأن ~~تتلقى قصاد ابن عثمان إن وردوا بغاية الإكرام، ويبذل لهم من الرغائب ~~والضيافات ما ينبغي لمثلهم. PageV01P379 ### ||| موت ابن الأخصاصي: # وفي هذا الحد بلغنا، أن الشيخ أمين الدين محمد بن الأخصاصي ~~الدمشقي مات بدمشق، وكان أحد مشائخ المتصوفة الآمارين بالمعروف، ~~وكانت لديه فضيلة وله إقدام وفصاحة، وحجاج للأخصام وخلف أخاه ~~شهاب الدين أحمد على طريقه، لكنه في غاية السخافة في العقل ~~والجهل. ### ||| إطلاق ابن القف: # وفي هذا الحد رضي السلطان على ابن القف بواسطة صهره بردبك، ~~وأرسل له خلعة، بأن يكون ناظر جيش صفد على حاله، وأن لا يؤخذ ~~منه شيء سوى تسفير الخاصكي. ### || ### ||| عقد المجلس وقصة العبادي: # وفي يوم الأربعاء رابع شهر رجب من سنة سبع المذكورة عقد مجلس ~~بالقضاة الأربعة عند السلطان في الدهيشة؛ بسبب قضية لبعض الحلبيين ~~كان حكم السراج الحمصي الشافعي إذ كان قاض فيها حكما نقض فيه ~~حكم حنبلي كان تقدمه فيهان فحكم بعض نواب المالكي بالقاهرة بما حكم ~~به ذلك الحنبلي ونفذ له القضاة، فقال الحمصي بحضرة السلطان: ms166 أينقض ~~حكمي؟! وكان السراج عمر العبادي طلع مساعدا للسراج الحمصي، ~~فتكلم قبل أن يتكلم أحد، فأسكته السلطان، وقال له: إذا ذهبت إلى ~~دكانك فتكلم. فقال: ليس لي دكان. فقال: في بيتك، وكرر الأمر ~~بالسكوت، وأغلظ له، واختلف الناس في تأويل قول السلطان: PageV01P380 ~~دكانك، فقائل يقول: ظن أنه نائب؛ يحكم في دكان، وقائل يقول: ~~بل يشير بذلك إلى تهتكه بالجلوس مع الأحداث في الدكاكين. وقال الحنبلي ~~للحمصي: أنت المتعرض لنقض حكم من تقدمك. فقال: لا تمل يا ~~عز الدين، مع الهوى. فقام الحنبلي من المجلس غضبان فرده كاتب ~~السر، ثم أخبر السلطان، أن نائب المالكي حكم ونفذ له القضاة، ~~فأمضى ذلك السلطان، وتكلموا في قضية أخرى تتعلق برواية في القدس، ~~فأخبر قاضي القضاة سعد الدين بن الديري الحنفي، بالحكم فيها، فقال ~~السلطان كلاما فيه مخالفة له. فقال الديري: إذا كنتم تفعلون مثل هذا ~~فلا تجمعوا القضاة، ولا تشاوروهم في حكم من الأحكام؛ فإنا متقيدون ~~بالشرع، لا نخرج عنه. فسكت السلطان، فلما خرجوا شرع الحمصي، ~~يكلم الحنبلي بإساءة أدب، ويلكزه بيده فدفعه عنه بعض من يحب الحنبلي، ~~فرجع الحمصي كاشفا رأسه باكيا مستغيثا على القضاة، مظهرا أن لحيته ~~نتفت، وأنه ضرب، فرد [السلطان] القضاة، وسألهم عن ذلك، ~~فقال الحنبلي: والله ما أمرت بشيء، ولا رضيت، ولا رأيت أحدا فعل ~~به شيئا، فرضي السلطان بذلك فانصرفوا. ### ||| قصة الأمر بالمعروف: # وفي هذا الأوان ورد علي كتاب الإمام العلامة الشيخ زين الدين ~~خطاب الغزاوي (بالمعجمين والتخفيف) العجلوني الشافعي نزيل دمشق، ~~«أنه كان يرد عليهم في كل وقت على زمان الملك الظاهر جقمق الأمر بإزالة PageV01P381 ~~المنكرات، وتنظيف المملكة من الفواحش والمحرمات، فصارت المناكر لا ~~تظهر، وإن بيع شيء من المحرمات فهو في غاية الخفان ولا يقدر أحد ~~ممن يجلب الخمر أن ينسب نفسه إلى كبير يحتمي به، فإن وقع منه ذلك ~~كان ذلك الكبير من أعظم القائمين عليه، المبالغين في أذاه، وإهانته، فحين ~~مات كان هذا الأمر كأنه نهر مسدود ففتح، وتجاهر العصاة بمعصيتهم، ~~والظلمة بظلمهم، ms167 أظهروا ما كان كامنا، واتسع الخرق، وعظم الخطب، وظهر ~~عقب موته من الأمور المنكرة، والظلم البشع، ما لا يوصف، وبلغ الناس ~~عن ولده الوالي بعده التلطخ بشيء من ذلك، ~~فازداد جهل الجاهلين، فحين أزال الله دولته، وصار الأمر لهذه ~~الدولة المباركة، حصل للناس من السرور ما لا يوصف، وزينوا البلد، ~~وأظهر الخاص والعام البشر والسرور؛ لما علمونه من أنه نصره الله ممن ~~علا سنه، وقدمت معرفته، وظهرت كفايته، وعلم دينه، وحصل للناس ~~نوع انكفاف عن المعاصي، وعن جلب الخمور، وشربها؛ ظنا منهم ~~أن أوامره تبرز بذلك لما ذكر عنه، فلم يرد شيء، ولم يبلغ الناس عنه ~~ما يرهبهم، أو يردعهم؛ فعادوا إلى ما أحدثوه، وتظاهروا به، من ~~الفسوق والظلم والعدوان، وتزايد هذا حتى يحكى لنا أمور ما سمعنا ~~بمثلها، من أن الخمور في المفترجات تشرب جهارا من غير تستر، وأن ~~أحدا لا ينكر ذلك؛ لأن الفقراء الذين ينكرون، إن لم تعضدهم ولاة ~~الأمور، لا يقدرون على زجر العوام، والعوام قد تجرأوا عليهم، وطمعوا ~~فيهم، فقل الآمرون، وكثرت المعاصي، وفشا الظلم، وصار الناس في ~~حال يبكى منها الدم، وكان أتباع الظلمة، ومن له وجاهة يخفضون PageV01P382 ~~جانب القضاة، ولا يجاهرونهم بمخالفة الشريعة المطهرة، وحين يأتي ~~احد إلى قاضي، يحتمي به يترك أو يهمل مدة مع أن القضاة لا يمنعون ~~المنع الكلي، بل يسايسون الأمور ويفصلونها على وجه لا بأس به، إلى ~~أن وقع بين المالكي وغيره كلام بدار العدل الشريف، ذكر لنا، أن النائب ~~غضب وأرسل، فورد مرسوم شريف، قيل إنه قرئ على رؤوس الأشهاد ~~بدار العدل، من مضمونه، ما معناه: بلغنا أنه وقع بين المالكي والدويدار ~~والوالي فعزلناه بسببهما، فانظر يا أخي ماذا يترتب على هذه الكلمة من ~~[الفساد]!، فلا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله، وإنا إليه راجعون، ~~ما أظن أن أحدا كتب مثل هذا المرسوم قط هذا مع جودة كاتب السر ~~فيما يقال». # فأجاب كاتبه بما نصه: «ورد مشرف سيدي على العبد بما # أنكاه فأبكاه، ثم شرع العبد ms168 يفكر فيما يفعل، وفي عواقب ذلك، فجاء ~~القاصد في اليوم الثالث من وصوله، وطلب الجواب، وقال: إنه مسافر، ~~فأحب العبد إعلام سيدي قبل الكلام فيما أشار به، بما يظن العبد، أو ~~يتحقق، وهو أن كثيرا من الآمرين، أو أكثرهم ليس قصده بأمره إلا ~~أغراض دنيوية، فبسبب ذلك يتجاوز الحدود، فيقع من المفساد أعظم من ~~مفسدة المعصية، وقد كان ذلك السلطان الذي وصفه سيدي يفعل ما ذكر ~~سيدي عشقا منه في وضع الأكابر، وتحقيرهم لأغراض فاسدة لا ~~يشفي فيها إلا المشافهة، فكان إذا ترتب على الأمر بالمعروف مفسدة ~~لا تكفه عن إدامة إجراء الصغار على من ذكر، مع تجاوز الحدود في ~~معاقبة الآمرين، كما أحاط علم سيدي بذلك غير مرة، وبأنه عزم على ~~غزو أهل دمشق حتى إنه عرض لهم جيشا ليجهزه إليهم في آخر رمضان PageV01P383 ~~صامه، وما كف عنه إلا بلطف من الله تعالى، لكن كانت له أهوية تقضي ~~إلى أن الله يؤيد بها هذا الدين على ما أشار إليه الحديث. # وأما هذا السلطان عز نصره وتم على سنن التوفيق أمره، فليس ~~عنده من تلك الأعراض شيء، وهو مع ذلك في الثبات على كثير من ~~الأمور، والتثبت بضد ما كان عليه من قبل، فإذا وضع عنده شخص، ~~أو قوم لم يكادوا يرتفعون عنده بعد؛ فأخشى أن يفعل ما أشار به سيدي ~~مما أعلم، والله الذي لا نرجو سواه، ولا نعبد إلا إياه أنه لا قصد لسيدي ~~به إلا الخير والإصلاح، والفوز بالفلاح، فيتجاوز من ذكره العبد كما كان ~~قبل، فيرد ما يكون كالإذن في ما لا ينبغي، والمنع مما ينبغي، كقصة ~~المالكي، فإن سببها تجاوز وقع من المالكي في الكلام، وعدم مسايسته على ~~ما بلغني من وجه صحيح، فلم يسع السلطان إلا ما فعل بما لا يخفى ~~على سيدي أن أول الدول يحتاج فيها القائم إلى مدارات أهل الشوكة، ~~وتمشية ما كان من أغراضهم، لا يعارض أمره خوفا من أمور جرى مثلها ~~في أول دولة من أشار إليه سيدي؛ فأدت ms169 إلى فساد لو بسط على الزمان ~~كفى عشرين سنة، وأين يقع عزل سلطان لقاض في أول دولته، لأجل ~~أعظم نواب بلاده، مما كان يفعله من أشار إليه سيدي من وضع القضاة ~~وأكابر الفقهاء في الزناجير، ونقلهم على تلك الحالة إلى البلاد النائية، في ~~آخر دولته؛ لأجل أصاغر الأمراء، آخر ذلك قصة ابن عز الدين قاضي ~~طرابلس مع يشبك الصوفي، فينبغي للإنسان أن يمشي الأحوال، بحسب ~~الأزمان، فسيدي أسأل الله تعالى أن يسددني وإياه بما يحبه ويرضاه يتأمل ~~ما ذكره العبد ويعرضه على من يراه، من ذوي الألباب، فإن كان صحيحا ~~فينظر المخلص منه، وإلا فيذكر للعبد فساده حتى يسرع إلى ما أشار إليه ~~سيدي، لا أعدمني الله نصحه، ولا قطع عني تنبيهه، وأعاننا على قطع PageV01P384 ~~هذه الدار على طريق الأبرار، والعبد شديد الانتظار للجواب، قوي ~~الالتفات نحوه، فلا يعوقه سيدي بعد المشاورة والوقوع على الرأي الأسد، ~~إلا مسافة الطريق للسائر الأعجل، بعد تكرير السلام على سيدي، وعلى ~~سائر الإخوان». # ثم رأيت ان أكتب قصة على وجه ظننت أنه لا يعقب فسادا، ~~يؤدي إلى إذلال أهل الدين نصها، بعد البسملة: «الفقراء إلى ~~الله تعالى، أهل العلم، والتصوف بالشام المحروس يبتهلون إلى الله تعالى، ~~بدوام النصر والتوفيق لهذه الدولة الشريفة وينهون أن لهم عادة، بأن ~~يرد عليهم مرسوم شريف في شهر رجب من كل عام يتضمن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقوية المقاصد الشرعية وتأييد الدين ~~المحمدي، والتهديد بالسطوات الشريفة لأهل الفساد، والترهيب الشديد ~~لذوي الغي والعناد، لتعلو كلمة الحق، وتسفل كلمة الباطل، وينتشر ~~الخير، ويخفى الشر، فصار بلدهم بذلك طاهرا من الفسوق، ظاهر ~~البركات، وهم يخشون أنه إن أبطأ عنهم ذلك في هذا العام؛ يختل الأمر، ~~ويفسد الحال، فيحتاج بعد ذلك في الإصلاح إلى تعب كبير، وسؤالهم ~~من الصدقات الشريفة مرسوم شريف يقرأ على رؤوس الأشهاد، ويحضره ~~جميع الحكام، من القضاة والأمراء، بالترغيب في الأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر، وإقامة الحدود على الشريف والوضيع، وإنفاذ أحكام الله في ~~الدنيء والرفيع، والحث ms170 على ذلك، والندب إليه، وتعريفهم أن المقام PageV01P385 ~~الشريف عز نصره، وتم بالتوفيق أمره له من الالتفات إلى ذلك، والقيام ~~فيه، والأمر به ما لم يكن لمن تقدمه من الملوك، وأنه أعظمهم رغبة فيه، ~~وحبا له؛ لما يعلم من تشوف الشارع إليه، وحثه عليه، فإنه عماد ~~الدين، ونظام المسلمين، وملاذ المتقين، وأن يبذل كل من الحكام جهده ~~في ذلك، ويقصدوا الأماكن المعروفة بالفساد، فيطهروها، ومن نبه منهم ~~على شيء من ذلك بذل جهده في إزالتهن وشمر عن ساعده لتنقيته من ~~غير أن يحصل على أحد حيف، ولا ضرر، ولا مغرم، وأن يجهز النداء ~~بذلك في الأسواق، وجميع نواحي البلد، لاسيما أماكن الفساد، وأن ~~يضمن المرسوم الشريف جملة من الآيات الشريفة والأحاديث النبوية المرغبة ~~فيه، المرهبة من تركة، الرادعة للمفسدين، المرققة لأهل الدين، المبينة ~~لما في فعل ذلك من المصالح، الموضحة لما في التهاون به من المفاسد، وأن ~~يكتب بمثل ذلك إلى جميع الآفاق، ليكون أدل على حبه، فيكون أضخم ~~لشأنه، وأجدر بنفاذه، ليسطر ثواب ذلك في الصحائف الشريفة، ويضج ~~الناس بصالح الأدعية، ويجأروا إليه تعالى بأصوات عالية، عن قلوب ~~مخلصة، وأفئدة بالخشوع رقيقة، وأعين بالدمع مترقرقة، وتكون قراءة ~~المرسوم الشريف في الجامع الأعظم، يوم الجمعة المكرم؛ لعل دعاءهم ~~يصادف ساعة الإجابة، فيحصل الفوز العظيم، الموصل إلى جنان النعيم ~~برضى الرب الرحيم». # ثم ذكرت ذلك لصهر السلطان الأمير بردبك الدويدار، فاستحسن ~~ذلك، وقال: إن بيعة السلطان بأمير المؤمنين والقضاة، ومن يحضر من ~~أهل الحل والعقد، يصدر فيها بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وكتب اسمه على القصة وأعطيتها لكاتب السر، الذي ذكر الشيخ زين الدين ~~خطاب عن جودته ما ذكر، فقال: إنه لا بد من عرضها على السلطان، ~~ثم ذكر بعد أيام أنه ذكرها له، فلم يأذن هذا مع أن كاتب السر ~~هذا يبرز مراسيم لا يحصى عددها من غير اطلاع السلطان عليها، ولا ~~إشارة أحد من الكبراء، ولا من الأمراء، بل ولا ترضيه ولا ترضي الله PageV01P386 ~~ورسوله، من ذلك أمر القضاء ms171 بمدينة الصلت من بلاد القدس، فإن بها ~~قاضيين يتساعيان، يولى أحدهما فإذا وصل أتى الآخر، فإذا بذل لكاتب ~~السر ما يرضيه ولاه، وكتب توقيعه من غير اطلاع السلطان على ذلك، ~~ثم يذهب فإذا وصل أتى الآخر، وهما هكذا لا يبقى واحد منهما أكثر ~~من مسافة الطريق، ومدة سعي الآخر إلى أن صارا على الأرض البيضاء، ~~بعد ثروة ظاهرة، مع أن العادة في ذلك جارية، أن يكون أمر قضاة ~~الصلت إلى قاضي دمشق. # فمثل هذا لا يحتاج المرسوم به إلى عرضه على السلطان، وإن اطلع ~~عليه، ومنع منه تحيل في إمضائه، بضروب الحيل إلى أن يتم، ولا بد ~~لأجل حطام من الدنيا يسير. وأما مثل هذه القصة التي قبولها دليل الإيمان، ~~وردها إمارة الخسران لا يرسم بها، وإن كانت عليها إشارة صهر السلطان، ~~ومن لا ترد كلمته عنده، إلا بعد العرض على السلطان، وإن عرضت ~~ألقيت على وجه بشع، أو برؤوس الأنامل، وإذا توقف فيها أعرض عنها، ~~ولم يراجع في أمرها، فالله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # ثم كلمت الأمير بردبك الدويدار في القصة المذكورة، فعرضها على ~~السلطان فأذن فيها، فأعطاها لكاتب السر، وأمره بالكتابة عليها، فسألت ~~كاتب السر، فقال: كتبت عليها، وكان إعطائي إياها لكاتب السر، ~~وعليها خط الأمير بردبك في أول شهر رجب، واستمر إلى عاشر رجب ~~يماطل بها، ويعد ويمني، ثم كلمه الأمير، وكتب، فسألت من الذي ~~عينها عليه؟ فقال: نسيته، وسأسأل عنه، ثم أرسلت إليه فلم أجده سأل ~~عنه، فسأله الرسول: أن يسأل عنه، فسأل فلم يوجد عند أحد من ~~الموقعين علم منها فظننت أنه كذب، ثم قال: اكتبوا غيرها، فكتب ~~غيرها في التاسع عشر من رجب، فكتبت عليها، وكنت سألته أن يعينها ~~على شخص من الموقعين بيته بالقرب من بيتي، في باب النصر ليراجعني ~~في الأحاديث التي أريد تضمينها القصة، فعينها على شخص بيته في قناطر ~~السباع عكس الله أموره، وجعل الندامة مصيره. PageV01P387 ### ||| وصول جكم: # وفي يوم الخميس ثاني عشر الشهر، وصل الأمير جكم خال ~~العزيز، ms172 وكان منفيا بمكة المشرفة، وورد معه ناس من أهلها، بعد أن زاروا ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ### ||| أمر المحمل: # وكان السلطان رسم، بإدارة المحمل الحجازي في هذا العام على ~~عادته، وكان الظاهر قد أبطله في أوائل دولته، فكان الناس متعطشين إلى ~~رؤيته، فاحتفلوا له احتفالا ما أظنهم احتفلوه في سنة قبله وزينت البلد ~~من يوم الجمعة ثالث عشر الشهر زينة عظيمة ولعب الرماحة، وهم ~~أربعون، عند مقام سيدي أبي العباس الحرار بلباس الحرب لهم بخيولهم ~~على عادتهم، لكنهم احتفلوا به، فلعبوه بالرماح ركابا على هيئة الحرب، ~~ثم بالرماح وقوفا على سيوف عرضت على ظهور الخيول، والخيل سائقة، ~~وبغير ذلك من الأنداب الغريبة، وكان منهم أناس يسميهم العامة ~~عفاريت المحمل؛ يلبسون جلودا شعرها إلى خارج، أو حصرا، وعلى ~~رؤوسهم ريش النعام، ولهم لحى مستعارة، وأسنان كذلك عجيبة المنظر، ~~وخيولهم لابسة الحصر على هيئة لباس الحرب، فكانت أحوالهم مضحكة، ~~إلا أنهم عبثوا على الناس، وكان أكثر عبثهم على الفقهاء والعرب، فزاد ~~بذلك نكدهم، ورجعوا من الزقاق الذي يلي باب القرافة من PageV01P388 ~~خارج، قبل زقاق الشافعي، واستمر بعضهم إلى باب النصر، واستمروا ~~كذلك في جميع النهار، ونام الناس في الأسواق رجالا ونساء، صغارا ~~وكبارا، وأحيوا الليالي باللعب والبسط، وكانت في غضون ذلك تبرز عن ~~السلطان نداءات مختلفة فيما يصلح الناس، منها: الإذن لهم في من آذاهم، ~~ولو أنه مملوك، وكان أولا قد هدد الوالي، إن ذهب لأحد شيء، أو ~~أوذي أحد في نفسه، أو عياله، فحفظ الله الناس بذلك، بحيث لم يؤذ ~~منهم أحد، ولا ضاع له شيء، ودعا الناس للسلطان غاية الدعاء، ~~وقالوا: إنهم ما شاهدوا في سنة من السنين مثل هذا الأمن في مثل هذا ~~الأمر، وأطلق الوالي في الرميلة في ليلة الاثنين من النقوط ما لم يسمع ~~بمثله مما هو على أشكال مختلفة، منه ما هو على هيئة الفيل، والزرافة، ~~والخيل، والقلاع، وغير ذلك، وله آثار مختلفة، ونودي أن لا يحمل أحد ~~سلاحا، ولا يتعرض إلى أحد بأذى فاعترض بعض ms173 المماليك إلى امرأة، ~~بأن مد يده إلى عجيزتها، فدفعه زوجها، فلكمه، فاستؤذن عليه ليلا، ~~وأبلغ إلى السلطان، هو وخصمه، فوضع المملوك في زنجير، وأمر أن تشق ~~به القصبة إلى المقشرة، فدعا له الناس دعاء ما سمع بمثله وأحبوه حبا ~~ما أحبوا ملكا قبله مثله، واستمروا في ما هم فيه إلى صبح يوم الاثنين ~~سادس عشر الشهر، وكان العفاريت في غضون هذه الأوقات لا يقرون، ~~ومع بعضهم مراوح، فإذا وجدوا نساء وقفوا عندهن يروحون عليهن، ~~فيسلنهم الذهاب عنهن لئلا يرينهم في المنام ليلا، وكان بعضهم على جمال، ~~ومعهم كلاب، يقبل أحدهم كلبه في بعض الأوقات إلى غير ذلك ~~من الأعاجيب المضحكة. PageV01P389 ~~فحملوا المحمل من باب النصر، وكسوة الكعبة على العادة، وركب ~~قدامه القضاة، وجميع المباشرين، وطوائف الفقراء إلى الرميلة، ولعبوا ~~بالرماح على عادتهم هناك، بحضرة السلطان، وهو في القصر، ثم ذهبوا ~~إلى مصر القديمة، ثم رجعوا من مكانهم من الرميلة، ثم سويقة العزي إلى ~~باب النصر العصر، ولم يأت آخرهم إلى قرب المغرب. وكان باش الرماحة ~~جانبك الخزندار الثاني، الشهير بالظريف (مصغرا مثقلا)، وهو أمير ~~المحمل. ### ||| ولاية ابن الشحنة قضاء حلب: # وفي نحو العشرين من هذا الشهر ولى السلطان ولد ~~المحب بن الشحنة قضاء الحنفية بحلب، وأما والده القاضي محب ~~الدين، فإنه اقتضى رأيه الإقامة بالقاهرة إلى حين؛ لعلمه أن أعداءه، لا ~~يتركونه إذا رجع إلى بلده من أذاهم، وحينئذ يعسر عليه نقض ما يبرمونه PageV01P390 ~~وسعوا في إخراجه غاية السعي، فلم يجابوا، فأتوه من باب الخداع، ~~فاستمالوا الأمير بردبك صهر السلطان، فكان يلقي ذلك إليه على طريق ~~الإشارة والنصح، ولما صح عنده حلم السلطان، وتثبته، وسعة صدره، ~~قال: أنا لا أخرج برضاي، بل لو رسم علي ما خرجت إلا إن أمر ~~بسحبي، وأما بدون ذلك فلا. ### ||| عزل ناظر الحرم: # وفي هذا الحد كثرت الشكاوي في بردبك التاجي، ناظر الحرم ~~المكي، ومحتسبه وأمير الأتراك، الذي نم بأنه ألحد في الحرم أنواعا من ~~الإلحادات؛ بالاحتكار وغيره، فعزل وولي شخص يقال له: طوغان ~~شيخ ms174 يتفقه. ### ||| قصة ابن تقي الدين: # وفي يوم الأربعاء خامس عشري شهر رجب هذا، شكي على ولي الدين ~~ابن تقي الدين إلى السلطان، فطلبه، فهرب؛ فغضب السلطان، وحث ~~في الطلب، فأشاع من يبغضه من أقاربه، وأتباعه، أن السلطان رسم به ~~إلى المقشرة فكذبوا، وأساءوا بهذه الإشاعة جدا؛ لأنهم جرأوا بها ~~العامة على الفقهاء، بعد أن كان عزهم قد عاد بولاية هذا السلطان؛ ~~وسبب أمر ابن تقي الدين هذا، أنه كان قد ترك طريقة التزهد التي ~~أظهرها، وشرع يجتمع بمن يبغض قريبه قاضي الشافعية، العلم البلقيني، ~~ويتكلم في عرضه على ما كان من عادته، من تجاوز الحدود، والإفراط PageV01P391 ~~في ذمه ومدحه، وكثر كلام العلم أيضا فيه وسعيه في أذاه، والمكر، وكان ~~قبل انقطاعه قد جرت له قضية أساء فيها المعاملة مع بعض أصهار السلطان، ~~إذ كان دويدارا، فلما أمعن في الأذى لعمه طلع بنفسه، وتظلم منه ~~للسلطان كثيرا، ثم طلعت زوجته، امرأة ابن مزهر إلى خوند، ~~وكانت صديقة لها، واستغاثت، وزادت في الكلام، والتظلم، وأن الحلم ~~عنه أوهن كلمة القاضي، فرفعوا ذلك إلى السلطان؛ فطلبه السلطان فامتنع ~~من الحضور مع رسل نقيب الجيش، فقالوا له: هذا أمر السلطان. # فقال: أنا منقطع إلى الله، ولا أعرف سلطانا غيره، وزمجر عليهم، وكانت PageV01P392 # عادة المصريين الخوف ممن يتصولح، فردوا الخبر على السلطان. فقال: ~~أنا أعرفه قبل أن يتزهد، اسحبوه حافيا، فذهبوا إليه في جمع كبير، ومع ~~نقيب الجيش طواشي فهجموا بيته، فلم يجدوه، ثم أصلحت قضيته، ~~بكاتب السر، وساعده أمير المؤمنين، وأصلح كاتب السر بينه، ~~وبين القاضي، ثم أخبرهما، أن السلطان رسم بأن يطلعا معه فيصطلحا ~~عنده، فسعى القاضي في أن أتاه نقيب من عند نقيب الجيش يأمره على ~~لسان السلطان أن يلازم بيته، ولا يركب إلى مكان من الأماكن، ثم سعى ~~له كاتب السر وألح على السلطان، وقبل رجله، حتى أطلق له الركوب. ### ||| إطلاق النحاس: # وفي هذا الحد، جاءت كتب النحاس، يسأل في الإطلاق، فشفع ~~فيه، فرسم السلطان بإطلاقه. ### ||| نقل الأمراء المسجونين بإسكندرية: # وفي ms175 هذا الشهر برز المرسوم الشريف، أن يترك تنم وقانباي الشركسي ~~في إسكندرية، وأن يذهب بتمربغا وجانم إلى قلعة الصبيبة، وببقية من ~~في إسكندرية من الأمراء الظاهرية، لاجين، وأزبك وجانبك قرا وغيرهم ~~إلى قلعة صفد. ### ||| وفاء البحر: # وفي يوم الاثنين سلخ شهر رجب سنة 57ه، الموافق لثالث عشر ~~مسري، نودي أن البحر زاد خمس أصابع، فصار على ست عشرة ذراعا، ~~وأربعة أصابع، من السابع عشر، ونزل المقر الشريف سيدي أحمد، PageV01P393 ~~ولد المقام الشريف الملك الأشرف إلى المقياس، ثم رجع في السفن المعدة ~~له ففتح السد، وجرت المياه في الخلجان بالقاهرة، وكان يوما مشهودا، ~~حكى الناس: أنهم ما شاهدوا مثله في كثرة الناس، وقلة الفساد، وكان ~~البحر من يوم البشارة به متصل الزيادة، لم يمض عليه يوم من غير زيادة، ~~وأقل زيادة أصبع، وأكثرها عشرون. ### ||| قصة عرب البحيرة: # وفي هذا الحد، جاء الخبر أن عرب البحيرة لبيد ومن لافهم، ~~قتلوا قشتم الكاشف، وكثيرا من جماعته؛ فرسم السلطان، أن يخرج إليهم ~~خشقدم أمير سلاح، وقرقماش الجلب رأس نوبة النوب، ~~وبرسباي البجاسي، الذي كان نائب إسكندرية، وابو خرص مرزا ~~الدوكاري، وكان من الشجعان المشهورين، في خمسمائة مملوك من مماليك PageV01P394 ~~السلطان وكان في البحيرة طوخ أمير مجلس في ثلاثمائة مملوك، ~~وخرجوا يوم الخميس ثالث شعبان، فكان العسكر بمماليك الأمراء زيادة ~~على ألف، فهرب العرب منهم، فرجعوا قريبا في العشر الأخير من هذا ~~الشهر. ### || ### ||| دخول يونس على بنت السلطان: ~~وفي ليلة الجمعة عاشر الشهر زفت بنت الملك الأشرف إينال، إلى الأمير ~~يونس الدويدار الكبير، في البيت الذي كان السلطان ساكنا به، عند ~~الكبش، بجهاز ما سمع بمثله منذ دهر طويل، فلم يفتضها في تلك ~~الليلة. PageV01P395 ~~وفي يوم الجمعة ثامن عشره، الموافق لأول أيام النسيم كان البحر على ~~اثنتين وعشرين إصبعا من ثماني عشر ذراعا. ### ||| موت الجريمي: # وفي يوم السبت تاسع عشر الشهر، أو الأحد العشرين منه ~~توفي شخص من التجار، يقال له الجريمي عن أخت واحدة، فضبطوا ~~موجوده، فوجدوا فيه أربعة عشر ألف دينار نقدان سوى ms176 العروض ~~والوثائق، فطلعوا إلى السلطان بالنقد، فامتنع من قبض شيء منه إلا بعد ~~إقباض الأخت حصتها تامة، ومع ذلك، بلغني أن وسائط السوء لم ~~يعطوها شيئا، فلا قوة إلا بالله. ### ||| قصة بن خيرة: # وفي هذا الحد، تداع علي بن امرأة الفيسي، ويوسف شاه، الذي ~~كان معلم البنائين، عند القاضي شمس الدين بن خيرة الأسيوطي، أحد ~~النواب الشافعي دعوى آل أمرها إلى تمربغا الدويدار، وتبين أنها رشوة، ~~كانوا جعلوها له في أمر فعله لهم على وجه ظن انه يخفي معه أنها رشوة، ~~فاستقبح السلطان ذلك، ورسم بنفي القاضي، والمتداعين، ثم شفع فيهم ~~تمراز الدويدار الثاني، وكان ابن خيرة ينتمي إليه، ويجلس عنده كل يوم، ~~وكذا عند الدويدار الكبير، وكان جارهما في الصليبية، فأجيب، ثم أعادوا PageV01P396 ~~الدعوى إلى أن وصلت بالسلطان، فعزل ابن خيرة، فشفع فيه تمراز، ~~فلم يجب، ورسم بنفي المتداعين فشفع فيهما، فتركا. ### ||| قصة الدويدار في حل ربطه: # وفي هذا الحد، شكى يونس الدويدار الكبير إلى الشيخ علاء الدين ~~علي بن الجميزي الغزي إمام السلطان، أنه مسحور عن بنت السلطان ~~السحر الذي يسمى الربط، فأخبرني الشيخ علاء الدين، أن شكواه إليه ~~كانت الظهر، فجاءه في عصر ذلك اليوم شخص، فقال له: بلغني أن ~~الدويدار مربوط عن بنت السلطان، وعندي طبه، وقصدي أن توصلني ~~إليه، قال: فقلت له: إن هذا ملك، فإياك أن تكذب عنده، فقال: ~~إن لم يفده فعلي؛ فليقطع يدي. قال: فأحضرته له، فكلمه في ذلك، ~~واشترط له قطع يده إن لم ينفه فعله، وشرط أن يسمع له فيما يريد، ~~ولا يستحي منه. فقال له: وما تريد؟ فقال: أكتب على ذكرك ~~وأنثييك. فأجابه إلى ذلك، فافتضها ليلة الثلاثاء ثاني عشري شعبان ~~المذكور. ### ||| زواج ابن السلطان: # وفي هذا الحد، تزوج سيدي أحمد، ولد المقام الشريف بنت ذي ~~الغادر التركمانية، التي كانت زوج الظاهر جقمق، ومات عنها بكرا ~~فيما يقال. PageV01P397 ### ||| رجوع قراجا: # وفي هذا الحد، رجع الأمير قراجا كاشف البهنسا إلى القاهرة؛ خوفا ~~من العرب، لكثرتهم، وقلة من معه، فعذره السلطان. ms177 ### ||| أول السنة القبطية: # وفي يوم الأربعاء ثالث عشري شعبان كان مستهل توت أول شهور السنة ~~القبطية، ونودي فيه أن البحر زاد خمس أصابع، فصار على ثماني أصابع ~~من تسع عشرة ذراعا. ### ||| شكوى ابن الرسام بنت العلم: # وفي هذا اليوم، رجع القاضي علم الدين صالح البلقيني، من ~~المناوات، وكان سافر إليها يوم السبت تاسع عشر الشهر، ليؤجر ~~أرضها لفلاحيها، فشكى ابن الرسام الذي كان ناظر جيش حلب إلى ~~السلطان، على مطلقته بنت قاضي القضاة علم الدين، أنها تخرج من ~~بيتها وهي في عدته كل ليلة إلى بركة الرطلي، فتنام بها، وتأتي ~~صباحا، وقبض عليها في الطريق، وسأل السلطان، أن يأمرها بلزوم بيتها ~~إلى انقضاء عدتها، وأن يأخذ ولده منها، ففعل، أرسل إليها طواشيا، ~~فأخذ ابنه منها، وأمرها بملازمة البيت. PageV01P398 ~~وفي يوم السبت سادس عشريه، وصل الأمراء الذين كانوا توجهوا ~~لعرب البحيرة، ووصل ناس من حجاج الغرب، فأخبروا ~~عن العرب، أنهم قالوا: لم يكن لنا غرض سوى الامتيار من الطعام، ~~فأتانا قشتم يحاربنا، فأخبرناه بقصدنا، فلم يرجع فتمادينا قدامه، ونحن ~~نناشده بالله ثلاث مرات، فلم يرجع فقاتلنا فظفرنا الله به. # وفي هذا الحد، وصل كتاب من الغرب فيه أن أبا عبد الله التركي وصل ~~إلى تونس في الحديد، في شهر ربيع الآخر، وكان وصل إلى طرابلس بعد ~~عشرين يوما من سفره من إسكندرية، وإنما تأخر لقطع الطرق من أحلاف ~~العرب، فلما وصل كان السلطان غائبا، فأودع السجن إلى أن حضر، ~~فعقد له مجلس بقاضي الجماعة، أبو العباس أحمد القلشاني، وعلماء ~~البلد، وادعي عليه، بأنه نفى الشريف الهندي، نقيب الأشراف عن ~~نسبه، ورام إفساد زوجته، ونسب رضوان خازن الجنان عليه السلام إلى ~~ما لا يليق به بمقتضى ورقة وجدت بخطه، فأجاب بالإنكار، فأجيب بأنه PageV01P399 ~~ثبت عند قاضي الجماعة محمد بن عقاب أن هذا خطه، فأجاب بأنه ادعي ~~عليه بذلك في مصر عند قاض حنفي، وأنه حكم بحقن دمه وإلغاء العمل ~~على الخط، فطلب منه إيصال ذلك لقاضي الجماعة، فشهد محمد بن أبي ~~زيد ms178 بذلك، فأودع السجن إلى أن يرسل إلى مصر، ويحضر آخر يشهد ~~على الحنفي بذلك، ثم شهد له آخر فأطلق. # وفي هذا الحد، طلب مني بعض الأصحاب، أن أكتب إلى الشيخ الإمام ~~العلامة، أحمد الكوراني الشافعي، ثم الحنفي نزيل مصر، ثم الروم، شيخ ~~الملك الظاهر جقمق، ملك مصر، ونديمه، ثم شيخ السلطان محمد بن ~~عثمان، ملك بلاد الروم، ونديمه، وقاضي عسكره، وكان يشهر في مصر ~~بشهاب الدين، ثم شهر في بلاد الروم بشمس الدين؛ لأن لقب هذا الاسم ~~في كل من القطرين ذلك في حاجة لذلك الصديق، فكتبت بعد البسملة: ~~«من فلان إلى فلان دامت علاه، وكبتت أعداه، سلام عليك ورحمة ~~الله وبركاته: ~~سلام كنشر الروض هبت به الصبا%%فعبق في الآفاق ري أزاهره ~~على عالم الأقطار شرقا ومغربا%%ومن تخضع النظار عند أوامره ~~فلا أحد إلا ويثني عليكم%%وأقواله فيكم بوفق ضمائره ~~أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي، وأسلم على نبيه محمد ~~وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن البعد ما غير الهوى أيا من تغش ~~حبه حبة القلب بل الشوق إلى منظر سيدي السعيد، يعظم في كل يوم ~~ويزيد، وبث أوصافه الحسان لا يزال رطبا به اللسان، وبعد تلك الأوقات ~~السالفة قد ترك الأحشاء يا سيدي، تالفة. والتفكر في طيب تلك الليالي ~~والأيام الخوالي إلا عن منادمة أصفى من الزلال، وأرق من رقيق السلسال، ~~قد أحال الحال، وأثار البلبال، وأذهل البال، وانحل الجسد البال، فيالله ~~ما أحلى تلك الدهور التي مرت، وسارت مسارعة، ولكن بعد ما سرت. # لقد أفنيت بعدك دمع عيني%%وقد سطرت كتبك بالسواد ~~وقمت مناديا في كل ناد%%باسمكم وإن بعدت بلادي PageV01P400 ~~والله ما نسمت ريح ولا ركدت%%إلا وذكرك في سري وإعلاني ~~ولا بدت ساعة في الدهر أو سلفت%%إلاوخصك ثاو بين أجفاني ~~أفكر في بعدي فتجري مدامعي%%وتسعر نيران حوتها الأضالع ~~فلولا دموعي أحرقتني زفرتي%%ولولا زفيري أغرقتني المدامع ~~هذا، وقد كان العبد أرسل إلى سيدي كتابا ملأه خطابا لذيذا صوابا، ~~فما أعاد سيدي له جوابا، وأخبر العبد فيه بكوائن المفسدين، ms179 السفطي، ~~والكاتب، وابن عبيد الله، وغيرهم. # وقد تجد أن مات (فإنا لله وإنا إليه راجعون) شيخنا شيخ الإسلام، ~~أبو الفضل بن حجر في أواخر ذي الحجة سنة اثنين وخمسين، ولم ير ~~الناس مثل جنازته، لا للسراج البلقيني، ولا غيره، كما أخبرنا من حضر ~~ذلك، وفي صفر سنة ثلاث، الشيخ علاء الدين الكرماني شيخ ~~خانقاه سعيد السعداء، وأخذ عنه الشيخ شمس الدين بن حسان، ~~وتمرباي رأي نوبة النوب، وأخذ عنه أسنبغا الطياري، وقاضي PageV01P401 ~~المالكية البدر بن التنسي، وولي عنه الولي السنباطي، وولي الدين ~~محمد بن قاسم نديم الأشرف، ثم الظاهر، وتمراز النيروزي أمير PageV01P402 ~~سلاح، وأخذ عنه شرباش خاشوق أمير مجلس، وأخذ عنه تنم ~~المحتسب وقراقجا الحسني أمير آخور، وولي عنه قانباي الشركسي، ~~وأخذ عنه الدويدارية الكبرى دولات باي، الدويدار الثاني، وأخذ عنه ~~الدويدارية الثانية تمربغا مملوك الظاهر، وفي ربيع الأول منها، أحمد بن ~~مزهر، وعزل العلم البلقيني عن قضاء الشافعية، وأمر بنفيه إلى PageV01P403 ~~سيس في شهر رجب منها، وولي عنه الشرف يحيى الماوي، في ~~شهر رمضان منها، مات شمس الدين الحموي، موقع كاتب ~~السر، ناظرا بالقدس والخليل، وفي ذي القعدة سيدي يحيى بن ~~العطار. # وفي جمادى الأولى من سنة أربع وخمسين، سجن البدر بن عبيد الله ~~في المقشرة؛ لحكم نسب فيه إلى الجور، فاستمر نحو شهر، وخرج، وقد ~~هرم، فهو الآن يمشي على عصا. وفي هذه السنة، حصل القحط في ~~بلاد مصر؛ لاختلال البحر عن عادته، بل لم يبلغ ستة عشر ذراعا، ~~وتبعها جميع المملكة لقلة المطر بها، فوصل إردب القمح إلى ستة دنانير، ~~وبقية الحبوب إلى نحو ذلك، والرطل من اللحم إلى ثلاثين درهما وحمل ~~التبن إلى خمسمائة درهم، وتقاتل الناس في وقت على الخبز بالسلاح، PageV01P404 ~~وصاروا إلى حال ظن معها هلاك أكثرهم، ومات الولي السفطي في ذي ~~الحجة منها، بعد أن سلبه السلطان أمواله، واستمر في كثير من هذه ~~السنة، والتي قبلها مختفيا، والطلب عليه حثيث. # وتوفي في أوائل محرم سنة خمس وخمسين أمير المؤمنين المستكفي بأمر ~~الله أبو ms180 الربيع سليمان، وبويع أخوه أبو البقاء حمزة، ولقب القائم بأمر ~~الله، ومات في شهر ربيع الأول منها الشيخ شمس الدين بن حسان، ~~والشيخ أحمد الزواوي، وشمس الدين الحلبي بن أخت السخاوي، ~~والشمس الكاتب مغضوبا عليه، مرميا بالوقيعة في إمامنا الشافعي، وحجة ~~الإسلام الغزالي، وغيرهما من الأئمة، وبلغني أن المصلين عليه لم يبلغوا ~~عشرين نفسا، والمشيعين له إلى قبره، لم يبلغوا عشرا، ثم البدر العيني ~~في ذي الحجة منها. # والعلاء القرقشندي في مستهل سنة ست وخمسين، ومات بعده بأيام ~~أبو البقاء بن العلم البلقيني، ومات القاضي كاتب السر الكمال بن البارزي PageV01P405 ~~في خامس عشري صفرها، فمات بموته الكمال، وتقطعت من الراجين ~~حبال الآمال. # وتغيرت في ملكة مصر الأحوال، وأخذ عنه المحب بن الأشقر كتابة ~~السر، فشتان ما بين الثريا والثرى، والجواهر والحصى، وجمع للجمال ~~يوسف بن كاتب جكم بين نظر الجيش والخاص. # ومات في شهر ربيع الأول منها، الشهاب بن يعقوب، نقيب ابن ~~حجر، والبدر بن المحرقي، وفي شهر ربيع الآخر السعد بن عويد السراج ~~القبطي، وفي ذي الحجة الأمين عبد الرحمن بن الديري ناظرا بالقدس ~~والخليل. # وفي هذا العام زاد ظلم الظاهر جقمق، واشتد حتى تجاوز الحد، ~~وامتدت عينه إلى أخذ الأموال بالباطل، مع تبذيرها في غير مواضعها، ~~وكان من أعظم قبائحه فيها الأمر بسجن قاضي المالكية في المقشرة ~~لسجنه ساعة من نهار يهوديا شركسيا؛ أبى الانقياد للشرع المحمدي، وبلغ ~~به الهرم إلى أن صار كالخشبة الجافة، وكان كلما ظهر كبره زاد تجبره ~~إلى أن حم في ذي الحجة هذا، وأناخت به أمراض مختلفة، وعلل متلفة ~~فجف يده اليسرى، وظهر على يده اليمنى الضعف، ولم ينقطع لشيء ~~من ذلك إلا عن الخدمة في القصر، وتمادى به آخرا إلى أن أغمي عليه ~~في هذا الشهر، فشاع موته، ثم أفاق، وهو في غاية ما يكون من إظهار ~~القوة والجبروت والعسف ليخفي مرضه ويتم في التجبر غرضه، بحيث أمر ~~في هذا الشهر بضرب أسرى طلبوا منه مالا يعينهم به على فكاكهم، ~~وضرب بيده ms181 القاضي جلال الدين بن الأمانة لحكمه على امرأة، أنها لا ~~تعارض غريمها إلا بالشرع، وركب إلى زيارة ابنته خارج القلعة PageV01P406 ~~في سويقة العزي؛ ليرى الناس شخصه، فيكذبوا ما شاع من رمضه. # وتجلدي للشامتين أريهم%%أني لريب الدهر لا أتضعضع ~~وإذا المنية أنشبت أظفارها%%ألفيت كل تميمة لا تنفع ~~وقال بعض مشائخنا في ذلك، وهو علامة زمانه الشيخ أبو الفضل ~~المشدالي المغربي البجائي رحمه الله. # أيا جقمق كم لي أراك مكابرا%%وقد عضك الموت الهجوم بنابه ~~فإن تقتدر يوما على زورة ابنة%%فسوف تزور القبر رهن ترابه ~~وسوف ترى في اللحد حالك عندما%%يصب عليك الله سوط عذابه ~~أفق أيها السكران واصح بتوبة%%لتدرك فيها الفوز قبل ذهابه ~~ولم يزل الناس في عسفه وجوره إلى أن دخلت سنة سبع فكانت كاسمها ~~أناخت على الفراعنة ببلائها، وسقمها، وناصبتهم بسيفها وسهمها، ومحت ~~أثر الجبارة بعينها ورسمها، وخفضت الطغام اللئام، ورفعت كل أسد ~~ضرغام، فأخذ العبد في مستهلها تدريس القراءات بالمدرسة المؤيدية، ~~وعمل في سابع محرمها الإجلاس لذلك بكلام ابتكره خضعت له الرقاب، ~~وحارت لدقته أولوا الألباب، وذلك أنه مزج المنقول بالمعقول، فلم تبلغ ~~ذلك من كثير منهم العقول، وذكر تعريف العلم، ثم موضوعه، ثم ~~فائدته، ثم قسمته إلى وسائل ومقاصد، ثم قسمة كل منهما، ثم وجه ~~الضبط، ومحط الربط على طريقة تخرج منها تعاريف جميع أبواب العلم، ~~وسر وضعها في مواضعها، فكان كلاما جامعا لجميع أشتات الفن، على ~~وجه كلي بديع، بعبارة رشيقة، بعد خطبة أنيقة، فدهش لذلك ~~الحاضرون، وكانوا زيادة على مائتي نفس. # وفي ذلك اليوم شاع موت السلطان، وتضعضعت منه جميع الأركان، ~~وفي أواخر الشهر خلع نفسه من الملك، ودنى منه الهلك، وولى ابنه PageV01P407 ~~عثمان، ولقبه المنصور، ثم مات في رابع صفر من السنة، فكان أمر الدولة ~~إلى شباب من مماليكه، لا علم لهم بالتجارب، ولا خبرة بالأمور، ولا ~~خوض في الحروب، فاختلت أحكامهم، وانحل نظامهم، وتشوش ~~نقضهم، وإبرامهم، فقبضوا على دولات باي، واثنين من رؤوس إخوته، ~~وسجنوهم بإسكندرية، وأخذ عنه الدويدارية الكبرى تمربغا، وأخذ ~~الصغرى أسنباي، ms182 الذي قدم عليكم رسولا، فخاف أكابر الجند على ~~نفوسهم، ثم شاع أنهم صنعوا أربعمائة قيد، فاشتد حذرهم. # وفي أواخر صفر هذا ولي العلم صالح البلقيني قضاء الشافعية، عن ~~الشرف يحيى المناوي، فأصبحت البلد في صبح يوم الاثنين مستهل شهر ~~ربيع الأول شعلة نار بأسنة الرماح، وبيض الصفاح، ركب من غدا ~~ظاهرية جقمق من الجند إلى بيت الأمير الكبير إينال العلائي، الشهير ~~بالأجرود، فأحاطوا به، وألزموه الركوب، وإلا قتلوه، فأتوا شيخا قد ~~حنكته التجارب، وأحكمته صروف الليالي، الصوادق والكواذب، ~~وأناخت عليه بكلاكلها وأعجازها جلائل المصائب، فطلب أمير ~~المؤمنين في جميع أقاربه، واستأذنه في القتال، واستحلف الجند على حرب ~~المنصور، ومن معه لا يفرون عنه دون أن يموتوا من عند آخرهم، وأكد ~~عليهم الأيمان، وكررها، وتوقف كثيرا إلى أن تحقق صدقهم، وأنهم ~~مدافعون عن أنفسهم، فركب معهم، وشرع يخوفهم بمثل وقعة قرقماش، ~~وأتى بهم إلى البيت المعروف ببيت الأمير الكبير، المجاور لمدرسة السلطان ~~حسن، المواجه لباب السلسلة، فنصب الحرب، ورفع أعلام الطعن ~~والضرب، وساس الأمر أحسن سياسة، حفظ البلد بوال أقامه، وأحسن ~~إلى الناس، وضيق على أهل القلعة، وعمل ما يوجب خفضهم، ورفعه، ~~وأحكم الأمور، وبذل الرغائب لكل جلد صبور، وهو لعمري في أمر ~~الحروب، وتدرع الكروب، كما قلت حين كنت معه برودس، ورأيت ~~منه في الجهاد ما زاد على المراد مما يبيد الجموع، ويفني الجيوش، لو كان ~~معه من يأتمر بأمره. PageV01P408 ~~يفرق إينال الجموع بحزمه%%وعزم له فوق النجوم صعود ~~حليم بصير بالأمور مجرب%%صبور على ريب الزمان جليد ~~لقد سار في الآفاق سؤدد مجده%%وطارت له في الخافقين بنود ~~له عزمات ترعب البحر عندما%%تصول ألم تنظر إليه يميد ~~تقصر عاد عن علاها وتنثني%%لها خضعا من بعد ذاك ثمود ~~وحزم توقيه العواقب كيدها%%وتدفع عن أصناره وتذود ~~تحير من إحكامه كل معجب%%وتبهر يونانا له وهنود ~~هو المتقي بأس الإله وبأسه%%لكم ذاب منه جلمد وحديد ~~يجود ليحمي بيضة الدين إن رأى%%وبالسيف للباغي تقام حدود ~~فلا زال هذا الدين مغتلبا به%%يجدد أركان الهدى ويشيد ~~ويصقل سيف الغزو ms183 في كل حجة%%فيبدئ نهج المصطفى ويعيد ~~ولم يزل عز نصره وتم على سنن التوفيق أمره يحل أمور أهل القلعة شيئا ~~فشيئا إلى أن نزل إليه الشهاب الأخميمي الإمام، وسنجبغا، ونكار، ~~يسألون عن مراده، فقال: نزول تمربغا وأسنباي ولاشين، فسئل الحلف ~~على تأمينهم، فلم يجب، وأشار عليه غالب من معه أن يحلف، ثم يوكل ~~في القبض عليهم فأبى، فعادت الحرب إلى أشد مما كانت عليه، ومات ~~في هذا الحرب حتف أنفه أسنبغا الطياري، رأس نوبة النوب، واستمر ~~القتال بين الضراغمة الأبطال إلى ظهر يوم الأحد سابع الشهر، فحم ~~الأمر، وجاء النصر، فسلط الله على أهل القلعة هواء غريبا عاصفا، وتمكن ~~جماعة الأمير الكبير من سبيل المؤمني، فأحرق؛ ومشى الدخان والغبار ~~عليهم فلحقهم الثبور وأهلكوا بالدبور، كما هزم الأحزاب بالصبا، وتفرقوا ~~أيدى سبأ، وأدركهم الحين، وصاح فيهم غراب البين، وقبض على ~~رؤوسهم، واحتاطوا على أسلحتهم ولبوسهم؛ لشقاوتهم وبؤسهم، من ~~بطرهم وكبرهم، ومقابلتهم للمنعم بقلة شكرهم. # وفي صبح يوم الاثنين ثامن الشهر ولى السلطنة إينال العلائي ولقب ~~بالأشراف، وكني بأبي النصر، فكان من سعده، موافقة يوم ركوبه، PageV01P409 ~~ويوم سلطنته، ليوم مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام، وشهره ~~لشهره وفي اقتباله واستقر أمر الناس، وذهب البأس، وأبدلوا من ذلك ~~الطائش الحاد الخبيث، رجلا عاقلا، ثابتا، حليما، ريضا، وقورا، لينا، ~~شجاعا، صبورا. وصب الله في قلوب العباد الأمان والغنى، وأخرجت ~~الأرض بركاتها؛ فرخصت جميع الأشياء، وحسنت، ورجعت إلى خير ~~مما كانت عليه، فعظم سرور الناس به، وأحبوه حبا شديدا، ولعنوا من ~~كان قبله لعنا كثيرا، وأطلق دولات باي، ومن معه، وسجن من أمسك ~~في رؤوس الظاهرية في إسكندرية، ولم يكن معهم أمير من سواهم إلا ~~تنم المؤيدي، أمير سلاح، فوافقوا دولات باي قريبا منها آتيا مطلقا، وهم ~~ذاهبون مقيدون، فسبحان من يعز ويذل، ويضع ويرفع، ثم شيع في ~~أثرهم المنصور فحبس عندهم. # وفي أواخر شهر ربيع الآخر، ولي الشريف عبد الوهاب الشامي قضاء ~~الشافعية بحلب، عن الشهاب بن الزهري، وفي جمادى الأولى مات قاضي ~~الحنابلة البدر ms184 البغدادي، وأخذ عنه العز الكناني، ومات بمكة المشرفة الشيخ ~~أبو القاسم النويري. # وكان مما جاء به عام السباع مما شنف الأسماع، وملأ بالسرور ~~البقاع، ما منح الله به مولانا السلطان محمد بن عثمان، دام ظله، وعلا ~~مقامه ومحله، من فتح القسطنطينية. فقلت في ذلك مشيرا إلى أن سيدي ~~قرين السعد، ميمون الكعب، مبارك الأمر، رشيد الرأي. # محمد أعلى آل عثمان رتبة%%لقد قارنته للاله سعود ~~له فتح اصطنبول كان كرامة%%وفخرا على طول الزمان يزيد ~~أتوه كأن الليل أكناف جيشهم%%دروعهم مثل البصائر سود ~~وثبت ذاك الجيش رجلا تجلدا%%فطارت بريش النبل منه خلود ~~أطار إليهم عسكر الموت أسهما%%فأمسى بهم للعاديات يجود PageV01P410 ~~وعادوا كلمح الطرف جلدا ممزقا%%وما منهم إلا لديه حصيد ~~ولم تغن شيئا كثرة الجمع عنهم%%وزاد نواح منها وعديد ~~ولما تولوا مدبرين وللظبا انبساط%%إلى تلك الظهور مديد ~~أقام عليهم قائم السيف حاكما%%فكل قضاء جار فيه سديد ~~فصيرهم قسمين، وهو بوسطهم%%يقول هم قتلى لكم وعبيد ~~فدونكم أبناءهم ونساءهم%%وأموالهم ما دون ذاك عنيد ~~وعنف سيفا قط لم يأل فاغتدى%%وحمرة خديه لديه تزيد ~~فحكمه فيهم وكان مطاوعا%%فقدت رؤوس منهم وقدود ~~رأى البيض من فوق الرؤوس فظنها%%لآلئ تهديها لمجدك غيد ~~فصيرها منثورة فيجيوشه%%تنظم منها في الحبال عقود ~~وكانوا على خيل يروع ضجيجهم%%فأضحوا وهم فوق التراب همود ~~وكانوا وقوفا للضراب فأصبحوا%%وهم في الربا لا للصلاة سجود ~~وقتل أبطال جلاد وفرقت%%جموع ومن حزت هنالك جيد ~~وقدت قلوب بالمظالم أظلمت%%وطارت بماضي الشفرتين زنود ~~وحلق من فوق الرقاب سلاسل%%ودارت على سوق الرجال قيود ~~وكنتم لهم تحت العجاج كأنكم%%ليوث عرين في الغمام ترود ~~يحامون للشيطان وهو عدوهم%%وتحمي حمى الرحمن وهو ودود ~~وغودر منكم فتية أحمدية%%تداعوا إلى دار السلام فنودوا ~~فشتان ما بين الفريقين حيهم%%جحود وأما ميتكم فشهيد ~~وأحياؤكم خير العباد رميتهم%%له في لظى بعد الممات خلود ~~ولم يزل الأمير دولات باي من حين أطلق من السجن متمرضا حتى ~~مات في مستهل جمادى الآخرة، بعد أن زوج السلطان ابنته لابنه المقر ~~الشريف أحمد، وأدار السلطان المحمل على عادته في شهر رجب، فزاد ~~سرور ms185 الناس بذلك، وأكثروا له الدعاء، وظهر له فيه من السياسة، وبعد ~~الغور، وحساب العواقب، ما لم يتمكن معه مفسد من أذى، لا من ~~الجند، ولا من الزعر، ولا من غيرهم، على أن دواعي الناس توفرت PageV01P411 ~~على حضوره من جميع البلاد، لاشتياقهم إليه؛ لبعد عهدهم به، فحضره ~~من الخلائق ما لم يحضره مثلهم قط على ما قال المشائخ. # وفي هذا الشهر نقل من عدا المنصور وقانباي الشركسي، من ~~المسجونين بإسكندرية من ظاهرية جقمق، إلى بلاد الشام، ففرقوا في ~~قلاعهم، وأوفي البحر في سلخ شهر رجب الموافق لثالث عشر مسرى، ~~وقد كان الحميد بن أبي حنيفة ولي قضاء الحنفية بدمشق، وآذى ~~الحسام بن بريطع الغزي، ثم عزل، فلما ولي الأشرف إينال شكاه ابن ~~بريطع إليه،فنصره عليه، ورسم برده معه إلى دمشق مرسما عليه، على ~~مال ادعى أنه أخذه من بعض جهاته، فلم يصل معه إلى دمشق، بل احتال ~~إلى أن طلع إلى القدس. # وقد وقف العبد على ما صنعه سيدي من المدح العظيم المرصع بدر قوله ~~النظيم، وقصيدة العروض التي علت عن المعارض، وفاقت بحورها البحر ~~الخضم الفائض. # هذا المهم مما يسر به سيدي من أموال الديار المصرية، وقد تغير كثير ~~من الأحوال بتغير رجال لا يعرفهم سيدي، وقد كان العبد سافر إلى جهاد ~~رودس مع هذا السلطان عز نصره، وحصلت له عنده حظوة، فهو PageV01P412 ~~الآن لديه مقرب وإليه محبب، وقد كان خرج عن العبد قراءة ~~البخاري في الكائنة التي حكاها فلان لسيدي، فلم يتبعها العبد نفسه، ~~ووليها الجلال بن الأمانة، بواسطة السفطي، ثم الولي الأسيوطي، بواسطة ~~ناظر الخاص، فألزم السلطان العبد بقراءته في هذا العام، وقد كان العبد ~~عزم على أن لا يفعل ذلك أبدا؛ لأمور لا يخفى على أولي الفهم، والرأي ~~من أهل الديانة والمروءة، فألح عليه السلطان، فسكت، ولا يدري ماذا ~~يكون، ثم دفع الله ذلك عن العبد، وقرأ الولي الأسيوطي على عادته ولله ~~الحمد. # هذا وقد كان رافق العبد في الجهاد رفيق وهو كاتب مطيق، يقال له: # فلان، ms186 ثم توجه إلى بلاد الروم، فاستمر منقطعا بها لخفة ذات يده، ~~فالمسؤول من فضل سيدي أن يوصله إلى مولانا السلطان محمد، نجل ~~الأكرمين الفحول المجاهدين، ويسأله في زاد يبلغه إلى هذه البلاد، والله ~~تعالى المسؤول، أن يبلغ سيدي غاية القبول، ونهاية المأمول. ### ||| فتح قناطر بني منجا: # وفي يوم الأحد سابع عشري شعبان، وهو خامس توت، فتح سد ~~قناطر بني منجا، فنقص البحر ثلاثة عشر إصبعا، ولم ينقص بفتح ما ~~قبله. # وفي هذا الحد، وصلت من القدس قضية غريبة، وهي أن بعض أهل ~~الخير استخلص بعض أيتام أهل الذمة إلى قاضي الحنابلة بالقدس، فحكم ~~بإسلامه، فخاف اليهود والنصارى على أيتامهم، وقاموا في ذلك، وبذلوا ~~المال، فحكم القاضي بدر الدين حسن بن القاضي علاء الدين بن السائح ~~الرملي الشافعي، قاضي القدس ببقائهم على الكفر إلى البلوغ، وتعصب ~~بعض أهل الدنيا في ذلك، واختلفت أغراض الأكابر، فرفعوا إلى مصر، ~~فأفتى علماء القاهرة، بأن هذا الحكم كفر مضاعف؛ إذ الرضى ~~بالكفر كفر، فكيف بالأذن فيه، أم كيف بإيجابه، والإلزام به، الذي PageV01P413 ~~هو معنى الحكم، وفرق بين الكف عن الشيء، والإذن فيه، كما قال الإمام ~~تقي الدين السبكي، في ترميم الكنائس مما تهدم نقشه، أن مراد ~~الرافعي وغيره بالجواز، عدم المنع. قال: فإن الجواز حكم شرعي، ~~ولم يرد الشرع بإباحة بقاء الكنائس، وادعى أن الأمة مجمعة على أن لا ~~نأذن في ذلك. قال: وفرق بين الإذن، وعدم الاعتراض، وبالغ بعضهم ~~في ذلك، وجوز بعضهم للقاضي أن يريد بهذا الحكم عد التعرض إليهم ~~لا إلزامهم بالكفر، وأفتى قاضي الشافعية العلم البلقيني بصحة الحكم؛ ~~إن وجد ما يسوغه، ثم ليم في ذلك، فأفتى بعدم صحته؛ لعدم صحة ~~دعوى الحسبة به، فلا يمكن ترتبه على دعوى صحيحة، ثم رفعت إليه ~~القضية لينقض هذا الحكم، فلما اجتمع اليهود بذويه، استمالوهم، ففهم ~~منه رسولي الميل إلى تصحيح الحكم، فاجتمعت به، فسألته عنه، فقال: ~~ينظر في الدعوى التي ترتب الحكم عليها. فقلت: نفرض أنها صحيحة، ~~ولا تفيد صحتها صحة الحكم، أليس ms187 الحكم إلزاما؟ فقال: بلى. فقلت: ~~أليس بقاء الشيء ذلك النسيء وزيادة؟ فقال: بلى. فقلت: فالمعنى حينئذ ~~أنه ألزمهم بالكفر المستمر، أكذاك هو؟ قال: نعم. فقلت: أيقول بهذا ~~مسلم. قال: لا. قلت: فانقضه، قال: يوصل بي وأنا أنقضه. ثم ~~أوصل بعض أكابر الجند الأمر بالسلطان، فعزله عن القضاء، وولى البرهان ~~إبراهيم بن الجمال عبد الله بن جماعة فسر أهل الخير بعزله، وسيؤوا بولاية ~~ابن جماعة لاشتراكهما في الجهل، وزيادته عليه في الشر، فلا قوة إلا بالله. PageV01P414 ### || شهر رمضان سنة 857ه # وفي يوم الأربعاء مستهل شهر رمضان سنة 857ه، ركب جماعة ~~من الجند، نحو الخمس مائة، من طوائف عدة، لكن غالبهم سيفيه، ~~وكان منهم قليل من أشرفية برسباي، ووقفوا في الرميلة، فلما نزل ~~الدويدار الكبير يونس، ردوه إلى السلطان؛ يعلمه أنهم يطلبون منه أن ~~يعطي كل واحد منهم عشرين دينارا ادعوا أنه كان تقدم وعده لهم بها قبل ~~السلطنة، فرده السلطان إليهم، بأنه لم يخف عليه ما فعلوه معه من ~~النصر، وما يستحقون على ذلك، غير أنهم يعلمون أنه دخل على الخزائن ~~فارغة، وأنه إذا حصل له مال أرضاهم. فردوا الجواب، بأنهم لا يرضون ~~إلا بالتنجيز، وقال بعضهم: إنهم لا يرضيهم إلا مائة وعشرون. فقال: ~~قد عرف أن القصد ليس المال، وأن دندنهم على شخص يقيمونه، ~~فلست أعطي شيئا، والذي يعمل أخيرا يعمل الآن، فليعينوا الرأس الذي ~~أقامهم لينفق عليهم ما يريدون، فإذا تعين ندبت الناس إلي، فمن كنت ~~أنا رأس ماله لا المال انضم إلي، ومن كان مداره على المال، وكما يبيعني ~~به يبيع غيري، فيضم على ذلك الرأس، ثم يحكم الله بيننا وبينهم، ~~فإن نصرت فما هي بأول نعمة لله علي، وإن كانت الأخرى فما أنا بأول ~~ملك قتل، فتفرقوا على ذلك، وكان الوزير أمين الدين بن الهيصم، ~~قد هرب في هذا اليوم، وقام بما يتعلق به من اللحم في أمر الجند ناظر ~~الخاص. PageV01P415 ~~ثم قال السلطان يوم الخميس: من كان مطيعا لي فليلزم القلعة؛ ليتميز ~~الناس، فطلع الجند إلى ms188 القلعة إلا أولئك النفر، فصرف لمن طلع جامكية ~~رمضان وعليقهم، وأجري عليهم اللحم، وقطع ذلك عمن تخلفوا. # وفي هذا اليوم، مات بيغوت نائب صفد كما يأتي. ### ||| ولاية كاتب المماليك: # وفي يوم السبت رابعه ولي فرج كاتب المماليك الوزر، وليس ~~كاملية لذلك، ونزل معه ناظر الخاص، والدويدار الكبير، وجمع ~~كثير. # وفي يوم الاثنين سادسه لبس عادته، خلعة الوزر، بحضرة جميع ~~الأمراء والجند في القصر، ونزل معه المباشرون وبعض الأمراء، وأخذ ~~عنه كتابة المماليك التاج بن المقسي. # وفي يوم الأربعاء، ثامن الشهر، وقف بعض الجند في الرميلة، فلما ~~نزل الأمير يونس الدويدار الكبير، سألوه أن يرجع إلى السلطان؛ يستحثه ~~في النفقة عليهم، فأبى؛ فرجموه، فما كاد يفلت، ومضى إلى بيته. PageV01P416 ~~وفي يوم الخميس تاسعه، وصل الزين عمر بن السفاح، كاتب سر ~~حلب، وبدر الدين بن القف، ناظر جيش صفد، والشيخ أحمد ~~العداس، عين فقراء دمشق، وجميد الدين ابن قاضي بغداد، ~~[وطلعوا] يوم السبت حادي عشره، فألبس [كل منهم] كاملية. # وفي هذا الحد، جاء الخبر أن بيغوت المؤيدي، نائب صفد توفي في ~~يوم الخميس ثاني شهر رمضان هذا، فعين لنيابتها إياس الطويل، الذي ~~كان بطرابلس أمير كبير. # وفي هذا الشهر عزل الشريف معزي عن إمرة ينبع، وولي ذلك الشريف ~~سنقر أخو هلمان، وجهزت له الخلعة بذلك في نصف الشهر. # وفي نصف شهر رمضان وصل البدر حسن بن علاء الدين بن السائح، ~~الذي كان قاضي الشافعية بالقدس الشريف، وعزل لذلك الحكم الباطل، ~~ومعه كتاب من بلدية ناظر القدس، وهو عبد العزيز بن معلاق، ~~فبذل من المال لبعض الأكابر، فأصلحت قضيته، ورد إلى القضاء. ### ||| فتح الأسداد: # وفي منتصف شهر رمضان سنة 57 الموافق لثاني عشري توت، من ~~شهور القبط، فتح سد شيبين، وجميع الأسداد؛ فنقص البحر ثلاثة عشر ~~إصبعا، ثم زاد إلى أن أوفاها يوم السبت ثامن عشرهن ونودي عليه يوم ~~الأحد بزيادة إصبعين، فبلغ بها عشرين إصبعا، من تسعة عشر ذراعا. ### ||| قصة ابن حرمي: # وفي ليلة الاثنين العشرين من شهر رمضان المذكور، داس ياقوت ms189 عبد PageV01P417 ~~أبي الفتح بن حرمي ببغلة سيده، شيخا من أهل رحبة العيد، يقال له: ~~ناصر الدين الخضري فحمل إلى بيته، فأصبح ميتا فسئل أبو الفتح وكان ~~ذا مال، أن يحسن إلى ولده، وكان فقيرا جدا فأبى، فرفع الأمر إلى ~~خيربك والي القاهرة، فوضع أبا الفتح في زنجير، عند نزوله من الخدمة، ~~وشدد عليه، فتوصل نساؤه إلى نساء بني خصبك، فوصل الأمر إلى المقر ~~الشهابي أحمد ولد السلطان فطلبهم إلى عنده، وفك الزنجير من عنقه في ~~أثناء الطريق، ثم أشهد على ولده، بعد أن أرضي بأنه قد عفا عنه، فلا ~~حق له عنده، فعظمت نكاية الوالي من ذلك، ودار على بعض الأمراء، ~~فشكى إليهم ذلك، فاستعظموا دخول النساء في مثل هذا الأمر، وشدوا ~~عضد الوالي، فطلع إلى السلطان، وتظلم إليه من ذلك، وانه نقصت ~~هيبتهن ووهنت كلمته؛ فغضب لغضبه، وأمره أن يقبض على أبي الفتح، ~~ويضيق عليه، ويطلع به وبخصمه في الغد، فتطلبه، فلم يظفر به، فنقض ~~النساء ذلك ليلا، فلما أصبح يوم الثلاثاء حادي عشري الشهر، تغيظ ~~على الوالي، وزجره، وهدده، فعظمت نكايته ونكاية غيره من الأمراء، ~~ولم يسعهم إلا السكوت، ثم شرع أبو الفتح يتنفخ ويتعاظم، ويبدي قصته ~~ويعيد، ويكذب فيها ويزيد، ويفتخر بما صنعه النساء، ويحتقر الوالي، ~~ويشيع أنه سيعزل عن قريب فازداد حنق الوالي عليه. ### ||| محاسبة الشرف الأنصاري: # وفي يوم الثلاثاء هذا توصل الشيخ أمين الدين يحيى بن الأقصرائي إلى ~~إثخان جراحات الشرف الأنصاري عند السلطان؛ من جهة الجوالي، فرسم ~~السلطان بمحاسبته بحضرة قضاة القضاة، والعلماء، وأولاد الجيعان فبيتوا ~~على ذلك، ثم طلع بكرة الأربعاء ثاني عشريه من عدا المالكي من القضاة، ~~والأمين، والمحب ابنا الأقصرائي، وأولاد الجيعان، فيمن انضم إليهم من ~~الفقهاء والمباشرين، وطلبوا منه الحساب، فأخرج لهم ورقة بالمتحصل ~~والمصروف، فقيل له: هذه دعوى مجردة لا بد لها من دليل. فقال له الشيخ ~~أمين الدين: جهات الجوالي ثلاث: قبلي، وبحري، والباب؛ وهم من PageV01P418 ~~القاهرة من الذمة، فلا بد أن تخبرنا بمتحصل كل جهة من هذه، ms190 ~~ويخبرنا المتعاطي بجمع أموالها، ويشهد عليه بذلك، ثم نكتب مراسيم ~~السلطان إلى البلاد بالكشف عن ذلك، فإن وجد فيه زلل أخذ به، ثم ~~بعد ذلك ننظر في المصارف، هل تستغرق أولا، وهل صحيحة أولا. # وسئل عن ذمة الوجه القبلي، فقال: هم ألفان فقيل: ألا يمكن عادة # كونهم كذلك في كل عام، لأنهم لا بد من موت بعضهم، وبلوغ ~~بعضهم، فلم يحر لذلك جوابا، وطال المجلس، ووقع فيه كلام كثير منه: ~~أن له فيكل سنة تسعمائة دينار لخاصة نفسه، فأجيب بأن ذلك لا يقر ~~له؛ فإنه من جملة ما يضعف الجهة، وأنه لا يستحق إلا عمالتهن وانفصلوا ~~على ذلك. # وفي يوم الأحد سادس عشري الشهر، عثر السلطان على مملوكين نقبا ~~زردخانته في القلعة، وأخذا منها سلاحا كثيرا؛ فضربهما إلى أن كادا ~~يتلفان، ثم أمر بسجنهما، ثم نفاهما، وقيل أهلكهما. # وفي يوم الثلاثاء ثامن عشري الشهر، الموافق لخامس بانة، نودي بوداع ~~زيادة البحر، وأن آخر ما استقرت عليه زيادة اثنان وعشرون ~~إصبعا من تسعة عشر ذراعا، فالله تعالى المسؤول أن يعطينا بركته. # وفي ليلة الأربعاء تاسع عشري شهر رمضان المذكور، قتل رجل في PageV01P419 ~~جامع الأزهر، قيل: إنه سرق عباءة لبعض المجاورين، من أهل ~~الريف، فعثر عليه، فربطوه في عمود من عمد الجامع، وضربوه، ~~واحدا بعد واحد، إلى أن أوهنوه، ثم خلصه منهم يوسف بن الشيخ ~~علي المحتسب، وأخرج من الجامع، ثم تبعه بعضهم، فضربوه خارج الجامع ~~واحدا بعد واحد إلى أن مات، فأصبح الجامع من مجاوري أهل الريف ~~بلقعا، فتوجه إلى الجامع حاجب الحجاب، وهو ناظر الجامع، ثم ~~الوالي، فكتبوا محضرا بما علموا من أمره، ولم يجدوا من مجاوري الريافة ~~أحدا، وشهد على قتلته شهود، وعرفوا بأسمائهم، وأنسابهم، فإذا هم ~~من غير متفقهة الجامع، فأذن في رد المتفقهة، فردوا على تخوف، فنودي ~~لهم بالأمان والاطمئنان. ### || ### ||| ولاية ابن الأهناسي: # وفي ليلة الاثنين ثامن عشر شوال من السنة، اختفى الزين يحيى ~~الإستدار، فولى السلطان النور علي بن الأهناسي إستدار ولده، PageV01P420 ~~الإستدارة الكبرى، ودفع إليه ms191 عشرة آلاف دينار؛ يستعين بها في النفقة ~~عن شهر رمضان. # وفي هذا اليوم، خرج محمل الركب الحجازي إلى بركة الحجاج، ~~وفي يوم الخميس حادي عشريه سار الركب الأول من بركة الحجاج، ~~وأميرهم عبد العزيز بن محمد الصغير، وفي يوم الجمعة ثاني عشريه سار ~~المحمل وأميرهم جانبك الظريف (مصغرا مثقلا)، وهو الخزندار الثاني ~~أحد الأشرفية. # وفي بكرة هذا اليوم، وصل رسل ابن عثمان، سلطان الروم إلى ~~الخانكة، وكان قد أمر بتلقيهم الشيخ علي المحتسب، تمراز الدويدار ~~الثاني، وإكرامهم بما يليق بهم غداء وعشاء، ثم دخلوا، وقد أمر الناس ~~بتزيين البلد لأجلهم، فزين الناس دكاكينهم بأنواع الزينة، من الملابس، ~~والقناديل، والصنائع الغريبة، والتصويرات العجيبة، واجتمع الناس في ~~القصبة، ثم أمر بإنزالهم في بيت الزين الإستدار، فلما كان يوم الاثنين ~~خامس عشر الشهر، طلعوا إلى السلطان، وقد زاد الناس في الزينة، ~~واجتمع حولهم في الرميلة ونواحيها من الناس ما يزيد عن الحصر، ~~واصطف لهم الجند، من باب القلعة إلى عند باب البحر من الحوش، PageV01P421 ~~والرماح في أيديهم، فسلموا على السلطان، وقدموا ما معهم من الهدايا؛ ~~وهي في الفراء والثياب، وغيرها من كل صنف تسعة أشياء وكان معهم ~~راهبان شابان، قيل: إنهما لم يخرجا من الكنيسة [العظمى] ~~بالقسطنطينية قط، وقيل: أن أحدهما عالم بألهية، وما يتعلق ~~بالنجوم، وأنه قال لسلطانهم: البلد مأخوذ لا محالة، فسلمها بدون قتال. # فلم يفعل، فقبل السلطان ما معهم، من الهدايا، وأمر لهم بما يليق بهم، ~~ووضع الراهبين عند الزمام فيروز. # وقدم رسول من أهل قبرص، يسأل أن يرسل إلى ابن عثمان بأن لا ~~يعرض لهم، ولم تزل الزيبة يتزايد أمرها، ويعظم ضرها؛ بسبب اجتماع ~~أهل الفسق، والبطالة، والخلاعة، والجهالة إلى أن كان يوم السبت مستهل ~~ذي القعدة، فأخبر السلطان بما تزايد من شرها، فأمر بإبطالها، فاستراح ~~منها العباد، بزوال تلك الأنكاد. ### || # وفي يوم الأحد ثاني ذي القعدة من السنة، عزل المحب بن ~~الأشقر، عن كتابة السر، وأرسل إليه السلطان: أن الزم بيتك، فداخل ~~الناس السرور، لما زال بسببه من ms192 سفاسف الأمور؛ وذلك أنه كان قد ~~أوقف حال الناس، بأن كل قصة ليس معها رشوة يسعى في تعويقها بكل ~~ما تصل قدرته إليه، حتى بالكلام المهمل، رفع إليه شخص قصة يطلب ~~فيها مرسوما بأن يطلب المستولي على مكان كذا، ويحاسب على ما ~~استأذى منه على الوجه الشرعي، فكتب ما نصه: «يكتب بالجهل على ~~ما بيده». فقيل له: هذا لا يكتب إلا إذا طلب استقرار في وظيفة، أو PageV01P422 ~~استمرار، فلج في باطله، إلى أن قال: إني طالع إلى السلطان؛ استعفي ~~من كتابة السر، وحلف انه لا يكتب بعد ذلك على قصة، ثم كذب؛ ~~وتارة يكتب على هامش القصة كلاما يكون قصة أخرى مستقلة، لا تعلق ~~له بالقصة المرفوعة إليه، بتقييد لشيء منها بوجه شرعي، أو حمل على ~~مستند، أو غير ذلك، وربما كتب جميع ما في القصة حرفا بحرف بخطه، ~~وربما رد ما لا وجه لرده في شرع، ولا عرف من غير كتابة أصلا، ~~والحاصل أنه قل أن كتب على قصة إلا بشر، وإذا كتب، كتب خلاف ~~المراد، وربما عاكس فأصاب المراد، وهو لا يريد، من أغرب ما وقع ~~من ذلك، أن شخصا من أصحابي الشاميين كان له عند شخص حق، ~~فكان يريد أن يكتب له مرسوم بطلبه إلى الحاجب بدمشق، وخلاص الحق ~~منه، فغلب على ظنه أن ابن الأشقر لا يجيبه إلى ذلك، فسأل طلبه إلى ~~قاضي الشافعية بها فوقع عليها، يطلب إلى حاجب الحجاب، وما أظن ~~مثل ذلك وقع قط، وله في ذلك عجائب، فأطبق الناس على ذمه، وقلة ~~دينه، أو عقله، أو علمه، وشاع له من مثل ذلك وزاع ما أصم الأسماع. # وفي هذا اليوم مات شمس الدين محمد بن الشيخ جمال الدين البدراني، ~~بعد مرض طويل، عن نحو أربعين سنة، وكان فاضلا في الفقه، والنحو، ~~وغيرهما، وولي القضاء عن يحيى المناوي رحمه الله. # وفي يوم الاثنين ثالث ذي القعدة المذكور، ولي كتابة السر القاضي ~~محب الدين بن الشحنة الحنفي، قاضي حلب، وألبس ما جرت به العادة، ~~ونزل ms193 معه جميع المباشرين والقضاة، وكان له محفل عظيم، وساء ذلك ناظر ~~الخاص، وبعض الأكابر. ### ||| موت درويش: # وفي هذا اليوم، أعني يوم الإثنين ثالث ذي القعدة، مات ~~الشيخ درويش في مدينة الخانكة؛ بعلة رمي الدم، عن نحو سبعين PageV01P423 ~~سنة، وكان شيخا معتقدا عند من لا يعلم مثل غالب مشايخ الزمان، الذين ~~ينابذون الشريعة، ويتكلمون، أو يتكلم على ألسنتهم ببعض المغيبات فيفتن ~~الناس بهم؛ من لم ترسخ قدمه في الشريعة، ولا عرف منهاج الرسل، ~~ومضلات الأهواء، وكان يحج كل سنة ماشيا وله قدرة عجيبة على المشي ~~في الجبال، والصبر على الجوع والعطش، مع اللون الحسن الوضيء، ~~والشيبة البيضاء النقية والسطوة على بعض الظلمة بكلمات الحق، إلا أنه ~~لما ضخم أمره، واشتد اعتقاد الناس له، صار يتصرف في الأموال بغير ~~رضى أهلها، ويختلي بالنساء الحسان، والمردان الملاح، ويغمز من أراده ~~منهم رجله، وما أراد من جسده، من غير حائل، وأخبرني الشيخ أبو ~~الفضل المغربي، محقق الزمان، أنه شاهده يركب في طريق الحج من خيول ~~القاضي، كاتب السر ابن البارزي الفرس، ثم يمشي بها على عادته في ~~الجبال، ويسبق بها الركب، ويكلفها فوق طاقتها إلى أن تموت، فيركب ~~أخرى كذلك، إلى أن لم يبق معه إلا فرس واحدة، فنهى غلمانه عن تمكينه ~~منها، فغضب من منعهم له، وهجر القاضي، إلى غير ذلك من نحو هذه ~~الأمور. # وفي يوم الثلاثاء رابع الشهر، عزل خيربك الوالي، وأخذ عنه علي ~~ابن امرأة الفيسي، بما دفعه، وبلغني [أن] الجند كرهوا ذلك، ~~وأن السلطان طلب خلعته في القصر فأجيب بالسمع والطاعة، ثم نوسي ~~إلى أن طلبها ثانيا وثالثا، ثم غضب، وقال: أنا كنت في حال الإمرة، PageV01P424 ~~لا أرضى أن ترد لي كلمة، فما فائدة الملك! مالي آمر بالأمر، فيؤخر. # فقال الدويدار الكبير يونس البواب: من يعمل ذلك يا مولانا السلطان؟ # فقال: أنت. ثم تهدده إن عاد إلى شيء من ذلك، فتكلم الدويدار # الثاني، فأشركه في شيء من التهديد، وقيل: إنا نخشى أن عليا لايسد. # فقال: أنا إذا أقمت أحدا ms194 في شيء، فمهما قدر عليه، كان حظي، إن # كان حسنا أو غيره، فأتي الخلعة فألبسها، ونزل. # فضرب ليلة الأربعاء خامسه بالمقارع شخصا من الناس؛ لكونه لم ~~يعلق على دكانه قنديلا، فطلع إلى السلطان، فشكا حاله إليهن فما رأى ~~أنه يكسر الوالي لقرب عهده، فيشمت به من خالفه فيهن ولا استحسن ~~فعله، فلم يسعه إلا أن رد الرجل ردا جميلا، وأمنه من مثل ذلك في ~~المستقبل. ### ||| جواب كتاب ابن عثمان: # وفي يوم الاثنين عاشر الشهر، خلع السلطان على رسول ابن عثمان، ~~خلعة السفر وأجازه بألفي دينار، وأعطاه ما يليق بابن عثمان من الهدايا، ~~وكتب معه جواب كتاب ابن عثمان. # أما كتاب ابن عثمان فهو بعد البسملة: «ضاعف الله اقتدار المقام # الشريف (إلى آخر الألقاب المتعارفة) السلطاني الملكي الأشرفي، عون ~~الأمة، غوث الملة، خادم الحرمين الشريفين، عز الإسلام والمسلمين، ~~المختص من الله بالنصر، والتمكين، عز نصره واقتداره، وقرن بالنجح PageV01P425 ~~إيراده وإصداره، ولا زال نيل عطاياه في مصر مزاياه على جنان وارديه ~~ذارفا بلا مقياس، ونيل سجاياه في قصر سخاياه إلى جنان صادريه، دالفا ~~بلا حد وقياس، ولا برح يمنه الله تعالى بسعادة تكنف بالخلود نواحيه، ~~وتشبرق أهله الدوام على أكنافه وضواحيه، وقدرة تنشر الأيام له ~~بالطاعة وتطويها، وتستدرج لك ملك سليمان، وقد فعل في مطاويها، ~~ولما وصل إلى سمعنا ما سرنا في هذا العصر والأوان، أن زين بالمقام ~~الشريف سرير سلطنة القاهرة الملك الديان، وحمى به البيت الحرام، ~~والروضة، المقام، ومحى به أركان أعداء الدين، وبنيان أولياء الشياطين، ~~وخصه الله تبارك وتعالى بتدبير الأمور، ورد المحذور، وبسط العدل شرقا ~~وغربا، ونشر اللطف بعدا أو قربا، وتجديد مدارس المروءة، بعد ~~اندراسها، وإقامة أعلام العلم، حين انتكاسها، فاجتمعت القلوب على ~~ولائه، وابتهلت الألسن بصالح دعائه، ونطقت بأن القوس أعطيت باريها، ~~والنبل دفعت إلى راميها، فصار حاملا للورود منا على المقام الشريف، هذا ~~المسطور لأسنى، المملوء بالاعتقاد في حسن صنيعه، والاعتماد في جل الأمر ~~على جميع جميعه، والوثوق من كرمه بمراد ينعش الناس سيب ربيعه، ms195 ~~وإحسان أحسن في تنويل تنويعه الجاري على المعهود، من الإخلاص، ~~والموافاة، والمألوف، من الاختصاص والمصافاة، الحالي بما طاب نسيمه ~~من السلام، وما عذب تسنيمه من الكلام الحاوي بما لا يمل في رقائق ~~السحر مساقط أندائه من التحايا، وما لا يمد في غير رونق الضحى مبسوط ~~ردائه من الثنايا، المشتمل على ما وضح عندنا وصح لدينا، أن الدنيا تمر PageV01P426 ~~وتحلو، ثم تمر وتخلو، تقصم الأصلاب، وتقسم الأسلاب، غمومها ~~ومصائبها، تسر بحلو عداتها، وتسوء بمر عاداتها ومعاداتها، ~~دنيا غوائلها في ضمن زخارفها كالسم%%في ضمن أصلاب الذراريح ~~وأهلها في ذراها والذي جمعوا%%من الحطام هباء في ذرى ريح ~~فاجتهدنا كل الاجتهاد، وأنعمنا النظر ببصيرة الفؤاد في قوله عز وعلا: ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }[العنكبوت:69]، وتأملنا قوله جل وعلا: ~~{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء}[آل عمران:169]، ورأينا أن ~~السعيد من بذلك المجهود في مراضاة المعبود، بالتحلي بالفضائل ~~والتخلي عن الرذائل، وأن أفضل القربات إلى الملك المنان، التقرب بالجهاد ~~في سبيل الرحمن استنباطا من قول أفضل البشر، وأكمل أهل المدر ~~والوبر، كما ورد في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لوددت ~~أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا». # فاستخرنا الله تعالى، واخترنا للجهاد ما هو جرثومة الكفر، وأرومته، ~~بل منبع الفساد، وقرونته وهي البلدة المشهورة والبقعة التي في التواريخ ~~مزبورة، بل صرحت صحاح الأحاديث بتحصنها غاية التحصن، وأشار ~~سيد الكونين صلى الله عليه وسلم، أن أول جيش يغزوها مغفور لهم، وهي ~~القسطنطينية العظمى التي أحاط بجانبيها البحر والبر، وهي العذراء التي ~~عجز عن فتق رقتها الفاجر والبر، عذراء لم تشم رائحة الضرائر، شماء PageV01P427 ~~لم تعهد صدمة الدوائر، فسرنا على بركة الله بالنصر والنجح مكفوفين، ~~وبالظفر والفتح المبين موسومين، ونزلنا حواليها صبيحة عيد المؤمنين آخر ~~جمعة من ربيع الأول، الشهر المبارك، شهر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ~~اجتمع فيها أنواع الكفرة وأصناف الفجرة، فرق الله شملهم، وأفسد في ~~الدارين ms196 شملهم، من كل فج عميق، ومن كل رحى سحيق، حامين ~~لكنائسهم التي لا تعد ولا تحصى، وصوامعهم التي لا تحد ولا ~~تستقصى خصوصا كنيستهم العظمى التي هي معند جباه عظمائهم، ~~ومقبل شفاه كبرائهم، فتشاوروا في أمر الانتقام، وتفاكروا مدة من عدة ~~أيام؛ فأدى فكرهم الفاسد، ورأيهم الكاشد غب مشاورات غزيرة، ~~وإثر مفاكرات كثيرة إلى أن يصيروا صنفين؛ صنف يسد جانب البحر، ~~وصنف يسد جانب البر، وأقمنا حواليها منذ أسابيع وشهر، وحاصرناها ~~بعزة وشوكة وقهر، ثم هجمنا على فتحها مستعينين بالله الملك الجبار، ~~يوم الثلاثاء عشرين جمادى الأولى، وقت الإسفار، برجال فراس، من ~~حماة المملكة رواضين للعدى، يتطايرون إلى اقتطاف الرؤوس، تطاير ~~الندامى إلى اختطاف الكؤوس، ورجال حراس من كماة المعركة خواضين ~~في الردى، يتبادرون إلى انتهاب الأرواح تبادر النضاوى إلى استلاب الأقداح ~~فأقمنا الحرب على ساقها، وبلغنا كل نفس إلى مقرها ومساقها، واشعل ~~الضرام، وتطاير السهام، وتضايق المجال، وتسابق الآجال، والتفت ~~الساق بالساق، وتلاعبت السيوف بالأعناق، ففتح الله الملك القوي ~~القدير، قبل طلوع الذكاء المنير، وعلت رايات الإسلام خافقة على PageV01P428 ~~أسوارها، وتمكنت سيوف الموحدين في أعناق كفارها وفجارها. # وما مات من عساكر أرضنا%%وما كان مجروحا بأدني الجراحة ~~وقد امتلات الأسواق برؤوس الكفار, وما بقي أحد منهم سالما من ~~الكبار والصغار أكثرهم بسيف القهر والغضب مقتولون, وبقاياهم في ~~السلاسل يسحبون ~~وتجري دماء الكافرين على الثرى%%بأجزاء أموات رؤوسا وأبدانا ~~وأخذ منهم سفن وفلك، وسلط عليهم سقم وهلك؛ فصارت ~~نسوانهم أيامى، وصبيانهم يتامى، وديارهم خالية بلاقع، ليس لهم منا ~~واق، ولا دافع. # أي امرئ أسس بنيانه%%على التقى دامت مبانيه ~~ومن تعد طوره لم يكن%%إلا إلى الحتف تناهيه ~~ومن خالف كتاب الله، وسنة نبيه، واستحل ما حرمه، وحرم صفيه، ~~وسعى في الفتنة والفساد، بين أهل الإسلام، من العباد؛ فهو أحرى بأن ~~يبوء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير. # ولما كان هذا الفتح المبين، الذي فتحه الله على أيدي المسلمين من آلاء ~~الله العظام التي خصصنا بها من دون آبائنا الكرام، مع أنهم جاهدوا ms197 في ~~سبيل الله مدى الدهور والأعوام، وسطرت آثارهم في صفحات الأيام. # حماة سبل الهدى من كل مبتدع%%غزاة أهل الهوى والشرك والريب ~~وكان جل بضاعتهم موقوفا وكل عنايتهم مصروفا إلى عبور مسالك ~~الرشاد، وعثور مذاهب السداد، وترتيب أصول الخيرات، وتشييد مباني ~~الحسنات، وتسديد معاني المهمات، وإعلاء كلمة الله، وإغلاء لواء أعداء ~~الله. # كم معبد[شيدوا] للدين أعمده%%فلم يزل ذكرهم في الدرس والخطب PageV01P429 ~~ما مر على واحد منهم سنة إلا وله غزو مشهور، وما كر على راقد منهم ~~سنة إلا ومعه دهو مذكور في بلاد المشركين والكفار أذلهم الله العزيز ~~الجبار. # وكان ذلك الفتح المبين المستتبع للفتوح فتحا يسر به المؤمنون، ونصرا ~~يفرح به الموقنون. # هناء طبق الدنيا سرورا%%وفتح قد شفى منا صدورا ~~سيما المقام الشريف الأعلى لازال ظله ظليلا، وعدوه غليلا،فإنه قد ~~امتاز من سائر السلاطين بالجهد والجهاد. والمحاربة مع أهل ~~الفساد، أردنا أن نسر بإشعاره قلبه البريق، وأن نشرح بإظهاره صدره ~~الشريق لنستمطر من سحائب ألطافه دعوة ونستحلب من رغائب أعطافه ~~همة مستطابة، وقد بعثنا لهذا الأمر سهما مفوقا من كناننا، وشهما موفقا ~~من بطانتنا، وهو الجانب الالي الأمير المحترم افتخار الأماثل والأماجد، ~~ذو الفضائل والمحامد، زين الخواص والمقربين، جمال الملة والدين، ابن ~~القابوني ادام الله تعالى تمكينه، فهو صاحب الخصال الحميدة، والفعال ~~الرشيدة، والشمائل البهية، والفضائل السنية، وعليه في الأحوال اعتماد ~~صريح لا يهتدي الاختلال إليه، وتعويل صحيح لا يعتدي الاعتلال ~~عليه، فالمأمول من الحضرة العلية والسدة السنية أنه إذا استسعد القاصد ~~المومى إليه بتلك الخدمة، وأناخ راحلته في تلك الحضرة، وأقبل على تبليغ ~~ما تحمله من الرسالات، وتأدية ما تقبله من الأمانات تشريفه بالاستماع ~~إلى ما يحكيه، والاطلاع على ما يؤديه، فغنا حاملون تلك المنة، ناشرون ~~تلك المكرمة، وللرأي العالي في ذلك مزيد ما يرجى، والحمد لله رب ~~العالمين والصلاة على رسوله وآله أجمعين، وقد جهزنا على يده رغبة في ~~التحابب والاتحاد ما يأتي ذكره على سبيل التعداد، وهو هذا: الغلمان PageV01P430 ~~ثلاثون نفرا من تلك الغلمان المعدودين، قسيسان من ms198 قسيسي ~~القسطنطينية، الفراء: وشق تسعة أبدان، سمور تسعة أبدان، ~~سنجاب تسعة أبدان، قاقوم تسعة أبدان، الأقمشة: كمخا أحمر ~~خاص تسعة أثواب، حرير مخمل ساذج تسعة أثواب، كمخا مذهب ~~تسعة أثواب. # فالمأمول والمسؤول من الموقف الأعلى، أن يلحظه بعين القبول، وهو ~~أعظم مأمول وأكرم مسؤول. # وكتب في غرة شعبان لسنة سبع وخمسين وثمانمائة، ومقابل قوله: # «فالمأمول علامته بقلم ثلث مرمل بالذهب تحية المشتاق محمد على الصورة ~~التي تراها». # فكتب جوابه عن سلطن مصر الأشرف إينال العلائي، بعد البسملة، ~~والعلامة، وهي أخوه أعز الدين تعالى أنصار المقر الكريم، (إلى آخر ~~ألقابهم)، وهنأه بهذا الفتح، الذي جاء الإطناب في بلاغته وجيزا، وابتهج ~~به كل موحد، وأعلن بسورة الفتح، وتلا {وينصرك الله نصرا PageV01P431 ~~عزيزا}[الفتح:3]، ولا زالت وجوه النصر تتراءى في مرآة صفاحه، وثمرات ~~الظفر تجتنى من أغصان رماحه، وفروض الجهاد بسيوفه المسنونة في كل ~~وقت تقام، وبالده الإسلامية محروسة بالجناب المحمدي عليه السلام، ~~وهمزات عوامله بصدور الكفار موصولة، وألسن سيوفه بثغور ~~بلادهم من رشق أرياق دمائهم مبلولة، ولا برحت عزماته تخلي من أعداء ~~الإسلام المعاقل وتحل منهم المعاقد، وتجلو عليهم مواقف الحرب مستعرة ~~المواقد، فهو بحمد الله ما سلك خلف الكفار برا إلا قالوا لقينا من سفرنا ~~هذا نصبا، ولا خاض عباب بحر إلا اتخذ سبيله في البحر عجبا. # أصدرنا هذه المفاوضة إلى المقر الكريم؛ معربة عما نحن منطوون عليه ~~من السرور بهذا الفتح، الذي وضح على جبين الصباح بشره، ورجح ~~على ميزان الكواكب قدره وتبدى لكريم علمه ورود كتابه الكريم، وخطابه ~~الذي أزرى بالدر النظيم، على يد المجلس السامي (إلى آخر ألقابهم) ~~الجمالي يوسف القابوني الناصري، أحسن الله وفادته، ويسر إلى مقركم ~~الكريم إعادته، فأكرمناه حين قابلناه، ورفعنا محله لما تناولناه، واستنشقنا ~~المسك من ختامه لما فضضناه فشممنا مخامل النصر من سطوره ونزهنا ~~النواظر في رياض منظومه ومنثوره، وانتهينا إلى ما أشار إليه من مسيره على ~~القسطنطينية العظمى بعساكره الإسلامية وجنوده المحمدية، وأنهم أحدقوا ~~بها، فكانوا لها أصفادا، وزلزلوا أرضها بجياد خيل وقفت ms199 صابرة، فكانت ~~كالجبال أوتادا، وأنه أرسل إليها جواري في البحر كالأعلام ومدنا في اللجج ~~سوائر كأنها الليالي مقلعة بالأيام، ورماها بفرسان من البر، وأقدم على ~~منازلتها بمن أطاع الله وبر، وخطبها بكرا فتمنعت وأطالت في التجني ~~وترفعت، فلما تحققت عظم أمرها في النفوس، ورأت كثرة ما ~~ألقى إليها من نثار الرؤوس جنحت إلى الإحصان بعد النشوز، وعلمت PageV01P432 ~~أن الامتناع من قبول الإحسان لا يجوز، فأمكنت زمامها من يد خاطبها ~~وأمتعته على رغم أنف مراقبها، وأنشد لسان الحال: ~~وخطبتها بكرا وما أمهرتها%%إلا قنا وقواضبا وفوارسا ~~من كانت السمر العوالي مهره%%جليت له بيض الحصون عرائسا ~~الله أكبر ما جنيت ثمارها%%إلا وكان أبوك قبلك غارسا ~~هذا كله بعزائم لم يشبها في الحروب نكول ولا تقصير، فكان بحمد ~~الله جمعه جمع سلامة، وجمع الأعداء جمع تكسير، فأخذهم أخذ القرى، ~~وهي ظالمة، وأعلمهم أن السيوف الإسلامية، لم تترك لهم بقوة الله يدا ~~في الحرب مبسوطة، ولا رجلا في المواقف قائمة، فزلزل أقدامهم، وأزال ~~إقدامهم، ونكس أعلامهم، وقابل العدو بصدره، وقاتل حتى أفنى حديد ~~بيضه وسمره، وهبت نسمات النصر على جيوشه، فقيل: يا خيل الله ~~اركبي، ويا يد النصر اكتبي، وقام الحرب على ساق، وأضحى كل من ~~الأعداء إلى حتفه يساق، فعند ذلك أثبت سيفه الناصري الحق؛ لأنه ~~القاضي في ذلك المجال، ونفذت سهامه؛ لأجل تصميمه فلم تمهل، حتى ~~أخذت دين الآجال، وهو حال: ~~الله أكبر هذا النصر والظفر%%هذا هو الفتح لا ما تزعم البشر ~~فطهر الله منهم تلك الديار، وسلموا عندما أيقنوا بالدمار، وصارت ~~بحمد الله نجوم الضلال آفلة، ومواطن الكفر بالإسلام آهلة، وعن الآذان ~~يعرب حيث كان الناقوس يضرب، والله عز وجل يوحد حيث كان ~~يجحدن والكنائس من أقسائها خالية، وأصوات حماتكم الإسلامية ~~بالتكبير، والتوحيد بها عاليه. # فقد فهمنا ذلك، وحمدنا الله تعالى، وقابلنا هذه البشارة بتكرار الشكر ~~لله، الذي جعل جيوش الإسلام، حيث سلكت ملكت، وأين جنحت ~~من بلاد الكفر أسرت وفتحت، ولله مزيد الحمد الذي أيدكم بنصره، ~~وجعل مهابة جيوشكم في قلوب ms200 الكفرة، تقوم مقام منازلة العدو ~~وحصره، وظفركم على حزب المشركين، الذي ذعر من هيبتكم دانيهم ~~وقاصيهم، وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وسدد PageV01P433 ~~سهم رأيكم، الذي دل على إهلاك العدى سرعة نفاذه، ووعدكم مغانم ~~كثيرة فعجل لكم هذه، وحكمكم في ديار العدى؛ لتنشروا بها المهابة، ~~وتطؤوها وأورثكم أرضهم، وديارهم، وأموالهم، وأرضا لم تطؤوها، ~~ولقد أيدتم هذا الدين الذي وضح به طريق النجاة، واستنار وفزتم بقوله ~~عليه الصلاة والسلام: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار». # فلله الحمد على ما أنعم به عليكم من الغزوات التي سطرت أجورها في ~~صحائفكم، وصحائف أسلافكم الكرام، وصار خبرها غرة في جبهة ~~الدهر، وحسنة في صحيفة الأيام، ولقد أنشد شاعر حضرتنا الشريفة: ~~كذا فلتكن في الله جل العزائم%%وإلا فلا تجفو الجفون الصوارم ~~كتايبك البحر الخضم جيادها%%إذا ما تهادت موجه المتلاطم ~~تحيط بمنصور اللواء مظفر%%له النصر والتأييد عبد وخادم ~~فيا ناصر الإسلام يا من بغزوه%%على الكفر أيام الزمان مواسم ~~تهن بفتح سار في الأرض ذكره%%سرى الغيث يحدوه الصبا والنعائم ~~فعند ذلك أمرنا بإعلان البشائر، وإظهار الزينة والسرور بممالكنا ~~الشريفة؛ لما من الله به من هذه النصرة، وأمددناكم بصالح الدعاء، مع ~~تضاعف المسرة، وأضحى المسلمون مستبشرين بهذه النعم التي تسربل كل ~~أحد منها بأبهى لباس، وتلي كل منهمه ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. # وأما ما أشار إليه المقر الكريم، من سروره وابتهاجه بجلوسنا على تخت ~~ملكنا الشريف، وإذعان جميع الرعايا لأمرنا المنيف، وأنه أخذ بالحظ الوافر ~~من هذه البشرى التي خصت الإسلام، وعمت أمة سيدنا محمد عليه أفضل ~~الصلاة والسلام، وأنه أمدنا بدعائه، أن الله يشد أزر سلطاننا، ويشيده، ~~ويجعل ألوية ملكنا الشريفة مسبلة على مقامنا ويخلده، وما أشار إليه من ~~أنه عاقته هذه الغزوة الشريفة عن المكاتبة والابتداء بهذه المخاطبة ليحقق ~~بخواطرنا الشريفة تأكيد أسباب الوداد، وصحيح الاتحاد، فقد فهمنا PageV01P434 ~~ذلك، ونحن نتحقق، أن المحبة لنا من هذا البيت الكريم مستديمة، والمودة ~~بيننا وبينه كأسلافه الكرام مستقيمة، وقد تواردت الخواطر ms201 منا ومنكم على ~~محكم عقود الاتحاد، وجميل الاعتقاد، وآكد المحبة، وغزير المودة. # وأما الهداية التي أتحف بإرسالها، فقد وصلت، وبالإقبال والقبول ~~قوبلت، وشكرنا صدق محبة مهديها، وأثنينا على جميل موالاته التي لم تزل ~~في ملء مملكتنا نبديها، وقد أعدنا المجلس السامي الجمالي قاصدكم المشار ~~إليه، بعد أن عومل بمزيد الإكرام، ووافر الإحسان، وغزير الاحترام، ~~وأرسلنا معه أحد أمراءنا، وأعز أخصائنا، المجلس السامي (إلى آخر ~~أوصافه) يرشباي الأشرفي، أدام الله تعالى سعادته، وكتب سلامته، بما ~~على يده من كتابنا الشريف، والهدية التي تؤكد أسباب الوداد، وجميل ~~المصافاة والاتحاد، وحملناهما من السلام لمقركم الكريم، وما يبتسم ثغر الزهر ~~عند أدائه، ويسفر وجه البشر عند إبدائه، وسيحيط علمكم الكريم بما ~~تحملاه من ذلك، فيتحف بتجهيز رسله وأخباره السارة من هنالك، والله ~~تعالى يمد بأعوانه وأنصاره، ويخلد نعمه عليه بدوام ليله ونهاره إن شاء ~~الله تعالى. # هذا ملخص الجواب، وأحسن ما فيه من الخطاب، ولم يذكر فيه ما ~~قابل به هديته، بل ذكرت في قائمة، وهي شيء كثير، وفيها أشياء ظريفة ~~منها: دبوس كله فولاذ في رأسه هيئة رؤوس مسامير حادة جدا مثنية، ~~من ضرب بها أزارته شعوب وغن كان عليه بيضة، أو درع. # ثم أخذ الرسول المذكور في أهبة السفر، وعين معه من جهة السلطان PageV01P435 ~~الأمير يرشباي، واستمرا إلى أن سافرا في ثاني عشري ذي القعدة، كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى. # وكان الذي لفق إنشاء هذا الجواب من كتب الإنشاء القديمة، معين ~~الدين عبد اللطيف بن الشرف أبي بكر بن الأشقر الحلبي، نائب كاتب ~~السر، فكان كلما وصل كاتب السر القاضي محب الدين بن الشحنة، ~~عند قراءته على السلطان إلى نكتة أشار ناظر الخاص يوسف إلى تحسينها، ~~فيظهر المعين، من القول والفعل ما يؤذن بأنه هو المنشئ له؛ فاشتدت ~~نكاية القاضي كاتب السر من ذلك؛ خوفا من أن يظن السلطان أنه لا ~~يحسن إنشاء مثل ذلك، مع كونه من أفصح الناس، وأشعرهم، ~~وآدبهم، وأكتبهم، وهذا الذي أراد ناظر الخاص. # ثم حسن ناظر ms202 الخاص للسلطان أن يخلع على المعين، كما يخلع على كاتب ~~السر، ففعل، فكان ذلك أعظم نكاية. # وفي يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة لبس القاضي كاتب ~~السر المحب بن الشحنة خلعة بما جرت به عادة كاتب السر به، من أنظار ~~المدارس المؤيدية، والأشرفية بالقاهرة، والتربة، والخانكة، والظاهرية ~~بالقاهرة، والتربة، والجمالية وغير ذلك. # وفي يوم الأربعاء ثاني عشره لبس القاضي تقي الدين أبي بكر بن عز ~~الدين خلعة قضاء الشافعية بطرابلس، عن البرهان السوبيني. # ونزل المقر الشهابي أحمد ولد المقام الشريف إلى الرماية، فرجع آخر PageV01P436 ~~يوم الخميس ثالث عشره من بين القصرين، في موكب عظيم، وقد صاد ~~بضعة عشر طائرا، منها خمس كراكي، فسر به الناس، وزغرط له ~~النساء، وهو حقيق بذلكن فإن له من الشكل الحسن، والقوام التام، ~~والمعنى والحلاوة في القلوب، ما يدهش العقول، ويأخذ بالألباب. ### ||| قصة العداس الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر: # وفي بكرة يوم الخميس هذا طلع الشيخ المعتقد، أحمد العداس ~~الدمشقي، أحد الأمارين بالمعروف بالشام على يد ناظر الخاص الجمال ~~يوسف، فأكرمه السلطان، وأحله، ورفع رتبته ومحله، وقال له: الأمر ~~بالمعروف ركن الدين، الذي لم يقم إلا بهن فلا تتهاون فيه، مهما صعب ~~عليك أعلمني به؛ لأبعث لك مراسيم بما يشد عضدك، ويقوي أمرك ~~هذا معنى ما قال بكثير من ألفاظه، فكتبت للشاميين أعلمهم بذلك؛ لما ~~لهم إليه من التشوق، ووجهت الخطاب إلى قاضي الشافعية، الجمال ~~الباعوني، فحكيت لهم مجلسه مع السلطان، وقلت: «فنظر بعينه، وسمع ~~ما تكلم به من فمه بإذنه موافقا كما كنت أخبره عنه، مما يكذب ما أشاعه ~~الفسقة، من أنه قال: دعوا الناس يفعلون ما أرادوا، وأمر بأن يكتب له ~~ما أراد من المراسيم فكان مما كتب له مرسوم بما سئل في تلك القصة ~~السالفة، من الأمر بالمعروف، وكان ذلك بحضرة أعيان العسكر، في إيوان ~~الدهيشة، وأطال معه الكلام، وأمره بالجلوس، بعد أن قام لينصرف، ~~وما أبقى من الأفعال والأقوال الدامغة لمن أشاع تلك الأكذوبة عنه ~~ممكنا، وبالله أقسم ما أشاعها إلا ms203 الذي نادى برفيع صوته، يوم أحد ألا ~~إن محمدا قد قتل، والمرجو من المليك الديان، العزيز الجبار، أن يجعل ~~أمره إلى بوار، وإجلابه بخيله ورجله إلى إدبار، فالله الله في الاعتناء بأمر ~~هذا المرسوم، وجمع جميع الحكام لسماعه بقراءة أفصح الناس، وأعلاهم PageV01P437 ~~صوتا، وأخشعهم قلبا، وإن لم يوجد صييت خاشع وعظ وذكر إلى أن ~~يخشع، فيقرأ، ثم تشاع المناداة، بما تضمنه في جميع نواحي البلد، وما ~~تباعد من أطرافها، وليصدق سيدي قول المرسوم بفعل مهول في جمع ~~كبير لئلا يكون كطبل تحت كساء، وبرق دونه غشاء، وذلك بأن يجمع ~~سيدي جميع الحكام، ويدوروا في كثير من أقطار البلد، وامامهم المنادون، ~~ومعهم أناس من الطلبة ركابا يتلون بعض الأحاديث، فتكون فعلة خارقة ~~للعادة، فتكون أوقع في النفوس، وأثبت في الصدور، وأهيب في ~~القلوب، على أنه قد فعل مثلها في القاهرة؛ عندما توقف النيل، فسيدي ~~يشمر عند ساعده، ويصلت عضب همته، ويشرع سنان عزمه، ليكون ~~لهذا المرسوم في أول هذه الدولة، من الفخامة، كوقعة بدر في غرة ~~الإسلام، فجدد - رعاك الله - أعلام دينه، فوالله إن الله معل أمورك، فأنت ~~ملاذ هذه العصابة، وعصام هذه الكتيبة، والله لا يفل جمع أنت فيه، ~~ولا يفض جند أنت حاميه، ولينصرن الله من ينصره، كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلي إن الله قوي عزيز، وإن جندنا لهم الغالبون، ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون، ولله عاقبة الأمور. وسيدي بعد أن يندب في هذا الأمر ~~كل من يقدر عليه لأن المرء كبير بأخيه كبير بمواليه؛ يبرز نفسه، ولا ~~يقاتل بسواه، وليكن كأمير القوم، إذا صاحت الأبطال نزال نزال، فإن ~~غير سيدي لا يقوم هذا المقام، ولا يدنو من هذا المجال، فليست النائحة ~~المستأجرة كالثكلى، ولا المتكحلة العينين كالكحلاء، على أنه غير خاف ~~عن العبد، أن المبالغة في ذلك غير محمودة، والإكثار منه ليس بلائق، ~~فإن الزمان غير قابل، والوقت غير مساعد، وما أكثر الناس، ولو حرصت ~~بمؤمنين، وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين، ~~فهذه مرة ms204 على المفسدين مرة، وواقعة للفاسقين قامعة، والمواصلة بمثل هذا ~~المرسوم إن شاء الله متيسرة، ووجوه المسؤولين فيما هو من طرازه لا تزال PageV01P438 ~~ضاحكة مستبشرة، فلقد فرج اللهن وله أتم الحمد بزوال من كان يمنع ~~أمثال هذه المثوبة، ويسد باب أشكال هذه القربة، وأنعم بإثبات من يملأ ~~العيون منظره، والقلوب خبره ومخبره، القاضي محب الدين بن الشحنة ~~حماه الله من كل آفة ومحنة، فعندما عرض العبد ذلك عليهن وأومأ بلحظه ~~إليه، أجاب السؤال، وحقق الظنون والآمال، وصرح بأن التوقف فيه ~~ضلال، على أنه من أكبر محبي مولانا، فيجب أن تعطر المجالس بطيب ~~تذكاره، وتملأ أقطار المملكة بجميل أخباره؛ ليكون ذلك داعيا له إلى الخير، ~~وقائدا إلى الحق، وسائقا إلى المعروف، وحاثا إلى الإحسان، وحاديا إلى ~~المالي، ومحرضا على البر، ومرغبا في الجميل، ومحييا في الدين، وإن قاسى ~~فيه الأهوال، وعانى الشدائد، فلم يزل جند الله كذلك في كل زمان، ~~والعاقبة للمتقين، وكذا المقر الأشرف ناظر الخاص، ولقد كانت له في ~~هذا الأمر اليد البيضاء، والهمة العليا، وهو ممن يحب إشاعة ذكره بالخير، ~~ودعاء الناس له بما أسداه من النفع، وأبداه من الجميل، والمسؤول من ~~فضل مولانا، أن يشيع أن السلطان هو القائم في هذا الأمر بنفسه، من ~~غير تحريك محرك، لأن هذا الوجه أحد لشوكة أهل الدين، وأردع ~~للمفسدين، وأزجر للمعاندين، والله تعالى المسؤول أن يمده بتوفيقه، ~~ويسعده بمعونته». ### ||| نظر ابن أصيل للجوالي: # وفي يوم السبت منتصف الشهر لبس ناصر الدين بن أصيل، ~~موقع ابن السلطان (وكان موقع أبيه قبل) خلعة، بنظر الجوالي، عن ~~شرف الدين الأنصاري، لما أصر عليه من قلة الخير، وسوء التدبير، بمنع ~~المستحقين وكثرة الأخذ من أهل الذمة، مع عدم الخدمة للسلطان، ~~وكثرة الأيمان المتحققة الحنث باللهن وبالطلاق، فلم يدع عنه أحدا ~~راضيا، بل أغضب الله بظلم المسلمين، وأهل الذمة، والناس، بالمنع، ~~فأدام الله علته، وأطال خزيه، ولا أخرجه من دائرة السوء. # وفي يوم الأحد سادس عشره، لبس الشرف الأنصاري خلعة استمرار ~~على ما بقي معه، من ms205 الوظائف بواسطة الدويدار الكبير، يونس صهر ~~السلطان. PageV01P439 ~~إعادة نظر خانقاه سرياقوس لابن الأشقر: ~~وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره، لبس المحب بن الأشقر خلعة، بنظر خانقاه ~~سرياقوس، عن تمراز، ويقال أنه بذل ألفي دينار. # ونزل بردبك صهر السلطان، وناظر الخاص الجمال يوسف، والشرف ~~الأنصاري وكيل بيت المال إلى جامع الحاكم، فحفروا مكانا منه، قال لهم ~~شخص بابارنجي، أن به خبية لراشدة، جارية الحاكم في مكان سماه ~~في الجدار القبلي من الزيادة في صندوق كميتها مائة ألف دينار وثلاثة جواهر، ~~وان لها خبية أخرى بالجامع المعروف بها، وأخرى بمكان آخر سماه؛ ~~فحفروا المكان الذي ذكره، وهو معهم، فلم يجدوا شيئا، فعلموا كذب ~~ما اعتمد عليه. ### ||| سفر قاصد ابن عثمان: # وفي يوم السبت ثاني عشري ذي القعدة المذكور سافر الجمال يوسف ~~القابوني رسول السلطان محمد بن مراد بك بن عثمان، راجعا إلى بلاد ~~الروم، ومعه من جهة السلطان الأمير يرشباي الأشرفي، بجواب السلطان ~~عن كتاب بن عثمان، وما قابل به هدية ابن عثمان. # ولم يزل أمر الشيخ على المحتسب من حين ولي السلطان الأشرف ~~متزلزلا، وحاله متضعضعا؛ لأنه كان ممن يسيء عشرة السلطان، إذ ~~كان دويدارا، فكان يدخل في الأشغال المتعلقة بوظيفة الدويدار؛ لما يرى ~~من لينه وتغفله، وهو يحقد عليه ذلك، وهو لا يشعر. وهذه كانت عادة PageV01P440 ~~أصحاب الظاهر، يتكلمون فيما لا يعنيهم، ويدخل الإنسان منهم في وظيفة ~~غيره، فلما كانت هذه الأيام رأى أن تمراز الدويدار ممن راج أمره؛ ~~لما ظهر من شهامتهن وجرأته على السلطان، فتعلق بأذياله، وصار يخدمه ~~اعتبارا بالحالة الراهنة، فكان ذلك مما زاد حنق السلطان عليه؛ لأن تمراز ~~في محل الخطر، بما يجترئ عليه من الأفعال، ولا يمشيها السلطان له إلا ~~على مضض، إلى حين التمكن، وضخامة الدولة، فكيف بمن يحتمي به، ~~فكان كلما تحدث بعزله، ظن أن ذلك لشيء يراد منه؛ فيبذل ما يظن ~~أنه المراد، وأنه سبب قربه، فيقره السلطان، ويشترط عليه الإحسان إلى ~~الرعية، والكف عنهم، وهو لا يرجع، بل كلما بذل شيئا فرضه ms206 على ~~السوقة إلى أن كان آخر ذلكن أنه تحدث بعزله في هذا الشهر، فبذل ~~مالا، يقال: إنه ألفا دينار، ثم جرى في أخذها من الناس على عادته، ~~فيقال: إنه أخذ من كل حمام دينارا، وكان المهتار علي بن الحاج ~~محمد البابا، مهتار الطشطخانة ممن ربي عند السلطان صغيرا، وله ~~ولأبيه في خدمته مدة طويلة، فكان مقربا عنده، وكان أمر الحمامات، PageV01P441 ~~والفوط إليه، كما جرت به العادة، فكان قد منع المحتسب من التكلم ~~عليهم، فكأنه نبه السلطان على ما فعله، وأن في ذلك شناعة على ~~السلطان، فغضب السلطان من ذلك، فأمر يوم الخميس سابع عشري ~~الشهر بالقبض على الشيخ علي، ورسم عليه عند الخزندار إلى أن كان ~~يوم السبت تاسع عشري ذي القعدة المذكور، فعينت وظيفة الحسبة لعلاء ~~الدين علي بن شهاب الدين، كاشف المحلة، وألبس خلعة بذلك، ثم ~~أطلق الشيخ علي المحتسب في آخر هذا اليوم، بشفاعة جمع من الأمراء، ~~وكان قد طلب منه عشرون ألف دينار، وأظهر تمراز الغضب من ~~عزله، من نظر خانقاه سرياقوس، وعدم رعاية المحتسب لأجله، وما درى ~~أن ذلك إنما فعل قصد الإهانة، وإظهارا لقوة السلطان، وأنه غير محتاج ~~إلى أحد بعينه في إقامة الدولة، وأنه صار بحيث إذا أراد إهلاك أعظم ~~الناس قدر، وقال تمراز للسلطان متعتبا: ليت أنك أمرتني بأن أعطي ابن ~~الأشقر النظر، ليكون ذلك من قبلي؛ فيخف الكسر. فقال السلطان: ~~إذا كنت لا أفعل شيئا إلا بمشورتك فما فائدة كوني سلطان، أجلس وأنت ~~تقف في خدمتي على رجليك! فانكسر. # ثم زاد ذلك إيضاحا أن السلطان ألبس تمراز خلعة الأربعاء سادس ~~عشري الشهر، خلعة معلمة بأن السلطان رضي عليه، فجبره بعد أن كان ~~أهانه، فتمنع من لبسها، ثم لم يسعه إلا لبسها، فنزل وهو في غاية الحنق، ~~ويقال: إنه نزل من باب القرافة، ونزعها عنه خارج القلعة. PageV01P442 ### ||| رجوع نائب إسكندرية: # وفي هذه الحدود، بلغ الخبر بأن الأمير يونس العلائي، نائب ~~إسكندرية مريض مرضا مخوفا، فرسم بإحضاره، وعين لنيابتها ~~جانبك النيروزي، المعروف بنائب ms207 بعلبك، ثم سافر إلى تسلمها على ~~إثر ذلك. ### || ذي الحجة سنة 857ه ### ||| الشهاب السكندري: # وفي يوم الجمعة آخر أيام التشريق، مات الشيخ الصالح المعمر، ~~شهاب الدين أحمد بن أبي بكر [بن يوسف بن أيوب] الإسكندراني ~~القلقيلي (بقافين مكبر - نسبة إلى قرية من نواحي نابلس) المقري، ~~وقد جاوز المائة. أخبرني عنه الشيخ بهاء الدين محمد بن أبي بكر ~~المهدي: أنه أخبره في مرضان سنة ست وخمسين، أنه أكمل المائة، وكان ~~شيخا صالحا عالما بالقراءات، عالي السند بها، غالب إقامته بجامع ~~الأزهر، رحمه الله. ### ||| كسر قيد تمربغا: # وفي هذا الحد، برز المرسوم الشريف، بكسر قيد تمربغا وتبقيته في البرج ~~الذي هو به في قلعة الصبيبة من غير قيد. PageV01P443 ### ||| تشغيب المماليك: # وفي يوم الاثنين سادس عشر ذي الحجة سنة سبع هذه، ~~طلع إلى القلعة مباشرو الديوان المفرد؛ للنفقة على المماليك، ~~فطلب من جامكيته منهم دون الألفين، أن يزاد في عطائه، ~~وطلبوا الإستدار فهرب. وحصل بذلك قلقلة كبيرة، ~~فانحرف السلطان لذلك، ثم رأى أن الرياضة أحسن وأوصل إلى ~~الغرض، فطلبهم، وقال لهم: هذا الذي تريدون، خارج عن ~~العادة، (وبين لهم ما يعرفون به ذلك) وإذا أعطيتكم ما تريدون، ~~لا يرضى الذين هم أكبر منكم حينئذ بما هو لهم. فرضي عقلاؤهم ~~بذلك، ورجعوا على سفهائهم، ليسكنوهم، فلم يرض السفهاء، ~~وكثر اللغط، فقال السلطان: ألقوا المال بينهم. فألقوه. فقال: ~~من كان منكم يجترئ على أخذ المال فليفعل، حتى أرى ما ~~أفعل به، فتفرقوا. ### ||| وصول نائب إسكندرية: # وفي هذا اليوم وصل الأمير يونس العلائي، نائب إسكندرية. # وفي يوم الثلاثاء سابع عشرهن وقف الأجلاب أيضان وتكلموا ~~في زيادة عطائهم، فبلغ السلطان، فأرسل إليهم رأس نوبة الخدام؛ ~~يقول لهم: إن كنتم في طاتي، فكفوا عما أنتم فيه، واطلعوا ~~إلى طباقكم، وإلا فانزلوا إلى الرميلة، واركبوا خيولكم، وقفوا ~~للحرب، فطلعوا إلى طباقهم. # وفي أوائل هذا الشهر، توصل كاتب السر بالحريم وغيرهم ~~من أخصاء السلطان، إلى أن يتأخر مع المباشرين، الذين يدخلون إلى القاعة، ~~كناظر الخاص، والوزير، فشق ذلك على الدويدار ms208 الكبير، إذ PageV01P444 ~~كانت العادة، أن كاتب السر، والدويدار الكبير قرينان، لا يتخلف ~~أحدهما بعد الآخر، وكذا شق على بقية المباشرين، وفهموا أنها مقدمة ~~لأمر عظيم. # عزل الصدر عن قضاء [حلب] ~~وفي هذا الحد، عزل القاضي صدر الدين بن البارزي، عن قضاء ~~الشافعية بحلب، ووليه الزين عمر بن الخرزي. ### ||| ظهور الزين الإستدار: # وفي يوم الثلاثاء رابع عشري ذي الحجة المذكور، ظهر الزين يحيى الإستدار، ~~بواسطة شفاعة بردبك الدويدار صهر السلطان. # وفي هذا اليوم لبس يوسف بن رسلان إستدار صحبة السلطان خلعة ~~بالمشاركة في شهادة الذخيرة لابن الجيعان، وتاج الدين الخطير، نظر الدولة، ~~عن السعد إبراهيم الوزير. # وفي يوم الأربعاء، طلع الزين يحيى الإستدار إلى السلطان، فاعتذر له فقبل منه ~~عفا، وأمر بملازمة بيته وأن لا يجتمع بالناس لئلا يختل على الإستدار شيء من ~~أمره، بسبب ذلك. PageV01P445 ~~وفي يوم الخميس ألبس الأمير نور الدين بن الأهناسي الإستدار خلعة؛ ~~تقوية له، ونزل معه ناس كثير إلى بيته. ### ||| مرض السلطان: # وفي يوم السبت مرض السلطان بالحمى، فارتاع الناس لذلك، ~~وعلا سعر القمح، وبعض الأشياء، ثم أصبح يوم الأحد صالحا فاطمأن ~~الناس. PageV01P446 ~~يليه القسم الثاني ### | سنة 858 ### || # ~~وفي يوم الثلاثاء مستهل سنة ثمان وخمسين وثمانمائة، ركب السلطان ~~وسير في الحوش، وطلع غالب الأعيان والأكابر، فسلموا عليه، وهنوه ~~بالعام، وكان صالحا، غير أن القضاة وافوه في القاعة، كما جلس فلم ~~يقم لهم؛ لتعبه من طلوعه في درج الدهيشه، ودهليز القاعة، بعد ~~التسيير، فكثرت الأقاويل في ذلك، وجزم كثير من المفسدين بأمراض ~~ألقاها الشيطان على ألسنتهم. ### ||| سجن النحاس: # وفي هذا الحد، بلغ الخبر أن أبا الخير النحاس خوف كثيرا من أعيان ~~البلاد الشامية، بأن السلطان وعده بأن يقدمه عليه في هذا القرب، ~~وعين له بعض المناصب، وطلب من كل [ما يعنيه] حاله، فجمع ~~مالا ليقدم منه للسلطان تقدمة، فأرسل السلطان بالقبض عليه وسجنه ~~في قلعة المرقب، وأخذ جميع ما جمع، والله المسؤول أن يديم ذلك، ~~فإنه صلاح العباد والبلاد، ففعل ذلك، ثم شفع فيه بعده، بقريب ~~أظنه ms209 دون الشهر فأطلق. ### ||| ولاية الخيضري: # وفي يوم الأربعاء ثاني محرم السنة المذكورة، لبس القاضي قطب الدين PageV02P009 ~~الخيضري الدمشقي الشافعي، محدث دمشق خلعة بكتابة سر دمشق، ~~عن القاضي صلاح الدين خليل ابن السابق الحموي الشافعي. ### ||| موت ابن أصيل: # وفي ليلة الجمعة رابع الشهر مات شهاب الدين أحمد بن أصيل، أخو ~~ناصر الدين ناظر الجوالي، وكان من أجلاء الموقعين عند القضاة في ~~الوثائق، دربة وتحديا، ووجاهة عقل، وسكونا، وشهامة، وديانة. ### ||| موت ابن الفقيه حسن: # وفي هذا الحد، بلغنا أن الشيخ شمس الدين محمد بن الفقيه ~~حسن المنزلي الشافعي، نزيل دمياط مات بها، وكان شيخا فاضلا ~~خيرا مفننا، لم يخلف بعده في دمياط مثله، رحمه الله. # وفي بكرة هذا اليوم ركب السلطان، ونزل إلى الميدان، ثم خرج من بابه ~~في ظهر سبيل المؤمني، وطلع من باب السلسلة، فسر الناس بذلك. ### ||| ولاية حميد الدين قضاء الحنفية بدمشق وكذا خشكلدي الكويزي: # وفي يوم الاثنين سابع الشهر، خلع على الحميد بن قاضي بغداد، ~~المشهور بابن أبي حنيفة، بقضاء الحنفية بدمشق، عن الشيخ قوام الدين. # وعلى خشكلده الكويزي بدويدارية السلطان بدمشق عن يشبك، وأعطى يشبك ~~تقدمة ألف في حلب، ورأس ميسرة عسكرها؛ وذلك أنه PageV02P010 ~~بلغ الخبر، بأن الأمير الكبير رأس الميمنة بحلب على باي المؤيدي ~~مات، فأعطى نائب القلعة بها آق بردي الخطفى مكانه، وأعطى ~~ابن الأقساسي، الذي كان حاجبا، نيابة القلعة. ### ||| قصة الطواشي في جباية الدكاكين: # وفي يوم الاثنين رابع عشر محرم المذكور نزل طواشي من باب الحريم، ~~من القلعة، معه امرأة وزوجها، فأخبر الطواشي أن السلطان ~~رسم لها أن يأخذ من كل دكان درهما فلوسا، ودار معها على الدكاكين ~~يجبي، فانتشر الخبر في البلد، واستغربه الناس، ولم يشكوا في صدقه، ~~ولم يكن ذلك اليوم حديث إلا فيه، وغذا هو كذب على السلطان، ~~فبلغه الخبر بكرة يوم الثلاثاء خامس عشره، فطلبهم، وضرب الطواشي ~~إلى أن كاد يتلفه، وضرب المرأة وزوجها، وأمر أن يطاف بهم في الأسواق ~~على حمار، وينادى عليهم، هذا جزاء من يكذب على السلطان، ms210 ~~فكانت من أغرب الأشياء، وأعجبها. # وفي يوم الخميس سابع عشر محرم المذكور، سافر القطب الخيضري، ~~كاتب سر دمشق. PageV02P011 ### ||| وصول الحاج: # وفي يوم الأحد العشرين من محرم هذا، وصل الركب الأول من ~~الحجاج إلى البركة، وخل بعض أخفافهم في هذا اليوم إلى القاهرة، ث ~~وصل المحمل إلى البركة في يوم الاثنين حادي عشريه، وفي يوم الثلاثاء ~~ثاني عشريه تكامل دخول الحاج إلى القاهرة، وأخبروا عن رخاء كثير كان ~~في الحجاز، في السفر والإقامة، في القمح، والدقيق، واللحم، ~~والفواكه، وغيره من جميع ما يؤكل، ولم يحصل لهم في الطريق كبير برد، ~~ولا مطر، مع أن سفرهم صادف شهر طوبة، وهو كانون الأصم، ~~وذلك قلب الشتاء، وأخبر الحجاج، أن الشريف بركات أمير مكة. ### ||| الكلام في حكم ابن السائح: # وفي هذه الحدود قدم قاضي الحنفية بالقدس الشريف تاج الدين بن ~~قاضي القضاة سعد الدين بن الديري، وجرى الكلام في حكم ابن ~~السائح، لأطفال أهل الذمة باستمرارهم على دين آبائهم وأوصله ~~بالسلطان، فعقد فيه مجالس عدة، وعظم استبشاع الناس له، فاشتد ~~الأمر عليه، وتخلى عنه غالب من تعصب له إلى أن كان آخر ذلك أن ~~رسم السلطان بإحضار أبيه والشهود عليه بالحكم، وكتب المرسوم بذلك، ~~آخر محرم هذا. ### ||| الكلام في قصة ابن الرسام: # وفي هذاالحد أيضا زاد الكلام في قصة ابن الرسام، مع قاضي القضاة ~~العلم بن البلقيني، وذلك أنه كانت بنت العلم زوجته، فطلقها في ~~أوائل سنة سبع وخمسين، وكان له منها ولد سنه نحو عشر سنين، فأراد ~~أخذ ولده، فلم تمكنه أمه، وبلغه عنها أخبار سيئة، وأنها تخرج في العدة، ~~وتنام في غير بيتها، فترصد لها فأمسكها وضربها - ، ثم رفع أمره إلى PageV02P012 ~~السلطان، فرسم له بأخذ ولده، وأرسل طواشيا انتزعه منها وسلمه إليه، ~~فرفع القاضي الشافعي الأمر إلى قاضي المالكية، الولي السنباطي، ~~فحكم لها بالحضانة إلى البلوغ، فأراد ابن الرسام انتزاع الولد؛ ليسافر ~~به، فرفع العلم ذلك إلى قاضي الحنفية السعد بن الديري، فحكم بمنع ~~والده من السفر به، فاستفتى ابن الرسام العلماء ms211 فأفتاه كثير منهم ببطلان ~~هذا الحكم، وأن جواز السفر به في هذه الحالة، أمر مجمع عليه؛ أما ~~عند المالكي فلأن مذهبه ذلك في المحضون، وأما عند الحنفي فلأنه ~~وإن كان يرى منع السفر بالمحضون فمذهبه أن المميز غير محضون، وغير ~~المحضون يجوز السفر به، وقال الحنفي: بل عدم جواز السفر الآن مجمع ~~عليه؛ لأن المالكي لما حكم بالحضانة رفع حكمه الخلاف، فصار الولد ~~محضونا بلا خلاف، وغذا صار محضونا فحكم الحنفي بمنع السفر به ~~لكونه محضونا يرفع الخلاف، فصار المنع من السفر به غير مختلف فيه، ~~ولذلك نظائر منها: إذا علق شخص طلاق زوجته التي لا يملك عليها ~~إلا طلقة واحدة على صفة، واضطر إلى حل اليمين مع بقاء الزوجة ~~فخالعها، وحكم حنبلي بكون الخلع فسخا لا ينقص عدد الطلاق ثم ~~راجعها، وحكم شافعي بعدم عود الصفة، صح ذلك واستباح نكاحها ~~، وقد جرت عادة القضاة بفعل هذا كثيرا، وطال النزاع في هذه المسألة، ~~وعقدت فيها مجالس ينفصل كل منها عن غير وفاق، منها مجلس في ~~آخر هذا الشهر. ### ||| ولاية الكافيجي للشيخونية: # وفي هذا الحد وصلت كتب شيخ الزمان الكمال بن الهمام، بأنه قد ~~حصل له فتق ومرض شديد أوجب مجاورته في مكة المشرفة، وأنه PageV02P013 ~~قد رغب عن وظيفة مشيخة الشيخونية، وسأل أن يوليها السلطان ~~لمن يكون أهلا لها؛ وسبب ذلك أن الشيخ محيي الدين الكافيجي ~~التركماني كان سعى فيها في أوائل سلطنة هذا السلطان، فلما بلغ الكمال ~~المذكور ذلك مع الحجاج، وكان من أعلى الناس همة، وأشدهم سكينة، ~~وأزهدهم في الدنيا، وأعلمهم بغالب الفنون، وأقربهم إلى الانقطاع إلى ~~الله، شرفت نفسه، وعلت همته عن شيء ينازعه فيه منازع، فلما شاع أن ~~الكمال تركها، استدعى الكافيجي، وساعده الدويداران، وعارضه ناظر ~~الخاص، وكاتب السر، وبردبك صهر السلطان، فأتاهم برسالة أمير ~~المؤمنين، وألح في ذلك، وركب الصعبة والذلول، وأطلق لسانه في ~~انتقاص الشيخ وغيره [من] العلماء، وادعى أنها منحصرة ~~فيه، فقال السلطان: لا أنزعها من ابن الهمام أبدا، كلما عزل نفسه فهو ~~مولى، ms212 فألح عليه المساعدون للكافيجي. فلما وصلت كتب الشيخ PageV02P014 ~~كمال الدين، ولاها السلطان للكافيجي، وألبسه خلعة لذلك يوم ~~السبت سادس عشري محرم هذا، وقدم للسلطان قصة رأيت أن ~~أكتبها برمتها، لتكون دليلا على ما ادعاه ونصها بعد البسملة: ~~«الداعي الفقير محمد الكافيجي الحنفي يبتهل إلى الله تعالى بصالح ~~الأدعية في صحائف مولانا السلطان المالك الملك الأشرف أعز الله تعالى ~~أنصاره، وينهى أن الشيخ كمال الدين بن الهمام استمر المجاورة بمكة ~~المشرفة شرفها الله وعظمها، وأعرض عن الوظيفة مشيخة الشيخونية، ~~وصرح لجماعته عنها، وتواتر ذلك بما أخبر به القاضي أفضل الدين ~~والقاضي صدر الدين نائبا قاضي القضاة الحنفي، وغيرهما، وسؤاله من ~~الصدقات الشريفة شرفها الله وعظمها استقرار الداعي عوضا عنه؛ ~~بحكم إعراضه عن ذلك وكونه ممن اتصف بما شرط الواقف في المشيخة ~~بها صدقة عليه، وإحسانا إليه، إن الله لا يضيع أجر المحسنين». # فانظر كم في هذه السطيرات من خطأ، وعبارة ركيكة، مع إجابة ~~صاحبها إلى ما سأل!! والسلطان وأخص خواصه لا يريدون ذلك، ~~لكن أعانه على قصده دعاء الشيخ كمال الدين في تلك المشاهد العظيمة ~~بقطع نصيبه من هذه المدرسة، كما أخبرني بذلك غير واحد من طلبة ~~العلم، ثم إن السلطان قال: كم كان معلوم الشيخ في المدرسة؟ فقيل ~~له: ستة آلاف درهم في كل شهر، يكون ذلك زيادة على سبعين ألفا في ~~كل سنة، فقال رتبت له ذلك في الذخيرة، وعجلت له ذلك عن ~~سنتين، مع مائة دينار من عندي، فتضاعف دعاء أهل الخير له، زاده ~~الله توفيقا وإحسانا. PageV02P015 ### ||| قصة شيخ جبل نابلس مع عرب البلقاء: # وفي هذا الشهر، أرسل إسماعيل بن عبد القادر شيخ جبل نابلس إلى ~~نائب القدس، وإلى نائب الصلت يعلمهما أن السلطان رسم أن يسيرا ~~معه إلى إدريس أمير عرب البلقاء، فيبيتوه، ووعدهم ليلة يفعلون ذلك ~~فيها، ففعلوا، فقتلوا بعض رجاله، ونهبوا أموالهم، وما أفلت إدريس ~~إلا بعد الجهد، فأرسل إلى السلطان يقول: إن كان هذا لمرسومك فعلى ~~الرأس والعين، ويذكر لي ذنبي لأتوب.. اقتص لي ms213 من غرمائي، ~~وإلا ائذن لي في قتالهم، كما قاتلوني، فسأل السلطان من إسماعيل، ~~فادعى أن نائب الشام أمره بقتاله، فسأل نائب الشام، فأنكر، وشهد ~~لإدريس بأنه مظلوم، فأنكر السلطان على من قاتله. ### ||| قصة الزين الإستدار في عوده: # وفي هذا الحد، زاد الكلام في أمر الزين الإستدار، فمن قائل يولى ~~كتابة السر، ومن قائل يعود إلى الاستدارية؛ حتى كادت كلمة ~~الإستدار تضعف، فرسم السلطان بنفيه إلى القدس، ونهى أن ~~يشيعه أحد، فخرج لذلك يوم الخميس ثاني صفر سنة ثمان وخمسين، ~~وشيعه قليل من الناس، فرسم السلطان برده، ومن معه، وما معه، ~~وأخبر السلطان: أنه كتب إليه بعد تأمينه له، يخبر أن جهات الإستدارية ~~ليست عاجزة، وأن ابن الأهناسي كاذب في ادعائه ذلك، ظالم في أخذه ~~من السلطان ما يستعين به على الجامكية، وأنه خان في هذه المدة اليسيرة ~~بعض الجهات في نحو أربعين ألف دينار. قال السلطان: فعلم من ~~ذلك أنه ما اختفى وهو قادر على السداد إلا لإتلاف المملكة علي، وأنه PageV02P016 ~~كان يأكل من هذه الجهة التي قال إن ابن الأهناسي أكل منها مالا ~~كثيرا في جميع هذه المدد التي باشر فيهان وأقل الأمور أن نأخذ منه ما ~~أقرضناه، حين ادعى العجز، ورسم عليه على ذلك في البحرة، وعلى من ~~كان معه، وهما المعين الطرابلسي و.. ابن الوشاقي، ثم أطلق ~~الطرابلسي، وأخذ منه خمسون دينارا، واستمر ابن الوشاقي، وأمره ~~السلطان أن يلي الإستدارية فأبى، فزاد غضب السلطان عليه، وهدده ~~بالعقوبة، فلم يكترث. ### || # وفي يوم الاثنين سادس صفر المذكور، ألبس الأمير علاء الدين ابن ~~الأهناسي الإستدار، خلعة تقوية لأمره. # وفي يوم الخميس تاسع صفر المذكور، زاد الكلام؛ بسب الإستدار، ~~فقام عليه ابن السلطان، وصهره بردبك، وأثخنوا جراحاته، فرسم ~~السلطان بعصر الزين الإستدار، فعصر إبهام رجله، حتى تكس عظمه، ~~وعصر كعباه إلى أن أغمي عليه، وأشيع موته، لكن لم يكسر عظمهما، ~~فرق له الناس رقة شديدة، وكان أعظم الساعين في خلاصه، ناظر ~~الخاص، ثم ساعدت خوند حتى لم تدع لأحد مقالا، ولم ms214 ~~تزل تفتل الذين عليه في الذروة والغارب حتى انحل برمهم؛ فأحضره PageV02P017 ~~ولاية الزين الإستدار ~~يوم الأحد ثاني عشر الشهر، فأتي به في بساط، فأمره السلطان، بأن ~~يباشر الوظيفة على عادته، وقال: ليس عندي إستدار غيرك، ثم ألبسه ~~خلعة، وأمر بأن يرسم على ابن الأهناسي عنده، حتى يستخلص منه ما ~~في جهته، فحصل لكافة الناس، من العوام والمباشرين وغيرهم، من ~~السرور، والاستبشار ما يفوت الوصف، وزين الناس الدكاكين، وكان ~~يوما عظيما، لم يكن للناس كلام إلا في أمره، وغض الناس من الأمير ~~ناصر الدين بن أبي الفرج، نقيب الجيش؛ لكثرة أذاه لزين الدين، ~~وأكثروا الدعاء لناظر الخاص، وكل من كان سببا في خلاصه، وطلع ~~العوام إلى القلعة؛ فإنه تخلف بها؛ لما برجله من الوجع، وألبسه ~~السلطان كاملية، من ملابسه، ليحقق أنه إستدار، وذهبت أعوانه إلى ~~بيت ابن الأهناسي فنهبوه، لم يدعوا به شيئا، وذهبوا إلى دكان أبيه في ~~سوق الصاغة، فأخذوا ما بها من نقد، وكذا مخزن له في حاصل ~~قلمطاي. # وفي يوم الاثنين ثالث عشر الشهر أطلق ابن الأهناسي بواسطة غالب ~~جماعة السلطان، منهم صهره بردبك، ورسم أن يرد إليه ما اخذ منه، ~~إلا إن ثبت أن في جهته للديوان شيئا. PageV02P018 ### ||| موت حماة السلطان: # وفي أواخر هذا اليوم، ماتت حماة السلطان، أم زوجته، ~~وكانت مزاحمة المائة، ثم صلى عليها من الغد، في باب النصر أمير ~~المؤمنين، ودفنت في تربة بني خصبك، خارج باب النصر، إلى جهة ~~سيدي حسين الجاكي، وحضرها الأمراء، والقضاة، وجمع كثير من ~~الفقهاء والأعيان، وأخرج قدام جنازتها صدقة على عادة الأكابر. # وفي يوم الثلاثاء هذا، وهو رابع عشر صفر المذكور ألبس الإستدار ~~خلعة ونزل إلى بيته، ونزل معه المباشرون، وبعض الأمراء، وكان يوما ~~مشهودا، ثم أتى من شيعه من المباشرين، والأمراء إلى تربة أم خوند، ~~وبات القراء على قبرها تلك الليلة. ### ||| موت أبي البركات الغراقي: # وفي يوم الأربعاء نصف صفر المذكور، مات الإمام الفاضل المفنن ~~أبو البركات محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الغراقي ms215 ~~الشافعي، وكان رأسا في الفرائض والحساب، قل من كان يساويه في ~~الغراقي ذلك، مشاركا في بقية الفنون، كثير الاشتغال، شديد التواضع، ~~حسن العشرة، حلو النادرة، فكه المحاضرة، من أعاجيب الدهر في ~~ذلك، وناب في القضاء للشرف يحيى المناوي، وصلي عليه في الجامع ~~الأزهر ودفن في ناحية تربة الشيخ سليم، وحضر جنازته كثير من ~~الطلبة والأعيان، وعظم تأسف الناس عليه، وبكاؤهم لفقده، ~~ودعاؤهم له. PageV02P019 ### ||| ولاية عبد العزيز الصغير الحسبة: # وفي هذا اليوم ولي عبد العزيز بن محمد الصغير (بالتصغير مثقلا) ~~وظيفة الحسبة، عن علي بن الشهاب أحمد الكاشف، وأظهر النداء ~~في أسواق البلد، أنه لا مشاهرة، ولا مجامعة، ولا غير ذلك من ~~أنواع الغرامات والكشف بعد ثلاثة أيام، وقال: ما الدرة أنا لا أعرف ~~ما هي، إنما ضربي بالمقارع، فخاف منه الباعة خوفا عظيما. ### ||| عزل ابن امرأة الفيسي عن الولاية: # وفي يوم الاثنين العشرين من هذا الشهر، صرف ابن امرأة الفيسي ~~عن ولاية الشرطة، وعاد إليها خير بك، الذي كان أخذ عنه. ### ||| زواجي لبنت البوشي: # وفي يوم الجمعة رابع عشري الشهر حضر بالخانقاه الناصرية، ~~من مدينة الخانكة؛ لتزويج كاتبه بسعادات بنت الإمام نور الدين PageV02P020 ~~البوشي، كثير من أعيان القاهرة، من قضاة القضاة الحنبلي، ومن ~~المشائخ الأمين الأقصرائي، شيخ الأشرفية، ومحقق الزمان الشيخ ~~أبو الفضل البجائي، والعضد الصيرامي شيخ البرقوقية، والولي ~~الأسيوطي شيخ الجمالية، والشهاب القاياتي شيخ البيبرسية، ومن الأمراء ~~بردبك الدويدار صهر السلطان، والأمير عبد اللطيف الطواشي مقدم ~~المماليك كان، ومن المباشرين الشرف الأنصاري وكيل بيت المال، ~~والناصر بن المخلطة ناظر المرستان، والزين أبو بكر بن مزهر ناظر ~~الإصطبل، والبرهان الديري، والنجم بن البها بن حجي والنجم عبد ~~الرحيم بن البارزي، وأبو الفضل خطيب المسجد الحرام، والشيخ علي ~~العجمي وغيرهم من الطلبة ونواب القضاة، ومشائخ الفقراء الأخيار، ~~وهو أول نكاح حضره أعيان القاهرة بالخانكة، وقام بضيافة الأعيان فيه ~~عني المحب بن الأشقر، ناظر الخانقاه، وكان يوما مشهودا كثر فيه ~~السرور، جعل الله عاقبته إلى خير، وقرنه بالتوفيق والإحسان المؤدي إلى ~~سعادة ms216 الدنيا والآخرة آمين. # ثم جليت علي، وزفت إلي في ليلة الاثنين سابع جمادى الأولى من ~~السنة وكان أيضا ذلك أمرا مشهودا، قال أهل الخانكة: أنه ما اتفق مثله ~~قط في كثرة الأطعمة، واجتماع نساء أعيان البلد، وعدم دخول رجل ~~وقت الجلا إلا أن يكون زوجا أو محرما، وفيما أنزل الله عليه من السكون، ~~والجلالة، والمهابة، فلله الحمد ومن عجائب هذا الأمر المبشر بهنأ العيش ~~ودخول الجنة إن شاء الله تعالى، أن ميعادي في الجمعة التي عقد فيها ~~العقد، كان في قوله تعالى: PageV02P021 ~~{الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، ياعباد ~~لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون}[الزخرف:67-68]، {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ~~تحبرون}[الزخرف:70] الآيات، وفي جمعة الدخول في قوله تعالى: {مثل الجنة ~~التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن} [محمد: 15] الآيات، ورأت هذه ~~الزوجة في منامها ظهر يوم الأربعاء خامس شعبان سنة ثمان وخمسين ~~المذكورة، أن جاءها شخص عليه ثياب بيض حسان، وله شعر يضرب ~~إلى منكبيه، وعمامته حسنة لم تر مثلها في عمائم الناس، وهو ملثم وفي ~~وجهه مثل البرق من النور، فوقف على بابنا، وقال: تعالوا. قالت: ~~فلبست إزاري وذهبت معه، وجئت أنت ورائي، فذهب بنا غير بعيد، ~~ثم فتح بابا، وقال: ادخلوا. فدخلنا إلى بستان فيه من جميع الأشجار، ~~التفاح، والكمثرى، والنبق، وغير ذلك، وفيه مياه تجري يمينا وشمالا في ~~غير أخدود، وعلى الأشجار طيور، لم تسمع أحسن من أصواتها، وإذا ~~مشينا كانت الثمار على رؤوسنا، وتربة أرضه صفراء كالزعفران، ولها، ~~ولأشجاره، ورياحينه من الروائح ما لم ير مثله فانتهينا إلى مكان منه، ~~فطلعنا فوق شيء كأنه السرير، فجلسنا متكئين، وكانت الثمار على ~~رؤوسنا، فشرعنا نقتطف، ونأكل، وكأنها ظنت أنا نرجع إلى بيتنا. # فقالت لي: خذ لنا من هذه الثمار. فقال ذلك الرجل: أنتم لا تخرجون # من ههنا، وكنا لما دخلنا إلى ذلك المكان دفع إلينا ثياب بيض PageV02P022 ~~وخضر، وقيل لنا اخلعوا ثيابكم، فارموا بها، والبسوا هذه، ففعلنا ثم ~~جاءنا ذلك الرجل بعد يسير قالت: فكلمته ms217 أنت بشيء. فقالت: الساعة ~~تأتيكم الناس، واستيقظت ونحن على تلك الحال، حقق الله ذلك آمين. # يوم السبت خامس عشريه لبس الزين يحيى بالإستدار خلعة ~~بإستدارية المقر الشريف الشهابي سيدي أحمد بن السلطان عز نصره. # وفي هذا الحد مرض قاضي الشافعية العلم البلقيني بالدوخة، فأرسل ~~إلى السلطان، يشكو من ذلك، فرسم له أن يستمر راكبا إلى جامع ~~القلعة، ففعل، وصار ذلك له عادة، وكان الظاهر جقمق، قد رسم ~~لقاضي الحنفية السعد الديري، بأن يطلع راكبا إلى الدهيشة لشيخوخته ~~وعلمه، فصارا يركبان في القلعة من بين القضاة. ### ||| قصة سالم الحنبلي: # وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرية، ورد الخبر من نائب حلب، أن ~~القاضي مجد الدين سالما الحنبلي قتل عبد الرحمن بن قاضي عنتاب؛ ~~لأنه أدعي عليه عنده عليه بكلمات كفرية، وأنه قتل ولده، وجاريته، ~~فحكم بكفره وأراد قتله، فذكر عبد الرحمن أن بينه وبين القاضي ما يمنع ~~حكمه فيه، وذكر أشياء من الخصومات المشهورة بينهما بتلك الديار، ~~فمنعه النائب من قتله إلا بطريقة الشرعي، واجتماع القاضي على ذلك، ~~فأخذه من السجن ليلا إلى بيته وخنقه، وأخرجه في مستهل صفر ميتا PageV02P023 ~~على رأس حمار ينادي عليه، هذا جزاء من يكفر بالله، وأقل جزائه، ثم ~~ألقاه على باب دار السعادة، فغضب السلطان من ذلك، وطلب ~~القضاة، وفاوضهم في ذلك، يوم الأربعاء تاسع عشريه، فأجمعوا على ~~خطأ القاضي، واتفقوا على قتله، فكان ذلك من أغرب الأمور، أن يجزم ~~بقتل غائب، بكتاب نائب من نواب البلاد من غير أن تعرف حجته على ~~تقدير صحرة الإنهاء، فإنا لله وغنا إليه راجعون، وذهب القاصد لرفعه إلى ~~القلعة، لينظر ما يفعل فيه، ثم استفتى السلطان القضاة، فكتبوا ~~خطوطهم بأنه يقتل إن كان قتله عدوانان فكانت هذه أدهى وأمر، وشاع ~~أن القضاة أفتوا بقتله، وجهزت مراسيم بذلك، ثم جهزت مراسيم بأن ~~يضرب كل شاهد شهد عليه خمسمائة، فكانت هذه القضية من أغرب ~~القضايا أولا وآخرا، وسر هذا الخباط فيها؛ أن ناظر الخاص كان ~~شديد البغض في كاتب السر ابن الشحنة، شديد ms218 الحب لأهانته، ثقيلا ~~عليه ولايته، عزيزا عليه اتصاله بالملك، ورأى أن غرض نائب حلب ~~غرض إهانة سالم، وأن السلطان يراعي نائب حلب، وأن ذلك على خلاف ~~غرض ابن الشحنة. لأمرين: الأول أنه خلاف الحق، الثاني أن سالما من ~~محبي ابن الشحنة، وابن قاضي عنتاب من أعدائه، فقام في ذلك أشد ~~قيام، وشمر فيه عن ساعد الجد، وكشف القناع على أن زندقة ابن قاضي ~~عنتاب بلغت حد التواتر، وجاءت كتب أهل الخير من حلب بتحسين ~~ما فعل سالم، من ذلك كتاب شخص يقال له عبد الرحمن بن داود، ~~شاب نشأ في عبادة الله، والاشتغال بالعلم، والتحلي بخلال الخير، PageV02P024 ~~فكتب إلى كاتب السر ما نصه ومن خطه نقلت: «هو الله الحق ~~البصير، العظمة لك، والبقاء لوجهك، يا ولي التوفيق، وقاصم كل ~~كافر وزنديق، عز مجد ربنا وجل ذكره، وتقدس كماله، ولا إله غيره ثم ~~ليعلم سيدنا شيخ الإسلام أيده الله، أن أهل الحق، من أهل حلب ~~قاطبة شكروا الله سبحانه سرورا بمقتل عدو الله المارق من دين الإسلام، ~~الذي قد شاع وذاع بين من يعرفه من المسلمين زندقته واستخفافه ~~بالجناب الإلهي، والشرع المحمدي، ولله الحمد والمنة على ظهور الدين ~~الحنيفي، ونفوذ أمره، والله أكبر على كل متكبر يطغى في دين الله، ~~ويطعن أو يحط من قدره، ونبرأ إلى الله من خاذلي الأحكام الشرعية، ~~وناصري رهط الضلالة على أهل العصابة الإيمانية، استرسالا مع حظوظ ~~نفوسهم المدنسة، وإباء عن الانتصار للشريعة المقدسة، ومع ذلك ~~يزعمون أنهم سلم لك، وحرب لأعدائك، كذبوا والله، فإنهم لا عهد ~~لهم، فالله الله يا سيدي إلا ما دحضت حجج الباطل بسيف الحق». # ثم رسم بتجهيز مثال إلى نائب حلب، بأن يضرب كل واحد من ~~الشهود الذين شهدوا على ابن قاضي عنتاب خمسمائة عصا. ### || # وفي يوم السبت ثاني شهر ربيع الأول قدم عبد العزيز بن محمد ~~الصغير المحتسب للسلطان ست عشرة فرسا، منها ثمان كاملة اللبوس ~~الحربية، ونحو عشرين قفصا لم أعلم ما فيها، ولبس ابن البشيري PageV02P025 ~~خلعة بنظر الدولة ms219 عن التاج الخطير . ### ||| مولد السلطان: # وفي ليلة الاثنين حادي عشر شهر ربيع الأول من السنة، وهي سنة ثمان وخمسين ~~وثمانمائة، عمل المولد النبوي للسلطان، وحضره الأمراء والقضاة ~~والأعيان على العادة. ### ||| غضب تمراز: # وفي يوم الثلاثاء ثاني عشرة، غضب تمراز الدويدار الثاني، وطرد ~~النقباء، ورأس نوبتهم عن بابه، وترك الطلوع إلى الخدمة؛ وسبب ذلك ~~أنه كان بينه وبين اثنين من أكابر الجند شركة في قريتين بالغربية، نفيه ~~وأبشيه، فقبض على بعض فلاحيهما، وأهانهم، فاعترض عليه رفيقاه، ~~فطلب قسمة كل من البلدين بينه وبينهما، فلم يجيباه إلى ذلك؛ خوفا ~~من أن يتغلب ما يختص به من الفلاحين على من يختص بهما، فتخرب ~~حصتهما وتخاصما في ذلك بحضرة السلطان، فحسن السلطان كلامهما، ~~فعز ذلك عليه. ولما انقطع عن الخدمة، أتاه المباشرون كلهم ليستعطفوا ~~خاطره، فأخفى نفسه منهم، ثم ترددوا إليه وهو يخفي نفسه، ويقول ~~أتباعه: إنه في الربيع، ثم ذهب إليه الدويدار الكبير، فقيل له مثل ~~ذلك، فقال: إن لم يخرج إلي هجمت على حريمه، حتى أنظر هل هو ~~في البيت أو لا، فخرج إليه، فلم يزل به حتى طلع به إلى السلطان، ~~فأصلح بينهم، بأن أعطاه أحسن البلدين، وجعل لصاحبيه في ~~الخزانة مثل ما فاتهما، إلى أن ينحل من الإقطاعات ما يوازي ذلك ~~فيعطيه لهما. PageV02P026 ### ||| سفر الإستدار: # وفي هذا الحد توجه الإستدار إلى ناحية بلبيس، وأرسل من جنده من ~~بيت محمد بن عبيد المشهور بالفضل، في مظناته، فلم يظفروا به، ~~وقبضوا على جماعة قالوا إنهم من جماعته، وقبضوا على جماعة من مشائخ ~~العربان، ودخل بهم يوم الجمعة، ثم ضرب مشائخ العربان يوم السبت ~~سادس عشره، لعدم تضييقهم على الفضل، وتحصيله، ورفع بعضهم ~~إلى البرج. ### ||| موت الشريف النشابي: # وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشرة، توفي الشريف عمر بن [أحمد بن ~~يوسف] العباسي الحلبي النشابي، عن أكثر من سبعين سنة، ~~وكان استاذا في صنعة النشاب، لم يكن في زمانه مثله، مع الدين ~~المتين، والكرم، وملازمة الرباط في ثغر دمياط، والمواظبة على أفعال ~~الخير وتلاوة القرآن ms220 والاعتزال عن الناس، مع محبتهم فيه وتعظيمهم له، ~~لاسيما الأجناد، لاسيما الأكابر منهم، وكانت له حظوة كبيرة ~~عند الظاهر جقمق وجماعته. ### ||| نزول السلطان إلى خليج الزعفران: # وفي هذا اليوم سير السلطان إلى خليج الزعفران، ثم رجع ~~من باب النصر، وشق بين القصرين، فكان ذلك من الخوارق الدالة PageV02P027 ~~على قوة ثباته، ومتانة عقله، وأصالة رأيه، ومن ثمرات إغضائه في مثل ~~قضية تمراز الدويدار الثاني، وإضرابه، ودخل إلى القلعة من حيث خرج ~~من الباب الذي إلى جانب الحوض، الذي دون باب المدرج، وكان يوما ~~مشهودا. ### ||| قصة سليمان البحيري وإسلال السلطان على القضاة: # وفي العشر الأخير، من هذا الشهر أطلع السلطان على عوار في ~~قضية للذي كان قاضي المحمل الحجازي في هذه السنة، فسأل عنه، ~~فقيل إنه نائب للقاضي الشافعي، ثم ذكرت له أحوال نوابه في الثكرة ~~الزائدة عن الحد، والجهل والدناءة، ثم وقع شخص يقال له سليمان ~~البحيري، كان الظاهر جقمق جعله إماما بالقصر وقربه، وهو غير ~~مستحق للقرب، فاتهم في هذه الأيام بسرقة أمتعة نفيسة لزوجته، وأنه ~~واطأ على ذلك جارية زنجية عتيقة، فادعي عليه عند يونس ~~الدويدار الكبير، فأنكر، وادعى أنه لا يعرف هذه الجارية بوجه من ~~الوجوه، ثم أنه رفع أمره إلى بعض نواب القضاة، فحلف على نفي ما ~~وسموه به، وخلص، ثم ذهبت الجارية إلى دمياط فتبعها، وأراد بيعها ~~هناك، فاستغاثت بالناس، فصادفه من كان حاضرا ما اتفق له عند ~~الدويدار، فحدث نائب دمياط بذلك، فوضعه في زنجير، ثم جهزه إلى ~~الدويدار، فأعلم السلطان به، فتأثر لذلك، فشكا إليه الوالي خير بك ~~أن المتهمين، يذهبون إلى القضاة، فيقنعون منهم بالأيمان، ويحكمون ~~بعدم معارضتهم إلا من الشرع وأن أحكام أهل السياسة تعطلت لذلك، ~~وشكواه من كثرة نواب القضاة وتهافتهم، فأمر بأن يعرضوا عليه، PageV02P028 ~~فعزل الشافعي أكثر نوابه، وأما الحنفي فتصلب، وقال: لا أعزل ~~من نوابي أحدا، فلما طلع القضاة يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر لتهنئة ~~السلطان بالشهر، عاتبهم في أخذهم من بيوت حكام السياسة، فبادر ~~الشافعي إلى إنكار ms221 ذلك، وسأل الدويدار الكبير، هل أخذ من عندك ~~غريما قط؟ فقال: أكثر من ثلاثين مرة، فنقلهم كاتب السر المحب ~~بن الشحنة إلى كلام آخر، شغلهم به عن الخوض في هذه القضية، ~~وانفصل المجلس على ذلك. ### || # وفي أوائل هذا الشهر، أطلق أزبك صهر الظاهر جقمق من ~~الصبيبة، وأمر به إلى القدس. ### ||| عقد المجلس لابن السائح: # ولما كان يوم الأربعاء، رابع الشهر عقد مجلس في الصالحية بالقضاة ~~الأربعة، لابن السائح بدر الدين حسن؛ بسبب حكمه الماضي في أيتام ~~أهل الذمة، فأجمع الأربعة على أن هذا الحكم غير صحيح، ولا جائز، ~~واعتذر الشافعي له، بأن مراده عدم التعرض لهم بما يؤذيهم، وعلى هذا ~~يكون صحيحا، وأن الموقعين كتبوا عنه ما لم يرده، وأيد ذلك بأنه لا ~~يظن بمسلم أن يقصد ظاهر قول الموثقين أنه حكم باستمرارهم على دين ~~آبائهم، اليهودية والنصرانية، وشنع عليهم جماعة من أتباع الحنفي من ~~أهل القدس، بأن العادة جرت، بأن يحكم القضاة بإسلام الكفار، وهذا ~~حكم بكفر المسلمين، فصاح عليه العوام، وأرادوا رجمه، ثم عقد له ~~مجلس بحضرة السلطان بكرة يوم الخميس من الشهر، فقيل فيه نحو من ~~ذلك، وانفصل المجلس على عزله من النيابة في القدس، ونقض حكمه، ~~وإرسال مرسوم إلى الحنبلي بالقدس، ليحكم بإسلام كل من حكم بكفره، ~~وقال السلطان: انظروا شكله، هل يكون حكمه إلا مناسبا لشكله، PageV02P029 ~~وكان شكله في غاية القباحة، كوسجا، منفخ العينين، سمج ~~الوجه، كبير العمامة، رقيع البشرة، قصير القامة. وكان من المتعصبين ~~له، القائمين معه الدويدار الكبير يونس، وكان ممن أفتى له، أن حكمه ~~صحيح، الجلال المحلي، ويحيى المناوي؛ لأجل الدويدار رجا أن ~~يحضر عقد المجلس بحضرة السلطان، فيكون سببا بميل السلطان إليه، ~~بعد أن أفتى بالبطلان، وكان قد قرر الدويدار مع نقيب الجيش ~~أن يحضر كل من أفتى بالصحة فلم يفعل ذلك، وكان اجتماع القضاة ~~في الصالحية بغير علم الدويدار؛ فانحرف لذلك، فلما أتاه قاصد PageV02P030 ~~نقيب الجيش فأخبره بما اتفق بحضرة السلطان أمر به، فبطح على ~~الأرض، وضرب، وكان شبهة المحلي، ms222 ومن تابعه في الإفتاء بالصحة ما ~~في باب اللقيط من الروضة وغيرها في الجهة الثالثة من جهات ~~التبعية، وهي الدار، الحال الثاني دار الكفر، فإن لم يكن فيها مسلم ~~فاللقيط الموجود فيها محكوم بكفره، ولو كان فيها تجار مسلمون عاكفون ~~فهل يحكم بكفرة تبعا للدار، أو بإسلامه تغليبا للإسلام؟ وجهان ~~أصحهما الثاني، وحيث حكمنا بالكفر، فلو كان أهل البقعة أصحاب ~~ملل مختلفة، فالقياس أن يجعل من أصوبهم دينا فشرع اللقيط الموجود في ~~دار الإسلام لو ادعى ذمي نسبه، وأقام عليه بينة لحقه وتبعه في الكفر ~~وارتفع ما كنا نظنه، وإن اقتصر على مجرد الدعوى، فالمذهب أنه مسلم ~~وهو المنصوص وبه قطع أبو إسحاق وغيره، وصححه الأكثرون وقيل ~~قولان ثانيهما يحكم بكفره؛ لأنه يلحقه بالاستلحاق، وإذا ثبت نسبه تبعه ~~في الدين، وتمسكهم بهذا غلط صرف لا ريب فيه؛ فإن المراد بالحكم في ~~جميع هذه المسائل إسناد الكفر إليهم والإخبار به عنهم من وادي قوله ~~تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}[الجاثية:21]. PageV02P031 ~~وهذا مع اعتقادنا المنع من الكفر، وأنه يسخط الله، وأن الرامي به، ~~مستحسنا له كافر. # وأما الحكم الذي هو قضاء القاضي فلا يكون إلا في أمر تعتقد ~~صحته وجوازه، ومما يدل على إطلاق الأصحاب الحكم على نفس ~~التقرير من غير قضاء القاضي ما اختاره السبكي في أنكحة الكفار ~~إذا أسلموا من أنها إن وقعت على وفق الشرع فهي صحيحة، وإلا فهي ~~محكوم لها بالصحة، ولا نقول أنها صحيحة؛ لأن الصحة حكم شرعي ~~أنهى معنى محكوم لها بالصحة أنه يفعل بها ما يفعل بالمقضي به من تقريره، ~~وعدم التعرض إليه، ولا نقول أنها صحيحة أي ولا نصفها بالصحة، ~~بل نصفها بأنها مقررة والله أعلم. # وفي نفس كتاب اللقيط مما يرد عليهم أكثر مما تمسكوا به، يعرف ذلك ~~بالتأمل الصحيح له مع ما قبله، وما بعده، منه قوله في الصبي المميز إذا ~~تكلم بالإسلام: والثالث يصح إسلامه، وعلى هذا لو ارتد ms223 صحت ردته. # قلت: الحكم بصحة الردة بعيد، بل غلط والله أعلم. ومنه: وأما ما # يتعلق بالآخرة فقال الأستاذ أبو إسحاق إذا أضمر الإسلام كما أظهره كان ~~من الفائزين بالجنة، قال الإمام في هذا إشكال؛ لأن من يحكم له بالفوز ~~بإسلامه، كيف لا يحكم بإسلامه ويحاسب عنه بأنه قد يحكم بالفوز في ~~الآخرة، وغن لم نحكم بأحكام الإسلام في الدنيا كمن لم تبلغه الدعوة، PageV02P032 ~~ومنه التبعية في الإسلام ثلاث جهات، أحدها إسلام الأبوين أو أحدهما، ~~ويتصور ذلك من وجهين، أحدهما أن يكون الأبوان، أو أحدهما مسلما ~~يوم العلوق، فيحكم بإسلام الولد؛ لأنه جزء من مسلم، فإن بلغ ~~ووصف الكفر فهو مرتد. ومنه ثم إذا بلغ هذا الصبي، فإن أفصح ~~بالإسلام تأكد ما حكمنا به، وإن أفصح بالكفر، فنقول: إن المشهور ~~أنه مرتد؛ لأنه سبق الحكم بإسلامه جزما، فأشبه من باشر الإسلام ثم ~~ارتد، كما إذا حصل العلوق في حال الإسلام، والثاني أنه كافر أصلي؛ ~~لأنه كان محكوما بكفره أولا، وأزيل تبعا، فإذا استقل زالت التبعية، ~~وكثير من مثل هذا. ### ||| سفر نائب جدة: # وفي يوم الخميس هذا، توجه الأمير جانبك نائب جدة إلى جدة، ~~ومعه تولية الشريف معزي إمرة ينبع، فبلغنا أنه لما وصل إلى ينبع بذلك ~~صادف الذي أخذ عنه معزي قد مات. # وفي يوم الخميس هذا، سافر أيضا الأمير بردبك، صهر السلطان إلى ~~الفيوم؛ لكشف ما تحتاجه القنطرة التي بها، وذهب معه الشرف ~~الأنصاري، ويوسف المهندس. ### ||| إنزال الفقهاء عن الخيل: # وفي يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الآخر هذا، وهو من سنة ~~ثمان وخمسين وثمانمائة، تفرق كثير من الجند في البلد، فلم يلقوا أحدا ~~من غيرهم على فرس إلا أنزلوه عنها وأخذوها، فإن نازعهم ضربوه، ~~وكان أكبر ذلك على الفقهاء، وأشاعوا أن السلطان رسم لهم بذلك؛ ~~وأن سبب ذلك أن بعضهم أراد يشتري فرسا، فزايده فيها بعض الفقهاء PageV02P033 ~~زيادة فاحشة كان [الجندي إذا] زاد مائة أو خمسين أو نحو ذلك، ~~يزيد الفقيه ألفا، فترك الجندي ذلك، ورفع إلى السلطان، فرسم بما ms224 ~~ادعوه، وجاء الناس هذا الأمر على بغتة، فأوذي بسبب ذلك أكثر ~~الناس؛ فأسفرت العاقبة عن أن ذلك اختلاق على السلطان، من تدبير ~~أكابر ذوي مكرهم، جعلوه مقدمة لركوبهم عليه؛ فأرادوا أن يحرقوا قلوب ~~الناس منه على قصر مدته فتجتمع القلوب على محبة زواله، فإذا ركب ~~عليه أحد اجتمع الناس على نصرته، وغضب السلطان لما بلغه ذلك ~~غضبا شديدا، وأمر برد خيول الناس، وتهدد من امتنع بالتوسيط، فرد ~~كثير منها في هذا اليوم، ثم استمر شرهم، ولكن أخف مما كان، وقامت ~~قرائن تدل على أن السلطان وقعت منه زلة في الإذن لهم، ثم ندم عليها أو ~~لم يندم، ولكنه أظهر الندم لكراهة نسبة الفعل إليه والله أعلم بحقيقة ~~الحال. # وفي يوم الخميس ثاني عشرة قدم الأمير بردبك، فأعلم السلطان بأن ~~القنطرة تحتاج إلى إصلاح، وأنه يصرف عليها نحو ثلاثة آلاف دينار، ~~وأن الصواب أن يشرع في [أمرها] حين هبوط النيل، ليتم ما يراد من ~~ذلك، وأما الشروع الآن فخطأ، لعدم تمام المقصود قبل ارتفاع النيل ~~والخوف على ما يعمل منه. PageV02P034 ~~وفي هذا الحد، توجه والي الشرطة على ركائب هجن خفية، ~~ولم يعلم إلى أي شيء توجه، فذهبت أوهام الناس في ذلك كل مذهب، ~~وقالوا: إنه توجه نحو قطيا، ثم كشف أمره عن أنه ذهب لأجل شخص ~~يفسد سكة السلطان، كما يأتي، ويضرب الدراهم خارج دار السلطان. # وفي يوم الاثنين سادس عشره اجتمع كثير من جند ظاهرية جقمق ~~على ناظر الخاص، فأرادوا ضربه، فحماه منهم قوم آخرون منهم، ~~وتلقوا عنه الضرب، وقالوا: إن سبب ذلك طلبهم أن يبذل لهم ~~السلطان ما كان وعدهم به من النفقة، وهو عشرون دينارا لكل واحد، ~~ثم اجتمعوا على شخص من الأشرفية يقال له بيبرس أمير آخور ~~صغير، فضربوه لكونه لبس سلاريا، وليست له وظيفة تقتضي، وكان ~~ذلك عند مدرسة السلطان حسن، فهرب منهم وهم وراءه إلى أن إلتجأ ~~إلى بيت الأمير بردبك، وهو المجاور لذلك المكان، فدخلوا وراءه حتى ~~وصلوا بخيولهم إلى عند المقعد الذي به، ms225 فرأى الناس أنهم افتأتوا على PageV02P035 ~~الفقهاء فما أنكر السلطان ذلك إنكارا يردعهم، ثم فعلوا هذا فكذلك، ~~فغلب على ظنونهم أن السلطان أغراهم على مثل ذلك ليتضاد الجند ~~فيأمن بشغل كل طائفة بأخرى ~~وفي هذا الحد، ورد الخبر بموت القاضي تقي الدين أبي بكر ~~الأذرعي الشافعي في هذا الشهر، فيما أظن بدمشق عن أكثر من خمسين ~~سنة، وكان موته فجأة، وكان علامة في الفقه، عفيفا في قضائه، نزها ~~رحمه الله. # ثم ورد كتاب القاضي صلاح الدين خليل بن السابق أن موته كان ~~ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الآخر هذا، وأخذ وظائفه شخص من ~~أمراء دمشق، يقال له علان؛ فطرق الفقهاء داهية لم يطرقوا بمثلها، ثم ~~أخذها ناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب جكم، ثم أرسل إليه قاضي ~~الشافعية بدمشق الجمال بن الباعوني بأنه أخذ بعضها وأعطى البعض ~~الآخر لبعض أعيان دمشق، فأجاز لهم ذلك، وأرسل إليهم مستنده. # وموت الإمام العلامة حسين بن يوسف بن علي الخلاطي الأصل ~~العجمي في مكة المشرفة، عن أكثر من ستين سنة، وكان إماما عالما ~~عاملا مفننا علامة في عدة فنون. PageV02P036 ~~وفي يوم الأربعاء ثامن عشر هذا الشهر، رجع والي الشرطة فأسفرت ~~عاقبته عن أنه توجه في طلب شخص يضرب الزغل فوجده في ~~قطيا، فقبض عليه، ووجد معه ستين ألف درهم عددا من ضربه. # وفي يوم الخميس سادس عشري الشهر قابل محمد بن عبيد بن سلامة ~~الوائلي المسماري (نسبة إلى قرية بالشرقية تسمى تل مسمار) المشهور ~~بالفضل السلطان، فقبل طاعته وأمنه، وهذا الرجل أحد عربان بني ~~وائل من الشرقية، وكان خارجا عن طاعة السلطنة، وهو شجاع بطل ~~فاتك لا يصطلى له بنار، مع الشكل الحسن، والقامة التامة، رجل ~~شاب، ممتلئ شبابا، بلحية حسنة معتدلة حادة السواد، طويل ممتلئ ~~الجسم، غير منسوب إلى السمن، أبيض اللون أزهر. # ولم ينقل عن أحد من أهل زمانه مثل شجاعته وفروسيته، ولا مثل ~~عفته وتؤدته في عصيانه، يكون في أقل من عشرين فارسا، فيقصدهم ~~المائة من الترك وغيرهم، فلا يهرب بل يون ms226 قريبا منهم، فإذا مشوا ~~للقائهم، كف عنهم واجتهد في مناشدتهم في الرجوع عنه، فإن لم يكفوا، ~~وتحقق منهم الشر، حمل عليهم فشتت شملهم، وأباد منهم، من قرب ~~إليه أجله ويهزم الباقين، ولا يقطع الطريق على أحد، بل عيشه من أنه ~~يقصد البلد ثم يرسل إلى كبيرها أو أكابرها أن محمد بن عبيد يطلب ~~ضيافته، فيرسلون له ما يسمحون به من عشرة دنانير فما فوقها، وربما ~~ضاق عيشه، فيقصد مالا للإستدار ونحوه من الأعيان فيأخذ منه ما ~~أراد، ويقول للموكلين به: قولوا للأمير، محمد بن عبيد أخذ من مالك PageV02P037 ~~كذا بسبب الإدلال على صدقاتك؛ لأنه محتاج إليه، وله من مثل ~~ذلك ما لو كتب في مجلد لاحتمله، وكان له نحو خمس سنين خارجا عن ~~الطاعة؛ وسبب طاعته بعد هذا العصيان المتطاول الزمن أن السلطان ~~قبض على جميع مشائخ العرب بالشرقية، وأهانهم وضرب بعضهم لإيوائه ~~والإحسان إليه عندما يقصدهم، فصار إذا قصد بعد ذلك أحدا منهم ~~سأله الخروج من بلاده، ولم يحسن إليه؛ فلان للطاعة، ثم اجتمع به ~~قاضي الخانكة عز الدين المنوفي فكلمه في ذلك، ومشى بينه وبين ~~الإستدار بم أوصلوا القاضية بالسلطان، فأمنه إلى أن حضر في هذا ~~اليوم وسر الناس بذلك، وأقام بالقاهرة أياما، ثم رده السلطان إلى بلاده ~~بخلعة حسنة. ### ||| موت ابن المخلطة: # وفي يوم الأحد تاسع عشري شهر ربيع الآخر المذكور مات القاضي ~~ناصر الدين محمد بن المخلطة، أحد أعيان نواب المالكية، وناظر ~~المرستان المنصوري عن نيف وستين سنة، وصلى عليه قاضي الشافعية ~~العلم البلقيني في باب النصر، وحضر جنازته القضاة الأربعة، وأعيان ~~الناس، ولم يكن له يد في علم من العلوم، وكان من قضاة السوء، لا ~~يحتشم من التصريح بأخذ الرشوة على القضاء، مع نسبته إلى أمور غير ~~ذلك، مما يخل بالديانة والمروءة، وعشق لأذى الناس والتهكم بهم، PageV02P038 ~~وهبت يوم موته ريح شديدة حارة نسفت التراب والرمل، فأظلم لها الجو ~~واشتد بها أذى الناس، لاسيما من حضر جنازته، ولم يكن مثلها في يوم ~~موت أحد فيما ms227 شاهدناه، إلا ما كان يوم موت البدر الأسيوطي، كما ~~تقدم، فقال بعض الفضلاء: هذه تشبه ما اتفق في غزوة بني ~~المصطلق من الريح التي هالت الصحابة رضي الله عنهم، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنها هبت لموت عظيم من المنافقين. وخلف ولده القاضي بدر ~~الدين، من فضلاء المالكية وعقلائهم، وسعى الناس في نظر المرستان ~~بالمال، حتى بذل بعضهم للسلطان نفسه ألف دينار، فأبى، وولاها ~~للقاضي جلال الدين عبد الرحمن بن القاضي نور الدين على بن شيخ PageV02P039 ~~الإسلام سراج الدين عمر بن الملقن من غير سعي منه، بل لصحبة ~~له بالسلطان قديمة، فحمد الناس له ذلك، وأطبقوا على مدحه به، ~~وعظم سرورهم؛ لعقل ابن الملقن الوافر، ودينه المتين، وحشمته ~~الكبيرة، وخلع عليه بذلك يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأولى، ونزل ~~بالخلعة إلى المرستان، والقضاة معه ونوابهم وغيرهم من أحبابه، فكان له ~~موكب جليل، وعدها الناس نعمتين، موت ذاك، وولاية هذا، نسأل ~~الله له التوفيق والمعونة. وكان قاضي المالكية الولي السنباطي خائفا من أن ~~يعزل بابن المخلطة، فلما طلع في هذا اليوم لتهنئة السلطان بالشهر طلع ~~من باب القلعة ماشيا على عادته وطلع الشافعي والحنفي راكبين إلى باب ~~القلعة على ما استمر لهما من العادة، فتمارض المالكي في هذا اليوم، ~~وأظهر ضعفا كبيرا، فلما هنأوا ابن السلطان وكان نازلا في أقصى ~~الحوش، وطلب القاضيان بغلتيهما ليركبان من عند باب الدهيشة، ~~طلب المالكي بغلته فركب معهما، ولم يبق فيهما ماشيا إلا الحنبلي، وهو ~~العز أحمد بن نصر الله الكناني. ### || # وفي يوم السبت خامس الشهر، اتفق لدويداري السلطان يونس ~~الدويدار الكبير، وتمراز الدويدار الثاني أمر، وهو أنه كان من أهل ~~ذيبى، بلد بنواحي ديروط رجل مشهور بالشجاعة والفتك والشر، اتهم PageV02P040 ~~بقتيل، فشكى عليه بسببه، واشتد عليه الأمر فيه، وكأنه كان بريا من ~~قتله، فالتجأ إلى تمراز فأمنه، فالتجأ أخصامه إلى يونس، فطلبه من تمراز ~~فمنعه منه، ثم أرسله إليه في يوم السبت هذا، فضربه بالمقارع وسجنه، ~~فلما طلعوا يوم الأحد إلى القلعة واجتمعوا لدى ms228 السلطان أغلظ تمراز ~~ليونس، ونسبه إلى الحكم بهوى النفس والإعراض عن الشرع، فنصر ~~السلطان يونس عليه؛ فغضب من ذلك، وقال: لا حاجة لي ~~بالدويدارية. فقال السلطان: اخرج عني لعنك الله، فنزل إلى بيته فطرد ~~النقباء، وأغلق بابه، ثم ذهب إليه الأكابر فترضوه، فلم يرض، وكان ~~من أكابر القائمين في إزالة دولة المنصور، وإثبات دولة هذا، فقال لناظر ~~الخاص لما ذهب إليه ليترضاه: هكذا حظي طلع الظاهر إلى القلعة ~~يوم تسلطن وأنا آخذ بركابه، وكان حظي عنده ما علمت من النفي ~~والحس والسعي في إراقة الدم، وكان قيامي في نصر هذا الرجل كما ~~علمت، فكان حظي منه ما ترى، ثم كثر المترددون إليه من إخوته ومن ~~غيرهم يسألون أن يطلع يوم الخميس عاشر الشهر بلبس خلعة باستمراره ~~على عادته، فلم يجب، واستمر في بيته منقطعا عن الخدمة، يتردد إلى ~~القرافة وغيرها مما كان يتعهده قبل الدويدارية، ولم يخرج للقاء نائب ~~الشام، فاشتد غضب السلطان لذلك، فطلع إليه الأمير جانم أخو ~~الأشرف يرسباي في غير وقت الخدمة يشفع فيه، فازداد غضبا من ذلك ~~وكلمه كلاما صعبا في ما يتحدث فيه الأشرفية فيما بينهم، وما يبرمونه له ~~من المكائد، وأنه تنقل إليه جميعه، وقال له: هل رأيت أحدا من الأمراء ~~طلع إلى [السلطان في] غير وقت الخدمة؟! ونحو ذلك من الكلام، ~~الذي معناه أنكم لا تنظرون إلي بعين الإجلال اللائق بالملوك. وقال له: PageV02P041 ~~أقيموا سنجقكم بالرميلة، فلم يخرج من عنده إلا ساقط القوى، ثم ~~رسم السلطان بنفي تمراز، فنفي يوم الأحد العشرين من الشهر، ولا ~~يشك هو، ولا أحد أنه ذاهب إلى القدس، فلما كان في غزة وضع في ~~عنقه زنجير وفي رجليه قيد وأرسل إلى صفد. # وفي يوم الجمعة حادي عشر الشهر، تواترت القرائن الدالة على أن ~~نائب الشام جلبان يصل يوم الأحد إلى الخانكة، فطلع النا لملاقاته، ~~ابن السلطان، وجميع الأمراء، الكبار والصغار، والمباشرين إلا كاتب ~~السر؛ فإن السلطان منعه لما يعلم من ضعف حاله، وخفة ذات يده؛ ~~لما حصل له ms229 في أيام الظاهر من المحن، وأقام الملاقون ظاهر الخانكاه إلا ~~ناظر الخاص وبردبك صهر السلطان فتقدما إلى بلبيس. # وثار في يوم الأحد ثالث عشر الشهر ريح عاصف رمى الخيام وسفى ~~عليهم الرمل، وأظلم له الأفق وقاسوا منه شدائد، وكان قد تواتر مثل ~~ذلك في أيام متعددة في هذا الشهر، والذي قبله فأفسد المقاثي، ~~وغلت الخضروات حتى لم تكد توجد. # وفي يوم الخميس طلع نائب الشام إلى السلطان في القصر، فقام له ~~وأكرمه، ثم أمر له بخلعة استمرار فألبسها، فلما جاء نهض له السلطان ~~ولم يقم، فلما أراد الانصراف قام له، ثم أنزله في الميدان، وأجرى عليه ~~الضيافة، ثم طلعت تقدمته مائتي فرس وثلاثمائة قفص على رؤوس ~~ثلاثمائة حمال، وطبقا فيه ذهب قيل: إنه أربعون دينارا. PageV02P042 ~~وفي يوم الأحد العشرين من الشهر طلب السعد إبراهيم الوزير من ~~السلطان، أن يعينه في الجامكية، فسعى الأمين بن الهيصم، بواسطة ~~الجمال يوسف ناظر الخاص فأجيب. ### ||| نفي تمراز الدويدار الثاني: # وفي هذا اليوم نفي الأمير تمراز، الذي كان دويدارا ثانيا، أرسل إليه ~~السلطان نقيب الجيش، فأخرجه من بيته وشيعه إلى الخانكة، ووكل به ~~من وصل معه إلى قطيا. ### ||| ولاية الأمير بردبك الدويدارية الثانية حادي عشري جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وثمانمائة: # وفي يوم الاثنين حادي عشري الشهر ألبس بردبك صهر السلطان ~~خلعة بالدويدارية الثانية، ولأمين بن الهيصم خلعة بالوزر، وكان يوما ~~مشهودا؛ لبردبك لقربه من أستاذه، وتمكنه لديه ولظهور ضخامة ملك ~~أستاذه بهذه الفعايل والله تعالى المسؤول أن يقدم في ذلك كل خير. # وكان قدم مع نائب الشام العجل بن نعير من آل فضل، وكان قبل ~~ذلك خارجا يقطع الطريق، ويفسد في الأرض، وكان أمير عربان آل ~~فضل واحدا منهم اسمه عساف، فأرسل نائب حلب قانباي الحمزاوي ~~يخبر أن سيرة عساف حسنة وأن العربان في غاية المحبة والطواعية، ~~والناس معه في خير، وأن سيرة العجل سيئة جدا، وربما يحصل من ولايته ~~شر، فحار السلطان بين نائب الشام، ونائب حلب، ثم رأى أنه لا ~~يخيب نائب ms230 الشام، فولى العجل، وألبسه خلعة بإمرة العربان؛ وذلك ~~لأن نائب الشام كان شفع عنده في قانباى الشركسي ليخرجه من ~~السجن فلم يجبه واعتذر له بأني لست مبقيه في الحبس غضبا عليه، ~~ولكن لأجل الإصلاح؛ وذلك أن الأمور ليست في غاية الإحكام، بل PageV02P043 ~~الكلام كثير وللمفسدين قصد كبير في اختلال الأمور، ولقد تكلموا فيك ~~بما لو لم أكن ثابتا لجرى ما لا خير فيه، فإنهم قالوا: إنك ندمت على ~~طلب الحضور، وأنك عزمت على العصيان، فلما توجهت إلى السفر ~~قالوا: إنك إذا وصلت إلى القاهرة نصبت الحرب، وأن غالب الجند قد ~~كاتبوك لذل، واتعد تم له، فلما وصلت ولم يقع ذلك قالوا: إنك ~~تجلس في الميدان ليجتمع الجند، ثم تفعل. وأنا أعلم أن ذلك لم يكن ~~منه شيء، ولا قصد المتكلمين به إلا الفساد، فالحال غير قابل لإخراج ~~مثل قانباي وسأخرجه إن شاء الله تعالى، وأفعل معه ما يسرك. ثم كلمه ~~في إعادة المكوس التي كان أبطلها الظاهر، فاجتمع من دمشق والقاهرة ~~وغيرهم نحو أربعمائة نفس، وفيهم الأشراف والأعيان، وحملوا الربعات ~~وطلعوا إلى القلعة يصطرخون، فأعلم السلطان بهم، فأجابهم إلى إبطال ~~المكس، وأن ينقش ذلك في رخامة ويضعها في جدار دار ~~السعادة، فقالوا: بل في جامع بني أمية، فأجابهم إلى ذلك، ثم ذهبوا ~~إلى نائب الشام إلى الميدان، وصاحوا عليه وشتموه،وأسمعوه غليظ ما ~~يكسره وخذله الله في ذلك ولله الحمد، وسقط في أعين الناس بعد أن ~~سقط من عين الله. هذا وقد قارب المائة، فهو هرم لا يكاد يقدر على ~~الركوب. # وفي يوم الخميس رابع عشري الشهر مات القاضي علاء الدين بن ~~السائح قاضي الشافعية بالقدس، فاستقر بعده في القضاء البرهان ~~إبراهيم بن الجمال عبد الله بن جماعة. # وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشري جمادى الأولى المذكور ضرب شخص ~~من أتباع الوالي، وهو مقدم المقرعة عند خيمة الغلمان، تحت شباك ~~الصالحية بسكين، فوقع ميتا، فقيل له وهو بآخر رمق من ضربك، فقال: PageV02P044 ~~فلان من غلمان الإستدار فطلب، فوجد، فضرب، فأقر، فوسط ~~يوم ms231 الأربعاء مستهل جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين المذكورة في الموضع ~~الذي قتل فيه. # وفي يوم الخميس ثانيه لبس نائب الشام خلعة السفر، ونزل من ~~القلعة إلى خليج الزعفران مسافران فنزل به إلى الظهر، ثم رحل. # ولبس قاضي الشافعية العلم البلقيني خلعة باستمراره في ~~القضاء، وذلك لأنه كان أمن العزل لطول الأيام؛ لأنه ليس له من ~~العقل ما يتأمل به العواقب فرد شفاعات زوجته امرأة ابن مزهر، ~~وشافعات خوند، بل أرسلت إليه تستأجر منه بلدا تحت نظره، بمثل ما ~~كانت من غيرها، فلم يجبها، وهي التي كانت تساعده بواسطة زوجته، ~~فلما علم من له غرض في أداء ذلك سعى للمناوي بثلاثة آلاف دينار، ~~فكاد يتم أمره، فعلم الحمصي، وقد كان تكلم له صهره أمير المؤمنين ~~مع السلطان، فلما علم ذلك حصل عنده المقيم المقعد فأرسل إلى أبي ~~السلطان وأمه خوند، فتكلما في أمر الحمصي بالثلاثة الآلاف، فأبرماه إلى ~~أن كاد يتم، فعلم البلقيني، فاستغاث بناظر الخاص، فأنف ناظر ~~الخاص أن يفعل شيء بغيره، فسعى في إبطال ذلك، ولم يزل يدلس ~~ويتلطف إلى أن أبطله بألف دينار يعطها العلم. PageV02P045 ### || # وفي يوم الجمعة ثالثه، وصلت جثة خليل بن السلطان فرج بن ~~برقوق؛ وذلك أنه كان حين رجع من الحج رسم السلطان أن يكون في ~~دمياط، فمات بها في أواخر جمادى الأولى، ودفن، فأمرت أخته، زوجة ~~شرباش أمير آخور بنقله، وأقامت بتربتهم تنتظره، وعندها النواحات، ~~فنبش، ونقل، ووصل في هذا اليوم، فصلي عليه ودفن في تربة أبيه ~~وجده، فلا حول ولا قوة إلا بالله. # وفي يوم الثلاثاء رابع عشر الشهر وصل عبد العزيز بن معلاق ~~الرملي ناظر القدس والخليل، وإسماعيل بن عبد القادر، شيخ جبل ~~نابلس، فقابلهما السلطان بالإكرام وخلع عليهما. # وفي يوم الخميس ثالث عشرية، سافر جيش رأسهم جانم، أخو ~~الأشرف إلى البحيرة لأجل عربانها. ### ||| زيادة البحر: # وفيه، وهو الموافق لسادس عشري بؤونة من أشهر القبط بشر بزيادة ~~النيل. # وفي يوم الجمعة رابع عشرية، نادى المنادي، أن زيادة البحر خمس ~~أصابع، وكانت قاعدته ms232 سبع أذرع ونصف ذراع وإصبع، وذلك خمس ~~عشرة إصبعا؛ لأن الذراع قبل اثني عشر ذراعا ثمان وعشرون إصبعا، ~~وبعد ذلك أربع وعشرون. PageV02P046 ~~وفي أواخر هذا الشهر، وهو جمادى الأخرة سنة ثمان وخمسين، ورد ~~الخبر عن قضاة حلب، أنهم لم يجدوا وجها شرعيا لقتل المجد سالم ~~الحنبلي، فأوقع ناظر الخاص في ذهن السلطان، أن هذا من ابن الشحنة ~~لدسه في مراسيم السلطان ما يمنعهم من الإقدام، وإلا فلا مانع من ~~قتله؛ لأن قضاة مصر قد حكموا بقتله، وسمى له إفتاءهم حكما، ~~فغضب السلطان لذلك، وأمره بالكتابة بقتله، فقال: على حكم الشرع ~~وما أفتى به العلماء. فقال: نعم، فكتب بذلك، فلم يرض به ناظر ~~الخاص، فأمر بتغيير المرسوم، فغير مرارا، وهو لا يرضي ناظر الخاص، ~~وفي آخر الأمر قال ابن الشحنة: هذا يأبى يكتب الذي يريده مولانا ~~السلطان، وترك عنده المعين بن الشرف الأشقر، فكتب لهم ما أرادوا، ~~وكانوا أوقعوا في ذهن السلطان، أن قتل الزنديق الذي قتله سالم مع ~~منع نائب حلب له من ذلك، وأن نائب حلب شديد الحنق عليه، ~~كثير الطلب لقتله، ولم يكن ذلك صحيحا، وإنما المريد لذلك ~~كاتب سر حلب؛ فهو يكتب على لسان نائب حلب ما يريد، ثم إن PageV02P047 ~~كاتب سر دمشق القطب الخيضري، كتب عن نائب الشام، أنه ~~اطلع على أن قتل سالم للزنديق ما كان إلا بأمر ابن الشحنة، وكان ~~الخيضري أحد عبيد ناظر الخاص، فعلم أن ذلك منه، ولم يزالوا يغيروا ~~خاطر السلطان إلى أن كان يوم الثلاثاء خامس شهر رجب الفرد، فعزل ~~المحب بن الشحنة من كتابة السر ووليها المحب بن الأشقر، بواسطة ~~ناظر الخاص، والدويدارين، فاشتد غضب ابن السلطان من ذلك؛ ~~فإن ولاية ابن الشحنة كانت بسببه، وكان لهم أو لبعضهم سوابق في ~~معارضته، وتردد إليه المذكورون للاستغفار، فلم يزده ذلك إلا حنقا، ~~وكلم كلا منهم على انفراد كلاما غليظا، وأبدى بعض وجده للسلطان، ~~وقال: يا مولانا السلطان، قد نظرت أحوال أولاد ملوك هذه البلاد، ~~فلم أر أحدا منهم أصاب بعد ms233 أبيه خيرا إلا نادرا، فأنا عزي إنما هو في ~~حياتك، فإذا لم تنفذ لي كلمة في صاحب أريد رعايته، فكيف يكون PageV02P048 ~~عيشي، ونحو ذلك من الكلام، فأفاد ذلك كفهم عن بعض أذى ابن ~~الشحنة، فإنهم كانوا قد عزموا له على شر كبير. # وفي يوم الثلاثاء هذا عمل الأمير بردبك الدويدار الثاني مولده، ~~فحضره من الخلق ما يتعسر حصرهم، ولم يتخلف عنه أحد من أكابر ~~القضاة والأمراء والمباشرين، والأعيان، وكان من الأيام المشهودة. # وفي يوم الخميس تاسع شهر رجب المذكور من سنة ثمان وخمسين، ~~نودي بالزينة؛ لأجل المحمل، فبادر الناس إلى ذلك، وانهمكوا فيه ~~تاب الله عليهم. # وفي يوم الأحد عاشره، عرض الوالي النفط، فإذا هو شيء ما رأى ~~الناس مثله، منذ أزمان، منه فيل مصور، راكب عليه اثنان، وشاهدت ~~مشفره يتثنى إلى داخل وخارج، وأسد وزرافة، وغير ذلك من أشياء ~~مخرعة، وحمل ذلك على عجل وأحرق في الرميلة على العادة، ~~وذهبت فيه أموال جليلة، فلا قوة إلا بالله. # وفي يوم الاثنين حادي عشرة، أدير المحمل، والقضاة والأكابر أمامه ~~على العادة، فكان يوما مشهودا. # وفي يوم الثلاثاء ثاني عشرة سافر عبد العزيز معلاق ناظر القدس ~~والخليل. PageV02P049 ~~وفي هذا اليوم مات... ابن عزاز (بمهملة، ثم معجمتين مشدد) ~~الطرابلسي الحنفي عن نحو أربعين سنة، وكان شكلا حسنا، عاقلا، ~~وقورا، دينا فاضلا، في الفقه والنحو والأصول، أستاذا في المنطق، لازم ~~شيخنا، الشيخ أبا الفضل المغربي فيه إلى أن فاق أبناء الزمان رحمه الله. # وفي يوم الاثنين ثامن عشر الشهر، ألبس ناظر الخاص خلعة؛ ~~وذلك أن السلطان كان رسم أن يعمل لقبور الخليل وآله عليهم الصلاة ~~والسلام كسوة ففرغها، وطلع بها في هذا اليوم. ### ||| فروغ كسوة الخليل عليه السلام: # وفيه البس كاتب السر المحب بن الأشقر خلعة بالأنظار التي كانت ~~لكاتب السر. # وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرة ألبس ناظر الخاص أيضا أيضا خلعة. # وفي هذا الحد، وصل الخبر بموت الشريف معزي أمير ينبع، ~~وقدم ابنه يسعى في الإمرة، فلم يجب، وولى الشريف مخدم (بفتح ~~الخاء ms234 المعجمة والدال المهملة المشددة). # وفي يوم الجمعة ثاني عشريه، بعد الصلاة، سافر الأمير بردبك ~~الدويدار بكسوة قبور الخليل وآله عليهم الصلاة والسلام، وسافر في خدمه PageV02P050 ~~الشرف الأنصاري، وشاهين الساقي المشهور بغزالي، وسبعة من ~~الأمراء والمباشرين والقضاة، من يتعسر حصرهم وشق بين القصرين، ~~واجتمع له من المتفرجة، من النساء والرجال ما يفوت الو[صف] ~~وكان من الأيام التي قل أن سمع بمثلها لمسافر، فنزل في سبيل ابن قيماز ~~خارج الحسينية، ومد له الإستدار هناك وليمة عظيمة، ونام هناك جزءا ~~من الليل، ثم سار فصبح الخانكة، ومد له المحب الأشقر، ناظر ~~الخانقاه بها مدة رجحت على مدة الإستدار، وشيعه إلى هناك ~~بعض، ثم سار الظهر إلى بلبيس، وكان معه أكثر من خمسمائة ~~عليقة، وسافر معه من التجار، وأصحاب الحوائج ما اجتمع منه ~~جيش عظيم. # وفي يوم الأحد رابع عشرية، عزل عبد العزيز بن محمد الصغير، عن ~~الحسبة، وأعيدت إلى الشيخ علي العجمي، وسر الناس به كثيرا وكان ~~له يوم مشهود، واستناب في بابه الشمس البنهاوي. PageV02P051 ~~وفي أواخر هذا الشهر وصل الخبر بأن سالما الحنبل، قاضي حلب ~~قتل في آخر العشر الأولى من هذا الشهر، أو أول الثاني، ثم تحرر أن قتله ~~كان ليلة الأربعاء ثالث عشر شهر رجب، وذلك أنه لما وصلت المراسيم ~~بقتله أمر نائب القلعة بذلك وكان مسجونا عنده، فقال: إن اجتمع ~~نائب البلد والقضاة، واجتمع أمرهم على ذلك، فعلت وإلا فلا سبيل ~~إلى أني أفعله، ولو أتي على نفسي، وإن كنتم تريدون فيه شيئا أسلمته ~~إليكم، فجمع النائب القضاة والأمراء، ودار بينهم كلام كثير حاصله، ~~أن النائب لم يجسر على قتله وأراد إيقاع أحد من القضاة في شيء يجعله له ~~حجة، فلم يظفر بذلك، فطلبه ليقتله، فلما حضر، أتي الخبر بموت ~~الشريف المنسوب إلى خدمة بني السفاح، المشهور عند الحلبيين بقطيش ~~(بالقاف والمعجمة مصغر)؛ لأنه كان مقطوع إحدى الأذنين، وكان من ~~أعظم القائمين على سالم، وكان من أشرار الحلبيين، وذلك يوم الاثنين ~~حادي عشر الشهر، فأخر النائب قتله، ورفعه إلى ms235 سجن المدينة، فلما ~~كانت ليلة الأربعاء ثالث عشره، أصبح مخنوقا، فكانت قضية ما سمع ~~في الإسلام بمثلها! قاض ثبت عنده زندقة إنسان؛ فقتله، فقتل به، ~~بغير حكم حاكم، بل مع قول القضاة أنه لم يثبت عليه ما يقتل به ~~، وضرب الذين شهدوا بالزندقة ضربا كثيرا، قيل إنه خمسمائة لكل واحد، ~~وأن أحدهم ضرب بالمقارع، وكانوا يقولون له: قل ما شهدت لشيء. # فيقول: بلى والله قد شهدت، وكان قضاة القاهرة أعظم الشركاء في قتله، # ولا حجة لهم عند الله فيما أفتوا به، لقد اجتمعت بالحنبلي، وكان PageV02P052 ~~صديقه، فلمته على إفتائه، وسألته عن صورة الإستفتاء، فقال: أنهوا أنه ~~عدوه، وأنه قتله بغير أعذار، وهو حاضر في البلد إلى غير ذلك من ~~الإحلال بشرائط الحكم، فقلت: هم أنهوا ذلك، وأنتم تعلمون حقيقة ~~الحال، وعلى تقدير التسليم لهم في دعواهم، وثبوت زندقة المقتول، ماذا ~~يلزمه؟ بل نفرض أنه غير قاض، وقتل زنديقا فهل يقتل به؟ فلم يجر ~~جوابا، على أن الوجود ما كان مفتقرا إلى فقد سالم، فإنه كان جاهلا ~~جريئا مصرا على الكبائر، وكان سنه مقاربا للخمسين وكذا الشريف ~~فيما يقال عفى الله عنهما. ### || # وفي مستهل شعبان سنة ثمان وخمسين هذه، طلع القضاة، لتهنئة ~~السلطان بالشهر، والحنفي والشافعي راكبان، ثم وقفت بغلتاهما ~~لانتظارهما عند باب الدهيشة على ما تقدم لهما من العادة، الحنفي من ~~أيام الظاهر لشيخوخته وضعفه عن المشي، والشافعي لما ادعى من ~~الدوخة في هذا العام فخرج الأمر بأن تنزل البغلتان إلى حيث يقف الناس ~~بدوابهم على باب القلعة (لا جزى الله واسطة السوء في ذلك خيرا). # وفي أوائل هذا الشهر اشتد سعي أعداء ابن الشحنة في أذاه، فأغروا ~~مداينيه بشكواه إلى السلطان واحدا بعد واحد، وكان منهم ابن الرسام ~~الذي كان ناظر جيش حلب، فرده السلطان ردا قبيحا، فرأوا أن ذلك ~~غير مفيد، فقرروا في ذهن السلطان أنه يدور على الأكابر، ويسعى في ~~وظائف المباشرين وأن عين نظر الجيش، وقال: إنه أشرف على ولايتها، ~~وأن ذلك يوهن كلمة ناظر الخاص، ms236 وأنه لا يستقر حال الناس إلا إن ~~أخرج من القاهرة، فالصواب أن يولي ما كان معه من الوظائف في حلب، ~~ويخلع عليه بها، ويسافر، فطلبه السلطان وفتح معه الباب بأرباب ~~الدين، فقال: ليس يخفى عن أحد أن ما ركبني من الدين ما اشتريت به PageV02P053 ~~متاعا أتمتع به فيباع علي، ولا أنفقه على لذة في مباح ولا محرم، وإني ما ~~استدنته إلا لما غرمني الملك الظاهر، وهو سبعة وثلاثون ألف دينار، ~~وديني لا يبلغ هذا المقدار. فقال له السلطان: فما الذي يعمل معهم؟ # فقال: ما أمر به الله. قال: وما هو؟ قال: قال الله تعالى: {وإن كان ذو # عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280]. فقال السلطان: إنك لا ~~تستريح إلا بالرجوع إلى وطنك، فتبيع عقاراتك وتواسيهم بها، فبكى، وقال: ~~سألتك بالله يا مولانا السلطان، أن ترحمني فإن تعبي إنما يكون بذلك، ~~فدعني تحت نظرك، وأنا أرسل إلى أملاكي من يبيعها، ولم يزل به يترقق له ~~حتى قال: اذهب لسبيلك، فعاودوا السلطان في أمره، حتى أظهر ~~موافقتهم، ثم طلبه يوم الخميس سادس الشهر، وقد هيئت له خلعة، ~~وكان قد شاع عنه أنه حلف أنه لا يلي في حلب وظيفة، فأجمعوا على أنه ~~إن اعتل باليمين، يقال له: اذهب إلى دمشق قاضيا، ويلبس الخلعة، ~~فلا يسعه المخالفة، وإن خالف أخرج مرسما عليه، بغير شيء، فلما ~~وقف بين يديه قال له: ما الذي عملت؟ قال: ما فارقت عليه مولانا ~~السلطان. فقال: ما فارقتني ذلك المجلس إلا وقد رضيت عنك، ~~فبلغني عنك ما أغضبني؛ وهو أنك تتكلم فيما لا يعنيك، وتجتمع ~~بالأكابر، وتسعى في الوظائف. فقال: والله ما كان شيء من ذلك. هذا ~~الأمير الدويدار (يعني الكبير يونس)، وهذا القاضي ناظر الخاص بابك ~~الذي يسعى منه الناس سلهما هل دخلت لهما بيتا، أو كلمتهما في شيء ~~من ذلك؟ فقال: أنا أعطيك في حلب ثلاث وظائف بلا شيء فما ~~الذي تعمل تأخذها أو لا؟ فقال: لا والله يا مولانا السلطان PageV02P054 ~~ارحمني يرحمك الله، إذا كان هذا كذب ms237 الأعداء علي وأنا تحت نظرك، ~~فكيف يكون حالي إذا بعدت. فقال: نقل غلي أنك قلت: إنك تسعى ~~في نظر الجيش، وهذا القاضي ناظر الخاص عندنا عزيز لم تقول هذا في ~~شيء يتعلق، فقال: والله ما قلت هذا، ولا دار في فكري، ولو عرض ~~على السلطان شيئا في تعلقه وبذل معه مالا ما أخذته؛ لأني أضعف عن ~~مقاومته، ولا طاقة لي به، فقال السلطان: والله لقد تعجبت من ذلك، ~~ولم تسكن نفسي إلى أنك فعلته، انا أمكنك من الإقامة هنا بشرطين، أن ~~تحفظ لسانك، ولا تذهب إلى بيت أحد من الأكابر، فقال: رضيت ~~بذلك، ووالله ما فعلت شيئا منه، فخلى سبيله، ولم يزل ابن الرسام ~~يكثر كلامهن حتى أخرج السلطان إقطاعا كان في يده لنائب من نواب ~~تلك البلاد، كختا أو كركر أو ما قاربهما، والله تعالى يقضي الحق، وهو ~~خير الفاصلين. ### ||| عزل خشكلدي الكويزي: # وفي هذا الحد، وصل الخبر بأن مقلدا (بإسكان قافه) أمير عرب ~~آل مري، بيت قريبه أبا بكر بن قديم (بالتصغير)، وهو الذي كان ~~أميرا قبله، فقتلت بينهما قتلى، كانت الدائرة على أبي بكر، فنهب مقلد ~~إبله وأمواله، [وأرسل] إلى السلطان من جماله ألف جمل وذكروا أن ~~السبب في ذلك أن خشكلدى الكويزي دويدار السلطان بمشق ساعد ~~أبا بكر فقويت نفسه ونشأ من ذلك شر كانت غايته هذه الوقعة، فرسم ~~السلطان باعتقال خشكلدي في قلعة دمشق، وأن يأخذ المتسفر منه ~~ألف دينار، وولى الدويدارية لفارس الأمير الكبير بغزة. PageV02P055 ~~وفي هذا الحد، وصل الأمير يرشباي الذي كان توجه مع قاصد ~~بن عثمان. # وفي هذا الحد أيضا، أرسل الزين يحيى الإستدار إلى محمد بن عبيد ~~الملقب بالفضل يستدعيه، فأجابه ولم يتأمل ما قيل في سالف الدهر: ~~لا تأمنن امرأ أسكنت مهجته%%غيظا وإن قلت إن الجراح يندمل ~~فلما وصل، أنهى الإستدار إلى السلطان، أنه رجع إلى ما كان عليه ~~من العصيان وندم على ما دخل فيه من الطاعة، وقال: كنت آمر على ~~القرية فيطيعونني مهما أردت، فصرت الآن لا أسأل ms238 من أحد إلى رغيف ~~خبز، وادعى أنه بيته فقبض عليه، وعلى آخر معه، فأمر السلطان ~~بسجنهما في المقشرة، ثم ضربهما بالمقارع يوم الأحد تاسع شعبان المذكور، ~~وأمر بردهما إلى المقشرة شهرين ينادى عليهما، هذا جزاء من يعصي ~~السلطان، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: هذا جزاء من يطيع ~~السلطان، ثم أمر فسلخهما والي الشرطة في المقشرة قبل انقضاء هذا ~~النهار، وحشا جلدهما تبنا، وطيف بهما، فتأسف الناس عليه كثيرا، ~~وعدوا قتله ظلما، وقاتله منتهكا للحرمة، تاركا للمروءة، فإن هذا لو ~~كان محاربا لما شاع قتله، لأن الله تعالى استثناه، فقال تعالى: PageV02P056 ~~{إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم}[المائدة:34]، فكيف ولم يكن ~~بهذه الصفة، بل كان من أعف الناس وأشهمهم نفسا، وأعززهم مروءة، ~~وأجملهم شجاعة، لا يوجد مثله في مائة ألف من أهل هذا الزمان في ~~مجموع ما فيه م، الخلق والخلق فرحمه الله وعفى عنه. ### ||| وفاء البحر: # وفي يوم الأربعاء ثاني عشر شعبان المذكور، وهو الموافق لرابع ~~عشر مسرى من أشهر القبط أوفى البحر ست عشرة ذراعا، وزاد من ~~السابع عشر سبع أصابع ففتح سده، وجرى الماء في خلجان القاهرة ~~ولله الحمد. ومن حين أخذ في الزيادة لم يقف إلا أربعة أيام فحصل ~~للناس منها من الرغب إثر تلك الشدائد ما الله به عليم، وتغيرت ~~فيها أحوال البلد، ثم لم ترجع كلها كما كانت. وأقل زيادته إصبع، ~~وأكثرها ثلاثون. ### ||| موت الخواص: # وفي يوم الخميس ثالث عشر الشهر مات شهاب الدين الخواص، ~~وهو شيخ كبير، وكان عالما صالحا مفننا، وكان خاملا منقطعا PageV02P057 ~~عن الناس راضيا بالقليل، ملازما لأشغال الناس، انتفع به كثير من ~~الطلبة، وكان كثير الملازمة للجامع الأزهر، وكان مشهورا بمعرفة ~~البهجة، نظم الحاوي وشرحها، وبالعروض، وله يد في كثير من ~~الفنون، ونقل إلي أن له مصنفات. # وفي يوم السبت منتصف شعبان المذكور وسط الذيبي، الذي ~~نفي تمراز الدويدار في شأنه. PageV02P058 ~~وفي يوم الاثنين سابع عشره، شكا الإستدار من عجز جهاته، ~~وقال: إنه لا يقدر على السداد وإن أدى ms239 ذلك إلى هلاكه، فقطع ~~السلطان المرتبين على الديوان المفرد من غير الترك، وهم أولاد الناس، ~~والفقهاء وغيرهم. # وفي هذه الحدود، هرب محمد بن سليمان، شيخ جبل نابلس من ~~سجن اسكندرية؛ وذلك أنه كان أمر جماعة من أصحابه فباشروا ~~عند كاشف البحيرة، وشرعوا يمشون في أقطار تلك البلاد إلى أن ~~جاسوا خلالها، وعرفوا خلالها من غير نكير على أحد منهم، وألف أهل ~~البلاد تلك الهيئات مدة مديدة، ثم اشترى جارية في طوله، ولم يدع ~~عنده في السجن سواها، وشرع يحسن إلى السجان، حتى ملك رقه فصار ~~لو رآه هاربا بنفسه لتأول له تأويلا؛ لأن حبك للشيء يعمي ويصم، ثم ~~أمر رجاله أن يأتوه بفرس سابق إلى بساتين إسكندرية في يوم سماه، ثم ~~إنه سأل السجان أن يأذن لجاريته في الخروج إلى الحمام، وأن يمشي ~~قدامها إلى مكان سماه، ثم أخذ ثياب جاريته سرا منها، ثم أعلمها ~~أنه أعتقها، وأمرها بالاستتار منه إلى أن يتزوجها، ثم أغلق عليها بابا ~~ثم لبس ثيابها، وخرج فظنه السجان الجارية، فمشى معه إلى الموضع ~~الذي سماه ثم رجع وجلس في مكانه من الباب، وخرج معه اثنان من PageV02P059 ~~رجاله كأنهم يشيعون الجارية إلى الحمام، فلما كانوا بأثناء المدينة لقوا غلاما ~~لبعض أكابر أهل اسكندرية، فأعطوه عشرين دينارا، وقالوا له ركب ~~لنا هذه الجارية على هذا البغل إلى البساتين ففعل، فلما رآه البوابون سألوا ~~عنها، فقال هذه جارية سيدي، فلم يعرضوا له، وخرج الرجلان عقبهما، ~~ثم أنزلوه، ورجع ذلك الغلام، ثم ألقى عنه هيئة النساء، وذهبوا إلى ~~مكان الفرس، فركب وسار به الأدلة من رجاله، فلم يناموا [إلا] ~~بالقاهرة، فأرسل من فاوض بعض الأكابر في أنه هرب، وأنه يستأذن ~~على مقابلة السلطان، فأجابه بأنه متى رفع للسلطان وسطه، فلم ~~يكذب خبرا، وتوجه في البرية، فخرج من بلاد الكرك، وأقام في كفر ~~يهودا، وبها نحو خمسمائة رجل كلهم يحبه، وليس في تلك البلاد أحد ~~يقوم لهم في شجاعة ولا كثرة، ثم اجتمع إليه من رجاله كثير، فكان ~~يركب في ms240 نحو مائتي فرس، ويذهب إلى نابلس، فيخرب ويفعل ~~الأفاعيل، فضيق على ابن عمه الذي أخذ عنه، وفسد حال البلاد ~~لذلك. # وفي يوم الجمعة ثامن عشري الشهر، وصل الأمير بردبك الدويدار، ~~وجاني بك حاجب الحجاب بدمشق إلى التربة. # وهذا اليوم، آخر السنة القبطية فيه وصل البحر إلى ثماني عشرة ذراعا، ~~وفي يوم السبت تاسع عشري شهر [شعبان] المذكور، الموافق لأول ~~أيام النسيم، نادى منادي البحر بذلك على عادته في أن المناداة بزيادة ~~كل يوم في صبيحة الذي يليه. PageV02P060 ~~وفي أواخر هذا اليوم مات بدر الدين [عبد العزيز بن محمد بن عبد ~~الله] بن عبد العزيز المباشر على أوقاف الجامع الطولوني، ~~والحرمين وغيرها، وكان من سوء المباشرة واللدد على جانب لم ير مثله، ~~فاستراح منه البلاد والعباد، عفا الله عنه. ### || # وفي أوائل شهر رمضان من السنة قدم جانبك الظاهري مشد جدة ~~بمال جزيل للسلطان؛ لكثرة الواصل من المراكب، قيل: إنه مائة ألف ~~دينار، وقريب من ذلك، والذي صح أنه يزيد على خمسين ألف دينار ~~نقدا. # وفي هذا الحد بلغ السلطان أنه اتفق بين قضاة دمشق شنان؛ من ~~أجل حكم حكمه القاضي حميد الدين بن أبي حنيفة، قاضي الحنفية، ~~فاعترض عليه رفته، الجمال الباعوني قاضي الشافعية، والشهاب ~~التلمساني قاضي المالكية، وكاتب فيه الباعوني، بأن جميع حنفية دمشق ~~اتفقوا على أن حكمه باطل وأنه لا يرافق لكثرة فتنه، فعزل، ثم قام معه ~~قائمون، وعرض حكمه على حنفية مصر فصوبوه وخطاوا من خطأه، ~~وشق عليهم تعصب القضاة عليه فأعيد، وجهز مرسوم بعقد مجلس ~~يجمع علماء الحنفية بدمشق للنظر في هذا الحكم. PageV02P061 ~~وفي هذا الحد، نودي أن أولاد الناس على عادتهم في جوامكهم. # وفي يوم الخميس رابع شهر رمضان الموافق لأول توت من أشهر القبط، ~~فتح سد الأميرية، وكان البحر فيه على عشر أصابع من تسع عشرة ذراعا. ### ||| فتح سد بني منجا: # وفي يوم السبت سادس الشهر، الموافق لثالث توت، فتح سد قناطر ~~بني منجا والبحر في أربع عشرة إصبعا من الذراع التاسعة عشرة، فنقص ~~لأجله ms241 إحدى عشرة إصبعا، ارتقى البحر إليها إلى يوم الخميس حادي ~~عشر شهر رمضان، الموافق لثامن توت، وزاد إصبعين، فصار على ~~ست عشرة إصبعا من الذراع التاسعة عشر. # وكان قد اشتدت شكاية الزين يحيى الإستدار من ابن الأهناسي، وأنه ~~يرجف به في كل وقت فتضعف كلمته في البلاد، وانضم إلى ذلك أن ~~حصل بينه وبين زوجته شر، فشكته إلى المقام الشهابي بن السلطان، ~~وذكرت أن عنده فسقية مملوءة ذهبا، وكان له عنده أربعمائة دينار لم ~~يطالبه بها رفقا به، فلما ظن أنه موسع طالبه بها، فرد جوابا خشنا جدا، ~~فأفهم الزين الإستدار أنه لا ينصر ابن الأهناسي ويعجبه أذاه، فخاف ابن ~~الأهناسي على نفسه، فاختفى هو وأبوه، فأعلم الاستدار أنههما في بيت ~~الشهاب بن الهيثمي، أخي كريم الدين الذي كان نقيب السفطي، فرفع ~~ذلك إلى السلطان، فأرسل الوالي فهجم عليهم في أواخر شهر رمضان PageV02P062 ~~المذكور، فوجدهما، واستخرجوا من بيت الهيثمي خمرا كثيرا، فهرب ~~ورسم على ابن الأهناسي وأبيه في بيت الإستدار، وحصل لهما من رسل ~~الإستدار وحاشيته من الخزي والأذى ما لا يوصف، فأرضى ابن ~~السلطان في ماله فأطلقا في اليوم الثاني، أو الثالث من القبض عليهما. ### || # وفي أول شوال من هذه السنة، وصل الأمراء الذين كانوا توجهوا ~~إلى البحيرة؛ لأجل عرب لبيد. # وفي يوم الاثنين رابع عشره، سافر جانبك، حاجب الحجاب بدمشق. # وفي يوم السبت تاسع عشر شوال هذا، سار المحمل الحجازي إلى ~~البركة، وفي يوم الأحد العشرين منه، سار ركب المماليك من البركة، ~~وفي يوم الاثنين حادي عشريه سار الأول وأميره خيربك. # وفي هذا اليوم، وهو الموافق لسابع عشر بانة، نودي بوداع زيادة ~~البحر، وأنها آخر ما انتهت إليه إحدى عشرة إصبعا من عشرين ذراعا. # وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه، سار المحمل وأميره جانبك الظريف، ~~الذي كان أميرا في العام الماضي، ثم تبعهم المغاربة، وكانوا في غاية ~~الكثرة، ثم ركب التكرور، حفظ الله الجميع. PageV02P063 ~~وفي هذا الشهر رسم بإطلاق خشكلدي الكويزي الدويدار من ~~سجن قلعة دمشق، وأذن له في ms242 قدوم القاهرة. وقدم الخبر في أوائله ~~بموت المتسفر بسجن خشكلدي المذكور، وهو مامق الذي كان يقال له ~~أخو السلطان في دمشق، فسأل رسول خشكلدي في إقطاعه، فأجاب ~~السلطان: بأنه حقير بالنسبة إلى خشكلدي، ووعد أنه يعطيه أعظم ~~منه. # وفي هذا الحد، والحاج في البركة وصل شبانة بن مشاق ، شيخ ~~بعض جبل نابلس مطلوبا من قبل السلطان؛ بسبب أنه قيل: أن محمد ~~بن سليمان نزل عنده، بعد أن هرب من السجن فأضافه، وهو يعلم ~~أنه هرب من سجن السلطان، فأمر به السلطان إلى البرج، فكلمه فيه ~~بعض الأتراك، وخلع عليه بعد ذلك بيوم أو يومين. # وفي يوم الخميس رابع عشري شوال هذا، وهو أحد شهور سنة ثمان ~~وخمسين وصل رأس محمد بن سليمان، وجاء الخبر أنه جمع نحو ثلاثمائة ~~فارس، وغزا بهم ابن عمه إسماعيل في بلاد نابلس، فسمع به إسماعيل ~~فلاقاه، فلما تراءى الجمعان، وتصادم الفريقان، حمل محمد على جمع ~~إسماعيل، فصار في وسطهم، فالتفت عليه الفرسان، فقتل بعد أن ~~طعن إسماعيل فرماه عن فرسه رحمه الله وعفا عنه، فلقد كان شكلا ~~حسنا، حلوا، شجاعا، ذكيا، فطنا، كاتبا، قل أن رأيت في الرجال ~~أحلى شكلا منه، وكان مع ذلك من أعف بني عبد القادر، واخفهم ~~وطأة على الناس، وأظنه لم يتجاوز الخمسين والله أعلم. PageV02P064 ~~وفي هذا الشهر، هرب محمد بن إينال الذي كان أمير شكار ~~للظاهر؛ وذلك أنه كان أخرب المكان المسمى بالتاج، والسبع ~~وجوه، وكان بناء عظيما لم ير الراؤون مثله، وكان فيما بين خليج ~~الزعفران وشبرا، وقد بنى ناظر الخاص الجمال يوسف كاتب شكم ~~موضعه بناء سماه الكوم الأبيض، وكان التاج من مفاخر مصر، أظن أنه ~~كان به سبعة أواوين محيطة بدور قاعته، وكان معلقا على بئر عظيمة ~~جدا، فادعي على ابن إينال في هذه الدولة في أمره، وألزمه بثمنه، فلم ~~يسعه إلا الهرب. ### || # وفي أول ذي القعدة من هذه السنة، ورد الخبر بأن عرب ~~لبيد قربوا من البحيرة وأنه يخشى من فسادهم، فندب السلطان PageV02P065 ~~العسكر إلى التوجه ms243 إليهم وحثهم في الإسراع، ثم بطل أمرهم، ولم يتوجه ~~أحد من الجند. ### ||| نفي الحميد: # وفي هذا الحد، أو أواخر شوال جاء الخبر، بأن الحميد بن أبي حنيفة ~~البغدادي قاضي الحنفية بدمشق نفي إلى بغداد؛ لأمور نقلها عنه أعداؤه، ~~منها: أنه كاتب جهنشاه خبره بعورات هذه البلاد، وكان من أعظم ~~المقررين لمثالبه الشاكين منه، الأمير جانبك حاجب حجاب دمشق شافه ~~السلطان بذلك لما ورد عليه، وأخذ المتسفر بالمرسوم المعلم بنفيه معه. ### ||| ضرب الأنصاري: # وفي هذا الحد، ضرب جماعة من المماليك الظاهرية، الشرف ~~الأنصاري وهو نازل من القلعة ضربا قويا؛ رموه عن فرسه فانقطع ~~لذلك في البيت، ثم قصدوه في بيته ليلا، وأرادوا أن يهجموا عليه فيه، ~~فضربوا غلمانه، ثم ردوا عنه؛ وسبب ذلك أن شخصا منهم يقال له: ~~شاد بك الناصري أراد أن يشتري بيتا، واراده شخص من أصحاب ~~شرف الدين، فاشتراه له، وقصد إخفاء ذلك، فلم يخف، فلامه ذلك ~~المملوك، فاعترف بشرائه، وأغلظ لذلك المملوك، فجمع له جمعا، وفعل ~~ما فعل، فلم يسع الأنصاري إلا أن توجه إلى بيت ذلك المملوك، وأعطاه ~~البيت ومائتي دينار حتى كف عنه. # ثم بعد ذلك بأيام تعرض المماليك لناظر الخاص من جهة كسوتهم ~~(الفراء في الشتاء) فانقطع في بيته أياما، يظهر أنه مريض. PageV02P066 ### ||| هرب الوزير: # وفي ليلة الأحد ثاني عشر ذي القعدة هذا، هرب الوزير أمين ~~الدين بن الهيصم، وهو ابن خالة ناظر الخاص، فعلم بهربه، فاجتمع ~~بفيروز، خزندار السلطان، وهو داخل إلى الخدمة، وحسن له أن يتولى ~~الوزر فأبي، ثم أرسل من أخبر السلطان باجتماعه به، وسؤاله له في ذلك، ~~وأن ذلك مكيدة منه، يسأل السلطان في ذلك، فيظن أنه بإرادة فيروز ~~فيجيبه، فغضب السلطان، فلما دخل إليه ناظر الخاص لقيه السلطان ~~بوجه عبوس وانتهره، وشتمه، ونسبه إلى للعب بالمملكة، وأنه تكلم ~~في علز السعد فرج بهذا، وادعى أن ذاك لا يسد، وأن هذا يسد، وكذا ~~في عزل ابن الأهناسي من الإستدارية، وتولية الزين يحيى، وقد تبين ~~الكذب في الاثنين، ابن الهيصم هرب، ms244 والزين مشرف على ذلك، ~~فكان على ناظر الخاص يوم ما مر به مثله. ### ||| القبض على الإستدار: # وفي يوم الاثنين ثالث عشرة، قبض السلطان على الزين يحيى الإستدار؛ ~~خشية أن يتبع الوزير في الهرب، ويعطل أمرالجامكية، كما فعل في كلا الأمرين ~~أول مرة. # وخلع على السعد فرج، كاتب المماليك بكتابة المماليك عن ~~التاج ابن المقسي، صهر الزين يحيى الإستدار. # وفي يوم الثلاثاء رابع عشر ذي القعدة هذا، خلع على السعد كاتب ~~المماليك فرج بالوزر على ما معه من كتابة المماليك، وخلع على الأمير ~~ناصر الدين بن أبي الفرج بالإستدارية، ثم أعطي عبد العزيز بن محمد ~~الصغير نقابة الجيش. PageV02P067 ~~وفي هذا الشهر، بعد عزل حميد الدين، حسن الجمال يوسف، ناظر ~~الخاص للسلطان أن يعطي المحب بن الشحنة قضاء الشام ففعل، ~~فامتنع من ذلك، فقرر ناظر الخاص أن مكثه في القاهرة مضر به، ~~وموقف لحاله، وأنه إن لم يخرج منها تعطلت مصالحه، فألح على ابن ~~الشحنة في قبول قضاء دمشق، فقال: غنه وقع منه يمين أنه لا يخرج من ~~القاهرة إلا إلى أحد الحرمين، فألزم بالسفر في البحر؛ لأن السفر في البر ~~الآن متعذر، فامتنع من ذلك، فقيل للسلطان: إنه امتنع من السفر في ~~البحر، وطلب التوجه إلى القدس، فأمره بذلك، فأرسل يقول: إنه ما ~~قال ذلك. فلم يقبل منه، وهدد إن لم يسافر، فاتل بعدم ما يتجهز ~~به، فأعطاه السلطان مائتي دينار، ثم أعطاه ناظر الخاص مائتي دينار، ~~وسافر ليلة السبت سادس عشري ذي القعدة المذكور. # وولي قضاء الحنفية بدمشق، الحسام بن بريطع الغزي، وسكن في ~~المنزل الذي كان به ابن الشحنة، وهو القصر، محمد بن أيتمشر ~~الخضري، وهو ابن أخت خوند، وهو منزل مشؤوم، ما رأيت ~~أحدا سكنه إلا أصابه ذل، وكان ابن الشحنة لما سكنه حسن له أن يغير PageV02P068 ~~بابه، وكان قد فتح له باب من الدرب النافذ إلى السابقية فأغلقه، ~~وفتح بابه القديم، وهو النافذ إلى الدرب المواجه لشبابيك ~~الكاملية. # وفي هذا الشهر أظن أنه في وسطه، كاتب الشمس ms245 البلاطنسي في ~~أمر الحميد بن أبي حنيفة، وأن نفيه لا يحل، ولا يحسن، ولا ينبغي ~~السكوت عليه، واجتمع هو وجماعة من فضلاء دمشق، مثل الشيخ ~~زين الدين خطاب الغزاوي، بالجمال بن الباعوني قاضي الشافعية، ~~وقبحوا له ما وقع للقاضي حميد الدين، وبالغوا له في الكلام، فكسروا ~~من سورته، وبردوا من حدته، فتكلم فيه جانم أخو الأشرف برسباي، ~~وقال له: أقبح الأمور نفي العلماء من مملكتك، إنما الذي ينبغي أنه إذا ~~سمع بعالم في بغداد يطالب إلى حلب، وإذا كان في حلب يستدعى إلى ~~دمشق، وإذا كان في دمشق يستجلب إلى القاهرة، فرسم برده إلى ~~حلب. PageV02P069 ~~وفي هذا الحد، قدم الخبر، بموت الشيخ قوام الدين الحنفي، الذي ~~أخذ عنه قضاء الحنفية القاضي حميد الدين، فكأنه مات في أواخر ذي ~~القعدة هذا، فعظم تأسف الناس عليه؛ فلقد كان نادرة في هذا الزمان، ~~فإنه ما ولي قضاء الحنفية مرة إلا بسؤالهم له فيه، وما عزل مرة فأتبعه ~~نفسه، ولا تعمم له، ولا سعى فيه، وتكرر ذلك له، وما تغير عن حاله ~~قط، مع علم غزير، ومشاركة في كثير من فنون العلم، وعفة باهرة، ~~وشهامة عزيزة، ومروءةوافرة، وخلق حسن، رحمه الله. ### || # وفي يوم الجمعة ثاني ذي الحجة الحرام سنة ثمان وخمسين، أخرج الزين ~~يحيى الإستدار من القاهرة؛ منفيا إلى القدس، بعد أن أنزل من القلعة إلى ~~بيت ناظر الخاص، فمكث به أياما حتى غلق عشرة آلاف دينار. # وفي أوائل هذا الشهر أصلح محمد بن إينال المقربين من السلطان، ~~وظهر فشفعوا فيه، فترك. # وفي سادس عشر ذي الحجة هذا، سافر الأمير بردبك الدويدار إلى ~~جهة المنزلة في البحر. # وفي سابع [عشره] أخاف الأجلاب الوزير، ونهبوا أو أتباعهم من ~~بعض الدكاكين، ثم أخافوا ناظر الخاص، وقصدوه في بيته، ثم كفوا ~~عنه. # وفي هذا الشهر مات البرهان إبراهيم بن عمر السوبيني ~~بدمشق، كان في القدس، ثم أرسل إلى القاهرة؛ يسعى في رزق، أو في PageV02P070 ~~القضاء، فلم يجب، فرجع إلى دمشق، فمات بها، وكان فاضلا في ~~الفرائض، مشاركا ms246 في الفقه والنحو وغيرهما، لكنه كان سيئ التصور، ~~واقف الدهر، صنف مصنفات تدل على ذلك، وولى قضاء مكة، ~~وحلب، وطرابلس، ودمشق، وأظهر حسن السيرة والعفة الزائدة، لكنه ~~كان يميل على من يحنق عليه لحظ نفسي، ويتجاوز في أمره عفى الله عنه ~~آمين. # وفي يوم الاثنين رابع عشري الشهر، أطلع الإستدار إلى القلعة ~~أكثر نفقة المماليك وكانت تلك عادتهم، أنهم يجهزونها ناقصة، وينفقون ~~على من حضر، ثم يتابعون الحمل إلى أن يفرغوا، فكان كاتب المماليك ~~قصد أذى الإستدار، فأبى أن يشرع في النفقة قبل التمام فنزل الأجلاب إلى ~~بيت الإستدار، وهو آمن؛ لأنه لم يجترح ذنبا في أمرهم، ولا خرق لهم عادة ~~فنهبوه، ولم يدعوا به شيئا حتى قلعوا رخام بيته، وأخذوا الخيل ~~وأسطالها وعدتها وسلبوا الحلق والأسار من بناته ونسائه، وأخذوا ~~بعض جواريه، وقتل ابن له مرضع، وساء ذلك من في قلبه شفقة ~~على المسلمين، وكان من الغرائب أن الأمير بردبك ما غاب عن القاهرة ~~في أيام أستاذه إلا حصل بها اختلال، وحضر في ليلة الثلاثاء خامس ~~عشريه، فذكر للسلطان ما في السكوت عن ذلك من الاختلال، وأن ~~الناس قد تجاهروا بشرب الخمر وبيعه، وبيع الحشيش، وأكثروا العبث في ~~الطرقات، وعاثوا في الأرض بالفساد، PageV02P071 ~~وأنه مطالب بهذا؛ فإن الرعية ليسوا آمنين بغلبة أهل الفساد، فطلب ~~المحتسب وكلمه في أمر المنكرات، فذكر أن الأمر فشا فشوا لا يقدر معه ~~على إنكاره إلا بمعونة من السلطان شديدة. وأخذ في تحرير أمر الذين ~~نهبوا بيت الإستدار، من الأجلاب، وأمرهم برد ما أخذوا فرد بعضهم، ~~ثم أخذتهم الحمية. # وفي هذا الشهر عزل السلطان شاذ بك دويدار نائب الشام من ~~دويدارية أستاذه، والوقوف على بابه للكلام في أمور الناس؛ لما تواتر عنه ~~من الأخبار قبل سلطنة السلطان وبعدها، من الأمور الذميمة، ~~والمخالفة لما يرد من المراسيم. ### | ### || ### ||| ولاية قاسم الكاشف الاستدارية: # وفي يوم السبت مستهل عام تسع وخمسين، اجتمع الأجلاب ~~وقالوا: متى قبض على أحد منا، بسبب الإستدار نهبنا البلد، ثم نزلوا ~~لينهبوا فأراد مقدم المماليك، ms247 ومن معه من الطواشية المرتبين على باب القلعة ~~منعهم، فلم يستطيعوا، فلما وصلوا إلى أسفل المدرج رد بعضهم بعضا، ~~وخاف الإستدار، فلم يستطع المضي إلى بيته في ذلك الوقت، ثم ~~استعفى من الوظيفة، وأظهر العجز، فولى السلطان قاسما كاشف ~~الغربية يوم الأحد ثاني محرم من السنة، واستمرت البلد في مثل جمرة نار، ~~ولسان الكون ناطق أن الجند يركبون على السلطان، وأشاعوا أن ~~رأسهم يونس، وأنه حالف الظاهرية، وكثيرا من أصاغر الأشرفية، PageV02P072 ~~وكثرت الأقاويل وعظمت التهاويل، وخاف الأكابر الجند المباشرين ~~على بيوتهم، فنقلوا ما فيه، وصار كل منهم خائفا يترقب، وجاهر ~~السلطان الأمراء في ليالي الخدمة، بأن يقول: ما هذا الكلام الكثير، وما ~~للذي في قلبه شيء ما يبرز ويعمل ما ينقل عنه، لكن الذي له غرض في ~~الفساد معذور، فإني ما قتلت أحدا ولا قطعت رزق أحد، ولا عاملت ~~أحدا بما تقضيه جريمته، فربما يظن أن ذلك عن عجز لا، ولكني أريد ~~إقامة الحجة، فمن أبرز عنقه ينظر ماذا يفعل مما كان الناصر فرج يعامل ~~به البريء والجريء، فسكت الأمراء كلهم إلا جانم أخو الأشرف فإنه ~~قال: نحن مماليك السلطان وسيوفنا ورقابنا بين يديه، فأعجب السلطان ~~منه ذلك، وسر به، وقال بعض من.. ما يصلح لأن يكون أتابك ~~العساكر إلا جانم. # وفي حادي عشر محرم هذا اتفق من الأمور الغريبة، أنه ورد الخبر من ~~نائب دمياط الأمير بيغوت، انه نقل إليه، أن بعض المباشرين عند نار ~~دمياط من النصارى كان عنده جمع بجوار جامع الزكي، وهم يتعاطون ~~خمرا وما يلائمه من الفسوق متجاهرين به، فأرسل النائب من أحضره ~~فضربه، ونهاه عما كان فيه، وأطلقه، وكاتب الناظر، ناظر الخاص بما ~~أراد من تزيين الشيطان من أن هذا الأمر يوهن أمره ونحو ذلك، فتكلم ~~في النائب فعزل مع شيوع خيره، ودينه، وعفته، وفي أهل دمياط به، لأنه ~~ما ولي بلدهم مثله، فكان ذلك من المصائب التي لا تلبس عليها الثياب ~~فلا قوة إلا بالله. PageV02P073 ~~وفي يوم الخميس ثالث عشر محرم هذا، مات ms248 مغل باي الشهابي، ~~وهو الذي نسب إلى السفارة بين يونس والظاهرية، وكان من أمراء ~~الظاهر وكان في هذه الأيام بطالا، وكان منسوبا إلى العقل والديانة. # وفي يوم الجمعة حادي عشري محرم هذا وصل كثير من الحجاج، ثم ~~تواتر وصولهم إلى أن قدم المحمل يوم الأحد ثالث عشريه، وأخبروا ~~عن مشاق حصلت لهم عظيمة من جهة البرد والمطر والسيول، وموت ~~الجمال وضعفها، وأذى العربان، وأنه حصل بينهم، وبين طائفة كبيرة ~~من بني لام قتال، ثم تركوهم، ومضوا إلى ركب المغاربة، فخرجوا ~~عليهم في خمسين فارسا ورواحل كثيرة، وكانوا ملبسين أنفسهم وخيولهم ~~لبسا كاملا، وكانت خيول المغاربة قليلة، فحصل بينهم قتال شديد، ~~قتل المغاربة منهم خمسة أنفس، وأخذوا بعض خيولهم، واقتطعوا هم ~~من ساقة المغاربة نحو خمسين جملا، ولم يقتل من المغاربة إلا شخص ~~واحد، ثم تركوهم وذهبوا إلى التكرور، فقاتلوهم قتالا شديدا طويلا إلى ~~أن مل الفريقان؛ فتركوا القتال، وتكلموا في الصلح، فاستقر الحال بعد ~~كلام طويل على أن يعطيهم التكرور ألفا وخمسمائة دينار، فلما شرعوا في PageV02P074 ~~جبايتها من الناس أبت طائفة الملثمين منهم أن يعطوا، وقولوا: هذا ~~خداع وإذا أخذوا منا أعادوا القتال، فاشتجروا وكان فيهم جماعة كثيرون ~~من المغاربة، فقالوا للعرب نحن من إخوانكم بني هلال، فقالوا ~~لهم: اذهبوا في أمان الله، فذهبوا، وكان التكاررة قليلا فاستدار العرب ~~لهم من جهة الريح وحملوا عليهم بعد ذهاب المغاربة، فكان الهوى يرد ~~سهام التكرور، ويضعف نكايتها؛ فضعفوا، فأخذتهم العرب إلا قليلا، ~~ومات من ركب المغاربة في التيه الفاضل البارع المفنن، أبو عبد الله ~~محمد أخو علامة الدنيا، الشيخ أبي الفضل ولدا العلامة الزاهد، ~~شيخ الغرب أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم المشدالي البجاي، كان أبوه ~~أرسله ليحج، ويحضر أخاه الشيخ أبا الفضل معه، وكان الشيخ أبو ~~الفضل غير عازم على الرجوع، ففجع أبوهما بهما معا، هذا بالموت، ~~والشيخ أبي الفضل بالرضى بالغربة. # ثم بلغنا أن سبب خروج العرب؛ أنهم كانوا سألوا أمير الكرك، أن ~~يرعوا أموالهم في بالده، فأذن لهم، ms249 فلما اطمأنوا غدر بهم، فانتهب PageV02P075 ~~أموالهم؛ فقصدوا الحجاج ليفعلوا فيهم ما ينكي السلطنة، وتعود ~~اللائمة به على نائب الكرك. # وذكر الحجاج، أنه انقطع منهم ناس كثر من فقد الجمال، فأرسل ~~القاضي ناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب جكم إليهم من أتى بهم ~~على جمال اكتراها لهم، فكان له بذلك خير عظيم، وذكر جميل، حسده ~~عليه العاجزون، من أهل الخير أدام الله توفيقه. # وفي جمع هذا الشهر، لاسيما بعد شيوع اضطراب الأتراك، كثر ~~الفساد في أطراف القاهرة بالقتل والنهب. # وفي يوم الثلاثاء خامس عشري الشهر قبض منصور بن الطبلاوي، ~~والي مصر على ثمانية أنفس من العبيد ادعى أنهم كانوا يفسدون، وطلع ~~بهم إلى السلطان، فسر بهم، وألبسه خلعة، وسمروا، ونودي عليهم، ~~وهو وراءهم إلى ناحية باب النصر، فضرب أوساطهم، ثم صح أن فيهم ~~من ليس له جرمة، وأنها كعادته في ترويج أموره، كما كان يعمل وهو ~~والي، من أنه يأخذ كل يوم من السجن ناسا، يعرضهم على السلطان، ~~ومعه أمتعة من بيته يخبر أنه وجدها معهم، قد سرقوها، فيضربهم ويأتي ~~بهم قدامه إلى بيته، ينادي عليهم، ويا ليته فعل في هؤلاء كذلك، بل ~~سمعت أن منهم من لم يكن في السجن، بل منهم من كان سيده قد ~~بعثه يقضي له حاجة، فقبض عليه من وسط السوق، وطلع يشكوا حاله ~~للسلطان، وأخذ معه من يشهد له، بأنه أرسل عبده في تلك الساعة، ~~لأمر سماهن فلم يمكن من الدخول، فلا قوة إلا بالله. PageV02P076 ~~وفي هذا الشهر، عزل زين الدين رضوان بن الأعسر عن ~~قضاء المالكية بغزة، وقدم القاهرة فأخرج منها في زنجير، وكان ~~مستحقا لذلك؛ لإمور منها: أن أباه كان من أكابر الشافعية، وحفظ ~~هذا المنهاج، وسعى أولا في قضاء الشافعية، فلما امتنع عليه ذلك، ~~سعى في قضاء المالكية، ومنها أنه نشأ بزي الأجناد، وسعى في أن يكون ~~حاجبا بغزة، ومنها عزى عن العلم في كل مذهب، ومنها أنه من الظلم ~~والجبروت والعتو على جانب عظيم, وما كان سبب تقدمه إلا أن ~~السلطان ms250 كان وهو نائب غزة يعرف أباه بالعلم والعظمة عند الخاص ~~والعام، فاتفق أن قاضي الشافعية بغزة الشرف موسى بن مفلح أرسل ~~هدية إلى المقر الشهابي ولد السلطان، فقيل لرضوان: إنه كاتب فيك، ~~وأرسل يسعى في قضاء المالكية لشخص يسمى ابن عيد، والكتاب مع ~~المتسفر بالهدية، فلحقه إلى خان يونس، فطلب منه الكتاب فأنكره، ~~فضربه ضربا شديدا وفتش أمتعته فأخرج الكتاب وأخذه، فلما وصل ~~المتسفر أخبر ابن السلطان بذلك، فعزله، فجاء ليسد القضية، فأمر ~~ابن السلطان بإخراجه من القاهرة في الترسيم، فنزل إلى بيوت بعض ~~الأكابر؛ ليسعى له في رضى ابن السلطان، فبلغه ذلك، فغضب من ~~مكثه بالقاهرة بعد أمره له بالخروج، فأخرجه في زنجير، بعد أن ضربه. # وفي هذا الشهر، عزل أمير ينبع، الشريف مخدم بن عقيل؛ لأخذ ~~العرب للحجاج في بلادهن وولي الإمرة بها الشريف.. بن هجان، PageV02P077 ~~والتزم برد ما أخذ العرب وجهزت مراسيم إلى نائب الكرك، بأن يركب ~~وراءهم بجنده وعشرانه، ويقتل منهم ويأسر من يقدره الله عليه، ~~فكانت هذه من محاسن القضايا، لكن عندي أنه كان من تتماتها أن ~~يرسل إلى أمير المدينة الشريفة، وأمير آل نعير، ويؤمر الأربعة بأن يسير ~~كل منهم من جانبه، ويأخذوهم في الوسط إلى أن يجتمعوا في مكان ~~يسمى لهم والله الموفق. # وفي هذا الشهر، طلب ناصر الدين محمد بن خثعم، خفير ~~الخانكة، وألزم بخفر الحسينية، وهي الخرائب التي في طرف القاهرة مما ~~يلي الشام، فأبي وقالك هذا يشغلني عن دركي، وهذا شيء لم تجر لي ~~به عادة ولا لأحد كان قبلي، وهذا من درك والي القاهرة، فلم يقبل منه ~~ذلك، وهدد بالتوسيط، فراجع إلى أن تحقق أنه إن لم يفعل قتل، فأجاب ~~ثم ذهب إلى الخانكة فتحمل بأهله ومن يعز عليه، وذهب في البرية، ~~فكانت هذه من مساوئ الأمور؛ وذلك أنه كان خير حافظ للخانكة ~~وجميع طرقها، يأخذ بعض المفسدين بالسيف، وبعضهم بالحلية، ~~وبعضهم بالتكرم عليه، والمحاسنة له، فكان عديم النظر في ذلك، ~~وبلغني من وجه صحيح، أنه كان لا يبيت ms251 إلا على ظهر فرسه بالسلاح ~~واللبس الكامل، ولا ينام من الليل شيئا، فلا قوة إلا بالله، ثم وسدت ~~إلى شخص من أقاربه يسمى أبا بكر. PageV02P078 ~~وفي هذا الشهر أيضا عثر على أن السراج الحمصي سرق علامة صهره ~~أمير المؤمنين، وكتب تحتها كتابا على لسان الخليفة إلى السلطان محمد بن ~~عثمان ملك بلاد الروم يؤانسه بالكلام، ويطلب منه هدية، فسر بذلك ~~ابن عثمان، وأرسل ما طلب منه، فحقق ذلك ما يظن في الحمصي من ~~الجرأة، وقلة الدين، فزاده بعدا من قلب السلطان، فمنعه من السلام ~~عليه، وأرسل إلى أمير المؤمنين ليمنعه منا لسكنى عنده، فسكن في ~~القرافة عنده في مدرسة الإمام الشافعي التي هو مدرسها. ### || # وفي بكرة يوم الخميس خامس شهر صفر سنة تسع وخمسين وثمانمائة، ~~نزل الدويدار الكبير يونس من القلعة مريضا، فشاع بين الناس أنه سقي، ~~وكثر ذلك، ثم عوفي عن قرب، ومع ذلك فاستمر الناس في قلقلة، تارة ~~من الحديث بركوب الجند، وتارة بتغلب الوزير في اللحم؛ فيثور ذلك ~~المماليك الأجلاب إلى أن كان نصف صفر هذا، فقال الأجلاب: ما ~~نأخذ في الجامكية إلا ذهبا، وما نأخذ ثمن كل ألفي درهم فلوسا إلا ~~سبعة دنانير، وكان سعر الدينار إذ ذاك بثلاثمائة درهم وسبعين درهما، ~~فكان التفاوت كبيران وقاموا قياما صعبا، فمنعوا من عند السلطان من ~~المباشرين وغيرهم من النزول، وغيرهم من الطلوع، فغلقت أبواب ~~القلعة، وقال السلطان: ما صرفت في أول ولايتي وإلى الآن إلا فضة، ~~فمن الآن لا أصرف إلا فلوسا، أو عسلا، أو نحو ذلك، كما كان على ~~أيام من مضى من الملوك، واستمر الحال إلى العصر فخمدوا، ونزل ~~المباشرون، وأرغبهم الله، فرضوا بأخذ الألفين.. كيفما كان، والله تعالى ~~المسؤول في إصلاح الأحوال، وتبليغ احسن الآمال. PageV02P079 ~~وفي هذا الحد، قدم، شرف الدين موسى ناظر جيش طرابلس ابن ~~خالة الجمال يوسف، ناظر الخواص الشريفة. # وفي يوم الخميس ثامن عشر الشهر، قبض على الشهاب أحمد ~~البولاقي المغربل، المعروف بالمدني، بو شاقية كثيرين. فأنزلوه عن ~~بغلته، وسحبوه سحبا عنيفا؛ ms252 بسب قضية قيل: إنه زورها، وكان ~~معروفا بالسعي في ترويج الأمور الباطلة المحققة الزور، وتمشيتها على ~~قانون الشريعة، وله في ذلك وقائع كثيرة مشهورة، ثم عرض على ~~السلطان، ثم طلبه يوم السبت العشرين منه، فضربه على أكتافه، ثم ~~أمر بسجنه في المقشرة. # وفي هذا الحد، أعيد ناصر الدين محمد بن خثعم إلى غفر الخانكة على ~~ما كان عليه؛ وسبب ذلك أنه كان محسنا إلى أهل الخانكة قائما بما يجب ~~عليه حفظه على أتم وجه، فلما غيب شق عليهم، فلما لاقى القاضي ~~ناظر الخاص ابن خالته الشرف موسى ناظر جيش طرابلس استغاث به ~~أهل الخانكة في إعادته إليهم، فأرسل إليه من أمنه من السلطان، وضمن ~~له أنه يلزم بما لا يلزمه فحضر إلى الشيخ المعتقد إبراهيم المتبولي PageV02P080 ~~إلى القرية التي أنشأها في بركة الحاج، فحضر معه إلى ناظر الخاص، ~~فطلع به إلى السلطان، فخلع عليه، وولاه ما كان معه من الغفر من ~~غير زيادة. # وفي يوم الاثنين ثاني عشري الشهر المذكور، وهو صفر سنة تسع ~~وخمسين وثمانمائة، مات الأمير شهاب الدين أحمد بن أخي الجمال ~~الإستدار البيري الأصل المصري؛ بعلة الفالج، وكان أحد الحجاب ~~في القاهرة، وكان منسوبا إلى عقل كبير، ورأى سديد، ومال كثير، ~~وولي حجوبية السلطان بإسكندرية على أيام الظاهر، نحو سنة سبع ~~وأربعين، ثم استعفى منها، وكانت سنه نحو ستين سنة رحمه الله. # وفي يوم الأربعاء، رابع عشري الشهر، ورد الخبر أن نائب الشام ~~جلبان [الأمير آخور] مات في اليوم السابع عشر منه، وكان ~~شيخا كبيران أظنه مات وهو في حدود التسعين، وكان خفيف الوطأة ~~على أهل دمشق بالنسبة إلى غيره، وعين نائب حلب قانباي ~~الحمزاوي لنيابة الشام. PageV02P081 ~~وفي يوم السبت سابع عشري الشهر، اختفى الوزير سعد الدين، ~~الشهير بكاتب المماليك، فولي الوزر [شمس الدين نصر الله] بن النجار ~~يوم الاثنين تاسع عشري الشهر. ### || # وفي يوم الثلاثاء مستهل شهر ربيع الأول، ولى السراج الحمصي ~~قضاء الشافعية بدمشق؛ وذلك أنه لما بلغ السلطان أن الجمال الباعوني ~~أثبت وصية نائب ms253 الشام، وفيها أنه أقر أن عليه نحو خمسين ألف دينار ~~لناس مفرقين من التجار، فغضب عليه لذلك. # وفي يوم الخميس ثالث الشهر، ولي الشهاب بن الزهري قضاء ~~الشافعية بحلب؛ وذلك أن قاضيها الشريف تاج الدين عبد الوهاب ~~الحسيني الدمشقي كثر إرساله في الاستعفاء من ذلك، واشتد سعي ~~هذا. ### ||| سفر الأمير برد بك إلى الشام: # وفي يوم الجمعة رابعه سافر الأمير بردبك الدويدار الثاني من القاهرة؛ ~~لضبط تركة نائب الشام جلبان، وتسليم جانم أخي الأشرف مدينة ~~حلب، فوصل إلى دمشق يوم الجمعة ثامن عشره، ولاقاه من بها من PageV02P082 ~~الأمراء وقضاة القضاة والمباشرين، وغيرهم إلى قبة يلبغا، وبعضهم لاقاه ~~إلى أبعد منها. # وكان أبو الخير النحاس بدمشق، فكان ناظر الخاص خاف من ~~اجتماعه بالأمير برد بك حدوث فساد، إما بأن يدله على عوراته، أو ~~يزين له أن يشفع له في رده إلى القاهرة، أو نحو ذلك من الأمور التي ~~تتوقع منها ضرب عليه، أو على من يلوذ به، فتوصل إلى كتابة مرسوم ~~بنفيه من دمشق إلى حماة، ثم أرسله مع ساع، وأمره بتعجيل السير، ~~ليصل قبل الأمير بردبك، وكتب إلى الحاجب بأنه حال وقوفه على ~~المرسوم يخرجه من دمشق ولا يؤخره بها ساعة واحدة، ففعل ذلك، ~~ونفي قبل وصول الأمير بردبك بيوم. # وكان ولدا نائب الشام، وجماعة مباشرية قد توجهوا إلى القاهرة ~~فمنعهم الأمير بقطيا من الجواز، فردوا واحتال شاذ بك دويداره ~~الكبير إلى أن جازها، فظفر به الأمير بردبك بالقرب من بئر قراجا فرده ~~معه مرسما عليه، ثم لحق بقية جماعة نائب الشام في خان يونس دون ~~غزة ولما وصل إلى دمشق شرع في ضبط التركة، وأعلم مباشريه PageV02P083 ~~أن السلطان رسم أن يؤخذ من التركة مائتا ألف دينار، فجزعوا ~~من ذلك، وراجعوه القول إلى أن نزل إلى مائة وعشرين ألف دينار، عشرين ~~له، ومائة للسلطان، ثم شرعوا في تقويم ما خلفه من المتاع: المماليك، ~~والخيل، والقماش، وغير ذلك.. وحبس جماعة النائب: دويداره، واستداره، ~~وكاتب خزانته في القلعة، وصار يطلبهم إلى الإسطبل، ms254 وإلى ~~البيت الذي نزل فيه وهو في ناحية المنيبع مشاة وتكرر منه ذلك مرة بعد ~~أخرى، فشق ذلك عليهم، وأظهروا الجلد، وأنه لا مال معهم، وخاف ~~الدويدار من منع أهل الشام لهم؛ لكون ما يفعله مخالفا للشرع؛ من ~~جهة نقض الوصية الثابتة على القضاة، ومن جهة أن للنائب من الأولاد ~~الذكور وغيرهم من يستغرق التركة، وكان لأهل الشام سوابق في معاندة ~~الملوك وردهم عن أغراضهم ومنع الله تعالى لهم ممن يريدهم بأذى، فكان ~~بردبك كل يوم في وهن وجماعة النائب كل يوم يزدادون من القوة بمقدار ~~ذلك الوهن إلى أن رضي منهم بخمسين ألف دينار فسفه ذوي العقول ~~عقله، وعقل من أرسله، واستسفلوا هممهم، واستفسدوا آراءهم، ~~وأجمعوا أنه لو حصل في هذا الأمر تدبير سديد حصل ذلك من واحد من ~~المباشرين، وأنهم لو مكنوهم من الوصول إلى القاهرة، ورسموا عليهم ~~هنالك، وهددوهم بأن يردوا إلى الشام في زناجير، ووعدوهم بأنهم إن ~~أرضوهم، أحسنوا إليهم؛ لبذلوا أضعاف ذلك، واستراح السلطان من ~~شناعة الدخول في تركة لها وراث تستغرق، ومن فتح باب مصادرة ~~الأتراك التي يخشى منها على جماعته من بعده مثل ذلك ، ~~ودويداره صهره، من الدخول في هذا الأمر، الذي يزري به، لان العادة ~~جارية في مثله ببعض البريدية من أولاد الناس فإن عظم فبعض ~~الخاصكية، ولذلك لم يصف عامة الناس برد بك إلا بالخاصكي، PageV02P084 ~~والحاصل أنه جمع في هذه القضية بين الإفحاش والشناعة، وقلة ~~المتحصل. # وقد سألهم علم الدين الديوان الذي كان لنائب الشام قبلهم أن ~~يحاسب مباشري النائب وتثبت في جهتهم ما اختلسوا من الأموال على ~~اسم النائب مما لا حق له فيه، فتؤخذ منهم؛ لكونها لبيت المال، لا حق ~~للوراث فيها، وهي مقدار كبير، ربما تكون أكثر من القدر الذي حصلوا ~~عليه، فلم يلتفت إليه، ولو أوهموا بذلك، لبذلوا أكثر مما بذلوا في أسرع ~~مدة. # وكذا ضرة زوجة النائب، نبهت على أمور جليلة، فلم يلتفت إليها، ~~إلى غير ذلك من الأمور، والله الموفق. # وفي يوم الجمعة، رابع عشري ms255 شهر ربيع الأول المذكور، بعد الصلاة ~~ولد ولدي محمد أبو اليسر من سعادات بنت الشيخ نور الدين البوشي ~~أسعدها الله، وكنت مسافرا بدمق فأتاني بذلك كتاب القاضي شمس ~~الدين الونائي زوج جدته منتصف يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع ~~الآخر، فقرأته مع آذان ظهره، فحصل من الدعاء له في ذلك الوقت ما ~~يرجى قبوله وبركته، وكان يوم ولادته موافقا للنصف الثاني من آذار، ~~أحد شهور السريان، فكان ذلك مقاربا لوقت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه في ~~ثاني عشر ربيع الأول، الموافق لشهر نيسان، فأرسلت جواب الكتاب: ~~لله در كتاب منك وافاني%%بطلعة الولد الميمون هناني ~~في شهر مولد خير الخلق مولده%%ونصف شهر أتى من قبل نيسان ~~فالقرب في زمن الميلاد فاز به%%في شهر عرب وفي شهر لسريان ~~وحاز أعدل ما في العام مقتبلا%%خيرات بارئه في خير أزمان ~~سر يشير بأن الله منبته%%للدين في حفظ أخبار وقرآن ~~ويجمع السنة الغراء مقتفيا%%لأعلم الخلق من قاص ومن دان PageV02P085 ~~وكنت قد أوصيتهم قبل السفر أن يسموه محمدا، ففعلوا وتركوا أمر ~~الكنية إلى ختامه كتاب البشرى، فوجدت فيه وقد حصل (يعني وقت ~~الولادة) غاية اللطف والتيسير؛ فاخترت أن تكون الكنية إحدى اثنتين: ~~أبو اللطف، وأبو اليسر، وجعلت الخيرة في ذلك إلى أمه وجدته ~~وزوجها، فما وقع اتفاقهم عليه كان، والمرجو من كرم الله، أن يكون قد ~~رضيه، وجعل فيه العافية والرحمة والبركة والنعمة. # وقد رأيت في المنام ليلة أتاني الكتاب بالبشرى، أني جزت في طريق ~~على ورقة ملقاة، فهممت أن أرفعها، ثم قلت سيرفعها أهل هذا البيت ~~الذي إلى جانبها، ثم خطر لي ما وقع لبشر بن الحرث الحافي، من أنه ~~مر على ورقة ملقاة فيها اسم الله، فرفعها؛ فنودي من جانب الحق تعالى: ~~طيب اسمي، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة، فرفعتها، فغذا فيها: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، وفي جانب آخر الحمد لله رب العالمين، ~~فطويتها لأضعها في جدار إلى جانبي، ثم تذكرت أن بشرا وضع تلك ~~الورقة في رأسه، فوضعتها في رأسي فأولت ms256 ذلك، أن الله يشيع لي ذكرا ~~صالحا، فلما أتتني هذه البشرى، رجوت أن يكون لهذا الولد في ذلك حظ ~~عظيم، وأني أذكر به ذكرا حسنا من بعدي والله تعالى المسؤول في بلوغ ~~السؤل ومن عجائب هذا الولد المترقبة حققها الله تعالى. PageV02P086 ~~ما حدثني به القاضي ناصر الدين محمد بن القاضي شمس الدين ~~محمد الزفتاوي بالقاهرة قبل سفري، أنه بات ليلة السبت سادس عشري ~~ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وثمانمائة، وقد حصل له تردد في قوله تعالى ~~في سورة النور: { ويزيدهم من فضله} [النور: 38]. هل هي منصوبة أو مرفوعة، ~~قال: فرأيت أبي في المنام واقفا عند سلم بيتك على باب سر المسجد ~~(يعني مسجدي الذي أنا نازل بعلوه) قال: فقرأ أبي الآية حتى ختمها ~~{ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء ~~بغير حساب}[النور:38] وقال: بالفتح. فقلت: يا أبي، لم أنت واقف هنا ~~فقال: ابن الشيخ برهان الدين كان مع العبد، فنزل به من السلم، ~~فأشرف على أن يقع به. قال: وكان أبي جاء ليحفظه من الوقوع. قال: ~~فقلت له: الشيخ برهان الدين ليس له ولد. فقال: نعم له ولد. قال: ~~فسكت إجلالا له عن المراجعة. قال: ونظرت فإذا فتاك عمرو ونازل ~~من سلمك بصبي سنه نحو ثلاث سنين، ثم انفتل في السلم، فكاد أن ~~يرمي الصغير ولم يرمه ولا حصل لأحد منهما ضرر فلما حدثني بهذا المنام ~~قال لي: هل عندك حامل؟ فأخبرته: أن نعم، فقد حقق الله الحمل PageV02P087 ~~وكونه صبيا، وهو المسؤول في تحقيق ما بقي مما تضمنته الآية. # ومن عجائب أمر هذا الولد، أنه مع شبهه لي في شكله شابهني في هيئتي ~~عند الميلاد؛ فإني ولدت (كما أخبرتني أمي فاطمة بنت علي بن ~~محمد السليمي - بالتصغير - وكانت امرأة صالحة) من غير صراخ، ~~بحيث ظن أني ميت، وتركت ملقى من غير ساتر، حتى تأملتني ~~بعض نساء أعمامي، فأشفقت علي وودت حياتي، فاستدعت ~~بكبريت أو نحوه، فلما شممته عطست، وكذا اتفق لهذا اللد، لم ~~يصرخ ولا ms257 تنفس، فلم يشك في موته إلا أن القابلة ألبسته ما كانوا ~~أعدوه له، ثم أشمته شيئا فعطس، وأخبرتني أمه، ومن له خبرة من ~~نسائهم أن ولادته كانت في الشهر الثامن من حمله، حقق الله له كل ~~خير، ودفع عنه كل ضر. واستمر بعد الولادة نحو شهرين لا يقدر ~~على التقام ثدي بل كانت خالته لأمه فاطمة بنت الشيخ نور الدين ~~البوشي. تحلب من ثديها اللبن وتقطره في فمه ثم صار بعد الشهرين ~~يشرب من الثدي لكنه كان لا يحب لبن أمه أما ثديها الأيسر فكان لا ~~يشرب منه أصلا، وأما الأيمن فكان يشرب منه على كره ويتقيأ في ~~الغالب ما يشربه. PageV02P088 ~~وحدثتني فتاتي حسبي الله بنت خلصة (بفتح المعجمة وكسر اللام ~~وفتح المهملة) سلطان بلاد المسلات أنها رأت في المنام قبل ولادته بيومين ~~أن نعجة في خان، وأن تلك النعجة ولدت شيئا على هيئة السمكة يظهر ~~أنه ليس به روح، قالت: وإذا نساء لا أعرفهن. فقالت لي واحدة ~~منهن: ماذا في نفسك؟ تريدين، أن يموت هذا الولد، أو نحييه؟ # فإنهم ليس فيهم خير. قالت: فالتفت إلى الجهة التي أشرن إليها فإذا # زوجتك وأمها. قالت: فقلت: بل تحيونه وشأنكم بالنعجة. فقالت: ~~قدامه بحر، إن عاش ترين منه كل خير. قالت: فقلت: ضعوه في هذا ~~السبيل (أشير إلى زير فيه ماء) فوضعته فيه فحيي، فذهبت إلى البحر ~~فجئته بإناء فيه لبن حليب، وإناء فيه طعام أحضر كأنه ملوخية، فسقته ~~المرأة من اللبن، وأطعمته إناء من الملوخية، قالت: ولما أخذت تلك ~~السمكة بعد حياتها إذا حطبة تدخن دخانا قويا، فدستها برجلي إلى أن ~~أطفأتها لم [أر] بها نارا ولا دخانا، ثم لم أر النعجة التي ولدته، ~~ولا زوجتك، لا أحدا من أقاربها، والله المستعان. فكان تأويل هذا ~~ولادته على الهيئة المتقدمة، وما حصل لي منهم بعد قدومي من الشر ~~الذي أفضى إلى مفارقتهم، وترك الولد عندي، وحضنته حسبي الله ~~المذكورة، فكان لا يسكن إلا إليهان وأرضعته عزيزة بنت عبد الرحمن ~~غلامي، وكانت من ms258 أطيب النساء لبنا فعوفي مما كان به، واشتد وصلح ~~على لبنها، فتبين أن ما حصل من أمه من الشر الذي أفضى إلى فراقها ~~كان من ألطاف الله إلى خير آمين. PageV02P089 ~~وفي يوم السبت سادس عشري الشهر قدم خش قدم، متسلم قانباي ~~الحمزاوي، الذي نقل من نيابة حلب إلى نيابة الشام، وهو دويداره، ~~وله في خدمته مدة مديدة، وكان بعض أهل الخير خوفه من صلحاء ~~الشاميين في الأمور المنكرة، ولاسيما الخمر، فقال: نعقد التوبة مع الله ~~تعالى، قبل أن ندخل إلى دمشق، فلما دخلها اجتمع به أهل الشر، ~~وجرأوه على المصائب. # فأول ما أحدث من الأمور التي علم أنه يريد بها الضخامة، أن وضع ~~على بابي دار السعادة سلسلتين، في كل باب سلسلة؛ لمنع الركاب، ~~وكان قبل ذلك طريقا مسلوكا، يدخل الركاب من أحد بابيه، ويخرجون ~~من الآخر، كما يفعل المشاة. # وفي هذا الحد، بلغنا أن الأمير يونس العلائي أخا السلطان مر من ~~بلاد وادي التيم إلى حلب؛ ليأتي بنائبها إلى دمشق. # وفي آخر هذا الشهر خرج أكابر أهل دمشق إلى لقاء نائب الشام، ~~ولما تقارب فراغ الأمير بردبك من شغله في دمشق، وأشرف على السفر ~~إلى حلب خيف من اجتماع أبي الخير النحا به في حماة، فأتى مرسوم ~~في أواخر شهر ربيع الأول هذا، بنفي أبي الخير من حماة إلى ~~طرابلس. ### || # وفي يوم السبت ثالث شهر ربيع الآخر، من سنة تسع وخمسين هذه، ~~وصل قاضي القضاة الحمصي الشافعي إلى القبيبات من دمشق، ونزل في PageV02P090 ~~تربة تنم، فقصده الأكابر، وسلموا عليه، ثم قصد دخول دمشق ~~في صبيحة يوم الأحد رابعه، وسأله بعض الفقهاء عن تركه للعادة في ~~الدخول يوم الاثنين أو الخميس، فعلل بكون الاثنين خامس الشهر، ~~يعني وقد قيل أنه من الأيام المشؤومة، فأتاه الأكابر والأعيان، من الأمراء ~~والفقهاء صبح الأحد المذكور، ثم أحضر خلعة السلطان وألبسه إياها ~~حاجب الحجاب جانبك على العادة، وركب الناس ليركب، فانتظر ~~ساعة، فسألت عن ذلك، فقيل: إنه تأخر لتدخل الساعة الرابعة، ~~لأنها ساعة سعد، ms259 فنسأل الله المعافاة من مثل ذلك أن يعتقد من ينتسب ~~إلى العلم، فضلا عن أن يكون من قضاة الشرع مثل هذا الأمر المنافي ~~للدين، المحذر منه خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والتسليم، ثم ~~ركب عبد أن ألبسه الخلعة حاجب الحجاب، وسار قدامه من أتى من ~~الأكابر، ثم دخلوا من باب الفرح إلى الجامع الأموي، فقرأ توقيعه به ~~الزين سلطان موقع الأمير حاجب الحجاب، ولم يكن كاتب السر ولا ~~ناظر الجيش حاضرين؛ كانا قد خرجا لملاقاة نائب الشام قانيبه ~~الحمزاوي. # وفي يوم السبت عاشر الشهر، نودي بالزينة؛ لقدوم النائب. PageV02P091 ~~وفي يوم الثلاثاء ثالث عشره، مات القاضي شمس الدين بن خيرة ~~(بخاء معجمة، ثم تحتانية ممالة، ثم مهملة) الأسيوطي، أحد نواب ~~الشافعية بالقاهرة بها على ما بلغنا، ودفن من الغد عن أكثر من سبعين ~~سنة فيما أظن، وكان فاضلا في الفقه والنحو، وله مشاركة في غيرهما، ~~وكان مقداما، وله اتصال ببعض الأتراك وكان يذكر بسوء السيرة في ~~القضاء، ويوصف بالميل فيه مع الطمع، والله أعلم رحمه الله. # وفي هذا اليوم خرج بردبك دويدار السلطان، ومن بقي من ~~أكابر أهل دمشق للقاء نائب الشام، فوصل إلى مصطبة ~~السلطان ببرزة، آخر يوم الأربعاء، رابع عشره، ثم دخل دمشق بكرة ~~يوم الخميس خامس عشره في موكب عظيم، ولم يتخلف عن الاحتفال ~~بالنظر إليه في دمشق من الرجال والنساء الكبار والصغار كبير أحد، ~~وكان يوما مشهودا، وأكد احتفالهم بذلك مع ما جرت به العادة في مثله ~~أنه كان قد قذف في قلوب جميع العوام، وكثير من غيرهم أنه ~~يمسك حال دخوله إلى دمشق، وأن القصد من استدعائه من حلب ~~ليس إلا ذلك، وأجمع أكثرهم على أن القبض عليه يكون عند صلاته ~~ركعتين، عند باب القلعة الذي بقرب باب دار السعادة الغربي على ما ~~جرت به عادة النواب حال قدومهم، واشتد خوضهم في ذلك بفنون من ~~الأقاويل، وأعاجيب من التهاويل، لا دليل لعاقل على شيء منها إلى PageV02P092 ~~أن كادت تكن جدا، خيف من عاقبتها، وشبهتهم في ذلك ms260 أن هذا ~~الباب له خشب على الخندق يمد حين إرادة الدخول منه إلى القلعة، ~~ويرفع عند إرادة منع الدخول، وكان بعض أخشابه قد تلف، فلما مات ~~نائب الشام جلبان جدد نائب القلعة ما كان محتاجا إلى التجديد من هذا ~~الباب، فقالوا: ما أصلحه إلا ليمسك النائب الجديد ويدخل به من ~~هناك إلى القلعة. فسبحان من جعل أكثرهم حثالة كحثالة التمر، ~~وسلبهم فنون المعرفة نسأل الله العافية من ذلك، وكان قد دخل النائب ~~من كثرة ما سمع من التهاويل خوف عظيم كاد يفضي به إلى خلع ~~الطاعة، ثم إن الأمير بردبك صهر السلطان لاقاه إلى بعض الطريق ولم ~~يزل يطيب خاطره، ويكلمه بما يسره، ويذكره عن السلطان بما يبسطه ~~إلى أن انشرح صدره، وتم له أمره. # فلما دخل إلى دمشق، وأمن مما كان يخاف لم يقابل النعمة بالشكر، ~~بل أظهر العتو والجبروت، والسطوة، والعظموت، وأضمر إهانة ~~الفقراء، وأهل الدين من الأمارين بالمعروف، وكان يأتيه أكابر الفقراء ~~للسلام عليه، فلا ينزل عن المدورة، وبلغني أن كاتب السر قال له: ~~ليس ذلك بعادة فقال له: وأي شيء بقي من العوائد؟ # وكاتب السلطان في جل ما كان لذلك النائب ولحاشيته من الحمايات ~~له، وكان ذلك قد خرج لذخيرة السلطان، وكذا ما كان له من العادة PageV02P093 ~~على القمامة، وأن لا يحمى أحد من الناس عليه بلدا من بلاد الشام، ~~عن دوره، ولا عن غيرها، وأن يقوى ويعان بزرع ولوبيه والناعمة، ~~وكانت هذه البلاد للسلطان، ليست في إقطاع أحد من الأمراء، بل ~~يعين السلطان بها من يشاء. # وكاتبه أيضا في إعادة المكس، وبيت الولع، وهو الحانة التي يأتيها ~~الفسقة للخمر والزنا وغير ذلك من الفسوق. # وكان أولاد الحنش، أكابر مقدمي البقاع اغتنموا موت نائب ~~الشام، فقصدوا طرفا من البقاع، من ناحية مشغرا يعرف بتقدمة ابن ~~علاق للفساد، فهرب منهم قمر الدين بن علاق مقدم ذلك الطرف، ~~فنهبوا بيوته، ثم حرقوها ونهبوا ما قدروا عليه من تلك المعاملة ~~وفسقوا في النساء على هيئة هي في غاية القباحة ms261 والمجاهرة، وكان النساء ~~يجتمعن، فيفعل في بعضهن بحضرة بعض، وبحضرة الرجال، ولقد ~~حكى لي شخص من أتباع حاجب الحجاب، أنه شاهد واحدا منهم، ~~يعالج امرأة لذلك، وهي تمانعه، فكان يرميها تارة، ويأخذ رجليها، PageV02P094 ~~ثم تغلبه وتقوم، ثم يرميها، واستمرا على ذلك زمانا طويلا، ثم نجاها ~~الله منه، ولم يقدر عليها. # وكان متولي كبر ذلك منهم داود، فشكى عليهم ابن علاق وأخوه لأمه ~~المقدم ناصر الدين بن الجمال، وتكررت شكواهم، فلم تغن شيئا، ثم ~~شكا عليهم الحنابلة؛ لأن المنصورة من قرى تلك المعاملة وقف ~~عليهم فأخربوها وأجلوا أهلها، فقبض على واحد منهم اسمه الحنش، ~~وضربه ولم يقبض على كبيرهم حمد، ولا أحضر داود. # وقتل جماعة إسماعيل بن يوسف مقدم بعض بلاد الزبداني رجلا ~~بحضرة بعض مماليك هذاالنائب بأمر إسماعيل، فاعتقله أياما، فلما ~~رشاه أطلقه. # وفعل من نحو ذلك من الفساد كثيرا، فقصده الشيخ أحمد العداس، ~~أحد الأمارين بالمعروف، يوم الاثنين تاسع عشر الشهر في دار السعادة، ~~فأخبره: أن من عادة الفقراء الأمر بالمعروف وسأله في المناداة بذلك، فلم ~~يحسن في جوابه. # وفي يوم الأربعاء، حادي عشريه، نقل إلى العداس، أن في بعض ~~البقاء المجاورة لجامع دنكر مناكر، فأخذ بعض مماليك الأمير ~~بردبك، وأزالها، وعصى عليه بعض أربابها، فاستعان عليهم بالأمير ~~بردبك، فطلبهم إلى بيته وأهانهم. # فنادى النائب في يوم الخميس ثاني عشريه: من علم بمنكر فلا # يتعرض له إلا بأمر النائب، ومن تجاوز ذلك شنق على باب زاويته هو، PageV02P095 ~~وربما قال المنادي علق، وربما قال وسط على باب زاويته، ولم ~~يدع بالبلد شارعا إلا مر به وسر أهل الفساد بذلك، فلما سمع به حماة ~~الدين، وأتباع المرسلين أخذتم غيرة الإسلام فاجتمعوا بعد صلاة ~~الجمعة في جامع بني أمية، ورأسهم الشيخ أحمد العداس بذكر وخشوع ~~وجؤار إلى الله وخضوع، وأتوا إلى الشيخ شمس الدين البلاطنسي، ~~فكتب إلى النائب ورقة ضمنها أن هذه المناداة مصادمة للشريعة، مخالفة ~~لكتاب الله وسنة رسول الله وإجماع العلماء، وأن الناس ما حكموهم فيهم ~~إلا بالإسلام، فإذا ترك ms262 الإسلام زال الحكم؛ فارتاع النائب لذلك، ورد ~~الجواب، بأن المنادي كذب عليه، وأنه ما أمر إلا بإزالة المنكرات، ~~ومن تعسر عليه شيء منها رفعه إليه ليعينه عليه، وسينادي بذلك، فكان ~~ذلك أول كسر لناموسه واختلال وقع له، وعار عظيم جاهر به، وشناعة ~~مهلكة ضبطت عليه، ولما رد الجواب بذلك، خرج الفقراء من الجامع ~~يضجون بالتهليل والذكر، فداروا في غالب البلد، لاسيما الناحية التي ~~تلي دار السعادة، فكسر ذلك من شوكة أهل الفساد، وقوي ألي الرشاد ~~ولله الحمد، ونقل ذلك إلى بردبك، فقال: إن هذه المناداة لا يرضاها ~~فرعون ولا هامان، وأخذته الألسنة من كل جانب، والله تعالى يتولى ~~توفيقه وإرشاده وهدايته لسلوك طرق السعادة. # وفي هذا الحد، وصل الصارم البريدي بمراسيم فيها الأمر بالقبض ~~على بني الحنش كلهم، وبالمناداة على الذهب بأن يكون الدينار منه في ~~دمشق بخمسين درهما عددا بمعاملتهم، فنودي على الذهب، وأما أولاد ~~الحنش فلم تظهر من النائب عناية بتنفيذ المرسوم فيهم، والله الموفق. # وبعد وصول النائب بأيام رفعت السلسلة عن بابي دار السعادة، ~~فكان الركاب يدخلون على عادتهم. PageV02P096 ~~وفي يوم الأحد خامس عشري الشهر وصل الخبر بأن الأمير جانم ~~نائب حلب وصل إلى قرب جمد يوسف، فسافر الأمير بردبك الدويدار، ~~يوم الاثنين سادس عشريه على درب الزبداني ليلقاه على بعلبك، ليتوجه ~~معه إلى حلب مسلما لها من جهة السلطان، وترك شاذبك دويدار جلبان ~~نائب الشام، وبعض مباشريهم بالقلعة على ما قرر عليهم، وأوصى أنه ~~إن ضمنهم أحد من الأكابر أطلقوا في ضمانه. # وكان قد أمر ببناء جامع تجاه حمام العلائي، بين باب الفرج، ~~وباب الفراديس فأسس بحضوره، وأوصى به نائب القلعة وغيره من ~~الأكابر، فرفعوا كثيرا من جدره في غيبته. # وفي يوم الاثنين هذا، طلب نائب الشام المشاعلي، في الموكب بحضرة القضاة ومن هناك من أهل الخير، وأمره أن ينادي على لسانه، أنه من رأى من الفقراء أو الفقهاء منكرا فليبادر إلى تغييره، فإن عجز رفعه إلى الحكام، ومن تهاون من أكابر الحارات في إزالة منكر، ms263 أو واطأ عليه، رفع إلى الحكام ليقابلوه، وقال: هكذا أمرت في تلك المناداة. # فخرج المشاعلي ينادي بذلك، ومعه بعض الفقراء لئلا يغيرن فداروا ~~به أقطار البلد، فعلت ولله الحمد كلمة الإيمان وسفلت أكذوبة ~~الطغيان، وحق الحق وزهق الباطل واندق. # وفي يوم الخميس تاسع عشري الشهر شكا جماعة من أهل عجلون PageV02P097 ~~على الأمير حسن بك الدكري نائب السلط وعجلون، أنه يظلهم ~~ويهينهم، وأنه يريد أن يجدد عليهم مظالم كان أبطلها الملك الظاهر، ~~فطلبه فأخرج مرسوم السلطان، بأنه يأخذ ما كان له من العادة، وكان ~~قاصده قد لقي الأمير بردبك الدويدار في غزة وقدم له فرسا، فكتب معه ~~إلى السلطان بالمساعدة، فأجابه إلى ما سأل، ورسم له بعادته، ولما قدم ~~إلى دمشق اجتمع بالأمير بردبك قبل سفره، وقال له شفاها: خذ عادتك ~~وما عليك من أحد، فلما أخرج المرسوم لنائب الشام زجره، وقال ~~له: أنت دلست على السلطان حاشى لله أن يجدد السلطان ظلما أبطله ~~غيره، أقسم بالله لئن أخذت منه درهما لأوسطنك، ثم شكا عليه ناس ~~من أهل عجلون، أنه أخذ منهم ظلامه فأرسل معهم نقيب الجيش يقول ~~له: أعطهم حقهم، أو اذهب معهم إلى أي قاض أرادوه؛ فشكر الناس ~~نائب الشام على ذلك، وذموا الأمير بردبك، ودعوا لكل بما يستحق. # وفي هذا الشهر، بلغنا أن الأمين بن الهيصم الذي كان وزير السلطان ~~مات، وكان سنه إذ ذاك نحو الخمسين سنة، وكان لين الجانب. وأن ~~ابن النجار الذي استوزر بعده فرج هرب، وأن السلطان أراد فرجا على ~~ولاية الوزر فامتنع فضربه ورسم عليه بالبرحة إلى أن أذعن لذلك، فخلع ~~عليه بالوزر ورضي عنه. # وفي أواخره، ورد المرسوم السلطاني بأن يؤخذ من شاذبك الدويدار PageV02P098 ~~وحده خمسون ألف دينار، فرفع إلى القلعة، وضمنه ضامنون بعد سفر ~~الأمير بردب بك، فأطلقه الحاجب. # وفي هذا الشهر، أو الذي قبله مات القاضي شمس الدين بن خيرة ~~الأسيوطي، أحد نواب الشافعية بالقاهرة عن أكثر من سبعين سنة فيما ~~أظن، وكان فاضلا مفننا عارفا بصناعة القضاء، غير أنه ms264 لم يكن محمود ~~السيرة عفا الله عنه. ### || # وفي يوم السبت مستهل شهر جمادى الأولى من السنة سافر الأمير ~~يونس العلائي متسفر نائب الشام، ولم يسمع له في دمشق كلمة، ولا ~~دخل في أمر من امورها، ولا كلف أحدا من أهلها، فكثر ثناؤهم عليه، ~~وذموا الأمير بردبك، بأنه فعل نقائض أفعاله كلها، حتى أن القاضي ~~صلاح الدين بن السابق الحموي لم يسلم عليه، لأنه كان مريضا حال ~~قدومه وقبله بمدة، وكان عاجزا عن الجلوس فضلا عن غيره، فطلب ~~ولده عليا، وأخذ منه بغلة كانت تحت غلامه، ورسم عليه حتى أخذ ~~منه مائة دينار. # وفي يوم الأربعاء خامس الشهر مات الشيخ الإمام رئيس الموقتين ~~بالجامع الأموي شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن خليل بن أحمد ~~الحلبي، وكان رجلا دينا خيرا سهلا لينا، يشار إليه في علم الوقت، ~~استاذا فيه، وله فيه مصنفات وتحريرات على بعض من تقدم، لم يخلف ~~بعده في دمشق مثله، فيه سمعت شيخنا العلامة الورع تاج الدين محمد PageV02P099 ~~بن بهادر يقول: إنه في علم الوقت كالبلقيني في علم الفقه، وكان يقرأ ~~على الشيخ تاج الدين في الفقه وغيره، فإذا فرغ درسه، جلس الشيخ ~~جلوس التلميذ وقرأ عليه في علم الوقت. # وفي هذا اليوم ولي استدارية نائب الشام فرج الذي كان والي الخاص، ~~وكان أريد الشهاب بن البغدادي؛ لذلك فلم يفعل وعولج أشد ~~العلاج، وكذا علي بن الصوفي، الذي كان استدار جلبان. # وفي يوم الخميس سادسه، ورد المرسوم السلطاني بالإفراج عن شاذبك ~~وتخلية سبيله إلى أي جهة أراد، إن شاء إلى مصر، وإن شاء يمكث في ~~دمشق. # وفي يوم الأحد تاسعه، قدم الخبر بعزل.. دويدار السلطان ~~بدمشق، وتولية خشكلدي الكويزي الدويدارية بها، وأعطي المعزول ~~إقطاعا كان مع مازي، وكان بطالا، وأعطى مازي إقطاعا كان مع ~~سيدي خليل القدسي، أحد الأمراء الكبار بدمشق، وهو الذي ولي ~~الإستدارية أمام الأشرف برسباي، ونقل خليل إلى إمرة عشر من ~~بطرابلس. PageV02P100 ~~وفي هذا الحد، ورد الخبر بالإفراج عن لاشين، الذي كان مسجونا في ~~قلعة الصبيبة ms265 من جماعة الظاهر، وتخلية سبيله إلى حماة بطالا، وبالبشارة ~~لتمربغا دويدار الظاهر، وكان مع لاشين بأنه سيخلى سبيله إلى ~~القدس. # وورد الخبر بأن خوند زوجة السلطان مرضت حتى أشرفت على ~~الموت، ثم عوفيت، وأن الشرف يحيى المناوي سعى في قضاء ~~الشافعية بمصر إلى أن ترجحت قضيتهن ثم بذل العلم صالح بن ~~البلقيني ألفي دينار، فأقر ولبس ابن امرأته خلعة. # وأن القاضي شمس الدين الخطيب ابن أبي عمر سعى على قضاء ~~الحنابلة بمصر إلى أن أجيب، واستمر الحال خمسة أيام، ثم تكلم الشيخ ~~أمين الدين بن الأقصرائي للقاضي عز الدين، فأقر وألبس خلعة ~~بذلك. # وفيه أيضا ورد الخبر بموت خير بك، أحد الأمراء الكبار بمصر، ~~فاحتاط السلطان على أمواله فلم يجد ما يرضيه، فقبض على زوجته PageV02P101 ~~وخدمه؛ فغضب الجند لذلك، وكادت تكون فتنة كبيرة، ثم كفها ~~الله. # وفي هذا الحد ولى نائب الشام، رجب بن قرا، نيابة بعلبك، وأخذ ~~منه أربعين ألف درهم شامية، وأمره أن لا يظلم أحدا، وهدده على ~~مخالفة ذلك. # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له%%إياك إياك أن تبتل بالماء ~~فلما ورد بعلبك، وكان مشهورا بالظلم والفسق رجمه أهلها، ~~ثم زاد الأمر بينه وبينهم حتى أخلوا له البلد، ورحلوا منها، فقصدهم ~~إلى الأماكن التي تفرقوا فيها، وقبض على جماعة منهم، وأكثر أذاهم، ~~نسأل الله لنا ولهم العافية. # وكان قد ولي أيضا نائبا في بيروت يسمى خشن قدم، فلما وردها ~~وقرئ مرسومه، وكان ذلك يوم الجمعة رابع عشر هذا الشهر، طلع ~~شخص على منبر الجامع، وقرأ مرسوم السلطان، (وعليه خط نائب ~~الشام بالاعتماد) بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم مرسوم قاضي ~~قضاة الشافعية بالشام، سراج الدين الحمصي بمثل ذلك، فلما كان وقت ~~العصر، بلغ الفقراء هناك، ورأسهم الشريف الصالح عمر بن محمد ~~الجعفري وولده، أن الوالي فتح الخمارة، ووضع بها الخمر، وأحضر إليها ~~الزواني؛ فتوجه الفقراء إليها، وأراقوا الخمر، وأخرجوا الزواني، فأتى ~~إليهم الوالي بجنده بأيديهم السلاح، السيوف مصلتة، والدبابيس PageV02P102 ~~والعصي، فضربوا الفقراء، فكتبوا بذلك محضرا عند القاضي، ثم ms266 حضروا ~~إلى دمشق، فأتبعهم الوالي بكتاب ادعى فيه أنه أراد يبني سجنا فمنعوه، ~~وضربوا جماعته، فدخل هو إلى بيته، وأمر جماعته بالكف عنهم، ~~فضربهم الفقراء، فأدموا منهم رجلا، وهو مشرف على الموت، وأرسل ~~ثيابا ملطخة بدم، وامرأة تشكو بها؛ فغضب من ذلك أشد الغضب، ~~ورسم على الفقراء، ثم سجنهم، وذلك يوم الاثنين سابع عشر الشهر، ~~فأرسل إليه الشيخ شمس الدين البلاطنسي قاضي القضاة الحنفي، ~~فأطلقهم في آخر ذلك اليوم، وأرسل إلى بيروت، يحضر تجارها وأكابرها ~~فلا قوة إلا بالله. # وفي هذا الحد، ورد الخبر بأن نائب حلب وصل إلى حلب في نحو ~~نصف هذا الشهر، وأنه سار سيرة حسنة، ما سارها أحد قبله في هذه ~~الأعوام، وأنه ألف بين أهل حلب بعد العداوة، بين أهل بانقوسا ~~وأهل داخل البلد، وأنه أزال المنكرات، وهذا لعمري نتيجة الكسر ~~بالحبس وغيره، فإنه كان في جميع أيام الظاهر في غاية الضيق والخوف ~~على نفسه، أتم الله عليه نعمته، وأدام تهذبه. # وفي يوم الخميس العشرين من الشهر، حكم السراج الحمصي قاضي ~~دمشق الشافعي، بحقن دم شخص من دعاة الرافضة، وحملة PageV02P103 ~~أباطيلهم، وكان قد عثر عليه بعض الناس، وفي يده كتاب، وعنده ~~جماعة قد انكبوا عليه يسمعون ما يقول على هيئة مريبة، فاجتمع عليهم ~~العوام، وأتوا ببعضهم إلى بيت المالكي، فوجد في الكتاب قبائح ~~وأكاذيب تتعلق بالصديق والمهدي، وادعى مدع من سنية أهل بغداد، ~~معروف بالخير عليه في دار السعادة، بحضرة نائب الشام قانباي ~~الحمزاوي، أنه ذكر له أن فلانا تمتع بفلانة، وذكر عليا والصديقة رضي ~~الله عنهما وأرضاهما، وشهد بذلك شاهدان، وزكاهما بعض أهل العلم، ~~فقال المالكي: إن هذا كفر، وأن الرافضة كلهم كفرة، ونازعه كاتب ~~السر القطب الخيضري في ذلك، وطال نزاعهما، حتى غضب كل منهما ~~من صاحبه، وانفصل ذلك المجلس، ولم يحكم في أمره بشيء، وكان ~~الرافضة من أهل العراق قد كثروا بدمشق، وكان كثير منهم نازلين داخل ~~باب الجابية، بالقرب من بيت كاتب السر الخيضري، وناظر الجيش ~~البدر بن المزلق الأطروشي، فحمى ms267 بعض الرافضة لبعض، وجبوا من ~~بينهم أموالا عظيمة، ومشوا بها بالليل إلى الأكابر، فلما كان الموكب ~~الثاني، إذا غالب الجماعة قد حال عن رأيه، وقال المالكي: هذا الكلام ~~لا يوجب كفرا، فإن المتعة مختلف فيها، ونازعه البدر بن قاضي شهبة، ~~بأن هذا اذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسبه من ذكر إلى الإقدام على زنا أو ~~نكاح، مخالف لصريح كتاب الله، بإقرار جميع الصحابة رضوان الله ~~عليهم على ذلك، فقد نسب الكل إلى الكفر، ولا يتوقف أحد في كفر ~~من نسبهم إلى ذلك، وطعن ناظر الجيش في المدعي، ونسبه إلى أنه ~~جاسوس للشعشاع، وأنه يمده بالسلاح، واشتد قوله في ذلك، وطعن ~~بعضهم في الشهود، وكانت تكون للمدعي، ولمن يجتمع عليه من ~~الرافضة مواقف مشهورة، في أقطار دمشق، وقصدوا قتله غير مرة، PageV02P104 ~~وكان المتولي كبر ذلك، الشريف بن عجلان الدمشقي، نزيل ~~القبيبات، أخبرني من شاهده يكلم هذا المدعي بكلام، يريد أن ~~يستوقعه به في واقع، وأنه رأى بعينه في غضون ذلك في يد الشريف ~~سكينا مسلولة، وأنه اجتمع عليهم في ذلك المجتمع كثير من الرافضة، ~~وكادوا أن يقتلوا المدعي، ثم استغيث له بأهل السنة فأدركته ~~عصابة منهم فأنقذوه من أيديهم، بعد أن كاد يحصل بينهم حرب. # ولما أرضوا نائب الشام شرع يطلب من القضاة فصل القضية، ثم ~~ردوا الأمر إلى الشافعي، وسألوه حقن دمه، فكاد أن يجيب، ثم خوفه ~~بعض أخصائه بأنه ربما يرجمه بعض العوام؛ فأحجم ولم يثبت على الحق ~~في هذا الأمر من القضاة إلا الحسام الحنفي المشهور بابن بريطع، ~~والبرهان بن مفلح الحنبلي، فلما كان يوم الخميس هذا واجتمعوا في دار ~~السعادة، قال كاتب السر للقضاة بحضرة النائب: ملك الأمراء يقول ~~لكم: أنكم من حين حضوره إلى الآن لم تفصلوا قضية، فإما أن تبتوا هذه ~~القضية، وإما أن يرسل إلى السلطان؛ يحضر له قضاة غيركم. فقال ~~الشافعي: إني أخشى أن أحكم بحقن دمه فلا ينفذ لي أحد. فقالوا: بل ~~غن حكمت نفذنا حكمك. وقال الحنبلي: إن هذا ms268 الأمر لا يخفى على ~~السلطان، وربما تأتي منه عليه لائمة، فالصواب تأخير الأمر ~~حتى يكاتب السلطان فيه ويستفتى علماء مصر. فقيل له: لم تدع إلى PageV02P105 ~~ذلك حاجة. فحكم الحمصي بحق دمه، ونفذ له رفقته، وضرب هذا ~~الرافضي شيئا من الضرب؛ يكسر به سورة القائمين عليه، وذلك ~~تسع وثلاثون ضربة، ثم أطلق، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # وفي أواخر يوم الاثنين، رابع عشري الشهر وصل أهل بيروت: # القاضي زين الدين رجب بن رجب الزهري، وأعيان التجار وغيرهم ~~مرسما عليهم، ثم في بكرة يوم الثلاثاء خامس عشرية أحضروا إلى ~~النائب، فضرب واحدا من الشهود بالمقارع ضربا أشفى منه على ~~الموت، وأقاموا جارية، تدعي على القاضي، أنه زنى بها، فرماه إلى ~~الأرض وضربه، بعد أن عراه من ثيابه نحو مائة عصى، فيا ليته سوى ~~بينهم، وبين الرافضي القاذف، بل الكافر المارق، وكان قد طلب ~~القضاة ، فحضروا إلا الشافعي، فشفعوا، فلم يقبل منهم، فوقفوا على ~~أقدامهم، ووقف معهم الأمير جانبك حاجب الحجاب مرتين وقبل يد ~~النائب فلم يقبل، فنزل الحنفي من عندهم غضبان، فوصل إلى أسفل ~~الدرج حافيا، وتبعه من يسأله الرجوع ويترضاه، فالتفت فرأى المالكي ~~والحنبلي واقفين لم يتبعاه، فرجع فكفوا عن ضرب القاضي، ثم أمروا ~~بإخراجهم مرسما عليهم، فوضعوهم في المسجد الذي في دار السعادة، ~~مضيقا عليهم، فلا قوة إلا بالله، ثم شفع السيد تاج الدين عبد الوهاب ~~الشافعي، الذي كان قاضي حلب، في القاضي والشريف عمر وولده، ~~فأطلقوا بكرة الأربعاء سادس عشريه. # وفي هذا اليوم، قبض على جماعة من أصحاب ولد الشيخ أحمد PageV02P106 ~~الأقباعي، أنكروا منكرا على مقدم الوالي، فحصل بينهم مكاونة، حصل ~~لمقدم الوالي جرح يسير، فأظهر أنه شارف الموت، فحمل على باب وجاء ~~نساؤه وراءه إلى دار السعادة مهتكات يستغثن، وجاء معه ناس كثير ممن ~~له غرض في الفساد يثنون عليه خيرا، وعلى الفقراء شرا، فضرب واحدا ~~من الفقراء على كفيه ضربا كثيرا وسجنهم. # وفي أواخر هذا اليوم، قدم من أهل بعلبك نحو خمسين رجلا بعضهم ~~في الأغلال، وبعضهم ms269 في الحبال. # وفي يوم الخميس ثامن عشريه ضرب النائب من أهل بعلبك ثلاثة ~~عشر رجلا بالمقارع، أكثرهم لم يحضر واقعة النائب مع أهل بعلبك، ~~وقال أحدهم: يا ملك الأمراء، إنا من أهل القرآن، والله ما حضرت ~~رجمهم للنائب، ولا لي ذنب. فقال غيره: فقال لي: ولك موقف بين يدي ~~الله، فضربه، ولم يلتفت إلى شيء من كلامه، ثم أمر بهم إلى السجن، ~~وهم نحو أربعين رجلا. # وفي يوم الجمعة تاسع عشري الشهر، أطلق غرماء مقدم الوالي، وهم ~~الذين من زاوية الأقباعي، بعد أن أغرمهم مالا يزيد على الألفين. # وأطلق أهل بيروت، بعد أن أخذ منهم أربعة آلاف درهم، وأوصاهم ~~بواليهم الذي كانت لهم معه هذه الكائنة فأجاب أكثرهم بما ~~يرضي الفسقة، وتوقف بعضهم عن الجواب، وعزم الشريف عمر على ~~أن يقول إن دعوه لذلك: نحن نطيعه ما أطاع الله كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلم يتفق لههم طلبه، وحلف هو بيمين مؤكدة، أنه لا يسكن بيروت ~~ما دام هذا واليها، وجلس معي يوما نتحادث في هذا الأمر ونتسلى ببعض ~~أخبار السلف، ونتعلل بآثار الصالحين من الخلف، وجرى بنا الحديث PageV02P107 ~~إلى أن قالك حدثني المجاهد شمس الدين بن بلعة (بفتح ~~الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة) نزيل ثغر رشيد، أنه ركب ~~البحر مرة في المركب كثير من الفرنج، فشرع واحد منهم يعيب ~~المسلمين، ويذكر كثرة أخذ النصارى منهم، ونهبهم لبلادهم، وقلة ~~مثل ذلك فيهم من المسلمين، وشرع يذكر الوقائع من ذلك برا وبحرا، ~~فلم أكن أجد له جوابا، إلا بابن عثمان والمغاربة، ونحو ذلك إلى أن ~~قطعني بالحجة فسكت فقال لي شخص من أكابرهم ومشائخهم: أنت ~~مسلم لا تعرف تتكلم. قل له: لما جاء محمد، ذلك الرجل الطيب ~~وخلف أصحابه المباركين، فتحوا البلاد شرقا وغربا واستنقذوا الشام ~~ومصر وغيرهما، من أسلافك على كثرتهم وقوتهم، ولم يزالوا كذلك، ~~حتى صارت ملوك هذه البلاد منا، فصرنا حينئذ نأخذ منهم، ونظفر ~~بهم. # قال الشريف: وحدثني أبو بكر بن الزبيدية (بضم الزاي، وفتح ms270 # الموحدة، وآخر تحتانية مشددة) اللاذقي قال: أسرني بعض الفرنج، ~~ودخلوا بي إلى بلنسية، من جزيرة الأندلس، قال: فسرنا يوما في ~~مركب، فإذا غالب أهله يقرأون القرآن، وهم كالفرنج في زيهم ~~وكلامهم، فسألتهم، فإذا هم مسلمون استمروا ساكنين في بلادهم، PageV02P108 ~~بعد أن غلب عليهم الفرنج، فلما علموا أني مسلم؛ فرحوا بي، وسألوني ~~عن بلادهم، فلما أخبرتهم أني من بلاد الشام، سألوني عن القدس، ~~فأخبرتهم: أنها قريبة من بلادنا. قال: فسألوا الذي اشتراني ~~أن يرسلني معهم؛ ليضيفوني، قال: فذهبوا بي إلى قريتهم، فإذا هي كبيرة، وذهبوا ~~بي إلى المسجد، فإذا هو كبير حسن، وبه ماء جار، وصبيان يتعلمون ~~القرآن، قال: فأضافوني، فأحسنوا ضيافتي، ثم قال لي بعضهم: هل ~~بقيت لك شهوة؟! فقلت: نعم الخمر، قال: فتعجب مني عجبا ~~عظيما، وقال: ألم تقل أنك مسلم؟! فقلت: بلى. فقال: فالمسلمون في ~~بلادكم يشربون الخمر؟! فقلت: نعم، وفي كل بلد من بلادنا فإنه يباع ~~بها الخمر، فقال: مع إسلامهم وقراءتهم القرآن؟! فقلت: نعم، قال: ~~فأفكر زمانا ثم قال: كذبت؛ تلك بلاد الأنبياء، والمعاهد الشريفة، لا ~~يكون بها ما ذكرت، ثم دعا آخر فأخبره، فقال: كذب، ثم آخر وآخر، ~~ولم يخبر أحدا منهم بذلك إلا كذبني حتى جاء شيخ منهم، فقالوا له ~~ذلك، فقال: ما حكامهم؟ وهل هم منهم؟ فقلت: لا، بل هم من ~~أسرى الكفرة عندنا، الفرنج وغيرهم. فقال: الآن أمكن هذا، فلا أرانا ~~الله هذه البلاد، ولا جمع أرواحنا بأرواحهم، فقال الكل: آمين. # وفي آخر السبت تاسع عشري جمادى الأولى هذان وصل قاضي ~~القضاة حميد الدين إلى دمشق من حلب، بإذن السلطان له في الرجوع إلى ~~عياله، والسكنى في دمشق. # ووصل الخبر عن الأمير بردبك، أنه أساء السيرة في حلب جدا؛ من ~~الطمع في أموال الناس، حتى أغلق أهلها أسواقهم، وهموا برجمه، PageV02P109 ~~فتدارك ذلك نائبها الأمير جانم، وأنه اتفق له مثل ذلك في كل مدينة ~~دخلها، من بعلبك وحمص وحماة، وكذا كان أمره في دمشق، لم يسلم ~~عليه الصلاح خليل بن السابق، الذ يكان ms271 كاتب سر دمشق قبل ~~دولتهم؛ لمرض كان يمنعه من الحركة، فعمل لولده ذنبا ورسم عليه، ~~وأخذ منه مائة دينار، وبغلة، وأرسل إليه الخواجا شمس الدين بن ~~النحاس هدية بنحو أربعمائة دينار، فردها عليه، وأرسل من يستجلبه ~~لأكثر من ذلك، فغضب، وحلف أنه لا يزيده شيئا، وقال: أنا رجل ~~سوقي ، وليس لأحد علي فضل في شيء، وإن كانت سكناي في ~~بلادهم لا ترضيهم سافرت منها، فلما أعجزه قبل ما كان أرسله، وتوانى ~~والي الشرطة في دمشق في بعض أموره، فرسم عليه، ونهب بيته، إلى غير ~~ذلك من أمور يعسر حصرها، مع أنه لم يكن له محب في جميع المملكة، ~~إلا السلطان، وأما غير السلطان، فالكل له أعداء، وهم بين مجاهر ~~ومكاتم، وإنما كف أهل دمشق عن مثل ما فعله معه غيرهم؛ لأنه كان ~~لا يفحش في الأمور بها، خوفا من الشيخ شمس الدين البلاطنسي، ~~لمعرفته بقيامه على أبي الخير النحاس وأتباعه، لما تعدى ضررهم إلى ~~دمشق، وأن زوال دولته كانت على يده، فكان الأمير بردبك يأتي إلى ~~الشيخ كل يوم جمعة، بعد الصلاة، فيسلم عليه، ويستدعي حوائجه، ~~وكان الشيخ يجلس بعد الصلاة بالمشهد الذي في شرقي الجامع ~~بالصحن. ### || # وفي بكرة يوم الأحد، ثامن جمادى الآخرة من السنة، قدم الأمير ~~بردبك من حلب، فلاقاه ملك الأمراء، وأكابر أهل الدولة، ونزل القصر ~~الذي بالميدان. PageV02P110 ~~وفي هذا اليوم، وصل الأمير خشكلدي إلى قبة يلبغا دويدارا ~~للسلطان بدمشق، وفي بكرة يوم الاثنين تاسع الشهر دخل ولاقاه من له ~~عادة بملاقاة مثله، وسر به أهل دمشق. # وفي يوم الثلاثاء عاشره، بلغ الشيخ شمس الدين البلاطنسي، أن ~~الأمير بردبك يريد أن يأتيه ليأخذه إلى نائب الشام؛ ليسلم عليه، ~~ويستأنس به، ثم يركب هو ونائب الشام يشيعانه إلى بيته، فبادر الشيخ ~~وذهب في ناس من جماعته فتلقاه النائب أحسن تلق، وسر به، ووعظه ~~الشيخ بشيء من الموعظة، فظهر قبولها، ثم ذهب من عنده إلى الأمير ~~بردبك فسلم عليه، وأعلمه بسلامة النائب، فسر بذلك، وسأله الشيخ ~~في إبطال المكس ms272 عن الحجاج، فوعده بفعل ذلك، وسأله أن يكتب له ~~تذكرة بخطه ليراجع السلطان في جميع ما فيها، ثم أتى إلى الشيخ يوم ~~الأربعاء حادي عشر الشهر. ### ||| اسداء أمري في خان الفندق: # وفي ليلة السبت، رابع عشره، سافرت إلى خان الفندق، المنسوب ~~إلى عمارة الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكي رحمه الله ~~لإعادة ما تهدم منه، وإصلاح أمره، وسافر معي قاضي المالكية PageV02P111 ~~بدمشق شهاب الدين التلمساني، وقاضي الحنابلة برهان الدين ~~بن القاضي أكمل الدين بن مفلح، وجماعة من أعيان الفقهاء والفقراء، ~~منهم القدوة الشيخ أحمد العداس، والمعلم أحمد بن المعلم محمد بن ~~الزنيك معلم البنائين بدمشق لكشف الخان وكتابة ما هو عليه كان، ~~وتقدير ما يصرف عليه؛ ليقوم كما كان، والمعلم سعد بن علي العجلوني، ~~لتعاطي البناء، فتفاءلت باسمه ورجوت أني أسعد فيما أردت، وذلك بعد ~~أن أجمع الناس على أن دون ذلك خرط القتاد، وتقطيع الأكباد، وزادوا ~~في ذلك ونقصوا، فمنهم من قال: إنه يحتاج إلى عشرة آلاف دينار، ~~ومنهم من قال: دون ذلك، وأقل ما قيل ثلاثة آلاف دينار، كما قدرها ~~ابن الزنيك بحضرة القضاة، وبذلك قال الأمير بردبك صهر السلطان، ~~لما طلع إلى بلاد الزبداني مارا إلى حلب، وكنت سألته في المرور عليه ~~لينظره، لأني كنت راجيا العون عليه، خائفا أن يقال بعد أن أبنيه، أحد ~~أمرين، أنه لم يكن به محتاجا إلى الإصلاح إلا شيء يسير أو أن المتحصل ~~من وقفه شيء كثير يوفي بعمارة مثله، فإذا رآه انتفى الأمران، أحدهما ~~بالمشاهدة، والثاني بسؤال أهل البلاد، وكان الأمير المشار إليه من أكبر PageV02P112 ~~القائمين علي المانعين لي عن تعاطي عمارته شفقة علي من دخولي ~~فيما لا أطيق، وكان من لا يستطيع مواجهتي بالمنع عن ذلك يبلغني ~~تهكمه علي، أو ترفقه لي، وكنت كلما خذلني مخذل يشدد الله عزمي، ~~ويفتح بصيرتي، بحيث لا تمر ساعة إلا وعزمي فيها أقوى مما قبله كما قيل: ~~إذا هم ألقى بين عينيه عزمه%%وأعرض عن ذكر العواقب جانبا ~~واختلفت عبارات الناس لي، ms273 واختلفت أجوبتي لهم، فمنها أن ~~الأمير بردبك قال لي: سألتك بالله لا تفضح نفسك وتفضحنا، يعني ~~بفضيحتي دخولي فيما أعجز عنه، فأنسب إلى ضعف العقل، وعدم ~~النظر في العواقب، وبفضيحتهم، يعني نفسه والسلطان؛ أني معروف ~~بصحبتهم، ولم يساعدوني. ومنها أنه قال لي: هذا أمر لا يقدر عليه إلا ~~السلطان، وأنا نظرته مع خبرتي بالعمارة، وانت لم تنظره. ومنها أنه أرسل ~~إلي يقول: إن كان الحامل له على توريط نفسه في العمارة، الخوف من ~~سعي أحد عليه في الوقف فأنا أضمن له أنه لا ينزع منه أبدا، ومنها أنهم ~~قالوا: أن الملك الظاهر بذلك للقاضي بهاء الدين بن حجي (ولم يكن ~~في زمنه بعد عبد الباسط أعلى همة منه) ألفي دينار ليعمره فأخذ ~~المهندسين والناس، وطلع إليه، فلما رآه تقاصرت إليه نفسه، وعجز ~~عنه. ومنها أن الشيخ عبد الرحمن بن داود وكان الله قد يسر له العمارة PageV02P113 ~~في أماكن شتى قصد عمارتهن فلما رآه استعجز نفسه، ومن الأسباب ~~العظيمة المانعة، أن الذي أخذت منه أوقاف الخان إسماعيل بن يوسف ~~مقدم بلاد الزبداني، وله من الشجاعة والإقدام والجرأة والشهرة بالقتل ~~والفتك ما ليس لأحد من أهل هذه الدائرة في زمانه، من جملة وقائعه أنه ~~كان مطردا من بلاد الزبداني، عاصيا على الحكام، فطرق ابن هلال ~~الدولة مقدم تلك البلاد قبله في قرية أهل كفر عامر، وهي أكبر بلاد ~~الزبداني، وفي وسط البلاد بأربعة عشر رجلا، فقتله، وشرب من دمه، ~~وأحرق بيته، وذهب تحت الليل، ولم يقدر عليه، ومنها أنه طرق ~~أهل كفر عامر أيضا في يوم عيد فطر بخيله ورجاله، فقتل منهم عشرة ~~رجال كانوا أعيان تلك البلاد، وكان ينشد في حال المجاولة: ~~يا من تقضي ديننا%%المطل ما هو بيننا ~~عيدا تجيكم خيلنا%%مثل العرائس تنجلي ~~وكم له من وقعة مشهورة، وداهية بينهم منقولة مأثورة، بحيث أنه ~~ربى له من الهيبة، لاسيما في قلوب أهل تلك البلاد ما يجل عن ~~الوصف، وكان قد تكرر قوله في حال منازعتي له لنائب الشام وغيره: ~~والله ms274 إن أخذ مني هذا الوقف لأجرين الدماء في بلاد الزبداني إلى تحت ~~قلعة دمشق، فلم يبق أحد حتى خوفني منه، حتى الأمير بردبك، فكان ~~من أجوبتي للناس أني قد عزمت على البناء وشهرت ذلك، وحققت ~~العزم بالسفر الطويل من مصر إلى الشام، فالرجوع قبل المباشرة نقص ~~عظيم في الرأي والعقل والشجاعة. ومنها أني قلت: أنا إذا عزمت على PageV02P114 ~~الموت أكره والله أن أرجع بلا موت. ومنها أن قلت للأمير بردبك: مثالي ~~ومثال هذا الخان، مثال رجل قصد عدوا له بخمسة عشر رجلا، فلما ~~تقاربوا أشرف على العدو من ربوة، فإذا هم نحو خمسة عشر ألفا، ~~فكان بين أن يرجع فينجو فيقضي كل أحد بجنونه، لأنه كان عليه أن ~~يتعرف أخبار عدوه، قبل أن يخرج من بلده فيستعد له، وبين أن يلحق ~~فتأخذه الخيل والرجال من كل جانب مدبرا لم يصنع شيئا، وبين أن ~~يقبل فيقتل مقبلا، وربما نصر؛ فإن النصر ليس بالكثرة، بل من عند ~~الله. فالرأي أن يقبل اعتمادا على قوله تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}[البقرة:249]، ومنها أني قلت للأمير ~~بردبك وهو عند الجامع الذي أراد بناءه، بين باب الفرج، ~~وباب الفراديس: ما يدريك أن الله تعالى يعينني على ضعفي، فأبني ~~هذا الخان قبل أن تبني هذا الجامع على قوتك، فحقق الله، وله الحمد ~~ذلك، وذلك أن الناس كانوا كلما خوفوني اشتد خوفي واعتقادي ~~الضعف في نفسي، والعجز والفقر، فصدق التجائي إلى الله، وتبرئ ~~من حولي وقوتي إلى حول الله وقوته، واشتد تضرعي وبكائي وسؤالي لأهل ~~الخير الدعاء بتيسير الأسباب، والمكاتبة لأهل الخير بالدعاء بأنفسهم ~~وبمن يرجون بركته بذلك. # من ذلك ما كتبته لبعض الأصهار: «وبعد فالعبد مقيم على ما # يعهده الخاطر الكريم، من صدق المودة، وصفاء المحبة، وكثرة السرور ~~به وبجماعته، على غاية من الالتفات بجميع قلبه إليهم، وإلى جميع ~~الأهل والعيال، يود من الشوق المبرح أنه يعار جناحي طائر فيطير، PageV02P115 ~~لكنه محبوس في قيد القدرة، مرتبط بأسباب العلم، سابح ms275 في بحر ~~القضاء، تقلبه يد الإرادة، قد استشعر الضعف، وتردى بالعجز، وتبرأ ~~من حوله وقوته إلى من له الحول والقوة والطول، وإلى الآن لم يتهيأ للعبد ~~جميع ما قصده، لكنه شرع في الأسباب القريبة من عمل الكلس ~~وتعزيل المهدوم من الخان، ببعض الأعوان، وبعد أيام إن شاء الله تعالى ~~يطلع العبد بنفسهن ومن يعتني بأمره ويحركه له ربه من أهل الخير، إلى ~~بلاد الزبداني، ويباشر ما يقدره الله له، ويهيئ له أسبابه، فسيدي لا ~~ينسى العبد من الإمداد بالدعاء، وجميع العيال والأصهار، فإنهم أهل ~~للإجابة؛ لأن دعاءهم ينشأ عن قلوب صادقة في المحبة، شفيقة على ~~العبد، ضعيفة عن الإعانة، مضطرة إلى القبول، مع كونه في ظهر ~~الغيب، وكذا يستجلب سيدي الدعاء من كل من يراه من أهل الخير، ~~ويعتني بذلك غاية الاعتناء، فإن الأمر شديد، فالله تعالى المسؤول أن ~~يمن بإبلاغ السؤال، وتيسير المأمول، فكم من ضعيف أصبح به قويا، ~~وفقير أمسى به غنيا، هو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم». إلى غير ذلك من كتب تصدع لها القلوب وتدمع ~~العيون. ولم يكن أحد يرجيني في ذلك، ويطيب نفسي إلا العلامة شيخ ~~الشام شمس الدين البلاطنسي، والعلامة زين الدين بن خطاب ~~العجلوني الغزاوي (بالتخفيف). # واستمر ذلك نحوا من ثلاثة أشهر إلى أن قدر الله الوصول إلى الخان ~~المذكور، فلما رآه المعلم والقضاة، تشاوروا في أمره، وطالت المراجعة إلى PageV02P116 ~~أن استقر رأيهم على أن ترقيعه يحتاج إلى ثلاثة آلاف دينار، وهي بدارهم ~~الشام إذ ذاك مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم. # وأما صورته التي كان عليها، فهي أنه مربع، يكون بعد كل قطر منه ~~نحو ستين خطوة، وفي كل جانب منه بايكتان، على ثلاثة جدر، ~~الجدار الخارج، وهو سور الخان حامل لما يليه من البايكة الداخلة، ~~وجدارها الآخر حامل لما يليه منها وما يليه من البايكة الأخرى التي إلى ~~دار الخان، وجدارها الآخر هو حد دار الخان التي يسميها الناس ~~الصحن، فداره بهذا الاعتبار صغيرة جدا، ms276 وفي وسط البايكة القبلية ~~الخارجة من مكان صغير مربع مرتفع عن بقية أرض الخان، وبه محراب ~~وعليه قبة، وباب الخان في الشمال تلقاء هذا المكان. # وأما صورته التي صار إليها، فجميع غربيه مهدم إلى الأرض، وكذا ~~بابه وكثير من البايكتين الشرقيتين من جهة الشمال، وأما بقية جدرانه ~~فقد انهدم أكثر خارجها، بحيث أنه لم يبق في بعض الجهات غير بايكة ~~واحدة تحمل العقد أو ثنتان، وساوى المتهدم السطح، فصار يصعد إلى ~~سطحه كل حيوان من كل جانب، ولم يكن به مصاطب، ولا ~~مرابط، فكان النازل به يضطر إلى أن يدق في الجدار ما يحفظ به دابته ~~وأمتعته، فتهدم كثير من جدره الداخلة، فصارت بوايكه وداره مشحونة PageV02P117 ~~بالحجارة والأتربة، وصار يصعد إلى سطحه من وسطه، ولم يكن لبابه ~~أثر غير حجرين في خدي الباب من كل ناحية حجر واحد، وهو مسدود ~~بالتراب والحجارة، وما بقي من الخان فمشرف على متابعة ما انهدم، فلم ~~يكن أحد يستطيع النزول به. # فلما كتب من كان معنا ما ندبوا إليه من التصوير والتقدير، ورجعوا، ~~قام المعلم سعد برأي سديد، مشمرا عن ساعد بمعونة الله شديد، وأن ~~الله تعالى قد استجاب لي في تيسير الأسباب به وبرجاله الذين ~~استصحبهم من دمشق، فكانوا من أعظم الأسباب؛ لأن كل رجل منهم ~~نقاوة إقليم، قوة قلب، وشدة بدن وأصالة رأي، وصدق عزم، وذكاء ~~قلب، وثبات أمر، وعظم نصح، وكثرة شفقة، فجزاهم الله عني خير ~~الجزاء. # فأخذ يبني بما كنا صحبناه معنا من الكلس، واستجلبناه من ~~القصرمل من الزبداني، فأدار الجدار من الجانب القبلي وأخذ شرقا إلى أن ~~وصل إلى الباب، فقال: إن هذاالباب كان قوسا مجردا، وأنه لا يليق ~~ذلك لهذا الخان؛ لأن القصد الرفق بالضعيف، وغذا أتى ليلا في الشتاء، ~~وقد أغلق البواب وقف تحت الثلج، أو المطر يستفتح، فيهلك دون أن ~~يفتح له، فالرأي أن يعمل له خباء من الخارج، ويجعل تحته من كل ~~جانب مصطبة؛ فيجلس عليها هذا الضعيف في كن يقيه الثلج والمطر، ~~إلى أن ms277 يفتح له، فقلت إن نفقتي ضعيفة، ولا أحب إلا الأحسن الأكمل؛ ~~لأن طبعي النصيحة، أحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من ~~عمل عملا وهو يعرف خيرا منه كان غاشا». فلو كنت في مصر، ~~عملت ذلك؛ لأن بنائيها يعرفونني فينظرونني إلى الميسرة. فقال: أنت PageV02P118 ~~في مصر إذا والله لا أطالبك لنفسي، ولا لأحد من رجالي الذين ~~استصحبتهم، حتى ييسر الله عليك. فقلت: الآن فاعمل ما تريد، ~~فأخذ في ذلك، فما كان إلا قليل، يومان أو ثلاثة وإذا كتاب من الشيخ ~~شمس الدين البلاطنسي قد ورد علي، وكان لما رآني اقترض، قال لي: ما ~~ترجمتك في المال. فقلت: لا مال لي، فقال: فما حالك في الجلد على ~~الطلب، فقلت: لا جلد لي، فقال: فما الذي عزمت عليه، فقلت: ~~أحسن الأحوال أن يبارك الله لي في هذا العام في وقف الخان، فأوفي منه ~~الدين، وأسوأوها أن لا يكون ذلك، فأنزل عن بعض وظائفي بمصر، ~~وأوفيه. # فلما ورد علي كتابه إذا فيه: «وفي صبيحة يوم الجمعة - يعني ثاني # عشري جمادى الآخرة هذا - خلق الله تعالى في قلب العبد، أنه ليس من ~~المروءة عند الشاميين أن سيدي الشيخ يخرج من الشام، وعليه الدين، ~~بحيث ينزل عن وظائفه ليوفي دينه، فرأى العبد تكليم أهل الخير في ~~المساعدة في عمارة الخان، فأول من بدا بابه الخواجا شمس الدين بن ~~النحاس. فقال: أخرج ألفا، فقلت له اعمل لنا الباب بناء على أنه ~~يصفحه جميعه، ثم ثنيت بالقاضي بدر الدين بن المغربي، فقال: إنه ~~يرسل ألفا، وأنا عازم على تكليم من أقدر عليه وأسترجي منه الخير، ~~فسيدي يثبت، ولا يتوهم من شيء، ويقوي إيمانه بما شاء الله كان، وما ~~لم يشأ لم يكن، فما دام الكريم يحرك القلوب للخير فهو واصل، وإن دام ~~الأمر إلى أول شعبان، فالعبد نجى إن شاء الله تعالى، فطب نفسا وثق PageV02P119 ~~بكرم الله تعالى، والتجئ إليه بطلب المعونة والتيسير، فغذا بني الباب ~~فأرسلوا لنا قياسه، ليشرع في عمله، ونرجوا من الله ms278 تعالى أن نعمله على ~~الوجه الذي نريده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». # فلما قرأ العبد هذا الكتاب، علم أن الله تعالى قد استجاب له في تيسير ~~الاسباب؛ فهطلت دموعه، وزاد خضوعه، فسجد شاكرا لله تعالى، ~~وأكثر من التضرع والدعاء، ثم أقبل على ما هو فيه، واستكثر من ~~الرجال، ويسر الله عليه بأمور منها، أنه كان إلى جانب الخان غيضة ~~له، فقطعتها فعظم نفعها في قوالب العقود، وتحفيظ ما أشرف على الوقوع ~~وغير ذلك. ومنها، أنه كان بالقرب من الخان في الجبل الشرقي ~~دير يسمى دير بقين، وعند النصارى يقال له مار إلياس، وكان قد ~~انهدم فجعل زاوية للمسلمين، ثم انهدم وزال كونه زاوية ورد وقفه على ~~الخان، وصار لا ينتفع به ولا تظن عمارته، فاحتجت إلى حجارة للباب ~~وزوايا الخان، ونحو ذلك، فإذا به من الآلات الحسنة الجيدة ما يعز ~~وجود مثله، فأخذت من يهدم منه، فقال من حضر من أهل البلاد أن ~~من هدم منه شيئا أصيب، وقد فعل ذلك جماعة فأصيبوا، أو من يعز ~~عليهم، منهم من جن، ومنهم من مات، ومنهم المصاب بغير ذلك، ~~بحيث صار لا يستطيع أحد التعرض إليه، فقلت إن حمايته لم PageV02P120 ~~تكن إلا لي، فإن الله علم أني أبني هذا الخان، وأني أحتاج فيه إلى حجارة ~~أعجز عن إنشائها، فحمي هذا الدير لأجل ذلك، ثم هدمت، وهدم ~~من كان معي فأخذنا منه آلة كثيرة، قال البناء: إن الحجر الواحد منها لا ~~يوجد في دمشق بعشرة دراهم، وبعضها لا يوجد بدينار، فلله الحمد. # وأقمت إلى جانب الخان من الشرق أتونا للكلس إلى جانب ~~الطريق السلطاني من المشرق، وحمي الناس، وتتابع العمل، وكان أولاد ~~عمي بنوا حسن من أهل خربة روحا من البقاع، ومن انضم إليهم ~~بحلف أو غيره - بحيث صار يعد منهم - يتناوبون الإقامة عندي ما بين ~~العشرة إلى العشرين؛ للمعاونة في البناء والحراسة لي مما كان يقال. # وكانت الفعلة تأتينا من بلاد البقاع وغيرها، بحيث كانت نفقتها ~~في الأكل والأجر وآلات البناء تقارب ms279 خمسمائة درهم فيكل يوم في غالب ~~المدة، وكان في كل عشرة أيام أو نحوها يسأم بعض الفعلة، فيستأذنون ~~في الذهاب، فإذا ذهبوا أتى غيرهم بهمة جديدة ونفس جديدة، فلم نزل ~~طوال المدة في عزائم قوية، وهمم علية فلله الحمد على ذلك. # فقام الخان كله، بوابته وجميع جدره، على أن تحت الجدار منها أكثر ~~من ثلاثة أذرع بالنجار، بحيث يسع أن يفرش عليه بساطان عرضا، ~~وأعيد ما كان في عقوده ساقطا، ورم ما كان به رثا من داخل، غير أن PageV02P121 ~~الجانب الغربي لم يقم إلا جداره الخارج، وهو سور الخان، وبقي محتاجا ~~إلى جدار شرقي، تعقد عليه بايكته، ورأى أولوا الخبرة أن تختصر منه، ~~ومن الشمالي بايكة، ليتسع صحن الخان. # وعمل على يسرة الداخل إلى الخان مسجد حسن واسع، على يمنته ~~دكان متبن واسعان، وفي الدكان بيت صغير بخشب ينتفع به ~~وبسقفه، كل هذا إلى أواخر شعبان، وركب الباب في يوم الخميس آخر ~~يوم من شعبان، مصفحا كله بالحديد، وصار الناس يأتون إليه من كل ~~قطر يتعجبون من حسنه، وقال أهل الخبرة أنه ليس في دمشق بوابة ~~خان مثل بوابته، ولا باب مثل بابه. # وبقي الخان محتاجا إلى مصاطب في أحد الجانبين، كل بايكة وبها ~~مرابط، وإلى سلم إلى سطحه، وإلى ميازيب حجارة وإلى تكحيل ما ~~بقي من جدره بالكلس والقصرمل؛ لتحفظ من المطر، وإلى تعديل ~~أرضه وتسويتها، وتسليط الماء إلى خارجه، وإلى تسليط ماء السطح إلى ~~الميازيب. # وألقى الله لي من الهيبة في قلوب أهل تلك البلاد، ما لم يصل إليه أحد ~~في ذلك الزمان؛ بعمل الحق، والصرامة في الأقوال والأفعال، والتأييد PageV02P122 ~~بالأقارب الشجعان، فكنت أخوض بهم البلاد بتأييد الله، شرقا وغربا، ~~طولا وعرضا، ليلا ونهارا، قل جبل هناك إلا صعدته، ولا مكان إلا ~~جزته، وقل أن قصدت شيئا إلا سهله الله، وتقرب الناس إلي بإظهار ما ~~كان أخفي من أوقاف الخان، وما انضم إليها من أوقاف دير بقين، ودير ~~الما، ودير قبيس وشليا، ووقف الفقراء والأكفان في مضايا، وبقين، ms280 ~~والكبرى، وبلوذان، والدلة، وكفر عامر، والزبداني، والحارة، ~~والسفيرة، وعيون التوت من بلاد الزبداني، وعين عرب من بلاد البقاع، ~~بحيث كان [ريعها] في هذا العام نحو اثني عشر ألف درهم شامية، ~~[و] اثمان التفاح، والجوز، وورق التوت، وغير ذلك من الثمار نحو ~~أربعة آلاف وخمسمائة، واثمان نحو تسع عشرة غرارة قمح، وثلاث غرائر ~~شعير ونصف غرارة حمص، وعدس، وبيقية ستة آلاف وخمسمائة ~~درهم، وثمن الخشب نحو ألف درهم. # وأرسل إلي بعض المفسدين من يفتك بي، فظفرني الله به، وفعلت فيه ~~ما صار مثلا؛ فازدادت الهيبة، وتحاماني المرتابون. # غير أنا طرقنا فيه، في أواخر الأمر بمصائب، منها أنه كان من أعيان ~~من معنا، من البنائين شخص، يقال له يوسف بن يحيى، وكان شديد ~~النفع لي، فيما يعسر على غيره من حمل الأثقال على ظهره، وتحميلها، ~~ومن الدخول في تفكيك ما كان سقط من عقود الخان والمساعدة في ~~الأتون، في تحصيل الحطب والحجارة والقصرمل، وغير ذلك، فكد نفسه PageV02P123 ~~في رابع عشر شعبان في نقل الكلس من الأتون، حتى طلع الدم من ~~حلقه وأنفه، ثم صلى الظهر، ودخل يهد قالب عقد المسجد، فوقع عليه ~~فمات، فاشتد أسفي عليه؛ فإنه كان نعم الرجل، كان والله أواها منيبا ~~خاشعا، دينا تقيا، نصوحا، جسورا على الخطوب، فراجا للأزمات، ~~كاشفا للهموم، جريئا على الصعاب، قويا في بدنه، جليدا في عزمه، ~~صافي الذهن، ثاقب الفكر، عارفا بما يضر وينفع، مسهلا عليه فيما ~~يعانيه ، مقبول الشكل، فصيح الكلام، جزل الألفاظ، جاد ~~القريحة، مقداما عند المضائق، ملاما للصلاة، مواظبا على الخير، يعز ~~والله وجدان مثله في مدينة، أشهد له بذلك، وأسأل الكريم أن يقبل فيه ~~ما أعلم، ويعفو عنه ما لا أعلم رحم الله تلك الروح الزكية اللطيفة، ~~والأخلاق الرضية العفيفة، والوجه البسام، والفم الحسن الكلام، إني ~~والله به لمحزون، وفيه لمغبون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا ~~منها، اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني منها عقبى حسنة إنا لله وإنا إليه ~~راجعون قدر الله وما شاء كان، وما لم يشأ ms281 لم يكن، لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # ومنها، أني أسلفت في حطب، يعرف في الزبداني بالتبان، وفي البقاع ~~بالقتاد شوك، قالوا: أنه شديد الموافقة للأتون، فتنافس فيه أهل ~~البلاد، فحرق أهل قرية بقين لأهل قرية هريرة منه نحو مائة PageV02P124 ~~حمل، على ما قيل، فعظمت مشقة ذلك علي. # ثم رجعت إلى دمشق بعد أن أجرت دكانه لشخص بثمانمائة درهم، ~~وعلية تنويره، وأسلمته ما خلفت من الآلات والمؤن، واقمت من ~~يشتهيه أي يجدل سطحه، ويجرف ما يقع عليه من ثلج، وجعلت له ~~نظير ذلك ما يكون بالخان من ربل، وشرطت عليه أن يحصي به ما في ~~يده من أراضي وقف الخان. # وكان رجوعي إلى دمشق، يوم الاثنين، رابع شهر رمضان من ~~السنة، فلما أطمأنت بي الدار، وزال ما كنت أعانيه من تلك الأكدار، ~~تذكرت الأهل والأوطان، والأصحاب، والخلان فقلت: ~~عديلة روحي بل أعز وأشرف%%فديتك كم لي نحو كم أتشوف ~~اهل تجمع الأيام بيني وبينكم%%ومن ريقك المعسول هل أترشف ~~لقد أضمرتني الأرض بعدك والربا%%فكم بيننا من مهمه متعسف ~~فياف تظل البرل فيها نواحلا%%وتنكص سباق الخيول وتعجف PageV02P125 ~~فديتكلو أبصرت سيفي مخاصري%%على متن صهال إلى الموت يوجف ~~أخوض الليالي المظلمات وأنثني%%وطير الكرى فوق الجفون يرفرف ~~بأرض غدور أهلها وجبالها%%فلا خل لي إلا حسام ومصحف ~~حسام إذا صوبته لضريبة%%وحق الثنايا الغرلا يتخلف ~~وفي بمقصود الكمي مجرب%%أمين على أغراضه ليس يخلف ~~بنيت سبيلا كان يشمخ أنفه%%على كل جبار عنيد ويأنف ~~وكم من رئيس رامه فتمنعت%%وكانت على علياه تأبى وتأنف ~~وكنت نقي العرض مالا مني امرء%%ولا قيل إني بالعدات أسوف PageV02P126 ~~إذا سارعنى سائر شال راية%%لمجدي وأمس بالمدائح يهتف ~~وكنت إذا أمر دهاني أرده%%بعزم على متن السماكين يشرف ~~وكم ليلة أسريت تحت ستورها%%وبرق العوالي للعيون يخطف ~~وحولي عقبان كأن وجوههم%%نجوم يضئ الليل منها فتعرف ~~رجال حروب تصدف الأسد عنهم%%ونار الوغى من بأسهم تتخوف ~~إلى حسن مرماهم وانتسابهم%%فسل عنهم يخبرك رمح ومرهف ~~أناس تهاب الأسد قرب ديارهم%%وتهوى الظباء الآنسات وتألف ~~فديتك كم أبكيت قرنا وإنني%%لأنثر در الدمع فيك وأذرف ms282 ~~لقد قطع التفريق منك حشاشتي%%وأنحل جسمي منك قد مهفهف ~~ترى تسمح الأيام لي بعناقه%%وأسعد بالوصل المريح وأسعف ~~وأشكو صباباتي إليك وحرقتي%%فيرحمني اللفظ المليح وينصف PageV02P127 ~~ولولا مصيبة الغلاء، ومصيبة تواتر الحريق على أسواق دمشق لم ننزل ~~حتى فرغ الخان بجميع تتماته، لكن احترق في العشر الآخر من جمادى ~~هذا الدهشه، وهي السوق العظيم الذي إلى جهة جيرون، وبه أكابر ~~تجار دمشق، وصادفه هواء غربي؛ فوصل الحريق إلى قرب البادرائية، ~~ثم تحول الهواء شرقيا فوصل الحريق إلى المشهد الشرقي بالجامع. # ثم عن قرب احترق سوق التجار الذي تحت القلعة، ثم احترق سوق ~~آخر في ناحية خان السلطان، وغير ذلك؛ فكسر ذلك من عزائم الناس ~~عن المساعدة، ولا قوة إلا بالله. # وأنشأ بعض الأدباء محضرا بالصورة التي صار إليها الخان نصه بعد ~~البسملة: «الحمد لله محيي الأرض بعد الممات، وجامع الأمر بعد الشتات، ~~وميسر العسير، ومدر البركات، أحمده حمد من فوض أمره إليه، واعتمد ~~في سائر أحواله عليه، فكفاه المهمات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، شهادة ترفعك [بهديها] الدرجات، وأشهد أن سيدنا ~~محمدا عبده ورسوله، الآمر بالتبشير لا بالتنفير، وبالتيسير لا بالتعسير، PageV02P128 ~~المنزل عليه: {فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ~~ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير}[الروم:50]صلى الله عليه وعلى آله ~~وأصحابه، ذوي الهمم العليات صلاة تبلغ مصلها أعلى غرف الجنات، ~~وسلم تسليما على ممر السعات، ولما كان خان الفندق من أراضي ~~الزبداني يفتقر إلى وجود مثله في ذلك المكان كل قاص ودان قيض الله ~~تعالى من جدد بنيانه، بعد الأياس من ذلك، وسلك في عمارته بحمد ~~الله تعالى له أجمل المسالك، وأعاد بوايكه أحسن مما كانت وبابه، وإذا ~~أراد الله أمرا هيأ أسبابه، وأتم الله عمارته في مدة يسيرة مع قطع بعض ~~أرباب العقول بأنه في سنين لا يكمل خلا البايكة الغربية المهتم بعمارتها ~~يومئذ. والمأمول من فضل الله إتمامها سريعا، وما خاب من أمل، ~~وصار بحمد الله من أعجب العجاب، ms283 لا حظه عون من الله تعالى: { إن ~~في ذلك لذكرى لأولي الألباب}[الزمر:21]، قد ردت صفائح بابه كيد ~~العداء، واتسع صدر فنائه لمن راح أو غدا، بعد ما كان قد تهدم بنيانه ~~وباد، وصار بقاؤه على تلك الحال عارا على ولاة الأمور في سائر البلاد، ~~يشهد بمضمون ذلك ويضع خطه آخره من يرجو من الله ثوابه ويكتب ~~مضمون الرسم عمن شهد بذلك، ولم يحسن الكتابة». # الحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ~~وسلم وشرف وعظم وكرم، فكتب شيخ الإسلام، قدوة الأنام الشيخ ~~شمس الدين البلاطنسي ما نصه: «الحمد لله، يقول كاتبه محمد بن ~~عبد الله البلاطنني الشافعي: أن شاهدت الخان المذكور وأن الشيخ PageV02P129 ~~العالم العلامة برهان الدين البقاعي، أحسن الله تعالى إليه قد قام في ~~العمارة المذكورة أتم قيام، وحصل له عون من الله تعالى ما لم يكن يخطر ~~بالبال، لكنه ألقى زمام الافتقار، واستعان بالملك القهار، فأعانه الذي ~~يجيب المضطر إذا دعاه، وكشف عنه غم ثقل ذلك ورعاه، ولا عجب في ~~ذلك؛ فإن من توكل على الله كفاه، والعمارة كما ذكر أعلاه، والحمد لله ~~على إحسانه، وصلى الله على سيد المرسلين محمد وآله وأصحابه وأزواجه ~~وذريته وأعوانه». # وكتب العلامة زين الدين خطاب: «الحمد لله رب العالمين، على # كل حال، يقول كاتبه خطاب بن عمر الشافعي عامله الله بكرمه: ~~شاهدت الخان المذكور أعلاه خرابا أثرا لا ينتفع به أحد من الناس، ثم ~~شاهدته عامرا صالحا للسكنى على ما شرح فيه، وكان الغالب على الظن ~~أن ما حصل لا يتم في سنين، فسبحان من هو على كل شيء قدير ~~والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم». # وفي يوم الخميس حادي عشري جمادى الآخرة، سافر الأمير بردبك ~~إلى القاهرة، فلما وصل العريش في أواخر الشهر ورد عليه مرسوم ~~السلطان، بأن يقدم معه بزين الدين الإستدار؛ فأرسل إليه إلى ~~القدس، يأمره بالقدوم، ورجع هو إلى غزة ينتظره، فلما قدم عليه ~~توجها إلى القاهرة، فلما ms284 وصلوا، خلع على الزين بالإستدارية، وعزل PageV02P130 ~~قاسم. # ولم يجعل الزين دأبه إلا السعي في أذى قريبه ناصر الدين بن أبي ~~الفرج فلم يزل به حتى أمر بنفيه، ثم بعد جهد توصل أصحابه إلى أن ~~جعله السلطان والي قطيا. ### || # وفي أول شهر رجب، ركب الظاهرية، ومعهم بعض الأشرفية ~~على السلطان؛ وذلك أنهم سألوا صهره يونس في معلوم يسأله السلطان، ~~فلم يجب، فلم نزل من الخدمة اعترضوه، فخشن لهم في المقال، فحملوا ~~عليه بالدبابيس، فأمره مماليكه فسحبوا السيوف، فحصل بينهم ضراب، ~~خرج منه بعض المخالفين، وخلص يونس، فاشتد الأمر وقصدوه في ~~بيته، فاحتال حتى طلع إلى القلعة. # فلما بلغ السلطان شق عليه ما فعل بهم، وأرسل إليهم أخا ~~يونس، والأمير يلباي، وسودون قرقش، فأخذوهم ووضعوهم في بيت ~~الأمير الكبير المواجه للقلعة، ومنعوهم من العود إليه، ثم أنهم ذهبوا إلى ~~الخليفة، فأتوا به، فقيل أنه تكلم ببعض ما لا يوافق غرض السلطان، ~~فتركهم السلطان إلى قرب الظهر فأمنوا وتفرق بعضهم، فلما رأى PageV02P131 ~~السلطان خفة من بقي في بيت الأمير الكبير أمر من اجتمع عليه، ~~فحملوا عليهم، فلم يقفوا لهم وكان هذا الأمر يوم الثلاثاء ثاني رجب، ~~فأخذوا الخليفة، ومن هناك من الأمراء، وطلعوا بهم، فلام السلطان ~~الخليفة، وقال له: قد كنت أمرتك لما طلعت إلي أمس أن تختفي. # فاعتذر له، فأمر بوضعه في البحرة، فلما أصبح أرسل إلى القضاة، ~~فجمعهم، وحضر المباشرون، والأمراء، وأقام البينة بأنه كان أمره ~~بالاختفاء، وعدم الحركة، وأنه ذهب مع البغاة وخالف أمره فخلعه، ~~فحكم الشافعي بصحة خلعه، ثم أمر بسجنه في إسكندرية. # فذهب به في ذلك اليوم واستخلف أخاه يوسف، ولقب ~~بالمستنجد بالله، وكني أبي المظفر، وسكنت الفتنة، غير أن آثارها ~~استمرت في النواحي مدة، وذلك أن الخبر.. في دمشق وأمرنا ~~بالزينة، فزينت البلد، فكثر الفساد، فلما كان آخر اليوم الثالث هدت ~~الزينة عن باب القلعة، وكان يظن أنها تمكث سبعة أيام فطار الخبر بأن ~~سبب هدمها أنه قتل السلطان وولده، والأمير بردبك في العشر الأخير ~~من شهر ms285 رجب، فلولا دفع الله فسدت البلاد وحصل لنا من ذلك ~~في بلاد الزبداني خطر عظيم نجى الله منه، وله الحمد. PageV02P132 ~~وذلك أن إسماعيل بن يوسف كان قد ألبس خلعة من نائب الشام ~~بالتقدمة على جماعته في بالد الزبداني، وصادف طلوعه ذلك اليوم الذي ~~أتى فيه هذا الخبر، واجتمع إليه العشير على عادتهم في ذلك خيلا ~~ورجلا، وكان يوما عبوسا لشيوع هذا الخبر وثبوته في الأذهان، وتصديق ~~القلوب له، واجتماع من لا عقل له ولا دين من أهل النجدة ~~والشجاعة، [وهم] الأعداء المحروبون المسلوبون لوقف طال ما ~~أكلوه، وتعالوا به على الناس، فأحسن الله ودفع بتدبير [منه]، فله ~~الول والمنة والحول والقوة. # وذلك أنه كان في ذلك اليوم قد فرغ الكلس من عندنا، فقال المعلم: # أنا غدا بطال؛ لأنه ليس عندي من الكلس ما يفضل عني اليوم، وقال ~~الذي كان يتولى أمر القمح والشعير: قد فرغ شعيرنا، وكنا نحتاج كل ~~يوم إلى سدس غرارة شعير، وقبسنا تلك البلاد المجاورة، فلم نجد ~~بها شعيرا، وكنا قد استعملنا ناسا في أتون كلس في قرية معربون وهي في ~~طرف البلاد من الشمال، فقلت هذا أمر ليس له إلا أنا بنفسي، ثم ~~قصدت إلى معربون، وشرعت أسأل كل قرية مررنا عليها عن الشعير، ~~فيقولون: لا تجده إلا في بلاد بعلبك، فاستعير منهم دواب؛ لأحمل ~~عليها الكلس، فشاع أني إنما أنا ذاهب، لأجل الكلس والشعير، ثم ~~أرسلت الكلس إلى الخان ووصلت أنا إلى بعلبك قاصدا الإقامة بها PageV02P133 ~~إلى أن يتحرر الخبر، ولم يكن فيها أحد أعرفه، غير أنه شاع في تلك البلاد ~~عمارتي للخان واستعظموه، ولاسيما أهل بعلبك؛ فإنهم أكثر الناس ~~به انتفاعا، فنزلت خارج البلد وأرسلت إلى الشيخ برهان الدين بن ~~المرحل، وكان عالم البلد ومسموع الكلمة بها عند الخاص والعام أطلب ~~منه منزلا إلى حين صدوري، فلم يفعل، فنزلت في مدرسة على باب ~~الجامع الكبير، أظن أنها تعرف بالغاوية، وأنا في غاية من الانكسار ~~والافتقار إلى عناية الجبار، فجاءني ناس فأحسنوا السلام والمؤانسة، ~~وسألوني ms286 أن انزل عندهم، فإذا هم من الفقراء المنسوبين إلى الشيخ عبد ~~الرحمن بن داود الدمشقي رحمه الله، فنزلت في [زاويتهم]، وهي إلى ~~جانب المدرسة المذكورة، وخدموني، أتم خدمة، وعرفوا بي الناس، ~~فحصلت من أكابرهم مساعدة، وأوسقوا لنا شعيرا كثيرا، ~~فأرسلته إلى الخان، وأمرت الرسول بأن يحث الناس على العمل إلى حين ~~حضوري، فكانت إقامتي بها جمعة، ثم رجعت وقلت: ~~طلبت إليك ابن المرحل منزلا%%فقال لسان الحال كيف أنزله ~~الم تدر أن المرء من سر أصله%%وأني كما قد كان أصلي مرحله PageV02P134 ~~وكان الأجلاب الذين وجدهم السلطان في الطباق من مشتري ~~الظاهر، قد نزلوا مع أكابرهم لقتال السلطان، وكان الأشرف قد أعتقهم ~~ليصيروا منسوبين إليه، فلم يغن ذلك. وقالوا: أنحن نصير من مماليكه ~~بمجرد ورقة أعطانا إياها؟! فلما انفصل الحرب أرادوا أن يطلعوا إلى ~~الطباق على عادتهم فمنعهم الذين اشتراهم السلطان، وقالوا: والله لا ~~تساكنونا، وقد تحققت عداوتكم أبدا. # وبعد أيام دعى دويدارا يونس بعض مماليك السلطان المردان إلى بيت ~~لهم، فلما صار عندهما طلبا منه الفاحشة فامتنع، فحصلت بينهم ~~مكاونة أوجبت علم غلامه، فذهب إلى إخوته فاستغاثهم له، فأتوا، ~~وسمع مماليك يونس فاتوا ولا يعرفون الخبر، فكادت تكون بينهم مقتلة ~~وخلص ذلك المملوك، فشكوا بذلك إلى السلطان، فنفى دويداري ~~يونس، فسكنت الفتنة بذلك، وعظمت مشقة ذلك على يونس، بحيث ~~كان ينقل عنه أنه إذا خلا بنفسه، حصلت معه حالات تكاد تفطر ~~المرام. # وكان أعظم ذلك ظن شماتة الأمير بردبك به، واحتال في استرجاعهما ~~بكل طريق فلم يجب، وبذل الجهد أيضا في الاحتيال في إغضاب ~~الأجلاب على الأمير بردبك ليفعلوا معه من الضرب والتشغيب مثل ما ~~فعلوا معه، فلم يقدر ذلك، وكان الأمر بردبك يزداد في كل مرة رفعة. # ثم إن الأمير بردبك شفع في دويداري يونس في شهر ربيع الأول من ~~سنة ستين، فأجيب، ووصلا إلى القاهرة في أواخر الشهر. PageV02P135 ~~وفي أواخر جمادى الآخرة، مات صلاح الدين خليل بن ~~محمد بن السابق الحموي، الذي كان كاتب السر بدمشق عن مرض ~~طويل ms287 جدا، وكان سنه نحو السبعين فيما أظن، فسافر ابنه علي إلى ~~مصر، فولي كتابة سر دمشق، عن القطب الخيضري، وكان الخيضري ~~أنشأ ناظر الخاص، ولكن كان من محاسن ناظر الخاص أنه لا يريد ~~لنفسه ولا لجماعته الإفحاش في السيرة، ولا يحب رفع من يكره الناس ~~رفعته، فأفحش الخيضري في الرشوة، ووضع يده على تعلقات الناس ~~بغير مستند، وكان ينسب إلى فسق وكذب، فصبر الناس له، فلما لم ينته ~~كوتب ناظر الخاص بذلك، وكان أحد من كاتبه بذلك الشيخ شمس ~~الدين البلاطنسي، فكان ناظر الخاص هو الساعي لابن السابق هذا. # وفي أواخر شعبان، مات جمال الدين عبد الله العسقلاني، عن نحو ~~سبعين سنة، وكان له اشتغال كثير بفنون من العلم، لكنه كان مخبط ~~الفهم في علمه وبحثه ومعيشته. ### || # وفي أوائل شهر شعبان، ورد الخبر بعزل الخيضري من كتابة سر ~~دمشق وولاية العلاء بن الصلاح بن السابق. # وقدم في هذا الحد أيضا توقيع للشيخ برهان الدين الباعوني، PageV02P136 ~~بخطابة جامع بني أمية على عادته، وأنه لم يتقدم له عزل من ذلك، وأن ~~الحمصي دلس فيما فعل. ثم أخذ في إهانة الحمصي، فأتاه مرسوم ~~بإرسال ثلج إلى السلطان، كما كانت عادة القضاة قديما، ثم أتاه مرسوم ~~آخر بأن يدفع لعلان أمير الحاج الشامي ألف دينار، ويرفع إلى القلعة ~~خمسمائة دينار. # وفي هذا الشهر، وصل الشيخ شهاب الدين أحمد الكوراني إلى ~~القاهرة قاصدا الإقامة بها، أو بالقدس الشريف؛ وذلك أن الأمير محمد ~~بن عثمان ملك بلاد الروم عزل عن قضاء العسكر، وأهانه، بعد أن كان ~~مقربا عنده جدا، فلم تحتمل نفسه ذلك، فسافر من بلاده. # وسبب عزله أمور منها، أنه اشترى مملوكا في غاية الجمال، فطلبه ~~السلطان منه فمنعه إياه، ومنها، أنه كان يجترئ عليه ويخاطبه في الخلاء ~~والملأ بما لا يليق بالأمراء، فضلا عن الملوك، ومنها، أنه قرب شخصا ~~من الناس من طلبة العلم، فشرع الشيخ شهاب الدين يغض منه، ~~وشتمه بحضرة السلطان محمد، فأفحش، وتكرر ذلك منه. # ولما قدم إلى القاهرة أهدى للسلطان ms288 الأشرف إينال وأركان دولته، ~~فأنزله ناظر الخاص وقراه، ولم يمكن من إقامته بالقاهرة، فرتب له في كل ~~يوم دينار على جوالي القدس، وأعطي النظر والمشيخة بمدرسة ابن ذي ~~الغادر بها. # ثم توجه إليها، فوصل إليها يوم خروجي منها، يوم الثلاثاء الآتي ~~ذكره، فأقام بها يشغل الناس بالعلم، وشرح جمع الجوامع لابن ~~السبكي شرحا حسنا. PageV02P137 ### || # وفي يوم الاثنين حادي عشر شهر رمضان قدم علاء الدين بن ~~السابق، فتلقاه الأكابر والقضاة، وسر به نائب الشام وأثنى الناس على ~~أبيه، والله المسؤول أن يعينه ويوفقه لما يرضيه آمين. وفي هذا الحد بلغنا ~~أن أبا الخير النحاس، رفع إلى قلعة المرقب في الحديد. # وفي أواخر شهر رمضان بلغنا بدمشق أن بركات، أمير مكة ~~مات بعد أن كان رجع عن الزيدية، واستمر مدة مديدة يتروى ~~في إظهار ذلك، وأنه شافعي، ثم قدر الله إظهاره، وضيق على الزيدية ~~كثيرا رحمه الله. # وفي هذه السنة، بعد قضية الرافضة المذكورة فيما سبق توالى ~~الحريق على أسواق دمشق وبيوتها، وغالب ما كان يحترق أسواق التجار ~~التي يباع فيها الثياب، فمن قائل هذا انتقام من الله؛ لأجل مساعدة ~~الأكابر للرافضة، وترك الانتصار للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإفشاء الخمر ~~والزنا، وإطفاء كلمة الحق، وحجتهم على ذلك أن الهواء يكون ساكنا، PageV02P138 ~~فإذا وقع الحريق ثار ثورانا عجيبا مختلفا حتى يسوق النار تارة يمينا وتارة ~~شمالا، وربما زاد اختلافه [فيسوقها] إلى أربع جهات. # ومن قائل: هذا بمباشرة بعض الرافضة؛ لأجل قيام جماهير أهل # الشام عليهم، من الفقهاء والعامة، وحجتهم على ذلك أنه وجد في ~~مواضع أريد إحراقها كبريت مختلط بدهن نفط وقصب مرضوض. # وفي يوم الثلاثاء سادس عشري شهر رمضان احترق سوق التجار في ~~باب الفرج المشهور بسوق الشيخي بعد العصر، وانتشر النار إلى ~~ما يواجهه من سوق الخضر وتلك البيوت التي إلى جانب باب الفرج ~~والخان، ومشت شرقا إلى قريب بيت علان، وحمام العلاني من ~~الصف الشمالي، واستمروا يعالجونها [إلى] أن دق ثلثه، وهو الثلث ~~الأخير واحترق فيها ناس، وقل ms289 أن مضت ثلاثة أيام لم يحصل فيها ~~حريق، منه ما يتداركه الله، ومنه ما يسلطه. # وكان قد اتفق في أول هذا الشهر أمر غريب، وذلك أن قاضي الحنابلة ~~البرهان بن مفلح أثبت يوم الخميس أول رمضان، وكان فيما أرخ تاسع ~~عشري شعبان، ونودي بصيامه، فصامه ناس كثير، واتهم آخرون ~~الشهود بأنهم رافضة، فلم يصوموا، فلما كان ليلة الجمعة تراءاه الناس، ~~فلم يره إلا الأفراد الحديدوا الأبصار في صيدا والبقاع ودمشق، ولم يصم PageV02P139 ~~أحد فيما بلغنا الخميس إلا من امتثل أمر الحنبلي، فلما كان ليلة السبت، ~~تاسع عشري هذا الشهر عند من أرخه بالجمعة تراءاه الناس، ثم نزلوا إلى ~~الجامع الأموي، ولم ير أحد ممن كان في مآذنه شيئا، فكانت للناس ضجة ~~عظيمة، واستمر القضاة جالسين بعد الفراغ من صلاة التراويح زمانا ~~طويلا، فلما كان آخر ذلك جاء اثنان عجميان، فشهدا أنهما رأيا الهلال ~~فطلب تزكيتهما فلم توجد، ثم جاء شخص شريف، فأخبر أنه جارهما، ~~وأنه لم يرهما يصليان جماعة قط، وذلك بحضور الشيخ شمس الدين ~~البلاطنسي، وكان هو ممن اتهم الشهود الأولين فانفض الجمع، على أن ~~يوم السبت من رمضان واستمر الحال على ذلك إلى قريب ~~عصره، وإذا الخبر قد جاء إلى دمشق أن الحنبلي أثبت أنه عيد وأفطر جميع ~~الحنابلة، وغالب أهل الصالحية، وأتى إلى النائب، فأعلمه بذلك، فلم ~~يمتثل ذلك، وقال: حتى يجمع على ذلك القضاة الأربع وقام الشافعية ~~في ذلك وقعدوا، وأرسل البلاطنسي من نادي في الأسواق، أن اليوم من ~~رمضان، فلم يفطر أهل المدينة، وكان في ذلك غريبة ما رأى الناس ~~مثلها؛ أهل بلد واحد، بعضهم صائم من رمضان، وبعضهم مفطر ~~متجاهر على أنه من شوال. # ثم حدثنا الثقات بالسند المتصل أن بيت الشهود الذين شهدوا ~~بالرؤية، وطعن فيهم احترق في ليلة السبت المذكورة ليلا، بعد رد ~~شهادتهم، فدق عليهم الجيران الباب، فلم يفتح ولا أجاب أحد، ~~فكسروا الباب ودخلوا ليطفئوا النار فإذا البيت ليس فيه أحد، ولا شيء ~~من الأمتعة، فأطفأوها، وكثر الشهود عليهم بما ms290 يقتضي الرفض والفسق، ~~فغلب على الظن أنهم انتقلوا وتعمدوا إحراق البيت ليحترق ما حوله، PageV02P140 ~~واتهم أحد من يحرق أسواق المسلمين؛ فندبت بعض الأكابر إلى ~~تحصيلهم ليخوفوا، وتعرف حقيقة الحال، فلم تكن له همة. # ثم ترادفت الأخبار أن الهلال رؤي ليلة السبت في بعلبك والبقاع، ~~ومن جملة ذلك قريتنا خربة روحا، رآه جمع كبير، وهي دون مسافة ~~القصر من دمشق. # وفي أوائل شوال هذا وصلت خلعة للزين عبد الرحمن ~~السويدي المغربي بقضاء المالكية بدمشق، وعزل الشهاب التلمساني. ### || # وفي يوم الأربعاء خامس شوال سافرت من دمشق قاصدا الرجوع إلى ~~القاهرة بعد أن استأذنت بعض القضاة في الاقتراض على وقف الخان ~~لتتميم ما بقي منه، ووكلت شيخ الإسلام، الشيخ شمس الدين ~~البلاطنسي في الاقتراض، وأخذ في أسباب إتمامه والطلوع إلى ذلك ~~بنفسه، وقدمت عبد العزيز، ابن عمي محمد سويد بن حسن الرباط ~~لنقل ما أسلفت فيه من الحطب، وعمل بعض المصالح قبل طلوع ~~الشيخ. # ولما سافرت قصدت قريتنا، وما حولها من الأماكن التي بها عشيرتي ~~لزيارتهم، فأدركني المبيت في قرية حلوا، ثم سرت في صباح الخميس ~~سادسه، فلما قربت من قريتنا خربه روحا وجدت من ينتظرني خارج ~~البلدة، على أني كنت أخفيت توجهي إليها خوفا من الأعداء، فلما رآني PageV02P141 ~~ذلك الرجل أقفل إلى القرية يعدو، فأعلمهم، فأقبلوا أجمعون، وأول ~~من لاقاني الأعداء الذين قتلوا بعض أقاربي، وقتل آباءهم أبي، ~~وضربوني بأسيافهم، فلم يقدرهم الله على قتلي، فقبلوا رجلي في ~~الركاب، ولم يبق بها رجل إلا فعل ذلك، ولا امرأة، ولا صغير إلا ~~خرجوا من البيوت حتى طلعوا فوق الأسطحة ينظرون، حتى خرج ~~العواتق من الخدور وكان يوما ما شوهد مثله في مثلها في هذه الأعصار، ~~واجتهد الأعداء في أن ينزلوني في بيوتهم، ويذبحوا لي فلم أفعل، ~~وأجبتهم إلى النزول في المدرسة التي في وسط البلدة، وأمرتهم أن لا ~~يذبحوا، بل يحضروا ما تيسر فإني مستعجل، فما فرغت صلاة الظهر ~~حتى فعلوا ذلك فأكلت، ومن معي من أقاربي محدقون بي، ثم ركبت ~~فزرت بنات ms291 العم، وفرقت عليه، وعلى صغارهن ما قدرني الله عليه ~~من الدراهم، وأخذ بعض الصغار من غيرهن. # ثم توجهت نحو قرية كفر دينس، وقد انذهل أهل خربه روحا مما ~~رأوا فزاد شكري لمن من بذلك، وحمدي، لا أحصي ثناء عليه، هو كما ~~أثنى على نفسه، فلما أشرفت على كفر دينس إذا أكابر أهلها ~~وصلحاؤهم قد لاقوني بالأعلام والتكبير والتهليل، ولما دخلتها بدأت ~~ببنات العم ففعلت ما تقدم، ثم حلف علي بعض الأقارب بالمبيت ~~واللبث إلى أن أصلي الجمعة ولحقني كثير من أهل خربة روحا، وخطيبها ~~برهان الدين إبراهيم بن القاضي الفاضل شمس الدين محمد بن إبراهيم ~~الشافعي. # فلما صليت الجمعة سرت نحو وادي التيم لحاجة كانت لي هناك، ثم PageV02P142 ~~أتيت شبعا لأجدد بها عهدا، وأنظر عينا بها تسمى عين الجوز، ما ~~كنت رأيتها حين سلمنا بها في سنة أحد وعشرين، فلاقاني أهلها ~~وأضافوني، ورأيت عندهم من العز مثل ما تقدم، وكنا لما طردنا من ~~قريتنا بعد قتل رجالنا أتيناهم، فدخلت قريتهم وسني اثنتا عشرة سنة، ~~وأنا حامل جرا كبيرا على كتفي، فقضى أن دخلتها بخيل ورجال وأحمال ~~وبغال، فسبحان من يعز ويذل، له الأمر وبيده النفع والضر. # ثم أخذت في السفر، ففارقت شبعا يوم الأحد تاسع الشهر، ~~فوصلت إلى الرملة صبح يوم الخميس ثالث عشره، ثم عرجت إلى ~~القدس للزيارة وصلة بعض الأقارب بها، ثم رحلت منها يوم الثلاثاء ~~ثامن عشر الشهر فزرت سيدنا الخليل وآله صلوات الله عليهم أجمعين، ~~ورأيت كسوة قبورهم، التي عملها السلطان الملك الأشرف إينال ~~العلائي، وكان أرسلها مع صهره الأمير بردبك الدويدار، فإذا هي ~~عظيمة، وإذا الأمير بردبك قد دفع إلى خدام سيدنا الخليل مالا ليشيدوا ~~مقامه به، فبيضوه من داخل، ومن خارج حتى المئذنة؛ فكان له منظر ~~بديع غريب، وتيسر لهم في ذلك ما لم يحصل لمن قبلهم، فإن غيره أراد ~~تشييد داخل القبة، فمات بعض صناعه، ولم يتفق له ذلك، ثم ~~توجهت في أثناء يوم الأربعاء، فوصلت إلى غزة ظهر يوم الخميس، ~~العشرين من ms292 الشهر، ثم وصلت إلى الخانكة ليلة السبت تاسع عشري ~~الشهر، فنمت عند أصهاري، فعتبوا علي زواجي في دمشق، فاعتذرت ~~بأنه لم يكن لي صبر في هذه المدة الطويلة عن النكاح، وبأني طلقتها عند ~~سفري؛ رعاية لخاطرهم. PageV02P143 ~~ثم قدمت القاهرة، ونمت في بيتي ليلة الأحد سلخ شوال، فلم ~~يحسنوا لقائي، ولا عملوا أشياء مما ينبغي للمقيم أن يعمله للمسافر. # وفي صبيحة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سلمت على السلطان، ~~وأوقفته على المحضر المذكور في بناء الخان؛ فسر بذلك، وقال له ناظر ~~الخاص: إنه بقي محتاجا إلى مائتي دينار، فرسم بها. # وفي هذا اليوم، قدمت علينا حماتي من الخانكة، ثم استقبلتني ليلة ~~الثلاثاء ثانية بشر ما سمع بمثله، ثم صارت تجمع لي أقاربها رجالا ~~ونساء إلى أن اشتد الأمر، وانتشر الشر، وأنا صابر خوفا من ضياع ~~الولد، واستمرينا على ذلك إلى يوم الجمعة تاسع عشر ذي القعدة ~~المذكور، بعد أن دخل في ذلك غالب رؤساء القاهرة، ووصل ~~الأمر إلى السلطان وزوجته وولده، ففارقتها في هذا اليوم، على جميع ما ~~كان يلزمني لها، وأسقطت حقها من حضانة ولدي لي، وألزمت نفسها ~~أنها إن طلبته في وقت من الأوقات بنفسها، أو قائم شرعي عنها لزيارة أو ~~غيرها، كان لي في ذمتها من الذهب خمسمائة دينار حالة، وحكم لي ~~بذلك القاضي بدر الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن المخلطة، أحد ~~نواب المالكية، وأذنت لها في وفاء عدتها بالخانكة فالله المسؤول في إصلاح ~~الحال، وإقرار البال، ثم إن أهلها لم يدعوها بالخانكة، بل كانوا ~~ينقلونها حيث شاءوا، أو شاءت، ولم ينزعوا عن شرورهم، بل واصلوا ~~الجراح بعيد برئها ولم يدعوا للصلح موضعا، فأردت الاعتراض فلم يفد؛ ~~لعدم الناصر للحق، والجابر للعثرات من الخلق، فتركتهم للعزيز ~~العليم، القدير، الحكيم، هو المستعان، لا حول ولا قوة إلا به. # وكنت قد وصلت في ميعادي بالجامع الظاهري بالحسينية إلى آخر PageV02P144 ~~سورة الحشر، فكان أول ميعاد عملته بعد فراقها {ياأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1]. إلى قوله: ms293 {قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم والذين معه} الآية [الممتحنة: 4]، وقوله: { ربنا عليك توكلنا} ~~الآية [الممتحنة: 4]، وقوله: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة }الآيات [الممتحنة:7] إلى {الظالمون}. # وفي هذا الحد، ورد علي كتاب الشيخ شمس الدين البلاطنسي، أنه ~~طلع بنفسه بعد فراقي لدمشق، فحرق بذلك الحطب ثلاث أتونات ~~كلس جاءت في غاية الحسن والاستواء، وأحضر من دمشق زيادة على ~~ثلاثين قنطار كلس، وأكمل ما كان بقي من الخان، وبنى البايكة ~~الغربية، وعقد بها بحجارة منحوتة، وجعل في عقدها أربع قناطر، ~~وتلقاء الباب شوكة نظير قنطرة؛ لتكون أمكن، وعقد قبة المسجد ~~القديم الذي تجاه الباب بحجارة منحوتة، وعمل على رأسها هلال من ~~حجر منحوت، وجاءت مرتفعة حسنة ترى من الأماكن البعيدة، وكحل PageV02P145 ~~جميع ظاهرها، وظاهر الخان، وظاهر جدر صحنه، وعزل جميع ما فيه، ~~وبنيت المصاطب بحجارة ثقيلة، وبها مرابط في داخل البوايك، ودائر ~~الصحن، ورفعت أرض القبة وطينت بالكلس والتراب. وعزل جميع ما ~~كان في الخان، وما قدام بابه، بحيث صار الباب أعلى مما قدامه لئلا ~~يدخل إليه سيل، وجعلت ميازينه حجارة منحوته وأثبتت في مواضعها، ~~وجعل للماء من داخل الصحن مجرى إلى خارج من جهة الغرب متقن، ~~وكان هذا جميعه في أربعة وعشرين يوما، ثم توجه إلى دمشق، وخلف ~~هناك من يكمل السلم، ويبني بالبايكة الغربية مصطبة، بعد فك قالبها ~~وتغريلها، فلله أتم الحمد، كم له من نعمة لا نصحي ثناء عليه، هو ~~كما أثنى على نفسه. ### || # وفي أوائل ذي القعدة هذا، عزل السراج الحمصي عن قضاء الشافعية ~~بدمشق وأعيد الجمال الباعوني فسر بذلك الناس سرورا عظيما، وعزل ~~أيضا الزين عبد الرحمن السويدي عن قضاء المالكية بدمشق، ~~وأعيد الشهاب التلمساني. # وفي هذا الحد، أو أواخر شوال غضب السلطان على عبد العزيز ~~ابن محمد الصغير؛ لإغرائه بعض المماليك على ناظر الخاص، ~~فضربه ضربا كثيران وعزل من الحسبة، ونفاه إلى دمياط، وولى PageV02P146 ~~الشيخ علي العجمي الحسبة. ### || # وفي أوائل ذي الحجة، ولي علي بن امرأة الفيسي (بفتح الفاء ms294 ثم ~~تحتانية وسين مهملة) نقابة الجيش عن [خشكلدي السيفي قجقا ~~رجغتاي]. # وفي حادي عشري ذي الحجة وصل بشير الحاج، وجاءت الكتب ~~أنهم بخير، وأن المحب بن الأقصرائي مات في أوائل ذي الحجة ~~محرما مبطونا. # وفي يوم الأربعاء ثالث عشري ذي الحجة الحرام من هذه السنة مات ~~القاضي الفاضل البارع زين الدين قاسم [بن إبراهيم بن عماد ~~الدين] الزفتاوي الشافعي، أحد نواب الشافعية، وكان مشاركا في PageV02P147 ~~الفنون: الفقه، والنحو، والأصول، والمنطق، وغير ذلك، ملازما ~~للاشتغال، محبا في العلم، وناب في القضاء للسفطي، وابن حجر، ~~ويحيى المناوي، والعلم البلقيني، وكانت له جنازة حافلة وأثنى عليه ~~الناس رحمه الله. # وفي أوائل هذا الشهر، كتبت مراسيم بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر إلى غالب بلاد الشام على يد شخص من فقراء حلب اسمه محمد ~~النقاش، قدم بكتاب من عند الشيخ عبد الرحمن الكردي من حلب إلى ~~الأمير بردبك الدويدار، فتسبب له في ذلك، وهي مراسيم عظيمة ~~مشحونة بالآيات الكريمة والأحاديث النبوية، فلما ورد إلى ~~القدس، قرئ المرسوم على.... يوم الجمعة عقب الصلاة، ~~وحصل الدعاء للسلطان، وكانت ساعة عظيمة رقت فيها القلوب، ~~وذرفت العيون، فاجتمع بعض الناس بالمذكور وكلمه في أن المحتسب ~~يحصل منه ضرر عظيم بأمر مقرر له على الناس، فكأنه تكلم في ذلك ~~فلم يجب، فذهب مغتاظا؛ فخيفت غائلته، فكتب فيه نائب القدس ~~ابن أيوب التركماني، وهو من شرار عباد الله، وناظر القدس والخليل ~~عبد العزيز بن معلاق، وهو شر منه إلى كاتب السر، وذكر أن في ~~المرسوم الأمر بالتجسس، وأن القاصد كلف الناس إلى عرامه، ~~وكان كاتب السر كما تقدم بعيدا عن مثل هذه المراسيم، سريعا إلى ~~الأباطيل، فبادر بكتابة مرسوم بأن يحضر إلى القاهرة على حالة قبيحة PageV02P148 ~~للنكال به، فاجتمعت به وأخبرته، أن هذا كذب، وأنه ليس في شيء ~~من المراسيم تعرض للتجسس أصلا، وصدق على ذلك النور بن الإنبابي ~~أحد رؤساء الموقعين، وأحضر إليه شخص من أهل القدس، ~~وأخبره: أن القاصد لم يكلف أحدا شيئا، فلم يصده ذلك عن أذى ~~الرجل، ms295 فقلت: إن كان ولا بد فيجعل المرسوم بأنه إن ثبت عليه انه كلف ~~أحدا لشيء يحضر، وغلا يخلى سبيله، فلم يجب فلا قوة إلا بالله. # ثم تواترت عليه الأخبار من أكابر المقادسة، بأن الرجل لم يتناول لاحد ~~شربة ماء، فلما لم يجد فيه شيء من ذلك أخبرت الأمير بردبك الدويدار، ~~وبينت له ما في ذلك من الشناعات على دولتهم فعنفه على ذلك، وأمره ~~أن يتبع ذلك المرسوم [بمرسوم] يأمر فيه بعدم التعرض إلى الرجل، ~~وبإكرامه، وبتأكيد ما مع النقاش من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~فلم يسعه إلا الفعل، غير أنه لم يبادر به، فأدركه المرسوم الأول في حلب، ~~قبل أن يقرأ ما معه، فطلبه النائب فوضع في عنقه زنجيرا، ورده مع ~~شخص من ظلمته، فتباكى أهل الخير، وسر أهل الشر، واستمر في ~~ذلك الأمر الشنيع إلى مدينة حمص، فأدركه الساعي الذي معه المرسوم ~~بإكرامه هناك، ففك عنه الغل، غير أن رسول نائب حلب أخذ المراسيم ~~من الساعي فأخفاها وصحبه معه إلى دمشق، وقال لنائب دمشق: إن ~~المراسيم التي أحضرها زور؛ فحصل بذلك وهن عظيم لأهل الدين، ~~وصولة كبيرة لأهل الطغيان. PageV02P149 ~~ولما وصل الخبر إلى السلطان، اشتد غيظه على كاتب السر، وزاد ~~لومه له، وتعنيفه على ما وقع لهذا الفقير، وأراد عزله، فشفع فيه بعض ~~الأمراء، غير أن ما حصل من الوهن لا يجبر إلا بعد حد عظيم في مدد ~~طوال، وأين نحن من ذلك؟! مع قلة المساعد، وكثرة المعاند فلا قوة ~~إلا بالله ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، به المستعان وعليه التكلان. ### | ### || # وفي العشر الأوسط من محرم الحرام سنة ستين وصل الشريف علي ~~القصيري الذي كان توجه بهدية السلطان إلى سلطان الغرب، ومعه ~~هدية من صاحب الغرب وقاصد من عنده وفي يوم الخميس ثاني عشري ~~الشهر، وصل الحجاج إلى البركة، وقدم أكثرهم إلى القاهرة، ~~وشكوا من أميرهم بردبك البشمقدار، أحد مماليك الظاهر جقمق؛ من ~~عسفه وعدم رفقه ونظره للضعيف، وأخبروا بموت قاضي المالكية بالمدينة ~~الشريفة، جمال ms296 الدين عبد الله بن فرحون في ثامن عشري ذي الحجة ~~سنة تسع وخمسين، عن نحو تسعين سنة، وكان شيخا يهيأ مسنا، ~~قواما في الحق، فيصلا، عظيم الهيبة على الرافضة، رحمه الله. # وفي هذا الحد، تناهى الغلاء في دمشق، بحيث وصلت الغرارة ~~القمح إلى خمسمائة درهم، وذلك نحو تسع دنانير، ثم زاد بعد ذلك إلى PageV02P150 ~~ستمائة وأربعين، والرطل الزيت إلى اثني عشر درهما، والسمن إلى ثمانية ~~عشر، والدبس إلى أربعة ونصف، ثم ارتفع كل واحد من ذلك بعد، ~~وكان الغلاء بها من أول سنة تسع وخمسين وقبلها، نسأل الله الرفق بنا ~~وبهم آمين. # ومع ذلك فلم يحصل لأهل الغي كف عن بلاياهم، بل فشا الظلم ~~بها من أبواب كثيرة، وكان الناس في غاية الانهماك في ارتكاب شرب ~~الخمر، وغيره من الفواحش، وقست القلوب حتى لا يلوي أحد على آمر ~~بمعروف، ولا ناه عن منكر؛ لفساد نائبها قانباي الحمزاوي وحواشيه، ~~وانهماكهم في جميع ذلك. هذا عن كتاب الشيخ شمس الدين ~~البلاطنسي. # وفي أواخر محرم هذا، قبض على محمد بن موسى الشهير بابن خطيب ~~قرتيا، ونسب إلى التزوير على السلطان والمحاكاة لخطه في ~~المربعات وغيرها، فجعل في الحديد، وقبض على أخيه صالح معه، ~~ونسب إلى أنه يأخذ ما يحصل أخوه محمد من المال، من هذا الباب ~~ويتجر فيه، وأودعا السجن، واستمر أياما، وكاتب السر، ويونس ~~الدويدار، وناظر الخاص، يعملون في أمره ويهتكون في ستره، ثم سلم ~~للوالي فأحضره قدام السلطان بكرة يوم السبت ثاني صفر من السنة، ~~فرسم بضربه، فنزعت عنه ثيابه، ثم أمر بقطع يده، وضرب أخوه، ونزل ~~بهما ينادي عليهما، وقدامهما جملة من العبيد مسمرين، فذهب بهم إلى ~~قنطرة الحاجب، فشنق العبيد؛ لانهم نسبوا إلى الفساد في الأرض وقطع PageV02P151 ~~الطريق على الحجاج، وأما ابن الخطيب وأخوه فردا إلى المقشرة، فانزعج ~~لقضيته غالب الناس؛ لكونه على زي الفقهاء، ولم يحسن المشاعلي ~~قطعه، فرقت له القلوب، ووقعوا فيمن سعى به، ودعوا عليهم، ~~واستمر الناس أياما ليس لهم شغل إلا الحديث في أمره، والترقق ms297 له. # وكان هذا الرجل من أعاجيب الرجال؛ لم أر أثبت منه جنانا، ولا ~~أقوى لسانا، وكان بدء أمره بدءا صالحا، فسبحان الهادي المضل، وذلك ~~أن الظاهر جقمق كان في حدود سنة خمس وأربعين ولى شخصا يقال له ~~محمد بن الدم الأسود، من دمشق ولاية ظلم ادعى له أنه يأتي له منها في ~~كل سنة بعشرين ألف دينار، وهي أنه يستأجر الأوقاف والمستأجرات، ~~ويعطي أربابها مستحقهم ويأتي من فائدتها بما ذكر، فعظمت مشقة ~~ذلك على الأكابر؛ لكون غالب الأوقاف مستأجرة معهم، وبالأجر ~~التافهة، وعلى الأصاغر؛ لاحتياطه على ما خفي من أوقافهم على ~~الأكابر، ولم تنله أيديهم، وعولج السلطان في ذلك إلى أن آيس منه، ~~وبقي الناس مدة متحيرين، وفعل ابن الأسود في البلاد الشامية من ~~العظائم، ما روع الألباب، فقصد الشاميون إرسال شخص إلى السلطان ~~على لسان الفقراء، وأهل الخير ينصحه في ذلك، ويبيع نفسه لله، ~~فانتدب لذلك محمد بن الخطيب هذا، وجاء بجبة صوف إلى أنصاف ~~ساقيه، وعمامة صوف صغيرة، وطلع إلى السلطان، فكلمه ~~بقلب أقوى من الجلمد، ولسن أحد من المبرد، فقصد السلطان حجاجه ~~فلم يقم له، فعرض عليه مالا ليسكته به فلم يقبل، وتردد إليه أياما، ~~وطال الكلام بينهما والسلطان يخادعه بأنواع الخداع، فلم ينفعه شيء ~~من ذلك، ولكن كان الأكابر من أهل الدولة يقوون عزمه، ويعلمونه PageV02P152 ~~ما لعله يخدع به إلى أن أعيى السلطان فأجابه، وكتب معه بالقبض على ~~ابن الأسود واستخلاص ما حصل، فقبض عليه وضرب بالمقارع، وأودع ~~السجن، فصار الشيخ محمد هذا من أعظم المعتقدين عند جميع أهل ~~الدولة، ولو أنه حفه لطف، فطلب ما يعيش به فعلوا، ولكنه دخل في ~~الدنيا بنوع آخر، وهو أن استأجر من بنت الملك المؤيد وغيرها بلادا في ~~ناحية طرابلس، وبسط يده؛ فانكسر عليه مال، فسجن عليه، فقام في ~~تأجيره بعض من كان يعتقد فيه الخير فخلص، ثم استمر في القاهرة، ~~وكان يتلقى كل من يرد من البلاد الشامية في حاجة فيضيفه، ويتلطف ~~به إلى أن يطلعه على أمره، ms298 فيسعى في حاجته على إقدام وبسط لسانه ~~بالصدق والكذب، فيقضها بواسطة اعتقاد الناس له بما رأوا منه، ~~وسمى نفسه شيخ السلطان. # وكان مبذرا للمال، فتسامع به أهل الحوائج، ولاسيما المبطلون ~~منهم، فقصدوه، وكان آية في استجلاب الأموال ممن يريدها منه، ~~فكثرت عليه الأشغال، وظهر للناس بعض أمره؛ ففزع إلى أهل الزور من ~~الموقعين والشهود، فتعرف بهم، وكان يمشي أمورا كثيرة بطرق كثيرة ~~وسكن في العطوف. ونواحي الخراب، وأفسد نساء كثيرة، وحل أوقافا ~~متعددة، وأكل من الأموال بنحو هذه الطرق ما يزيد عن الحصر إلى أن ~~قصده بعض التركمان في إقطاع بأيدي ناس منهم، فأخرج لهم مربعا ~~ومنشورا بذلك، فذهبوا فأخذوه، فأبى الذين هو في أيديهم، فشكوا ~~أمرهم، فقيل لم نخرجه عنكم، فطلب أخصامهم، فأخرجوا ما معهم، ~~فقيل: هذا زور! من أعطاكم إياه؟ فقالوا: الشيخ محمد، وأخذ منا ~~خمسمائة دينار، هكذا نقل عنهم، وقيل: أنهم قالوا: سبعمائة دينار، ~~وأنهم قالوا: قتل أباهم، وأخذ منه مالا كثيرا كان معه، وقد كان أبوهم ~~أقام عنده، ومات فادعوا أنه إنما قتله، وكثرة الشكاة عليه، ففعل به ما PageV02P153 ~~ذكر، نسأل الله العافية والعفة والسداد في الأفعال والأقوال. # واستمر في المقشرة، يشكو عليه من ظلمه في مال أو زور عليه أمرا، ~~وكان في كل وقت يظهر عليه من ذلك عجائب إلى نحو نصف شهر ~~ربيع الأول من السنة فأطلع إلى السلطان على قفص حمال، وهو في حكم ~~العدم، لأن اليوم الذي قطع فيه كان في غاية من شدة البرد، ولم ~~يحسم جرحه؛ ففسدت يده، وسقطت منها بعض العظام، فلما أعلم ~~السلطان بحاله أطلقه، فاستمر إلى يوم الاثنين ثالث عشري ربيع ~~المذكور فمات بعد الظهر رحمه الله. (وقرتيا، بفتح القاف المهملة وكسر ~~المثناة من فوق، ثم تحتانية مشددة من قرى غزة في جبل القدس). # وأخبرني العلامة الصالح شهاب الدين أبو الأسباط أحمد قاضي ~~الشافعية بالرملة، أن محمدا هذا عاشر عشرة إخوة، كل واحد منهم شر ~~من الآخر، ليس فيهم من يرجى بخير إلا واحد، وكان أبوهم من ms299 أعيان ~~تلك البلاد. # وفي أوائل هذا الشهر، ضرب شخص يقال له إبراهيم متزي بزي ~~الفقهاء، كان عند جانبك الوالي، بالمقارع وجرس ينادى عليه: هذا ~~جزاء من يفسد حريم المسلمين؛ وذلك أنه كان اتهم بإفساد زوجة ~~أبي الفتح بن الشيخ شهاب الدين الحجازي إمام سيدي أحمد بن PageV02P154 ~~السلطان، فطلقها، فتزوجها المتهم، فطلب وهدد، فطلقها، وعلق ~~طلاقها على نكاحها بصيغة كلما، فحج أبو الفتح في سنة تسع ~~وخمسين، فرجع فوجده قد تزوجها، فكثرت القرائن الدالة على ~~التهمة. # وفي أوائله أيضا، حصل برد عظيم لعله ما رؤي في بلاد مصر مثله، ~~واستمرت إلى أواخر الشهر، فورد الخبر بما يكون سببا له؛ وهو أن بلاد ~~الصعيد وقع بها ثلج غطى الأرض، ووصل إلى نحو أنصاف عيدان ~~القصب، واستمر أياما، بحيث تلف القصب، ثم ورد الخبر أن الثلج ~~وقع في ناحية رشيد على نحو ذلك، وهذا لم يعهد مثله في هذه البلاد. # وفيه أيضا بلغ الخبر أن بيرم خجا، الذي كان ناظر الحرم المكي ~~مات ببلاد الحجاز، أظنه بمكة المشرفة على نحو خمسين سنة، وكان ~~مشكور السيرة، لما ولى النظر، أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر، كثير ~~التعب في ذلك، وكان فاضلا في فقه الحنفية، مشاركا في بعض الفنون، ~~مشهورا بالدين والعفة والعقل رحمه الله. # وفي يوم الثلاثاء ثاني عشر الشهر ضرب الأجلاب ناظر PageV02P155 ~~الخاص، وقطعوا عمامته حتى لم يبقوا بها مصحا؛ لكونه لم ~~يشفع في ناس منهم ضربهم السلطان، فاعتذر إليهم، فلم يقبلوا منه، ~~فانقطع يومين، ثم طلع واختفى في ذينك اليومين الوزير، فكاد الناس ~~أن يتخبطوا، ونهب العبيد الذي يأخذون منه اللحم للناس بعض ~~أشياء، ثم طلع الوزير، وسكن الحال. # وفي يوم الأربعاء العشرين من صفر من السنة مات الفاضل برهان ~~الدين إبراهيم بن أحمد بن البيطار القدسي الشافعي الكتبي فجأة ~~بالقاهرة، قدمها للتجارة في الكتب عن نحو سبعين سنة، وكان فاضلا ~~في التاريخ، متقدما فيه، وله اشتغال في الفقه وغيره، وكان خبيرا ~~بالتجارة في الكتب، عارفا بأسمائها وأسماء مصنفيها، وكان حلو الكلام، ~~حسن ms300 المحاضرة، هينا لينا، سهلا عليه أمر الدنيا، ودفن في مقابر ~~الصوفية سعيد السعداء بالقرب من صديقه الحافظ تاج الدين بن ~~الغرابيلي، وله إخوة وعقب بالقدس رحمه الله، وأعلى درجته. PageV02P156 ~~وفي هذا الحد بلغ الخبر، بأن شخصا من عرب فزارة عصى ~~وخرب بعض التخريب بالبحيرة، وانضم إليه خيل كثيرة، وأضعافهم ~~من الرجال، بحيث أنهم يقاربون الخمسمائة، وأنهم قصدوا الركوب من ~~خيل السلطان التي في الربيع، فعين السلطان أميرين لحراسة الخيل، ~~أحدهما يونس العلائي، الذي يقال له أخو السلطان في أجلاب ~~كثيرة. # وفي أواخر صفر هذا مات محب الدين عبد اللطيف ~~البنهاوي الشافعي المعروف بالسكري، عن نحو ثمانين سنة، وكان عنده ~~فضل وله معرفة بالدنيا وتصاريفها، واعتنى بالمتجر في السكر حتى ~~عرف به، ثم اعتنى بالمتجر في الكتب، وفتح له دكانا في سوقهم، وراج ~~في ذلك، بحيث عرف بينهم في أقرب مدة، وبذل الجهد في الاحتيال على ~~جلب الفوائد من ذلك، وأراد الله خلاف ذلك، فكان هذا السبب سبب PageV02P157 ~~فقره، لم يمت حتى أرمل جدا، وأظن أنه كان يمكث أياما لا يملك ~~درهما؛ وذلك أنه كان يعسر على المشترين، وربما كان تعسيره على الطلبة ~~أكثر، وسن في السوق سنة قبيحة، ما أظنه سبق إليها، وهي أن ما زاد ~~على العقد وقاربه يقطع، مثلا: إذا بيع الكتاب بمائة وعشرين يعطي ~~بائعه مائة، فإذا طلب العشرين، قيل: هذه زيادة على العقد، فإذا قال: ~~لا أبيع إلا بذلك ردوا كتابي، قيل: قد لم البيع وليس لك ذلك، ~~فأفقره الله من حيث ظن الغنى، اللهم فلا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ~~آمين. # وفي هذا الحد، أخرج السلطان، أحمد بن بشارة الرافضي، أحد أكابر ~~أهل جبل عامله، من بلاد صفد، من سجن اسكندرية وولاه تقدمة ~~بلاده عن ابن عمه محمد بن بشارة؛ لأن محمدا كان لا يحضر على نائب ~~صفد ولا غيره من الحكام، فإنه لاقى مرة بعض نواب صفد فسجنه، ~~فسار أحمد إلى البلاد، فلم يشعر [محمد] إلا وقد قرب منها، ففر ~~بنفسه، ومن خف معه ms301 من جماعته، وضاقت عليه الأرض، ثم راسل ~~نائب الشام في الاستجارة به فأجابه وحلف له، فأتاه، فأرسل نائب ~~الشام وهو قانباي الحمزاوي أحد مماليكه، ومعه عمر بن العزقي أحد ~~أكابر بلاد الزبداني (وكانت بينه وبين بعض جماعة محمد، من بني عمه ~~أخوة من الأم) إلى السلطان فأجاز ذلك، وضمن نائب الشام ما يأتي من ~~محمد. ### || # وفي أول شهر ربيع الأول في هذه السنة، بلغ السلطان أن نائب PageV02P158 ~~القدس حسام الدين بن أيوب التركماني تمادى في ظلمه، إلى أن امتنع ~~الجالب عن القدس، فصار لا يوجد فيها لحم أصلا، وذكروا له من ~~تقاريع ظلمه أمورا لا تصدر عن مسلم، ولا عن ذي سياسة؛ فعزله، ~~وأمر بإحضاره في زنجير والاحتياط على أمواله، واشتد نكيره على ~~المباشرين لاسيما الدويدارية، لاسيما الكبير؛ لكونهم يخفون عنهم مثل ~~ذلك من أحوال عماله وولى قانصوه الجلباني. # وفي نحو العاشر منه ورد الخبر من نواحي القليوبية وطندتا، وما ~~قارب ذلك من البلاد، أنه وقع بها برد كبار جدا، زنه بعضه نصف ~~رطل برطل مصر، وذلك اثنان وسبعون درهما، الوقية اثنا عشر درهما، ~~فقتل الطير وبعض البهائم. # وفي هذا الحد، قدم العلاء علي بن [أبي بكر بن إبراهيم بن PageV02P159 ~~محمد] بن مفلح قاضي الحنابلة بحلب، فولى قضاء الحنابلة بدمشق ~~يوم السبت رابع عشره. # وفي نحو العشرين من ربيع الأول هذا نقل الماس دويدار ~~السلطان بحلب إلى دمشق على إمرة طبلخانة، فعين شادبك الذي كان ~~دويدار جلبان نائب الشام لدويدارية السلطان بدمشق عن خشكلدي ~~الكويزي، ونقل خشكلدي للدويدارية في حلب. # وفي يوم الاثنين ثالث عشري الشهر مات محمد بن موسى بن خطيب ~~قرتيا (بفتح القاف المهملة وكسر المثناة من فوق، وتشديد التحتانية قرية ~~من أعمال القدس)؛ من القطع الذي تقدم ذكره عن نحو ستين سنة. # وفي أواخر هذا الشهر وصل دويدار الأمير يونس الدويدار من الشام ~~بشفاعة الأمير بردبك الدويدار الثاني. # وفيه وصل حسن بن أيوب الذي كان نائب القدس، فاستعاذ بالأمير ~~بردبك الدويدار، فلم يعذه، فتوجه إلى الأمير يونس ms302 الدويدار الكبير ~~فأعاذه، ورد عنه من الأخصام الذين أذاقهم أنواع النكال ما لا يحصى، ~~فتوجعت لذلك قلوب أهل الخير. PageV02P160 ### || # وفي يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الآخر من السنة لبس قاضي الشافعية ~~العلم صالح البلقيني خلعة استمرار؛ بسبب أنه كان يحدث بعزله؛ ~~وذلك أن نائبه الفاضل البارع أبا البركات الهيثمي، كان حكم ~~لشخص شريف يتيم بأمر، فرشا بعض وراث المحكوم عليه العلم ~~المذكور، فقام معهم، فأراد نائبه على إنكار حكمه، أو الرجوع عنه، ~~فلم يفعل، فاستعانوا في ذلك بيونس الدويدار، فلم يجد شيئا، ~~فوصلت القضية إلى السلطان، وطلب منه أن يعقد لذلك مجلس بين ~~يديه بجميع القضاة والعلماء، فرسم بذلك، فاحتال يونس بأنواع ~~الاحتيال على منع ذلك، أو جعل المجلس في الصالحية، فلم ~~يقبل، وعقد المجلس بحضور السلطان، فتبين الحق مع القاضي أبي ~~البركات، وتبين حط النفس على العلم، فذمه كل من كان حاضرا، ~~وأسمعوه ما يكره، وأخبره بعض اركان الدولة بأنه مشرف على العزل، ~~فبذل مالا قيل: أنه ألفا دينار، ولبس الخلعة المذكورة أسأل الله له ~~الزوال أو إصلاح الحال. # وفي هذا الحد، حصل من نائب حلب جانم أخو الاشرف برسباي ~~حادث عظيم دل على طيش كبير، وخفة زائدة، وكفران للنعمة؛ ~~وذلك أن في حلب شابا معتقدا يقال له: عبد الرحمن بن داود الحنفي، ~~نشأ على طريقة حسنة من الاشتغال بالعلم والعمل به، مع أنه لم تعرف PageV02P161 ~~له صبوة، فأحبه الناس حبا كبيرا، وكثر معتقدوه، وشاع ذكره بالخير، ~~فقصده الناس في إصلاح ذات بينهم، فكان لا يأتي إليه متشاحنان إلا ~~وفق الله بينهما لحسن نيته، وجمل طويته وكان غالب إقامته في ~~جامع منكلي بغا، وكان خشقدم دويدار قانبا الحمزاوي قد بنى له ~~خلوة ملاصقة للجامع يستريح بها إذا أراد. # وكان جانم لما قدم إلى حلب يتردد إليه، ويظهر التبرك به، وكان قد ~~كتب قبل وصول جانم إلى حلب على المعروفين بجلب الخمر ما يمنعهم ~~من جلب، وأبطلت الحانة، فزين المفسدون لجانم إعادة الحانة، ودار ~~الحشيش، ونبهوه على ما في ذلك ms303 من المال الحاصل له فرأى أنه لا يصل ~~إلى ذلك إلا بعد إخراج هذا الشاب من حلب، فأرسل إليه يوما ورقة، ~~يشفع بها في شخص إلا يعامل إلا بالشرع، فاشتاط غضبا، وأظهر ما ~~عنده من المخبآت، وقال: لا يمكن أن أقيم ببلد يكون فيها هذا، إما أن ~~يخرج من حلب، وإما أن أخرج أنا، شدوا الهجن، فخفضه بعض ~~من كان في مجلسه، فلم يقبل، فذهب بعض أعوانه إلى الشيخ عبد ~~الرحمن، وذكروا له ذلك، فاتاه أمر عظيم بغتة، فشرع يفكر فيما يفعل ~~ويقول: ما ذنبي. فسمع الحلبيون فأتى منهم جمع كبير، وقالوا: لا سمع ~~ولا طاعة، ولا يخرج الشيخ من هذا الجامع وفينا عين تطرف، فرأى ~~الشيخ إخماد الشر، فأراد الخروج فلم يمكنه الناس، فدخل إلى خلوته، ~~وخرج من باب سر لها، وركب فرسا، وذهب إلى مقام سيدي PageV02P162 ~~سعد الأنصاري، فسمع به الناس، فلحقه جمع منهم وقالوا: نذهب ~~حيث تذهب، فلما كان غد ذلك اليوم عين جانم مائة مملوك للقبض على ~~من مع الشيخ والدخول بهم إلى حلب مسمرين على جمال، ونفى الشيخ ~~إلى طرابلس، فسمع أهل البلد، فلبسوا السلاح، وقالوا: متى خرج إليه ~~أحد قتلناه، فسمع الشيخ، فرجع إلى جامع حلب الكبير، وأرسل إلى ~~القضاة فأتوه، فقال: انظروا إن كان لي ذنب يوجب خروجي خرجت ~~على رأسي، فغلق أهل البلد أسواقهم وطلعوا إلى المآذن والأماكن ~~العالية، وصرخوا بالتكبير، وبأن إخراجه ما يحل، فخاف النائب على ~~نفسه، فغلق أبواب دار السعادة، فتردد بينهما الأكابر إلى أن أتوا ~~بالشيخ إليه، فتعاتبا وتصالحا، ثم ذهب الشيخ إلى خلوته، ثم أن ~~النائب أرسل بعد ذلك إليه لا بد من خروجك من حلب ثم خرج ] ~~خلوته، فأخذ له بعض الحلبيين مدرسة بقرب الجامع الكبير خربة، ~~واستنزلوا له عن نظرها [وعمروها] فأقام بها. # وأرسل مطالعة عظيمة يشكو فيها حاله، وأرسل النائب يشكو منه، ~~ويسأل في إخراجه من حلب، وأنهى فيه أمورا لا يقر عليها أهل ~~الدولة، فسبق رسول النائب، فأجيب، وكتب معه بإخراجه، ولا ~~حول ms304 ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لكن كتب في المرسوم ما أنهاه النائب ~~في حق الشيخ عبد الرحمن، وأن الإجابة بالنفي مرتبة على تلك PageV02P163 ~~الأوصاف، ثم بلغنا أنه لما ورد المرسوم على النائب أرسله مع كثير من ~~جماعته إلى الشيخ، فقالوا: هذا مرسوم السلطان بنفيك من هذا البلد. # فقال: اقرأوه علي فقرئ. فقال: أنا لا أسأل الحلبيين، ولكن أسألكم # أنتم، أنا متصف بهذه الصفات؟ فتلعثموا في الجواب ولم يقدر أحد ~~منهم على جوابه، فقال الشيخ: من كان بهذه الصفات ينفى، وأما أنا ~~فأبعد الناس منها، واستمر مقيما على حالهن وكان أمر الله مفعولا. # وفي يوم الجمعة تاسع عشر شهر ربيع الآخر هذا سافر الأمير ~~بردبك الدويدار في البحر إلى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يعمل بمقام ~~الشيخ أحمد البدوي في قرية طندتا من الغربية، وسألني في الذهاب ~~معه، فاشترطت عليه إزالة ما يقدر عليه من المناكر، فأجاب ~~وتوجهنا في سبع عشرة سفينة، وكان معه الشرف الأنصاري، وشاهين ~~الساقي الطواشي، وجمع من الفقهاء [والترك] وغيرهم، فوصلنا إلى ~~زفتا يوم الأحد حادي عشري الشهر، ثم توجهنا على الخيل PageV02P164 ~~فوصلنا إلى قرية نفيا صبح يوم الاثنين ثاني عشريه، فندب القراء الذين ~~معه، فقرأوا في مقام الشيخ قمر الدولة كثيرا من القرآن، وعمل به ~~مولدا، ثم توجه إلى طندتا صبح الثلاثاء ثالث عشريه، فإذا هناك من ~~جموع الناس ما لا يحصيه إلا الله وإذا هم يشدون إليه الرحال، ويأتون في ~~المحامل، بل والحفات، وذلك أمر عظيم في الدين وفتنة كبيرة، ~~وإذا هناك من الفساد بالفسق بالنساء والصبيان وغير ذلك من ~~المحرمات أمور عظيمة، وقد جرت عادتهم السيئة، أن يتسوق القبائل ~~من العرب بخيولهم ويلعبون برماحهم لعبا يسمونه البرجاس، فربما قتل ~~منهم الجماعة، فنادى الأمير حال وصوله بفعل الخيرات، وترك ~~المنكرات، وأن من عثر عليه بمحرم حل به ما يستوجبه من العقاب، ~~وأمر بإبطال البرجاس، وشرع كل يوم ينادي بذلك، ويعظم النكير على ~~من يفعل منكرا، فلم يتجاهر أحد بشيء من ذلك، وكانت ms305 عادتهم أن ~~يأتي النساء إلى خانات هناك، ويأتي الكاشف بتلك البلاد، فتدخل ~~جماعته فيفسقون في تلك النساء، ويجلسون على أبواب تلك الخانات ~~يحمونهن ممن ينكر، فيصير الفسق جهارا، فحصل بحلول الأمير رفع ~~ذلك، ووعد أنه لا يمكن منه ما دام قادرا على إبطاله، وكان كل يوم ~~يأخذ القراء الذين معه، ويذهب إلى المقام، فيقرأون إلى العصر أو ~~المغرب، ثم ينصرف والناس يزدادون إلى أن ملأوا الفضاء، وكانوا عدد ~~الحصا، وكان جماعة المتفقرة الجهلة يأتون ومع كل واحد منهم عصى ~~غليظة جدا فيرقصون بها كل يوم وقت العصر، ويكون لهم ضجيج في PageV02P165 ~~الطرق والمقام ترتج منه الأرض، فلما كان يوم الخميس تكامل جمعهم، ~~فأتوا من البرية وقد هاجوا بزعمهم، وتواجدوا، فمن كان منهم معه ~~عصى فهي معه ومن لم يكن معه عصى كسر مما مر عليه من الشجر فرعا ~~عظيما فأتى به يحمله حتى يكون صحن المقام كأنه بستان، ويكون لهم ~~من الرقص بذلك والضجيج أعظم من كل يوم، ويوجد في هذه الأيام ~~في الجبانة التي هناك موتى على ظهور القبور ممن كان دفن قبل ذلك على ~~هيئات مختلفة، يدعون أن الأرض نبذتهم، لكونهم كانوا ينكرون على ~~طريقتهم، وأنهم يغيبون في الأرض بعد انقضاء المولد، يختدعون بذلك ~~من لا عقل له، وهم غالب الناس، وأنا والله لا أشك أنهم هم الذين ~~يخرجونهم، إلى غير ذلك من المناكير التي تصدر منهم قبحهم الله، ~~وسدد من يسعى في إزالة ذلك، وقد كنت سعيت فيإزالته في سنة ~~إحدى [و] خمسين بعد أن أفتى جميع العلماء بتحريم ذلك، وشددوا ~~النكير فيه، وألزمهم شيخنا، شيخ الإسلام ابن حجر بالكفر، لأمور ~~يقولونها في حضور المولد من ثواب يرتبونه عليه، وأمور يختلقونها، ~~وأبطله الملك الظاهر جقمق، ثم سعوا فيه بإعانة الدويدار الثاني ~~دولات باي المؤيدي وأعادوه وآذوا كل من من سعى في إبطاله ~~أذى بالغا. # وأخبرناك أنهم يذهبون يوم الجمعة إلى الجامع قدام شيخهم الذي ~~يسمونه الخليفة بعصيهم وأسلحتهم فأراحنا الله من ذلك، ولم نحضره، ~~وسافرنا قبل الصلاة ms306 من هذا اليوم، وهو سادس عشري الشهر إلى زفتا، ~~ثم [انحدرنا] إلى المنصورة. PageV02P166 ~~وفي يوم الجمعة هذا مات الأمير زين الدين منصور بن علاء الدين ~~الطبلاوي والي مصر؛ عن علة طويلة أدت إلى فالج أبطل أحد شقيه، ~~عن نحو ستين سنة، وكان تولى ولاية القاهرة في وقت، وكان ظلوما ~~غشوما كذابا، فاستراح منه العباد والبلاد، والشر والدواب. ### || # ثم رجعنا، فوصلنا إلى القاهرة يوم الأربعاء مستهل جمادى الأولى من ~~السنة، وكان علاء الدين علي بن قاضي عجلون، الذي كان أبوه ~~موقع اركماس الدويدار بمصر، وكان عجبا في عقوق أبيه وأذى أقاربه ~~والإساءة إلى من له تحت نظره وظيفة، فكثرت شكاته، فهرب من دمشق ~~إلى القاهرة، فأرسل نائب الشام وراءه هجانا قبل سفرنا ليرد إليه؛ ~~لينصف منه خصومه، فلم يجب، فأرسل مملوكا له، فتعصب له يونس ~~الدويدار، وتعصب لابن قاضي عجلون ناظر الخاص، وسأل أن يجاب ~~إلى أن يرسل وكيلا، ولا يذهب، وجرت بينهم في ذلك مجالس، فرجح ~~جانب يونس، وأرسل ابن قاضي عجلون مع مملوك النائب. # وفي هذا الحد، تكلم قاضي الشافعية بمصر العلم صالح بن البلقيني PageV02P167 ~~في نظر المدرسة الشريفية الملاصقة لجامع عمرو بن العاص رضي الله ~~عنه، وكان قد أخذ نصف مشيختها من المحب ابن القمني، فأثبت ~~أن شرط الواقف كون النظر للشيخ على الخطوط، فطعن في ذلك الشرف ~~الأنصاري وكان النظر باسمه، بأن الشاهد على الخط قال: أنه لا ~~يعرف صاحب الخط ولا خطهن وأن الشافعي ألزمه بالشهادة وحلف ~~عليه بالطلاق، وأن القاضي الذي أثبت ذلك عز الدين بن الجمال ~~البساطي وهو مطعون عليه، مشهور بالتهافت، فبذل البلقيني مالا، ~~قيل أنه ألف وخمسمائة دينار، ومهد الأمر في غيبة الأنصاري. وكان مع ~~الأمير بردبك في طنتتا، ثم كان الرجوع من ذلك السفر مستهل شهر ~~جمادى الأولى من سنة ستين المذكورة، ثم طلع الشافعي للكلام في نظر ~~الشريفية، فولاه السلطان ذلك، وعزل الأنصاري يوم السبت رابع شهر ~~جمادى الأولى هذا. PageV02P168 ~~وفي هذا الشهر، بلغ السلطان عن السراج الحمصي أنه كثير ms307 الاجتماع ~~بنائب الشام قانباي الحمزاوي، وأنه زين له الخروج عن الطاعة، ~~وأثبت في ذهنه أنه منصور وأنه يصير سلطانا، فقال السلطان: كذلك ~~كان يقول لي. # وفيه وصل الخبر بقدوم رسول من عند السلطان محمد بن ~~عثمان، سلطان الروم بالبشارة بأنه أخذ من أيدي الكفار مدينة الكفا ~~وضرب عليها خمسة آلاف دينار، وأخذ عليهم أن لا يضربوا ~~بناقوس، ومدينة طرابزون وضرب عليهم أربعة آلاف ~~دينار، وجزائر المصطكا، وضرب عليهم ثمانية آلاف دينار، وأماكن ~~أخر، ويخبر أنه عزم على ختان أولاده، وسأل من السلطان أن يسأل له ~~اهل الخير بالدعاء لهم وله، فإنه قد عزم على التغلغل في بلاد الكفر، PageV02P169 ~~ولا يمر ببلد إلا فتحه، أو مات دونه، كتب الله له السلامة والنصر ~~والعز آمين. # وفي يوم الثلاثاء رابع عشر هذا الشهر، خرج الأمير بردبك الدويدار ~~الثاني للقاء المذكور إلى الخانكة، فقدم إلى القاهرة بكرة السبت ثامن ~~عشره، والرسول معه، وهو جمال الدين عبد الله القابوني، الذي قدم ~~بفتح القسطنطينية، وأنزل في بيت قراجا خزندار الظاهر، بالقرب ~~من قبلة جامع الأزهر. # وفي هذا الشهر كاتب نائب الكرك، أن نائب القدس تعدى على ~~معاملته، وكان ابن أيوب مقيما في القاهرة يقيم عليه ما يزهد فيه، وبذل ~~مالا كثيرا فعزل وأعيد ابن أيوب فلا قوة إلا بالله. # وفي صبح يوم الاثنين العشرين منه، عثر الأمير بردبك الدويدار ~~صهر السلطان بطرف البساط المفروش بالقصر الكبير، وكان يزرر طوق ~~جبته فوقع؛ فانفكت يده من المرفق فحصل له وهم فأغمي عليه، ~~فحمل إلى باب القلعة، ثم أركب فرسه وعضده مماليكه حتى وصل ~~إلى بيته فردت يده وعاده الناس، وتردد إليه الأكابر والأعيان، وكان ~~الدويدار يونس صهر السلطان مريضا، وكان السلطان قد رسم بطلوع ~~رسول ابن عثمان يوم الثلاثاء حادي عشري الشهر، فطلع والدويداران PageV02P170 ~~منقطعان، فقدم هديته، وكتاب ابن عثمان، فإذا هو كتاب ~~مسجوع سجعا أكثر فيه من الجناس حتى صار ثقيلا، ركيكا، باردا لا ~~يستحق أكثره أن يثبت في تاريخ، على أن الخبير ببلاد الروم ~~أخبرني: أنه ms308 ليس إنشاء المنشي وإنما هو تلفيق مما كان من كلام غيره، ~~فهو حسن، فإذا ضمه إلى كلامه اختل في الربط والمعنى، وحاصله مع ~~إصلاحي لبعض ألفاظه وروابطه بعد حمد الله والصلاة على رسوله، ~~والترضي عن الصحابة، أن قال: «زين الله سماء الجلال ~~بكواكب مواكب المعيني المغيثي (ومر في دعاء للسلطان وثناء عليه) ~~إلى أن قال: ينهي إلى المقام الشريف والموقف المنيف أنه إن استكشف ~~عن أحوال محبة المخلص وحبه المتخصص، وعن أوضاع المجاهدين ~~لارتفاع راية الدية فإننا (ثم وصف نفسه بعظم الرغبة في الجهاد، على ~~عادة أسلافه) ثم قال: ومن الأحوال الواقعة في حولنا هذا أن متملك ~~مملكة لاز المسمى تبوركي ما فتئ يظهر لنا الصداقة، ويؤكد مع ~~شياطينه العلاقة (ثم وصفه بقوة المكر وعظم الكيد) ثم قال: فلما ~~عايناه سدا على بني الأصفر عليهم الموت الأحمر نبذناه، وتوجهنا ~~تلقاء مدائنهم ليصطاد ليوثنا في عرائنهم، ونزلنا ذراهم، وسرنا على PageV02P171 ~~قراهم ببوش عظيم، وهوش بريم كرياح مشتدة الهبوب، ونيران ~~مشتطة الألهوب، تشرح السنة أسنتهم في جدالة المجادلة متون ~~الطحون، وتفتح أيدي سيوفهم من عيون الدروع دموع دما ~~كالعيون، فتفرقوا ثلاث فرق راكبين طبقا عن طبق، هربت فرقة ~~برئيسهم إلى أقصى بلاد إبليسهم، كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، ~~ورضيت فرقة بأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وتشبثت فرقة ~~بأذيال شامخات بقاع لا يلين لواحد عريكتها، وتحصنت بقلل ~~راسخات قلاع لا ينقاد لقاصد قرونتها، ومن جملتها القلعة المسماة ~~بنو بردى التي هي أحصن القلاع، وأصعب البقاع، فهجمنا عليها ~~كقطع الليل ودفع السيل، وأمطرنا عليهم حجارة، وأخذناهم بغتة ~~بالنهب والإغارة، ففتحناها في ثلاثة أيام، ونصبنا عليها أعلام الإسلام، ~~وارتحلنا منها إلى القلعة المسماة بتريجة، ذات سور زلت عن PageV02P172 ~~موازاتها أجنحة النسور، علت ببنيان مرصوص على قنن الأخاشب ~~حتى عرجت عن عروج بروجها أقدام السحائب التي لم يسكنها غير ~~كافر، ولم يطأه للإسلام خف ولا حافر، ونزلنا بساحتهم وقت الصباح ~~فساء صباح المنذرين، وفتحناها قبل طلوع الشمس بعناية رب العالمين ~~وجعلنا عاليها سافلها، ms309 فأصبحوا في ديارهم جاثمين. # تجري الجياد من القتلى على جبل%%ومن دمائهم يدحضن في وحل ~~ومن جماجمهم يصعدن في نشز%%ومن ذوائبهم يقمصن في شكل ~~ومن القلاع التي فتحناها قلعة أومول وسفريحة حصار، ~~ويهون، ورزدين، استقبل بعض أهاليها بمفاتيح ~~صياصيها، وبعضهم أحرقوا أوطانهم بأيديهم وتفرقوا، وبالجملة ما ~~بقى من الفرقة الثالثة أحد قطعا إلا دخل تحت حكمنا كرها أو طوعا، ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، فلما يسر الله PageV02P173 ~~بيمن همتكم العلية أعلام الحسنات، وأقر عيون آمالنا بأنوار ~~المكرمات خطر في خاطرنا تذييل حلة فرض الجهاد بسنة الختان الذي قرره ~~نبينا على سنة خليل الرحمن عليهما أفضل الصلاة والسلام، ملء ~~دار السلام، والرحمة والرضوان للدرين الأزهرين في درج الوفا ~~والدريين في برج الصفا، بايزيد ومصطفى متع الله المسلمين بطول ~~بقائهما فأردنا تحليه مسامعكم الكريمة بدرر بشارة الغزوة الكبرى، ~~وتحلية صفا صبح هذه الوليمة بشموس همتكم العليا، فبعث ~~لهذا المرام العظيم رسول كريم، صدر المحافل، بدر الأفاضل، ~~المعروف بالأمانة، المحقوق بالديانة، الأمير جمال الدين القابوني، ~~ضاعف الله أجره، ويسر أمره بهدية يسيرة من الأسارى والغلمان ~~والأقمشة وغيرها، والمرجو من أكرم الكرام حسن القبول والاهتمام ~~والدعاء معاد، والله الموفق للرشاد. في ثاني ذي الحجة سنة تسع ~~وخمسين وثمان مائة». # وفي ليلة الجمعة رابع عشري جمادى الأولى هذا، وهو من سنة ~~ستن، مات فتح الدين [محمد] بن صالح خطيب المنبر النبوي PageV02P174 ~~وإمامه وناظره، وكان عين أهل المدينة، وخلف أولادا منهم ثلاثة ~~رجال، وكان من عقلاء الرجال ودهاتهم، ثم قدم ولده الأكبر إبراهيم في ~~أوائل جمادى الآخرة، وسأل أن تكون الوظائف المذكورة لأخيه الأوسط ~~زكي الدين، وأن يشاركه عمه أبو عبد الله في الخطابة والإمامة، ~~ويستقل هو بالنظر، ويستقل عمه بالقضاء، وقد كان مستقلا به في ~~أيام أخيه، فأجيب إلى جميع ذلك بواسطة الجمال يوسف ناظر الخاص، ~~فلما بلغ عمه ذلك وأهل المدينة الشريفة شق ذلك عليهم؛ وذلك الزكي ~~المذكور على ما قالوا أمرد لا يصلح مثله أن يعلو. ### || # وفي أوائل هذا الشهر، ms310 وهو جمادى الآخرة رسم بقدوم الأمير ناصر ~~الدين بن أبي الفرج، الذي كان جعل والي قطيا يغضب الزين الإستدار ~~عليه فوصل في نحو عاشر الشهر. # وفي هذا الحد سعى كاتب السر المحب بن الأشقر في نفي عز الدين ~~محمد بن [محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم] المنوفي الشافعي PageV02P175 ~~قاضي الخانكة إلى الغرب مع كونه من أكبر أصدقائه، معروفا بالانقطاع ~~إليه من صغره؛ وقيل: أن ذنبه عنده أن شخصا مات في الخانكة فذكر ~~لقاضي القضاة الشافعي أمره، فأرسل إلى محتسب الخانكة ابن النشرتي ~~ليضبط موجوده، وكان ابن الأشقر ناظر الخانقاه بالخانكة وابنه شيخها ~~من مدة متطاولة، فصارت الخانكة كأنها ملكه لا يقدر أحد على إبرام ~~أمر ولا نقضه إلا بأمره، ومن مات أخذ تركته، أو جزءا منها إلى غير ذلك ~~من الظلم، فعانه ما كان يرجو من تلك التركة، واتهم العز المذكور بأنه ~~المنبه للشافعي على التركة المذكورة فرسم السلطان بذلك، وسعى ~~للشمس الونائي الذي كان قاضيا بالخانكة في حدود سنة خمسين على ~~أيام الظاهر جقمق، فامتنع العلم البلقيني قاضي الشافعية من ولايته ~~وانتهره وأمر بإخراجه من مجلسه، فأخرج وبالغ في إهانته؛ وذلك انه ~~أشاع أنه إنما ولي من السلطان فروجع الشافعي، وحلف له أنه لم يكن ~~للولاية من السلطان حقيقة، وليست الولاية إلا منه ولا المعول إلا عليه، ~~واشتد سعي الونائي في ذلك، وقيل: إنه بذل مالا فولاه الشافعي يوم ~~الخميس نصف الشهر. # وكان الونائي هذا في أيام الظاهر يأخذ من الذخيرة في كل شهر ثلاثة ~~آلاف درهم مصرية قيمتها نحو عشرة دنانير على القضاء، وكان في وقت ~~يتمنع من القضاء، ويطلب أن يعفى منه، وكان أكثر الناس يظن أنه PageV02P176 ~~صادق في ذلك إلى أن ظهر منه في هذه القضية ما ظهر من الرغبة من غير ~~مقابلة يحصل له في ذلك، ومع بذل ما بذل إن كان صح ذلك نسأل الله ~~العافية من إسرار ما يخالف الإعلان. # ثم شفع في العز المنوفي الأمير بردبك الدويدار، فأعفى من النفي. # وفي ms311 يوم الخميس المذكور، وهو نصف جمادى الآخرة المذكور أتى ~~الأجلاب لنهب بيت الإستدار؛ لكونه لم يصرف لهم نفقتهم في ذلك ~~اليوم، مع أن العادة جرت أن الشهر إذا كان أوله الخميس، كانت النفقة ~~يوم الخميس خامس عشره، وإذا كان أوله الجمعة كانت النفقة يوم ~~الاثنين ثامن عشره، وهذا الشهر كان أوله الخميس لكن لم يسلم القضاة ~~على السلطان بالشهر إلا يوم الجمعة، وما ثبت كونه الخميس إلا بعد ~~ذلك، فبنى الإستدار على سلام القضاة، وظن أن ثبوت أوله بالخميس ~~يخفى على الأجلاب، وكان احتاط في أمره، فلم يترك في بيته شيئا ينهب، ~~فلما جاء من تقدم من الأجلاب لنهب بيته، وهم فرقة يسيرة ~~قاتلهم مماليك الاستدار، ورموا عليهم بالنشاب، فذهبوا وأتوا بما لا ~~طاقة لمماليك الإستدار به، فلما دخلوا بيته فلم يجدوا به شيئا وكان يسكن ~~بين السورين عند المدرسة التي أنشأها هناك تعدى نهبهم إلى الجيران يمنة ~~ويسرة إلى قنطرة الموسكي الشمالي، وإلى قرب باب الخرق من PageV02P177 ~~الجنوب، وأفحشوا في ذلك، فقبض السلطان على الإستدار، ~~وضربه وعين الإستدارية لفرج، الذي كان وزيرا، والوزر لعلي بن ~~الأهناسي. # وفي يوم السبت سابع عشر الشهر، لبس كل منهما خلعة، بما جعل ~~إليه. # وفي هذا الحد؛ بلغ الخبر بأن الشهاب أحمد المحلي الشافعي، ~~الذي كان قاضي اسكندرية، مات ليلة الثلاثاء ثالث عشر الشهر، بين ~~رشيد وأذكو، ودفن في قرية أذكو، وكان قد قدم القاهرة في شهر ~~ربيع الآخر من السنة ليحج، فقدم مريضا، وتمادى به الحال، فأخذ في ~~الرجوع إلى اسكندرية في أوائل جمادى الآخرة في البحر، فلما وصل ~~إلى رشيد كان في حال التلف، فأمرهم بحمله على رقاب الرجال، ~~في شيء يشبه النعش إلى أذكو؛ ليتبرك بقبر الشيخ إبراهيم الأذكاوي، PageV02P178 ~~فكانوا يحملونه قليلا، ويأمرهم بوضعه ليستريح قليلا، إلى أن أدركته ~~الوفاة بقرب نخيل أذكو فمات في التاريخ المذكور، عن نحو ستين سنة، ~~وكان هذا الرجل نادرة الزمان في قرى الضيف، وخدمة السلطان فمن ~~دونه بالخدم التي لا تحكى إلا عن البرامكة ونحوهم، ms312 الجامعة لأنواع ~~المآكل الشهية، والمشارب، والمخللات، والمربيات، وغير ذلك، مع ~~إعطاء النقد أيضا، وكنت أقضي العجب من قدرته على ذلك، وكان من ~~المحلة ثم انتقل إلى اسكندرية للمتجر، فكان يصحب الجمال ابن ~~الدماميني، ثم إنه ناب للولي السنباطي لما كان قاضيها سنه في حدود ~~سنة خمسين، ثم استقل بقضائها. # نقل السنباطي إلى قضاء القاهرة سنة ثلاث وخمسين، واستمر، وكان ~~مشكور السيرة جدان فلما ولى الأشرف إينال، وكان من خواص ~~أصحابه، ارتفع أمره، ووفد عليه مرتين أو ثلاثة، فوصف في آخر أمره ~~بالتجبر. # وقدم في سنة تسع وخمسين جماعة كثيرون من الثغر، يشكون عليه، ~~فضربهم السلطان ضربا كثيرا، وأفحش في أمرهم بواسطة ناظر الخاص، ~~وذكر أنه بسعي المحلي في ذلك، فأخذ أمره من ثم في الاختلال إلى أن ~~مات في هذا الحد، وذكر لي أنه لم يأخذ في الرجوع إلى الثغر إلا مما حصل ~~له من تحقق خيبة الآمال ممن علق رجاءه بهم، وذلك أنه لما خيف موته ~~أتاه من قبل السلطان من قال له: أوص وسم في وصيتك جزءا من مالك ~~للسلطان، فسمى قدرا، فقيل له: لا يكفي ذلك، ولم يزالوا به إلى أن ~~جعل له ثلاثة آلاف دينار، وسمى لابن السلطان شيئا، ولبردبك ~~الدويدار شيئا، ولناظر الخاص شيئا، بحيث كاد يستغرق ذلك تركته، ~~فبدا له منهم ما لم يكن يحتسب، وكان قد أعدهم سهاما لأعدائه، PageV02P179 ~~فكانوا في أحشائه، فذهب مقهورا، وكان شكلا حسنا، وخلقا جميلا، ~~حلو الكلام، حسن المحاضرة، حلو النادرة، يعرف من أين تؤكل ~~الكتف، وخلف ولدا في غاية ما يكون من قبح الشكل، أسود نحيل ~~بحلاق يغلب عليه البهت، ويقال: أن طبعه أقبح من شكله بكثير في ~~دينه ودنياه، ولقبه مع ذلك بدر الدين، فولاه السلطان قضاء ~~اسكندرية، كما كان أبوه، فوصلها يوم الاثنين سادس عشري جمادى ~~الآخرة هذا. # وفي صبح يوم الأحد خامس عشري هذا الشهر، سافرت إلى ناحية ~~الغربية، فكانت فرسي ترقص وتتوثب ، وكنت أرجو أن تترك ~~ذلك إذا تعبت، فاستمر ذلك دأبها إلى أن ms313 تعالى النهار، وجاوزنا مدينة ~~قليوب، بمقدار كبير، ونزلنا فتغدينا، ثم ركبتها فإذا هي على عادتها أو ~~أشد فوصلت إلى أرض وطية فسقتها إرادة تهذيبها، وكان لها شهران ~~لم تنعل، وكنت أمرت الغلام بإنعالها، قبل السفر فلم يفعل، وكانت ~~إذا طال حافرها تعثر كثيرا فأنساني الله ذلك، لأمر أراده، وكانت سريعة ~~الجري، بحيث أنها إذا حميت لا أثبت الأرض إثباتا جيدا فمرت مقدارا ~~كبيرا وكأنها جاوزت تلك الأرض إلى أرض صعبة كثيرة الشقوق وعرة، ~~فأرادت الوقوف، فظننت أنها إلى الآن لم تتهذب، فضربتها بالمهاميز PageV02P180 ~~وصحت عليها، وأرخيت لجامها، وإذا قضى الله أمرا فلا مرد له، ~~فبذلت جهدها إلى أن كانت كالطائر، ثم عثرت، فأقمتها باللجام، ثم ~~عثرت أخرى قوية، أخبرني رفاقي أنها في جورة؛ فانقلعت من السرج ~~بقوة عظيمة، فظننت، وأنا نازل أن رأسها وصل إلى الأرض، وأنها ~~تتقلب علي، فيقطع السرج ظهري، فأول ما وصل إلى الأرض رأسي من ~~الجانب الأيمن فانجرحت من لساني إلى أعلى ذلك، انشق من رأسي ~~عشر جراحات أبلغها في لساني وشفتي العليا وحول عيني، وانخلع من ~~أسناني ثنية وراضع، وأغمى علي، ووقفت الفرس بجانبي، وكانت ~~عربية، فلم تتحرك واستمر لجامها في يدي، وانشق الكمر الأعلى من ~~لبسي نحو ذراع عرضها، والذي تحته نحو شبر، وتخرقت رجل ~~السراويل اليمنى، وانقطع الخنجر مع إن سيره أعرض من إصبعين، ~~وانشطت قبيعته وهي نحاس، وأخبرني أصحابي أنهم أدركوني وأنا ~~معتمد على يدي أريد القيام فلا أستطيع، فأقاموني، فأفقت بعض ~~الإفاقة، بحيث كنت في تخيلي كالنائم يحلم، ثم نحوني عن الطريق ~~وأضجعوني حتى رجع إلي عقلي بعد قليل وقد تيقنت ذهاب سني فخطر ~~في بالي أني كنت أرجو: يا رب أن لا تفض فمي فتنقص فصاحتي إذا ~~قرأت حديث رسولك، ثم أقمتها بلساني، وغلب على ظني أن عيني ~~زالت لما كان عليها من الدماء من الجراحات التي حولها فاجتهدت ~~إلى أن فتحتها فرأيت النور، فكأنه لم تصبني مصيبة، وزاد شكري ~~لله وثنائي عليه، بما حمل عني، ثم أنست من نفسي ms314 قوة، فأردت ~~القيام، فلم أستطع، كأن رأسي لا يحملني، فأرجف فأضطجع، ولم أزل ~~أفعل ذلك إلى أن أدركت من نفسي الثبوت على الفرس، فأمرتهم، PageV02P181 ~~فأركبوني وأرادوا الرجوع بي، فمنعتهم وكان يوما شديد الحر، والهواء ~~الحار، فقالوا: إن هذا الحر والهواء يورم الجراحات، وربما يتلف ذلك، ~~فقلت: الموت لا بد منهن ولا يزيد رجوعي في عمري شيئا، واستمريت ~~على عزيمتي، وأنا مسند سني بلساني إلى أن عديت في معدية ~~دجوه، وأنا راكب، فلما نزلنا في ذلك الجانب الغربي نزلت عن ~~الفرس، وتوضأت وصليت الظهر والعصر [قصرا] وجمعا ~~بالإيماء، لم أستطع إيصال رأسي إلى الأرض، كنت أحس أن رأسي ~~كالبيضة المذره، وأن مخه يتحرك، وينزل من أنفي الدم، ثم نمت ~~نومة حسنة، حصل لي بها راحة، ثم ركبت ، وأنا لا أعرف أين ~~أنزل، ولا اعتماد لي على غير الله، فأدركنا المساء عند مدينة مليج ~~فقال لي بعض من رافقنا في الطريق: انزل هنا. فقلت: على من؟ فقال: ~~على شيخ العرب. فقلت: ومن هو؟ فقال: غيث بن نصير الدين. PageV02P182 ~~وكنت أسمع الناس يثنون عليه، وكان حصل بينهم وبينه اجتماع خفيف ~~حين كنا في مولد طنتتا، فملت إليه، فتلقاني أحسن تلقي، وكان عنده ~~فقهاء، فأخبروه ما سمعوا من ثناء الناس علي، ثم كلموني في العلم، ~~فتكلمت معهم على عسر الكلام علي، فزاد اعتقاده في، وزاد في إكرامي، ~~ثم أردت أسافر عنه في اليوم الثاني، فرأى ما حصل لوجهي من الورم من ~~الشمس والهواء فقال: إن سافرت انتشر الورم ومت، ثم حلف علي أن ~~لا أسافر، وطلب جرائحيا، فألصق على جراحاتي ما يليق بها. # واستمريت عنده في أحسن عيش عشرة أيام، إلى أن برئ غالب ~~جراحاتي وأشرف الباقي على البرء وأتحفني وزودني، ثم سافرت إلى ~~شغلي، وهو في بلاد جميل بن يوسف شيخ عربان السخاوية ~~ونواحي البرلس، وكان قد سمع بتقطري، فتلقاني أحسن تلقي PageV02P183 ~~وقضى شغلي على أتم وجه، وزودني، ثم رجعت فسبحان من لا يخيب ~~رجاء من صدق الله في الإلتجاء. # وكان قد خرج ms315 في حدود سفري، وهو خامس عشري الشهر أو قبله ~~بيسير، أو بعده بيسير نجم مقارن لكوكب الصبح إلى جهة الشمال، ~~بينه وبينه نحو قيد ثلاثة رماح، وله شعاع ممتد من فوقه قريب من مقدار ~~رمح منعطف رأسه إلى جهة كوكب الصبح، واستمر على هذه الحالة ~~أكثر من خمسة عشر يوما، ثم اختفى، وظهر هو أو غيره من جهة الغرب ~~وقت المغرب، واستمر إلى أواخر الشهر ثم اختفى. # وكان الناس يذهبون في حديثه كل مذهب، كما جرت به عادة أهل ~~الجاهلية، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، انه يستمر في هذه الأمة. ### || # وفي هذا العشر وقع حرب بين طائفة خارجة من عربان البحيرة، ~~وبين كاشفها ومعه طائفة من عربان الطاعة، قتل بينهم نحو عشرين ~~قتيلا، أكثرهم من العصاة وانتصر الكاشف، وأرسل رؤوسهم إلى ~~السلطان، وطلب منه جيشا فأمر طوخ أمير مجلس بالتجهز لذلك. # ولم تزل أحوال الجند مخبطة من حين نهب بيت الإستدار، وكانوا ~~يتشاورون على الركوب على السلطان، فشاع أنهم يركبون في يوم السبت ~~أول رجب، وأنهم يقولون للناس: إنا ركبنا غضبا لما حل بكم من النهب ~~فلم يقع ذلك، فقالوا: في دوران المحمل، فدار يوم الاثنين عاشر ~~شهر رجب، ولم يقع ولله الحمد الأخير. # ونادى السلطان للناس بالزينة، والأمان والاطمئنان، ووصلت أنا PageV02P184 ~~من السفر ليلة الثلاثاء حادي عشر شهر رجب المذكور، وكانت تربة ~~السلطان التي بناها بالصحراء في ناحية تربة برقوق، ثم حددها ~~وحسنها القاضي ناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب جكم قد تمت ~~وصارت هيئة خانقاه بخلاوي، واجتهد في تحسينها وأنفق عليها أموالا ~~جزيلة، وكان السلطان قد أخذ ربع الكامل الذي تجاه جامع الأقمر ~~فهده، وشرع في تجديده من نحو ثلاثة أشهر، وكان المباشر له على ذلك ~~ناظر الخاص، فأراد النزول لنظر التربة والربع المذكور، فأشاعوا أن ~~الركوب عليه يكون عند نزوله، فنزل صبح يوم الخميس ثالث عشر ~~الشهر من الصحراء، فنظر التربة، وأقام بها ساعة، ثم ركب، ومر من ~~قدام جامع الأقمر فرأى ما جدد من الربع، ms316 وكان في موكب عظيم، ~~تحدث الشيوخ أنهم ما رأوا لأستاذه برقوق مثله، ولا لأحد بعده، وكان ~~ناظر الخاص حين وصوله إلى الربع مقارنا له، يحدثه عنه، وجميع الأكابر ~~قدامهما، فلما جاوزا الربع، تقدم ناظر الخاص، فاكتنفه الأمير تنبك، ~~وأمير سلاح خش قدم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فلم يكن ~~الموكب في الحقيقة إلا له. PageV02P185 ~~وأجلس قاصد الروم في مدرسة برقوق لرؤية ذلك، وقاصد الغرب ~~في مدرسة الأشرف، وكان من الأيام المشهورة، ورجع معافى، وقد ~~حصل بنزوله ذلك هيبة وعز للمسلمين، وقمع للمفسدين، وألبس ~~السلطان القاضي ناظر الخاص خلعة عظيمة في طرازها ألف مثقال ~~ذهبا، وأركبه فرسا عظيما وأكرمه إكراما عظيما. # وفي هذا الحد، عزل الشهاب التلمساني قاضي المالكية بدمشق، ~~وولي الزين عبد الرحمن السويدي، وعزل العلاء بن السابق من كتابة ~~السر بدمشق وأعيد القطب الخيضري. # ومن أول شهر رجب رتب الأمير بردبك قارئا يقرأ صحيح البخاري ~~في مجلسه، على كرسي، وأحضر جماعة من أهل العلم للسماع والبحث؛ ~~فجدد سنة الأمراء التي كانت في أواسط القرن الثامن، والله تعالى ~~المسؤول في إعزاز الدين، وإعلاء أئمة المسلمين آمين. # وفي هذا الشهر فقد سنقر قرق شبق، وهو دويدار السلطان PageV02P186 ~~الثالث غلاما جميلا من طبقته، من مماليك السلطان، وكان يقال: أنه ~~يعشقه فغاب عنه يومين أو أكثر فسأل عنه، فأخبر أنه عند محمد بن ~~أيتمش الخضري، وكان محمد هذا ابن أخت زوجة السلطان، وكان من ~~كبار المفسدين جبارا طاغيا قل أن رؤي مثله في الجرأة على ما لا يليق ~~شرعا ولا عرفا، على الأكابر والأصاغر، حتى ناظر الخاص، وبردبك ~~صهر السلطان، وكان لا يستطيع أحد شكايته خوفا من أمه، وإذا ~~أوصل إلى السلطان خبر ممن لا يراعي أمه، توصلت بنفسها وأتباعها إلى ~~تحويل ذلك الخبر إلى وجه غير فاحش، وكان الناس قد ضجوا منه؛ ثم ~~دانوا له؛ حين رأوا أنه لا يؤثر فيه شيء. # فلما سمع سنقر بذلك أخذ معه ناسا من أصحابه، ثم هجم إلى بيت ~~ابن الخضري، فإذا هو جالس والصبي ms317 معه، فقبض على الصبي، ~~وضرب ابن الخضري إلى أن كاد يتلفه وأخذ الصبي إلى بيته، ففعل به مثل ~~ذلك، فخاف ابن الخضري غائلة ذلك، فاختفى، فلما بلغ الخبر ~~السلطان لم يتكلم، ثم قيل له: إنه هرب فهدده عند القدرة عليه، ثم ~~رقق عليه فرق، وعد الناس هذا الأمر من النعم العظيمة. # وفي نصفه أعيد الشهاب بن رجب، المشهور بالزهري إلى قضاء ~~الشافعية بحلب عن الجلال محمد بن عبد القادر الباعوني. # وفي نحو العشرين من شهر رجب المذكور، جاء الخبر، بأن العربان ~~العصاة بالبحيرة هربوا قبل سفر الأمير طوخ أدام الله إذلالهم. PageV02P187 ~~وفي يوم الأحد ثالث عشري الشهر، بلغ السلطان أن بعض العرب ~~العصاة قرب من ناحية شبرمنت في بر الجيزة، فأرسل إليهم ~~دويدار الأمير بردبك، في نحو مائتي فارس، فلم يجد منهم أحدا، ~~ورجع يوم الثلاثاء خامش عشري الشهر. # وكان في العشرين من شهر رجب هذا شاع بين الناس أن ~~السلطان محمد بن عثمان مات، وقيل: أن ذلك اطلع عليه في كتاب ورد ~~من بعض الفرنج إلى القنصل الذي بإسكندرية، ثم شاع في آخر ~~الشهر أن هذا الخبر كذب، وأنه حي، وقيل أنه أطلع على ذلك أيضا من ~~كتاب بعض الفرنج، فصدق غالب الناس بورود الكتابين؛ لورود الخبر ~~الصحيح بسماع ذلك في إسكندرية قبل وصول الخبر في القاهرة، ~~وبقرائن غير ذلك، أفادت العلم. # وكذب ذلك بعض من له إلمام بأخبار الناس، وقالوا: إنما سبب # الإشاعة الأولى بالموت، أنه كان مع رسول ابن عثمان، العلاء القابوني ~~طواشي مليح الشكل جدا، وكان السلطان الأشرف طلبه منه في السفرة ~~الأولى فأبى عليه، ثم كرر طلبه في هذه السفرة فأبى أيضا، فألح PageV02P188 ~~في طلبه بناظر الخاص وغيره، فأصر على الامتناع؛ فأشيع موت ابن ~~عثمان، ثم طلبه منه ناظر الخاص بأن يشتريه ثم يقدمه للسلطان، وكان ~~لما فجأ الرسول هذا الخبر العظيم، حصل منه استكانة كبيرة، وزهد في ~~أعراض الدنيا، فقال: إن كان ولا بد فأنا أهديه للسلطان لأن ذلك أجمل ~~بي، ثم توقف ليتحقق ms318 الخبر، وكان قد أهدى إليه بعض الأكابر أشياء ~~منها، أن الأمير بردبك كان أهدى إليه كبشا جبليا من بلاد المشرق ذا ~~قرون طوال، وهيئة غريبة، فأرسل إليه عند بلوغ هذا الخبر، فاستعاده ~~منه، فوقع في نفسه أن الخبر لولا صح لم يطلب منه هذا الكبش، فلما ~~استقر في نفسه أنه مات، أرسل الطواشي إلى السلطان فقبله، وأظهر ~~السرور به، وعندما فعل ذلك شاع الخبر بأن خبر الموت كذب، ورد إليه ~~ذلك الكبش؛ فظن حينئذ هؤلاء القسم من الناس أن الإشاعة الأولى ما ~~كانت إلا للوصول إلى هذا الطواشي واستقبحوا ذلك جدا. # وفي شهر رجب، برز المرسوم الشريف على يد ساعي، بأن السراج ~~الحمصي ينتقل من دمشق إلى بيت المقدس، وذلك لما شاع عنه من أنه ~~يزين لنائب الشام الفساد، فوصل في أواخر الشهر، فأراد نائب الشام ~~أن يكاتب السلطان في [إبقائه] بالشام، فخاف هو عاقبة ذلك، ~~وبادر إلى التوجه إلى القدس الشريف، وسر أهل الشام بذلك. ### || # وفي يوم الاثنين مستهل شعبان، سافر الزين الإستدار منفيا إلى ~~مكة المشرفة بعد أن كان رسم بنفيه إلى غزة، فخاف أن يتمكن أعداؤه PageV02P189 ~~عند استقراره بها من إشاعات الأخبار الضارة عنه، فسعى كثيرا في أن ~~يكون النفي إلى مكة، حتى أجيب بعد لأي. # وفي هذا اليوم، سافر الجيش الذي عينه السلطان إلى البحيرة؛ لأجل ~~مفسدي العربان، ومن أولئك الأمراء سودون قرقش المؤيدي رأس نوبة ~~الثاني. # وفي يوم السبت سادسه، سافر العلاء القابوني رسول ابن عثمان، ~~راجعا إلى بلاد الروم، وأعطاه السلطان لنفقته وتوسعته ما يقارب خمسة ~~آلاف دينار عينا، غير ما أنعم عليه من الأمتعة والخلع، وغير ما أهدى ~~إليه الأمراء والمباشرون، وسافر معه على هدية السلطان الأمير قانباي ~~[اليوسفي]، وكتب جواب السلطان. # وفي هذا الحد، وهو أوائل شعبان من سنة ستين وصل PageV02P190 ~~الخبر، بأن ابن قرمان أخذ بعض البلاد المجاورة لبلاده مما يتعلق بهذه ~~المملكة؛ فعين السلطان لذلك نحو ألف من المماليك وجماعة من ~~الأمراء، ليتوجهوا لخلاصها مع نواب البلاد الشامية، ومن ينضم ms319 إليهم ~~من العربان والتركمين. # ثم شرعوا في الجهاز وكانوا قوما يأكلون بلاد المسلمين وأرزاقهم، فإذا ~~حزب المسلمين أمر لا يوجد [عندهم] جهاز؛ لأنهم يصرفون ~~الأرزاق في الملاذ، فلا يفضل عنها ما يغني للحرب، وإن فضل تثاقلوا ~~لصرف هممهم إلى الدعة، فلما عينهم السلطان شرعوا في شراء الآلات، ~~فعرف أن أقرب زمن يتيسر سفرهم فيه نصف رمضان، ثم لا يصلون إلى ~~المقصد إلا في أوائل ذي الحجة، ثم هجم البرد، وتلك البلاد شديدة ~~البرد، فلا يتمكنون من شيء، فشاور السلطان الأمراء وذوي الآراء، ~~فأشاروا بأن يمهل تجهيزهم إلى بعد نزول الخيل من الربيع، وذلك في ربيع ~~الآخر من سنة أحد وستين، وأن يرسل إلى نواب الشام أن يونوا على ~~حذر، وإذا استغاث بهم نائب حلب، أسرعوا إجابته من غير مراجعة ~~للسلطان، وكان هذا الرأي في نصف الشهر، وهو شعبان من سنة ~~ستين. # ثم وردت مكاتبات نائب حلب، بما معناه أنه كان لما قدم حلب ~~ولى من المباشرين من كان عند النائب الذي كان قبله، ومنهم علي ~~بن الرقيق، وابن الحصوني وعامل الرعايا بما يليق، ثم رفع إليه أن ابن PageV02P191 ~~الحصوني ظلم الرعية؛ فسجنه، فاجتمع جمع كبير وقصدوه في حادي ~~عشري شعبان، في السجن فخاف السجان أن يكسروا السجن فيذهب ~~كل من به، فرأى أن يسلم إليهم ابن الحصوني، ففعل فقتلوه، فخاف ~~ابن الرقيق على نفسه، ففر إلى زاوية شخص معتقد اسمه عبد الكريم، ~~فهجم ذلك الجمع عليه بها، فأخذوه وقتلوه، ثم ذهبوا به وبابن ~~الحصوني، ونائبين آخرين من مباشري النائب إلى بعض الأماكن الخربة ~~فألحقوهم. وقال: إن ذلك كسر لناموس المملكة، وطلب تقوية يده، ~~نسأل الله إعلاء الحق وخذلان الباطل وأهله آمين. أيظن هو وأمثاله أن ~~الله تعالى يسلم أولياءه لهم، وهو سبحانه يقول: من آذى لي وليا فقد ~~أذنني بالحرب. # وفي أوائل الثلث الأخير من ليلة ثاني عشر شعبان المذكور، مات ~~ولدي أبو اليسر، عن سنة وأربعة أشهر ونصف شهر ويومين؛ عن ~~مرض حاد استمر به نحو خمسة عشر يوما، ms320 وكان مهما أكله ألقاه سريعا ~~من فوق، ومن أسفل بالقيء والإسهال ثم كان لا يطعم إلا الماء، ~~وكانت تظهر عليه مخائل السعادة والسيادة من الشجاعة والشهامة ~~والتأني، وحسن التأتي، والحفظ العظيم، والذكاء المفرط، والكرم مع ~~حلاوة الشكل، وجهارة المنظر، ولو ذكرت علامات كل ذلك لطال، ~~لكن اقتصر على واحدة، وهي أنه لما منع تناول غير الماء أشار بيده ~~أن يسقوه، فوضعت في الإناء الذي يشرب فيه ماء بطيخ صيفي، وقلت PageV02P192 ~~للجارية اذهبي به إلى الكوز وأوهميه أنك تسكبين منه كما كنت ~~تفعلين، فلما أتته به شرب شربا متوسطا، ثم دفعه بيده، وأظهر التبرم به، ~~وأشار إلى الكوز، فقلت: اذهبي إليه، وخيلي له أيضا وأتيه بماء البطيخ، ~~ففعلت فشرب منه قليلا جدا، ثم دفعه وأشار إلى الزير، وما علمت أنه ~~قط شرب من الزير، فعلمت أنه إنما أمعن في المرة الأولى لأنه كان خالي ~~الذهن، سالم الصدر من أن يمكر به، وانضم إلى ذلك أن العادة في فم ~~المريض أن يكون مرا لا يدرك صاحبه الطعوم إلا بعد تأمل، ودلت ~~إشارته إلى الزير من غيربكاء ولا صياح، على ذكاء مفرط، وحسن ~~خلق، ثم إنه استمر في النزع من بكرة يوم الخميس إلى حين ماتن وكان ~~في كل ساعة يشتد به، وهو مع ذلك قليل التشكي، لم يقل آه إلا عندما ~~بدأ به النزع، وكان لا يقولها إلا بعد كل حين، إلا في حين الموت، فشرع ~~يوالي ذلك، فلما سمعته انزعجت، فقمت وتأملته، فإذا به قد مات رأسه ~~إلى حنكه الأعلى، وجمد بصره الذي كان في أوائل النزع يحركه حركة ~~سريعة جدا، وضاق سواد عينه حتى لا يكاد يبين، وصار لا يتحرك منه ~~إلا حنكه الأسفل وما تحته، وصارت نفسه تقعقع في صدره، ~~وصار يوالي التأوه، فحصل لي من الوجد ما لا أقدر على التعبير عنه، ثم ~~خطر لي الاستعانة بالصبر والصلاة، فأمرت الجواري بالوضوء، وأن ~~تصلي كل واحدة ركعتين، وتسأل الله أن يهون عليه سكرات الموت، ~~وتوضأت أنا وإحداهن وصليت ركعتين، ms321 فلما كنت في الثانية، سمعت ~~منهن ما دلني على موته، فأسرعت وذهبت إليه، فإذا هو قد قضى إنا لله PageV02P193 ~~وإنا إليه راجعون، الحمد الله، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا ~~منها، واعقبني منها عقبى حسنة آمين. # وفي صبيحة يوم السبت ثالث عشر الشهر، نزل السلطان إلى ~~مدرسته التي أنشأها بالتربة بالصحراء، ورجع إلى القلعة من بين ~~القصرين، وخلف ولده في القلعة على عادة أولاد الملوك وفرح الناس ~~بنزوله. # وبلغنا من القادمين مع جانبك ناظر جدة، أنه حصل في هذا الحد ~~بالمدينة الشريفة ريح شديدة مع بعض مطر، قلعت وقصفت من ~~نخيلها نحو النصف، وحصل سموم أتلف ثمر ما بقي، فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون. # وفي ليلة السبت العشرين من الشهر، مات القاضي ظهير ~~الدين محمد بن قاضي القضاة أمين الدين عبد الوهاب ابن ~~الطرابلسي الحنفي، وصلى عليه في ضحوة يومها في باب النصر من ~~القاهرة قاضي الشافعية، العلم صالح البلقيني في جمع كثير من الأعيان، ~~ودفن بالصحراء، وكان من أعيان أهل القاهرة، شكالة ~~وأصالة وسياسة، غير أنه كان ملازما للشراب، فكان ذلك يزري به، وكان PageV02P194 ~~ذهنه حسنا، وله نظم مقبول، واختلط قبل موته بمدة، لعلها تقارب ~~سنة رحمه الله. # وفي يوم الثلاثاء ثالث عشري الشهر، حضر قاضي الشافعية، ~~العلم البلقيني مجلس الحديث عند الأمير بردبك الدويدار، فقرأ القارئ ~~حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتي في آخر الزمان ~~قوم حدثاء الأسنان، سفهاء أحلام» الحديث في الخوارج، PageV02P195 ~~فقال القاضي في بعض طرقه: «لئن أدركتهم لأقتلنهم، قتل عاد» ~~فقلت وفي بعض طرقه أن سببه أن ذا الخويصرة التميمي أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهو يقسم، فقال: اعدل. فقال: ويحك، ومن يعدل إذا لم أعدل! # فاستأذنه عمر رضي الله عنه في قتله، فقال: دعه فإن له أصحابا يحقر # أحدكم صلاته مع صلاتهم. # الحديث أخرجه البخاري في علامات النبوة عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه، وفي بعض طرقه عن غيره: «فأينما لقيتموه فاقتلوهم» ~~فقوله صلى الله ms322 عليه وسلم: «دعه فإن له أصحابا» ما هذه الفاء فتبينت عليه الحيرة، ~~فقلت: أليست سببية. فقال: بلى. فقلت: فحينئذ يكون ما بعدها علة ~~لما قبلها، وكيف يعلل إبقاء من استحق القتل، بسبب أنه يكون له ~~هؤلاء الأصحاب. فقال: خشية الفتنة. فقلت: الفتنة لا تكون إلا من ~~أصحابه وقد أشار في الحديث إلى أنهم غير موجودين، وعلى تقدير ~~وجودهم، فقد أخبر أنه يقتلهم قتل عاد، كما قلتم في الطريق الأخرى. # فلم يهتد الجواب، ولم ير لنفسه أن يسكت، ولا يقول كما قال ~~القدوة الإمام مالك لا أدري، فشرع يشد المجلس بسوق السيرة، وأن PageV02P196 ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا أولا بالتحاور، ثم كذا ثم كذا إلى آخر ما سرد، فلما ~~فرغ قلت له: وهذا يصلح لأن يكون مبينا لوجه التعليل، بما ذكر، فأراد ~~إعادة شيء من ذلك الكلام، وكثر اللغط، فقلت: ينبغي الانتقال إلى ~~فائدة أخرى. فقال: نعم، انتقلوا حصل في ذلك كفاية. # فعلم كل من حضر من أهل الذوق عجزه عن الجواب، وشاع ذلك، ~~ثم أن الجواب عن ذلك على ما قال الكرماني: أن الفاء لتعقيب ~~الأخبار لا للسببية كذا قال، وليس الأمر عندي كذلك، بل هي للتعليل، ~~وهو من وادي قوله لعمر رضي الله عنه، عن ابن صياد، حين وقع الظن ~~بأنه الدجال، واستأذن في قتله: إن يكنه فلن يسلط عليه، وإن لا يكنه ~~فلا خير لك في قتله. # والحاصل، أنه صلى الله عليه وسلم، علم أن علم الله وقدرته تعلقا ببقائه إلى الوقت ~~المحدود له، فلا سبيل لأحد إلى قتله قبل ذلك، لا راد لأمره، ولا ~~معقب لحكمه، ولم أر هذا لأحد. # فسمع شيخنا، محقق الزمان، الشيخ أبو الفضل بن أبي عبد الله ~~المشدالي البجائي بالواقعة، فخطر له هذا الجواب، ثم سألني: هل PageV02P197 ~~تعلم الجواب عن سؤالك؟ فقلت: نعم، وذكرت له ما تقدم. فقال: ~~نعم هوذا، ولكن إذا سيق على وجه يون له نظر، يكون الناس به آنس، ~~وإليه أميل، وذلك قصة موسى والخضر عليهما [السلام] ~~وحاصلها، ms323 أن الخضر كان يمشي على ما في نفس الأمر، وموسى عليه ~~السلام يمشي على ظاهر الشرع، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يمشي تارة على الظاهر، ~~وتارة على ما في نفس الأمر وهذا منه، فقلت: ويزيد ذلك حسنا أنهم ~~قالوا: أنه ليس لنبي من الأنبياء معجزة إلا وقد أتى نبينا صلى الله عليه وسلم مثلها، وهذا ~~الحديث مثال لما أوتيه من معجزة الخضر عليه السلام. # وكان القاضي المذكور مشهورا بالشؤم، وأنه ما تولى قط إلا حصل في ~~أيامه بلاء كثير، من طاعون وغيره، فتعدى شؤمه إلى أنه من سلم عليه ~~أو دخل إليه أزعج، فلم يمض ذلك اليوم حتى جاء الخبر بأن ~~عرب بني وائل تجمعوا لإرادة الإيقاع ببني سعد، ومعظم ذلك ~~بقرية قها، وهي في إقطاع الأمير بردبك، وكان المفسدون قبل ذلك في ~~نواحي الشرقية قد كثروا، وتمردوا، وألقوا جلباب الخوف من الدولة، ~~وكذا أهل الفساد في غالب البلاد، وكان الأمير بردبك كثير التحرق من ~~ذلك، فطلب من السلطان أن يأذن له في التوجه إلى ذلك، فأذن له وعين ~~معه أميرين، فسأله أن يكونبمفرده، وألح عليه، فأجابه، فركب عشاء ~~الآخرة من ليلة الأربعاء، رابع عشري الشهر في ثلاثين من مماليكه، ~~ونحو ثلاثين من مماليك السلطان القدماء، فوصلوا بكرة النهار إلى قرب ~~قرية يقال لها دندنة، وجاء والي قليوب وهو شخص من الأجناد يسمى ~~قرقماش.. فقال: إن هذا الأمر لا يحتاج إلى ركوبك بنفسك، أرسل PageV02P198 ~~معي جماعة أكفك الأمر، فأرسل معه نصف من معه، فكانوا مع جماعة ~~الكاشف دون المائة، وكان معهم جماعة مشاة من قواسة جبل ~~نابلس، وكان معهم جماعة بني سعد، فساروا غير بعيد، فإذا هم بجمع ~~أولئك وهم نحو ثلاثمائة فارس، كلهم متدرع، وكانوا غافلين عن ~~مجيء الأمير بردبك، فلما تواجهوا ضرب الوالي، فنظر الوئليون إلى ~~أعدائهم، فظنوا أنهم استعاروا طبلا وزمرا ليرهبوهم، فقالوا لهم: اثبتوا، ~~وحمل جماعة من شجعانهم، فقتل منهم ثمانية، وكان منهم شخص قصد ~~أن يقتلع الذي واجهه من سرجه ويذبحه ذبحا، وهو شخص ms324 من مماليك ~~الأمير، اسمه شاذ بك، فلما احتضنه فعل المملوك كفعله، وتجاذبا، ~~فاقتلعه المملوك فأراد أصحابه قتله، فنهاهم عنه، فلما رأى بقيتهم ما ~~حل بأصحابهم، ورأوا رايات غير معتادة للوالي رعبوا، فولوا وأكثرهم ~~مجروح، فقطع الكاشف رؤوس الستة وأتى بهم إلى الأمير بردبك، ~~فجهزهم مع ذلك الأسير إلى السلطان. # فأرجف المبغضون للأمير بردبك بأخبار السوء، وشرعوا يقررون خطأه ~~في سؤاله منع الأمراء من التوجه معه، وأنهم لو كانوا معه لأعظم النكاية ~~في العرب، ولم يفلت منهم إلا الشريد، وادعوا أنه كسر بذلك ناموس ~~المملكة؛ لأنه لم ينل منهم طائلا، وأنهم اجتمعوا في ألف فارس، ~~وتعاقدوا على الموت، وأحاطوا بالأمير، وحصروه حصر الخاتم للخنصر، PageV02P199 ~~إلى غير ذلك من الأراجيف، فأرسل إليه السلطان أخاه الأمير يونس ~~العلائي، والأمير برسباي البجاسي صهر الأمير بردبك، وسنقر ~~الدويدار الثالث المشهور بقرق شبق، فوصلوا إليه، فغذا الأمر غير ~~صحيح، ولم يبق لأولئك جمع، وخاف بعض بلادهم على أنفسهم أن ~~يبيتوا، فبثقوا المياه بينهم وبين العسكر. # ثم إن الأمير اقتضى رأيه أن يمسك من بني سعد جماعة؛ ليكسر ~~الفتنة بذلك، فيكون القبض عليهم معادلا عند الوائليين لمقتل من قتل ~~منهم ففعل، وقدم في آخر ليلة الأحد ثامن عشري الشهر، وحصل بهذه ~~الفعلة وهن عظيم للمفسدين، ولله الحمد على ذلك. # وفي هذا الحد، قدم رسول من عند ابن جهنشاه بن قرايوسف، ~~ملك بغداد والعراق، مشى على بلاد أولاد تمرلنك [فإلى] جميع عراق ~~العجم، وهو إلى أقاصي بلاد أصبهان ويطلب من السلطان المعونة، ~~بالدعاء، وشخصا من أمراء بلاده اسمه حسن بك الدكري، أصله من ~~بلادهم، ويقال إنه كبير عندهم. # وفي يوم الجمعة سادس عشري شعبان، الموافق لسادس مسرى من PageV02P200 ~~أشهر القبط، وفى البحر ستة عشر ذراعا، وزاد ~~خمس أصابع، ففتحوا السد وجرى الماء في الخلجان على العادة، وكان ~~من خواصه في هذا العام أنه من حين نودى عليه لم يتوقف يوما واحدا، ~~وكان أكثر زيادته ثلاثين إصبعا، وأقلها إصبع. ### || # وفي أوائل شهر رمضان من السنة قدم دويدار نائب دمشق ms325 خش ~~قدم؛ بسبب أنه كان شاع، أن نائب حلب نقل عنه أن تحرك ابن قرمان ~~إلى هذه المملكة كان بمباطنته، فلما بلغ نائب حلب أن هذا شاع عنه بين ~~الناس، أرسل إلى نائب الشام كتابا يعتذر فيه، ويبرئه، ويحلف أنه ما ~~قال عنه شيئا، فأحضر دويدار نائب الشام الكتاب معه، فأوقف عليه ~~السلطان تبرئة لأستاذه، فكانت هذه قضية ربانية، فتت في عضد هذين ~~النائبين الجبارين ولله الحمد. # وفي أوائل هذا الشهر أيضا، جاء الخبر من القدس أن أسنباي، ~~مملوك الظاهر جقمق، الذي كان أخذ الدويدارية الثانية في أيام ~~المنصور مات بالقدس الشريف، وكان منفيا به، وكان ساكنا ~~بالمدرسة.. التي خلف الباسطية. # وقدم أيضا الخبر من بلاد الحجاز، أن الشمس الأنصاري، أخا ~~الشرف، وكيل بيت المال، تنازع من جانبك نائب جدة في تركة صهر ~~له، فصالحه على شيء، ثم قيل لجانبك إنه بخس في هذا الصلح، وأن ~~التركة كثيرة جدا، فشدد عليه حتى أخذ منه مقدارا زائدا، يقال: أنه PageV02P201 ~~ألفا دينار؛ فعظمت مشقة ذلك عليه، حتى زال عقله وأقام أياما، ~~ومات رحمه الله. ### ||| مرض ناظر الخاص: # وفي أوائل هذا الشهر أيضا حصل لناظر الخاص رمي دم؛ انقطع منه ~~عن الركوب إلى القلعة، ثم إنه نزل من باطنه ثعبان ربما يكون في طول ~~فتر وثخن إصبع، فاستراح به من وجع كان يجده في جانبه الأيمن، ~~واستمر منقطعا إلى سابع عشري شوال كما سيأتي. # وفي يوم الخميس سابع عشر الشهر، قدم بريدي على يده مكاتبات ~~من نائب حلب، أن ابن قرمان حصل في عسكره موت ذريع، فأرسل ~~إليه يستشفع به عند السلطان في أن يكون تحت نظره، ويصفوا له، بشرط ~~أن يعيد ما أخذه، وهو قلعة الكرك وطرسوس، ويعيد ما هدمه من سور ~~طرسوس، فحصل بذلك سرور. # وفي هذه الأشهر، كثر فساد الزعر في مصر، وهم فريقان: أهل # المدينة، وأهل الصليبة، وذلك باعتبار أنه لكل فريق بعض الأتراك، ~~فكان من عصبة المدنيين خير بك والي القاهرة وغيره من الترك، وعصبة ~~أهل الصليبة سنقر ms326 قرق شبق الدويدار وغيره، فكثرت ~~بينهم المزاحفات، والمواقعات في الأيام المتعددات، وعظمت القتلى ~~والجراحات، وكان الأكابر يذهبون للتفرج عليهم، فتعدى فسادهم إلى ~~الناس، فنهبوا في هذا الشهر من بعض الأسواق ليلا، وخطفوا العمائم ~~من الجوامع وغيرها في صلاة التراويح، وقتلوا في الأسواق، وانتشر ~~الخوف منهم في القلوب، وكان الأمير بردبك الدويدار، كلما أنهى إلى ~~السلطان أمرهم، وسأله في الجد في أمرهم عارضه أهل الأغراض، فلم ~~يزل يقوم في ذلك ويقعد حتى أجيب، وقبض على جماعة من أعيانهم ~~أربعة أو أكثر، ثم أحضروا في هذا اليوم وهو سابع عشر الشهر بين يدي ~~السلطان، فضربهم بالمقارع، وأمر بهم إلى السجن. PageV02P202 ~~ختمي للتفسير في الميعاد سنة ستين: ~~وفي يوم الجمعة ثامن عشره ختمت تفسير القرآن العظيم في جامع ~~الظاهر بالحسينية خارج القاهرة عن نيف وعشرين سنة أعان الله على ~~إكماله مرة أخرى وأعظم النفع بذلك آمين. # ثم ابتدأت يوم الجمعة سادس عشريه في ختمة أخرى، فتكلمت على ~~تفسير الفاتحة متبركا بالختم والابتداء في رمضان، ولاسيما خامس ~~عشريه؛ فإن القرآن أنزل على ما روي في الرابع والعشرين منه إلى السماء ~~الدنيا، وكنت أنظر في غالب الأمر الكشاف، وتفسير ~~البيضاوي، والنهر لأبي حيان، وأضيف إلى ذلك ما يفتحه الله علي ~~مما أحفظ من الأحاديث والسير وغير ذلك، ثم لما وصلت إلى أواخر PageV02P203 ~~البقرة في الميعاد، وفي البكرة الثانية في وسط سنة إحدى وستين، فتح الله ~~تعالى بتفهيم علم المناسبات بين الآيات، فشرعت فيه، في كتاب غريب ~~سميته (نظم الدرر من تناسب الآي والسور) على وجه بديع المثال، ~~بعيد المنال، من طالعه علم مقداره. # ثم لما وصلت فيه إلى آخر سورة التوبة رأيته قد طال بسوق قصص ~~الأقدمين التي تدعو إليها المناسبات من التوراة والإنجيل، أو كشف ~~معاني بعض الآيات، وبأشياء من جواهر التفسير، فشرعت في ~~اختصاره في كتاب سميته (دلالة البرهان القويم على تناسب آي القرآن ~~العظيم) اقتصر فيه إن شاء الله على المناسبات فقط مع حذف ~~مؤيدات أدلتها من كتب الأقدمين، والله المسؤول في ms327 إتمامهما على أحسن ~~الأحوال وأكمل الخلال. ### ||| موت الأبذي: # وفي عصر يوم الثلاثاء، ثاني عشري شهر رمضان من السنة، مات ~~الشيخ الفاضل شهاب الدين أحمد الأبذي (بضم الهمزة والموحدة ~~المشددة وكسر الذال المعجمة، بعدها ياء النسب) البجائي المالكي، PageV02P204 ~~بسكنه من المدرسة الباسطية من القاهرة المعزية عن ~~أكثر من ستين سنة في ظني، وصلي عليه في باب النصر، ودفن ~~بالصحراء، وكانت جنازته حافلة، وعظم تأسف الناس عليه، فقد كان ~~ملازما لنفع الناس بالأشغال في فنون من العلم ليلا ونهارا، مدة سنين، ~~وكان قد شاع له بين غالب الناس بذلك ذكر جميل. # وفي يوم الاثنين حادي عشري الشهر كان آخر السنة القبطية، ويوم ~~الثلاثاء ثاني عشري الشهر كان أول أيام النسيم، وكان أول توت، وهو ~~أول شهور القبط الأحد سابع عشريه ~~وفي يوم الأربعاء ثالث عشري رمضان المذكور، برز المرسوم الشريف ~~بأن يجهز النداء بالقاهرة، أن أحدا من المماليك لا يمشي ليلا، ولا يحمل ~~في يده عصى، ومن فعل ذلك وسط في مكانه، وأمر كاتب السر بأن ~~يكتب إلى جميع نواب بلاد الشام بالإحسان إلى الرعية والرفق بهم، وتنقية ~~بلادهم من الفواحش، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاجتهاد ~~في ذلك، ومن لم ترد عنه الأخبار من الرعية بالثناء عليه وحسن معاملته ~~قوبل وجرئ عليه العوم وغيرهم. PageV02P205 ~~وفي يوم السبت سادس عشري الشهر وصل جانبك، ناظر جدة، ~~ووصل معه شيخ الإسلام، الشيخ كمال الدين بن الهمام، وكان مجاورا ~~بالمدينة المشرفة، ثم بمكة المشرفة، واستبشرت به البلاد المصرية، ~~ولاقاهما الأمير بردبك الدويدار إلى البركة، وتمثل بين يدي الشيخ، ~~وسأله أن يسلم على السلطان فأبى، وقال: إنما منفعة السلطان بي من ~~جهة الدعاء، وأنا لا أنساه منه، فقال بعض الفقهاء، متابعة لهوى ~~الأمير: يا سيدي، يحصل للسلطان بذلك جبر، فقال: السلطان مجبور ~~بغير ذلك، غير محتاج إلى مثل هذا الجبر، ثم لما خلا بذلك الفقيه عنفه ~~على ذلك، واشتدت لائمته له. # وفي يوم الاثنين ثامن عشري الشهر، ختم البخاري الذي كان يقرأ ~~عند الأمير بردبك الدويدار، ms328 في مقعد سكنه، قرب مدرسة حسن، ~~وحضر القضاة: قاضي الشافعية العلم البلقيني، وقاضي الحنفية السعد ~~الديري، وقاضي الحنابلة العز الكناني، وحضر جمع كبير من الفقهاء، ~~بحيث ملئ المقعد على كبره، ومدح بعدة قصائد، لكن لم تنشد كلها، ~~وخلع عد خلع صوف، أكثرها بفرى سنجاب على أكابر مجلسه، ~~والقارئ، من أنشد من المادحين قصيدة، وأعطى السامعين عطاء ~~متفاوتا، بعضهم ألفا، وبعضهم دون ذلك، وكان في أول رمضان فرق ~~عليهم صررا من أربعة آلاف إلى خمسمائة بمعاملة مصر، يكون الألف ~~ثلاثة دنانير، وكان ختما مشهودان قل أن اتفق مثله. PageV02P206 ~~وفي عصر يوم الثلاثاء الثلاثين من رمضان اجتمع جمع من أجلاب ~~السلطان وسألوا الأمير بردبك الدويدار أن يشفع في اثنين منهما، كان ~~السلطان ضربهما لما نهبوا بيت الإستدار ومن حوله، وسجنهما في برج في ~~القلعة، فشفع فيهما فغضب السلطان من ذلك غضبا شديدا، وكان قد ~~تكلم لهم قبل ذلك في بغال، فقبله السلطان وأعطاهم، وتكلم لهم في ~~غير ذلك وأجابه، فلما خرج إليهم وأعلمهم بما قال السلطان غضبوا من ~~ذلك، على أنهم كانوا يسمعون كلامه للسلطان، وكلام السلطان له، ~~فأظهروا الغضب من ذلك، ونسبوه إلى أنه لم ينصح في الكلام، وأغلظوا ~~له القول إلى أن أغضبوه؛ فنزل عازما على أنه يلزم بيته، أو يقصد جامع ~~الأزهر، فيجلس فيه، فأتاه الدويدار صبح يوم الخميس، يوم العيد، ~~فحلف عليه حتى أطلعه، فصلى مع السلطان، ولبس خلعة، التي ~~جرت بها العادة، ونزل فاستمر منقطعا في بيته إلى يوم الأحد رابع شوال ~~والسلطان يرسل إليه ويلح في ذلك، فركب يوم الاثنين قبل الصبح ~~واختفى في بعض بساتينه، ثم ألح السلطان في الإرسال إليه، فأتاه يوم ~~الثلاثاء سادسه خش قدم أمير سلاح، ويونس العلائي أخو السلطان ~~وأحد المقدمين فأخذاه وطلعا به إلى السلطان، فبالغ في إكرامه، وتطييب ~~خاطره بالثناء وغيره. ### || # وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر أمر السلطان بتوسيط من كان ~~قبض عليهم في رمضان من الزعران الذين كانوا يفسدون في المدينة، ~~وكان قد اجتمع منهم عشرة، فوسطوا ms329 كلهم عند بركة الكلاب PageV02P207 ~~وراء السور، قرب الكيمان وسر بذلك الناس، وخاف المفسدون. # وفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال من سنة ستين وثمانمائة، ~~خرج المحمل إلى البركة، والأمير في ركبه قانم التاجر، وكان أمير ~~الأول عبد العزيز بن محمد الصغير، الذي كان محتسبا. # ثم ساروا من البركة في يوم الأربعاء، الحادي والعشرين منه، ثم في ~~يوم الخميس الثاني والعشرين. # وفيه دخل ناظر الخاص الحمام من علته، وكان قد بلغ فيها أن PageV02P208 ~~أشيع موته مرات، وكان يوما مشهودا تخلق فيه ناس كثير جدا ~~بزعفران، وسر به ذووا العقول. # وكان خير بك الوالي قد قبض على فلاح من قرية أهسطو من عمل ~~البهنسا، وكانت في إقطاع راس نوبة النوب قرقماش الجلب، ابن عم ~~الأشرف برسباي، واتهم الفلاح بحرام، فأراد الأمير قرقماش تخليصه، ~~فأقل الوالي أدبه عليه، فشكاه إلى السلطان، يوم الجمعة ثالث عشري ~~الشهر؛ فضرب السلطان الوالي يوم السبت رابع عشريه ضربا كثيرا، ~~قيل: إنه فوق الخمسمائة ضربة، وأرسل به إليه، وبالفلاح مع نقيب ~~الجيش علي بن الفيسي، فخلع على نقيب الجيش خلعة هائلة، يقال: PageV02P209 ~~وفي يوم الثلاثاء سابع عشري شوال المذكور، ركب ناظر الخاص ~~إلى الخدمة بالقلعة، وكان يوما مشهودا، عم فيه السرور لأغلب الناس، ~~فإنه خفيف الوطأة على غير مناوئيه، وسر به السلطان، وخلع عليه ~~خلعة شريفة، وزينت له كثير من الدكاكين، لايما في حارته بالقرب ~~من البندقانيين، وقصده الناس للتهنئة، فكان بيته لا ينشق من الزحام، ~~وتصدق في حال المرض وبعده بصدقات كثيرة، قيل أنها تزيد على عشرة ~~آلاف دينار، وعمل في عشية اليوم الذي ركب فيه، وليلة الذي بعده ~~وقتا في المدرسة التي بناها وراء بيته من ناحية بين السورين، قرئت فيه ~~ختمات كثيرة، ربما تزيد على العشرة، فكان انقطاعه يزيد على شهر ~~ونصف، فاجتمع ناس كثير من ذوي الحوائج التي إليه الكلام فيه في ~~القاهرة، وزاد ضررهم بذلك. # وفي يوم ركوبه وسط السلطان محمد بن أحمد بن خلف، المشهور بابن ~~قزابر المجدلي (بقاف مفتوحة وزاي وموحدة ثم ms330 مهملة)، وولده عليا؛ ~~وذلك لأنه قتل في قرية المجدل قرب عسقلان، سبعة أنفس على ما ~~قيل، فخربت البلد، وهي في إقطاع ابن السلطان، فطلبه ابن السلطان ~~إلى أن حصله، ثم استأذن أباه في قتله، فأذن وضربه، ثم أمر بتوسيطه، ~~وتوسيط ولده علي بن قزابر. # وفي يوم الجمعة سلخ شوال، وهو الموافق لرابع بانه من أشهر القبط ~~نادى منادي البحر بالوداع، وأن النيل ثبت على اثني عشر إصبعا من ~~عشرين ذراعا، يعني كان ذلك آخر زيادته التي انتهى إليها. PageV02P210 ### || # وفي أول ذي القعدة من السنة ضرب أجلاب السلطان الوزير ابن ~~الأهناسي بغير ذنب، مع مواصلتهم باللحم، ومالهم في جهته من ~~الكلف، ثم نزلوا الناس عن خيولهم، وشاع أنهم تعاقدوا على أن لا ~~يدعوا أحدا غيرهم، يركب فرسا ولا بغلا، وأن غيرهم لا يلبس زمطا، ~~لا من أولاد الناس ولا غيرهم، ثم تعدى أمرهم، فخطفوا أشياء ~~الناس، من العمائم وغيرها من الدكاكين، وغيرها، واشتد خطبهم ~~وضربوا من عارضهم، أو فهموا من المعارضة الضرب المهلك؛ فأغلق ~~الناس كثيرا من الأسواق، وكان الأجلاب يشيعون - وصدقهم غيرهم - ~~أن هذا بإذن من السلطان، وربما دعموه، بأنه غضب على الناس لكونهم ~~لم يسمعوا أمره، في أن يكون الدينار الذهب بثلاثمائة درهم فلوسا، ~~وذلك وزن أربعة عشر درهما ونصف فضة، فدعا الناس عليه، وعليهم ~~فأكثروا، بحيث انزعج محبوا دولته لذلك أكثر ممن ذهبت لهم الأموال. # ثم إن العلامة القدوة الشيخ أمين الدين يحيى بن الأقصرائي الحنفي ~~شيخ الأشرفية كتب ورقة يعظه فيها، وارسلها إلى شيخ الإسلام قاضي ~~القضاة سعد الدين الديري الحنفي، وكانا غير مطعون عليهما في علم ~~ولا دين، فزاد فيها من الوعظ، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أرسلها إليه ~~مع كاتب السر، فلما خوطب السلطان بذلك أعظم ذلك وذكر أنه لم ~~يعلم به، وعتب على الأمراء في كونهم لم يبلغوه ولاسيما رأس نوبة النوب PageV02P211 ~~ثم طلب مقدم المماليك وأغوات الطباق وعنفهم، فضربوا كثيرا ممن ~~تحققوا منه الفساد، أو منعوا الأجلاب من النزول في ms331 الأسواق، فزال ~~بذلك فسادهم، وفساد من كان يفسد على اسمهم، والله المسؤول في ~~إصلاح الأحوال. # ثم إن السلطان بحث عن رؤوس الفساد وأمر بالقبض عليهم، ~~فقبض على ناس منهم، فضربهم ضربا متلفا، بحيث زاد عن ألفي ~~ضربة لبعضهم، ونفاهم، فهرب الباقون، واشتد تخفيهم فنقب عنهم، ~~وكان يؤتى بهم إليه شيئا فشيئا، فلا يؤتى بأحد منهم إلا نكل به وجعله ~~عظة، وكان يضرب الإنسان منهم على لحمه، ويذكر له بعد مائة ضربة ~~خصلة من خصاله التي كان يفعلها بالناس، من خطف امرأة من حمام، ~~أو صبي من سوق، أو قماش، أو غير ذلك من أنواع الظلم، ويظهر ~~الغضب من ذلك، ويأمر الضرابين بإفراغ القوى في الضرب، ونفاهم إلى ~~كل جهة حتى أنه نفى بعضهم إلى الحبشة، فاشتد روع الأتراك من ~~ذلك جدان وقالوا ما سمع قط بنفي تركي إلى الحبشة ثم اختلف في ~~المنفيين إلى الحبشة، فقيل: نفوا إليها حقيقة. # وقيل إنما ذكر ذلك؛ ليخفي أمرهم، وأغرقوا في البحر، ~~فعظم الجزع من المفسدين، وأمر باستخلاص ما نهبوه وتعليقه في باب ~~زويلة، ليعرفه أصحابه، فاستخلصوا بعضه وعلقوه، وذل الجند، PageV02P212 ~~وصاروا في غاية الرقة مع أحقر الناس، واجترأت عليهم الرعية، فذكر أن ~~بعضهم أراد بعدما شاع من فعل السلطان، خطف شيء من بعض ~~الفلاحين، فعاركه الفلاح إلى أن خلص دبوسه، وضربه فرماه عن ~~الفرس، وركب فرس ذلك الجندي، وساقه فخرج به من المدينة، وتوجه ~~به إلى حال سبيله، وأتى رفاق ذلك الجندي إليه فوجدوه صريعا فحمله ~~بعضهم وراءه وهو على حال التلف، واشتد دعاء الناس للسلطان، ~~وتحققوا أن ذلك الكلام الذي كان يشاع عنه، من الترخيص في الفساد ~~كذب، وأن سكوته عن المفسدين، إنما كان لعدم تمكنه، والله المسؤول ~~أن يصلحه وأن يصلح به، ويعم بصلاحه جميع الرعية آمين. # وفي هذا الحد، ألحوا على السلطان في الشفاعة في تمربغا، مملوك ~~الظاهر، المسجون في قلعة الصبيبة، أن يطلق إلى القدس كإخوته، ~~فرسم أن [يطلق]. # وفيه انحلت في طرابلس إمرية، فرسم السلطان بها لتمراز الأشرفي ms332 ~~الذي كان دويدارا، فلما ورد عليه الأمر بذلك، لم يجب إليه، بل قال: ~~أنا لا أبغي بالقدس بدلا، فرد إخوانه من الأشرفية الخبر، بأنه يسأل في ~~الإعفاء من السفر حتى ينقضي الشتاء، ثم إنه سافر إليها بعد ذلك. PageV02P213 ~~كان قد قدم إلى هذه البلاد، وهي بلاد مصر في آخر دولة الظاهر ~~جقمق، مغربي، شيخ طويل، مكشوف الرأس، يسمى عيسى، يقال ~~أنه من نواحي تلمسان أو الجزائر وكان في بلاده حائكا ثم ~~ترك الحياكة، وعاشر المغنين وعرف من فنونهم كثيرا، وانطبع في ~~مجونهم، وزاد تهتكه، حتى ضربت به الأمثال في تلك البلاد، وعاشر ~~المشبعذين الذين يخلون على عقول الناس، بأمور لا حقائق لها، ~~وتعلم بعض التنجيم والسحر الذي يتعاناه عجائز النساء، وضرب ~~في كل فن يرضاه إبليس بما يعجبه، وعاشر آخرا بعض زنادقة ~~الوفية، في نواحي بجاية، فلما تمم ما يريده منه إبليس خرج في تلك PageV02P214 ~~الفتن، فسن في تلمسان؛ على ما حكاه لي هو بأنه كان يتزيا بزي ~~النساء، ويفعل أمورا غريبة؛ حتى كان إذا مشى يتبعه كثير من الناس، ~~ثم أطلق، ثم قدم إلى تونس، فسجن أيضا؛ وذلك أنه [تزيا] ~~أيضا بزي النساء، فتبعه بعض العوام، فعثر عليه يوما القاضي ابن ~~عقاب، فأزال ذلك الذي عنه، ومنعه منه، وتهدده إن أعاده، فكان ~~يذكر لبعض من اغتر به أنه لا بد أن يفعل في القاضي المذكور والسلطان ~~فاقرة، فاتفق أن قصد السلطان بعض البلاد الذين يعرفون السحر ~~فآذاهم، فلما رجع إلى تونس صار بيته يرجم، فظن أنه بعض الآدميين ~~المسلطين من أعداء السلطان، فقتل من ظن فيه ذلك، ثم زاد الأمر إلى ~~أن تحقق أنه ليس يفعل من يرى، فقال عيسى: إنه هو فاعل ذلك، فزاد ~~اغترار من تبعه به، فسمع السلطان بأنه يدعي ذلك فسجنه، ثم شفع ~~فيه فأطلق، ثم عرف أنه من أولئك السحرة. # ثم لما قدم القاهرة، انضم إليه ابن إينال بن استاد الملك الظاهر ~~فقدمه واشتهر عند بعض الناس، ثم توجه إلى مكة المشرفة، ليحج على ms333 ~~ما زعم، فجاور بها، وهناك الأمير جانم أخو الأشرف، وجكم خال ~~العزيز، فاجتمع بهم وكلمهم في الفرج عنهم بما صادف إما اتفاقا، ~~وإما لأنه يعرف (كما حدثني به الشيخ العلامة محقق الزمان أبو الفضل ~~البجائي) شيئا يعمله بعض عجائز أهل الغرب يسمى التسميعة، وهي ~~أن يلبس الإنسان ثيابا دنسة ذات رائحة كريهة في بيت ذي رائحة كريهة، ~~ويمكث جنبا بغير صلاة ولا ذكر لله، ويذكر عزائم محفوظة عندهم بغير PageV02P215 ~~اللسان العربي، وستمر على ذلك أياما، فيرى ذلك الذي يريد على ~~الهيئة التي يصير إليها من خير أو شر، فلما وافق ما قاله الواقع ارتبطوا ~~عليه، ولما مات الظاهر، وسجن ابنه المنصور عثمان، وولي الأشرف ~~إينال، استقدم أكابر الأشرفية المفرقين في البلاد، فعظموا هذا الرجل ~~تعظيما زائدان حتى رأيته يدخل على نساء بعضهم في غيبته، فانتشر ~~تعظيمه عند غيرهم، فعظمه الأمير بردبك الدويدار، وشرع كلما امتد ~~الزمان زاد في تعظيمه، ويقال أنه كان يتقرب إليه بنقل أخبار من يعاشره ~~من الرؤساء، ويخبره بدقائق أمورهم، وكذا كان يفعل مع كل واحد ~~منهم، ثم عظمه ناظر الخاص، ثم وصل أمره إلى السلطان وابنه، ولم ~~يبق رئيس إلا وله عنده منزلة، وسافر مع الأمير بردبك إلى القدس لما ~~توجه إليهان ثم إلى دمشق وحلب، واشتد ارتباطه عليه واغتباطه به وكان ~~الأمير يحب المزح، وكان المذكور كما تقدم مقدما فيه، بل هو ~~أعظم صنائعه، فكان يقول للأمير: أنت بهلول. فكان الأمير ~~يضحك من ذلك، فلما علم أن ذلك لا يغيظه سماه البهلول، بحيث أنه ~~كان لا يسميه إلا البهلول، عند الكبير والصغير، حتى عند السلطان. # واعتكف سنة في شهر رمضان في بيت ناظر الخاص في مكان بني له ~~هناك وأمرهم يطينوه عليه الشهر كله، فلما مضى عليه نحو نصف ~~الشهر، فتح عليه القاضي؛ خيفة من أن يكون مات، فإذا هو على ~~هيئته، فازداد إعجاب الناس بذلك، ثم وقع بينه، وبين بعض من كان PageV02P216 ~~يخدمه من المغاربة، فذكر عنه كثيرا من فضائحه، وذكر أنه يتناول ~~للصبر ms334 عن الأكل شحوما وأكبادا يعملها على هيئة أظنها مذكورة في ~~كتاب كشف الأسرار، وهتك الأستار للجوبري، غير أن ذلك لم ~~يصل إلى الأكابر فاستمر محفوظ الجانب عندهم، بحيث أنه كان يجلس ~~في مراتبهم، ويتكئ على مخادهم ومدوراتهم، ويكون هو الرأس، ~~وصاحب البيت دونه حتى عمل به ذلك مجلس البخاري، الذي ~~قرئ عند الأمير بردبك بحضرة الفضلاء. # ولما صارت له هذه المنزلة ورأى نفسه صدر المجالس، وما له عند ~~الخاص والعام من المنزلة، شرع يطلق لسانه بما يهواه إبليس من الدواهي، ~~فشاع أنه يقول: العلماء قساة القلوب، والشريعة تقسي القلب، والقرآن ~~يقسي القلب، وحضرتي حضرة الرب. فإن أنكر عليه منكر قال: إن ~~الشريعة تأمر بالقصاص والحدود، ولا يكون ذلك إلا مع شدة القلب ~~وغلظته، وأما صاحب الحقيقة فلا يأمر إلا بالعفو والصفع واللين، ~~فحضرته تلين القلب، ويقول: أنا أحيي وأميت. فإن أنكر عليه، قال: ~~أحيي الليل بالقيام، وأميت النهار بالصيام، ويقول أنا قتلت فلانا، ~~وأحييت فلانا لناس يسميهم، منهم الشيخ أبو القاسم النويري، ~~قال إنه قتله لكونه كان ينكر عليه، ولما مات الشهاب المحلي قاضي PageV02P217 ~~اسكندرية، قال: إنه هو الذي قتله، لقضية وقعت له مع ولده، ~~وكان يتحامى في الكلام بحضرتي في نحو ذلك، فلما طال الزمان وألف ~~من الناس السكوت اشتدت جرأته، فأول ما سمعته منه من ذلك أن ~~قال: ونحن سائرون إلى طندتا في أواخر شهر ربيع الآخر من سنة ~~ستين هذه، وقد قص قصة الخضر مع موسى عليه الصلاة، فقال: ~~موسى ما له مقام الصبر، فظننت إنكاري عليه ربما لا يفيد إلا بعد تمهيد ~~الأمر مع الأمير، فلما ذهبت كلمت الأمير في ذلك، فقال: والله ~~لقد ساءني ذلك، ثم توجهنا إلى مدينة المنصورة، فذكر تنزيه الله عز ~~اسمه وتعالى جده فقال: الله لا ينزه. فقال له الشيخ تقي الدين ~~القرقشندي: {قل هو الله أحد} إلى آخرها، ثم قال: هذا تنزيه الله ~~لنفسه بنفسه فما تقول فيه؟ فسكت عيسى، وكان قل أن يدع أحدا من ~~شره. يقول للواحد: أنت ms335 كبش، وللآخر: أنت تيس، وللآخر: ~~أنت دجاجة، ونحو ذلك، ويفسر ذلك بما يريد، ويقول لواحد: ~~أنت جوزة، لآخر: أنت ريحانة، ولآخر: أنت مثلث، ولآخر: أنت ~~مربع، ويفسر كل ذلك بما الموت عند ذي المروءة أحب إليه منه، ~~فاستذل الناس، وملأ قلوبهم شحناء غير أنه ليس في أهل مصر من يعد ~~للهيج، ولا يذكر عند المبارزة. # فلما كان يوم الاثنين سابع عشري ذي القعدة من هذا العام، ذم PageV02P218 ~~بحضرتي في بيت الأمير بردبك الإمام شهاب الدين بن عرب شاه ~~الدمشقي، وكتابه البديع الذي صنفه في سيرة تمرلنك، وغض من ~~شخص كان مدحه، وذم المدح مطلقا ثم قال: إن الناس عنده مثل ~~القش والذباب. فعلمت أنه قرر له بذلك شريعة هي أنه يذم ولا ~~يمدح، ثم ذكر أن له سبعة عشر شيخا، وأن أحدهم هجر الناس، ~~فليم في ذلك، فقال: لم أر لأحد منهم دينا؛ لأنه لم يهد إلي أحد مهم ~~يوما عيبا من عيوبي، وتكلم بعد ذلك كلاما، فلما سكت، قلت له: أنا ~~أهدي إليك عيبا من عيوبك، وهو أنك تطلق لسانك في ذم الناس ~~الأحياء والأموات، الحاضرين والغائبين، وهو أمر حرمه الله ورسوله، ~~فارجع عنه، فاحمر وجهه وآذانه وتنكرت حالته؛ لأنه ما [ظن] أن أحدا PageV02P219 ~~يواجهه بشيء من ذلك، فقلت للحاضرين: انظروا هيئة الشيخ الذي ~~يحب من يهدي إليه عيوبه، فقال: أنا نقلت ذلك عن شيخي، فقلت: ~~فأنت تأدبت بآداب شيخك أم لا؟! فبهت شيئا، ثم قال: نعم، فقلت: ~~فالكلام معك كالكلام معه. فقال: أنت! ما أنت في ~~مقام من يرشدني! فقلت: أنت قلت عن شيخك: أنه قال: أحد، فلو ~~أنه قيده بقيد يخرجني ما قلت لك شيئا، ولكنه أطلق فشمل العال ~~والدنيء، فافرض اني أقل الناس، فأنا أحد، وقد أهديت إليك هذا ~~العيب. فقال: أنت! ما أنت قاضي حتى تذكر لي ذلك! فقلت: ~~فمدار أمرك حينئذ على الجاه. ولما وصل إلى هذا الحد من الانقطاع ~~والمكابرة، قلت: ما الذي يحملك على أن تنزل نفسك هذه المنزلة التي ما ~~أنت ms336 من أربابها؟ ولم لا تعمل صنعتك في بلادك (المسخرة وتان رتل ~~تان)؟ ذلك أسلم لك عاقبة، أنت لا تعرف تغسل ثقبك فبأي لسان ~~تتكلم في العلماء؟! أنت تظن أن رأسك على جسدك لا، حرك رأسك ~~تعرف أنه قد فارقك من مدد متطاولة. أشهد عليك أنا والأمير، وتقي ~~الدين القرقشندي أنك وقعت في موسى عليه السلام، وأنك قلت أن الله ~~لا ينزه، ثم غنه شاع عنك أنك تقول كذا، وتقول كذا، من أنت حتى ~~تقول ذلك؟! أنت تريد بذلك محو الشريعة، أنت أقل من ذلك ~~وأحقر، الشريعة تمحوك ولا تمحوها. فقال: من قال أني قلت ذلك؟ # فقلت: عليك شهود يفوتون الحصر، أنت ترى الناس ساكتين، فتظن # أنهم يرضون كلامك. # حدثني الشريف علي الكردي الذي كان رسول السلطان إلى سلطان ~~تونس بالهدية، أنه لما وصل إلى تونس أنه مل سمعه من كثرة ما يقول له ~~المغاربة: عيسى الغندور، صار عندكم شيئا ولا يعرفونك في المغرب ~~بغير الغندور. فقال: يا جماعة الحمد لله ما قالوا أنني يهودي، اشهدوا ~~أني غندور، وأبي غندور، وجدي غندور. فقلت: وتظن أني لا أعرف PageV02P220 ~~معنى الغندور عند المغاربة، الغندور النحس الذي ليس له شغل، إلا ~~النحس. فقال: اشهدوا أني نحس. فقلت: إذا رضيت لنفسك أن ~~توصف بالنحس، فما الذي تركت لعرضك؟ ثم أحس الجماعة أن الأمير ~~جاي، فقاموا لينصرفوا، فشرع يسألهم أن لا يذكروا هذا الأمر، وقال: لا ~~تظنوا أنه تغير ما بيني وبينه، هذا صاحبي وحبيبي، ثم شرع يتألفني ~~فأظهرت له قبول ذلك، ثم جاء الأمير، فشرع يذكر لي عن السلطان ما ~~يقتضي تعظيمي وأطال في ذلك، فقام عيسى فذهب، فعلمت أن الله ~~تعالى قد أذن في الانتقام منه، فقلت للأمير: قد حدث اليوم أمر لا بد ~~من اطلاعك عليه، وهو أن عيسى وقع منه كيت وكيت إلى أن قلت: إني ~~ذكرت له عيبه، ثم قلت: فتكلم بكلام يصلح، وأنت تعرف حالي إذا ~~كلمني أحد بما لا يصلح، وأجملت عليه الباقي، فسكت، ثم بلغني أنه ~~سأل عن ms337 القصة، فساءه ذلك ومدحني في غيبتي كثيرا وذم عيسى، ~~وقال: إن ادعى عليه لا أنصره وما باله وبال الفقهاء، أنا أخاف والله ~~من الفقهاء، فلما بلغ ذلك عيسى فت في عضده وخلع من قلبه، ثم ~~تناقل الناس الحكاية، وتمادحوني، ووضعه الله بين الناس، حتى ~~كأنه نادى منادي من السماء أن ضعوا عيسى، فإن الله قد وضعه، ~~وضربه بذل في نفسه حتى كان يشاهده من لم يسمع الحكاية فيسأل فيخبر، ~~وكان أعظم الناس رجوعا عنه، وتصغيرا له ناظر الخاص، أعرض عنه ~~حتى كأنه لا يعرفه، وكان شخص ممن اختص به من أصحابي، وافتتن ~~به لغرض دنيوي، وهو شرف الدين يحيى بن الشيخ محب الدين PageV02P221 ~~البكري، قد أخبرني قبل وقوع هذه القضية بنحو ثلاثة أيام، أنه رأى في ~~نحو عاشر ذي القعدة هذا، أنه دخل إلي في مسجدي فإذا أنا أخنق ~~إنسانا، وقد أشرف على التلف، فلما وصل إلي أمرته أن يخنقه معي، ~~قال: فقلت لك: حتى أعرف ما أمره.قال: فأغلظت لي فما وسعني ~~إلا موافقتك، فشرعت أخنقه، قال: ثم أنك أنت شرعت تقطع أعضاءه ~~بموسى، فقطعتها حتى لم يبق له إلا رجل واحدة. قال: ثم أنك حملته ~~بين يديك وقد ماتن أو قال: صار في حكم الأموات، وأردت أن تخرجه ~~من باب سر المسجد. قال: فشق علي؛ خيفة أن يراه الناس إذا أخرجته ~~فينكروا. قال: ثم جاء شخص من باب المسجد الكبير ليدخل فخفت ~~اطلاعه على ذلك، فبادرت إليه وشغلته بالكلام حتى رددته، ثم غبت ~~عنك وجئتك في اليوم الثاني فوجدتك جالسا في المسجد تدرس ناسا من ~~الطلبة في بعض العلوم، وما عندك باعث من ذلك. قال: فقلت لك: ~~ما الذي اتفق في تلك القضية. قال: فقلت لي: راح الذي راح، فكان ~~تأويل ذلك قصة هذا المنافق، وأن رجله شرف الدين موسى الأنصاري لم ~~يبق له منزلة عند أحد سواه، ولا يبعد أن يكون هو موساه الذي قطع به، ~~فإنه لولا هو كان سافر من مصر، واستراح وأراح. # فسعي في الإصلاح ms338 بيني وبينه، فسألني الأمير في ذلك، فقلت: # ليس بيني وبينه دنبا تنازعنا عليها، وما خلافي له إلا على الدين، ~~وصلحي معه أن يعظم العلم والعلماء، ويتقيد بالشرع، فلا يقول كلمة ~~تخالفهن ولا يجبه أحدا ما يسوءه، إني لأغار عليك أن يكون في مجلسك ~~من يؤذي الناس فيفسد عليك كل ما تصنعه في استجلاب خواطرهم، ~~والتقرب إليهم، ثم سقت له بالسند عمن يعرفه، أنه قال في مجلس ~~بعض الأكابر: أن الأمير اشترى مني ناظر الخاص، يعني في تلك ~~المرضة بألف دينار فعافيته، فإن وفى لي بالثمن فذاك وإلا فسيرى ما ~~أصنع فيه، فلما سمع الناس ذلك، قالوا: إن صح هذا أوجب قدحا في PageV02P222 ~~عقل الأمير أو دينه، ثم أحضره إلي ليصالحني، فقلت: ذكرت له ~~الشرط؟ فقال: نعم، فقلت: لا يكون مني إذا إليه إلا الخير، ثم لم أثق ~~بقبوله ذلك الشرط، فحركته ببعض الكلام، فتكلم بما لا يليق، فقلت: ~~اسمع هذا الافتتاح، فقال له: ما هذا يا شيخ عيسى؟ ما لك بالفقهاء، ~~الفقهاء سباع احذرهم، هؤلاء لهم طريق، ولكم طريق، (يشير إلى ~~طريق التصوف التي ادعاها عندهم)، فقلت: لا يا أمير الطريقان ~~واحدة ما ثم إلا طريق واحدة. فقال الأمير: واحدة؟! فقلت: وتلك ~~الطريق الواحدة لا يخرج عنها أحد، ومن خرج عنها وقع الكلام معه ~~كائنا من كان، فقال: نعم. # ثم لم يزل الله وله الحمد يظهر لي التأييد، وله الخذلان، من ذلك أنه ~~كان يربط ضعفاء العقول، بأنه يقدر على أذى من يريد بالحال، ولا ~~سيما مع ثبوت رجم بيت سلطان تونس عندما سجنه، فقلت لبعضهم: ~~ها أنا فعلت معه ما لم يظن أن أحدا كان يفعله معه، فليجتهد في ما يقدر ~~عليه من أذاي، قولوا له ذلك عني، فقالوه له، فقبض يده وقال: أما ~~تنظرونه؟قالوا: لا. قال: هاهو في قبضتي، وسترون ما أفعل. فلما ~~مضت مدة أخبرني العلامة محقق الزمان، الشيخ أبو الفضل أنه قال ~~لبعضهم : قل له: أنت كنت تقول: من شممتم منه رائحة ~~الانتقاد علي فأخبروني عنه، ms339 وانظروا ماذا يحل به، وهذا واجهك بما قد ~~واجهك به، وقد مضت مدة يمكن فيها أخذ بعض القلاع، ولم نره ~~أصيب. فقال له ذلك، فقال: لم أعزم فيه على شيء لأني لم أسكت له ~~وقت كلامه لي، فيكفيه ما خاطبته به، فأقر على نفسه بالعجز، ولم ~~يظهروا الانحلال عنه، مع علمهم بمخالفتهم لكافة الناس، فسبحان ~~الهادي المضل. PageV02P223 ~~ولم يزل يرميه الله بعد ذلك بالقوارع، ويتحاكى الناس عنه ما يرونه من ~~مخالفته للشرع مع حضوره الحانات، واجتماعه ببنات الخطاء ونحو ذلك. # ومن جملة التأييدات أن رؤيت لي منامات صالحة، منها أن الله تعالى ~~قال لي: أنا أحبك، ومنها أنى جزت أجري على الصراط، مثل الطائر ~~من الحمام، رؤي هذا المنام مرات، ومنها من بعض أخبار عيسى أني ~~لابس درعا تحت ثيابي، ومنها أن معي ثلاثة سيوف، اثنان صلتا في ~~كل يد واحد والثالث في قرابه، وأنا متقلده، ومنها أني استسلمت ~~بعض النصارى وغير ذلك، نسأل الله الزيادة من فضله. # وكان الأمير بردبك الدويدار قد عقد لابنه محمد على بنت دولات باي ~~المؤيدي، فأخذ في أهبة دخوله هذا الشهر، وابتداء من ليلة الجمعة ~~حادي عشريه يعمل في بيته الأسمطة والملاعيب، ويجمع الناس فيه، ~~[يوما] للقراء والفقهاء، ويوما للأمراء، وليلة للمسمعين من ~~المنشدين، وذوي الآلات، وليلة لأرباب الخيال، وليلة لأهل النفط، PageV02P224 ~~وليلة للفقراء الرفاعية، وليلة للسطوحية، وليلة للأدهمية، ~~وعمل في ذلك من النفوط والملاعيب ما لم يعهد مثله في هذه الأزمنة. # ومن جملة ما كان في ذلك من الغرائب ركوب مماليكه النعام، ولعبهم ~~على ظهورها بالرماح، وأنه سال السلطان أن.. # فحصل له بذلك من الشهامة والضخامة أمر عظيم على أن ما كان ~~يعمل في بيته زيادة على ما كان يعمل بالقلعة، فإن جده السلطان التزم PageV02P225 ~~أن يعمل العرس هو. وكان دخوله عليها وبناؤه بها ليلة الجمعة ثامن ~~عشريه. ### || # وفي أثناء ذي الحجة، وصل رسل جهنشاه بن قرايوسف، ~~فاجتمعوا بالسلطان، ومعهم كتاب من صاحبهم، يخبر فيه أنه استولى ~~على أكثر بلاد أولاد تمرلنك، ويطلب ms340 من السلطان أن يرسل له الأمير ~~حسن بك الذكري، نائب الصلت وعجلون وحسبان ونواحيها، ~~لأنه من بلاده، وهو من بيت كبير هناك، ولم يجب السلطان إلى ذلك، ~~وكان قدوم هؤلاء الرسل من البرية إلى دمشق، لم يدخلوا مدينة من هذه ~~المملكة قبلها. # وفي أوائل ذي الحجة هذا عمل القاضي ناظر الخاص رئاسة حسنة، ~~وذلك أنه كما تقدم لما طال مرضه، كثر أصحاب الأشغال المتعلقة به، ~~ثم لما ركب كان يخاف على نفسه النكسة، فكان لا يركب في الجمعة إلا ~~مرتين أو ثلاثة، فزادت كثرتهم وطالت إقامتهم، فرأى من جبرهم أن PageV02P226 ~~يفرق عليهم ضحايا، فكانت رسله تختلف إلى الخانات، يسألون ~~عنهم، ويعطون كلا ما يليق به، الذي معه جماعة يعطونه شاة، أو بقرة ~~على حسب قدره، والذي هو بمفرده يعطونه ثمن شاة؛ فحصل بهذا من ~~الدعاء والثناء أمر عظيم، نسأل الله توفيقه وحسن عاقبته. # وفي أيام عيد الأضحى هذا وصل الشيخ عبد الرحمن بن داود الحلبي ~~الحنفي، الذي كان جرى بينه وبين نائب حلب جانم تلك الكوائن، ~~وأرسل يطلب الإذن له في الحضور إلى القاهرة، ليستريح من شر إن فعله ~~أهل حلب، نسب إليه، فأذن له فلما قدم أنزلته عندي، فأتاه الأمر ~~بردبك دويدار السلطان الثاني وصهره فسلم عليه، وأحسن تلقيه، ثم ~~أخبر به السلطان، وأخذه فسلم عليه، فأحسن تلقيه ورتب له في الجوالي ~~بحلب في كل يوم عشرة دراهم، ووصله الأمير بردبك بنحو خمسين ألف ~~درهم مصرية تقارب مائة وخمسين دينارا. # وفي يوم الاثنين ثالث عشري ذي الحجة هذا، نزل السلطان الملك ~~الأشرف إينال إلى المطعم من ناحية الترب، ثم رجع من باب PageV02P227 ~~النصر، ودخل إلى عمارته التي عند جامع الأقمر، ثم رجع إلى القلعة ~~من بين القصرين، ومدح الناس موكبه، وقالوا: أنه لم يتقدم له موكب ~~مثله. # وفي هذا اليوم وصل بشير الحاج، وأخبر عنهم بالرخاء وحسن ~~الحال. ### | ### || # وفي يوم الأحد سابع محرم سنة إحدى وستين، برزت المناداة عن ~~السلطان، أن الدينار الأشرفي باثني عشر درهما فضة وزنا، يكون ms341 عن ~~ذلك ثلاثمائة درهم فلوسا، وأن الدراهم على حالها، الدرهم ~~بأربعة وعشرين درهما فلوسا، وذلك أن الناس كانوا ضجوا من كثرة ~~الزيف في الدراهم؛ لكثرة النحاس فيها، فضرب السلطان دراهم ~~أحسن عيارها، وعزم أن يرخص التي شكا الناس منها، فشق ذلك على ~~من معه دراهم؛ لما يلزم من ذلك من خسارته فيما معه، فتوقف الناس في ~~قبض الدراهم، فوقف حالهم؛ فشكا سكان القيسارية التي بنيت له من ~~ذلك. PageV02P228 ~~وفي يوم الاثنين ثامنه، عزل السلطان خير بك الوالي، من ~~شرطة القاهرة وولى ذلك لعلي بن الفيسي الذي كان نقيب الجيش، وأعاد ~~ناصر الدين ابن أبي الفرج إلى نقابة الجيش جعل الله عاقبة ذلك خيرا ~~وفي يوم عاشوراء وهو يوم الأربعاء، مات الإمام العلامة تقي الدين ~~بن قندس البعلبكي الحنبلي نزيل صالحية دمشق عن نحو خمسين سنة، ~~وكان إماما عالما مفننا زاهدا متقللا من الدنيا، يرتزق من صنعة الحياكة ~~وكان فصيحا متألفا لجماعة الحنابلة وكانوا أحب شيء فيه وأغبطه به، ~~وكان قد ورد إلى القاهرة في حدود سنة خمس وأربعين، فاغتبط به قاضي ~~الحنابلة البدر بن البغدادي، ثم أغرى به من أهانه في مجلسه كعادته في ~~فضلاء أهل مذهبه، وكان موته بصالحية دمشق ولم يترك في المملكة ~~المصرية حنبليا مثله في مجموع ما كان فيه. # وفي يوم السبت ثالث عشره، أضاف السلطان رسل جهنشاه ومد لهم ~~في القلعة المصرية مدة عظيمة. # وفي هذا اليوم أول ليلته مات الأمير شرباش خاشوق، الذي كان PageV02P229 ~~الظاهر جقمق متزوجا بنته، وكان هذا أمير سلاحه، ودفن في هذا اليوم، ~~وصلي عليه في باب النصر، وحضر جنازته ابن السلطان والأمراء ~~والمباشرون والكبراء. # وفي يوم الاثنين خامس عشر محرم المذكور وصل رأس الأمير، ~~الذي كان ابن قرمان أمره على طرطوس، قتله ابن رمضان التركماني، ~~وطيف به في القاهرة. # وفي يوم الأحد حادي [عشري] محرم المذكور، وصل الركب الأول ~~من الحجاج إلى البركة، وأميرهم عبد العزيز بن محمد الصغير. # وفي يوم الاثنين ثاني عشريه، وصل المحمل، ثم دخل إلى القاهرة ms342 يوم ~~الثلاثاء ثالث عشريه، وشاع أن الحجاج كانوا في رخاء، وأنهم رجعوا ~~في مطر عظيم. # وفي يوم السبت سابع عشريه، أراد بعض الأجلاب أذى المباشرين ~~على ما لهم من النفقة، فردوا من دون القلعة، ومنع الأجلاب من الخروج ~~إليهم، وسألوا التأخر بنفقتهم إلى أواخر الشهر الثاني، فأنفق السلطان ~~على من لم تصل إليه نفقته من عنده. # وفي يوم السبت هذا ضرب قاضي القضاة، شيخ الإسلام السعد ~~الديري الحنفي أحمد المغربل المشهور بالمدني ضربا شديدا، وطوفه في ~~القاهرة ينادي عليه؛ هذا جزاء من يريد أن يدخل في النسب PageV02P230 ~~الشريف النبوي بغير حق؛ وسبب ذلك، أن المذكور أراد أن يثبت أنه ~~شريف، وكذا غيره من الفجرة بواسطته، وذلك أنه اتفق مع بعض ~~شهود الزور، وادعى أنه من قرية الجعفرية، وأن أهلها من أولاد ~~جعفر الصادق، فما كفاه كذبه لنفسه، حتى أراد أن يثبت الشرف ~~لجميع أهل القرية، ولم نزل نسمع أن المذكور من أولاد نصارى بعض ~~قرى دمياط، وأنه كان يحترف بالغربلة في بولاق. # وفي يوم الثلاثاء سلخ محرم هذا، هرب الوزير علي بن الأهناسي، ~~وأبوه، فأصبح الأجلاب يوم الأربعاء مستهل صفر بغير لحم، فلما كان ~~يوم الخميس ثانيه صبر الأجلاب حتى طلع المباشرون من الترك ~~وغيرهم إلى الخدمة، فمنعوهم من النزول، ومنعوا أحدا بعدهم أن يطلع ~~إلى القلعة حتى يعلموا مصلحتهم، ورجموا من خالفهم بالحجارة، ~~واستمروا كذلك إلى الليل، وخرج السلطان في أثناء النهار مع بعض ~~الأمراء يشيعه؛ لئلا يعترض له الأجلاب، فوصل إلى باب القلعة، وهرب PageV02P231 ~~من كان في تلك الناحية من الأجلاب، فلما رجع السلطان، ظفر بناس ~~منهم فقبض عليهم، وتكلم بما يقتضي الأمر بقتلهم، فرجمه أهل الطبقة ~~التي على باب الجامع الغربي، ومن كان منهم فوق سطح الجامع، وكر ~~بعض من كان أسفل فخلصوا رفاقهم وأصيب بعض من كان مع ~~السلطان، ووضع بعضهم الترس على رأسه هو، فلم يخلص إلا بالجهد، ~~ومر المحتسب على الأجلاب، فضربوه ضربا كثيرا، ومزقوا عمامته فلم ~~يبقوا منها مصحا، وضربوا محمد بن بنت ms343 السلطان من مردبك. # وسئلوا عن مرادهم، فقالوا: نريد أن يكون بردبك استدارا، وناظر الخاص # وزيرا، فإنهما قد احتاطا على الدنيا، فعلم أن ذلك بتعليم بعض حسدتهما. # ولما طلع الأمراء إلى صلاة الجمعة، ورجعوا من الصلاة لينزلوا من ~~باب السر منعهم الأجلاب، فكلمهم خش قدم أمير سلاح، فأجاد في ~~كلامهم، عنفهم وخوفهم عواقب ما هم فيه، ثم سألوهم عن مرادهم، ~~فذكروا أمورا في الجامكية الشهرية، والضحية والكسوة، فلم يجبهم ~~السلطان إلا في الضحية، فكان لكل منهم رأسان فزاده رأسا، والكسوة ~~كان لكل ألفان في كل سنة، فزاد لكل ألفا، فرضوا وانصرف الأمراء، ~~وسكتوا عن أمر ناظر الخاص، وبردبك، فإنهم خافوا من الرجم كثيرا، ~~ولم يعهد مثل ما فعلوه قط، نسأل الله صلاح الحال. ### || # وفي يوم الأحد خامس الشهر، عملت مصلحة الوزير بغنم أعطيه، ~~قيل أنها ألفا رأس، فحضر وألبس خلعة، ونزل إلى بيته، واستمر ناظر ~~الخاص منقطعا في بيته إلى يوم الاثنين، فطلع إلى الخدمة واستمر بردبك ~~في بيته، لا يجتمع بأحد من الترك ولا غيرهم إلى يوم الجمعة [سابع] PageV02P232 ~~عشر الشهر، [فبلغه] أن ابن السلطان يريد أن ينزل إليه، فخشي ~~أن يقال أنه إنما انقطع من باب الدلال، لينزل إليه ابن أستاذه، فطلع ~~إلى السلطان بعد المغرب ماشيا، فاجتمع به، وقام في طبقته، ولما ~~أصبح أتى إلى ولده ومشى في خدمته إلى عند السلطان، فألبسه خلعة ~~كان أمر ناظر الخاص أن يعملها للسلطان، فقال الناس إنهم لم يروا ~~مثلها ونزل مكرما. # وفي يوم الاثنين هذا وهو سادس صفر المذكور مات الشيخ محمد ~~الكويس (مصغرا مثقلا) بالخانكة عن نحو سبعين سنة، وكان ~~هذا الرجل على طريقة الذين يسميهم أهل مصر مجاذيب، يخبط في ~~كلامه وأفعاله في أكثر أوقاته، وهو يحفظ القرآن، فيقرأ في جامع الأشرف ~~الذي بالخانكة على طريق أهل مصر مع القراء المربين هناك، ويصلي فيه ~~إماما بغير وضوء، ويصلي وراءه الناس، من يعلم حاله، ومن لا ~~يعلمه، حتى أهل العلم، والكل مطبقون على أنه ولي يقصده الأكابر ~~منهم من ms344 القاهرة للزيارة، وليس له دليل في حسن الظن به إلا أمور يخبر ~~بها في قليل من الأوقات، قيل كونها، فتصادف ما يمكن حمل كلامه ~~عليه. # ومات في هذا اليوم القاضي جمال الدين عبد الله بن الرومي، أحد PageV02P233 ~~نواب الحنفية بالقاهرة، وكان فاضلا غير أنه كان منسوبا إلى التساهل في ~~القضاء، عفى الله عنه. ### ||| موت أبي السعادات ابن ظهيرة: # وبلغنا أن الشيخ الإمام العلامة أبا السعادات محمد بن أبي ~~البركات محمد بن ظهيرة المخزومي الشافعي، قاضي مكة، وعالم الحجاز ~~في زمانه، مات بها، في يوم الخميس تاسع صفر هذا، وكان فقيها نحويا ~~أصوليا محدثا، ضرب في غالب الفنون بنصيب وافر، غير أنه كان إذا ~~بحث معه فألجئ إلى شيء، تخلص [بمجازفة] في النقل، وولى ~~قضاء مكة قديما، وكان سيئ السيرة جدا، حتى نفي على ذلك، ~~وكان يتكلم فيه أيضا في غير أمر القضاء، إلا أنا لم نسمع عنه شيئا من ~~ذلك قبل موته بمدة، فلعله تاب رحمه الله وعفى عنه، وتكلم في ~~القضاء لابنه محب الدين عند بلوغ الخبر إلى مصر في آخر شهر ربيع ~~الأول من السنة. PageV02P234 ~~وفي يوم السبت حادي عشر صفر هذا وهو سنة 861، ألبس ~~السلطان مملوكه بردبك الدويدار كاملية عظيمة، كان أمر ناظر الخاص ~~أن يفصلها لنفسه حرصا منه على أن يتباهى فيها، ونزل إلى بيته على ~~عادته وفقه الله. # وفي هذا اليوم، وردت الأخبار من حلب، بأن ابن قرمان مشى على ~~هذه البلاد، فاستعاد طرسوس، وأخذ اياس والمصيصة، وكثير من ~~بلاد سيس، ونزل أذنه، وأن نائب حلب تجهز إلى أنطاكية، وأرسل ~~من يحفظ درب الملك، وهو مكان ضيق جدا لا مجال فيه للخيل، فاهتم ~~السلطان في عرض الجند واختيارهم، للإرسال إليه. # وفي ليلة هذا اليوم رأت جارتي حلوة جرادا كثيرا، أقبل إلى مكان ~~خضر، فأفسد قليلا، ثم انقضت عليه الحدأ فاختطفته، فأولته بأن ~~عسكر هذه البلاد يهزمون جنده، ويقتلون كثيرا منهم، والله أعلم. # وفي أواخر العشر الأوسط من صفر، أرسل السلطان إلى نائب ~~حلب، ألا يرجع ms345 إلى حلب، إلى أن ترد عليه المراسيم بما يفعل. # وفي أوائل هذا الشهر، وقع بين الشرف الأنصاري، وخوند بنت ~~ططر، زوجة الأشرف برسباي كائنة عظيمة؛ وذلك أنه كان مشتهرا معها PageV02P235 ~~بفساد، وكأنها كانت تميل إليه أكثر من ميله إليها، فمكنته من أرزاق ~~كانت بيدها، عقارات وغيرها كثيرة جدان ثم إنه شهر بمثل ذلك مع ~~بنت شرباش، زوجة الظاهر جقمق، وكأنه مال إليها، وصار يتصنع ~~لبنت ططر، فصبرت على ذلك إلى هذه الأيام، فقيل أنها سمعت أنه ~~يريد أن يتزوج بنت شرباس سرا، فطلعت إلى خوند، وقالت لها: ~~أرسلني الأنصاري أسألك أن تكلمي له السلطان في أن يزوجه بنت ~~شرباس، ويخدم السلطان بعشرين ألف دينار، ويخدمك بعشرة، وولدك ~~بخمسة، وصهرك بردبك بخمسة، فكلمه ابن السلطان في ذلك، فظهر ~~منه الميل إليه، فأعلم السلطان فتغير من ذلك، ووقع الأنصاري فيما لم ~~يكن له في حساب، وبذل في ذلك مالا كثيرا، وسأل أن يصالح بينه ~~وبين بنت ططر، فامر السلطان كاتب السر فدخل بينهم، وذهب إلى ~~بيتها ومعه الأنصاري، وبعض القضاة، فرد عليها ما كان أخذ منها ~~وأرضاها، فسكنت عنه النائرة قليلا، وصار السلطان يقول: أما في ~~الأشرفية والظاهرية من له غيرة، يضرب عنق هذا؟! ولسان العقل يقول ~~له: اعتد لمثلها في عيالك إن عاش بعد موتك، فإنه قد صار وقفا على ~~نساء الملوك قبحهم الله من نساء في صور الرجال. # وفي هذا الحد، ورد من الشيخ شمس الدين البلاطنسي كتاب عظيم ~~على الأمير بردبك، هذا نصه، بعد البسملة: «السيفي بردبك، العبد ~~محمد البلاطنسي الشافعي يبتهل إلى الله تعالى بأن ينعم على الأمير بسعادة ~~الآخرة ولا يجعل حظه الدنيا، فإنها زائلة، تزول لذاتها، وتبقى تبعاتها ~~يشاهد الخارج منها [أهوالا] لا يظن السلامة من شدتها، وكثرة PageV02P236 ~~الهالكين بها، فحينئذ يطلب كل أحد السلامة، بزيادة حسنة ترجح ~~ميزانه، فيتعلق إذا كان مظلوما بظالمه، حتى يطالب في الآخرة من رآه ~~على منكر فلم ينهه عنه: إنك رأيتني على منكر ولم تنهني. وذلك يوم ~~مشهود، يوم يقوم ms346 الناس لرب العالمين، يوم تشهد الألسنة، والأيدي، ~~والأرجل بالأعمال، فالسعيد من تنبه لهذا اليوم، واتخذ عند الرحمن عهدا، ~~وقدم لنفسه أعمالا صالحة، من صوم، وصلاة، وذكر، وحج، وعمرة، ~~ونصرة مظلوم، وإعانة ضعيف، ونهي عن منكر، وأمر بمعروف، إلى ~~غير ذلك من الأعمال الصالحة. # وقد اتصل بالمسامع الكريمة والشريفة ما البلاد فيه من غلاء ~~الأسعار، وضيق الحال، وحاجة المساكين؛ وذلك بسبب كثرة الظلم، ~~وقيام المنكر وعدم إنكاره، قال الله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون}[الأعراف:130] وإنكار الظلم والمنكر ~~واجب على من له قدرة عليه؛ ليدفع الله بذلك الفساد، وينشر رحمته على ~~العباد، قال الله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض}[البقرة:251]، {ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم}[محمد:7]. فالمخدوم لا ينسى حظه من ذلك، ويقوم بما يقدر عليه ~~ويوصل إلى السلطان أيده الله ما يسمعه ويتيقن أن الداعي إلى الخير ~~منصور، وأن العاصي مكسور، وكلمة السلطان في الدنيا نافذة، فلو أمر ~~أمرا نفذ أمره وترك العاصي معصيته، والظالم ظلمه، وكان في ذلك ~~الثواب الجزيل وحفظه في أولاده من بعده ومكن له، قال الله تعالى: ~~{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض PageV02P237 ~~كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا}[النور: 55]. والله لا يخلف الميعاد، فليبشر ~~عامل الخير بهذه الأمور العظيمة، والنعم الجسيمة، والخير الكثير، ~~والنعمة في الدنيا والآخرة. # وملخص الأمر أنه قد خربت البلاد، وتضرر العباد، واستطال على ~~المسلمين من لا يفكر في العاقبة ولا يعرف الآخرة، فتسلط على ~~المسلمين في الشام استدار هو وأبوه من النصيرية، الذي لا يعتقدون ~~البعث، وينكرون الآخرة، وإذا ذكر لهم المسلم أمر الآخرة قالوا: من جاء ~~وأخبر بما تقولون؟ ومن قولهم لعنهم الله: أرض تبلع وأرحام تدفع، ~~وتسلط عليهم سوقي كان خانيا مرة، وحماميا أخرى، ودلالا أخرى، ~~وأخذ من الدلالة، فحكم في الناس، فلا يفكر في العاقبة ولا ينظر إلى ~~الآخرة، فأساء السيرة ولم يحفظوا حق ms347 المسلمين، ولم يعرفوا حقوق ~~الدين. PageV02P238 ~~والسلطان نصره الله، شوكته قوية، وعصابته منصورة، وأمره مطاع، ~~فإذا أمر بعزل الاثنين عن المسلمين وطلبهما، درت البركات، وخاف ~~الظالمون، وحصل الخير له في نفسه وأولاده من بعده، والمسؤول من ~~صدقات المخدوم عرض هذا الأمر على المقام الشريف، لعل هذا الظلم ~~ينمحي عن المسلمين، وينشر العدل على الناس أجمعين، وأسأل الله أن ~~يجري على يديكم الخيرات آمين». # فقرئ على السلطان، فقال: إن ذلك شديد المشقة عليه، وكذا # أمثاله، ولكن له عذر في السكوت، وهو كثرة المفسدين المحوجة إلى ~~استجلاب قلوب الجند، لاسيما أكابرهم، فلا قوة إلا بالله. # وفي يوم الجمعة رابع عشري صفر هذا، مات عبد اللطيف ~~العثماني الطواشي الأبيض عن أكثر من ثمانين سنة فيما أظن، وكان رجلا ~~دينا، خيرا، عاقلا، وله معروف كثير، منه البرج الذي على فم البحر ~~الملح في دمياط على شاطئ النيل الغربي، ورتب به سلاحا وجندا، ~~وجعل لهم رزقا رحمه الله. # وكان في ليلة الخميس تاسع صفر هذا قد أطلع على أبي بكر بن ~~علي الفاوي الجوهري بفاحشة مع صبي في الزقاق الذي أنا ساكن به، ~~وكان المذكور مشهورا بالفساد، فأعلمني النجم عمر بن الشهاب PageV02P239 ~~أحمد بن زين الدين الحلبي الشافعي، موقع الأمير بردبك الدويدار ~~وقبض على الصبي فأقر بأنه أخذه للفساد، فأحضر من أعوان الوالي ~~جماعة فهرب أبو بكر، ونزل أبوه من بيته وجلس على بعض الدكاكين ~~المواجهة لمدرسة جمال الدين، وشرع يخوض في عرضي، وكنت أنا والنجم ~~في مسجدي فلم نسمع كلامه، ثم أعلمت بذلك، فسألت بعض من ~~حضره، فشهدوا عليه بما سمعوه من كلامه، فغذا بعضه استخفاف بي ~~يلزم منه الكفر، وبعضه استخفاف بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~يوجب ضرب العنق عند المالكية، والتعزيز الشديد عند غيرهم، وبعضه ~~استخفاف بنفس الدين، فاستفتي الحنفية فيما وقع به في، فأفتوا بالتعزير ~~الشديد، من الضرب والإشهار، والسجن، ليرتدع أمثاله عن التكلم في ~~اهل العلم؛ لتعلوا كلمة الله باحترام حملة الدين وعلماء المسلمين، ~~فطلب إلى قاضي الحنفية بالديار المصرية سعد الدين ms348 سعد بن الديري ~~الحنفي، وكان خيرة القضاة إذ ذاك وأشيخهم وأعلمهم، فادعي عليه ~~بذلك بين يديه، في منزله، في المدرسة المؤيدية بباب زويلة، وأقيمت ~~البينة، فأرسل المذكور إلى عزيز مصر ناظر الخاص الجمال يوسف بن ~~كاتب جكم، فاستغاث به، فأرسل نحو عشرين من أعوانه واحدا بعد ~~واحد، ما بين طواشي، ودويدار، وبرددار، وغير ذلك، يطلب من ~~القاضي إرسالنا إليه، فقال القاضي: حصلت الدعوى، وأقيمت البينة، ~~وصار الحق للمدعي، لا يسعني أن أسلمه، ولا آمره، فإن أرضيتموه ~~توجه معكم غير مشقوق عليه، فشرعوا في التلطف بي وفي أمر علي PageV02P240 ~~الفاوي بتقبيل يدي ورأسي، ففعل ذلك غير مرة، وطالت شفاعتهم ~~فيه، فقلت: أما وهو ساكن عندنا، فلا، فأمره جميع من حضر بالنقلة ~~فامتثل وأمهل خمسة عشر يوما، ثم ذهبنا إلى بيت ناظر الخاص، فلما ~~كنت بباب المدرسة قال الفاوي لمن أوصل إلى قاضي القضاة: أنه إن ~~ذهب قبل بت الصلح بيني وبينه إلى ناظر الخاص، لا يكفيه منه أقل من ~~ألف دينار، فسألت في الرجوع إلى قاضي القضاة، فرجعتن واجتهدوا ~~في أن انحل عما قمنا عليه، فلم أفعل، ثم ذهبنا إلى ناظر لخاص، ~~فأعلمناه بالأمر، فلامه على ما وقع منه، وأعان الله بأن اعترف عنده ~~ببعض شتمه لي، واستحسن نقلته وأكدها، فباتوا ينقلون أمتعتهم تلك ~~الليلة والتي تليها، ثم شاع في اليوم الثالث أنهم رشوا ناظر الخاص بألف ~~دينار، ثم جاءت رسالة من السلطان إلي مع علي [مهتار] ~~الطشدارية يأمرني بالكف عن الفاوي، أو النقلة من تلك الحارة، ~~فأعلمت الأمير بردبك بذلك، فأشار بطلوعي إلى السلطان، فطلعت ~~إليه ظانا أن الرسول كاذب، فلما اجتمعت بالسلطان علمت أن الرسول ~~صادق، وصار يحاولني على نقلتي، فدار بيني وبينه كلام طويل في ~~ذلك، وفتحت له ذلك من وجوه، منها قدم صحبتي، وتحدث ~~الناس بأنه مال على صاحبه القديم، ومنها بأنه أخرج عالما بجاهل، ~~ومنها بأنه أخرج مصلحا لمفسد، فانحل في آخر المجلس، وشرع يتكلم ~~بكلام لين وهو يبتسم، وكان آخر ما فارقته عليه أن المفسد ms349 يخرج. PageV02P241 ~~ثم جاءني في اليوم الثاني وهو يوم الأحد سادس عشري الشهر رسول ~~يدعوني إلى بيت الأمير بردبك، فذهبت فغذا الفاوي هناك وعلي بن ~~خصبك صهر السلطان، وغذا هو والأمير يشفعان عندي في الفاوي أن ~~أسكت عن نقلته، فقلت: أشتهي أن من حضر هذا المجلس لا يتكلم ~~بكلمة حتى يستحضر أنه واقف بين يدي الله تعالى ويتأمل كلامه، فإن ~~علم أنه يمشي في ذلك المقام قاله، وإلا سكت، قال الأمير بردبك: ~~فتكلم أنت. فقلت: الحق ليس لي حتى أتركه، الحق لله، فإن هذا ~~مفسد لا تحل الشفاعة فيه ما لم يتب، ويجب على كل منكم أن يساعد ~~على ذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ~~ليعمنكم الله بعذاب من عنده تدعونه، فلا يستجيب لكم». وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم قوما، ~~ثم تدعونه فلا يستجاب لكم». وقال الله تعالى:{وليخش الذين ~~لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا ~~سديدا}[النساء:9]. وما منكم أحد إلا وله ذرية أو عيال، فإن هون في عيال ~~الناس سلط الله عليه في عياله وذريته. فقال ابن خصبك: هل ثبت ~~عندك قضيته مع هذا الصبي. فقلت: نرفع قضية الصبي كأنها لم تكن، PageV02P242 ~~ونسألك عنه، ناشدتك الله هل تعلم أنه مفسد أم لا؟ فقال: أعلم أنه ~~كان مفسدا عظيم الفساد، ثم كف الآن عنه. فقلت: الشق الأول من ~~كلامك مثبت فهو مقبول، والثاني ناف وشهادة النفي في مثله مردودة. # فقال: تاب. فقلت: الذي يقبل التوبة في الحال هو الله تعالى؛ لأنه # يعلم ما تكن الضمائر، وأما العباد فلا يقبلونها إلا بعد الاستبراء، فقالوا: ~~الشاب ينتقل، والمشفوع فيه أبوه، فقلت: أنتم تشفعون أم تأمرون، ~~فقال الأمير بردبك: بل نشفع، فقلت: إن كنتم تشفعون فإني لا أقبل، ~~وإن كنتم تأمرون فسمعا وطاعة، فإن طاعة الأمير من الله، وقد أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير، وإن جلد الظهر وأخذ المال.فقال: ms350 بل نشفع نيابة ~~عن السلطان، وهذا أمر لا بد منه. فقلت: هذا حينئذ أمر في صورة ~~شفاعة، فالسمع والطاعة، وأقل الأمور أن تكتبوا على ابنه التزاما أنه لا ~~يدخل ذلك الزقاق. فقالوا: بل نلزمه من غير كتابة، فحاولتهم على ~~الكتابة فعجزت. فقلت: افعلوا حينئذ ما شئتم، فطلبوا الفاوي، ~~فحضر، فأمروه أن يقبل يدي، ففعل وكرر ذلك، وقال الأمير، وابن ~~خصبك: نحن الذين أذنبنا، ونسأل فضلك أن تهبنا هذا الذنب، فلم ~~ازد على السكوت وإيهام الرضى. # فلما رآني لا أقبل عليه، ولا أفعل شيئا مما يسره قال لهم: سلوه هل # صفا قلبه؟ فقلت: إن كان المراد بالصفا عدم الأذى، فوالله ما أوذي ~~مسلما ولا غيره بغير حق، وإن كان المقصود به الميل القلبي أو عدم ~~الوجد، فهذا ليس إلي، ولا يقدر عليه إلا الله، ثم انفصلنا على ذلك، ~~وقد كان يتفتت قلب من حضر هناك من أهل العلم، وأطلق الناس ~~ألسنتهم بالذم للسلطان؛ لكونه لم يرع الصحبة، ولا الحق، فترك الدين ~~والمروءة لعرض من الدنيا أرضيت به زوجته، وقد كان قادرا أن يفعل ~~الحق، بالتمكين من شخصه على قصة الأنبياء، ويأخذ أكثر مما أخذ، ~~وكنت في الميعاد في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات PageV02P243 ~~فأتمهن} الآيات [البقرة: 124] [والله] ولي التوفيق، وهو المستعان. # وفي يوم الاثنين سابع عشري الشهر، قبض الأمير بردبك على ~~القاضي نور الدين الششيني الحنبلي، وأرسله إلى نقيب الجيش، ~~ليطلع يوم الثلاثاء إلى السلطان، فيضربه وينكل به بالسجن وغيره؛ ~~وذلك أن الششيني المذكور كان لما مات البدر بن البغدادي قاضي ~~الحنابلة بمصر سعى فيما كان بيده من تدريس الفقه المنسوب إلى أم ~~الصالح في قبة المنصور، فأجابه الأمير، وكان قد أخذ ما كان بيد PageV02P244 ~~المذكور من الأنظار، ثم قيل إن جاريته حامل، فأخذ القاضي ناظر ~~الخاص التدريس بحملها إن كان ذكرا بيكتب من السلطان، وجعل ~~القاضي نور الدين بن الرزاز المتبولي نائبا عنه إلى حين تبينه وكان ~~المتبولي أسن حنابلة القاهرة، وأفقههم، فتبين أن الحمل بنت، فلم يجسر ms351 ~~الششيني أن ينازع المتبولي، فاستمر يباشر الدرس المذكور ويأخذ ~~معلومة إلى أن كان محرم هذه السنة، فأحس من نفسه ضعفا فانقطع ~~منه في بيته، فنزل لإبني ابنه عن نصف التدريس، وللعز أحمد بن ~~نصر الله قاضي الحنابلة عن النصف الآخر، فاجتمع الششيني بالأمير ~~بردبك برسالة القاضي ناظر الخاص، قبل إمضاء النزول، وأعلمه بالأمر ~~وبما كان تقدم له من الولاية منه، وبأن ابني الابن ليس أحد منهما بأهل، ~~فولاه النصف المسمى لهما، وخدمه على ذلك بمال، فسمع العز، فشق ~~ذلك عليه، فساعد ابني الابن، وتعصب معه بعض من له وظائف وولد ~~لا يصلح لها، يريدون سد الذريعة في أخذ أحد وظيفة صارت إلى ولد ~~من والدن ولو كان جاهلا فقوي أمرهما، وطلب الششيني إلى القضاة ~~وأوذي بالكلام والتضييق عند الشافعي، ثم نقل إلى المالكي، فأثبت ~~أهلية أكبر الولدين، فطلب من الششيني أن يعطهم مستنده، وكان قد PageV02P245 ~~حكم له الحنفي بصحة ولايته، فامتنع، فرفع إلى الأمير، فشدد عليه، ~~فحضره بعض الفقهاء فرده عنه بأن فتح له الدخول في ذلك، وأشار عليه ~~بأن يردهم إلى القضاء، فإن عملوا معه قبيحا لم يكن على الأمير منه ~~شيء، وإن كان غير ذلك كان مشكورا عليه، فقبل، ثم أغراه بعض ~~المتعصبين لأولئك من وسائط السوء، حتى أقدم على اذاه، فلما قبض ~~عليه، وصار في بيت نقيب الجيش، شق ذلك على الناس ورقوا له رقة ~~شديدة. # فاجتمع كاتب السر المحب بن الأشقر بالأمير بردبك، وشفع فيه، ~~وأرسل ناظر الخاص رسالته فأطلقه، وذمه الناس على ذلك ولا قوة إلا ~~بالله. # وفي أواخر شهر صفر هذا ورد الخبر من حلب أن القتل وقع بين ~~أهلها، فأهل بانقوسا يقتلون من الحوارنة، وكذا أهل باب المقام ~~وأهل باحشيثا، وبالعكس، وكلما قتلى قتيل أكل النائب من القاتلين ~~ما يرضيه، ولم ينفذ فيهم حكما، فيقتل أهل القتيل من أولئك، فيفعل ~~النائب كذلك، فخربت البلد لذلك، ولم يبق لأحد ثقة بما له، ولا دمه. # وورد الخبر أيضا أن ابن قرمان أخذ أذنة، بعد الحصار ms352 وأفسد فيها ~~فسادا كبيرا، وأن أهل تلك البلاد جلت منها إلى حلب فصارت حلب لا ~~تنشق من كثرة الناس، ولكن حفهم اللطف بكثرة الأمطار، فرخصت ~~الأسعار، فكان PageV02P246 ~~المكوك ثمانين بمائتي درهم وعشرين درهما، وهو نحو إردبين، وكذا ~~في دمشق نزلت الغرارة من خمسمائة إلى مائتين وخمسين، وهي ثلاثة ~~أرادب، وكذا بقية الأشياء رخصت والحمد لله وهو المسؤول أن يجعل ~~التمام بخير، ويدر البركات. # وأرسل نائب حلب يستحث في إرسال الجند، وأرسل نائب الشام ~~يستأذن في أخذ مقدمي البلاد ورجالهم، ويتوجه بمن يقدر عليه. # وفي أواخر هذا الشهر سار ركب الحجاج المغاربة من القاهرة راجعين ~~إلى بلادهم، وذهب معهم ابن أبي قصيبة، الذي نسب نفسه إلى ~~الإمام الغزالي، ومعه أخوهن فطلب مني الشريف علي القصيري، الذي ~~كان توجه في العام الماضي على هدية السلطان إلى سلطان المغرب، أن ~~أكتب على لسانه إليه أعرفه بحالهما، فكتب بعد البسملة: «إلى مولنا ~~أمير المؤمنين أدام الله تأييده، ونصره، وتسديده، من العبد الشريف ~~أعظم المحبين وأكبر الداعين، سلام عليك ورحمة الله وبركاته، أحمد ~~إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على نبيه محمد وعلى آله ~~وصحبه وبعد: فإن العبد والله مقيم على ما يعهد منه، من عظيم المودة، ~~وصافي المحبة، وطيب الثناء، وصالح الدعاء والاعتراف بالرق لمولانا ~~والولاء، وكيف لا! والعبد منغمس في إحسانه، مغمور بصدقاته وعظيم ~~امتنانه، أثقل كاهله بأفضله، وطوقه أيادي يعجز عن شكرها في بكره ~~وآصاله، والله ما نسمت ريح، ولا ركدت إلا وذكرك في سري وإعلاني، PageV02P247 ~~هذا وإن من أعظم الموجبات لتسطير هذه العبودية، النصيحة لمولانا ~~أمير المؤمنين أعظم الله ملكه في الدنيا، وجعله موصولا بعز الآخرة، إذ ~~كان يجب على كل مسلم النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ~~وعامتهم، فكيف إذا كان المسلم يتقلب في إحسان الإمام على مر الأيام، ~~وقد رأى منه من الإكرام ما زاد على المرام، وتلك النصيحة هي أن ~~شخصين من المارقين من أهل مصر من قرية تسمى سنباط، يقال ~~لهما ابنا أبي قصيبة، وقد ms353 كان أحدهما وقع في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما أقل ~~جزائه ضرب العنق، فسجن في سجن الشرع نحو سنة، ثم أطلق، ~~فاشتدت اللائمة على القاضي الذي كانت الدعوى عنده، وهو الشيخ ~~شمس الدين البساطي، بسبب إطلاقه، فهرب المذكور فغابا مدة في ~~ناحية البلاد الشمالية، ثم رجعا إلى حلب، فجعل أكبرهما على وجهه ~~برقعا، وادعى أنه الشيخ عبد الدائم، ثم يشير إلى شخص من كبار ~~المعتقدين في بلاد الصعيد، فصدقه بعض مشائخ حلب تحسينا للظن ~~به، وشرع يتولى خدمته بنفسه، ثم أنكروا بعض أحواله، فقال شخص ~~من السفارة، أرونيه، فلما رآه عرفه، فأقبل عليه يشتمه، وشرع هو يقول: ~~الستر الستر، ثم رحل من حلب إلى دمشق، فبرقع وجهه أيضا وادعى ~~أنه سبط الإمام، حجة الإسلام الغزالي، وكان معه بعض الكتب ~~الغريبة، أظنه للإمام العلامة شاطبي الزمان، شمس الدين بن ~~الجزري، نزيل بلاد الروم، ثم العجم، فادعاه لنفسه، وهو مشتمل PageV02P248 ~~على بعض فضيلة يروجها بكثرة كلامه، وذلاقة لسانه، فصدقه ~~بعض الرؤساء في دمشق، فمشى عنده سوقه مدة، ثم بان عواره، ~~ووقف حماره، فقدم إلى مصر وقد نسيه غالب الناس؛ بطول غيبته، ~~وتغير هيئتهن وتبدل اسمه، ثم لم يقنع بالكذب في النسبة إلى الغزالي ~~حتى أثبت على بعض متهافتي القضاة أنه من الذرية الطاهرة، وذلك ~~من أفرى الفرى، وأعظم الزور والبهتان كما وقع لذلك الشاذلي الذي ~~قدم من الغرب، قيل سنة أربعين، وكتب بكذبه مولانا أمير ~~المؤمنين أبو فارس سقى الله ثراه، وجعل جنة الخلد مثواه، ونفعنا ~~ببركاته وجمعنا به في أعلى جناته، هذا ما اطلع عليه العبد من حاله، PageV02P249 ~~وما خفي أعظم، ولما لم ينفق سوقه، ولم ينجح طريقه عزم على القدوم ~~على مولانا أمير المؤمنين، أعظم الله شأنه، وأعز سلطانه، فرأى العبد ~~من الواجب عليه في الدين والمروءة إعلام مولانا بحاله؛ لئلا يمشي عليه ~~شيء من محاله، كما مشى على بعض الرؤساء المصريين حال عيسى ~~الغندور، فوصله بغالب الرؤساء، حتى السلطان، ثم كشف زيفه ~~بعض صلحاء العلماء، حتى ms354 ظهر خلله وبان حوله إلا على أكمة لا ~~يبصر القمران فوضعه ذلك، غير أن لزوم الغلط ممن كانوا يعظمونه لم ~~يمكن من معاملته بجميع ما يستحق، والله تعالى متولي السرائر، ~~ومظهر خفيات الضمائر، وهو المسؤول أن يصلح بمنه بمولانا البلاد ~~والعباد، ويمحق بسطوته أهل الفساد، ويجعل سلطانه باقيا على مر ~~الآباد آمين». ### || # وفي أول شهر ربيع الأول، ورد الخبر بأن السراج الحمصي مات ~~بالقدس الشريف، يوم الثلاثاء حادي عشري صفر عن نيف وثمانين ~~سنة، وكان فاضلا في الفقهن مشاركا في غيره، غير أنه كان كذابا في ~~العلم، وكلام الناس، شديد التهافت، ساقط المروءة، لا مسكة له، ~~وولي قضاء عدة بلدان، منها طرابلس، وحلب، ودمشق،وتدريس ~~صلاحية القدس، وغير ذلك من الوظائف الجليلة، وكان مذموم ~~السيرة في عمل ذلك، والله تعالى يعفو عنه آمين. PageV02P250 ~~وفي أول شهر ربيع هذا شاع أن السلطان، يبطل الدرهم ~~الموجود بين الناس، ويظهر لهم دراهما جددا ضربها؛ وذلك أن الدراهم ~~التي ضربت في أيامه، في جميع بلاد الشام كثر فيها النحاس جدا، بحيث ~~أن المائة إذا سبكت يخرج منها خمسة وأربعون نحاسا، وكان الدينار يباع ~~بستين منها، ثم صار يباع بسبعين ثم وصل في حلب إلى مائة، فأرسل ~~السلطان إلى دمشق أن تضرب دراهم، يكون في مائتها خمسة دراهم فقط ~~نحاسا، والخالص منها خمسة وتسعون، يكون القطعة منها وزن نصف ~~درهم ووزن ربع درهم، وأن يبطل ما عداها، ويكون ثمن الدينار منها ~~خمسين درهما، ففعل ذلك، وتضرر الناس منه، وغلت الأسعار، لما ~~سمعوا أن الدراهم التي بين أيديهم تبطل، ثم أخرجوا لهم الدراهم ~~الجدد، ونادوا أن الدينار بخمسين منها، وأن المائة من العتق بستين، ~~وصمم على ذلك، فمشى حال الناس. # فلما شاع هذا الخبر بين الناس حصل ما حصل في دمشق أول الأمر ~~من غلو الأسعار، وتوقف الأحوال، حتى لقد هرب أصحاب الديون ممن ~~لهم عليهم الحقوق؛ لئلا يوفوهم من الدراهم العتق. # وبات ليلة الأحد والاثنين ثالث الشهر ورابعه كثير من الناس بلا ~~عشاء، لعدم وجدان ما ms355 يشترونه. ثم في يوم الاثنين رابع شهر ربيع الأول ~~طلع القضاة والتجار والمباشرون، إلى القلعة إلا ناظر الخاص، فإنه خاف ~~من الناس أن يرجموه؛ لأنه كان سبب فساد المعاملة أولا، وسبب هذا ~~النداء آخرا، فلما اجتمعوا سبكوا بحضرة السلطان من الدراهم التي ~~عملت في أيامه، PageV02P251 ~~فكان خالص المائة منها خمسة وأربعين، وبعضها لم يبلغ خالصه إلا ~~بضعا وثلاثين، ثم سبك بعد ذلك منها ما جاء خمسة وعشرين. وسبكوا ~~مما قبل أيامه، فكان خالصها خمسة وتسعين ونحوها؛ فرسم أن يبطل ما ~~ضرب في أيامه، ويستمر ما كان قبل ذلك على حاله. # فنادى المنادي بذلك، فصار للناس في ذلك من الكلام ما لا يحد، أما ~~العاقل فقال: لم يبطل ضربه إلا من عدله وخيره، وأما الجاهل، وهم ~~أكثر الناس فلا تسأل عن هذيانهم، من قائل: إينال بطال، وجقمق ~~عال، ومن قائل: إينال من [عكسه] بطل نصه. ومن قائل: إن كان ~~عندك قصب مصه إينال بطل نصه. وقائل: إن كان معك إينالي لا ~~توقف حالي. وقائل: إن كان معك إينالي لا تقف على دكاني. وقائل: ~~إينال إرتد. وقائل: إينال في النار يشير إلى السبك بحضرتهن ونحو ~~ذلك. # فبلغت تلك الأقاويل خوند، فلامته على ما فعل، فسقط في يده، ~~وحار في أمره، لا يسره أن يكون اسمه على الدراهم المغشوشة دون الملوك ~~الذين تقدموه، ولا يسره أن يتكلم الناس فيه بمثل هذا الكلام، فشجعه ~~على ذلك صهره ودويداره الثاني بردبك، فقال: يا مولانا، الذي أبطلته ~~أنت هو الدرهم المغشوش، وهذه عبارة لا غبار عليها. # واستمر الحال في اضطراب إلى يوم الخميس رابع عشر شهر ربيع ~~الأول هذا، فعمل السلطان مولد النبي صلى الله عليه وسلم، على العادة، PageV02P252 ~~فلما اجتمع القضاة والأمراء بعد عصره، كلمهم في ذلك فاختلفوا عليه، ~~فاصر على إبطال ذلك، وأمر أن يكون وزن الدرهم من المغشوش بسبعة ~~عشر درهما فلوسا، وبقية الدراهم بأربعة وعشرين، فسأله بعض من ~~حضر أن يكون ثمانية عشر، يكون وزن ذلك نصف رطل من الفلوس ~~بأرطال مصر، ms356 ورطلهم وزن مائة درهم وأربعة وأربعين درهما، فأجاب، ~~فقال الدويدار الكبير يونس: دعوا الأمر على ما كان شهرين، فلم يجب، ~~فقال: كاتب السر: لا يحسن أن تكون المعاملة معاملتين، فسكت ~~السلطان، ونزلوا، والحال على اضطرابه. ### ||| قصة ابن أمير أسد: # واستمر الناس يدعون على السلطان، وعلى كل من كان سببا في ~~ذلك، وكان ممن حضر المولد شخص يقال له: ناصر الدين بن أمير ~~أسد، ويقال لهك أبو طبق؛ لأن عمامته على هيئة الطبق، وكان يتهم ~~بالأبنة، وكان ينتمي إلى قاضي الشافعية العلم صالح وناداه في هذا ~~المجلس، وساره بكلام طويل، ثم ذهب والأرض لا تسعه من الرقاعة ~~لذلك، وفارق المجلس إلى سكنه بالزاوية الحلاوية في PageV02P253 ~~الأبارين قرب جامع الأزهر، وكان قد أعطاه نظرها، وكان إمامها ~~شخصا من مجاوري الجامع، فدعاه إلى بيته بها، فأجابه، فطلب أن ~~يفعل به الإمام ما يقبح التصريح به، فأبى، فعالجه على ذلك حتى ~~يئس منهن فقابضه، واشتد الأمر بينهما، فسأله الناس عن السبب، ~~فقال: إنه هجم على بيتي وبه امرأتي فاجتمع عليهم جمع من ~~أهل الجامع وغيرهم، فشهدوا في إمام الزاوية بالخير، فطلبه ابن أمير ~~أسد إلى الوالي علي بن امرأة الفيسي، فذهب معهما جمع من أهل الجامع، ~~فدفعهم الوالي عنه، فطلبه أبو طبق غريمه إلى نقيب الجيش ناصر الدين ~~بن أبي الفرج، فضرب الإمام ضربا كثيرا، وبيته في السجن، ثم طلع به ~~يوم الجمعة خامس عشر الشهر إلى السلطان، فأنهوا إليه أنه هجم على ~~بيت ابن أمير أسد، فضربه السلطان، وشهره في البلد وسجنه. # فقام أهل جامع الأزهر، فاجتمعوا، وداروا على أركان الدولة، ثم ~~اجتمعوا بنقيب الجيش وشتموه على ما فعل، ثم أصبحوا بكرة يوم ~~السبت سادس عشر الشهر، فأركبوا صاحبهم حمارا، وطلعوا به إلى ~~القلعة، فأدخلوه راكبا بعلة الضرب إلى الحوش، ثم وقفوا للسلطان، ~~فسأل عنهم، فأخبره من اجتمعوا به من أركان الدولة بسيرة ذلك ~~الخبيث، وكان ممقوتا بين الناس، مشهورا بينهم بالفواحش، حتى ~~أن الناس كانوا قد تجمعوا في الأسواق ينتظرون أن ينزل ms357 من القلعة مضروبا PageV02P254 ~~على حمار، وهم يذكرون أكله لأوقاف الزاوية، وتضييعه لحقوقها، ~~وإماتته لشعائرها، ويتحدثون من قبائحه ما يستحى من ذكره، وكان ~~مع ما هو فيه من الدنائة، مقراصا للأعراض، شديد الإجتراء على ~~العظائم، بتقريب القاضي الشافعي وأمثاله، فضربه السلطان، فلما قام ~~رسم بإشهاره، فضربه بعض أهل الجامع بحضرة السلطان، فقيل له: ~~إنه إن شهره قتلوه، فرجع عن ذلك، وعوق في القلعة، فتأسف الناس ~~على عدم إشهاره، وسجنه كثيرا. # وحصل لنقيب الجيش من الخزي، والذل بحضرة السلطان، وغير ~~حضرته ما لا يوصف. # وفي يوم الأحد سابع عشره، نودي عن السلطان، أن كل وزن درهم ~~من الدراهم المغشوشة بثمانية عشر درهما فلوسا وزن نصف رطل، وكل ~~درهم من الخالص بثلثي رطل من الفلوس، فشق ذلك على أكثر ~~الناس، مع أنهم كانوا يتمنونه. # فلما أصبح صباح الاثنين، ثامن عشره، ألبس السلطان ابنه خلعة ~~بإمرة الحاج في هذا العام، فنزل إلى بيته الذي في المدينة، وهو ملاصق ~~لسكن أبيه، لما كان أتابك العساكر، وهو بالكبش من الصليبة، فنزل ~~المباشرون يشيعونه، وتخلف ناظر الخاص في القلعة لبعض شغله، ~~فلما وصل إلى أواخر الرميلة من نحو الصليبة، صاح به الناس، وشتموه، ~~فرد إليهم بعض مماليكه ليردهم فخشن لهم، فرجموه، فرجع، فوصلوا ~~الرجم وساقوه قدامهم. PageV02P255 ~~واجتمع بالصليبة من العامة ما لا يحصى فدخل إلى بيت ابن ~~السلطان سابقا بفرسهن فلم يكد يفلت، وأسمع من الشتم بالنسبة إلى ~~أنه نصراني، وأن أمه كذلك، وغير ذلك من الظلم والطغيان والخيانة ~~للمسلمين ما لا يوصف، فلم يمر عليه يوم مثله، وقيل: إن كانوا ~~يريدون الحق فلينادوا بأن من كان عنده من المغشوشة شيء أتى به إلى ~~ناظر الخاص وأخذ وزنه من الخالص؛ لأنه هو الذي أفسد المعاملة، ~~وأذن في ضربها على الغش في جميع البلاد، حتى أن البدر الأذرعي ~~الملقب بضفدع، وهو أحد من ولاه ناظر الخاص، النظر على دار ~~الضرب بدمشق، أخبر عن أحمد بن ريحانة، أحد المعلمين الذين أقامهم ~~ناظر الخاص بها، أنه أضاف إلى الفضة في ms358 دولة هذا السلطان ثمانية عشر ~~قنطارا شامية نحاسا، كل ذلك بمواطأة ناظر الخاص، وقد أتى إليه ~~كتاب الشيخ شمس الدين بن الشماع، شيخ الصوفية، والعلماء PageV02P256 ~~والرؤساء بحلب، على يد الشيخ محمد النقاش، أحد رجال دار الضرب ~~بحلب، يشكوا إليه ما اطلعوا عليه وتحققوه من الغش ممن إليه ~~امر دار الضرب بحلب، واستمر مقيما بالقاهرة شهورا، يشكو إليه ذلك، ~~فلم يلتفت إليه، ولا أعاد لابن الشماع جوابا، فعرف أن ذلك كله منه. # ولما شاع أمر ابن ريحانة عزل، فقدم إلى القاهرة، فاستمر شهورا ~~يسعى، فلم يجب، وكان ناظر الخاص أكبر القائمين عليه فيما يظهر، ~~ثم أمر الأمير بردبك الدويدار الثاني من جهة خوند أن يرسل إلى ناظر ~~الخاص يخبره بشفاعتها في ابن ريحانة، فأحضره وأراد أن يرسل معه إليه، ~~فقال: أنا أذهب بنفسي، فذهب بنفسه، فأجابه، فعلم كل أحد أنها من ~~دسائس ناظر الخاص؛ فإن ابن ريحانة، لا يجسر على أن يكون فيما ~~يتعلق به وهو كاره، ولو أن ذلك من عند خوند ولا مدخل فيه، لأرسلت ~~إليه امرأة، أو أحضرت أمه فأمرتها أن تأمره بذلك، وما جعلت الدويدار ~~واسطة إلا ليكون الأمر أشيع فيتخلص ناظر الخاص وتنتفي عنه التهمة، ~~فأبلغ ناظر الخاص أن الناس تكلموا بذلك، فحلف أنه لا مدخل له ~~فيه، والعلم عند الله تعالى. # ولما وقع هذا الأمر أحضر القاضي ناظر الخاص في بيت ابن السلطان، ~~فكانت هذه القضية غاية في قلة الحرمة، وقد كان الصواب غير ذلك، ~~وهو أنه يترك ناظر الخاص في بيت ابنه، ويطلب القضاة، ويقول لهم ~~أنتم أفتيتموني ، بأن نقاء هذه الدراهم المغشوشة مفسدة وتغييرها ~~مصلحة، فهل تجب طاعتي في الأمر بإبطالها؟ فإذا قالوا: نعم، قال: ~~فماذا يجب على من خالف أمري فيها، فضلا عمن رجم جماعتي، فإذا ~~قالوا: يجب التنكيل به وزجره بما يليق به. فقال: احكموا بذلك، فإذا ~~حكموا، أمرهم بالنزول؛ لينادي مناديه بحضرتهم أنه قد برزت الأوامر PageV02P257 ~~الشريفة المنفذة لأحكام الشرع المحمدي بإبطال هذه الدراهم المغشوشة، ~~وان من خالف ذلك استحق ms359 النكال، ولو بالقتال، فمن كان مطيعا ~~لذلك، فليذهب إلى سبيله، ومن كان عاصيا فليقف، ومن وقف ~~وضعوا فيه السلاح بمن عين معهم، وهو أمير من أعيان الأمراء. # وخمسون جنيدا متسلحين، وأقسم بالله لو أنه فعل ذلك لعلت كلمته، ~~ونفذ أمره، وزادت هيبته، وخافه كل مفسد، وكانوا يستمرون بالمناداة إلى ~~بيت ابن السلطان، فيأخذون ناظر الخاص معهم، والمنادي ينادي إلى أن ~~يوصلوه إلى بيته، ثم يستوعبون جميع البلد، ولكنهم لما لم يسندوا أمورهم ~~إلى الشرع، هانوا وهانت أمورهم ولم تنفذ لهم كلمة. # فرسم بأن ينادى، أن الدراهم كلها على ما كانت عليه، الطيب منها ~~كالمغشوش، فكان العامة يمشون مع الوالي في الأسواق ويقولون له: ناد ~~في هذا المكان فيفعل، وربما قالوا له. غير العبارة من كذا إلى كذا فيفعل، ~~فكانوا هم الآمرين الناهين، فرأى الناس يوما ما رأوا مثله في غلب ~~الرعاع على الأكابر فنفس عن ناظر الخاص حتى وصل إلى بيته، بعد أن ~~لم يكد يصل. # قيل للعامة ينادي لكم بما تريدونه. فقالوا: هذا الوقت. فطلع الأمير # نكار وعبد العزيز بن محمد الصغير إلى السلطان فأعلموه، والله المسؤول ~~أن يوفقهم لمرضاته وينفذ أمورهم مؤيدة بطاعته. # ولما عزم ابن السلطان وأمه على الحج فعين معهما جماعة، منهم ابن ~~أخيها على ابن خليل بن خصبك، وكاتب السر، وامرأة بن مزهر، ثم ~~ندب ابن خصبك لشراء الجمال، فأخذ كلما استحسنه من جمال الناس ~~بما يريد من الثمن، أراد صاحبه البيع أو أبى، واشترى بالذهب، PageV02P258 ~~وأقبض من الدراهم التي أبطلت، فكثر الدعاء عليهم. ولا قوة إلا بالله. # وفي هذا الحد وصل سنقر قرق شبق الدويدار الثالث، الذي كان ~~توجه لتحرير قضية ابن قرمان، وأثار الشرور في أمره، بعد أن كانت فتنته ~~سكنت بقتل ذاك الذي كان ولاه طرسوس، وإرسال رأسه إلى مصر، ~~وأحضر معه نحو عشرة أنفس في الحديد، ادعى أنهم من جند ابن ~~قرمان، والناس يقولون: انهم من رعاء التركمان، الذين في ناحية حلب ~~أراد يأخذ بهم لنفسه عند السلطان يدا، وحصل على ms360 مراه، فإن ~~السلطان أعطاه إقطاعا عظيما. # وفي يوم الخميس حادي عشري شهر ربيع الأول هذا، مات القاضي ~~نور الدين علي المتبولي الحنبلي الشهير بابن الرزاز، أحد نواب الحنابلة ~~بمصر، وكان فقيها فاضلا معمرا، ودرس في قبة المنصور، في وقف أم ~~صالح، بعد القاضي بدر الدين بن البغدادي، ثم نزل عنه عند مرضه ~~لولدي ابنه ولقاضي الحنابلة القاضي عز الدين. ### || # وفي يوم السبت، مستهل شهر ربيع الآخر من السنة، طلع كثير ~~من التجار الشاميين إلى القلعة، فوقفوا للسلطان، وشكوا إليه وقوف ~~حال الناس؛ بسبب الدراهم المغشوشة، وأنها في دمشق بسعر، وفي ~~غيرها بسعر آخر، فإذا قبضت في البلد الذي هي فيه غالية، خسر ~~التاجر في البلد الأخرى، إلى غير ذلك من الفساد الناشئ عن ذلك، مما ~~يعطل معايش الناس، فقال: أنتم الظالمون؛ ناديت لكم فلم تسمعوا، ~~وأغراه بعض من له غرض في نقائها على ضربهم فتنمر عليهم، فقالوا: ~~الذي أقام السنان ناس قليل حرافيش لا يبلغون مائة نفس، فلا تؤاخذ PageV02P259 ~~الناس بهم، فلم يسمع، وقال: أنتم غلقتم الدكاكين. فقالوا: نحن ~~ناس شاميون، ليس لنا دكاكين ولا ذنب، فلم يؤثر ذلك، وما كادوا ~~ينفلتون بخير، ثم طيب خواطرهم دويداره الثاني بردبك. # وفي أوائل هذا الشهر، أو أواخر الذي قبله، سافر الشيخ عبد ~~الرحمن بن داود الحلبي، وقد خلع عليه السلطان ورتب له على جوالي ~~حلب عشرة دراهم كل يوم، وأعطاه النظر على بعض الزوايا بحلب، ~~وأعطاه ناظر الخاص [من] صحيح البخاري نسخة قديمة عظيمة ~~صحيحة، رواية بعض رواة الصحيح القدماء الذين انقطعت رواياتهم، ~~وهي من تركة ابن حجر، وأعطاه نحو ثلاثين دينارا، ووصله الأمير بردبك ~~بما تقدم، ورد مجبور الخاطر، وكتبت له مراسيم إلى نائب حلب ~~بالوصية به، وإعلامه أنه لم نذكره إلا بخير، والله يوفقه. # وفي يوم الخميس سادسه ابتدأ السلطان النفقة على الجند للتجهز ~~إلى قتال ابن قرمان، فامتنع من يوم الأحد نحو تسعين واحدا ممن كان ~~السلطان عينهم لذلك، فأمر السلطان كاتب المماليك، فكتب له ~~أسماءهم، وراده شخص من ms361 المؤيدية ممن عين لذلك في شيء، فضربه ~~وسجنه، ثم أطلقه، وكثرت قالات الناس في ذلك. PageV02P260 ~~وفي هذه الحدود، وصل الخبر بأن نائب حلب، نادى على الدينار أن ~~يكون بثمانين درهما، وكان قد زاد عندهم على المائة، فاضطرب الناس ~~لذلك؛ فقل الخبز، فرجم العامة النائب فلم يكد يصل إلى دار ~~السعادة، ولما وصل فتح لهم شونة وباع فيهم قمحا كثيرا، ونادى لهم ~~بما يريدون. # ولما بلغ هذا السلطان، رسم بأن يكتب مرسوم إلى كل واقف عليه، ~~من التجار وجميع أهل حلب، بأنه قد اتصل به ما فعلوه مع نائبهم مرة ~~بعد مرة، وأنه كان الصواب أن يرفعوا أمر من يظلمهم إلى النائب، فإن لم ~~يشكهم فيه رفعوا أمرهم إلى السلطان، فإن لم يأخذ بأيديهم فعلوا بعد ~~ذلك ما أرادوا، فكان هذا المرسوم أيضا غاية في العجب؛ فإنه ما سمع ~~قط بأن ملكا كاتب العامة، ومرسوم آخر إلى أمراء حلب، أنه قد اتصل ~~بالمسامع الشريفة ما فعله أهل البلد مع النائب مرة بعد مرة، فيكونوا في ~~خدمته ومعاضدته، وهو سلطانهم الحاضر، ونحو هذا، ومرسوم آخر ~~إلى النائب، أنه قد شق علينا ما وقع من العوام مرة بعد مرة، فإذا وقع ~~للمقر أمر، فليجمع القضاة والأمراء ويشاورهم في ذلك، ويفعل ما ~~يجتمع عليه رأيهم، وما أشكل عليهم راجعونا فيه. # وفي يوم الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر هذا ولي خير بك ولاية ~~القاهرة عن العلاء بن الفيسي. PageV02P261 ~~ثم وصل الخبر في هذا الحد أن الدراهم الجدد ضربت في حلب، بعد ~~أن حفظت دار الضرب وضبطت، وجعل الشيخ شمس الدين بن ~~السلامي الشافعي أمينا على أهلها، وأن الدراهم المغشوشة بطلت، وأن ~~أهل حلب حصل لهم بذلك من السرور ما يقصر عنه الوصف، وأن ~~جميع أسعارهم انحطت؛ بسبب جودة الدراهم. # ووصلت الأخبار، وتواترت بكثرة الأمطار في جميع بلاد الشام؛ ~~فرخصت غالب الأسعار، نزلت الغرارة القمح في دمشق بعد سبعمائة ~~إلى ثلاثمائة، وتبع القمح غالب الأشياء ولله الحمد. # وفي هذا الحد، وصل الخبر، بأن جماعة من ms362 الطواشية وغيرهم في ~~المدينة الشريفة دخلوا إلى الجرة النبوية وسرقوا بعض قناديل الذهب ~~التي هناك، وأن الزين الإستدار قام في تحصيل الغرماء، وتلطف في ذلك ~~غاية، فحصلوا وقبض عليهم إلا اثنين منهم ففروا، فلما [جاء الهجان] ~~بهذا الخبر، نقل أن أحدهم في ترب الصحراء من القاهرة، فأرسل إليه ~~فجيء به وأودع البرج بالقلعة، ثم تبين أن الذي تولى كبر ذلك ~~شخص من الرافضة، يقال له برغوث، كان ينظم PageV02P262 ~~إلى شيخ الحرم، سرور الطربيهي، وكان ساكنا إلى جانب الحرم، ~~وأنه صار يطلع مع الفراشين إلى سطح المسجد، وأن الفراشين قالوا ~~لشيخ الحرم: أن ذلك أمر لم يجر به عادة، وأنه يخشى من غائلته، وأن ~~الحزم منعه من مخالطتهم، فلم يفعل؛ فعرف العورات، وتوصل من بيته ~~إلى سطح الحرم، ثم نزل إلى السقف الأدنى، ورفع القناديل من كوى ~~هي معلقة فيها، ثم أطلع عليه فقبض عليه أمير المدينة فأرضاه، فتغفل ~~عنه إلى أن هرب، ثم أظهر أنه انزعج من هربه، وأرسل فيه إلى الينبع ~~فقبض عليه بعد مدة وسجن، فدخلت امرأته إلى عنده مرارا لتخدمه إلى ~~أن استؤنس إليها، ثم أدخلت مبردا وكلبتين في طعام أحضرته ~~إليه ودخلت إليه ثم برد القيد إلى أن قطعه، ثم هرب، فلما أصبحوا ~~قصوا أثره إلى بعض أحياء العرب التي في وادي ينبع من ناحية PageV02P263 ~~خيبر إلى جانب رضوى، ففتشوا فيه، فلم يجدوه، وكانت بذلك ~~الحي امرأة تصيح: يا قريب الفرج، كعادة من يضربها المخاض من ~~النساء، فقال ابن هجان أمير ينبع: وحق رأس هجان لتفتشن هذه ~~المرأة؛ إن صوتها صوت عن غير وجع، ففتشوها، فإذا بها قد سدلت ~~عليها ثيابا كثيرة وأوسعتها، وحولها نساء [وهو] داخل تلك الثياب، ~~فقبض عليه، ثم هرب وقص إلى أن وصل إلى بعض أعداء أمير ينبع، ~~فرجع عنهم، وأرسل إلى المدينة الشريفة يعلمهم بذلك. # فمع وصول قاصده كان قد وصل هو في تلك الساعة، وكان له أخت ~~من جارية، وكان قد نفاها؛ لأن أشراف المدينة يستنكفون من أولاد ~~الإماء، فكانت ms363 تبغضه، فاطلعت على وصوله، فاتت إلى الزين ~~الإستدار فأعلمته بذلك وبمكانه، فتوجه في ذلك الوقت، وإذا أمير PageV02P264 ~~المدينة لما أتاه قاصد، صاحب ينبع توجه من وقته، فتوافيا عند ذلك ~~البيت، الذي قيل أنه فيه فقبض عليه. # ووصل خبر، بأن الفرنج عمروا سفنا كثيرة جدا؛ فتخوف ~~أهل السواحل لاسيما إسكندرية، ثم ورد عليهم منهم سفن أرسوا في ~~الميناء، واشتروا ماء، وزادا، ولم ينزلوا إلى البر، ولم يدر ما هم، فزاد ~~خوف أهل إسكندرية، بحيث انه لولا النائب أوقف ناسا على الأبواب ~~يمنعونهم من الخروج كان غالبهم رحل. # فسألوا السلطان في تقويتهم، فرسم لهم بمائة من الجند، ولدمياط ~~بمائة، وشرعوا في ترميم السور وحفر خندقه، والله المسؤول في إنزال ~~الأمان على بلاد الإيمان، وخذلن الكفار وإلزامهم البوار. # ثم وصل الخبر، بأنه حصلت عندهم زلازل أخربت دورا كثيرة، ~~وقتلت ناسا كثيرا، فشغلتهم أنفسهم، حقق الله ذلك وزاده، وسيأتي ~~قدوم كتاب بذلك في شهر شعبان من هذه السنة. # وفي يوم الاثنين، رابع عشري الشهر ضرب خام الأمراء في ~~الريدانية للخروج إلى بلاد ابن قرمان. PageV02P265 ~~وفي يوم الخميس، خامس جمادى الأولى من السنة، خرج الأمراء، ~~وتوفرت دواعي الناس على رؤيتهم، فلم يبق بالقاهرة كبير أحد إلا ~~ذهب إلى ذلك، فوقفوا من الرميلة إلى المخيم، وخرجوا بزينة، عظيمة ~~ورؤوسهم أربعة: قرقماش الجلب رأس نوبة النوب، وجانبك القرماني ~~حاجب الحجاب، ويونس العلائي خشداش السلطان، وخش ~~قدم أمير سلاح، وهو أميرهم، حتى يصل إلى عسكر الشام، فيكون ~~أمير الجماعة نائب الشام قانباي الحمزاوي، وعين من الأمراء ~~الطبلخانات والعشراوات عدة، ومن مماليك السلطان خمسمائة. ### || # وفي يوم الأحد ثامن جمادى الأولى المذكور، نادى مشاعلي في ~~أقطار القاهرة بالسفر، وأن من تخلف حصل عليه ما لا خير فيه. # وفي يوم الاثنين تاسعه سافر الأمراء من الريدانية، وبعد سفرهم ~~بثلاثة أيام أو نحوها جاء متسفر نائب الشام، أن المراسيم الشريفة كانت ~~برزت له، بأن تكون زردخانة السلطان تحت يده، فتضاعف شكره ~~للسلطان على ما جبر به خاطره، وعلم أنه لا يقدر على ms364 رضى العسكر PageV02P266 ~~في ذلك، وسأل السلطان أن يرسل زرد كاشه، ليباشر ذلك، فيكون ~~أعظم للحرمة، وأقيم للناموس، فأمر الأمير نوكار الزردكاش بلحوق ~~الأمراء، فأخذ يتجهز، ثم سافر في اواخره، أو أوائل جمادى الآخرة، ~~فمات في غزة. # وفي هذا الحد، أرسل شخص من أصحابنا الشاميين إلى بعض ~~أصحابنا المصرين علبة صغيرة جدا فيها قلب لوز وجوز وفستق وزبيب ~~وقصب وأجاص، مجموع ذلك نحو أوقيتين بالشامي وقصد بذلك ~~مماجنته، وأرسل معها كتابا يقول فيه: أنه إنما أرسلها، لأنه عجز ~~عن محمل في البر والبحر، فاستشارني فيما يكافئه به من تحف مصر، ~~وفيما يكتب إليه، فأنشيت له ما صورته: «وبعد، فإن العبد باق على ~~ما تعهده الخواطر اللئيمة، والأخلاق الذميمة من كاذب المحبة، ~~ومكدر المودة التي ما فيها طبه، ولاسيما لما وصلت تلكا لهدية السنية في ~~تلك العلبة العظيمة الكبيرة الجسيمة، التي عجزت عن حملها بغال ~~الجنادب، وجمال الأرانب، وأفيال العناكب الشديدة المناكب، في المواكب، PageV02P267 ~~الممتلئة الخواصر والجوانب، فإن العبد تلقاها بغير قبول، ووضعها ~~إلى جانب الفول المبلول، حيث يخرى ويبول، ثم أحضر كبار الكلاب ~~مع كثير من الأقواب، فجرها وبطحها، ثم نصبها وفتحها، فلا ~~تسأل عما جرى من هز الرأس، وتحرق الأنياب في تحرك الأضراس، ~~وتحقق العبد الهلاس من السيد المخدوم، لا من الناس، ثم شرع ~~بضحك ويكركر، وبقى مدة يتأمل ويفكر فيما يقابل هذه التحف، ~~ويشاكل تلك الطرف، وشاور في ذلك معظم الأصحاب، وناظر جملة ~~من ذوي الألباب، فوقع الاتفاق على أن ذلك أمر شاق يا واق واق، ولا ~~سيما لما عزت الجمال وسمان البغال، وسائر الدواب، حتى سود الكلاب، ~~والجواري الشواب، من أجل التجريدة إلى تلك البلاد البعيدة يا ستي ~~سعيدة، وأما الفلك في هذا الملك، فإنها هيئت لغزو البحر، أذاق الله ~~أعداءها النحر، وأما العجل، فإن العبد في وجل من أن يخسف بها ~~بعض طوب من جسر يعقوب، فلما تعذر من غير شر ما يليق ~~بالحمل في البحر والبر أداه النظر إلى إرسال هذه الدرر التي لم يبق ~~بها ms365 ولم يذر، وليس كالمعاينة الخبر، ففيها من شر العرب ما يقتضي العطب، PageV02P268 ~~ومن فلافل السودان ما يضعف الأبدان، ومن حب العزيز ما يفتح ~~الطيز، ومن الجرمة ما يعلو كل جرمة، ومن صابون الغرب ما يسود ~~ثياب الشرب، وحق من النيده ما يلذ والمخدومة شهيدة، وإياك أن ~~تغلط في الحقين، فتحرق الشدقين وتخرق الشقين يا شيخ دفين، ومن ~~الملوحة المصبرة ما ينقل الصحيحة إلى المقبرة، ومن الليمون ما هو أكبر ~~جرما من الكمون، وأصغر حجما من عمامة ابن سلمون، ومن تمر ~~الصعيد ما ينفع العبيد في يوم العيد، لاسيما الأخ سعيد، ولولا عدم ~~الجير، لأهديناه على ورق الخبيز، ولو وجدت أم الخلول لأتحفناك ~~منها من الحمول ما يقتضي الخمول ويكون مردودا غير مقبول، بعد ~~السلام الناقص عليك قصاقص، ومهما كان لك من المهمات فالعبد يراها PageV02P269 ~~من المهملات، فليس له إليها أصلا التفات، وكتب في السادس ~~والسبعين من شهر جمادى الخامس المخالف للسابع والأربعين من أيلول ~~الثامن عشر من أشهر الهند الساكنين في أقصى الدشت، المعروفين ~~بهندست من سند من تلك السنين يا سيدي قنين، والحمد لله رب ~~العالمين». # وفي بكرة يوم الجمعة العشرين من الشهر، أمر السلطان الأمير بردبك، ~~وسودون قرقش رأس نوبة ثاني، بالتجهز لناس من العرب أفسدوا في ~~ناحية الجيزة، ويقال: أنهم أخذوا بعض خيول لابن السلطان؛ فتجهزا ~~من يومهما ذلك، ولم يبت إلا في بر الجيزة، ثم ضرب في ناحية البهنسا ~~حتى وصل إلى الفيوم، فانزعجت له جميع العربان، وظن كل أنه ~~يريده، فأجفل الجميع، ثم رجع في الحاجر، إلى [أن] وصل، ~~إلى نواحي الجيزة، فلم يظفر بأحد منهم، ودل على ناس مفسدين ~~من غيرهم، فقبض على جماعة منهم، ثم قيل له: إن الذين PageV02P270 ~~يطلبهم في ناحية البحيرة، فضرب في تلك الناحية حتى أمعن، ثم رجع ~~ولم يجد أحدا، فلما وصل إلى ناحية الجيزة قيل له: أنهم كانوا بها في ذهابه ~~وإيابه، وأن جماعة منهم ذهبوا وبقي بعضهم فقصدهم فأخذهم، ~~ورجع فوصل إلى القاهرة أول ليلة السبت ثامن ms366 عشري الشهر، وقد ~~اجتمع معه منهم ومن غيرهم نحو عشرة رجال، فضربهم السلطان بكرة ~~يوم السبت بالمقارع، وأمرهم إلى المقشرة. ### || # وفي يوم السبت خامس شهر جمادى الآخرة من السنة، دار بالقاهرة ~~ناس من الفقراء السطوحية المتلمذين للشيخ إبراهيم المتبولي نحو خمسة ~~عشر رجلا في أسواق القاهرة عليهم فرا مقلبة صوفها إلى خارج، وعلى ~~رؤوسهم طراطير، بعضها لباد، وبعضها فرو مقلوب، فكانوا ~~على هيئة القلندرية، وصار واحد منهم يقول شعرا مما أحدثه متأخرو ~~المتصوفة، يذكرون فيه العقار، وشربها، والحان والدن، وغير ~~ذلك من شعار الفسقة، ويتغنى بها ويتابعه الباقون على هيئة ~~العجم، ويجبون من الدكاكين ما تيسر، وانضم إليهم خلق على PageV02P271 ~~غير هيئتهم في اللباس كثير جدا، منهم قاض، ومنهم أجناد، وافتتن ~~الناس بهم، واختلفت فيهم أقاويلهم، فمنهم من قال: ان بعضهم رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بما يقتضي ذلك أو نحو هذا، ومنهم من يقول: بل هم ~~من أعيان الشهود والقضاة، طلبوا أن يأخذ عليهم الشيخ إبراهيم العهد، ~~فأمرهم بذلك كسرا للنفس، ومنهم من قال غير ذلك، ثم أسفرت ~~عاقبتهم عن أن شخصا يقال له سليمان بن والي من أكابر المفسدين، ~~من بني وائل، من أهل الشرقية، كان السلطان الملك الأشرف إينال ~~حبسه في أثر ما تولى السلطنة سنة سبع وخمسين، ثم كثرت فيه شفاعة ~~الشافعين، فلم تجد؛ لأنه كان من فلاحيه، لما كان أتابك العساكر، ~~فكان جيد المعرفة له، فلما أعيى الناس ذلك، كان أهله قصدوا ~~الشيخ إبراهيم، فأمر تلاميذه بهذه الفعلة، وأن يأتوا الأمير بردبك ~~الدويدار وغيره على هذه الهيئة، فيشفعوا فيه، ففعلوا. فأما بردبك فإنه ~~خشن لهم في العبارة، ثم رأى أن يتلافاهم، فقال: اقرأوا الفاتحة وادعوا ~~أن الله تعالى يرقق عليه السلطان، وأمر لهم بخمسمائة درهم فلوسا، ~~تكون دينارا وربعا. # ثم إنهم داروا يوم الأحد سادسة على تلك الحالة في الأسواق وغيرها، ~~وشاهدت معهم جنديا راكبا، معه عصى طويلة يحوز عنهم من يزاحمهم، ~~ورأيتهم جازوا على مجلس بعض القضاة فاستدعوهم، حتى قالوا ~~ما يتغنون ms367 به عنده، ثم ذهبوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، بدأ الدين غريبا ~~وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس. PageV02P272 ~~وفي هذا الشهر جاء الخبر، بأن غناما أمير عرب نعير قتل، وكان ~~رجلا خيرا دينا سيوسا، حسن السيرة جدا، أبطل كثيرا من المظالم التي ~~كان أحدثها الأمراء قبله، وكان سبب قتله أن قوما من أقاربه البعداء ~~قصدوه، فحاربهم فظفر بهم، فتتبعهم، واستمر يطردهم مدا بعيدا، ربما ~~يكون نحو بريدين، فأشار عليه بعض جماعته بالرجوع، وقالوا: إن ~~هزيمتهم قد تحققت، وخيلنا قد تعبت، وبعضنا مجروح، وقد قرب ~~المساء ولا نأمن أن تكون لهم عطفة، فلم يقبل، فاستمروا مستطردين ~~له، وانقطع من رماتهم جماعة، فتخبوا وراء تلعة، فلما حاذاهم وهو لا ~~يشعر، رموا الجمل الذي عليه الراية فقتلوه، فلما وقع شاع بين جماعته ~~أنه انهزم؛ فاختل نظامهم، ثم خرج عليه الرماة، فأراد لقاءهم، ~~فعثرت فرسه بالجمل، فعقروها وقبضوا عليه، فرجع إليه رأس القوم ~~فطعنه فقتله، ثم نهبوا ما كان له، ومن ذلك قود كان جمعه للسلطان. # فجاء الوشاقي الذي كان عنه إلى نائب حماة، فأعلمه بذلك، فأراد ~~التوجه إليهم لاستخلاص القود، فنهاه جماعته وخوفوه، فأرسل دويداره ~~مع الوشاقي، فقال له قاتله: إنما أنا الآن واحد من العرب، وقد ~~تقسموا القود، فهم لا يطيعونني في [رده]، فإن أمرني السلطان ~~رددته وزدت من عندي ما أقدر عليه. # ثم إنه حضر جماعة من أقارب غنام القرباء، وقدم عساف الذي ~~كان أميرا قبله وهو من البعداء، وجرب في الإمرة، فوجد غير PageV02P273 ~~صالح، فوعد بعض الأمراء ببعض إقطاعه؛ فسعى له حتى ولي ~~الإمرة وترك أقارب غنام القرباء الصلحاء، فلا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # وفي هذا الشهر، عقد مجلس بقضاة القضاة، وبعض المشائخ في ~~الصالحية، بسبب وقف على الشيخة.. أم بدر الدين بن نبهان، ~~وقريبتها باي خاتون، وكان القاضي جلال الدين البكري أحد ~~نواب الشافعية، قد حكم لأم ابن نبهان، بأنها أقرب إلى الواقف (أي ~~نسبا) ونفذ له مستنيبه قاضي الشافعية العلم صالح ms368 بن شيخ الإسلام ~~السراج البلقيني، ونفذ له أيضا قاضي الحنفية السعد بن الديري، وحكم ~~لباي خاتون، البدر بن القطان أحد نواب الشافعي، وكان PageV02P274 ~~قد حكم لها قبله عبد العزيز البغدادي المشهور بالقدسي قاضي ~~الحنابلة بدمشق، ثم استفتى عن المسألة مشائخ العلماء بمصر: الجلال ~~المحلي، والشرف يحيى المناوي الشافعيين، والسعد بن الديري، والأمين ~~الأقصرائي الحنفيين، فأفتوا بأن الحق لباي خاتون، فإن عبارة الواقف: ~~لأقرب الطبقات والمميز درجة لا نسبا، ورجع الديري عن تنفيذه. # فلما اجتمعوا بالصالحية، دار الكلام بينهم، فأساء الجلال المحلي في ~~عباراته لكل من نازعه، وأما الشيخ أمين الدين الأقصرائي، فسلك في ~~البحث سبيل الإنصاف وسأل الجلال البكري عن حكم الحنبلي السابق ~~لحكمه، هل نقضته؟ فقال: لا. فقال: فكيف تحكم بما يناقضه ولا ~~يكون حكمك ناقضا له؟! فإن نقضته فهو حكم بأحد المحتملين، ولا ~~ينقض الاحتمال بالاحتمال، وإن لم ينقضه لم يصح حكمك. # فلما كادت الحجة تلزمهم قام الشافعي من المجلس مغضبا من كلام ~~المحلي، ثم أخبر المحب بن الأشقر، كاتب السر، السلطان أن المحلي ~~أساء، وأنه كان بمجالس الشتم أشبه منه بمجالس العلم، فأظهر ~~السلطان كراهة ذلك، فلما بلغ الشافعي طلع من صبح غد ذلك اليوم، ~~فشكا على المحلي إلى السلطان، فلولا الأمير بردبك أهين المحلي، ولكنه ~~دافع عنه، وحل الأمر على أن ينزل كاتب السر إليه ويأمره على لسان ~~السلطان بأنه لا يعود إذا اجتمع معه إلى مثل ذلك. ففعل. PageV02P275 ~~ثم أمعنوا في مطالعة كتاب الوقف الذي بيد أم ابن نبهان، فإذا فيه ~~حكم لابن الكشك الحنفي لها بالاستحقاق، كما حكم البكري، وهو ~~سابق على حكم الحنبلي الذي مع باي خاتون، وقد نفذ لابن الكشك ~~جميع قضاة مصر لما نزل الأشرف برسباي إلى أمد شيخنا أبي الفضل ~~ابن حجر قاضي الشافعية، والبدر العيني قاضي الحنفية، والشمس ~~البساطي قاضي المالكية، والمحب البغدادي قاضي الحنابلة، فانقلب ~~الأمر، وصار كلما كان يقال للشافعي في نقض حكم الحنبلي، يقال لهم ~~في حكم ابن الكشك، ثم أمر السلطان، بأن يصالح بين المرأتين ms369 ~~ففعل. # وفي يوم الميس السابع عشر من هذا الشهر، شرع في عرس بنت ~~الأمير بردبك على برسباي البجاسي، وكان حساد الأمير بردبك قد سعوا ~~أن السلطان لا يعمل الأطعمة في القلعة، كما عمل في عرس ولد الأمير ~~بردبك فأجاب، فتقبل الأمير بردبك ذلك بغاية التقبل، وسأل ~~السلطان: أن يأمر الأمراء أن لا يهدوا للأمير بردبك شيئا. PageV02P276 ~~ثم أخذ في فعل ما يليق بذلك وكان واسع العقل، حسن ~~التدبير لما يوجه إليه همته، ويريد قطع الملامات عنه، فندم السلطان ~~على الإجابة إلى صرفه عن القلعة، ثم أرسل للأمير برد بك معونة جيدة، ~~فأرسل إليه الأمير بردبك يوم السبت تاسع عشر الشهر في الأطعمة، ~~وإلى خوند، وإلى ابن السلطان ما أعلم بعلو همته، فكبت ذلك أعاديه ~~وحيرهم، ويوم الاثنين حادي عشرية أضاف الأمراء. # وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه كان للفقهاء، فحضر غالب أعيان ~~فقهاء القاهرة وفقرائها، وعمل تلك الليلة سماع بالفقراء والمطربين، ~~فكان به من ذلك وما يتصل به من الرقص على اختلاف فنونه والنفوط، ~~الرقص بها على هيئة العفاريت وغير ذلك ما لم يفعل في عرس من ~~الأعراس منذ أزمان. # وفي ليلة الجمعة خامس عشريه جليت في سكن أبيها في بيت تمر ~~بغا المجاور لمدرسة السلطان حسن على زوجها برسباي البجاسي، ~~فحضر من نساء الأكابر وغيرهم ما يفوت الحصر، ولم يفرغ من جلائها ~~إلا بعد التسبيح، ثم أركبت في محفة ومعها مائتا امرأة على حمر المكاريه، ~~وعشرة مشاعل، وعشرون فانوسا كبارا، وغير ذلك من الصغار، ~~وخلفهن خمسون مملوكا من مماليك أبيها معهم ما يحتاجون إليه من ~~السلاح خوفا من حاسد أو طارق، فأذن عليها الصبح عند مدرسة PageV02P277 ~~شيخو من أول الصليبة، فوصلت إلى بيت زوجها في نهار الجمعة ~~المذكور. # وفي هذا الشهر، وصل الدينار الذهب الأشرفي إلى أربعمائة درهم ~~وثلاثين درهما فلوسا، وذلك وزن سبعة عشر درهما إلا قيراطين، وذلك ~~بالدراهم الأينالية، وأما بالدراهم التي قبل ذلك من ضرب الظاهر، ~~ومن قبله فبأربعمائة فقط. # وفيه أيضا في يوم الخميس سابع عشرة ms370 سافر الشيخ أبو الفضل علامة ~~الزمان في البحر إلى ثغر رشيد أو إسكندرية، بعد أن نزل عن وظيفة ~~تدرس التفسير في قبة المنصورية للعلامة سيف الدين.. الحنفي ولم ~~يتفق ظهور أمر النزول إلا يوم سفره، فظن بعض القاصرين في العقول ~~والهمم - وهم أكثر الناس - أنه سافر إلى الغرب لعلل ذكروها ، ظن ~~الطوخي أنه إذا تحرك للمنازعة فيها لا يرده أحد؛ بناء منه على أن طبع ~~أهل بلده اقتضى أن أحدا لا يغضب لأحد، وأن أحدا لا يساعد أحدا ~~إلا في حضوره، وعلى أن تواريخ أمره الوظيفية نسيت، فأظهر مستنده بها، ~~فإذا هو قصة عليها خط أبي الخير النحاس، والسلطان إينال العلائي، PageV02P278 ~~إذ كان أتابك العساكر في ذلك الزمان، وهو رجب سنة ثلاثة وخمسين ~~وثمانمائة، وأرسل إلى سيف الدين من أعلمه بذلك، وأن الوظيفة له لا ~~حق فيها للشيخ أبي الفضل، فجاءه أمر هو به جاهل فخارت قواه ~~وحارت فكرته، فاجتمع بالشيخ أمين الدين بن الأقصرائي الحنفي، ~~ورمى عليه حملته، فاجتمع الشيخ بناظر الخاص، كاتب السر، ~~واجتمع الطوخي بالدويدار الكبير، وكان كثير التردد إليه، وسأله أن ~~يسأل السلطان إذنه للقاضي الشافعي في إثبات مستنده والدعوى به، ~~فبادر بعض أصحاب الشيخ أبي الفضل إلى إعلام الأمير بردبك، بأن ~~أصل القصة، أن الشيخ أبا الفضل ولي الوظيفة عقب موت ابن حجر، ~~إما في آخر ذي الحجة سنة اثنين وخمسين، أو أول المحرم سنة ثلاث ~~وخمسين، وأن الطوخي دفع لأبي الخير النحاس، وكان ذلك الوقت ~~ناظر المرستان مع الأمير الكبير رشوة في ذلك، فطاول الشيخ أبا الفضل ~~إلى أن حضر من السفر من القدس في تلك السنة، ثم قرر له في الجوالي ~~خمسين درهما فلوسا في كل يوم، ثم أرسل إلى الشيخ أبي الفضل ~~من يسأله في السماح بالسكوت عن التدريس المذكور، فلم يزد الشيخ ~~أبو الفضل على السكوت، فقرر أبو الخير الطوخي في ذلك الوقت، ~~وهو رجب المذكور، وكان الأمير الكبير مسافرا في البحيرة، فكأنهم ~~زوروا خطه، وأخبرني الشيخ أمين الدين، أنه رأى ms371 الخط المنسوب إليه في ~~القصة، وأنه أنكره؛ لأن القوة ظاهرة عليه، والمشاهد المعلوم لكل أحد ~~أن خطه في غاية الضعف، ثم لما وقع ذلك باشرها الطوخي أول ~~ذي القعدة من تلك السنة، ودرس في قصة قوم لوط في الأعراف بناء PageV02P279 ~~على ما وقف عليه ابن حجر، وخاض الناس في عرضه، بسبب ~~ذلك؛ لأنه ينسب إلى فعلهم، واستمر إلى أن نكب أبو الخير النحاس ~~في [تاسع عشري جمادى الأولى] من سنة أربع وخمسين، فادعي ~~على الطوخي بأمور، منها عشرة الأحداث وحكم بفسقه، ~~وأخرجت وظائفه، وأعيدت هذه الوظيفة إلى الشيخ أبي الفضل، ~~فأعلم السلطان بذلك، فكثر ذمه للطوخي وتهدده بالضرب والنفي إن ~~لم يسكت، ووقعت في ذلك قلقلة كبيرة في القاهرة، وأطبق الناس على ~~ذمه إلا من عكسه الله، وهم أقل من القليل، وكان أكبر الدلائل على ~~صدق هذا التاريخ، تاريخ مستنده الذي ظهر برجب سنة ثلاث ~~وخمسين، الذي بينه وبين موت ابن حجر ستة أشهر، فقطع ذووا ~~العقول، بأن مثل هذه الوظيفة لا تمكث نصف سنة شاغرة. # واستمر ينازع إلى أن أشرف على الهلكة، فأشهد عليه بعدم الدافع ~~والمطعن في نزول الشيخ أبي الفضل في يوم الأربعاء مستهل شهر رجب ~~سنة إحدى وستين هذه، وكان من جملة تعكيساته المدمرة له في هذا ~~الأمر، أنه أثبت بشاهدي زور (هو طعن في أحدهم من قريب) أن ~~القاضي شمس الدين بن خيرة الشافعي رجع عن الحكم بفسقه، ظنا أن ~~ذلك ينفعهن فما زاده إلا دمارا، وما أفاده إلا إثبات الحكم بفسقه، ظنا أن ~~ذلك ينفعه، فما زاده إلا دمارا، وما أفاده إلا إثبات الحكم بفسقه، فلما ~~آيس منها سعى في الجوالي التي بيد الشيخ أبي الفضل؛ لكونها كانت PageV02P280 ~~كالعوض عنها، فانتقل إلى أشنع مما كان فيه، وشاع ذمه، ثم ترك ذلك ~~كله، وسكت عاجزا مدحورا، نسأل الله العافية. # وفي أواخر هذا الشهر، ورد الخبر بموت الأمير نوكار الزردكاش في ~~مدينة غزة ذاهبا إلى العسكر المتوجه إلى ابن قرمان، وأن زوجته ماتت ~~بمكة المشرفة، فكان ms372 ذلك من عجائب الاتفاق، فولي مكانه سنقر قرق ~~شبق الدويدار الثالث. ### || # وفي أوائل شهر رجب، أو أواخر جمادى الأولى، مات الشيخ المعتقد ~~محمد بن الشيخ أبي بكر الطريني بالمحلة، وكان معتقدا مسموع الكلمة ~~عند الخاص والعام. # وفي هذا الحد، مات الشيخ الإمام العلامة الصالح أبو العباس ~~الحنفي عن أكثر من سبعين سنة، وكان تتلمذ للشيخ محمد الحنفي، ~~وكان أفضل منه على التحقيق وعندي أنه كان أصلح منه أيضا ~~وانتفع به أهل سويقة السباغين، ولاسيما أهل زاوية الحنفي علما ~~وعملا. # وفي يوم الجمعة ثالث شهر رجب من هذه السنة، سافر الأمير بردبك ~~الدويدار إلى بعض إقطاعه بالشرقية والغربية. ### ||| موت المالكي قاضي سنباط: # وكان قاضي المالكية ولي الدين محمد بن محمد الشهير بقاضي ~~سنباط، قد مرض، فطال مرضه بما زاد على السنة، وصار في آخر أمره PageV02P281 ~~لا يعي إلا قليلا، فعين الشريف حسام الدين بن حريز قاضي ~~منفلوط لقضاء المالكية بالقاهرة، وعزم على إلباسه الخلعة بذلك ~~ومشافهته بالولاية يوم الاثنين سادس شهر رجب هذان ثم قيل ~~للسلطان: إن المالكي في مرض شديد، فربما يشتد به الأمر إذا بلغه ~~العزل؛ فيموت، فينسب إلى السلطان التسبب في ذلك، وقد صبرتم ~~عليه الكثير، فالرأي التأخير إلى أن يموت، فأجاب السلطان إلى ذلك. # فمات المالكي ليلة الجمعة، أو صبح يومها، عاشر شهر رجب من ~~سنة إحدى وستين المذكورة عن بضع وسبعين سنة، وكان يقال: أنه ~~يحفظ الموطأ، رواية يحيى بن يحيى، وكان قريبا من التوسط PageV02P282 ~~في الفضل في الفقه والنحو، وربما شارك في الأصول، وكان يظهر ~~التنسك بالصلاة والخشوع والتواضع فيمشي ذلك على أكثر الناس، ثم ~~أنه في أواخر دولة الظاهر جقمق، كان قد ادعي عنده على شخص من ~~أهل سنباط في حق للنبي صلى الله عليه وسلم، بما يوجب ضرب العنق، فشهد عنده بأنه ~~مجنون، وكان ذلك شائعا عن أحواله وأقواله، ثم إنه قيل للظاهر: أنه ~~تهاون في قتله، وكان الظاهر يتشدد في مثل ذلك، يظهر به التنسك، ~~فأراد ابن التنسي على قتله فأبى، وأحال ms373 على قاضي سنباط؛ لأن أول ~~الأمر كان عنده، إذ كان نائبه، فطلب لذلك، وكان قاضي المالكية ~~بإسكندرية، فحضر فسلم عليه أصحابه بالقدوم، وتعمموا له، فكان ~~يقول لغالب من يأتي إليه: إنه ثبت عندي أن هذا المدعى عليه مجنون، ~~ولا يمكنني قتله ولا أطاوع على ذلك أبدا، وأكثر ما عندهم لي النفي، ~~وأنا ممن سمع هذا الكلام منه، ونقل إلي عن جمع، منهم الإمام ~~كمال الدين بن الهمام الحنفي، أنهم سمعوا منه نحو ذلك. # فلما اجتمع بالسلطان وزمجر عليه، لم تحمل قواه ذلك، ونزل إلى ~~الصالحية، فحكم بقتله، فكان ذلك أول ما أسقطه من العيون، ثم لما ~~ولي القضاء بالقاهرة عرف منه القيام لحظ النفس، وحدثني من أثق ~~بعقله ودينه، ممن له خبرة تامة به عن نفسه، وعن أبيه، الملازم له من PageV02P283 ~~أكثر من ثلاثين سنة، أن الدعوى عنده لمن سبق، إذا قرر له أمرا لا ~~يكاد يخرج من ذهنه، كائنا ما كان، وكان يخرج من بيته إلى مسجد ~~قريب منه يصلي به الضحى، فعيب ذلك عليه؛ بأن البيت في مثل ~~ذلك أفضل، وسمع ذلك ولم ينته عنه، وكان أولاده وأصهاره، أولاد ~~ابن العجمي على غاية من الفساد قل أن سمع بمثلها، في أكل أموال ~~الناس، وإفساد نسائهم وأبنائهم، والمجاهرة بالظلم، والأحكام التي ~~قل أن توجد في بيوت الحجاب. # وكانت نواب المالكية في الغالب لا تبلغ العشرة، فولى هو في أواخر ~~سنة ستين، وهو في غمرة المرض نحو عشرة أنفس زيادة على من كان، ~~ليس منهم أحد جاوز الثلاثين، بل وأكثرهم ما قاربها، ومنهم من لا ~~يحسن الوضوء كابن الشيخ يحيى العجيسي وغيره، وكان غالب ما يعاب ~~عليه ينسب إلى زوجته والله الموفق. # [وفي يوم الخميس تاسع رجب المذكور وقعت حادثة ~~غريبة، وهي أن جماعة من العربان قطاع الطريق جاؤوا من جهة الشرقية ~~حتى] وصلوا إلى باب الوزير، وذلك قبل المغرب، فأفسدوا ~~بالضرب والنهب، وقالوا لبعض من أخذوا متاعه: قولوا للسلطان: إنا PageV02P284 ~~أخذنا من تحت قلعته، وكان السلطان عاجزا عن تحصيل ms374 المفسدين ~~من العرب؛ بسبب أن كل أمير متمكن يحمي بلاده على الكاشف وأمراء ~~العرب، فيفسد المفسد منهم، فإذا قصد توجه إلى بلد من البلاد ~~المحمية، فإذا وصلها رجع قاصده، فكانت الكلمة مجتمعة على ~~الفساد، فلما قدم الأمير بردبك، كان أشد الناس غيرة لذلك، وفحص ~~عنهم، فإذا بعضهم قد آوى إلى قرية يقال لها: قها وهي وقف الحسنية، ~~وهي تحت نظره، فلم يزل يحتال حتى قبض على هذان وبقي من ~~رؤوسهم شخص يقال له سعران (بالسين والعين المهملين) أي أنه ~~كالكلب، الكلب في الإهلاك لمن يقصده. # وفي يوم الاثنين هذا، وهو الموافق لسادس عشري بؤونة، من ~~أشهر القبط، دار بالقاهرة بشير البحر، وأخبر أن القاعدة سبعة أذرع ~~وثمانية عشر إصبعا. # وفي يوم الثلاثاء ثامن [عشري] شهر رجب، وسابع عشري بونة ~~نادى، أن زيادة البحر خمس أصابع. # وفي يوم الثلاثاء ثامن عشري شهر رجب هذا، مات اثنان من ~~المسجونين بسجن الرحبة على جريمة، أحدهما أبيض، والآخر أسود، PageV02P285 ~~فأما الأبيض فدفن، وأما الأسود فغسل وكفن وصلي عليه، فإذا صدره ~~يختلج، فكشف عنه، فإذا الروح فيه، فنقل إلى المرستان، واستمر ~~أياما لا ينطق، ولا يزيد على اختلاج الصدر وهم يسقونه شرابا، ثم ~~تراجع إلى أن عوفي. # وفي هذا الشهر، شكا نصارى دمياط شخصا من الفقراء بها إلى ~~السلطان؛ بأنه أخرب كنيستهم عدوانا، فسأله السلطان عن ذلك، ~~فأفحش في الجواب، ولم يحتج عليه بحجة شرعية، فضرب بحضرة ~~السلطان على إساءة أدبه بالكلام، ثم أرسله إلى القاضي الشافعي العلم ~~البلقيني ليحرر أمره، وكان متهافتا، فكان النصارى أرضوه، ففتح ~~عليه من أبواب الأذى ما كرهه أهل السياسة، وكتب عليه في بيته ~~إشهادات تسمى قسائم، بأنه لا يعود إلى ما صدر منه، ولا يسكن ~~دمياط إلى غير ذلك من الأشياء التي لا تكتب إلا في بيوت حكام ~~الظلمة، مثل: الوالي والحجاب، وكان مستنده في الواقع، أنهم جددوا ~~في الكنيسة بنيانا، وأنه أفتي بجواز هدمه، وأعطي بعض القسائم التي ~~كتبت عليه للنصارى، فلما شاع ذلك قام فيه أنصار الله، ms375 فتكلموا في ~~ذلك حتى أخذت القسائم، وأبطل حكمها، وكثر ذم قاضي الشافعية ~~من الناس والسلطان؛ بسبب أنه لو أراد أذى الفقير لما أرسله إليه، ~~ولم يرد بإرساله إليه إلا تحرير الأمر على وجه الشرع. PageV02P286 ~~وفي هذا الحد زادت الإشاعات عن قاضي الشافعية بحلب الشهاب ~~بن الزهري بالشناعات، ووردت فيه شكاية من استدار نائب حلب، ~~فعزل، فأر شدوا إلى الشيخ شمس الدين بن السلامي، أحد نواب ~~الشافعية بحلب، فقدموا عليه.. ابن الكركي للدنيا، وهو أفحش ~~من الزهري فلا قوة إلا بالله. # وفي يوم الاثنين رابع شعبان من السنة، ورد كتاب خش قدم أمير ~~سلاح على يد هجانه، بأن العسكر ورد بلاد ابن قرمان، فنزل أكثرهم ~~على قلعة دوالي في أثناء شهر رجب، فحاصروها فافتتحوها يوم ~~الخميس سادس عشر شهر رجب المذكور، وأخبر الهجان، أن ابن ~~قرمان هرب إلى أعالي جبال بلاده، ولم يقابلهم، ولما طلع الهجان ~~إلى السلطان أكرمه، وخلع عليه يوم الثلاثاء خامس شعبان ~~المذكور. # وفي يوم الثلاثاء خامسه مات الأديب شهاب الدين أحمد الشهير بابن ~~الشاب النائب القرافي الشافعي، عن نيف وثلاثين سنة، وكان أديبا ~~محسنا. # وفي هذا الشهر، ورد كتاب إلى القاضي ناظر الخاص، بأن بلاد ~~الفرنج التي في ناحية الغرب خسف بنحو ألفي قرية منها، وأنه خرجت PageV02P287 ~~عندهم دابة صغيرة تهلك كل حيوان قابلته، واجتهدوا في قتلها، فلم ~~يقدروا حتى بالمدافع فالله أعلم بصحة ذلك من سقمه. ### || # وفي يوم الرابع عشر من شعبان، من السنة، وهو في أيام الحصاد في ~~تموز من أشهر السريان، وقع - كما بلغنا من وجوه تقرب من التواتر - على ~~الجبل الذي بين الزبداني والبقاع مطر عظيم، كان نزوله من مثل ~~الميازيب، وأفواه القرب، لا على وجه التقاطر، بل على وجه الاتصال، ~~واستمر أقل من نصف النهار، وكان نزوله على أقل من مسافة بريد طولا ~~وعرضا، في ناحية كوثا، وتفحتا، وعطيب، ثم سال بعضه إلى بلاد ~~البقاع، فأخذ من جبل الزبداني قبل وصوله إلى أرض البقاع نحو عشرين ~~رأس بقر، وانتشط في ذلك الوطاء ms376 الواسع، فأفسد قليلا من ~~الغلال ووجه إلى جهة حيين من العرب كانوا نزولا هناك، فركب شخص ~~فرسا وركض إليهم، فأعلمهم، فرحلوا من قدامه، فسلموا، ونزل بعضه ~~ولعله أكثره إلى بلاد الزبداني، ففعل فيه أفاعيل عظيمة فإن ~~وطاها ضيق، فكان مجتمعا، فكان دفعه في غاية القوة، فأخذ نحو أربع ~~عشرة امرأة، وغلالا كثيرة، وأشجارا هائلة، ولولا أن ناسا ركبوا الخيل ~~وداروا في سهلها، فحذروا الناس لما أبقى من الحصادين أحدا، وحفر ~~مكانا هائلا كشف فيه عن حمام روماني، PageV02P288 ~~وأخبرت أنه أدرك رجلا فلم [يقدر] على الوصول إلى الموضع العالي ~~من الجبل، فطلع في شجرة قريبة منه، فكان السيل يصدمها بدفعاته، ~~فيهزها فتضطرب كما يضطرب الرمح الرديني، ورمى كل شجرة ~~كانت بالقرب منها، وسلمت هي لعمر ذلك الرجل، فسبحان القادر ~~على كل شيء. # وفي نحو العشرين من شهر شعبان سنة إحدى وستين هذه، ورد ~~كتاب من صاحب العلايا، المدينة التي بين بلاد ابن قرمان، وابن ~~عثمان، يخبر أن قرمان وأهل بلاده رعبوا من العسكر المصري رعبا كثيرا، ~~وأجلوا من قدامهم، وأن ابن قرمان اشتد ندمه، وقال لكثير من أهل ~~بلاده: اذهبوا إلى حيث شئتم، فإني لا اقاتل؛ فلاموه على ما ابتدأ به، ~~فقال: ذلك أمر قدره الله. PageV02P289 ~~وجاء الخبر، أن العسكر نازل بلدا من بلاده، يقال لها: قرا حصار، ~~فأخذوها، ثم انتقلوا إلى قونية، وعزمهم أن يرجعوا على قيسارية محل ~~سكنة، فإن قدروا عليها، وإلا رجعوا، وقد أنكوا في أكثر بلاده. # وفي هذا الشهر، قدم سعد الله البريدي، الذي كان توجه إلى ~~جهنشاه ابن قرا يوسف، بكتاب السلطان وعلى يده كتاب من جهنشاه، ~~مضمونه: «الله هو المستعان لقد طلعت تباشير الآمال من مشارق العز ~~والجلال، ومطالع النصر والإقبال بورود الطاهر القدسي عن معشش ~~المكرمة والإجلال، أعني الكتاب السامي الشري، والخطاب النامي ~~المنيف الوارد من حضرة من خصه الله تعالى بالسلطنة العظمى، PageV02P290 ~~والشوكة العليا، وهو السلطان الأعظم، الخاقان الأعدل الأكرم، ~~مالك رقاب الأمم، أشرف سلاطين العرب والعجم، معين الملهوفين، ~~ناصر المظلومين، ممهد قواعد ms377 السلطنة، بعلو الهمم، مشيد بناء المملكة ~~بأحاسن الشيم، القاصر عن ذكر مناقبه لسان القلم، حافظ بلاد الله ~~بلطفه العميم، ناظم أحوال عباد الله بخلقه الكريم، حاد سرادقات ~~الأمن والأمان، باسط أجنحة النصيحة والامتنان. ناشر أنوار العدل ~~والإحسان. # خليفة ملك الآفاق سطوته%%مملكا لعلو القدر والهمم ~~لازال أركان خلافته ممهدة على مهجات الأيام مبسوطة، وأطناب ~~خلافته على صحائف الليالي مشيدة ممدودة، نصر الله رياض عظمته ~~وسلطانه، ونصر خلص أنصاره وأعوانه، كتابا أنيق الألفاظ ~~والعبارات، رشيق المعاني والاعتبارات مشتملا على وفور المحبة الجنابية ~~من جانب السلطان الأخوي، هازا لغصن الوداد والاتحاد، ناضا لموارد ~~الخلوص والاعتقاد. # فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا بخير كتاب جاء من خير مرسل. # فاقتبسنا من طوالع أنواره، واطلعنا على دقائق أسراره، متفكر في ~~بدائع أذكاره. # أكتاب أم شمس الضحى ام حكمة اللاهوت أم نسخة ~~منقولة عن عالم [الملكوت]. PageV02P291 ~~فأقبلنا عليه بما يوجب تعظيم شأنه، وتوجهنا إليه بما يستلزم رفعة ~~مكانه، وابتهجنا بالوقوف على مكنونات رموزه، والاطلاع على خبيات ~~كنوزه، وقابلناه بعيون المدحة والثناء، وصنوف الإخلاص والوفاء، ~~ووظائف التسليمات اللائقة، ولطائف التحيات الفائقة، وأصناف ~~الدعوات المنيفة، وأجناس المدحات الشريفة، وقد صحبنا حامل ~~الصحيفة المرقومة، من حضرة الخاقانية الأشرفية، وهو الأمير الأعظم نور ~~الملوك والسلاطين، مؤتمن أعاظم الخواقين، زائر بيت الله ~~الحرام، ملتثم الكعبة والمقام، المرسل إلينا بحكم خليفة الله الأمير سعد ~~الدين سعد الله، يسر الله الوصول إلى فناء بابكم، وسهل الله عليه طرق ~~اللحوق إلى خدمة جنابكم، والمتوقع من الجانب العالي الأخوي أن ~~يلاحظ كتابنا بعين القبول والانبساط، وينظر إلى خطابنا بنظر التودد ~~والنشاط، ولا يزال يشرفنا بأخيار أخبار سلامة ذاته العالي ولا زال عاليا ~~على الأقران وحاليا بمزايا سمو القدر من بين الإخوان، والمأمول من ~~حضرة الإله الصمد، والمسؤول من الباري الفرد الأحد، أن يحصل ~~مآربكم حسب المبتغى والمرام، وييسر مطالبكم على وفق القصد ~~بالكمال والتمام، ولما كان تعاقد الإخلاص والمحبة متقنة مبرمة، وقواعد ~~الاختصاص والمودة مؤكدة محكمة، صرمنا عنان التعيين عن التطويل في ~~الكلام، وقصرنا لسان القلم على ms378 الدعاء.والاختتام. الله يخلد ظلاله PageV02P292 ~~على مفارق الأيام إلى يوم القيامة، ويوتد أطناب دولته وتاد ~~الخلود والدوام بحق محمد عليه الصلاة والسلام». وقد رقمت صحيحة الحبة ~~هذه في عشر خلون من ثانية جمادى سنى إحدى وستين وثمانمائة، وافتتاح ~~الكتاب وهو «الله المستعان»، والاسم المكتوب على الحاشية كله مكتوب ~~بالذهب، وإنما أثبت هذا الكتاب كله؛ ليعرف ما صارت إليه تلك البلاد. # وكتب جواب هذا الكتاب عن السلطان الملك الأشرف إينال بما ~~نصه... وفي هذا الحد، ورد على الشيخ شهاب الدين ~~الكوراني بالقدس الشريف كتاب من تلميذه السلطان محمد بن السلطان ~~مراد بن عثمان، بالرضى عنه وتطييب خاطره، وسؤاله في القدوم عليه، ~~وأرسل إليه مالا لنفسه يتجهز به، ومالا يفرقه على المستحقين؛ فبادر ~~إلى تجهيز أكثر عياله إلى بلاد الروم، وتجهز بمن بقي للحج، فلقى ~~الحجاج بالعقبة، فانضم إلى أمير الركب الأول، وكان قد أرسل إلى ناظر ~~الخاص يسأله في أن يوصيه به، ففعل، فحج وقدم إلى القاهرة يوم ~~دخول الركب الأول كما يأتي. ### ||| موت الكريمي: # وورد عليه أيضا أن الشيخ العلامة محمد العجمي المشهور ~~بالكريمي الحنفي، مات عن نحو ثمانين سنة فيما أظن، المذكور من PageV02P293 ~~تلامذة الشريف الجرجاني، وورد إلى القاهرة في حدود سنة خمسين، فلم ~~يحصل له بها نصفة، مع أنه كان علامة حافظا للمعقولات متبحرا فيها، ~~وكان رجلا دينا، ثم سافر إلى بلاد الروم في أواخر دولة الظاهر جقمق، ~~أو أوائل دولة الأشرف إينال. ### || # وفي أول شهر رمضان سنة إحدى وستين وثمانمائة هذه، جهز ~~السلطان، الملك الأشرف إينال، ملك مصر جيشا في البحر في ثلاثين ~~مركبا؛ لقطع خشب من بلاد الجون، وإرهاب أهل الكفر، والملوك ~~المجاورين بأنه لم يشغله تجهيز عسكر في البر إلى ابن قرمان عن عسكر ~~آخر في البحر من غير عدو معين لهم. PageV02P294 ~~وفي رمضان هذا قل البطيخ الصيفي جدا؛ بسبب أنه كان في ~~قوة الحر، فشرع الأجلاب يأخذون ما يلقون منه مع الجلابة، ~~بدون ثمن المثل، فقل الجالب، فصاروا يذهبون إلى المقاثي، فيأخذون ~~ما أرادوا، وربما ms379 قتلوا، وتشبه بهم غيرهم، فعظم الخطب، واضطرب ~~الناس من ذلك، وكثر الكلام بسببه على السلطان من الجند وغيرهم، ~~فبلغ السلطان ذلك، فقبض على جماعة منهم وجود في ضربهم، فانتهى ~~غيرهم، وحصل الرفق، وكثر البطيخ. ### ||| موت ابن الكمال: # وفي هذا الشهر، في يوم الجمعة سابعه، مات الشيخ الإمام العلامة ~~القدوة كمال الدين محمد بن الهمام عبد الواحد بن عبد الحميد ~~السيواسي الأصل السكندري المولد المصري الحنفي، شيخ الأشرفية ~~الجديدة، ثم الشيخونية، وكان موته والناس في صلاة الجمعة، بعد علة ~~طويلة كانت ابتدأت به في مكة المشرفة، وذلك أنه كان حج سنة ست ~~وخمسين، جهزه السلطان، الملك الظاهر بنحو خمسة آلاف دينار، فطلع ~~بجميع عياله، وبعض أصحابه بعز عظيم، وجاور بالمدينة الشريفة، ~~ثم بمكة المشرفة، فحصلت له العلة المذكورة، واطالت به، حتى صار ~~كالفرخ، فرأى أن يقدم القاهرة؛ لعدم تمكنه مما يريده من العبادة ~~التي معظمها الطواف، وشدة تضرره بالحر، فرجع مع جانبك ناظر ~~جدة، وكان قدومهم في أواخر شهر رمضان سنة ستين، فتراجع ~~قليلا، فركب وأقرأ في كتابه الذي صنفه في الأصول الفقهية على PageV02P295 ~~طريقة مختصر ابن الحاجب، واجتمع إليه كثير من الفضلاء، ثم ~~عاوده المرض؛ ثم تراجع، ثم عاوده، فانتقل إلى عند إحدى ابنتيه، ~~وكانت متزوجة بشخص من بني أصيل، وكان سكنه بالقرب من مدرسة ~~عبد الباسط، فأقام به، فاستبل من مرضه، ودرس في المدرسة ~~الكاملية قليلا، ثم انحط في المرض واستمر إلى أن مات، وكان إماما ~~عالما عاملا، مجمعا على علمه ودينه وفصاحته، تقريرا وكتابة، قل أن ~~يكون في العصر أحسن عبارة منه، لاسيما إذا كتب وكان فهمه ثاقبا، ~~وحفظه وافرا، وشكله حسنا، وكلامه عذبا، وشممه لاسيما على ~~الجبابرة ضخما، وكان كريما تجرد من طريقة الفقهاء كثيرا، وانقطع PageV02P296 ~~في طرة وغيرها، وجاور مرات، ونظم الشعر المقبول، وفيه الجيد، ~~وصنف في الفقه والأصلين وغيرها، وعظمت حظوته لاسيما عند الظاهر ~~جقمق، واستمر مكرما إلى أن مات، وأخذ في جهازه من حين ~~مات، وكان أوصى أن يدفن عند قبر الإمام تقي الدين ms380 بن دقيق العيد، ~~وقبره في آخر القرافة، وليس عنده بناء، فقيل له: أو يكون عند ابن ~~عطا؛ فإن ابن دقيق العيد ليس عنده بناء؟ فقال: أو ذلك. PageV02P297 ~~فجهز من يومه، واجتمع له بشر كثير، وصلي عليه في وقت العصر، في ~~سبيل المؤمني تقدم صهره، زوج إحدى ابنتيه، الشرف المناوي، الذي ~~كان قاضي الشافعية للصلاة بالناس، فجذبه البدر بن عبيد الله، وقال له: ~~أقل ما لقاضي مذهبه شيخ الإسلام من الحق أن يصلي عليه، فتقدم ~~قاضي الحنفية السعد بن الديري فصلى عليه إماما، وحضر أمره الأمير ~~بردبك، صهر السلطان ودويداره الثاني، لاقى الجنازة من بيته الذي ~~عند مدرسة السلطان حسن، ومشى من هناك إلى أن صلى عليه، ثم إلى ~~التربة، وكان يوما حارا، فكثر شاكروه لذلك، ورجعنا قرب المغرب، ~~وعظم تأسف الناس عليه ودعاؤهم له، وهو جدير بجميع ذلك رحمه الله، ~~ونفعنا ببركته آمين. # وفي يوم الاثنين عاشر شهر رمضان هذا، وردت رسل من عند نائب ~~الشام ومن معه من الأمراء الذين توجهوا إلى قتال ابن قرمان، فأخبروا ~~أنهم خربوا ما قدروا عليه من بلاده، مدنا وقلاعا، وأنه هو فر من بين ~~أيديهم بعد أن أخرب سور محل إقامته قيسارية، وأذن لأهل بلده في ~~الجلاء، فبعضهم قصد ما جاورهم من مملكة مصر، وبعضهم توجه ~~إلى بلاد الروم، فلم يلقوا قدامهم أحدا، ووجدوا فيما هناك من ~~المغائر ما ثقل من الأمتعة التي عجزوا عن حملها فأخذوها، ونهبوا ~~غلالهم، وخربوا جهدهم، فلا قوة إلا بالله، ولا جزاه الله عن ~~المسلمين خيرا؛ كان كالشيطان أثار الفتنة، فلما أحيط بالضعفاء ~~تخلى عنهم. PageV02P298 ~~فخلع عليهم السلطان، وأخبروا أن الأمراء رجعوا إلى حلب، فأجابهم ~~السلطان بتحسين ما فعلوا، وأمرهم بأن يكون كل واحد منهم على أهبة ~~السفر ولا يدع من جهازه شيئا بحيث إذا أمرهم بالتوجه لا يبيتون إلا على ~~ظهرها؛ فإنه عازم على استئصاله، وإراحة الإسلام منه، لما شهر به من ~~الأذى للمسلمين من الروم، وهذه البلاد، ومن مظاهرة الكافرين، ~~خذله الله آمين. # وفي يوم الجمعة ms381 رابع عشر شهر رمضان نودي، بأن زيادة البحر ~~ثمانية أصابع، وكان قد بقي عن الوفاء أربعة، فكملت في بقية النهار، ~~وزاد عن الوفاء بإصبعين، ففتح السد يوم السبت منتصف الشهر، وهو ~~موافق لثالث عشر مسري من أشهر القبط، ومن حين زاد إلى أن وفى لم ~~يقف غير ثلاثة أيام كانت. وأنهى زيادته عشرون إصبعا، وأقلها ~~إصبعا. ### ||| ولدي محمد ابن حلوة: # وفي يوم الخميس، بعد صلاة العصر بنحو عشرين درجة، وهو ~~العشرون من شهر رمضان الموافق لثامن عشر مسري آخر شهور سنة ~~القبط ولد ولدي أبو اليسر محمد، من أمتي حلوة الحبشية ~~الزيتية، أسأل الله لي وله العافية في الدين والدنيا والآخرة، وأخبرتني أمه ~~أنها [أحست]بالحمل به قبل ظهر يوم الخميس وهو تاسع عشر PageV02P299 ~~ذي الحجة سنة ستين، فإن صح ذلك، فهو أمر غريب، فإنها تسعة ~~أشهر سواء لا تزيد يوما إلا يوم توجعها به والله الموفق، وحلق رأسه بعد ~~عصر يوم الأربعاء سادس عشري شهر رمضان المذكور، فلم يبك، ولم ~~يظهر منه قلق، وتصدق بوزنه فضة، فكان وزنه نحو درهم ونصف، ~~وعملت عقيقته ليلة الخميس السابع والعشرين منه، فحضرها جمع ~~صالح، ربما يزيدون عن المائة، من الفقراء، أو المحاويج من أهل مكة ~~والمدينة المشرفتين وغيرهم، وفرق على جميع الجيران، وكثير من غيرهم، ~~وفضل طعام كثير فرق منه على أهل حبس الرحبة حتى اكتفوا، ثم أعيدت ~~التفرقة من الباقي على الجيران وغيرهم حتى فرغ بعد عشاء الآخرة بنحو ~~عشر من درجه، وكثر الشكر والثناء الصالح من الناس على ذلك، حتى اشتد ~~تعجب بعض من حضره مما حصل فيه من البركة والنمو، وأخبر أن غيري ~~عمل أكثر من ذلك فلم يمد هذا المد، ولا قريب منه، واحتاج بعض ~~من حضر إلى تكملة عشائه من السوق، فلله الحمد على ذلك كثيرا، لم ~~اذكره إلا سرورا بنعمة الله وتذكيرا بها، ليكون ذلك داعيا إلى الشكر. # ومن عجائب ذلك أن الشيخ شهاب الدين بن صالح أخبرني: أنه # كان رأى بيتين لشخص حجازي في حبشي وهما: ms382 ~~وكلت شخصا في شرا أسمر%%من ولد الحبش نقي العذار ~~وقلت بالله استحد شرطه%%فابتاع لي عبدا بشرط الخبار PageV02P300 ~~فوقع في خاطره أن ينظم في حبشية معنى قول الناس، بشرط البراءة ~~من كل عيب فقال: ~~بروحي من الحبش حلو الحلا%%وخلو عن العيب من غير ريب ~~خلا شرطه لي فابتعته%%بشرط البراءة من كل عيب ~~فبعد فراغه من ذلك أتاه رسولي يسأله في المساعدة في بعض احتياج ~~العقيقة، فسأله ممن هو؟ فأخبره أنه من الحبشية وزدته أنا أن اسمها ~~حلوة، فكان ذلك أعجب. # وفي يوم الخميس المذكور ختنته، فحصل في ذلك لطف كبير، وبرأ ~~في نحو خمسة أيام، أدام الله عليه لطفه آمين. # وفي هذا الشهر، حكم القاضي محب الدين أبو البركات الهيثمي ~~بانفراد الذكور من أولاد المحرقي بنظر وقف عليهم، وكانت امرأة منهم ~~قد حكم لها بعض قضاة الحنفية، بأنها ناظرة بحكم أنها أرشد الموجودين ~~وأغدر لها بعض من حكم له الهيثمي، وممن نفذ ذلك الحكم الهيثمي، ~~وكانت المرأة مزوجة ببعض جماعة الشرف الأنصاري، فقام الأنصاري في ~~ذلك وقعد، وكان الذكور عصبة من الطواشية والجند، وأقام الأنصاري ~~عصبة، وكان مآل النظر إلى قاضي الحنفية، فعضب الأنصاري PageV02P301 ~~بعض الحنفية والمالكية والحنابلة، ثم سعى أن يعقد لذلك مجلس في ~~قاضي الحنفية السعد بن الديري في المؤيدية، فسعى الهيثمي أن يكون ~~ذلك عند السلطان، فأجيب، ثم سعى الأنصاري، حتى جعل ذلك ~~في الصالحية، فحضر لذلك في نحو العشرين من الشهر، وقد صار ~~القضاة الثلاثة في ذلك ألبا واحدا على الهيثمي، فسألوه عن ذلك، ~~فاحتج بظهور شرط الواقف، بخلاف ما حكم به نائب الحنفي، ~~فاحتجوا بتنفيذه لذلك، فاحتج بأنه لم يكن رأى شرط الواقف، ~~وحصلت أمور كثيرة، عجزوا عن إبطال حكمه بشيء منها، فرأوا أن ~~يصلحوا بين الفريقين، الذكور والإناث، ففعلوا، وحكم بذلك نائب ~~الحنفي، فأبلغ الأنصاري السلطان أنه وقع الصلح وقال: لو كان ~~حكمه صحيحا لم يجب إلى الصلح، وأوهمه أن الهيثمي هو الذي حكم ~~بالصلح، وساعدته عصبتهن فعزله السلطان، فبلغته عصبة الهيثمي ~~جلية الأمر، فعزل ms383 نائب الحنفي، وهو شخص من كبار الجهلة يقال له ~~علي الميموني، فلما لم يقعوا على طائل عثروا على أن أبا البركات حقن دم ~~يهودي وقع في حق النبي صلى الله عليه وسلم، بما لا يتدينون به، فقاموا في ذلك، ~~وتعصب المالكية وغيرهم، حتى بعض الشافعية في ذلك، فأرسل ~~السلطان نقيب الجيش إلى أبي البكرات يوم الثلاثاء خامس عشري الشهر ~~فأخذه إلى بيته، ورسم عليه، ثم أمر القضاة فطلعوا يوم ختم البخاري، ~~يوم الأربعاء سادس عشريه، آذان الظهر للكلام في القضية، ففعلوا، PageV02P302 ~~فأخذ الشافعي العلم صالح البلقيني يتكلم بما يؤدي إلى حقن دم ~~اليهودي، من تلك الواقعة، فاحتد عليه السلطان، وأسمعه هو وغيره ~~من رفقته وغيرهم ما لم يكن يظن أنه يحصل لقاضي الشافعية، لكن سوء ~~السيرة يوجب ذلك فلا قوة إلا بالله. # حكي لي أنه أخذ حكم أبي البكرات ليقرأه، فأخذ يقرأ القصة التي ~~سأل اليهودي فيها سماع الدعوى عليه بذلك، فتلكأ في قراءتها، فقال ~~الأنصاري: إذا كان سيدنا قاضي القضاة لا يحسن قراءة القصة، فكيف ~~كتب عليها، فقال له الشافعي: اسكت يا عامي. فقال الأنصاري: ~~العامي الذي يحكم الأحكام الباطلة. وقال غيره نحو ذلك وأسمعوه من ~~التلويح المقارب للتصريح، بأنه يأكل الرشا ما يصلح لأفعاله الخبيثة. # وقال السلطان : أن اليهودي أرسل إلي خمسمائة دينار، فلم أقبلها. # فقال: أبو البركات: أنا ما حكمت له في هذه الواقعة بشيء، انظروا # الحكم هذا أنهى أن جماعة من المسلمين يسبوه، إلى أنه قال هذه المقالة ~~القبيحة وهو سكران، فسألته عن دفع قولهم، فقال: إنه عاجز عن ~~ذلك، فرأى الحاكم أن هذا يقرب من الإقرار، فسأله هل قلت ذلك؟ # فقال: لا. فاستحلفه، فحلف، فرأى أن يعزره على ما رآه يقارب # الإقرار، فضربه وسجنه، ثم حكم بأنه باق على ما كان عليه من العهد، ~~وحقن الدم؛ لكونه لم يقر، ولم تقم عليه بينة. # فسكن الأمر، وسلم اليهودي إلى المالكي، وهو الحسام بن حريز ~~الشريف ليضرب رقبته إذا أقيمت عليه البينة، ورسم السلطان أنه لا ~~يستوفي ms384 الحدود والتعازير إلا المالكي، وفرج عن القاضي أبي ~~البركات. PageV02P303 ~~واعتقل المالكي ذلك اليهودي في المقشرة في قيد ثقيل وغل، فأسلم ~~وادعى أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر شخص من المسلمين أيضا أنه رأى له ~~مناما حسنا، وكان المالكي قد قال: أنه يقتله وإن أسلم على وجه ~~ضعيف عندهم، واستأذن السلطان في ذلك، وأشهد عليه في الإذن، ~~فلما اجتمع القضاة ليلة الأحد سلخ رمضان للترائي، سأل الحنبلي ~~المالكي عنه، فقال: نقتله. فقال له: فكيف تصنع بلا إله إلا الله؟ (كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنه) فلم يدر ما يجيبه، وكان ~~قليل البضاعة في العلم، فأغلظ له الحنبلي. # ثم استمر مسجونا، وأرسل المالكي إلى نابلس وإلى القدس يبحث ~~عن القضية والشهود؛ لأن القضية كانت في نابلس، فلم يعثروا على ~~شهود بذلك، ولم يزل الأمر متماديا حتى مات الرجل في الحبس ليلة ~~السبت خامس عشري ذي القعدة من السنة. PageV02P304 ~~وفي آخر يوم الأحد الثلاثين من شهر رمضان هذا قدم الشيخ أبو ~~الفضل البجائي من إسكندرية وأخبر أنه خرج منها ضحوة يوم الخميس ~~سابع عشريه، بعد أن جهز معه نائبها جانبك النيروزي خمسة عشر ~~جنديا يوصلونه إلى رشيد؛ وذلك لأن عرب ابن سعدان أحد شيوخ ~~العرب بتلك الناحية يقطعون الطريق بين إسكندرية ورشيد لأن سودون ~~قرقش، قبض على شيخهم ابن سعدان المذكور، وقدم به إلى السلطان ~~فاعتقله، فوصل الشيخ أبو الفضل إلى رشيد آخر يوم الخميس المذكور، ~~ثم ركب البحر فكان سيره فيه من رشيد إلى القاهرة نحو يومين وليلة، ~~وهذا قل أن اتفق لأحد. # وأخبرني أنه أتى في مدة إقامته بإسكندرية مركب من البنادقة، وإذا ~~آخر من الكيتلان يطرده، فسبقه البندقي إلى الميناء، فأقام ذلك أياما، ~~ثم رأى مركبا آتيا فلاقاهن فإذا هو من نواحي الروم، فقاتلوه، وكان قد ~~أخذ ريحهم فأطلق جميع قلوعه، وكان كبيرا جدا، ونطح مركبهم ووثب ~~منه تسعة من شجعانهم إليهم، فقوي الريح فداس مركب التركمان، ~~فأغرقه، فلم يطلع أحد ms385 سوى اثنين، الفرنج وجاريتين؛ تعلقوا بخشبة ~~واستمروا عليها إلى أن أخرجتهم إلى ناحية أبي قير، بعد يومين أو PageV02P305 ~~أكثر، فلما طلعوا ذبحوا المرأتين، وذهب منهم اثنان، فأبعدوا عن الطريق ~~شيئا وجلسوا، فرآهما المسافرون فاستنكروهم، فقبضوا عليهما وأتوا بهما ~~إلى إسكندرية فأسلماهما للنائب، فسألهما عن حالهما فقصا عليه القصة، ~~ثم خرج منه ثلاثة إلى تلك الناحية [فذهبوا] إلى كوم الأفراح، ~~فأكلوا من البلح، وشربوا من النيل، ثم رجعوا إلى إسكندرية، وكانوا ~~يكمنون النهار، ويسيرون الليل، فقدموها ليلا، وذهبوا من وراء السور؛ ~~يقصدون التوصل إلى مركب هناك من جنسهم، فعثر عليهم، فهرب ~~منهم اثنان في البحر عوما، وقبض على واحد، فقص على الناس قصة ~~نفسه، ورفقته، ثم عثر ليلا على اثنين - يشبه أن يكونا منهم - خارج ~~باب البحر، فقصدا فنزلا في البحر، فلم يظفر بهما فلا قوة إلا بالله. # وفي شهر رمضان هذا عثر ناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب ~~شكم على خيانة من خزنداره الثاني، وهو مملوك له يسمى جانم في ثياب حرير ~~وغيرها من حاصله، كأنه أخذها لما مرض وأشفى على الموت، كما مضى ~~في العام الماضي، فتتبعها فإذا هي تزيد على خمسة عشر ألف دينار، ~~وجد منها عند بعض من أودع عنده شيئا يسيرا، فأراد عقوبته لتحصيل ~~الباقي، فأتاه ناس من الأجلاب فتهددوه بالقتل متى وضع عليه ولو عود ~~ريحان، فلم يقدر على الوصول إليه، فسبحان القادر على كل شيء. PageV02P306 ### || ### ||| آخر السنة القبطية: # وكان آخر السنة القبطية يوم الثلاثاء ثاني شوال، وأول أيام النسيم ~~الأربعاء ثالثه، وأول توت وهو يوم النيروز يوم الاثنين ثامنه، ولم يفتح في ~~هذا اليوم قناطر بني منجا وهو السد الذي من دون سد الأميرية، وقد ~~كانت العادة جارية بفتحه يوم النيروز فاختل ذلك بتواري الإستدار، ~~وفي ذلك ضرر عظيم عليه، بفوات المنافع التي يجري إليها الماء، ~~واستمر ذلك إلى يوم السبت سادس توت، أو الأحد [سابعه]. ### ||| : # وفي آخر يوم الأربعاء عاشر شوال هذا ورد الخبر أن العسكر الراجع ~~من بلاد ابن قرمان حصلت لهم ms386 مشقة في ما بين غزة وبلاد مصر، فمات ~~كثير من مواشيهم، ومنهم في ذلك الرمل، ومنهم من تعجل فمات ~~قريبا منهم حاجب الحجاب جانبك القرماني أحد رؤساء العسكر، ~~قيل: إنه مات في الخطارة، وحمل إلى منزله بالقاهرة ميتا، وعينت ~~وظيفة حجابة الحجاب للأمير برسباي صهر الأمير بردبك على ابنته. # وفي آخر يوم الأحد رابع عشر الشهر، وصل بقية أمراء الجيش، ~~فنزل خش قدم أمير سلاح، وقرقماش رأس نوبة النوب في الترب، ~~وذهب يونس العلائي إلى بيته؛ لأنه كان مريضا. # وفي صبيحة يوم الاثنين خامس عشره، طلعوا إلى السلطان، فأحسن ~~تلقيهم وخلع عليهم ما جرت به عادة كل منهم. PageV02P307 ~~وفي يوم الخميس ثامن عشر الشهر خلع على الناصري محمد بن ~~السلطان بإمرة الحاج وكان قيل لأبيه: أنه لم تجر عادة بأن ابن السلطان ~~يكون أمير الحاج، فقال: قد عرفت ذلك، وأنا أعمل هذا عادة، ~~وخلع أيضا على أخيه أحمد، وخرجوا بالمحمل إلى بركة الحاج، وكان ~~الناس يظنون أنه يخرج معه إلى الحج أكثر من كل سنة، فإذا هم قد ~~خافوا من الزحام وظلم الأتباع، ولاسيما وقد شاع أنه لم يبق في مصر أحد ~~من اللصوص الذين يقال لهم النفر إلا استعملهم جمالته، وكذا الزغلية، ~~وهم الذين يفسدون الدرهم والدينار إلى غير ذلك من المفسدين، كالبزادرة وهم ~~أرباب الطيور وأنظارهم. فتوفرت دواعي الناس على الترك لأجل ذلك، ~~وذهب غالب من قصد الحج مع ركب الأتراك الذين يذهبون كل سنة ~~لحفظ مكة المشرفة والإقامة بها إلى الموسم، فرحلوا من البركة ليلة السبت ~~العشرين منه، وذهب كثير من الناس أيضا مع أمير الركب الأول، وهو ~~يشبك المشهور بالباشن أحد جماعة الأشرفية، فرحل ~~بهم ليلة الأحد العشرين منه، وكان في ركبه الشيخ كمال الدين PageV02P308 ~~ابن إمام الكاملية، وأبو العباس بن الشيخ شمس الدين الغمري. # وفي ضحى يوم الأحد هذا، وصل الأمير جانبك، ناظر جدة، ~~ومعه زين الدين يحيى الإستدار، فارتجت له البركة، وسر الناس بقدومه. # وفي ليلة الاثنين ثاني عشري الشهر أحرق بين يدي ابن ms387 السلطان من ~~النفط شيء عظيم، قل أن رؤي مثله، ثم رحل في أواخر هذه الليلة ~~بنحو ألف عليقة له. وخمسمائة لأمه وأختيه امرأة الدويدارين، ~~يونس، وبردبك وأتباعهن، وأنفق ناظر الخاص عليهم قبل ذهابهم من ~~البركة، نحو أربعين ألف دينار. PageV02P309 ~~وكان في ركبه من الأعيان المحب بن الأشقر، كاتب السر، ~~ومعه بعض أولاده وعياله، والتقي أبو بكر بن مزهر، ومعه أمه وأمها، ~~والعلم شاكر بن الجيعان، وعلي بن خليل بن خصبك بن خال بن ~~السلطان، ومحمد ابن أيتمش الخضري بن خالته، وقاضي المحمل إمام ~~ابن السلطان، أبو الفتح بن الشيخ شمس الدين الحجازي المشهور ~~بالمكتب وليس عنده أهلية لإمامة ولا قضاء، والله الهادي، وسافر الأمير ~~بردبك لوداعهم. # وكان ابن السلطان قبل شهر رمضان قد أرسل الشرف موسى ~~الأنصاري بفول كثير جدا، يقال: انه نحو أربعة آلاف إردب إلى القلزم ~~التي تسمى الآن السويس (بمهملين مصغر) أوسقه له في مركب، ~~هو للشرف المذكور كبير جدا، وفيه لناس غير ابن السلطان، منهم ~~صاحب المركب، ومنهم صاحبه، بل شيخه عيسى المغربي، ذلك ~~اللعين المتقدم ذكره، له فيها مائة وثلاثون حملا ما بين قمح ودقيق، وكان ~~ضمن لهم أنها تصل بالسلامة على عادة مجازفاته في دعاويه للمغيبات، ~~كما أخبرني الثقة أنه سمع ذلك منه غير مرة، فبلغهم قبل الرحيل من ~~البركة أن المركب غرق بمن فيه وما فيه، وبين الله كذبه، وأخسر تجارته ~~الدنيوية مع الأخروية، ولكنهم لا يعقلون، وكان هذا افتتاح سفرهم. PageV02P310 ~~وبلغني أنه لما بلغه ذلك قال: قد علمت أنها تغرق، وبعت ما لي ~~فيها لشرف الدين، ولو أن عند شرف الدين ذكاء كان علم أني ما بعته ~~إلا لعلمي أنها تغرق، فانظر إلى المباغتات كيف يفتضح فيها المكره أنف ~~من نسبته إلى الجهل بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله، أو من يختصه من ~~خلص عباده، فنفاه عنه، ونسب نفسه إلى الغش وهو حرام مطلقا، ~~وأما غش الصاحب وإيثار النفس عليه فلا يرضاه ذو مروءة وإن كان ~~كافرا. ### ||| موت قاسم البلقيني: # وفي يوم ms388 الأحد حادي عشريه، مات القاضي أبو العدل قاسم بن ~~قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام السراج ~~البلقيني، عن نحو سبعين سنة، وكان له اشتغال بالفقه، وعنده فيه ~~فضل يسير، وكان يريد إقامة سوقه بالكرم، فكان في كل سنة يقسم ~~كتابا من مختصرات فقه الشافعية ويفضل بماله على من يقرأ عليه أو يحضر ~~عنده، فكان يحضر عنده كثير من الفضلاء، فيخلع على غالبهم يوم ~~الختم من الصوف وغيره ما يليق بكل منهم، ويعطي بعضهم صررا، ~~وبعضهم طعاما، على قدر منازلهم، ثم طال عليه الأمر، فترك في آخر ~~أمره، وكان يتجر في الجلود، فكان يتردد إلى المدابغ، لأجل ذلك، وكان ~~مفرطا في اعتقاده الصلاح في كل مدع، حتى أنه كان يذهب كل جمعة ~~إلى الخانكاه، يزور الشيخ محمد الكويس، وله مع غيره ممن هو في سلكه PageV02P311 ~~ويحكى عنهم أشياء خوارق، يغلب على الظن مجازفته فيها، وكان ~~يتكلم في دينه ومروءته، عفى الله عنه، ووثب الناس، وأولهم أقاربه على ~~ابنه فأخذوا غالب وظائفه، وأجلها. ### ||| سفر الشيخ أبي الفضل: # وفي ليلة الاثنين ثاني عشري شوال هذا سافر الشيخ الإمام محقق ~~الزمان أبو الفضل البجائي المغربي، من القاهرة مع العرب؛ لضيق ~~الحال به في القاهرة فوا أسفى. # وقلت ليلة الجمعة سادس عشري الشهر أندب فراقه أعقبنا ~~الله منه عقبى حسنة. # أأحبابنا أوصيت من لكم ألفى%%يحييكم مهمار أي وجهكم ألفا ~~ألا غنني ما خنت والله عهدكم%%وكيف ومثلي يا خليلي من وفى ~~أبا الفضل إن الفضل سار بسيركم%%وأورث شمس العلم بينكم الكسفا ~~وعاد ظلاما أفق مصر واوحشت%%محاسنه يا لهف نفسي يا لهفا ~~برغمي والله العظيم رحيلكم%%وما مل جفني الدمع فيك وما جفا ~~رعى الله أياما تقضت بقربكم%%فلم تبق لي إلا التذكر والوصفا ~~رتعت بفهمي في رياض دروسكم%%زمانا فأنستني المؤانس والإلفا PageV02P312 ~~أشبهها البحر الخضم فبعضنا%%تغرقه والبعض توسعه لطفا ~~وكالدر تلفى عند قوم قلائدا%%وتصدف عن قوم بجملتها صدفا ~~تصم معانيها مسامع معشر%%وتضحي لأسماع جواهرها شنفا ~~فكم زهر علم قد نشقت عبيره%%بها وثمار قد أجدت لها قطفا ms389 ~~وكم سرحت أفكارنا في تنائف%%مهامه فيح تورث الخوف والضعفا ~~فجالت بها ألبابنا وتأنست%%بأفكاركم حتى غدت تسبق الطرفا ~~وما دق معنى أو ألمت ملمة%%وإن أعضلت إلا كشفتها كشفا PageV02P313 ~~أفضت على تلك الدروس سحائبا%%من الدمع ما حاكى السحاب لها وكفا ~~لقد عزبت عنا المعارف إثركم%%وأنكرت الأفكار بعدكم العرفا ~~على أم دفر غضبة الله إنها%%مقطعة حبل التواصل والزلفى ~~وقفت على تلك المعاهد بعدكم%%أسائلها عنكم ما نطقت حرفا ~~بلى نطق الحال الذي هد خاطري%%وشب بقلبي لاعجا جل أن يطفى PageV02P314 ~~فقال قضى ريب الزمان ببعدهم%%واسقال صرف الدهر بينهم صرفا ~~فعدت ولم أملك سوابق عبرة%%تفيض وزفرات أبى داؤها يشفى ~~بلى إنني أشفى بطيب لقاكم%%وهل تلحق الأدواء من درع اللطفا ~~ألا أيها البين المشتت شملنا%%إلى كم تعادينا تسير بنا عسفا ~~وتبلغ أقواما أقاصي مرادهم%%وهم كالحمير الطالبات لها وكفا ~~إلى الله أشكو فهو يفصل بيننا%%فتبلى بما أبلى ومن وصبي أعفى PageV02P315 ~~ثم وصل الخبر أنه وصل إلى الطور، ثم خبر آخر أنه وصل إلى ~~جدة، ثم لم يلبث أن شرع الناس في قال وقيل بسببه، فبعض يقول رؤي ~~في منوف متنكرا، وآخر في فوه، وآخر في دمياط، وآخر في الصعيد ~~في بلاد ابن عمر، واختلفوا في الأسباب، فكنت أكذب جميع ذلك، ~~لكني أنكر حقا الخبر من جهة مكة، فلا يأتي قادم منها إلا سألناه، ~~فيقول: لا علم لي به، ثم أتاني خبر صحيح، أنه كان في الخانكة في ~~شوال سنة اثنين وستين، بعد ذهاب الحاج بيسير، فاكترى إلى الطور، ~~وركب البحر، ثم جاء الخبر مع الحجاج أنه لقيهم في ينبع، فاكترى ~~معهم وحج، وأرسل كتابا مع بشير الحاج كما سيأتي، وذكر فيه اختلافهم ~~في الوقفة، ثم أتى كتابه يقول ما نصه: «أما بعد، فإني كتبته غليكم من ~~منى، وقد من الله تعالى بلوغ المنا، بحضور المشاعر لأداء المناسك، ~~والمرجو من الله تعالى القبول، ولولا جمل اعتراضية عاقت فيما مضى عن ~~التعهد بموالاة الرسائل ما أبطأت المكاتبة عنكم إلى هذا الحين، ولكنه ~~كان ما جرا أني لما فصلت من القاهرة ms390 المحروسة في السنة الحالية، أعني PageV02P316 ~~سنة إحدى وستين، وصلت إلى الطور، ثم سافرت في البحر إلى جدة، ~~ثم أكريت إلى مكة المشرفة، واتفق أن لقينا هناك رجل ظاهر الخير ~~والديانة ممن يعتقد الناس خيره، وأنا منهم، فسألته إبلاغ كتبي إليكم ~~خصوصا، وإلى سائر الأصحاب عمومان فأجاب إلى ذلك، فشرعت في ~~كتابة الكتب، فتغفلني وأنا غير متحذر منه أصلا، فاختلس لي كتبا ~~صغيرة الجرم، نفيسة العلم، جليلة الخطر، وضمنها نفعة جليلة، وحان ~~مني تفقد بعد انصرافه، فوجدت أعز ما عندي قد ذهب به على وجه ~~تحققت أنه المختلس لذلك لا غيره، فالتمسته فوجدته سافر في الحال، ~~فسافرت في طلبه متتبعا له، وحكايتنا طويلة، نذكر تفصيلها مشافهة إن ~~شاء الله تعالى، حاصلها بإيجاز: أني ظفرت به، بعد تعب طويل، ~~وأخذت منه جميع الكتب، لم يضع منها شيء، والنفقة الجليلة، إلا ~~بضعة عشر دينارا، ذكر انه تصرف فيها، وأظهر [التوبة] والندم، ~~وسأل بالله تعالى العفو عنه لوجه الله تعالى، ومسامحته في الدنيا والآخرة ~~وستره بين الناس؛ فعفوت عنه لوجه الله تعالى، وعاهدته على ستره لله ~~تعالى، ووفيت له بذلك، ورجوت من الله تعالى أن يعاملني على تقصيري بمثل ~~ذلك. فكان الشغل بهذا الحادث عائقا عن معاهدتكم بالمكاتبة». انتهى. # ثم أخبرني من له اطلاع على بعض ذلك أنه أول ما بدأ ببلاد ابن ~~عمر، في ناحية الصعيد، ثم شم خبر المختلس في الفيوم، فدخلها، ~~ثم قدم إلى مصر القديمة، ثم انحدر في البحر إلى دمياط، ثم رجع إلى PageV02P317 ~~منوف فوجد الغريم بها، فأخذ منه متاعه، فاطلع على ذلك بعض ~~الناس، فرفع الأمر إلى الكاشف بتلك البلاد، الأمير قاسم، فطلب ~~الشيخ وهو على هيئة الاختفاء، فحاول الخلاص منه، فلم يقدر، فسأله ~~أن يخليه ففعل، فأخبره عن نفسه، وقص عليه أمره واستكتمه، وفارقه ~~فاطلع عليه بعض من يعرفه هناك، فخاف اشتهار أمره، فغطس إلى ~~فوة، ثم قدم إلى القاهرة متنكرا، فأخذ بعض ما كان له هناك من الأمتعة، ~~ثم ذهب إلى الخانكة أيام سير الحجاج، فاكترى ms391 بعد ذهاب الحجاج ~~بقليل إلى الطور. # وفي أواخر يوم الثلاثاء سلخ شوال المذكور، قدم الأمير ~~بردبك من توديع ابن استاده ونسائه، ووصل معهم إلى نخل، ~~وحصل بسفره معهم خير؛ زجر بعض المفسدين ورغب ابن استاده في ~~الخير، قال له: هذه السفرة حظك إما أن تربي لك مهابة ومحبة من جميع ~~الناس، وإما أن تبقي عليك عارا لا يغسل إلى آخر الدهر، فاختر ~~لنفسك. # وفي هذا الشهر قدم رسل من عند جهنشاه بن قرا يوسف، ~~صاحب بغداد، وما والاها، يخبرون أنه قتل من أولاد الشعشاع، ~~واستباح بيضتهم، فلم يبق لذلك البيت الخبيث بناء، وفض جموعهم، ~~وهدم الله به ذلك الضلال، وانفتح بذلك طريق الحج من العراق، وذلك PageV02P318 ~~لأن ابن إسكندر منهم كان قصد إلى الشعشاع، وأراد أن يتقوى به على ~~أهل بغداد،فالمرجو من الله أن يعم باقيهم بالنكال، ويمكن منهم ~~السيوف والأغلال. # وفيه أيضا قدم بهشل من عند حسن بك بن قرايلوك بخبر: أن # جهنشاه كان بغى عليه، وأرسل له عسكرا مع كبير من وجوه أمرائه، ~~فنصره الله عليهم، وقتل ذلك الكبير وغالب وجوه عسكره، واستباح ~~بيضتهم، وشتت شملهم. # وفي هذا الشهر، أو الذي بعده، مات عماد الدين إسماعيل بن ~~قاضي القدس برهان الدين إبراهيم بن خطيب المسجد الأقصى، وشيخ ~~الصلاحية جمال الدين عبد الله بن جماعة القدسي الشافعي، وكان له فضيلة ~~في الفقه والنحو وكان بارعا في العالي والنازل من فن الحديث رحمه الله. ### ||| قصة الخنثى: # وحدثني صاحبنا الفاضل المفنن نور الدين علي بن.. المقسي ~~الشافعي، أنه رأى في هذا العام، أو الذي قبله في مدينة المنصورة ~~على شاطئ النيل الشرقي شخصا [من] المتسببين في نقل الغلال PageV02P319 ~~المسمين بالتراسين، ربما يكون سنه نحو عشرين سنة، وأخبره من لا ~~يتهمهم، أنه خنثى، بمعنى أن له ما للرجال، وما للنساء، غير أن آلته ~~الجالية كانت صغيرة ضعيفة، فكان لا يشك أنه بنت، وكان اسمها ~~خديجة فيما أظن، وأنه خطبها بعض الرجال وأجيب، فلما لم يبق إلا ~~العقد تحققت ذكوريته، فصار لا يشك ms392 أنه رجل، قال: وشاهدته بين ~~التراسين كواحد منهم. ### || # وفي يوم الخميس تاسع ذي القعدة من السنة، مات الفاضل ~~شهاب الدين أحمد بن العطار الحلبي الحنفي نزيل الشيخونية، ~~وكان من أعيان الحنفية، وكان له حظ من الترك، بمعرفته بلسانهم ~~وانطراحه معهم، مع إقامة ناموسه بين من سواهم، وكان مترفعا، مزدريا ~~للناس، منسوبا إلى كثرة الوقيعة فيهم، وخلف كتبا كثيرة نفيسة، وكان ~~له تعلقات تكفيه. # وفي ذي القعدة سنة إحدى وستين وثمانمائة، أرسل شهاب ~~الدين التلمساني المالكي كتابا [إلى] نائب الشام قانباي الحمزاوي، ~~يطلب عوده إلى قضاء المالكية بدمشق، فأجيب، وكان الزين عبد ~~الرحمن السويدي قريب عهد بخدمة ناظر الخاص، فلم ير عزله مطلقا، ~~فولاه قضاء المالكية بحلب. # وفيه أيضا سعى ناظر الخاص لعلاء الدين بن قاضي عجلون، وهو لا ~~يرضى لشيء فيه صلاح لدين ولا لدنيا، في قضاء الحنفية بدمشق، PageV02P320 ~~فوليهاعن الحسام بن بريطع، وأخبرت أنه لم يعرف يكتب ورقة بخطه ~~بالمال الذي بذله في ذلك، حتى استعان بشخص ممن له خبرة بذلك ~~فيا لله العجب!، فلما وصل خبر ولايته تحدث أنه رسم الحسام إلى ~~صفد؛ لأن له هناك إقطاعا، فاختفى ثم سافر إلى القاهرة، فقدمها ~~في أول سنة اثنين وستين كما سيأتي. # وفيه دلس الزين عبد الرحمن بن الكويز على بعض مماليك الأشرف ~~إينال، فنزل له عما له في مدينة المنصورة، ثم كتبت بذلك مراسيم ~~السلطان وقرائنها إلى والي المنصورة، وشيخ العرب، والقاضي بذلك، ~~فلما وصل ذلك إلى المنصورة؛ أسفرت العاقبة عن أن الذي نزل عنه إنما ~~هو مكس أبطله الظاهر، من نحو خمس عشرة سنة، ونقش ذلك في ~~رخامه بماء الذهب ووضعت في المنصورة، فاجتمع الرسول بالمذكورين ~~فخافوا عاقبة مملوك السلطان، فأذعنوا للأمر، فأرسلوا إلى القاضي وهو ~~الفقيه الفاضل البارع الأديب بدر الدين محمد بن الفقيه الأديب ~~الفاضل شمس الدين محمد بن كميل ليحضر، فلم يجب، وقال: هذا ~~مما لا تعلق لي فيه، وكان بين أبيه وبين ابن الكويز عداوة، فأغرى ~~قاصده المملوك الذي له للنزول بذلك فشددوا عليه ms393 وانتهكوا حرمته، ~~حتى قيل: أنهم رموا على بيته بالسهام، فحضر إلى القاهرة ومعه خلق ~~من أهل المنصورة، فاستد، فقام مماليك السلطان عليه بإغراء ابن الكويز PageV02P321 ~~فوضع في بيت نقيب الجيش مرسما عليه في يوم الاثنين العشرين من ذي ~~القعدة هذا، وقال ابن الكويز للسلطان: هذا رمى بمرسومك الأرض؛ ~~فاغتاظ السلطان على ابن الكويز، وقال له: يا منافق، تريد بهذا أن ~~تغريني عليه، ونحو ذلك، وشقت هذه القضية على أهل الدين، ورموا ~~ابن الكويز بسهام الأدعية، فإنه من بيت الظلم والكفر، حتى لقد ~~أخبرني القاضي الفاضل الرئيس الثقة الدين كمال الدين محمد بن القاضي ~~ناصر الدين محمد بن البارزي الشافعي، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ~~فسأله عن علم الدين سليمان بن الكويز أبي عبد الرحمن هذا (وكان ~~صهر البارزيين) هل هو مسلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا بل هو كافر، أو كما قال ~~صلى الله عليه وسلم، وكان علم الدين هذا نصرانيا، فأظهر الإسلام، ثم تنقلت به ~~الأحوال حتى صار كاتب السر بالقاهرة للأشرف برسباي، وصار إلى ~~رئاسة ضخمة، وهو الذي عزل الولي العراقي بصالح البلقيني، وكان ~~ذلك سبب موت الولي المذكور، فهم أهل بيت ليس للإسلام فيهم راحة. PageV02P322 ~~ولم يزل ابن الكويز، يلقن المماليك من حيله، وهم يكلمون أستاذهم، ~~حتى أثبتوا في ذهنه أن القاضي بدر الدين كان يأخذ المكس، الذي ~~أبطله الظاهر في حول هذه المدة؛ وذلك لأنه كان بنى جامعا، وعمل له ~~مصبغة، ولما كان السلطان قليل المخالطة بالناس، والخبرة بأحوالهم، ~~وكان قد عهد أن من جملة المكس ما يؤخذ من بعض المصابغ، ظن أن ~~المصبغة لا تكون إلا مكسا، فثبت ذلك في ذهنه، فقالوا: إن في جهته ~~من هذه الجهة اثنا عشر ألف دينار، فرسم بأخذها منه، وشدد عليه، ثم ~~رفعت الشفاعة فيه إلى أن كان أول ذي الحجة من السنة، علم أنه لا ~~يطلقه بغير شيء، فنوزل حتى رضي بثلاثمائة دينار، وكتب بإبطال ~~المكس، كما كان، وأشهد على الذين كان المكس ms394 بأسمائهم، ابن الكويز ~~ومن معه، أنه لا حق لهم فيه، وحمل له بعض الأكابر الثلاثمائة دينار، ~~وأطلق القاضي بدر الدين، وألبس خلعة جبرا له. # وفي ليلة السبت، خامس عشري ذي القعدة من السنة، ~~مات اليهودي الذي قيل: أنه وقع في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فعقد في حقه ذلك ~~المجلسالماضي، ثم سجنه القاضي المالكي فأسلم، وكان المالكي أرسل ~~إلى نابلس البلد التي كانت واقعته بها؛ ليحصل عليه شهودا، فلم يظفر ~~بذلك، وأرسل إلى القدس، فذكر أن الشيخ تقي الدين القرقشندي، ~~أرسل يخبر أنه بلغه، أن ذلك كان في مسكره، ولم يحضرهم غير الفسقة، ~~وكان المالكي مصرا على القول: بأنه لا بد من قتله وإن أسلم إذا ~~حضرت بينة، وكان المالكية يقولون: أن ذلك ليس على إطلاقه في ~~مذهبهم، بل له شروط هي مفقودة في هذه الواقعة. PageV02P323 ### ||| داع البحر: # وفي يوم السبت هذا، الموافق لثامن عشر بانة من أشهر القبط، نودي ~~بوداع زيادة البحر، وأنه ثبت على إصبع من أحد وعشرين ذراعا، جعل ~~الله عاقبته إلى خير آمين. # وفي يوم الاثنين سابع عشري ذي القعدة المذكور ولي صلاح الدين ~~أمير حاج بن بركوت المكيني بن امرأة قاضي القضاة العلم صالح ~~البلقيني وظيفة الحسبة بالديار المصرية عن الشيخ علي العجمي. وبذل ~~في ذلك ثلاثة آلاف دينار للسلطان، وتوابعها للحاشية، وأبوه كان عبدا ~~حبشيا لشخص من التجار، يقال له: المكيني، وبلغني، أنه كان في ~~غاية الجرأة، وأنه ادعى الشرف، وكان متمولا. ### || # وفي أوائل ذي الحجة من السنة ورد الخبر عن كتب كتبها الحجاج، ~~أنه حصل للركب الأول عطش في مرحلة الوجه، فأبرد أميرهم من ~~عنده بريدا، أعلم ابن السلطان بالحال، فعرج عن الوجه إلى زاعم، PageV02P324 ~~وسبق الحاج فروى ولاقاهم بالماء، فسقاهم فمات أكثر من شرب من ~~الرجال والجمال. وشرع الناس يزيدون في هذا الخبر وينقصون ~~ويبالغون في التهويل، ثم ورد في أيام عيد الأضحى كتاب ابن السلطان ~~من مدينة ينبع، أنهم وصلوا إليها بالخير والسلامة لنفسه وأخيه وأختيه ~~وأمهم، وجميع من معهم، ms395 فإذا الفول كل ويبتين بدينار، ثم كان في ~~اليوم الثاني كل ويبتين ونصف بدينار، ثم كان كل ثلاثة وأكثر بدينار، ~~وان سبب الغلاء في أول يوم ما كان عليه أمير ينبع من الظلم، وهو الأمير ~~هجان [بن محمد بن مسعود]، ولما ثبت عنده ظلمه، ولم يقف في ~~خدمته ولا رفع به رأسا أقام غيره، وهو.. بن الأمير معز، فحصل ~~الرفق، والأمر بعد ذلك موقوف على ما تقتضيه الآراء الشريفة السلطانية، ~~فأجاز السلطان ذلك، وأمر بالقبض على قاصد الذي كان متوليا، ~~وكان بالقاهرة، وأمر أن يجهز للجديد خلعة باستمراره وتقوية أمره. # وفي جمعة هذا العيد، مات الشيخ أبو بكر الدقدوسي (بدالين PageV02P325 ~~بينهما قاف محركا وآخره سين مهملة) بمنزلة ودان آيبا من الحج على ~~ما بلغنا، وكان من المعتقدين بالقاهرة، على أنه كان جاهلا، قبيح ~~الشكل، وكان على ما أخبرني بعض جيرانه لا يخلو بيته من المفسقات ~~كالخمر ونحوه، وكان الذي أوجب اعتقاده أنه مازال يسعى له مطيروه ~~إلى أن زين لناظر الخاص الجمال يوسف بن كاتب شكم أن يجعله ممن ~~يعطيه ما يتصدق به، فكان يحج ويفعل من ذلك ما شاء الله أن يفعل، ~~وكذا في القاهرة، ولاسيما أيام الغلاء، وأيام الطاعون، وفي سنة ثلاث ~~وخمسين، كان يغسل الموتى وربما كفنهم وجهزهم، فعظم أمره، وطاب ~~حاله، وطار اسمه عند الأكابر، وتردد إليهم، واستمر على قريب من ~~ذلك إلى أن مات عفى الله عنه. # وفي ليلة الجمعة سادس عشر ذي الحجة المذكور، مات الخواجا ~~الفاضل شهاب الدين كاوان الكيلاني، بمكة المشرفة على ما بلغنا عن ~~كتاب من أهل مكة أدرك الحجاج، وكان هذا الرجل في سن الخمسين ~~على ما أظن، وكان فاضلا في عدة فنون، وكان ذا مال كبير، يصل به ~~الفقراء وغيرهم، وكان لا يسمع بعالم قدم مكة إلا ضمه إليه ليستفيد ~~منه، وأجرى عليه الأرزاق الكثيرة، وكان إذا زار المدينة المشرفة فرق ~~الهدايا على غالب أهلها، رحمه الله. # وفي أواخر يوم السبت سابع عشر ذي الحجة المذكور طبق الجو غيم، ms396 ~~ثم اصفر جدا وقرب الاصفرار من الأرض، واستمر يزداد حتى ساءت ~~الظنون، وخيف حلول الانتقام، ثم عظم الهواء، وتواتر البرق والرعد، ~~فلما أذن المغرب سمعت قعقعة في الجو، فأما من كان من أهل بلاد PageV02P326 ~~الشام ولم ينس أحوال الأمطار، فعرف أنه برد، وأما غيره فأدركه رعب ~~عظيم، ثم لم يكن بعد القعقعة بأسرع من أن نزل برد أكثره بمقدار الجوز ~~الشامي، وفيه ما هو أكبر، وكان نزوله على هيئة مزعجة، فبادر الناس ~~إلى البيوت، وما يقيهم منه، وعظم وقعه، وكان في غاية السرعة، ~~فاستمر أقل من خمس درج، فامتلأت الأرض بردا، بحيث أنه غطى ~~الأرض، وحدثت أنه لم يكن عاما، بل كان على بعض القاهرة، ولم ~~ينزل منه على قناطر السباع وما والاها شيء، ثم انجلى، وقد ~~شاهد المصريون ما لم يشاهدوا مثله في القاهرة قط، وجمعوا منه ما أرادوا، ~~فشربوا وامتصوا. # وأخبرني العز المنوفي قاضي الخانكة الذي طبق الجو عندهم، كان ~~قتارا أزرق أسود، وذلك في الوقت الذي كان بالقاهرة قبيل المغرب، ~~فاشتد خوفهم، ثم عقبه مطر شديد ولم يقع عندهم برد. # ثم أخبرني البرهان ابن أبي شريف القسي، قدم علينا القاهرة في PageV02P327 ~~سلخ هذا الشهر، أن هذا النحو أدركهم في غزة في أواخر يوم الجمعة ~~سادس عشرة، فعلم أنه سار من غزة إلى القاهرة في يوم وليلة، فسبحان ~~القادر. # وفي يوم الأحد ثامن عشره شنق السلطان شخصا من أهل رملة لدكان ~~نائب الكاشف بها، فشرب خمرا، ثم أخذ امرأة وابنتها، فأراد الفعل في ~~البنت؛ فرمت بنفسها من كوة البيت، فانكسرت رجلها، فنزل إليها ~~فقتلها، ثم طلع إلى أمها، فهربت منه فجرحها، فسافرت إلى القاهرة ~~، ورفعت أمرها إلى السلطان، فأحضره ماشيا في غل، ثم شنقه في هذا ~~اليوم، فإن كان ما نقل عنه صحيح فقد أجاد [جدا] وفقه الله. # وفي يوم الاثنين تاسع عشره مات الشيخ سراج الدين عمر بن ~~[عيسى بن أبي بكر] الوروري (بواوين مفتوحتين ورائين مهملتين أولهما ~~ساكنة) نسبة إلى كفر ورورا من أعمال [الغربية] المصري ms397 الشافعي، عن PageV02P328 ~~نيف وخمسين سنة، وكان فاضلا في عدة فنون: كالفقه والنحو والأصول ~~والعروض وغيرها، بعد علة طويلة، وكان بيده تدريس الفقه بمدرسة ~~شيخو، أخذه عن العلاء القرقشندي، وكان العلاء قد نزل لابنه الجمال ~~إبراهيم، وأخيه التقي عبد الرحمن عنه، فأمضى لهما أسنبغا الطياري، ولم ~~يمض الكمال بن الهمام، فلما مات الشيخ علاء الدين قرر فيه ابن الهمام ~~الوروري، وسعي له عند الظاهر، فاستكتب له أسنبغا، وتم له ذلك، ~~فلما مرض السراج هذا المرض سعى في الدرس المذكور أبو السعادات بن ~~الجلال البلقيني، بحكم أن السراج غير أهل له، فأجابه الكافيجي شيخ ~~الشيخونية، فسعى التقي القرقشندي، وأخرج تقرير الطياري له ولابن ~~أخيه فساعده من ظن أنه يجعل الدرس شركة بينه وبين ابن أخيه، فأخذ ~~له الأمير بردبك خط السلطان على قصة، فإذا فيها اسمه خاصة، ثم ~~أخذ له خط الشيخ، ورأس نوبة النوب قرقماش الجلب، فلما علم أنه لم ~~يشرك ابن أخيه مقته الناس، وتكلموا في عدم استحقاقه؛ لأنه لا يعرف ~~له اشتغال في علم من العلوم على قانون اشتغال الطلبة، ولا عرف له ~~كتاب جمع بين طرفيه على شيخ من المشائخ، وأخذته الألسنة، ودار ابن ~~أخيه على الناس، فزاد حنقهم على التقي المذكور، واشتد سعي ~~أبي السعادات المذكور، فلما مات السراج ذهب التقي إلى الناظرين فلم ~~يكتب له أحد منهما، فذهب إلى القاضي الحنفي ليحكم له بالولاية ~~المعلقة، فامتنع، فشكى ذلك إلى الأمير بردبك، فغضب لنفسه أن ترد ~~كلمته، وقيل له: إنه ليس بأهل، فقال: إن منعتم من كل وظيفة من ~~ليس لها بأهل عاملناه معاملتهم، وأما أنكم تحلونه عاما، ~~وتحرمونه عاما، فلا، ثم أشهد على السلطان أنه ولاه وحكم بذلك، وأرسل إلى الناظرين ~~رأس نوبة النوب قرقماش، والشيخ محيي الدين الكافيجي فاستكتبهما PageV02P329 ~~وتهدد أبا السعادات، وحنق في هذا الأمر حنقا ما عهد منه مثله إلى أن تم ~~الأمر للتقي وسكت عنه من أراد نزاعه. # وفي هذه الأيام قدم الذين أرسلهم السلطان في البحر ~~لجلب الخشب من الجون، من ms398 ناحية بلاد ابن قرمان، وقد سلموا ~~وظفروا بمقصودهم. # وفي يوم السبت رابع عشري ذي الحجة المذكور، وصل بشير ~~الحاج، وأخبروا أن العرب قطعوا عليهم الطريق، فأخذوا بعض ~~أمتعتهم، وأخذوا منهم كتب ابن السلطان ومن معه من أهل الدولة؛ ~~لكونهم لم ينصفوهم، وتركوا كتب الفقراء، وأخبرت عن كتاب بعض ~~أصحابنا أنه ذكر العطش الذي أصابهم في الذهاب والموت، وأنه قال: ~~ليس الخبر كالعيان، وأخبروا أن المتسفر بمال الحرمين من جهة القاضي ~~الشافعي، وهو أبو النجا بن عبد الرزاق الصحراوي من تربة الزمام أخذ ~~ما معه من المال، واختفى، فلم يدر أين وجه فوضع أبوه في غل، ~~ووكل به من يحفظه. PageV02P320 ~~وفي يوم الخميس تاسع عشري هذا الشهر خلع على شرباش كرد أمير ~~آخور بإمرة المجلس عن طوخ مازي؛ وذلك أنه وصل إلى حد لا يرجى، ~~عن علة طويلة وخلع على يونس العلائي الذي يقال له: أخو السلطان ~~بإمرة آخور عن شرباش. # وفي هذه السنة أو التي بعدها مات شبانه (بفتح المعجمة والباء ~~الموحدة، وبعد الألف نون) ابن مشاق (فعال من المشق)، شيخ ~~نصف جبل نابلس، وولي عنه المشيخة قريبه الشيخ خليل، فسر أهل ~~الخير بموت شبانه؛ لأنه كان فاسقا، وأما خليل فإنه عفيف، دين، ~~كريم، شجاع، وله فهم، ولديه فضيلة أتم الله له ما يريد من كل خير ~~آمين. ### | سنة اثنين وستين وثمانمائة: ### || # استهلت بالاثنين ، وكان ابن ~~السلطان وكثير من أقاربه حاجين كما مضى، فتجهز صهره الأمير ~~بردبك الدويدار الثاني في آخر يوم الأحد ثاني محرم الحرام منها للقاء ~~زوجته خوند بدرية، وأمها خوند الكبرى زينب، وأخويها المقام ~~الناصري محمد، والمقام الشهابي أحمد ولدي السلطان، واحتفل الأكابر ~~بإرسال الإقامات والتقادم لهم إلى ينبع فما دونها بما يعسر وصفه. PageV02P331 ~~وفي أول هذا اليوم، أو أواخر الذي قبله، وصل الحسام بن بريطع، ~~الذي عزل عن قضاء الحنفية بدمشق بالعلاء بن قاضي عجلون، ولم ~~يكن بن قاضي عجلون سافر عن القاهرة ولا أكمل إيراد ما التزم به من ~~المال، فاعتل بأن من كان يقرضه ms399 امتنع عند حلول الحسام، فرسم ~~بإخراجه إلى صفد، وكان قد حصل له ولولده جلال الدين محمد، ~~وغالب من معه حمى فاعتل بذلك، فأخر أياما، ثم سلم على السلطان، ~~بعد أن قدم له هدية تليق به، فأنصفه وأظهر أنه لا يعرف أنه عزل. # وفي أوائل هذا الشهر وصل الخبر إلى القاهرة بموت الزين عبد الرحمن ~~السويدي قبل أن يسافر إلى حلب رحمه الله، وكان سنه نحو ~~الخمسين سنة، وكان فاضلا في الفقهن والنحو، والأصول، ثم بلغني ~~أنه كان سبب موته أن في خدمة التلمساني شخصا يقال له شمس الدين ~~محمد الشويش (بمعجمتين مصغر) فلما قدم الخبر بولاية التلمساني ~~وكان في أواخر ذي القعدة فيما أظن، ذهب الشويش المذكور إلى ~~السويدي وهو جالس في محكمته والخصوم بحضرته، ولم يكن سمع ~~الخبر، فقال له: اغلق دواتك؛ فقد عزلت، فوجم، ثم حصلت له ~~حمى أقامت به نحو خمسة أيام، ثم مات رحمه الله. # وفي يوم الاثنين سابع عشر محرم هذا، مات الفاضل البارع شهاب ~~الدين أحمد الكناني الكناوي الصفدي، نزيل القاهرة، ولم يبلغ خمسا ~~وعشرين سنة، وكان فاضلا، بارعا في الفقه والنحو، والأصلين، ~~والتفسير، وغير ذلك، حسن التصور، جيد الفهم، وكان مقبلا على ~~العبادة والنسك منعزلا عن الناس، خفيف ذات اليد، وصلي عليه في ~~جامع الحاكم، ودفن في تربة جوشن، رحمه الله. PageV02P332 ~~وفي العقبة في رجوع الحجاج، اطلع ابن السلطان المقام الشهابي أحمد ~~من خزنداره يشبك على زلة في المال، ثم قيل أنه رآه يكلم زوجته بنت ~~دولات باي المؤيدي، فظن أن ذلك لريبة، وأنه صرف المال عليها، ~~فنفاه إلى صفد وطلق المرأة، فكان هذا تأويل ما حدثني الشريف علي ~~القصيري عند توجههم من بركة الحاج، أنه رأى أسنانه أي ابن السلطان ~~السفلى قد خرجت من فمه معوجة، وصارت على هيئة شنيعة جدا، ثم ~~غنه رضي عن خزنداره قبل مضي شهرين، وأحضره من صفد، وولاه ~~الخزندارية على عادته، فكان ذلك أعجب، واستمر غضبه على بنت ~~دولات باي، فأخرجت من القلعة، ونزلت إلى بيت أبيها، ms400 وأشهد على ~~نفسه أنه طلقها ثلاثا، وكان أبوها ممن ساعد علي في قضية ابن الفاوي ~~في سنة إحدى وخمسين، وما ساعد علي فيها أحد إلا فضح في حريمه، ~~وقد فضح دولات باي قبل موته لكن بفضيحة لم تشتهر، فاشتهرت هذه ~~اشتهارا ليس مثله. # وتأخر مجيء الحجاج في هذا العام، وسابقيهم عن وقته؛ لعائق المطر، ~~أتاهم في مواضع عدة، فكان من رأي ابن السلطان الرفق بانتظار إقلاعه ~~خوفا من غوائله في المسير، فقدم ركب المماليك الذين فرغت نوبتهم من ~~الإقامة بمكة المشرفة بكرة يوم الجمعة حادي عشري المحرم ~~المذكور، ثم قدم الركب الأول، ومنهم الشيخ شهاب الدين الكوراني ~~بكرة يوم السبت ثاني عشريه، وورد إلى البركة من الملاقين لسيدي المقام ~~الشهابي أحمد ولد السلطان، وأخيه المقام الناصري محمد، وأمهما، ~~وأختيهما، وأتباعهم والمتفرجين من النساء والرجال والمغنيات وغيرهن ما ~~لا يوصف كثرة، ورسم السلطان أن يلاقيه الجند بالشاش والقماش على PageV02P333 ~~عادة المواكب، فتقدم الأمراء والمباشرون وأتباعهم إلى منزلة البويب، ~~وتعدوها إلى نحو الفرسخ، واستمر الناس ينحرون من عصر يوم ~~السبت وإلى ضحى يوم الأحد، الحجاج آيبون، والملاقون ذاهبون، لم ~~يقتروا في هذا الوقت المذكور ساعة واحدة، فكان أمرا باهرا للعقول. # ثم ركبوا بكرة الأحد ثالث عشريه، وولدا السلطان في وسط آخر ~~صفوفهم على مقاديرهم في القرب والبعد، ودخلت محفات الخوندات، ~~وأمامها المغنيات بالدفوف، والمواصيل في زينة ومهرجان ما رؤي مثله في ~~هذه الأزمان، فالمسؤول الله في إتمام النعمة بإدامة انصراف النفس عن ~~مثل ذلك من الأمور الزائلة، فإن ذلكأذكرني قدوم الروح إلى عالم ~~البرزخ إصعادها إلى ملكوت السموات والأرض، وعرضها على ~~الرؤوف الرحيم، أو إهباطها إلى سجيل، وما كنت قلته قديما في ~~قريب من ذلك. PageV02P334 ~~إذا قطعت أوصال جسمي وفرقت%%وصلت على روحي السيوف البواتر ~~بمعترك فيه الوجوه كوالح%%وأسد الشرى تعتافه وتحاذر ~~به قلب ذي الإيمان والعزم ساكن%%وفي جمعه كاس المنية دائر ~~وأكرمت فيه بالشهادة بعدما%%أهنت جموع الشرك والرمح شاجر ~~ولاقاني الأملاك بالحور قولهم%%سلام ودقت لي هناك البشائر ~~فما ضائري ما فات من ms401 رائق المنى%%وإن قال قوم إن ذلك ضائري ~~وإلا فما قدمت ليس بنافعي%%ولا النفس بالعيش الرخي تفاخر ~~ثم إنهم دخلوا [إ] لى القاهرة في بكرة يوم الاثنين رابع عشري الشهر ~~إلى القاهرة في موكب عظيم، واجتمع من المتفرجين ما يعجز الوصف، ~~وركب خلف محفة خوند الكبرى خوند بنت شرباش، زوجة الملك ~~الظاهر، وخوند بنت الملك المؤيد على حمارين، وطلع الكل إلى القلعة ~~إلى السلطان، وأدخلت المحفات بجمالها من باب القرافة، وكانت بنت ~~شرباش المذكورة شديدة الأنكاء لزوجة إينال على أيام الظاهر، لا تطلع ~~إلى القلعة في هناء أو عزاء إلا أوجعت قلبها وأهانتها، فقضى الله أن ~~تركب على حمار في خدمتها، وهي محجبة في داخل المحفة، فسبحان من ~~يعز ويذل، وكثر ثناء الناس الحسن على ابن السلطان، وأمه، وجميع PageV02P335 ~~أتباعهم، في كرمهم، ورفقهم بفقيرهم وغنيهم وتواضعهم، مع جليلهم ~~وحقيرهم، زادهم الله من فضله، ووفقهم دائما لما يرضيه عنهم، وأصلح ~~بهم البلاد والعباد آمين. # ثم بلغني عن بعض خواصهم أن ذلك من خوند، وأنه لولا خوف ~~ابنها منها، لأحدث مما يذم به ما يعجز الوصف، وحدثني زوج أخته ~~الأمير بردبك الدويدار أنه لاقاه إلى الرقة وذلك مسيرة عشرة أيام، وأنه ~~أتاه في ذلك المكان من بلاد الشام، من العنب والرمان، شيء كثير، وانه ~~لم يرسل إليه من ذلك لا قليلا ولا كثيرا، وحدثني ناس من أهل المدينة ~~الشريفة، أنهم كانوا معه من المدينة الشريفة إلى البركة، فلم يروا منه ~~شيئا مما أهدى إليه، وكانوا لا ينظرون ذلك إلا في أيدي الأكابر وغلمانهم. # وفي يوم الأربعاء سادس عشري الشهر، ركب المماليك يطلبون من ~~السلطان أن ينفق عليهم خمسين دينارا لكل واحد شكرا لسلامة ولده ~~وعياله، واشتد أمرهم حتى لم يدعوا أحدا من المباشرين أن ينزل ~~من القلعة إلى أواخر يوم الخميس، فلم يدم لهم الهناء ثلاثة أيام، ~~فسبحان الملك على الإطلاق. # فلما اشتد أمرهم، أرسل يقول لهمك أنا أستاذكم، فلا يصلح لكم أن ~~تكلفوني، فأنتم تريدون أستاذا أو مالا؟ فقالوا: نريدهما. فقال: لم ms402 تجر ~~بذلك عادة، إن كنتم مماليكي، وفي طاعتي، فليذهب كل إلى طبقته وإلا ~~نزلت إلى تحت القلعة، وجمعت إخوتي وأحبائي الذين نزعوا لي الملك ممن PageV02P336 ~~كان قبلي وقلدوني إياه، فأدقكم بها دقة أجعلكم لحما ما عندي شيء ~~غير هذا، فلما سمعوا هذا الكلام، وعرفوا صدقه اختلفوا، فلام ~~أصاغرهم أكابرهم، قالوا: أنتم الذين حملتمونا على هذا الأمر، وهو كما ~~قال أستاذنا لا يليق. فقال الأكابر: بل أنتم كنتم تريدون هذا، فاقتتلوا ~~بالأيدي ونحوها إلى أن تحاجزوا، وقد أشرف جماعة منهم على التلف، ~~ورجعوا عن ذلك الأمر، وسكن الحال والله الفعال لما يريد سبحانه. # وفي هذا الحد وصل الخبر بأن الشهاب بن قاضي عجلون أبا علي، ~~الذي ولي قضاء الحنفية بدمشق مات، وكان ذلك قبل سفر ابنه من ~~مصر، وكانت بيده وظائف سنية، فنزل عن بعضها للشيخ زين الدين ~~حطاب، والنجم محمد بن الولي بن قاضي عجلون بن أخي الميت، ~~وأمضى ذلك القاضي الشافعي بدمشق الجمال الباعوني، فلما بلغ ذلك ~~القاضي ناظر الخاص أخذها من السلطان، وأشهد عليه بالتقرير، ~~وإبطال ما خالف، وأنكر على القاضي إمضاءه لذلك، فكلم في أن ~~يستنيب الشيخ خطاب، فأجاب. ### || ### ||| موت ابن آقبرس: # وفي يوم السبت ثالث عشر صفر من السنة مات القاضي علاء الدين ~~علي بن محمد بن آقبرس الشافعي، وكان مولده في أول القرن، وكان أول ~~امره يرتزق بصناعة العنبر، ثم اشتغل بالعلم، ولازم الأشياخ إلى أن PageV02P337 ~~ضرب في الفنون بنصيب، وناب في القضاء لابن حجر وغيره، ولم ~~يستنبه القاياتي في شيء مع إلحاحه عليه في السؤال، وصحب الأتارك، ~~ولازم الظاهر جقمق قبل سلطنته بمدد، فلما تسلطن كان أحد خواصه ~~وندمائه، وولي الحسبة، وكان مذموم السيرة في غالب ما يتولاه، وصنف ~~أشياء، منها شرح الشفا للقاضي عياض في مجلدين أو ثلاثة، ولكن ~~كانت دعاويه أكبر من علمه بكثير، وكان مستخفا بالناس، شديد ~~الزهو والكبر والازدراء بالعظماء وهضمهم حقوقهم، من أعظم ما اتفق ~~له في ذلك أنه لما مات قاضي القضاة ابن حجر، ووضع في سبيل المؤمني ms403 ~~وتقدم أمير المؤمنين للصلاة عليه، وقف السلطان الملك الظاهر وراءه، ~~ووقف الأمير الكبير إينال العلائي إلى جانبه، فجاء ابن آقبرس، PageV02P338 ~~فدفعه ودخل بينه وبين السلطان، فعظمت مشقة ذلك على الأمير الكبير، ~~فلما ولي السلطنة خيف على ابن آقبرس منه، فلم يعامله إلا بالجميل، ~~ولما مات أعطى جميع تعلقه لأولاده. # وكان يصحبه من قضاة السوء شخص يقال له شمس الدين التبريزي ~~الحلبي، وآخر يقال له، ابن حبيلات من بلاد مصر، فرتبوا عنه وصية ~~واستشهدوا فيها أمثالهما وضمناها أنه أوصى بمنافع لهما، وأنه أوصى ~~للسلطان بمال كبير أظنه يزيد على ألف دينار ولجميع أركان الدولة كل ~~واحد بشيء، وكان ابنه يحيى رجلا وكان فاضلا دينا، وكان مسافرا عند ~~موته، فلما حضر اجتمع بأركان الدولة، وشكى إليهم ذلك، فقال له ~~ناظر الخاص الجمال يوسف: أنا أعرف أن ذلك باطل ولا أستحل أن ~~آخذ منكم شيئا مما سمي لي، ولكن الرأي يقتضي أن ندفع إلى السلطان ~~ما سمي له، فإن أمله قد تعلق به وإن لم تفعل ذلك لم تأمن غائلته، ~~ففعل وكان ذلك من أغرب الأمور، وكفى به واعظا وزاجرا عن قرناء ~~السوء والله الموفق. # وفي هذا الشهر، فرج السلطان عن يزبك، صهر الظاهر ~~جقمق، فأمر بأن ينقل من القدس إلى القاهرة، فقدم القاهرة يوم الاثنين ~~نصف صفر هذا. PageV02P339 ~~وفي يوم الثلاثاء سادس عشره ولي سيدي محمود بن سيدي إبراهيم ~~بن قاضي القضاة شمس الدين بن الديري، نظر الإصطبل السلطاني، ~~شريكا لأمير آخور، عن سيدي أبي بكر بن مزهر. # وفي ليلة هذا اليوم، أو ليلة الأربعاء سابع عشره قتل الشيخ عبد ~~الكريم بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد المجيد، خليفة ~~مقام سيدي أحمد البدوي في القاهرة، أضافه شخص من نقبائه، يقال ~~له، ابن الخيوطي، فقتل في بيته، وحمل إلى زاوية للسطوحية في ~~ناحية الناصرية، يقال لها زاوية أبي شامة، فأحضر الجرائحية، ~~فرأوه مضروبا في رأسه وجنبه، فسئل ابن الخيوطي وجماعته، فاختلفت ~~أقوالهم، وأنسب ما قالوه أنه وقع من مكان ms404 شاهق، ثم اختلفوا في سبب ~~الوقوع، فقال بعضهم: أنه كان على بعض المحرمات، وكان مشهورا ~~بمثل ذلك، متهتكا، ثم إنه دفن يوم الخميس في تربة الشيخ مبارك، ~~خارج باب النصر. PageV02P340 ~~وحدثني الأمير بردبك الدويدار الثاني، أنه غلب على ظنه مما اجتمع ~~من أقوال المخبرين له عن القضية أنه كان في جمع عندهم خمر وما يلائمه ~~من الفساد، وكان مشهورا بذلك متهتكا فيه، قل أن يخلو من ليلة من ~~الليالي، فصاح عليهم الجيران، ومنهم جمال الأمير المذكور، فلما زاد ~~الصياح ظنوا أن الوالي أتاهم، وكان لعبد الكريم أعادي كثيرون، ~~فأخبر بالوالي، فما شك فضاقت به الأرض، فرمى نفسه من مكان ليس ~~بالطويل جدا، أو وقع منه، فكان في ذلك نفسه، فخاف الحاضرون ~~غائلة ذلك، فحملوه إلى الزاوية المذكورة، مدعين حياته، وأنه سكران، ~~وكانوا يعهدون منه مثل ذلك، فلما أصبح استبطأوا صحوه، فحركوه، ~~فإذا هو ميت، فأخروه إلى أن أنتن؛ لئلا تشم منه رائحة الخمر فيتبدل ~~اعتقاد الناس فيهم. # ثم إن الأمير حسام الدين بن بغداد، شيخ عرب تلك ~~الناحية، وكان بينه وبينه عداوة قصد إلى بيته في طنتتا، فأخرج ما به من ~~الخمر، فإذا هو شيء كثير جدا، فأراقه في ذلك الزقاق الذي على ~~باب الزاوية، إلى أن صار الخمر يجري كالنهر، وكان من أقاربه ~~شخص يتيم يقال له عبد المديد بن أحمد بن محمد بن عبد المجيد بن PageV02P341 ~~داود المرحومي، وأمه (أي أم عبد المجيد) أم الخير بنت عبد المجيد ~~المذكور في نسب قريبه عبد الكريم، وكان سنه حينئذ نحو ثمان، ~~وكان قد أكل تركته وطرده مع أمه عن طنتتا، فتكلم له في أن يكون ~~موضعه في المشيخة، ففعل ذلك، وألبس خلعة ذلك، يوم الخميس ~~خامس عشريه، ودار معه من الفقراء خلق كثير جدا، وجعل نظر المقام ~~وأوقافه إلى الأمير بردبك الدويدار الثاني ودعى إلى منزله الفقراء ~~السطوحية، وجعل لهم وليمة عظيمة وأقام لهم سماعا ليختن الشيخ ~~عبد المجيد، ولم يكن مختتنا؛ لأنه لم يكن له من يعتني بشأنه، وكان ms405 ~~الوقت شديد البرد، فقال بعضهم إنه يخشى عليه إن ختن في شدة ~~البرد، فخشي الأمير عاقبة ذلك؛ فكف عن ختانه في بيته، ووكل ~~الأمر إلى أمه. # وفي أوائل هذا الشهر ورد جانبك كوهيه المؤيدي إلى حلب، ~~بالكشف عن نائبها جانم الأشرفي، من جهة أنه شاع عنه أنه على دار ~~السعادة، وأنه رمى فيها بمدفع، وأنه أحدث دورة على بلاد حلب ~~أغرمهم فيها مالا كبيرا، فأبطل الدورة، واعتذر عن الأمرين الآخرين؛ ~~بأن تعليته للجدار إنما هو لموضع منه قصير، بطوب نيء؛ لمنع الكلاب ~~وبعض الغلمان من التطرق للفساد بالليل، وبأن النفع إنما هو شيء ~~لعب به الصغار، فطلب السلطان خزنداره، ثم جهزت المراسيم، بأن ~~يهدم ما علاه في جدار دار السعادة. PageV02P342 ~~وفي أواخر هذا الشهر، شاع أن السلطان يغير أمر الدراهم، ~~فاضطرب الناس من الجهل بحقيقة ما يفعل، وخافوا على ضياع ~~أموالهم، وقل البيع والشرى، وتعطلت الأحوال، وكانوا قد عزموا على ~~المناداة في نصف شهر ربيع، أو آخره، بعد أن يضرب من الدراهم ~~الجدد الطيبة ما يتسع به الناس، فشكي إلى السلطان تعطل ~~الأحوال، فدار نقيب الجيش الناصر بن أبي الفرج يوم الأربعاء ثاني ~~شهر ربيع الأول من السنة يأمرهم بالطلوع إلى السلطان صبح الخميس ~~ثالثه، ففعلوا، وبكروا بالنزول، والمنادي ينادي على الهيئة التي كنت ~~تمنيتها في العام الماضي، وذكرتها للأمير بردبك الدويدار، وذلك أن ~~وراءه حاجب الحجاب، وبعض أمراء وأجناد، وقاضي الشافعية العلم ~~صالح، وقاضي الحنفية السعدي الديري، وقاضي المالكية الحسام بن ~~حريز، وقاضي الحنابلة العز الكناني، ثم طلع الحنفي إلى بيته بالمؤيدية؛ ~~لكونه شيخا كبيرا، واستمر البقية إلى بين القصرين، فذهب الحنبلي ~~نحو سوق مرجوش وباب البحر، وتلك النواحي، ومعه جمع، وذهب ~~الشافعي والمالكي ومعهم الحاجب والمحتسب، وأمراء وأجناد، ~~والمنادي ينادي عن السلطان وقضاة الشريعة المطهرة أن الدراهم الجدد ~~الطيبة، كل درهم بأربعة وعشرين درهما فلوسا، ووزن اثني عشر درهما ~~ونصفا بدينار، والدراهم المغشوشة كل درهم بستة عشر درهما فلوسا، ~~ووزن ثمانية عشر درهما ونصف درهم وربع درهم بدينار، ms406 يكون ذلك ~~بأربعمائة درهم وخمسين درهما فلوسا، وأن البضائع تنقص الثلث ~~فأجاب الناس بالسمع والطاعة، وسروا بذلك. PageV02P343 ~~وأخبرني بعض من سمع المناداة، أنه لما رأى القضاة، وتلك الهيئة ~~والمناداة مستندة إلى الشرع، اقشعر بدنه وعلته مهابة وخشوع، ولم يتغير ~~على الناس شيء، فإن تلك الدراهم الزائفة كان الدرهم منها بنحو أحد ~~عشر درهما فلوسا، فكان الرطل اللحم مثلا باثني عشر درهما، فكان ~~الإنسان يعطي درهما منها، ودرهما فلوسا، ويأخذ رطلا، فصار اللحم ~~بثمانية فصار يعطي درهما منها بسبعة، ويعطي درهما فلوسا ويأخذ رطل ~~لحم، وكذا قياس سائر البضائع، والله تعالى المسؤول في صلاح ~~الأحوال، وبلوغ الآمال آمين. # ثم أن الناس اضطربت أحوالهم، وامتنع كثير منهم من البيع، فكرر ~~السلطان النداء بأن من أغلق دكانه شنق على بابها، وضرب حاجب ~~الحجاب برسباي البجاسي، صهر السلطان على ابنة ابنته، ~~وسودون قرقش رأس نوبة ثاني ناسا كثيرا ومكث الناس لا يجدون اللحم ~~إلا نادرا إلى أواخر الشهر، فذبح السلطان للناس، وباع معاملوه، ~~فكثر اللحم، وعاش الناس، ولكن لم ينقطع الزحام؛ لما دخل قلوبهم ~~من الهلع. # وفي هذا الحد مرض غالب الناس بالسعال والصداع، وأخبرني ~~قاضي القضاة سعد الدين بن الديري أن في سنة السابع عشرة وثمانمائة ~~غير النقد، وحصل للناس مرض بالسعال، كما وقع في هذا التاريخ. PageV02P344 ~~وفي هذا الحد، سافر العلاء بن قاضي عجلون، قاضي الحنفية ~~بدمشق، بعد أن سعى فأخرج الحسام بن بريطع قبل سفره، فلا قوة إلا ~~بالله. # وفي أوائل هذه السنة، أو أواخر التي قبلها مات قاضي القضاة، ~~زين الدين عمر بن الخرزي (بخاء معجمة ومهملة مفتوحتين، ثم ~~زاي) الحموي الشافعي عن أكثر من ثمانين سنة فيما أظن، وكان فاضلا ~~في الفقه، والطب وغيرهما، وولي قضاء حلب رحمه الله. ### || # وفي أواخر يوم الثلاثاء ثامن شهر ربيع الأول من سنة اثنين وستين ~~هذه، مات الشيخ الصالح القدوة الفاضل المفنن مدين [بن ~~أحمد بن محمد بن عبد الله بن علي بن يونس الحميري المغربي ثم ~~الأشموني القاهري المالكي] تلميذ الزاهد، في ms407 بيته المجاور PageV02P345 ~~لزاويته، المجاورة لجامع شيخه الزاهد بالمقس في القاهرة، بعلة ~~البطن، عن نحو ثمانين سنة، وأخبرت أنه لم ينقطع عن صلاة الجماعة ~~بالزاوية إلا يوما واحدا، وكان شيخا وقورا فاضلا في الفقه، مشاركا في ~~غيره ذا فهم مستقيم، وكان ناسكا، منقطعا عن الناس في زاوية شيخه ~~المجاورة للجامع، وأول من روجه سيدي يحيى بن العطار في حدود ~~سنة أربعين، فأقبل الأكابر على الشيخ مدين: كاتب السر الكمال بن ~~البارزي، والجمال يوسف بن كاتب جكم ناظر الخاص، وأقبل بإقبالهما ~~غيرهما، ثم لما مات، وطلب الشيخ عبادة لقضاء PageV02P346 ~~المالكية بعد قاضي القضاة الشمس السباطي سنة اثنيتن وأربعين ~~امتنع من ذلك، واختفى عنده إلى أن ولي البدر بن التنسي، واستمر ~~منقطعا في زاويته، وقال: أنا لم أعرف الإسلام إلا بملازمتي للشيخ ~~مدين؛ فهرع الناس إليه، وبعد صيته، وبنى له الأكابر زاويته، ~~التي مات بها، وكان متولي عظم ذلك، ناظر الخاص، فكثر عنده ~~المريدون، وكانت زاويته معمورة بالذكر آناء الليل والنهار، وكان عارفا ~~بعشرة الناس، حسن التودد مع المزح واطراح النفس، واستجلاب ~~الخواطر على هيئة لا تنقص من هيبته، ولا تخل بناموسه، ولم يكن في ~~مانه أهل طريقة مثله، واستمر معظما عند الخاصة والعامة إلى أن مات، ~~وصلى عليه بذلك الشارع قاضي الشافعية العلم صالح البلقيني، وحضر ~~جنازته خلق كثير، مع أنه لم يدر له من يعلم به، فلم يشعر بذلك كثير ~~من الناس رحمه الله، وأعظم أجر المسلمين فيه آمين. # وحسن الله تعالى لذلك الزنديق عيسى المغربي، المشهور في PageV02P347 ~~الغرب بالغندور أن ينقطع في بيته إشارة إلى أنه قام مقام الشيخ مدين؛ ~~ليقصده الناس فيضخم أمره وينجبر ما وهي منه، من ذلك المجلس ~~الذي سلطني الله عليه به فيما رميته به من الزندقة كما تقدم، ففعل ~~واستراح منه الناس بسجنه لنفسه؛ وازداد أمره وهنا، ولله الحمد، لكن ~~كان بعض الأعيان يقصده، منهم تمراز الساقي، أحد أصاغر الأشرفية ~~كان يسلك على يده، وقام له به سوق، لكن أخذ في الكساد من أواخر ~~سنة ms408 اثنين هذه، رد الله كيده في نحره. # وفي يوم الأربعاء سادس عشر شهر ربيع الأول هذا عمل مولد ~~السلطان، واجتمع القضاة والأمراء على العادة. # وفي هذا الحد أذن الله تعالى في قمع أرباب الزنا والمسكرات، فحرك ~~لذلك حاجب الحجاب برسباي البجاسي، فخرب أماكنهم، وحرق ~~مساكنهم، ورعب قلوبهم، ونقب بالمقارع ظهورهم وجنوبهم، حتى ~~صاروا في ما يسر المؤمن من الذل، بعد أن كانوا لا يرام لهم جناب، ~~وكان الذي يقيم سوقهم ويستجلب فسوقهم علي بن الحاج محمد ~~طشتدار السلطان، وكان يشيع أن السلطان هو الآذن في ذلك، والراضي ~~به، حتى شاع ذلك في البلاد، فتمكن بسببه أهل الفساد، وكان ~~السلطان قد أرسل الحاجب الذي كان قبل هذا إلى بعض ~~معاهدهم، فحصل من أتباعه من النهب وغيره ما زاد على الفساد ~~الذي طلبت إزالته، فكف السلطان عن أمره بمثل ذلك، فلما عمل PageV02P348 ~~حاجب الحجاب هذا ما تقدم زاد سرور السلطان به، وأكد عليه في أن ~~يتشدد في ذلك، وأن يخرب أماكنهم، فإنهم لا يزالون يتعاهدونها ~~ما دامت عامرة، فعلم كل ذي عقل أن تلك الإشاعات عن السلطان ~~كانت كاذبة، والله المسؤول في إعلاء كلمته وإدامة ذل أهل الباطل ~~آمين. # ولم تكثر الدراهم التي ضربها السلطان بين الناس، وقد اعتنى ~~بأمرها، ونفى الغش عنها، وكان ضربه لها في حوش القلعة، حتى كثر ~~الزيف المشابه لها، فعظمت نكايته من ذلك، ثم تتبع من يضرب ذلك ~~فأحضر له منهم خمسة أنفس فأمر بضرب أوساطهم، فسمروا على جمال ~~يوم السبت، تاسع عشر شهر ربيع الأول هذا، ومر بهم في قصبة ~~القاهرة إلى قنطرة الحاجب، فوسطوا هنالك بعد أن شفع غالب ~~الأمراء في أن تقطع أيديهم فقط، فلم يقبل. # وفي أواخر هذا الشهر، سافر الصاحب علاء الدين بن الأهناسي ~~الوزير، إلى بلاد الصعيد، ومر من بر الجيزة على شيء من تعلق ابن ~~السلطان، وكان في الربيع، فضرب الطبل، فنهوه عن ذلك، وقالوا: PageV02P349 ~~تنفر الطير وقد رسم سيدي باستجلابه، فلم يقبل، فوقع بينهم شر، ~~وحصل له من ذلك ms409 نوع إهانة. # وفي أواخر الشهر، مرض السلطان بما مرض به الناس من السعال، ~~واستمر يخرج إلى الناس، وهو متوعك، ثم انقطع [عنه] أياما، فزاد ~~جزع الجند، وكثر قال الناس وقيلهم، وتحدث كثير منهم بموته، وكان ~~ولده المقام الشهابي أحمد في الربيع، فقدم يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع ~~الآخر، ثم تماثل السلطان في يوم الثلاثاء سابع الشهر، فخرج إلى ~~قاعة الدهيشة، ليراه الجند؛ فيطمئنوا. # وفي هذا الحد، قدم يحيى بن الأمير جانم الأشرفي نائب حلب ~~مع خزندار أبيه جمال الدين يوسف الصبيبي، وموقعه شمس الدين ~~الأسيوطي، فنزلوا في الميدان بقرب قناطر السباع. # وفي يوم الخميس ثامنه، خرج إلى إيوان الدهيشة وطلب جماعة نائب ~~حلب وأغلظ لهم؛ من أجل ما ينقل إليهم من سوء سيرتهم، فزاد ~~انزعاجهم من ذلك، فمرض الموقع واستمروا على انزعاج عظيم حتى ~~خدموه، وخدموا من أغراه بهم؛ فرضي عنهم، ثم وعد ابن نائب حلب ~~بأمرية عشرين، ووعد جماعته بخير. ### || # وفي يوم الجمعة رابع شهر ربيع الآخر هذا، قدم الأمير فخر الدين ~~عثمان بن الشهاب أحمد بن أغليك، أحد الحجاب بحلب، وكان مقربا PageV02P350 ~~عند جانم نائب حلب، فتكلم فيه الحسدة عند السلطان، بواسطة ~~ذلك، فطلب، فأنزله ناظر الخاص عنده. # وفي ليلة السبت خامسه، سافر الأمير زين الدين يحيى الإستدار إلى ~~بعض المفسدين من العربان في ناحية البهنسا، فرجع في أواخره، ولم ~~يحصل منهم على طائل. # وفي أوائل هذا الشهر، مات الأمير طوخ مازي الذي كان أمير ~~مجلس، ومات جانم البهلوان، أحد الأمراء، فأعطى السلطان ~~إقطاعه لأزبك، صهر الملك الظاهر جقمق. # وفي يوم الاثنين ثالث عشره خرج السلطان إلى إيوان الدهيشة ودقت ~~البشائر لعافيته وشكي إليه ما الناس فيه من وقوف الحال من جهة ~~اختلاف المعاملة فأمر، فنودي بمنع المعاملة بالدراهم المغشوشة، ومن ~~كان عنده شيء منها، يذهب إلى بيت الحاجب، يأخذ ثمنه، فسر ~~الناس بذلك، وأظهروا البضائع فكثرت، وزال التزاحم، وانتصب ~~الصيارف لشراء الدراهم المغشوشة، فباعهم الناس، ولم يتوقفوا، فكانوا ~~يأخذون الدراهم منها بعشرة ونحوها، لكن دخل الربا في ms410 كثير PageV02P351 ~~من ذلك؛ كانوا يأخذون درهمين وثلاثة من المغشوشة بدرهم من ~~الجديدة، ولا قوة إلا بالله. # وفي يوم الثلاثاء رابع عشره، قدمت تقدمة نائب حلب، فأظهر ~~السلطان السرور بها، وكلم جماعته كلاما حسنا، جبر به ما تقدم، ثم ~~إنهم خدموه، وخدموا الذين كانوا أغروه بهم فرضي عنهم. # وفي يوم السبت ثامن عشر شهر ربيع الآخر هذا سافر الشيخ شهاب ~~الدين الكوراني، قاصدا بلاد الروم، ووقف مصنفه شرح جمع الجوامع ~~في الأصول لابن السبكي، وتركه عند كاتبه، ومن بعده عند من يكون ~~مدرس [مقام] الشافعي رحمه الله. # وفي هذا الحد ركب السلطان، ليقطع ما كان الناس فيه من القال ~~والقيل بمرضه، فنزل من ناحية الصليبة على الميدان، ثم الجزيرة ~~الوسطانية، وشق بولاق، فرأى العمائر قد كثرت هناك ومنعت من ~~الوصول إلى البحر إلا في قليل من المواضع فأمر بهدم ما ضيق من ~~ذلك، ثم رجع من باب البحر، ورأى عمارته، ومر بين القصرين، ~~ورجع إلى القلعة، فأصبح الوالي يهدم بيوت الناس، فحصل من ذلك ~~جملة أموال، وهدم ما لم يكن لصاحبه مال أو جاه، ثم كثر الشفعاء عند ~~السلطان، فكف عن ذلك. PageV02P352 ~~وفي يوم الاثنين سابع عشريه وسط السلطان ثلاثة من الزغلية، قيل ~~أنهم وجدوا مع أحدهم ثمانمائة دينار اعترف أنه جمعها كلها من الدراهم ~~الزائفة والله الموفق. ### || # وفي أواخر هذا، أو أول جمادى الأولى، مات نائب القلعة، الأمير ~~سودون، فولي نيابة القلعة [كسباي المؤيدي البواب ~~السمين]. # وفي يوم الخميس سابع جمادى الأولى، خلع على ابن نائب حلب ~~وجماعته للرضي، والأذن في السفر، واتفق أن مات أمير أربعين في PageV02P353 ~~دمشق، ووصل خبره في وقت لبسهم الخلع فقسمت إمرته بين ابن نائب ~~حلب، وبين ابن نائب حماه. # وفي هذا الحد شفع الأمير أزبك، صهر الظاهر في القاضي محب ~~الدين بن الشحنة، أن ينقل من القدس إلى حلب، وأن يولى أبو ~~البقاء ابن ابنه أمين الدين قضاء الشافعية بحلب، فيصير هو قاضي ~~الشافعية، وأبوه أثير الدين قاضي الحنفية، فأجيب إلى ذلك، وجهزت ~~إليهم ms411 الخلع بذلك، وأظن سن أبي البقاء المذكور عشرين سنة، أو دونها. # وفي هذا الحد مات ناصر الدين محمد المازوني، ~~المطرب، عن نحو خمسين سنة، وكان عجبا من العجب في جميع أموره؛ ~~كان شكلا حسنان وطولا مؤنقا، وكان له صوت لم ير مثله، حتى PageV02P354 ~~إني سمعت جماعة ممن يوثق به في معرفة الأنغام؛ كالقاضي كمال الدين ~~بن البارزي، وشهاب الدين أحمد الأذرعي الإمام، وسيدي يحيى بن ~~العطار، أنه ربما لم يكن في عصر الرشيد مثله، وكانوا يشهدون له بأنه ~~يملك التصرف في صوته ملكا لا يقدر على مثله غيره، وكان مع ذلك ~~صيتا ما أظن أني رأيت أعلى صوتا منه، وكان في الذروة من الحظوة عند ~~الخاص والعام، وكان مسرفا على نفسه، فكان له حظ من النساء، ~~والصبيان لم يسمع بمثله، يتهافتون عليه أعظم من تهافت الفراش على ~~النور، حتى أني سمعت أن بعض الصبيان كن يظهر غاية السرور بفسقه ~~به فما ظنك بالنساء ذوات الشهوات، ثم إنه قذف في قلبه أن يتوب، ~~ففعل واستمر على ذلك مدة ثم أخذ في انحطاط الصوت قبل موته بنحو ~~السنتين أو أكثر، ثم خرس، فكان لا يقدر أن ينطق بكلمة سوى الله، ~~فكان يبكي على نفسه، واستمر على ذلك نحو ثمانية أشهر إلى أن مات ~~في التاريخ المذكور رحمه الله، وعفى عنه. # وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى هذا عزل صلاح الدين محمد ~~بن أمير حاج من الحسبة، ووليها قانباي اليوسفي المهمندار، وكان قبل ~~ذلك بأيام قد أخرجت عنه مصر القديمة، ووليها شخص يقال له ~~البوشي، فما زاد على أن غرم ماله، وبهذل الوظيفة، وهكذا يكون الأمر إذا ~~ولي المناصب غير أكفائها، فلا قوة إلا بالله. # وفي هذا الحد قدمت رسل ابن قرمان، بطلب الصفح عنه PageV02P355 ~~وتأمينه وتأمين أهل بلاده، وذلك أنه بلغنا أنه أمر أهل البلاد التي أخربها ~~العسكر المصري من بلاده بعمارتها، فأبوا معتلين بأنه ليس فيه قوة الدفع ~~عنهم، فهم يخافون معاودة مثل ما أصابهم، ولا يدفع عنهم، فرضي ~~السلطان، وعفى ms412 عنه. # وفي هذا الحد عاد البرهان بن الأكمل بن مفلح الحنبلي إلى قضاء ~~الحنابلة بدمشق عن ابن عمه العلاء، وعوض عن ذلك قضاء حلب؛ ~~والسبب في ذلك أنه كان جرى بين العلاء وبين البدر الأذرعي الشهير ~~بضفدع أحد أتباع عبد الباسط منازعة في نظر مدرسة الحنفية، فسعى ~~هذا السعي للبرهان. # وفي يوم الجمعة سلخ الشهر، بعد الصلاة سافر الأمير بردبك ~~الدويدار الثاني على هجن إلى دمشق؛ ينظر الجامع الذي بناه بعد تمامه، ~~ويرتب وظائفه، ويكتب أوقافه، وكان قد قدم خيله قبله بأربعة أيام، ~~تنتظره في غزة، وعمى على الناس وقت خروجه؛ لئلا يتكلف به أحد، ~~وعزم على أن لا يقبل لأحد شيئا. ### || # وفي يوم السبت مستهل جمادى الآخرة من السنة، قبض على جماعة ~~من الزغلية، نحو خمس أنفس، وأودعوا السجن في الحديد، طهر الله ~~الأرض منهم آمين. PageV02P356 ~~وفي هذا الحد عزل البرهان بن الجمال بن جماعة من قضاء الشافعية ~~بالقدس الشريف، وأمر بنفيه إلى غزة، وولي عنه قاضي الخليل، ~~الشهاب أحمد بن قاضيها العلاء علي الداري الشافعي، وذلك كله على ~~يد الأمير أزبك مملوك الظاهر جقمق، وصهره على ابنته، فإنه لما كان ~~منفيا بالقدس، رأى أحوال البرهان، وما هو فيه من الجبروت والتجري ~~على الأباطيل، وانتهاك حرمة الدين على رؤوس الأشهاد، ~~وعدم مبالاته بكبير أو صغير، وناهيك بمن يجمع إلى القضاء استدارية ~~الأمراء، ثم جهز مرسوم السلطان بنفيه عن القدس، فركب قاضي ~~القضاة، سعد الدين بن الديري الحنفي إلى ناظر الخاص، فسأله في ~~الكف عن ذلك، ففعل، ثم جهز مرسوم السلطان إلى نائب القدس، ~~بأن يبطله، وينصف منه من له عنده حق، وكان النائب يبغضه، ~~ففعل وأهانه، فأرسل ولده نجم الدين محمد، يسعى في تلافي القضية. # وفي يوم السبت، خامس عشر الشهر وصل الوزير نور الدين بن ~~الحاج محمد بن الأهناسي من سفره من بلاد الصعيد، وطلع إلى القلعة. # وفي هذا الشهر ولي بن المغلي الحموي الشافعي، قضاء الشافعية ~~بحماه عن الشمس بن الحمصي الغزي، وأعيد ابن الحمصي إلى قضاء ms413 ~~بلده غزة عن الشرف موسى بن مفلح. # وفيه وقع شر بين البرهان إبراهيم بن ظهيرة المخزومي المكي، ناظر ~~الحرم بها، وبين صهره أخي زوجته وابن عمه قاضي مكة بن أبي PageV02P357 ~~[السعادات] بن ظهيرة؛ بسبب أن زوجته ماتت، فلم ينصفه ~~أخوها في المخلف عنها، فبلغ أبا البركات قاضي جدة أخا إبراهيم، ~~وكان بالقاهرة، فسعى لأخيه في القضاء، فعزل به ابن أبي ~~السعادات، وجمع له القضاء والنظر. # وفي أوائله، قدم إلى ميناء إسكندرية، مركب للفرنج الكيتلان ليلا، ~~فأنشبوا الحرب مع مركب للجنويين، كانت مرسية في الميناء بالمدافع، ~~والنشاب وغير ذلك، فخرج نائب إسكندرية، وأهل البلد، فلم يكن ~~هناك مركب يصلح لركوبهم؛ ليساعدوا الجنويين، فأراد الله وله الحمد ~~أن أنشب مركب الكيتلان في حجرين بالقرب من المنار، فلم يقدر من ~~بها أن يتصرفوا فيها، فعاينوا الهلكة، وقتل منهم جمع، فطلع إليهم ~~بعض المسلمين في قوارب صغيرة، فقبضوا عليهم، فإذا هم ثلاثة ~~وثلاثون رجلا فوضعوا رقابهم في الزناجير، ووجدوا معهم أسرى، ~~فأطلقوهم، ومات من الفرنج ثلاثة، وأرسلوا الثلاثين إلى السلطان، ~~فأراد قتلهم فخيله ناظر الخاص أن ذلك يكون سببا في قتل الفرنج من ~~عندهم من المسلمين، ولكن الصواب أن يفادي بهم الأسرى، ~~فأخروا، والله المسؤول أن يجعل العاقبة إلى خير. PageV02P358 ~~وفي يوم الجمعة حادي عشري الشهر استعفى الجلال عبد الرحمن ~~ابن الملقن، من نظر المرستان، فلم يجبه السلطان، فألح عليه في ~~ذلك، فأعفاه، فسعى فيه ناصر الدين بن أصيل بنحو ألفي ~~دينار للسلطان وآله، فأجيب ولبس خلعته يوم الاثنين رابع ~~عشريه. ### || # وفي يوم الأربعاء، رابع شهر رجب من السنة، نزل السلطان بكرة ~~النهار إلى المدينة، فسلك القصبة إلى الحمامين اللذين بقيا له إلى جانب ~~الكاملية، فدخل أحدهما، ثم مضى إلى مدرسته التي في التربة، ورجع ~~إلى القلعة من ناحية الترب. # وفي يوم الجمعة سادس شهر رجب المذكور انطلق ~~والناس في صلاة الجمعة، أو بعد أن خرجوا منها على بولاق نار خرجت ~~من ربع عبيد الصاجاتي، بقرب جامع الإستدار، وهبت ريح ~~دبور، قل أن رؤي ms414 مثلها، وهي التي يسميها أهل مصر المريسي، ~~فحملت النار وشبتها، وكانت تختلف وتعصف فتنقل منها ما شاء الله PageV02P359 ~~إلى ما شاء الله، فأحرقت ما بين جامع الإستدار، ودرب البارزي الذي في ~~أوله الحمام وبيت ناظر الخاص هذا طولا، وما بين البحر وجامع ~~الواسطي عرضا، إلا قليلا من الأماكن، منها ما كان لله وطارت منها ~~طائفة فأحرقت معصرة بني الجيعان، وهي خارج درب البارزي ~~شمالية، وفتقت حجرين بها لعصر ما يراد عصره، وهما من الصوان ~~الشديد الصلابة، وطارت منها طائفة، فأحرقت شونة الإستدار، وهي ~~بالقرب من ذلك، من شمالية، وحكى الناس عن هذه النار أعاجيب ~~عن هيئتها، وابتدائها، وكيفية إحراقها، سمعت ذلك ممن يوثق به، ~~ممن شاهدها، ويدل مجموع ذلك على أن مبدأها ليس من نار الناس، ~~وإما هو سهم رباني؛ والدليل على ذلك أنه لم ينقل أنها أحرقت ما كان ~~لله، كان هناك مسجد له مئذنة، فأحرقت ما أحاط به ولم يصبه شررة ~~واحدة، وأحرقت ما كان لناظر الخاص من ربع وخان، ولم تحرق السبيل ~~الذي يسقى منه الناس، وكان هناك شخص يقال له رجب الهوى ~~مشهور بما لا ينبغي، وله ربعان، فأحرقت أحدهما، فقال لمن حضر: ~~أشهدكم أن هذا الذي لم تعلق به إلى الآن وقف على الحرم النبوي، لا ~~أعرض له، ولا أسكنه إلا بأجره، فأحرقت النار ما أحاط به وتركته، إلى ~~غير ذلك من الغرائب التي اتفق مجموعها على ما ذكرت، وسيأتي عن ~~الأمير بردبك، ما.... # وحكى من له خبرة ببولاق عما كان يحصل بها من الفسق شيئا لو ~~مسخوا به لكان قليلا منه، إن الصاجاتي الذي ابتدأت النار بربعه عنده ~~أمرد يلبسه كل ليلة بدلة فاخرة مختلفة الألوان، من مصبغات وغيرها، ~~وينام معه. ومنه أنه كان به في وقت الحريق امرأة تجلى على امرأة في فساد PageV02P360 ~~بخضاب وغيره مما يصلح للجلاء. # وقال العوام: السلطان من أولياء الله أمر بهدم، ضيق الطريق في # بولاق، أو منع من البحر، ثم اعترضوا عليه، ولم ينفذوا أمره فينفذه ~~الله، وزاد ms415 وكثر كلامهم في ذلك. # وذهب في هذا الحريق من الحيوانات [و] الناس وغيرهم، والأموال ~~ما لا يدرى عدده، أما الناس فبلغتهم ذلك، فكان الإنسان إذا أحس ~~بالنار بادر إلى الباب ليخرج، فيلقى النار به، فيرجع إلى الطاقات ليرمي ~~نفسه، فيرى النار فيها، فمنهم من يتردد هكذا إلى أن تغلبه النار، ~~ومنهم من يستضعف أمر الطاقات فيرمي نفسه، فبعضهم يموت، ~~وبعضهم تسيل النار عينيه، ويسلم جسده، وبعضهم تحترق بعض ~~أطرافه، وأكثرهم يموت. # وأما الأموال، فإن بولاق ساحل القاهرة، وغالب ما يحمل إليها إنما ~~هو في السفن فيخزن في حواصل هناك، ولا يدخل منه إلى البلد إلا قدر ~~الحاجة. # ونهب الأقوياء ما قدروا عليه، حتى أنهم يجدون الإنسان قد ~~حمل ما يعز عليه من ماله، وهرب به، فيأخذونه منه، ويقولون: إنما ~~نهبته. PageV02P361 ### ||| موت ابن النبيه: # وفي يوم الاثنين تاسع شهر رجب المذكور، مات أحد نواب الشافعية ~~بالقاهرة وأمين الحكم بها القاضي نجم الدين محمد بن محمد بن النبيه ~~الشافعي عن نيف وسبعين سنة وكان شيخا بهيا، انتهت إليه معرفة ~~الشروط، وتوقيع الأحكام، وكتب الأوقاف والسجلات المهمة، وكان ~~ينظم الشعر الحسن، غير أنه كان يقال أنه يدمن الشراب، ويتساهل ~~بعض التساهل لبعض الأكابر، ومن يريد، عفى الله عنه آمين. # وفي ليلة الجمعة ثالث عشر شهر رجب من السنة، قدم الأمير ~~بردبك صهر السلطان، فنزل في التربة، ثم طلع بكرة يوم الجمعة هو ~~وولده إلى السلطان، فخلع عليهما، ونزلا، وكان الأمير بردبك قد وقع ~~عن الهجين وقت طلوع الشمس من يوم السبت سابع عشر الشهر في ~~منزلة الزعقة؛ فانفك ذراعه من المرفق، وحصل في موضع منه كسر، ~~وأخبرني أنه ثار عليهم ريح في ليلة ذلك اليوم، في خان يونس، ~~ريح حارة تكاد تحرق من لفحته، وهذا هو الوقت الذي احترقت فيه ~~بولاق كما تقدم، وهذا الوقت الذي وقع فيه هو يوم هذه الليلة. # وفي يوم قدومه نودي عن السلطان بالزينة لإدارة المحمل، ~~وبمنع العفاريت وأذى الناس بالنفط، وكان في هذا العام، وما قبله قد ms416 ~~لبس جماعة من مماليك السلطان فراء مقلوبة، وغطوا وجوههم بمثل ~~ذلك، وخططوا الجلود بتخاطيط، وعملوا أشياء صارت لهم بها هيئات ~~منكرة، سموا بها عفاريت، وكانوا يؤذون الناس، ولاسيما الفقهاء، PageV02P362 ~~فحكي ذلك للسلطان، فأبطله، ونادى بذلك مرات، فأمن الناس ~~ولله الحمد. # ولما اجتمع الجرائحيون بالقاهرة بالأمير، ورأوا مصابه، رأوا يده قد ~~أخذت في الجبر على غير استواء، وهي وارمة جدا، فصبروا عليه حتى ~~انفش الورم، ثم أدخلوه إلى الحمام، وفكوا يده من موضع الفك ~~وكسروها من موضع الكسر، ثم أعادوها على الاستقامة، بعد أن كاد ~~يموت، نسأل الله له العافية. # وفي يوم الاثنين سادس عشر شهر رجب المذكور دار المحمل، ~~واستمر الأمن فيه من العفاريت، ووقعت فيه غريبة، وهي أن ~~الرماحة الذين يلعبون في الرميلة كان رأسهم تمراز الساقي من ~~مماليك برسباي، وكان تحته فرس لحسن بن الطيلوني معلم البنائين، ~~يقال أن ثمنها خمسمائة دينار، ومن عادة الرماحين أن يغيروا الفرس ~~إذا تعب، فلم يغيرها تمراز، فكأنها تعبت؛ فوقعت به، فاندقت ~~عنقها. ### ||| موت ناظر جيش طرابلس: # وفي هذا الحد وصل الخبر من طرابلس بأن ناظر جيشها ~~شرف الدين موسى بن خالة ناظر الخاص مات، فولي وظيفته ولده. PageV02P363 ~~تمربغا ~~وفي هذا الشهر شفع عند السلطان في تمربغا أن يطلق من السجن، ~~وجعل له على ذلك مال، فقبله وأطلقه، على أن يذهب إلى دمشق، ثم ~~يذهب إلى مكة المشرفة من هنالك فيقيم بها منفيا، فكان كذلك، ذهب ~~مع الركب الشامي وأقام بها. # وفيه ادعى علي بن خصبك، ابن أخي خوند بدكاكين قدام ~~عمارة السلطان الجديدة، وتلك الدكاكين من مسجد الفجل إلى ~~الزقاق السالك إلى القصر أنها ملك لشخص من أجداده من قبل الأم، ~~يقال له بكتاش، وأخرج مستندا بذلك، ثابتا على الخط، كان ادعى به ~~قبل ذلك في مكان آخر من وقف الجمالية، وأثبته له الناصر بن PageV02P364 ~~المخلطة فمات عقب ذلك بيسير ابن المخلطة، وماتت المدعية بذلك، ~~وهي أم خوند، ومات وكيلها، فكان في ذلك عبرة، ثم أعيدت الدعوى ~~بذلك في هذه الأيام ms417 عند قاضي القضاة سعد الدين بن قاضي القضاة ~~شمس الدين بن الديري الحنفي، وسنه فوق التسعين سنة، فأجاب ~~محمد بن جمال الدين، بأنهم واضعوا اليد على الدكاكين لجهة الوقف ~~بمستند شرعي، وأخرج مستندا فيه، أنه ثبت أن هذه الدكاكين وقف ~~للسلطان حسن، وأن الناظر عليها فلان، وأن جد أبيه الأمير جمال ~~الدين استبدلها منه وحكم بصحة الاستبدال القاضي [محمد بن ~~عمر] بن العديم الحنفي، والمجد سالم، قاضي الحنابلة، ثم ~~وقفها الأمير جمال الدين، فلم يفد ذلك، وعقد للقضية مجالس، ~~فسكت بعض القضاة، وتكلم بعضهم بما يقتضي أن الحق في جهة ~~الجمالية، فعنف من فعل ذلك، وكان تعنيف القائل أعظم من تعنيف ~~الساكت، ثم تقلوا الدعوى في ذلك إلى أنها موضوعة في طريق PageV02P365 ~~المسلمين بغير حق، وأن ذلك أمر ظاهر، وكانت بارزة عند باب مسجد ~~الفجل، فجعل ذلك دليلا على ذلك، وهدمت، فكانت قضية يعجب ~~منها، وارتاع الناس لها، بحيث أني ما رأيت أحدا وقع في قلبه أن هدمها ~~بحق، ولم يكن في القضاة يومئذ أسن، ولا أعلم، ولا أكثر نسبة إلى ~~الدين من الحنفي الفاعل لذلك، فليس القضاء إلا مجرد فتنة نسأل الله ~~العافية منه. # وكان الوكيل عن جماعة السلطان شخص من الوكلاء مشهور ~~بالفجور والشر والانهماك في الفسق يقال له شرف الدين الفيومي يشهر ~~بشريف، وكان في باب الشافعي العلم صالح، وكان مقربا عنده، وكان ~~صديق ابن زوجته الصلاح أمير حاج ابن [بركوت]، الذي تولى ~~الحسبة قبيل ذلك، فلم يمض بعد هدم الدكاكين جمعة، حتى صدق الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله: من أرضى الناس لسخط الله أوشك أن يغضبهم ~~عليه. فغضب السلطان على شريف غضبا لم يعهد منه ~~مثله، بحيث أنه أتهم دويدار نقيب الجيش في الفحص عنه، فأمر ~~بضربه، ثم اشتد التنقيب عنه والبحث، فلم يوجد، فألزم به الصلاح ~~ابن امرأة الشافعي؛ لكونه صديقه، فادعى أنه لا يعرف مكانه، فتهدده ~~السلطان بالنفي، فلم يفد، فأمر بنفيه يوم الاثنين سابع شعبان من السنة ~~إلى غزة، فخرج ms418 إلى التربة، ليتجهز، ثم شفع فيه بالإعفاء من ذلك على ~~ألف ومائتي دينار، وزلزل القاضي الشافعي، فغرم مالا، قيل أنه ثلاثة ~~آلاف دينار. PageV02P366 ~~وخفي عن الناس سبب الغضب على شريف، ورووا فيه روايات ~~أقربها، أنه لما وصل به جماعة السلطان إلى غرضهم دفع له من جهة خوند ~~خمسون دينارا، فامتنع من أخذها، وطلب أن يرسم له بخلعة على أن ~~يكون وكيلهم في البيع والشرى، ونحو ذلك، فخف ذلك عليهم، ~~وأمروا به فامتنع ناظر الخاص، فاستعان عليه شريف ببعض الأجلاب، ~~فأرضاهم ناظر الخاص، ثم طعن فيه بما أوجب ذلك؛ خوفا من مثل ~~قصة أبي الخير النحاس، فأن أوله كان كذلك. # هذا السبب الظاهري، وأما الحقيقة، فهو أنه أرضى جماعة السلطان ~~بما يغضب الله، فأسخطهم الله عليه، كما ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: من ~~أرضى الناس بسخط الله أوشك أن يغضبهم عليه. وفي أواخر شهر ~~رمضان تكلم فيه الشيخ إبراهيم المتبولي عند الأمير بردبك الدويدار الثاني، ~~فكلم فيه السلطان، فلم يجب السلطان، واتفق أن حاجب الحجاب ~~في ذلك اليوم وقعت عنده قضية، من إفسادات شريف، فعرضها على ~~السلطان، فازداد عليه حنقا، واشتد عجب الناس من المتبولي، ومن ~~أنفذ كلمته. ### || ### ||| زياد البحر: # وفي يوم الثلاثاء ثامن شعبان هذا، وهو الموافق لسادس عشري بؤونة ~~من أشهر القبط، نودي ببشارة زيادة البحر، وكانت القاعدة سبعة ~~أذرع وثمانية أصابع. ### ||| ابنتي فاطمة أم هاني: # وفي هذا اليوم قبيل ظهره بنحو درجتين ولدت ابنتي أم هاني فاطمة من ~~سريتي ثريا الهندية، فتفاءلت بخيرها؛ لأنها ولدت يوم البشارة ~~بأعظم ما في بلاد مصر. PageV02P367 ~~وفي هذا اليوم ولي ناصر الدين شعبان بن الشيخ شمس الدين ~~محمد الشهير بجنيبات السكندري المالكي قضاء إسكندرية، وهو ~~أنسب أهل إسكندرية لذلك، وفي ولايته في شهر شعبان مناسبة ~~لاسمه، وعزل به [جلال] الدين بن الشهاب المحلي، وكان عزله ~~من أعظم الواجبات؛ لما اشتمل عليه من الفسق والجهل والجرأة، وطلب ~~ابن المحلي إلى القاهرة. # وفي عصر يوم الخميس عاشر شعبان هذا بلغ السلطان ms419 أن بني سعد ~~وبني وائل، أشرفوا على شر كبير تخرب منه كثير من البلاد، وذلك أن ~~بني حرام وبني سعد، كانت بنيهم عداوات متقادمة، فتداعوا في هذا ~~العام إلى الصلح، فتحالفوا على أن يكونوا في الخير والشر سواء، وأن لا ~~يخون بعضهم بعضا، ثم أن شخصا من فرسان بني سعد، يقال له بدر ~~الدين.. قال لبعض بني حرام: أن له ثأرا في بعض تلك البلاد، ~~ودعاهم إلى مساعدته في ذلك فاعتلوا له، وقالوا: إنما الرأي أن تطرقهم ~~أنت في خيل قليلة، ولك علينا أن لا ننصرهم، مع أنك تعلم أنه لا ناصر ~~لهم إلا نحن، وإن تركنا نصرهم تمكنت منهم، فقنع منهم بذلك، ثم ~~واعدوه على ليلة فخافهم، فلم يذهب تلك الليلة، وكانوا دسوا إلى أهل ~~تلك القرية من حذرهم منهم، ووعدوهم بالنصرة، ثم قصدهم في ليلة PageV02P368 ~~أخرى، فعلم بنو حرام بذلك، فشيعوا من فرسانهم إلى تلك القرية من ~~يقاتل مع أهلها، فلما أتاهم وجدهم متأهبين فرسانا ومشاة، فخاضهم ~~إلى أن عثر بغريمه، فطعنه ثم رجع، وطعن فرسه، ولم يشعر، فقال ~~لرفاقه: اذهبوا فإنا لا ننال منهم هذه الليلة ما نريد. فقالوا: كيف ~~نذهب ولم نقتل من جئنا له؟ فقال طعنته طعنة لا يعيش منها، ثم ذهب ~~بهم، وتبعه أولئك، فكان يحمي رفاقه، ثم يلحقهم، فوصلوا إلى بعض ~~الخلجان، فوقف يطارد أعداءه إلى أن عوم أصحابه، وصاروا كلهم في ~~الناحية الأخرى، ثم ضرب فرسه في البحر حتى طلع من الناحية ~~الأخرى، وكانت طعنته نافذة، فدخل فيها ألما؛ فصعب الفرس، ~~فلما أحس منه الصعب سأل بعض أقاربه أن يعيره فرسه، فلم يفعل، ~~فقال: فأنا أذهب إلى حيث شئت. فقالوا ينتصفون منا إذا، فوقف ~~معهم حتى تلف فرسه، فلما علم ذلك أعداؤه طمعوا فيهم، فحملوا ~~عليهم، فأحاطوا به وهو راجل فقتلوه، وفاتهم أصحابه، فبلغ ذلك من ~~بني سعد مبلغا عظيما، ثم علموا خيانة بني حرام، فدقوهم فقتلوا ناسا ~~كثيرا، قيل: أنهم يزيدون على ثلاثمائة رجل. # فاحتاج الأمر إلى الإرسال إليهم، فقال صهر ms420 السلطان بردبك ~~الدويدار الاني: أنا أذهب إليهم، وكانت يده مكسورة كما تقدم، فقال ~~السلطان: كيف تذهب على هذه الحال؟! فأقسم ليذهبن على كل ~~حال، وكان لا يجلس في بيته إلا على تعبئة لجميع ما يراد بالجند، وقد ~~عرف ذلك منه مماليكه وجميع من في خدمته، فلم يأت عليه مغرب يوم ~~الخميس هذا إلا وهو سائر في الترب بنحو خمسمائة فارس: مماليكه نحو PageV02P369 ~~مائة وخمسين، والباقون من مماليك السلطان، ومماليك أمير كبير، ~~قائدهم ابن الأمير الكبير، ومماليك شاد الزردخاه سنقر قرق شبق، يسر ~~الله ما فيه صلاحه، وصلاح المسلمين آمين. ثم جاء الخبر، أنه لم يلق ~~أحدا ممن توجه إليهم. # وفي يوم الاثنين رابع عشر شعبان هذا، حضر الزين الإستدار، وكان ~~مسافرا في ناحية الصعيد، فخلع عليه، وعلى [زين] الدين بن ~~قاضي القضاة بدر الدين العيني الحنفي، صهر خش قدم أمير سلاح ~~بالاستمرارية في نظر الأحباس، وكان قد هز بأنه يعزل منها، لذنب ذكر ~~له، حتى تساقط ثمره، فأقر، وعلى القاضي الشافعي العلم صالح ~~بالاستمرار في القضاء، وكان أمره، أمر ابن العيني، وعلى ابن امرأته ~~الصلاح أمير حاج بن [بركوت] بأنه قد أقر في القاهرة، وترك نفيه. # وفي يوم الثلاثاء خامس عشره عقد مجلس لشخص من مكسة ~~قطيا مر عليه شريف شامي، فعنف به، فسأله الرفق بحده، فوقع فيما PageV02P370 ~~لا يليق، فرفع أمره إلى المالكي، الحسام بن حريز، فطلبه، وأذن لنائبه ~~أبي سهل بن الشيخ شمس الدين بن عمار في سماع الدعوى عليه، ~~ففعل وأقيمت البينة، وزكيت، وكان ابن عمار من الشباب الذين ~~حددهم الولي السنباطي قبل موته بيسير وكان في نفسه فاترا، فلم يكن ~~كفؤا لمثل هذا وكان يقرب قاضي الحنابلة، العز بن نصر الله، وكان أيضا ~~مباعدا لجرأة القتل، فطال أمره لذلك، وكان يطلب التخلص من ~~قتله، وكان من المالكية شخص يقال له أبو الجود من جيران الحنبلي ~~ولم يكن مشهورا بغير الفرائض، غير أنه صار يستفتى في الفقه؛ ~~لخلو الزمان عن الفضلاء، ولاسيما الشيوخ فاستماله الحنبلي، فأفتى بأن ms421 ~~الرجل لا يقتل، وأرسلوا جماعة المكاس إلى خوند، فطلب عقد مجلس، ~~فكان هذا اليوم، فأبدى أبو الجود ما عنده، وأخرج النقل ~~وعضده الحنبلي، فخالفهم جميع المالكية وجزموا بأن ما قاله أبو الجود ~~مسألة أخرى، وحصل في المجلس لغط كبير وغالبه كان للحنبلي، ~~وطعن في القضية من جهة المالكية؛ أن المسألة ليس فيها نقل في ~~مذهبهم، ومن جهة الشهود، وطلب نقل الأمر إلى شافعي، فقال ~~المالكي كيف وقد ادعى عند المالكية وأشرفوا على الحكم؟! فقال له: ~~أنت سمعت الدعوى في قضية ذلك PageV02P371 ~~اليهودي، بعد حكم شافعي، وأردت أن تحكم فيها بشيء ليس من ~~مذهبك، ولما أسلم قلت: إن الإسلام لا ينجيه، وخالفت اتفاق ~~أصحاب المذاهب، فمالك تسمع الدعوى بعد حكم غيرك، وغيرك ~~لا يسمع الدعوى فيما سمعه فيه أنت؟! فانفصل المجلس عن أنه يعزر ~~فقط، فنقل أن المالكي ضربه ضربا يميت مثله. # ثم كشف الأمر عن أن أحد المزكين للشهود لا يصلح، وأن المالكي ~~أخبر نائبه بتزكيته، فتبين بذلك غرضه وتهالكه على إقامة حرمته بقتل أو ~~تعزير شديد، كان مرة عزر شخصا من الناس، بحلق اللحية، فأخبر ~~الشيخ أبو الفضل أن ذلك لا يجوز في مذهبهم قطعا وأرسل إليه من ~~عنفه، فاعتذر بأن الفاعل لذلك نائبه وأنه هو لم يشعر بذلك، فأخبر ~~السلطان وقرر عنده كل ذلك فأرسل السلطان بمنعه من التعرض إليه ~~بغير السجن. # وفي آخر يوم الجمعة ثامن عشر شعبان المذكور رجع الأمير بردبك من ~~سفرته إلى الشرقية في مثل الوقت الذي خرج منه، وهو قبيل غروبه، ولم ~~يظفر بالعرب الذين قصدهم؛ انفضوا قبل وصولهم إليهم، لكنه طلب ~~منهم جماعة كان لهم به صحبة وألف وأمنهم فجاءوه، فأوصاهم ورغبهم ~~ورهبهم، ولما طلع إلى الخدمة بكرة يوم السبت تاسع عشره خلع عليه ~~السلطان وشفع في يشبك الذي كان نائب طرابلس وسجنه السلطان ~~في المرقب لخيانة بدت منه، فشفعه السلطان فيه، ورسم بالإفراج عنه. # وفي هذا الشهر توالى الحريق في مواضع مستكثرة من القاهرة، بحيث ~~ساءت ظنونهم، فرموا بذلك الغرباء من ms422 الأعاجم، واتهموهم بأن يكونوا ~~أرادوا اقتصاص ما فعل في بلاد ابن قرمان؛ وأكد شبهتهم في ذلك أن PageV02P372 ~~الحريق غالبا كان يقع في بيوت الجند؛ فنادى السلطان للغرباء ~~بالسفر، ثم ادعوا أنهم أمسكوا شخصا من المحرقين فإذا هو ~~مصري، وهو ممن لا يتهم، وشبهتهم في اتهامه، أنهم وجدوا معه زنادا ~~وكبريتا، والذي يغلب على الظن أن فاعل ذلك الأجناد البطالة العبيد ~~والغلمان المفسدون المنسوبون إلى الزعارة واللصوصية؛ لتمكنهم من ~~النهب عند الحريق بعلة الإطفاء والله تعالى المسؤول في السلامة ~~منهم. # وفي أواخر شعبان تحدث ناس بوجدان من يمشي بالليل متنكرا في ~~مواضع لا يمشي في مثلها على تلك الحالة إلا مفسد، وكان الحريق ~~مستمرا لا تخلو عنه جمعة من الجمع، وكان لا يقع إلا ليلا، فنادى ~~السلطان في أواخر الشهر، أن لا يخرج بعد العشاء أحد، لا عبد ولا ~~حر ولا مأمور، وصار الحريق بعد ذلك يقع ليلا ونهارا حتى وقع في يوم ~~واحد الحريق في نحو عشرة مواضع، وصح الخبر أنه كان يقع حجر أو ~~طوبة ونحو ذلك في بعض الأماكن كسطح ونحوه ملفوف عليه خروق ~~داخلها كبريت ونفط وفتائل بها زيت ونحو ذلك، وفي ذلك نار، فقل ~~موضع تقل فيه إلا أحرقته ولما حذرهم الناس اشتد احتراسهم منهم، ~~فقل تمكنهم من النهب، وتمكن النار من الإحراق، فقل أن احترق ~~بيت كله. ### ||| موت الشيخ يحيى العجيسي: # وفي ضحى يوم الأحد سابع عشري شعبان هذا، مات الشيخ ~~يحيى بن عبد الرحمن العجيسي المغربي المالكي عن بضع وثمانين سنة، ~~وأخر إلى ضحى الغد فصلى عليه قاضي الشافعية العلم صالح البلقيني ~~في باب النصر، وحضر جنازته بقية القضاة، وجمع جم، وكان إماما ~~في النحو، وشرح ألفية ابن مالك في أربع مجلدات نخل فيها جميع ~~شروحها، غير أنه كان ترفا، لم يكن ينتفع به في تدريس ولا نوع أخذ ~~عنه، وكان سيئ الأخلاق، محبا في تبكيت الناس ومواجهتهم ~~بالأذى من غير جرم، كثير الحفظ للعورات، غير متحاش من ذكرها، ~~جريء اليد على البطش في ms423 من يخالفه كائنا من كان، وكان ينتمي إلى ~~بعض الأكابر فيحمونه في مثل تلك الوقائع، وكان ذا حظ في ذلك، ~~وخلف ولدا من زنجية أسود يسمى بدر الدين محمد، فأخذ وظائفه ~~إلا تدريس الفقه بالشيخوخية فأخذه قاضي المالكية الحسام بن حريز. PageV02P374 ~~وفي هذا الحد أعيد إلى البرهان بن جماعة قضاء الشافعية بالقدس ~~الشريف، وعزل قاضي الخليل بكلفة كبيرة جدا؛ لما كان حصل لهم ~~بذلك من الوهن، يقال أنهم تكلفوا على العود نحو سبعمائة دينار. # وفي هذا الحد جرت فتنة في الخليل بين الأكراد والدارية، قتل فيها ~~خمسة أنفس: أربعة من الدارية، وواحد من الأكراد. # وفيه أيضا أرسل السلطان كاتب السر المحب بن الأشقر إلى قاضي ~~المالكية يأمره أن يطلق المكاس الذي ادعي عليه في جهة الشريف الذي ~~استشفع عنده برسول الله، فوقع منه ما وقع؛ بسبب أن السلطان ~~رأى (كما لقنه الحنبلي) أن من شهد عليه إنما هم من أخذ منهم مكسا، ~~فصار عدوا لهم لا تقبل شهادتهم عليه، وأن هذا الذي وقع له، من ~~السجن والضرب كاف في تعزيره على حسب ما لقنه الملقنون، وكان ~~المالكية قد أخرجوا النقول الصريحة من مذهبهم أن من كان في ظلم عام ~~تقبل عليه شهادة من ظلمه لئلا يصير ذلك موجبا للإقدام على المظالم ~~العامةالتي من أعظم مقاصد الشرع نصب ما يوجب الإحجام عنها، ~~فينعكس الأمر، وتصير مصلحة الشرع مفسدة، فلما بلغ المالكي ~~الرسالة، قال: أنا لا أخالف السلطان، ولا أتولى إطلاقه، ولكن خذه ~~على ما هو عليه من القيد والغل، فأحضره إلى السلطان فليفكه أو يدعه، ~~فأخذه فحصل للسلطان وعك؛ فرد إلى السجن من جهة السلطان، ~~واستمر إلى أن عوفي السلطان، فسأل عنه، فأخبر، فقال: إنهم يريدون ~~أن يصيروا يحتجون في ذلك بالشوكة، وينسبونني إلى الجور، اذهبوا به إلى ~~الشافعي يحكم فيه ففعلوا، ففك عنه قيده وغله في الحال، وتركه في ~~مدرسة أبيه، ثم أرسل إلى ابن عمار الذي كانت عنده الدعوى عليه، PageV02P375 ~~فسأله عما انتهى من أمره، فقال: إنه حكم بتعجيزه ms424 عن القدح في البينة ~~لتعزيره، فسئل المالكية فقال: إن الحكم بالتعجيز لا يكون إلا للقتل، ~~فحاول ابن عمار عن الرجوع عن حكمه فأبى، وقال: إنما حكمت بذلك ~~لما قام عندي من الشبه في البينة، وعجزه عن الطعن لا يقتضي عدم ~~موجب الطعن فأرسل الشافعي إلى المالكي من شهد عليه بأنه لم يأذن ~~لابن عمار في هذا الحكم، وأن للشافعي الدخول فيها، ثم فوض ذلك ~~إلى نائبه البدر محمد بن البهاء محمد بن القطان، فعزره، وطافوا به ينادى ~~عليه، هذا جزاؤه، وأقل جزائه، لا يزيدون على ذلك، وأطلقوه، فكان ~~ذلك من أعاجيب الدهر، وكان في نحو العاشر من شهر رمضان هذا ~~العام. # وفي هذا الحد، أرسل السلطان نحو مائة وستين من الجند في ~~ثلاثة مراكب؛ ليأتوا بخشب من الجون. # وفي هذا الحد، جاء الخبر أن الخواجا شمس الدين بن النحاس ~~الدمشقي مات في مكة المشرفة، وكان تاجرا كثير المال سمحا بالعطاء، ~~جم النوال، حسن الشكل والفعال، وكان ولده مات بمكة المشرفة ~~بالعام الماضي، وكان يكفيه كثيرا من مهماته، ومن ذلك متجر كان له في ~~الهند، وكان ينتظره في مكة، فحج الخواجا شمس الدين وجاور لذلك، ~~وقيل: إن ذلك المتجر قدم البشير به بعد موته بيوم أو يومين، وكان الثناء PageV02P376 ~~على ولده أحسن من الثناء عليه في الكرم والانقياد إلى الخير والمعرفة ~~بالمتجر، فالله المسؤول في التعويض عنهما بأحسن العوض، وأخذ ~~السلطان من تركته عشرين ألف دينار على يد ناظر الخاص، الجمال ~~يوسف، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ### || ### ||| كسر البحر: # وفي يوم الثلاثاء، ثامن عشري شهر رمضان من السنة الموافق لخامس ~~عشر مسرى من أشهر القبط نودي، أن البحر زاد ستة عشر إصبعا، ~~فوفى ستة عشر ذراعا، وزاد عشرة أصابع من الذراع السابع عشر، ~~وقيل: أن ذلك لم يتفق منذ ثلاثين سنة، ومن العجائب أيضا، أن ~~البشارة بزيادته ووفاه، كان كل منهما يوم الثلاثاء، وفتح سده في ذلك ~~اليوم على العادة، وكانت زيادته في ذلك اليوم واليومين قبله، ستا ~~وأربعين إصبعا؛ فحصل ms425 للناس سرور عظيم، وبارت الغلال بوارا ~~ظاهرا، بحيث صار الجلابة ينادون في الأزقة، يا موانة، فلا يجدون ~~مشتريا، وكان سعر القمح مائة وخمسين، وهي نصف أشرفي، ودون ~~ذلك، والشعير مائة وخمسة عشر، ودون ذلك، وبقية الحبوب مقاربة ~~لذلك. # وفي يوم الأربعاء تاسع عشري شهر رمضان هذا، ذهب نقيب ~~الجيش، الأمير ناصر الدين بن أبي الفرج إلى بركة الحاج، إلى زاوية ~~الشيخ إبراهيم المتبولي، فأخذ شريفا ورجع، فأمر به السلطان إلى ~~السجن، فحبس في سجن الرحبة، وتهدد بالعقوبة بعد العيد، وكثر PageV02P377 ~~سرور الناس بذلك إلا أهل الفساد الذين كان ببابهم قاضي الشافعية ~~صالح البلقيني، وابن امرأته الصلاح أمير حاج بن بركوت، وهو ~~المشهور بين الناس [بفساده]، وأتباعهما، فلما أيقن شريف بالشر ~~سعى في نفسه بالمال، فكلم السلطان فيه في أوائل شوال، ونفي عنه ~~الذنب، ونسب إلى من كان في بابه، فأطلق وأخذ عليه ألا يقف في باب ~~أحد، ولا يتكلم بين اثنين. ### ||| موت قاضي الخليل: # وفي أواخر شهر رمضان هذا، أو أول شوال قدم الخبر بموت قاضي ~~الخليل، الذي كان ولي قضاء القدس، شهاب الدين أحمد بن علاء ~~الدين علي بن إسحاق في القدس بعد بلوغه خبر العزل، فمرض نحو ~~ثلاثة أيام، ومات يوم الخميس العشرين من شهر رمضان المذكور. # وفي هذا الحد، مات الأمير حسون أحد أتباع الأشرف برسباي الذي كان أحد النظار على تعلقاته، وكان مسنا. ### || ### ||| سلخ السنة القبطية: # وفي يوم الأربعاء سلخ مسري، وهو الموافق لثالث عشر شوال، وفى ~~البحر ثمانية عشر ذراعا، وزاد إصبعا من الذراع التاسع عشر، ونودي ~~بذلك يوم الخميس أول أيام النسيم، الموافق لرابع عشر شوال، وتباشر ~~الناس بذلك، جعل الله العاقبة إلى خير. PageV02P378 ### ||| أول توت: # : ~~وفي يوم الاثنين ثامن عشر شوال سافر المحمل من القاهرة، ~~ومعه حاجب الحجاب أمير الحاج إلى البركة، وهذا اليوم، هو سلخ ~~أيام النسيم، ويوم الثلاثاء تاسع عشره، وهو يوم النيروز وهو أول ~~توت، أول سنة القبط. # وفي يوم الخميس حادي عشري الشهر سار ركب الحاج الأول، ~~وأميرهم جوهر ms426 الخصي الأسود مقدم المماليك، وكان في مركبه عدة من ~~الأجلاب أرسلوا خوفا مما تقدم من فتنة أهل ينبع. # وفي يوم الجمعة ثاني عشريه سار ركب المحمل لطف الله بجميعهم ~~آمين. # وفي هذا الحد، قدم الخبر منه إسكندرية أن الإمام أبا البقاء ~~القائم بأمر الله حمزة مات بها في يوم الاثنين ثامن عشر هذا الشهر، ~~وكان منفيا فيها، بعد أن نفس عنه من برج ضيق إلى قاعة حسنة، ~~رحمه الله. # وفي يوم الاثنين خامس عشري هذا الشهر، مات محتسب القاهرة ~~قانباي اليوسفي. PageV02P379 ~~وفي يوم الثلاثاء سادس عشريه وسط السلطان أربعة من الزغلية في ~~كوم الحاجب شق بهم الوالي القصبة مسمرين، ومعهم عبد عثر عليه ~~يحرق بيت سيده. # وفي هذا اليوم ضرب تمراز الساقي أحد صغار الأشرفية في السن ~~منصورا ناظر الديوان المفرد ضربا مفرطا، وهو راكب، ثم أخذه إلى ~~مكان وزاد في بهذلته، فشكاه إلى السلطان، فلامه السلطان، وكان ~~مقربا من خاطره قبل ذلك، فحملته الدالة السابقة على أن أغلظ في ~~جواب السلطان، فقال له: أخرج. فقال: الآن تقول: اخرج؟! كأنه ~~يشير إلى حالة ركوبهم على المنصور، وأنه في ذلك الوقت لم يكن يقدر أن ~~يقول له، ولا لغيره ذلك. ثم قال له: انفني. فقال له: أو ذلك ~~مرادك؟! فقال شخص من الأشرفية، يقال له قانم طاز: إن نفيته فانفنا ~~أجمعين فقال له: وأنت أنحس منه، ثم قام من ذلك المجلس ودخل ~~القاعة. # وفي يوم الخميس ثامن عشريه خلع على [بدر الدين] بن البوشي ~~بالحسبة. PageV02P380 ### ||| رئيس جامع طيلون: # : ~~وفي يوم السبت سابع ذي القعدة من السنة مات شمس الدين محمد ~~بن.... ريس جامع طيلون عن نحو تسعين سنة أو أكثر فيما أظن، ~~وكان له ذكر بين الناس بخفة الروح والقبول عند الأكابر، لاسيما الترك، ~~وصلى عليه في سبيل المؤمني قاضي المالكية الحسام بن حريز في جمع كثير ~~من أعيان الناس رحمه الله، وكان مسالما للناس، حسن العشرة، وكان ~~يشهر بالمستحل، وخلف ابن أخ يسمى أبا الفضل الغزولي. # وفي يوم الثلاثاء عاشره، ms427 سافر الأمير بردبك الدويدار إلى طندتا في ~~البحر في خمسة سفن؛ ينظر في أحوال مقام الشيخ أحمد البدوي، ~~والجامع الذي تسبب في عمارته في وسط البلد عوضا عن جامعها الذي ~~كان بين القبور، وبعيدا عن البلد، وكان يباشره له الشيخ إبراهيم ~~المتبولي، ثم رجع ليلة السبت حادي عشريه، وكان أولاد بقر، قد بيتوا ~~جماعة بني الغياثي أحمد وحشيشا وآلهم في قرية الكراديس من الشرقية، ~~فاستباحوا ديارهم، ونهبوا من الأموال، النقود والأواني والثياب والمواشي، ~~ما يأسف على مثله الملوك، ربما قيل أن ثمنه يزيد على عشرين ألف ~~دينار، وذكر أنهم نالوا من حريمهم ما لم يذكر عن العرب مثله، وقيل: ~~أن سبب ذلك أن الأمير بردبك لما ذهب قبل الإصلاح بين العربان أدنى ~~حشيشا بن الغياثي وأجلسهن وترك ابن بقر قائما، ونهبوا بعض بلاد بني ~~بقر، فعظم ذلك عليهم، وعنفهم النساء، فزاد من تحرقهم، ففعلوا ~~ذلك، وكان أميرهم بقر غائبا في نواحي دمياط. # فشكا ابنا الغياثي حالهما إلى السلطان، فطلب بقر أمير البقرية فأتى ~~ودار على الأمراء والمباشرين، ثم طلع إلى السلطان يوم الخميس تاسع ~~عشر هذا الشهر، فاعتذر بأنه كان غائبا، وأنه لا ذنب له في هذا الأمر، ~~فقبل السلطان ذلك منه، وعظمه ورفعه على ابني الغياثي وألبسه خلعة PageV02P381 ~~بالإمرة، وعزل محمد بن عجلان، وذهب ابنا الغياثي، فنسأل الله ~~حسن العاقبة في هذا الأمر. # وفي هذا الشهر كثر الفساد برا وبحرا في بلاد مصر والشام، بحيث ~~صار السفر في غاية الخطر، ونهب الناس في الأسفار وقبلوا برا ~~وبحرا، فكان من ذلك جماعة من التجار أخذوا في البحر دون فوة، ~~فشكوا حالهم إلى السلطان فأعلم أن الموضع الذي طرقوا فيه، ~~بين معاملات غيث بن نصير الدين، وحسام الدين بن بغداد، وجميل ~~بن يوسف، والرأي طلب الثلاثة للإلزام بأموال هؤلاء التجار، فأرسل ~~إليهم، فتأخر حضورهم إلى أن ظن أنهم لا يأتون، وأرسل إلى ابن سابق ~~أحد أمراء العرب بالغربية فقبض عليه، وضع في مركب وسوفر به، ~~فلحق جماعته فخلصوه، وزاد الأمر في ms428 الفساد أن قطع على حمل السلطان ~~المتعلق بالإستدار فأخذ، وهو مائتا درهم أو أزيد، وسلب حاملوه وهم ~~جماعة الزين الإستدار، وزاد أيضا أذى الأجلاب للتجار وجميع السوقة ~~وأخذ أموالهم بالباطل. # وفي هذه الحدود أخذ بعض مماليك نائب الشام بنتا بكرا من أبيها في ~~سوق باب الفرج في دمشق فافتضوها، ولم يوجد في ذلك مغيث، ~~فشكا ذلك الرجل أمره إلى النائب، فرفع من فعل ذلك من مماليكه إلى PageV02P382 ~~القلعة من غير ضرب، فلم يرض الشاميين ذلك، فرجموه؛ فذل لذلك ~~ذلا كبيرا وترضاهم، ثم صار يريد الانتقام منهم، فكان إذا وقع له منهم ~~أحد ينسب إلى فساد قتله من غير توقف، وصاروا خائفين منه، وهو ~~خائف منهم. # فلم يبق موضع في المملكة إلا طرقه البلاء إلا حلب وبلادها، فإن ~~السلطان لما أهان نائبها بما تقدم من الكشف عليه، وطلب خزنداره ~~وموقعه، أرسل إليه إخوانه الأشرفية، أنه لا ناصر لك منا؛ فذل لذلك، ~~وشرع في إصلاح ما أفسد فلم يقع له مفسد إلا أتلفه، فأصلح ذلك ~~البلاء بكل الإصلاح، وصاروا في أمن زائد، بعد أن كان لا يقدر أحد ~~على المشي في جامع حلب بعد العشاء فضلا عن الأسواق، ولم يبق مفسد ~~إلا طار، أو أظهر الصلاح، نسأل الله إتمام النعمة، ودفع كل نقمة آمين ~~آمين آمين. # وفي يوم الخميس هذا، وهو تاسع عشر هذا الشهر، أرسل شخص ~~من مفسدي الجند واحدا من مفسدي أتباعه يلقب بعنكبوت؛ يأتيه ~~بجريدة لعمارة عنده، فامتنع عليه صاحب الجريد؛ لكثرة أخذه منه بغير ~~ثمن، فضربه ضربة كانت فيها روحه، فقبض عليه من كان عند ~~الجرائدي من النساء وغيرهن، ثم أتى بالوالي فوضعه في المقشرة، فأعلم ~~به السلطان فأمر به إلى المقشرة حتى يؤتى به يوم السبت للقصاص منه، ~~فكتب أهل القتيل محضرا عند بعض القضاة بقتله لصاحبهم وصبروا ~~صاحبهم، وحلفوا أن لا يدفنوه حتى يقتل قتله، فأحضر يوم السبت ~~حادي عشري الشهر إلى السلطان، فكثر ثناء الناس عليه بكل شر، من ~~الجرأة على جميع المفاسد، من خطف ms429 النساء والصبيان والأموال وغير PageV02P383 ~~ذلك، وعلى المقتول بالخير، فأمر السلطان بتوسيطه؛ ففرح الناس بذلك ~~فرحا قل أن رؤي مثله، حتى زينت غالب أسواق البلد، وأوقدت بها ~~الشموع، وزغرط كل من مر به مسمرا من النساء، ووسط في باب البحر ~~على باب القتيل؛ وذل به كثير من أهل الفساد، وأراح الله منهم البلاد ~~والعباد. # وفي ليلة الاثنين ثالث عشري ذي القعدة هذا، مات الأمير تنبك ~~أتابك العساكر المصرية، ودفن من يومها، وكان شيخا كبيران لعله يزيد ~~على ثمانين سنة. # وكان ناظر الخاص غائبا في الخطارة؛ لرؤية ما أتاه من الغنم من ~~بلاد الشام، فحضر ليلة الخميس سادس عشري الشهر. # وفي بكرة الخميس المذكور، خلع على المقام الشهابي أحمد ~~ولد السلطان بالأمرة الكبرى، وأعطي إقطاعه لأخيه المقام الناصري ~~محمد، وأعطي إقطاع أخيه لجانبك المرتد، ونزل بالخلعة إلى بيته PageV02P384 ~~الذي بالمدينة إلى جانب بيت أبيه الذي كان ساكنا به إلى حين السلطنة، ~~وهو عند حدرة الفيل، ونزل معه أخوه المقام الناصري محمد، والأمراء، ~~ولم ينزل معه المباشرون، بل استمروا في خدمة السلطان وكان يوما ~~مشهودا. # وكان أجلاب السلطان قد زاد شرهم، لاسيما في هذا العام، فكانوا ~~يأخذون من الأسواق ظلما وينتهكون حرمة ذوي الهيئات، ثم تعدى ~~شرهم إلى الحطب، فكانوا لا يدعون مركبا تأتي حتى يأخذون ما فيها، أو ~~أكثره إما نهبا أو شرى بثمن بخس ثم يبيعونه في الحال بأغلى الأثمان، ~~سواء كانت تلك المركب لأمير أو غيره، حتى فعلوا ذلك في مركب الأمير ~~الكبير تنبك هذا الذي مضى ذكره، ثم أنهم تعرضوا للأمراء ونغيرهم في ~~ضيافات الأقطاعات من الإوز والدجاج وغير ذلك، ثم في إطلاق ~~البرسيم، فكانوا يأخذون برسيم الإنسان ويبذرونه في الأرض التي كتبت ~~له، ويسمونها لأنفسهم حتى فعلوا ذلك في هذا الشهر مع قرقماش ~~الجلب الأشرفي، رأس نوبة النوب، وأخذوا غريما من بيت سودون قرقش ~~المؤيدي رأس نوبة النوب ثاني، فشكاهم قرقماش إلى السلطان، فحاجز ~~وفاة الأمير الكبير، فقطع الكلام، وكلم السلطان فيهم قانصوه الأشرفي ~~أحد الأمراء العشراوات، فذكر ms430 له جميع ما يفعلونه، وأنه لا أحد من ~~الأمراء إلا وهو مملوء القلب منهم، بحضرة الأمراء، فأحال السلطان ~~الأمر إلى مقدم المماليك، وقطع المجلس بمثل ذلك من الكلام الذي لا ~~ينفع، فزاد العجب من ذلك. # فتأملت أنا الأمر وعرضته على ما أعرفه من حزم السلطان وشهامته ~~ومروءته ونفرته من الشر وبغضه له، مع شيخوخته وتجربته لعواقب ~~الظلم، فأشكل علي الأمر، ثم ظهر لي أنه يحتمل أن يكون ذلك عن ~~عمد منه؛ وذلك لأن هؤلاء الطوائف هم أغوات الطباق، فكانوا في PageV02P385 ~~أوائل السلطنة غير ناصحين للسلطان، فكنوا يغرون الأجلاب على أمور ~~يخص ضررها السلطان وجماعته الإخصاء به، وزاد ذلك منهم إلى أن ~~رجموا السلطان، حتى لم يخلص منهم إلا بعد جهد على غير قياس كما ~~تقدم، فلم يكره حينئذ وقوع الشر بينهم وبين سائر الطوائف؛ فإنهم لا ~~يخلصون له إلا بذلك، لكن لا عذر له عن عدم كفه لهم عن أذى ~~الضعفاء وفقه الله لما يرضيه، وقيض له بطائن الخير، وأبعد عنه بطائن ~~السوء آمين. ### ||| موت الشيخ علي المحتسب: # وفي ليلة الجمعة سابع عشري الشهر مات الشيخ علي العجمي ~~المحتسب، المعروف في بلاده بيار علي، بالخانكة عن نحو ثمانين سنة فيما ~~أظن، وكان شافعي المذهب، يحفظ من الروضة شيئا، ومن تفسير ~~الإمام فخر الدين كذلك، ومن غير ذلك، ويذاكر به، يرى أنه من ~~طلبة العلم، وطال أطول الناس في هذا الزمان وكان لما ورد من بلاد ~~العجم حصل بينه وبين الأمير سودون من عبد الرحمن، صحبة في ~~بلاد العجم إذ كان هاربا بها، فلما ورد يار علي إلى هذه المملكة وجده بها ~~من أكابر الأمراء، وكان قد بنى في مدينة الخانكة مدرسة فجعله شيخها PageV02P386 ~~ثم جعله وصيه لما مات، فحسنت حاله إلى أن صار يركب فرسا إذا ~~قدم إلى القاهرة، لتعاطي ضروراته، ولكن كان مع ذلك فقيرا، ولا سيما ~~لما بعد الوقت من موت الأمير سودون، وانقطع عنه رفده، وكان إذا ~~قدم القاهرة تقرب إلى بعض رؤسائها، وكذا إذا قدم عليه ms431 أحد إلى ~~الخانكة، وكانت بينه وبين المحب ابن الأشقر عداوة، وكان يتردد إلى ~~أمير آخور جقمق، وكان جقمق شديد البغض لابن الأشقر، فلما ولي ~~جقمق السلطنة قرب الشيخ علي، فصار يتقرب إليه بما يحبه من ماله ~~ونحوه، فعظم عنده، فنظرت إليه الأعين، وقصده بعض الناس، ~~فعظمت دنياه، وكان قبل ولاية الظاهر حوط قدام مدرسة سودون شيئا ~~يسيرا يكون مانعا لمن ينزل هناك من المسافرين بداء به من أذى، ~~فهدمه ابن الأشقر، فلما عظم الشيخ علي عند الظاهر أعاد ذلك على ~~أوسع ما قدر عليه، وبنى هناك أملاكان من خانات، ودكاكين، ~~وسكن، وغير ذلك، وسار في الخانكة سيرة حسنة، استجلبت الناس ~~إليها، بحيث سكن الناس أملاكه، واتخذوا إلى جانبها العمائر، وازدحموا ~~هناك، حتى كادوا يغزوا ناحية ابن الأشقر، وهي ناحية الخانقاه، وبنى ~~بابي القصبة التي يسلكها المسافرون، وهو كان سبب بناء غالبها، ~~فاستمرت العمارة، حتى طبقت ما بين البابين، واستمر يعظم عند ~~الظاهر، حتى ولاه حسبة مصر القديمة، فسار بها أحسن سيرة، فضم ~~إليه حسبة القاهرة، فأحسن السيرة قليلا، ثم مد يده بلباقة، فاتسعت ~~دنياه، وعظم شأنه، وحصل لابن الأشقر بذلك ضرر، وكانت بينه ~~وبينه روس، وغرمه أموالا جمة، ثم أخذ منه نظر الخانقاه، PageV02P387 ~~ومشيختها وكان في أيام حموله قد صنع فيما كان يتقرب به صورة حمار من ~~تخطيط كتابة، قوله سبحانه وتعالى: {وانظر إلى حمارك} وجعل ~~دائرة الواو دبر الحمار، فذكر ابن الأشقر ذلك، وأغرى به من تكلم فيه ~~عند الظاهر، وكانت حقيقة الظاهر، أن لا حقيقة له مع أحد، فأمكن ~~منه، فادعي عليه عند قاضي القضاة سعد الدين بن الديري، ثم خلص ~~من ذلك ولم يحط من رتبته عند الظاهر؛ لأنه كان يبذل له من المال ما ~~يقبل بقلبه، ويتقرب إليه بما يحبه، فاستمر معظما حتى مات الظاهر، ثم ~~استمر بعده يقوم ويقعد حتى حصلت له علقة لازمته شهورا كثيرة، ~~فانتقل إلى الخانكة في محفة، فتماثل، ثم انتكس فمات، وكان عارفا بما ~~يدخل فيه، يجيد إتقانه ويمهر فيه في ms432 أقرب مدة، وكان له كلام سديد، ~~وأجوبة ممتعة، وخلف ولدين رجلين، يوسف وهو بزي الجند، ومحمد ~~وهو بزي الفقهاء رحمه الله. # وفي هذا الشهر، أو الذي قبله مات الفاضل البارع محمد المسلاتي ~~المغربي، وكان شابا قصيرا ضئيلا دميما أسمر خفيف اللحية، وكان ~~فاضلا في النحو فائقا فيه، يتكلم في كتاب سيبويه، وكان متقدما في ~~المعقولات، مشاركا في الفقه، فصيحا، قادرا على استخراج ما يتكلم فيه ~~من القواعد العلمية، عارفا باستعمال الآلات فيه، جيد النظر، مديد ~~الباع في المناظرة، وكان فقيرا جدا رحمه الله. ### ||| آخر المنادات على البحر: # وفي يوم السبت ثامن عشري ذي القعدة، وهو الموافق لعاشر بانه، ~~دار منادي البحر للوداع، يخبر أن البحر استقر على ست عشرة إصبعا ~~من تسعة عشر ذراعا. # وفي هذا الحد وصل شيخ الخليل السراج عمر بن الجعبري وقاضيها ~~الشمس محمد ابن الشهاب أحمد الداري الشافعي، وأخوه البرهان PageV02P388 ~~إبراهيم وجماعة معهم في أمر الفتنة التي كانت ببلدهم في شهر رمضان، ~~وذلك أن السلطان أرسل إلى نائب القدس ابن أيوب التركماني أحد ~~مماليكه [كي يمسك] المفسدين، ويأخذ منهم ديات القتلى ~~ويرسلها إلى السلطان ويأخذ منهم للخاصكي ألف دينار، وكان ~~الغرماء، قد طاروا في بلاد العشير، وكان ابن أيوب رجلا مفسدا عاجزا ~~عن الإصلاح، غير محب له، محبا في الفساد، فقبض على أهل الخير، ~~ومن لا يقدر على النزوح؛ لثقل ظهره بالعيال والوظائف، فلم يجدوا إلا ~~مرتباتهم في الحرم، فتعجلوها، فأرضوا بها الخاصكي، وقدموا يشكون ~~حالهم، ويسألون الإمعان في تطلب المفسدين وتنقية بلدهم منهم، ~~ويشكون من ابن أيوب، ويسألون في إقامة حاكم عندهم في الخليل، ~~ليكون حضوره رادعا للمفسدين، فأجيبوا إلى الأمر، بتطلب الغرماء، ~~ورسم السلطان لابن أيوب أن يقيم عندهم بعض جماعته في عشرين ~~خيالا؛ لحفظ بلدهم، والله تعالى المسؤول في تولي إصلاحهم، وعللوا ~~امتناعهم من إقامة حاكم في الخليل، بأنه يحتاج إلى إقطاع، فأشرت ~~عليهم بأن يعطوه نظر وقف الخليل، ويفردوه من نظر القدس، فلم يقبل ~~الذي أشرت عليه بذلك ذلك؛ وعلل بأن ناظر ms433 القدس عبد العزيز بن ~~معلاق الرملي، صاحب السلطان، فهو لا ينقصه شيئا مما هو متكلم ~~فيه. ### || # وفي يوم الاثنين مستهل ذي الحجة الحرام من السنة لبس المقام ~~الشهابي أحمد خلعة بالأنظار الجاري عادة الأمير الكبير بها، ونزل إلى ~~المرستان، وزينت له القصبة، لاسيما ما قرب من المرستان، وكان معه ~~أخوه، المقام الناصري محمد، وابن أخته الناصري محمد بن الأمير بردبك، ~~وجميع الأمراء إلا بردبك، ومن المباشرين، كاتب السر والإستدار، وترجل PageV02P389 ~~من المماليك من السيوفيين، فمشوا أمامه، ونثر على رأسه الذهب ~~والفضة، على باب المرستان لما طلع في تلك الدرج، وكذا لما نزل ~~ليركب. # وكان مما افتتحه في مباشرته يوم الأحد تاسع عشري الشهر، هدم ما ~~أحدث قدام مدرسة المنصور من دكاكين طباخين، وغيرها ضيقوا بها ~~الطريق، وأفسدوا بدخانها سقف المدرسة، فشكر على ذلك. # وفي هذا الحد، جاء الخبر أنه أتى إلى المراكب التي أرسلها السلطان ~~إلى الجون أربعة مراكب كبار، فيها زيادة على ألف من الفرنج، فاقتتلوا ~~معهم قتالا عظيما وقتلوا منهم جماعة كثيرة، وقتل من المسلمين أربعة ~~أنفس، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وقيل أنه انضم إلى ~~الجند المصريين جماعة من طرابلس، وتلك البلاد فتقووا بهم. # وفي هذا الحد، جاء الخبر أن مركب الحريري، (أحد التجار ~~المصريين السفارة في بحر القلزم) غرقت، وغرق فيها صاحب المركب ~~الحريري، وخلق كثير، ومال كثير، ولم يسلم ممن كان بها إلا دون ~~الخمسين رجلا. PageV02P390 ~~وفي هذا الحد، جاء الخبر، بأن محاربا قتلوا كبراء ~~لبيد، فجردت لهم لبيد خيلهم ورجلهم، وقدموا إلى البحيرة عازمين ~~على إخرابها، فجهز السلطان إليهم عسكرين من رؤوسهم: قانم التاجر ~~وهو أحد أمراء الألوف، وشرباش كرد أمير مجلس، وبازير الناصري، ~~وكان تجهيزه لهم في أوائل ذي الحجة هذا، ثم لم [يسافروا] من بر ~~الجيزة حتى أرسلوا إلى السلطان أن يمدهم، فإن العرب كثير، فأمدهم ~~بالأمير جانبك مشد جدة، وبردبك البشمقدار، وكلاهما من مماليك ~~الظاهر جقمق، ثم أمدهم أيضا بجمع من مماليكه، ثم لم تتحرر كثرة ~~العرب، فلم ms434 يذهب المدد. # وكان العيد يوم الأربعاء، وحصل في مكة المشرفة اضطراب في الهلال ~~أوجب وقوفهم بعرفات يوم الثلاثاء والأربعاء كما سياتي عند قدوم بشير ~~الحاج. # وفي أواخر ذي القعدة من هذه السنة، خرج ناظر الخاص يوسف بن ~~كاتب جكم إلى الخانكة لعرض الغنم التي جاءته من بلاد الشام PageV02P391 ~~للضحية السلطانية، أخبر أنه أرسل في شأنها خمسة عشر الف دينار، ~~فرجع وهو منحط البدن، ولم يبال بذلك ولا انقطع عن الركوب إلا من ~~يوم الاثنين خامس عشر ذي الحجة هذا، ثم كان كل ليلة يخرج إلى ~~أصحابه المعتاد بالاجتماع معهم في حوشه للحديث والأنس بهم كل ليلة ~~بعد المغرب إلى مضي قطعة من الليل، إلا ليلة الأربعاء وليلة الخميس، ~~فتواتر عليه القيء، فمات في أواخر ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجة ~~المذكور، فأصبح صهره إبراهيم بن الجيعان وأخوه علم الدين فأخذا ~~أولاده، وطلعا إلى السلطان، فأخبراه بذلك، فاشتد أسفه عليه وهو ~~لعمري معذور في ذلك؛ فإنه كان من عجائب الأرض، كان لا يدهم ~~السلطان أمر إلا خففه عنه، ولا يحتاج شيئا إلا أسعفه به، كائنا ما كان، ~~نقل أنه وصل إلى السلطان منه، من أول ولايته إلى هذا التاريخ، نحو ~~ألفي ألف دينار، وعمر له تربته التي بالصحراء خارج باب النصر، ~~وهي لا مثل لها بالقاهرة والحوش الذي أمامها والربع الذي بين ~~القصرين، وغير ذلك، وكان لا يعمر أحد من الأمراء والجند والأكابر ~~من غيرهم في مصر شيئا إلا كان كثير من أخشابه وغيرها منه، ولا يسافر ~~أحد إلا وكان كثير من جهازه منه، وجهز ابن السلطان وأمه خوند ~~الكبرى وابنتيها امرأتي دويداريه، وجمعهم الذي يعسر ضبطه إلى الحج ~~بهيئة ما سمع في هذا الزمان بمثلها، ولاقتهم إقامته، من الأوز والدجاج، ~~وما يلائم ذلك إلى بطن مر أرسل ذلك في سنبوك في البحر، ثم كان PageV02P392 ~~في كل مرحلة أو مرحلتين يلقاهم شيء من ألطافه، وكان مع ذلك ~~كله ليست له مظالم فاحشة خارجة عن العرف كما يفعل غيره، وكان لا ~~يزداد ms435 على طول المراجعة إلا بشاشة وتبسما، وكان يفصل الأمور المهمة ~~المتشعبة بأدنى شيء، وهو مع لطفه وبشاشته في غاية المهابة، بحيث ~~انه معدود لذلك في عتاه الجبارين، يجلس أكابر من الجند في دست ~~مجلسه الذي يقضي في الأشغال، في دور القاعة، وقليل منهم من يجلس ~~في الإيوان الذي هو به، وله من الصدقات ما يقضي منه العجب، من ~~الخبز والأطعمة التي تنقل إلى الحبوس والمحاويج من غيرهم في القرافة ~~والمدينة، والنقود، وغالب ذلك سر، حكي: أن الخبز عشرة آلاف ~~رغيف في كل يوم. # ومن يوم موته صار المحابيس يخرجون من السجن ويقعد بهم في ~~السوق، ينادون: الحبس، والجوع، يا أهل الخير، ولم يكونوا في أواخر ~~أيامه يفعلون ذلك، وحكيت ذلك لبعض الرؤساء لعله يتشبه به في ذلك ~~فما اكترث. # وله من الآثار في تمهيد الطرق الصعبة، كطريق القدس والخليل، ~~والخانات المحتاج إليها كخان أسدود، والخطارة وغير ذلك شيء كثير. # ولا يذكر أحد في مجلسه بسوء لمجرد الغيبة أصلا ولو أنه أعدى ~~أعدائه، ولا يلتفت إلى من يتكلم فيه ويؤذيه ممن لا يقارنه أصلا، ولا ~~يظهر أنه سمع عنه شيئا، وهو مع ذلك ينصفه إذا لقيه ويقضي أشغاله، ~~بحيث يجد في نفسه الأمن منه نفسه، ومن أن يمكن منه عدوا بباطل، ~~ويتحمل كثيرا من أقرانه، غير أنه إذا تحقق من أحدهم عدم الرجوع مال ~~عليه ميلة يتحدث بها وتكون عبرة للمعتبر، وتستمر صولتها في القلوب ~~دهرا من أن يذكر ذلك، أو يكترث به، ثم لا يدعه يرفع له رأسا أبدا، ~~وإذا كسره، يصير هو يرفده ولا يقطع نواله عنه، وهو من أذكى بني آدم PageV02P393 ~~وأقرائهم للخطوط، وإن كانت معجرفة بفتح المطالعة الطويلة، ~~فيلمحها لمحة واحدة، لعلها تكون أقل من ربع درجة بمشاهدتي ~~ثم يطويها، ويكلم حاملها فيها. # ولما قدمت من عمارة خان الفندق، أعطيته المحضر الذي كتبته ~~بعمارته، بحضرة السلطان، فقرأه (ولم يتأمله) قراءة حسنة، لم يتلعثم ~~فيها وكان بعض أصحابي من نواب القضاة قد رآه، فقرأه مرتين، فأقسم ~~بالله، أن ms436 قراءة ناظر الخاص له أول مرة، أحسن من قراءة ذاك في المرة ~~الثانية. # وكان يجلس بحضرة السلطان الملك الأشرف إينال، وله عنده من ~~العظمة ما لا مزيد عليه، بحيث أنه لا يقضي لأحد شغلا إلا بواسطته، ~~لا من الترك، ولا من غيرهم، فكان كل الناس إلى بابه. # مع أنه كان معظما عند الظاهر، على أنه كان يود لو أهلكه، وكان ~~يريد عزله فلا يقدر؛ لكثرة أعوانه من الجند وغيرهم؛ ولأنه لا يجد له زلة ~~تقتضي ذلك. # وأوصافه لعمري كثيرة في الدهاء، مع من يداهيه، والعشرة الحسنة ~~لمن يعامله بمثلها، وأحسن ما فيه أن مجلسه سالم من الغيبة، وأنه لا ~~تستخفه النميمة ولا يقبل الباطل من أحد، وأن عدوه الذي لا يقارنه منه ~~في أمان، وأما القتل فلا يعرج على قصده، ما أذاه أحد أبو الخير ~~النحاس، ولما كسره كان يتفقده بالإحسان في طرطوس وبعدها، وكان ~~قادرا على قتله بأهون سعي، وكان شديد التخوف منه، ولم يقتله. # والحاصل أنا ما رأينا رئيسا يساويه، ومع ما أوتي من إقبال الملوك، ~~والتمكن لديهم، فعنده كف شديد عن الشر، ولم يكن يقرب الأشرار، ~~ولا يميل إلى أحد منهم، وإذا غلط في بعضهم ثم انكشف له رجع عنه، ~~ولم يلزم غلطه كما هو عادة أهل الزمان لئلا ينسب إليهم خفه. PageV02P394 ~~غير أنه كان ينقل عنه أشياء من مساعدة النصارى، ربما تدل على ~~الكون معهم، ونقل عنه نقلا خفيا جدا جدا أنه كان يتردد إلى الكنيسة، ~~ويجتمع بالبترك ويؤيد ذلك أن أمه كانت نصرانية ما استسلمها إلا ~~الظاهر جقمق، ويقال: أنها على ما كنت عليه، وأنه كان يفارق ~~المجتمعين عنده كل ليلة من غير أن يصلي العشاء، وأعظم مؤيدات ~~ذلك ما حدثني شيخنا علامة الزمان وناقده، أبو الفضل محمد بن ~~العلامة القدوة أبي عبد الله البجائي المغربي المالكي المعروف بالمشدالي، ~~أنه كان جالسا عنده فرأى في حجره ورقة صغيرة استنكرها، ورآه قد ~~أخذه فكر عظيم في أمرها، فلما قام غفل عنها، فسقطت من حجره ~~فأخذ شيخنا ms437 بسرعة وخفة، وانصرف عجلا فإذا فيها ما صورته بخط ~~ضعيف غير معهود. # هو الفتاح ~~كان قولنا أن تكون صحبتنا ~~إلى آخر العمر لا إلى شهر ~~أو إلى سنة وكا قولنا ~~أن يكون بيننا أبوة ~~وبنوة ~~عمر دولت بالأمين ~~(كذا كتب وكا قولنا، ولم يكتب ها نونا، وهي وكان قولنا)، وقد ~~أراني شيخنا تلك الورقة فرأيتها على هذه الصورة، قال شيخنا، فظننت ~~أنها من البترك، قال: فتلطفت بإرسال امرأة، سألت البترك في حاجة، ~~فكتب لها ما صورته: ~~الخلاص للرب ~~صدرت هذه البركة للأمينة المباركة PageV02P395 ~~واستمر على تلك الصورة التي في ورقة ناظر الخاص، فتأكد الظن ~~أنها منه والله الهادي، وكان ناظر الخاص، لكثرة ما رأى من المصائب ~~وعاداه من الرجال، وعانى في حفظ جاهه ومنصبه، لما عنده من ~~الشهامة والأنفة؛ قد حصلت له أمراض كثيرة، منها فتق قريب ~~صدره، وخرج له منه شيء كهيئة الخراج، وكان يقال أنه دبله، ~~وأنها قاتلته. # وكان ربعة إلى القصر، وإلى الرقة، إلا أنه حلو الشكل، حسن ~~الكلام، خفيف الروح، وكان يلثغ في الراء لثغة خفيفة، ~~وكانت عمامته في غاية الكبر لبرد في رأسه، ولحيته حسنة، ولم يكن في ~~عصرنا رئيس إلا وله أضداد يقاومونه في بعض الأشياء وإن كان أعلى ~~منهم إلا هذا فإنه كان في الرئاسة نيفا وعشرين سنة كان في أكثرها بلا ~~مقارب في الرئاسة، ومع ذلك، فكانت تمر عليه أوقات يتمنى فيها ~~الموت لوصوله في الرئاسة إلى حد لا يعرف شيء من تعلق المملكة إلا ~~منه، مع تسخط كثير من الرؤساء عليه؛ لعجزه عن إرشائه، وعدم ~~سماحه بأن يكل الأمور إلى غيره، ويتبرأ منها، إلى أن مات، وهو أسخط ~~ما يكون على الدنيا على نحو خمسين سنة فأف لرئاسة هذا وصفها. # ولما مات توفرت دواعي الناس لرؤية جنازته، فما رأيت يوما كان أكثر ~~زحاما منه ولا اجتماعا إلا في جنازته، وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد ~~بن حجر، لكن ذاك كان على أحسن ما يكون من النظام والسكون، ~~وهذا على أسوأ ما يكون ms438 نظاما، وأشد ما يكون هرجا ومرجا وجلبة. # كانت الطرق لا تنشق من كثرة الناس، في كل سكة خلق لا يحصون ~~ما بين ماش وساع وراكض وغيره، بعضهم ذاهب، وبعضهم آيب، PageV02P396 ~~والكل في شأنه بحيث كان أعظم من الجمع في يوم المحمل، وهم في ~~غاية الاختلاط، زمرة عوام، وزمرة خواص، إلى جانب الأمير الفقير، ~~وإلى جانب الفقيه السفيه، وإلى جانب المشاة الركاب، ونحو هذا من ~~الاختلاط على غير نظام، بحيث لا يأمن الماشي من دوس الراكب له، ~~وأما الدكاكين وشبابيك المدارس والأسطحة، فضاقت عن الناس، نساء ~~ورجالا، ولما وصلوا به إلى مصلى باب النصر كان الناس قد ازدحموا حتى ~~لم يبق للجنازة ممر، فجاء من قدامه من الجند فرجموا الناس ليمر بجنازته، ~~فكاد كثير من الناس يقتل، وسقط بعضهم على الأرض، ثم وضع في ~~الشارع، الذي قدام مدرسة الحاجب، وصلى عليه قاضي الشافعية العلم ~~صالح البلقيني، وكان مريضا إلا أنه لم يسعه التخلف ولم يستطع كثير ~~ممن حضر الصلاة؛ من شدة الزحام، وكان ذلك ضحوة يوم الخميس ~~المذكور ثامن عشر ذي الحجة المذكور، ولما حمل كاد الناس يقتل بعضهم ~~بعضا عند الركوب، ثم شيعه كل من حضر إلى التربة التي جددها قدام ~~تربة السلطان الأشرف إينال، وكاد كثير منهم يقتل عند الدخول في باب ~~التربة، ثم حصل هناك من الضجة ما علم الله أنه قل أن وجد مثله؛ ~~كادت ترج منه الأرض، وذلك ما بين قراءة وصراخ ولطم وبكاء وعجيج ~~وتشبيب وتدفيف، فما رأيت بعيني، ولا سمعت قط شيئا مثل ذلك، ~~من لم يعتبر به فلا عبرة له. PageV02P397 ~~وانضمت الأرض على رئيس لم يترك بعده من يقاربه، وأصبحت ~~مصر ولا رئيس فيهان ولا من يتوهم نجابته، فلا قوة إلا بالله، ونقل عن ~~خواصه أنه تشهد عند موته، وأشهد على نفسه بالتوبة، وأثنى غالب ~~الناس عليه خيرا، وعظم تأسفهم عليه، بل نقل الثناء الحسن عليه من ~~أعدائه. # وتحد الناس، بأنه مات مسموما، وأن بعض أعضائه تزايل قبل أن PageV02P397 ~~يدخل قبره، ثم سمعت ms439 عن بعض عقلاء خواصه، أنهم لا يشكون في ~~ذلك. # ورؤيت له منامات حسان جدا فإن كان ما نقل من قصة البترك ~~صحيحا، فلعله مما ما نقل من تشهده إن صح، ورؤيت له منامات ~~بضد ذلك، والعلم عند الله تعالى. # وكنت في جمعة موته واقفا في الميعاد على قوله: {الذين آتيناهم # الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، الذين خسروا أنفسهم فهم لا ~~يؤمنون}[الأنعام:20] وعلمت أن الميعاد يأتي يوم موته في قوله تعالى: {ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا}[الأنعام:21] الآيات، إلى قوله تعالى: {وما ~~الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون}[الأنعام:32]. # ثم طلب السلطان صهره الأمير بردبك وسأله أن يسد مسده؛ لأنه لم ~~يكن أحد يقاربه في قدرته على تحصيل المال، وسداد الأمور برفق غيره، ~~فأبى، فطلب إبراهيم بن الجيعان، فأبى، وكثرت الأقاويل، ورفع ~~المفسدون رؤوسهم، واشرأب النفاق، فسعوا في إحضار أبي الخير ~~النحاس، فأجيبوا، وكتبت المراسيم بذلك، وجهز القاصد بذلك، ~~واجتمع ابن الأقساسي الملقب بالمخلع، بابن السلطان، وقال له: إن ~~الذي كان يعطيكم ناظر الخاص قطرة من بحر، وأنا عندي في جهات ~~بلاد الشام مائتا ألف دينار في كل سنة: في حلب خمسون ألفن، وفي ~~طرابلس مثلها، وفي دمشق مائة ألف، وكان ناظر الخاص أرسل القاضي PageV02P398 ~~نور الدين البرقي، أحد نواب الحنفية، وكان أحد خواصه إلى بلاد ~~الشام، ليضبط له تركة ابن خالته الشرف موسى، ناظر جيش طرابلس، ~~فلما مات ناظر الخاص خيل السلطان من البرقي، وقيل له: إن ناظر ~~جيش طرابلس كانت في [يده] جهات، كانت عادتها في كل سنة ~~ثلاثين ألف دينار، فكان ناظر الخاص إنما يأخذ من خمسة عشر ألفا، ~~وله عشرون سنة، فتوفر للسلطان في هذه المدة ثلاثمائة ألف دينار ونحو ~~هذا، وحسن للسلطان الإرسال بالتضييق على البرقي، فرسم أن يوضع ~~في زنجير وأن يتوجه المخلع ومعه شخص من أطراف الناس، وأشرارهم ~~من جهة ماميه الذي كان توجه في أيام الظاهر بالكشف عن ابن عز ~~الدين، قاضي طرابلس، وكان حصل له نكاية ms440 من ناظر جيشها.فساعد ~~المخلع الآن في مراده، فرسم أن يتوجها للقبض على البرقي، ~~وابن الشرف موسى وخواصه وتقريرهم على الأموال، ثم سعى في نقض ~~ذلك، واستقر الحال على أن يكتب إلى البرقي بتطييب خاطره، ~~والاستمرار على عمله والاجتهاد فيه، وأن يقبض نائب طرابلس على ~~جماعة موسى، ويضيق عليهم ويقررهم على التركة. # وكان ناظر الخاص قد عزل بدر الدين محمد بن الشهاب أحمد PageV02P399 ~~المحلي عن قضاء إسكندرية، لما نقل عنه من سوء السيرة وقبح السريرة، ~~منضمين إلى شناعة الصورة؛ فإنه أسود الوجه رقيقه، واسع العينين ~~كأنهما بيضتان موحش المنظر، فلا صورة، ولا سيرة، فلما مات، فتح ~~أبواب المظالم في الإسكندرية، ووعد بمال يحضره كبير، فأعيد إلى قضائها، ~~ورسم له بتحصيل ما سمي من المالمن جهات ناظر الخاص التي ~~سماها. # طلع الشرف الأنصاري بقوائم مضمنها أن تركة ناظر الخاص تحتوي ~~على سبعمائة ألف دينار، وسأل أن يتكلم فيها، وعليه تحصيل ذلك، ~~فقال أولاد الجيعان للسلطان: إن التركة تضم أكثر من ذلك بكثير، ثم ~~كشف الأمر عن أنها تصل إلى ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، من ~~ذلك نقد نحو مائة ألف، والباقي أصناف. # وجبن الناس عن الدخول في وظيفة نظر الخاص؛ لمعرفتهم أنه لا ~~يرضى ممن يلي بعده إلا بمثل عمله، وأن أحدا لا يقوم بذلك، ثم ولي ~~الزين عبد الرحمن بن العلم سليمان بن الكويز نظر الخاص، والشرف ~~موسى التتائي الشهير بالأنصاري نظر الجيش، وفيروز الخزندار ~~والزمام، نظر الذخيرة، وخلع عليهم بذلك في يوم الاثنين ثاني عشري ~~ذي الحجة هذا. PageV02P400 ~~وفي آخر يوم الثلاثاء، ثالث عشري ذي الحجة هذا، مات أبو الحسن ~~الفوي، من الزين الإستدار فجأة، وكان شابا. # وفي يوم السبت، سابع عشري هذا الشهر خلع علي التقي أبي بكر بن ~~مزهر ناظر الجوالي بمصر، خلعة بالنظر على جوالي الشام مع جوالي ~~مصر، والسفر إلى بلاد الشام؛ لضبط تعلق ناظر الخاص، فمنعه ~~المقام الشهابي ولد المقام الشريف من السفر؛ لئلا يفوت طلب المتكلمين ~~لناظر الخاص في تلك البلاد بإذن السلطان، ms441 لأن أمره كان بسعي أمه من ~~الحريم، فلما علم الدويدارية بذلك وقت لبسه الخلعة، لفتوا السلطان ~~عنه، فخلع الخلعة في القلعة، ولم ينزل إلى بيته إلى آخر النهار خجلا من ~~الناس، وأظهر أنه أكره على لبسها وأنه أقام في القلعة يستعفي ~~فأعفى. # وفي هذا الحد ولى العلم صالح قاضي الشافعية ابنه فتح الدين ~~قضاء دمياط عن أبي البقاء بن كميل؛ وذلك أنه كان في دمياط بجاه ~~الولي الأسيوطي أحد خواص ناظر الخاص، فانمحت بذلك الرسوم ~~بموت ناظر الخاص، فلم يتم له ذلك، وأخذها منه ناظر الخاص الزين ~~ابن الكويز. PageV02P401 ~~وفي هذا الحد، تقاتل جماعة ممن نزح من عرب العائد إلى بلاد ابن ~~الغياثي في نواحي إطفيح وهم النيعام من عرب الطور، كان قد ~~حصل بينهم، وبين ناس منهم يقال لهم بنو سليمان شر فارقوهم به ثم ~~تبعهم بنو سليمان إلى ناحية إطفيح، فناشدوهم في الرجوع فأبوا؛ ~~فاستعانوا الله عليهم، فقتل بينهم نحو مائتي رجل، أكثرهم من بني ~~سليمان، فكلم أميرهم بيبرس بن شعبان في ذلك، فاعتل بأنهم ليسوا في ~~بلاده، فلا لوم عليه إلا إن أخرجهم ابن الغياثي عن بلاده، فرجعوا إلى ~~بلادهم ليصلح بينهم، فأجاب ابن الغياثي بأن على ابن شعبان البدار ~~إلى كف أذاهم في طريق الطور الذي هو في دركه إلى أن يعمل هو الحيلة ~~في إخراجهم عن بلاده، فصار بنو سليمان يمنعون التجار من التردد ~~إلى الطور، وصار الناس على وجل من ذلك. # وفي يوم الثلاثاء سلخ سنة اثنين وستين، ولي العلاء بن مفلح ~~قضاء الحنابلة بدمشق عن ابن عمه البرهان بن الأكمل، وكتابة السر بها ~~عن القطب الخيضري. # يليه القسم الثالث ~~إن شاء الله تعالى PageV02P402 ### | ### || # ~~وفي يوم الخميس ثاني محرم سنة ثلاث وستين وثمانمائة، خلع على ~~الزين الإستدار بالوظيفة التي تسمى صاحبها ملك الأمراء، وهي ~~الحكم على جميع حكام ريف مصر، من الكشف وأمراء العرب ~~وغيرهم، وعلى تاج الدين بن المقسي بكتابة المماليك. # وفي هذا الحد، وصل الذين كانوا في الجون، لقطع الأخشاب، ~~وأخبروا بما ms442 كانوا كتبوا به من إتيان مراكب من العدو إليهم، وأنهم ~~انتصروا عليهم، وقتلوا منهم كثيرا، وقتل من المسلمين دون العشرة. # وفي هذه الحدود من هذا العام، والذي قبله كثرت آثار شهود الزور، ~~فأظهر شخص يقال له عبد القادر بن مصطفى في السنة التي قبل هذه ~~على شخص حلبي كان بينه وبين أبيه معاملة، مسطورا بأربعمائة دينار، ~~وكان الشرف الأنصاري، صهر ابن مصطفى، وكان الدويدار الكبير ~~يونس صديق الأنصاري، فطلب هذا الحلبي إليه وألزمه بالمال وقبضه؛ ~~فأطمعه ذلك في غيره، فأخرج مسطورا آخر على شخص من أكابر ~~التجار في مصر، بل هو أكبرهم وأقدمهم، يقال له محب، وهو من ~~بلاد الشرق بثلاثة آلاف وخمسمائة دينار، بخط يشبه خط محب الدين ~~العبادي، وهو توريقة وفيه رسم شهادته، ورسم شهادة أبي الخير ~~الزفتاوي، والاثنان ميتان، فأريد إثبات ذلك على الخط، وكان عند PageV03P005 ~~قاضي المالكية، الحسام بن حريز، توقف في الأمور وتحرز؛ فتوقف في ~~ذلك لعادته ولعظم المال الذي في هذا المسطور، وسمع محب، فطار ~~عقله من ذلك، ودار على الناس فألقى في قلوب الناس قاطبة أن ذلك ~~زور بقرائن، منها أن مصطفى أبا عبد القادر مات من مدة ~~طويلة وضيع ابنه تركته، وأملق حتى باع قليله وكثيره، وباع كتبا ~~نفيسة كان تغالى فيها وحصلها في مدة طويلة بأبخس ثم، ولم يذكر ~~هذا المسطور حتى مات شاهداه كلاهما، ومنها أن محبا في غاية ~~الملأة لم يشهر أنه استدان قط، ولا حاله حال من يستدين، ومنها أن ~~أباه كان في خدمة المحب يسترزق من فضله، وكان دلالا مرة، وسمسارا ~~أخرى، كل ذلك وهو من أتباع محب، ومنها أنه لما استقل بنفسه لم يعرف ~~أن جميع متجره وصل إلى هذا المقدار الذي هو مسطور واحد، ومنها أنه ~~كتب وصية ذكر فيها قليله وكثيره حتى ذكر أمورا تافهة، حتى قيل إنه ~~ذكر فيها غربالا، ولم يذكر هذا المسطور بعبارة ولا إشارة، ومنها أنه كان ~~في غاية الخسة والذكر لما يغيب من ماله، فكان إذا مطله شخص ولو ms443 ~~بشيء يسير، صار يذكره في غالب أحيانه، ويقول: حرمني مالي، ولم ~~يذكر هذا قط، ومنها أن الشاهدين اللذين ادعى أن الوثيقة بخطهما كانا ~~لهما رفيق في دكانهما يقال له: شمس الدين الشباسي وهو أعرفهم، ويليه ~~في المعرفة أبو الخير، فكانوا إذا كتبوا شيئا فإن كان الشباسي حاضرا كان ~~هو المورق ورفقته يرسمون شهادتهم فقط، وإن لم يحضر وحضر أبو ~~الخير كان هو المورق، وكان العبادي راسما شهادته فقط، فإنه كان ~~ضعيف الخط والمعرفة بالصنعة، فجاء هذا المسطور على خلاف العادة PageV03P006 ~~بخط العبادي وليس للزفتاوي فيه إلا رسم الشهادة، ومنها أن للزفتاوي ~~في رسمه لاسمه عادتين: قديمة وحديثة، فالقديمة كتابة الزفتاوي بواو ~~والحديثة الزفتاي بلا واو، وهذه من الحديثة وهي بواو، هذا ما يتعلق ~~بالأمور الخارجية، وأما ما يتعلق بقوة الخط وضعفه، فقيل: أنه كان فيه ~~أيضا ما يدل على زوره. # ولما اشتد توقف المالكي، قام الشرف الأنصاري في مساعدة صهره، ~~ودار على الأكابر، السلطان ومن له عنده كلمة، فقيل فرق في الوعد ~~برشوتهم ثلاثة آلاف دينار، فقويت شوكتهم، ثم اجتمع محب بمن ~~أوصل أمره إلى السلطان، وعطف خاطره عليه، فعقد له مجلس بقضاة ~~المالكية، وكتب على مسطور ابن مصطفى ما أفسده، ونقل عن ابن ~~مصطفى، أن عنده مساطر من ضربه بأزيد من عشرة آلاف دينار. # ولما مات ناظر الخاص وولي الأنصاري نظر الجيش؛ قويت شوكة ~~ابن مصطفى فأعيد الكلام، وأخذ الأنصاري ألواح العبادي إلى يونس ~~الدويدار، فشهد أن المسطور بخط أخيه، وأثنى على أخيه كعادته ثناء ~~جعله فرد زمانه في الديانة والصيانة والورع، مع أني أنا رأيت أخاه يبول ~~في الطريق مع قرب بيته، وشهد العبادي عند شخص من أمراء الأشرفية ~~اسمه قيت باي، وكانت له شوكة بمصاهرة علي بن خصبك، صهر ~~السلطان، واستنهض لابن مصطفى فنهض، فعقد لهم مجلس بقضاة ~~القضاة عند الدويدار الكبير يونس، فحضر القضاة إلا الحنفي أنف من ~~حضوره في مجلس غير السلطان، فوقع الكلام في القضية، فأظهر ~~المالكي الريب التي قامت عنده، وتبرأ من الحكم ms444 فيها بشيء، فأسمع ~~قيت باي ما ساءه، فحلم عنه، ثم طلبوا من محب مصالحته فأبى، PageV03P007 ~~فنوزل إلى ثلاثمائة دينار فأبى، وكان ابن مصطفى مائلا إلى الصلح، ~~فظهر لقيت بأي بطلان مستنده بذلك، ثم انفصل المجلس، فألقى الله ~~في قلبه الرعب فتبارى مع محب، وكتب بأنه لا يستحق عليه شيئا، ~~وبطل في ذلك القال والقيل والحمد لله. # ثم ظهر مسطور على القاضي بهاء الدين محمد بن القاضي نجم الدين ~~عمر بن حجي الحسباني الشافعي بأنه وضع يده على تركة عتيقة بعض ~~الأكابر، وقومت أمتعة تلك التركة بما يقارب ستة آلاف دينار، والدعي ~~بذلك شخص بريدي، يقال له ابن سودون، ونسب الحكم في ذلك ~~المسطور إلى البرهان بن قاضي عجلون الزرعي الشافعي، أحد نواب ~~الشافعية بدمشق، ونفذ على العز المحلي أحد نواب الشافعية بالقاهرة، ~~بعد أن عرض على قاضي الشافعية العلم البلقيني، فلما ظهر على ~~المسطور سيدي يحيى بن القاضي بهاء الدين بن حجي وأقاربه ~~ارتاعوا، ثم فتشوا أوراقهم، ليجدوا ما يدفع هذا المسطور فلم يجدوا ~~فكان ابن سودون المظهر لهذا المسطور المدعي به يستبطنهم ويبرق ~~ويرعد، فأطلعوا على أن تهديده لا حقيقة له، فتأملوا المسطور، وأروه ~~لبعض من يلابس أحوالهم من حذاق الشهود، فظهر له أن خط العلائم ~~التي فيه للقاضي ورسوم الشهادات ليست خط من يكتب لنفسه، بل ~~خط من يحاكي خط غيره، ثم أحضروا أحكاما عندهم لابن قاضي PageV03P008 ~~عجلون، فازدادوا معرفة بذلك، ثم تأملوا نفس المسطور وما فيه من ~~الفصول، فوجدوا فيها تناقضا؛ فقوي ظنهم، فتوعدوا ابن ~~سودون فخارت قواه، فأحضروا القاضي عز الدين المحلي المنفذ فلم ~~يعجبهم كلامه، واستند على بعض الشهود، فأحضر ذلك الشاهد ~~فكذبه، ففحصوا عن شهود الأصل، فعثروا على بعضهم، فإذا هو رفيق ~~ابن خطيب قرتيا، الذي تقدم أن السلطان قطع يده، فاعترف لهم ~~بالزور، بعد أمور يطول شرحها، ثم أحضر الشاهد الثاني، فاعترف ~~أيضا، وفحصوا فإذا المرتب لهم في ذلك شخص يقال له: بدر الدين ~~محمد بن الإمام بدر الدين حسن البنبي الشافعي، وكان ms445 هذا مشهورا ~~بالزور، وكان أحد أتباع القاضي كمال الدين البارزي جد سيدي ~~يحيى بن حجي لأمه، وغرس نعمته، والمورق لبعضه شخص، يقال له: ~~محب الدين محمد بن عصفور المكتب فأوصلوا الأمر بالسلطان، فضرب ~~المدعي، والقاضي، والشهود، والمورق، وأخذت المستندات منهم، ~~وكتب عليها بالإبطال، وحصل للقاضي الشافعي بذلك خزي، تعدى ~~إلى زوجته وابنها الزين أبي بكر بن مزهر، وأغلظ لهم السلطان وابنه ~~وزوجته، ولكن القاضي الشافعي لتكرر تجريه على مثل ذلك من الفساد ~~قوي وجهه، وغلظ طبعه عن أن يستحي لمثل ذلك والله الموفق. # وفي يوم السبت رابع محرم سنة ثلاث وستين وهذه، قدم بشير الحاج، ~~وجاء كتاب محقق زمانه الشيخ أبي الفضل المغربي يخبر: أن الناس PageV03P009 ~~اختلفوا في أول ذي الحجة، فحصل اضطراب في الوقفة لذلك، كذا ~~جاء في كتب غيره، ونص كتاب الشيخ: «واما أمر الوقفة فإن أهل مكة ~~وأهل جدة، وأهل اليمن، والعقيليين من أهل العراق، نظروا واجتهدوا، ~~فلم يروا ليلة الاثنين شيئا أصلا، ولم تكن بالسماء علة، ولما قدم أهل ~~الشام، شهد قاضي الركب، زين الدين عبد الرحمن بن قاضي عجلون، ~~أخو نجم الدين، أنه رآه ليلة الاثنين، وشهد معه لفيف من أهل الشام ~~نحو من أربعة، وحكوا أن نفرا من أهل حلب نحو من ثلاثة رأوه ليلة ~~الاثنين، فتوقف القاضي في ذلك، وأفتى جماعة من الحنفية، أن هذا ~~العدد اليسير لا يكفي عندهم مع نظر خلق كثير في الصحو، وشك ~~الشافعية في اختلاف المطلع واتحاده، فلم يجزموا بشيء، فصعد الناس ~~يوم الثلاثاء إلى عرفات، ووقف غالب الناس، ورأيت أمير الحج واقفا ~~عند الصخرات على فرس، وناموا بعرفات، وفي ضحى الأربعاء كتبت ~~هذه العجالة؛ لاستعجال حاملها على أخذ الكتب، وعزم الحاج كله ~~على الوقوف من الزوال إلى الليل، وقصدوا بذلك الاحتياط، والسلام». # وفي يوم السبت هذا، ماتت المسندة الخيرة جويرية بنت شيخ ~~الإسلام زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي رحمهم الله، وصلى ~~عليها في جامع الحاكم، قاضي الشافعية، العلم صالح البلقيني، ~~وحضر ذلك جمع جم، من ms446 القضاة، والفقهاء، وسائر أهل الخير، ~~منهم: قاضي الحنفية، السعد الديري، وقاضي الحنابلة العز أحمد بن PageV03P010 ~~إبراهيم بن نصر الله العسقلاني، والشريف بدر الدين حسن النسابة، ~~ودفنت بالصحراء. # وفي بكرة يوم الأحد خامس الشهر زلزلت الأرض، فانتفضت ~~البيوت، حتى كانت الجدران، كأنها أغصان شجرة، ضربها الهواء، ~~فذهبت وجاءت غير مرة، أظنها ثلاثا، وأخبرني بعض أصحابي أنها ~~خمس، وكانت في القاهرة خفيفة، وكانت في بعض الأماكن أشد من ~~بعض. ثم ورد الخبر بأن بلاد الخليل زلزلت في ذلك الوقت؛ فوقع بعض ~~مئذنة سيدي على البكاء، ووقع أكثر بيوت قرية نصارى، بالقرب ~~من هناك. # وأنها كانت في بلاد القدس كذلك على وجه مهول، حتى اختل كثير ~~من الأبنية المحكمة، ووقعت بعض البيوت، بحيث قتل في بعض القرى ~~ثلاثة أنفس بالهدم، ومن أعجب ما سمع [في هذا] ما حدثني PageV03P011 ~~الفاضل شهاب الدين بن عبية القدسي، أنه كان ذاهبا إلى المدرسة ~~الصلاحية بكرة الأحد المذكور، فلما صاروا عند بيت الشيخ تقي الدين ~~القرقشندي ارتجت الأرض والجدران رجة شديدة، بحيث سمعوا قعقعة ~~النحاس من بيت القرقشندي، قال: تعجبنا من ذلك، وتساءلنا عنه، ~~ثم إذا هي قد رجت رجة أكبر من الأولى، وإذا الجدران تضطرب، قال: ~~وشاهدت خمسة أحجار من جدار القرقشندي مع إحكامه قد برزت من ~~الجدار، فكانت على هيئة القبة، وسقط منها حصاة صغيرة، ثم رجعت ~~إلى مكانها فالتأمت كما كانت سواء لم يفقد منها شيء، ولا اللزاق الذي ~~بينها، قال: فأيقنت أن بيتنا لم يبق به [جدار]؛ لكونه رث القوى، ~~فرجعت إليه، فوجدته سالما لم يسقط منه حجر واحد. قال: وحدث ~~النصارى عن القبة التي لهم إلى جانب القمامة غربا أنها انشقت كلها إلى ~~أن رأوا النور منها، ثم التأمت كما كانت، ولما سمعوا أن بعض أبنية ~~المسلمين انهدم حتى المآذن شتموا، وقالوا: هذا من سوء نياتهم، فلما ~~كان الليل سقطت تلك القبة التي أطغتهم. # ثم أخبرت عن الرملة، أنها كانت بها شديدة، وأن بعض مآذنها ~~سقط بعضه، وبعضها انشق، وأنها كانت بدمشق في ms447 ذلك الوقت، لكن ~~كانت خفيفة، وأن الكرك زلزلت في ذلك اليوم أيضا، فوقع بعض ~~السور، ومات به ناس، منهم ابنان لنائب البلاد، وعياله لم يسلم منهم ~~إلا زوجته، والله المسؤول في إصلاح الحال، بتوفيق الحكام آمين. # ثم استفتى نصارى القدس في إعادة القبة التي إلى جانب قمامة، ~~فنقل أن السعد بن الديري أفتاهم بإعادتها، وأخذوا مرسوما على حكم PageV03P012 ~~الفتوى، فقام في ذلك جماعة من أهل الخير بالقدس؛ لكونها لا يمكن ~~إعادتها إلا بآلة جديدة، فبطل ذلك، وجهز مرسوم بأنهم لا يفعلون إلا ~~ما يقع الاتفاق عليه، فلم يؤذن لهم في إعادتها. # وفي هذا الشهر، كثر قدوم الناس إلى القاهرة من المباشرين ~~والقضاة والنواب وقصادهم، ما بين ساع في تجديد، وساع في تثبيت، ~~فأول قادم زين الدين، ناظر جيش غزة؛ لأنه كان مختصا بالجمال ناظر ~~الخاص، وكان له حساد كثر، فخاف عواقبهم، فنزل عند خزندار الأمير ~~الكبير الشهابي أحمد ولد السلطان، وجعل الأمير الكبير واسطته، ~~وأرضى السلطان، فمن دونه؛ فخلع عليه، وثبت له ما معه.وجاء ~~حاجب غزة ابن الملطي عقبه، فشكي عليه بأنه أخرب البلاد، وأكل ~~الأموال، وإن حوسب ظهر في جهته مائة ألف دينار للسلطان، فلم ~~يقبل فيه شيء من كلامه، بل وعزل الحاجب بسبب ذلك، ثم جاء ~~قصاد بعض النواب، فجدد العهد بالخدمة بالمال، وذهب وجاء ابن ~~أيوب التركماني، نائب القدس والخليل، فغضب عليه السلطان، ~~لغضب ولده؛ لأنه كان أخرب بلدة بيت نوبا مع ما أخربه من ~~غيرها، ومع السيرة الشنيعة التي لا تحكى، وإخراب البلاد، وإهلاك ~~العباد، فحبسه في البرج، ثم ضربه في أواخر هذا الشهر ضربا كثيرا، ~~يقال أنه نحو ألف عصى، وصار الأمير بردبك الدويدار، وهو يضرب PageV03P013 ~~يقول له: لم أخربت بلاد السلطان، ثم أخربت بلد الخليل، ثم ~~أفسدت الطرق، ثم أسأت السيرة إلى الخلق، ونحو هذا الكلام يرضي ~~بهذا السلطان، ثم بلغني أنه في غاية المساعدة له في الرجوع إلى القدس ~~على عادته، فإن كان كذلك فلا أعانه الله؛ لأنه لا دين، ولا مروءة، ولا ms448 ~~شجاعة، ثم اشتد غضب السلطان عليه، فجعل في رجله قيدا، وطلب ~~منه ثمانية آلاف دينار، وولى شخصا من مماليك طوغان العثماني نيابة ~~القدس. وسعى شخص من أقارب الباعوني، يقال له محب الدين محمد ~~بن عبد الرحيم في قضاء الشافعية بطرابلس عن... الدين بن ~~الهكاري، فأجيب، وولي ثامن عشر الشهر، وهو لا علم ولا دين، ~~ثم قدم ابن عمه جلال الدين بن عبد القادر؛ يسعى على ابن عمه، ~~وخاله جمال الدين الباعوني في قضاء دمشق، ويزنه بأمور قاتله الله ~~على اختلاقها، ولا بلغه مرادا؛ فإنا ما سمعنا بقاض في هذا أعف، ولا ~~أحسن سياسة وأجمل طريقة من الجمال، فوعد بستة آلاف دينار، فوفق ~~الله السلطان وألهمه رشده؛ بأنهم لما ذكروا له ذلك، قال: من ذكر لي ~~الجمال الباعوني بسوء نكلت به. وقدم مسند أخو القطب الخيضر PageV03P014 ~~ورسوله، فسعى بواسطة الأمير يزبك صهر الظاهر في إعادة كتابة السر ~~إلى أخيه، فأجيب، وأخذ خلعة أخيه، ليذهب بها، فزاد العلاء بن ~~مفلح في الذهب فأجيب، وأخذت الخلعة من قاصد الخيضري وثبت ~~أمر ابن مفلح. # وصار الناس يتهافتون بعد ذلك الزمان تهافت الذباب، وكل واحد ~~من الأكابر يعارض الآخر، نسأل الله إصلاح الحال آمين. # وقدم ركب الحج على عادته في الحادي والعشرين، والثاني والعشرين ~~من محرم، وأثنوا على أميرهم حاجب الحجاب برسباي البجاسي، بأنه ~~أحسن سياستهم، وأصلح بين عرب ينبع، وجمع بين والي تلك البلاد، ~~الشريف دراج بن معزي، وقريبه هجان، لكن أطلق السلطان ~~عساف بن هجان من السجن بواسطة جانبك، ناظر جدة، فقال ~~الحاجب، كان الصواب تأخيره إلى أن يتقرر الصلح، وذم الحجاج ~~الأجلاب الذين كانوا مع أمير الأول، وهو مقدم المماليك، بأنهم نهبوا في ~~مكة وأفسدوا، وكانوا يلاقون التجار إلى طريق جدة، فيأخذون ~~بضائعهم، تارة ببعض القيمة، وتارة بغير شيء. PageV03P015 ~~وفي هذا الحد، مات شيخ الطائفة الرفاعية، الشيخ إبراهيم بن ~~الشيخ محيي الدين فولى مكانه أحمد بن الشيخ إبراهيم المعروف براجح بن ~~عبد الرحيم وسنه نحو عشر سنين، فسعى عليه نجم الدين بن ms449 التكريتي ~~بمساعدة الدويدار، فعقد لهم مجلس بالقضاة، فاستقر الشيخ أحمد. # وفي يوم الخميس، سلخ محرم السنة، ألبس الحسام بن حريز خلعة ~~باستمراره في قضاء المالكية بالقاهرة، وذلك أنه كان أرجف به حساده، ~~وقالوا: إنه ما كان يحميه إلا ناظر الخاص، وقد مات، فبلغ ذلك ~~السلطان، وكان مشكور الطريقة في القضاء، فأثنى عليه وألبسه إياها، ~~وطيب خاطره. ### || # وفي الاثنين رابع صفر من السنة ولي علي بن امرأة الفيسي (بفتح الفاء ~~ثم تحتانية ساكنة وسين مهملة قبل ياء النسب) حسبة القاهرة ومصر ~~عن [بدر] الدين بن البوشي وبرز النداء عنه أنه لا يؤخذ من أحد ~~شيء لا مجامعة ولا مشاهرة ولا غير ذلك، حقق الله ذلك. # وفي هذا الشهر، وصلت زوجة الشرف موسى ابن خالة ناظر الخاص ~~إلى القاهرة، وتظلمت من المخلع ابن الأقساسي، وكان معروفا بسوء ~~السيرة، وفتح السريرة، فرسم السلطان أن يؤتى به في زنجير، عجل الله ~~ذلك. # وفي أوائل هذا الشهر رجم شخص من العبيد صبيا، فقتله، فطلعوا ~~به إلى السلطان، فأمر بقتله. PageV03P016 ~~وفي يوم السبت سادس عشر صفر هذا وسط السلطان عند ~~بركة الكلاب أربعة أنفس، منهم عبدان، وضرب واحدا من المماليك ~~ضربا عظيما، ونفاه إلى بلاد الكرك، وضرب خفير شبرا ضربا عظيما؛ ~~وذلك أن الوالي أحضرهم وأخبر أنهم كانوا يقطعون الطرقات، ~~ويتلصصون بالليل، وأخبر الخفير أن لهم رفاقا كثيرا، فأخبر ليدل ~~عليهم، وأخبرت من غير طريق أن السلطان عنف ذلك المملوك، وقال ~~له: أما كنت تجد رغيف خبز عند أحد من أصحابك تغنيك عن مثل ~~هذا. فقال له الوالي: يا مولانا، إنه من مماليك السلطان، راتبه ألفان في ~~كل شهر. فاشتد غضب السلطان إلى أن قام عن مدورته، ووقف في ~~شباك الدهيشة، وأمر بتجريده وضربه، وصار يقول: شد يدك إلى أن ~~برح به، ثم أمر بنفيه، وشرع يستعجل الوالي، فقال: حتى يكتب مرسوم ~~بذلك، ويأخذه الذين برسمهم عليه، فقال لكاتب السر: اكتب ~~المرسوم الساعة، فكتبه، ووضعه في زنجير ونفاه وفقه الله. # وفي يوم السبت ثالث عشري الشهر، ms450 قدم ابن المخلع، الذي قال ~~أبوه: أنه يستخلص من تعلق موسى ناظر جيش طرابلس ثلاثمائة ألف ~~دينار، فشتمه السلطان، وشتم أباه، وقال: مدو هذا المرافع، فوضع ~~إلى الأرض وضرب والسلطان يهدده، ويعيبه، ويعيب أباه بالمرافعة، ~~ويذمر ضاربيه إلى أن انقطع صوته وأغمي عليه، فقال يونس ~~الدويدار : يا مولانا، هذا ليس له ذنب، إنما الذنب لأبيه، فأقامه، ~~ورسم أن يشيع لأبيه من يحضره سريعا، فسر بذلك كل من في قلبه رحمة ~~وشفقة على عباد الله، وخاف كل مفسد، فالله المسؤول أن يوفقه. # وفي أواخر هذا الشهر قدم البدر بن المحلي قاضي إسكندرية بهدايا PageV03P017 ~~كثيرة إلى السلطان وابنه، فأعاد المرافعة على يونس الذي كان من جهة ~~ناظر الخاص في إسكندرية، بأنه يثبت في جهته عشرين ألف دينار، ~~فأعيد عليه الترسيم بعد أن كان أدى إلى السلطان أربعة آلاف دينار، ~~وأطلق، والله المسؤول أن يسلك به سبيل المخلع قريبا. # وفي هذا الحد، بلغ الخبر عن الأمراء الذين بالبحيرة أنه حصل ~~بينهم، وبين عرب لبيد العصاة وقعة، هزم فيها العرب، وقتل منهم ~~جماعة، وأخذ كثير من أموالهم. ### ||| موت البلاطنسي: # وفي يوم الثلاثاء سادس عشري صفر هذا، مات الإمام العلامة ~~القدوة شمس الدين محمد بن عبد الله البلاطنسي الشافعي، شيخ ~~الشاميين بلا منازعة، عن نحو سبعين سنة بدمشق، عن علة طويلة، ~~وكانت له يد في كثير من العلوم، وكان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ~~حتى اشتهر بذلك، فاشتد أمره، وعظم انقياد الشاميين له، وبعد بينهم ~~صيته حتى كان آخر ذلك أنه قام على ابن الفتح [الذي] كان من ~~جهة أبي الخير النحاس، واشتد بينهما الأمر؛ بحيث اقتضى سفره إلى ~~القاهرة بسبب، فوجد أبا الخير قد انحط أمره بإحراق الأجلاب بيته، مع ~~بغض جميع الناس له، فاجتمع البلاطنسي بالسلطان الظاهر جقمق، ~~وجميع الجند وغيرهم، مؤيدون لكلامه، مساعدون له، فنصره الله بذلك ~~وازداد أبو الخير بذلك ضعة ورد أبو الفتح إلى دمشق، فضرب عنقه؛ ~~فضخم أمر البلاطنسي، وظن أنه قام بأعباء ذلك وحده فطار له بذلك ~~صيت ms451 قل أن اتفق مثله لأحد، فصار يتجاوز بعض التجاوز، ويقف مع ~~الحظ كثيرا، ويخلط الأمر بالمعروف بالعنف، ويتمسك بأول ما يوحى PageV03P018 ~~إليه، فمقته غالب الناس، وكانوا لا يتجاسرون على مجاهرته، إلى أن جاء ~~قانباي الحمزاوي إلى دمشق نائبا، فصار يعاكسه، وقل أنصاره؛ لما ~~جربوا منه، فصار أمره يضعف إلى أن حمله ضيق الحظيرة من ذلك على ~~أن حج سنة إحدى وستين، ثم رجع فمرض واستمر مريضا إلى أن مات ~~في التاريخ المذكور. # وفي يوم موته، مات يشبك الصوفي الآتي على ما بلغنا، ولم تطل مدة ~~الحمزاوي بعدهما كما سيأتي. ### || ### ||| موت ابن السلطان: # وفي يوم الأحد ثاني شهر ربيع الأول مات أمير علي أبو محمد أحد ~~ذرية السلطان حسن، كان عينهم والناظر على أوقافه، وهو أبو ~~محمد الذي كان الظاهر جقمق يقدمه ويأنس به في خلواته. ### ||| موت يشبك الصوفي: # وفي خامس الشهر ورد الخبر بموت يشبك الصوفي المؤيدي ~~أتابك العسكر بدمشق وقدم سيفه، فأعطيت رتبته وإقطاعه لعلان ~~أحد أكابر أمرائها وأعطي إقطاع علان لشادبك دويدار السلطان الذي ~~كان دويدار جلبان، وأعطي إقطاع شادبك لقراجا خزندار الظاهر PageV03P019 ~~الذي كان منفيا في القدس، ورسم بأن يأكله طرخانا أي من غير خدمة ~~ولا ركوب. # وفي يوم الخميس سادس الشهر، قدم القاضي نور الدين البرقي من ~~طرابلس، فاجتمع بالمقام الشهابي، ولد المقام الشريف، ودار على ~~الأمراء، ثم طلع يوم السبت فاجتمع بالسلطان وأورد ما معه من ~~الحساب، وكان الشيخ أمين الدين الأقصرائي، قد أتقن مصالحه؛ لأن ~~بينهما صحبة أكيدة فقبل وانتظم أمره. # وكان الشرف الأنصاري متهما ببنت شرباش زوجة الظاهر جقمق، ~~كما كان متهما ببنت ططر زوجة الأشرف برسباي، وكان لا يجسر على ~~التظاهر بزواج واحدة منهما، فلما ولي نظر الجيش، أظهر زواج بنت ~~شرباش، وكان أراد أن يبني بها ليلة الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول ~~من سنة ثلاث وستين هذه، فقصده بعض الأجلاب لذلك فضربوه ~~ضربا كثيرا، مقصودا به القتل، ورموا عمامته، وصار بعض من يحسن ~~إليهم منهم يلقى عنه الضرب، ولولا ذلك ms452 لمات، ثم إنه أحسن إلى ~~الذين ضربوه، فكفوا عنه ولم تدخل عليه حتى طلق نساءه واعتزل سراريه، وله منهم أولاد، فلم يعجب ذلك أحدا. # وعمل مولد السلطان آخر يوم الأحد سادس عشر شهر ربيع ~~الأول هذا، وكان شر الأجلاب قد كثر، وصاروا ينهبون الناس ليلا ~~ونهارا، فقلت حرمة السلطان، وطمع العرب، واجترأوا فقطعوا ~~الطرقات، واقتتلوا فيما بينهم، واجتمع سعد ووائل على بني حرام ~~بالشرقية، فقتل بينهم ناس كثير واشتعلت البلاد نارا؛ فتوجه إليهم ~~الأمير بردبك الدويدار الثاني، والأمير حاجب الحجاب برسباي PageV03P020 ~~البجاسي، ومعهم جمع من الأجلاب يوم الأحد ثالث عشري شهر ربيع ~~الأول هذا، أعز الله بهم الدين، وأذل بهم المجرمين، واستمر أذى ~~الأجلاب يتزايد؛ فأغلق الناس بعض الأسواق يوم الأربعاء سادس ~~عشري الشهر، وقصدوا قاضي القضاة الحنفي، فقال لهم: إنه لا بد من ~~اجتماع القضاة في مثل ذلكن وإلا لم يفد الكلام. # وفي يوم الأربعاء هذا قدم الأمراء الذين كانوا في البحيرة مرابطين ~~عرب لبيد، وهم قانم التاجر، وشرباش كرد، وبارير وغيرهم. ### ||| موت أبي الجود: # وفي يوم الاثنين رابع عشري الشهر، مات الإمام العالم الصالح الشيخ ~~أبو الجود داود البنبي المالكي، بمنزله بالقرب من رحبة العيد بالقاهرة ~~عن نيف وسبعين سنة، وكان رأسا في علم الفرائض، وحضره جمع كبير ~~من الفقهاء، وأهل الخير، وصلى عليه قاضي الشافعية العلم صالح ~~البلقيني، بباب النصر، وعظم الثناء عليه، والتأسف رحمه الله. # وكنت يوم الجمعة حادي عشر الشهر، لما عملت الميعاد في الجامع ~~الظاهري بالحسينية في قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا}[الأنعام:136]، وكان ختامه: { إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين}[الأنعام:144]، وكانت عادتي أن أختم الميعاد بما تيسر من الدعاء ~~ففاض على لساني من الدعاء على الظلمة، ما لم يكن خطر لي قبل ذلك ~~الحين، وطال الأمر فيه، وعلتني كينة ووقار مع أني كنت كأني منذر ~~جيش، علا صوتي، واشتد غضبين واستحضرت أذى الأجلاب ~~للناس، واستحسان الأكابر، السلطان فمن دونه عليهم، فعظمت PageV03P021 ~~الرغبة، وصدق التوجه، وضج الناس بالتأمين، فكانت ساعة ms453 مشهودة، ~~وكان من جملة ذلك أن قلت: «اللهم، إنه قد زاد الأمر وطغى واشتد ~~الخطب وبغى، اللهم، وإنهم لا يعجزونك، قد أهلكت قوم نوح، ~~وكانوا أقوى أمرا، وأعظم جمعا، ثم أهلكت عادا وكانوا أشد أبدانا، ~~وأقوى قلوبا، وأعظم أجسادا، وأهلكت من بعدهم ولم تغن عنهم ~~جموعهم، ولا نفعتهم حصونهم، ولا دروعهم، اللهم، فأنزل عليهم ~~سطوتك وبأسك ونقمتك، اللهم، زلزل بهم ودقهم دق البيض على ~~الصفا». ونحو هذا من الكلام، فغلب على ظني أنه مستجاب؛ فإنه ~~كان يكاد أن يكون من غير صنيع مني، وأنه أمر رباني أجراه على لساني ~~لأمر قضاه، وحكم قدره وأمضاه، فلم تمض جمعة حتى ألقى الله بأس ~~الأجلاب بينهم، واستمرت الحرب بينهم قائمة، وسبب ذلك على ما ~~قيل: أنهم اختلفوا في قيص النفقة عليهم، فاقتتلوا يوم الأربعاء سادس ~~عشري هذا الشهر، فقتل بينهم واحد أو اكثر على ما قيل، وكثرت ~~الجراحات، وعجز السلطان في الإصلاح بينهم، واستمرت الحرب بينهم ~~قائمة، وسبب ذلك على ما قيل: أنهم اختلفوا في قبض النفقة ~~عليه من وقيل: بل في اثنين جاؤوا في هذه السنة فأراد بعضهم كونهما ~~عندهم، وأراد آخرون ذلك، فأدى الحال ببعضهم إلى أن ضربوا نائب ~~مقدم المماليك إلى أن أشفى على الموت، فتعصب له ناس منهم، ~~فشرى الأمر وانتشر الحرب، اللهم فأشغلهم عنا بأنفسهم، وألق ~~بأسهم بينهم، وأعذنا من شر حربهم وسلمهم آمين، ثم طلب السلطان ~~يوم الأحد سلخ الشهر ذينك المملوكين، فأرسلهما إلى ولده، فسكنت ~~الفتنة. # وفي يوم السبت تاسع عشريه، قدم البدر بن المزلق، ناظر جيش PageV03P022 ~~الشام، فطلع إلى السلطان وهو متغير الخاطر؛ لأجل قتال مماليكه، فلم ~~يخلع عليه. # وفي هذا اليوم كسفت الشمس عند الظهر، فصلى الناس صلاة ~~الكسوف ولم يعرف بعضهم بكسوفها، لأنه كان غيم. ### || # وفي ليلة الاثنين مستهل شهر ربيع الآخر، قدم الأمراء الذين كانوا ~~توجهوا إلى الشرقية، لأجل العرب العصاة، وذلك أن الأمير بردبك تقدم ~~العسكر في من خف معه نحو مرصفا، فلما رآه جمعهم هربوا منه، ~~وظفر برأس من رؤوسهم، ms454 بل يقال أنه أس الفتنة، وهو من فلاحي ~~الأمير الكبير، يقال له أبو بكر ابن المغير، فقبض عليه، ثم ~~أرسل يقول لأستاذه الأمير الكبير، المقام الشهابي أحمد، ولد المقام ~~الشريف: أني كنت أت إليك، فأمسكوني، فأرسل جماعة من مماليكه، ~~فتسلموه من الأمير بردبك، وتغيظ لأجل القبض عليه وأرسل إلى الأمراء ~~كلهم بالرجوع ففعلوا، وقبض الأمير بردبك على جماعة فمن أنهم بالفساد ~~في قرية من إقطاعه، وقبض فرقة من العسكر على شخص كان من أكابر ~~أهل الفساد، فوسطه السلطان. ### ||| موت الحمزاوي نائب الشام: # وفي يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وستين هذه، ~~مات نائب الشام قانباي الحمزاوي، فاستراح منه البلاد والعباد، ~~والشجر والدواب، فإنه كان لا يكاد يفيق من السكر، وإذا مرض فلم ~~يقدر على شرب الخمر أحضر ندماه، فشربوا بحضرته، يتلذذ PageV03P023 ~~بذلك، وأما ظلمه للعباد، فأمر ما سمع بمثله وكان جماعته كلهم على ~~منهاجه، لم يكن فيهم من يرجى فلاحه، ولا من يتوسم صلاحه. كانت ~~كبائر المعاصي قد صارت في دمشق كأنها واجبات تفعل على رؤوس ~~الأشهاد، وكان من غير شيئا منها أبلغ في نكاله، وكان مماليكه يأخذون ~~النساء والصبيان فإذا شكى عليهم أوقع بهم شيئا من عقوبة، ثم يأخذ ~~ثأرهم بأنه من وقع له بعد ذلك في جريمة قتله ونحو ذلك من مقاصد ~~السوء التي يريد بها محو الدين، وكان في غاية البغض للفقهاء وحملة ~~الشرع، وأهل الدين. # سمعت بعض الخبيرين به ممن يوثق به يقول: أنه لم يكن فيه خصلة # ترتضى، لا صدقة ولا ذكر ولا كف عن معصية، ولا ندم على المعصية، ~~ولا مروءة، وكان في عشر الثمانين فيما أظن، نسأل الله تعالى أن يبدل أهل ~~الشام خيرا منهن وأن يجبر كسرهم آمين. فعين السلطان جانم نائب ~~حلب لدمشق، والحاج إينال نائب طرابلس لحلب، وإياس الطويل ~~نائب حماة لطرابلس، وجانبك التاجي نائب صفد لحماة، وخير بك ~~نائب غزة لصفد، وعين لغزة أحد أمراء دمشق، وكان من أتباع سودون بن عبد الرحمن. ### ||| موت البهاء أخي ms455 الأنصاري: # وفي أواخر هذا الشهر، وصل الخبر بأن بهاء الدين أخا الشرف PageV03P024 ~~الأنصاري مات في مكة المشرفة، فعظم التأسف عليه؛ فإنه كان أكبر ~~إخوته، وكان صادق القول، حاد القلب، غزير المروءة، ذ أخلاق ~~جميلة، وكان منقطعا إلى المتجر حسن الأمر فيه لائما لأخيه الدخول في ~~أمر الدنيا، وكان إخوته في أول الأمر يعرفون به، فيقال: شرف الدين ~~أخو بهاء الدين، ونحو هذا رحمه الله وعفى عنه. ### ||| السعي على الباعوني: # وفي هذا العام، كما تقدم، قدم الجلال بن عبد القادر الباعوني ~~الشافعي؛ يسعى على ابن عمه وخاله قاضي القضاة الجمال يوسف بن ~~قاضي القضاة الشهاب الباعوني في قضاء دمشق، وكان قد ولي قبل ذلك ~~قضاء حلب، ثم طرابلس، فساءت سيرته، ثم استنابه ابن عمه في ~~مشق، فكان أسوأ سيرة، فعزله فغضب، وقدم لأذاه، فدفع إلى المقام ~~الأتابكي الشهابي، ولد المقام الشريف أول ما قدم خمسمائة دينار وأعطى ~~غيره ووعد على تنجيز الأمر للسلطان بمبلغ، ولولده كذلك، ولجميع ~~المباشرين. # وكان الجمال أرسل إلي كتابا عند قدوم ابن عمه نصه بعد البسملة: # «وينهي أنه سطرها وهو مستمر على ما يشهد به الخواطر الكريمة، من ~~صدق الوداد، وإخلاص المحبة والاعتقاد، والمثابرة على وظائف الأدعية ~~الصالحة، وتعطير المحافل بالأثنية الفائحة، والخواطر الكريمة أعدل ~~شاهد بذلك، ولم يقطع عبودياته عن الأبواب العالية إلا إيثارا ~~للتخفيف، وترفيها للخواطر الكريمة عن التكليف، وكان يتحقق وجود ~~المانع من توصل مولانا إلى أغراضه الصحيحة، ومقاصده الجميلة التي ~~يعود نفعها على المسلمين عموما، وعلى مولانا السلطان نصره الله، ~~خصوصا والآن فقد زال المانع، ومن الله تعالى، وله الحمد على المسلمين ~~بانحصار الأمر، واجتماع الكلمة في المقام الأتابكي الشهابي ~~خلد الله تعالى دولته، وهو بحمد الله تعالى، من الانقياد إلى الحق والرغبة ~~في العدل، والاهتمام بإعلاء منار الشرع الشريف في الغاية القصوى PageV03P025 ~~والذروة العليا، وقد تباشر أهل الخير والصلاح بما من الله عز وجل من ~~شمولهم بحسن تدبيره، وأملوا أن تكون الأمور بسعيد نظره على أقوم ~~منهج، يعلو به الحق، ويسفل به ms456 الباطل، والمرجو من كرم الله تعالى ~~تحقيق أملهم، وقد من الله وله الحمد بقرب المخدوم من الحضرة المشار ~~إليها وجميل اعتقادها فيه، ووفور تعظيمها له، وحسن إصغائها لما يصدر ~~من النصائح عنه، وهذه فرصة ينبغي أن تنتهز، وأن يصرف مولانا ~~المخدوم بهمته العالية إلى ما يحصل بواسطته الثواب الجزيل والثناء ~~الحسن الجميل، والله المرجو لتحقيق ذلك. والمملوك وإن كان أقدم ~~مماليك المواقف الشهابية هجرة، وأصدقهم محبة، وأوفرهم مناصحة، ~~وأكرمهم مثابرة على وظائف الأدعية الصالحة واستجلابها، فقد أبعده ~~عن الخواطر المشار إليها ما أوجبه إجلال مقامها من الإحجام عن ~~التهجم بالعبوديات، بحيث صار نسيا منسيا، لكنه وإن أخل بذلك، ~~فقد لازم ما هو أكبر منه جدوى من الابتهال بصالح الدعاء بظهر الغيب ~~ولا يشك المملوك أن الخواطر المشار إليها نور الله بصيرتها شاهدة ~~للمملوك بذلك، وقد بلغ المملوك أن جماعة من ذوي المقاصد الفاسدة، ~~الذين يحسدون المملوك على ما منحه الله نم صيانة العرض وجميل الذكر ~~ساعون في إفساد صورته، وثلب عرضه باختلاقاتهم وأباطيلهم لدى ~~المواقف الشهابية، ومولانا قد حضر بنفسه إلى دمشق المحروسة، وأقام ~~بها تلك المدة الطويلة حال بطالة، وولاية غريمه، وعدم تلسبه بما يراعى ~~لأجله أو يسكت عنه بواسطته، وقد اجتمع به الخاص والعام واطلع على ~~حقيقة الحال بالمشاهدة والسماع حق الاطلاع، وخلفه بعد ذلك مخدومنا ~~الأمير بردبك الدويدار أسعده الله في الدنيا والآخرة، وشاهد وسمع، ~~وحسب المملوك ذلك في تكذيب من يزعم خلافه، والمسؤول من ~~الصدقات العميمة تقرير ذلك كله في المسامع المخدومية الشهابية PageV03P026 ~~ضاعف الله جلالها على وجه تتحقق بواسطته حقيقة أمر المملوك، وينتج ~~له من مزيد القرب منها، ووفور عنايتها، ما يخذل الأعداء ويكبتهم ~~ويخرسهم ويسكتهم أجرا في ذلك على عوائد الصدقات العميمة، والله ~~يعلم أن المملوك لا يقصد التوصل بذلك إلى دنيا يحصلها، ولا غرض ~~نفساني يبلغه، ولكن لكلمة الحق يصدع بها، أو مظلوم ينصره، أو ~~معروف يأمر به، أو منكر ينهى عنه يزيله، وأجور ذلك كله مسطرة في ~~الصحائف الشريفة، والصحائف المخدومية الأعظمية ms457 الشهابية، وجميع ~~أرباب المناصب مقبلون على نفع أنفسهم بالعاجل، والمملوك عن ذلك ~~بمعزل؛ لاستغراق أوقاته بما يعود نفعه على الرعايا ومن هذا شأنه، لا ~~ينبغي أن يخذل، وقد ثقل على قلوب كثير من أرباب المناصب المقبلين ~~على تحصيل الدنيا؛ لأنه قذى في عيونهم، وشجا في حلوقهم، ومانع لهم ~~عن الوصول إلى مطالبهم، وقد صار غريبا لا معين له على ذلك، غير ~~الالتجاء إلى الله عز وجل، والاعتماد عليه والانتصار به، والاستناد إليه، ~~وكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا، ثم المسؤول الإمداد بالخواطر الكريمة ~~والأدعية الصالحة المجابة والإتحاف بما يسنح من الممات والخدم ~~والمواصلة بالأمثلة لعالية على عادة صدقات مولانا وفضله، والله ~~المسؤول أن يحسن لنا وله العاقبة في الدنيا والآخرة آمين». كتب خامس ~~عشر المحرم الحرم سنة ثلاث وستين وثمانمائة. # وكتب أخوه شيخنا الإمام برهان الدين إبراهيم أقدر أهل العصر على ~~الإنشاء نظاما ونثرا: «وينهي أنه سطرها عن ود أكيد، وشوق شديد، ~~وتوق ما عليه من مزيد إلى مشاهدة المحيا السعيد جمع الله الشمل به في ~~عافية، وسلامة وافية، على أحسن الوجوه وأجملها وأفضلها وأكملها، إنه ~~بالإجابة جدير وعلى ما يشاء قدير وسبب تسطرها إلى خدمته فسح الله في ~~مدته، قضية اقتضى الحال إحاطة العلوم الكريمة بها وتجهيز حامل هذه PageV03P027 ~~العبودية بسببها؛ وهو أن قريبا لنا غريب الطور، كثير المور، ~~ربيناه وليدا، وأوليناه إحسانا عديدا وافرا مديدا، قديما وجديدا، توسل ~~بانتسابه إلينا وتراميه علينا إلى أن ولي القضاء بأعمال سار فيها سيرة ~~ذميمة واكتسب أوزارا عظيمة، ثم عزل منها وانفصل عنها، وورد إلى ~~الشام مأزورا مذموما مدحورا وحيدا فريدا شريدا طريدا، فعنفناه وأنبناه ~~ولمناه ووبخناه، وأعرضنا عنه تأديبا له، فضاقت عليه نفسه كما سيضيق ~~عليه رمسه، فخدعنا بإظهار الإنابة، وعطفنا عليه عاطفة القرابة، ~~فاستتبناه وأوصيناه بالاستقامة، واقتفاء سبيل السلامة، وقلنا له: إن ~~استقمت أقمت، وإن ملت زلت، فعاد إلى ما عهد من سيرته القبيحة، ~~ولم يأنف من العار والفضيحة؛ فعزلناه وأزلناه وحططناه من تلك المرتبة، ~~وأنزلناه، فأظهر لعداوة، وأفرغ فيها ms458 الأداوة، وصدرت منه أمور تقشعر ~~الجلود منها، وإساءات كثيرة أغضينا عنها، فبالغ الناس في تأنيبه، ~~ولامونا على الإخلال بتأديبه، منهم الشيخ شمس الدين البلاطنسي وغيره ~~من الأخيار المنتظمين في سلك الأبرار، فأعرضنا عن مقابلته اكتفاء بالله ~~العالم بحقائق الأمور، والمطلع على ما في الضمائر والصدور، وتوجه إلى ~~القاهرة، عازما على اختلاق ما أمكن من البهتان والزور، وحثه على ذلك ~~أقوام من الحاسدين البائرين الكاسدين ممن يظهر الوفاق، ويبطن ~~النفاق: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون}[الأعراف:202] والله يعلم PageV03P028 ~~أنهم مفترون { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون}[الأنعام:26] والقصد أن ~~لا يصغي إليه ويضبط جميع ما يقوله عليه، فإن حققه، بأن صدقه، ~~وإلا ثبت كذبه وفسقه، وقوبل مقابلة يرتدع بها كل مجترئ وكذوب ~~مفتري، ويكتب بذلك إلى كافل المملة الشامية عملا بالشريعة ~~النبوية، وامتثالا لقول رب البرية: {ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا} الآية [الحجرات:6]، وسيدي بلغه الله من آماله الغاية أولى من ~~سلك طريق أهل الحزم، وشمر عن ساعد العزم في ردع شرار الخلق، ~~ونصرة أهل الحق، لعلو همته المزاحمة للسها، ومتانة دينه التي لا تخفى ~~على أحد من أهل النهى، وغزارة مروءته التي إليها المنتهى مع ما له من ~~المحبة المعروفة، والشفقة المألوفة، والصحبة الصافية الموارد المعلومة عند ~~الصادر والوارد، وأنه الصديق الصدوق، والخل الشفوق، ولا يخفى ~~عليه قول من قال: وأحسن لمقال: ~~والفتى إن أراد نفع صديق %% فهو يدري في نفعه كيف يسعى ~~والله الموفق للصواب، والمجازي على الخير بجزيل الثواب، وهو ~~المسؤول جلت نعماؤه، وتقدست أسماؤه في إطالة بقائكم، وتقريب أمد ~~لقائكم، وإبهاج القلوب بما يرد من تلقائكم، وأنتم في حفظ الله وأمانه، ~~وكفالة اللطف وضمانه، والسلام عليكم ورحمة الله الشاملة وبركاته ~~الوافرة الكاملة». # ولما بذل ابن عمهما ما بذل كما تقدم ووعد بما وعد، وكانت ~~الدولة قد ماجت كما مضى بعد موت ناظر الخاص، وكل أحد يجر إلى ~~نفسه النفع من غير تأمل للعواقب، تعلقت آمالهم بإجابة سؤاله تنجزا PageV03P029 ~~لوعده، أو زلزلة ابن عمه رجاء ms459 رفده، وكن المتجدد منهم، يظن أن ~~الجمال، لطول مدة ولايته قد حصل من الأموال ما لا يحصى لظنهم أنه ~~من القضاة الجماعين، فذهبت إلى بعضهم مع رسوله نور الدين محمود ~~الحلبي، وكان قد كتب أيضا إلى جميع أركان الدولة، وكان ابن مزهر من ~~شياطين الناس، وكذبتهم، فلما ذكر له رسول الباعوني أني عزمت على ~~الدوران معه على بقية الأكابر، سأل أن يتولى هو ذلكتقربا إلى خاطر ~~الجمال، وأن ادخر أنا إلى وقت المهمات إن احتيج إلي، وكان يدور معه، ~~وهو يتقن قضية جلال الدين، سعيا في أهوائهم، ولنيل ما وعد به هو ~~أيضا، فلما علمت ذلك بادرت إلى المسموع الكلمة منهم فقلت لكل: ~~أنت الآن ملجأ الناس، وقد أرسلت إلى بلاد الشام، ولأنهم أهل بلادي، ~~وأن مدار الأمر عليك، فأقبلتقلوبهم عليك، وهم منتظرون ما تفعل، ~~ولا شك أن الأمور بأوائلها، فمتى شاع عن الإنسان في أوليته شيء ~~استمر، ولا ترجمة أشنع من عزل الجمال بهذا الصبي، وذكرت سيرة كل ~~منهما، واعتقاد الشاميين فيهما، ومحبتهم للجمال، وبغضهم لابن عمه، ~~وقررت أن كلمة من الجمال أنفع من عشرين ألف دينار من غير؛ لأنه ~~مطاع الأمر، عزيز العقل، ثابت الأوتاد، وأقمت ما تيسر من الأدلة على ~~ذلك وأنه مع كونه من أهل الدين، من أعرف الناس بأحوال الدنيا، ولا ~~تضيع عليه المساعدة، بل يخدم، ولكن لا يقارب ما بذل هذا، ونحو ~~هذا الكلام، وزدت الخصيصين بدولة السلطان من أهل السيف، أنه ~~يخشى من ولاية الصبيان وجعلهم رؤوسا في الأقطار أن يستخفهم ~~بعض النواب لغرض إلى العصيان، فيجدهم إليه سراعا، أو يستخفوه ~~هم لعجز عن أداء ما يكلفون به من الأموال، أو غير ذلك عند غضبة ~~من الغضبات، فيجدونه إلى ذلك سريعا، ويكون الناس، بعد أن صاروا ~~رؤوسهم إلى إجابتهم سراعا. # وذكرت لهم أن القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي أبا القاضي PageV03P030 ~~كمال الدين رأى الملك المؤيد شيخ إذ كان نائب طرابلس، فتوسم فيه ~~النجابة، فأمر من يغسله في الحمام أن يخبره بما في ms460 جسده من الآثار ~~والعلامات، ففعل فنظم أرجوزة وكتبها في ورقة وغتقها ولصقها في ترجمة ~~أبي زيد المروزي من تاريخ ابن أبي الدم، وجعلها على هيئة ~~الملحمة، ذكر فيها من يتولى من الملوك إلى أن وصل إلى الناصر فرج ~~بن برقوق، فوصف الذي يملك بعده بأوصاف شيخ، فتحقق ذلك في ~~ذهنه، فلم يزل إلى أن خرج على الناصر، وكان البارزي معه، وجرت ~~بينهما حروب يطول شرحها إلى أن كان آخرها القبض على الناصر ~~وذبحه. # فلما تقرر ذلك كله توقف أمر الجلال، وكان قاضي المالكية الشهاب PageV03P031 ~~التلمساني ممن ثقل عليه أمر الباعوني؛ لكون وجوده قاضيا مانعا له عن ~~تعاطي ما يريده من الفساد، وكان متمولا، وكان له في القاهرة وكيل ~~من البربر فيه شنشنتهم وثخوتهم وعصبتهم يسمى عليا التواتي، ~~وكان الجامع بينه وبين موكله خباثة الأرواح، وكان قد أرسل إليه أن ~~يعطي الجلال مهما احتاجه من الكلفة على قضاء الشافعية بدمشق. # فلما رأى الجلال أمره متوقفا لم يزل يزيد حتى بلغ ثمانية آلاف ~~دينار للسلطان، وثلاثة آلاف لولده، ولبقية أركان الدولة تكملة ثلاثة ~~عشر ألف فلم يقبل ذلك منه. # ثم أرس إلي البرهان الباعوني أخو الجمال ما نصه: «وينهي ما عنده # من الأشواق العظيمة إلى مشاهدة الذات الكريمة، جمع الله الشمل بها ~~في خير وعافية، وسلامة وافرة وافية على أحسن الوجوه وأجملها ~~وأفضلها وأكملها، ليسكن ما بالقلب من أزيز وما ذلك على الله بعزيز، ~~وأن مطالعة المملوك تقدمت إلى خدمته أدام الله عليه سوابغ نعمته على ~~يد نور الدين محمود الحلبي، تتضمن ما أنهاه من جهة ذلك الصبي ~~الجاهل الغبي، الذي زين له الشيطان وذووه ما زينوا له من ~~سلوك طريق الشر ما بينوا، وحضوا على ذلك وأغروه وسلبوه من الدين ~~وأعروه، واستثار العزم الكريم، والمجد الصميم في كفاية أمره وإطفاء ~~جمره، وإخماد شرره شره على المألوف، من همته العلية، والمعروف من غيرته ~~الدينية، وقيامه بحقوق الصحبة المؤسسة على التقوى والمحبة التي PageV03P032 ~~يشهد بها عالم السر والنجو يعلي الوجه الجميل المشكور، وعاد ms461 جواب نور ~~الدين المذكور بإنكار المخدوم لذلك الأمر المذموم، وما صدر منه من ~~أنواع الإحسان، ومساعدته بالقلب واللسان، واهتمامه بسد الذريعة ~~وصيانة منصب الشريعة من كل حائد عن طريقها ير معدود من ~~فريقها، مفسد في الأرض، معرض عن يوم العرض، غير مهتم بالسنة ~~والفرض، ولا ملئ بوفاء القرض كهذا التعيس وأمثاله، الملجج في ~~بحر ضلاله، الغافل عما سيحل به من عقاب الله ونكاله وتحريضه، أمتع ~~الله بحياته، وبارك في حسناته، وحفه باللطف من جميع جهاته، لكل ~~من ظن به الخير من الأعيان المواظبين عليه في سائر الأحيان، وأعظمهم ~~المقر السيفي بردبك الأشرفي، عامله الله بلطفه الخفي ووقاه شر الأشرار، ~~ونظمه في سلك عباده الأبرار، حتى سد على المذكور طرقه، بعد أن علم ~~اختلافه وخرقه، وتحقق كذبه واختلاقه، وإفكه وائتلاقه، وما قرره ~~عند السلطان خلد الله ملكه، وأجرى في بحر السعادة فلكه، من سيرة ~~الأخ التي خبرها وعرفها لما سبرها، وتأملها واعتبرها، ونشر بعبارته ~~الحسنة خبرها، وما حصل من العطف الشريف بسفارته وإيصالها إلى ~~المسامع الشريفة بحسن عبارته، وأنه بالغ في ردع ذلك الشيطان، ~~واستجلب بردعه وقمعه الأدعية لمولانا السلطان، وشاع ذلك بالشام ~~وذاع وفاض، حتى ملأ الأسماع، فتضاعفت الأدعية بطول بقائه، ودوام ~~عزه وارتقائه، والله يسر القلوب بما يرد من تلقائه، ويجزيه أفضل ما جزى ~~صديقا عن صديقه، ويمده بتأييده وتسديده وتوفيقه. PageV03P033 ~~ومما تجدد من الأمور والحوادث القاصمة للظهر، المثيرة للحزن ~~الكامل، المجرية للدمع الهامل، موت الشيخ الإمام العالم، ذي ~~القلب الأنور، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المؤسس للخير ~~أحسن التأسيس، المتصدي للإفتاء والتدريس، شمس الدين ~~البلاطنسي نور الله رمسه، وضاعف في الجنة أنسه، فيا له من خطب ~~أجرى العبرات وأثار الحسرات، وأضرم بالقلوب الجمرات ~~وكانت له جنازة بعد العهد بمثلها، وتزاحم الأعيان على حملها، عليها ~~من الوقار والسكينة ما دل على مكانته المكينة، وعم الحزن لكل من ~~بالمدينة إلا ما كان من أهل الفساد والبوار والكساد، وقضاة الجور ~~الحائدين عن واضح السبيل، المعترضين بحلول العقاب الوبيل، فقد ~~كان لهم ms462 رادعا، وبالحق صادعا، وللإنكار عليهم مسارعا، ولمن سلك ~~مسلكهم قامعان ومنهم هذا الصبي الذي نبغ وبلغ من قلة الدين ~~والعقل ما بلغ وأمعن في الاختلاق علينا مع انتسابه إلينا، وما أوليناه من ~~الجميل والإحسان الجزيل حتى إنه لما تنجز توقيعا بنيابته الخطابة عن ~~المملوك، وسلك في الاستطالة على مباشرها أقبح السلوك، وهو الشيخ ~~الجليل عبد الرحمن بن خليل قال: أنا بهذا الفاسق أخبر ووالله لئن ~~صعد هذا المنبر لأجذبنه بطوقه وأرميه على وجهه من فوقه، ولا أوافق على PageV03P034 ~~الصلاة خلف فاسق مثله، مع ما أعرف من قلة دينه وعقله، ولما بدر منه ~~بعد ذلك ما بدر وصدر من أفعاله القبيحة ما صدر أشار بضربه وحبسه، ~~وعزم على تعاطي ذلك بنفسه، ولام الأخ على إهمال ذلك غاية اللوم، ~~واستمر عاتبا عليه بهذا السبب من ذلك اليوم، ولقد كن رأيه في ذلك ~~سديدا، وشوره مباركا سعيدا، وبصيرته منورة، وحقائق الأشياء في ~~مرآتها مصورة، ولهذا الصبي الغبي النازل من الخذلان في المنزل الوبيء ~~أب جاهل، عن الآخرة ذاهل، الأم من مارد يسمى عبد القادر، باشر ~~تقدمة ناحية من نواحي البلاد الصفدية، فأقصي وأبعد؛ لسيرته الردية، ~~معروف بسوء الطريقة من زمن الصبا، وهو الآن بالشام، يتعاطى الرباء، ~~أشاع أن ابنه ولي القضاء، فضاق على المسلمين بذلك القضاء، ~~وارتمضوا من سماع هذا الكلام، وقالوا: يا لله، للإسلام صبي ذو ~~فرية لا يصلح لقضاء قرية يلي منصبا وليه السبكي، إن هذا مما يؤلم ~~ويبكي، فقال شخص من الفضلاء الأذكياء النبلاء: ~~تولى شييخ قضا جلق %% فيا لك من حادث ممرض ~~وهول يشيب رأس الرضيع %% فيصبح كالكرسف الأبيض ~~ويا لك من كارث مؤلم %% لكل إمرئ مسلم مرمض ~~فنوحوا على الدين وابكوا دما %% وفروا إلى الله مما قضى ~~وتوبوا إلى ربكم توبة %% نصوحا بصدق له يرتضي ~~عساه يهيئ له قاتلا %% بسيف صقيل له ينتضي ~~يريح البرية من وجهه %% فما وجهه بمنير وضي ~~ولو قيل للكلب من بعده %% تعال تول القضاء ما رضي ~~»ثم قال: هذا لا يكون، ويأبى الله ms463 ذلك والمؤمنون، ولا يجتمع على ~~المسلمين مصيبتان، جليلتان عظيمتان: موت هذا العالم التقي، وولاية ~~هذا الجاهل الشقي، فوالله لو خرج الدجال، وتبعه، وانضم إليه، وصار ~~معه، وسعى عنده في القضاء، ما التفت إلى كلامه وسمعه، ولا علق ~~بالوصول إلى ذلك طمعه، ولو رشاه بكل شيء اكتسبه، من الحرام ~~وجمعه، ولزجره عن ذلك وردعه وقمعه، ونرجو الله أن يرغم بمنعه أنف ~~الشيطان، وأن لا يدنس بهذه السيئة صحائف السلطان، وأن يملأها ~~بالحسنات المشرق نورها، العظيمة أجورها، العاصم من الآفات سورها، ~~وأن يوفقه إلى منعه وزجره وردعه ومقابلته على اجترائه واختلاقه وافترائه ~~وعدم توليته منصبا من المناصب الشرعية، عملا بما أوجبه عليه رب ~~البرية، من العدل في الرعية، فهو ولي التوفيق، والهادي إلى سوء ~~الطريق، وبه نعتصم مما يصم ونستجير مما يضير، ونستعين، وهو نعم ~~المعين، وبالله باري النسم، وهو أشرف القسم لو ولي هذه ~~الوظيفة من تبرأ به الذمة، وتطمئن بولايته نفوس الأمة، من أهل الخير ~~والديانة، والعفة والصيانة، والعقل والرصانة، والثقة والأمانة؛ لأحببنا ~~ذلك وما كرهناه، واستصوبناه وما أنكرناه، وحمدنا الله عليه وشكرناه، ~~والله العالم بالنيات، المطلع على الخفيات، وما تكنه الطويات، وأنتم في ~~حفظ الله وأمانه، وكفالة اللطف وضمانه، وجميع الأحباب والإخوان ~~والأصحاب، ونحن في انتظار الجواب، المحصل للثواب». كتب سلخ ~~صفر سنة ثلاث وستين وثمانمائة. PageV03P036 ~~فكتبت إليه أدام الله نعمه عليه: «وبعد، فقد وصلت أمثلة المخدوم ~~تبث جميل المحبة، وصحيح المودة، وصافي النية، وحسن الطوية في ~~الخلة الإبراهيمية، وتثني على ذلك الجلال، بقبح الخلال، وتخبر أن كف ~~شره بإدامة ضره من أمتن عرى الدين، فإنه من أكبر المفسدين، فبادر ~~العبد إلى ما دعي إليه وحث عليه، فإذا المذكور أبو الشرور، وأخو ~~النجاس والفجور، وعم القبائح والزور، قد ادعى الإمامة عند أولي ~~الرئاسة والزعامة، فأول ما بدئ وهو في شوطه كالنعامة بضربة ~~صمصامة، نثرت منه الهامة، وطحنت عظامه وقطعت أقدامه، ~~فأزالت إقدامه وأوجبت إحجامه، ووصلت سقامه وأطارت حمامه، ~~فعجلت حمامه وشالت منه النعامة؛ وذلك أنه سئل عن الفرق ~~بين ms464 اسمه واسم العمامة، فصار كأنه قلامة على قمامة، أو مضغة بين ~~يدي أسامة، فاعترته ندامة وكف شهامة، وعلته وهو ذميم دمامة، ~~وأبعدت عنه كما كانت الكرامة، وكتب عليه قسامة أن لا يفجر أمامه، PageV03P037 ~~فويل له من كذبه يوم القيامة، لا كتب الله عليه سلامة يومه وشهره ~~وعامه، بل دهره وما قدامه، ونبه سيدي رفع الله أعلامه نفذ سهامه، ~~وسدد لامه، على أن بعد ذلك الثقيل الدنيء الذليل من أعظم أنواع ~~التقدس؛ فإنه بئس الخليل، وأقام على ذلك الدليل بأنه أسبخ ~~خرطبيل، وأبوه شيخ العشير في بلاد الجليل، فامتثل العبد ذلك ~~الواجب الجليل وقام فيه بالقال والقيل، وجرد له من ذلك اللسان ~~الطويل كل حسام صقيل، ورماه بكل حجر ثقيل، حتى صار من الهم ~~عليل، ولم يبق له خليل، غير حمص بليل، هو الآن له عويل، وسد في ~~وجهه كل سبيل، فهو في بكاء وعويل، وهم طويل، ما له مثيل، وصار ~~مثلا لجيل بعد جيل، على أنه أقل من القليل، والأمر فيه كما قيل، ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل. # قد أشرقت أوجه أصحابكم %% وللأعادي أوجه سود ~~قد نالهم ذم فأخزاهم %% والشيخ نور الدين محمود ~~قد عاد منصورا على ضده %% والضد مقهور فمفقود ~~وزينه شينا غدا واشتكى %% من شدة المعصار عنقود ~~ومعطشا أصبح ريانه %% وحمص في قدره عود ~~واسود وجه التوت من غيظه %% والقلب من مغريه مقدود ~~والمصطبي قد علا [فيهم] %% وركنه يا صاح مهدود ~~فالله يبقيك لنا سيدا %% وبحرك المحمود مورود ~~تسر إخوان الصفا دائما %% وكلكم للناس مودود» PageV03P038 ~~في هذا الشعر إشارة إلى المفسدين المنضمين إلى الجلال، منهم ~~شخص يقال له الزين، وآخر يقال له ابن عنقود، وآخر يقال له ابن ~~الريان، وآخر يقال له الحمصاني، وآخر يقال له ابن شيخ ~~المصطبة، ثم انحلوا عنه إلا الحمصاني، وعلي التواتي صبي ~~التلمساني المالكي، وهو أسمر قبيح المنظر. # وكتبت إلى أخيه قاضي القضاة، وكان قد كتب ثانيا يشكر ما بلغه ~~عني، ويشكو من ناس حجازيين قدموا عليه فأساؤوا إليه، ويسأل ~~المطالعة بأمر وقفهم للأكابر، ms465 كتابا طويلا، منه: «وقدم مثال مولانا ~~بأمر الحجازيين فصادف العبد متوجها إلى المقام الشهابي في ~~خدمة الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون من أجل بنت الصارم، فإن ~~أمرها لم يزل كليلا، وجدها مدبرا حتى قدم، فاشتد حينئذ أمرها، ~~واستطال شرها؛ لشدة ما خيلت منه، فقرر له أمر الحجازيين وأمر ~~وقفهم، وإحسان مولانا إليهم، وتواردهم لأجل الإحسان حتى ضعف ~~الوقف، وكان ذلك غب قراءة العبد لذلك المثال، والبكاء عند تأمل ~~ما فيه من تضرع سيدي وصدق توجهه إلى الله في الحكم بينه وبينهم ~~بالعدل، وتبرئه من حوله وقوته واعتصامه بحول الله وقوته». # إلى غير ذلك من تلك العبارات التي هي مع رقتها وجلالتها خارجة PageV03P039 ~~من قلب صاف بنفس طاهر، فيالله ما أحلى، وما أنهى، وما أعلى، ~~فلما كان ذلك كذلك، صادف من المقام المذكور قبولا، ويكون إن شاء ~~الله بما رامه كفيلا، وقد سكن الآن أمر المرأة، عجل الله دمارها، وأضرم ~~عليها نارها. # ومما تطالع به العلوم الكريمة، أنه لما اشتدت الأمور، وخيف تفاقم ~~الشرور، بكثرة إغراء الأخصام لمن ذكر من الألداء اللئام خيل العبد بما ~~أصغت إليه القلوب، وارتسم في دواخل العقول، غير أني كنت كما ~~نصبت خالا زاد الخبيث له مالا، إلى أن نابذ العقل كما نابذ الدين، ~~وزاحم ياسيه بن بحراته ابن أبي العشرين، فخفت العواقب، فعطفت ~~الأطماع ببعض ما جبلت على محبة الطباع، حتى تم الأمر، وخمد الشر، ~~فمولانا يهون عليه ذلك إن امتطى الرتب العوالي، استهدف لحساده، ~~ومن استهدف لهم رشقوه، وإنما يصاب الأمثل فالأمثل، وإصابة في ~~المجن أولى من إصابة في الجسم، وإصابة في الجسم أولى من إصابة ~~في العرض، وإصابة في العرض أولى من إصابة في الدين، فالمخدوم لم ~~يصب إلا في المجن، وراميه قد أصيب في جميع ما ذكر مع خيبة المسعى، ~~وسوء الذكر والثناء، وهذا مستوجب للسماح والحمد لله على الصلاح، ~~والفوز بالنجاح مع أن العبد لم يعين شيئا أصلا ولا شرح فيه بابا ولا ~~فصلا، ولكن لما قيل: إن الأطماع تعلقت ms466 ببعض المتاع، قال: إن قاضي ~~القضاة رأس العارفين، ومثله لا يدل على صواب، والعبد يكاتبه بجميع ~~ما وقع، وأما أنتم فلا تكتبوا له إلا ما يليق بجنابه، من حسن الثناء وما ~~يقتضيه حاله من المجد والعلا، ولم يزل العبد شديد الكرب من لهب ~~الحرب، حتى تواتر قدوم أكابر الشاميين فصدقوا مقالات العبد عند من PageV03P040 ~~لم يكن يعرف المخدوم، وحققوا ما كان ذكر لهم من صفاته التي هي في ~~هدايتها ومكنتها كالنجوم، وتسابقوا في فداء ذاك الجمال من الأهوال ~~والأوحال، بالأنفس والأموال والأولاد والآل، وكل نفيس غال، فقويت ~~إذا عصبة الإيمان، وضعف كيد الشيطان { إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا}[النساء:76]، ورجع حاملها أبيض الوجه، قرير العين، بعيد ~~الصوت، قويم الصوب عالي القدر، نابه الذكر، باذخ المجد، ظاهر ~~الرشد، فلله دره تركيا عربيا شاميا مصريا، نصوحا مرضيا. ### || # وفي يوم الأحد رابع جمادى الأولى من سنة ثلاث وستين ~~هذه، وصل القاضي محب الدين أبو المعالي بن الشحنة إلى القاهرة وقت ~~الصلاة، فصلى في جامع الحاكم، ثم ذهب إلى بيت قراجا بالقرب من ~~جامع الأزهر، وكان قد أخلي له، فنزل فيه، ثم طلع بكرة السبت خامسه ~~إلى القلعة، فسلم على السلطان فأحسن تلقيه، وخلع عليه، وارتجت ~~البلد له، وزلزل الأعيان زلزالا شديدا. # وفي هذا الشهر، رسم بإحضار أبي الخير النحاس ثم رد ~~القاصد غير مرة. # وفي هذا الشهر، حفر في بيت ناظر الخاص يوسف بن كاتب جكم، ~~فوجد قدرة فيها خمسة عشر ألف دينار إلا شيئا، ثم حفر أيضا وفتش، ~~فوجد صندوق فيه قماش مذهب يساوي نحو عشرة آلاف دينار. PageV03P041 ~~وفي يوم الخميس عاشر الشهر خلع على الأمير بردبك الدويدار بإمرة ~~الحاج وعمل مولد للنبي صلى الله عليه وسلم. ### ||| [ولادة] ابني أبو اللطف أحمد يوم السبت ثاني عشر جمادى: # وفيما بين الظهر والعصر من يوم السبت ثاني عشر الشهر، الموافق ~~لحادي عشري برمهات من شهور القبط ولد ابني أبو اللطف أحمد بن ~~فتاتي حسبي الله الزنجية المسلاتية بنت سلطان بلاد المسلات ~~(بفتحات مخفف) خلصة (بفتح ms467 الحاء المعجمة وكسر اللام، ثم [صاد ~~مثقلة] )، ولم [أذكر ذلك] اعتمادا على كلامها، بل حررته من ~~عدة من ذوي جنسها، عن مدة تسع سنين، وتسعة أشهر حملا، فإني ~~اشتريتها في ثامن شهر رجب من سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة حائضا ~~فانقضت مدة استبرائها في نحو عاشر شعبانها، وحدثت لها أحوال ظن ~~بها أنها حملت في ذلك الوقت، ثم حصل لها ما يحصل من وحم ~~النساء، فلما كان في أواخر السنة تحرك واستمر إلى أن جاوز السنة، PageV03P042 ~~وحصل لها من فتور القوة ما لم تستطع معه أن تصوم رمضان سنة أربع ~~وخمسين، مع معالجتها لنفسها في ذلك عدة أيام، تمسك ناوية للصيام ~~إلى قريب الظهر، فتحصل لها دوخة وقيء فتفطر، فإذا أكلت لا يحصل ~~لها ذلك، وكذا اتفق لها في رمضان سنة خمس وخمسين، وصامت رمضان ~~سنة ست وخمسين وما بعده غير منزعجة، وصامت الشهرين اللذين ~~فاتاهما وجبرنا كل يوم بكفارة كما أمر به، وهي مع ذلك تحيض، وبطنها ~~ضامر، وحركته متزايدة، ولم تجسها امرأة عارفة ولا غير عارفة، مكذبة ~~بحالها أولا إلا سبحت الله تعالى واعترفت أن بطنها مشتمل على حمل ~~اجتمع منهن على ذلك عدد يفوت الحصر، فلما طال الأمر جدا قالت ~~واحدة منهن أو اثنتان: أنه مات في بطنها، وكانت إذا كشفت بطنها في ~~الشمس ينتقل إلى الجهة التي ليس فيها شمس. # وظن الشيخ أبو الفضل البجائي أن ذلك شيء سماه الأطباء ~~الرجاء. قال ابن سينا في القانون: «ربما عرضت للمرأة أحوال ~~تشبه أحوال الحبالى، من احتباس الطمث، وتغير اللون، وسقوط ~~الشهوة، وانضمام فم الرحم، وربما كان مع صلابة ما، ويعرض انتفاخ ~~الثديين وامتلاؤهما». قال ابن نفيس: «وربما تولد في الثديين PageV03P043 ~~اللبن». قال ابن سينا: «وتحس في بطنها حركة كحركة الجنين، وحجما ~~كحجم الجنين، ينتقل بالغمز يمنة ويسرة، وربما بقيت كذلك سنين ~~أربعا أو خمسا، وربما امتدت إلى آخر العمر ولم تقبل العلاج، وربما ~~عرض لها طلق ومخاض ولا يكون مع ذلك ولد، وربما وضعت قطعة لحم ~~لها صورة ms468 ما لا يضبط أصنافها وربما كان ما يخرج ريحا فقط، وربما كانت ~~فضولا اجتمعت ليخرج معها دم كثير مما احتبس، والرجاء من جميع هذا ~~هو القسم الثاني، والسبب في تولد هذه القطعة من اللحم على ما ~~يحدس شيئان: أحدهما كثرة مواد تنصب إليها مع شدة حرارة. # والثاني جماع يشتمل فيه الرحم على ماء المرأة وهذه بالغذاء ولفقدان القوة ~~الذكرية لا يتخلق، ومن العلامات المميزة بين الرجاء وبين الحبل الحق، ~~أن ذلك الشيء ربما يتحرك وقتا ثم بعد ذلك لا يتحرك، وتكون صلابة ~~البطن معه أشد من صلابة الحبلى بالولد الحق، وتكون المرأة يديها ~~ورجليها مترهلين جدا مع رقة». انتهى كلامه. # وكان حيظها بتخالف عاداته، تارة بالتقدم، وتارة بالتأخر، وتارة ~~بنقص الأيام، وتارة بزيادتها، وتارة تحيض في كل شهر مرة على العادة، ~~وتارة في كل شهرين إلى غير ذلك من أمور يتعب ضبطها إلى أن كانت ~~سنة تسع وخمسين، فوجد اللبن في ثدييها، لكن بقلة، وهو غير أبيض، ~~بل لونه إلى الغبرة، واستمر إلى الولادة. PageV03P044 ~~فلما كان في رمضان سنة اثنين وستين انقطع حيضها، وأخذ بطنها ~~يكبر حتى تجاوز الحد، وظنيت أن أقل ما فيه اثنان، إلى أن ولد في الوقت ~~المذكور في غاية السهولة، وحصل أمر عظيم من اللطف، وكانت في ~~غضون هذه المدة ترى من المنامات مما يتعلق بهذا الحمل من البركة ~~والخير والعظمة، وأن كثيرا من الناس يكذب بأمره، ويحتاج إلى بحث ~~وإقامة دليل، ما لو كتب لكان أكثر من مجلد، وأظنه سمي لها في بعضها ~~أحمد، وبعض المنامات مكتوب في كراريس، كنت أكتب فيها المنامات ~~الهائلة، جعله الله عونا على الخير بعيدا من الشر. # ولما سمع الناس بأمره كذبه من لم يرسخ قدمه في العلم، ولم يتسع ~~فكره للجولان في فيافي المعارف، فقلت لأصحابي: من نازعكم فقولوا ~~له: أتسلم أن مدة الحمل المستمرة كانت تسعة أشهر؟ فإذا قال: ~~نعم. فقولوا: أتسلم أن الحمل لا يعلم؟ فإذا قال: نعم. فقولوا: فيما ذا ~~حكم من حكم على أول امرأة ms469 تجاوزت هذه المدة إلى أربع سنين أنها كلها ~~مدة حملها، ولم يقولوا: أن مدة الحمل منها إنما هي تسعة أشهر والباقي ~~كان ريحا أو غيره، هل هو بغير القرائن؟ فإذا قال: لا. فقولوا: وكذلك ~~حكمنا على هذه التي تجاوزت المدتين بأن مجموع مدتها مدة حمل ~~بالقرائن، فهل من فرق؟! فقالوا ذلك، فلم يستطع أحد ابداء فرق ~~والله الموفق. ### ||| موت شاهين الدويدار: # وفي آخر ليلة الاثنين، رابع عشر جمادى الأولى هذا، ~~مات شاهين دويدار الأتابكي الشهابي ولد السلطان، عن نيف ~~وخمسين سنة، وكان من مماليك بكتمر السعدي، وكان عاقلا لينا، PageV03P045 ~~قليل الشر حسن العشرة، مليح الشكل، يؤسف على مثله، ولقد كثر ~~ثناء الناس عليه، وشهادتهم له بالخير رحمه الله. # وفي يوم الأحد ثامن عشر الشهر، وهو جمادى الأولى أحضرت ~~مزرورة المراسيم إلى ابن الشحنة.وفي يوم السبت تاسع عشره، ~~خلع عليه بكتابة السر. ### ||| موت القطماوي: # وفي هذا اليوم مات القاضي شمس الدين محمد القطماوي الحنفي ~~الحلبي، أحد أعداء القاضي محب الدين بن الشحنة المؤذين له، فكان ~~ذلك من غرائب الاتفاق، وكان القطماوي شيخا بهيا جريئا مفوها، ~~وكان منقطعا إلى الدويدار الكبير يونس العلائي، فتوصل بجاهه إلى ~~أن ناب في الحكم عن قاضي الحنفية السعد بن الديري، وكان ~~مغموصا عليه في شهاداته وأحكامه، ينسب إلى غاية التهافت عفى ~~الله عنه. # وفي يوم الخميس رابع عشري الشهر، لبس القاضي محب الدين بن ~~الشحنة، خلعة بما لوظيفة كتابة السر من الأنظار على المدارس ~~وغيرها. PageV03P046 ~~وفي يوم السبت سادس عشري الشهر لبس الجلال محمد بن عبد ~~القادر الباعوني خلعة بقضاء الشافعية بطرابلس، عن ابن عمه محب ~~الدين، وكل منهما أنحس من الآخر، وغرم على ذلك نحو ثلاثة ~~آلاف دينار، وغرم ابن عمه نحو ذلك، فعليهما لعنة الله، وعلى من ~~دينهما ويدين أمثالهما تقوية له على أبواب جهنم. ### ||| موت النبراوي: # وفي يوم الثلاثاء، ثامن عشري الشهر مات ناصر الدين ~~محمد النبراوي الحنفي، عن نحو ستين سنة، أحد نواب الحنفية ~~بالقاهرة، وكان عارفا بصناعة الشهود، ذا شكل حسن، ms470 وكان ~~مدمنا على الخمر والخلاعة، كثير التزوج للحسان، قليل الغيرة، ~~مطعونا عليه في شهادته، وكان يصحب دولات باي المؤيدي الدويدار، ~~فتوصل به إلى أن استنابه قاضي الحنفية، السعد بن الديري، ويقال: أنه ~~مات مخمورا، نسأل الله العافية. # وفي هذا الشهر والذي بعده، زاد شر الجلبان، وكثر ضربهم ~~للمباشرين، فضربوا ناظر الخاص الزيني ابن الكويز؛ فصدعوا يده، PageV03P047 ~~وضربوا ناظر الجيش الشرف الأنصاري وقد ألبسه السلطان خلعة ~~استمرار، لفتنة كانت وقعت بينه وبين ناظر الخاص، زلزل منها، فضربوه ~~على الخلعة إلى أن كادوا يقطعونها؛ وكل ذلك على أمور يكلفون بها، لا ~~مخلص من شرها، إذا مرض إنسان مثلا طلبوا خبزه، فيعطيه السلطان ~~لمن يريد، ثم يطلبه آخر، فإن قرأ ناظر الجيش القصة الثانية ضربه ~~أهل القصة الأولى، وإن تركها ضربه أهلها، وهكذا ناظر الخاص. # فلما كان أثناء جمادى الآخرة قتل شخص من الزعر شخصا، فحماه ~~الأمير سنقر قرق شبق الزردكاش، أحد أشرفية برسباي عنده، فطلب ~~ناس من الأجلاب الوصول إليه فلم يمكنهم، فرفعوا أمرهم إلى ~~السلطان، فلم ينزعج، فضربوه بحضرة السلطان، يوم السبت عاشر ~~الشهر، فكسروا بعض أسنانه وأشرفوا به على الموت، ولم يقدر السلطان، ~~ولا من حضره على تخليصه منهم، ولقد أجادوا فيه، فلعمري أن ذلك ~~لبعض ما يستحق، فلقد كن يعمل في عباد الله ما لا يقدم عليه كافر ~~[بالله] في مسلم، فما بقي أحد أعلم إلا سره ذلك، وأن الله ليؤيد هذا ~~الدين بالرجل الفاجر، فقبض السلطان على شخص منهم اسمه ~~سنطباي هو الذي ابتدأ بالضرب فيه، وفي ناظر الخاص، فقامت ~~قيامتهم، واجتمعوا يدا واحدة، يسألون الدويدار في إطلاقه، وإلا ماتوا ~~على دم واحد، فتكررت الشفاعة فيه، ولم يجب السلطان وفقه الله لما ~~يرضيه وأعانه على ما ولاه آمين. ### || # وفي يوم الأحد، حادي عشره ضربوا اثنين من الأشرفية، أحدهما يقال ~~له علان؛ غضبا لسنقر. PageV03P048 ~~وفي هذا الحد، بلغنا أن الأمير جانم، نائب الشام وصل إلى دمشق في ~~أول جمادى الآخرة هذا، فأظهر عدلا؛ نادى بمنع المنكرات، الخمر ~~والحشيشة وغيرهما، ms471 ووافى يوم دخوله الإتيان بشخص من أكابر العرب ~~كان دعى إلى نفسه بناحية صرخد، وخطب له على المنابر، ~~فاحتال عليه مقلد أمير العرب ببلاد حوران، فلما وصل إلى نائب الشام ~~شنقه (أي ربط في عنقه حبلا في خشبة عالية، ورفعه عن الأرض حتى ~~مات؛ بخنق الحبل له). ### ||| موت إبراهيم ابن الأشقر: # وفي ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة هذا مات إبراهيم بن ~~كاتب السر محب الدين محمد بن الأشقر عن نيف وثلاثين سنة، وكان ~~شابا جميلا حسن الخلق والعسرة، ذا صيانة وديانة ومروءة، بارا بوالديه، ~~كافيا لأبيه أمر دنياه، عزيزا في أولاد الرؤساء وجود مثله، وصلى عليه بكرة ~~اليوم المذكور في باب النصر قاضي الشافعية العلم صالح البلقيني في ~~جمع كبير جدا، وعظم ثناء الناس الجميل عليه، وتأسفهم، ودفن في ~~تربة أبيه بالصحراء رحمه الله. ### ||| موت أبي البركات الهيثمي: # وفي أواخر هذا الشهر، بلغنا أن القاضي محب الدين أبا البركات ~~[محمد بن عبد الرحيم بن محمد] الهيثمي قريب الحافظ نور PageV03P049 ~~الدين، مات بمكة المشرفة مجاورا يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى وهو في ~~عشر الستين، وبلغنا أن سبب موته، أنه ذهب مع الأمير تمربغا، أحد ~~مماليك الظاهر جقمق، والخطيب أبي الفضل النويري إلى بعض ~~المنتزهات ببطن مر، فرجعوا جميعا مرضى؛ وذلك لأنهم نزلوه في زمان ~~مجمع على أنه في غاية الوخم، وذلك في برمهات من أشهر القبط، ~~حتى أن بعض أهل مكة أخبرني أن أهل ذلك المكان، قل أن يسلم منهم ~~أحد في تلك الأيام، حتى أنهم ليهربوا إلى مكة المشرفة تشفيا، وذكر ~~أن من أكل من غزلان هذا الوادي مرض، بل قال: مات، هذا هو ~~السبب فيما يظهر لا ما ظنه الناس من أن امرأة تمربغا كانت فسدت في ~~غيبته عنها في حبس الصبيبة؛ فخافته على نفسها إن سمع فعاجلته بأن ~~سمته، وذلك لأنهم ذكروا أن الضيافة كانت للخطيب وهو من جملة من ~~مرض والله أعلم. # ولما اتفق لتمربغا هذا الأمر، وخاف عليه من خاف من امرأته، ~~حكي له أمرها ms472 فطلقها، وكانت توصف بجمال، فكان الأكابر ~~يتداولونها، بعضهم في الحرام، ومن يتحاماه يتزوجها سرا، وكلما ~~تركها واحد لقبح سيرتها، أخذها آخر لحسن صورتها، ولم يحرك ذلك منه ~~ساكنا؛ لأنه لما عاد إلى القاهرة وتنقل في رتب الإمرة إلى أن بلغ ~~السلطنة، لم يذكر أحدا منهم بشفة، ولا بلسان، وكان منهم ابن ~~الصابوني التاجر الذي توصل بصحبة خشقدم إلى أن ولي قضاء الشافعية PageV03P050 ~~بدمشق، والناس في غاية الحنق عليه لذلك؛ من جهة أنه لا يعلم شيئا ~~من العلم، وهومع ذلك مقيم بالقاهرة، وأبوه وهو عامين... فكان أقل ~~أذاه له أن يعزله، أو يلزمه بالسفر إلى دمشق، وكان كل أحد يشكره على ~~ذلك، ويستريح هو من رؤيته في كل يوم، فلم يفعل شيئا من ذلك، ولا ~~واجهه بشيء يسوءه. # وكان أبو البركات من أعيان نواب الشافعية، وكان فاضلا في الفقه ~~والنحو ذا ذهن جيد، كثير التلاوة لكتاب الله، كثير الصلاة، مثابر على ~~الفرائض في أوقاتها مع الجماعة، كثير الحج والمجاورة، إلا أنه كان غير ~~محمود السيرة في قضائه، عفى الله عنه ورحمه آمين. # وفي هذا الشهر وقع في قبضة السلطان اثنان من المفسدين في الرض ~~بالشرقية، أحدهما كليوات أخو الفضل، والثاني يقال له ابن الطماوي، ~~فقصد الإتيان بهما إلى القاهرة، فذهب كثير من الأجلاب إليهما، إلى ~~قرب بلبيس؛ ليخلصوهما، فردا إلى سجن بلبيس، ثم أمر السلطان ~~خيربك والي القاهرة بالذهاب إلى بلبيس لقتلهما، فذهب يوم الأحد ~~ثالث شهر رجب من السنة في جمع جيد، فقطع رأسيهما وأتي بهما في أول ~~ليلة الاثنين رابعه ينادى عليهما: هذا جزاء من أفسد في الأرض؛ فسر ~~الناس بذلك. ### || # وفي هذه الأيام صار السلطان يمقت الشرف الأنصاري، وينسبه إلى ~~العجز والخيانة؛ وذلك أنه كان مباغضا للأمير زين الدين بن الكويز ~~ناظر الخاص، وكان ابن الكويز مصادقا لكاتب السر المحب بن ~~الشحنة، فأغريا عليه أبا بكر بن مزهر ناظر الجوالي ومنياه وظائفه، ~~فانفعل لهما؛ إذ كان شابا طياشا لم يعركه الدهر، ولم يجرب أبناء PageV03P051 ~~الزمان، وكانت أمه مقدمة ms473 عند خوند، وكانت أخف منه وأكذب، على ~~ما هو شائع وكان السلطان لا يخالف خوند، فلفتتها عن الأنصاري إلى ~~أن كان يوم الثلاثاء خامس هذا الشهر، فرسم السلطان على ~~الأنصاري، ورسم أن يكون عند نقيب الجيش، فشفع فيه الأمير ~~بردبك في أن يكون طبقة الخزندار؛ ليحاسب على ما دخل تحت يده في ~~مال السلطان، هل صرفه، أو خاف منه في شيء، فشق ذلك على أكثر ~~الناس؛ لأن الأنصاري سار في هذه الولاية سيرة أعجبتهم كان فيها لينا ~~متواضعا مائلا إلى الضعفاء، منفعلا إلى الخير، وأكثروا الدعاء له ~~والثناء عليه، والدعاء على من يؤذيه. # ثم حوسب، فلم يظهر في جهته شيء، غير أنه دفع إلى الوزير ~~والإستدار ستة وعشرين ألف دينار، وهما معترفان بوصولها إليهما، فذكر ~~السلطان أنه لم يأذن في ذلك، وقد كان شاع أنه أذن له في ذلك، ولكنه ~~مال مع خوند، ولما لم يجد عليه مطعنا غير ذلك اعتل به، وذكر لي بعض ~~الأكابر الخصيصين بهم، أن خوند أظهرت أنها فعلت ذلك نكاية في ~~زوجته خوند بنت شرباش التي كانت زوجة الظاهر جقمق؛ وذلك لأنها ~~كانت تبغض خوند زينب بنت خصبك زوجة الأشرف هذا وتؤذيها كلما ~~طلعت إليها في أيام الظاهر، فلم يحمد ذلك أحد. # وفي يوم الخميس سابع رجب هذا الشهر، سافر جانبك، ناظر ~~جدة، ومعه جمع يسير من الحاج، كتب الله سلامتهم آمين. # وفي يوم السبت تاسع رجب هذا سأل شخص من الأجلاب يقال له ~~ماميه الأمير بردبك الدويدار أن يطلب له من السلطان شيئا، فسأله أن ~~يصبر عليه قليلا، فأساء الأدب في حقه، وانتهك حرمته، ونال من PageV03P052 ~~زوجته بحضرة السلطان، فقال: إن كانت المباشرة على هذه الصفة فلا ~~حاجة لأحد بها، ونزل غضبان حافيا لم يلحق بنعله إلا عن بعد، وانقطع ~~في بيته، ولم يجتمع بأحد، ثم أرسل إليه السلطان بعد أيام، فطلع إليه ولم ~~يعاقب ذلك الجلب بشيء. # وكان الدويدار الكبير يونس مريضا من نحو شهر، فصار ~~السلطان بغير دويدار ولا ناظر جيش، وجرت ms474 فتنة في بر الجيزة، بين ~~العربان، فجمعوا جمعين ليقتتلوا فكان على ملك مصر من قلة الحرمة، ~~وانحلال الأمر، ما قل أن عهد مثله، والله تعالى المسؤول في إصلاح ~~الأحوال. ### ||| موت المحب ابن الأشقر: # وفي آخر يوم الثلاثاء ثاني عشر شهر رجب من سنة ثلاث ~~وستين المذكورة، مات القاضي محب الدين بن الأشقر، عن نيف ~~وثمانين سنة، مكث بعد موت ابنه إبراهيم نحو ثلاثة أيام، ثم مرض، ~~واستمر إلى أن مات في هذا التاريخ وصلى عليه بكرة يوم الأربعاء ثالث ~~عشره في باب النصر قاضي الشافعية، وكانت جنازته حافلة، وأثنى ~~غالب الناس عليه خيرا، وكان رئيسا متواضعا في رئاسته، معظما بين ~~الأكابر، ففي صباه لما سافر الأشرف برسباي إلىابنقرالوك لاقاه إلى ~~دمشق فحصل له وعك في الطريق، فكان الأشرف يركبه في محفته، ولما ~~دخل إلى القاهرة كان أقرب الناس إليه حتى لقد كان القضاة قدامه ابن ~~حجر وغيره، وخلف أولادا أكبرهم أحمد شيخ خانقاه سرياقوس. PageV03P053 ### ||| موت الفاوي: # وفي ضحوة يوم الخميس رابع عشر الشهر، أراح الله تعالى (وله أتم ~~الحمد وهو المسؤول في تمام النعمة) من جار السوء العديم الغيرة على ~~بنيه وبناته، المحامي عنهم بالباطل، المريد لإعلاء كلمة الشيطان على ~~كلمة الرحمن، علي بن الفاوي الجوهري، فمات في هذا الوقت عن نيف ~~وخمسين سنة، وله أولاد من شر عباد الله، وكان أكبرهم وشرهم أبو بكر ~~غائبا في دمشق لا رده الله. # وكنت في آخر يوم الأربعاء الذي قبل يومه هذا في مسجدي، وابني ~~محمد وهو مرضع يمشي في أواخر الثانية من عمره مع جارية لنا على باب ~~المسجد بحيث أراه وهو قريب مني فأتى ولدان للفاوي صغيران كل ~~واحد في نحو السباعي وولد لابن أخته مراهق [فوقفوا] إلى ~~جانب ابني، فخشيت عليه منهم؛ فأمرتهم بالذهاب، فلم يفعلوا، ~~فأخبرتم الجارية، فأغلظوا لها، فقامت إليهم، فتركوها، فأمرتها ~~بالدول بالولد إلى المسجد، فرجموا الحجر، فأصاب ركن الباب، ثم إن ~~الولد اشتهى أن يقف بحيث ينظر الناس، فأمرتها بالوقوف به على باب ~~المسجد الآخر، ms475 فوقفا هناك فآذوهما، فزجرتهم الجارية، وأرادت القبض ~~على أحدهم لتأتي به إلي، فهربوا منها وطلعوا إلى بيتهم، وأشرفوا من ~~الطاقات، وشرعوا يصيحون عليها، وكان بعض جيراننا أراد أن يركب ~~ابنه ليختنه على عادة المصريين، وكان غالب أهل الحارة قد ذهبوا معه، ~~فلم يكن أحد يعين عليهم، فأمرت الجارية بالدخول بالولد إلى المسجد ~~ففعلت، وكان الولد فهم من الواقعة ما سكنه فجلس، فلم يحترك بعد ~~ذلك، ولا طب المشي ثم قام. # كل هذا والفاوي قد وصل إلى حالة لا يرجونها فيها، وليس أحد منهم PageV03P054 ~~ينهاهم مع رؤية بعضهم وسماع الكل لأصواتهم، فانظر كم في ذلك من ~~عجب، فلما صليت المغرب ابتهلت إلى الله تعالى في الإراحة منهم. # وكنت في الميعاد في قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد # والقمل} الآيات [الأعراف:133]، في أمر فرعون وجنوده، ثم في أمر اليهود وما وقع ~~لهم بعد ذلك من النقص، وإلى هنا وصلت في مسودة كتاب المناسبات، ~~(والعجب أن يقال: أن أصله يهودي والله أعلم) وكنت في المبيضة ~~في آخر سورة النساء، وهي {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ~~وأول سورة المائدة. # وكان لما ادعي عليه بما تقدم في صفر سنة إحدى وستين، وأمر ~~بالنقلة، وشفع فيه بعد في أن لا ينتقل، أقام أشهرا يكثر الخجل، ثم ~~انتقل وترك مفاتيح بيته المجاور لنا معه، وكان يتردد إليه، فلما رأى أن ~~أمره لا يزداد إلا إدبارا، وأمر الله لا يزداد إلا ظهورا وإقبالا انقطع، ~~وأرسل يستعطفني، فلم أفعل؛ لما أعلم من طبعه على الرداءة، واني إن ~~أجبت يصير القيام في ردعه عن بعض فساده عسرا، فلما لم يقدر مني ~~على شيء مما يريد، ولا ظفر بمقاربة انقطع بالكلية إلى أن كان أول رجب ~~هذا، فعاد على ما كان عليه من الأذى، بل زاد أن ابنته، وكانت معروفة ~~بالغناء في المحافل جمعت من يشبهها في الفجور، وغنت بهن ثاني ليلة ~~من عوده أو ثالثه، فلم أظن أنها هي، وظننت في بعض المجورين لنا، ~~فأنكرت عليه بكرة تلك الليلة، ms476 فحلف لي أنه لا يعلم من ذلك شيئا، ~~ولم يكن نائما في الحارة،فتتبعت ذلك، فأخبرت أنها هي، فقلت لذلك PageV03P055 ~~المخبر: إن عادت جمعنا من يشهد، ثم تكلمنا معهم، فمرض عقب ~~ذلك، واستمر إلى أن مات في التاريخ المذكور وحقق الله قوله تعالى: ~~{لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد}[إبراهيم:13-14]، وقوله في القصة التي كنت بها في الميعاد: ~~{ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف ~~تعملون}[الأعراف:129]. # وكان مآل أمري معه ما استنبطته من قصة بني إسرائيل مع المصريين، ~~من بغضهم للغريب، ورفع الله له عليهم؛ وذلك أنهم سجنوا يوسف ~~عليه السلام بعدما رأوا الآيات ببراءته، فرفعه الله عليهم بأن جعل ~~حياتهم في ذلك القحط على يده، فكان جزاؤهم له أن استعبدوا بنيه ~~وبني إخوته وذبحوا أبناءهم، ثم أنقذهم الله منهم وأهلك المصريين، ثم ~~لم يزل بنو إسرائيل الذين ربوا في مصر في كفران ما يرونه من النعم، ~~حتى أقسم الله أنه لا يدخلهم إلى الأرض المقدسة فتوههم إلى أن ماتوا ~~وكان يسميهم في التوراة الجيل المعوج وما رحل إلى القدس إلا أبناؤهم ~~الذين ربوا أو ولدوا في التيه. # وبعد أن ذهب بجنازته كنت أتحدث مع عيالي في أمره وأن بعض ~~الأصحاب أشار أن أحضر جنازته فقلت: لو لم يكن في تركي لذلك إلا ~~خوف أن يقول أحد من فجرت أقاربه أني شامت لكان ذلك كافيا في PageV03P056 ~~الترك، وإذا صبي جاء في الزقاق يقرأ {قد أفلح من تزكى}[الأعلى:14] إلى ~~آخرها، وكان ختمه لها تجاه بابه، فكان ذلك من الآيات الغريبة، فإن الله ~~تعالى، وجميع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أوصوا بالعلماء فترك ~~وصاياهم في ذلك، ولم يرعها من هذه الجهة، ولا في جهة الوصية بالجار. # ثم إنهم كابروا بعد موته مدة بسكني ذلك البيت، ثم رمى الله بينهم ~~من الشرور ما فرقهم، ومع ذلك فاستمروا يعطون كرا البيت وهو مغلق لا ~~ينتفعون به لئلا يقال: إنهم علبوا، والله من ورائهم محيط. # وفي هذا اليوم قسمت ms477 وظائف الشرف الأنصاري على البرهان بن ~~الديري أخي قاضي القضاة سعد الدين بنظر الجيش من غير أن ترتب ~~عليه شيء في كل يوم وعلى ابني عبد الرحمن بن الكويز بنظر الكسوة، ~~ووكالة بيت المال، وأعطي أبو بكر بن مزهر نظر خانقاه سعيد السعداء، ~~وشق على الناس ما فعل بالأنصاري، ولاسيما أنه مع ذلك استمر في ~~الترسيم. # وعوفي الدويدار الكبير يونس، وطلع في هذا اليوم إلى السلطان، ~~وخلع عليه، وكان ظانا أن الأنصاري يكرم لأجله. # وفي يوم السبت [سادس] عشره، وزع ما كان يقوم به الأنصاري PageV03P057 ~~في كل يوم، وهو خمسمائة دينار للاستادار والوزير كاتب السر، وناظر ~~الجيش، وناظر الخاص، وأضيف لهم أشياء من تعلق الذخيرة، فأضيف ~~إلى ناظر الجيش ما في بلاد القدس، وأضيف إلى ناظر الخاص ما في بلاد ~~دمشق وطرابلس، وأضيف إلى كاتب السر ما في بلاد حلب، ~~ومن ذلك الجوالي، وعزل ابن مزهر من ذلك، فلم يبق معه إلا جوالي ~~مصر ونظر خانقاه سعيد السعداء. # وفي يوم الأحد لقي ناس من الأجلاب كاتب السر المحب بن ~~الشحنة، فطلبوا منه ثياب بعلبكي فاعتل عليهم فأغلظوا له، وقيل: ~~إنهم ضربوه. # وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر رسم على ناظر الخاص ابن الكويز ~~في بيت الأمير بردبك، ثم أطلق في آخره، فلم ينم إلا في بيته. # وفيه خلع على ابن الأقساسي، الملقب المخلع بدويدارية السلطان ~~بحلب، ثم أخذت الخلعة منه آخر ذلك اليوم. # وفي يوم الخميس حادي عشر[ي] شهر رجب عزل ابن ~~شهري من نيابة القدس وقد كان حصل به للخليل كما تقدم PageV03P058 ~~خير كبير، أذل مفسديها، ورفع صالحيها، وأمن الناس بها، غير أن ابن ~~أيوب الذي كان قبله كان مقيما بالقاهرة، وكان من شياطين الناس، ~~فكان كلما لقي أحدا من أهل تلك البلاد يخبره أن شغله انقضى، وأنه ~~يلبس الخلعة غدا مثلا ونحو ذلك، فضعفت كلمة ابن شهري، ولم يزل ~~الأمر على ذلك حتى عزل في هذا اليوم، وولي ابن أيوب، فلاقوة إلا ~~بالله. # وفي يوم السبت ثالث عشري ms478 الشهر، حسن للسلطان أنه يستخلص ~~المال الذي قذف به الأنصاري منه، ولو بعصر كعبيه، وأرسلت خوند إلى ~~صهرها الدويدار الكبير تنهاه عن الكلام فيه ولم يكن أحد أصحب إلى ~~الأنصاري منه؛ فانقطع عن القلعة لذلك، فقام الأمير بردبك مقاما ~~عظيما، وكان من قوله للسلطان: إن كل من يزين لك هذا الأمر يخرج ~~من عندك بذمك به، وقصدهم تبغيضك إلى الناس، وأنا لست كلهم في ~~أمرك، أنا في الشفقة عليك، بحيث لو وضعت سيفك في حلقي ما ~~تركت الغيرة عليك، فكفه الله عنه به، وحمد الناس على ذلك. # وفي هذا اليوم رسم أن يحضر أبو الخير النحاس، فعلم أن في رأسه ~~صوتا لا بد أن يغنيه فلم يعارض في ذلك، فكتب بذلك إلى نائب ~~طرابلس وعين له هجان والله حائل بين من يريد الظلم وبين نفسه، وهو ~~القادر الفعال لما يريد. ### ||| موت المحب ابن الفاقوسي: # وفي ليلة الاثنين خامس عشري شهر رجب المذكور مات القاضي ~~محب الدين محمد ابن القاضي ناصر الدين محمد بن حسن الفاقوسي PageV03P059 ~~الشافعي الموقع في [الدست]، مبطونا في سكنه من درب السلسلة ~~قرب الصالحية، عن نيف وثمانين سنة، وصلي عليه في ضحوة الاثنين ~~المذكور في باب النصر، وحر جنازته جمع من الأعيان والفضلاء، ~~ودفن في مقبرتهم بالست زينب، وكان على مشهده سكينة. # موت خير بك هر شعبان سنة 63 [8] ~~وفي يوم السبت مستهل شهر شعبان من السنة، مات خير بك أمير ~~آخور الثاني، فلما هنأ القضاة السلطان بالشهر عتبهم على عدم الصلاة ~~عليه، فاعتذروا بعدم العلم بموته في وقته، وأعطى السلطان وظيفته ~~[للأمير يلباي الإينالي المؤيدي]، ونقل ناسا من العسكر إلى أن آل ~~النقل إلى شخص من الأجلاب في نيابة بعض رؤوس النوب فأجابه ~~السلطان، ثم سأل في ذلك آخر من فجارهم فأجابه، ثم ولى الأول ~~وألسبه خلعة يوم الاثنين ثالث الشهر، فقام ذلك الفاجر وقعد وآل الأمر ~~به إلى حد سل سيفه بحضرة السلطان في القصر ونخس به المعطى فلم ~~يتمكن منه، فلم يجرحه، فكان ذلك ms479 غاية في قلة حرمة الملك والمملكة، ~~نسأل الله صلاح الحال. # وفي يوم الاثنين ثالثه لبس كاتب السر المحب بن الشحنة خلعة بأنه ~~مسير المملكة أي لا يولى أحد وظيفة إلا على يده، ولا يسعى إلا من بابه. # وفي يوم الثلاثاء قدم الوزير علاء الدين بن الأهناسي بناس من بر ~~الجيزة، قد قتل بعضهم، وسلخ بعضهم، وغل بعضهم، ادعى أنهم ~~من المفسدين، فخلع عليه السلطان وأكرم مثواه. PageV03P060 ### || # وفي يوم السبت ثامن شعبان، فرج عن الشرف الأنصاري بعد أن ~~أدى نحو عشرين ألفا، فسلبت نعمته، وأخذت أملاكه، وأمتعة زوجته ~~خوند بنت شرباش، فلزم بيته ولم يأذن لمن يقصده للسلام عليه، فأجاد ~~في ذلك من وجوه وصح الخبر بأن زوجة صاحبنا الشيخ عمر الحصني، ~~الساكن بالقرافة رأت في المنام ليلة الأربعاء خامس شعبان المذكور النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فسألته ملاحظة الأنصاري؛ لكونه من ذرية أنصاره، فقال: ها ~~هو معي ولا يصلون فيه إلى سوء، ولكن لم أحب له توغله في الدنيا إلى ~~هذا الحد، فقالت له: الناس منزعجون من مجيء أبي الخير النحاس. # فقال: إنه لا يفلح ولا يقدر على ما يخشى منه، ووهى أمره جدا، فلم # يقدر أن الشيخ عمر يحكي هذا المنام للأنصاري إلا بكرة يوم السبت ~~ثامن الشهر، ففرج عنه في أواخره كما ذكر، جعل الله التمام بخير لكن ~~تبين بعد ذلك أن الشيخ عمر هذا من الدعاة لابن عربي ~~الاتحادي، فاتهم في أمر الأنصاري؛ لأنه تلميذ لعيسى المغربي ~~العربي الخبيث، المشهور بين المغاربة بالغندور فالله أعلم. ### ||| موت ابن صالح: # وفي يوم الاثنين عاشره، عند العصر، مات الأديب الفاضل شهاب PageV03P061 ~~الدين أحمد بن محمد بن صالح الأشليمي الشافعي فقيه المدرسة ~~البرقوقية بين القصرين، وصلى عليه في باب النصر، بكرة يوم الثلاثاء ~~حادي عشره، قاضي الشافعية العلم صالح البلقيني في جمع من الفضلاء ~~جم، وحضر كثير منهم دفنه بتربة شيخ الظاهرية في قبلة تربة الصوفية ~~عن بضع وأربعين سنة، وكان فاضلا في عدة فنون، وكان شعره مرقصا ~~إلا أنه ضيع ms480 نفسه عندما فضل، فكان لا يشغل ولا يشتغل فنقص ~~بذلك كثيرا. ### ||| منادي البحر: # وفي يوم الأربعاء تاسع عشر الشهر، وهو شعبان سنة ثلا وثلاثين ~~وثمانمائة، الموافق لسادس عشر بؤنة، دار منادي البحر بالبشارة بأن ~~قاعدة بحر النيل ستة أذرع ونصف، وهو أربعة عشر إصبعا. ### ||| موت الإخميمي الإمام: # وفي يوم السبت تاسع عشري شعبان من السنة، مات شهاب الدين ~~أحمد الإخميمي، إمام السلطان عن بضع وخمسين سنة، وكان قبل ~~ذلك إمام الظاهر جقمق قبل السلطنة، فلما تسلطن أم به، ثم أم ~~بالأشرف، وخلف ولده الناصر محمد، وهو حسن الصوت جدا مع أنه ~~جمع القراءات بالروايات السبع فنعم الولد هو، وخلف ابنا آخر اسمه ~~علي طفلا خلفه الله فيه. ### ||| موت أبي العباس الوفائي: # وفي يوم الأحد سلخ شعبان من سنة ثلاث وستين هذه، مات ~~أبو العباس الوفائي، صاحب جوهر الخزندار الذي كان PageV03P062 ~~أبو الخير النحاس يخدمه، فاختلف معه على بعض ما قبضه له، فشكاه ~~إلى الظاهر، فوجده عارفا بالمرافعة وتفتيح أبواب الشر، فقربه فكان ~~سبب رفعته عنده، ثم جرت لأبي العباس معه كوائن ومحن ذكر بعضها ~~في هذا الكتاب، وكان شاع في بعض محن أبي العباس أنه مات قبل هذا ~~في غزة منفيا، فنسأل الله الحماية من كل سوء. ### || ### ||| موت الشرف ابن الخشاب: # وفي ليلة الاثنين مستهل شهر رمضان من السنة، بعد العشاء مات ~~شرف الدين محمد بن صدر الدين أحمد بن العلامة بدر الدين ~~إبراهيم بن الخشاب المخزومي الشافعي بسكنه من الظاهرية القديمة، ~~تجاه المرستان المنصوري عن سبعين سنة، في مرض طويل PageV03P063 ~~مبطونا، وصلى عليه صاحبه الشريف علي القصيري في باب النصر، ~~ودفن على أبيه في تربتهم قرب السور، تجاه الروضة، وحضره جمع كثير ~~من الفضلاء الطلبة وأهل الخير، وكان فاضلا بارعا، مبرزا في الطب، ~~مشاركا في غيره، وله نظم حسن، وكان من خيار المسلمين همة وغيرة ~~على الدين وملازمة للطاعات، ووفاء لأصحابه، وخلف ولده جلال ~~الدين دون البلوغ، خلفه الله فيه آمين. ### ||| وصول النحاس: # وفي يوم الثلاثاء ثانيه وصل القاضي ms481 زين الدين أبو الخير النحاس ~~وطلع إلى السلطان، فخلع عليه خلعة بيضاء، ورحب به، ونزل إلى بيت ~~القاضي بدر الدين بن التنسي، حتى يهيأ له منزل، فأسرع الناس إليه ~~للسلام، ولم يتخلف أحد له اعتبار. # واتفق أن البحر من حين وصل إلى أرض مصر لم يزد البحر إلا ~~إصبعا، وذلك من يوم الجمعة ثامن عشري شعبان ثم لم يزد يوم قدومه ~~شيئا، ويوم الأربعاء نقص إصبعين، فتشاءم الناس به جدا، وقالوا: لما ~~رفعه الظاهر حصل الغلاء، ولما نفاه أخذ في النقص إلى أن صار الناس ~~بخير، فحين استقدمه هذا حصلت مبادئ الغلاء فكادوا يجمعون على ~~قتله. # وفي يوم الخميس رابعه، طلع أبو الخير إلى القلعة في جمع كبير، قيل: # أنه كان في خدمته، زيادة على مائة من الجند، فضلا عن غيرهم فأهدى ~~للأمير الكبير، ثم دخل إلى السلطان إلى قاعة الدهيشة، بعد نزول جميع ~~المباشرين كما كان يصنع أيام الظاهر، فلم يكن تخلف عند السلطان إلا ~~الخزندار، وشهود الخزانة، أولاد الجيعان، فلما وصل أبو الخير أمرهم ~~الخزندار بالانصراف واستمر عند السلطان مدة طويلة. PageV03P064 ~~وفي يوم السبت نودي، أن البحر زاد إصبعين، وهي التي كان ~~نقصها، وطلع أبو الخير أيضا في جمع كبير إلى السلطان بعد نزول ~~المباشرين، فتوقفت أحوالهم، وكان كل منهم خائف على نفسه ~~ووظيفته. # وفي يوم الاثنين خامس عشر الشهر ولي القاضي أبو الخير نظر ~~ذخيرة السلطان، ووكالة بيت المال، ونظر السلطان الخاص، وخلع ~~عليه بذلك، وجمع ما كان مفرقا على المباشرين للوزير والإستدار عليه، ~~وهو في كل يوم خمسمائة دينار، ولم ينزل معه إلى بيته أحد من الأمراء، ولا ~~المباشرين. # ثم كتب قصة سأل فيها نظر الكسوة، وما كان معه على أيام الظاهر ~~من خطابة جامع عمرو بن العاص، ومشيخة التربة الطويلية، وأشياء ~~تتعلق بكاتب السر في نابلس، فأجابه السلطان يوم الخميس ثامن عشر ~~الشهر، فسأل صديقه القاضي عبد القادر الطوخي في أن يخطب عنه في ~~جامع عمرو فلم يجبه، فسأل غيره فلم يجبه، فخطب المناوي على ms482 ~~عادته، ثم كلم السلطان في أمره، وأخبر أن الناس كرهوا نصبه في ~~وظائف الدين، فكذبه في دعواه، فأعاد ذلك على أربابه؛ نظر الكسوة ~~على ابن الكويز، والخطابة على الشرف المناوي، والطويلية على التقي ~~القرقشندي، وما لكاتب السر عليه، وأمر بنزع القصة منه وتحريقها، ~~وزعم أنه كذب عليه، ومن العجائب أنه لما أوهنت كلمته كان ذلك يوم ~~الاثنين ثاني عشري الشهر، فنودي في صبيحة الثلاثاء ثالث عشريه ~~الموافق لآخر أبيب بزيادة البحر عشرة أصابع، وفي يوم الأربعاء PageV03P065 ~~ثالث عشريه، الموافق لأول مسري خمسة عشر، فتحقق في أذهان جميع ~~الناس أن رفعته سبب للقحط، وخفضه سبب للخير. # وفي ليلة الاثنين ثاني عشري الشهر عمل الأمير بردبك المسايرة المعتاد ~~بها أمراء الحاج، وهي أن يركب الهجن هو وأتباعه العصر، ويخرج من ~~قصبة القاهرة إلى خليج الزعفران، فيتعشى هناك، ويرجع بالمشاعل من ~~القصبة أيضا، فاحتفل الناس لذلك، وكان معه هجن كثير جدا، ~~ورتب الوالي فيما يمنع المفسدين من الفاسد؛ فلم يحصل لأحد أذى، ~~وكانت مسايرة حافلة، فضلها الناس على مسايرة ابن السلطان سنة ~~حج. # وفي يوم الخميس خامس عشريه شكى أبو الخير وهن كلمته بما ~~استرجع منه، ودافعه المباشرون فكلم السلطان كلا منهم كلاما ~~يرجيه فيه، وانفصل المجلس على ذلك، ولم يرد إليه شيئا، غير أنه ~~استرجع خطابة جامع عمرو، فأرسل الأمير بردبك إليه أن لا يمنع ~~المناوي من الخطابة به يوم الجمعة سادس عشري الشهر، ثم كلم ~~السلطان يوم السبت سابع عشريه في المناوي وردها إليه، ثم نقض ~~ذلك، فسأل أبو الخير جماعة من أصحابه في النيابة عنه في الخطبة فلم ~~يجب أحد منهم، فاحتاج إلى إبقاء نائب المناوي. # وفي آخر يوم الاثنين تاسع عشري شهر رمضان توجه القاضي ~~الشافعي على العادة إلى المنصورية، ومعه نوابه لترائي الهلال، وكان ~~قاضي الحنفية السعد بن الديري مريضا، وكذا قاضي المالكية الحسام بن ~~حريز، فلم يحضر مع الشافعي إلا قاضي الحنابلة العز الكناني، PageV03P066 ~~وكان للشافعي غرض في إثبات أن الثلاثاء العيد؛ لأن بعض أقاليم مصر ~~صام ms483 يوم الأحد، وتحدث عن بعض أهل الشرقية، ولكن لم يبلغ ذلك إلا ~~في أثناء شهر رمضان أن يعتمدهم، فينسب إلى تقصير في الفحص أول ~~الشهر، فلم يظهر شيئا من ذلك، فلما كن في هذه الليلة اشتد تطلبه ~~لأحد رأى، فقيل له عن شخص مؤذن مشهور بالغناء من أصحاب ابن ~~زوجته صلاح الدين، فطلبه، فلم يجسر على الشهادة، وتمنع من ذلك، ~~حتى ظن أنه لم ير، فأثنى عليه الشافعي ما سكن روعه حتى شهد، ثم ~~طلبوا آخر فشهد شخص أمرد مغني، ربيب شخص من شهود الزور ~~يقال له الشيرجي في ناحية الجوانية، فشهد، فتوقف نائبه الذي ندبه ~~لذلك، وهو شخص يقال له الأبشيهي، غير موثوق به أيضا، فصاح ~~عليه وأظهر الغضب من توقفه، فأشهد عليه أنه قبلهما، وثبت عنده أن ~~غدا من شوال، فأمر الشافعي المحتسب وهو علاء الدين ببن امرأة ~~الفيسي بالمناداة أن غدا العيد، ففعل، فأدخل على جميع من سمع ذلك ~~من أهل الخير تشويشا كبيران ثم أخبرني قاضي الحنابلة أنه صح عنده أن ~~جماعة غير المذكورين رأوه ليلة الثلاثاء، فطاب الخاطر ولله الحمد. ### || # وفي يوم الخميس ثالث شوال، طلع القاضي أبو الخير النحاس إلى ~~القلعة، للاجتماع بالسلطان، فخرج إليه جماعة من الأجلاب عند ~~السبيل الذي بالقرب من مصاطب نائب القلعة، فقالوا له: مالك لا ~~تواصل الوزير بما له عليك، حتى يواصلنا باللحم؟ فقال: ما له عندي ~~شيء. فكذبوه فنفر فيهم، فضربوه ضربا شديدا، فوقع ثم قام، فضربوه ~~إلى أن وقع ثانيا فداسوه وضربوه بعد الوقوع إلى أن ظن موته، وهرب عنه ~~أصحابه، ودنى بعض الوجهاء من الترك لتخليصه فضربوه إلى أن بعد ~~منه، ولما ظنوا موته هربوا، فأمر نائب القلعة جماعته، فحملوه ثم طلعوا ~~به إلى بعض تلك الطباق، حتى تراجع، فحمل إلى بيته، فإذا هو قد ~~جرح في مواضع من جسده ولم يضرب إلا بالعصي، فازداد مرضا إلى PageV03P067 ~~مرضه ولم يظهر لذلك غما، بل كان يقول: إن هذه عادتهم لم يخرجوا به ~~عن العادة، ونحو هذا الكلام ms484 وهو يضحك، ويظهر السرور، ولكنه لا ~~يقدر على التجلد بالجلوس. # وتواصل شره مع العلاء بن الأهناسي الوزير، حتى نقل عن الوزير ~~أنه قال: أنا سفلة، وهذا سفلة، فأنا له، دعوني وإياه، وانظروا، ~~وكان في غالب الأوقات يستظهر الوزير، فإنه يريد منه كل يوم مائتي ~~دينار وخمسين دينارا، ومتى عوقت أرسل إلى الأجلاب، أني عجزت عن ~~اللحم؛ لأن أبا الخير لم يعطني شيئا، ثم سعى بينه وبين الوزير شخص ~~من أصحابهما، فصلح الحال بينهما. # وفي هذا الحد، أراد الحاج إينال، نائب حلب أن يسعر القمح، ~~فرجمه أهل حلب، فظفر بجماعة منهم فقطع أيديهم، ثم أرسل إلى ~~السلطان فحسن فعله وأذن له فيه. ### ||| موت المعين ابن الأشقر: # وفي ظهر يوم الجمعة رابعه، مات القاضي معين الدين عبد ~~اللطيف بن القاضي شرف الدين أبي بكر الأشقر الحلبي سبط بني ~~العجمي، وأحد أصهار الأمير جمال الدين الإستدار، عن علة طويلة، ~~بخراج في يده، وترك أولادا أكبرهم كمال الدين، وهو رجل، ~~فطلع إلى السلطان ليسعى في وظائفهم وتعلقاتهم، فلم يتمكن مع ذلك PageV03P068 ~~من دفنه في ذلك اليوم، وكان يوما شديد الحر، فأخر إلى بكرة السبت ~~خامس الشهر، فصلى عليه قاضي الشافعية في باب النصر، ودفن في ~~تربة الأمير جمال الدين، وكان سنه إذ ذاك نحو الستين، وكان عنده ~~فضيلة في مصطلح أهل الزمان في التوقيع، وله اشتغال في الفقه والنحو ~~وبعض الفنون غير أنه لم يكن مطبوعا في ذلك، وكان شديد الحرص على ~~الدنيا ولم يكن له إحسان إلى أحد ولا موافاة للناس، الجيران وغيرهم، ~~فيما ينوبهم، ولا أداء لما يلزمه من الحقوق، لاسيما إن استضعف أهلها، ~~فلم أسمع أحدا يثني عليه ولا يتأسف على موته، وظن بعض الناس ~~ذلك الخراج طاعونا، وخيف من هجوم الطاعون؛ لأنه كان قد برك على ~~حلب في شعبان، فأفنى أهلها، ومات عدة من أكابرهم، منهم الزين ~~قاسم بن الأقساسي نائب قلعة حلب، وناظر الجوالي فقدم ~~ابنه، وبذل للسلطان خمسة عشر ألف دينار، حتى أبقاه على ما ~~كان عليه أبوه، ms485 ونقل في هذا التاريخ أن الطاعون وصل إلى حماة، ~~بل وإلى دمشق، والله المسؤول في خاتمة الخير. PageV03P069 ~~وفي يوم الاثنين سابع الشهر، لبس القاضي لسان الدين أحمد بن ~~قاضي الحنفية بحلب أثير الدين محمد بن كاتب السر بالديار المصرية ~~المحب بن الشحنة خلعة بنيابة كتابة السر عن معين الدين بن الأشقر، ~~بسعي شديد. ### ||| ضرب إبراهيم الجبرتي: # وفي هذا الحد، ضرب الأمير برسباي البجاسي، حاجب الحجاب، ~~زاده الله توفيقا شخصا يقال له: إبراهيم الجبرتي مرتين، وحلق رأسه ~~وسجنه، وأمر بنفيه من القاهرة، فسأله أن يتركه ليسافر بنفسه، وحلف ~~له أنه لا يقيم؛ فتركه، وكان هذا الرجل لابسا زي الصوفية، وله شعر، ~~وهو فظيع المنظر، أقسم بالله أني ما رأيته قط إلا ذكرت برؤيته إبليس، ~~وكان من شياطين الإنس، كن سكنه القدس، وكان قد ضربه البرهان ~~الأنصاري نائب الشافعي بالقدس لما هو مرتكبه من المخازي، فقدم إلى ~~القاهرة يرافع أهل الخير، ويسعى بالفساد، وحاصل أمره أني ما علمت ~~أنه وقع خلاف بين الناس إلا كان مع حزب الشيطان. # [وفي هذا] الشهر عزل البدر المحلي عن قضاء إسكندرية، ~~بسعي الأمير الزين عبد الرحمن بن الكويز، ناظر الخاص؛ فإنه ~~كان يعارضه في كثير من أحوال الثغر، كما كان يفعل مع ناظر الخاص ~~الجمال يوسف بن كاتب شكم، فاستراح منه البلاد والعباد، فإنه جمع ~~إلى قبح الصورة سوء السيرة، وفساد السريرة، وكان أنسب الأسماء له PageV03P070 ~~ظلام الدين، فإنه أسود موحش التخطيط من الفم الكبير الذي كأنه فم ~~حية، والأنف الصغير المستطيل في طول الوجه، والعينين الكبار جدا ~~المشبهتين كما قال بعض الأصحاب وأجاد: بعيني فأر قد خنق فبرزتا، ~~هذا مع عي اللسان، والبهت في غالب الأحوال، إلا حال الأذى، ~~وقدمه ما خلف أبوه من الذهب، حتى أخبرني بعضهم أن السلطان ~~وأتباعه أخذوا من تركة أبيه نحو عشرين ألف دينار، فكان ابن السلطان ~~المقام الشهابي، وأمه خوند شديدي التعصب له؛ لما كان يهدي إليهم ~~بعد ذلك، فلم يزل ابن الكويز بنسائه حتى غير عليه خوند، فكلمت ms486 ~~السلطان، فعزله، لكن لم يعجب ابنها ذلك، واستمر معه، فأحجم ~~بعض الناس عن قبول ولاية وظيفته، وكان البدر محمد بن البهاء ~~محمد بن القطان المصري الشافعي، صاحب ابن الكويز، فسأله بذلك ~~فقبل. ### ||| موت ابن النصيبي: # وفي هذا الحد، كان يبلغنا تارة أن الموت تناقص بحلب وتارة أنه على ~~حاله، وممن مات بها من أعيان الفقهاء القاضي شرف الدين أبو بكر بن PageV03P071 ~~القاضي ضياء الدين محمد بن النصيبي الشافعي، وكان شابا جميل ~~الخلق والخلق، فاضلا في عدة فنون، حسن الملتقى والبشاشة والمكارم، ~~رحمه الله وعفى عنه. ### ||| قضايا الأجلاب: # وكان عقلاء الناس على خوف شديد من حلول الطاعون أو غيره من ~~النقم؛ لما طرأ في غالب هذه المملكة، من الظلم، لاسيما جور الجند، ~~لا سيما أجلابهم، فلقد كانوا ينهبون بالنهار الأشياء الغالية الأثمان لا ~~سيما الثياب البعلبكي والأكل في نهار رمضان جهارا في الأسواق، ومن ~~قضاياهم الغريبة أنهم كانوا يكتبون في ورقة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ~~ويأتون بها إلى بعض أهل الذمة من اليهود والنصارى، فيقولون له: إقرأ ~~لنا هذه، فلا يفك نفسه منهم إلا بشيء من الذهب له جرم أقله دينار، ~~ومن ذلك أن أحدهم رأى شخصا يستأجر الكرسي الذي تجلس عليه ~~الحامل عند الطلق، فسأل عنه فأخبر بشأنه، فتبع الذي أخذه، ودخل ~~وراءه إلى البيت، فرام منعه، فلم يستطع، فتلطف به ~~أهل البيت وسألوه عن مراده، فقال: أريد أنظر كيف تلد الحبلى، ~~فقالوا له: إن هذا لا يكون إلا بعد أيام. فقال: أنا لا أرزأكم شيئا، ~~معي نفقة أنفق على نفسي إلى أن يحصل الغرض، فلم يخرج من عندهم PageV03P072 ~~إلا بعشرة دنانير، وأما الحبوس فلم تصر حرزا بالنسبة إليهم، كانوا ~~يخرجون من أرادوا منحبس من كان من حكام الشرع والسياسة، وانثال ~~الناس عليهم في الاحتماء بهم، فلم تكن الأحكام تنفذ إلا فيمن يعجز ~~عن الانتماء إليهم، ولهم قضايا تجل عن الوصف، سمعت بعض ~~حداث الترك ينسبها إلى فقهاء الطباق والغلمان، وهو قريب، فإن ~~عقولهم لا تصل إلى ms487 جميع ما ينقل عنهم من غير معلم. ### ||| وفاء البحر: # وفي يوم الخميس عاشر شوال من السنة، الموافق لسادس عشر ~~مسرى، من شهور القبط، نودي أن البحر، زاد ست عشرة إصبعا، ~~فأوفى ست عشرة ذراعا، وزاد أربع أصابع من الذراع السابع عشر، ~~فنزل المقام الشهابي ابن السلطان إلى المقياس، فنظره، ثم رجع، ففتح ~~السد وتفرقت المياه في خلجان القاهرة على العادة. وكانت زيادته متصلة ~~من حين نودي عليه في سابع عشري بؤونة إلى هذا اليوم، لم يتعطل إلا ~~الأيام التي ذكرت في قدوم أبي الخير. جعل الله التمام بخير وأعاذنا من ~~فتنة الغنى والفقر. # ثم نودي يوم الجمعة حادي عشره، أن زيادته اثنتي عشرة إصبعا، ~~فصار على ست عشرة من الذراع السابع عشر، ويوم السبت ثاني ~~عشره، عشرة أصابع فوفى الذراع السابع عشر، وصار إلى إصبعين من ~~الثامن عشر ولله الحمد. # وفي يوم الخميس سابع عشره سار المحمل من القاهرة إلى البركة، ~~ومعه أميره، الأمير بردبك الدويدار في ألف ومائتي عليقة، فقال PageV03P073 ~~المفتشون، أنهم ما رأوا مثل ذلك، من أعظم من ~~خرج لإمرة الحج، واعتنى بتكثير حاشيته، دولات باي الدويدار الكبير ~~في آخر سني الظاهر جقمق، وكان في ثمانمائة عليقة، ثم المقام الشهابي ~~أحمد بن السلطان الأشرف كما تقدم وكانت معه أمه خوند الكبرى ~~وابنتاها زوجتا الدويدارين الكبيرين يونس، والثاني بردبك، وكانوا في ~~[تسعمائة] عليقة، فقد زاد هو عن ابن استاذه ثلاثمائة عليقة وليس ~~معه من تلك الخوندات إلا زوجته، وزادت جماله في البركة وبعدها. # وتتابع الناس في إثره على العادة. # وفي ليلة الأحد العشرين منه، سار من البركة يرشباي أمير ~~المماليك الذين يرابطون في مكة المشرفة. # وفي ليلة الاثنين حادي عشريه سار منها أمير الأول كسباي ~~المؤيدي وأعيان ركبه، عبد الرحيم بن أحمد بن الناصر محمد البارزي، ~~وسيدي يحيى بن البهاء بن النجم ابن حجي بن بنت الكمال بن ~~البارزي، وصهرهما الأمير يزيك صهر الظاهر جقمق. PageV03P074 ~~وفي ليلة الثلاثاء ثاني عشريه سار أمير المحمل الأمير بردبك وفي ركبه ~~جانبك القصروي ms488 أحد أعيان الظاهرية، والشمس الأمشاطي ~~الحنفي، أحد نواب الحنفية، والتقي القرقشندي، والعلاء الحصني، ~~والنجم بن قاضي عجلون الشافعيون، وبالنجم هم يهتدون، ليس فيهم ~~مثله علما وعقلا وأصالة ودينا، وقاضي الركب العز الأنبابي الذي ~~كان نائب المحتسب، أحد نواب الشافعية الجهلة، وسار معهم عيسى ~~المغربي الزنديق لا صحبه الله، وكان قد سجنه الله بعد موت الشيخ ~~مدين، بأن انقطع في بيته يريد أن يقول الناس: أنه قام مقامه، كل ذلك ~~يريد أن يرفع من قدره ما وضعه الله على يدي بذلك المجلس الذي ~~قدمته، فلم يطر له من الاسم ما كان للشيخ مدين، ولا تردد إليه من ~~الناس من يرضيه، وشرع يدعي أنه عزل فلانا، وولى فلانا، وأمات ~~فلانا، ونحو هذا، وكان يتردد إليه من الأكابر من يكون سببا للكف عنه ~~عند صدور مثل هذا، وتلمذ له تمراز أحد أعيان الأشرفية الذي كان من ~~خواص الأشرف إينال، فكان تمرينه له على الجوع سببا لأن خشن ~~للسلطان في قضية فأقصاه، والشرف الأنصاري، فنكبه السلطان كما ~~تقدم نكبة هي من عجائب الدهر باعتبار أنه لم يظهر لها سبب، ولا وقع ~~منه تقصير، ونحو هذا من الأمور الظاهرة التي كانت تقع لأصحابه PageV03P075 ~~مما يوجب النفرة منه: {[وإخوانهم] يمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون}[الأعراف:202] فيغرونهم به، فلا يزيدون إلا ضلالا به، غير أن ~~هذا كله لا يعجبه، وما كان يريد إلا تردد السلطان فمن دونه إليه، ~~وسبب ظنه لذلك أنه رأى من قلة عقول المصريين نموذج هذا، ويأبى ~~الله إلا يضعف كيد الشيطان ويعلي كلمة الإيمان، فلما لم ير ذلك شرع ~~يقيم له أسبابا، من كثرة الصدقة يأخذ من أتباعه ولا يرفق ويعطي، ثم ~~شرع يفرق زلابية في أطباق على الأكابر، فكان يعمل كل يوم من ~~الدقيق نحو بطتين، وزعم أن ذلك تهنئة للناس بما دفع هو عنهم من ~~الموت، فإنه اطلع (زعم) على أن الطاعون آت فدفعه، وكانت عادة ~~البلد أنه إذا ولد لأحدهم ولد فرق على الناس زلابية فعدهم هو بما دفع ~~(زعم) ms489 كالمولودين، وفرق ذلك عن آبائهم، واستمر على ذلك من أوائل ~~هذا العام إلى آخر شعبان منه، فلم يزد له بذلك أمر ولا طار له من الذكر ~~ما أعجبه، وكان يمالئه على ذلك ويتلمذ له العز الفيومي، فقيه الزين بن ~~الكويز، فلما طال ذلك وضاق صدره مما ألزمه لنفسه من الحبس، وسمع ~~أن الطاعون الذي كان بحلب وصل إلى حماة، وظن أنه عما قريب واصل ~~إلى القاهرة رأى السفر إلى الحج مفصلا، وزاد ذلك أن أمير الركب الأمير ~~بردبك ممن يعظمه ويظهر اعتقاده، تاب الله عليه واتفق أن كان مجيئه إلى ~~عند الأمير إلى البركة وأنا عنده، وكان يأكل، فلما رآني لم يجسر أن يأتي من PageV03P076 ~~الجهة التي أنابها، وكانت أقرب إليه، فدار وراء الخيمة إلى أن أتى من ~~الجانب الآخر، فاتفق أن كان هناك المشجب (بكسر ثم شين ~~معجمة، ثم جيم) وهو الذي يسمى الآن السيبة، وهي ثلاث ~~خشبات مجموعة في قريب من أعلاها بنحو حلقة تجمع كخشبة واحدة ~~لتحمل وتفرق من أسفلها عند النزول فيمسكها ذلك الجامع من أعلاها، ~~فيعلق عليها المسافر سلاحه وما أراد من متاعه، وكنت ملصقة بدائر ~~الخيمة وبعض أعمدتها، وظهور الجالسين في السماط، فلم يمكنه ~~الدخول إلا من تحت السيبة، فدخل منحنيا أوطأ من هيئة الراكع، ~~فدخل على هيئة الخضوع، ومن تحت السيف، والله تعالى المسؤول أن ~~يزيده ذلا وخزيا آمين. # وخرج الأمير بردبك في أمر من الجمال والأحمال والمماليك والمتاع، قال ~~الناس: إنهم لم يروا من نحو ثلاثين سنة مثله، كما تقدمت الإشارة إلى ~~بعضه قريبا، وهو عازم على إكثار الصدقات، وإفاضة الخيرات، والرفق ~~ولين الجانب، وحقق ذلك بأن سار في جميع ما حصله من الجمال وغيرها ~~أجمل سيرة، ما اشترى من أحد شيئا إلا برضاه، ولا يدع أحدا من أتباعه ~~يعترض له ولا لغيره بسوء، ونصب خيمة طويلة على هيئة الجملون ~~تسمى سحابة، تسع ناسا كثيرا للفقراء، ورتب لهم ما يكفيهم من الماء ~~والطعام، فإن كفي شر مرافقته لعيسى فقد أفلح. PageV03P077 ~~وفي ليلة ms490 الأربعاء ثالث عشريه مر من القصبة شخص من الجند ~~راكبا، في يده سيف يضرب به يمينا وشمالا وهو سائق فرسه، بحيث لا ~~يدرك، فضرب بين القصرين اثنين، رماهما فكانا في عداد الأموات، ولم ~~أدر آخر أمرهما، هل ماتا أم لا؟ وضرب عند الأشرفية اثنين، جرح ~~أحدهما جرحا خفيفان ولم يجرح الآخر، وجاوز على تلك الحال نحو باب ~~زويلة، وهو يضرب من لقيه، فيقال: أن جرحاه زادوا عن الثلاثين ثم ~~تبسط الأجلاب وأتباعهم بعد ذلك في الجرح والقتل حتى أنهم وسطوا ~~عبدا عند الميدان نهارا، وهذا دأب جميع الجند، كما استعرضته أنا غير ~~مرة، يفعلون فعلة فاحشة ولا يمنعون فيها، فإن أنكرت أخرجوها في ~~قالب غير بعيد من المناسبة، وإن سكت عنها توسعوا فيها وانتقلوا إلى ~~أعظم منها كذلك، وقد اطرد لي هذا في كبيرهم وصغيرهم، وقد زاد الله ~~أهل مصر ذلة، فإن الجند كلما زادوا بابا من الظلمة، زادوا لهم من الذل ~~ما يوجب مجاوزتهم له إلى أعظم منه، فالله المسؤول في العاقبة، فإنا لا ~~ندري آخر ذلك ما يكون. ### ||| مقاتلة العامة بالسلاح: # وفي هذا الشهر وقع من بعض العامة قتال بين القصرين عند الكاملية ~~بالحديد وغيره سكاكين وعصي من غير نكير، وهذا أمر خارق للعادة. # وفي يوم الخميس رابع عشري شوال، كان سلخ مسري آخر السنة ~~القبطية. # وفي يوم الأربعاء سلخ شوال وصلت كتب الحاج من منزلة نخل ~~أنهم في خير كبير، من الرخاء، واعتدال الهواء في هذا الفصل الحار، PageV03P078 ~~والرفق من أميرهم، وأنه يمكث على المنهل بنفسه، حتى يتروى جميع ~~الناس في رفق، وأنهم جلبت إليهم إلى نخل الأعناب والفواكه، والجمال ~~وغيرها، والكل رخيص. ### ||| أول توت: # وفي هذا اليوم كان سلخ أيام النسيء القبطي، وكان أول توت أول ~~السنة القبطية يوم الخميس أول ذي القعدة الحرام، سنة ثلاث وستين ~~وثمانمائة. # ثم أتت كتب الحجاج أيضا كتبهم من العقبة بمثل ذلك يوم ~~الأربعاء سابع ذي القعدة، وأخبرت أن الآتين بالكتب قالوا: إنا كنا في ~~الذهاب مع الحجاج في ما ms491 ذكر من الرطوبة، وفي الإياب كدنا نموت من ~~الحر. ### || # وفي يوم الأربعاء سابع ذي القعدة، وهو سابع توت، نودي أن البحر ~~زاد إصبعين فأوفى تسع عشرة ذراعا وإصبعا من عشرين، ثم نقص بعد ~~ذلك نقصا فاحشا فقيل: إنه من عدم إصلاح الجسور، فلما فتح سد ~~قناطر منجا لم يلق الماء أمامه منها ما يرده، فذهب إلى السباخ والبحر ~~الملاح. # وفي يوم الخميس ثامن ذي القعدة ولي النجم القرمي الحنفي PageV03P079 ~~قضاء العسكر، عن الشمس بن الرازي الحنفي أحد المتساهلين من ~~نواب الحنفية، ولبس النجم الخلعة بذلك طرحة على هيئة قضاة ~~القضاة، وذلك بواسطة الدويدار الكبير يونس. # واتفق في هذه الأيام من الغرائب، أن المقام الشهابي أحمد بن ~~السلطان، استأجر من وقف الشيخونية بلدا بواسطة شيخها، الشيخ ~~محيي الدين الكافيجي الرومي، وله مشاركة في النظر، فأرسل إليه خياط ~~يقيس ثيابه؛ ليفصل له خلعة للمسامحة في ذلك وكان قاضي الحنفية، ~~وعالم الدنيا السعد الديري مريضا من مدة تزيد على شهر، وسنه إذ ذاك ~~نحو سبع وتسعين سنة قد ناهز المائة، وقد شاع فيمن ليس بأهل لعيادته ~~أنه هالك لا محالة؛ لسنه وطول مرضه، كان قد سعى عليه ساعون في ~~القضاء، فلما جاء الخياط إلى الكافيجي لذلك، ظن أنه لأجل القضاء، ~~فشاع ذلك بين بعض الناس، ثم تحرر أنه لما ذكر لا للقضاء. ونقل عن ~~كاتب السر أن الذي ذهب إلى الكافيجي للتفصيل، ما كان أرسل إلا ~~إلى النجم القرمي، فغلط، وأظن أنه لما تحرر للكافيجي ذلك تلافى الأمر ~~بأن سأل ابن السلطان في تفصيل شيء يكون أستر والله أعلم. PageV03P080 ~~وعاده الدويدار الكبير، قاضي القضاة، فوجده طيبا إلا أن طول ~~المرض نهكه مع السن، ومع أنه كان في تربة أصهاره أول ما مرض، ~~وهي تربة أصلم فلما طال الأمر أنزل إلى بيته في المدرسة المؤيدية ~~راكبا، فأزعجته الحركة مع المرض فحصل له ورم ثم تحلل، شفاه الله ~~وعافاه، فإنه بركة الدنيا، سنا وعلما وعملا. ### ||| أول أمر جاكمو: # وكان في شوال قد جاء من جزيرة ms492 قبرس شاب كما يقل وجهه ~~اسمه جاكمو (بجيم وكاف مضمومة) ادعى أنه ابن ملك قبرس، ~~وأن أهل الجزيرة ظلموه في حقه في الملك، وكانوا قد أرسلوا أخبروا أن ~~ملكهم مات، ولم يخلف ولدا غير بنت تسمى سارة، وسألوا تمليكا ~~عليهم، فأجابهم السلطان إلى ذلك فملكوها فاستمرت مدة، ثم ~~تزوجت بشخص من الكيتلان بينهما قرابة من النساء، فلما جاء هذا ~~ساعده، الدويدار الكبير يونس، ولم يكن هذا رأي الدويدار الثاني ~~بردبك، بل كان رأيه أن يبقى في مصر، وتجرى عليه نفقة إلى أن يحصل ~~من أهل الجزيرة ذنب يعتل به في توليته، ثم أرسلت ملكة قبرس PageV03P081 ~~هدايا، وسألت أن لا يقبل له كلام، وأخبروا أن هذا لا حق له في الملك؛ ~~باعتبار أنه ولد زنا، لأن أمه لم تكن زوجة الملك وإنما كان هويها، ~~فاستقعدها في بيته وكان يأتيها بغير كتاب، ولما أشرف على الموت أوصى ~~لهذا بجهة تغل كل سنة خمسة آلاف دينار، ويقال: أنهم قطعوا أنف ~~تلك الزانية عقوبة لها، فلم يقبل السلطان رسالة ملكة قبرس، وولى ~~هذا، بواسطة الدويدار الكبير بعد سفرة الدويدار الثاني، وشرع في ~~تجهيزه مراكب، ليجهز معه جندا يسلمونه البلاد، إن رجع الخبر أن ~~أخته أبت أن تذعن لتسليمه، وأرسل إلى الجون مراكب نحو الخمسة ~~عشر، مشحونة بالجند لإحضار خشب تصنع منه مراكب لذلك. # وأجاب أخته بأن ولاية المرأة في الإسلام لا تحل في شرعنا، فإن أحبت ~~الإقامة في الجزيرة أقامت معزة مكرمة فقد أمر بهذا، وإن أحبت سافرت ~~مع زوجها إلى أي البلاد شاءت، لا اعتراض عليها. # ثم إنه أجرى على هذا الشاب ما يكفيه، وكان يركب بزي جند مصر ~~إلا ما على رأسه، فعلى زي الفرنج، ويدور في المفترجات، ويعاشره من ~~أراد من الأجلاب وغيرهم، ويركبون في خدمته، لا اعتراض عليه في ~~شيء، وبلغني أنهم كانوا يحضرون إليه نساء المسلمات الخواطئ، وأولاد ~~المسلمين الخاطئين للفسق، وأنه يوم فتح سد بني منجا كان في المقياس ~~على ما ذكر من الهيئات القبيحة، ويحدث الناس بأن ms493 ذلك كان سبب ~~النقص الذي لم يعهد مثله كما يأتي، وكان من الشائع بين الناس أن PageV03P082 ~~الدويدار الكبير يجتمع معه للفساد، وأن السلطان أيضا كذلك، بحيث ~~أنه كان إذا ركب في القصبة يقول الناس: طاطي يكررونها، فسأل عن ~~ذلك، فقيل إنهم يقولون: إن السلطان يفعل بك كذا وأنت على هيئة ~~الراكع، كما يقال أنها عادته في إتيان الذكور ثم يأمرك بأن تنخفض له ~~حتى في تلك الحالة. # وكان لما جاء ركب الحاج المغربي، قدم معهم ثلاث نسوة من ~~زوجات أبي فارس، وأتوا بهدية من عند السلطان عثمان، سلطان ~~تونس، تكون بأربعة آلاف دينار، ومعها متسفرة، فأخذت الهدية، ولم ~~ينزلوا في بيت ولا أجري عليهم نفقة، ولا أرسل لهم شيء، ونهب ~~الأجلاب من ركبهم على الهيئة التي يعملونها مع عوام مصر، فشكوا الى ~~السلطان، فلم يأخذ لهم بيد، وكان الأجلاب يدخلون ركبهم بالخيول، ~~فحاول بعضهم خادما من نسائهم المذكورات، فلاذ بالخيمة، وحاولوه ~~فقطعت الخيل أطناب الخيمة، ووقعت على المرأة فكان خدامها ~~يقيمونها، وتعاد تلك الفعلة حتى وقعت مرارا فلا قوة إلا بالله، اللهم ~~أجرنا في مصيبتنا واعقبنا منها عقبى حسنة آمين. PageV03P083 ~~وكان شر الأجلاب قد زاد في هذه السنة كما مضى، حتى وصلوا في ~~الإغارة إلى قرب بلبيس بعلة التبن والدريس، ومن استضعفوه في ~~غير ذلك أخذوه، فنقل أنه أصبح في هذا الشهر منهم خمسة أنفس ~~مقتولين عند حوض قراجا بين الخانكة وبلبيس، منهم اثنان بالسلاح ~~وثلاثة ليس فيهم أثر سلاح، ولكنهم معلقون شنقا بلجم خيلهم، ~~وخيلهم مربوطة فيهم، وفي أفواههم تبن وفي أخفافهم دريس، وشاع ~~الخبر بذلك حتى استفاض، ونقل من وجه متصل من وجهين، ثم ~~سألت بعض أهل الخانكة، فأنكر ذلك، والله أعلم. ثم غرق شخص ~~منهم في خليج قناطر الوز، ثم آخر في بركة بناحية باب الخرق، فتح ~~الله لهلاكهم وإذلالهم خرقا لا يقدرون على سده آمين. # وكان السلطان قد قبض على شيخ عرب هوارة علي بن غريب PageV03P084 ~~فقتله وسلخه وحشاه تبنا، ثم أرسل ابن عمه مع الزين ms494 الإستدار ليوليه، ~~فلما صار في بلادهم تهدده العرب ن لم تقتل ابن عمه الذي معه، ~~وصدقوه في القول، ثم حملوا عليه، فهرب من معه من الترك حتى تمكن ~~العرب من مطبخه فأخذوه فقتل هو ذلك الرجل. # ولما فتح سد بني منجا نقص البحر نقصا فاحشا فانكشفت بعض ~~الأراضي، وكان الناس قريبي عهد بالغلاء، فازدحموا على الخبز، وشراء ~~القمح، وكانوا يأخذون أكثر من كفاياتهم فعز القمح والخبز في نصف ~~ذي القعدة، وخطف بعض الناس من الأفران، ووصل الحال، أن ~~أخبرني من مر من مصر القديمة إلى قرب باب النصر من القاهرة، فلم ~~يجد رغيفا واحدا، واستمر يتردد إلى مصر أياما فلم يقدر على شراء شيء ~~من القمح، وكان أكثر الناس يقولون: إن البلاء من المحتسب، فكانوا ~~يدعون أن يلي الحسبة الأمير حاجب الحجاب برسباي البجاسي، أو ~~يكون ناظرا على المحتسب، كما كان لما ولي الحسبة الصلاح بن بركوت ~~ربيب القاضي الشافعي صالح، فأمره السلطان بذلك، فدار في الأسواق ~~يوم الثلاثاء العشرين من الشهر، فتباشر الناس به، وضرب بعض من ~~يتوسم فيه قصد الغلاء من الطحانين ومن شاكلهم، وكان ميمون ~~الطلعة، مبارك الأمر، فانصلح حال البلد، وكثر الخبز، حتى بات كثير ~~منه، وأصبحوا ينادون عليه فلا يجدون له منفقا وسعر الاردب من القمح ~~بثلاثمائة درهم، عنها دينار، والله تعالى يزيد من فضلهن ويجزي الخيرات ~~على يديه، ويجعل التمام إلى خير. # واستمر الحال صالحا إلى يوم الأحد خامس عشري الشهر، فعادوا إلى ~~قريب من ذاك الحال في منع الخبز، فدار عليهم الحاجب، وضرب ~~بعضهم ضربا شديدا، فلم تنزعج القلوب لقيامه في ذلك كما انزعجت ~~أولا. PageV03P085 ### ||| هاتف لقاضي القضاة ابن الديري: # وكان سبب غالب الفساد قوة أضعف الناس بالأجلاب على ما يريد ~~من العباد، ومن العجائب ما حدثني قاضي القضاة، بركة ~~المسلمين سعد الدين ابن الديري الحنفي، وهو يومئذ منقطع في رواقه في ~~المدرسة المؤيدية من مرض كان عرض له، وكان سنه إذ ذاك زيادة على ~~خمس وتسعين سنة، مائة إلا شيئا، أنه كان ms495 نائما في قاعته بالمؤيدية في ~~آخر دولة الأشرف برسباي، كأنه في سنة إحدى وأربعين، فاستيقظ ~~من منامه، واستمر مضطجعا، فسمع قبل أن يفتح عينيه هاتفا يقول: ~~الناس في ستر رفيع يوشك أن ينكشف. قال: ففتحت عيني فلم أر ~~شيئا، فأشفقت من ذلك، فلم تمض سنة أو نحوها حتى قبض الظاهر ~~جقمق على التاج بن الجلال بن السراج البلقيني ونسبه إلى الخيانة فيما ~~تحت نظره من الأوقاف، فشفع فيه قضاة القضاة، فأطلقه وقبض على ~~البهاء بن عز الدين البلقيني ونسبه إلى عدم الدين، وتعاطي فضائح ~~الأمور التي لا يرتكبها دين وشرع يتتبع الفقهاء بل أكابرهم ويبدي ~~فضائحهم، ويكشف عن عوراتهم إلى أن صرنا إلى ما ترون من انتهاك ~~الستر، وانخراق السياج، وعدم الهيبة والحياء من ذوي الهيبات، وترك ~~الخوف من أهل الدين، وحكام الشرع وكنت أنا في هذه الايام قد أتاني ~~فلاح كان يزرع بعض ما تحت نظري وهي رزقة جامع الفكاهين في PageV03P086 ~~صندلا، وكان شيطانا، فأحضر إلي أربعة دنانير فيها واحد نحاس ~~ظاهر الأمر، زنته ثلاثة أرباع درهم، فادعى أنه لم يكن يعلم أنه ~~مغشوش وسألني المسامحة في بعض ما عليه، فسامحته في ثلاثة آلاف من ~~خمسة، وتأخر عنده ألف، فطلب الدينار، فلم أعطه إياه، فاتاني ~~بمملوكين يسألاني في دفعه له، فحاولتهم بكل طريق، واجتهدت في ~~إلانة القول، فلم يفد، فأظهرت التصميم على الامتناع، فكفها الله ~~عني، غير أنهما ذهبا وهما يتهددان، وكان ذلك آخر يوم الخميس خامس ~~عشر ذي القعدة، وكان ميعادي يوم الجمعة في قوله تعالى: {واتقوا فتنة ~~لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة }[الأنفال:25] إلى قوله: { والله ذو الفضل ~~العظيم}[الأنفال:29] واستمرا هما وغيرهما من أتباعهما في كل يوم يجورون علي، ~~فإن رأوني جالسا تهددوني وإلا سألوا عني من بعض الجيران وأظهروا ~~التحرق له، فظفرت بالفلاح يوم الأحد ثامن عشره، عند بيت حاجب ~~الحجاب، وكنت قد دفعت الدينار إليه وأعلمته القصة فأدخلته إليه، ~~فضربه؛ فازدادوا حنقا، وزاد التهديد والمرور على باب مسجدي للكلام ~~الغض، وأنا لا أزيدهم على ms496 قولي: يكفينا الله. ثم علمت الميعاد يوم ~~الجمعة ثالث عشري الشهر في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا}[الأنفال:30] إلى قوله: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}[الأنفال:35] فحرك الله PageV03P087 ~~شخصا من مماليك طنتتا يقال له: جانم الأشرفي، فذهب إليهم وكلمهم ~~فكفهم الله به، وأرسلوا يسألون المصالحة على وجه فيه مخادعة، فسلكت، ~~أمرا وسطا مدبجا عليهم إلى أن رضوا به وسلمت من خداعهم، فلله ~~الحمد سبحانه، لا يذل من والى، ولا يعز من عادى. ### ||| ابن الشماع: # وفي هذا الحد، وهو أواخر العشر الثاني من ذي القعدة مات الإمام ~~العلامة المعتقد شمس الدين [محمد بن محمد بن علي بن أحمد] ابن ~~الشماع الحلبي الشافعي الصوفي في طريق الحج الشامي قرب المدينة ~~الشريفة فحمل إليها ودفن بها على ما بلغنا، وكان قد مات جميع من في ~~بيته في الطاعون الذي كان بحلب، وكانوا فوق عشرين نفسا، فعزفت ~~نفسه عن الدنيا، وعزم على المجاورة بالأماكن المشرفة على سبيل ~~التجريد إلى أن يموت، فاختار الله تعالى له مجاورة بيته عليه الصلاة ~~والسلام، وأظنه كان يزاحم السبعين، وكان معظما بحلب معتقدا، ~~وكانت له.. في الدنيا ومكارم وفضائل من نظم ونثر، وأظنه صنف في ~~التصوف، ولكنه كان يتهم بطريق ابن العربي والعلم لله. ### || # وفي يوم الأحد مستهل ذي الحجة الحرام من السنة، الموافق لسلخ ~~توت، نودي بوداع المناداة بزيادة البحر، وأخبرني المنادي أن البحر الآن ~~على ست عشرة ذراعا وأربع أصابع من الذراع السابع عشر. PageV03P088 ~~وكان ميعاد هذا اليوم في {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا ~~عن سبيل [الله]}[الأنفال:36] إلى { نعم المولى ونعم النصير}[الأنفال:40]، وكان ~~شخص من أولاد الناس مسخرة يسميه الذين يسخرون به ملك الأمراء، ~~ممن كان باسمه جزء في أوقاف خان الفندق، وكان في كل قليل يريد ~~السعي في اقتلاعه مني، فجاءني آخر يوم السبت ثاني الشهر شخص من ~~أكابر شرار الأجلاب، يقال لهك قنبردي الحسني، من طبقة الزمامية، ~~يخبر أن ملك الأمراء نزل له عن حصته، فكلمته بما رده الله به في مجلس ~~طويل، فإن ms497 كان ملك الأمراء أعطاه شيئا وهو الذي يغلب على الظن، ~~فقد ضاع عليه ودخل في قوله تعالى: { ثم تكون عليهم حسرة ثم ~~يغلبون}[الأنفال:36]إن شاء الله وذلك بمن هو مولانا نعم المولى، ونعم النصير، ~~وهو المرجو في الفتح بالغنائم التي تلي هذا . # وفي يوم الأحد خامس عشري ذي الحجة هذا، كان ميعادي من قوله ~~تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا}[الأنفال:45] إلى قوله: {ولو ~~ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملآئكة}[الأنفال:50] إلى آخرها، وهو قوله: {وأن الله ~~ليس بظلام للعبيد}[الأنفال:51]. PageV03P089 ~~وفي يوم العيد من الشهر، مات الشهاب أحمد الطوباشي الدمشقي ~~الحنبلي الوكيل في مدرسة الولي ابن تقي الدين البلقيني، وكان قدم معه ~~من دمشق على عزم أنه يفتح على الشاميين أبوابا من الأذى، منها أنه ~~يضمن للسلطان في الأوقال أموالا عظيمة، كما كان فعل محمد بن ~~الأسود على أيام الظاهر فانطفأ في هذا اليوم شهابه، وانمزق إهابه، ~~وانخرم حسابه، ولقد كان معروفا بالشر مبرزا فيه، في الذروة، من اللدد، ~~له فيه وقائع لا تكاد تحصى، يسافر في السر من بلد إلى بلد، ويناطح ~~الأكابر، وكان سنه نحو الخمسين، والله المسؤول أن يلحقه بإخوانه ممن ~~كان شأنه مثل شأنه. # وفي هذا الشهر قدم الخبر، أنه لقي المراكب التي تقدم أنها ذهبت ~~إلى الحون لإحضار خشب قرقورة كبيرة جدا من جهة الفرنج، تسمى ~~عفريت البحر؛ تريد أخذ ما تيسر لها من مراكب المسلمين، وقيل إنه ~~بلغ من عظمها أنه كان في مراكب المسلمين قرقورة كان صنعها ناظر ~~الخاص الجمال يوسف بن كاتب جكم دخل في قلعها ستة آلاف ~~ذراع، فكانت بالنسبة إلى قرقورة الفرنج كالعصفور عند النسر فأسعد الله ~~أهل الإسلام، فدارت حولها مراكبهم واقتتلوا، فقتل من المسلمين نحو ~~خمسة من الجند، وناس من النواتية، وقتل من الفرنج نحو ثلاثين ~~نفسا، وأخذت قرقورتهم، وأسر من بقي بها، فكان فتحا عظيما ولله ~~الحمد والمنة. PageV03P090 ~~وكان الجند كما تقدم قد زادوا في الفساد، فكان من جملة أذاهم أن ~~نهبوا شونه شرباش كرد، أحد الأمراء الكبار، ms498 وهو الذي كان أمير آخور ~~وغيرها من شون الأمراء، وأخذوا كثيرا من طينهم، وأتوا ليلا مثقالا ~~الخزندار لالا المقام الناصري محمد بن السلطان إلى بيته في بركة الرطلي، ~~فطلبوا منه شيئا فأبى، وأغلظ لهم، فلم يزالوا به حتى أعطاهم، ثم لم ~~يزالوا به حتى ركب معهم في مركب هم به، فضربوه وأخذوا جميع ما ~~عليه من الثياب، وقيل غنهم فعلوا به ما يستهجن ذكره وطرحوه قرب ~~الكيمان التي عند الفواخير، لا يعي فعثر عليه بعض جماعة الوزير ~~فحملوه إلى بيته، فتراجعت إليه نفسه، فغضب له ناس من الأجلاب، ~~منهم يونس كفل؛ لأنه أنيه هو من طبقته، فحقد عليه ذلك الذين ~~ضربوه، فلم يزلوا يتتبعون يونس حتى ظفروا به، فضربوه ضربا كاد ~~يموت منه. # وكان العز محمد بن شمس الدين محمد المنوفي، أحد نواب ~~الشافعي في القاهرة، والقاضي بالخانكة قد زوج ابنته لشخص يقال له، ~~علي، من ذرية ابن أوحد الذي كان ناظر الخانكة، وكان في الخانكة من PageV03P091 ~~يشهد أنهار رضعت معه، وكان ذلك بحيث لا يشك فيه، فاعترف هذا ~~الذي يريد زواجه لابنته عند ناس بذلك، فركب العز رأسه، ولم يلتفت ~~إلى شيء، وقيل: إنه إنما ألح في ذلك؛ لأن ابن أوحد أمرد مليح فزوجه ~~بها واستحكم بعض نواب الحنفية بصحة العقد، وكانت في ذلك أمور ~~صار يتخوف معها إدخال ابنته عليه، إلى أن أدخلها عليه في هذا الأوان، ~~ووافق أن انتهكت حرمة الخانكة بعد موت كاتب السر، المحب بن ~~الأشقر، فدخلت فيها يد والي القاهرة، فأقام بها نائبا عنه، فصار يحكم ~~في كثير من الأمور، فشق ذلك على القاضي عز الدين، فصار بينهما ~~بذلك ضغائن فأغرى به نائب الوالي الأجلاب، فصاروا يأتون [ويقولون ~~له]: أحضر لنا صهرك نفعل به، أنت تفعل وحدك، ونحو هذا، ~~فلا يذهبون إلا بمال يأخذونه منه، ثم تفاقم الأمر، فصاروا يقولون له: ~~أنت زوجته ابنتك وهي أخته فضربوه ضربا كثيرا، وقيل: أنهم فعلوا به، ~~وكانوا قد أغروا بعض أتباعه على الإفساد قرب بيته فأخذه وضربه ms499 وهو لا ~~يشعر أنه من جهتهم، فادعوا أنه كان معه ستون دينارا فسقطت منه لما ~~ضربه، فطلبوها منه، ولم يزالوا يغادونه ويراوحونه حتى أرضاهم. # وفي أوائل هذا الشهر، وهو ذو الحجة سنة ثلاث وستين، ~~أو أواخر الذي قبله، قدم شخص من بني حسين، عرب حارثة الخفراء ~~بنواحي وادي عارا واللجون يقال له.. فسعى على الخفير منهم PageV03P092 ~~وهو...، وبذل للسلطان مالا يقال: أنه ألفا دينار، فولاه الخفر، ~~فسمع الذي عزل؛ فأغار على الذين يبنون خان اللجون للسلطان، ~~فسلبهم جميع ما معهم وترك البلاد وذهب إلى مأمنه، فصار الطريق ~~خوفا. وقد كان على أيامه في غاية الأمن، حتى ربما كانت تذهب المرأة ~~وحدها في وادي عاره الذي يضرب المثل بخوفه، فنسأل الله أن يقيض ~~للسلطان بطائن الخير، ويبعد عنه بطائن السوء آمين. # وفي يوم الأحد سابع عشر الشهر، مات شخص من المقدمين اسمه ~~باربر من الناصرية، فأخذ تقدمته سودون قرقش، وأخذ وظيفته سودون ~~بردبك البشمقدار الظاهري فصار رأس نوبة ثانيا [وأخذ] السلطان من ~~سودون على ذلك خمسة آلاف دينار، ومن بردبك. # وفي هذا الشهر، بعد العيد تغيظ السلطان على المباشرين، وتكلم ~~بكلام عرض فيه بأبي الخير في كونه مشتغلا برؤية البحر وما عليه من ~~تعب السلطان، فانتقل إلى المدينة وكان قد أخذ [إلى] بيت للأمين ~~ابن الهيصم الذي كان وزيرا، وهو على باب جامع الزاهد، فانحط في ~~المرض فعجز فيما قرر عليه للوزير والاستدار، فألح عليه الوزير في ~~الطلب، فأرسل أخاه يوم الجمعة ثاني عشري ذي الحجة يطلب من ~~السلطان ألفا وخمسمائة دينار، فاشتاط السلطان غضبا، فاجتمع الوزير ~~بالسلطان، وشكى إليه أن أبا الخير لا يوافيه، وأنه هو مشرف لأجل ~~ذلك على الاختفاء، ووقع الكلام في عزل أبي الخير من الذخيرة وردها ~~إلى نحو ما كانت عليه قبل حضوره ففعل ذلك، فأخذ التقي بن مزهر PageV03P093 ~~وكالة بيت المال وجوالي دمشق وحماة وطرابلس، ثم عارضه فيها ناظر ~~الخاص الأمير زين الدين بن الكويز فأخذها وما للذخيرة بها، وأخذ ~~كاتب السر المحب بن الشحنة ms500 ما بحلب، وأخذ ناظر الجيش البرهان بن ~~الديري ما بالقدس ونواحيها، وكان مع أبي الخير إقطاع فأضيف إلى ~~الذخيرة، وأمر السلطان أن يحاسب عند كاتب السر، فقيل له: مريض. # فقال: يحضر على حمال، فطلب يوم السبت ثالث عشري الشهر فاعتل # بالمرض، فأخبر بما قال السلطان، فلما علم أن الأمر لا بد منه طلب ~~الفرس فركب، فعجز في الطريق، فحمل على قفص وأحضر بين يدي ~~كاتب السر، فحوسب فبقي عنده مال وأخرج عليه أحد عشر ألف ~~دينار من زمن الظاهر فرد إلى بيته على قفص حمال ليخرج من عهده ذلك ~~إلى ثلاثة أيام، وكان أخوه قد بدا منه كلام فيه غلظ فرسم عليه. # وفي أوائل هذا الشهر، أو أواخر الذي قبله، مات من الشام بعض ~~أعيان بتوعك الخريف على العادة، وأما الطاعون فلم يكن وصل إليهم، ~~أرسل إلي القاضي ولي الدين عبد الله بن قاضي عجلون في كتاب، تاريخه ~~نصف ذي الحجة هذا: «مات جماعة بغير طاعون، منهم زين الدين عمر ~~بن الحارة، وظهر عليه ديون كثيرة، ومنهم ابن السيد عجلان، أبو الأولاد ~~الكثيرين، (يعني السيد شمس الدين محمد، وكان سيء الطريقة جريئا ~~فحصل بموته فرج كبير)، ومنهم جمال الدين الأربلي الشاهد، وابن ~~سلمون عين البستانية بالشاغور» انتهى. وكان ابن الحارة عين من PageV03P094 ~~بقي من تجار الشام، وكان خيرا دينا منقادا للخير، وكن الأربلي عين ~~موقعي الحكم وكلاهما في عشر الستين. # وفي هذا الشهر عثر في محله الجوانية بالقاهرة على نصراني من مباشري ~~استخراج الجوالي في الوجه القبلي عند مسلمة، فادعى أنها زوجته، ~~فحمل إلى القاضي الشافعي العلم صالح، فتحقق أنها مسلمة، فخاف ~~على نفسه، فأسلم، وبلغني أنه تزوج بها. # وفي يوم السبت سلخ سنة ثلاث وستين هذه، قدم الأمير جانبك ~~ناظر جدة ومعه بشير الحاج، فاجتمع بالسلطان، فخلع عليه وأحسن ~~ملتقاه، وكان الناس قد ساءهم تأخر البشير؛ فإن من عادته أن يأتي في ~~ثاني عشري ذي الحجة، أو قبله بيوم أو بعده بيوم فتبين أن السبب ~~مرافقته لجانبك، ومعه أثقال. ms501 ### | سنة 64 [8] المحلي: ### || # وفي يوم الأحد، مستهل سنة أربع وستين، مات العلامة ~~جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي عن خمس وسبعين سنة، ~~وكان بيته في حدرة الكماجيين، وكانت العادة أن لا يدخل من أبواب ~~البلد المشهورة بميت، فلم يدخلوا به من باب زويلة، ودخلوا من باب ~~الفرج، وصلى عليه في باب النصر قاضي الشافعية العلم صالح، ~~وكانت جنازته حافلة جدا بالأعيان وأهل العلم عامة، وكثير من ~~الفقراء وأهل الخير، ودفن في تربة له أمام تربة جوشن، وعظم تأسف ~~الناس عليه ولم يخلف أحدا من أهل العلم، وكان له وظيفتان كبيرتان، PageV03P095 ~~تدريس الفقه بالمؤيدية والبرقوقية، فسعى الناس فيهما، فسبقهم ~~الشمس بن المرخم بمائتي دينار من جهة نسائه كان لهن وصلة بخوند، ~~فاستكتب له الدويدار الكبير يونس غصبا بعد أن كان عينها للعبادي ثم ~~أرضي بالمال. وتكلم الشيخ أمين الدين بن الأقصرائي للشمس بن ~~البامي في الظاهرية، فأجيب، فضج الناس من ولايتهما، لكن من ولاية ~~ابن المرخم أكثر، وقد كان في البلد من الشافعية من لا يقربان منه، ولكن ~~بخس الفضلاء لم يزل سنة مستعملة، ولاسيما في أهل مصر {يريدون أن ~~يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره}[التوبة:32]. # وكان الشرف الأنصاري قد قرر في ذهن السلطان أن يؤخذ من الجمال ~~الباعوني ألف دينار لما سعى عليه ابن عمه الجلال بعشر الاف دينار، ~~فلما عزل أملاها في حسابه، فأرسل ناظر الخاص الزين بن الكويز ~~من طالب الباعوني بها على وجه بشع، فبلغ ذلك عنده، وعند كل PageV03P096 ~~مسلم من المشقة أمرا عظيما، وأوهن كلمته، فأرسل في ذي الحجة ختام ~~سنة ثلاث وستين هذه يستعفي من الوظيفة، ويشكو من الدين، وكان ~~القاضي كاتب السر بن الشحنة عارفا به من أنه عفيف لا يرتشي، ولا ~~يأخذ من أحد هدية، ولا ممن يصل إليه من قضاة البر ولا غيرهم شيء ~~مع ماله من الصدقة سرا والصيام والقيام والتحري في القضاء والمحاسن ~~العديدة، فتلطف في اعلام السلطان بذلك، فأنكر السلطان أن يكون ~~التفت قط ms502 منه إلى شيء، فاستأذنه في كتابة مرسوم، فكتب: بأن ~~الخواطر الشريفة بلغها كذا، فانكرته إنكارا شديدا، وحاشى لله من أن ~~يلتفت إلى شيء من ذلك، وأن لنا في المشار إليه من الاعتقاد ما يقتضي ~~استجلاب أدعيته وأن يجريها على خاطره وقت تهجده ونحو ذلك من ~~الكلام الذي لا تسمح بمثله إلا قرائح أهل الدين، وأرسل مع ذلك ~~كاملية من السلطان مع قاصد من عنده في أوائل شهر الله المحرم سنة ~~أربع وستين وثمانمائة، ثم عورض في ذلك إلى أن ميل السلطان إلى جهة ~~طلب ذلك، فتلطف هو حتى حل السلطان عنه والله تعالى يعينه على ~~مقاصد الخير. ### ||| محرم سنة أربع وستين وثمانمائة: # وفي نصف محرم هذا أتت المراكب التي كانت ذهبت إلى الجون ~~لقطع الخشب ومعهم المركب الذي أخذوه واسمه عفريت البحر وهو ~~كبير جدا طوله بضع وثمانون ذراعا، وعرضه بضع وعشرون، ودور ~~صاريه اثنا عشر ذراعا، فلم يحمله فم البحر الحلو، فخلفوه في ميناء ~~وقدموا في مراكبهم ومعهم مما كان فيه مائة ونيف وثلاثون أسير، ونقل PageV03P097 ~~أنهم كانوا نحو ثلاثمائة قتل بقيتهم في الوقعة، وبعدها من الجراحات، ~~ولله الحمد، وأسلم بعض الأسرى خوفا من القتل، فخاف شخص من ~~كبرائهم أن يتتابعوا في الإسلام، فقال: لا يخف أحد منكم، أنا ~~أشتريكم كلكم، فأمسكوا { ومن يضلل الله فما له من هاد}[الرعد:33]. # وفي آخر يوم الأحد خامس عشر محرم سنة أربع وستين ~~وثمانمائة، مات الشيخ الصالح المقرئ نور الدين علي بن محمد بن ~~علامة القراءات الشيخ فخر الدين البلبيسي الشافعي، إمام جامع ~~الأزهر عن نحو ستين سنة ودفن بكرة الاثنين سادس عشره، وأخذ إمامة ~~الجامع عنه ابنه.. الدين. # وفي يوم الثلاثاء سابع عشره، وصل جمع الأمراء الذين كانوا في الجون ~~لقطع الخشب، وطلعوا بما معهم من الفرنج إلى السلطان، فقتل منهم ~~نحو الخمسة؛ واحد كن مرتدا ورفع الباقين إلى البرج ليرى فيهم رأيه. ### ||| موت النحاس: # وفي صبح يوم الجمعة العشرين منه مات أبو الخير النحاس عن ~~نيف وأربعين سنة فيما أظن، بعد ms503 علة طويلة جدا، فإنه لما قدم في أول ~~شهر رمضان من السنة التي قبلها كان مريضا، وأخبرني أن له مدة أربعة ~~أشهر مريضا، ثم استمر بعد ذلك، تارة يقوى مرضه فينقطع، وتارة ~~يخف فيركب، إلى أن قوي به في آخر ذي الحجة، وكانت به أمراض ~~مختلفة، أقواها فيما أظن السل، كان ضخما، فصار في غاية النحافة، ~~رأيته في آخر ذي الحجة وكأن يديه خيطان أو خطان، ثم حدث في PageV03P098 ~~مقعده خراج قطع بعد عاشوراء، فزاده ما خرج منه ضعفا إلى أن مات في ~~اليوم المذكور، فلم يحفل به أحد ولا مشي مع جنازته، فوفق أهله فأتوا به ~~إلى جامع الحاكم، فصلى عليه من صلى به الجمعة عقب الصلاة، ثم ~~دفن بالصحراء فلعل ذلك ينفعه، فلقد كان جبلة شر مع ما قاسى في ~~زمانه من الأنكاد التي تهذب أعتى الناس إذا حصل له يسير عناية، فإنه ~~كن في أول عمره لا يجد ما يأكل، فكان تبعا لأبي العباس الوفائي، الذي ~~كان عند جوهر الخزندار، أخبرت أنه كان يمشي وراء حماره حافيا وربما ~~ذهب إلى بلبيس كذلك ماشيا حافيا، ثم إنه قبيل سنة خمسين حصل ~~له منه حنق كبير، شكاه من رجله إلى الظاهر جقمق، وكان نسمة شر ~~فجمعت خباثة الأرواح فرجحه على أبي العباس، ثم توسم فيه موافقته في ~~أغراض الشر فرقاه وخالف فيه الناس، وكان يهين من يعذله فيه إلى أن ~~أخذ به السفطي وأكل جميع ماله، واستخرج له من عباد الله أموالا جمة ~~بالظلم والعدوان واستخف الناس بالسلطان، فأعطوه كرها بما كان ~~يطاولهم به من أنواع العذاب، أنه كان من المشرفين، ثم عاشر أبا عبد ~~الله التريكي البيدموري المغربي التونسي، وكان أنحس منه، وذلك في ~~أواخر سنة ثلاث وخمسين، فبلغ حينئذ النهاية في النحس، وكأنه ~~أفتاه بإباحة أشياء من المحرمات، فصار يستحل ما كان يفعله معتقدا ~~حرمته، فلما دخلت سنة أربع وخمسين انشرحت نفسه لما كان يتأتى له ~~من المظالم ويسهل عليه من أسبابها، فكان يقول: سنة أربع من ms504 الربيع، ~~والمربع طيب يا سنة أربع. فأتى فيها الغلاء والقحط، وأخذ فيها، ~~واستمر به النكال إلى ان حصلت له هذه الهيئة من ذكر السلطان له. PageV03P099 ~~فأت في سنة ثلاث وخمسين على شر ما كان عليه من ~~الضغائن، وقصد الانتقام وزيادة الكذب عن العد، وتجاوز الشتم ~~والسفه الحد. أخبرني من دخل إليه قيل موته بنحو أربعة أيام أنه كان لا ~~يستطيع كلامه إلا بالإشارة، وإن حصل نطق فهو في غاية الخفاء، حتى ~~يشير إلى أحد من أتباعه بشيء فيخالف غرضه، فحينئذ يشرع في سبه ~~بأقبح الكلام بغاية ما يكون من علو الصوت، فلم يكن يسير له إلا ~~ذلك وكل ميسر لما خلق له وكان مطلق سنة أربع كانت مشؤومة ~~عليه. # ومن عجائب الأمور في أحواله أن الشرف الأنصاري حدثني ~~في أوائل ذي الحجة سنة ثلاث وستين أن الأمير بردبك وهو من أكبر ~~المبغضين له (أنا أعرف ذلك) قال له: وغن لم يود النحاس أن يحلق ~~لحيته ويخرج من القاهرة في لباد من يدي هذا السلطان فلا تعدني رجلا، ~~فكان كذلك. حدثني الشيخ علاء الدين علي الضرير البرلسي، PageV03P100 ~~وكان يتردد إليه وقد حصل له إليه ميل أنه قال له: يا شيخ علاء الدين، ~~والله لو أن لي قوة على المشي لأحلقن لحيتي ولأخرجن من هذه البلدة ~~بلباد، فلا يسمع بخبري إلا من بلاد الروم. قال لي الشرف: وقال الأمير ~~بردبك لي ولجماعة: طيبوا خواطركم ما آتي من الحج وهو موجود. فلما ~~عزل أولناه على ذلك، فقدر الله أنه لم يكن تأويله إلا على الوجود ~~الحقيقي، فمن حين أخذ في الرجوع من الحج، أخذ النحاس في ~~الانحطاط العظيم، وكان كلما قرب ازداد انحطاطه إلى أن مات في صبح ~~هذا اليوم، واستراح منه العباد والبلاد والشجر والدواب، ألحق الله به ~~أشكاله ممن يعمل أعماله. ولقد استقريت أحوال من يسمى باسمه في ~~زماننا، فما علمت منهم نسمة خير، من ذكر وأنثى، كل من يشهر بأبي ~~الخير وأم الخير فهو كذلك أعاذنا الله منهم آمين. # فوصل ms505 ركب المماليك الذي يتناوبون المجاورة في مكة بعد عصر يوم ~~الجمعة هذا إلى بركة الحاج، ثم وصل الركب الأول في عصر يوم السبت ~~حادي عشريه. # وفي عصر هذا اليوم وصل كتاب من أمير المحمل الأمير بردبك، أنه ~~عرض لهم عارض اقتضى تأخرهم، عن الوصول يوم الأحد ثاني عشريه ~~إلى يوم الاثنين ثال عشريه، وسأل أن يعلم السلطان بذلك ففعل، ثم ~~وصل هو بنفسه في ناس قليل في عصر يوم الأحد، وتراسل الحجاج ~~إلى [أن] تكاملوا في نحو ثلث ليلة الاثنين في البركة، وأخبروا أنه ~~أشار عليه أكابر الركب بالمبادرة في العادة لئلا يشق على الناس، فجد PageV03P101 ~~السير حتى وقع ذلك، ثم طلع إلى السلطان بكرة يوم الاثنين، فخلع ~~عليه على العادة، وعلى ولده، وعلى من له عادة بذلك، ووجدنا الحجاج ~~يشكرونه في الرفق بهم في الماء والسير وغيرهما من كثرة الصدقة على ~~الفقراء بالبقسماط والطعام، حتى إنه يفرق هو وعياله في كل يوم ~~حملين من البقسماط أو أكثر، وأنه عم الركوب الثلاثة، والمغاربة معروفة، ~~وساسهم أحسن سياسة وأشاع بعض المفسدين في مكة موت السلطان، ~~فلولا ثباته وعقله لحصل بلاء كبير ولكن الله سلم. # ولما وصل أهدى إلى السلطان والأمراء، ولم يهد إلى فقيه شيئا، لا ~~قضاة القضاة ولا غيرهم مع أن مملوكه لما جاء بشيرا خلع عليه بعض ~~القضاة وأعطاه بعضهم على قدر حاله، ولم يصل المغاربة بشيء بعد ~~وصوله ولا رد معهم عوض ما أهدى له سلطانهم فعيب ذلك عليه، ~~وقيل: لو كان ما فعله لله لتناسب في جميع الأحوال، هذا مع أن ابن ~~السلطان، وحاجب الحجاب تقدماه، فلم يدعا فقيها يذكر حتى أهديا ~~إليه، وما بالعهد من قدم، وهو لا يكاد يقطع مجالسه الخاصة إلا بذمهما ~~بالبخل. ### ||| سفر الشيخ أبي الفضل من مكة المشرفة إلى نحو الطور: # ثم جاء الخبر من مكة أن الشيخ أبا الفضل محمد بن العلامة أبي عبد ~~الله محمد بن العلامة أبي القاسم المشدالي البجائي المغربي المالكي سافر ~~منها عقب رجوع الحاج، وقصد جدة، ms506 وأوهم أنه يريد اليمن، ثم ~~جاء الخبر اليقين أنه قدم إلى الطور أوهم بعض من رآه، أنه يريد اليمن، ثم ~~جاء الخبر اليقين أنه قدم إلى الطور أوهم بعض من رآه، أنه يريد مصر PageV03P102 ~~ولكن أوائل الطاعون قد أتى مصر، وانقطعت أواخره من الشام، ~~فاكترى مع المسافرين إلى غزة، ثم فارقهم قبل الدخول إليها، فلم يعرفوا ~~له خبرا، ثم جاء الخبر أنه أفتى لبعض أهل غزة فتوى قدم بها إلى دمشق، ~~وأراد الحكم بها، فاختلف فيها أهل الشام، وحصل غاية العجب من ~~شخص يخفي نفسه من الناس، ثم يفتي بما يفضي إلى النزاع، ثم جاء ~~الخبر أنه رؤي في حماة ثم في حلب وذلك في جمادى الآخرة أو شهر رجب ~~من السنة، ومن هناك تحقق أنه قصد بلاد الروم؛ لان ملكها السلطان ~~محمد من أهل التفنن في العلم والتعظيم لأربابه، فهو أجدر الملوك بأن ~~يعرف مقدار الشيخ، ثم جاء الخبر كما سيأتي أنه مات في مدينة عينتاب ~~رحمه الله وآجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيرا منها، فلقد فقد الناس عالما ~~قل أن سمح الزمان بمثله، ودفن في الأرض من بحور العلم والعقل، ~~وبعد الغور، ونافذ الفكر، وصائب الرأي، وصادق الظن، ما لو تجسد ~~لم تسعه، هذا مع حسن الشكالة، وخفة الروح، ولطافة، المحادثة، ~~وأنس المجالسة، وحلاوة النادرة، وجزالة النظم، وفصاحة اللسان، ~~وبلاغة القول، وجلالة المعاني في كل ما يتوجه إليه إلى غير ذلك من أمور ~~يعجز البليغ وصفها ويعييه إفصاحها وكشفها. # وكان موته عن نيف وأربعين سنة أكثرها أسفار، وبعد عن القرار، ~~هذا مع أن أباه شيخ بلاد المغرب ورئيسها الذي تتردد إلى بابه الملوك فمن ~~دونهم، ولهم من الرياسة والضخامة ما يجل عن الوصف، ثم إنه مات ~~غريبا وحيدا كسيرا فريدا، فسح الله له في قبره ما بينه وبين مولده آمين، ~~وأخبرني تلميذه العلامة نجم الدين محمد بن العلامة القاضي ولي الله عبد ~~الله بن القاضي زين الدين عبد الرحمن ابن قاضي عجلون الدمشقي الشافعي، ~~أنه كثيرا ما كان ms507 يسمعه ينشد هو بنفسه في ناس قليل: PageV03P103 ~~بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه %% وأيقن أنا لاحقان بقيصرا ~~فقلت له: لا تبك عيناك إنما %% نحاول ملكا أو نموت فنعذرا ~~قال: وكان إذا أنشدهما يهتز لهما، ويظهر عليه أنه يريد محاولة أمر ~~عظيم لا يصده عنه إلا الموت، فسبحان الفعال لما يريد الذي قضى أن ~~يموت بعينتاب، بعد نشأته ببجاية من بلاد المغرب، فأسكن في قلبه ما ~~أسكن حتى كان سببا حاملا له على الذهاب إليها حتى مات بها. # وفي غياب الناس في بركة الحجاج للقاء الحاج لحق السلطان مرض ~~خطير، ولكنه عوفي منه بسرعة؛ وكان سببه أنه يوم ضرب رقاب الفرنج ~~خلع لباسه وكان به عرق ثم شرب بطيخا صيفيا، ولم يعوض عما خلعه ~~شيئا فأخذ منه البرد وعوفي قبل عود الناس من البركة. # ثم أسلم من بقي من الفرنج في أوائل صفر، فحسن بعض المفسدين ~~من الأتراك أن يقتلهم؛ لأن إسلامهم تعوذ وليس خالصا، فأخبر بأن ~~هذا لا يسوغ، فكف عنهم. ### || ### ||| ولاية منصور الوزر: # وفي أوائل صفر أيضا اختفى الوزير علاء الدين بن الأهناسي، ~~فولى السلطان الوزر لشخص من الأتراك اسمه فارس، يوم السبت ~~ثاني عشر صفر، فلم يقدر على السداد، فعزله وولى منصور الذي PageV03P104 ~~كان صهر الزين الإستدار، وكان صاحب ديوان قانم وذلك يوم الاثنين ~~رابع عشره، نسأل الله تعالى صلاح الحال آمين. ثم عجز منصور؛ بسبب ~~ان ابن الأهناسي كان يسلط عليه مماليك يؤذونه، فعلم أنه ما اختفى من ~~عجز ولكنه كان معتادا بأنه إذا أظهر العجز رفده السلطان بمال، فأظهر ~~السلطان أنه لو ظهر أعاد إليه الوزر، فظهر أبوه الحاج محمد ~~(وكان من العارفين بأمر الوزر، الماهرين في الظلم مع اللين) في العشر ~~الأخير من صفر هذان فذكر إن قويت يده سد، فألبسه السلطان كاملية ~~فسد، واستمر ابنه مختفيا. # ومات في [هذا] الشهر، علان الأمير الكبير في دمشق، ~~وأقامت وظيفته وإقطاعه أياما كثيرة يدلل عليها في من يزيد، كما ينادى ~~على السلع، حتى وصلت إلى عشرين ألف ms508 دينار، فوليها نائب الكرك، ~~وولي الكرك تغري بردي، احد مماليك السلطان القدماء، ثم سافر ~~إليها يوم الجمعة سادس جمادى الأولى. وفي ذلك اليوم سافر النجم ~~بن قاضي عجلون. PageV03P105 ~~ثم تغلب العرب من هوارة على بلاد الصعيد، فنهبوا وأخربوا وانتشر ~~فسادهم حتى انقطع الجلب، وأفسدوا الزرع؛ فغلت الأسعار بالقاهرة، ~~وفسدت الأحوال؛ من فساد الكلمة، وعجز السلطان، وقلة حرمته، ~~وعدم طواعية العسكر له، فأمر صهره الأمير بردبك الدويدار الثاني، ~~فتوجه إلى بلاد الصعيد يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول من سنة ~~64 هذه، فأقام في بر الجيزة ثلاث أيام إلى أن وافاه من عينه ~~السلطان للتوجه معه، ثم ذهب أصلح الله به أحوال المسلمين، ثم ~~تبعهم الأمير حاجب الحجاب برسباي البجاسي يوم الخميس خامس ~~عشر الشهر في البر الشرقي، وبلغني أنهم أرسلوا إلى مؤمن أمير عرب ~~البحيرة وغيره من أمراء تلك النواحي، ليأخذوا عليهم طرق الجبال لئلا ~~ينفذوا إلى البرية، وأرسلوا إلى كل كاشف في تلك البلاد ظفرهم الله بهم ~~في صلاح المسلمين آمين. # وبلغنا أنه مات في أول هذا الشهر، أو أواخر الذي قبله شهاب ~~الدين أحمد بن الشيخ بدر الدين حسن بن علي بن محمد بن عبد الرحمن ~~الأذرعي الأصل الشامي، الشهير بابن قاضي أذرعات الشافعي، أخو ~~الضفدع، وكان شابا فاضلا، أظنه في حدود الأربعين، كان ينوب في ~~القضاء. # ومات أيضا أحد نواب الشافعية القاضي البارع رضي الدين PageV03P106 ~~محمد بن الإمام العالم شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج ~~بن يزيد بن عثمان بن جابر العامري الغزي الأصل الدمشقي عن نحو ~~خمسين سنة، وكان فاضلا مفننا، غير أن عقله لم يكن رصينا فعلق ~~تعاليق في التاريخ وغيره، فيها ما يضحك منه، وامتحن بسبب بعضها ~~وخلف أولادا ليس فيهم رشيد.. # وتعاظم الطاعون في هذا الحد في دمشق وجميع بلاد الشام ووصلت ~~بوادره إلى بلاد مصر، وذلك في كانون الأصم، وهو طوبة بحساب ~~القبط فكان من العجائب، وكان له من الصولة ما يزعج القلوب، ~~ومع ذلك فكر القادمون ms509 إلى مصر للسعي في أرزاق الموتى، يخرج الإنسان ~~منهم وربما خلف في بيته ميتا لا يمهل حتى يجهزه، ويكون أكثر باقيهم ~~صرعى، فلا يصده ذلك في هذا البرد والأمطار والثلوج، وربما مات في ~~الطريق إن هذا العجب. # ومات في هذا الطاعون أيضا بدمشق المقرئ شمس الدين محمد ~~بن البعباع (بموحدتين ومهملتين) البقاعي الشافعي، عن نيف PageV03P107 ~~وستين سنة، وكان قرأ السبع على الشيخ صدقة الضرير، ثم قدم ~~ابن الجزري فتلا عليه، وجمع بالعشر بعض القرآن سنة سبع وعشرين ~~وكاد ذاكرا للقراءات كثير التلاوة، وكان يشهد ولم يكن بالموثوق به في ~~صناعته رحمه الله. # وكان من أجلاب السلطان شخص يقال له يونس كفك، وكان من ~~مماليك دولات باي الدويدار، فلما مات أخذه وحظي عنده، وكان من ~~أكابر المفسدين على المباشرين وغيرهم، وكان قد حصل من ذلك ثروة ~~كبيرة، كان قد عينه السلطان لأن يلبس نائب الشام خلعة الشتاء في ~~هذا العام، فذهب وقد أخذ مرسوما بمحاسبة الناس على الأوقاف وغير ~~ذلك مما يقصد به الأذى، واستجلاب الأموال، فلما وصل إلى دمشق ~~طعن فمات، وكفى الله شره فاستراحت منه البلاد والعباد والشجر ~~والدواب، ألحق الله به أقرانه وألزمهم المهانة، وكان موته في صفر فيما ~~أظن، وكان سنه فوق العشرين. # وحصل بعد سفر العسكر إلى الصعيد مطر ما رأيت في بلاد مصر ~~قط مثله واستمر نحو يومين لا يفتر، وكان معه هواء بارد جدا، وكان ~~معظم المطر من أول ليلة السبت سابع عشر ربيع الأول سنة أربع ~~وستين إلى آخر ليلة الأحد، فورد الخبر عن العسكر أنه كان عليهم وأنه PageV03P108 ~~منعهم من السفر، وأن كاشف البهنسة محمد الصغير تقدم فلقي العرب ~~فواقهم، فهزمهم ثم لما لم يجدوا أحدا وراءه كروا عليه فمانعهم، وأرسل ~~إلى من ورائه بذلك. ### || ### ||| موت ابن الجيعان: # وفي أواخر يوم الخميس ثاني عشري شهر ربيع الأول المذكور، مات ~~إبراهيم ابن الجيعان، صهر الجمال يوسف بن كاتب جكم على أخته ~~بعد علة طويلة، من جمرة أكلت عنقه، وكان سنه نحو ستين سنة، ms510 ~~وكان مشكورالسيرة في مباشراته ذخيرة السلطان والجيش وغالب ~~مدارس القاهرة وصلي عليه عقب صلاة الجمعة في جامع الأزهر، ودفن ~~في تربتهم في الصحراء، وشيعه من الأمراء الكبار والصغار والقضاة ~~والفقهاء وغيرهم خلق كثير جدا؛ لماله ولأخيه علم الدين شاكر (وهو ~~أكبر منه بنحو خمس عشرة سنة) وأولاد أخيه عليهم من الإحسان بالقول ~~والفعل وما يرجون منهم لما تحت أيديهم من المباشرات. # وفي ليلة الاثنين سادس عشري الشهر عمل السلطان المولد ~~النبوي على عادته كل سنة، وكان أراد أن يعمله ليلة الاثنين ثاني عشر ~~الشهر، فمنعه ذلك المطر الذي تقدم ذكره، فإنه بل الخيمة التي تنصب ~~في الحوش لذلك، واسمها المدورة، وهي عظيمة جدا، بحيث أن ~~عمودها الأوسط يكون دوره باعا، وطلب السلطان ابن ملك قبرس PageV03P109 ~~وأحضره المولد وأجلسه وراءه، فعاب عليه الناس ذلك، وكانوا لا يزالون ~~يعيبون عليه إحضاره محافله وإجلاسه له فوق الأمراء، وكثرة إقباله عليه. # وفي هذا الحد قدم كتاب من.. الدين.. الشهير بابن القف ~~الذي كان رئيس صفد، وناظر جيشها من القدس، يشكو من طول ~~غربته، وما حصل له من ذلك من الضعف في البدن والفقر وغير ذلك ~~من المضار، فشفع فيه الأمير بردبك الدويدار، فرد إلى بلده صفد، وكان ~~السلطان شديد الحنق عليه، لتعاظمه عليه لما كان نائب صفد، ~~ومعارضته له في كثير من الأمور فقبل الشفاعة فيه في هذا الوقت، ثم لم ~~تمض هذه السنة حتى رده إليها كما يأتي. ### || ### ||| موت عمرو: ~~وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر ربيع الآخر من السنة، ~~قبيل عصره، مات فتاي عمرو الزنجي الكوكائي؛ بمرض دموي مكث ~~به نحو أسبوع أزال عقله نحو يومين، فكان لا يعقل إلا يسيرا إلى أن كان ~~يوم موته تعرق عرقا كثيرا يشبه الصمغ من ثخنه وتلزجه ثم طلع من ~~فمه وأنفه دم كثير، ومات عقبه، وكان سنه فوق عشرين سنة، وكان ~~قوي البدن والقلب، طويلا عبلا، ربيته صغيرا، وعلمته الرمي ~~والثقاف، وكان فيه سماحة، ومكارم، وموافاة، مع صبر على ~~الشدائد، قليل التشكي للهم يصيبه، ms511 يتلقى الأمور الصعاب بالبشر ~~والترحاب، وله عصبة، مع دين وحسن خلق، وكان مطبوعا على النجدة PageV03P110 ~~والمعاونة على النوائب، قل أن عزاني أحد، إلا ذكر شيئا أعانه عليه. # مقبلا على صلاته وخدمتي، معرضا عن جميع ما يتعاناه السودان من ~~اللهو والمسكر والفساد، غير أنه أراد الكون مع الزعر مرة فنهيته عن ~~ذلك، وهددته فكف عنه، واستمر مقبلا على ما ينفعه إلى أن مات في ~~الوقت المذكور، ويسر الله له أعمالا صالحة قبيل موته زادته خيرا ومحبة ~~إلى الناس، وحين مرض وفى دينا كان عليه لأناس مفرقين ولم يبق بينه ~~وبين أحد علقه، فكثر تأسف الناس عليه، وصلى عليه جمع جم من ~~طلبة العلم وأهل الخير وكلهم يشهد له بالخير، وكنت قد زوجته فأولد ~~ابنا اسمه عبد الله، ومات قبله، وخلف بنتا اسمها غالية، ودفن عند ~~مقابر أولادي وأرقاي على يمين قبة النصر وراء القبر الذي فيه أمتي ~~زهرة، وابني محمد سبط العلامة نور الدين البوشي رحمهم الله أجمعين، ~~وجعلهم في خير مما كانوا عندي وجبر مصيبتي فيهم، وعوضني خيرا ~~منهم. # وكان الحاج محمد أبو الوزير قد استقل بأمر الوزر وأعرض عن ابنه، ~~ثم عجز فاختفى في نحو العاشر من هذا الشهر. # وكثر فساد الأجلاب واذاهم للمباشرين، فكان يدولب أمر الوزر PageV03P111 ~~شخص يقال له الببائي (بموحدتين) مع بقية المعاملين، وكان ~~الأجلاب كل يوم يضربون المباشرين وتقفل أبواب القلعة، وكان يتفق ~~من ضعف الكلمة، وفساد الأمر ما لم نره قط، هذا مع فسادهم في ~~المدينة، بالنهب والضرب والإغارة على الصبيان والنسوان، فنسأل الله أن ~~يرد العاقبة إلى خير. # وفي يوم الخميس خامس عشر الشهر، خلع على سعد الدين فرج ~~الذي كان كاتب المماليك خلعة الوزر، بعد أن استعفى من ذلك، فوعد ~~بأن يساعد. # وفي أواخر هذا الشهر أنهى شخص من الأجلاب كذبا وفاة إنسان، ~~وأخذ إقطاعه، فاستعان ذلك الإنسان بالدويدار الكبير يونس فأوقفه ~~للسلطان، وساعده فخشن ذلك الجلب للسلطان، ثم نزل إلى الدويدار ~~فسبه وأسمعه من الكلام ما لا يحتمل، فغضب من ذلك، ms512 وطرد النقباء عن ~~بابه وعزل نفسه عن الحكم، وانقطع في بيته، وكان قد تكرر في هذا ~~الشهر إغلاق الأجلاب أبواب القلعة وتعويق الأمراء في كل صبيحة PageV03P112 ~~خدمة عن النزول إلى بيوتهم؛ لأمور يريدونهم على تكليم السلطان فيها، ~~فأمر السلطان في يوم الأحد رابع عشري الشهر أن لا يطلعوا إلى الخدمة ~~كراهة أن يصنعوا بهم أيضا ذلك ثم إنه أنزل ابن غريب الذي أفسد ~~العربان لأجله إلى اسكندرية. وقيل إلى الكرك، وقيل بل غرقه، وأشاع ~~ذلك ليخفي أمره، والله أعلم. ثم تحقق أنه شيعه إلى اسكندرية، ثم ~~أقدمه بعد ذلك في ذي الحجة من هذه السنة وعمله بوا كما سيأتي. # وفي هذا الشهر، وهو شهر ربيع الآخر من سنة أربع هذه كثر ~~الموت في القدس، وما صاقبها؛ بالطاعون، وكان في أحوال الموتى ~~عجائب، أخبرني العلامة كمال الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن أبي ~~شريف: أنه مات من بيته وبيت أخيه برهان الدين وأبيهما عشرة أولاد، ~~وأنه كان للشيخ كمال الدين ولدان، أحدهما له أربع سنين ودخل في ~~الخامسة، والآخر له ثمان سنين، فاتفق أن ماتت امرأة أخي الشيخ برهان ~~الدين قبيل الطاعون، ففشا، فقال ابن الأربع: يا أبي، أين امرأة عمي؟ # فقلت له: ألم تقل لك جدتك: أنها ذهبت إلى الجنة. فقال: وأنا أيضا # أروح إلى الجنة وفلان وفلان، وفلانة وفلانة، وعد ثمانية أنفس من ~~أولادنا، فكرهت ذلك، وزجرته زجرا عنيفا؛ فسكت قبل أن ينتهي كلامه، ~~فاتفق أن جميع من سماه مات، ومات اثنان غيرهم، فظننت أنه لولا ~~زجري له كان سماهما، وأما ابن ثمان فلما حضر جلس في أواخر نزعه على ~~هيئة المتشهد، ثم نظر إلى الباب وهو في القبرة ثم انجمع خائفا ثم ثبت ~~نفسه وأعاد النظر، وقال: يا ملائكة ربي، اشهدوا أني أشهد أن لا إله PageV03P113 ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم اضطجع على جنبه ومات. ### || # وفي الأحد مستهل شهر جمادى الأولى من السنة قدم الأمير بردبك ~~الدويدار، والأمير برسباي البجاسي حاجب الحجاب صهر السلطان، ~~ومن ms513 معهما من الأمراء والأجناد من سفر الصعيد، فناموا في القرافة، ~~وقدموا معهم بأربعة عشر رجلا رؤوس عرب قتيل وهم العرب ~~المفسدون، فقتلوا وسلخوا، وخاف أمرهم جميع العرب، ودوخوا جميع ~~تلك البلاد، وأذلوا بني كلب، وكانوا من أهل الفساد، وكانوا مع ~~ذلك محتمين بابن السلطان، وكان الذي صنع ذلك كله بردبك، وأما ~~الأمير برسباي فكان في بر الشرق، ليمنع من أراد منهم الهروب إلى ~~ناحيته، فلم يأته منهم أحد. # وفي هذا الشهر كثر الموت بالطاعون في القاهرة، وكان من أوائل ~~من ابتدأ به الأمير يونس العلائي أمير آخور، فصار يموت من مماليكه ~~وعياله حتى لم يبق عنده كبير أحد، ثم مات هو يوم الاثنين ثالث ~~عشري الشهر. # وفي هذا اليوم ماتت بنت بدر الدين خصبك قرابة خوند زينب ~~امرأة السلطان. PageV03P114 ~~وتأخر امتداد حصول البرد في هذا العام إلى أن نزلت الشمس ~~الحمل، وبعد أن نزلت بأيام، فكان كما كان في قلب الشتاء أو أقوى، ~~وكان بعض من ينتسب إلى معرفة الطب يذكر أن تأخر البرد على ~~هذا الوجه من أسباب زيادة الموت والله تعالى أعلم. # وعينت إمرة آخور لحاجب الحجاب برسباي البجاسي، وعينت ~~حجوبية الحجاب لقانم التاجر أحد أعيان المؤيدية فأباها واعتل بأنه لا ~~تركب الآن في خدمته إلا مملوكان؛ لما كان وقع بين مماليكه وبين مماليك ~~السلطان، ولم يسأله السلطان يوما عن سبب ذلك، ولا لام مماليكه في ~~أمره، وفي هذا وهن له، ولا تصلح وظيفة حكم مع وهن الكلمة؛ فنقلت ~~إلى أحد أخوته سودون قرقش وعين إقطاع أمير آخور يونس لشرباش ~~كرد، وعين إقطاع شرباش وإمرته لجانبك ناظر جدة، أحد مماليك ~~الظاهر جقمق. # وفي يوم الخميس سادس عشري الشهر لبس برسباي وسودون ~~خلعتين على عادتهما. # وفي أوائل عام أربعة وستين هذا أظنه في هذا الحد ~~مات شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أحمد بن داود بن عمر بن علي PageV03P115 ~~الأنصاري الحلبي الشافعي أحد أعيان الموقعين في ديوان الإنشاء، ~~وأقدامهم بالقاهرة لعله عن نيف وثمانين سنة، وكان طويلا، ذا لحية ms514 ~~هائلة طولا وعرضا، ولديه فضيلة، وله خط خسن وعبارة جيدة، وله ~~سماع على السراج البلقيني في سنة ثمانمائة أول هذا القرن من الروضة ~~وغيرها، وأجاز له، وكذا أجاز له السراج عمر بن علي الأنصاري بن ~~الملقن وادعى أنه سمع على المحدث شمس الدين محمد بن موسى ~~بن سند اللخمي الشافعي جملة من كتب الحديث وكتب أسانيده ~~بها ولكنه لم يصدق في ذلك لريبة ظهرت، وكان ينسب إلى تساهل رحمه ~~الله. # وفي أواخر جمادي الأولى وجميع جمادي الآخرة تفاقم أمر الطاعون ~~والقاهرة، بحيث بلغ كل من مصلى باب النصر، والبياطرة، وسبيل PageV03P116 ~~المؤمني، وجامع الأزهر أربعمائة إنسان في كل يوم، وقيل زاد على ~~الستمائة، فكان تقدير عدد الموتى تقريبا في جميع البلاد في كل يوم ~~نحو خمسة آلاف إنسان، والعجب أن تعريف الوزير لم يبلغ قط ~~ثلاثمائة في اليوم، وكان منه مماليك السلطان والأمراء، فبلغوا في بعض ~~الأيام مائة، ومات من مماليك السلطان إلى ثاني عشري هذا الشهر نحو ~~تسعمائة كان من متمرديهم عدة نحو: قرقماش النصراني، ومغلباي ~~الأقطش وغيرهما ومات محمود بن المحبي محمد بن الشحنة في يوم الجمعة ~~ثامن عشره. ومات ابنه يحيى يوم السبت تاسع عشره. # وفيه مات الشيخ بدر الدين محمد بن العلامة مجد الدين إسماعيل ~~البرماوي مطعونا عن نحو ستين سنة، وكانت عنده فضيلة وكان يظهر ~~زاهدا ووسوسة في أمر الطهارة تتجاوز الحد، فقدمه ذلك عند ناظر ~~الخاص الجمال يوسف بن كاتب شكم في حدود سنة ثلاث وخمسين ~~وكان يعطيه كثيرا من الصدقات ليفرقها. # وفيه في أواخره، ماتت فتاتي شهيدة، امرأة فتاي عمرو عن غالية ~~ابنتها من عمرو. PageV03P117 ~~وفي أواخره أيضا مات شرف الدين موسى بن المحب محمد بن ~~زين الدين الحلبي موقع كاتب السر، ومات ولده يحيى يوم الأحد ~~العشرين منه وأخرجهما معا. # وفي آخر يوم الأحد هذا مات ابني أبو اليسر محمد بن فتاتي حلوه ~~الحبشية شهيدا مطعونا تحت إبطه الأيسر عن سنتين وتسعة أشهر لا تزيد ~~يوما ولا تنقصه، نعم تزيد ساعة، فإنه ولد ms515 في أواخر يوم العشرين من ~~شهر رمضان سنة إحدى وستين وكان في غاية ما يكون من طمأنينة ~~النفس والسكينة والوقار والزكاء، كان لا يراني أفعل شيئا إلا سألني عن ~~علته، وكان يشبه شبابا لا تشبه الغلمان؛ زحف على بطنه في الشهر ~~الثامن، واشتد فهمه في التاسع ومشى في أول الخامس عشر، ودرج درجا ~~حسنا في السادس عشر، وفطم يوم الخميس بعد العصر من يوم الخميس ~~ثامن عشر شهر رمضان سنة ثلاث وستين. وكان في طوله عند موته ~~وعبالة بدنه يظن أنه ابن خمس سنين، وكان يركب الفرس، ويطلب ~~المقرعة، فيأخذها في يده كهيئة الفارس العظيم، وكان لا يطلب منه ~~شيء إلا أعطاه، فكان يتوسم فيه العلم والدين والكرم والرياضة ~~والشجاعة، وكان أنسي حيث لا أنيس، وجليسي وقد قل الجليس ~~فقلت: ~~محمد يا قلبي وسمعي وناظري %% لقد هدني قول النواعي لقد أودى ~~فوالله لا أنفك أشدو بذكركم %% وإن قال قوم إنه جاوز الحدا ~~لقد كنت لي أنسا وكانت مجالسي %% بقربك لا تحتاج هزلا ولا جدا PageV03P118 ~~رعى الله أوقاتا مضت فمضت بها %% وحقك روحي لا رأيت لكم فقدا ~~ثم قالت: ~~لم يبق مني بعد فقد محمد %% إلا الدموع نواطقا بغرامي ~~لم يبق مني غير معنى كاشف %% عن فرط أشجاني وعظم سقامي ~~لم يبق مني غير طرف ناثر %% در الدموع وخاطر نظام ~~فالقلب ينظم كل معنى رائق %% والعين تنثر كل دمع دام ~~واتفق أن ماتت غالية بنت فتاي عمرو في أواخر ليلة الاثنين حادي ~~عشريه فدفنتهما في قبل واحد أمام ابني أبي حاتم محمد الذي مات سنة ~~ثلاث وخمسين. ### || # وفي يوم الثلاثاء، ثاني عشري جمادى الآخرة هذا، مات [زين] ~~الدين عبد الرحيم ابن الشيخ بدر الدين محمود العيني الحنفي، وكان ~~ناظر الأحباس، فأخذه عنه الشيخ سراج الدين عمر بن [حسين بن ~~حسن] العبادي الشافعي، بعد أن استمر شاغرا مدة؛ بسبب أن ~~خشقدم أمير سلاح كان صهره، فكان يريد أن يكون من يتولى نظر ~~الأحباس نائبا عن ابن العيني المتوفى، فكان لا يجسر أحد ms516 ممن له تعلق PageV03P119 ~~بالدولة على مخالفة هذا الغرض، ولا يرون لأنفسهم في ذلك غبطة، ~~فوثب عليه السراج المذكور، ولم يلتفت إلى غيظ أمير سلاح ولا رضاه، ~~فأصاب. # وفي ليلة الأربعاء ثالث عشري جمادى الآخرة هذا ماتت فتاتي ثريا ~~الهندية الدابلية، أم ابنتي، أم هاني فاطمة، قريب العشاء ودفنتها في يوم ~~الأربعاء المذكور غربي قبر ابني أبي اليسر محمد إلى جانب رأسه، ولقد ~~كانت مع كونها هندية ريضة دينة هينة لينة يرحمها الله. # وفي هذا اليوم، وهو ثالث عشري جمادى الآخرة تجاوز الموتى ~~من مماليك السلطان الألف. # وفي أواخره مات شرف الدين بن أصيل، وأوصى أن يكون ~~عمق قبره اثني عشر ذراعا لئلا يدفن عليه أحد ودفن يوم الأربعاء ثالث ~~عشره على نحو ما أوصى، وكان رجلا صيدا، ومات عن نحو ستين سنة. # ومن العشرين من هذا الشهر تناقص الطاعون فيا لحسينية وما ولاها، ~~واشتد في نواحي القلعة من جنوبي البلد، فصلي يوم الجمعة خامس ~~عشري الشهر في جامع الحاكم على خمسة عشر وفي جامع الأزهر على ~~نحو عشرة، وكان في كل منهما في الجمعة التي كانت ثامن عشرة نحو ~~ثلاثين، وصلي يوم السبت سادس عشريه في باب النصر على مائتين PageV03P120 ~~واثني عشر، بعد أن زاحم في وسط الشهر الستمائة، ولكنه صار بعد ~~النقصان في المعروفين من الناس أغلب وفشى في الكبار في السن. # وفي يوم السبت هذا، مات الفقيه بشير كرد بن عبد الله الهندي ~~الشافعي عن نحو ثمانين سنة، وكان تاجرا سفارا صالحا خيرا على طريق ~~السلف الصالح، وكان مقرئا فرضيا فقيها نحويا مفننا كثير العبادة، ~~رحمه الله ونفعنا به. # وفيه رفع إلى السلطان ثلاثة من البزادرة، وهم أهل طيور الصيد ~~السلطانية يتعاطون الفساد على نسائهم، وبالنهب والخطف، وقيل له ~~أنهم يتجوهون على الناس بك وبولدك، فأمر بتسميرهم ثم توسيطهم ~~ففعل ونودي عليهم في الأسواق، فكثر الدعاء للسلطان، وذل بهم ~~البزادرة، وهم أنجس الناس وأجرأهم زادهم الله خزيا. ### ||| بنت شرباش: # وفي هذا اليوم ماتت خوند [زينب] بنت شرباش خاشوق ms517 زوجة ~~الشرف الأنصاري التي أخذ نسبتها، وكانت زوجة الظاهر جقمق، ~~مطعونة، وحمل على جنازتها حجلة مزركشة وهي المدعوة بشخاناه ~~ورايات عظيمة من بيتها عند جامع بشتك إلى مدرسة الظاهر برقوق ~~بين القصرين فدفنت بها، وحضرها جميع الأعيان من جميع الطوائف، PageV03P121 ~~وكان بينها وبين الأنصاري عشق عظيم، فيقال: إنه أغمي عليه لما بلغه ~~احتضارها وتشاءم به من يلوذ بها من النساء، من أمها وغيرها، فلما ~~حضر إلى البرقوقية لم يجسر على الجلوس في القبة ولا الأيوان الكبير، ~~ولا في مكن تمكن رؤيتهن له، وهن على مجلس في الأيوان الشرقي على ~~هيئة المرضى، ولم يجلس عنده أحد من الأعيان، ولا حمده على جلوسه ~~هناك إنسان. # وكانت هذه المرأة في غاية الحظوة عند الظاهر دون بقية نسائه، ~~واشتهر عنها الفساد مع شاهين الخصي المشهور بغزالي، ويقال: إن ذكره ~~لم يقطع منه سوى نصفه وزادت محنتها بها إلى أن دعت الأدباء فنظموا لها ~~فيه الأشعار، وشاع بعض ما نظم في القاهرة وغنى به أكثر الناس في كل ~~موطن، حتى العبيد والجواري إلى [أن] خاف شاهين سماع السلطان ~~لذلك، وكان جانبك الوالي صديقه، فأمر فنودي في أرجاء البلدان، من ~~غنى شاهين غزال حل به، وحل، حتى كف الناس عن ذلك، ثم ~~فسدت مع غيره إلى أن استمالها الأنصاري، بعد موت الظاهر، فأحب ~~كل صاحبه فتزوج بها سرا، وكان يتخفى ليلا وينزل مع بعض ملاحي ~~بركة الفيل في بعض القوارب التي هناك، بمثل ثياب الملاحين ويطلع ~~إلى عندها من القيطون، وكان قد فعل مع خوند بنت ططر، زوجة ~~الأشرف برسباي مثل ذلك إلى أن ولي نظر الجيش في الدولة، فاستأذن PageV03P122 ~~السلطان في زواجها، وبذل له ما أرضاه به ولأركان الدولة، فأذن له، ~~فأظهر زواجها ونقلها إلى بيته واستخف أمر هذه الدولة، وقيل عنه أنه ~~قال: كل ثان لا بد له من ثالث يعرض بزوجة الأشرف إينال، فأخذ ~~بسبب ذلك أخذا عنيفا كما تقدم. # وفي هذا الحد، وجدت نقصا في قوتي وبردا في بعض الأوقات وطلب ~~جسدي ms518 معه الاضطجاع، وقد كنت قبل ذلك لا أضطجع إلا نادرا، بل ~~كنت إذا نمت في النهر أنام جالسا، واستمر ذلك يتزايد إلى أن ~~انقطعت منه في ثامن عشري الشهر ولزمت الفراش، ثم مات ابني أبو ~~اللطف في اليوم الثاني كما يأتي، فتجشمت المشي للصلاة عليه، ثم ~~ركبت إلى قبره، فقمت على دفنه فتمكن في المرض، وتزايد، فغلط في ~~الأطباء فعالجوني بالأشياء الباردة، لظنهم أن المرض حاد، لأنه كانت بي ~~حكة شديدة قبل ذلك من أوائل ربيع الأول، وإذا المرض بارد والحمى ~~بلغمية، فزاد فعلها وقوي تمكنها، فصار لساني في غشاء من بلغم، ~~وانقطع الريق من فمي أصلا ورأسا، وكنت أحس على فم معدتي بلغما ~~مغروسا بمقار الرغيف وامتنعت مني شهوة الأكل، وأما الماء فكنت لا ~~أقدر على سماع حسه، فضلا عن إيصاله إلى فمي، ثم فطن الأطباء ~~لذلك بعد نحو خمسة أيام، فعكسوا العلاج فإذا الداء قد استحكم، ~~وكانت أحوالي كل يوم في لون، لكن استمر رأسي صحيحا، وذهني ~~حاضرا إلا أني لا أقدر على قراءة ولا كتابة، بل وإذا نظرت إلى الكتب ~~وهي موضوعة في رفوفها يوجعني باطني إلى أن أجد طعم الموت في ذلك، ~~بعد أن كنت لا راحة لي إلا في المطالعة ليلا ونهارا. # لما علمت غلطهم، واعترف به اليهودي، وأما المسلم فكابر، قطعت ~~مطامعي منهم، وقطعت علائقي ممن قدرت عليه من الخلائق، وجعلت PageV03P123 ~~قصدي كله إلى الله، فكان من عادني، أطلب منه ماء زمزم، فإن كان ~~عنده، وإلا سألته أن ينظر إلى عند أحد من أصحابه، فأحضر إلي شيء ~~كثير من ذلك، وكنت أتداوى بشربه كما في الحديث الصحيح ~~والحسن، فأتى الله بالفرج، فتقيأت شيئا أصفرا مرا، في ثلاث ~~دفعات، في ثلاثة أيام متواليات، قدرت أنه يكون بمقدار زيادة على ~~صفار مائة بيضة، فقال اليهودي: أتى الفرج بشيء ما كنا والله نقدر على ~~إخراجها بأدوية ولا حقن، ولكن هذا أمر رباني واعترف المسلم بنحو ~~ذلك، وصار البلغم ينزل مني قطعا من القبل مع البوز، ومن الدبر. ms519 # واستمريت منقطعا إلى العشرين من شهر رمضان من السنة، ~~واستمريت ناقها لا أقدر على كبير حركة، وكنت لا أشتهي الطعام ~~شهوة صادقة، ولا ينهضم إذا أكلت إلا بنقوع وصفه لي الطبيب، ~~وحتى زدت في الأكل شيئا عن عادتي ثقل علي، ووجدت حموضته ~~وأمرضني أياما، فقدر أن وقع في نفسي ان الفضاء ينعشني فانتقلت بعيالي PageV03P124 ~~في سابع عشر ذي القعدة من السنة إلى منظرة للأمير بردبك الدويدار ~~في فم الخور، انتقلت إليه من الزين يحيى الإستدار أيام مصادرته في ~~أول دولتهم، وهي أحد منتزهات الدنيا في حسن الرخام والصنعة، وكثرة ~~المعازل، وجودة ترتيبها مع أنه تحيط بها من شماليها وشرقيها بستان كبير ~~محتبك الأشجار، ويليه بساتين، فالجالس في المنظرة يرى رؤوس ~~الأشجار كأنها بساط من زمرد أخضر مد بصره، وفي الأشجار ما هو ~~أطول من ذلك، وفي شماليها قطعة ياسمين بجواز أربعين ذراعا طولا في ~~عرض فإذا هبت الريح نقلت تلك الرائحة اللطيفة للجالس في تلك ~~الشبابيك الظريفة، ومن غربيها خليج الزريبة ووراءه الجزيرة الوسطى ~~ووراءها البحر الأعظم، ووراء ذلك الفضاء المتصل بالأهرامات، وفي ~~شماليها مقعد قمري بارز عنها أكثر من عشرة أذرع، يرى منه بحر ~~بولاق، وترى منه الزريبة إلى ما هناك من البساتين والمروج، والهواء ~~مسلط عليها من كل جهة، فلما وردتها صحبت معي سلاحي وأنا أظن ~~أني أقدر على جذب القوس كعادتي، فلما وصلت إليها جذبته فلم ~~أقدر على مجاوزة نصف ذراعي الأيسر ففجأني أمر ما مر بي أمر أشد ~~علي منه في عضدي، وهد جانبي فأقمت بها آكل أكثر من عادتي في ~~المدينة، وينهضم من غير نقوع ولو زدت على العادة. ثم صرت كل يوم ~~في قوة على القوس إلى أن وصلت إلى خدي الأيمن في آخر ذي القعدة ~~المذكور، ثم استوفيته جرا من غير سهم في عيد الأضحى، ثم استوفيته PageV03P125 ~~جرا على السهم في أوائل محرم سنة خمس وستين، ثم تكاملت قوتي ~~عليه في عاشوراء فلله الحمد.ثم رجعت إلى بيتي في سابع محرم المذكور ~~في مثل ms520 اليوم الذي أتيتها فيه. # ووافق أن كان آخر مواعيدي في جامع الظاهر في قوله تعالى: {ليس # على الضعفاء ولا على المرضى}إلى آخرها[التوبة:91] ، ثم مرضت، فكان ذلك ~~من غرائب الاتفاق، والله الموفق. # وفي يوم الثلاثاء تاسع عشري الشهر، مات جانبك القصروي أحد ~~أعيان الظاهرية عن نحو أربعين سنة، وكان حسن الوجه، وكان ~~يفعل الخير، ويقوم مع الضعيف، وكانت له همة وعصبية وحسن تأت ~~في الأمور، وكان من أعيان أصحاب ناظر الخاص الجمال يوسف، وكان ~~شديد النفع في أيام الظاهر، وهذه الأيام؛ فإنه كان مقبولا عند ~~الأجلاب، ومع هذه الصحبة، فلم يزد إقطاعه في أيام الظاهر على ~~عشرين ألف درهم مصرية، بنحو سبعين دينارا فقربه الأشرف إينال، ~~وأحسن إليه، فأعطاه إقطاعا يغل مائة ألف درهم وخمسمائة ~~إردب، وزوجه بنت قريبه برسباي، الذي كان حاجب الحجاب ~~بدمشق، هذا بعد ركوبه عليه أول الأمر، ومع ذلك فأخبرني أخبر الناس ~~بهذه الدولة أنه لم يكن يفتر عن السعي في نقص هذه الدولة، وكان يتردد ~~إليه نحو أربعمائة من الأجلاب فلا يألوا جهدا في تعليمهم السوء ~~وإفسادهم على السلطان. PageV03P126 ~~في آخر هذا اليوم مات ابني أبو اللطف أحمد الذي تقدم أن أمه ~~حملت به طويلا، ودفن نصف يوم الأربعاء، سلخ شهر جمادى الآخرة ~~هذا، ودفنته وراء أمتي ثريا التي دفنتها تحت رأس ابني أبي اليسر محمد، ~~وهي أم ابنتي أم هانئ فاطمة. # وفي أول هذا اليوم وسط السلطان ثلاثة أنفس من المفسدين الذين ~~يقطعون الطريق، ومنهم شخص كان هجم ليلا على بيت في الترب، ~~ونهبه فخرج إليه جماعة منهم مملوك، فقتله وهرب عنه أصحابه، وكان ~~فلاح ولده أحمد، فسر بذلك الناس ودعوا له سبب الله له أسباب الخير. # وفي هذا الحد تناقص الطاعون جدا إلى أن اضمحل في آخر هذا ~~الشهر في جميع البلد واستمر في القلعة بكثرة فكان الأجلاب ينتقلون إلى ~~البلد، فلا يعنيهم ذلك شيئا إلى أن وصلت مجموع الموتى منهم إلى قريب ~~الألف وخمسمائة، وذلك نحو نصفهم، وكان في الموتى منهم أكثر ~~مفسديهم، ms521 والمعروفين بالشر منهم. ### || # استهل شهر رجب بالخميس، وفي يوم السبت ثالثه مات أبو بكر بن ~~شمس الدين محمد بن الحلبي. # وفي يوم الاثنين خامس شهر رجب من سنة أربع هذه كانت ~~ولاية السراج العبادي لنظر ديوان الأحباس عن ابن العيني كما تقدم. # وفي أوائل هذا الشهر مات محب الدين محمد بن شهاب الدين PageV03P127 ~~أحمد بن زين الدين الحلبي، موقع كاتب السر المحب بن الشحنة، عن ~~نيف وخمسين سنة، وكانت عنده فضيلة في الفقه، والنحو وغير ذلك، ~~وكان يحب العلم ويطلبه رحمه الله، وخلف ولده شهاب الدين أحمد ~~رجلا. # وفي نصف شهر رجب هذا عزل ناظر الجيش البرهان بن الديري، ~~وذلك أن الشرف الأنصاري نسب إلى إخفاء مكتوب رزقة لبنت ططر، ~~فطلب منه فادعى دفعه إليها، فكذب وشدد السلطان عليه النكير ~~ورق له ابن السلطان الأمير الكبير، فعقد له مجلس بالقضاء الأربع عند ~~ابن السلطان، فأخرج مكتوبا فيه الشهادة عليها أن ذلك المكتوب صار ~~إليها، فسأل القضاةعنه، فقال قاضي الحنفية السعد بن الديري: لعل ~~هذا المكتوب أثبت مكتوب وجدمن زمن آدم إلى هذا التاريخ. فقال ~~أخوه ناظر الجيش: أنت اطلعت على جميع ما وجد من المكاتيب في ~~جميع ذلك الزمان؟! فاشتاط ابن السلطان غيظا وسبه في المجلس ~~ودخل إلى أبيه وأمه فأعلمهما بالمكتوب، وببراءة الأنصاري، فقبلا، ثم ~~تكلم في عزل ناظر الجيش فأجيب. # وكان قد شاع له صيت في التجاهر بأكل الرشا والتهافت في طلبها، ~~حتى من أصاغر الناس، وفي الشيء اليسير، قل أن سمع عن أحد مثله، ~~بحيث أنه حكي لي عن إسماعيل بن عبد القادر، شيخ جبل نابلس أنه ~~قال: ما رأينا من أبي الخير النحاس، ولا من أتباعه من الظلم مثل ~~ما رأينا من ابن الديري هذا، ولا ما يقاربه، وأقسم أنه إن استمر PageV03P128 ~~أخربت البلاد وعصيت على السلطان: وأخذ عنه سيدي أبو بكر بن ~~مزهر بخمسة آلاف دينار ، فأخذ ناصر الدين بن أصيل نظر ~~ديوان الجوالي عن ابن مزهر بأربعة آلاف دينار. # وفي هذا الشهر بلغ الخبر ms522 بموت عمر بن قاسم بن الأقساسي، نائب ~~قلعة حلب، فأخذ عنه نيابة القلعة ونظر الجوالي قريبه خليل بن ~~جبارة. # وفي هذا الشهر، رفع إلى السلطان شخص من البزادرة كان يهجم ~~على نساء الناس فيفسق فيهن طواعا أو كرها، بحضرة زوجها أو لا، وكان ~~له على ذلك أعوان، فهجم على امرأة شخص من الناس، فضربه زوجها ~~بسيف، ثم ربطه، ورفع أمره إلى السلطان، فسمع به كل من أحرقه ~~بأفعاله، فطلعوا بالمصاحف والأعلام معهم يستغيثون منه، فوسطه ~~السلطان مع بعض من كان يعينه على ذلك. ### || # في شهر شعبان قدم شخص من أكابر تجار بلاد ابن عثمان. يقال له: # خواجا إلياس؛ بسبب التهيؤ لغزو رودس؛ وسبب ذلك أن أهل دروس ~~قطعوا الطريق على مركب من جماعة ابن عثمان يريدون الحج فيه، نحو ~~ثلاثمائة نفس، فقتلوهم قتلا شنيعا، وأخذوا ما في مركبهم، فلما قرب ~~خواجا إلياس من ميناء إسكندرية، إذا مراكب من أهل رودس يقاتلون ~~مركبا من أعدائهم من الفرنج أظنهم من الجنويين، فلما رأوا PageV03P129 ~~مراكب إلياس ألقى الله الرعب في قلوبهم، فهربوا فطلبهم فأخذ منهم ~~مركبين هم الذين أسروا جماعتهم، ثم قدم إلى القاهرة فوافى رأس ~~المفسدين من الروادسة قد جهزته ملكة قبرس رسولا عنها، ليرقق عليها ~~السلطان، فيكف عن مساعدة أخيها، ويعقد صلحا بين السلطان، ~~وبين الكيتلان لئلا يبقى عليها لوم في تزوجها بشخص منهم أرادها، ~~فوجد خواجا إلياس السلطان قد أجاب الرودسي، وخذل ابن ملك ~~قبرس، وخلع على الرودسي، على أن الرودسي كان قد أسر قاصد ~~السلطان تغري بردي دويدار أسنبغا الطيار لما أرسله السلطان في هذا ~~العام إلى ملكة قبرس، ليعلم جوابها في أمر أخيها، وما أطلقه إلا بعد ~~علمه أن ابن عثمان أقسم ليخربن رودس، فرأى أن يخادع ملك مصر ~~لئلا يجتمع عليه هو وابن عثمان ورشوا تغر بردي بمال كثير، وسألوه أن ~~لا ينم عليهم أسرهم له، ففعل الخبيث، فلما خلع السلطان على ~~الرودسي قال قاصد ابن عثمان: كيف تخلع يا مولانا على هذا وهو عدو ~~لك ولولدك ms523 السلطان محمد بن عثمان وقد قتل من جماعته كذا وكذا نفسا، ~~وأنا ما جئت إلا بسببه؟ أنا أدعي عليه عند مولانا السلطان بخمسين ~~ألف دينار، أخذها من جماعتنا، وعنده منهم أرى منهم عالم، ~~فاضطرب أمر الجند من هذا الكلام، وكثر الصخب، وكان كثير من ~~الأجلاب يحبون ابن ملك قبرس، فقام السلطان عند ذلك، فأخذ ~~الأجلاب قاصد رودس فقلعوه الخلعة وتقاطعوها بينهم وضربوه حتى ~~أدموه، فلما رأى السلطان ذلك أظهر أنه بأمره، وطلب القبرسي فخلع ~~عليه، وأظهر أنه مستمر على نصرته، وأن يجهز معه جيشا، وجد في أمر ~~المراكب، حتى أكملها. PageV03P130 ~~وفي هذا الشهر، قدم الشيخ سالم بن عبد القادر الرملاوي الذي من ~~ذرية سيدي عبد العال خادم الشيخ البدوي وذلك أنه كان مات ~~خليفته ولم يبق في مصر أحد من ذريته، فأرسل الأمير برد بك إلى ناس ~~من ذريته في رملة لد، فزهدوا في ذلك وأشاروا بأن لهم قريبا في دمشق ~~يقال له سالم هو أولى منهم، وهو من أقارب الخواجا شمس الدين ~~محمد بن الزمن، وهو رجل صالح، فأرسلوا إليه فحضر، فلما حضر ~~نفسوا عليه ذلك، وقدموا معه إلى القاهرة، فأقبل عليه الأمير والسلطان ~~وولاه المشيخة، فنازعه أولئك، فلم يلتفت إليهم، وقال لهم السلطان: ~~أنا لم أوله، وإنما ولاه الله. # وفي النصف من شعبان سنة أربع وستين ولي القاضي ولي الدين ~~أحمد بن القاضي تقي الدين محمد بن القاضي بدر الدين محمد بن الشيخ PageV03P131 ~~سراج الدين عمر البلقيني قضاء الشافعية بدمشق عن الجمال يوسف ~~الباعوني بمال بذله على ذلك بعناية بنت البيسري أم أبي بكر ابن مزهر، ~~وعناية ابنها، فكانت هي توسوس إلى خوند، وابنها إلى السلطان وابنه، ~~وذلك أن الباعوني كان يرى ابن مزهر صغيران فكان لا يكاتبه، ولا يكرم ~~أحدا من ذويه إذا وردوا إلى دمشق، فكان يود عزله ولا يتمكن من ذلك، ~~فلما سعى عليه ابن عمه الجلال كما مضى ورده السلطان أقبح رد، بما ~~يستلزم غاية الإكرام للجمال، كان القياس يقتضي أنه يرسل للسلطان ~~شيئا، ms524 وأشار عليه كل من يحبه بذلك فلم يفعل، ثم الشرف الأنصاري ~~عند عزله قرر في جهته ألف دينار، فتبرم من ذلك فلم يزل كاتب السر ~~حتى أسقطها السلطان عنه فقوي تعلق الرجاء بأن يرسل ما يتم هذا ~~الإكرام، فلم يفعل فغض منه السلطان ببعض الكلام، فوجد المذكور ~~وأمه مجالا للقول، وكان الولي هذا قد اشتد سعيه في قضاء الشام قبل ~~هذا، فلم يجب، فحركه فوجده سريعا إليه فتكلم له وهو وأمه إلى أن كان ~~ما كان، واتفق أن قاضي الشافعية بالقاهرة عم أبيه، العلم صالح كان ~~يبغضه وزاده فيه بغضا ابن امرأته الصلاح أمير حاج بن بركوت المكيني، ~~وكانت بينه وبين الولي منافسة شديدة، فأخرج عنه البلاد التي كان ~~قضاؤها باسمه واسم أبيه من مدة كبيرة وهي: المنية، وشبرا، ونواحي ~~القليوبية، لكاتب السر المحب بن الشحنة ثم ما كفاهم ذلك حتى ~~جعلوا نائبه فيها شخصا من أتباع الصلاح، لا يرضى للشهادة، فقامت ~~قيامة الولي، وكانت المسارعة إلى ذلك منهم غلطا، فشكى أمره إلى ابن ~~مزهر واستنجده وثوره: بأن هذا أول أمر يوهن مني، ومتى تركتني وأنا ~~نشؤك طمع في، وكل ما ينقصني يضعك وينفر الناس عنك؛ لأني PageV03P132 ~~إنشاؤك وهذه أول قضاياك التي قمت فيها، فقام معه في ذلك ~~واستنهض معه ابن السلطان وأمه إلى أن أعيدت إليه البلاد، بعد أن ~~شدد على كاتب السر؛ فضخم أمره، ولزم ابن مزهر شأنه وعرف ~~بالعصبة له، فكان لا يرى من يتكلم فيه بشيء إلا سعى في كفه، وكان ~~من المال الذي سعى به الولي، قاعته التي عمرها أبوه في زقاقهم من حارة ~~بهاء الدين، وكانت حسنة، فسر بها جماعة السلطان. ### || # ثم سافر في أوائل شهر رمضان من هذه السنة وقد قرت عينه بما رأى ~~من العصبة له، وصحب معه من خواصه أصحابه القاضي شمس الدين ~~محمد العمريطي أحد نواب الشافعي بالقاهرة، فجعله نقيبه، ~~والفاضل محب الدين محمد بن العلامة القاضي نور الدين علي بن ~~سالم، والفاضل نور الدين علي بن.. المقسي، وشمس الدين ms525 محمد بن ~~[علي بن خلد] المحلي الشافعيين ووصل إلى دمشق في PageV03P133 ~~أواخر شهر رمضان، فخطب بالجامع الأموي في آخر جمعة فيه، وكان ~~حسن التأدية للخطبة، صيتا، حسن القراءة في المحراب، فأعجب ~~النائب والشاميين، وصادف أن بعض التجار كان أوصى بألف دينار ~~تفرق في المستحقين، ولم يكن الجمال الباعوني فرقها، فبادر هو إلى ~~تفرقتها، فملأ بها دمشق، فنفقت له بها سوق، وطار له بها صيت ~~وصوت، وأظهر عفة عظيمة، وقارن ذلك هذه التفرقة، فصدق ما ~~أظهر، وتحقق في القلوب وتقرر. # وبعد سفره بشهر شنع عليه بعض أصحابه بأن به سلس البول، وأنه ~~لا يحل له أن يتولى خطابة؛ لأنه يحتاج في مذهبه إلى وضوء جديد للصلاة ~~بعد الخطبة وهو لا يفعل، فبحث عن أمر هذا السلس من خواصه، ~~فوجد صحيحا، وصاروا يعتذرون بما لا يعذر فيه، فيقولون: أنه أمر ~~خفيف، بحيث لا يتحقق ونحو ذلك. # وكانت قد عظمت المشقة بصرف الشيخ برهان الدين الباعوني عن ~~الخطابة؛ لدينه وخيره، مع سنه وفقره وكرمه وحسن طلعته، فوجد محبوه ~~مساغا للسعي له، فتحركوا في ذلك، وزاد مبغضوا الولي في الشناعة عليه ~~بإشاعة ذلك، فقام ابن مزهر في أمره إلى أن سكن عنه ذلك. # وبلغنا أنه صلى في الجامع الأموي صلاة على إثر وصوله، إما الجمعة ~~أو غيرها، فقرأ: {قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم ~~جاهلون} الآيات [يوسف:89] . فضم ذلك إلى ما فعله في مدرسة بني الجيعان، ~~وزاد أنه لو ساغ كان عليه فاله، فإن فيه نسبة الفاعل بيوسف PageV03P134 ~~وأخيه إلى الظلم، وانحطاط المنزلة عنه، وتحكمه فيهم إلى غير ذلك، ~~فكان ذلك من العجائب. # ثم بلغنا أنه مرض هو وجميع من سافر معه من مصر في آخر شوال، أو ~~أول ذي القعدة، ومات القاضي شمس الدين محمد العمريطي الذي ~~كان عمله نقيبه. # ثم بلغنا أنه كان أمر من في بابه أن لا يأخذوا على ما يكتبونه للناس ~~من الوثائق غير أربعة دراهم شامية على كل وثيقة، وأنه سمع عن ~~المحب بن سالم، ms526 أنه أخذ ستة على وثيقة كبيرة، فأحضره وأهانه وسجنه، ~~مع أنه كان أخص المذكورين به؛ لأنه كان المتولي غالب مهماته في ~~القاهرة، مع فضله وحسن أدبه، وكثرة ثنائه عليه، ومناضلته عنه. # فكثرت عليه القالة بذلك، ووجد من يتنقصه من أقاربه ما يشنع ~~عليه به، فيقولون: هل يسوغ مثل هذا في عقل عاقل، أو سجية من له ~~مروءة وقد كان يمكن رده عن مثل ذلك بغير هذا، من اللوم بينه وبينه، ~~أو بين الناس إن كان يريد شيوع مثل ذلك عنه؛ ليشتهر بالعفة، ثم ~~صح أن السبب غير ذلك، وهو أنه كان أوصى وصية ذكر فيها من جهة ~~البيت الذي أعطاه لخوند ما عليه جهة درك فطلبها من ابن سالم، فأجابه ~~بما يريب في أمرها، ثم ادعى ضياعها؛ ففعل ذلك ليردها، وأرسل إلى ~~الحاجب ليرضيه، فأصر على دعوى عدمها ثم رضي عنه، ورجع إلى ما ~~كان عليه عنده وأعظم، فإنه خلا له وجهه، بأن مات العمريطي ثم ~~المحلي، ورجع المقسي فلم يبق عنده غيره. # وفي شهر شعبان، دخلت الغلة الجديدة فانحل السعر إلى أن وصل ~~الشعير من مائتين إلى مائة وعشرين، وقس على ذلك غيره؛ وما ذاك إلا PageV03P135 ~~لقلة الفساد من المماليك وأتباعهم، ثم لم يلبث إلا نحو عشرين يوما ~~وارتفع السعر إلى أن عاد إلى ما كان ثم زاد إلى أن وصل الشعير إلى ~~ثلاثمائة وهي صرف دينار، وكذا الفول، بل زاد عليها، وكان القمح ~~أرخص منهما، ثم وصل القمح إلى دينار؛ وسبب ذلك إعادة من بقي ~~من المماليك الفساد، مع ما قارن ذلك من فساد العرب في الشرقية، ~~وبلاد الصعيد وغيرهما، فلذلك لم تؤثر حسن زيادة البحر في الرخص، ~~بل وصل البحر في ذي الحجة إلى سبع عشرة إصبعا من الذراع العشرين، ~~والأسعار على حالها، بل يخشى من زيادتها، والله المستعان، ثم انحل ~~السعر في أول سنة خمس وستين كما سيأتي فلله الحمد. # وفي أواخر شعبان هذا، قدم ابو الفضل بن أبي الفضل النويري، ~~خطيب مكة من دمشق، وكان ms527 قد ورد مع الحجاج إلى القاهرة، وسافر في ~~جمادى الأولى إلى دمشق؛ لأن نائبها الأمير جانم كان صديقه، ثم رجع ~~إلى القاهرة في أواخر هذا الشهر؛ وكان سبب قدومه وجل مقصده ~~السعي في نظر الحرم، فإنه ظن أن سبب [إ]عاقته عنه فيما مضى إنما ~~هي من ناظر الخاص، فلما بلغه خبر موته اغتنم الفرصة فقدم ثم سعى ~~في ذلك أشد السعي، فلم يجب؛ لما قرر عند السلطان وخواصه من ذميم ~~سيرته، وسوء طويته، وزاد ذلك أن أهل دمشق نقلوا عنه، أنه في السفرة ~~القصيرة إليهم سعى في إفساد صور جماعة منهم عند جانم، مع ~~مبالغتهم في إكرامه. # وفي شعبان هذا قتل إسماعيل بن يوسف مقدم بلاد الزبداني، الذي ~~كان مستوليا على خان الفندق قبلي، وذلك أني لم أقدر أدخل تلك البلاد PageV03P136 ~~لعمارة الخان بعد أخذي له منه حتى سعيت لبعض أعدائه في أن يكون ~~مقدما على جماعته، فصار للبلاد مقدمين: إسماعيل مقدما على ~~أصحابه، ومحمود بن باكله مقدما على أصحابه وهم أصحاب أقاربي، ~~فضاق إسماعيل ذرعا بهذا، ولم يزل يحتال في التخلص من هذا حتى ~~أخلف بين جماعة محمود، فاستمال من أكابرهم ناسا يقال لهم أولاد ~~العزقي وسعى لشخص منهم، فعزل به محمود، فسعى محمود بمال كبير، ~~فأعيد، وبطش بإسماعيل يوم طلوعه إلى البلاد بالخلعة، وقتل بعض ~~جماعته، وهرب إلى بلاد ابن بشارة. # وفي يوم الأحد مستهل شهر رمضان من السنة، الموافق لسادس ~~عشري بؤونة من أشهر القبط، نودي ببشارة البحر، وكانت قاعدته ~~[ستة أذرع]. # وفي ثانيه سافر جانبك شاد جدة إليها في البر؛ بسبب ما يستخرجه ~~من التجار للسلطان، وسافر معه جماعة قليلون إرادة الحج منهم أبو ~~السعود بن الشيخ أمين الدين يحيى الأقصرائي الحنفي. # وفي شهر رمضان من السنة، شاع أن الموتى في هذا العام يقومون في ~~يوم الأربعاء سابع عشرية، فصدق كل ضعيف العقل، جاهل بالدين، ~~فطلعوا إلى الجبانات بالثياب المبخرة والمياه، وحفروا قبور أمواتهم، ثم ~~رجوا بخفي حنين، وسواد الوجوه، وبكاء العينين، وهذا حال من ~~لو ms528 أتى الدجال لم يتخلف عنه منهم أحد، فإنا لله وإنا إليه راجعون. PageV03P137 ~~وفي هذا الشهر قدم القاضي أثير الدين محمد، قاضي الحنفية بحلب ~~ابن القاضي كاتب السر محب الدين محمد بن الشحنة، فحصل له ~~توعك، وصار ينصل منه ويعاوده مدة، ثم عوفي وسافر إلى محل ~~ولايته حلب في أواخر محرم كما سيأتي. # وفي هذا الشهر كثر أذى العامة المستأجرين للسفر في ~~المراكب إلى قبرس، سموا أنفسهم المجاهدين، فكانوا يقطعون ~~الطرقات، وينهبون ما أرادوا من أي أسواق البلد أرادوا، ويأكلون جهارا ~~في نهار رمضان، ويقولون: الزردكاش أباح لنا ذلك، وضرب الله الذلة ~~على أهل مصر، فلا يجسر أحد على منعهم عن نفسه ولا غيره. # وفي هذا الشهر، نفي القاضي تاج الدين محمد بن الشيخ شهاب ~~الدين أحمد بن عرب شاه الحنفي، وأبو البركات شمس الدين بن ~~الحمصي أخو أبي الوفاء شمس الدين قاضي غزة الشافعي في يوم واحد ~~وذلك أن ابن عرب شاه كان قد قدم إلى القاهرة في أوائل سنة ثلاث ~~وستين، يسعى في قضاء الحنفيةبدمشق عن علاء الدين علي بن ~~قاضي عجلون، وكان ابن عرب شاه فقيرا، فلم يتهيأ له أمر، وصار يكره ~~أن يعود إلى دمشق، وقد شاع عنه السعي بلا شيء، فكان أعداء بن ~~قاضي عجلون يرجفون به في كل قليل بابن عرب شاه، ويشيعون أنه ~~ولي، فيوجب ذلك له بعض الوهن، فلما طال عليه ذلك أرسل قاصدا ~~مغربيا جريئا وعلى يده مال للأكابر، فنفي. وأما ابن الحمصي فكان PageV03P138 ~~قاضي الشافعية بغزة، وكان قد قرب شخصا من الشهود، يقال له شرف ~~الدين بن مفلح، فاتفق أن عزل ابن الحمصي وولي ابن مفلح، فصار ~~ابن مفلح يخشاه، فصار يسعى في أذاه وكان له أخ في القاهرة عارف ~~بمداخلة أهل الدنيا، لا شغل له إلا ذلك، واسم هذا الأخ خليل. # ثم تنقلت بابن الحمصي الأحوال فولي قضاء حماة، ثم عزل منها وعاد ~~إلى قضاء بلد غزة، فلم يدعه ابن مفلح إلا قليلان وعزله، وأخذ عنه، ~~وشرع يؤذيه، فاشتد خوف ms529 أخي أبي الوفاء هذا المذكور منه فهرب إلى ~~القاهرة، فخاف أن يكون إنما قدمها ليسعى لأخيه، فأرسل في أثره، ~~فنفي، ولكن كانت قضيته غير متقنة، لم تكن إلا بمرسوم من كاتب ~~السر، لم يطلع عليها أحد سواه، وخرج خليل بن مفلح مع ابن ~~الحمصي، ورشى النقباء المرسمين على ابن الحمصي فأمكنوه من وضع ~~زنجير في عنقه من خارج باب النصر، فلما وصل إلى الخانكة ضربه ~~بنعله على وجهه ضربا كثيرا، وأفحش في أمره، وبادر إلى تشييعه؛ خوفا ~~من أن يسعى في رده، لعلمه أن أمره على غير أساس جيد، فعلم به ~~الخطيب أبو الفضل النويري، خطيب مكة المشرفة، وكان صاحب أخيه ~~أبي الوفاء رفيقه في الاشتغال على الشيخ أبي القاسم النويري، جهز ابن ~~الحمصي، فسعى في أمره، فرد من نحو بلبيس، ورثى له كل واحد، ~~وكان الإسراف في أمره سبب عزل ابن مفلح وولايةأخيه كما سيأتي، وأما ~~ابن عرب شاه فاستمر. PageV03P139 ~~وفي هذا الشهر في عشره الأول، رابع الشهر أو خامسه، مات ~~زين الدين عبد الرحمن بن ناصر الدين محمد بن البدر حسن ~~الفاقوسي عن نحو ثمانين سنة، وكان أبوه أسمعه على البرهان الشامي ~~وغيره من المسندين ، وقرأ عليه الطلبة ، ثم عثروا على تزويره ، فإنه رأى ~~خبرا فيه طبقة بخط قاضي القضاة ابن حجر ، أنه سمعه عبد الرحمن ~~وفلان الفاسيان ، فزادهما (قو) ، فصارت الفاقوسيان ، وهي زيادة لا ~~يشك فيها أنها مفتعلة، ثم رأوا له تزويرا آخر ، مع أنه كان مشهورا بكثرة ~~القرض لأغراض الناس وبعض مجازفة في الكلام ، وجرت له بسبب ذلك ~~محنة مع قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني الحنفي ، وذلك ~~أنه نقل أنه عزل ، فبلغه ذلك ، فكشف عنه، فوجده كذبا ناشئا عنه، ~~فأخبر بذلك السلطان الأشرف برسباي ، فأمر بضربه وتجريسه، ففعل PageV03P140 ~~على هيئة بشعة ، حوله سيوف مسللة ، وكان ممقتا إلى الناس ، فلا عثر ~~على التزوير نهي أكابر الطلبة عن السماع منه ، فترك . ### || # وفي يوم الاثنين تاسع شوال من سنة أربع وستين هذه، نزل ~~السلطان إلى بولاق ، فنظر ms530 المراكب، التي يريد بعثها إلى جزيرة قبرس ~~لانتزاعها من ابنة الملك، وتسليمها إلى ابنه، وما يتعلق بها، وذلك بعد أن ~~عرض الجند، وبذل فيهم النفقة وعين الأمراء، وهم: قانم التاجر، ~~وبردبك البشمقدار رأس نوبة الثاني، وغيره من الظاهرية الجقمقية ~~وسودون قرقش، حاجب الحجاب، ويشبك الفقيه شاد المؤيديه، ~~[ورأسهم] الدويدار الكبير يونس، صهره على ابنته، وهؤلاء كلهم ~~مؤيدية. # وفي هذا الحد، عزل جلال الدين البكري الشافعي عن قضاء ثغر ~~الإسكندرية ، ووليهأوحد الدين محمد بن شهاب الدين أحمد ~~العجيمي البلقيني قاضي المحلة، واستمر قضاء المحلة بيده، واستناب ~~فيه صهره الشرف بن أبي المكارم بن قاسم، ثم بلغنا أن الدويدار PageV03P141 ~~الكبير يونس، لما ورد إلى دمياط، نادى بكف الأذى وأن من أفسد فلا ~~يلومن إلا نفسه، ثم أتبع القول الفعل، فضرب وقتل وهول فيهم ~~الزواجر، فانكفوا أعظم انكفاف، حتى رجع; كثير ممن كان رحل. # وفي يوم الثلاثاء، عاشره رسم السلطان بتوسيط ثلاثة: عبد طلب من # شخص ليلا درهما، فقال له: ما معي شيء، فضربه، فقبض عليه ~~بيديه فطعنه بسكين، فلما عرف انه أتلفه شد عليه بيديه (وكان رجلا ~~ايدا وكان مسكورا) وصاح فنزل إليه جيرانه، فقبضوا عليه، فأودع ~~السجن، وبدوي، كان يقطع الطريق، وتركماني قتل جنديا، ثم كثر ~~إتلافه لأهل الفساد من أهل البر والمدينة، فمكث أياما متوالية يوسط ~~كل يوم ناسا، وتارة يصلبون، وتارة تعلق رؤوس من يقتلونه في نواحي ~~البر، ولا يزداد الأمر إلا فسادا، فلا قوة إلا بالله. # وفي هذا الحد، وهو عاشر شوال سنة أربع وستين مات الشيخ أبو ~~الفضل المغربي، علامة زمانه ونادرته في عنتاب كما سيأتي في أوائل ~~سنة خمس وستين رحمه الله. # وفي هذا الحد، نهب بنوا حرام من أهل الشرقية، قرية بلقس وقف ~~الأشراف؛ فأخذ نقيب الأشراف جماعة منهم، وطلع بهم إلى السلطان، ~~فشكوا حالهم إليه، فقال: من فعل ذلك؟ فقالوا: قرية كذا، وقرية ~~كذا، وسموا له المفسدين. فسكت، فلما طال سكوته، قال الأمير PageV03P142 ~~بردبك الدويدار: اذهبوا، حتى يكشف السلطان عن هذا الأمر، ~~فانفصلوا على ms531 ذلك. # وفي يوم الاثنين سادس عشر شوال المذكور، الموافق لحادي عشر ~~شهر مسري من أشهر القبط، نودي على البحر بزيادة ثلاث عشرة ~~إصبعا، فوفى ست عشرة ذراعا وثماني أصابع من الذراع السابعة عشرة؛ ~~فنزل ولدا السلطان، أحمد ومحمد فخلقا المقياس، ثم رجعا ففتحا ~~السد، وكان معهما جاكمو ابن صاحب قبرس، الذي جاء يسعى في ~~ولايتها وعزل أخته وذمهم الناس على ذلك، والله الموفق، وجرت المياه في ~~خلال القاهرة في الخلجان، وصار السقاة يملأون فيها إلى سادس عشر ~~محرم وهو الموافق لثالث هتور من أشهر القبط، فمنعوا من الخليج ~~الأدنى فكانت مدة انتفاعهم به ثلاثة أشهر كاملة. # وفي سابع عشره نودي بزيادة ثماني أصابع، فذلك ست عشرة إصبعا ~~من الذراع السابعة عشرة. # وفي هذا اليوم سافر الأمراء المعينون إلى جزيرة قبرس ورأسهم ~~الدويدار الكبير يونس، صهر السلطان، وأمير البحر المتكلم على ~~المراكب عند خروج العسكر إلى البر الأمير قانم التاجر، وذلك بسبب ~~ابن ملك قبرس المسمى جاكمو، لينزعوا الملك من أخته ويملكوه ~~عليها. وكان سفرهم بعد أن ملئت القاهرة بسببهم فسادا، وبلغني أن ~~دمياط خلت خوفا منهم ممن لا يقدر على النقلة، فالله المسؤول أن PageV03P143 ~~يكف أذاهم. وتأخر سنقر الزردكاش، ليقبض على من عساه يتأخر ~~من النواتية أو غيرهم من البحرية، فاستمر نحو خمسة أيام، ثم سافر، ~~فيقال عنه: فساد كبير وهو منحدر من نهب: البطيخ والتين، وأخذ من ~~يلقاه يلزم بالسفر معه قبحه الله. # وفي يوم الأربعاء ثامن عشر شوال هذا، مات الشريف صدر ~~الدين عبد القادر ابن الشريف شرف الدين محمد اليونيني قاضي ~~الحنابلة ببعلبك، وكان يعاديه قاضي الشافعية وابن قاضيها علاء الدين ~~علي الشهير بابن قرقين، وكان غاية في الساد، لا يكف عن قتل نفس ~~ولا ما دونه من أنواع الفجور، وكان قد اتفقت له قصة مع نائب الشام؛ ~~بسبب أنه نسب إليه قتل في مسكره، فأحضره وغرمه مالا كثيرا، فتفلت ~~وهرب إلى القاهرة، فأرسل ورائه قاصده ليرده السلطان إليه، فتعصب له ~~كاتب السر المحب بن الشحنة، فلم ms532 يتمكن منه قاصد نائب الشام، ثم ~~استمر في بيت كاتب السر يفتح أبواب الشرور، فاتفق أن ورد إلى القاهرة ~~أحد دويدارية نائب الشام، فحسن له ابن قرقين أن يأخذ معه مراسيم ~~بالكشف على هذا الشريف وأخبره أنه يحصل من ذلك مال كبير ~~ففعل فسافر إلى بعلبك ووضع الشريف في القلعة، ونادى في البلد: من PageV03P144 ~~له عنده ظلامة فليرفعها. فلم يظهر في جهته شيء، ولا شكاه أحد، ثم ~~علم بذلك الأكابر، وعلموا أن الأمر من ابن قرقين، فأعلموا نائب ~~الشام، فأرسل إلى دويداره ليلطف به، وأقدمه إلى دمشق بعد أن غرم ~~ستمائة دينار، وكتب له نائب الشام إلى السلطان فمن دونه كتبا حسنة، ~~وأرسل قاصدا بذلك، فاتفق موته في التاريخ المذكور، وهو يوم دخول ~~قاصده إلى القاهرة، فلما بلغ خبر موته زور عليه ابن قرقين ورقة تقتضي ~~إذهاب وظائفه، وجميع تعلقه لكاتب السر، فاتفق أن كان البدر ابن ~~المزلق ناظر جيش الشام في القاهرة، فسعى في القضية إلى أن كتب له ~~توقيع بأن تعلقه لابنه شرف الدين محمد بن صدر الدين المذكور، وذلك ~~على نحو مائتي دينار لكاتب السر المحب بن الشحنة. # وفي يوم الخميس تاسع عشر شوال هذا، خرج محمل الركب ~~الحجازي إلى بركة الحاج، وأمير المحمل تمر باي القرمي، تاجر ~~الماليك وهو في غاية ما يكون من فساد السيرة وقبح السريرة، وبغض ~~الفقهاء وأهل الخير، والتجاهر بسبهم وضربهم، حنى الله الركب من ~~شره،وأمير الأول تنم الساقي، أحد رؤوس النوب. PageV03P145 ~~وفي يوم السبت حادي عشريه، سار الأول من البركة. # وفي يوم الأحد ثاني عشريه، سار المحمل صحبهم الله ~~وحماهم من شر أميرهم، وسافر معهم خطيب مكة أبو الفضل النويري، ~~بعد أن اشتد سعيه في نظر الحرم، فلم يجب، وكان بعض الصلحاء قد ~~قرر عند أخصاء السلطان بعض أخلاقه الذميمة، على وجه لا يمكن ~~دفعه، فقام الدليل على ذلك وعلى غيره، فعرف على ما هو عليه، وشرعوا ~~ينقبون عن أخباره، ويذوقون مقاصده، ولعلهم سمعوا ما كان رمي به ~~في السفرة التي ms533 قبل هذه مع عبيد فراش السلطان، فإنها كانت قضية ~~شنيعة نظم فيها بعض الأدباء أبياتا وكثر تناقل الناس لها، وسؤالهم عنها، ~~فكانت تحكى بأسانيد متصلة على وجوه مفصلة، والله ولي التوفيق. # وكان السلطان، قد أرسل جندا إلى الصعيد؛ ليكفوا شر العرب وأمر ~~عليهم خشقدم أمير السلاح، فاتفق أن بيته العرب ليلة من الليالي، ~~فنالوا منه، وهزمه إلى البحر، فعثر وهو في البحر على مركب فيه عرب ~~كثير، فأمر بالقبض عليهم. فقالوا: نحن كنا في القاهرة، ولا تعلق لنا ~~بمن حارك، ونحن ن قلاحي سقر الزردكاش، ثم رآهم يكرون ~~التلفت إلى أمتعتهم، فارتاب منهم، فأمر بتفتيش الامتعة فإذا فيها دروع ~~كثير، فقال: ما هذا؟ قالوا: أرسلها معنا الزردكاش. فقال: أمعكم ~~كتب؟ فقالوا: لا. ففتشهم، فإذا معهم كتب إلى ابن غريب وذويه، ~~وهو الذي حارب أمير السلاح، يهون فيها أمر الجند، ويأمرهم ~~بمحاربتهم ويعدهم بعمل مصالحهم عند السلطان وحمايتهم من كل ما ~~يخافونه، فأرسل ذلك أمير السلاح إلى السلطان. PageV03P146 ~~هكذا شاع في القاهرة، ثم قدم عبد الله الكردي، المعروف الآن بتغري ~~بردي من البهنسة، وكان على إقطاع قرقماش خال العزيز، رأس ~~نوبة النوب، وكان ممن واقع العرب، وتجرح منهم، فسألته عن ذلك ~~فصدقه، وقال إنه محقق، فشاع في القاهرة أن السلطان لما بلغه ذلك ~~أرسل من يحضر الزردكاشمن دمياط في قيد وغل وهو الزنجير، وروفع ~~بأنه حصل في جزيرة هذه السفن، التي عملها في هذه المدة الطولة مالا ~~جزيلا، ربما قالوا: أنه خمسمائة ألف دينار، والله تعالى يزيده نكالا، ثم ~~لم يظهر لهذه الإشاعة صحة، فإنه لم يحضر. # وفي هذا الحد وهو أواخر شوال تكلم منصور في صهره الزين ~~الإستدار من أنه يأكل مال الديوان، وأن في جهته مالا جزيلا، فوضعه ~~السلطان في الحديد، وسجنه في البحرة، بالقلعة أياما، فلم ينهض ~~بتحرير شيء في جهته، فضربه الأجلاب ضربا شنيعا، وخلع السلطان ~~على الزين يوم الاثنين مستهل ذي القعدة الحرام، من سنة أربع وستين PageV03P147 ~~هذه، واجتمع له اللائق، سرورا به، وكان يوما مشهورا. ms534 # وفي هذا الحد، وصل البدر حسن بن الخواجا الكبير شمس الدين ~~محمد بن المزلق ناظر جيش الشام، إلى القاهرة، فأنزله الزين بن مزهر ~~ناظر جيش مصر في بيت عبد الباسط على بركة الرطلي، وكان قد قسم ~~قسمين، وكان البرهان بن الديري الذي أخذ عنه ابن مزهر نظر الجيش ~~ساكنا في أحد القسمين، فشق على ابن المزلق إنزاله هناك؛ وكان يريد ~~النزول في وسط البلد، في غير جميل أحد، فإذا الأمر قد أحكم مع ~~السلطان، فشكى ضيق المنزل، ثم تحول منه إلى بيت بني الجيعان على ~~البركة أيضا، ووصل معه الشيخ نجم الدين محمد بن القاضي ولي ~~الدين عبد الله بن القاضي زين الدين عبد الرحمن بن قاضي عجلون ~~الشافعي. ### || # وفي يوم السبت سادس ذي القعدة، كان آخر شهر مسري، سلخ ~~السنة القبطية. ~~وفي يوم الأحد سابع ذي القعدة، وهو الموافق لأول أيام النسيء، ~~نودي ان البحر زاد إصبعين، فوفى إحدى عشرة إصبعا من تسع عشرة ~~ذراعا، وما علمت أن الزيادة بطلت يوما من الأيام مع المقاطع التي ~~تقطع؛ لتنبسط منها المياه على الأراضي، ومع ذلك فالناس يتزاحمون على ~~الغلال يشترونها، ويخزنونها، حتى غلت أسعارها بعد أن كانت انحطت PageV03P148 ~~وعزت، بعد أن كنت هانت، فلا قوة إلا بالله، وسألت بعض الناس ~~عن سبب ذلك، فقيل: انقطاع الطرق من عرب هوارة جماعة ابن ~~غريب؛ فإنهم بطروا بكسرهم أمير سلاح، وزادهم ذلك، أنه قدم إلى ~~القاهرة، ولم يرابطهم بعد هزيمته شيئا حتى قيل: إن بلاد الصعيد ربما ~~يتعطل زرعها في هذا العام، لهذه الفتنة، وقال بعض الناس: بل أخبر ~~أهل التقويم الداخلون فيما لا يعنيهم من الأمور المستقبلية بالغلاء، ~~فحزن بعض الأمراء، فتبعه الناس، نسأل الله القوي الكريم إكذابهم ~~وإرخاص الأسعار آمين. # وفي هذا الحد ولي القاضي أبو الوفا شمس الدين محمد بن الحمصي ~~قضاء الشافعية بغزة، عن ابن مفلح، وذلك أن خليل بن مفلح أخا ~~شرف الدين موسى القاضي بغزة، لما بالغ في أذى أخي أبي الوفاء، رق له ~~كثير من الناس، ms535 وكان منهم جماعة من أخصاء المقام الشهابي أحمد، ولد ~~السلطان، فرققوه عليه، وقاموا في أمره إلى أن ولاه. # وفي يوم الاثنين ثامن ذي القعدة، ساعد شخص من أكابر ~~الأجلاب يقال له: جانبك حبيب، شخصا في شيء، وكان في ذلك ~~معارضة لشخص آخر من أكابرهم، فتعصب لكل منهم ناس إلى أن ~~كانوا فئتين، فركبوا ونزلوا إلى الرميلة، وهموا بالقتال، فنزل إليهم مقدم ~~المماليك ولم يزل يتردد بينهم حتى انكش بعضهم عن بعض. PageV03P149 ~~وفي يوم الخميس، حادي عشره عمل موكب سلطاني؛ بسبب أنه ~~قدم عليه رسول من النبادقة، فلما اجتمع بالسلطان وخرج سأله ~~بعض المباشرين (على ما قيل): في أي شيء جاء. فقال: ما أذن لي أن ~~أكلم في حاجتي غير السلطان في خلوة، واليوم كان السلام، وبعده ~~يكون الكلام، فاختلف الناس، فقيل: إنه قدم يشكوا من أن المتكلمين ~~عن السلطان في البهار، مثل ابن المزلق، وابن قليب يضيقون عليهم ~~ويظلمونهم ويسندون ذلك إلى السلطان، وقيل: بل صاحبة قبرس ~~أرسلته؛ يتلافى خاطر السلطان في إبقائها على الملك، وعدم غزوها. # والسبب في إرسالها تارة من الكيتلان، وتارة من البنادقة، أن الجزيرة ~~مستضعفة فأيدي جميع الكفار عليها. هذا المظنون والله أعلم. # فلما خاب رسولها الكيتلاني؛ لما تقدم لطائفته من العداوة للسلطان، ~~ولابن عثمان جعلت هذا الثاني من البنادقة المعروفين بالتجارة وعدم ~~الإمعان في الشر، ثم تحرر أنه إنما قدم بسبب مظالم أحدثت عليهم في PageV03P150 ~~البهار والقطن وغيرهما، فقال لهم الأمير بردبك صهر السلطان ~~ودويداره: إن كان شيء أحدث من عشر سنين فأنا ضامن إزالته، فرضوا ~~بذلك. # وفي هذا الحد، تزوجت بنت بردبك العجمي بابن أسنبغا الطياري ~~وكانت قبله عند ابن الزين ابي بكر بن مزهر، فخطب بنت القاضي بهاء ~~الدين محمد بن النجم ابن حجي فأجابوه، بشرط طلاق العجمية، ~~فأجاب ثم لما دخل على بنت حجي راجعها، ثم جرت بينهم أمور، ~~وترافعوا إلى السلطان وزوجه خوند مرارا كان آخرها أن طلق بنت ابن ~~حجي، بعد أن تواتر وصح أنها حبلى منه مع بكارتها، مع ms536 أنه شاب لم ~~يبلغ أربعين سنة، بل ولا خمسا وثلاثين فيما أظن، ولكن به ارتجالا لا ~~يقدر على افتضاض بكر، ثم إنه سأل في إعادتها بعد أن حجت مع أمها ~~وأخيها سنة ثلاث وستين، فاشترطوا بت طلاق العجمية، فطلقها ~~ثلاثا، ثم إن ابن أسنبغا تزوجها الآن بعد أن ثبت طلاق ابن مزهر لها ~~ثلاثا بقاض، فلما بلغ ابن مزهر ادعى أنه لم يبت طلاقها، فلما بلغه ~~إيصال ذلك بحاكم بشهادة من لا يقدر على الطعن في شهادته ادعى أنه ~~كان مختل العقل حين طلقها، غير واع لما يقول، وأثبت له هذا زوج أمه ~~العلم صالح البلقيني، فبلغ ذلك ابن أسنبغا فأخذ كتاب طلاقها ~~وكتاب زواجه لها، وطلع بهما إلى السلطان، فلما شرح له القصة، قال ~~الأمير بردبك الدويدار صهره: أنا سألت ابن مزهر عنها في الجمعة ~~الماضية فقال: طلقتها ثلاثا.فأرسل السلطان إلى العلم يقول له: لا ~~تتكلم في هذا الأمر، وإن تكلمت فيه فأنت معزول فانتهى. PageV03P151 ~~وفي يوم الأحد ثاني عشر ذي القعدة هذا، الموافق لأول توت، أول ~~سنة القبط، وهو الذي يسمونه يوم النيروز، تعدى بعض العربان، وفتح ~~سد الأميرية، وقد كان من سنيات يفتح فيه، ثم صاروا يؤخرونه أياما؛ ~~فنقص البحر، بسبب ذلك، بعد أن كانت انتهت الزيادة إلى تسع عشرة ~~إصبعا من الذراع التاسعة عشرة، وكان مجموع النقص لذلك عشر ~~أصابع إلى يوم الاثنين نصف ذي القعدة، ثم نودي يوم الثلاثاء بزيادة ~~خمس أصابع من النقص، واستمر في زيادة إلى أن وفى النقص وأكمل ~~الذراع التاسعة عشرة، ونودي يوم الاثنين ثاني عشري ذي القعدة الموافق ~~لعاشر توت بزيادة ثلاث أصابع من الذراع الموفية عشرين، واستمر إلى ~~أن وصل في آخر ذي القعدة إلى سبع عشرة إصبعا من عشرين ذراعان ثم ~~كان بعد ذلك يزيد تارة، ويثبت أخرى، وينقص أخرى. # وفي هذا الحد بلغنا أن مدايني المحب الباعوني الذي كان ولي قضاء ~~بيروت وصيدا وأعمالهما شكوا عليه إلى نائب الشام الأمير جانم أخي ~~الأشرف، فأحضره، فلما تحقق سوء ms537 سيرته وما هو منطو عليه من أنواع ~~الفسق والتهاون بالدين ضربه بالمقارع وأودعه السجن أصاب فيه سبيل ~~الرشاد. # وفي يوم الأربعاء سابع عشر ذي القعدة هذا، قدم علي بن غريب ~~من سجن إسكندرية وسلخ جلده، وحشي تبنا وأركب فرسا ومروا به ~~في وسط القاهرة ليذهب به محمد الصغير (بالتصغير مثقلا) إلى بلاده، ~~كذلك لينكى به طائفته من العرب، لأن مرادهم بإمعانهم في الفساد أن PageV03P152 ~~يطلقه السلطان، فعوملوا بضد مرادهم إعلاما بأنها عبرة بهم، ولا خوف ~~منهم، وإن هزموا طائفة من الأجناد، لأن ذلك على خلاف القياس، لا ~~لوهن في عسكر السلطان، ولا لخلل في المملكة، والله تعالى المسؤول في ~~إصلاح الحال، فإنه نشأ من الفساد في الشرقية والصعيد؛ غلاء سائر ~~الحبوب لقلة الجلب، لخوفالجالبين على أنفسهم، وعاقة أهل الصعيد ~~من الزراعة. # وفي هذا الحد، بلغنا أن علاء الدين علي بن بلبان شيخ كرك نوح ~~خنق، وسبب خنقه أنه كان له مدة سنين لا يحضر على الحكام مع إرسال ~~خراجهم، وما يجب من أمورهم، والسعي في كل ما يأمرون به، فهو ~~عاص في صورة مطيع، وكان حاجب الحجاب جانبك مملوك برسباي، ~~الذي كان حاجبا قبله بدمشق، ثم ناب في طرابلس شديد الحنق عليه؛ ~~من أجل أن كرك نوح في إقطاعه، فهو فلاحه ولا يحضر إليه، فكان يتوقع ~~الظفر به، وأن يسجنه في القلعة ويخشى من المعارضة، فكان يستنجز ~~مراسيم السلطان بذل مرسوما بعد مرسوم، إلى أن اجتمع عنده منها ~~عدة، منها واحد بقتله، وكان شيخ الكرك قد وقع بينه وبين إخوته، ~~وبقية أقاربه (ويعرفون ببني الحريس) شحنا، أدت إلى وهن كلمته، ~~فخرج من الكرك إلى الفرزل، فلما طال عليه الأمر كان مال إلى ~~الحضور على الدولة ليقوي جانبه وكان يصانع الأكابر وكان بينه وبين ~~جانم الذي صار نائب الشام صحبة، فلما ولي الشام قصده إلى حلب، ~~فطيب خاطره وولاه التقدمة على البلاد التي كانت بيده غير الكرك. PageV03P153 ~~وطال طلب الحاجب له من نائب الشام وهو لا يمكنه منه، فأرسل ~~إليه الحاجب ms538 من أطعمه في توليته الكرك على عادته، وكان قد بنى بها ~~مدرسة وأبنية هائلة؛ فمال إلى ذلك، فاستأذن نائب الشام جانم في ~~القدوم إلى دمشق لاسترضاء الحاجب، وسأله حمايته منه إن لم يرض، ~~فأجابه، فنزل إلى دمشق، نزل عند [ناصر] الدين.. ابن شبل ~~الذي كان محتسبا بدمشق، وهو كان السفير له في جميع ذلك. # فأرسل الأمير جانم، نائب الشام إلى أستاذه حاجب الحجاب ~~جانبك، مع ابن شبل المحتسب ليرضى عنه، فوضعه في الحديد، ورفعه ~~إلى القلعة، فغضب النائب، وسأله في إطلاقه، فلم يفعل، وقال: هذا ~~مرسوم السلطان بقتله. فقال النائب: بأي جرم يقتل؟! وأرسل إلى ~~نائب القلعة وألح في الأمر، فسلمه نائب القلعة لجماعة النائب، فوضعه ~~في المسجد الذي في دار السعادة، فشنع الحاجب بأن نائب الشام عاص ~~للسلطان؛ لأنه لا ينفذ مراسيمه، وتكلم بهذا بعض من أطاعه ومن ~~الأكابر، وتشاوروا على المكاتبة إلى السلطان بذلك، فبلغ النائب، ~~وعلم أنه لا غرض للحاجب في قتل شيخ الكرك، وإنما قصده التمكين ~~منه، ليصل منه إلى أغراضه، من عمارة الكرك ثم ما يلزمه به من المال، ~~فطلب النائب الوالي ليلا، وأمره بقتله، فأصبح معلقا في المشنقة تحت ~~القلعة، و(صار) بذلك ممتثلا لمرسوم السلطان، وأدحض حجتهم ~~فيما نسبوه إليه. PageV03P154 ~~فلما سمع الحاجب، عظمت المشقة عليه، وأنزله من المشنقة، ~~فأرسله إلى الكرك ليدفن في مدرسته، ولم يسعه إلا السكوت، ثم دخل ~~الناس بينه وبين لنائب، فتصالحا وألبسه النائب خلعة وفي القلوب ما ~~فيها. # وكان علاء الدين هذا، عاقلا، رزينا، تام البدن، حسن التكوين، ~~شهما شجاعا، ذا نفس أبية ومكارم. ولكنه كان رافضيا كأسلافه على ما ~~يقال، والله أعلم. # وفي يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة من سنة 64 ~~المذكورة ولي أبو السعادات محمد بن تاج الدين محمد بن قاضي ~~القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام عمر البلقيني نظر ~~خانقاه سعيد السعداء، على مبلغ بذله للسلطان قيل: إنه ثلاثمائة دينار، ~~ومبلغ بذله للساعي له في ذلك، ولبقية المباشرين، بحيث كان مجموع ما ~~بذل ms539 نحو خمسمائة. # وكانت هذه الوظيفة قد آلت إلى الزين أبي بكر بن مزهر، فرآها كثيرة ~~الشر، عديمة الخير؛ لأن أبا الخير النحاس بدأ في خرابها، بسبب أنه ~~كان فيها نحو أربعمائة صوفي، فلم ينكب إلا وقد جعلهم نيفا وسبعمائة، ~~ثم زادها شرف الدين موسى الأنصاري خرابا، وباع كثيرا من أوقافها، ~~فلما رأى ابن مزهر أمرها استعفى منها في شهر رمضان من هذه السنة، ~~فنفر الناس منها، فكانت كلما عرضت على أحد من أهل الدنيا أباها PageV03P155 ~~لأنهم لا يقصدون إلا موضعا يأكلون منه، وهذه الآن لا يقبل عليها إلا ~~رجل يريد الخير في بذل نفسه وماله وجاهه في عمارتها، وذلك تعب كله، ~~أو رجل أحمق، فكان هذا أحمق الحمقى؛ فإنه زاد على الحمق بذل المال ~~الكثير، فكان ذلك موجبا لأن تذاكر أمره المقام الشهابي بن السلطان، ~~والقاضي كاتب السر، فقال ابن السلطان: هذا البيت (يعني البلاقنة) ~~ليس فيهم عاقل، هذا فعل بنفسه ما ترى، وذاك الذي ولي قضاء دمشق ~~(يعني ولي الدين بن تقي محمد بن بدر الدين محمد بن شيخ الإسلام ~~عمر) بذل بيته الذي عمره أبوه، وهو من محاسن البيوت، وماله فكان ~~جملة ما تكلف نحو سبعة آلاف دينار، حتى ولي قضاءها، وهو يحلف ~~جهد أيمانه أنه لا يرتشي، ولا يأخذ من وقف ولا غيره درهما من غير ~~حله، فهذا إن وفى بما قال، فهو في غاية من قلة العقل، وإن لم يف فهو ~~في غاية ما يكون من قلة الدين، يعني ولا يعتذر عنه بأن قصده الجهاد في ~~لله، فإنه لا يمكنه في هذا الزمن مع ما حذر به النبي صلى الله عليه وسلم من الولايات ~~في كل زمان، فضلا عن زمان الفتن، لاسيما والذي عزله من الوظيفة، ~~من أهل العلم والدين، وقد جربت عفته وأمانته وسياسته، ووفور عقله ~~نحو عشرين سنة. # وأما هو فجربت سيرته في أيام قريبه العلم على أيام الظاهر بضد ذلك ~~وكان مما حفظ عنه من الطامات أن السعد إبراهيم بن الجيعان القبطي ~~بنى ms540 مدرسة على شاطئ [النيل] بين الحجازية والبرابخية PageV03P156 ~~في سنة ست وخمسين، وسبع وخمسين، فلما كملت ولوا خطابتها ~~لصديق لهم من ديروط. وكان رجلا صالحا، مقرئا خيرا، لا يعرف ~~الرياء، فخطب خطبة أبلغ فيها من التحذير من الظلم ومن فعل الخير ~~بغير الحلال إلى غير ذلك من المواعظ التي أخذها الباني وأقاربه ~~لأنفسهم، ثم قرأ في صلاة الجمعة {ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } الآية [التوبة:17]، مما [يفهم] أنه ~~قصدهم بجميع ذلك، وأشار بالآية إلى سوء أصلهم، فصرفوه، وولوا ~~القاضي ولي الدين هذا، وكان موصوفا بحسن الصوت والأداء للخطبة، ~~وكان يخطب في زاوية الشيخ مدين فخطب خطبة راءاهم فيها، ثم قرأ في ~~الصلاة: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين، ~~شاكرا}[النحل:120-121] ووقف على شاكرا، لأن علم الدين أخا إبراهيم اسمه شاكر، ~~فعد الناس ذلك عيه، وقالوا: إن كان ذاك أساء الأدب فهذا كفر. # وأما كبيرهم، العلم صالح فأمره معروف في سفاف الأخلاق في علمه ~~ودينه، وأنه رضي من حياته بما هو فيه من أكل الرشى، وتغيير الأحكام، ~~غير محتشم في ذلك من قريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع. PageV03P157 ~~قلت: ولعمري إن هذا الذم فيهم بعض الذم في مواليهم، وما أشبهه ~~بقول الحلاج المقتول عن الزندقة مجيبا لبعض أصدقائه: وكل كتاب ~~جاءني فرددته إليك بلا رد الجواب جوابي. # وفي يوم لبس الخلعة شرع أبو السعادات في تحصيل ما غرمه فيها، ~~فأرسل إلى كل ذي وظيفة فأحضره، وفتح له باب نكد في وظيفته، فلم ~~يصل من أحد منهم إلى شيء حتى إنه أحضر بواب جبانتها وهي المسماه ~~بمصر التربة فقال له: أنت حصلت في هذا الطاعون ألفي دينار ثم ~~حاوله على أن يأخذ منه شيئا، فلم يعطه واجتمع ببعض الأكابر واشتكى ~~عليه فبعثوا إليه، فتركه وأرسل إلى جابي عمائرها فأراد منه شيئا، فقال له: ~~إن الأماكن خرابة وأنا أداريها مداراة، فليس بها إلا التعب. فألح عليه، ~~فقال: تركت جبايتها، فانظروا غيري. وكان لما ms541 لبس الخلعة ركب معه ~~قريبه العلم صالح قاضي الشافعية، والحسام بن حريز قاضي المالكية، ~~وبعض نوابهم، وأتى إلى الخانقاة، فلما جلسوا بها قال العلم: اليوم ~~مسامحة، أي يصرف للناس معلومهم من الخبز وغيره،من غير حضور في ~~وقت العصر، وقاموا على ذلك، فلما أرسل إلى من ظن أنه يرشوه، وما PageV03P158 ~~حصل منهم على شيء أمر بكتابة الغيبة على الناس، فكتب عليهم ~~ولم يصرف لأحد شيئا، لأنهم لم يحضروا اعتمادا على المسامحة، فأطلقوا ~~ألسنتهم بثلبه والدعاء عليه، فلم يحصل له من مجموع تصرفه إلا الثناء ~~السيء الموجب للعار وغضب الجبار فلا قوة إلا بالله. # وفي هذا الحد رسم بكتابة مرسوم إلى نائب صفد أن يعيد نفي ~~القاضي بدر الدين ابن القف إلى القدس الشريف، وأمر كاتب السر أن ~~يخفي ذلك عن كل أحد، لئلا يطلع عليه الأمير بردبك صهر السلطان، ~~فيشفع فيه ففعل ذلك، ولم يبلغ الأمير بردبك ذلك إلا من السلطان، ~~بعد أن ظن أن ابن القف قد صار في القدس، فلم يسعه إلا إظهار ~~الرضى والتسليم لما ظهر له من عظيم رغبة السلطان في ذلك. # وفي ثاني عشري ذل القعدة هذا اختفى الزين يحيى ~~الإستدار؛ لعجزه عن سد وظيفته، وذلك لقلة الحرمة بانتشار ~~الكلمة، وسمعت أنه كان آخر ما ظهر من أسباب هربه أنه حكم فيه ~~الخولة الذين في بلبيس بشيء، فاجتمعوا عند رأس الأجلاب جانبك ~~حبيب، فأتاه فقال له: لم تتعرض إلى خولة بلبيس؟ فقال: PageV03P159 ~~وهل ينكر علي ذلك وأنا إستدار السلطان، وكاشف الجسور؟! فقال: ~~نعم، لا تتعرض إليهم. فقال: لا أتركهم. فقال: إن تعرضت إليهم ~~شبعت عنقك من السك. فاستعظم ذلك، ثم شرع يدعو لابن ~~الأهناسي استصوابا لرأيه في الهرب من الوزر، ثم اختفى بعد يومين من ~~هذا الكلام، فجعل سداد الوظيفة، وأمر المباشرين بها إلى الأمير فيروز ~~الخزندار الزمام الخصي، وأعين بما سد به إلى أن ألبس منصور صهر ~~الإستدار خلعة الإستدارية يوم الاثنين سلخ ذي القعدة هذا. # وفي ذي القعدة هذا، صاهر ابن الشحنة القاضي بدر ms542 الدين [الحسن ~~ابن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن أحمد] بن الصواف ~~الحنفي الحموي، وسار قاضي الشافعية بحلب جلال الدين أبو البقاء ~~محمد بن قاضي الحنفية بها أثير الدين محمد بن كاتب السر المحب محمد ~~بن الشحنة من حلب إلى حماة، فعقد لعمه أبي البر بن المحب علي ~~بنت بن الصواف، وسار معه جمع جم لذلك. PageV03P160 ~~ولما انقضى يوم الاثنين التاسع والعشرون من ذي القعدة تراءى ~~القضاة الهلال ليلة الثلاثاء على مئذنة المدرسة المنصورية بالقاهرة على ~~العادة، فلم يخبر أحد من الناس برؤية الهلال إلا شخص أسود كان عبدا ~~من جماعة العلم صالح البلقيني قاضي الشافعية وآخر من آحاد أتباعهم ~~فأشير إلى القاضي ولي الدين محمد بن الشهاب أحمد الأسيوطي أن يسمع ~~شهادتهما، فسمعها، ثم قال: من رآه غيرهما، إشارة إلى عدم الاكتفاء ~~بهما، فقال: العلم: يكفي، يكفي. فعلم الأسيوطي مراده، وكان قد ~~لان جانبه بموت ناظر الخاص الجمال يوسف، وكان قريب عهد بتغيظ ~~السلطان عليه؛ من أجل إبطائه عن الحضور لقراءة البخاري، وفي ~~الوقت الذي أراده السلطان. فقال: يكفي. ثم انتظر الناس أهل القلعة ~~وبولاق وغيرهما، فلم يتحد أحد برؤيته، ولا جاء أحد من أهل القرى ~~فأخبر بشيء من ذلك؛ فاتهم الناس العلم بأنه فر مما يشاع أن الملوك ~~يتشاءمون بموافقة العيد للجمعة، فلم يضح كثير من الناس يوم ~~الخميس، ولا قوة إلا بالله. ### || # وفي يوم الثلاثاء، الذي جعلوه أول الشهر سلم القضاةعلى السلطان ~~في إيوان الدهيشة، بكرة على العادة، إذا لم يكن اليوم يوم خدمة، فطلع ~~معهم أبو السعادات؛ لأجل نظره على سعيد السعداء، ولم تكن له عادة ~~بالسلام، فذهب إلى الميمنة يروم الجلوس إلى جانب القاضي المالكي PageV03P161 ~~فسبقه السراج عمر العبادي إلى ذلك على عادته، فجلس دون العبادي، ~~ثم بعد أن استقر بكل أحد مجلسه، وثب من مكانه وجاء إلى الميسرة، ~~فجلس فوق نقيب الأشراف إلى جانب الحنبلي، فلم يوسعوا له فصار ~~جلوسه أمامهما وعلى بعض ثياب كل منهما، فاستسمج الحاضرون ~~ذلك منه، ms543 وقضوا بجنه وأخذته ألسنتهم في المجلس، بعد انقضائه، ~~وصار سبة في البلد، ما لغالب الناس شغل إلا الحديث فيه، ودار ~~العبادي على من يعرفه من الأكابر، وذكر لهم أنه يخاف أن يدافعه في ~~الجلوس في الشهر الآتي، فوعدوه بأنه إن فعل منعوه، فلم يعد إلى ~~الحضور لذلك. # وفي يوم الأحد ثاني عيد النحر نودي أن الفضة تكون بالميزان، وكان ~~الناسمن حين أصلحها السلطان يتعادونها، فشق ذلك عليهم؛ ~~لإلفهم له، والمشقة في مفارقة المألوف معروفة، فأكثروا الدعاء على من ~~كان السبب في ذلك، فنودي بإبطال ذلك ورجوع المعاملة إلى المعادة، ~~فاستقر الحال بعد اضطرابه، واستمر البحر يزيد تارة من النقص الذي ~~نقصه بعد أن وصل إلى ستة عشرة إصبعا من الذراع الموفية عشرين، ~~وينقص تارة، ويثبت أخرى إلى نصف ذي الحجة هذا، وهو يوم الثلاثاء ~~الموافق لثالث بابه من شهور القبط، فظهر فيه النقص. ### ||| الكماخي: # وفي هذا الحد، بلغنا أن القاضي محب الدين محمد [بن محمد بن PageV03P162 ~~عمر بن محمود] الكماخي الأصل المصري الحنفي، مات بدمشق، ~~فكأنه مات في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة، كان له تعلق ~~بالشام عند بعض الظلمة، فسافر لخلاصه، وكان فاضلا في الفقه، ~~عارفا بالوثائق، حسن الخط، والعشرة، مليح الشكالة، عذب ~~الألفاظ، وأظنه جاوز الخمسين، رحمه الله.وخلف ولده القاضي برهان ~~الدين إبراهيم، وهو من وجوه النواب الحنفية، عفة ونزاهة وقياما ~~في الحق، مشهورا بذلك على قرب ولايته، وكان في هذا العام قد حج، ~~جبر الله كسره. وأخذ الشيخ أمين الدين الأقصرائي وظائف أبيه له بولاية ~~من السلطان وولاية من النظار جزاه الله خيرا. # ثم بلغنا عقب ذلك موت شرف الدين [أحمد] بن التاج المصري ~~الموقع في دمشق، كان سافر إلى بلاد الشام لتعلقات له في بلاد الشام، ثم ~~رجع إلى دمشق، وكان بها وباء من حمى فمات بها، وكان وقع عند القاضي ~~ناظر الخاص الجمال يوسف، ثم بعد ناظر الخاص، الزين عبد الرحمن بن ~~العلم بن الكويز، ولعله كان قارب السبعين، وكان غير معتمد في ms544 أموره، ~~لا في التوقيع، ولا في الشهادة. # وبلغنا أيضا موت.. بن البطخاصي، ناظر الجيش بصفد، وقدم ~~ابنه.. يسعى في وظيفته. PageV03P163 ~~وفي نحو العشرين من ذي الحجة، وصل الخبر عن الجيش الذين ~~سافروا إلى قبرس أنهم قاربوها في أواخر ذي القعدة، فخرج عليهم ريح ~~عاصف ردهم عنها، وكان ماؤهم قد قل فقصدوا طرابلس، فوصلوا ~~إليها متفرقين فرووا من الماء، واشتروا ما يحتاجون إليه، ثم توجهوا نحو ~~قبرس في ثاني ذي الحجة. وكان الذي كاتب بخبرهم هذا، الأمير شهاب ~~الدين بن قليب إستدار السلطان بها، وعجب السلطان من نائب ~~طرابلس في عدم إرساله بذلك. # وفي أواخر هذا الشهر قدم الشيخ كمال الدين محمد بن أبي شريف ~~القدسي، ومعه أبوه ناصر الدين محمد بن أبي بكر. # وفي هذا الشهر اشترى القاضي محب الدين بن الشحنة، كاتب السر ~~بيت الخطيري، الذي في درب الأصفر مام المدرسة البيبرسية، بعد ~~أن كان حله من الوقفية الجمال يوس ناظر الخاص بن كاتب شكم. # وفي مغرب ليلة الأحد سابع عشري ذي الحجة من سنة أربع وستين ~~هذه، الموافق لخامس عشر بابه، من أشهر القبط وقع مطر متقطع، ~~بحيث زلق الأرض، والمطر في مثل هذا الوقت إيذان بهبوط البحر، وكذا ~~وقع ازداد هبوطه. # وفي هذا الشهر، نزل الأمير بردبك الدويدار عن نظر وقف الأسرى ~~بدمشق، وكان أخذ عن ناظر الخاص، الجمال يوسف عند موته للجمال PageV03P164 ~~الباعوني والنجم محمد بن الولي عبد الله ابن قاضي عجلون بخمسمائة ~~دينار، فأراد النجم الأشهاد على السلطان بالتقرير للحكم في ذلك، ~~فدفع الأمير بردبك القصة لابن مزهر، ليأخذ عليها خط السلطان من ~~غير أن يذكر أنه هو النازل، فأراد ابن مزهر تحويل القضية إلى الولي ~~البلقيني، وأخر القصة في اليوم الذي أعطاه إياه، وكلمه في ذلك حتى ~~غاظه، فقام الأمير بردبك في ذلك ورأى أنه قد اهتضم أمره بأن ينزل عن ~~شيء فيتكلم أحد في رده، فصرح بالقضية للسلطان في غيبة ابن مزهر ~~فأمضاها بعد أن أظهر التعتب على الباعوني وأنه ما قصد بعزله ms545 إلا تأديبه. # وفي أواخر هذا الشهر، مات الشريف محمد بن القبيباتي ~~الشامي عن نحو سبعين سنة فيما أظن، وكان قد قطن مصر في مدة ~~مديدة، وكان له أخ يكفيه أمر تعلقه بدمشق، فمات أخوه في طاعون هذه ~~السنة، فاشتد قلقه عليه، فسافر إلى دمشق بعد رمضان، فمات رحمه الله ~~فلقد كان رجلا عظيما في همته ومروءته ومشورته وبركته وقضاء حوائج ~~الناس، وحسن محاضرته، وكان ملجأ لعباد الله لاسيما الشاميين، رحمه ~~الله. ### | سنة خمس وستين وثمانمائة، أهلها الله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ### || # استهلت بالخميس، بإكمال العدة مع الرؤية، ووافق ذلك ~~تاسع عشر بابه من أشهر القبط فطلع القضاة وهم: العلم البلقيني PageV03P165 ~~الشافعي، والسعد الديري الحنفي، والحسام بن حريز المالكي، والعز ~~الكناني الحنبلي، يسلمون على السلطان في إيوان الدهيشة كما هو العادة، ~~بأنه إذا كن غير أيام القصر يسلمون هناك بكره، وإذا كان أول الشهر ~~من الأيام التي ينم فيها السلطان في القصر فالسلام فيه وقت العصر ~~وكان السلطان قد أمرهم إذا جاءوا للسلام أن يتكلموا في مسالة ~~وعاب عليهم سكوتهم، ففتح الشافعي في هذا اليوم الكلام في شيء فمد ~~السلطان يده إشارة إلى قطع ذلك الكلام، وقراءة الفاتحة والانصراف ~~فأخزاهم بذلك، وكان قد حدث منه بعد السلطنة تجبر عظيم، عرف به ~~أن تواضعه قبل ذلك إنما كان لما تقرر من قواعد الشراكسة، أنهم لا ~~يجتمعون إلا على من يألفون لينه، فلما تمكن استمر على لينه لهم، وظهر ~~تجبره على غيرهم. # وأخبرت عن قاضي القضاة الحنبلي وغيره أنه وقف له شخص من ~~الناس في هذا المجلس بحضرة القضاة، فشكى إليه أن شخصا من ~~مماليكه أسرف في ظلمه ومن ذلك أنه أخذ زوجته، فأمر من قال له: ~~تعال غدا، فعلم من ذلك أنه ما أراد إلا صرفه عنه؛ لأنه لم تجر العادة ~~بالجلوس يوم الجمعة، ولا الحكم، ومن تجبره أيضا أنه كان عاب على ~~القضاة إتيانهم من غير نواب، وكانت عادتهم أن يجلسوا نوابهم بعيدا ~~عن مجلس السلطان أدبا معه، فأحضروهم مرة، ms546 فلما جلسوا تغيظ غيظا ~~عظيما، وأمر بإيقافهم، فوقفوا، ثم أمر بصرفهم على هيئت الغضب، ~~فعلم أنه لم يكن القصد بإحضاره إلا إظهار إهانتهم، ومما يدل على ~~عدم اكتراثه بالدين وأهله، أنه كان على بحرة فسقية الدهيشة هيئة طائر ~~من نحاس مطلي بذهب إذا أجري الماء إليها جرى من منافذه، فكانت PageV03P166 ~~له رؤية، وكان ذلك على أيام الأشرف برسباي، فلما ولي الظاهر ~~جقمق، وكان يظهر النسك، ويلهج بسيرة عمر بن الخطاب؛ إياما ~~أنه يسير بها، فأزال ذلك الظاهر، فلما ولي هذا، أمر بإعادته، فحدثني ~~الشيخ محب الدين محمد بن الأقصرائي أحد أئمته أنه نهاه عن ذلك برفق ~~فلم ينته، فقال له: يا مولانا هذا مانع من حضور الملائكة، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الملائكة لا تحضر بيتا فيه كلب ولا صورة» فقال له: ~~الملائكة تعرف طريقها. فلا قوة إلا بالله، إيله سبحانه نشكوا، ونسأله ~~من فضله ورحمته. # وفي هذا الحد، كان أمير المدينة زبيري قد [سجن] شخصا من ~~أقاربه يقال له دبوس للاطلاع عليه أنه سرق قناديل الحجرة الشريفة ~~النبوية، ثم أطلقه بعد أيام، فأراد أن يفعل فعلة فاحشة، تكون سبب ~~عزل [زبيري من] المدينة، فأتى إلى باب المسجد الشريف، فوجد ~~ناصر الدين أبا الفرج بن القاضي زين الدين المراغي العثماني وهو PageV03P167 ~~رئيس المدينة الشريفة ومن أعيانها في العلم والسند، فضربه بالسيف ~~فحمته العمامة فقطعها وجرحه في كتفه جرحا بالغا، ثم ثنى عليه بضربة ~~أخرى فتلقاها بصنجارة معه، وقرب من الضارب وصاح، فخاف ~~الضارب فهرب وخرج من المدينة، فعلم زبيري أنه ما عمل ذلك إلا ~~لأذاه، فانتدب شخص من أقارب زبير فقتل دبوسا، فقتل شخص ~~من أقارب دبوس قاتله، فانشتر القتل بينهم إلى أن وصل إلى بضعة عشر ~~رجلا، ثم كانت عاقبتهم أن خرجوا من المدينة كما سيأتي، في مثل هذا ~~الوقت من العام الآتي إن شاء الله. # وفي يوم السبت ثالث محرم هذا، وقعت عجيبة، وهو أن شخصا ~~لابسا زي الفقراء مر على بيطار ينعل خيلا لشخص ms547 قبطي من أولاد ~~البقري، فأظهر التوله ووثب على فرس منها فركبه في ولهه ذلك، ثم ~~ساقه وهو يتوله فأبهت الناس فعله، ثم تبعه بعض من له عناية بذلك، ~~وصاروا يسألون عنه، فيخبرون أنه مر سائقا الفرس يتوله، فخرج من ~~باب النصر، ثم اشتد في سوق الفرس، ففات الطلب، ثم قيل إنهم ~~ظفروا به ليلة الأحد في ناحية قليوب، ثم تحرر أن أمير العرب ظفر به هناك ~~فاستنكر أمره، فأخذ الفرس منه، ثم وصل غلام الفرس يقفوا أثره، ~~فأعطوه الفرس، وأرسل بالفقير إلى المقشرة، سجن المجرمين. # وفي آخر هذا اليوم وصل الأمير جانبك شاد جدة، ومعه كثير من ~~الحجاج، ثم طلع إلى السلطان بكرة يوم الأحد، رابع الشهر، فخلع PageV03P168 ~~عليه على العادة، ووصل معه بشير الحاج، وتأخر عن عادته؛ فإن عادته ~~كانت أن يصل بعد الخامس والعشرين من ذي الحجة، وأخبر أن وقفتهم ~~كانت يوم الخميس من غير شك، وأن الحجاج بخير وعافية، وأطلق ~~لسانه في العلم صالح؛ لكونه أثبت أن أول ذي الحجة الثلاثاء، وأنه ~~عمل ذلك بالغرض، فلما بلغ الشافعي عاوده الإسهال الذي ينزل به كل ~~قليل. # وفي يوم الثلاثاء سادس الشهر، قطع أبو السعادات خبز خانقاه ~~سعيد السعداء، وكان قد سار فيها في هذه الأيام اليسيرة أقبح سيرة، ~~بحيث أنه كان لا يمضي لأحد نزولا إلا برشوة يأخذها، ويطلب بفمه، ~~وإن كان بينه وبين المنزول له واسطة سأله ذلك الواسطة بحضرة المعطي ~~أنه وصل إليه ذلك القدر، فيقول: نعم، ويحتج في ذلك بأنه ما وليها ~~إلا ببذل مال منه إلى غير ذلك من السفالات، فشاع له بين الأكابر أقبح ~~صيت، وحصل له غاية المقت، فلما قطع الخبز ضجوا من ذلك ~~بأجمعهم في الخانقاه، وصرخوا بلعنه، وقالوا: ما يحل للأمير بردبك أن ~~يبيع السلطان بثلاثين دينارا. ألم يعلم أن هذه الخانقاه سم على ~~من يتهاون بها، نحن نجمع من بيننا ما بذله هذا للسلطان؛ ليعزل عنا ~~هذا إن كن يبقيه لما أعطاه، ونحو هذا من الكلام، وإنما خصوا الأمير ms548 ~~برد بك بهذا الكلام، وإن كان غيره أخذ أكثر منه، لرجائهم نفعة، فإنه ~~أقرب أهل الدولة إلى الخير والمساعدة فيه، ثم طلبوه إليه وشكوا حالهم ~~معه، فلم يفدهم ذلك شيئا مع اعتراف الأمير بردبك بجنه، وقلة دينه ~~وسوء تصرفه في الخانقاه على قرب مدته. # وفي هذا الشهر، ظهر مرسوم من القاضيين، العلم البلقيني الشافعي، ~~والسعد الديري الحنفي إلى نوابهم، يتضمن منع القاضي فخر الدين PageV03P169 ~~محمد الأسيوطي الشافعي أن يحكم في قضية تتعلق بذمي، ومنع ابنه ~~بدر الدين محمد أن يتكلم في شيء يتعلق بأهل الذمة، ومنع النواب من ~~سماع شيء من أمور أهل الذمة يكون للأسيوطي فيه دخل؛ وذلك لما ~~شاع من أذى المذكور وابنه لأهل الذمة، بحيث لم يكن لابنه مأوى إلا ~~حارة اليهود والنصارى يتبع عثراتهم، فكان هذا المرسوم من أفحش ~~القبائح على الشافعي، وهو لا يشعر، لان من لا يوثق به في أهل الذمة ~~لا يوثق به مطلقا. # وفي هذا الحد وصل مع جلبة المماليك شخص من الشراكسة كهل، ~~يزعم أنه ابن السلطان، فتكلم السلطان مع تاجرهم في أمره، وكان من ~~كلامه، أنه قال: أنا أخذت من بلادنا صغيرا، فلا علم لي بصحة ذلك، ~~فقل لهذا: أنه إن ظهر لنا منه خيرا أحسنا إليه، وإن بدا منه شر فلا هو ~~مني ولا أنا منه وسماه.. فأعجب الناس ذلك ودعوا له بسببه. # وقد أيضا آخر رومي، يقول: إنه خال يونس الدويدار الكبير، # ورأيت الأمير بربك الدويدار الثاني صهر السلطان يتطير من ذلك، ~~ويقول: إنه استقرى أنه ما ورد على عين من الجند قريب له إلا أخذ عن ~~قريب وعد جماعة نحو العشرة. وقع لهم ذلك. PageV03P170 ~~وفي هذا الشهر، انتقل القاضي كاتب السر المحب بن الشحنة إلى ~~بيته الذي اشتراه في درب الأصفر، وهو يعرف ببيت الخطيري، وكان نزله ~~الشمس بن الديري، وابن العجمي المحتسب، وقاضي المالكية الولي ~~السنباطي، وكان قبل وقفا، فحله الجمال يوسف ناظر الخاص ابن كاتب ~~شكم. # وفي هذا الحد، قل طالب الحبوب، فانحل السعر؛ للطمأنينة ms549 بري ~~البلاد، وزرع الناس على عادتهم، فنزل القمح إلى مائتي درهم ونحوها، ~~والفول إلى مائتين وخمسين، والشعير إلى أقل من مائتين، فلله الحمد. # وفي سادس عشر محرم هذا، وهو رابع هتور من شهر القبط، منع ~~الناس من الملء من الخليج، فكان انتفاعهم به مدة ثلاث شهور سواء. # وفي هذا الحد بلغنا موت الشريف محمد القبيباتي في أواخر السنة ~~الماضية كما تقدم، وصلي عليه في جامع الأزهر صلاة الغائب. # وفي هذا الحد أتى إلى علاء الدين علي بن أبي بكر بن علي بن قرقين، ~~الشهير بابن قاضي بعلبك قانصوه الإسحاقي، أحد أشرار الأجلاب، ~~فقبض عليه من بيت كاتب السر المحب بن الشحنة، وكان يأوي إليه، ~~وكان يخيل منه وينهى عنه، ويخبر بخزاياه، وأنه يعاب بتقريبه، فلا يقبل ~~ذلك، وأخذه هذا الجلب على أقبح هيئة إلى بيته (ونعم ما فعل) فهدده PageV03P171 ~~وضربه، وضيق عليه بما أراد، ثم أخذه إلى رأس نوبة النوب قرقماش ~~الجلب وحدثه بأمره، فسجنه في سجن الرحبة، وتناقل الناس قصته، ~~وتساءلوا عن سببها إلى أن ذكر أنها بسبب إقطاع أخذه عن صهره ناصر ~~الدين محمد بن محمد بن دنكربغا الحافظي، وهو حي، وكان قبل ذلك ~~قد جرا بينه وبينه عليه مخاصمات، قصد في بعضها ابن قاضي بعلبك ~~قتله، وبيته في منزله بنفسه وأعوانه فأنجاه الله منهم، ثم آل الأمر إلى أن ~~دخل الناس بينهم وكتب على ابن قاضي بعلبك التزام أنه متى سعى في ~~هذا الإقطاع، كان عنده لابن دنكربغا مائتا دينار، وحكم بذلك مالكي ~~فلما أخذ الإقطاع جاء ابن دنكربغا إلى القاهرة، لما سمع بذلك، فسعى ~~عليه إلى أن عمل معه ما عمل، خذله الله ولا أخرجه من السجن إلا إلى ~~أضيق منه، وكان مما يرضى به الناس ابن دنكربغا عليه أن يقول: أنا ~~كنت نائب بعلبك، وهذا كان قاضيها، فأرسلوا معنا بريدي يكشف ~~سيرتي وسيرته، ومن ثبتت قباحة سيرته يؤدي إلى البريدي ألف دينار. # وفي يوم الثلاثاء العشرين من الشهر، وصل ركب المماليك من ~~الحجاج وتبعه الأول ms550 والمحمل في الأربعاء والخميس على العادة، ودخل ~~غالب ركب المحمل يوم الجمعة ثالث عشريه، وحدثونا أنهم عانوا ~~مشقات كثيرة في الرجعة، وأن أكثرها من سوء تصرف أميرهم تمرباي ~~التاجر، وذلك هو الذي كان يظن به؛ فإنه مبغض للإسلام وأهله. # وحدثنا الشيخ محمد الفوي: أن الأمير كان يأخذ جمال الناس ولا سيما PageV03P172 # الضعفاء، وما عليه منهم سلموا أم هلكوا، وأنه سار يوما وبقي جماعة ~~كثيرة ما لهم ما يحملهم؛ لهرب جماليهم منه. قال: فمر علينا خليل بن ~~مشاق (بتشديد المعجمة) شيخ بعض جبل نابلس، وكان ركبا وحده، ~~فلما علم حالنا أحضر لنا الجمال وحملنا، وأعطانا البقسماط والسكر، ~~وذكر شيئا كثيرا، وزاد في الترحب بهم والسرور بحملهم، وكان يذكر ~~ذلك ويبكي؛ سرورا بما رأى من لطف الله بهم بسببه، وحكى أنه كان ~~معه مائتا قواس، وأنه كان يقول: ناموا ولا تخافوا، ومن كان معه شيء ~~عليه قفل فليفتحه، ومهما ذهب له أعطيته بكل درهم منه دينارا، وحكى ~~عنه من الإحسان إليه واللطف بهم أمرا عظيما، وأنهم لما وصلوا إلى ~~العقبة عرض على الشيخ أن يتوجه معه، فيزور القدس، ثم يرسل معه ~~من يوصله إلى الطينة، فاعتذر له، فودعه وانصرف، وكانت حكايته هذه ~~لي بحضرة الشيخ نجم الدين محمد بن قاضي عجلون الدمشقي، وهناك ~~كثير من المصريين، فامتلأت سرورا بما سمعت، وذكرت ما عليه أهل ~~مصر إلا النادر من أضداد هذه الأخلاق، فقلت هكذا أفعال أهل بلادنا ~~وهذه سجاياهم. # وفي يوم الاثنين، سادس عشري الشهر، لبس أثير الدين محمد قاضي ~~الحنفية بحلب بن القاضي محب الدين محمد بن الشحنة، كاتب السر ~~بالقاهرة خلعة من السلطان، للسفر إلى محل ولايته بحلب. # وفي هذا الحد، قدم كتاب نائب إسكندرية، بأنه قدم مركب للفرنج ~~فأخذ منه كتابا إلى القنصل ففتحه، فإذا فيه إن الشواني التي يقدم PageV03P173 ~~فيها تجارهم وصلت إلى قريطش، فبلغهم أن سلطان مصر عمر عمارة ~~على قبرس، فأرسوا هنالك وأرسلوا من يتعرف لهم الخبر، فسمع في ~~رودس أن عمارة السلطان وصلت إلى قبرس، وأن ms551 المرأة التي ملكوها ~~عليهم فرت هي وزوجها، ومن أطاعها إلى القلعة التي في شمالي الجزيرة ~~واسمها أشرينه، وهي قلعة منيعة جدا، وأن زوجها مريض مرضا شديدا، ~~وأن أخاها جاكمو الذي ذهب العسكر لنصرته، ذهب في طائفة منه ~~يحاصرها. # وفي يوم الأربعاء ثامن عشري الشهر، عثر السلطان على شخص من ~~بلاد طرابلس كان قد تكرر منه تزوير ما يكتبه السلطان لطالبي المربعات ~~والمناشير، وهو المشهور بيكتب، فلما وقع وجد جماعة من الأجلاب ~~يحتمون له، فلم يتمكن السلطان من قطع يده، وقد كان شديد التطلع ~~إلى ذلك، فسجنه ببرج من أبراج القلعة، بعد أن ضربه. PageV03P174 ### ||| خبر الشيخ أبي الفضل: # وفي هذا الحد، جاء الخبر المشؤوم، أن الإمام محقق الزمان، ونادرة ~~الأوان أبا الفضل محمد بن الإمام أبي عبد الله محمد المشدالي البجائي ~~المغربي، مات في مدينة عينتاب، فلعله مات في أوائل هذا الشهر أو ~~أواخر ذي الحجة سنة أربع وستين، ثم غلب علي الظن أنه مات قبل ~~ذلك، في أواخر شوال، أو أوائل ذي القعدة، ثم أخبرني فتاه فرج، أنه ~~مرض في أواخر رمضان، واستمر نحو جمعة مريضا ومات، فكان في ~~أوائل شوال سنة أربع رحمه الله. وآجرنا في مصيبتنا فيه، وأعقبنا ~~منها عقبى حسنة. # وأخبر المخبر أنه كن معه فرسان وبغلان وحمار، وعبدان، ونحو مائة ~~مجلد، وألف دينار، وأنه دفع إلى شخص من الناس [ثمانمائة] دينار ~~وأوصاه أن يراجع أباه في أمرها، فإن أجازها له كما هو أغلب ظنه تصدق ~~عنه منها بما تسمح به نفسه، وتناول الباقي طيبا له، وكتب وصية، ذكر ~~فيها أنه لا يملك من النقد سوى مائتي دينار، ليخفي أمر الثمانمائة، ~~فسمع بذلك نائب حلب الحاج إينال، فوضع يده على جميع التركة، ~~وتوقف قاضي عينتاب في تسليم ذلك إليه، فأهانه، وتسبب في عزله، ~~وأخذ ما ظهر، وقبض على الذي أعطي الثمانمائة، فقرره عليها وأخذها ~~منه، وضربه بالمقارع ظنا منه أن المدفوع إليه أكثر منها، وكان الشيخ أبو ~~الفضل قد أوصى عند سفره من القاهرة إلى الشيخين، الجلال ms552 المحلي PageV03P175 ~~والأمين الأقصرائي، فلما سمع الأقصرائي هذا الخبر سأل في مرسوم إلى ~~نائب حلب بإرسال التركة فرتبت قصة لذلك، نصها: «الفقراء إلى الله ~~تلامذة شيخ الإسلام أبي الفضل المغربي البجائي، يبتهلون إلى الله تعالى ~~بالأدعية الصالحة، وينهون أن شيخهم الشيخ أبا الفضل المشار إليه رحمة ~~الله ورضوانه عليه توفي بمدينة عنتاب من معاملة حلب المحروسة، ~~وخلف تركة تشتمل على نقد عدته ألف دينار، وعلى حمل كتب فيه نحو ~~مائة مجلدة مختارة، يعرف أكثرها تلامذته وعلى عبدين وفرسين وبغلين ~~وحمار وغير ذلك، وأنه في عنتاب قبل موته بوصية بعد أن كان أوصى ~~قبل سفره إلى شيخ الإسلام، الشيخ أمين الدين الأقصرائي، وبلغ ~~الفقراء أن نائب السلطنة بحلب المحروسة احتاط على تركته، مع أنه هو ~~شيخ الإسلام وممن لا تضيع حرمته، ولا تتعدى وصيته رجاء بركاته، ~~والتماس فضل صالح أنفاسه وحالاته ومع أن أباه شيخ الإسلام، وممن ~~تردد ملوك المغرب إلى بابه التماسا لبركته، وصالح أدعيته، فسح الله في ~~مدته، ومع أن وصية شيخ الإسلام، وممن تقبل كلامه الملوك بالديار ~~المصرية وغيرها، ويرجون صالح دعواته، ويقصدون النفع بسديد ~~إشاراته، أعاد الله من بركاته. # وسؤال الفقراء، مرسوم شريف إلى النائب المشار إليه، بالإنكار عليه؛ ~~لكونه ما طالع المسامع الشريفة بمثل هذا الخطب العظيم والنبأ الجسيم، ~~الذي كادت الأرض له أن تميد، والقلوب أن تتفطر، والأجسام أن ~~تتخلخل، فتبيد لترى المواقف الشريفة فيه رأيها، على حكم العدل، ~~وتلتمس فيه ما يشيع لها به من حسن الثناء، وظاهر الفضل، وأن ~~يستدرك ما فات بالمبادرة إلى إرسال جميع ما خلف، بحيث لا يضيع منه PageV03P176 ~~شيء، بل ترد الكتب بأعيانها، وكذا الحيوان والأثاث، ويرد النقد لا ~~ينقص منه درهم واحد.. ومرسوم آخر إلى موليينا: قاضي الشافعية أبي ~~البقاء محمد، ووالده قاضي الحنفية أثير الدين محمد، بحلب المحروسة ~~بنحو من ذلك؛ ليتوليا الفحص عن التركة المذكورة، فلا يدعا منها شيئا ~~إلا تسببا في استعادته، فإن من وضع يده على شيء من ذلك لغير حفظه ~~فهو آثم غاية الإثم، ms553 معاند للكتاب المبين، مارق من الدين، ثم إذا ~~اجتمع جمع ما خلف، يرسل مع الوصية التي كتب عنه في عنتاب إلى ~~وصية مولانا شيخ الإسلام، الشيخ أمين الدين الأقصرائي، أعاد الله من ~~بركاته، ونفع بعلومه، وصالح دعواته، ليفعل في ذلك كله، ما تقتضيه ~~الشريعة المطهرة، جعلنا الله من أهلها، والواقفين عند عقدها وحلها ~~آمين. انهو ذلك». # فكتب مرسوم السلطان على نحو ما في القصة، وجهز الشيخ أمين ~~الدين به وكيلا عنه، يقال له بدر الدين محمد بن الشحام، وذلك بعد أن ~~أثبت وفاة الشيخ أبي الفضل، وأثبتت الوصية. # فكتب نائب حلب محضرا، بأن الشيخ أبا الفضل حي، وأن الميت ~~بعنتاب غيره، وفي المحضر شهادة اثنين من أهل أنطاكية، أنهما رافقا ~~الشيخ أبا الفضل إلى برصه من بلاد الروم، وخلفاه بها حيا، فاتهمت ~~النائب في ذلك لأجل التركة. # ثم أخبرني شخص من المغاربة في شهر رجب سنة خمس وستين ~~هذه، عن آخر أن شخصا من أصحابهم رأى الشيخ أبا الفضل متوجها ~~من برصة إلى أدرنة، فترجح عندي صحة حياته، لأن خبر موته ليس فيه PageV03P177 ~~مسند يتصل بمن رآه في عنتاب، ولا رآه مريضا ثم شاهد موته، فغلب ~~على الظن أن مستند نقلته كلهم الظن، والله أعلم. # ثم تبين كذب هذا الخبر، وأن النائب زور المحضر المذكور، وعقد ~~لذلك مجلس بحلب، وطالب ابن الشحام النائب بالتركة، بحضرة ~~القضاة، فأخرج المحضر، فلم يلتفت الأثير قاضي الحنفية بها ابن ~~القاضي محب الدين بن الشحنة، كاتب السر بالقاهرة إليه، وأمر ~~النائب بدفع التركة إلى ابن الشحام، فاستشاط غضبا، وصادف ذلك ~~موت السلطان الأشرف وضعضعه ابنه، ثم خلع ابنه، ولم تزدد الدولة إلا ~~تزلزلا، فطمع النائب في ذلك، فلم يعط شيئا، فرجع بن الشحام خائبا ~~والله الموفق. # ثم مات نائب حلب كما سيأتي، فظفر الشيخ أمين الدين الأقصرائي ~~الوصي المشار إليه من تركته بخمسمائة دينار من مال الشيخ أبي الفضل، ~~ثم قدم علينا فرج فتى الشيخ أبي الفضل فأخبر بموته هناك، وحوطة ~~نائب حلب على تركته، ms554 فوقع القطع بذلك، وكان ذهابه على طريق ~~الاختفاء من الناس، وكان قاصدا إلى بلاد الروم؛ لكون ملكها من أهل ~~العلم، فكان يرجو أنه إذا سمع كلامه عرف من قدره ما جهله غيره، ~~فرفع من منزلته بمقدار ذلك، وكان قد رأى في مصر نكايات، من جحد ~~فضله، وتقدم من لا يفهم عنه عليه، لا بلدة لو رأوا فيها الشافعي ما ~~وقروه إلا إن كان له جاه ومنزلة من السلطان، وملوكهم لا يفهمون شيئا، ~~فهم لا يعرفون لعالم مقداره، إلا إن رفعه أحد من أمرائهم، أو مباشريهم ~~لعلة. ومن العجب أن الشيخ الإمام العلامة نجم الدين محمد بن قاضي ~~عجلون الدمشقي، أحد تلاميذ الشيخ أبي الفضل أخبرني أنه سمعه ~~كثيرا ينشد متمثلا بقول امرئ القيس: PageV03P178 ~~بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه %% وأيقن أنا لاحقن بقيصرا ~~فقلت له لا تبك ويحك إنما %% نحاول ملكا أو نموت فنعذرا ~~وقد تقدم سوق ذلك عند بلوغ الخبر في محرم سنة أربع وستين ~~بسفره من مكة. # وفي يوم الخميس تاسع عشريه سافر القاضي أثير الدين محمد بن ~~الشحنة، قاضي الحنفية بحلب، وخرج معه لوداعه أبو القاضي محب ~~الدين محمد كاتب السر، وولده القاضي لسان الدين أحمد وجماعة، ~~فوصلوا إلى الخانكة، ثم رجعوا. # وفي هذا اليوم، وقعت بطاقة، بأن بردبك العربي جاء بشيرا بأخبار ~~العسكر الذي توجه إلى قبرس. # وفي يوم الأحد جاءت الكتب التي أرسلوها وفيها أنهم ركبوا البحر ~~من طرابلس في ثاني ذي القعدة... فأقاموا خمسة أيام سائرين، ~~فوصلوا إلى الماغوصة في سابع ذي الحجة، فرفقوا بأهلها، وأقاموا إلى أن ~~تجهزوا بما يحتاجون إليه، ثم دخلوا إلى الأفقسية قصبة قبرس، فلم ~~يتخلف عنهم أحد من أكابرها، إلا الملكة وزوجها لويز الكيتلاني، ومن PageV03P179 ~~أطاعها من الجند، فإنهم تحصنوا في قلعة أشرينة، فتوجه إليهم أمير البر ~~ومعه جاكمو، الذي قصد تمليكه عليهم في ثامن عشر ذل الحجة، ~~فأقاموا على القلعة المذكورة نيفا وثلاثين يوما يحاصرونها، فقتل منهم نفر ~~يسير وحصل لهم وخم عمهم من المرض، بحيث لم يسلم ms555 منهم منه إلا ~~القليل، وعوفي أكثرهم، ومات جماعة منهم، فوق العشرين، أجلهم ~~الأمير حاجب الحجاب سودون قرقاش، مات في سلخ ذي الحجة سنة ~~أربع، أو أول محرم هذا، رحمه الله، ودفن في أرض أشرينه إلى جانب نهر ~~هناك، وصنع سنقر الزردكاش في هذه الإقامة مكحلة عظيمة، فلما ~~فرغت وبردت وأخرجت إذا بها صماء غير مجوفة، ليس بها ثقب لحجر ولا ~~غيره، فرأى الأمير يونس الدويدار التحول عن ذلك الموضع، فرجع إلى ~~المراكب، وأبقى عند جاكموا الذي ملكوه من المماليك مائتي نفس ~~وخمسين نفسا، من المشاة، غير الأتباع، ومن أراد الإقامة هناك للفسق. # وحصل أيضا في هذه المدة للمراكب في الميناء التي هم بها ريح ~~عاصف كسر من تلك الريح بعضها، وكاد باقيها ينكسر، ثم سلمه الله، ~~ثم قصدوا إلى ناحية الملاحة، فحصل لهم قبل الوصول إليها ريح عظيم ~~جدا، ثم توجهوا راجعين في أواخر محرم. # هذا حاصل ما في كتابه، ثم تبين كذب بعضه؛ وذلك أنه لما عصى ~~عليهم أهل أشرينة وأروهم ثباتا عظيما، وأرسلوا يهددونهم، أظهر PageV03P180 ~~الدويدار أن الصواب التشتية في تلك البلاد، للوصول إلى الغرض، ~~فاختلف عليه من معه، وربما رجع بعضهم فخارت حينئذ قواه، وسافر ~~سفر الهارب، بحيث لم يعلم به كثير من الناس، فلما علموا به أحرقوا ~~خيام أنفسهم، وكثيرا من أثقالهم، وتبعوه على الصعب والذلول، فيقال: ~~أن الفرنج خرجوا، فقتلوا من لحقوه منهم من أهل الضعف، ويقال أن ~~ذلك الفرنجي الذي ذهبوا لنصرته، صار يقول لهم: لا تحرقوا شيئا، فإن ~~ذلك يكسر الحرمة، ويطمع العدو فينا، وبالغ في مثل هذا الكلام وهم ~~لا يكفون، فيا ويح من زندقه الجاحظ. ### || # وفي يوم السبت، أول شهر صفر، أراد السلطان ضرب وسط ذلك ~~الذي قيل أنه يزور اليكتبات عليه، فشفع فيه إلى أن أطلقه ونفاه إلى بلاد ~~الشام، وفيه مات جانبك، نائب إسكندرية كما يأتي. # وفي يوم الأحد ثانيه وصل قانصوه، وهو الدويدار الثالث للدويدار، ~~بكتاب أستاذه إلى السلطان، أنه وصل إلى الطينة، بين دمياط، وقطيا، ~~وأنه توجه ms556 إلى دمياط، وأرسل المركب الذي كان فيه، وهو مركب ~~الغنيمة، المسمى عفريت البحر إلى إسكندرية، وفيه ثلاثون جنديا بما ~~معهم من البحرية والنفطية والأتباع، وتوجه هو إلى دمياط، وأرسل رسلا ~~كثيرة؛ لتعرف أحوال المراكب، وينتظرون، حتى يجتمعوا، فيقدموا ~~مجتمعين، فشكره السلطان على ذلك، وخلع على دويداره خلعة حسنة. # وكان سبب تفرقهم، أنه خرج عليهم بعد انفصالهم من بر قبرس ~~ريح عظيمة، ذات رعد وبرق ومطر هطال، ففرقتهم حتى لم يكن لأحد PageV03P181 ~~منهم علم بغيره، فخرج بعضهم في الطينة، وبعضهم بالعريش، ~~وبعضهم فيما بين ذلك، وبعضهم لم يقعوا له على خبر، منهم أمير البحر ~~قانم التاجر، ثم وصل إلى الطينة، وورد كتابه، أن الريح ألقته إلى بيروت، ~~فلما قصد الرجوع ثارت عليه ريح هائلة أيضا القته إلى العريش، ثم ~~هاجت عليه ريح أخرى ألقته إلى غزة ثم هاجت عليه ريح أخرى ألقته ~~إلى الطينة، ثم هاجت عليه ريح أخرى ألقته إلى فم البحر بدمياط، ~~واستمر أياما لا يقدر منها على الوصول إلى البر، ثم فرج الله. # ثم توارد الواصلون منهم، وتبين كذب ما في كتاب الدويدار من أن ~~أكثر أكابر أهل الجزيرة أطاعوا؛ وذلك لأنه كان أعظم الحاملين ~~للسلطان في أول الأمر على نجدة هذا اللعين، وإرسال العسكر معه، ~~فاستمر لازما غلطه، وعابه أهل العقل والرأي بأنه علم أن أهل الحل ~~منهم والعقد، ومن يعتمد عليه كلهم دخلوا مع المرأة إلى أشرينه، ~~ووصفوها بأنها مدينة على شاطئ البحر من جهة الشمال، وبعضها ~~شارع في البحر، ولها خندق، وهي في أرض بها سباخ، وهي كثيرة المياه ~~والأشجار والفواكه، فأكثروا من أكل الفواكه على عادة المصريين في ~~تكالبهم على مثل ذلك؛ لقلته وعدم أكثره في بلادهم، مع ما هناك من ~~الوخم، فكان ذلك سببا لمرض أكثرهم، واجترأ عليهم أهل أشرينه ومن ~~تحصن بها، وخرجوا إليهم في قوارب في البحر، وخرج قليل منهم في ~~البر، فحصلت مناوشة وترام بالمكاحل والكفيات ونحوها والسهام، ~~فجرح جماعة من المسلمين وقتل منهم أربعة أنفس، وهذا بعد PageV03P182 ~~أن راسلوا ms557 المسلمين بالصلح على أمور منها أن لا يولى عليهم جاكمو؛ ~~لأنه ابن زنا في دينهم، فلا سبيل إلى ولايته عليهم؛ لأن عقودهم ~~وفسوخهم تكون حينئذ باطلة، فلم يوافقوهم إلا على الرضا به فأبوا. # وواجهوه بالفحش، وقالوا له: أنت ابن زنا، وتحدد ذلك أن صرت # مخنثا، وكل من أتى معك قد فعل فيك ما يفعل بالنساء، فلا تغتر بهم ~~فإنك لو طلعت لحيتك تركوك، ونحو هذا الكلام. # هذا مع أن جاكمو أخبر السلطان أنه لو قدم الجزيرة ما تخلف عنه ~~كبير أحد، وحدثني بعض الأكابر أن السلطان ما أرسل معه هذا ~~العسكر إلا اعتمادا على ذلك، فكان ينبغي للدويدار أن يتعرف هذا ~~الخبر، ليخبر السلطان بحقيقة ذلك، ولا يترك عنده من ترك من ~~المسلمين إلا على غلبة ظن بسلامتهم. # ثم جاء الخبر أن نائب غزة بلغه أن مركبا منهم ورد بر عسقلان، ~~فانكسر بعد إرسائه بالبر، فلم يغرق به أحد فقصده، فإذا هو مركب ~~سودون قرقش، فأخرج ما قدر عليه مما فيه، وكان ذلك من العجائب ~~فإن سودون لما كان بدمياط في الذهاب غرق له مركب فيه شيء كثير، ~~عند الحجر الذي بالقرب من برج السلطان بها، ويسمى ذلك المكان بين ~~البرجين، وهو مكان خطر، يكون فيه حس للماء عال، وفيه في الماء ~~دوائر، دور كل واحدة منها بمقدار الجحفة الصغيرة، ثم مات هو ~~كما تقدم، ثم انكسر في الرجوع له مركبان، وذلك جميع ما كان باسمه من PageV03P183 ~~المراكب، وسمعت أن من كان به من الجند خرجوا إلى خان المجدل، ~~فغصبوا دواب الناس، فكان ذلك شكر سلامتهم، والله ولي التوفيق، ~~وتأخر منهم مراكب لم يعرف لها خبر، منهمه مركب قانم نعجه ~~الأشرفي. # وفي هذا الحد وصل الخبر بأن الأمير جانبك نائب إسكندرية، ~~المعروف بنائب بعلبك مات، فولي نيابة إسكندرية كسباي نائب قلعة ~~الجبل، وولي نيابة القلعة خير بك والي القاهرة، وولي الولاية بالقاهرة ~~علاء الدين بن الفيسي، الذي كان محتسبا، وولي الحسبة تنم رصاص ~~أخو جانبك شاد جدة، وطلب الحسبة واحد ms558 من أجلاب السلطان ~~جانبك قرا، الذي كان شاد الشون، فأبى السلطان ذلك أشد الإباء، ~~وقال لمن تكلم له في ذلك: أتريدون أني أخرب القاهرة، فإني وليت هذا ~~على الشون فأفسد غاية الإفساد، ثم جمع طائفة من الأجلاب، وسألوا ~~المباشرين في الإلحاح على السلطان في ذلك، فدخلوا إليه، فلما رآهم ~~فهم ذلك، فقال: ما لكم؟ فقالوا له. فصاح فيهم: سيروا، واستمر ~~يكررها بغيظ، فرجعوا هاربين، فشكره الناس على ذلك ثبته الله على ما ~~يرضيه. # وفي يوم الأحد سابع صفر، وهو الموافق لرابع عشري PageV03P184 ~~هتور، من أشهر القبط، لبس السلطان الصوف فتأخر عن العادة ~~في ذلك سبعة أيام. # وفي يوم الثلاثاء حادي عشر صفر من خمس وستين هذه، بلغ ~~السلطان أن عدة أمراء من المجاهدين، منهم كسباي المؤيدي وصلوا إلى ~~قرب شبرا، فأرسل السلطان مرسومه إلى الدويدار الكبير يأمره أن يقدم ~~بمن اجتمع معه ولا ينتظر اجتماع الجميع. # وفي يوم السبت خامس عشره، وصل الأمراء الذين كانوا في قبرص إلى ~~الميدان الذي بالناصرية قرب قناطر السباع، ثم بكروا يوم الأحد سادس ~~عشره الطلوع إلى السلطان، فخلع عليهم على العادة في مثل ذلك، ونزلوا ~~إلى بيوتهم وقصدهم الناس للسلام عليهم، فحكى أكثرهم أنهم لقوا في ~~البحر في الرجوع من شدة الريح ما يعيي الواصف. # ومن العجائب أن الأمير قراجا رأس نوبة الأعرج، وهو أحد ~~مماليك السلطان الأقدمين حدثني: أنه لم يرد شيئا مما يحدثون به من ~~الأهوال، حتى أنه نسبهم إلى الكذب واستشهد ببعض من كان معه ~~فوافقه على أنهم كانوا في خير ولم يروا هذه الرياح التي يتحدث بها غيرهم ~~والله أعلم. PageV03P185 ~~وفي يوم الخميس سابع عشري صفر هذا، ولى السلطان بيبرس ~~خال العزيز حجوبية الحجاب، وأعطى يلباي المؤيدي التقدمة التي ~~كانت مع سودون قرقش. # وفي هذا الشهر تحرك المقام الشهابي الأمير الكبير ابن السلطان ~~للسفر إلى البحيرة والرجوع على الوجه البحري من المحلة وما والاها، ثم ~~التعدية إلى الشرقية للصيد وما شابهه من البطالة المؤدية إلى فساد غالب ~~ما يمر عليه، ms559 وسمعت أن مشائخ العرب، لما سمعوا بذلك سألوه أن ~~يجمعوا له ثلاثين ألف دينار، ويكف عنه، فأبى. # وفي هذا الحد، مات بدر الدين محمد بن الإمام بدر الدين حسن ~~البنبي (بموحدتين بينهما نون ساكنة) الشافعي، وكان يقول: أن له ~~تعليقا على المنهاج، وسماعا من ابن صديق الرسام بمكة، وكان في ~~سن الستين، وكانت لديه فضيلة في مسائل الأحكام، يعرف إفساد ~~المكاتيب والدخول في أبواب الزور، فاستراح منه البلاد والعباد ولله الحمد. PageV03P186 ~~وفي هذا الحد أيضا، ورد الخبر من دمشق بأن الشريف نقيب ~~الأشراف بها، ناصر الدين محمد بن.. مات وأنه كان شابا، وخلف ~~ولدا اسمه علين فسعى له في النقابة فأعطيها جبره الله آمين. ### || شهر ربيع الأول: # ~~وفي يوم الأحد ثامن عشري الشهر، ركب قاضي الشافعية العلم ~~البلقيني وكان مريضا، فصلى الجمعة بالسلطان في القلعة على العادة، ~~فأوهنه ذلك، فلما كان يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول، لم يقدر على ~~تهنئة السلطان بالشهر، واستمر منقطعا يلاطفه الأطباء حتى عمل المولد ~~يوم الأحد سابع الشهر، حضر المولد، ثم سافر ابن السلطان بكرة يوم ~~الاثنين ثامنه، فجاز من القصبة، من بين القصرين، ثم من سوق ~~مرجوش، وأماه الأمراء والقضاة والمباشرون، وسافر معه أخوه الناصري ~~محمد، وابن أخته الناصري محمد بن الأمير بردبك، وخلق كثير قيل: أنه ~~اجتمع معه الفاعليقة، وعابه الناس، بأنه جعل البزادرة، وهم أصحاب ~~الطيور التي يصاد بها وراء القضاة، بينه وبينهم، وأكثروا الكلام فيه؛ ~~بسبب ذلك، ونسبوه إلى الاستهانة بالشرع وحملته وسقط من عيون كثير ~~من الأكابر، ونسبوه إلى عدم المعرفة باستجلاب الخواطر والسعي في أسباب ~~الملك، بإظهار العدل، بإنزال الناس منازلهم، والله المسؤول في إصلاحه. # وفي يوم الخميس حادي عشر الشهر البسالنور علي بن الحاج ~~محمد بن الأهناسي خلعة بالوزر، بعد استعفاء كبير من الصاحب سعد ~~الدين فرج من وظيفة الوزر. PageV03P187 ~~وفي يوم الجمعة ثاني عشره، اجتمع جمع من أهل خانقاه سعيد ~~السعداء، واجتمعوا ببعض الأكابر، وشكوا من سوء مباشرة ناظرهم أبي ~~السعادات البلقيني؛ بأنه صغر خبزهم من ms560 رطل إلى ثماني أواق، وجعله ~~من قمح عتيق متغير الرائحة، وقطع معلومهم، وشنعوا عليه وعلى من ~~يساعده، وكانوا قد ادعوا كثرة فساد الحجازيين عندهم، وكان لهم عادة ~~بالنزول في الخانقاه، فمنعهم الشرف الأنصاري لما كان ناظرا، فلما شنع ~~أهل الخانقاه على أبي السعادات أذن للحجازيين في الخانقاه فدخلوها في ~~أوائل هذا الشهر، فاشتد الأمر بينه وبينهم بسبب ذلك. # وفي ضحوة يوم الأحد، حادي عشري شهر ربيع الأول ~~هذا، رسم السلطان بنفي صلاح الدين، أمير حاج بن بركوت المكيني، ~~ربيب قاضي الشافعية، العلم صالح، فشفع فيه المباشرون، فقبل ~~شفاعتهم، ثم لما نزلوا أرسل إليه أربعة نقباء من أتباع نقيب الجيش ~~ليحضروه إليه، فأخذوه إلى قريب من باب زويلة، فلقيهم نقيب الجيش ~~نفسه، وأعلمه أن السلطان أمره أن يضعه في السجن فرده من هنالك إلى ~~سجن الرحبة، فلما كان قرب العصر أخرج وقدامه نساء وحوله نساء ~~يصحن صياح السرور الذي يسميه الناس زغاريط، واختلف الناس ~~في سبب سجنه، ثم خلاصه، وأقرب ما سمعته، أنه كان ليحيى بن ~~النور بن أقبرس عنده دعوى، فطال فيها النزاع، وأيس من فصلها في ~~بيت الشافعي على الوجه الذي يختاره، فأراد نقلها إلى القاضي المالكي، ~~فلم يجب الشافعي، وكان ابن أقبرس يتخدم للأمير بردبك الدويدار PageV03P188 ~~ولجانبك حبيب أحد أجلاب السلطان المقربين منه، وربما قيل: أنه كان ~~مملوك أبيه، فكلما السلطان في أمره، ووافق أنه كان قد نقل إلى السلطان ~~في ذلك القرب كثر من أخبار صلاح الدين في فساده، وشدة فجوره، ~~وعناده مغرقا في أيام كثيرة، فزاد حنقه عليه، وأراد أكله بذلك، فلما ~~سجن أرسل إلى عمه العلم صالح، فأرسل زوجته أم ناظر الجيش بن ~~مزهر إلى خوند، فتسببت في خلاصه على مال يقال: انه فوق ألف دينار، ~~ولم يبق أحد من نواب الشافعية إلا دخل إليه السجن متعمما له إلا أبو ~~السعادات بن التاج البلقيني ابن ابن أخي العلم وزوج ابنته فحنق عليه؛ ~~فعزله من نيابة نظر وقف السيفي بمقتضى أن شروط الواقف أن يكون ~~نظره ms561 للقاضي الشافعي، فبذل لكل من الأمير برد بك الدويدار، ~~والقاضي كاتب السر مبلغا يقال: أن مجموعه مائة وستون دينارا، ~~فأعادا إليه ذلك بقصة أخذا عليها خط السلطان يكتب يوم الاثنين ثاني ~~عشريه بمقتضى أنه في يده، ويد أبيه وجده، من مدة تزيد على خمسين ~~سنة، فبلغ ذلك قاضي القضاة، فعزله من نيابة القضاة بطندتا وأبيار ~~وأعمالهما، ووافق ذلك أنه كان من حين ولي نظر سعيد السعداء، يتكلم ~~كل قليل في إبدال الطحان الذي وجده يطحن قمحها، فكلما تكلم ~~بذلك رشاه الطحان إلى أن اجتمع من تلك الرشا اثنا عشر ألف درهم ~~فلوسا، يكون عنها أربعون دينارا، ثم منعه وأتى بغيره في هذا القرب، ~~وكان ذلك الطحان يعاشر ناسا من أجلاب السلطان، فشكى إليهم ~~أمره، فأتوا في ساعة حصول اليكتب في يده إلى بيته فلم يصادفوه PageV03P189 ~~ووجدوا شخصا من أتباع البلاقنة سمينا عريضا خبيثا فاجرا، يقال له: ~~محمد البثنوني فلم يبدأوه إلا بالضرب كما قيل: تحية بينهم، ضرب ~~وجيع، وهم يظنونه أبا السعادات، فحصل له من ذلك ما شاء الله، ثم ~~وصل الطحان، فقال لهم: ليس هو ذا، فكفوا عنه بعدما كاد يهلك، ~~وياليته، ثم أخبروا أن أبا السعادات في بيت كاتب السر فسألوا في قصده ~~هنالك، فقالوا: لا نضربه إلا في محل عزه، ثم أمروا غلاما لهم أن يذهب ~~إليه فيأتي به سحبا في أي مكان كان، فصادفه خارجا من بيت كاتب ~~السر قريبا من البيبرسية، فلعن وسب، فأشير عليه أن لا يذهب إلى بيته، ~~فلم يزل يلطف بالغلام إلى أن مكنه من النزول بمدرسة قرا سنقر، ~~فاستغاث بشخص من أصحابه لما كان أمرد يقال له: ابن أبي السعود، ~~فترددت الرسل بينهم وبين الغلام والطحان إلى أن رضوا أن يعيد إليه ما ~~أخذ منه، ويخلوا سبيله، فسألوه أن يذهب إلى بيته ليقبضه هناك، فلم ~~يفعل، وأقبضه في القرا سنقرية ما عنه أربعون دينارا فخلوا سبيله وانصرفوا. # وفي يوم الأحد الذي سجن فيه صلاح الدين ضرب شخص من أكابر ~~جباتهم وهو ms562 أعتاهم خلقا، يقال له: المحلى، في بيت ناظر ~~الجيش ضربا مؤلما، وضرب آخر منهم أخبث منه وأنجس، يقال له: ~~علي بن بها، فكان ابتداء كون دائرة السوء على المفسدين، وضرب الله ~~قلوب بعضهم ببعض، وولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون، وكان المحلي الجابي مفرط السمن، شديد العتو، أكثر الناس ~~عليه حنق فقال فيه بعض الأدباء: PageV03P190 ~~قل للمحلي العريض القفا %% لم تقبل النصح ولا المعذله ~~ما زلت في بغي ومكر إلى %% أن نلت أنواعا من البهدلة ~~شتما مع الضرب على أرجل %% كذا على كفيك والمسفلة ~~فإن تكن تأنف من عدها %% مسفلة قلنا هي المصقله ~~لأنها بالصقل موسومة %% وإن تغضبت نقل مزبله ~~لأنها بالزبل مشحونة %% فالدود قد صارت له مأكله ~~واعتد بعد الضرب في قاعة %% عادت بثقل منك في زلزله ~~لمثله في الحوش تبقى به %% مدحرجا تغنيه عن مدحله ~~فاحذر من العود بوقف لأن %% تسوف الطالب أو تمطله ~~كيلا ترى صفعا يدير اللحى %% يفتح من قوته الحوصلة ~~ويورم الرقبة من ثقله %% حتى ترى حالتها مشكله PageV03P191 ~~وفي هذا الحد، شكى علاء الدين علي بن مفلح الحنبلي، قاضي ~~الحنابلة بدمشق، وكاتب السر بها أحد من له عليه دين، فرسم السلطان ~~بعزله والترسيم عليه حتى يعطي أرباب الديون أموالهم، ثم بطل ذلك ~~بعد يومين، بواسطة امرأته، قريبة أمير المؤمنين، طلعت إلى خوند، ~~فكلمت السلطان فاستمر به. # وفي يوم الأربعاء، رابع عشري الشهر، نفى السلطان اثنين من ~~مفسدي المماليك، أحدهما من أجلابه إلى حلب ليقيما بها بطالين. # وفي هذا الحد عين للسفر إلى بلاد الصعيد الأمير شرباش أمير مجلس، ~~وبرسباي البجاسي أمير آخور؛ ليقيمعا العرب المفسدين، ويوطنا أهل ~~البلاد. # وفي أواخر هذا الشهر، أخذ قاضي الشافعية، العلم صالح النظر ~~على وقف السيفي بيكتب من السلطان، وعزل قريبه أبا السعادات. # وفي يوم الثلاثاء سلخ هذا الشهر (ثم ثبت في أواخر الشهر على ~~قاضي المالكية الحسام ابن حريز أنه مستهله، ففيه على كل حال) أخذ ~~شخص قيل: أنه من قطاع الطريق الذين يفسدون في ناحية قناطر الوز، ms563 ~~فضرب بالمقارع، وأسلم إلى الوالي، ليقرره على رفاقه من المفسدين. # وفي هذا الحد رسم على القاضيين، الولي محمد بن أحمد الأسيوطي، ~~والنور علي ابن [محمد بن محمد بن حسين] البرقي، من قبل ~~السلطان عند نقيب الجيش، ثم انكشف الأمر عن أن السلطان اشترى PageV03P192 ~~من الخواجا علي البرصاوي خصيا فتيبس عليه في بيعه، وطالت المراجعة ~~في ذلك، ولم يبعه له إلا بلف دينار، وأخذ منه مماليك وقماشا سمورا ~~وغيره بنحو عشرة آلاف دينار، فشق عليه مراجعته له، فقيل له: إنه كان ~~يعامل ناظر الخاص الجمال يوسف، فطلب هذان ليسألا هل يعرفان أن ~~تحت يده له شيئا؟ فأجابا بأنهما لم يعرفا شيئا، فأكثر السلطان سؤالهما عن ~~ذلك، وهددهما، فأصرا على إنكار أن يكونا يعرفان شيئا من ذلك ~~فأطلقهما خر يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الآخر. وطلب النصراني ~~الذي يقال له ولي الدولة، ثم قيل إن الأمير جانبك شاد جدة يشهد أن ~~ناظر الخاص دفع له فلفلا بنحو خمسة آلاف دينار وهدية لابن عثمان ~~بنحو ذلك، وأنه لم يرجع حتى مات ناظر الخاص. ### || # وفي أول شهر ربيع الآخر هذا ورد الخبر أن زوجة الحمزاوي الذي ~~كان نائب الشام ماتت، وكانت جارية له، وتزوجت بعده مملوكا له ~~اسمه تنبك، وكان ينقل عنها علو همة ومكارم، وعمرت في دمشق بيتا، ~~شاعت بمحاسنه أخبار، وأنه فرد في دمشق، فعين السلطان لضبط ~~تركتها شاهين الخصي، الذي يدعى غزالي، مع أن لها زوجا، ولسيدها ~~الحمزاوي ابن عم فيما يقال وأرسل نائب المير جانم أخو الأشرف ~~برسباي؛ يطلب بيتها لابنه يحيى، وكان دويداره الثاني برسباي بالقاهرة، ~~فلما بل السلطان ذلك، قال: أنا أعطيته لابني محمد. PageV03P193 ~~وفي هذا الحد اشتد خوف أبي السعادات محمد بن التاج البلقيني، ~~من عم أبيه العلم صالح، قاضي الشافعية، وذهب نقيب الجيش إلى ~~بيته فسأل عنه، فاختفى ثم تبين أنه سافر، فقيل: إلى المتبولي ببركة ~~الحاج؛ ليختفي عنده إلى وقت ما، وقيل: إلى ابن السلطان؛ ليحميه ~~منه أو يساعده على السعي في ولاية القضاء عنه ms564 بمال كثير سماه، نقل هذا ~~عنه بعض من تجددت صحبته له ممن لا يصلح لصالح ويرمي نفسه على ~~كل من يتوهم فيه تقدما، ثم تحقق أنه كان عند المتبولي، وأنه توصل به ~~إلى أن سأل ابن السلطان في الخانكة أن يجيره من عمه، ثم لم يجسر على ~~القدوم إلى القاهرة، بل رجع إلى المتبولي، ثم سمعنا أن المتبولي مجه ~~وتركه في مكانه، وذهب إلى غيره، وقال: إن هذا ولت عنه دنياه، وهو ~~من آخرته، على خطر، فحينئذ أتى إلى القاهرة وكان ما سيذكر. # وفي يوم الجمعة [ثالث] شهر ربيع الآخر هذا، برز الأمر ~~السلطاني إلى أعيان القاهرة من الأمراء والمباشرين أن يتلقوا ولديه. # وفي يوم السبت رابعه، خرجوا لذلك، ونودي بتزيين البلد، PageV03P194 ~~فزينت ومما نصبوه من الزينة شخص يشبه عرب مصر، عليه لباسهم، ~~من العمامة والثياب ونحوها، وسموه أبا سنجر، وصنفوا فيه أنواع ~~السخرية، وجعلوا ذلك في كل خط؛ وسببه أنه كان لهم مدة شهور ~~قد أخرجوا غناء على وزن «شد وسطك واشمر» ويختمونها بقولهم: ~~«يابا سنجر» وكانوا يتحاكون أن بعض العربان كانوا يقطعون الطريق ~~بناحية قناطر الوز ومن ظفروا به سلبوه، ثم أمروه ن يرقص وهم يغنون ~~له: يابا سنجر، وربما قالوا: إنما فعلوا ذلك ببعض الأجناد. # وقدم في آخر يوم السبت هذا القاضي قطب الدين الخيضري. # وفي يوم الاثنين سابعه، قدم المقام الشهابي، الأمير الكبير، ولد ~~السلطان ومن معه إلى خليج الزعفران، ونصبوا خيامهم في الريدانية ~~بالقرب من سبيل قبن قيماز، فخرج الناس للسلام عليهم. # ثم في ضحوة يوم الثلاثاء منه دخلوا من باب النصر وقدامهم ~~جميع عسكر مصر، وكانوا على غير ترتيب معروف، فكان الأمراء أولا ~~وفي خلالهم رمز منطاشي وهذا لا بأس به، ثم وراءهم القضاة، ووراءهم ~~الدويدار الكبير يونس العلائي وكبكبة فيهم أرباب النفير، ووراءه ~~البزدارة ووراءهم ابنا السلطان، ووراءه مماليكه والطبلخاناة، ثم طلعوا ~~إلى السلطان، فلبسوا خلعهم. PageV03P195 ~~وما انقضى أمرهم في الدخول، حتى رشقهم الدهر ببعض سهامه، ~~فسقي ابن خالته محمد بن أيتمش الخضري ms565 كأس حمامه، فمات في ~~ظهر يوم الثلاثاء هذا، عن نحو ثلاثين سنة، وهو في نحو سن الأمير ~~الكبير الشهابي أحمد بن خالته، وكان ابن الخضري قد أخف؛ مما كان فيه ~~من المجاهرة بالفجور، وانقطع قرب الجامع الأزهر، وصار في أكثر ~~أوقاته يجالس بعض الفضلاء وينادمهم ويستنشد منهم، ويحسن إليهم، ~~ويحضر مجلس الشيخ شمس الدين محمد الشرواني، ويسمع بعض ~~دروسه، ومجلس الشيخ تقي الدين [ابن] محمد الشمني ويسمع عليه ~~درسا في الرضى شرح الحاجبية واستمر كذلك حتى مات في هذا PageV03P196 ~~في بيت له في المصنع قرب زاوية الشيخ تقي الدين على رأس الرميلة، ~~وصلي الله عليه من الغد في سبيل المؤمني، ولم يتخلف عن جنازته أحد ~~من الأعيان، بل حضر أمير المؤمنين وجميع الأمراء، والقضاء، ~~والمباشرون، وكان الذي قدم عليه إماما قاضي الشافعية العلم صالح، ~~ودفن في تربة أبيه بالصحراء. # وفي يوم السبت ثاني عشر شهر ربيع الآخر هذا، ضرب جماعة من ~~الأجلاب الأمير ناظر الخاص، زين الدين عبد الرحمن بن العلم بن ~~الكويز في القلعة عند الجامع ضربا عظيما يظن أن القصد منه القتل، ~~فهرب منهم إلى ناحية باب الستارة وهم يتبعونه ضربا إلى أن وقع ~~هنالك، فرجعوا عنه ظانين أنه مات، فحمل إلى الدهيشة، ثم أنزل إلى ~~بيته، واستمر به منقطعا، يعوده الناس، ويعالجه الأطباء إلى آخر هذا ~~الشهر. ### ||| موت ابن دويم: # وفي هذا الحد، مات فخر الدين بن دويم المصري التاجر السفار ~~الذي كان وكيل قاضي القضاة ابن حجر. # وفيه أيضا ضرب الأجلاب الأمير علاء الدين علي بن امرأة الفيسي ~~ضربا كثيرا، وشاع أنهم عروه ثيابه، وأخذوا جميع ما عليه، فقلت بذلك ~~حرمته، وتحدث بأنه لا يصلح للولاية. # وفي يوم الاثنين رابع عشره، سافر شاهين غزالي إلى دمشق، ~~لأجل تركة زوجة قانباي الحمزاوي، ورسم له أن يأخذ تسفيرة ألفي PageV03P197 ~~دينار، يباع من التركة أمتعة عينت له، ويستوفي منها ذلك، وتحمل ~~بقية الأمتعة إلى القاهرة. # وفي هذا الحد وردت كتب من دمشق، أن قاضي الشافعية بها الولي ~~البلقيني أحدث ms566 في الركعة الثانية من صلاة الجمعة وهو يصلي بالناس في ~~الجامع الأموي بالغائط، وأن ذلك عرف بأنه ذكره هو لطبيبه، وشم منه ~~من كان يليه رائحته، وتواترت بذلك أخبار كثيرة؛ فخجل من كان ~~يتعصب له، وقد كان أنكر على من قال: أن به سلس البول في أول ما ~~ولي، فلما جاءت هذه الأخبار طمت وعمت وغمت وأهمت، ولكن لما ~~تفاحشت هذه الإشاعات، وكان ذلك بعد حلول القطب الخيضري أتهم ~~باختلاقها، وهو الأغلب على الظن. # وتحدثوا أيضا بأنه حصل بينه وبين البدر محمد بن شيخنا التقي ~~أبي بكر بن قاضي شهبة خصومة وصلوا فيها إلى قبائح، وزاد مرضه ~~فصار يقول: إن مت فابن قاضي شهبة قاتلي إلى غير ذلك من أمور لا ~~تليق وقعت بحضرة النائب والأمراء في دار السعادة وغيرها، ثم صح أمر ~~الخصومة. # وفي ليلة هذا اليوم سافر أبو بكر بن... الذي في خدمة الأمير PageV03P198 ~~بردبك، المعروف بالبشمقدار، وهو رأس نوبة النوب الثاني إلى بلاد ~~الشام، وأبو بكر هذا من شياطين الإنس، بلغني أنه أخذ على يده من ~~المراسيم والمطالعات ما يعسر عده، فضلا عن جلة، وذلك أنه قصده ~~كل من له حق ضائع أو مظلمة عجز عن الانتصار فيها. ### ||| موت الجلال الباعوني: # وفي هذا الحد، بلغنا أن الجلال محمد بن عبد القادر الباعوني الذي ~~كان آذى ابن عمه الجمال يوسف، وسعى عليه في القضاء، وتكلم في ~~عرضه، قتل في بلاد الروم، وقيل: أن سبب قتله، أن السلطان محمد بن ~~عثمان أعطاه مالا كثيرا، يقال: أنه ألفا دينار، وكان في خدمته شخص ~~من أنحس الناس، معروف بشهادة الزور، والاجتراء على العظائم، يقال ~~له: الأقسماوي، فقتله لأجلها، ثم أخذ فقتل به، ودفنا في قبر واحد، ~~فاستراح منهما العباد والبلاد. ثم ورد الخبر، بأنه ما قتله إلا بعض قطاع ~~الطريق، ولم يعرف قاتله، فذهب دمه هدر، فالله أعلم أي ذلك كان. # وفي يوم الخميس سابع عشره، ضاق على أبي السعادات البلقيني ~~الخناق في أمر عم أبيه العلم صالح، فقصد الشيخ أمين ms567 الدين ~~الأقصرائي، بعد أن عجز في السعي عليه، فكان لا يبرم أمرا إلا نقضته ~~عليه زوجة العلم، فلم يزل يترقق للشيخ أمين الدين، حتى أتى به إلى ~~العلم فأصلح بينهما، فتظاهر على خوف من غائلته. # وفي هذا الحد، وقع بين سالم الذي ولي مشيخة الفقراء السطوحية PageV03P199 ~~بمقام سيدي أحمد البدوي بطندتا وبين أبيه عبد الوهاب الرملي، ~~وأخيه عبد الرحيم وهو أكبر منه منازعة أفضت إلى سعي أبيه في تولي ~~ذلك، وعزل ولده، وقالم لكل عصبة من الفقراء، ثم أطبقوا على نصرة ~~أبيه؛ وسبب ذلك أن السراج عمر العبادي، والنور علي التلواني ~~السرسي بن الفاخراني (وليس صهر الونائي)، كانا قد استطعما من ~~مشائخ قبل سالم بمنافع كثيرة، وطمعت نفس كل في الدخول في أحوال ~~المقام؛ لما يحصل من أوقافه ونذوره وغير ذلك من المقاصد الدنيوية، ~~فكان كل منهم في جانب ليصير من يتكلم له في قبضته، فكان الأمر لا ~~يزال مزلزلا، وأحوال الفقراء في فساد كبير، فيصير الناظر لذلك متحيرا، ~~واتفق في هذه المرة أن كان العبادي مع الأب، وتحرر بعد الاختبار أن كلا ~~منهم من شياطين الإنس، وأن سالما أخفهم شرا، وأن الأب أعرف بالملق ~~والتمنية والغرور فأعان ذلك من يساعده؛ لكون ذلك طباع البلد، ~~والنفوس منقادة إلى من يعانيه للقصور على النظر في الحاضر، وعدم ~~تدبر العواقب ، فقدم سالم إلى القاهرة، وشكا حاله إلى الناظر ~~عليهم الأمير بردبك الدويدار، فأرسل يستقدم أبه. PageV03P200 ~~وفي يوم الأحد العشرين من شهر ربيع الآخر هذا، سافر ~~الأمير بردبك إلى دمياط في البحر، ولم يسمع أحد بسفره إلا ساعة سيره ~~ولا علم أحد سببه، ووافق سفره من بولاق حضور عبد الوهاب الرملي، ~~أبي سالم، فأخرهم إلى حضوره. # ثم سمعنا أن السبب في هذا السفر، أن السلطان أراد أن يبني في ~~مرسي الطينة برجا يحفظه من مراكب العدو، فأخذ معه المهندسين ~~لذلك، فرسموه وقدروا أمره، وعزموا على نقل آلاته من الفرما، وأخذ ~~معه عيسى المغربي المقدم ذكره، فكره الناس ذلك منه، ثم رجع فوصل ~~إلى ms568 القاهرة ليلة الاثنين خامس جمادى الأولى. # وفي يوم الاثنين حادي عشريه منه لبس القاضي قطب الدين ~~الخيضري خلعة بكتابة سر دمشق ووكالة ببيت المال، عن علاء الدين ~~علي بن مفلح الدمشقي وسمعنا من وجه ثابت أنه تكلف على ذلك ~~أربعة آلاف دينار. PageV03P201 ~~وفي يوم السبت سادس عشري الشهر، لبس الأمير إينال ~~الأشقر خلعة بولاية القاهرة، عن الأمير علاء الدين الفيسي؛ لما كثر ~~في مدة ولايته من القتل والنهب، وأنه إذا وقع له أحد من اللصوص، ~~تخلصه من الأجلاب إلى غير ذلك مما ينبني على قلة الحرمة؛ لكونه ليس ~~من الترك، ولا غرض له إلا التوصل إلى المال. # وفي هذا اليوم، وصل من قاضي الشافعية بدمشق الولي البلقيني حمل ~~برسم الهدية لناظر الجيش الذي كان سبب ولايته، ولغيره من الأعيان ~~كأنه خاف من القطب الخيضري، فأرسل ذلك رجاء أن لا يسمع فيه ~~كلامه. # وأرسل يطلب ما باسم القاضي جمال الدين الباعوني على الجوالي، ~~وهو دينار في كل يوم مدعيا أن ذلك ما رتب له إلا لأجل.. وفي ~~وظائف الجلال ابن عم الباعوني، فأجيب إلى ذلك، وقد كان القاضي ~~جمال الدين أرسل يسعى فيها، فلم يلتفت إليه، وشكر البلقيني على ~~إهدائه، مع قرب العهد بما بذل على أصل الولاية، والله المستعان. PageV03P202 ~~وفي هذا الحد وصل شمس الدين محمد حامد الصفدي، الذي ~~ينسب إلى اعتقاد كلام ابن عربي إمام أهل الوحدة؛ يسعى في عود ~~القاضي بدر الدين بن القفا من القدس إلى بلده صفد، فسمع ~~السلطان بحضوره، فذكره لكاتب السر القاضي محب الدين محمد بن ~~الشحنة قبل أن يأتي إليه، وذمه على مجيئه في هذا الغرض، فلما أتى إلى ~~كاتب السر أخبره بكلام السلطان، وأشار عليه أن لا يواجه السلطان ~~بشفاعة في ابن القف. # ثم أرسل يوما إلى كاتب السر وهو في الحضرة من قال له: إنه حضر، # فأعلم السلطان فساءه حضوره، ثم قال: دعه يدخل، فلما دخل، لم ~~يأذن له في الجلوس، فقال له كاتب السر، ولم يكن يعرف سوء اعتقاده، ~~اجلس، ms569 فشغله السلطان بكلام، فلم يجسر على الجلوس، ثم إن كاتب ~~السر قال له: اجلس واقرأ الفاتحة وادع للسلطان. ففعل، فلما ذهب ~~ناداه السلطان فرجع، فقال له: في أي شيء جئت؟ فتلجلج، فقال ~~كاتب السر: جاء شوقا إلى السلطان. فقال: ما جاء إلا لأجل ابن ~~القف. فقال: يا مولانا، هو شيخ كبير، (وكأنه أراد أن يقول شيئا يرقق ~~به السلطان عليه، ثم لم يجسر) ولكني ما جئت بسببه، فشرع السلطان ~~في ذمه، ثم ذهب. قال كاتب السر: وكأنه قد بلغني أنه هيأ آيات ~~وأحاديث يعظ بها السلطان، ثم يكلمه في ابن القف، فلما حقت ~~الحقيقة لم يجسر على شيء من ذلك، فقيل له: كأنه شاهد في السلطان ~~الإله الكبير على معتقده، فسأل عن ذلك فأخبر بأنه يقول باعتقاد ابن ~~عربي، فطبق شكله وكلامه على ذلك، ورأى ما هو فيه من بشاعة المنظر ~~والغلاسة، فتعجب وسقط من عينه والله الموفق. PageV03P203 ~~وقبض في يوم الأحد، سابع عشريه على ستة أنفس من العرب ~~المفسدين فشنقوا، وشاع أن الأمير أينال الأشقر والي القاهرة وقع عنده ~~بعض المفسدين بالقاهرة، فجاء ناس من الأجلاب ليخلصوه (دأبهم مع ~~من كان قبله، لاسيما ابن الفيسي) فضربه بحضرتهم ضربا كثيرا؛ غيظا ~~على كونه استعان بهم وإهانة لهم، وتهدد من يفعل مثل فعله ويحتمي ~~عليه، فذل بذلك الغلمان. # فإن استمر على هذا، حصل به خير كبير، فإن غالب الفساد ~~بالأجلاب من الغلمان، فسألت عن السبب في عدم مبالاته بالأجلاب، ~~فقيل: إنه من طائفة الظاهرية، وأجلب هذا السلطان قسمان: قسم ~~وجدهم صغارا في الطباق وهم من مشتري الظاهر، وقسم باشر هو ~~شراءهم، وبين القسمين عداوة، فعلم من هذا أن نصف الأجلاب مع ~~هذا الوالي، فإن حصل له توفيق فهو يقمع جميع المفسدين ويأخذ بمن ~~أطاعه من عصاه من الطائفتين، والله المسؤول في إصلاح الحال، وقمع ~~أهل الضلال. # وعثر على شخص من أعيان الأجلاب ليلا فقبض عليه، وضربه، ~~وبالجملة فقد أوقع وقائع أنتجت له هيبة، انشتر روعها في قلوب ~~المفسدين أعانه الله على ms570 الخير. # وحدثني في هذا الحد، العلامة، كمال الدين محمد بن أبي شريف ~~القدسي أنه ورد عليه من أخيه العلامة برهان الدين إبراهيم كتاب من ~~القدس، فيه: أنه ذكر بحضرة قاضي الشافعية بها البرهان إبراهيم بن PageV03P204 ~~الخطيب جمال الدين عبد الله بن جماعة القدسي الشافعي مسألة جواز ~~تأخير الاستنجاء إلى بعد الوضوء، فقال: هذا صحيح؛ لان المقصود إنما ~~هو جفاف الخارج، فإذا جف صحت الصلاة، وذكر في الكتاب من ~~هذا الضرب وقائع دالة على فرط الجهل والجرأة، ربما يكون فيها ما هو ~~أعجب من هذا، لكنه لما لم يكن ذلك عندي عجبا؛ لمعرفتي بهذا ~~القاضي وما ينطوي عليه لم أوثر ذكرها، فيا لله للإسلام، قبح الله من يولي ~~مثله. ### || جمادى الأولى: # ~~وفي يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، ركب الأمير زين الدين ~~بن الكويز ناظر الخاص، وطلع إلى السلطان، ويده معلقة في عنقه، ~~فأورد للسلطان من ثمن البهار ثلاثين ألف دينار. # وفي هذا الحد بلغ السلطان أن جاكموا الذي ملكه على قبرس، أرسل ~~إلى أهل شرينه، وضيق عليهم، وأوقع بهم مرات، كان الظفر له فيها، ~~فأرسل ناسا من عنده في سفينة ليعلم السلطان بذلك، ومعهم هدية ~~صوف ونقد، فأرسل أهل شرينة مركبا، فالتقوا، فوقع بينهم حرب كان ~~الظفر فيها لأهل شرينه، فقتلوا وأسروا ونهبوا، فأمر السلطان بالاستعداد ~~لغزوهم. # وفي يوم السبت ثالث الشهر مرض السلطان مرضه المعتاد برمي الدم ~~والإسهال ، وكانت صدمته له شديدة على العادة، ثم أصبح يوم ~~الأحد أحسن حالا. PageV03P205 ~~وفي ليلة الاثنين خامس الشهر قدم الأمير بردبك من الطينة ~~وقد ظهر عليه شؤم رفقته لعيسى المغربي لما سمعوا من هذا الخبر، ولما ~~أخبروا من أنه حصل لهم عسر شديد في توصلهم إلى الطينة، ثم اجتمع ~~صبيحة الاثنين بالسلطان، فإذا هو أحسن حالا، وحصل له نشاط ~~بالسرور بقدومه، فخلع عليه، وعلى ولده ونزلا، فقصدهما الناس ~~للسلام. # وفي ليلة الثلاثاء سادس الشهر، أصبح اثنان مذبوحان في بيوتهما، ~~أحدهما قرب المرستان، وهو جاب يقال له: الموسكي، كان يظن ان ~~ماله الذي يخصه، ms571 والذي يجبيه في بيته، فخاب ظن القاتل. والثاني عند ~~جامع الحاكم وهو شاهد ولم يمت هذا، بل أصبح حيا، وقيل: أن الذي ~~ذبحه صبي أمرد كان متهما به، فجاء الوالي إلى الربع الذي قتل فيه ~~الجابي، وقبض على الجيران، لينظر في ذلك، وكان الذي حركه لذلك، ~~أن القاضي ناصر الدين بن أصيل أرسل جماعة إلى ذلك الربع؛ لأن له ~~فيه كلاما، فكتبوا محضرا بصورة أمر هذا الجابي، ووجدوا بابه مقفلا ~~بضبة من داخل، وتحرر أن قتله كان في ظهر يوم الاثنين خامس ~~الشهر، وانه استغاث، ثم سكت عن قرب، وسمع نساء من جيرانه، ~~فصاحوا ونادوا بعض المارة لينظروا خبره، فلم يلتفت أحد إلى ذلك، ~~وكان الذي جبن الناس عن غياثه معرفة ذلك الربع بالفساد، وتردد ~~الأجلاب إليه، فهذه ثمرة السكوت عن أهل الفساد، ومساكنتهم. PageV03P206 ~~ولما أتى الوالي قبض مع الجيران على الشهود والقاضي الذين دخلوا ~~عليه بأمر الناصر بن أصيل ناظر الجوالي، وهم: القاضي كمال الدين بن ~~القاضي معين الدين بن القاضي تاج الدين عبد الرحيم بن الطرابلسي، ~~وتقي الدين محمد الجعفري، وشمس الدين محمد النحريري، فشدد ~~عليهم الوالي، فلم يخل سبيل أحد منهم إلا بغرامة كثيرة. # وكان الموسكي المذكور صوفيا في سعيد السعداء، ولم يكن له وارث، ~~وكانت العادة جارية في مثله أن تكون تركته لأهل سعيد السعداء، فأخذ ~~[الوزير] علاء الدين علي بن الأهناسي ماله، ولم يلتفت إلى الناظر ~~القاضي أبي السعادات البلقيني، ولم يقدر على مقاومة الوزير؛ لسوء ~~سيرته. # وفي يوم الأربعاء، سابع الشهر، وصل جماعة نحو العشرة من ~~مفسدي العرب منهم شخص عليه بيضة ودرع، قبض عليهم ~~ابن شعبان أمير العرب، من قرية اسمها قهاز كانوا يفسدون ~~ويجتمعوا بها لأنها من تعلق الأمير بردبك الدويدار الثاني، فوضعوا في ~~سجن المقشرة، وكذا قبض الوالي على جماعة من المماليك يقطعون ~~الطريق بين مصر العتيقة والقاهرة فألحقوا بالعرب إلى المقشرة إلى أن يعافى ~~السلطان، فيرى فيهم رأيه. PageV03P207 ~~وفي يوم الخميس، ثامن الشهر، وصل الخبر بأن الأمير بقرا بن بقر ms572 ~~قبض على شخص من أكابر العربان يقال له: ابن هوازن كان قد ~~أغضب السلطان، وكان له مدة يطلب من بقر. إحضاره، فأعلم ~~السلطان بذلك وهو مريض فسر به. # وفي هذا اليوم اشتد سعي عبد القادر الرملي على ولده سالم في مشيخة ~~سيدي أحمد البدوي، بحيث استمال أكثر الناس، ولاسيما الأمراء، ~~وكان أكثر ذلك بواسطة السراج العبادي، كان [يخدع] الناس بأن ~~[يقول]: إن أباه لم يرسله من دمشق إلا نائبا عنه، فلما جاء هو ~~استبد بالأمر وعق أباه، وكان الأب قد تحدث بشيء من ذلك أول ما قدم ~~من الشام، ثم أذعن لولاية ولده، وأعذر فيها، واتصل ذلك ببعض ~~القضاة، ووقع به حكم ونفذ، فتوصل سالم إلى أن أراه خوند، وعرفت أن ~~قوله من أصله لا أصل له؛ فإنه لم يكن بيده شيء، حين قدم سالم، ~~حتى يستنيب فيه أو يظلم بنزعه منه. # فلما فهمت الأمر أظهرت القيام مع سالم، ورجعت صهرها الأمير ~~بردبك، فصار معها ظاهرا وباطنا، وهو ناظر المقام، وأما ولدها الأمير ~~الكبير وصهراها الدويدار الكبير يونس، وأمير آخور برسباي البجاسي ~~فرجعوا ظاهرا، واستمروا مع الأب باطنا، وصرف سالم وأبوه في هذا اليوم، ~~بعد أن كانا طلعا إلى القلعة، وأغلب الفقراء مع الأب بواسطة العبادي، ~~وقيل لهم: امضوا حتى يرى السلطان في ذلك رأيه. PageV03P208 ~~ثم طلب سالم يوم الجمعة تاسع الشهر طلب سالم إلى القلعة، فألبس ~~خلعة الاستمرار على ما بيده، فدار أبوه على الناس، فوجدهم قد انحلوا ~~عنه، فطلب أن يصلحوا بينه وبين ولده؛ فأرسل الأمير الكبير إلى سالم ~~لذلك، فلما حضر حمل عليه أبوه، وتمادى في ذلك، فلما علم أنه ليس ~~مراده إلا شتمه صرفوا، وأمر سالم بالسفر إلى المقام ففعل. # وفي آخر يوم الاثنين ثاني عشر الشهر، أرجف الناس بموت السلطان ~~وأطبقوا على ذلك، فلم يختلف فيه اثنان، بحيث بات الناس جازمين ~~بموته، فلما أصبحوا من يوم الثلاثاء، ثالث عشره تبين كذب ذلك؛ وأن ~~السبب فيه أنه كان في حالة صعبة، ثم ترجح حاله قليلا يوم ms573 الثلاثاء ~~المذكور. # ولاية المؤيد أبي الفتح أحمد: # ثم وقع الكلام في ولاية المقام الشهابي أحمد، الأمير الكبير، ~~فلما كان يوم الأربعاء رابع عشره، الموافق لأول برمهات، وخامس عشري ~~شباط، بعد نزول الناس من الخدمة، أرسل إلى المباشرين والأمراء؛ ~~فشاع أن السلطان مات، فطلع الناس غير شاكين في ذلك، وكنت ممن ~~طلع، فصلينا الظهر في جامع القلعة، وجلسنا ننتظر الجنازة، وإذا ~~قاضي القضاة الحنفي سعد الدين سعد بن الديري قد جاء إلى الجامع، ~~فسألنا عن الخبر، فأخبرنا أن السلطان حي إلى الآن، ورأوه جالسا، وأنه ~~أشهد على نفسه بالتفويض إلى ولده، بعد أن كانوا أولا شهدوا عليه بأنه ~~ولي الأمر بعده فروجع حتى نجز، وذلك بحضرة أمير المؤمنين PageV03P209 ~~والقضاة والأمراء والمباشرين لما غلب على الظن من أن السلطان لا يرجى ~~من هذا المرض. # ومن أغرب الأمور أنه شاع في هذا اليوم في مكة المشرفة، أنه محتضر، ~~وسيأتي ذلك في العشر الأوسط من رجب. # ولما شهدوا عليه أنه نجز الأمر لولده، المقام الشهابي أحمد، أتابك ~~العساكر سيد في ذلك، فولي أمر الناس، وبايعه الخليفة على الحكم بسنة ~~الله ورسوله، والأمر بالعروف والنهي عن المنكر، والذب عن المسلمين، ~~وقمع المفسدين، وحلف الأمراء على مناصحته وموالاته ومؤازرته على ~~ذلك، ولقب المؤيد، وهو في ذلك الحين من أبناء الثلاثين. # وحدثني القاضي كاتب السر، محب الدين بن الشحنة، أنه دخل ~~إليه هو والأمير بردبك الدويدار. قال: فقلت له: يا مولانا السلطان، ~~قد طلع أمر امير المؤمنين والقضاة والأمراء، وهم منتظرون ما يأمر به. # قال: فسكت. فجثا الأمير بردبك بين يديه، ثم قال: يا مولانا # السلطان، إنهم منتظرون أن توصيهم بولدك. فقال ابني ابني ابني، ~~هكذا ثلاثا، إلا أن صوته بذلك خاف، وهو مستند إلى شخص جالسا. # قال: فخرجنا وأعلمناهم بأنه أذن في ولاية ولده، فأجاب الكل بالسمع # والطاعة. # فقال ولده: أنا لا أقبل إلا نيابة عنه. فقال الأمراء: لا إلا استقلالا، # أنت أستاذنا، وابن أستاذنا، ونحن سامعون. فأصر على الامتناع إلا من ~~النيابة عن أبيه، فدخلنا ms574 ثانيا، ودخل معنا أمير المؤمنين، فكلم الأشرف PageV03P210 ~~في ذلك، ثم قيل له: يلبس ولدك. قال: فعض على سبابته، وأطرق ~~طويلا، ثم أشار برأسه أن نعم. فقال الخليفة: يكفي هذا. ثم خرجنا. # فأخبرنا بذلك، فأصر ولده على الامتناع، فقام الأمراء كلهم، وقالوا: # ليس لنا سلطان إلا أنت، وقبلوا الأرض، فحينئذ قبل الولاية استقلالا. # وكنت سألت النور الأنبابي عن جلوسه بعد السلطنة، بحضرة ~~الخليفة، فقال: العادة أن يجلس على التخت، ويجلس الخليفة تحت ~~التخت، قال: فاستنكرت ذلك، فقال: العادة كذا. قال: فلما جلس ~~وأتاه الخليفة نزل، فقلنا: العادة أن تجلس مكانك، فأبى وجلسا تحت ~~التخت. قال: فسألني البرهان الرقي عن هيئة جلوسه، فأخبرته ~~فقال: نعم ما فعل، ما ترك لأحد عليه كلاما، فقلت: قال لي هذا: إن ~~العادة كذا، فقال: فعل ذلك المنصور عثمن، وأنكر الناس عليه، وأما ~~الأشرف إينال والده، فما جلس إلا مع الخليفة تحت التخت. فقلت: ~~الحمد لله الذي وفقه. انتهى. # وذلك كله في قاعة الدهيشة، ثم خرج من هناك راكبا، وعليه اللباس ~~السواد الخليفتي، وأمير سلاح خش قدم المؤيدي حامل على رأسه القبة ~~والطير، وقدامه النفير يزعق به، والشبابة السلطانية، والجنائب PageV03P211 ~~تقاد بين يديه، إلى أن دخل القصر، ثم ذهبنا إلى هناك، فسلمنا عليه في ~~القصر الأعلى في الخرجة، فتلقي بالرحب، فقرأنا الفاتحة، ودعونا له ~~بالتوفيق والنصر، وكان إذ ذاك من أبناء الثلاثين. # وحدثني كاتب السر، أنه أرسل مناد ينادي بولايته، فقال بعد أن ~~نزل: لم تذكروا للمنادي كنية، فقلت: ذهلت والله فما تريدون من الكنى؟ # فأطرق، فقال: كل أحد شيئا، فقال هو: أبو الفقراء، فاستثبته في ذلك، # فصمم عليها، نسأل الله توفيقه ونصره آمين. # وعلم على مراسيم ومنشور، وكتب على قصة يكتب، وشكر الناس ~~ثباته وعدم ارتياعه من المنصب، ثم روجع يوم الجمعة في الكنية، ~~وأشاروا عليه بتغييرها، فأجاب فكنى بأبي الفتح. # وذكروا له ترقية الأمراء، فقال: يفعل ذلك بالرتبة، فلما أصبحوا، # ولى أمير سلاح خش قدم الأمرة الكبرى، فكان أتابك العساكر، وولى ~~شرباش أمير مجلس إمرة ms575 السلاح، وولى قرقماش الجلب رأس نوبة النوب ~~إمر المجلس، وولى قانم التاجر المؤيدي، أحد الأمراء المقدمين رأس ~~نوبة النوب، وكان جانبك الظريف وهو الخزندار الثاني، أحد الأشرفية ~~برسباي قد قبل الأرض للسلطان على تقدمة قانم، وأنعم له بها، فأفسد ~~عليه الأمير يونس الدويدار الكبير؛ أراد تحويلها إلى يشبك الفقيه شاد PageV03P212 ~~المؤيدية، فلم يوافق على ذلك، فتكلم ليشبك الذي كان دويدار ~~الأشرف، لما كان نائبا في بعض البلاد. # وقيل لما اختلفوا، ذكر السلطان يشبك؛ وذلك أنه كان قدم على ~~والده، وأهدى له هدية كثرة، وكان له في نية حسنة، ثم بت أمره، ~~وأعطاه ذلك، وأعطى الأمرية الكبرى بحلب تمراز الأشرفي، الذي كان ~~نفاه أبوه إلى طرابلس، وأعطى أمرية تمراز لاشين الظاهري، الذي كان ~~منفيا بها أيضا، وأعطى أمرية لاشين سنقر الظاهري أيضا، فبارزه ~~جانبك لذلك، وأسمعه ما يكره. # ونادى المنادي عنه قدام الوالي إينال الأشقر بالتحذير من إظهار ~~المنكر، أو سكنى أعزب عند مزوجين، أو بروز أمرد على هيئة منكرة، أو ~~تسليط مملوك أو غلام على أحد من الناس، ونحو هذا مما الناس في غاية ~~الضرر إليه، فدعا له الناس.. # ثم فهموا عن عبد الوهاب الرملي التخييل على ولده سالم، فنادى ~~منادي أن شيخ السطوحية الشيخ سالم لا أبوه، ووصل المنادي بذلك إلى ~~الزاوية التي للسطوحية، خارج باب النصر. # لكن مما نقم الناس عليهم أن عيسى المغربي، وحاله في المجاهرة ~~بالكفريات معروف، عاد السلطان الأشرف في مرضه، فرسم له بمائة دينار، ~~ولما مات دعى ولده المؤيد، الشمس بن حامد، ورسم له بتخلية سبيل ~~ابن القف، بشرط أن لا يجتمع بأحد في صفد، ورسم له بثلاثين دينارا، PageV03P213 ~~وعكوفه على كلام أهل الوحدة معروف، ونسب ذلك كله إلى الأمير ~~بردبك، بل شاع أنه اشترى الأشرف من عيسى بألف دينار، أو نحوها، ~~وكان أشد الناس إنكارا لذلك، لما سمعه الشيخ أمين الدين الأقصرائي، ~~وسألني عن ذلك ونحن راجعون من السلام على السلطان، فقلت له: ~~سمعت كما سمعت، ولا أدري صح أم لا. فقال: هذا ms576 خلل في الدين! # فقلت: نعم، لكن عليكم فيه الملامة، لأني لما أنكرت على عيسى # وخاصة بالتكفر لم أسمع أن أحدا منكم أيها العلماء لوح للأمير بردبك، ~~ولا صرح بتصويب إنكاري له، فربما ظن الأمير خطأي، وأن لا متابع ~~لي، فينبغي أن تلوح له إذا اجتمعت به، بإنكار مثل هذا، فقال: ~~سأصرح له أي تصريح. # ثم بلغني أن الأمير بردبك بلغه أن الناس أنكروا ذلك؛ فأنكر وقوعه، ~~وكذب فقد بحثت عن ذلك حتى صح عندي من طرق، منها ما حدثني ~~به الناصري محمد بن جمال الدين، عن مجد الدين إستدار بردبك، أن ~~[الأمر] كان بحضوره، وأن القدر كان ألفي دينار، ولو لم يكن في ~~قلبه مرض ما عاشر عيسى بعد ذلك. ### ||| موت الأشراف إينال: # وفي يوم الخميس نصف شهر جمادى الأولى هذا، مات الأشرف إينال ~~قبيل العصر، وصلى عليه ابنه الملك المؤيد، وجميع الأمراء المباشرين، في ~~الساحة التي بين خرائب الططر، وجامع القلعة، وكان مغطى في ~~نعشه بمرقعة عتيقة، وتقدم للصلاة عليه أمير المؤمنين، وحضر من PageV03P214 ~~القضاة المالكي والحنبلي، ولم يدرك الشافعي والحنفي وشيعه إلى قبره جميع ~~من صلى عليه، غير ولده المؤيد، ولم يتخلف بالقاهرة كبير أحد، بل ~~خرج الرجال والنساء، وصفوا له من القلعة إلى تربته قرب قبة النصر، ~~فدفن هناك بين العصر والمغرب، ولعله مات عن نحو ثمانين سنة، ~~ووجد الناس عليه وجدا شديدا، وتذكروا محاسنه، وما كان فيه من الجلد ~~والصبر والاحتمال والكف عن الشر، والستر للزلات، والإقالة ~~للعثرات، حتى أن تسلط مماليكه على الناس ما نشأ إلا عن شدة كفه عن ~~الشر، وهو وإن كان أمرا لا يستحسنه أحد ممن يعتد به ولكن هو أخف ~~شرا ممن ينشأ الشر عن داعية من نفسه إليه، ببعثه عليه ومحبته فيه. # وكان عزيز العقل، من أبطال المسلمين، قل أن رأيت أشجع منه، ~~مع عدم التكثر بذلك، وأخبرني لما رافقته في الجهاد سنة ثمان وأربعين، ~~أنه قط ما حارب السلطان أحد إلا كان مع السلطان، ولم يخرج على ~~السلطان قط، ms577 ولا كان مع البغاة، ولا حدثته نفسه بهذا، واستمر على ~~ذلك إلى أن ألزم بالخروج على المنصور عثمان، بعد تحقق ما كان عليه من ~~الفساد، واختل في أيامه من أمر البلاد، وكان من ذوي المروءات، قليل ~~الكلام، عديم الفحش بالكلية، لا بذاءة عنده. # غير أنه لم يكن مشهورا بتعظيم العلماء وأهل الخير؛ لعدم معرفته بهم، ~~ولا كان [مهتما] بإقامة منار الشرع، وكان ينبز بالأحداث مع تمام ~~الانقياد لزوجته، فكانت هي تخبط في أحكامه من داخل، وملاح أجلابه PageV03P215 ~~من خارج، فأفسد ذلك جميع محاسنه، وأطبق الناس على بغض دولته ~~والدعاء عليه. # وكان أكثر الناس وجدا عليه صهره ومملوكه الأمير برد بك دويداره ~~الثاني، بحيث خيف عليه انفطار الكبد، لكنه بالغ، فشق ثيابه، وفعل ~~نحو ذلك، ثم تبين أن كل ذلك تصنع، فأنكر الناس فعله. # ومن غرائب الاتفاق أني كنت في الميعاد في الجمعة التي كانت تاسع ~~هذا الشهر على قوله تعالى: {[و] لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}[الأعراف:34]، وخطر في خاطري أن السلطان ~~يموت، فإنه قل أن اتفقت حالة تستحق أن تذكر إلا وكنت واقفا في ~~الميعاد على ما يناسبها كما هو مبين في مواضعه، مع أن مشيي في الميعاد ~~في القرآن العظيم على التوالي، ومن بركات هذا الميعاد، أنه فتح علي ~~بسببه مناسبات الآيات، وهو فن لم أسبق إليه مع كونه من أجل العلوم ~~وأدقها، كما يعرف ذلك من طالع كتابي فيه (نظم الدرر من ~~تناسب الآي والسور)، وكانت طريقتي في الميعاد على غير طريقة ~~الوعاظ في اعتماد مجرد القصص والأخبار، بل كنت أطالع الكشاف، ~~وتفسير البيضاوي، وأبين للحاضرين ما فهمته منهما أحسن بيان PageV03P216 ~~وسهل الله علي إيصال ذلك إلى أذهان العامة مع ما أطرز به محفوظي من ~~الأحاديث والسير ونحوها، ولذلك فتح الله علي بما فتح والله الموفق. # وفي يوم الجمعة، قال السلطان لأكابر الأجلاب: إنه لا يسعني # إهمالكم كما كان أبي يفعل، ولا يسعني إلا الانتقام منكم، فإن رجعتم ~~وأحسنتم كان في ذلك ms578 صلاحي وصلاحكم، وإن استمريتم على الإساءة ~~كان في ذلك خراب دياري، وفي دياري خراب دياركم، فإني إن ~~زلت لا يقنع منكم أحد يأتي بعدي بدون القتل؛ لما في قلوبهم عليكم من ~~الحنق. # وفي هذه الأيام، أراد السلطان أن يرسل البهار الذي جرت العادة ~~بإرساله إلى دمشق، فأشار عليه ناظر الجيش البدر بن المزلق بتأخير ذلك ~~إلى أن تستقر الأمور، ويتحقق أمن الطرق، وذلك بعد أن هيئت الأحمال، ~~فقبل السلطان ذلك ورأى أنه هو الرأي، فبلغ الأشرفية أنه حيلة من ~~نائب الشام فاشتاطوا لذلك غضبا، فلما بلغ ابن المزلق ذلك، عظمت ~~مشقته عنده، ثم اعتذر إليهم بأن نائب الشام صهره، فلا يتخيل فيه ~~مثل هذا، وحلف لهم على مثل ذلك. # ولما شدد على الأجلاب، ظهر عليهم الذل والانكسار، لكن بقيت ~~فيهم بقايا الجهل، فنازع شخص منهم، يقال له: بك بلاط شخصا من ~~الناس في شيء ليأخذه منه مجانا على عادتهم فمانعه؛ لما حصل في قلوب ~~العامة من الاجتراء عليهم؛ لما سمعوا عن السلطان من توعدهم على ~~الفساد، فضرب السوقي فجرحه، فقام عليه الناس، فهرب، فذكر له ~~ذلك، فطلب إحضاره من مقدم المماليك، فهرب، فزادت محبة الناس له، ~~فلما خطب باسمه على المنابر يوم الجمعة سادس عشر الشهر، ضج PageV03P217 ~~الناس بالدعاء له ضجة يرجى له بها الخير، ولهج الناس بالدعاء له في ~~الأسواق، حتى سمعت بعض السوقة ينادي على بضاعة: كل كذا ~~بحديد الله ينصر الملك المؤيد. # وفي يوم السبت، سابع عشر الشهر جلس على التخت الذي في ~~الحوش، وأنشده القاضي كاتب السر، المحب بن الشحنة لنفسه يمدحه: ~~أنت المؤيد صدقا %% ووارث الملك حقا ~~وعمر الأشرف طبقا %% في الملك تبقى وترقى ~~وفي هذا اليوم، وصل إليه أربعة من العرب قبض عليهم «بن شعبان، ~~وأخبر أنهم مفسدون، فسأل عن حالهم، فأخبره جماعة من الجند أنهم ~~قتلوا من يستحقون به القتل، فاعتمد عليهم، ثم أمر بهم فسمروا، ~~وضربت أوساطهم في باب النصر؛ وبرز النداء بإنكار المنكرات ~~والتشديد فيأمرها، وأن لا يحتمي أحد بمملوك. # وفي ms579 هذا الحد، وصل الخبر أن نائب الشام الأمير جانم، ضرب ~~القاضي... ابن علاء الدين علي بن قرقين، ويعرف أيضا بابن النقيب ~~(مصغرا مثقلا) قاضي بعلبك؛ بإغراء الولي البلقيني، قاضي الشافعية ~~بدمشق، فكان ذلك من غرائب صنع الله؛ وذلك أن أكبر المزينين للولي ~~المذكور للسعي على الباعوني، العلاء ابن قاضي بعلبك أراده لقهر ~~الجمال الباعوني للسلامة من أذاه لهم، وما درى أن الله تعالى يقيم PageV03P218 ~~لردع المبطل أقرب الناس إليه، ولولا ذلك لسعر البلاد، وأباد العباد ~~{ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }. # وسبب ذلك أنه لما استخلص ابن دنكزبغا الإقطاع الذي تقدم أن ~~العلاء ابن قاضي بعلبك كان بغى عليه فيه، ووصل إلى دمشق، طلب ~~النائب أن يأمر ابن قاضي بعلبك برفع يده عنه والإشهاد على نفسه بأنه لا ~~حق له فيه، كما فعل بأبيه في القاهرة، فلما وصل ابن قاضي بعلبك إلى ~~دمشق دار على من يظن به مساعدته، منهم الحاجب وقاضي الشافعية ~~وغيرهما، فوعدوه بذلك، فلما احتبك المجلس في دار السعادة، حضر ~~ابن دنكزبغا، فشكا أمره، فتقدم ابن قاضي بعلبك يدافعه، فطلب ~~النائب من القضاة الكلام في أمرهما، فبدر الشافعي وقال: يا مولانا، ~~هذا وأبوه فاتهم التوسيط من مدة طويلة؛ لما يشتملان عليه من الشر ~~والأذى للمسلمين، وما شاع عنهم من الأمور المعضلة، التي منها قتل ~~النفوس، فاضربه بالمقارع، وافعل ما يردعه عن أذى الخلق؛ فجبن من ~~كان وعده بالمساعدة عن الكلام. # فلما انفصل المجلس أراد النائب ضربه بالمقارع، ثم شفع فيه من ~~المقارع، فضربه على مقاعده إلى أن كاد يتلفه، بحيث أنه قيل: أن عدة ~~الضرب، كانت خمسمائة، وسر بذلك أهل الخير، زاد الله سرورهم. # وفي يوم السبت المذكور، أمر بالقبض على شخص من أعتياء ~~الأجلاب، يسمى برسباي الثور، فقبض عليه مقدم المماليك وأمر به إلى ~~البرج، فأبدى من الذل والانكسار ما يفوق الوصف، وتشفع بجماعة من PageV03P219 ~~الأمراء كانوا خارجين من عند السلطان، فشفعوا فيه، فأبى مقدم ~~المماليك، وقال: إني أخاف على نفسي، فمازال يتذلل، ومازالوا ms580 هم ~~بمقدم المماليك إلى أن سمح بأنه يتركه موكلا به في طبقته، ولا يذكره ~~للسلطان، فإن نسيه تركه، وإلا أحضره إليه. # وفي يوم الأحد ثامن عشره، أحضر إليه بك بلاط، فضربه ضربا ~~كثيرا، وأمر بنفيه إلى حلب، فشفع فيه، فبعد جهد سمح بأن يتركه في ~~البرج حتى يتأدب. # وفي هذا اليوم حسم شر النفر، وهم خدام جمال السلطان، وذلك ~~بأنهم لا رزق لهم على خدمة الجمال، وهم راضون في ذلك بأن لا يعاقبوا ~~إذا سرقوا، ومن عرف شيئا عندهم أعطاهم شيئا، فردوه عليه، وهم ~~أعرف الناس بالاختلاس، بحيث أنهم يقدرون على أخذ عمامة المستيقظ ~~وهو لا يشعر، ويشقون الجيب ويأخذون ما فيه، وتارة يدخل أحدهم ~~يده فيه فيأخذ ما فيه ولا يدري به، وربما كان في الجيب لا شيئا غير صرة ~~الدراهم، فيأخذ الصرة فقط، وربما كانت تحت تلك الأشياء. PageV03P220 ~~ولهم في ذلك من الحكايات ما هو أشد من العجب، بحيث حدثني ~~شهاب الدين أحمد الحجازي، الأديب الشافعي، الساكن ~~بالقراسنقرية قال: كان عندنا في البيبرسية شخص عجمي، فجاءنا يوما ~~وهو في غاية العجب، فقلنا: مالك؟ فقال: اشتريت فجلة فإذا هي، ~~ونظر في كمه، وقال: فجلة، وظهر عليه الخجل، فقلنا: ما هذا؟ # اشتريت فجلة فإذا هي فجلة! فماذا كنت تريدها تكون؟ فسكت، ~~فقلنا: أخبرنا بقصتك، فقال: أخشى أن تقولوا أنني جننت، أو سكرت ~~وظننا أنه اتفقت له مع النفر قضية، فقلنا: قل لنا وأنت آمن ~~من ذلك، فقال: شريت هذه الفجلة لأعجبكم منها، فإني قط ما رأيت ~~أكبر منها، فمشيت قليلا، ونظرت إليها في كمي فإذا هي أترجة، ~~والله رأيتها بعيني أترجة فازددت عجبا، فنظرت الآن فإذا هي الفجلة ~~التي اشتريتها، فقلنا: الامر في هذا سهل وما هو عندما عجب، فعخب ~~من فقلنا: في بلدنا هذه قوم يقال لهم: النفر، لهم في مثل هذا ~~عجائب، رأوا كمك ثقيلا، فظنوا فيه محفظة فيها نقد، فخافوا أن PageV03P221 ~~يأخذوها فتخف كمك فتعرف، فأخذوا ما في كمك، ووضعوا لك ~~الأترجة لذلك، فلما رأوه فجلة عرفوا ms581 أن صفقتهم خسرت، فأخذوا ~~أترجهم وأعادوا فجلتك، فسمع شيئا ما ظنه يكون قط، فصار ~~كالمبهوت. # إذا علم ذلك فليعلم أن الظاهر جقمق كان رزقهم في كل شهر خمسة ~~عشر ألف درهم، واستراح الناس في أيامه من فساد الأجلاب وغلمانهم ~~والنفر والبزادرة وقطاع الطريق، يكون عنها خمسون دينارا، وأخذ عليهم ~~أن لا يؤذوا أحدا، فخف شرهم، وذلك أنهم صاروا إذا أخذوا شيئا ~~يخافون العقوبة. # فلما [جاء] الأشرف إينال قطعها، فعادوا إلى الجرأة، فلما جاء ~~ولده أعادها بزيادة ألفين، فجعلها في كل شهر سبعة عشر ألف درهم، ~~وشدد النكير عليهم، فزاد الدعاء له. # ثم في يوم الاثنين تاسع عشره برز النداء عن المقام الشريف، بأنه لا ~~يحتمي أحد على الشرع الشريف، ولا يعارض من يتمسك به بأبواب ~~قضاة الشرع الشريف، ومن ظلم أو قهر فعليه بالمقام الشريف، ينظر ~~قضيته، ويخلص ظلامته؛ وسبب ذلك أن الوالي إينال الأشقر أخذ من ~~بيت قاضي الشافعية العلم البلقيني شخصا كان في دعوى، فضربه ~~ووضعه في المقشرة سجن أهل الجرائم، فتكلم ناظر الجيش الزين ابن ~~مزهر ربيب الشافعي في ذلك. PageV03P222 ~~وحدثني القاضي كاتب السر، أن جماعة من أكابر الجند كانوا ~~مشتركين في بلد فشكوا من شخص من فلاحيها، فذكر الأمير بردبك ~~السلطان به، فقال: بحثت عنه فوجدته مظلوما، فقال له: أهنه لأجل ~~المقطعين. فقال: لا أهين مظلوما، فقال: اضربه لأجلهم خمس عشرة ~~عصى. فقال: لا آخذ في ذمتي ولا عصى، فكثر الدعاء له بالتوفيق، ~~ولرعيته بأن يوزعوا شكر هذه النعمة، لتدوم ويجعل المقربين منه بطائن ~~خير، كما وفقه لمثل هذا. # وفي يوم الاثنين هذا، أرسل السلطان إلى أمير المؤمنين، وإلى بقية ~~الأمراء الكبار عادتهم من النفقة. # وفي يوم الثلاثاء العشرين من الشهر ابتدأنالنفقة على الأجلاب، ~~وقرر أن كل يوم سبت، أو ثلاثاء لطبقة على ترتيبهم، ولم يطلب من أحد ~~من المباشرين ولا غيرهم المساعدة بشيء ضد ما فعله المنصور عثمان بن ~~الظاهر جقمق، فكثر الدعاء له. # وتأخر النجابة الذين جرت عادتهم بالسفر إلى نواب البلاد، عند ~~تجدد ms582 السلطان إلى هذا اليوم، فكتب لهم ما جرت به العادة، ~~وسافروا. PageV03P223 ~~وأما الترك الذين جرت عادتهم أن يتوجهوا إلى النواب بالخلع، ~~فبلغني أنه لم يذهب منهم أحد، بل طلب كل من رسم له ببلد من ~~وجده بالقاهرة من إلزام نائبها وصالحه على ما كان يصل إليه من صاحبه، ~~ودفع إليه خلعته؛ وكان ذلك خوفا من أن يقع في غيبتهم تغير لا ~~يحضرونه، خيب الله مأمولهم، وأجرانا على أجمل عوائده. # ثم بلغ السلطان ما فعلوه، فبرز أمره أن يذهبوا بالخلع بأنفسهم، ولا ~~يصالح في القاهرة، وكلمهم في ذلك كلاما حسنا، فقال: إن المقصود ~~حصول الطمأنينة لأهل البلد برؤية من أرسل من عند السلطان، ويخبروا ~~هم عما يشاهدونه من أحوال الجند والناس، وهذا وأمثاله من الأغراض، ~~لا يحصل إلا بتوجهكم بأنفسكم ففعلوا. # وفي هذا اليوم، رفع إليه بزدار، وهو من خدام الطير التي يصاد بها في ~~فساد أفسده، فجرده ليضربه، فاعترف بالقتل، فأمر بقتله فقتل، فزاد ~~دعاء الناس له؛ لأنهم كانوا ينسبونه قبل السلطنة إلى حماية البزادرة. # وكان قد وقع في هذه الايام قصة غريبة، وهي أن نصرانيا غريبا، ~~قيل: أنه أرمني، وأنه راهب تردد إلى بيت قاضي الشافعية العلم ~~البلقيني يسألهم أن يجمعوه بالقاضي ليناظره، فلم يفعلوا، ثم ذهب إلى ~~بيت قاضي المالكية الحسام ابن حريز، فاجتمع ببعض نوابه، فسأله عن ~~عيسى، فقال: هو عبد الله ورسوله، فقال: بل هو الله. فدخل به إلى ~~مستنيبه، وشرع يقول لهم: ما فعل نبيكم؟ ولو نه حق لأخبر به عيسى، ~~ونحو هذا من الكلام، فوضعوه في زنجير (وهو السلسلة)، ثم ضربوا عنقه PageV03P224 ~~بعد عصر يوم الأربعاء، حادي عشر الشهر، وجروه إلى الكوم ~~الذي خارج باب النصر فأحرقوه هناك. # وحدثني القاضي محيي الدين عبد القادر بن عبد الوارث، وهو ~~الحاكم فيه أن ضربة السياف وقعت في قفاه فخرجت من فمه، واستمر ~~حنكه الأسفل مع جثته، ولم يعجبني كونهم قتلوه، ولم يوضحوا له ~~زيف مقالاته قبل ضربه، وليتهم إذ عجزوا عن ذلك، رفعوه إلى ~~من يعرف؛ ms583 حتى بين له ذلك وأوقفه على ما يكذب قوله من الإنجيل، ~~وكشف له عما فيه من البشائر بنبينا صلى الله عليه وسلم، بعد أن يحضر له من يثق به من ~~النصارى، ويشهد أن ذلك كله كلام الإنجيل الذي يتناقلونه إلى هذا ~~الزمان، لكن منعهم من ذلك أمور منها تهافت المالكي هذا على إراقة ~~الدماء، فلقد ظهر منه ذلك غير مرة، وعورض في كل منها، فكأنه ~~خشى أن يؤخر هذا، فيمنعه من ضرب عنقه مانع، ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # وشكا شخص طحان إلى السلطان، أن شاذبك آص، أحد ~~الأجلاب الجبابرة على أيام أبيه أفسد جاريته، فأحضره وكان من رؤوس ~~فجارهم، فحضر ومعه لفيفه، فسئل فأنكر ذلك، وادعى أن الشاكي ~~فلاحه، وأنه إنما قال هذا؛ إرادة الخلاص من فلاحته، وساعده بعض ~~الأكابر، وسأل السلطان أن يسلمه إليه، ليستمر على فلاحته، فقال له ~~السلطان: أحضر مستندا بأنه فلاحك، فلم يوجد معه مستند، فسأله ~~الأمير برد بك أن يسلمه له ويوصيه به، فقال: لا أفعل، فتكلم لفيفه PageV03P225 ~~وكان فيما قالوه أن العامة قد صاروا يصفعوننا، فانتهرهم وقال: أتجاهرون ~~بالعصبية؟! ونظر إليهم نظرة المغضب، فنكصوا، ثم ألح عليه الأمير ~~بردبك في تسليم الطحان لشاذبك لئلا تكون فتنة، فلم يفعل، وقال في ~~آخر الأمر: خذهم أنت عندك وحرر الأمر بينهما واعلمني بما يتضح لك ~~فأخذهم إلى بيته، فضرب الطحان ضربا كثيرا، وأمر بأن يطاف به ~~وينادى عليه، هذا جزاء من يجترئ على مماليك السلطان، ثم كان خاف ~~أن يطلع السلطان على ذلك، فلم يزل يتلطف بشاذبك وحز به، حتى ~~تركوا إطافته فأطلقه، فلما خرج من بيته أخذوه إلى إصطبل شاذبك ~~وضربوه، وشددوا في إهانته، بحيث تبعد حياته؛ لما فعلوا به من أنواع ~~العقوبة، فشق ذلك على الناس، وقالوا: دولة يحكم فيها الفرنج في ~~المسلمين لا صلاح فيها، ثم دعوا بزوالها، فشق ذلك على أهل الخير. # وتبين أن ما كان بردبك يعتذر به عن الأشرف إينال في الاستحسان ~~عليهم كان باطلا، وأن لهجة إذ ذاك ms584 بتقبيح ما يفعلونه كان رياء وسمعه، ~~وكذا كان فعله دائما، ما هم السلطان المؤيد بالإنصاف من مملوك إلا ~~خفضه عن ذلك وخيله، فنجم نفاقه، وتبين لعمري شقاقه. # وفي يوم الأحد [ثالث] عشري جمادى الأولى هذا، احتال موسى ~~البدوي ركاب السلطان على الذي كان يفسد بقطع الطريق في ناحية كوم ~~الريش، وقناطر الوز، والمنية وما قارب تلك الأراضي، واسمه علي ~~ابن شيخ بهتيم، فقبض عليه، ثم أحضره إلى السلطان، فأمره بإتلافه PageV03P226 ~~ففعل، وعلق بعد عصر هذا اليوم على شجرة جميز في النواحي التي ~~كان يقطع الطريق فيها، وخلع السلطان على موسى ركابه وأكرمه، وكان ~~هذا المفسد شابا مشورا بالشجاعة، فارسا معروفا في الفرسان. # وفي هذا الحد وصل كتاب من جاكمو الذي قصد تمليكه قبرس أنه ~~ظفر بسلورة لأهل شرينه فأخذها ومن فيها، وانكسر لهم أيضا غراب ~~فأخذ من فيه، وممن فيه أميران من أكابر من كان بها، وأخذ قلعة الباف، ~~وهو منتظر أن تأتيه من السلطان نجدة، ليأخذ شرينه؛ لقلة من بقي بها، ~~فرسم بأن يكتب لنواب بلاد الشام [أن] يجهزوا إليه من العشير. # وفي هذا الحد أيضا وصل الخبر بأن جميل بن يوسف، أمير ~~العرب بالسخاوية والبرلس وما بينهما مات، وكان من عقلاء الرجال ~~وشجعانهم، وكان سنه نحو السبعين وقدم أولاده للسعي في إمرته، ~~فألزموا بمال كبير، ثم ولى السلطان ابنه عميرة بن جميل مكانه. # وفي يوم الأربعاء، ثامن عشري الشهر تشكى منصور الإستدار، فأمره ~~السلطان بعمل حساب البلاد، فعمل ذلك وادعى أن عجزه في كل PageV03P227 ~~شهر اثنا عشر ألف دينار، فقال: مجد الدين بن البقري، (وكانت بينه ~~وبين منصور شحناء شديدة، وكان يعتضد بالأمير بردك): أنه يسد ~~ويقنع في كل شهر بستة آلاف دينار، فولي الإستدارية يوم الخميس ~~تاسع عشري الشهر وعزل منصور، وحوسب، فبقي عليه اثنان وثلاثون ~~ألف دينار، فعوق عليها في القلعة ليحرر أمرها. ### || جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثمانمائة: # ~~وفي يوم السبت، مستهل جمادى الآخرة سلمت على السلطان الملك ~~المؤيد، وكان معي الشيخ نجم الدين محمد ms585 بن الشيخ ولي الدين عبد الله ~~بن قاضي عجلون، والشريف علي القصيري، وقلت: «إنا نهنئك ~~بمحبة الله تعالى لك، وذلك أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن الله ~~إذا أحب عبدا نادى جبريل: أني أحب فلانا، فيحبه جبريل عليه ~~السلام، ثم ينادي جبريل أهل السماء: أن الله يحب فلانا فأحبوه، ~~فيحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض». وقد حصل لكم من ~~القبول عند الناس ما يجل عن الوصف، بحيث أنه لا يرى أحد إلا وهو ~~يدعو لكم، حتى إنهم لما سمعوا اسمكم يذكر على المنبر في أول جمعة، ~~ضجوا بالدعاء ضجة شممت منها رائحة الإجابة، وبكيت، وكان ~~دعاؤهم عندما سمعوا النداء عنكم بأنه لا يحتمي أحد على الشرع أكثر من ~~ذلك كله. # فنشتهي أن يستمر هذا الدعاء؛ بدوام تعظيمكم للشرع، وثباتكم ~~على الحق، فإن الله تعالى أنزل هذا الشرع ليعظمه الناس، فمن عظمه، PageV03P228 ~~عظمه الله، ولا بد في الوقوف معه من شدائد، فإن الله تعالى يقول: ~~{ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك}. وقال تعالى: ~~{والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. فلا بد من الصبر في عمل الحق، ~~ولا يبالي بإغضاب أحد، فإن الحاكم من حيث هو، فضلا عن أن يكون ~~ملكا، لا بد أن يغضب فريقا من الناس، وإذا لم يكن من إغضاب ~~بعضهم فليكونوا الظالمين، ولا يلتفت إلى تخييل أحد، بأن أحدا منهم ~~يدعوا، فإنه إنما يبالي بدعوة المظلوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واتق دعوة ~~المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وأما دعوة الظالم، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه لاتفتح لها أبواب السماء، فإذا لم تجد لها مسلكا ~~رجعت على صاحبها. # ومن قال لمولانا أن الأمر يكون بالتدريج فقد صدق، لكن ~~لا بد مع ذلك من شدة عناية السلطان بإزالة المفاسد في جميع أحواله ~~نوما ويقظة، فإذا كان كذلك أعانه الله ويسر عمل ذلك كذلك، فقد ~~كان ms586 عمر بن عبد العزيز كذلك يعمل، وكانت مدة ولايته سنتين وخمسة، ~~وكان المفاسد قبله قد كثرت، حتى ملأت الأرض، ومع ذلك فلم يمت، ~~ومنها شيء، بل زالت كلها في هذه المدة اليسيرة. PageV03P229 ~~ومن قال: أن الزمان غير قابل لذلك فهو غير مصيب، فلم يزل الله ~~سبحانه يبعث للناس من يرحمهم به حتى كان آخرهم أخوكم الملك ~~المؤيد شيخ، وأمره في محبة العلماء، وتعظيم الشرع غير خفي، والمرجو ~~من الله تعالى أنه كما اختار لكم لقبه أن يمن عليكم من سيرته في تعظيم ~~الشريعة وتوقير أهلها ما يعزكم به وينصركم على كل مفسد، ويثبت به ~~قواعد دولتكم». # فأظهر القبول لذلك والسرور به، وكان ذلك في خلوة ما كنت أظن ~~أن مثلها يتيسر في مثل هذه الأيام، فالمرجو من الذي يسرها أن يظهر ~~ثمرات هذا الوعظ بمنه وكرمه، ثم قرأنا الفاتحة، ودعونا له أن الله تعالى ~~يوفقه لما يرضيه عنه، ويعز به الدين ويقمع به المفسدين. # وفي هذا اليوم أمر السلطان بتحرير المال الذي بقي على منصور، ~~فحوقق على ذلك في جامع الحوش بالقلعة، فأظهر خصوما لبعض ~~المال، وبقي عليه أحد عشر ألف دينار، عجز عن إبداء ما يهدمها، ~~فسلم للوالي، ثم ضمن الأمير بردبك إحضاره، ونقله إلى بيته ليوردها. # وفي يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة هذا، مات مقدم المماليك، ~~مرجان المحمودي، وهو زنجي، شديد السواد، طويل جدا، سمين ~~كأنه جاموس، وكان أولا لصاحب حصن كيفا، وكان اسمه هناك لآيقا، ~~وورث لسلطان عنه مالا كثيرا، يقال: أنه ثلاثون ألف دينار. وولي PageV03P230 ~~تقدمة المماليك عنه جور من شرقطلى. # وفي هذا اليوم استبطأ السلطان عمل عهده، فقال لكاتب السر ما ~~تنتظرون بالعهد؟! فانزعج كاتب السر من ذلك كثيرا، وقال: يوم ~~الخميس يقرأ إن شاء الله، ثم نزل، وكان قد أعلم الموقعين أنه هو الذي ~~ينشئه، وذلك لما تقدم في جواب ابن عثمان في أواخر سنة سبع وخمسين، ~~فأخبرهم أنه فرغ، وأمرهم بكتابته، فلم يجد عندهم من الورق الذي ~~جرت العادة بأن يكتب فيه مثله، ms587 وهو عريض جدا، فاشتد انزعاجه من ~~ذلك، وأسرعوا فيه، ففرغ منه في ثامن الشهر، وراموا إقراءه يوم الاثنين ~~عاشره، فلم يقدر الدويدار الكبير يونس على الركوب؛ لمرض كان به، ~~فأخر إلى يوم الخميس كما يأتي. # وفي هذا الحد بلغنا وفاة شمس الدين محمد بن [أحمد بن علي] ~~الديسطي في قريته ديسط قرب دمياط، من ناحية البرلس، وهو ذلك ~~الذي تقدم أنه فار فورة قتل فيها ذلك الكيماوي بولاية من السلطان، ثم ~~ما لبث أن غار غورة ذهب فيها إلى قريته هذه، فعاد فلاحا كما كان، ~~وأظنه كان من أبناء الأربعين، وكان فاضلا في الفقه والمنطق والنحو، ~~وكان آية في الجرأة وقلة العقل وسرعة التقلب، وأوجب خموله عند غالب PageV03P231 ~~الناس اعتقاد أن ذلك الكيماوي كان شريفا، وأنه ظلمه، وليس كذلك، ~~فد تواترت الأخبار عن الكيماوي أنه كان أرمنيا، وأنه كان مفسدا، ~~حدثني الإمام كمال الدين بن أبي شريف القدسي، عن العلامة القدوة ~~الشيخ سراج الرومي أنه قال: إنه يوشك أن يفسد مملكة مصر. # وفي هذا الحد، رسم السلطان للذين عينهم بخلع النواب أن يتوجهوا ~~بأنفسهم ولا يصالح أحد منهم أحدا من أصحاب النواب عن سفرته؛ ~~لما يحصل بسفرهم من الفوائد، من الطمأنينة لأهل البلاد ومشاهدة ~~أحوال الناس، وغير ذلك فتوجهوا إلى أن كان آخرهم مغلباي طاز، ~~وهو الذي عين لإمرة المحمل في هذا العام، وكان عين لنائب دمشق، ~~فتوجه بخلعته ليلة الثلاثاء حادي عشر الشهر. # وفي يوم الثلاثاء، حادي عشر الشهر، مات سعد الدين فرج، ~~الشهير بكاتب المماليك، الذي ولي الإستدارية والوزر، وقد قارب ~~الستين، وكان سيء الخلق، لكنه كان أخف شرا من غيره، وكان باسمه ~~وظيفة الاستيفاء في الشيخونية، فقرر السلطان فيها شهاب الدين بن ~~موفق الذي كان ديوانه قبل السلطنة، وأرسله إلى قانم رأس نوبة، وهو PageV03P232 ~~الناظر على الشيخونية، فقال: قررت شمس الدين محمد الجوجري ~~الذي كان من الخانكة، فروجع في ذلك، وقيل له: لا ينبغي مخالفة ~~السلطان، فصمم، وقال: أنا قد فعلت ذلك، فإن كنت ناظرا، فقد ~~نفذ، ms588 فأعلم السلطان، فأمر ابن موفق بالإعراض عن ذلك، وقال: أنا ~~أعوض عليك، فعد ذلك من عقل السلطان وحسن سياسته، وعيب ~~على قانم بقلة الأدب في ذلك. # وفي يوم الخميس ثالث عشره، قرئ تقليد السلطان الملك المؤيد ~~أبي الفتح أحمد بالعهد إليه من أمير المؤمنين، وأهل الحل والعقد، وذلك ~~بحضرة الجميع: أمير المؤمنين، والقضاة، والأمراء، وغيرهم في القصر ~~الكبير، ولما جاء السلطان، سأله أمير المؤمنين أن يجلس على تخت الملك ~~فأبى، فألح عليه، فأصر على الامتناع أدبا معه، ثم جلس على مقعد ~~هيئ له، وجلس أمير المؤمنين إلى جانبه على بساط صغير، وكل منهما ~~منحرف إلى جهة الآخر قليلا تأدبا معه، والقضاة عن يمين أمير المؤمنين ~~ويسار السلطان، ثم الأمراء، وتجاه السلطان وأمير المؤمنين كرسي، قعد ~~عليه القاضي كاتب السر المحب بن الشحنة وهو الذي أنشأه ~~نثرا ونظما فأوله:... ومن أثنائه نظما: ~~أيا ملكا بالعدل أصبح ظاهرا %% وخادمه النصر العزيز المجدد ~~وأمسى بأفق الملك بدرا مكملا %% وأضحى شهابا بالسنا يتوقد ~~ليهنك إقبال وملك مخلد %% وسعد وإسعاد وعز مؤبد ~~وإنك منصور لك الله ناصر %% عدوك مقهور وضدك مكمد ~~وإن شيد الأعداء أبواب غدرهم %% فأنت أبو الفتح المبين المؤيد PageV03P233 ~~وكان يوما مشهودا، أخبرني من حضره أنه شاهد البشر والسرور في ~~وجوه جميع من حضره وسمعه من الترك وغيرهم، فكان ذلك مكذبا إن ~~شاء الله ما هو شائع على ألسنة جميع العامة، أن العسكر يريدون البغي ~~والمنابذة للسلطان. # وخلع على الخليفة والقضاة وكاتب السر وابنه [سري] الدين ~~عبد البر، وحفيده نائبه في كتابة السر، لسان الدين أحمد بن ابنه قاضي ~~القضاة أثير الدين محمد، وخلع أيضا على ناظر الجيش ولم تجر بذلك ~~عادة فيما سلف. # وفي هذا اليوم وصل بعض الهجانة الذين كانوا توجهوا إلى بلاد الشام ~~بإذعان النواب وسرورهم، وأخبرني شخص ممن رافقهم من أصحابي ~~المقادسة أن الناس في غاية السرور به، والدعاء له، وانه كان في بلادهم ناس ~~يقطعون الطريق، فانكفوا عن فسادهم بمجرد سماع ولايته، ونزل على الناس ~~الأمن، وأمطرت بلادهم ms589 حين بلغ خبره سبعة عشر يوما ولاء.. # ثم أخبرني شخص من اهل دمشق بمثل ذلك، من أنهم كانوا ~~يحتاجون المطر، فمطروا يوم وصول الخبر بسلطنته، فاشتد سرورهم به ~~ودعاؤهم له، وصارت البلاد كلها إلى خير كبير. # وهذا كما وقع في بلاد مصر، وسارت الركبان بالدعاء له وحسن الثناء ~~عليه، وجاءت الأخبار بذلك من كل جهة ضد ما وقع لأبيه أول ما ولي، PageV03P234 ~~وما هو إلا لحسن نيته وجميل طويته في تعظيمه للشرع، وقيامه في أمر الله، ~~نسأل الله إدامة ذلك. # وسمعت أنه لما بلغه ما يرجف به الناس من الركوب عليه قال: لا # تخبروني بشيء من ذلك فإني لم أفعل شيئا يصلح أن يكون سببا لذلك، ~~فأرجع عنه إذا سمعت فما بقي في سماع ذلك إلا تعجيل الهم، فالله ~~المستعان. # وفي يوم الاثنين سابع عشر الشهر، وصل مسند البلقاوي البدوي، ~~أخو القطب الخيضري لأمه، وكان قد أرسله يعلم بأنه في كتابة السر، ~~ويعمل الضروري من أمره. # ثم تواترت الأخبار من جميع البلاد برا وبحرا أنهم لم يسمعوا بولايته ~~إلا مقرونة بالعدل والخير، وأنه حصل في بلادهم الرخاء والأمن عند ~~ذلك من غير أسباب يعرفونها، فكان ذلك كله دالا على صلاح نيته، من ~~الله بإدامة ذلك. # وفي هذا الحد، أرسل إلى حميد الدين ابن قاضي بغداد المشهور بابن ~~أبي حنيفة أن يحضر إلى القاهرة، وقيل: إنه أرسل أيضا إلى الحسام بن ~~بريطع، وذلك أن العلاء بن قاضي عجلون كان أرسل هدية والأشرف ~~مريض إلى أركان الدولة، وأرسل يطلب وظيفة النظر على المدرسة الركنية ~~الشافعية، وكان أبوه قد نزل عنها لأخيه الولي عبد الله وابنه النجم PageV03P235 ~~محمد بن الولي عبد الله، والشيخ زين الدين خطاب الغزاوي، ثم مكر ~~عليهم علي المذكور، فأغرى بها ناظر الخاص يوسف. # فحضر الشيخ نجم الدين وأرضاه إلى أن أمضى لهم نزولهم، فادعى ~~علي هذا الآن أن أبوه توفي عنها، وأن عمه الولي غصبه إياها، فكان لطف ~~الله بهم أن كان ولده النجم بالقاهرة، فعلم بذلك، فبين للأكابر ms590 الأمر، ~~فعجبوا من العلاء المذكور، واستقلوا هديته مع جهله ونحسه، وعدم ~~استحقاقه لمنصب القضاء بوجه من الوجوه، فرأوا إحضار من كان متوليا ~~قبله من أهل العلم؛ ليصلوا بذلك إلى أغراضهم منه، أو منهم، فحسنوا ~~للسلطان ذلك فأمر به. # وفي يوم الأربعاء، تاسع عشر جمادى الآخرة هذا، سلخ رجل من ~~المفسدين وحشي جلده تبنا، وطيف به في القاهرة، ويقال أن اسمه ~~جريوات أو ابن جريوات وأنه أخو الفضل الذي مضى أنه فعل به ~~هكذا. # وكان السلطان قد بلغه عن هواره وقتيل وفزاره عرب الصعيد، ولبيد ~~عرب البحيرة، أنهم تحركوا للفساد، وكان قد ظهر عليه كما تقدم أنه في ~~غاية اليقظة للمفسدين، والإرادة لإصلاح البلاد، فعين لذلك أربعة من ~~الأمراء، من كل طائفةواحد؛ لئلا يقال أنه خص طائفة بالسفر لعلة، ~~فعين من الناصرية شرباش أمير سلاح، ومن المؤيدية قانم رأس نوبة، ~~ومن الأشرفية بيبرس حاجب الحجاب، ومن السيفية برسباي البجاسي ~~أمير آخور صهره، فأظهروا الطاعة، ثم عين المماليك الذين يصحبونهم، ~~وكتبوا في قوائم، فلما حضر للعرض كان الفارس يذكر اسم المملوك فينادي PageV03P236 ~~به من ندب لذلك، فلا يجيب ولا يتقدم مع حضوره وسماعه للمناداة ~~باسمه، فحصل بذلك وهن، فلما رأى السلطان ذلك أخر ذلك، واعتل ~~بعلة. # ثم بلغنا عن شرباش، أنه تكلم بكلام يدل على كراهته للسفر، بل ~~يفهم عدم الطاعة، فحصل بذلك اضطراب كبير، لكنه لم يظهر، لما ~~عند السلطان من العقل والاحتمال. ثم ثبت عن شرباش أنه أطوعهم ~~للسفر، وانه جهز جميع ما يحتاجه، وعين من يصحبه، وتبين أن ما أشيع ~~عنه كذب. # ثم قيل: أنه أتى الخبر بأن عرب البحيرة مطيعون، لم يحصل منهم ما # يوجب فسادا. # ثم نجم نفاق أغلب الجند، لاسيما الشراكسة، وهم الجند، وكانوا ~~يسمرون غالب الليل في أن المملكة فسدت، فصار رأسها ابن ناشئ ~~ودويداراه رومي وفرنجي. # وفي هذا الحد قال السلطان للمحتسب، وهو الأمير تنم رصاص: لا # تأخذ من السوقة شيئا مما كان يأخذه أمثالك، واجتهد في إصلاح ~~البضائع والنصيحة لجميع الرعية، وإن كان ms591 رزقك ضعيفا فأخبرني حتى ~~أزيده، فكف عن الأخذ للرشى؛ فانصلح أمر الناس، ورخصت جميع ~~الأسعار، وصار الرطل المصري من الخبز بدرهم من الفلوس، يكون ~~نسبته من الدرهم الشرعي قيراطا، فارتجت الأسواق، وجميع المحال ~~بالدعاء للسلطان، وسرى حبه في دواخل الأجسام. # وفي يوم الأربعاء هذا، قدم برسباي الدويدار الثاني لنائب PageV03P237 ~~الشام جانم أخي الأشرف، وكان معه عبد الرحمن دويدار خزندار نائب ~~الشام الجمال يوسف الصبيبي، وذلك بعد ان كانت وصلت مكاتبات ~~نائب الشام مع الهجان الذي توجه إليه وغيره، أنه حصل له من السرور ~~بولاية السلطان ما خفف عنه أسفه على والده، وأنه عتيق والده ومملوكه، ~~وأنه أمر بالزينة فزينت دمشق لولايته. # وبلغني أن رسول الحميد ابن أبي حنيفة الذي توجه بالإذن له في ~~الحضور إلى القاهرة، لقى برسباي هذا في الطريق فأخبره أن مسندا، أخا ~~القطب الخيضري الذي ولي كتابة السر في دمشق تكلم في نائب الشام ~~بكلام يفهم عدم انقياده، فعظم ذلك عليه، وأرسل من الطريق إلى ~~النائب يعلمه بذلك، وشاع أن قدوم هذا الدويدار لطلب البيت ~~المخلف عن امرأة الحمزاوي، وأن تضاف إليه القدس، وبيروت ~~وحمص. # وفي هذا الحد، وقع عند الأمير قانم، رأس نوبة قضية فيها شهادة ~~شخص من أكابر الفضلاء الأعفاء الخيرين، يقال له: زين الدين ~~عبد القادر ابن شعبان، فحصل للأمير ريبة في شهادته، بحسب ما ~~أوصل إلى فهمه بعض قضاة السوء، فضربه، فبلغ ذلك من قلوب ~~أعيان الفقهاء أعظم مبلغ، وكان ذلك مما عيب به قانم وعد من جرأته، ~~وحقق ذلك ما كان ينقل عنه من أنه يحتقر الفقهاء. # وذلك من أعجب الأمور؛ فإنه من مماليك المؤيد شيخ، ومرتبته في ~~حب الفقهاء واعتقاد عظمتهم لا تلحق، فالله المستعان. # ولما وقع ذلك ضمه الناس إلى أمثاله من فتك الظلمة بهذه الطائفة، ~~بل بذوي الفضائل منهم، لما يرون من قبائح الأفعال من الجهال PageV03P238 ~~المتلبسين بهذا الزي من القبط وغيرهم، فأطمعهم ذلك في هذه العصابة ~~وإرثهم بغضهم، فصاروا يريدون إهانتهم ولا يمكنهم ذلك إلا في ~~من رأوه ms592 رث الهيأة زري الحال، ولا يعرفون أن هؤلاء هم الفقهاء، ~~وأهل الخير، وهم أبعد الناس من أولئك، فأوجب أن زين بعض من في ~~قلبه غيرة الإسلام أن يسأل القضاة السلطان في أن لا يحكم في الفقهاء، ~~ومن تزيا بهم إلا قضاة الشرع، فأجاب إلى ذلك، وكتب به مرسوم ~~شريف. # وفي هذا الحد أيضا، بلغنا أن نائب طرابلس، ضرب ان حمادة، ~~وأهانه؛ وذلك أنه كان قد سعى في أن ينوب في مدينة طرابلس بنفسه، ~~ويضاف إليه بعض جهاتها، يولي فيه من يريد، واخرج بذلك توقيعا عن ~~الملك الأشرف إينال، وبذل عليه مالا كبيرا. # فلما وصل إلى طرابلس، وأظهر ما معه، عظم ذلك على قاضيها تقي ~~الدين ابن عز الدين، وهو من أهل العلم، ويعلم ما عليه ابن حماد هذا ~~من الجهل المفرط، وقلة الدين وسوء السيرة في كل مكان تولاه، فقال ~~للنائب: إن هذا لا يحسن شيئا من العلم. فعجب النائب من ذلك، ~~وأمره أن يسأله عن شيء، فقال: إنه ليس بأهل أن أسأله أنا، وإنما ~~رتبته أن يسأله الأصاغر. وأمر بعض من لا يشهر بعلم أن يسأله، فلم ~~يدر ما يجيب به، ثم سأله، فكذلك، ففجأ النائب أمر لم يكن يخطر في ~~باله، فضربه ثم أمر بإحضار المشاعلي ليضرب وسطه فلم يخلصوه من ~~ذلك إلا بعد جهد، فوقع ذلك في محله، ولعل ذلك يكفه عن السعي ~~فيما ليس له بأهل. # وفي هذا الحد أيضا قدم ناس من المدينة الشريفة، وكانت لهم عادة PageV03P239 ~~أن يأخذوا من قاضي الشافعية شيئا يسمونه قدوما يرتفقون به، فلم ~~يعطهم العلم صالح، وهو القاضي يومئذ شيئا، فطلعوا إلى القلعة ~~وكوا ذلك إلى السلطان، ورموه بأنه باع أكثر من مائة وقف من أوقافهم، ~~وسألوا في أمره بعمل حساب المتحصل من أوقافهم، والمصروف؛ ~~ليعلموا حقيقة الحال في ذلك، فشق ذلك على السلطان، وكان قبل ~~السلطنة معروفا بالإنكار عليه؛ لما يبلغه من سوء أفعاله، ورأى الوقت ~~غير مساعد لما يريده منه، فقال للدويدار: قل له: إنه لا ينبغي وهو ms593 ~~رأس المسلمين أن يدع أحدا يشكو منه، وينبغي أن يحسن إلى هؤلاء ~~الضعفاء، فأرسل إليه بذلك، وبلغني أنه أمر مباشري أوقاف الحرمين، ~~بعمل الحساب، وأرسل الأمير بردبك من عنده إلى الشيخ أمين الدين ~~مالا يفرق على الحجازيين. # وفي هذا الحد بلغنا أن نائب الشام جانم أخا الأشرف برسباي، ~~لما أمر أن تزين أسواق دمشق سبعة أيام؛ لأجل ولاية السلطان على ~~العادة في مثل ذلك، كان يدور ليلا في ناس قليل في غير زيه، ويأمر ~~الوالي أن يكون وراءه على بعض البعد منه، فكان إذا رأى ناسا مجتمعين ~~على فساد وقف قريبا منهم، فإذا وصل إليه الولي أمره بالقبض عليهم، ~~ويأمره بما يراه من تعزيرهم، فحذره الناس، فقل فسادهم جدا. # وفي هذا الحد، سئل السلطان في تعيين أمير لركب الحاج الدمشقي، ~~وآخر للحلبي، فقال: من ترون أن نولي؟ فقال أحد دويدارية بردبك ~~ويونس: فلانا. فقال الآخر: لا، بل فلانا. وكان هذا دأبهما في غالب PageV03P240 ~~الأمور؛ لما بينهما من التباغض، نسأل الله أن يقيه شرهما، وشر كل من لا ~~يريد بكلامه الخير، فأطرق طويلا، ثم قال: نحن نرسل ما جرت به ~~العادة من الرسم، ويقول لكل من نائبي البلدين: إنا قد جعلنا تعيين ~~ذلك إليه، ليعين من إمراء بلده، من يرى فيه كفاية لذلك، وشفقة ~~على المسلمين. # وفي يوم الأربعاء، سادس عشري جمادى الآخرة هذا، أرسل السلطان ~~إلى أهل الجامع الأزهر ألف دينار، ففرقت فيهم، لكل شيخ ستة دنانير، ~~ولكل طالب ثلاثة؛ فكثر الثناء عليه، والدعاء له، ثم تتبع كثيرا من ~~الجوامع والزوايا والفقراء بالعطاء، وشاع أن ذلك مما كان له في حال ~~الإمرة، لا من خزانة السلطان. # وفي يوم الخميس سابع عشريه، أخرج برسباي دويدار نائب الشام ~~جانم، وعبد الرحمن دويدار خزنداره الجمال يوسف قصة على لسان ~~النائب بطلب إضافة نابلس والرملة إليه، وأن لا يولي أحد من مشائخ ~~العشير بنابلس وما والاها، ولا أمراء العرب بتلك النواحي كلها إلا هو، ~~فلم يجب السلطان إلى ذلك، ووافقه يونس الدويدار، وناظر الجيش ms594 ابن ~~مزهر، وشدد التحذير من ذلك؛ بسبب ما له من المال، المتعلق ~~بالذخيرة السلطانية في بلاد نابلس، وقالك هذا الأمر يكون سبب ~~عصيان إسماعيل شيخ جبل نابلس، وتخرب تلك البلاد، ويضيع المال. # وأشار بردبك بإجابته، وأشار كاتب السر المحب بن الشحنة بأمر وسط، ~~وهو أن يكتب له: أنه لا يلبس أحد من المشائخ، وأمراء العرب خلعة ~~من السلطان بولاية ولا غيرها، إلا عنده، فأخروا ذلك؛ لينظروا فيه، ~~فشرع برسباي، وعبد الرحمن يتكلمون كلاما عظيما غليظا، يشم منه PageV03P241 ~~رائحة الشر، وانهما ما أخرا هذه القصة عن قدومهما إلى هذا الحدن إلا ~~ليحسبا أمر الجند، وانه ما جرأهما على مثل هذا الكلام إلا أنهما اطلعا ~~على أن بواطنهم سيئة وأن قصدهم الشر، والله المسؤول أن يرد كيد كل ~~مفسد في نحره، ويجعل الدائرة عليهم آمين. # وفي هذا الحد، رفع إليه مستحقوا مدرسته إينال، التي هي خارج ~~باب زويلة، بعد المحمودية أن محمد بن إينال، تولى على الوقف بغير ~~حق، ومنعهم حقوقهم من مدة طويلة، فرسم بإحضاره، فلما حضر أراد ~~الترفع عليهم في الموقف، فأمره بمساواتهم، فادعوا عليه، فسأله، فقال: ~~هذا وقف أبي. فقال: أجب عن قولهم. فاعترف بصحة مدعاهم. # فقال: أعطهم حقهم. فقال: ليس معي شيء. وكان قد اتفق له مثل # هذا في أيام الأشرف أبي المؤيد هذا، وأجاب بهذا الجواب، وشفع له ~~بعض من يتعصب له من الترك منفعة له، فظن أن هذا كذاك، فقال له: ~~بع ما عندك وأعطهم ما لهم. فقال: ما عندي شيء، فقال: تكون في ~~السجن حتى ترضيهم. ثم أمر نقيب الجيش أن يأخذه إلى أي قاضي ~~أرادوه وكان هذا في الحوش. PageV03P242 ~~فلما طلع إلى إيوان الدهيشة شفع فيه الأمير بردبك الدويدار صهر ~~المؤيد، وجانبك شاد الشربخانة، وجمع من الأمراء يزيدون على عشرة، ~~فكان جوابهه لهم أن قال: أين هو؟ فقالوا: هاهو. فقال لنقيب الجيش: ~~أنا آمرك بحمل أحد إلى الشرع فلا تفعل! والله لئن لم تحمله إلى القاضي ~~الذي يريده أخصامه وهو ماش لأفعلن بك. فجره ms595 بيده، ثم ~~ذهب، وشرع أولئك الأمراء يلحفون عليه في الشفاعة فيه، فقال: لا ~~سبيل إلى ترك حقوق المستحقين. فقالوا: ليس معه شيء وهذا صدقة ~~عنك. فقال: أنا لا أملك التصدق عليه بمال الغير. يسأل أخصامه، ~~فإن تصدقوا عليه فلهم ذلك. وأما أنا فلا يحل لي منعهم عن حقهم، ~~فكان ذلك من أعظم المناقب. # وأخذه نقيب الجيش، فلما نزل من القلعة أراد أن يركب فمنعه ورماه ~~عن فرسه، ثم سألهم فاختاروا المالكي، فأنهاه إليه ماشيا، فكف يده ~~عنهم، وجعل النظر إلى غيره، وثبت لهم في جهته ما يزيد على ثلاثة ~~آلاف دينار، فصالحهم على دون الخمسمائة. ### || # واستهل شهر رجب من سنة خمس وستين هذه ليلة الأحد، ~~وفي ذلك اليوم عرض المماليك؛ لأنه أتهم الكتاب وغيرهم في تسمية ~~أسماء لا حقيقة لها، وأخرى مسمياتها غير مماليك، فكان من يعرفه أجازه، ~~ومن لم يعرفه سأله عن اسمه وفي أي جلبة قدم، ومن كان في الجلبة من ~~المماليك، فإن توقف عرف كذبه، وإن ذكر أحدا أحضرهم وسألهم عنه، ~~فتبين بذلك كذبهم في شيء كثير فأسقطه. PageV03P243 ~~وفي هذا العرض كلمه قانصوه الإسحاقي، (وهو من رؤوس فجرة ~~الأجلاب) بكلام فيه قلة أدب، فأغضى عنه، فأعاده فزجره زجرة ~~ارتعدت فرائصه منها وتأخر ذليلا. # وفي هذا اليوم، كلم تمراز الساقي أحد الأشرفية القاضيين المالكي، ~~والحنفي بكلام خشن، نسبهم فيه إلى تعاطي الأحكام الباطلة والتهاون ~~بحدود الله، واشتد غضب الحنفي لذلك، ولم يظهر لغضبه أثر. # وفي هذا اليوم أراد أبو السعادات البلقيني أن يباشر صرف خبز ~~خانقاه سعيد السعداء بنفسه، ولا يعطي أحدا خبزه إلا بيده؛ لاتهامه ~~لكاتب الغيبة في اسماء الصوفية وعدتهم، وجلس عند الخبز، فتكاثف ~~عليه الناس، فاشتد زحامهم، فنادوا: ما يحل يا مجنون، وشرعوا يسبونه، ~~ثم رجمه بعضهم، ورفع بعضهم ورقة في رأس عصى كأنها قصة، ووقف ~~على حافة الفسقية، وشرع يمدها إلى ناحيته، ويقول: هشت هشت، ~~ونحو هذا من الهزؤ، وأراد بعضهم قتله فلم يمكنوه، وأراد ناس أن ~~يحملوه بسجادته فيرموه في الفسقية، فحماه بعضهم ms596 وأخذوه وهم محدقون ~~به حتى أغلقوا عليه بابا وتركوه حتى انصرف الناس، ثم شيعوه وهو لا ~~يصدق بالحياة. # ولما وقعت هذه الضجة، نهب الأقوياء الخبز، ولم يحصل لكثير من ~~أهل الخير، ولم يشق ذلك عليهم؛ بسبب ما حصل لهم من الرؤية ~~المفرحة، وصار سبة ليس للناس كلام إلا فيه. # وفي هذا الحد، وصل كتاب نائب طرابلس، أن تمراز الأشرفي استأذنه ~~في أن يقسم بلادا في ناحية الرملة بنفسه، قال: فأذنت له، ولم أدر ما ~~مراده بذلك، فأرسل تمراز من هناك يسأله في الحضور، فسكت السلطان ~~عن جوابه ولم يعد. PageV03P244 ~~وفي أواخر جمادى الآخرة، أظهر السلطان الإنكار على القطب ~~الخيضري، كاتب سر دمشق [بسب] تأخره عن السفر وأرسل إليه ~~من يأمره بالإسراع، فأجاب بالطاعة ثم تأخر إلى عاشر رجب. # وفي يوم الاثنين ثاني شهر رجب هذا، سافر إبراهيم بن البدر حسن ~~بن المزلق، ناظر الجيش بدمشق؛ ليجمع مال الجوالي، وما لهم من ~~التعلقات في بلاد الشام. # وفي يوم الثلاثاء ثالثه أرسل فيروز الخزندار يستعفي من الخزندارية ~~والزمامية؛ وذلك أنه كان حصل له فالج، وطال به المرض، فخاف على ~~نفسه، فأراد أن يوصي، فبلغ السلطان ذلك، فمنع الشهود من تحمل ~~الشهادة عليه، فلما جاء رسوله بذلك امتنع السلطان منه وقال: نحن ~~نصبر عليه إلى أن يعافيه الله، فإنه بركتنا، وزين مملكتنا، وأرسل إليه ~~الأمير بردبك صهره، فبلغه ذلك. # وفي يوم الأربعاء، رابع شهر رجب هذا، مات فخر الدين بن ~~الغنام، ناظر المواريث. PageV03P245 ~~وفي هذا اليوم وصل تمراز الأشرفي من غير طلب ولا إذن، بل ~~هجم قبل أن يعاد إليه جواب سؤاله في طلب الحضور ظنا منه أن ~~السلطان لا يتمكن من منعه من ذلك؛ لقوة طائفته الأشرفية، وما جرت ~~به العادة من ضعف الملوك في أول الدول، ونزل لما وصل في بيت الأمير ~~الكبير خشقدم المؤيدي، فلما سمع بذلك السلطان لم يحصل عنده جبن ~~ولا هلع، بل غضب غضبا شديدا، ثم أمر به أن يخرج في الحال، فيرجع ~~من حيث جاء، فنزل ms597 إليه الأمر بذلك، فلم يجد له مانعا، فما وسعه إلا ~~الطاعة، فخرج بعد الظهر وجاوز الترب، لا صحبه الله ولا حياه؛ فإنه ~~لم يأت إلا للفساد وتسعير نار الحرب، أعاذ الله من شره. # ثم لما طلع الأمراء إلى الخدمة بالمبيت في القصر في آخر هذا اليوم ~~شفعوا كلهم فيه، في أن يرجع فيقيم ثلاثة أيام فقط، ويلبس خلعة ~~السلطان ويخرج مجبور الخاطر، واعتلوا كذبا بأنه ما جاء إلا لإهانة وقعت له من ~~نائب طرابلس، فاستمر السلطان على المنع، فألحوا عليه القريب منهم ~~والبعيد، فلم يجد بدا من الإجابة؛ لأن الأمر كما قال علي رضي الله عنه: «لا ~~رأي لمن لا جماعة له»، فرجع في صبيحة يوم الخميس، خامس الشهر. PageV03P246 ~~وفيه سافر برسباي دويدار نائب الشام، وترك عبد الرحمن دويدار ~~الجمال يوسف خزندار النائب، وسأل الأمراء لتمراز أن لا يعاد إلى ~~طرابلس فأجيبوا. # وفي يوم الأحد سادسه، خلع السلطان على تمراز خلعة للرضي ~~والسفر معا وقبل الأرض مرارا، فلم يرفع به السلطان رأسا، ثم قبل ~~ركبته فوضع السلطان يده على ظهره، فلما نزل أرسل السلطان إليه ~~خمسمائة دينار، يتجهز بها، وأرسل إليه جمالا وبغالا، وأمر بالإسراع في ~~التجهيز، وخيره في إمرتين، إحديهما الأمرة الكبرى بحلب، والأخرى ~~إمرة في دمشق إعفاء له من العود إلى طرابلس، فاختار التي بدمشق، ~~فأجيب إلى ذلك وأمر باللحاق بها. # وفي هذا الحد جاء الخبر عن جزيرة قبرس، بأن جاكمو، ومن معه من ~~عسكر الإسلام فتحوا شرينه والما غوصه، وغلبوا عليهما، وأراح الله من ~~إرسال عسكر لذلك، وهذا من مركب جاء من هناك، وأخبر أن رسل ~~جاكمو تقدم بذلك عن قرب. # وفي يوم الاثنين تاسع شهر رجب هذا، سافر القطب الخيضري، ~~كاتب سر دمشق بإلزام من السلطان له بذلك، وذلك أنه سمع أنه ~~يفسد الجند عليه، وأنه صالح بين الظاهرية والأشرفية ليتفقوا على إزالة ~~دولته لنائب الشام جانم. # وفي يوم الثلاثاء عاشره، ألبس تمراز الأشرفي، الفاجر خلعة السفر ~~وأمر بالخروج عن القاهرة في ذلك اليوم، فاعتل بتوعك ms598 في بدنه فلم يقبل، PageV03P247 ~~فاعتل بأنه لم يجد غلمانا للخيل والجمال التي أتته من عند السلطان ~~وغيره، فلم يقبل، فاعتل بأن غلمانه محبوسون في قطيا، وسأل في أن يؤذن ~~لهم في القدوم، فلم يجب، ونزل معه المهمندر؛ ليعجل تشييعه ففعل ولم ~~يبت إلا في الخانكة، بعد أن قلقل كل مقلقل، فلم يجد من يخف معه ولله ~~الحمد، واستمر بالخانكة يتقاضى ما بقي من احتياجه إلى يوم السبت ~~ثالث عشر الشهر. # وفي هذا اليوم، وقف أهل البرللس للسلطان، فسألوه في أن يحط عنهم ~~مظلمة كانت أحدثت في أيام الظاهر جقمق، يؤخذ منهم فيها كل سنة ~~[ستة] آلاف دينار، ثم زيد عليهم في أيام أبيه ألفا دينار، فوضع ~~عنهم ما حدث في أيام ابيه، ثم اجتمع به ناظر الخاص، الزين عبد ~~الرحمن بن الكويز، وهو المتكلم في هذه الجهة فخيله من ذلك حتى ~~أوقفه عنه؛ فساء الناس ذلك ~~وفي آخر يوم الأربعاء حاد عشره وصل شاهين غزالي الحصني، ~~بتركة امرأة الحمزاوي ، الذي كان نائب الشام، وقد كان سافر ~~لأجلها من قبل الأشرف إينال، فمات وهو في دمشق، وأرجف ~~الناس بأن نائب الشام عوقه ومنعه منها؛ ليكاتب السلطان في أخذه ~~إياها، فكفى الله ذلك، ونام في التربة الأشرفية في ليلة الخميس ثاني ~~عشره. PageV03P248 ~~وفي هذا الحد وصل إلى القاهرة حجازيون كثير من مكة والمدينة، ~~منهم إبراهيم وزكي الدين ابنا أبي الفتح بن صالح، خطيب المسجد ~~النبوي الشريف، ومنهم محمد بن عيسى القرشي المكي، فأخبرني أن ~~سفره من مكة المشرفة كان يوم الخميس، كان عندهم رابع عشر جمادى ~~الأولى، وانهم سمعوا يوم الأربعاء ثالث عشره أن السلطان محتضر، قال: ~~وأشار علي بعض ذوي العقل أن لا أسافر لجزمهم بموته، وهذا الخبر ~~وصل إلى مكة المشرفة في اليوم الذي كان قد وصل إلى حالة أيس معها، ~~وولي ابنه المؤيد أبو الفتح فيه، وهذا من أعجب العجب، وكأنه من ~~الجن والله أعلم. # وفي يوم الخميس ثاني عشر رجب هذا، ولي الشرف موسى الأنصاري ~~نظر الجوالي عن ms599 الناصر بن أصيل. # وفيه أنشدت السلطان ما نظمته في مدحه ووريت فيه باسمه وأسماء ملوك: # يا ناصرا للدين أنت مظفر %% بالمعتدين وظاهر ومؤيد ~~لازلت منصورا عزيزا قاهرا %% فلأنت أشرف من سواك وأحمد ~~وأيضا: ~~أنت المؤيد أشرفا ومظفرا %% والقاهر المعتز ثم الظاهر ~~والكامل المنصور دمت معظما %% يا عادلا أنت العزيز الناصر PageV03P249 ~~وفي هذا الحد، وصل رسول للعلاء بن قاضي عجلون؛ يسأل له في ~~الحضور، فأجيب إلى ذلك، وذلك أنه شاع عنه من البلايا في هذه المدة، ~~وتجدد له من الأخصام ما خشي عاقبته، وعلم أن غيره لا يسد في مسده. # وفي بكرة يوم الجمعة ثالث عشره، ركب السلطان ومعه صهراه: # أمير آخور برسباي البجاسي، وبردبك دويداره الثاني، فخرجوا من باب ~~القرافة، ثم أخذوا نحو الصحراء من ناحية قبضة الهوى، ثم رجعوا نحو ~~المرستان المؤيدي، فدخل السلطان إلى القلعة من الباب الذي إلى ~~جانب الحوض دون باب المدرج، فكان ذلك أعظم مما فعله أبوه، لما ولي ~~السلطنة؛ فإنه خرج بعد شهرين من سلطنته من باب الميدان، ثم دخل ~~من باب السلسلة، وهو مدى قريب جدا، وما ذاك إلا لشدة محبة الناس ~~لهذا، حتى النساء في البيوت، والفلاحون، وأهل البلاد النائية، حتى أني ~~سمعت أن امرأة قالت لزوجها: اشتر لي سكينا؛ حتى أقاتل بها عن ~~السلطان، إن قصده أحد بسوء، وما ذاك إلا لما ظهر منه في هذه المدة ~~اليسيرة من العدل، والخير، والشفقة على عباد الله، والثبات، والرزانة، ~~أدام الله ذلك آمين. # وفي هذا اليوم عقد لابن يشبك الفقيه شاد المؤيدية على ابنة لكاتب ~~السر، المحب بن الشحنة. # وفي يوم السبت [رابع] عشر الشهر وصل الحميد، المدعو بابن ~~أبي حنيفة، الذي طلب بمرسوم السلطان. PageV03P250 ~~وفي آخر هذا اليوم سافر تمراز الأشرفي من الخانكة، وأراح الله من شره وله ~~الحمد. # وفي أواخر يوم الأحد، خامس عشر الشهر، مات محب ~~الدين محمد بن الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن القطب القرقشندي، ~~عن نحو خمس عشرة سنة وحصل لأبيه عليه وجد شديد، وصلي عليه ~~بكرة ms600 يوم الاثنين سادس عشره في جامع الأزهر، ودفن في تربتهم، خارج ~~الباب الحديد. # وفي هذا اليوم لبس السلطان الأبيض. # وفي هذه الأيام تواترت الأخبار أن العرب أفسدوا في بلاد البحيرة ~~فأعاد السلطان الكلام في التجريدة، فاعتلوا، بقلة الجمال، فرسم لهم ~~بجمال، فلما طلبوا لأخذها أساءوا القول، فلما طلع الأمراء إلى الخدمة ~~فباتوا في القصر ليلة الخميس تاسع عشر شهر رجب هذا، قال لهم ~~السلطان: قد علمتم ما بلغنا من أمر العرب بالبحيرة، وهي بلاد ~~الإسلام، ما من أحد منكم، إلا وله بها تعلق، وكذلك هؤلاء الأجناد، ~~الذين يتمنعون، ويجب علينا الذب عن الرعية، وأنا واحد منكم، فإن لم ~~تعينوني، لم أقدر على منعهم، وحينئذ يطمع العرب، وكأنا بهم، وقد ~~تقدموا حتى وصلوا إلى الجيزة، وهؤلاء المتمنعون إنما يأكلون الإقطاعات ~~للذب عن الرعية، فأنا أطلبهم يوم الجمعة لأعطيهم الجمال، فإن لم يأخذوا PageV03P251 ~~جمعت أمير المؤمنين والقضاة يوم السبت واستفتيتهم عنهم، ومهما ~~أفتوني به أنفذته فيهم، والله المستعان. # ثم إنه طلبهم يوم الجمعة العشرين منه، فلما حضروا إلى الميدان الذي ~~إلى جانب باب السلسلة أغلظوا لأعوان السلطان، ثم ضربوا شخصا ~~من الطواشية الذين كانوا هناك، فأعلموا السلطان، فقال: سلوهم، ما ~~الذي يريدون؟ فقالوا: نريد أن يعين معنا مماليك أبيه الذين لهم ~~الإقطاعات الثقال، ويكون باشهم الأمير بردبك الدويدار. # فعلم أنهم معاندون، فلما حضر الناس للجمعة، وخطب الخطباء، ~~زاد ابتهال الناس إلى الله تعالى بنصرته وخذلانهم. # فلما كان يوم السبت حادي عشريه، رأى الدويداران، أن استمرار ~~الكلام في هذا السفر يفتح باب الشر ورأيا إغلاقه بإبطال ذلك، فأشارا ~~على السلطان به ففعل. # وفي ليلة هذا اليوم وقع في ناحية القليوبية، وبعض الغربية برد كبار، ~~بعضه له شعبتان، زنة بعضه أكثر من رطل بالمصري، وذلك نحو مائة ~~وخمسون درهما، فأفسد زروعا كثيرة، ولم يبق لها أثرا، وقتل بعض الحيوان ~~كالغنم. # وفي هذا الحد، أراد قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني أن يبرز ~~ببيت له في البحر، ويلزم من بروزه أن يسد باب الهواء الطيب، ms601 وهو ~~الشمالي على من في بيت عبد الرحيم بن البارزي، وساعده على ذلك PageV03P252 ~~زوجته وابنها ناظر الجيش الزيني أبو بكر بن مزهر، واعتلوا بأن ابن ~~البارزي كان برز على بيتهم في الجانب الجنوبي، فقلق من ذلك ابن ~~البارزي، وتعصب له صهره الأمير يزبك الظاهري، فسأل السلطان أن ~~يكون الحاكم بينهم قاضي الحنفية السعد بن الديري، وأن يكون الأمر ~~بحضرته، فأجابه إلى ذلك، فاجتمعوا يوم الثانين ثالث عشري ~~شهر رجب هذا، ثم انتظم الحال بينهما على أن يستمر بناء ابن البارزي ~~على حاله، والتزم ابن مزهر أن لا يقع بروز من القاضي علم الدين، ~~ونزلوا على ذلك، ونقلوا عن الشافعي، أنه رسم على ابن البارزي عشرة ~~رجال، فبلغ السلطان ذلك، فاغتاظ منه، فاطلقه من الترسيم. # وفي هذا اليوم، وصل قاصد من عند الحسام محمد بن العماد، ~~والشهير بابن بريطع الغزاوي الحنفي، يخبر أنه وصل إلى الخانكة، وأنه ~~يريد منزلا، فهيئ له منزل في ناحيتنا، برحبة العيد. # وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه وصل، وفي يوم الخميس سادس عشريه ~~سلم على السلطان، واجتمع بالحميد بن أبي حنيفة، واصطلحا، ~~وتعاهدا على الاتفاق على ابن قاضي عجلون. PageV03P253 ~~وفي هذا الحد مرض بعض الأمراء، فطلب بعض فجرة الظاهرية ~~جقمق من السلطان تعيينهم لأمرته، فأبى أن يعين أحدا لرزق حي، ~~وقال: إني [لا] أوقر أحدا إلا باتفاق الأمراء عليه، فأرضى الأمراء ~~بذلك، وتنمر أولئك الأشرار، وداروا على أمثالهم، وشاع أهم اتفقوا على ~~أن يركبوا عليه أول شعبان، ثم أكذبهم الله. # وفي آخر شهر رجب هذا، أكملت مدرسة الأمير بردبك الدويدار ~~الثاني، التي أنشأها برحبة الأيدمري. ### || شعبان: # ~~وفي يوم الثلاثاء مستهل شعبان سنة خمس وستين هذه جمع بها ~~أصحابه، وطبخ أطعمة كثيرة جدا، ودعى القضاة والأكابر، وقرئ بها ~~القرآن، ومدت أسمطة هائلة، وفرق على الفقراء من تلك الأطعمة، ~~وأوقدت بها قناديل متكاثرة، وفي الزقاق الذي على بابها، أخبرت أنه ~~كان راتب الزيت لذلك في كل يوم قنطار مصري. # واجتمع هناك من الخلق رجالا ونساء، وكبارا وصغارا، ما يعسر ms602 ~~ضبطهم، واستمر هذا دأبه يوم الأربعاء والخميس، وجعل في هذه الأيام ~~مجلس البخاري، الذي كان في بيته بها، فلما كان يوم الجمعة رابعه ~~خطب بها القاضي كاتب السر محب الدين بن الشحنة الحلبي الحنفي. PageV03P254 ~~وقيل أن المرقى دعا لواقف المكان، فقال: رحمه اللهن وهي في عرف ~~الناس دعوة تخص الميت، وذكر عن الخطيب أنه توقف في الخطبة، وانها ~~(مع كونها مناسبة في نفسها) ليست في البلاغة والمناسبة لمقتضى الحال، ~~كما كان يظن به، وأنه غلط في القراءة في الصلاة؛ وذلك أنه قرأفي الركعة ~~الأولى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر}[التوبة:18]، فلما ~~وصل إلى قوله: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر }[التوبة:19]، فارتج عليه، فرجع إلى ما قبلها، لعله يفتح ~~عليه، فقال شخص ممن وراءه: { وأقام الصلاة وآتى الزكاة}. # فأخطأ، فظنه المحب مصيبا فأخذها منه، فلم تنتظم له، فرد عليه غيره ~~الصواب قائلا: {وجاهد في سبيل الله}، وشخص مخطئا كالأول، ~~فسبق إليه صوت المخطئ، واستمر هكذا مرارا، حتى سمع الصواب ~~فمضى عليه، وقد انفعل فأكمل الركعة، ثم قرأ في الثانية: آية النور ~~{في بيوت أذن الله أن ترفع}، وصلى، ثم غالب رؤساء البلد وغير ~~رؤسائها، واشتد الزحام، حتى لم يتمكن كثير من الناس من تصحيح ~~صلاته، وحكم القاضي الحنفي السعد بن الديري عقب الصلاة، ~~بصحة التجميع بها، وخلع الأمير على الخطيب، خلعة حسنة، فلبسها ثم ~~ألبسها ابنه عبد البر. # وفي يوم الأربعاء ثاني الشهر، لعب السلطان بالكرة على العادة، ~~فحصل في لجام فرسه ما ينبغي تغييره، فلما خلع حمل به قبل وضع ~~اللجام في فمه، واستمر يجري إلى طرف الحوش أشد الجري، فضربه ~~بالصولجان على وجهه لينكف فازداد جريا، ورجع فساق من كان PageV03P255 ~~حاضرا ليردوه، فازداد، فحضن عنقه فضعف بعض الضعف، ~~واجتمعوا عليه، فضاق عليه المجال، فقام به على رجليه، فصاح كل ~~من هناك: يا مولانا، انزل، فنزل، ووصل إلى الأرض واقفا؛ فهابه كل ~~من حضر، ورأوا من فروسيته وثبات قلبه ما عرفهم ms603 مقداره. # وفي هذا الحد ذكر [حسن بن علي] بن المرجوشي ~~التاجر، لقاضي المالكية الحسام بن حريز، أن له حقا عند ناصر الدين ~~الغزي الشهير بابن غزي، فأرسل إليه ليحضر، فعصى على الرسل، ~~فأمر بإحضاره غصبا فأحضر، فعزره على امتناعه عن مجلس الشرع، ~~فيقال أنه ضربه ستمائة عصا، وعلق خفيه في رقبتهن وأمر به إلى سجن ~~الديلم، فشقت به القصبة، وهو كذلك إلى السجن، وكان ابن غزي ~~هذا يباشر للسلطان قبل السلطنة على ماله في دمشق من التعلقات، ~~وكان مضحكا، فكان يتمسخر له فيضحكه، فكن يخف عليه، فلما ولي ~~السلطنة أبقى تلك التعلقات في ديوانه؛ لأنها لم تكن تتعلق بالأمرة ~~الكبرى، وأبقى هذا مباشرا عليها، فقدم لذلك، فلما بلغ السلطان ما ~~فعل به عظم ذلك عليه جدا، فأعلم ابن المرجوشي بذلك فأخرج من ~~السجن. PageV03P256 ~~وفي هذا الحد، بلغنا أن الإمام العلامة القدوة سراج بن مسافر بن ~~زكريا الرومي الحنفي مات، وكان مجاورا بالقدس الشريف من مدة ~~تقارب ثلاثين سنة، وكان عالما بالعلوم العقلية والفقه، وكان ورعا ~~زاهدا، في قلبه النار من اعتقاد أهل بلاد الروم، لكلام ابن عربي، ~~وإقبالهم على كتبه، مهتما بأمر الدين، متخليا عن الناس وكان قد قارب ~~السبعين رحمه الله. # وفي يوم السبت، ثاني عشر شعبان سنة خمس وستين هذه، صول ~~رسول من عند بنت ابن عثمان عمة السلطان محمد، صاحب الروم الآن ~~يخبر أنها وصلت إلى دمشق حاجة. # ورسول من عند ابن قرمن الذي كان أخذ طرسوس، وأفسد في ~~هذه المملكة على أيام الأشرف، يخبر أنه محب للسلطان، وراغب في ~~القرب من خاطره، وهذه من أسباب السعادة لهذا السلطان، وهي ~~الخضوع في أول سنة ملكه ممن استخف بأبيه عند تمكنه، والله المسؤول في ~~حسن التمام. # وفي يوم الثلاثاء [خامس] عشره، وقعت البطاقة بوصول يحيى ~~بن جانم، نائب الشام. PageV03P257 ~~وفي يوم الأربعاء سادس عشره وصل ونزل عند الأمير قانصوه ~~الأشرفي، زوج أخته، ثم سلم على السلطان بكرة يوم الخميس، وذكر انه ~~أتى من عند والده للشفاعة في الأميرين: ms604 تنم المؤيدي، وقانباي ~~الشركسي أحد تباع الظاهر جقمق، المسجونين في إسكندرية، فقال: ~~نعم، ولكن اصبروا قليلا، وعلم كل ذي لب أن المقصود من هذا، إثارة ~~فتنة، نسأل الله العافية بخذلان كل خائن؛ وذلك أن الأشرفية لما رأوا ~~تقاعس الظاهرية والمؤيدية عن الاتفاق معهم على ما يريدون من إثارة ~~الشر، أرادوا بهذا تألف الفريقين، ليصلوا منهما إلى ما يريدون. # وسأله أيضا في أن يضيف إلى أبيه الرملة والقدس على العادة القديمة ~~لنائب الشام، وأن يزيد تمراز على إقطاعه زرع؛ فإن إقطاعه لا يكفيه، ~~فأجيب عن الأول بأن له أسوة من تقدمه، من قانباي الحمزاوي، ~~وجلبان، وأمثالهما من مدة طويلة، وعن الثاني بأن تمراز اختار هذا ~~الإقطاع بعد أن عرفه، وعرض عليه في حلب ما فيه فوق الكفاية فأبى، ~~هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من أن زرع في الذخيرة السلطانية، وأن كل ~~أحد يعلم احتياج الذخيرة من سنين متطاولة؛ لكثرة ما عليها من ~~الكلف التي يكاد المتحصل يعجز عنها. # وفي يوم الخميس، سابع عشره ألبس السلطان الحسام بن حريز قاضي ~~المالكية خلعة؛ لأنه وفى ما عليه من تعلق بلاد في الصعيد، ~~يباشرها للسلطان، وكانت العادة أن يرسل إليه الخلعة، ولكنه في هذا ~~العام لبسها لما كان تحدث به من غيظ السلطان مما فعل بابن غزي، ~~فأزال ما كان ظنه بعض الناس من تزلزله بذلك، والله المسؤول في أن ~~يؤيد به الدين، ويعز به المسلمين. PageV03P258 ~~وفي هذا الحد، كفى الله شر العرب، وهم لبيد الذين كان السلطان ~~أراد تجهيز العسكر إليهم بالبحيرة، فأبى أهل الشر، فطمع العرب ~~حتى وصل أذاهم إلى الجيزة، فألقى قيوم السموات والأرض في قلوبهم ~~ما أوجب أن طلب كبيرهم محمد بن سعدان، الحضور إلى السلطان، ~~فأرسل السلطان أحد الدويدارية، الأمير كسباي المؤيدي، فأحضره، ~~فخلع عليه السلطان، فلما رأى ذلك خصمه الأمير مؤمن، طلب الحضور، ~~فأذن له، فحضر، وجبر، ثم طلب كل منهما صلح الآخر، وكان لهما مدد ~~متطاولة على غاية الشر والحرب، بحيث لا يطمع في صلحهما، فالله ms605 المسؤول ~~في إصلاح النيات، وتمهيد الأمور بغالب المقدور على أحسن وجه. # وفي يوم السبت تاسع عشر الشهر، توفي أقضى القضاة، الفقيه ~~الفاضل المفنن المفتي ولي الدين عبد الله بن الزين عبد الرحمن بن ~~محمد بن محمد بن شرف بن منصور بن محمود بن توفيق بن محمد بن عبد ~~الله الزرعي الأصل الدمشقي الشافعي الشهير بابن قاضي عجلون، عن ~~نحو ستين سنة، عن مرض طويل امتد به نحو ثلاثة أشهر. # وكان عين نواب الشافعية بدمشق وأكثرهم تفننا في العلوم، وأبصرهم ~~بالقضاء، وأعظمهم تحريا، وأحسنهم شكلا، وأعلاهم همة، وأنقاهم ~~عرضا، وكان رفيقي في الطلب على الشيخ تاج الدين بن بهادر، ولم يكن ~~في إخوته وأقاربه مثله، ما خلف في النواب بدمشق مثله في مجموع ~~فضائله. وحفظه للسانه، وقمعه للجبارين، بعدم المشي في أغراضهم، ~~والذب عن عرض من أريد تناوله بحضورهم. PageV03P259 ~~وخلف ثلاثة أولاد ذكورا رجالا، علماء، مفننين، أعلاهم سنا وقدرا ~~الشيخ نجم الدين أبو الفضل محمد، وكان غائبا عنه بالقاهرة، قد أراد ~~استيطانها وتأثل بها وظائف تداريس، وإفتاء دار العدل وذلك ~~برضى والده، بل بأمره، ويليه القاضي زين الدين عبد الرحمن، ثم ~~الشيخ تقي الدين أبو بكر، خلفه الله فيهم خير الخلف. # وفي يوم الاثنين، حادي عشري الشهر، ألبس الأمير يحيى بن جانم، ~~نائب الشام خلعة السفر، وسافر يوم السبت سادس عشرية، ولم ~~يجب إلى شيء مما جاء فيه، وأقيمت الحجة في المسائل الثلاث التي سألها، ~~ومجهم أكثر الناس، وعلموا سوء ضميرهم. PageV03P260 ~~وكان من لطف الله بالعباد في تمهيد الله لهذا السلطان أن جانم نائب ~~الشام أساء عشرته مع أكثر أمراء دمشق، لاسيما الحاجب، ومع أهل ~~دمشق؛ بعدم ولاية ابن شبل للحسبة، مع تفويض الأشرف ذلك إليه ~~بسؤاله، هذا ما ألقى الله في قلوب جميع الناس من محبة السلطان، ~~فكان أهل دمشق يقولون: مهما خالف نائبنا وأذن السلطان لنا فيه كفيناه ~~إرسال عسكر، ولم نبق له أثرا. # ومن ذلك أنه أساء إلى جميع من حوله من شيوخ البلاد، العشير، ~~والعرب؛ وذلك بأن ms606 خزنداره مبني على اللؤم، وعنده هو غاية القابلية ~~لذلك، فشنق من البقاع مقدم حمارة، وأفسد أهل الزبداني، وشتت ~~غالبهم، وأغضب مقلد أمير عرب حوران، وابن متروك أمير حارثة، ~~وابن عبد القادر، وابن مشاق، شيخي جبل نابلس، وألح في طلبهم، ~~وأن لا يلبس أحد منهم خلعته السلطانية إلا من بين يديه، فأجابه ~~السلطان لذلك؛ فخافه كل هؤلاء، وألقي في قلوبهم، أن من قابله قتله، ~~فصاروا كلهم [أعداؤه] محيطون به، وكان ذلك من الألطاف الخفية، ~~فإنه لو أراد أن يعصي، منعه خوف هؤلاء من ذلك، أو أخره إلى ~~استصلاحهم، فيمضي على ذلك زمان تثبت فيه أوتاد السلطان. # وكان السلطان أرسل إليه ما لأمير ركب الشامي، للحج من العادة، ~~وجعل تعيينه إليه؛ لأنه أعرف بمن يصلح، فعين الأمير محمد بن PageV03P261 ~~مبارك الذي وكل إليه أمر الأغنام السلطانية في كل سنة، فأرسل يشكو ~~من ذلك، ويقول: إما أمير ركب، وإما جمع الغنم، فإنهما معا لا يتفقان، ~~فإن الأضحى قد قرب، ولا يمكنني جمع الغنم مع الاشتغال بالحج. # فبان أن تعيينه له؛ لسوء طوية يراد بها تعطيل أمر مهم من أمور ~~السلطان، يثير تعطيله جميع الجند؛ لما يؤدي إليه من قطع عوائدهم في ~~الأضحى. # وشاع بين الناس أن هذا إنما هو تكالب على العصيان، طمعا في ~~الملك؛ لما قرر في ذهنه أبو الفضل النويري، خطيب مكة، من أنه لا بد ~~من سلطنته، وزاد ربطه في ذلك بأن عاهده أن ذلك إذا صار يكون المال ~~المتحصل للخزانة ثلاثا، بينه، وبين خزنداره يوسف، وبين أبي الفضل، ~~وهذا دأبه، مع كل من يصحبه من هذه الطائفة، كدولات باي المؤيدي، ~~وتمربغا الظاهري، وكذا كان يؤكد ذلك قاسم المعري، شيخ زاوية ابن ~~داود، وكان من شياطين المتصوفة، قد ضم إلى مكرهم، جرأة أهل ~~بلاد الشمال على العظائم. # فلما جاءت مكاتبة ابن مبارك بذلك، أعفاه السلطان، وعين لأمرة الحج PageV03P262 ~~سيدي إبراهيم بن منجك وهو أخص أهل دمشق بنائب الشام إشارة ~~إلى أن مكره قد علم، فقوبل بمثله بعد إبطاله، بمرسوم لا ms607 يمكنه رده. # وفي هذا الحد شكا سلطان الحرافيش بمصر شخصا من معاملي ~~اللحم له عليه دين، فرسم له بخلاصه، وكان رئيس المعاملين (وهم ~~الذين يحملون لحم الجند للوزير) يقال له: الببائي (بموحدتين ومد) ~~وهم قوم لا يمكن معارضتهم؛ لأنهم يجتمعون، فينالوا ممن شاءوا، ولا ~~يقدر أن ينال منهم، فإن أعياهم أمر استعانوا بالمماليك الأجلاب، فلا ~~يقاومهم أحد، وإن اشتد الخطب عطلوا يوما من اللحم، واعتلوا بأن ~~غريمهم عاقهم عن ذلك، فيحل به، ما يجل عن الوصف. # وكانت عادة الملوك مداراة هذه الطائفة والإغضاء عن مساوئهم، ~~وأعتاهم رئيسهم الببائي، فمنع سلطان الحرافيش حقه، وخلص ~~خصمه من النقباء، وقيل: إنه ضرب صاحب الحق، فطلبه السلطان، ~~فأحضر إليه يوم الثلاثاء ثالث عشري شعبان هذا، فأحضر معه جميع ~~المعاملين؛ ليصيحوا قدام السلطان كما هي عادتهم، فلم يكن إلا أن ~~حضر، فامر بضربه، فصار يضرب، وهو يقول له: عطل اللحم غدا، ~~وتبدد جنده من المعاملين، فكان الفائز منهم الذي يرى أنه قد نجا، ~~فلم يزل يضربه إلى أن سلخ جلده، وهو يقول له: أنا لا أضربك إلا ~~لتعطيل اللحم غدا على عادتك، حتى ترى ما يكون، وتعرف إن كان ~~اللحم من مالك، أو من مالي، فوصل صاحب الحق إلى ما أراد، ~~وامتلأت القاهرة بهذا الحديث، وحصل لهم بإهانة هذه الطائفة ~~وخصوصا هذا الرجل من السرور مالا يوصفن وكان لهم من الدعاء ~~للسلطان أمر عظيم، زاده الله من فضله. PageV03P264 ~~وفي يوم الثلاثاء، ثاني عشري الشهر، وصل قاضي الحنفية بدمشق، ~~العلاء علي ابن قاضي عجلون، الجاهل، الفاسق، العاق، لا صحبه ~~الله. # وفي يوم الخميس رابع عشريه، سلم على السلطان، وقد دار على ~~المباشرين والأمراء، وأرضى الجميع بالمال، لما يعلم من أنه لا مروج له ~~غير ذلك من سن، ولا علم، ولا دين، ولا سابقة خير. # ثم أخرج كتابا من نائب الشام يثني عليه فيه بالعفة والعلم، هذا مع ~~أنه لا يعرف مسألة من المسائل مطلقا لا متقنة ولا غير متقنة، ولا أظنه ~~قط طالع في كتاب، فلا ms608 جزى الله الكل خيرا، ولما قرئ كتاب نائب ~~الشام دعمه المباشرون بما سيلقونه يوم تبيض وجوه، وتسود وجوه، وكان ~~متولي كبر ذلك كاتب السر، فبان بذلك مضموما إلى قرائن ~~أخرى أنه لا غرض له في تقديم مستحق، وبان أنهم لم يطلبوا الحميد ~~والحسام؛ إلا لأكل هذا الجاهل. # وكان مع كتاب نائب الشام، وتأييد من أيده، قد جعل للسلطان ~~ألفي دينار، فراج حاله، وأتقن له ذلك سوء تصرف الحميد والحسام، ~~فإنهما كانا يظهران الاتفاق، وهما أشد شيء تخالفا، وكل منهما يلوس ~~الآخر، وأشدهما في ذلك الحميد؛ فإنه أظهر أول ما قدم أنه لا غرض له ~~في القضاء بوجه من الوجوه، ولو عرض عليه ما قبله، ثم صار يغار ~~عليه ممن يذكر اسمه فقط. PageV03P264 ~~وكان الحسام لا يسعى إلا في مدارس بيد ابن قاضي عجلون أنظارها، ~~وتداريسها، وكانا مع ذلك يجتمعان بالسلطان بغير واسطة كاتب السر، ~~ولا يسمحان بالتردد إليه، فتخيل منهمها. # ثم طلعا يوم الخميس هذا؛ ليسألا السلطان في عقد مجلس لامتحان ~~ابن قاضي عجلون، فصادفا السلطان قد دخل ليستريح، وذلك في حر ~~شديد، فرجعا، فصادفا كاتب السر في القلعة، فرافقاه، وتكلما في ابن ~~قاضي عجلون، فهما في ذلك، وإذا هو قد طلع عليهما، فكذبهما، ~~فكذباه، وصاروا يتشاتمون، فصاروا سبة. # ثم إنهما طلعا في عصر يوم الخميس هذا مع كاتب السر، فسألا ~~السلطان في عقد مجلس لما تقدم، فأجابهما، بعد أن علم أن كلام الحميد ~~بهوى نفس، وواجهه بذلك، وقال في غيبته: إذا كان هذا يتكلم هكذا ~~بحضرتي، فكيف يكون كلامه في غيرها؟!، وعين للمجلس يوم الأحد، ~~سابع عشري الشهر. # وكان في ليلة الخميس هذا، أعني رابع عشري شعبان، مات فيروز ~~النيروزي عن نحو تسعين سنة، وكان في يده مع الخزندارية الزمامية، ~~فسعى فيهما لؤلؤ [الرومي الأشرفي برسباي الطواشي] بخمسة عشر ~~ألف دينار فأجيب إلى ذلك. # وكان فيروز ظالما، غاشما، جماعا، مناعا، قليل الخير جدا، فيقال: # أنه وجد له مائة وخمسون ألف دينار ذهبا عينا، وخلف من الجواهر، ~~والقماش، والخيول، والغلال، ms609 والآلات، ما يعسر ضبطه. PageV03P265 ~~وفي هذا الحد، أنكر التاج إسماعيل بن الزهري البقاعي، الذي كان ~~إمام المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، على بعض المجترئين من الرافضة ~~في المدينة الشريفة أمرا، وكان ذلك الرافضي من بلاد جبل عامله، من ~~معاملة صفد، وكان ينسب إلى علم، وكان غاليا في الرفض، معظما ~~عندهم، فذهب إلى نائب أمير المدينة، فذكر له ذلك، فأحضر ابن ~~الزهري، وضربه حتى مات. # وكان ابن الزهري هذا، ساكنا، كثر الإنجماع عن الناس رحمه الله، ~~وأصله من قرية تسمى بيت فار، في بلاد البقاع، وكان قد انتقل إلى ~~القاهرة من مدة طويلة، وكان يسكن قلعة الجبل، ويؤم في جامع الحوش ~~وأخبرني من أهل المدينة من كان يسمعه في هذه المحاورة يقول في ~~دعائه: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، وموتا في بلد نبيك صلى الله عليه وسلم، كما كان ~~عمر الفاروق رضي الله عنه يدعو، فاستجيب له، فعظمت مشقة ذلك ~~على أهل السنة، ولكن لم تكن لهم يد ينتصرون بها في المدينة ~~الشريفة؛ لغلبة الرافضة بها، فلما حج الناس قتل خصمه بمكة المشرفة ~~كما يأتي. # وبلغ السلطان الظاهر خشقدم ذلك في وقت توجه الحاج، فعزل أمير ~~المدينة زبيري، وولى شخصا من آل جماز يسمى زهيرا، وهم يظهرون ~~أنهم من السنة، فقبض زبيري على قضاة المدينة، وقال: إن صح PageV03P266 ~~أني عزلت قتلتكم، فإنه لم يكاتب في شأني غيركم، فاستمرت المدينة ~~أياما لم يصل فيها جماعة، بل ولا جمعة، فأتته أمه، فشفعت فيهم، فلم ~~يشفعها، فأغلظت له، وحلفت أنه إن لم يفعل، أخرجت ثدياها، ~~وخرجت بين العرب تشنع، ووالاها على ذلك ابن عمه ضغيم أخو ~~الأمير الذي كان قبله، وقال له: لئن فعلت فيهم شيئا، ليكونن آخر ~~عهد آل منصور من المدينة، ونحو هذا فأطلقهم. # وفي ليلة السبت، سادس عشري الشهر، سافر يحيى بن نائب الشام ~~راجعا إلى أبيه، وقد ظن بهم وبجماعتهم الأشرفية الظنون، ونفرت ~~الخواطر منهم. # وفيه دار كلام بين بعض الناس، بأن أباه نائب الشام عصى ~~على السلطان. # وفيه لم ms610 يطلع الأمير بردبك إلى القلعة، ولم يجتمع في بيته بأحد، ووكل ~~بالباب، من يقول: إنه ليس بالبيت، ولم يعرف سبب ذلك، ثم عرف ~~أن سببه كان عارضا في بدنه، منعه الركوب، وخشي أن يكثر العائدون له. # واستغنم كاتب السر غيبته، فأخر عقد المجلي بين قضاة الشام؛ ~~تخفيفا عن ابن قاضي عجلون، لما يعلم من جهله وظلمه، فعجل له على PageV03P267 ~~ذلك من العقوبة، أنه وقف بفرسه عند البيسرية، ليسلم على ناظر ~~الجيش عند افتراقهما كلا إلى بيته، فوقعت به الفرس، فطاح عنها، ~~فانصدع زنده، وطارت عمامته عن رأسه إلى مدى بعيد، وكانت وقعة ~~هائلة. # فذكرت الأمير يوم الأحد سابع عشري الشهر بذلك، وبينت له أن ~~كاتب السر له غرض في تركه، وهو ساع في ذلك بأنواع الحيل، ليتم أمر ~~ابن قاضي عجلون؛ لأغراض ذكرتها له، وأوضحت له ما يثمر ذلك من ~~فساد الصورة، وانهدام ما بناه السلطان من أول أمره، إلى هذا الوقت، ~~من طيب الذكر، واستجلاب الخواطر، والله ولي التوفيق. # وذلك لأن الحميد، والحسام، يدوران على الناس، ويقولن: نحن # عالما الحنفية بدمشق، وهذا ابن الإمام، فأرسلوا إلى كل منا مرسوما ~~ليحضر، فينصف، فما حضورنا إلا ليسنوا بنا هذا الجاهل، ونحو ~~هذا، فعلم صحة ذلك، فقام في إبرام المجلس وقبح على من أراد إبطاله. # ثم علم أن ابن قاضي عجلون وعد على إبقائه في منصبه للسلطان ~~بألفي دينار، ولكاتب السر بأربعمائة، ولكل من المباشرين بشيء، ~~فالتزم الحميد، بأن يقوم للسلطان بما وعد به، فذكر ذلك له، فأجابه إلى ~~الولاية بذلك. ### || رمضان: # ~~وفي يوم الأربعاء، مستهل شهر رمضان من السنة، وصل الخبر، بوفاة ~~القاضي ولي الدين عبد الله بن قاضي عجلون الشافعي في تاسع عشر ~~شعبان بدمشق، كما مضى في موضعه. PageV03P268 ~~وفيه وصل المقدم محمود بن الحاج أبي بكر بن باكله العامري، الذي ~~كان مقدم بلاد الزبداني، هاربا من خزندار نائب الشام، الجمال يوسف ~~الصبيبي؛ فإنه كان يعمل على شنقه، كما فعل بأضرابه، فإنه صح عنه ~~أنه كان يغري إسماعيل بن يوسف، ms611 رفيقه في التقدمة على قتله، وذلك ~~بتحسين قاسم المعري، شيخ زاوية ابن داود، فإن إسماعيل كان صاحبه، ~~وهو من شياطين المتفقرة، وكانت له قدرة على الدخول في الظلمة، ~~والتقرب إلى خواطرهم، فكان له عند جانم نائب الشام، وجميع من ~~يلوذ به وصلة تزيد عن الحد، وهم مع دخوله في مظالمهم وحملهم على ~~كثير منها وتزيينه لهم، يعتقدون فيه الخير، بل ومع مشاهدتهم له يباشر ~~الظلم لنفسه، حتى لقد بلغني أنه كان يشتري غنما هزيلا، ويذبحه ~~ويرميه على لحامي الصالحية. # فلما قتل الله المقدم إسماعيل على يد جماعة محمود كما مضى، وخربت ~~بلاد الزبداني على يد قاسم، وفر محمود، فلم يقدروا عليه، شرع يظهر ~~الحلم عنهم، بإقامة معاذيرهم، ولم يزل حتى ورد كل من كان مع محمود ~~هاربا، وزاد في إكرامهم، ولان لمحمود حتى كاد أن يقع. # ثم استمر إلى أن نزل إلى بلاد الشام بعض أصحاب شرباش أمير ~~سلاح، ومحمود بن جارية خوند شقراء بنت الناصر فرج، زوجة PageV03P269 ~~شرباش، فطلب محمودا إليه في شهر شعبان من هذه السنة فأحضره ~~على نائب الشام وخزنداره، فأظهرا قبوله، وأنهما يعيدانه إلى التقدمة ~~كعادته، ثم علم منهما الغدر، ففر من دمشق قبل خروج الأمير المذكور، ~~وانتظره في غزة إلى أن قدم، فقدم معه على أمه، وكانت عند منلاتها ~~شقراء زوجة شرباش، فأحسن تلقيه وإكرامه، واستمر مقيما عنده. # وفي يوم الأحد ثالث شهر رمضان هذا سافر الشيخ نجم الدين محمد ~~ابن القاضي ولي الدين عبد الله بن قاضي عجلون؛ لعمل مصالح ما ~~خلفه أبوه، ومواساة عياله على ما طرقهم من المصيبة بموته. # ثم بلغنا أنه مات في هذا اليوم بدمشق الشيخ المعتقد أحمد العداس ~~الدمشقي القادري، وكان أمارا بالمعروف، وله زاوية أنشأها بناحية قناة ~~العوني، خارج باب الفراديس من دمشق. # وفي يوم السبت، رابع الشهر، وصل الأمير عبد العزيز بن معلاق ~~الرملي، ناظر القدس والخليل، ومعه شيخ الخليل، السراج عمر بن ~~الجعبري، ومباشروا أوقاف البلدين، ونزلوا في مدرسة السلطان حسن، ~~وكان عبد العزيز هذا، من ms612 تيوس الناس العريقين في الجهل والتجبر على ~~من يستضعفه، والذلة لمن يضعف عنه، مع بعض خداع لا يكاد يتأتى ~~إلا بعد مقارعة. # كان الشيخ كمال الدين محمد بن الناصر محمد بن أبي شريف القدسي، ~~وأخوه البرهان إبراهيم أوحدي أهل القدس في زمانهما، علما ودينا وعقلا، ~~وكان الشيخ كمال الدين لما قدم القاهرة في هذه المرة، سال أن يزاد في PageV03P270 ~~معلوم تصديره، وتصدير أخيه البرهان ما يبلغ مائتي درهم في كل ~~شهر، وذلك، لا يبلغ مقدار معلوم بعض من لا يحسن مسألة، ولا نفع ~~به من أهل البلد. # فلما أرسل المرسوم المربع به، صادف الناظر على عزم السفر، فوعد ~~أنه يمضيه بالقاهرة، فلما قدم أعطاه الكمال قصة بذلك، فأكثر الثناء ~~عليه، وأنه مستحق لأضعاف ذلك، وأنه مما يسره، وسأل الإمهال في ~~إمضائه إلى الرجوع إلى القدس، فانخدع له الكمال، ثم ظهر له أن ذلك ~~غير صحيح. # فكلمت الأمير برد بك في شأنه، فأخذ القصة، ووعد بقضائها، ~~وكان الكمال حضر عنده في هذه السنة مجلس البخاري، وبحث، ~~فأجاد وأبدى فوائد كثيرة، فحضرنا يوما، فإذا الناظر حاضر، وشيخ ~~حرم الخليل السراج عمر بن الجعبري، وكان قد نقل إلى ان الشيخ كمال ~~الدين تسبب في إثبات بلد في بلاد الرملة، يقال لها الأخصاص، بوقف ~~الخليل، شركة لغيره، بعد أن كان البرهان بن جماعة أثبت لناس ادعوها ~~محضرا، وأراد حسم أمرها من الوقف. # فسألت الأمير عن القصة، فرأيته كمن انحل عنها انحلالا عظيما؛ ~~بسبب أن الناظر أثبت في ذهنه أن باب الزيادة غن سمح بتمشية قضية ~~منه، حصل شر كبير، وانفتح به باب لا يكاد يسد، ونحو هذا من ~~الخيالات، فقلت: إن هذا خيال فاسد، إذا فتح باب لأمير المؤمنين، ثم ~~جاء بعده زبال يريد فتحه له كما فتح لأمير المؤمنين أشبعه كل من سمعه ~~صفعا، سل الحاضرين هل في القدس من يعدله، أو [يعدل] كلامه PageV03P271 ~~كلامه، إنه استنفد بلد الأخصاص للوقف، بعد أن كان ابن جماعة أراد ~~انتزاعها منه، وأعطاها لناس ادعوها، وأثبت لهم ms613 نسبا راج أمره على كل ~~من حضر المجلس من القضاة، والناظر وغيرهم، فلما عجزوا أرسلوا إلى ~~الشيخ كمال الدين، فلما حضر، كشف تلبيس المحضر، وأسكت ابن ~~جماعة، فأعذر المدعون، وهذا شيخ حرم الخليل يصدق على ذلك، وكذا ~~الناظر، سلهما. فأما شيخ الخليل، فقال: نعم، وأثنى ، وأما الناظر، ~~فسكت، فتبين من ذلك صحة القضية. # وقلت غير هذا من الكلام الفصل الذي يؤيد الله به عند المعضلات، ~~فألزم الأمير الناظر بإمضاء ذلك بما لم يسعه معه إلا الإجابة، فأمضاه بعد ~~أن كان سأل السلطان في إبطال ذلك، واجتهد كل الاجتهاد. بما في ~~طبعه من بغض أهل العلم، وأغرى أمثاله من مباشري الوقف على ذلك، ~~والله المسؤول في أمثال ذلك من النصرة عن أهل الفساد، وإعلاء أهل ~~الرشاد. # وفي يوم الثلاثاء سابع الشهر، قال السلطان، لكاتب السر: قد طال # أمر القاضي حميد الدين. فأعلمه، أنه أدان من الناس بضائع، يريد أن ~~يبيعها، وينفذ ما وعد به، فقال لهك قل له: أنه لا وعد له عندنا، إن لم ~~يحضر ذلك غدا، وقل للحسام: إن كان يدفع ما ذكر ابن قاضي عجلون، ~~فلا معدل عنه. # فأما الحميد، فقالك لا يمكنني ذلك، وأما الحسام فقال: # لا أقدر إلا على ألف دينار، فإن قبلت مني افتديت بها المسلمين، من ~~هذا الجاهل الفاسق، وإلا فإني إن زدت عليها شيئا دار أمري بين أن PageV03P272 ~~أحبس عليه أو أرتشيه من الناس، فأكون قد خسرت الدين والدنيا فيما ~~لا أدري عاقبته، فكان أعقلهما، مع أنه طويل ومفرط في طول اللحية، ~~والحميد قصير، قصير اللحية. # ولما ورد الجواب على السلطان بذلك، قال: قل لابن قاضي عجلون: # يطلع يوم الخميس، فطلع يوم الخميس تاسع الشهر، فألبس كاملية ~~بيضاء بسمور، ثم بان ان السلطان كان خيل من الحميد، بأنه كثير ~~الشر، فلا يؤمن أن يثير عليه فتنة، يعجز عن تسكينها، وهو في أول ~~دولة ما سكن إلى الآن اضطرابها، هذا مع ما رأى منه هو مما يصدق ~~ذلك، لما كلمه في ابن قاضي عجلون، ms614 ومع ما يظن به من العداوة لهذه ~~الدولة؛ لأن الملك الأشرف كان نفاه سنة تسع وخمسين إلى بغداد، ولم ~~يرجع إلا بشفاعة جانم، نائب الشام الآن، فبان أنه ما أظهر قبول سؤاله ~~إلا ليعجزه، وبان بإيثار ألفي ابن قاضي عجلون، على ألف الحسام، أنه ~~مع الدنيا، وما عليه من علم ولا دين، ولا هو مفكر في صلاح الناس، ~~وأن ما كان أظهر من تعظيم الشرع، وإقامة منار الدين رياء وسمعة، ~~ليتمكن، والله المسؤول في صلاح حاله، وسداد أمره. # لكنه كان مما بعد الأمر من الحميد خفة حصلت له، وذلك أنه لما ~~علم أن قضية ابن قاضي عجلون انتظمت، بادر إلى تحصيل ألف دينار ~~عينا، ورام إبلاغ ذلك للسلطان، فلم يطع؛ لما يعلم من يسأله، مما لا ~~يقال له. فاتهم كاتب السر، فأخذ الذهب معه، وطلع إلى السلطان ~~بنفسه، وقال له: يا مولانا السلطان، إن الذي بلغك أني عجزت كاذب، ~~وهذه ألف دينار في كمي قد أحضرتها لتأمر من يقبضها فقال له PageV03P273 ~~السلطان: من أمر بإحضار ذهب، أو سأل في شيء من هذا؟! وما ~~معنى هذا الكلام؟! ثم أشار بيده إلى الانصراف، وظهر عليه الغضب، ~~فانصرف، وبه من الخزي أمر عظيم. # وفي يوم الخميس هذا عزل محمود بن إبراهيم بن الديري من نظر ~~الاصطبل، بسؤال أمير آخرو برسباي البجاسي صهر السلطان؛ لرقاعته، ~~وسوء معاشرته، وجهله، مع تمعلمه، ومجازفته كأبيه، وولي عنه ~~الشرف بن البقري، أخو الأمير الإستدار. ### ||| منادي البحر: # وفي يوم السبت حادي عشر الشهر، وهو الموافق لسادس عشري ~~بؤنة، دار منادي البحر في شوارع القاهرة، للبشارة بزيادة البحر، ~~وأخبروا أن قاعدة المقياس ستة أذرع ونصف ذراع، فهي أعلى منها في ~~العام الماضي بنصف ذراع، ثم نادى يوم الأحد ثاني عشره، بأن الزيادة ~~خمس أصابع. # وفي هذا اليوم قبض الوالي على منسر نحو عشرين رجلا كانوا ~~يفسدون في البلاد. # وفي هذا الحد، اشتد سعي الحجازيين في بيان عوار العلم صالح ~~البلقيني بما باع من أوقافهم، وأنها تقارب مائتي وقف، وبرز الأمر ms615 بأن PageV03P274 ~~يكشف عن ذلك، ويعمل حسابهم، فأمر القاضي مباشري الحرمين ~~ليكتبوا ما يبرئ ساحته وساحتهم، فكتبوا أن الذي بيع من ذلك نيف ~~وثمانون وقفا، وذلك (زعموا) قادح في إنهاء الحجازيين، مكذب لهم، ~~فرموا أنفسهم بفضيحة ما سمع بمثلها، وظهر الحق وزهق الباطل، ~~ولكن منع السلطان من عزله، انه في أول دولته. # وفي يوم الاثنين ثالث عشر الشهر نزل شرباش كرد من القلعة مريضا ~~من قولنج كان يعتريه، فقطع الناس على العادة أنه سقي، ثم تماثل ~~يوم الخميس سادس عشره. # وفي ليلة الثلاثاء، رابع عشر شهر رمضان هذا، خسف القمر، فأخذ ~~في ذلك والناس في صلاة التراويح، واستغرق الخسوف جميع جرمه عقب ~~الفراغ منها، فصار كأنه قطعة سحابة حمراء صغيرة، ثم غابت تلك ~~الحمرة، وصارت بلون السماء، وأظلم الليل، فكان كالذي لا قمر فيه ~~واستمر مدة طويلة، أخبرت أنها خمسون درجة، ثم بدأ ينجلي، فلم ~~يكمل انجلاؤه إلا آخر الليل، وصلى الناس لذلك، واجتهدوا في الدعاء ~~تقبل الله منهم وعفى عنا وعنهم. # واشتد قلقلة من لا علم له في ذلك من جهة السلطان، واشتد ~~مكر الجند، وسعى بعضهم إلى بعض في نقض أمر السلطان، رد الله PageV03P275 ~~كيدهم في نحرهم، فإنهم لا يفعلون ذلك لصلاح دين، ولا دنيا، بل ~~نفاسة على غير من ولد في الإسلام أن يلي هذا المنصب، والذي شد ~~فسادهم شفاعة نائب الشام في قانباي، وتنم، وهو مراده، والله ~~المستعان. # وكان السلطان أرسل خلع بعض مشائخ البلاد الشامية، وأمراء ~~العرب إلى جانم نائب الشام، ليلبسوا من عنده، أو يرسلها إليهم، ~~فوصلت إليه خلعة طرباي بن زين أمير عرب حارثة، بناحية بيسان، ~~وكان البريدي بذلك مر عليه، وأعلمه بذلك، فقال: اسبقني حتى ~~أصحب معي تقدمة للنائب، فلما وصل البريدي، وليس هو معه، ~~طلب خصمه.. ابن حسين، فألبسه الخلعة، فلما سمع طرباي، ~~هرب إلى جبل نابلس، فنزل على ابن أبي غازي بن مشاق، وأرسل يقول: ~~إن لم يحمني السلطان سرت إلى نائب الشام لأحمي نفسي وأهلي، وأرسل ~~إسماعيل بن عبد القادر ms616 يقول نحوا من ذلك، ويقول: إني إن ذهبت إليه ~~طلب مني المال، فتلفت بلاد السلطان، وأرسل ابن مشاق يستعفي من ~~المشيخة؛ لأجل ذلك، وحصل بذلك وهن ظاهر. # وفي يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان هذا، عزل ~~سالم الرملي عن مشيخة مقام الشيخ أحمد البدوي. PageV03P276 ~~وفي يوم الأحد سابع عشرهن ولي عنه أبوه؛ لكثرة كذبه وسعيه، ~~ومساعدة من لا يخاف الله له، لتقاربهم في خباثة الأرواح، وكان السبب ~~الآخر فيه قرقماش الجلب أمير مجلس، أهدى له جارية ومملوكا، فكلم ~~السلطان فيه، كان خائفا من إثارة شر، بعدم قبول شفاعاتهم، فإنهم ~~كانوا قد أكثروا عليه القال والقيل، فكان يرتكب في شفاعاتهم أخف ~~الضررين. # ثم لم يفده ذلك، بل ما أصبح الصبح من يوم السبت ثامن عشره، ~~حتى ركبوا عليه معتلين بأنه أرسل إلى الأمراء، آخر يوم الخميس من ~~يأمرهم بالطلوع إليه بكرة يوم السبت بغير شاش ولا قماش، ليشاورهم ~~في أمر أتاه عن قبرس، وذلك أنه كان أرسل إلى بلاد الشام أن يغيثوهم ~~بالأسلحة والرجال، فجمعوا من السلاح والبارود والمكاحل وغيرها ما ~~يعز وجود مثله، ثم اكترى لها نائب طرابلس مركب شخص من الفرنج، ~~وارسل معه نحو الثلاثين من المسلمين؛ ليكون آمن له، فإن المعهود أن ~~الفرنج لا يغدرون، فغدروا، وذهب بالمركب كما هو إلى رودس، فقال ~~الجند: ما أرسل إلى الأمراء إلا ليقبض عليهم، فعاجلوه هم بالركوب في ~~صبيحة هذا اليوم. # فأما أن يونوا جعلوا ذلك عذرا في الركوب عليه، وهو الأقرب، وأما ~~أن يكونوا ظنوا ذلك لما عندهم من الريبة، وأما هو فلم يكن في شيء من ~~ذلك عند كل من له لب، فإن من يريد الإقدام على مثل هذا لا بد أن ~~يكون قد تأهب له، والمتأهب ليصبح قوما شدادا، لا يبيت خاليا من ~~الرجال. # ولما كان صبح يوم السبت المذكور، أتى جانبك ناظر جدة إلى الأمير PageV03P277 ~~بردبك دويدار السلطان الثاني وصهره، وأنصح من عنده له ليركب معه ~~إلى القلعة على ما يظهر، وكان قد عوده بمثل هذه العادة، ms617 لأنه هو الذي ~~حماه، حين أزالوا دولتهم، فلما توجهوا إلى تجاه مدرسة حسن لقيهم ~~طائفة من الجند فأخذوهما إلى بيت الأمير الكبير، وطلع طائفة أخرى من ~~باب السلسلة، حين فتح إلى صهره الآخر برسباي البجاسي أمير آخر، ~~فقبضوا عليه، وذهبوا بهما إلى بيت الأمير الكبير، البيت الذي أقام به أبوه ~~الملك الأشرف إينال أيام ركوبه، وكان الملك الأشرف قد حسب هذا ~~الحساب، فسد بابه الذي إلى الرميلة، وأحكم سده، وجعل هناك ~~دكاكين. # ثم وكلوا بهما من يحفظهما، وأقام داخل باب السلسلة جمع منهم، ~~وكذا بالأمير الكبير، وبقراجا الطويل، وجانم الخزندار، ونحوهم من ~~نصحاء السلطان. # فلما سمع السلطان بهم رمى عليهم حتى بعدوا عن الباب الذي فوق ~~باب السلسلة، ثم نزل إليهم بمن معه من مماليكه، فهزموهم وسبقوهم ~~إلى باب السلسلة فأغلقوه، فألقوا بأيديهم على عوائدهم عند المضائق، ~~فقتل منهم جماعة، ولما رأوا القتل؛ رمى بعضهم نفسه من أعلى جدار ~~باب السلسلة، وساعده العامة. # فهزموا من كان في الرميلة، ولم يقدروا على مداناة القلعة، بعد أن ~~حملوا عليها مرارا، كلما حملوا ردوهم أقبح رد. # وأخبرت بعد أنه لم يكن مع المؤيد ممن يصلح للقتال غير مائة نفس، ~~كان المباشر للقتال منهم، المحسن للرمي، نحو الخمسين، والباقون ~~كتابية صغار، وأما أكابر مماليكه، ومماليك أبيه، فإنهم نزلوا مع البغاة. PageV03P278 ~~ثم أخبرني ناصر الدين بن أبي الفرج، نقيب الجيش، أنه كان قد ~~طلع إلى القلعة قبل دوران الجند أبلغ الناس وكذا كاتب السر، وأن هذا ~~العدد من المماليك كان آخر النهار، وأما أول النهار، فإنه كان حاظرا، ~~وكان مع المؤيد نحو أربعمائة نفس، ثم إنهم انضموا إلى البغاة، في آخر ~~النهار وخذلوه. # وأعجب الأمور قصة برسباي البجاسي في خيانته له في باب السلسلة، ~~وبذل جهده في البغي، وأمر يشبك البجاسي الذي وقع الشر في أول ~~الدولة على الإقطاع الذي أخذه، لما عزت الوظائف، وأراده الظريف، ~~وعارضه يونس الدويدار في سؤاله ليشبك الفقيه، فرأى السلطان أن لا ~~يرجح أحدا منهما، فدفعه ليشبك هذا إصلاحا بينهما، ms618 وظنا للخير فيه، ~~فبلغني أنه كان في هذا الحصار أكبر المتولين له، وانه كان يدور حول ~~القلعة، فلا يدع أحدا يصل إلى السلطان بشيء، وضيق عليه غاية ~~الضيق. فتبين أنه لو ثبت معه خمسمائة، لأبادهم. # واستدعى الأمراء بعد اجتماعهم برسباي البجاسي، فكان جالسا ~~معهم في جميع ما هم فيه، فظن الناس أن قبضهم عليه، ما كان إلا ~~برضى منه وتدبيره، لذلك، وعجب الناس من خيانته لهم، وهو ~~صهرهم، وقد إئتمنوه على القلعة. # وحكي بعد ذلك، أنه كان ينقل إليهم جميع ما كان المؤيد يقوله وقت ~~غضبه من خلاف يخالف منهم، ونحو ذلك من الخيانات التي يبعد ~~فلاحه معها، لكن الذي نقل هذا غير معتمد، والذي يبعد أن عياله ~~كانوا في القلعة إلى حين القبض عليه، وأنهم أخرجوا منها مشاة، ~~والعسكر في الرميلة، وقاسوا جهدا جهيدا، والعلم عند الله تعالى، ولكن PageV03P279 ~~هذا جزاء من اعتمد على الأسباب وترك مسببها، فإن أباه كان مع سد ~~باب بيت الأمير الكبير بنى سبيل المؤمني الذي كان سبب نصره إحراقه ~~بالحجر النحيت كله؛ لئلا يحرق، وصاهر برسباي هذا، ويونس ~~الدويدار وقيتباي الظاهري، ورفع منازلهم، وجرأ مماليكهم على الأمراء ~~وغيرهم، وأكثر الإحسان إليهم، وهذه أسباب وثيقة لو صحبها طاعة ~~الله، لكنه لما كان لا ينظر إلى جانب الله، جعل جميع تلك الأسباب عليه ~~وأزال دولته في يوم واحد، بمن لم يقع قط في خاطر أحد أن يكون سلطانا ~~كما سيأتي. # وما قرب أنه كان مع البغاة باطنا أن المؤيد قدم عليه ابن مرضعته في ~~الاصطبل، بحيث لم يبق له معه كلام، وقدم أخته من الرضاع على أمه، ~~وأراد طرد أمه من القلعة، وفتح للبزادرة،(وهم أصحاب الطيور ~~الصائدة) بابا يدخلون منه إلى داخل قاعات الحريم، وكان الناس ~~يتحدثون أن به أبنة، وأن تقريبه لهم على كافة الناس لذلك، فلما رأى ~~مدبرو دولته هذه الأفعال أبغضوه، فخلوه ورأيه، والله أعلم بصحة ~~ذلك. # ولما رأى البغاة ذلك... من المؤيد، أرادوا تأليف العامة، فدار ~~الوالي إينال الأشقر، ينادي بالأمان والدعاء ms619 للملك الظاهر خشقدم، ~~وهو الأمير الكبير، ثم تنازعوا فيه؛ فإنه رومي، وذكروا غيره من الأشرفية ~~فما وافق عليه الظاهرية، وذكر الظاهرية من لم يوافقهم عليه الأشرفية، ~~فسألوا شرباش أمير سلاح، فامتنع منه أشد امتناع، وقال: أنا لي ولد ~~فلا أكون سبب شقائه، فلم يجدوا بدا من الأمير الكبير، فحمله حب ~~الرئاسة على الموافقة، ولو تأمل، لعلم أن القياس يقتضي أهم لا يبقونه؛ PageV03P280 ~~فإنه ليس للمؤيد عنهم ذنب إلا أنه غير شركسي، اللهم إلا أن ينضم إلى ~~ذلك ولادته في الإسلام. # وأرسلوا لي الخليفة، فاختفى، فلم يقدروا عليه، وأرسلوا إلى ~~القضاة، فلم يجبهم منهم أحد إلا العلم صالح قاضي الشافعية على ~~عادته في الإسراع إلى الفساد، ثم تبين أن الحنفي والمالكي تبعاه، فلم ~~يتخلف غير الحنبلي، وهو العز بن نصر الله جزاه الله خيرا. # ثم تبين أن ركوبهم كان عن ممالأة من أمير آخور، فإنهم لما وصلوا به ~~إلى بيت الأمير الكبير أطلقوه، فكان معهم في جميع ما هم فيه، وتبين أن ~~الأمير الكبير لم يكن عالما بركوبهم في هذا اليوم؛ وذلك أن الأمير بردبك ~~حدثني أنه أتى إليه جانبك الظاهري، المعروف بناظر جدة، وكان من ~~أمكر عباد الله، وأحدهم، وأعلاهم همة، وكان بردبك في غاية النفع له، ~~فلم يدعه ينكب، حين زوال دولتهم، وولاية الأشرف، بل زاده خيرا، ~~ولم يزل يساعده على الزيادة إلى آخر وقت، قال: فأتى إلي: فركبت معه ~~ظنا أنا نطلع إلى القلعة على العادة، ثم لقيهم ناس، فعطفوا بهم إلى بيت ~~الأمير الكبير، قال: فلما دقوا عليه الباب، طلع بعض جماعته على وجه ~~الباب، ورحمنا، فأتتني رحمة كادت أن تقتلني، فإنها مرت عن وجهي، ~~فكادت أن تلاصقه، ثم سفلت فأصابت لحم فخذي ووقى الله شرها. # ثم دام الحرب بين السلطان وبينهم إلى المغرب، وتبين أنه ما كان معه ~~إلا جمع قليل جدا، وأن غالب مماليكه ومماليك أبيه نزولا مع البغاة رجاء ~~السلامة والأمن على الأرزاق، وما أبعدهم من ذلك، ولم يكن معه أمير ~~واحد، ولم تكن ms620 شوكته إلا بالزعر، وكان منهم عبد ابن إينال، فعمل ما تحدث PageV03P281 ~~به الناس [ورد] البغاة غير مرة وأرسل البغاة إلى ~~السلطان يقولون له: «لا تطل، نحن لا نرضى بك أبدا، فإن كنت تريد ~~السلامة فاذهب حيث شئت» آمن على نفسك ومن معك. فقال: ~~إني لا أفعل، وسلهم ما سبب ما فعلوا، إن كان لشيء كرهوه مني أزلته، ~~وإلا فعفا الله عما سلف، وأنا أنفق عليهم نفقة يرضون بها، ويكون كل ~~أحد على ما هو عليه، فلم يجيبوه إلا بالحرب، وقالوا: إن هذا لا يصفوا ~~لنا أبدا، وقد تأكدت الضغائن، وانتهكوا حرمة شهر رمضان، مع البغي ~~وسفك الدماء بالأكل والشرب نهارا جهارا، ولم يدعوا فعلا يوجب ~~الخذلان، من نكث الأيمان، والبغي، وغير ذلك إلا ارتكبوه، غير أن ~~السلطان أيضا طرأت منه على ما قيل أمور أوجبت خذلانه، فقيل: أنه ~~وعد عبد ابن أينال أن يعطيه شيئا سماه، فلم يف له به، وكان كلما أتاه ~~أحد من العامة قد جرح يعطيه عطاء نزرا، ورمى أهل المدافع فأجادوا، ~~ووعدهم فلم ينجز، وكان يمنيهم بالخير إذا وقع النصر، وطلب منه ~~المماليك لبوسا من الزردخانة، فلم يجبهم، وقال: لكل منكم لبس؛ ~~فانفل عن الناس. # ونزل نائب القلعة خيربك، الذي كان واليا، فقال للبغاة ما مكثكم ~~هاهنا؟! قوموا إلى القلعة، فما دونكم حائل، وكان المؤيد قد حبس ~~جماعة ممن هجم على باب السلسلة، فأطلقهم خيربك، ونزل بهم، ~~فذكر الناس بخيانته، وفاء يونس العلائي لما كان إينال العلائي راكبا، ~~استمر ثمانية أيام لا يبدو منه ميل لإينال، مع أنه لم يكن يعرف إلا بأخيه، PageV03P282 ~~حتى كان كثير من الناس يظنه أخاه حقيقة، فلما ولي إينال، ولاه نيابة ~~إسكندرية، فقال له: عجبا تأتمنني وأنا عدوك أقاتلك ثمانية أيام. # فقال: ولهذا أئتمنتك؛ لأنك نصحت السلطان، ونعم ما فعلت. # وشاع أن موقعه، البرهان الأبناسي تزيا بزي العرب الهجانة، ~~وذهب إلى البغاة، فقال للأمير الكبير: أن نائب الشام جانم جاوز ~~الخانكة، فقوموا إلى لقائه فكادوا أن يضطربوا، ثم إن شخصا منهم ms621 ~~عرفه، فأهين وأمر به إلى السجن، ثم تبين كذب ذلك. # وحدثت عنه أن أصل ذلك، أن المؤيد أرسله إلى الأمراء، يسألهم، ما ~~الموجب لركوبهم، ويأمرهم بتقوى الله، والرجوع إلى الطاعة، فأهانوه، ~~وأمروا بتعويقه في المكان الذي فيه الأمير بردبك، وقراجا الطويل ومن ~~معهما من جماعة السلطان، وأخبر أن أكبر المحاججين له كان الأمير ~~برسباي أمير آخور، ونسب إلى السلطان أنه صنع قيودا للأمراء وغير ~~ذلك مما يوغر الصدور، فزاد العجب من ذلك، فإن صح هذا الخبر، ~~دل على أن قبض البغاة عليه إنما كان باتفاق منه ومنهم ورضى، مع ~~إمكان أن يكون قال ذلك يرضيهم به، ليدفع عن نفسه وصهره. # قال الناقل إلي: قال البرهان: ثم إني تلطفت بمن أعرفه من الجند إلى # أن خلصت، ورددت على المؤيد الخبر. PageV03P283 ~~وحدثني الأمير بردبك أن سبب اجتماع الكلمة على بغضه أمران: ~~أعظمهما أن أكابر الأمراء كانوا يقفون بحضرته الزمن الطويل لا يكلمهم ~~كلمة، ولا يقيم لهم وزنا، الثاني أن كل طائفة من الظاهرية والأشرفية ~~كانت تريد أن يرجحها لتهلك عدوا، فلم يفعل. # واستمر كاتب السر في القلعة إلى قرب العصر لا يقدر على الخلاص، ~~فلما تبين له أن المؤيد مأخوذ أعمل الحيلة إلى أن نزل من باب المدرج، ~~فلما كان قريبا من تربة قانباي الشركسي، لقيته طائفة من الجند، فضربه ~~أحدهم بالسيف على عمامته، فقطع منها شيئا، وصوب له آخر برمح، ~~فقال لهم: ما الذي فعلت مما يوجب هذا؟!، فرد بعضهم بعضا عنه، ~~ثم أتوا به إلى بيت الأمير الكبير، فسلم وجلس، فقال قانم طاز: ما ~~تنتظرون بهذا المنافق؟ اقتلوه. قال: فقلت: على أي شيء؟! لم أفعل إلا ~~ما يجب علي، طلعت إلى الخدمة على عادتي، فعوقت، ثم نزلت حين ~~قدرت. فقال لي الأمير الكبير: لا ترد عليه، فسكت وكفه الله تعالى وله ~~الحمد. # وأرسل المؤيد إلى الشرف الأنصاري (وكان شديد العناية به، والكف ~~للأذى عنه، لما قصده أبوه وأمه بالأذى كما تقدم) ورقة يسأله فيها ان ~~يكلم جانبك ناظر جدة في ms622 هذا الأمر، ويستعطفه. قال: فساءني ~~الدخول في مثل هذا الأمر، فأرسلت إلى جانبك ورقة أذكر له فيها ذلك، ~~فأرسل: بأن هذا الأمر لا يكون، ولم يبق في رجوع الجند عنه حيلة أصلا، ~~قال: فأرسلت إلى المؤيد بكرة يوم الأحد، أعلمه بذلك، فأخبر بعض ~~من حضره أنه لما قرأ الورقة بكى، ثم إنه ركب فرسه، وذهب كما سيأتي ~~ذلك. PageV03P284 ~~ثم أخبرني القاضي، كاتب السر، المحب بن الشحنة، أن الشرف ~~هذا، وعيسى الغندور المغربي، والأمير بردبك، كانوا من أعظم الغارين ~~للسلطان عن أخذ الأهبة لمن يكيده؛ فإنه كان كلما سمع خبرا يسوؤه عن ~~اتفاقهم عليه يقول له الأمير بردبك: لا تسمع هذا، فإنه باطل قطعا، ~~وكلما يأتي من الأشرفية فهو مني. ويقول له كل يوم: كنت البارحة أنا ~~والشيخ عيسى، والقاضي شرفن وقالوا عن الفقير الفلاني، والمنجم ~~الفلاني أنك منصور، وأن من بغى عليك قتيل، وأنك لا تكترث بهم ~~أصلا، ونحو هذا الكلام. # قال: ونقل إلي من أوجه صحيحة أن شرف الدين كان يقول لأكابر # الجند اركبوا، وأنا، والشيخ عيسى نذهب إلى المؤيد، فندعه يسلم الأمر ~~إليكم، ونأتيكم بالمنشا، والترس. قال: وكذا كان، فإن الشرف هو ~~الذي أتاهم بالنمشا والترس يوم الأحد المذكور. # فإن كان الأمير بردبك، كان يقول هذا، وهو عالم بخلافه، فقد ~~صح أن الكل أطبقوا على خذلان المؤيد، ولم يثبت أحد على ~~نصحه أصلا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وبات كل في ~~مكانه، والناس في دعاء ما مثله شيء كلهم على كلمة واحدة، حتى ~~الأطفال والنساء، ولم أر ضعيفا إلا يدعو له بالنصر، لما رأوا في أيامه من ~~الأمن، ومن كف شر الجند عنهم، فلم أشك أنه منصور، لقول النبي PageV03P285 ~~صلى الله عليه وسلم: «إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم». ولأن البغاة ليس لهم في ~~بغيهم عليه شبهة أصلا. # فلما أصبح صبح يوم الأحد، زحفوا عليه، فقاتلهم بمن معه، ~~فردوهم، ثم تراجعوا يقدمهم عبد ابن إينال، ليمحوا ما فعل بهم ~~بالأمس، فلم يكذب عن باب السلسة، فأغلق من كان هناك ms623 الباب، ~~فأحرقه عبد ابن إينال. # وتبين أن عدم إجابة الدعاء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتأمرن بالمعروف، # ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم يدعوا خياركم، ~~فلا يستجيب له» وذلك أنهم جعلوا شكر نعمة الأمان على النفس ~~والعرض والمال الانهماك في المعاصي والخلاعة، حتى أنهم كانوا يعملون ~~في هذا الشهر الشريف من الفساد في القصبة، بعد العشاء من الفساد ~~باجتماع النساء والرجال والأحداث ما يزيد عن الوصف. # ولما رأى السلطان أخذهم للباب على هذا الوجه، ركب فرسا، ثم ~~طلع إلى الحوش، فنزل به، ودخل إلى البحرة، فأرسلوا من توكل به، ~~وأخذوا أخاه محمدا وسنه دون العشرين فاتوا به إلى البحرة، فوضعوه عند ~~أخيه، فتبعتهما أمهما، تقول ما بقي إلا العفو، ويقال أنها عثرت، ~~فوقعت، وقال غالب الناس طالما تجبرت على عباد الله، وردت حكم ~~الحكام إليك. وكانت إذا لوح لها بشيء من العواقب تقول: نحن ~~لا نفعل فعل من مضى من أولاد الملوك بل نقاتل إلى نموت، أو ننتصر، PageV03P286 ~~أو نركب الهجن ونسير في بلاد الله الواسعة، فلما أتى أمر الله، ذهبت ~~تلك العزائم، ولانت تلك الشكائم، بعدم التعلق بالملك القدير، ~~بانعدام شرطه من التعرف إليه في الرخاء. # ثم إن بعض خدام الظاهر، يقال له: خش قدم، لا لا المنصور # وشاهين غزالي، قالا: لا بد من أن نقيدهما. فقيل لهما: لا تفعلا فتصير ~~سنة، فقالا: أن أباهما قيد المنصور، فقيل: ليس كذلك، فقالا: لا بد أن ~~نفعل. فقيداهما. والحال أن أباهما رفق بجميع من قبض عليه غاية ~~الرفق، وما عنف أحدا منهم، ولا أسمعه كلمة يكرهها، ثم إنه لم يقتل ~~أحدا، وفرج عنهم عن قرب وخولهم في النعم، ولا عامله بالانتقام، ~~ورد كثيرا منهم إلى القاهرة، ولم يدع جهدا في تثبيت دولة ابنه، فنصب ~~من الأسباب ما يبعد معه نقضها؛ صاهر برسباي البجاسي، ويونس ~~الدويدار المؤيدي، المشهور بالبواب، وقيتباي من الظاهرية، وسد باب ~~الأمير الكبير، الذي يلي الرميلة، وأحكم سبيل المؤمني، فجعله كله ~~بالحجر النحيت؛ لئلا يحرق ms624 وقت الحصار، كما فعل له، ولكنه لما أغفل ~~مراقبة مسبب الأسباب خذل ولده. # ولقد كنت أقول هذا في أيامه، وأنه يوشك أن يزيل الله دولة ولده في ~~أسرع وقت لإحكامه الأسباب مع إعراضه عن النظر إليه سبحانه. # ثم أحضروا القضاة، وخلعوه، وبايعوا الأمير الكبير ~~خشقدم، وسمعت أن المستند في خلعه شهادة بعضهم بأن البلاد PageV03P287 ~~فسدت في أيامه، وأنه كان عاجزا عن تصريف الجند، وذلك من أبين ~~الكذب؛ فإني لم أر الجند أكف منهم عن الفساد في أيامه، فلم يكن أحد ~~منهم يعرض لأحد من الناس بشيء من الفساد، وأكثر البلاد صلح في ~~أيامه، بغير أسباب منه، وما حدث فيه شيء ندبهم إلى إزالته فلم ~~يسمعوا له، فما كان الفساد إلا منهم. # ولقبوه الظاهر، وكنوه بأبي السعادات، بعد اختلاف منهم، وفعل ~~ما يدل على خبث البواطن، وذلك جانبك الظاهري ناظر جدة، ~~وجانبك شاد الشربخانة وجانبك الظريف الأشرفيان، نزلوا إلى بيوتهم، ~~قبل البيعة، فعرض عليه الأمر، فأبى أن يقبل إلا بحضرتهم، فأرسل ~~إليهم، فلم يأتوا إلا بعد جهد، وصرح بعض الجند بالخلاف، وقال ~~بعضهم دعوا الإمرة الكبرى، حتى يأتي نائب الشام جانم، فيليها، فإن ~~الجميع كاتبوه ليأتي، فأبى السلطان ذلك، وولى أمرها لشرباش، وترك ~~غيرها. # وكان سن المؤيد إذ ذاك ثلاثين سنة، تزيد قليلا، فإن صهره الأمير ~~بردبك أخبرني أنه ولد بغزة، لما كان أبوه نائبها، قبل توجه الأشرف سنة ~~ست وثلاثين إلى آمد، وكان ذا بسطة في الجسم، طويلا، قل PageV03P288 ~~أن يكون في الجند من يساويه في الطول، على أنه في طوله حسن ممتلئ ~~الجسم أبيض بسمرة، أقنى الأنف، حسن الوجه، حلو الحديث، ~~ثاقب الفهم، يغلب عليه التأني في الأمور، وله مع ذلك مهابة ظاهرة. # وبسط الجند أيديهم في العامة، وقطع السلطان يد واحد منهم، وأمر ~~به إلى المقشرة، ينادى عليه، هذا جزاء من يمد يده إلى الجند. # وترك الأمير برسباي البجاسي على وظيفته، وتسلم صهره الأمير ~~بردبك، فجعله في قاعته في باب السلسلة، وكذا قراجا الطويل، ~~ووعدوهما بخير، واتهم الناس ms625 حينئذ برسباي، بأنه كان مباطنا للبغاة، ~~وأنهم ما تمكنوا من القبض عليه إلا عن مواعدة بينهم، وذمه الناس ~~لذلك، وقال بعض من له خبرة: أن سلامته، إنما هي لكونه شركسيا، ~~وله منهم أصدقاء ذبوا عنه. # وأسف الناس على ما كان يفعل بردبك من الخير: منه لجامع الأزهر، # في كل ليلة ألف رغيف غير الطبيخ، ومنه للحبوس، ومنه مجلس سماع ~~البخاري في بيته كان يجتمع به من الفضلاء من يحصل به إثارة فوائد، ~~يفتح الله فيها بما لم يوجد في غيره، فإن كان ذلك لله، فقد فاز، لكن ~~الذي يرشح، أنه رياء وسمعة؛ إنه قط ما أقام على صدقة من ذلك أمينا ~~صالحا، بل كان الذي يقيمهم من شر العباد، وكذلك خواصه الذين ~~يألفهم ويأنس بهم، وأحبهم إليه من لو رآه يكفر ما نهاه عن كفره إلى ~~غير ذلك مما يبدو على فلتات لسانه وصفحات أفعاله. PageV03P289 ~~وحصل الأسف أيضا على أنه لم يكمل أمر مدرسته التي برحبة ~~الأيدمري، والرباط الملاصق لها، والعمارة التي تليها، وتتعلق بهما، غير ~~أنهم كانوا يذمونه ويتمنون زواله؛ لتقريب عيسى المغربي، المشهور عند ~~المغاربة بالغندور، لما يظهر منه من الزندقة وغيرها من أنواع الفساد، ~~ومن ذلك أنه زين لبعض الناس أنه يربي الأيتام لله، فأحضروا له بنات ~~إلى أن اجتمع عنده نحو العشرة، فشاع عنه إلى أن سد الأسماع أنه ~~يحكك لهن، ويأتي بعضهن من ورائها، ثم أنه افتض واحدة منهن، ~~قبل الركوب بيوم أو نحوه، ثم أرضى أهلها ببعض الدنيا التي كان ~~يعطيه إياها بردبك، ثم افتضى أخرى كما ذكر لي عن ابنة عيسى، ثم ~~صحبه بواسطته جند، منهم جانبك ناظر جدة، وقصدوا بذلك أمورا، ~~منها الاطلاع على سره منه، فزين لناظر جدة السلطنة، ووعده بها، ~~فدخل في ذهنه من ذلك ما حمله على أن كان أعظم الأسباب في هذا ~~الركوب، مع أن الأمير بردبك نصح فيهذا غير مرة، وقيل له: ما يفعل ~~مع جانبك وأمثاله فلم ينته، مع حسن عقله، وأصالة رأيه، وثقوب ~~فكره، فما ms626 ذاك إلا لأن العليم القدير قضى بأن كل عباده مقهورون ~~تحت مراده، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك ~~خلقهم. # وفي يوم الاثنين تاسع عشر الشهر، وقع الكلام في الإقطاعات والنزاع ~~وكثر الخلاف، حتى كاد يكون شر. # وفيه ذهب يشبك خزندار المؤيد، حين كان أتابك العساكر إلى الأمير ~~يزبك، فاستجار به؛ خوفا من أن يضرب، ليقر على أموال PageV03P290 ~~المؤيد، وأخبره أنه لا يعرف له إلا حاصلا واحدا، ودلهم عليه فإذا فيه ~~من النقد ما يقارب مائة ألف دينار، ومن الصيني والأمتعة شيء كثير. # ونم بعضهم على إماميه: حسن السنباطي الكتبي، وعبد القادر # بن أبي الفتح بن الشيخ شمس الدين محمد الحجازي، وعلى التاج ~~الإخميمي، وكان انضم إليه في حجته بالمزح والسخريا، فقيل: أن ~~عندهم مال، فأخذوا به، فإذا هو ثلاثون ألف دينار، عند كل منهم ~~عشرة، ثم قيل أن عند الإخميمي أكثر، فرسم عليه، فحلف أنه ليس ~~عنده غير ذلك، وأنه كان عنده غيره، فرده وأشهد على المؤيد، فأفلت. # وقبض على يوسف بن رسلان، وعلى ناصر الدين بن أصيل، فقيل لهما: PageV03P291 # ساعدا السلطان في النفقة، وقيل: أنه كان يسيء مراقة خشقدم في نظر ~~المرستان وأنه أمر بنهب خيله، وكان يقتني الخيل الجياد، والظاهر صحة ~~ذل؛ لأن ذلك كان دأبه مع كل من يرافقه في شيء، فهو ثقيل العشرة، ~~كما أنه ثقيل البدن، فإنه مفرط في السمن. ثم قرر على ابن أصيل ثلاثة ~~آلاف دينار، وعلى ابن رسلان ألف وأطلقا. # واختفى علي بن خليل بن خصبك ابن خال السلطان المؤيد، وكان ~~أقربهم إلى الفتنة، فإنه كان يتهم بأن جميع مال الأشرف وزوجته في بيوته؛ ~~فإنها مع كونها أوطانهم قديما في غاية الحصانة عند المدرسة السابقية ~~داخل دروب كثيرة، وفي ظهرها قصر بشتك والحجازية، ثم أصلح أمره ~~صهره الأمير قيتباي الظاهري، ثم كان كلما أغري السلطان عليه، فأراده ~~بسوء، طلع معه قيتباي؛ فيكف عنه. # ورسم للأميرين قانباي الشركسي، وتنم المؤيدي أن يطلقا إلى دمياط، ~~وشاع أنه رسم بإطلاق العزيز يوسف بن ms627 برسباي، والمنصور عثمان ~~بن جقمق من محبسهما إلى منازل ينزلان بها في المدينة (مدينة إسكندرية) PageV03P292 ~~يتصرفان في أرجاء البلد، كيف أرادوا، ولا يخرجان منها، ولم يثبت ذلك ~~إلى الآن، ثم ثبت وعمل كما يأتي. # وفي بكرة يوم الثلاثاء العشرين من الشهر، لبس الجند السلاح، ~~ونزلوا بالمؤيد أحمد وأخيه محمد، وقراجا الطويل، مقيدين إلى بولاق، ~~فأنزلوهم إلى المراكب، وجهزوا معهم من يحفظهم إلى إسكندرية، ورجع ~~العامة يقولون: الملك المؤيد راح وهو مقيد. وكان الجند الذين معه ~~يقولون للعامة: هذا أبوكم الذي كنتم تدعون بنصره، قولوا: الله ينصره، ~~ويتهددونهم، وحكي أنه كان نفى شخصا من مفسدي الغلمان (أي ~~خدام الجند في الخيل)، فرد من الخانكة لما سمع بالركوب عليه، فلما نزل ~~به، صار يشتمه شتما فاحشا، فأمر شخصا ممن معه أن يرفع ذلك إلى ~~الظاهر، ويقول: أيعجبك هذا؟!، فغضب السلطان، وأمر بقطع ~~لسان ذلك الغلام ويده، فهرب ولم يمعنوا في طلبه. # وسمعت أن عيال يزبك وهم خوند البارزية وبنتها من الظاهر ~~جقمق، أظهروا الشماتة بهم، وأرسلوا من حين النصرة عليه إلى المنصور ~~عثمان بإسكندرية من يبشره بالقبض عليه، فسبحان من يعز ويذل. # وقل أن وقعت قضية، تستحق أن تذكر إلا كنت في ميعادي فيما ~~يشبهها شبها ظاهرا إلا هذه، فإني كنت يوم الجمعة سابع عشر الشهر في ~~تفسير قوله تعالى: **{وكذلك أخذ ربك** إذا أخذ القرى وهي ~~ظالمة }[هود:102] إلى قوله: { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص}[هود:109]، PageV03P293 ~~والذي يلي هذا أيضا شديد المناسبة له إلى أن قال: { وما ربك بغافل ~~عما تعملون}[هود:123]، فإما أن يكون الظالم جند أبيه بما كانوا يعملون ~~من انتهاك الحرمات التي لا يمكن بشرا أن يشرحها على ما هي عليه، ~~فأراد الله إهلاكهم؛ بأن زين لهم لما أخذ المؤيد على أيديهم أن ركبوا ~~عليه، ليمكن منهم. # وإما أن يكون هو كان على ما كان عليه وهو أتابك العساكر، فإنه ~~كان قد أفسد غالب البلاد، وعم ظلمه التجار، وكثيرا من غيرهم، وكان ~~قبل الركوب عليه قد بدأ فيما يشابه ذلك، ms628 من تقديم الجهال بالرشوة ~~مجاهرة، والعمل بالأغراض. # وغما أن يكون المقصود من بغى عليه أزاله الله عنهم سالما ليلقي ~~بأسهم بينهم، ويولي بعضهم بعضا. # وهذا هو الظاهر، فإني كنت أكتب في مسودة كتابي (المناسبات بين ~~الآيات) وإذا شخص قد جاء من نحو القلعة آخر يوم السبت وهو ~~يحكي أنهم قد أضعفوه، ويوشك أن لا يناموا إلا وقد ملكوا القلعة، وإذا ~~أنا أكتب في قوله تعالى: { وما ربك بغافل عما تعملون}[هود:123]. # وإما أن يكون ذلك للناس عامة؛ فإنهم قابلوا نعمة الأمن التي ~~أتاهموها الله على يده بالتوسع في الفساد، فلا قوة إلا بالله. # وفي أواخر يوم الثلاثاء هذا، مات يونس الدويدار الكبير، ~~فاستراح منه البلاد والعباد، وكان روميا، فلو عاش، لكان يظن أنه PageV03P294 ~~يكون عضدا للسلطان، ولم يكن من الأمراء رومي غيره، ولكنه كان ~~شديد القيام في حظ نفسه، لا يتوقف أن يتوصل إليه بالكذب البحت، ~~ولو أن فيه إذهاب الروح، وكان يجمع القضاة عنده كل يوم، ليقال: أنه ~~لا يحكم إلا بالشرع، وهو لا يحكم به إلا إذا وافق هواه كسائرهم، وكان ~~سنه نحو سبعين. # وعينت الهجانة إلى البلاد بالبشارة بولاية الظاهر، وكتب إلى نائب ~~الشام مرسومان، أحدهما بالبشارة، وقيل للهجان إن وجدته في دمشق ~~ساكنا عن الحركة فاقتصر على دفعه إليه، والثاني يأمره بأن يلزم بلده، ولا ~~يقدم إلى القاهرة، لانفصال الأمر، وأمر الهجان بأن لا يدفعه إليه إلا إن ~~وجده متحركا للمجيء. # وفي أواخر ليلة الأربعاء ثاني عشريه، دقت المناسر من اللصوص على ~~بعض أطراف البلد وصاح الناس، فلم يغثهم أحد، فتبين صدق ما قال ~~الجند، من أن المؤيد كان عاجزا عن كف أهل الفساد، وقبل القضاة ~~قولهم هذا، فيا ليت شعري أعن قوة منهم هذا أو عجز. # وفي هذا اليوم، شاع أن عرب لبيد استنقذوا المؤيد من أيدي الموكلين ~~به بالبحر، وذهبوا به معهم؛ فبادر السلطان إلى الكتابة إلى مرزا، ~~كاشف البحيرة بالتحفظ من ذلك، وملاقاة المؤيد، والتوكل به إلى أن ~~يوصله إسكندرية، وكان المؤيد قريب عهد ms629 بالإحسان إليه؛ دفع إليه ~~ألف دينار، قال كاتب السر: فلم يكن بأسرع من أن أرسل بخبر، أنه ~~امتثل المرسوم الشريف، وأوصله مقيدا إلى إسكندرية. PageV03P295 ~~وفي هذا اليوم شرعت خوند في نقل مالها بالقلعة من القماش والأثاث، ~~فإذا هو شيء كثير، وحكى بعض الأكابر أنها ما كانت تجد من ينقل لها ~~إلا بعسر، وأنها في بعض هذه الأيام طلبت من يشتري لها ولأتباعها ~~عشاء، فلم تجد، فخرجت بعض عجائزها، فاشترت بطيختين، وقليلا ~~من الجبن، فوجدن البطيختين غير صالحتين للأكل، فاقتصرن على ~~الجبن، واصبحن صواما عليه، إن في ذلك لعبرة. # وفي هذا اليوم وقع الكلام فيما كان الأشرف أخذه من الناس ظلما من ~~البيوت والعقارات، فردت جهات ناظر الخاص الجمال يوسف على ~~أربابها، وجهات الشرف الأنصاري عليه، وكان الزين الإستدار تكلم ~~في أشياء اشتراها الأمير بردبك منه، فأجاب الأمير بردبك أنه ما اشتراها ~~إلا في دولة المنصور، وهو يصادره، كما اشترى منه غيره من الناس، ~~وهذه تواريخ المكاتبات شاهدة بأن ذلك قبل دولة أستاذه، فلم يسمع ~~للإستدار، وعلم كذبه. # وفي هذا اليوم طلبوا من محمد بن إينال إحضار عبده؛ ليوسط، ~~فأجاب: بأنه ليس عنده، ولا يقدر على تحصيله، وأنه عتيق من مدة ~~سنين، فاشتد إلزامهم له به، فدار على بعض الأمراء الظاهرية؛ يستغيث ~~بهم في ذلك. # وفي يوم الخميس ثالث عشري شهر رمضان هذا خلع على ~~الأمير الكبير شرباش بما للإمرة الكبرى من الوظائف، وعلى جانبك ~~ناظر جدة بالدويدارية الكبرى، وعلى جانبك الظريف بالدويدارية PageV03P296 ~~الثانية، وعلى قانم طاز بالخزندارية الصغرى عن الظريف، وعلى قيتباي ~~الظاهري بشد الشربخانة، وقانم طاز الأشرفي بالخزندارية الثانية التي ~~كانت بيد جانبك الظريف، وجعل قرقماش الجلب أمير السلاح، وولى ~~عنه إمرة المجلس قانم التاجر، وأخذ عنه إمرة رأس نوبة النوب، ~~حاجب الحجاب بيبرس خال العزيز، وأخذ الحجوبية يلباي أحد ~~المؤيدية. # وفي أواخره، أفرج عن الأمير بردبك، على أن يبذل ثلاثين ألف ~~دينار، فنزل بعد عشاء الآخرة من ليلة الجمعة رابع عشريه إلى بيته بقصر ~~الحجازية. # وكان قد رسم ms630 على خوند الكبرى زينب بنت ابن خصبك، امرأة ~~الأشرف إينال؛ لتبذل ما عندها من مال السلطان، فأنكرت أن يكون ~~تحت يدها شيء من ذلك، فوكل بها شاهين، المعروف بغزالي، وسرور ~~الطياري، وكانت تحسن إليهما، فكانا أشد الناس عليها، ثم زيدت ~~آخر يوم الخميس هذا. # فلما كان يوم الجمعة، رابع عشريه رجع الهجانة الذين توجهوا ~~بالبشارة بولاية السلطان، ومعهم هجان من قبل جانم نائب الشام، أنه ~~آت، وأنه فارقه قرب العريش؛ فاضطرب السلطان وأفرج عن خوند، ~~فنزلت إلى بيتهم بجوار السابقية، وأرسل السلطان إلى الخليفة والأمراء ~~والمباشرين والقضاة، فطلعوا واستمروا في القلعة، وشرع في تحصينها ~~بآلات الحصار، وفي نقل البقسماط إليها والماء والسكر وأنواع المأكولات PageV03P297 ~~ونحوها، واضطرب الناس اضطرابا شديدا، وغلا بعض الحبوب، ~~فكثر دعاء الناس على الظالمين، ولما خطب الخطباء للجمعة ووصلوا إلى ~~ذكر السلطان زاد تأسفهم على المؤيد، وكثر ضجيجهم بالحوقلة، ~~وضرب الأيدي بعضها على بعض، حتى سمع لها صوت شديد، وكانت ~~ساعة مشهودة. # واستشار السلطان من جمعهم من أهل الحل والعقد، فاجتمع رأيهم ~~على طاعته، وأن يرسل إلى جانم من يعلمه بذلك وإن الإرسال إليه ما ~~كان إلا لأجل المؤيد، وقد فات، فكتب إليه بذلك، وعين للرسالة ~~ثلاثة من طوائف مفرقة: جانبك كوهيه من المؤيدية، وجكم خال ~~العزيز من الأشرفية، وتنم رصاص من الظاهرية، وشاع أن بعض الجند ~~تخرج للقائه، فبات الوالي خارج باب النصر، يرد من يجد منهم. # وفي يوم السبت خامس عشريه، عين إقطاع الأمير يونس الدويدار ~~للأمير يزبك صهر الظاهر، وإقطاع قرقماش الجلب لجانبك شاد ~~الشربخانة، وإقطاع الأمير بردبك لجانبك الظريف الدويدار الثاني، ~~وذلك زيادة على إقطاع كل منهم، وكل إقطاع منهم إقطاع تقدمة، وعين ~~إقطاع ابن الأمير بردبك لابن الأمير شرباش، وبلغني أنهم لما تكلموا ~~للدويدار الثاني في التقدمة، قال السلطان: هذان أمران متنافيان؛ PageV03P298 ~~الدويدارية تقتضي القيام، والتقدمة تقتضي الجلوس. فقال جانبك، ~~ناظر جدة: افعل هذا ودعه يجلس، ويجلس فوقي. # وفي ليلة الأحد سادس عشريه، رجع الذين توجهوا إلى نائب الشام، ~~ومعهم كتابه، أنه ms631 حين ورد عليه المرسوم الشريف في البير البيضاء، ~~بين بلبيس والخانكة، قبل الأرض، وحصل له السرور التام، وأنه ما كان ~~جائيا، إلا لما كان ورد إليه من المكاتبات باتفاق الكلمة على استقدامه؛ ~~لإزالة المؤيد، فحيث وصل الأمر إلى الظاهر، فقد وقع لأهله وفي محله، ~~ولو ورد عليه المرسوم، وهو قبل الصالحية، رجع من حيث جاء، وهو ~~الآن مقيم بمنزله ذلك، ينتظر المرسوم الشريف بالإذن في دخول القاهرة، ~~أو الانصراف، فيمتثل ما يرسم به، وتظلم من سودون نائب قلعة دمشق، ~~وجانبك حاجب الحجاب بها في أنهم لم يزالوا يؤذونه، ويعارضونه في ~~أموره، وأنهم رموا عليه من القلعة بالمدافع والسهام، وأغروا به العامة، ~~فرجموه واشتد انتهاكهم لحرمته، وأرادوا قتله فما خلص إلا بنقب من ~~إصطبل البغال في ظهر دار السعادة، وأخرج أعز عياله، فهجم العامة ~~بعد خروجه على بيته، فنهبوا ما وجدوا من نقد وعرض، وهتكوا الحرمة PageV03P299 ~~واستحلوا منه ما لم يكن يظن أن كافرا يفعله؛ فرسم السلطان بعزل ~~المذكورين، وأن ينقل عنه الحاجب إلى حماة نائبا بها، ويكون نائب حماة، ~~جانبك التاجي نائبا لطرابلس، وأن إياس الطويل نائب طرابلس يسجن؛ ~~لما تكرر فيه من الشكاية، من ظلمه وظلم ولده، ورسم بقدوم نائب ~~الشام إلى القاهرة، لينظر السلطان، وأن ينزل في الميدان، ورسم له بثلاثة ~~آلاف دينار، وببرك يونس الدويدار كله، يعني خيله وجماله وبغاله، ~~وجميع ما يتبع ذلك مما يكون في السفر، فقيل إنه يساوي عشرين ألف ~~دينار؛ فسكن الأمر قليلا، واستمر الأمراء، ومن ذكر مقيمين بالقلعة، ~~وظهر أن غير الأشرفية مع السلطان قطعا وتألف أجلاب الأشرف إينال، ~~وجمع حواشيه، فرسم لهم بالطلوع إلى أطباقهم بالقلعة على أرزاقهم. # ثم شاع أن سبب ما اتفق لنائب الشام مع من بها، أن جانبك ناظر ~~جدة، لما دار بين جماعته، وبين الظاهرية، حتى اجتمعوا على قلب رجل ~~واحد في نقض دولة المؤيد، وكاتبوا نائب الشام بالقدوم لذلك، ~~وليملكواه عليهم، طلع إلى المؤيد فأخبره بأنهم كاتبوه، وكان هو لم ~~يكتب شيئا، وأشار على المؤيد بأن ms632 يرسل إلى الحاجب، ونائب القلعة ~~بدمشق أن يركبوا عليه ويجرئوا عليه العوام ففعل، فكان ما ذكر، وقصد ~~بإظهار الرضى لجانم، جمع الأشرفية على رأيه في إزالة المؤيد، وبما أشار ~~به على السلطان قتل جانم والاستراحة من سلطنته، فإن الأشرفية أعداء ~~الظاهرية، وأعداؤهم... PageV03P300 ~~وفي يوم الأحد هذا، ختم البخاري الذي يقرأ بالقلعة ~~للسلطان؛ فخلع على القضاة على العادة، ورسم لهم أن يمكثوا في ~~البحرة التي بحوش القلعة. # وفي أوخره، وصل بعض من رافق نائب الشام فأيدوا ما أخبر أنه ~~حل به من أهل دمشق، وأن الحاجب، ونائب القلعة رميا عليه من ~~القلعة، وأن دويداره الكبير مغلباي البجاسي أصابه سهم، فمات منه ~~بصالحية القاهرة، وأن مقلدا أمير حوران لما سمع بخروجه، ركب عليه ~~في سبعمائة فارس، فلم يدركوه، وأنه أتى في نحو ثلاثمائة فارس، وأنه ~~نهب قفلا من المسافرين في ناحية حلحولية، فأخذ منه ما يزيد ~~على أربعة آلاف دينار، ونهب بلدا من بلاد الحاجب في بلاد الرملة، وأنه ~~لما أتى غزة وضع نائبها في زنجير، ووجد زين الدين ناظر جيشها قد ~~هرب منه، فنهب داره ودار أخيه. # ثم حدثني العلامة كمال الدين ابن أبي شريف القدسي عن شخص ~~من فقهاء حلب يقال له حسين، أعرفه بالجلادة والجرأة قال: سافرت ~~إلى بلادي، فلاقينا نائب الشام بالزعقة دون غزة، وكنا مع قصاد ابن ~~قرمان، ومتسفري علي جوكي، نائب المهمندار، ومعهم ما أهداه الملك PageV03P301 ~~المؤيد لابن قرمان، ومع علي جوكي هدايا لنفسه يريد أن يهديها إلى ~~النواب، وإلى ابن قرمان وغيرهم، ليستفيد منهم بذلك ما يؤمله، فنهب ~~نائب الشام جميع ما مع القضاة، وما مع علي جوكي، ورسم بشنقه. قال: ~~فقصدته في جماعة من الركب، وكان بيني وبينه معرفة من حلب وأنس ~~كبير، فشفعنا فيه، وأطلنا الكلام بالتركي والعربي، وضرعنا إليه، فما ~~أعفاه من الشنق إلا بعد جهد شديد، ولم يظهر أنه يعرفني أصلا، ~~فتواقحت ولم أزل أعرفه بنفسي حتى أظهر المعرفة، ثم رجعنا معه فحدثنا ~~من كان معه، انه ما مر بقفل إلا ms633 نهبه، وأنه لما بلغ المجدل أرسل جريدة ~~ممن معه فيها ابنه، فطرقوا نائب غزة ليلا، فكسروا عليه باب دار السعادة ~~ودخلوا عليه، فربطوه، ونهبوا جميع ما يحويه بيته، من صامت وحيوان، ~~ونهبوا بيت ناظر الجيش ومن يتبعه، وبيت الحاجب بها، وصادروا بعض ~~أعيانها ووعد الأمير الكبير بها وهو حزمان نيابتها، واستقدمه معه؛ لأنه ~~من طائفة الأشرفية، وكان في رجوعنا أيضا كلما رأى ركبا نهبهم، وأخذ ~~جمالهم، ثم وصل إلى قطيا فأحرق الدكة بها (وهي الموضع الذي ~~يمكثون فيه الناس)، وأحرق بيت المتولي بها ووجده قد هرب منه إلى ~~ناحية الطينة، فولى بها مملوكا من مماليكه ثم سار، قال: فسايرته، ~~وقلت: يا مولانا، أنت ذاهب تروم المملكة وهذه الأفعال لا تصلح، ~~إنما يحسن بمن يريد ما تريد، إظهار العدل والخير، فاعتذر بأن الشاميين ~~نهبوا ماله، ولم يدعوا له ما يتقوى به، فهو لا يفعل هذا إلا ضرورة. PageV03P302 ~~وكان محققا انه يتسلطن، وشاع أنه يولي تمراز الأمرة الكبرى بالقاهرة، ~~ويجمع إلى خزنداره يوسف الصبيبي مع الخزندارية نظر الجيش والخاص، ~~ولا يدع [مع] متعمم إقطاعا. # فلما وصل إلى بلبيس، وجاءه الثلاثة الذين من قبل السلطان الظاهر، ~~وأعلموه بولايته، وجميع الأمراء من الأشرفية وغيرهم بالقلعة، واجتماعهم ~~على كلمة واحدة في طاعته، وقرأ المرسوم بالرجوع، رعبه ذلك؛ لأنه ليس ~~معه إلا نحو ثلاثمائة فارس، ليس منهم من مماليكه إلا نحو مائة، ~~والباقي ملفقون، ما بين خدامة، وتركمان، وعشير. # قال: ومن هناك تقدمنا عنه. قال: فلما كنا عند الخانكة إذا ثلاثة من # أعيان الأشرفية ملثمون، فاستوقفوني، وسألوني عنه، فارتبت منهم، ثم ~~مشيت في هواهم، فإذا هم يهوون تعظيم أمره، ثم سألوني هل معه نواب ~~بلاد الشام؟ قال: فتحيرت في الجواب عن ذلك، فأدركوا ذلك ~~مني، ثم قلت لهم: أخبركم بالحق؟ فقالوا: نعم، فأخبرتهم بقلة من ~~معه، وضعف أمره، وأنه ما خرج من دمشق إلا هاربا، ولم يكد يفلت. # قال: فارتاعوا، وقصوا الرجوع، فخيلهم منه أكبرهم سنا، وصار # يشجعهم على لقائه، فلم يجيباه، وغلبا عليه، فرجعوا. انتهى. ms634 # وأرسل السلطان الوزير؛ ليطبخ لنائب الشام بالخانكة، فلما وصل ~~اعلم بذلك، فقال: لست محتاجا إلى طعامه، اذهب فانصب مطبخك PageV03P3303 ~~في قبة النصر هناك أكل. فحمل المطبخ ورجع به، ثم تواصل إليه ممن ~~يثق به، وأعلموه أن هذا خطأ، فإن السلطان قد جمع القضاة والأمراء ~~بالقلعة، وشق العصى غير ممكن فأرسل من رده. # وفي هذا الحد رجع الذين شيعوا المؤيد أحمد إلى إسكندرية، ومدحوه ~~بالإحسان إليهم، وتبين كذب ما شاع عن لبيد من إنقاذه، وأشاع الذين ~~كانوا معه، ومنهم بيبرس الطويل، وهو من رؤوس الأشرفية أن الأمير تنم ~~قال: أما وجدتم غير هذا الخرا تولونه عليكم سلطانا! وكأنهم أرادوا ~~بهذا توغير قلب السلطان عليه لئلا يحضره إلى القاهرة، فيصير عضدا له، ~~فإنه من إخوته المؤيدية، فيقوى جانبه، فتصعب عليهم إزالته، والله ~~أعلم. PageV03P304 ~~وفي يوم الاثنين، سابع عشري الشهر، تواصل إرسال السلطان إليه ~~بالأموال والتحف والأطعمة والخيام، ليرجع، فأصر على إرادة القدوم، ~~فأرسل يشبك الفقيه من المؤيدية، فلم يفد، فأرسل إليه يوم الثلاثاء ~~ثامن عشري الشهر من النقد ما وفى أربعة عشر ألف دينار، وأرسل إليه ~~ثلاثة رؤوس من الخيول المسومة بآلاف الذهب، واحدا له، واخر لولده، ~~وأخر لتمراز، ومع ذلك سبعة بغير الآلات، ثم لم يفد شيء من ذلك، ~~فكلم السلطان وبعض الظاهرية من بالقلعة من الأشرفية في استرجاعه، ~~فأظهروا أنه لا يسمع منه، وأنه غير منتظم المزاج، ولا يرجع إلى أحد، ~~فنسب بعض الظاهرية جانبك المعروف بالمشد إلى أنه لو أراد لرجع نائب ~~الشام، فبلغه هذا، فدخل إلى السلطان، فقال: من ينسبني إلى كذا؟!، ~~أنا لا أنا مملوكك، ولا مملوك جانم، ومالكم عندي إلا الإمرة التي ~~أعطيتموني، لا حاجة لي بها، ونحو هذا من الكلام الغليظ، ثم خرج من ~~عنده غضبان. # ونزل من القلعة ماشيا، وربما قيل حافيا، فارتاع الناس لذلك، ~~وأشاعوا أن السلطان قبض على الأشرفية، وانضم إلى ذلك أن كاتب ~~السر لما نزل من الخدمة، لم يستقر في بيته حتى جاء من رده إلى القلعة، ~~فأغلقت بعض أسواق ms635 البلد، وصار الناس في كرب، ثم شاع أن ~~السلطان أرسل كاتب السر إلى جانم ليحلفه في مناصحة السلطان، ~~ويرده إذا حلف، ثم بان أن ذلك لا حقيقة له، والله المسؤول في إصلاح ~~الحال. PageV03P305 ~~وأظهر بعض من ينظر في الملاحم، وخرافات المنجمين أن مدة هذا ~~السلطان إنما هي أيام معدودة، وأن الذي يلي بعده شخص أول اسمه ~~(جيم) وأنه مكحل، فقضى الناس بذلك، وبأنه جانم، فإنه لا يزال ~~يتكحل، ويظهر عليه أثر الكحل، وكثر الارتجاج بسبب ذلك، ثم ~~ترادف الإرسال إليه بالمنع من الإقامة، والعزيمة في الرجوع، والشام له ~~ثلاث سنين، ومن أراده من المشائخ، فهو باق على حاله، ومن كرهه، ~~فليراجع فيه ليفعل ما يريد، فأبى ذلك، وقال: أنا أرضى من ذلك بأن ~~أعطى أربع قرى زرع، طفس والطرة، ولد. فأجيب إلى ~~ذلك، وزيد من المال، ما بلغ ثمانية عشر ألف دينار، عشرة له، واثنان ~~لولده، وستة لنسائه، عوض ما نهب له، وأرسل إلى تمراز ألفان وولي ~~نيابة صفد، وأرسل لهم من الخيول شيء كثير، وكذا من الهدايا، وحصل ~~الوفاق على أن يرجع ليلة الجمعة ثاني شوال من الخانكة، وكان الوزير في ~~طول هذه الأيام في الخانكة، يطبخ له من مال السلطان. # ولما استقر الحال على الرجوع أذن لجماعته، فقدم منهم من أراد إلى ~~القاهرة لضروراتهم، فكان منهم عثمان بن الحاج محمد بن باكله ~~الزبداني كان قد انضم إلى خزنداره واختص به؛ ليحمي نفسه PageV03P306 ~~من جماعة إسماعيل، فحدثني: أن أصل بغض الشاميين له، ~~وزيادة حنقهم عليه، أنه نادى بأن لا يتفرج أحد في الربوة والجبهة، ~~فانتهوا ثم أتوا إلى خزنداره وجمعوا له ثلاثمائة دينار على أن يدعهم ~~وعادتهم، فأخذها وفعل، ونادى لهم بالأمان في فعل ذلك، بشرط أن لا ~~يظهروا منكرا، وربما قال: إن ذلك كان على يد قاسم الحلبي المعري ~~القادري، شيخ زاوية ابن دواد، فلما كان ذلك شرعوا في التبسط في ذلك ~~على عادتهم، فحسن قاسم للنائب أن يغير عليهم، فأطلع إلى زاويته ~~خيلا، وأغارت عليهم من هناك؛ ms636 ليكون أستر لهم، ففعلوا في من لقوه ~~هناك، من سلب ما معهم، حتى ما في آذان النساء، وربما قيل أنهم ~~قطعوا بعض آذانهن، ومن الفسق في النساء، وافتضاض الأبكار ما يجل ~~عن الوصف، ولا يظن أنه يرتضيه كافر، فضلا عن مسلم، فعلم الناس ~~أن ذلك كله بصنع من قاسم، لما انضم إليه من قرائن دخوله معه في ~~أبواب الظلم، وتناول الرشا، كما تقدم، حتى كانوا لا يسمونه إلا قاسما ~~البرددار (والبرددار هو المقام في بيوت أرباب الشوكة لتصريف الأعوان ~~في المظالم) فهجم الناس على قاسم في زاويته، فلم يقدروا عليه، ثم ~~توعدوه، وكان ذلك في شعبان هذه السنة، فلم يقدر بعدها أن يجتمع ~~بالنائب. # فلما قدم يحيى ابن النائب إلى القاهرة، ورجع بخطوط جند القاهرة ~~بالرضى بأبيه كان الجمال يوسف الخزندار في بلاد نابلس، فأرسل إليه أن ~~يلحقه سريعا، لأن الأمر انتظم لأبيه، وهم سائرون إلى القاهرة، فدخل ~~ابن النائب في ثامن شهر رمضان على هيئة فيها بعض النكرة، ثم لحقه ~~الخزندار، ولم يكن أكمل ما توجه له، فأنكر الأمراء ذلك، فدخل PageV03P307 ~~جانبك حاجب الحجاب إلى القلعة ليلا فارتاع النائب بذلك، فأرسل ~~إلى الأمراء والقضاة، فجمعهم، وقال: ما لهذا دخل القلعة، وهذا ~~لا يكون إلا لعصيان مثلي، ما الذي رابكم مني؟! أنا مطيع للسلطان ~~فاكتبوا بذلك محضرا، فكتب له به، ووضع من حضر من الأمراء ~~خطوطهم بالشهادة له بالطاعة إلا قنبك، رأس الميسرة، وهو أحد ~~المؤيدية، فامتنع من الكتابة، فقام إليه تمراز فلكمه، فقام هو إلى تمراز ~~فلكمه فجاء مماليك النائب لمعاونة تمراز، فخاف الأمراء على أنفسهم، ~~فسألوا النائب في تسكين الفتنة، بأن يخلع على قنبك ففعل، ثم خرجوا ~~فاستمروا من فورهم طالعين إلى القلعة كلهم، ثم رموا عليه منها ~~بالمدافع والنبل، وأغروا به العوام، وهم في غاية الحنق، فما ألبثوه أن ~~دخلوا عليه. قال: فلما هرب من الباب الذي نقب له في ظهر دار ~~السعادة، وفرغوا من نهب داره، تبعوه، فأتوا إلى بيت الخزندار. قال: ~~فظهرت أنا جماعة معي، ms637 فرددناهم بالنشاب، فغابوا وأتونا بأبواب ~~يزحفون وراءها، ومعهم المقاليع وغيرها مما يقدرون عليه، فما كدنا أن ~~نخلص منهم. # ثم ركبنا على الصعبة والذلول، وخرجنا من دمشق هاربين، ثم كان ~~ما تقدم من نهب كل من مروا به من المسافرين، وكان خروجهم رابع ~~عشر الشهر أو خامس عشره، ووجدوا الشيخ نجم الدين ابن قاضي ~~عجلون في وعرة سعسع في ناس فانتهبوا ما معهم. # هذا ما كان من خروجهم على غير مرادهم بتدبير الله، وأما تدبيرهم PageV03P308 ~~فإنه كان غير هذا؛ كانوا عزموا أن يعيدوا عيد الفطر، ثم يقولوا للأمراء ~~أن إسماعيل بن عبد القادر شيخ جبل نابلس قد عصى وأنا أريد أن ~~أقصده فتجهزوا لذلك، فإذا سار بهم إلى قرب بلاده قبض على من خاف ~~منه وسار بالباقين إلى القاهرة، لأن الذين كاتبوه وافقوا على الركوب على ~~السلطان بعد العيد، ففعل الله غير ما دبروه في البلدين لأمر يريد ~~سبحانه، نسأله أن يجعل عاقبته لنا خيرا، قال: هذا ما كان من عوام ~~الشام في بغض النائب، وقاسم لتفتيقه الظلم عليهم، وأما جماعة النائب ~~فإنه لم يكن منهم أحد إلا يقول: هذا كله فعل قاسم ذاك الشيطان والله ~~لئن رأيناه دخل إلى النائب لنقتلنه. نسأل الله أن يجعل الدائرة عليه قريبا ~~وعلى أشباهه من آكلي الدنيا بدعوى الدين آمين. # ثم إن الأمير قنبك الذي تقدم أنه كان سبب الدائرة على نائب الشام، ~~قدم يوم الأربعاء سلخ شهر رمضان، وقيل إن على يده محاضر بما فعله ~~نائب الشام. # وفي يوم الأربعاء هذا، رسم السلطان لقاضي الحنفية، السعد بن ~~الديري أن ينزل إلى بيته إن شاء، ثم يطلع في يوم العيد، ليلبس خلعته، ~~وإنما خصه من بين القضاة، لأنه أعلاهم سنا، عمره يومئذ سبع ~~وتسعون سنة وشيء، مائة إلا نحو ثلاث سنين، فاستصعب الحركة، ~~فاستمر ذلك اليوم، فرؤي الهلال ليلة الخميس، فصلى في جامع ~~القلعة، ولبس الخلعة، ونزل إلى بيته، فاستأذن بقية القضاة ، فلم ~~يؤذن لهم، واستمروا مع الأمراء في الجامع وكان أطوعهم وأعقلهم ~~الأمير ms638 الكبير شرباش، حكي لي أن الأمراء كانوا في حركة زائدة يذهب PageV03P309 ~~بعضهم إلى بعض، ويتحدثون، [وأما هو فلم يكن يذهب إلى أحد، ~~وإن جاءه أحد وأطال عنده]، وضع رأسه على وسادته، واضطجع، ~~يظهر أنه نام، فعد الناس ذلك من عقله وضموه إلى امتناعه من قبول ~~السلطنة. ### || # ~~وفي يوم الخميس مستهل شوال، نودي لأتباع جانم بالخروج من ~~القاهرة للسفر، وأرسل إليه حاجب الحجاب بيبرس خال العزيز، ~~ليسفره. # وفي ليلة الجمعة ثانيه، رحل نائب الشام جانم من الخانكة، فنزل في ~~حوض قراجا، ثم رحل ليلة السبت إلى بلبيس، فوجع حاجب ~~الحجاب، وترك عنده دولات باي النجمي يسفره، كفى الله الناس ~~شره. # ولما أمنهم الله من شره جعلوا شكرهم أن تتبعوا من لهم عليه شبهة، ~~فرسموا عليهم، وألزموهم بما قدروا عليه من المال، وهم وإن كان فيهم ~~من يستحق النكال، فهم مسيؤون في وجه تنكيله لا أصلهن فمنهم: ~~ناظر جيش دمشق البدر بن المزلق، وناظر جيش غزة الزين الفنطي، ~~وقاضي الحنفية بدمشق العلاء ابن قاضي عجلون، والعز عبد العزيز بن PageV03P310 ~~معلاق الرملي ناظر القدس، والبدر حسن الكتبي السنباطي إمام المؤيد ~~وغيرهم فبعضهم أخذوا منه ألف دينار، وبعضهم ألفين وبعضهم ثلاثة، ~~وجعل على خوند أم المؤيد ثلاثون ألف دينار، فأما ابن قاضي عجلون، ~~فالذي حرك عليه ذلك، أنه دفع في أنظار مدارس وتداريسها ~~مع حسام الدين مالا ليأخذها هو، ففتق عليه الحسام فتوقا أو جبت ~~ذلك، وأخرج عنه إقطاع كان في يده، وجعل عليه مال كبير، بعضهم ~~يقول: ألفا دينار، وبعضهم يقول: أكثر، ثم تبين أن السبب أنه ~~كان ذهب إلى الدويدار الثاني جانبك الظريف الأشرفي، فوعده على ~~وظائف حسام الدين ونفيه، ونفي حميد الدين بخمسمائة ألف دينار له ~~وألف للسلطان، فذهب حسام الدين إليه، فقال له: هذا جاهل، ~~جعل في وظائفي للسلطان ألف دينار، فأنا أدفع في وظائفه ألف دينار ~~مع كوني عالما فلم يقبل ذلك منه بواسطة شخص من رؤوس النوب من ~~الأشرفية يقال له تنم، صديق ابن قاضي عجلون، فسمع بذلك ms639 جانبك ~~ناظر جدة الظاهري، فقال له جماعته إن تمت هذه القضية على يد ~~الظريف لم تكن لك كلمة في بلاد الشام مع ما يهن من أمرك هنا فقال ~~للسلطان: ابن قاضي عجلون جاهل، ومتى أجبته إلى ما سأل كثرة ~~الشناعة عليك، والذي ينبغي أن ترسم عليه؛ فإن في جهته مالا كثيرا ~~يزيد على عشرة آلاف دينار، فرسم عليه على ذلك، وأخرج إقطاع في ~~يده، فسمع الحسام الحميد، فذهبا إليه، وأثخنا جراحاته، فقال لابن PageV03P311 ~~قاضي عجلون: كيف تتولى القضاء وأنت جاهل؟! فقال: يا خوند، يجوز ~~في مذهبنا ولاية القاضي الجاهل، فقال له: قبحك الله وترضى بالإقرار ~~على نفسك بالجهل؟! # واما ناظر القدس، فجعل عليه ألفا دينار، فقام في تحصيلها، بشرط ~~أن يلزم بمباشرة النظر ولا وظيفة غيره. # وشرع يتكلم من غيظه بما هو كفر، فإنه في غاية الحمق والجهل، ~~وصار يقل: الرحمة على الأشرف إينال في توليته لهذه الوظيفة، ثم سعى ~~كما يأتي في النظر. # وفي يوم الاثنين خامس الشهر خلع على الشمس بن المرخم بنظر ~~المرستان عن الناصر بن أصيل. # ورسم للقضاة والأمراء بالنزول من القلعة إلى بيوتهم، وأن يستمر أمير ~~المؤمنين في القلعة؛ لأن السلطان كان يخاف من عود جانم لمساعدة ~~حزبه الأشرفية. # وكانت ولاية ابن المرخم للمرستان بواسطة الأمير الكبير، وكان له PageV03P312 ~~إليه تردد، فلما نزل إلى بيته أرسل إليه الدويدار الكبير جانبك ناظر جدة ~~من أحضره إليه وأهانه؛ لكونه ما سعى من بابه. # وكان الملك المؤيد أرسل مع الذين توجهوا به إلى إسكندرية أن قيده ~~شديد الأذى له من ضيقه وغير ذلك، بحيث أنه لا يتمكن معه من ~~السجود، وأرسل نائب إسكندرية الأمير كسباي أيضا في ذلك، وبأنه لم ~~تجر عادة بقيد الملوك في إسكندرية، فكلم السلطان في هذا الأمر، فأبى، ~~ثم روجع، وسئل في إطلاق العزيز يوسف بن الأشرف برسباي، ~~والمنصور عثمان بن الظاهر جقمق، فأجاب وأرسل محمدا النشابي ~~بأمر المؤيد، واثنان من الخدم في شأن العزيز، والمنصور، في إسكانهما في ~~المدينة، والإذن لهما في الركوب ms640 يوم الجمعة إلى الجامع، ونحو ذلك داخل ~~البلد. # وفي هذه الأيام بث الزين بن الكويز الإستدار رسله في البلد، فحشروا ~~له كل من يتجر في البهار، فرمى عليهم فلفلا، وتعدى الضرر إلى غيرهم ~~حتى قيل أنهم يرمون على المدارس، ويأخذون ما لها من مال، ومد الجند ~~أطماعهم إلى الأوقاف، فأخذوا شيئا كثيرا من ذلك، واما أوقاف الأشرف ~~وأتباعه فلم يبقوا منها شيئا، والله المسؤول أن يكفي شرهم. # وفي يوم الثلاثاء سادس الشهر، وصل دولات باي النجمي من عند ~~نائب الشام جانم، وكان قد أمر أن يكون معه مسفرا له، فأخبر أنه في ~~بلبيس، وأن ابن شعبان منعه من السير، وحصل بينهما حركة قتل PageV03P313 ~~فيها اثنان من جماعة جانم؛ وسبب ذلك أن السلطان كان أرسل إلى ابن ~~شعبان وغيره من العرب، أن يمنعوا نائب الشام من القدوم، فكأنه لما ~~فاتهم ذلك أرادوا أن يروه بعض ما كانوا يفعلونه، وأرسل يقول: إنه عبد ~~السلطان، وأنه يمتثل ما يأمر به، ولو أمر بأن يحبس في إسكندرية أطاع. # وفي هذا اليوم قبض على عيسى الغندور المغربي، وسحب إلى بيت ~~الحسام بن حريز قاضي المالكية؛ وسبب ذلك، ما تحرر بعد أيام، وهو ~~أن الأمير بردبك كان أودع عنده عشرين ألف دينار، فأراد أن يغلبه ~~عليها، فقال له عندما أطلق من الترسيم ينبغي أن تتصدق لهذا الفرج ~~العظيم بمال كبير. فقال له: تصدق مما عندك بمائة دينار. فقال له: ما ~~وقع له أمر عظيم لا يقابل بهذا النزر. فقال: مائة وخمسين. ولم يسمح له ~~بأكثر، وكان كما تقدم من شياطين الإنس، وكان الأنصاري مثله في ~~الشيطنة، وكان بينه وبين بردبك عداوة كبيرة، فلما ولي أستاذه السلطنة، ~~وسعى الأنصاري في مصاهرة يونس الدويدار لهم؛ ليحميه من بردبك، ~~لفه بردبك فانتهزها الأنصاري، وكان كل منهما يمكر بصاحبه، فغلبه ~~الأنصاري. فأوثقه إلى أن امتحن بعد نظره للجيش من الأشرف بما تقدم، ~~فبذل بردبك جهده في الذب عنه، وساعده بخمسمائة دينار، ثم رتب له ~~بعد أن خلص - وكان لازما بيته ms641 - في كل شهر عشرة آلاف دينار، فصار ~~إليه في غاية الأمن، وكان يطلعه على أسراره، والأمر كما قيل: ~~لا تأمنن امرأ أسكنت مهجته %% غيظا وإن قلت إن الجرح يندمل ~~فلما انحرف عيسى من كونه لم يطعمه ما أودعه أو أكثره استشار ~~الأنصاري فيما يفعل، فوقع مكرهما على فتح باب الشر عليه بها، فأرسل PageV03P314 ~~بردداره إلى الوالي فأحضر جبليين من أعوانه، فأمرا بالقبض على صهر ~~عيسى زوج ابنته، وأن يدعى عليه عند الوالي بأنه سرق ثمانمائة دينار من ~~اثني عشر ألف دينار هي عنه في ستة أكياس في كل كيس ألف دينار ~~، وهي وديعة للأمير تمراز الساقي الأشرفي الذي تلمذ له، فسئل ~~تمراز، فأنكر، فقال: هي للأمير بردبك، وسجن صهره في تهمته، ~~فتعصب بعض المغاربة لصهره، ورفعوا أمره إلى المالكي، وكان يسمع ~~عن ما يتعمده من الأمور المؤذنة بالزندقة، مع ما شاع عنه من قرب أنه ~~جمع عنده بنات أبكارا نحو عشر ليربيهن، ثم إنه افتض منهن عدة، ~~ولاط ببعضهن، وذكرت ابنته أنه يراودها عن نفسها. # وكان عيسى قد تزوج قبل ذلك امرأة البدر محمود العيني، ثم اطلعت ~~على أنه ما تزوجها إلا ليأخذ مالها، فتسببت في فراقه، بعد العلم بعدم ~~دينه، وكانت خوند امرأة الظاهر هذا من إلزامها، فأتت ابنة عيسى إلى ~~امرأة أبيها، زوجة العيني، فشكت إليها ما حل بزوجها من أبيها، ~~وذكرت لها قبائحه، فأوصلتها إلى زوجة السلطان، وأخبرتها بذلك، ولما ~~أحضر إلى بيت المالكي، كان غائبا في مصر، فلما أخبر أرسل يمنع نوابه ~~من سماع الدعوى عليه؛ ليكون هو المولي لذلك، فجاء تمراز إليهم، ~~وتهددهم عن القبض عليه، وقال: إنه هو الذي سجن صهره، وأنه هو ~~الغريم. # وكان إبراهيم أخو الأنصاري، والقاضي عبد الغفار، والشيخ PageV03P315 ~~برهان الدين اللقاني، وشخص يقال له: ابن عبد الحميد من أصحاب ~~الأنصاري، قد ذهبوا إلى بيت المالكي ليثخنوا جراح عيسى، ويشهدوا ~~عليه بما سمعوه منه، فذهب الأنصاري إلى بيت المالكي، فخشن لجماعته ~~القول، وسبهم، وقال: من شهد منهم على عيسى بشيء فانا ms642 أشهد أن ~~بينه وبينه عداوة تمنع قبول الشهادة فجبن المالكي لذلك، ثم أوصلوا ~~الأمر بالسلطان، وتبين بعد أن عيسى هو الذي أوصل ذلك بالسلطان؛ ~~وذلك أنه أمر امرأة أن تخبر السلطان أن عنده لبردبك عشرة آلاف دينار ~~ففعلت، فطلبه السلطان، بسبب المال، وسأله عما قالت المرأة، فقال: ~~هي عشرون ألف دينار لا عشرة، فأعجب السلطان ذلك منه، ورسم ~~عليه في طبقة الخزندار، وتلطف بهم إلى أن مكن من النزول إلى بيته بغير ~~ترسيم، فأخذ منهم ستة آلاف دينار، وأحضرها إلى الأمير بردبك إلى ~~المكان الذي سكن به بقصر الحجازية، جوار خانه، ونام عنده، ينفي ~~بذلك التهمة عن نفسه عنده ثم في بكرة يوم الأربعاء سابع الشهر، نزل ~~الخزندار بمن يتبعه، فاحتاطوا على بيته، وضبطوا ما وجدوا فيه، فإذا هو ~~ثلاثة عشر ألف دينار ومائة دينار، فطالبوه بالباقي، فقال: كان صاحبه ~~قد أخذه مني، فطلعوا به وبالمال بعد أن فرق عليهم ذهبا وفضة، وقلى ~~زلابية، وفرق على بعض الناس، ولم يظهر الاكتراث بذلك فلما أعلموا ~~السلطان بذلك أمر بقبض المال وإطلاق عيسى. PageV03P316 ~~وسمعت أنه كان رسم أن يعاد إلى المالكي بعد فراغه من المال، ~~فتقدم إليه وسارره بشيء، فرسم بإطلاقه مكرما، فكأنه تنصح له بشيء ~~من جهة بردبك أيضا فأثمر ذلك ما سيأتي. # ثم سمعت أن الذي قال له: أنكم غافلون عن بردبك، فإن عنده من # المال العين ما يسع نفقة العسكر، مع أنه يعرف جميع حواصل الأشرف ~~وزوجته وولده فرصوه وانظروا. # وأما الأمير بردبك، فإنه كان في هذا اليوم في حكم الأموات، بل ~~المجانين، لا يعي ما يقول، وذلك أنهم كانوا قرروا عليه للسلطان ثلاثين ~~ألف دينار ليعفيه من النفي، فكان يوردها لهم قليلا قليلا، إظهارا ~~للفقر، منها نقد، أو أنه يبيع ما عنده من الأمتعة، فهتك بما كان عند ~~عيسى، وظن أن له أضعاف ذلك عند غيره سوى ما في حواصله، مع ما ~~تكلم الناس به في موجب مصاحبته له، بعد طول تحذيره منه ببيان ~~زندقته، فكان يعتذر بأن ms643 يقول: إنه خبير بأحوال الدنيا فلم يطل الزمان ~~حتى أذهبت خبرته بدنياه، دنيا المغرور به ودينه، فحق له أن يتلو ~~لعمري إن كان عاقلا {ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا}[الفرقان:28] ~~وسمعت أنه إلى الآن يتكلم بما يدل على استصحاب الغروب به، فلا أدري ~~هل ذلك تصنع، أو أنه على حقيقة؟! وهو الأقرب؛ لأن أهل الدنيا ~~وإن اشتد ذكاؤهم مطبوع على قلوبهم في كل أمر يباعد من الله. # وفي يوم الأربعاء هذا اجتمع المماليك السيفية، وذهبوا إلى الأمير PageV03P317 ~~قانم رأس نوبة النوب، فسألوهأن ينفق السلطان عليهم، كما ينفق على ~~مماليك السلاطين، فلطف بهم إلى أن دفعهم إلى الدويدار الكبير، ~~فذهبوا إليه، ووقع بينه وبينهم مخاشنة، فيقال: أنه هرب منهم. # وفي يوم الخميس ثامنه، جاء إلى الأمير بردبك بعض الخدام، فاجتمع ~~به. وأطال المكث عنده ثم خرج مغضبا. # وفي ضحوة يوم الجمعة تاسع شهر شوال هذا، أمر السلطان بإحضار ~~بردبك؛ للتوكيل به واستخلاص ماله؛ وذلك أنه قال: إن ~~بردبك حلف له، لما ألزمه بالثلاثين ألفا، أنه ليس معه نقد، ولكنه يبيع ~~ما عنده من خيل وما يتبعها وأثاث وبهار، ونحو ذلك فصدقه، فلما ظهر ~~ما عند عيسى قال: هذا يدل على أن معه من النقد ما لا يحصى فإن من ~~يودع عند فقير غريب عشرين ألفا، يكون المظنون به أن ودائعه عند ~~خواصه من أهل البلد وغيرهم وحواصله ودفائنه لا تحصى، وكان يتحرق ~~عليه. # فأتاه المحتسب، وهو الأمير تنم رصاص، ومعه جمع من إخوته من ~~مماليك الظاهر فأخذوه من قصر الحجازية أخذا عنيفا، ثم وكل به في ~~مكان ضيق من البحرة التي بالقلعة. # وفي يوم الأحد تاسعه، ألبس الزين يحيى الإستدار خلعة بالرضى، ~~ثم أذن له في الإستدارية، ثم ألبس خلعتها بعد، وكان من أكابر PageV03P318 ~~القائمين على الأمير بردبك. # وفي يوم السبت عاشره، طلب من الأمير بردبك مائتا ألف دينار، ~~وهدد إن لم يفعل، فلم يجب إلى شيء، فأحضر له الوالي بآلات، ~~العقوبة، ودخل، وأغلق الباب، فلما لم يبق إلا الفعل، حضر ms644 بعض ~~الخدام يأمر بالكف عنه؛ لأن خوند شقراء بنت الناصر فرج، امرأة ~~شرباش، الأمير الكبير، طلعت إلى السلطان، فشفعت فيه، وقالت: ~~مهما طلب منه، أنا أبيع أمتعتي وأزنه عنه. فقال السلطان: يعطي ~~مائتي ألف، ولم تزل تراجعه حتى أنزلته إلى سبعين ألف دينار، أورد منها ~~عشرين يتأخر خمسون. # وشرع الأمير بردبك يسأل في نزوله إلى بيت جانبك الدويدار الكبير، ~~ليحتال في أن يكف عنه شره، فإنه علم أن ذلك كله صنعه، وكان ~~المذكور ممن لا يخدع. # فعلمت أن ذلك غلط، وذكر له ذلك فلم ينفعه، واستمر على عادته ~~من الاستبداد بعقله إلى أن أجيب، فوضعه في رواق له يشرف على بستان ~~وعمل معه ما كان يظن، فلم ينفع فيه شيء، وكان كل يوم تأتيه شدة ~~جديدة، حتى أكل يديه؛ ندما على النزول إليه، وكان الدويدار الكبير، ~~والشرف الأنصاري يترادفان على أذاه، مع إظهار النفع، وطابق الواقع ~~حينئذ قول الشاعر: ~~لا تأمنن امرأ أسكنت مهجته %% غيظا وإن قلت إن الجرح يندمل PageV03P319 ~~وكنت إذا حذرته من الأنصاري يقول: ستنظر وتكتب في تاريخك، ~~يشير إلى أنه هو الذي يغلب، فغلب وانقلب صاغرا، لتقريبه العدو، ~~فيطلع على عوراته ويأخذه من المأمن، ثم صار بعد نكبة الأشرف له، ~~ومساعدته إياه إذا حذر منه قال: أنا ساعدته، وأرسلت له خمسمائة ~~دينار، ورتبت له كل شهر عشرة آلاف درهم، وذلك قيمة نيف وثلاثين ~~دينار، ولم يزل الأمر به يتزايد إلى أن كان آخر ما ال السلطان: أنه لا بد ~~من بذره مائة ألف دينار، خارجا عما أخذ من عند عيسى، وإن لم ~~يفعل، ولم يبادر ويعطي من المدفون تحت الأرض أسلمه للوالي ليعاقبه. # وكان الناس يرحمونه، ويدعون له، فلما نفقت قصة عيسى، قست ~~عليه القلوب، ومن أغرب الأمور أن كاتب السر حدثني: أنه كلما وقع ~~تحذير المؤيد من أمر من الأمور وهى له بردبك ذلك الأمر، وسعى في ~~غروره بكل ممكن، ويقول: مهما أتى من الأشرفية من ضرر كان مني، ~~مع أنه كان في غاية التعظيم لبردبك، ms645 بحيث أنه لا يسميه إلا أغا، ~~ولا يقطع أمرا دونه، فإن وافقه فذاك، وإلا رجع عن رأيه إلى رأي بردب، ~~وأنه من أغرب ما اطلع عليه في ذلك أن جانبك حاجب الحجاب ~~بدمشق أرسل دويداره إلى السلطان برسالة وحمله مشافهة بأن جانم ~~خارج عن الطاعة، فليبرز أمره فيه بما أراد فإنه وأمراء دمشق يصيرون ~~إليه، فمنعه من إيصال هذا، فشكا ذلك إلى كاتب السر، ثم إلى ~~الدويدار الكبير يونس وهو مريض، فأرسل إلى كاتب السر، وأمره أن PageV03P320 ~~يبلغ السلطان عن أمر الرسول، قال: ففعلت ذلك، فكان كلما طلع ~~يزجره بردبك، ولا يدعه يصل إلى السلطان. قال: وحدثني ناظر ~~الجيش عن دولاب باي المعروف بسكن، وهو من رؤوس الأشرفية ~~أن بردبك قال لملأ ضيقوا عليه بعد أمر عيسى: هكذا يفعل بي، ولولا ~~أنا لم تصلوا إلى مرادكم، ونحو هذا مما هو صريح في أنه هو الذي غر ~~المؤيد. # وأخبرني عنه قاضي القضاة، عز الدين الحنبلي، أنه قال: عاشرت # أستاذي الأشرف خمسا وثلاثين سنة، فكانت فيه أربع خصال هي من ~~أقبح الخصال، وهي: البخل والفسق، والجبن. قال: ونسيت الرابعة. # ورأيت المشار إليه يتعجب من ذلك، ولاسيما مع شدة إكرام الأشرف له، ~~فقلت له: على أنه والله كاذب في أمر الجبن، فإني والله عاشرت الشجعان ~~من أكثر أصناف الناس وما رأيت في زماننا أشجع من الأشرف، ولقد ~~خبرت هذا غاية الخبر في وقعة رودس. # وصول تمربغا ~~وفي أواخر يوم السبت هذا، وصل الأمير تمربغا، أحد الظاهرية ~~من مكة المشرفة، وكان منفيا بها، فنزل في تربة الملك الظاهر برقوق ~~بالصحراء، وسلم الناس عليه هنالك، ثم طلع إلى السلطان بكرة يوم ~~الأحد، حادي عشره، فألبسه كاملية، ثم نزل إلى بيته الذي بين مدرسة ~~حسن، ومدرسة الجائية، في جانب مدرسة حسن، الذي كان PageV03P321 ~~[لبردبك] دويدار الأشرف، وتردد الناس للسلام عليه، فسبحان ~~المذل المعز. # وبلغني أن الجند كانوا أرسلوا إليه حين اتفقوا على إزالة المؤيد في ~~أواخر شعبان فوصل الخبر إليه في نصف رمضان، ثم سافر هو ms646 في ثامن ~~عشره. # وفي هذا الحد، رسم بأن يخرج القاضيان الحنفيان، الحميد بن قاضي ~~بغداد، والحسام بن بريطع، بأن يسافرا من القاهرة لأجل العلاء بن ~~قاضي عجلون، قاضي الحنفية بدمشق، فإنه لما أورد لهم ما ألزموه به، ~~وهو زيادة على أربعة آلاف دينار للسلطان وغيره، سأل في ذلك، ~~فأجيب بمساعدة تنم الأشرفي، أحد رؤوس النوب. # وفي يوم الاثنين ثاني عشر الشهر ألبس الزين يحيى الإستدار، خلعة ~~بالإستدارية، وجانبك الظريف الدويدار الثاني خلعة بنظر الخانقاه ~~الصلاحية، المعروفة بسعيد السعداء، وجعل الأمير قراجا الذي كان ~~واليا رأس نوبة ثانيا، وقرئ تقليد السلطان. # وفي يوم الثلاثاء ثالث عشره، خلع على الزين ناظر جيش غزة، ~~وأخيه السعد، وكان [لهما] في ذلك أمر عظيم، [وتبعهما] خلق PageV03P322 ~~كثير، يطلبون رفدهما، وكانا مشهورين، بالمكارم، وبلغني أنهما تكلفا ~~خمسة عشر ألف دينار. # وفي هذا اليوم ولى السلطان، الأنصاري وكالته الخاصة، وهي ~~وظيفة الظلم التي كن النحاس يعملها، فذهب إلى خوند امرأة الأشرف، ~~وأخبرها أن السلطان، يطلب منها مالا، وأسمعها مالم يكن في حسابها ~~من الكلام الغليظ، وشفى بعض غليله منها؛ فإنها هي التي كانت ~~سبب محنته لحظ كان بينها وبين زوجته خوند بنت شرباش التي ~~كانت زوجة الظاهر، وشرعت تعاملها معاملة من ليس في قلبه رحمة، ولا ~~يحسب زوال النعمة، فلهذا باشر خطابها بالإساءة وتهديدها إن لم تورد ما ~~قرر عليها الضرب والسجن وأنواع الإهانات، ولقد كانت جديرة بهذا؛ ~~فإنها ما أبقت شيئا من أمور الملك إلا دخلت نفسها فيه، بحيث أنها ~~كانت هي السلطان لا إينال. # وبلغني من غير طريق أنها كانت قليلة الصلاة جدا، تتشاغل عنها ~~إلى أن تفوت، وصح عن ابن أخيها علي بن خليل بن خصبك أنه لا ~~يصلي شيئا حتى أنه لا يصلي الجمعة إلا قليلا، ولقد صح أن غلمانه ~~يفرشون سجادته في بعض أيام الجمع في الجامع، فلا تزال كذلك، حتى ~~يفرغ الناس من الصلاة، فيأتي الغلمان فيطوونها، فلا يكون في ذلك إلا ~~تعطيل البقعة من مصل وثبوت فضيحته، بعدم الصلاة. # وبلغني ms647 عن ابن الأمير بردبك، وهو ابن بنت خوند أنه قليل الصلاة، ~~قال القائل، وهم كلهم (يعني بني خصبك) أهل بيت معروفون بقلة ~~الصلاة، نسأل الله العافية. PageV03P323 ~~وفي يوم الأربعاء، رابع عشره، اختفى ناظر الخاص، الأمير زين ~~الدين عبد الرحمن بن العلم بن الكويز، ورمى السلطان على المرستان ~~المنصوري فلفلا، فأبى الأمير الكبير شرباش، فقال: إما تأخذوا ~~الفلفل، وإما أن تقرضونا من المرستان ألفي دينار، وصمم على ذلك، ~~فرأى ابن الجيعان، وهو أحد المباشرين به أن أخذ الفلفل بالثمن أولى، ~~فأخذه، فعلم الناس أن ابن الكويز كان في رمي الفلفل عن التجار ~~مكرها، وأن ذلك إنما هو من السلطان نفسه. # وعين الشرف موسى الأنصاري لنظر الخاص، وختم على بيوت الزين ~~ابن الكوير وحواصله. # وفي يوم الخميس، خامس عشره لبس الشرف الأنصاري خلعة بنظر ~~الخاص والكسوة للكعبة الشريفة، ووكالة بيت المال، وابنه البدر محمد ~~خلعة بنظر الجوالي، ولبس الدويدار الكبير جانبك ناظر جدة بأنه ~~صندفا في جانب المحلة الكبرى. # وفي يوم الخميس هذا، سافر الحميد بن قاضي بغداد، الشهير ~~بابن أبي حنيفة. # وفي يوم الأربعاء رابع عشره ذهب خادم المدرسة الجمالية محمد بن ~~عبد الدائم ابن أخت مدين؛ ليزور قبر خاله في زاويته، وأخذ ~~معه ناسا كانوا التفوا عليه، فعمل فتنة كبيرة، وذلك أنه لما مات خاله ~~أراد أن يقوم مقامه في الزاوية، فلم يمكنه أصحاب الشيخ، وأقاموا PageV03P324 ~~ولده، لما يعملون من هذا من الخزي والمكر مع إظهار المسكنة والاستماتة ~~ووضع الذقن على الصدر، فجاء إلى الجمالية، وفتح فيها باب ذكر، ~~فالتف عليه ناس، وكثروا، ثم انفضوا عنه، ثم لم يزل يتألف بعضهم ~~حتى لازموه وتلمذوا له، ثم انتقل إلى مدرسة استحدثتها خوند زينب في ~~ناحية الكافوري، ولم تكملها، ولم يزل حتى ظن أن أصحابه اشتد ~~ارتباطهم عليه، ثم ذهب بهم في هذا اليوم إلى الزاوية، مظهرا الزيارة، ~~فتبين على ما نقل عن أهل الزاوية أنه ما جاء إلا للانتقام ممن كانوا ~~منعوه، فإنه ضرب واحدا منهم يقال له: عبد ربنا، وبالغ ms648 في ذلك، ~~فأعانه بعض الفقراء، فضربه أتباعه، فتجمع الفريقان، فإذا أتباعه ~~متسلحون بعصي وقباقيب وسكاكين، فوقع بين الفريقين ضرب كبير ~~أفضى إلى جراح وشجاج، ثم أغلق أهل الزاوية باب الدرب وأبواب ~~الزاوية، فأحس هو قبل ذلك فهرب، فلما رأى أصحابه أنهم قد حصروا ~~تجمعوا وعالجوا باب الدرب، ففكوا مسامر صبته، وذهبوا. # فأرسل الفقراء إلى الناظر وهو سيدي عبد الرحيم بن البارزي، ~~فحضر، فقصوا عليه ذلك، فذهب إلى صهره الأمير يزبك، وكان ~~يعتقد الشيخ محمد الشويمي، وهو من أكابر فقراء الشيخ مدين، ~~فأرسل إلى ابن أخته، فغيب وظفروا ببعض أتباعه، فضربهم الأمير يزبك ~~ضربا كثيرا. # هذا ما أخبر به أهل الزاوية عن سبب الفتنة، وأما هو وأتباعه، ~~فأخبروا أنهم دخلوا، فسلموا وتأدبوا مع أهل الزاوية، فأجابوهم بالكلام PageV03P325 ~~القبيح ودار الكلام حتى قبض ابن أخت الشيخ على لحية عبد ربنا، ~~فجاء أصحابه فضربوا ابن أخت الشيخ، وأصحابه، والعلم عند الله. # ولما هرب واتفق لأصحابه من الضرب في بيت الأمير يزبك ما اتفق ~~ذهب هو إلى بيت المالكي فكان جهد المالكي أن لاطف الأمير يزبك ~~حتى أطلقهم من سجن كان سجنهم به، واستمر هو مختفيا خوفا من ~~الأمير يزبك. # وفي هذاالحد، أتى الخبر إلى القاهرة أن إسماعيل بن عبد القادر، ~~شيخ جبل نابلس بيت ابن الجيوسي (بفتح الجيم، وتشديد التحتانية ~~وبعد الواو سين مهملة) وهو شيخ بعض الجبل، فقتل من جماعته نحو ~~أربعين نفسا وهرب كل منهما من بلاده؛ وسبب ذلك أن ابن الجيوسي، ~~كان يظهر في أول أمره الجودة، ثم أبان عن مكر وحركة كبيرة تدل على ~~أنه يريد العلو، فأحدث على تلك البلاد مظلمة وجباها، ثم غار لذلك ~~الشيخ كمال الدين بن أبي شريف عالم القدس في زمنه، وكان بالقاهرة، ~~فأخرج مرسوما مربعا بإبطال ذلك، ثم لما استحكمت الفتن بين أهل ~~الدولة، وتمرد نائب الشام، وأراد إذلال بني عبيد المشهورين الآن ببني ~~عبد القادر، لم يعطه إسماعيل، وحذر منه، وخاف غائلته، فخط ابن ~~الجيوسي إلى نائب الشام، وصاحب خزنداره، واستمال من ms649 أعيان بني ~~عبيد شخصا يقال له صعب، فجمعه بنائب الشام، فخلع عليه خلعة ~~المشيخة لما تحرك إلى نحو القاهرة، فلما علم إسماعيل أنهم قد ولوا بلاده ~~ظهورهم صبر حتى ظن أنهم اشتغلوا بفتنتهم، ثم طرق ابن الجيوسي، ~~فكان ما ذكر، وهرب ابن الجيوسي إلى الرملة، وغاب إسماعيل عن PageV03P326 ~~البلاد. # ثم حدثني من كان في تلك البلاد أن البيات لم يكن لابن الجيوسي؛ ~~وذلك أنه أظهر لإسماعيل الود والرقة، وإنما المبيت لأهل وادي بني زيد ~~(بين نابلس وبين القدس)، وأنهم هربوا منهم، فأفسدوا بلادهم، ~~وقتلوا منهم اثنين من أكابرهم، ولم يزالوا يطردونهم إلى قرب القدس، ~~فخرج نائب القدس في أهل القدس، وكان يبغض إسماعيل، فقال لهم: ~~هذا يريد بلدكم، فهزموه، وشذت من جماعة إسماعيل فرقة، فقتل منهم ~~ما بين عشرين إلى سبعين؛ وسبب ذلك أن الجمال يوسف الصبيبي ~~خزندار نائب الشام كان دار في تلك البلاد في شعبان فولى شخصا يقال ~~له: علي بن حسن من وادي بني زيد شيخا على الوادي، وكان من جبال ~~نابلس جماعات مفرقون في لد والرملة وغيرها، فنادى لهم: من أراد ~~الجماعة والرعاية والنصرة، فعليه بوادي بني زيد، فقصد إليه كل من كان ~~مطرودا من بلاده، ثم قصدوا بعض أعدائهم في جبل نابلس، ~~فقاتلوهم، فأراد إسماعيل قتالهم، ثم خشي عواقب السلطان، فصبر ~~ليرفع الأمر إليه، فلما سار نائب الشام إلى مصر أراد هو وخليل بن أبي ~~غازي بن مشاق بياته، ثم خافوا عواقب الأمر، ولم يكن بلغهم أمر ~~المصريين، فكفوا. [فلما] جاز غزة سائرا إلى مصر، بيت إسماعيل ~~هؤلاء؛ بما كانوا أفسدوا في بلاده، ثم هرب هو وخليل ابن مشاق، ~~لأنهما كانا يخافان نائب الشام، وكان لا يرضى من أحد إلا بالوفود عليه، ~~ولو أرسل له من المال ما يملأ الأفاق. # وفي هذا الحد، عين خيربك الذي كان والي القاهرة، ثم نائب القلعة PageV03P327 ~~لنيابة غزة، وعينت نيابة قلعة الجبل لسودون القصروي. # وفي هذا الحد، بلغنا أن جانم، نائب الشام كان يفسد في ~~رجوعه، يقطع الطريق، وإخافة ms650 السابلة، حتى أنه لقي جماعة من كرك ~~الشوبك قاصدين إلى القاهرة، فأمرهم أن يخدموا معه، فاعتلوا بأن لهم ~~أشغالا هم متوجهون [إليها] فاستلبهم. وبلغنا أن إسماعيل بن عبد ~~القادر جمع عليه أهل جبل نابلس ليحاربه. # وفي هذا الحد، جدد السلطان من العوائد أن يرسل إلى كاتب السر، ~~وناظر الجيش في كل جمعة مرتين يطلب حلوى، فيرسل إليه بما يكون ~~ثمنه نحو خمسة وثلاثين دينارا، فعظمت مشقة ذلك جدا، وعرف من ~~فعله هذا، ولم يتمكن مقدار غرامه بالظلم وعشقه له، فالله المسؤول في ~~كفاية شره وحسم مادة أمره. ثم قيل: إن ذلك ليس منه وإنما هو ممن ~~ينامون عنده، يحرسونه، وهو مغلوب معهم. # وفي يوم الاثنين تاسع عشر شوال هذا، خرج المحمل من القاهرة إلى ~~البركة، وركب قدامه القضاة والأمراء والفقراء على العادة. # وفي ليلة الأربعاء حادي عشريه، سافر الركب الأول من البركة PageV03P328 ~~وأميرهم تنبك [الأشرفي البواب]. # وفي يوم الأربعاء هذا، سافر الحسام بن بريطع الغزي، الذي كان ~~قاضي الحنفية بدمشق، بعد أن أراد أن يدعي على الأمير بردبك بمال ~~اهدي إليه، وشاعت له أخبار عجيبة من مثل هذا، وشكى على حقوق ~~عليه، وعوق عن السفر أياما، وتبين أنه ذو مطل للحقوق، ثم إن العلاء ~~ابن قاضي عجلون مطل بما تأخر عنده من المال الذي ألزم به حتى يخرج ~~الحسام من القاهرة، فرسم بإخراجه، فأتاه دويدار نقيب الجيش، ورأس ~~نوبة النقباء عنده ونقيبا فأخرجوه، وتوكلوا به إلى الخانكة، فتسلمه ~~خفيرها وهلم جرا إلى أن يجوز قطيا. # وفي ليلة الخميس ثاني عشريه، سافر المحمل وأميره مغلباي طاز، ~~وقسم المماليك الذين يسافرون للإقامة بمكة سنة بين الركبين الأول ~~والثاني؛ لضعف الأميرين. # وفي هذا الحد، ولي القطب الخيضري، كاتب السر بدمشق قضاء ~~الشافعية بها عن الولي أحمد البلقيني، المشهور بابن تقي الدين، وكتب له ~~أنه على قاعدة الونائي، أي أن جميع ما كان يتصرف فيه الونائي فهو له، PageV03P329 ~~من الرملة وبعلبك ونحوهما، وذلك مضاف إلى كتابة السر، ووكالة بيت ~~المال، وبذل على ذلك ألف ms651 دينار، وكان قد بذل على أيام المؤيد ثلاثة ~~فلم يقبل. ### ||| عزل صالح البلقيني شوال ثاني عشريه: # وفي يوم الخميس هذا ولي، الشرف يحيى بن محمد المناوي قضاء ~~الشافعية بالديار المصرية، ولبس خلعة بذلك، وركب معه كاتب ~~السر، المحب بن الشحنة، وناظر الجيش التقي بن مزهر، وبقية قضاة ~~الشافعية، السعد الديري الحنفي، والحسام ابن حريز المالكي، والعز ~~بن نصر الله الحنبلي، إلى الصالحية، ومن الخلائق غيرهم ما لا يحصى، ~~وسر الناس بولايته، وعزل العلم البلقيني، وكان هذا الأمر قد دبر من ~~حين ولاية الظاهر خشقدم، وإنما أخر ليصر البلقيني صرر الحرمين، ولما ~~أحس البلقيني بذلك، طلعإلى السلطان يشكو من أمر الصر؛ أنه لا ~~يوفي المتحصل من الأوقاف به، ويطلب منه أن يرسم بصرف ما استحق ~~قبضه من المستأجر للذخيرة السلطانية، من أوقاف الحرمين، وكان ~~الحجايون قد أثبتوا في ذهن كل كبير في مصر خيانته، وأنه باع نيفا ~~ومائة وقف من أوقافهم، فقال له السلطان: صر لهم من مالك. # ثم حدثني القاضي كاتب السر، ابن الشحنة أن الأنصاري، وعد ~~عن المناوي بخمسة آلاف دينار ناجزة، وثلاثة نسيئة، ووعد أن يحصل ~~من البلاقنة عشرة آلاف دينار، وأن الخليفة أرسل إلى السلطان يشفع ~~عنده في العلم على أن يخدم بخمسة آلاف دينار، وكان الخليفة في البحرة ~~بالقلعة، من حين جاء نائب الشام لم يؤذن له في بيته، فأجابه السلطان، ~~وأرسل إلى المناوي يأمره بالكشف عن ذلك. # فلما كان يوم الخميس هذا، وسمع الدويدار الكبير، شق عليه أن PageV03P330 ~~يقطع أمر دونه، فأظهر الغيظ من ذلك، وقال: يلزم منه أن أصير عند ~~الناس كذابا، فانزعج السلطان لانزعاجه، وكان ضعيفا، لا أمر له مع ~~الظاهرية، فقدم رضاه على رضى الخليفة، وأرسل إلى المناوي فتمم أمره. # ثم أخبرني غير كاتب السر، أن الذي سمي للسلطان من جهة ~~المناوي إنما هو ألفان فقط، وليس ببعيد؛ فإن كاتب السر مبغض ~~للمناوي، فلعله اعتمد في الذي ذكر أمورا غير محررة. # وكان هذا خاتما لدولة البلاقنة، فعزل العلم من قضاء مصر، والولي ms652 ~~من قضاء الشام، وأبو السعادات من نظر سعيد السعداء، في عشرة ~~أيام، ولم يبق لهم رأس قائم، أدام الله ذلك، فإنهم خربوا، فلم يوجد ~~فيهم صالح. # لقد، أخبرني قاضي القضاة عز الدين أحمد بن نصر الله الحنبلي، ~~أن العلم هذا أريد منه تنفيذ مكتوب لجماعة ناظر الخاص الجمال بن ~~كاتب شكم، ليلة الأربعاء هذه ليلة عزله، فحلف أنه لا يفعل إلا ~~بثلاثين دينارا، فأعطيها، وكان له من مثل هذا أمور يقبح ذكرها، وله ~~مع نوابه حكايات في طلب الرشى لا يرضى بها الحجاب، وكذا جميع ~~أقاربه. # وفي هذا اليوم نقل الأمير بردبك من بيت الدويدار الكبير جانبك ~~ناظر جدة إلى القلعة مع الوالي إينال الأشقر، والمحتسب تنم رصاص، ~~فاعتبر بما في هذا الأمر من العبر، فإنه كان يرفع عيسى المغربي، وينوه ~~بذكره، ويجتهد في تشييد أمره وإعلاء قدره، مع معرفته بزندقته، ~~وتكرير نسبة أهل الدين له إلى ذلك بحضرته، وكذا كل من كان قبيح ~~السيرة، وكلما كانت سيرته أقبح كان إليه أميل، مع أنه يفعل في أصحابه PageV03P331 ~~الأقدمين ممن لا يشك هو في علمه ودينه وحسن سيرته، وأن فعل ~~الجميل معه شرف، والإخلال به عار، ضد ذلك، من السعي في إخماد ~~ذكره، وسفول أمره، والأخذ على يده إذا أراد الانتصار ممن آذاه، فدانه ~~الديان، بأن أدخل عليه من الخزي والضرر أضعاف ما كان يدخله على ~~ذلك الزنديق وأمثاله من السرور، وكذا كان يفعل أستاذه، فلقاه الله في ~~ولده وعياله. # ولقد كان عيسى يسمي بردبك البهلول، وهو في عرف أهل ~~الزمان المغفل الذي لا فطنة له، ولا دربة بالأمور، فهو الأبله، وكان هو ~~يصف عيسى بالدهاء، وغزارة المعرفة بأمور دنياه، فتبين بأمر العشرين ~~ألف دينار قول كل منهما، وكان ينبز كل من يصحبه ويعتقده بلقب، ~~فكان يلقب ناظر جدة (الشكيل) (بمعجمة مصغرا مثقلا)، وخوند ~~امرأة الأشرف (القاروشه)، ولم تكن تعتقده، والأنصاري (الزعفراني)، ~~ثم لما اشتهرت سماه (السالك) إشارة إلى اعتقاده له، ويسمي نفسه ~~(الجذبة). # وفي هذا اليوم أيضا، رافع بعض المفسدين ms653 حسنا السنباطي إمام ~~المؤيد؛ بأن عنده مالا كبيرا للمؤيد، فأخذ إلى القلعة وأهين وقيل أنه ~~وضع في عنقه زنجير. # وفي هذا الحد، ذهبت خوند زينب إلى بيت الدويدار الكبير، ~~وبالغت في التذلل له، والترقق والخضوع، حتى أنها أمسكت ذيلة، ~~ووضعته على رأسها، فلما رأى ذلك، قام لها وقبل الأرض بين يديها، ثم ~~لم يغنها ذلك شيئا، بل استمر عليها طلب ما ألزمت به. # وفي هذا الحد، رسم السلطان أن يكتب إلى حاجب الحجاب ~~بدمشق، والأمير الكبير بها، ونائب القلعة، وبقية الأمراء أن يلاقوا جانم PageV03P332 ~~نائب الشام عند قدومه إليهم، ويمشوا في خدمته، ويطيعوا أمره، وهذا ~~بواسطة الدويدار الثاني جانبك الظريف، أحد رؤوس الأشرفية، مع أن ~~نائب الشام ولى على الرملة ونابلس كاشفا من جهته، يقال لهك خضر ~~الكردي، وولى صعبا بن عبد القادر على جبل نابلس، مكان ~~إسماعيل الشيخ، كان من جهة السلطان، شبانة من مشاق مكان ~~خليل، وحسين بن حسين على عرب حارثة، مكان طرباي، وأوهن كل ~~من كان من جهة السلطان، وطردهم عن بلادهم، ولم يكفه ذلك، حتى ~~أرسل ابنه في جمع كثيف في طلب إسماعيل أين كان، فوصلوا إلى كفر ~~يهود في بلاد الصلت، وكان فيها، فعزم أهلها على قتالهم عنه، ثم رأوا ~~الدفع بالتي هي أحسن، فخرجوا إلى يحيى بن النائب فتلقوه، وضيفوه، ~~ومعوا له نحو ثلاثمائة دينار، وحلفوا أن إسماعيل ليس عندهم، فرجع ~~عنهم، فدل هذا المرسوم من السلطان بعد هذا كله على غاية الضعف، ~~فإن الذي يظن بنائب الشام أنه يصير ملك الشام كلها، ولا يعطيه سمعا ~~ولا طاعة بغير هذا المرسوم، فصار بهذا المرسوم آمنا من المعارض وله ~~الحجة. # وأخبرني بعض خواص السلطان أنه ربما أراد خلوه ببعض اصحابه، ~~فلا يقدر، فيأمر بإغلاق باب القاعة التي بالدهيشة فيدق عليه الباب، ~~فإن أبطأوا بالفتح دق الباب دقا عنيفا، فلا يسعه إلا الفتح، قال: ~~فسمعته يدعو على نفسه بالموت. # وفي هذا الحد، رجع محمد بن النشابي من سفر إطلاق المؤيد من PageV03P333 ~~قيده، والخادمان اللذان سافرا ms654 بإطلاق العزيز والمنصور، وشاع أن ~~المؤيد لم يجد معه إلا ثلاثمائة دينار فأوسع الحيلة في مائتين، ودفع ~~الخمسمائة إلى النشابي، فأبى أن يأخذها؛ استقلالا لها، فأرسلها إلى ~~المنصور عثمان، وسأله أن يشفع له إلى النشابي في الرضى بها، واعتذر له ~~ففعل ذلك، وأعطى النشابي من عنده ألف دينار. # وسمعنا أن العزيز والمنصور اجتمعا، فقال العزيز للمنصور: جزاك # الله عني خيرا يا أخي، فإني في فضلك بيض الله وجوه مماليك أبيك، ~~فإنهم سعوا في إطلاقك، فكنت أنا في ذلك تبعا، وسود الله وجوه مماليك ~~أبي فإن لي نيفا وعشرين سنة في السجن ما فعلوا معي ما فعل مماليك ~~أبيك. # وفي هذا الحد، سافر ناظر القدس والخليل عبد العزيز بن معلاق، ~~ثم أرسل له الأمير قلمطاي أحد الأشرفية هجانا ليرده؛ بسبب أمر ادعاه ~~عليه من أجل سكنه في بيت الست بالقدس، ولم يثبت له شيء، لما كان ~~بالقاهرة، فلما أرسل له الهجان ليرده دفع إليه مائة دينار، فرجع بها وخلى ~~سبيله. # وفي هذا الحد، استخلص الدويدار الكبير، جانبك ناظر جدة، من ~~البدر محمد بن الشهاب أحمد المحلي قاضي إسكندرية ثلاثة آلاف دينار ~~بسبب انه كان مستأجرا شيئا من تعلق خانقاه سرياقوس في إسكندرية ~~وكان يعطي فيه دون أجرة المثل، هذا السبب الظاهر، وأما الباطن ~~فإنه كان مقدما عند الأشرف وولده المؤيد، وكان بذلك ~~ينكي ناظر الخاص، الجمال يوسف، وكان ناظر الخاص شديد الميل PageV03P334 ~~إلى الظاهرية، وكان ابن المحلي قد سعى في قضاء القاهرة في مرضة من ~~مرضات العلم البلقني، بسبب أنه رأى أن السلطان غير مسائل في ~~القضاء ولا غيره، عن غير المال، من علم ولا دين، فاشتدت نكاية ~~الناس من ذلك، وعمر لنفسه بيتا في ناحية خان الخليلي، شاعت ~~الأحاديث بأخباره فيما هو عليه من الإحكام والسعة والحسن، وكان يسير ~~بأضعاف مضاعفة فوق ما يستحقه، مع قباحة الشكل، وعدم المعاني ~~من علم، أو فصاحة، أو مكارم، أو حلاوة منظر، أو سبب من أسباب ~~التقدم، فلما وقع لجانبك بهذا السبب أوسعه شرا ms655 وذلا، وضربه ثلاث ~~مرات، وبكته بجميع ذلك {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما ~~كانوا يكسبون}[الأنعام:129]. # ثم إنه لم يزل، حتى تخلص، فاختفى، ثم أرضى جانبك، وسعى له ~~عند السلطان في قضاء إسكندرية، ونظرها، ومضى إليها. # وفي يوم الاثنين سادس عشري شوال هذا، شفع الأمير قانم التاجر ~~المؤيدي أمير مجلس في الأمير بردبك ليأخذه عنده، حتى يورد ما بقي ~~عليه من المائة ألف الدينار التي ألزم بها، فقبل، فنزل إلى بيته فأخلي له ~~منه قاعة، وأمن بذلك على نفسه؛ فإن المذكور من أكابر أتباع المؤيد ~~شيخ، وهو ممن يذكر للسلطنة، وله عقل وافر، وحرمة ومروءة يرجع ~~إليها. # وحدثني أنه حصل عليه في هذه الأيام الأربعة التي كان بها بالقلعة ~~من الشدة، ما يجل عن الوصف. PageV03P335 ~~وكانت خوند قد وردت ما ألزمت به، ثم عزمت في هذه الأيام أن ~~تتوجه إلى ابنتيها إلى إسكندرية، فعوقت، وطلب منها شيء آخر. # وفي هذا الحد، وصل من نائب الشام كتاب، بأنه مطيع ~~للسلطان، وأن الذي بلغ المسامع الشريفة انه عزل ابن عبد القادر، ~~وخليل [بن] أبي غازي، وولى غيرهما كذب، ولكن المذكورين ~~أفسدا في البلاد، وتركاها، فخلعت على من يحفظ البلاد إلى حين تأتيه ~~خلعة السلطان ونحو هذا الكلام، من الخداع بتسمية ما يتوصل به إلى ~~مقاصده عير الاسماء التي هي عنده. # واللذان ولاهما صعب من بني عبد القادر، وطوغان بن شبانة من ~~بني مشاق، هذان في جبل نابلس، وولى حسين بن حسين إمرة عرب ~~حارثة عن طرباي، وولى شخصا على عرب حورن، عن مقلد، فلما ~~وقف السلطان على هذا علم هو ونصحاؤه مرادة، ثم أرسل خلعا لمن ~~أخبر أنهم عصاة، وهم: إسماعيل، وخليل بن مشاق، وطرباي، ~~ومقلد، بتوليتهم على ما كانوا عليه. # وحدثني بعض المسافرين أن الدرب إلى الشام في غاية الخراب، وأن ~~المسافرين محبوسون بغزة وغيرها من البلاد الكبار، لا يجتر ئون على ~~التوجه إلى مقاصدهم من القطاع، منهم أم العلاء بن الأهناسي وزير PageV03P336 ~~السلطان في غزة، وأن نائب الشام أفسد في كل ms656 بلد مر به، وأنه نهب في ~~الرملة بيت ابن معلاق، وصادر ووضع قاضيها العلاء بن السائح في ~~زنجير، وكذا البرهان بن جماعة، قاضي القدس، وولى كاشفا في الرملة ~~والقدس وأعمالهما يقال له خضر الكردي. # وأغرى الخلق بالخلق، فكل من نهب شيئا فاز به، وإن رفع إليه لم ~~يأخذ بيد المظلوم، وهو يتصرف في جميع بلاد الشام، تصرف من لا يخاف ~~الله، ولا يرى فوقه أحد من الناس والأمر في غاية الاختلال، والله المسؤول ~~في صلاح الحال. # وسبب أمر ابن جماعة، أنه كان في بلاد القدس، بلد قد استأجرها هو ~~من تمراز لما كان دويدارا بمبلغ معروف، فلما نفي تمراز كما مضى، وولي ~~بردبك عنه أرسل البرهان بن جماعة يتخذ عند بردبك يدا، فسأله أن ~~يكتب له مرسوما من السلطان؛ ليدفع له ريعها، وكان بردبك معروفا ~~بالطمع ففعل، فلما أطلق تمراز من السجن إلى القدس، طالب ابن ~~جماعة، فلم يلتفت إليه، فأعلمه أن ذلك لازم له بالشرع، وأن دفعه إلى ~~بردبك وغيره لا يغنيه، فلم يسمع، فسكت عنه، فلما رجع هو ونائب ~~الشام هذه المرة، أعلمه بهذا، فدبرا في الحيلة على القبض علي إن أرسل ~~نائب الشام إلى النائب يسأله أن يحضر له قضاة القدس كلهم، ليكتبوا ~~له محضرا بأمر يريده، فلم يسعهم إلا الحضور، وجوز ابن جماعة أن يذكر ~~له تمراز شيئا من ذلك، فأخذ المرسوم معه، فلما حضروا عندهم، طلب ~~تمراز منه ماله، فأخرج المرسوم، فقال تمراز، اختر لك أحدا من رفاقك ~~يحكم بيني وبينك. فاختار ابن تاج الدين بن الديري قرابته، فأخرج له ~~تمراز الإجارة، فقال: كما هو الحق أن هذا المرسوم لا يدفع هذه الإجارة. PageV03P337 ~~فأجاب إلى دفع المال، وأراد الذهاب إلى القدس لذلك، فلم يمكنه ~~تمراز، وأخذه معه، فلما ركبوا إذا فرسه سابق، فقال له: لو هربت ~~لأتعبت من يردك، فأنزله عن الفرس، وكانت عادته أن يلف على رأسه ~~شاشين، فانتزع منهما واحدا وأبقى واحدا، وأركبه إكديشا، ووضع في ~~عنقه سلسلة ، وأخذه على هذه الحال إلى ms657 صفد. # فرجع ابنه إلى القدس، ليجمع المال، وهو أكثر من ألف دينار، ~~فأفكروا في أن يطلبوها من بردبك مادام في هذا الضيق، فأتى رسولهم ~~لذلك، وكان بردبك في بيت قانم أمير مجلس، فكلمه في ذلك، فأذن له ~~في طلب ذلك منه، وكان بردبك قد صار أضعف قلبا من صافر، فبادر ~~إلى الإجابة إلى ذلك، فدفع لهم نحو خمسمائة دينار. # واستمر تمراز متوجها مع نائب الشام إلى دمشق، وأرسل ابن جماعة ~~بزنجيره موكلا به إلى صفد. # وحدثني من أثق به أن ... الدين... بن قاضي الحنفية بالقدس ~~تاج الدين عبد الوهاب بن السعد بن الديري، وكان نائب أبيه وملازما ~~للفسق، من إدمان الخمر واللواط من خلفه وقدامه، وغالب القبائح، ~~قد فعل بعض مصائبه في حارة المغاربة، وخرج وهو ثمل، فوجد ناسا ~~من أعيان المغاربة، فهاش عليهم بسيف،فتكاثروا عليه، فقبضوا PageV03P338 ~~عليه، وضربوه، واستغاثوا بأهل الخير من طول ما يفعل هذا من محادة الله ~~ورسوله وكان ملاذ الناس يومئذ هناك في الأمر بالمعروف، الشيخ عبد ~~القادر النووي، وهو من أهل العلم والزهد والورع والعقل الوافر، ~~فجلس في بعض النواحي من المكشوف من المسجد، وجلس معه جمع ~~من العامة، فجاء البرهان ابن جماعة المذكور إليهم، وهو ابن عمة ابن ~~الديري، فقال للعامة: كأني بكم وقد وردت مراسيم من مصر بقطع ~~أيديكم، وتشريم مناخركم، ونحو هذا من العقوبة، ففت ذلك في ~~أعضادهم، فافترقوا. ثم قال للشيخ عبد القادر: وأنت يا عبد القادر ~~صار من أمرك أنك تجمع لكل جمعا وتتكلمون في الأمور العظام ~~ونحو هذا من الكلام الفاحش. فقال له: ينتقم الله منك. وقام، قال ~~الحاكي: فلم يمض على ذلك خمسة أيام حتى طلبوا إلى الرملة، ووقعت ~~له هذه المحنة. # وأرسل المغاربة إلى القاهرة بالقضية، وأرادوا مطالعة السلطان بذلك، ~~فبلغ السعد، فأرسل إليهم من سكنهم، وضمن لهم سداد الحال، ومنعه ~~من الحكم بين الناس، فسكتوا. # ثم حدثني العلامة البرهان بن أبي شريف أن الضرب ما كان إلا بعد ~~الانفصال عن مجلس الشراب، وأن سببه أنه أرسل ms658 جماعته ليحضروا له PageV03P339 ~~أمرد من حارة المغاربة، فلم يطعهم، واستجار بابن الشيخ خليفة، ~~شيخ المغاربة وابن شيخهم فأجاره وكان شجاعا، ثابتان كثير التلاوة ~~لكتاب الله، مظهرا للتبرئ من ابن عربي، خلافا لما كان عليه أبوه، فرد ~~أصحاب الديري إليه فأعادهم ثانيا، فقالوا: إن شخصا له عليه دعوى، ~~ولا بد من حضوره بين يدي القاضي، فمنعه ابن خليفة، فلما بلغ ابن ~~الديري، حملته الشهوة، وحمق الشباب، وجهل الغر على أن ركب ~~فرسه، وجاء بنفسه، فقال له ابن خليفة: لي معك كلام، ثم دنا منه ~~فقبض عليه، وجذبه عن فرسه، فرماه، ثم وقع فيه يضربه ويجره، ~~واجتمع عليهم جمع كبير من المغاربة، فضربوه إلى أن كادوا يتلفونه، ~~وكان يجره وهو يتقيأ الخمر إلى أن ملأ تلك البقعة. # وجاء الصريخ إلى أبيه، فقامت قيامته، وأزبد وأرغى، ولم يجسر على ~~شيء، غير انه أرسل إلى الناصر محمد بن الهمام، وهو أخوه لأمه، وإلى PageV03P340 ~~ابن جماعة، فأتوه وقد حل به ما كفاه، فأخذوه على تلك الحالة، ووضعوه ~~في بعض الأماكن حتى زال خماره، واجتمع الجمع الذي تقدم ذكرهم، ~~ثم تهدده ابن الشيخ خليفة والمغاربة بالقتل، إن حكم بين اثنين، فلم ~~يجسر بعد ذلك على حكم، ثم سافر إلى القاهرة كما سيأتي، قطع الله دابره ~~آمين. # وفي هذا الحد، وصل الخبر، بأن عرب لبيد أفسدوا في ~~البحيرة، فوقع اتفاق السلطان ومن يليه من أوتاد الدولة على أن يجهز ~~لذلك من الخونة، مماليك الأشرف إينال جمعا كبيرا نحو الألف مع أمير ~~آخور برسباي البجاسي، ورأس نوبة النوب، وبيبرس خال العزيز ~~وغيرهم من الأمراء العشروات، فأجاب الكل خاضعين. # وفي هذا الحد، هجم على بيت صلاح الدين، أمير حاج بن بركوت ~~المكيني ابن امرأة العلم صالح البلقيني بطواشي؛ من أجل بنت ~~السبرباي، زوجة الأمير بردبك التاجي التي كانت فسخ نكاحه منها، ~~بحكم أنه أبرص، وتزوجها، وكان زوجها غائبا بالحجاز، ثم قدم ~~فإذا ليس به برص ظاهر، وقيل: إنه أثبت أنه لا برص به، وأثبت على PageV03P341 ~~تقدير أن الذي به ms659 برص، أنها كانت معه زمانا وهو به، وسافرت معه إلى ~~الحجاز وهي راضية، بل وأنها أسقطت حقها من الفسخ بالبرص، كذا ~~شاع، ثم لم يثبت ذلك وكان الذي صده عن ذلك في أيام الأشرف إينال، ~~أنه كان فيها غير مقدم، وكان البلقيني ومن يلوذ به رائجين، وكان المرأة ~~حسنا فكان صلاح الدين يرضى بالمال، فلما كانت هذه الأيام ثار ~~بردبك، فلم يتم له أمر حتى عزل العلم، فأحس الصلاح بالفساد ~~فاختفى، فلما هجم عليه بيته لم يوجد غير المرأة فأخذت ليعمل فيها ~~حكم الله، وهي لعمري من أغرب القضايا، لعله ما سمع بمثلها، ان ~~من يون بزي الفقهاء، وفي عدادهم يجترئ على مثل هذا في حق أمير، ~~ولم يزل الأمر يتمادى إلى نصف ذي الحجة، فقضي بما يتضمن بطلان ~~نكاح صلاح الدين كما يأتي. ### || شهر ذي القعدة: # ~~: ~~وفي يوم السبت، مستهل ذي القعدة سنة خمس وستين هذه، ~~حدثني ناصر الدين محمد بن نور الدين بن هلال الدولة الزبداني، أنه ~~رافقه من ناحية غزة غلام، فحدثه أن مخدومه من الخاصكية، وأنه أرسل ~~إلى نائب الشام لما كان بالخانكة، ومعه مراسيم السلطان الظاهر إليه، ~~ليستخلص من علي بن الصوفي نحو ثلاثين الف دينار عنده من مال ~~الذخيرة، فقال: ذلك بالسمع والطاعة، وأمره بالسفر معه ليخلص له ~~ذلك. قال: فلما كان بالرملة أراد الجمال يوسف خزنداره التعجل إلى ~~دمشق. قال: فجاء الخاصكي إلى النائب، فقال له: يبرز أمركم إلى ~~الأمير الخزندار بأن أتوجه معه، فيقضي شغلي. قال: فزجرني، وقال: أنا ~~أخذت بلاد الشام أحكم فيها بما أريد، فقلت: يا مولانا، لكم ~~المستقبل، وهذا مال قديم عند ابن الصوفي. فقال: أحضر المرسوم، PageV03P342 ~~فأحضرته إليه فأخذه في يده، وشرع بقطعه بسكين معه سيورا سيورا، ~~وهو يشتم السلطان، ويقول: «مراتركماني قواد» إلى أن تركه قددا، ثم ~~زجرني، قال: فقمت من عنده، وأنا لا أصدق أني نجوت منه. قال: ثم ~~ركب هجينا معه، وتوجه وهو لا يأمن أن يلحقه من يرده، قال: وتركني ~~على هذه الخيل لإلحقه ms660 بها. # وفي أوائل هذا الشهر، وصل نائب الشام إليها، فلاقاه من بها من ~~الأمراء، فأظهر العفو عنهم، ونادى بدمشق بالأمان، وأنه قد عفى عما ~~سلف، ووصل معه تمراز إلى دمشق، واستمر مقيما بها كما يأتي، ونزل ~~نائب الشام ببيت الأمير جانب حاجب الحجاب؛ لأنه وجده قد هرب ~~منه، ودار السعادة خراب. # ولما زالت الدولة الأشرفية. تزلزل غالب المباشرين وغيرهم من أهل ~~الدولة ولاسيما الزين أبو بكر مزهر ناظر الجيش، فإنه لم يكن يروجه إلا ~~أمه وعمه العلم زوجها، وأما هو فليس فيه ما يقدمه لا من كرم، ولا من ~~عصبة، ولا دين ولا ثبات على أمر من الأمور، وهو مع ذلك كله فاقد ما ~~يفارق به الإنسان بقية الحيوانات العجم، وهو اللسان، فإن صدقه ~~عزيز الوجود، فكان أول زلزلته العظمى مصاولته للأمير يزبك؛ من أجل ~~إرادة البروز في بناء البيت المقدم ذكره، بما يؤذي جاره عبد الرحيم بن ~~البارزي، صهر يزبكن كما تقدم، ثم ازداد وهنه بزوال المؤيد، ثم قطع ~~ظهره بعزل زوج أمه ، ثم قدم دويداره يونس من جبل نابلس ~~بخبر ذهاب إسماعيل هاربا من نائب الشام، وله في جهته نحو ستة ~~آلاف دينار، وكان يرجو وصولها إليه ليوفي بها ما عليه مما استدانه؛ PageV03P343 ~~لأجل النقدة التي وضعت عليه للوزير، وهي كل يوم سبعون دينارا؛ ~~فخارت قواه، وضعف قلبه، فاستقال من نظر الجيش، وبالغ في ذلك، ~~فعرضت الوظيفة على الزين أبي بكر بن عبد الباسط ليليها، ويعطي ~~السلطان ثلاث آلاف دينار فأبى، ووعد أنه يبذل للسلطان على إعفائه ~~من ذلك ألف دينار، فألح عليه، فكأنه ألان الكلام، ثم أصر على ~~الامتناع، فقال السلطان: كيف يليق هذا التلون، تارة يرضى، وتارة ~~يأبى، إما أن يلي ويبذل الثلاثة الآلاف مجانا، وإما أن يمتنع فيبذلها ~~فرضا. فقال بعض من حضر من الأمراء يخفف على ابن عبد الباسط: ~~مولانا السلطان، لا يهتم بذلك، فإن سيدي يحيى بن حجي يلي، ~~ويعطي ثلاثة آلاف كما أراد السلطان. فقال: أحضروه، فطلع يوم ~~الاثنين ثالث ذي القعدة ms661 هذا، فألبس خلعة لذلك، وجمع له الشرف ~~المناوي جميع النواب، لينزلوا معه، كما فعل العلم مع ربيبه الزين ~~المزهري، وركب معه أيضا الأمير يزبك ومن لافه والمباشرون وقضاة ~~القضاة وغيرهم من الأعيان. # ثم بلغني أنه دار في عصر هذا اليوم على الأمراء والمباشرين الذين ~~ركبوا معه، ليسلم عليهم، ويشكر لهم جبرهم له، فلما دخل إلى ~~الدويدار الكبير جانبك ناظر جدة، إذا عنده كاتب السر، وابن مزهر، ~~فذهب من الجانب الذي فيه ابن مزهر، ودخل بينه وبين الدويدار ~~بغاية الجرأة، بحيث أنه كاد أن يجلس على ابن مزهر، وهو أقوى من ابن ~~مزهر، فإنه طويل شئن الأعضاء، وله قوة عظيمة، وهو فاقد قوة ~~الجماع، فكان ما فقده من هذه القوة كان سببا في مضاعفة قوته. PageV03P344 ~~وكان ابن مزهر مربوعا إلى القصر وإلى الضآلة، وكانت ~~بينهما مباغضة عظيمة، على أن ابن مزهر زوج أخت النجم يحيى، فلما ~~جلس على هذه الكيفية زادت نكاية ابن مزهر، ولم يتزحزح له، فقال ~~كاتب السر: أحدكما يأتي إلى جانبي ولا تزدحما. فقام ابن مزهر فجلس ~~إلى جانبه، ثم ذكر الدويدار كلاما فيه نقده الوزير، فقال ابن مزهر: ~~لولا نقده الوزير ما وصل الناس إلى ما وصلوا إليه، فدل ذلك على عظم ~~نكايته مما وقع. # وثبت ابن حجي، فلم يظهر لذلك انزعاجا، ولا أجاب عنه جوابا، ~~وكان ثابتا فاضلا في فنون من العلم، دار على المشائخ وحصل مع ماله ~~من الأصالة من الطرفين. # وقد كان بعض من نصح ابن مزهر في دنياه أشار عليه بالتجلد، وأن ~~لا يستعفي، وحذره عواقب ذلك، فلم يتدبر ذلك، ولا ذاق طعمه إلا ~~في هذا المجلس، ثم ذهب كاتب السر وتركهما على تلك الحال. # وفلما رأى الدويدار أن ابن حجي لا يتكلم بحضرة ابن مزهر قال له: # قم إلى تلك الطاق فاجلس هناك حتى نتحدث ففعل. # وفي يوم الاثنين هذا، سافر خيربك نائب غزة إلى محل ولايته، وسافر ~~معه ناس كثير، كانوا محبوسين عن السفر بالقاهرة، يخشون من قطع ~~الطريق. # وفي هذا ms662 الحد، سافر المعينون إلى عرب البحيرة مع أمير آخور PageV03P345 ~~برسباي البجاسي، ورأس نوبة النوب بيبرس خال العزيز. # وأقام السلطان في باب السلسلة في مقام أمير آخور حاجب ~~الحجاب يلباي، فغضب أمير آخور الثاني وهو بردبك الهجين؛ لأن ~~العادة أن يكون الثاني نائبا عن الكبير، وغضب له طائفته ظاهرية ~~جقمق، فعتب على السلطان، فقال السلطان: هذا أمر يرجع إلى نظر ~~السلطان من رآه أهلا لذلك أقامه. فقال بردبك: فهل علم السلطان ~~مني ضعفا أو خيانة؟ فقال: لا، ولكني اخترت ذلك، فسكت. # وفي هذا الحد، تكلم في تعيين أربعمائة من أشرفية إينال إلى ~~قبرس؛ ليحفظوها ويعينوا من بها من المسلمين، فعلم أشرفية برسباي أن ~~مراد الظاهرية الاستراحة من أشرفية إينال؛ لأنهم أعدى الناس لهم، ~~خوفا من أن يكونوا مع من يناؤونه، فعلم أن مرادهم شر، فازدادت ~~القلوب تنافرا، والله تعالى المسؤول في أن يدبرنا بأحسن تدبير. # وفي يوم الأربعاء، خامس ذي القعدة هذا، وهو الموافق لتاسع عشر ~~مسري من أشهر القبط أعلم السلطان أن البحر أوفى زيادة ست عشرة ~~ذراعا، وزاد أربعة أصابع من الذراع السابعة عشرة، فرسم للأمير الكبير ~~شرباش كرد بأن ينزل فيفتح السد، ليجري الماء في خلجان البلد، ثم ~~يسقي أراضي الشرقية في مواقيته المعروفة، ففعل ذلك، وازدحم الناس ~~عند السد؛ حتى قتل منهم اثنان. # وفي هذا الحد، غلق الأمير بردبك ما ضرب عليه، وهو مائة ألف ~~دينار، فرأى أنه يستمر في بيت الأمير قانم؛ يحتمي به من أن يفتحوا عليه PageV03P346 ~~بابا آخر من الظلم، فاستمر فيه إلى عيد الأضحى، فعيد في بيته الذي ~~بقصر الحجازية، واستمر به مدة، فأرسل إليه الأمير يزبك، أن يرسل ~~مملوكا كان أهداه إليه، وهو في القدس، بمقتضى أنه كان أعتقه قبل أن ~~يهديه إليه، وأرسل إليه ورقة العتق ليقف عليها فأحضر شهودا ~~وأشهدهم عليه، أنه لا دافع له ولا مطعن في إعتاق الأمير يزبك له ورده ~~إليه. # في يوم السبت، ثامن الشهر غلقت النفقة من جهة السلطان على ~~الجند وخلع على من جرت ms663 العادة بالخلع عليه، من كاتب المماليك وغيره ~~من الدواوين، والكتبة، وأخبرني القاضي كاتب السر، المحب بن ~~الشحنة أن منها من الملك المؤيد نحو مائة وسبعين ألف دينار، ومن أمه ~~نحو ستين ألف، ومن صهرهم الأمير بردبك مائة ألف سواء. # وفي هذا الحد، بلغ الخبر أن الأمير جانبك حاجب الحجاب بدمشق ~~لما سمع بإقبال جانم نائب الشام خرج من دمشق فلم يعلم أين وجه، ~~ثم تحرر أنه صار إلى مدينة طرابلس، ثم انتقل إلى حماة؛ لأن نائبها له ~~حرم، وأشهم، وجانبه أمنع. # وفيه أخرجت بلد المدرسة الشريفية المجاورة لجامع عمرو، وهي من ~~وقف الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله، فأعطيت PageV03P347 ~~لشخص من الجند، فقيل للسلطان: إن واقف هذه كان من خيار ~~المسلمين.. فقال: لم أعرف أنها وقف، ثم قال: وبلغني أنها خراب، ~~فعلم من كلامه المتناقض فساد طويتهن وكان نظرها إلى العلم صالح ~~البلقيني، فاجتمع بالأكابر، ثم أرسل من بها من الفقهاء، فوقفوا ~~للسلطان يوم السبت هذا، فسألهمعن حالها، فأخبروه أنها عامرة، ~~فكذبهم في ذلك، وقال: الفقهاء يأكلون الحرام، مع أنه كان قد أرسل ~~إليها من نظرها، وأخبروه أنها عامرة، ثم كلمه من في مجلسه في ذلك ~~فرسم بردها على ما كانت عليه، وعلم بذلك، أنه لو تمكن لم يسترح به ~~أحد، فالله المسؤول في حسن العاقبة. # وكان قد بلغ السلطان أن نائب القدس، حسن بن أيوب التركماني ~~حضر على نائب الشام، وأهدى إليه وحالفه، وأرسل نائب الشام يطلب ~~أن يضاف إليه نظر القدس والخليل، فأعمل السلطان الحيلة في حضوره ~~إلى القاهرة ليعاقبه، ثم طلب من يوليه مكانه بالقدس، فلم يجسر على ~~ذلك أحد خوفا من نائب الشام، فاضطر إلى تبقيته، وأرسل محمد ~~النشابي إلى تلك البلاد، ليوطن إسماعيل بن عبد القادر شيخ جبل ~~نابلس في بلاده، وينفي صعبا الذي ولاه نائب الشام، وذلك لصحبة ~~أكيدة كانت بين محمد النشابي، وبين إسماعيل، وأرسل معه إلى نائب ~~القدس ما يوطن خاطره. PageV03P348 ~~وفي هذا الحد، سافر العلاء بن قاضي عجلون، قاضي ms664 الحنفية ~~بدمشق، وقد زادت غرامته؛ بسبب القضاء، وبسبب إقطاع كان معه ~~أخرج عنه فاستعاده، وما ضاعفوا غرامته إلا لطمعهم فيه، لجهله وقلة ~~دينه، وأخذ لكثرة ما بذل للنظر والتدريس بمدرستين كانتا بيد القاضي ~~حسام الدين محمد بن بريطع، فلما سافر أخرجوا إقطاعه لاثنين من ~~طائفة الأشرفية مماليك برسباي، لأن الأمير تنم الذي ساعده منهم، ثم ~~أعيد إلى الحسام وظيفتاه كما يأتي. # وفي هذا الحد، أرسل ناصر الدين بن الهمام القدسي، ناظر ~~مقام سيدي شعيب، يسعى في نظر القدس والخليل، فأجيب إلى ذلك، ~~وأمر بأن يرسل الذهب لتجهز له الخلعة، ولم يعتبروا ما أخذوا من ~~عبد العزيز بن معلاق على قرب العهد، فعلم بذلك مع قلة الدين قلة ~~الشفقة وعدم المسكة وسوء التدبير، بسرعة التقلب، ثم أرسل في أواخر ~~ذي القعدة هذا، وقطع عليه خمسة آلاف دينار، والمعجل منها ألفان. # وفي يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة هذا، وصل مملوك نائب ~~الشام يخبر أنه وصل إلى دمشق سامعا مطيعا، ولبس خلعة السلطان، ~~ونادى للناس بالأمان ولاقاه يوم دخوله نائب القلعة وغيره من الأمراء، ~~غير الحاجب، فإنه غاب قبل وصوله. # وفي هذا الحد، وصل رسول من قبرص، يخبر أن الملكة جمعت ~~الكيتلان وأتت إلى الجزيرة، فلقيها جاكمو بمن عنده من المسلمين ~~والنصارى، فهزمها، وقتل من جمعها قتلى مستكثرة، وسأل في نجدة، ~~فشاع ان السلطان عين الأمير قرقماش أمير سلاح من الأشرفية، فقال: ~~سمعا وطاعة، بشرط أن يكون معي جانبك الدويدار الكبير من ~~الظاهرية، ثم أرسل السلطان إلى نائب طرابلس يجمع من قدر عليه من ~~الجند والعشير، وأن يتوجه بهم بنفسه لينجدهم. # وفي يوم السبت نصف ذي القعدة هذا، أرسل ناظر الخاص الزين PageV03P349 ~~عبد الرحمن الكوير يسأل الأمان، ليحضر، فأرسل له السلطان الأمان ~~فحضر، فوكل به في البحرة التي في القلعة ليحاسب على ما كان تحت ~~يده من مال السلطان، واستمروا يعالجونه يوم الأحد سادس عشر ذي ~~القعدة، وهو آخر السنة القبطية، ويوم الاثنين سابع عشره، وأول أيام ~~النسيء وآخرها الجمعة ثم نقل ms665 إلى بيت الأمير قانم التاجر أمير مجلس، ~~واستمر مدة يبيع تعلقاته ويورد مالا، ثم أفرج عنه في نصف محرم سنة ~~ست وستين، وسكن في بيت ابن نصر الله بقرب جامع المغربي. # وفي هذا الحد، شاع أنه وجد في أوراق الجمال يوسف بن كاتب ~~شكم ورقة. على العلم صالح البلقيني بخمسة آلاف دينار، فطلب بها، ~~وجمع القاضي الشافعي الشرف المناوي من الأوقاف التي باعها العلم ~~نحو ثلاثين وقفا وأخرج مرسوما مربعا من السلطان أنها على ما كانت ~~عليه من الوقفية بجهاتها، وأن من كان وضع يده عليها يرجع بما أعطاه ~~على من دفعه إليه، فضوعف على العلم البلاء، فما أحسن طاعة الله ~~وأعزها. # وفي يوم الأربعاء، تاسع عشر ذي القعدة هذا، ورد الخبر بموت ~~ولي الدين أحمد بن تقي الدين محمد بن بدر الدين محمد بن السراج عمر ~~البلقيني الشافعي، الذي عزل عن قضاء الشافعية بمشق بالقطب PageV03P350 ~~محمد الخيضري البلقاوي الشافعي، فكأنه مات في العشر الأول من ~~الشهر، ثم تبين أنه مات عاشر الشهر. وكان قد أراد السفر لما بلغه ~~العزل، فأدركته منيته قبل ذلك. # وكان من أبناء الخمسين أو.. يزيد عليها قليلا، وكان فاضلا في ~~الفقه والأصول والنحو، وكان ذهنه جيدا، له بعض سريان في الدقائق، ~~بخلاف أهل بيتته، فإن الغالب عليهم الخمود، وكان أيضا يخالفهم في ~~أنه خفيف الروح، حلو الكلام، مع الكرم وحسن الكتابة والصوت، ~~لذيذ النغمة مطربها، غير أنه يغلب عليه جنون أهل بيته، فلا يكاد يثبت ~~على حالة، وكان ممن حاول العلو في الأرض بكل طريق ممكن إلا طريق ~~الصدق، فلم ينل من ذلك ما يريد، عالجه بعد موت أبيه ~~بطريقة من المجون والتمسخر والدخول في الأكابر بنحو هذه الطرق، ~~فراج عند ناظر الجيش عبد الباسط، وبعده الجمال ناظر الخاص يوسف، ~~والكمال محمد البارزي كاتب السر، وقارع بجاههم الأكابر، شيخنا ~~قاضي القضاة ابن حجر وغيره، فبلغ من أذاهم؛ لأنه كان خبيرا بطرق ~~الأذى. # ثم لم يعجبه التقدم بمثل ذلك؛ لأنه كان مزدرى عند غيرهم ~~وعندهم إذا ms666 حقق الأمر، فانقطع عنهم وتصوف، وسلك على يد الشيخ ~~مدين لما رأى الكل مقبلين عليه، معظمين له. # ثم لم يبلغ به ذلك إلى جميع ما يريد، فانسل منه ورجع إلى قريب من ~~حاله الأول، ثم بنى مدرسة بجوار بيته من حارة بهاء الدين، PageV03P351 ~~وفتح بابها إلى ظهر زقاقهم، وحصل بينه وبينهم مقاطعة، وناوأه صلاح ~~الدين أمير حاج بن بركوت المكيني ابن زوجة العلم صالح بن السراج ~~البلقيني، عم أبيه، فراج عليه بانضمامه إلى العلم، وانقطاع هذا عنه، ~~فحاول هذا الرفعة بالانقطاع في مدرسته والإقبال على عمل الميعاد، ~~وإظهار الزهد والصلاح، فطال عليه الأمد، فرأى أن يجمع الطلبة عليه ~~ويشغلهم بالعلم، فعمل بذلك مدة، وبذل لجماعة منهم دنياه، وكان ~~ينظر لنفسه فاضلا منهم فيستجلبه بالدنيا ويدعه يقرأ عليه، وإذا حقق ~~الأمر كان هو القارئ. # فلما طال عليه الأمر، وسبقه الصلاح أمير حاج، بأن ولي الحسبة ~~بالقاهرة وتمول بحيث يسعى في المناصب الكبار، سعى في قضاء دمشق، ~~فصادف الزين أبا بكر بن مزهر غضبان على قاضيها الجمال الباعوني، ~~وكان المذكور في غاية الرواج بأمه وزوجها العلم صالح قاضي الشافعية ~~وغير ذلك، فسعى له في ذلك كما تقدم فبادر إليه، وقدر في نفسه أن ~~يجعله مقدمة لقضاء مصر. # فلما قدم دمشق أظهر العفة والتواضع والسيرة الحسنة، وكان يلازم ~~الميعاد ثم طال عليه الأمر، فمد يده، وعاد إلى طبعه، وطبع غالب آل ~~بيته، حتى لم يكن أحد يأمنه على تعلقه وما بيده من وظائف، وغير ~~ذلك، وحفظ عنه في الرشى أشياء كثيرة. PageV03P352 ~~ثم أرسل يستعفي من قضاء دمشق لما سمع أن عم أبيه قاضي ~~الشافعية بمصر مريضا، فتمادى به الحال إلى أن عزل عن قضاء دمشق، ~~ثم مات كما شرح، الحق الله به أقاربه، فإني لا أعلم منهم أحدا فيه نفع ~~للإسلام، والله الموفق. # ثم صلي عليه في يوم الجمعة حادي عشري ذي القعدة هذا في جامع ~~الأزهر والحاكم. # وفي هذا اليوم، يوم الجمعة هذا، سافرت خوند زينب بنت خصبك ~~في البحر إلى إسكندرية؛ ms667 إلى ولديها المؤيد أحمد، وأخيه محمد، بعد أن ~~صودرت غير مرة وأهينت إهانة قل أن سمع بمثلها ألجأتها إلى أن دارت ~~على الأمراء وتشفعت بهم، وقل راحمها، لأنها كانت كثيرة الفضول في ~~الدخول في أمور الناس الجليلة والقليلة، وغالب الفساد كان منسوبا ~~إليها. # ثم شاع أن الولي بن تقي الدين لم يمت، وأنه طيب، وكان خبر ~~الموت مستندا إلى كتاب عن القطب الخيضري إلى الأمير يزبك، ومنه أنه ~~مات وصار تحت أطباق الثرى، فكان هذا التناقض من العجائب. # ثم تبين كذب هذه الإشاعة، وأنه مات ضحى يوم الاثنين عاشر ذي ~~القعدة، وهو يوم لبس الخيضري خلعة القضاء، وكان الخبر قد بلغه من ~~يوم الجمعة سابعه قبل وصول الخبر إلى المتولي؛ وذلك أن جماعة الولي ~~بالقاهرة استأجروا يوم ولاية الخيضري بالقاهرة من يسرع السير ليصل قبل ~~بشير الخيضري، ليخرج من دمشق مظهرا أنه أذن له في القدوم إلى ~~القاهرة ففعل، فإذا هو لما به من المرض فزاده مرضا، فمات في اليوم ~~المذكور. PageV03P353 ### ||| أول السنة القبطية: # وفي يوم السبت ثاني عشري ذي القعدة هذا، كان أول توت ~~أول السنة القبطية. # وفي يوم الأحد ثالث عشري ذي القعدة هذا، كان ثاني شهر توت أول ~~شهور سنة القبط، ووافق أن نودي أن زيادة البحر إصبع، وفت إحدى ~~وعشرين إصبعا، من ثماني عشرة ذراعا. # وفي هذا اليوم اشتد البلاء على العلم صالح وذويه من جهة الأوقاف ~~التي باعوها، وأوردوا من أثمانها لمن بيعت له جملة؛ لأنها رجعت إلى ما ~~كانت عليه من الوقف ، ورفعت أيديهم عنها. # وفي هذا الحد، قدم الخبر أن خضرا الكردي الذي أقامه نائب الشام ~~كاشفا في الرملة ونابلس جمع جمعا كبيرا من تلك البلاد مع ابن الجيوسي ~~وغيره ممن يبغض إسماعيل بن عبد القادر، ثم ساروا إليه، وقد كان ~~بلغهم أنه كان في كفر يهودا، لما قصدوه مع يحيى بن نائب الشام، وأنهم ~~خدعوهم عنه، فلما تحركوا له، صادف أنه كان قد وصل إلى إسماعيل ما ~~جهز له من الخلعة والمرسوم ms668 من السلطان، أنه على عادته، فقوي بذلك، ~~فجمع من قدر عليه ولقيهم وهم في خمسة آلاف، وهو في دون ألفين، ~~فكان الظفر له، فقتل منهم جمعا، نحو مائة من خيارهم، منهم: خضر ~~الكردي، وابن الجيوسي، وكتب إلى السلطان بذلك. # وقال: إن رسم السلطان لي كفيته كل من يتحرك إليه بسوء من بلاد # الشام أنا ومن لافني، من مقلد وابن أبي غازي، وطرباي، ومن انضم ~~إلينا فأعجب السلطان ذلك، وكذا من يكره نائب الشام، من الظاهرية ~~وأشباههم، وعظمت مشقته على الأشرفية، وأخذ السلطان ومن شايعه ~~ينصبون لنائب الشام من حبائل المكر ما يشرع هلاكه، وبلغهم أنه آذى ~~بعض الأمراء الذين بدمشق، وأن تمراز وصل معه إلى دمشق ولم يطلع إلى ~~محل ولايته مدينة صفد؛ فكتب له مرسوم بإكرام من عنده من الأمراء، PageV03P354 ~~والتعجب من التعرض لهم، وأمره باحتمال حاجب الحجاب جانبك، ~~وأن الذي ينبغي له العفو عنه ولو وقع منه ما وقع؛ للعلم بأنه مناصح ~~للسلطان، وأنه أحد أعيان من يثق به، وأن تمراز إن لم يبادر إلى محل ~~ولايته ولى السلطان غيره. # ولادة ابني أبو اللطف أحمد يوم الأربعاء سادس عشي ذي القعدة سنة خمس وستين وثمانمائة وهو الموافق الخامس توت من أشهر القبط وهو ثاني أيلول من أشهر السريان: # وفي يوم الأربعاء سادس عشري ذي القعدة هذا، عقب صلاة العصر ~~منه، الموافق لخامس توت وثاني أيلول من أشهر السريان، ولد ابني أبو ~~اللطف أحمد الثاني من فتاتي حسبي الله الزنجية المسلاتية بنت سلطانهم ~~خلصه (بفتح المعجمة وكسر اللام، ثم صاد مهملة) وكان حملها بهذا ~~أربعة عشر شهرا وقد تقدم أنها حملت بأخيه تسع سنين وزيادة. # وكان ميعادي في الجمعة الماضية في قوله تعالى في سورة يوسف: # {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان} إلى قوله: { فيه يغاث ~~الناس وفيه يعصرون}. وفي الجمعة التي تليه من قوله تعالى: {وقال ~~الملك ائتوني به} إلى قوله: {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا ~~يتقون}. اسأل الله أن يجعل طلعته مقرونة بالسعادة واليمن والبركة ms669 ~~في الدنيا والآخرة. # وكانت ولادته من أسهل ما سمعت به، لعلها كانت في دون عشر ~~درج وكان اشتدادها دون درجتين، فأذنت في أذنه اليمنى، وأقمت ~~في اليسرى، وحنكته بتمرة حجازية لكتها، وأضفت إليها ماء زمزم PageV03P355 ~~رجاء البركة والخير ممن لا يخيب راجيه، وهو عند ظن عبده به، وهو ~~المسؤول في إبلاغ المأمول. # ثم عملت عقيقته يوم الأربعاء، رابع ذي الحجة من السنة، وفرقت ~~على جميع أهل حارتنا، فقراء وأغنياء مرة، ثم أعدنا التفرقة ثانيا مع خير ~~وفضل، بعد أكل من أتى من غير دعوة بكرة وعشيا ما وسع أهل سجن ~~الرحبة خبزا وطبيخا، وحلقت رأسه في هذا اليوم، وفعلت فيه السنة ~~وختنته بكرة يوم الخميس، خامس ذي الحجة المذكور، نشأه الله نشأة ~~حسنة، وأحياه حياة طيبة آمين. # وفي هذا الحد، وصل الخبر أن السلطان محمد بن عثمان، ~~قارب هذه البلاد؛ وذلك أنه لما تغلغل في بلاد الكفر وأبادهم، وفرق ~~جموعهم، وقتل ملوكهم، واستباح ممالكهم، سألوه في صلح ولم يزالوا به ~~حتى فعل، وهادن بني الأصفر والأفلاق على مدة معلومة، ثم ~~رجع إلى بلاد الإسلام بعد أن استناب في حد أرضهم من أصحابه من يثق ~~به، وضم إليه من الجند من يكفيه على تقدير الصلح، فلم يشعروا ~~إلا والأفلاق قد دهموهم، فحصل بينهم قتل كبير، ثم نصر الله أهل PageV03P356 ~~الإسلام نصرا مؤزرا، وقتل من الكفار خلق كثير، وقبض على جماعة من ~~عظمائهم، فسئلوا ما حملكم على الغدر؟ فقالوا: هذا الكتاب، فإذا هو ~~من ابن قرمان يحثهم على قتالهم والمشي على البلاد العثمانية من ناحيته، ~~ليمشي هو عليها من ناحيته، فيأخذوهم وسطا. # فأبلغ ابن عثمان هذا الخبر فاستشاط غضبا، وحلف ليمشين على ~~ابن قرمان حتى يستأصله أو يهلك دونه، ثم جاء لهذا السبب، وقيل: ~~إنه لا يتمكن من بلاده إلا من ناحية ملطية، لوعورة الجبال الذي في بلاد ~~القرمانية من ناحية بلاده. # ثم قيل: إن السبب إنما هو أن حسن بك بن قرالوك آذى في بلاده، # فقصد محاربته، وحط على آمد يحاصرها، ms670 ففر منه حسن بك، وشاع أنه ~~أخذ ملطية، لأنها كانت مع بعض أسلافه. # فاضطرب ملك مصر لهذا الخبر، واستشار أمراءه، فمن قائل: نرسل # إليه هدية، وكتابا يستعطف به، ومن قائل: هذا ذل. ثم حط أمرهم ~~على إرسال بلاط دويدار نائب حلب بهدية لأن ذلهم عنه ظاهر ولاسيما ~~الآن، فإنهم يردون يد لامس؛ لاختلافهم وقلتهم، وتعودهم الرفاهية. # وأما ابن عثمان، فرجل ما نشأ إلا في الحرب، ولا تركه سنة، بل ~~ولا نصف سنة، ورجاله كلهم مقتلون في ذلك، فحربهم دائما الحرب ~~العوان، ولهم في اللقاء حيل وصنائع، لا تنحصر، منها أن المشاة PageV03P357 ~~الذين معه، وهم عشرون ألفا مع كل منهم خاروق (وهو عصى طويلة ~~ممددة الرأس) فإذا لاقوا غرز كل منهم خاروقه أمامه، فصاروا وراء سور ~~من خواريق، ثم يرمون من ورائه، وهم رماة الحدق، فلا يقوم لهم ~~عسكر، ولا يقدم على ذلك السور فرس ولا غيرها. # وفي يوم الأربعاء المذكور، وهو سادس عشري ذي القعدة هذا وصل ~~الخبر أن الجمال عبد الله بن جماعة شيخ الصلاحية بالقدس مات بالرملة ~~بكرة يوم الجمعة حادي عشري ذي القعدة هذا، ونقل إلى القدس، ~~فدفن بها، وكان شيخا كبيرا، لعله جاوز الثمانين، وكان معيدا ~~بالصلاحية لما كنت مقيما بها ولي مشيختها، ولم يكن فيه أهلية للإعادة، ~~فضلا عن المشيخة، وولي قضاء القدس، وكان ينسب عند الأتراك ~~ونحوهم من المباشرين إلى دين، ولم يكن كذلك، فإن ابنه أتلف ~~الصلاحية على زمنه، ولو شاء لمنعه، وزاد في بيتهم من المسجد الأقصى، ~~ولو شاء لمنعه، إلى غير ذلك من المصائب. # وسبب موته في الرملة أنه كان ذهب إلى دمشق؛ لأجل ابنه لما أخذه ~~تمراز، وتوجه مع نائب الشام إلى دمشق على ما كان ادعى له من المال ~~قبله، فدارت جماعته في القدس، فسألوا الناس القرض والمعونة، ~~فجمعوا منهم نحو أربعمائة دينار معونة، وبقية المال قرضا، ثم ذهبوا ~~فافتكوه، وعادوا، فلما كانوا بالرملة مات الأب، فأرسل البرهان ابنه ~~شخصا للسعي في مشيخة المدرسة الصلاحية ونظرها. PageV03P358 ~~فوصل في اليوم ms671 المسمى، ثم توصل إلى الأمير قانم، فأعطاه القصة، ~~وفيها أن الجمال كان نزل له عنها، فأخذ له قانم عليها يكتب من ~~السلطان. # والحال ان البرهان هذا، لا يحسن شيئا من العلم، ولاله إليه قابلية ~~بوجه، ولو أنه من أهل العلم، ما شاع إعطاؤه إياها، لما هو عليه من ~~الفساد، وقلة الدين، والجرأة المفرطة، فإنه أفسد الصلاحية في حياة ~~أبيه حتى لم يبق بها ساكن بعد أن كان الاثنان والثلاثة من الطلبة ~~يشتركون في الخلوة الواحدة، وأنا أدركتها بعد سنة ثلاثين وثمانمائة وأكثر ~~خلاويها مسكون وبلغني أنها الآن مع ذلك مغلقة مسكرة من الخارج، ~~ليس بها بواب. # ولقد بلغني من بعض ثقات أقاربه، وهو أحد الوجهاء في القدس، ~~وهو أبو الوفاء بن أبي الوفاء، أن البرهان هذا يسر إذا قيل: إنه جبار. # وأن شخصا من ثقات الفقراء بالقدس أخبره أنه اضطر إليه في أمر، ~~فدفع إليه سبع دنانير، وقال لهك هذا أمر بيني وبينك، والله لا أذكره ~~لأحد وأعني في كيت وكيت. فقال: سأفعل، وأما أنت فلا تخف هذا ~~الأمر، بل أظهره لكل أحد، ولكن لا تقل: انه سبع دنانير، لئلا استهان ~~بأخذ القليل، بل قل إنه عشرون أو ثلاثون، أو نحو ذلك. والأخبار من ~~مثل هذا كثيرة، وتواتر بالثقات أنه أخذ قطعة من المسجد الأقصى ~~فحوط عليها وأدخلها في بيت الخطابة الذي هم ساكنون به، بحيث صار ~~من المسكن الذي تدخله الحائض والنفساء، ومن في بيتهم، ويمنع منه ~~غيرهم. PageV03P359 ~~هذا مع أن تزويره على السلطان الملك الظاهر جقمق، ومحاكاته لخطة ~~مذكور في تاريخ شيخنا الحافظ بن حجر سنة ست وأربعين، أو ~~خمس، وله من المخازي ما لا تسعه الدفاتر. # ثم إن بعض أهل العلم استغاث من وصول هذا الحمار الجريء الجبار ~~إلى هذا الأمر، فابلغوا الأمير قانم أنه لا يصلح لشيء من ذلك، ~~وتواردت عليه الأخبار، فندم. # ثم سعى قاصده بخاليه، ابن الشمس الديري سعد الدين قاضي ~~الحنفية، وبرهان الدين ناظر الجيش بها كان، فأرسل السعد وهو في ~~السابعة والتسعين ms672 من عمره، ولم يبق منه إلا الرسوم يخبر أنه أهل ~~مكابرة للمحسوس، وهو والله لا يعرف شيئا من العلم، وكان إذا لامه ~~ممن يعرف المذكور، يقول معتذرا: وأين الأهل في هذا الزمان، ~~يريد أن أكثر الوظائف مع غير أهلها، فله بهم أسوة، ولا يحسب مع قربه ~~من الأجل بحسب العادة أن هذا الأمر لا يخلصه عند الله، فيالله ~~العجب، ولما رأوا توقف الأمير قانم قووا أمرهم بالذهب، فبذلوا ~~للسلطان خمسمائة دينار، ولقانم وغيره ما يقارب بها. # وركب السعد إلى قانم، وشهد عنده أن البرهان أهل للتدريس، PageV03P360 ~~وأنه من كبار أهل العلم، وكان ممن أثير على ابن جماعة الأمين ~~الأقصرائي، وكان مقبول الكلام، فاجتمع به السعد، وقال له: هذا من ~~بيت كبير، وهو ابن أختي وصهري، فيرعى للعلى.. وقال له: إنه أهل ~~للتدريس، وأن له أخا أهل للتصنيف. فقال له: فأخوه يقرب لكل؟ # فقال: لا. فقال: لا شك أن الذي هو أهل للتصنيف أعلى من أهل # التدريس، فساعده دون ابن أختك، لتنتفي عنك الريبة. قال: فلم يرد ~~غلي عن هذا جوابا، ولا أظهر أنه سمعه. فيالله العجب ممن ناهز المائة، ~~وهو يسعى في إهانة الدين في ثالث المساجد، وذلك أن أهل القدس، ~~يغلب فيهم الشر والباطل، وما هناك من يرجع إليه عند التنازع إلا شيخ ~~الصلاحية، فإذا كان شيخها هو اللص، فما ظنك! # فكف الأمين خوفا من أن يقال له: أهلية هذا لهذا الأمر، مثل أهلية # ابنك لتدريس الجمالية بالقاهرة، والله الموفق. # ~~وفي هذا الحد، نقص البحر، بعد وصوله إلى إحدى وعشرين إصبعا ~~من الذراع الثامنة عشرة، فوصل نقصه في عدة أيام، إلى تسع عشرة ~~إصبعا، وذلك أنه فتح كل سد في بر الشرق، سد الأميرية، وبني منجا ~~وغيرهما، فهلع الناس، فارتفع سعر الحبوب، فكان القمح يباع الإردب ~~منه بمائة وعشرين ونحوها، فارتفع إلى مائة وسبعين، وعليه قياس ~~البقية، ثم زاد الأربعاء، رابع ذي الحجة ثلاث أصابع من النقص، وفي ~~كل من يوم الخميس والجمعة إصبعان، فاطمأن الناس إلى ذلك، ولم ms673 يزل ~~ينادى عليه بالزيادة من النقص في كل قليل إلى أن كانت آخر زيادته في ~~آخر يوم من توت، وهو الموافق ليوم الاثنين ثالث عشري ذي الحجة ~~المذكور. PageV03P361 ~~ولما أرسل ابن جماعة رسوله بما تقدم علم أن الناس ينعون عليه ~~الجهل، لمعرفتهم ببعده عن العلم، وكان له ابن يسمى محمدا، ~~ويلقب نجم الدين، يفوقه بأنه ينظر في الكتب، ويضم إليه بعض ~~الطلبة الفقراء، فيقرأون في بعضها، مع أنه لم يقرأ على شيخ من المشائخ ~~إلا أنه سمع بقراءة أخ له يسمى إسماعيل شرح الجلال المحلي على ~~جمع الجوامع، قرأه رواية في مجالس يسيرة، وكتب لهما على آخره أنه أجاز ~~لهما رواية الكتاب ورواية جميع ما يجوز له روايته، فرأى أنه أقرب إلى ~~الإجابة منه، فقدم يوم الخميس خامس ذي الحجة. # فأخبرني العلامة، كمال الدين محمد بن أبي شريف القدسي، وكانوا ~~يقطعون بأن المتكلمين في جهل البرهان إنما أرادوا بتأخيره تقديم ابن أبي ~~شريف، فأراد النجم أن يظهر له علما، ليصده عن الكلام في ذلك، فقال ~~له: رأيت لما قدمنا دمشق تصنيفا للبدر بن قاضي شهبة، فتوجه لي ~~عليه اعتراض، وذلك أن الأصحاب قالوا: أن الطحلب لا يضر PageV03P362 ~~الماء الذي نبت فيه، فإذا نزع منه ثم أعيد إليه ضر، فزاد ابن قاضي ~~شهبة عليهم أن قال: إن صورة ذلك أن يدق الطحلب ناعما، ويطرح ~~فيه فيغيره، وهذا كما ترى مخالف لكلام الأصحاب، فانظر، وتعجب ~~ممن يسعى في تدريس الصلاحية التي هي أجل مدارس الشافعية ~~بالدنيا، وهو يظن أن مجرد إعادة الطحلب إلى الماء تسلب طهوريته من ~~غير مخالطة ولا تغيير، وما يكفه جهله، حتى أنه يعترض على المصنفين، ~~ثم ما يكفه ذلك حتى يخبر به من أهله الناس للمدرسة المذكورة، يريد ~~أن يصده بذلك عنها، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، ثم ادعي أن هذا الولد ~~لا نزاع في أهليته. # وأخبرت عن الأمين الأقصرائي أنه قال: أن النجم هذا، اجتمع به # وقال له: إنه يدرس، وله تلاميذ، وأن منهم الشيخ زين الدين ms674 ماهر ~~فلم يدع للفجور والبهت موضعا فسل نفسك أيها الآتي بعدنا إذا نزلت ~~بك نازلة، فإن الزين المذكور أحد النوابغ من المشائخ بالقدس من قبل ~~أن يولد هذا بعشرين سنة، ثم إنه الآن يجل عن أن يقال: أنه ليس ~~بالقدس مثله، بل العدل فيه أن يقال: أنه ليس بالمملكة شافعي مثله في ~~السن والعلم والتفنن في غالب الفنون والزهد والورع. # ثم إن القصة حولت باسم النجم هذا، فكان ذلك إقرارا بجهل أبيه ~~المشهود له، وقررت الوظيفة له: ثم سافر في نصف ذي الحجة هذا لا ~~أوصله الله، ولا أنجح له قصدا. # وفي هذا الحد أو قبله، وصل دويدار جانم، نائب الشام، ومعه ~~كتاب أستاذه إلى السلطان. ، يستغيث من أمر إسماعيل بن عبد ~~القادر، وأن أمره إن دام انكسرت حرمته، وانحطت منزلته، وتضعضع PageV03P363 ~~أمره، ولا يقدر على كفاية أمور دمشق وأعمالها، وأنه ما كان فارق ~~السلطان على ذلك، بل على أن أمر مشائخ البلاد إليه، فلما فعل ما أذن ~~له السلطان إليه، نقض عليه بما يهدم مكانته، فإن كان بدأ للسلطان فيه ~~بدءا، فهو مملوك السلطان، فليرسم به إلى حيث أراد من سجن وغيره من ~~القدس ومكة وغيرهما، وإن كان عنده في مناصحته شك واقتضى رأيه ~~الشريف ان يرسل من يثق به ليحلفه على ما يريد من الإخلاص ~~للسلطان والوقوف عندما يرسم به، والقصد أن يكون ملحوظا بنظر ~~السلطان، مشمولا بظلاله وصدقاته؛ لتقوى حرمته، وتنفذ كلمته فيما ~~إليه من السياسة، ونحو هذا من الكلام. # وقوله: إن هذا السلطان أذن له في عزل المشائخ، وولايتهم تدليس، # إنما رسم له أن الشام له ثلاث سنين، بمعنى أنه على عادة من تقدمه، ~~إلا أنه لا كلفة عليه بتقدمة ولا غيرها. # فلما وقف دويداره للسلطان، قال له: ما لإستادك يسر سير أمثاله، # من الحمزاوي وجلبان، وغيرهما من نواب الشام؟ فقال: يا مولانا ~~السلطان، بل يكون أقل منهما. فقال: لا، بل مثلهما. # وأرسل جانم كتابا لإخوانه من الأشرفية يثيرهم للغضب له، بأن قال: # إن أمراء دمشق ms675 أهانوه، وآذوه غاية الأذى، وأوهنوا كلمته، وأن نائب ~~القلعة رمى عليه بالمدفع، بعد رجوعه إلى دمشق، وأنه لا يقدر على ~~الإقامة بدمشق على هذا الحال. # ووصل الخبر مع هذا الدويدار أن السلطان محمد بن عثمان أرسل إلى ~~نائب حلب، يقول له: إني عازم على زيارة القدس، ولا طريق إلا من PageV03P364 ~~بلادكم، فإن كانت الطريق للمسلمين فأنا منهم، ولا يحل منعها، ~~فليؤذن لي، وإن لم يؤذن لي قدمت بالسيف، فراعهم هذا، واضطربوا له. # ثم ورد كتاب في عيد الأضحى من نائب ملطية أن ابن قرالوك، لم يزل ~~يتلطف بابن عثمان، ويترقق له، إلى أن عفى عنه، ورحل إلى ناحية بلاد ~~بعض الكفار المجاورين للبحر، بالقرب من بلاد ابن قرمان. # وفي عيد الأضحى، أجيب نائب الشام بأنه ليس في وده ونصحه ~~شك، وأما أمر إسماعيل وغيره من المشائخ، فإن للسلطان قبلهم أموال ~~فما أعيدوا إلا لذلك، وأما أمر الحلف، فالسلطان غير محتاج إلى الإرسال ~~بسببه؛ لأنه لا شك عنده في النصيحة وإن كان لا بد للجناب من ذلك ~~فليفعل ذلك بحضرة من يريد من القضاة والأمراء، ويرسل صورة ذلك، ~~وأنه جبر أمره بفرس، أرسل إليه بسرج ذهب وكنبوش وخلعة بطرز ~~عريض له، وأعطى دويداره مائة دينار وخلع عليه، وأكرم بأنواع ~~الإكرام، ونحو هذا من الكلام. # وكان قد رفع إلى قاضي الشافعية، الشرف يحيى المناوي؛ أن الشريف ~~[محمد] بن أبي المكارم بن قاسم، تزوج امرأة من أهل المحلة ~~الكبرى، وأولدها ولدا هو الآن مراهق، وأنه أنكر الآن أن يكون تزوج ~~بالمرأة المذكورة، فضلا عن أن يكون هذا ولده، وشاع أن ذلك مراعاة PageV03P365 ~~لخاطر امرأته التي هي معه الآن، وهي أخت الأوحد محمد بن الشهاب ~~العجيمي البلقيني، قاضي المحلة، وذكر أهل الخير بالمحلة أن عليه ~~بالزواج شهودا، غير أنهم يخافونه، ويخافون صهره أوحد الدين البلقيني ~~قاضي المحلة، الشهير بابن العجيمي، وأن لهم أتباعا يخيفون الناس، ~~وأنه لا قبل لأحد بهم. # وكان الأوحد لما بلغه عزله من إسكندرية، قدم القاهرة، والتجأ إلى ~~الدويدار الكبير جانبك ms676 ناظر جدة كما هي عادة المفسدين في زماننا، ~~فأظهر الشرف المناوي عدم المبالاة بذلك، وولى شخصا يسمى.. # الدين بن الكبير وهو من أهل تلك البلاد ومن أكبر المناحيس، ~~وأهل الشر، لكن قصد بذلك رفع ما يخشاه الشهود على ابن القاسم، ~~لأن ابن الكبير مبغض له ولأتباعه. # ورسم الشافعي على الأوحد، فخلصه الدويدار، ثم لم يمكث ابن ~~الكبير جمعة في الولاية حتى عملت مصلحة الأوحد ورضي عنه فولي ~~قضاء المحلة، وأسرع ابن قاسم إبلاغ الخبر قبل وقوع الولاية، فرجع ~~خوف الشهود كما كان وأشد، وطالت القضية، ثم أقدم جماعة من ~~الشهود، فشهدوا، فقام الأخصام واجتهدوا في التخييل منهم، وكان ~~القاضي الذي ندب لذلك نور الدين البلبيسي الشافعي، فتوقف في ~~قبولهم، ونسب في ذلك إلى الغرض، فإنهم ما أقدموا مع الخطر الشديد ~~إلا إرادة الحق، مع ما هناك من القرائن الدالة على صدقهم، وشبه ~~الصبي بالشرف المذكور، حتى بلغني عن كثير [من] الأفاضل PageV03P366 ~~أنهم قالوا: لو كنا قافة ألحقنا به، ثم طلب ابن قاسم المصالحة على ~~مال. # وفي يوم الأحد، منتصف ذي الحجة، قامت عند أبي حامد القدسي، ~~أحد نواب الشافعية بينة بأن الشم محمد بن الأسيوطي، الشهير بابن ~~خيرة، الفاسخ لنكاح بردبك التاجي عن بنت السبرباي رجع عن ~~حكمه بالفسخ المذكور، بمقتضى ريبة قوية ظهرت له في الشهود بقادح ~~ظهر فيهم، وثبت كونهم كانوا متلبسين به عند الشهادة عنده بمقتضى ~~الفسخ، وثبت ذلك عند أبي حامد، وحكم بموجب، وكان قد جرى في ~~هذا الأمر فصول تطول وتعصب بعض من ينسب إلى العلم للصلاح مع ~~غيبته، وأفتوا بأنه لا يحل التعرض لعقده، والحال أنه لم يخف عن أحد ~~أنه لما كان بردبك التاجي غائبا بمكة أحضر الصلاح زوجته وكانت لينة ~~الجانب، فأقامت عنده ليلة أو أكثر، ثم شرع في تعاطي أمر الفسخ إلى ~~أن فعل وعقد عليها، فكيف يسع مسلما السكوت عن هذا، فضلا عن ~~نصره. # واجتهد القاضي الشافعي في أن كلا من صلاح الدين، وبردبك ~~يشهد عليه بطلاقها، ثم تصير الخيرة ms677 لها في نفسها تختار من شاءت، ومن ~~المقطوع به أنها لا تختار إلا الصلاح، لأنه شاب، وبردبك شيخ، كانت ~~في طول هذه المدة تقول: إن رجعتموني إلى بردبك قتلت نفسي، فلما لم ~~يوصل إلى هذا، وقامت البينة بما قامت عند أبي حامد هذا، وهو ~~غريب من البلد، وماله بها كبير تعلق يخشى عليه، وهو مع ذلك جاهل PageV03P367 ~~الذكر، سخيف العقل، يريد الشهرة بشيء من الأشياء، اجترأ على ~~ذلك مع إحجام جميع النواب عنه، حتى أعداء البلاقنة. # وكان السراج العبادي الشافعي قد أفتى بأن هذا الفسخ لا يتعرض ~~إليه، علما منه بأن هذه المجازفة تمشي له، لكثرة المتعرضين، فإن الحنفية ~~بأسرهم كانوا على المناوي، ومع العلم بعد أن كانوا أشد الناس تشنيعا ~~عليه، إذ كان متوليا، فعلم أن ذلك إنما بغض لأهل هذا المذهب، ~~وإرادة للغض منهم، فهم يتوصلون إلى أذاهم بإعانة بعضهم على ~~بعض. وستعلم الحق في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. # وفي هذا الحد، تواصل قدوم المماليك الذين كانوا في البحيرة، ثم ~~وصل الأمراء إلى بر الجيزة ثامن عشر الشهر، وعدوا إلى مصر القديمة ~~بكرة يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر، وسلموا على السلطان، ولبسوا ما ~~جرت لهم العادة به، من الخلع ونزلوا إلى محالهم. # وفي هذا الشهر، أو الذي قبله ولي الشرف موسى بن مفلح الغزي، ~~قضاء الشافعية بغزة عن أبي الوفاء شمس الدين بن الحمصي. # وفي هذا الحد، وصل الجلال محمد بن الحسام محمد بن العماد الغزي، ~~الشهير بابن بريطع (بالتصغير) يسعى في المدرستين اللتين أخذهما ~~العلاء بن قاضي عجلون [منه]. # وفي يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة هذا ولي الأمير محمد ~~بن مبارك عداد الغنم، حجابة الحجاب بدمشق عن جانبك الذي فر ~~من النائب. PageV03P368 ~~وفي هذا اليوم، مات أفضل الدين القرمي، أحد النواب ~~الحنفية بالقاهرة، وعلى يده كان أكثر حل الأوقاف بالاستبدال، وتوسع ~~في هذا الباب إلى أن خرج عن الحد، وفسد الأمر، وكان ينسب إلى ~~التساهل في الأحكام، وكان كثير الحج والمجاورة، فلعل ذلك يكفر ms678 عنه ~~وكان من أبناء الستين فيما أظن، وكان من أهل الفضل في الفقه وله ~~مشاركة في غيره رحمه الله. # وكان لما حكم أبو حامد القدسي في أمر امرأة بردبك التاجي بما تقدم، ~~بلغت النكاية من العلم صالح بن امرأته الصلاح الذي كان أغار عليها ~~بفسخ النكاح، والزواج، فأرسل العلم إلى صهره أمير المؤمنين، فأرسل ~~إلى السلطان يطلب أن يعقد لذلك مجلس بالقضاة الأربع، ومشائخ ~~العلم، وكان السراج عمر العبادي قد أفتى بأن نكاح الصلاح لا يتعرض ~~إليه، فرسم السلطان بذلك، وأن يحضروا يوم الأربعاء في الصالحية، ثم ~~تكلم الأمير يشبك الفقيه شاد المؤيدية في أن يدفع الصلاح بن بركوت ~~مالا لبردبك ويعذر له، وسأل السلطان في تأخير عقد المجلس إلى يوم ~~الخميس هذا إن لم يجيبوا إلى الصلح، فأمر بذلك، وكان الذي سأل فيه ~~ألف دينار، ثم تنزل إلى خمسمائة، وكان السفير في ذلك كاتب السر فإنه ~~كان ميله إلى البلاقنة، فتكلم في ذلك، فلم يجيبوا إلا إلى ثلاثمائة، بعد PageV03P370 ~~أمور، فأرسل إلى القضاة أن المجلس أخر إلى يوم السبت، وكأنه لم يرسل ~~إلى الشافعي، فحضر، فانتظر ساعة، ثم ذهب، ثم طلع بردبك ومعه ~~جماعة من أعيان الأمراء، فتظلم إلى السلطان بأنه أخذت زوجته قهرا، ~~وهي من علم كل من يعرفه إحسانه إليها وكلفه عليها، ثم خانت بعد ~~ذلك وأحضرها الصلاح إليه للفساد، فأقامت عنده أياما، فوقع له ~~عندها، ففسخ عقدها، ثم فعل ما فعل، فإن لم يحصل لي نصفة ~~انصرت لنفسي، ولم أترك قتلا، ولا ما دونه، وأهلكت نفسي وغيري، ~~وكان الذين معه يتعممون له. # وقال: إني ذهبت اليوم في خدمة القاضي الشافعي، لما رسم به # السلطان من عقد المجلس فلم يحضر أحد؛ فرق له السلطان، فقال ~~كاتب السر: ما ترك الحضور إلا بسؤال الأمير يشبك على لسانك ~~التأخير إلى أن يتحرر أمر المال، فقال: أنا لا أرضى بخمسمائة. فقال ~~السلطان: أنا أعرف أنه أنفق على هذه المرأة أموالا كثيرة، دعهم يعطونه ~~سبعمائة دينار. قال: كاتب السر: فقلت: إنهم ms679 لم يصلوا إلى ثلاثمائة إلا ~~بعد الجهد. فقال: لا بد من سبعمائة، وليفرضوا أنهم أعطوا ما وعدوا به ~~رشوة، أنا وعدوني على نصرة بألف دينار، وأحضروا إلي شخص من ~~أركن الدولة خمسمائة دينار، وأودعوها عند شخص وعدوه عند تمام ~~الأمر بخمسمائة أخرى. فدعهم يبذلون لبردبك من ذلك سبعمائة، ~~فأظهر بردبك عدم الرضى بذلك، فقال له السلطان: خذ هذا، وإذا ~~ظهر صلاح الدين قبضت عليه، وشفيت خاطرك فيه، ثم دعاه فساره ~~بأمر أظهر الرضى به، ثم نزلوا على ذلك. # وفي هذا الحد جاءت مكاتبات المغاربة من القدس، بأن ناصر الدين ~~بن التاج بن الديري القدسي، قاضي الحنفية بها عاد إلى ما كان عليه من PageV03P370 ~~المجاهرة بالفسق، وتصدى للحكم، فقام عليه المغاربة، وحصلت ~~كائنة فاحشة، وأوصلت القضية بالأمير الكبير شرباش، فأرسل إلى ~~السعد الديري قاضي الحنفية بالقاهرة من بشع عليه ماي فعله ابن ابنه، ~~وأنه لا يحل له إقرار مثل ذلك، فحصل له من ذلك ذل، بعد أن كان ~~أظهر مساعدة ابن ابنه ونصره على من يناوئه. # وفي أواخر يوم السبت حادي عشري ذي الحجة هذا، ماتت ~~بنت الأمير الكبير شرباش على حالة هائلة؛ وذلك أنه كان زوج ابنة ~~من بعض بناته بالأمير خيربك البهلوان، وعملت جدتها خوند ~~شقراء بنت الناصر للفرح من الأمور: الأطعمة والأشربة والشموع وغيرها ~~ما نسبوا فيه إلي الإسراف والافتراق، فلما كانت ليلة الزفاف حملت إلى ~~زوجها، فلما فرغ الجلاء، ولم يبق إلا إخلاؤه بها نفست هذه وهي خالتها، ~~فاشتغلوا بها فولدت، ثم ماتت، فانقلب سرورهم حزنا، وهناؤهم ~~عزاء، ثم نقلوها إلى بيتهم وعملوا في الحزن من النوح واللطم وغيرهما من ~~أنواع التعدي نظير ما كان في الفرح من التعدي، ودفنوها في تربة جدها ~~الملك الظاهر في الصحراء، وأقاموا هناك أياما. # وفي يوم الثلاثاء رابع عشري ذي الحجة هذا، عقد مجلس بسبب بنت ~~السبرباي التي يتنازعها الصلاح بن بركوت، وبيت العلم صالح، PageV03P371 ~~وبردبك التاجي بعد أن استمالوا السلطان، والدويدار الكبير جانبك ~~ناظر جدة، وكاتب السر المحب بن الشحنة، ms680 وأنظارهم، بالمال، وكان ~~السراج العبادي الشافعي قائما في معارضة الشرف يحيى المناوي قاضي ~~الشافعية؛ لإظهار نفسه ومال معه الحنفية بأسرهم بغضا في الشافعية، ~~وحسدا لهم في أن يكون لهم رأس هو أهل للرئاسة، فحضر القضاة ~~والعبادي والأمين الأقصرائي، والبدر محمود بن عبيد الله الحنفيان ~~وغيرهم، فكان من أول ما وقع أن أظهر الحكم بالفسخ لنكاح بردبك، ~~فأعطي للشمس محمد بن [أحمد بن حسن بن إسماعيل بن يعقوب ~~بن إسماعيل] العنتابي الأصل، المصري، الشهير بالأمشاطي، فأخذه ~~ونظر فيه، فإذا هو منفذ على القضاة الأربعة، فقال: هذا مستند مجمع ~~عليه. يعني لتنفيذ من نفذه، ثم شرع كل منهم يتكلم بنحو هذا من ~~الكلام الذي لا يحل سماعه، فقال الشافعي: هذا أمر التعصب فيه ~~ظاهر، فإن أريد أني أتكلم في هذه القضية، فأنا لا أتكلم إلا مما يظهر لي ~~من مذهبي، وإن كان يراد مني شيء غير هذا فأنا قد دفعت هذه ~~القضية عني، فيأمر السلطان من أراد بالكلام فيها. فاغتنمها كاتب ~~السر، وكان مائلا مع البلاقنة بوجهين: أحدهما أنهم كانوا صادقوه حال ~~ولايتهم، والثاني أن المناوي كان حكم عليه أيام الظاهر جقمق بثلاثين ~~ألف دينار، أثبت القاضي..، الدين النويري أن تغري ورمش نائب PageV03P372 ~~حلب أودعها عنده، فادعى الظاهر أنه يستحق أخذها منه، والحال أن ~~لتغري ورمش وارثا، وأن النويري مع [كونه] فاسقا متهورا هو عدو ~~لابن الشحنة، فقدح ابن الشحنة في ذلك، فلم يلتفت إليه المناوي؛ لأن ~~الظاهر كان عليه، وناظر الخاص الجمال يوسف، وغالب أهل الدولة ~~تبعا لهما، فلما كان مغرضا لهذا، ودفع المناوي القضية على هذا الوجه ~~حسن له كاتب السر فعله، وسأل السلطان أن يجعل ذلك إلى الحنفي، ~~فأجاب، فقال الحنفي: قد استخرت الله تعالى، وحكمت بتقرير نكاح ~~صلاح الدين هذا من غير أن تكون دعوى ولا سائل في ذلك، ولا الحكم ~~مما يمشي على مذهبه، فإنه حكم على غائب. # نعم نقل عنهم أن الحاكم منهم إذا أقدم على الحكم به لم يكن له ~~ذلك، ولكنه ينفذ حكمه به، ms681 فأقل ما في ذلك أن الحاكم الحنفي به مقدم ~~على ما لا يجوز؛ لأنه حاكم على غائب، فإن صورة المسألة، أن بردبك ~~كان غائبا في الحجاز، فأرسل زوجته إلى مصر، فاجتمعت بالصلاح بن ~~بركوت المكيني فأعجبته، وكان ينقل أن بزوجها بردبك برصا، ~~وكانت مطلعة عليه ساكتة عنه، فحسن لها الفسخ عليه ليتزوجها، ~~وأرغبها بالمال، وهو شاب، فمالت إلى ذلك، وكان العلم زوج أمه قاضي ~~الشافعية، وهو المتصرف عنه، ليس له معه كلمة أصلا، وكان له مكر ~~ودهاء وصولة على جميع من له تعلق عندهم، وكان الشمس بن خيرة PageV03P373 ~~الأسيوطي منسوبا إلى الجرأة في الأحكام والإقدام على ما لا يقدم عليه ~~غيره، وكانت عنده فضيلة، فندبه لهذا الأمر، واستشهد باثنين ممن في ~~مجالس الفسق، أحدهما تبع لشرف الدين الفيومي، المعروف بالشريف ~~(مصغرا مخففا) وفسقه بالخمر وغيره، والتزوير أشهر من الشمس، ~~فخافه ابن خيره، فلم تسعه مخالفته، ففسخ نكاح بردبك بشهادة ذينك ~~الفاسقين بأنه أبرص، وأنها اختارت الفسخ. # ثم جاء بردبك هذا من الحجاز، والعلم صالح البلقيني متولي، ~~وطلب الكلام غير مرة على أيام الأشرف إينال، فلم يجب، فلما انقضت ~~أيامه وأيام ابنه وعزل العلم، تكلم، فكان ما مضى، فقد علم بهذا ~~أن هذا حكم على غائب، فمن أين للحنفي الدخول في إمضائه، ثم ~~على تقدير أن ذلك شائع عنده ولا خلاف في أن الغائب باق على حجته ~~ومن حجته أن يقول: احضروا لي الشهود الذين شهدوا علي بما شهدوا ~~حتى أنظر فيهم، وما مستندهم في شهادتهم، فلم يلتفت إلى قوله هذا؛ ~~على تقدير أن الحكم بالفسخ باق، وأما بعد إلغاء الحاكم له فلا شك في ~~لغوه؛ لأن مذهب الشافعي، أنه إذا قضى القاضي بشهادة شاهدين، ثم ~~تبين أنهما كانا فاسقين عند الحكم، نقض الحكم على الصحيح من ~~القولين؛ لأنه إذا نقض فيما إذا تبين أن الشاهد عبد، مع جواز رواية ~~العبد، ولا نص في رد شهادته، ففي الفاسق أولى؛ لأن رد شهادته ثابت ~~بالنص: { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}، { ممن ترضون ms682 من ~~الشهداء}، { وأشهدوا ذوي عدل منكم}. PageV03P374 ~~وروايته مردودة، بل أنكر جمهور الشافعية على ما حكاه الماوردي ~~الخلاف في هذه المسألة، ثم إذا سلمنا الخلاف، فمحله على ما قال ~~الإمام فيما إذا كان المحكوم عليه حاضرا قادرا على النطق بحجته، أما ~~الصبي والمجنون والغائب فينقض الحكم عليه ببيان فسق الشهود ~~قطعا. # فقد ظهر بهذا أن تقريرها مع ابن بركوت بهذا الفسخ لا يقوله أحد من ~~أهل المذاهب، ولا يقدم عليه عالم يخاف الله، هذا مع مواقع أخر، لو ~~ذكرت، لأبكت من له غيرة على الدين وميل إلى المهتدين، وخيل ~~المعارضون بأن القاضي ليس له الرجوع عن حكمه، لأن الحق انتقل إلى ~~غيره، وأخرجوا النقول بذلك، وليس النزاع فيه، وقالوا محل الإلغاء ~~بالفسق ما إذا كان ظاهرا أو لا يحتاج في دركه إلى اجتهاد، فإن كان ~~الفسق مجتهدا فيه لم ينقض بلا خلاف. # قلنا أولا، ومن قال إن هذا الفسق ليس مجمعا عليه؛ أليس يمكن ~~ذلك؟ فأقل ما يوجب لكم التوقف خوفا من الله. وثانيا، أنه ليس ~~منكم أحد إلا وهو يعرف أن الشاهدين المحدث عنهما ملازمان ~~لابن بركوت في مجالسه الفاجرة، مع شريف والمرأة المذكورة، وهما من ~~جملة من يغني ويمجن، فإن لم يكونا شاربين، فهما حاضران محسنان. # وثالثا، أن مسألة الاجتهاد المذكورة إنما هي على تقدير أن يكون القاضي ~~من أهل الاجتهاد، كما هو أصل الباب، فإن الشافعي شرط في القاضي PageV03P375 ~~الاجتهاد وتبعه الأصحاب على ذلك، وتجويزهم لمن دونه إنما هو ~~للضرورة، فغالب مسائل القضاء مبنية على ما هو أصل الباب، وأما إذا ~~كان مقلدا، فإذا كان ما ارتكبه الشاهد مفسقا عند مقلده كفاه ذلك. # وغايته أن الحكم إذا ضاع به على المحكوم عليه مال، لا يغرمه ~~الشهود وعليه ينزل ما نقله الزركشي عن الإمام، من أنه قال في باب ~~حد الخمر: «متى كان الفسق مجتهدا فيه، فلا رجوع للحاكم بعد ~~النقض على الشهود، فقد أثبت النقض ونفى الرجوع بالمال، وذلك لأن ~~نص مقلده في حقه، كنص الشارع، وذلك كاف ms683 في نقض ما وقع به ~~الإلزام، وأما الرجوع بالمال، فأمر آخر ينفيه أن الأصل براءة ذمتهم منه» ~~. ورابعا، أن هذا الحاكم كان في صورة المكره ممن له عليه سلطان، وأي ~~سلطان وهو موليه، وقد قال الغزالي: «ولو قال: أكرهني السلطان على ~~الحكم بقبولهما، وكنت أعرف فسقهما، قبل قوله من غير بينة بالإكراه». # ولما انفصل المجلس سئل السلطان في رد المرأة إلى بيت ابن بركوت، ~~فأجاب فنقل إلى أن بردبك أخذ من أطاعه، وجلسوا على الباب الذي ~~كان موكلا بها فيه، ومعهم أطبار، فلم يجسر أحد على نقلها. # فالويل لأهل الأغراض من يوم الحشر، يوم تظهر المخبآت، وتكشف PageV03P376 ~~السرائر، وتبرز الضمائر { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} ~~وإني والله لأخشى من عموم العذاب لهذه الفعلة التي أبيح فيها الزنا على ~~رؤوس الأشهاد، وقد قال تعالى:{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا}[الإسراء:16]. # وفي ليلة الخميس سادس عشري ذي الحجة هذا، اجتمعت بكاتب ~~السر، المحب بن الشحنة وسألته عن المجلس، فأخبرني بنحو ما تقدم. # فقلت: كيف يكون هذا المجلس بحضوركم؟ كيف يقال في شيء # حكم به ونفذه القضاة الثلاثة، هذا مجمع عليه؟! أيحل السكوت على ~~هذا؟! وهل صار الإجماع عبارة عن اجتماع أربعة أنفس على شيء مع ~~مخالفة من لا يحصى لهم؟ ودار بيني وبينه في ذلك كلام كثير، ودفعت ~~الشبه التي أبداها بعض المعترضين من الشافعية، ففهمت منه أنه عالم ~~بجميع ما ذكرته، غير أنه شديد الحنق على المناوي بخصوصه، مع ما ~~ينضم إلى ذلك من محبة انتصار أهل مذهبه، وعلو أمرهم، فآخر ما ~~اعتذر به أن قال: لولا انفصل المجلس على هذا الأمر جرت أمور ~~فقلت: بينوها؛ ليزول ما عندي. فقال: كان العامة وغيرهم ~~يقولون: إن الفقهاء لا دين لهم؛ لأنهم حكموا بنكاح باطل، واستمروا ~~ساكتين عليه بضع سنين. فقلت أهذا فقط؟! فحينئذ نظرتم إلى جانب ~~الناس، وتركتم ما هو الأقرب إلى رضى الله، فلم يجب عن ذلك بجواب ~~شاف، فقلت: والله إني لأخشى ms684 أن يقول الناس هذا؛ لتقرير هذا الأمر، ~~ووالله إني لأخشى غائلة هذه القضية على الناس عموما. # وبت مهموما لذلك، شديد الذعر، فلما أصبح صبح الخميس PageV03P377 ~~المذكور وثب الظاهرية الجقمقية على أشرفية برسباي، فقبضوا على ~~أعيانهم: قرقماش أمير سلاح، وجانبك المشد وجانبك الظريف وهو ~~الدويدار الثاني، وبرسباي خال العزيز وهو رأس نوبة النوب، وقانم ~~طاز وهو الخزندار الثاني وغيرهم، ثم أمرهم السلطان بإطلاق أمير سلاح ~~فأطلقوه ففر الباقون واستلأموا، وذهبوا إلى الأمير الكبير شرباش وهو ~~مقيم في تربة الملك الظاهر برقوق لأجل ابنة ابنته، فلما أحس بالأمر ~~اختبأ، وأمر بإغلاق أبواب التربة وهي حصينة، فلم يزالوا حتى فتحوها، ~~وأرهبوا من هناك، فدلوا عليه، فأركبوه هو وابنه، ودخلوا بهما من باب ~~النصر وهم يقولون للناس: ادعوا للملك الناصر بالنصر. وكان ~~منهم: قانصوه صهر نائب الشام، وتمراز الساقي تلميذ عيسى الغندور، ~~وسنقرقرق شبق الزردكاش، وذهبوا به إلى البيت الذي اعتادوا الركوب ~~منه، وهو الذي كان له باب يفتح إلى الرميلة فسده الأشرف إينال، ~~وأحدقوا به، ليجعلوه رأسا لهم، يقاتلون به، فبينما هم على ذلك، ذهب ~~معظمهم إلى بيت ناظر جدة لينهبوه أو إلى غيره، فذهبت عيون الظاهرية ~~فأخبروهم، فنزل منهم فريق، فتسوروا من العمارة التي بناها الأشرف في ~~بابه الذي كان يفتح إلى الرميلة، ثم رموا على من داخل الحوش، ~~فكشفوهم، فلما انحازوا منهم إلى الجنب دخل فريق آخر من الباب، ~~فناوشوهم، فهزموهم، ثم أخذوه وابنه وطلعوا بهم إلى القلعة وقتلوا ~~جماعته فانفض ذلك الجمع، وهرب كل منهم إلى جهة، وكان يظن ~~بشرباش الكراهة لما فعل به، فتبين ما يدل على خلافه؛ وذلك أن PageV03P378 ~~أصهاره كلهم أشرفية وليس منهم من الظاهرية إلا بردبك البشمقدار، ~~وكان عنده في التربة، فلما بلغهم الخبر قال له: قم بنا إلى القلعة. فقال: ~~في رجلي وجع يمنعني من الركوب. فقال له: أنا أعينك ولو أني أحملك ~~على عنقي. وكان بردبك شديد الأسر، قوي البدن، طويل القامة، ~~قادرا على أكثر مما قال له، مع أن بردبك أيضا كان برجله ms685 وجع، فلم ~~يطعه، فركب بردبك، وطلع إلى القلعة، فلما وقع ما وقع. قال له: لو ~~وافقتني لاسترحت من هذه الفضيحة. # ولم يظهر له السلطان شيئا، بل قال: أنا أعرف أن هذا ما فعل إلا # وأنت كاره له، ثم بات الأمراء والمباشرون في القلعة، فلما أصبح يوم ~~الجمعة سابع عشري الشهر قيد رؤساء المقبوض عليهم، وهم: جانبك ~~المشد، وجانبك الظريف، وبيبرس، وقانم طاز وهو الخزندار الثاني ~~وكرتباس، وبيبرس، أحد رؤوس النوب، وأبرك، وأنزلوهم على الهيئة ~~المعتادة لمن يسجن في إسكندرية، وأما قانصوه، صهر نائب الشام ~~فاستجار بقانم التاجر أمير مجلس، فشفع له عند السلطان، وأما تمراز ~~وقرق شبق، وخيربك البهلوان صهر شرباش وغيرهم، فإنهم استخفوا. ### ||| بردبك التاجي: # وأما بردبك التاجي، فكان موكلا بالبيت الذي فيه امرأته المخلوعة ~~يحفظها من أن تذهب إلى صلاح الدين، فلما وقعت هذه الحركة أمر ~~غلمانه بحفظها، واستلأم وذهب إلى القلعة، ولما سمعت المرأة الأخبار ~~تزيت بزي القوابل وخرجت مستعجلة، فقال لها غلمانه: مالك؟ # فقالت إنها توجعت للنفاس وأنا ذاهبة أحضر لها ما يصلحها؛ فمكنوها PageV03P379 ~~فذهبت إلى المجالس التي هي معروفة بها عند الخاص والعام، حتى لقد ~~أنشدني كاتب السر، المحب بن الشحنة المذكور قالك أنشدني ناظر ~~الجيش الزين أبو بكر بن مزهر لبعض بنات العلم صالح البلقيني زوج ~~أمه على لسان بنت السبرباي هذه، تخاطب الشرف الفيومي المذكور: ~~يا حبيب القلب يا سيدي شريف %% قم بنا نسكر ونضرب بالدفيف ~~وإن تكلم ذا الهنيدي ذا الخرا %% قم بنا نصفع عنيقه بالكفيف ~~أو قال: بالخفيف. وهي تعنيبالهنيدي زوجها الصلاح المذكور؛ إما ~~لأن وجهه يشبه وجوه الهنود، وإما لأن أباه بركوت عبد معتوق المكين ~~هندي. # وأما الزردكاش فكانوا شديدي الحنق عليه، فذهبوا إلى بيته، ~~فناوشهم عنه مماليكه فحرقوه ونهبوا ما قدروا عليه منه، ثم تتبعوه إلى أن ~~قبضوا عليه من القرافة، وقبضوا على جماعة مستكثرة من الأشرفية غير ~~من تقدم. # ونزل المباشرون بعد عصر يوم الجمعة المذكور، بعد أن كتب إلى ~~الأمراء بسائر البلاد، من الحجاز وينبع والشام، يخبرونهم ms686 بهذا الأمر، ~~ومنهم نائب الشام، كتبوا إليه: «أن جماعة من أشرفية إينال انضموا إلى PageV03P380 ~~بعض أشرفية برسباي، وحسنوا لهم الفتنة فأطاعوهم فيها فتثبتنا في الأمر ~~وأحسنا في تتبعه، فلما صح عندنا قبضنا على رؤوس أهل الفتنة، فلان ~~وفلان، فلتحط العلوم الكريمة بذلك». ونحو هذا من الكلام. # وقيل: إنهم أرسلوا إلى النواب والأمراء بالقبض على جانم نائب الشام # وتمراز نائب صفد. # ثم إنهم شفعوا في خيربك البهلوان، فأعطي خبرا في طرابلس، ونفي ~~إليها، ثم بلغني أنه لما وصل إلى غزة قيد وذهب به إلى قلعة الصبيبة، ~~فسجن بها. # وأما تمراز، وهو صهر قرقماش أمير سلاح، فاستمر مختفيا، وكذا ~~بيبرس الطويل وغيرهما. # واستمروا عدة أيام في القبض على من يعرفون عنه شرا من طائفتي ~~الأشرفية ومن والاهم، فنفوا بعضا، وسجنوا بعضا، وغرقوا كثيرا، ~~وكنت في شك من التغريق إلى أن أخبرني من لم أشك في صدقه من ~~المسافرين في البحر أنه رأى على الشطوط أربعة مقرنين في حبل غرقي ~~وثلاثة وغير ذلك، وأخبره غيره أنهم رأوا كثيرا. # وأخبرني كاتب السر أنه نفي منهم جماعة إلى الغرب، وجماعة إلى ~~الواح، هذا ما وقع في ثالث ذلك اليوم. PageV03P381 ~~ثم لم تمض السنة وأحد من رؤوس المتغرضين بخير، أما ابن الديري ~~فعزل من القضاء، وأما كاتب السر فعزل عن كتابة السر وأخذ منه مال ~~كثير ظلما، وزلزل زلزالا شديدان وأما الشيخ أمين الدين، فإنه طلع إلى ~~السلطان في أمر ابن القاياتي فأغلظ له السلطان، ثم رجم وهو خارج ~~من باب القلعة، فلم يفلت إلا بالجهد، وسيأتي كل ذلك مفصلا في ~~مجاله والله الموفق. ### ||| جعل تمربغا رأس نوبة: # وفي يوم الاثنين، سلخ ذي الحجة سنة خمس وستين وثمانمائة، خلع ~~على الأمير تمربغا الظاهري، بأنه رأس نوبة النوب، وعلى جانبك كوهية، ~~المؤيدي بأنه الدويدار الثاني من غير زيادة في إقطاعه. # وفي هذا الحد، أعيد إلى الحسام بن بريطع الحنفي المدرستان اللتان ~~كان أخذ العلاء بن قاضي عجلون، قاضي الحنفية بدمشق نظرهما ~~وتدريسهما عنه. # يليه القسم الرابع إن ms687 شاء الله تعالى PageV03P382 ms688